ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
---------------------------------------------------------------------------------------------
ربّ يسّر وتمّم بالخير
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله للناس بشيرا ونذيرا، وبيّن فيه لأولي الألباب بيّنات، وجعله تبيان كلّ شيء وسراجا منيرا، أنزله بالحقّ مصدّقا لما بين يديه من الكتب، وأنطقه بالصدق لما يعول عليه من السرب. يقضي له بصفة القدم كل شيء بجوهر ذاته، يقضي إلى الحكم بسرمديّته حدوث معلولاته وسماته فيا له من حكيم بما له من قدرته في كل ما دبر وأتقن من أفعاله، أبت حكمته أن يرضى لخلقه السوء والفحشاء وارتفعت قدرته أن يجرى في ملكه إلّا ما شاء.
والصّلاة والسّلام والتحيّة من كل الأنام على خير الأنبياء ونيّر الأصفياء، المدعو بحبيب الله في الأرض والسّماء، محمّد المصطفى على البريّة بالخلق والفضايّل المرضية، المبعوث بكتاب أزعج بفصاحته مصاقع الخطباء، وأبكم ببلاغته شقاشق البلغاء، وعلى الأئمة الهادين من عترته الراشدين، صلاة تامّة دائمة توازي غناءهم وتجازي عناءهم وسلّم تسليما كثيرا كثيرا.
أما بعد: فيقول الفقير إلى رحمة ربه الغني ميرزا محمد المشهدي بن محمد رضا بن اسمعيل بن جمال الدين القمي: إنّ أولى ما صرفت في تحصيله كنوز الأعمار، وأنفقت في نيله المهج والأفكار علم التفسير، الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه، إلّا من فاق في العلوم الدينية كلها والصناعات الادبية بأنواعها.
وقد كنت فيما مضى، قد رقمت تعليقات على التفسير المشهور للعلّامة الزمخشري، وأجلت النظر فيه. ثمّ على الحاشية للعلّامة النحرير والفاضل المهرير الشيخ الكامل بهاء الدين العاملي. ثم سنح لي أن أؤلف تفسيرا يحتوي على دقائق أسرار التنزيل ونكات أبكار التأويل، مع نقل ما روى في التفسير والتأويل، عن الائمة الأطهار والهداة الأبرار، إلّا أنّ قصور بضاعتي، يمنعني عن الاقدام، ويثبطني عن الانتصاب في هذا المقام، حتى وفقني ربي للشروع في ما قصدته، والإتيان بما أردته. ومن نيتي أن أسميه بعد تمامه بكنز الدقائق وبحر الغرائب ليطابق اسمه ما احتواه، ولفظه معناه. فرات بن إبراهيم الكوفي، أستاذ المحدّثين في زمانه، قائل في تفسيره(١) : حدّثنا أحمد بن موسى، قال: حدّثني الحسن بن ثابت، قال: حدّثني أبي. عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه(٢) ـ قال: أخذ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ يد(٣) عليّ - عليه السلام - فقال: إنّ القرآن أربع(٤)
__________________
(١) تفسير الفرات / ٢.
(٢) إلى هنا ليس في أ.
(٣) المصدر: بيد.
(٤) المصدر: أربعة.
أرباع: ربع فينا أهل البيت خاصة، وربع في أعدائنا. وربع حلال وحرام، وربع فرائض وأحكام. وأنزل(١) لنا كرائم القرآن.
وقال(٢) ـ أيضا: حدثنا أحمد بن [موسى، قال: حدّثنا] الحسن(٣) بن إسماعيل بن صبيح والحسن بن علي بن الحسن بن عبيدة بن عقبة(٤) بن نزار بن سالم السلولي، قالا: حدّثنا محمد بن الحسن بن مطهرة، قال حدّثنا صالح ـ يعني ابن الأسود ـ عن جميل بن عبد الله النخعي، عن زكريا بن ميسرة، عن أصبغ بن نُباتة، قال: قال عليُّ بن أبي طالب ـ عليه السلام: أنزل(٥) القرآن أربع أرباع، فربع فينا، وربع في أعدائنا(٦) ، وربع سنن(٧) وأمثال، وربع فرائض وأحكام. ولنا كرائم القرآن.
وقال(٨) ـ أيضا: حدّثنا أبو الخير مقداد بن علي الحجازي المدني، قال: حدّثنا أبو القسم عبد الرحمن العلوي الحسيني، قال: حدّثنا «الفاضل أستاذ المحدثين في زمانه، فرات بن إبراهيم الكوفي رحمة الله عليه، قال: حدّثني»(٩) محمد بن سعيد بن وخيم(١٠) الهمداني ومحمد بن عيسى بن زكريا، قال:
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) تفسير الفرات / ٢.
(٣) النسخ: حدّثنا أحمد بن الحسن.
(٤) المصدر: عتبة.
(٥) المصدر: نزل.
(٦) المصدر: عدونا.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) تفسير الفرات / ١.
(٩) يوجد في المصدر.
(١٠) المصدر: رحيم.
حدّثنا عبد الرحمن بن سراج، قال: حدّثنا حماد بن أعين، عن الحسن(١) بن عبد الرحمن، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين(٢) عليِّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في أعدائنا(٣) ، وربع فرائض وأحكام، وربع حلال وحرام. ولنا كرائم القرآن.
واعلم أنّ للقرآن بطنا وللبطن بطن، وله ظهر. وللظهر ظهر. فإذا جاءك عنهم ـ صلوات الله عليهم ـ شيء وله باطن، فلا تنكره، لأنّهم أعلم به.
يدلّ على هذا، ما رواه صاحب شرح الآيات الباهرة(٤) ، عن علي بن محمد، عن محمد بن الفضل(٥) ، عن شريس، عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن شيء من تفسير القرآن، فأجابني. ثمّ سألته ثانية، فأجابني بجواب آخر.
فقلت: جعلت فداك، أجبتني(٦) في هذه المسألة بجواب غير هذا.
فقال لي: يا جابر! إنّ للقرآن بطنا. وللبطن بطن، وله ظهر وللظهر ظهر.
وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن.
وإنّ الآية ينزل أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل، يتصرف عن وجوه.
ويؤيده ما رواه(٧) ، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، بإسناده إلى الفضل بن
__________________
(١) المصدر: الحسين.
(٢) المصدر: علىّ أمير المؤمنين.
(٣) المصدر: عدونا.
(٤) تأويل الآيات الباهرة / ٢.
(٥) المصدر: الفضيل.
(٦) المصدر: كنت أجبتنى.
(٧) نفس المصدر / ٣ ـ ٢.
شاذان، عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنتم الصّلاة في كتاب الله عزّ وجل؟ وأنتم الزكاة؟ [وأنتم الصيام؟](١) وأنتم الحج؟.
فقال: يا داود! نحن الصّلاة في كتاب الله ـ عزّ وجل. ونحن الزكاة. ونحن الصيام. ونحن الحج. «ونحن الشهر الحرام»(٢) . ونحن البلد الحرام. ونحن كعبة الله.
ونحن قبلة الله. ونحن وجه الله، قال الله تعالى:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) (٣) .
ونحن الآيات. ونحن البيّنات. وعدونا في كتاب الله، الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنزير.
يا داود! إنّ الله خلقنا، فأكرم خلقنا. وفضلنا. وجعلنا أمناءه وحفظته وخزانه على ما في السماوات وما في الأرض. وجعل لنا أضدادا وأعداء. فسمانا في كتابه وكنى عن(٤) أسمائنا بأحسن الأسماء، وأحبها اليه، تكنية عن العدد. وسمّى أضدادنا وأعداءنا في كتابه. وكنّى عن أسمائهم وضرب لهم الأمثال(٥) في كتابه، في أبغض الأشياء(٦) إليه والى عباده المتقين.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) البقرة / ١١٥.
(٤) المصدر: في.
(٥) المصدر: الأسماء مثال.
(٦) المصدر: الأسماء.
سورة فاتحة الكتاب
في مجمع البيان(١) : روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن النبي صلّى الله عليه وآله [انه قال](٢) : لـمّا أراد الله ـ عز وجل ـ أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل أللّهمّ مالك الملك ـ إلى قوله ـ بغير حساب، تعلّقن بالعرش ـ وليس بينهنّ وبين الله حجاب ـ وقلن: يا ربِّ! تهبطنا إلى دار الذنوب وإلى من يعصيك؟ ونحن معلقات بالطهور والقدس(٣) .
فقال: وعزّتي وجلالي! ما من عبد قرأكنّ في دبر كل صلاة(٤) ، إلّا أسكنته حظيرة القدس على ما كان فيه. ونظرت إليه(٥) بعيني المكنونة، في كل يوم سبعين نظرة. وإلّا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة. وإلّا أعذته من كل عدو، ونصرته عليه. ولا يمنعه من دخول الجنة إلّا الموت(٦) .
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤٢٦.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: بالعرش.
(٤) المصدر: صلاة مكتوبة.
(٥) المصدر: والّا نظرت اليه.
(٦) المصدر: إنّ يموت.
وفي كتاب ثواب الأعمال(١) ـ بإسناده: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إسم الله الأعظم مقطع في أمّ الكتاب.
وفي كتاب الخصال(٢) . عن أبى عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: رنّ إبليس أربع رنّات: أولهنّ يوم لعن، وحين أهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد ـ صلّى الله عليه وآله ـ على حين فترة من الرسل، وحين أنزلت أمّ الكتاب.
وعن الحسن بن عليّ ـ عليهما السلام ـ في حديث طويل(٣) : قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فسأله أعلمهم عن أشياء، فكان فيما سأله: أخبرنا عن سبع خصال أعطاك الله من بين النبيين وأعطى أمّتك من بين الأمم.
فقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله: أعطاني الله فاتحة الكتاب ـ إلى قوله ـ صدقت يا محمد! فما جزاء من قرأ فاتحة الكتاب؟
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: من قرأ فاتحة الكتاب أعطاه الله تعالى بعدد كل آية نزلت من السّماء، ثواب تلاوتها.
وعن جابر، عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حديث طويل(٤) ـ يقول فيه ـ عليه السّلام ـ حاكيا عن الله تعالى: وأعطيت أمّتك كنزاً من كنوز عرشي، فاتحة الكتاب.
وفي أصول الكافي(٥) : محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن اسمعيل بن بزيع، عن عبد الله بن الفضل النوفلي ـ رفعه ـ قال: ما قرأت الحمد على وجع، سبعين مرة، إلّا سكن.
__________________
(١) ثواب الأعمال / ١٣٢.
(٢) الخصال / ٢٦٣، ح ١٤١ وله تتمة.
(٣) نفس المصدر / ٣٥٥، ضمن ح ٣٦.
(٤) نفس المصدر / ٤٢٥ ـ ٤٢٦ ضمن ح ١.
(٥) الكافي ٢ / ٦٢٣، ح ١٥.
محمد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن سلمة بن محرز قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: من لم يبرئه الحمد، لم يبرئه شيء.
علي بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: لو قرأت الحمد على ميت، سبعين مرة، ثمّ ردت فيه الروح، ما كان عجبا(٣) .
وفي عيون الأخبار(٤) : حدثنا محمد بن القاسم، المفسّر المعروف بأبي الحسن الجرجاني ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن محمد، عن أبيه، محمد بن عليّ، عن أبيه الرضا عن آبائه، عن عليٍّ ـ عليهم السلام ـ أنه قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قال لي:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (٥) ، فأفرد «عليّ الامتنان»(٦) بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم. وإنّ فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش. وأنّ الله ـ عزّ وجل ـ خصّ(٧) محمدا وشرّفه بها، ولم يشرك معه فيها أحدا من أنبيائه، ما خلا سليمان ـ عليه السلام فانه أعطاه منها «بسم الله الرحمن
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٦٢٦، ح ٢٢.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٦٢٣، ح ١٦.
(٣) المصدر: ذلك عجبا.
(٤) عيون الأخبار ١ / ٣٠١ ـ ٣٠٢. مع اختصار في السند وإسقاط في صدر الحديث.
(٥) الحجر / ٨٧.
(٦) المصدر: الامتنان على.
(٧) ر: شرف.
الرحيم». «ألا ترى»(١) يحكي عن بلقيس، حين قالت: «(إنّي)(٢) ألقي إليّ كتاب كريم.( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) »(٣) ؟ ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وآله الطيبين، منقادا لأمرهما(٤) ، مؤمنا بظاهرهما وباطنهما، أعطاه الله تعالى بكل حرف منها حسنة، كل واحدة منها أفضل له من الدنيا وما فيها، من أصناف أموالها وخيراتها.
ومن استمع إلى قارئ يقرأها، كان له قدر(٥) ما للقارئ. فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم، فانه غنيمة لا يذهبنّ أو أنه. (فيبقى في قلوبكم)(٦) الحسرة.
وفي تفسير الامام أبي محمد الحسن العسكري(٧) ـ عليه وعلى آبائه السلام: قال: ألا فمن قرأها ـ إلى آخر ما نقلنا عن العيون ـ بأدنى تغيير.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، قال :قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إسم الله الأعظم، مقطع في أمّ الكتاب.
عن محمد بن سنان(٩) ، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه ـ عليهما السلام ـ قال: قال لأبي حنيفة: ما سورة أوّلها تحميد وأوسطها إخلاص وآخرها دعاء؟
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) النمل / ٣٠.
(٤) المصدر: لأمرها.
(٥) المصدر: بقدر.
(٦) المصدر: فيبقى قلوبكم في.
(٧) تفسير العسكري / ١٣.
(٨) تفسير العيّاشي ١ / ١٩.
(٩) تفسير العيّاشي ١ / ١٩.
فبقى متحيّرا، ثم قال: لا أدري.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام: السورة التي أولها تحميد وأوسطها اخلاص وآخرها دعاء، سورة الحمد.
عن إسماعيل بن أبان(١) ، يرفعه إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لجابر بن عبد الله: يا جابر! ألا أعلّمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه؟
قال: فقال جابر: بلى ـ بأبي أنت وأمّي ـ يا رسول الله، علّمنيها.
قال: فعلّمه الحمد لله، أمّ الكتاب.
قال: ثمّ قال(٢) : يا جابر، ألا أخبرك عنها؟
قال: بلى ـ بأبى أنت وأمّي ـ فأخبرني.
قال: هي شفاء من كل داء إلّا السّلام، يعني الموت عن أبي بكر الحضرمي، [قال :](٣) قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ(٤) : إذا كانت لك حاجة فأقرأ المثاني وسورة أخرى، وصل ركعتين، وأدع الله.
قلت: أصلحك الله وما المثاني؟
قال: فاتحه الكتاب.
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) مكيّة قيل(٥) ، ومدنيّة أيضا. لأنها نزلت بمكّة حين فرضت الصّلاة، وبالمدينة لـمّا حولت القبلة إليها.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٠.
(٢) المصدر: قال له.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ١ / ٢١.
(٥) البيضاوي، أنوار التنزيل / ٥١.
سبع آيات ـ بالاتفاق.
إلّا أنّ بعضهم عدّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) آية، دون( أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، وهم الإماميّة وقرّاء مكّة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك والشافعي. ومنهم من عكس، وعليه قرّاء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها ومالك والأوزاعي(١) .
واستدلت الإماميّة
بما روي في تفسير أبي محمد العسكري ـ عليه السلام(٢) ـ عنه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: إنّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، تمامها بـــــ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) (٣) .
وفي تفسير العياشي(٤) : عن يونس بن عبد الرحمن، عمن رفعه، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن قول الله تعالى( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) . قال: هي سورة الحمد، وهي سبع آيات، منها( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . وإنّما سميت «المثاني»، لأنها تثنّى في الركعتين.
وعن أبي حمزة(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: سرقوا أكرم آية في كتاب الله:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .
وفي تهذيب الأحكام(٦) : محمد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن محمد ابن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن( سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (٧) ، هي الفاتحة؟
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٨ أنوار التنزيل ١ / ٥.
(٢) تفسير العسكري / ١٣.
(٣) كذا في المصدر وفي النسخ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٩.
(٥) تفسير العيّاشي ١ / ١٩.
(٦) تهذيب الأحكام ٢ / ٢٨٩، ح ١١٥٧.
(٧) الحجر / ٨٧.
قال: نعم.
قلت: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » من السبع المثاني(١) ؟ قال: نعم، هي أفضلهنّ.
وفي عيون الأخبار(٢) ـ بإسناده إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حديث طويل وفيه: قيل لأمير المؤمنين ـ عليه السلام: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، أهي آية من فاتحة الكتاب؟
فقال: نعم. كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقرأها، ويعدّها آية منها، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني.
وبإسناده(٣) عن الرضا ـ عليه السلام ـ عن آبائه ـ عليهم السلام ـ عن عليٍّ ـ عليه السلام ـ أنه قال: إنّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، آية من فاتحة الكتاب.
وهي سبع آيات تمامها «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ».
وفيه(٤) : عن الرضا ـ عليه السلام ـ قال: والإجهار «ببسم الله الرحمن الرحيم» في جميع الصلوات، سنّة.
وعن الرضا ـ عليه السلام(٥) ـ أنه كان يجهر «ب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) » في جميع صلواته بالليل والنهار.
وفي الكافي(٦) : علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام: إذا قمت للصلاة، أقرأ
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) عيون الأخبار ١ / ٣٠١، ذيل ح ٥٩.
(٣) نفس المصدر ١ / ٣٠٣، صدر ح ٦٠.
(٤) نفس المصدر ٢ / ١٢٣.
(٥) نفس المصدر ٢ / ١٨٢ ـ ١٨٣.
(٦) الكافي ٣ / ٣١٢، ح ١.
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في فاتحة الكتاب؟(١) .
قال: نعم.
قلت: فإذا قرأت فاتحة الكتاب أقرأ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) مع السورة؟
قال: نعم.
محمد بن يحيى(٢) ، عن أحمد بن محمد، عن علي بن مهزيار، عن يحيى ابن أبي عمران الهمداني، قال: كتبت إلى أبي جعفر ـ عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول في رجل ابتدأ ب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في صلاته، وحده في أمّ الكتاب، فلما صار إلى غير أمّ الكتاب من السورة، تركها؟
فقال العباسي: ليس بذلك بأس.
فكتب بخطه، يعيدها مرتين، على رغم أنفه، يعنى: العباسي.
محمد بن يحيى(٣) ، عن احمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القسم(٤) ابن محمد، عن صفوان الجمال، قال: صليت خلف أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أياما. فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها، جهر ب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . وكان يجهر في السورتين، جميعا.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٥) : عن ابن أذينة قال: قال ابو عبد الله ـ عليه السلام ـ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) أحق ما أجهر به. وهي الآية التي قال الله ـ عز وجل:( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) (٦) .
__________________
(١) المصدر: فاتحة القرآن.
(٢) نفس المصدر ٣ / ٣١٣، ح ٢.
(٣) نفس المصدر ٣ / ٣١٥، ح ٢٠.
(٤) المصدر: القاسم.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٨.
(٦) الاسراء / ٤٦.
وفي مجمع البيان(١) : عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: إنّ الله تعالى منّ عليّ بفاتحة الكتاب من(٢) كنز الجنة فيها( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) الآية التي يقول الله (تعالى)(٣) :( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) (٤) .
وفي تفسير العياشي(٥) : عن أبي بصير(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يجهر( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . ويرفع بها صوته. فإذا سمعها المشركون ولوا مدبرين. فأنزل الله( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) (٧) .
وفيه(٨) : عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي ـ عليه السلام ـ قال: إنّ أناسا ينزعون( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . فقال: هي آية من كتاب الله، أنساهم إياها الشيطان.
عن خالد بن المختار(٩) ، قال: سمعت جعفر بن محمد ـ عليه السلام ـ يقول: ما لهم ـ قاتلهم الله ـ (و)(١٠) عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله، فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها، وهي( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ».
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣١.
(٢) النسخ: فيها من.
(٣) المصدر: الله فيها.
(٤) الاسراء / ٤٦.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢٠، ح ٦.
(٦) المصدر: أبى حمزة.
(٧) الاسراء / ٤٦.
(٨) تفسير العياشي ١ / ٢١، ح ١٢.
(٩) تفسير العياشي ١ / ٢١، ح ١٦.
(١٠) ليس في المصدر.
وفي كتاب الخصال(١) : عن الأعمش، عن جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ انه قال: والإجهار ب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في الصلاة، واجب.
واعلم: إنّ بعض تلك الأخبار يدل على أنها آية. وبعضها يؤيده.
وأما فضلها :
ففي تفسير العياشي(٢) : عن صفوان الجمّال، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ ما أنزل الله من السماء كتابا إلّا وفاتحته( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . وإنّما كان يعرف انقضاء السورة، بنزول( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) » ابتداء للأخرى.
وفي الكافي(٣) : محمد بن يحيى، عن علي بن الحسين بن علي، عن عباد ابن يعقوب، عن عمرو بن مصعب، عن فرات بن أخصف(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: سمعته يقول: أول كل كتاب نزل من السماء،( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . فإذا قرأت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) «فلا تبال أن لا»(٥) تستعيذ.
وإذا قرأت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) سترتك فيما بين السماء والأرض.
ويمكن الجمع بين هذين الخبرين. وخبر سليمان السابق، أن غير سليمان أعطي البسملة، بغير العربية. وسليمان، أعطيها بالعربية.
وفي أصول الكافي(٦) : محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن دراج، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام: لا تدع( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) وان كان بعده شعر.
__________________
(١) الخصال / ٦٠٤، ضمن ح ٩.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٩، ح ٥.
(٣) الكافي ٣ / ٣١٣، ح ٣.
(٤) المصدر: أخنف.
(٥) المصدر: فلا تبالي الا.
(٦) الكافي ٢ / ٦٧٣، ح ١.
عدة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن علي، عن يوسف بن عبد السلام، عن سيف بن هرون، مولى آل جعدة، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام: أكتب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) من أجود كتابك. ولا تمد الباء حتى ترفع السين.
عنه(٢) : عن علي بن الحكم، عن الحسن بن السري، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: تكتب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) لفلان. ولا بأس أن تكتب على ظهر الكتاب لفلان.
عدة من أصحابنا(٣) ، عن سهل بن زياد، عن إدريس الحارثي، عن محمد ابن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام: احتجبوا(٤) من الناس كلهم، «ب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) » و «بقل هو الله أحد»، إقرأها عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك. وإذا دخلت على سلطان جائر، فاقرأها حين تنظر اليه، ثلاث مرات. واعقد بيدك اليسرى.
ثمّ لا تفارقها حتى تخرج من عنده.
وفي كتاب التوحيد(٥) : بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل وفيه: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من حزنه أمر يتعاطاه(٦) فقال( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) وهو يخلص(٧) لله ويقبل بقلبه اليه، لم ينفك من احدى اثنتين اما بلوغ حاجته في الدنيا، واما يعد له عند ربه، ويدخر لديه. وما عند الله خير
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٦٧٢، ح ٢.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٦٧٢، ح ٣.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٦٢٤، ح ٢٠.
(٤) نفس المصدر: يا مفضل، احتجز.
(٥) التوحيد / ٢٣٣، ذيل ح ٥.
(٦) المصدر: تعاطاه.
(٧) المصدر: مخلص.
وأبقى للمؤمنين.
وفيه(١) : عن الصادق ـ عليه السلام ـ حديث طويل ـ وفيه: ولربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . فيمتحنه الله ـ عزّ وجلّ ـ بمكروه لينبّهه على شكر الله ـ تبارك وتعالى ـ والثناء عليه، ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه قول «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ».
وفي تهذيب الأحكام(٢) : محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن حماد بن زيد، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله، عن أبيه ـ عليهما السلام ـ قال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) أقرب إلى إسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها.
وفي مهج الدعوات(٣) : بإسناده إلى محمد بن الحسن الصفار، من كتاب فضل الدعاء، بإسناده إلى معاوية بن عمار، عن الصادق ـ عليه السلام ـ انه قال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، إسم الله الأكبر. أو قال: الأعظم.
وبرواية ابن عباس(٤) : قال ـ صلى الله عليه وآله ـ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) إسم من أسماء الله الأكبر. وما بينه وبين إسم الله الأكبر، إلّا كما بين سواد العين وبياضها.
وفي عيون الأخبار(٥) : بإسناده إلى محمد بن سنان، عن الرضا(٦) ـ عليه السلام قال: إنّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) أقرب إلى إسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها.
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٣١، ضمن ح ٥.
(٢) تهذيب الأحكام ٢ / ٢٨٩، ح ١١٥٩.
(٣) مهج الدعوات / ٣١٦.
(٤) مهج الدعوات / ٣١٩.
(٥) عيون الأخبار ٢ / ٥.
(٦) المصدر: الرضا، عليّ بن موسى.
وفي كتاب علل الشرائع(١) : بإسناده إلى الصادق ـ عليه السلام ـ حديث طويل ـ يقول فيه ـ عليه السلام ـ بعد أن حكى عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ما رأى، إذ عرج به وعلة الأذان والافتتاح: فلما فرغ من التكبير والافتتاح قال الله ـ عزّ وجل: الآن وصلت الي. فسمّ باسمي! فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ».
فمن ذلك جعل( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في أول السورة(٢) .
ثمّ قال له: أحمدني.
فقال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ».
وقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ في نفسه: شكرا.
فقال الله: يا محمّد! قطعت حمدي. فسم باسمي.
فمن(٣) ذلك جعل في( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) ،( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) مرتين.
فلما بلغ( وَلَا الضَّالِّينَ ) ، قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، شكرا.
فقال العزيز الجبار: قطعت ذكري. فسم باسمي.
[فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) »](٤) .
فمن [أجل](٥) ذلك جعل( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، بعد الحمد، في استقبال السورة الأخرى.
__________________
(١) علل الشرائع / ٣١٥.
(٢) المصدر: كل سورة.
(٣) المصدر: فمن أجل.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) يوجد في المصدر.
وفي تفسير العياشي(١) : قال الحسن بن خرزاد، وروي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إذا أم الرجل القوم، جاء شيطان إلى الشيطان الذي هو قريب الامام، فيقول: هل ذكر الله؟ يعني: [هل](٢) قرأ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) »؟
فان قال: نعم. هرب منه، وان قال: لا. ركب عنق الامام، ودلى رجليه في صدره.
فلم يزل الشيطان أمام القوم حتى يفرغوا من صلاتهم.
وفي الكافي:(٣) علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى ـ جميعا ـ عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: فإذا جعلت رجلك في الركاب فقل «( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، بسم الله والله أكبر».
( بِسْمِ اللهِ ) ».
«الباء»، متعلقة بمحذوف. تقديره، بسم الله أقرأ، لان الذي يتلوه مقروء.
وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية، مبدءا له، دون أبدء لعدم ما يطابقه، أو ابتدائي، لزيادة إضمار فيه.
وتقديم المفعول هنا، كما في( بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها ) (٤) . لأنه أهم.
لكونه أدل على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجود.
فان اسمه تعالى، متقدم على القراءة، من حيث أنه جعل آلة لها، من أجل أن الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعا، ما لم يصدر باسمه تعالى(٥) .
«فالباء» للاستعانة. وقيل(٦) : للمصاحبة. والمعنى: متبركا باسم الله أقرأ.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٠.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) الكافي ٤ / ٢٨٥، ضمن ح ٢.
(٤) هود / ٤١.
(٥) أنور التنزيل ١ / ٥.
(٦) نفس المصدر.
وهو أحسن، لرعاية الأدب. ولم يزد في هذا المقام على هذين الاحتمالين.
وهذا وما بعده، مقول على ألسنة العباد، ليعلموا كيف يتبرك باسمه، ويحمد على نعمه.
ويحتمل أنه تعالى، صدر كتابه به للاشعار بأن التصدير به في كل فعل، وتأليف أمر، واجب. وان كان مؤلفه هو الله سبحانه.
والتعبير بلفظ الغائب، للتعظيم. كقول بعض الخلفاء: الأمير، يأمرك بكذا.
وكسر الباء ولام الامر ولام الاضافة، داخلا على المظهر. وحق الحروف المفردة، الفتح، لاختصاصها بلزوم الجر والامتياز عن لام الابتداء. وإنّما كان حقها ذلك. لأنه أخت السكون في الخفّة.
والاسم عند أهل البصرة، من الأسماء المحذوفة الأعجاز، لكثرة الاستعمال المبنية أوائلها على السكون. وهي عشرة: إسم واست وابن وابنة وابن واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وأيمن في القسم عند البصرية، أدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل. لان من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن.
ومنهم: من ابتدأ بتحريك الساكن، فقال: سم وسم. فقال: «بسم» الذي في كل سورة، سمه. واشتقاقه من السموّ، لأنه رفعة للمسمى، واشارة اليه.
ويدل عليه تصريفه على أسماء وأسامي وسمى وسميت. ومجيء سمى كهدى. قال :
والله أسماك سمى مباركا |
آثرك الله به تباركا |
ومن المقلوبة الأوائل عند الكوفيين أصله «وسم»، قلبت واوه همزة.
وقيل(١) : حذفت واوه، وعوضت عنها همزة الوصل، ليقل إعلاله.
ورد بأن الهمزة لم يعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم.
ورد بأن كلمة «أنصر» قد حذفت منها التاء وأدخلت عليها الهمزة. ورد ذلك بأن غير المعهود، ما حذف صدره، وأدخلت عليه الهمزة وهو ليس كذلك. وأجيب
__________________
(١) البيضاوي، أنوار التنزيل ١ / ٦.
بكلمة «أكرم». فانه حذف منه الهمزة التي صدره، وأدخل عليه همزة المتكلم.
فتأمل! والمراد منه اللفظ المغاير(١) للمسمّى، الغير المألف من الأصوات، المتحد باختلاف الأمم والأعصار. وارادة المسمى منه، بعيد لعدم اشتهاره بهذا المعنى.
وقوله تعالى:( سَبِّحِ إسم رَبِّكَ الْأَعْلَى ) (٢) ، المراد منه، تنزيه اللفظ. أو هو مقحم فيه، كقوله: إلى الحول ثم إسم السلام عليكما.
قيل(٣) : رأي أبي الحسن الأشعري، أن المراد بالاسم، الصفة وهي ينقسم عنده، إلى ما هو نفس المسمى، والى ما هو غيره، والى ما ليس هو، ولا غيره.
قيل: وهو عند أهل الظاهر، من الألفاظ.
فعلى هذا لا يصح قوله: الاسم عين المسمى.
وعند الصوفية: عبارة عن ذات الحق، والوجود المطلق. إذا اعتبرت مع صفة معينة، وتجلي خاص. «فالرحمن» ـ مثلا ـ هو مع الذات الالهية، مع صفة الرحمة. «والقهار» مع صفة القهر.
فعلى هذا، الاسم عين المسمى ـ بحسب التحقق والوجود، وان كان غيره بحسب التعقل. والأسماء الملفوظة، هي أسماء هذه الأسامي.
واضافته إلى الله ـ على التقديرين ـ لامية، والمراد به، بعض أفراده، الذي من جملتها «الله» و( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ».
ويمكن أن يراد به، هذه الأسماء بخصوصها، بقرينة التصريح بها. ويحتمل أن تكون الاضافة بيانية. أما على التقدير الثاني، فظاهرة. وأما على الأول، فبأن يراد بالأسماء الثلاث، أنفسها، لا معانيها. ويكون( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) جاريين
__________________
(١) من أول الكتاب إلى هنا ليس في نسخة أ.
(٢) الأعلى / ١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٦.
على الله، على سبيل الحكاية، عما أريد به من المعنى والاستعانة والتبرك بالألفاظ، باجرائها على اللسان، واخطار معانيها بالبال، وبالمعاني باخطارها بالبال، واجراء أساميها على اللسان. وأقحم الاسم، لكون التبرك والاستعانة باسمه، والفرق بين اليمين والتيمن. ولم يكتب الألف لكثرة الاستعمال وتطويل الباء، عوض عنه.
و «الله»: أصله «الاله». فحذفت الهمزة وعوضت عنها حرف التعريف.
ولذلك قيل: يا الله ـ بالقطع ـ علم للذات الواجب المستحق لجميع المحامد.
وقد يستعمل في المعبود بالحق، مجازا.
والدليل على الأول: إنّ كلمة «لا إله إلّا الله» تفيد التوحيد، من غير اعتبار عهد وغلبة ـ ضرورة، وبالاتفاق من الثقات. فلو لم يكن علما لم يكن مفيدا. وهو الظاهر.
وعلى الثاني: قوله تعالى:( وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ ) .
قيل: لو لم يكن علما، فالمراد بكلمة «اله» الواقعة إسم «لا»، اما مطلق المعبود، فيلزم الكذب. أو المعبود بالحق، فيلزم استثناء الشيء عن نفسه.
ورد بأن المراد المعبود بالحق. ولا يلزم استثناء الشيء عنه. لأن كلمة «الله» صارت بالغلبة، مختصة بفرد من مفهومها.
وقيل(١) : لأنه يوصف ولا يوصف به. ولأنه لا بد له من إسم يجري عليه صفاته.
ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه.
ورد بأنّه يمكن أن يقال أنّه كان في الأصل وصفا. لكنّه لـمّا غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره، وصار كالعلم، مثل: الثريا والصعق، أجري مجراه في اجراء الوصف عليه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٦.
واستدل الذاهبون إلى أنه كان في الأصل وصفا، فغلب، بأن ذاته ـ من حيث هو ـ بلا اعتبار أمر حقيقي أو غيره، غير معقول للبشر. فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ. وبأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة، لما أفاد ظاهر قوله تعالى:( وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ ) (١) ، معنى صحيحا. وبأن معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركا للاخر في المعنى والتركيب، وهو حاصل بينه وبين بعض الألفاظ.
والجواب عن الأول: أنه يكفي في الوضع ملاحظة الذات المخصوصة بوجه، أو هو معقول للبشر.
وعن الثاني: بأنا قد بينا أنه قد يطلق على مفهوم المعبود، مجازا.
وعن الثالث: بأن اشتقاقه من لفظ آخر، لا ينافي علميته لجواز اشتقاق لفظ من لفظ، ثم وضعه لشيء مخصوص.
واشتقاقه من «أله»، «آلهة» و «ألوهة» و «ألوهية» بمعنى «عبد» ومنه «تأله» و «استأله». فالاله: المعبود.
أو من أله، إذا تحير، إذ العقول تحير في معرفته.
أو من ألهت «فلانا» أي، سكنت اليه. لأن القلوب تطمئن بذكره والأرواح تسكن إلى معرفته.
أو من «أله»، إذا فزع من أمر نزل عليه.
أو «إلهه»: أجاره، إذ العابد يفزع اليه. أو هو يجيره حقيقة، أو بزعمه، إذا أطلق على غير(٢) الله، كاطلاقهم الاله على الصبح.
أو من «أله» الفصيل، إذا ولع بأمه، إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد.
__________________
(١) الانعام / ٣.
(٢) ليس في أ.
أو من «وله»، إذا تحير وتخبط عقله. وكان أصله «ولاه» فقلبت الواو، همزة، لاستثقال الكسرة عليها، استثقال الضمة في وجوه.
فقيل «اله»، كاعأد وأشاح. ويرده الجمع على «آلهة» دون «أولهة».
وقيل: أصله «لاه» مصدر «لاه يليه»، «ليها» «ولاها»، إذا احتجب وارتفع لأنه تعالى محجوب عن ادراك الأبصار، ومرتفع على كل شيء، وعما لا يليق به.
ويشهد له قول الشاعر :
كحلفة من أبي رباح |
يسمعها لاهه الكبار |
وقيل: أصله «لاها»، بالسريانية. فعرّب بحذف الالف الاخيرة وإدخال اللام عليه.
وقيل: تفخيم لامه، إذا انفتح ما قبله، أو انضم سنّة.
وقيل: مطلقا، وحذف ألفه، لحن يفسد به الصلاة. ولا ينعقد به صريح اليمين. وقد جاء لضرورة الشعر :
ألا لا بارك الله في سهيل |
إذا ما بارك الله في الرجال |
هذا أصله. ثم وضع علما للذات المخصوصة(١) .
قيل: وهو إسم الله الأعظم، لأنه لا يخرج بالتصرف فيه ما أمكن عن معنى.
(وفي عيون الأخبار(٢) ، حديث ذكرته في شرح( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . وفيه: قلت: «الأحد»، «الصمد». وقلت: لا يشبه شيئا. والله، واحد، والإنسان، واحد. أليس قد تشابهت الوحدانية؟
قال: يا فتح! أحلت ـ ثبتك الله ـ إنّما التشبيه في المعاني، فأما في الأسماء، فهي واحدة. وهي دلالة على المسمى.
__________________
(١) البيضاوي، أنوار التنزيل ١ / ٦.
(٢) عيون الأخبار ١ / ١٢٧، ح ٢٣.
وبإسناده(١) إلى محمد بن سنان، قال: سألت الرضا ـ عليه السلام ـ عن الاسم، ما هو؟ قال: صفة لموصوف.
وبإسناده(٢) إلى الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرضا ـ عليه السلام ـ عن( بِسْمِ اللهِ ) ، قال: معنى قول القائل( بِسْمِ اللهِ ) ، أي: أسم على نفسي بسمةً من سمات الله ـ عزّ وجل ـ وهي العبادة(٣) .
قلت له: ما السمة؟ قال: العلامة.
وفي كتاب التوحيد(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ حديث طويل ـ وقد سأله بعض الزنادقة عن الله ـ عز وجل ـ وفيه: قال السائل: فما هو؟
قال: أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: هو الرب، وهو المعبود، وهو الله. وليس قولي «الله» اثبات هذه الحروف: أ ـ ل ـ ه. و «لكن راجع»(٥) إلى معنى: هو(٦) خالق الأشياء وصانعها. وقعت عليه هذه الحروف. وهو المعنى الذي سمّي به «الله» و «الرحمن» و «الرحيم» و «العزيز» وأشباه ذلك من أسمائه. وهو المعبود ـ جل وعز.
وبإسناده(٧) إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ انه قال ـ وقد سئل ما الفائدة في حروف الهجاء؟ ما من حرف إلّا وهو إسم من أسماء الله ـ عز وجل.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٩، ح ٢٥.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٦٠، ح ١٩.
(٣) المصدر: العبودية.
(٤) التوحيد / ٢٤٥، ح ١.
(٥) المصدر: لكنى أرجع.
(٦) المصدر: هو شيء.
(٧) نفس المصدر / ٢٣٥، ح ٢.
وبإسناده(١) إلى هشام بن الحكم، أنه سأل أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن أسماء الله ـ عز وجل ـ واشتقاقها. فقال: «الله» هو مشتق من «اله». و «اله» يقتضى مألوها. والاسم غير المسمى. فمن عبد الاسم دون المعنى، فقد كفر. ولم يعبد شيئا.
ومن عبد الاسم والمعنى، فقد أشرك وعبد اثنين. ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد. أفهمت يا هشام؟
قال: قلت: زدني.
قال: لله ـ عز وجل ـ تسعة وتسعون اسما. فلو كان الاسم هو المسمى، لكان كل إسم منها هو إلها، ولكن الله ـ عز وجل ـ معنى يدل عليه هذه الأسماء. وكلها غيره.
يا هشام! الخبز، إسم للمأكول. والماء، إسم للمشروب. والثوب، إسم للملبوس. والنار، إسم للمحرق. أفهمت يا هشام؟ فهما تدفع به وتنافر به أعداءنا والملحدين في الله والمشركين مع الله ـ عز وجل ـ غيره؟
قلت: نعم.
قال: نفعك الله به. وثبتك يا هشام.
قال هشام: فوالله ما قهرني أحد في التوحيد [حينئذ](٢) ، حتى قمت مقامي هذا.
وبإسناده(٣) إلى عبد الأعلى، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ حديث طويل ـ قال ـ عليه السلام ـ في آخره: والله يسمى بأسمائه. وهو(٤) غير أسمائه. والأسماء
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٢١، ح ١٣.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) نفس المصدر / ١٤٣ ـ ١٤٢، ح ٧.
(٤) المصدر: فهو.
غيره.
وفيه: واسم الله، غير الله. وكل شيء وقع عليه إسم شيء، فهو مخلوق، ما خلا الله.
وبإسناده(١) إلى الحسن بن راشد، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر ـ عليهما السلام ـ قال: سألته عن معنى «الله».
قال: استولى على ما دقّ وجلّ.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) ، بإسناده إلى أبي إسحاق الخزاعي، عن أبيه، قال: دخلت مع أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ على بعض مواليه، يعوده. فرأيت الرجل يكثر من قول «آه».
فقلت له: يا اخي، أذكر ربك، واستغث به.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام: إنّ «آه»، إسم من اسماء الله ـ عز وجل.
فمن قال «آه»، فقد استغاث بالله ـ تبارك وتعالى)(٣) .
(وفي تهذيب الأحكام(٤) : محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن حماد بن زيد، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبى عبد الله، عن أبيه ـ عليهما السلام ـ قال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، أقرب إلى إسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها.
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٣٠، ح ٤.
(٢) معاني الاخبار / ٣٣٦، ح ١.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) تهذيب الأحكام ٢ / ٢٨٩، ح ١١٥٩، مجمع البيان ١ / ١٨، عيون الأخبار ٢ / ٥ وتفسير البرهان نقلا عن التهذيب ١ / ٤١.
وفي مهج الدعوات(١) : باسنادنا إلى محمد بن الحسن الصفار، من كتاب فضل الدعاء، بإسناده إلى معاوية بن عمار، عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنه قال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) من(٢) إسم الله الأكبر. وقال: الأعظم.
وبرواية ابن عباس(٣) ، قال ـ صلى الله عليه وآله:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) إسم من أسماء الله الأكبر. وما بينه وبين إسم الله الأكبر، إلّا كما بين سواد العين وبياضها)(٤) .
( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) : صفتان للمبالغة. من «رحم»، بالضم. كالغضبان من غضب. والعليم من علم، بعد نقله إلى فعل. وهي انعطاف(٥) للقلب. يصير سبب الإحسان. ومنه الرحم، لانعطافها على ما فيها.
وأسماء الله تعالى، تؤخذ باعتبار الغايات التي هي الأفعال دون المبادئ التي هي الانفعالات.
في نهج البلاغة(٦) : رحيم لا يوصف بالرقّة.
وفي كتاب الأهليلجة(٧) : قال الصادق ـ عليه السلام ـ: إنّ الرحمة وما يحدث لنا، منها شفقة ومنها جود. وانّ رحمة الله، ثوابه لخلقه. والرحمة من العباد شيئان :
أحدهما: يحدث في القلب الرأفة والرقّة، لما يرى بالمرحوم من الضرر والحاجة وضروب البلاء.
__________________
(١) مهج الدعوات / ٣١٧.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) نفس المصدر / ٣١٩.
(٤) ما بين القوسين في «ر» و «أ».
(٥) ر: وهي بالضم. والرحمة انعطاف.
(٦) نهج البلاغة، ط / ١٧٩.
(٧) بحار الأنوار ٣ / ١٦٩.
والاخر: ما يحدث منا بعد(١) الرأفة واللطف على المرحوم. والرحمة منا بما نزلت به.
وقد يقول القائل: أنظر إلى رحمة فلان، وإنّما يريد الفعل الذي أحدث(٢) عن الرأفة(٣) التي في قلب فلان. وإنّما يضاف إلى الله ـ عز وجل ـ من فعل «ما عنى»(٤) من هذه الأشياء.
وأما المعنى الذي في(٥) القلب، فهو منفي عن الله. كما وصف عن نفسه فهو رحيم، لا رحمة(٦) رقّة.
وفي( الرَّحْمنِ ) من المبالغة، ما ليس في( الرَّحِيمِ ) ، لأن زيادة البناء يكون لزيادة المعنى، كما يكون للإلحاق والتزيين. ويكون ذلك باعتبار الكمية أو الكيفية.
فعلى الأول: يقال: رحمان الدنيا، لأنه يعم المؤمن والكافر. ورحيم الاخرة، لأنه يخص المؤمن.
وعلى الثاني: رحمن الدنيا والاخرة ورحيم الدنيا، لأن النعم الأخروية، كلها جسام.
وأما الدنيوية فجليلة وحقيرة وقدم. والقياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، لأنه صار كالعلم، من حيث أنه لا يوصف به غيره.
__________________
(١) أ: يحدث منا ما بعد الرأفة. المصدر: ما يحدث منا من بعد الرأفة.
(٢) المصدر: حدث.
(٣) المصدر: الرقة.
(٤) أ: ما حدث بحال. المصدر: ما حدث عنا.
(٥) المصدر: هو في.
(٦) أ: ليس للرحمة في.
أو، لأن( الرَّحْمنِ ) لما دل على أصول النعم، ذكر( الرَّحِيمِ ) ليشمل ما يخرج منها، فيكون كالتتمة له.
أو، للمحافظة على رؤوس الآي.
أو، لتقدم نعم الدنيا.
أو، لما ذهب إليه الصوفية، من أنّ الرحمة هي الوجود.
فان اعتبرت من حيث وحدتها وإطلاقها، نظرا إلى وحدتها، اشتق منه( الرَّحْمنِ ) .
وإنْ اعتبرت من حيث تخصصها وتخصيصها باعتبار متعلقاتها، اشتق منه( الرَّحِيمِ ) .
ولا شك أنّ الحيثية الأولى متقدّمة على الثانية. وهو غير منصرف، حملا على نظيره في بابه، وإنْ منع اختصاصه بالله، أن يكون له مؤنّث على فعلى أو فعلانة.
(وفي مجمع البيان(١) : وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ عيسى بن مريم قال:( الرَّحْمنِ ) ، رحمن الدنيا. و( الرَّحِيمِ ) ، رحيم الاخرة.
وروى عن الصادق ـ عليه السلام ـ:( الرَّحْمنِ ) إسم خاص، بصفة عامة.
و( الرَّحِيمِ ) إسم عام، بصفة خاصة.
وفي عيون الأخبار(٢) : بإسناده عن الرضا ـ عليه السلام ـ انه قال في دعائه رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما. صل على محمد وآل محمد.
وفي شرح الآيات الباهرة: وذكر في تفسير الامام الحسن العسكري ـ عليه السلام(٣) ـ قال: وتفسير قوله ـ عز وجل ـ( الرَّحْمنِ ) ، أن( الرَّحْمنِ ) مشتق من الرحمة.
وقال: قال أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: سمعت رسول الله ـ صلى
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢١.
(٢) عيون الأخبار ٢ / ١٦، ٣٧ ح.
(٣) تفسير العسكري / ١٧.
الله عليه وآله ـ يقول: قال الله تعالى: أنا الرحمن. وهي من(١) الرحم. شققت لها أسماء من اسمي. من وصلها وصلته. ومن قطعها بتتّه(٢) . ثم قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: إنّ الرحم التي اشتقها الله تعالى من اسمه(٣) بقوله «أنا الرحمن»، هي رحم محمد(٤) ـ صلى الله عليه وآله ـ. وان من إعظام الله، إعظام محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وان من إعظام محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ، إعظام رحم محمد.
وان كل مؤمن ومؤمنة من شيعتنا، هو من رحم محمد(٥) . وان إعظامهم من إعظام محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ. فالويل لمن استخف بشيء من «حرمة رحم محمد ـ صلى الله عليه وآله»(٦) ـ. وطوبى لمن عظم حرمته وأكرم رحمه، ووصلها.
وقال الامام ـ عليه السلام: وأما قوله:( الرَّحِيمِ ) ، فان أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قال: رحيم بعباده المؤمنين. ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة وجعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم. فبها تتراحم الناس، وترحم الوالدة ولدها(٧) ، وتحن الأمهات من الحيوان على أولادها. فإذا كان يوم القيامة، أضاف هذه الرحمة الواحدة(٨) إلى تسع وتسعين رحمة، فيرحم بها أمة محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ ثمّ يشفعهم فيمن يحبّون له الشفاعة من أهل الملّة، حتّى أنّ الواحد ليجيء إلى مؤمن
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: قطعته.
(٣) المصدر: رحمته.
(٤) المصدر: آل محمد.
(٥) أيضا.
(٦) المصدر: حرمته.
(٧) المصدر: لولدها.
(٨) ليس في المصدر.
من الشيعة، فيقول له(١) : اشفع لي! فيقول له(٢) : أي حق لك عليّ؟
يقول: سقيتك يوما ماء.
فيذكر ذلك، فيشفع له، فيشفع فيه.
ويجيء آخر فيقول: أنا(٣) لي عليك حق [فاشفع لي!](٤) .
فيقول: [و](٥) ما حقك؟
فيقول: استظللت بظل جداري ساعة في يوم حارّ.
«فيشفع له»(٦) فيشفع فيه. فلا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه. وان المؤمن أكرم على الله تعالى مما يظنون.
وفي كتاب التوحيد(٧) : بإسناده إلى عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .
فقال: الباء، بهاء الله. والسين، سناء الله. والميم، مجد الله ـ وروى بعضهم ملك الله ـ. و( اللهِ ) ، اله كل شيء. و( الرَّحْمنِ ) ، بجميع خلقه. و( الرَّحِيمِ ) »، بالمؤمنين، خاصة.
وفي أصول الكافي(٨) مثله، سواء.
وفي كتاب التوحيد(٩) ـ أيضا ـ: بإسناده إلى صفوان بن يحيى، عمن حدّثه ،
__________________
(١ و ٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: ان.
(٤ و ٥) يوجد في المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) التوحيد / ٢٣٠.
(٨) الكافي ١ / ١١٤.
(٩) التوحيد / ٢٣٠.
عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ: انه سئل عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .
فقال: الباء، بهاء الله. والسين، سناء الله. والميم، ملك الله.
قال: قلت:( اللهِ ) ؟
قال: الف، آلاء الله على خلقه من النعيم بولايتنا. واللام، الزام الله خلقه ولايتنا.
قلت: فالهاء؟
قال: هوان لمن خالف محمدا وآل محمد ـ صلوات الله عليهم ـ.
قلت:( الرَّحْمنِ ) ؟
قال: بجميع العالم.
قلت:( الرَّحِيمِ ) ؟
قال: بالمؤمنين خاصة.
وفيه(١) ـ أيضا: حدّثنا محمد بن القسم الجرجاني المفسّر ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار ـ وكانا من الشيعة الإماميّة ـ عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد ـ عليهم السّلام ـ، في قول الله ـ عزّ وجل ـ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، فقال( اللهِ ) هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد، كل مخلوق، عند انقطاع الرجاء من كل من دونه(٢) . وتقطع الأسباب(٣) عن جميع ما سواه يقول: بسم الله، أي: أستعين على أموري كلها بالله. الذي لا تحق العبادة إلّا له. المغيث إذا استغيث المجيب إذا دعي. وهو ما قال رجل للصادق ـ عليه السلام ـ: يا بن رسول الله!
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٣٠ ـ ٢٣٢.
(٢) المصدر: من هو.
(٣) المصدر: من.
دلّني على الله، ما هو؟ فقد كثر(١) عليّ المجادلون. وحيّروني.
فقال له: يا عبد الله! هل ركبت سفينة قطّ؟
قال: نعم.
قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تعينك(٢) ؟
قال: نعم.
قال: فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟
قال: نعم.
قال الصادق ـ عليه السلام: فذلك الشيء هو الله، القادر على الانجاء، حيث لا منجي. وعلى الاغاثة، حيث لا مغيث. [ثم قال الصادق](٣) : وقام رجل إلى علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ فقال: أخبرني ما(٤) معنى( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ؟
فقال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ: حدثني أبي، عن أخيه، الحسن عن أبيه، أمير المؤمنين عليهم السلام ـ: إنّ رجلا قام اليه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، ما معناه؟
فقال: [ان](٥) قولك( اللهِ ) أعظم إسم من أسماء الله ـ عز وجل ـ وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمى به غير الله. ولم يتسم به مخلوق.
__________________
(١) المصدر: أكثر.
(٢) المصدر: تغنيك.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: عن.
(٥) يوجد في المصدر.
فقال الرجل: فما تفسير قول(١) ( اللهِ ) ؟
فقال: هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد، كل مخلوق، عند انقطاع الرجاء من جميع من [هو](٢) دونه. وتقطع الأسباب من كل من سواه. وذلك أن كل مترائس في هذه الدنيا ومتعظم فيها وان عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه اليه، فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم. وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته، حتى إذا كفى همه، عاد إلى شركه. أما تسمع الله ـ عز وجل ـ يقول:( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إليه إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ) (٣) . فقال الله ـ جل جلاله ـ لعباده: أيها الفقراء إلى رحمتي! اني قد ألزمتكم الحاجة الي، في كل حال وذلة العبودية في كل وقت. قال: فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته، فاني ان أردت أن أعطيكم، لم يقدر غيري على منعكم. وان أردت أن أمنعكم، لم يقدر غيري على إعطائكم. فأنا أحق من سئل. وأولى من تضرع اليه. فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير، أو عظيم:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، أي: أستعين على هذا الامر، بالله. الذي لا تحق العبادة لغيره. المغيث إذا استغيث. المجيب إذا دعي. الرحمن الذي يرحم، ويبسط الرزق علينا.
الرحيم بنا، في أدياننا ودنيانا وآخرتنا. وخفف علينا الدين، وجعله سهلا خفيفا وهو يرحمنا بتمييز من أعدائه)(٤) .
__________________
(١) المصدر: قوله.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) الانعام / ٤١.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(وفي الحديث(١) : إذا قال العبد:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، قال الله ـ عز وجل ـ: بدأ عبدى باسمي. حق عليّ أن أتمم(٢) أموره، وأبارك له في أحواله.
وفي الكافي(٣) : محمد بن يحيى، عن علي بن الحسين بن علي، عن عباد ابن يعقوب، عن عمر بن مصعب، عن فرات بن أحنف، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: سمعته يقول: أول كتاب نزل من السماء( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فإذا قرأت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، فلا تبالي ألّا تستعيذ. إذا قرأت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، سدّتك فيما بين السماء والأرض.
وفي أصول الكافي(٤) : محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن دراج، قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: لا تدع( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، وان كان بعده شعر.
عدة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن علي، عن يوسف بن عبد السلام، عن سيف بن هارون، مولى آل جعدة قال: لا تكتب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) لفلان، ولا بأس أن تكتب على ظهر الكتاب لفلان.
عدة من أصحابنا(٦) ، عن سهل بن زياد، عن إدريس الحارثي، عن محمد ابن سنان، عن مفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ أكتب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) من أجود كتابك. ولا تمد الباء، حتى ترفع السين.
__________________
(١) تفسير العسكري / ٢٧ ـ ٢٨.
(٢) المصدر: أتمم له.
(٣) الكافي ٣ / ٣١٣ ح ٣.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٦٧٢، ح ١.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٦٧٢، والسند سند ح ٢ والمتن متن ح ٣.
(٦) نفس المصدر، والسند سند ح ٢٠، ٢ / ٦٢٤ والمتن متن ح ٢، ٢ / ٦٧٢.
عنه(١) : عن علي بن حكم، عن الحسن بن السري، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ: احتجبوا(٢) من الناس ـ كلهم ـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »، و «بقل هو الله أحد»، اقرأها عن يمينك وعن شمالك [ومن بين يديك](٣) ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك. وإذا(٤) دخلت على سلطان جائر، فاقرأها، حتى(٥) تنظر إليه ثلاث مرات. واعقد بيدك اليسرى. ثم لا تفارقها (حتى) تخرج من عنده.
وفي كتاب التوحيد(٦) : بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في حديث طويل ـ فيه: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: من حزنه أمر يتعاطاه، فقال( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، وهو مخلص لله ويقبل بقلبه اليه، لم ينفك من احدى اثنتين: اما بلوغ حاجته في الدنيا، وما يعد له ويدخر لديه. وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين.
وفيه(٧) : عن الصادق ـ عليه السلام ـ، في حديث طويل، فيه: ولربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، فيمتحنه الله ـ عز وجل ـ بمكروه. ولينبهه على شكر الله ـ تبارك وتعالى ـ والثناء عليه. ويمحق عنه وصمه وتقصيره عند تركه قول «بسم الله [الرحمن الرحيم»](٨) .
__________________
(١) نفس المصدر، والسند سند ح ٣، ٢ / ٦٧٢ والمتن متن ح ٢٠، ٢ / ٦٢٤.
(٢) المصدر: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ يا مفضل! احتجز.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: فإذا.
(٥) المصدر: حين.
(٦) التوحيد / ٢٣٢.
(٧) نفس المصدر / ٢٣١.
(٨) يوجد في المصدر.
وفي عيون الأخبار(١) ، في تأويل( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) : بإسناده إلى الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرضا ـ عليه السلام ـ، عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، قال: معنى قول القائل «بسم الله»: أسم على نفسي بسمة من سمات الله ـ عزّ وجل ـ وهي العبادة.
قلت له: ما السمة؟
قال: العلامة.
وبالإسناد(٢) ، إلى عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن(٣) ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .
فقال(٤) : الباء بهاء الله. والسين، سناء الله. والميم، مجد الله ـ وروى بعضهم: ملك الله(٥) ـ و «الله»، اله كل شيء. «الرحمن»، بجميع خلقه.
و «الرحيم»، بالمؤمنين خاصة.
وفي كتاب التوحيد(٦) بإسناده إلى صفوان بن يحيى، عمن حدثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ، أنه سئل عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . فقال: الباء بهاء الله. والسين، سناء الله. والميم، ملك الله.
قال: قلت: الله؟
قال: الألف، آلاء الله على خلقه من النعيم بولائنا(٧) . واللام، الزام الله
__________________
(١) عيون الأخبار ١ / ٢٦.
(٢) الكافي ١ / ١١٤، ح ١.
(٣) المصدر: عن تفسير.
(٤) المصدر: قال.
(٥) المصدر: الميم، ملك الله.
(٦) التوحيد / ٢٣٠.
(٧) المصدر: بولايتنا.
خلقه ولايتنا.
قلت: فالهاء؟
قال: هوان لمن خالف محمدا وآل محمد ـ صلوات الله عليهم.
قلت: الرحمن؟
قال: بجميع العالم.
قلت: الرحيم؟
قال: بالمؤمنين خاصة.
وبإسناده(١) إلى الحسن بن أبي راشد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر ـ عليهما السلام ـ قال: سألته عن معنى «الله».
قال: استوى على ما دقّ وجلّ. وخص التسمية بهذه الأسماء، ليعلم العارف أن الحقيق لأن يستعان به في جميع الأمور، هو المعبود الحقيقي، الذي هو مولى النعم، كلها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها. فيتوجه بشراشره إلى جنابه)(٢) .
( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) :
«الحمد»: هو الثناء باللسان، على الجميل الاختياري، من نعمة أو غيرها.
والمدح: هو الثناء على الجميل، مطلقا.
وفي الكشاف(٣) : انهما اخوان لتخصيصه المدح، أيضا، بالجميل الاختياري.
وقد صرح به في تفسير قوله تعالى:( وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ ) (٤) .
لا يقال: إذا خص «الحمد» بالجميل الاختياري، لزم أن لا يحمد الله تعالى على صفاته الذاتية، كالعلم والقدرة والارادة. بل اختص بأفعاله الصّادرة عنه ،
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٣٠.
(٢) ما بين القوسين يوجد في أ.
(٣) لم نعثر عليه في الكشاف ولكنه موجود في أنوار التنزيل ١ / ٧.
(٤) الحجرات / ٧.
باختياره. لأنا نقول: تجعل تلك الصفات، لكون ذاته كافية فيها بمنزلة أفعال اختيارية، يستقل بها فاعلها.
ولا يخفى على المتأمل، أن ذلك الجعل، لا يقتضي صحة «الحمد» على الصفات الذاتية. بل يقتضي صحة اطلاق لفظ «الحمد»، على الثناء على صفاته، تجوّزا. وأين أحدهما عن الاخر؟
وحقيقته عند العارفين، اظهار كمال المحمود ـ قولا أو فعلا أو حالا ـ سواء كان ذلك الكمال اختياريا، أو غير اختياري.
والشكر، مقابلة النعمة ـ قولا وعملا واعتقادا.
قال :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة |
يدي ولساني والضمير المحجب |
فهو أعم منها، من وجه. وأخص من آخر. ولما كان «الحمد» من شعب «الشكر»، أشيع للنعمة، وأدل على مكانها، لخفاء الاعتقاد وما في آداب الجوارح، من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه.
فقال ـ عليه السلام ـ: «الحمد لله»، رأس الشكر. ما شكر الله من لم يحمده.
«والذم»، نقيض «الحمد».
والكفران، نقيض الشكر.
ورفعه بالابتداء، وخبره، لله. وأصله النصب. وقد قرئ به(١) .
وانما عدل به إلى الرفع، دلالة على الدوام والثبات.
وقرئ «الحمد لله» باتباع الدال اللام، وبالعكس ـ تنزيلا لهما ـ لكثرة استعمالهما معا، بمنزلة كلمة واحدة. كقولهم منحدر(٢) الجبل ومغيره.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٧.
(٢) ر: ظهر.
و «اللام» فيه لتعريف الجنس. وهو الاشارة إلى ما يعرفه كل أحد من معنى «الحمد»، بناء على أنّ الاختصاص، يكون حينئذ مستفادا من جوهر الكلام، من غير استعانة بالأمور الخارجة. ويكون مستلزما، لاختصاص جميع الافراد، أو للاستغراق، بناء على أن المتبادر إلى الذهن، من المحلى بلام الجنس، في المقامات الخطابية، هو الاستغراق. وهو الشائع في الاستعمال. وحينئذ يكون اختصاص الأفراد، مصرحا به.
فان قلت: لا يصح تخصيص جنس الحمد، ولا تخصيص أفراده به. فان خلق الأفعال، ان كان من عند الله، فللكسب فيه مدخل. فيرجع إليه بهذا الاعتبار.
وأما عند المعتزلة: فلأن خالق الأفعال، هو العبد. وبمجرد تمكين الله وأقداره عليها، لا يختص «الحمد» به. بل يرجع إليه سبحانه ـ أيضا ـ كل باعتبار.
وهو لا يفيد التخصيص، بل الاشتراك.
قلت: لا يبعد أن يقال: انه جعل الجنس، في المقام الخطابي، منصرفا إلى الكامل. كأنه كل الحقيقة. فاختص الجنس، من حيث هو أو أفراده به سبحانه.
فان قلت: كيف يصح قصد تخصيص الجنس، أو أفراده، والحال ان قوله تعالى: «الحمد لله»، كان في الأصل: أحمد الله حمدا، أو نحمده حمدا. فلا يكون المراد، إلّا الحمد المستند إلى المتكلم الواحد، أو مع الغير. فبعد افادة الكلام التخصيص، لا يفيد إلّا تخصيص المخصوص، لا مطلقا.
قلت: كما أنه في صورة الرفع، يتجرد الكلام، عن التجدد والحدوث، كذلك يتجرد عن(١) النسبة إلى فاعل مخصوص. وأيضا، يمكن أن يكون، صيغة المتكلم مع الغير، على ألسنة جميع الحامدين، حقا وخلقا.
ثم قيل: اعلم! انه إذا كان الحامد، في مقام الجمع، فالمناسب أن يحمل
__________________
(١) أ: من.
اللام على الجنس. وان كان في مقام الفرق قبل الجمع، فالمناسب الاستغراق، ولكن بالتأويل. وان كان في مقام الفرق بعد الجمع، فالمناسب، الاستغراق، ولكن بلا تأويل. وان كان في مقام جمع الجمع، فالمناسب الجنس والاستغراق ـ معا ـ من غير احتجاب بأحدهما، عن الاخر.
ثم اعلم! انه يمكن أن يراد «بالحمد»، الحامدية والمحمودية ـ جميعا ـ بناء على أنه مشترك معنوي. فانه فعل واحد بين الحامد والمحمود. وإذا اعتبر نسبته(١) إلى الحامد، يكون حامدية. وان اعتبرت إلى المحمود، يكون محمودية. أو لفظي.
ويجوز استعمال المشترك، في معنييه أو معانيه. كما ذهب إليه المحققون. أو يكون مجازا، عن معنى مشترك بين المعنيين.
(وفي كتاب الخصال(٢) : بإسناده إلى علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ قال: ومن قال: «الحمد لله»، فقد أدى شكر كل نعمة لله تعالى.
وفي أصول الكافي(٣) : محمد [بن يحيى](٤) عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: قال لي: ما أنعم الله على عبده(٥) بنعمة، صغرت أو كبرت، فقال: «الحمد لله» إلّا أدى شكرها.
وبإسناده(٦) إلى حماد بن عثمان، قال: خرج أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ من المسجد. وقد ضاعت دابته.
__________________
(١) أ: نسبة.
(٢) الخصال ١ / ٢٩٩، ح ٧٢.
(٣) الكافي ٢ / ٩٦، ح ١٤.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: عبد.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٩٧، ح ١٨.
فقال: لئن ردها الله عليّ، لأشكرن الله حق شكره.
قال: فما لبث ان أتي بها.
فقال: «الحمد لله».
فقال «قائل له»(١) : جعلت فداك. أليس قلت: لأشكرن الله حق شكره؟
فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: ألم تسمعني قلت: «الحمد لله»؟)(٢)
( رَبِّ الْعالَمِينَ ) :
«الرب» في الأصل، هو المالك.
فهو اما صفة مشبهة، من فعل متعد، لكن بعد جعله لازما من «ربه» «يربه» بفتح العين في الماضي، وضمها في الغابر.
واما وصف بالمصدر، للمبالغة. كما وصف بالعدل. وهو مفردا. لا يطلق على غير الله، إلّا نادرا.
وقرئ بالنصب على المدح، أو النداء، أو بالفعل الذي دل عليه الحمد.
«قيل: هذا الاسم، يفيد اثبات خمسة أحكام للحق ـ سبحانه وتعالى ـ.
وهي: الثبات والسيادة والإصلاح والملك والتربية. لأن «الرب» في اللغة، هو المصلح والسيد والمالك والثابت والمربي. ففيه دليل على أن الممكنات، كما هي مفتقرة إلى المحدث، حال حدوثها، مفتقرة إلى المبقي، حال بقائها.
«والعالم»، إسم لما يعلم به. كالخاتم، لما يختم به. غلب فيما «يعلم به»، «الصانع» مما سوى الله، من الجواهر والاعراض. فإنها لأمكانها، وافتقارها إلى مؤثر، واجب لذاته، تدل على وجوده.
__________________
(١) المصدر: له قائل.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
وقيل: اسم، [وضع](١) لذوي العلم، من الملائكة والثقلين. وتناوله لغيرهم، على سبيل الاستتباع.
وقيل: عني به، «الناس»، هنا(٢) . فان كل واحد منهم، عالم من حيث أنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير، (من جنس واحد مما سمي به، أو إلى حقيقة القدر)،(٣) من الجواهر والأعراض، يعلم بها الصانع. كما يعلم بما أبدعه في العالم. ولذلك سوّى بين النظر فيهما. وقال(٤) :( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) (٥) وإنّما جمع، لئلا يتوهم أن القصد إلى استغراق أفراد جنس واحد، مما سمي به. أو إلى حقيقة القدر المشترك.
فلما جمع وأشير بصيغة الجمع، إلى تعدد الأجناس، وبالتعريف إلى استغراق أفرادها، أزال التوهّم بلا شبهة.
وانما جمعه بالواو والنون، مع أنه مختص بصفات العقلاء، أو ما في حكمها من أعلامهم، لمشابهته الصفة في دلالته على الذات، باعتبار معنى هو كونه يعلم أو يعلم به.
واختصاصه بأولي العلم، حقيقة أو تغليبا.
وقيل: وصفيّة «العالمين» إنّما هي بتقدير ياء النسبة. يعني، العالميين، كالاعجمين. بمعنى، الأعجميين، واختصاصه بأولي العلم، على سبيل التغليب.
ويمكن أن يجعل جمعه بالواو والنون، اشارة إلى سريان الصفات الكمالية من العلم والحياة وغيرهما، في كل موجود من الموجودات. فالكل أولو العلم.
__________________
(١) يوجد في المصدر (أنوار التنزيل)
(٢) المصدر: هاهنا.
(٣) ما بين القوسين في أو ليس في المصدر.
(٤) الذاريات / ٢١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٨.
وقد ذهب إليه بعض، كما يعلم من عبارة بعض.
(وفي كتاب التوحيد(١) ، كلام للرضا ـ عليه السلام ـ في التوحيد وفيه: ورب إذ لا مربوب.
وفيه(٢) ، عن عليٍّ ـ عليه السلام ـ مثله)(٣) .
وعن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في حديث طويل(٤) وفيه: لعلّك ترى أنّ الله إنّما خلق هذا العالم الواحد، أو(٥) ترى أنّ الله لم يخلق بشرا غيركم. بلى والله لقد خلق ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم، وأولئك الآدميين.
وفي كتاب الخصال(٦) : بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنّه قال ـ في حديث طويل ـ: إنّ [علم](٧) عالم المدينة(٨) ينتهي إلى حيث لا يقفو الأثر ويزجو(٩) الطير. ويعلم في اللحظة الواحدة، مسيرة الشمس. تقطع اثني عشر «برجا، واثني عشر برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما»(١٠) .
__________________
(١) التوحيد / ٥٧، ضمن حديث طويل.
(٢) نفس المصدر / ٤٢، ضمن خطبة طويلة.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر / ٢٧٧، ضمن ح ٢.
(٥) المصدر: و.
(٦) الخصال ٢ / ٤٩٠.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) أ: المديّنة.
(٩) المصدر: يزجر.
(١٠) ليس في أ.
وبإسناده(١) إلى العباد(٢) بن عبد الخالق، عمن حدثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ لله ـ عز وجل ـ اثني عشر ألف عالم. كل عالم منهم(٣) اكبر من سبع سماوات وسبع أرضين. ما يرى(٤) عالم منهم ان لله ـ عز وجل ـ عالما غيرهم. وأنا الحجة عليهم.
وفي عيون الأخيار(٥) : حدثنا محمد بن القاسم الأسترآبادي المفسر ـ رضي الله عنه ـ قال: حدثني(٦) يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، «عن أبيه عن جده»(٧) ـ عليهم السلام ـ قال: جاء رجل إلى الرضا ـ عليه السلام ـ فقال له: يا ابن رسول الله! أخبرني عن قول الله تعالى:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ما تفسيره؟.
فقال: لقد حدثني أبي، عن جدي، عن الباقر، عن زين العابدين، عن أبيه ـ عليهم السلام ـ: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال: أخبرني عن قول الله تعالى:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، ما تفسيره؟
فقال: «الحمد لله»، هو أن عرّف عباده بعض نعمه عليهم، جملا، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها، بالتفصيل. لأنها أكثر من أن تحصى، أو تعرف، فقال لهم قولوا: «الحمد لله» على ما أنعم به علينا، «رب العالمين»، وهم الجماعات ،
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٦٣٩.
(٢) أ: العبازى.
(٣) ليس في أ.
(٤) المصدر: ما ترى.
(٥) عيون الأخبار ١ / ٢٨٤، ح ٣٠.
(٦) المصدر: حدثنا.
(٧) ليس في أ.
من كل مخلوق من الجمادات والحيوانات. فأما(١) الحيوانات، فهو يقلبها في قدرته.
ويغذوها من رزقه. ويحوطها بكنفه. ويدبر كلا منها بمصلحته. وأما الجمادات، فهو يمسكها بقدرته. ويمسك المتصل منها أن يتهافت. ويمسك المتهافت منها أن يتلاصق. ويمسك السماء أن تقع على الأرض، إلّا باذنه. ويمسك الأرض أن تنخسف إلّا بأمره. انه بعباده رؤوف(٢) رحيم.
[و](٣) قال ـ عليه السّلام ـ: و «ربِّ العالمين»، مالكهم وخالقهم وسائق أرزاقهم اليهم، من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون. فالرزق مقسوم. وهو يأتي ابن آدم، على أيّ سيرة سارها من الدنيا. ليس تقوى متقي، بزائده. ولا فجور فاجر، بناقصه. وبينه وبينه ستر وهو طالبه. فلو أنّ أحدكم يفر من رزقه، لطلبه رزقه. كما يطلبه الموت. فقال الله ـ جل جلاله ـ: قولوا: «الحمد لله» على ما أنعم به علينا، وذكرنا به من خير في كتب الأولين، قبل أن نكون(٤) ففي هذا إيجاب على محمد وآل محمد ـ صلوات الله عليهم ـ وعلى شيعتهم، أن يشكروه بما فضلهم.
وذلك أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال: لـمّا بعث الله ـ عز وجل ـ موسى بن عمران ـ عليه السّلام ـ واصطفاه نجيّا وفلق له البحر ونجى بني إسرائيل وأعطاه التوراة والألواح، رأى مكانه من ربّه ـ عزّ وجل ـ فقال: يا ربِّ! لقد أكرمتني بكرامة، لم تكرم بها أحدا قبلي.
فقال الله ـ جل جلاله ـ: يا موسى! أما علمت «أنّ محمّدا، أفضل عندي»(٥)
__________________
(١) المصدر: وأما.
(٢) المصدر: لرؤوف.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) أ: يكون، ر: تكون.
(٥) المصدر: إنّ محمدا عندي أفضل.
من جميع ملائكتي وجميع خلقي؟.
قال موسى: يا رب! فان كان محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أكرم عندك من جميع خلقك، فهل في آل الأنبياء، أكرم من آلي؟.
قال الله ـ جل جلاله ـ: يا موسى! أما علمت أن فضل آل محمد على جميع آل النبيين، كفضل محمد على جميع المرسلين؟
فقال موسى: يا رب! فان كان آل محمد كذلك، فهل في أمم الأنبياء، أفضل عندك من أمتي؟ ظللت عليهم الغمام. وأنزلت عليهم المنّ والسلوى. وفلقت لهم البحر.
فقال الله ـ جل جلاله ـ: يا موسى! أما علمت، أن فضل أمة محمد على جميع الأمم، كفضله على جميع خلقي؟
فقال موسى ـ عليه السلام: يا رب! ليتني كنت أراهم.
فأوحى الله ـ عز وجل ـ اليه: يا موسى! انك لن تراهم. وليس هذا أو ان ظهورهم، ولكن سوف تراهم، في الجنات، جنات عدن والفردوس، بحضرة محمد في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون. أفتحب ان أسمعك كلامهم؟
قال(١) : نعم الهي!.
قال الله ـ جل جلاله ـ: قم بين يدي! واشدد مئزرك!، قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل.
ففعل ذلك موسى ـ عليه السلام ـ فنادى ربنا ـ عز وجل: يا أمة محمد! فأجابوه كلهم. وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم: لبيك. اللهم! لبيك.
لبيك. لا شريك لك. لبيك. ان الحمد والنعمة والملك لك. لا شريك لك. لبيك(٢) .
__________________
(١) المصدر: فقال.
(٢) ليس في أوفي المصدر أيضا.
قال: فجعل الله ـ عز وجل ـ تلك الاجابة، شعار الحج(١) . ثم نادى ربنا عز وجل: يا أمة محمد! ان قضائي عليكم، أن رحمتي سبقت غضبي. وعفوي قبل عقابي. فقد استجبت لكم، من قبل أن تدعوني. وأعطيتكم من قبل أن تسألوني.
من لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له. وأن محمدا، عبده ورسوله، صادق في أقواله، محق في أفعاله، وأن علي بن أبي طالب، أخوه ووصيه من بعده، ووليه، ويلتزم طاعته، كما يلتزم طاعة محمد، وأن أولياءه، المصطفين الطاهرين المطهرين المنبئين(٢) بعجائب آيات الله ودلائل حجج الله من بعدهما، أولياؤه، أدخلته جنتي، وان كانت ذنوبه مثل زبد البحر.
قال ـ عليه السلام ـ: فلما بعث الله ـ عز وجل ـ نبينا، محمدا ـ صلى الله عليه وآله ـ، قال: يا محمد! وما كنت بجانب الطور، إذ نادينا أمتك بهذه الكرامة.
ثم قال الله ـ عز وجل ـ لمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ قل:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، على ما اختصني به، من هذه الفضيلة، وقال لأمته: قولوا أنتم:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) على ما اختصنا به من هذه الفضائل.
(وفي شرح الآيات الباهرة: قال الامام أبو محمد الحسن العسكري(٣) ـ عليه السلام: ـ حدثني أبي عن جدي، عن الباقر، عن زين العابدين ـ عليهم السلام ـ أن رجلا أتى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال له: أخبرني عن قول الله ـ عز وجل ـ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، ما تفسيره؟
فقال: «الحمد لله»، هو أن الله قد عرّف عباده بعض نعمه عليهم، جملا، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها، بالتفصيل. لأنها أكثر من أن تحصى، أو تعرف.
__________________
(١) المصدر وأ: الحاج.
(٢) أ: المبانين.
(٣) تفسير العسكري / ١٣ ـ ١٤. مع تفاوت في النقل.
فقال لهم: قولوا: «الحمد لله» على ما أنعم به علينا، وذكرنا به من خير، في كتب الأولين، من قبل أن نكون.
ففي هذا إيجاب على محمد وآل محمد، «لما فضلهم به»(١) ، وعلى شيعتهم، أن يشكروه، بما فضلهم به على غيرهم.
وفي كتاب الخصال(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أربع من كنّ فيه، كان في نور الله الأعظم ـ إلى قوله ـ ومن أصاب خيرا، قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) .
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) : في الموثق عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قوله: «الحمد لله»، قال: الشكر لله. وفي قوله: «رب العالمين»، قال خالق المخلوقين.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وفيما ذكره الفضل، من العلل، عن الرضا ـ عليه السلام ـ انه قال: «الحمد لله»، إنّما هو أداء لما أوجب الله ـ عز وجل ـ على خلقه، من الشكر. وشكر لما وفق عبده من الخير.
«ربّ العالمين»، توحيد له. وتحميد(٥) واقرار بأنه هو الخالق المالك، لا غيره.
وفي مجمع البيان(٦) : وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ الله تعالى ،
__________________
(١) المصدر: بما فضله وفضلهم.
(٢) الخصال ١ / ٢٢٢، ح ٤٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٨.
(٤) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٠٣، ضمن ح ٩٢٧، عيون الأخبار ٢ / ١٠٧، ح ١.
(٥) المصدر: تمجيد.
(٦) مجمع البيان ١ / ٣١.
منّ عليّ بفاتحة الكتاب ـ إلى قوله ـ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) دعوى أهل الجنة، حين شكروا الله، حسن الثواب.
وفي أصول الكافي(١) : بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: من قال أربع مرات، إذا أصبح:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، فقد أدى شكر يومه. ومن قالها، إذا أمسى، فقد أدى شكر ليلته.
وبإسناده(٢) إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ: قال كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إذا أصبح، قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) كثيرا، على كل حال، ثلاثمائة وستين مرة. وإذا أمسى قال مثل ذلك.
علي بن إبراهيم(٣) ، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، قال: عطس رجل عند أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فقال: «الحمد لله». فلم يشمّته أبو جعفر ـ عليه السلام ـ وقال: نقصنا حقنا. ثم قال: إذا عطس أحدكم، فليقل:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) وصلى الله على [نبيه](٤) محمد وأهل بيته.
قال: فقال الرجل. فشمّته أبو جعفر ـ عليه السلام.
وبإسناده(٥) إلى مسمع بن عبد الملك، قال: عطس أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ فقال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) . ثم جعل إصبعه على أنفه، فقال: رغم أنفي لله، رغما داخرا.
وبإسناده(٦) إلى محمد بن مروان، رفعه، قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ :
__________________
(١) الكافي ٢ / ٥٠٣، ح ٥.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٥٠٣، ح ٤.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٦٥٤، ح ٩.
(٤) في ر.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٦٥٥، ح ١٤.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٦٥٥، ح ١٥.
من قال إذا عطس( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) » على كل حال، لم يجد وجع الأذنين والأضراس.
وبإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: من عطس ثم وضع يده على قصبة أنفه ثم قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) [حمدا]»(١) كثيرا(٢) ، كما هو أهله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، خرج من منخره الأيسر طائر أصغر من الجراد وأكبر من الذباب، حتى يصير تحت العرش، يستغفر الله له إلى يوم القيامة)(٣) .
(وفي الحديث(٤) : إذا قال العبد:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، قال الله حمدني عبدي. وعلم أن النعم التي له من عندي. وأن البلايا التي اندفعت(٥) عنه، بتطوّلي. أشهدكم أني أضيف له إلى نعم الدنيا، نعم الاخرة. وأدفع عنه بلايا الاخرة، كما دفعت عنه بلايا الدنيا)(٦) .
( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) : قد مر تفسيرهما. وكرره للتفصيل.
٩ وقيل: يحتمل أن يكون المراد «بالرحمن الرحيم»، في البسملة، هو المتجلّي بصور الأعيان الثابتة، بفيضه الأقدس. فانه تعالى، باعتبار عموم هذا الفيض وإطلاقه، هو «الرحمن». وباعتبار تخصصه وتخصصه، هو «الرحيم». والمراد بهما فيما بعدها، هو المتجلي بصور الأعيان الوجودية، بالاعتبارين المذكورين.
وقيل: ذكر الرحمة بعد ذكر «العالمين» وقبل ذكر( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ،
__________________
(١) موجود في المصدر.
(٢) ليس في ر.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) عيون الأخبار ١ / ٣٠٠.
(٥) المصدر: دفعت.
(٦) ما بين القوسين يوجد في أ.
ينطوي على فائدتين عظيمتين، في تفصيل مجاري الرحمة :
إحداهما: تنظر إلى الرحمة في خلق العالمين. وأنه خلقه على أكمل أنواعها وأتاها كلما احتاجت اليه.
وأخراهما: يشير إلى الرحمة في المعاد، يوم الجزاء، عند الانعام بالملك المؤبد، في مقابلة كلمة وعبادة.
وهو يلائم ما ورد من قولهم: يا رحمن الدنيا ورحيم الاخرة، حيث قورن «الرحمن»، «برب العالمين»، المشير إلى المبدأ، و «الرحيم»، «بملك يوم الدين»، المشير إلى المعاد.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : فيما ذكره الفضل من العلل عن الرضا ـ عليه السلام ـ أنه قال ـ بعد أن شرح رب العالمين:( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، استعطاف، وذكر لآلائه ونعمائه، على جميع خلقه.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٢) : في الموثق، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ، أنه قال ـ بعد أن شرح( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) : «الرحمن»، بجميع خلقه.
«الرحيم»، بالمؤمنين خاصة.
(وفي الحديث(٣) : إذا قال العبد:( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، قال الله تعالى: شهد لي بأني( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . أشهدكم لأوفرنّ من رحمتي حظه، ولأجزلن من عطائي نصيبه)(٤) .
( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) : وقرئ «مالك» و «ملك» ـ بتخفيف اللام ـ، و «ملك»، بصيغة الفعل. ونصب «اليوم».
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٠٣، مقطع من ح ٩٢٧، عيون الأخبار ٢ / ١٠٧.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٨.
(٣) عيون الأخبار ١ / ٣٠٠.
(٤) بين القوسين غير موجود في ر.
وملك ومالك، بالنصب على المدح والحال. ويحتمل النداء.
و «مالك»، بالرفع، منوّنا ومضافا، على أنه خبر مبتدأ محذوف.
ويعضد قراءته على إسم الفاعل، قوله تعالى:( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) (١) . وعلى الصفة المشبّهة، قوله تعالى:( لِمَنِ الْمُلْكُ ) (٢) . وهي أولى. لأنه قراءة أهل الحرمين. ولأن بعض معاني «الرب»، هو المالك.
فذكره ثانيا، لا يخلو عن تكرار. ولان الاخر وهو سورة الناس، نظير الأول.
والمذكور فيها بعد ذكر «الرب» هو «الملك». لا «المالك». ولأن للملك، زيادة عموم، ليست للمالك. لأن ما تحت حياطة الملك، من حيث أنه ملك، أكثر مما تحت حياطة المالك.
فان الشخص، يوصف بالمالكية، نظرا إلى أقل قليل. ولا يوصف بالملكية، إلّا بالنظر إلى أكثر كثير» وللتناسب الحاصل بينه وبين الآيتين الأولتين.
ويوم الدين: يوم الجزاء. وقيل(٣) : زمان الجزاء. ومنه: كما تدين تدان. وبيت الحماسة: ولم يبق سوى العدوان دنّاهم كما دانوا».
وفي اختياره على سائر الأسامي، رعاية للفاصلة، وافادة للعموم. فان الجزاء، يتناول جميع أحوال القيامة، إلى السرمد.
و «للدين» معان أخر، مثل العبادة والطاعة والشريعة والشأن.
و «دانه» ـ في اللغة ـ: أذلّه واستعبده وساسة وملكه.
ويمكن حمله على كل واحد، بل على الكل بالمرة. وقد يظهر وجهه بصدق التأمّل.
__________________
(١) الانفطار / ١٩.
(٢) غافر / ١٦.
(٣) الكشاف ١ / ١١، أنوار التنزيل ١ / ٨.
واما اضافة( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، فمن قبيل اضافة الصفة المشبّهة، إلى غير معمولها. كما في «رب العالمين». فتكون حقيقية، لا لفظية. فان اللفظية، اضافتها إلى الفاعل. لا غير. فيصح جعله صفة لله.
وأما اضافة( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) [فمن قبيل اضافة إسم الفاعل إلى الظرف، على سبيل التجويز. وهي أيضا حقيقية. لان المراد به الاستمرار أو الماضي لا الحال أو الاستقبال. ويصح جعل مالكية اليوم مستمرة، مع أن يوم الدين](١) وما فيه، ليس مستمرا في جميع الأزمنة، لكونه لتحقق وقوعه وبقائه أبدا، كالمتحقق المستمر كما يصح جعله لتحقق وقوعه. كالماضي. وتخصيص «اليوم»، بالاضافة، اما لتعظيمه أو لتفرده تعالى، بنفوذ الأمر فيه.
ولما دل بلامي التعريف والاختصاص، على أن جنس الحمد، مختص به، وحق له، أجرى عليه تلك الأوصاف العظام، ليكون حجة قاطعة، على انحصار الحمد فيه، واستحقاقه إياه، فذكر أولا: ما يتعلق بالابداء، من كونه ربّا مالكا للأشياء، كلها، بافاضة الوجود عليها، وأسباب الكمالات لها.
وثانيا: ما يتعلق بالبقاء، من اسباغه عليها، نعما ظاهرة وباطنة جليلة ودقيقة.
وثالثا: ما يتعلق بالاعادة من كونه مالكا للأمر، كله، يوم الجزاء. فلا يستأهل غيره أن يحمد فضلا عن أن يعبد.
(وفي تفسير علي بن إبراهيم(٢) : في الموثق، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ انه بعد أن شرح( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، قال: يوم الحساب.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٨.
وفي مجمع البيان(١) : وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ الله تعالى، منّ عليّ بفاتحة الكتاب ـ إلى قول( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ـ قال جبرئيل: ما قاله مسلم إلّا صدّقه الله وأهل سمائه.
وفيه(٢) : وقيل: «الدين»: الحساب.
وهو المروي عن أبي جعفر ـ عليه السلام.
وفي أصول الكافي(٣) : بإسناده إلى الزهري، قال: كان علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ إذا قرأ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، يكررها حتى كاد(٤) أن يموت.
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وفيما ذكره الفضل من العلل، عن الرضا ـ عليه السلام ـ، انه قال:( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، اقرار له بالبعث [والحساب](٦) والمجازاة. وإيجاب ملك الاخرة له، كإيجاب ملك الدنيا.
وفي شرح الآيات الباهرة:(٧) قال الامام الحسن العسكري عليه السلام(٨) : قال، أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: يوم الدين، هو يوم الحساب.
سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول: ألا أخبركم بأكيس الكيسين وأحمق الحمقى؟.
قالوا: بلى يا رسول الله!
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣١.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٤.
(٣) الكافي ٢ / ٦٠٢، ح ١٣.
(٤) النسخ: يكاد، والمتن موافق المصدر.
(٥) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٠٣، ضمن ح ٩٢٧، عيون الأخبار ٢ / ١٠٧.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
(٨) تفسير العسكري ١٧.
قال: أكيس الكيسين، من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت. وان أحمق الحمقى، من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله تعالى الأماني.
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! فكيف يحاسب الرجل نفسه؟
قال: إذا أصبح ثم أمسى، رجع إلى نفسه، فقال: يا نفس! ان هذا يوم مضى عليك، لا يعود اليك، أبدا. والله تعالى يسألك عنه(١) ، بما أفنيته وما الذي عملت فيه. أذكرت الله؟ أحمدته(٢) ؟ أقضيت «حق أخ»(٣) مؤمن؟ أنفّست عنه كربته؟ أحفظته بظهر الغيب في أهله وولده؟ أحفظته بعد الموت في مخلفيه؟
أكففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك؟ أأعنت مسلما؟ ما الذي صنعت فيه؟ فيذكر ما كان منه. فان ذكر أنه جرى منه خير، حمد الله تعالى وشكره(٤) ، على توفيقه.
وان ذكر معصية أو تقصيرا، استغفر الله تعالى. وعزم على ترك معاودته. ومحى ذلك عن نفسه، بتجديد الصلاة على محمد وآله الطيبين، وعرض بيعة أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ على نفسه وقبولها(٥) لها، واعادة لعن أعدائه وشانئيه ودافعيه عن حقوقه. فإذا فعل ذلك، قال الله ـ تعالى عز وجل ـ: لست أناقشك في شيء من الذنوب، مع موالاتك أوليائي ومعاداتك أعدائي.
وفي تفسير العياشي(٦) : عن محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنه كان يقرأ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، عن فرقد.
قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقرأ ما لا أحصى( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) .
__________________
(١) أ: منه.
(٢) المصدر: حمدته.
(٣) المصدر وأ: حوائج، وهو الظاهر.
(٤) المصدر: كبره.
(٥) المصدر: قيوله.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٢. وهي ليس في أ.
وفي الحديث(١) : إذا قال العبد:( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، قال الله تعالى: أشهدكم كما اعترف بأني مالك يوم الدين، لأسهّلن يوم الحساب، حسابه. ولأثقّلن حسناته.
ولأتجاوزن عن سيّئاته)(٢) .
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) : ذهب الزجاج، إلى أن «ايّا»، مظهر مبهم، أضيف إلى الشيء بعده، ازالة لابهامه. وكان «إياك» بمعنى، نفسك.
والخليل، إلى أنه مضمر مضاف إلى ما بعده. واحتج بما حكاه عن بعض العرب إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وأيا الشواب.
ورد بأن الضمير لا يضاف، وما نقل عن بعض العرب، شاذ. لا يعتمد عليه.
وابن كيسان وبعض الكوفيّة، إلى أن الكاف وأخواته، هي الضمائر التي كانت متصلة. و «أيا» دعامة لها، لتصيّرها منفصلة.
وقوم من الكوفة، إلى أن «إياك» بكماله هو الضمير.
والأخفش، إلى أن «أيا» ضمير منفصل، ولواحقه حروف، لا محل لها من الاعراب، تدل على أحوال ما أريد به من الخطاب والتذكير والافراد وما يقابلها(٣) .
وقرئ «إياك»، بتخفيف الياء. و «أياك»، بفتح الهمزة، وتشديد الياء.
و «هياك» بقلبها هاء.
و «العبادة»، هي أقصى غاية الخضوع والتذلل. ومنه. طريق معبد، أي: مذلل. وثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة. ولذلك لا يستعمل إلّا في الخضوع لله.
«والاستعانة»، طلب المعونة. وهي اما ضرورية، لا يتأتى الفعل بدونه.
__________________
(١) عيون الأخبار ١ / ٣٠١.
(٢) ما بين القوسين مشطوب في المتن وغير موجود في ر.
(٣) ر. الكشاف ١ / ١٣، مجمع البيان ١ / ٢٥.
كاقتدار الفاعل وتصوّره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها. وعند استجماعها، يوصف الرجل بالاستطاعة. ويصح أن يكلف بالفعل وغير ضرورية، يسهل الفعل به، كالراحلة في السفر، للقادر على المشي. أو يقرب الفاعل إلى الفعل. ويحثّه عليه. وهذا القسم، لا يتوقف عليه، صحة التكليف. هكذا قيل، يقال: استعانه واستعان به، بمعنى. وإنّما اختبر استعماله بلا واسطة الحرف اشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى بينه وبين الحق سبحانه، واسطة، في الاستعانة، بأن يقصر نظره عليه، أو يرى الوسائط منه.
وتقديم المفعول، لقصد الاختصاص.
وتكريره، ليكون نصا في اختصاص كل من العبادة والاستعانة به سبحانه.
وفي إيراد «إياك» دون «إياه»، كما هو مقتضى الظاهر، التفات من الغيبة إلى الخطاب. ومن النكتة الخاصة، في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، في هذا المقام، بعد اشتماله على فائدة عامة، من جهة المتكلم، وهي التصرف والافتنان في وجود الكلام واظهار القدرة عليها، ومن جهة المخاطب، وهي تطرية نشاطه في سماع الكلام، وايقاظه للإصغاء اليه. أنه لـمّا قيل: «إياك» بدل «إياه»، فقد نزل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة التي أوجب تميزه وانكشافه، حتى صار كأنه تبدل خفاء غيبته، بجلاء حضوره، منزلة المخاطب في التمييز والظهور.
ثم أطلق عليه، ما هو موضوع للمخاطب. ففي إطلاقه ملاحظة لتلك الأوصاف فصار الحكم، مرتبا على الأوصاف. كأنه قيل: أيها الموصوف المتميز بهذه الأوصاف! نخصك بالعبادة، والاستعانة.
فيفهم منه، عرفا، أن العبادة والاستعانة، لتميزه بتلك الصفات.
ومنها: التنبيه على أنّ القراءة، إنّما يعتد بها، إذا صدرت عن قلب حاضر وتأمل وافر، يجد القارئ، في ابتداء قراءته، محركا. نحو الإقبال على منعمه،
الذي أجرى حمده على لسانه. ثم يزداد قوة ذلك المحرك، بحسب اجراء تلك الصفات العظام، حتى إذا آل الأمر إلى خاتمتها، أوجب إقباله عليه، وخطابه بحصر العبادة والاستعانة فيه.
ومنها: الاعلام بأن «الحمد» «والثناء»، ينبغي أن يكون على وجه، يوجب ترقّي الحامد، من حضيض، بعد الحجاب والمغايبة، إلى ذروة قرب المشاهدة والمخاطبة.
ومنها: الاشارة إلى أن العبادة المستطابة والاستعانة المستجابة، في مقام العبودية، إنّما يليق بهما، ان تعبد ربك كأنك تراه وتخاطبه.
ومنها: الاشارة إلى أنه ينبغي أن يكون تالي كلامه سبحانه، بحيث يتجلى له المتكلم فيه، ويصير مشهودا له. فيخاطبه بتخصيص العبادة والاستعانة به.
