ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
(٣٨)
سورة ص
مكّيّة. وهي ثمان وثمانون آية. عن أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة ص أعطي من الأجر بوزن كلّ جبل سخّره الله لداود حسنات، وعصمه الله أن يصرّ على ذنب، صغيرا أو كبيرا».
وروى العيّاشي بإسناده عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة ص في ليلة الجمعة، أعطي من خير الدنيا والآخرة، ما لم يعط أحد من الناس، إلّا نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، وأدخله الله الجنّة، وكلّ من أحبّ من أهل بيته، حتّى خادمه الّذي يخدمه، وإن كان ليس في حدّ عياله، ولا في حدّ من يشفع له».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا ختم سورة الصافّات بذكر القرآن والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنكار الكفّار لـما دعاهم إليه، افتتح هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، والردّ عليهم أيضا، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص ) قد ذكر في أوّل سورة البقرة أنّ إيراد حروف التهجّي في أوائل السور على سبيل التحدّي والتنبيه على الإعجاز. ثمّ أتبعه القسم محذوف الجواب، لدلالة التحدّي عليه. كأنّه قال:( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) إنّه لكلام معجز. ويجوز أن تكون «ص» خبر مبتدأ محذوف، على أنّها اسم للسورة، كأنّه قال: هذه ص. يعني: هذه السورة الّتي أعجزت العرب، والقرآن ذي الذكر. كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور بالسخاء والله. وكذلك إذا أقسم بها، كأنّه قال: أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنّه لمعجز. وإذا جعلتها مقسما بها، وعطفت عليها:( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كلّه، وأن تريد السورة بعينها. ومعناه: أقسم بالسورة الشريفة، والقرآن ذي الذكر. كما تقول: مررت بالرجل الكريم، وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل.
وقيل: «صاد» رمز لصدق محمّد. و «الذكر» الشرف والشهرة، كقولك: فلان مذكور. أو الذكرى والموعظة. أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كأقاصيص الأنبياء، والوعد والوعيد.
وما كفر به من كفر( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: كفروا به( فِي عِزَّةٍ ) أي: استكبار عن قبول الحقّ( وَشِقاقٍ ) خلاف لله ورسوله، ولذلك كفروا به. والتنكير فيهما للدلالة على شدّتهما.
ثمّ أوعدهم على كفرهم بالقرآن استكبارا وشقاقا( كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا ) استغاثة، أو توبة، أو استغفارا( وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ) أي: وليس الحين حين مناص. و «لا» هي المشبّهة بـ «ليس» زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد، كما
زيدت على «ربّ» و «ثمّ». وتغيّر بزيادة التاء حكم «لا»، حيث لم تدخل إلّا على الأحيان. ولم يبرز إلّا اسمها أو خبرها، وامتنع بروزهما جميعا.
وقيل: هي النافية للجنس، أي: ولا حين مناص لهم. وقيل: للفعل، والنصب بإضماره، أي: ولا أرى حين مناص. وتقف الكوفيّة على التاء بالهاء كالأسماء، والبصريّة بالتاء كالأفعال.
وقيل: إنّ التاء مزيدة على «حين» لاتّصالها به في الإمام. والمناص: الملجأ. من: ناصه ينوصه إذا فاته.
( وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ) بشر مثلهم، أو امّي من عدادهم( وَقالَ الْكافِرُونَ ) وضع فيه الظاهر موضع الضمير إظهارا للغضب عليهم وذمّا لهم، وإشعارا بأنّ توغّلهم في الكفر وانهماكهم في الغيّ جسّرهم على هذا القول( هذا ساحِرٌ ) فيما يظهره معجزة( كَذَّابٌ ) فيما تقوّله على الله. وهل ترى كفرا أعظم وجهلا أبلغ من أن يسمّوا من صدّقه الله بوحيه كاذبا، ويتعجّبوا من التوحيد، وهو الحقّ الذي لا يصحّ غيره، ولا يتعجّبوا من الشرك، وهو الباطل الّذي لا وجه لصحّته أصلا؟! ثمّ بيّنوا تقوّله بقولهم:( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ) بأن جعل الالوهيّة الّتي كانت لآلهتنا لواحد. وذلك أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبطل عبادة ما كانوا يعبدونه من الآلهة مع الله، ودعاهم إلى عبادة الله وحده. فتعجّبوا من ذلك، وقالوا: كيف جعل لنا إلها واحدا بعد ما كنّا نعبد آلهة؟
روي: أنّ عمر بن الخطّاب لـمّا أظهر الإسلام شقّ على قريش وبلغ منهم، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، منهم: الوليد بن المغيرة، وهو أكبرهم، وأبو جهل، وأبيّ وأميّة ابنا خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن الحارث، وأتوا عند أبي طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، يريدون: الّذين دخلوا في الإسلام، وجئناك لتقضي بيننا
وبين ابن أخيك.
فاستحضر أبو طالب رسول الله وقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كلّ الميل على قومك.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ماذا يسألونني؟
قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ندعك وإلهك.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم، أَمعطيّ أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟
قالوا: نعم وعشرا، أي: نعطيكها وعشر كلمات معها.
فقال: قولوا لا إله إلّا الله.
فقاموا وقالوا: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً »( إِنَّ هذا ) هذا الّذي يقوله محمّد من أنّ الإله واحد( لَشَيْءٌ عُجابٌ ) بليغ في العجب، فإنّه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا وما نشاهده، من أنّ الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة.
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم استعبر ثمّ قال: «يا عمّ والله لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في شمالي، ما تركت هذا القول حتّى أنفذه، أو أقتل دونه». فقال له أبو طالب: امض لأمرك، فو الله لا أخذلك أبدا.
( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) )
( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ ) أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعد ما بكّتهم
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسمعوا ما قال أبو طالب، قائلين بعضهم لبعض:( أَنِ امْشُوا ) اخرجوا من هذا المجلس( وَاصْبِرُوا ) واثبتوا( عَلى آلِهَتِكُمْ ) على عبادتها، وتحمّلوا المشاقّ لأجلها، فإنّه لا حيلة لكم في دفع أمر محمّد. و «أن» هي المفسّرة، لأنّ الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول.
وقيل: المراد بالانطلاق الاندفاع في القول. «وامشوا» من: مشت المرأة إذا كثرت أولادها. ومنه: الماشية، أي: أكثروا واجتمعوا للتقوّل.
( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ) هذا الأمر الّذي نراه ـ من زيادة أصحاب محمّد ـ من نوائب الزمان يراد بنا، فلا مردّ له، ولا انفكاك لنا منه. أو إنّ هذا الّذي يدّعيه من التوحيد، أو يقصده من الرئاسة والترفّع على العرب والعجم، لشيء يتمنّى، أو يريده كلّ أحد. أو إنّ دينكم يطلب ليؤخذ منكم.
( ما سَمِعْنا بِهذا ) الّذي يدعونا إليه محمّد من التوحيد وخلع الأنداد من الله( فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ) في الملّة الّتي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملّة عيسى الّتي هي آخر الملل، فإنّ النصارى يثلّثون ولا يوحّدون. ويجوز أن يكون حالا من «هذا»، ولا يتعلّق بـ «ما سمعنا». والمعنى: أنّا لم نسمع من أهل الكتاب ولا من الكهّان أنّه يحدث التوحيد في الملّة الآخرة.( إِنْ هذا ) ما هذا الّذي يقوله محمّد( إِلَّا اخْتِلاقٌ ) كذب اختلقه.
ثمّ أنكروا أن يختصّعليهالسلام بشرف النبوّة والوحي من بين رؤسائهم، وينزل عليه الكتاب دونهم، وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة، فقالوا :
( أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ) أي: كيف أنزل على محمّد القرآن من بيننا، وليس بأكبر سنّا منّا، ولا بأعظم شرفا؟ وهذا دليل على أنّ مبدأ تكذيبهم لم يكن إلّا الحسد، وقصور النظر على الحطام الدنيوي. وقرأ قالون بمدّ الأولى وتليين الثانية شبه واو. وكذلك ابن كثير وأبو عمرو، إلّا أنّهم يقصرونها.
ثمّ ردّ الله عليهم قولهم بقوله:( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ) من القرآن أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن الدليل. وليس في عقيدتهم ما يبتّون به من قولهم: «هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ » «إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ ».
ثمّ هدّدهم بقوله:( بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ) عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال شكّهم. والمراد: أنّهم لا يصدّقون بالقرآن حتّى يمسّهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه.
( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) )
ثمّ أجابهم عن إنكارهم نبوّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ) بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرّفهم حتّى يصيبوا بها من شاؤا، ويصرفوها عمّن شاؤا، فيتخيّروا للنبوّة بعض صناديدهم، ويترفّعوا بها عن محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ وليس الأمر كذلك، فإنّ النبوّة عطيّة من الله يتفضّل بها على من يشاء من عباده، لا مانع له.
( الْعَزِيزِ ) الغالب الّذي لا يغلب( الْوَهَّابِ ) الّذي له أن يهب كلّ ما شاء على حسب المصالح، فيختار للنبوّة من يشاء من عباده. ونظيره قوله:( وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ
عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) (١) .
ولـمّا أنكر عليهم التصرّف في نبوّته، بأن ليس عندهم خزائن رحمته الّتي لا نهاية لها، أردف ترشيحا لهذا المعنى( أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ) أي: ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الّذي هو جزء يسير من خزائنه، فمن أين لهم أن يتصرّفوا فيها؟
ثمّ تهكّم بهم غاية التهكّم، فقال: إن كان لهم ذلك( فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ) فليصعدوا في المعارج والطرق الّتي يتوصّل بها إلى العرش حتّى يستووا عليه، ويدبّروا أمر العالم، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون. والسبب في الأصل هو الوصلة. وقيل: المراد بالأسباب السماوات، لأنّها أسباب الحوادث السفليّة.
ثمّ استصغرهم واستحقرهم عن هذا الأمر الجليل والخطب العظيم، فقال:( جُنْدٌ ما ) «ما» مزيدة للتقليل، كقولك: أكلت شيئا ما، أي: هم جند قليل حقير جدّا( هُنالِكَ ) إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول. أو إشارة إلى مصارعهم ببدر.( مَهْزُومٌ ) مكسور عمّا قريب( مِنَ الْأَحْزابِ ) من الكفّار المتحزّبين على الرسل، وأنت منصور عليهم مظفّر غالب، فمن أين لهم التدابير الإلهيّة والتصرّف في الأمور الربّانيّة؟ فلا تبال بما يقولون.
ثمّ هدّدهم باستئصال الأحزاب المكذّبين المعاندين في سالف زمانهم، فقال:( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ) قبل هؤلاء الكفّار( قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ) ذو الملك الثابت بالأوتاد، كقوله :
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة |
في ظلّ ملك ثابت الأوتاد |
مأخوذ من ثبات البيت المطنّب بأوتاده. أو ذو الجموع الكثيرة. سمّوا بذلك لأنّهم يشدّون ملكه، ويقرّون أمره. أو لأنّ بعضهم يشدّ بعضا، كالوتد يشدّ البناء. أو
__________________
(١) الدّخان: ٣٢.
لكثرة أوتاد خيامهم.
وقيل: نصب أربع سوار، وكان يمدّ يدي المعذّب ورجليه إليها، ويضرب عليها أوتادا، ويتركه حتّى يموت.
وقيل: كان يمدّه بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه الحيّات والعقارب.
وعن ابن عبّاس وقتادة وعطاء: أنّه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها.
( وَثَمُودُ ) وهم قوم صالح( وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ ) وأصحاب الغيضة(١) . وهم قوم شعيب. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: ليكة.
ولـمّا ذكر هؤلاء المكذّبين، أعلمنا أنّ مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب، فقال:( أُولئِكَ ) أي: أولئك المكذّبون المعاندون( الْأَحْزابُ ) هم المتحزّبون على الرسل الّذين جعل الجند المهزوم منهم.
ثمّ صرّح بما أسند إليهم من التكذيب على الإبهام، فقال على أبلغ تأكيد:( إِنْ كُلٌ ) ما كلّ واحد من الأحزاب( إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ) كذّب جميع الرسل، لأنّهم إذا كذّبوا واحدا منهم فقد كذّبوهم جميعا. ويجوز أن يكون ذلك مقابلة الجمع بالجمع تسجيلا. وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبريّة أوّلا، وبالاستثنائيّة ثانيا، وما في الاستثنائيّة من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص، أنواع من المبالغة المسجّلة عليهم، باستحقاق أشدّ العقاب وأبلغه.
ولذلك رتّب عليه( فَحَقَّ عِقابِ ) أي: فوجب أن أعاقبهم حقّ عقابهم.
( وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ ) أي: وما ينتظر قومك أو الأحزاب، فإنّهم كالحاضرين، لاستحضارهم بالذكر، أو حضورهم في علم الله( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) هي النفخة الأولى( ما لَها مِنْ فَواقٍ ) من توقّف مقدار فواق. وهو ما بين جلستي الحالب
__________________
(١) الغيضة: الأجمة، ومجتمع الشجر في مغيض الماء.
ورضعتي الراضع. يعني: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، كقوله تعالى:( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (١) .
وعن ابن عبّاس: ما لها من رجوع وترداد. من: أفاق المريض إذا رجع إلى الصحّة. وفواق الناقة ساعة يرجع اللبن إلى الضرع. يريد: أنّها نفخة واحدة فحسب، لا تثنّى ولا تردّد. وقرأ حمزة والكسائي بالضمّ. وهما لغتان.
( وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) )
روي: أنّه لـمّا نزل( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ) (٢) ، قالت قريش: زعمت يا محمّد أنّا نؤتى كتابنا بشمالنا، فعجّل لنا كتبنا الّتي نقرؤها في الآخرة، استهزاء منهم بهذا الوعيد وتكذيبا به. فنزلت :
( وَقالُوا ) وقال هؤلاء الكفّار:( رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ) قسطنا من العذاب الّذي توعدنا به. أو الجنّة الّتي تعدها للمؤمنين. وهو من: قطّه إذا قطعه. فسمّي القسط القطّ، لأنّه قطعة من الشيء. ومنه قطّ الصحيفة الجائزة، لأنّه قطعة من القرطاس. وقد فسّر بهما، أي: عجّل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها.( قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ) .
__________________
(١) الأعراف: ٣٤.
(٢) الحاقّة: ١٩ و٢٥.
ولـمّا كانوا استعجلوا ذلك استهزاء قال:( اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) من تكذيبك، فإنّ وبال ذلك يعود عليهم( وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ) واذكر لهم قصّة داود، تعظيما للمعصية في أعينهم، فإنّه مع علوّ شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات، وكمال زلفته عند الله سبحانه، لـمّا زلّ زلّة من ترك الأولى، وبّخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتّى تفطّن فاستغفر ربّه وأناب، ووجد منه ما يحكي عن بكائه الدائم وغمّه الواصب(١) ، ولا يزال مجدّدا للندم عليها، فما الظنّ بكم مع كفركم وفرط معاصيكم؟! أو تذكّر قصّته، وصن نفسك أن تزلّ فيما كلّفت من مصابرتهم وتحمّل أذاهم، فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهماله.
( ذَا الْأَيْدِ ) ذا القوّة في الدين والعبادة. يقال: رجل أيد وذو أيد وأياد، بمعنى ما يتقوّى به. وروي: أنّه يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشدّ الصوم.
وقيل: ذا القوّة على الأعداء وقهرهم. وذلك لأنّه رمى بحجر من مقلاعه صدر رجل، فأنفذه من ظهره فأصاب آخر فقتله.
وقيل: معناه: ذا التمكين العظيم، والنعم الجليلة. وذلك أنّه كان يبيت كلّ ليلة حول محرابه ألوف كثيرة من الرجال.
( إِنَّهُ أَوَّابٌ ) توّاب، رجّاع عن كلّ ما يكره الله إلى ما يحبّ. من: آب يؤوب إذا رجع. وهذا تعليل للأيد، ودليل على أنّ المراد به القوّة في الدين.
( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ ) قد سبق(٢) تفسير تسخير الجبال مع داود.
و «يسبّحن» حال وضع موضع: مسبّحات، لاستحضار الحال الماضية، والدلالة على تجدّد التسبيح من الجبال حالا بعد حال.
__________________
(١) أي: الدائم.
(٢) راجع ج ٤ ص ٣٤٣، ذيل الآية ٧٩ من سورة الأنبياء.
( بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ) وقت دخول الشروق. يقال: أشرقت الشمس ولـمّا تشرق. من: أشرق القوم إذا دخلوا في الشروق. ومنه قوله تعالى:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ) (١) . وقول الجاهليّة: أشرق ثبير(٢) كيما نغير، أي: وادخل في الضوء لنغير. ويراد وقت صلاة الفجر، لانتهائه بالشروق.
والمعنى: يسبّحن الله إذا سبّح وقت الرواح والصباح. وذلك إمّا بأن خلق الله فيهنّ التسبيح، أو بنى فيها بنية يتأتّى منها التسبيح معجزة لهعليهالسلام .
وكذلك قوله:( وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ) مجموعة إليه من كلّ جانب. وإنّما لم يقل: يحشرن، مع أنّ فيه المطابقة بين الحالين، لأنّ الحشر جملة أدلّ على القدرة منه مدرّجا.
وعن ابن عبّاس: كان داود إذا سبّح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبّحته، فذلك حشر الطير.
( كُلٌّ لَهُ ) أي: كلّ واحد من الجبال والطير لأجل داود ـ أي: لأجل تسبيحه ـ( أَوَّابٌ ) رجّاع إلى التسبيح. ووضع الأوّاب موضع المسبّح، إمّا لأنّها كانت ترجّع التسبيح، والمرجّع رجّاع، لأنّه يرجع إلى فعله رجوعا بعد رجوع. وإمّا لأنّ الأوّاب ـ وهو التوّاب الكثير الرجوع إلى الله تعالى وطلب مرضاته ـ من عادته أن يكثر ذكر الله، ويديم تسبيحه وتقديسه.
وقيل: الضمير لله، أي: كلّ منهما ومن داود مرجّع لله التسبيح. والفرق بينه وبين «يسبّحن» أنّه يدلّ على الموافقة في التسبيح، وهذا يدلّ على المداومة عليها.
( وَشَدَدْنا مُلْكَهُ ) وقوّيناه بالحرس والجنود وكثرة العدد والعدّة والهيبة، بأن قذفنا في قلوب قومه هيبته.
__________________
(١) الحجر: ٧٣.
(٢) ثبير: اسم جبل بمكّة.
روي: أنّ رجلا ادّعى عنده بقرة على آخر، وعجز عن إقامة البيّنة، فأوحي إليه في المنام: أن اقتل المدّعى عليه. فقال: هذا منام. فأعيد الوحي في اليقظة، فأعلم الرجل. فقال: صدقت، إنّ الله لم يأخذني بهذا الذنب، ولكن بأنّي قتلت أبا هذا غيلة، وأخذت البقرة. فقتله، فعظمت بذلك هيبته.
وقيل: كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مستلئم(١) يحرسونه.
( وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ ) النبوّة. أو كمال العلم وإتقان العمل. وقيل: كلّ كلام وافق الحقّ فهو حكمة.( وَفَصْلَ الْخِطابِ ) وفصل الخصام بتمييز الحقّ عن الباطل. وهو بمعنى المفعول، أي: كلام مفصول بعضه من بعض. فمعنى فصل الخطاب: الكلام المخلص الّذي ينبّه من يخاطب به على المقصود من غير التباس عليه. ومن فصل الخطاب أن لا يخطئ صاحبه مظانّ الفصل والوصل، والعطف والاستئناف، والإضمار والإظهار، والحذف والتكرار، ونحوها.
ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل، كالصوم(٢) والزور. والمعنى: الكلام الفاصل بين الخطاب الّذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحقّ والباطل، والصواب والخطأ.
وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير الملك. وسمّي به «أمّا بعد» لأنّه يفصل المقصود عمّا سبق مقدّمة له، من الحمد والصلاة.
وقيل: هو الخطاب المتوسّط الّذي ليس فيه اختصار مخلّ، ولا إشباع مملّ.
كما جاء في وصف كلام الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : فصل، لا نزر، ولا هذر(٣) .
وعن عليّعليهالسلام : «هو قوله: البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه».
روي: أنّه كان أهل زمان داودعليهالسلام يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوّجها إذا أعجبته. وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها. وقد روي
__________________
(١) أي: لابس اللأمة، وهي الدرع.
(٢) يقال: هو صوم، أي: صائم. ورجل زور، أي: زائر.
(٣) النزر: القليل. والهذر: الكلام الرديء الّذي لا يعبأ به.
أنّ الأنصار أيضا كانوا يواسون المهاجرين مثل ذلك. فاتّفق(١) أنّ عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له: أوريا، وقيل: هو أخوه، فأحبّها، فسأله النزول له عنها، فاستحى أن يردّه ففعل، فتزوّجها، وهي أمّ سليمان. فعوتب بأنّك مع عظم منزلتك، وارتفاع مرتبتك، وكبر شأنك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلّا امرأة واحدة النزول، بل كان ملائم شأنك الرفيع مغالبة هواك، وقهر نفسك، والصبر على ما امتحنت به. فعوتب على ذلك بنزول ملكين عليه، كما حكاه الله سبحانه، بعد أن أخبر أنّه أعطي الحكمة وفصل الخطاب.
( وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
__________________
(١) هذه الرواية رواها البيضاوي في (أنوار التنزيل ٥: ١٧) وغيره من المفسّرين. وليت المفسّرقدسسره لم يذكرها أصلا، لأنّها تتنافى وقداسة الأنبياءعليهمالسلام وعصمتهم، وتتضمّن أفحش الافتراء والظلم على داودعليهالسلام ، ونسبة الخلاعة والمجون ومعاشقة حلائل الناس إليه، ممّا يتعاطاه الفسقة والمستهترين بحرمات الله تعالى. وفي لفظ البيضاوي: فعشقها. مع أنّه روى ذيل هذه الرواية عن عليّعليهالسلام : «أنّ من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصّاص جلدته مائة وستّين». وناهيك بهذا حكما قاطعا، وعقابا صارما، وهو إمام المتّقين، وأقضى الأمّة، على ما نطق به الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم. ولعلّ جلد مائة وستّين حدّ الفرية على الأنبياء. فالرواية أشبه ما تكون من خرافات الجهّال والدجّالين، وأساطير القصّاص والمشعوذين. ورحم الله المفسّر، فما كان الأجدر والأليق به أن يطوي عن ذكرها كشحا، ويتركها في قفص المهملات والموضوعات.
(٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) )
( وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ) معنى الاستفهام التعجيب، والتشويق إلى استماعه، والتنبيه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله. والخصم في الأصل مصدر يقع على الواحد والجمع، كالضيف في قول الله تعالى:( حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ) (١) .
والمعنى: هل بلغك خبر الخصماء( إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ) إذ تصعّدوا سور الغرفة، وهي مصلّاه. والسور الحائط المرتفع. ونظيره: تسنّمه إذا علا سنامه، وتفرّعه إذا علا فرعه(٢) .
و «إذ» متعلّق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصماء إذ تسوّروا. أو بالنبإ، على
__________________
(١) الذاريات: ٢٤.
(٢) الفرع من كلّ شيء: أعلاه المتفرّع من أصله.
أنّ المراد به الواقع في عهد داود، وأنّ إسناد «أتى» إليه على حذف مضاف، أي: قصّة نبأ الخصم. أو بالخصم، لـما فيه من معنى الفعل. لا بـ: أتى، لأنّ إتيانه الرسولعليهالسلام لم يكن حينئذ.
و «إذ» في قوله:( إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ) بدل من الأولى، أو ظرف لـ «تسوّروا»( فَفَزِعَ مِنْهُمْ ) لأنّهم نزلوا عليه من فوق، في يوم الاحتجاب، والحرس على الباب، لا يتركون من يدخل عليه. فإنّه كان جزّأ زمانه على أربعة أجزاء: يوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للوعظ، ويوما للاشتغال بخاصّته. فتسوّر عليه ملائكة على صورة الإنسان في يوم الخلوة.
( قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ ) نحن فوجان متخاصمان، على تسمية مصاحب الخصم خصما( بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ) وهو على الفرض وقصد التعريض إن كانوا ملائكة، وهو المشهور( فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ ) ولا تجر في الحكومة بالميل لأحدنا على صاحبه. من الشطط، وهو مجاوزة الحدّ.( وَاهْدِنا ) وأرشدنا( إِلى سَواءِ الصِّراطِ ) إلى وسط الطريق الّذي هو طريق العدل.
فقال أحد الخصمين له:( إِنَّ هذا أَخِي ) في الدين أو الصحبة( لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ) هي الأنثى من الضأن. وقد يكنّى بها عن المرأة، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود.( وَلِيَ ) قرأ حفص بفتح الياء( نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها ) ملّكنيها. وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي. وقيل: معناه: اجعلها كفلي، أي: نصيبي.( وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) وغلبني في مخاطبته إيّاي محاجّة، بأن جاء بحجاج وجدال لم أقدر على ردّه. أو في مغالبته إيّاي في الخطبة. يقال: خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابا، أي: غالبني في الخطبة فغلبني، حيث تزوّجها دوني.
قيل: إنّ الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما، إمّا
كانا خليطين في الغنم، وإمّا كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري، والثاني معسرا ما له إلّا امرأة واحدة، فاستنزله عنها.
( قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ) جواب قسم محذوف، قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه. ولعلّه قال ذلك بعد اعتراف المدّعى عليه، أو على تقدير صدق المدّعي. والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله. وتعديته إلى مفعول آخر بـ «إلى» لتضمّنه معنى الإضافة. كأنّه قال: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب.
( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ ) الشركاء الّذين خلطوا أموالهم. جمع خليط.( لَيَبْغِي ) ليتعدّى( بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) فإنّهم لا يظلم بعضهم بعضا( وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) وهم قليل جدّا. و «ما» مزيدة للإبهام والتعجّب من قلّتهم. والمقصود من ذلك القول: الموعظة الحسنة، والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الّذين حكم لهم بالقلّة، وتكريه الظلم ـ الّذي أكثرهم عليه ـ إليهم، مع التأسّف على حالهم، وتسلية المظلوم عمّا جرى عليه من خليطه.
( وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ) ابتليناه بترك الأولى، أو امتحنّاه بتلك الحكومة هل يتنبّه بها؟ ولـمّا كان غلبة الظنّ كالعلم استعير له. والمعنى: وعلم داود وأيقن أنّما اختبرناه وابتليناه لا محالة.( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) لترك الأولى( وَخَرَّ راكِعاً ) ساجدا، على تسمية السجود ركوعا، لأنّه مبدؤه. أو خرّ للسجود راكعا، أي: مصلّيا، كأنّه أحرم بركعتي الاستغفار.( وَأَنابَ ) إليه. وقيل: سقط ساجدا لله تعالى ورجع إليه. وقد يعبّر عن السجود بالركوع.
وعن ابن مجاهد: مكث ساجدا أربعين يوما وليلة، لا يرفع رأسه إلّا لصلاة مكتوبة، أو لحاجة لا بدّ منها. ولا يرقأ(١) دمعه حتّى نبت العشب من دمعه. ولم
__________________
(١) أي: لا يجفّ ولا ينقطع.
يشرب ماء إلّا وثلثاه دمع. وجهد نفسه راغبا إلى الله في العفو عنه، حتّى كاد يهلك.
واشتغل بذلك عن الملك، حتّى وثب ابن له يقال له: إيشا على ملكه، ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل.
( فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ ) أي: ما استغفر عنه( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ) لقربة( وَحُسْنَ مَآبٍ ) مرجع في الجنّة. ولـمّا غفر له حارب ابنه فهزمه. وقيل: إنّه نقش هذه الزلّة في كفّه حتّى لا ينساه.
واختلف في أنّ استغفار داود من أيّ شيء كان؟ فقيل: إنّه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، والخضوع له، والتذلّل بالعبادة والسجود. كما حكى سبحانه عن إبراهيمعليهالسلام بقوله:( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (١) .
وأما قوله:( فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ ) فمعناه: أنّا قبلناه منه وأثبناه. ولـمّا كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول، قيل في جوابه: غفرنا. وهذا قول من ينزّه الأنبياء عن جميع الذنوب، من الاماميّة وغيرهم.
ومن جوّز على الأنبياء الصغائر قال: إنّ استغفاره كان لذنب صغير وقع منه.
وهو أنّ أوريا بن حيّان خطب امرأة، وكان أهلها أرادوا أن يزوّجوها منه، فبلغ داود جمالها، فخطبها أيضا فزوّجوها منه، وقدّموه على أوريا. فعوتب داود على حرصه على الدنيا، وعلى أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه.
وقيل: إنّه خرج أوريا إلى بعض ثغوره فقتل، فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده، إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين.
وقيل: إنّه كان في شريعته أنّ الرجل إذا مات وخلّف امرأة فأولياؤه أحقّ بها، إلّا أن يرغبوا عن التزوّج بها، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوّج بها. فلمّا قتل أوريا خطب داود امرأته، ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها ،
__________________
(١) الشعراء: ٨٢.
فعوتب على ذلك.
وقيل: إنّ داود كان متشاغلا بالعبادة، فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها، وذلك نظر مباح، فمالت نفسه إليها ميل الطباع، فعاد إلى عبادة ربّه، فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله، فعوتب.
وقيل: إنّه عوتب على عجلته في الحكم قبل التثبّت، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عمّا عنده فيها، ولا يحكم عليه قبل ذلك. وإنّما أنساه التثبّت في الحكم، فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العادة.
وأمّا ما ذكر في القصّة: أنّ داود كان كثير الصلاة، فقال: يا ربّ فضّلت عليّ إبراهيم فاتّخذته خليلا، وفضّلت عليّ موسى فكلّمته تكليما. فقال: يا داود إنّا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله، فإن شئت ابتليتك. فقال: نعم، يا ربّ فابتلني. فبينا هو في محرابه ذات يوم، إذ وقعت حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوّة المحراب، فذهب ليأخذها، فاطّلع من الكوّة فإذا امرأة أوريا بن حيّان تغتسل، فهواها وهمّ بتزوّجها، فبعث باوريا إلى بعض سراياه، وأمر بتقديمه أمام التابوت الّذي فيه السكينة، ففعل ذلك وقتل، فلمّا انقضت عدّتها تزوّجها وبنى بها، فولد له منها سليمان. فبينا هو ذات يوم في محرابه يقرأ الزبور، إذ دخل عليه رجلان، ففزع منهما. فقالا:( لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ) إلى قوله:( وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) . فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثمّ ضحك. فتنبّه داود على أنّهما ملكان، بعثهما الله إليه في صورة خصمين، ليبكّتاه على خطيئته.
فممّا(١) لا شبهة في فساد ذلك، فإنّه ممّا يقدح في العدالة. وكيف يجوز أن
__________________
(١) خبر لقوله: وأمّا ما ذكر ...، في بداية الفقرة السابقة.
يكون أنبياء الله تعالى الّذين هم أمناؤه على وحيه، وسفراؤه بينه وبين خلقه، بصفة من لا يجوز قبول شهادته، وعلى حالة تنفّر عن الاستماع إليه والقبول منه؟! جلّ أنبياء الله عن ذلك.
وقد روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «لا اوتى برجل يزعم أن داود تزوّج امرأة أوريا، إلّا جلدته حدّين: حدّا للنبوّة، وحدّا للإسلام».
وبرواية عنهعليهالسلام : «من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصّاص، جلدته مائة وستّين».
وهي حدّ الفرية على الأنبياء.
ثمّ ذكر سبحانه إتمام نعمته على داود، فقال:( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) استخلفناك على الملك فيها لتدبير أمور العباد من قبلنا بأمرنا، كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد، ويملّكه عليها. ومنه قولهم: خلفاء الله في أرضه. أو جعلناك خليفة ممّن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحقّ. وفيه دليل على أنّ حاله بعد الإنابة والتوبة عن ترك الأولى بقيت على ما كانت عليه لم تتغيّر.
( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ ) أي: بحكم الله، إذ كنت خليفته( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ) ما تهوى الأنفس من مخالفة الحقّ. وهو يؤيّد ما قيل: إنّ زلّته المبادرة إلى تصديق المدّعي، وتظليم الآخر قبل مسألته.( فَيُضِلَّكَ ) أي: إن اتّبعت الهوى فيعدل الهوى بك( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن دلائله الّتي نصبها في العقول ـ أو في شرائعه بالوحي ـ على الحقّ.
( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) يعدلون عمّا أمرهم الله به( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا ) بسبب نسيانهم، أي: تركهم طاعات الله في الدنيا. وعلى هذا يكون قوله:( يَوْمَ الْحِسابِ ) متعلّق بـ «عذاب شديد». أولهم عذاب شديد بإعراضهم عن ذكر يوم القيامة. فيكون متعلّقا بـ «نسوا».
( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) )
ثمّ نبّه العباد على وجوب ملازمة الحقّ ومخالفة الهوى، بقوله:( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ) خلقا باطلا، أي: عبثا لا لغرض صحيح وحكمة بالغة، كما هو مقتضى الهوى. أو ذوي باطل، بمعنى: مبطلين عابثين، كقوله:( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) (١) . أو عبثا، فوضع «باطلا» موضعه، كما وضعوا «هنيئا لك» موضع المصدر. بل خلقناهما بالحقّ الّذي هو مقتضى الدليل، من التوحيد والتدرّع بالشرع.
( ذلِكَ ) إشارة إلى خلقهما باطلا( ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: مظنونهم( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) بسبب هذا الظنّ الباطل.
( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ) «أم» منقطعة. ومعنى الاستفهام فيها إنكار التسوية بين المؤمنين الصالحين والكافرين المفسدين، الّتي دلّ على نفيها خلق السماوات والأرض بالحقّ. وكذلك «أم» الّتي في قوله:( أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) . كأنّه أنكر التسوية أوّلا بين المؤمنين والكافرين، ثمّ بين المتّقين من المؤمنين والمجرمين منهم.
ويجوز أن يكون تكريرا للإنكار الأوّل باعتبار وصفين آخرين يمنعان
__________________
(١) الأنبياء: ١٦.
التسوية من الحكيم.
والمعنى: أنّه لو بطل الجزاء كما قال المشركون لاستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد، واتّقى وفجر، ومن سوّى بينهما كان سفيها ولم يكن حكيما.
والآية تدلّ على صحّة القول بالحشر، فإنّ التفاضل بينهما إمّا أن يكون في الدنيا، والغالب فيها عكس ما تقتضي الحكمة فيه، أو في غيرها، وذلك يستدعي أن تكون دار اخرى يجازون فيها.
ثمّ خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ ) نفّاع( لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) ليتفكّروا فيها، فيعرفوا ما يدبّر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، فإنّ من اقتنع بظاهر المتلوّ، كان مثله كمثل من له لقحة(١) درور لا يحلبها، ومهرة نثور لا يستولدها.
وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه وضيّعوا حدوده، حتّى إنّ أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا. وقد والله أسقطه كلّه، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل. والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده. والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة(٢) ، لا كثّر الله في الناس مثل هؤلاء. أللّهمّ اجعلنا من العلماء المتدبّرين، وأعذنا من القرّاء المتكبّرين.
( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ
__________________
(١) اللقحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن. والدرور أيضا: الناقة الكثيرة الدرّ. والمهرة والمهر: ولد الفرس. والنثور: الكثيرة الولد.
(٢) الوزعة جمع الوازع، وهو الذي يكفّ عن الضرر، أو يزجر نفسه عن معاصي الله تعالى.
رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) )
ثمّ عطف سبحانه على قصّة داود حديث سليمانعليهالسلام ، فقال:( وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ) أي: نعم العبد سليمان، إذ ما بعده تعليل للمدح. وهو بيان حال سليمان.( إِنَّهُ أَوَّابٌ ) رجّاع إلى الله بالتوبة من ترك الأولى. أو مؤوّب للتسبيح مرجّع له.
( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ) ظرف لـ «أوّاب» أو لـ «نعم»( بِالْعَشِيِ ) بعد الظهر( الصَّافِناتُ ) الصافن من الخيل: الّذي يقوم على ثلاث قوائم، ويضع طرف السنبك(١) الرابع على الأرض. وهو من الصّفات المحمودة في الخيل، لا يكاد يكون إلّا في العراب(٢) الخلّص.( الْجِيادُ ) جمع جواد أو جود. وهو الّذي يسرع في
__________________
(١) السنبك: طرف الحافر. والحافر: هو للدابّة بمنزلة القدم للإنسان.
(٢) العراب من الخيل: ما كانت كرائم سالمة من الهجنة.
جريه واسع الخطو. وقيل: الّذي يجود في الركض. وقيل: جمع جيّد. وصف الخيل بالصفون والجودة، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية. يعني: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنّة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. روي: أنّ سليمانعليهالسلام غزا دمشق ونصيبين، فأصاب ألف فرس. وقيل: أصابها أبوه من العمالقة، فورثها منه فاستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتّى غربت الشمس، وغفل عن ورد من الذكر كان له وقت العشيّ.
وفي روايات أصحابنا أنّه فاته العصر أوّل الوقت. ورووا عن قتادة والسدّي: أنّ هذه الخيل شغلته عن صلاة العصر حتّى فات وقتها.
وعن الجبّائي: لم يفته الفرض، وإنّما فاته نفل كان يفعله آخر النهار، لاشتغاله بالخيل، فاغتمّ لـما فاته، فاستردّها فعقرها تقرّبا لله، وبقي مائة، فما بقي في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها. وقيل: لـمّا عقرها أبدله الله خيرا منها.
وقال الحسن: كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة، وكان سليمان قد صلّى الصلاة الأولى، وقعد على كرسيّه، والخيل تعرض عليه حتّى غابت الشمس.
( فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ) «أحببت» في الأصل متعدّ بـ «على»، لأنّه بمعنى: آثرت، لكن لـمّا أنيب مناب فعل يتعدّى بـ «عن»، مثل: أنبت، عدّي تعديته. كأنّه قال: جعلت حبّ الخير نائبا أو مغنيا عن الطاعة. وقيل: هو بمعنى: تقاعدت. ونصبه على العلّية. والمفعول به محذوف، مثل: الخيل.
والخير: المال الكثير، كقوله:( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) (١) . وقوله:( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (٢) . والمراد به هاهنا الخيل الّتي شغلته. ويحتمل أنّه سمّاها خيرا لتعلّق الخير بها، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة».
__________________
(١) البقرة: ١٨٠.
(٢) العاديات: ٨.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء.
( حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) أي: غربت الشمس. شبّه غروبها بتواري الملك أو المخدّرة بحجابهما. وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشيّ عليها. وقيل: الضمير للصافنات، أي: حتّى توارت بحجاب الليل، يعني: الظلام.
( رُدُّوها عَلَيَ ) الضمير للصافنات. وعن عليّعليهالسلام : «الخطاب للملائكة، والضمير للشمس» أي: قيل للملائكة: ردّوا الشمس لأصلّي العصر، فردّت الشمس( فَطَفِقَ ) فأخذ يمسح السيف( مَسْحاً بِالسُّوقِ ) جمع ساق، كالأسد جمع أسد( وَالْأَعْناقِ ) جمع العنق، أي بسوقها وأعناقها، أي: يقطعها. من قولهم: مسح علاوته، أي: ضرب عنقه. ومسح المجلّد الكتاب، إذا قطع أطرافه بسيفه. وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها حبّا لها، ثمّ جعلها مسبّلة في سبيل الله.
وعن ابن كثير: بالسّوق على همز الواو، لضمّة ما قبلها، كمؤسى. وعن أبي عمرو: بالسّؤوق، كغؤور، مصدر: غارت الشمس.
عن ابن عبّاس: سألت عليّاعليهالسلام عن هذه الآية. فقال: ما بلغك فيها يا ابن عبّاس؟ قلت: سمعت كعبا يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتّى فاتته الصلاة، فقال: ردّوها عليّ ـ يعني: الأفراس ـ وكان أربعة عشر، فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما، لأنّه ظلم بقتلها.
فقال عليّعليهالسلام : كذب كعب، لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم، لأنّه أراد جهاد العدوّ، حتّى توارت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله للملائكة: ردّوا الشمس عليّ، فردّت، فصلّى العصر في وقتها. وإنّ أنبياء الله لا يظلمون، ولا يأمرون بالظلم، لأنّهم معصومون مطهّرون.
وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ سليمانعليهالسلام قال: «لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، تأتي كلّ واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله. فطاف
عليهنّ، فلم تحمل إلّا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل. فو الّذي نفس محمّد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا فرسانا أجمعين».
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّه ولد له ابن، فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفكّ من السخرة، فسبيلنا أن نقتله أو نخبّله. فعلم ذلك، فأشفق منهم عليه، فاسترضعه في المزن، وهو السحاب، فما أشعر به إلّا أن القي على كرسيّه ميّتا».
فتنبّه على ترك الأولى، بأن لم يتوكّل على الله، فاستغفر ربّه وتاب إليه. فأخبر الله سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ليتوكّل عليه، ولا يترك كلمة المشيئة في أمر من الأمور الّذي أراد فعله، فقال :
( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ) اختبرناه وابتليناه، وشدّدنا المحنة عليه( وَأَلْقَيْنا ) وطرحنا( عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ) لا روح فيه( ثُمَّ أَنابَ ) رجع إلى الله، وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه. وهذا لا يقتضي أنّه وقع منه معصية صغيرة أو كبيرة، لأنّهعليهالسلام وإن لم يستثن ذلك لفظا، فلا بدّ من أن يكون قد استثناه ضميرا واعتقادا، إلّا أنّه لـمّا لم يذكر لفظة الاستثناء عوتب على ذلك، من حيث ترك ما هو مندوب إليه.
وقيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة.
وما قيل: من أنّ سليمان بلغه خبر صيدون، وهي مدينة في بعض الجزائر، وأنّ بها ملكا عظيم الشأن لا يقوى عليه، لتحصّنه بالبحر. فخرج إليه تحمله الريح حتّى أناخ بها بجنوده، فقتل ملكها، وأصاب بنتا له اسمها جرادة، من أحسن الناس وجها، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت وأحبّها. وكان لا يرقأ دمعها جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثّلوا لها صورة أبيها، فكستها مثل كسوته، وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها ـ أي: جواريها ـ يسجدن له، كعادتهنّ في ملكه. فأخبره آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة وضرب المرأة، وخرج وحده إلى الفلاة باكيا، وفرش
له الرماد، فجلس عليه تائبا إلى الله متضرّعا.
وكانت له أمّ ولد اسمها أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، وكان ملكه فيه. فوضعه عندها يوما، فتمثّل لها بصورته شيطان هو صاحب البحر، اسمه صخر، فقال: يا أمينة أعطني خاتمي. فأخذ الخاتم فتختّم به، وجلس على كرسيّ سليمان، فاجتمع عليه الجنّ والإنس والطير، ونفذ حكمه في كلّ شيء.
وغيّر سليمان عن هيئته، فأتاها لطلب الخاتم فطردته، فعرف أنّ الخطيئة قد أدركته. فكان يدور على البيوت يتكفّف(١) ، فإذا قال: أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبّوه. ثمّ عمد إلى السمّاكين ينقل لهم السموك، فيعطونه كلّ يوم سمكتين. فمكث على ذلك أربعين يوما، عدد ما عبدت الصورة في بيته.
فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان. وسأل آصف نساء سليمان، فقلن: ما يدع امرأة منّا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه في كلّ شيء إلّا فيهنّ.
ثمّ طار الشيطان، وقذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة. وكان سليمان يستطعم فلا يطعم، حتّى أعطته امرأة يوما حوتا، فشقّ بطنه فوجد خاتمه فيه، فتختّم وخرّ ساجدا، ورجع إليه الملك. وجاب(٢) صخرة لصخر فجعله فيها، وسدّ عليه بأخرى، ثمّ أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر.
لقد أبى(٣) عقول العلماء الراسخين في العلم قبوله، وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكّنون من مثل هذه الأفاعيل. كيف وتسليط الله إيّاهم على عباده حتّى يقعوا في تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتّى يفجروا بهنّ ،
__________________
(١) أي: يستعطي الناس بكفّه.
(٢) جاب الصخرة: خرقها.
(٣) خبر لقوله: وما قيل ...، في بداية القصّة.
وتمكينهم من التمثيل بصورة النبيّ، ومن القعود على سريره، قبيح. وأيضا لا يجوز عقلا أن تكون النبوّة في الخاتم، ويسلبها عن النبيّ عند الخلع.
وأمّا اتّخاذ التماثيل، فيجوز أن تختلف فيه الشرائع. ألا ترى إلى قوله:( مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ ) (١) . وأمّا السجود للصورة، فلا يظنّ بنبيّ الله أن يأذن فيه. وإذا كان بغير علمه فلا عليه. وقوله:( وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ) ناب وآب عن إفادة معنى إنابة الشيطان منابه نبوّا وإباء ظاهرا.
( قالَ ) على وجه الانقطاع إلى الله( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ ) لا يتسهّل له ولا يكون، لعظمته( مِنْ بَعْدِي ) أي: من دوني. ولا يستلزم منه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعم، حيث استعطى الله ما لا يعطيه غيره، لأنّهعليهالسلام كان ناشئا في بيت الملك والنبوّة، وارثا لهما. فأراد أن يطلب معجزة، فطلب على حسب ألفه(٢) ملكا زائدا على الممالك، زيادة خارقة للعادة بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلا على نبوّته قاهرا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة تخرق العادات. فذلك معنى قوله:( لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) .
وقيل: كان ملكا عظيما، فخاف أن يعطى أحد مثله، فلا يحافظ على حدود الله فيه.
وقيل: ملكا لا اسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي، كما سلبته مرّة وأقيم مقامي غيري.
ويجوز أن يقال: علم الله فيما اختصّه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين، وعلم أنّه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة استيهابه، فأمره أن يستوهبه إيّاه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة الّتي على الله أنّه لا يضبطه عليها إلّا
__________________
(١) سبأ: ١٣.
(٢) مصدر: ألف يألف ألفا.
هو وحده دون سائر عباده.
أو أراد أن يقول: ملكا عظيما، فقال:( لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) . ولا يقصد بذلك إلّا عظم الملك وسعته، كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، وربّما كان للناس أمثال ذلك، ولكنّك تريد تعظيم ما عنده.
وكيف يكون نبيّ الله موصوفا بالصفات السيّئة الرديئة، من الحسد والضنّة(١) والمنافسة، والحال أنّ الغرض من بعثة الأنبياء تزكيتهم عن الأخلاق السيّئة المذمومة، وتعليمهم الأخلاق الحسنة المرضيّة؟! فكيف أمروا بما لم يتّصفوا به؟
وما ذلك إلّا اعتقاد الزنادقة، ومنهم الحجّاج لعنه الله حين قيل له: إنّك حسود، فقال: أحسد منّي من قال: «هب لي ملكا». ومن جرأته على الله وشيطنته أنّه قال: طاعتنا على العباد أوجب من طاعة الله عليهم، لأنّه شرط في طاعته فقال:( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (٢) ، وأطلق طاعتنا فقال:( وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٣) .
وتقديم الاستغفار على الاستيهاب جريا على عادة الأنبياء والصالحين في مزيد اهتمامهم بأمر دينهم، وتقديمه على أمور دنياهم، ووجوب تقديم ما يجعل الدعاء بصدد الإجابة. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء.( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) المعطي ما تشاء لمن تشاء.
ثمّ بيّن سبحانه أنّه أجاب دعاه بقوله:( فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ) فذلّلناها لطاعته إجابة لدعوته( تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً ) من الرخاوة، أي: ليّنة لا تزعزع. أو مطيعة لا تخالف إرادته، كالمأمور المنقاد.( حَيْثُ أَصابَ ) حيث قصد وأراد. من قولهم: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. عن رؤبة: أنّ رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه
__________________
(١) الضنّة: البخل.
(٢) التغابن: ١٦.
(٣) النساء: ٥٩.
عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا ورجعا.
وعن الحسن: كان سليمانعليهالسلام يغدو من إيليا، ويقيل بقزوين، ويبيت بكابل. واعلم أنّ الآية لا تنافي قوله تعالى:( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً ) (١) ، لأنّ المراد أنّ الله تعالى جعلها عاصفة تارة ورخاء اخرى بحسب ما أراد سليمان. أو الرخاء كانت تحمل سريره لئلّا تضطرب، والعاصفة كانت تجريه على الهواء سريعا.
( وَالشَّياطِينَ ) عطف على الريح، أي: وسخّرنا له الشياطين أيضا( كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ) بدل الكلّ من الكلّ. روي: أنّهم كانوا يبنون لسليمان ما شاء من الأبنية الرفيعة، وبعضهم يغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ. وهو أوّل من استخرج الدرّ من البحر.
( وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ) عطف على «كلّ» داخل في حكم البدل. كأنّه فصّل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقّة كالبناء والغوص، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفّوا عن الشرّ. وعن السدّي: كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغلّلين في الأغلال. والصفد: هو القيد. وسمّي به العطاء، لأنّه يرتبط به المنعم عليه. وفرّقوا بين فعليهما، فقالوا: صفده قيّده، وأصفده أعطاه، كوعده وأوعده، فإنّ الهمزة تكون للسلب.
( هذا ) هذا الّذي أعطيناك( عَطاؤُنا ) من الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعدك، والبسطة في المال والرجال وسائر المنال، والتسلّط على ما لم يسلّط به غيرك( فَامْنُنْ ) فأعط من شئت. من المنّة، وهي العطاء.( أَوْ أَمْسِكْ ) امنع من شئت( بِغَيْرِ حِسابٍ ) حال من المستكن في الأمر، أي: غير محاسب على منّه وإمساكه، لتفويض التصرّف فيه إليك. أو حال من العطاء. أو صلة له، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أنّه عطاء كثير لا يكاد يمكن حصره.
__________________
(١) الأنبياء: ٨١.
وقيل: الإشارة إلى تسخير الشياطين. والمعنى: هذا التسخير عطاؤنا، فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، وأمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب، أي: لا حساب عليك في ذلك.
( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ) أي: منزلته القربى. وهي النعمة الدائمة الباقية في الآخرة، مع ما له من الملك العظيم في الدنيا( وَحُسْنَ مَآبٍ ) وهو الجنّة.
( وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) )
ثمّ ذكر سبحانه قصّة أيّوبعليهالسلام ، فقال:( وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ) وهو ابن عيص بن رعوبك بن عنصو بن إسحاق صلوات الله عليهم. شرّفه سبحانه بإضافته إلى نفسه. وكان في زمن يعقوب بن إسحاق، وتزوّج ليا بنت يعقوبعليهالسلام . والمعنى: اذكر يا محمّد حال أيّوب في الصبر على الشدائد واقتد به.
( إِذْ نادى رَبَّهُ ) بدل اشتمال من «عبدنا»، و «أيّوب» عطف بيان له، أي: اذكر حين دعا أيّوب ربّه رافعا صوته يقول: يا ربّ، لأنّ النداء هو الدعاء بطريقة: يا فلان( أَنِّي مَسَّنِيَ ) بأنّي مسّني. وقرأ حمزة بإسكان الياء وإسقاطها في الوصل.
( الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ) بتعب ومشقّة. وقرأ يعقوب: بنصب بفتحتين. والباقون بضمّ النون وسكون الصاد، كالرشد والرشد. وهما مترادفان.( وَعَذابٍ ) وألم. وهذا حكاية لكلامه الّذي ناداه به، ولولا هي لقال: إنّه مسّه.
والمراد من تعبه وألمه مرضه، وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب(١) . وقيل: النصب الضرّ في البدن، والعذاب في ذهاب الأهل والمال.
وإنّما نسبه إلى الشيطان، لـما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الجزع، فالتجأ إلى الله سبحانه في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه وردّه بالصبر الجميل.
وعن مقاتل: يوسوسه بأن طال مرضك، ولا يرحمك ربّك.
وقيل: بأن يذكّره ما كان فيه من نعم الله، من الأهل والولد والمال، ليزلّه بذلك.
وقيل: اشتدّ مرضه حتّى تجنّبه الناس، فوسوس الشيطان إلى الناس أن يستقذروه، ويخرجوه من بين أيديهم، ويمنعوا امرأته الّتي تخدمه أن تدخل عليه.
فكان أيّوب يتأذّى بذلك ويتألّم منه، ولم يشك الألم الّذي كان من أمر الله تعالى. روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : أنّه دام ذلك سبع سنين.
وقالت الاماميّة: إنّه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها، لأنّ في ذلك تنفيرا. وأمّا المرض والفقر وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله بذلك.
فأجاب الله تعالى دعاءه وقال:( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ) اضرب برجلك الأرض.
فضربها، فنبعت عين. فقيل له:( هذا ) هذا الموضع( مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ) فتغتسل به وتشرب منه، فيبرأ باطنك وظاهرك.
وقيل: نبعت له عينان: حارّة وباردة، فاغتسل من الحارّة وشرب من الباردة، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله تعالى.
وقيل: ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارّة فاغتسل منها، ثمّ باليسرى فنبعت باردة فشرب منها.
__________________
(١) الوصب: المرض، والوجع الدائم، ونحول الجسم.
( وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ ) بأن أحييناهم بعد موتهم( وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) حتّى كان له ضعف ما كان.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «إنّ الله تعالى أحيا له أهله الّذين كانوا ماتوا قبل البليّة، وأحيا له أهله الّذين ماتوا وهو في البليّة».
( رَحْمَةً مِنَّا ) لرحمتنا عليه( وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ) ولتذكير ذوي العقول الخالصة، لينتظروا الفرج بالصبر على البلاء واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم.
( وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ) عطف على «اركض» أي: وقلنا له ذلك. والضغث: الحزمة الصغيرة من الشماريخ(١) والحشيش وما أشبه ذلك.( فَاضْرِبْ بِهِ ) دفعة واحدة( وَلا تَحْنَثْ ) في يمينك. وذلك أنّ زوجته ليا بنت يعقوب ـ وقيل: رحمة بنت افرائيم بن يوسف ـ ذهبت لحاجة في مرضه، فأبطأت في الرجوع، فضاق صدر المريض، فحلف إن برىء ضربها مائة ضربة، فحلّل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها، لحسن خدمتها إيّاه ورضاه عنها.
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: سبب صدور هذا الحلف من أيّوب أنّ إبليس لقيها في صورة طبيب، فدعته لمداواة أيّوب. فقال: أداويه بشرط أنّه إذا برىء قال: أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم. فأشارت إلى أيّوب بذلك، فحلف ليضربنّها. وهذه رخصة باقية في الحدود إلى الآن.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنّه قد أتي بمخدج ـ أي: ناقص البدن ـ قد خبث بأمة، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «خذوا عثكالا(٢) فيه مائة شمراخ، فاضربوه بها ضربة».
وروى العيّاشي بإسناده أنّ عبّاد المكّي قال: قال لي سفيان الثوري: إنّي أرى لك من أبي عبد الله منزلة، فاسأله عن رجل زنى وهو مريض، فإن أقيم الحدّ عليه خافوا أن يموت، ما تقول فيه؟ قال: فسألته فقال لي: «هذه المسألة من تلقاء
__________________
(١) الشماريخ جمع الشمراخ، وهو الغصن عليه تمر أو عنب.
(٢) العثكال: هو في النخل بمنزلة العنقود في الكرم.
نفسك، أو أمرك به إنسان؟ فقلت: إنّ سفيان الثوري أمرني أن أسألك عنها. فقال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أتي برجل قد استسقى بطنه، وبدت عروق فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأتي بعرجون فيه مائة شمراخ، وضربه به ضربة وضربها به ضربة، وخلّى سبيلهما. وذلك قوله تعالى:( وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ) .
( إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً ) فيما أصابه في النفس والأهل والمال. ولا يخلّ به شكواه إلى الله من الشيطان، فإنّه لا يسمّى جزعا، كتمنّي العافية وطلب الشفاء. مع أنّه قال ذلك خيفة على قومه، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم، كما كان يوسوس إليه أنّه لو كان نبيّا لـما ابتلي بمثل ما ابتلي به. وأيضا أراد بذلك القول القوّة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق عضو غير مؤف إلّا القلب واللسان.
وروي: أنّه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنّه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتّبع قلبي بصري، ولم يهبّني(١) ما ملكت يميني، ولم آكل إلّا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان. فكشف الله عنه.
( نِعْمَ الْعَبْدُ ) أيّوب( إِنَّهُ أَوَّابٌ ) رجّاع إلى الله، منقطع إليه، مقبل بشراشره عليه.
( وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) )
__________________
(١) أي: لم يهيّجني ولم ينشطني. من: هبّ الرجل: نشط وأسرع. وهبّت الريح: هاجت.
ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم حديث الأنبياء الصابرين على البلوى، فقال:( وَاذْكُرْ ) يا محمّد لأمّتك( عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) ليقتدوا بهم في حميد أفعالهم وكريم خلالهم، فيستحقّوا بذلك حسن الثناء في الدنيا وجزيل الثواب في العقبى، كما استحقّ هؤلاء الأنبياء.
وقرأ ابن كثير: عبدنا، فوضع الجنس موضع الجمع، على أنّ إبراهيم وحده ـ لمزيد شرفه ـ عطف بيان له، ثمّ عطف ذرّيّته على: عبدنا.
( أُولِي الْأَيْدِي ) اولي القوّة في الطاعة( وَالْأَبْصارِ ) واولي البصيرة في الدين. أو المعنى: اولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة. ولـمّا كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلّبت، فقيل في كلّ عمل: هذا ممّا عملت أيديهم، وإن كان عملا لا يتأتّى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمّال جذما(١) لا أيدي لهم.
وفيه تعريض بأنّ الّذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكّرون أفكار ذوي الديانات، ولا يستبصرون، في حكم الزمنى(٢) الّذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم، والمسلوبي العقول الّذين لا استبصار لهم.
( إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ ) أي: جعلناهم خالصين لنا( بِخالِصَةٍ ) بخصلة خالصة لا شوب فيها. يعني: بسبب هذه الخصلة أخلصناهم. أو أخلصناهم بتوفيقهم لها، واللطف بهم في اختيارها.
ثمّ فسّر هذه الخصلة الخالصة بقوله:( ذِكْرَى الدَّارِ ) تذكيرهم الآخرة، وترغيبهم فيها، وتزهيدهم في الدنيا، كما هو شأن الأنبياء وديدنهم. وإنّما قال: خلوصهم في الطاعة بسبب التذكير، لأنّ مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه، وذلك في الآخرة.
__________________
(١) أي: مقطوعي الأيدي.
(٢) أي: المبتلين بالزمانة وتعطيل القوى.
وقيل: ذكرى الدار: الثناء الجميل في الدنيا، ولسان الصدق الّذي ليس لغيرهم.
وإطلاق الدار للإشعار بأنّها الدار الحقيقيّة، فإنّ الدنيا معبر وممرّ لا مقرّ، فإطلاق الدار عليها مجاز. يعني: إنّما همّهم ذكر الدار، لا غيرها من ذكر الدنيا.
وأضاف نافع وهشام «بخالصة» إلى «ذكرى» للبيان، أو لأنّه مصدر بمعنى الخلوص، فأضيف إلى فاعله.
( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا ) بحسب ما سبق في علمنا( لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ ) لمن المختارين من بين أمثالهم( الْأَخْيارِ ) العاملون فعل الخيرات. جمع خير، كشرّ وأشرار. وقيل: جمع خيّر أو خير على تخفيفه، كأموات في جمع ميّت أو ميت.
( وَاذْكُرْ ) أيضا لأمّتك( إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ ) وهو ابن أخطوب. استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثمّ استنبئ. والظاهر أنّه اسم عجمي، فدخل عليه اللام، كما في قوله: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا.
وقرأ حمزة والكسائي: والليسع، بإدخال حرف التعريف على ليسع، تشبيها بالمنقول، من: ليسع، فيعل من اللسع.
( وَذَا الْكِفْلِ ) ابن عمّ يسع، أو بشر بن أيّوب. وفي نبوّته ولقبه اختلاف.
فقيل: فرّ إليه مائة نبيّ من بني إسرائيل من القتل، فآواهم وكفلهم. وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلّي كلّ يوم مائة صلاة الجنّة.( وَكُلٌ ) التنوين عوض من المضاف إليه. والمعنى: وكلّهم( مِنَ الْأَخْيارِ ) .
( هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١)
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) هذا ) إشارة إلى ما تقدّم من أمورهم( ذِكْرٌ ) ذكر جميل وشرف لهم. أو نوع من الذكر، وهو القرآن.
وفي الكشّاف: « لـمّا أجرى ذكر الأنبياء وأتمّه، وهو باب من أبواب التنزيل، ونوع من أنواعه، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر، وهو ذكر الجنّة وأهلها، وما أعدّ لهم فيها، قال: هذا ذكر»(١) .
ثمّ قال:( وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) مرجع حسن( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) عطف بيان
__________________
(١) الكشّاف ٤: ١٠٠.