كما روي عن الصادق ـ عليه السلام ـ(١) ، أنه قال: لقد تجلى الله تعالى لعباده(٢) في كلامه. ولكن لا يبصرون.
وعنه(٣) ـ أيضا ـ: انه خرّ مغشيا عليه ـ وهو في الصلاة ـ فسئل عن ذلك.
فقال: ما زلت أردد الاية، حتى سمعتها من المتكلم بها.
والضمير المستكن في الفعلين، للقارئ ومن معه، من الحفظة أو حاضري الجماعة، أو له ولسائر الموحدين، أو له، فقط، لاستجماعه القوى والحواس.
فكان(٤) لكل منها عبادة واستعانة. (أو لأن العبادة، وسيلة)(٥) .
قيل: أو لوصوله إلى مقام الجمع. فيرى العبادات والاستعانات، كلها ،
__________________
(١) المحجة البيضاء ٢ / ٢٤٧، نقلا عن أسرار الصلاة، للشهيد / ٢٠٤.
(٢) المصدر: لخلقه.
(٣) بحار الأنوار ٨٤ / ٢٤٧ ح ٣٩ نقلا عن فلاح السائل.
(٤) ر: فكأنه.
(٥) ما بين القوسين يوجد في أ.
صادرة عنه.
وتقديم العبادة على الاستعانة، لرعاية الفاصلة. أو لأن العبادة، وسيلة إلى الاستعانة، ان كان المراد بها الاستعانة على ما عدا العبادة، من المهمات. ولا شك أن تقديم الوسيلة، أدخل في استيجاب الاجابة، وان كان المراد بها، الاستعانة على العبادة، أو الاستعانة، مطلقا، بحيث يدخل فيه العبادة، أيضا.
فوجه تقديمها ظاهر، أيضا. لأنها مقصودة بالنسبة إلى الاستعانة. وان كان طلب المعونة على الشيء، مقدّما عليه.
وقيل: لا يبعد أن يجعل العبادة، اشارة إلى الفناء في الله. لأن غاية الخضوع، هي الرجوع إلى العدم الأصلي. والاستعانة، اشارة إلى طلب البقاء، بعد الفناء، لتيسر السير في الله. وحينئذ وجه التقديم، ظاهر، كما لا يخفى. وفيه ما لا يخفى.
وانما أطلق الاستعانة، ولم يقيدها بكل مستعان فيه ولا ببعض، ليحتمل الكل، ويحمله القارئ على ما يناسب حاله.
«وقرئ «نستعين»، بكسر النون، وهي لغة تميم. فإنهم يكسرون حروف المضارعة، سوى الياء، إذا لم ينضم ما بعدها»(١) .
«وقيل: الواو للحال. والمعنى نعبدك: مستعينين بك»(٢) .
فأقول: لـمّا نسب المتكلم العبادة إلى نفسه، أو هم ذلك تبجّحا واعتدادا منه، بما صدر عنه. فعقّبه بقوله: «وإياك نستعين»، ليدل على أن العبادة: أيضا ـ مما لا يتم ولا يستتب، إلّا بمعونة الله.
(وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وفيما ذكره الفضل من العلل عن الرضا ـ
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ٩.
(٢) نفس المصدر.
(٣) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٠٣ ـ ٢١٤، ضمن ح ٩٢٧، عيون الأخبار ٢ / ١٠٧.
عليه السلام: إياك نعبد، رغبة وتقرب إلى الله تعالى ذكره، واخلاص له بالعمل، دون غيره. و «إياك نستعين»، استزادة من توفيقه وعبادته واستدامة، لما أنعم الله عليه ونصره.
وفي مجمع البيان(١) : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ منّ عليّ بفاتحة الكتاب ـ إلى قوله ـ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ، اخلاص للعبادة.
( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، أفضل ما طلب به العباد، حوائجهم.
وفي تفسير العياشي(٢) : عن الحسن بن محمد الجمّال، عن بعض أصحابنا، قال: بعث عبد الملك بن مروان إلى عامل المدينة، أن وجه إليّ محمد بن علي بن الحسين ولا تهيجه ولا تروعه. واقض له حوائجه. وقد كان ورد على عبد الملك، رجل من القدرية. فحضر جميع من كان بالشام. فأعياهم جميعا.
فقال: ما له(٣) إلّا محمد بن عليّ.
فكتب إلى صاحب المدينة، أن يحمل محمد بن عليّ إليه. فأتاه صاحب المدينة، بكتابه.
فقال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج. وهذا جعفر، ابني، يقوم مقامي. فوجّهه إليه.
فلما قدم على الأموي ازدراه(٤) لصغره. وكره أن يجمع بينه وبين القدري، مخافة أن يغلبه. وتسامع الناس، بالشام، بقدوم جعفر، لمخاصمة القدري. فلما كان من الغد، اجتمع الناس، لخصومتهما.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣١.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٣، ح ٢٤.
(٣) المصدر: لهذا.
(٤) المصدر: إذ دراه.
فقال الأموي لأبي عبد الله ـ عليه السلام: إنّه قد أعيانا، أمر هذا القدري. وإنّما كتبت إليك لأجمع بينك وبينه. فانه لم يدع عندنا أحدا، إلّا خصمه.
فقال: إنّ الله يكفيناه.
[قال :](١) فلما اجتمعوا قال القدري لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: سل عما شئت! فقال له: إقرأ سورة الحمد! قال: فقرأها. فقال الأموي ـ أنا معه: ما في سورة الحمد علينا.( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه راجِعُونَ ) . [قال :](٢) فجعل القدري يقرأ سورة الحمد، حتى بلغ قول الله ـ تبارك وتعالى ـ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
فقال له جعفر ـ عليه السلام: قف! بمن تستعين؟ وما حاجتك إلى المعونة؟ إنّ الأمر إليك.( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (٣) .
وفي كتاب الاحتجاج، للطبرسي(٤) ـ رحمه الله ـ حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وفيه: يقول لأصحابه: قولوا! إياك نعبد، أي: [نعبد](٥) وحدك(٦) . ولا نقول كما قالت الدهرية: إنّ الأشياء لا بدء لها، وهي دائمة. ولا كما قالت الثنوية «الذين قالوا»(٧) : إنّ النور والظلمة، هما المدبران. ولا كما قال مشركو العرب: إنّ أوثاننا، آلهة.
فلا نشرك بك شيئا. ولا ندعو من دونك إلها كما يقول هؤلاء الكفار، «ولا
__________________
(١ و ٢) يوجد في المصدر.
(٣) البقرة / ٢٥٨.
(٤) الاحتجاج ١ / ٢٥.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: واحدا.
(٧) ليس في المصدر.
كما تقول النصارى واليهود»(١) ، أنّ لك ولدا. تعاليت عن ذلك «علوا كبيرا»(٢) .
وفي شرح الآيات الباهرة: قال الامام(٣) ـ عليه السلام:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، قال: قال الله تعالى: قولوا أيّها الخلق المنعم عليهم:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) أيّها المنعم علينا. ونطيعك مخلصين، مع التذلل والخضوع، بلا رياء ولا سمعة. وإياك نستعين، منك نسأل المعونة على طاعتك، لنؤديها كما أمرت. ونتّقي من دنيانا، ما «عنه نهيت»(٤) . ونعتصم من الشيطان [الرجيم](٥) ومن سائر مردة [الجن و](٦) الانس، المضلين و [من](٧) المؤذين الظالمين، بعصمتك)(٨) .
(وفي الحديث(٩) : إذا قال العبد: إياك نعبد، قال الله: صدق عبدي، اياي يعبد. أشهدكم، لأثيبه على عبادته، ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي.
فإذا قال: وإياك نستعين، قال الله: بي استعان. والي التجأ. أشهدكم «لأعيننّه في شدائده(١٠) ولآخذن بيده، يوم نوائبه)(١١) .
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) : بيان للمعونة المطلوبة، أو افراد، لما هو المقصود الأعظم.
و «الهداية»: دلالة، بلطف. ولذلك يستعمل في الخير. فقوله تعالى :
__________________
(١) المصدر: لا نقول كما قالت اليهود والنصارى.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) تفسير العسكري / ١٨.
(٤) المصدر: نهيت عنه.
(٥ و ٦ و ٧) يوجد في المصدر.
(٨) ما بين القوسين ليس في أ.
(٩) عيون الأخبار ١ / ٣٠١.
(١٠) المصدر: لأعيننه على أمره ولأغيثنه في شدائده.
(١١) ما بين القوسين مشطوب في المتن وليس في ر.
( فَاهْدُوهُمْ إلى صِراطِ الْجَحِيمِ ) (١) ، على التهكّم. ومنه «الهداية»، وهوادي الوحش لمقدماتها. والفعل منه هدى. وأصله أن يعدى باللام و «الى». فعومل معه، معاملة «أختار»، في قوله تعالى:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) (٢) (٣) .
ومن هنا يظهر أن لا فرق بين المتعدي بنفسه والمتعدي بالحرف.
لكن، نقل عن صاحب الكشاف: إنّ هداه لكذا والى كذا، إنّما يقال: إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية اليه. وهداه كذا، لمن يكون فيه. (فيزداد أو يثبت ولمن لا يكون فيصل. وقد يقال لا نزاع في الاستعمالات الثلاث، إلّا أنّ منهم، من فرق بأن معنى المتعدي بنفسه، هو الإيصال إلى المطلوب، ولا يكون إلّا فعل الله. فلا يسند إلّا إليه. كقوله:( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) (٤) . ومعنى المتعدي بحرف الجر، هو الدلالة على ما يوصل اليه. فيسند تارة إلى القرآن وأخرى إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ.
«قيل»(٥) وهداية الله تعالى، تتنوع أنواعا. لا يحصيها عدّ. لكنها تنحصر في أجناس مترتبة :
الأول ـ افاضة القوى التي يتمكن بها من العبد، الاهتداء إلى مصالحه، كالقوى العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
والثاني ـ نصب الدلائل الفارقة، بين الحق والباطل، والصلاح والفساد.
والثالث ـ الهداية بإرسال الرسل وانزال الكتب.
الرابع ـ أن يكشف على قلوبهم السرائر. ويريهم الأشياء، كما هي، بالوحي
__________________
(١) الصافات / ٢٣.
(٢) الاعراف / ١٥٥.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ٩.
(٤) العنكبوت / ٦٩.
(٥) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٠ ـ ٩.
والمنامات الصادقة. وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء.
وطلب الهداية وغيرها، من المطالب قد يكون بلسان القول. وقد يكون بلسان الاستعداد. فما يكون بلسان الاستعداد، لا يتخلف عنه المطلوب. وما يكون بلسان القول ووافقه الاستعداد، استجيب. وإلّا فلا.
فان قلت: فعلى هذا، لا حاجة إلى لسان القول.
قلت: يمكن أن يحصل في بعض استعداد المطلوب، من الطلب بلسان القول.
فالاحتياط أن لا يترك الطالب الطلب، بلسان القول. فبالنسبة إلى بعض المراتب، يطلب بلسان الاستعداد، وفي بعضها بلسان القول ـ انتهى كلامه.
وطلب الهداية، بعد الاهتداء، فان من خصص «الحمد»، بالله سبحانه.
وأجرى عليه تلك الصفات العظام. وحصر العبادة والاستعانة فيه، كان مهتديا، محمول على طلب زيادة الهداية أو الثبات عليها.
وقيل: إذا كان السالك، في مقام السير إلى الله، ولم يصل إلى مطلوبه، فلا شك أن بينه وبين مطلوبه، مسافة، ينبغي أن يقطعها، حتى يصل اليه، فلا بد له من طلب الهداية، ليقطع تلك المسافة. وإذا كان في السير في الله، فليس لمطلوبه نهاية. ولا ينتهي سيره أبد الآبدين، فلا بد له ـ أيضا ـ من طلب الهداية.
ولا يخفى عليك، أن هذا وما سبق من التأويل وما سيأتي منه مبني على ما ذهب إليه الصوفية، من الأصول الفاسدة. والغرض من نقله، الاطلاع على فساده.
فبالجملة، لا بد من طلبها، وان كانت حاصلة في بعض المراتب. وهذه الصيغة، موضوعة لطلب الفعل، مطلقا. لكنّه من الأعلى أمر، ومن الأدنى دعاء، ومن المساوي التماس. واعتبر بعضهم في الامر الاستعلاء، وفي الدعاء التضرع، وفي الالتماس عدمهما.
و «السراط»: الجادة. سمي به على ما توهم أنه يبتلع سالكه، أو يبتلعه سالكه. كما يقال: أكلته المفازة، إذا أضمرته، أو أهلكته. وأكل المفازة إذا
قطعها. ولذلك سمي باللقم، لأنه يلتقمهم أو يلتقمونه.
وقيل: يناسب ابتلاع الصراط السالك، السير إلى الله. فان هذا السير، ينتهي إلى فناء السالك، وذلك هو ابتلاع الصراط ايّاه. وابتلاع السالك الصراط، يناسب السير في الله. فان السالك حينئذ، يبقى ببقاء الله سبحانه. ويسير في صفاته. ويتحقق بها. فكأنه يتبلعها ويتغذى بها.
و «الصراط»، من قلب السين، صادا، لأجل الطاء. لأنها مستعلية. فتوافقها الصاد، لكونها ـ أيضا ـ من المستعلية. بخلاف السين، فإنها من المنخفضة. ففي الجمع بينهما، بعض الثقل. ويشم الصاد، صوت الزاي، ليكتسى بذلك نوع جهر فيزداد قربها من الطاء. وقيل: ليكون أقرب إلى المبدل عنه. وقرئ بهن، جميعا.
والأفصح، اخلاص الصاد. وهي لغة قريش. والجمع، سرط، ككتب.
و «الصراط»، يذكر ويؤنث، كالطريق،(١) ، والسبيل. وقرأ ابن مسعود، أرشدنا.
قيل: المراد «بالمستقيم»، ما يؤدي إلى المقصود، سواء كان أقرب الطرق، أم لا. فغير المستقيم، ما لا يؤدي إلى المقصود، أصلا.
أو المراد، أقرب الطرق، إلى المقصود. فان أقرب خط، وصل بين نقطتين، هو المستقيم. فغير المستقيم، على هذا، لا يجب أن يكون من طرق الضلال المطلق. بل يكون أعم.
أو المراد به، أعدل الطرق، وهو غير المائل عنه، يمنة ويسرة.
قيل: فطلب الهداية إلى الأول، يناسب أهل السعادة، مطلقا.
والى الثاني، يناسب المتوجهين اليه، بالوجه الخاص. فانه أقرب الطرق.
والى الثالث، يناسب طالبي مرتبة الجمع بين الجمع والفرق. فان طريقهم، غير مائل إلى يمين الجمع ولا إلى يسار الفرق.
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٠.
وقيل(١) : المراد به، ملة الإسلام.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وفي ما ذكره الفضل من العلل، عن الرضا ـ عليه السلام ـ أنه قال:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، استرشاد لدينه. واعتصام بحبله.
واستزادة في المعرفة، لربه ـ عز وجل ـ ولعظمته وكبريائه.
وفي مجمع البيان(٣) ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ الله تعالى، منّ عليّ بفاتحة الكتاب ـ إلى قوله ـ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، صراط الأنبياء.
وهم الذين أنعم الله عليهم.
وفيه(٤) : قيل في معنى «الصراط» وجوه. أحدها، أنه كتاب الله. وهو المروي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وعن علي ـ عليه السلام.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٥) : في الموثق، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: الطريق ومعرفة الامام.
وبإسناده(٦) ، إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: والله! نحن الصراط المستقيم.
وفي كتاب المعاني الأخبار(٧) : بإسناده، إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله عز وجل( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (٨) ، وهو أمير المؤمنين ـ
__________________
(١) ر. الكشاف ١ / ١٥، أنوار التنزيل ١ / ١٠
(٢) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٠٤.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣١.
(٤) نفس المصدر.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٨.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٦٦.
(٧) معاني الاخبار / ٢٨، ح ٣.
(٨) يوجد في المصدر، وهي في الزخرف / ٤.
عليه السلام ـ في أم الكتاب في قوله ـ عز وجل ـ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) .
وبإسناده(١) ، إلى المفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن «الصراط».
فقال: هو الطريق إلى المعرفة الله ـ عز وجل. وهما صراطان، صراط في الدنيا، وصراط في الاخرة.
فأما الصراط [الذي](٢) في الدنيا، فهو الامام المفترض الطاعة. من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه، مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الاخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الاخرة. فتردى في نار جهنم.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) : ـ أيضا ـ بإسناده إلى حفص بن غياث، قال وصف أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ «الصراط»، فقال: ألف سنة، صعود، وألف سنة، هبوط، وألف سنة، حذاك(٤) .
والى سعدان بن مسلم(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن «الصراط».
قال: هو أدق من الشعر وأحد من السيف. فمنهم من يمر عليه، مثل البرق.
ومنهم من يمر عليه، مثل عدو الفرس. ومنهم من يمر عليه، ماشيا. ومنهم من يمر عليه، حبوا. ومنهم من يمر عليه متعلقا، فتأخذ النار منه شيئا وتترك منه شيئا.
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٨، ح ١.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٩.
(٤) المصدر: حدال.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) ـ أيضا ـ بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: الصراط المستقيم، أمير المؤمنين.
حدثنا(٢) محمد بن القسم(٣) الأسترآبادي المفسر. قال: حدثني يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار(٤) ، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ في قوله:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ما مضى من(٥) أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.
والصراط المستقيم، هو الصراطان: صراط في الدنيا، وصراط في الاخرة.
فأما الطريق المستقيم(٦) ، في الدنيا، فهو ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير، واستقام، فلم يعدل إلى شيء من الباطل.
و(٧) الطريق الاخر، [فهو](٨) طريق المؤمنين، إلى الجنة، الذي هو مستقيم.
لا يعدلون عن الجنة إلى النار، ولا إلى غير النار، سوى الجنة.
قال: وقال جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السلام ـ في قوله ـ عز وجل:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: يقول: أرشدنا الصراط المستقيم. أرشدنا للزوم
__________________
(١) معاني الاخبار / ٢٨، ح ٢.
(٢) نفس المصدر / ٢٩، ح ٤.
(٣) المصدر: القاسم.
(٤) المصدر: يسار.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: وأما الصراط المستقيم.
(٧) المصدر: وأما.
(٨) يوجد في المصدر.
الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ دينك، والمانع من أن نتبع هوانا(١) ، فنعطب، أو نأخذ بآرائنا، فنهلك.
وبإسناده(٢) إلى محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: حدثني ثابت الثمالي، عن سيد العابدين، علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ قال: نحن أبواب الله. ونحن الصراط المستقيم.
وبإسناده(٣) إلى سعد بن طريف، عن أبى جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: يا علي! إذا كان يوم القيامة، أقعد أنا وأنت وجبرئيل، على الصراط. فلم يجز أحد إلّا من كان معه كتاب، فيه براءة بولايتك.
وفي أصول الكافي(٤) : بإسناده إلى أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: أوحى الله تعالى إلى نبيه ـ صلى الله عليه وآله ـ فاستمسك بالذي أوحى اليك. انك على صراط مستقيم(٥) .
قال: انك على ولاية علي ـ عليه السلام ـ وعلي ـ عليه السلام ـ هو «الصراط المستقيم».
علي بن محمد(٦) عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي ـ عليه السلام ـ قال: قلت :
__________________
(١) المصدر: أهواءنا.
(٢) نفس المصدر / ٣١، ح ٥.
(٣) نفس المصدر / ٣١، ح ٦.
(٤) الكافي ١ / ٤١٦، ح ٢٤.
(٥) الزخرف / ٤٣.
(٦) الكافي ١ / ٤٣٣.
( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١) .
قال: إنّ الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي، كمثل(٢) من يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره. وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم. و( الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ.
وفي شرح الآيات الباهرة(٣) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السّلام ـ فقوله عزّ وجل:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) » يقول: أرشدنا الصراط المستقيم، للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ [الى](٤) جنتك، والمانع من أن نتبع أهواءنا، فنعطب، او نأخذ بآرائنا، فنهلك.
وقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن جبرئيل، عن الله ـ عزّ وجل ـ «أنّه قال»(٥) : يا عبادي! كلكم ضال، إلّا من هديته. فسلوني الهدى أهدكم.
ومنه: يا عبادي! اعملوا أفضل الطاعات وأعظمها لأسامحكم(٦) ، وإنْ قصرتم فيما سواها. واتركوا أعظم المعاصي وأقبحها لئلا(٧) أناقشكم في ركوب ما عداها.
إنّ أعظم الطاعات، توحيدي وتصديق نبيي والتسليم لمن نصبه بعده، وهو عليّ بن أبي طالب والائمة الطاهرون ـ عليهم السّلام ـ من نسله. وإنّ أعظم المعاصي
__________________
(١) الملك / ٢٢.
(٢) المصدر: كمن
(٣) تأويل الآيات الباهرة / ٥.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: قل.
(٦) المصدر: لأني مسامحكم.
(٧) المصدر: لأني لا.
عندي، الكفر بي وبنبيي ومنابذة وصي محمد من بعده، علي بن أبي طالب وأوليائه بعده. فان أردتم أن تكونوا عندي، في المنظر الأعلى، والشرف الأشرف، فلا يكونن أحد من عبادي آثر عنده من محمد، وبعده من أخيه علي، وبعدهما من أبنائهما، القائمين بأمور عبادي، بعدهما. فان من كانت تلك عقيدته، جعلته من أشراف ملوك جناتي.
واعلموا ان أبغض الخلق الي، من تمثل بي وادعى ربوبيتي. وأبغضهم الي بعده، من تمثل بمحمد ونازعه نبوته، وادعاها. وأبغضهم الي بعده، من تمثل بوصي محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ ونازعه محله وشرفه، وادعاهما. وأبغض الخلق الي من بعد هؤلاء، المدعين لما به(١) لسخطي، يتعرضون من كان لهم على ذلك من المعاونين. وأبغض الخلق الي بعد هؤلاء، من كان بفعلهم من الراضين وان لم يكن لهم من المعاونين.
وكذلك أحب الخلق الي، القوامون بحقي. وأفضلهم لدي وأكرمهم عليّ، محمد، سيد الورى، وأكرمهم وأفضلهم بعده، علي، أخو المصطفى، المرتضى ثم بعدهما، القوامون بالقسط، من(٢) أئمة الحق. وأفضل الناس بعدهم، من أعانهم على (حقّهم. وأحبّ الخلق إلي)(٣) بعدهم، من أحبّهم وأبغض أعداءهم وإنْ لم يمكنه معونتهم.
( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) : بدل من الاول، بدل الكل، لفائدتين :
إحداهما: التأكيد بذكر «الصراط»، مرتين، لفظا. وتكرير العامل، تقديرا.
ويلزمهما تكرير النسبة.
__________________
(١) المصدر: فيه.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
وثانيتهما: الإيضاح بتفسير المبهم. وفيه ـ أيضا ـ نوع تأكيد. فان ذكر الشيء مبهما وتفسيره، يفيد تقريره وتأكيده.
وقرئ «من أنعمت عليهم». و «عليهم» في محل النصب، على المفعولية.
و «الانعام»، إيصال النعمة. وهي في الأصل، الحالة التي يستلذها الإنسان.
فأطلقت على ما يستلذه، من النعمة، وهي التنعم. ونعم الله وان كانت لا تحصى كما قال:( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) (١) ، تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي.
والأول قسمان: موهبي وكسبي.
والموهبي قسمان: روحاني، كالروح وما يتبعه من القوى، كالفهم والفكر والنطق. وجسماني، كالبدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء.
والكسبي: تزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة، والحلي المستحسنة، وحصول الجاه والمال.
والثاني: إنّ يغفر ما فرط منه، ويرضى عنه، ويبوّؤه في أعلى عليين، مع الملائكة المقربين، أبد الآبدين.
والمراد، هو القسم الأخير وما يكون وصلة إلى نيله من القسم الآخر. وما عدا ذلك، يشترك فيه المؤمن والكافر. فالمراد بالمنعم عليهم، هم المؤمنون ـ مطلقا.
وأطلق الانعام ولم يقيد بنعمة خاصة، ليشمل كل انعام. ووجه صحة الشمول هو ادعاء أن من أنعم الله عليه، بنعمة الإسلام، لم يبق نعمة إلّا أصابته. وقيل: الأنبياء ـ عليهم السلام ـ وقيل: أصحاب موسى)(٢) وعيسى – عليهما السلام ـ قبل التحريف
__________________
(١) إبراهيم / ٤٣.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
والنسخ.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) : بإسناده إلى جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ قال: قول الله ـ عز وجل ـ في «الحمد»:( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، يعني: محمدا وذريته ـ صلوات الله عليهم.
حدثنا(٢) محمد بن القاسم الأسترآبادي [، المفسر](٣) : حدثني يوسف بن «المتوكل، عن»(٤) محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ في قول الله تعالى:( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، أي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، بالتوفيق لدينك وطاعتك.
وهم الذين قال الله ـ عز وجل(٥) :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ، فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) .
وحكى هذا بعينه عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قال: ثم قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحة البدن. وان كان كل هذا، نعمة من الله، ظاهرة. ألا ترون أن هؤلاء، قد يكونون كفارا أو فساقا. فما ندبتم إلى أن تدعوا، بان ترشدوا إلى صراطهم. وإنّما أمرتم بالدعاء إلى أن(٦) ترشدوا، إلى صراط الذين أنعم عليهم، بالايمان بالله وتصديق رسوله وبالولاية لمحمد وآله الطيبين وأصحابه
__________________
(١) معاني الاخبار / ٣١، ح ٧.
(٢) نفس المصدر / ٣٢، ح ٩.
(٣) يوجد في ر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) النساء / ٦٩.
(٦) المصدر: بأن.
الخيرين المنتجبين(١) وبالتقية الحسنة التي يسلم بها، من شر أعداء(٢) الله، ومن الزيادة، في آثام أعداء الله وكفرهم، بأن تداريهم(٣) ولا تغريهم(٤) ، بأذاك وأذى المؤمنين، وبالمعرفة، بحقوق الاخوان من المؤمنين.
(حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، قال: حدثنا فرات بن ابراهيم، قال: حدثني عبيد بن كثير، قال: حدثنا(٥) محمد بن مروان، قال: حدثنا عبيد بن يحيى بن مهران العطار، قال: حدثنا محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في قوله الله ـ عز وجل:( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) ، قال: شيعة علي ـ عليه السلام ـ الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ لم يغضب عليهم ولم يضلوا)(٦) .
وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة(٧) : بإسناده إلى خيثمة الجعفي، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ حديث طويل، وفيه يقول ـ عليه السلام ـ: ونحن الطريق الواضح، والصراط المستقيم إلى الله ـ عز وجل. ونحن من نعمة الله على خلقه.
(وفي شرح الآيات الباهرة: ذكر أبو علي الطبرسي ـ رحمه الله ـ في
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: عباد.
(٣) أ: تداويهم.
(٤) المصدر: ولا تعزيهم.
(٥) المصدر: حدثني.
(٦) ما بين القوسين مشطوب في المتن وليس في ر.
(٧) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢٠٥، ح ٢٠.
تفسيره(١) : انهم النبي والأئمة ـ صلوات الله عليهم ـ بدليل قوله:( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ) (٢) . (الاية) ويؤيد ذلك ما جاء في تفسيره(٣) ـ عليه السلام ـ قال الامام ـ صلوات الله عليه:( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، أي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، بالتوفيق لدينك وطاعتك. وهم الذين قال الله:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) وليس هؤلاء المنعم عليهم، بالمال والولد وصحة البدن. وان كان كل ذلك(٤) ، نعمة من الله، ظاهرة.
ألا ترون أن هؤلاء قد يكونون كفارا او فساقا؟ فما ندبتم إلى(٥) أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم. وإنّما أمرتم بالدعاء، أن ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم، بالايمان بالله وتصديق رسوله والولاية(٦) لمحمد وآله الطيبين وأصحابه الخيرين المنتجبين، وبالتقية الحسنة التي تسلم بها من شر أعداء(٧) الله ومن الزيادة(٨) في آثام(٩) أعداء الله، وكفرهم(١٠) بأن تداريهم، ولا تغريهم(١١) بأذاك ولا أذى المؤمنين ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٠.
(٢) النساء / ٦٩.
(٣) تفسير العسكري / ٢٢ ـ ٢٣.
(٤) المصدر: هذا.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: بالولاية.
(٧) المصدر: عباد.
(٨) المصدر: شر الزنادقة.
(٩) المصدر: ايام.
(١٠) المصدر: بكفرهم.
(١١) المصدر: فلا تعزيهم.
وبالمعرفة بحقوق الاخوان من المؤمنين. فانه ما من عبد ولا أمة والى محمدا وآل محمد وأصحاب محمد، وعادى أعداءهم(١) ، إلّا «كانا قد اتخذا»(٢) من عذاب الله حصنا منيعا وجنة حصينة)(٣) .
( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) : بدل من الذين أنعمت عليهم(٤) ، أو صفة له. مبنية، بناء على اجراء الموصول، مجرى النكرة، كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبّني.
أو على جعل «غير المغضوب عليهم» معرفة، بناء على اشتهار المنعم عليهم، بمغايرة( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) ، كما في قولك: عليك بالحركة(٥) ، غير السكون.
أو يقيده(٦) على معنى، أن المنعم عليهم، هم الذين جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الايمان، وبين السلامة من الغضب والضلال.
وقرئ بالنصب، على الحال. وذوي الحال، الضمير في عليهم. والعامل، أنعمت. أو بإضمار أعني. أو بالاستثناء، ان فسر النعم، بما يعم القبيلين.
و «الغضب»: ثوران النفس، ارادة الانتقام. فإذا أسند إلى الله، أريد الانتهاء والغاية.
و «عليهم»، في محل الرفع، على الفاعلية. وإنّما جاء بالانعام، مبنيا للفاعل ،
__________________
(١) المصدر: من عاداهم.
(٢) المصدر: كان قد اتخذ.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) ليس في أو ر.
(٥) ليس في أ.
(٦) أ: يفتده.
ليدل على ثبوت انعام الله، عليهم. وبالغضب، مبنيا للمفعول، لأن(١) طلبت منه الهداية.
ونسب إليه «الانعام»، لا يناسبه نسبة الغضب اليه. لأن المقام، مقام تلطف وترضي(٢) ، لطلب الإحسان. فلا يحسن مواجهته، بصفة الانتقام.
وفي كتاب الأهليلجة(٣) : قال الصادق ـ عليه السلام ـ: وأما الغضب، فهو منّا، إذا غضبنا، تغيرت طبائعنا، وترتعد ـ أحيانا ـ مفاصلنا، وحالت(٤) ألواننا. ثم تجيء(٥) من بعد ذلك بالعقوبات. فسمي «غضبا».
فهذا كلام الناس المعروف.
والغضب شيئان: أحدهما في القلب، وأما المعنى الذي هو في القلب، فهو منفي عن الله ـ جل جلاله، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته، على هذه الصفة.
(وفي كتاب الاحتجاج(٦) ، للطبرسي ـ رحمه الله ـ: وروينا بالأسانيد المقدم ذكرها، عن أبي الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ أن أبا الحسن الرضا قال: إنّ من تجاوز بأمير المؤمنين، العبودية، فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين(٧) .
( وَلَا الضَّالِّينَ ) : وقرئ «وغير الضالين». و «لا» هذه، هي المسماة بالمزيدة، عند البصريين. وهي إنّما(٨) ، تقع بعد الواو، في سياق النفي، للتأكيد
__________________
(١) أ: إلّا من.
(٢) أ: ترقى.
(٣) بحار الأنوار ٣ / ١٩٦.
(٤) أ: مالت.
(٥) أ: يجيء.
(٦) الاحتجاج ٢ / ٢٣٣.
(٧) يوجد في أ.
(٨) ر: وإنّما هي.
والتصريح، بتعلق النفي، بكل من المعطوفين، لئلا يتوهم أن المنفي، هو المجموع، من حيث هو، فيجوز ـ حينئذ ـ ثبوت أحدهما. والنفي الذي، وقعت «لا» بعد الواو، في سياقه، هو ما يتضمنه «غير». تقول: أنا زيدا غير ضارب. مع امتناع قولك: أنا زيدا مثل ضارب. لأنه بمنزلة قولك: أنا زيدا لا ضارب.
وقال الكوفيون: هي بمعنى «غير». وهذا قريب من كونها زائدة. فانه لو صرح «بغير» كان للتأكيد، أيضا.
(وقرئ «ولا الضالون» بالرفع «ولا الضالين»، بالهمزة، على لغة من جد في الهرب، عن التقاء الساكنين)(١) .
و «الضلال»: العدول عن الطريق السويّ ـ عمدا أو خطأ. وله عرض عريض والتفاوت ما بين أدناه وأقصاه، كثير.
قيل(٢) :( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) . اليهود، لقوله تعالى:( لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) (٣) .
و «الضالين»، النصارى، لقوله تعالى:( قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً ) (٤) .
[وقد روى مرفوعا](٥) .
وقيل(٦) : يتجه أن يقال: المغضوب عليهم، العصاة، «والضالون»، الجاهلون بالله. لأن المنعم عليه، من وفق للجمع بين معرفة الحق، لذاته والخير للعمل به.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) ر. البيضاوي، أنوار التنزيل ١ / ١١.
(٣) المائدة / ٦٠.
(٤) المائدة / ٧٧.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
فكان(١) المقابل له، من اختل احدى قوّتيه العاقلة والعاملة. والمخل بالعمل، فاسق، فمغضوب(٢) عليه، لقوله تعالى، في القاتل عمدا:( وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ) (٣) .
والمخل بالعلم، جاهل ضال، لقوله تعالى:( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) (٤) .
وأقول: يحتمل أن يكون المراد، بالمغضوب عليهم، الكفار، الذين غضب عليهم. فلم يهتدوا إلى طريق من طرق الحق، أصلا. و «بالضالين»، الذين منّ الله عليهم، بالإسلام، وأدخلهم في زمرة أهل الايمان. فضلوا الطريق.
ولم يتفطنوا لما هو المرام.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٥) : حدثني أبي، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم وغير الضالين، قال: المغضوب عليهم، النصاب.
«والضالين»، اليهود والنصارى.
وعنه(٦) : عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قوله: غير المغضوب عليهم وغير الضالين، قال: المغضوب عليهم النصاب. «والضالين»، الشكاك الذين لا يعرفون الامام.
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) : حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، قال :
__________________
(١) المصدر: وكان.
(٢) المصدر: مغضوب.
(٣) النساء / ٩٢.
(٤) يونس / ٣٢.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩.
(٦) نفس المصدر.
(٧) معاني الاخبار / ٣٢، ح ٨.
حدثنا فرات بن ابراهيم، قال: حدثنا عبيد بن كثير، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثني عبيد بن يحيى بن مهران العطار، قال: حدثنا محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في قول الله ـ عز وجل:( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) ، قال: شيعة علي ـ عليه السلام ـ الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب ـ عليه السلام لم يغضب عليهم ولم يضلوا.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : وفيما ذكره الفضل من العلل، عن الرضا ـ عليه السلام ـ أنه قال:( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، توكيد في السؤال والرغبة، وذكر لما قد تقدم من نعمه، على أوليائه، ورغبة في مثل تلك النعم.
( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) ، استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين المستخفين به وبأمره ونهيه.
«ولا الضالين»، اعتصام من أن يكون من الذين ضلوا عن سبيله، من غير معرفة.
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وفي مجمع البيان(٢) : وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: إنّ الله تعالى، منّ عليّ، بفاتحة الكتاب ـ إلى قوله ـ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) ، اليهود.( وَلَا الضَّالِّينَ ) ، النصارى.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) ، للطبرسي ـ رحمه الله: وروينا بالأسانيد المقدم ذكرها، عن أبي الحسن العسكري ـ عليه السلام: إنّ أبا الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ قال: إنّ من تجاوز بأمير المؤمنين، العبودية، فهو من «المغضوب عليهم» ومن
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٠٤، عيون الأخبار ٢ / ١٠٧، ح ١.
(٢) مجمع البيان ١ / ٣١.
(٣) الاحتجاج ٢ / ٢٣٣.
«الضالين».
وفي الاستبصار(١) : روى الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن معاوية ابن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أقول: آمين ـ إذا قال الامام:( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) .
قال: هم اليهود والنصارى.
وفي تهذيب الأحكام(٢) : محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسين(٣) بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه ـ عليه السلام ـ: إنّ رجلين من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ اختلفا في صلاة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله. فكتبا إلى أبي بن كعب: كم كانت لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ من سكتة؟
فقال(٤) : كانت له سكتتان: إذا فرغ من أم القرآن، وإذا فرغ من السورة.
وفي شرح الآيات الباهرة: قال الامام(٥) ـ عليه السلام ـ: قال أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: أمر الله ـ عز وجل ـ عباده أن يسألوه(٦) ، طريق المنعم عليهم، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وأن يستعيذوا به، من طريق المغضوب عليهم، وهم اليهود [الذين](٧) قال الله تعالى فيهم(٨) :
__________________
(١) الاستبصار ١ / ٣١٩، ح ١١٨٨.
(٢) تهذيب الأحكام ٢ / ٢٩٧، ح ١١٩٦.
(٣) المصدر: الحسن.
(٤) المصدر: قال.
(٥) تفسير العسكري / ٢٤.
(٦) النسخ: يسألوا.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) المائدة / ٦٠.
( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ، مَنْ لَعَنَهُ اللهُ. وَغَضِبَ عَلَيْهِ. وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ) (١) وأن يستعيذوا به، من طريق «الضالين»، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:( قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ. وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ. وَأَضَلُّوا كَثِيراً. وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) ، وهم النصارى.
وفي عيون الأخبار(٢) : حدثنا محمد بن القاسم، المفسر الاسترآبادي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدثنا يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي (بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)(٣) ، عن أبيه، علي بن محمد، عن أبيه، محمد بن علي، عن أبيه، علي بن موسى الرضا، عن أبيه، موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي. فنصفها لي ونصفها لعبدي. ولعبدي ما سأل.
إذا قال العبد:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، قال الله ـ جل جلاله: بدأ عبدي باسمي وحق عليّ أن أتمم له أموره، وأبارك له في أحواله.
فإذا قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، قال الله ـ جل جلاله: حمدني عبدي وعلم أن النعم التي له من عندي. وأن البلايا التي دفعت عنه، فبنطوّلي(٤) . أشهدكم، اني أضيف له إلى نعم الدنيا، نعم الاخرة. وأدفع عنه بلايا الاخرة، كما دفعت عنه بلايا الدنيا.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) عيون الاخبار.
(٣) ما بين القوسين ليس في المصدر.
(٤) المصدر: فبطولي.
وإذا(١) قال:( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، قال الله ـ جل جلاله: شهد لي عبدي أني الرحمن الرحيم. أشهدكم لا وفرّن من رحمتي، حظه. ولأجزلن من عطائي، نصيبه.
فإذا قال:( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، قال الله تعالى: أشهدكم، كما اعترف أني أنا الملك يوم الدين، لأسهلن يوم الحساب، حسابه، ولأتجاوزن عن سيئاته.
فإذا قال العبد(٢) :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ، قال الله ـ عز وجل ـ: صدق عبدي اياي يعبد.
أشهدكم لأثيبنه على عبادته، ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي.
فإذا قال:( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، قال الله تعالى: بي استعان عبدي. و «الي التجأ»(٣) .
أشهدكم لأعينّنه على أمره، ولأغيثنه في شدائده، ولآخذن بيده يوم نوائبه.
فإذا قال:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ـ إلى آخر السورة ـ قال الله ـ جل جلاله: هذا لعبدي. ولعبدي ما سأل. فقد استجبت لعبدي. وأعطيته ما أمل وأمنته ما منه وجل)(٤) .
(وقرئ «ولا الضالون»، بالرفع. «ولا الضالين»، بالهمزة، على لغة من جد في الهرب عن التقاء الساكنين.
وفي الحديث(٥) : إذا قال العبد:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ـ إلى آخرها ـ قال الله: هذا لعبدي. ولعبدي ما سأل. قد استجبت لعبدي. وأعطيه ما أمل وأمنته ما منه وجل.
__________________
(١) المصدر: فإذا.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: التجأ الى.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) عيون الأخبار ١ / ٣٠١.
وروى علي بن إبراهيم(١) ، بإسناده، عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ إبليس رنّ رنّتين(٢) ، لـمّا بعث الله نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ على حين فترة من الرّسل، وحين نزلت أم الكتاب.
وروي عن أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن عليٍّ ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) آيةِ من فاتحة الكتّاب. وهي سبع آيات تمامها( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول: إنّ الله ـ عز وجل ـ قال لي(٣) : يا محمد!( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) . فأفرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب.
وجعلها بإزاء القرآن العظيم. وانّ فاتحة الكتاب، أشرف ما في كنوز العرش.
وأن الله ـ عز وجل ـ خصّ محمدا وشرّفه بها. ولم يشرك معه فيه(٤) أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان. فانه أعطاه منها( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد وآله الطاهرين، منقادا «لأمرهم، مؤمنا بظاهرهم وباطنهم»(٥) ، أعطاه الله ـ عز وجل ـ بكل حرف منها، حسنة، كل حسنة(٦) منها، أفضل من الدنيا وما فيها، من أصناف أموالها وخيراتها. ومن استمع قارئا يقرأها، كان له ما للقارئ.
فليكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم. فانه غنيمة لا يذهبن أو انه. «فيبقي
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٩.
(٢) المصدر: أنينا.
(٣) الحجر / ٨٧.
(٤) المصدر: فيها.
(٥) المصدر: لامرهما، مؤمنا بظاهرهما وباطنهما.
(٦) المصدر: كل واحدة.
في قلوبكم الحسرة(١) (٢) .
واعلم! أن «آمين» ليس من القرآن. ولا يجوز قراءته بعد فاتحة الكتاب، عند الشيعة، لا للإمام ولا للمأموم ولا للمنفرد. وعليه الآثار الواردة عن الائمة ـ رضوان الله عليهم ـ.
روي في الصحيح(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنه قال: إذا كنت خلف امام، فقرأ «الحمد» وفرغ من قراءتها، فقل أنت(٤) :( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ولا تقل: آمين.
وروي(٥) ـ أيضا ـ أن (محمد بن علي الحلبي)(٦) قال: سألت أبا عبد الله ـ (عليه السلام) ـ أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب: آمين؟ قال: لا.
(وفي عيون الأخبار(٧) : باب ذكر أخلاق الرضا ووصف عبادته: وكان إذا فرغ من الفاتحة، قال: الحمد لله رب العالمين)(٨) .
لكن المتسننة، ذهبوا إلى أن قراءته بعد فاتحة الكتاب للمأموم، مستحبة، لكنّه ليس عندهم من القرآن، إلّا عند مجاهد. وذكروا في ذلك أحاديث، تدل على تأكد استحبابها. لا نعرفها.
__________________
(١) المصدر: فيبقى قلوبكم في الحسرة.
(٢) ما بين القوسين يوجد في أو مشطوب في المتن.
(٣) الكافي ٣ / ٣١٣، ح ٥، تهذيب الأحكام ٢ / ٧٤، ح ٢٧٥.
(٤) ليس في أ.
(٥) تهذيب الأحكام ٢ / ٧٤، ح ٢٧٦.
(٦) أ: محمد بن الحلبي، المصدر: محمد الحلبي.
(٧) عيون الأخبار ٢ / ١٨٣.
(٨) ما بين القوسين ليس في أ.
قالوا:(١) قال ـ عليه السلام ـ علمني جبرئيل، «آمين»، عند فراغي من قراءة الفاتحة.
وقال: انه كالختم، على الكتاب.
وفي معناه، قول علي ـ عليه السلام ـ: آمين، خاتم رب العالمين. ختم به دعاء عبده.
يعني، كما أن الختم، يحفظ الكتاب، عن فساد ظهور مضمونه على غير المكتوب اليه، كذلك يحفظ قول «آمين»، دعاء العبد، عن فساد ظهور الخيبة وعدم الاجابة فيه.
وعن النبي(٢) ـ أيضا ـ قال: إذا قال الامام:( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) قال الملائكة: آمين. فقولوا: آمين. فمن وافق تأمينه، تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه.
وأحاديثنا الصحيحة، تدل على وضع تلك الأخبار. كما مر.
وبالجملة، هو إسم فعل، معناه: استجب. مبني على الفتح. وفيه لغتان: المد والقصر.
وقيل: تشديد الميم، خطأ. لكنّه يجوز التشديد، من أم، إذا قصد، أي: حال كوننا قاصدين نحوك.
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ١١.
(٢) نفس المصدر.
سورة البقرة
أي، سورة يذكر فيها، قصة البقرة. وإنّما سمّيت بها، لغرابة قصّتها وامتياز هذه السورة بها، عن سائر السور.
وهي مدنية: بل أول سورة نزلت بالمدينة. إلّا آية نزلت يوم النحر، بمنى، في حجّة الوداع،( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ ) (١) (الاية).
وآيها، مائتان وسبع وثمانون.
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) (٢)
في كتاب ثواب الأعمال(٣) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال من قرأ سورة البقرة وآل عمران جاء(٤) يوم القيامة، تظلّانه على رأسه مثل الغيابتين.
وفيه(٥) : عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى
__________________
(١) البقرة / ٢٨١.
(٢) ليس في أ.
(٣) ثواب الأعمال / ١٣٣.
(٤) المصدر: جاءتا.
(٥) نفس المصدر.
الله عليه وآله ـ من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها، لم ير في نفسه وماله شيئا يكرهه، ولا يقربه الشيطان، ولا ينسى القرآن.
وفي مجمع البيان(١) : وسئل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أيّ سور القرآن أفضل؟
قال: البقرة.
قال: أي آيّة(٢) آي(٣) القرآن(٤) أفضل؟
قال: آية الكرسي.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن سعد الإسكاف، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أعطيت الطوال، مكان التوراة.
وأعطيت الماءين، مكان الإنجيل. وأعطيت المثاني، مكان الزبور. وفضلت بالمفصّل سبع وستين سورة.
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم ) (٦) : وسائر الألفاظ التي يتهجّى بها، اسماء مسمياته الحروف المبسوطة التي ركبت منها. وقد روعيت في هذه(٧) التسمية، لطيفة، وهي أنّ المسميات، لـمّا كانت كأساميها، وهي حروف وحدان،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٢.
(٢) ليس في ر وفي المصدر.
(٣) ليس في أو ر.
(٤) المصدر: آي البقرة.
(٥) تفسير العيّاشي ١ / ٢٥.
(٦) مشطوبة في المتن وغير موجودة في ر.
(٧) ليس في أ.
والأسامي، عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في التسمية على المسمى، فلم يغفلوها. وجعلوا المسمى، صدر كل إسم كما ترى(١) إلّا في «الألف» فإنهم استعاروا الهمزة، مكان مسماها. لأنه لا يكون إلّا ساكنا. وإنّما كانت أسماء لدخولها في حد الاسم واعتوار ما يختص به من(٢) التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك عليها.
وبه صرح الخليل وأبو علي.
وما روى ابن مسعود أنه ـ عليه السلام ـ قال: من قرأ حرفا من كتاب الله، فله حسنة. والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: «الم» حرف. بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف(٣) .
فالمراد، فيه من الحرف الكلمة. فيحتمل أنه سبحانه أراد بها، الحروف الملفوظة(٤) ، على قصد تعديدها، أو تسمية بعض السور، أو القرآن، أو ذاته سبحانه، بقسم، أو غير قسم. فالنكتة في ذلك التعديد أو التسمية، على هذا الوجه أمران :
الاول: أنّه لـمّا كانت مسميات هذه الأسماء، بسائط الكلام، التي يتركب منها، افتتحت السور، بطائفة منها، على وجه التعديد أو التسمية بها، تنبيها(٥) لمن تحدى بالقرآن، على أن المتلوّ عليهم، كلام منظوم مما ينظمون منه، كلامهم.
فلو كان من عند غير الله، لما عجزوا عن الإتيان بما يدانيه.
والثاني: إنّ يكون أول ما يقرع(٦) الأسماع، مستقلا بنوع من الاعجاز.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) ليس في أ.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٢.
(٤) أالأصل: الملفوظ.
(٥) أ: تبنيها.
(٦) أ: تقرع.
فان النطق بأسماء الحروف، مخصوص بمن خط ودرس. فأما الأمي الذي لم يخالط أهل الكتاب، فمستبعد مستغرب خارق للعادة، كالتلاوة والكتابة. وقد راعى في ذلك، ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق في فنه، من إيراد نصف أسماء الحروف بحيث ينطوي على انصاف(١) مسمياتها، تحقيقا وتقريبا، في تسعة وعشرين سورة، على عدد الحروف، مع نكات أخر.
قيل(٢) : ويمكن أن يكون تلك الحروف الملفوظة، باعتبار مخارجها، اشارة إلى معان دقيقة لطيفة، كما يشيرون «بالألف»، باعتبار مخرجها الذي هو أقصى الحلق، إلى مرتبة الغيب، و «بالميم»، باعتبار مخرجها الذي هو الشفة، إلى مرتبة الشهادة، وبمخرج «اللام» الواقع بينهما، إلى ما يتوسط من المراتب.
فالمشار إليه بقوله(٣) «الم»، مرتبة الغيب والشهادة وما بينهما. وذلك المشار اليه، هو الكتاب الوجودي، الذي لا يخرج منه شيء.
ويمكن حملها على معانيها الحسابية، اشارة إلى مدد أقوام وآجال، او غير ذلك، بحساب ذلك ويدل عليه.
(وروي(٤) : انه ـ عليه السلام ـ لـمّا أتاه اليهود، تلا عليهم «( الم ) ـ البقرة».
فحسبوا. وقالوا: كيف ندخل في دين، مدته احدى وسبعون سنة؟
فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله.
فقالوا: وهل غيره؟
فقال:( المص ) و( الر ) و( المر ) .
__________________
(١) أ: اتصاف.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ٦٣.
(٣) ليس في أ.
(٤) معاني الاخبار / ٢٢.
فقالوا: خلطت علينا. فلا ندري بأيها نأخذ.
فان تلاوته، إياها، بهذا الترتيب. وتقريرهم على استنباطهم، دليل على ذلك.)(١) وقيل(٢) : يمكن حمله على الاشارة بصورها الكتابية الرقمية، إلى معان أخر كما يشيرون «بالألف»، إلى الوجود النازل من علو غيب الإطلاق، إلى مراتب التقييد، من غير انعطاف.
و «باللام» (اليه مع انعطاف من غير أن يتم دائرته «بالميم» إلى تمام دائرته، فيعم مراتب الوجود.
وقيل: يمكن أن يجعل تلك الحروف، اشارة إلى كلمات، هي منها اقتصر عليها)(٣) .
«فالألف»، آلاء الله. «واللام»، لطفه. «والميم»، ملكه.
وروي: إنّ «ألم»، معناه: أنا الله أعلم. وأن «الألف» من الله. «واللام» من جبرئيل. والميم من محمد، أي(٤) : القرآن منزل من الله، على لسان جبرئيل إلى محمد ـ صلى الله عليه وآله.
(عن أبي محمد الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ قال(٥) (٦) قال الصادق ـ عليه السلام [ثم] «الألف» حرف من حروف قولك «الله». دل «بالألف»
__________________
(١) ما بين القوسين مشطوب في الأصل وغير موجود في ر.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٣.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) ليس في أ.
(٥) تفسير العسكري / ٢٩ ـ ٣٠.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
على قولك «الله». ودل «باللام» على قولك «الملك العظيم القاهر للخلق أجمعين». ودل «بالميم» على أنه «المجيد المحمود في كل أفعاله».
(وفي شرح الآيات الباهرة(١) :(٢) روى(٣) علي بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن المفضل، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ [أنه](٤) : «الم» وكل حرف في القرآن، منقطعة من حروف، إسم الله الأعظم، الذي يؤلفه الرسول والامام ـ عليهما السلام ـ فيدعو [به](٥) ، فيجاب.
(وفي كتاب معاني الأخبار(٦) : بإسناده إلى أحمد بن زياد بن جعفر [الهمداني](٧) عن(٨) علي [بن ابراهيم](٩) ، عن أبيه عن يحيى بن [أبي](١٠) عمران، عن يونس [ابن عبد الرحمن](١١) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: «الم»، هو حرف من حروف إسم الله الأعظم، المقطع في القرآن، الذي يؤلفه النبي (ص) والامام. فإذا دعا به أجيب.
وبإسناده(١٢) إلى سفيان بن سعيد الثوري، عن الصادق ـ عليه السلام ـ حديث
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة / ٦.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) المصدر: قال.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) معاني الاخبار / ٢١، ح ٢.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) المصدر: قال حدثنا.
(٠٩، ١٠ و ١١) يوجد في المصدر.
(١٢) نفس المصدر / ١٩، ضمن ح ١.
طويل، يقول فيه ـ عليه السلام ـ: أما «الم» في أول البقرة، فمعناه: أنا الله الملك.
وبإسناده(١) إلى محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: إنّ حييا وأبا ياسر، ابني أخطب، ونفرا من يهود أهل نجران، أتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقالوا له: أليس فيما تذكر فيما أنزل الله عليك( الم ) ؟
قال: بلى.
قالوا: أتاك بها جبرئيل من عند الله؟
قال: نعم.
قالوا: لقد بعثت(٢) أنبياء قبلك وما نعلم نبيا منهم أخبر ما(٣) مدة ملكه، وما أجل أمته، غيرك.
قال: فأقبل حيي بن أخطب على أصحابه، فقال لهم: «الالف» واحد.
و «اللام»، ثلاثون. و «الميم»، أربعون. فهذه احدى وسبعون سنة. فعجب أن(٤) يدخل في دين، مدة ملكه وأجل أمته، احدى وسبعون سنة.
قال: ثم أقبل على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال له: يا محمد! هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: فهاته(٥) ! قال:( المص ) .
__________________
(١) نفس المصدر / ٢١ ح ٣.
(٢) النسخ: بعث.
(٣) المصدر: أخبرنا.
(٤) المصدر: ممن.
(٥) المصدر: هاته.
قال: هذه أثقل وأطول، «الألف»، واحد. «واللام»، ثلاثون. و «الميم» أربعون. «الصاد»، تسعون. فهذه مائة واحدى وستون سنة.
ثم قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله: فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته! قال:( الر ) .
قال: هذه أثقل وأطول، «الألف» واحد. و «اللام» ثلاثون و «الراء» مائتان.
ثم قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله: فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته! قال:( المر ) .
قال: هذه أثقل وأطول، «الالف» واحد. و «اللام» ثلاثون. و «الميم» أربعون. و «الراء» مائتان.
ثم قال له: فهل(١) مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قالوا: قد التبس علينا أمرك. فما ندري ما أعطيت.
ثم قاموا عنه.
ثم قال أبو ياسر لحيي(٢) ، أخيه: ما يدريك، لعل محمدا قد جمع له هذا كله وأكثر منه.
قال: فذكر أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: إنّ هذه الآيات، أنزلت فيهم ،
__________________
(١) المصدر: هل.
(٢) المصدر: للحيى.
( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) (١) . قال: وهي تجري(٢) في وجه آخر على غير تأويل حيي وأبي ياسر وأصحابهما.
وفيه(٣) : في حديث طويل، عن أبي محمد العسكري ـ عليه السلام: وجعل هذا القول، حجة على اليهود. وذلك أنّ الله تعالى، لـمّا بعث موسى بن عمران ثم من بعده من الأنبياء، إلى بني إسرائيل، لم يكن فيهم قوم(٤) إلّا أخذوا عليهم العهود والمواثيق، ليؤمن بمحمد العربي الأمي المبعوث بمكة، الذي يهاجر إلى المدينة، يأتي بكتاب، بالحروف(٥) المقطعة، افتتاح بعض سوره. يحفظه أمته، فيقرءونه قياما وقعودا ومشاة وعلى كل الأحوال. يسهل الله ـ عز وجل ـ حفظه عليهم [و](٦) يقرنون بمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ أخاه ووصيه علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ الآخذ عنه علومه، التي علمها. والمتقلد عنه الأمانة التي قلدها(٧) ويذلل(٨) كل من عاند محمدا بسيفه الباتر، ويفحم كل من حاوله(٩) وخاصمه بدليله القاهر(١٠) . يقاتل عباد الله على تنزيل كتاب الله، حتى يقودهم إلى قبوله طائعين
__________________
(١) آل عمران / ٧.
(٢) النسخ: بحرى.
(٣) نفس المصدر / ٢٢ ـ ٢٥، ح ٤.
(٤) المصدر: أحد.
(٥) المصدر: من الحروف.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) المصدر: قدرها.
(٨) المصدر: مذلل.
(٩) المصدر: جادله.
(١٠) المصدر: الظاهر.
وكارهين. ثم إذا صار محمد إلى رضوان الله ـ عز وجل ـ ارتد(١) كثير ممن كان أعطاه ظاهر الايمان، وحرفوا تأويلاته، وغيروا معانيه، ووضعوها على خلاف وجوهها.
قاتلهم بعد ذلك على تأويله، حتى يكون إبليس الغاوي لهم، هو الخاسئ(٢) الذليل المطرود المغلول.
قال: فلما بعث الله محمدا، وأظهره بمكة، ثم سيره منها إلى المدينة، وأظهره بها، ثم أنزل عليه(٣) الكتاب، وجعل افتتاح سورته(٤) الكبرى، «بالم»، يعنى( الم ذلِكَ الْكِتابُ ) . وهو ذلك الكتاب الذي أخبرت الأنبياء(٥) السالفين، اني سأنزله عليك، يا محمد( لا رَيْبَ فِيهِ ) . فقد ظهر كما أخبرهم به أنبياؤهم، أن محمدا، ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الباطل. يقرؤه هو وأمته على سائر أحوالهم. ثم اليهود، يحرفونه عن جهته ويتناولونه(٦) على غير وجهه. ويتعاطون التوصل إلى علم ما قد طواه الله عنهم، من حال آجال هذه الأمة، وكم مدة ملكهم.
فجاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ جماعة منهم(٧) . فولى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عليا ـ عليه السلام ـ مخاطبتهم(٨) .
فقال قائلهم: إنّ كان ما يقول محمد حقا، لقد علمناكم قدر ملك أمته، هو
__________________
(١) المصدر: وارتد.
(٢) المصدر: الخاسر.
(٣) المصدر: اليه.
(٤) النسخ: سوره.
(٥) المصدر: أنبيائى.
(٦) المصدر: يتأولونه.
(٧) المصدر: منهم جماعة.
(٨) المصدر: فخاطبهم.
احدى(١) وسبعون سنة، «الألف»، واحد. و «اللام»، ثلاثون. و «الميم»، أربعون.
فقال علي ـ عليه السلام ـ: فما تصنعون «بالمص»؟ وقد أنزلت(٢) عليه.
فقالوا(٣) : هذه احدى وستون ومائة سنة قال: فما ذا تصنعون «بالر»؟ وقد أنزلت عليه.
فقالوا: هذه اكثر. هذه مائتان واحدى وثلاثون سنة.
فقال علي ـ عليه السلام ـ: فما تصنعون بما أنزل عليه «المر»؟
قالوا: هذه مائتان واحدى وسبعون سنة.
فقال علي ـ عليه السلام ـ: فواحدة من هذه له أو جميعها له؟
فاختلط كلامهم. فبعضهم قال له واحدة منها. وبعضهم قال بل يجمع له كلها وذلك سبعمائة وأربع [وثلاثون سنة](٤) ثم يرجع الملك إلينا، يعني إلى اليهود.
فقال علي ـ عليه السلام ـ: أكتاب من كتب الله ـ عز وجل ـ نطق بهذا؟ أم آراؤكم دلتكم عليه؟
فقال(٥) بعضهم: كتاب الله نطق به. وقال آخرون منهم: بل آراؤنا دلت عليه.
فقال علي ـ عليه السلام ـ: فأتوا بالكتاب من عند الله، ينطق بما تقولون.
فعجزوا عن إيراد ذلك.
وقال(٦) للآخرين: فدلونا على صواب هذا الرأي.
__________________
(١) النسخ: أحد.
(٢) المصدر: أنزل.
(٣) المصدر: قالوا.
(٤) يوجد في المصدر وهو الصواب، وفي النسخ: سبعمائة وأربع سنين.
(٥) المصدر: قال.
(٦) المصدر: فقال.
فقالوا: صواب رأينا، دليله. ان هذا حساب الجمل.
فقال علي ـ عليه السلام ـ: كيف دل على ما تقولون؟ وليس في هذه الحروف إلّا ما اقترحتم بلا بيان. أرأيتم ان قيل لكم: إنّ هذه الحروف ليست دالة على هذه المدة، لملك أمّة محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ ولكنها دالة على أن كل واحد منكم، قد لعن بعدد هذا الحساب. أو أن عدد ذلك، لكل واحد منكم ومنا، بعدد هذا الحساب، دراهم(١) أو دنانير. او أن لعلي [على](٢) كل واحد منكم، دين(٣) ، عدد ماله مثل عدد هذا الحساب.
فقالوا: يا أبا الحسن! ليس شيء مما ذكرته، منصوصا عليه في( الم ) و( المص ) و( الر ) و( المر ) ».
فقال علي ـ عليه السلام ـ: ولا شيء مما ذكرتموه، منصوصا عليه في( الم ) و( المص ) و( الر ) و( المر ) ». فان بطل قولنا لما قلنا، بطل قولك لما قلت.
فقال خطيبهم ومنطيقهم: لا تفرح، يا عليُّ! بأن عجزنا عن إقامة حجة [فيما نقول](٤) ، على دعوانا. فأيُّ حجّة لك في دعواك. إلّا أن تجعل عجزنا حجّتك.
فإذا مالنا حجّة فيما نقول ولا لكم حجّة فيما تقولون.
قال عليٌّ ـ عليه السلام ـ: لا سواه(٥) ، إنّ لنا حجّة، هي المعجزة الباهرة.
ثمّ نادى جمال اليهود: يا أيتها(٦) الجمال! اشهدي لمحمّد ولوصيّه.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) النسخ: دينا.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: لا سواء.
(٦) يوجد في المصدر والنسخ: أيها.
فتبادرت(١) الجمال: صدقت صدقت يا وصيّ محمّد. وكذب هؤلاء اليهود.
فقال عليٌّ ـ عليه السلام: هؤلاء جنس من الشهود. يا ثياب اليهود! التي عليهم، إشهدي لمحمّد ولوصيّه.
فنطقت ثيابهم ـ كلّهم: صدقت، صدقت يا عليُّ. نشهد أنّ محمّدا، رسول الله حقّا وأنّك يا عليّ! وصيّه حقّا. لم يثبت محمّدا قدما في مكرمة، إلّا وطئت على موضع قدمه، بمثل مكرمته. فأنتما شقيقان، من أشرف(٢) أنوار الله. تميزتما(٣) اثنين. وأنتما في الفضائل شريكان. إلّا أنّه لا نبي بعد محمّد ـ صلّى الله عليه وآله.
فعند ذلك خرست اليهود. وآمن بعض النظارة منهم، برسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وغلب(٤) الشقاء، على اليهود وسائر النظارة الآخرين. فذلك ما قال الله تعالى:( لا رَيْبَ فِيهِ ) . أنّه كما قال محمّد ووصيّ محمّد، عن قول محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن قول ربّ العالمين.
وفي مجمع البيان(٥) : إختلف العلماء في الحروف المعجمة المفتتحة(٦) بها السور. فذهب بعضهم الى
أنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها. ولا يعلم تأويلها إلّا هو. وهذا هو المروي عن أئمتنا عليهم السلام.
وروت(٧) العامة عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ انه قال: لكل كتاب صفوة
__________________
(١) المصدر: فتبادر.
(٢) المصدر: اشراق.
(٣) المصدر: فميزتما.
(٤) المصدر: فغلب.
(٥) مجمع البيان ١ / ٣٢ ـ ٣٣.
(٦) كذا المصدر والنسخ: المفتح.
(٧) كذا المصدر والنسخ: روى.
وصفوة هذا الكتاب، حروف التهجّي.
وروى أبو إسحاق الثعلبي، في تفسيره مسندا(١) إلى علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ قال: سئل جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السلام ـ عن قوله «الم» فقال: في «الالف»، ست صفات من صفات الله ـ عز وجل: الابتداء، فان الله ـ عز وجل ـ ابتداء(٢) جميع الخلق. و «الألف»، ابتداء الحروف.
والاستواء، فهو عادل غير جائر. و «الالف» مستو في ذاته.
والانفراد، فالله فرد. و «الالف» فرد.
واتصال الخلق بالله. والله لا يتصل بالخلق. وكلهم «يحتاجون اليه»(٣) .
والله غني عنهم. و «الالف كذلك»(٤) ، لا يتصل بالحروف. والحروف متصلة به، وهو منقطع عن(٥) غيره.
والله تعالى بائن بجميع صفاته من خلقه.
ومعناه من الألفة. وكان(٦) الله عز وجل سبب ألفة الخلق، فكذلك الالف، عليه تألفت الحروف. وهو سبب ألفتها.)(٧)
وأقول(٨) : ويحتمل أن يكون الكل، مع احتمالات أخر، لا ينافي الشرع.
__________________
(١) كذا المصدر والنسخ: سندا.
(٢) المصدر: ابتدأ.
(٣) المصدر: محتاجون إلى الله.
(٤) المصدر: كذلك الالف.
(٥) المصدر: من.
(٦) المصدر: فكما ان.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
(٨) ليس في أ.
ليس هاهنا موضع ذكرها، مرادا(١) . والله أعلم بحقيقة الحال.
وهذه الأسماء، معربة. وإنّما سكنت سكون زيد وعمر وبكر، حيث لا يمسّها إعراب، لفقد مقتضية. والدليل على أنّ سكونها، وقف، أنه يقال: «ص» و «ق» و «ن»، مجموعا، فيها بين الساكنين. وإذا وقف على آخرها، قصرت. لأنها في تلك الحالة، خليقة بالأخف الأوجز، ومدّت في حال الاعراب. وهي إمّا مفردة، كص. أو على زنة مفرد، كحم. فانه كهابيل، أو لا.
الأول: يجوز فيه الاعراب والحكاية.
والثاني: ليس فيه إلّا الثاني.
فقوله «ألم»، في محل النصب، على حذف حرف القسم، وإعمال(٢) فعله.
أو الجر على تقديره. أو الرفع على أنه مبتدأ، ما بعده خبره. أو خبر محذوف المبتدأ.
( ذلِكَ ) : إسم إشارة، مركّب من إسم وحرفين. فالاسم «ذا» للمذكر الواحد: أما ذكورة المشار اليه. فلتأثيره في نفس المخاطب. وانتاجه فيها، معرفة الحقّ وصفاته سبحانه.
وأمّا أفراده. فلأن المشار إليه وان كان متعددا في نفسه. لكنّه ملحوظ، من حيث أحديّة الجمعية، كما تدل عليه الاخبار عنه، «بالكتاب»، المنبئ عن الجمعية أو توصيفه به.
وأحد الحرفين، «اللام». الدال بتوسطه، بين إسم الاشارة والمخاطب ،
__________________
(١) أ: مرارا.
(٢) أ: اعماله.
على بعد المسافة بينه وبين المشار اليه. ووجه البعد، عدم إمكان احاطة فهم المخاطب، بما يقصد به.
والاخر «الكاف». الدال على ذكورة المخاطب وافراده. وأما ذكورة المخاطب فلأن المخاطب، أولا هو النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بحسب حقيقة مرتبة الأبوة، بالنسبة إلى جميع أفراد الآدميين، كما قيل بلسان مرتبته :
واني وان كنت ابن آدم صورة |
فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي |
وأما افراده، فلانمحاء كثرته النسبية، في الوحدة الحقيقية.
( الْكِتابُ ) : الكتب، الجمع. يقال: كتبت القربة، أي: جمعته. ومنه الكتيبة للجيش. والكتاب بمعناه. سمي به المفعول، مبالغة.
وقيل: فعال(١) ، بني للمفعول كاللباس. ثم أطلق على الحبارات المنظومة، قبل الكتابة. لأن من شأنها أن تكتب. والحقائق العلمية، ان كانت معتبرة، لا بأحوالها، يسمى حروفا غيبية. ومع أحوالها كلمات غيبية والوجودية، بلا أحوالها حروفا وجودية. ومع أحوالها كلمات وجودية. والدالة على جملة مفيدة، آية. والبعض الجامع، لتلك الجمل، سورة. ومجموع تلك المعقولات والموجودات، «كتابا» و «فرقانا» و «قرآنا» ـ أيضا ـ باعتباري التفصيل والجمع.
وفي تركيب قوله «الم» مع ما بعده، أوجه: إنّ جعلت «الم» اسما للسورة، أو للقرآن. أن يكون «الم» مبتدأ، و «ذلك» مبتدأ ثانيا، «والكتاب»، خبره.
والجملة، خبر المبتدأ الأول. ومعناه، ان ذلك الكتاب، هو الكتاب الكامل. كان ما عداه من الكتب في مقابلته(٢) ناقص. وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول :
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أ: مقابله.
هو الرجل: أي: الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال، من مرضي الخصال.
وأن يكون «الم» خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الم. ويكون «ذلك»، خبرا ثانيا، أو بدلا على أن «الكتاب» صفة.
وان يكون(١) «هذه الم»، جملة، و( ذلِكَ الْكِتابُ ) ، جملة أخرى.
وان جعلت «الم»، بمنزلة الصوت، كان «ذلك»، مبتدأ، خبره «الكتاب»، أي: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل.
أو «الكتاب» صفته(٢) وما بعده خبره. أو قدر مبتدأ محذوف، أي: هو، يعني المؤلف من هذه الحروف،( ذلِكَ الْكِتابُ ) .
وقرأ عبد الله: الم تنزيل الكتاب. وتأليف هذا، ظاهر.
وليس شيء منها، آية عند غير الكوفيين. وأما عندهم «فالم» في مواقعها.
والمص وكهيعص وطه وطسم ويس وحم، آية. وحم عسق، آيتان. والبواقي ليست بآيات(٣) .
قيل: إنّ المفسرين متفقون على أن «ذلك» في موضع الرفع. فإمّا أن يكون خبرا عن «الم»، أو عن محذوف. أو مبتدأ وخبره «الم».
وأقول: المبتدأ والخبر، إذا كانا معرفتين، وجب تقديم المبتدأ. فالخبر في هذه الصورة، مع كونه معرفة، كيف يجوز تقديمه؟
( لا رَيْبَ فِيهِ ) : «الريب» في الأصل، مصدر. رابني الشيء، إذا حصل
__________________
(١) أ: كان.
(٢) أ: صفة.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٤.
فيه الريبة. وهي قلق(١) النفس واضطرابها(٢) .
قال ـ عليه السلام ـ: دع ما يريبك، إلى ما لا يريبك. فان الشك، ريبة.
والصدق، طمأنينة(٣) .
أي: كون الأمر مشكوكا فيه، مما ينفلق(٤) النفس له. ولا يستقر. وكونه صحيحا صادقا، مما يطمئن له. ويسكن. ومنه «ريبة الزمان»، لما يطلق النفوس، من نوائبه. فالمراد به، الشك. لا معناه المصدري.
وضمير فيه، راجع إلى الحكم السابق ان كان هناك، حكم، أو إلى «الكتاب»، أو إلى «ذلك».
وانما نفى الريب، مع كثرة المرتابين، لأن الريب، مع وضوح مزيحه(٥) ، كلا ريب.
ويحتمل أن يكون المراد، أن القرآن ليس مظنة للريب. بمعنى أن العاقل إذا رجع إلى عقله وترك العناد، ظهر حقيته وصدقه عليه، غاية الظهور. ولم يبق مع شك وريب، أصلا.
وأن يكون أن( لا رَيْبَ فِيهِ ) ،( لِلْمُتَّقِينَ ) ، و( هُدىً ) ، حالا عن الضمير المجرور.
وأن يكون الريب المنفي، هو الريب بمعناه المصدري، أي: ليس فيه إيقاع شك، بأن يكون فيه، شيء يوقع في الشك. كالاختلاف المذكور في قوله تعالى(٦) :
__________________
(١) أ: فلق.
(٢) مجمع البيان ١ / ٣٧.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٥.
(٤) أ: ينفلق.
(٥) أ: مزيجه.
(٦) النساء / ٨٢.
( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) .
وأن يكون أنه لا ريب فيه، في الواقع. وان كانوا مظهرين للريب.
كما روي عن أبي محمد العسكري(١) ، أنه قال ـ عليه السلام ـ:( لا رَيْبَ فِيهِ ) ، لا شكَّ فيه، لظهوره عندهم. كما أخبرهم أنبياؤهم: إنّ محمد أنزل(٢) عليه كتاب، لا يمحوه الماء. يقرؤه(٣) هو وأمّته على سائر أحوالهم.
ولم يقدّم الظرف، كما قدّم في قوله لا فيها غول. لأنه لم يقصد هنا، إنحصار نفي الريب فيه. كما قصد هناك انحصار نفي الغول، في خمور الجنّة.
وقرأ أبو الشعشعاء(٤) لا ريب فيه بالرفع. والفرق «الأول ونظيره»(٥) ، بينها وبين القراءة المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق. وهذه تجوزه.
والوقف على فيه، هو المشهور.
وعن نافع وعاصم: إنّهما وقفا، على( لا رَيْبَ ) . ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبرا، ليتم الكلام الأول. ونظيره قوله تعالى:( قالُوا لا ضَيْرَ ) (٦) ، وقول العرب: «لا بأس». وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز. والتقدير: لا ريب فيه، فيه.
فعلى التقدير الأول، يحتمل أن يكون «فيه»، صفة «للريب»، والخبر، محذوفا، وأن يكون هو الخبر، والمجموع، جملة. وقعت مؤكدة «لذلك الكتاب» ،
__________________
(١) تفسير العسكري / ٢٨.
(٢) المصدر: ينزل.
(٣) المصدر: يقرء.
(٤) أ: الشعشعاء.
(٥) يوجد في أ.
(٦) الشعراء / ٢٦.
أو خبرا بعد خبر «لذلك»، أو لقوله «الم».
وعلى التقدير الثاني، يحتمل أيضا تلك الاحتمالات، وأن يكون «فيه» الثاني، خبر «الهدى» مقدما عليه.
(وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «الكتاب»، عليٌّ ـ عليه السلام ـ لا شكّ فيه)(٢) .
( هُدىً ) : هو مصدر، على فعل، كالسرى والبكى. وهو الدلالة الموصلة، إلى البغية. بدليل وقوع الضلالة في مقابلته. قال الله تعالى( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) (٣) .
ويقال: «مهدي» في موضع المدح، كمهتد. ولأن «اهتدى»، مطاوع «هدى». ويكون(٤) المطاوع، في خلاف معنى أصله. ألا ترى إلى قولهم(٥) : غمه، فاغتم، وكسره، فانكسر. وأشباه ذلك؟
وهو اما مبتدأ، خبره مقدم عليه، أو محذوف. وعلى التقديرين، فهو على حقيقته(٦) ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، أو حال، كما سبق.
اما على المبالغة. كأنه نفس الهدى. أو على حذف المضاف، أي: ذو هداية.
أو على وقوع المصدر. بمعنى إسم الفاعل.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠.
(٢) ما بين القوسين يوجد في أ.
(٣) البقرة / ١٧٥.
(٤) أور: وأن يكون.
(٥) أ: نحو.
(٦) أ: حقيقة.
(قال أبو جعفر(١) ـ عليه السلام ـ: «الكتاب» أمير المؤمنين، لا شك فيه، انه امام هدى)(٢) .
( لِلْمُتَّقِينَ ) (٣: «المتقي»، إسم فاعل من قولهم «وقاه، يقي». والوقاية :فرط الصيانة وشدة الاحتراس من المكروه. ومنه فرس واق، إذا كان يقي(٣) حافره أذى(٤) شيء يصيبه.
وهو في عرف الشرع، إسم لمن يقي نفسه عما يضره في الاخرة.
وله ثلاث مراتب :
الاولى ـ التوقي عن الشرك المفضي إلى العذاب المخلد. وعليه قوله تعالى :( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ) (٥) .
والثانية ـ التجنب، عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم.
وقيل: الصحيح أنها لا يتناولها. لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر.
والثالثة ـ أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق. ويتبتل اليه، بكليته. وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى( اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) (٦) .
قيل: ومن جملة معاني باب الافتعال، الاتخاذ. فمعنى «اتقى» على هذا، اتخذ الوقاية. ولهذا قال بعض العلماء في قوله
تعالى:( يا أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) (٧) اجعلوا ما ظهر منكم، وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم، وهو ربكم
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠.
(٢) ما بين القوسين مشطوب في الأصل وغير موجود في ر.
(٣) أ: بقي.
(٤) أ: إذا.
(٥) الفتح / ٢٦.
(٦) آل عمران / ١٠٢.
(٧) النساء / ١.
وقاية. فان الأمر، ذم وحمد. فكونوا وقايته في الذم. واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين. فان توحيد الأفعال يقتضي اسناد المحامد والمذام، إلى الله.
فالسالك إذا أسندهما اليه، قبل زكاء(١) النفس وطهارتها، يقع في الاباحة. وبعد طهارتها يكون مسيئا للأدب، بإسناد القبائح اليه. فعلى هذا المتقون، هم الذين يتخذون ربهم، وقاية لأنفسهم. وينسبون الكمالات إلى ربهم، لا إلى أنفسهم.
ليكون لهم الخلاص(٢) من ظهور نيّاتهم(٣) . ويتخذون أنفسهم وقاية لربهم. وينسبون النقائص إلى أنفسهم، لا إلى ربهم. ولو كانت في حقيقة التوحيد، منسوبة إلى الله تعالى. لئلا يسيئون الأدب إليه سبحانه.
وانما قال: «هدى للمتقين»، مع أن المتقين مهتدون، اما بناء على أن المراد بالمتقين، المشارفون على التقوى، أو المقصود زيادة هدايتهم. بأن يراد بالهدى زيادة الهدى إلى مطلب آخر، أو التثبّت على ما كان حاصلا لهم.
ويحتمل أن يراد بالمتقي، الموحد ـ مطلقا.
روى الصدوق في كتاب التوحيد(٤) : بإسناده، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله ـ عز وجل ـ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) (٥) قال قال الله ـ تبارك وتعالى ـ: أنا أهل أن اتقى. ولا يشرك بي عبدي(٦) شيئا. وأنا أهل أن لم يشرك بي عبدي شيئا، أن أدخله الجنة.
__________________
(١) أ: تكاء.
(٢) أ: اخلاص.
(٣) أ: امنياتهم.
(٤) التوحيد / ٢٠.
(٥) المدثر / ٥٦.
(٦) ليس في أ.
قال صاحب الكشف(١) : الأظهر، أنه لا يحتاج إلى أحد التجوّزين، من حمل «الهدى» على الازدياد، «والمتقي» على المشارف. لأنه إذا قيل: السلاح، عصمة للمعتصم أو عصام له. والمال غنى للغني، على معنى سبب غنائه، لم يلزم أن يكونا سببي عصمة وغنى، حادثين غير مساهما، أي: المعتصم والغني فيه، إذ لا دلالة له(٢) على الزمان.
وأجيب، بأن المتبادر إلى الفهم، من تعلق الفعل بشيء، هو اتصاف ذلك المتعلق بما عبر عنه عند اعتبار المتعلق(٣) ، حتى يقال فيه: شفاء للمريض، ومرض للصحيح. ولو عكس لم يصح إلّا بتأويل.
وعن أبى محمد العسكري(٤) ـ عليه السلام ـ: إنّ معناه بيان وشفاء للمتقين، من شيعة محمد وعلي ـ عليهما السلام ـ اتقوا انواع الكفر. فتركوها. واتقوا الذنوب الموبقات. فرفضوها. واتقوا اظهار أسرار الله تعالى وأسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمد ـ صلوات الله عليهم ـ فكتموها. واتقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقين لها. ففيهم(٥) نشروها.
(وفي شرح الآيات الباهرة(٦) : ـ في الحديث المنقول سابقا ـ عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قلت: قوله( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) .
قال(٧) : الكتاب، أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لا شك فيه انه امام «هدى
__________________
(١) الكشف والبيان، مخطوط والنسخة التي عثرنا عليها، ناقصة الاول.
(٢) ليس في أ.
(٣) ر: التعلق.
(٤) تفسير العسكري / ٣٠.
(٥) المصدر: وفيهم.
(٦) تأويل الآيات الباهرة / ٦.
(٧) المصدر: فقال.
للمتقين».
وفي كتاب معاني الأخبار(١) : حدثنا محمد بن القسم الاستبرآباد، المعروف بأبي الحسن الجرجاني المفسر ـ رضي الله عنه ـ قال: حدثني أبو يعقوب يوسف ابن محمد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن ابن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ أنه قال: كذبت قريش واليهود بالقرآن. وقالوا: سحر مبين [تقوّله](٢) .
فقال الله: الم ذلك الكتاب.
أي: يا محمد! هذا الكتاب، الذي أنزلته(٣) عليك هو بالحروف المقطعة التي منها الف، لام، ميم، وهي بلغتكم، وحروف هجائكم، فأتوا بمثله ان كنتم صادقين.
واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم. ثم بيّن أنهم لا يقدرون عليه بقوله(٤) :( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) . ثم قال الله: الم، هو القرآن الذي افتتح «بالم» هو( ذلِكَ الْكِتابُ ) الذي أخبرت به موسى، فمن بعده من الأنبياء. فأخبروا بنى إسرائيل أني سأنزله عليك، يا محمد! كتابا عزيزا( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (٥) ، لا ريب فيه لا شك فيه، لظهوره عندهم. كما أخبرهم [به](٦)
__________________
(١) معاني الاخبار / ٢٢، ح ٤.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: أنزلناه.
(٤) الاسراء / ٨٨.
(٥) فصلت / ٤٢.
(٦) يوجد في المصدر.
أنبياءهم، أنَّ محمدا ينزل عليه كتاب لا يلحقه(١) الباطل. يقرؤه هو وأمّته على سائر أحوالهم. «هدىً» بيان من الضلالة «للمتقين» الّذين يتقون الموبقات، ويتقون تسليط السفه على أنفسهم. حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه، عملوا بما يوجب لهم رضا ربهم)(٢) .
( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ) : يحتمل الرفع والنصب والجر. والظاهر، الجر.
على أنه صفة «للمتقين». كما هو الظاهر. أو بدل. أو عطف بيان.
فأما الرفع، فاما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يؤمنون. أو مبتدأ، خبره( أُولئِكَ عَلى هُدىً ) .
وأما النصب، فعلى المدح بتقدير أعني. وإذا كان صفة، فهي إمّا مقيدة إنْ فسّر التقوى، بترك ما لا ينبغي، كما هو المناسب لمعناه اللغوي، وهو الاحتراز.
فحينئذ يراد بالمتقي، من يحترز عن المعاصي، أي: فعل القبائح والمنهيات.
سواء يمتثل الأوامر ويأتي بالحسنات، أم لا. فعلى هذا تكون الصفة، مقيدة مخصصة.
فان قلت: اجتناب المعاصي، كلها، يستلزم الإتيان بالطاعات، لان ترك الطاعة، معصية.
قلت: إنّ المراد بالمعاصي، كما هو المتبادر، ما يتعلق به صريح النهي وترك المأمور به، منهي عنه ـ ضمنا. أو أن مبنى هذا الكلام، على أن المعصية، فعل ما نهي عنه، وأن الترك ليس بفعل. وكذا، ان أريد بالتقوى، الأولى، من مراتبها الثلاث. فان المراد بالمتقين ـ حينئذ ـ من يجتنبون عن الشرك. فتوصيفهم «بالذين يؤمنون»، لا يكون إلّا تقييدا وتخصيصا أو كاشفة، إنْ فسّر بما يعم فعل الحسنات
__________________
(١) المصدر: يمحوه.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
وترك السيئات، وحمل( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ) ـ إلى آخره ـ على ما يساويه. والتقوى بهذا المعنى، بعينه هو المرتبة الثانية، من مراتبه. وهو حقيقة معناه، عند الجمهور.
وأما إذا أريد به المرتبة الثالثة، التي لا يتحقق بها إلّا الخواص. فيمكن أن يكون أيضا صفة(١) كاشفة، يظهر وجهه للمتأمل الصادق، فيما سيأتي من بعض بطون الاية.
أو مادحة. ذكرت لمجرد المدح والثناء. وتخصيص ما ذكر، إظهارا لفضله على سائر ما يدخل تحت إسم التقوى. وقد فرق بين المدح صفة والمدح اختصاصا، بأن الوصف في الأول، أصل، والمدح، تبع. وفي الثاني، بالعكس. وبأن المقصود الأصلي من الأول، اظهار كمال الممدوح والاستلذاذ بذكره. ومن الثاني اظهار أن تلك الصفة، أحق باستقلال المدح، من باقي صفاته الكمالية. اما مطلقا، أو بحسب ذلك المقام.
و «الايمان»: أفعال، من الامن. المتعدي إلى مفعول واحد.
والهمزة للتعدية إلى مفعولين. تقول: أمنت عمرو أو أمنينه زيدا، أي، جعلني آمنا منه.
«وقيل: الهمزة للصيرورة. نحو أعشب المكان بمعنى صار ذا عشب. فمعنى أمن، صار ذا أمن.
وقيل: للمطابعة. نحو كبّه فأكبّه(٢) أي، أمنه، فأمن. ثم نقل إلى التصديق ووضع له لغة. ثم انك إذا صدقت زيدا، فقد اعترفت بكلامه. فعدى بالباء على تضمين معنى الاعتراف.
وفي عرف الشرع، هو التصديق، بما علم بالضرورة، من دين محمد ـ صلى
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير البحر المحيط ١ / ٣٨.
الله عليه وآله ـ كالتوحيد والنبوة والامامة والبعث والجزاء ـ كما هو ظاهر.
وقيل: مجموع ثلاثة أمور، اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بمقتضاه ـ وهذا مذهب المعتزلة والخوارج ـ فمن أخل بالاعتقاد وحده، فهو منافق. ومن أخل بالإقرار فكافر. ومن أخل بالعمل ففاسق، وفاقا. وكافر عند الخوارج، خارج عن الايمان، غير داخل في الكفر، عند المعتزلة»(١) .
واختلف القائلون، بأن الايمان، هو التصديق وحده في أن مجرد التصديق بالقلب، هل هو كاف في المقصود؟ أو لا بد من انضمام الإقرار للمتمكن(٢) منه؟
ولعل الحق، هو الثاني. لأنه تعالى ذم المعاند، اكثر من ذم الجاهل المقصر وللمانع أن يجعل الذم للإنكار، لا لعدم الإقرار.
ولا بأس علينا أن نذكر معنى «التضمين» هنا. فانه يناسبه.
فنقول: «التضمين» أن يقصد بفعل معناه الحقيقي، ويلاحظ معه، فعل آخر يناسبه، ويدل عليه بذكر شيء من متعلقات الاخر، كقولك: أحمد اليك فلانا.
فإنك لما جعلت فيه، مع الحمد، معنى الإنهاء. ودللت عليه بذكر صلته، أعني كلمة «الى». كأنك قلت: أنهى حمده اليك. ثم انهم اختلفوا. فذهب بعضهم إلى أن اللفظ، مستعمل في معناه الحقيقي، فقط.
والمعنى الاخر، مراد بلفظ محذوف. يدل عليه، ذكر ما هو من متعلقاته.
فتارة يجعل المذكور ـ أصلا. والمحذوف، قيدا، على أنه حال. وتارة يعكس.
وذهب آخرون، إلى أن كلا المعنيين، مراد بلفظ واحد، على طريق الكناية إذ يراد بها معناه الأصلي، ليتوسل بفهمه(٣) إلى ما هو المقصود الحقيقي. فلا حاجة
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٦.
(٢) أ: للتمكن.
(٣) أ: يفهمه.
الى تقدير، إلّا لتصور المعنى.
وفيه ضعف. لأن المعنى المكنى به في الكناية، قد لا يقصد ثبوته. وفي «التضمين» يجب القصد إلى ثبوت كل من المضمن والمضمن فيه. والأظهر أن يقال: اللفظ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود، اصالة. لكن قصد بتبعيته(١) معنى آخر، يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ، ويقدر لفظ آخر.
فلا يكون من باب الكناية. ولا من الإضمار. بل من قبيل الحقيقة التي قصد بمعناها الحقيقي، معنى آخر، يناسبه. ويتبعه في الارادة. فاحفظ هذه المسألة. فإنها مفيدة(٢) .
( بِالْغَيْبِ ) : «الغيب»، مصدر غاب غيبا. حمل على الغائب، مبالغة.
أو على حذف مضاف. أو على جعل المصدر، بمعنى إسم الفاعل. واما مخفف فيعل، كهيّن وهين وأمثاله.
ورد ذلك بأن: هذا لا يدعى إلّا فيما يسمع مثتقلا(٣) ، كنظائره. وذلك ليس من هذا القبيل. والمراد به الخفي، الذي لا يكون محسوسا، ولا في قوة المحسوس كالمعلومات ببديهة العقل. وذلك كذاته سبحانه وأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأحوال الاخرة، إلى غير ذلك من كل ما يجب على العبد أن يؤمن به. وهو غائب عنه. لا يشاهده ولا يعاينه. فالإيمان لا يكون عن المؤمن، إلّا عن غيب، سواء كان تقليدا أو نظرا أو استدلالا.
قيل(٤) : فإذا ارتفع عن درجة الايمان، كان عارفا مشاهدا. ولهذا فرق جبرئيل
__________________
(١) أ: بتبعية.
(٢) أ: مقيدة.
(٣) أ: منتقلا.
(٤) ليس في أ.
بين درجة الايمان وما فوقه عند سؤاله النبي(١) ـ صلى الله عليه وآله – حيث قال: يا محمد! أخبرني ما الايمان وما فوقه؟
قال ـ عليه السلام: ـ الايمان أن تؤمن بالله والملائكة والكتب والنبيين وتؤمن بالقدر كله.
ثم قال: يا محمد! أخبرني ما الإحسان؟
قال: إنّ تعبد الله كأنك تراه. فان لم تكن تراه، فانه يراك.
فقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه»
، أي: تعبده حين تراه، بعين بصيرتك وقوة يقينك، كأنك تراه. فكما أن المبصر بعين البصر، لا يحتاج إلى الاستدلال، فكذلك بعين البصيرة وقوة اليقين، لا يحتاج اليه. فهو بالنسبة اليك. بمنزلة المشهود المحسوس.
فدرجة الإحسان، فوق درجة الايمان. وإنّما سمي ذلك إحسانا، لأنه انعام من الله تعالى، وفضل. ليس للعبد فيه تسبب. بخلاف الايمان، فانه مكتسب.
ويمكن أن يراد «بالغيب»، غيب الغيوب، الذي هو ذاته المطلقة وهويته الغيبية السارية، في الكل، علما وعينا.
والباء على هذه التقادير، للتعدية. متعلقه المضمن للايمان.
ويمكن أن يكون للمصاحبة. متعلقة بمحذوف، يقع حالا.
و «الغيب» بمعناه المصدري، أي: يؤمنون حال كونهم متلبسين بغيبتهم، عن المؤمن به. أو بغيبة المؤمن به، عنهم. أو المعنى، أنهم يؤمنون غائبين عنكم. لا كالمنافقين. الذين( إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) (٢) .
__________________
(١) سنن الترمذي ٤ / ١٢٠، ضمن حديث طويل مع يعض الاختلاف.
(٢) البقرة / ١٤.
وأن يكون للاستعانة، أي: يؤمنون باستعانة غيوبهم، التي هي نفوسهم الناطقة وأرواحهم المجردة، التي هي غيب وجوداتهم. فان نسبة الحق سبحانه إلى العالم، كنسبة النفس الناطقة إلى البدن. فبالقياس اليها، يعرفون الحق سبحانه ويؤمنون به وبصفاته الكمالية.
وعلى هذا، حمل بعضهم
قوله ـ عليه السلام ـ من عرف نفسه فقد عرف ربه.
«وقيل: المراد «بالغيب»، القلب، أي(١) : يؤمنون بقلوبهم. لا كمن يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم»(٢) .
ومفعول «يؤمنون»، على هذه التقادير، محذوف يعم جميع ما يجب أن يؤمن به.
ويحتمل أن يكون المراد «بالغيب»، قيام القائم ـ عليه السلام ـ.
(وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) : حدثني أبي، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال:( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، قال: يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد.
وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة(٤) : بإسناده إلى عمر بن عبد العزيز، عن غير واحد [من أصحابنا ،](٥) عن داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله عز وجل:( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ».
قال: من أقر بقيام القائم ـ عليه السلام ـ أنه حق.
__________________
(١) المصدر: لأنه مستور والمعنى.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٧.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٠.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة ٢ / ٣٤٠، ح ١٩.
(٥) يوجد في المصدر.
وبإسناده(١) إلى علي بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي القاسم. قال: سألت الصادق، جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ عن قول الله ـ عز وجل:( الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ».
فقال: «المتقون»، شيعة علي ـ عليه السلام ـ و «الغيب» هو الحجة الغائب.
وشاهد ذلك، قول الله ـ عز وجل ـ:( وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ. فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (٢) .
فأخبر ـ عز وجل ـ أن «الاية»، هي «الغيب». و «الغيب» هو «الحجة» وتصديق ذلك، قول الله ـ عز وجل:( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، آيَةً ) (٣) ، يعنى: حجة.
وفي مجمع البيان(٤) :( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، قيل: بما غاب عن العباد، علمه، عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة.
وهذا أولى لعمومه. ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من [زمان](٥) غيبة المهدي [عليه السلام](٦) ووقت خروجه)(٧) .
(ويدل عليه، ما روي(٨) عن داود [بن كثير] الرقي، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله ـ عز وجل ـ:( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) (٩) ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) »
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٣٤٠، ح ٢٠.
(٢) الاعراف / ٧١.
(٣) المؤمنون / ٥٠.
(٤) مجمع البيان ١ / ٣٨.
(٥ و ٦) يوجد في المصدر.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
(٨) كمال الدين وتمام النعمة / ٣٤٠، ح ١٩، تفسير البرهان ١ / ٥٣.
(٩) ما بين القوسين ليس في المصدر.
قال: من أقر بقيام القائم ـ عليه السلام ـ أنه حق.
وروى(١) ـ أيضا ـ: بإسناده عن يحيى بن أبي القاسم. قال سألت الصادق ـ عليه السلام ـ عن قول الله ـ عز وجل ـ( الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) .
فقال: المتقون، شيعة علي ـ عليه السلام ـ والغيب، هو الحجة الغائب)(٢) .
( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) : «القيام» في الأصل، الانتصاب. واقامة الشيء، جعله منتصبا. فكأنهم يجعلون الصلاة، منتصبة من حضيض ذل العدم أو النقصان، إلى ذروة عن الوجود أو الكمال، أي: يحصلونها أو يأتون بها، على ما ينبغي. وأيضا «قيام الشيء»، وجوده. ومنه قولهم: انه قائم بنفسه أو بغيره. وقولهم: القيوم، هو القائم بنفسه، المقيم لغيره. والقوام، لما يقام به الشيء، أي: يحصل.
فعلى هذا، معنى «اقامة الصلاة»، تحصيلها وإيجادها. كما في الوجه الأول، من الاقامة، بمعنى الانتصاب. ويلائم الوجه(٣) الثاني، جعله من اقام العود، إذا قومه، أي: سواه على أن يستعار من تسوية الأجسام، كالعود ونحوه، لتعديل الأركان، نقلا من المحسوس إلى المعقول.
ويحتمل أن يجعل من «قامة السوق». إذا نفقت، أي: راجت. وأقامها، أي: جعلها نافقة رائجة(٤) . ويقصد بها، الدوام، والمحافظة عليها. لأنها إذا حوفظت عليها، كانت كالشيء النافق. الذي يتوجه إليه الرغبات. وإذا عطلت
__________________
(١) نفس المصدر.
(٢) ما بين القوسين مشطوب في المتن وغير موجود في ر.
(٣) أ: الوجود.
(٤) أ: رائحة.
وأضيعت، كانت كالشيء الكاسد. الذي لا يرغب فيه.
وأن يجعل من قولهم: قام بالأمر، أي: تجلد وتشمر له. فإقامة الصلاة، على هذا، جعلها متجلدة متشمرة(١) لإخراج المصلي، عن عهدة أدائها، أو انقاذها، عن تبعة تركها. ولا يتيسر ذلك إلّا بتجلد المصلي وتشمره لها. فجعل كناية عنه.
وبالجملة، فالمراد بإقامتها، تحصيلها. الذي هو أداؤها ـ مطلقا. أو تعديل أركانها الظاهرة، وتقديم حقائقها الباطنة. أو الدوام والمحافظة عليها. أو التجلد والتشمر، لأدائها.
و «الصلاة»، فعلة، من «صلى». كالزكاة، من زكى، كتبت بالواو على لفظ المفخم إسم الفاعل. والتفخيم هنا، امالتها نحو الواو.
وقيل: للدلالة على أنها واوية. والمشهور أنها في اللغة، بمعنى «دعا».
وورود «الصلاة»، بمعنى «الدعاء»، في كلام العرب، قبل شرعية الصلاة، المشتملة على الأركان المخصوصة. وفي كلام من لا يعرفها، دليل على ذلك. ثم نقلت إلى ذات الأركان، لاشتمالها على الدعاء.
أو لأنها دعاء بتمامها، بالألسنة الثلاثة، القول والفعل والحال. ووجه اطلاق المصلي على الداعي، ظاهر.
«وقيل: انها من «صلى» بمعنى حرك الصلوين»(٢) ، أي: طرفي الأليتين.
وذلك لأنّ أوّل ما يشاهد من أحوال الصّلاة، إنّما هو تحريك الصلوين، للركوع.
فان القيام، لا يختص بالصلاة. وإنّما سمي الداعي، مصليا، تشبيها له، في تخضعه بالراكع والساجد واقامة الصلاة، أعم من المفروضات والمسنونات.
( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (٣) :
«الرزق»، في الأصل، الإخراج. لأن التركيب وقلبه، أعني زرق. يدلان
__________________
(١) المتشمرة.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٧.
عليه. وشاع في اللغة، أو لا على إخراج حظ إلى آخر، ينتفع به. وهذا يلائم ما يذهب إليه بعضهم. حيث يجعلون الرزق عاما، بحيث يتناول كل غذاء جسماني، كالأطعمة والأشربة وغيرهما، وروحاني كالعلوم والمعارف. ثم شاع ـ استعمالا وشرعا ـ على إعطاء الحيوان، ما ينتفع به. ويستعمل بمعنى المرزوق كثيرا.
والمعتزلة، لـمّا استحالوا من الله أن يمكّن من الحرام، لأنه منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه، قالوا: الحرام ليس برزق.
وأسند الرزق هنا، إلى نفسه إيذانا. بأنهم ينفقون الحلال [المطلق](١) فان انفاق الحرام لا يوجب المدح. وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله، بقوله:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً ) (٢) (٣) .
والأشعرية جعلوا الاسناد، للتعظيم والتحريص، على الإنفاق. والذم، لتحريم، ما لم يحرم. واختصاص ما رزقناهم بالحلال، للقرينة. وتمسكوا في شمول الرزق له
، بقوله ـ عليه السلام ـ في حديث عمرو بن قرة: لقد رزقك الله طيبا، فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله.
وبأنه لو لم يكن رزقا، لم يكن المغتذي به طول عمره، مرزوقا. وليس كذلك لقوله تعالى( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها ) (٤) . وأنفق الشيء وأنفده اخوان. وكذا كل ما كان فاؤه، نونا وعينه، فاء، يدل على معنى الذهاب والخروج.
والمراد من «انفاق ما رزقهم الله»، صرف المال في سبيل الخير، من الفرض والنفل(٥) . ومن فسر بالزكاة، ذكر أفضل أنواعه. والأصل فيه أو خصصه
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) يونس / ٥٩.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٧.
(٤) هود / ٦.
(٥) أ: النقل.
بها، لاقترانه بما هو شقيقها.
وتقديم المفعول، للاهتمام، أو لتخصيص الإنفاق، ببعض المال الحلال ـ تأكيدا ـ لما يقيده(١) «من» التبعيضية، أو للمحافظة على رؤوس الآي.
«وما» المجرورة، موصولة، أو موصوفة. والعائد، محذوف. والتقدير، رزقناهموه، أو رزقناهم إياه. وإنّما حذف العائد، الذي هو كناية عن الرزق.
لا العائد إلى المرزوقين. ليكون الوجود اللفظي، على طبق الوجود العيني، لانطواء الرزق في المرزوق واختفائه فيه.
ويحتمل أن يكون «ما»، مصدرية. ويكون المصدر، بمعنى المفعول. وأن يكون من لابتداء الغاية. لا للتبعيض.
أقول: إنّما كنّى بضمير الجمع، عن نفسه. وهو واحد لا شريك له. لأنه خطاب الملوك. وهو مالك الملوك.
ووجّه ذلك عند بعضهم، أنّ ما يصدر عن الله سبحانه، من الأفعال، إنّما «هو بوساطة»(٢) الأسماء. وللأسماء جهتان: وحدة حقيقية من حيث الذات، وجهة كثرة.
نسبيته(٣) من حيث النسب والاعتبارات. فإذا اقتضى المقام، اعتبار الجهة الاولى أتى بما يدل على الوحدة(٤) (وإذا اقتضى المقام، اعتبار الجهة الثانية أتى بما يدل على الكثرة)(٥) ولما اعتبر هنا، جانب المرزوقين، روعيت الجهة الثانية.
فان لكل مرزوق، استعدادا خاصا، يطلب رزقه من إسم خاص، يناسبه.
__________________
(١) أ: يقيده.
(٢) أ: بواسطة.
(٣) أ: نسية.
(٤) أ: الكثرة.
(٥) ما بين القوسين غير موجود في أ.
قيل: ولا يبعد أن يقال: المراد «بالاتفاق»، أنهم يتصدقون للفطر، حين يصومون، ولأداء الزكاة، عند وجود النصاب، وحولان الحول. وينفقون لأداء الحج، للزاد والراحلة، لأنفسهم ولرفقائهم. فيكون قوله تعالى «بالغيب»، اشارة إلى أول ركن من أركان الإسلام. وقوله «ويقيمون»، إلى ثانيها. وقوله( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ) ، إلى الثلاثة الباقية.
وقد(١) روي(٢) في معنى الاية، ان المتقين، هم الشيعة، الذين يؤمنون بالغيب.
وهو، البعث والنشور وقيام القائم والرجعة. و( مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) ، مما علمناهم من القرآن يتلون.
(وفي مجمع البيان(٣) :( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) ، روى محمد بن مسلم، عن الصادق ـ عليه السلام ـ أن معناه، ومما علمناهم يبثّون)(٤) .
( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) : مرفوع أو منصوب. عطفا على( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) . أو مجرور، عطفا عليه، أو على «المتقين».
فعلى الاول، يكون دخوله، تحت «المتقين»، دخول أخصين، تحت أعم.
إذ المراد «بأولئك»، «الذين آمنوا» عن شرك وانكار. وبهؤلاء، مقابلوهم. فيكون الآيتان، تفصيلا للمتقين.
وعلى الثاني، لا يكون مندرجا تحت «المتقين». والمعنى «هدى للمتقين»، عن الشرك. و «الذين آمنوا» من أهل الملل.
فعلى هذا، يكون المراد بالأولين، المؤمنين عن الشرك وبالأخيرين، المؤمنين
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٦.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٩.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
من أهل الكتاب. كعبد الله بن سلام وأضرابه.
وعلى التقديرين، يحتمل أن يراد بهم، الأولون بأعيانهم. ووسط العاطف كما وسط في قوله :
الى الملك القرم وابن الهمام |
وليث الكتيبة في المزدحم |
وقوله :
يا كهف(١) زيابة للحارث |
الصالح والغانم(٢) فالايب |
والمعنى، أنهم الجامعون بين الايمان بما يدركه العقل ـ جملة ـ والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية، وبين الايمان بما لا طريق إليه غير السمع.
وكرر الموصول، تنبيها على تباين السبيلين. أو طائفة منهم. وهم مؤمنوا أهل الكتاب. ذكرهم مخصصين عن الجملة ـ كذكر جبرئيل وميكائيل بعد الملائكة، تعظيما لشأنهم وترغيبا لأمثالهم(٣) .
ويحتمل أن يكون مع ما عطف عليه، مبتدأ. «وأولئك»، خبره.
والانزال، تحريك الشيء من العلو إلى السفل. فالمراد بالمنزل، ان كان الكلام، الذي هو صفته، فانزاله، تحريكه بالحركة المعنوية إلى مظاهره السفلية بعد ظهوره في المظاهر العلوية. فانه يظهر أولا في المظاهر العقلية، ثم النفسية، ثم المثالية ثم الحسية.
(وان كان كلامه الذي هو القرآن المنتظم من الحروف والكلمات، وانزاله تحريكه من المعاني العلمية الالهية العقلية النفسية، ثم إلى صور الحروف والكلمات
__________________
(١) المصدر: يا لهف.
(٢) المصدر: فالغانم.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٨.
المثالية، ثم الحسية)(١) .
وعلى هذا، يكون الانزال مستعملا في معناه المجازي. فيكون من قبيل المجاز في المفرد. ولك أن تجعله من قبيل المجاز في الاسناد، بأن يكون الانزال مستعملا في معناه الحقيقي. ويسند إلى القرآن، باعتبار حامله الذي هو جبرئيل ـ صلوات الله عليه ـ وإنّما جاء بصيغة الماضي وان كان بعضه مترقبا تغليبا(٢) للموجود، على ما لم يوجد. أو تنزيلا للمنتظر، منزلة الواقع. ونظيره قوله تعالى(٣) :( إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ) . فان الجن، لم يسمعوا جميعه. ولم يكن الكتاب، كله حينئذ، منزلا. والمعنى «الذين يؤمنون بالقرآن الذي أنزل اليك بعد ظهورك» بالوجود الجسماني الشهادي. وإنّما قيدنا بذلك، لأنه بحسب الوجود الروحاني العيني مقدم على الكل.
قال ـ صلى الله عليه وآله ـ(٤) : كنت نبيا، مبعوثا من عند الله، في العالم الروحاني إلى الأرواح البشريين والملكيين. وآدم بين الماء والطين.
أي، لم يكمل بدنه الجسماني الشهادي بعد، فكيف من دونه من أنبياء أولاده؟
والايمان به، جملة، فرض عين وتفصيلا، من حيث إنا متعبدون بتفاصيله، فرض، لكن على الكفاية. لأن وجوبه، على كل أحد، يوجب الحرج وفساد المعاش.
( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) : مجرور، معطوف على «ما أنزل قبله»، أي: قبل وجودك الجسماني الشهادي. والمراد به، التوراة والإنجيل وغيرهما.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) أ: تقليبا.
(٣) الأحقاف / ٤٦.
(٤) مناقب ابن شهر آشوب ١ / ٢١٤.
والايمان به جملة، فرض عين.
وقرأ يزيد بن قطيب، بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك، على لفظ ما سمي فاعله.
أقول: ومن جملة ما أنزل إلى النبي والى الأنبياء قبله ـ عليهم السلام ـ بل العمدة والأصل، خلافة علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ عنه، بلا وساطة(١) أحد غيره.
يدل على ذلك ما روي (في التفسير المنسوب إلى الحسن العسكري(٢) ـ عليه السلام :) أنه قد حضر رجل عند علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ فقال: ما تقول في رجل يؤمن بما أنزل على محمد. وما أنزل [على](٣) من قبل. ويؤمن بالاخرة ويصلي ويزكي. ويصل الرحم. ويعمل الصالحات. لكنّه «يقول مع ذلك»(٤) :لا أدري الحق لعلي أو لفلان؟
فقال [له](٥) علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ: ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها إلّا(٦) أنه يقول: لا أدري النبي محمد أو مسيلمة؟ هل ينتفع بشيء من هذه الافعال؟
فقال: لا.
__________________
(١) أ: واسطة.
(٢) تفسير العسكري / ٤٣.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: مع ذلك يقول.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) أ: على.
فقال(١) : فكذلك(٢) صاحبك هذا. كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب (وبالاخرة؟ أو منتفعا بشيء)(٣) لا يدري(٤) أمحمد النبي أو(٥) مسيلمة [الكذاب](٦) ؟ فكذلك كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب وبالاخرة(٧) أو منتفعا بشيء(٨) (من أفعاله)(٩) من لا يدري أعلي المحق أم فلان؟
(وفي شرح الآيات الباهرة(١٠) ، منقول عن التفسير المذكور قال الامام ـ عليه السلام: قال الحسن بن علي ـ عليهما السلام: من دفع فضل أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ فقد كذب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وبسائر كتب الله المنزلة. فانه ما (نزل)(١١) شيء منها، إلّا وأهم ما فيه بعد الأمر بتوحيد الله والإقرار بالنبوة، الاعتراف بولاية علي والطيبين من آله)(١٢) .
( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) (٤): معطوفة على «يؤمنون»، أي: يوقنون إيقانا.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: وكذلك.
(٣) ما بين القوسين مشطوب في المتن وغير موجود في ر ويوجد في المصدر.
(٤) المصدر: من لا يدرى.
(٥) المصدر وأ: أم.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) المصدر: به بشيء.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) تأويل الآيات الباهرة / ٧.
(١١) المصدر: أنزل.
(١٢) ما بين القوسين ليس في أ.
زال معه ما كانوا عليه، من أن الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودا أو نصارى.
وأن النار لم تمسهم إلّا أيّاما معدودة.
واختلافهم في نعيم الجنة، أهو من جنس نعيم الدنيا، أو غيره، وفي دوامه وانقطاعه.
و «الاخر»، إسم فاعل، من آخر بالتخفيف، بمعنى تأخر. إلّا أنه لم يستعمل.
والاخرة، تأنيثها. وهي صفة الدار. أو النشأة. بدليل قوله:( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) (١) وتنشئ(٢) النشأة الاخرة. وهي صفة غالبة على تلك الدار. أو النشأة، كالدنيا. على هذه حتى قلّما يستعملان(٣) في غيرهما. وقد جرتا مع تلك الغلبة، مجرى الأسماء، بترك موصوفيهما. حتى كأنهما ليستا من قبيل الصفات.
وانما سميت «آخرة»، لتأخرها عن الدنيا. كما سميت «الدنيا» دنيا، لكونها أدنى وأقرب إلينا من الاخرة. أو لكونها أقرب النشآت إلى الاخرة. وذلك لأن للنفس الناطقة، حالتين، حالة تعلقها بالبدن. واشتغالها(٤) بتدبيره. والإتيان بواسطته بالأعمال الحسنة والسيئة، وحالة انقطاعها عن البدن، وعدم التمكن من الاشتغال بتدبيره، وترتب الاجزية على أعمالها من اللذات والآلام.
ولا شك أن الانتقال من الحالة الأولى، التي هي الدنيا، إلى الثانية، التي هي الاخرة، آني دفعي. لا زماني تدريجي. بخلاف سائر النشآت. فانه يتخلل بينها وبين الاخرة، النشأة الدنيوية.
وعن نافع، أنه خففها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام.
__________________
(١) القصص / ٨٣.
(٢) أ: ينشئ.
(٣) أ: يستعلمون.
(٤) أ: اشغالها.
و «الإيقان»، إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه، بالاستدلال. ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى والعلوم الضرورية.
لا يقال: أيقنت أن السماء فوقي.
يقال: يقنت ـ بالكسر ـ يقينا. وأيقنت واستيقنت وتيقنت ـ كله ـ بمعنى.
وهو في أصل اللغة ينبئ(١) عن السكون والظهور.
يقال: يقن الماء، إذا سكن. فظهر ما تحته.
وقرئ «يوقنون»، بقلب الواو، همزة، لضم ما قبلها، اجراء لها مجرى المضمونة في وجوه ووقتت(٢) ونظيره :
لحب الموقدان(٣) الي موسى |
وجعدة إذ اضاءهما الوقود |
وفي هذا الكلام، تقديمان، يفيد كل منهما القصر :
أحدهما ـ تقديم الظرف، أعني «بالاخرة». للقصر عليه. كما في قوله تعالى :( لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ ) (٤) ، يعني: انهم يوقنون بحقيقة الاخرة. لا بما هو على خلاف حقيقتها. كما يزعم بعض اليهود.
وثانيهما ـ تقديم المسند اليه، أعني «هم». وبناء الفعل عليه، كما في قولك أنا سعيت في حاجتك، يعني: إنّ الإيقان بالاخرة، مقصور عليهم. لا يتجاوزهم إلى أهل الكتاب.
وفي هذين القصرين، التعريض ببعض أهل الكتاب، وبما هم عليه من أمر الاخرة.
__________________
(١) أ: بنى.
(٢) أ: وقنت.
(٣) أ: المؤتدان.
(٤) آل عمران / ١٥٨.
(وفي شرح الآيات الباهرة(١) : قال الامام أبو محمد العسكري ـ عليه السلام ـ ثم وصف هؤلاء الذين يقيمون الصلاة، فقال:( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) ، يا محمد!( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) ، على الأنبياء الماضين، كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر «كتب الله»(٢) المنزلة على أنبيائه، بأنها(٣) حق وصدق من عند «رب العالمين العزيز الحكيم»(٤) .( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) ، بالدار الاخرة بعد هذه الدنيا، يوقنون. لا يشكون فيها، أنها الدار التي فيها جزاء الأعمال الصالحة، بأفضل مما عملوا. وعقاب الأعمال السيئة، «بمثل ما كسبوا»(٥) )(٦) .
( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ) : الجملة في محل رفع، ان جعل أحد الموصولين، مفصولا عن «المتقين»، خبر له. وكأنه لـمّا قيل:( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) ، قيل: ما بالهم خصوا بذلك. فأجيب بقوله: الذين ـ الخ. والا، فاستئناف، لا محل لها. وكأنه نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة، أو جواب سائل قال للموصوفين بهذه الصفات: اختصوا بالهدى.
ويحتمل أن يكون الموصول الأول، موصولا «بالمتقين» والثاني مفصولا عنه(٧) . مبتدأ. «وأولئك»، خبره. و «أولئك»، إسم اشارة، يشترك فيه جماعة الذكور والإناث. وهي هنا اشارة إلى «المتقين» الموصوفين بتلك الصفات، لا
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة / ٧.
(٢) المصدر: الكتب.
(٣) المصدر: فإنها.
(٤) المصدر: رب عزيز وصادق حكيم.
(٥) المصدر: بما كسبوه.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
(٧) أ: منه.
إلى ذواتهم المجردة. لأنه مأخوذ في حد إسم الاشارة، أن يكون المشار اليه، محسوسا، أو في حكم المحسوس. وإنّما صار المشار اليه، هنا، في حكم المحسوس بإجراء هذه الأوصاف عليه وتميزه بها عما عداه. فيجب أن يكون ملحوظة في الاشارة. فاذن يكون قوله( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ) كالبناء على المشتق.
ففيه اعلام بأن الأوصاف المذكورة قبل إسم الاشارة، علة لكون المذكورين «على الهدى».
وكلمة «أولئك»، يمد ويقصر، والمد أولى.
وكلمة «على» هذه، استعارة تبعية. وإنّما كانت استعارة، لأنه شبه تمسك المتقين بالهدى، باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار. فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء، كما شبه استعلاء المصلوب، على الجذع، باستقرار المظروف في الظرف، لجامع(١) . فاستعير له الحرف الموضوع للظرفية، وإنّما كانت تبعية. لأن الاستعارة في الحرف، يقع أولا في متعلق، معناه كالاستعلاء والظرفية ـ مثلا ـ ثم تسرى إليه تبعيته، كما حقق في موضعه. ولك أن تعتبر تشبيه هيئة(٢) منتزعة من «المتقي» و «الهدى». وتمسكه به بالهيئة المنتزعة، من الراكب والمركوب واعتلائه عليه، فيكون هناك استعارة تمثيلية، تركب كل من طرفيها. أو تعتبر تشبيهه بالمركوب، على طريقة الاستعارة، بالكناية. وتجعل كلمة على قرينة لها.
وتنكير «هدى»، للتعظيم، أي: هدى لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره. وكيف يبلغ كنهه(٣) وقد منحوه من عند ربهم. وأوتوه من قبله. أو للنوع.
__________________
(١) أ: لمجامع.
(٢) أ، ر: هيئته.
(٣) ليس في أ.
و «من»، للابتداء.
وقيل(١) : إنّما قال «من ربهم»، لا «من الله»، تنبيها على أن لكل أحد، اسما خاصا من أحدية جمع الأسماء، هو ربه. ومنه يصل إليه ما يصل. وليس لأحد، أحدية جمع الأسماء، إلّا للإنسان الكامل. فان ربه الخاص به، هو الاسم(٢) الجامع. فمعنى قوله «من ربهم»، أن لكل أحد، هدى من ربه الخاص، لا من غيره.
والنكتة في اضافة «الهدى» إلى «الكتاب» أولا والى «ربهم»، ثانيا، ان المتقين قبل كشف حجب المظاهر، عن نظر شهودهم، كانوا يشاهدون «الهدى»، عن مظاهر الاسم التي كان «ذلك الكتاب» واحدا منها. فلذلك أضيف إليه «الهدى» أولا. فلما تمكنوا في التقوى وتحققوا بالصفات الجارية عليهم، كشف عنهم، حجب المظاهر وشاهدوا فيها الظاهر. فلهذا أضيف اليه، ثانيا. وهو، أي قوله «من ربهم»، اما في محل الجر، صفة «لهدى». أو النصب على أنه حال من «هدى».
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٥): عطف على الجملة الأولى.
وأصل «الفلاح»، القطع والشق. ومنه سمي الزارع، فلّاحا. لأنه يشق الأرض. والزراعة: فلاحة. ومنه المثل، الحديد بالحديد يفلح. بل كلما يشاركه في الفاء والعين، يدل على ذلك المعنى، نحو: فلق وفلذ وفلا وفلج (بالجيم).
و «المفلح»، هو الفائز بالمطلوب. كأنه الذي انفتحت له وجوه الفوز والظفر. ولم يستغلق عليه.
وكرر إسم الاشارة، للتنبيه، على أن كل واحد من المسندين، على انفراده، يكفي في اثبات الفضيلة للمسند اليهم. فلا احتياج إلى انضمام الاخر، ليعد من الفضائل. بخلاف ما لو اقتصر على واحد منهما، فإنه يمكن أن يتوهم حينئذ ،
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أ: اسم.
أن الفضيلة في الجمع بينهما، لا في كل واحد.
و «هم»، فصل. وفيه ثلاث فوائد وثلاث مذاهب.
أما الفوائد :
فالأولى منها، الدلالة ابتداء(١) على أن ما بعده خبر. لا نعت. ولذلك سمي فصلا.
والثانية، تأكيد الحكم لما فيه من زيادة الربط.
وقيل: تأكيد المحكوم عليه. لأنه راجع اليه. فيكون تكريرا له.
والثالثة، افادة قصر المسند، على المسند اليه.
فان قلت: إنّ هذا إنّما يتم إذا ثبت القصر، في مثل «زيد هو أفضل من عمرو» مما(٢) الخبر فيه نكرة. وإلّا فتعريف الخبر بلام الجنس، يفيد(٣) قصره على المبتدأ.
وان لم يكن هناك ضمير فصل، مثل زيد الأمير.
قلت: ندعي القصر، في صورة النكرة ـ أيضا ـ فان قولك: «زيد هو أفضل من عمرو»، معناه بالفارسية: زيد اوست كه أفضل است از عمرو. فعلى هذا، قد اجتمع في قولك: «زيد هو الأمير»، أمران يدلان على قصر المسند: أحدهما تأكيد للاخر، تعريف المسند وضمير الفصل(٤) .
ونوقش بأن تعريف المبتدأ بلام الجنس، يفيد(٥) قصره على الخبر، دون قصر الخبر عليه. وان كان مع ضمير الفصل. كقولك: الكرم هو التقوى، أي: لا كرم
__________________
(١) أ: ابتداءه.
(٢) أ: ومما.
(٣) أ: بقيد.
(٤) أ: ضمير الفصل من عمرو.
(٥) أ: يقيد.
الا التقوى.
وأجيب بأن القول بافادة الفصل، قصر المسند على المسند إليه إنّما هو على تقدير «أن لا يكون هناك معارض». كتعريف المسند اليه، لافادة قصره، على المسند، في هذه الصورة.
وأما المذاهب :
فأحدها، ان ضمير الفصل، حرف. لا محل له. وفائدته ما مر.
وثانيها، أنه اسم. لا محل له. وهو سخيف، لأنه ليس له نظير في كلام العرب من إسم لا يكون له محل.
وثالثها، أنه اسم، مرفوع المحل. فعلى هذا يجوز أن يكون «هم» مبتدأ و «المفلحون»، خبره والجملة خبر «أولئك».
و «اللام» اما للعهد، أي: المتقون، هم الذين بلغك أنهم يفلحون. واشتهروا بذلك. فإنهم حصة معينة من جنس المفلحين ـ مطلقا. واما للجنس، أي: جنس المفلحين، مقصور على المتقين. لا يتجاوزهم إلى غيرهم.
والمبالغة في الثاني، أتم. لأن قصر الجنس، يستلزم قصر الحصة، من غير عكس.
وهاهنا معنى(١) آخر، أدق والطف. ذكرها الشيخ في دلائل الاعجاز. وهو أن تشير باللام إلى حقيقة. ثم تصور تلك الحقيقة في الوهم، بصورة تناسب ما يحكم بها عليه. ثم تحكم بالاتحاد بين تلك الحقيقة المصورة بهذه الصورة الوهمية وبين المبتدأ من غير ملاحظة الحصر، من احد الجانبين. وإنّما اعتبرت الصورة الوهمية المناسبة لأن الحقيقة لو تركت على حالها، لم يكن ادعاء كون المبتدأ، متحدا بها مستحسنا مقبولا. فالمراد «بالمفلحين» على هذا المعنى، جنس المفلحين مصورا
__________________
(١) أ: غير معنى.
بصورة وهمية، يلائم المتقين يحكم بالاتحاد بينها وبين المتقين.
لا يقال: على هذا التقدير، لم يتصور هناك حصر أصلا، فكيف يستعمل فيه ضمير الفصل؟
قلنا: يجرد حينئذ لتميز الخبر عن النعت وتأكيد الحكم دون القصر.
فان قلت: قوله( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) جملتان مصوغتان لمدح المتقين، فلم وقعت إحداهما بطريق القصر والحكم بالاتحاد والأخرى بدونه؟
قلنا: لظهور التلازم بين مسنديهما فقصر أحدهما في قوة قصر الأخرى.
وكذلك الحكم بالاتحاد في أحدهما في قوة الحكم بالاتحاد في الأخرى. وإنّما اختير ذلك في الجملة الاخيرة، ليقع خاتمة صفاتهم على وجه أبلغ.
وفي التفسير المنسوب إلى أبي محمد العسكري ـ صلوات الله عليه وعلى آبائه(١) ـ قال الامام ـ عليه السلام ـ ثم أخبر عن جلالة هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة ـ فقال: «أولئك»، أهل هذه الصفات، «على هدى»، بيان(٢) وصواب «من ربهم» وعلم بما أمرهم به.( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الناجون مما منه يوجلون، الفائزون بما يؤملون.
قال: وجاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال: يا أمير المؤمنين! ان بلالا كان يناظر اليوم، فلانا. فجعل يلحن في كلامه. وفلان يعرب ويضحك من بلال.
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: يا عبد الله! إنّما يراد اعراب الكلام وتقويمه لتقويم الأعمال وتهذيبها. ما ذا ينفع فلانا اعرابه وتقويمه لكلامه، إذا كانت أفعاله
__________________
(١) تفسير العسكري / ٤٣.
(٢) المصدر: وبيان.
ملحونة، أقبح لحن؟ وما يضر بلالا لحنه في كلامه، إذا كانت أفعاله مقومة، أحسن تقويم، مهذبة أحسن تهذيب؟
قال الرجل: يا أمير المؤمنين! وكيف ذلك؟
قال ـ عليه السلام ـ: حسب بلال من التقويم لأفعاله والتهذيب لها(١) أنه لا يرى أحدا نظيرا لمحمد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم لا يرى أحدا بعد محمد(٢) نظيرا لعلي بن أبي طالب. ويرى أن كل من عاند عليا فقد عاند الله ورسوله.
ومن أطاعه فقد أطاع الله ورسوله. وحسب فلان من الاعوجاج واللحن في أفعاله التي لا ينتفع معها باعرابه لكلامه بالعربية وتقويمه للسانه، أن يقدم الأعجاز على الصدور والأستاه(٣) على الوجوه، وان يفضل الخل في الحلاوة، على العسل، والحنظل في الطيب، والعذوبة على اللبن. يقدم على ولي الله، عدو الله(٤) الذي لا يناسبه بشيء(٥) من الخصال في(٦) فضله، هل هو إلّا كمن قدم مسيلمة على محمد في النبوّة في(٧) الفضل(٨) ؟ ما هو إلّا من الذين قال الله تعالى( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (٩) .
__________________
(١) أ: لما، المصدر: بها.
(٢) المصدر: بعده.
(٣) أ: الاسناء.
(٤) ليس في أ.
(٥) المصدر: في شيء.
(٦) أ: من.
(٧) المصدر: و.
(٨) أ: وظاهر في الفضل.
(٩) الكهف / ١٠٤.
قال بعض الفضلاء: وإذا انتهى الكلام إلى هاهنا، فحري بنا أن نشير إلى بعض بطون هذه الآيات، فنقول: هذا كلام من باطن الجمع، إلى ظاهر الفرق.
يخاطب أكمل صورة، أولا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومتابعيه، آخرا.
فيقول: الم، أي أقسم بالأول وذي الأمر والخلق أن «ذلك» الموجود المعلوم المشهود أعني العالم، هو «الكتاب» الجامع لحروف وكلمات، مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور، للدلالة على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
ولا يزال الكتابة فيه، دائمة أبدا لا ينتهي،( لا رَيْبَ فِيهِ ) . لأن تلك الدلالة، قطعية عقلية او كشفية، لا مجال للريب والشك. فيها «هدى» للمشارفين على الترقي من الحجب المائعة، عن التحقق، بشهود الوحدة والكثرة( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ) بغيب الهوية وسريانها ـ أولا ـ في الصور العلمية الباطنة، التي هي الأعيان الثابتة.
ولها الأولية. وثانيا في الصور العينية الظاهرة، التي هي الأعيان الخارجية. ولها الآخرية، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. وبعد الايمان بها يسلكون طريق الوصول إلى شهودها في تلك الصور، بوحدتها. فيقيمون الصلاة التي هي العبادة التامة الجامعة الموصلة إلى شهود الجمعية الالهية، بتحريك صلاتهم الروحانية والجسمانية، للسير اليها والفناء فيها. «ومما» أفيض عليهم، بعد الفناء، من أنوار المعرفة وأسرار الوحدة، يفيضون على من سواهم، لجعلهم بالتربية والكمال، مستعدين لفيضانها. و «الذين» يصدقون، لصفاء استعدادهم( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) وبما انزل إلى الأنبياء والمرسلين من تلك الأنوار والأسرار، حيث يفهمونها بلسان الاشارة عنك، فيرغبون فيها ويسلكون للوصول اليها. «وبالاخرة» أي، بعاقبة سلوكهم ومآل أمرهم، إلى فيضان تلك الأنوار والأسرار، في أثناء سلوكهم، لظهور آثارها، متيقنون.( أُولئِكَ عَلى هُدىً ) مشهود،( مِنْ رَبِّهِمْ ) الظاهر بالاسم
الهادي في مظاهره، لا يحتجبون بالمظاهر(١) عن الظاهر. و( أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
الذين خرقوا حجب المظاهر. وشقّوها. فيشاهدون مشهودهم، كفاحا.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) لـمّا ذكر خاصة أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم، التي أهلتهم لاصابة الزلفى عنده وبيّن أن «الكتاب»، «هدى» ولطف لهم، خاصة، قفّى على أثره بذكر أضدادهم. وهم العتاة المردة من الكفار، الذي لا ينفع فيهم الهدى. ولا يجدي عليهم اللطف. وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه(٢) وإنذار الرسول وسكوته(٣) .
وروي عن الامام الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ(٤) في معنى الاية: أنّه لـمّا ذكر المؤمنين ومدحهم، ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم، فقال: إنّ الذين كفروا بالله وبما آمن به هؤلاء المؤمنون، بتوحيد الله تعالى وبنبوة محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبوصية علي أمير المؤمنين، ولي الله ووصي رسوله وبالأئمة الطيبين الطاهرين، خيار عباده الميامين القوامين بمصالح خلق الله تعالى،( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) ، أي: خوفتهم أو لم تخوفهم أخبر عن علم بأنهم لا يؤمنون. انتهى كلامه ـ عليه السلام ـ.
ولم يوسط العاطف، بين الجملتين، لتباينهما في الغرض والأسلوب.
أما الغرض، فلأن الغرض من الأولى، بيان كون الكتاب، بالغا في الهداية حد الكمال. ومن الثانية، وصف الكفار بأنه لا يؤثر فيهم الانذار.
وأما في الأسلوب، فلأن الطريق الأولى، الحكم على الكتاب، بجملة محذوفة المبتدأ، موصولة بغيرها، من ذكر المتقين وأحوال المؤمنين. وطريق
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أ: وعده.
(٣) أ: وسكونه.
(٤) تفسير العسكري / ٤٣ ـ ٤٤، باختلاف فيه.
الثانية، الحكم على الكافرين، قصدا بجملة تامة مصدرة بأن، المشعرة بالأخذ في فن آخر، لتجرد الأولى عنها. بخلاف قوله:( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) (١) لتوافقهما في الغرض والأسلوب. وهو ظاهر.
ويحتمل أن يقال: لـمّا كانت النسبة بين المؤمنين والكافرين، كمال المباينة، وبين الكافرين والمنافقين، على ما هو في شأن المنافقين، كمال المناسبة، قطع ما كان في شأن الكافرين، عما كان في شأن المؤمنين وعطف ما كان في شأن المنافقين على ما هو في شان الكافرين، تنبيها على تينك النسبتين.
و «أن» من الحروف التي شابهت الفعل، في عدد الحروف. والبناء على الفتح. ولزوم الأسماء. وإعطاء معانيه والمتعدي، خاصة، في دخولها على اسمين ولذلك أعملت عمله الفرعي. وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني، إيذانا بأنه فرع في العمل.
وقال الكوفيون: الخبر قبل دخولها، كان مرفوعا بالخبرية. وهي بعد باقية مقتضية للرفع، قضية(٢) للاستصحاب. فلا يرفعه الحرف.
ورد بأن اقتضاء الخبرية الرفع. مشروط بالتجرد، لتخلفه عنها، في خبر كان. وقد زال بدخولها فتعين اعمال الحرف. وفائدتها تأكيد النسبة وتحقيقها.
ولذلك يتلقى بها القسم، ويصدر بها الاجوبة، وتذكر في معرض الشك.
روي أن الكندي المتفلسف، ركب «الى المبرد»(٣) وقال: اني أجد في كلام العرب حشوا، أجد العرب يقول: عبد الله قائم. ثم يقول(٤) : إنّ عبد الله قائم. ثم
__________________
(١) الانفطار / ١٤.
(٢) أ: قضيته.
(٣) ليس في أ.
(٤) المتن ور: تقول.
يقول(١) : إنّ عبد الله لقائم.
فقال المبرد: المعاني مختلفة، فقولهم: عبد الله قائم، اخبار عن قيامه. وقولهم(٢) ان عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل. وقولهم: إنّ عبد الله لقائم، جواب عن انكار منكر لقيامه.
و «الكفر» لغة، ستر النعمة. وأصله الكفر، بالفتح. وهو الستر. ومنه سمي الليل، كافرا، لستره الأشياء، بظلمته والزارع، كافرا، لأنه يستر الحب في التراب وكمام الثمرة، كافورا، لسترها الثمرة. وفي الشرع، انكار ما علم بالضرورة، مجيء الرسول ـ عليه السلام ـ به، كوجوب الصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك.
وانما عد لبس الغيار وشد الزنار، كفرا. لأنهما تدلان على التكذيب. فان من صدق الرسول ـ عليه السلام ـ لا يتجرأ(٣) عليها. «لا لأنهما»(٤) كفر في أنفسهما واحتجت المعتزلة، بما جاء في القرآن، بلفظ الماضي، على حدوثه، لاستدعائه سابقة مخبر عنه. وحيث لا يصح الحكم، على الكافرين، مطلقا، باستواء الانذار وتركه، لتحقق الايمان من بعضهم، فتعريف الموصول اما للعهد. والمراد به ناس، بأعيانهم، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، فان هؤلاء وأضرابهم، أعلام الكفرة. فهم كالحاضرين في الذهن. فإذا أطلق اللفظ التفت الخاطر اليهم. أو لاستغراق الجنس. وهو الشائع في الاستعمال، اما مطلقا فيستغرق المصرين وغير المصرين. وخص منه غير المصرين، بقرينة الخبر.
أقول: واما(٥) مقيد بالإصرار بهذه القرينة. فانه ـ أيضا ـ جنس، فيستغرق أفراد
__________________
(١) المتن ور: تقول.
(٢) أ: قوله.
(٣) أ: لا تجرء.
(٤) أ: لأنها.
(٥) أ: ويحتمل واما.
جنس المصرين، فقط، أو لبعض أفراد الجنس، من غير عهد واستغراق. ويكون تعيين المصرين، بقرينة الخبر.
أقول: ويحتمل أن يكون المراد به، مالك بن الضيف وكعب بن أشرف وحي بن أخطب «وحدي بن أخطب»(١) تابعي أبي لبابة بن المنذر. يدل على ارادة ذلك ما
روي عن محمد بن علي الباقر ـ عليه السلام ـ(٢) : إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لـمّا قدم المدينة وظهرت آثار صدقه وآيات حقّه وبيّنات نبوّته كادته اليهود، أشد ُّكيد. وقصدوه، أقبح قصد. يقصدون أنواره ليطمسوها وحججه(٣) ليبطلوها. فكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه، مالك بن الضيف وكعب بن أشرف(٤) وحي بن أخطب(٥) وحدي بن أخطب(٦) وأبو لبابة بن عبد المنذر(٧) وشيعته.
فقال مالك لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: يا محمد! تزعم أنك رسول الله؟
«قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ :»(٨) كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين.
قال: يا محمد! لن نؤمن أنك رسوله(٩) ، حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتي. ولن نشهد لك أنّك عن الله جئتنا، حتى يشهد لك هذا البساط.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير العسكري / ٤٤ ـ ٤٧.
(٣) أ: حجته.
(٤) المصدر: الأشرف.
(٥) المصدر: الاخطب.
(٦) المصدر: وحدي بن الاخطب وأبو ياسر بن الاخطب.
(٧) المصدر: المندر.
(٨) ليس في أ.
(٩) أ: لرسوله.
وقال أبو لبابه بن عبد المنذر: لن نؤمن لك [يا محمد!](١) أنك رسول الله. ولا نشهد لك به، حتى يؤمن لك(٢) ويشهد لك(٣) هذا السوط الذي في يدي.
وقال كعب بن أشرف(٤) : لن نؤمن لك أنك رسول الله. ولن نصدقك به، حتى يؤمن لك هذا الحمار الذي أركبه.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: [انه](٥) ليس للعباد الاقتراح على الله. بل عليهم التسليم لله والانقياد لأمره والاكتفاء بما جعل(٦) كافيا. أما كفاكم أن نطق التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم بنبوّتي ودل على صدقي؟
وبيّن فيها ذكر أخي ووصيي وخليفتي في أمتي وخير من أتركه على الخلائق من بعدي، علي بن أبي طالب؟ وأنزل عليّ هذا القرآن الباهر، للخلق أجمعين(٧) ، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، وان تكلفوا(٨) شبهه؟ وأما(٩) الذي اقترحتموه، فلست أقترحه على ربي ـ عز وجل ـ بل أقول: إنّ ما اعطاني(١٠) ربي ـ عز وجل ـ من دلالة(١١) هو حسبي وحسبكم. فان فعل ـ عز وجل ـ ما اقترحتموه، فذاك زائد
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: به هذا.
(٤) المصدر: الأشرف.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: جعله.
(٧) المصدر: أجمع.
(٨) أ: تكلفوا.
(٩) المصدر: وأما هذا.
(١٠) المصدر: أعطانيه.
(١١) المصدر: دلالته و.
في تطوّله علينا وعليكم. وان منعنا ذلك فلعلمه(١) بأن الذي فعله، كاف فيما أراده منا.
قال: فلما فرغ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من كلامه هذا، أنطق الله البساط.
والحديث طويل، مضمونه: إنّ كلّا من البساط والسوط والحمار شهد بالوحدانية والنبوة والولاية. وظهر من كل منها آيات عجيبة. ولم يؤمن أحدهم إلّا أبو لبابة، فانه أظهر الإسلام ولم يحسن إسلامه.
ثم قال ـ عليه السلام: فلما انصرف القوم من عند رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم يؤمنوا، أنزل الله: يا محمد!( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ) » في العظة(٢) ( أَأَنْذَرْتَهُمْ ) ووعظتهم وخوفتهم( أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ، لا يصدقون بنبوتك وهم قد شاهدوا هذه الآيات وكفروا فكيف يؤمنون [بك عند قولك ودعائك](٣) .
( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٦): سواء، إسم مصدر. بمعنى الاستواء. أجري على ما يتصف بالاستواء، كما يجرى المصادر، على ما يتصف بها. وهو مرفوع على أنه خبر «ان».
وقوله( أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) ، بتأويل المصدر. مرفوع على الفاعلية، أي: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. أو هو مرفوع بالابتداء. وسواء خبره مقدما عليه. والفعل، إنّما يمتنع الاخبار عنه، إذا أريد به تمام ما وضع له، أما لو أطلق وأريد به اللفظ ومطلق الحدث المدلول عليه ـ ضمنا ـ على الاتساع فلا. وإنّما عدل عنه، إلى الفعل، لما فيه من إيهام التجدد وحسن دخول الهمزة.
__________________
(١) أ: فلعله.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) يوجد في المصدر.
قيل: لا يجوز أن يكون «سواء» خبرا. لأنّ الجملة، لـمّا كانت مصدرة بالاستفهام، لا يجوز تقديم ما في حيّزها عليها.
ورد بأن «الهمزة» و «أم» دخلتا عليه، لتقرير معنى الاستواء وتأكيده. فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام، لمجرد الاستواء، كما جردت حرف النداء، عن الطلب لمجرد التخصيص، في قولهم: «اللهم اغفر لنا أيتها العصابة»، بل هو أولى من أن يكون فاعلا، للاستواء. لأنه لـمّا كان اسما غير صفة، فالأصل أن لا يعمل.
وإذا جعله بمعنى إسم الفاعل، فأتت المبالغة المقصودة، من الوصف بالمصادر ووجه افراده على الأول، ظاهر. وعلى الثاني، لجهة مصدريته. ولما كان الاستواء المستفاد، من الحرفين، غير الاستواء المفهوم من سواء، فلا تكرار.
وذهب بعض النحاة إلى أن «سواء» مثل هذا المقام، خبر مبتدأ محذوف أي، الأمران سواء عليهم.
وان الهمزة بما بعدها، بيان للأمرين. والفعلان في معنى الشرط، على أن يكون الهمزة، بمعنى أن الشائع استعمالها، في غير المتيقن.
و «أم» بمعنى «أو» لأن كليهما، لأحد الأمرين.
والجملة، الاسمية، أعني(١) ، الأمران سواء دالة على الجزاء. فعلى هذا يكون، خبر «ان»، هو الجملة الشرطية. والمعنى: إنّ الذين كفروا ان أنذرت أو لم تنذر، فهما سواء عليهم.
و «عليهم»، متعلق بالاستواء.
و «الانذار»، التخويف. أريد به التخويف من عقاب الله. وإنّما اقتصر(٢) عليه، دون البشارة، لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرا في النفس، من حيث أن
__________________
(١) ر: يعنى.
(٢) أ: اقتصرت.
دفع الضر، أهم من جلب النفع. فإذا لم ينفع فيهم، كانت البشارة بعدم النفع أولى.
وقرئء أنذرتهم، بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية. بين بين وقلبها ألفا.
وهو لحن. لأن المتحركة لا تقلب. ولأنه يؤدي إلى التقاء الساكنين على غير حده.
وبتوسيط ألف بينهما، محققتين وبتوسيطها. والثانية بين بين وبحذف الاستفهامية وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها.
( لا يُؤْمِنُونَ ) ، تأكيد أو بيان، للجملة التي قبلها، أعني:( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) . وحينئذ يكون محله الرفع، ان جعل ما قبله جملة من مبتدأ وخبر لا صفة مع الفاعل. فانه على هذا التقدير لم يكن لقوله «يؤمنون»، محل، أو خبر بعد خبر، أو جملة مستأنفة، أو حال من مفعول «أنذرتهم». قيل: أو خبر.
وقوله «سواء» ـ الخ، اعتراض بين المبتدأ والخبر.
ورد بأن الاخبار عن المصرين على الكفر، بعدم الايمان لا فائدة فيه. واحتجت المجوّزة لتكليف ما لا يطاق، بالاية، بأنه سبحانه، أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون، وأمرهم بالايمان. فلو آمنوا، انقلب خبره، كذبا. وشمل ايمانهم، الايمان بأنهم لا يؤمنون. فيجتمع الضدان.
والجواب: إنّ الاخبار بوقوع الشيء أو عدمه، لا ينفي القدرة عليه، كاخباره تعالى عما يفعله هو. والعبد باختياره. وفائدة الانذار بعد العلم، بأنه لا ينجع الزام الحجة وحيازة الرسول، فضل(١) الإبلاغ. ولذلك قال:( سَواءٌ عَلَيْهِمْ ) . ولم يقل «سواء عليك». كما قال لعبدة الأصنام:( سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ) وقد حقق الكلام في هذا الجواب، العلامة النحرير القزويني(٢) ـ أدام الله ظله
__________________
(١) أ: أفضل.
(٢) هو العالم الفاضل المدقق المولى خليل بن الغازي القزويني الأصل والمسكن
العالي ـ في حاشيته الشريفة على العدة.
(وفي اصول الكافي(١) : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القسم(٢) بن يزيد، عن أبى عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر، في كتاب الله ـ عز وجل ـ.
قال: الكفر في كتاب الله، على خمسة أوجه :
فمنها كفر الجحود، على وجهين. فالكفر(٣) بترك ما أمر الله، وكفر البراءة، وكفر النعم.
فأما كفر الجحود، فهو الجحود بالربوبية. وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار. وهو قول من صنفين من الزنادقة. يقال لهم: الدهرية. وهم الذين يقولون(٤) :( وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) . وهو دين وضعوه لأنفسهم، بالاستحسان. فهم على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون. قال الله ـ عز وجل ـ(٥) :
__________________
والوفاة ذكره الشيخ الحر العاملي في أمل الأمل ٢ / ١١٢ وميرزا عبد الله الأفندي في رياض العلماء ٢ / ٢٦١.
كتب وألف العديد من المؤلفات منها: «شرح الكافي» فارسى وشرح عربى و «رسالة الجمعة» و «حاشية مجمع البيان» و «الرسالة النجفية» و «الرسالة القمية» و «الجمل» في النحو و «رموز التفاسير الواقعة في الكافي والروضة» و «شرح العدة».
كانت وفاته ـ رحمه الله ـ بقزوين، سنة تسع وثمانين بعد الالف ودفن بها في المدرسة المعروفة به. (عدة الأصول، المقدمة / ٢١ ـ ٢٢)
(١) الكافي ٢ / ٣٩.
(٢) المصدر: القاسم.
(٣) ر: والكفر.
(٤) الجاثية / ٢٤.
(٥) الجاثية / ٢٤.
( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) . ان ذلك كما يقولون. وقال(١) :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، لا يُؤْمِنُونَ ) ، يعنى بتوحيد الله [تعالى](٢) . فهذا أحد وجوه الكفر.
ـ والحديث طويل ـ، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) : حدثني أبي، عن بكر بن صالح، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: الكفر في كتاب الله، على خمسة أوجه(٤) . فمنه كفر الجحود(٥) . وهو على وجهين: جحود بعلم، وجحود بغير علم.
فأما الذين جحدوا بغير علم، فهم الذين حكى الله عنهم في قوله تعالى(٦) ( وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) . وقوله(٧) :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) . فهؤلاء كفروا وجحدوا بغير علم. ـ والحديث طويل ـ، أخذت منه موضع الحاجة)(٨) .
( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) : بيان وتأكيد للحكم السابق. أو تعليل له.
__________________
(١) البقرة / ٦.
(٢) يوجد في المصدر
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٢.
(٤) المصدر: وجوه.
(٥) المصدر: بجحود.
(٦) الجاثية / ٢٤.
(٧) البقرة / ٦.
(٨) ما بين القوسين ليس في أ.
و «الختم»، قريب من الكتم، لفظا، لتوافقهما في العين واللام، ومعنى.
لأن «الختم» على الشيء، يستلزم كتم ما فيه. فيناسبه في اللازم.
و «الغشاوة»، فعالة، من غشاه إذا غطاه. بنيت لما يشتمل على الشيء، كالعصابة والعمامة. ولا ختم ولا تغشية، ثم على الحقيقة، بل على سبيل المجاز والاستعارة.
فان كان المشبه به، في( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) ، المعنى المصدري الحقيقي للختم، والمشبه احداث حالة في قلوبهم، مانعة من نفوذ الحق فيها، كان طرفا التشبيه، مفردين، والاستعارة، مصرحة. وان جعل المشبه به، هيئة مركبة منتزعة من الشيء والختم الوارد عليه ومنعه صاحبه من الانتفاع به والمشبه، هيئة منتزعة من القلب والحالة الحادثة فيه ومنعها صاحبها عن الانتفاع به في الأمور الدينية(١) ، كان طرفا التشبيه مركبين والاستعارة تمثيلية. قد اقتصر فيها من ألفاظ المشبه به، على ما معناه، عمدة في تصوير تلك الهيئة، واعتبارها، أعني: الختم. وباقي الألفاظ، منوي مراد. وان لم يكن مقدرا في نظم الكلام والاقتصار، على بعض الألفاظ، للاختصار في العبارة(٢) .
وتكثير محتملاتها، بأن يحمل تارة على التشبيه وتارة على التمثيلية وأخرى على غيرهما، ولو صرح بالكل، تعينت التمثيلية، وان قصد تشبيه قلوبهم بأشياء مختومة.
وجعل ذكر «الختم»، الذي هو من روادف المشبه به، المسكوت عنه، تنبيها عليه ورمزا، كان من قبيل الاستعارة بالكناية. وقس عليه قوله:( وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) .
والمعتزلة لـمّا اضطرت في معنى ظاهر الاية، ذكروا له وجوها من التأويل.
__________________
(١) أ: الدنيوية.
(٢) أ: العبادة.
منها: إنّ القوم لـمّا أعرضوا وتمكّن ذلك في قلوبهم، حتى صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه.
ومنها: إنّ المراد «بالختم»، وسم على(١) قلوبهم، بسمة تعرفها الملائكة.
فيبغضونهم. ويتنفرون عنهم. وعلى هذا يحمل كل ما يضاف إلى الله من طبع وإضلال.
يدل على هذا التأويل
ما روي في تفسير الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ(٢) عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنه قال: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لـمّا دعا هؤلاء المعينين في الآية المقدمة(٣) ، [في قوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ](٤) وأظهر لهم(٥) تلك الآيات. فقابلوها بالكفر. أخبر الله ـ عز وجل ـ [عنهم](٦) بأنه( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ) ختما يكون علامة للملائكة(٧) المقربين القراء لما في اللوح المحفوظ من أخبار هؤلاء المذكورين فيه أحوالهم. حتى إذا نظروا إلى أحوالهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم(٨) ، شاهدوا ما هنالك(٩) «من ختم الله ـ عز وجل ـ عليها ازدادوا بالله معرفة. وعلموا بما يكون قبل أن يكون»(١٠) يقينا.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير العسكري / ٥٣.
(٣) المصدر: المتقدمة.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) أ: أظهرهم.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) أ: الملائكة.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) المصدر: هؤلاء.
(١٠) ليس في المصدر وفيه يوجد كذا: المختومين على جوارحهم يجدون على ما قرءوه
قال(١) : فقالوا: يا رسول الله! فهل من عباد الله، من يشاهد هذا الختم، كما يشاهده(٢) الملائكة؟
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: بلى، محمد رسول الله يشاهده(٣) ، باشهاد(٤) ـ عز وجل ـ له(٥) . ويشاهده من أمته أطوعهم لله ـ عز وجل ـ وأشدهم جدا(٦) في طاعة الله وأفضلهم في دين الله.
فقالوا: من هو، يا رسول الله؟ ـ وكل منهم تمنى أن يكون هو ـ.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: دعوه يكن من شاء الله. فليس الجلالة في المراتب عند الله ـ عز وجل ـ بالتمني ولا بالتظني ولا بالاقتراح. ولكنه فضل من الله ـ عز وجل ـ على من يشاء، يوفقه للأعمال الصالحة، تكرمه لها. فيبلغه أفضل الدرجات وأشرف المراتب. ان الله سيكرم بذلك من تريكموه(٧) في غد.
فجدوا في الاعمال الصالحة. فمن وفق الله له(٨) ما يوجب عظيم كرامته عليه(٩) ، فلله عليه بذلك الفضل العظيم.
__________________
من اللوح المحفوظ. وشاهدوه في قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، أزادوا نعم الله بالغائبات.
(١) ليس في المصدر.
(٢ و ٣) النسخ: يشاهدها.
(٤) أ: بشهادة.
(٥) ليس في أ.
(٦) ليس في أ.
(٧) أ: يريكموه.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) ليس في المصدر.
قال: فلما أصبح رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وغص مجلسه بأهله. وقد جد بالأمس، كل من خيارهم، في خير عمله وإحسانه إلى ربه، و(١) قدم يرجو أن يكون هو ذلك الخير الأفضل.
قالوا: يا رسول الله! من هذا؟ عرّفناه بصفته. وان لم تنص لنا على اسمه.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: هذا، الجامع للمكارم، الحاوي للفضائل، المشتمل على الجميل ـ ثم بعد ذكر كلام طويل، مشتمل على كرامات ومجاهدات، وقعت في تلك الليلة من أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ذكر أنه(٢) قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لعلي عليه السلام: انظر! فنظر إلى عبد الله بن أبيّ والى سبعة من اليهود.
فقال: شاهدت ختم الله على قلوبهم وأسماعهم(٣) .
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أنت، يا علي! أفضل شهداء الله في الأرض بعد محمد رسول الله.
قال: فذلك قوله تعالى:( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) ، تبصرها الملائكة. فيعرفونهم بها. ويبصرها رسول الله، محمد. ويبصرها خير خلق الله بعده علي بن أبي طالب.
وفي عيون الأخبار(٤) : بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، قال: سألت أبا الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ عن قول الله ـ عز وجل:( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ) .
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) ليس في أ.
(٣) المصدر: على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة.
(٤) عيون الأخبار ١ / ١٢٣.
قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار، عقوبة على كفرهم. كما قال ـ عز وجل(١) ـ:( بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ) (٢) .
و( عَلى سَمْعِهِمْ ) ، يحتمل أن يكون معطوفا على قلوبهم ومعطوفا عليه «لعلى أبصارهم». ورجح الأول، بقوله(٣) :( وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ. وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ) ، وبالوقف «على سمعهم» اتفاقا. ولأنهما لـمّا كان إدراكهما من جميع الجوانب، جعل المانع عنه، بما يكون كذلك لظهور «أن الغشاء»(٤) يكون بين المرئي والرائي.
وكرر الجار، للدلالة على أن الختم يتعلق بكل واحد منهما، بالاستقلال.
فيكون أشد. ولأن تعلق فعل بمجموع أمرين، لا يستلزم تعلقه بكل واحد.
وافراد «السمع»، للأمن من اللبس مع الخفة والتفنن. أو لأنه في الأصل مصدر. وهو لا يجمع. أو على تقدير مضاف، أي: مواضع سمع. أو لرعاية المناسبة بين المدرك والمدرك. فان مدرك السمع، واحد. وهو الصوت. ومدركاتهما أنواع.
وقرئ: «وعلى أسماعهم».
ووجه الترتيب، أنه تعالى لـمّا ذكر هذه الطائفة، أولا بالكفر، وثانيا باستواء الانذار وعدمه عليهم، فالختم على قلوبهم، ناظر إلى كفرهم. لأن الكفر والايمان من صفات القلب. والختم على سمعهم، ناظر إلى ذلك الاستواء. لان محل ورود الإنذارات، ليس الا السمع. ولما حكم عليهما بالختم فصار مكان أن يقال علمنا
__________________
(١) النساء / ١٥٥.
(٢) ليس في أ.
(٣) الجاثية / ٢٣.
(٤) أ: الفناء.
وقوع الختم عليهما: ألم يكن لهم أبصار يبصرون بها الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة؟ فقال:( وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) . ولما لم يكن في نظم الكلام، ما ينظر إليه التغشية، غيّر الأسلوب.
و «البصر»، قوة أودعت في ملتقى العصبتين، المجوفتين النابتتين(١) ، من مقدم الدماغ. وقد يطلق على العضو. وكذلك «السمع». وهو قوة أودعت في باطن الصماخ(٢) .
و «غشاوة»، مرفوع مبتدأ. و «على أبصارهم» خبره عند سيبويه. وفاعل الظرف، عند الأخفش لاعتماده على ما قبله. ويؤيده العطف على الجملة الفعلية.
وقرئ بالنصب، على معنى وجعل على أبصارهم غشاوة. أو على حذف الجار. وإيصال الفعل، نفسه اليها. والمعنى: وختم على أبصارهم بغشاوة.
وقرئ بالضم والرفع وبالفتح والنصب.
و «غشوة» بالكسر، مرفوعة. و «بالفتح مرفوعة»(٣) ومنصوبة.
و «غشاوة»، بالعين الغير معجمة، من العشا مصدر الأعشى. وهو الذي لا يبصر بالليل.
( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) ) : وعيد، وبيان لما يستحقونه.
«والعذاب»، كالنكال، بناء ومعنى. يقال «أعذب عن الشيء ونكل»، إذا أمسك عنه. ومنه الماء العذب، لأنه يقمع العطش، ويردعه. فسمّي «العذاب»، عذابا، لأنه يردع الجاني عن المعاودة إلى الجناية. ثم اتسع، فأطلق على كل ألم شديد وان لم يكن، نكالا، أي. عقابا، يرتدع به الجاني عن المعاودة.
__________________
(١) أ: النابتين.
(٢) ر: الطماخ.
(٣) ليس في أ.
وقيل(١) : «اشتقاقه من التعذيب. الذي هو ازالة العذب(٢) . كالتغذية والتمريض».
أو من العذبة. وهي القذاة. وماء ذو عذب، أي: كثير القذى. فكما أن القذاة تنغص(٣) الماء وكذلك العذاب، ينغص(٤) العيش.
أو من أعذب حوضك، أي: انزع ما فيه من قذى. فكذلك العذاب ينزع(٥) من الجاني، ما فيه من الجناية.
أو من العذوبة. لأن عذاب كل أحد مما(٦) يستعذبه ضده. فعذاب الكافرين، مما يستعذ به المؤمنون.
و «العظيم»، ضد الحقير، والكبير ضد الصغير. كما أن الحقير، دون الصغير.
فالعظيم فوق الكبير.
قيل(٧) : «ومعنى التوصيف به، أنه إذا قيس بسائر ما يجانسه، قصر عنه جميعه، وحقر بالاضافة اليه. ومعنى التنكير في الاية، ان على أبصارهم غشاء، ليس مما يتعارفه الناس. وهو التعامي عن الآيات. ولهم من الآلام العظام، نوع، يعلم كنهه الله تعالى»، أي: في الاخرة.
وقال بعضهم: إنّ لهم عذابا في الدنيا والاخرة. لأن عذابهم الأخروي، ليس إلّا صور اعتقاداتهم ونتائج أعمالهم، من دركات النيران. وما فيها من الآلام، كانت في الدنيا معاني، فصارت في الاخرة صورا، فهم دائمون فيها. لكنهم
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ٢١ ـ ٢٢.
(٢) أ: العذاب.
(٣) أ: تنقص.
(٤) أ: ينقص.
(٥) أ: نزع.
(٦) ليس في أ.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢٢.
لا يتألمون بها في الدنيا، لكثافتهم «وغلظ حجابهم»(١) . والذين صاروا في الدنيا، أهل الاخرة، يرونهم داخلين في النار وما فيها، من أنواع العذاب.
قال بعض الصوفية: وإذ قد علمت ما بين لك من المعاني الظاهرة، فألق سمعك، تسمع بطنا من بطونها :
فنقول: إنّ الذين كفروا، خرجوا(٢) من الايمان الرسمي المنوط بغيبتهم، عن المؤمن به، ودخلوا في الكفر الحقيقي، بستر وجوداتهم، في الفناء في الله، ان أنذرتهم بسوء عاقبة ارتدادهم من هذا الكفر، إلى ذلك الايمان، أم لم تنذرهم، فهما سيان عليهم(٣) . لأنهم لا يؤمنون، أي: لا يرجعون إلى الايمان الرسمي، أبدا. لأن الفاني، لا يرد. وكأنه إلى هذا الايمان والكفر، أشار من قال :
«كفرت بدين الله والكفر واجب»(٤) لدي، وعند المسلمين، قبيح.( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) ، فلا يدخل فيها شيء مما سوى الله. وان دخل فيها شيء، فهو صورة من صور تجلّياته، انخلعت من لباس الغيرية. وختم «على أسماعهم»، فلا يسمعون شيئا، مما سواه. فانه المتكلم على ألسنة الموجودات. فكلما يسمعونه بلسان الحال أو المقال، فهو من صور كلامه، لا غير. و( عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) مانعة من رؤية غيره سبحانه.
فكلما يرونه ليس إلّا من صور تجلّياته، تجلّى به على نظر شهودهم.( وَلَهُمْ عَذابٌ ) ، أي: أمر يعده(٥) المحجوبون، عذابا. وهو استهلاكهم في الوجود الحق.
وإمساكهم عن اللذات العاجلة والراحات الاجلة. «عظيم»، أي: جليل قدره. لا
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أور: أى خرجوا.
(٣) أ: لهم عليهم.
(٤) ليس في أ.
(٥) أ: بعده.
يعرفه إلّا من ذاقه(١) .
(وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطبرسي ره: بإسناده إلى أبي محمد العسكري ـ عليه السلام ـ أنه قال في قوله تعالى:( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ، غِشاوَةٌ. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ، أي: وسمها بسمة يعرف(٣) من يشاء من ملائكته، إذا نظروا اليها، بأنهم الذين لا يؤمنون.( وَعَلى سَمْعِهِمْ ) ، كذلك بسمات( وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) . وذلك لما أعرضوا عن النظر فيما كلّفوه، وقصروا فيما أريد منهم، وجهلوا ما لزمهم، من الايمان [به](٤) ، فصاروا كمن على عينيه غطاء، لا يبصر ما أمامه. فان الله ـ عز وجل ـ يتعالى عن العبث والفساد وعن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه. فلا يأمرهم بمغالبته، ولا بالمصير إلى ما قد صدهم بالقسر عنه. [ثم](٥) قال:( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ، يعني: في الاخرة، العذاب المعد للكافر، وفي الدنيا، أيضا، لمن يريد أن يستصلحه بما نزل(٦) به، من عذاب الاستصلاح، لينبهه لطاعته. أو من عذاب الاصطلام، ليصيّره إلى عدله وحكمته)(٧) .
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا ) . لإنشاء الايمان. أو للاخبار بوقوعه، فيما مضى.
__________________
(١) أ: ذاته.
(٢) الاحتجاج ٢ / ٢٦٠.
(٣) المصدر: يعرفها.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: ينزل.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
وافراد الضمير، في «يقول»، بالنظر إلى اللفظ. وجمعه، فيما بعد بالنظر إلى المعنى. لأنهم في قولهم «آمنا» بمنزلة شخص واحد، لاتفاقهم عليه، في غير اختلاف. وأما إتيانهم بما ينافي الايمان، فالتعدد فيه ممكن، بل واقع. فلذلك لوحظ فيه جهة كثرتهم، بإيراد ضمير الجماعة.
و «الناس»، اشتقاقه من الأناس، حذفت همزته تخفيفا. منه انسان وأناس وأنس. وحذفها مع لام التعريف، واجب. لا يكاد يقال الأناس. وهو مأخوذ من الأنس، بالضم، ضد الوحشة. لأنهم مدنيّون بالطبع، يستأنسون بأمثالهم، أشد استئناس. أو من الانس، بالكسر. بمعنى الإيناس. وهو الأبصار.
قيل: وهذا أشبه، ليناسب المقابل، أعني الجن. لأنهم سمّوا به، لاجتنانهم.
ويوافق اسمه الاخر. أعني، البشر. لأنه من البشرة(١) ظاهر الجلد.
وذهب الكسائي إلى أنه من نون وواو وسين. والأصل، نوس. فقلبت الواو، ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها. والنوس: الحركة.
وقيل(٢) : «من نسي، فقلبت اللام إلى موضع العين فصارت نيس»(٣) . ثم قلبت الياء ألفا. سموا بذلك، لنسيانهم. فوزنه على الأول، عال وعلى الثاني فعل وعلى الثالث فلع.
قيل: لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من شيء آخر. وإلّا لزم التسلسل.
وعلى هذا، لا حاجة إلى جعل لفظ «الإنسان» مشتقا من شيء آخر.
ورد بأن المقصود من ذلك، تقليل اللغات، بحسب الوسع. ولا شك أن الألفاظ المتعددة، إذا ردت إلى أصل واحد، صارت اللغات، أقل.
__________________
(١) أ: البشيرة.
(٢) تفسير البحر المحيط ١ / ٥٢.
(٣) أ: فصار نيسا.
و «اللام» فيه لتعريف الجنس. أو العهد، اشارة إلى( الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، أي: المصرين على الكفر ـ مطلقا، أو مقيدا ـ بكونهم غير ما حضين، أو جماعة معهودين منهم. فلها أربع احتمالات.
و «من» في «من يقول»، اما موصولة، أو موصوفة. اما لتعريف الجنس، أو العهد. اشارة إلى جماعة معهودين، كابن أبيّ وأضرابه.
ففيها ثلاثة احتمالات يحصل من ضربها في أربع احتمالات، اثنا عشر وجها.
فعليك بالتأمل، حتى يظهر وجهها.
ثم المراد «بالذين كفروا» ان كان ناسا معهودين ماحضين للكفر غير منافقين، أو الجنس المخصوص مما عدا المنافقين، اما بقرينة المقابلة، أو لتبادر الفهم اليه، من اطلاق المعرف بلام الجنس.
فالمقصود من هذه الآيات، استيفاء الأقسام، حيث ذكر أولا المؤمنين(١) ، ثم الماحضين، ثم المنافقين. وان كان المراد بهم ما يعم الماحضين والمنافقين.
فذكر المنافقين من قبيل ذكر الخاص بعد العام، لكمال الاهتمام بالنداء، على تفاصيل صفاتهم الذميمة(٢) وأعمالهم الخبيثة، لكونهم أخبث الكفرة وأبغضهم، إليه تعالى.
لأنهم خلطوا الايمان بالكفر، تمويها وتدليسا، وبالشرك، استهزاء وخداعا.
و «القول»: هو التلفظ بما يفيد. ويقال: بمعنى المقول، وللمعنى المتصور في النفس والمعبر عنه باللفظ والرأي والمذهب، مجازا.
وقصة المنافقين، معطوفة على قصة الذين كفروا. وليس ذلك من باب عطف جملة على جملة، ليطلب مناسبة الثانية، مع السابقة، بل من باب ضم جمل مسوقة لغرض، إلى آخر، مسوقة لآخر، وشرطه المناسبة بين الغرضين. فكلما كانت المناسبة
__________________
(١) المتن: للمؤمنين.
(٢) أ: الذمية.
أشد وأمكن، كان العطف بينهما أشد وأحسن.
قال بعض المفسرين(١) : هذه الاية، مع الاثني عشر الآيات التي بعدها، أنزلت في ذم المنافقين. الذين أظهروا الايمان وأبطنوا الكفر، لمصالح دعتهم إلى ذلك.
ثم قال: ودخل فيهم من كان على صفة النفاق، حال نزول الاية. واشتهر به.
أو كان ولم يشتهر. وظهر بعد ذلك، نفاقه وخبثه. أو حدث النفاق، بعد ذلك، في زمان النبي ـ عليه السلام ـ أو بعد زمانه. فان كل هؤلاء، مصداق هذه الآيات.
ثم قال: ولا يتوهم أنه يلزم في الدخول، تحقق المخاطبات التي ذكرت في الآيات الاتية، فيخرج من لم يتحقق فيه، تلك الأقوال. فلا يمكن أن يقال: إنّ الآيات، نزلت فيهم، لأن الشرطية، لا تقتضي وقوع الطرفين.
أقول: يظهر من كلام ذلك الفاضل، أن إذا الواقعة في تلك الآيات، شرطية ويرد احتمالها التأمل الصادق، في تلك الآيات. ويحتمل أن يكون المراد منه، الخلفاء الثلاثة، مع شيعتهم. يدل على ذلك
ما روي أبي محمد العسكري ـ عليه السلام ـ(٢) .
وفي شرح الآيات الباهرة(٣) : قال العالم موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لـمّا أوقف أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ في يوم الغدير، موقفه المشهور المعروف، قال(٤) : يا عباد الله! أنسبوني.
فقالوا: أنت محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.
__________________
(١) الزمخشري، الكشاف ١ / ٥٤.
(٢) تفسير العسكري / ٥٤.
(٣) تأويل الآيات الباهرة / ٨.
(٤) أ: ثم قال.
ثم قال: أيها الناس! ألست أولى بكم من أنفسكم(١) ؟ وأنا مولاكم وأولى(٢) بكم منكم بأنفسكم؟
قالوا: بلى، يا رسول الله!.
فنظر إلى السماء. وقال: اللهم! اشهد «يقول هو(٣) ذلك ثلاثا ويقولون ذلك ثلاثا»(٤) .
ثم قال: ألا من(٥) كنت مولاه وأولى به، فهذا علي مولاه وأولى به. اللهم! وال من والاه. وعاد من عاداه. وانصر من نصره. واخذل من خذله.
ثم قال: قم، يا أبا بكر! فبايع له(٦) بإمرة المؤمنين.
«ثم قال: قم، يا عمر! فبايع له بإمرة المؤمنين»(٧) .
فقام، فبايع له، «بإمرة المؤمنين»(٨) .
ثم قال بعد ذلك، لتمام التسعة «من رؤساء»(٩) المهاجرين والأنصار. فبايعوه كلهم.
فقام من بين جماعتهم، عمر بن الخطاب. فقال: بخ بخ يا بن أبي طالب! أصبحت(١٠) مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
__________________
(١) المصدر: ثم قال: أيها الناس! ألست أولى بكم من أنفسكم بأنفسكم، قالوا: بلى. قال ـ صلى الله عليه وآله :
(٢) المصدر: مولاكم أولى.
(٣) ليس في أ.
(٤) المصدر: يقول هؤلاء ذلك وهو يقول.
(٥) المصدر: فمن.
(٦ و ٧ و ٨) ليس في أ.
(٩) أ: تم لرؤساء.
(١٠) ليس في أ.
ثم تفرقوا عن ذلك. وقد أكدت(١) عليهم العهود والمواثيق.
ثم ان قوما من متمرديهم وجبابرتهم، تواطئوا(٢) بينهم، لئن كانت لمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كائنة لندفعن(٣) هذا الأمر عن(٤) علي. ولا نتركه(٥) له.
فعرف الله تعالى ذلك(٦) من قلبهم. وكانوا يأتون رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ويقولون: لقد أقمت علينا(٧) أحب الخلق(٨) إلى الله واليك وإلينا. فكفيتنا به مؤنة الظلمة لنا والجبارين في سياستنا. وعلم الله تعالى من قلوبهم خلاف ذلك، من مواطأة بعضهم لبعض، أنهم على العداوة مقيمون ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون. فأخبر الله ـ عز وجل ـ محمدا عنهم. فقال: يا محمد!( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ ) ، الذي(٩) أمرك بنصب علي، اماما وسائسا(١٠) ولأمتك مدبّرا(١١) ( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) بذلك. ولكنهم يتواطئون على اهلاكك وإهلاكه(١٢) ويوطّئون أنفسهم، على التمرد على عليّ، ان كانت بك كائنة.
__________________
(١) المصدر: وكدت.
(٢) أ: وطئو.
(٣) المصدر: ليدفعن.
(٤) المصدر: من.
(٥) المصدر: ولا يتركونه.
(٦) ليس في أ.
(٧) أ: عليا.
(٨) المصدر: خلق الله.
(٩) ليس في أ.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) المصدر: ومدبرا.
(١٢) ليس في المصدر.
( بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : أي، بالمبدأ والمعاد. اللذين هما المقصود الأعظم من الايمان. ولهذا اختصا بالذكر.
والمراد «باليوم» الذي هو إسم لبياض النهار، زمان ممتد من وقت الحشر إلى الأبد، أو إلى زمان استقرار كل في مستقره، من الجنة والنار. وهذا أشبه باليوم الحقيقي، في تحقق الحد من الطرفين.
وأما كونه «آخرا»، فلتأخر(١) هذين الزمانين، عن الأيام الدنيوية المنقضية.
وقيل في الثاني، «لأنه آخر الأوقات المحدودة»(٢) الذي لا وقت بعده.
ورد بأنه: لا شك أن في كل، من الجنة والنار، أحوالا وحوادث، كلية يمكن تحديد الأوقات بها. وقد شهدت الكلمات النبوية، بوجودها. أللّهمّ إلّا أن يقال المنفي، هو الحد المشهور، غاية الاشتهار.
وفي تكرير «الباء»، ادعاء الايمان، بكل واحد على الاصالة والاستحكام.
( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) (٨): نفي لما ادعوا. والأصل يقتضي أن يقول: وما آمنوا، ليطابق قولهم. لكنّه قدم المسند إليه وجعل المسند، صفة. فصارت الجملة اسمية غير دالة، على زمان(٣) . لان في ذلك سلوكا، لطريق الكناية، في رد دعواهم الكاذبة. فان انخراطهم في سلك المؤمنين وكونهم طائفة من طوائفهم، من لوازم ثبوت الايمان الحقيقي لهم. وانتفاء اللازم، دل على انتفاء الملزوم. ففيه من التأكيد والمبالغة ما ليس في الملزوم، ابتداء. وايضا، فيه مبالغة في نفي اللازم، بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم، مطلقا. وأكد ذلك النفي، «بالباء» ايضا. وأطلق الايمان، لزيادة التأكيد على معنى أنهم ليسوا من الايمان في شيء.
__________________
(١) ر: فلتأخره من.
(٢) ر. الكشاف ١ / ٥٦، أنوار التنزيل ١ / ٢٢.
(٣) أ: على ذات زمان.
أو أرادوا ما هم بمؤمنين بالله وباليوم الاخر، بقرينة ما أجيب به عنه. ولما اعتبر التأكيد والاستمرار، بعد ورود النفي، لم يفد إلّا تأكيد النفي.
واستدل من ذهب إلى أن الايمان، ليس هو الإقرار فقط بالاية.
وأقول: الآية تدل على أن من ادعى الايمان وخالف قلبه، لسانه بالاعتقاد، لم يكن مؤمنا. ولا تدل على أن من تكلم بالشهادتين، بدون الاعتقاد، لم يكن مؤمنا. وهو المتنازع فيه.
«وأيضا، يجوز أن يكون قولهم «آمنا» لأخبار الايمان، لا لانشائه»(١) .
وقوله:( وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، جملة متعلق، خبره محذوف. والتقدير و «ما هم بمؤمنين بالله واليوم الاخر، أو بشيء من الأشياء».
فعلى الأول، وجهه ظاهر.
وعلى الثاني، توجيهه، أن نفي الايمان منهم، مطلقا مع أن منافقي أهل الكتاب، كانوا مؤمنين بالله واليوم الاخر، بناء على أن ايمانهم «كلا ايمانهم»(٢) لاعتقاد التشبيه واتخاذ الولد وأن الجنة لا يدخلها غيرهم وأن النار لا تمسهم، إلّا أيّاما معدودة، فلو قالوا ما قالوه، لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم هذه، لم يكن ايمانا.
كيف وقد قالوه تمويها على المسلمين وتهكما بهم. فظهر من ذلك أن اطلاق رفع الإيجاب الكلي والسلب الكلي، في هذه الحملية، مسامحة، ارتكبها العلامة السبزواري، حيث قال في توجيه التقدير الثاني: إنّ قولهم هذا، كناية عن تصديقهم بجميع الشرائع. فإذا لم يؤمنوا ببعض، صدق رفع الإيجاب الكلي.
مع أنه يمكن أن يقال: عدم الايمان بالبعض، كاشف عن عدم الايمان بالكل.
فيصح السلب الكلي، على أنه يرد احتمال أن لا يكون قولهم هذا، كناية عن الايمان بالجميع.
__________________
(١ و ٢) ليس في أ.
وأيضا، لو قدر المتعلق خاصا، بقرينة سابقة، كان رفعا، للإيجاب الكلي.
فلا حاجة حينئذ، إلى تقدير عمومه. فليتأمل.
وأقول: يحتمل أن يكون قوله «بمؤمنين»، غير متعد إلى شيء، أصلا.
والمعنى، ليس لهم وجد حقيقة الايمان. (بل ما وجد لهم، من النفاق.
وفي كتاب الخصال(١) : عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين ـ في حديث طويل: والنفاق على أربع دعائم: على الهوى، والهوينا، والحفيظة، والطمع.
فالهوى(٢) على أربع شعب: على البغي، والعدوان، والشهوة، والطغيان. فمن بغى كثرت غوائله وعلاته. ومن اعتدى، لم تؤمن بوائقه، ولم يسلم قلبه. ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات، خاض في الخبيثات. ومن طغى، ضل على غير يقين. ولا حجة له.
وشعب الهوينا: الهيبة والغرة، والمماطلة والأمل. وذلك لأن الهيبة ترد على دين الحق، وتفرط المماطلة في العمل، حتى يقدم الأجل. ولو لا الأمل، علم الإنسان، حسب ما هو فيه. ولو علم حسب ما هو فيه، مات من الهول والوجل.
وشعب الحفيظة: الكبر، والفخر، والحمية، والعصبية. فمن استكبر، أدبر، ومن فخر فجر، ومن حمى، أضر. ومن أخذته العصبية جار، فبئس الأمر، أمر بين الاستكبار والأدبار، وفجور وجور.
وشعب الطمع، أربع: الفرح، والمرح، واللجاجة، والتكاثر. والفرح، مكروه عند الله ـ عز وجل. والمرح، خيلاء. واللجاجة، بلاء لمن اضطرته إلى حبائل الاثام. والتكاثر، لهو وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ،
__________________
(١) الخصال ١ / ٢٣٤.
(٢) المصدر: والهوى.
فذلك النفاق ودعائمه وشعبه.
وفي أصول الكافي(١) : محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين ابن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن معلى بن عثمان، عن أبي بصير، قال: قال لي: إنّ الحكم بن عيينة(٢) ممن قال الله تعالى( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) فليشرّق(٣) الحكم وليغرّب، أما والله! لا يصيب العلم، إلّا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل ـ عليه السّلام)(٤) .
( يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) : «الخدع»، أن توهم صاحبك، خلاف ما تريد به، من المكروه. وتصيبه به، مع خوف واستحياء من المجاهرة به، وقيل: للاصابة، لأن مجرد الارادة، لا يكفي في تحقق الخدع.
وقوله «مع خوف أو استحياء»، ليخرج الاستدراج الذي هو من أفعال الله تعالى، لعدم جواز الخوف(٥) والحياء عليه سبحانه.
وهو من قولهم: ضب خادع أو خدع إذا أحس بالحارش، أي: الصائد على باب جحره وأوهمه إقباله عليه، من هذا الباب، ثم خرج من باب آخر.
وأصله، الإخفاء. ومنه المخدع على صيغة المفعول، للخزانة. والأخدعان لعرقين خفيين في العنق.
وصيغة المخادعة، يقتضي صدور الفعل، من كل واحد من الجانبين، متعلقا بالآخر. وخداعهم مع الله، ليس على ظاهره، لأنه لا يخفى عليه، خافية. ولأنهم لم يقصدوا، خديعته. بل المراد اما مخادعة رسوله، على حذف المضاف. أو
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٩٩، ح ٤.
(٢) المصدر: عتيبة.
(٣) المتن ور: فليتزق.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) أ: أو.
على أن معاملة الرسول، معاملة الله من حيث أنه خليفته. كما قال تعالى:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (١) .( الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) (٢) .
يدل على ذلك ما روي «في شرح الآيات الباهرة، عن أبي محمد العسكري ـ عليه السلام ـ»(٣) (٤) عن موسى بن جعفر عليهما السلام: لما اتصل ذلك من مواطأتهم وقيلهم(٥) في علي وسوء تدبيرهم عليه برسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ دعاهم(٦) وعاتبهم، فاجتهدوا في الأيمان.
فقال(٧) أوّلهم: يا رسول الله! والله ما اعتددت بشيء كاعتدادي بهذه البيعة.
ولقد رجوت أن يفسح الله بها لي، في قصور الجنان، ويجعلني فيها من أفضل النزّال والسّكان.
وقال ثانيهم: بأبي أنت وأمي، يا رسول الله! ما وثقت بدخول الجنة والنجاة من النار، إلّا بهذه البيعة. والله ما يسرني أن نقضتها، أو نكثت بعد ما أعطيت من نفسي، ما أعطيت. ولو أن لي(٨) طلاع، ما بين الثرى، إلى العرش. لآليء رطبة وجواهر فاخرة.
وقال ثالثهم: والله(٩) يا رسول الله لقد صرت من الفرح بهذه البيعة والسرور(١٠)
__________________
(١) النساء / ٨٠.
(٢) الفتح / ١٠.
(٣) تفسير العسكري / ٥٥
(٤) ليس في أ.
(٥) المصدر وأ: قبلهم.
(٦) المصدر: فدعاهم.
(٧) المصدر: وقال.
(٨) وان لي.
(٩ و ١٠) ليس في المصدر.
والفسح من الآمال، في رضوان الله(١) . وأيقنت أنه لو كانت ذنوب أهل الأرض كلها عليّ، لمحقت(٢) عني، بهذه البيعة. وحلف(٣) على ما قال، من ذلك.
ولعن من بلّغ عنه، رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ خلاف ما حلف عليه.
ثم تتابع بمثل هذا الاعتذار، من بعدهم من الجبابرة والمتمردين. قال(٤) الله ـ عز وجل ـ لمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:( يُخادِعُونَ اللهَ ) يعني: يخادعون رسول الله، بأيمانهم. خلاف ما في جوانحهم.( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) لذلك، أيضا. الذين سيدهم وفاضلهم علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ.
ويحتمل أن يقال: المقصود، أن بينهما حالة، شبيهة بالمخادعة، لا حقيقة المخادعة. فان صورة صنعهم مع الله، من اظهار الايمان واستبطان الكفر، وضع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده أخبث الكفار، واستدراجا لهم، وامتثال الرسول والمؤمنين، أمر الله في إخفاء حالهم، واجراء حكم الإسلام عليهم، صورة صنع المخادعين(٥) . فشبهت تلك الصورة بهذه الصورة. فاستعمال لفظ هذه فيها، ان وقع كان استعارة تصريحية واشتقاق يخادعون منه، استعارة تبعية.
أو(٦) يقال: المخادعة، محمول على حقيقتها. لكنها ترجمة، عن معتقدهم الباطل وظنهم الفاسد. كأنه قيل: يزعمون أنهم يخدعون. وأنه يخدعهم. وكذلك المؤمنون
__________________
(١) المصدر: وما.
(٢) أ: لمحضت.
(٣) أ: خلف.
(٤) المصدر: فقال.
(٥) أ: الخادعين.
(٦) أ: و.
يخدعونهم.
أو يقال: المراد، يخدعون الذين آمنوا.
وذكر الله ليس لتعليق الخدع به، بل لمجرد التوطئة. وفائدتها، التنبيه على قوة اختصاص المؤمنين، بالله وقربهم منه. حتى كان الفعل(١) ، المتعلق بهم دونه يصح أن يعلق به أيضا. وكذلك الحال في «أعجبني زيد وكرمه». فان ذكر زيد توطئة وتنبيه، على أن الكرم قد شاع فيه. وتمكن بحيث يصح أن يسند اليه، أيضا، الاعجاب الذي لكرمه. ومثل هذا العطف، يسمى جاريا مجرى التفسير.
ووجه العدول عن خدع، إلى خادع، قصد المبالغة. لان المفاعلة في الأصل للمغالبة(٢) وهي أن يفعل كل من الجانبين، مثل صاحبه، ليغلبه. وحينئذ يقوى الداعي إلى الفعل. ويجيء ابلغ وأحكم.
«ويخادعون»، بدل أو بيان «ليقول» لأنه وان كان واضحا في نفسه، ففيه خفاء بالنسبة إلى الغرض. ولما كان خفاؤه باعتبار الغرض منه، اكتفى في بيانه بذكره وهو الخداع.
ويجوز أن يكون مستأنفا. كأنه قيل: ولم يدعون الايمان كاذبين. فقيل: يخادعون. وكان غرضهم من المخادعة، اما دفع المضرة عن أنفسهم، كالقتل والأسر، أو جذب المنفعة، كأخذ الغنائم، أو إيصال(٣) المضرة إلى المؤمنين، كافشاء أسرارهم، إلى أعدائهم من الكفار.
أقول: ويحتمل أن يكون معنى يخادعون، يريدون أن يخدعوا. اما لدلالة جوهر الصيغة عليه. واما باعتبار أن الأفعال التي من شأنها أن تصدر بالارادة
__________________
(١) أ: العقل.
(٢) أ: المبالغة.
(٣) أ: ابصار.
والاختيار، إذا نسبت إلى ذوي الاختيار. فهم ارادتها.
( وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) : قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو(١) .
والمعنى، ان دائرة المخادعة التي سبقت، وهي المخادعة المستعارة للمعاملة الجارية بينهم وبين الله والمؤمنين، المشبهة بمعاملة المخادعين.
أو المخادعة المحمولة على حقيقتها. لكن في ظنهم الفاسد.
أو المخادعة الواقعة بينهم وبين الرسول.
أو بينهم وبين المؤمنين راجعة اليهم. وضررها يحيق بهم لا يعدوهم.
أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غرّوها بذلك. وخدعتهم أنفسهم حيث حدّثتهم بالأماني الفارغة. وحملتهم على مخادعة من لا يخفى عليه خافية.
فعلى الأول، يكون العبارة الدالة على قصة المخادعة، مجازا أو كناية، عن انحصار ضررها فيهم. ويحتمل أن يجعل لفظ الخداع، مجازا مرسلا، عن ضرره في المرتبة الأولى أو الثانية.
وعلى الثاني، يكون المخادعة مستعملا في معناه حقيقة.
وقرأ الباقون: وما يخدعون.
قيل(٢) : لأن المخادعة لا يتصور إلّا بين اثنين.
أقول: نعم. لكن الاثنين أعم من أن يكون اثنين حقيقة أو اعتبارا. أللّهمّ إلّا أن يقال: الاثنينية الحقيقية، مشروطة لحسن(٣) المخادعة.
وقرئ، يخدعون، من خدع. ويخدعون، بفتح الياء. والأصل يختدعون، بمعنى، يخدعون. كيقتدرون. بمعنى، يقدرون. فأدغم. ويخدعون ويخادعون على
__________________
(١) أور: ابو عمر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٣.
(٣) أ: بحسن.
لفظ ما لم يسم فاعله. وحينئذ يكون( إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) ، معناه، إلّا عن أنفسهم، على حذف حرف الجر. يقال: خدعت زيدا نفسه. أي عن نفسه: نحو:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) (١) . ويحتمل النصب على التميّز، عند من يجوز كونه معرفة.
واستعمال الخدع، بناء على تضمينه، معنى الصدور، أي: ما يخدعون إلّا خدعا صادرا، عن أنفسهم، منشئا عنهما.
والنفس، الذات. ويقال للقلب، بمعنى العضو الصنوبري، نفس. لأن قوام النفس، بمعنى الذات، بذلك. ولهذا المعنى ـ أيضا ـ يقال للروح وللدم نفس. وللماء، لفرط حاجتها اليه. وللرأي، في قولهم فلان يؤامر نفسه، أي: يشاورها. لأنه ينبعث عنها، تسمية للمسبب، باسم السبب. أو يشبه ذاتا تأمره وتشير عليه. فيكون استعارة مبنية على التشبيه.
والمراد بالأنفس، هنا، ذواتهم. ويحتمل حملها على أرواحهم وآرائهم.
قيل: إنّ المختار عند المحققين من الفلاسفة وأهل الإسلام، من الصوفية وغيرهم، أنها، أي النفس، جوهر مجرد في ذاته، متعلق بالبدن، تعلق التدبير والتصرف. ومتعلقه، أولا، هو الروح الحيواني القلبي، المتكون في جوفه الأيسر، من بخار الغذاء ولطيفه. ويفيد قوة لها يسري، في جميع البدن. فيفيد كل عضو قوة بها، يتم نفعه. وقد يطلق على هذا الجوهر المجرد، القلب والروح أيضا. فعلى هذا يمكن أن يراد بالأنفس، النفوس المتعلقة بأبدانهم، على سبيل الحقيقة. بأن يكون موضوعا لهذا الجوهر المجرد. كما للذات، على تقدير وضعه للذات، فقط، إطلاقه عليه، اما بالحقيقة، أو المجاز. فان الذات، لو كانت عبارة من مجموع الجثة(٢) والروح المجرد، فإطلاق النفس عليه من اطلاق إسم الكل
__________________
(١) الاعراف / ١٥٥.
(٢) أ: الجنة.
على الجزء. وان كانت عبارة عن الجثة(١) فقط، فاطلاقه عليه، لعلاقة واقعة بينهما.
وان كانت عبارة عن الروح المجرد، فقط، وهو الظاهر، فان الذات في الحقيقة ما يعبّر عنه بلفظ «أنا». وهو الباقي من أول العمر إلى آخره، وما عداه كالعوارض بالنسبة اليه. ولا شك أن هذا الأمر، هو الروح المجرد، لا الجثة. فإنها كل يوم تتبدل. فعلى هذا اطلاق النفس، بمعنى، الذات عليه، حقيقة. وفيما عداه مجاز.
وإذا أريد «بأنفسهم»، النفوس الناطقة المتعلقة بأبدانهم، أو القلوب، أو الأرواح بمعناه، فلا شك أن ضرر المخادعة الواقعة بينهم وبين الله والمؤمنين، راجع اليها، مقصور عليها. لكن قصرا إضافيا. فان ذلك الضرر، يعود إلى جثتهم وقلوبهم الصنوبرية وأرواحهم الحيوانية، أيضا. فان عذابهم، لا يكون روحانيا، فقط.
( وَما يَشْعُرُونَ ) (٩): معطوف على قوله:( وَما يَخْدَعُونَ ) ، أو على قوله:( يُخادِعُونَ ) .
وقيل: معترضة من الشعور. وهو ادراك الشيء بالحاسة. مشتق من الشعار.
وهو ثوب يلي شعر الجسد. ومنه مشاعر الإنسان، أي: حواسه الخمسة التي يشعر بها. لأنها متلبسة بجسده. كالشعار. أو من الشعر. وهو ادراك الشيء من وجه يدق ويخفى.
والأول، أبلغ وأنسب بالمقام. لان فيه أشعارا بانحطاطهم، عن مرتبة البهائم حيث لا يدركون أجلى المعلومات. أعني، المحسوسات التي تدركه(٢) البهائم.
ولذلك اختاره على ما يعلمون.
ومفعوله، محذوف. فاما أن يقدر للعلم به. والمعنى، وما يشعرون أن وبال
__________________
(١) أ: الجنة.
(٢) أ: تركه.
خداعهم راجع إلى أنفسهم. أو اطلاع الله عليهم. أو ينزل منزلة اللازم. ولا يقدر له مفعول. وحينئذ، اما أن لا يجعل، كناية عنه، متعلقا بمفعول خاص. أو يجعل.
والثاني أبلغ(١) من الاول. والثالث أبلغ منه.
(وفي شرح الآيات الباهرة(٢) ـ في الحديث السابق ـ: عن موسى بن جعفر ـ عليهما السلام ـ ثم قال:( وَما «يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) (٣) ، وما يضرون بتلك الخديعة، إلّا أنفسهم. فان الله غني(٤) عن نصرتهم. ولو لا إمهاله لهم(٥) ، لما قدروا على شيء من فجورهم وطغيانهم. وما يشعرون أن الأمر كذلك. وان الله يطلع نبيه على نفاقهم وكفرهم وكذبهم. ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين. وذلك اللعن لا يفارقهم في الدنيا، يلعنهم خيار عباد الله. وفي الاخرة يبتلون بشدائد عذاب(٦) الله.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٧) : بإسناده إلى مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ـ عليهما السلام ـ: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ سئل فما(٨) النجاة غدا؟
قال: إنّما النجاة في أنْ لا تخادعوا الله، فيخدعكم. فانه من يخادع الله،
__________________
(١) أ: والثاني أبلغ والثالث أبلغ منه.