ل «حسن مآب». وهو من الأعلام الغالبة، لقوله:( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ) (١) . والعدن: بمعنى الإقامة والخلود. وانتصب عنها( مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ) على الحال. والعامل فيها ما في معنى المتّقين من معنى الفعل. كأنّه قيل: جنّات عدن استقرّت للمتّقين، حال كونها مفتّحة لهم الأبواب، فيجدون أبوابها مفتوحة حين يرونها، ولا يحتاجون إلى الوقوف عند أبوابها حتّى يفتح. وفي «مفتّحة» ضمير الجنّات. و «الأبواب» بدل من الضمير، تقديره: مفتّحة هي الأبواب، كقولك: ضرب زيد اليد والرجل. وهو من بدل الاشتمال.
( مُتَّكِئِينَ فِيها ) مستندين فيها إلى المساند، جالسين جلسة الملوك( يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ) أي: يتحكّمون في ثمارها وشرابها، فإذا قالوا لشيء منها: أقبل، حصل عندهم.
واعلم أنّ «متّكئين» و «يدعون» حالان متعاقبان أو متداخلان من الضمير في «لهم»، لا من «المتّقين» للفصل. والأظهر أنّ «يدعون» استئناف لبيان حالهم فيها، و «متّكئين» حال من ضمير «يدعون». والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأنّ مطاعمهم لمحض التلذّذ، فإنّ التغذّي للتحلّل، ولا تحلّل ثمّة.
( وَعِنْدَهُمْ ) في هذه الجنان زوجات( قاصِراتُ الطَّرْفِ ) قصرن طرفهنّ على أزواجهنّ، لا ينظرن إلى غير أزواجهنّ، راضيات بهم، ما لهنّ في غيرهم رغبة. والقاصر: نقيض المادّ. يقال: فلان قاصر طرفه عن فلان، ومادّ عينه إلى فلان.( أَتْرابٌ ) لدات(٢) لأزواجهنّ، أي: يكون أسنانهنّ كأسنانهم، لأنّ التحابّ بين الأقران أثبت. واشتقاقه من التراب، فإنّه يمسّهم في وقت واحد.
وعن مجاهد: أي: متساويات في مقدار الشباب والحسن، لا يكون لواحدة
__________________
(١) مريم: ٦١.
(٢) اللدات جمع اللدة: الترب، وهو الذي ولد معك أو تربّى معك. يقال: هو لدتي، أي: تربي.
على صاحبتها فضل في ذلك، ولا تكون فيهنّ عجوز ولا صبيّة.
( هذا ) هذا الّذي ذكرنا( ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ ) لأجل هذا اليوم، فإنّ الحساب علّة الوصول إلى الجزاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء(١) ليوافق ما قبله.
( إِنَّ هذا ) هذا الّذي ذكرنا( لَرِزْقُنا ) عطاؤنا( ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ) انقطاع.
ولـمّا بيّن سبحانه أحوال أهل الجنّة وما أعدّ لهم من جزيل الثواب، عقّبه ببيان أحوال أهل النار، وما لهم من أليم العقاب وعظيم العذاب، فقال:( هذا ) أي: هذا ما ذكرناه للمتّقين. أو الأمر هذا، أو هذا كما ذكر، أو خذ هذا. ثمّ ابتدأ فقال:( وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ) للّذين طغوا على الله وكذّبوا رسله عنادا( لَشَرَّ مَآبٍ ) وهو ضدّ مآب المتّقين( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها ) يدخلونها فيصيرون صلاء لها. والجملة الفعليّة حال من «جهنّم»، والعامل فيها ما في «للطاغين» من معنى الاستقرار.( فَبِئْسَ الْمِهادُ ) المهد والمفترش. فشبّه ما تحتهم من النار بالمهاد الّذي يفترشه النائم. والمخصوص بالذمّ محذوف، وهو «جهنّم»، لقوله:( لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ) (٢) .
( هذا ) أي: العذاب هذا( فَلْيَذُوقُوهُ ) ويجوز أن يكون «هذا» بمنزلة:( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) (٣) أي: فليذوقوا هذا. ثمّ ابتدأ فقال:( حَمِيمٌ ) أي: هو ماء في غاية الحرارة( وَغَسَّاقٌ ) ما يغسق من صديد أهل النار. من: غسقت العين إذا سال دمعها.
وعن كعب: عين في جهنّم يسيل إليها سمّ كلّ ذات حمة. وعن ابن عبّاس وابن مسعود: الغسّاق: الزمهرير.
__________________
(١) أي: يوعدون.
(٢) الأعراف: ٤١.
(٣) البقرة: ٤١.
وقيل: الحميم يحرق لشدّة حرّه، والغسّاق يحرق لغاية برده.
وقيل: لو قطرت قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق.
وعن الحسن: الغسّاق عذاب لا يعلمه إلّا الله، إنّ الناس أخفوا لله طاعة، فأخفى لهم ثوابا في قوله:( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (١) . وأخفوا معصية، فأخفى لهم عقوبة.
وقرأ حفص وحمزة والكسائي: وغسّاق بتشديد السين. وفيه مبالغة.
( وَآخَرُ ) أي: مذوق، أو عذاب آخر. وقرأ البصريّان: واخرى، أي: ومذوقات، أو أنواع عذاب أخر( مِنْ شَكْلِهِ ) من مثل هذا المذوق، أو العذاب في الشدّة. وتوحيد الضمير على تأويل: لـما ذكر. أو لأنّه راجع إلى الشراب الشامل للحميم والغسّاق، أو إلى الغسّاق.( أَزْواجٌ ) أجناس متشابهة في الشدّة والفظاظة.
وهذا خبر لـ «آخر». أو صفة له، أو للثلاثة. وجمعه على قراءة «أخر» ظاهر. وعلى قراءة «آخر» لأنّ المراد منه ضروب وأنواع. أو مرتفع بالجار، والخبر محذوف، مثل: لهم أزواج.
ولـمّا دخل رؤساء الطاغين وقادة الضالّين النار، ثمّ يدخلها أتباعهم، فيقول بعضهم مع بعض، أو يقول الخزنة لهم:( هذا فَوْجٌ ) المراد أتباع( مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ) قد اقتحموا النار معكم، أي: دخلوا النار في صحبتكم وقرانكم. والاقتحام: ركوب الشدّة والدخول فيها. والقحمة: الشدّة. يعني: أنّهم لـمّا اقتحموا معهم الضلالة، اقتحموا معهم العذاب.
( لا مَرْحَباً بِهِمْ ) دعاء من المتبوعين على أتباعهم. أو صفة لـ «فوج». أو حال، أي: مقولا فيهم لا مرحبا، أي: لا نالوا سعة وكرامة.( إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ )
__________________
(١) السجدة: ١٧.
داخلون النار لازموها بأعمالهم مثلنا.
( قالُوا ) يقول الأتباع لهم( بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ ) لا نلتم رحبا وسعة( أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ ) قدّمتم العذاب أو الصلى( لَنا ) أي: بإغوائكم إيّانا على ما قدّم العذاب لنا، من العقائد الزائغة والأعمال القبيحة الّتي أوجبت لنا هذا العذاب( فَبِئْسَ الْقَرارُ ) فبئس المقرّ جهنّم. وعلى تقدير أن يكون «لا مرحبا بهم» من كلام الخزنة معناه: يقول الأتباع: هذا الّذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحقّ به منّا، لإغوائكم إيّانا، وتسبّبكم فيما نحن فيه من العذاب.
( قالُوا ) أي: الأتباع أيضا( رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا ) من سبّب لنا هذا العذاب بالإضلال والإغواء( فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً ) مضاعفا، أي: ذا ضعف( فِي النَّارِ ) وذلك أن يزيد على عذابه ضعفا مثله، فيصير ضعفين، أحدهما: لكفرهم بالله، والآخر: لدعائهم إيّانا إلى الكفر. ونحوه قوله تعالى:( رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ ) (١) .
( رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ ) (٢) . وقيل: عذابا ضعفا: حيّات وأفاعي.
( وَقالُوا ) أي: الطاغون( ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ) من الأراذل الّذين لا خير فيهم ولا جدوى، لأنّهم كانوا على خلاف ديننا( أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا ) صفة اخرى لـ «رجالا». يعنون فقراء المسلمين الّذين يسترذلونهم في الدنيا، ويسخرون بهم.
وقرأ الحجازيّان وابن عامر بهمزة الاستفهام، على أنّه إنكار على أنفسهم، وتقريع لها في الاستسخار منهم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: سخريّا بالضمّ. وقد
__________________
(١) الأحزاب: ٦٨.
(٢) الأعراف: ٣٨.
سبق مثله في المؤمنين(١) .
( أَمْ زاغَتْ ) مالت( عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ) فلا نراهم. و «أم» متّصلة معادلة لـ «ما لنا لا نرى» على أنّ المراد نفي رؤيتهم لغيبتهم. كأنّهم قالوا: أَليسوا هاهنا، أم زاغت عنهم أبصارنا. أو لـ «اتّخذناهم»(٢) على القراءة الثانية، بمعنى: أيّ الأمرين فعلنا بهم؟
الاستسخار منهم أم تحقيرهم؟ فإنّ زيغ الأبصار كناية عنه، على معنى إنكارهما على أنفسهم.
وعن الحسن: كلّ ذلك قد فعلوا، اتّخذوهم سخريّا، وزاغت عنهم أبصارهم محقّرة لهم.
أو منقطعة(٣) . والمراد الدلالة على أنّ استرذالهم والاستسخار منهم كان لزيغ أبصارهم وقصور أنظارهم على رثاثة حالهم.
عن مجاهد: نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة ونظرائهما، يقولون: ما نرى عمّارا وخبابا وصهيبا وبلالا، الّذين كنّا نعدّهم في الدنيا من جملة الّذين يفعلون الشرّ والقبيح، ولا يفعلون الخير.
وروى العيّاشي بالإسناد عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: «إنّ أهل النار يقولون:( ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ) يعنونكم لا يرونكم في النار، لا يرون والله أحدا منكم في النار».
( إِنَّ ذلِكَ ) الّذي حكيناه عنهم( لَحَقٌ ) لا بدّ أن يتكلّموا به. ثمّ بيّن ما هو، فقال:( تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) وهو بدل من «لحقّ». أو خبر محذوف، أي: هو تخاصمهم. شبّه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين
__________________
(١) المؤمنون: ١١٠.
(٢) عطف على قوله: معادلة لـ «ما لنا لا نرى» قبل سطرين، أي: معادلة لـ «اتّخذناهم».
(٣) عطف على قوله: متّصلة معادلة، قبل سبعة أسطر.
المتخاصمين من نحو ذلك. ولأنّ قول الرؤساء: «لا مرحبا بهم» وقول أتباعهم: «بل أنتم لا مرحبا بكم» من باب الخصومة. فسمّى التقاول كلّه تخاصما لأجل اشتماله على ذلك.
( قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) )
ثمّ خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال تقريرا لألوهيّته ووحدانيّته:( قُلْ ) يا محمّد للمشركين( إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ ) أنذركم عذاب الله( وَما مِنْ إِلهٍ ) يحقّ العبادة( إِلَّا اللهُ الْواحِدُ ) الّذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته( الْقَهَّارُ ) لكلّ شيء.
( رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا ) منه خلقها، وإليه أمرها( الْعَزِيزُ ) الّذي لا يغلب إذا عاقب. وهو مع ذلك( الْغَفَّارُ ) الّذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن التجأ إليه. يعني: أنذركم عقوبة من هذه صفته، فإنّ مثله حقيق بأن يخاف عقابه، كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه. وفي الآية تقرير للتوحيد، ووعد ووعيد للموحّدين والمشركين.
( قُلْ هُوَ ) أي: ما أنبأتكم به من أنّي أنذر من عقوبة من كان موصوفا بهذه الصفات، وأنّه واحد في الوهيّته. وقيل: ما بعده من نبأ آدم.( نَبَأٌ عَظِيمٌ ) لا يعرض عن مثله إلّا غافل شديد الغفلة( أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ) لتمادي غفلتكم، فإنّ العاقل لا يعرض عن مثله، كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة. أمّا على التوحيد فما مرّ. وأمّا على النبوّة فقوله:( ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) فإنّ الإخبار عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم، على ما ورد في الكتب المتقدّمة، من غير سماع ومطالعة كتب، لا يتصوّر إلّا بالوحي.
و «إذ» متعلّق بـ «علم». أو بمحذوف، إذ التقدير: ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم.
( إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أي: لأنّما أنا نذير. يعني: ما يوحى إليّ إلّا للإنذار، فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه. كأنّه لـمّا نبّه على أنّ الوحي يأتيه، بيّن بذلك ما هو المقصود به تحقيقا لقوله: إنّما أنا منذر. ويجوز أن يرتفع «أنّما» بإسناد «يوحى» إليه، أي: ما يوحى إليّ إلّا أن أنذر وأبلّغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما اومر إلّا بهذا الأمر وحده، وليس إليّ غير ذلك.
( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) بدل من( إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) مبيّن له، فإنّ القصّة الّتي دخلت عليها «إذ» مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس في خلق آدم، واستحقاقه للخلافة والسجود، على ما مرّ في سورة البقرة(١) . غير أنّها اختصرت اكتفاء بذلك، واقتصارا على ما هو المقصود منها، وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم.
ومن الجائز أن يكون مقاولة الله إيّاهم بواسطة ملك، فكأنّ المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسّط، فصحّ أنّ التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ الأعلى. والمراد بالاختصام التقاول، على ما سبق. وأن يفسّر الملأ الأعلى بما يعمّ الله والملائكة.
( فَإِذا سَوَّيْتُهُ ) عدّلت خلقته، بأن تمّمت أعضاءه، وصوّرته على وجه الكمال( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) وأحييته بنفخ الروح فيه. وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته.( فَقَعُوا لَهُ ) فخرّوا له( ساجِدِينَ ) تكرمة وتبجيلا له. وقد مرّ الكلام فيه في البقرة(٢) .
__________________
(١) راجع ج ١ ص ١٢٠ ـ ١٣٠.
(٢) راجع ج ١ ص ١٢٠ ـ ١٤٢، ذيل الآيات ٣٠ ـ ٣٨ من سورة البقرة.
( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ذكر «كلّ» للإحاطة، و «أجمعون» للاجتماع. فأفادا معا أنّهم سجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلّا سجد، وأنّهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات.
( إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ ) تعظّم( وَكانَ ) وصار( مِنَ الْكافِرِينَ ) باستنكاره أمر الله، واستكباره عن المطاوعة. أو كان منهم في علم الله. وإبليس وإن لم يكن من الملائكة بل من الجنّ، إلّا أنّه قد أمر بالسجود معهم، فغلّبوا عليه في قوله:( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ ) . ثمّ استثني كما استثني الواحد منهم استثناء متّصلا. وتفصيل ذلك أيضا قد مرّ في البقرة.
( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) تولّيت خلقه بنفسي من غير توسّط، كأب وأمّ. والتثنية لـما في خلقه من مزيد القدرة. وقد سبق أنّ ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه، فغلّب العمل باليدين على سائر الأعمال الّتي تباشر بغيرهما، حتّى قيل في عمل القلب: هو ممّا عملت يداك، وحتّى قيل لمن لا يدين له: فعلت يداك كذا وكذا، وحتّى لم يبق فرق بين قولك: هذا ممّا عملته يداك، وهذا ممّا عملته. وإطلاق لفظ اليد على القدرة والقوّة والقوّة في كلام العرب شائع.
وترتيب الإنكار على قوله:( لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) للإشعار بأنّه المستدعي للتعظيم، أو بأنّه الّذي تشبّث به في تركه، وهو لا يصلح مانعا، إذ للسيّد أن يستخدم بعض عبيده لبعض، سيّما وله مزيد اختصاص.
( أَسْتَكْبَرْتَ ) تكبّرت من غير استحقاق( أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) ممّن علا واستحقّ التفوّق. وقيل: استكبرت الآن، أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين؟
( قالَ ) أي: أجاب إبليس بإظهار المانع( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) ثمّ استدلّ على المانع بقوله:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) أي: لو كان مخلوقا من نار
لما سجدت له، لأنّه مثلي، فكيف أسجد لمن هو أدنى؟ لأنّه من طين، والنار تغلب الطين وتأكله. وأيضا النار جسم لطيف نورانيّ، والطين جسم كثيف ظلماني. وهذه الجملة جرت مجرى عطف البيان من الجملة الأولى.
( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها ) من الجنّة، أو من السماء. وقيل: من الخلقة الّتي أنت فيها، لأنّه كان يفتخر بخلقته، فغيّر الله خلقته فاسودّ بعد ما كان أبيض، وقبح بعد أن كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيّا.( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) مرجوم مطرود من الرحمة ومحلّ الكرامة. وأصل الرجم: الرمي بالحجارة.
( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) ليس معناه: أنّ لعنة إبليس غايتها يوم الدين ثمّ تنقطع. وكيف تنقطع، وقد قال الله سبحانه:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١) . بل المعنى: أنّ عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم الدين اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة الدنيويّة، فكأنّها انقطعت.
( قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) فأخّرني إلى يوم يحشرون للحساب.
وهو يوم القيامة.( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) المؤخّرين( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) الوقت الّذي تقع فيه النفخة الأولى. ويومه: اليوم الذي وقتها جزء من أجزائه.
فالإضافة هي إضافة الكلّ إلى جزئه. ومعنى «المعلوم» أنّه معلوم عند الله معيّن لا يستقدم ولا يستأخر.
( قالَ فَبِعِزَّتِكَ ) فبسلطانك وقهرك على جميع خلقك( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) يعني: بني آدم كلّهم( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) الّذين أخلصوا قلوبهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بفتح اللام، أي: الّذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وعصمهم من الضلالة.
__________________
(١) الأعراف: ٤٤.
( قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ) أي: فأحقّ الحقّ وأقوله. وقيل: الحقّ الأوّل اسم الله تعالى، كما في قوله تعالى:( أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) (١) . أو الحقّ الّذي هو نقيض الباطل. ونصبه بحذف حرف القسم. وعلى هذا قوله:( وَالْحَقَّ أَقُولُ ) معترض بين القسم وجوابه، وهو قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ) أي: من جنسك، ليتناول الشياطين( وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) من الناس، إذ الكلام فيهم. أو من الثقلين.( أَجْمَعِينَ ) تأكيد لضمير «منهم»، أو الكاف في «منك»، أولهما معا.
ومعناه: لأملأنّ جهنّم من الشياطين المتبوعين أجمعين. أو التابعين من الناس أو الثقلين جميعا. أو من جميع المتبوعين وجميع التابعين. والجملة تفسير للحقّ المقول.
وقرأ عاصم وحمزة برفع الأوّل على الابتداء، أي: الحقّ يميني أو قسمي، أو الخبر، أي: أنا الحقّ.
( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) )
ثمّ خاطب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( قُلْ ) يا محمّد لكفّار مكّة( ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) أي: على القرآن أو تبليغ الوحي( مِنْ أَجْرٍ ) من مال تعطونيه( وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) المتّصفين بما ليسوا من أهله. وما عرفتموني قطّ متصنّعا، ولا مدّعيا ما ليس عندي، حتّى أنتحل النبوّة وأتقوّل القرآن.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «للمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم».
__________________
(١) النور: ٢٥.
وروى البخاري في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: «يا أيّها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول لـما لا يعلم: الله أعلم، فإنّ الله تعالى قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) (١) .
( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) عظة ونصيحة من الله( لِلْعالَمِينَ ) للثقلين، أوحي إليّ فأنا أبلّغه. وقيل: ما القرآن إلّا شرف لمن آمن به.( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ ) أي: صدق خبر ما فيه من الوعد والوعيد بإتيان ذلك( بَعْدَ حِينٍ ) بعد الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام. وفيه تهديد.
__________________
(١) صحيح البخاري ٦: ١٥٦.
(٣٩)
سورة الزمر
وتسمّى أيضا سورة الغرف. وهي مكّيّة كلّها. وقيل: سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي قاتل حمزة:( قُلْ يا عِبادِيَ ) إلى آخرهنّ، كما سيجيء.
وقيل: غير آية( قُلْ يا عِبادِيَ ) . وآيها خمس وسبعون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه، وأعطاه ثواب الخائفين الّذين خافوا الله تعالى».
وروى هارون بن خارجة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الزمر أعطاه الله شرف الدنيا والآخرة، وأعزّه بلا مال ولا عشيرة، حتّى يهابه من يراه، وحرّم جسده على النار. ويبني له في الجنّة ألف مدينة، في كلّ مدينة ألف قصر، في كلّ قصر مائة حوراء، وله مع ذلك عينان تجريان، وعينان نضّاختان، وجنّتان مدهامّتان، وحور مقصورات في الخيام».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ
أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة «ص» بذكر القرآن، افتتح هذه السورة أيضا بذكره، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) خبر محذوف. أو مبتدأ، خبره( مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) وهو على الأوّل صلة التنزيل، كما تقول: نزل من عند الله.
أو خبر ثان، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله. أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة. والظاهر أنّ الكتاب على الأوّل السورة. والمعنى: هذا إنزال السورة على محمّد شيئا فشيئا. وعلى الثاني القرآن، أي: إنزال القرآن على التدريج من الله المتعالي عن المثل والشبه، الحكيم في أفعاله وأقواله. وصف نفسه هنا بالعزّة تحذيرا من مخالفة كتابه، وبالحكمة إعلاما بأنّه يحفظه حتّى يصل إلى المكلّفين من غير تغيير لشيء منه.
( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ ) ملتبسا بالأمر الحقّ، أي: بالدين الصحيح.
أو بسبب إثبات الحقّ وإظهاره وتفصيله.
( فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً ) ممحّضا( لَهُ الدِّينَ ) من الشرك، بالتوحيد وتصفية السرّ. وتقديم الجارّ لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام، كما في قوله:( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ) أي: ألا هو الّذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة، فإنّه المتفرّد بصفات الألوهيّة، والاطّلاع على الأسرار والضمائر.
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) يحتمل المتّخذين، وهم الكفرة. والضمير راجع إلى الموصول. والمتّخذين، وهم الملائكة وعيسى والأصنام. والضمير راجع
إلى المشركين. ولم يجر ذكرهم لدلالة الميثاق عليهم. والراجع إلى «الّذين» محذوف. والمعنى: والّذين اتّخذهم المشركون أولياء.
وعلى الأوّل الموصول مبتدأ، خبره( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) بإضمار القول، أو( إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) وهو متعيّن على الثاني. وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيّزه حالا، أي: قائلين ذلك. أو بدلا من الصلة، فلا يكون له محلّ من الإعراب، كما أنّ المبدل منه كذلك.
( فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) من الدين، بإدخال المحقّين الجنّة، والمبطلين النار، مع الحجارة الّتي نحتوها وعبدوها من دون الله، فيعذّبهم بها حيث يجعلهم وإيّاها حصب جهنّم. والضمير للكفرة ومقابليهم، أعني: المسلمين. وقيل: لهم ولمعبوديهم، فإنّهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونهم.
وقيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السماوات والأرض؟ أقرّوا وقالوا: الله. فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلّا ليقرّبونا إلى الله زلفى. فالضمير في «بينهم» عائد إليهم وإلى المسلمين. والمعنى: أنّ الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين.
( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ ) على الله وعلى رسوله( كَفَّارٌ ) جاحد للوحدانيّة عنادا ولجاجا. والمراد بمنع الهداية: منع اللطف، تسجيلا عليهم بأن لا لطف لهم، وأنّهم في علم الله من الهالكين. أو المراد عدم هدايتهم إلى طريق الجنّة، أو عدم الحكم بهدايته إلى الحقّ.
ومن جملة كذبهم على الله قولهم: الملائكة بنات الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وقول اليهود: عزير ابن الله. ولذلك عقّبه محتجّا عليهم بقوله:( لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ) كما زعموا( لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) إذ لا موجود سواه إلّا وهو مخلوقه، لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين، ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه. ومن البيّن أنّ المخلوق لا يماثل الخالق، فيقوم مقام الولد له.
ثمّ قرّر ذلك بقوله:( سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) فإنّ الألوهيّة الحقيقيّة تتبع الوجوب المستلزم للوحدة الذاتيّة، وهي تنافي المماثلة فضلا عن التوالد الّذي يتوقّف على التجانس، لأنّ كلّ واحد من المثلين مركّب من الحقيقة المشتركة
والتعيين المخصوص، والقهّاريّة المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد.
ثمّ استدلّ على ذلك بقوله:( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) أي: لم يخلقهما باطلا لغير غرض صحيح، بل خلقهما للغرض الحكمي.
( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ ) أي: يغشي كلّ واحد منهما الآخر، بأن يجعلهما خلفة يذهب هذا ويغشي مكانه هذا، وإذا غشى مكانه كأنّه يلفّه عليه لفّ اللباس على اللابس. يقال: كار العمامة على رأسه إذا لفّه ولواه. أو يغيّبه به، كما يغيّب الملفوف باللفافة عن مطامح الأبصار. أو يجعله كارّا عليه كرورا متتابعا، تتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض.
( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) بأن أجراهما على وتيرة واحدة وفق المشيئة، لوقت معلوم في الشتاء والصيف. وهو منتهى دورهما، أو منقطع حركته.
( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ ) القادر على كلّ ممكن، الغالب على كلّ شيء( الْغَفَّارُ ) حيث لم يعاجل بالعقوبة، ولم يسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة.
فسمّى الحلم مغفرة. ومن قدر على خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وإدخال الليل في النهار، فهو منزّه عن اتّخاذ الولد والشريك، فإنّ ذلك من صفة المحتاجين.
( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) )
ثمّ استدلّ استدلالا آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوءا به من خلق الإنسان، لأنّه أقرب وأكثر دلالة وأعجب، فقال :
( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) وهو آدمعليهالسلام ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها ) يعني: حوّاء، من ضلع من أضلاعه. وقيل: من فضل طينته. وفي خلق الإنسان ثلاث دلالات: خلق آدم أوّلا من غير أب وأمّ. ثمّ خلق حوّاء من ضلعه الأسفل الّذي هو أقصر الأضلاع. ثمّ تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما.
و «ثمّ» للعطف على محذوف هو صفة «نفس»، مثل: خلقها. أو على معنى «واحدة» أي: من نفس وحدت، ثمّ جعل منها زوجها، فشفّعها بها. أو على «خلقكم» لتفاوت ما بين الآيتين، فإنّ الأولى عادة مستمرّة دون الثانية. فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود.
وقيل: أخرج من ظهره ذرّيّته كالذرّ، ثمّ خلق حوّاء منه. وهذا ضعيف.
( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ) وقضى لكم أو قسم، فإنّ قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح كلّ كائن يكون. أو أحدث لكم بأسباب نازلة، كأشعّة الشمس والأمطار، فإنّها لا تعيش إلّا بالنبات، والنبات لا يقوم إلّا بالماء، وهو نازل من السماء، فكأنّه أنزل الأنعام منها. وهذا كقوله:( قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً ) (١) ولم ينزل اللباس، ولكن أنزل الماء الّذي هو سبب القطن والصوف، واللباس يكون منهما. فكذلك الأنعام تكون بالنبات، والنبات يكون بالماء.
( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) ذكر أو أنثى، من الإبل والبقر والضأن والمعز. والزوج: اسم لواحد يكون معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد ووتر.( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) بيان لكيفيّة خلق ما ذكر من الأناسيّ والأنعام، إظهارا لـما فيها من عجائب القدرة، غير أنّه غلّب أولي العقل، أو خصّهم بالخطاب، لأنّهم المقصودون( خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ) حيوانا سويّا، من بعد عظام مكسوّة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من
__________________
(١) الأعراف: ٢٦.
بعد علق، من بعد نطف( فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ) ظلمة البطن، والرحم، والمشيمة. وقيل: الصلب، والرحم، والبطن.
( ذلِكُمُ ) أي: الّذي هذه أفعاله( اللهُ رَبُّكُمْ ) هو المستحقّ لعبادتكم، الّذي يملك التصرّف فيكم( لَهُ الْمُلْكُ ) على جميع المخلوقات( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) إذ لا يشاركه في الخلق غيره( فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك.
( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) )
( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ) عن إيمانكم، فإنّكم المحتاجون إليه، لاستضراركم بالكفر، واستنفاعكم بالإيمان( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) فكيف يخلق الكفر، كما زعمت الأشاعرة( وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) أي: يرض الشكر لكم، لأنّه سبب فلا حكم. فإذن ما كره كفركم ولا رضي شكركم إلّا لكم ولصلاحكم، لا لأنّ منفعة ترجع إليه، فإنّه الغنيّ الّذي لا يجوز عليه الحاجة.
وقرأ ابن كثير ونافع في رواية وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمّة الهاء، لأنّها صارت بحذف الألف موصولة بمتحرّك، فصارت مثل: له. وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها. وهو لغة فيها.
واعلم أنّ منطوق هذا أوضح دلالة على أنّه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد، لأنّه لو أراده لوجب متى وقع أن يكون راضيا به لعبده، لأنّ الرضا بالفعل ليس إلّا ما ذكرناه. ألا ترى أنّه يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا، ويقع منه على ما نريده، فلا نكون راضين به! أو أن نرضى شيئا، ولم نرده البتّة. ولقد تمحّل بعض
الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال: هذا من العامّ الّذي أريد به الخاصّ، وما أراد إلّا عباده الّذين عناهم في قوله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) (١) .
وتفصيل المبحث ذكره النيشابوري في تفسيره بهذه العبارة: «قال المعتزلة في قوله:( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) دليل على أنّ الكفر ليس بقضائه، وإلّا لكان راضيا به. وأجاب الأشاعرة: بأنّه قد علم من اصطلاح القرآن أنّ العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون. قال:( وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ ) (٢) .( عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ ) (٣) . فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر، وهذا ممّا لا نزاع فيه. أو نقول: سلّمنا أنّ كفر الكافر ليس برضا الله تعالى، بمعنى أنّه لا يمدحه عليه، ولا يترك اللوم والاعتراض، إلّا أنّا ندّعي أنّه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله»(٤) . انتهى كلامه.
وأقول: ضعف الجوابين ظاهر :
أما أولا: فلأنّ النيشابوري قال بعد هذا القول بورقة في آية( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ ) (٥) : «إنّه قد مرّ أنّ العباد في القرآن إذا كان مضافا إلى ضمير الله اختصّ بأهل الإيمان عند أهل السنّة. وعندي لا مانع من التعميم هاهنا»(٦) . فظهر من كلامه القدح في الاصطلاح، والتعميم في العباد.
وذكر بعد هذا الكلام بورقتين في تفسير الآية الكريمة:( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) (٧) ما يعضده، حيث جوّز التعميم، وقدّم
__________________
(١) الحجر: ٤٢.
(٢) الفرقان: ٦٣.
(٣) الإنسان: ٦.
(٤) غرائب القرآن ٥: ٦١٦.
(٥) الزمر: ١٦ و٥٣.
(٦) غرائب القرآن ٥: ٦١٦.
(٧) الزمر: ١٦ و٥٣.
ما حقّه التقديم، قائلا: «ثمّ إن قلنا: العباد عامّ، فالإسراف على النفس يعمّ الشرك.
ولا نزاع أنّ عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطا بالتوبة والإيمان. وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختصّ بالمؤمنين، فالإسراف إمّا بالصغائر، ولا خلاف في أنّها مكفّرة ما اجتنب الكبائر. وإمّا بالكبائر، وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين، فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو»(١) .
وأمّا ثانيا: فلأنّه لا معنى لإرادة الله شيئا لا يرضى به كما مضى، فثبت أنّ الكفر ليس بقضائه، وأنّه أراد الإيمان من كلّ عباده. والحمد لله على حسن التوفيق وهداية الطريق.
( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ولا تحمل حاملة ثقل اخرى، أي: لا يؤاخذ بالذنب إلّا من يرتكبه ويفعله( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ ) مصيركم( فَيُنَبِّئُكُمْ ) فيخبركم( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ما عملتموه بالمحاسبة والمجازاة( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم.
( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) )
__________________
(١) غرائب القرآن ٦: ١٠.
( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ) لأنّه حين الاضطرار زال ما ينازع العقل في الدلالة على أنّ مبدأ الكلّ منه( ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ ) أعطاه. من الخول، وهو التعهّد، من قولهم: هو خائل مال وخال مال، إذا كان متعهّدا له حسن القيام به.
ومنه: ما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان يتخوّل أصحابه بالموعظة.
أو من الخول، وهو الافتخار. يقال: خال يخول إذا اختال وافتخر.
( نِعْمَةً مِنْهُ ) من الله، كالصّحة والثروة والأمن( نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ ) أي: الضرّ الّذي كان يدعو الله إلى كشفه. أو ربّه الّذي كان يتضرّع إليه. فـ «ما» بمعنى «من» كما في قوله:( وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) (١) .( مِنْ قَبْلُ ) من قبل النعمة( وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً ) أي: سمّى له أمثالا في توجيه عبادته إليها من الأصنام والأوثان( لِيُضِلَ ) ليضلّ الناس( عَنْ سَبِيلِهِ ) عن دينه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وورويس بفتح الياء، أي: يضلّ هو عن الدين. يعني: أنّ نتيجة جعله لله أندادا ضلاله عن سبيل الله أو إضلاله.
( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ) أمر تهديد. وفيه إشعار بأنّ الكفر نوع تشهّ لا سند له. وإقناط للكافر من التمتّع في الآخرة. ولذلك علّله بقوله:( إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ) على سبيل الاستئناف للمبالغة. وهذا من باب الخذلان والتخلية. كأنّه قيل له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقّك أن لا تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه، مبالغة في خذلانه وتخليته وشأنه، لأنّه لا مبالغة في الخذلان أشدّ من أن يبعث على عكس ما أمر به. ونظيره في المعنى قوله:( مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) (٢) .
( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ ) «أم» متّصلة بمحذوف، تقديره: أَهذا الكافر الّذي
__________________
(١) الليل: ٣.
(٢) آل عمران: ١٩٧.
ذكر وصفه خير( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ ) أي: قائم بوظائف الطاعات، دائم على رسوم العبادات( آناءَ اللَّيْلِ ) ساعاته. وقرأ الحجازيّان وحمزة بتخفيف الميم، أي: أمّن هو قانت لله كمن جعل له أندادا؟!( ساجِداً ) تارة في الصلاة( وَقائِماً ) اخرى فيها. وهما حالان من ضمير «قانت». يعني: من صلّى صلاة الليل ويقنت في الوتر. وهو دعاء المصلّي قائما. وفي الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت».
( يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ) عذابها( وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ) أي: يتردّد بين الخوف والرجاء. وهما في موضع الحال، أو استئناف للتعليل.
ثمّ نفى استواء الفريقين باعتبار القوّة العلميّة، بعد نفي استوائهما باعتبار القوّة العمليّة، على وجه أبلغ، لمزيد فضل العلم، فقال :
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) وأراد بالّذين يعلمون العاملين من علماء الديانة، فكأنّه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالّذين يقتنون العلوم، ثمّ لا يقتنون ويفتنون، ثمّ يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العالمين المتقنين.
وقيل: هذا تقرير للأوّل على سبيل التشبيه، أي: كما لا يستوي العالمون والجاهلون، لا يستوي القانتون والعاصون.
( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) بأمثال هذه البيانات.
روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «نحن الّذين يعلمون، وعدوّنا الّذين لا يعلمون، وشيعتنا أولو الألباب».
( قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) )
( قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) عقاب ربّكم بلزوم طاعته واجتناب معاصيه. وفيه دلالة على أنّ الإيمان يبقى مع المعصية.
ثمّ قال في مكافأة اتّقائهم:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ) مثوبة جميلة غير مكتنهة بالوصف في الآخرة. وهي الخلود في الجنّة. وقد علّق السدّي الظرف بـ «حسنة». ومعناه: لهم في هذه الدنيا ثناء حسن، وذكر جميل، وصحّة وسلامة وعافية.
( وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ ) فمن تعسّر عليه التوفّر على الإحسان في وطنه، فليهاجر إلى حيث يتمكّن منه. يعني: لا عذر للمفرّطين في الإحسان البتّة، حتّى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنّهم لا يتمكّنون فيها من التوفّر على الإحسان وصرف الهمم إليه، فعليهم التحوّل إلى بلاد أخر، والاقتداء بالأنبياء الصالحين في مهاجرتهم
إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم.
وقيل: نزلت في الّذين كانوا في بلاد المشركين، فأمروا بالمهاجرة عنه، كقوله تعالى:( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) (١) .
وقيل: هي أرض الجنّة. يعني: أرض الجنّة واسعة، فاطلبوها بالأعمال الصالحة.
( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ ) على مشاقّ الطاعة، من احتمال البلاء، ومهاجرة الأوطان والعشائر والأصدقاء( أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) أجرا لا يهتدي إليه حساب الحسّاب. وقيل: بغير مكيال ولا ميزان.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله ينصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيوفّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحجّ فيوفّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصبّ عليهم الأجر صبّا. قال الله تعالى:( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) حتّى يتمنّى أهل العافية في الدنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريظ ممّا يذهب به أهل البلاء من الفضل».
وروى العيّاشي أيضا بالإسناد عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا نشرت الدواوين، ونصبت الموازين، لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان. ثمّ تلا هذه الآية».
( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ) موحّدا له( وَأُمِرْتُ ) بذلك( لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) لأجل أن أكون مقدّمهم في الدنيا والآخرة، لأن قصب السبق في الدين بالإخلاص. أو لأن أكون من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره، لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا، ولا تكون صفتي صفة الملوك الّذين
__________________
(١) النساء: ٩٧.
يأمرون بما لا يفعلون. أو أكون أوّل من خالف قريشا في خلع الأصنام وحطمها. أو أكون أوّل الّذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما.
والأمران المذكوران ليسا بواحد، لاختلاف جهتيهما. وبيان ذلك: أنّ الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء.
وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه، نزّل بذلك منزلة شيئين مختلفين، فعطف الأمر الثاني على الأوّل، لمغايرته إيّاه بتقييده بالعلّة. وفيه إشعار بأنّ العبادة المقرونة بالإخلاص وإن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها، فهي أيضا تقتضيه، لـما يلزمها من السبق في الدين.
ويجوز أن تجعل اللام مزيدة، كما في: أردت لأن أفعل، كأنّها زيدت عوضا من ترك الأصل ـ الّذي هو المصدر ـ إلى ما يقوم مقامه، كما عوّض السين في: اسطاع، عوضا من ترك الأصل الّذي هو: أطوع. والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله:( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (١) ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) ( أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) . فيكون أمرا بالتقدّم في الإخلاص، والبدء بنفسه في الدعاء إليه بعد الأمر به.
( قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ) بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) لعظمة ما فيه.
( قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ) أمر بالإخبار عن إخلاصه، وأن يكون مخلصا له دينه، بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص، خائفا عن المخالفة من العقاب، قطعا لأطماعهم. ولذلك رتّب عليه قوله:( فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) تهديدا وخذلانا لهم. فمنطوق هذه الآية غير منطوق قوله:( إِنِّي أُمِرْتُ
__________________
(١) يونس: ٧٢ و١٠٤.
(٢) يونس: ٧٢ و١٠٤.
أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ) فلا يلزم التكرير.
( قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ ) الكاملين في الخسران، الجامعين لوجوهه وأسبابه( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها بسبب الضلال( وَأَهْلِيهِمْ ) وخسروهم بالإضلال كما خسروا أنفسهم بالضلال( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) حين يدخلون النار بدل الجنّة.
وقيل: وخسروا أهليهم، لأنّهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنّة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده إليهم، فلا ينتفعون بأنفسهم، ولا يجدون في النار أهلا كما كان لهم في الدنيا أهل، فقد فاتتهم المنفعة بأنفسهم وأهليهم.
وعن ابن عبّاس: إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان في الجنّة منزلا وأهلا، فمن عمل بطاعته كان له ذلك، ومن عصاه دفع منزله إلى من أطاع. فذلك قوله.( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ) (١) الآية.
( أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) مبالغة في خسرانهم، حيث استأنف الجملة، وصدّرها بحرف التنبيه، ووسّط الفصل بين المبتدإ والخبر، وعرّف الخسران، ووصفه بالمبين.
ثمّ شرح كمال خسرانهم بقوله:( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ) أي: أطباق وسرادقات(٢) ( مِنَ النَّارِ ) ودخانها( وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) من النار، هي ظلل للآخرين، فإنّ النار أدراك( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ ) ذلك العذاب هو الّذي يخوّفهم به، ليجتنبوا ما يوقعهم فيه( يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) ولا تتعرّضوا لـما يوجب سخطي. وهذه نصيحة بالغة، وعظة بليغة من الله سبحانه.
__________________
(١) المؤمنون: ١٠.
(٢) سرادقات جمع سرادق: الفسطاط الّذي يمدّ فوق صحن البيت، أو الخيمة.
( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠) )
وبعد ذكر التوعّد شرع في الوعد لمن اجتنب عن الشرك وسائر المعاصي، فقال:( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ) البالغ غاية الطغيان. فعلوت منه، كالرحموت والملكوت بمعنى الرحمة الواسعة والملك المبسوط، إلّا أنّ فيها قلبا بتقديم اللام على العين، فإنّ أصله الطغيوت أو الطغووت. وهي لمبالغة المصدر. وفيها مبالغات: التسمية بالمصدر، كأنّ عين الشيطان طغيان، والبناء بناء المبالغة، والقلب. وهو للاختصاص، ولذلك اختصّ بالشيطان. والمراد بها هنا الجمع. والمعنى: كلّ من دعا إلى عبادة غير الله من شياطين الجنّ والإنس.
( أَنْ يَعْبُدُوها ) بدل اشتمال من الطاغوت، أي: اجتنبوا عبادتها( وَأَنابُوا إِلَى اللهِ ) وأقبلوا إليه بشراشرهم عمّا سواه( لَهُمُ الْبُشْرى ) بالثواب على ألسنة الرسل، أو الملائكة عند حضور الموت وحين يحشرون، كقوله تعالى:( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ ) (١) .
__________________
(١) الحديد: ١٢.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنتم هم، ومن أطاع جبّارا فقد عبده».
( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) وضع فيه الظاهر موضع ضمير( الَّذِينَ اجْتَنَبُوا ) للدلالة على مبدأ اجتنابهم، وأنّهم نقّاد في الدين، يميّزون بين الحقّ والباطل، والحسن والأحسن، والفاضل والأفضل. فإذا اعترضهم أمران: واجب وندب، اختاروا الواجب. وكذلك اختاروا الندب على المباح، والعفو على القصاص، والإغضاء على الانتصار، والإخفاء على الإبداء، حراصا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابا، لقوله:( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) (١) ( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (٢) . ويدخل تحته المذاهب، واختيار أثبتها وأقواها. وقيل: معناه: يستمعون القرآن وغيره فيتّبعون القرآن.
روي عن أبي الدرداء قال: لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما واحدا: الظمأ بالهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون من خير الكلام كما ينتقى طيّب التمر.
وعن ابن عبّاس: هو الرجل يجلس مع القوم، فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوئ، فيحدّث بأحسن ما سمع، ويكفّ عمّا سواه.
قيل: هاتان الآيتان في ثلاث نفر كانوا يقولون في الجاهليّة: لا إله إلّا الله: عمرو بن نفيل، وأبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي.
( أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ ) لدينه( وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) من العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة. وفي ذلك دلالة على أنّ الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها.
( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) جملة شرطيّة معطوفة على محذوف دلّ عليه سوق الكلام. تقديره: أَأنت مالك أمرهم؟ فمن حقّ عليه
__________________
(١) البقرة: ٢٣٧ و٢٧١.
(٢) البقرة: ٢٣٧ و٢٧١.
العذاب فأنت تنقذه؟ فكرّرت الهمزة لتأكيد الإنكار والاستبعاد. ووضع( مَنْ فِي النَّارِ ) موضع الضمير لذلك، وللدلالة على أنّ من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه، لامتناع الخلف فيه، وأنّ اجتهاد الرسول في دعائهم إلى الايمان سعي في إنقاذهم من النار.
ويجوز أن يكون( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ ) جملة مستأنفة للدلالة على ذلك، وللإشعار بالجزاء المحذوف. تقديره: أَفمن حقّ ليه كلمة العذاب فأنت تخلّصه؟ أو كمن وجبت له الجنّة. والمراد بكلمة العذاب قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) (١) الآية. وإنّما قال ذلك للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لحرصه على إسلام المشركين. والمعنى: إنّك لا تقدر على إدخال الإسلام في قلوبهم قسرا، فلا عليك إذا لم يؤمنوا. وهذا كقوله:( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ) (٢) الآية.
ثمّ بيّن سبحانه ما أعدّ للمؤمنين، كما بيّن ما أعدّه للكفّار، فقال :
( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ) علالي(٣) بعضها فوق بعض( مَبْنِيَّةٌ ) بنيت بناء المنازل على الأرض. وهذا في مقابلة قوله:( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) .( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) أي: من تحت الغرف، فإنّ النظر من الغرف إلى الخضر والمياه أشهى وألذّ( وَعْدَ اللهِ ) مصدر مؤكّد، لأنّ قوله: «لهم غرف» في معنى الوعد، كأنّه قال: وعد الله وعدا( لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ ) لأنّ الخلف نقص، وهو على الله محال.
روى أبو سعيد الخدري عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إنّ أهل الجنّة ليتراءون الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدرّيّ في الأفق، من المشرق أو
__________________
(١) السجدة: ١٣.
(٢) الكهف: ٦.
(٣) علالي جمع علّيّة، وهي: بيت منفصل عن الأرض ببيت ونحوه.
المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم.
قال: والّذي نفسي بيده لرجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين».
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) )
ولـمّا قدّم سبحانه ذكر الدعاء إلى التوحيد، عقّبه بذكر دلائل التوحيد، فقال مخاطبا لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن كان المراد جميع المكلّفين :
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) هو المطر( فَسَلَكَهُ ) فأدخله وأجراه( يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ) عيونا ومجاري ومسالك كائنة فيها كالعروق في الأجساد. وهو جمع الينبوع. أو مياه نابعات فيها، إذ الينبوع جاء للنابع. فنصبها على الحال.
( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ) صنوفه من البرّ والشعير والأرز وغيرها. يقال: هذا لون من الطعام. أو كيفيّاته من حمرة وخضرة وصفرة وغيرها.( ثُمَّ يَهِيجُ ) يتمّ جفافه، لأنّه إذا تمّ جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب( فَتَراهُ مُصْفَرًّا ) من يبسه( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً ) فتاتا.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى ) لتذكيرا بأنّه لا بدّ من صانع حكيم دبّره وسوّاه. أو بأنّه مثل الحياة الدنيا، فلا تغترّ بها( لِأُولِي الْأَلْبابِ ) لأولي العقول السليمة في معرفة الصانع المحدث للعالم، إذ لا يتذكّر به غيرهم.
ولـمّا ذكر أدلّة التوحيد الّتي إذا تفكّر فيها متفكّر، انشرح صدره، واطمأنّت
نفسه إلى التوحيد بلج(١) اليقين، قال عقيب ذلك :
( أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ) أَفمن عرف الله أنّه من أهل اللطف به، بنصب الأدلّة وإزاحة العلّة، حتّى انشرح صدره ووسع قلبه لقبول الإسلام بيسر، فثبت عليه وتمكّن فيه( فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) يعني: المعرفة والاهتداء إلى الحقّ، كمن لا لطف له، فهو حرج الصدر قاسي القلب. ونور الله هو لطفه، لأنّ به يعرف الحقّ، كما بالنور تعرف أمور الدنيا.
وقرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية، فقيل: يا رسول الله كيف انشراح الصدر؟ قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح. فقيل: يا رسول الله فما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهّب للموت قبل نزوله».
ودلّ على حذف خبر «من»:( فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ ) من أجل ذكره وبسببه. يعني: إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزّت قلوبهم وازدادت قساوة، كقوله:( فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) (٢) . وهذا المعنى أبلغ من أن يكون «عن» مكان «من»، لأنّ القاسي من أجل الشيء أشدّ تأبّيا عن قبوله من القاسي عنه لسبب آخر، ولهذا آثر «من» على «عن». وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع، ذكر شرح الصدر، وأسنده إلى الله، وقابله بقساوة القلب، وأسنده إليهم.
( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) يظهر ضلالهم للناظر بأدنى نظر. والآية نزلت في حمزة وعليّ وأبي لهب وولده.
__________________
(١) بلج الحقّ بلجا: وضح وظهر.
(٢) التوبة: ١٢٥.
( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) )
روي: أنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ملّوا ملّة فقالوا: حدّثنا. فنزلت:( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) يعني: القرآن. وفي الابتداء باسم الله، وبناء «نزّل» عليه، تأكيد للإسناد إليه تعالى، وأنّه من عنده، وأنّ مثله لا يجوز أن يصدر إلّا عنه، وتفخيم للمنزل، واستشهاد على مزيّة حسنه، وتنبيه على أنّه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث.
( كِتاباً مُتَشابِهاً ) بدل من «أحسن» أو حال منه. وتشابهه: تشابه أبعاضه في الإعجاز، وتجاوب النظم، وصحّة المعنى وإحكامه، وبناؤه على الحقّ والصدق، والدلالة على المنافع العامّة، لاشتماله على جميع ما يحتاج إليه المكلّف، من التنبيه على أدلّة التوحيد والعدل، وبيان أحكام الشرع، وغير ذلك من المواعظ وقصص الأنبياء، والترغيب والترهيب.
( مَثانِيَ ) جمع مثنّى، بمعنى المردّد والمكرّر. أو مثنى. وصف به «كتابا» مع أنّه جمع باعتبار تفاصيله، من الأقاصيص والأحكام والمواعظ المكرّرة. وهذا كقولك: القرآن سور وآيات وأسباع وأخماس، والإنسان: عظام وعروق وأعصاب. أو جعل تمييزا من «متشابها» كقولك: رجلا حسنا شمائل. فالمعنى: كتابا متشابهة مثانيه.
وفائدة التكرير في أقاصيصه وأحكامه ومواعظه ركزها في القلوب وغرسها في الصدور، فإنّ النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرّر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله. ومن ثمّ كانت عادة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكرّر عليهم ما كان يعظ به، وينصح ثلاث مرّات وسبعا، ليركّزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم.
( تَقْشَعِرُّ ) تتقبّض تقبّضا شديدا( مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) وقف شعرهم خوفا ممّا فيه من الوعيد. وهو مثل في شدّة الخوف. وتركيبه من حروف القشع، وهو الأديم اليابس، بزيادة الراء ليصير رباعيّا، ويدلّ على معنى زائد، كتركيب القمطر من القمط، وهو الشدّ. ويجوز أن يريد الله سبحانه به التمثيل، تصويرا لإفراط خشيتهم، وأن يريد التحقيق.
والمعنى: أنّهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده، أصابتهم خشية شديدة تقشعرّ منها جلودهم.
( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ) بالرحمة وعموم المغفرة.
والاقتصار على ذكر الله من غير ذكر الرحمة، للإشعار بأنّ أصل أمره الرحمة والرأفة، وإن سبقت رحمته غضبه، فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كلّ شيء من صفاته إلّا كونه رؤوفا رحيما.
وتعدية «تلين» بـ «إلى» لتضمّنه معنى السكون والاطمئنان. فكأنّه قيل: سكنت واطمأنّت إلى ذكر الله، أي: بعد اقشعرار جلودهم منه، إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة، لانت جلودهم وقلوبهم، وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة.
وذكر الجلود وحدها أوّلا، ثمّ قران القلوب بها ثانيا، لدلالة الخشية الّتي محلّها القلوب عليها، فهي في حكم الذكر. فكأنّه قيل: تقشعرّ جلودهم من آيات
الوعيد، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم.
روي عن العبّاس بن عبد المطّلب أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله، تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها».
وعن قتادة: هذا نعت لأولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعرّ جلودهم، وتطمئنّ قلوبهم إلى ذكر الله. ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنّما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.
( ذلِكَ ) أي: ذلك الكتاب( هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ ) يوفّق به بنصب الأدلّة وإزاحة العلّة( مَنْ يَشاءُ ) هدايته من عباده المتّقين الطالبين طريق الفوز والنجاة، كما قال:( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) (١) ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) من يخذله من أهل العناد والفجور، بسبب عناده وفرط فجوره( فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) يخرجهم من الضلال.
أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أي: أثر هداه، وهو لطفه. فسمّاه هدى، لأنّه حاصل بالهدى. يهدي بهذا الأثر من يشاء من عباده. يعني: من صحب أولئك ورءاهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغّبا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم.( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) ومن لم يؤثّر فيه ألطافه، لقسوة قلبه وإصراره على فجوره( فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) من مؤثّر فيه بشيء قطّ.
( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ ) يجعله درقة(٢) يقي به نفسه، لأنّه يكون يداه مغلولة إلى عنقه، فلا يقدر أن يتّقي إلّا بوجهه( سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) كمن هو آمن منه. فحذف الخبر كما حذف في نظائره المذكورة غير مرّة.
وتنقيح المعنى: أنّ الإنسان إذا لقي مخوفا من المخاوف استقبله بيده، وطلب
__________________
(١) البقرة: ٢.
(٢) في هامش النسخة الخطّية: «الدّرقة: التّرس الّذي يتّخذ من الجلود. منه».
أن يقي بها وجهه، لأنّه أعزّ أعضائه عليه. والّذي يلقى في النّار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه، فلا يتهيّأ له أن يتّقي النار إلّا بوجهه الّذي كان يتّقي المخاوف بغيره، وقاية له ومحاماة عليه. وقيل: المراد بالوجه الجملة، تسمية للشيء بأشرف أجزائه.
( وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ) أي: لهم. فوضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم، وإشعارا بالموجب لـما يقال لهم، وهو( ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) أي: قال لهم خزنة النار، ذوقوا وبال ما كنتم تعملون. والواو للحال، و «قد» مقدّرة.
( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) )
ثمّ وعد كفّار قريش بذكر الأمم المكذّبة الماضية، واستئصالهم بالعذاب العاجل، وصليهم بالعذاب الآجل، فقال :
( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) بآيات الله وجحدوا رسله( فَأَتاهُمُ الْعَذابُ ) عاجلا( مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) من الجهة الّتي لا يخطر ببالهم أنّ الشرّ يأتيهم منها. يعني: بينا هم آمنون رافهون إذ فوجؤا بالعذاب من مأمنهم.
( فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ ) الذلّ والصغار( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإجلاء، وما أشبه ذلك من نكال الله( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ ) المعدّ لهم( أَكْبَرُ ) لشدّته ودوامه( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) لو كانوا من أهل العلم والنظر لعلموا ذلك واعتبروا به.
( وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ ) أي: بيّنّا بيانا بليغ الوضوح( فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) يحتاج إليه الناظر في أمر دينه( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) يتدبّرون فيتّعظوا به.
( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) حال مؤكّدة من «هذا». والاعتماد فيها على الصفة، كقولك: جاءني زيد رجلا صالحا وإنسانا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على المدح.( غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) أي: لا اختلال فيه بوجه مّا، بريئا من التناقض والاختلاف قطعا ورأسا.
وفي إيثار «غير ذي عوج» على: غير معوجّ وعلى: «مستقيما» فائدتان: إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قطّ، كما قال:( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ) (١) . والثانية: ليدلّ على أنّ استقامته من حيث المعنى، فإنّ لفظ العوج مختصّ بالمعاني دون الأعيان.
وقيل: العوج: الشكّ واللبس، استشهادا بقوله :
وقد أتاك يقين غير ذي عوج |
من الإله وقول غير مكذوب |
( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) لكي يتّقوا معاصي الله. وهذا علّة اخرى مرتّبة على الأولى.
( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) )
ثمّ مثّل حال من يثبت آلهة شتّى، وما يلزمه من سوء العواقب، ومن يتّخذ الله وحده إلها، وما يتبعه من حسن الخواتيم، فقال :
( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً ) بدل من «مثلا»( فِيهِ ) صلة قوله:( شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ) من التشاكس بمعنى الاختلاف. وهذا مثل المشرك.( وَرَجُلاً سَلَماً ) أي: خالصا( لِرَجُلٍ ) وهذا مثل الموحّد. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيّون: سلما
__________________
(١) الكهف: ١.
بفتحتين، مصدر: سلم، نعت به. أو على حذف المضاف، أي: ذا سلامة وخلوص لرجل من غير شركة. وتخصيص الرجل لأنّه أفطن للضرّ والنفع.
وتوضيح المعنى: أن اضرب يا محمّد لقومك مثلا، فقل لهم: ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع، كلّ واحد منهم يدّعي أنّه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه(١) في مهن شتّى ومشاغل كثيرة، وإذا عنت له حاجة تدافعوه، فهو متحيّر في أمره، وقد تشعّبت الهموم قلبه، وتوزّعت أفكاره، ولا يدري أيّهم يرضى بخدمته، وعلى أيّهم يعتمد في حاجاته. وفي رجل قد سلم لمالك واحد، وخلص له، فهو معتمد على المالك فيما يصلحه من صنوف الخدمة، فهمّه واحد، وقلبه مجتمع، أيّ هذين العبدين أحسن حالا وأحمد شأنا؟
روى الحاكم أبو الحسن الحسكاني بالإسناد عن عليّعليهالسلام أنّه قال: «أنا ذلك الرجل السالم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(٢) .
وروى العيّاشي بإسناده عن أبي خالد، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «الرجل السلم لرجل عليّ حقّا وشيعته».
( هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً ) صفة أو حالا. ونصبه على التمييز. ووحّد لأنّه جنس. والمعنى: هل يستوي هذان الرجلان صفة وشبها في حسن العاقبة وحصول المنفعة، أي: لا يستويان، فإنّ الخالص لمالك واحد يستحقّ من معونته وحياطته ما لا يستحقّه صاحب الشركاء المختلفين في أمره.
( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) كلّ الحمد لله الواحد الّذي لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه، لأنّه المنعم بالذات، والمالك على الإطلاق، أي: يجب أن يكون الحمد والعبادة متوجّها إليه وحده، فقد ثبت أنّه لا إله إلّا هو.
__________________
(١) تعاور القوم الشيء: تعاطوه وتداولوه.
(٢) شواهد التنزيل ٢: ١٧٦ ح ٨٠٧.
وقيل: معناه: احمدوا الله المستحقّ للشكر والثناء على هذا المثل الّذي علّمكموه، فأزال به للمؤمنين الشبهة، وأوضح لهم الدلالة الهادية. أو احمدوا الله حيث لطف بكم حتّى عبدتموه وحده، وأخلصتم له الإيمان والتوحيد، فهي النعمة السابغة.
( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) فيشركون به غيره من فرط جهلهم.
( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) )
روي: أنّ المشركين كانوا يتربّصون برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم موته، فأخبر سبحانه أنّ الموت يعمّهم، فلا معنى للتربّص وشماتة الباقي بالفاني، فقال :
( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) أي: إنّك وإيّاهم وإن كنتم أحياء، فإنّكم بصدد الموت وفي عداد الموتى، لأنّ ما هو كائن فكأن قد كان.
والفرق بين الميّت والمائت: أنّ الميّت صفة لازمة كالسيّد، وأمّا المائت فصفة حادثة. تقول: زيد مائت غدا، كما تقول: سائد غدا، أي: سيموت وسيسود.
وإذا قلت: زيد ميّت، فكما تقول: حيّ، في نقيضه، فيما يرجع إلى اللزوم والثبوت.
( ثُمَّ إِنَّكُمْ ) على تغليب المخاطب على الغيّب( يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) فتحتجّ عليهم بأنّك كنت على الحقّ في التوحيد، وكانوا على الباطل في التشريك، واجتهدت في الإرشاد والتبليغ، ولجّوا في التكذيب والعناد، ويعتذرون بالأباطيل الّتي لا طائل تحته، بأن يقول الأتباع: أطعنا سادتنا وكبراءنا، ويقول السادات: أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون.
وقيل: المراد به اختصام الجميع، فإنّ الكفّار يخاصم بعضهم بعضا، حتّى يقال لهم:( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ ) (١) . والمؤمنون الكافرين، يبكّتونهم بالحجج. وأهل القبلة يكون بينهم الخصام.
وقال أبو سعيد الخدري: كنّا نقول: ربّنا واحد، ونبيّنا واحد، وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلمّا كان يوم صفّين، وشدّ ـ يعني: حمل ـ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا.
وعن ابن عمر: كنّا نرى أنّ هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتابين، وقلنا: كيف نختصم نحن ونبيّنا واحد وكتابنا واحد، حتّى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعلمت أنّها فينا نزلت.
ثمّ بيّن سبحانه حال الفريقين، فقال:( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ ) بإضافة الولد والشريك إليه( وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ ) بالأمر الّذي هو الصدق بعينه. وهو ما جاء به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .( إِذْ جاءَهُ ) من غير توقّف وتفكرّ في أمره، واهتمام بتمييز بين حقّ وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون.
ثمّ هدّد سبحانه من هذه صفته بأن قال:( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ) الهمزة للتقرير، أي: يكفيهم ذلك مجازاة لأعمالهم. واللام للعهد، أي: لهؤلاء الّذين
__________________
(١) ق: ٢٨.
كذبوا على الله وكذّبوا بالصدق. أو لجنس الكفرة. واستدلّ به على تكفير المبتدعة، فإنّهم يكذّبون بما علم صدقه. وهو ضعيف، لأنّه مخصوص بمن فاجأ ما علم مجيء الرسول به بالتكذيب بلا تفكّر فيه وتمييز.
( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) هو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، جاء بالحقّ وآمن به.
والمراد هو ومن تبعه، لقوله:( أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) كما في قوله( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) (١) . أو المراد جنس الرسل والمؤمنين.
وقيل: الّذي جاء بالصدق محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وصدّق به عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وهذا منقول عن مجاهد. ورواه الضحّاك عن ابن عبّاس. وهو المرويّ عن أئمّة الهدى من آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ ) من الثواب وأنواع النعيم في الجنّة( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) ينالونه من جهته( ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ) على إحسانهم.
( لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ) خصّ الأسوأ للمبالغة، فإنّه إذا كفّر كان غيره أولى بذلك. أو للإشعار بأنّهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون أنّهم مقصّرون مذنبون، وأنّ ما يفرط منهم من الصغائر أسوأ ذنوبهم. ويجوز أن يكون من قبيل إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل. فيكون الأسوأ بمعنى السيّء، كقولهم: الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان، يعني: عمر بن عبد العزيز ومحمّد بن الخليفة عدلان من بينهم.
( وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ ) ويعطيهم ثوابهم( بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) فتعدّ لهم محاسن أعمالهم بأحسنها، في زيادة الأجر وعظمه، لفرط إخلاصهم فيها.
والمعنى: يجزيهم ثوابهم بالفرائض والنوافل. فهي أحسن أعمالهم، لأنّ المباح وإن كان حسنا فلا يستحقّ به ثواب ولا مدح.
__________________
(١) المؤمنون: ٤٩.
( أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) )
روي: أنّ قريشا قالوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّا نخاف أن تخبّلك آلهتنا، لعيبك إيّاها. فنزلت:( أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ) استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات.
والعبد رسول الله. ويحتمل الجنس. ويؤيّده قراءة حمزة والكسائي بالجمع. وفسّر بالأنبياء.( وَيُخَوِّفُونَكَ ) يعني: قريشا( بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يعني: الأوثان الّتي اتّخذوها آلهة من دونه.
وقيل: إنّه بعث خالدا ليكسر العزّى بالفأس، فقال له سادنها: أحذّركها، فإنّ لها شدّة، أي: حملة لا يقوم لها شيء. فعمد إليها خالد فهشم أنفها. فقال اللهعزوجل : أليس الله بكاف نبيّه أن يعصمه من كلّ سوء، ويدفع عنه كلّ بلاء في مواطن الخوف؟ فنزّل تخويف خالد منزلة تخويفه، لأنّه الآمر له بما خوّف عليه. وفيه تهكّم بهم، لأنّهم خوّفوه بما لا يقدر على نفع ولا ضرّ. أو أليس الله بكاف أنبياءه؟
ولقد قالت أممهم نحو ذلك، فكفاهم الله. وذلك قول هود:( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ) (١) .
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) بالتخلية والخذلان حتّى غفل عن كفاية الله له( فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) يهديه إلى الرشاد. أو من يضلل الله عن طريق الجنّة بكفره وفرط عناده ومعاصيه فليس له هاد يهديه إليه. أو من وصف وحكم بأنّه ضالّ فليس له من يسمّيه هاديا.
__________________
(١) هود: ٥٤.
( وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ ) أي: من يهده الله فاهتدى فلا يقدر أحد على صرفه عنه. أو من يهده إلى طريق الجنّة فلا أحد يضلّه عنها، إذ لا رادّ لفعله، كما قال:( أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ) غالب قاهر منيع لا يقدر أحد على مغالبته( ذِي انْتِقامٍ ) ينتقم من أعدائه. وفيه وعيد لقريش، ووعد للمؤمنين بأنّه ينتقم لهم منهم وينصرهم عليهم.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) )
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ )
لوضوح البرهان على تفرّده بالخالقيّة( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) بعد ما تحقّقتم أنّ خالق العالم هو الله تعالى( إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ ) فيكشفنه( أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ ) فيمسكنها عليّ.
وقرأ أبو عمرو: كاشفات ضرّه ممسكات رحمته، بالتنوين ونصب «ضرّه ورحمته» على الأصل.
وإنّما فرض المسألة في نفسه دونهم، لأنّهم خوّفوه معرّة(١) الأوثان، فامر بأن يقرّرهم أوّلا بأنّ خالق العالم هو الله تعالى وحده، ثم يقول لهم بعد التقرير: فإن أرادني خالق العالم الّذي أقررتم به بضرّ من مرض أو فقر، أو غير ذلك من النوازل، أو رحمة من صحّة أو غنى أو نحوهما، هل هؤلاء اللّاتي خوّفتموني إيّاهنّ كاشفات على ضرّه، أو ممسكات رحمته؟ حتّى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم فلا يجيبوا بكلمة.
وإنّما قال: «كاشفات وممسكات» على التأنيث، بعد قوله:( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) ، ليضعّفها ويعجّزها زيادة تضعيف وتعجيز عن كشف الضرّ وإمساك الرحمة، لأنّ الأنوثة من باب اللين والرخاوة، كما أنّ الذكورة من باب الشدّة والصلابة. كأنّه قال: الإناث اللّاتي هنّ اللات والعزّى ومناة أضعف ممّا تدعون لهنّ وأعجز. وفيه تهكّم أيضا.
روي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سألهم فسكتوا، فنزل:( قُلْ حَسْبِيَ اللهُ ) كافيا في إصابة الخير ودفع الضرّ، إذ تقرّر بهذا التقرير أنّه القادر الّذي لا مانع لـما يريده من خير أو شرّ( عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) لعلمهم بأنّ النفع والضرّ منه.
ثمّ هدّدهم بقوله:( قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) على حالاتكم الّتي أنتم عليها، من العداوة الّتي تمكّنتم منها، وعلى قدر جهدكم وطاقتكم في إهلاكي. والأمر للتهديد. والمكانة اسم للمكان، استعير للحال، كما استعير «هنا» و «حيث»
__________________
(١) المعرّة: المساءة والإثم.
من المكان للزمان. وقرأ أبو بكر: مكاناتكم.( إِنِّي عامِلٌ ) أي: على مكانتي، فحذف للاختصار، والمبالغة في الوعيد، والإشعار بأنّ حاله لا يقف، فإنّه تعالى يزيده كلّ يوم قوّة ونصرة. فلذلك توعّدهم بكونه منصورا عليهم في الدارين، فقال:( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ) فإنّ خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر( وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ) دائم. وهو عذاب النار.
( إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ ) لأجلهم، فإنّه، مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم، ولا حاجة لي إلى ذلك، فإنّي أنا الغنيّ( بِالْحَقِ ) متلبّسا به، وليس فيه شيء من الباطل رأسا( فَمَنِ اهْتَدى ) فمن اختار الهدى( فَلِنَفْسِهِ ) أي: فقد نفع به نفسه( وَمَنْ ضَلَ ) ومن اختار الضلالة( فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) فقد ضرّها، فإنّ وباله لا يتخطّاها( وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) وما وكّلت عليهم لتجبرهم على الهدى، فإنّ التكليف مبنيّ على الاختيار دون الإجبار، وإنّما أمرت بالبلاغ وقد بلّغت، وجزاء أعمالهم على الّذي يقدر على إماتتهم وإحيائهم وحفظ أعمالهم، وهو الله سبحانه.
كما قال:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) أي: يقبضها عن الأبدان، بأن يقطع تعلّقها عنها، وتصرّفها فيها ظاهرا وباطنا عند موتها، أي: موت أبدانها( وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ) ويقبضها عن الأبدان، ويقطع تعلّقها عنها وتصرّفاتها في النوم. فالنوم شبيه بالموت. ومنه قوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) (١) حيث لا يميّزون ولا يتصرّفون، كما أنّ الموتى كذلك( فَيُمْسِكُ ) الأنفس( الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) الحقيقي، ولا يردّها إلى البدن إلى يوم القيامة. وقرأ حمزة والكسائي: قضي، بضمّ القاف وكسر الضاد، والموت بالرفع.( وَيُرْسِلُ الْأُخْرى ) أي: الأنفس النائمة إلى بدنها عند اليقظة( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) وقت مضروب لموته، وهو غاية جنس الإرسال.
__________________
(١) الأنعام: ٦٠.
وقريب منه ما روي عن ابن عبّاس: أنّ في بني آدم نفسا وروحا بينهما مثل شعاع الشمس. فالنفس الّتي بها العقل والتمييز، والروح الّتي بها النفس والحياة، فيتوفّيان عند الموت، وتتوفّى النفس وحدها عند النوم.
وروى العيّاشي بالإسناد عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «ما من أحد ينام إلّا عرجت نفسه إلى السماء، وبقيت روحه في بدنه، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس. فإن أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس، وإن أذن الله في ردّ الروح أجابت النفس الروح. وهو قوله:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) الآية».
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) من التوفّي والإمساك والإرسال( لَآياتٍ ) دالّة على كمال قدرته وحكمته( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يجيلون أفكارهم في كيفيّة تعلّقها بالأبدان، وتوفّيها عنها بالكلّيّة حين الموت، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، والحكمة في توفّيها عن ظواهرها، وإرسالها حينا بعد حين إلى توفّي آجالها.
( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) )
( أَمِ اتَّخَذُوا ) بل اتّخذت قريش. والهمزة للإنكار.( مِنْ دُونِ اللهِ ) من دون إذنه( شُفَعاءَ ) تشفع لهم عند الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله( قُلْ أَوَلَوْ كانُوا ) أي: أَيشفعون ولو كانوا( لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً ) قطّ حتّى ملكوا الشفاعة( وَلا يَعْقِلُونَ ) ولا عقل لهم، لأنّهم جمادات، فلا يقدرون ولا يعلمون.
( قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) لا يستطيع أحد شفاعته إلّا بإذنه. ثمّ قرّر ذلك فقال:( لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فإنّه مالك الملك كلّه، لا يملك أحد أن يتكلّم في أمره دون إذنه ورضاه( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يوم القيامة، ولا يكون الملك في ذلك اليوم إلّا له، فله ملك الدنيا والآخرة.
( وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) )
ثمّ أخبر سبحانه عن سوء اعتقادهم وشدّة عنادهم، فقال:( وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ ) أي: إذا أفرد الله بالذكر ولم يذكر معه آلهتهم، بأن قيل: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له( اشْمَأَزَّتْ ) انقبضت ونفرت( قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يعني: آلهتهم، سواء ذكر الله معهم أم لم يذكر( إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم حقّ الله إلى هواهم فيها. ولقد بالغ في الأمرين حتّى بلغ الغاية فيهما، فإنّ الاستبشار أن يمتلئ القلب سرورا حتّى تنبسط بشرة الوجه، والاشمئزاز أن يمتلئ غمّا وغيظا يظهر الانقباض في أديم الوجه. والعامل في «إذا ذكر» المفاجأة، تقديره: وقت ذكر الّذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار.
( قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) )
ولـمّا بيّن أدلّة التوحيد بالطريق المذكور فلم ينظروا فيها، أمر نبيّه أن يحاكمهم إليه ليفعل بهم ما يستحقّونه، فقال :
( قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يا خالقهما ومنشئهما( عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) يا عالم ما غاب علمه عن جميع الخلق، وعالم ما شهدوه وعلموه.
يعني: ألتجئ إلى الله بالدعاء، فإنّه القادر على الأشياء، والعالم بالأحوال كلّها( أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ ) فأنت وحدك تقدر أن تحكم بينهم يوم القيامة أو الدنيا( فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) في أمر دينهم ودنياهم، وتفصل بينهم بالحقّ في الحقوق والمظالم، فاحكم بيني وبين قومي بالحقّ. وفيه وصف لحالهم، وإعذار لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتسلية له، وبشارة للمؤمنين بالظفر والنصر، ووعيد للمشركين، لأنّه سبحانه إنّما أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم به للإجابة لا محالة.
وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال: إنّي لأعرف موضع آية لم يقرأها أحد قطّ، فسأل الله تعالى شيئا إلّا أعطاه، وقرأ هذه الآية.
وعن الربيع بن خثيم ـ وكان قليل الكلام ـ: أنّه أخبر بقتل الحسينعليهالسلام ـ وسخط على قاتله ـ وقالوا: الآن يتكلّم، فما زاد على أن قال: آه أوقد فعلوا؟ وقرأ هذه الآية. وروي: أنّه قال على أثره: قتل من كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يجلسه في حجره، ويضع فاه على فيه.
( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) )
ثمّ أخبر سبحانه عن وقوع العذاب الأليم والعقاب العظيم بالكفّار، وعن إقناط كلّي لهم من الخلاص، فقال :
( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) زيادة عليه( لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وقد مضى تفسيره( وَبَدا لَهُمْ ) وظهر لهم يوم القيامة من صنوف العذاب( مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) من الخلاص. وهذا وعيد لهم لا كنه لفظاعته وشدّته. وهو نظير قوله في الوعد:( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (١) .
والمعنى: وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قطّ في حسابهم، ولم يحدّثوا به نفوسهم.
وقيل: عملوا أعمالا حسبوها حسنات، فإذا هي سيّئات.
وعن سفيان الثوري: أنّه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء. وجزع محمّد بن المنكدر عند موته فقيل له: فقال: أخشى آية من كتاب الله، وتلاها، ثمّ قال: أنا أخشى أن يبدوا لي من الله في ذلك ما لم أحتسبه.
( وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ) «ما» موصولة، أي: جزاء سيّئات أعمالهم. أو مصدريّة، أي: سيّئات كسبهم حين تعرض صحائفهم، وكانت خافية عليهم، كقوله:( أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) (٢) . أو أراد بالسيّئات أنواع العذاب الّتي يجازون بها على ما كسبوا. فسمّاها سيّئات، كما قال:( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) (٣) .
( وَحاقَ بِهِمْ ) وأحاط بهم( ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) جزاء هزئهم بما ينذرهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ممّا كانوا ينكرونه ويكذّبون به.
( فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ
__________________
(١) السجدة: ١٧.
(٢) المجادلة: ٦.
(٣) الشورى: ٤٠.
قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) )
ثمّ أخبر عن مناقضتهم وتعكيسهم في التسبّب، بأنّهم يشمئزّون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، مع أنّهم في حالة الضرّ كانوا يدعون الله وحده ويذرون آلهتهم. فقال عطفا على قوله:( وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ ) :
( فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ) أي: دعا من اشمأزّ عن ذكره دون من استبشر بذكره. وما بين المعطوف والمعطوف عليه اعتراض مؤكّد لإنكار ذلك عليهم. والسبب في عطف هذه الآية بالفاء السببيّة، وعطف مثلها في أوّل السورة(١) بالواو: أنّ هذه وقعت تعكيسا في التسبّب.
( ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ ) أعطيناه( نِعْمَةً ) من الصحّة والسعة في الرزق وغير ذلك، تخويلا صادرا( مِنَّا ) تفضّلا، فإنّ التخويل مختصّ بالتفضّل، يقال: خوّلني إذا أعطاك على غير جزاء( قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ) على علم منّي بوجوه كسبه، كما قال قارون:( عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) (٢) يعني: الكيمياء. أو على علم من الله بي واستحقاقي. والهاء لـ «ما» إن جعلت موصولة. وإن جعلت كافّة فللنعمة. وتذكيره ذهابا إلى المعنى، لأنّ معنى قوله: «نعمة منّا» شيئا
__________________
(١) الزمر: ٨.
(٢) القصص: ٧٨.
من النعمة وقسما منها.
ثمّ ردّ ما قاله بقوله:( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) أي: امتحان واختبار له أَيشكر أم يكفر؟ لنجازي بحسبها. وتأنيث الضمير باعتبار لفظ النعمة أو الخبر.( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ذلك. وهو دليل على أنّ الإنسان للجنس.
( قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) الهاء لقوله:( إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ) لأنّها كلمة أو جملة أو مقالة.( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) قارون وقومه، حيث قال:( إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) ورضي له قومه، فكأنّهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها.( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) من متاع الدنيا ويجمعون منه.
( فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ) جزاء سيّئات أعمالهم، أو جزاء أعمالهم. وسمّاه سيّئة لأنّه في مقابلة أعمالهم السيّئة، رمزا إلى أنّ جميع أعمالهم سيّئة.( وَالَّذِينَ ظَلَمُوا ) بالعتوّ( مِنْ هؤُلاءِ ) المشركين. و «من» للبيان أو للتبعيض.( سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ) كما أصاب أولئك. وقد أصابهم، فإنّهم قحطوا سبع سنين، وقتل ببدر صناديدهم.( وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) بفائتين، بأن يعجزوا الله بالخروج من قدرته.
( أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) حيث حبس عنهم الرزق سبعا، ثمّ بسط لهم سبعا، بحسب ما يعلم من المصلحة( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ) لدلالات واضحات( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) بذلك.
( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) )
روي: أنّ أهل مكّة قالوا: يزعم محمّد أنّ من عبد الوثن وقتل النفس بغير حقّ لم يغفر له، فكيف نغفر ولم نهاجر، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس؟! فنزلت:( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي والتوغّل فيها. وقد مرّ(١) من قبل في هذه السورة ـ حيث فسّرنا قوله تعالى:( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) ـ قول الفاضل النيشابوري في تعميم العباد وتخصيصه في هذه الآية، ونعيده هنا لتحقيق المقام. قال: «ثمّ إن قلنا: العباد عامّ فالإسراف على النفس يعمّ الشرك، ولا نزاع أنّ عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطا بالتوبة والإيمان. وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختصّ بالمؤمنين، فالإسراف إمّا بالصغائر، ولا خلاف في أنّها مكفّرة ما اجتنب الكبائر.
__________________
(١) راجع ص ٥٨ ذيل الآية (٧) من هذه السورة.
وإمّا بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين، فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو»(١) .
( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) لا تيأسوا من مغفرته( إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) يعني: بشرط التوبة. وقد تكرّر ذكر هذا الشرط في القرآن، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكرا له فيما لم يذكر فيه، لأنّ القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقض. فإن مات الموحّد الفاسق من غير توبة فهو في مشيئته، إن شاء عذّبه بعدله، وإن شاء غفر له بفضله، كما قال:( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) (٢) .( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) على المبالغة وإفادة الحصر.
واعلم أنّ في الآية اثني عشر شيئا يدلّ كلّ واحد منها على الرجاء على مغفرة جميع الذنوب :
الأوّل: إضافة العباد إلى ذاته المستلزمة للرحمة والشفقة.
والثاني: إيثار «أسرفوا» على: عصوا، فإنّ ذكر العصيان مشعر على القهر.
والثالث: إيثاره على: أخطأوا، فإنّ «أسرفوا» مشتمل على رفق العتاب دون الإخطاء.
والرابع: النهي عن القنوط من رحمته المستلزم لتحريم اليأس من المغفرة.
الخامس: تعليله بأنّ الله يغفر الذنوب.
السادس: وضع اسم الله موضع الضمير، ليكون إسناد المغفرة إلى صريح اسمه.
السابع: استيعاب المغفرة بجميع الذنوب، بإيراد صيغة الجمع المحلّى باللام، لا ببعض غير بعض.
__________________
(١) غرائب القرآن ٦: ١٠.
(٢) النساء: ٤٨.
الثامن: تأكيده بلفظ «جميعا».
التاسع: إيراد كلمة «إنّ» المفيدة للتأكيد.
العاشر: إيراد ضمير الفصل بين الاسم والخبر الّذي يفيد الحصر.
الحادي عشر: تقديم المغفرة على الرحمة، لشدة عنايته بها.
الثاني عشر: ختم الآية بالرحمة دون بواقي الصفات.
روي عن ثوبان مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «ما أحبّ أنّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل يا رسول الله: ومن أشرك؟ فسكت ساعة، ثمّ قال: ألا ومن أشرك، ثلاث مرّات».
وعلى هذا يكون مخصوصا بشرط الإيمان.
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: «ما في القرآن آية أوسع رحمة من( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ) الآية».
قيل: إنّ الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة حين أراد أن يسلم، وخاف أن لا تقبل توبته. فلمّا نزلت الآية أسلم. فقيل: يا رسول الله هذه له خاصّة أو للمسلمين عامّة؟ فقال: «بل للمسلمين عامّة».
وفي سبب نزولها دلالة على أنّ المغفرة مشروطة بالتوبة. وكذا يدلّ عليها أنّه سبحانه دعا عباده إلى التوبة بعد هذه الآية، وأمرهم بالإنابة، فقال:( وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ ) وارجعوا إليه من الشرك والمعاصي( وَأَسْلِمُوا لَهُ ) وانقادوا له بالطاعة، وأخلصوا له العمل( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) عند نزول العذاب بكم. فذكر الإنابة على أثر المغفرة، لئلّا يطمع طامع في حصولها بغير توبة، ويرتكب المعصية اتّكاء على ظاهر الآية المتقدّمة.
( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد. فمن أتى بالمأمور به، وترك المنهيّ عنه، فقد اتّبع أحسن ما أنزل. أو اتّبعوا الواجبات والمندوبات الّتي هي الطاعات دون المباحات. وقيل: المراد
العزائم دون الرخص، أو الناسخ دون المنسوخ. وهذا مثل قوله:( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) .( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً ) فجأة( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) بمجيئه، أي: لا تعرفون وقت نزوله بكم فتتداركوا.
( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) كراهة أن تقول. وتنكير «نفس» لأنّ القائل بعض الأنفس، وهي نفس الكافر. ويجوز أن يراد نفس متميّزة من الأنفس، إمّا بفرط لجاج في الكفر وشدّة عناد في الطغيان، أو بعذاب عظيم وعقاب أليم. أو يراد به التكثير.( يا حَسْرَتى ) يا ندامتي( عَلى ما فَرَّطْتُ ) بما قصّرت. و «ما» مصدريّة، مثلها في( بِما رَحُبَتْ ) (٢) . والمعنى: على تقصيري.( فِي جَنْبِ اللهِ ) في جانبه، أي: في حقّه، وهو طاعته. وقيل: في ذاته، على تقدير مضاف كالطاعة. وقيل: في قربه وجواره، وهو الجنّة. يقال: فلان في جنب فلان، أي: في قربه وجواره. ومنه قوله تعالى:( وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ) (٣) . فيكون المعنى: على ما فرّطت في طلب جواره وقربه.
وروى العيّاشي: بالإسناد عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: «نحن جنب الله».
( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) وإنّي كنت لمن المستهزئين بالقرآن والنبيّ والمؤمنين. ومحلّ «إن كنت» نصب على الحال، كأنّه قال: فرّطت وأنا ساخر، أي: فرّطت في حال سخريّتي.
وروي: أنّه كان في بني إسرائيل عالم ترك علمه وفسق، وأتاه إبليس وقال له: تمتّع من الدنيا ثمّ تب، فأطاعه، وكان له مال فأنفقه في الفجور، فأتاه ملك
__________________
(١) الزمر: ١٨.
(٢) التوبة: ٢٥.
(٣) النساء: ٣٦.
الموت في ألّذ ما كان، فقال: يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان، وأسخطت ربّي، فندم حين لم ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن.
( أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي ) بالإرشاد إلى الحقّ( لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) من الشرك والمعاصي. ولا يخلو: إمّا أن يريد به الهداية بالإلجاء، أو بالألطاف، أو بالوحي. والأوّل خارج عن المصلحة والحكمة، لمنافاته التكليف الّذي هو مدار الشرع عليه. والآخران قد حصلا لكنّه لم ينظر إليه وأعرض عنه، لأجل اشتغاله بالدنيا والأباطيل.
( أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) في العقيدة والعمل. و «أو» للدلالة على أنّه لا يخلو من هذه الأقوال تحيّرا وتعلّلا بما لا طائل تحته، كما حكى عنهم الثعلّل بإغواء الرؤساء والشياطين ونحو ذلك. ونحوه:( لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) (١) .
فردّ الله عليه قوله:( لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي ) المتضمّن معنى النفي، فقال:( بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي ) أي: قد هديت بالوحي( فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ ) عن قبولها( وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ) وآثرت الكفر على الإيمان، والضلالة على الهدى.
وتذكير الخطاب على المعنى. فهذه الآية جواب قوله:( لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي ) ، وحقّها أن تذكر متّصلة به، لكن فصل بينهما، لأنّ تقديمه يفرّق القرائن الثلاث، وتأخير المردّد يخلّ بالنظم المطابق للواقع، لأنّه يتحسّر على التفريط في الطاعة، ثمّ يتعلّل بفقد الهداية، ثمّ يتمنّى الرجعة. فكان الصواب ما جاء عليه. وهو أنّه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثمّ أجاب من بينها عمّا اقتضى الجواب.
__________________
(١) إبراهيم: ٢١.
( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) )
( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ ) بأن وصفوه بما لا يجوز عليه، وهو متعال عنه. فأضافوا إليه الولد والشريك، وقالوا:( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ) (١) .
وقالوا:( لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ) (٢) . وقالوا:( وَاللهُ أَمَرَنا بِها ) (٣) . ولا يبعد عنهم قوم ينسبون القبائح إليه، ويجوّزون أن يخلق خلقا لا لغرض، ويؤلم لا لعوض، ويكلّف ما لا يطاق، ويجسّمونه بكونه مرئيّا معاينا مدركا بالحاسّة، ويثبتون له قدما ويدا وجنبا، ويجعلون معاني قدماء، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
( وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) بما ينالهم من الشدّة، أو بما يتخيّل عليها من ظلمة الجهل. والجملة حال، إذ الظاهر أن «ترى» من رؤية البصر. واكتفى فيها بالضمير عن الواو. ويحتمل أن يكون من رؤية القلب. فهو مفعول ثان لـ «ترى».
( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً ) مقام( لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) عن الإيمان والطاعة. والاستفهام تقرير، لأنّهم يرون كذلك.
وروى العيّاشي بإسناده عن خثيمة قال: «سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من حدّث عنّا بحديث فنحن سائلوه عنه يوما، فإن صدق علينا فإنّما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله، لأنّا إذا حدّثنا لا
__________________
(١) يونس: ١٨.
(٢) الزخرف: ٢٠.
(٣) الأعراف: ٢٨.
نقول: قال فلان وقال فلان، بل إنّما نقول: قال الله وقال رسول الله. ثمّ تلا هذه الآية:( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) . ثمّ أشار خثيمة إلى أذنيه، فقال: صمّتا إن لم أكن سمعته».
وعن سورة بن كليب قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن هذه الآية فقال: «كلّ إمام انتحل إمامة ليست له من الله. قلت: وإن كان علويّا؟ قال: وإن كان علويّا. قلت: وإن كان فاطميّا؟ قال: وإن كان فاطميّا».
( وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) )
ولـمّا أخبر سبحانه عن حال الكفّار، عقّبه بذكر حال الأتقياء الأبرار، فقال :
( وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) معاصيه( بِمَفازَتِهِمْ ) بسبب فلاحهم. مفعلة من الفوز. يقال: فاز بكذا، إذا أفلح به وظفر بمراده منه. أو بسبب منجاتهم، من قوله تعالى:( فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ) (١) ، أي: بمنجاة منه. وقرأ الكوفيّون غير حفص بالجمع، تطبيقا له بالمضاف إليه. والباء صلة لـ «ينجّي»، أو لقوله:( لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ) المكروه والشدّة( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وهو حال، أو استئناف لبيان المفازة. كأنّه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسّهم السوء، أي: ينجّيهم بنفي السوء والحزن عنهم، والنجاة من أعظم الفلاح. وسبب نجاتهم العمل الصالح. ولهذا فسّر ابن عبّاس المفازة بالأعمال الحسنة، من قبيل تسمية المسبّب باسم السبب. ولا شبهة أنّ العمل الصالح سبب الفلاح، وهو دخول الجنّة.
__________________
(١) آل عمران: ١٨٨.
( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) )
ولـمّا ذكر الوعد والوعيد بيّن أنّه القادر على كلّ شيء بقوله:( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) محدث كلّ شيء ومبدعه( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) مدبّر حافظ يتولّى التصرّف فيه.
( لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) لا يملك أمرها ولا يتمكّن من التصرّف فيها غيره. وهو كناية عن قدرته وحفظه لهما. وفيها مزيد دلالة على الاختصاص، لأنّ الخزائن لا يدخلها ولا يتصرّف فيها إلّا من بيده مفاتيحها. ولا واحد لها من لفظها. وقيل: جمع مقليد أو مقلاد، من: قلدته إذا ألزمته. وقيل: جمع إقليد معرّب اكليد على الشذوذ، كمذاكير. فالتعريب أحالها عربيّة.
وسئل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن المقاليد فقال: «تفسيرها: لا إله إلّا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، هو الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير». والمعنى على هذا: أنّ لله هذه الكلمات، يوحّد بها ويمجّد، وهي مفاتيح خير السماوات والأرض، من تكلّم بها أصابه.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) متّصل بقوله:( وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) . والمعنى: وينجّي الله المتّقين بمفازتهم، والّذين كفروا هم الخاسرون. وما بينهما اعتراض للدلالة على أنّه هو خالق الأشياء كلّها، ومهيمن على العباد، مطّلع على أفعالهم، فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وما
يستحقّون عليها من الجزاء.
وحقّ النظم أن يقال: ويحشر الّذين كفروا إلى النار. لكن غيّر للتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد، قضيّة للكرم.
وعلى التفسير الثاني متّصل بقوله:( لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) . على معنى: أنّ من له المقاليد يليق بأن يؤمن به وبآياته، لينال خير الدارين. فمن كفر به يكون خاسرا، لأنّهم يخسرون على أنفسهم الجنّة ونعيمها، ويصلون النار وسعيرها.
وعلى هذا التفسير: المراد بآيات الله كلمات توحيده وتمجيده. وتخصيص الخسار بهم، لأنّ غيرهم ذو حظّ من الثواب والرحمة.
( قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) )
( قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) منصوب بـ «أعبد» أي: أَفغير الله أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد؟ وقوله: «تأمرونّي» اعتراض. ومعناه: أَفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون عقيب ذلك: استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، لفرط غباوتهم. ويجوز أن ينتصب بما دلّ عليه «تأمرونّي أعبد» لأنّه بمعنى: تعبدونني وتقولون لي اعبد. على أنّ أصله: تأمرونني أن أعبد، فحذف «أن» ورفع الفعل، كقوله: ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى(١) .
وقرأ ابن عامر: تأمرونني، بإظهار النونين على الأصل. ونافع بحذف الثانية، فإنّها تحذف كثيرا.
__________________
(١) لطرفة بن العبد. وعجزه: وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلّدي
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قطعا لطمع الكفّار فيما قالوا له:( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) من الرسل( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) كلام على سبيل فرض المحال، والأمر المحال يصحّ فرضه لغرض من الأغراض. ألا ترى إلى قوله:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) (١) . يعني: على سبيل الإلجاء، ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه، ووجود الصارف عنه. والغرض هاهنا من هذا الفرض تهييج الرسل، وإقناط المرسلين عنهم، وإشعار على تهديد الأمّة على الإشراك. وإفراد الخطاب باعتبار كلّ واحد. واللام الأولى موطّئة للقسم المحذوف، والثانية للجواب. وهذا الجواب سادّ مسدّ الجوابين، أعني: جوابي القسم والشرط.
وإطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم، لأنّ شركهم أقبح. ألا ترى إلى قوله:( إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ) (٢) . وأن يكون على التقييد بالموت، كما صرّح به في قوله:( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) (٣) . وليس فيه ما يدلّ على صحّة القول بالإحباط على ما يذهب إليه أهل الوعيد، لأنّ المعنى فيه: أنّ من أشرك في عبادة الله غيره ـ من الأصنام وغيرها ـ وقعت عبادته على وجه لا يستحقّ عليها الثواب به. ولأجل ذلك وصفها بأنّها محبطة، إذ لو كانت العبادة خالصة لوجه الله لاستحقّ عليها الثواب. وعطف الخسران عليه من عطف المسبّب على السبب.
ثمّ ردّ ما أمروه به من استلام بعض آلهتهم بقوله:( بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ ) كأنّه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت عاقلا فاعبد الله. فحذف الشرط، وجعل
__________________
(١) يونس: ٩٩.
(٢) الإسراء: ٧٥.
(٣) البقرة: ٢١٧.
تقديم المفعول عوضا منه.( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) إنعامه عليك. وفيه إشارة إلى موجب اختصاص العبادة له.
( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) )
ولـمّا كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حقّ معرفته، وقدّره في نفسه حقّ تقديره، عظّمه حقّ تعظيمه، قيل:( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) أي: ما قدروا عظمته في أنفسهم حقّ عظمته، حيث جعلوا له شركاء، ووصفوه بما لا يليق به.
ثمّ قال:( وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) تنبيها على عظمته، وحقارة الأفعال العظام الّتي تتحيّر فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته، ودلالة على أنّ تخريب العالم أهون شيء عليه، على طريقة التمثيل والتخييل، من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا.
والقبضة المرّة من القبض، كقوله:( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) (١) .
أطلقت بمعنى القبضة، وهي المقدار المقبوض بالكفّ، تسمية بالمصدر، أو بتقدير: ذات قبضة.
وتأكيد الأرض بالجميع لأنّ المراد بها الأرضون السبع، أو جميع أبعاضها البادية(٢) والغائرة.
والطيّ: ضدّ النشر، كما قال تعالى :
__________________
(١) طه: ٩٦.
(٢) البادية: الصحراء. والغائرة: ما انحدر واطمأن من الأرض.
( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) (١) .
وذكر اليمين مبالغة في الاقتدار، لأنّ معظم القدرة يصدر منه. وهذا كما قال:( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) (٢) أي: ما كانت تحت قدرتكم. وليس على معناه الحقيقي، إذ ليس الملك يختصّ باليمين دون الشمال وسائر الجسد.
وكذلك حكم ما يروي: «أنّ حبرا من الأحبار جاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا أبا القاسم إنّ الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر الخلق على أصبع. ثمّ يهزّهنّ فيقول: أنا الملك، أين المتكبّرون والجبّارون؟ فضحك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تعجّبا ممّا قال، ثمّ قرأ تصديقا له:( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (٣) .
وإنّما ضحك أفصح العرب وتعجّب، لأنّه لم يفهم منه إلّا ما يفهمه علماء البيان، من غير تصوّر إمساك ولا أصبع ولا هزّ ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوّل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة الّتي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأنّ الأفعال العظام الّتي تتحيّر فيها الأذهان ولا تكتنهها الأوهام، هيّنة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه، إلّا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل. ولا ترى بابا في علم البيان أدقّ ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات، من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماويّة وكلام الأنبياء.
( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ما أبعد من هذه قدرته وعظمته، وما أعلاه عن إشراكهم. أو عمّا يضاف إليه من الشركاء.
__________________
(١) الأنبياء: ١٠٤.
(٢) النساء: ٣.
(٣) انظر صحيح البخاري ٦: ١٥٧.
( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) )
( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) يعني: المرّة الأولى. وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل. ووجه الحكمة في ذلك أنّها علامة جعلها الله تعالى ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف، فشبّه ذلك بما يتعارفوه من بوق الرحيل والنزول.
( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) خرّوا ميّتا، أو مغشيّا عليهم من شدّة تلك الصيحة. يقال: صعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة.
( إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ) قيل: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، فإنّهم لا يموتون بهذه الصيحة بعد. وقيل: حملة العرش.
وعن ابن عبّاس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّه سأل جبرئيل عن هذه الآية من الّذي لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء متقلّدون أسيافهم حول العرش».
( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ) نفخة اخرى. وهي تدلّ على أنّ المراد بالأولى نفخة واحدة، كما نصّ به في مواضع(١) أخر. وقال قتادة: إنّ ما بين النفختين أربعين سنة.
( فَإِذا هُمْ قِيامٌ ) قائمون من قبورهم. أو متوقّفون في مكانهم لتحيّرهم( يَنْظُرُونَ ) حال من ضمير «قيام». والمعنى: يقلّبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين، أو ينتظرون ما يفعل بهم. وفي ذكر «إذا» المفاجأة إخبار عن سرعة إيجادهم. يعني: إذا
__________________
(١) الحاقّة: ١٣.
نفخ النفخة الثانية أعادهم الله تعالى عقيب ذلك دفعة يقومون من قبورهم أحياء.
( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ) بما أقام فيها من العدل. سمّاه نورا، لأنّه يزيّن البقاع ويظهر الحقوق، كما سمّى الظلم ظلمة. وترى الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجور فلان. وفي الحديث: «الظلم ظلمات يوم القيامة». وأضاف اسمه إلى الأرض، لأنّه يزيّنها حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحقّ بين أهلها. ولعمري إنّك لا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه. أو المراد نور خلق فيها بلا توسّط أجسام مضيئة، ولذلك أضافه إلى نفسه.
( وَوُضِعَ الْكِتابُ ) للحساب والجزاء. من: وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه. أو صحائف الأعمال الّتي كتبتها الملائكة على بني آدم توضع في أيديهم ليقرأوا منها أعمالهم. واكتفي باسم الجنس عن الجمع. وقيل: اللوح المحفوظ يقابل به الصحائف.
( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ) للأمم وعليهم، من الملائكة والأوصياء وخيار المؤمنين. وقيل: المستشهدون في سبيل الله، فإنّهم عدول الآخرة، يشهدون على الأمم بما شاهدوا.( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بين العباد( بِالْحَقِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) بنقص ثواب أو زيادة عقاب، على ما جرى به الوعد.
( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ) أي: جزاء ما عملت، على حذف المضاف( وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ) فلا يفوته شيء من أفعالهم.
( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) )
ثمّ فصّل التوفية بقوله:( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ويساقون سوقا في عنف وهوان( إِلى جَهَنَّمَ ) كما يفعل بالأسارى إذا سيقوا إلى حبس أو قتل( زُمَراً ) أفواجا متفرّقة بعضها في أثر بعض، على تفاوت أقدامهم في الضلالة والشرارة.
وهي جمع زمرة. واشتقاقها من الزّمر، وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه. أو من قولهم: شاة زمرة: قليلة الشعر، ورجل زمر: قليل المروءة، فإنّ كلّ زمر قليل بالنسبة إلى كلّ الزمر.
( حَتَّى إِذا جاؤُها ) انتهوا إلى جهنّم( فُتِحَتْ أَبْوابُها ) ليدخلوها. وهي سبعة أبواب، لقوله:( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) (١) الآية. و «حتّى» هي الّتي تحكي بعدها
__________________
(١) الحجر: ٤٤.
الجمل. والجملة المحكيّة بعدها هي الشرطيّة. وقرأ الكوفيّون: فتحت بتخفيف التاء.
( وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها ) تقريعا وتوبيخا( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) من جنسكم( يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ ) حججه وما يدلّ على معرفته( وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) أي: لقاء وقتكم هذا. وهو وقت دخولهم النار، لا يوم القيامة. وقد جاء استعمال اليوم والأيّام مستفيضا في أوقات الشدّة.
( قالُوا بَلى ) أتونا وتلوا علينا( وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ) أي: كلمة الله بالعذاب علينا. وهي قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) لسوء أعمالنا، كما قالوا:( غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ) (٢) . فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب، وهو الكفر والضلال. والمعنى: وجب العقاب على من كفر بالله، لأنّه أخبر بذلك، وعلم من يكفر ويوافي بكفره، فقطع على عقابه، فلم يكن شيء يقع منه خلاف ما علمه وأخبر به، فصار كوننا في جهنّم موافقا لـما أخبره به تعالى ولـما علمه. ووضع الظاهر فيه موضع الضمير، للدلالة على اختصاص تلك الكلمة بالكفرة.
( قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم( فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) اللام فيه للجنس. والمخصوص بالذمّ مخصوص سبق ذكره، وهو جهنّم. ولا ينافي إشعاره بأنّ مثواهم في النار لتكبّرهم عن الحقّ أن يكون دخولهم فيها، لأنّ كلمة العذاب حقّت عليهم، فإنّ تكبّرهم وسائر مقابحهم مسبّبة عنه.
( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ) يساقون إسراعا بهم إلى دار الكرامة
__________________
(١) هود: ١١٩.
(٢) المؤمنون: ١٠٦.
والرضوان، كما يفعل بمن يشرّف ويكرّم من الوافدين على بعض الملوك، فشتّان بين سوقهم وسوق أهل النار. وقيل: سيق مراكبهم، إذ لا يذهب بهم إلّا راكبين.
ويجوز أن يكون ذكر السوق هاهنا على وجه الزواج والمقابلة لسوق الكافرين إلى النار.( زُمَراً ) على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلوّ الطبقة.
( حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ) وهي ثمانية، كما نقل عن سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ في الجنّة ثمانية أبواب، منها باب يسمّى باب الريّان، لا يدخله إلّا الصائمون». رواه البخاري ومسلم في الصحيحين(١) .
وحذف جواب «إذا» للدلالة على أنّ لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف. ولم يحذف الواو لتكون «فتحت» جزاء الشرط، للدلالة على أنّ أبواب الجنّة تفتح لهم قبل مجيئهم غير منتظرين. وقرأ الكوفيّون: فتحت بالتخفيف.
( وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها ) عند استقبالهم( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) سلمتم من الآفات، إذ لا يعتريكم بعد مكروه( طِبْتُمْ ) طابت أنفسكم بدخول الجنّة. أو طبتم بالعمل الصالح في الدنيا، وطابت أعمالكم الصالحة وزكت. أو طهرتم من دنس المعاصي.
وروي: أنّهم إذا قربوا من الجنّة يردون على عين من الماء فيغتسلون بها، ويشربون منها، فيطهّر الله أجوافهم، فلا يكون بعد ذلك منهم حدث وأذى، ولا تتغيّر ألوانهم، فيقول الملائكة لهم: طبتم.
( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) مقدّرين الخلود فيها. والفاء للدلالة على أنّ الطهارة عن المعصية سبب لدخولهم وخلودهم. فما هي إلّا دار الطيّبين ومثوى الطاهرين، لأنّها دار طهّرها الله من كلّ دنس، وطيّبها من كلّ قذر، فلا يدخلها إلّا مناسب لها، موصوف بصفتها. فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة، وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة، إلّا أن يهب لنا الوهّاب الكريم، ويوفّقنا الغفّار الرحيم، توبة نصوحا
__________________
(١) صحيح البخاري ٤: ١٤٥، صحيح مسلم ٢: ٨٠٨ ح ١٦٦.
تنقّي(١) أنفسنا من درن الذنوب، وتميط وضر هذه القلوب. وحينئذ لا يمنع دخول العاصي بعفوه المطهّر للذنوب المكفّر للمعاصي.
( وَقالُوا ) إذا دخلوها اعترافا بنعم الله تعالى عليهم( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ ) على ألسنة الرسل بالبعث والثواب( وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ) يريدون المكان الّذي استقرّوا فيه على الاستعارة، فإنّ إيراثها هاهنا بمعنى تمليكها. يعني: يمكّننا من التصرّف فيها تمكين الوارث فيما يرثه. وقيل: ذكر الإيراث لأنّهم ورثوها عن أهل النار.( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ) أي: يتبوّأ كلّ منّا في أيّ مقام أراده من جنّته الواسعة. وفي الحديث: أقلّ منازل المؤمن فيها على سعة الدنيا سبع مرّات.( فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) الجنّة.
( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ ) أي: ومن عجائب أمور الآخرة أنّك ترى الملائكة( حَافِّينَ ) محدقين( مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) «من» لابتداء الحفوف. وقيل: مزيدة، أي: حوله.( يُسَبِّحُونَ ) ينزّهون الله عمّا لا يليق به( بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) ملتبسين بحمده. والجملة حال ثانية، أو مقيّدة للأولى.
والمعنى: ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه، متلذّذين به لا متعبّدين. وفيه إشعار بأنّ منتهى درجات العلّيين، وأعلى لذائذهم، هو الاستغراق في صفات الحقّ. وقد عظّم الله سبحانه أمر القضاء في الآخرة بنصب العرش، وقيام الملائكة حوله معظّمين له سبحانه ومسبّحين، كما أنّ السلطان إذا أراد الجلوس للمظالم يفعل كذلك تعظيما لأمره، وإن استحال كونه عزّ وعلا على العرش، والجلوس على العرش من صفات الأجسام، تعالى الله عن ذلك.
( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) فصل بين الخلق بإدخال بعضهم النار وبعضهم الجنّة. أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم، فإنّ الملائكة
__________________
(١) أي: تنظّف. والدرن: الوسخ. وتميط أي: تذهب. والوضر: الوسخ.
وإن كانوا معصومين جميعا، لكن يفاضل بين مراتبهم على حسب مراتبهم في عبادتهم.( بِالْحَقِ ) قضاء بالحقّ والعدل( وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي: على ما قضي بيننا بالحقّ. والقائلون هم المؤمنون من المقضيّ بينهم، أي: المؤمنون قالوا: الحمد لله على قضائه بيننا، وإنزال كلّ منّا منزلته الّتي هي حقّه. أو القائلون الملائكة. وطيّ ذكرهم لتعيّنهم وتعظيمهم.
وقيل: إنّه من كلام الله تعالى. فقال في ابتداء الخلق: الحمد لله الّذي خلق السماوات والأرض. وقال بعد إفناء الخلق وبعثهم، واستقرار أهل الجنّة في الجنّة: الحمد لله ربّ العالمين. فوجب الأخذ بأدبه في ابتداء كلّ أمر بالحمد وختمه بالحمد.
(٤٠)
سورة المؤمن
مكّيّة. وهي خمس وثمانون آية.
روى أبو بريرة الأسلمي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة، فليقرأ الحواميم في صلاة الليل».
أنس بن مالك عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «الحواميم ديباج القرآن».
ابن عبّاس قال: لكلّ شيء لباب، ولباب القرآن الحواميم.
ابن مسعود قال: إذا وقعت في «آل حم» وقعت في روضات دمثات(١) ، أتأنّق فيهنّ.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة حم المؤمن، لم يبق روح نبيّ ولا صدّيق ولا مؤمن إلّا صلّوا عليه، واستغفروا له».
وروى أبو بشير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «الحواميم ريحان القرآن، فاحمدوا الله واشكروه بحفظها وتلاوتها. وإنّ العبد ليقوم يقرأ الحواميم، فيخرج من فيه أطيب من المسك الأذفر(٢) والعنبر. وإنّ الله ليرحم تاليها وقارئها، ويرحم جيرانه وأصدقاءه ومعارفه، وكلّ حميم أو قريب له. وإنّه في القيامة يستغفر له العرش والكرسيّ وملائكة الله المقرّبون».
__________________
(١) الدمث والدمث: المكان الليّن السهل. وأرض دمثاء: ليّنة سهلة.
(٢) أي: طيّب الريح.
وروى أبو الصباح عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ حم المؤمن في كلّ ثلاث، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وألزمه التقوى، وجعل الآخرة خيرا له من الدنيا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا ختم سورة الزمر بذكر الملائكة والجنّة والنار، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال جلّ وعزّ :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ) قد مضى ذكر الأقوال في الحروف المقطّعة في مفتتح سورة البقرة.
وقال القرظي: ها هنا أقسم الله سبحانه بحلمه وملكه، لا يعذّب من عاذ به، وقال: لا إله إلّا الله مخلصا من قلبه.
وعن عطاء الخراساني: هو افتتاح أسمائه: حليم، حميد، حيّ، حكيم، حنّان، ملك، مجيد، مبدئ، معيد.
وعن الكلبي: معناه: حمّ أي: قضي في اللوح المحفوظ ما هو كائن من الحقائق وكتب فيه.
وأمال ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ألف «حا» إمالة محضة. ونافع برواية ورش وأبو عمرو بين بين. وغيرهم فتحها.
( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) يحتمل أن يكون تخصيص الوصفين ،
لما في القرآن من الإعجاز والحكم الدالّ على كمال القدرة الكاملة والحكمة البالغة.
( غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ ) صفات أخر لتحقيق ما في القرآن من الترغيب والترهيب، والحثّ على ما هو المقصود منه. والإضافة فيها حقيقيّة، لأنّه لم يرد بها زمان مخصوص من ماض ومضارع، بل إنّما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمها حكم: إله الخلق وربّ العرش. فيوافق موصوفها، لإفادتها التعريف.
و «شديد العقاب» وإن كان في تقدير النكرة ـ أعني: شديد عقابه، لا ينفكّ من هذا ـ ولكن يؤول إلى: الشديد عقابه، فحذف اللام ليزاوج ما قبله وما بعده لفظا. وقد غيّروا كثيرا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج.
أو أبدال(١) . وجعل «شديد العقاب» وحده بدلا مشوّش للنظم.
وتوسيط الواو بين الأوّلين لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة.
أو لتغاير الوصفين، إذ ربما يتوهّم الاتّحاد. أو لتغاير موقع الفعلين، لأنّ الغفر هو الستر، فيكون لذنب باق، وذلك لمن لم يتب، فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
والتّوب مصدر، كالتوبة. وهو والثّوب والأوب أخوات في معنى الرجوع. وقيل: جمع التوبة. والطّول: التفضّل بترك العقاب المستحقّ. يقال: طال عليه وتطوّل إذا تفضّل. وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل رجحانها.
روي عن ابن عبّاس أنّه قال: «غافر الذنب» لمن قال: لا إله إلّا الله. «شديد العقاب» لمن لم يقل: لا إله إلّا الله. «ذي الطول» ذي الغنى عمّن لم يقل.
__________________
(١) عطف على قوله: صفات أخر ...، في بداية الفقرة السابقة.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي: هو الموصوف بهذه الصفات دون غيره، ولا يستحقّ العبادة سواه، فيجب الإقبال الكلّي على عبادته( إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) المرجع للجزاء، فيجازي المطيع والعاصي. والمعنى: أنّ الأمور تؤول إلى حيث لا يملك أحد النفع والضرّ والأمر والنهي غيره تعالى، وذلك يوم القيامة.
( ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) )
ولـمّا حقّق أمر التنزيل سجّل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن، فقال:( ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ ) أي: لإدحاض الحقّ، لقوله:( وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ ) (١) ( إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) فإنّ الجدال فيه لحلّ مشكلاته، واستنباط حقائقه، وإيضاح ملتبساته، وقطع تشبّث أهل الزيغ به، وردّ مطاعنهم فيه، فمن أعظم الطاعات. ولذلك قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ جدالا في القرآن كفر» بالتنكير، فإنّ إيراده منكّرا تمييز بين جدال وجدال.
ولـمّا كان الكفّار مشهودا عليهم من قبل الله بالكفر، والكافر لا أحد أشقى منه
__________________
(١) المؤمن: ٥.
عند الله، وجب على من تحقّق ذلك أن لا ترجّح أحوالهم في عينه، ولا يغرّه إقبالهم في دنياهم بوسيلة المكاسب المربحة. ولهذا عطف ذلك على بيان مجادلتهم بالفاء العاطفة، فقال :
( فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) أي: إمهالهم في دنياهم، وتقلّبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة، لأنّهم مأخوذون عمّا قريب بكفرهم أخذ من قبلهم، كما قال :
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ ) والّذين تحزّبوا على الرسل وناصبوهم، كعاد وثمود( مِنْ بَعْدِهِمْ ) بعد قوم نوح( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ) من هؤلاء( بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) ليتمكّنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب وقتل. من الأخذ بمعنى الأسر.
( وَجادَلُوا بِالْباطِلِ ) بما لا حقيقة له( لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ ) ليزيلوه به( فَأَخَذْتُهُمْ ) يعني: أنّهم قصدوا أخذ رسولهم، فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم بالإهلاك. ثمّ قرّر ذلك فقال تعجيبا:( فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) فإنّكم تمرّون على ديارهم، فتعاينون أثر ذلك.
( وَكَذلِكَ حَقَّتْ ) أي: كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب( كَلِمَةُ رَبِّكَ ) أي: وعيده، أو قضاؤه بالعذاب( عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) بكفرهم( أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) لأنّ علّة واحدة ـ وهي الكفر ـ تجمعهم أنّهم من أصحاب النار. وهذا بدل من «كلمة ربّك» بدل الكلّ على إرادة اللفظ، أي: وجب أنّهم أصحاب النار. أو الاشتمال على إرادة المعنى.
( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ
تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حال المؤمنين، وأنّه يستغفر لهم الملائكة مع عظم منزلتهم عند الله، فحالهم بخلاف أحوال من تقدّم ذكرهم من الكفّار، فقال :
( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ) على عواتقهم امتثالا لأمر الله( وَمَنْ حَوْلَهُ ) من الملائكة المطيفين. وهم الكرّوبيّون سادة طبقات الملائكة. وحملهم العرش وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له. أو كناية عن فرط قربهم من ذي العرش، ومكانتهم عنده، وتوسّطهم في نفاذ أمره.
روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم».
وأيضا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تتفكّروا في عظم ربّكم، ولكن تفكّروا فيما خلق الله من الملائكة». فإنّ خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق(١) رأسه من سبع سماوات. وإنّه ليتضاءل من عظمة الله حتّى يصير كأنّه الوصع(٢) .
وفي الحديث: «إنّ الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام
__________________
(١) أي: خرج.
(٢) الوصع: طائر أصغر من العصفور.
على حملة العرش، تفضيلا لهم على سائر الملائكة».
وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام.
وقيل: حول العرش سبعون ألف صنف من الملائكة، يطوفون به مهلّلين مكبّرين. ومن ورائهم سبعون ألف صفّ قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير. ومن ورائهم مائة ألف صفّ قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلّا وهو يسبّح بما لا يسبّح به الآخر.
وعن مجاهد: بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا من نور.
( يُسَبِّحُونَ ) ينزّهونه عمّا يصفه به هؤلاء المجادلون، ملتبسين( بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أي: يذكرون الله بمجامع الثناء، من صفات الجلال والإكرام. وجعل التسبيح أصلا والتحميد حالا، لأنّ الحمد مقتضى حالهم، لإيجاد الله إيّاهم، وتوفيقهم في العبادة، دون التسبيح.
( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) أخبر عنهم بالإيمان لإظهار شرفه وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في مواضع من كتابه بالصلاح، لإظهار شرفه. ولـمّا وصفوا به على سبيل الثناء عليهم، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في الأرض وكلّ من غاب عن ذلك المقام سواء، في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير. وأنّه لا طريق إلى معرفته إلّا هذا. وأنّه منزّه عن صفات الأجسام والأجرام.
وزعم الزمخشري(١) والعلّامة الرازي(٢) أنّ في الآية ردّا على المجسّمة، كما أورده النيشابوري في تفسيره قائلا: «قال في الكشّاف: فيه تكذيب المجسّمة، فإنّ الأمر لو كان كما زعموا لكان الملائكة يشاهدونه، فلا يوصفون بالإيمان، لأنّه لا
__________________
(١) الكشّاف ٤: ١٥٢.
(٢) التفسير الكبير ٢٧: ٣٢ ـ ٣٣.
يوصف بالإيمان إلّا الغائب، فعلم أنّ إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكلّ سواء، في أنّ إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.
واستحسن هذا الكلام الامام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتّى ترحّم عليه، وقال: «لو لم يكن في كتابه إلّا هذه النكتة لكفى به فخرا وشرفا».
وأنا أقول: لا نسلّم أنّ الإيمان لا يكون إلّا بالغائب، وإلّا لم يكن الإيمان بالنبيّ وقت تحدّيه وبالقرآن. وإن شئت فتأمّل قوله تعالى:( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) (١) . فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله: «بالغيب» فائدة. على أنّه يحتمل أن يشاهد الربّ وينكر كونه ربّا وإلها. ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوبا عن ذلك الشيء. فمن أين يلزم تكذيب المجسّمة؟
وزعم الإمام فخر الدين أنّ في الآية دلالة اخرى على إبطال قول أهل التجسيم أنّ الإله على العرش، فإنّه لو كان كما زعموا ـ وحامل الشيء حامل لكلّ ما على ذلك الشيء ـ لزم أن يكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهيّة من المحفوظ.
قلت: لا شكّ أنّ هذه مغالطة، جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم، كيف يلزم منه ذلك؟! وهل يزعم عاقل أنّ الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه»(٢) .
انتهى كلامه المصرّح بتخطئتهما. والحقّ أنّهما زلقا وعثرا، سيّما الرازي، فإنّه خبط خبط عشواء، وركب متن عمياء، وإن ذيّل النيشابوري كلامه بقوله: «وإنّما ذكرت ما ذكرت لكونه واردا على كلام الإمامين، مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأنّي مائل في المسألة إلى غير معتقدهما».
__________________
(١) البقرة: ٣.
(٢) غرائب القرآن للنيسابوري ٦: ٢٣.
ولأجل أنّ المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس، لأنّها أقوى المناسبات، كما قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (١) ، يطلب الملائكة من الله المغفرة لأهل الإيمان من الثقلين، كما قال عزّ اسمه:( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) كأنّه قيل: ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم من أهل الأرض، وإن تباعدت الأماكن بينهم وبين الثقلين. فبين قوله:( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) غاية التناسب والتجانس.
( رَبَّنا ) أي: يقولون ربّنا. وهذا بيان لـ «يستغفرون» مرفوع المحلّ مثله.( وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ) أي: وسعت رحمتك وعلمك، فأزيل الكلام عن أصله، بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم. وأخرجا منصوبين على التمييز، للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأنّ ذاته رحمة وعلم واسعان كلّ شيء. وتقديم الرحمة على العلم، لأنّها المقصودة بالذات هاهنا.
( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) للّذين علمت منهم التوبة واتّباع سبيل الحقّ. وهو دين الإسلام. فما بعد الفاء مشتمل على حديث الرحمة والعلم، لا الغفران وحده. فيطابق قوله:( وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ) .
( وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) واحفظهم عنه. وهو تصريح بعد إشعار، للتأكيد والدلالة على شدّة العذاب. والفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون: زيادة الكرامة والثواب. أو الدلالة على أنّ إسقاط العقاب عند التوبة تفضّل من الله تعالى، إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج إلى مسألتهم، بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة.
( رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ) إيّاها على ألسن الرسل( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) عطف على «هم» الأوّل، أي: أدخل هؤلاء
__________________
(١) الحجرات: ١٠.
معهم ليتمّ سرورهم. أو الثاني، لبيان عموم الوعد.( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) الملك الّذي لا يغلب، ولا يمتنع عليه مقدور( الْحَكِيمُ ) الّذي لا يفعل إلّا ما تقتضيه الحكمة، ومن ذلك الوفاء بالوعد.
( وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ) العقوبات. أو جزاء السيّئات، فحذف المضاف. وهذا تعميم بعد تخصيص، أو مخصوص بمن صلح. والوقاية منها: التكفير، أو قبول التوبة. أو المعاصي نفسها في الدنيا. وعلى هذا، معنى قوله:( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) من تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة. كأنّهم طلبوا السبب بعد ما سألوا المسبّب. وعلى الأوّل: ومن تق العقوبات أو جزاء المعاصي يوم القيامة فقد رحمته.( وَذلِكَ ) يعني: الرحمة، أو الوقاية، أو مجموعهما( هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) )
ثمّ عاد الكلام إلى من تقدّم ذكرهم من الكفّار، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ ) أي: يناديهم الملائكة يوم القيامة، فيقولون لهم:( لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أي: لمقت الله أنفسكم أشدّ ممّا تمقتون اليوم وأنتم في النار من مقتكم أنفسكم الأمّارة بالسوء. والمقت: أشدّ البغض. فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشدّه.
وعن الحسن: لـمّا رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم، فنودوا: «لمقت الله».
وقيل: معناه: لمقت الله إيّاكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى:( يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) (١) .
( إِذْ تُدْعَوْنَ ) ظرف. وعامله فعل دلّ عليه المقت الأوّل، لا هو، لأنّه أخبر عنه، وقد فصل بينه وبين الظرف خبره، أعني «أكبر»، فلا يجوز. ولا المقت الثاني، لأنّ مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة. فالمعنى: مقتكم الله حين كان الأنبياء يدعونكم( إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ) فتأبون قبوله، وتختارون عليه الكفر. أو تعليل للحكم، وزمان المتقين واحد.
ثمّ حكى سبحانه عن الكفّار الّذين تقدّم وصفهم بعد حصولهم في النار، بأنّهم( قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) إماتتين، بأن خلقتنا أمواتا أولا، ثمّ صيّرتنا أمواتا عند انقضاء آجالنا، فإنّ الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء، فيصحّ أن يسمّى خلقهم أمواتا إماتة، كما يصحّ أن تقول: سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل، وتقول للحفّار: ضيّق فم الركيّة(٢) ووسّع أسفلها، وليس ثمّ نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنّما أردت الإنشاء على تلك الصفات. والسبب في صحّته أنّ الصغر والكبر جائزان معا على المصنوع الواحد من غير ترجّح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكّن منهما على السواء، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه.
( وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) الإحياءة الأولى، وإحياءة البعث. وناهيك تفسيرا لذلك
__________________
(١) العنكبوت: ٢٥.
(٢) الركيّة: البئر ذات الماء.
قوله تعالى:( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) (١) . وكذا عن ابن عبّاس وأئمّة التفسير.
وعن السدّي: أنّ المراد بالإماتتين: الّتي بعد حياة الدنيا، والّتي بعد حياة القبر. ولزمه إثبات ثلاث إحياءات: إحياءة في ظهر الأرض، وإحياءة في القبر للسؤال، وإحياءة للحشر. وهو خلاف ما في القرآن، إلّا أن يتمحّل فيجعل حياة القبر غير معتدّ بها، لقلّة زمانها.
ومقصودهم من هذا القول اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به، ولذلك تسبّبوا بقولهم:( فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ) فإنّ اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا وإنكارهم البعث. وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى، لأنّ من لم يخش العاقبة توسّع في المعاصي. فلمّا رأوا الإماتة والإحياء تكرّرا عليهم، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم الّتي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم.
( فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ ) نوع خروج سريع أو بطيء من النار( مِنْ سَبِيلٍ ) طريق فنسلكه. وذلك إنّما يقولونه من فرط قنوطهم تعلّلا وتحيّرا. ولذلك أجيبوا بقوله:( ذلِكُمْ ) الّذي أنتم فيه من أنّه لا سبيل لكم إلى خروج من سبيل( بِأَنَّهُ ) بسبب أنّه( إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ ) متّحدا. أو توحّد وحده، فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحاليّة.( كَفَرْتُمْ ) بالتوحيد( وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) بالإشراك( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ ) المستحقّ للعبادة، حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد( الْعَلِيِ ) القادر على كلّ شيء، ليس فوقه من هو أقدر منه، أو من يساويه في مقدوره. ونقلت هذه اللفظة من علوّ المكان إلى علوّ الشأن، ولذلك جاز وصفه سبحانه بذلك، كما يقال: استعلى فلان عليه بالقوّة وبالحجّة.( الْكَبِيرِ )
__________________
(١) البقرة: ٢٨.
العظيم في صفاته الّتي لا يشاركه فيها غيره، ومن أن يشرك به ويسوّى به بعض مخلوقاته.
( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) )
( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ ) مصنوعاته الدالّة على توحيده وكمال قدرته، من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق والشمس والقمر والنجوم، وسائر ما في السماوات والأرض( وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً ) أسباب رزق، كالمطر، مراعاة لمعاشكم.
( وَما يَتَذَكَّرُ ) وما يعتبر ويتّعظ بالآيات الّتي هي كالمركوزة في العقول، لظهورها المغفول عنها، للانهماك في التقليد واتّباع الهوى( إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) يرجع عن الإنكار والعناد بالإقبال عليها والتفكّر فيها، فإنّ المعاند لا سبيل إلى تذكّره واتّعاظه، والجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه.
ثمّ قال لمن ينيب:( فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) من الشرك( وَلَوْ كَرِهَ
الْكافِرُونَ ) إخلاصكم، وشقّ عليهم.
( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ) خبران آخران لقوله: «هو». أو خبران لمبتدأ محذوف، للدلالة على علوّ صمديّته، من حيث المعقول والمحسوس الدالّ على تفرّده في الألوهيّة، فإنّ من ارتفعت درجات كماله ومراتب عزّته وملكوته بحيث لا يحيط العقل بكنهه، وكان العرش الّذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته، لا يصحّ أن يشرك به.
وقيل: معناه: رافع درجات مراتب المخلوقات من الأنبياء والأولياء في الجنّة. أو درجات ثوابه الّتي ينزلها أولياءه في الجنّة.
( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ) خبر رابع للدلالة على أنّ الروحانيّات أيضا مسخّرات لأمره. والمراد بالروح الوحي. وتسميته بالروح لأنّه يحيي القلوب من موت الكفر. و «من» لابتداء الغاية. يعني: يلقي الوحي الّذي مبدؤه من أمره. أو بيانيّة. والمعنى: هو يلقي الوحي الّذي هو أمره بالخير.
( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) على قلب من يشاء ممّن يراه أهلا للنبوّة. يقال: ألقيت عليه كذا، أي: فهّمته( لِيُنْذِرَ ) غاية الإلقاء. والمستكين فيه لله، أو لـ «من»، أو لـ «الروح». أي: لينذر الله بالروح، أو الملقى عليه به، أو الروح.( يَوْمَ التَّلاقِ ) يوم القيامة، فإنّ فيه تتلاقى الأرواح والأجساد، وأهل السماء والأرض. أو المعبودون والعبّاد. أو العمّال والأعمال.
( يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ ) خارجون من قبورهم. أو ظاهرون لا يسترهم شيء، من جبل أو أكمة(١) أو بناء، لأنّ الأرض يومئذ تكون قاعا صفصفا. أو لا عليهم ثياب، بل إنّما هم عراة مكشوفون، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يحشرون عراة حفاة
__________________
(١) الأكمة: التلّ، أو الموضع الّذي يكون أكثر ارتفاعا ممّا حوله.
غرلا»(١) . أو ظاهرة نفوسهم، لا تحجبهم غواشي الأبدان الكثيفة. أو أعمالهم وسرائرهم.
( لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) من أعيانهم وأعمالهم. وهذا تقرير لقوله: «هم بارزون»، وإزاحة لنحو ما يتوهّم في الدنيا. يعني: أنّهم كانوا يتوهّمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أنّ الله لا يراهم، وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهّمون فيها مثل ما كانوا يتوهّمونه. قال الله تعالى:( وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (٢) .
( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) فيقرّ المؤمنون والكافرون( لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) وهذا حكاية لـما يسأل عنه في ذلك اليوم، ولـما يجاب به. ومعناه: أنّه ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم. فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهّار.
وقيل: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء، كأنّها سبيكة فضّة لم يعص الله فيها قطّ، فأوّل ما يتكلّم به أن ينادي مناد: لمن الملك اليوم لله الواحد القهّار.
وقال القرظي: يقول الله تعالى ذلك بين النفختين حين يفني الخلائق كلّها، ثمّ يجيب نفسه، لأنّه بقي وحده.
ويضعّف هذا القول، إذ بيّن أنّه يقول ذلك يوم التلاق، يوم يبرز العباد فيه من قبورهم. وإنّما خصّ ذلك اليوم بأنّ له الملك فيه، لأنّه قد ملك العباد بعض الأمور في الدنيا، ولا يملك أحد شيئا ذلك اليوم. أو حكاية لـما دلّ عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط، وأمّا حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما.
ولـمّا قرّر أنّ الملك لله وحده في ذلك اليوم، عدّد نتائج ذلك بقوله:( الْيَوْمَ
__________________
(١) غرل جمع أغرل، وهو الصبي الذي لم يختن.
(٢) فصلت: ٢٢.
تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وتحقيقه: أنّ النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذّتها وألمها، لكنّها لا تشعر بها في الدنيا لعوائق تشغلها، فإذا قامت قيامتها زالت العوائق وأدركت لذّتها وألمها.
وفي الحديث: «إنّ الله تعالى يقول: أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنّة أن يدخل الجنّة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وعنده مظلمة حتّى أقضيه منه. وتلا هذه الآية».
( لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) بنقص الثواب وزيادة العذاب( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) إذ لا يشغله شأن عن شأن، فيصل إليهم ما يستحقّونه سريعا في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين. وعن ابن عبّاس: إذا أخذ في حسابهم لم يقل(١) أهل الجنّة إلّا فيها، ولا أهل النار إلّا فيها.
( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) )
ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخوّف المكلّفين يوم القيامة، فقال:( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ) أي: القيامة سمّيت بها لأزوفها، أي: قربها. ويجوز ان يريد بيوم الآزفة وقت الخطّة الآزفة، وهي مشارفتهم دخول النار.( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ ) فإنّها
__________________
(١) من: قال يقيل قيلولة: نام في القائلة، أي: في منتصف النهار.
ترتفع عن مقارّها فتلتصق بحلوقهم، فلا هي تخرج فيموتوا، ولا ترجع إلى موضعها فيتنفّسوا ويتروّحوا، ولكنّها معترضة كالشجا(١) .
( كاظِمِينَ ) ممتلئين غمّا وخوفا. حال من أصحاب القلوب على المعنى، لأنّ المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالا من القلوب، أي: حال كون القلوب كاظمة على غمّ وكرب فيها مع بلوغها الحناجر.
وإنّما جمع جمع السلامة، لأنّه وصفها بالكظم الّذي هو من أفعال العقلاء، كما قال:( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (٢) . وقال:( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) (٣) . أو من مفعول «أنذرهم» على أنّه حال مقدّرة، أي: أنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم، كقوله:( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) (٤) .
( ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ) قريب مشفق( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) أي: شفيع يشفع، فإنّ المطاع مجاز في المشفع، لأنّ حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر، في أنّها لا تكون إلّا لمن فوقك، فلو كان المطاع على حقيقته لكان الله مطيعا، والمطيع يكون أدنى مرتبة، تعالى الله عن ذلك. والضمائر إن كانت للكفّار ـ وهو الظاهر ـ كان وضع الظالمين موضع ضميرهم، للدلالة على اختصاص ذلك بهم، وأنّه لظلمهم.
واعلم أنّ معنى قوله:( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) نفي الشفاعة والطاعة معا، لا نفي الطاعة دون الشفاعة. كما تقول: ما عندي كتاب يباع. فهو محتمل نفي البيع وحده، وأنّ عندك كتابا إلّا أنّك لا تبيعه، ونفيهما جميعا، بأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعا. لأنّ الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبّون ولا يرضون إلّا من أحبّه الله
__________________
(١) الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه.
(٢) يوسف: ٤.
(٣) الشعراء: ٤.
(٤) الزمر: ٧٣.
ورضيه، وأنّ الله لا يحبّ الظالمين، فلا يحبّونهم، وإذا لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم. قال الله تعالى:( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) (١) . وقال:( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) (٢) . ولأنّ الشفاعة لا تكون إلّا في زيادة التفضّل، وأهل التفضّل وزيادته إنّما هم أهل الثواب، بدليل قوله:( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) (٣) . وعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتّة.
والفائدة في ذكر الصفة ونفيها ـ مع أنّ الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه فقط ـ إقامة انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة، لأن الصفة لا تتأتّى بدون موصوفها، فيكون ضمّها إليه إزالة لتوهّم وجود الموصوف. بيانه: إنّك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت: ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علّة مانعة من الركوب والمحاربة. كأنّك تقول: كيف يتأتّى منّي الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي؟ فكذلك قوله:( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) معناه: كيف يتأتّى التشفيع ولا شفيع؟
( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ ) أي: النظرة الخائنة، كالنظرة الثانية إلى غير المحرم، واستراق النظر إليه، على أن تكون صفة للنظرة. أو خيانة الأعين، على أن تكون مصدرا بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة. ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين، لأنّه لا يساعد عليه قوله:( وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ) من الضمائر.
والجملة خبر خامس، للدلالة على أنّها ما من خفيّ إلّا وهو متعلّق العلم والجزاء، مثل «يلقي الروح»، ولكن «يلقي الروح» قد علّل بقوله:( لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) . ثمّ استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله:( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) ، فبعد
__________________
(١) البقرة: ٢٧٠.
(٢) الأنبياء: ٢٨.
(٣) النساء: ١٧٣.
لذلك عن أخواته.
( وَاللهُ ) والّذي هذه صفاته( يَقْضِي ) يفصل بين الخلائق( بِالْحَقِ ) فيوصل كلّ ذي حقّ إلى حقّه، لأنّه المالك الحاكم على الإطلاق، المستغني عن الجور، فلا يقضي بشيء إلّا وهو حقّ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) من الأصنام( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) تهكّم بهم، لأنّ الجماد لا يقال فيه إنّه يقضي أو لا يقضي. وقرأ نافع وهشام بالتاء، على الالتفات، أو إضمار: قل.
( إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ ) فيسمع المسموعات( الْبَصِيرُ ) يبصر المبصرات.
وهذا تقرير لعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقضائه بالحقّ. ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون. وتعريض بحال ما يدعون من دونه من الأصنام، وأنّها لا تسمع ولا تبصر. وهاتان الصفتان إذا أطلقتا على الله يرجعان إلى كونه حيّا عالما بجميع المسموعات والمبصرات، لاستغنائه عن آلتي السمع والبصر.
( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) )
ثمّ نبّههم سبحانه على أن ينظروا في حال الأمم المكذّبة الخالية نظر اعتبار وتفكّر، فقال :
( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) مآل حال الّذين كذّبوا الرسل قبلهم، كعاد وثمود( كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) قدرة وتمكّنا.
وإنّما جيء بالفصل بين معرفة وغير معرفة، وحقّه أن يقع بين معرفتين، لمضارعة «افعل من» للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه، فأجري مجراه. وقرأ ابن عامر: ةأشدّ منكم بالكاف.( وَآثاراً فِي الْأَرْضِ ) مثل القلاع والمدائن الحصينة. وقيل: المعنى: وأكثر آثارا، كقوله: متقلّدا سيفا ورمحا(١) ، أي: وحاملا رمحا، لأنّ الرمح لا يتقلّد.( فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ ) يمنع العذاب عنهم.
( ذلِكَ ) الأخذ( بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات الباهرات، والأحكام الواضحات( فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ ) أهلكهم عقوبة على كفرهم( إِنَّهُ قَوِيٌ ) قادر على الانتقام منهم، متمكّن ممّا يريده غاية التمكّن( شَدِيدُ الْعِقابِ ) لا يؤبه بعقاب دون عقابه.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ
__________________
(١) صدره: ورأيت زوجك في الوغى متقلّدا
بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) )
ثمّ ذكر قصّة موسى وفرعون لينظروا فيها نظر اعتبار، فقال:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) يعني: المعجزات( وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ) وحجّة ظاهرة. والعطف لتغاير الوصفين، أو لإفراد بعض المعجزات كالعصا، تقديما لشأنه.
( إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ ) كان موسىعليهالسلام رسولا إلى كافّتهم، إلّا أنّه خصّ فرعون وهامان وقارون بالذكر، لأنّ فرعون رئيسهم، وكان هامان وزيره، وقارون صاحب كنوزه، والباقون تبع لهم( فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ) يعنون: موسىعليهالسلام .
وفيه تسلية لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبيان لعاقبة من هو أشدّ من الّذين كانوا من قبلهم بطشا وأقربهم زمانا.
( فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِ ) بالنبوّة( مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ ) أي: أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أوّلا، كي يصدّوا عن مظاهرة موسى( وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) في ضياع. يعني: أنّهم باشروا قتلهم أوّلا فما أغنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني. ووضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم، والدلالة على العلّة.
( وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي ) اتركوني( أَقْتُلْ مُوسى ) كانوا يكفّونه عن قتله، ويقولون: إنّه ليس الّذي تخافه، وهو أقلّ من ذلك وأضعف، وما هو إلّا بعض السحرة، ومثله لا يقاوم إلّا ساحرا مثله، ولو قتلته أدخلت الشبهة على الناس أنّك عجزت عن معارضته بالحجّة.
والظاهر أنّ فرعون كان قد استيقن أنّه نبيّ، وأنّ ما جاء به آيات وما هو
بسحر، ولكنّه كان فيه خبّ(١) وجربزة، وكان قتّالا سفّاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحسّ منه بأنّه هو الّذي يثلّ(٢) عرشه ويهدم ملكه؟! ولكنّه كان يخاف إن همّ بقتله لا يتيسّر له ويعاجل بالهلاك.
وقوله:( وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربّه. وكان قوله: «ذروني أقتل موسى» تمويها على قومه، وإيهاما أنّهم هم الّذين يكفّونه، وما كان يكفّه إلّا ما في نفسه من هول الفزع.
( إِنِّي أَخافُ ) إن لم أقتله( أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) أن يغيّر ما أنتم عليه من عبادتي وعبادة الأصنام، لقوله:( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) (٣) ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ) ما يفسد دنياكم من التفاتن(٤) والتهارج الّذي يذهب معه الأمن، وتتعطّل المزارع والمكاسب والمعايش، ويهلك الناس قتلا وضياعا، إن لم يقدر أن يبدلّ دينكم بالكلّيّة.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر(٥) بالواو، على معنى الجمع. وابن كثير وابن عامر والكوفيّون غير حفص بفتح الياء والهاء ورفع «الفساد».
( وَقالَ مُوسى ) أي: لقومه لـمّا سمع كلام فرعون( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ) عن الإذعان للحقّ. وهو أقبح استكبار وأدلّه على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه.
ثمّ قال( لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ) لأنّه إذا اجتمع في الرجل التجبّر والتكذيب
__________________
(١) الخبّ: الخديعة. ورجل خبّ: خدّاع.
(٢) أي: يهدم ويسقط.
(٣) الأعراف: ١٢٧.
(٤) أي: الوقوع في الفتنة والتحارب. والتهارج: القتال والمهارشة.
(٥) أي: وأن يظهر
بالجزاء، وقلّة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ولم يترك معصية عظيمة إلّا ارتكبها. وصدّر الكلام بـ «إنّ» تأكيدا وإشعارا على أنّ السبب المؤكّد في دفع الشرّ هو العياذ بالله. وخصّ اسم الربّ، لأنّ المطلوب هو الحفظ والتربية. وإضافته إليه وإليهم حثّا لهم على اقتدائهم به، فيعوذوا به عياذه، لـما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإجابة. ولم يسمّ فرعون، وذكر وصفا يعمّه وغيره، لتعميم الاستعاذة، والدلالة على الحامل له على هذا القول.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: عدتّ ـ فيه وفي الدخان(١) ـ بالإدغام. وعن نافع مثله.
ولـمّا قصد فرعون قتل موسى وعظه المؤمن من آله، كما قال عزّ اسمه:( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) وكان قبطيّا ابن عمّ لفرعون، آمن بموسى سرّا. وقيل: «من» متعلّق بقوله:( يَكْتُمُ إِيمانَهُ ) من آل فرعون على وجه التقيّة. اسمه سمعان، أو حبيب، أو خربيل. وقيل: حزبيل.
قال أبو عبد اللهعليهالسلام : «التقيّة من ديني ودين آبائي». و «لا دين لمن لا تقيّه له».
و «التقيّة ترس الله في أرضه، لأنّ مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل».
وقال ابن عبّاس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الّذي أنذر موسى، وهو الّذي جاء من أقصى المدينة.
( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً ) أَتقصدون قتله( أَنْ يَقُولَ ) لأن يقول، أو وقت أن يقول، من غير رؤية وتأمّل في أمره( رَبِّيَ اللهُ ) وحده. وهو في الدلالة على الحصر مثل: صديقي زيد. وفيه إنكار منه عظيم، وتبكيت شديد. كأنّه قال: أَترتكبون الفعلة الشنعاء الّتي هي قتل نفس محرّمة، وما لكم علّة قطّ في ارتكاب قتلها إلّا كلمة الحقّ الّتي نطق بها، وهي قوله: «ربّي الله»؟!
__________________
(١) الدخان: ٢٠.
( وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ ) المتكثّرة على صدقه، من المعجزات والاستدلالات، أي: لم يحضر لتصحيح قوله بيّنة واحدة، ولكن بيّنات عدّة( مِنْ رَبِّكُمْ ) أضافه إليهم بعد ذكر البيّنات احتجاجا عليهم، واستدراجا لهم إلى الاعتراف به.
ثمّ أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم من باب الاحتياط، فقال: لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا( وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) يعود عليه، ولا يتخطّاه وبال كذبه، فيحتاج في دفعه إلى قتله( وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) فلا أقلّ من أن يصيبكم بعضه إن تعرّضتم له.
وفيه مبالغة في التحذير، وإظهار للإنصاف والمداراة والتلطّف وعدم التعصّب، كقوله:( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) . فجاء بما علم أنّه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه، ولذلك قدّم كونه كاذبا. ثمّ قال:( بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) ، ولم يقل: يصبكم جميع الّذي يعدكم، مع أنّ موسى نبيّ صادق لا بدّ لـما يعدهم أن يصيبهم كلّه. والمراد بالبعض: عذاب الدنيا، وهو بعض مواعيده. كأنّه خوّفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم.
( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) احتجاج ثالث. ومعناه: لو كان موسى مسرفا كذّابا لـما هداه الله إلى ما يدّعي من النبوّة، ولـما عضده بتلك المعجزات.
ويحتمل أن يكون معناه: أنّ من خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر فلا حاجة لكم إلى قتله. ولعلّه أراد به المعنى الأوّل، وخيّل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، وعرّض به لفرعون بأنّه مسرف كذّاب لا يهديه الله سبيل الصواب وطريق النجاة. ويجوز أن يكون ذلك ابتداء كلام من الله تعالى.
__________________
(١) سبأ: ٢٤.
( يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) )
ثمّ ذكّرهم مؤمن من آل فرعون ما هم فيه من الملك ليشكروا الله تعالى على ذلك بالإيمان به، فقال :
( يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ ) عالين على الناس غالبين( فِي الْأَرْضِ ) أرض مصر( فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ ) عذابه( إِنْ جاءَنا ) أي: فلا تفسدوا
أمركم، ولا تعرّضوا لبأس الله بقتله، فإنّه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد. وإنّما أدرج نفسه في الضميرين، لأنّه كان منهم في القرابة، وليريهم أنّه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم.
( قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ ) ما أشير عليكم( إِلَّا ما أَرى ) لنفسي، وأستصوبه من قتله( وَما أَهْدِيكُمْ ) وما أعلمكم( إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ) إلّا ما علمت من طريق الصواب. ولا أدّخر منه شيئا، ولا أسرّ عنكم خلاف ما أظهر. يعني: أنّ قلبي ولساني متواطئان على ما أقول لكم. وقد كذب لعنه الله، فإنّه كان مستشعرا للخوف الشديد من جهة موسى، ولكنّه كان يتجلّد، ولولا استشعاره لم يستشر أحدا، ولم يقف الأمر على الإشارة.
( وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ) في تكذيبه. والتعرّض له( مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ) مثل أيّام الأمم الماضية. يعني: وقائعهم. وجمع الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم، فإنّه لم يلبس أنّ كلّ حزب منهم كان له يوم دمار.
( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ) مثل جزاء ما كانوا عليه دائبا ـ أي: دائما ـ من الكفر وإيذاء الرسل، ولا يفترون عنه ساعة( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) كقوم لوطعليهالسلام ( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) يعني: أنّ تدميرهم كان عدلا وقسطا، فلا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يخلّي الظالم منهم بغير انتقام. وهو أبلغ من قوله:( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (١) ، من حيث جعل المنفيّ إرادة الظلم، لأنّ من كان عن إرادة الظلم بعيدا كان عن الظلم أبعد. وفي هذا أوضح دليل على فساد قول المجبّرة القائلة بأنّ كلّ ظلم يكون في العالم فهو بإرادة الله تعالى.
ثمّ حذّرهم من عذاب الآخرة أيضا، فقال:( وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ ) يوم القيامة ينادي بعضهم بعضا للاستغاثة، أو يتصايحون بالويل والثبور. أو
__________________
(١) فصّلت: ٤٦.
يتنادى أصحاب الجنّة وأصحاب النار، كما حكى في الأعراف في قوله:( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ ) (١) ( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ) (٢) .
( يَوْمَ تُوَلُّونَ ) عن الموقف( مُدْبِرِينَ ) منصرفين عنه إلى النار. وقيل: فارّين عنها.( ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) يعصمكم من عذابه( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) خذلانا وتخلية، لفرط عناده. أو عن طريق الجنّة.( فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) يهديه.
( وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ) بن يعقوب، على أنّ فرعونه فرعون موسى، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد. أو سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب.
أقام فيهم نبيّا عشرين سنة.( مِنْ قَبْلُ ) من قبل موسى( بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات، فشككتم فيها( فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍ ) فلم تزالوا شاكّين كافرين( مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ ) من الدين( حَتَّى إِذا هَلَكَ ) مات( قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً ) ضمّا إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده. أو جزما بأن لا يبعث من بعده رسول مع الشكّ في رسالته، حكما من عند أنفسكم من غير برهان منكم على تكذيب الرسل.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك الضلال، أي: الخذلان( يُضِلُّ اللهُ ) يخذل الله في العصيان لفرط العناد( مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ) مفرط فيه( مُرْتابٌ ) شاكّ فيما تشهد به البيّنات، لغلبة الوهم والانهماك في التقليد.
( الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ ) بدل من الموصول الأوّل، لأنّه بمعنى الجمع، فكأنّه قال: كلّ مسرف( بِغَيْرِ سُلْطانٍ ) بغير حجّة، بل إمّا بتقليد أو بشبهة داحضة( أَتاهُمْ كَبُرَ ) فيه ضمير «من». وإفراده للفظ، كما جمع البدل منه للمعنى. وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى اخرى.( مَقْتاً ) تمييز( عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) ويجوز أن يكون مبتدأ خبره «كبر» على حذف مضاف، أي: وجدال الّذين يجادلون كبر مقتا. أو خبره «بغير سلطان» وفاعل «كبر»( كَذلِكَ )
__________________
(١) الأعراف: ٤٤ و٥٠.
(٢) الأعراف: ٤٤ و٥٠.
أي: كبر مقتا مثل ذلك الجدال. فيكون قوله:( يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) استئنافا للدلالة على الموجب لجدالهم. والطبع بمعنى الخذلان والتخلية، كما مرّ غير مرّة.
وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان: قلب بالتنوين، على وصفه بالتكبّر والتجبّر، لأنّه منبعهما، كقولهم: رأت عيني، وسمعت أذني. أو على حذف مضاف، أي: كلّ ذي قلب متكبّر.
( وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) )
ثمّ بيّن سبحانه ما موّه به فرعون على قومه، لـمّا وعظه المؤمن، وخوّفه من قتل موسى، وانقطعت حجّته، فقال :
( وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً ) بناء مكشوفا عاليا مشيّدا بالآجرّ. من: صرح الشيء إذا ظهر، أي: بناء ظاهرا لا يخفى على الناظر.( لَعَلِّي أَبْلُغُ
الْأَسْبابَ ) الطرق. وكلّ ما أوصلك إلى شيء فهو سبب إليه.
( أَسْبابَ السَّماواتِ ) بيان لها. وفي إبهامها ثمّ إيضاحها تفخيم لشأنها، وتشويق للسامع إلى معرفتها، فإنّه لـمّا كان بلوغها أمرا عجيبا، أراد أن يورده على نفس متشوّفة(١) إليه، ليعطيه السامع حقّه من التعجّب، فأبهمه ليشوّف إليه نفس هامان.
ثمّ أوضحه( فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ) عطف على «أبلغ». وقرأ حفص بالنصب، على جواب الترجّي. ولعلّه أراد أن يبني له رصدا في موضع عال، يرصد منه أحوال الكواكب، الّتي هي أسباب سماويّة تدلّ على الحوادث الأرضيّة، فيرى هل فيها ما يدلّ على إرسال الله إيّاه؟! أو أن يرى فساد قول موسى، بأنّ إخباره من إله السماء يتوقّف على اطّلاعه ووصوله إليه، وذلك لا يتأتّى إلّا بالصعود إلى السماء، وهو ممّا لا يقوى عليه الإنسان. وذلك لجهله بالله، وكيفيّة استنبائه.
( وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً ) في دعوى الرسالة( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك التزيين( زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) سبيل الرشاد. ومزيّنه هو الشيطان بوسوسته، كقوله:( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) (٢) . أو الله على وجه التخلية، فإنّه مكّن الشيطان وأمهله. ومثله:( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) (٣) .
وقرأ الحجازيّان والشامي وأبو عمرو: وصدّ، على أنّ فرعون صدّ الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات. ويؤيّده( وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ )
__________________
(١) تشوّف إلى الشيء: تطلّع إليه.
(٢) النمل: ٢٤ و٤.
(٣) النمل: ٢٤ و٤.
في خسار وهلاك.
ثمّ عاد الكلام إلى ذكر نصيحة مؤمن آل فرعون، فقال:( وَقالَ الَّذِي آمَنَ ) يعني: مؤمن آل فرعون. وقيل: موسىعليهالسلام .( يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ ) بالدلالة( سَبِيلَ الرَّشادِ ) سبيلا يصل سالكه إلى المقصود.
وفيه تعريض بأنّ ما عليه فرعون وقومه سبيل الغيّ. وتكرّر النداء لزيادة تنبيه لهم، وإيقاظ عن سنة الغفلة، وأنّهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزّن لهم ويتلطّف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتّهموه، وأن يتنبّهوا على أنّ سرورهم سروره، وغمّهم غمّه، وينزلوا على تنصيحه لهم. كما كرّر إبراهيمعليهالسلام في نصيحة أبيه:( يا أَبَتِ ) (١) .
فلأجل ذلك كرّر النداء مرّة اخرى بقوله:( يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ) تمتّع يسير، لسرعة زوالها.
ثمّ ذكّرهم تعظيم الآخرة والاطّلاع على حقيقتها، وأنّها هي الوطن الحقيقي والمستقرّ الأصلي. وذكر الأعمال سيّئها وحسنها، وعاقبة كلّ منهما، ليثبّط عمّا يتلف، وينشط لـما يزلف، فقال :
( وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ) لخلودها( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) عدلا من الله. وفيه دليل على أنّ الجنايات تغرم بمثلها.( وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) بغير تقدير وموازنة بالعمل، بل أضعافا مضاعفة، فضلا منه ورحمة. وتقسيم العمّال، وجعل الجزاء جملة اسميّة مصدّرة باسم الاشارة، وتفضيل الثواب، لتغليب الرحمة. وجعل العمل عمدة والإيمان حالا، للدلالة على أنّه شرط في اعتبار العمل، وأنّ ثوابه أعلى من ذلك.
__________________
(١) مريم: ٤٢ ـ ٤٥.
( وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) )
ثمّ وازى بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله الّذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتّخاذ الأنداد الّذي عاقبته النار، فقال :
( وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ ) من النار بالإيمان بالله( وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) إلى الشرك الّذي يوجب النار. وبّخهم بذلك على ما يقابلون به نصحه.
وعطفه على النداء الثاني، لأنّه داخل على ما هو بيان لـما قبله. ولم يعطف الثاني على الأوّل، لأنّ ما بعده أيضا تفسير لـما أجمل فيه تصريحا أو تعريضا.
( تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ ) بدل أو بيان فيه تعليل. والدعاء كالهداية في التعدية بـ «إلى» واللام. فيقال: دعاه إلى كذا ودعا له، كما يقال: هداه إلى الطريق وهدى له.
( وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ ) بربوبيّته( عِلْمٌ ) المراد بنفي العلم نفي المعلوم. كأنّه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وما ليس بإله كيف يصحّ أن يعلم إلها. وفيه إشعار بأنّ الألوهيّة لا بدّ لها من برهان، فاعتقادها لا يصحّ إلّا عن إيقان.( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) المستجمع لصفات الألوهيّة، من كمال القدرة والغلبة، وما يتوقّف عليه من العلم والإرادة، والتمكّن من المجازاة، والقدرة على التعذيب والغفران.
( لا جَرَمَ ) لا ردّ لـما دعاه إليه قومه. و «جرم» فعل بمعنى: حقّ، وفاعله( أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ ) أي: حقّ ووجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا، لأنّها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيّتها. أو عدم دعوة مستجابة. أو عدم استجابة دعوة لها.
وقيل: «جرم» بمعنى: كسب، من قوله تعالى:( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا ) (١) . وفاعله مستكن في «تدعونني» أي: كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له. بمعنى: ما حصل من ذلك إلّا ظهور بطلان دعوته.
وقيل: «لا جرم» نظير: لا بدّ، فعل من الجرم بمعنى القطع، كما أنّ بدّا فعل من التبديد، وهو التفريق. والمعنى: لا قطع لبطلان دعوى ألوهيّة الأصنام، أي: لا تزال باطلة، لا ينقطع ذلك في وقت مّا فينقلب حقّا. ويؤيّده قولهم: لا جرم أنّه يفعل، فإنّه لغة فيه، كالرشد والرشد.
( وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ ) أي: وجب أنّ مرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت، فيجازي كلّا بما يستحقّه( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) ووجب أنّ المسرفين في الضلالة والطغيان، كالإشراك وسفك الدماء. وقيل: الّذين غلب شرّهم خيرهم.( هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) ملازموها.
__________________
(١) المائدة: ٢.
ثمّ قال لهم على وجه التخويف والوعظ:( فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ ) صحّة ما أقول لكم من النصيحة إذا حصلتم في العذاب بكفركم. ثمّ أظهر إيمانه بقوله:( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ ) ليعصمني من كلّ سوء. والأمر: اسم جنس.( إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) عالم بأحوالهم وبما يفعلونه من الطاعة والمعصية.
وهذا جواب توعّدهم المفهوم من قوله:( فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) صرف الله عنه شدائد مكرهم، وما همّوا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم، فنجا مع موسى حتّى عبر البحر( وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ) بفرعون وقومه. واستغنى بذكرهم عن ذكره، للعلم بأنّه أولى بذلك. وقيل: بطلبة المؤمن من قومه، فإنّه فرّ إلى جبل، فبعث فرعون بطائفة فوجدوه يصلّي والوحوش صفوف حوله، فرجعوا رعبا، فقتلهم.
( سُوءُ الْعَذابِ ) الغرق، أو القتل، أو النار.
( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) جملة مستأنفة. أو «النار» خبر محذوف، و «يعرضون» استئناف للبيان. أو بدل من «سوء العذاب»، و «يعرضون» حال من النار، أو من الآل. والمراد بعرضهم على النار إحراقهم بها. من قولهم: عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به. وذلك لأرواحهم، كما روى ابن مسعود: أنّ أرواحهم في أجواف طيور سود، تعرض على النار بكرة وعشيّا إلى يوم القيامة.
وذكر الوقتين يحتمل التخصيص والتأبيد. وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر.
وعن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة، وإن كان من أهل النار فمن النار. فيقال: هذا مقعدك حتّى يبعثك الله يوم القيامة». أورده البخاري(١) ومسلم في الصحيح. وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : ذلك في البرزخ.
( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) أي: هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم :
__________________
(١) صحيح البخاري ٢: ١٢٤. صحيح مسلم ٤: ٢١٩٩ ح ٦٥.
( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ) يا آل فرعون(١) ( أَشَدَّ الْعَذابِ ) عذاب جهنّم، فإنّه أشدّ ممّا كانوا فيه. أو أشدّ عذاب جهنّم.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص: أدخلوا، على أمر الملائكة بإدخالهم النار.
( وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) )
ثمّ ذكر سبحانه ما يجري بين أهل النار من الحجاج، فقال:( وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ ) واذكر لقومك وقت تخاصمهم فيها. ويحتمل عطفه على «غدوّا».
ثمّ فصّل التخاصم بقوله:( فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ ) وهم الأتباع( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) وهم الرؤساء( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ) أتباعا، كخدم جمع خادم. أو ذوي
__________________
(١) هذا التفسير على قراءة: ادخلوا.
تبع، على إضمار مضاف، بمعنى: أتباع. أو وصف بالمصدر تجوّزا.( فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ) بالدفع أو الحمل، فإنّه يلزم الرئيس الدفع أو الحمل عن أتباعه والمنقادين لأمره. و «نصيبا» مفعول به لـما دلّ عليه «مغنون عنّا» من معنى الدفع أو الحمل. أو مصدر، كشيئا في قوله:( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) (١) . و «من» صلة «مغنون».
( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌ ) التنوين عوض عن المضاف إليه. والتقدير: كلّنا. يعني: نحن وأنتم.( فِيها ) في النّار، فكيف نغني عنكم؟! ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا. و «كلّ فيها» مبتدأ وخبر في موضع رفع بأنّه خبر «إنّ». والمعنى: إنّا مجتمعون في النار.( إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ ) بأن أدخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، ولا معقّب لحكمه. أو بأن لا يتحمّل أحد عن أحد، وأنّه يعاقب من أشرك به وعبد معه غيره لا محالة.
( وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ ) أي: المتبوعون والأتباع( لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ) لقوّام تعذيب أهل النار. ووضع جهنّم موضع الضمير للتهويل، أو لبيان محلّهم فيها، إذ يحتمل أن تكون جهنّم أبعد دركاتها قعرا، من قولهم: بئر جهنّام بعيدة القعر، وفيها أعتى الكفّار وأطغاهم، فلعلّ الملائكة الموكّلين بعذاب أولئك أقرب إجابة للدعوة، لزيادة قربهم من الله، فلهذا تعمّدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم.( ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً ) قدر يوم( مِنَ الْعَذابِ ) شيئا من العذاب. ويجوز أن يكون المفعول «يوما» بحذف المضاف، و «من العذاب» بيانه.
( قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ ) أي: بالحجج والدلالات الواضحة على صحّة التوحيد والنبوّات. أرادوا به إلزامهم للحجّة، وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء، وتعطيلهم أسباب الإجابة.
__________________
(١) آل عمران: ١٠.
( قالُوا بَلى ) جاءتنا الرسل والبيّنات، فكذّبناهم وجحدنا نبوّتهم.
( قالُوا فَادْعُوا ) أنتم فإنّا لا نجترئ فيه، أو لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم. وفيه إقناط لهم عن الإجابة، ودلالة على الخيبة، فإنّ الملك المقرّب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافر؟! كما قال:( وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) في ضياع لا يجاب.
( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ) بالحجّة والظفر والنصرة والغلبة، والانتقام لهم من الكفرة( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) أي: في الدارين، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحيان امتحانا من الله، فالعاقبة لهم، فإنّه يتيح الله من يقتصّ من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريّا ـ لـمّا قتل ـ حين قتل به سبعون ألفا. فهم لا محالة منصورون في الدنيا. والأشهاد جمع شاهد، كصاحب وأصحاب. والمراد بهم من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس، من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
ثمّ أخبر سبحانه عن ذلك اليوم بقوله:( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) بدل من الأوّل. وعدم نفع المعذرة لأنّها باطلة، أو لأنّه لم يؤذن لهم فيعتذروا. وقرأ غير الكوفيّين ونافع بالتاء.( وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ) البعد من الرحمة( وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) سوء دار الآخرة. وهو عذابها.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) )
ثمّ ذكر حسن عاقبة موسى وقومه ونجاتهم من فرعون، فقال:( وَلَقَدْ
آتَيْنا مُوسَى الْهُدى ) ما يهتدي به في الدين، من المعجزات وصحف التوراة والشرائع، بعد استئصال آل فرعون( وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ) وتركنا عليهم بعده ذلك التوراة( هُدىً ) هداية يعرفون بها معالم دينهم( وَذِكْرى ) وتذكرة لهم بها وعبرة. أو هاديا ومذكّرا.( لِأُولِي الْأَلْبابِ ) لذوي العقول السليمة.
ثمّ أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالصبر على تحمّل أذى قومه، فإنّ الصبر مفتاح الفرج، ولكلّ عسر يسر، ولكلّ نازلة حسن عاقبة، كعواقب أمور موسى بعد تحمّل المشاقّ من آل فرعون، فقال :
( فَاصْبِرْ ) على أذى المشركين في تكذيبهم إيّاك( إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) بنصرة الرسل( حَقٌ ) واجب عليه ثابت لا يخلفه. واستشهد بموسى وما آتاه من أسباب الهدى والنصرة على فرعون وجنوده، وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل. فالله ناصرك كما نصرهم، ومظهرك على الدين كلّه، ومبلغ ملك أمّتك مشارق الأرض ومغاربها.
( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) وأقبل على أمر دينك، وتدارك فرطاتك ـ كترك الأولى ـ بالاستغفار، فإنّه تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر. ومثل هذا تعبّد من الله سبحانه لنبيّه، لكي يزيد في الدرجات، وليصير سنّة لمن بعده.( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ) ودم على التسبيح والتحميد لربّك. وقيل: من زوال الشمس إلى الليل، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وعن ابن عبّاس: يريد الصلوات الخمس. وقيل: صلّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكّة ركعتين بكرة وركعتين عشيّا.
وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «قال اللهعزوجل : يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة، أكفك ما أهمّك».
( إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) )
( إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ ) في دفعها( بِغَيْرِ سُلْطانٍ ) بغير حجّة( أَتاهُمْ ) عامّ في كلّ مجادل مبطل، وإن نزلت في مشركي مكّة واليهود حين قالوا: سيخرج صاحبنا المسيح بن داود ـ يريدون الدجّال ـ ويبلغ سلطانه البرّ والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك. فسمّى الله تمنّيهم ذلك كبرا، ونفى أن يبلغوا متمنّاهم، وقال:( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) إلّا تكبّر عن الحقّ، وتعظّم عن التفكّر والتعلّم. أو إرادة التقدّم والرئاسة.( ما هُمْ بِبالِغِيهِ ) ببالغي موجب الكبر ومقتضيه. وهو الرئاسة أو النبوّة. أو ببالغي دفع الآيات.
( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) فالتجئ إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) بما تعمل ويعملون. فهو ناصرك عليهم، وعاصمك من شرّهم.
ولـمّا كانت مجادلتهم في آيات الله مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل المجادلة ومدار المخاصمة، فاحتجّ بخلق السماوات والأرض، لأنّهم كانوا مقرّين بأنّ الله خالقهما، فقال :
( لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ) فمن قدر على خلقهما مع عظمهما من غير أصل، ووقوفهما بغير عمد، قدر على خلق الإنسان مع مهانته( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) لأنّهم لا ينظرون ولا يتأمّلون، لفرط غفلتهم واتّباعهم أهواءهم. يعني: أنّهم إذا أقرّوا بأنّ الله تعالى خلق السماوات والأرض، فكيف أنكروا قدرته على إحياء الموتى؟! ولكنّهم أعرضوا عن التدبّر، فحلّوا محلّ الجاهل الّذي لا يعلم شيئا.
( وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) الغافل المتكبّر والعاقل المستبصر، أي: لا يستوي من أهمل نفسه ومن تفكّر فعرف الحقّ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ) أي: المحسن والمسيء، في الكرامة والإهانة، والهدى والضلال. فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث.
وزيادة لفظة «لا» في «المسيء» لأنّ المقصود نفي مساواة المسيء للمحسن فيما له من الفضل والكرامة. والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير، لتغاير الوصفين في المقصود، أو الدلالة بالصراحة والتمثيل.
( قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ ) أي: تذكّرا قليلا يتذكّرون. أو قليلا تذكّرهم. والضمير للناس، أو الكفّار. وقرأ الكوفيّون بالتاء، على تغليب المخاطب، أو الالتفات، أو أمر الرسول بالمخاطبة.
( إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ) لا شكّ في مجيئها، لوضوح الدلالة على جوازها، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) لا يصدّقون بها، لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسّون به.
( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ) اعبدوني. وعن الحسن ـ وقد سئل عنها ـ: اعملوا وأبشروا، فإنّه حقّ على الله أن يستجيب للّذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله.
وعن الثوري أنّه قيل له: ادع الله. فقال: إنّ ترك الذنوب هو الدعاء.
وفي الحديث: «إذا شغل عبدي طاعتي عن الدعاء، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين».
وعن النعمان بن بشير عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «الدعاء هو العبادة. ثمّ قرأ:( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ) .
( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) أثب لكم لقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ) صاغرين. وقرأ ابن كثير وأبو بكر بضمّ الياء وفتح الخاء.
وعن ابن عبّاس: وحّدوني أغفر لكم. وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثمّ للعبادة بالتوحيد.
ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويريد بـ «عبادتي» دعائي، لأنّ الدعاء باب من العبادة، ومن أفضل أبوابها. ويصدّقه قول ابن عبّاس: «أفضل العبادة الدعاء». وعلى هذا ؛ استجابته مشروط باقتضاء المصلحة.
وعن كعب: أعطى الله هذه الأمّة ثلاث خلال لم يعطهنّ إلّا نبيّا مرسلا. كان يقول لكلّ نبيّ: أنت شاهدي على خلقي. وقال لهذه الأمّة:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) (١) . وكان يقول: ما عليك من حرج. وقال لها:( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) (٢) . وكان يقول: ادعني أستجب لك. وقال لها:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .
وعلى القول الأخير ؛ الآية دالّة على عظم قدر الدعاء عند الله تعالى، وعلى
__________________
(١) البقرة: ١٤٣.
(٢) المائدة: ٦.
فضل الانقطاع إليه. وقد روي عن معاوية بن عمّار قال: «قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلني الله فداك ما تقول في رجلين دخلا المسجد جميعا، كان أحدهما أكثر صلاة، والآخر أكثر دعاء، فأيّهما أفضل؟ قال: كلّ حسن. قلت: قد علمت، ولكن أيّهما أفضل؟ قال: أكثرهما دعاء. أما تسمع قول الله تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) إلى آخر الآية. وقال: هي العبادة الكبرى».
وروى زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام أيضا في هذه الآية قال: «هو الدعاء. وأفضل العبادة الدعاء».
وروى حنان بن سدير، عن أبيه، قال: «قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أيّ العبادة أفضل؟ قال: ما من شيء أحبّ إلى الله من أن يسأل ويطلب ما عنده. وما أحد أبغض إلى اللهعزوجل ممّن يستكبر عن عبادته، ولا يسأل ما عنده.»
( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) )
ثمّ ذكر ما يدلّ على توحيده، فقال:( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ) وهو ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) لتستريحوا فيه، بأن خلقه باردا مظلما ليؤدّي إلى ضعف المحرّكات وهدوء الحواسّ( وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) أي: مضيئا تبصرون فيه مواضع حاجاتكم. وإسناد الإبصار إلى النهار مجاز، لأنّ الإبصار في الحقيقة لأهل النهار، فعدل إلى المجاز مبالغة، ولذلك لم يقل: لتبصروا
فيه، ليقابل قوله: «لتسكنوا».
( إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) لا يوازيه فضل. وللإشعار بهذا المعنى ـ الّذي هو مفاد تنكير الفضل ـ لم يقل: لمفضّل أو لمتفضّل.( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) لجهلهم بالمنعم، وإغفالهم مواقع النعم. وتكرير الناس، وعدم الاكتفاء بالضمير، لتخصيص الكفران بالناس، كقوله:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ) (١) .( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) (٢) .( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (٣) .
( ذلِكُمُ ) المخصوص بهذه الأفعال المقتضية للألوهيّة والربوبيّة( اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) من السماوات والأرض وما بينهما( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أخبار مترادفة تخصّص اللاحقة السابقة وتقرّرها، أي: هو الجامع لهذه الأوصاف، من الإلهيّة والربوبيّة، وخلق كلّ شيء وإنشائه بحيث لا يمتنع عليه شيء، والوحدانيّة الّتي لا ثاني له( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) فكيف ومن أيّ وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، مع وضوح الدلالة على توحيده؟!( كَذلِكَ ) مثل ما أفك وصرف هؤلاء( يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) أي: يؤفك عن الحقّ كلّ من جحد بآيات الله ولم يتأمّلها، ولم يكن همّه طلب الحقّ وخشية العاقبة. وهم من تقدّمهم من أكابرهم ورؤسائهم، فإنّهم هم الّذين صرفوهم عن الحقّ.
( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
__________________
(١) الحجّ: ٦٦.
(٢) العاديات: ٦.
(٣) إبراهيم: ٣٤.
(٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) )
ثمّ ذكر سبحانه استدلالا آخر بأفعال أخر مخصوصة على توحيده، فقال :
( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً ) أي: قبّة. ومنه: أبنية العرب لمضاربهم، لأنّ السماء في منظر العين كقبّة مضروبة على وجه الأرض.( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) بأن خلقكم منتصبي القامة، بادي البشرة، متناسبي الأعضاء والتخطيطات، متهيّئين لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. قيل لم يخلق حيوانا أحسن صورة من الإنسان.
وعن ابن عبّاس: خلق ابن آدم قائما معتدلا، يأكل بيده، ويتناول بيده، وكلّ ما خلق الله غيره يتناول بفيه.
( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) اللذائذ، فإنّه ليس شيء من الحيوان له طيّبات المآكل والمشارب مثل ما خلق الله سبحانه لابن آدم، فإنّ أنواع اللذّات والطيّبات الّتي خلقها الله تعالى لهم ـ من الثمار وفنون النبات واللحوم وغير ذلك ـ ممّا لا
يحصى كثرة.
( ذلِكُمُ ) أي: فاعل هذه الأشياء( اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) فإنّ كلّ ما سواه مربوب ؛ مفتقر بالذات، معرض للزوال.
( هُوَ الْحَيُ ) المتفرّد بالحياة الذاتيّة( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) إذ لا موجود يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته( فَادْعُوهُ ) فاعبدوه( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) أي: الطاعة، من الشرك والرياء. قائلين( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) عن ابن عبّاس: من قال لا إله إلّا الله فليقل على أثرها: الحمد لله ربّ العالمين.
( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي ) من الحجج العقليّة والآيات السمعيّة، فإنّها مقوّية لأدلّة العقل، ومؤكّدة لها، ومضمّنة ذكرها، نحو قوله تعالى:( أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) (١) . وأشباه ذلك من التنبيهات على أدلّة العقل. ولا شبهة أنّ تناصر الأدلّة العقليّة والسمعيّة أقوى في إبطال مذهبهم، وإن كانت أدلّة العقل وحدها كافية.
( وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) أن أنقاد له. أو أخلص له ديني.
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) أطفالا. والتوحيد لإرادة الجنس، أو على تأويل كلّ واحد منكم( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) يتعلّق اللام فيه بمحذوف تقديره: ثمّ يبقيكم لتبلغوا. وكذا في قوله:( ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ) ويجوز عطفه على «لتبلغوا». وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام: شيوخا بضمّ الشين.( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ) من قبل الشيخوخة. أو قبل بلوغ الأشدّ. أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا.( وَلِتَبْلُغُوا ) أي: ويفعل ذلك لتبلغوا( أَجَلاً مُسَمًّى ) هو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة.( وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ما في ذلك من الحجج والعبر.
( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) يحييكم ويميتكم. فأوّلكم من تراب، وآخركم إلى
__________________
(١) الصافّات: ٩٥ ـ ٩٦.
تراب.( فَإِذا قَضى أَمْراً ) فإذا أراده( فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فإنّما يكوّنه من غير كلفة ولا معاناة، ولا مدّة ولا عدّة، ومن غير أن يتعذّر بل يتعسّر عليه. فهو بمنزلة ما يقال له: كن فيكون، لأنّه سبحانه يخاطب المعدوم بالتكوّن. والفاء الأولى للدلالة على أنّ ذلك نتيجة ما سبق من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر أفعاله المحكمة المتقنة، من حيث إنّه يقتضي قدرة ذاتيّة غير متوقّفة على العدد والموادّ.
كأنّه قال: فلذلك الاقتدار الذاتي إذا قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه.
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) )
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ ) في إبطالها ودفعها( أَنَّى يُصْرَفُونَ ) أين يقلبون عن التصديق به؟ ولو كانوا يخاصمون في آيات الله بالنظر في صحّتها والفكر فيها، لـما ذمّهم الله تعالى. وكرّر(١) ذمّ المجادلة لتعدّد المجادل، أو
__________________
(١) في الآية ٣٥ و٥٦ و٦٩.
المجادل فيه، أو للتوكيد.
ثمّ وصفهم بالتكذيب فقال:( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ ) بالقرآن، أو بجنس الكتب السماويّة( وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ) من سائر الكتب، أو الوحي والشرائع( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) جزاء تكذيبهم، فيعرفون أنّ ما دعوتهم إليه حقّ، وما ارتكبوه ضلال وفساد.
( إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) ظرف لـ «يعلمون» إذ المعنى على الاستقبال، وإن كان «إذ» للمضيّ. والتعبير عن الاستقبال بلفظ المضيّ لتيقّنه، فلا يكون ذلك مثل قولك: سوف أصوم أمس.( وَالسَّلاسِلُ ) عطف على الأغلال. أو مبتدأ خبره( يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ) والعائد محذوف، تقديره: يسحبون ـ أي: يجرّون ـ بها في الماء الحارّ الّذي قد انتهت حرارته. وهو على الأوّل حال.
( ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) أي: يقذفون وتوقد بهم في جميع جوانبهم. من: سجر التنّور إذا ملأه بالوقود. ومنه: السجير للصديق، كأنّه سجر بالحبّ، أي: مليء. والمعنى: أنّهم في النار، فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنار، مملوءة بها أجوافهم. ومنه: قوله:( نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ) (١) . والمراد: تعذيبهم بأنواع من العذاب، وينقلون من بعضها إلى بعض.
( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) من الأصنام( قالُوا ضَلُّوا عَنَّا ) غابوا عن عيوننا، فلا نراهم لننتفع بهم( بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً ) بل تبيّن لنا أنّا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم، كقولك: حسبت أنّ فلانا شيء، فإذا هو ليس بشيء، إذا لم تر عنده خيرا.
( كَذلِكَ ) مثل ضلال آلهتهم عنهم( يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ ) يضلّهم عن آلهتهم، حتّى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا. أو المعنى: كما أضلّ الله أعمال هؤلاء وأبطل ما كانوا يؤمّلونه، كذلك يفعل بجميع من يتديّن بالكفر، فلا ينتفعون
__________________
(١) الهمزة: ٦ ـ ٧.
بشيء من أعمالهم.
وقيل: يضلّ الكافرين عن طريق الجنّة والثواب، كما أضلّهم عمّا اتّخذوه إلها، بأن صرفهم عن الطمع في نيل منفعة من جهتها.
والآية لا تنافي تفسير قوله تعالى:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (١) بأنّهم مقرونون بآلهتهم، لجواز أن يضلّوا عنهم حين وبّخوا وقيل لهم: أينما كنتم تشركون من دون الله فيغيثوكم ويشفعوا لكم، وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات.
( ذلِكُمْ ) الإضلال( بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ ) وهو الشرك والطغيان( وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ) تتوسّعون في الفرح تبطّرا وتكبّرا، والعدول إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ.
ثمّ حكى سبحانه عن هؤلاء الكفّار أنّه يقال لهم:( ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ ) الأبواب السبعة المقسومة لكم في قوله تعالى:( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) (٢) ( خالِدِينَ فِيها ) مقدّرين الخلود( فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) عن الحقّ جهنّم. وكان مقتضى النظم: فبئس مدخل المتكبّرين، كما تقول: زر بيت الله فنعم المزار، ولكن لـمّا كان الدخول المقيّد بالخلود سبب الثواء ـ أي: الإقامة ـ عبّر بالمثوى. وإنّما أطلق عليه اسم «بئس» مع كونه حسنا، لأنّ الطبع ينفر عنه كما ينفر العقل عن القبيح.
( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) )
__________________
(١) الأنبياء: ٩٨.
(٢) الحجر: ٤٤.
وبعد تهديد الكفّار أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالصبر على مقاساته أذيّتهم، فقال :
( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) بالنصر لأنبيائه، والانتقام من أعدائه( حَقٌ ) كائن لا محالة. أو ما وعد الله به المؤمنين على الصبر ـ من الثواب في الجنّة ـ حقّ لا شكّ فيه.
( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) في حياتك. أصله: إن نرك. و «ما» مزيدة لتأكيد الشرطيّة، ولذلك لحقت النون الفعل، ولا تلحق مع «إن» وحدها بدون «ما»، فلا يقال: إن تكرمنّي أكرمك، ولكن: إمّا تكرمنّي أكرمك.( بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) وهو القتل والأسر. وإنّما قال: «بعض الّذي» لأنّ المعجّل من عذابهم في الدنيا هو بعض ما يستحقّونه.
( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) قبل أن تراه( فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) يوم القيامة، فننتقم منهم أشدّ الانتقام، ولا يفوتوننا. ونحوه قوله تعالى:( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) (١) . وهو جواب «نتوفّينّك». وجواب «نرينّك» محذوف، مثل: فذاك. ويجوز أن يكون جوابا لهما، بمعنى: إن نعذّبهم في حياتك أو لم نعذّبهم، فإنّا نعذّبهم في الآخرة أشدّ العذاب. ويدلّ على شدّته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) )
__________________
(١) الزخرف: ٤١ ـ ٤٢.
روي: أنّ المشركين قد اقترحوا بالمعجزات عنادا بعد ظهور ما يغنيهم عنها، فقال سبحانه تسلية لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ) أخبارهم( وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) ذكرهم، إذ على المشهور عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والمذكور قصصهم أشخاص معدودة.
وقيل: إنّ عددهم ثمانية آلاف نبيّ، أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من غيرهم.
( وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ) بمعجزة( إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) وأمره، فإنّ المعجزات عطايا قسّمها بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم، ليس لهم اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها.
( فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ ) بالعذاب في الدنيا أو الآخرة( قُضِيَ بِالْحَقِ ) بإنجاء المحقّ وتعذيب المبطل( وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) المعاندون باقتراح الآيات، فأنكروها وسمّوها سحرا. والمبطل بمعنى صاحب الباطل، أو الّذي يخسر الجنّة، ويدخل في النار بدلا منها.
( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١) )
ثمّ عدّد سبحانه نعمه على خلقه فقال:( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ ) من الإبل والبقر والغنم( لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) فإنّ من جنسها ما يؤكل كالغنم، ومنها
ما يؤكل ويركب، كالإبل والبقر.
وقيل: المراد بالأنعام هاهنا الإبل خاصّة، لأنّها الّتي تركب ويحمل عليها في أكثر العادات.
( وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ ) كالألبان والجلود والأوبار والأصواف والأشعار( وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ) بأن تركبوها وتبلغوا المواضع الّتي تقصدونها بحوائجكم بالمسافرة عليها( وَعَلَيْها ) في البرّ( وَعَلَى الْفُلْكِ ) في البحر( تُحْمَلُونَ ) .
وإنّما قال:( وَعَلَى الْفُلْكِ ) ولم يقل: في الفلك، للمزاوجة. أو لأنّ معنى الإيعاء(١) ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم، لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها. فلمّا صحّ المعنيان صحّت العبارتان، كما قال:( قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) (٢) .
ولم يقل: ولتأكلوا، ليكون موافقا لـما قبله وما بعده في التعليل، كما هو مقتضى النظم، لأنّ الركوب قد يكون في الحجّ والغزو، وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم. وهذه أغراض دينيّة إمّا واجبة أو مندوبة ممّا يتعلّق به إرادة الحكيم. وأمّا الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الّذي لا يتعلّق به أمره، لأنّ الأمر لا يكون إلّا بما فيه ترجيح من واجب أو ندب، والمباح إنّما يكون مساوي الطرفين لا رجحان فيهما أصلا في نظر الشرع. فلأجل ذلك الفرق أورد الغرض في الركوب، وترك في الأكل. أو للفرق بين العين والمنفعة.
( وَيُرِيكُمْ آياتِهِ ) دلالة الدالّة على كمال قدرته وفرط رحمته( فَأَيَّ آياتِ اللهِ ) جاءت على اللغة المستفيضة المشهورة. وقولك: فأيّة آيات الله، قليل، لأنّ
__________________
(١) أوعيت الزاد والمتاع في الوعاء، إذا جعلته في الوعاء وأدخلته فيه.
(٢) هود: ٤٠.
التفرقة بين المذكّر والمؤنّث في الأسماء غير الصفات ـ نحو: حمار وحمارة ـ غريب، وهي في «أيّ» أغرب، لإبهامه. والمعنى: أيّ آية من تلك الآيات( تُنْكِرُونَ ) فإنّها لظهورها لا تقبل الإنكار. وهو ناصب «أيّ»، إذ لو قدّرته متعلّقا بضميره كان الأولى رفعه.
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥) )
ثمّ قال سبحانه مخاطبا للكفّار الّذين جحدوا آيات الله، وأنكروا أدلّته الدالّة على توحيده:( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ ) ما بقي منهم من القصور والمصانع ونحوهما.
وقيل: آثار أقدامهم في الأرض، لعظم أجرامهم.( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ) نافية، أو استفهاميّة منصوبة بـ «أغنى»، أي: أيّ شيء أغنى عنهم؟!( ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) موصولة، أو مصدريّة مرفوعة به، أي: مكسوبهم، أو كسبهم.
( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات أو الآيات الواضحات( فَرِحُوا
بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) واستحقروا علم الرسل. والمراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة، كقوله تعالى:( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) (١) . وهو قولهم: لا نبعث ولا نعذّب.( وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) (٢) .( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ) (٣) . وكانوا يفرحون بذلك، ويدفعون به البيّنات وعلم الأنبياء، كما قالعزوجل ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (٤) . وسمّاها علما على زعمهم تهكّما بهم.
أو(٥) العلوم الطبيعيّة والفلسفة والتنجيم، وعلوم الدهريّين من بني يونان. وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه، وصغّروا علم الأنبياء إلى علمهم.