(٢) تفسير العسكري / ٥٥.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: غنى عنهم.
(٥) النسخ: إمهالهم.
(٦) المصدر: عقاب.
(٧) ثواب الأعمال / ٣٠١.
(٨) المصدر، فبما.
يخدعه. ويخلع(١) منه الايمان. ونفسه يخدع لو يشعر.
قيل له: وكيف(٢) يخادع الله؟
قال: يعمل ما أمره الله ـ عز وجل ـ ثم يريد به غيره. فاتقوا الله والرياء. فانه شرك بالله.
وفي مصباح الشريعة(٣) : قال الصادق ـ عليه السلام ـ: واعلم! انك لا تقدر على إخفاء شيء من باطنك عليه(٤) . وتصير مخدوعا بنفسك. قال الله تعالى( يُخادِعُونَ اللهَ ) ورسوله(٥) ( وَالَّذِينَ آمَنُوا. وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) (٦) .
( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) : جملة مستأنفة، لبيان الموجب لخداعهم، وما هم فيه من النفاق. ويحتمل أن يكون مقدرة، لعدم شعورهم.
وقرئ مرض، بسكون الراء. وهو صفة توجب وقوع الخلل، في الافعال الصادرة، عن موضع تلك الصفة. ويمكن اتصاف القلب به. وذلك لأن الإنسان إذا صار مبتليا بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك، صار سببا لتغير مزاج القلب وتألمه. واتصاف قلوب المنافقين، بهذا التغير(٧) ، غير معلوم. فالمراد به هنا المعنى المجازي، الذي هو آفته، كسوء الاعتقاد والكفر، أو هيئة باعثة على ارتكاب الرذائل، كالغل والحسد والبغض، أو مانعة عن اكتساب الفضائل، كالضعف
__________________
(١) المصدر: ينزع.
(٢) المصدر: فكيف.
(٣) مصباح الشريعة / ٢٨١ ـ ٢٨٢.
(٤) المصدر: عليك.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
(٧) أ: التفسير.
أو الجبن والخور، لان قلوبهم كانت متصفة بهذه الاعراض كلها.
وفي تقديم الخبر فائدتان: تخصيص المبتدأ النكرة وافادة الحصر، ادعاء.
( فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ) : معطوف على الجملة السابقة.
والمعنى أنه لما كان في قلوبهم، مرض واستعداد للمرض، فزيد مرضهم.
والمراد «بالزيادة»، الختم على قلوبهم، حتى لا يخرج شيء من هذه النقائص ولا يدخل شيء ممّا لها، من النقائض. وإنّما أتى بالجملة الفعلية، في المعطوف، دون المعطوف عليه، لتجدد ذلك التزايد، يوما فيوما. بخلاف أصل المرض. فانه كان ثابتا مستقرا في قلوبهم.
ويمكن أن يراد «بالزيادة»، زيادته بحسب زيادة التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر. فحينئذ يكون اسناد الزيادة إلى الله، من حيث أنه مسبب من فعله أو دعائية. والمتعين حينئذ، هو المعنى الاول.
و «الزيادة» يجيء لازما ومتعديا إلى مفعولين، كما في الآية أيضا. فحينئذ يكون مفعوله الثاني، «مرضا»، أو محذوفا، أي: فزادهم الله مرضهم. وقيل: الاول محذوف. وهو تكلف.
( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) : قال البيضاوي(١) : أي مؤلم. يقال: ألم فهو أليم، كوجع فهو وجيع(٢) . وصف به العذاب للمبالغة، كقوله: تحية بينهم، ضرب وجيع ورد بأن: فعيل بمعنى مفعل. إسم فاعل غير ثابت، على ما سيجيء في قوله( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) (٣) فهو بمعنى المؤلم، إسم مفعول، كوجع فهو وجيع بمعنى الموجع. وإنّما أسند إلى العذاب، لأنه من ملابسات فاعله الذي هو المعذب
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٤.
(٢) أ: كرجع فهو رجيع.
(٣) البقرة / ١١٧، الانعام / ١٠١.
كما أسند الربح إلى التجارة في قوله تعالى(١) ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) ، لأنها من ملابسات التاجر. وفيه مبالغة وتنبيه على أن الألم، بلغ الغاية(٢) . بحيث عرض لصفة المعذب، كما عرض له. وعلى هذا يكون المجاز في الاسناد.
ولو جعل المؤلم(٣) بمعنى ما يلابسه الألم، لأنهما متلاقيان في موصوف واحد فيكون المجاز في المفرد. لكن يفوت(٤) المبالغة. ووجه أنه تعالى قال في حق المصرين على الكفر:( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ، ولم يذكر له سببا وفي حق المنافقين:( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) ، وبين أن سببه الكذب، أن الكافرين المصرين هم المطرودون. فينبغي أن يكون عذابهم عظيما. لكنهم لا يجدون شدة ألمه، لعدم صفاء قلوبهم، كحال العضو الميت أو المفلوج، إذا وقع عليه القطع.
والمنافقين لثبوت استعدادهم في الأصل وبقاء ادراكهم في الجملة، يجدون شدة الألم، فيكون عذابهم مؤلما مسببا عن الكذب ولواحقه. بخلاف عذاب المصرين.
فانه ذاتي لهم. لا لأمر عارض.
وفي تقديم الخبر هاهنا ـ أيضا ـ فائدتان: زيادة تخصيص المبتدأ النكرة وافادة الحصر، ادعاء.
( بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) ) : «قراءة عاصم وحمزة والكسائي»(٥) .
«والكذب»، الاخبار عن الشيء، بغير ما هو عليه.
وقرئ يكذبون، من كذبه، نقيض صدقه، أو من كذب الذي هو للمبالغة والتكثير أو من كذب الوحشي، إذا جرى شوطا. ووقف لينظر ما ورائه. فان المنافق ،
__________________
(١) البقرة / ١٦.
(٢) ر: العناية.
(٣) ليس في أ.
(٤) أ: بقوة.
(٥) ر. أنوار التنزيل ١ / ٢٤.
متحير متردد.
«والباء» للسببية، أو البدلية المتعلقة بالظرف، في قوله( لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) » و «ما» مصدرية. ويحتمل الموصولية والموصوفية.
واستدل الذاهبون إلى قبح الكذب، مطلقا، بالاية، بأنه جعل عذابهم الأليم سببا لكذبهم. وتخصيصه بالذكر، من بين جهات استحقاقهم إياها، مع كثرتها، مبالغة في قبح الكذب، لينزجر السامعون عنه. وقيل: نمنع قبحه، مطلقا. فانه قد يمكن أن يتضمن عصمة دم مسلم، بل نبي ولا يتيسر التعريض، فيحسن.
ورد، بأن الحسن العارضي، لا ينفي القبح الذاتي، وهو المراد بالقبح، هاهنا. فعلى هذا يحرم الكذب. سواء تعلق به غرض، أو لم يتعلق. أما إذا لم يتعلق فظاهر. واما إذا تعلق فلأن في المعاريض لمندوحة عنه والتعريض، ليس بكذب إذا كان المعرض به مطابقا للواقع. فان مرجع الصدق والكذب، إلى المراد من الكلام الخبري، لا إلى مطلق مدلوله. وما ينسب إلى إبراهيم من الكذبات الثلاث من قوله:( إِنِّي سَقِيمٌ ) (١) ، سأسقم. وقد علمه: بأمارة من النجوم. أو اني سقيم الآن بسبب غيظي وحنقي، من اتخاذكم الآلهة.
وقوله:( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) (٢) . والمراد به أنه إذا لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه وغيره فكيف يصلح إلها. أو أن تعظيمه كان هو الحامل له على كسرها.
وقوله لملك الشام: «ان سارة اختي». ومراده الاخوة في الدين.
وقيل كذباته الثلاث(٣) ، قوله في الكواكب:( هذا رَبِّي ) (٤) ، ثلاث مرات.
__________________
(١) الصافات / ٨٩.
(٢) الأنبياء / ٦٣.
(٣) ر. الكشاف ١ / ٦١، أنوار التنزيل ١ / ٢٤.
(٤) الانعام / ٧٨.
وقصد به الحكاية أو الفرض ليرشدهم، إلى عدم صلاحية الألوهية، فمحمول على التعريض. ولكن لما كان صورته، صورة الكذب، سمي به. ووجه إيراد كان الدالة على المضي. و «يقولون» و «يخادعون» و «يخدعون»، للحال.
ووقوع كلام المنافقين، قبلها، ليس بمعلوم أن كذبهم، سبب لثبوت العذاب لهم في الاستقبال أو للحكم به في الحال، فينبغي أن يكون متقدما على ما هو سبب له.
فالمراد بالمضي، هذا التقدم، سواء كان بالزمان، أو بالذات.
قال بعض الفضلاء: وإذ قد أوقعنا المباحث اللفظية، في وادي التفرقة، فلا بد أن نستريح باستشمام روائح رياض الجمعية. فنقول :
و «من الناس»، الناسي اعترافهم، في معهد( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ، بربوبية ربهم، بتجلّيه العلمي ـ أولا ـ بصور أعيانهم الثابتة على نفسه، وتجلّيه الوجودي ـ ثانيا ـ بصور أعيانهم الخارجية، وتربيته(١) إياهم، طورا بعد طور ومرتبة بعد مرتبة، إلى أن وصلوا إلى هذه النشأة الجسمانية العنصرية، «من يقولون» بألسنة أقوالهم «آمنا بالله» أحدية جمع الأسماء الالهية السارية، بالكل في الكل. فلا فاعل، بل لا موجود في الوجود، إلّا هو. فهو الفاعل في كل عين، إذ لا فعل للعين. بل الفعل له. ولكن فيها «وباليوم الاخر»، أي بتجلّيه النوري الوجودي آخرا بالاسم المجازي لجزاء الأعمال. فلا مجازي الا هو. فهو العامل وهو المجازي على العمل فهم وان كانوا مؤمنين بالقول، صورة، فما هم بمؤمنين بالحال حقيقة. إذ حقيقة الايمان بالله سبحانه، يقتضي أن لا يسند الآثار، إلّا إليه. بل لا يرى في الوجود، إلّا هو. فحيث قالوا «آمنا»، وما قالوا بتجلي(٢) الحق في صورة، منوطة باسمه
__________________
(١) أ: ترتيبه.
(٢) أ: تجلى.
المؤمن، اشتقوا الايمان، لأنفسهم. وهذا شركه(١) في التوحيد.( يُخادِعُونَ اللهَ ) أي يظهرون بألسنة أقوالهم الظاهرة، ما لم يتحققوا به في بواطنهم، وهو الايمان بالله.
فلا يوافق ظاهرهم، باطنهم، وكذلك يخادعون الذين آمنوا، أي: الذين تجلى عليهم بالاسم المؤمن. فسوى هذا التجلي في ظاهرهم وباطنهم. فآمنوا صورة وحقيقة( وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) . إذ الأشياء في حقيقة الوحدة الجمعية إلاهية، متحدة، بعضها مع بعض. ومع تلك الحقيقة، ايضا، فكل شيء نفس الأشياء الاخر. ونفس تلك الحقيقة، ايضا من هذه الحيثية. «و» لكنهم «ما يشعرون» بذلك الاتحاد، لاغتشاء مشاعرهم، بصورة التعينات الحجابية والتعددات المظهرية، في قلوبهم التي من صفتها، صحة التقلب مع الشؤون الالهية، بحيث لا يحجبها شأنا(٢) من شهوده تعالى «مرض»(٣) يضاد هذه الصحة. ويمنعها عن الظهور.
( فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ) على مرض، بازدياد أضداد تلك الصحة. وتتابعها.( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) بسبب كذبهم في قولهم «آمنا» وتكذيبهم إياه، بحسب حالهم.
والغرض من نقل أمثال هذه المباحث، الاطلاع على الآراء الكاسدة والاهواء المضلة. فان الحق يعرف بضده.
و «في شرح الآيات الباهرة»:(٤) وقد جاء في هذه الاية، منقبة عظيمة وفضيلة جسيمة، لمولانا أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ في تفسير الامام العسكري ـ عليه السلام ـ(٥) : قال: قال موسى بن جعفر عليهما السلام: إنّ رسول الله ـ صلى الله
__________________
(١) ر: شركة.
(٢) النسخ: شأن.
(٣) النسخ: مرضا.
(٤) ليس في أ.
(٥) تفسير العسكري / ٥٧.
عليه وآله ـ لما اعتذر إليه هؤلاء المنافقون(١) . بما اعتذروا وتكرم عليهم، بأن قبل ظواهرهم. و «أما»(٢) بواطنهم إلى ربهم. لكن جبرئيل ـ عليه السلام ـ أتاه فقال [يا محمد](٣) ان العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، ويقول: أخرج هؤلاء(٤) المردة الذين اتصل بك عنهم، في علي ونكثهم لبيعته. وتوطينهم نفوسهم على مخالفته(٥) «ما اتصل حتى»(٦) ليظهر من عجائب ما أكرمه الله به، من طاعة(٧) الأرض والجبال والسماء له وسائر ما خلق الله، لما أوقفه موقفك، واقامه مقامك. ليعلموا أن ولي الله علي غني عنهم، وأنه لا يكف عنهم، انتقامه(٨) ، إلّا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير. الذي هو بالغه والحكمة التي هو عامل بها. وممض لما يوجبها.
فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الجماعة [من الذين اتصل به عنهم ما اتصل في أمر علي ـ عليه السلام ـ والمواطاة على مخالفته](٩) بالخروج.
«ثم قال»(١٠) لعلي ـ عليه السلام ـ لما استقر عند سفح بعض جبال المدينة: يا علي! ان الله ـ عز وجل ـ أمر هؤلاء بنصرتك ومساعدتك والمواظبة على خدمتك والجد في طاعتك. فان أطاعوك، فهو خير لهم. يصيرون في جنان الله، ملوكا
__________________
(١) المصدر: لما اعتذر هؤلاء المنافقون اليه.
(٢) المصدر: وكل.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: بهؤلاء.
(٥) المصدر: في نعتهم عليا.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: طواعية.
(٨) المصدر: انتقامه منهم.
(٩) يوجد في المصدر.
(١٠) المصدر: عليه فقال.
خالدين ناعمين. وان خالفوك، فهو شر لهم. يصيرون في جهنم خالدين معذبين.
ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لتلك الجماعة: اعلموا! انكم ان أطعتم عليا، سعدتم. وان خالفتموه، شقيتم. وأغناه الله عنكم بمن سيريكموه(١) .
ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: يا علي سل ربك بجاه محمد وآله الطيبين الذين أنت بعد محمد، سيدهم أن يقلب لك هذه الجبال ما شئت.
فسأل ربه(٢) . فانقلبت الجبال فضة. ونادته الجبال: يا علي! يا وصي رسول رب العالمين! ان الله قد أعدنا لك. فان أردت إنفاقنا في أمرك. فمتى دعوتنا، أجبناك، لتمضي فينا حكمك. وتنفذ(٣) فينا قضاؤك.
ثم انقلبت(٤) ذهبا(٥) كلها. فقالت مثل مقالة الفضة.
ثم انقلبت مسكا وعنبرا وعبيرا وجواهر ويواقيت.
وكل شيء ينقلب «منها، يناديه»(٦) : يا أبا الحسن! يا أخا رسول الله! نحن المسخرات لك. ادعنا متى شئت، لتنفقنا، فيما شئت، بحبك، ونتحول لك إلى ما شئت.
ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: يا علي! سل الله بمحمد وآله الطيبين الذين أنت سيدهم(٧) أن يقلب لك أشجارها، رجالا شاكين الأسلحة، وصخورها
__________________
(١) المصدر: عن سيريكموه وبما سيريكموه.
(٢) المصدر: ربه ذلك.
(٣) النسخ: أنفذ.
(٤) أ: أنقلب.
(٥) المصدر: ذهبا أحمر.
(٦) المصدر: ولكنها نادته.
(٧) المصدر: سيدهم بعد محمد رسول الله.
أسودا ونمورا وأفاعي.
فدعى الله علي ـ عليه السلام ـ بذلك. فامتلأت الجبال والهضبات وقرار الأرض، من الرجال الشاكين(١) الأسلحة. الذين لا يفي(٢) الواحد منهم، عشرة آلاف من الناس المعنودين(٣) .
ومن الأسود والنمور والأفاعي(٤) وكل ينادي: يا علي! يا وصي رسول الله ها(٥) نحن قد سخرنا الله لك. وأمرنا بإجابتك، كلما دعوتنا إلى اصطلام كل من سلطتنا(٦) عليه. فسمنا ما شئت. وادعنا(٧) ، نجبك وأمرنا(٨) ، نطعك.
يا علي: يا وصي رسول الله! ان لك عند الله من الشأن، ان سألت الله أن يصير لك أطراف الأرض وجوانبها هذه، صرة واحدة، كصرة كيس، لفعل. أو يحط لك السماء، إلى الأرض، لفعل. ويرفع لك الأرض إلى السماء، لفعل. أو يقلب لك ما في بحارها، أجاجا ماء عذبا، أو زئبقا أو بانا، أو ما شئت من أنواع الاشربة والادهان، لفعل. ولو شئت أن يجمد البحار ويجعل سائر الأرض، مثل البحار، لفعل. ولا يحزنك تمرد هؤلاء المتمردين وخلاف هؤلاء المخالفين. فكأنهم بالدنيا وقد(٩) انقضت عنهم وكأن لم يكونوا فيها. وكأنهم بالاخرة إذا وردوا عليها(١٠) ،
__________________
(١) المصدر: الشاكي.
(٢) المصدر: لا يقي.
(٣) المصدر: المعهودين.
(٤) المصدر: والأفاعي حتى طبقت تلك الجبال والأراضي والهضبات بذلك.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: سلطنا.
(٧ و ٨) المصدر: فادعنا. فأمرنا به.
(٩) المصدر: فقد.
(١٠) المصدر: وردت عليهم.
لم يزالوا(١) فيها.
يا علي! ان الذي(٢) أمهلهم مع كفرهم وفسقهم في تمردهم، عن طاعتك، هو الذي أمهل فرعون ذا الأوتاد ونمرود وكنعان(٣) ومن ادعى الالهية من ذوي الطغيان. وأطغى الطغاة، إبليس، رأس الضلالات. وما خلقت أنت ولاهم لدار الفناء، ولكن(٤) خلقتم لدار البقاء. ولكنكم تنقلون من دار إلى دار. ولا حاجة لربك إلى من يسوسهم ويرعاهم. ولكنه أراد تشريفك عليهم وابانتك بالفضل فيهم(٥) .
ولو شاء لهداهم أجمعين(٦) .
قال: فمرضت قلوب القوم، لما شاهدوا من ذلك، مضافا إلى ما كان في قلوبهم من مرض(٧) . فقال الله عند ذلك:( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) ».
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) : معطوف على «يكذبون»، أو على «يقول آمنا». ورجح الأول بقربه وبافادته تسبب الفساد. فيدل على وجوب الاحتراز عنه، كالكذب.
وفيه بحث، لأنه يفيد تسبب هذا القول منهم، في جواب «لا تفسدوا» للعذاب. لا تسبب الفساد له. والثاني يكون الآيات، حينئذ، على نمط تعديد
__________________
(١) أوالمصدر: وكان لم يزالوا.
(٢) أ: الذين.
(٣) المصدر: نمرود بن كنعان.
(٤) أوالمصدر: بل.
(٥) المصدر: منهم.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: مرض أجسامهم لعلى بن أبى طالب ـ عليه السلام.
قبائحهم وبافادتها، اتصافهم بكل من تلك الأوصاف، استقلالا. وبدلالتها على أن لحوق العذاب الأليم، بسبب كذبهم. الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ونفاقهم. فما ظنك بسائرها.
ويحتمل أن تكون معطوفة على قوله( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ـ إلى آخره. لكنّه بعيد، لعدم دلالته على اندراج هذه الصفة وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم. إذ لا يحسن حينئذ عود الضمائر التي فيها، اليهم.
ويخطر بالبال، احتمال أن يكون معطوفا على قوله( يُخادِعُونَ اللهَ ) ـ إلى آخره ـ.
و «إذا»، ظرف زمان. ويلزمها معنى الشرط، غالبا. ولا يكون إلّا في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه. ويختص بالدخول على الجملة الفعلية. ويكون الفعل بعدها ماضيا كثيرا ومضارعا دون ذلك.
و «الفساد»، خروج الشيء عن كونه منتفعا به. والصلاح، ضده.
وكان من جملة فسادهم في الأرض، هيج الحروب والفتن، بمخادعة المسلمين ومعاونة الكفار عليهم، بإفشاء أسرارهم اليهم.
ومنها: الإخلال بالشرائع التي برعايتها، ينتظم العالم، بإظهار المعاصي.
ومنها: الدعوة في السر إلى تكذيب المسلمين. وجحد الإسلام. والغاء السنة.
والقائل، هو الله سبحانه، بلسان الرسول. أو الرسول. أو بعض المؤمنين.
( قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) ) : جواب «إذا». ورد للناصح، على سبيل المبالغة. لأن «انما» هي كلمة «ان» التي لاثبات المسند، للمسند اليه.
ثم اتصلت بها، «ما» الكافة، لزيادة التأكيد. فقصدوا بها، قصر ما دخلته على ما بعده. فهذا من باب قصر المسند اليه، على المسند. لكن قصر افراد. لأنهم لما سمعوا قول المسلمين لهم:( لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) ، توهموا أنهم يجعلونهم
مصلحين، تارة ومفسدين أخرى، لاستبعادهم أن يجعلوهم مفسدين، في جميع الأحوال.
فأجابوا بأنهم مقصرون على الإصلاح. لا يتجاوزونه إلى الإفساد. فاصلاحهم غير مشوب بإفساد.
وكلمة «انما» دالة على أن ذلك أمر مكشوف، لا ينبغي أن يشك فيه. فان الشرط فيها، أن يدخل على حكم، يكون بيّنا في نفس الأمر. أو بحسب الادعاء.
وانما قالوا ذلك، لأنهم ممن زين له سوء عمله، فرآه حسنا.
وروي «في تفسير أبي محمد العسكري ـ عليه السلام ـ»(١) :(٢) عن العالم موسى [بن جعفر](٣) ـ عليه السلام ـ في تفسير الآية ـ «إذا قيل» لهؤلاء الناكثين للبيعة في يوم الغدير( لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) بإظهار نكث البيعة، لعباد الله المستضعفين.
فتشوشون عليهم دينهم. وتحيرونهم في مذاهبهم.( قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) »، لأنا لا نعتقد دين محمد ولا غير دين محمد. ونحن في الدين، متحيرون. فنحن نرضى في الظاهر محمدا، بإظهار قبول دينه وشريعته ونفضي في الباطن إلى شهواتنا.
«فنمتنع ونتركه»(٤) ونعتق أنفسنا من رق محمد ونفكها من طاعة ابن عمه علي، لكي لا(٥) نذل(٦) في الدنيا، كنا(٧) قد توجهنا عنده. وان اضمحل أمره: كنا(٨) قد
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير العسكري / ٥٧.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: فنتمتع ونترفه. أ: فنمتنع ونسترقه.
(٥) ليس في المصدر وأ.
(٦) المصدر وأ: أديل.
(٧ و ٨) أ: لنا.
سلمنا على(١) أعدائه.
( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) ) ألا وأما، مركبتان من همزة الاستفهام وحرف النفي، لاعطاء معنى التنبيه، على تحقق ما بعدها. فان الاستفهام، إذا كان للإنكار ودخل على النفي، أفاد تحقيقا، لأن نفي النفي اثبات وتحقيق، كقوله:( أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ ) .
والأكثرون على أنهما، حرفان موضوعان لذلك المعنى، لا تركيب فيهما.
ويدخلان على الجملتين. ويشاركهما، في الدلالة على معنى التنبيه «الهاء».
لكنها تختص بالدخول على أسماء الاشارة والضمائر غالبا.
ولما بالغ المنافقون، في اظهار الإصلاح، بولغ في افسادهم، من جهات متعددة الاستئناف. فانه يقصد به زيادة تمكّن الحكم، في ذهن السامع، لوروده عليه، بعد(٢) السؤال والطلب وما في كل واحدة من كلمتي «ألا» و «ان»، من تأكيد الحكم وتحقيقه وتعريف الخبر المفيد وحصر المسند، على المسند اليه، قصر قلب وتوسيط الفعل المؤكد لهذا الحصر.
وقوله «لا يشعرون»، لدلالته على أن كونهم مفسدين، قد ظهر ظهور المحسوس.
لكن لا حس لهم، ليدركوه.
وقيل المبالغة في تعريف المفسدين، على قياس ما مر في «المفلحين». انه ان حصلت صفة المفسدين وتحققوا وتصوروا، بصورتهم الحقيقية، فالمنافقون هم(٣) ، هم لا يعدون تلك الحقيقة، فيكون الفصل مؤكدا لنسبة الاتحاد الذي هو أقوى من القصر في افادة المطلوب.
__________________
(١) المصدر: من سبى. أ: من بين.
(٢) أ: بعض.
(٣) ليس في أ.
وروي في تفسير «أبي محمد العسكري ـ عليه السلام ـ(١) عن موسى بن جعفر، في تفسير»(٢) تلك الاية:( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) بما يغفلون أمورا لنفسهم(٣) .
لأن الله يعرّف نبيهم(٤) ، نفاقهم. فهو يلعنهم. ويأمر المسلمين بلعنهم. ولا يثق(٥) بهم ـ أيضا(٦) ـ أعداء المؤمنين. لأنهم يظنون أنهم ينافقونهم ـ أيضا(٧) ـ كما ينافقون أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلا يرتفع(٨) لهم، عندهم منزلة. ولا يحلّون(٩) عندهم محل أهل الثقة(١٠) .
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا ) : هذا، من تمام النصح والإرشاد.
فان الايمان مجموع أمرين، الاعراض عما لا ينبغي. وهو المقصود بقول( لا تُفْسِدُوا ) . والإتيان بما ينبغي. وهو المطلوب بقوله «آمنوا».
وأمرهم بالايمان بعد نهيهم عن الإفساد: لأن التحلية، لا يتيسر إلّا بعد التخليّة.
( كَما آمَنَ النَّاسُ ) : «ما» في «كما»، اما كافة، كما في قوله( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ) (١١) ، أو مصدرية كما في قوله تعالى( وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ) (١٢) .
__________________
(١) تفسير العسكري / ٥٧.
(٢) ليس في أ.
(٣) المصدر: من أمور أنفسهم.
(٤) المصدر: نبيه. أ. بينهم.
(٥) أ: فهم.
(٦ و ٧) ليس في أ.
(٨) المصدر وأ: يرفع.
(٩) أ: يحل لهم. ر: يخلون.
(١٠) أ: أهل النعمة.
(١١) آل عمران / ١٥٩.
(١٢) البقرة / ١٩٨.
فان كانت كافة للكفّ عن العمل، مصححة لدخولها على الجملة، كان التشبيه بين مضموني الجملتين. أي، حققوا ايمانكم، كما حقق الناس ايمانهم. وان كانت مصدرية، فالمعنى، آمنوا ايمانا كايمانهم.
وعلى التقديرين، قوله( كَما آمَنَ النَّاسُ ) في موضع النصب، على المصدرية.
و «اللام»، للعهد. أي، كما آمن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ومن معه. وهم ناس معهودون، على الإطلاق، عندهم. أو من آمن من أهل بلدتهم، كابن سلام وأصحابه. وهم ناس معهودون عندهم. أو للجنس. والمراد به، الكاملون في الانسانية، العاملون بقضية العقل. فان إسم الجنس، كما يستعمل لمسماه(١) ، مطلقا، يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه. ولذلك يسلب عن غيره. فيقال: زيد ليس بإنسان. وقد جمع الاستعمالين [في] قول الشاعر :
إذا الناس ناس و |
الزمان زمان |
واستدل به على مطلبين: أحدهما أن توبة الزنديق مقبولة. وثانيهما أن الإقرار باللسان، ايمان.
تقرير الأول: إنّ الكافرين مأمورون بالايمان. فلو لم يكن توبتهم مقبولة، لم يكونوا مكلفين. ضرورة، ان كونهم مكلفين مع عدم قبول توبتهم، جبر. وهذا إنّما يتم لو كان دعوة بعض المؤمنين، إلى الايمان، تكليفا. ولو سلم، فإنما يدل على ذلك لو كان قولهم ذلك، بطريق دعوة والحق، أن توبة الزنديق، عن غير فطرة، مقبولة، مطلقا(٢) ، وعن الفطرة، غير مقبولة، ظاهرا. لكن لا بدلالة الاية، بل بدلالة الآيات الاخر والأحاديث المروية.
وتقرير الثاني: انه لو لم يكن ايمانا، لم يفد التقييد بقوله( كَما آمَنَ النَّاسُ ) .
__________________
(١) أ: المسماه.
(٢) ليس في أ.
والتالي باطل. فالمقدم مثله. والملازمة ممنوعة. والمستند أن ذلك مبني على أن يكون المراد من الناس، المنافقين المذكورين سابقا وليس كذلك. بل المراد، المؤمنون.
وفائدة التقييد، التحريص. ونظيره قوله: أكرم أخاك، كما أكرمه عمرو.
(وبعض استدل من قوله( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) على أن الإقرار فقط، ليس بإيمان. وهو أيضا، باطل. لجواز أن يكون قولهم «آمنا» لأخبار الايمان، لا إنشائه)(١) .
( قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ) :
«الهمزة» فيه للإنكار، مجازا، إذ الأصل فيها(٢) الاستفهام. استعملت فيه لعلاقة عدم اعتقاد الثبوت فيهما. وإذا كانت للاستفهام، يطلب بها التصور والتصديق، كما يطلب بهل، التصديق وبباقي أدوات، الاستفهام التصور. والحق أن الكل، لطلب التصور، في المآل. ومعنى الإنكار فيه، أن ذلك لا يكون أصلا.
و «اللام» للعهد، اشارة إلى «الناس» المذكور سابقا. أو الجنس. وهم مندرجون تحت مفهومه، على زعمهم وتسفيههم. اما لجعل الايمان سفها، أو لجعل المؤمنين المشهورين به. أو ليجعلونهم مشهورين به. أو لاعتقادهم فساد رأيهم.
أو لتحقير شأنهم. فان أكثر المؤمنين كانوا فقراء. ومنهم موالي، كصهيب وبلال.
أو للتجلد وعدم المبالاة لهم، بمن آمن منهم، ان فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه.
و «السفه»، خفة العقل وقلته. ويقابله الحلم، بالكسر. وهو الأناءة(٣) . وكأن هذا الكلام مقولا فيما بينهم، لا في وجوه المؤمنين. لأنهم كانوا منافقين، يقولون
__________________
(١) ما بين القوسين مشطوب في المتن وليس في ر.
(٢) أ: فيه.
(٣) أ: الانارة.
بأفواههم ما ليس في قلوبهم. فأخبر سبحانه بذلك، نبيه. ورد عليهم أبلغ رد. وقال:( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) ) : تفصيل هذه الآية «بلا يعلمون» والتي قبلها «بلا يشعرون». لأنه أكثر طباقا لذكر السفه. ولأن الوقوف على أمر الدين والتميز بين الحق والباطل، مما يفتقر إلى نظر وتفكر. وأما النفاق وما فيه من النقص والفساد، فمما(١) يدرك بأدنى تفطن وتأمل، فيما يشاهد من أقوالهم وأفعالهم.
وروي في تفسير تلك الآية (في تفسير أبي محمد العسكري عليه السلام)(٢) (٣) عن موسى ـ عليه السلام: إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة، قال لهم خيار(٤) المؤمنين كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار: «آمنوا» برسول الله وعلي(٥) ـ عليهما السلام ـ الذي أوقفه موقفه. وأقامه مقامه. وأناط(٦) مصالح الدين والدنيا، كلها به. و «آمنوا» بهذا النبي. وسلموا لهذا الامام. وسلموا له ظاهرة(٧) وباطنة،( كَما آمَنَ النَّاسُ ) المؤمنون(٨) ، قالوا في الجواب، (لمن يفيضون اليهم(٩) لا لهؤلاء المؤمنين. فإنهم
__________________
(١) أ: فلما.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) تفسير العسكري / ٥٨.
(٤) أ: خيارهم.
(٥) المصدر: بعلى.
(٦) النسخ: ناط.
(٧) المصدر: ظاهر الامر.
(٨) أ: المتقدمون، المصدر: المؤمنون، كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار.
(٩) المصدر، اليه.
لا يجرءون على مكاشفتهم بهذا الجواب)(١) ولكنهم يذكرون لمن يفيضون اليهم(٢) من أهليهم(٣) الذين يثقون بهم [من المنافقين ومن المستضعفين، أو المؤمنين الذين هم بالستر عليهم واثقون بهم ،](٤) يقولون لهم:( أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ) ، يعنون سلمان وأصحابه، لما أعطوا عليا خالص دينهم وودهم. ومحض طاعتهم. وكشفوا رؤوسهم لموالاة(٥) أوليائه ومعاداة أعدائه. (حتى ان اضمحل أمر محمد، طحطحهم أعداؤه وأهلكهم بسائر الملوك والمخالفين لمحمد، أي: فهم بهذا التعرض، لأعداء محمد جاهلون سفهاء. قال الله تعالى: ألا انهم هم السفهاء الإخفاء العقول والآراء.)(٦) (فرد الله عليهم)(٧) «الذين لم ينظروا في أمر محمد»(٨) ، حق النظر، فيعرفوا نبوته ويعرفوا به صحة ما ناطه بعلي ـ عليه السلام ـ من أمر الدين والدنيا، حتى بقوا لتركهم تأمل حجج الله جاهلين. وصاروا خائفين وجلين من محمد وذريته(٩) (ومن مخالفيهم، لا يؤمنون انهم يغلبون(١٠) فيهلكون معه(١١) ، فهم السفهاء حيث لا يسلم لهم بنفاقهم هذا جنبة(١٢) جنبة محمد والمؤمنين ولا جنبة اليهود وسائر الكافرين
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) المصدر: اليه.
(٣) المصدر: أهلهم.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) أوالمصدر: بموالاة.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
(٧) ما بين القوسين، مشطوب في المتن وموجود في أ.
(٨) ر: الذين ينظرون أوامر محمد.
(٩) ليس في أ.
(١٠) المصدر: أيهم يتغلب.
(١١) المصدر: منه.
(١٢) المصدر: لا جنبنه.
لأنهم(١) يظهرون لمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ من موالاته وموالاة أخيه علي ومعاداة أعدائهم اليهود والنصارى(٢) والنواصب كما(٣) يظهرون لهم، من معاداة محمد وعلي ـ صلى الله عليهما وآلهما ـ وموالاة أعدائهم. فهم يقدّرون(٤) أن نفاقهم معهم كنفاقهم مع محمد وعلي ـ عليهما السلام ـ.)(٥) ( وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) أن الأمر كذلك وأن الله يطلّع نبيه ـ صلى الله عليه وآله ـ على أسرارهم. فيخسئهم(٦) ويلعنهم ويسفههم(٧) .
قال بعض الفضلاء: وإذا سمعت شطرا من الأحكام اللفظية، فاسمع نبذا من المعاني البطنية. فنقول: «وإذا قيل» لهؤلاء المتوسمين بالايمان الرسمي، المدعين التوحيد الحقيقي لا تفسدوا في أرض(٨) استعدادكم، لذلك التوحيد. ولا تبذروا فيها، بذر فساد الشرك، باضافة الأفعال إلى أنفسكم.( قالُوا: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) لها، بارتكاب الأعمال الصالحة واكتساب الأفعال الحسنة. ليترتب عليها الأجزية(٩) الأخروية، من الجنات وما فيها، من أنواع النعيم المقيم. فقيل في ردهم: ألا انهم هم المفسدون لها. فان ترتب تلك الأجزية، لا يتوقف إلّا على نفس الأعمال، لا على إضافتها
__________________
(١) المصدر: لأنه به وبهم.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: وهو كما.
(٤) المصدر: يقدرون فيهم.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) المصدر: فيخسهم.
(٧) المصدر: يسقطهم.
(٨) النسخ: ارض.
(٩) أ: الاجرية.
الى أنفسهم. بل بهذه الاضافة، يبقون محرومين عن التوحيد. ولا يتحققون به أصلا. وكيف يتحققون وهم لا يصلون إلى توحيد الأفعال، فكيف بتوحيد الصفات والذات. فلا يحظون بما يترتب عليه، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولكنهم لا يشعرون بذلك الإفساد. لأنه من قبيل الشرك الخفي، الذي هو أخفى من دبيب النمل، وإذا قيل لهم آمنوا ايمانا حقيقيا( كَما آمَنَ النَّاسُ ) المتحققون بحقائق، الحقيقة الانسانية الكمالية، الباذلون وجودهم بالفناء في الله.
( قالُوا: أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ) ؟ فان من السفه، بذل الوجود الذي، هو رأس مال الحظوظ(١) العاجلة والاجلة. فقيل في ردهم:( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ) . فان من يبذل وجوده الفاني، يبقى ببقاء الحق سبحانه. وأين الوجود الفاني، من البقاء بالحق. ولكنهم لا يعلمون ذلك. لأن هذا العلم، لا يحصل بالحجة والبرهان. بل بالذوق والوجدان.
( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ) : وقرئ «ولاقوا».
هذه الجملة، مع ما عطفت عليها، في حكم كلام واحد، مساقة لبيان معاملتهم مع المؤمنين وأهل دينهم. وتنافي قوليهم لهما، بخلاف صدر قصتهم. فانه مسوق(٢) ، لبيان أصل نفاقهم، من غير تعرض، للقائهم المؤمنين.
وقولهم معهم، ولخلوهم مع شياطينهم، وقولهم لهم، فيما يتوهم في أجزاء الشرطية الأولى، من التكرر، مضمحل، بالكلية.
تقول: لقيته ولاقيته، إذا استقبلته، قريبا منه. ومنه، ألقيته، إذا طرحته. لأنك بطرحه، جعلته بحيث يلقى.
__________________
(١) أ: الخطوط.
(٢) أ: مسبوق.
( وَإِذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ) :
من خلوت بفلان واليه، إذا انفردت معه، أي: إذا انفردوا مع شياطينهم. أو من خلاك ذم، أي: عداك ومضى عنك. ومنه، القرون الخالية، أي: الماضية.
أي، إذا مضوا عن المؤمنين، إلى شياطينهم.
واستعمال «خلا»، «بالي»، على هذين المعنيين ظاهر. أو، خلوت به، إذا سخرت منه(١) . وحينئذ يحتاج في استعماله «بالي» إلى تضمين معنى الإنهاء، أي: إذا سخروا من المؤمنين، منهين(٢) هذه السخرية، إلى شياطينهم. وهذا كما تقول: أحمد اليك فلانا، أي: أحمده منهيا ذلك الحمد، اليك.
و «شياطينهم»، أصحابهم. الذين ماثلوا الشياطين، في تمردهم، منافقين كانوا، أو مشركين. فيكون من قبيل الاستعارة. وجعل سيبويه، تارة، نونه أصلية، على أنه من شطن، إذا بعد. فهو بعيد عن الصلاح. ويشهد له قولهم: «تشيطن».
وأخرى زائدة، على أنه من «شاط»، إذا بطل. ومن أسمائه الباطل.
( قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) : في عدم الايمان بمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ.
وخاطبوا المؤمنين المنكرين بالفعلية، مجردة عن التأكيد، وشياطينهم الذين لا ينكرون(٣) ، بالاسمية، مؤكدة. والقياس العكس. لأنهم كانوا مع المؤمنين، بصدد(٤) الاخبار، بحدوث الايمان منهم.
وتركوا التأكيد، لعدم الباعث عليه(٥) ، من بواطنهم، من صدق رغبة(٦) ووفور
__________________
(١) أ: ومنه.
(٢) أ: فنهين.
(٣) أ: يذكرون.
(٤) أ: بصدر.
(٥) أ: اليه.
(٦) أ: وفيه.
اعتقاد، أو لعدم رواجه عنهم، عند المخاطبين. الذين هم ارباب فهم وكياسة، بلفظ التأكيد. بخلاف مخاطبتهم، مع شياطينهم. فإنهم فيما أخبروهم(١) به، على صدق رغبة ووفور نشاط. وهو رائج عنهم، متقبل منهم، على لفظ التأكيد.
( إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) ) : تأكيد لسابقه، إذ معنى( إِنَّا مَعَكُمْ ) ، هو الثبات على اليهودية.
وقوله( إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) وان لم يكن بظاهره، تأكيدا لهذا المعنى، لكن له لازم. وهو أنه، رد ونفي للإسلام، يؤكده. لأن دفع نقيض الشيء، تأكيد لثباته.
أو بدل. وتقريره، أنه لما كان قصدهم إلى اظهار تصلبهم(٢) في دينهم، وكان في الكلام الأول، قصور عن افادته، إذ كانوا يوافقون المؤمنين، في بعض الأحوال فاستأنفوا القصد، إلى ذلك، بأنهم يعظمون كفرهم، بتحقير الإسلام وأهله. فهم أرسخ قدما من شياطينهم.
أو استئناف كأن الشياطين قالوا: إنّ صح ذلك، فما بالكم توافقون المؤمنين.
فأجابوا بذلك. وهو، أوجه لزيادة الفائدة، وقوة المحرك للسؤال.
وهذه الوجوه الثلاثة، بيان لترك العاطف في كلامهم. وأما تركه في حكايته فللموافقة فيما هو بمنزلة كلام واحد(٣) .
و «الاستهزاء»، السخرية والاستخفاف. يقال: هزأت واستهزأت، بمعنى.
كأجبت واستجبت.
وأصله، الخفة، من الهزء ـ بالفتح. وهو القتل السريع. وهزأ يهزأ ـ بالفتح فيهما ـ مات على المكان. وناقته تهزأ به، أي، تسرع وتخف.
__________________
(١) أ: جزائهم.
(٢) أ: تصليهم.
(٣) أ: وواحد.
(وفي مجمع البيان(١) : وروى عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ: انهم قالوا:( إِنَّا مَعَكُمْ ) ، أي، على دينكم.( إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) ، أي، نستهزئ بأصحاب محمد ونسخر بهم، في قولنا «آمنا»)(٢) .
( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) :
المراد باستهزاء الله، مجازاته إياهم، على استهزائهم بالمؤمنين، لما بين الفعل وجزائه، ملابسة قوية، ونوع سببية، مع المشاكلة المحسنة، من مقابلة اللفظ باللفظ والمماثلة في القدر. فيكون من قبيل المجاز المرسل.
وقد روى رئيس المحدثين، في كتاب التوحيد(٣) ، بإسناده عن علي بن الحسين ابن فضال، عن أبيه، عن الرضا، علي بن موسى ـ عليهما السلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عز وجل ـ:( سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ) ، وعن قوله ـ عز وجل ـ:( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ، وعن قوله:( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ) ، وعن قوله:( يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ ) .
فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه ـ عز وجل ـ يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
(وفي عيون الأخبار(٤) ، بإسناده عن الحسن بن علي بن فضال، قال: سألت الرضا ـ عليه السلام ـ إلى أن قال: فقال: إنّ الله تعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع. لكنّه تعالى يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا)(٥) انتهى.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٥١.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) التوحيد / ١٦٣.
(٤) عيون الأخبار ١ / ١٢٦.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
أو انزال الهوان والحقارة بهم، لأنه الغرض من(١) الاستهزاء. فهذا، أيضا، من المجاز المرسل، لعلاقة السببية في التصور والمسببية في الوجود. وفي هذا التوجيه، تنبيه على أن مذهبهم، حقيق بأن يسخر منه ويستهزئ به، لأجله، أو معاملته سبحانه، معاملة المستهزأ بمن يستهزئ به. واستعمل لفظ المشبه به، في المشبه، فيكون استعارة. وهي، في الدنيا، فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالامهال والزيادة في النعمة، مع تماديهم في الطغيان، وفي الآخرة، فبأن يفتح وهم في النار، باب إلى الجنة، فيسرعون اليه. فإذا قربوا منه، سدّ عليهم.
أو إرجاع وبال الاستهزاء اليهم، فيكون كالمستهزئ بهم. فيكون استعارة، أيضا.
أو لازم معناه. وهي اظهار خفة عقل المستهزأ به وقلته. فيكون سبحانه، مستهزئ بهم، في عين استهزائهم بالمؤمنين. فان من استهزائهم بهم، مع ظهور أمرهم يظهر خفة عقولهم وقلتها. وهو استئناف. فإنهم لما بالغوا في استهزاء المؤمنين، مبالغة تامة، ظهر بها، شناعة ما ارتكبوه. وتعاظمه على الأسماع، على وجه، يحرك السامع أن يقول: هؤلاء الذين هذا شأنهم، ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟
وكيف معاملة الله والمؤمنين إياهم؟
وفي تصدير الاستئناف بذكر الله، دلالة، أولا، على أن الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ. الذي لا اعتداد معه، باستهزائهم. وذلك لصدوره، عمن يضمحل علمهم وقدرتهم، في جنب علمه وقدرته. وثانيا، على أنه تعالى، يكفي مؤنة عباده المؤمنين وينتقم(٢) لهم، ولا يحوجهم إلى معارضة المنافقين، تعظيما لشأنهم. وإنّما قال: «يستهزئ». ولم يوافق لقولهم، ليفيد حدوث الاستهزاء
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أ: ولا ينتقم.
وتجدده وقتا بعد وقت.
أما افادته الحدوث، فلكونه فعلا. وأما افادة تجدده وقتا بعد وقت، فلأن المضارع لما كان دالّا على الزمان المستقبل الذي يحدث شيئا بعد شيء، على الاستمرار، ناسب(١) أن يقصد به، إذا وقع موقع غيره أن معنى مصدره المقارن لذلك الزمان، يحدث مستمرا استمرارا تجدديا لا ثبوتيا. كما في الجملة الاسمية.
وانما أفيد ذلك، ليكون على طبق نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة. أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؟
( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) ) : من مدّ الجيش وأمدّه، إذا زاده وقوّاه. ومددت السراج والأرض، إذا استصلحتهما، بالزيت والسماد. ومنه مدّ الدوات وأمدّها، إذا أراد أن يصلحها. لا من مد العمر، بمعنى الاملاء والامهال.
فانه يعدى باللام، كأملى له. والحذف والإيصال، خلاف الأصل. فلا يصار إليه إلّا بدليل. ويؤيده قراءة ابن كثير. ويمدهم ـ بضم الياء ـ من الامداد، بمعنى إعطاء المدد. وليس من المد في العمر والامهال في شيء.
والأصل في الطغيان ـ بالضم والكسر، كلقيان ولقيان ـ تجاوز الشيء عن مكانه.
والمراد، تجاوز الحد في الكفر والغلوّ في العصيان. والمراد، زيادة طغيانهم، بسبب تمكين الشيطان، من اغوائهم.
أو أنه لما منعهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم وسدهم(٢) طرق التوفيق، على أنفسهم، فتزايدت بسببه قلوبهم رينا وظلمة، تزايد قلوب المؤمنين، انشراحا ونورا.
فاسناد الفعل إلى الله، اسناد إلى المسبب. واضافة الطغيان اليهم، لئلا يتوهم
__________________
(١) أ: ناصب.
(٢) ر: صدهم.
أن اسناد الفعل اليه، على الحقيقة. والعمه. قيل: مثل العمى. إلّا أن العمى، عام في البصر والرأي. والعمه في الرأي، خاصة. وقيل: العمى في العين والعمه في القلب، وهو التحير والتردد، لا يدري أين يتوجه. يقال: رجل عامه وعمه.
وأرض عمهاء. لا مارّ بها.
ولعل التخصيص، يكون «حيث يكون»(١) المقابلة.
و «في طغيانهم»، اما متعلق بيمدهم، وحينئذ يكون «يعمهون»، حالا من مفعول «يمدهم». أو فاعل «الطغيان». واما متعلق «بيعمهون»، قدم عليه، لرعاية الفاصلة. وحينئذ يتعين أن يكون حالا من الأول.
(وفي كتاب الاحتجاج(٢) ، للطبرسي ـ رحمه الله ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حديث طويل وفيه: ولو علم المنافقون ـ لعنهم الله ـ ما عليهم من ترك هذه الآيات التي، بينت لك تأويلها، لأسقطوها، مع ما أسقطوا منه. ولكن الله ـ تبارك اسمه ـ ماض حكمه، بإيجاب الحجة على خلقه. كما(٣) قال(٤) :( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) . أغشى أبصارهم. وجعل على قلوبهم، أكنة عن تأمل ذلك. فتركوه بحاله وحجبوا عن تأكيد الملتبس بابطاله. فالسعداء يتنبهون(٥) عليه. والأشقياء يعمهون(٦) عنه)(٧) .
قال بعض الفضلاء: وإذ قد وقع الفراغ، من حل ظاهر عباراته، فاسمع
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٧٦.
(٣) المصدر: كما قال الله تعالى.
(٤) الانعام / ١٤٩.
(٥) المصدر: ينهون.
(٦) المصدر: يعمون.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
بطنا من بطون إشاراته. فنقول :
إذا لاقى المتوسمون بالايمان الرسمي، الذين آمنوا ايمانا حقيقيا وتحققوا بحقيقة التوحيد. وانعكست اليهم، أنوارهم الايمانية، فتوهموا أنها من أنفسهم وملك لهم، قالوا بلسان حالهم: «آمنا» ايمانا كايمانهم. «وإذا» فارقوا و( خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ) المبعدين. وانفصلت منهم، تلك الأنوار. ورجعوا إلى ظلمتهم الأصلية الحجابية. وتضاعفت به(١) ظلمتهم، لاجتماعهم مع هؤلاء الشياطين، «قالوا» لهم: انا معكم متفقون بكم، فيما آمنتم فيه، من اثبات ذواتكم، واسناد الصفات والأفعال اليها مستهزئون بالذين لا يثبتون إلّا وجودا واحدا. ويسندون إليه الأفعال والصفات، كلها. فان ذلك شيء(٢) ، لا يحكم بصحته العقل.( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ، في عين استهزائهم بهم. ذلك الاستهزاء، فعل الحق فيهم. انصبغ بصبغ الاستهزاء.
لالحاق الهوان والحقارة بهم(٣) ، في عيون أرباب البصيرة. فيكون استهزاء بهم( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ ) ، أي، غلوهم في نفي التوحيد الحقيقي، مترددين متحيرين بين المؤمنين، ايمانا حقيقيا وبين شياطينهم الجاحدين ذلك الايمان، مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) :
معللة للجملة الدالة على استحقاقهم الاستهزاء، على سبيل الاستئناف. أو مقررة لقوله( يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ ) على سبيل التوكيد.
وأصل الاشتراء، بذل الثمن، لتحصيل ما يطلب من الأعيان. فان كان أحد العوضين، ناضّا، تعين من حيث أنه لا يطلب لعينه، أن يكون ثمنا. وبذله، اشتراء.
وأخذه، بيع. ولذلك عدت الكلمتان، من الاضداد. والنض والناض الدنانير
__________________
(١) أ: به في.
(٢ و ٣) ليس في أ.
والدراهم، عند أهل الحجاز. وإلّا فأيّ العوضين، تصورته(١) بصورة الثمن فباذله مشتر وآخذه بائع، ثم استعير للأعراض عما في يده، محصلا به غيره. سواء كان من المعاني، أو الأعيان. ثم اتسع فاستعمل للرغبة عن الشيء، طمعا في غيره.
فان اكتفى بجعل الطرفين، أعم من أن يكون الأعيان، أو المعاني، أو مختلفين.
وبقي الاستبدال، محفوظا. والاستبدال، موقوف على تملك ما هو، كالثمن.
فاحتيج في اشتراء الضلالة بالهدى، إلى أن نزل التمكن، من الهدى، بحسب الفطرة، منزلة تملّكه. فيكون التجوّز، في نسبة الهدى بالتملك اليهم، لا في نفسه.
أو أريد «بالهدى»، ما جبلوا عليه، من تمكنهم منه. وهو فطرة الله التي، فطر الناس عليها. فيكون التجوز، في نفس الهدى، لا في نسبته اليهم، بالتملك.
فان التمكن من الهدى، ثابت لهم من غير تجوز. وان لم يبق الاستبدال، أيضا، محفوظا كما إذا استعمل للرغبة عن الشيء، طمعا في غيره، فلا حاجة إلى ذلك التنزيل، أو التجوز.
( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) : وقرأ ابن عبلة، «تجاراتهم»، بصيغة الجمع.
وذكر الربح، ترشيح للمجاز الواقع، في كلمة «اشترى». وهو أن يقرن بالمجاز، ما يلائم المعنى الحقيقي، فانه لما استعمل الاشتراء، في معاملتهم، أتبعه بما يشاكله، تمثيلا، لخسارتهم.
والمعنى ضرت تجارتهم. لأن عدم الربح وان كان أعم من الخسران، لوجود الواسطة بينهما، لكن المقام، يخصه به. لان المقصود، ذم المنافقين. والذم في الخسران، آكد من عدم الربح. وإنّما عبر عن الخسران، بنفي الربح، للتصريح أولا، بانتفاء ما هو مقصود من التجارة والدلالة ثانيا، على اثبات ضده، والافادة ثالثا، المبالغة بأن نفي الربح بالبيع والشرى.
__________________
(١) أ: بصورته.
والربح، الفضل على رأس المال. واسناده إلى التجارة، نفيا واثباتا، لتلبسه بالتجارة، مجاز عقلي. وهو اسناد شيء إلى غير ما هو له، نفيا أو اثباتا. كما أن الحقيقة العقلية، اسناده إلى ما هو(١) كذلك. لكن في الحقيقة، فالموجبة(٢) ، صادقة والسالبة، كاذبة. وفي المجاز، بالعكس. فلا حاجة في كونه من المجاز العقلي، إلى تأويل ما ربحت، بخسرت. ولا إلى أن يفرق بين اسناد النفي ونفي الاسناد. هكذا قيل. وفيه نظر، يعرف بالتأمل والتحقيق، ما ذكره السكاكي، من أن المراد بالتجارة المشترون، مجازا والاسناد، حقيقة. فتأمل!( وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) ) : عطف على( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) ، أي: ما كانوا مهتدين لطرق التجارة. فحذف المفعول، لدلالة الكلام عليه.
وليمكّن، حمله على العموم. وان اشتمل على تكرار «ما»، فالحمل على الأول، أولى. لأنه لما وصفوا بالخسارة، في هذه التجارة، أشير إلى عدم اهتدائهم لطرق التجارة، كما يهتدي إليه التجار البصراء، بالأمور التي، يربح فيها ويخسر.
فهو راجع إلى الترشيح.
ويحتمل عطفه على «اشتروا». بل هو أولى. لأن عطفه على «ما ربحت» يوجب ترتّبه على ما تقدم «بالفاء». فيلزم تأخره عنه. لكن الأمر، بالعكس.
ويحتمل أن يكون حالا، من فاعل «اشتروا»، أو «ربحت»، أو ضمير «تجارتهم». وإنّما حكم بانتفاء الربح، عن تجارتهم وعدم اهتدائهم لطرق التجارة لأن مقصود التجار منها، سلامة رأس المال والربح. وهؤلاء قد أضاعوا رأس المال. فكيف يفوزون بالربح الذي هو الفضل عليه؟
__________________
(١) أ: ما هو له.
(٢) أ: الموجبة.
وروي (في تفسير أبي محمد العسكري ـ عليه السلام ـ(١) عن موسى بن جعفر ما معناه :)(٢) انه حضر قوم عند رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وقالوا: سبحان الرازق! كان فلان في ضنك وشدة، فسافر ببضاعة جماعة. وربح الواحدة، عشرة. فهو اليوم من مياسير أهل المدينة.
وقال جماعة أخرى بحضرته: إنّ فلانا كان في سعة ودعة وكثرة مال، فسافر في البحر. فغرقت سفينته. وتلفت أمواله. ونجى بنفسه، في كمال الفقر والفاقة والحيرة.
فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: ألا أخبركم بالأحسن من الأول والأسوء من الثاني(٣) ؟
فقالوا: بلى، يا رسول الله! فقال: أما الأول، فرجل اعتقد في علي بن أبي طالب، ما يجب اعتقاده، من كونه وصي رسول الله وأخاه ووليه وخليفته ومفروض الطاعة. فشكر له ربه ونبيه ووصي نبيه. فجمع الله له بذلك خير الدنيا والاخرة. فكانت تجارته، أربح وغنيمته أكثر وأعظم.
وأما الثاني، فرجل أعطى عليا بيعته. وأظهر له موافقته. ثم نكث بعد ذلك.
وخالفه. ووالى أعداءه. فختم له سوء أعماله. فصار إلى عذاب لا يبيد ولا ينفد(٤) .
ذلك هو الخسران المبين.
قال بعض الفضلاء: إنّ تأويل الاية، بالاشارة إلى بطن من بطونها، أن يقال :
__________________
(١) تفسير العسكري / ٦٢، مع اختلاف كثير في الألفاظ.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) المصدر: الثاني حالا.
(٤) ر: لا ينفذ.
«أولئك» المتوسمون بالايمان الرسمي، هم الذين اشتروا ضلالة» ظلمة جحدانياتهم، «بهدى» نور استعدادهم الفطري، لكشف حقائق التوحيد الحقيقي.
واختاروها عليه. فما ربحت تجارتهم هذه. لأنهم أضاعوا رأس مالهم، الذي هو هدى ذوي الاستعداد. فكيف تربح تجارتهم، بعد اضاعتهم إياه. «و» الحال أنهم ما كانوا مهتدين، لطرق تلك التجارة، سالكين سبيل الفوز بها، على وجه، يربحون ولا يخسرون.
( مَثَلُهُمْ ) :
لمّا بيّن حقيقة صفة المنافقين، أراد أن يكشف عنها، كشفا(١) تاما. ويبرزها في معرض المحسوس المشاهد. ففيها يضرب المثل، مبالغة في البيان. ولأمر ما، أكثر الله في كتبه الأمثال. وكثر في كلام الأنبياء والحكماء ومن سور الإنجيل، سورة الأمثال.
و «المثل» في الأصل، بمعنى، المثل. وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل.
كشبه وشبه وشبيه.
ثم قيل: مثل للقول السائر. ويعتبر فيه أن يكون تشبيها تمثيليا، على سبيل الاستعارة. ومن ثم حوفظ عليه. ولم يغير. فيكون بعينه لفظ المشبه به. فان وقع تغيير، لم يكن مثلا. بل هو مأخوذ منه واشارة اليه. كما في قولك: بالصيف ضيّعت اللبن ـ بالفتح.
وقيل: لم يغير، لأنه ينبغي أن يكون فيه، غرابة من بعض الوجوه. فلو غير، لربما انتفت تلك الغرابة. وإنّما سمي مثلا، لأنه جعل مضربه. وهو ما يضرب فيه، ثانيا مثلا، لمورده. وهو ما ورد فيه ـ أولا ـ ثم استعير لكل حال، أو قصة، أو صفة
__________________
(١) ليس في أ.
لها بيان. وفيها غرابة. ويمكن حمله هناك على كل واحد من تلك المعاني.
( كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ) :
معناه، حالهم العجيبة الشأن، كحال من استوقد نارا.
و «الذي»، بمعنى الذين. كما في قوله:( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا ) ، ان جعل مرجع الضمير، في «بنورهم». وإنّما جاز ذلك. ولم يجز(١) وضع القائم، موضع القائمين. لأنه غير مقصود بالوصف. بل الجملة التي هي صلته، وهو وصلة إلى وصف المعرفة، بجملة موصولة بها. ولأنه ليس باسم تام، بل هو كالجزء منه.
فحقه أن لا يجمع، كما لا يجمع أخواتها. ويستوي فيه الواحد والجمع. وليس «الذين» جمعه المصحح، بل ذو زيادة، زيدت لزيادة المعنى. ولذلك جاء بالياء ـ أبدا ـ على اللغة الفصيحة، التي جاء التنزيل عليها.
ولكونه مستطالا بصلته، استحق التخفيف. ولذلك بولغ فيه. فحذف ياؤه ثم كسرته، ثم اقتصر على اللام، في أسماء الفاعلين والمفعولين. أو قصد به، جنس المستوقدين. أو الفوج الذي استوقد. وان لم يجعل مرجعا لذلك الضمير. فلا حاجة إلى ذلك. لأن المقصود، تشبيه الحال بالحال. وهما متطابقتان. إلّا أن يقصد رعاية المطابقة، بين الحالين، في كونهما بالواحد، أو الجماعة ـ أيضا ـ.
فان المماثلة، حينئذ، أقوى. والتشبيه إلى القبول، أقرب.
و «الاستيقاد»، طلب الوقود. والسعي في تحصيله. وهو سطوع النار.
وارتفاع لهبها.
واشتقاق «النار» من نار ينور، إذا نفر. لأن فيها حركة واضطرابا. و «النور» مشتق منها. فان الحركة والاضطراب، يوجد في النار، أو لا وبالذات، وفي نورها
__________________
(١) أ: ولم يخبر.
ثانيا وبالعرض. فاشتقاق «النور» منها، أولى من اشتقاقه منه(١) .
( فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ) : عطف على الصلة. فيكون التشبيه، بحال المستوقد الموصوف بمضمون الشرطية. أعني، لـمـّا مع جوابه.
و «لما»، تدل على وقوع الشيء، لوقوع غيره، بمعنى الظرف. والعامل فيه، جوابه.
و «الاضاءة»، فرط الانارة. كما أن الضوء، فرط النور. ومصداق ذلك، قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ) (٢) .
ويناسبه، ما اصطلح عليه الحكماء، من أن الضوء، ما يكون للشيء، من ذاته، كما للشمس. والنور ما يكون من غيره، كما للقمر.
«وأضاء»، في الآية :
اما متعد. فيكون «ما حوله»، مفعولا به، أي: جعلت النار ما حول المستوقد مضيئا.
واما لازم. فيكون مسند إلى «ما حوله»، أي: صارت الأماكن والأشياء التي حوله، مضيئة بالنار. أو إلى ضمير «النار».
حينئذ، اما أن يكون كلمة «ما» زائدة و «حوله»، ظرفا لغوا «لأضاءت».
واما موصولة، وقعت عبارة عن الأمكنة. فيكون مع صلتها، مفعولا فيه «لأضاءت».
ويرد على الأول، ان اضاءة النار، حول المستوقد، يقتضي دورانها حوله.
وهو(٣) خلاف المعهود.
__________________
(١) ر: اشتقاقها.
(٢) يونس / ٥.
(٣) ليس في أ.
وأجيب بأن المراد، دوران ضوئها. لكنّه(١) جعل دوران الضوء، بمنزلة دوران النار، اسناد إلى السبب.
وعلى الثاني، بأنه(٢) كان ينبغي أن يصرح بكلمة «في». لأن حذفها في لفظ مكان انما، كان(٣) لكثرة الاستعمال ولا كثرة في الموصول الذي عبّر به عن الأمكنة.
أللّهمّ إلّا أن يحمل، على أنّه من قبيل عسل الطريق الثعلب. وعلى هذا التوجيه، يلزم دوران مكان النار. وهو لا يستدعي استيعاب النار، جميعه. بل بعضه(٤) .
و «حوله»، نصب على الظرفية.
وتأليف حروفه على هذا الترتيب، للدوران والاطافة.
وقيل(٥) : للعام حول لأنه يدور.
ومنه، حال الشيء واستحال، إذا تغير. وحال الإنسان. وهي عوارضه التي تتغير عليه. والحوالة(٦) وهي إسم من أحال عليه، بدينه.
( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) : جواب «لما». كما هو الظاهر.
وفيه مانعان، لفظي ومعنوي :
الأول: توحيد الضمير، في استوقد وحوله وجمعه في «بنورهم».
والثاني: إنّ المستوقد، لم يفعل ما يستحق به، اذهاب نوره. بخلاف المنافق.
فجعله جوابا غير مناسب.
__________________
(١) ر: لكنها.
(٢) أ: أنه.
(٣) ليس في أ.
(٤) أ: بقصد.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٧.
(٦) ليس في ر.
والجواب عن الأول: إنّ توحيد الضمير، بالنظر إلى لفظ الموصول. وجمعه بالنظر إلى معناه، على أحد الوجوه المذكورة فيما سبق.
وعن الثاني: انه يمكن أن يكون، اذهاب نوره، بسبب سماوي، ريح أو مطر. لا بسبب فعل المستوقد. ولذلك أسند إلى الله سبحانه. أو يكون المراد بالمستوقد، مستوقد نار، لا يرضى(١) بها الله. كما أوقدها الغواة، ليتوصلوا بالاستضاءة بها، إلى بعض المعاصي. فأطفاها الله.
ويحتمل أن يكون جواب «لما» محذوفا(٢) . وقوله:( ذَهَبَ اللهُ ) ـ إلى آخره ـ استئنافا.
والمصحح لهذا الحذف، قرينة المقام، والمرجح المبالغة، في سوء حال المستوقد، بإيهام أن الجواب، مما يقصر العبارة عنه.
وتقدير الاستئناف، أنه لما شبهت حالهم، بحال المستوقد الذي خمده ناره سأل سائل. وقال: ما بالهم قد شبهت حالهم، بحال هذا المستوقد.
فقيل له: ذهب الله بنورهم.
وحينئذ، يكون ضمير الجماعة للمنافقين. ويحتمل أن يكون بدلا من الجملة التمثيلية وبيانا له. كأنه قيل: كمثل الذي ذهب الله بنورهم. وحينئذ يكون مرجع الضمير( الَّذِي اسْتَوْقَدَ ) ، على أحد الوجوه التي سبقت.
وانما قال: «بنورهم». ولم يقل: «بنارهم». لأنه المقصود من إيقادها.
ولم يقل: «بضوئهم». كما هو مقتضى اللفظ. لأن في «الضوء»، دلالة على الزيادة.
فلو علق الذهاب به، لأوهم الذهاب بالزيادة. وبقاء ما يسمى نورا. والمقصود ازالة النور عنهم، رأسا.
__________________
(١) أ: يوضئها.
(٢) أ: محذوف.
وانما اختير ـ أولا ـ «أضاءت» على «أنارت»، تنبيها على مزيد الحيرة والخيبة، واشعارا بالبطلان، لما تقرر في الأذهان، من قوة أمر الباطل، في بدء الحال واضمحلاله سريعا، في المآل.
وانما قال:( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) . ولم يقل: «أذهب الله نورهم» ـ كما قرأ بعضهم ـ لأن معنى «أذهبه»، أزاله، وجعله ذاهبا. ويقال: ذهب به، إذا استصحبه.
ومعنى «به»، معه. فان «الباء» وان كانت للتعدية، كالهمزة. إلّا أنّ فيها معنى المصاحبة واللصوق. وذهب السلطان بماله، أخذه. فالمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه.
وما يمسك(١) ، فلا مرسل له. وهو أبلغ من الاذهاب. لما فيه من معنى الأخذ والإمساك. أما الأخذ، فظاهر. وأما الإمساك، فلما يقتضيه المصاحبة واللصوق.
قال بعض الفضلاء: وعند العارفين، النكتة فيه، غير ما ذكر، فان مجيء الله سبحانه بالنور، ليس إلّا بتجلّيه(٢) باسم النور، على المتجلى له. فهو عند تجليه بالنور، متلبس به، غير منفصل(٣) عنه. وكذلك ذهابه بالنور. ليس إلّا متعلقا دون هذا التجلي. فهو يذهب مكتسبا بالنور، لا منفصلا عنه. فهو المتلبس بالنور، في الحالين. بل هو النور في العلم. (والعين لا)(٤) نور سواه. ثم أكد ذلك. وقرره بقوله:( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) ) : ففيه زيادة على ما يدل عليه، اذهاب نورهم، من وقوعهم في الظلمة، كمّا وكيفا. اما كمّا، فلما (في الظلمات
__________________
(١) أ: يماسك.
(٢) أ: يتجليه.
(٣) ر: منفعل.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
من)(١) الجمعية. واما كيفا، فلما فيها من تنوين التعظيم، واردافها بقوله «لا يبصرون».
فانه يدل على أنها بحيث لا يتراءى، فيها شبحان.
و «الظلمة»، عدم النور ـ مطلقا ـ وقيل: عما(٢) من شأنه ذلك. وقال بعض(٣) المتكلمين: وهي عرض، ينافي النور.
فعلى الأول، التقابل بينهما، تقابل الإيجاب والسلب.
وعلى الثاني، تقابل العدم والملكة.
وعلى الثالث، (تقابل التضاد.)(٤) وهي مأخوذة من قولهم: ما ظلمك ان تفعل كذا، أي: ما منعك. لأنها تسد البصر. وتمنع الرؤية.
وقرئ في ظلمة ـ بالتوحيد ـ وتوحيدها، ظاهرا.
وأما جمعها: فباعتبار انضمام ظلمة الليل، إلى ظلمتي الغمام. وتطبيقه، مثلا هذا، على(٥) تقدير أن يكون ضمير الجماعة، كناية عن المستوقدين. كما هو الظاهر.
وأما إذا كان كناية عن المنافقين، فقيل: ظلماتهم، ظلمة الكفر. وظلمة النفاق.
وظلمة يوم القيامة. أو ظلمة الضلال. وظلمة سخط الله. وظلمة العقاب السرمدي.
وقيل: المراد بها، على التقديرين، ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة(٦) .
فيكون الجمعية ـ أيضا ـ لزيادتها في الكيف.
وقوله(٧) «لا يبصرون»، نزل منزلة اللازم. وقطع النظر، عن مفعوله المتروك.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) أ: ما.
(٣) أ: من.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) أ: على هذا.
(٦) ر. أنوار التنزيل ١ / ٢٨.
(٧) ليس في أ
وقصد إلى نفس الفعل، كأنه قيل: ليس لهم أبصار.
وهو أبلغ من أن يقدر المفعول. أي لا يبصرون شيئا. لأن الأول يستلزم الثاني.
دون العكس.
و «ترك»، في الأصل، بمعنى، خلى وطرح. وله مفعول واحد. وقد يضمن معنى صيّر. فيقتضي مفعولين. فعلى هذا، قوله «في ظلمات»، مفعوله الثاني.
وقوله «لا يبصرون»، حال من مفعوله الأول.
ويحتمل أن يترك على معناه الأصلي. ويكون( فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) حالين مترادفين. أو متداخلين.
وفي آخر روضة الكافي(١) : بإسناده، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في تفسير الاية، ما مضمونه: انه أضاءت الأرض بنور محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما تضيء الشمس. فلما قبض الله محمدا، ظهرت الظلمة. فلم يبصروا فضل أهل بيته ـ عليهم السلام ـ.
وفي عيون الأخبار(٢) : بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، قال: سألت أبا الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ عن قول الله تبارك وتعالى:( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) .
فقال: إنّ الله تعالى لا يوصف بالترك، كما يوصف خلقه. ولكنهم(٣) متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلالة(٤) ، منعهم المعاونة واللطف. وخلى بينهم وبين اختيارهم.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٧٩.
(٢) عيون الأخبار ١ / ١٢٣.
(٣) المصدر: لكنه.
(٤) المصدر: الضلال.
( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) : خبر مبتدأ محذوف. والضمير المحذوف، ان كان كناية عن المستوقدين ـ فإطلاق هذه الصفات عليهم، على سبيل الحقيقة.
والمعنى، أنهم أوقدوا نارا، ذهب الله بنورهم. وتركهم في ظلمات هائلة.
أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم. وانتقصت قواهم. فصاروا صما بكما عميا.
وان كان عبارة عن المنافقين، فاطلاقها عليهم، على طريقة التشبيه. لأنهم لما سدوا آذانهم، عن إصغاء الحق وألسنتهم، عن النطق به وأبصارهم، عن مشاهدة آياته، جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم. وانتفت لا على سبيل الاستعارة، إذ من شرطها أن يطوى ذكر المستعار له، أي: لا يكون مذكورا على وجه، ينبئ عن التشبيه.
وهو أن يكون بين طرفيه حمل، أو(١) ما في معناه. كذا في الكشاف(٢) .
قيل: وهنا بحث. وهو أنه لا نزاع في أن تقدير الاية، هم صم. لكن مع ذلك، ليس المستعار له، مذكورا هاهنا. لأنه أحوال مشاعر المنافقين وحواسهم.
لا ذواتهم. ففي هذه الصفات، استعارة تبعية مصرحة. لأنها استعير مصادرها، لتلك الأحوال. ثم اشتقت هي، منها.
أقول: فعلى هذا، الصم، جمع الأصم. والبكم، جمع الأبكم. والعمي، جمع الأعمى. وقد صرح به، بعض أهل اللغة. فحينئذ، ما ذكره بعض المفسرين، من أن الحمل على سبيل المبالغة، في غاية السقوط.
وغاية ما يتكلف، عما في الكشاف أن يقال: تشبيه ذوات المنافقين، بذوات الأشخاص الصم، متفرع على تشبيه حالهم، بالصم. لكن القصد إلى اثبات هذا الفرع، أقوى وأبلغ اشارة، إلى أن المشابهة بين الحالين، قويت، حتى كأنها تعدت إلى الذاتين. فحمل الآية على هذا التشبيه، إنّما هو لرعاية المبالغة، في
__________________
(١) أ: وما.
(٢) الكشاف ١ / ٧٥.
اثبات الآفة(١) . وإلّا فمقتضى ظاهر الصناعة الحمل، على الاستعارة، بتبعية المصادر.
وقرئ في الكل، بالنصب، على الحال، من مفعول «تركهم».
و «الصمم»، الانسداد. تقول: قناة صماء، إذا لم تكن مجوّفة. وصممت القارورة، إذا سددتها. والصمّام، لما تسدها به. فالأصم، من انسدت سامعته.
فلا يدخلها هواء، يسمع الصوت، بتموّجه.
و «البكم»، الخرس.
والعمى، عدم البصر، عما من شأنه، أن يبصر. وقد استعير لعدم البصيرة.
( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) ) :
يقال: رجع عن كذا إلى كذا. فالمعنى، انهم لا يرجعون عن الضلالة التي اشتروها، إلى الهدى الذي باعوه.
فيندفع ما قاله بعض المفسرين من، أن المراد به(٢) ، لا يرجعون إلى الهدى.
أو عن الضلالة.
وليعلم أن توضيح تمثيل المنافقين، بالمستوقدين الموصوفين بما ذكر، وتشبيه حالهم العجيبة، بحالهم، موقوف على تحقيق طرفي التشبيه، ووجه الشبه.
فنقول: أما المشبه به، فهو صفة المستوقدين نارا، كلما أضاءت ما حولهم، من الأماكن والأشياء، أذهب الله(٣) نورهم، عند الإضاءة. وأمسكه. وتركهم في ظلمات متعددة شديدة. أدهشتهم بحيث اختلت مشاعرهم وقواهم. فهم لا يقدرون على الرجوع، إلى ما كانوا عليه، من قبل.
وأما المشبه: فهو صفة المنافقين الذين اظهارهم الايمان باللسان، بمنزلة إيقاد النار العظيمة وانتفاعهم به، بسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك، كإضاءتها
__________________
(١) أ: الاية.
(٢ و ٣) ليس في أ.
ما حولهم. وزوال ذلك الاستنفاع عنهم، على القرب باهلاكهم، أو افشاء نفاقهم(١) ، على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ هو ذهاب نورهم، وإلقاؤهم في أحيان ظهور النفاق، والوعيد بالعذاب السرمد. أو الوقوع فيه، على مراتبه تركهم، في الظلمات المتعددة الشديدة. وعدم استعمالهم قواهم فيما خلقت له، بمنزلة اخلالها.
ورسوخهم وتمكنهم فيما أوقعهم فيه، بما يخالف فطرتهم، كعدم القدرة من المستوقدين على الرجوع إلى ما كانوا عليه.
وأما وجه الشبه: فان اعتبرته بين مفردين، من مفردات طرفي التشبيه، كما سبقت الاشارة اليه، فذلك من قبيل التشبيه المفرد. وهو أن تأخذ أشياء، فرادى.
فتشبهها بأمثالها كقوله :
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا |
لدى وكرها العناب والخشف البالي(٢) |
وان اعتبرته بأن تنزع من مفردات أحد الطرفين، هيئة اجتماعية وحدانية وشبهتها بهيئة انتزعتها من مفردات الطرف الآخر، من غير ملاحظة تفاصيل مفردات الطرفين ومشابهة بعضها مع بعض، فذلك من قبيل التشبيه المركب المسمى عند أرباب البيان، بالتمثيل. وهو الذي يهتم به أرباب البلاغة.
وكل كلام يحتملهما فذكرهم الأول، احتمال لفظي. ولا مساغ للذهاب إلّا إلى الثاني. وذلك لأنه يحصل في النفس، من تشبيه الهيئة المركبة، ما لا يحصل من تشبيه مفرداتها. ولعبد القاهر(٣) ، كلام مشهور في أن اعتبار التركيب، في قول الشاعر :
__________________
(١) أ: نفاتهم.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣١.
(٣) اسرار البلاغة / ١٦٩.
وكأن أجرام النجوم لوامعا |
درر نشرن(١) على بساط أزرق |
أحق وأولى، وان صح التشبيه بين مفرداته.
(وفي روضة الكافي(٢) : محمد بن يعقوب الكليني، قال: حدثني علي بن إبراهيم :عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ وعن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنه قال في رسالة طويلة، إلى أصحابه: فان ذلك اللسان، فيما يكره الله وفيما نهى(٣) عنه مرداة للعبد، عند الله. ومقت من الله. وصم وعمي وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فتصيروا(٤) كما قال الله:( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) ، يعني: لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون)(٥) .
قال بعض الفضلاء: تأويل الاية، ببعض بطونها، أن يقال: مثل المتوسمين بالايمان الرسمي، كمثل المستوقدين الذين سبق ذكرهم، حيث تنورت بواطنهم، بارتكاب بعض العبادات، في بعض الأوقات. فتنبهوا(٦) لما في أنفسهم، من النقائص(٧) والكمالات. ولم ينفذ فيهم، ذلك النور، بحيث يتعدى من معرفة أنفسهم، إلى معرفة ربهم. بل تنقص ببعض الغفلات. فبقوا متروكين في ظلمات حجب انياتهم(٨) . لا يبصرون ما في الآفاق وما في أنفسهم، من لوائح الوحدانية.
__________________
(١) المصدر: نثرن.
(٢) الكافي ٨ / ٤٠٦.
(٣) المصدر: ينهى.
(٤) المصدر: فيصيروا.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) أ: فتسبهرا.
(٧) أ: النقايض.
(٨) أ: نياتهم.
فهم صم، عن سماع ما ينطق به دلائلها بكم. لا يسألونه بلسان استعدادهم. عمي لا يرونه ببصر بصيرتهم. فهم لا يرجعون عما هم فيه، من أسباب الشقاوة، إلى ما فاتهم من موجبات السعادة.
( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ) :
ثم ثنى الله سبحانه، في شأنهم، بتمثيل آخر، ليكون تحقيقا لحالهم، بعد كشف، وإيضاحا غبّ إيضاح.
وكما يجب على البليغ، في مظانّ الإجمال والإيجاز، أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه، في موارد التفصيل والاشباع، أن يفصّل ويشبع.
وهو، عطف على قوله( كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ) . أي، مثلهم كمثل الذي استوقد. أو، كمثل ذوي صيّب.
وانما قدّر كذلك، لتعيين مرجع الضمائر الاتية، وتحصيل كمال الملائمة، مع المعطوف عليه ومع المشبه ـ أيضا ـ أعني(١) : مثلهم.
وأما نفس التشبيه، فلا يقتضي تقدير شيء. إذ لا يلزم في التشبيه المركب، أن يكون ما يلي الكاف، هو المشبه به. كما في قوله تعالى:( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا، كَماءٍ ) (٢) .
ومما ثنّي من التمثيل، في التنزيل، قوله:( وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ. وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ) (٣) .
و «أو»، موضوعة في أصلها للتساوي. ولذلك اشتهرت بأنها كلمة شك.
فتكون مخصوصة بالخبر. ثم استعيرت للتساوي، في غير الشك. فاستعمل في
__________________
(١) أ: أى.
(٢) يونس / ٢٤.
(٣) فاطر / ٢٠ ـ ٢٣.
غير الخبر، بالمعنى المجازي، فقط. كالتساوي في استصواب المجالسة، في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. وفي الخبر، بكلا المعنيين، أعني، الحقيقي، الذي هو الشك والمجازي، كالتساوي في الاستقلال، بوجه التمثيل.
كما في هذه الاية. فيستفاد صحة التشبيه، بكل واحد من هاتين القصتين، صريحا، وبهما، معا، بالطريق الأولى. وهذا بناء على تبادر معنى الشك، منه. وهو المفهوم من الكشاف(١) .
والمفهوم من المفصل(٢) ، أن كلمة «أو» لأحد الأمرين. ولا شك أن هذا معنى يعم مواردها، من الإنشاء والاخبار ـ كلها ـ وأما الشك والتشكيك والإبهام والتخيير والاباحة، فليس شيء منها، داخلا في مفهومها. بل يستفاد من مواقعها في الكلام.
«والصيّب»، فيعل من الصوب. وهو فرط الانسكاب والوقوع. يقال على المطر وعلى السحاب. والاية يحتملهما.
وتنكيره، لأنه أريد به نوع شديد هائل.
وقرئ «كصائب». والأول أبلغ.
و «السماء»، هو المظلة. أو جهة العلو. وتعريفها للجنس، للدلالة على أن الصيّب، منطبق آخذ بآفاق السماء، كلها. فان كل أفق ككل طبقة منها، يسمى سماء. فتعريف الجنس من غير قرينة البعضية، يدل على أنه منطبق آخذ بكلها.
لا يختص بسماء دون سماء.
وفي الدلالة على التطبيق، أمداد لسائر المبالغات التي في الصيّب، من جهة
__________________
(١) ر. الكشاف ج ١، ضمن ص ٧٨ ـ ٨٢.
(٢) المفصل في النحو: ١٦٦.
مادته الأولى، أي: الحروف. فان «الصاد» من المستعلية. و «الياء»، مشددة.
و «الباء» من الشديدة. ومادته الثانية، أي: الصوب. فانه فرط الانسكاب ـ كما مر.
ومن جهة البناء، أعني، الصورة. فان فيعلا صفة مشبهة، دالة على الثبوت.
ومن جهة التنكير العارض، لأنه للتهويل والتعظيم. كتنكير النار، في الآية الأولى.
وإذا أريد «بالصيّب»، المطر، فيحتمل أن يراد «بالسماء»، السحاب.
ويجعل اللام لاستغراق جميع ما يمكن أن يظل قطعة من وجه الأرض. فانه يصلح أن يطلق عليه، إسم السحاب. وان أريد «بالصيب»، السحاب، وبالسماء ـ أيضا ـ.
فالمعنى، هذا النوع من السحاب. وليس فيه كثير فائدة.
والتمثيل الثاني، أبلغ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته.
ولذلك أخّر. وهم يتدرجون في نحو هذا، من الأهون إلى الأغلظ.
( فِيهِ ظُلُماتٌ ) : بضم الفاء والعين. وقريء بفتح اللام وسكونه. جمع ظلمة، بضم الفاء وسكون العين. فاعل الظرف، لاعتماده على الموصوف. ومن المتفق عليه بينهم، أن الظرف إذا اعتمد على موصوف، أو موصول، أو حرف استفهام، أو حرف نفي، فانه يجوز أن يرفع الظاهر، بخلاف ما إذا لم يعتمد.
فانه لا يجوز إعماله عند سيبويه.
ويجوز في جميع ذلك، أن الظرف خبر متقدم، على مبتدئه. فعلى هذا يظهر فساد ما قاله البيضاوي(١) ، من أن ارتفاعها بالظرف، وفاقا. وان أريد بالصيّب، المطر، فظلماته ظلمة(٢) تكاثفه وتتابع قطراته. لان تقارب القطرات ومتابعتها ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٩.
(٢) أ: ظلمات.
يقتضي قلة الهواء المتخلل المنير.
وظلمة أظلام، غمامه، وظلمة الليل المستفادة، من قوله:( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ ) .
والمراد بها، ما يتوزع على الأجرام، من ظلمته. لا ظلمته كلها، حتى يرد أن المطر في ظلمة، لا ظلمة الليل فيه. ولا شك أن نسبة الظلمة المتوزعة عليه، إليه كنسبة العرض إلى موضوعه والصفة إلى موصوفها. فيصح انتسابها اليه. وان أريد به السحاب فظلماته، ظلمة سحمته(١) . أي، سواده المسبب عن تراكمه وكثرة مائه.
وظلمة تطبيقه واحاطته بجميع الآفاق وظلمة الليل.
وعلى ما حققناه، يندفع ما قاله بعض المفسرين من، أن الظرفية هنا، باعتبار الملابسة. لأنه يكون بناء عليه انتساب الظرف، إلى مظروفه «بقي» جائزا. وهو غير جائز.
( وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) :
«الرعد»، من الرعدة، بالكسر. وهو صوت يسمع من السحاب. وسببها ـ على المشهور ـ اضطراب أجرام السحاب. واصطكاكها، إذا ساقتها الريح.
«والبرق»، الأحسن فيه، أن يكون معطوفا على «رعد». ويكون المجموع معطوفا على «الظلمات»، بعاطف واحد، من برق الشيء بريقا، إذا لمع. وهو ما يلمع من السحاب بواسطة اصطكاكها.
وقيل(٢) : الرعد، ملك موكل بالسحاب. يسبح.
وقيل(٣) : صوت ملك يزجر السحاب.
وقيل(٤) : هو ريح، تحتبس تحت السماء.
__________________
(١) أ: سحنه. المتن: سحبته.
(٢) مجمع البيان ١ / ٥٧.
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر.
(وفي مجمع البيان(١) : وقيل: الرعد، هو ملك موكل بالسحاب. يسبح. وهو(٢) المروي عن أئمتنا ـ عليهم السلام ـ.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وقال علي(٤) ـ عليه السلام ـ: الرعد، صوت الملك. والبرق، سوطه.
وروي(٥) : إنّ الرعد، صوت ملك، أكبر من الذباب وأصغر من الزنبور.
وسأل أبو بصير(٦) ، أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن الرعد، أي شيء يقول؟
قال: انه بمنزلة الرجل، يكون في الإبل. فيزجرها، هاي هاي، كهيئة ذلك.
قال: قلت: جعلت فداك! فما حال البرق؟
قال(٧) : تلك مخاريق الملائكة تضرب(٨) السحاب. فتسوقه إلى الموضع الذي قضى الله ـ عز وجل ـ فيه المطر)(٩) .
ولم يجمعا كالظلمات، لمصدريتهما في الأصل.
ويحتمل أن يكون المراد بهما، معنييهما المصدريين(١٠) ، أيضا. أعني، الارعاد
__________________
(١) نفس المصدر.
(٢) المصدر: روى ذلك عن ابن عباس ومجاهد وهو.
(٣) من لا يحضره الفقيه ١ / ٣٣٤، ح ١٠.
(٤) ليس في المصدر. والحديث الذي قبله عن أبى عبد الله عليه السلام.
(٥) نفس المصدر ١ / ٣٣٤، ح ١١ وله تتمة.
(٦) نفس المصدر ح ٩.
(٧) المصدر: فقال.
(٨) ر، المتن: لضرب. وفي المصدر: تضرب.
(٩) ما بين القوسين ليس في أ.
(١٠) أ: المصدرية.
والإبراق. ولأنهما ليسا أنواعا مختلفة، بالنظر إلى أسبابها(١) ، كالظلمة. وكينونتهما في السحاب، ظاهرة. وأما في المطر، فلأنهما لما كانا في محل يتصل به أعلاه ومصبه، أعني، السحاب، جعلا كأنهما فيه. أو لأن المطر كما ينزل من أسفل السحاب، ينزل من أعلاه ـ أيضا ـ فهو شامل للفضاء(٢) الذي فيه السحاب. فهما في جزء من المطر، يتصل بالسحاب.
وانما جاءت الأشياء، نكرة، لأن المراد، أنواع منها. كأنه قيل: فيه ظلمات داجية(٣) ورعد قاصف(٤) وبرق خاطف.
والأصل في كلمة «في»، أن تستعمل(٥) في ظرفية(٦) الأجسام، للأجسام. ثم اتسع فيها، فاستعمل في ظرفية الزمان، للأحداث. ولمحلية المعروضات، لأعراضها والموصوفات لصفاتها، إلى غير ذلك.
( يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) :
الضمائر، ترجع إلى أصحاب الصيّب. ولفظ «الأصحاب» وان حذف.
وأقيم «الصيب» مقامه، لكن معناه باق. فيجوز أن يعول عليه. وهو استئناف لا محل له من الاعراب. فكأنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول، قيل: فكيف حالهم مع ذلك؟ فأجيب: بأنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم(٧) .
__________________
(١) أ: أسبابهما.
(٢) أ: للقضاء.
(٣) أ: واجية، المتن: داجينة.
(٤) أ: فاصف.
(٥) أ: يستعمل.
(٦) أ: طرفيه.
(٧) ر. أنوار التنزيل ١ / ٢٩.
فان قلت: الجواب، حينئذ، لا يكون مطابقا للسؤال. فانه بين، حينئذ، حالهم، مع الصواعق، دون الرعد.
قلت: لما كانت الصاعقة، قصفة رعد. تنقض معها شقة من نار، كان الجواب مطابقا. كأنه قيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم من شدة صوت الرعد، وانقضاض قطعة نار معها.
ويحتمل أن يكون، حالا من المضاف، إلى الصيب المحذوف. «وجعل» جاء متعديا إلى مفعولين. نحو، جعلت الطين خزفا. أي، صيّرت. والى مفعول واحد كقوله:( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) (١) ، أي: صنع. وبمعنى التسمية. كقوله:( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) (٢) ، أي: سمّوا له. وبمعنى أفعال المقاربة. نحو، جعل زيد يفعل.
واليد تتجزّأ(٣) إلى الانملة والأصبع والكف والساعد والعضد. والمتعين منها لسد الأذان، أنملة السبابة. فإطلاق الأصابع، موضع الأنامل، بل بعضها، من اتساعات اللغة.
والنكتة المبالغة التي ليس في ذكر الأنامل وبعضها، وهي أنهم لشدة الأمر عليهم وخوفهم، من تقصيف الرعد، يجعلون أصابعهم، بالكلية في آذانهم، لئلا يسمعوه، أصلا. أو لفرط دهشتهم وحيرتهم، يفعلون ذلك. ولا يدرون ما يفعلون.
وعدم تخصيص ما هو متعين لسد الآذان، من الأصابع، أعني السبابة، للاشارة إلى أنه لم يبق لهم، من فرط الدهشة والحيرة، قوة التمييز بينها(٤) . أو لما في
__________________
(١) الانعام / ١.
(٢) إبراهيم / ٣٠.
(٣) أ: تنحرى.
(٤) أ: بينهما.
السبابة من معنى السبّ. ولذلك استكرهوها. فكنوا عنها، بالمسبحة والسباحة وغيرهما، طوى ذكرها، إذ لم يكن لها إسم وراءها يتعارفه الناس في ذلك العهد.
( مِنَ الصَّواعِقِ ) : متعلق «بيجعلون».
ولفظة «من» في أمثال ذلك، ابتدائية، على سبيل العلية. فيقال: قعد من الجبن. وقد يكون ما بعدها، غرضا مطلوبا مما وقع قبله، إذا صرح بما يدل على ذلك. كقولك: ضربت من أجل التأديب. بخلاف «اللام» فإنها، وحدها، يستعمل في كل منهما. ويشاركهما في التعليل «في».
كما في قوله ـ عليه السلام ـ :
ان امرأة دخلت النار، في هرة ربطتها. ولم تدعها، حتى تأكل من حشاش(١) الأرض.
و «الصواعق»، جمع الصاعقة. وهي قصفة رعد. أي شدة صوت منه.
ينقض معها شقة، أي، قطعة من نار. وهي في الأصل، اما صفة لفصفة(٢) الرعد.
والتاء للتأنيث. أو للرعد. والتاء للمبالغة. كما في الراوية. أو مصدر، كالعافية والكاذبة.
وقرئ من الصواقع. وليس بقلب من الصواعق. لأن كلا من البنائين، سواء في التصرف، يبنى على كل منها كثير من الأمثلة. تقول: صقع الديك، إذا صاح.
وسقعه على رأسه. وصقع رأسه، أي: ضرب صوقعته. وهي موضع البياض، في وسط الرأس. وخطيب مصقع، أي: مجهر ـ بكسر الميم ـ وهو الذي من عادته، أن يجهر بكلامه.
أقول: الصاعقة والصاقعة، إذا كانتا اسمي صفتين، فجمعهما على الفواعل(٣)
__________________
(١) أ: حشاس.
(٢) أ: لفصقة.
(٣) أ: القوابل.
مطرد. وأما إذا كانتا مصدرين، فلا. لكن ذلك، شيء، ذكره صاحب الكشاف والبيضاوي.
( حَذَرَ الْمَوْتِ ) : وقرأ ابن أبي ليلى: حذار الموت.
فقد جاء حذر، يحذر، حذار وحذارا، منصوب على أنه مفعول له، ليجعلون.
فهو علة للجعل المعلل، أي: جعلهم أصابعهم في آذانهم(١) ، لأجل الصواعق، واقع لأجل الحذر من الموت المتوهم، لشدة الصوت.
و «الموت»، عدم الحياة، عما من شأنه ذلك، فالتقابل بينه وبين الحياة، تقابل العدم والملكة. وقيل: عرض يمنع الاحساس، يعرض عقيب الحياة، أي: لا يجمعها. فيكون التقابل بينهما، تقابل التضاد.
واستدل عليه، بقوله تعالى:( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ) (٢) . فان الخلق والإيجاد، لا يتعلق إلّا بالأمور الوجودية.
وأجيب، بأن المقصود من الخلق، التقدير. ولو سلم، فالعدم، يمكن أن يخلق باعتبار استمراره. ولو سلم، فالذي لا يخلق، هو العدم، بمعنى السلب.
والموت، ليس كذلك. كما مر.
( وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) ) :
أمال أبو عمر.
والكاف من «الكافرين»، في موضع الخفض والنصب. وروي ذلك، عن الكسائي. والباقون لا يميلون.
ووجه حسنه، لزوم كسرة الراء التي تجري مجرى الكسرتين، بعد الفاء المكسورة.
__________________
(١) ر. تفسير البحر المحيط ١ / ٨٧.
(٢) الملك / ٢.
وتلك، اعتراضية، لا محل لها من الاعراب.
وفائدتها، أن المحذر عن الموت، لا يفيد.
ووضع «الكافرين»، موضع المضمر، للدلالة على أن أصحاب الصيّب، كفار. ليظهر استحقاقهم شدة الأمر.