وعن سقراط: أنّه سمع بموسىعليهالسلام ، وقيل له: لو هاجرت إليه. فقال: نحن قوم مهذّبون، فلا حاجة إلى من يهذّبنا.
أو علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى:( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ) (٦) .( ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) (٧) . فلمّا جاءهم الرسل بعلوم الديانات ـ وهي أبعد شيء من علمهم، لبعثها على رفض الدنيا، وذمّ الملاذّ والشهوات ـ لم يلتفتوا إليها، وصغّروها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنّه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به.
أو علم الأنبياء. وفرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم به. ويؤيّده( وَحاقَ )
__________________
(١) النمل: ٦٦.
(٢) فصّلت: ٥٠.
(٣) الكهف: ٣٦.
(٤) الروم: ٣٢.
(٥) عطف على قوله: والمراد بالعلم عقائدهم ...، في بداية الفقرة السابقة.
(٦) الروم: ٧.
(٧) النجم: ٣٠.
وحلّ ونزل( بِهِمْ ما كانُوا بِهِ ) جزاء ما كانوا به( يَسْتَهْزِؤُنَ ) .
وقيل: الفرح أيضا للرسل، فإنّهم لـمّا رأوا تمادي جهل الكفّار وسوء عاقبتهم، فرحوا بما أوتوا من العلم، وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ) شدّة عذابنا. ومنه قوله تعالى:( بِعَذابٍ بَئِيسٍ ) (١) .( قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ) يعنون أصنامهم.
( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ) لامتناع قبوله حينئذ، لأنّ فعل الملجأ لا يقبل، ولا يستحقّ به المدح. ولذلك قال:( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ ) بمعنى: لم يصحّ ولم يستقم. ولم يقل: فلم ينفعهم إيمانهم.
وترادف هذه الفاءات، أمّا في قوله:( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ) فلأنّه نتيجة قوله:( كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ ) . وأمّا في قوله:( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) فجار مجرى البيان والتفسير لقوله:( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ) . كقولك: رزق زيد المال، فمنع المعروف، فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ) تابع لقوله( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ ) . كأنّه قال: فكفروا، فلمّا رأوا بأسنا آمنوا. وكذلك:( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ ) تابع لإيمانهم لـمّا رأوا بأس الله.
( سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ ) أي: سنّ الله ذلك سنّة ماضية في العباد. والمراد الطريقة المستمرّة من فعله بأعدائه الجاحدين. وهي من المصادر المؤكّدة.( وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ) أي: وقت رؤيتهم البأس. اسم مكان استعير للزمان.
__________________
(١) الأعراف: ١٦٥.
(٤١)
سورة حم السجدة «فصّلت»
مكّيّة. وهي أربع وخمسون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ حم السجدة أعطي بعدد كلّ حرف منها عشر حسنات».
وروى ذريح المحاربي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ حم السجدة كانت له نورا يوم القيامة مدّ بصره وسرورا، وعاش في هذه الدنيا محمودا مغبوطا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة المؤمن بذكر المنكرين لآيات الله، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ) إن جعل اسما للسورة كان مبتدأ، وخبره( تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . وإن جعل تعديدا للحروف، فـ «تنزيل» خبر محذوف.
أو مبتدأ، لتخصّصه بالصفة، وخبره( كِتابٌ ) . وهو على الأوّلين بدل منه، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. وقد تقدّم(١) القول فيه.
وقيل في وجه الاشتراك في افتتاح هذه السور السبع بـ «حم» وتسميتها به: إنّها مصدّرة ببيان الكتاب، متشاكلة في النظم والمعنى. وإضافة التنزيل إلى الرحمن الرحيم، للدلالة على أنّه مناط المصالح الدينيّة والدنيويّة.
( فُصِّلَتْ آياتُهُ ) ميّزت باعتبار اللفظ، وجعلت تفاصيل في معان مختلفة، من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد وغير ذلك.
( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) نصب على المدح أو الحال من «فصّلت». وفيه امتنان بسهولة قراءته وفهمه.
( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصّلة المبيّنة بلسانهم العربيّ المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه. أو لأهل العلم والنظر.
وهو صفة اخرى لـ «قرآنا». أو صلة لـ «تنزيل» أو لـ «فصّلت» أي: تنزيل من الله لأجلهم، أو فصّلت آياته لهم. والأجود أن يكون صفة، لوقوعه بين الصفات. والمعنى: قرآنا عربيّا كائنا لقوم يعلمون.
( بَشِيراً ) للعاملين به( وَنَذِيراً ) للمخالفين له( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ) عن تدبّره وقبوله( فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) سماع تأمّل وطاعة، فكأنّهم لا يسمعونه رأسا. من قولك: تشفّعت إلى فلان فلم يسمع قولي. ولقد سمعه، ولكنّه لـمّا لم يقبله ولم يعمل
__________________
(١) راجع ص ٥٤، ذيل الآية ١ من سورة الزمر.
بمقتضاه فكأنّه لم يسمعه.
( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ) أغطية جمع كنان، وهو الغطاء( مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ) صمم. وأصله الثقل.( وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) يمنعنا عن التواصل. «من» لإفادة أنّ الحجاب ابتدأ منّا وابتدأ منك، بحيث استوعب المسافة المتوسّطة، ولم يبق فراغ.
وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقادهم، كأنّها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، كقوله:( وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ) (١) . ومجّ أسماعهم له، كأنّ بها صمما عنه. وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . يعني: لأجل تباعد المذهبين كأنّ بينهم وما هم عليه، وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما هو عليه، حجابا ساترا وحاجزا منيعا من جبل ونحوه.
( فَاعْمَلْ ) على دينك، أو في إبطال أمرنا( إِنَّنا عامِلُونَ ) على ديننا، أو في إبطال أمرك. قيل: إنّ أبا جهل رفع ثوبا بينه وبين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا محمد أنت من ذلك الجانب ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك ومذهبك، إنّنا عاملون على ديننا ومذهبنا.
( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) لست ملكا ولا جنّيّا لا يمكنكم التلقّي منه، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والأسماع، وإنّما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل، وقد يدلّ عليهما دلائل العقل وشواهد النقل.
( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ) فاستقيموا في أفعالكم متوجّهين إليه. أو فاستووا إليه بالتوحيد والإخلاص، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم الشيطان( وَاسْتَغْفِرُوهُ ) وتوبوا إليه ممّا أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل.
ثمّ هدّدهم على ذلك بقوله:( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) من فرط جهالتهم
__________________
(١) البقرة: ٨٨.
واستخفافهم بالله تعالى( الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) لبخلهم، وعدم إشفاقهم على الخلق، وحرصهم على حبّ الدنيا، وذلك من أعظم الرذائل، وأقرب الأسباب إلى، الكفر.
وفيه دليل على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع، وحثّ شديد على أداء الزكاة، وتخويف بليغ من منعها، حيث جعله مقرونا بالكفر.
وعن عطاء عن ابن عبّاس أنّ معناه: لا يفعلون ما يزكّي أنفسهم، وهو الإيمان والطاعة.
( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) حال مشعرة بأنّ امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم الآخرة، فإنّ المال أحبّ الأشياء إلى الإنسان، فإذا بذله في سبيل الله دلّ ذلك على ثباته في الدين وصدق نيّته.
وعن الفرّاء: أن ذكر الزكاة في هذا الموضع لأجل أنّ قريشا كانت تطعم الحاجّ وتسقيهم، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) )
ثمّ عقّب ما ذكره من وعيد الكافرين بذكر الوعد للمؤمنين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) لا يمنّ به عليهم. من المنّ، وأصله القطع، من: مننت الحبل إذا قطعته.
وقيل: نزلت في المرضى والهرمى والزمنى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون.
( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ ) بتحقيق الهمزتين، أو الثانية بين بين، أو بألف بينهما. والاستفهام للتعجيب. والمعنى: كيف تستجيزون أن تكفروا بمن خلق الأرضين السبع( فِي يَوْمَيْنِ ) في مقدار يومين. أو نوبتين، بأن خلق في كلّ نوبة ما خلق في أسرع ما يكون.
ويحتمل أن يكون المراد من الأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنّه خلق لها أصلا مشتركا، ثمّ خلق لها صورا بها صارت أنواعا، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته.
( وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ) أمثالا وأشباها، ولا يصحّ أن يكون له ندّ( ذلِكَ ) الّذي خلق الأرض في يومين( رَبُّ الْعالَمِينَ ) خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربّيها، ومالك التصرّف فيهم.
( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) جبالا ثابتات. استئناف غير معطوف على «خلق» للفصل بما هو خارج عن الصلة.( مِنْ فَوْقِها ) مرتفعة عليها ليظهر ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها معرّضة للطلّاب، حاضرة لمحصّليها.
وليبصر أنّ الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلّها مفتقرة إلى ممسك لا بدّ لها منه، وهو ممسكها عزّ وعلا بقدرته. ولو كانت تحتها كالأساطين لاستقرّت الأرض عليها، أو كانت مركوزة فيها كالمسامير لمنعت من الميدان. وأيضا لفاتت الفوائد المذكورة.
( وَبارَكَ فِيها ) وأكثر خيرها وأنماها، بأن خلق فيها أنواع النباتات والحيوانات( وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها ) أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، بأن عيّن لكلّ نوع ما يصلحه ويعيش به. أو أقواتا تنشأ منها، بأن خصّ حدوث كلّ
قوت بقطر من أقطارها.
( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) في تتمّة أربعة أيّام من حين ابتداء الخلق. فاليومان الأوّلان داخلان فيها، كما تقول: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيّام، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتمّة خمسة عشر. ولم يقل: في يومين كما في الأوّل، للإشعار باتّصالهما باليومين الأوّلين، والتصريح على الفذلكة لمدّة خلق الله الأرض وما فيها.
( سَواءً ) أي: استوت سواء، بمعنى استواء. والجملة صفة «أيّام». ويدل عليه قراءة يعقوب بالجرّ. والمعنى: أربعة أيّام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان.
وقيل: حال من الضمير في «أقواتها» أي: قدّر الأقوات في الأرض حال كون الأرض مستوية في هذا الحكم.
( لِلسَّائِلِينَ ) متعلّق بمحذوف تقديره: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو بـ «قدّر» أي: قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها، المحتاجين إليها من المقتاتين.
وإنّما خلق الأرض وما فيها في هذه المدّة على التأنّي والتدريج، مع أنّه كان قادرا على إيجادها لحظة واحدة، ليعلم أنّ من الصواب التأنيّ في الأمور، وترك الاستعجال فيها، كما في الحديث: «التأنّي من الرحمن، والعجلة من الشيطان».
وليعلم بذلك أنّها صادرة عن قادر مختار عالم بالمصالح وبوجوه الأحكام، إذ لو صدرت عن مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة.
وروى عكرمة عن ابن عبّاس، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ الله تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق الشجرة والماء والعمران والخراب يوم الأربعاء. فتلك أربعة أيّام. وخلق يوم الخميس السماوات، وخلق يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم».
( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) )
ولـمّا بيّن خلق الأرض وما فيها، ذكر خلق السماوات، فقال:( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) قصد نحوها. من قولهم: استوى إلى مكان كذا، إذا توجّه إليه توجّها لا يلوي على غيره. وهو من الاستواء الّذي هو ضدّ الاعوجاج. ونحوه قولهم: استقام إليه وامتدّ إليه. ومنه قوله تعالى:( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ) (١) .
والمعنى: ثمّ دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها، من غير صارف يصرفه عن ذلك. والظاهر أنّ «ثمّ» لتفاوت ما بين الخلقين، لا للتراخي في المدّة، لقوله:( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) (٢) . ودحوها متقدّم على خلق الجبال من فوقها.
( وَهِيَ دُخانٌ ) ظلمانيّ. قيل: كان عرشه قبل خلق السماوات والأرض على
__________________
(١) فصّلت: ٦.
(٢) النازعات: ٣٠.
الماء، فأخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثمّ فتقها فجعلها أرضين، ثمّ خلق السماء من الدخان المرتفع.
ويحتمل أنّه أراد بالدخان مادّتها والأجزاء المتصغّرة الّتي تركّبت منها.
( فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا ) بما خلقت فيكما من التأثير والتأثّر، وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوّعة. والمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي: ائتي يا أرض مدحوّة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مقبّبة سقفا لهم. أو ائتيا في الوجود، على أنّ الخلق السابق بمعنى التقدير.
وقيل: إتيان السماء حدوثها، وإتيان الأرض أن تصير مدحوّة.
ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كلّ واحدة منكما صاحبتها الإتيان الّذي أريده وتقتضيه حكمتي وتدبيري، من كون الأرض قرارا للسماء، وكون السماء سقفا للأرض.
( طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) أي: شئتما ذلك أو أبيتما. والمراد إظهار كمال قدرته، ووجوب وقوع مراده، لا إثبات الطوع والكره لهما. وهما مصدران وقعا موقع الحال، أي: طائعين أو كارهين.
( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) منقادين بالذات. والأظهر أنّ المراد تصوير تأثير قدرته فيهما، وتأثّرهما بالذات عن قدرته، من غير أن يحقّق شيء من الخطاب والجواب. ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقّني؟ قال الوتد: سل من يدقّني فلم يتركني. أو تمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع، كقوله: «كن فيكون». فمعنى إتيانهما وامتثالهما: أنّه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع. فهو من المجاز الّذي يسمّى التمثيل. وما قيل: إنّه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب
إنّما يتصوّر على الوجه الأوّل والأخير لا المتوسّط، لأنّ الإقدار فرع الوجود.
وإنّما قال: «طائعين» ولم يقل: طائعتين على اللفظ، أو طائعات على المعنى، لأنّهما سماوات وأرضون، باعتبار كونهما مخاطبتين، فتكونا كقوله:( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (١) .
( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ) فخلقهنّ خلقا إبداعيّا، وأتقن أمرهنّ. والضمير للسماء على المعنى، أو مبهم. و «سبع سموات» حال على الأوّل، وتمييز على الثاني.( فِي يَوْمَيْنِ ) قيل: خلق السماوات يوم الخميس، والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة.( وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ) شأنها وما يتأتّى منها، بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا. وقيل: أوحى إلى أهلها بأوامره.
( وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) فإنّ الكواكب كلّها ترى كأنّها تتلألأ عليها( وَحِفْظاً ) وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا. وقيل: مفعول له على المعنى، كأنّه قال: وخصّصنا السماء الدّنيا بمصابيح زينة وحفظا.( ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) البالغ في القدرة والعلم.
( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) عن الإيمان بعد هذا البيان( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً ) مهلكة تنزل بكم كما نزلت بمن قبلكم. أو فحذّرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنّه صاعقة.( مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ) .
( إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ) حال من( صاعِقَةِ عادٍ ) . ولا يجوز جعله صفة لـ «صاعقة»، أو ظرفا لـ «أنذرتكم»، لفساد المعنى.( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) أتوهم من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كلّ جهة. أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عمّا جرى فيه على الكفّار، ومن جهة المستقبل بالتحذير عمّا أعدّ لهم في الآخرة. وكلّ من اللفظين يحتملهما. أو من قبلهم ومن بعدهم، إذ قد بلغهم خبر
__________________
(١) يوسف: ٤.
المتقدّمين، وأخبرهم هود وصالح عن المتأخّرين، داعيين إلى الإيمان بهم أجمعين.
ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة، كقوله تعالى:( يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) (١) .
( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) بأن لا تعبدوا. أو أي: لا تعبدوا. أو مخفّفة من الثقيلة، أصله: بأنّه لا تعبدوا، أي: بأنّ الشأن والحديث قولنا لكم: لا تعبدوا.
( قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا ) إرسال الرسل( لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) برسالته( فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) على زعمكم( كافِرُونَ ) إذ أنتم بشر مثلنا، لا فضل لكم علينا.
( فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) )
( فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ ) فتعظّموا فيها على أهلها بغير استحقاق( وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) اغترارا بقوّتهم وشوكتهم. قيل: كان من قوّتهم أنّ الرجل منهم ينزع الصخرة فيقتلعها بيده.( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً )
__________________
(١) النحل: ١١٢.
قدرة، فإنّه قادر بالذات، مقتدر على ما لا يتناهى، قويّ على ما لا يقدر عليه أحد غيره( وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) يعرفون أنّها حقّ فينكرونها. وهو عطف على «فاستكبروا».
( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ) باردة تهلك بشدّة بردها. من الصرّ، وهو البرد الّذي يصرّ، أي: يجمع. أو شديدة الصوت في هبوبها. من الصرير.( فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ ) جمع نحسة، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا. وقرأ الحجازيّان والبصريّان بالسكون، على التخفيف، أو النعت على فعل، أو الوصف بالمصدر.
وقيل: كنّ آخر الشوّال، من الأربعاء إلى الأربعاء. وما عذّب قوم إلّا في يوم الأربعاء.
( لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أضاف العذاب إلى الخزي ـ وهو الذلّ ـ على قصد وصفه به، من إضافة الموصوف إلى الصفة، لقوله:( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى ) وهو في الأصل صفة المعذّب، وإنّما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة.( وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) بدفع العذاب عنهم.
( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ) فدللناهم على الحقّ، بنصب الحجج وإرسال الرسل( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) فاختاروا الضلالة على الهدى، والكفر على الإيمان( فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ ) صاعقة من السماء فأهلكتهم. وإضافتها إلى العذاب ووصفه بالهون للمبالغة، أو بحذف المضاف، أي: ذي الهون، وهو الهوان ـ أي: العذاب ـ الّذي يهينهم.( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) من اختيار الضلالة والكفر.
( وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) من تلك الصاعقة.
( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) )
( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النَّارِ ) وقرأ نافع: نحشر، بالنون المفتوحة وضمّ الشين، ونصب «أعداء».( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) يحبس أوّلهم على آخرهم لئلّا يتفرّقوا. وهو عبارة عن كثرة أهل النار.
( حَتَّى إِذا ما جاؤُها ) إذا حضروها. و «ما» مزيدة لتأكيد اتّصال الشهادة بالحضور.( شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) بأن ينطقها الله، أو يظهر عليها آثارا تدلّ على ما اقترف بها، فينطق بلسان الحال.
( وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ) سؤال توبيخ أو تعجّب. ولعلّ المراد بالجلود النفس الحيوانيّة.( قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) أي: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الّذي أنطق كلّ شيء. أو ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الّذي أنطق كلّ حيّ. ولو أوّل الجواب والنطق بدلالة الحال بقي الشيء عامّا في الموجودات الممكنة.( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود، وأن يكون استئنافا.
( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ) أي: كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، وما ظننتم أنّ أعضاءكم تشهد عليكم بها، فما استترتم عنها. وفيه تنبيه على أنّ المؤمن ينبغي أن يتحقّق أنّه لا يمرّ عليه حال إلا وهو عليه رقيب.( وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ) فلذلك اجترأتم على ما فعلتم.
( وَذلِكُمْ ) إشارة إلى ظنّهم هذا. وهو مبتدأ، وقوله:( ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ ) خبران له. ويجوز أن يكون «ظنّكم» بدلا، و «أرداكم» خبرا.
( فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببا لشقاء المنزلين.
( فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) لا خلاص لهم عنها( وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا ) يسألوا العتبى. وهي الرجوع إلى ما يحبّون.( فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ) المجابين إليها.
ونظيره قوله تعالى حكاية:( أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) (١) .
( وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما
__________________
(١) إبراهيم: ٢١.
كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) وَقَيَّضْنا ) أي: قدّرنا( لَهُمْ ) للكفرة( قُرَناءَ ) أخدانا(١) من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض، وهو القشر. وقيل: أصل القيض البدل.
ومنه: المقايضة للمعاوضة.( فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) من أمر الدنيا واتّباع الشهوات( وَما خَلْفَهُمْ ) من أمر الآخرة وإنكاره. فدعوهم إلى التكذيب به، وأن لا جنّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب.
( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) أي: كلمة العذاب( فِي أُمَمٍ ) في جملة أمم بالخسران والهلاك. وهو حال من الضمير المجرور في «عليهم».( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) وقد عملوا مثل أعمالهم( إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ) تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) وعارضوه بالهذيان. أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوّشوه على القارئ. يقال: لغي يلغى، ولغا يلغو، إذا هذى.( لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) أي: تغلبونه على قراءته.
( فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً ) المراد بهم هؤلاء القائلون، أو عامّة الكفّار( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) جزاء سيّئات أعمالهم. وقد سبق مثله.
( ذلِكَ ) إشارة إلى الأسوأ، مبتدأ( جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ ) خبره( النَّارُ ) عطف بيان للجزاء، أو خبر محذوف( لَهُمْ فِيها ) في النار( دارُ الْخُلْدِ ) فإنّها دار إقامتهم. وهو كقولك: في هذه الدار دار سرور، وتعني بالدار عينها، على أنّ المقصود هو
__________________
(١) أخدان جمع خدن، وهو الحبيب والصاحب.
الصفة.( جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) ينكرون الحقّ. أو يلغون، وذكر الجحود الّذي هو سبب اللغو.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) يعني: شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان. وقيل: هما إبليس وقابيل، فإنّهما سنّا الكفر والقتل.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والسوسي: أرنا بالتخفيف، كفخذ في فخذ. وقرأ الدوري باختلاس(١) كسرة الراء.
( نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا ) ندوسهما انتقاما منهما. وقيل: نجعلهما في الدرك الأسفل.( لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ) مكانا، أو ذلّا.
( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
__________________
(١) اختلس القارئ الحركة: لم يبلّغها. ويقابله الإشباع. وهو تبليغ الحركة حتّى تصير حرف مدّ.
(٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) )
ولـمّا ذكر سبحانه وعيد الكفّار، عقّبه بذكر الوعد للمؤمنين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ) اعترافا بربوبيّته، وإقرارا بوحدانيّته( ثُمَّ اسْتَقامُوا ) ثبتوا على الإقرار ومقتضياته، من فعل الأعمال الصالحة، وترك الأفعال السيّئة. و «ثمّ» لتراخي الاستقامة عن الإقرار في الرتبة وفضلها عليه، من حيث إنّ الإقرار مبدأ الاستقامة، أو لأنّها عسر قلّما تتبع الإقرار.
وعن عليّعليهالسلام معناه: «أدّوا الفرائض بعد الإقرار».
وقال سفيان بن عبد الله الثقفي: «قلت: يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به.
قال: قل: ربّي الله ثمّ استقم. قال: فقلت: ما أخوف ما تخاف عليّ. فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلسان نفسه فقال: هذا».
وعن أنس قال: قرأ علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية ثمّ قال: «قد قالها ناس ثمّ كفر أكثرهم. فمن قالها حتّى يموت فهو ممّن استقام عليها».
وروى محمّد بن الفضيل قال: «سألت أبا الحسن الرضاعليهالسلام عن الاستقامة، فقال: هي والله ما أنتم عليه».
( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم( أَلَّا تَخافُوا ) ما تقدمون عليه( وَلا تَحْزَنُوا ) على ما خلّفتم. والخوف: غمّ يلحق لتوقّع المكروه. والحزن: غمّ يلحق لوقوعه، من فوات نافع أو حصول ضارّ. والمعنى: إنّ الله كتب لكم الأمن من كلّ غمّ، فلن تذوقوه أبدا. و «أن» مصدريّة، أو مخفّفة مقدّرة بالباء. وأصله: بأنّه لا تخافوا. أو مفسّرة.( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) في الدنيا على لسان الرسل.
( نَحْنُ ) معاشر الملائكة( أَوْلِياؤُكُمْ ) أنصاركم وأحبّاؤكم( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) نتولّى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى، ونلهمكم الحقّ، ونحملكم على الخير، بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة( وَفِي الْآخِرَةِ ) بالشفاعة والكرامة، حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم، ولا نفارقكم إلى أن ندخلكم الجنّة( وَلَكُمْ فِيها ) في الآخرة( ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) من اللذائذ( وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ) ما تتمنّون. من الدعاء بمعنى الطلب. وهو أعمّ من الأوّل.
( نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) حال من «ما تدّعون» للإشعار بأنّ ما يتمنّون بالنسبة إلى ما يعطون ممّا لا يخطر ببالهم كالنزل، أي: كرزق النزيل، وهو الضيف.
( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ) صورته صورة الاستفهام، والمراد به النفي. وتقديره: وليس أحد أحسن قولا( مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ ) إلى عبادته( وَعَمِلَ صالِحاً ) فيما بينه وبين ربّه( وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) المستسلمين لأمر الله تعالى، المنقادين لطاعته. وليس الغرض أنّه تكلّم بهذا الكلام، بل المراد أنّه اتّخذ دين الإسلام مذهبه، كما تقول: هذا قول فلان، والمراد مذهبه.
والآية عامّة في كلّ من جمع بين هذه الثلاث، وهي: أن يكون موحّدا، معتقدا لدين الإسلام، عاملا بالخير، داعيا إليه. وما هم إلّا طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد، الدعاة إلى دين الله.
وعن ابن عبّاس: نزلت في النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: في المؤذّنين.
وفي هذه الآية دلالة على أنّ الدعاء إلى الدّين من أعظم الطاعات وأجلّ الواجبات. والداعي يجب أن يكون عاملا بعلمه، ليكون الناس إلى القبول منه أقرب، وإليه أسكن.
( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ) في الجزاء وحسن العاقبة. و «لا» الثانية
مزيدة لتأكيد النفي.( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ادفع السيّئة حيث اعترضتك بالحسنة الّتي هي أحسن منها، على أنّ المراد بالأحسن الزائد مطلقا. أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات. ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والّتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمّك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوّه.
وإنّما لم يقل: فادفع، لأنّه أخرجه مخرج الاستئناف، على أنّه جواب من قال: كيف أصنع؟ للمبالغة. ولهذا آثر «أحسن» على الحسنة ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة، لأنّ من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها.
وعن ابن عبّاس: «الّتي هي أحسن» الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّ الحسنة التقيّة، والسيّئة الإذاعة».
( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) أي: إذا فعلت ذلك صار عدوّك المشاقّ مثل الوليّ الشفيق والحميم الشقيق.
( وَما يُلَقَّاها ) وما يلقّى هذه السجيّة الّتي هي مقابلة الإساءة بالإحسان( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) فإنّها تحبس النفس عن الانتقام( وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) من الخير وكمال النفس. وقيل: الحظّ العظيم الجنّة.
( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ) وإن يصبك( مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ) نخس. شبّه به وسوسته، لأنّها تبعث الإنسان على ما لا ينبغي، كالدفع بما هو أسوأ. وجعل النزغ نازغا، على طريقة: جدّ جدّه. أو أريد به نازغ، وصفا للشيطان بالمصدر للمبالغة.
والمعنى: وإن صرفك الشيطان عمّا وصّيت به من الدفع بالّتي هي أحسن( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) من شرّه، ولا تطعه، وامض على شأنك( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لاستعاذتك( الْعَلِيمُ ) بنيّتك، أو بصلاحك.
( وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) )
ثمّ ذكر دلالات التوحيد فقال:( وَمِنْ آياتِهِ ) أي: حججه الدالّة على وحدانيّته، وأدلّته على صفاته الّتي باين به جميع خلقه( اللَّيْلُ ) بذهاب الشمس عن بسيط الأرض( وَالنَّهارُ ) بطلوعها على وجهها، وتقديرهما على وجه مستقرّ، وتدبيرهما على نظام مستمرّ( وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) وما اختصّا به من النور، وما ظهر فيهما من التدبير في المسير، والتصريف في فلك التدوير.
( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ ) وإن كان فيهما منافع كثيرة، لأنّهما مخلوقان
مأموران مثلكم( وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ ) الضمير للأربعة المذكورة، فإنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، يقال: الأقلام بريتها وبريتهنّ. أو لـمّا قال: «ومن آياته» كنّ في معنى الآيات، فقيل: «خلقهنّ». والمقصود تعليق الفعل بهما إشعارا بأنّهما من عداد ما لا يعلم.( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) إن كنتم تقصدون بعبادتكم الله كما تزعمون فاسجدوا له، فإنّ السجود أخصّ العبادات.
والآية نزلت في ناس منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر، كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنّهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصا إن كانوا إيّاه يعبدون، وكانوا موحّدين غير مشركين.
وهذا موضع السجود عندنا وعند الشافعي، للأمر به. وعند أبي حنيفة الآية الاخرى، لأنّها من تمام المعنى.
( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ) ولم يمتثلوا ما أمروا به، وأبوا إلّا الواسطة، فدعهم وشأنهم( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) من الملائكة. وهذا عبارة عن الزلفى ومزيّة المكانة والكرامة.
( يُسَبِّحُونَ لَهُ ) ينزّهونه عن الأنداد( بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) أي: دائما، لقوله:( وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) لا يملّون.
( وَمِنْ آياتِهِ ) الدالّة على ربوبيّته( أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ) يابسة متطامنة. مستعار من الخشوع بمعنى التذلّل. وصفها بالهمود في قوله تعالى:( وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ) (١) . وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربوّ في قوله:( فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ) تزخرفت بالنبات، كأنّها بمنزلة المختال في زيّه( وَرَبَتْ ) وانتفخت به( إِنَّ الَّذِي أَحْياها ) بعد موتها( لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) من الإحياء والإماتة.
__________________
(١) الحجّ: ٥.
( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ ) يميلون عن الاستقامة( فِي آياتِنا ) يقال: ألحد الحافر ولحد، إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شقّ. فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحّة والاستقامة، والطعن فيها، وإلقاء المزخرفات، وفعل المكاء(١) والصفير في أثناء قراءتها.( لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ) فنجازيهم على إلحادهم.
( أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ ) وهم الملحدون( أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) من عذاب الله. وهم المؤمنون المطيعون. والاستفهام للتقرير، أي: لا يستويان أصلا. قابل الإلقاء في النار بالإتيان آمنا مبالغة في إحماد حال المؤمنين.( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) تهديد شديد( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) عالم لا يخفى عليه شيء منها.
ثمّ أخبر عنهم مهجّنا لهم، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا ) بعد إذ( جاءَهُمْ ) بدل من قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا ) . أو مستأنف. وخبر «إنّ» محذوف، مثل: معاندون، أو يجازون بكفرهم. وعن أبي عمرو بن العلاء النحويّ: أنّ خبره( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) (٢) . والمراد بالذكر القرآن، لأنّهم ـ لكفرهم به ـ طعنوا فيه وحرّفوا تأويله.( وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ) كثير النفع، عديم النظير، أو منيع محميّ بحماية الله من التغيير والتبديل.
( لا يَأْتِيهِ ) لا يتطرّق إليه( الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) وهذا مثل، كأنّ الباطل لا يتطرّق إليه، ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتّى يصل إليه ويتعلّق به. أو المراد: ليس في إخباره عمّا مضى باطل، ولا في إخباره عمّا يكون
__________________
(١) مكا مكاء: صفر بفيه.
(٢) فصّلت: ٤٤.
في المستقبل باطل، بل أخباره كلّها موافقة لمخبراتها. وهذا القول مرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وقيل: إنّ الباطل الشيطان. ومعناه: لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقّا، أو يزيد فيه باطلا. والطاعنون المبطلون وإن كانوا يطعنون فيه ويتأوّلونه بالباطل، لكنّ الله حماه عن تعلّق باطلهم به، بأن قيّض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلّوا طعن طاعن إلّا ممحوقا، ولا قول مبطل إلّا مضمحلّا. ونحوه قوله:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (١) .
( تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ ) أيّ حكيم( حَمِيدٍ ) يحمده كلّ مخلوق بما ظهر عليه من نعمه.
( ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) )
ثمّ سلّى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن تكذيب المبطلين، فقال:( ما يُقالُ لَكَ ) أي: ما يقول لك كفّار قومك( إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) إلّا مثل ما قال لهم كفّار قومهم.
وقيل: معناه: ما يقول الله لك إلّا مثل ما قال لهم، وهو الأمر بالدعاء إلى الحقّ في عبادة الله ولزوم طاعته، فهذا القرآن موافق لـما قبله من الكتب.( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ) لذو رحمة سابغة لأنبيائه( وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ) لأعدائهم. وهو على الثاني يحتمل أن يكون مقول القول. يعني: أنّ حاصل ما أوحي إليك وإليهم وعد المؤمنين بالمغفرة، ووعيد الكافرين بالعقوبة. فمن حقّه أن يرجوه أهل طاعته، ويخافه أهل معصيته.
__________________
(١) الحجر: ٩.
( وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) )
روي: أنّ المعاندين لفرط تعنّتهم كانوا يقولون: هلّا نزّل عليك القرآن بلغة العجم. فنزلت:( وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا ) الضمير للذكر( لَقالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آياتُهُ ) بيّنت بلسان نفقهه( ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌ ) أَكلام أعجميّ ومخاطب عربيّ؟
والهمزة للإنكار. والأعجميّ يقال للّذي لا يفهم كلامه.
وهذا قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي. وقرأ قالون وأبو عمرو بالمدّ والتسهيل. وورش بالمدّ وإبدال الثانية ألفا. وابن كثير وابن ذكوان وحفص بتسهيل الثانية بغير مدّ. وهشام: أعجميّ، على الإخبار.
والمعنى: إنّ القوم غير طالبين للحقّ، وإنّما يتّبعون أهواءهم الباطلة وآراءهم الزائغة. فآيات الله على أيّ طريقة جاءتهم كانوا غير منفكّين عن التعنّت فيها، مقترحين غيرها، لفرط العناد واللجاج.
لا يقال: كيف يقال عربيّ والحال أنّ الآية نزلت في أمّة العرب؟
لأنّا نقول: مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أنّ المكتوب إليه واحد أو جماعة، فوجب أن يجرّد لـما سيق إليه من الغرض، ولا يوصل به ما يخيّل غرضا آخر. ألا تراك تقول ـ وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة ـ: اللباس طويل واللابس قصير. ولو قلت: واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول، لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، وإنّما وقع في غرض غيرهما.
( قُلْ هُوَ ) أي: القرآن( لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً ) إلى الحقّ( وَشِفاءٌ ) لـما في الصدور من كلّ شكّ وشبهة. سمّي اليقين شفاء، كما سمّي الشكّ مرضا في قوله:( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) (١) .( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) مبتدأ خبره( فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ) على تقدير: هو في آذانهم ثقل( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) وذلك لتصامّهم عن سماعه، وتعاميهم عمّا يريهم من الآيات. ومن جوّز العطف على عاملين عطف قوله:( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) على( لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً ) أي: هو للّذين لا يؤمنون في آذانهم وقر.( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) أي: انّهم لا يقبلونه، ولا يرعونه أسماعهم، فمثلهم في شدّة إعراضهم عنه، مثل من يصاح به من مسافة بعيدة لا يسمع من مثلها الصوت، فلا يسمع النداء.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) )
ثمّ سلّى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن جحود قومه له وإنكارهم لنبوّته بقوله:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) بالتصديق والتكذيب، كما اختلف في القرآن، فلا تحزن ولا تبخع(٢) نفسك عليهم حسرات( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) وهي العدة بالقيامة، وفصل الخصومة في ذلك اليوم. أو تقدير الآجال.( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) في الدنيا باستئصال المكذّبين قبل انقضاء آجالهم. ومثل ذلك قوله تعالى :
__________________
(١) البقرة: ١٠.
(٢) بخع نفسه: نهكها وكاد يهلكها من غضب أو غمّ.
( وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (١) . وقوله:( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) (٢) .( وَإِنَّهُمْ ) وإنّ اليهود، أو الّذين لا يؤمنون مطلقا( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) من التوراة، أو القرآن( مُرِيبٍ ) موجب للاضطراب وقلق النفس، موقع لهم الريبة، وهي أفظع الشك وأبلغه.
( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ) نفعه، لأنّ ثواب ذلك واصل إليه قطعا( وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) ضرّه، لأنّ عقابه يلحق به دون غيره( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله، بأن يعذّب غير المسيء، وغير ذلك.
وإنّما قال بصيغة المبالغة، مع أنّه لا يظلم مثقال ذرّة، للإشعار بأنّ من فعل الظلم وإن قلّ ـ وهو عالم بقبحه، وبأنّه غنيّ عنه ـ لكان ظلّاما.
وقيل: هذا على طريق الجواب لمن زعم أنّه يظلم العباد، فيأخذ أحدا بذنب غيره، ويثيبه بطاعة غيره، ولا شكّ أنّ ذلك غاية الظلم ونهاية التعدّي.
( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه العالم بوقت القيامة دون غيره، فقال:( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ) أي: قل ذلك لهم إذا سألوا عنها، إذ لا يعلمها إلّا هو( وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها ) من أوعيتها. جمع كمّ بالكسر، وهو وعاء الثمرة. وقرأ نافع وابن عامر
__________________
(١) النحل: ٦١.
(٢) القمر: ٤٦.
وحفص: من ثمرات بالجمع، لاختلاف الأنواع.
و «ما» نافية. و «من» الأولى زائدة للاستغراق. ويحتمل أن تكون موصولة معطوفة على «الساعة». و «من» مبيّنة، بخلاف قوله:( وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ ) بمكان، أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع( إِلَّا بِعِلْمِهِ ) إلّا مقرونا بعلمه واقعا حسب تعلّقه به. فيعلم سبحانه قدر الثمار وأجزاءها وكيفيّتها، من طعومها وروائحها وألوانها. ويعلم ما في بطون الحبالى، وأنواع انتقاله من حال إلى حال، وكيفيّته من الطول والقصر والوسط، ومن الخداج(١) والتمام، والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح.
( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ) ينادي المشركين( أَيْنَ شُرَكائِي ) أضافهم إليه تعالى على زعمهم. وبيانه في قوله:( أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) (٢) وفيه تهكّم وتقريع.
( قالُوا آذَنَّاكَ ) أعلمناك( ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ) من أحد يشهد لهم بالشركة، إذ تبرّأنا عنهم لـمّا جاءنا، فما منّا اليوم إلّا من هو موحّد لك. فيكون السؤال عنهم للتوبيخ. أو من أحد يشاهدهم، لأنّهم ضلّوا عنّا.
وقيل: هو قول الشركاء، أي: ما منّا من شهيد يشهد لهم بأنّهم كانوا محقّين فيما أضافوا إلينا من الشركة.
( وَضَلَّ عَنْهُمْ ما ) أي: آلهة غير الله( كانُوا يَدْعُونَ ) يعبدون( مِنْ قَبْلُ ) في الدنيا، أي: لا يرونهم، أو لا ينفعونهم، فكأنّهم ضلّوا عنهم على التفسير الأخير( وَظَنُّوا ) وأيقنوا( ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) مهرب من عذاب الله. والظنّ معلّق عنه بحرف النفي.
__________________
(١) الخداج: كلّ نقصان في شيء.
(٢) القصص: ٦٢.
( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) )
ثمّ بيّن سبحانه طريقتهم المذمومة في الدنيا بقوله:( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ ) لا يملّ( مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ ) من طلب السعة في النعمة( وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ) الضيقة فيها( فَيَؤُسٌ ) شديد اليأس( قَنُوطٌ ) من فضل الله ورحمته. وقد بولغ فيه من طريقين: بناء فعول، ومن طريق التكرير. والقنوط: أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، أي: يقطع الرجاء من فضل الله وروحه. وهذه صفة الكافر، لقوله تعالى:( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (١) .
( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ) أي: إذا فرّجنا عنه بصحّة بعد مرض، أو سعة بعد ضيق( لَيَقُولَنَّ هذا لِي ) حقّي أستحقّه، لـما لي من الفضل وأعمال البرّ. أو هذا لي لا يزول عنّي. ونحوه قوله تعالى:( فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ
__________________
(١) يوسف: ٨٧.
قالُوا لَنا هذِهِ ) (١) .
( وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) تقوم( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) أي: ولئن قامت ـ على طريق التوهّم ـ كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة. وذلك لاعتقاده أنّ ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفكّ عنه، أو لقياس أمر الآخرة على أمر الدنيا. وعن بعضهم: للكافر أمنيتان، يقول في الدنيا:( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) . ويقول في الآخرة:( يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) (٢) . وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة.
( فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فلنخبرنّهم( بِما عَمِلُوا ) بحقيقة أعمالهم، ولنبصرنّهم عكس ما اعتقدوا فيها من أنّهم يستوجبون عليها كرامة عند الله. وذلك أنّهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس، وطلبا للافتخار والاستكبار لا غير. وكانوا يحسبون أنّ ما هم عليه سبب الغنى والصحّة، وأنّهم محقوقون بذلك( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) شديد متراكم، لا يمكنهم التفصّي عنه.
( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ ) عن الشكر، وأبطرته النعمة حتّى كأنّه لم يلق بؤسا قطّ، فنسي المنعم( وَنَأى بِجانِبِهِ ) عطفه. وهذا عبارة عن الانحراف، كما قالوا: ثنّى عطفه، وتولّى بركنه. فالمعنى: انحرف عنه تكبّرا وتجبّرا عن الاعتراف بنعم الله تعالى، وأعرض وتباعد عنه تكبّرا وتعظّما. أو الجانب مجاز عن النفس، كالجنب في قوله( فِي جَنْبِ اللهِ ) (٣) . فكأنّه قال: ونأى بنفسه، كقولهم في المتكبّر: ذهب بنفسه، وذهبت به الخيلاء كلّ مذهب.
( وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ) الضرّ( فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ) كثير. مستعار ممّا له عرض متّسع، للإشعار بكثرته واستمراره، كما استعير الغلظ لشدّة العذاب. وهو أبلغ من
__________________
(١) الأعراف: ١٣١.
(٢) النبأ: ٤٠.
(٣) الزمر: ٥٦.
الطويل، إذ الطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنّك بطوله؟!( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ) أخبروني( إِنْ كانَ ) أي: القرآن( مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ) من غير نظر واتّباع دليل( مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) أي: من أضلّ منكم. فوضع الموصول موضع الصلة شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم.
وتوضيح المرام في هذا المقام: أنّ الله سبحانه أمر حبيبه بأن يقول لأهل الشرك: إنّ ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجّة قاطعة حصلتم منها على اليقين وثلج(١) الصدور، وإنّما هو قبل النظر واتّباع الدليل أمر محتمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده. وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقّا وقد كفرتم به؟ فأخبروني من أضلّ منكم وأبعد في المشاقّة والمناصبة في أمر الحقّ، فأهلكتم بذلك أنفسكم؟
( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) )
( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ ) يعني: ما أخبرهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم به من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسّر الله له ولأمّته من الفتوح والظهور على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في الشرق والغرب على وجه خارق للعادة.
__________________
(١) أي: ارتياحها واطمئنانها.
( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) ما ظهر فيها بين أهل مكّة، وما حلّ بهم من عجائب الصنع الدالّة على كمال قدرته. والاستقراء يطلعك ـ في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهل الإسلام وأيّامهم ـ على عجائب، بحيث لا ترى وقعة من وقائعهم إلّا علما من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها اليقين، ويزداد بها الإيمان.
( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ ) الضمير للقرآن أو الرسول، أي: يظهر لهم أنّ دين الإسلام هو دين الحقّ الّذي لا يحيد(١) عنه إلّا مكابر حسّه، مغالط نفسه.
وعن عطاء معنى الآية: سنريهم حججنا ودلائلنا على التوحيد في آفاق العالم وأقطار السماء والأرض، من الشمس والقمر والنجوم والنباتات والأشجار والجبال، وفي أنفسهم ما فيها من لطائف الصنع وبدائع الحكم الّتي بيّنت جملة منها في علم التشريح، حتّى يظهر لهم أنّ الله هو الحقّ. وما الثبات والاستقامة إلّا صفة الحقّ والصدق، كما أنّ الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والتزوير، وأنّ للباطل ريحا تخفق ثمّ تسكن، ودولة تظهر ثمّ تضمحلّ.
( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ) أو لم يكف ربّك. والباء مزيدة للتأكيد، كأنّه قيل: أو لم تحصل الكفاية به. ومعنى كفايته سبحانه هاهنا: أنّه بيّن للناس ما فيه كفاية، من الدلالة على توحيده وتصحيح نبوّة رسله. ولا تكاد تزاد الباء في الفاعل إلا مع «كفى».( أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) بدل منه. والمعنى: أو لم يكفك أنّه تعالى على كلّ شيء شهيد محقّق له، فيحقّق أمرك بإظهار الآيات الموعودة، كما حقّق سائر الأشياء الموعودة.
ومحصول المعنى: أنّ هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبيّنون عند ذلك أنّ القرآن تنزيل عالم الغيب الّذي هو على كلّ شيء شهيد، أي: مطّلع مهيمن، يستوي عنده غيبه وشهادته. فيكفيهم
__________________
(١) أي: لا يميل عنه.
ذلك دليلا على أنّه حقّ، وأنّه من عنده، ولو لم يكن كذلك لـما قوي هذه القوّة، ولـما نصر حاملوه هذه النصرة. أو المعنى: أو لم يكف الإنسان رادعا عن المعاصي أنّه تعالى مطّلع على كلّ شيء، لا يخفى عليه خافية.
( أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ ) شكّ( مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ) لقاء مجازاة ربّهم يوم البعث( أَلا ) كلمة تنبيه( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها، ظواهرها وبواطنها، مقتدر عليها، لا يفوته شيء منها، فهو مجازيهم على كفرهم.
(٤٢)
سورة حم عسق
وتسمّى سورة الشورى أيضا. مكّيّة. وعن ابن عبّاس وقتادة: إلّا أربع آيات نزلت بالمدينة:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (١) . قال ابن عبّاس: ولـمّا نزلت هذه الآية قال رجل: والله ما أنزل الله هذه الآية. فأنزل الله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) (٢) . ثمّ إنّ الرجل تاب وقدم فنزل:( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) إلى قوله( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) (٣) .
وعدد آيها ثلاث وخمسون.
أبيّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة حم عسق كان ممّن يصلّي عليه الملائكة، ويستغفرون له ويسترحمون».
وروى سيف بن عميرة، عن أبي عبد الله قال: «من قرأ حم عسق بعثه الله تعالى يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، حتّى يقف بين يدي اللهعزوجل فيقول: عبدي أدمنت قراءة حم عسق ولم تدر ما ثوابها، أما لو دريت ما هي وما ثوابها لـما مللت من قراءتها، ولكن سأجزيك جزاءك، أدخلوه الجنّة، وله فيها قصر من ياقوتة حمراء أبوابها وشرفها ودرجها، منها يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.
وله فيها حوراوان من الحور العين، وألف جارية، وألف غلام من الولدان المخلّدين الّذين وصفهم الله تعالى».
__________________
(١) الشورى: ٢٣ و٢٤.
(٢) الشورى: ٢٣ و٢٤.
(٣) الشورى: ٢٥ ـ ٢٦.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة السجدة بذكر القرآن، افتتح هذه السورة بذكره أيضا، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم عسق ) لعلّهما اسمان للسورة، ولذلك فصل بينهما، وعدّا آيتين. وإن كانا اسما واحدا فالفصل ليطابق سائر الحواميم.
وقيل: إنّما فضّلت هذه السورة من بين سائر الحواميم بـ «عسق»، لأنّ جميعها استفتح بذكر الكتاب على التصريح به إلّا هذه، فذكر عسق ليكون دلالة على الكتاب، لأنّه اسم من أسماء القرآن. وهو معنى قول قتادة، فإنّه قال: هو اسم القرآن.
وقيل: إنّ هذه السورة انفردت بأنّ معانيها أوحيت إلى سائر الأنبياء، فلذلك خصّت بهذه التسمية.
وقال عطاء: هي حروف مقطّعة منبئة عن حوادث الزمان. فالحاء من حرب، والميم من تحويل ملك، والعين من عدوّ مقهور، والسين من الاستئصال بسنين
كسنيّ يوسف، والقاف من قدرة اللهعزوجل وقهّاريّته على الجبابرة في الأرض.
وقال النيشابوري في تفسيره: «قيل: رموز إلى فتن كان عليّعليهالسلام يعرفها. وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسّين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب عليّ ومعاوية، والميم ولاية المروانيّة، والعين ولاية العبّاسيّة، والسين ولاية السفيانيّة، والقاف قدرة المهديّ. وهذه الأقاويل ممّا لا معوّل عليها.
وقال أهل التصوّف: حاء حبّه، وميم محبوبيّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعين عشقه إلى سيّده، وقاف قربه إلى سيّده، أقسم أنّه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله، أنّه محبوبه في الأزل، وبتبعيّته خلق الكائنات»(١) .
وباقي الأقوال في ذلك مذكورة في أوّل البقرة.
( كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي: مثل ما في هذه السورة من المعاني، أو مثل ذلك الوحي أوحى الله إليك وإلى الرسل من قبلك. يعني: أنّ الله تعالى كرّر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماويّة، لـما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده من الأوّلين والآخرين.
وعن عطاء، عن ابن عبّاس قال: ما من نبيّ أنزل الله عليه الكتاب، إلّا أنزل عليه معاني هذه السورة بلغاتهم.
وإنّما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية، للدلالة على استمرار الوحي، وأنّ إيحاء مثله عادة الله سبحانه.
وقرأ ابن كثير: يوحى بالفتح، على أنّ «كذلك» مبتدأ، و «يوحى» خبره المسند إلى ضميره، أي: مثل ذلك يوحى. أو مصدر، و «يوحى» مسند إلى «إليك» ،
__________________
(١) غرائب القرآن للنيسابوري ٦: ٦٧.
أي: إيحاء مثل إيحاء هذه السورة يوحى إليك.
و «الله» مرفوع بما دلّ عليه «يوحى». كأنّ قائلا قال: من الموحي؟ فقيل: الله. كقراءة السلمي( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ) (١) ، على البناء للمفعول ورفع «شركاؤهم»، على معنى: زيّنه لهم شركاؤهم.
و «العزيز الحكيم» صفتان له، مقرّرتان لعلوّ شأن الموحى به، أي: القرآن نزل من القادر الّذي لا يغالب، المحكم لأفعاله، كما مرّ في السورة السابقة.
أو بالابتداء(٢) ، كما مرّ في قراءة «نوحي» بالنون. و «العزيز» وما بعده أخبار.
أو «العزيز الحكيم» صفتان له، وقوله:( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) خبران له. وعلى الوجوه الأخر استئناف مقرّر لعزّته وحكمته.
( تَكادُ السَّماواتُ ) وقرأ نافع والكسائي بالياء( يَتَفَطَّرْنَ ) أي: يتشقّقن من علوّ شأن الله وعظمته. ويدلّ عليه مجيئه بعد قوله:( الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) . وقيل: من دعائهم له ولدا، كقوله:( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) (٣) .
وقرأ البصريّان وأبو بكر: ينفطرن. والأوّل أبلغ، لأنّه مطاوع: فطّر.
( مِنْ فَوْقِهِنَ ) أي: يبتدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانيّة. وتخصيصها على الأوّل، لأنّ أعظم الآيات وأدلّها على علوّ شأنه من فوق السماوات، وهي العرش والكرسي وصفوف الملائكة القائلين بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلّا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى. وعلى الثاني، ليدلّ على الانفطار من تحتهنّ بالطريق الأولى. وقيل: الضمير للأرض.
( وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ) بالسعي فيما
__________________
(١) الأنعام: ١٣٧.
(٢) عطف على قوله: بما دلّ عليه، قبل خمسة أسطر.
(٣) مريم: ٩٠.
يستدعي مغفرتهم، من استدعاء الحلم منه تعالى، وإعداد الأسباب المقرّبة إلى الطاعة. وهذا المعنى يعمّ المؤمن والكافر. بل لو فسّر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقّع عمّ الحيوان، بل الجماد. والأصحّ أنّ المراد بهم المؤمنون، لقوله:( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) (١) . وحكايته عنهم:( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) (٢) . فالمراد بالاستغفار الشفاعة.
( أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) إذ ما من مخلوق إلّا وهو ذو حظّ من رحمته.
والآية على الأوّل(٣) زيادة تقرير لعظمته. فكأنّه قيل: تكاد السماوات يتفطّرن هيبة من جلاله، واحتشاما من كبريائه، والملائكة الّذين هم ملء السبع الطباق، وحافّون حول العرش صفوفا بعد صفوف، يداومون ـ خضوعا لعظمته ـ على عبادته وتسبيحه وتحميده، ويستغفرون لمن في الأرض خوفا عليهم من سطواته.
وعلى الثاني(٤) ؛ دلالة على تقدّسه عمّا نسب إليه. فكأنّه قيل: يكدن ينفطرن من إقدام أهل الشرك على تلك الكلمة الشنعاء، والملائكة يوحّدون الله وينزّهونه عمّا لا يجوز عليه من الصفات الّتي يضيفها إليه الجاهلون به، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه الّتي علم أنّهم عندها يستعصمون، مختارين غير ملجئين، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الّذين تبرّؤا من تلك الكلمة ومن أهلها. أو يطلبون من ربّهم أن يحلم عن أهل الأرض، ولا يعاجلهم بالعقاب، لـما عرفوا في ذلك من المصالح، وحرصا على نجاة الخلق، وطمعا في توبة الكفّار والفسّاق منهم.
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) شركاء وأندادا( اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ) رقيب
__________________
(١) غافر: ٧.
(٢) غافر: ٧.
(٣) أي: على قراءة: يتفطّرن.
(٤) أي: على قراءة: ينفطرن.
على أحوالهم وأعمالهم، لا يفوته منها شيء، فيجازيهم بها( وَما أَنْتَ ) يا محمّد( عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) بموكّل بهم، أو بموكل ومفوّض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، بل إنّما أنت منذر فحسب، فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إيّاك. وفيه تسلية لهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) )
( وَكَذلِكَ ) الإشارة إلى مصدر: يوحي، أي: مثل ذلك الإيحاء البيّن المفهم( أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) أو إلى معنى الآية المتقدّمة من أنّ الله هو الرقيب عليهم وما أنت برقيب عليهم ولكن نذير لهم، فإنّ هذا المعنى كرّره الله في كتابه في مواضع جمّة. فيكون الكاف مفعولا به لـ «أوحينا»، وقوله:( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) حالا منه، أي: أوحيناه إليك وهو قرآن عربيّ بيّن لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حدّ الإنذار.
( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ) أهل امّ القرى. وهي مكّة.( وَمَنْ حَوْلَها ) من العرب( وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ ) يوم القيامة يجمع فيه الخلائق، أو الأرواح والأشباح، أو العمّال والأعمال. يقال: أنذرته كذا، وأنذرته بكذا. وقد عدّي الأوّل ـ أعني «لِتُنْذِرَ
أُمَّ الْقُرى » ـ إلى المفعول الأوّل، والثاني ـ وهو قوله:( وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ ) ـ إلى المفعول الثاني. فحذف ثاني مفعولي الأوّل، وأوّل مفعولي الثاني، للتهويل وإيهام التعميم.
( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعتراض لا محلّ له( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) أي: يجمعون في الموقف أوّلا ثمّ يفرّقون. والتقدير: منهم فريق. والضمير للمجموعين، لدلالة الجمع عليه، فإنّه في معنى: يوم جمع الخلائق.
( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) أي: مؤمنين كلّهم على القسر والإكراه، كقوله:( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) (١) . وقوله:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) (٢) . والدليل على أنّ المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان قوله:( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (٣) . وإدخال همزة الإنكار على المكره دون فعله، دليل على أنّ الله وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره. فالمعنى: ولو شاء ربّك مشيئة قدرة لقسرهم جميعا على الإيمان.
( وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ) مشيئة حكمة. فكلّفهم وبنى أمرهم على ما يختارون، ليدخل المؤمنين في رحمته، وهم المرادون بمن يشاء. وتغيير المقابلة لأجل ذلك، أو للمبالغة في الوعيد، إذ الكلام في الإنذار. ألا ترى أنّه وضعهم في مقابلة الظالمين، وترك الظالمين بغير وليّ ولا نصير في عذابه، بقوله:( وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) أي: يدعهم بغير من يتولّى أمرهم وينصرهم.
( أَمِ اتَّخَذُوا ) أم منقطعة. ومعنى الهمزة فيها للإنكار، أي: بل اتّخذوا( مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) كالأصنام( فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُ ) هو الّذي يجب أن يتولّى وحده، ويعتقد أنّه المولى والسيّد. وذكر الفاء لأنّه جواب شرط محذوف، كأنّه قيل بعد إنكار كلّ
__________________
(١) السجدة: ١٣.
(٢) يونس: ٩٩.
(٣) يونس: ٩٩.
وليّ سواه: إن أرادوا وليّا بحقّ فالله الوليّ بالحقّ، لا وليّ سواه.
( وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية، أي: ومن شأن هذا الوليّ أنّه يحيي الموتى للمجازاة، قادر على كلّ من الإحياء والإماتة وغير ذلك. فهو الحقيق بأن يتّخذ وليّا، دون من لا يقدر على شيء.
( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) )
ثمّ حكى الله سبحانه قول رسوله للمؤمنين، فقال:( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ ) أنتم والكفّار( فِيهِ مِنْ شَيْءٍ ) من أمر من أمور الدنيا أو الدين( فَحُكْمُهُ ) فحكم ذلك المختلف فيه مفوّض( إِلَى اللهِ ) يميّز بين المحقّ والمبطل بالنصر، أو بالإثابة والمعاقبة.
وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل متشابه فارجعوا إلى المحكم من كتاب الله، وإلى الظاهر من سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقيل: وما تنازعتم من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله، ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره، كقوله:( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ
وَالرَّسُولِ ) (١) .
وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم الّتي لا تتّصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم، كمعرفة الروح. قال الله تعالى:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (٢) .
( ذلِكُمُ ) الحاكم بينكم( اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) في ردّ كيد أعداء الدين، وفي سائر مجامع الأمور( وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) أرجع في كفاية شرّهم، وغيرها من المعضلات.
( فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خبر آخر لـ «ذلكم». أو مبتدأ خبره( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) من جنسكم( أَزْواجاً ) نساء لتسكنوا إليها( وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً ) أي: خلق للأنعام من جنسها أزواجا. أو خلق لكم من الأنعام أصنافا، أو ذكورا وإناثا.( يَذْرَؤُكُمْ ) يكثّركم. يقال: ذرأ الله الخلق: بثّهم وكثّرهم. من الذرء، وهو البثّ. وفي معناه: الذرو والذرّ. والضمير راجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلّبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب ممّا لا يعقل.( فِيهِ ) في جعل الناس والأنعام أزواجا ليكون بينهم توالد. وإيثار «فيه» على: به، لإفادة أنّ هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبثّ والتكثير.
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) أي: شيء يزاوجه ويناسبه. والمراد من مثله ذاته، كما في قولهم: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته على قصد المبالغة في نفيه، فسلكوا به طريق الكناية، لأنّهم إذا نفوه عمّن يناسبه ويسدّ مسدّه، ويكون على أخصّ أوصافه، فقد نفوه عنه بطريق أولى.
فإذا علم أنّه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: ليس كالله شيء، وبين
__________________
(١) النساء: ٥٩.
(٢) الإسراء: ٨٥.
قوله:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) إلّا ما تعطيه الكناية من فائدتها، فكأنّهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد، وهو نفي المماثلة عن ذاته. ونحوه قوله تعالى:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) (١) ، فإنّ معناه: بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسطها، لأنّهما وقعتا عبارة عن الجود، لا يقصدون شيئا آخر، حتّى إنّهم استعملوها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له.
ومن قال: الكاف فيه زائدة، لعلّه عنى أنّه يعطي معنى: ليس مثله، غير أنّه أكّد لـما ذكرناه. وقيل: مثله صفته، أي: ليس كصفته صفة.
( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي: العالم بكلّ ما يسمع ويبصر.
( لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خزائنها( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) يوسّع ويضيّق على وفق مشيئته( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فيفعله على ما ينبغي. فإذا علم أنّ الغنى خير للعبد أغناه، وإلّا أفقره.
( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) )
__________________
(١) المائدة: ٦٤.
( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ) أي: شرع لكم من الدين، دين نوح ومحمّدعليهماالسلام ، ومن بينهما من أرباب الشرائع، وهو الأصل المشترك فيما بينهم.
ثمّ فسّر الشرع الّذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله:( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ) وهو الإيمان بما يجب تصديقه، من توحيد الله وكتبه ورسله وحججه ويوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مؤمنا. ولم يرد الشرائع الّتي هي مصالح للأمم على حسب أحوالها من فروعات الإسلام، فإنّها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى:( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) (١) . ومحلّه النصب على البدل من مفعول «شرع». أو الرفع على الاستئناف. كأنّه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين. أو الجرّ على البدل من هاء «به».
( وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) ولا تختلفوا في هذا الأصل( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ) عظم وشقّ عليهم( ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) من التوحيد( اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ ) يجتلب إلى ما تدعوهم. أو إلى الدين بالتوفيق والتسديد.( مَنْ يَشاءُ ) من ينفع فيهم توفيقه، ويجدي عليهم لطفه، من أصحاب الاسترشاد( وَيَهْدِي إِلَيْهِ ) بالإرشاد والتوفيق( مَنْ يُنِيبُ ) من يقبل إليه.
__________________
(١) المائدة: ٤٨.
( وَما تَفَرَّقُوا ) يعني: الأمم السالفة. وقيل: أهل الكتاب، لقوله تعالى:( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) (١) .( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) أي: العلم بأن التفرّق ضلال متوعّد عليه على ألسنة الأنبياء. أو العلم بمبعث الرسول، أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما، فلم يلتفتوا إليها( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) عداوة، أو طلبا للدنيا.
( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) بالإمهال( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) هو يوم القيامة، أو آخر أعمارهم المقدّرة( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) باستئصال المبطلين حين افترقوا، لعظم ما اقترفوا( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) يعني: أهل الكتاب الّذين كانوا في عهد الرسول، أو المشركين الّذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) من الكتاب، لا يعلمونه كما هو، أو لا يؤمنون به حقّ الإيمان. أو من القرآن.( مُرِيبٍ ) مقلق، أو مدخل في الريبة.
وقيل: كان الناس أمّة واحدة مؤمنين، بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان، فلمّا مات الآباء اختلف الأبناء فيما بينهم، وذلك حين بعث الله إليهم النبيّين مبشّرين ومنذرين، وجاءهم العلم، وإنّما اختلفوا للبغي بينهم.
( فَلِذلِكَ ) فلأجل ذلك التفرّق، ولـما حدث بسببه من تشعّب الكفر شعبا. أو لأجل ذلك الكتاب، أو العلم الذي أوتيته.( فَادْعُ ) إلى الاتّفاق على الملّة الحنيفيّة القديمة. أو للاتّباع لـما أوتيت فادع. وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع «إلى» لإفادة الصلة، فإنّه يفيد معنى كون ما دخل عليه اللام معمولا متقدّما، فكأنّه قال: ادع إلى الاتّباع، لأنّه يقال: دعا إليه.
( وَاسْتَقِمْ ) على الدعوة( كَما أُمِرْتَ ) كما أمرك الله( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) المختلفة الباطلة.
( وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ ) أيّ كتاب صحّ أنّ الله أنزله. يعني :
__________________
(١) آل عمران: ١٩.
الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لا كالكفّار الّذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، كقوله:( وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) إلى قوله:( هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا ) (١) .
( وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) في تبليغ الحكومات والشرائع. والأوّل إشارة إلى كمال القوّة النظريّة، وهذا إشارة إلى كمال القوّة العمليّة.
( اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ) خالق الكلّ ومتولّي أمره. وإنّما قال ذلك لأنّ المشركين قد اعترفوا بأنّ الله هو الخالق.( لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ) وكلّ مجازى بعمله، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره، فلا يضرّنا إصراركم على الكفر.( لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ ) لا حجاج بمعنى: لا خصومة، إذ الحقّ قد ظهر، ولم يبق للمحاجّة مجال، ولا للخلاف مبدأ، سوى العناد، فلا حاجة إلى المحاجّة.
( اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ) يوم القيامة، فيفصل بيننا، وينتقم لنا منكم( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) مرجع الكلّ لفصل القضاء.
وهذه محاجزة في مواقف المقاولة لا المقاتلة، ومتاركة بعد ظهور الحقّ وقيام الحجّة والإلزام. فليس في الآية ما يدلّ على متاركة الكفّار رأسا، حتّى تكون منسوخة بآية القتال(٢) .
( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا
__________________
(١) النساء: ١٥٠ ـ ١٥١.
(٢) التوبة: ٢٩.
يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) )
ولـمّا تقدّم ظهور الحجّة وانقطاع المحاجّة، عقّبه بذكر من يحاجّ بالباطل، فقال:( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ ) في دينه( مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ) من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردّوهم إلى دين الجاهليّة، كقوله:( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ) (١) .
وقيل: نزلت في اليهود والنصارى كانوا يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن خير منكم.
وقيل: من بعد ما استجاب الله لرسوله، وأظهر دينه بنصره يوم بدر. أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب، بأن أقرّوا بنبوّته واستفتحوا به.
( حُجَّتُهُمْ ) أي: ما سمّوه حجّة على اعتقادهم( داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) زائلة باطلة( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) لمعاندتهم( وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) على كفرهم.
( اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ ) جنس الكتاب( بِالْحَقِ ) ملتبسا بالحقّ، مقترنا به، بعيدا من الباطل. أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة، أو بالواجب من التحليل والتحريم، وغير ذلك من العقائد والأحكام.( وَالْمِيزانَ ) والشرع الّذي توزن به الحقوق، ويسوّى بين الناس. أو العدل. ومعنى إنزاله: أنّه أمر به في كتبه المنزلة.
__________________
(١) البقرة: ١٠٩.
وقيل: الّذي توزن به الأجناس. وإنزاله الوحي بإعداده والأمر به في الكتب السماويّة.
( وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) إتيانها، فاتّبع الكتاب، واعمل بالشرع، وواظب على العدل، قبل أن يفاجئك اليوم الّذي توزن فيه أعمالك وتوفى جزاؤك. وقيل: تذكير القريب لأنّه بمعنى: ذات قرب، أو لأنّ الساعة بمعنى البعث.
( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ) استهزاء( وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ) خائفون من مجيئها، مع اعتنائهم بها، لتوقّع الثواب( وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ ) الكائن لا محالة( أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ ) يجادلون فيها، فيخاصمون في مجيئها على وجه الإنكار لها. من المرية، أي: يدخلهم المرية والشكّ. أو من: مريت الناقة، إذا مسحت ضرعها بشدّة للحلب، لأنّ كلّا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدّة.( لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) عن الحقّ، لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنّها آتية، ولشهادة العقول على أنّه لا بدّ من دار جزاء. فالبعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات، فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه.
( اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ) برّ بهم بصنوف من البرّ بحيث لا تبلغها الأفهام. أو عالم بخفيّات الأمور والغيوب، فيوصل النعمة إلى العباد من وجه يدقّ إدراكه، بأن يعطيهم النعم الّتي لا يترقّبونها، ويصرف الآفات عنهم، ويدخل السرور والملاذّ إليهم، بحيث خفي أسبابها عنهم، وغير ذلك من الألطاف الّتي لا يوقف على كنهها لغموضها.
( يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ) أي: يرزقه كما يشاء، فيخصّ كلّا من عباده بنوع من البرّ على ما اقتضته حكمته. يعني: كلّهم مبرورون بحيث لا يخلو أحد من برّه، إلّا أنّ البرّ أصناف، وله أوصاف، والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا
الحكمة والتدبير، فيطير(١) لبعض العباد صنف من البرّ لم يطر مثله لآخر، ويصيب هذا حظّ له وصف ليس ذلك الوصف لحظّ صاحبه. فمن قسّم له منهم ما لم يقسّم للآخر فقد رزقه، كما يرزق أحد الأخوين ولدا دون الآخر، على أنّه أصابه بنعمة اخرى لم يرزقها صاحب الولد. أو معناه: يوسع الرزق على من يشاء. يقال: فلان مرزوق، إذا وصف بسعة الرزق.
وقيل: معناه: يرزق من يشاء في خفض ودعة، ومن يشاء في كدّ وتعب. وكلّ من يرزقه الله من ذي روح، فهو ممّن يشاء أن يرزقه.
( وَهُوَ الْقَوِيُ ) الباهر القدرة( الْعَزِيزُ ) المنيع الغالب الّذي لا يغلب.
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ ) ثوابها، أو العمل الّذي يوجب ثوابها. شبّهه بالزرع من حيث إنّه فائدة تحصل بعمل الدنيا، ولذلك قيل: الدنيا مزرعة الآخرة. والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض. ويقال للزرع الحاصل منه أيضا.( نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها. أو نوفّقه في عمله، فضوعفت حسناته. فسمّى ما يعمله العامل ممّا يبغي به الفائدة والزكاء حرثا على المجاز.
( وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ) شيئا منها، لا ما يريده ويبتغيه. وهو رزقه الّذي قسمنا له.( وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) إذ الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى.
وقيل: معناه من قصد بالجهاد وجه الله فله سهم الغانمين والثواب في الآخرة، ومن قصد به الغنيمة لم يحرم ذلك، وحصل له سهمه من الغنيمة، ولكن لا نصيب له من الثواب في الآخرة.
وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «من كانت نيّته الآخرة جمع الله شمله ،
__________________
(١) أي: يقسم، من: أطار المال: قسمه.
وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت نيّته الدنيا فرّق الله عليه أمره، وجعل الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلّا ما كتب له».
وعن الحسن: من كان يعمل للآخرة نال الدنيا والآخرة، ومن عمل للدنيا فلا حظّ له في الآخرة، لأنّ الأعلى لا يجعل تبعا للأدون.
( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) )
ولـمّا أخبر سبحانه أنّ من يطلب الدنيا بأعماله فلا حظّ له في الآخرة، قال:( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ ) بل ألهم شركاء. والهمزة للتقريع والتقرير. وشركاؤهم شياطينهم.
( شَرَعُوا لَهُمْ ) بالتزيين( مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ) كالشرك، وإنكار البعث، والعمل للدنيا.
وقيل: شركاؤهم أوثانهم. وإضافتها إليهم لأنّهم متّخذوها شركاء لله، فتارة تضاف إليهم لهذه الملابسة، وتارة إلى الله. وإسناد الشرع إليها لأنّها سبب ضلالتهم
وافتتانهم بما تديّنوا به، فكأنّها شارعة لهم دين الكفر، كما قال إبراهيمعليهالسلام :( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) (١) . أو صور من سنّه لهم، كما قيل: إنّ جمشيد أخذ تماثيل مصوّرة بصورته، فأرسلها إلى الأقاليم ليعظّموها.
( وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ ) أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو العدّة بأنّ الفصل يكون يوم القيامة( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بين الكافرين والمؤمنين، أو المشركين وشركائهم( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
( تَرَى الظَّالِمِينَ ) في القيامة( مُشْفِقِينَ ) خائفين خوفا شديدا أرقّ(٢) قلوبهم( مِمَّا كَسَبُوا ) من السيّئات( وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ) أي: وباله لا حق بهم، وواصل إليهم، لا بدّ لهم منه، أشفقوا أولم يشفقوا( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ ) في أطيب بقاعها وأنزهها، فإنّ الروضة الأرض الخضرة بحسن النبات والأشجار المثمرة المورقة المونقة( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي: ما يشتهونه ثابت لهم عند ربّهم( ذلِكَ ) إشارة إلى ما للمؤمنين( هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) الّذي يصغر عنده ما لغيرهم في الدنيا.
( ذلِكَ الَّذِي ) ذلك الثواب الّذي( يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي: يبشّرهم الله به، فحذف الجارّ ثمّ العائد. أو ذلك التبشير الّذي يبشّره الله عباده، ليستعجلوا بذلك السرور في الدنيا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: يبشر، من بشره. ومن شدّد الشين أراد به التكثير، ومن خفّفها فلأنّه يدلّ على القليل والكثير.
روي: أنّه اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أَترون محمّدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ فنزلت:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) على ما أتعاطاه من
__________________
(١) إبراهيم: ٣٦.
(٢) أي: ألانه.
التبليغ والبشارة( أَجْراً ) نفعا منكم( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) إلّا أن تودّوا أهل قرابتي. ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة، لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة. ويجوز أن يكون منقطعا، أي: لا أسألكم أجرا قطّ، ولكن أسألكم أن تودّوا قرابتي الّذين هم قرابتكم، ولا تؤذوهم.
ولم يقل: إلّا مودّة القربى، أو إلّا المودّة للقربى، بل قال: إلّا المودّة في القربى، لإفادة أنّهم جعلوا مكانا للمودّة ومقرّا لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة، ولي فيهم هوى وحبّ شديد. تريد: أحبّهم، وهم مكان حبّي ومحلّه. وليست «في» بصلة للمودّة، كاللام إذا قلت: إلّا المودّة للقربى، بل هي متعلّقة بمحذوف تعلّق الظرف به في قولك: المال في الكيس. وتقديره: إلّا المودّة ثابتة في القربى ومتمكّنة فيها. والقربى مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة. والمراد: في أهل القربى، كما فسّرنا به.
روي عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّها لـمّا نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ، وفاطمة، وابناهما».
قال النيشابوري في تفسيره بعد ذكر هذا الحديث: «ولا ريب أنّ هذا فخر عظيم وشرف تامّ. ويؤيّده ما روي عن عليّعليهالسلام : شكوت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حسد الناس لي، فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرّيّتنا خلف أزواجنا»(١) .
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي.
ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطّلب، ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة».
__________________
(١) غرائب القرآن ٦: ٧٤.
وقال النيشابوري: إنّه كان يقول: «فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما يؤذيها».
وثبت بالنقل المتواتر أنّه كان يحبّ عليّا والحسن والحسين، وإذا كان كذلك وجب علينا محبّتهم، لقوله:( فَاتَّبِعُوهُ ) (١) . وكفى شرفا لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفخرا ختم التشهّد بذكرهم، والصلاة عليهم في كلّ صلاة»(٢) . انتهى كلامه.
وورد من طرق الخاصّة والعامّة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».
فنحن نركب سفينة حبّ آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لنتخلّص في بحر التكليف وظلمة الجهالة من أمواج الشبه والضلالة.
وروي: أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنّهم افتخروا. فقال عبّاس: لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأتاهم في مجالسهم، فقال: «يا معشر الأنصار الم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ألم تكونوا ضلّالا فهداكم الله بي؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: أَفلا تجيبونني؟ يعني: لم لم تفتخروا أنتم أيضا؟
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أولم يكذّبوك فصدّقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟
قال: فما زال يقولصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله». فنزلت الآية.
__________________
(١) الأنعام: ١٥٣.
(٢) غرائب القرآن ٦: ٧٤.
وروى الزمخشري والثعلبي في تفسيريهما أنّه قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من مات على حبّ آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائبا، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة، ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافرا، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة»(١) .
وقيل: لم يكن بطن من بطون قريش إلّا وبين رسول الله وبينهم قربى، فلمّا كذّبوه وأبوا أن يبايعوه نزلت. والمعنى: إلّا أن تودّوني في القربى، أي: في حقّ القربى ومن أجلها، كما تقول: الحبّ في الله والبغض في الله، بمعنى: في حقّه ومن أجله. يعني: أنّكم قومي وأحقّ من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حقّ القربى، ولا تؤذوني، ولا تهيّجوا عليّ.
وقيل: أتت الأنصار رسول الله بمال جمعوه وقالوا: يا رسول الله قد هدانا الله بك، أنت ابن أختنا وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة، فاستعن بهذا على ما ينوبك. فنزلت، وردّه.
وقيل: «القربى» التقرّب إلى الله، أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة أجرا، إلّا أن تحبّوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح.
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٢٢٠ ـ ٢٢١.
والقول الأوّل منقول عن عليّ بن الحسين، وسعيد بن جبير، وعمرو بن شعيب، وجماعة كثيرة. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وفي شواهد التنزيل مرفوعا إلى أبي امامة الباهلي قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله خلق الأنبياء من أشجار شتّى، وخلقت أنا وعليّ من شجرة واحدة. فأنا أصلها، وعليّ فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها. فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ عنها هوى. ولو أنّ عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثمّ ألف عام ثمّ ألف عام، حتّى يصير كالشنّ(١) البالي، ثمّ لم يدرك محبّتنا، أكبّه الله في النار على منخريه. ثمّ تلا:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) الآية»(٢) .
وروي عن عليّعليهالسلام قال: «فينا في آل حم آية، لا يحفظ مودّتنا إلّا كلّ مؤمن. ثمّ قرأ هذه الآية».
( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) ومن يكتسب طاعة سيّما حبّ آل الرسول( نَزِدْ لَهُ فِيها ) في الحسنة( حُسْناً ) بمضاعفة الثواب( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) لمن أذنب( شَكُورٌ ) لمن أطاع، بتوفية الثواب والتفضّل عليه بالزيادة، فإنّ الشكور في صفة الله مجاز للاعتداد بالطاعة، وتوفية ثوابها، والتفضّل على المثاب. وعن السدّي: أنّها ـ أي: الحسنة ـ المودّة لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وصحّ عن الحسن بن عليّ أنّهعليهالسلام خطب الناس فقال في خطبته: «أنا من أهل البيت الّذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».
__________________
(١) الشنّ: القربة البالية الصغيرة.
(٢) شواهد التنزيل ٢: ٢٠٣ ح ٨٣٧.
وروى إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «إنّها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء».
والظاهر العموم في أيّ حسنة كانت، إلّا أنّها لـمّا ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى، دلّ ذلك على أنّها تناولت المودّة تناولا أوّليّا، وكان سائر الحسنات لها توابع.
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) )
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى ) بل أَيقولون افترى محمّد( عَلَى اللهِ كَذِباً ) بدعوى النبوّة أو القرآن. فـ «أم» منقطعة، والهمزة للتوبيخ. كأنّه قيل: أَيتمالكون أن ينسبوا مثل الرسول إلى الافتراء، ثم إلى الافتراء على الله الّذي هو أعظم الفري وأفحشها؟
( فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ) استبعاد للافتراء عن مثله، مع الإشعار على أنّه إنّما يجترئ عليه من كان مختوما على قلبه جاهلا بربّه، فأمّا من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا. وكأنّه قال: إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتّى تفتري عليه الكذب، فإنّه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلّا من كان في مثل حالهم.
وعن قتادة: معنى( يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ) ينسك القرآن، ويقطع عنك الوحي.
يعني: لو حدّث نفسك بأن تفتري على الله كذبا لطبع الله على قلبك، ولأنساك القرآن. وهذا كقوله:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (١) .
وقيل:( يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ) يربط عليه بالصبر، حتّى لا يشقّ عليك أذاهم.
( وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ) استئناف لنفي الافتراء عمّا يقوله، بأنّه لو كان مفترى لمحقه، إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحقّ بوحيه أو بقضائه، كقوله:( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ) (٢) . يعني: لو كان مفتريا كما تزعمون لكشف الله افتراءه ومحقه، وقذف بالحقّ على باطله فدمغه. ويجوز أن يكون عدة لرسول الله بأنّه يمحو الباطل الّذي هم عليه من البهتان والتكذيب، وتثبيت الحقّ الّذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الّذي لا مردّ له من نصرك عليهم.
( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك. وسقوط الواو من «يمح» في بعض المصاحف لاتّباع اللفظ، كما في قوله:( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ ) (٣) و( سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ) (٤) .
( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) بالتجاوز عمّا تابوا عنه وإن عظمت معاصيهم. فكأنّه قال: من نسب محمّدا إلى الافتراء ثمّ تاب قبلت توبته وإن جلّت معصيته. والقبول يعدّى إلى مفعول ثان بـ «من» و «عن»، لتضمّنه معنى الأخذ والإبانة. يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه. فمعنى قبلته منه: أخذته منه، وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه. ومعنى قبلته عنه: عزلته وأبنته عنه. والتوبة أن يرجع عن
__________________
(١) الزمر: ٦٥.
(٢) الأنبياء: ١٨.
(٣) الإسراء: ١١.
(٤) العلق: ١٨.
القبيح، وعن الإخلال بالواجب، بالندم عليهما، والعزم على أن لا يعاود.
وروى جابر: أنّ أعرابيّا دخل مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: أللّهمّ إنّي أستغفرك وأتوب إليك، وكبّر. فلمّا فرغ من صلاته قال له عليّعليهالسلام : «يا هذا إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة.
فقال: يا أمير المؤمنين وما التوبة؟
قال: اسم يقع على ستّة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربّيتها في المعصية، وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كلّ ضحك ضحكته».
( وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ ) عن الكبائر إذا تيب عنها، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. أو يعفو عن الكبائر والصغائر مطلقا لمن يشاء تفضّلا.( وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) من خير وشرّ، فيجازيهم على ذلك، ويتجاوز عنهم على مقتضى حكمته. وقرأ حمزة وحفص والكسائي: ما تفعلون بالتاء.
( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي: يستجيب الله لهم، فحذف اللام كما حذف في( وَإِذا كالُوهُمْ ) (١) . والمراد إجابة الدعاء أو الإثابة على الطاعة، فإنّها كدعاء وطلب لـما يترتّب عليها. ومنه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أفضل الدعاء الحمد لله».
أو يستجيبون الله بالطاعة إذا دعاهم إليها.( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) على ما سألوا واستحقّوا من الثواب واستوجبوا له.
وروي عن ابن عبّاس: أنّ معنى( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) أن يشفّعهم في إخوانهم.( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) يشفّعهم في إخوان إخوانهم.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله في قوله:( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) : الشفاعة لمن وجبت له النار ممّن أحسن إليهم في الدنيا».
__________________
(١) المطفّفين: ٣.
( وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضّل.
( وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) )
ولـمّا بيّن سبحانه أنّه يزيد المؤمنين من فضله، أخبر عقيبه أنّ الزيادة في الأرزاق في الدنيا تكون على حسب المصالح، فقال :
( وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ) لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء. أو لتكبّروا وأفسدوا فيها بطرا، فإنّ الغنى مبطرة مأشرة(١) . وكفى بحال قارون عبرة. وهذا على الغالب. وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أخوف ما أخاف على أمّتي زهرة الدنيا وكثرتها».
وأصل البغي طلب التجاوز عن الاقتصاد فيما يتحرّى كمّيّة وكيفيّة.
( وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ) بتقدير( ما يَشاءُ ) كما اقتضته مشيئته( إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ ) عليم بخفايا أمرهم وجلايا حالهم( بَصِيرٌ ) بما يصلحهم وما يفسدهم في عواقب أمورهم. فيقدّر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربّانيّة. ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو أفقرهم جميعا لهلكوا.
__________________
(١) الأشر: البطر. والبطر: التكبّر عن الحقّ وعدم قبوله.
قيل: نزلت في قوم من أهل الصفّة تمنّوا سعة الرزق والغنى. قال خبّاب بن الأرتّ: فينا نزلت، وذلك أنّا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنّيناها.
وقيل: نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا، وإذا أجدبوا انتجعوا. ولا شبهة في أنّ البغي مع الفقر أقلّ، ومع البسط أكثر وأغلب، فلو عمّ البسط لغلب البغي حتّى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن، فلأجل ذلك الفقراء أكثر من الأغنياء.
روى أنس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عن جبرئيل، عن اللهعزوجل : «إنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا السقم، ولو صححته لأفسده. وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الصحّة، ولو أسقمته لأفسده. وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الغنى، ولو أفقرته لأفسده.
وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الفقر، ولو أغنيته لأفسده. وذلك أنّي أدبّر عبادي لعلمي بقلوبهم.
ومتى قيل: نحن نرى كثيرا ممّن يوسّع عليه الرزق يبغي في الأرض.
قلنا: إذا علمنا على الجملة أنّه سبحانه يدبّر أمور عباده بحسب ما يعلم من مصالحهم، فلعلّ هؤلاء كان يستوي حالهم في البغي، وسّع عليهم أو لم يوسّع. أو لعلّهم لو لم يوسّع عليهم لكانوا أسوأ حالا في البغي، فلذلك وسّع عليهم. والله أعلم بتفاصيل أحوالهم.
ثمّ بيّن حسن نظره بعباده، فقال:( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) المطر الّذي يغيثهم من الجدب، ولذلك خصّ بالنافع. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتشديد.
( مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ) أيسوا منه. ووجه إنزاله بعد القنوط: أنّه أدعى إلى شكر الآتي به وتعظيمه، والمعرفة بموقع إحسانه.( وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ) أي: يفرّق ويبسط بركات الغيث ومنافعه، وما يحصل به من الخصب في كلّ شيء، من السهل والجبل والنبات
والحيوان( وَهُوَ الْوَلِيُ ) الّذي يتولّى عباده بإحسانه ونشر رحمته( الْحَمِيدُ ) المستحقّ للحمد على ذلك.
( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فإنّها بذاتها وصفاتها تدلّ على وجود صانع قادر حكيم( وَما بَثَّ فِيهِما ) مجرور أو مرفوع عطفا على «السموات» أو «خلق»( مِنْ دابَّةٍ ) من حيّ، على إطلاق اسم المسبّب على السبب. أو ممّا يدبّ على الأرض. وما يكون في أحد الشيئين يصدق أنّه فيهما في الجملة، كقوله تعالى:( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) (١) . وإنّما يخرج من الملح. فلا يقال: لم قيل فيهما «من دابّة» والدوابّ في الأرض وحدها؟ وأيضا يجوز أن يكون للملائكةعليهمالسلام مشي مع الطيران، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسي. ولا يبعد أيضا أن يخلق في السماوات حيوانا يمشي فيها مشي الأناسي على الأرض. سبحان الّذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق.
( وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ ) حشرهم إلى الموقف بعد إماتتهم( إِذا يَشاءُ ) في أيّ وقت يشاء( قَدِيرٌ ) متمكّن منه. و «إذا» كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع. قال الله تعالى:( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ) (٢) .
( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ
__________________
(١) الرحمن: ٢٢.
(٢) الليل: ١.
فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) )
ولـمّا بيّن سبحانه عظيم نعمه على العباد، بيّن بعده أنّه لا يعاقبهم إلّا على معاصيهم، فقال :
( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ) من بلوى في نفس أو مال( فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) فبسبب معاصيكم. وذكر الفاء بناء على تضمين «ما» معنى الشرط. ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببيّة.( وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) من الذنوب، فلا يعاقب عليها. والآية مخصوصة بالمجرمين. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلّا بذنب». وأمّا ما أصاب غيرهم، من الأنبياء وسائر المعصومين من الأئمّة، ومن الأطفال والمجانين، فلأسباب أخر، منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه.
وعن بعضهم: من لم يعلم أنّ ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأنّ ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربّه إليه.
وعن بعض آخر: العبد ملازم للجنايات في كلّ أوان، وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه، لأنّ جناية المعصية من وجه، وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهّر عبده من جناياته بأنواع من المصائب، ليخفّف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أوّل خطوة.
وعن عليّعليهالسلام ، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة، ومن عوقب في الدنيا لم تثنّ عليه العقوبة في الآخرة».
وعنهعليهالسلام : «هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن».
( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) فائتين، أي: لا تعجزونني حيث ما كنتم، فلا تسبقونني هربا في الأرض عمّا قضي عليكم من المصائب( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍ ) متولّ بالرحمة يحرسكم عنها( وَلا نَصِيرٍ ) يدفعها عنكم.
( وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ ) السفن الجارية( فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ) كالجبال الطوال. قالت الخنساء :
وإن صخرا لتأتمّ الهداة به |
كأنّه علم في رأسه نار |
( إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ ) وقرأ نافع وحده: الرياح( فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ ) ثوابت لا تجري( عَلى ظَهْرِهِ ) ظهر البحر( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ ) على بلاء الله( شَكُورٍ ) لنعمائه. وهما صفتا المؤمن المخلص، فجعلهما كناية عنه، فإنّه هو الّذي وكل همّته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكّر فيها. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر».
( أَوْ يُوبِقْهُنَ ) عطف على «يسكن» لأنّ أصل الكلام: أو يرسلها فيوبقهنّ، أي: يهلكهنّ بإرسال الريح العاصفة المغرقة، لأنّه قسيم «يسكن»، فاقتصر على المقصود.
وخلاصة المعنى: أنّه سبحانه إن يشأ يبتل المسافرين في البحر بإحدى بليّتين: إمّا أن يسكن الريح فيركد الجواري على متن البحر ويمنعهنّ من الجري، وإمّا أن يرسل الريح عاصفة فيهلكهنّ إغراقا. والمراد إهلاك أهلها، لقوله:( بِما كَسَبُوا ) من المعاصي( وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) عطف على «يوبقهنّ». وأصل الكلام: أو يرسله عاصفة فيوبق ناسا بذنوبهم، وينج ناسا على طريق العفو منهم.
( وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ) عطف على علّة مقدّرة، مثل: لينتقم منهم ويعلم. ونحوه في العطف على التعليل المذكور غير عزيز في القرآن. أو على
الجزاء. ونصب نصب الواقع جوابا للأشياء الستّة، نحو: إن تأتني آتك وأعطيك.
وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف.( ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) ملجأ يلجؤن إليه من العذاب.
( فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) )
ثمّ خاطب سبحانه من تقدّم وصفهم، فقال:( فَما أُوتِيتُمْ ) أيّها المشركون( مِنْ شَيْءٍ ) من الغنى والبسطة( فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) تمتّعون به مدّة حياتكم ثمّ تموتون فيبقى عنكم، أو يهلك المال قبل موتكم( وَما عِنْدَ اللهِ ) من ثواب الآخرة
( خَيْرٌ وَأَبْقى ) من هذه المنافع( لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) لخلوص نفعه ودوامه. و «ما» الأولى موصولة تضمّنت معنى الشرط، من حيث إنّ إيتاء ما أوتوا سبب للتمتّع بها في الحياة الدنيا، فجاءت الفاء في جوابها، بخلاف الثانية.
( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ ) عطف على( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي: وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين المتوكّلين على ربّهم، المجتنبين الآثام الكبيرة، والأعمال الفاحشة، والأفعال القبيحة شرعا وعقلا( وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ ) ممّا يفعل بهم من الظلم( يَغْفِرُونَ ) يتجاوزون عنه. والإتيان بـ «هم» وإيقاعه مبتدأ، وإسناد «يغفرون» إليه، للدلالة على أنّهم الأخصّاء بالمغفرة في حال الغضب. ومثله «هم ينتصرون»(١) . وقرأ حمزة والكسائي: كبير الإثم. وعن ابن عبّاس: «كبير الإثم» هو الشرك. والمراد بالمغفرة ما يتعلّق بالإساءة إلى نفوسهم، فمتى عفوا عنها كانوا ممدوحين. فأمّا ما يتعلّق بحقوق الله والحدود الواجبة، فليس للإمام تركها ولا العفو عنها، فلا يجوز له العفو عن المرتدّ وعمّن جرى مجراه.
ثمّ زاد سبحانه في صفاتهم بقوله:( وَالَّذِينَ ) أي: وللّذين( اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) قيل: نزلت في الأنصار، دعاهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الإيمان به وطاعته، فاستجابوا له بالإيمان والإطاعة وإقامة الصلوات الخمس.
وكانوا إذا أرادوا أمرا قبل الإسلام وقبل قدوم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم اجتمعوا وتشاوروا ثمّ عملوا عليه، فأثنى الله عليهم بقوله:( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) ذو شورى، لا ينفردون برأي حتّى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط تدبّرهم وتيقّظهم في الأمور. وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، وهو المفاوضة في الكلام ليظهر الحقّ.
وعن الضحّاك: هو تشاور الأنصار حين سمعوا بظهور رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وورود
__________________
(١) الشورى: ٣٩.
النقباء عليه، حتّى اجتمعوا في دار أبي أيّوب على الإيمان به والنصرة له.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «ما من رجل يشاور أحدا إلّا هدي إلى الرشاد».
( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) في سبيل الخير.
( وَالَّذِينَ ) وللّذين( إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) ممّن بغى عليهم، على ما جعله الله لهم من القوّة والتسلّط، كراهة التذلّل. وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمّهات الفضائل. كما نقل عن النخعي أنّه كان إذا قرأها قال: كانوا يكرهون أن يذلّوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفسّاق. والمعنى: أنّه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال: أخزاك الله، قال: أخزاك الله، من غير أن يعتدي. وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإنّه ينبئ عن عجز المغفور، والانتصار عن مقاومة الخصم. والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلّب مذموم، لأنّه إجراء وإغراء على البغي.
ثمّ عقّب وصفهم بالانتصار بقوله:( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) للمنع عن التعدّي. وسمّي الثانية سيّئة للازدواج، أو لأنّها تسوء من تنزل به.( فَمَنْ عَفا ) عمّاله المؤاخذة به( وَأَصْلَحَ ) بينه وبين عدوّه( فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) عدة مبهمة تدلّ على عظم الموعود( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) المبتدئين بالسيّئة، والمتجاوزين في الانتقام.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم. قال: فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عمّن ظلمنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنّة بإذن الله».
( وَلَمَنِ انْتَصَرَ ) لنفسه وانتصف( بَعْدَ ظُلْمِهِ ) أي: بعد ما ظلم، فإنّه من إضافة المصدر إلى المفعول( فَأُولئِكَ ) إشارة إلى معنى «من» دون لفظه( ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ) بالمعاتبة والمعاقبة.
( إِنَّمَا السَّبِيلُ ) أي: الإثم والعقاب( عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ) يبتدؤنهم بالإضرار( وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ ) يطلبون ما لا يستحقّونه تجبّرا عليهم( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) على ظلمهم وبغيهم.
( وَلَمَنْ صَبَرَ ) على الظلم والأذى( وَغَفَرَ ) ولم ينتصر( إِنَّ ذلِكَ ) إنّ ذلك الصبر والتجاوز منه، فحذف كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم، للعلم به( لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) من ثابت الأمور الّتي أمر الله بها، فلم تنسخ.
وقيل: عزم الأمور هو الأخذ بأعلاها في باب نيل الثواب والأجر.
ويحكي: أنّ رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن البصري، وكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثمّ قام فتلا هذه الآية. فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيّعها الجاهلون.
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ
حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) يخذله الله ويخلّيه بينه وبين نفسه( فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ) من ناصر يتولّاه من بعد خذلان الله إيّاه( وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) حين يرونه، فذكر بلفظ الماضي تحقيقا( يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ) أي: إلى رجعة إلى الدنيا.
( وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ) على النار قبل دخولهم فيها. ويدلّ عليه العذاب.( خاشِعِينَ ) متذلّلين متقاصرين( مِنَ الذُّلِ ) ممّا يلحقهم من الذلّ( يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ ) أي: يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم خفيّ ضعيف بمسارقة، كالمصبور(١) ينظر إلى السيف. وهكذا نظر الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها.
( وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ ) في الحقيقة( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) بالتعريض للعذاب المخلّد، وتفويتهم الانتفاع بنعيم الجنّة( وَأَهْلِيهِمْ ) وأولادهم وأزواجهم وأقاربهم، لا ينتفعون بهم( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) إمّا أن يتعلّق بـ «خسروا»، ويكون من قول المؤمنين في الدنيا. أو يتعلّق بـ «قال» أي: يقولون إذا رأوا عظيم ما نزل بالظالمين يوم القيامة( أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ) المقيم: الدائم الذي لا زوال له. هذا تمام كلامهم، أو تصديق من الله لهم.
( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ ) ممّا عبدوه وأطاعوه في المعصية نصّار( يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) يخذله تخلية( فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ) إلى الهدى، أو النجاة.
__________________
(١) المصبور: المحبوس للقتل.
( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ) أجيبوا داعي ربّكم ـ يعني: محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فيما دعاكم إليه ورغّبكم فيه من المصير إلى طاعته( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ) لا يردّه بعد ما حكم به. و «من» صلة لـ «مردّ». وقيل: صلة «يأتي» أي: من قبل أن يأتي يوم من الله لا يقدر أحد على ردّه( ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ ) مفرّ( يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) إنكار لـما اقترفتموه، أي: لا تقدرون أن تنكروا شيئا منه، لأنّه مدوّن في صحائف أعمالكم، وتشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم.
( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) أعرض الكفّار، أي: عدلوا عمّا دعوتهم إليه( فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) رقيبا، أي: مأمورا بحفظهم لئلّا يخرجوا عمّا دعوتهم إليه، كما يحفظ الراعي غنمه لئلّا يتفرّقوا، فلا تحزن لإعراضهم( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) ليس عليك إلّا إيصال المعنى إلى أفهامهم، والبيان لـما فيه رشدهم، وقد بلّغت.
( وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ) أي: إذا أوصلنا إليه نعمة، من الصحّة والغنى والأمن( فَرِحَ بِها ) بطرا أو أشرا. وأراد بالإنسان الجنس لا الواحد، لقوله:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) من المرض والفقر والمخاوف( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) أيدي المجرمين( فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ) بليغ الكفران، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البليّة ويعظّمها، ولا يتأمّل سببها. وهذا وإن اختصّ بالمجرمين، لكن جاز إسناده إلى الجنس، لغلبتهم واندراجهم فيه.
وتصدير الشرطيّة الأولى بـ «إذا» والثانية بـ «أن» لأنّ إذاقة النعمة محقّقة، من حيث إنّها عادة مقتضاة بالذات، بخلاف إصابة البليّة. وإقامة علّة الجزاء مقامه، ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية، للدلالة على أنّ هذا الجنس موسوم بكفران النعمة، كما قال:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (١) .( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) (٢) .
__________________
(١) إبراهيم: ٣٤.
(٢) العاديات: ٦.
( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) )
ولـمّا ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدّها، أتبع ذلك أنّ له الملك، وأنّه يقسّم النعمة والبلاء كيف أراد وفق الحكمة والمصلحة، فقال :
( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) له التصرّف فيهما وفيما بينهما بما تقتضيه الحكمة، فله أن يقسّم النعمة بين العباد كيف يشاء( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) من أنواع الخلق من غير مجال اعتراض. ثمّ قال إبدالا من «يخلق» إبدال البعض:( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ ) من خلقه( إِناثاً ) فلا يولد له ذكر( وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) فلا يولد له أنثى.
( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً ) أو يجمع لهم بين البنين والبنات. تقول العرب: زوّجت إبلي، أي: جمعت بين صغارها وكبارها.( وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ) لا يلد ولا يولد له.
وتنقيح المعنى: أنّه سبحانه يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة، فيهب لبعض إمّا صنفا واحدا من ذكر أو أنثى، أو الصنفين جميعا، ويعقم آخرين.
ولعلّ تقديم الإناث لأنّها أكثر لتكثير النسل. أو لأنّ مساق الآية للدلالة على أنّ الواقع ما يتعلّق به مشيئة الله، لا مشيئة الإنسان والإناث كذلك. أو لأنّ الكلام في البلاء، والعرب تعدّهنّ بلاء. أو لتطييب قلوب آبائهنّ. ولـمّا أخّر الذكور لذلك، تدارك تأخيرهم وهم أحقّاء بالتقديم بتعريفهم، لأنّ التعريف تنويه وتشهير. ويحتمل أن يكون تأخير الذكور ثمّ تعريفهم لرعاية الفواصل.
ثمّ قدّم الذكران على الإناث لإعطاء كلا الجنسين حقّه من التقديم، للإشعار بأنّ تقديمهنّ أوّلا لم يكن لتقدمهنّ، ولكن لمقتض آخر، فقال:( ذُكْراناً وَإِناثاً ) كما قال:( إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ) (١) ( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) (٢) .
وتغيير العاطف في ذكر تزويج الذكران والإناث، لأنّه قسيم المشترك بين القسمين. ولم يحتج إليه الرابع(٣) ، لإفصاحه بأنّه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدّمة.
( إِنَّهُ عَلِيمٌ ) بمصالح العباد( قَدِيرٌ ) على تكوين ما يصلحهم.
قيل: نزلت في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، حيث وهب لشعيب ولوط إناثا، ولإبراهيم ذكورا، ولمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكورا وإناثا، وجعل يحيى وعيسى عقيمين.
( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) )
__________________
(١) الحجرات: ١٣.
(٢) القيامة: ٣٩.
(٣) وهو قوله تعالى:( وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ) باعتباره الجملة الرابعة في الآية الشريفة.
ثمّ ذكر ما كان أجلّ النعم المذكورة، وهي النبوّة، فقال:( وَما كانَ لِبَشَرٍ ) وما صحّ لأحد من البشر( أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً ) إلّا أن يوحي إليه وحيا، أي: كلاما خفيّا يدرك بسرعة. وهو عبارة عن الإلهام، أي: قذف المعنى وإلقاؤه في القلب يقظة أو نوما، كما أوحى إلى أمّ موسىعليهالسلام ، وإلى إبراهيمعليهالسلام في ذبح ولده. وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داودعليهالسلام في صدره.
( أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) أي: إلّا أن يكلّمه من ورائه، كما يكلّم الملك بعض خواصّه وهو من وراء الحجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه. ومنه الأحاديث المعراجيّة. أو يسمع الكلام الّذي يخلق في الأجسام الجماديّة، كما اتّفق لموسىعليهالسلام في الطور.
( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ) أي: إلّا أن يرسل ملكا من الملائكة( فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ ) فيوحي الملك إلى الأنبياء ما يشاء الله، أي: يبلّغ وحيه على وفق ما أمره، كجبرئيل أرسل إلى محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
واعلم أنّ «وحيا» وما عطف عليه منتصب بالمصدر، لأنّ «وحيا» نوع من الكلام كما فسّرنا به، و( مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) صفة كلام محذوف، والمعطوف والمعطوف عليه واقعان موقع الحال. والتقدير: وما صحّ أن يكلّم أحدا إلّا موحيا، أو مسمعا من وراء الحجاب، أو مرسلا. والإرسال أيضا نوع من الكلام، كما تقول: لا أكلّمه إلّا جهرا وإلّا إخفاتا، لأنّ الجهر والإخفات ضربان من الكلام. وقرأ نافع: أو يرسل برفع اللام.
( إِنَّهُ عَلِيٌ ) عن الإدراك بالأبصار وسائر صفات المخلوقين( حَكِيمٌ ) يفعل ما تقتضيه حكمته من التكلّم بأحد الأنحاء الثلاثة.
وروي: أنّ اليهود قالت للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا تكلّم الله وتنظر اليه إن كنت نبيّا، كما كلّمه موسى ونظر إليه، فإنّا لن نؤمن لك حتّى تفعل ذلك؟ فقال: «لم ينظر موسى
إلى الله» فنزلت.
وعن عائشة: من زعم أنّ محمّدا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية. ثمّ قالت: أولم تسمعوا ربّكم يقول: فتلتْ هذه الآية.
( وَكَذلِكَ ) ومثل ما أوحينا إلى الأنبياء قبلك( أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) يعني: ما أوحي إليه. وسمّاه روحا، لأنّ القلوب تحيا به كما يحيا الجسد بالروح. وقيل: جبرئيل. والمعنى: أرسلناه إليك بالوحي.
وعن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أنّهما قالا: «هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يصعد إلى السماء، وإنّه لفينا».
( ما كُنْتَ تَدْرِي ) قبل الوحي( مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) أي: الإيمان بما لا طريق إليه إلّا السمع من فروع الإسلام، فإنّه ما كان له فيه علم حتّى كسبه بالوحي، كالعلم بالصلاة والصوم والزكاة والحجّ وغيرها. لا الإيمان الذي منشأه العقل، كالعلم بالصانع وصفاته وغيره من الأحكام العقليّة.
( وَلكِنْ جَعَلْناهُ ) أي: الروح، أو الكتاب، أو الإيمان( نُوراً ) لأنّه طريق النجاة( نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) بالتوفيق واللطف، فإنّ من لا لطف له ـ لفرط عناده والتوغّل في مكابرته ـ فلا هداية له( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) هو الإسلام.
( صِراطِ اللهِ ) بدل من الأوّل( الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) خلقا وملكا( أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) بارتفاع الوسائط والتعلّقات، فلا يملك ذلك غيره يوم القيامة. وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين.
(٤٣)
سورة الزخرف
مكّيّة. وهي تسع وثمانون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الزخرف كان ممّن يقال له يوم القيامة:( يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) (١) ادخلوا الجنّة بغير حساب».
وعن أبي بصير قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : «من أدمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هو امّ الأرض، ومن ضمّة القبر، حتّى يقف بين يدي اللهعزوجل ، ثمّ جاءت حتّى تكون هي الّتي تدخله الجنّة بأمر الله سبحانه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) )
__________________
(١) الزخرف: ٦٨.
ولـمّا ختم الله تعالى سورة حم عسق بذكر القرآن والوحي، افتتح هذه السورة بذلك، أيضا، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ( حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ) أقسم بالقرآن على أنّه جعله قرآنا عربيّا. وهو من الأيمان الحسنة البديعة، لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد. ونظيره قول أبي تمام: وثناياك إنّها إغريض(١) . وهو البرد. ولعلّ إقسام الله بالقرآن من حيث إنّه معجز مبيّن لطرق الهدى وما تحتاج إليه الأمّة في أبواب الديانة. أو أنّه بيّن للعرب ما يدلّ على أنّه تعالى صيّره قرآنا عربيّا.
( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) لكي تفهموا معانيه، لأنّه بلغتهم وأساليبهم. ويجوز أن يكون «جعلنا» بمعنى: خلقنا. وحينئذ «قرآنا عربيّا» حال من الضمير. و «لعلّ» مستعار لمعنى الإرادة ليلاحظ معناها ومعنى الترجّي. والمعنى: خلقناه عربيّا غير عجميّ إرادة أن تعقله العرب، ولئلّا يقولوا: لولا فصّلت آياته.
وفي هذه الآية دلالة على حدوث القرآن، لأنّ المجعول هو المحدث بعينه.
( وَإِنَّهُ ) عطف على «إنّا»( فِي أُمِّ الْكِتابِ ) في اللوح المحفوظ، فإنّه أصل الكتب السماويّة، فإنّها كلّها تنسخ منه، وكتب فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
وقرأ حمزة والكسائي: أمّ الكتاب بالكسر.( لَدَيْنا ) محفوظا عندنا عن التغيير( لَعَلِيٌ ) رفيع الشأن في الكتب، لكونه معجزا من بينها( حَكِيمٌ ) ذو حكمة بالغة. أو محكم لا ينسخه غيره.
واعلم أنّ «في أمّ الكتاب» متعلّق بـ «عليّ» واللام لا تمنعه. أو حال منه، و «لدينا» بدل منه، أو حال من «أمّ الكتاب».
__________________
(١) وعجزه: ولآل نوّار أرض وميض.
والنوّار: نور الشجر. والوميض: شديد البريق واللمعان.
( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ ) فننحّيه ونبعّده عنكم. مجاز من قولهم: ضرب الغرائب ـ أي: الإبل الغريبة ـ عن الحوض. ومنه قول الحجّاج: ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل. والفاء للعطف على محذوف، تقديره: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر، أي: القرآن. و( صَفْحاً ) مصدر من غير لفظه. فإنّ تنحية الذكر عنهم إعراض. أو مفعول له. أو حال بمعنى: صافحين. وأصله: أن تولّي الشيء صفحة عنقك. وقيل: إنّه بمعنى الجانب. فيكون ظرفا، كما تقول: ضعه جانبا، وامش جانبا. والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب.
( أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ) أي: لأن كنتم. وهو في الحقيقة علّة مقتضية لترك الإعراض عنهم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: إن بالكسر، على أنّ الجملة شرطيّة مخرجة للمحقّق مخرج المشكوك استجهالا لهم، وما قبلها دليل الجزاء. وذلك كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفّني حقّي، وهو عالم بذلك، ولكنّه يخيّل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحقّ، فعل من له شكّ في الاستحقاق مع وضوحه، استجهالا له.
( وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) )
ثمّ سلّى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن استهزاء قومه بقوله:( وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ) في الأمم الماضية( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) حكاية حال ماضية مستمرّة. يعني: من الأمم الخالية كفرت بالأنبياء وسخرت منهم، لفرط جهلهم، واستهزأت بهم كما استهزأ قومك بك، أي: فلم نضرب عنهم صفحا لاستهزائهم برسلهم، بل كرّرنا الحجج وأعدنا الرسل.
( فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ ) أي: من القوم المسرفين من قومك، لأنّه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبرا عنهم( بَطْشاً ) قوّة ومنعة، فلا يغترّ هؤلاء المشركون بالقوّة والنجدة( وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ) وسلف في القرآن قصّتهم العجيبة الّتي حقّها أن تسير مسير المثل لغرابته. وفيه وعد للرسول، ووعيد لهم. يعني: لـمّا أهلكوا أولئك بتكذيبهم رسلهم وعملهم القبيح، فعاقبة هؤلاء أيضا الإهلاك.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) سألت قومك( مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ ) القادر الّذي لا يقهر( الْعَلِيمُ ) بمصالح العباد. لعلّ ذلك لازم مقولهم، أو ما دلّ عليه إجمالا، أقيم مقامه تقريرا لإلزام الحجّة عليهم. فكأنّهم قالوا: الله، كما حكى عنهم في مواضع أخر. ومعناه: لينسبنّ خلقها إلى الّذي هذه أوصافه.
وهذا إخبار عن غاية جهلهم، إذ اعترفوا بأنّ الله خالق السماوات والأرض، ثمّ عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث. ويجوز أن يكون هذا مقولهم، وما بعده استئناف.
( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) فتستقرّون فيها. وقرأ الحرميّان وأبو عمرو وابن عامر: مهادا.( وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً ) تسلكونها( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) لكي تهتدوا إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك.
( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) غيثا( بِقَدَرٍ ) بمقدار ينفع ولا يضرّ، بأن يسلم معه البلاد والعباد( فَأَنْشَرْنا بِهِ ) فأحيينا بذلك المطر( بَلْدَةً مَيْتاً ) أرضا جافّة يابسة، بإخراج النبات والأشجار والزروع. وتذكير الميّت لأنّ البلدة بمعنى البلد والمكان.( كَذلِكَ ) مثل ذلك الإخراج والإنشار( تُخْرَجُونَ ) تنشرون من قبوركم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وضمّ الراء.
( وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها ) أصناف المخلوقات، فمن الحيوان الذكر والأنثى، ومن غيره ممّا هو كالمقابل، كالحلو والمرّ، والرطب واليابس، وغير ذلك( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ) ما تركبونه، على تغليب المتعدّي بنفسه ـ وهو الركوب على الأنعام ـ على المتعدّي بغيره، وهو الركوب على السفينة، إذ يقال: ركبت الدابّة، وركبت في السفينة. أو المخلوق للركوب على المصنوع له. أو الغالب على النادر. ولذلك قال :
( لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ) أي: ظهور ما تركبون. وهو الفلك والأنعام. وجمعه للمعنى.( ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ) تذكروها بقلوبكم معترفين بها حامدين عليها( وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) مقاومين في القوّة. من: أقرن الشيء إذا أطاقه. وأصله: وجده قرينته، إذ الصعب لا يكون قرينة الضعيف.
( وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ) أي: راجعون. واتّصاله بذلك لأنّ الركوب للتنقّل، والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله في مركب الجنازة. أو لأنّه مخطر نفسه، فكم
من راكب دابّة عثرت به أو شمست(١) أو تقحمّت، أو طاح من ظهرها فهلك. فكان من حقّ الراكب أن لا ينسى عند الركوب يوم هلاكه ومنقلبه إلى الله، حتّى يكون مستعدّا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله. فإذا استوى على الدابّة قال: الحمد لله على كلّ حال، سبحان الّذي سخّر لنا هذا إلى قوله: لمنقلبون، وكبّر ثلاثا، وهلّل ثلاثا. وإذا ركب في السفينة قال:( بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٢) .
وروى العيّاشي بإسناده عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «ذكر النعمة أن تقول: الحمد لله الّذي هدانا للإسلام، وعلّمنا القرآن، ومنّ علينا بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وتقول بعده:( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا ) الآية».
وعن الحسن بن عليّعليهماالسلام : «أنّه رأى رجلا ركب دابّة فقال:( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا ) . فقالعليهالسلام : أَبهذا أمرتم؟ فقال: وبم أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربّكم».
كان قد أغفل التحميد فنبّهه عليه. وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم على دقيقها وجليلها. جعلنا الله من المقتدين بهم، والسائرين بسيرتهم.
فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات، فكيف بالنظر في لطائف الديانات؟
( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ
__________________
(١) شمس الفرس: منع ظهره، وكان لا يمكّن أحدا من ركوبه، ولا يكاد يستقرّ. وتقحّم الفرس براكبه: ألقاه على وجهه.
(٢) هود: ٤١.
لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) )
ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر الكفّار الّذين تقدّم ذكرهم، فقال:( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً ) . هذا متّصل بقوله:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) أي: ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفنّ به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده ولدا، فقالوا: الملائكة بنات الله، فوصفوه بصفات المخلوقين. وسمّاه جزءا كما سمّي
بعضا، لأنّه بضعة من الوالد. وفي هذه التسمية دلالة على استحالة الولد على الواحد الحقّ في ذاته. وقرأ أبو بكر جزءا بضمّتين.
( إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ) ظاهر الكفران. ومن ذلك نسبة الوالد إلى الله، لأنّها من فرط الجهل به والتحقير لشأنه، وهو أصل الكفران.
ثمّ أنكر سبحانه عليهم قولهم، فقال:( أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ) . معنى الهمزة في «أم» الإنكار والتعجّب من شأنهم والتجهيل لهم، حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءا، حتّى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخسّ ممّا اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم، بحيث إذا بشّر أحدهم بها اشتدّ غمّه به، كما قال :
( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ) بالجنس الّذي جعله له مثلا وشبها، إذ الولد لا بدّ وأن يماثل الوالد. والمعنى: أنّهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم أنّ أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت( ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) صار وجهه أسود في الغاية، لـما يعتريه من الكآبة وفرط الغمّ( وَهُوَ كَظِيمٌ ) مملوء قلبه من الكرب غيضا وتأسّفا. وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه. وتنكير «بنات» وتعريف «البنين»، وتقديمهنّ في الذكر، لـما مرّ في قوله:( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) (١) .
ثمّ وبّخهم بما افتروه، فقال:( أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ ) أي: أو جعلوا له، أو اتّخذ من يتربّى في الزينة والترفّه، يعني: البنات( وَهُوَ فِي الْخِصامِ ) في المخاصمة( غَيْرُ مُبِينٍ ) أي: ليس عندهنّ بيان، ولا يأتين ببرهان يحججن به من يخاصمنه، لضعف عقولهنّ، ونقصانهنّ عن فطرة الرجال، وضعف رأيهنّ. فهذا مقرّر لـما يدّعيه من نقصان العقل وضعف الرأي.
ويجوز أن يكون «من» مبتدأ محذوف الخبر، أي: أو من هذا حالة ولده.
__________________
(١) الشورى: ٤٩.
و «في الخصام» متعلّق بـ ««مبين». وإضافة «غير» إليه لا تمنعه، لـما عرفت.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص: ينشّأ، أي: يربّى.
وعن قتادة: قلّما تكلّمت امرأة فأرادت أن تتكلّم بحجّتها إلّا تكلّمت بالحجّة عليها.
وفيه أنّه جعل النشء في الزينة والنعومة من المعايب والمذامّ، وأنّه من صفة ربّات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه.
ثمّ بيّن كفرا آخر تضمّنه مقالتهم الشنيعة، فقال:( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) أي: جعلوا أكمل العباد وأكرمهم على الله تعالى أنقصهم رأيا وأخسّهم صنفا. فهم جمعوا في كفرة ثلاث كفرات، وذلك أنّهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخسّ النوعين، وجعلوه من الملائكة الّذين هم أكرم عباد الله على الله، واستحقروهم واستخفّوا بهم.
وقرأ الحجازيّان وابن عامر ويعقوب: عند الرحمن، على تمثيل زلفاهم واختصاصهم.
ثمّ ردّ ذلك عليهم بقوله:( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) أحضروا خلق الله إيّاهم فشاهدوهم إناثا، فإنّ ذلك ممّا لا يعلم إلّا بالمشاهدة. وهو تجهيل وتهكّم بهم.
يعني: أنّهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإنّ الله تعالى لم يضطرّهم إلى علم ذلك، ولا تطرّقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم، فلم يبق إلّا أن يشاهدوا خلقهم، فيخبروا عن هذه المشاهدة. وهذا كقوله:( أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ) (١) .
وعن نافع: أشهدوا على افعلوا، بضمّ الهمزة وسكون الشين، وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثمّ تخفّف الثانية بين بين. وآأشهدوا، بمدّة بينهما برواية قالون.
__________________
(١) الصافّات: ١٥٠.
( سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ) الّتي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم( وَيُسْئَلُونَ ) أي: عنها يوم القيامة. وهذا وعيد.
( وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ) أي: لو شاء عدم عبادة الملائكة( ما عَبَدْناهُمْ ) وذلك لزعمهم الباطل أنّ عبادتهم بمشيئة الله( ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) أي: لا يعلمون صحّة ما يقولون، فقولهم باطل، لأنّه لم يصدر عن علم( إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) كاذبون، كما يقول إخوانهم المجبّرة. ولا دليل على أنّهم قالوه مستهزئين لا جادّين، ليكونوا عند المجبّرة مؤمنين، وادّعاء ما لا دليل عليه باطل. على أنّ الله قد حكى عنهم على سبيل الذمّ والشهادة بالكفر: أنّهم جعلوا له من عباده جزءا، وأنّه اتّخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وأنّهم جعلوا الملائكة المكرّمين إناثا، وأنّهم عبدوهم.
وأيضا لو كانت هذه الكلمة الّتي نطقوا بها هزءا، لم يكن لقوله تعالى:( ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) معنى.
ولـمّا بين أقوالهم الزائغة، ونفى أن يكون لهم بذلك علم من طريق العقل، أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل، فقال :
( أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ ) من قبل القرآن( فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ) بذلك الكتاب متمسّكون. ومعلوم أنّهم لم يمكنهم ادّعاء أنّ الله تعالى أنزل بذلك كتابا، فعلم أنّ ذلك من تخرّصهم.
ولـمّا لم يكن لهم على ذلك حجّة عقليّة ولا نقليّة، جنحوا إلى تقليد آبائهم الجهلة، كما حكى الله سبحانه عنهم بقوله:( بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) أي: ملّة وطريقة تؤمّ، أي: تقصد، كالرحلة للمرحول إليه( وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) .
ثمّ سلّى سبحانه رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أنّ التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأنّ مقدّميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه، فقال :
( وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ ) في مجمع من الناس( مِنْ نَذِيرٍ ) أي :
نذيرا، لأنّ «من» زائدة( إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ) متنعّموها الّذين أترفتهم النعمة، أي: أبطرتهم، فلا يحبّون إلّا الشهوات والملاهي( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) تخصيص المترفين إشعار بأنّ التنعّم وحبّ البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد. وقوله:( عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) خبر لـ «إنّ»، أو الظرف صلة لـ «مقتدون».
ثمّ قال للنذير:( قالَ ) لهم( أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ) أي: أَتتّبعون آباءكم ولو جئتكم( بِأَهْدى ) بدين أهدى( مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ ) من دين آبائكم. وهو حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير. وفيه حسن التلطّف في الاستدعاء إلى الحقّ، وهو أنّه لو كان ما يدّعونه حقّا وهدى، وكان ما جئتكم به من الحقّ أهدى منه، كان أوجب أن يتّبع ويرجع إليه. ويجوز أن يكون ذلك خطابا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ويؤيّد الأوّل أنّه قرأ ابن عامر وحفص: قال.
وقوله:( قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أيّها المرسلون( كافِرُونَ ) أي: إنّا ثابتون على دين آبائنا، لا ننفكّ عنه وإن جئتنا بما هو أهدى. وهذا إقناط للنذير من أن ينظروا أو يتفكّروا فيه.
ثمّ ذكر سبحانه ما فعل بهم، فقال:( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) بالاستئصال( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) لأنبياء الله والجاحدين لهم، فلا تبال بتكذيبهم. وفي هذا إشارة إلى أنّ العاقبة المحمودة تكون لأهل الحقّ والمصدّقين لرسل الله.
( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
(٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) )
ثمّ دلّ على بطلان التقليد بقوله:( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ) واذكر وقت قوله هذا ليروا كيف تبرّأ أشرف آبائهم عن التقليد وتمسّك بالدليل، حيث قال( لِأَبِيهِ ) أي: لعمّه الّذي هو بمنزلة أبيه في تربيته( وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ) بريء من عبادتكم أو معبودكم من الأصنام والكواكب. مصدر نعت به، ولذلك استوى فيه الواحد والمتعدّد، والمذكّر والمؤنّث.
( إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ) منصوب على أنّه استثناء منقطع، كأنّه قال: لكن أعبد
الّذي فطرني( فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) أي: سيثبّتني على الهداية على الاستقبال، كما هداني في الماضي والحال. أو سيهديني إلى ما وراء ما هداني إليه. ويحتمل أن يكون مجرورا بدلا من المجرور بـ «من»، على أنّه استثناء متّصل. وذلك لأنّهم ـ كما قيل ـ كانوا يعبدون الله مع أوثانهم. وأن تكون «إلّا» صفة بمعنى غير، على أن «ما» في «ما تعبدون» موصوفة، تقديره: إنّني براء من آلهة تعبدونها غير الّذي فطرني.
فهو نظير قوله:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) (١) .
( وَجَعَلَها ) وجعل إبراهيم أو الله كلمة التوحيد( كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) في ذرّيّته، فيكون فيهم أبدا من يوحّد الله ويدعو إلى توحيده( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحّده وتاب عمّا هو عليه.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «الكلمة هي الامامة إلى يوم القيامة».
وعن السدّي: أنّ المراد بالذرّيّة هم آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ ذكر سبحانه نعمه على قريش، وهم من أعقاب إبراهيم، فقال :
( بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ ) أي: هؤلاء المعاصرين من قريش( وَآباءَهُمْ ) بالمدّ في العمر والنعمة، ولم أعاجلهم بالعقوبة لكفرهم، فاغترّوا بذلك، وشغلوا بالتنعّم واتّباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد( حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ ) دعوة التوحيد أو القرآن( وَرَسُولٌ مُبِينٌ ) ظاهر الرسالة بما له من المعجزات البيّنة. أو مبين للتوحيد بالحجج والآيات.
( وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ ) لينبّههم عن غفلتهم( قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ) أي: زادوا شرارة، فضمّوا إلى شركهم معاندة الحقّ والاستخفاف به، فسمّوا القرآن سحرا وكفروا به، واستحقروا الرسول.
( وَقالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ ) من إحدى القريتين :
__________________
(١) الأنبياء: ٢٢.
مكّة والطائف( عَظِيمٍ ) بالجاه والمال، كالوليد بن المغيرة المخزومي من مكّة، وعروة بن مسعود الثقفي، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وعتبة بن أبي ربيعة من مكّة، وكنانة بن عبد ياليل من الطائف. وكان الوليد يقول: لو كان حقّا ما يقول محمّد لنزل هذا القرآن عليّ أو على أبي مسعود الثقفي، فإنّ الرسالة منصب عظيم لا يليق إلّا بعظيم. ولم يعلموا أنّها رتبة روحانيّة تستدعي عظم النفس بالتحلّي بالفضائل والكمالات القدسيّة، لا التزخرف بالزخارف الدنيويّة.
فردّ الله سبحانه ذلك عليهم، فقال إنكارا وتجهيلا وتعجيبا من تحكّمهم:( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) أي: النبوّة( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) وهم عاجزون عن تدبيرها، وهي خويصّة(١) أمرهم وما يصلحهم في دنياهم، ولو وكلهم إلى أنفسهم وولّاهم تدبير أمرهم لضاعوا وهلكوا. فإذا كانوا في تدبير أمر المعيشة الدنيّة في الحياة الدنيا على هذه الصفة، فما ظنّك بهم في أن يدبّروا أمر النبوّة الّتي هي أعلى المراتب الإنسيّة، ورحمة الله الكبرى، ورأفته العظمى، وما يتبعها من الفوز والفلاح في دار السلام.
إن قيل: المراد بالمعيشة ما يعيشون به من المنافع، فمنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام، فإذن قد قسّم الله الحرام كما قسّم الحلال.
فأجيب بأن الله قسّم لكلّ عبد معيشته، وهي مطاعمه ومشاربه وما يصلحه من المنافع، وأذن له في تناولها، ولكن كلّفه أن يسلك في تناولها الطريق الّتي شرعها، فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة حلالا، وسمّاها رزق الله، وإذا لم يسلكها تناولها حراما، وليس له أن يسمّيها رزق الله. فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكنّ العباد يكسبونها صفة الحرام بسوء تناولهم، وهو عدولهم عمّا شرعه الله إلى ما لم يشرعه.
__________________
(١) أي: الّذين يختصّ بهم. وهي تصغير خاصّة.
( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) بأن أوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره، فجعلنا منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، وموالي وخدما( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) ليتسخّر بعضهم بعضا في أشغالهم وحوائجهم، فيحصل بينهم تآلف وتضامّ ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسع، ولا لنقص في المقتر( وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ) يعني: النبوّة وما يتبعها( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) من حطام الدنيا.
ثمّ أخبر سبحانه عن هوان الدنيا عليه، وقلّة مقدارها عنده، فقال :
( وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) لولا كراهة أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفّار في سعة وتنعّم لحبّهم الدنيا، فيجتمعوا عليه( لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ ) بدل من «لمن» بدل الاشتمال. ويجوز أن يكون علّة، مثل اللامين في قولك: وهبت له ثوبا لقميصه، أي: لأجل قميصه.( سُقُفاً ) جمع سقف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: سقفا، اكتفاء بجمع البيوت.( مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ ) ومصاعد. جمع معرج.( عَلَيْها يَظْهَرُونَ ) يعلون السطوح، لحقارة الدنيا( وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً ) أي: من فضّة. حذفت اكتفاء بذكرها أوّلا.( عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ) .
( وَزُخْرُفاً ) وزينة، عطف على «سقفا». أو ذهبا، عطف على محلّ «من فضّة». وفي معناه قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء».
وإنّما لم يوسع الدنيا على المسلمين ليرغب الكفّار في الإسلام، لأنّ التوسعة عليهم مفسدة أيضا، لـما تؤدّي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا لا محض القربة، فكانت الحكمة فيما دبّر، حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلّب الفقر على الغنى.
( وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) «إن» هي المخفّفة، واللام هي الفارقة. وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه: لـمّا بالتشديد، بمعنى «إلّا»، و «إن» نافية.
( وَالْآخِرَةُ ) والجنّة الباقية( عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) خاصّة لهم. وفي الآية دلالة على اللطف، وأنّه تعالى لا يفعل المفسدة وما يدعو إلى الكفر، وإذا لم يفعل ما يؤدّي إلى الكفر فلأن لا يفعل الكفر ولا يريده أولى.
( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) )
ولـمّا تقدّم ذكر الوعد للمتّقين، عقّبه بذكر الوعيد لمن هو على ضدّ صفتهم، فقال :
( وَمَنْ يَعْشُ ) يتعام ويعرض( عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ ) أي: يعرف أنّه الحقّ ثمّ يتجاهل ويتغابى(١) ، كقوله:( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ) (٢) . وذلك لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات.( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً ) نقدّر له، بمعنى: نخذله ونخلّ بينه وبين الشيطان، كقوله:( وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ ) (٣) ( فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) يوسوسه ويغويه دائما. وقرأ يعقوب بالياء، على إسناده إلى ضمير الرحمان.
( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ ) جمع الضمير للمعنى، إذ المراد جنس العاشي
__________________
(١) أي: يتغافل.
(٢) النمل: ١٤.
(٣) فصّلت: ٢٥.
والشيطان المقيّض له. والمعنى: أنّ الشياطين المقيّضين ليصدّون العاشين( عَنِ السَّبِيلِ ) عن الطريق الّذي من حقّه أن يسبل( وَيَحْسَبُونَ ) ويحسب العاشون( أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) أنّهم على الهدى فيتّبعونهم.
( حَتَّى إِذا جاءَنا ) أي: العاشي. وقر الحجازيّان وابن عامر وأبو بكر: جاءانا، أي: العاشي والشيطان( قالَ ) أي: العاشي للشيطان( يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ) بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق. فلمّا غلّب المشرق، وجمع المفترقين بالتثنية، أضاف البعد إليهما.( فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) أنت.
( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ) أي: ما أنتم عليه من تمنّي مباعدة القرين( إِذْ ظَلَمْتُمْ ) إذ صحّ أنّكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا. بدل من اليوم.( أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ) لأنّ حقّكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه، وهو الكفر. ويجوز أن يسند الفعل إليه، بمعنى: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب، كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمّل أعبائه، وتقسّمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كلّ واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته.
( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) )
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يجدّ ويجتهد ويكدّ روحه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون على دعائه إلّا تصميما على الكفر وتماديا في الغيّ، فأنكر سبحانه عليه بقوله:( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ ) إنكار وتعجّب من أن يكون هو الّذي يقدر على هدايتهم، بعد تمرّنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال، بحيث صار عشاهم(١) عمى مقرونا بالصم( وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) عطف على العمى باعتبار تغاير الوصفين.
وفيه إشعار بأنّ الموجب لذلك تمكّنهم في ضلال لا يخفى، فلا يضيقنّ صدرك تصميمهم على الكفر، فإنّه لا يقدر على هدايتهم إلّا الله وحده على سبيل الإلجاء والقسر، كقوله:( إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) (٢) .
ولـمّا وصفهم بشدّة الشكيمة بالكفر والضلال، أتبعه شدّة الوعيد بعذاب الدنيا والآخرة، فقال :
( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ) «ما» مزيدة بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكّدة. والمعنى: فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم، ونشفي صدور المؤمنين منهم( فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) بأشدّ الانتقام في الآخرة. كقوله:( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) (٣) .
( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ ) أو إن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب. وقرأ يعقوب برواية رويس: أو نرينك، بإسكان النون. وكذا: نذهبن.( فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) لا يفوتوننا.
قال الحسن وقتادة: إنّ الله أكرم نبيّه بأن لم يره تلك النقمة، ولم ير في أمّته
__________________
(١) عشي يعشى عشا: ساء بصره بالليل والنهار.
(٢) فاطر: ٢٢.
(٣) غافر: ٧٧.
إلّا ما قرّت به عينه. وقد كان بعده عليه وآله السلام نقمة شديدة. وقد روي أنه صلوات الله عليه وآله أري ما تلقى أمّته بعده، فما زال منقبضا، ولم ينبسط ضاحكا حتّى لقي الله تعالى.
وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «إنّي لأدناهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجّة الوداع بمنى، حتّى قال: لألفينّكم ترجعون بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض. وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنّني في الكتيبة الّتي تضاربكم. ثمّ التفت إلى خلفه فقال: أو عليّ أو عليّ، ثلاث مرّات. فرأينا أنّ جبرائيل غمزه، فأنزل الله على أثر ذلك:( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) بعليّ بن أبي طالب».
وقيل: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أري الانتقام منهم، وهو ما كان من نقمة الله من المشركين يوم بدر بعد أن أخرجوه من مكّة، فقد أسر منهم وقتل مع قلّة أصحابه وضعف منّتهم(١) ، وكثرة الكفّار وشدّة شوكتهم.
ثمّ أمره سبحانه بالتمسّك بالقرآن، فقال:( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ) فكن متمسّكا بما أوحينا إليك من الآيات والشرائع وبالعمل به( إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) لا عوج له، ولا يحيد عنه إلّا ضالّ شقيّ. فزد كلّ يوم صلابة في المحاماة على دين الله، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين والرخاوة في أمرك.
( وَإِنَّهُ ) وإنّ الّذي أوحي إليك( لَذِكْرٌ ) لشرف( لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) أي: عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقّه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين.
( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال، لإحالته، بل في الكلام مضاف مقدّر، تقديره: واسأل أممهم وعلماء دينهم. فإذا سألهم فكأنّه سأل الأنبياء. وقرأ ابن كثير والكسائي بتخفيف الهمزة.( أَجَعَلْنا
__________________
(١) المنة: القوة.
مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ وهل جاءت في ملّة من مللهم؟
وقيل: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع له تسعون نبيّا ـ منهم موسى وعيسى ـ ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم، وقيل له: سلهم، فلم يشكّ ولم يسأل.
وقيل: السؤال مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قطّ في ملّة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظرا وفحصا نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لـما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنّهم لا يعبدون إلّا الله. وهذه الآية كافية في نفسها، لا حاجة إلى غيرها. والسؤال الواقع مجازا عن النظر، حيث لا يصحّ السؤال على الحقيقة، كثير منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال. ومنه قول من قال: سل الأرض من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنّها إن لم تجبك حوارا(١) أجابتك اعتبارا. والقول الأوّل قول أكثر المفسّرين.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا
__________________
(١) أي: مخاطبة بالنطق، ومجاوبة للكلام.
قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦) )
ولـمّا تقدّم سؤال الرسول عن أحوال الرسل وما جاؤا به، اتّصل به ـ استشهادا بصحّة دعوته إلى التوحيد ـ حديث موسى وعيسى، لأنّ أهل الكتابين إليهما ينتسبون، فذكر قصّتهما مع أمّتهما تصديقا لنبيّه في دعواه، فقال :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) أي: أشراف قومه. وخصّهم بالذكر وإن كان مرسلا أيضا إلى غيرهم، لأنّ من عداهم تبع لهم.( فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أرسلني إليكم.
( فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا ) وأظهرها عليهم( إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ) أي: فاجئوا وقت ضحكهم استهزاء بها أوّل ما رأوها ولم يتأمّلوا فيها.
( وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها ) إلّا وهي بالغة أقصى درجات الإعجاز، بحيث يحسب الناظر فيها أنّها أكبر ممّا يقاس إليها من الآيات. والمراد وصف الكلّ بالكبر. يعني: أنّ الآيات موصوفات بفرط الكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه. وكذلك الأشياء الّتي تتلاقى في الفضل، كقولك: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض. أو إلّا وهي مختصّة بنوع من الإعجاز مفضّلة على غيرها بذلك الاعتبار. فلا
يقال: إنّ هذا الكلام متناقض، لأنّ معناه: ما من آية من التسع إلّا وهي أكبر من كلّ واحدة منها، فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة.
( وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ ) كالسنين والطوفان والجراد( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أي: على وجه يرجى رجوعهم.
( وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ) نادوه بذلك في تلك الحال لشدّة شكيمتهم وفرط حماقتهم. أو لأنّهم كانوا يسمّون العالم الماهر ساحرا، لاستعظامهم السحر، فلم يكن صفة ذمّ.( ادْعُ لَنا رَبَّكَ ) فيكشف عنّا العذاب( بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ) بعهده عندك من النبوّة كما زعمت. أو من أن يستجيب دعوتك. أو أن يكشف العذاب عمّن اهتدى. أو بما عهد عندك فوفيت به، وهو الإيمان والطاعة.( إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ) .
وقال بعضهم(١) في تطبيق تسميتهم موسى بالساحر مع قولهم: «إنّنا لمهتدون»: إنّ قولهم هذا وعد منويّ إخلافه، وعهد معزوم على نكثه، كما دلّ عليه قوله:( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ ) بدعاء موسى( إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ) فاجئوا نكث عهدهم بالاهتداء. فما كانت تسميتهم إيّاه بالساحر بمنافية لقولهم:( إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ) .
وفي هذا تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ المعنى: اصبر يا محمد على أذى قومك، فإنّ حالك معهم كحال موسى مع قومه، فيؤول أمرك إلى الاستعلاء على قومك كما آل أمره إلى ذلك.
( وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ) جعلهم محلّا لندائه وموقعا له. والمعنى: نادى فرعون بنفسه في مجامع قومه عند عظماء القبط، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثمّ ينشر عنه في جموع القبط، فكأنّه نودي به بينهم. أو أمر بالنداء في مجامعهم من نادى بذلك، فأسند النداء إليه، كقولك: قطع الأمير اللصّ، إذا أمر بقطعه.
( قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ ) أنهار النيل. ومعظمها أربعة
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٢٥٧.
أنهر: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنّيس.( تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ) تحت قصري، أو سريري، أو أمري، أو بين يديّ في جناني. والواو إمّا عاطفة لـ «هذه الأنهار» على «ملك مصر» و «تجري» حال منها. أو «هذه» مبتدأ، و «الأنهار» صفتها، و «تجري» خبرها.( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) هذا الملك العظيم، وشدّة قوّتي وتسلّطي، وضعف موسى.
( أَمْ أَنَا خَيْرٌ ) مع هذه المملكة والبسطة( مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) ضعيف حقير لا يستعدّ للرئاسة. من المهانة، وهي: القلّة. وقيل: المهين الفقير الّذي يمتهن نفسه في جميع ما يحتاج إليه، ليس له من يكفيه أمره.( وَلا يَكادُ يُبِينُ ) الكلام، لـما به من العقدة الّتي في لسانه، فكيف يصلح للرسالة؟ يريد: أنّه ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به. وهو في نفسه مخلّ بما ينعت به الرجال من الفصاحة. وكانت الأنبياء أبيناء(١) بلغاء.
وعن الحسن: كانت العقدة زالت عن لسانه حين أرسله الله، كما قال مخبرا عن نفسه:( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ) (٢) ، ثمّ قال:( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) (٣) .
ولكن لم يعلم قومه بذلك، فعيّره بما كان في لسانه قبل.
وقيل: كان في لسانه لثغة(٤) ، فرفعها الله تعالى وبقي فيه ثقل مّا.
و «أم» منقطعة، والهمزة للتقرير، إذ قدّم أسباب فضله، من ملك مصر وجري الأنهار تحته، ونادى بذلك في مجامعهم وقال: أنا خير. كأنّه يقول: أثبت عندكم واستقرّ أنّي أنا خير؟ أو متّصلة، على إقامة المسبّب مقام السبب. والمعنى: أَفلا تبصرون، أم تبصرون فتعلمون أنّي خير منه؟ فوضع موضع: تبصرون، قوله: «أنا
__________________
(١) أبيناء جمع بيّن، من: بان الشيء: اتّضح، مثل: هيّن وأهيناء.
(٢) طه: ٢٧ و٣٦.
(٣) طه: ٢٧ و٣٦.
(٤) اللثغة: النطق بالسين كالثاء، أو بالراء كالغين، إلى غير ذلك. أو ثقل اللسان بالكلام.
خير».
ولـمّا وصف نفسه بالملك والعزّة، ووازن بينه وبين موسىعليهالسلام ، ووصفه بالضعف وقلّة الأعضاد، اعترض فقال :
( فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ) أي: فهلّا إن كان صادقا ألقى الله عليه مقاليد الملك وسوّده وسوّره، إذ كانوا إذا سوّدوا رجلا سوّروه وطوّقوه بطوق من ذهب. وأساور(١) جمع أسورة، جمع سوار. وقرأ يعقوب وحفص: أسورة.( أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ) مقرونين يعينونه، أو يصدّقونه. من: قرنته به فاقترن. أو متقارنين، من: اقترن بمعنى: تقارن.
( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ ) فطلب منهم الخفّة، وحملهم على أن يخفّوا له في مطاوعته. أو فاستخفّ أحلامهم.( فَأَطاعُوهُ ) فيما أمرهم به( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق.
( فَلَمَّا آسَفُونا ) أغضبونا بالإفراط في العناد والعصيان. منقول من: أسف إذا اشتدّ غضبه.( انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) أي: لـمّا أفرطوا في المعاصي والعدوان، فاستوجبوا أن لا نحلم عنهم، فنعجّل لهم عذابنا وانتقامنا. ومعنى غضبه على العصاة إرادة عقابهم، كما أن رضاه عن المطيعين إرادة ثوابهم الّذي يستحقّونه على طاعاتهم. وقيل: معناه آسفوا رسلنا، لأنّ الأسف بمعنى الحزن لا يجوز على الله تعالى.( فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ) في اليمّ، ما نجا منهم أحد.
( فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً ) قدوة لمن بعدهم من الكفّار يقتدون بهم في استحقاق مثل عذابهم. مصدر نعت به. أو جمع سالف، كخدم وخادم. وقرأ حمزة والكسائي بضمّ السين واللام جمع سليف، كرغيف ورغف، أو سالف كصابر وصبر، أو سلف كخشب وخشب. والمعنى: وجعلناهم متقدّمين إلى النار.( وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ ) عبرة
__________________
(١) أي: في قراءة: أساور.
لهم. أو حديثا عجيب الشأن سائرا مسير المثل يحدّثون به.
( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) )
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا قرأ على قريش( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (١) امتعضوا(٢) من ذلك امتعاضا شديدا.
فقال عبد الله بن الزبعرى: يا محمد أَخاصّة لنا ولآلهتنا، أم لجميع الأمم؟
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم.
فقال: خصمتك وربّ الكعبة، أَلست تزعم أنّ عيسى بن مريم نبيّ وتثني عليه خيرا وعلى أمّه؟ وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.
__________________
(١) الأنبياء: ٩٨.
(٢) امتعض من الأمر: غضب منه وشقّ عليه.
ففرحوا وضحكوا، وسكت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . فأنزل الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) (١) . ثمّ نزلت :
( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ) أي: مثلا ضربه ابن الزبعرى( إِذا قَوْمُكَ ) قريش( مِنْهُ ) من هذا المثل( يَصِدُّونَ ) يضجّون فرحا وضحكا، لظنّهم أنّ الرسول صار ملزما به.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضمّ من الصدود، أي: يصدّون عن الحقّ ويعرضون عنه. وقيل: هما لغتان، نحو يعكف ويعكف.
( وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) أي: آلهتنا خير عندك أم عيسى، فإن كان عيسى في النار فلتكن آلهتنا معه( ما ضَرَبُوهُ لَكَ )
( إِلَّا جَدَلاً ) ما ضربوا هذا المثل إلّا لأجل الجدل والغلبة، لا لتمييز الحقّ من الباطل( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) شداد الخصومة، حراص على اللجاج، كقوله تعالى:( قَوْماً لُدًّا ) (٢) .
ولا شبهة أنّ قوله:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ) (٣) ما أريد به إلّا الأصنام. وكذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «هو لكلم ولآلهتكم ولجميع الأمم» إنّما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة. إلّا أنّ ابن الزبعرى لخداعه وخبث دخلته(٤) ، لـمّا رأى كلام الله ورسوله محتملا لفظه وجه العموم، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكلّ معبود غير الله، على طريق فرط الجدال وحبّ المكابرة والمغالبة، وتوقّح(٥) في ذلك، فتوقّر رسول
__________________
(١) الأنبياء: ١٠١.
(٢) مريم: ٩٧.
(٣) الأنبياء: ٩٨.
(٤) الدخلة: باطن الأمر.
(٥) أي: قلّ حياؤه وأظهر الوقاحة.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى أجاب عنه ربّه:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) (١) . فدلّ به على أنّ الآية خاصّة في الأصنام. على أنّ ظاهر قوله:( وَما تَعْبُدُونَ ) لغير العقلاء.
وقيل: لـمّا سمعوا قوله:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) (٢) قالوا: نحن أهدى من النصارى، لأنّهم عبدوا آدميّا ونحن نعبد الملائكة، فنزلت. وقوله:( أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) على هذا القول تفضيل لآلهتهم على عيسى، لأنّ المراد بهم الملائكة.
وقيل: لـمّا نزلت:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ ) قالوا: ما يريد محمّد بهذا إلّا أن نعبده، وأنّه يستأهل أن يعبد وإن كان بشرا، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر. فالضمير في «أم هو» لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم السخريّة به والاستهزاء.
وروى سادة أهل البيتعليهمالسلام عن عليٍّعليهالسلام أنّه قال: «جئت إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوما فوجدته في ملأ من قريش، فنظر إليّ ثمّ قال: يا عليّ مثلك في هذه الأمّة كمثل عيسى بن مريم، أحبّه قوم فأفرطوا في حبّه فهلكوا، وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا. فعظم ذلك عليهم وضحكوا وقالوا: يشبّهه بالأنبياء والرسل. فنزلت الآية.
( إِنْ هُوَ ) وما عيسى( إِلَّا عَبْدٌ ) كسائر العبيد( أَنْعَمْنا عَلَيْهِ ) بالنبوّة وخلقه من غير أب( وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) أمرا عجيبا لهم، بأن خلقناه من غير سبب كما خلقنا آدم، وصيّرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر. وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة.
ثمّ قال سبحانه دالّا على كمال قدرته، وعلى أنّه لا يفعل إلّا الأصلح:( وَلَوْ
__________________
(١) الأنبياء: ١٠١.
(٢) آل عمران: ٥٩.
نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ) لولدنا منكم يا رجال( مَلائِكَةً ) كما ولدنا عيسى من غير أب، لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر. أو لجعلنا بدلا منكم ملائكة( فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) يخلفونكم في الأرض، بأن أهلكناكم وجعلنا الملائكة بدلكم سكّان الأرض يعمرونها ويعبدون الله.
والمعنى: أنّ حال عيسى وإن كانت عجيبة، فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك. وأنّ الملائكة مثلكم، من حيث إنّها ذوات ممكنة وأجسام حادثة يحتمل خلقها توليدا كما جاز خلقها إبداعا، وذات القديم متعالية عن الحدوث والإمكان، فمن أين لهم استحقاق الألوهيّة والانتساب إلى الله سبحانه؟
( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) وإنّ عيسى، أي: نزوله من السماء شرط من أشراطها، يعلم منه دنوّها. فسمّى الشرط علما لحصول العلم به. أو إحياؤه الموتى يدلّ على قدرة الله على النشر الّذي هو أوّل ساعات القيامة. والأوّل أكثر وأشهر.
وأورد مسلم في الصحيح قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا. فيقول: لا إنّ بعضكم على بعض أمراء، تكرمة من الله لهذه الأمّة»(١) .
وفي الحديث أيضا: «ينزل عيسى على ثنيّة بالأرض المقدّسة يقال لها: أفيق، وعليه ممصرتان، أي: حلّتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وبها يقتل الدجّال. فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح والإمام يؤمّ بهم، فيتأخّر الإمام، فيقدّمه عيسى ويصلّي خلفه على شريعة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ثمّ يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلّا من آمن به».
وعن الحسن: الضمير للقرآن، فإنّ فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها. وفي حديث آخر: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم».
__________________
(١) صحيح مسلم ١: ١٣٧ ح ١٥٦.
( فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ) فلا تشكّنّ فيها. من المرية، وهي الشكّ.( وَاتَّبِعُونِ ) واتّبعوا هداي، أو شرعي، أو رسولي. وقيل: هو قول الرسول، أمر أن يقول: اتّبعوني( هذا ) أي: هذا الّذي أدعوكم إليه. أو هذا القرآن إن جعل الضمير في «وإنّه» للقرآن.( صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) لا يضلّ سالكه. وقرأ أبو عمرو: فاتّبعوني.
( وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ ) عن المتابعة( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) بانت عداوته لكم، إذ أخرج أباكم من الجنّة، ونزع عنه اللباس، وعرّضكم للبليّة.
( وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حال عيسىعليهالسلام حين بعثه الله نبيّا، فقال:( وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات، أو بآيات الإنجيل، أو بالشرائع الواضحات( قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ) بالإنجيل، أو بالشريعة( وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) وهو ما يكون من أمر الدين، لا ما يتعلّق بأمر الدنيا، فإنّ الأنبياء لم يبعثوا لبيانه، ولذلك قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنتم أعلم بأمر دنياكم»( فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ) فيما أبلغه عنه.
ثمّ بيّن ما أمرهم بالطاعة فيه بقوله:( إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) كأنّه قال: ما أمركم هو اعتقاد التوحيد والتعبّد بالشرائع( هذا ) إشارة إلى مجموع
الأمرين( صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) يفضي بكم إلى الجنّة. وهذا من تتمّة كلام عيسى، أو استئناف من الله يدلّ على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك.
( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ ) الفرق المتحزّبة بعد عيسى( مِنْ بَيْنِهِمْ ) من بين النصارى، أو اليهود والنصارى من بين قومه المبعوث هو إليهم( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) من المتحزّبين( مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) هو يوم القيامة.
( هَلْ يَنْظُرُونَ ) هل ينظر قريش، أو الّذين ظلموا( إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ ) بدل من «الساعة». والمعنى: ما ينظرون إلّا إتيان الساعة( بَغْتَةً ) فجأة( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) غافلون عنها، لاشتغالهم بأمور الدنيا، وإنكارهم لها.
( الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) )
( الْأَخِلَّاءُ ) الأحبّاء( يَوْمَئِذٍ ) متعلّق بـ «عدوّ» في قوله:( بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) أي: يتعادون يومئذ، لأنّه ينقطع فيه كلّ خلّه بين المتخالّين في غير ذات الله، وينقلب عداوة ومقتا، لأنّه ظهر عليهم في ذلك اليوم أنّ ما كانوا يتخالّون له صار
سببا للعذاب( إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) إلّا خلّة المتصادقين في الله، فإنّها لـمّا كانت في الله تبقى نافعة أبد الآباد، بل تصير زائدة إذا رأوا ثواب التحابّ في الله والتباغض في الله.
وقيل: «إلّا المتّقين» إلّا المجتنبين أخلّاء السوء. وقيل نزلت: في أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط.
ثمّ حكى عمّا ينادى به المتّقون المتحابّون في الله يومئذ بقوله:( يا عِبادِ ) أي: يقال لهم: يا عبادي( لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) من فوات الثواب. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بحذف الياء من: عباد.
ثمّ وصف المنادون بقوله:( الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا ) صدّقوا بدلائلنا وحججنا واتّبعوها. وهو منصوب المحلّ، لأنّه صفة منادى مضاف.( وَكانُوا مُسْلِمِينَ ) حال من الواو، أي: الّذين آمنوا مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا. غير أنّ هذه العبارة آكد وأبلغ.
قيل: إذا بعث الله الناس فزع كلّ أحد، فينادي مناد: يا عبادي، فيرجوها الناس كلّهم. ثمّ يتبعها: الّذين آمنوا، فييأس الناس منها غير المسلمين.
( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ ) نساؤكم المؤمنات( تُحْبَرُونَ ) تسرّون سرورا بحيث يظهر حباره ـ أي: أثره ـ على وجوهكم، كقوله:( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) (١) . أو تزيّنون، من الحبر، وهو حسن الهيئة. قال الزجّاج: تكرمون إكراما يبالغ فيه. والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل.
( يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ ) بقصاع ـ جمع صحفة ـ مأخوذة( مِنْ ذَهَبٍ ) فيها ألوان الأطعمة( وَأَكْوابٍ ) كيزان لا عرى لها. جمع كوب. وهو كوز لا عروة له.( وَفِيها ) وفي الجنّة( ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ) من أنواع النعم المشروبة
__________________
(١) المطفّفين: ٢٤.
والمطعومة والمشمومة والملبوسة وغيرها. وقرأ نافع وابن عامر وحفص: تشتهيه على الأصل.
( وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ) ما تلذّه العيون بالنظر إليه. وإنّما أضاف الالتذاذ إلى الأعين، وإنّما المتلذّذ في الحقيقة هو الإنسان، لأنّ المناظر الحسنة سبب من أسباب اللذّة، فإضافة اللّذة إلى الموضع الّذي يلتذّ الإنسان به أحسن، لـما في ذلك من البيان مع الإيجاز. وقد جمع الله تعالى بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلائق كلّهم على أن يصفوا ما في الجنّة من أنواع النعم لم يزيدوا على ما انتظمتاه.
( وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ) فإنّ كلّ نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال، ومستعقب للتحسّر في ثاني الحال.
( وَتِلْكَ ) الإشارة إلى الجنّة المذكورة وقعت مبتدأ، خبره( الْجَنَّةُ ) . وقوله:( الَّتِي أُورِثْتُمُوها ) صفتها. أو «الجنّة» صفة «تلك» و «الّتي» خبرها، أو صفة «الجنّة» والخبر( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) . وعلى هذا تتعلّق الباء بمحذوف لا بـ «أورثتموها» كما في الظروف الّتي تقع أخبارا، تقديره: حاصلة بما كنتم. وعلى الوجه الأوّل تتعلّق بـ «أورثتموها». وشبّهت الجنّة في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. وعن ابن عباس: الكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنّة الكافر. وهذا كقوله:( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ) (١) .
( لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها ) بعضها( تَأْكُلُونَ ) لكثرتها ودوام نوعها. ولعلّ تخصيص التنعّم بالمطاعم والملابس، وتكريره في القرآن، وهو حقير بالإضافة إلى سائر نعائم الجنّة، لـما كان بهم من الشدّة والفاقة في الدنيا. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا ينزع رجل في الجنّة من ثمرها إلّا نبت مكانها مثلاها».
__________________
(١) المؤمنون: ١٠.
( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) )
ثمّ أخبر سبحانه عن أحوال أهل النار، فقال:( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ ) الكاملين في الإجرام. وهم الكفّار، لأنّه جعل قسيم المؤمنين بالآيات، وحكى عنهم ما يخصّ بالكفّار، وهو قوله:( فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) . خبر «إنّ». أو «خالدون» خبر، والظرف متعلّق به.
( لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ) لا يخفّف. من: فترت عنه الحمّى إذا سكنت قليلا. والتركيب للضعف.( وَهُمْ فِيهِ ) في العذاب( مُبْلِسُونَ ) آيسون من النجاة. وعن الضحّاك: يجعل المجرم في تابوت من نار، ثمّ يردم عليه، فيبقى فيه خالدا لا يرى ولا يرى.
ولـمّا بيّن سبحانه ما يفعله بالمجرمين، بيّن أنّه لم يظلمهم بذلك، فقال:( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ) على أنفسهم بما جنوا عليها من العذاب. مرّ مثله غير مرّة. و «هم» فصل عند البصريّين، عماد عند الكوفيّين.
( وَنادَوْا يا مالِكُ ) هو خازن جهنّم( لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ) أي: سل ربّك أن يقضي علينا، أي: يميتنا حتّى نتخلّص من هذا العذاب. مأخوذ من: قضى عليه إذا
أماته. ومنه قوله تعالى:( فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ) (١) . وهو لا ينافي إبلاسهم، لأنّهم معذّبون أزمنة متطاولة وأحقابا ممتدّة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنّه لا فرج لهم، ويغوّثون(٢) أوقاتا لشدّة ما بهم.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يلقى على أهل النار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكا. فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربّك».
( قالَ ) أي: قال الله، أو مالك( إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) لا خلاص لكم بموت ولا غيره.
( لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ ) بالإرسال والإنزال. وهو تتمّة الجواب إن كان في «قال» ضمير الله، وإلّا فجواب منه. فكأنّه تعالى تولّى جوابهم بعد جواب مالك.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ ) معاشر الخلق( لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) لـما في اتّباعه من إتعاب النفس وإدءاب(٣) الجوارح، ولألفتكم بالباطل فكرهتم مفارقته. عن ابن عبّاس: إنّما يجيبهم بهذا الجواب بعد ألف سنة.
( أَمْ أَبْرَمُوا ) إضراب عن الكلام السابق، أي: ما سمعوا هذا القول بسمع القبول، بل أحكموا( أَمْراً ) من كيدهم ومكرهم بالرسول، ولم يقتصروا على كراهة الحقّ( فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) كيدنا بهم في مجازاة ما أبرموا من كيدهم، كقوله:( أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ) (٤) .
( أَمْ يَحْسَبُونَ ) بل أَيظنّ هؤلاء الكفّار( أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ) حديث أنفسهم بذلك، أو تحديثهم غيرهم في مكان خال( وَنَجْواهُمْ ) وتناجيهم، أي: ما تكلّموا به فيما بينهم( بَلى ) نسمعهما ونطّلع عليهما( وَرُسُلُنا ) والحفظة مع ذلك
__________________
(١) القصص: ١٥.
(٢) أي: يقولون: وا غوثاه.
(٣) أدأب إدآبا: أتعب.
(٤) الطور: ٤٢.
( لَدَيْهِمْ ) ملازمة لهم( يَكْتُبُونَ ) ذلك.
وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر من الناس ذنوبه، وأبداها للّذي لا يخفى عليه شيء في السماوات، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق.
( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) )
( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ) أي: صحّ ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجّة واضحة تدلون بها( فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) أي: أنا أوّل من يعظّم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظّم الرجل ولد الملك، فإنّ النبيّ يكون أعلم بالله.
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد على أبلغ الوجوه. وذلك أنّه علّق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلّق بها محالا مثلها. فهو في صورة إثبات كينونة الولد والعبادة، وفي معنى نفيهما، على أبلغ الوجوه وأقواها. ونظيره أن يقول العدليّ للمجبّر: إن كان الله خالقا للكفر في القلوب، ومعذّبا عليه عذابا سرمدا، فأنا أوّل من يقول: هو شيطان وليس بإله.
فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه: نفي أن يكون الله خالقا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، على طريق المبالغة فيه من الوجه الّذي ذكرنا. مع الدلالة على سماجة المذهب وضلاله الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.
وقد تمحّل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف، المليء بالنكت والفوائد المستقلّة بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه. فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أوّل الآنفين من أن يكون له ولد. من: عبد يعبد إذا اشتدّ أنفه، فهو عبد وعابد.
وقيل: «إن» نافية، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أوّل من قال بذلك وعبد ووحّد.
وقرأ حمزة والكسائي: ولد، بالضمّ وسكون اللام.
ثمّ نزّه سبحانه نفسه عن ذلك فقال:( سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) عن كونه ذا ولد، فإنّ هذه الأجسام لكونها أصولا ذات استمرار تبرّأت عمّا يتّصف به سائر الأجسام من توليد المثل، فما ظنّك بمبدعها وخالقها؟! ثمّ خاطب نبيّه على وجه التهديد للكفّار، فقال:( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ) في
باطلهم( وَيَلْعَبُوا ) في دنياهم( حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) وهو دلالة على أنّ قولهم هذا جهل واتّباع هوى، وأنّهم مطبوع على قلوبهم خذلانا وتخلية، كقوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) . وإيعاد بالشقاء الأبدي في العاقبة.
ولـمّا بيّن سبحانه وحدانيّته عقّبه تأكيدا لها قوله:( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ) أي: مستحقّ لأن يعبد فيهما. والظرف متعلّق به، لأنّه بمعنى المعبود، أو متضمّن معناه، كقولك: هو حاتم في البلد، على تضمين معنى الجواد الّذي شهر به، كأنّك قلت: هو جواد في البلد.
والراجع إلى الموصول مبتدأ محذوف، لطول الصلة بمتعلّق الخبر والعطف عليه. ويجوز أن يكون «في السماء» صلة «الّذي» و «إله» خبر مبتدأ محذوف، على أنّ الجملة بيان للصلة، وأنّ كونه في السماء على سبيل الإلهيّة والربوبيّة، لا على معنى الاستقرار. وفيه نفي الآلهة السماويّة والأرضيّة، واختصاصه باستحقاق الألوهيّة.
وكرّر لفظ «إله» لأمرين، أحدهما: التأكيد، ليتمكّن المعنى في النفس. والثاني: لأنّ المعنى: هو إله في السماء يجب على الملائكة عبادته، وإله في الأرض يجب على الإنس والجنّ عبادته.
( وَهُوَ الْحَكِيمُ ) في جميع أفعاله( الْعَلِيمُ ) بمصالح عباده. وهذا كالدليل على وحدانيّته في الألوهيّة.
ثمّ نزّه ذاته عن الشركة بقوله:( وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ) كالهواء، أي: جلّ عن أن يكون له ولد أو شبيه من له التصرّف في السماوات والأرض وفيما بينهما، بلا دافع ولا منازع. أو دامت بركته.( وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) العلم بالساعة الّتي تقوم القيامة فيها، لأنّه لا يعلم وقته على التعيين غيره
__________________
(١) فصّلت: ٤٠.
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) يوم القيامة، فيجازي كلّا على قدر عمله. وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم بالتاء، على الالتفات للتهديد.
( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ ) كما زعموا أنّهم شفعاؤهم عند الله. وهي مسألة الطالب العفو عن غيره وإسقاط العقاب عنه.( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ ) وهو توحيد الله( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإخلاص.
وتوحيد الضمير ثمّ جمعه باعتبار اللفظ والمعنى. والاستثناء متّصل إن أريد بالموصول كلّ ما عبد من دون الله، لاندراج الملائكة والمسيح فيه. ومنفصل إن خصّ بالأصنام.
روي: أنّ النضر بن الحارث ونفرا من قريش قالوا: إن كان ما يقوله محمد حقّا فنحن نتولّى الملائكة، وهم أحقّ بالشفاعة لنا منه. فنزلت الآية.
فالمعنى: أنّهم يشفعون للمؤمنين بإذن الله. وفيه دلالة على أنّ حقيقة الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والمعرفة.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) سألت العابدين، أو المعبودين( مَنْ خَلَقَهُمْ ) من أخرجهم من العدم إلى الوجود( لَيَقُولُنَّ اللهُ ) لتعذّر المكابرة فيه من فرط ظهوره( فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) فكيف يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟!( وَقِيلِهِ ) وقول الرسول. عن الأخفش: أنّ نصبه للعطف على( سِرَّهُمْ ) (١) أي: أم يحسبون أنّا لا نسمع قوله. وعنه أيضا: أنّه منصوب بإضمار فعله، أي: وقال قيله. وعن الزجّاج: أنّه معطوف على محلّ( السَّاعَةِ ) (٢) كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمرا. وجرّه عاصم وحمزة عطفا على لفظ «الساعة».( يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ) .
قال صاحب الكشّاف بعد نقل هذه الأقوال: «والّذي قالوه ليس بقويّ في
__________________
(١) الزخرف: ٨٠ و٨٥.
(٢) الزخرف: ٨٠ و٨٥.
المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا، ومع تنافر النظم. وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجرّ والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه. ويكون قوله:( إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ) جواب القسم. كأنّه قيل: وأقسم بقيله يا ربّ إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون وإقسام الله بقيله رفع منه، وتعظيم لدعائه والتجائه إليه»(١) .
( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ ) فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم، وودّعهم(٢) وتاركهم( وَقُلْ سَلامٌ ) تسلّم(٣) منكم ومتاركة. وقيل: معناه: قل ما تسلم به من شرّهم وأذاهم.( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) وعيد من الله لهم، وتسلية للرسول. وقرأ نافع وابن عامر بالتاء، على أنّه من المأمور بقوله.
وهذه الآية منسوخة بآية السيف(٤) . وقيل: معناه: فاصفح عن سفههم، ولا تقابلهم بمثله. فلا يكون منسوخا.
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٢٦٨.
(٢) ودّع فلانا: هجره.
(٣) تسلّم منه: تبرّأ.
(٤) التوبة: ٥ و٢٩.
(٤٤)
سورة الدخان
مكّيّة. وهي تسع وخمسون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الدخان في ليلة الجمعة غفر له».
أبو هريرة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ حم الدخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك».
وعنه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له».
أبو امامة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة ويوم الجمعة، بنى الله له بيتا في الجنّة».
وروى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الدخان في فرائضه ونوافله، بعثه الله من الآمنين يوم القيامة، وأظلّه تحت ظلّ عرشه، وحاسبه حسابا يسيرا، و أعطي كتابه بيمينه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا
مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الزخرف بالوعيد والتهديد، افتتح هذه السورة أيضا بمثل ذلك في الإنذار بالعذاب الشديد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ) القرآن. والواو للقسم إن جعلت «حم» تعديدا للحروف، أو اسما للسورة، مرفوعا على خبر الابتداء المحذوف. وللعطف إن كانت «حم» مقسما بها. والجواب قوله:( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) أي: في ليلة القدر. وقيل: هي ليلة النصف من شعبان. ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة الرحمة. وقيل: في تسميتها بها: إنّ البندار ـ أي: من في يده الخراج ـ إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك اللهعزوجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة.
ومعنى إنزال القرآن فيها: أنّ الله سبحانه ابتدأ فيها إنزاله، أو أنزل فيها جملة
إلى السماء الدنيا من اللوح الّذي يكون في السماء السابعة، ثمّ أنزله على رسول الله نجوما نجوما.
ومعنى المباركة: الكثيرة الخير. ومن بركتها إنزال القرآن فيها، فإنّ نزوله سبب للمنافع الدينيّة والدنيويّة. ولو لم يوجد فيها إلّا إنزاله لكفى به بركة. قيل: بدأ في استنساخ القرآن من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ووقع الفراغ في ليلة القدر.
( إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) استئناف يبيّن المقتضي للإنزال. وكذا قوله:( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) فإنّ كونها مفرّق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة، يستدعي أن ينزّل فيها القرآن الّذي هو من عظائمها. ويجوز أن يكون صفة( لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) وما بينهما اعتراض.
وقيل: في ليلة القدر تدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
وقيل: يعطى كلّ عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى القلوب هيبته.
وقيل: بركة هذه الليلة في أنّها مختصّة بخمس خصال: تفريق كلّ أمر حكيم.
وفضيلة العبادة فيها.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من صلّى في هذه الليلة مائة ركعة، أرسل الله إليه مائة ملك: ثلاثون يبشّرونه بالجنّة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان». ونزول الرحمة.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله يرحم أمّتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب».
وحصول المغفرة. قالعليهالسلام : «إنّ الله يغفر لجميع المسلمين في هذه الليلة، إلّا لكاهن، أو ساحر، أو مشاحن(١) ، أو مدمن خمر، أو عاقّ للوالدين، أو مصرّ على الزنا».
وما أعطي فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من تمام الشفاعة. وذلك أنّه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمّته، فأعطي الثلث منها. ثمّ سأل ليلة الرابع عشر، فاعطي الثلثين. ثمّ سأل ليلة الخامس عشر، فاعطي الجميع، إلّا من شرد عن الله شراد البعير. ومن عادة الله في هذه الليلة أن يزيد ماء زمزم زيادة ظاهرة.
والقول الأكثر أنّ المراد بالليلة المباركة ليلة القدر، لقوله تعالى:( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (٢) . ولمطابقة قوله:( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) لقوله:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (٣) . وقوله:( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) (٤) . وليلة القدر في أكثر الأقوال في شهر رمضان.
وهذا أصحّ القولين، لأنّه منقول عن ابن عبّاس وقتادة وابن زيد، ومرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
( أَمْراً مِنْ عِنْدِنا ) نصب على الاختصاص، أي: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا. وهو مزيد تفخيم للأمر. ويجوز أن يكون حالا من «كلّ»، أو «أمر»، أو من ضميره المستكن في «حكيم»، لأنّه موصوف. أو حالا من أحد ضميري «أنزلناه»، يعني: آمرين أو مأمورا. وأن يراد به ما يقابل النهي، وقع مصدرا لـ «يفرق»، لأنّ الأمر والفرقان واحد، من حيث إنّه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه. أو مصدر لفعله مضمرا، من حيث إنّ الفرق به، أي: أمرنا أمرا
__________________
(١) المشاحن: المباغض الشديد العداوة.
(٢) القدر: ١ و٤.
(٣) القدر: ١ و٤.
(٤) البقرة: ١٨٥.
من لدنّا.
( إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) بدل من( إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) أي: إنّا أنزلنا القرآن لأنّ من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا.
( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) لأجل الرحمة عليهم. ووضع الربّ موضع الضمير، إشعارا بأنّ الربوبيّة تقتضي الرحمة على المربوبين، فإنّه أعظم أنواع التربية. أو علّة لـ «يفرق» أو «أمرا». و «رحمة» مفعول به.( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) يسمع أقوال العباد( الْعَلِيمُ ) ويعلم أحوالهم. وهو بما بعده تحقيق لربوبيّته، وإيذان بأنّها لا تحقّ إلّا لمن هذه صفاته.
( رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ) خبر آخر، أو استئناف. وقرأ الكوفيّون بالجرّ بدلا من «ربّك».( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) أي: إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم.
أو كنتم موقنين في إقراركم إذا سئلتم من خلقها؟ فقلتم: الله، علمتم أنّ الأمر كما قلنا، كما تقول: إنّ هذا إنعام زيد الّذي تسامع الناس بكرمه واشتهر وإسخاؤه، إن بلغك حديثه وحدّثت بقصّته. وفائدة الشرطيّة التنبيه للمخاطب بأنّ من حقّك أن تكون عالما به، ولا تكون غافلا عن مثله. أو إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) لا يستحقّ العبادة غيره، إذ لا خالق سواه( يُحْيِي وَيُمِيتُ ) كما تشاهدون( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) .
ثمّ ردّ أن يكونوا موقنين بقوله:( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) أي: إقرارهم غير صادر عن علم وتيقّن، ولا عن جدّ وحقيقة، بل قول مخلوط بهزء ولعب.
( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ) فانتظرهم في هذا اليوم. ويجوز أنّه منصوب بأنّه مفعول به. يقال: رقبته وارتقبته، نحو: نظرته وانتظرته، أي: انتظر يوم تأتي السماء( بِدُخانٍ مُبِينٍ ) أي: يوم شدّة ومجاعة، فإنّ الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره. أو لأنّ الهواء يظلم عام القحط، لقلّة الأمطار وكثرة
الغبار. أو لأنّ العرب تسمّي الشرّ الغالب دخانا، وقد قحطوا حتّى أكلوا جيف الكلاب وعظامها.
ويروى أنّه قيل لابن مسعود: إنّ قاصّا عند أبواب كندة يقول: إنّه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق. فقال: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم. ثمّ قال: ألا وسأحدّثكم أنّ قريشا لـمّا استعصت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا عليهم فقال: أللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف. فأصابهم الجهد حتّى أكلوا الجيف والعلهز(١) . وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه، وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلمّا كشف عنهم رجعوا إلى شركهم.
وإسناد الإتيان إلى السماء لأنّها تكفّ الأمطار الّتي هي سبب الغبار الّذي يشبهه الدخان. أو المراد يوم ظهور الدخان المعدود في أشراط الساعة، لـما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا قال: «أوّل الآيات الدخان، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر». قال حذيفة: ما الدخان يا رسول الله؟ فتلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الآية وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة. أمّا المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام. وأمّا الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره».
وروي أيضا عن أمير المؤمنينعليهالسلام : «أنّه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة، يدخل في أسماع الكفرة، حتّى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ(٢) .
__________________
(١) العلهز: طعام كانوا يتّخذونه من الدم ووبر البعير في زمن المجاعة.
(٢) الحنيذ: المشويّ.
ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام. وتكون الأرض كلّها كبيت أو قد فيه خصاص»(١) .
( يَغْشَى النَّاسَ ) يحيط بهم. في محلّ الجرّ على أنّه صفة للدخان. وقوله:( هذا عَذابٌ أَلِيمٌ ) أي: قائلين ذلك( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ ) منصوب المحلّ بفعل مضمر، وهو: يقولون. و «يقولون» منصوب على الحال.( إِنَّا مُؤْمِنُونَ ) وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم.
( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى ) من أين لهم وكيف يتذكّرون بهذه الحالة( وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ) بيّن لهم ما هو أعظم من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة.
( ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ) فلم يذّكّروا( وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) فقال بعضهم: يعلّمه عداس، غلام أعجميّ لبعض ثقيف. وقال آخرون: إنّه مجنون.
( إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ ) بدعاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّه لـمّا دعا رفع القحط( قَلِيلاً ) كشفا قليلا، أو زمانا قليلا، وهو ما بقي من أعمارهم( إِنَّكُمْ عائِدُونَ ) إلى الكفر غبّ الكشف. ومن فسّر الدخان بما هو من الأشراط قال: إذا جاء الدخان غوّث(٢) الكفّار بالدعاء، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوما، فريثما يكشفه عنهم يرتدّون لا يتمهّلون. ومن فسّره بما في يوم القيامة أوّله بالشرط. والتقدير:( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى ) يوم القيامة، أو يوم بدر. ظرف لفعل دلّ عليه( إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ) لا لـ «منتقمون» فإنّ «إنّ» تحجزه عنه. أو بدل من «يوم تأتي». والبطش هو شدّة الألم.
( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ
__________________
(١) الخصاص: الفرج في البناء وما شاكله.
(٢) أي: قالوا: وا غوثاه.
بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) )
ثمّ شبّه حالهم بحال المعاندين الّذين كانوا من قبلهم، فقال:( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ) امتحنّاهم بالإمهال وتوسيع الرزق عليهم، ليشكروا على ما أنعمنا عليهم ويطيعونا، فبدّلوا الشكر بالكفران، وعصوا أمرنا بالثبات على الكفر( وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) على الله، أو على المؤمنين، أو في نفسه، لشرف نسبه وفضل حسبه، لأنّ الله لم يبعث نبيّا إلّا من سراة قومه وكرامهم.
( أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ ) بأن أدّوهم إليّ، وأرسلوهم معي. وهم بنو إسرائيل، كقوله تعالى:( أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ) (١) . ولا تعذّبهم. أو بأن أدّوا إليّ حقّ الله، من الإيمان وقبول الدعوة يا عباد الله. ويجوز أن تكون «أن» مخفّفة، أي: وجاءهم بأنّ الشأن أدّوا إليّ. أو مفسّرة، لأنّ مجيء الرسول متضمّن لمعنى القول، لأنّه لا يجيئهم إلّا مبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله.( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) غير متّهم، لدلالة المعجزات على صدقه، أو لائتمان الله إيّاه على وحيه. وهو علّة الأمر.( وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ ) ولا تتكبّروا عليه. بالاستهانة بوحيه ورسوله.
و «أن» كالأولى في وجهيها.( إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) بحجّة واضحة يظهر الحقّ معها. وهذا علّة للنهي. ولذكر الأمين مع الأداء، والسلطان المبين مع العلاء ،
__________________
(١) الشعراء: ١٧.
شأن لا يخفى.
فلمّا قال ذلك توعّدوه بالقتل والرجم، فقال:( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ) التجأت إليه توكّلا عليه( أَنْ تَرْجُمُونِ ) أن تؤذوني ضربا أو شتما، أو تقتلوني. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: عتّ بالإدغام(١) .
( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) فكونوا بمعزل منّي، واقطعوا أسباب الوصلة عنّي. أو فخلّوني واتركوني لا عليّ ولا لي، ولا تتعرّضوا لي بسوء، فإنّه ليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم.
( فَدَعا رَبَّهُ ) بعد ما كذّبوه ويئس من أن يؤمنوا به( أَنَّ هؤُلاءِ ) بأنّ هؤلاء( قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ) وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به، ولذلك سمّاه دعاء.
قيل: كان دعاؤه: أللّهمّ عجّل لهم ما يستحقّونه بإجرامهم. وقيل. هو قوله:( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٢) . وما دعا عليهم إلّا بعد أن أذن له في ذلك.
( فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً ) أي: فقال: أسر. أو قال: إن كان الأمر كذلك فأسر ببني إسرائيل. وقرأ ابن كثير ونافع بوصل الهمزة، من: سرى.( إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) يتّبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم.
( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً ) مفتوحا ذا فجوة واسعة. أو ساكنا على هيئته، قارّا على حاله، من انتصاب الماء، وكون الطريق يبسا بعد ما جاوزته، ولا تضربه بعصاك، ولا تغيّر منه شيئا ليدخله القبط، ويطمع فرعون في دخوله. فقد روي: أنّ موسىعليهالسلام لـمّا جاوز البحر أراد أن يضربه بعصا فينطبق كما ضربه فانفلق، فقال سبحانه: اتركه يا موسى.( إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) أي: سيغرقهم الله.
__________________
(١) أي: بإدغام الذال في التاء.
(٢) يونس: ٨٥.
( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حالهم بعد إهلاكهم، فقال:( كَمْ تَرَكُوا ) كثيرا تركوا( مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ) محافل مزيّنة ومنازل حسنة. وعن ابن عبّاس: منابر الخطباء.( وَنَعْمَةٍ ) أي: تنعّم( كانُوا فِيها فاكِهِينَ ) متنعّمين كما يتنعّم الآكل بأنواع الفواكه.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. أو الأمر كذلك.( وَأَوْرَثْناها ) عطف على الفعل المقدّر، أو على «تركوا». وإيراث النعمة تصييرها إلى الثاني بعد الأول بغير مشقّة، كما يصير الميراث إلى أهله على تلك الصفة. فلمّا كانت نعمة قوم فرعون وصلت بعد هلاكهم إلى غيرهم، كان ذلك إيراثا من الله لهم.( قَوْماً آخَرِينَ ) لبسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء. وهم بنو إسرائيل، كانوا متسخّرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم. وقيل: غيرهم، لأنّهم لم يعودوا إلى مصر.
( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ) مجاز عن عدم المبالاة بهلاكهم، وعدم الاعتداد بوجودهم، كما قالت العرب على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة في وجوب البكاء والجزع على موت رجل خطير وتعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح وأظلمت له الشمس، في نقيض ذلك. ومنه ما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه، إلّا بكت عليه
السماء والأرض».
وكذلك يروى عن ابن عبّاس: أنّ المؤمن ليبكي عليه مصلّاه، وموضع عبادته، ومصعد عمله، ومهبط رزقه.
وعن السدّي: لـمّا قتل الحسين بن عليّعليهالسلام بكت السماء عليه، وبكاؤها حمرة أطرافها.
وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «بكت السماء على يحيى بن زكريّا وعلى الحسين بن عليّعليهالسلام أربعين صباحا، ولم تبك إلّا عليهما. قلت: فما بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء».
وقيل: تقديره: فما بكت عليهم أهل السماء والأرض، بل كانوا بهلاكهم مسرورين.
( وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ) ممهلين إلى وقت آخر، بل عوجلوا بالعقوبة.
( وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ
الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) )
( وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ) من استعباد فرعون وقتله أبناءهم( مِنْ فِرْعَوْنَ ) بدل من «العذاب» على حذف المضاف، أي: عذاب فرعون. أو على جعل فرعون نفس العذاب، لإفراطه في التعذيب. أو حال من «المهين» يعني: واقعا من جهته.( إِنَّهُ كانَ عالِياً ) متكبّرا متغلّبا( مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) المجاوزين الحدّ في العتوّ والشرارة. وهو خبر ثان، أي: كان متكبّرا مسرفا. أو حال من الضمير في «عاليا» أي: كان رفيع الطبقة في الإسراف حال كونه من بينهم.
( وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ) اخترنا بني إسرائيل بالنجاة عن الغرق، وإعطاء التوراة، وكثرة الأنبياء منهم( عَلى عِلْمٍ ) عالمين بأنّهم أحقّاء بذلك. أو مع علم منّا بأنّهم يزيغون في بعض الأحوال.( عَلَى الْعالَمِينَ ) على عالمي زمانهم( وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ) كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى( ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ ) نعمة جليّة، أو اختبار ظاهر.
( إِنَّ هؤُلاءِ ) يعني: كفّار قريش، لأنّ الكلام فيهم. وقصّة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنّهم مثلهم في الإصرار على الضلالة، والإنذار عن مثل ما حلّ بهم.( لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى ) أي: إذا قيل لهم: إنّكم تموتون موتة يتعقّبها حياة، كما تقدّمتكم موتة قد تعقّبتها حياة، قالوا: إن هي إلّا موتتنا الأولى، أي: ما الموتة الّتي من شأنها أن يتعقّبها حياة إلّا الموتة الأولى للحياة الدنيويّة دون الموتة الثانية( وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) بمبعوثين. يقال: أنشر الله الموتى ونشرهم إذا بعثهم.
( فَأْتُوا بِآبائِنا ) خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين، أي :
فعجّلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربّكم ذلك( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في وعدكم، ليكون دليلا على أنّ ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حقّ.
وقيل: كانوا يطلبون من المؤمنين أن يدعوا الله فينشر لهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه، فإنّه كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل ومعاظم الشؤن.
ولـمّا تركوا الحجّة، وعدلوا إلى الشبهة جهلا، عدل سبحانه في إجابتهم إلى الوعيد والوعظ، فقال:( أَهُمْ خَيْرٌ ) أَمشركو قريش خير في القوّة والمنعة والعدد والعدد( أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) هو تبّع الحميري. وكان مؤمنا وقومه كافرين، ولذلك ذمّهم دونه. وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما أدري أَكان تبّع نبيّا أو غير نبيّ».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تسبّوا تبّعا، فإنّه كان قد أسلم».
وعن ابن عبّاس: كان نبيّا. وقيل: نظر ابن عبّاس إلى قبرين بناحية حمير فقال: هذا قبر رضوى، وقبر حبى بنت تبّع، ولا تشركان بالله شيئا. وقيل: هو الّذي كسا البيت.
وعن الصادقعليهالسلام : «إنّ تبّع قال للأوس والخزرج، كونوا ها هنا حتّى يخرج هذا النبيّ. أما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه».
وهو الّذي سار بالجيوش، وحيّر الحيرة، وبنى سمرقند. وقيل: هدمها ثمّ بناها. وكان إذا كتب قال: بسم الله الّذي ملك برّا وبحرا، وضحّا(١) وريحا. وسمّي تبّعا لكثرة أتباعه من الناس. وقيل: لأنّه تبع من قبله من ملوك اليمن. واسمه أسعد أبو كرب. وقيل لملوك اليمن: التبابعة، كما قيل: الأقيال، لأنّهم يتقيّلون، أي: يتبعون. وسمّي الظلّ تبعا، لأنّه يتبع الشمس.
( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) كعاد وثمود( أَهْلَكْناهُمْ ) استئناف بمآل قوم تبّع
__________________
(١) الضحّ: الشمس.
والّذين من قبلهم، هدّد به كفّار قريش. أو حال بإضمار «قد». أو خبر من الموصول إن استؤنف به.( إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ) كافرين. فليحذر هؤلاء أن ينالهم مثل ما نال أولئك. وهذا بيان للجامع المقتضي للإهلاك.
( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما ) وما بين الجنسين( لاعِبِينَ ) لاهين، بل خلقناهما لغرض حكمي، وهو أن ننفع المكلّفين بذلك ونعرّضهم للثواب. وهو دليل على صحّة الحشر، كما مرّ في سورة الأنبياء(١) وغيرها.
( ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ ) إلّا بسبب الحقّ الّذي اقتضاه الدليل، من الإيمان والطاعة، أو البعث والجزاء. أو بالأمر والنهي، والتمييز بين المحسن والمسيء.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) صحّة ما قلناه، لعدولهم عن النظر فيه والاستدلال على صحّته.
( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ) فصل الحقّ عن الباطل. أو المحقّ عن المبطل بالجزاء. أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبّائه.( مِيقاتُهُمْ ) وقت موعدهم( أَجْمَعِينَ ) وهو يوم القيامة.
ولـمّا ذكر سبحانه أنّ يوم الفصل ميقات الخلق يحشرهم فيه، بيّن أيّ يوم هو، فقال :
( يَوْمَ لا يُغْنِي ) بدل من «يوم الفصل» أو صفة لـ «ميقاتهم». أو ظرف لـما دلّ عليه «الفصل» لا له، للفصل. تقديره: يفصل الحقّ من الباطل يوم لا يدفع عذاب الله.( مَوْلًى ) هو الصاحب الّذي من شأنه أن يتولّى معونة صاحبه على أموره، من قريب وحليف وغيرهما ممّن هذه صفته( عَنْ مَوْلًى ) أيّ مولى كان( شَيْئاً ) من الإغناء، أي: قليلا منه( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) الضمير لـ «مولى» الأوّل باعتبار المعنى، لأنّه في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كلّ مولى.