وقيل: هذه المعترضة، لبيان أحوال المشبه، على أن المراد «بالكافرين»، المنافقون. دل بها على أنهم، لا مدفع لهم، من(١) عذاب الله، في الدنيا والاخرة.
ووسطت بين أحوال المشبه به، مع أن القياس، يقتضي تقديمها أو تأخيرها، تنبيها على شدة الاتصال بين المشبه والمشبه به، ودلالة على فرط الاهتمام، بشأن المشبه واحاطة الله، مجاز.
فان شبه شمول قدرته تعالى، باحاطة المحيط، «بما أحاط به في امتناع فوات كان هناك استعارة تبعية، في الصفة، سارية اليها، من مصدرها.
وان شبه حاله تعالى معهم، بحال المحيط»(٢) ، مع المحاط، أي، شبه هيئة منتزعة من عدة أمور، بأخرى مثلها، كان هناك استعارة تمثيلية(٣) ، لا تصرف في(٤) شيء، من ألفاظ مفرداتها. إلّا أنّه لم يصرح منها، إلّا بلفظ ما هو العمدة في الهيئة المشبه بها، أعني، الاحاطة. والبواقي من الألفاظ، منوية في الارادة.
واحاطة الله سبحانه، عند الصوفية بالكافرين، بل بالموجودات، كلها، عبارة عن تجلّيه بصور الموجودات. فهو سبحانه بأحدية جميع أسمائه، سار في الموجودات كلها، ذاتا وعلما وقدرة، إلى غير ذلك، من الصفات. والمراد باحاطته تعالى ،
__________________
(١) ر: عن.
(٢) ليس في أ.
(٣) أ: تبعية تمثيلية.
(٤) ليس في أ.
هذه السراية. انه لا يعزب(١) عنه، مثقال(٢) ذرة، في السموات والأرض، إذ كل ما يعزب(٣) عنه، يلتحق بالعدم. وقالوا: هذه الاحاطة، ليست كاحاطة الظرف بالمظروف. ولا كاحاطة الكل بأجزائه. ولا كاحاطة الكلي بجزئياته. بل كاحاطة الملزوم، بلوازمه. فان التعينات اللاحقة، لذاته المطلقة، إنّما هي لوازم له، بواسطة أو بغير واسطة، وبشرط أو بغير شرط. ولا يقدح كثرة اللوازم في وحدة الملزوم ولا تنافيها.
( يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ) : استئناف ثان. كأنه قيل: ما حالهم مع تلك الصواعق(٤) ؟
فأجيب: و «يكاد» مضارع كاد. وهو من كدت، تكاد، كيدا ومكادة. وحكى الأصمعي: كودا. فيكون كخفت، تخاف، خوفا. والأول أشهر.
و «كاد» من أفعال المقاربة. وضعت لمقاربة الخبر، من الوجود لعروض، سببه، لكنّه لم يوجد اما لفقد شرط، أو لعروض مانع. والشرط في خبره، أن يكون فعلا مضارعا، بدون «ان». وقد يكون معها، بخلاف «عسى». فانه لرجائه.
وقد يدخل على خبرها، «ان».
وقرئ يخطف ـ بكسر الطاء ـ ويختطف ويخطف ـ بفتح الياء والخاء ـ وأصله يختطف، نقلت حركة التاء إلى الخاء. ثم أدغمت في الطاء. ويخطف ـ بكسرهما ـ بحذف حركة التاء، للادغام وبتحريك الخاء بالكسر، اما لالتقاء الساكنين. واما لمتابعة الطاء. ويجعل حرف المضارعة، تابعا للخاء.
و «يخطف»، مضارع خطف، من باب التفعيل. ويتخطف مضارع تخطف
__________________
(١ و ٣) ر: يغرب.
(٢) ليس في أ.
(٤) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣٠.
من باب التفعل.
( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ. وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ، قامُوا ) : استئناف ثالث.
جواب لمن يقول: كيف يصنعون عند خفوق(١) البرق وخفيه(٢) (٣) ؟
وكلمة «كل» في «كلما» منصوب على الظرفية، باتفاق. وناصبها، الفعل الذي، هو جوابها: أعني، «مشوا». وإفادتها الظرفية، من جهة «ما». فإنها(٤) محتملة لوجهين :
أحدهما: إنّ يكون حرفا مصدريا. والجملة، صلة له. فلا محل لها. فالأصل كل وقت إضاءته. ثم عبر عن المصدر، «بما». والفعل، ثم، أنيبا(٥) عن الزمان بتقدير «الوقت».
والثاني: إنّ يكون اسما نكرة، بمعنى، وقت. فلا يحتاج على هذا إلى تقدير «وقت».
والجملة بعده، في موضع خفض، على الصفة، فيحتاج إلى تقدير، عائد فيها(٦) ، أي: كل وقت أضاء لهم البرق، فيه. هكذا قيل.
وأقول: «ما» المصدرية، قسمان: مصدرية صرفة ومصدرية ظرفية. وكلمة «ما» المركبة، مع كل مصدرية ظرفية. فعلى هذا، لا حاجة إلى تقدير، ولا إلى حذف عائد.
__________________
(١) أ: خطوف.
(٢) أ: خفية.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣٠.
(٤) أ: فاتها.
(٥) أ: أبينا.
(٦) أ: منها.
و «أضاء»، اما متعد. والمفعول محذوف. والتقدير، كلما أضاء طريقا لهم مشوا فيه. وضمير «فيه»، حينئذ، اما عائد إلى المفعول المحذوف ـ واليه ذهب المبرد ـ أو إلى «البرق» ـ وعليه الجمهور ـ واما لازم، بمعنى، كلما لمع لهم مشوا فيه. ويتعين عود الضمير اليه. وإذا عاد الضمير، إلى «البرق» ـ على التقديرين ـ فلا بد في الظرفية، من(١) تقدير مضاف، أي: في ضوئه.
وكذلك «أظلم»، اما لازم. أو متعد. من ظلم الليل ـ بالكسر ـ ويؤيده قراءة «أظلم»، على البناء للمفعول.
ورد باحتمال أن يكون عليهم، قائما مقام الفاعل. فيكون تعدية «أظلم»، «بعلى». لا بنفسه.
وأجيب بأن عليهم أن يقابل لهم، في أضاء لهم. فان جعلا مستقرين، لم يصلح عليهم لأن يقوم مقام الفاعل. وان جعلا صلتين للفعل، على تضمين معنى النفع والضر(٢) ولم يصلح عليهم، لأن يقوم مقام فاعل المضمن ولا المضمن فيه.
وعلى تقدير صلوحه، فعطف إذا «أظلم»، على «كلما أضاء»، مع كونها جوابا للسؤال عما يضعون(٣) في تارتي خفوق(٤) البرق.
وخفيته(٥) يقتضي أن يكون «أظلم» مسند إلى ضمير «البرق»، كأضاء.
على معنى كلما نفعهم البرق باضاءته(٦) ، افترضوه(٧) ، وإذا ضرهم باظلامه واختفائه
__________________
(١) أ: فلا بد من في الظرفية تقدير مضاف.
(٢) أ: الضرر.
(٣) ر: يصنعون.
(٤) أ: حقوق.
(٥) أ: خفية.
(٦) أ: باضاءة.
(٧) أ: افترضوه.
دهشوا.
وقد يجاب ـ أيضا ـ بأن بناء الفعل للمفعول، من المتعدي بنفسه، أكثر.
فالحمل عليه، أولى وأنسب. وإنّما قال في الاضاءة، «كلما» وفي الاظلام، «إذا»، لأنهم حراص على المشي. فكلما صادفوا منه(١) فرصة، انتهزوها. ولا كذلك التوقف.
ومعنى قاموا، وقفوا. بدليل وقوعه في مقابلة «مشوا». ومنه، قام الماء، جمد. وقام السوق، إذا كسد وسكن. وقد مر استعماله بمعنى، نفق، مأخوذا من القيام، بمعنى، الانتصاب. فهو من الأضداد.
( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) : معطوفة اما على الجملة الاستئنافية، أعني: «يجعلون». واما على(٢) جملة( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) ».
وكلمة «لو»، عند المحققين، يدل(٣) على ثلاثة أمور: عقد السببية والمسببية بين الجملتين بعدها، وكونهما في الماضي، وانتفاء السبب. ولا دلالة لها على امتناع الجواب. ولكنه ان كان مساويا للشرط، في الواقع، أو عند المتكلم، كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة، لكان النهار موجودا، وقولك: لو جئتني، لأكرمتك، لزم انتفاؤه. وان كان أعم ـ كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة، لكان الضوء موجودا ـ فلا.
وانما يلزم انتفاء القدر المساوي منه، للشرط، يعني: الضوء المستفاد من الطلوع، في المثال المذكور، مثلا. ثم انه يحتمل أن يكون المقصود هنا، بيان(٤)
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) ليس في أ.
(٣) أ، المتن: بدل.
(٤) ليس في أ.
مسببية(١) ذهاب سمعهم وبصرهم، لمشية الحق سبحانه، كما هو شأن الحوادث، كلها. لا الدلالة على انتفاء أحدهما، لانتفاء الاخر. فلذلك قال بعضهم: «لو» هنا مستعمل، لربط جزائها بشرطها، مجردة عن الدلالة على انتفاء أحدهما، لانتفاء الاخر، فهو بمنزلة إن.
وقد يقال: انها باقية على أصلها. وقصد بها التنبيه، على أن مشقتهم، بسبب الرعد والبرق، وصلت غايتها وقاربت ازالة الحواس، بحيث لو تعلقت بها المشيّة لأزالت بلا حاجة، إلى زيادة، في وصف الرعد وضوء البرق، كما ذكر أولا.
والنكتة في اختيار ذهب بسمعهم وأبصارهم، على أذهب سمعهم وأبصارهم قد مر بيانها «في( ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ) .
والمعنى «لو شاء الله أن يذهب بسمعهم»، بشدة صوت الرعد، «وأبصارهم»، بقوة لمعان البرق، لذهب بهما. فحذف المفعول، لدلالة الجواب عليه. ولهذا تكاثر حذف المفعول، في «شاء» و «أراد» ومتصرفاتهما، إذا وقعتا في حيز(٢) الشرط، لدلالة الجواب على ذلك المحذوف، ومع وقوعه في محله لفظا. ولأن في ذلك نوعا من التفسير، بعد الإبهام، إلّا في الشيء المستغرب. فانه لا يكتفى فيه، بدلالة الجواب عليه. بل يصرح به، إغناء بتعيينه، ودفعا لذهاب الوهم إلى غيره، بناء على استبعاد تعلق الفعل به، واستغرابه، كقوله :
ولو شئت أن أبكي دما، لبكيته |
عليه ولكن ساحة الصبر أوسع |
وقرئ: لأذهب بسمعهم وأبصارهم، بزيادة الباء. كقوله تعالى(٣) :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ ) (٤) .
__________________
(١) أ: مسببة.
(٢) أ: خبر.
(٣) البقرة / ١٩٥.
(٤) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣٠.
( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) ) : تقرير لما قبلها.
والشيء، يختص بالموجود، في الأصل. مصدر شاء. أطلق بمعنى شاء ـ تارة ـ وحينئذ، يتناول الباري، كما قال: «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللهُ شَهِيدٌ »(١) .
وبمعنى مشيء أخرى، أي: مشيء وجوده. وما شاء الله وجوده، فهو موجود، في الجملة.
قال المعتزلة: الشيء ما يصح أن يعلم ويخبر عنه(٢) .
وقيل: والشيئية(٣) على قسمين: ثبوتية (وهي ثبوت)(٤) المعلومات، في علم الله تعالى، متميزا بعضها عن بعض.
وهي(٥) على ثلثة أقسام :
أحدها: ما يجب وجوده في العين، كذات الواجب.
وثانيها: ما يمكن بروزه من العلم، إلى العين. وهو الممكنات.
وثالثها: ما لا يمكن. وهو الممتنعات.
والثبوتية في الأول والثالث، باعتبار الوجود العلمي. وفي الثاني، باعتباره.
وباعتبار الثبوت العيني ـ أيضا ـ فإنهم قسّموا الكون في الخارج، إلى ما يترتب عليه الآثار الخارجية، وسموه وجودا عينيا. وما لا يترتب عليه الآثار الخارجية سموه ثبوتا خارجيا.
ومتعلق قدرة الله، من تلك الأقسام، هو الثاني، دون الأول والثالث. ومشيّة
__________________
(١) الانعام / ٩.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣٠.
(٣) ر: الشيئية.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) أ: وهو.
وجودها، هي وجودها خارج العلم. والموجودات الخارجية، من حيث تعلق القدرة، بإخراجها من العلم إلى العين، لا يتعلق بها قدرة أخرى، لاستحالة تحصيل الحاصل. فان تعلقت قدرة بها، فباعتبار إعدامها. فذات الواجب تعالى وصفاته والممتنعات والموجودات الممكنة، من حيث أنها تعلقت القدرة بها، مستثناة ـ عقلا ـ من الحكم على الله تعالى، بأنه على كل شيء قدير.
والقدرة في اللغة، التمكن.
وقدرة الله، عند الحكيم، بمعنى أنه ان شاء، فعل. وان لم يشأ، لم يفعل.
لكن شاء، ففعل بالمشيّة القديمة. وحاصله، إمكان الفعل والترك، بالنظر إلى الذات.
ووجوب الفعل وامتناع الترك، بالنظر إلى الارادة.
وعند الأشاعرة، صفة يقتضي التمكن.
وقيل(١) : قدرة الإنسان، هيئة بها، يتمكن من الفعل. وقدرة الله نفي العجز عنه. والقدير، الفعال لما يشاء. ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى. وإنّما سمي القدير قديرا، لأنه يوقع الفعل، على مقدار قوته. أو على مقدار ما يقتضيه مشيّته. أو على مقدار علمه.
وعلى ما حققنا في الآية، دليل على أن الحادث، حال حدوثه، والممكن، حال بقائه، مقدوران. وان مقدور العبد، مقدور الله. لأنه شيء. وكل شيء، مقدور. وهذا التمثيل، كالتمثيل الأول. يحتمل أن يكون من قبيل تشبيه المفرد.
وأن يكون من قبيل تشبيه المركب. فشبه على الأول، ذوات المنافقين، بأصحاب الصيب، في اشتمال كل منهما، على أمر كثير النفع. وشبه اسلام المنافقين، من حيث مطلق الأقسام، لا من حيث أنه مضاف اليهم، بالصيب، في أن كل واحد
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣١.
منهما، سبب للحياة.
فالأول، سبب لحياة القلوب. والثاني، سبب لحياة الأرض.
وشبّهت، شبههم التي يتمسكون بها، في الاستمرار على كفرهم ونفاقهم، بالظلمات. ووعدهم(١) في الظاهر على إسلامهم، بالرعد. فانه صياح بلا طائل.
ووعيدهم في نفس الأمر، بالبرق. فانه نار محرقة. وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة المسلمين، بالصواعق. واظهارهم الايمان، حذرا عن اصابة هذه المصيبات بجعل(٢) الأصابع، في الأذان من الصواعق، حذر الموت. واحتيازهم لما يلمع لهم وشديد ركونه، بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم. وتحيرهم وتوقفهم من الأمر، حين يعنّ لهم مصيبة، بتوقفهم إذا أظلم عليهم.
وشبّه على الثاني، ما وقع المنافقون فيه، من الضلالة وما خبطوا فيه، من الحيرة والدهشة، بحال من أخذتهم السماء، في ليلة تكاثف ظلمتها، بتراكم السحب واتصال قطراتها وتواتر فيها الرعود الهائلة والبروق المخيفة والصواعق المهلكة.
وهم في أثناء ذلك يزاولون غمرات الموت.
ولا شك، انك إذا تصورت حالهم بهذه المثابة، حصل في نفسك هيئة عجيبة توصلك إلى معرفة حال المنافقين، على وجه، يتقاصر عنه، تشبيهك اسلام المنافقين والشبهات.
(وفي كتاب التوحيد(٣) : بإسناده إلى أبي هاشم الجعفري: عن أبي جعفر الثاني ـ عليه السلام ـ حديث طويل، وفيه يقول ـ عليه السلام ـ: قولك ان الله قدير، خبرت أنه لا يعجزه شيء. فنفيت بالكلمة العجز. وجعلت العجز سواه.
__________________
(١) أ، ر: ورعدهم.
(٢) أ: يجعل.
(٣) التوحيد / ١٩٣.
وبإسناده(١) إلى أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: لم يزل الله ـ عز وجل ـ ربنا. والعلم ذاته. ولا معلوم. والسمع ذاته. ولا مسموع.
والبصر ذاته. ولا مبصر. والقدرة ذاته. ولا مقدور. فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم، وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع والبصر على المبصر والقدرة على المقدور.
وبإسناده(٢) إلى محمد بن أبي إسحاق الخفاف، قال: حدثني عدة من أصحابنا: إنّ عبد الله الديصاني، أتى هشام بن الحكم. فقال له: ألك رب؟
فقال: بلى.
قال: قادر؟
قال: نعم، قادر قاهر.
قال: يقدر أن يدخل الدنيا ـ كلها ـ في البيضة، لا تكبر البيضة ولا تصغر(٣) الدنيا؟
فقال هشام: النظرة.
فقال له: قد أنظرتك حولا.
ثم خرج عنه. فركب هشام إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ فاستأذن عليه.
فأذن له. فقال له: يا بن رسول الله! أتاني عبد الله الديصاني، بمسألة. ليس المعوّل فيها، إلّا على الله، وعليك.
فقال له أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ عما(٤) سألك؟ فقال: قال لي: كيت وكيت.
__________________
(١) نفس المصدر / ١٣٩، ح ١ وله تتمة.
(٢) نفس المصدر: / ١٢٢.
(٣) المصدر: يصغر.
(٤) المصدر ـ عما ذا.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: يا هشام! كم حواسك؟
قال: خمس.
قال(١) : أيها أصغر؟
قال(٢) : الناظر.
قال(٣) : وكم قدر الناظر؟
قال: مثل العدسة، أو أقل منها.
فقال له(٤) : يا هشام! فانظر أمامك وفوقك. فأخبرني بما ترى؟
فقال: أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وترابا وجبالا وأنهارا.
فقال له أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة، أو أقل منها، قادر أن يدخل الدنيا، كلها البيضة، لا تصغر(٥) الدنيا، ولا تكبر(٦) البيضة.
فانكبّ هشام عليه. وقبّل يديه ورجليه. وقال: حسبي، يا بن رسول الله ـ والحديث طويل ـ، أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٧) ، إلى ابن(٨) أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ إبليس قال لعيسى بن مريم ـ عليهما السلام ـ: أيقدر ربك على أن يدخل الأرض، بيضة، لا تصغر(٩) الأرض ولا تكبر البيضة؟
__________________
(١ و ٢ و ٣) المصدر: فقال.
(٤) ليس في المصدر.
(٥ و ٩) المصدر: يصغر.
(٦) المصدر: يكبر.
(٧) نفس المصدر / ١٢٧، ح ٥.
(٨) المصدر: محمد بن.
فقال عيسى ـ عليه السلام ـ: ويلك! ان الله تعالى لا يوصف بعجز. ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة؟
وبإسناده(١) إلى عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: قيل لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر(٢) الدنيا أو تكبر(٣) البيضة؟
قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لا ينسب إلى العجز. والذي سألتني لا يكون.
وبإسناده(٤) إلى أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال: أيقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة ولا تصغر(٥) الأرض ولا تكبر البيضة؟
فقال له(٦) : ويلك! ان الله لا يوصف بالعجز. ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة؟
وبإسناده(٧) إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: جاء رجل إلى الرضا ـ عليه السلام ـ فقال له: هل يقدر ربك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟
قال: نعم. وفي أصغر من البيضة. وقد جعلها في عينك. وهو أقل من البيضة.
__________________
(١) نفس المصدر، ح ٩.
(٢ و ٥) المصدر: يصغر.
(٣) المصدر: يكبر.
(٤) نفس المصدر، ح ١٠.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) نفس المصدر، ح ١١.
لأنك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما، فلو شاء لأعماك عنها)(١) .
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) :
لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم [ومصارف أمورهم](٢) ، أقبل عليهم بالخطاب، على سبيل الالتفات، تنشيطا للسامع وتفخيما لشأن العبادة.
و «يا» حرف وضع لنداء البعيد. وقد ينادى بها القريب، تنزيلا له منزلة البعيد، اما لعظمته، أو لغفلته، أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه(٣) .
وانما قال «ربكم»، تنبيها على أن الموجب القريب للعبادة، هي التربية.
(وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٤) ، قال: حدثني عبيد بن كثير. قال: حدثنا أحمد بن صبيح، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ قال: قام رجل إلى علي. فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الناس وأشباه الناس والنسناس.
قال: فقال [علي ـ عليه السلام](٥) : يا حسن! أجبه(٦) .
قال(٧) : فقال له الحسن ـ عليه السلام ـ: سألت عن الناس، فرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الناس. لان الله يقول(٨) :( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) .
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) يوجد في المصدر. (أنوار التنزيل)
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣١.
(٤) تفسير الفرات / ٨.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: أجبه يا حسن!
(٧) ليس في المصدر.
(٨) البقرة / ١٩٩.
ونحن منه. سألت عن أشباه الناس، فهم شيعتنا. وهم منا. وهم أشباهنا(١) .
وسألت عن النسناس، وهم هذا السواد الأعظم. وهو قول الله تعالى(٢) :( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ. بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) .
وفي عيون الأخبار(٣) ـ فيما ذكره الفضل بن شاذان، من العلل، عن الرضا، ـ عليه السلام ـ انه قال: فان قال فلم يعبدونه(٤) ! قيل: لئلا يكونوا ناسين لذكره. ولا تاركين لأدبه. ولا لاهين عن أمره ونهيه، إذا كان فيه صلاحهم وقوامهم، فلو تركوا بغير تعبد، لطال عليهم الأمد. فقست قلوبهم.
وفي كتاب التوحيد(٥) ، خطبة للرضا ـ عليه السلام ـ يقول فيها: أول عبادة الله، معرفته، وأصل معرفة الله، توحيده. ونظام توحيد الله، نفي الصفات عنه، بشهادة(٦) العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق. وشهادة كل مخلوق، أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف. [وشهادة كل صفة وموصوف](٧) بالاقتران بالحدث(٨) .
وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث.
وفي اصول الكافي(٩) : علي بن إبراهيم عن العباس بن معروف، عن عبد الرحمن
__________________
(١) المصدر: أشباحنا.
(٢) الفرقان / ٤٤.
(٣) عيون الأخبار ٣ / ١٠٣.
(٤) المصدر: تعبدهم.
(٥) التوحيد / ٣٤.
(٦) المصدر: لشهادة.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) المصدر: بالحدث وشهادة الاقتران بالحدث.
(٩) الكافي ١ / ٨٧ ـ ٨٨، ح ٣.
ابن أبي نجران، قال: كتبت إلى أبي جعفر ـ عليه السلام ـ(١) . وقلت له: جعلني الله فداك، نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد.
قال: فقال: إنّ من عبد الاسم، دون المسمى بالأسماء، فقد(٢) أشرك. وكفر.
وجحد. ولم يعبد شيئا. بل اعبد الله الواحد الأحد الصمد المسمى بهذه الأسماء، دون الأسماء. ان الأسماء صفات، وصف بها نفسه تعالى.
عدة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: أفضل العبادة، إدمان التذكر في الله وفي قدرته.
محمد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، قال: سمعت أبا الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ يقول: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة، التفكر في أمر الله ـ عز وجل ـ.
وبإسناده(٥) إلى الفضل بن يسار، قال: قال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: إنّ أشد العبادة، الورع.
وبإسناده(٦) إلى علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ قال: من عمل بما افترض الله عليه، فهو من أعبد الناس.
علي بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل، عن هارون بن
__________________
(١) المصدر: أو.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) نفس المصدر: ٢ / ٥٥، ح ٣.
(٤) نفس المصدر، ح ٤.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٧٧، ح ٥.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٨٤، ح ٧.
(٧) نفس المصدر، ح ٥.
خارجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: العبادة(١) ثلاثة: قوم عبدوا الله ـ عز وجل ـ خوفا. فتلك عبادة العبيد. وقوم عبدوا الله ـ تبارك وتعالى ـ طلب الثواب. فتلك عبادة الأجراء. وقوم عبدوا الله ـ عز وجل ـ حبا له. فتلك عبادة الأحرار. وهي أفضل العبادة.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : بإسناده إلى إسماعيل بن مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: العبادة سبعون جزء، أفضلها جزء طلب الحلال.
وفي عيون الأخبار(٣) : بإسناده إلى الرضا ـ عليه السلام ـ أنه قال: النظر إلى ذريتنا، عبادة.
فقيل له: يا بن رسول الله! النظر إلى الائمة منكم عبادة. أو النظر إلى جميع ذرية النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ؟
قال: بل النظر إلى جميع ذرية النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ عباده، ما لم يفارقوا منهاجه. ولم يتلوثوا بالمعاصي.
وفي كتاب الخصال(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ما عبد الله بشيء أفضل من الصمت والمشي إلى بيته.
عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام(٥) ـ أنّه قال: لا عبادة إلّا بتفقه.
__________________
(١) المصدر: العباد.
(٢) معاني الاخبار / ٣٤٩.
(٣) عيون الأخبار ٢ / ٥١، ح ١٩٦.
(٤) الخصال ١ / ٣٥، ح ٨.
(٥) نفس المصدر / ١٨، ح ٦٢.
وفيما أوصى به النبي عليا ـ عليهما السلام ـ(١) : يا علي! من أتى(٢) بما افترض الله عليه، فهو من أعبد الناس)(٣) .
( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) : صفة، جرت عليه للتعظيم(٤) .
( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) : منصوب معطوف، على الضمير المنصوب، في «خلقكم»(٥) .
وقرئ من قبلكم، على اقحام الموصول الثاني، بين الأول وصلته، تأكيدا.
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) ) : حال من الضمير، في «اعبدوا». كأنه قال: اعبدوا ربكم، راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله(٦) . أو من مفعول «خلقكم». والمعطوف عليه، على معنى، أنه خلقكم ومن قبلكم، في صورة من يرجى منه التقوى، لترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي اليه.
وقيل: تعليل للخلق، أي: خلقكم، لكي تتقوا(٧) .
قال بعض الفضلاء: المنادى «بيا»، أيها الناس، هو الناس الناسي وطن الوحدة الأنس، بأحكام الكثرة، الواصل إلى غاية الحركة النزولية. وذلك أبعد مسافة يكون في الوجود. ولذلك استعمل فيه، ما وضع لنداء البعيد. وحيث
__________________
(١) نفس المصدر / ١٢٥، ح ١٢٢.
(٢) المصدر: أتى الله.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣٢.
(٥) ر. نفس المصدر.
(٦) ر. نفس المصدر.
(٧) ر. نفس المصدر.
كان المنادى، الحصة الوجودية المتعينة، من الحقيقة المطلقة الغالبة(١) عليها، في مبدأ حالها الإطلاق والإبهام. ثم يتخصص(٢) ويتخصص بالمرور على المراتب والاتصاف بأحكامها، حتى يصل إلى المرتبة الانسانية الوجودية الشهادية العنصرية، عبر عنه ـ أولا ـ بكلمة أي، الدالة على الإبهام. ووصف ـ ثانيا ـ بالناس.
الدال على كمال تخصصها. ولما كان وصولها إلى هذه المرتبة، بتوسط مراتب كثيرة منبعثة من باطن الغيب إلى أقصى مراتب الشهادة، أشير اليها، بحرفي التنبيه المنبعث، أولهما من باطن القلب، أعني: الهاء. وثانيهما من ساذج(٣) مار(٤) على المراتب كلها، أعني: الألف. ومعنى قوله:( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ، تحققوا بعبوديته(٥) المحضة التي لا يشوبها عبودية السوي، بأن تتوهموا أن فيكم ربوبيته(٦) بالنسبة إلى غيره سبحانه.( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) ، أي ظهر ظهوركم. فهو الظاهر فيكم. وأنتم المظاهر له. فما ظهر فيكم من خصائص الربوبية، فهو من الرب، الظاهر فيكم، لا أنتم. «وخلق الذين من قبلكم»، أي ظهر بصورة من تقدمكم بوصول آثار الربوبية منهم، إليكم. فهو الظاهر فيهم. وهم المظاهر له. فما وصل منهم إليكم من آثار الربوبية، فهو من الرب الظاهر. لا منهم. ما انقطعت نسبة عبوديتكم عنهم. وحيث وصلتم إلى شهود هذا المعنى، فأنتم عبيد، متصفون بمحض العبودية. لم يبق فيكم عبودية ولا ربوبية، بالنسبة إلى غيره سبحانه.
__________________
(١) أ: الغالية.
(٢) أ: بتخصص.
(٣) أ: سارج.
(٤) أ: ماو.
(٥) أ: بعبودية.
(٦) ر: ربوبية.
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، أي، عما يخرجكم عن العبودية المحضة. ولما كان كلامه سبحانه، بصورة الصوت والحرف، المثاليين او الحسيّين، لا يصدر إلّا بواسطة مظاهره المثالية أو الحسية. فلا يبعد أن يتحقق معنى الترجي، بالنسبة إلى بعض هذه المظاهر. ويكون إيراد كلمة «لعل»، بالنظر اليه. فان نسبة مظاهر التكلم، إلى المتكلم، أقوى مما سواه اليه. كما لا يخفى على ذوي البصائر. والله سبحانه، يتولى السرائر.
( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ) : منصوب المحل، على الوصفية.
كالذي خلقكم. أو على المدح، بتقدير «أعني»، أو «أخص» أو «أمدح».
وفي كلام بعض النحاة، ما يشعر بأن القطع بالنصب، إنّما يجوز فيما إذا كان الموصوف، مرفوعا، أو مجرورا. وهو الأظهر. لأن الاشعار بالمدح، إنّما يكون حيث يكون في التابع، مخالفة للمتبوع وفي الصورة المفروضة. وان كان مخالفة حكمية. لكنّه لا يظهر بالنسبة إلى المخاطب، حتى يشعر بقصد المدح أو على (أنه مفعول «تتقون»، أو مرفوع على الخبرية. وفيه ما في النصب، من المدح، أو على)(١) الابتداء، بأن يكون خبره( فَلا تَجْعَلُوا ) ».
وجعل من الأفعال التامة، يجيء على ثلاثة أوجه، بمعنى، طفق، من أفعال القلوب. فلا يتعدى. وبمعنى، أوجد، فيتعدى إلى مفعول واحد. كقوله تعالى:( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) (٢) . وبمعنى صير فيتعدى إلى مفعولين. كما في الاية.
و «التصيير»، يكون بالفعل، تارة وبالقول والعقد أخرى. «فالأرض»، مفعوله الأول. و «فراشا»، مفعوله الثاني.
ويحتمل أن يكون، من قبيل الاستعمال الثاني. أي، خلق الأرض، حال كونه
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) الانعام / ١.
مقدرا ـ بكسر الدال ـ إياها فراشا، إذا كان «فراشا»، حالا من الفاعل. أو حال كون «الأرض»، مقدرة ـ بفتح الدال ـ «فراشا»، إذا كان حالا(١) من المفعول.
و «لكم»، متعلق «بالجعل».
واللام، للانتفاع. أي، لانتفاعكم.
وقد جاء ناقصة، بمعنى، صار، في قول الشاعر(٢) :
فقد جعلت قلوص بني سهيل |
من الأكوار مرتعها، قريب(٣) |
وقرئ «وجعلكم»، بالإدغام، لاجتماع حرفين، من جنس واحد، وكثرة الحركات.
و «الأرض»، هي المفروشة. وقوائم الدابة. وعليه قول الشاعر :
وأحمر كالديباج اما سمائه |
فريا وأما أرضه، فتحول(٤) |
والرعدة. وعليه في كلام ابن عباس: أنزلت(٥) الأرض، أم بي أرض(٦) .
و «الفراش»، ما يفترش ويستقر عليه.
وقرأ يزيد الشامي: بساطا. وطلحة: مهادا.
قال الجوهري في الصحاح(٧) : المهد، مهد الصبي. والمهاد، الفراش.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أ، ر: الشاعرة.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ٣٣.
(٤) المصدر: فمحمول.
(٥) المصدر: أزلزلت.
(٦) مجمع البيان ١ / ٦٠.
(٧) صحاح اللغة ٢ / ٥٤١.
ومعنى جعلها فراشا، أو بساطا، أو مهادا، أنه جعل بعض جوانبها، على خلاف طبعها، بارزا من الماء، متوسطا بين الصلابة واللطافة. حتى صارت(١) مهيأة لأن يقعدوا، أو يناموا عليها، كالفراش المبسوط.
ولا يدل الافتراش، على التسطيح. لأن الكرة، إذا عظم جرمها، غير مانعة من الافتراش (عليها.
وفي نهج البلاغة(٢) : فسبحان من أمسكها، بعد موجان مياهها. وأجمدها، بعد رطوبة أكنافها. فجعلها لخلقه مهادا. وبسطها لهم، فراشا. فوق بحر لجي راكد لا يجري. وقائم، لا يسري. تكر كره الرياح العواصف. وتمخضه الغمام الزوارق.
ان في ذلك لعبرة لمن يخشى)(٣) .
( وَالسَّماءَ بِناءً ) : معطوفان على ما قبلهما، بعاطف واحد. وإنْ أبيت، فقدر فعلا معطوفا على الفعل الذي قبله.
و «السماء»، إسم جنس. أو جمع «سماءة».
و «البناء»، مصدر، بمعنى المفعول، أي: جعل السماء، قبة، أو قبابا مبنية، أي: مضروبة عليكم. فان المبني وان كان
أعم من القبة ولا دلالة للعام على الخاص(٤) لكنّه أشبه بالسماء، لاستدارتها. ومنه بنى على امرأته. لأنهم كانوا إذ تزوجوا، ضربوا عليها خباء جديدا.
( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) : عطف على «جعل».
أي، أنزل من جهة العلو.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) نهج البلاغة، ط / ٢١١.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) ر: لما الخاص. ولفظ «الخاص» ليس في أ.
أو، من أسباب سماوية، تثير الأجزاء الرطبة، إلى جو الهواء. فتنعقد سحابا ماطرا.
أو، من السحاب. فان ما علاك، سماء.
ولفظة «من»، لابتداء الغاية. فان ابتداء نزول المطر، إنّما هو من السماء بكل واحد من هذه المعاني.
ووضع هنا «أنزل»، مكان «نزل»، للمناسبة مع ما عطف عليه.
( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) :
«الباء» فيه للسببية. أي، جعل الماء سببا في خروج الثمرات. ومادة لها.
وهو قادر على إيجاد الأشياء ـ كلها ـ بلا أسباب ومواد. كما أبدع نفس الأسباب والمواد. إلّا أنّ له تعالى في إنشاء الأشياء، بأسبابها، من موادها، تدريجا، حكما ليست في إنشائها، مبادهة وبغتة.
و «من»، فيه، تبعيضية، بشهادة قوله تعالى:( فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ ) (١) . فان تنكير «ثمرات»، تدل على البعضية، لتبادرها منه. سيما في جموع القلة. وبشهادة أن ما قبله وما بعده، أعني: «ماء» و «رزقا»، محمولان على البعض. فليكن هو موافقا لهما، بشاهدة الواقع. فان الله سبحانه، لم ينزل من السماء، كل الماء.
بل بعضه. إذ رب ماء، هو بعد، في السماء. ولم يخرج بالماء المنزل منها، كل الثمرات. بل بعضها. فكم من ثمرة، هي غير مخرجة. ولم يجعل المخرج كل الرزق. بل بعضه. والثمرات المخرجة بماء السماء، كثيرة.
فالتعبير عنها، بجمع القلة، اما بناء على أن «الثمرات» هنا، جمع الثمرة التي يراد بها الكثرة، كالثمار، لا الوحدة. كما في قولك: أدركت ثمرة بستانه.
__________________
(١) فاطر / ٢٧.
ويؤيده قراءة من قرأ «الثمرة»، على التوحيد. فيكون أبلغ ولا أقل من المساواة.
أو على أنها جمع قلة، وقعت موقع جمع الكثرة، كجنات، في قوله(١) :( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ ) . على أن المشهور، أن الفرق بين الجمعين في القلة والكثرة إنّما هو إذا كانا منكرين، وإذا عرف بلام الجنس، في مقام المبالغة، فكل منهما للاستغراق، بلا فرق.
و «الرزق»، ان كان بمعناه المصدري، فنصبه اما على أنه مفعول له. والمعنى أخرج شيئا من الثمرات، لأن يرزقكم. أو على المصدرية. فان في إخراج الثمرات معنى الرزق.
وعلى التقديرين، يكون قوله: «لكم»، ظرفا لغوا مفعولا به لرزق. أو «اللام» اما زائدة أو للتقوية. وان كان بمعنى المرزوق، فانتصابه، على أنه حال من مفعول «أخرج»، أي، من الثمرات. أو على أنه مفعول به لأخرج. و «من الثمرات» بيان له. فقد عليه. فصار حالا منه. ولكن يكون «من»، بيانية، لا تبعيضية. وعلى هذين التقديرين، يكون «لكم»، ظرفا مستقرا صفة «لرزق». ويحتمل على التقادير، أن يكون متعلقا «بأخرج».
وفي شرح الآيات الباهرة: «وفي تفسير الامام الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ(٢) )(٣) قال الامام ـ عليه السلام ـ: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قوله ـ عز وجل ـ:( جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ) ، تفرشونها لمنامكم ومقيلكم.
__________________
(١) الدخان / ٢٥.
(٢) تفسير العسكري / ٧٣.
(٣) ما بين القوسين يوجد في أ.
و( السَّماءَ بِناءً ) ، سقفا محفوظا، ارتفع عن(١) الأرض(٢) . تجري شمسها وقمرها وكواكبها، مسخرة لمنافع عباده وامائه.
ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لأصحابه: لا تعجبوا لحفظه السماء أن تقع على الأرض. فان الله ـ عز وجل ـ يحفظ ما هو أعظم من ذلك.
قالوا: وما هو؟
قال: من ذلك، ثواب طاعة(٣) المحبين لمحمد وآله.
ثم قال:( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) ، يعني، المطر. ينزل(٤) مع كل قطرة، ملك، يضعها(٥) في موضعها الذي(٦) يأمره(٧) به ربه ـ عز وجل ـ فعجبوا من ذلك.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أو تستكثرون عدد هؤلاء؟ ان(٨) الملائكة المستغفرين لمحبي علي بن أبي طالب، أكثر من عدد هؤلاء. وان(٩) الملائكة اللاعنين لمبغضيه، أكثر من عدد هؤلاء. ثم قال ـ عز وجل ـ:( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) . ألا ترون كثرة هذه الأوراق والحبوب والحشائش؟
قالوا: بلى. يا رسول الله! ما أكثر عددها!
__________________
(١) المصدر: إنّ تقع على.
(٢) المصدر: الأرض بقدرته.
(٣) المصدر: طاعات.
(٤) ليس في أ.
(٥) أ: يصنعها.
(٦) المصدر: التي.
(٧) أ: يأمر.
(٨ و ٩) المصدر: إنّ عدد.
فقال(١) رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أكثر عددا(٢) منها، ملائكة يبتذلون(٣) في حمل أطباق النور عليها التحف من عند ربهم. وفوقها مناديل النور.
ويخدمونهم في حمل ما يحمل على آل محمد منها، إلى شيعتهم ومحبيهم. وان طبقا من تلك الأطباق(٤) يشتمل(٥) من الخيرات على(٦) ما لا يفي بأقل جزء منه، جميع أموال الدنيا.
(وفي كتاب علل الشرايع(٧) : بإسناده إلى مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد عن أبيه ـ عليهما السلام ـ قال: كان علي ـ عليه السلام ـ يقوم في المطر ـ أول مطر يمطر ـ حتى يبتل رأسه ولحيته وثيابه. فقيل له: يا أمير المؤمنين! الكنّ! الكنّ! قال: هذا ماء قريب العهد بالعرش. ثم أنشأ يحدث.
فقال: إنّ تحت العرش، بحرا، فيه ما ينبت به أرزاق الحيوانات(٨) . وإذا أراد الله ـ عز وجل ـ أن ينبت ما يشاء لهم، رحمة منه، أوحى الله ـ عز وجل ـ فمطر منه، ما شاء من سماء، إلى سماء. حتى يصير إلى سماء الدنيا. فيلقيه إلى السحاب. والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحي الله ـ عز وجل ـ إلى السحاب
__________________
(١) المصدر: قال.
(٢) أ: عدد.
(٣) المصدر: يتبذلون لال محمد في خدمتهم أتدرون فيما يتبذلون لهم.
(٤) المصدر: الطبقات.
(٥) أ: يشمل.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) علل الشرايع / ٤٦٣، ح ٨.
(٨) المصدر: الحيوان.
أطحنيه وأذيبيه ذوبان الملح في الماء. ثم انطلقي به إلى موضع كذا. عياب أو غير عياب(١) . فتقطر عليهم، على النحو الذي يأمرها الله(٢) . فليس من قطرة تقطر إلّا ومعها ملك يضعها موضعها. ولم ينزل من السماء قطرة من مطر، إلّا بقدر معدود ووزن معلوم. إلّا ما كان يوم الطوفان، على عهد نوح. فانه نزل منها، منهمر بلا عدد ولا وزن)(٣) .
( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) : متفرع على الأمر، بالعبادة.
والمعنى: إذا استحق ربكم الذي خلقكم، العبادة. وكنتم مأمورين بها، فلا تشركوا به أحدا، لتكون عبادتكم مبنية على ما هو أصل العبادة وأساسها، أعني(٤) : توحيده. وأن لا تجعلوا له، ندا.
أو، معطوف على الأمر قبله. وفيه أن الأولى حينئذ، العطف بالواو. كقوله:( اعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) (٥) .
أو، منصوب بإضمار «ان» في جواب الامر. كما في: زرني، فأكرمك.
وفيه «ان» الشرط. في ذلك، كون الأول سببا للثاني. والعبادة، لا يكون سببا للتوحيد، الذي هو معناها.
أو، منصوب بتقدير «ان» في جواب «لعل». نصب، فأطلع في قوله تعالى:( لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ ) (٦) . بناء، على تشبيه «لعل» ،
__________________
(١) المصدر: عباب أو غير عباب.
(٢) المصدر: به.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) أ: يعنى.
(٥) النساء / ٣٦.
(٦) غافر / ٣٦ ـ ٣٧.
«بليت»(١) ، والحاقا لها، بالأشياء الستة التي يحذف أن عن(٢) الفعل المضارع، بعد الفاء الواقعة بعدها.
أو، متعلق بالذي، جعل إذا كان مرفوعا، على أنه خبر مبتدأ محذوف فيكون نهيا مترتبا على ما يتضمنه هذه الجملة، أي، هو الذي حفكم بدلائل التوحيد. فلا تشركوا به شيئا.
أو، على أنه، مبتدأ. و «لا تجعلوا»، نهي. وقع خبرا عنه، على تأويل مقول فيه لا تجعلوا.
و «الفاء»، للسببية. أدخلت عليه، لتضمن المبتدأ، معنى الشرط.
والمعنى: إنّ من حفّكم بهذه النعم الجسام، ينبغي أن لا يشرك(٣) به.
و «الجعل» هنا، بمعنى التصيير(٤) . فيتعدى إلى مفعولين: أولهما، أندادا.
وثانيهما، الجار والمجرور قبله.
أو، بمعنى الخلق والإيجاد.
والمعنى: لا توجدوا له في اعتقادكم وقولكم، أندادا.
والفائدة في تقديم المفعول الثاني أو الجار والمجرور، افادة الحصر، والاشارة إلى أن المنهي عنه، جعل الند لله تعالى. وأما بالنسبة إلى سائر(٥) الفاعلين، فجعل الند والشريك، واجب. لئلا يلزم التفويض.
كما قال ـ عليه السلام(٦) ـ: لا جبر
__________________
(١) أ: يلتب.
(٢) ر: من.
(٣) أ: تشرك.
(٤) أ: التبصير.
(٥) ليس في أ.
(٦) في عيون الأخبار ج ١ ص ١٢٤ ضمن ح ١٧.
ولا تفويض، بل أمر بين أمرين(١) .
وقرئ: فلا تجعلوا لله ندا.
و «الند»، المثل المناوئ، أي، المخالف. من ند ندودا. إذا نفر.
وفي تسميته ما يعبدونه، «ندا» لما عظموه وسموه إلها. وان لم يزعموا أنه يماثله، أو يخالفه، تهكّم بهم.
وفي إيراد صيغة الجمع، حيث دلت على أنهم جعلوا أندادا، لمن يمتنع أن يكون له ند واحد، زيادة تهكّم.
( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ) : حال من فاعل فلا تجعلوا.
والمقصود منه، التوبيخ، لا تقييد الحكم به. فان العالم والجاهل المتمكن من العلم، سواء في التكاليف.
ومفعول «تعلمون»، متروك لتنزيله منزلة اللازم مبالغة، أي، وحالكم وصفتكم أنكم من أهل العلم والتمييز، بين الصحيح والفاسد. ثم ان ما أنتم عليه، من أمر دينكم، من جعل الأصنام لله أندادا، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.
أو، مقدر بوجود القرينة المقالية، أو الحالية، أي، وأنتم تعلمون أنه تعالى لا مثل له ولا ضد.
أو، وأنتم تعلمون ما بينه تعالى وما بينها(٢) ، من التفاوت.
أو، وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله ـ إلى غير ذلك ـ مما يناسب المقام.
وفي كتاب التوحيد(٣) ، في باب ان الله تعالى، لا يفعل بعباده إلّا الأصلح ،
__________________
(١) أ: الامرين.
(٢) أ: بينهما.
(٣) التوحيد / ٤٠٤.
روى بإسناده، عن أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي بن الحسين ـ عليهم السلام ـ في قول الله ـ عز وجل ـ:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ) ، قال: جعلها ملائمة لطبائعكم، موافقة لأجسادكم. لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة، فتحرقكم.
ولا شديدة البرودة(١) ، فتجمدكم. ولا شديدة(٢) طيب الريح، فتصدع هاماتكم.
ولا شديدة النتن، فتعطبكم(٣) . ولا شديدة اللين، كالماء، فتغرقكم. ولا شديدة الصلابة، فيمتنع(٤) عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم. (ولكنه ـ عز وجل ـ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به. وتتماسكون. وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم.
وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم)(٥) وكثير من منافعكم. فلذلك جعل الأرض فراشا لكم.
ثم قال ـ عز وجل ـ:( وَالسَّماءَ بِناءً ) [أي](٦) ، سقفا من فوقكم، محفوظا.
يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها، لمنافعكم.
ثم قال ـ عز وجل ـ:( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) ، يعني: المطر. ينزله(٧) من علو(٨) ، ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم. ثم فرقه رذاذا وابلا وهطلا وطلّا لتنشفه أرضوكم. ولم يجعل ذلك المطر، نازلا عليكم، قطعة واحدة
__________________
(١) المصدر: البرد.
(٢) ر: شديد.
(٣) أ: تعطبكم.
(٤) المصدر: فتمتنع.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) المصدر: نزله.
(٨) العلى.
فيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم.
ثم قال ـ عز وجل ـ:( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً ) ، (يعني: مما يخرجه من الأرض رزقا.)(١) لكم.
( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) ، أي: أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء.( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم، ربكم ـ تبارك وتعالى ـ انتهى.
وذكر هذا الحديث، بعينه في عيون أخبار الرضا، في باب ما جاء عن الرضا ـ عليه السلام ـ من الأخبار في التوحيد(٢) .
وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث في تفسيره(٣)
. ثم قال: ففي التفسير المنسوب إلى مولانا العسكري ـ عليه السلام ـ(٤) قال: قال: علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ) (٥) ، يعني، سائر المكلفين، من ولد آدم ـ عليه السلام ـ.( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ، أطيعوا ربكم، من حيث أمركم، أنْ تعتقدوا أن لا إله إلّا هو. وحده لا شريك له. ولا شبيه له. ولا مثل له(٦) . عدل لا يجور(٧) . جواد لا يبخل. حليم لا يعجل. وأن محمدا عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وآله الطيبين ـ. وأن آل محمد، أفضل آل النبيين. وأن عليا أفضل
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أوالمصدر.
(٢) عيون أخبار الرضا ١ / ١٣٧.
(٣) تفسير البرهان ١ / ٦٧.
(٤) تفسير العسكري / ٦٧.
(٥) ليس في المصدر، والظاهر هو الصواب.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) أ: يجوز.
آل محمد. وأن أصحاب محمد، المؤمنين منهم، أفضل صحابة المرسلين. وأن أمة محمد، أفضل أمم المرسلين. انتهى.
ثم قال: ويفهم من هذا الكلام، أن الأمم الماضية، كانوا مأمورين بتلك الاعتقادات. وهذا هو الحق. كما هو مذكور، في كثير من الروايات.
أقول: كان(١) العلامة ـ رحمه الله ـ فهم ذلك، من تفسيره ـ عليه السلام ـ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) ، بسائر المكلفين، يعني: جميع المكلفين. وهو غلط فاحش.
فان السائر، بمعنى، الباقي، مبتذل في اللغة. متعارف في العرف. قال بعض أهل اللغة: «السائر»، مشتق من السؤر. وهو بقية ما يشرب. ولا يستعمل بمعنى الجميع. لا في اللغة. ولا في العرف. وقد وقع ذلك في كلام بعض المفسرين.
قال بعض الفضلاء: وتأويل الاية، في بعض بطونها، أن يقال: هو، أي، ربكم الذي أمرتم أن تعبدوه. وتتحققوا بعبوديته المحضة. هو الذي جعل لكم أرض العبودية، فراشا. تقلبون فيها أنواع العبادات. وسماء الأسماء الربوبية فيه، مضروبة عليكم، محيطة بكم، بحيث لا يمكنكم الخروج، عن احاطتها وشمول آثارها وأنزل من هذه السماء، ماء العلوم والمعارف، على تلك الأرض. فأخرج ثمرات الأحوال والأذواق والمواجيد، رزقا لكم. تغتذون وتتقون به بقلوبكم وأرواحكم.
فلا تجعلوا لله، أندادا، تعبدونها. كما تعبدونه. والحال، انكم تعلمون أنه لا معبود سواه. ولا ينبغي أن يجعل أحد قبلة عبادته، إلّا إياه.
( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) :
لما كانت العبادة المأمور بها، موقوفة على أمرين: أحدهما، اثبات الوحدانية وإبطال الاشراك. وقد أشير إليه بالأوصاف المجراة على ربهم الذي أمروا بعبادته.
__________________
(١) أ: لو كان.
والثاني، اثبات النبوة التي يقع بها الترغيب والترهيب وتعريف طرق العبادة وتعيينها، فلذلك أشار إليه بازاحة الشبهة، عن كون القرآن، معجزا دالا على نبوة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وهو معطوف على قوله:( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) . والظرف مستقر في موضع خبر كان.
والمعنى: وان كنتم في ريب، يحيط بكم احاطة الظرف بالمظروف.
( مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ) : أي: من شيء. أو من الذي نزلناه.
ويحتمل مرجوحا أن يكون المعنى، من تنزيلنا.
وانما أتى بكلمة «ان» الدالة على عدم الجزم بالوقوع، و «الريب» متحقق من هؤلاء الكفار، تنبيها على أنه لا ينبغي حصول هذا الريب، من العقلاء.
فكيف يجزم به؟ بل لو جوزه مجوز، فإنما يكون بمحض الاحتمال العقلي.
ولهذا السبب، بعينه قال: «في ريب». وان كان أكثرهم، ينكرون.
وانما أتى «بالتنزيل» المنبئ عن التدريج. لأن النزول التدريجي، كان أحد أسباب طعنهم وارتيابهم، في القرآن. فإنهم كانوا يطعنون في القرآن. ويرتابون فيه، من حيث أنه كان مدرجا على قانون الخطابة والشعر. فان الناثر، لا يرمي بمجموع خطبه، أو رسائله(١) ، دفعة. والناظم لا يلقي ديوان شعره، ضربة. بل(٢) مفرقا، حينا فحينا. وشيئا فشيئا. فكانوا يقولون: لو لا أنزل عليه القرآن، خلاف هذه العادة، جملة واحدة. فقيل لهم: إنّ ارتبتم في هذا الذي أنزل تدريجا، فهاتوا أنتم بنجم من نجومه، وسورة من سوره. فانه أيسر عليكم، من أن تنزل الجملة، دفعة واحدة (ويتحدى بمجموعه)(٣) .
__________________
(١) أ: وسائله.
(٢ و ٣) ليس في أ.
قيل: التدريج، هو الذي يعبر عنه بالتكثير، أي: يفعل مرة بعد مرة. والتضعيف الدال على ذلك، من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية، قبل التضعيف، غالبا نحو، فتحت الباب. ولا يقال: جلس زيد، لارادة التدريج والتكثير. لأنه لم يكن متعديا، قبل التضعيف. وإنّما(١) جعله تضعيفه، متعديا. وقولنا: «غالبا»، لأنه قد جاء التضعيف، دالا على الكثرة، في اللازم، نحو، موّت المال. ويعلم من ذلك أن التضعيف الدال على الكثرة، لا يجعل اللازم متعديا. فظهر من ذلك، أن تضعيف، نزل للتعدية، دون التدريج. وأيضا. يحتاج قوله تعالى(٢) :( لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) . وقوله(٣) :( لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ) . وقوله(٤) :( لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ) إلى تأويل.
وفي «نزلنا»، التفات من الغيبة، إلى التكلم. لأن قبله( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) .
فلو جاء الكلام عليه، لقيل: «مما نزل(٥) على عبده». لكنّه التفت للتفخيم.
وعبر عنه بالعبد. لأن أعلى المقامات، مقام العبدية. (وأضافه إلى نفسه، تشريفا له. ولم يصرح باسمه ـ عليه السلام ـ كما في قوله(٦) :( وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ) .
للدلالة على كماله في العبدية.)(٧) فان المطلق، لا ينصرف، إلّا إلى الكامل.
وقرئ «على عبادنا». والمراد به نبينا ـ صلى الله عليه وآله ـ وأمته. فانه
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الفرقان / ٣٢.
(٣) الانعام / ٣٧.
(٤) الاسراء / ٩٥.
(٥) أ: نزلنا.
(٦) ص / ٤١.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
كما نزل عليه بواسطة جبرئيل، نزل على بعض أمته، بواسطته، وينزل على بعضهم بواسطة البعض، إلى يوم القيامة. أو جميع الأنبياء ـ عليهم السلام ـ.
(وفي مصباح الشريعة(١) ، قال الصادق ـ عليه السلام ـ: وحروف العبد، ثلاثة: العين والباء والدال. فالعين علمه بالله تعالى، والباء، بونه عما(٢) سواه. والدال، دنوه من الله، بلاكم وكيف(٣) .)(٤) .
( فَأْتُوا بِسُورَةٍ ) : جزاء للشرط.
والأمر تعجيزي، ليظهر عجزهم ويزول ريبهم.
و «السورة»، طائفة من القرآن، مترجمة. لا يكون أقل من ثلاث آيات.
فخرج بقولنا: «مترجمة»، الآيات المتعددة، من سورة واحدة، أو متفرقة، وما هو أكثر من سورة(٥) واحدة، كمجموع سورتين.
وبقولنا: «لا يكون أقل من ثلاث آيات»، يخرج آية الكرسي وآية المداينة، من غير حاجة إلى أن يتكلف.
ويقال: هذا مجرد اضافة. لم يصل إلى حد التسمية.
وواوها، ان كانت أصلية، فهي اما منقولة من «سورة المدينة». وهي حائطها على وجهين :
أحدهما، أن يجعل السورة بمعنى المسوّرة. كما يراد بالحائط المحوّطة.
وهو البستان. ثم ينقل إلى طائفة محدودة من القرآن. وهو نقل مرتب على تجوّز.
__________________
(١) مصباح الشريعة / ٥٤١.
(٢) المصدر: عمن.
(٣) المصدر: بلا كيف ولا حجاب.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) أ: منها.
وثانيهما، أن ينقل من «سورة المدينة» اليها، بغير واسطة. لأنها تحيط بطائفة من القرآن، مفرزة محوزة، على انفرادها. أو محتوية على أنواع من العلم، احاطة سورة المدينة، بما فيها واحتوائها عليه.
وجمع سورة القرآن، السور ـ بفتح الواو ـ وجمع سورة المدينة، على سور ـ بسكونها ـ.
أو من السورة، بمعنى المرتبة. قال النابغة :
الم تر أن الله أعطاك سورة |
ترى كل ملك دونها، يتذبذب(١) |
ثم ان المرتبة، ان جعلت حسية، فلأن السور، كالمراتب، والمنازل.
ينقلب(٢) فيها القارئ. ويقف عند بعضها. أو لأنها في أنفسها منازل مفصلة. بعضها من بعض. متفاوتة في الطول والقصر والتوسط.
وان جعلت معنوية، فلتفاوتها في الفضل والشرف والبلاغة.
وان كانت واوها، مبدلة عن الهمزة، فمن السورة التي هي البقية والقطعة من الشيء. وضعف هذا الوجه، اما من حيث اللفظ، إذ لم يستعمل مهموزة.
في السعة(٣) ولا في الشاذة المنقولة، في كتاب مشهور. وان أشعر به كلام الأزهري، حيث قال: وأكثر القراء، على ترك الهمزة، في لفظ السورة.
وأما من حيث المعنى، فلأنها إسم ينبئ عن قلة وحقارة. وأيضا، استعماله فيما فضل، بعد ذهاب الأكثر. ولا ذهاب هنا، إلّا تقديرا، باعتبار النظر اليها، نفسها. فكأنها قد ذهب ما عداها.
__________________
(١) أ: يذبذب.
(٢) المتن وأ: تنقلب.
(٣) ر: السبعة.
( مِنْ مِثْلِهِ ) : اما ظرف مستقر، صفة لسورة. أو ظرف لغو، «لفأتوا».
والضمير على كل من التقديرين، اما عائد إلى «ما نزلنا»، أو إلى «عبدنا».
فهذه أربع صور :
أولها: إنّ يكون الظرف صفة «لسورة». والضمير، عائد إلى «ما نزلنا».
وكلمة «من»، بيانية. لأن السورة المفروضة التي بها الأمر التعجيزي، مثل المنزل في حسن النظم، والغرابة في البيان. والعجز، إنّما هو، عن الإتيان بالمثل الذي هو المأمور به. وان جعلت تبعيضية، أو همت أن للمنزل، مثلا، عجزوا عن الإتيان(١) (ببعضه. كأنه قيل: فأتوا ببعض ما هو مثل للمنزل.)(٢) فالمماثلة المصرح بها، ليست من تتمة المعجوز عنه، حتى(٣) يفهم أنها منشأ العجز.
وكذا الحال، ان جعلت، ابتدائية. فإنها توهم أن للمنزل، مثلا، عجزوا عن الإتيان، بسورة مبتدئة منه. فالمماثلة ليست من تتمة المعجوز عنه، مع أن في مبدئية الكل للجزء، خفاء. وذهب الأخفش، إلى أنها زائدة.
وثانيتها: إنّ يكون الظرف، صفة لسورة. والضمير، عائدا إلى «عبدنا».
وحينئذ، يتعين أن يكون «من» ابتدائية. فان السورة، مبتدئة ناشئة من مثل العبد.
ولا وجه لسائر المعاني. ولا يذهب عليك أن الإتيان بسورة من مثل هذا العبد، ليس بمعجوز عنه، ما لم يعتبر مثلية سورة، للسور القرآنية، في حسن النظم وغرابة البيان.
وثالثتها(٤) : إنّ يكون الظرف، متعلقا «بفأتوا». والضمير عائدا إلى «ما نزلنا».
__________________
(١) أ: الإتيان بسورة مبتدة منه.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) أ: مع أن في مبدئية الكل للجزء خفاء حتى.
(٤) أ: ثالثها.
وهجر هذا الوجه. فان «فأتوا»، أمر. قصد به تعجيزهم، باعتبار المأتي به.
فلو تعلق به «من مثله» وكان الضمير للمنزل، تبادر منه أن له مثلا محققا جامعا، لأمثال السور القرآنية. وان عجزهم، إنّما هو عن الإتيان بسورة منه. بخلاف ما إذا كان صفة «للسورة». فان المعجوز عنه، حينئذ، هو الإتيان بسورة مماثلة للقرآن، في حسن النظم وغرابة البيان. وهذا لا يقتضي وجود مثل ذلك.
وحاصله، أن قولنا: أئت من مثل الحماسة، ببيت، يقتضي وجود المثل لها، بأن يكون هناك محقق جامع لكثير أشعار بلغاء العرب. ويؤتى ببيت منه، بخلاف ائت ببيت، من مثل الحماسة، إذا كانت «من» بيانية. ويكون حاصل المعنى، ببيت يماثل الحماسة، في الفصاحة والبلاغة. فان ذلك لا يقتضي، تحقق كتاب جامع، مثلها. نعم، إذا كانت «من» ابتدائية، أو تبعيضية، يقتضي ذلك من غير فرق.
ورابعتها: أنْ يكون الضمير، عائدا إلى «عبدنا». وحينئذ، يكون «من» ابتدائية. وهذا لا يقتضي إلّا أن يكون «للعبد»، مثل في كونه بشرا، عربيا، أميّاً لم يقرأ الكتب، ولم يأخذ من العلماء. ولا محذور في ذلك. لكن ينبغي أن يعتبر مثلية سورة، للسور القرآنية. كما في الصورة الثانية.
ورد الضمير، إلى المنزل، أوجه من ستة أوجه :
الأول: الموافقة لقوله تعالى:( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) (١) . ونظائره. لأن المماثلة فيها، صفة للمأتي به. فكذا هاهنا، إذا جعل الظرف، صفة للسورة.
والضمير عائدا إلى المنزل. و «من»، بيانية. أو زائدة.
والثاني: إنّ الكلام، واقع في المنزل. لأن ارتيابهم المفروض، إنّما وقع
__________________
(١) البقرة / ٢٣.
فيه. ولورود الضمير، إلى العبد، كان حق الترتيب، أن يقال: إنّ كان لكم ريب في عبدنا المنزل عليه القرآن، فأتوا بسورة من مثله.
والثالث: إنّ الضمير، إذا رد إلى المنزل، يكون طلب المعارضة، من الجميع.
وإذا كان للمنزل عليه، يكون طلب المعارضة، من واحد منهم. إذ لا معنى لخطاب الجماعة، بأن ائتوا بسورة من واحد منكم. بل الطلب بالحقيقة، من واحد منهم.
كأنه قيل(١) : فليأت واحد منكم، بسورة. ولا شك أن طلب المعارضة، من الجميع، أبلغ من طلب المعارضة، من واحد، لجواز عجز واحد وإتيان الجميع بها.
والرابع: أنّه معجز في نفسه. لا بالنسبة إلى مثله. لقوله تعالى:( لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) (٢) .
والخامس: أنه لو كان رجع الضمير، إلى «العبد»، لكان ذلك يوهم أن صدور القرآن، عمن لم يكن مثل العبد، في كونه أميا، ممكن.
والسادس: إنّ رد الضمير، إلى المنزل، هو الملائم لقوله:( وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ ) : لأن معناه، على الوجوه المذكورة فيما بعد، راجع إلى: ادعوا شهدائكم، ليعاونوكم. أو يشهدوا لكم. وهذا المعنى لا يلائم إلّا رد الضمير في «مثله»، إلى المنزل. ولما ترجح عود الضمير، إلى المنزل، بهذه الوجوه، ترجح ـ بها(٣) أيضا ـ كون الظرف، صفة للسورة. لأنه إذا تعلق «بفأتوا»، عاد الضمير إلى «العبد»، لما تحققته.
و «الشهداء»، جمع شهيد، كالظرفاء، جمع ظريف. بمعنى الحاضر، أو
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الاسراء / ٨٨.
(٣) ليس في أ.
القائم بالشهادة، أو الامام. فكأنه سمي به، لأنه يحضر النوادي. ويبرم بمحضره(١) الأمور. ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: شهيد. لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه.
قال الجوهري في الصحاح(٢) : «الشهادة، الخبر(٣) القاطع(٤) . تقول منه، شهد الرجل، على كذا». أو شهد له بكذا، أي: أدى ما عنده من الشهادة. فهو شاهد. ويقال: شهده، شهودا، أي: حضره. فهو شاهد. والشهيد، الشاهد.
والجمع، الشهداء.
فالمراد «بالشهداء»، اما المقيمون للشهادة. والمعنى: ادعوا من دون الله، شهداء، يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله.
أو الحاضرون الناصرون. والمعنى، أدعوا أعوانكم وأنصاركم، حتى يعينوكم، على إتيان مثله.
أو آلهتهم الذين عبدوهم وأطاعوهم. والمعنى: ادعوا آلهتكم الذين تعبدونهم، حتى يعينوكم، بإتيان سورة واحدة، من جنس ما أتى(٥) به عبدنا.
( مِنْ دُونِ اللهِ ) :
«دون»، في أصله للتفاوت في الأمكنة. يقال لمن أنزل مكانا من الأخر: هو دون ذلك. فهو ظرف مكان، مثل «عند». إلّا أنه ينبئ عن دنو أكثر وانحطاط قليل. ومنه، تدوين الكتب. لأنه إدناء البعض من البعض. ودونك هذا ،
__________________
(١) أ: بمحضرة.
(٢) صحاح اللغة ٢ / ٤٩٤.
(٣) أ: الخير.
(٤) المصدر: خبر قاطع.
(٥) ر: أوتى.
أي: خذه من أدنى مكان منك. ثم اتسع فيه، واستعمل في انحطاط، لا يكون في المكان. كقصر القامة ـ مثلا ـ ثم استعير منه، للتفاوت في المراتب المعنوية، تشبيها بالمراتب المحسوسة. وشاع استعماله أكثر من استعماله في الأصل. نحو، زيد دون عمرو، أي: في الشرف.
ومنه، الشيء الدون. ثم اتسع في هذا المستعار، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. وان لم يكن هناك، تفاوت وانحطاط. فهو في هذا المعنى، مجاز في المرتبة الثالثة. قال تعالى:( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) ، أي: لا يتجاوز ولاية المؤمنين، إلى ولاية الكافرين. وقال أمية: يا نفس! مالك دون الله من واق، أي: إذا تجاوزت وقاية الله، فلا يقيك غيره.
وهو بهذا المعنى، قريب من أن يكون بمعنى «غير» كأنه أداة استثناء.
والأحسن هنا، أن يكون بمنزلة أداة استثناء. أو بمعنى، أدنى مكان من شيء.
فيستعار لمعنى قدام الشيء وبين يديه.
وكلمة «من»، إذا كان «دون» بمعنى القدام(٢) ، تبعيضية. لأن الفعل، يقع في بعض الجهة. وهو ظرف لغو معمول «لشهدائكم»، إذ يكفيه رائحة الفعل.
فلا حاجة إلى اعتماد ولا إلى تقدير يشهدوا.
وإذا كان بمعنى، أدنى مكان من شيء، ابتدائية متعلقة «بادعوا». وكذا ان كان بمعنى، التجاوز عن حد إلى حد. لكنّه ظرف مستقر، وقع حالا. والعامل فيها «أدعوا» أو «شهدائكم».
وقد يقال: كلمة «من» الداخلة على «دون»، في جميع مواضعها، بمعنى، في. كما في سائر الظروف غير المتصرفة، أي: التي تكون منصوبة على الظرفية
__________________
(١) آل عمران / ٢٨.
(٢) أ: القدم.
ـ أبدا ـ ولا تنجرّ «بمن» خاصة.
قال الشيخ الرضي(١) : «من» في الظرف(٢) كثيرا ما يقع(٣) بمعنى، «في» نحو، جئت من قبل زيد. ومن عنده. ومن بيننا وبينك حجابا مستورا(٤) . وكنت من قدامك.
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) ) : في موضع الحال، من فاعل «فأتوا». ولهذا لا يحتاج إلى الجزاء. أو جوابه محذوف. دل عليه ما قبله. ومفعوله، محذوف.
والمعنى: إنّ كنتم صادقين أنه من كلام البشر. والصدق الاخبار المطابق.
وقيل(٥) : مع اعتقاد المخبر، أنه كذلك، عن دلالة، أو أمارة. لأنه تعالى، كذب المنافقين، في قولهم: انك لرسول الله. لما لم يعتقدوا مطابقته. ورد بصرف التكذيب، إلى قولهم: نشهد. لأن الشهادة، اخبار عما علمه. وهم ما كانوا عالمين [به](٦) .
أو، ان كنتم صادقين في ريبكم. والصدق في الريب، أن يكون ناشئا عن شبهة، لا عن الجحود والإنكار.
والمعنى: إنّ كنتم في ريب مما نزلنا، فأتوا بسورة من مثله. وادعوا الشهداء، للمعاونة، ليظهر عجزكم وعجزهم. فيزول ريبكم.
وذلك بشرط أن تكونوا، من الصادقين في ريبكم. وذلك إذا نشأ من شبهة.
__________________
(١) شرح الكافية ٢ / ٣٢١.
(٢) المصدر: الظروف.
(٣) المصدر: تقع.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) ر. أنوار التنزيل / ٣٦١.
(٦) يوجد في المصدر.
وأما إذا كان من الجحود والإنكار، فلا يمكن زواله.
وفي الاية، دلالة على نبوته ـ صلى الله عليه وآله ـ فانه، كان معلوم الحال موفور العقل والمعرفة، بالعواقب. فلا تطرقت تهمة. إلى ما ادعاه، من النبوة ـ لما استجاز أن يتحداهم، ويبلغ في التحدي، إلى نهايته. بل كان ينبغي، أن يكون خائفا، من أن يعارض. فتدحض حجته. حاشاه من ذلك ـ صلى الله عليه وآله ـ
(وفي عيون الأخبار(١) : حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور ـ رضي الله عنه ـ.
قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر. قال: حدثنا أبو عبد الله السياري، عن أبي يعقوب البغدادي. قال: قال ابن السكيت لابي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ: لما ذا بعث الله تعالى موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا(٢) وآلة السحر؟ وبعث عيسى بالطب؟ وبعث محمدا ـ صلى الله عليه وآله ـ بالكلام والخطب؟
فقال له ابو الحسن ـ عليه السلام ـ: إنّ الله [ـ تبارك وتعالى ـ](٣) لما بعث موسى ـ عليه السلام ـ كان الأغلب على أهل عصره، السحر. فأتاهم من عند الله تعالى، بما لم يكن من عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به، سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وان الله تعالى، بعث عيسى ـ عليه السلام ـ في وقت، ظهرت فيه الزمانات. واحتاج الناس إلى الطب. فأتاهم من عند الله تعالى، بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى وابرأ الأكمه والأبرص ـ بإذن الله ـ وأثبت به الحجة عليهم. وان الله ـ تبارك وتعالى ـ بعث محمدا ـ صلى الله عليه وآله ـ في وقت كان الأغلب على أهل عصره، الخطب والكلام ـ وأظنه قال: والشعر ـ فأتاهم
__________________
(١) عيون أخبار ٢ / ٧٩، ح ١٢.
(٢) المصدر: موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء.
(٣) يوجد في المصدر.
من كتاب الله ـ عز وجل ـ ومواعظه وأحكامه، ما أبطل به قولهم. وأثبت به الحجة عليهم.
فقال ابن السكيت: تالله! ما رأيت مثل(١) اليوم، قط. فما الحجة على الخلق اليوم؟
فقال ـ عليه السلام ـ: العقل. تعرف به الصادق على الله، فتصدقه(٢) . والكاذب على الله، فتكذبه(٣) .
فقال له ابن السكيت: هذا، والله! الجواب)(٤) .
( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) : لـمـّا بيّن لهم، ما يتعرفون به أمر الرسول وما جاء به. وميّز لهم الحق، عن الباطل رتب عليه، ما هو كالنتيجة له. وهو، أنكم إذا اجتهدتم في معارضته(٥) . وعجزتم جميعا، عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه. ظهر أنه معجز. والتصديق به واجب.
فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب.
فعبر عن الإتيان المكيف، بالفعل الذي يعم الإتيان به وغيره، ايجازا.
ونزل لازم الجزاء، منزلته، على سبيل الكناية، تقريرا، للمكنّى عنه. وتهويلا لشأن العناد. وتصريحا بالوعيد، مع الإيجاز. وإنّما أتى «بإن» الذي للشك دون(٦) ، «إذا» الذي للوجوب، مع أن ظاهر الحال، يقتضي ذلك تهكما بهم، تهكم الواثق
__________________
(١) المصدر: مثلك.
(٢) المصدر: فيصدقه.
(٣) المصدر: فيكذبه.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) أ: معارضة.
(٦) أ: ليس في أ.
بغلبته، على من يغاويه، حيث يقول له: إنّ غلبتك، لم أبقي عليك. أو خطابا معهم، على حسب ظنهم. فان العجز ـ قيل ـ(١) لم يكن محققا عندهم. أو حفظا لمشاكلة(٢) صدر الآية السابقة.
والمعنى: فان لم تفعلوا، أي: لم تقدروا على الفعل الذي هو الإتيان المكيف بقرينة ما سبق. ومحقق أنكم لا تقدرون، بناء على أنه اعتراض.( فَاتَّقُوا النَّارَ ) ـ إلى آخره ـ.
وبما قررنا، ظهر فساد ما قاله العلامة السبزواري، في تفسيره(٣) . قال: ويخطر بالبال، أن الحالية، في كمال الاستقامة. وان أطبق المفسرون، على أنها اعتراضية. والمعنى: أنكم لم تأتوا بسورة، حال كونكم، غير قادرين على الإتيان بها. وحينئذ ترتب الجزاء على الشرط، إذ بمجرد عدم الفعل، لا يعلم عدم صحة القدرة، حتى يترتب عليه، اتقاء النار. بل يمكن أن لا يعتنوا بشأنه. وعدم القدرة، من تأبيد النفي. إذ لو تحقق القدرة منهم، لأتى واحد من هؤلاء، بما طلبوا، في زمان من الأزمنة، ليتخلصوا من القتل والغارة وذل إعطاء الجزية.
ثم كتب في الحاشية: قال الشيخ الرضي، في شرح الكافية: ويشترط في
__________________
(١) أ، ر: قبل.
(٢) أ: لمشاكلته.
(٣) الظاهر، هو مولى حسين بن على الواعظ الكاشفى (م ٩١٠) وتفسيره الموسوم بجواهر التفسير لتحفة الأمير. ويقال له «العروس» ـ أيضا. وهو تفسير فارسى ألفه باسم الوزير الأمير نظام الدين على شير الجغتائى الذي استوزره السلطان حسين ميرزا بايقرا في شعبان ٨٧٦، إلى أن توفى في ١١، ج ٢، ٩٠٦. وهذا التفسير لم يتم تأليفه بل لم يبلغ حد النصف من الجزء الخامس. ثم انه اختصره وكتب تفسيرا آخر. سماه «بالمواهب العلية». ويسمى ـ أيضا هذا التفسير الاخر «بتفسير حسينى». (ر. الذريعة ٥ / ٢٦٦ ـ ٢٦٥).
جواهر التفسير لم يطبع، إلى الآن. وتفسير المواهب العلية، طبع مرتين في الهند وايران.
المضارع الواقع حالا، خلوه عن حرف الاستقبال، كالسين ولن ونحوهما. وذلك لأن الحال الذي نحن في بابه والحال الذي يدل عليه المضارع وان تباينا حقيقة لأن في قولك ـ مثلا ـ: اضرب زيدا غدا يركب، لفظ يركب حال، بأحد المعنيين، غير حال، بالآخر. لأنه ليس في زمان التكلم. لكنهم التزموا تجريد صدر هذه الجملة، أي: المصدرة بالمضارع، عن علم الاستقبال، لتناقض الحال والاستقبال، في الظاهر. وان لم يكن التناقض، هنا، حقيقيا. ولمثله التزموا لفظة «قد»، اما ظاهرة، أو مقدرة، في الماضي. إذا كان حالا. مع أن حاليته، بالنظر إلى عامله. ولفظه «قد»، تقرب الماضي، من حال التكلم ـ فقط ـ وذلك لأنه كان يتنافى في الظاهر، لفظ الماضي والحالية. فقالوا: جاء زيد العام الأول، وقد ركب المجيء بلفظة «قد»، هنا، الظاهر الحالية. كما أن التجريد، عن حرف الاستقبال، في المضارع، لذلك ـ انتهى ـ.
والعلامة التفتزاني، اقتفى اثره في المطوّل. والمحقق الشريف، في حاشية المطوّل، رد عليه. وقال: وهذا الوجه، وان كان منقولا في الموضعين، عن كلام الرضي، لكنّه غير مرضي كما ترى. والصواب أن يقال: إنّ الأفعال، إذا وقعت قيودا، لما له اختصاص بأحد الأزمنة، فهم منها، استقباليتها وحاليتها. وماضويتها بالقياس إلى ذلك المقيد. لا إلى زمان التكلم. كما في معانيها الحقيقية. وليس ذلك بمستبعد ـ انتهى ـ.
وابن هشام، في مغني اللبيب(١) ، في تمييز الجمل المعترضة عن الحالية، صرح بأن المصدر بحروف الاستقبال، اعتراضية، وشنع على من جعلها حالية، لكن لم ينقل الوجه، هنا.
__________________
(١) مغنى اللبيب، ٢ / ٣٩٨.
وانا أقول: إنّ كان يعلم من تتبع كلام الفصحاء، من العرب العرباء، أن أمثال هذه الجمل، اعتراضية. وليست بحالية. وانهم لم يستعملوها، حالا، لكان لكلام النحاة، وجه. ويحسن منهم، ارتكاب ما ارتكبوا، في هذا الباب. ومعلوم أن الأمر، ليس كذلك. وعدم شيوع دخول الحروف(١) الاستقبالية، على الجمل الحالية، لا يوجب الحكم، بالامتناع. ووجوب خلو الحال عنها، إذا لم يكن، يلزم المفارقة في الزمان، بينها وبين صاحبها. وبمحض قول جماعة، إذا علم مأخذ قولهم، لا يجب متابعتهم. وان كانوا من المشاهير. خصوصا إذا لم يوجد ذلك الاشتراط، في كلام من هو أشهر منهم ـ انتهى كلام ذلك العلامة ـ.
فلينظر إلى ما في هذا الكلام، من الخبط.
ثم قال: وعلى التقديرين، هذا الكلام، معجزة أخرى له ـ عليه السلام ـ إذ أخبر وكان كما أخبر.
أقول: على تقدير كونه، (اعتراضا معجزة. وأما على تقدير كونه)(٢) حالا، كما قال، فلا. فان الجمل التي لها محل من الاعراب وقعت موقع المفردات، فتكون نسبها ملحوظة، اجمالا. ولا يصح اتصافها بالصدق والكذب.
و «الوقود»، ـ بالفتح ـ الحطب. يرفع(٣) به النار. وأما المصدر، فمضموم.
وقد جاء فيه الفتح.
وقرئ بالضم :
اما(٤) على أنه مصدر مستعمل، بمعنى المفعول، مجازا لغويا، فأريد بالوقود ،
__________________
(١) أ: الحرف.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) ر: ينرفع.
(٤) ليس في أ.
ما يتوقد به. كما يراد بفخر قومه، ما يفتخرون به. وبزين بلده(١) ، ما يتزين به بلده.
أو على أنه حقيقة. والمجاز، اسناد الناس اليه. وحمله عليه. كما في قولك: حياة المصباح السليط، أي(٢) : الزيت الجيد. فقد جعل السليط، الذي به قوام حياته، عينها ومحمولا لها.
وفي قراءة، فتح الواو، على تقدير المصدرية. يجري هذان الوجهان.
ووجه بتقدير مضاف، اما في جانب المبتدأ أو الخبر. كما يقال: أصحاب وقودها الناس والحجارة. أو وقودها إحراق الناس والحجارة(٣) .
والحجارة جمع حجر. كجمالة، جمع جمل. وهو قليل غير منقاس.
والمراد بها، اما أصنامهم التي نحتوها وعبدوها. كما يدل عليه قوله تعالى:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (٤) وإنّما قرنوا بها، لأنهم قرنوا بها، أنفسهم، بالعبادة لها.
أو لأنها كانت منشأ جرمهم. فعذبوا بها. كما عذب الكافرون، بما يكنزونه.
أو لزيادة تحيرهم، حيث ظهر منها، خلاف ما توقعوا منها، من الانتفاع بشفاعتها واستدفاع المضار، بمكانتها.
أو مطلق الأحجار، لما فيه من الدلالة على شدة إيقاد النار وقوته.
أو الذهب والفضة، اللذان كانوا يكنزونهما. ويغترون بهما.
أو حجارة الكبريت.
__________________
(١) أ: بلدة.
(٢) ر: رأى.
(٣) ليس في ر.
(٤) الأنبياء / ٩٨.
وخصت بذلك، لاختصاصها من بين الأحجار، بسرعة الاتقاد وبطء الخمود(١) .
ونتن الرائحة. وكثرة الدخان. وشدة الالتصاق بالأبدان. وقوة حرها، إذا حمت.
هكذا ذكروا.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) ، للطبرسي ـ رحمه الله ـ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي ـ عليهم السلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: ولقد مررنا مع رسول الله(٣) ـ صلى الله عليه وآله ـ بجبل.
وإذا الدموع تخرج من بعضه.
فقال له [النبي](٤) : ما يبكيك؟ يا جبل! فقال: يا رسول الله! كان المسيح مرّ بي. وهو يخوف الناس بنار(٥) وقودها الناس والحجارة. فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة.
قال(٦) : لا تخف! تلك الحجارة، الكبريت.
فقرّ الجبل. وسكن. وهدأ. وأجاب.
ومضمون(٧) الصلة، يجب أن يكون قصة معلومة للمخاطب. وهنا كذلك، اما بالسماع من أهل الكتاب. أو من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أو بسماع آية سورة التحريم. ولا يرد أن سماعهم على هذه الوجوه، لا يفيدهم العلم، إذ
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٢٦.
(٣) المصدر: معه.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: من نار.
(٦) المصدر: قال له.
(٧) أ: ومضمون الجملة.
لا يعتقدون صدق ما يسمعونه. لأن المراد من العلم(١) ، معناه الأعم.
( أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) ) : أي، هيئت لهم. وجعلت عدة لعذابهم.
وقرئ «اعتدت»، من العتاد. بمعنى العدّة.
( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ) : عطف على الجملة السابقة.
والمقصود: عطف حال من آمن ووصف ثوابه، على حال من كفر، وكيفية عقابه، على ما جرت به العادة الالهية، من أن يشفع الترغيب بالترهيب، تنشيطا لارتكاب(٢) ما ينجي. وتثبيطا، عن اقتراف ما يردي. لا عطف الفعل، نفسه. حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي، فيعطف عليه.
و «الجنة» المرة(٣) من الجنّ. وهو مصدر جنّه إذا ستره(٤) . ومدار التركيب على الستر. سمي بها الشجر المظلل. لالتفاف أغصانه للمبالغة. كأنه يستر ما تحته سترة واحدة.
(وفي كتاب علل الشرايع(٥) : بإسناده إلى يزيد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حديث طويل، وفيه: قال: فلم سميت الجنة، جنة؟
قال: لأنها جنية خيرة نقية. وعند الله تعالى ذكره مرضية)(٦) .
__________________
(١) أ: بالعلم.
(٢) أ: الارتكاب.
(٣) المتن: الحرة. و «المرة» موافق نسخة ر والمصدر (أنوار التنزيل)
(٤) أ: سره.
(٥) علل الشرايع / ٤٧٠، ح ٣٣.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) : صفة لجنات.
أي: من تحت أشجارها. على حذف المضاف.
أو ارادة الأشجار بالجنات، مجازا.
أو من ضميرها، على طريقة الاستخدام.
و «من» اما ابتدائية. أو تبعيضية. فان الماء، لا يجري في جميع أسافل الأشجار. بل في بعضها.
ويحتمل بعيدا أن يكون المراد في تحتها، على ما مر.
و «الأنهار»، جمع نهر ـ بالسكون. أو بالفتح ـ. وهو الأفصح.
وجاز فيما عينه أو لامه، حرف حلق، أربعة أوجه: فتح الفاء والعين. وفتح الأول. وكسر الثاني. وكسرهما. وكسر الأول مع سكون الثاني. لكن لم يسمع من هذه الوجوه، في النهر، إلّا اثنان. وهو المجرى الواسع، فوق الجدول.
ودون البحر، كالنيل والفرات. والتركيب للسعة. والمراد، ماءها. على الإضمار.
أو المجاري أنفسها.
واسناد الجري، اليها، مجاز، كما في قوله تعالى:( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ) (١) . أو على التجوز في المفرد، بإطلاق إسم المكان، على المتمكن.
و «اللام» فيها، اما للجنس، من غير قصد، إلى العموم والاستغراق. كما في قولك: لفلان(٢) بستان فيه الماء الجاري. أو بدل(٣) من الاضافة، أي: أنهارها.
أو للعهد اشارة إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى:( أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) .(٤)
__________________
(١) الزلزلة / ٢.
(٢) ليس في أ.
(٣) أ: أول.
(٤) محمد / ١٥.
والأول، أحسن.
والثاني، مذهب كوفي، مرجوح. وقد منعه صاحب الكشاف(١) ، حيث قال في قوله تعالى:( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ) (٢) . المعنى: فان الجحيم هي مأواه، وليس الألف واللام، بدلا من الاضافة. ولكن لما علم أن الطاغي، هو صاحب المأوى، ولأنه لا يقص(٣) الرجل طرف(٤) غيره، تركت الاضافة.
والثالث، مع توقفه على سبق ذكر المنكر، على المعرف فيه، بعد لا يخفى.
وانما نعت الجنان بجري الأنهار تحتها، لأن الرياض وان كانت أحسن شيء إذا لم يجري فيها الماء، كانت كتماثيل لا أرواح فيها. وصور، لا حيوة لها.
ولهذا قدمها على سائر نعوتها.
وعن مسروق، أن أنهار الجنة، تجري في غير أخدود. والأخدود(٥) ، الشق المستطيل في الأرض.
والمعنى: إنّ تلك الجنات، تجري من تحتها أنهار(٦) من ماء ولبن وعسل.
( كُلَّما رُزِقُوا ) : صفة ثانية، لجنات. وترك العاطف بينهما. تنبيها على أن كل واحد منهما، صفة على الاستقلال.
أو استئناف. كأنه لما قيل: إنّ لهم جنات. وقع في قلب السامع، أثمارها، مثل ثمار الدنيا. أم أجناس آخر. فأزيح بذلك.
__________________
(١) الكشاف ٤ / ٦٩٨.
(٢) النازعات / ٣٩
(٣) ر: يغص.
(٤) ر: طرف.
(٥) ليس في أ.
(٦) أ: الأنهار.
أو خبر مبتدأ محذوف. والتقدير هي أو هم.
ورد ذلك الأخير، بأن تلك الجملة المحذوفة المبتدأ، ان جعلت صفة، أو استئنافا، كان تقدير الضمير، مستدركا. وان جعلت ابتداء كلام، لا يكون صفة ولا استينافا. فلتكن كذلك بلا حذف.
وأجيب، بأن تقدير هي، يظهر معنى الوصفية. وبتقديرهم، يظهر تقوّي شأن الاستيناف. فلا استدراك. وفيه ضعف لا يخفى.
( مِنْها ) ، متعلق «برزقوا».
( مِنْ ثَمَرَةٍ ) ، متعلق به، أيضا.
وكلمة «من»، فيهما، لابتداء الغاية.
فان قلت: لا يصح أن يتعلق بفعل واحد، حرفا جر، يتحدان في المعنى، عند النحاة، إلّا على قصد(١) الابدال والتبعية.
قلت: لا مجال لذلك في الآية الكريمة. فإنهما ليستا متعلقتين بفعل واحد.
بل بفعلين مختلفين، بالإطلاق والتقيد. فالمطلق، أعني: «رزقوا»، جعل مبتدأ من الجنات. وبعد تقييده، بالابتداء منها، جعل مبتدأ من الثمرة، مع أنه لقائل، أن يمنع عدم صحة الابدال هاهنا. فانه يجوز أن يكون بدلا من الأولى، بتقدير صفة، أي: من ثمرة كائنة منها. وكلا الطرفين، لغو، لرزقوا. فلا حاجة إلى أن يجعل الأول، حالا من «رزقا»، والثاني من ضميره(٢) فيها، أي: الحال (منه (ره))(٣) .
( قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ) :
أي: هذا الظاهر المحسوس، من المرزوق، كالمرزوق الذي رزقناه في الشكل
__________________
(١) ر: قصة.
(٢) ر: ضمير.
(٣) ذكرت في هامش النسخ.
واللون لا في الطعم.
فحذف أداة التشبيه. ووجهه للمبالغة. كما في: زيد أسد.
ويحتمل أن يجعل، هذا اشارة، إلى نوع ما رزقوا. فلا حاجة إلى اعتبار التشبيه. فان نوع المرزوق، في الاخرة، هو نوع المرزوق، في الدنيا من قبل، أي: من قبل هذا في الدنيا.
وانما جعل الثمرات، متشابهين، لأن الطبع إلى المألوف، أميل. والى تناوله أسرع. ووجود المزية، أظهر، إذ لو كان جنسا لم يعهد ظن أنه لا يكون، إلّا كذلك.
وإعجاب النفس به واستغرابه له، أشد. أو في الجنة، لما روي: إنّ ثمار الجنة، إذا جنيت، بدّل الله مكانها مثلها(١) . فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، لاشتباه الأمر عليهم. أو لاستغرابهم إياه. وابتهاجهم به.
وفيه، أن قول ذلك في المرة الأولى، لا معنى له. كما يقتضيه عموم «كلما».
( وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ) : جملة معترضة، بين أوصاف الجنة، لتقرير ما قالوا.
أو حال من فاعل قالوا، بتقدير «قد»، عند البصرية: كقوله تعالى:( جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) (٢) . وبدونه، عند الكوفية.
وللمرزوق والرزق، من حيث وحدتهما الجنسية، توحد. ومن حيث اثنينيتهما النوعية، تعدد. فافراد الضمير، للجهة الأولى.
وجعل متشابها، المقتضى تعدد الفاعل، حالا عنه، بالاعتبار الثاني.
والمعنى: وأتوا به متشابها به، أي: بهذا الجنس، حال كونه متشابها في كل من نوعيه نفسه، في الاخر.
فمرجعه على الوجه الأول، هو جنس المرزوق، الشامل لكل من مرزوق الدنيا
__________________
(١) أ: مثلا.
(٢) النساء / ٩٠.
والاخرة. فانه يفهم من مضمون ما تقدم. وعلى الوجه الثاني، هو الرزق.
قال علي بن إبراهيم(١) : يؤتون من فاكهة واحدة، على ألوان متشابهة.
( وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) :
«الزوج»، يقال للذكر والأنثى. وهو في الأصل، لما له قرين من جنسه.
كزوج الخف.
فالذين آمنوا، ان كان شاملا للمؤمنين والمؤمنات، تغليبا، فمعنى، لهم(٢) أزواج، ان للذكور أزواجا من جنس الإناث. والمراد به اما الحور العين. أو نساء الدنيا. سلبت عنها القذرات. وارادة الأعم، أولى. وللإناث، أزواجا من جنس الذكور.
وان كان خاصا بالمؤمنين، اكتفاء بهم، لأنه يعرف حال المؤمنات، بالقياس إلى حالهم. فمعناه: إنّ للمؤمنين أزواجا مطهرة.
وقرئ مطهرة ـ بتشديد الطاء وكسر الهاء ـ بمعنى، مطهرة ومطهرات. وهي(٣) تؤيد(٤) الاحتمال الثاني. لأن القياس، على الأول، مطهرون. فانه لم يعهد تغليب النساء على الرجال. ومطهرة أبلغ من طاهرة ومطهرة. لأنها تنبئ من أن مطهر طهرها. وليس هو إلّا الله ـ عز وجل ـ. والمراد بتطهرها، أن طهرت مما يختص بالنساء، من الحيض والاستحاضة. وما لا يختص من الأقذار والأدناس. ويجوز لإطلاقه أن يدخل تحته، الطهر من ذمائم الأخلاق وقبائح الأفعال. وإنّما لم يجمع
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٤.
(٢) أ: لهم فيها.
(٣) ر: هو.
(٤) النسخ: يؤيد.
الصفة كالموصوف، إذ أتى بها على قاعدة الرجال(١) والنساء. فعلت للتأويل بالجماعة.
وهي لغة فصيحة.
( وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) ) : دائمون.
والخلد والخلود، يطلق على الثبات المديد الدائم، وعلى غير الدائم، بالاشتراك المعنوي، أو اللفظي، أو الحقيقة والمجاز.
والأول أولى، نفيا للتجوز والاشتراك. اللذين هما، خلاف الأصل.
ومنه قيل للاثافي والأحجار: خوالد. وللجزء الذي يبقى من الإنسان، على حاله ما دام حيا، خلدا.
وقيل: وإلّا يلزم أن يكون التقييد، بالتأبيد(٢) ، في قوله تعالى:( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) ، لغوا.
وبالجملة، المراد به، الدوام هنا، عند الجمهور، لما يشهد له من الآيات والسنن. ثم ان مجامع اللذات، المسكن والمطعم والمنكح. فوصف الله تعالى، المسكن، بقوله:( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) . والمطعم، بقوله:( كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ ) . والمنكح بقوله:( وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) . ثم ان هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال، كان التنعم بها منغصا(٣) ، فأزال تعالى هذا الخوف عنهم، بقوله:( وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ) . فصارت الاية، دالة على كمال التنعم والسرور.
فان قلت: فائدة المطعوم، هو التغذي ودفع(٤) ضرر الجوع. وفائدة المنكوح ،
__________________
(١) أ: الرجاء.
(٢) أ: بالتأييد.
(٣) أ: منقصا.
(٤) أ: ليس في أ.
التوالد وحفظ النوع.
قلت: مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها، إنّما تشارك نظائرها الدنيوية، في بعض الصفات والاعتبارات. و
يسمى بأسمائها، على سبيل الاستعارة والتمثيل.
ولا يشاركها في تمام حقيقتها، حتى يستلزم جميع ما يلزمها ويفيد عين فائدتها.
فان قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية، معرضة للاستحالة المؤدية إلى الانفكاك والانحلال. فكيف يعقل خلودها في الجنان؟
قلت: إنّ الله تعالى يعيدها، بحيث لا يعتورها الاستحالة، بأن يجعل أجزائها ـ مثلا ـ متقاومة(١) في الكيفية، متساوية في القوة، لا يقوى شيء منها، على احالة الاخر، متعانقة متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض، كما في بعض المعادن.
(وفي تفسير علي بن إبراهيم(٢) ـ حديث طويل ـ عند قوله تعالى( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلى الرَّحْمنِ وَفْداً ) (٣) يذكر فيه ـ عليه السلام ـ أحوال المتقين بعد دخولهم الجنة. وفيه: ثم يرجعون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغسلون فيها. وهي عين الحياة. فلا يموتون)(٤) .
وفي أصول الكافي(٥) : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد عن المنقري، عن احمد بن يونس، عن أبي هاشم، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ :
__________________
(١) أ: متفاوته.
(٢) تفسير القمي ٢ / ٥٤.
(٣) مريم / ٨٥.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) الكافي ٢ / ٨٥، ح ٥.
إنّما خلد أهل النار في النار(١) . لأن نياتهم كانت(٢) في الدنيا أنْ لو خلّدوا فيها، أنْ يعصوا الله، أبدا. وإنّما خلّد أهل الجنّة، في الجنّة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا، أنْ لو بقوا فيها، أنْ يطيعوا الله أبدا، فبالنيات، خلد هؤلاء وهؤلاء. ثم تلا قوله تعالى:( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) (٣) . قال: على نيته.
والطائفة الامامية، هي المقصودة من الاية. فان من لم يؤمن بخلافة علي ـ عليه السلام ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بلا واسطة، لم يؤمن بالقرآن.
فهو خارج عن ربقة الايمان(٤) .
يدل على ما ذكرنا، ما رواه ثقة الإسلام، في الكافي(٥) ، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: نزل جبرئيل بهذه الاية، على محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ هكذا: وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا، في علي، فأتوا بسورة، من مثله.
وفي شرح الآيات الباهرة(٦) ، قال الامام ـ عليه السلام ـ قال: علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ قوله ـ عز وجل: «وان كنتم» أيها المشركون واليهود وسائر النواصب، من المكذبين لمحمد، بما قاله في القرآن، في تفضيل أخيه علي، المبرز على الفاضلين، الفاضل على المجاهدين الذي لا نظير له في نصرة المؤمنين وقمع الفاسقين وإهلاك الكافرين وتثبيت دين رب العالمين، «في ريب
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) ر: كان.
(٣) الاسراء / ٨٤.
(٤) أ: الإسلام.
(٥) الكافي ١ / ٤١٧، ح ٢٦.
(٦) تفسير العسكري / ٩٧، بتفاوت كثير.
مما نزلنا على عبدنا في إبطال عبادة الأوثان، من دون الله، في النهي عن موالاة اعداء الله. ومعاداة أولياء الله وفي الحث على الانقياد لاخي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ واتخاذه اماما. واعتقاده فاضلا راجحا لا يقبل الله ـ عز وجل ـ ايمانا ولا طاعة، إلّا بموالاته. وتظنون أنّ محمدا يقوله من عنده. وينسبه إلى ربه.
فان كان كما تظنون،( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) ، أي: مثل محمد، أي: لم يختلف، قط، إلى أصحاب كتب وعلم. ولم يتلمذ لاحد. ولا تعلم منه.( وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ) الذين يشهدون بزعمكم، أنكم محقون. وأن ما تجيئون به، نظير لما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ ان كنتم صادقين، في قولكم أن محمدا تقوّله.
ثم قال الله:( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ) ، أي: ما يأمركم. وتقبلوا، ما يحدثكم به.
( وَلَنْ تَفْعَلُوا ) ، أي: ولا يكون ذلك منكم. ولا تقدرون عليه. «فاعلموا»، انكم مبطلون. وأن محمدا، الصادق الأمين المخصوص برسالة رب العالمين المؤيد بالروح الأمين وبأخيه أمير المؤمنين وسيد المتقين. فصدقوه، فيما يخبركم به، عن الله، من أوامره ونواهيه وفيما يذكره، من فضل علي وصيه وأخيه. و «اتقوا» بذلك عذاب «النار»، التي «وقودها» وحطبها «الناس والحجارة»، أشد حرا.
«أعدت» تلك النار، «للكافرين»، بمحمد والشاكين في نبوته والمدافعين لحق أخيه، علي والجاحدين لإمامته.
ثم قال: وبشر الذين آمنوا بالله. وصدقوك في نبوتك. واتخذوك نبيا.
واتخذوا أخاك عليا بعدك، اماما. ولك وصيا مرضيا. وانقادوا لما يأمرهم به.
وصاروا إلى ما اختارهم اليه. ورأوا له ما يرون لك، إلّا النبوّة التي أفردت بها، أنّ الجنان لا تصير لهم، إلّا بموالاته وموالاة من نصّ عليه، من ذريته. وموالاة أهل ولايته. ومعاداة أهل مخالفته وعداوته. وأن النيران لا تهدن عنهم. ولا تعدل
بهم، عنه عذابها. إلّا بتنكبهم(١) عن موالاة مخالفيهم، وموازرة شانئيهم.( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) ، من أداء الفرائض واجتناب المحارم. ولم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك،( أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) ، من تحت شجرها ومسكنها.
( كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً، قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) ، من أنواع الأقذار.( وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ) ، مقيمون في تلك البساتين والجنان.
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٢) ، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، قال: حدثنا حيان بن علي الغنوي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) (الاية) نزلت في علي وجعفر وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ)(٣) .
قال بعض الفضلاء: وان أردت تأويل الاية، في بعض بطونها، فاعلم: إنّ الجنات ثلاثة: جنة الاختصاص الالهي، وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا والمجانين الذين ما عقلوا. وأهل الفترات. ومن لم يصل إليه دعوة رسول. والجنة الثانية، جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة، ممن ذكرنا ومن المؤمنين. وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار، لو دخلوها. والجنة الثالثة، جنة الأعمال.
وهي التي، ينزل الناس فيها، بأعمالهم. فمن كان له من الأعمال أكثر، كان له
__________________
(١) النسخ والمصدر: بتنبكهم. والمتن موافق لتفسير البرهان، الذي نقل فيه عن المصدر.
(٢) تفسير الفرات / ٢.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
من الجنات، أكثر. وفي شأن هذه الجنة(١)
ورد(٢) عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ :
ان الجنة قاع صفصف. ليس فيها عمارة. فأكثروا من غراس الجنة في الدنيا.
قيل: يا رسول الله! وما غراس الجنة؟
قال ـ صلى الله عليه وآله ـ: فهذه الجنة، ما فيها من الأشجار والأنهار والثمرات وغيرها، من الحور والقصور والغلمان والولدان، هي أعمالهم وأخلاقهم ومقاماتهم وأحوالهم. مثّلت وصوّرت في أمثلة وصور مناسبة. ثم ردت اليهم.
ولهذا يقال لهم: إنّما هي(٣) أعمالكم. ترد إليكم.
وهذه الآية الكريمة، اشارة إلى بشارة أهل هذه الجنة، يعني: «بشر الذين» تحقّقوا بالعلوم والمعارف الايمانية المبنية عليها الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة،( أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ) من أشجار ونخيل وأعناب. وهي صور هذه الأعمال والأفعال. تجري من تحتها الأنهار، أي: أنهار تلك العلوم والمعارف النابتة أصول هذه الأشجار وفروعها منها.( كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ ) هي من صور نتائج أعمالهم. وتنبهوا لما بين الصورة وذي الصورة، من المناسبة والمشابهة، «قالوا هذا» المرزوق في الجنة، بعينه هو «الذي رزقنا من قبل»، في الدنيا. وهذا كما إذا رأيت ليلة في المنام، أنك تشرب اللبن وحصل لك غداتها نوع من العلم، تنبهت لما بين ما رأيته في المنام وبين ما حصل لك من العلم من المشابهة. فان اللبن كما أنه غذاء صالح للأبدان، كذلك العلم، غذاء(٤) صالح للقلوب والأرواح. قلت: هذا ما رأيته البارحة، في المنام. وأتيت بما
__________________
(١) أ: الجهة.
(٢) أ، ر: ورد ما ورد.
(٣) ليس في أ.
(٤) أ: ليس في أ.
رزقته في النوم واليقظة، متشابها، أي: يشابه كل واحد منهما(١) الأخر. وعلى هذا القياس، معنى( أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ) . و( لَهُمْ فِيها ) ، من صور أبكار المعاني الغيبية التي يقتضيها خصوصيات استعداداتهم، أزواج مطهرة، من ملابسة الأغيار لم يطمثهن انس ولا جان.( وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ) أي، دائمون لا يبرحون عنها.
وفي قوله: «وهم فيها خالدون»، وان كان لهم بشارة بالدوام والبقاء، ولكن فيه تعريض بشأنهم، أنهم أخلدوا إلى أرض هذه الجنة. فلا يبرحون عنها إلى ما فوقها.
ولا يترقون إلى جنات النعيم. وجنة الذات. (فهم لا يزالون مقيدين بها. بخلاف أهل جنات الصفات. فإنهم وان كانوا غير مترقين إلى جنة الذات ،)(٢) لكنهم ينزلون إلى جنات الأفعال. ويتحظون(٣) بما فيها، من غير تقيد(٤) بها. وأما أهل جنة الذات فلهم السراح(٥) والإطلاق. يظهرون في الجنات كلها. ويتحظون(٦) بما فيها، من غير تقييد بشيء منها ـ رزقنا الله وإياكم معالي الأمور، وهو سبحانه الودود الغفور ـ.
( إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي ) :
لما كانت الآيات السابقة، مشتملة(٧) على أقسام من التمثيل، عقّب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له وما هو شرط فيه، من موافقته للممثل له، من الجهة التي تعلق بها التمثيل، في العظم والصغر والشرف والخسة(٨) دون الممثل. فان التمثيل
__________________
(١) أ: منها.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) أ: تتحيظون. ر يحتظون.
(٤) أ، ر: تقييد.
(٥) أ: النراح.
(٦) أ: تتحيظون. ر: يحتظون.
(٧) أ: المشتملة.
(٨) أ: الحسنة.
انما يصار اليه، لكشف المعنى الممثل له. ورفع الحجاب عنه وابرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم، العقل ويصالحه. فان المعنى الصرف، إنّما يدركه العقل، مع منازعة من الوهم. لأن من طبعه، ميل الحسن وحب المحاكاة، لما قاله الجهلة، من أن ضرب الممثل بالمحقرات، كالنحل والذباب والعنكبوت والنمل، لا يليق بكلام الفصحاء، من المخلوقين. ويخل بفصاحته.
فكيف يليق بالقرآن الذي تدعون أنه كلام الله، بالغ في الفصاحة حد الاعجاز؟
وعن الحسن وقتادة(١) : انه لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه. وضرب به للمشركين المثل. ضحك اليهود. وقالوا: ما يشبه(٢) هذا كلام الله. فأنزل الله سبحانه، هذه الاية.
وقال: إنّ الله لا يترك ضرب المثل، ببعوضة، ما ترك من يستحيى أن يمثل بها، لحقادتها. وقد مثل في الإنجيل، بالنخالة، لمن يقول بالبر. ولا يعمل به، كالمنخل يخرج المنخول المختار. ويمسك النخالة. قال: لا تكونوا كمنخل، يخرج منه الدقيق ويمسك النخالة. كذلك أنتم، تخرج الحكمة من أفواهكم.
وتبقون الغل، في صدوركم. وبالحصاة للقلوب القاسية، حيث قال: قلوبكم كالحصاة، لا ينضجها النار. ولا يلينها الماء. ولا ينسفها الرياح. وبالزنابير، لمقاولة السفهاء، لما في اثارتها من الضرار. قال: لا تثيروا الزنابير، فتلدغكم.
فكذلك لا تخاطبوا السفهاء، فيشتمون.
و «الاستحياء»، من الحياء. وهو انقباض النفس، عن القبيح، مخافة الذم.
وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس، عن الفعل ـ مطلقا ـ.
__________________
(١). مجمع البيان ١ / ٦٧.
(٢) أ: شبه.
واشتقاقه من الحياة. يقال: حي الرجل، إذا اعتلت قوته الحيوانية. كما يقال: نسى وحشى، إذا اعتلت نساه وحشاه. والنسا ـ بفتح النون والقصر ـ عرق يخرج من الورك. فيتبطن الفخذين. ثم يمر بالعرقوب. حتى يبلغ الحافر.
ومنه: مرض عرق النسا. والحشا ما احتوت عليه الضلوع. فكأنه جعل الحي لما يعتريه من التغير والانكسار، منتقص(١) الحياة. كما يقال: فلان هلك أو مات أو ذاب حياء من كذا.
و «استحيى»، بمعنى حي. كاستقر، بمعنى قرّ. ويتعدى بنفسه وبحرف الجر.
يقال: استحييته. واستحييت منه.
والاية تحتمل الوجهين. وإنّما أتى بالمزيد، لما في المجرد من توهم نفي الحياة.
وروى ابن كثير، يستحى، بياء واحدة(٢) .
ووجهه أنه استثقل اجتماع الياءين، فحذفت إحداهما بعد نقل حركتها، إلى ما قبلها.
ولما لم يجز على الله تعالى، النغير والخوف والذم، لم يجز وصفه بالحياء اللازم، من نفي الاستحياء المقيد. فانه يفهم منه، ثبوت مطلق الاستحياء كما يدل عليه، حديث سلمان ـ رحمة الله عليه ـ(٣) صريحا، حيث قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ الله حيي كريم. يستحي إذا رفع إليه العبد يديه، أن يردهما صفرا(٤) ، حتى ينزل(٥) فيهما خيرا.
__________________
(١) أ: منقص.
(٢) ر. الكشاف ١ / ١١٤.
(٣) الكشاف ١ / ١١٢.
(٤) أ: حقرا.
(٥) المصدر: يضع.
فلا بد أن يراد ما هي سبب عنه، أعني: ترك ما يستحيى عنه. فيكون مجازا من باب اطلاق إسم(١) السبب، على المسبب. أو يجعل من قبيل الاستعارة التمثيلية بأن يشبه حال الله سبحانه، مع ضرب المثل بالمحقرات، بحال المستحي، مع ما يستحي منه. فكما أن المستحي، يترك(٢) ما يستحي منه، كذلك سبحانه، يترك ضرب المثل بالمحقرات.
فإذا نفى ذلك المعنى، صار المعنى: أنه ليس حاله سبحانه، مع ضرب المثل بها، كحال المستحي، مع ما يستحي منه، في الترك. فلا يترك سبحانه، ضرب المثل، كما يترك المستحي، ما يستحى منه.
فان قلت: يلزم حينئذ، وقوع الفعل. فيشكل ذلك من أنه ما وقع في القرآن.
ذكر البعوضة والتمثيل بها. ولا ذكر ما فوقها، إذا أريد به، ما فوقها في الحقارة.
قلت: كما أن للاستحياء، لازما هو ترك المستحى منه، كذلك لعدم الاستحياء لازم هو جواز وقوع الفعل. فانه لا يلزم من عدم السبب، إلّا جواز وقوع المسبب لا وقوعه.
فيصير المعنى: إنّ الله سبحانه، يجوز أن يقع منه، ضرب المثل، بالبعوضة فما فوقها. ولا شك أن الجواز، لا يستلزم الوقوع.
ويجوز أن يكون هذه العبارة، مما وقعت في كلام الكفرة. فقالوا: أما يستحي رب محمد، أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟ فجاءت هنا، على سبيل المشاكلة. وهي أن يذكر الشيء، بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته. كقوله: قالوا
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أ: بترك.
اقترح شيئا نجد لك طبخة. قلت: اطبخوا لي(١) جبة وقميصا(٢) .
وقد يجاب بأن وقوعها في القرآن، إنّما هو بالنظر إلى هذه الاية. وبأن ترك ضرب المثل بالبعوضة وبما فوقها، يكون بتركهما، جميعا. فهو في قوة السلب الكلي. وهو يرتفع بالإيجاب الجزئي. فليكن صدق نفي تركهما، بوقوع ضرب المثل، بما فوق البعوضة.
والأول ضعيف. فإنها لم يقع على قصد التمثيل لها. وان تكلف. ويقال: المراد، أنه لا يستحي أن يضرب بها مثلا، للالهة. فان المتبادر أنها اخبار عما وقع خارجا، عن هذا الكلام.
والثاني لا يتأتى إلّا على تقدير أن يراد بما فوقها، ما يفوقها في العظم. مع أن حمله على ما يفوقها في الحقارة وان لم يكن أولى، فلا أقل من أن يكون مساويا.
قال العلامة السبزواري(٣) : «المعنى لا يدع ضرب المثل، بالأشياء الحقيرة كالبعوضة، فضلا عما هو أكبر منها، كالذباب والعنكبوت». وما هو أعظم منهما أو كالبعوضة فما فوقها، في الصغر والحقارة. لأن جناح البعوضة أصغر منها. وقد ضرب به المثل. وقد خلق الله من الحيوان، ما هو أصغر حجما من البعوضة، بكثير.
أقول: لا يخفى على ما حقّقنا ما فيه. فانّه يدّل على أنّه ضرب المثل بالبعوضة وما هو أصغر منها. وليس كذلك. وأما ما روى عن الصادق ـ عليه السلام ـ(٤) من أنه قال: إنّما ضرب الله المثل بالبعوضة، لأنّ البعوضة على صغر حجمها، خلق
__________________
(١) أ: الى.
(٢) أ: قيصا.
(٣) تفسير حسينى ١ / ٧.
(٤) مجمع البيان ١ / ٦٧.
الله. فيها جميع ما خلق في الفيل، مع كبره وزيادة عضوين آخرين. فأراد الله سبحانه أن ينبه بذلك المؤمنين، على لطف خلقه وعجيب صنيعته(١) .
فلا يدل على أن ضرب المثل بالبعوضة، واقع من الله، بل على أنه جاز وقوعه لهذا الوجه. وهذا المعنى وان كان خلاف ما هو المتبادر من لفظ الحديث، لكن يجب أن يصار اليه، عند قيام القرينة.
( أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ) : في محل النصب. اما على أنه مفعول الفعل المتقدم. أو بنزع الخافض. أو الجر، بتقديره. كما في: الله لأفعلن.
وضرب المثل، اعتماده من ضرب الخاتم. وأصله، إيقاع شيء على شيء.
كضرب الشيء باليد والعصى والسيف ونحوها. وضرب الدراهم، اعتبارا بضربه بالمطرقة. والضرب في الأرض الذهاب فيها. وهو ضربها بالأرجل. وضرب الخيمة، لضرب أوتادها، بالمطرقة. وضرب المثل، هو من ضرب الدراهم.
وهو ذكر شيء، يظهر أثره في غيره.
والاضطراب، كثرة الذهاب، في الجهات. من الضرب في الأرض.
و «مثلا»، منصوب على أنه مفعول به ليضرب.
و «بعوضة»، بدل منه. أو عطف بيان. أو مفعول ليضرب.
و «مثلا»، حال، تقدمت. لأنه نكرة. أو هما مفعولاه: لتضمينه معنى الجعل.
أو لتجوزه عنه. ويكون «مثلا» مفعوله الثاني. لأنه المناسب، بحسب المعنى.
وقرئ، بعوضة ـ بالرفع ـ على أنه خبر مبتدأ محذوف.
و «ما» هذه، ابهامية. تزيد للنكرة إبهاما وعموما، تسد عنها طرق التقييد: فأما اسم، يقع صفة للنكرة. فمعنى قوله: «مثلا ما»، مثلا أي مثل.
__________________
(١) أ: صفته. المصدر: صنعه.
واما زائدة. فيكون حرفا. لأن زيادة الحروف، أولى من زيادة الأسماء، لاستبدادها بالجزئية.
وأيضا، ثبت زيادتها، في نحو،( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ) (١) . ووصفيتها لم تثبت. فالحمل على ما ثبت، في موضع الالتباس.
وفائدة «ما» هذه، إمّا التحقير، نحو، هل أعطيت إلّا أعطية ما. أو التعظيم، نحو: لأمر ما يسود من يسود. أو التنويع، نحو: أضربه ضربا ما، أي: نوعا من أنواعه، أيها كان.
ويجتمع هذه المعاني، كلها، في الإبهام وتأكيد التنكير، أي: عطية لا تعرف من حقارتها، وأمر مجهول العظمة وضربا مجهولا غير معين.
أو غير ابهامية. بل هي حرف زيدت، لتأكيد معنى آخر، غير التنكير والإبهام.
فهي هنا :
اما لتأكيد ضرب المثل. أو نفي الاستحياء، أي: يضرب المثل، البتّة، أو لا يستحيى البتّة.
واما موصولة. وذلك بشرط أن يقرأ بعوضة ـ مرفوعة. ويجعل مع مبتدئه المحذوف، صلة.
واما موصوفة. والجملة، صفة. ومحلها النصب، على البدلية، أو الاختصاص.
واما استفهامية، مرفوع المحل، على أنه مبتدأ. وبعوضة خبره. فانه لما قال في رد استبعادهم: ضرب الله الأمثال بالمحقرات. ان الله لا يستحيى أن يضرب مثلا. لا يبعد أن يقال، معناه للمبالغة، في الرد أن لله التمثيل بأشياء محقرة، لا يتأتى لكم أن تدركوها، من الحقارة. فيحسن اردافه بما إلى آخره.
__________________
(١) آل عمران / ١٥٩.
ومعناه: أي شيء، البعوضة فما فوقها، حتى لا يمثل بهما. بل له أن يمثل بما هو أحقر من ذلك ونظيره. فلان لا يبالي بإعطاء المئات والألوف من الدينار ما دينار وديناران، حتى لا يعطي.
واما(١) زائدة. أو صفة لنكرة. و «بعوضة»، خبر مبتدأ محذوف، أي: «مثلا» هو بعوضة.
و «البعوض»، من البعض. وهو القطع، كالبضع. والعضب. ومنه، بعض الشيء. فانه قطعة منه. فمدار هذه الحروف، على القطع، كيفما يترتب. فهو في أصله صفة على فعول، كالقطوع. فغلب على البقة، كالخموش ـ بفتح الخاء ـ فانه ـ أيضا ـ صفة على فعول، من خمش وجهه، يخمشه، أي: يخدشه. فغلبت عليها.
و «ما» في «ما فوقها»، ان نصبنا(٢) «بعوضة»، كانت معطوفة عليها موصولة.
أو موصوفة، صلتها، أو صفتها، الظرف. وان رفعناها. وجعلنا «ما» الأولى موصولة، أو موصوفة، أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، أو على «بعوضة».
وان جعلنا «ما» زائدة، أو صفة نكرة و «بعوضة» خبرا لهو مضمرا، كانت «ما» معطوفة، على «بعوضة».
وان جوز حذف الموصول، مع بعض الصلة، يجوز أن يكون «ما» في «ما(٣) فوقها»، استفهامية، أي: فما الذي هو فوق البعوضة.
والمعنى: إنّ لله التمثيل بالبعوضة، فأي شيء ما هو فوق البعوضة، كالذباب والعنكبوت، حتى لا يمثل به.
__________________
(١) أ: وما.
(٢) أ: تصبنا.
(٣) أ: فما.
وحينئذ يكون في غاية الطباق، لكلام الكفرة. هذا إذا لم يكن «ما» الأولى، استفهامية. فإذا كانت هي ـ أيضا ـ استفهامية، يكون ترقيا على ترقّ.
والمعنى: إنّ لله التمثيل، بأحقر شيء، فأي شيء البعوضة، حتى لا يمثل بها. وبعد ذلك، أي شيء ما فوق البعوضة، كالذباب والعنكبوت، حتى لا يمثل به.
ومعنى «ما فوقها»، أي: في الكبر. وهو أوفق لكلام الكفرة. أو في الصغر.
وهو أشد مبالغة في ردهم. وما فوق في الصغر، هو جناحها. كما ضربه ـ عليه السلام ـ مثلا للدنيا، روى عن الترمذي(١) ، عن سهل(٢) بن سعد، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى «منها كافرا»(٣) شربة ماء.
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ ) :
«أما»، بفتح الهمزة وتشديد الميم، في جميع اللغات. إلّا عند بني تميم.
فإنهم يقولون «أيما»، حرف تفصيل، كإمّا ـ بكسر الهمزة ـ مطلقا ـ عند المبرد.
و «أما» الأولى عند غير المبرد، يفيد تفصيل مجمل متعدد سابق في الذكر ـ صريحا ـ. كقولك: جاءني القوم. أما العلماء فكذا. وأما الجهلاء فكذا. أو في الذهن، من غير سبق، ما يدل عليه، بوجه ما. كقولهم في صدور(٤) الكتب: أما بعد. أو مع سبقه. كما نحن فيه من الاية. لأن قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي ) دل على أن ثمة من يداخله شبهة على ما مر ويخطر منه بالبال، مقابله. فيحصل في الذهن، متعدد، يفصله أما. ويتضمن معنى الشرط. ولذلك يجاب بالفاء.
__________________
(١) سنن الترمذي ٣ / ٣٨٣، ح ٢٤٢٢.
(٢) المصدر: مسهر.
(٣) المصدر: كافرا منها.
(٤) أ: صدر.
قال سيبويه: أما زيد فذاهب. معناه: مهما يكن(١) من شيء، فزيد ذاهب: أي: هو ذاهب لا محالة. وانه منه، عزيمة.
ففي تصدير الجملتين به، مبالغة في محمدة المؤمنين ومذمة الكافرين. وكان الأصل، دخول «الفاء» على الجملة. لأنها الجزاء. لكنهم كرهوا ايلائها حرف الشرط. فأدخلوا الخبر. وعوضوا المبتدأ، عن الشرط. «فالذين آمنوا»، مبتدأ.
و «يعلمون»، خبره.
( أَنَّهُ الْحَقُ ) : في موضع مفعولي «يعلمون»(٢) .
والحق أن «أن» الواقعة بعد العلم، لا يغير معنى الجملة، أي: لا يؤولها إلى المفرد. فجزءا(٣) الجملة، منصوبان ـ محلا ـ على أنهما مفعولاه(٤) .
و «الحق»، في اللغة، الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة. من قولهم: حق الامر، إذا ثبت. ومنه: ثوب محقق، محكم النسج. وفي العرف الأخير، يخص الأخيرين. وفي اصطلاح ارباب المعقول، يخص الأخير. فيقولون للأقوال المطابقة للواقع: صادقة وحقة(٥) ، باعتبارين.
والضمير، في «أنه»، للمثل. أو لضربه. أو لترك الاستحياء.
( مِنْ رَبِّهِمْ ) : في محل النصب، على أنه حال من «الحق»، أي: كائنا وصادرا من ربهم. أو من الضمير المستكن. وهو العامل فيه. لكونه مشتقا.
__________________
(١) أ: يمكن.
(٢) أ: جعلوا.
(٣) أ: فحبرا.
(٤) أ: مفعولاها.
(٥) أ: وكاذبه.
والمعنى: انه حق، حال كونه من ربهم.
أو في محل الرفع، على البدلية من الحق.
ويحتمل أن يجعل، ظرفا لغوا، للحق، أو ليعلمون(١) .
( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ) :
انما قال ذلك. ولم يقل: فلا يعلمون، كما هو مقتضى المقابلة. لأن قولهم ذلك، يستلزم عدم علمهم بالحق. فكان كذكره، مبرهنا عليه. لأن مذمتهم بنفي العلم، إنّما هي للتقصير في أسباب حصوله. بخلاف القول السيّء. فانه مذموم لذاته.
( ما ذا أَرادَ اللهُ ) :
«ما»، للاستفهام. مرفوع المحل، على أنه مبتدأ.
و «ذا»، بمعنى الذي. موصول. وهو مع صلته، خبره.
أو منصوب المحل، على أنه مفعول «أراد» قدم عليه، وجوبا، لتضمنه معنى: الاستفهام. وكلمة «ذا»، حينئذ يكون زائدة، لتزيين اللفظ(٢) .
وقيل(٣) : على التقدير الثاني، يكون «ما»، مع «ذا» كلمة واحدة. بمعنى أي شيء.
والأصوب، على الأول، رفع جوابه. وعلى الثاني، نصبه. ليشاكل الجواب السؤال.
ويجوز العكس، بناء على التأويل(٤) الأول، بأراد كذا. والثاني، بمراده كذا ليحصل المشاكلة. أو بدونه.
__________________
(١) أ: ليعلموا.
(٢) أ: الفعل.
(٣) ليس في أ.
(٤) أ، ر: تأويل.
والاستفهام للتعجب والإنكار.
و «الارادة»، ضد الكراهة. وهي مصدر أردت الشيء، إذا طلبته نفسك. ومال إليه قلبك. وفي عرف المتكلمين نزوع النفس وميلانها، إلى الفعل، بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع.
وشيء من تلك المعاني، لا يتصور اتصاف الباري تعالى به. ولذلك اختلف في معنى ارادته، فقيل: ارادته لأفعاله. أنه غير ساه(١) ولا مكره ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا، لم يكن المعاصي بإرادته.
وقيل(٢) : علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح. فانه يدعو القادر إلى تحصيله.
وقيل(٣) : ترجيح أحد مقدوريه، على الاخر. وتخصيصه بوجه، دون وجه.
أو معنى يوجب هذا الترجيح. وهي أعم من الاختيار. فانه ميل مع تفضيل(٤) .
( بِهذا مَثَلاً ) : متعلق «بأراد».
والمشار إليه «بهذا»، هو ما يرجع إليه الضمير، في قوله:( أَنَّهُ الْحَقُ ) .
و «مثلا»، نصب على التميز. كقولك لمن حمل سلاحا رديئا: كيف ينتفع بهذا سلاحا؟ عن نسبة التعجب والإنكار، إلى المشار اليه. إذ لا إبهام فيه، هنا. لأنه المثل.
أو يقال لما تعدد المشار إليه بهذا، بحسب الاحتمال، ميزه(٥) بقوله: «مثلا»
__________________
(١) أ: ماء.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١.
(٣) نفس المصدر.
(٤) أ: مع ميل تفضيل.
(٥) أ: غيره.
لتعين(١) ما هو المقصود.
فلا يرد: أنه لو كان «هذا»، اشارة إلى «المثل»، لصار المعنى ما ذا أراد الله بالمثل، مثلا.
ولا يحتاج إلى أن يجاب، بأن المشار اليه، هو الذات، من غير وصف المثلية. وفي لفظ «هذا»، استحقار واسترذال، لشأنه.
أو على الحالية، من إسم الاشارة. والعامل فيه، اما الفعل المذكور. أو فعل التعجب. والإنكار المفهوم، من الاستفهام، أو فعل الاشارة والتنبيه المفهومين من «هذا»، فحينئذ يكون ذو الحال، الضمير المجرور، في عليه أو اليه. كما في قوله تعالى:( هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً ) (٢) .
ولا يخفى أن في تفصيل هاتين الجملتين، توضيحا لما ذكر، من قبل من اختصاص المتقين، بكون الكتاب هدى لهم، دون غيرهم. ويزيد في هذا التوضيح ما أردفهما به، أعني: قوله:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) : جواب «ما ذا»، أي: إضلال كثير. وإهداء كثير.
وضع الفعل، موضع المصدر، لارادة الحدوث والتجدد. أو بيان للجملتين المصدرتين، بأما. وتسجيل بأن العلم بكونه حقا وهدى وبيان. وأن الجهل(٣) بوجه إيراده والإنكار لحسن(٤) مورده، ضلال وفسوق. وكثرة القبيلتين، حقيقية لا بالقياس إلى مقابليهم. فان المهتدين قليلون بالنظر إلى أهل الضلال. كما قال الله :
__________________
(١) أ: لتعيين.
(٢) الاعراف / ٧٣، هود / ٦٤.
(٣) أ: الوجه.
(٤) أ: بحسن.
( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) (١) .
وقال ـ عليه السلام ـ: الناس(٢) كابل مائة. لا تجد فيها راحلة.
وان كانت اضافية، فكثرة(٣) الضالين، من حيث العدد. وكثرة المهتدين، باعتبار الفضل والشرف. كقوله: قليل إذا عدوا. كثير إذا شدّوا. وقوله: إنّ الكرام، كثير في البلاد. وان قلوا. كما غيرهم قلّ. وان كثروا.
واسناد الإضلال والإهداء، اما بناء على أن معناه أنه أضل قوما ضالا. وأهدى قوما مهتديا، كما يدل عليه قوله:( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) (٤) . أي، إلّا فاسقا ضالا.
أو بناء على أنهما، بسببه.
والمعنى: إنّ الكفار يكذبون به. وينكرونه. ويقولون: ليس هو من عند الله.
فيضلون بسببه. والمؤمنين لما صدقوا به. وقالوا: هذا في موضعه. فيهتدون بسببه.
أو بناء على أن «أضله» بمعنى نسبه إلى الضلال. و «أكفره» إذا نسبه إلى الكفر.
قال كميت(٥) :
فطائفة قد أكفروني بحبكم |
وطائفة قالوا مسيء ومذنب |
أو بناء على أن الإضلال بمعنى الإهلاك والتعذيب. ومنه قوله تعالى:( أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ ) (٦) ، أي: هلكنا.
__________________
(١) سبأ / ١٣.
(٢) ليس في أ.
(٣) أ: لكثرة.
(٤) البقرة / ٢٦.
(٥) ر. مجمع البيان ١ / ٦٨.
(٦) السجدة / ١٠.
أو بناء على أن الإضلال بمعنى التخلية، على وجه العقوبة، وترك المنع بالقهر، ومنع الألطاف التي تفعل بالمؤمنين، جزاء على ايمانهم. ومنه: أفسدت سيفك، لمن لا يصلح سيفه.
وأما ما يقال من أن اسناد الإضلال وسائر الأفعال، إلى الله سبحانه، اسناد الفعل إلى الفاعل الحقيقي الذي لا مؤثر في الوجود، عند الحكماء المتألهين والصوفية المحققين وجمهور أهل السنة والجماعة، إلّا هو، فيؤدي إلى التظليم والتجوير، على ما يذهب إليه المجبرة ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ.
و «الباء»، في الموضعين، على جميع التقادير، للسببية.
و «الهداية» في القرآن، يقع على وجوه :
الأول ـ الدلالة والإرشاد. وهو بهذا المعنى، شامل لجميع المكلفين. فلا يكون بهذا المعنى، مرادة في الاية.
الثاني ـ زيادة الألطاف التي بها يثبت على الهدى.
الثالث ـ الاثابة. ومنه قوله تعالى:( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ. وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ) (١) .
الرابع ـ الحكم بالهداية.
والخامس ـ جعل الإنسان، مهتديا، بأن يخلق الهداية فيه. كما يجعل متحركا بجعل الحركة فيه.
وكل واحد من هذه الوجوه الأربعة الأخيرة، يمكن أن يكون مرادا في تلك الاية.
وقدم الإضلال على الهداية، لزيادة الاهتمام بتعريضهم وتوبيخهم به. ولذلك
__________________
(١) محمد / ٤.
سجل عليهم بمجامع الكفر والطغيان. وختمها بأن حصر فيهم الخسران، بقوله:( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) ) : وقرئ: «يضل به كثير». «وما يضل به إلّا الفاسقون». ـ على البناء للمجهول، في الموضعين. ورفع «كثير» ـ والفاسقون والفسق، لغة: الخروج. يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، أي: خرجت.
قال رؤبة :
فواسقا عن قصدها جوائرا
والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله، بارتكاب الكبيرة، ومن الكبائر، الإصرار على الصغيرة. فلا حاجة إلى ذكره. وله ثلاث مراتب :
أوليها ـ التغابي. وهو ان يرتكبها أحيانا، مستقبحا إياها.
وثانيتها ـ الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. وهو في هاتين المرتبتين، مؤمن فاسق. لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الايمان.
وثالثتها ـ [الجحود. وهو](١) أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذه المرتبة، خلع ربقة الايمان، عن عنقه. ولابس الكفر.
والمراد به في الاية، يحتمل أن يكون مخصوصا بالمعنى الأخير. لكنّه أحسن.
والمراد به في قوله تعالى:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٢) ، هو المعنى الأخير.
وبهذا يندفع ما قاله البيضاوي(٣) ، من أن المراد به: الخارجون عن حد الايمان، بقوله تعالى:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) .
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ٤١.
(٢) التوبة / ٦٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤١.
والمعتزلة لما قالوا الايمان: عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل(١) .
والكفر: تكذيب الحق. وجحوده. جعلوا قسما ثالثا بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركته كل واحد منهما، في بعض الأحكام.
قال صاحب الكشاف(٢) : معنى كونه بين بين، أن حكمه، حكم المؤمن، في أنه يناكح. ويوارث. ويغسل. ويصلى عليه. ويدفن في مقابر المسلمين.
وهو كالكافر، في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته.
وحصر الإضلال فيهم، مرتبا على صفة الفسق، يدل على أنه الذي أعد لهم الإضلال، بضرب المثل. فطلبوا بلسان الاستعداد، أن يوجد فيهم، صفة الضلال به. فوجد فيهم. فأنكروه. وانتهزوا به.
أقول: يحتمل أن يكون قوله( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً. وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) ، مقول قول الكافرين. فحينئذ، لا حاجة في اسناد الضلال إلى الله، إلى هذه التوجيهات.
يدل على ذلك، ما رواه علي بن إبراهيم(٣) ، عن النضر بن سويد، عن القاسم ابن سليمان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ: إنّ هذا المثل، ضربه الله، لأمير المؤمنين [علي](٤) ـ صلوات الله عليه ـ فالبعوضة، أمير المؤمنين. وما فوقها، رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ والدليل على ذلك قوله:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) (٥) ، يعني: أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ. كما أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الميثاق عليهم، له.
__________________
(١) هنا، تقديم وتأخير في العبارات، بين أو نسختي ر والمتن.
(٢) الكشاف ١ / ١١٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٤ :
(٤) ليس في المصدر.
(٥) البقرة / ٢٦.
( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَقُولُونَ: ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً. يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) . فرد الله عليهم. فقال:( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) ـ إلى آخر الاية.
والمراد من قوله ـ عليه السلام ـ: إنّ هذا المثل، ضربه لأمير المؤمنين، أنه يصير مصداق البعوضة المذكورة في الاية، أمير المؤمنين. لا أن المثل بالبعوضة، وقع له. ومن قوله: فالبعوضة أمير المؤمنين، أنه مع عظمته بالنسبة إلى جبروته تعالى، ليست له عظمة. وأنه بالنسبة إليه تعالى، كالبعوضة، بالنسبة إلى المخلوقين.
يدل على ذلك، ما روى في التفسير المنسوب إلى مولانا العسكري ـ عليه السلام(١) ـ من أنه قيل للباقر ـ عليه السلام ـ ان بعض من ينتحل موالاتكم، يزعم أن البعوضة، عليّ. وما(٢) فوقها وهو الذباب، محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال الباقر ـ عليه السلام ـ: سمع هؤلاء شيئا، لم يضعوه على وجهه. إنّما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قاعدا، ذات يوم. وعلي(٣) ـ عليه السلام ـ إذ سمع قائلا يقول(٤) : ما شاء الله وشاء محمد. وسمع آخر يقول: ما شاء الله وشاء علي.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: لا تقرنوا محمدا وعليا، بالله ـ عز وجل ـ ولكن قولوا: ما شاء الله. ثم(٥) ما شاء محمد، ما شاء الله. ثم(٦) ما شاء علي. ان مشيئة
__________________
(١) تفسير العسكري / ١٠١ ـ ١٠٢.
(٢) أ،: وان ما.
(٣) المصدر: هو وعلى.
(٤) أ: قائلا يقول: ما شاء الله. ثم ما شاء محمد ما شاء الله. ثم ما شاء على. ان مشية الله هي.
(٥) «ما شاء الله. ثم» ليس في المصدر.
(٦) «ما»، ليس في المصدر.
الله هي(١) القاهرة التي لا تساوي ولا تكافأ(٢) ولا تداني(٣) . وما محمد رسول الله، في الله وفي قدرته، إلّا كذبابة(٤) . وما علي في الله وفي قدرته، الا كبعوضة، في جملة هذه الماليك(٥) . مع أن فضل [الله على] محمد(٦) وعلي [هو](٧) الفضل الذي لا يفي به فضله(٨) على جميع خلقه، من أول الدهر، إلى آخره. هذا ما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في ذكر الذباب والبعوضة، في هذا المكان. فلا يدخل في قوله «ان الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة» ـ انتهى ـ.
أقول: ولا يذهب عليك بعد ما ذكرنا، من الجمع بين الخبرين. والتأمل فيهما وملاحظة ارتباط الاية، بما تقدمها، اندفاع ما قاله العلّامة السبزواري، في الجمع، من أنه لعل المراد، أنهما داخلان في مدلول الاية. لأن المراد هما، فقط. ولا ريب أنهما وأولادهما، ضرب بهما المثل، في كتاب الله تعالى.
( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ ) : منصوب المحل، على أنه صفة كاشفة للفاسقين أو على الذم.
أو مرفوع، على الذم، أو على الابتداء. والخبر( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) .
أو على الخبرية. والمبتدأ محذوف، أي: هم الذين ينقضون.
و «النقض»: فسخ التركيب. ولعله في طاقات الحبل، استعير لابطال العهد
__________________
(١) مقول قول «قائلا يقول» ليس في أ، إلّا ما ذكر في رقم ٤ الّذي مرّ آنفا.
(٢) المصدر: تكافى.
(٣) المصدر: تدانى.
(٤) المصدر: كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: مماليك.
(٦ و ٧) يوجد في المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: فضل.
استعارة تحقيقية تصريحية، حيث شبه إبطال العهد، بفك تأليف الحبل. وأطلق إسم المشبه به، على المشبه. وشرط حسنه، اعتبار تشبيه العهد، بالحبل، لما فيه من ربط أحد المتعاهدين، بالآخر. فتشبيه العهد، بالنفس، استعارة بالكناية واثبات النقض ـ سواء أريد منه معناه الحقيقي، أو المجازي له ـ قرينة لها.
لا يقال: إذا أريد بالنقض معناه الحقيقي، فظاهر أنه من لوازم الحبل. وأما إذا أريد به معناه المجازي، فليس كذلك. فكيف يكون قرينة للاستعارة بالكناية، لأنا نقول: المراد باللازم، أعم من أن يراد معناه الأصلي الذي هو اللازم الحقيقي، أو يراد ما هو مشبه(١) بذلك المعنى، منزل منزلته. فانه إذا نزل(٢) منزلة الحقيقي وعبر عنه باسمه، صار لازما ادعاء. فاللازم على الاول، مذكور لفظا ومعنى حقيقة.
وعلى الثاني مذكور لفظا حقيقة. ومعنى ادعاء وكلاهما، يصلحان للقرينة.
والعهد الموثق، أي: الميثاق. ويقال للأمان واليمين والذمة والوصية.
ووضعه، لما من شأنه، أن يراعى ويتعهد، كالوصية واليمين.
ويقال للدار، من حيث أنها يراعى بالرجوع اليها وللتأريخ، لأنه يحفظ.
( مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) : متعلق بينقضون.
و «من»، لابتداء الغاية. فان ابتداء النقض، بعد الميثاق.
وقيل: زائدة.
و «الميثاق»: إسم لما يقع به الوثاقة. وهي الأحكام. أو معنى التوثقة، كالميلاد والميعاد، (بمعنى الولادة والوعدة).
ومرجع الضمير، العهد، أو الله.
__________________
(١) أ: شبه.
(٢) أ: منزل.
واضافته إلى العهد، بمعناه الاسمي، للتأكيد. لأن ميثاق الميثاق، مما يؤكده.
وبمعناه المصدري، من اضافة المصدر إلى المفعول، والى الله، من اضافته إلى الفاعل.
وعهده الذي نقضوه من بعد ميثاقه، اما ما ركز في عقولهم، من قوة التفكر في مصنوعاته التي هي دلائل توحيده سبحانه، أو هو الذي أخذه الله تعالى، على بنى آدم، حين استخرجهم من ظهره وأقروا بربوبية.
وميثاقه ـ على التقديرين ـ إرسال الرسل وانزال الكتب، على وفقه.
ونقضه :
على الأول: ترك التفكر فيها المندوب إليه عقلا وشرعا.
وعلى الثاني: نسيانهم ما أقروا به. وعدم جريهم على مقتضاه، لما أخذوا أربابا من دون الله.
أو العهد: وصية الله إلى خلقه. وأمره إياهم، بما أمرهم به، من طاعته.
ونهيه إياهم، عما نهاهم عنه، من معصيته، في الشرايع المتقدمة.
وميثاقه: شريعة نبينا ـ صلى الله عليه وآله ـ.
ونقضهم: اعراضهم عما وصلهم الله به وعما وثقه به.
أو هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب، أن بينوا نبوة محمد. ولا يكتموا أمره.
وميثاقه: الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة الدالة على نبوته ـ عليه السلام ـ.
ونقضهم: كتمان أمره وانكار نبوته.
فالآية على هذا، في أحبار اليهود.
وضعّف الشيخ الطبرسي(١) الوجه الثاني، بأن الله تعالى، لا يحتج على عباده بعهد لا يذكرونه ولا يعرفونه.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٧٠.
ولا يكون عليه دليل.
وزيّف تضعيفه العلامة السبزواري، بأن مفاد الاية، أن هؤلاء من الفاسقين والخاسرين، بلا احتجاج عليهم بفعلهم هذا، كما إذا قيل: ولد الزنا، لا يدخل الجنة، لا يحتج عليه بفعل قبيح صدر عنه. وهو كون تولده من الزنا. بل المقصود، أنه يصدر عنه أفعال اختيارية موجبة لخلود النار.
وأقول: مبنى كلام الشيخ، أن مفهوم الاية، أن الله ذمهم بنقض العهد، بعد الميثاق. وإذا كان العهد، عبارة عما ذكر، كان الاحتجاج عليهم بعهد، لا يذكرونه.
ولا يعرفونه. وظاهر، أنه لا يرد على ذلك، ما أورده العلامة. وإنّما يرد عليه لو كان مراده، أن التعليل، يفهم من ترتب الحكم، على الوصف. وليس كذلك.
( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) :
محل أن يوصل، الجر، على البدلية من الضمير. وحينئذ، ما في أمر الله به، اما صولة، أو موصوفة، أو منصوب على البدلية مما أمر الله به.
فكلمة «ما» موصوفة. لأن النكرة، لا يبدل عن المعرفة، إلّا إذا كانت مخصصة، نحو:( بِالنَّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ) (١) .
والأول، أحسن. لقرب المبدل منه. ولأن القطع، يقع على المتصل، لا على الوصل.
قيل(٢) : ولاحتياج الثاني إلى تقدير مضاف، أي: يقطعون وصل ما أمر الله به أن يوصله.
وأقول: الاحتياج إلى ذلك إنّما يكون إذا كان بدل الكل عن الكل. واما إذا كان بدل الاشتمال، فلا.
والمراد بما أمر الله كلما لا يجوز قطعه ـ كائنا ما كان ـ.
__________________
(١) العلق / ١٦.
(٢) تفسير البحر المحيط ١ / ١٢٨.
والعمدة(١) فيه، صلة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وصلة الرحم. روى الاول، في تفسير علي بن إبراهيم(٢) والثاني، في الكافي، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ(٣) .
و «الامر» الذي، واحد الأوامر: طلب الفعل، مع العلو. وقيل(٤) : مع الاستعلاء.
والذي واحد الأمور: المأمور به. تسمية للمفعول به، بالمصدر، كما سمى الشأن، بمعنى المشئون.
و «الشأن»: الطلب والقصد. يقول: شأنت، شأنه، أي: قصدت: قصده.
( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) بالمنع من الايمان والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي، بها نظام العالم وصلاحه.
( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) ) : لاشترائهم النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، في الدنيا.
وعقاب المشتري، بثواب المشترى به، في الاخرة فخسروا الدنيا بالاخرة(٥) .
ذلك هو الخسران المبين.
( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ) :
الخطاب مع الذين كفروا، لما وصفهم بالكفر وتوابعه، خاطبهم على طريقة الالتفات، إنكارا لكفرهم وتوبيخا لهم عليه، مع علمهم بحال يقتضي خلاف ذلك.
__________________
(١) أ: العهدة.
(٢) تفسير القمي ١ / ٣٥.
(٣) الكافي ٢ / ١٥٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٢، البحر المحيط ١ / ١٢٨.
(٥) أ: والاخرة. وهو الظاهر.
فان الإنكار والتوبيخ، إذا توجه إلى المخاطب، كان أبلغ: أو معهم، مع المؤمنين، أو مع المؤمنين، فقط.
وكيف يصلح للسؤال، عن الأحوال، كلها. لا بمعنى أنه مستغرق لها. بل قد يستغرق بمعونة المقام وقد لا يستغرق. فإذا قصد به الإنكار وهو في معنى النفي ونفي الحال التي يقتضيها. كيف إنّما يتحقّق بنفي جميع أفرادها، بل هي كالنكرة الواقعة، في سياق النفي، في إفادة العموم. فكأنّه قيل: لا يصح ولا ينبغي أن يوجد حال ما لكفركم. وقد علمتم أنكم( كُنْتُمْ أَمْواتاً ) (الاية.) وإذا لم ينبغ، أن توجد حال من أحوال الكفر، مع وجود هذا الصارف، اما لأنه يتضمن آيات بينات، أو نعما جساما حقها، أن لا يكفر، بمولها. فينبغي أن لا يوجد كفركم معه. لأن وجود ذات بلا حال، محال. فان وجد معه، فهو مظنة توبيخ وانكار وتعجيب وتعجب. وخص بعضهم الحال، بماله مزيد اختصاص بالكفر بالله.
وهو العلم بالصانع والجهل به.
فالمعنى: أفي حال العلم بالله تكفرون؟ أم في حال الجهل؟ والحال حال العلم، بمضمون القصة الواقعة، حالا. والعلم به، يقتضي أن يكون للعاقل علم، بأن له صانعا متصفا بالعلم والقدرة وسائر صفات الكمال. وعلمه بأن له، هذا الصانع، صارف قوي عن الكفر. وصدور الفعل عن القادر، مع الصارف القوي، مظنة تعجيب وتعجب وانكار وتوبيخ.
فنفي الكفر، بمعني لا ينفي أن يقع، على كلا التقديرين، بطريق الكناية.
لأنه كما(١) لزم من إنكار الحال، مطلقا، انكار الكفر، لزم من انكار حاليته، أعني: العلم والجهل ـ ايضا ـ إنكاره، إذ لا ثالث لهما. ولهذا صار( كَيْفَ تَكْفُرُونَ )
__________________
(١) ليس في أ.
أولى من «أتكفرون». فاختير عليه. وأوفق(١) ـ ايضا ـ، لما بعدها، من الحال.
وهي في الاية، منصوبة على التشبيه بالظرف، عند سيبويه، أي: في أي حال تكفرون. وعلى الحال عند الأخفش، أي: على أي(٢) حال تكفرون.
والعامل فيها، على التقديرين، تكفرون.
وصاحب الحال، الضمير فيه.
( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) :
«الواو»، للحال. والجملة، حال، بتقدير قد. وتأويلها، بجملة اسمية، أو فعلية، مأخوذا فيها العلم(٣) .
والمعنى: وقد علمتم، أو تعلمون، أو أنتم عالمون، انكم كنتم أمواتا. فان بعض الجمل الواقعة، في تلك القصة الواقعة، حالا ماض. وبعضها، مستقبل.
لا يقارن مضمونهما، مضمونه. فلا بد من أخذ العلم.
[والمعنى: وقد علمتم أو تعلمون](٤) .
وايضا، مضمون تلك الجمل، بدون اعتبار تعلق علمهم بها، لا يصح أن يكون صارفا. واعتبار تعلق علمهم بالموتة(٥) والأحياء الأولين(٦) ، ظاهر. وأما اعتبار تعلقه بالاحياء الثاني والرجوع، فلتمكنهم من العلم بهما، بالدلائل الموصلة اليه، فكان بمنزلة حصول العلم، سيما.
وفي الاية، تنبيه على ما يدل على صحتهما. وهو أنه تعالى، لما قدر أن أحياهم
__________________
(١ و ٢) ليس في أ.
(٣) أ: فيه.
(٤) لا يوجد في الأصل ور.
(٥) أ: بالمئونة.
(٦) أ: الحينين.
أولا، قدر أن يحييهم، ثانيا. فان بدء الخلق، ليس بأهون من إعادته.
و «الأموات»: جمع ميت (بالتخفيف)، كالأقوال، جمع قيل.
والمعنى( كُنْتُمْ أَمْواتاً ) ، أي: عناصر ممتزجة منتقلة، من حال إلى حال، حتى استقر على مزاج معتدل قابل لنفخ الروح فيه. فأحياكم بنفخ الروح فيه.
فعلى هذا، يكون استعمال الأموات، في العناصر، استعارة لاشتراكهما، في أن لا روح ولا احساس لهما.
وانما عطف بالفاء، لأنه متصل بما عطف عليه، غير متراخ عنه. بخلاف البواقي.
( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) ، عند تقضي آجالكم.
( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) ، بحياة أبدية، يوم النشور، أو في القبر، للسؤال.
( ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ (٢٨) ) ، ليحاسبكم أو يجازيكم، على أعمالكم.
وان أريد بقوله «يحييكم» الحياة في القبر، فينبغي أن يراد «بترجعون»، الأحياء يوم النشور. ويلزم منه، إهمال اماتتهم في القبر. أللّهمّ، إلّا أن يقال: معنى( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، أنهم يرجعون، بتلك الاماتة واحياء، يوم النشور.
ولو جعل( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) ، متناولا لإحيائين، جميعا، أي: يحييكم مرّة بعد أخرى، بقرينة المقام، يلزم، أيضا، ذلك الإهمال. إلّا أن يقال: يفهم من تعدد الاحيائين، تخلل إماتة بينهما. والظاهر، أنه لم يعتد بالاحياء في القبر. لأنه ليس له زمان يعتد به.
وقرأ يعقوب، ترجعون ـ بفتح التاء ـ، في جميع القرآن.
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) :
بيان نعمة ثانية مترتبة على النعمة الأولى. فان الانتفاع بالأرض والسماء وما فيهما، إنّما يكون بعد موهبة الحياة.
و «الخلق»، في الأصل: التقدير. ويراد منه الإيجاد.
فان أريد(١) المعنى الأول، عم الأرض وجميع(٢) ما فيها(٣) . وان أريد الثاني، احتيج في شموله لما سوى العناصر، إلى ارتكاب تجوز.
و «اللام»، للانتفاع.
والمعنى: خلق لانتفاعكم، في الدنيا(٤) والاخرة، ما في الأرض، جميعا.
فعند الأشاعرة، مدخوله غاية. وعند المعتزلة وأهل الذوق، غرض. لكن عند المعتزلة ذلك الغرض، عائد إلى العبد. وعند أهل الذوق، إلى المعبود. فإنهم قالوا: إنّ للحق كمالين.
كمالا ذاتيا، كوجوب وجوده ووحدته وحياته وعلمه وغير ذلك من الصفات الذاتية التي لا يحتاج الحق سبحانه، في الاتصاف بها، إلى سواه.
وكمالا أسمائيا، يحتاج في الاتصاف بها اليه. فان كمال الأسماء، إنّما هو بظهور آثارها وترتب أحكامها عليها. وذلك لا يتم(٥) إلّا بوجود(٦) المظاهر.
فنفي الاحتياج والاستكمال بالغير عنه، إنّما هو بالنظر إلى كماله الذاتي الذي له مرتبة الغنى، عن العالمين. وأما بالنظر إلى كماله الأسمائي، فليس له هذه المرتبة.
وكلمة «ما» للعموم، خصوصا، إذا قيد بالحال الذي وقع بعده. وقد صرح به أئمة الأصول.
فدل الآية على اباحة جميع الأشياء، على أي وجه، إلّا ما أخرجه الدليل.
__________________
(١ و ٢) ليس في أ.
(٣) أ: فيه.
(٤) ليس في أ.
(٥) ليس في أ.
(٦) أ: الوجود.
واندفع ما قاله العلامة السبزواري، من أنها لما كانت مجملة غير ظاهرة في العموم، لا يتم الاستدلال بها، على ذلك.
والمراد «بالأرض»، اما جهة السفل، ليشتمل الغبراء وما فيها. واما الغبراء، فلا يتناول إلّا ما فيها. لامتناع(١) ظرفية الشيء، لنفسه.
( ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ) :
قصد اليها بإرادته، من قولهم: استوى اليه، كالسهم المرسل. إذا قصده قصدا مستويا، من غير أن يلوي على شيء.
وأصل الاستواء: طلب السواء. وإطلاقه على الاعتدال، لما فيه من تسوية وضع الاجزاء. يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل. ولا يمكن حمله عليه، لأنه من خواص الأجسام.
وقيل(٢) : استوى، استولى. قال :
قد استوى بشر على العراق |
من غير سيف ودم مهراق |
وهذا المعنى، غير مناسب للأصل والصلة المعدى بها.
وقيل(٣) : أقبل، كما يقال: كان فلان، مقبلا على فلان. ثم استوى إليّ وعليّ يكلمني، على معنى أقبل الي وعليّ.
وقيل(٤) : استوى أقره. وصعد إلى السماء.
قال العلامة السبزواري: وهذا بخلاف ما اشتهر أن أوامره وقضاياه، تنزل من السماء، إلى الأرض. وفيه نظر. لأن المقصود، صعد أمره في الخلق، الى
__________________
(١) ر: الامتناع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٣.
(٣) مجمع البيان ١ / ٧٢.
(٤) نفس المصدر ١ / ٧١.
السماء. وهذه الآية مع التي في سورة حم السجدة، أعني قوله(١) :( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) ـ إلى قوله( ـ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ) ، حجة على من ذهب إلى تقدم خلق السماء، على الأرض. وما في سورة والنازعات، من قوله:( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) (٢) ، أي: بعد رفع سمك السماء وتسويتها، دحى الأرض، وبسطها، حجة له.
وأجاب عن الأول، بأن ثم، لتفاوت ما بين الخليقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض، كقوله:( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) (٣) ، لا للتراخي في الوقت. وبأن الخلق في الآيتين بمعنى التقدير، لا بمعنى الإيجاد.
وقد أوّلت الآية الثانية، بأن معناه: اذكر الأرض دحاها، بعد ذكر ما سبق.
والخلق أن خلق الأرض، مقدم على خلق السماء. ودحوها، مؤخر عنه. وهذا هو وجه الجمع، بين تلك الآيات. يدل على ذلك، ما روى، من أنه خلق الله الأرض، في موضع بيت المقدس، كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها. ثم أصعد الدخان. وخلق منه السموات. وأمسك الفهر، في موضعها. وبسط منها الأرض. فذلك قوله:( كانَتا رَتْقاً ) (٤) ».
والفهر: حجر يملأ الكف، أي: في الاستدارة واكتنازها، بحيث لا يتخللها خلاء ولا يتميز فيها شيء عن شيء.
والرتق: الالتزاق.
__________________
(١) فصلت / ٩.
(٢) النازعات / ٣٠.
(٣) البلد / ١٧.
(٤) الأنبياء / ٣٠.
قال العلامة السبزواري: وما قيل أن هذا يناقض قوله تعالى:( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) (١) ، فغير موجّه. أما إذا كان الأرض، بمعنى الجهة السفلية. فخلق ما في الأرض، لا يستلزم خلق ذلك الجسم المسمى بالأرض ـ أيضا ـ لا الصغير منه ولا العظيم. وان كان بمعنى التقدير، فلا يستلزم وجودها. لأن إيجاد مادتها التي هي الماء، يكفي في اسناد الخلق بمعنى التقدير اليها :
أقول: لا يخفى، أن خلق ما في الأرض، يستلزم خلقها. لان المراد به الأجسام المواليد والعناصر الثلاثة الباقية، ان أريد بالأرض، معناه الحقيقي، أو الاربعة، ان أريد به جهة السفل.
وظاهر، أن وجود جميع ذلك، لا يمكن إلّا بعد وجود الأرض.
[وفي كتاب علل الشرائع(٢) : بإسناده إلى محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، بإسناده رفعه. قال: قال علي ـ عليه السلام ـ وقد سئل عن مسائل: وسميت السماء سماء، لأنها وسم الماء، يعنى: معدن الماء.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) ، حديث طويل، عن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وفيه يقول ـ عليه السلام ـ: ومنها استوى بناء إلى السماء أي: استولى على السماء والملائكة](٤) .
( فَسَوَّاهُنَ ) : أي: عدل خلقهن. وقومه وأخلاه من العوج والفطور.
وضمير «هن»، اما راجع إلى السماء، ان فسرت بالأجرام. لأنه جمع ،
__________________
(١) النازعات / ٣٠.
(٢) علل الشرايع ١ / ٢.
(٣) تفسير القمي ٢ / ٢٧٢.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
وفي المعنى الجمع. أو مبهم، يفسره ما بعده، كما في ربه رجلا. وهو أولى، لما فيه من التفسير، بعد الإبهام.
( سَبْعَ سَماواتٍ ) ، بدل أو تفسير. وعلى تقدير كون الضمير غير مبهم، بدل عن الضمير، أو حال عنه، أو مفعول للتسوية، على تقدير «فسوى منهن سبع سموات»، من قبيل( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) . أو مفعول ثان لجعل، على تضمين التسوية، معنى الجعل أو تجوزها عنه. لكن على الأخير، يفوت معنى التسوية.
فان قلت: إنّ أصحاب الارصاد، أثبتوا تسعة أفلاك.
قلت: فيما ذكروه، شكوك. وان صح، فليس في الآية نفي الزائد. مع أنه لو ضم إليه العرش والكرسي، لم يبق خلاف.
قيل: فوجه التخصيص على هذا، أن السموات على قسمين: قسم منها عنصري.
يشترك مع الأرض وما فيها، في المادة، عند المحققين. ويدل عليه الكتاب والسنة. وهو سبع. تسمى عند أهل الشرع، بالسماوات. وقسم منها طبيعي غير عنصري. وهو الباقيات. منها المسميان بالعرش والكرسي، وعند غيرهم، بالفلك الأطلس وفلك الثوابت. ولا تميز بينها عند غيرهم. لأن الكل عندهم طبيعي غير عنصري. وكان التميز بينها، بلسان أهل الشرع. إنّما وقع بناء على أن أحكام القيامة كالطي وتكوير(١) الكواكب وانتشارها وغير ذلك، مختص بالسماوات السبع. لا يتعداها إلى العرش والكرسي.
[وفي عيون الأخبار(٢) : حدّثنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن علي بن عبد الله
__________________
(١) أ: تكرير.
(٢) عيون أخبار / ٢٤٠ ـ ٢٤١، ح ١ وللحديث تتمة طويلة.
البصري، بإيلاق. قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن جبلة الواعظ. قال: حدثنا أبو القسم(١) عبد الله بن احمد بن عامر الطائي. قال: حدثنا أبي. قال: حدثنا علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ. قال: حدثنا أبي، موسى ابن جعفر. قال: حدثنا أبي، جعفر بن محمد. قال: حدثنا أبي، محمد بن علي قال: حدثنا أبى، علي بن الحسين. قال: حدثنا أبي، الحسين بن علي ـ عليهم السلام ـ قال: كان علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ بالكوفة في مسجد(٢) الجامع، إذ قام اليه، رجل من أهل الشام. فقال: يا أمير المؤمنين! اني أسألك عن أشياء.
فقال: سل تفقّها. ولا تسأل تعنّتا.
فأحدق الناس بأبصارهم.
فقال: أخبرني عن أول ما خلق الله ـ تبارك وتعالى ـ.
فقال: خلق النور.
قال: فمم خلقت السماوات؟
قال: من بخار الماء.
قال: فمم خلقت الأرض؟
قال: من زبد الماء.
قال: فمم خلقت الجبال؟
قال: من الأمواج.
قال: فلم سميت مكة أم القرى؟
قال: لأن الأرض دحيت من تحتها.
__________________
(١) المصدر: ور القاسم.
(٢) ليس في المصدر.
وسأله عن السماء الدنيا، مما هي؟
قال: من موج مكفوف.
وسأله عن طول الشمس والقمر وعرضهما.
قال: تسعمائة فرسخ، في تسعمائة فرسخ.
وسأله كم طول الكوكب وعرضه؟
قال: اثنا عشر فرسخا، في اثني عشر فرسخا(١) .
وسأله عن ألوان السماوات السبع وأسمائها.
فقال: له إسم سماء الدنيا، رفيع(٢) . وهي من ماء ودخان. واسم السماء الثانية، قيدوم(٣) . وهي على لون النحاس. والسماء الثالثة، اسمها المأروم(٤) .
وهي على لون الشبه. والسماء الرابعة، اسمها أرفلون. وهي على لون الفضة.
والسماء الخامسة، اسمها هيعون. وهي على لون الذهب. والسماء السادسة، اسمها عروس، وهي من(٥) ياقوتة خضراء. والسماء السابعة، اسمها عجماء. وهي درة بيضاء.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة](٦) .
( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) ) :
اعتراض لبيان أن خلق السموات، على سبيل الأحكام وخلق ما في الأرض ،
__________________
(١) المصدر: في مثلها.
(٢) الأصل ور: رقيع. وما في المتن، موافق المصدر.
(٣) كذا في المصدر وفي الأصل ور: قيدم. وفي تفسير نور الثقلين ١ / ٤٨ :قيذوم.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: المأدوم.
(٥) «من»، ليس في المصدر.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
على حسب حاجات أهلها. لأن علمه الكامل، برهان لمي، على تحقق الإتقان، في أفعاله. وظهور الإتقان فيها، دليل اني، على اثبات علمه.
وقد روى الصدوق، في عيون أخبار الرضا(١) ، بإسناده، عن الحسن العسكري عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين ـ عليهم السلام ـ. قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في هذه الآية(٢) ،( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) ، لتعتبروا ولتتوصلوا به إلى رضوانه. وتتوقوا به من عذاب نيرانه.( ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ) .
أخذ في خلقها وإتقانها.( فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) . ولعلمه بكل شيء، علم بالمصالح(٣) . وخلق(٤) لكم، كل ما في الأرض، لمصالحكم، يا بني آدم(٥) .
وقد سكّن نافع وأبو عمرو والكسائي، «الهاء»، من نحو «فهو». و «وهو»، تشبيها له بعضد.
( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ ) :
تعداد، لنعمة ثالثة، تعم الناس(٦) ، كلهم. فان خلق آدم وإكرامه، انعام يعم ذريته.
و «إذ» ظرف، وضع لزمان عين، بإضافته إلى نسبة واقعة، في الزمان الماضي، كما أن «إذا» موضوع لزمان عين، بإضافته إلى نسبة واقعة، في الزمان
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ٢ / ١٢، ح ٢٩.
(٢) أ: في قول الله عز وجل.
(٣) المصدر: علم المصالح. أ: علم بالصالح.
(٤) المصدر: فخلق.
(٥) الأصل ور يا بن آدم.
(٦) أ: نعم.
المستقبل. ولهذا وجبت اضافتهما إلى الجملة. والغالب، ظرفيتهما، لنسبة أخرى مثلهما. وقد يستعمل «إذ» اسما من غير ظرفية، كما وقع مفعولا به، في قوله(١) :( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً، فَكَثَّرَكُمْ ) . وبنيتا تشبيها، بالموصولات.
فإذ، في الاية، منصوب المحل، بتقدير: اذكر، أو اذكر الحادث، أو بقالوا، أو بمضمر. دل عليه مضمون الآية المتقدمة، مثل: وبدأ خلقكم، إذ قال. وعلى هذا، فالجملة معطوفة، على( خَلَقَ لَكُمْ ) ، داخلة في حكم الصلة.
وقيل: انه مزيد(٢) . والقول الحكاية، نحو قولك: قال زيد: خرج عمرو(٣) .
ويتعدى أبدا إلى مفعول واحد. ويكون جملة، أو ما يحكى معناها، إلّا إذا ولي حرف الاستفهام. ولم ينفصل عنه، بغير ظرف. أو كظرف، أو معمول. فانه حينئذ، ينصب مفعولين، كظن، إلّا عند سليم. فإنهم ينصبون به مفعولين وان لم يلي الاستفهام.
( لِلْمَلائِكَةِ ) :
جمع ملئك، على الأصل. فان أصل «ملك»، ملائك، كالشمائل، جمع شمأل. واشتقاقه من م ـ ل ـ ك، بزيادة الهمزة، لدورانها، مع الشدة والقوة.
ومعنى الشدة والقوة، يعم الملائكة ـ عليهم السلام ـ كلهم. والدليل عليه، قوله تعالى:( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، لا يَفْتُرُونَ ) (٤) .
وان الله، جعلهم وسائط معظم ما يظهره، في هذا العالم.
__________________
(١) الاعراف / ٨٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٤.
(٣) مجمع البيان ١ / ٧٢.
(٤) الأنبياء / ٢٠.
أو من الألوك والألوكة ـ بفتح الهمزة ـ، بمعنى الرسالة. فالميم زائدة.
وفيما بين العين والفاء، قلب. والأصل، مألك، على أنه موضع الرسالة.
أو مصدر، بمعنى المفعول. فعلى هذا يكون إطلاقه عليهم، باعتبار بعضهم.
لأن معنى الرسالة، لا يعم كلهم، لقوله تعالى:( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ) (١) .
وأما قوله:( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) (٢) ، فمخصوص جمعا بين الآيتين.
وقيل: قد جاء لاك بمعنى أرسل(٣) ، فلا قلب.
و «التاء»، اما لتأنيث الجمع. فان الجمع مؤنث، بتأويل الجماعة. أو لتأكيد تأنيث الجمع. أو لتأكيد معنى الجمع، كما في علامة ونسابة.
واختلف العلماء، في حقيقتهم، بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها. فذهب أكثر المسلمين، إلى أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلين بأن الرسل، كانوا يرونهم كذلك. وهو الحق.
وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان.
وقال الحكماء: انها هي العقول منقسمة إلى قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، كما وصفهم في محكم تنزيله، فقال:( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) (٤) . وهم العليون. والملائكة المقربون.
وقسم، تدبر الأمر، من السماء إلى الأرض، على ما سبق به القضاء وجرى
__________________
(١) الحج / ٧٥.
(٢) فاطر / ١.
(٣) مجمع البيان / ٧٣، البحر المحيط / ١٣٧١.
(٤) الأنبياء / ٢٠.
به القلم الالهي.( لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ. وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) . وهم المدبرات أمرا. فمنهم سماوية. ومنهم أرضية.
والمراد بها، اما كلهم، لعموم اللفظ وعدم المخصص. واما إبليس ومن كان معه، في محاربة الجن. فانه تعالى أسكنهم في الأرض، أولا، فأفسدوا فيها.
فبعث الله اليهم إبليس، في جند من الملائكة. فدمرهم وفرقهم في الجزائر. واما ملائكة الأرض. وهو أولى. والمخصص، قوله: «في الأرض».
( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) :
وقرئ «خليقة» ـ بالقاف ـ.
و «جاعل»، ان كان متعديا إلى مفعولين، «ففي الأرض»، مفعوله الثاني.
والا كان متعلقا به.
و «الخليفة»: من يخلف غيره. و «الهاء» فيه، للمبالغة.
والمراد به، اما آدم، وحده، أو مع بعض بنيه، أو كله.
وافراد اللفظ، اما للاستغناء بذكره، كما استغنى بذكر أبي القبيلة، في قولهم: مضر وهاشم، أو على تأويل من يخلفكم، أي: خلفا يخلفكم.
فعلى الأول، المراد أنه خليفة الله في أرضه، أو خليفة من سكن الأرض، قبله، وعلى الثاني والثالث، أنهم يخلفون من قبلهم، أو يخلف بعضهم بعضا.
والاحتياج إلى الخليفة، إنّما هو في جانب المستخلف(١) عليه، لقصورهم عن قبول فيضه، بغير وسط. ولذلك لم يستنبئ ملكا. والأنبياء لما فاقت قريحتهم، أرسل اليهم الملائكة. ومن كان منهم أعلى رتبة، كلمه بلا واسطة، كما كلم موسى في الميقات ومحمدا في المعراج.
وفائدة قوله هذا، للملائكة، تعليم للمشاورة وتعظيم لشأن المجعول، بأن بشّر
__________________
(١) أ، ر: المتخلف.
بوجوده سكان ملكوته. ولقبه بالخليفة، قبل خلقه واظهار فضله الراجح، على ما فيه من المفاسد، بسؤالهم وجوابه.
[وفي عيون الأخبار(١) : حدثنا ابو الحسن محمد بن إبراهيم بن إسحاق ـ رضي الله عنه ـ. قال: حدثنا أبو سعيد النسوي. قال: حدثني إبراهيم بن محمد ابن هارون. قال: حدثنا أحمد بن الفضل(٢) البلخي. قال: حدثني خالي(٣) يحيى ابن سعيد البلخي، عن علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ عن أبيه، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ قال: بينما أنا أمشي مع النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في بعض طرقات المدينة، إذ لقينا شيخ طوال، كث اللحية، بعيد ما بين المنكبين.
فسلم على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ورحب به. ثم التفت الي. فقال: السلام عليك يا رابع الخلفاء. ورحمة الله وبركاته. أليس كذلك هو، يا رسول الله؟
فقال [له](٤) رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: بلى.
ثم مضى. فقلت: يا رسول الله! ما هذا الذي قال لي، هذا الشيخ، وتصديقك له؟
قال: أنت كذلك. والحمد لله. ان الله ـ عز وجل ـ قال في كتابه:( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) . والخليفة المجعول فيها، آدم ـ عليه السلام ـ. وقال ـ عز وجل ـ:( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ ) (٥) .
فهو الثاني. وقال ـ عز وجل ـ حكاية عن موسى حين قال لهارون عليهما السلام(٦) :
__________________
(١) عيون الأخبار ٢ / ٩ ـ ١٠، ح ٢٣.
(٢) المصدر: أبو الفضل.
(٣) المصدر: خال.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) ص / ٢٦.
(٦) الاعراف / ١٤٢.
( اخْلُفْنِي ) (١) ( فِي قَوْمِي. وَأَصْلِحْ ) . فهو هارون، إذ استخلفه موسى ـ عليه السلام ـ في قومه. وهو(٢) الثالث. وقال ـ عز وجل ـ:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) (٣) . وكنت(٤) أنت المبلغ عن الله ـ عز وجل ـ وعن رسوله.
وأنت وصيي ووزيري وقاضي ديني والمؤدي عني. وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي. فأنت رابع الخلفاء، كما سلم عليك الشيخ. أو لا تدري من هو؟
قلت: لا.
قال: ذاك أخوك الخضر ـ عليه السلام ـ فاعلم.
وفي أصول الكافي(٥) : بإسناده إلى محمد بن إسحاق بن عمار. قال: قلت لأبي الحسن الأول ـ عليه السلام ـ: ألا تدلني على من آخذ عنه ديني؟
فقال: هذا ابني عليٌّ. إنّ أبي أخذ بيدي. فأدخلني إلى قبر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا بني! إنّ الله ـ عزّ وجل ـ قال:( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) وأنّ الله ـ عزّ وجل ـ إذا قال قولا، وفي به.
وفي كتاب الخصال(٦) ، عن [أبي](٧) لبابة بن عبد المنذر، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ يوم الجمعة سيّد الأيام وأعظم عند الله تعالى من يوم الأضحى ويوم الفطر. فيه خمس خصال: خلق الله فيه آدم. وأهبط الله فيه آدم،
__________________
(١) المصدر: وأخلفنى.
(٢) المصدر فهو.
(٣) التوبة / ٣.
(٤) المصدر: فكنت.
(٥) اصول الكافي ١ / ٣١٢، ح ٤.
(٦) الخصال ٣١٥ ـ ٣١٦، ح ٩٧ (صدره)
(٧) يوجد في المصدر.
الى الأرض. وفيه توفى [الله](١) آدم](٢) .
( قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) :
تعجّب من استخلاف من يفسد في الأرض، لاصلاحها، أو اختيار أهل المعصية، على أهل الطاعة. واستكشاف عمّا خفي عليهم من الحكمة فيه، وعمّا يزيل شبهتهم، إستكشاف المتعلم عن معلّمه، عمّا يخالج صدره.
وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم، على وجه الغيبة.
وإنّما حكموا بذلك، لما علموا أنّ المجعول، خليفة، هو النوع الأخير من الحيوان، وكانوا يشاهدون من أنواعه المتقدمة عليه، وجود آثار القوّة الشهويّة والغضبيّة. تنبهوا لوجودهما فيه. وحكموا عليه، بترتب آثارهما التي من جملتها الإفساد وسفك الدماء.
أو لما عرفوا ذلك، باخبار من الله. أو تلق من اللوح المحفوظ. أو استنباط عما ثبت في علمهم، أنّ العصمة من خواصهم. أو قياس لأحد الثقلين، على الاخر.
والسفك والسبك والسفح والشن والسن، أنواع من الصب.
فالسفك، يقال في الدم. والدمع والسبك، في الجواهر المذابة. والسفح في الصب من أعلى. والشن والسن والصب، عن فم القربة(٣) ونحوها.
وقرئ يسفك ـ بضم الفاء ـ.
ويسفك ويسفك من أسفك وسفك(٤) .
ويسفك، على البناء للمفعول، فيكون ضمير «من» الموصولة، أو الموصوفة مقدرا، أي: يسفك الدماء فيهم.
__________________
(١) يوجد في ر.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) أ، ر: القرية.
(٤) أ: سفك.
و «الدماء» جمع الدم، بحذف لامه واوا كان أو ياء، لقولهم في تثنيته: دموان ودميان. «فالدماء»، أصله دماو، أو دماي. أعلت اعلال كساء ورداء.
[وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ما كتب به الرضا ـ عليه السلام ـ إلى محمد ابن سنان، في جواب مسائله في العلل: وعلة الطواف بالبيت: إنّ الله ـ عز وجل ـ قال للملائكة»: إنّي جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟» فردّوا على الله ـ عزّ وجل ـ هذا الجواب. فندموا. فلاذوا بالعرش فاستغفروا. فأحبّ الله ـ عزّ وجل ـ أن يتعبد بمثل ذلك العباد. فوضع في السماء الرابعة بيتا، بحذاء العرش. يسمى الضراح. ثمَّ وضع في السماء الدنيا بيتا.
يسمى المعمور، بحذاء الضراح. ثم وضع هذا البيت، بحذاء البيت المعمور. ثم أمر آدم ـ عليه السلام ـ فطاف به. فتاب الله ـ عز وجل ـ عليه. فجرى(٢) ذلك في ولده. إلى يوم القيامة.
وفي بصائر الدرجات(٣) : أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسين(٤) بن موسى، عن زرارة. قال: دخلت على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فسألني ما عندك من أحاديث الشيعة؟
قلت: إنّ عندي منها شيئا كثيرا. قد هممت أن أوقد لها نارا. ثمّ أحرقها.
قال: ولم؟ هات ما أنكرت منها.
فخطر على بالي الأدمون.
فقال لي: ما كان علم(٥) الملائكة حيث قالت :
__________________
(١) عيون الأخبار ٢ / ٩١.
(٢) المصدر: وجرى.
(٣) بصائر الدرجات / ٢٥٦، ح ٦.
(٤) المصدر: الحسن.
(٥) المصدر: على.
( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) ».
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(١) ، قال: حدثنا علي بن حمدون. قال: حدثنا عيسى بن مهران. قال: حدثنا فرج بن فروة. قال: حدثنا سعد(٢) ، عن صالح بن ميثم، عن أبيه. قال: بينا أنا في السوق، إذ أتاني الأصبغ بن نباتة. فقال [لي](٣) ويحك يا ميثم! لقد(٤) سمعت عن أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ(٥) آنفا، حديثا صعبا شديدا. فانه(٦) يكون كما ذكر.
قلت: وما هو؟
قال: سمعته يقول: إنّ(٧) حديثنا أهل البيت، صعب مستصعب. لا يحتمله(٨) إلّا ملك مقرب، أو نبيّ مرسل، أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان.
قال: فقمت من فوري. فأتيت أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فقلت: يا أمير المؤمنين! جعلت فداك! حديث أخبرني به الأصبغ عنك. قد ضقت به ذرعا.
قال: فما هو؟
فأخبرته به. [فتبسّم. ثمّ](٩) قال لي: إجلس يا ميثم! أو كل علم العلماء
__________________
(١) تفسير الفرات / ٦.
(٢) المصدر: سعدة.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) «عليّ بن أبى طالب ـ عليه السّلام» ـ ليس في المصدر.
(٦) الأصل ور: فان.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) المصدر: لا يتحمله.
(٩) يوجد في المصدر.
تحتمل؟ قال الله لملائكته:(١) ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. قالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ؟ ) (الى آخر الاية). فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟
قال: قلت هذه، والله، أعظم من تلك. [قال](٢) : والأخرى، من موسى ـ عليه السلام ـ أنزل الله عليه التوراة. فظن أن لا أحد في الأرض أعلم منه. فأخبره الله تعالى، أنّ في خلقي، من هو أعلم منك. وذاك إذ خاف على نبيّه العجب.
قال: فدعا ربّه أنْ يرشده إلى [ذلك](٣) العالم. فجمع(٤) الله بينه وبين الخضر ـ عليه السلام ـ فخرق السفينة. فلم يحتمل ذلك موسى. فقتل(٥) الغلام. فلم يحتمله. وأقام الجدار. فلم يحتمل(٦) ذلك. وأمّا المؤمن. قال فنبينا محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أخذ بيدي يوم الغدير، فقال(٧) : أللّهمّ من كنت مولاه، فعلي مولاه. فهل رأيت المؤمنين احتملوا ذلك؟ إلّا من عصمهم(٨) الله منهم.
ألا فابشروا. ثم ابشروا. فان الله قد خصكم بما لم يختص(٩) به الملائكة والنبيين والمؤمنين، بما احتملتم من أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ](١٠) .
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) يوجد في ر والمصدر.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) الأصل ور: قال فجمع. والمتن موافق المصدر.
(٥) المصدر: وقتل.
(٦) المصدر: يحتمله.
(٧) المصدر: فأما المؤمن. فان نبينا محمدا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أخذ بيدي يوم غدير خم فقال.
(٨) المصدر: اعتصمه.
(٩) المصدر، ر: لم يخص.
(١٠) ما بين القوسين ليس في أ.
( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) .
حال من فاعل «تجعل». يقرر معنى التعجب والاستكشاف المذكورين.
ونظيره: أتحسن إلى فلان. وأنا أحق منه بالإحسان.
والمعنى: أتستخلف عصاة؟ ونحن معصومون، أحقاء بذلك.
والمقصود، الاستفسار عن المرجح. لا العجب والتفاخر. وكأنهم علموا أن المجعول، ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره(١) : شهوية وغضبية يؤديان به، إلى الفساد. وعقلية، تدعوه إلى المعرفة. ونظروا اليها، مفردة. وقالوا: ما الحكمة في استخلاف من هو باعتبار تينك القوتين؟ لا يقتضي الحكمة إيجاده، فضلا عن استخلافه!؟ وأما باعتبار القوة العقلية، فنحن نقيم ما يتوقع منها، سليما عن المعارض.
وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين، إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل، متمرنة على الخير، كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والانصاف. ولم يعلموا أن التركيب، يفيد ما يقصر عنه الآحاد، كالاحاطة بالجزئيات. واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات، من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف ولذلك(٢) حكم عليهم، بعدم العلم، بما يعلم هو تعالى.
و «التسبيح»: تبعيد الله من السوء، وكذلك التقديس من سبح في الأرض والماء. وقدس في الأرض، إذا ذهب فيها وأبعد. ويقال: قدس، إذا طهر. لأن مطهر الشيء، مبعده عن الأقذار.
وفي كلام بعض الفضلاء: إنّ التسبيح، تنزيه الجناب الإلهي، عن النقائص.
ونفيها عنه. والتقديس، تنزيهه عن النقائص وعن صلاحية قبوله إياه وإمكانها فيه.
__________________
(١) أمد أوامره.
(٢) أ: كذلك.
فهو أبلغ من التسبيح. ولذلك أخر عنه، في هذه الآية وفي قولهم: سبوح قدوس.
و «بحمدك»، حال، أي: نسبح ونقدس، متلبسين بحمدك.
وقيل(١) : [الباء للسببية] فيتعلق بالتسبيح.
والتسبيح، اشارة إلى الثناء عليه، بالصفات الثبوتية والتقديس، إلى الثناء عليه، بالصفات السلبية.
و «اللام»، في «لك»، مزيدة لتأكيد تعلق التسبيح والتقديس به، لا لتقوية العمل، أو للتعليل.
والمعنى: نطهر نفوسنا عن المعاصي، لأجلك.
وقيل(٢) : التسبيح والتقديس، يعدى بنفسه، وباللام. فاللام في معنى يتعلق بهما.
( قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) ) :
ومن جملته «اني أعلم»، أنّ في هذا الجعل من الحكم والمصالح. وهو خفى عليكم.
روى علي بن إبراهيم في تفسيره(٣) ، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن ثابت الحذاء، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين ـ صلوات الله عليه ـ عن أبيه عن آبائه ـ صلوات الله عليهم ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أراد ان يخلق خلقا بيده. وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض، سبعة آلاف سنة. وكان من شأنه خلق آدم. (فكشف)(٤) عن أطباق السموات. وقال للملائكة :
__________________
(١) ر. البحر المحيط ١ / ١٤٣.
(٢) نفس المصدر، بتفاوت.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٦.
(٤) المصدر: كشط.
أنظروا إلى أهل الأرض من خلقي، من الجن والنسناس.
فلما رأوا ما يعملون فيها، من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق، عظم ذلك عليهم. وغضبوا لله(١) وتأسفوا على أهل الأرض. ولم يملكوا غضبهم. فقالوا: ربنا انك أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشان. وهذا خلقك الضعيف الذليل. يتقلبون في قبضتك. ويعيشون برزقك. ويتمتعون بعافيتك.
وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام. لا تأسف عليهم، ولا تغضب، ولا تنتقم لنفسك، لما تسمع منهم وترى؟ وقد عظم ذلك علينا. وأكبرناه فيك.
قال: فلما سمع ذلك من الملائكة، قال:( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) تكون(٢) حجة لي في أرضي(٣) ، على خلقي.
فقال(٤) الملائكة: سبحانك! أتجعل فيها من يفسد فيها، كما أفسد بنو الجان؟
ويسفكون الدماء، كما سفك(٥) بنو الجان؟ ويتحاسدون؟ ويتباغضون؟ فاجعل ذلك الخليفة منا. فانا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء. ونسبح بحمدك. ونقدس لك.
قال ـ جل وعز ـ:( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) . اني أريد أن أخلق خلقا بيدي. وأجعل من ذرية الأنبياء والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين. وأجعلهم خلفائي في أرضي(٦) . ينهونهم عن معصيتي. وينذرونهم من عذابي. ويهدونهم الى
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) المصدر: يكون.
(٣) المصدر: في الأرض.
(٤) المصدر: فقالت.
(٥) كذا في المصدر. والأصل ور: يسفكوا.
(٦) المصدر: أنبياء ومرسلين وعبادا صالحين وائمة مهتدين. وأجعلهم خلفاء على خلقي في أرضى.
طاعتي. ويسلكون بهم طريق سبيلي. وأجعلهم لي حجة عليهم، عذرا نذرا(١) .
وأبيد النسناس من أرضي. وأطهرها منهم. وأنقل مردة الجن العصاة، من بريتي وخلقي وخيرتي. وأسكنهم في الهواء وأقطار الأرض. فلا يجاورون نسل خلقي.
وأجعل بين الجن وبين خلقي، حجابا. فلا يرى نسل خلقي الجن. ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم(٢) . فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم، أسكنتهم مساكن العصاة وأوردتهم(٣) موردهم. ولا أبالي.
قال(٤) : فقالت الملائكة: يا ربنا! افعل ما شئت. لا علم لنا، إلّا ما علمتنا.
انك أنت العليم الحكيم.
قال: فباعدهم الله من العرش، مسيرة خمسمائة عام.
قال: فلاذوا بالعرش. وأشاروا بالأصابع. فنظر الرب ـ عز وجل ـ اليهم.
ونزلت الرحمة. فوضع لهم البيت المعمور.
فقال: طوفوا به. ودعوا العرش. فانه لي رضا.
فطافوا به. وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون الف ملك. لا يعودون إليه(٥) ، أبدا. فوضع الله البيت المعمور، توبة لأهل السماء. ووضع الكعبة، توبة لأهل الأرض.
فقال الله ـ تبارك وتعالى:( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ، مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) (٦) .
__________________
(١) «عذرا نذرا»، ليس في المصدر.
(٢) أ: يجالسوهم ولا يخالطوهم.
(٣) المصدر: وأسكنتهم. أوردتهم.
(٤) ليس في أ.
(٥) «اليه»، ليس في المصدر وهو الظاهر.
(٦) الحجر / ٢٨.
قال(١) : وكان ذلك تقدمة(٢) من الله، في آدم، قبل أن يخلقه واحتجاجا منه عليهم. فاغترف ربنا ـ عز وجل ـ عرفه بيمينه من الماء العذب الفرات. وكلتا يديه، يمين. فصلصلها في كفه، حتى جمدت.
فقال لها: منك أخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين والدعاة إلى الجنة وأتباعهم، إلى يوم القيامة. ولا أبالي. ولا أسأل عما أفعل. وهم يسألون.
ثم اغترف غرفة أخرى، من الماء المالح الأجاج. فصلصلها في كفه. فجمدت.
ثم قال لها: منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة واخوان الشياطين والدعاة إلى النار، إلى يوم القيامة وأشياعهم. ولا أبالي. ولا أسأل عما افعل. وهم يسألون.
قال: وشرط(٣) في ذلك البداء فيهم(٤) .
ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء(٥) .
ثم خلط(٦) الماءين، جميعا في كفه، فصلصلهما. ثم كفأهما(٧) قدام عرشه، وهما سلالة من طين. ثم أمر الله الملائكة الأربعة، الشمال والجنوب والصبا والدبور، أن يجولوا على هذه السلالة الطين(٨) .
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: شرطه.
(٤) ليس في أ.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: أخلط.
(٧) المصدر: كفهما.
(٨) المصدر: من الطين.
فأجروها(١) . وأنشوها. ثم أبروها(٢) . وجزّؤها. وفصّلوها. وأجروا فيها الطبائع الأربعة: الريح والدم والمرة والبلغم. فجالت الملائكة عليها. وهي الشمال والجنوب والصبا والدبور. وأجروا فيها [الطبائع الأربعة](٣) : الريح في الطبائع الأربعة، من ناحية الشمال. والبلغم في الطبائع الأربعة، من ناحية الصبا. والمرة في الطبائع الأربعة، من ناحية الدبور. والدم في الطبائع الأربعة، من ناحية الجنوب.
قال: فاستقلت(٤) النسمة. وكمل البدن. فلزمه من ناحية الريح، حب النساء وطول الأمل والحرص. ولزمه من ناحية البلغم، حب الطعام والشراب والبر والحلم والرفق. ولزمه من ناحية المرة، الغضب(٥) والسفه والشيطنة [والتجبر](٦) والتمرد والعجلة. [ولزمه](٧) من ناحية الدم، حب [الفساد و](٨) اللذات وركوب المحارم والشهوات.
قال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: وجدناه في كتاب عليٍّ ـ عليه السلام ـ فخلق الله آدم. فبقي أربعين سنة مصورا. فكان يمر به إبليس اللعين [فيقول](٩) : لأمر ما خلقت؟
فقال العالم: فقال إبليس: لأن أمرني الله بالسجود، لهذه لعصيته(١٠) .
__________________
(١) أ، المصدر: فأمروها.
(٢) أ: أبزوها، المصدر: أنزوها.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) أ: فاستهلت.
(٥) المصدر: الحب والغضب.
(٦ و ٧ و ٨ و ٩) يوجد في المصدر.
(١٠) كذا في المصدر وفي الأصل ور. ولعل الصواب: لأعصينه.
قال ثم نفخ فيه. فلما بلغت الروح إلى دماغه، عطس(١) . فقال: الحمد لله.
فقال الله: يرحمك الله.
قال الصادق ـ عليه السلام ـ: سبقت له من الله الرحمة.
[وفي الكافي(٢) : عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي عباد عمران بن عطية، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: بينا أبي ـ عليه السلام ـ وأنا في الطواف، إذ أقبل رجل شرجب من الرجال.
فقلت: وما الشرجب؟ أصلحك الله.
قال الطويل. فقال: السلام عليكم. وأدخل رأسه بيني وبين أبي.
قال: فالتفت إليه أبي وأنا. فرددنا عليه السّلام.
ثمّ قال: أسألك ـ رحمك الله ـ؟
فقال له أبي: نقضي طوافنا، ثمّ تسألني.
فلمّا قضى أبي الطواف، دخلنا الحجر. فصلّينا الركعات(٣) .
ثمّ التفت، فقال: أين الرجل؟ يا بني! فإذا هو. ورآه قد صلّى.
فقال: ممن الرجل؟
قال: من أهل الشام.
قال(٤) : ومن أيُّ أهل الشام؟
فقال: ممن يسكن بيت المقدس.
__________________
(١) المصدر: عطس عطسة جلس منها.
(٢) الكافي ٤ / ١٨٧، ح ١.
(٣) المصدر: الركعتين. وهو الظاهر.
(٤) المصدر: فقال.
فقال: قرأت الكتابين؟
قال: نعم.
قال: سل عما بدا لك.
قال: أسألك عن بدء(١) هذا البيت وعن قوله( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) (٢) وعن قوله( وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (٣) .
فقال: يا أخا أهل الشام! إسمع حديثنا. ولا تكذب علينا. فانّ(٤) من كذّب علينا في شيء، فقد كذّب على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومن كذّب على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقد كذب على الله. ومن كذب على الله، عذّبه الله ـ عزّ وجل ـ أما بدء(٥) هذا البيت، فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قال للملائكة:( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) . فردت الملائكة على الله تعالى. فقالت :»( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها. وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) . فأعرض عنها. فرأت أنّ في ذلك من سخطه. فلاذت بعرشه. فأمر الله ملكاً من الملائكة، أن يجعل له بيتا في السماء السادسة، يسمى الضراح، بإزاء عرشه. فصيّره لأهل السماء. يطوف به سبعون ألف ملك، في كل يوم. لا يعودون. ويستغفرون. فلما أن هبط آدم إلى السماء الدنيا، أمره بمرمّة هذا البيت. وهو بإزاء ذلك. فصيّره لآدم وذريته، كما صيّر ذلك لأهل السماء.
قال: صدقت، يا بن رسول الله!
علي بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر وابن محبوب،
__________________
(١) ر: بدو.
(٢) القلم / ١.
(٣) المعارج / ٢٤.
(٤) المصدر: فانه.
(٥) ر: بدو.
(٦) نفس المصدر ٤ / ١٨٨، ح ٢.
جميعا، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن مروان. قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: كنت مع أبي في الحجر. فبينما هو قائم يصلي، إذ أتاه رجل، فجلس اليه. فلما انصرف، سلم عليه. ثم قال: اني اسألك عن ثلاثة أشياء.
لا يعلمها إلّا أنت ورجل آخر.
قال: ما هي؟
قال: أخبرني أي شيء كان سبب الطواف، بهذا البيت؟
فقال: إنّ الله تعالى، لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم ـ عليه السلام ـ فردوا(١) عليه. فقالوا:( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ؟ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ. وَنُقَدِّسُ لَكَ ) . قال الله ـ تبارك وتعالى:( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) . فغضب عليهم.
ثم سألوه التوبة. فأمرهم أن يطوفوا بالضراح. وهو البيت المعمور. ومكثوا يطوفون به، سبع سنين ويستغفرون الله تعالى مما قالوا. ثم تاب عليهم، من بعد ذلك. ورضي عنهم. فهذا كان أصل الطواف. ثم جعل الله البيت الحرام، حذو الضراح، توبة لمن أذنب من بني آدم وطهورا لهم.
فقال: صدقت.
وفي كتاب علل الشرايع(٢) : حدثنا محمد بن الحسن. قال: حدثنا محمد ابن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لما أحب أن يخلق خلقا بيده. وذلك بعد ما مضى، من الجن والنسناس في الأرض، سبعة آلاف سنة.
__________________
(١) المصدر: ردوا.
(٢) علل الشرايع / ١٠٤ ـ ١٠٥.
قال: فلما(١) كان من شأنه(٢) أن يخلق آدم ـ عليه السلام ـ للذي أراد من التدبير والتقدير، لما هو مكونه في السماوات والأرض وعلمه لما أراد من ذلك كله، كشط عن أطباق السماوات، ثم قال للملائكة: أنظروا أهل الأرض من خلقي، من الجن والنسناس. فلما رأوا ما يعملون فيها، من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق، عظم ذلك عليهم. وغضبوا لله. وأسفوا على أهل الأرض(٣) .
ولم يملكوا غضبهم أن قالوا: يا رب! أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن. وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك. يتقلبون في قبضتك. ويعيشون برزقك. ويستمتعون بعافيتك. وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام. لا تأسف.
ولا تغضب. ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى. وقد عظم ذلك علينا. وأكبرناه فيك. فلما سمع الله ـ عز وجل ـ ذلك من الملائكة، قال: انى جاعل في الأرض خليفة لي، عليهم. فيكون حجة لي، عليهم في أرضي، على خلقي. فقالت الملائكة: سبحانك! أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. ونحن نسبح بحمدك. ونقدس لك. [و](٤) قالوا: فاجعله منا. فانا لا نفسد في الأرض. ولا نسفك الدماء.
قال الله ـ جل جلاله ـ: يا ملائكتي! اني أعلم ما لا تعلمون. اني أريد أن أخلق، خلقا بيدي. أجعل ذريته أنبياء مرسلين وعبادا صالحين وأئمة مهتدين، أجعلهم خلفائي على خلقي، في أرضي. ينهونهم عن المعاصي(٥) . وينذرونهم عذابي. ويهدونهم إلى طاعتي. ويسلكون بهم طريق سبيلي. وأجعلهم حجة لي، عذرا ونذرا. وأبين النسناس من أرضي. فأطهرها منهم. وأنقل مردة الجن العصاة ،
__________________
(١) المصدر: ولما.
(٢) المصدر: شأن الله.
(٣) المصدر: الأرض.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) كذا في المصدر. والأصل ور: معاصى.
عن بريتي وخلقي وخيرتي. وأسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض. لا يجاورون نسل خلقي. وأجعل بين الجن وبين خلقي، حجابا. ولا يرى نسل خلقي الجن.
ولا يؤانسونهم. ولا يخالطونهم. ولا يجالسونهم(١) . فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم لنفسي، أسكنتهم مساكن العصاة وأوردتهم مواردهم. ولا أبالي.
فقالت الملائكة: يا ربنا! افعل ما شئت. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٢) إلى يحيى بن أبي العلا الرازي، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السلام ـ: وقد سأله رجل فقال: وأخبرني عن هذا البيت، كيف صار فريضة على الخلق أن يأتوه؟
قال: [فالتفت أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ إليه وقال: ما سألني عن مسألتك أحد قط قبلك](٣) ان الله ـ عز وجل ـ لما قال للملائكة: اني جاعل في الأرض خليفة، فضجت الملائكة من ذلك. وقالوا: يا رب! ان كنت لا بد جاعلا في أرضك(٤) خليفة، فاجعله منا من يعمل في خلقك بطاعتك.
فرد عليهم: اني أعلم ما لا تعلمون.
فظنت الملائكة أن ذلك، سخط من الله ـ عز وجل ـ عليهم. فلاذوا بالعرش.
يطوفون به. فأمر الله ـ عز وجل ـ لهم، ببيت من مرمر، سقفه ياقوتة حمراء وأساطينه الزبرجد. يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يدخلونه بعد ذلك، إلى يوم القيامة(٥) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: لا يجانسونهم.
(٢) علل الشرايع / ٤٠٢، ضمن حديث ٢.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: جاعل في الأرض.
(٥) المصدر: إلى يوم الوقت المعلوم.
وبإسناده(١) ، إلى علي بن حديد، عن ابن أبي عمير، عن بعض(٢) أصحابنا، عن أحدهما ـ عليهما السلام ـ أنه سئل عن ابتداء الطواف. فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لما أراد خلق آدم ـ عليه السلام ـ قال للملائكة:( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) .
فقال ملكان من الملائكة:( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) ؟
فوقعت الحجب، فيما بينهما وبين الله ـ عز وجل ـ وكان ـ تبارك وتعالى ـ نوره ظاهرا للملائكة. فلما وقعت الحجب، بينه وبينهما، علما أنه قد سخط قولهما.
فقالا للملائكة: ما حيلتنا؟ وما وجه توبتنا؟
فقالوا: ما نعرف لكما من التوبة، إلّا أن تلوذا(٣) بالعرش.
قال: فلاذا(٤) بالعرش، حتى أنزل الله ـ عز وجل ـ توبتهما. ورفعت الحجب فيما بينه وبينهما. وأحب الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يعبد بتلك العبادة. فخلق الله البيت في الأرض. وجعل على العباد الطواف حوله. وخلق البيت المعمور في السماء. يدخله كل يوم، سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
وبإسناده(٥) إلى أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين. قال: قلت لأبي عبد الله(٦) ـ عليه السلام ـ: لم صار الطواف، سبعة أشواط؟
قال: لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ قال للملائكة:( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) .
فردوا على الله ـ تبارك وتعالى ـ وقالوا:( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) .
__________________
(١) نفس المصدر / ٤٠٣، ح ٣.
(٢) ليس في المصدر.
(٣ و ٤) كذا في المصدر وفي الأصل: تلوذوا. فلاذوا.
(٥) نفس في المصدر / ٤٠٦ ـ ٤٠٨، ح ١.
(٦) ليس في المصدر.
قال الله:( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) . وكان لا يحجبهم عن نوره. فحجبهم عن نوره، سبعة آلاف عام. فلاذوا بالعرش، سبعة آلاف سنة. فرحمهم. وتاب عليهم.
وجعل لهم البيت المعمور الذي في السماء الرابعة. فجعله(١) مثابة. ووضع البيت الحرام، تحت البيت المعمور. فجعله مثابة للناس وأمنا. فصار الطواف، سبعة أشواط، واجبا على العباد، لكل ألف سنة، شوطا واحدا.
وفي عيون الأخبار(٢) ، بإسناده إلى الحسين بن بشار، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ(٣) . قال: سألته، أيعلم الله الشيء الذي لم يكن؟ ان لو كان، كيف كان يكون؟
فقال: إنّ الله هو العالم بالأشياء، قبل كون الأشياء. قال ـ عز وجل ـ:( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٤) وقال لأهل النار:( وَلَوْ رُدُّوا، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) (٥) . فقد علم ـ عز وجل ـ أن لو ردهم(٦) ، لعادوا لما نهوا عنه. وقال للملائكة، لما قالت:( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ. وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ. وَنُقَدِّسُ لَكَ، قالَ: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) ».
فلم يزل الله ـ عز وجل ـ علمه سابق الأشياء(٧) ، قديما، قبل أن يخلقها. فتبارك الله ربنا. وتعالى علوّا كبيرا. خلق الأشياء كما شاء(٨) . وعلمه بها، سابق لها، كما
__________________
(١) المصدر: وجعله.
(٢) عيون الأخبار ١ / ١١٨، ح ٨.
(٣) المصدر: أبى الحسن على بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ.
(٤) الجاثية / ٢٩.
(٥) الانعام / ٢٨.
(٦) المصدر: انه لو ردوهم.
(٧) المصدر: سابقا للأشياء.
(٨) «كما شاء»، ليس في المصدر.
شاء. كذلك ربنا. لم يزل ربا عالما سميعا بصيرا.
وفي كتاب علل الشرايع(١) : بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سأل أبي ـ عليه السلام ـ رجل. وقال: حدثني عن الملائكة، حين ردوا على الرب، حيث غضب عليهم. وكيف رضي عنهم؟
فقال: إنّ الملائكة، طافوا بالعرش، سبع سنين(٢) . يدعونه. ويستغفرونه.
ويسألونه أن يرضى عنهم. فرضي عنهم، بعد سبع [سنين](٣) .
فقال: صدقت. ومضى.
فقال أبي ـ عليه السلام ـ: هذا جبرئيل ـ عليه السلام ـ أتاكم يعلمكم معالم دينكم. والحديث طويل. أخذت منه، موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(٤) : روى عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ الملائكة سألت الله تعالى، أن يجعل الخليفة منهم. وقالوا: نحن نقدسك. ونطيعك. ولا نعصيك كغيرنا.
قال: فلما أجيبوا بما ذكر في القرآن، علموا أنهم تجاوزوا ما لهم. فلاذوا بالعرش، استغفارا. فأمر الله تعالى آدم، بعد هبوطه، أن يبني في الأرض بيتا، يلوذ به المخطئون، كما لاذ بالعرش الملائكة المقربون. فقال الله تعالى للملائكة اني أعرف بالمصلحة منكم. وهو معنى قوله: أعلم ما لا تعلمون](٥) .
( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) :
__________________
(١) علل الشرايع / ٤٠٧، مقاطع من ح ٢.
(٢) المصدر: سبعة آلاف سنة.
(٣) يوجد في ر والمصدر.
(٤) مجمع البيان ١ / ٧٥.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
وذلك اما بخلق علم ضروري بها فيه، أو إلقاء في روعه، لا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل.
و «التعليم»: جعل الشيء، عارفا بشيء، من غير انتساب حكم اليه، من العلم المتعدي إلى مفعول واحد.
و «الاعلام»: جعل الشيء، عالما بنسبة بين الشيئين. من العلم، المتعدي إلى مفعولين.
و «آدم»: اما من الأدمة ـ بضم الهمزة ـ أي: السمرة. والادمة ـ بفتحها ـ أي: الأسوة. أو الأدم والأدمة ـ بالفتح ـ، أي: الألفة. أو أديم الأرض، لما روي: أنه خمرت طينته، من جميع وجه الأرض. وهو أديمها. ولذلك يأتي بنوه أصنافا(١) .
[وفي كتاب علل الشرائع(٢) : بإسناده إلى محمد الحلبي، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّما سمي آدم، آدم، لأنه خلق من أديم الأرض.
وبإسناده(٣) إلى عبد الله بن يزيد بن سلام، أنه سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال: أخبرني عن آدم، لم سمي آدم؟
قال: لأنه من طين الأرض وأديمها].
ووزنه على هذه التقادير، أفعل، أو إسم أعجمي على فاعل، كآذر وعاذر وشالخ. فلا يكون مشتقا مما ذكر. لأن اشتقاق الأعجمي من العربي. غير معهود.
قيل(٤) : وهو أولى والأول، تعسف(٥) كاشتقاق إدريس، من الدرس ويعقوب، من العقب وإبليس من الإبلاس. وهو اليأس.
__________________
(١) ر. علل الشرايع ١ / ٢، ح ١.
(٢) نفس المصدر ١ / ١٤، ح ١.
(٣) نفس المصدر ١٢ / ٤٧، ح ٣٣.
(٤) ر. الكشاف ١ / ١٢٥.
(٥) أ: نصف.
والاسم في اللغة، ما يكون علامة الشيء. يرفعه من مكمن الخفاء، إلى منصّة الظهور، من الألفاظ والصفات والأفعال. وفي العرف، اللفظ الموضوع لمعنى، مركبا أو مفردا. فعلا كان، أو حرفا، أو غيرهما. وفي الاصطلاح، يخص القسم الأخير. والاول والثاني، متلازمان هنا.
فان العلم بالألفاظ، من حيث الدلالة، متوقف على العلم بالمعاني.
والمعنى: أنه سبحانه، أراه الأجناس التي خلقها. وألقى في روعه: إنّ هذا، اسمه فرس. وهذا، اسمه بعير. وهذا، اسمه كذا. وهذا، اسمه كذا. وعلّمه أحوالها وما يتعلق بها، من المنافع الدينية والدنيوية.
والذي يدل على ارادة العموم، ما رواه الشيخ الطبرسي، عن الصادق ـ عليه السلام ـ(١) أنه سئل عن هذه الاية. فقال: الأرضين والجبال والشعاب والأودية.
ثم نظر إلى بساط تحته، فقال: وهذا البساط، مما علّمه.
[وفي بصائر الدرجات(٢) : أحمد بن محمد ويعقوب بن يزيد، عن الحسن ابن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال: إنّ(٤) الله مثل لي أمتي، في الطين. وعلمني أسماءهم [كلها](٥) كما علم آدم الأسماء، كلها.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٧٦.
(٢) بصائر الدرجات / ١٠٣، صدر حديث ١.
(٣) المصدر: محمد بن الحلبي.
(٤) «ان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال :» ليس في المصدر. والظاهر أنه سقط منه.
(٥) يوجد في المصدر.
محمد بن عيسى(١) ، عن النضر بن سويد، عن الحسين بن موسى، عن الحسين بن زياد، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ [قال](٢) : أهدي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ والجوج. فيه حب مختلط. فجعل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يلقي إلى علي، حبة حبة. ويسأله أي شيء هذا. وجعل علي يخبر.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أما ان جبرئيل أخبرني أن الله علمك إسم كل شيء، كما علم آدم الأسماء، كلها.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) ، قوله:( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ، كُلَّها ) قال: أسماء الجبال والبحار والأودية والنبات والحيوان](٤) .
وأما ما رواه رئيس المحدثين، في كتاب كمال الدين وتمام النعمة(٥) ، بإسناده عن الصادق، جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ علم آدم ـ عليه السلام ـ أسماء حجج الله تعالى، كلها. ثم عرضهم وهم أرواح، على الملائكة( . فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) بأنكم أحقاء(٦) بالخلافة في الأرض، لتسبيحكم وتقديسكم، من آدم.
( قالُوا: سُبْحانَكَ! لا عِلْمَ لَنا، إِلَّا ما عَلَّمْتَنا. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .
قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( يا آدَمُ! أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ) .
( فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ) ، وقفوا على عظيم منزلتهم، عند الله تعالى ذكره. فعلموا
__________________
(١) نفس المصدر / ٤٣٨، ح ١.
(٢) يوجد في ر والمصدر.
(٣) تفسير القمي ١ / ٤٥.
(٤) ما بين القوسين: ليس في أ.
(٥) كمال الدين ١ / ١٣ ـ ١٤، مقدمة المصنف.
(٦) المصدر: أحق.
أنهم(١) أحقاء(٢) بأن يكونوا خلفاء الله، في أرضه وحججه على بريته. ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم. وقال لهم: الم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض؟ وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟
فيدل على العموم ـ أيضا ـ فان المعنى علم آدم ـ عليه السلام ـ أسماء الأشياء، أي: صفاتهم المختصة بهم وصفات حججه ـ صلوات الله عليهم ـ أيضا، ليظهر أنهم أحقاء بأن يكونوا خلفاء في أرضه. فانه لو لم يعلم أسماء الأشياء، لجاز عند عقولهم، مساواة جميع ما سواهم، في تلك الأسماء، فلا يظهر أحقية الحجج، بالخلافة.
لا يقال: المراد أحقيتهم، بالنسبة إلى الملائكة. وهو يظهر، بتعليم أسمائهم، فقط.
قلنا: نعم. لكن أحقيتهم بالنسبة إلى سائر ما من نوعهم، كأنه معلوم للملائكة.
والنزاع، إنّما وقع في أحقيتهم بالنسبة اليهم. لكن يظهر من تنزيههم فيما بعد واطمئنانهم أنه تعالى أظهر خاصية جميع الأشياء وأحوالها لهم وظهر لهم المزيّة.
هكذا، حقق المقام، حتى تتفطن لما قاله العلامة السبزواري، في الجمع بين الحديثين، من أن الأخير، لا ينافي العموم. لأنه ـ عليه السلام ـ يمكن أن يقتصر في هذا الحديث، على ما هو الأهم في هذا المقام وهو إراءتهم الأنبياء والأوصياء، خصوصا، خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين وأولاده المعصومين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ.
وقرئ: وعلم آدم الأسماء ـ على البناء للمفعول ـ.
( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ) :
__________________
(١) المصدر: أحق.
(٢) أ: أنه.
وقرأ أبيّ: ثم عرضها. وقرأ ابن مسعود: ثم عرضهن.
والضمير على الاول، للمسميات: اما على الاستخدام. وهو أن يذكر لفظ وأريد معنى. وبضميره، معنى آخر، كقوله :
إذا نزل السماء بأرض قوم |
رعيناه. وان كانوا غضابا |
أريد بالسماء، المطر وبضميره، النبت النابت به.
أو على حذف المضاف إليه وإقامته مقامه، في افادة تعريف المضاف، نحو :«واشتعل الرأس شيبا». ويكون من تغليب العقلاء الذكور، على غيرهم.
وعلى الثاني والثالث، للأسماء: اما على الاستخدام ـ ايضا ـ أو على حذف مضاف.
والمعنى: عرض مسمياتهن، أو مسمياتها.
( فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ) :
الانباء: اخبار، فيه اعلام.
فطلب العالم الانباء، بما يعلمه، تحصيل للحاصل. وأمر الجاهل بالانباء بما يجهله، تكليف بما لا يطاق.
فالأمر هنا، ليس على حقيقته. بل لإظهار عجزهم، عن أمر الخلافة. فان الجاهل بأحوال المستخلف عليهم، لا يتأتى منه ذلك.
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) ) فيما يلزم مقالتكم. وهي أتجعل فيها ـ إلى آخره ـ من دعوى استحقاقكم الخلافة.
والتصديق، يتعلق بالانشاء، باعتبار لازمه.
والمعنى: إنّ كنتم صادقين في دعواكم استحقاق الخلافة، فأنبئوني بأسماء المستخلف عليهم وأحوالهم. فان منصب الخلافة، لا يتيسر بدون ذلك.
( قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا )
سبحان: مصدر، كغفران. ويندر انقطاعه عن الاضافة. ويمتنع، حينئذ، من الصرف. ويحكم عليه، بأنه علم لجنس التسبيح، قال: سبحان من علقمة الفاخر.
وإذا أضيف، ينتصب بفعل مضمر، نحو: معاذ الله.
وتصدير الكلام به، لتنزيه الحق سبحانه، عن منقصة ينبئ الكلام عنها، بالنسبة إلى غيره، كنفي العلم في الاية. والتوبة المنبئة عن الذنب، في قول موسى ـ عليه السلام ـ:( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) (١) . ونسبة الظلم، في قول يونس ـ عليه السلام ـ:( سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (٢) .
وهو، إمّا مصدر مضاف إلى المفعول، إنْ كان قائما مقام فعل متعد، مثل: نسبحك. أو إلى الفاعل، إنْ كان قائم مقام فعل لازم، مثل: تنزهت.
والتقدير في قوله( إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ) ، إمّا إلّا علم ما علمتنا، أو بسبب ما علّمتنا، إنْ كان «ما» موصولا، أو بسبب تعليمك إيانا، إنْ كانت مصدرية. أو لا علم لنا إلّا ما أعطيتناه، على أنْ يراد بالتعليم، جزء معناه. فانّ التعليم، إعطاء العلم.
( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) ) الذي لا يخفى عليك خافية. الحكيم المحكم، لمبدعاته الذي لا يفعل إلّا ما فيه، حكمة بالغة.
و «أنت»، فصل، أو تأكيد للكاف، كما في مررت بك أنت، وقد يجوز في المتبوع ما لايجوز في التابع نحو: يا هدا الرجل، أو مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر أنّ.
قال العلّامة السبزواري: يمكن أن يقال في بيان أنّهم كيف يعلمون أنّ ما قرّره آدم وبيّنه لهم حق وصدق أنّهم علموا بذلك لما شاهدوا تصديق الله إياه، أو خلق العلم الضروري فيهم عقيب تقريره، أو تصديق الملائكة الكروبين إياه فيما ناله، أو حصول العلم عن المجموع بمجموع ما قاله وبيّنه على طريق التوزيع، فلمّا سمع الكلّ الكل صدّقوه في الجميع لمطابقة علمهم وتصديق نظرائهم، أو علمهم نبوّته وبعثته على الجان وعلى أولاده اللذين سيود من صلبه بإخبار الله تعالى إيّاهم، أو بظهور خوارق العادة على يده مقارناً لدعوى النبوّة.
وأقول: يحتمل أن يكون ذلك بإراءَتهم عند ذلك في اللوح المحفوظ فيحصل لهم المطابقة مع ما فيه ليست حقيقيّة ولا مانعة الجمع وهو ظاهر العلم، فعلى هذا يلزم على العلّامة إمّا إثبات قسم آخر للمنفصلة، أو إبطال منفصلته. لأنها ليست حقيقية، ولا مانعة الجمع. وهو ظاهر. ولا مانعة الخلو، لجواز ارتفاع جميع تلك الوجوه، لما ذكرنا. أللّهمّ إلّا أن يقال: أنّها ليست منفصلة. ولا يخفى ما فيه.
[وفي كتاب التوحيد(٣) : خطبة لعليٍّ ـ عليه السلام ـ ويقول فيها: عجزت
__________________
(١) الاعراف / ١٤٣.
(٢) الأنبياء / ٨٧.
(٣) التوحيد / ٥٠.
الملائكة على قربهم من كرسي كرامته وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزه وقربهم من غيب ملكوته، أن يعلموا من أمره، إلّا ما أعلمهم. وهم من ملكوت القدس، بحيث هم. ومن معرفته، على ما فطرهم عليه، أن( قالُوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) . فما ظنك أيها السائل، من هو هكذا؟](١) .
( قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ) :
للرد عليهم. والتنبيه على أن فيمن يستخلفه، فضيلة العلم التي هي مناط استتهال الاستخلاف.
وقرئ بقلب الهمزة، ياء وبحذفها، أيضا. والهاء، مكسورة فيهما.
فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ألم أقل لكم حيث قلت، اني أعلم ما لا تعلمون.
( إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) :
فان ما لا يعلمون، أعم من غيب السماوات والأرض. والقول بالعلم الأعم، على وجه الشمول، قول بالعلم، بالأخص.
( وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) ) :
هذا ـ أيضا ـ من تتمة مقول القول. وإنّما يلزم القول به، بالطريق الأولى.
لأنه إذا علم ما لا يعلمون فبالطريق الأولى، يعلم ما يعلمون.
والمراد بالأول، أحوالهم الظاهرة. وبالثاني، الباطنة.
أو، بالأول، قولهم أتجعل ـ إلى آخره ـ وبالثاني، ما يلزمه من استبطانهم، أنهم أحقاء بالخلافة.
أو، بالأول، ما أظهروا من الطاعة. وبالثاني، ما أسر منهم إبليس، من المعصية.
__________________
(١) ما بين القوسين، ليس في أ.
وفي الآية دلالة :
على أن العلوم، كلها، من جهته تعالى. والأمر، كذلك. لأنها، اما ضرورية، فعلها الله، أو نظرية، أقام الأدلة عليها. فالعلم كله، من عند الله.
وعلى شرف الإنسان، من حيث أنه انسان.
وعلى مزيّة العلم، على العبادة.
وعلى أنه شرط في الخلافة.
وأنه لا يكون الأسفل، خليفة للأفضل. وأن له شرف التقدم. وقد قال:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .
قال بعض الفضلاء: وتأويل الآية في بعض بطونها، أن الله سبحانه «علم آدم»، أي: الأناسي الكاملين «أسماءه كلها»، سواء كانت إلهية، أو كونية. فان الحقيقة الانسانية الكمالية أحدية، جمع(٢) الحقائق المظهرية الكمالية. والأسماء الالهية الظاهرة فيها وبها. فان الكل، اسماء وتعينات وجوده. وتعليمهم إياه، عبارة عن جعلهم عارفين بما، في أنفسهم.
«ثم عرضهم»، أي: أوردهم في معرض المعارضة، للملائكة. فقال لهم، أي: للملائكة: «أنبئوني» من حيث ظهوري فيهم. فان انبائي من هذه الحيثية، انباؤهم بأسماء هؤلاء الأناسي الكاملين، أي: بأسمائي المودعة فيهم، إلهية كانت أو كونية. وإنباءكم عنها، لا يتصور الا بتحققكم بها والظهور بأحكامها.
قالوا: سبحانك لا علم لنا بتلك الأسماء، إلّا بما علمتنا بايداعه فينا.
وجعلنا عارفين به. وذلك لا يستوعب جميع تلك الأسماء. فكيف ننبئهم بها؟( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ ) بما فينا وفيهم، «الحكيم» المجري علينا أحكامنا، على ما يقتضيه
__________________
(١) الزمر / ٩.
(٢) ر: جميع.
علمك. وبهذا ظهر عدم استحقاق الملائكة للخلافة. لأن من شرطها الاحاطة بأحوال المستخلف عليه.
ثم أقبل سبحانه، على آدم، لإظهار استحقاقه لها. «فقال:( يا آدَمُ! أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ) المودعة فيهم. فإنها بعض ما أودعنا فيك. فعلمك بتفاصيل ما فيك، يستلزم العلم بما فيهم.
( فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، قالَ ) لهم:( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ ) سماوات الأسماء، أي: ما استجن فيها، من الأحكام والآثار وغيب أرض الحقائق الإمكانية، من الاستعدادات الغير الظاهر، إلّا بعد ظهور أحكام الأسماء وآثارها فيها. «وأعلم ما تبدون» لاقتضاء استعدادكم ابدائها، من تلك الأحكام والآثار. «وأعلم ما كنتم تكتمون» لعدم وفاء استعدادكم، بإبدائه.
وانما قال، أولا، أنبئوني، وثانيا، أنبئهم، اشارة إلى صحة اسناد الأفعال وإيقاعها على كل من الظاهر والمظهر.
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) :
عطف على الظرف السابق. ان نصبته بمضمر. وإلّا عطف، مع ما يقدّر عاملا فيه، على الجملة المتقدّمة، لبيان نعمة رابعة عامة لجميع الناس.
والمراد بالملائكة، كلهم.
وقيل: المراد، ما عدا الملائكة المهيمنين الذين منذ خلقوا، هاموا في جمال الله وجلاله. ولا شعور لهم، بوجود العالم. فكيف بوجود آدم؟ وبعد ذلك، اما مخصوصة بملائكة الأرضين، أو أعم.
قيل: وهذا القول، بعد الانباء واظهار فضل آدم، على الملائكة.
والأظهر، أنه أمرهم به، قبل أن يسوى خلقه، لقوله تعالى:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) (١) ، امتحانا لهم وإظهارا لفضله. ولما
__________________
(١) ص / ٧٢.
رويناه سابقا، من قول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وكان ذلك من الله، تقدمة في آدم، قبل أن يخلقه واحتجاجا منه عليهم.
و «السجود»: الخضوع والتذلل. وصورته الكاملة، وضع الجبهة على الأرض. وهو لله سبحانه، على سبيل العبادة ولغيره على وجه التكرمة.
والمسجود له، اما الله سبحانه. وآدم، جعل قبلة. فاللام فيه، كاللام في قول حسان :
أليس أول من صلى لقبلتكم |
وأعرف الناس بالقرآن والسنن؟ |
أو سببا لوجوبه. فاللام فيه كاللام في قوله:( أَقِمِ الصَّلاةَ، لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) (١) .
أو آدم. فاللام فيه، كاللام، في قولهم: سجدت له.
( فَسَجَدُوا ) :
قيل: الضمير راجع إلى المأمورين بالسجود، أعم من الملائكة والجن.
فان الجن كانوا ـ ايضا ـ مأمورين. لكنّه استغنى بذكر الملائكة، عن ذكرهم.
فانه إذا علم، أن الأكابر، مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به، علم ـ أيضا ـ أن الأصاغر مأمورون به.
[وفي تفسير العياشي(٢) : عن بدر بن خليل الأسدي، عن رجل من أهل الشام، قال: قال أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: أول بقعة، عبد الله عليها، ظهر الكوفة، لما أمر الله الملائكة، أن يسجدوا لآدم. سجدوا على ظهر الكوفة](٣) .
( إِلَّا إِبْلِيسَ ) :
اختلفوا في أنه من الملائكة، أو من الجن. والحق هو الثاني. يدل عليه ،
__________________
(١) الاسراء / ٧٨.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٣٤، ح ١٨.
(٣) ما بين القوسين، ليس في أ.
ما رواه علي بن إبراهيم(١) .
قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سئل عما ندب الله الخلق(٢) اليه، أدخل فيه الضلّال؟
قال: نعم. والكافرون دخلوا فيه. لان الله ـ تبارك وتعالى ـ أمر الملائكة بالسجود لآدم، فدخل في أمره الملائكة وإبليس وان(٣) إبليس كان مع(٤) الملائكة في السماء. يعبد الله. وكانت الملائكة تظن أنه منهم. ولم يكن منهم. فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، أخرج ما كان في قلب إبليس، من الحسد. فعلم الملائكة عند ذلك، أن إبليس لم يكن منهم(٥) .
فقيل له ـ عليه السلام ـ: فكيف وقع(٦) الأمر على إبليس وإنّما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟
فقال: كان إبليس منهم، بالولاء. ولم يكن من جنس الملائكة. وذلك أن الله خلق خلقا، قبل آدم وكان إبليس فيهم(٧) ، حاكما في الأرض. فعتوا. وأفسدوا.
وسفكوا الدماء. فبعث الله الملائكة. فقتلوهم وأسروا إبليس. ورفعوه إلى السماء.
فكان(٨) مع الملائكة، يعبد الله، إلى أن خلق الله ـ تبارك وتعالى ـ آدم.
وما رواه الشيخ الطبرسي(٩) ، عن رئيس المحدثين أبي جعفر بن بابويه ـ
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٥ ـ ٣٦.
(٢) ليس في أ.
(٣ و ٤) المصدر: فان. من.
(٥) المصدر: مثلهم.
(٦) كذا في المصدر. والأصل ور: وقع فكيف.
(٧) المصدر: منهم.
(٨) المصدر: وكان.
(٩) مجمع البيان ١ / ٨٢.
رحمه الله ـ في كتاب النبوة، بإسناده عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ. قال: سألته عن إبليس، كان من الملائكة، أو كان يلي شيئا، من أمر السماء؟.
قال: كان من الجن. وكان مع الملائكة. وكانت الملائكة ترى أنه منها.
وكان الله سبحانه يعلم أنه ليس منها. فلما أمر بالسجود لآدم، كان منه الذي كان.
وما وقع في القرآن، من قوله:( إِلَّا إِبْلِيسَ، كانَ مِنَ الْجِنِ ) (١) ، ومن قوله:( لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) (٢) ، فنفى المعصية عنهم، نفيا عاما.
وفي روضة الكافي(٣) : أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن إبليس. أكان من الملائكة، أم كان يلي شيئا من أمر السماء؟
فقال: لم يكن من الملائكة. ولم يكن يلي من أمر السماء. ولا كرامة. فأتيت الطيار. فأخبرته بما سمعت. فأنكره.
وقال: كيف لا يكون من الملائكة؟ والله ـ عز وجل ـ يقول:( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) . فدخل عليه الطيار. وسأله وأنا عنده.
فقال له: جعلت فداك! أرأيت(٤) قوله ـ عز وجل ـ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، في غير مكان من مخاطبة المؤمنين؟ أيدخل في هذا المنافقون؟
قال: نعم. يدخل في هذا المنافقون والضلّال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة.
وفي أصول الكافي(٥) : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن
__________________
(١) الكهف / ٥٠.
(٢) التحريم / ٦.
(٣) الكافي ٨ / ٢٧٤ ح، ٤١٣.
(٤) المصدر: رأيت.
(٥) أصول الكافي ٢ / ٤١٢، ح ١.
جميل. قال: كان الطيار يقول لي: إبليس ليس من الملائكة. وإنّما أمرت الملائكة بالسجود، لآدم. فقال إبليس: لا أسجد. فما لإبليس يعصى حين لم يسجد. وليس هو من الملائكة.
قال: فدخلت أنا وهو، علي أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ.
قال: فأحسن والله في المسألة.
فقال: جعلت فداك! أرأيت ما ندب الله ـ عز وجل ـ إليه المؤمنين، من قوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ؟ أدخل في ذلك المنافقون معهم؟
قال: نعم. والضلّال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة، وكان إبليس ممن أقر بالدعوة الظاهرة معهم.
وبإسناده(١) إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم. وكان في علم الله، انه ليس منهم. فاستخرج ما في نفسه، بالحمية والغضب. فقال: خلقتني من نار. وخلقته من طين.
الحسين بن محمد(٢) ، عن معلى بن محمد، عمن أخبره، عن علي بن جعفر.
قال: سمعت أبا الحسن ـ عليه السلام ـ يقول: لما رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ تيما وعديا وبني امية، يركبون منبره، أفظعه. فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ قرآنا، يتأسى به،( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ. أَبى ) . ثم أوحى اليه: يا محمد! اني أمرت، فلم أطع. فلا تجزع أنت، إذا أمرت، فلم تطع، في وصيك.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) ، للطبرسي ـ رحمه الله ـ روى عن موسى بن جعفر
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٣٠٨، ح ٦.
(٢) نفس المصدر ١ / ٤٢٦، ح ٧٣.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣١٤
ـ عليه السلام ـ عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي ـ عليهم السلام ـ قال: إنّ يهوديا من يهود الشام وأحبارهم، قال لعلي ـ عليه السلام ـ في كلام طويل: هذا آدم، أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد(١) شيئا من هذا؟
فقال له علي ـ عليه السلام ـ: لقد كان كذلك. ولئن أسجد الله لآدم ملائكته، فان سجودهم، لم يكن سجود طاعة [و](٢) أنهم عبدوا آدم من دون الله ـ عز وجل ـ ولكن اعترافا لآدم(٣) ، بالفضيلة. ورحمة من الله، له. ومحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ أعطي ما هو أفضل من هذا، ان الله ـ عز وجل ـ صلى عليه في جبروته والملائكة، بأجمعها. وتعبد المؤمنون بالصلاة عليه. فهذه زيادة له، يا يهودي!
وفي عيون الأخبار(٤) ، عن الرضا ـ عليه السلام ـ حديث طويل. وفيه: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق آدم وأودعنا(٥) صلبه. وأمر الملائكة، بالسجود له، تعظيما لنا وإكراما. وكان سجودهم لله تعالى، عبودية ولآدم، إكراما وطاعة، لكوننا في صلبه. فكيف لا نكون أفضل من الملائكة؟ وقد سجدوا لآدم، كلهم أجمعون.
وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة(٦) ، بإسناده إلى محمد بن الفضل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ حديث طويل يقول فيه ـ عليه السلام ـ بعد أن ذكر وفاة آدم ـ عليه السلام ـ وهبة الله: حتى إذا بلغ الصلاة عليه، قال هبة الله: يا جبرئيل! تقدم، فصل على آدم.
__________________
(١) المصدر لمحمد.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) عيون الأخبار ١ / ٢٦٣. والحديث عن الرضا، عن آبائه. عن رسول الله ـ صلوات الله عليهم أجمعن ـ.
(٥) المصدر: فأودعنا.
(٦) كمال الدين وتمام النعمة / ٢١٤.
فقال له جبرئيل ـ عليه السلام ـ: يا هبة الله! ان الله أمرنا أن نسجد لأبيك في الجنة. فليس لنا أن نؤم أحدا من ولده.
وفي كتاب علل الشرايع(١) : بإسناده إلى هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: لما أسري برسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وحضرت الصلاة، أذن جبرئيل وأقام الصلاة. فقال: يا محمد! تقدم.
فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: تقدم، يا جبرئيل.
فقال له: انا لا نتقدم على الآدميين. منذ أمرنا بالسجود، لآدم.
وفي كتاب التوحيد(٢) : عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ حديث طويل، يقول في آخره: لعلك ترى أنّ الله إنّما خلق هذا العالم الواحد أو(٣) ترى أنّ الله لم يخلق بشرا غيركم. بلى! والله لقد خلق الله ألف ألف عالم وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم. وأولئك الآدميين.
وقد سبق في الفاتحة.
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) : بإسناده إلى العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ أنه ذكر: إنّ إسم إبليس، «الحرث»(٥) . وإنّما قول الله ـ عز وجل ـ يا إبليس! يا عاصي! وسمي إبليس، لأنه إبليس من رحمه الله ـ عز وجل ـ
وفي كتاب الخصال(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: الاباء ثلاثة :
__________________
(١) علل الشرائع / ٨، ح ٤.
(٢) التوحيد / ٢٧٧، ذيل حديث ٢.
(٣) المصدر: و.
(٤) معاني الاخبار / ١٣٧.
(٥) المصدر: الحارث.
(٦) الخصال ١ / ١٥٢.
آدم، ولد مؤمنا. والجان، ولد كافرا ومؤمنا. وإبليس، ولد كافرا. وليس فيهم نتاج. وإنّما يبيض ويفرخ. وولده ذكور. ليس فيهم أناث](١) .
( أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) ) :
أي: امتنع أشد امتناع عن قبول ما أمر به وتعظم على آدم.
وكان في علم الله، قبل ظهور هذا الامتناع والاستكبار من الكافرين المطرودين.
فظهر آخرا، ما كان أولا.
[وفي أصول الكافي(٢) : بإسناده إلى موسى بن بكير(٣) ، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السلام ـ عن الكفر والشرك، أيهما أقدم؟
قال: فقال لي: ما عهدي بك تخاصم الناس؟
قلت: أمرني هشام بن سالم، أن أسألك عن ذلك.
فقال لي: الكفر أقدم. وهو الجحود. قال الله ـ عز وجل ـ:( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ. وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) .
وفي شرح الآيات الباهرة(٤) : ذكر في تفسير الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ: إنّ الحسين ـ عليه السلام ـ قال لأصحابه بالطف: أولا أحدثكم بأول أمرنا وأمركم؟
معاشر أوليائنا ومحبينا والمبغضين لنا! يسهل(٥) عليكم احتمال ما أنتم له معرضون.
قالوا: بلى، يا بن رسول الله! قال: إنّ الله لما خلق آدم، وسواه، وعلمه أسماء كل شيء، وعرضهم على الملائكة، جعل محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين، أشباحا خمسة، في ظهر
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) أصول الكافي ٢ / ٣٨٥، ح ٦.
(٣) الأصل ور: بكر.
(٤) شرح الآيات الباهرة / ١٢.
(٥) المصدر: المبغضين لأعدائنا، يسهل.
آدم. وكانت أنوارهم، تضيء في الآفاق، من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش. ثم أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، تعظيما له. وأنه [قد](١) فضله بأن جعله وعاء لتلك الأشباح التي قد عم أنوارها الآفاق. فسجدوا إلّا إبليس.
أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله، وأن يتواضع لأنوارها أهل البيت. وقد تواضعت الملائكة، كلها. فاستكبر. وترفّع. وكان بابائه ذلك وتكبره من الكافرين(٢) .
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٣) ، قال: حدثني أبو الحسن، أحمد ابن صالح الهمداني. قال: حدثنا الحسن بن علي، عن(٤) زكريا بن صالح بن عاصم بن زفر البصري. قال: حدثنا زكريا بن يحيى التستري. قال: حدثنا أحمد ابن قتيبة الهمداني، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ.
قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ كان ولا شيء. فخلق خمسة من نور جلاله. ولكل واحد منهم، اسما من أسمائه المنزلة: فهو الحميد وسمى محمدا ـ صلى الله عليه وآله ـ وهو الأعلى وسمى أمير المؤمنين، عليا ـ عليه السلام ـ وله الأسماء الحسنى، فاشتق منها حسنا وحسينا. وهو فاطر، فاشتق لفاطمة من أسمائه، اسما(٥) .
فلما خلقهم، جعلهم في الميثاق. فأقامهم(٦) عن يمين العرش. وخلق الملائكة، من نور. فلما أن نظروا اليهم وعظموا أمرهم وميثاقهم(٧) وشأنهم ولقنوا التسبيح.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: بابائه ذلك وتكبر وكان من الكافرين.
(٣) تفسير الفرات / ١١.
(٤) المصدر: يعنى.
(٥) المصدر: اسما من أسمائه.
(٦) المصدر: فأنهم.
(٧) ليس في المصدر.
فذلك قوله تعالى:( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) (١) .
فلما خلق الله تعالى، آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ نظر اليهم، عن يمين العرش، فقال: يا رب! من هؤلاء؟
قال: يا آدم! هؤلاء صفوتي وخاصتي. خلقتهم من نور جلالي. وشققت لهم، اسما من أسمائي.
قال: يا رب! فبحقك عليهم، علمني أسماءهم.
قال: يا آدم! فهم عندك أمانة، سر من سري. لا يطّلع عليها(٢) غيرك، إلّا باذني.
قال: نعم، يا رب.
قال: يا آدم! أعطني على ذلك العهد(٣) .
ثم علمه أسماءهم. ثم عرضهم على الملائكة. ولم يكن علّمهم بأسمائهم.
( فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا: سُبْحانَكَ! لا عِلْمَ لَنا، إِلَّا ما عَلَّمْتَنا. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قالَ: يا آدَمُ! أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ. فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ، بِأَسْمائِهِمْ ) ، علمت الملائكة أنه مستودع. وأنه تفضل(٤) بالعلم.
وأمروا بالسجود، إذ كانت سجدتهم لآدم، تفضيلا له وعبادة لله، إذ كان ذلك بحق له. فأبى إبليس الفاسق، عن أمر ربه. فقال: ما منعك أن لا تسجد، إذ أمرتك؟
__________________
(١) الصافات / ١٦٥.
(٢) المصدر: عليه.
(٣) المصدر: عهدا. فأخذ عليه العهد.
(٤) المصدر: مفضل.
قال: أنا خير منه.
قال: فقد فضلته عليك، حيث أقر(١) بالفضل، للخمسة الذين لم أجعل(٢) لك عليهم سلطانا ولا من يشبههم. فذلك(٣) استثناء اللعين:( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٤) .
قال(٥) :( إِنَّ عِبادِي، لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ، سُلْطانٌ ) . وهم الشيعة](٦) .
( وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) ) رغدا: وصف للمصدر، أي: اكلا رغدا واسعا. و «فتكونا»، جزم عطف على «تقربا». أو نصب، جواب للنهي(٧) .
قيل(٨) : الشجرة الحنطة. وقيل: الكرمة. وقيل: التينة.
وفي عيون الأخبار(٩) ، بإسناده إلى عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت للرضا ـ عليه السلام ـ: يا بن رسول الله! أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحوا، ما كانت؟ فقد اختلف الناس، فيها. فمنهم من يروي أنها الحنطة. ومنهم من يروي أنها العنب. ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد.
__________________
(١) المصدر: أمر.
(٢) المصدر: لم يجعل.
(٣) المصدر. ولا على شيعتهم، فبان لك.
(٤) الحجر / ٤٠.
(٥) الحجر / ٤٢.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
(٧) العبارة الاخيرة، ليست في أ.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٩، مجمع البيان ١ / ٨٥.
(٩) عيون الأخبار ١ / ٢٣٩، ح ٦٧.
فقال ـ عليه السلام ـ: كل ذلك حق.
قلت: فما معنى هذه الوجوه، على اختلافها؟
فقال: يا أبا الصلت! ان شجرة الجنة، تحمل أنواعا. فكانت(١) شجرة الحنطة وفيها عنب. وليست كشجرة الدنيا. وان آدم، لما أكرمه الله ـ تعالى ذكره ـ بإسجاد ملائكته له وبإدخاله الجنة، قال في نفسه: هل خلق الله بشرا، أفضل مني. فعلم الله ـ عز وجل ـ ما وقع في نفسه. فناداه: ارفع رأسك، يا آدم! وانظر «الى ساق عرشي»(٢) .
فنظر إلى ساق العرش. فوجد عليه مكتوبا: لا إله إلّا اللّه. محمد، رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ. علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين. وزوجته فاطمة، سيدة نساء العالمين. والحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة.
فقال آدم ـ عليه السلام ـ يا رب! من هؤلاء؟
فقال ـ عز وجل ـ: هؤلاء من ذريتك. وهم خير منك ومن جميع خلقي.
ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض. فإياك أن تنظر اليهم، بعين الحسد، [فأخرجك عن جواري.
فنظر اليهم بعين الحسد](٣) .
وتمنى منزلتهم. فتسلط عليه الشيطان، حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها.
وتسلط على حواء، لنظرها إلى فاطمة ـ عليها السلام ـ بعين الحسد، حتى أكلت
__________________
(١) الأصل ور: وكانت.
(٢) المصدر: إلى ساق العرش. فرفع آدم رأسه، و «فرفع آدم رأسه»، يوجد ـ أيضا ـ في أ.
(٣) ما بين القوسين يوجد في المصدر.
من الشجرة، كما أكل آدم. فأخرجهما الله تعالى، عن جنته. فأهبطهما عن جواره إلى الأرض.
وفي مجمع البيان(١) :( وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) ، أي: تأكلا منها. وهو المروي عن الصادق ـ عليه السلام ـ وقيل: هي شجرة الكافور ـ يروى عن علي ـ عليه السلام ـ.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: إنّ الله ـ عز وجل ـ لما لعن إبليس، بإبائه، وأكرم الملائكة، بسجودها لآدم وطاعتهم لله ـ عز وجل ـ أمر آدم وحوا، إلى الجنة. وقال: يا آدم! أسكن أنت وزوجك الجنة.
وكلا منها، رغدا واسعا حيث شئتما، بلا تعب. ولا تقربا هذه الشجرة، شجرة العلم، علم محمد وآل محمد الذي آثرهم الله به، دون سائر خلقه. فإنها(٣) لمحمد وآل محمد، خاصة دون غيرهم. لا يتناول منها بأمر الله، الا هم. ومنها كان يتناول النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات الله عليهم ـ بعد إطعامهم اليتيم والمسكين(٤) والأسير، حتى لم يحسوا بعد بجوع(٥) ولا عطش ولا تعب. وهي شجرة تميزت(٦) ، بين أشجار الجنة، ان سائر أشجار الجنة، كان كل نوع منها، يحمل أنواعا من الثمار والمأكول. وكانت هذه الشجرة، وحدها، تحمل(٧) البر والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٨٥.
(٢) شرح الآيات الباهرة / ١٢ ـ ١٣.
(٣) المصدر: وانها.
(٤) المصدر: المسكين واليتيم.
(٥) المصدر: لم يشعروا الجوع.
(٦) المصدر: وهي شجرة ممتازة بميزات.
(٧) كذا في المصدر والأصل ور: وجنسها يحمل.
والأطعمة. فلذلك(١) اختلف الحاكون، لذكر الشجرة. فقال بعضهم: برة. وقال آخرون: هي عنبة(٢) وقال آخرون: هي تينة. وقال آخرون: هي عنابة. قال الله:( وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) ، تلتمسان بذلك، درجة محمد وآل محمد، في فضلهم.
فان الله، خصهم بهذه الدرجة، دون غيرهم. وهي الشجرة التي من يتناول(٣) منها، بإذن الله، الهم علم الأولين والآخرين، بغير تعلم. ومن تناول منها بغير اذن الله، خاب من مراده. وعصى ربه، فتكونا من الظالمين، بمعصيتكما(٤) والتماسكما، درجة، قد أوثر بها غيركما، كما أردتما بغير حكم الله.
وفي أصول الكافي(٥) . بإسناده إلى محمد(٦) بن مسلم بن شهاب. قال: سئل علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ: أي الأعمال أفضل عند الله ـ عز وجل ـ؟
فقال: ما من عمل بعد معرفة الله ـ عز وجل ـ ومعرفة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أفضل من بغض الدنيا. وان لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعبا: فأول ما عصي الله به، الكبر. وهي معصية إبليس، حين أبى واستكبر. وكان من الكافرين. ثم(٧) الحرص. وهي معصية آدم وحوا، حين قال الله ـ عز وجل ـ لهما: كلا من حيث شئتما( . وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) . فأخذا ما لا حاجة بهما اليه. فدخل ذلك على ذريتهما، إلى يوم القيامة. وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم، ما لا حاجة به اليه.
__________________
(١) المصدر: ولذلك.
(٢) العبارة الاخيرة، ليس في المصدر.
(٣) كذا في ر والمصدر ونسخة المتن: يتناول.
(٤) المصدر: بمعصيتها.
(٥) أصول الكافي ٢ / ١٣٠، ح ١١. وله تتمة.
(٦) المصدر: الزهري، محمد.
(٧) المصدر: و.
علي بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سمعته يقول: أمر الله ولم يشأ. وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم. وشاء أن لا يسجد، ولو شاء، لسجد. ونهى آدم عن أكل الشجرة. وشاء أن يأكل منها. ولو لم يشأ، لم يأكل.
علي بن إبراهيم(٢) ، عن المختار بن محمد الهمداني، ومحمد بن الحسن، عن(٣) عبد الله بن الحسن العلوي، جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ قال: إنّ لله إرادتين ومشيئتين: ارادة حتم وارادة عزم، ينهى وهو يشاء. ويأمر وهو لا يشاء. أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك؟ ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله. وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه. ولو شاء، لما غلبت مشيئة ابراهيم، مشيئة الله](٤) .
( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها ) ، أي: الشجرة، أي: بسببها.
( فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ ) ، من الجنة.
[في كتاب علل الشرائع(٥) : حدثنا محمد بن الحسن رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن عثمان، عن الحسن بن بشار، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن جنة آدم.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٥٠ ـ ١٥١ ح ٣.
(٢) نفس المصدر ١ / ١٥١، ح ٤.
(٣) الأصل ور: بن.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ. ويوجد فيه: «فتكونا» جزم عطف، على «تقربا»، أو نصب جواب النهى. وهذه العبارة يورد في المتن ور، في أوائل تفسير الاية.
(٥) علل الشرائع / ٦٠٠، ح ٥٥.
فقال: جنة من جنان الدنيا يطلع(١) عليه الشمس والقمر. ولو كانت من جنان الخلد، ما خرج منها أبدا.
وفي الكافي(٢) : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الحسين بن ميسر. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن جنة آدم.
فقال: جنة من جنات(٣) الدنيا. يطلع(٤) فيها الشمس والقمر. ولو كانت من جنان الاخرة، ما خرج منها أبدا.
وفي تفسير العياشي(٥) ، عن أبي بصير. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: إنّ أول كفر، كفر بالله، حيث خلق الله آدم، كفر إبليس، حيث رد على الله، أمره.
وأول الحسد، حيث حسد ابن آدم أخاه. وأول الحرص، حرص آدم، حيث نهي عن الشجرة فأكل منها. فأخرجه(٦) حرصه، من الجنة](٧) .
( وَقُلْنا ) لآدم وحوا، بالمشافهة ولذريتهما، بالتبعية.
( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) : متعادون(٨) .
( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) ، أي: محل استقرار.( وَمَتاعٌ ) ، أي: تمتع،( إِلى حِينٍ (٣٦) ) مجيء الموت، أو القيامة.
__________________
(١) المصدر: تطلع.
(٢) الكافي ٣ / ٢٤٨، ح ٢.
(٣) المصدر: جنان.
(٤) المصدر: تطلع.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٣٤، ح ١٧.
(٦) الأصل ور: فأخرج.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
(٨) أ، ر: تتعادون.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) : قال: فهبط آدم، على الصفا. وإنّما سميت الصفا، لأن صفوة الله، هبط(٢) عليها. ونزلت حواء، على المروة، وإنّما سميت المروة، لأن المرأة، نزلت عليها.
فبقي آدم أربعين صباحا ساجدا، يبكي على الجنة.
فنزل عليه جبرئيل ـ عليه السلام ـ فقال: يا آدم! ألم يخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته؟
قال: بلى.
قال: وأمرك أن لا تأكل من الشجرة؟ فلم عصيته؟
قال: يا جبرئيل! ان إبليس حلف لي بالله، أنه لي ناصح. وما ظننت أن خلقا خلقه(٣) الله، [أن](٤) يحلف بالله كاذبا.
قال: وحدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ. قال: إنّ موسى ـ عليه السلام ـ سأل ربه أن يجمع بينه وبين آدم ـ عليه السلام ـ فجمع. فقال له موسى: يا أبت! ألم يخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأمرك أن لا تأكل من الشجرة؟ فلم عصيته؟
قال(٥) : يا موسى! بكم وجدت خطيئتي، قبل خلقي في التوراة؟
قال: ثلاثين ألف سنة، [قبل أن خلق آدم](٦) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٤٤.
(٢) المصدر: نزل.
(٣) المصدر: يخلقه.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: فقال.
(٦) يوجد في المصدر.
قال(١) : قال: فهو ذلك.
قال الصادق ـ عليه السلام ـ: فحج آدم، موسى ـ عليه السلام ـ.
وفيه حديث طويل، عن الصادق ـ عليه السلام ـ(٢) ، وفي آخره: فقال الله لهما:( اهْبِطُوا! بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ، مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إلى حِينٍ ) ، قال: إلى يوم القيامة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وروى عن الحسن بن علي بن أبي طالب ـ عليهما السلام ـ أنه قال: جاء نفر من اليهود، إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فسأله أعلمهم عن مسائل. فكان فيما سأله، أنه قال له: لأي شيء فرض الله ـ عز وجل ـ الصوم، على أمتك بالنهار، ثلاثين يوما وفرض الله على الأمم، أكثر من ذلك؟
فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ آدم ـ عليه السلام ـ لما أكل من الشجرة، بقي في بطنه ثلاثين يوما. ففرض الله على ذريته، ثلاثين يوما الجوع والعطش.
والذي يأكلونه بالليل، تفضل من الله ـ عز وجل ـ عليهم. وكذلك كان على آدم.
وفي نهج البلاغة(٤) : قال ـ عليه السلام ـ بعد أن ذكر آدم ـ عليه السلام ـ: فأهبطه بعد التوبة، ليعمر أرضه بنسله. وليقيم الحجة به، على عباده.
وفيه ـ ايضا ـ(٥) : ثم أسكن الله سبحانه، آدم، دارا، أرغد فيها عيشته(٦) . وأمن فيها، محلته. وحذره إبليس وعداوته. فاغتره عدوه نفاسة عليه، بدار المقام
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) تفسير القمي ١ / ٤٣.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤٣، ح ١٩٥.
(٤) نهج البلاغة / ١٣٣، ضمن خطبة ٩١.
(٥) نفس المصدر / ٤٣، ضمن خطبة ١.
(٦) المصدر: عيشه.
ومرافقة(١) الأبرار. فباع اليقين، بشكه والعزيمة، بوهنه. واستبدل بالجذل وجلا وبالاغرار، ندما. ثم بسط الله سبحانه له، في توبته. ولقاه(٢) كلمة رحمته.
ووعده الرد(٣) إلى جنته. فأهبطه(٤) إلى دار البلية وتناسل الذرية.
وفي روضة الكافي(٥) : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن مقاتل بن سليمان. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ: كم كان طول آدم، حين هبط به إلى الأرض؟ وكم كان طول حوا؟
قال: وجدنا في كتاب علي [بن أبي طالب](٦) ـ عليه السلام ـ أن الله ـ عز وجل ـ لما أهبط آدم وزوجته حوا ـ عليهما السلام ـ إلى الأرض، كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون أفق السماء. وأنه شكا إلى الله ـ عز وجل ـ ما يصيبه، من حر الشمس. فأوحى الله ـ عز وجل ـ إلى جبرئيل ـ عليه السلام ـ: إنّ آدم قد شكا ما يصيبه من حر الشمس، فاغمزه غمزة وصير طوله، سبعين ذراعا بذراعه.
واغمز حوا غمزة، فصير طولها خمسة وثلاثين ذراعا، بذراعها.
وفي عيون الأخبار(٧) : بإسناده إلى الرضا ـ عليه السلام ـ. قال: إنّ الله تعالى، لما اهبط آدم ـ عليه السلام ـ من الجنة، أهبطه(٨) على أبي قبيس. فشكى(٩) الى
__________________
(١) الأصل ور: مرافقته.
(٢) كذا في المصدر، وفي الأصل ور: لقيه.
(٣) المصدر: المرد.
(٤) المصدر: وأهبطه.
(٥) الكافي ٨ / ٢٣٣، ح ٣٠٨.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) عيون الأخبار ١ / ٢٨٤ ـ ٢٨٥، ح ٣١.
(٨) المصدر: أهبط.
(٩) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: وشكا.
ربه ـ عز وجل ـ الوحشة. وأنه لا يسمع ما كان يسمع في الجنة. فأهبط الله تعالى إليه(١) ياقوتة حمراء. فوضعها في موضع البيت. فكان يطوف بها آدم ـ عليه السلام ـ وكان ضوؤها يبلغ موضع الأعلام [فعلمت الأعلام](٢) على ضوئها.
فجعله الله حرما.
وبإسناده(٣) إلى صفوان بن يحيى عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ مثله.
وعن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حديث طويل(٤) . وسأله عن أكرم واد على وجه الأرض. فقال: واد يقال له سرنديب، سقط(٥) فيه آدم من السماء.
وفي كتاب الخصال(٦) : عن محمد بن سهل البحراني. يرفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ. قال: البكاءون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلى بن الحسين ـ عليهم السلام ـ فأما آدم، فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية. ـ الحديث ـ.
عن أبي لبابة بن عبد المنذر(٧) ، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: يوم الجمعة، سيد الأيام. خلق الله فيه آدم. وأهبط الله فيه آدم، إلى الأرض.
عن جعفر بن محمد(٨) ، عن آبائه، عن علي ـ عليهم السلام ـ(٩) . قال: انما
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: عليه.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٨٥، ح ٣٢.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٤٤.
(٥) المصدر: فسقط.
(٦) الخصال ١ / ٢٧٢، ح ١٥.
(٧) نفس المصدر ١ / ٣١٥.
(٨) نفس المصدر / ٣٩٦ ـ ٣٩٧، ح ١٠٣. وفيه: عن أبي جعفر محمد بن على.
(٩) المصدر: عن على ـ عليهم السلام ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله.
كان لبث آدم وحوا في الجنة حتى أخرجا(١) منها سبع ساعات، من أيام الدنيا، حتى أهبطهما الله تعالى من يومهما ذلك.
عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ(٢) : قال نخر إبليس، نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة وحين أهبط به من الجنة.
وفيه(٣) : عن أبى عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: لما اهبط الله تعالى آدم من الجنة، أهبط معه مائة وعشرين قضيبا(٤) . منها أربعون ما يؤكل داخلها وخارجها.
وأربعون منها، [ما](٥) يؤكل داخلها ويرمى خارجها(٦) . وأربعون منها [ما](٧) يؤكل خارجها ويرمى داخلها(٨) . وغرارة فيها، بذر كل شيء من النبات(٩) .
وفي كتاب علل الشرايع(١٠) : بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سمي الصفا، صفا، لأن المصطفى آدم، هبط عليه.
فقطع للجبل، إسم من إسم آدم ـ عليه السلام ـ(١١) . وهبطت حوا، على المروة.
وانما سميت المروة، مروة(١٢) ، لان المرأة هبطت عليها. فقطع للجبل إسم من
__________________
(١) الأصل ور: خرجا.
(٢) نفس المصدر / ٢٦٣، ذيل ح ١٤١، مع بعض التغيير في أوله.
(٣) نفس المصدر / ٦٠١، ح ٤.
(٤) المصدر: عشرين ومائة قضيب.
(٥ و ٨) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: بخارجها.
(٧) المصدر: بداخلها.
(٩) «من النبات»، ليس في المصدر.
(١٠) علل الشرايع / ٤٣١ ـ ٤٣٢.
(١١) بعد هذه العبارة، يوجد في المصدر: يقول الله تعالى:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ) .
(١٢) ليس في المصدر.
اسم المرأة.
وبإسناده(١) ، إلى أبي خديجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ آدم أنزل، فنزل في الهند.
وبإسناده(٢) إلى علي بن حسان الواسطي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: أهبط الله آدم من الجنة، على الصفا وحوا، على المروة.
وقد كان امتشطت في الجنة. فلما صارت في الأرض، قالت: ما أرجو من المشط وأنا مسخوط علي. فحلت مشطتها. فانتشر من مشطتها(٣) العطر الذي كانت امتشطت به في الجنة. فطارت به الريح. فألقت أثره في الهند. فلذلك صار العطر، بالهند.
وفي حديث آخر(٤) : انها حلت عقيصتها. فأرسل الله ـ عز وجل ـ على ما كان فيها، من ذلك الطيب، ريحا. فهبت به في المشرق والمغرب.
أبي ـ رحمه الله ـ قال(٥) : حدثنا علي بن سليمان الرازي. قال: حدثنا محمد ابن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ قال: قلت: كيف كان أول الطيب؟
قال: فقال لي: ما يقول من قبلكم فيه؟
قلت: يقولون: إنّ آدم لما هبط إلى أرض الهند، فبكى على الجنة، سالت دموعه. فصارت عروقا في الأرض. فصارت طيبا.
__________________
(١) نفس المصدر / ٤٠٧، قطعة من ح ٢.
(٢) نفس المصدر / ٤٩١، ح ١.
(٣) الأصل ور: مشطها.
(٤) نفس المصدر.
(٥) نفس المصدر / ٤٩٢، ح ٢.
فقال: ليس كما يقولون. ولكن حوا كانت تعلق(١) قرونها، من أطراف شجرة(٢) الجنة، فلما هبطت إلى الأرض وبليت بالمعصية، رأت الحيض. فأمرت بالغسل. فنقضت(٣) قرونها. فبعث الله ـ عز وجل ـ ريحا، طارت به. وحفظته.
فذرت(٤) حيث شاء الله ـ عز وجل ـ فمن ذلك الطيب، «كان طيب الدنيا»(٥) .
وبإسناده إلى عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ: إنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ سئل مما خلق الله ـ عز وجل ـ الكلب.
قال: خلقه من بزاق إبليس ـ لعنه الله ـ.
قيل: وكيف ذلك(٦) ، يا رسول الله؟
قال: لما اهبط الله ـ عز وجل ـ آدم وحوا، إلى الأرض، أهبطهما كالفرخين المرتعشين. فعدا إبليس الملعون، إلى السباع. وكانوا قبل آدم في الأرض. فقال لهم: إنّ طيرين قد وقعا من السماء، لم ير الراؤون أعظم منهما. تعالوا فكلوهما.
فتعادت السباع معه. وجعل إبليس يحثهم ويصيح ويعدهم بقرب المساحة. فوقع من فيه من عجلة كلامه، بزاق. فخلق الله من ذلك البزاق، كلبين، أحدهما، ذكر. والأخر، أنثى. فقاما حول آدم وحوا، الكلبة بجدة. والكلب بالهند. فلم يتركوا السباع أن يقربوهما. ومن ذلك اليوم، والكلب عدو السبع. والسبع عدو الكلب.
__________________
(١) المصدر: تغلف.
(٢) المصدر: شجر.
(٣) المصدر: فنفضت.
(٤) المصدر: فذرته.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: ذلك.
وبإسناده(١) إلى زيد بن علي، عن آبائه، «عن علي»(٢) ـ صلوات الله عليهم ـ.
قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: ن الله ـ عز وجل ـ حين أمر آدم أن يهبط، هبط آدم وزوجته. وهبط إبليس. ولا زوجة له. وهبطت الحية. ولا زوج لها. فكان أول من يلوط بنفسه، إبليس ـ لعنه الله ـ فكانت ذريته من نفسه.
وكذلك الحية. وكانت ذرية آدم من زوجته. فأخبرهما أنهما عدوان لهما.
وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة(٣) : بإسناده إلى أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن علي ـ عليه السلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السلام ـ لبعض اليهود.
وقد سأله عن مسائل: يا يهودي! أما أول حجر على وجه الأرض، فان اليهود يزعمون أنها صخرة بيت المقدس. وكذبوا. ولكن الحجر الأسود الذي(٤) نزل به آدم ـ عليه السلام ـ معه من الجنة. وأما أول شجرة نبتت على وجه الأرض، فأن اليهود يزعمون أنها الزيتونة. وكذبوا. ولكنها نخلة من العجوة. نزل بها آدم ـ عليه السلام ـ معه من الجنة. وبالفجل.
وبإسناده(٥) إلى يحيى المدايني(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ عن عليٍّ ـ عليه السلام ـ مثله. إلّا ذكر الفجل(٧) .
وبإسناده(٨) إلى الحكم بن مسكين الثقفي، عن صالح [بن عقبة](٩) ، عن
__________________
(١) نفس المصدر / ٥٤٧، ح ٢.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٩٥ ـ ٢٩٦.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) نفس المصدر / ٢٩٧ ـ ٢٩٨.
(٦) المصدر: إبراهيم بن يحيى المديني.
(٧) المصدر: الفحل.
(٨) نفس المصدر / ٣٠١.
(٩) يوجد في المصدر.
جعفر بن محمد، عن علي ـ عليه السلام ـ مثله. الا ذكر الفجل ـ أيضا ـ.
وفي الكافي(١) ، بإسناده إلى مسمع، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: لما هبط آدم(٢) إلى الأرض، احتاج إلى الطعام والشراب. فشكى(٣) إلى جبرئيل.
فقال له جبرئيل: يا آدم! كن حراثا.
قال: فعلمني دعاء قال: قل «اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول دون الجنة. وألبسني العافية، حتى تهنئني المعيشة](٤) .
( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. فَتابَ عَلَيْهِ. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) ) والمراد بالكلمات، اما قوله:( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) (٥) . ـ الآية ـ أو قوله: سبحانك أللّهمّ وبحمدك. وتبارك اسمك. وتعالى حمدك(٦) . لا إله إلّا أنت. ظلمت نفسي. فاغفر لي. انه لا يغفر الذنوب إلّا أنت.
والأصح، أن المراد، قوله: أللّهمّ بجاه محمد وآله الطيبين. بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم، لما تفضلت علي بقبول توبتي وغفران زلتي واعادتي من كراماتك إلى مرتبتي.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٧) : في تفسير الامام [الحسن](٨) العسكري ـ عليه السلام ـ، قال: قال الله ـ عز وجل ـ:( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. فَتابَ عَلَيْهِ. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )
__________________
(١) الكافي ٥ / ٢٦٠، ح ٤.
(٢) المصدر: بآدم.
(٣) المصدر: فشكى ذلك.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) الاعراف / ٢٣.
(٦) أ: جدك.
(٧) شرح الآيات الباهرة / ١٣ ـ ١٤.
(٨) يوجد في المصدر.
. التواب(١) القابل للتوبة(٢) . الرحيم، بالتائبين. فلما نزلت(٣) من آدم الخطيئة، فاعتذر إلى ربه ـ عز وجل ـ قال: يا رب! تب علي.
واقبل معذرتي. وأعدني إلى مرتبتي. وارفع لديك درجتي. فلقد تبين نقص الخطيئة وزلتها(٤) ، بأعضائي وسائر بدني.
قال الله ـ عز وجل ـ: يا آدم! أما تذكر أمري إياك أن تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك وفي النوازل تبهضك(٥) ؟
قال آدم: بلى، يا رب! بلى(٦) .
قال الله ـ عز وجل ـ: فهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات الله عليهم ـ خصوصا ادعني أجبك ملتمسك(٧) ، وأزدك فوق مرادك.
فقال آدم: يا رب والهى! وقد بلغ عندك من محلهم. انك بالتوسل بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي. وأنا الذي أسجدت لي ملائكتك وأسكنته جنتك وزوجته أمتك وأخدمته كرام ملائكتك.
قال: يا آدم! إنّما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود، إذ كنت وعاء لهذه الأنوار. ولو كنت سألتني بهم، قبل خطيئتك أن أعصمك منها وأن أفطنك لدواعي عدوك إبليس حتى تحترز منها، لكنت قد فعلت ذلك. ولكن المعلوم في سابق
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: للتوبات.
(٣) المصدر: زالت.
(٤) المصدر: زلها.
(٥) المصدر: التي تبغضك.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) الأصل ور: إلى ملتمسك.
علمي يجري موافقا لعلمي. فالان [فيهم](١) فادعني، لأجيبك(٢) .
فعند ذلك قال آدم: أللّهمّ «بجاه محمد وآله الطيبين»(٣) . بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين «والطيبين من»(٤) آلهم، لـمـّا تفضلت «عليّ»(٥) بقبول توبتي وغفران زلتي واعادتي من كراماتك، إلى مرتبتي.
فقال الله ـ عز وجل ـ: قد قبلت توبتك. وأقبلت برضواني عليك. وصرفت آلائي ونعمائي اليك. وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي. ووفرت نصيبك من رحماتي.
فذلك قول الله ـ عز وجل ـ: فتلقى آدم من ربه كلمات. فتاب عليه. انه هو التواب الرحيم.
وقال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ: حدثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه قال: يا عباد الله! ان آدم لما رأى النور ساطعا في(٦) صلبه، إذ كان الله قد نقل أشباحنا(٧) من ذروة العرش، إلى ظهره، رأى النور ولم يتبين الأشباح. [فقال: يا رب! ما هذه الأنوار؟](٨) .
فقال(٩) الله ـ عز وجل ـ: أنوار أشباح، نقلتهم من أشرف بقاع عرشي، إلى ظهرك. ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك، إذ كنت وعاء لتلك الأشباح.
فقال آدم: يا رب! لو بينتها لي.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) الأصل ور: لأجيبك.
(٣ و ٤ و ٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: من.
(٧) المصدر: أرواحنا.
(٨) يوجد في المصدر.
(٩) الأصل ور: وقال.
فقال الله ـ عز وجل ـ: أنظر، يا آدم! إلى ذروة العرش.
«فنظر آدم ـ عليه السلام ـ وواقع أشباحنا من ظهر آدم ـ عليه السلام ـ إلى ذروة العرش(١) . فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره، كما ينطبع وجه الإنسان، في المرآة الصافية. فرأى أشباحنا. فقال: ما هذه الأشباح؟ يا رب! قال الله ـ عز وجل ـ: يا آدم! هذه أشباح أفضل خلائقي وبرياتي. هذا محمد وأنا الحميد المحمود(٢) في افعالي. شققت له اسما من اسمي. وهذا علي وأنا العلي العظيم. شققت له اسما من اسمي. وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض. فاطم(٣) أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي. وفاطم(٤) أوليائي مما يضرهم ويشينهم. و(٥) شققت لها اسما من «اسمي. وهذان»(٦) الحسن والحسين وأنا المحسن المجمل. شققت اسمهما من اسمي. هؤلاء خيار خلقي وكرام(٧) بريتي.
بهم آخذ. وبهم أعطي. وبهم أعاقب. وبهم أثيب. فتوسل بهم الي. يا آدم! وإذا دهتك داهية، فاجعلهم الي شفعاءك. فاني(٨) آليت على نفسي قسما حقا، لا أخيب بهم آملا ولا أرد بهم سائلا.
فلذلك حين نزلت(٩) منه الخطيئة، دعا الله ـ عز وجل ـ [بهم](١٠) . فتاب
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر، والأصل ور: الحمد والمحمود.
(٣ و ٤) المصدر: أفاطم.
(٥) المصدر: ف.
(٦) المصدر: أسمائي.
(٧) المصدر: أكرم.
(٨) المصدر: وانى.
(٩) المصدر: زالت.
(١٠) يوجد في المصدر.
عليه. وغفر له.
ويؤيده ما رواه الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ(١) عن(٢) رجاله، عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم ـ عليه السلام ـ ونفخ فيه من روحه، عطس. فألهمه الله أن قال: الحمد لله رب العالمين.
فقال الله: يرحمك ربك.
فلما أسجد له الملائكة، تداخله العجب. فقال: يا رب! خلقت خلقا هو أحب اليك مني؟
فلم يجب. فقال ثانية. فلم يجب. فقال الثالثة. فلم يجب.
ثم قال الله سبحانه: نعم. ولولاهم ما خلقتك.
فقال: يا رب! فأرنيهم.
فأوحى الله إلى ملائكة الحجب: ارفعوا الحجب.
فلما رفعت، فإذا بخمسة(٣) أشباح، قدام العرش.
فقال: يا رب! من هؤلاء؟
قال: يا آدم! هذا محمد نبيي. وهذا علي ابن عمه ووصيه. وهذه فاطمة بنت(٤) نبيي. وهذان(٥) الحسن والحسين، ابناهما وولدا نبيي. ثم قال: يا آدم! هم ولدك.
ففرح [آدم](٦) بذلك. فلما اقترف الخطيئة، قال: يا رب! أسألك بمحمد
__________________
(١) نفس المصدر / ١٣ ـ ١٤.
(٢) المصدر: في.
(٣) المصدر: الخمسة.
(٤) المصدر: ابنت.
(٥) المصدر: هذا.
(٦) يوجد في المصدر.
وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، إلّا(١) غفرت لي.
فغفر له. وهو قوله تعالى:( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. فَتابَ عَلَيْهِ. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .
وما ورد أن آدم وغيره، من أولي العزم ـ عليهم السلام ـ سألوا الله تعالى، بحق محمد وآل محمد ـ عليهم السلام ـ فاستجاب لهم الدعاء. ونجاهم من البلاء.
وهذا يدل على أنهم ليسوا في الفضل سواء. بل فيه دلالة على أن المسئول، أفضل من السائل. وهذه الدلالة من أوضح الدلائل.
ويؤيده(٢) ما رواه الشيخ محمد بن بابويه ـ رحمه الله ـ في أماليه، عن(٣) رجاله، عن معمر بن راشد. قال: سمعت أبا عبد الله الصادق ـ عليه السلام ـ يقول: أتى يهودي النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال: فقام بين يديه. وجعل يحد النظر اليه.
فقال: يا يهودي! ما حاجتك؟
قال: أنت أفضل، أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله وأنزل عليه التوراة والعصا وفلق له البحر وظلله(٤) الغمام؟
فقال له النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ: انه يكره للعبد أن يزكي نفسه. ولكن أقول: إنّ آدم لما أصاب الخطيئة، كانت توبته: أللّهمّ اني أسألك بحق محمد وآل محمد إلّا ما(٥) غفرت لي. فغفرها الله له. وأن نوحا لما ركب السفينة. وخاف
__________________
(١) المصدر: الا ما.
(٢) المصدر: هو
(٣) المصدر: من.
(٤) المصدر: أظله.
(٥) المصدر لما.
الغرق. قال: أللّهمّ [اني](١) اسألك بحق محمد وآل محمد، لما نجيتني من الغرق فنجاه الله منه. وان إبراهيم لما ألقي في النار، قال: أللّهمّ اني أسألك بحق محمد وآل محمد، لما نجيتني منها. فجعلها عليه بردا وسلاما. وان موسى لما ألقى عصاه.
فأوجس(٢) في نفسه خيفة، قال: أللّهمّ أسألك بحق محمد وآل محمد، لما أمّنتني(٣) .
فقال الله ـ جل جلاله ـ: لا تخف! انك أنت الأعلى.
يا يهودي! لو أدركني موسى، ثم لم يؤمن بي وبنبوّتي، ما نفعه إيمانه شيئا. ولا نفعته النبوة.
[يا يهودي](٤) ! ومن ذريتي المهدي. إذا خرج، نزل عيسى بن مريم، لنصرته وقدمه. وصلى خلفه.
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٥) : قال حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد.
قال: حدثنا الحسن بن جعفر. قال: حدثنا الحسين بن سواد. قال: حدثنا محمد ابن عبد الله. قال: حدثنا شجاع بن الوليد وابو مليك(٦) السكوني. قال: حدثنا سليمان ابن مهران الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنه. قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: لما نزلت الخطيئة بآدم وأخرج من الجنة، أتاه جبرئيل ـ عليه السلام ـ فقال: يا آدم! أدع ربك.
قال: يا(٧) حبيبي، جبرئيل! ما أدعو؟
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: وأوجس.
(٣) كذا في المصدر. والأصل ور: نجيتني.
(٤) يوجد في المصدر ور.
(٥) تفسير الفرات / ١٣.
(٦) المصدر: أبو بدر.
(٧) ليس في المصدر.
قال: قل «يا(١) رب! أسألك بحق الخمسة الذين تخرجهم من صلبي، آخر الزمان، إلّا تبت عليّ ورحمتني».
فقال له آدم: يا جبرئيل! «من هم»(٢) ؟ سمهم لي.
قال: قل «اللهم اني أسألك بحق محمد، نبيك، وبحق علي، وصي نبيك، وبحق فاطمة، بنت نبيك، وبحق الحسن والحسين، سبطي نبيك، إلّا تبت عليّ، فارحمني».
فدعا بهن آدم. فتاب الله عليه. وذلك قول الله تعالى:( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. فَتابَ عَلَيْهِ ) . وما من عبد مكروب، يخلص النية ويدعو بهن، إلّا استجاب الله له.
وفي روضة الكافي(٣) . وفي رواية أخرى: و(٤) قوله ـ عز وجل ـ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السلام(٥) .
وفي كتاب الاحتجاج، للطبرسي ـ رحمه الله ـ(٦) : وعن معمر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ آدم ـ عليه السلام ـ لما أصاب الخطيئة، كانت توبته أن قال: أللّهمّ اني أسألك بحق محمد وآل محمد لـمـّا غفرت لي. فغفر(٧) الله له.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
__________________
(١ و ٢) ليس في المصدر.
(٣) الكافي ٨ / ٣٠٥، ذيل ح ٤٧٢.
(٤) المصدر: في.
(٥) المصدر: الحسن والحسين وفاطمة ـ صلى الله عليهم ـ.
(٦) الاحتجاج ١ / ٥٤ ـ ٥٥.
(٧) المصدر: فغفرها.
وفي كتاب معاني(١) الأخبار، بإسناده إلى أبي سعيد المدائني، رفعه(٢) ، في قول الله ـ عز وجل ـ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) . قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ.
وبإسناده(٣) إلى محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ حديث طويل، فيه يقول ـ عليه السلام ـ بعد أن ذكر، أن آدم وحوا، تمنيا منزلة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ: فلما أراد الله ـ عز وجل ـ أن يتوب عليهما جاءهما جبرئيل ـ عليه السلام ـ فقال لهما: إنّكما إنّما ظلمتما أنفسكما، بتمني منزلة من فضل(٤) عليكما. فجزاؤكما [ما](٥) قد عوقبتما به من الهبوط، من جوار الله ـ عز وجل ـ إلى أرضه. فاسألا ربكما، بحق الأسماء التي رأيتموها على ساق العرش، حتى يتوب عليكما.
فقالا: أللّهمّ انا نسألك بحق الأكرمين عليك، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة، إلّا تبت علينا ورحمتنا.
فتاب الله عليهما. انه هو التواب الرحيم.
وفي كتاب الخصال(٦) ، عن ابن عباس. قال: سألت النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ عن الكلمات التي تلقاها آدم، من ربه، فتاب عليه.
قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إلّا تبت عليّ.
__________________
(١) معاني الاخبار / ١٢٥، ح ٢.
(٢) المصدر: يرفعه.
(٣) نفس المصدر / ١١٠ ـ ١٠٨.
(٤) كذا في المصدر. والأصل ور: فضلت.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) الخصال / ٢٧٠، ح ٨.
فتاب عليه.
عن المفضل بن عمر(١) ، عن الصادق، جعفر بن محمد ـ عليهما السلام. قال: سألته عن قول الله تعالى( وَإِذِ ابْتَلى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ) ما هذه الكلمات.
قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فتاب عليه. وهو أنه قال: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إلّا تبت عليّ. فتاب الله عليه. انه هو التواب الرحيم.
وأما ما رواه العياشي، في تفسيره(٢) ، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ الله حين أهبط آدم إلى الأرض، أمره أن يحرث بيده. فيأكل من كده، بعد الجنة ونعميها. فلبث يحارث(٣) . ويبكى عليه على الجنة، مائتي سنة. ثم أنه سجد لله، فلم يرفع رأسه ثلاثة أيام ولياليها. ثم قال: أي ربي! ألم تخلقني؟
فقال الله: وقد فعلت.
فقال: ألم تنفخ فيّ من روحك.
قال: قد فعلت.
قال: ألم تسكني جنتك.
قال: قد فعلت.
قال: ألم تسبق لي رحمتك غضبك؟
قال الله: قد فعلت. فهل صبرت أو شكرت؟
قال آدم: لا إله إلّا أنت. سبحانك إنّي ظلمت. نفسي. فاغفر لي إنّك
__________________
(١) نفس المصدر / ٣٠٤ ـ ٣٠٥، صدر ح ٨٤.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ٤٠ ـ ٤١، ح ٢٤.
(٣) المصدر: يجآر.
أنت الغفور الرحيم.
فرحم الله نداه. فتاب(١) عليه. انه هو التواب الرحيم.
عن محمد بن مسلم(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ: قال [قال]:(٣) الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه، فتاب عليه وهدى، قال: سبحانك أللّهمّ وبحمدك. اني عملت سوء. وظلمت نفسي. فاغفر لي. انك أنت الغفور الرحيم(٤) . اللهم.
انك(٥) لا إله إلّا أنت. سبحانك وبحمدك. انى عملت سوء. وظلمت نفسي.
فاغفر لي. انك أنت «خير الغافرين. أللّهمّ إنّه لا إله إلّا أنت. سبحانك وبحمدك اني عملت سوء. وظلمت نفسي. فاغفر لي انك أنت»(٦) الغفور الرحيم.
وفي روضة الكافي(٧) : علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن ابراهيم، صاحب الشعير، عن كثير بن كلثمة(٨) ، عن أحدهما ـ عليهما السلام ـ في قول الله ـ عز وجل ـ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) . قال: لا إله إلّا أنت.
سبحانك، وبحمدك عملت سوء. وظلمت نفسي. فاغفر لي. وأنت خير الغافرين. لا إله إلّا أنت. سبحانك أللّهمّ وبحمدك. عملت سوء وظلمت نفسي. فاغفر لي وارحمني وأنت أرحم الراحمين. لا إله أنت. سبحانك أللّهمّ وبحمدك. عملت سوء.
وظلمت نفسي. فتب عليّ. انك أنت التواب الرحيم.
__________________
(١) المصدر: فرحمه الله بذلك وتاب.
(٢) نفس المصدر ١ / ٤١، ح ٢٥.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: انك أنت خير الغافرين.
(٥) المصدر: انه.
(٦) ليس في المصدر. وفي عبارات المتن، تكرار.
(٧) الكافي ٨ / ٣٠٤، ح ٤٧٢.
(٨) كذا في المصدر وهو الصواب. والأصل ور: كثر بن كلمة.
فلا ينافي ما تقدم، لإمكان الجمع. وكون تلك الكلمات للتحميد والتمجيد والاعتراف. والكلمات السابقة لإيجاب المغفرة واستحقاق المثوبة.
وفي كتاب الخصال(١) : عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق نور محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ قبل أن يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار ـ إلى أن قال ـ حتى أخرجه من صلب عبد الله بن عبد المطلب. فأكرمه بست كرامات: ألبسه قميص الرضا. ورداه، رداء الهيبة.
وتوّجه بتاج الهداية. وألبسه سراويل المعرفة. وجعل تكّته، تكّة المحبة. يشدّ بها سراويله. وجعل نعله، نعل(٢) الخوف. وناوله عصا المنزلة. ثم قال ـ عز وجل ـ: يا محمد! اذهب إلى الناس. وقل(٣) لهم: قولوا لا إله إلّا اللّه. محمد رسول الله.
وكان أصل ذلك القميص، من(٤) ستة أشياء: قامته من الياقوت. وكمّاه من اللؤلؤ. ودخريصه من البلور الأصفر. وإبطاه من الزبرجد. وجربانه من المرجان الأحمر. وجيبه من نور الرب ـ جل جلاله ـ فقبل الله ـ عز وجل ـ توبة آدم، بذلك القميص. ورد خاتم سليمان، به. ورد يوسف إلى يعقوب، به. ونجّى يونس من بطن الحوت. به. وكذلك سائر الأنبياء ـ عليهم السلام ـ نجاهم من المحن، به. ولم يكن ذلك القميص، الّا قميص محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وفي كتاب علل الشرائع(٥) : بإسناده إلى فرات بن الأحنف، عن أبي جعفر
__________________
(١) الخصال / ٤٨١ ـ ٤٨٣، ضمن ح ٥٥.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: فقل.
(٤) المصدر: في.
(٥) علل الشرائع / ٨٤، ح ١.
الباقر ـ عليه السلام ـ قال: لو لا أن آدم أذنب، ما أذنب مؤمن أبدا. ولو لا أن الله ـ عز وجل ـ تاب على آدم، ما تاب على مذنب أبدا.
وبإسناده(١) إلى الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب ـ عليهما السلام ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول فيه ـ صلى الله عليه وآله ـ وقد سأله بعض اليهود عن مسائل: وأما صلاة العصر فهي الساعة التي، أكل آدم فيها من الشجرة، فأخرجه الله من الجنة. فأمر الله ـ عز وجل ـ ذريته، بهذه الصلاة، إلى يوم القيامة. واختارها لأمتي. فهي من أحب الصلوات، إلى الله ـ عز وجل ـ وأوصاني أن أحفظها، من بين الصلوات وأما صلاة المغرب، فهي الساعة التي تاب الله ـ عز وجل ـ فيها على آدم.
وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة، من ايام الدنيا.
وفي أيام الاخرة، يوم كألف سنة ما بين العصر والعشاء. فصلى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حوا، وركعة لتوبته. فافترض الله ـ عز وجل ـ هذه الثلاث ركعات، على أمتي. وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فوعدني ربي ـ عز وجل ـ أن يستجيب لمن دعاه، فيها.
وبإسناده(٢) إلى عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبى عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لـمـّا أراد أن يتوب على آدم ـ عليه السلام ـ أرسل إليه جبرئيل. فقال له: السلام عليك يا آدم! الصابر على بليته التائب عن خطيئته.
ان الله ـ تبارك وتعالى ـ بعثني اليك، لأعلّمك المناسك التي يريد أن يتوب عليك بها.
__________________
(١) نفس المصدر / ٣٣٨، قطع من ح ١.
(٢) نفس المصدر / ٤٠٠ ـ ٤٠١، ح ١.
وأخذ جبرئيل بيده. وانطلق. به، حتى أتى به(١) البيت. فنزلت عليه غمامة من السماء.
فقال له جبرئيل: خط برجلك حيث أظلت(٢) هذا الغمام.
ثم انطلق به، حتى أتى به إلى(٣) منى. فأراه موضع مسجد منى. فخطه.
وخط المسجد الحرام، بعد ما خط ذلك(٤) مكان البيت. ثم انطلق به إلى عرفات.
فأقامه على عرفة. وقال له: إذا غربت الشمس، فاعترف بذنبك، سبع مرات.
ففعل ذلك آدم. ولذلك سمي عرفة(٥) . لأن آدم ـ عليه السلام ـ اعترف عليه بذنبه فجعل ذلك سنة في ولده. يعترفون بذنوبهم، كما اعترف أبوهم. ويسألون الله ـ عز وجل ـ التوبة، كما سألها أبوهم [آدم](٦) .
ثم أمره جبرئيل ـ عليه السلام ـ فأفاض من عرفات. فمر على الجبال السبعة.
فأمره أن يكبر على كل جبل، أربع تكبيرات. ففعل ذلك آدم. ثم انتهى به إلى جمع ثلث الليل. فجمع فيها بين صلاة المغرب وبين صلاة العشاء. فلذلك سمي جمعا. لأن آدم جمع فيها بين الصلاتين. فهو وقت(٧) العتمة [في](٨) تلك الليلة، ثلث الليل، في ذلك الموضع. ثم أمره أن ينبطح في بطحاء جمع. فانبطح حتى انفجر الصبح. ثم أمره أن يصعد على الجبل، جبل جمع. وأمره إذا طلعت الشمس، أن يعترف بذنبه، سبع مرات. ويسأل الله ـ عز وجل ـ التوبة والمغفرة سبع مرات. ففعل ذلك آدم، كما أمره جبرئيل.
__________________
(١ و ٣ و ٤) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: أظلك.
(٥) النسخ: المعرف. والمصدر: العرفة.
(٦) يوجد في ر والمصدر.
(٧) المصدر: فوقت.
(٨) يوجد في المصدر.
وانما جعل اعترافين، ليكون سنّة في ولده فمن لم يدرك عرفات وأدرك جمعا فقد وفي بحجه.
فأفاض آدم من جمع، إلى منى، فبلغ منى ضحى. فأمره أن يصلي ركعتين، في مسجد منى. ثم أمره أن يقرّب إلى الله ـ عز وجل ـ قربانا، ليتقبل الله منه ويعلم أن الله قد تاب عليه. ويكون سنّة في ولده القربان. فقرّب آدم ـ عليه السلام ـ قربانا. فقبل الله منه، قربانه. وأرسل الله ـ عز وجل ـ نارا من السماء، فقبضت قربان آدم.
فقال له جبرئيل: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قد أحسن اليك، إذ علّمك المناسك التي تاب عليك بها وقبل قربانك. فاحلق رأسك، تواضعا لله ـ عز وجل ـ إذ قبل قربانك.
فحلق آدم، رأسه، تواضعا لله ـ تبارك وتعالى ـ ثم أخذ جبرئيل، بيد آدم.
فانطلق به إلى البيت. فعرض له إبليس، عند [الجمرة](١) العقبة.
فقال له: يا آدم! أين تريد؟
قال جبرئيل: [يا آدم](٢) ارمه بسبع حصيات. وكبر مع كل حصاة، تكبيرة.
ففعل ذلك آدم، كما أمره جبرئيل. فذهب إبليس. ثم أخذ [جبرئيل](٣) بيده في اليوم الثاني. فانطلق به، إلى الجمرة الاولى. فعرض له إبليس.
فقال له [جبرئيل](٤) : ارمه بسبع حصيات. وكبر مع كل حصاة، تكبيرة.
ففعل ذلك آدم. فذهب إبليس. ثم عرض له عند الجمرة الثانية.
فقال له: يا آدم! أين تريد؟
__________________
(١ و ٢) يوجد في المصدر.
(٣ و ٤) يوجد في المصدر.
فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات. وكبر مع كل حصاة، تكبيرة(١) .
ففعل ذلك آدم. فذهب إبليس. ثم عرض له، عند الجمرة الثالثة.
فقال له: يا آدم! أين تريد؟
فقال له جبرئيل: ارمه بسبع حصيات. وكبر مع كل حصاة، تكبيرة.
ففعل ذلك آدم. فذهب إبليس. ثم فعل ذلك [به](٢) في اليوم الثالث والرابع فذهب إبليس.
فقال له جبرئيل: انك لن تراه بعد مقامك هذا، أبدا.
ثم انطلق به، إلى البيت. فأمره أن يطوف بالبيت، سبع مرات. ففعل ذلك آدم.
فقال له جبرئيل: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قد غفر لك. وقبل توبتك. وحلّت لك زوجتك.
وبإسناده(٣) إلى أبي خديجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سأل أبي عبد الله رجل. وقال: حدثني عن رضا الرب، عن آدم ـ عليه السلام ـ فقال: إنّ آدم أنزل فنزل في الهند. وسأل ربه ـ عز وجل ـ هذا البيت. فأمره أن يأتيه، فيطوف به، أسبوعا. ويأتي منى وعرفات، فيقضى مناسكه، كلها. فجاء من الهند. وكان موضع قدميه، حيث يطأ عليه، عمران. وما بين القدم إلى القدم، صحارى. ليس فيها شيء. ثم جاء إلى البيت، فطاف أسبوعا. وأتى مناسكه، فقضاها، كما أمره الله. فقبل الله منه التوبة. وغفر له.
قال: فجعل طواف آدم ـ عليه السلام ـ لـمـّا طافت الملائكة بالعرش، سبع
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) نفس المصدر / ٤٠٧، ضمن ح ٢.
سنين. فقال جبرئيل ـ عليه السلام ـ: هنيئا لك، يا آدم! لقد غفر لك. لقد طفت بهذا البيت قبلك، بثلاثة آلاف سنة.
فقال آدم ـ عليه السلام ـ: يا رب! اغفر لي ولذريتي، من بعدي.
فقال: نعم، من آمن بي وبرسلي فقد(١) صدقت ومضى.
فقال أبي ـ عليه السلام ـ: هذا جبرئيل ـ عليه السلام ـ أتاكم يعلمكم معالم دينكم.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي عيون الأخبار(٢) : حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي. قال: حدثني أبي، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن علي بن محمد بن الجهم. قال: حضرت مجلس المأمون. وعنده الرضا، علي بن موسى ـ عليه السلام ـ فقال له المأمون: يا بن رسول الله! أليس من قولك ان الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله تعالى(٣) ( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) ؟
فقال ـ عليه السلام ـ ان الله ـ تبارك وتعالى ـ قال لآدم:( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما. وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) . وأشار لهما إلى شجرة الحنطة.( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) . ولم يقل لهما: [و](٤) لا تأكلا من هذه الشجرة. ولا مما كان من جنسها. فلم يقربا تلك الشجرة. [ولم يأكلا منها](٥) وإنّما أكلا من غيرها، لما أنْ وسوس الشيطان، اليهما. وقال: ما نهاكما ربكما
__________________
(١) المصدر: فقال. وهو الظاهر.
(٢) عيون الأخبار / ١٩٥ ـ ١٩٦، صدر ح ١.
(٣) طه / ١٢١.
(٤ و ٥) يوجد في المصدر.
عن هذه الشجرة. وإنّما نهاكما(١) أن تقربا غيرها. ولم ينهكما عن الأكل منها، إلّا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما اني لكما من(٢) الناصحين.
ولم يكن آدم وحوا، شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله، كاذبا. فدلهما(٣) بغرور.
فأكلا منها، ثقة بيمينه بالله. وكان ذلك من آدم، قبل النبوة. ولم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار. وإنّما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي، عليهم. فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبيا، كان معصوما، لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله ـ عز وجل ـ:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ، فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ. فَتابَ عَلَيْهِ. وَهَدى ) (٤) . وقال ـ عز وجل ـ:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرانَ، عَلَى الْعالَمِينَ ) (٥) .
عن علي ـ عليه السلام ـ حديث طويل(٦) . وفيه: وسأله «كم كان عمر آدم ـ عليه السلام ـ»؟
قال: تسعمائة وثلاثون سنة(٧) .
وفي كمال الدين وتمام النعمة(٨) ، بإسناده إلى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عاش أبو البشر، آدم ـ عليه السلام ـ
__________________
(١) المصدر: ينهيكما.
(٢) المصدر: لمن.
(٣) المصدر: فدليهما.
(٤) طه / ١٢١.
(٥) آل عمران / ٣٣.
(٦) نفس المصدر ١ / ٢٤٢.
(٧) المصدر: فقال تسعمائة سنة وثلاثون سنة.
(٨) كمال الدين وتمام النعمة / ٥٢٣، قطعة من ح ٣.
تسعمائة(١) وثلاثين سنة](٢) .
( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) ) : وقرئ «فمن تبع هدي» على لغة هذيل، «فلا خوف» بالفتح.
وفي تفسير العياشي(٣) : عن جابر. قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن تفسير هذه الاية، في باطن القرآن:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
قال: تفسيرها: عليّ الهدى. قال الله فيه: فمن تبع هداي ـ الآية ـ.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ. هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٣٩)( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) ، يعني أولاد يعقوب.
وإسرائيل، في الأصل: صفوة الله، أو عبد الله. سمي به يعقوب، للمدح.
وفي كتاب علل الشرائع(٤) : بإسناده إلى جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السلام ـ: ويعقوب، هو إسرائيل [ومعنى إسرائيل: عبد الله. لان أسرا، هو عبد الله. وايل هو الله ـ عز وجل ـ
وروى في خبر آخر(٥) : إنّ أسرا، هو القوة. وأيل، هو الله ـ عز وجل ـ فمعنى إسرائيل: قوة الله ـ عز وجل ـ
وفي عيون الأخبار(٦) : بإسناده إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حديث
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: سبعمائة.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٤١، ح ٢٩.
(٤) علل الشرايع ١ / ٤٣، ح ١.
(٥) نفس المصدر، ح ٢.
(٦) عيون الأخبار ١ / ١٩٢، ح ١.
طويل. وفيه: وسأله عن ستة من الأنبياء، لهم اسمان.
[فقال: يوشع بن نون وهو ذو الكفل ويعقوب وهو إسرائيل](١) .
( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) ، من الانجاء من فرعون، مثلا.
( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ) ، من الايمان بي والطاعة لي.
( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) ، من حسن الثواب، على حسناتكم.
( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) ) ، فلا تنقضوا عهدي.
[وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : بإسناده إلى ابن عباس. قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: لما نزل(٣) الله ـ عز وجل ـ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) والله لقد خرج آدم من الدنيا وقد عاهد قومه، على الوفاء لولده شيث، فما وفي له. ولقد خرج نوح من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيه سام. فما وفت أمته له. ولقد خرج إبراهيم من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيه، إسماعيل، فما وفت أمته. ولقد خرج موسى من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيه يوشع بن نون، فما وفت أمته.
ولقد رفع عيسى بن مريم، إلى السماء وقد عاهد قومه على الوفاء لوصيه شمعون ابن حمون الصفا، فما وفت أمته. واني مفارقكم عن قريب وخارج من بين أظهركم.
ولقد عهدت إلى امتي، في عهد علي بن أبي طالب. وانها لراكبة سنن من قبلها، من الأمم، في مخالفة وصيي وعصيانه. ألا واني مجدد عليكم عهدي، في علي. فمن نكث، فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله، فسيؤتيه أجرا عظيما.
أيها الناس: إنّ عليا، إمامكم وخليفتي من بعدي عليكم. وهو وصيي ووزيري وأخي وناصري وزوج ابنتي وأبو ولدي وصاحب شفاعتي وحوضي
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في أ.
(٢) معاني الاخبار / ٣٧٢ ـ ٣٧٣، ح ١.
(٣) ر والمصدر: أنزل.
ولوائي. من أنكره، فقد أنكرني، ومن انكرني فقد أنكر الله تعالى. ومن أقر بإمامته، فقد أقر بنبوتي. ومن أقر بنبوتي، فقد أقر بوحدانية الله ـ عز وجل ـ.
يا أيها(١) الناس! من عصى عليا، فقد عصاني. ومن عصاني، فقد عصى الله.
ومن أطاع عليا، فقد أطاعني. ومن أطاعني، فقد أطاع الله ـ عز وجل ـ.
يا أيها(٢) الناس! من رد على علي، في قول أو فعل، فقد رد عليّ. ومن رد عليّ فقد رد على الله، فوق عرشه.
يا أيها(٣) الناس! من اختار منكم على علي اماما، فقد اختار عليّ نبيا. ومن اختار عليّ نبيا، فقد اختار على الله ـ عز وجل ـ ربا.
أيها الناس! ان عليا سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ومولى المؤمنين.
ووليه وليي. ووليي ولي الله. وعدوه عدوي. وعدوي عدو الله ـ عز وجل ـ أيها الناس! أوفوا بعهد الله [في علي](٤) ، يوف لكم بالجنة(٥) يوم القيامة.
وفي أصول الكافي(٦) : علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله ـ عز وجل ـ:( أَوْفُوا بِعَهْدِي ) ، قال: بولاية أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) أوف لكم بالجنة.
أحمد بن محمد(٧) عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن محمد عن الخشاب.
قال: حدثنا بعض أصحابنا عن خيثمة. قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: يا خيثمة! نحن عهد الله. فمن وفى بعهدنا، فقد وفى بعهد الله. ومن خفرها، فقد
__________________
(١ و ٢ و ٣) ليس المصدر.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: في الجنة.
(٦) الكافي ١ / ٤٣١، ح ٨٩.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢٢١، ح ٣.
خفر ذمة الله وعهده.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) : حدثني أبي عن محمد بن أبي عمير، عن جميل عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال له رجل: جعلت فداك! ان الله يقول:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٢) وإنّا ندعو، فلا يستجاب لنا.
قال: لأنكم لا توفون لله، بعهده. وان الله يقول:( أَوْفُوا بِعَهْدِي، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) والله! لو وفيتم لله، لوفى الله لكم.
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٣) ، قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري. قال: حدثنا محمد، يعني: ابن الحسين الصائغ. قال: حدثنا محمد ابن عمران الوشاء، عن موسى بن القسم، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال [في](٤) قول الله تعالى( أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) ، أوفوا بولاية علي [بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ فرضا من الله لكم، أوف لكم بالجنة](٥) .
وفي شرح الآيات الباهرة(٦) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: قال الله ـ عز وجل ـ:( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) ولد يعقوب، إسرائيل الله،( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ )
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٤٩.
(٢) غافر / ٦٠.
(٣) تفسير الفرات / ١١.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: فرض من الله، أوف لكم الجنة.
(٦) شرح الآيات الباهرة / ١٥.
لما بعثت(١) محمدا وأقررته في مدينتكم(٢) . ولم اجشّمكم(٣) الحطّ والترحال(٤) اليه. وأوضحت علاماته ودلائل صدقه لئلا يشتبه عليكم حاله.( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ) ».
الذي أخذته على سلافكم وأنبيائهم(٥) . وأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم، ليؤمنن بمحمد العربي القرشي المبان بالآيات والمؤيد بالمعجزات التي منها أن كلمه ذراع مسموم. وناطقه ذئب. وحسن إليه عود المنبر. وكثر الله له القليل من الطعام.
وألان(٦) له الصلب، من الحجارة. وصلبت لديه المياه السائلة. ولم يؤيد نبيا من أنبيائه بدلالة، إلّا جعل له مثلها وأفضل منها. والذي جعل من(٧) أكبر آياته، علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ شقيقه(٨) ورفيقه. عقله من عقله. وعلمه من علمه. وحلمه من حلمه. مؤيد دينه، بسيفه الباتر، بعد أن قطع معاذير المعاندين، بدليله القاهر وعلمه الفاضل وفضله الكامل.( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) الذي أوجبت به لكم نعيم الأبد، في دار الكرامة ومستقر الرحمة.( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) في مخالفة محمد. فاني القادر على صرف بلاء من يعاديكم، على موافقتي. وهم لا يقدرون على صرف انتقامي، إذا آثرتم مخالفتي](٩) .
( وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ ) من القرآن.
__________________
(١) المصدر: بعث.
(٢) المصدر: مرتبتكم.
(٣) المصدر: اجشمك.
(٤) المصدر: الرجال.
(٥) المصدر: أنبيائكم.
(٦) المصدر: لان.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) المصدر: شفيقه.
(٩) ما بين القوسين ليس في أ.
( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) من التوراة والإنجيل وغيرهما.
( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ) : أول فوج كفر به.
[وفي تفسير العياشي(١) : عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن تفسير هذه الاية، في باطن القرآن( وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ) ، يعني: فلانا وصاحبه ومن تبعهم ومن دان بدينهم.( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ) ، يعني: عليا ـ عليه السلام ـ](٢) .
( وَلا تَشْتَرُوا ) : لا تستبدلوا.
( بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) : من الرئاسة التي تخافون أن تفوت منكم(٣) ، باتباع محمد أو الشيء(٤) الذي تأخذونه من رعاياكم، على تحريف الكلم وتسهيل ما صعب عليهم، من الشرائع.
( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ) :
[وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: ثم قال الله ـ عز وجل ـ لليهود: «وآمنوا» يا أيها اليهود بما أنزلت على محمد من ذكر نبوته وأنباء امامة أخيه علي وعترته الطيبين،( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) . فان مثل هذا الذكر في كتابكم، أن محمدا النبي، سيد الأولين والآخرين، المؤيد بسيد الوصيين وخليفة رب العالمين، فاروق الأمّة، وباب مدينة الحكمة، ووصي رسول الرحمة. ولا تشتروا بآياتي المنزلة لنبوة محمد وإمامة علي والطاهرين من
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٤٢، ح ٣١.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) أ: عنكم.
(٤) أ: محمدا والشيء. ر: محمد والشيء.
(٥) شرح الآيات الباهرة / ١٥ ـ ١٦.
عترته( ثَمَناً قَلِيلاً ) بأن(١) تجحدوا نبوة النبي وامامة الامام ـ عليهما السلام ـ وتعتاضوا عنها عرض(٢) الدنيا. فان ذلك وان كثر، فالى نفاد وخسار وبوار. ثم قال ـ عز وجل ـ:( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) في كتمان أمر محمد وأمر وصيه. فان لم تتقوا(٣) لم تقدحوا في نبوة النبي ولا في وصية الوصي. بل حجج الله عليكم، قائمة.
وبراهينه بذلك واضحة. قد قطعت معاذيركم. وأبطلت تمويهكم. وهؤلاء، يهود المدينة(٤) ، جحدوا نبوة محمد. وخانوه. وقالوا: نحن نعلم، أن محمدا، نبي. وأن عليا، وصيه. ولكن لست أنت ذلك(٥) ولا هذا. (يشيرون إلى علي ـ عليه السلام.) فأنطق الله تعالى، ثيابهم التي عليهم وخفافهم التي في أرجلهم، يقول كل واحد منها للابسه: كذبت، يا عدو الله! بل النبي، محمد هذا. والوصي علي هذا. ولو أذن الله لنا، أضغطناكم وعقرناكم وقتلناكم.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: إنّ الله ـ عز وجل ـ يمهلهم، لعلمه بأنه سيخرج من أصلابهم، ذريات طيبات مؤمنات(٦) . ولو تزيّلوا، لعذّب هؤلاء عذابا أليما.(٧) وإنّما يعجل من يخاف الفوت.
وفي مجمع البيان(٨) ، روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ: من سنَّ سنّة حسنةً
__________________
(١) الأصل ور. فان.
(٢) كذا في تفسير البرهان ١ / ٩١، نقلا عن الامام العسكري ـ عليه السّلام ـ وفي المصدر. عرض: وفي الأصل ور: منها عوض.
(٣) المصدر: فإنّكم إنْ تتقوا.
(٤) المصدر: اليهود بالمدينة.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: ومؤمنات.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) مجمع البيان ١ / ٩٥.
فله أجرها وأجر من عمل بها، إلى يوم القيامة. ومن سنَّ سنّةً سيّئةً، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، إلى يوم القيامة.
وروى عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ(١) في هذه الآية قال: كان حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وآخرون من اليهود، لهم مأكلة على اليهود، في كل سنة. فكرهوا بطلانها، بأمر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فحرفوا لذلك، آيات من التوراة، فيها صفته وذكره. فذلك الثمن الذي أريد(٢) في الاية](٣) .
( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ. وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) )
[في شرح الآيات الباهرة(٤) : قال الامام ـ عليه السّلام ـ: ثمّ خاطب الله ـ عزّ وجل ـ قوما من اليهود قال:( وَلا تَلْبِسُوا ) (٥) ( الْحَقَّ بِالْباطِلِ ) بأن زعموا أنْ محمّدا، نبيّ وأنّ عليّا، وصيّ. ولكنّهما يأتيان بعد وقتنا هذا، بخمس مائة سنة.
فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أترضون التوراة بيني وبينكم حكما؟
قالوا: بلى.
فجاءوا بها. وجعلوا يقرءون منها، خلاف ما فيها. فقلب الله ـ عزّ وجل ـ الطومار الذي كانوا منه يقرءون. وهو في يد قارئين(٦) منهم، مع أحدهما أوّله ومع الاخر، آخره، ثعبانا له رأسان. وتناول كل رأس منهما، يمين(٧) الذي هو
__________________
(١) نفس المصدر.
(٢) كذا في المصدر وفي نسخة الأصل: أريك. وفي ر: أرأيك.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) شرح الآيات الباهرة / ١٦.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: لبسوا.
(٦) المصدر: قرائين.
(٧) المصدر: عين.
في يده. وجعلت ترضضه وتهشمه. ويصيح الرجلان. ويصرخان. وكانت هناك طوامير أخر. فنطقت. وقالت: لا تزالان في هذا العذاب، حتى تقرءا بما فيها، من صفة محمّد ونبوّته وصفة عليٍّ وإمامته، على ما أنزل الله تعالى. فقرءاه(١) صحيحا وآمنا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وإمامة عليٍّ، وليّ الله(٢) .
فقال الله تعالى:( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ) بأن تقرّوا، بمحمّد وعليّ، من وجه. وتجحدوهما، من وجه( وَتَكْتُمُوا ) (٣) ( الْحَقَ ) من نبوّة هذا وإمامة هذا( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ](٤) .
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ، أي: صلاة المسلمين.
( وَآتُوا الزَّكاةَ ) : زكاتهم.
( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ) : منهم. لانّ اليهود، لا ركوع في صلاتهم.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : قال الامام ـ عليه السّلام ـ: ثمّ قال الله ـ عزّ وجل ـ لهؤلاء:( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) قال: أقيموا الصلوات المكتوبات التي جاء بها محمّد. وأقيموا ـ أيضا ـ الصّلوة على محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين الذين عليٌّ سيّدهم وفاضلهم. وآتوا الزكاة من أموالكم، إذا وجبت ومن أبدانكم، إذا لزمت ومن معونتكم، إذا التمست.
واركعوا مع الراكعين، أي: تواضعوا مع المتواضعين، لعظمة الله ـ عزّ وجل ـ
__________________
(١) المصدر: فأقرآه.
(٢) المصدر: واعتقدوا إمامة عليٍّ، وليُّ رسول الله.
(٣) كذا في المصدر وفي الأصل ور: فتكتمون.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
(٥) شرح الآيات الباهرة / ١٦.
في الانقياد لأولياء الله، لمحمّد نبي الله ولعليّ وليّ الله وللأئمّة بعدهما سادات أصفياء الله.
ونقل ابن مردويه وأبو نعيم الحافظ(١) ، في قوله تعالى:( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) اأنّها نزلت في رسول الله وفي عليٍّ ـ صلوات الله عليهما ـ خاصّة. لأنّهما أوّل من صلّيا وركعا(٢) .
وفي تفسيرات فرات بن إبراهيم الكوفي(٣) ، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري. قال: حدّثنا حيّان بن علي العنزي(٤) ، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: إنّ قوله:( ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) نزلت في رسول الله وعليّ بن أبي طالب ـ عليهما السّلام ـ خاصّة. وهما(٥) أوّل من صلّيا وركعا.
وفي كتاب علل الشرايع(٦) : بإسناده إلى زرارة بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: المرأة عليها أذان واقامة؟
فقال: إنّ كانت تسمع أذان القبيلة، فليس عليها شيء. وإلّا فليس عليها أكثر من الشهادتين. لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ قال للرجال:( أَقِيمُوا الصَّلاةَ ) . وقال للنساء: «وأقمن الصلاة. وآتين الزكاة. وأطعن الله ورسوله».
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
__________________
(١) نفس المصدر.
(٢) كذا في المصدر وفي الأصل ور: صلّى وركع.
(٣) تفسير الفرات / ٢، في ذيل حديث.
(٤) كذا في المصدر. وهو الصواب. وفي الأصل ور: العزّى.
(٥) المصدر: فهما.
(٦) علل الشرايع / ٣٥٥، صدر ح ١.
وفي تهذيب الأحكام(١) : الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن إسحاق بن المبارك. قال: سألت أبا إبراهيم ـ عليه السّلام ـ عن صدقة الفطرة، أهي مما قال الله:( أَقِيمُوا الصَّلاةَ. وَآتُوا الزَّكاةَ ) ؟
فقال: نعم.
وفي عيون الأخبار(٢) : في العلل التي ذكرها الفضل بن شاذان، عن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال ـ عليه السّلام ـ: فان قال [قائل](٣) : فلم أمروا بالصّلاة؟
قيل: لأن في الصّلاة، الإقرار بالربوبّية. وهو صلاح عام. لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي الجبّار بالذلّ والاستكانة والخضوع [والخشوع](٤) والاعتراف وطلب الاقالة من سالف الذنوب ووضع الجبهة على الأرض، كل يوم وليلة، ليكون العبد ذاكرا لله تعالى، غير ناس له. ويكون خاشعا وجلا متذلّلا طالبا راغبا في الزيادة للدين والدنيا، مع ما فيه من الانزجار عن الفساد. وصار ذلك عليه في كل يوم وليلة، لئلا ينسى العبد، مدّبره وخالقه. فيبطر. ويطغى.
وليكون في ذكر(٥) خالقه والقيام بين يدي ربّه، زاجرا له عن المعاصي وحاجزا ومانعا عن أنواع الفساد.
وفيه(٦) : بإسناده إلى أبي الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجل ـ أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة [أخرى](٧) : أمر بالصّلاة والزكاة. فمن صلّى
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٤ / ٨٩، صدر ح ٢٦٢.
(٢) عيون الأخبار ٢ / ١٠٣ ـ ١٠٤.
(٣ و ٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر طاعة.
(٦) نفس المصدر ١ / ٢٥٨، صدر ح ١٣.
(٧) يوجد في المصدر.
ولم يزكّ، لم تقبل(١) صلاته ـ الحديث ـ.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وكتب الرضا، عليّ بن موسى ـ عليه السّلام ـ إلى محمد بن سنان، فيما كتب إليه من جواب مسائله: إنّ علّة الزكاة، من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء. لأنّ الله ـ عزّ وجل ـ كلّف أهل الصّحة، القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى. كما قال الله(٣) :( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) : في أموالكم، إخراج الزكاة. وفي أنفسكم، توطين النفس(٤) على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله ـ عزّ وجل ـ والطمع في الزيادة، مع ما فيه من الزيادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة والحثُّ لهم على المواساة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين. وهو عظة لأهل الغنى.
وعبرة لهم. ليستدلوا على فقراء الاخرة بهم. وما لهم من الحثّ في ذلك، على الشكر لله ـ عزّ وجل ـ لما خوّلهم وأعطاهم والدعاء والتضرّع والخوف، من أن يصيروا مثلهم، في أمور كثيرة، في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف](٥) .
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ ) من أتاربكم(٦) في الخفية.
( بِالْبِرِّ ) : اتباع محمّد.
( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ. وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ ) :
[في شرح الآيات الباهرة:(٧) من تفسير العسكري ـ عليه السّلام ـ: إنّ رؤساء
__________________
(١) المصدر: لم يقبل منه.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤، ح ٧.
(٣) المصدر: تبارك وتعالى.
(٤) المصدر: الأنفس.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) أ: أقاربكم.
(٧) شرح الآيات الباهرة / ١٦ ـ ١٧.
هؤلاء اليهود اقتطعوا أموال ضعفائهم، من الصدقات والمواريث، ليأكلوها.
وقالوا: نقتل محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فلمّا جاؤوا(١) دفعهم الله عنه.
فقال لرؤسائهم: أنتم فعلتم. وفعلتم. وأخذتم أموال هؤلاء. وهي موجودة عندكم.
فأنكروا ذلك. فأمر النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ الملائكة، بإحضار الأموال.
فلمّا حضرت، اعترفوا بذنوبهم. فأسلم بعض. وأقام على دينه بعض.
قال الامام ـ عليه السّلام ـ فقال الرؤساء الذين هموا بالإسلام: نشهد يا محمّد! أنّك النبي الأفضل. وأنّ أخاك هذا، هو الوصيّ الأجل الأكمل. فقد فضحنا الله تعالى، بذنوبنا(٢) . أرأيت إنْ تبنا مما اقتطعنا، ما يكون حالنا؟
قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إذا أنتم، في الجنان، رفقاؤنا وفي الدنيا، في دين الله، إخواننا. ويوسع الله، أرزاقكم. وتجدون في مواضع أموالكم التي أخذت منكم، أضعافها(٣) . وينسى هؤلاء الخلق، فضيحتكم. حتّى لا يذكرها أحد منهم.
فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده. لا شريك له. وأنّك، يا محمّد! عبده ورسوله وصفيّه وخليله. وأن عليّا، أخوك ووزيرك والقيّم بدينك والنائب عنك والمناضل دونك. وهو منك بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدك.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فإذا أنتم المفلحون.
وفي مجمع البيان(٤) : روى أنس بن مالك. قال: قال رسول الله ـ صلّى
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: جاء.
(٢) المصدر: لولاك.
(٣) المصدر: بأضعافها.
(٤) مجمع البيان ١ / ٩٨.
الله عليه وآله ـ: مررت ليلة أسري بي، على أناس تقرض شفاههم، بمقاريض من نار. فقلت: من هؤلاء؟ يا جبرئيل! فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
وفي مصباح الشريعة(١) : قال الصادق ـ عليه السّلام ـ: من لم ينسلخ عن هواجسه(٢) حسبه ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها ولم يهزم الشيطان ولم يدخل في كنف الله تعالى وتوحيده وأمان(٣) عصمته، لا يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة، فكلما أظهر، يكون حجّة عليه. ولا ينتفع الناس به. قال الله تعالى:( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) . ويقال له: يا خائن أتطالب خلقي بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك؟
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٤) : و [أما](٥) قوله( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) قال: نزلت في القصاص والخطاب. وهو قول أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وعلى كل منبر منهم خطيب مصقع، يكذّب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه.
وفي أصول الكافي(٦) : بإسناده إلى أبى عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في قول الله
__________________
(١) شرح فارسى مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / ٣٥٧ ـ ٣٥٩.
(٢) الأصل ور: من هوى حسبه. والمصدر: من هوى حسبه. وقال مصحح المصدر (العلّامة الفقيد الأرموي ره) في هامشه: در بحار ومستدرك ومحجة ونسخه آقاى مصطفوى: «عن هواجسه» وهو الأصح.
(٣) كذا في المصدر، وفي الأصل ور: أوان.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٤٦.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) الكافي ٢ / ٣٠٠، ح ٤.
ـ عز وجل ـ( فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ) قال: يا أيا بصير! هم قوم وصفوا عدلا، بألسنتهم. ثمّ خالفوه إلى غيره.
وبإسناده(١) إلى خيثمة، قال: قال لي أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أبلغ شيعتنا: إنّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلا ثمّ خالفه إلى غيره.
وبإسناده(٢) إلى ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ من أعظم الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلا، ثمّ خالفه إلى غيره.
وبإسناده(٣) إلى قتيبة الأعشى، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: [إنّ](٤) من أشد الناس عذابا يوم القيامة، من وصف عدلا، ثمّ(٥) عمل بغيره.
وبإسناده(٦) إلى معلى بن خُنَيس، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ [أنّه](٧) قال: إنّ [من](٨) أشدّ الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلا، ثمّ عمل بغيره.
وفي تفسير العيّاشي(٩) ، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت قوله:( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) (١٠) .
قال: فوضع يده على حلقه. قال: كالذابح نفسه(١١) .
__________________
(١) نفس المصدر، ذيل ح ٥.
(٢) نفس المصدر، ح ٣.
(٣) نفس المصدر، ح ٢.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: و.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٢٩٩، ح ١.
(٧ و ٨) يوجد في المصدر.
(٩) تفسير العياشي ١ / ٤٣، ح ٣٧.
(١٠) كذا في المصدر وفي الأصل ور: له.
(١١) كذا في المصدر وفي الأصل ور: كما إذا ذبح.
وقال الحجال(١) ، عن ابن إسحاق، عمّن ذكره:( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) ، أي: تتركون](٢) .
( أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ (٤٤) )
[في كتاب علل الشرايع(٣) : بإسناده إلى عيسى بن جعفر بن محمد بن عبد الله(٤) ابن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن آبائه، عن عمر بن علي، عن أبيه عليّ بن أبي طالب: إنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ سئل: مما خلق الله ـ عزّ وجل ـ العقل؟
قال: خلقه ملك. له رؤوس، بعدد الخلائق من خلق ومن يخلق، إلى يوم القيامة. ولكل رأس، وجه. ولكل آدمي، رأس من رؤوس العقل. واسم ذلك الإنسان، على وجه ذلك الرأس مكتوب. وعلى كل وجه، ستر ملقى لا يكشف(٥) ذلك الستر، من ذلك الوجه، حتى يولد هذا المولود ويبلغ حدّ الرجال أو حدّ النساء. فإذا بلغ، كشف ذلك الستر [من ذلك](٦) ، فيقع في قلب هذا الإنسان نور. فيفهم الفريضة والسنة والجيد والرديء. ألا ومثل العقل في القلب، كمثل السراج، في وسط البيت.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٧) : وقال الصادق ـ عليه السّلام ـ: موضع العقل، الدماغ. ألا ترى الرجل إذا كان قليل العقل، قيل له ما أخف دماغك؟
__________________
(١) نفس المصدر، ح ٣٨.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) علل الشرايع / ٩٨، ح ١.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: عبيد الله.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: ما يكشف.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) تفسير نور الثقلين ١ / ٧٦ ح ١٧٩ عن القمّي.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أصول الكافي(١) : أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبّار، عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: ما العقل؟
قال: ما عبد به الرحمن. واكتسب به الجنان.
قال: قلت: فالذي كان في معاوية؟
فقال: تلك النكراء. تلك الشيطنة. وهي شبيهة بالعقل. وليست بالعقل](٢) .
( وَاسْتَعِينُوا ) في حوائجكم( بِالصَّبْرِ ) ، أي: الصوم.
( وَالصَّلاةِ وَإِنَّها ) ، أي: الصّلاة.
( لَكَبِيرَةٌ، إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) )
[في شرح الآيات الباهرة(٣) : قال الامام ـ عليه السلام ـ قال الله ـ عز وجل ـ لسائر الكافرين واليهود والمشركين:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) ، أي: بالصبر عن(٤) الحرام وعلى تأدية الأمانات. وبالصبر عن(٥) الرياسات الباطلة وعلى الاعتراف لمحمّد(٦) ، بنبوته ولعليٍّ(٧) ، بوصيّته. واستعينوا بالصبر، على خدمتهما وخدمة من يأمرانكم بخدمته، على استحقاق الرضوان والغفران ودائم نعيم الجنان، في جوار الرحمن وموافقة(٨) خيار المؤمنين والتمتع بالنظر إلى غرّة محمّد، سيّد الأوّلين والآخرين وعليٍّ، سيّد الوصيّين والسادة الأخيار المنتجبين.
فانّ ذلك أقرّ لعيونكم وأتمّ لسروركم وأكمل لهدايتكم، من سائر نعيم الجنان
__________________
(١) الكافي ١ / ١١، ح ٣.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) شرح الآيات الباهرة / ١٧.
(٤ و ٥) المصدر: على.
(٦ و ٧) المصدر: بمحمّد. بعليّ.
(٨) المصدر: مرافق.
واستعينوا، أيضا، [بالصلوات الخمس و](١) بالصّلاة على محمّد وآله الطيبين، على قرب الوصول إلى جنات(٢) النعيم. وأيضا، أنّ هذه الفعلة من الصّلوات الخمس ومن الصّلاة على محمّد وآله الطيبين والانقياد لأوامرهم والايمان بسرّهم وعلانيّتهم وترك معارضتهم بلم وكيف، لكبيرة عظيمة، إلّا على الخاشعين الخائفين عقاب الله، في مخالفته، في فرائضه.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن عبد الله بن طلحة. قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: «الصبر» هو الصوم.
وفيه(٤) ، عن مسمع. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ: يا مسمع! ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا، يتوضّأ ثمّ يدخل مسجده ويركع ركعتين، فيدعو الله فيها؟ أما سمعت الله يقول:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) ».
وفيه(٥) ، عن سليمان الفراء، عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ في قول الله( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) قال: «الصبر»، الصوم. إذا نزلت بالرجل الشدة أو النازلة، فليصم. قال: الله يقول:( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) فالصبر، الصوم.
وفي الكافي(٦) : علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سليمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله ـ عز وجل ـ:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ) » قال :
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: جنان.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٤٣، ح ٤٠.
(٤) نفس المصدر، ح ٣٩.
(٥) نفس المصدر، ح ٤١.
(٦) الكافي ٤ / ٦٣، ح ٧.
يعنى بالصبر، الصيام(١) .
وقال: إذا نزلت بالرجل النازلة والشدة(٢) ، فليصم. فانّ الله ـ عزّ وجل ـ يقول:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ) ، يعنى: الصيام.
وفي من لا يحضره الفقيه، مرسلا، عن الصادق ـ عليه السلام ـ مثله(٣) .
وفي تفسير فرات بن إبراهيم(٤) : قال: حدّثنا الحسين بن الحكم. قال: حدّثنا الحسن بن الحسين. قال: حدّثنا حيّان بن علي، عن الكلبي، عن أبي صالح(٥) .
عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) : الخاشع، الذليل في صلاته المقبل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وعليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ](٦) .
( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إليه راجِعُونَ (٤٦) ) :
[في كتاب التوحيد(٧) ، حديث طويل، عن عليٍّ ـ عليه السلام ـ يقول فيه وقد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات: فأما قوله:( بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ) (٨) يعنى: البعث. فسمّاه الله ـ عزّ وجل ـ لقاءه(٩) . وكذلك ذكر المؤمنين ،
__________________
(١) المصدر: قال: الصبر، الصيام.
(٢) المصدر: الشديدة.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤٥، ح ٢٠٢.
(٤) تفسير الفرات / ٤.
(٥) ليس في المصدر. والظاهر انه سقط عنه.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
(٧) التوحيد / ٢٦٧.
(٨) السجدة / ١٠.
(٩) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: لقاءهم.
( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) ، يعني: إنّهم يوقنون أنّهم يبعثون ويحشرون ويحاسبون ويجزون بالثواب والعقاب. والظن هاهنا، اليقين.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) ، قال: الظن في كتاب الله(٢) ، على وجهين: فمنه ظن يقين. ومنه ظن شك. ففي هذا الموضع، الظن يقين. وأمّا(٣) الشك، فقوله:( إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا. وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) .(٤) وقوله:( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ) (٥) ](٦) .
( يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) : التكرير للتوكيد. وتذكير التفضيل الذي، هو أجل النعم، خصوصا. والربط بالوعيد الشديد، تخويفا لمن غفل عنها وأخل بحقوقها.
( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ) ، نصب عطف على نعمتي، أي: وتفضيلي.
( عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) ) ، أي: عالمي زمانهم. المراد، تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى ـ عليه السلام ـ وبعده، قبل أن يغيروا بما منحهم الله، من العلم والايمان والعمل الصالح وجعلهم أنبياء وملوكا مقسطين.
ويحتمل أن يكون المعنى، على الجمّ الغفير من الناس، كقوله:( بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ) ، يقال :
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٤٦.
(٢) المصدر: الكتاب.
(٣) المصدر: إنّما.
(٤) المصدر: وقوله تعالى. وهو في الجاثية / ٣٢.
(٥) الفتح / ١٢.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
رأيت عالما من الناس، يراد الكثرة. فعلى هذا، لا يستقيم ما قيل(١) . إنّ في الاية، دلالة على تفضيل البشر، على الملك.
( وَاتَّقُوا يَوْماً ) : فيه مجاز عقلي، أي: ما فيه من الحساب(٢) والعذاب، والتنكير للتفخيم.
( لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ) ، أي: لا تقضي عنها شيئا من الحقوق، فيكون شيئا مفعولا به. أو لا تجزي عنها شيئا من الجزاء، اي: قليلا منه. فيكون نصبا على المصدر، كقوله:( وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) (٣) .
وقرئ لا تجزئ من أجزأ عنه، إذا أغنى. وعلى هذا تعين أن يكون مصدرا، أي: شيئا من الإغناء.
وقرئ ولا تجزى، نسمة عن نسمة شيئا.
وتنكير الشيء مع النفسين(٤) ، للاقناط الكلي والتعميم.
والجملة في محل النصب، صفة «ليوما». والعائد، محذوف. والتقدير: لا تجزي فيه. وإنْ لم يجوز حذف العائد المجرور. يقال: اتسع فيه. فحذف عنه الجار أو لا وأجري مجرى المفعول به، ثمّ حذف، كما حذف من قوله :
كتبت اليهم كتابا مرارا |
فلم يرجع الي منهم جوابا |
|
فما أدرى أغيرهم تناء |
وطول العهد أم مال أصابوا؟ |
أي: أصابوه.
( وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ) : من الشفع. كأنّ المشفوع، كان فردا. فجعله
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٥.
(٢) أ: الحسنات.
(٣) مريم / ٦٠.
(٤) أ: النفيين. والظاهر: النفي.
الشفيع، زوجا، بضم نفسه اليه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لا تقبل ـ بالتاء ـ.
[وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) : وقوله:( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً. وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ) وهو قوله ـ عليه السلام ـ: لو أنّ كل ملك مقرّب وكل نبيّ(٢) مرسل، شفّعوا في ناصب، ما شفعوا.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ثلاث من كنَّ فيه استكمل خصال الايمان: من صبر على الظلم وكظم غيظه واحتسب وعفا وغفر، كان ممن يدخله الله تعالى الجنة بغير حساب ويشفّعه في مثل ربيعة ومضر.
عن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ(٤) عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول فيه ـ صلى الله عليه وآله ـ: وأما شفاعتي، ففي أهل الكبائر، ما خلا أهل الشرك والظلم](٥) .
( وَلا يُؤْخَذُ مِنْها ) ، أي: من النفس الثانية العاصية، أو الأولى.
( عَدْلٌ ) : المراد به الفدية. وقيل(٦) : مطلق البدل. وأصله التسوية. سمّي به الفدية. لأنها سويت بالمفدى.
والمقصود بالاية، نفي أن يدفع العذاب، أحد عن كل أحد، من كل وجه محتمل.
فانه إمّا أن يكون قهرا أو غيره. والأول، النصرة. والثاني إمّا أن يكون مجانا أو غيره
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٤٦.
(٢) المصدر: أو.
(٣) الخصال / ١٠٤، ح ٦٣.
(٤) نفس المصدر / ٣٥٥، ذيل ح ٣٦.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٥.
والأول، أن يشفع له. والثاني، إمّا بأداء ما كان عليه. وهو أن يجزي عنه أو بغيره. وهو أن يعطي عنه عدلا.
[وفي مجمع البيان(١) : وأمّا ما جاء في الحديث: «لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» فاختلف في معناه. قال الحسن: الصرف، العمل. والعدل، الفدية. وقال الاصمعي: الصرف، التطوع. والعدل، الفريضة. وقال أبو عبيدة: الصرف، الحلية. والعدل، الفدية. وقال الكلبي: الصرف، الفدية. والعدل، رجل مكانه.
وفي تفسير العيّاشي(٢) . عن يعقوب الأحمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: العدل، الفريضة.
عن إبراهيم بن الفضيل(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ. قال: العدل في قول أبي جعفر ـ عليه السلام ـ الفداء.
ورواه أسباط الزطي(٤) قال: قلت لابي عبد الله ـ عليه السلام ـ: قول الله: «لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا»، قال: الصرف، النافلة. والعدل، الفريضة](٥) .
( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) ) : الضمير يرجع إلى النفوس الكثيرة التي دلت عليها النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي.
والنصرة، أخص من المعونة، لاختصاصه بدفع الضر.
واستدلت المعتزلة، بهذه الاية، على نفي الشفاعة، لأهل الكبائر.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٠٤.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ٥٧، ح ٨٥.
(٣) نفس المصدر، ح ٨٦.
(٤) الأصل ور: أوساط الرجل. والحديث في نفس المصدر، ح ٨٧.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
قال البيضاوي(١) : وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة.
قال: ويؤيده أن الخطاب معهم والاية نزلت ردا لما كانت اليهود، تزعم أن آباءهم تشفع لهم.
أقول: الآية يحتمل أن تكون مخصصة للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة الدالة على عمومها، كما أنّ كون الخطاب معهم، يحتمل أنْ يكون مؤيدا للتخصيص بالكفّار، فلا يتم الاستدلال من الجانبين. فتأمل!
[وفي شرح الآيات(٢) الباهرة، قال الامام ـ عليه السلام ـ: ثم قال الله ـ عز وجل ـ:( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ) أي: لا تدفع عنها عذابا(٣) . قد استحقته عند النزع. ولا يقبل منها شفاعة، من يشفع لها، بتأخير الموت عنها.
ولا يؤخذ منها عدل، أي(٤) : لا يقبل منها فداء مكانه، يموت الفداء ويترك هو.
وقال الصادق ـ عليه السلام ـ: وهذا اليوم، يوم الموت. فان الشفاعة والفداء، لا يفنى فيه. فأمّا يوم القيامة، فانا وأهلنا(٥) نجزي عن شيعتنا كل جزاء، لنكوننّ(٦) على الأعراف بين الجنّة والنّار(٧) ومحمّد وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين والطيّبون
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٥.
(٢) تأويل الآيات الباهرة / ١٧.
(٣) المصدر عنه.
(٤) المصدر: و.
(٥) المصدر: فانا وشيعتنا وأهلنا.
(٦) المصدر: ليكونن.
(٧) «الواو» ليس في المصدر.
من آلهم. فنرى(١) بعض شيعتنا في تلك(٢) العرصات، مما كان منهم مقصرا في بعض شدائدها. فنبعث عليهم خيار شيعتنا، كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار ونظرائهم في العصر الذي يليهم، ثمّ في كل عصر إلى يوم القيامة. فينقضون عليهم(٣) كالبزاة والصقور، تتناولهم كما تتناول الصقور صيدها. ثمّ يزّفون إلى الجنّة، زفّا. وإنّا لنبعث على آخرين من محبّينا من خيار شيعتنا، كالحمام. فيلتقطونهم من العرصات، كما يلتقط الطير الحب. وينقلونهم إلى الجنان، بحضرتنا. وسيؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله، بعد أن صان الولاية والتقيّة وحقوق إخوانه ويوقف(٤) بإزائه ما بين مائة واكثر من ذلك، إلى مائة الف من النصاب. فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار. فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنّة. وأولئك النصّاب النّار. وذلك مما قال الله عز وجل:( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالولاية( لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) (٥) في الدنيا، منقادين للامامة، ليجعل مخالفوهم، فداءهم من النار](٦) .
( وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ ) ، عطف على «نعمتي»، كعطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة. فصل بعد الإجمال، في قوله «نعمتي». لأنّه أوقع وأمكن في النفس.
وقرئ نجيناكم وأنجيتكم.
( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) : أصل آل، أهل لأن تصغيره أُهيْل. أعلَّ وخصّ استعماله بالاضافة إلى أولى الخطر، كالأنبياء والملوك.
__________________
(١) المصدر: فترى.
(٢) المصدر: فبعث.
(٣) المصدر: يتناولونهم كما يتناول صيودها.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: يقف.
(٥) الحجر / ٢.
(٦) ما بين القوسين ليس في أ.
قال الكسائي: سمعت أعرابيا يقول: آل وأؤيل وأهل وأهيل، فأصله أءل.
ـ بالهمزة ـ.
و «فرعون»: لقب لمن ملك العمالقة، ككسرى، لملك الفرس وقيصر، لملك الروم. ولعتو الفراعنة، اشتق منه تفرعن الرجل، إذا عتى وتجبر.
قال البيضاوي(١) : وكان فرعون موسى، مصعب بن ريّان. وقيل: اسمه(٢) ، وليد، من بقايا عاد. وفرعون يوسف ـ عليه السلام ـ ريان. وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة.
( يَسُومُونَكُمْ ) : أي: يبغونكم. يقال: سامه خسفا، إذا أولاه ظلما، أي: أصابه(٣) إياه.
وأصل «السوم»، الذهاب في طلب الشيء.
( سُوءَ الْعَذابِ ) ، أي: أفظعه. فانه قبيح بالاضافة إلى سائره. يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل. يراد قبيحهما.
«والسوء»، مصدر ساء يسوء. ونصبه على المفعول، ليسومونكم.
والجملة حال(٤) من الضمير، في «أنجيناكم» أو «من آل فرعون» أو منهما.
( يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) :
بيان «ليسومونكم». ولذلك فصل.
وقرئ بالتخفيف.
وإنّما فعلوا بهم ذلك، لأنّ فرعون رأى في المنام، أو قال له الكهنة: سيولد منهم، من يذهب بملكه. فلم يرد اجتهادهم، من قدر الله شيئا.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٥.
(٢) المصدر: ابنه.
(٣ و ٤) ليس في أ.
[في كتاب الخصال(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ. قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في الجامع بالكوفة. فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن يوم الأربعاء والتطير منه وثقله. أي أربعاء هو؟.
فقال: أربعاء في آخر الشهر ـ إلى قوله ـ يوم الأربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان](٢) .
( وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) ، أي: يبقونهن طلبا لحياتهن. ويتخذونهنَّ إماء.
وزعم بعضهم، أنّه من طلب الحياء، أي: الفرج، أي: ينظرون هل هنَّ حبالى أم لا؟
[وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة(٣) ، بإسناده إلى سعيد بن جبير، عن سيّد العابدين، عليّ بن الحسين، عن أبيه سيّد الشهداء، الحسين بن عليٍّ، عن أبيه سيّد الوصيين، أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لما حضرت يوسف ـ عليه السّلام ـ الوفاة، جمع شيعته وأهل بيته. فحمد الله. وأثنى عليه. ثمّ حدّثهم بشدّة تنالهم، تقتل فيها الرجال وتشقّ فيها بطون الحبالى وتذبح الأطفال، حتّى يظهر الله الحق، في القائم من ولد لاوي بن يعقوب. وهو رجل أسمر طوال ـ ونعته لهم بنعته ـ فتمسكوا بذلك.
ووقعت الغيبة والشدة على بني إسرائيل. وهم ينتظرون(٤) قيام القائم، أربعمائة سنة. حتى إذا بشروا بولادته ورأوا علامات ظهوره ودلالته(٥) ، اشتدت البلوى
__________________
(١) الخصال ٢ / ٣٨٨، ح ٧٨.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة / ١٤٥ ـ ١٤٧، ح ١٢.
(٤) النسخ: ينظرون.
(٥) ليس في المصدر.
عليهم. وحمل عليهم بالحجارة والخشب. وطلب الفقيه الذي كان(١) يستريحون إلى أحاديثه. فاستتر. وراسلهم(٢) . فقالوا: كنّا مع الشدّة، نستريح إلى حديثك.
فخرج [بهم](٣) إلى بعض الصحارى. وجلس يحدّثهم حديث القائم ونعته وقرب الأمر. وكانت ليلة قمراء فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم موسى ـ عليه السلام ـ.
وكان في ذلك الوقت، حديث السن. وقد خرج من دار فرعون، يظهر النزهة.
فعدل عن موكبه. وأقبل اليهم. وتحته بغلته(٤) . وعليه طيلسان خز. فلمّا رآه الفقيه، عرفه بالنعت. فقام اليه. وانكب على قدميه. فقبّلهما. ثمّ قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك(٥) . فلما رأى الشيعة ذلك، علموا أنّه صاحبهم. فانكبوا على الأرض، شكرا لله ـ عزّ وجل ـ فلم يزدهم إلّا(٦) أن قال: أرجو أن يعجل الله فرجكم.
ثمّ غاب بعد ذلك. وخرج إلى مدينة مدين. فأقام عند شعيب النبي، ما أقام.
فكانت الغيبة الثانية، أشدّ عليهم من الاولى. وكانت نيفا وخمسين سنة. واشتدت البلوى عليهم. واستتر الفقيه. فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنا. فخرج إلى بعض الصحارى. واستدعاهم. وطيب نفوسهم. وأعلمهم أنّ الله ـ عزّ وجل ـ أوحى اليه، أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة.
فقالوا، بأجمعهم: الحمد لله.
فأوحى الله ـ عز وجل ـ اليه: قل لهم: قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم
__________________
(١) المصدر: كانوا.
(٢) المصدر: راسلوه.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: بغلة. وهو الظاهر.
(٥) المصدر: أرانيك. وهو الظاهر.
(٦) المصدر: على.
«الحمد لله».
فقالوا: كل نعمة فمن الله.
فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرين سنة.
فقالوا: لا يأتي بالخير إلّا الله.
فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرا.
فقالوا: لا يصرف السوء، إلّا الله.
فأوحى الله ـ عزّ وجل ـ اليه: قل لهم: لا تبرحوا. فقد أذنت لكم في فرجكم فبيناهم كذلك، إذ طلع موسى ـ عليه السلام ـ راكبا على حمار(١) . فأراد الفقيه، أن يعرّف الشيعة ما يستبصرون به فيه. فجاء موسى ـ عليه السلام ـ حتى وقف عليهم. فسلّم عليهم.
فقال له الفقيه: ما اسمك؟
قال: موسى.
قال: ابن من؟
قال: ابن عمران.
قال: ابن من؟
قال: ابن قاهث(٢) بن لاوي بن يعقوب.
قال: بماذا جئت؟
قال: جئت بالرسالة من عند الله ـ عز وجل ـ.
فقام إليه. فقبّل يده. ثمّ جلس بينهم. وطيب نفوسهم. وأمرهم أمره. ثمّ
__________________
(١) المصدر: حمارا.
(٢) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: ابن قاهب.
فارقهم(١) . فكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم بغرق فرعون، أربعين سنة.
وبإسناده(٢) إلى محمد الحلبي، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إنّ يوسف بن يعقوب ـ صلوات الله عليهما ـ حين حضرته الوفاة، جمع آل يعقوب.
وهم ثمانون رجلا. فقال: إنّ هؤلاء القبط، سيظهرون عليكم. ويسومونكم سوء العذاب. وإنّما ينجيكم الله من أيديهم، برجل من ولد لاوي بن يعقوب، اسمه موسى بن عمران ـ عليه السلام ـ غلام طوال جعد آدم. فجعل الرجل من بني إسرائيل، يسمي ابنه عمران. ويسمي عمران، ابنه موسى.
فذكر أبان بن عثمان، عن أبي الحصين(٣) ، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ أنه قال: ما خرج موسى، حتى خرج قبله خمسون كذابا من بني إسرائيل، كلهم يدعي أنه موسى بن عمران. فبلغ فرعون، أنهم يرجفون به ويطلبون هذا الغلام. وقال له كهنته وسحرته: إنّ هلاك دينك وقومك على يدي هذا الغلام الذي يولد العام، من بني إسرائيل.
فوضع القوابل على النساء. وقال: لا يولد العام ولد إلّا ذبح. ووضع على أم موسى قابلة.
فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل، قالوا: إذا ذبح الغلمان واستحيى النساء، هلكنا. فلم نبق. فقالوا(٤) : لا نقرب النساء.
فقال عمران، أبو موسى ـ عليه السلام ـ: بل ائتوهن(٥) . فان أمر الله واقع ولو
__________________
(١) المصدر: فرقهم.
(٢) نفس المصدر / ١٤٧ ـ ١٤٨، صدر ح ١٣.
(٣) المصدر: أبى الحسين.
(٤) المصدر: فتعالوا.
(٥) المصدر: باشروهن.
كره المشركون. أللّهمّ من حرّمه، فاني لا أحرّمه. ومن تركه فانّي لا أتركه.
ووقع على أم موسى. فحملت. فوضع على أم موسى، قابلة، تحرسها.
فإذا قامت، قامت. وإذا قعدت، قعدت. فلما حملته أمّه، وقعت عليه المحبة.
وكذلك حجج الله على خلقه.
فقالت لها القابلة: مالك يا بنية، تصفرين وتذوبين؟
قالت: لا تلوميني. فاني إذا ولدت، أخذ ولدي، فذبح.
قالت: لا تحزني. فاني سوف أكتم عليك. فلم تصدّقها.
فلما أن ولدت التفتت إليها وهي مقبلة. فقالت: ما شاء الله.
فقالت لها: ألم أقل أنّي سوف أكتم عليك؟
ثمّ حملته. فأدخلته المخدع. وأصلحت أمره. ثمّ خرجت إلى الحرس.
فقالت: انصرفوا ـ وكانوا على الباب ـ فإنّما خرج دم مقطع(١) . فانصرفوا ـ الحديث وهو بتمامه، مذكور في القصص ـ.
وفي كتاب الغيبة(٢) : للشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ بإسناده الصادق ـ عليه السلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السلام ـ: أمّا مولد موسى ـ عليه السلام ـ فانّ فرعون لـمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده، أمر بإحضار الكهنة. فدلّوا على نسبه وأنّه يكون من بني إسرائيل. فلم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل، حتّى قتل في طلبه نيف وعشرون ألف مولود. وتعذر عليه الوصول، إلى قتل موسى ـ عليه السلام ـ بحفظ الله تعالى، إياه](٣) .
( وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ ) ، محنة، إنْ أشير بذلك، إلى صنعهم. ونعمة إنْ أشير
__________________
(١) المصدر: منقطع. وهو الظاهر.
(٢) الغيبة / ١٠٦.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
به إلى الإنجاء.
وأصله، الاختبار. لكن لما كان اختبار الله، عبارة، تارة بالنعمة وتارة بالمحنة أطلق عليهما. ويجوز أن يشار بذلك إلى الجملة. ويراد به الامتحان الشائع بينهما.
( مِنْ رَبِّكُمْ ) : بتسليطهم عليكم، أو ببعث(١) موسى وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما.
( عَظِيمٌ (٤٩) ) : صفة «بلاء» وفي الآية اشعار بأنه قد يكون اصابة العبد(٢) بالخير والشر، من اختبار الله سبحانه العبد. فيجب أن لا يغتر بما أنعم عليه، فيطغى(٣) . ولا ييأس من روح الله، بما ضيق عليه فيعيش ضنكا. وأن يكون دائما، راجيا خائفا مستشعرا لما أريد منه.
قال البيضاوي(٤) : وفي الاية، تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر، اختبار من الله. فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره، ليكون من خير المختبرين.
ولا يخفى عليك، أنه إنّما يصح بناء، على قاعدة كسب الاعمال. وقد أبطلناها في مقامها، مع أنه ينافي ما سبقها، من اسناد الذبح والاستحياء، إلى آل فرعون.
والله أعلم بحقائق الأمور.
( وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ) : فصلنا بين بعضه وبعض(٥) ، حتى جرت(٦) فيه مسالك
__________________
(١) أ: يبعث.
(٢) أ: العهد.
(٣) أ: فيطفى.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٦.
(٥) أ. يعضه.
(٦) أ: حصلت.
بسلوككم فيه، أو بسبب انجائكم، أو متلبسا بكم.
و «الفرق»، هو الفصل بين شيئين، بالفتح، مصدر وبالكسر، الطائفة من كل شيء.
و «البحر»، يسمى بحرا لاستبحاره. وهو سعته وانبساطه.
وقرأ الزهري، في الشواذ، على بناء التكثير. لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد الأسباط.
( فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا ) :
«الغرق»: الرسوب في الماء.
و «النجاة»: ضد الغرق، كما أنها ضد الهلاك.
( آلِ فِرْعَوْنَ ) :
أراد به فرعون وقومه. واقتصر على ذكرهم، للعلم. بأنه كان أولى به.
وقيل(١) : شخصه، كما يقال: أللّهمّ صلّ على آل محمّد، أي: شخصه. واستغنى بذكره، عن اتباعه. والأحسن فيه، أنه من باب راكب الناقة طليحان، اعتبارا للمضاف والمضاف اليه، أي: هو والناقة.
( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) ) ذلك، أو غرقهم، أو انفلاق البحر، عن طرق يابسة(٢) ، أو جثثهم التي قذفها البحر، إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضا.
ذكر الشيخ الطبرسي، في تفسيره(٣) ، عن ابن عباس: إنّ الله تعالى أوحى إلى موسى، أن يسري ببني إسرائيل، من مصر. فسرى موسى ـ عليه السلام ـ(٤) ،
__________________
(١) أنوارا التنزيل ١ / ٥٦.
(٢) كذا في أور. والأصل: يابته.
(٣) مجمع البيان ١ / ١٠٧.
(٤) المصدر: ببني إسرائيل.
بهم(١) ليلا. فأتبعهم فرعون، في ألف ألف حصان، سوى الإناث. وكان موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا. فلما عاينهم فرعون، قال: إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون.
[وانهم لنا لغائظون وانا لجميع حاذرون](٢) .
فسرى موسى بهم(٣) ، حتى هجموا على البحر. فالتفتوا. فإذا هم برهج دواب فرعون.
فقالوا: يا موسى! أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؟ هذا البحر أمامنا.
وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه.
فقال موسى ـ عليه السلام ـ: عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم (الخ).
فقال له يوشع بن نون: بم أمرت؟
قال: أمرت أنْ أضرب بعصاي البحر.
قال: إضرب.
وكان الله تعالى، أوحى إلى البحر أن أطع(٤) موسى، إذا ضربك.
[قال](٥) فبات البحر له أفكل، أي: رعدة. لا يدري في أي جوانبه يضربه.
فضرب بعصاه البحر. فانفلق. وظهر اثني عشر طريقا. فكان لكل سبط [منهم](٦) طريق يأخذون فيه.
فقالوا: [انا](٧) لا نسلك طريقا نديا.
__________________
(١) المصدر: ببني إسرائيل.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: ببني إسرائيل.
(٤) أ: أطمع.
(٥ و ٦) يوجد في المصدر.
(٧) يوجد في المصدر.
فأرسل الله ريح الصبا، حتى جففت(١) الطريق، كما قال: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا. فجروا فيه، فلما أخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟
فقالوا لموسى: أين أصحابنا؟
فقال: في طريق مثل طريقكم.
فقالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال موسى ـ عليه السلام ـ: أللّهمّ أعنّي على أخلاقهم السيئة.
فأوحى الله إليه أنْ قل(٢) بعصاك هكذا وهكذا، يمينا وشمالا.
فأشار بعصاه يمينا وشمالا. فظهر كالكواء(٣) ينظر منها بعضهم إلى بعض. فلما انتهى فرعون إلى ساحل البحر وكان على فرس حصان، أدهم. فهاب دخول الماء، تمثل(٤) له جبرئيل، على فرس أنثى. وديق وتقحم البحر. فلما رآها الحصان، تقحم خلفها. ثم تقحم قوم فرعون. ولما خرج آخر من كان مع موسى من البحر ودخل آخر من كان مع فرعون البحر، أطبق الله عليهم الماء. فغرقوا جميعا.
ونجى موسى ومن معه.
واعلم أنّ هذه الواقعة، من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل. ومن آياته الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى ـ عليه السلام ـ.
ثمّ أنّهم اتخذوا العجل. وقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة ونحو ذلك.
فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمّة محمّد ـ صلّى
__________________
(١) أ: خففت.
(٢) المصدر: مل. وهو الظاهر.
(٣) أ: كالكواه.
(٤) المصدر: فتمثل.
الله عليه وآله ـ فإنهم اتبعوه(١) ، مع أن ما تواتر من معجزاته، أمور نظرية دقيقة، يدركها الأذكياء. وإخباره ـ عليه السلام ـ عنها، من جملة معجزاته ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: إنّ موسى لـمّا انتهى إلى البحر، أوحى الله ـ عز وجل ـ اليه: قل لبني إسرائيل: جددوا توحيدي وأمرّوا بقلوبكم ذكر محمّد سيّد عبيدي وإمائي وأعيدوا على أنفسكم الولاية لعليٍّ أخ محمّد، وآله الطيبين. وقولوا: أللّهمّ بجاههم جوّزنا على متن هذا الماء.
فان الماء يتحوّل لكم أرضا.
فقال لهم موسى، ذلك. فأبوا. وقالوا: نحن لا نسير إلّا على الأرض.
فأوحى الله ـ عزّ وجل ـ إلى موسى ـ عليه السّلام ـ أنْ اضرب بعصاك البحر.
وقل: أللّهمّ بجاه محمّد وآله الطيبين لـمـّا فلقته لنا.
ففعل. فانفلق. وظهرت الأرض إلى آخر الخليج.
فقال موسى: ادخلوها.
قالوا: الأرض وحلة. نخاف أن نرسب فيها.
فقال ـ عز وجل ـ: يا موسى! قل: أللّهمّ بحق محمد وآله الطيبين، جففها.
فقالها. فأرسل الله عليها، ريح الصبا. فجففت(٣) . و(٤) قال موسى: ادخلوها.
قالوا: يا نبي الله! نحن اثنتا عشرة قبيلة، بنو اثني عشر أبا. وان دخلنا وأمّ(٥)
__________________
(١) ر: اتبعوهم.
(٢) شرح الآيات الباهرة / ١٧ ـ ١٨.
(٣) المصدر: فجفت. وهو الظاهر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) في الأصل ور. وفي المصدر: دام. ولعل الصواب: رام.
كل فريق منا تقديم(١) صاحبه. فلا نأمن وقوع الشر بيننا. فلو كان لكل فريق منا طريق على حدته، لأمنا ما نخافه.
فأمر الله ـ عز وجل ـ موسى، أن يضرب(٢) البحر، بعددهم، اثنتي عشرة ضربة في(٣) اثني عشر موضعا ويقول: أللّهمّ بجاه محمد وآله الطيبين [بيّن الأرض لنا وأمط الماء عنا.
فصار فيه تمام اثنى عشر طريقا.
فقال: ادخلوها! قالوا: إنّ كل فريق يدخل في سكة من هذه السكك، لا يدري ما يحدث على الآخرين.
فقال الله ـ عز وجل ـ: فاضرب كل طود من الماء بين هذه السكك وقل أللّهمّ بجاه محمد وآله الطيبين](٤) لـمـّا جعلت في هذا الماء، طبقات واسعة، يرى بعضهم بعضا(٥) منها.
فحدثت طبقات واسعة، يرى بعضهم بعضا منها. ثم دخلوها. فلما بلغوا آخرها، جاء فرعون وقومه. فلما دخل آخرهم وهمّ بالخروج أولهم، أمر الله البحر فانطبق عليهم. فغرقوا. وأصحاب موسى ينظرون اليهم. فقال الله ـ عز وجل ـ لبني إسرائيل الذين(٦) في عهد محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ: فإذا كان الله فعل هذا كله
__________________
(١) المصدر: يتقدم.
(٢) المصدر: ليضرب.
(٣) المصدر: بعددهم اثنى عشر موضعا.
(٤) ما بين القوسين ذا يوجد في المصدر.
(٥) لا يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: الذي.
بأسلافكم، لكرامة محمد وآله ـ عليهم السلام ـ ودعاء موسى بهم، دعاء تقرّب(١) إلى الله، أفلا تعقلون أن عليكم الايمان بمحمد وآله، إذ شاهدتموه الآن؟](٢) .
( وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) :
بعد عودهم إلى مصر وهلاك فرعون، وعد الله موسى أن يعطيه التوراة. وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة. وعبّر عنها بالليالي. لأنها غرر الشهور، أو لأن وعد موسى، وعد قيام الأربعين. والقيام بالليل، أهم. فذكر الليل، اشعارا بوعدة قيام الليل، أو لأن الظلمة سابقة على النور.
والقراءة المشهورة، «واعدنا» لأنه تعالى، وعده الوحي. ووعده موسى المجيء للميقات، إلى الطور.
[وفي تفسير علي بن إبراهيم(٣) في قصة حنين: ثم رفع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يده، فقال: أللّهمّ لك الحمد واليك المشتكى. وأنت المستغاث.
فنزل عليه جبرئيل. فقال [له](٤) : يا رسول الله! دعوت بما دعا به موسى، حين فلق الله له البحر ونجاه من فرعون.
وفيه(٥) حديث طويل، مذكور في طه. وفيه قالوا: لن نبرح عليه عاكفين، حتى يرجع إلينا موسى.
فهمّوا بهارون. فهرب منهم(٦) . وبقوا في ذلك، حتى تم ميقات ربه(٧) أربعين
__________________
(١) المصدر: يتقرب.
(٢) ما بين القوسين ليس في أ.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٨٧.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٦٢.
(٦) المصدر: حتى هرب من بينهم.
(٧) المصدر: موسى.
ليلة. فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة، أنزل الله عليه الألواح، فيها التوراة وما يحتاجون إليه من أحكام السير والقصص.
وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسين(٢) ابن علي الخزاز، عن عبد الكريم بن عمرو(٣) الخثعمي عن الفضيل(٤) بن يسار، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قلت: لهذا الأمر وقت؟
فقال: كذب الوقّاتون. كذب الوقّاتون. كذب الوقّاتون. إنّ موسى ـ عليه السلام ـ لـمّا خرج وافداً إلى ربّه، واعدهم ثلاثين يوما. فلمّا أن زاده الله على الثلاثين عشرا، قال قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا. فإذا حدّثناكم الحديث، فجاءكم(٥) على ما حدّثناكم به(٦) ، فقولوا صدق الله. وإذا حدّثناكم.
الحديث، فجاء على خلاف ما حدّثناكم به، فقولوا صدق الله، تؤجروا مرتين](٧) .
( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ) معبودا(٨) .
قيل(٩) : لأن بنفس فعلهم، لصورة العجل، لا يكونون ظالمين. لأنّ فعل ذلك ليس بمحظور. بل مكروه. وأمّا الخبر الذي روي عنه ـ عليه السلام ـ أنّه لعن المصوّرين، فالمراد به، من شبّه الله تعالى، أو اعتقد أنّه صورة.
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٦٨ ـ ٣٦٩، ح ٥.
(٢) المصدر: الحسن. وهو خطأ.
(٣) المصدر: عمر. وهو خطأ.
(٤) المصدر: الفضل. وهو أيضا.
(٥) المصدر: فجاء.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
(٨) أ: مصورا لان.
(٩) مجمع البيان ١ / ١٠٩.
[وفي عيون الأخبار(١) : بإسناده إلى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ. قال: قلت له: كم تجزي البدنة؟
قال: عن نفس واحدة.
قلت: فالبقرة؟
قال: تجزي عن خمسة، إذا كانوا يأكلون على مائدة واحدة.
قلت: كيف صارت البدنة، لا تجزي إلّا عن واحدة والبقرة تجزي عن خمسة؟
قال: لأن البدنة لم يكن فيها من العلة ما كان في البقرة. ان الذين أمروا قوم موسى بعبادة العجل، كانوا خمسة أنفس. وكانوا أهل بيت يأكلون على خوان واحد. وهم أدينونه(٢) . وأخوه ميندونه(٣) . وابن أخيه وابنته وامرأته، هم الذين أمروا بعبادة العجل. وهم الذين ذبحوا البقرة التي أمر الله ـ تبارك وتعالى ـ بذبحها.
عن الرضا ـ عليه السلام ـ(٤) عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حديث طويل.
وفيه: وسأله عن الثور، ما باله غاض طرفه لا يرفع(٥) رأسه إلى السماء؟
قال: حياء من الله لما عبد قوم موسى العجل، نكس رأسه.
وفي كتاب الخصال(٦) : عن الصادق ـ عليه السلام ـ شبهه، بتغيير يسير](٧) .
__________________
(١) عيون الأخبار ٣ / ٨٣، ح ٢٢.
(٢) المصدر: أذينوية.
(٣) المصدر: مبذونه. ر: يندونه.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٤١ ـ ٢٤٢.
(٥) المصدر: لم يرفع.
(٦) لا يوجد في الخصال. ولكن في علل الشرائع / ٥٩٣ وفي البحار ١ / ٧٦، نقلا عن عيون الأخبار وعلل الشرائع. فقط.
(٧) ما بين القوسين ليس في أ.
( مِنْ بَعْدِهِ ) : من بعد غيبة موسى، أو من بعد وعد الله التوراة، أو من بعد غرق فرعون وما رأيتم من الآيات.
( وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ) : مضرون بأنفسكم، بما استحققتم من [العقاب على](١) اتخاذكم العجل، معبودا.
روي عن ابن عباس(٢) ، أنه قال: كان السامري، رجلا من أهل باجرما(٣) قيل كان اسمه مسيحا(٤) .
وقال ابن عباس(٥) : اسمه موسى بن ظفر، من قوم يعبدون البقر. وكان حب عبادة البقر في نفسه. وقد كان أظهر الإسلام في بني إسرائيل. فلما قصد موسى إلى ربه وخلف هارون في بني إسرائيل، قال هارون لقومه: قد حملتم أوزارا من زينة(٦) القوم، يعنى: آل فرعون. فتطهروا منها. فإنها نجس(٧) ، يعني: انهم استعاروا من القبط، حليا. واستبدوا بها. فقال هارون: طهروا أنفسكم منها. فإنها نجسة(٨) .
وأوقد لهم نارا، فقال: اقذفوا ما كان معكم فيها.
فجعلوا يأتون بما كان معهم، من تلك الامتعة والحلي. فيقذفون به فيها.
قال: وكان السامري رأى أثر فرس جبرئيل ـ عليه السلام ـ فأخذ ترابا من أثر حافره. ثم أقبل إلى النار.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ١٠٩.
(٣ و ٤) المصدر: با جرمي. ميحا.
(٥) نفس المصدر.
(٦) أ: رتبة.
(٧) ر: منجس.
(٨) أ: نجسة.
فقال: يا هرون! يا نبي الله! ألقى ما في يدي؟
قال: نعم، وهو لا يدري ما في يده. ويظن أنه مما يجيء به غيره، من الحلي والأمتعة.
فقذف فيها. وقال: كن عجلا جسدا له خوار. فكان البلاء والفتنة فقال: هذا إلهكم واله موسى. فعكفوا(١) عليه. وأحبوه، حبا لم يحبوا مثله شيئا، قط.
وقال ابن عباس: فكان البلاء والفتنة. ولم يزد على هذا.
وقال الحسن(٢) : صار العجل، لحما ودما.
وقال غيره(٣) : لا يجوز ذلك. لأنه من معجزات الأنبياء.
ومن وافق الحسن، قال: إنّ القبضة من أثر الملك. كان الله أجرى العادة بأنها إذا طرحت على أي صورة، كانت حييت. فليس ذلك بمعجزة. إذ سبيل السامري، سبيل غيره فيه. ومن لم يجز انقلابه حيا يؤل(٤) الخوار على أن السامري صاغ عجلا. وجعل فيه خروقا، يدخلها الريح، فيخرج منها صوت كالخوار.
ودعاهم إلى عبادته. فأجابوه. وعبدوه.
( ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ ) حين تبتم.
و «العفو»: محو الجريمة، من عفا، إذا درس.
( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) ، أي: بعد الاتخاذ.
( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) ) : لكي تشكروا عفوه.
وفي الآية دلالة على وجوب شكر النعمة. وعلى أن العفو عن الذنب بعد
__________________
(١) أ: فيه.
(٢) نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر.
(٤) أ: يزل. وفي الأصل ور: يؤل. والمصدر: تأول.
التوبة، نعمة من الله تعالى على عباده، ليشكروه.
[وفي شرح الآيات الباهرة(١) : إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ وعد موسى ـ عليه السلام ـ لميقاته، أربعين ليلة. فلما غاب عن قومه، اتخذوا العجل من بعده.
وقصته مشهورة. ولكن قال الامام، في تفسيره: إنّ الله ـ عز وجل ـ أوحى إلى موسى: يا موسى بن عمران! «ما خذل هؤلاء بعبادتي واتخاذي إلها إلّا تهاونهم»(٢) بالصّلاة على محمد وآله الطيبين وجحودهم لموالاتهم ونبوّة النبي ووصيّة الوصي، حتى أداهم ذلك إلى أن اتخذوا العجل، إلها. فإذا كان الله تعالى إنّما خذل عبدة العجل [إلّا](٣) لتهاونهم، بالصّلاة على محمد ووصيّه عليٌّ. فما تخافون أنتم من الخذلان الأكبر، في معاندتكم لمحمّد وعليٍّ. وقد شاهدتموهما. وتبيّنتم آياتهما ودلائلهما.
ثمّ قال ـ عزّ وجل ـ:( ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ، أي: عفونا عن أوائلكم وعبادتكم العجل، لعلّكم، أيّها الكائنون في عصر محمد من بني إسرائيل، تشكرون تلك النعمة على أسلافكم. وعليكم بعدهم.
ثم قال ـ عليه السّلام ـ: وإنّما عفا ـ عزّ وجل ـ عنهم، لأنهم دعوا الله ـ عزّ وجل ـ بمحمّد وآله الطيبين. وجدّدوا على أنفسهم الولاية لمحمّد وعليٍّ وآلهما الطاهرين. فعند ذلك، رحمهم الله، وعفا عنهم](٤) .
( وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ ) ، يعني: التوراة الجامع، بين كونه كتابا وحجة، تفرق بين الحق والباطل.
فالعطف لتغاير الوصفين، أو الفرقان معجزاته الفارقة بين الحق والباطل، أو
__________________
(١) شرح الآيات الباهرة / ١٨.
(٢) المصدر: ما حد هؤلاء بعبادتهم واتخاذهم إلها غيرى إلّا لتهاونهم.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) ما بين القوسين ليس في أ.
بين الكفر والايمان، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى:( يَوْمَ الْفُرْقانِ ) (١) ، يريد يوم بدر.
وقيل(٢) : الفرقان، القرآن.
والتقدير: «وآتينا موسى التوراة. آتينا محمد الفرقان». فحذف ما حذف لدلالة ما أبقاه عليه.
( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) ) : لكي تهتدوا بما في التوراة، من البشارة بمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وبيان صفته.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٣) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: واذكروا إذ آتينا موسى الكتاب وهو التوراة الذي أخذ على بني إسرائيل الايمان بها والانقياد لما توجبه.
والفرقان، آتيناه ـ أيضا ـ وهو فرق ما بين الحق والباطل وفرق ما بين المحقين والمبطلين. وذلك أنه لـمّا أكرمهم(٤) الله بالكتاب والايمان(٥) والانقياد له، أوحى الله بعد ذلك إلى موسى: يا موسى(٦) ! هذا الكتاب، قد أقروا به. وقد بقي الفرقان فرق ما بين المؤمنين والكافرين والمحقين والمبطلين. فجدّد عليهم العهد به. فانّي آليت على نفسي، قسما حقّا، لا أقبل(٧) من أحد، إيمانا ولا عملا، إلّا مع الايمان به فقال موسى ـ عليه السلام ـ: ما هو؟ يا ربِّ! قال الله ـ عزّ وجل ـ: يا موسى! تأخذ على بني إسرائيل، أنّ محمّدا خير البشر
__________________
(١) الانفال / ٤١.
(٢) مجمع البيان ١ / ١١١.
(٣) شرح الآيات الباهرة.
(٤) المصدر: كرمهم.
(٥ و ٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: أتقبل.
وسيد المرسلين وأنَّ أخاه ووصيه خير الوصيين وأنّ أولياءه الذين يقيمهم سادة الخلق وأنّ شيعته المنقادين له المسلّمين له أوامره ونواهيه ولخلفائه(١) ، نجوم الفردوس الأعلى وملوك جنات عدن.
قال: فأخذ عليهم موسى ـ عليه السلام ـ ذلك. فمنهم من اعتقده حقا. ومنهم من أعطاه بلسانه، دون قلبه. فكان المعتقد منهم حقا، يلوح على جبينه نور مبين.
ومن أعطاه بلسانه دون قلبه(٢) ، ليس له ذلك النور. فذلك الفرقان الذي أعطاه الله ـ عز وجل ـ موسى وهارون(٣) ، فرق ما بين المحقين والمبطلين.
ثم قال الله ـ عز وجل ـ: لعلكم تهتدون، أي: لعلكم تعلمون أن الذي يشرف به العبد، عند الله ـ عز وجل ـ هو اعتقاد الولاية، كما شرف(٤) به اسلافكم](٥) .
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ! إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ. فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ ) ، أي: فاعزموا على التوبة.
( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ، إنْ كان توبتهم هي قتل الأنفس. وإلّا فالمراد، إتمام التوبة بالقتل.
وانما جعل القتل، توبتهم، أو من تمامها اشارة، إلى أن من لم يقتل عدوه وهو النفس، يقتله(٦) ليعتبر غيرهم، أو إشارة إلى أنّهم لـمّا صاروا من حزب العجل وتابعيه، جعلوا في زمرته. لأنّ العجل خلق للذبح.
__________________
(١) المصدر: الخلفاء به.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: هو.
(٤) النسخ: يشرف.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) أ: لقتله.
و «الباري»: الخالق. بريا من التفاوت، مع التميز، بصور وهيئات مختلفة.
وأصل البرء: الخلوص للشيء من غيره، إمّا على سبيل التّفصّي، كقولهم: بريء المريض من مرضه والمديون من دينه، أو الإنشاء، كقولهم: برأ الله آدم من الطين.
واختلف في القتل المأمور به، على أقوال :
أحدها: إنّ المراد به النجع. وهو أن يقتل كل رجل نفسه. ويهلكه.
وثانيها: إنّ المراد به قطع الشهوات. والاستسلام للقتل، على سبيل التوسع.
والثالث: أنهم أمروا بأن يقتل بعضهم بعضا.
والرابع: أنه أمر من لم يعبد العجل، أن يقتل العبدة. روي أن الرجل يرى بعضه وقريبه. فلم يقدر المضي لأمر الله. فأرسل ضبابة(١) وسحابة سوداء، لا يتباصرون تحتها. فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي، حتى دعا موسى وهرون فكشف السحابة. ونزلت التوبة. وكانت القتلى سبعين ألفا.
والخامس: إنّ السبعين الذي كانوا مع موسى في الطور، هم الذين قتلوا من عبدة العجل، سبعين ألفا.
والسادس: إنّ موسى ـ عليه السلام ـ أمرهم أن يقوموا صفين، فاغتسلوا ولبسوا أكفانهم. وجاء هارون باثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل. ومعهم الشفار المرهفة. وكانوا يقتلونهم. فلما قتلوا سبعين ألفا، تاب الله على الباقين. وجعل قتل الماضين، شهادة لهم.
( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ) من حيث أنه طهرة من الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية.
__________________
(١) ر: حبابة، الأصل: صبابة.
( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) ، جواب شرط محذوف، ان جعل من كلام موسى.
والتقدير: إنّ فعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم. ومعطوف على محذوف ان جعل، من خطابه تعالى لهم، على سبيل الالتفات. كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم.
( إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ ) الذي يكثر توفيق التوبة، أو قبولها.
( الرَّحِيمُ (٥٤) ) : المبالغ في الانعام، على التائبين.
[وفي شرح الآيات الباهرة(١) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: وفق الله لهم والقتل لم يقض بعد اليهم، إذ(٢) ، قالوا: أو ليس الله قد جعل التوسل بمحمّد وآله الطيبين، أمرا لا تخيب معه طلبة ولا ترد به مسألة؟ وهكذا توسلت الأنبياء والرسل. فما لنا لا نتوسل بهم؟
قال: فاجتمعوا. وضجّوا: يا ربنا! بجاه محمد الأكرم. وبجاه عليٍّ الأفضل(٣) وبجاه فاطمة الفضلى. وبجاه الحسن والحسين، سبطي سيد النبيين وسيدي شباب أهل الجنان أجمعين. وبجاه الذرية الطيبة الطاهرة(٤) ، من آل طه ويس، لـمـّا غفرت لنا ذنوبنا وغفرت لنا هفواتنا وأزلت هذا القتل عنا.
فذلك حين نودي موسى ـ عليه السلام ـ من السماء، أن كف القتل. فقد سألني بعضهم مسألة. وأقسم عليَّ قسما لو أقسم به هؤلاء العابدون للعجل(٥) .
وسألني بعضهم حتى لا يعبدوه، لأجبتهم. ولو أقسم [عليَّ بها إبليس، لهديته.
__________________
(١) شرح الآيات الباهرة / ١٩.
(٢) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: ان.
(٣) المصدر: الأفضل الأعظم.
(٤) المصدر: الطاهرين.
(٥) المصدر العجل.
ولو أقسم](١) بها ثمود وفرعون، لنجّيته.
فرفع عنهم القتل. فجعلوا يقولون: يا حسرتنا! [أين](٢) كنّا عن هذا الدعاء بمحمد وآله الطيبين، حتى كان الله يقينا شرّ الفتنة. ويعصمنا بأفضل العصمة](٣) .
( وَإِذْ قُلْتُمْ: يا مُوسى! لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ) ، أي: لأجل قولك، أو لن نقرّ لك.
( حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) : عيانا.
وهي في الأصل، مصدر قولك جهرت بالقراءة، استعير(٤) للمعاينة. والجامع بينهما، الإدراك، بلا ساتر.
ونصبها على المصدر. لأنه نوع من الرؤية، أو الحال من الفاعل، أو المفعول: أمّا على مذهب غير المبرد، فمطلقا. وأمّا على مذهبه، فلما مرّ من التعليل في المصدر. لأنه ذهب إلى أنّ الحال، لا يكون مصدرا، إلّا إذا كان نوعا من عامله.
وقرئ جهرة ـ بالفتح ـ على أنه مصدر، كالغلبة، أو جمع جاهر، كالكتبة.
فيكون حالا.
وقيل(٥) : إنّ قوله جهرة، صفة لخطابهم لموسى ـ عليه السلام ـ وتقديره: وإذ قلتم جهرة، لن نؤمن لك حتى نرى الله.
وهو ضعيف.
__________________
(١) ليس في المصدر. ولكن الكاتب أشار بعلامة إلى وجود سقط، لكنّه لم يذكره.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) ما بين القوسين ليس في أ.
(٤) أ: أستعيره.
(٥) مجمع البيان ١ / ١١٥.
والقائلون، هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات، وقيل عشرة الالف من قومه. والمؤمن به، جميع ما جاء به موسى. وقيل: إنّ الله الذي أعطاك التوراة وكلّمك، أو أنّك نبى(١) وطلب المستحيل. فانّهم ظنّوا أنّه تعالى يشبه الأجسام وطلبوا رؤيته. وهي محال.
روى(٢) أنّه جاءت نار من السّماء فأحرقتهم. وقيل: صيحة. وقيل: جنود، سمعوا لحسيسها. فخروا صعقين ميّتين، يوما وليلة.
( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ) إلى ما أصابكم، أو إلى أثره.
واستدل أبو القاسم البلخي(٣) بهذه الاية، على أنَّ الرؤية، لا يجوز على الله تعالى. قال: لانّها انكار، تضمّن أمرين: ردهم على نبيّهم، وتجويزهم الرؤية، على ربّهم. ويؤيّد ذلك قوله تعالى(٤) :( فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ. فَقالُوا: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً ) . فدل ذلك، على أنّ المراد، انكار كلا الامرين.
أقول: وفي الاية، مع قوله:( فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى ) (الخ)، دلالة على أن الرد(٥) على النبي واعتقاد جواز الرؤية، كل واحد منها، علة لاخذ الصاعقة والعذاب.
ومن البيّن، عدم التّفاوت، بين عدم جواز الرؤية في الدنيا وعدم جوازها في الاخرة. والمنازع، مكابر مع قضيّة العقل. فمعتقد جوازها في الاخرة، مشارك(٦) معتقد جوازها في الدنيا، في علة استحقاق العذاب، كالراد على النبي. وبذلك يثبت(٧)
__________________
(١ و ٢) أنوار. التنزيل ١ / ٥٧.
(٣) ر. مجمع البيان ١ / ١١٥.
(٤) النساء / ١٥٣.
(٥) أ: على المرد.
(٦) أ: شارك.
(٧) ر: يظهر.
كفر أهل السّنة القائلين بجوازها في الاخرة للمؤمنين وللافراد من الأنبياء في الدّنيا.
قال البيضاوي(١) : بعد عده، رؤيته تعالى، رؤية الأجسام من المستحيلات.
بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية. وذلك للمؤمنين في الاخرة وللافراد من الأنبياء في الدنيا، في بعض الأحوال(٢) .
[وفي تفسير على بن إبراهيم(٣) ، قوله( وَإِذْ قُلْتُمْ: يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) (الاية)، فهم السبّعون الذّين اختارهم موسى، ليسمعوا كلام الله.
فلمّا سمعوا الكلام، قالوا: لن نؤمن لك يا موسى! حتّى نرى الله جهرة. فبعث الله عليهم صاعقة. فاحترقوا. ثم أحياهم الله، بعد ذلك. وبعثهم أنبياء. فهذا دليل على الرّجعة، في أمّه محمّد ـ صلى الله عليه وآله. فانّه قال: لم يكن في بنى إسرائيل شيء، إلّا وفي أمّتى مثله.
وفي كتاب الخصال(٤) ، عن ابن عبّاس، عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أنّه قال: من الجبال التّى تطايرت يوم موسى ـ عليه السلام ـ والصاعقة(٥) سبعة(٦) أجبل.
فلحقت بالحجاز واليمن. منها: بالمدينة أحد وورقان. وبمكة ثور وثبير وحراء.
وباليمن صبر وحصون](٧) (٨) .
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٧.
(٢) المصدر: في بعض الأحوال، في الدنيا.
(٣) تفسير القمي ١ / ٤٧.
(٤) الخصال / ٣٤٤، ح ١٠.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: شبير.
(٧) المصدر: حضور.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
واعلم! أنّ هذه الآية تدلّ أيضا على أنّ قول موسى ـ عليه السّلام ـ «ربِّ أرنى أنظر إليك»، كان سؤالا لقومه. لانّه لا خلاف بين أهل التّوراة، أنّ موسى ـ عليه السّلام ـ لم يسأل الرّؤية، إلّا دفعة واحدة وهي الّتى سألها لقومه.
( ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ) : أحييناكم.
( مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) ، بسبب الصاعقة.
وقيّد البعث، لانّه قد يكون من إغماء ونوم، لقوله تعالى: ثمّ بعثناهم.
وقيل(١) : انّهم سألوا بعد الأحياء أن يبعثوا أنبياء. فبعثهم الله أنبياء.
وأجمع المفسّرون إلّا شرذمة يسيرة، أنّ الله تعالى لم يكن أمات موسى، كما أمات قومه. ولكن غشى عليه، بدلالة قوله تعالى: فلمّا أفاق. والافاقة إنّما تكون من الغشيان.
( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) ) : نعمه الّتى منها ردّ حياتكم.
وفي الاية، دلالة على جواز الرّجعة.
وقال أبو القاسم البلخي(٢) : لا تجوز الرّجعة مع الاعلام بها. لأنّ فيها إغراء بالمعاصي، من جهة الاتّكال على التّوبة في الكرّة الثّانية.
وأجيب بأنّ من يقول بالرّجعة، لا يذهب إلى أنّ النّاس كلّهم يرجعون، فيصير إغراء بأن يقع الاتكال على التّوبة فيها. بل لا أحد من المكلّفين إلّا ويجوز أن لا يرجع. وذلك يكفى في باب الزّجر.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٣) : قال الامام ـ عليه السلام ـ: وذلك أنّ موسى ـ
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١١٥.
(٢) ر. نفس المصدر.
(٣) شرح الآيات الباهرة / ١٩ ـ ٢٠.
عليه السلام ـ لـمـّا أراد أن يأخذ عليهم عهد الفرقان، فرّق ما بين المحقّين والمبطلين لمحمّد بنبوّته وعليٍّ بإمامته وللائمّة الطاهرين بإمامتهم. قالوا: لن نؤمن لك أنّ هذا أمر ربّك، حتّى نرى الله جهرة عيانا، يخبرنا بذلك.
فأخذتهم الصاعقة معاينة وهم ينظرون إلى الصّاعقة تنزل عليهم.
وقال الله ـ عزّ وجلّ: يا موسى! أنا المكرم أوليائى والمصدقين(١) بأصفيائى ولا أبالى. وكذلك أنا المعذّب لاعدائى الرافعين(٢) حقوق أصفيائى ولا أبالى.
فقال موسى ـ عليه السلام ـ للباقين الّذين لم يصعقوا: ما ذا تقولون؟ أتقبلون وتعترفون؟ وإلّا(٣) فأنتم بهؤلاء لاحقون.
فقالوا: يا موسى! أتدري ما حلّ بهم؟ لماذا أصابتهم الصّاعقة؟ ما أصابتهم لأجلك إلّا أنّها(٤) كانت نكبة من نكبات الدهر. تصيب(٥) البرّ والفاجر. فان قلت(٦) إنّما أصابتهم لردّهم(٧) عليك في أمر محمّد وعليٍّ وآلهما، فاسأل الله ربّك بهم، أن يحيى هؤلاء المصعوقين لنسألنهم، لماذا أصابهم(٨) ما أصابهم.
__________________
(١) المصدر: لأوليائي والمصدق.
(٢) المصدر: الرافع.
(٣) المصدر: وتقترفون؟ أو لا.
(٤) المصدر: لأنها.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: يصيب.
(٦) المصدر: كانت.
(٧) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: بردهم.
(٨) المصدر: أصابتهم.
فدعا الله ـ عزّ وجلّ ـ [فأحياهم.](١) وقال لقومه: سلوهم لماذا أصابهم(٢) ؟ فسألوهم.
فقالوا: يا بنى إسرائيل! أصابنا ما أصابنا، لآبائنا اعتقاد امامة على بعد اعتقادنا نبّوه(٣) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. لقد رأينا بعد موتنا هذا، ممالك(٤) ربّنا، من سماواته وحجبه وكرسيّه وعرشه وجنانه ونيرانه. فما رأينا أنفذ أمر في(٥) جميع تلك الممالك(٦) ولا أعظم سلطانا من محمّد وعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين.
وإنّا لـمـّا (متنا)(٧) بهذه الصّاعقة، ذهب بنا إلى النّيران. فناداهم محمّد وعليّ: كفوا عن هؤلاء عذابكم. هؤلاء يحيون بمسألة سائل يسأل ربّنا ـ عزّ وجل ـ بنا وبآلنا الطيّبين.
وذلك حين لم يقذفونا في الهاوية. وأخّرونا إلى أن بعثنا بدعائك، يا نبى الله، موسى بن عمران! بمحمّد وآله الطيّبين.
فقال الله ـ عز وجل ـ لأهل عصر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ فإذا كان بالدعاء بمحمّد وآله الطيّبين، نشر ظلمة أسلافكم المصعوقين بظلمهم، فما يجب عليكم
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: أصابتهم.
(٣) المصدر: بنبوة.
(٤) المصدر: مماليك.
(٥) المصدر: أمرا من.
(٦) المصدر: مماليك.
(٧) المصدر: أصبنا.
أن لا تعترضوا لمثل ما هلكوا به إلى أن أحياهم الله ـ عز وجل؟](١)
( وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ) :
سخّر الله لهم السّحاب، يظلّهم من الشمس، حين كانوا في التّيه.
وهي جمع غمامة. وهي السّحابة. وأصله التّغطية والسّتر. ومنه الغم.
( وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَ ) :
قيل(٢) : التّرنجبين.
وقيل(٣) : الخبز المرقق. وقيل: جميع النّعم التي أتتهم ممّا من الله عليهم، ممّا لا تعب فيه ولا نصب. وروى عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أنّه قال: الكمأة من المن. وماؤها، شفاء للعين.
( وَالسَّلْوى ) : السمانى.
وقيل(٤) : هو طائر أبيض يشبه السّمانى.
قيل(٥) : كان ينزل عليهم(٦) المن، مثل الثلج، من الفجر إلى الطلوع(٧) ، ويبعث الجنوب عليهم بالسمانى.
فيأخذ كلّ انسان منهم كفايته إلى الغد، إلّا يوم الجمعة، يأخذ ليومين،
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٧.
(٣) مجمع البيان ١ / ١١٦.
(٤) نفس المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٧.
(٦) أ: كان ينزل عليهم يوم السبت كلوا نصب ارادة عليهم.
(٧) كذا في المصدر وأ. وفي الأصل ور: من الطلوع إلى الفجر.
لانّه لم يكن ينزل يوم السبت(١) .
( كُلُوا ) : نصب إرادة القول، أي: وقلنا لهم.
( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) ، أي: الشّهى اللذيذ مما رزقناكم.
قيل(٢) : أو الحلال.
وهذا بناء على تناول الرزق الحرام، أيضا.
( وَما ظَلَمُونا ) :
فيه اختصار. تقديره: فظلموا بأن كفروا هذه النعمة وما ظلمونا.
( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) ) بالكفران. لانّه لا يتخطاهم ضرّه.
وكان سبب انزال المن والسّلوى عليهم، على ما ذكر الشّيخ الطّبرسى(٣) ، أنّه: لـمـّا ابتلاهم بالتّيه، إذ قالوا لموسى(٤) :( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ، فَقاتِلا. إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) . حين أمرهم بالسّير، إلى بيت المقدس وحرب العمالقة، بقوله:(٥) ( ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ) (الخ) فوقعوا في التّيه. فصاروا كلما ساروا، تاهوا في قدر خمسة فراسخ، أو ستّة. وكلّما أصبحوا، ساروا غادين، فأمسوا. فإذا هم في مكانهم الّذى ارتحلوا عنه. كذلك حتّى تمّت المدّة، وبقوا فيها أربعين سنة. وفي التّيه توفّى موسى وهرون. ثمّ خرج يوشع بن نون. وكان(٦) الله تعالى ،
__________________
(١) ر. مجمع البيان ١ / ١١٧.
(٢) نفس المصدر ١ / ١١٦.
(٣) مجمع البيان ١ / ١١٧.
(٤) المائدة / ٢٤.
(٥) المائدة / ٢١.
(٦) المصدر: وقيل كان.
يرد الجانب الّذى انتهوا إليه من الأرض، إلى الجانب الذي ساروا(١) منه.
فكانوا يضلّون عن الطّريق لانّهم كانوا خلقا عظيما. فلا يجوز أن يضلّوا كلّهم عن الطّريق، في هذه المدة المديدة، في هذا المقدار من الأرض. ولما حصلوا في التيه، ندموا على ما فعلوا. فألطف الله تعالى لهم بالغمام، لـمـّا شكوا حرّ الشمّس وأنزل عليهم المن والسّلوى. فكان يسقط(٢) عليهم المن، من [وقت](٣) طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فكانوا يأخذون منها ما يكفيهم، ليومهم.
وقال الصّادق ـ عليه السّلام: كان ينزل المن على بنى إسرائيل، من بعد طلوع(٤) الفجر إلى طلوع الشمس. فمن نام في ذلك الوقت، لم ينزل نصيبه.
فلذلك يكره النّوم في هذا الوقت، إلى طلوع(٥) الشّمس.
قال بن جريح: وكان الرّجل منهم، إذا(٦) أخذ من المن والسّلوى زيادة على طعام يوم واحد، فسد، إلّا يوم الجمعة. فانّهم إذا أخذوا طعام يومين، لم يفسد. وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليوم الجمعة والسّبت. لانّه كان لا يأتيهم يوم السبّت. وكانوا يخبزونه مثل القرصة. ويوجد له طعم كالشّهد المعجون بالسّمن وكان الله تعالى يبعث لهم السحاب بالنهار، فيدفع عنهم حر الشّمس.
__________________
(١) أ: تساروا.
(٢) أ: يسوق.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: بعد طلوع.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ان.
وكان ينزل عليهم باللّيل(١) ، عمودا من نور، يضيء لهم مكان السّراج. وإذا ولد فيهم مولود، يكون عليه ثوب [يطول](٢) بطوله كالجلد.
وفي كتاب الاحتجاج، للطبرسي ـ رحمه الله(٣) ـ روى عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علىّ ـ عليهم السلام ـ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وفي أثناء كلام طويل: فان موسى بن عمران قد أعطى المن والسّلوى، فهل فعل بمحمّد نظير هذا؟
فقال له على ـ عليه السلام ـ: لقد كان كذلك. ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أعطى ما هو أفضل من هذا. أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أحل له الغنائم ولامّته. ولم تحل لاحد غيره، قبل. فهذا أفضل من المن والسّلوى.
قال له اليهودي. فان موسى ـ عليه السلام ـ قد ظلّل عليه الغمام.
قال له علىٌّ ـ عليه السلام ـ: لقد كان كذلك. وقد فعل ذلك لموسى في التّيه.
وأعطى محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ أفضل من هذا. إنّ الغمامة كانت لمحمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ تظله من يوم ولد، إلى يوم قبض، في حضره وأسفاره.
فهذا أفضل ممّا أعطى موسى ـ عليه السّلام.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٤) : قال الامام ـ عليه السلام: قال الله ـ عزّ وجلّ: واذكروا، يا بنى إسرائيل! إذ( ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ) لـمـّا كنتم في التّيه، يقيكم حرّ الشّمس وبرد القمر.( وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ) . وهو التّرنجبين و
__________________
(١) المصدر: في الليل من السماء.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٢٥.
(٤) شرح الآيات الباهرة / ٢٠.
السّلوى طير السّمانى(١) ( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) واشكروا نعمتي وعظّموا من عظمته. ووقّروا من وقّرته. وأخذت عليكم العهود والمواثيق لهم، محمّدا وآله الطيّبين.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: عباد الله! عليكم باعتقاد ولايتنا أهل البيت. ولا تفرقوا بيننا. وانظروا كيف وسع الله عليكم، حيث أوضح لكم الحجة، يسهل(٢) عليكم معرفة الحق. ثمّ وسع لكم في التّقيّة، لتسلموا من شرور الخلق. ثمّ إنْ بدّلتم وغيّرتم، عرض عليكم التّوبة. وقبلها منكم. فكونوا لنعماء الله شاكرين(٣) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: السمان.
(٢) المصدر: ليستهل.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
الفهرس
سورة فاتحة الكتاب ٦
سورة البقرة ٨٩