__________________
(١) الأنبياء: ١٦.
( إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ ) رحمة بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه، من فسّاق أهل الإيمان. وشفعاؤهم الأنبياء والأوصياء وصلحاء المؤمنين. ومحلّه الرفع على البدل من الواو، أي: لا يمنع من العذاب إلّا منرحمهالله . أو النصب على الاستثناء.( إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ ) لا ينصر منه من أراد تعذيبه( الرَّحِيمُ ) لمن أراد أن يرحمه.
( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) )
ثمّ وصف سبحانه ما يفصل به بين الفريقين، فقال:( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ) قد سبق تفسيره في سورة الصّافّات(١) . وقد مرّ فيها أيضا أنّ ابن الزبعرى قال: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر التزقّم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد وقال: تزقّموا، فإنّ هذا هو الّذي يخوّفكم به محمّد. فنزلت:( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ) .( طَعامُ الْأَثِيمِ ) الفاجر الكثير الآثام. والمراد به الكافر، لدلالة ما قبله وما بعده عليه.
( كَالْمُهْلِ ) وهو ما يمهل في النار حتّى يذوب، من النحاس أو الرصاص أو الذهب أو الفضّة. وقيل: درديّ(٢) الزيت.( يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ) إذا حصلت في أجواف أهل النار. وقرأ ابن كثير وحفص ورويس بالياء، على أنّ الضمير للطعام أو الزقّوم لا للمهل، إذ الأظهر أنّ الجملة حال من أحدهما، لأنّ المهل إنّما ذكر للتشبيه
__________________
(١) راجع ج ٥ ص ٥٥٤ ـ ٥٥٥، ذيل الآية: ٦٢ من سورة الصافّات.
(٢) الدرديّ من الزيت ونحوه: الكدر الراسب في أسفله.
به في الذوب( كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ) غليانا مثل غلي الحميم. وهو الماء الحارّ الّذي انتهى غليانه.
ثمّ يقال للزبانية:( خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ ) فجرّوه. والعتل: الأخذ بمجامع الشيء وجرّه بقهر. وعن مجاهد: جرّوه على وجهه. وقرأ الحجازيّان وابن عامر ويعقوب بالضمّ. وهما لغتان.( إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ) وسطه. سمّي وسط الشيء سواء، لاستواء المسافة بينه وبين أطرافه المحيطة به. والسواء العدل.
( ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ) كان أصله: يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم، لأنّ الحميم حقيقة هو المصبوب لا عذابه. فقيل استعارة: يصبّ من فوق رؤوسهم عذاب هو الحميم للمبالغة. ثمّ أضيف العذاب إلى الحميم للتخفيف. وزيد «من» للدلالة على أنّ المصبوب بعض هذا النوع، فيكون أهول وأهيب.
وعن مقاتل: إنّ خازن النار يمرّ به على رأسه، فيذهب رأسه عن دماغه، ويقول له استهزاء وتقريعا على ما كان عليه من التعزّز والتكرّم على قومه:( ذُقْ ) أي: ذق هذا العذاب الشديد( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) على قومك، أو على زعمك.
وروي: أنّ أبا جهل قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما بين جبليها ـ يعني: جبلي أبي قبيس وثور ـ أعزّ ولا أكرم منّي، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربّك أن تفعلا بي شيئا.
وقيل: إنّك أنت الذليل المهين، إلّا أنّه قيل على هذا الوجه للاستخفاف به.
وقرأ الكسائي: أنّك بالفتح، أي: ذق لأنّك، أو عذاب أنّك. وعن الحسن بن عليعليهالسلام : أنّه قرأ بفتح «أنّك» على المنبر.
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) )
( إِنَّ هذا ) أي: إنّ هذا العذاب( ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ) تشكّون وتمارون فيه.
وبعد ذكر وعيد الكافرين المعاندين، وعد المؤمنين المطيعين، فقال:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ ) في موضع القيام. والمراد المكان. وهو من الخاصّ الّذي وقع مستعملا في معنى العموم، أي: في جميع الأمكنة وإن لم يكن ثمّة قيام. وقرأ نافع وابن عامر بضمّ الميم. وهو موضع الإقامة.( أَمِينٍ ) يأمن صاحبه عن الآفة والانتقال. من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين. وهو ضدّ الخائن. فوصف به المكان استعارة، لأنّ المكان المخيف كأنّما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) بدل من «مقام» جيء به للدلالة على نزاهته، واشتماله على ما يستلذّ به من المآكل والمشارب.
( يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ) خبر ثان. أو حال من الضمير في الجارّ والمجرور. أو استئناف. والسندس ما رقّ من الحرير. والإستبرق ما غلظ منه. وهو تعريب استبر. وإذا عرّب خرج من أن يكون عجميّا، لأنّ معنى التعريب أن يجعل عربيّا بالتصرّف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب، فلا يلزم أن يقع في القرآن العربيّ المبين لفظ أعجميّ. وقيل: هو مشتقّ من البراقة. فعربيّ محض.( مُتَقابِلِينَ ) في مجالسهم، ليستأنس بعضهم ببعض. وقيل: متقابلين بالمحبّة، لا متدابرين بالبغضة.
( كَذلِكَ ) الأمر كذلك. أو آتيناهم مثل ذلك.( وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ )
قرنّاهم بهنّ. ولذلك عدّي بالباء. والحور جمع الحوراء، بمعنى البيضاء. والعين جمع العيناء، بمعنى عظيمة العينين. واختلف في أنّهنّ نساء الدنيا أو غيرهنّ.
( يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ ) يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه، لا يتخصّص شيء منها بمكان ولا زمان( آمِنِينَ ) من نفادها ومضرّتها.
( لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ) بل يحيون فيها دائما. والاستثناء منقطع أو متّصل. والضمير للآخرة. والموت أوّل أحوالها. أو الجنّة، والمؤمن يشاهدها عنده، فكأنّه فيها. أو الاستثناء للمبالغة في تعميم النفي وامتناع الموت، فكأنّه قال: لا يذوقون فيها الموت إلّا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل.
فهو من باب التعليق بالمحال. وشبّه الموت بالطعام الّذي يذاق ويتكرّه عند المذاق، ثمّ نفى أن يكون ذلك في الجنّة.
وإنّما خصّهم بأنّهم لا يذوقون الموت، مع أنّ جميع أهل الآخرة لا يذوقون الموت، لـما في ذلك من البشارة لهم بالحياة الهنيئة في الجنّة، فأمّا من يكون فيما هو كالموت في الشدّة، فإنّه لا يطلق له هذه الصفة، لأنّه يموت موتات كثيرة بما يقاسيه من العقوبة.
( وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) وصرف عنهم عذاب النار. وهذه الآية مختصّة بمن لا يستحقّ دخول النار فلا يدخلها، أو بمن استحقّ النار فتفضّل الله عليه بالعفو فلم يدخلها. ويجوز أن يكون المراد: ووقاهم عذاب الجحيم على وجه التأبيد، أو على الوجه الّذي يعذّب عليه الكفّار. وعلى أحد هذه الوجوه ؛ ليس للمعتزلة أن يتمسّكوا بها على أنّ الفاسق الملّي لا يخرج من النار، لأنّه يكون قد وقي النار.
( فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ) أي: أعطوا كلّ ذلك عطاء وتفضّلا منه( ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) لأنّه خلاص عن المكاره، وفوز بالمطالب.
( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ) سهّلناه حيث أنزلناه بلغتك. وهو فذلكة للسورة. ومعناها: ذكّرهم بالكتاب المبين.( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) إرادة أن يفهمه قومك، فيتذكّروا ما فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد. فلمّا لم يتذكّروا به( فَارْتَقِبْ ) فانتظر ما يحلّ بهم من عذاب الله( إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ) منتظرون ما يحلّ بك، متربّصون بك الدوائر.
(٤٥)
سورة الجاثية
وتسمّى أيضا سورة الشريعة، لقوله فيها:( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ) (١) .
وهي مكّيّة. وآيها سبع وثلاثون آية، كوفي.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته، وسكّن روعته عند الحساب».
وروى أبو بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الجاثية كان ثوابها أن لا يرى النار أبدا، ولا يسمع زفير جهنّم ولا شهيقها، وهو مع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) )
__________________
(١) الجاثية: ١٨.
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الدخان بذكر القرآن، افتتح هذه السورة أيضا بذكره، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ) إن جعلتها اسما مبتدأ، وخبرها( تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) احتجت إلى إضمار مثل: تنزيل حم. وإن جعلتها تعديدا للحروف، كان «تنزيل» مبتدأ خبره( مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ ) القادر الّذي لا يغالب( الْحَكِيمِ ) العالم الّذي أفعاله كلّها حكمة وصواب. وعلى الأوّل الجارّ صلة للتنزيل.
وقيل: «حم» مقسم به، و( تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) صفته، وجواب القسم( إِنَّ فِي السَّماواتِ ) وهو يحتمل أن يكون على ظاهره الذوات. وأن يكون المعنى: إنّ في خلق السماوات( وَالْأَرْضِ لَآياتٍ ) لدلالات واضحات على أنّ لهما مدبّرا صانعا قادرا عالما( لِلْمُؤْمِنِينَ ) المنتفعين بالآيات.
ويؤيّد الاحتمال الثاني قوله:( وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ ) عطف على «خلقكم». ولا يحسن عطفه على الضمير المجرور، لأنّهم استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو.
ولا شبهة أنّ في بثّ الدوابّ وتنوّعها ومنافعها، والمقاصد المطلوبة منها في المعاش( آياتٌ ) دلائل على وجود الصانع المختار( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) يطلبون علم اليقين بالتفكّر والتدبّر. ورفعه محمول على محلّ «إنّ» واسمها.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب حملا على الاسم، كقولك: إنّ زيدا في الدار وعمرا في السوق، أو عمرو في السوق.
( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) وفي ذهاب الليل والنهار ومجيئهما على وتيرة واحدة. أو في اختلاف حالهما من الطول والقصر. أو في اختلافهما في أنّ أحدهما نور والآخر ظلمة.
( وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ ) من مطر. وسمّاه رزقا لأنّه سببه.( فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) يبسها.
( وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ) باختلاف جهاتها وأحوالها. وقرأ حمزة والكسائي :
وتصريف الريح.( آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) فيه القراءتان. ويلزمهما العطف على عاملين مختلفين، وهما: «في» والابتداء، أو «إنّ». وهذا على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه. وقد أباه سيبويه. فتوجيه الآية عنده أن يكون على إضمار: في، أو ينصب «آيات» على الاختصاص، أو يرفع بإضمار: هي.
ولعلّ اختلاف الفواصل لاختلاف الآيات في الدقّة والظهور، فإنّ معنى الآيات الثلاث أن المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح علموا أنّها مصنوعة، وأنّه لا بدّ لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا. فإذا نظروا في خلق أنفسهم، وتنقّلها من حال إلى حال، وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان، ازدادوا إيمانا وأيقنوا، وانتفى عنهم اللبس.
فإذا نظروا في سائر الحوادث الّتي تتجدّد في كلّ وقت، كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا، وقبولا ودبورا، عقلوا واستحكم علمهم، وخلص يقينهم.
( تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) )
ولـمّا قدّم سبحانه ذكر الأدلّة، عقّب. ذلك بالوعيد لمن أعرض عنها ولم يتفكّر فيها، فقال :
( تِلْكَ آياتُ اللهِ ) أي: تلك الآيات دلائله الّتي نصبها للمكلّفين( نَتْلُوها عَلَيْكَ ) حال، وعاملها معنى الإشارة( بِالْحَقِ ) ملتبسين به، أو ملتبسة به( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ) أي: بعد آياته. وتقديم اسم «الله» للمبالغة والتعظيم، كما في قولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد: أعجبني كرم زيد. أو بعد حديث الله، وهو القرآن، كقوله:( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) (١) . وآياته دلائله المتلوّة، أو القرآن.
والعطف لتغاير الوصفين، فإنّ الحديث قصص يستخرج منه عبر تبيّن الحقّ من الباطل، والآيات هي الأدلّة الفاصلة بين الصحيح والفاسد. وقرأ الحجازيّان وحفص وأبو عمرو وروح: يؤمنون بالياء، ليوافق ما قبله.
( وَيْلٌ ) كلمة وعيد يتلقّى بها الكفّار ومستحقّو العذاب. وقيل: هو واد سائل من صديد جهنّم.( لِكُلِّ أَفَّاكٍ ) كذّاب. ويطلق ذلك على من يكثر كذبه، أو يعظم كذبه، وإن كان في خبر واحد، ككذب مسيلمة في ادّعاء النبوّة( أَثِيمٍ ) كثير الآثام.
( يَسْمَعُ آياتِ اللهِ ) آيات القرآن الّتي فيها الحجّة( تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ ) يقيم على كفره( مُسْتَكْبِراً ) عن الإيمان بالآيات، مزدريا لها، معجبا بما عنده. و «ثمّ» للاستبعاد والإصرار بعد سماع الآيات، كقوله: يرى غمرات الموت ثمّ يزورها(٢) .
وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها، وأمّا
__________________
(١) الزمر: ٢٣.
(٢) لجعفر بن علبة الحارثي. وصدره :
لا يكشف الغمّاء إلّا ابن حرّة |
يرى غمرات |
وابن حرّة كناية عن الكريم. والغمّاء: الداهية. وغمرات الموت: شدائده، كأحوال المعركة الشديدة. وعطف بـ «ثمّ» لـمافي لقاء الأهوال والغمرات وزيارتها بعد رؤيتها من الاستبعاد.
زيارتها والإقدام على مزاولتها فأمر مستبعد. فمعنى «ثمّ» الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعد ما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع. وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحقّ، من تليت عليه وسمعها، كان مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها، واستكباره عن الإيمان بها.
( كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ) أي: كأنّه، فخفّفت وحذف ضمير الشأن. والجملة في موضع الحال، أي: يصرّ مثل غير السامع.( فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) على إصراره.
والبشارة للتهكّم، أو على الأصل، فإنّها ما يظهر أثره على البشرة مهما كان، وإن غلب استعماله في السرور.
قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كلّ من كان مضارّا لدين الله.
( وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً ) وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنّه منها( اتَّخَذَها هُزُواً ) لذلك العلم، من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزء، وليري العوام أنّه لا حقيقة لها، كما فعله أبو جهل حين سمع قوله:( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ ) (١) . أو كما فعله النضر بن الحارث حين كان يقابل القرآن بأحاديث الفرس. والضمير لـ «آياتنا». ولم يقل: اتّخذه راجعا إلى «شيئا» ـ كما هو مقتضى الظاهر ـ إشعارا بأنّه إذا سمع كلاما وعلم أنّه من الآيات، بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلّها، ولم يقتصر على ما سمعه، لفرط العناد والتوغّل في اللجاج. أو الضمير راجع إلى «شيئا» وتأنيثه لأنّه بمعنى الآية.
( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ ) من قدّامهم، لأنّهم متوجّهون إليها. أو من خلفهم، لأنّها بعد آجالهم، فإنّ الوراء اسم للجهة الّتي يواريها الشخص من خلف أو قدّام.( وَلا يُغْنِي ) ولا يدفع( عَنْهُمْ ما كَسَبُوا ) من الأموال والأولاد
__________________
(١) الدخان: ٤٣ ـ ٤٤.
( شَيْئاً ) من عذاب الله( وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ ) أي: الأصنام( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) لا يتحمّلونه.
( هذا هُدىً ) الإشارة إلى القرآن، أي: هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد: كامل في الرجوليّة. ويدلّ عليه قوله:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ) أي: القرآن( لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ) . وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص برفع «أليم». والرجز أشدّ العذاب.
( اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) )
ثمّ نبّه سبحانه خلقه على وجه الدلالة على توحيده، فقال :
( اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ ) بأن جعله أملس السطح، يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب، ولا يمنع الغوص فيه( لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ) بتسخيره وأنتم راكبوها( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ولتطلبوا بركوبها في أسفاركم من الأرباح، بالتجارة وغوص اللآلئ والجواهر وصيد اللحم الطريّ، وغير ذلك من المنافع( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) هذه النعم.
( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ ) من الشمس، والقمر، والنجوم، والمطر، والثلج، والبرد، وغير ذلك( وَما فِي الْأَرْضِ ) من الجمادات، والنباتات، والحيوانات( جَمِيعاً ) خلقها جميعا لانتفاعنا بها، فهي مسخّرة لنا من حيث إنّا ننتفع بها على الوجه الّذي نريده( مِنْهُ ) حال من «ما» أي: كائنة منه، حاصلة من
عنده. يعني: أنّه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثمّ مسخّرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هي جميعا منه. أو خبر لـ «ما في السموات»، و «سخّر لكم» تكرير للتأكيد.( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) في صنائعه.
( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) )
ولـمّا بيّن وحدانيّته وعلمه وحكمته، خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال :
( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ) حذف المقول لدلالة الجواب عليه. والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا، أي: يصفحوا.( لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ ) لا يتوقّعون وقائعه بأعدائه. من قولهم: أيّام العرب لوقائعهم. أو لا يأملون الأوقات الّتي وقّتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها. قيل: إنّها منسوخة بآية القتال(١) .( لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) علّة للأمر. والقوم هم المؤمنون، أو الكافرون، أو كلاهما. فيكون التنكير للتعظيم، أو التحقير، أو الشيوع. والكسب: المغفرة، أو الإساءة، أو ما يعمّهما. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: لنجزي بالنون.
( مَنْ عَمِلَ صالِحاً ) طاعة وبرّا( فَلِنَفْسِهِ ) إذ ثواب ذلك العمل عائد إليه( وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) إذ وبال إساءته وعقابه عليه( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) أي: يوم القيامة إلى حيث لا يملك أحد النفع والضرّ والنهي والأمر غيره سبحانه، فيجازيكم على قدر أعمالكم.
__________________
(١) التوبة: ٥ و٢٩.
( وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) )
ولـمّا تقدّم ذكر النعم ومقابلتهم إيّاها بالكفران والطغيان، بيّن عقيب ذلك ذكر ما كان من بني إسرائيل أيضا في مقابلة النعم بالكفران، فقال :
( وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ) التوراة( وَالْحُكْمَ ) والحكمة النظريّة والعمليّة في الدين. أو فصل الخصومات.( وَالنُّبُوَّةَ ) إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثروا في غيرهم. وقد روي أنّه كان فيهم ألف نبيّ.( وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) ممّا أحلّ الله لهم من أنواع الأرزاق( وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) على عالمي زمانهم، حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم.
وقيل: فضّلناهم في كثرة الأنبياء منهم على سائر الأمم، وإن كان أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل منهم في كثرة المطيعين المخبتين الأخيار من آله، وكثرة المطيعين لله والمجتهدين العلماء فيهم. وهذا كما يقال: هذا أفضل في علم النحو ،
وذاك في علم الفقه. والفضل الخير الزائد على غيره. فأمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل بفضل محمّد وآله، وكثرة العلماء الراسخين منهم.
( وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ ) أدلّة في أمر الدين. ويندرج فيها المعجزات. وقيل: آيات من أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مبيّنات لصدقه( فَمَا اخْتَلَفُوا ) في ذلك الأمر( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) ما هو موجب لزوال الخلاف، وهو العلم بحقيقة الحال.
( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) عداوة وحسدا، وطلبا للرئاسة، وأنفة من الإذعان للحقّ( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) بالمؤاخذة والمجازاة له.
( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ) على طريقة ومنهاج من أمر الدين بعد موسى وقومه، فإنّ الشريعة السنّة الّتي من سلك طريقها أدّته إلى البغية، كالشريعة الّتي هي طريق إلى الماء. فهي علامة منصوبة على الطريق ـ من الأمر والنهي ـ يؤدّي إلى الجنّة، كما يؤدّي ذلك إلى الوصول إلى الماء.
( فَاتَّبِعْها ) فاتّبع شريعتك الثابتة بالحجج، واعمل بها( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) آراء الجهّال التابعة للشهوات، من أهل الكتاب الّذين غيّروا التوراة اتّباعا لهواهم، وحبّا للرئاسة، واستتباعا للعوام.
( إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا ) لن يدفعوا( عَنْكَ مِنَ اللهِ ) من عذابه( شَيْئاً ) ممّا أراد بك إن اتّبعت أهواءهم( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) إذ الجنسيّة علّة الضمّ، فلا توالهم باتّباع أهوائهم( وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) ناصرهم وحافظهم. فلا تشغل قلبك بتناصرهم وتعاديهم عليك، فإنّ الله ينصرك ويحفظك. فواله بالتقى واتّباع الشريعة.
( هذا ) أي: القرآن، أو اتّباع الشريعة( بَصائِرُ لِلنَّاسِ ) بيّنات تبصّرهم أمور دينهم. جعل سبحانه ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعله روحا وحياة( وَهُدىً ) من الضلالة( وَرَحْمَةٌ ) ونعمة من الله( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) يطلبون اليقين، لأنّهم هم المنتفعون به.
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) )
ثمّ قال سبحانه للكفّار على سبيل التوبيخ لهم:( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ) «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح: الاكتساب. ومنه: الجوارح. وفلان جارحة أهله، أي: كاسبهم.( أَنْ نَجْعَلَهُمْ ) أن نصيّرهم( كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي: مثلهم. وهو ثاني مفعولي «نجعل». والجملة الّتي هي قوله:( سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ) بدل من الكاف، لأنّ الجملة تقع مفعولا ثانيا، فكانت في حكم المفرد. ألا ترى لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم، كان سديدا، كما تقول: ظننت زيدا أبوه منطلق.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص: سواء بالنصب ـ بمعنى: مستويا ـ على البدل، ومحياهم ومماتهم على الفاعليّة. فكان مفردا غير جملة. أو على الحال من الضمير في الكاف، أو المفعوليّة، والكاف حال.
والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتا، لافتراق أحوالهم أحياء، حيث ينصر الله المؤمنين في الدنيا، ويمكّنهم من المشركين، ولا ينصر الكافرين، ولا يمكّنهم من المسلمين، وينزّل الملائكة عند
الموت على المؤمنين بالبشرى، وعلى الكافرين بضرب وجوههم وأدبارهم. أو حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي، ومات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدّ لهم.
وقيل: معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحّة، وإنّما يفترقون في الممات.
وقيل: سواء محياهم ومماتهم كلام مستأنف، على معنى: أنّ محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم، فإنّ كلّا يموت على حسب ما عاش عليه، فلا يكون حال هؤلاء مساوية لهؤلاء.
وقيل: الضمير للكفّار. والمعنى: أنّهم يتساوون محيا ومماتا، لأنّ الحيّ متى لم يفعل الطاعة فهو بمنزلة الميّت.
( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) ساء حكمهم هذا. أو بئس شيئا حكموا به ذلك.
وعن تميم الداري: أنّه كان يصلّي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردّدها إلى الصباح.
وعن الفضيل: أنّه بلغها فجعل يردّدها ويبكي ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أيّ الفريقين أنت.
( وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) أي: لم يخلقهما عبثا، وإنّما خلقهما لنفع خلقه، بأن يكلّفهم ويعرّضهم للثواب الجزيل. وهذا كالدليل على الحكم السابق، من حيث إنّ خلق ذلك بالحقّ المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن في المحيا وبعد الممات.
( وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) عطف على «بالحقّ» لأنّه في معنى العلّة. أو على علّة محذوفة، مثل: ليدلّ بها على قدرته. أو ليعدل ولتجزى.( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) بنقص ثواب وتضعيف عقاب.
( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) بأن يكون مطواعا لهوى النفس، يتّبع كلّ ما تدعوه إليه، فيترك متابعة الهدى رأسا إلى مطاوعة الهوى، فلا يهوى شيئا إلّا ركبه، فكأنّه يعبده كما يعبد الرجل إلهه( وَأَضَلَّهُ اللهُ ) وخذله وخلّاه( عَلى عِلْمٍ ) عالما بأنّ اللطف لا يجديه، ويستحقّ التخلية والخذلان. أو مع علمه بوجوه الهداية، وإحاطته بأنواع الألطاف المحصّلة والمقرّبة.
( وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ) خذلانا. فلا يبالي بالمواعظ، ولا يتفكّر في الآيات.( وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ) تخلية. فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار. ومرّ تفسير(١) الطبع والختم والإضلال والغشاوة غير مرّة. وقرأ حمزة والكسائي: غشوة.
( فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ ) من بعد إضلاله ومنع ألطافه.( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أَفلا تتّعظون بهذه المواعظ؟ وهذا استبطاء بالتذكّر منهم.
( وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) )
__________________
(١) راجع ج ١ ص ٦٠، ذيل الآية ٧ من سورة البقرة، وغيرها.
ثمّ أخبر سبحانه عن منكري البعث فقال:( وَقالُوا ما هِيَ ) ما الحياة أو الحال( إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) الّتي نحن فيها( نَمُوتُ وَنَحْيا ) أي: نكون أمواتا نطفا وما قبلها، ونحيا بعد ذلك. أو نموت بأنفسنا، ونحيا ببقاء أولادنا. أو يموت بعضنا، ويحيا بعضنا. أو يصيبنا الموت والحياة فيها، وليس وراء ذلك حياة. ويحتمل أنّهم أرادوا به التناسخ، فإنّه عقيدة أكثر عبدة الأوثان.
( وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) إلّا مرور الزمان. وهو في الأصل مدّة بقاء العالم، من: دهره إذا غلبه.
والمعنى: أنّهم قالوا: المؤثّر في هلاك أنفسنا ليس إلّا مرور الزمان، وكرور الليالي والأيّام. فينكرون ملك الموت، وقبضه الأرواح بأمر الله. وكانوا يضيفون كلّ حادثة تحدث إلى الدهر والزمان. وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان. ومنه قولهعليهالسلام : «لا تسبّوا الدهر هو الله». أي: فإنّ الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر.
( وَما لَهُمْ بِذلِكَ ) بنسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلّق بها( مِنْ عِلْمٍ ) أي: ما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظنّ وتخمين( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) إذ لا دليل لهم عليه، وإنّما قالوه بناء على التقليد.
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ) واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم. أو مبيّنات له.( ما كانَ حُجَّتَهُمْ ) ما كان لهم ما يتمسّك به في مقابلتها( إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا ) أي: أحيوهم حتّى نعلم أنّ الله قادر على بعثنا( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) .
وإنّما سمّاه حجّة وليس بحجّة، لأنّه في حسبانهم حجّة، فساقه مساقها. أو لأنّه في أسلوب قوله: تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) . كأنّه قيل: إلّا ما ليس بحجّة.
__________________
(١) لعمرو بن معد يكرب. وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل.
وتقدّم شرحه في ج ٢ ص ٢٨٨.
والمراد نفي أن يكون لهم حجّة البتّة. فسمّيت حجّة على سبيل التهكّم.
وإنّما لم يجبهم الله إلى ذلك، لأنّهم إنّما قالوا ذلك متعنّتين مقترحين، لا طالبين الرشد. ولهذا خاطب سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رادّا عليهم قولهم بقوله:( قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ) في دار الدنيا، لأنّه لا يقدر على الإحياء أحد سواه( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) عند انقضاء آجالكم( ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) بأن يبعثكم ويعيدكم أحياء( لا رَيْبَ فِيهِ ) لقيام الحجّة على أنّ من قدر على فعل الحياة في وقت، قدر على فعلها في كلّ وقت. فلمّا كان يقدر على الإبداء، فلا ريب أنّه يقدر على الإعادة، بل كانت أهون عليه من الإبداء. وأيضا الحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما مرّ مرارا، والوعد المصدّق بالآيات دلّ على وقوعها، وإذا كان كذلك أمكن الإتيان بآبائهم، لكنّ الحكمة اقتضت أن يعادوا يوم الجمع للجزاء.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) لقلّة تفكّرهم، وقصور نظرهم على ما يحسّونه.
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ
لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) )
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) تعميم المقدرة بعد تخصيصها( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ) أي: ويخسر العادلون عن الحقّ الفاعلون للباطل يوم تقوم الساعة. و «يومئذ» بدل منه.
( وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) مجتمعة. من الجثوة، وهي الجماعة. وجمعها: جثيّ. وفي الحديث: «من جثى جهنّم»(١) .
أو باركة مستوفزة(٢) على الركب.( كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا ) صحائف أعمالها. فاكتفى باسم الجنس، كقوله :
__________________
(١) هذه قطعة من حديث الحرث بن الحرث الأشعري قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم ...»: وجثى جمع الجثوة، وهي: الحجارة المجموعة. انظر مسند أحمد ٤: ١٣٠.
(٢) استوفز في قعدته: قعد غير مطمئن، كأنه يتهيأ للوثوب.
( وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ) (١) . وقرأ يعقوب: كلّ، على أنّه بدل الأولى.
و «تدعى» صفة، أو مفعول ثان.( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) محمول على القول، تقديره: يقال لهم هذا القول. وإضافة الكتاب إليهم للملابسة، فإنّ أعمالهم مثبتة فيه. وقيل: المراد كتابها المنزل على رسولها ليسألوا عمّا عملوا به.
( هذا كِتابُنا ) أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه، لأنّه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم( يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ ) يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ) نستكتب الملائكة( ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أعمالكم.
وعن ابن عبّاس: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، يشهد بما قضي فيه من خير وشرّ. وعلى هذا ؛ فيكون معنى «نستنسخ»: أنّ الحفظة تستنسخ الخزنة ما هو مدوّن عنده من أحوال العباد، من الكافرين والمؤمنين.
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ) في جنّته( ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ) الفلاح الظاهر، لخلوصه عن الشوائب.
( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي ) أي: فيقال لهم: ألم يأتكم رسلي، فلم تكن آياتي( تُتْلى عَلَيْكُمْ ) فحذف القول والمعطوف عليه، اكتفاء بالمقصود، واستغناء بالقرينة( فَاسْتَكْبَرْتُمْ ) عن الإيمان بها، وتعظّمتم عن قبولها( وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ ) أي: كافرين، كما قال:( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) (٢) .
( وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) يحتمل الموعود به، أي: ما وعد الله به من الثواب والعقاب. أو المصدر.( حَقٌ ) كائن هو أو متعلّقه لا محالة( وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها ) في حصولها. إفراد للمقصود، عطفا على محلّ «إنّ» واسمها. وقرأ حمزة بالنصب، عطفا على اسمها.
__________________
(١) الكهف: ٤٩.
(٢) القلم: ٣٥.
( قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ ) أيّ شيء الساعة؟ استغرابا لها( إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا ) أصله: نظنّ ظنّا، فأدخل حرفا النفي والاستثناء لإثبات الظنّ ونفي ما عداه، كأنّه قال: ما نحن إلّا نظنّ ظنّا. أو لنفي ظنّهم فيما سوى ذلك مبالغة. ثمّ أكّده بقوله:( وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) أي: لإمكانه.
( وَبَدا لَهُمْ ) ظهر لهم( سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ) على ما كانت عليه، بأن عرفوا قبحها، وعاينوا وخامة عاقبتها. أو جزاؤها. وتسميته بها من قبيل( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) (١) .( وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي: جزاء استهزائهم.
( وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ ) نترككم في العذاب ترك ما ينسى( كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) كما تركتم مقتضى عدته، ولم تبالوا به. وإضافة اللقاء إلى اليوم إضافة المصدر إلى ظرفه، كمعنى إضافة المكر في قوله:( مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) (٢) أي: نسيتم لقاء جزاء الله في يومكم هذا.( وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) يخلّصونكم منها، ويدفعونها عنكم.
( ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً ) استهزأتم بها، ولم تتفكّروا فيها( وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) بحسنها وزينتها، فحسبتم أن لا حياة سواها( فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها ) وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضمّ الراء.( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربّهم ـ أي: يرضوه ـ لفوات أوانه. يقال: أعتبني فلان، إذا عاد إلى مسرّتي راجعا عن الإساءة.
( فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) إذ الكلّ نعمة منه، ودالّ على كمال قدرته. فاحمدوه، فإنّ مثل هذه الربوبيّة العامّة يوجب الحمد والثناء على كلّ مربوب.
__________________
(١) الشورى: ٤٠.
(٢) سبأ: ٣٣.
( وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) إذ ظهر فيها آثار كبريائه وعظمته. فكبّروه، فإنّ حقّ مثله أن يكبّر ويعظّم. وفي الحديث: «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في جهنّم».( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) الّذي لا يغلب( الْحَكِيمُ ) فيما قدّر وقضى. فاحمدوه، وكبّروه، وأطيعوا له.
(٤٦)
سورة الأحقاف
مكّيّة. قال ابن عبّاس وقتادة: إلّا آية منها نزلت بالمدينة:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) (١) في عبد الله بن سلام.
وهي خمس وثلاثون آية.
أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الأحقاف، أعطي من الأجر بعدد كلّ رمل في الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات».
وعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ كلّ ليلة أو كلّ جمعة سورة الأحقاف، لم يصبه الله بروعة في الدنيا، وآمنه من فزعه يوم القيامة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا
__________________
(١) الأحقاف: ١٠.
مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) )
ولـمّا ختم الله سورة الجاثية بذكر التوحيد، وذمّ أهل الشرك والوعيد، افتتح هذه السورة أيضا بالتوحيد، ثمّ بالتوبيخ لأهل الكفر من العبيد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) قد مرّ(١) تفسيره( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ ) إلّا خلقا ملتبسا بالحقّ. وهو ما تقتضيه الحكمة والمعدلة. وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم، والبعث للمجازاة، على ما قرّرناه مرارا.( وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) وبتقدير أجل مسمّى ينتهي إليه الكلّ. وهو يوم القيامة. أو أجل كلّ واحد. وهو آخر مدّة بقائه المقدّرة له.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا ) أنذروه من هول ذلك اليوم الّذي لا بدّ لكلّ خلق من انتهائه إليه. ويجوز أن تكون «ما» مصدريّة، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم.
__________________
(١) راجع ص ٢٩٨، ذيل الآية ٢ من سورة الجاثية.
( مُعْرِضُونَ ) عادلون عن أن يتفكّروا فيه، ويستعدّوا لحلوله.
( قُلْ ) لهؤلاء الكفرة( أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) من الأصنام( أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ) أي: أخبروني عن حال آلهتكم بعد التأمّل فيها، هل يعقل أن يكون لها في أنفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم، فتستحقّ به العبادة؟ وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عمّا يتوهّم أنّ للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفليّة.
( ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا ) من قبل هذا الكتاب، يعني: القرآن، فإنّه ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، فإنّه ما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلّا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحّة ما أنتم عليه من عبادة غير الله.
( أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ) أو بقيّة من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين. هل فيها ما يدلّ على استحقاقهم للعبادة؟ من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: على بقيّة شحم كانت بها.( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في دعواكم، أي: هاتوا إحدى هذه الحجج الثلاث. أولاها: دليل العقل. والثانية: الكتاب. والثالثة: الخبر المتواتر. فإذا لم يمكنكم شيء من ذلك فقد وضح بطلان دعواكم.
( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ) من الجنّ والإنس والأوثان. ومعنى الاستفهام فيه: إنكار أن يكون أحد أضلّ من المشركين، حيث تركوا عبادة السميع المجيب الخبير، القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، إلى عبادة( مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ ) دعاءه، فضلا أن يعلم سرائره، ويراعي مصالحه( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) أي: أبدا ما دامت الدنيا( وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ) لأنّهم إمّا جمادات، وإمّا عباد مشتغلون بأحوالهم.
( وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً ) يضرّونهم ولا ينفعونهم، كقوله تعالى :
( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) (١) ( وَكانُوا ) وكانت آلهتهم( بِعِبادَتِهِمْ ) بعبادة عبدتهم( كافِرِينَ ) مكذّبين بلسان الحال أو المقال. وقيل: الضمير للعابدين. وهو كقوله:( وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (٢) . وعلى الأوّل كنّي عن الآلهة بالواو والنون، لأنّه أضيف إليها ما يكون للعقلاء، كقوله:( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (٣) .
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ) حجج وشواهد من القرآن، وسائر المعجزات الّتي ظهرت على يد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( بَيِّناتٍ ) واضحات، أو مبيّنات( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِ ) لأجله وفي شأنه. فاللام فيه كما في قوله:( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ) (٤) . والمراد بالحقّ الآيات، وبالّذين كفروا المتلوّ عليهم. فوضع الظاهران موضع الضميرين، للتسجيل عليها بالحقّ، وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة( لَمَّا جاءَهُمْ ) أي: بادروه بالجحود ساعة أتاهم وأوّل ما سمعوه، من غير نظر وتأمّل، عنادا ولجاجا( هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ظاهر بطلانه.
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) إضراب عن ذكر تسميتهم إيّاه سحرا إلى ذكر ما هو أشنع منه، وهو إسناد الافتراء إلى محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ومعنى الهمزة الإنكار والتعجيب. كأنّه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر الموجب للتعجّب. وذلك أنّ محمدا كان لا يقدر عليه حتّى يقوله ويفتريه على الله، وذلك باطل، لأنّه قدر عليه دون أمّة العرب، فكانت قدرته عليه معجزة، لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب، فلا يكون مفتريا.
( قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ ) على الفرض( فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً ) أي: إن
__________________
(١) مريم: ٨٢.
(٢) الأنعام: ٢٣.
(٣) يوسف: ٤.
(٤) الأحقاف: ١١.
عاجلني الله بعقوبة الافتراء، فلا تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه، وأعرض نفسي للعقاب، من غير توقّع نفع ولا دفع ضرّ من قبلكم؟!( هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ ) تندفعون فيه من القدح في آياته، بتسميتها سحرا تارة وافتراء اخرى( كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) يشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالكذب والإنكار. وهو وعيد بجزاء إفاضتهم.( وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرأتهم.
( قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) )
روي: أنّهم كانوا يقترحون عليه الآيات، ويسألونه عمّا لم يوح به إليه من الغيوب، فنزلت :
( قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ ) البدع بمعنى البديع، كالخفّ بمعنى الخفيف. والمعنى: ما كنت بديعا ـ أي: لست بأوّل رسول بعث ـ فآتيكم بكلّ ما تقترحونه، وأخبركم بكلّ ما تسألون عنه من المغيّبات، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلّا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلّا بما أوحى إليهم، ولم يقدروا على المقترحات إلّا بمشيئة الله، فكيف أقدر على مقترحاتكم؟!
( وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ) ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا. فلا أدري أَأموت أم أقتل؟ ولا أدري أيّها المكذّبون أَترمون بالحجارة من السماء أم يخسف بكم؟ أو غير ذلك من أنواع العقاب على الأمم المكذّبة في الدنيا، إذ لا علم لي بالغيب. وأمّا في الآخرة ؛ فإنّه قد علم أنّه في الجنّة، وأنّ من كذّبه في النار. وهذا الوجه منقول عن الحسن والسدّي.
وعن الكلبي: قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه ـ وقد ضجروا من أذى المشركين ـ: حتّى متى نكون على هذا؟ فقال: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أَأترك بمكّة، أم أؤمر بالمهاجرة عنها إلى بلد آخر؟».
وعن ابن عبّاس معناه: لا أعلم ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. ثمّ قال: هي منسوخة بقوله:( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) (١) .
ويجوز أن يكون نفيا للدراية المفصّلة، أي: لا أدري ما يصنع بي وبكم على التفصيل؟ لأنّه عالم بحاله وحالهم على الإجمال.
واعلم أنّ لفظة «لا» مزيدة لتأكيد النفي المشتمل على «ما يفعل بي». و «ما» إمّا موصولة منصوبة، أو استفهاميّة مرفوعة.
( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ ) لا أتجاوزه. وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار عمّا لم يوح إليه من الغيوب، أو استعجال المسلمين أن يتخلّصوا من أذى المشركين.( وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ ) من عقاب الله( مُبِينٌ ) بيّن الإنذار بالشواهد المبيّنة والمعجزات المصدّقة.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) )
روي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا قدم من مكّة إلى المدينة، نظر ابن سلام إلى وجهه، فعلم أنّه ليس بوجه كذّاب. وتأمّله فتحقّق أنّه هو النبيّ المنتظر. وقال له: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ. ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟
__________________
(١) الفتح: ٢.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كبد حوت. وأمّا الولد ؛ فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته.
فقال: أشهد أنّك رسول الله حقّا. ثمّ قال: يا رسول الله إنّ اليهود قوم بهت(١) ، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنّي بهتوني عندك.
فجاءت اليهود، فقال لهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّ رجل عبد الله فيكم؟
قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟
قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله.
فقالوا: شرّنا وابن شرّنا، وانتقصوه.
قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر.
قال سعد بن أبي وقّاص: ما سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنّه من أهل الجنّة، إلّا لعبد الله بن سلام. وفيه نزلت:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ )
أخبروني، أي: ماذا تقولون( إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) أي: القرآن( وَكَفَرْتُمْ بِهِ ) وقد كفرتم به. ويجوز أن تكون الواو عاطفة على الشرط. وكذا الواو في قوله:( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) إلّا أنّها تعطفه بما عطف عليه ـ وهو قوله:( فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) ـ على جملة ما قبله، وهو قوله:( كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) .
والشاهد عبد الله بن سلام. وعن مسروق: هو موسى. وشهادته: ما في التوراة من نعت الرسول.
__________________
(١) بهت جمع بهّات وبهوت، وهو الّذي يبهت السامع بما يفتري عليه من الكذب.
( عَلى مِثْلِهِ ) مثل القرآن. وهو ما في التوراة من المعاني المصدّقة للقرآن المطابقة له، من التوحيد والوعد والوعيد، وغير ذلك. ويدلّ عليه قوله تعالى:( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) (١) .( إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ) (٢) .( كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) (٣) .
ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد على نحو ذلك. يعني: كونه من عند الله.( فَآمَنَ ) فآمن الشاهد بالقرآن لـمّا رآه من جنس الوحي مطابقا للحقّ( وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) عن الإيمان. وجواب الشرط محذوف، تقديره: ألستم ظالمين؟ ويدلّ على حذفه قوله:( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) فإنّه استئناف مشعر بأنّ كفرهم به لضلالهم المسبّب عن ظلمهم.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) )
ثمّ أخبر سبحانه عن الكفّار الّذى جحدوا وحدانيّته، فقال :
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي: لأجلهم وفي حقّهم( لَوْ كانَ ) الإيمان، أو ما أتى به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( خَيْراً ) نفعا عاجلا( ما سَبَقُونا إِلَيْهِ ) يعني :
__________________
(١) الشعراء: ١٩٦.
(٢) الأعلى: ١٨.
(٣) الشورى: ٣.
قالت كفّار مكّة في حقّ من يتّبع محمّدا من الفقراء والموالي والرعاة ـ مثل: عمّار، وصهيب، وابن مسعود، وأمثالهم من السقّاط ـ: لو كان ما جاء به خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الأذلّاء.
وقيل: لـمّا أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم(١) .
وقيل: هذا قول اليهود حين أسلم ابن سلام وأصحابه.
( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ) بالقرآن حيث لم يتدبّروا فيه. والظرف متعلّق بمحذوف تقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم. وقوله:( فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) مسبّب عنه. وهذا كقولهم: أساطير الأوّلين.
( وَمِنْ قَبْلِهِ ) ومن قبل القرآن. وهو خبر لقوله:( كِتابُ مُوسى ) ناصب لقوله:( إِماماً وَرَحْمَةً ) على الحال، كقولك: في الدار زيد قائما. والمعنى: قدوة يؤتمّ به في دين الله وشرائعه، كما يؤتمّ بالإمام. ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه.
( وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ) لكتاب موسى، أو لـما بين يديه( لِساناً عَرَبِيًّا ) حال من ضمير «كتاب» في «مصدّق». أو «كتاب» لتخصّصه بالصفة. وعاملها معنى الإشارة. وذكر اللسان توكيد، كما تقول: جاءني زيد رجلا صالحا، فتذكر «رجلا» توكيدا. وفائدة هذه الحال الإشعار بالدلالة على أنّه مع كونه مصدّقا للتوراة، مفهوم المراد لكفّار قريش، لأنّه نزل بلغتهم على أفصح الكلام وأبلغ البيان.
وقيل: مفعول «مصدّق». والمعنى: يصدّق ذا لسان عربيّ بإعجازه، وهو الرسول.
( لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) علّة «مصدّق». وفيه ضمير الكتاب، أو الله، أو الرسول. ويؤيّد الأخير قراءة نافع وابن عامر والبزّي بخلاف عنه ويعقوب بالتاء.
( وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ) عطف على محلّ «لينذر» لأنّه مفعول له.
__________________
(١) رعاء جمع راعي. والبهم: أولاد البقر والمعز والضأن. والواحد: البهمة.
( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) )
( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ) أي: جمعوا بين التوحيد الّذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الأمور الّتي هي منتهى العمل. و «ثمّ» للدلالة على تأخّر رتبة العمل، وتوقّف اعتباره على التوحيد.( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من لحوق مكروه( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) على فوات محبوب. والفاء لتضمّن الموصول معنى الشرط.
( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) المنعّمون فيها( خالِدِينَ فِيها ) حال من المستكن في «أصحاب»( جَزاءً ) مصدر لفعل دلّ عليه الكلام، أي: جوزوا جزاء( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) من اكتساب الفضائل العلميّة والعمليّة.
( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ) وقرأ الكوفيّون: إحسانا( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) انتصابهما على الحال أو على المصدر، أي: ذات كره، أو حملا ووضعا ذاكره. والكره هو المشقّة، فإنّ الحمل موجب لثقل الولد عليها، والوضع موجب لشدّة الطلق. وقرأ الحجازيّان وأبو عمرو وهشام بالفتح. وهما لغتان، كالفقر والفقر.
( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ) أي: مدّتهما( ثَلاثُونَ شَهْراً ) وقرأ يعقوب: وفصله، كالفطام والفطم، بناء ومعنى. والمراد بالفصال الرضاع، فإنّه لـمّا كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه، لأنّه ينتهي به ويتمّ، سمّي فصالا. وفائدة تسمية الرضاع به الدلالة على الرضاع التامّ المنتهي بالفصال. وكلّ ذلك بيان لـما تكابده الأمّ في تربية الولد، مبالغة في التوصية بها.
وفيه دليل على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر، لأنّه إذا حطّ منه للفصال حولان ـ لقوله:( حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) (١) ـ بقي ستّة أشهر. وبه قال الأطبّاء. ولعلّ تخصيص أقلّ الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما، وتحقّق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما.
( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) إذا اكتهل(٢) واستوفى السنّ الّتي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف(٣) على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن ابن عبّاس وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. ووجهه: أن يكون ذلك أوّل الأشدّ، وغايته الأربعين.
ولهذا عطف عليه عطفا تفسيريّا فقال:( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) فإنّه بيان لزمان كمال الأشدّ. وقيل: لم يبعث نبيّ إلّا بعد الأربعين.
( قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ) ألهمني. وأصله: أولعني، من: أوزعته بكذا.( أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ ) يعني: نعمة الإسلام، أو ما يعمّها وغيرها. وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه، لأنّ النعمة عليهما نعمة عليه.
( وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ ) نكّره للتعظيم، أو لأنّه أراد نوعا من الجنس يستجلب رضا اللهعزوجل . وقيل: هو الصلوات الخمس.
( وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) واجعل لي الصلاح واقعا ساريا في ذرّيّتي راسخا فيهم( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ) عمّا لا ترضاه، أو يشغل عنك( وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) المنقادين لأمرك، المخلصين لك.
( أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) يعني: طاعاتهم الواجبة والمندوبة بإيجاب الثواب لهم، فإنّ المباح حسن ولا يثاب عليه( وَنَتَجاوَزُ عَنْ
__________________
(١) البقرة: ٢٣٣.
(٢) أي: صار كهلا. والكهل: من كانت سنو عمره بين الثلاثين والخمسين تقريبا.
(٣) أي: زاد. وناطح كناية عن الوصول، من: نطح الثور إذا أصاب بقرنه.
سَيِّئاتِهِمْ ) لتوبتهم، أو تفضّلا عليهم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيهما.
( فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ ) في محلّ النصب على الحال، أي: كائنين في عدادهم، أو مثابين، أو معدودين فيهم( وَعْدَ الصِّدْقِ ) مصدر مؤكّد لنفسه، فإنّ قوله: «نتقبّل» و «نتجاوز» وعد من الله لهم بالتقبّل والتجاوز( الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) أي: في الدنيا، بأن يتقبّل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم إذا تابوا، أو إذا شاء أن يتفضّل عليهم.
( وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ) مبتدأ خبره «أولئك» الآتي، فإنّ المراد بالموصول الجنس. والأفّ صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنّه متضجّر. فهي كلمة تبرّم يقصد بها إظهار التسخّط. واللام للبيان. ومعناه: بعدا لكما. وقيل: معناه: نتنا وقذرا لكما، كما يقال عند شمّ الرائحة الكريهة. ووجوه قراءاته قد مرّت في سورة بني إسرائيل(١) .( أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ) أبعث حيّا. وقرأ هشام: أَتعدانّي، بنون واحدة مشدّدة.( وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ) فما أخرجوا، ولم يرجع أحد منهم.
( وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ ) يطلبان منه الغوث ويقولان: الغياث بالله منك. أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإيمان.( وَيْلَكَ آمِنْ ) أي: يقولان له: ويلك. وهو دعاء عليه بالثبور. والمراد به الحثّ على ما يخاف على تركه من الايمان، لا حقيقة الهلاك.( إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) بالبعث والنشور والثواب والعقاب( حَقٌ ) ثابت واقع.
( فَيَقُولُ ) هو في جوابهما( ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أباطيلهم الّتي سطّروها، وليس لها حقيقة.
وقيل: إنّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قال له أبواه: أسلم، وألحّا عليه. فقال: أحيوا لي عبد الله بن جدعان ومشايخ قريش حتّى أسألهم عمّا تقولون.
وروي: أنّ معاوية حين كتب إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقليّة، أَتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيّها الناس
__________________
(١) راجع ج ٤ ص ٢٣، ذيل الآية ٢٣ من سورة بني إسرائيل.
هو الّذي قال الله فيه:( وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ) . فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسمّيه لسمّيته، ولكنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض(١) من لعنة الله.
والأصحّ: أنّ الآية عامّة في كلّ كافر عاقّ لوالديه، كما يدلّ عليه قوله:( أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) أي: كلمة العذاب بأنّهم أهل النار( فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ ) كقوله: «فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ »( مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) بيان للأمم. والمعنى: حالهم على مثل حال أولئك، واعتقادهم كاعتقادهم.( إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ) لأنفسهم. تعليل للحكم على الاستئناف.
( وَلِكُلٍ ) من الفريقين، أعني: المؤمنين البررة، والكافرين الفجرة( دَرَجاتٌ ) مراتب عالية( مِمَّا عَمِلُوا ) من جزاء ما عملوا من الخير والشرّ. أو من أجل ما عملوا منهما. والدرجات غالبة في المثوبة، وها هنا جاءت على التغليب.
وحقيقة المعنى: قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات.( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) بعقاب لا يستحقّونه، أو بمنع ثواب يستحقّونه. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابن ذكوان بالنون.
( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ) يعذّبون بها، كما يقال: عرض بنو فلان على السيف، إذا قتلوا به. ومنه قوله:( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ) (٢) . أو يكون المعنى: عرضت النار عليهم قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها.
( أَذْهَبْتُمْ ) أي: يقال لهم: أذهبتم. وهو ناصب اليوم. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالاستفهام، غير أنّ ابن كثير يقرأ بهمزة ممدودة، وهما يقرآن بها وبهمزتين محقّقين.( طَيِّباتِكُمْ ) لذائذكم( فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ) باستيفائها
__________________
(١) الفضض: كلّ متفرّق ومنتشر. أي: أنت حصيلة تلك اللعنة، فضضت وتفرّقت منها.
(٢) غافر: ٤٦.
( وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها ) انتفعتم بها، فما بقي لكم منها شيء.
والمعنى: ما كتب لكم حظّ من الطيّبات إلّا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظّكم شيء منها.
وقيل: معناه: أنفقتم طيّبات ما رزقتم في شهواتكم وفي ملاذّ الدنيا، ولم تنفقوها في مرضات اللهعزوجل .
( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ ) الهوان( بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) بسبب الاستكبار الباطل، والفسوق عن طاعة الله.
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا وبّخ الكفّار بالتمتّع بالطيّبات واللذّات في هذه الدار، آثر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنينعليهالسلام الزهد والتعفّف، واجتناب الترفّه والنعمة. وقد ورد في الحديث أنّ عمر بن الخطّاب قال: استأذنت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فدخلت عليه في مشربة أمّ إبراهيم، وإنّه لمضطجع على خصفة(١) ، وإنّ بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفا. فسلّمت ثمّ جلست فقلت: يا رسول الله أنت نبيّ الله وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أولئك قوم عجّلت طيّباتهم، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّما أخّرت لنا طيّباتنا».
وقال عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في بعض خطبه: «والله لقد رقعت مدرعتي(٢) هذه حتّى استحييت من راقعها. ولقد قال لي قائل: الا تنبذها؟ فقلت: اعزب(٣) عنّي، فعند الصباح يحمد القوم السرى».
وروى محمد بن قيس عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: «والله كان عليّاعليهالسلام ليأكل
__________________
(١) الخصفة: الثوب الغليظ، أو جلّة تعمل من الخوص.
(٢) المدرعة: جبّة مشقوقة المقدّم.
(٣) أي: ابتعد عنّي.
أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد. وإن كان ليشتري القميصين فيخيّر غلامه خيرهما، ثمّ يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه. ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجرّة على آجرّة، ولا لبنة على لبنة، ولا أورث بيضاء ولا حمراء. وكان يطعم الناس خبز البرّ واللحم، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخلّ. وما ورد عليه أمران كلاهما للهعزوجل فيه رضا، إلّا أخذ بأشدّهما على بدنه. ولقد أعتق ألف مملوك من كدّ يمينه، تربت منه يداه، وعرق فيه وجهه. وما أطاق عمله أحد من الناس بعده.
ثمّ إنّه قد اشتهر في الرواية أنّهعليهالسلام لـمّا دخل على العلاء بن زياد بالبصرة يعوده قال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، لبس العباءة وتخلّى من الدنيا.
فقالعليهالسلام : عليّ به. فلمّا جاء به قال: يا عديّ(١) نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك. أَترى الله أحلّ لك الطيّبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك.
قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة(٢) مأكلك! قال: ويحك! إنّي لست كأنت، إنّ الله تعالى فرض على أئمّة الحقّ أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ(٣) بالفقير فقره.
روي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم دخل على أهل الصفّة(٤) وهم يرقّعون ثيابهم
__________________
(١) أي: مبغض نفسه. من: عدي لفلان: أبغضه. فهو على زنة: وفيّ. واستهام بك الخبيث أي: وسوس فيك الشيطان، فذهب فؤادك، وسلب عقلك. من: استهيم فؤاده أي: ذهب فؤاده وسلب عقله من الحبّ أو غيره.
(٢) جشب الطعام: غلظ. فهو جشب.
(٣) أي: يهيج ويثور. من: باغ الدم أي: هاج وثار.
(٤) أهل الصفّة: فقراء كانوا يجلسون في صفّة مسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . وصفّة المسجد: مقعد بالقرب منه مظلّل.
بالأدم(١) ، ما يجدون لها رقاعا، فقال: «أَأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلّة(٢) ويروح في اخرى، ويغدى عليه بجفنة(٣) ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير. قال: بل أنتم اليوم خير».
( وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ
__________________
(١) الأدم جمع الأديم. وهو: الجلد المدبوغ.
(٢) الحلّة: كلّ ثوب جديد، أو الثوب الساتر لجميع البدن.
(٣) الجفنة: القصعة الكبيرة، أي: آنية الطعام.
بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) )
ثمّ خوّف سبحانه كفّار مكّة بما وقع على قوم هود لعنادهم، فقال :
( وَاذْكُرْ ) يا محمد لأهل مكّة( أَخا عادٍ ) يعني: هودا( إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ ) خوّفهم بالله تعالى( بِالْأَحْقافِ ) جمع حقف. وهو رمل مستطيل مرتفع، فيه انحناء.
من: احقوقف الشيء إذا اعوجّ. وكانوا يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها: الشحر، من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة.
( وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ) جمع نذير بمعنى المنذر، أي: الرسل المنذرون( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) قبل هود وبعده. يعني: الرسل الّذين بعثوا قبل هود والّذين بعثوا بعده. والجملة حال، أو اعتراض بين قوله:( أَنْذَرَ قَوْمَهُ ) و( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) «أن» مفسّرة للإنذار. والمعنى: أنّ هوداعليهالسلام قد أنذرهم فقال لهم: لا تعبدوا إلّا الله، فإنّ النهي عن الشيء إنذار من مضرّته( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) هائل بسبب شرككم.
( قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا ) لتصرفنا( عَنْ آلِهَتِنا ) عن عبادته. يقال: أفكه عن رأيه إذا صرفه عنه( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) من معاجلة العذاب على الشرك( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في وعدك.
( قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ ) لا علم لي بوقت عذابكم، ولا مدخل لي فيه فأستعجل به، وإنّما علمه عند الله، فيأتيكم به في وقته المقدّر له( وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ) وما على الرسول إلّا البلاغ( وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) لا تعلمون
أنّ الرسل بعثوا مبلّغين منذرين، لا معذّبين مقترحين غير ما أذن لهم فيه.
( فَلَمَّا رَأَوْهُ ) رأوا ما يوعدون. والهاء تعود إلى «ما تعدنا».( عارِضاً ) سحابا عرض في أفق السماء( مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ) متوجّه أوديتهم. والإضافة فيه لفظيّة. وكذا في قوله:( قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) أي: يأتينا بالمطر.
روي: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيّاما، فساق الله إليهم سحابة سوداء خرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، فلمّا رأوه عارضا مستقبل أوديتهم استبشروا وقالوا: هذا سحاب عارض ممطرنا. فقال هود: ليس الأمر كما زعمتم( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ) من العذاب( رِيحٌ ) هي ريح. ويجوز أن يكون بدل «ما»( فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ) صفتها. وكذا قوله:( تُدَمِّرُ ) تهلك( كُلَّ شَيْءٍ ) من نفوسهم وأموالهم( بِأَمْرِ رَبِّها ) . وإضافة الربّ إلى الريح دلالة على أنّ الريح وتصريف أعنّتها ممّا يشهد لعظم قدرته، لأنّها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده. وذكر الأمر، وكونها مأمورة من جهته عزّ وعلا، يعضد ذلك ويقوّيه.
( فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ ) أي: فجاءتهم الريح فدمّرتهم، فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لـما ترى إلّا مساكنهم. وقرأ عاصم وحمزة: لا يرى إلّا مساكنهم، بالياء المضمومة، ورفع مساكنهم.
روي: أنّ الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة(١) فترفعها في الجوّ حتّى ترى كأنّها جرادة.
وقيل: أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار. وروي: أوّل ما عرفوا به أنّه عذاب: رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلّقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال
__________________
(١) الظعينة: الهودج.
وثمانية أيّام لهم أنين، ثمّ كشفت الريح عنهم، فاحتملتهم فطرحتهم في البحر.
وروي: أنّ هودا لـمّا أحسّ بالريح خطّ على نفسه وعلى المؤمنين خطّا إلى جنب عين تنبع.
وعن ابن عبّاس: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلّا ما يلين على الجلود وتلذّه الأنفس، وإنّها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان إذا رأى الريح فزع وقال: أللّهمّ إنّي أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به. وإذا رأى مخيلة(١) قام وقعد، وجاء وذهب، وتغيّر لونه. فيقال له: يا رسول الله ما تخاف؟ فيقول: إنّي أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا:( هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) .
( كَذلِكَ ) مثل ما أهلكنا أهل الأحقاف، وجازيناهم بالعذاب( نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) الكافرين الّذين يسلكون مسالكهم.
( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) «إن» نافية. وهي أحسن من «ما» في اللفظ، لـما في مجامعة «ما» مثلها من التكرير المستبشع، ومثله مجتنب. ألا ترى أنّ الأصل في «مهما»: ماما، فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء. أو شرطيّة محذوفة الجواب. والتقدير: ولقد مكّنّاهم في الّذي أو في شيء إن مكّنّاكم فيه كان بغيكم أكثر.
وقيل: زائدة، مثلها فيما أنشده الأخفش :
يرجّي المرء ما إن لا يراه |
وتعرض دون أدناه الخطوب |
والمعنى: مكّنّاهم من الطاعات، وجعلناهم قادرين متمكّنين بنصب الأدلّة على التوحيد، والتمكين من النظر فيها، والترغيب والترهيب، وإزاحة العلل في
__________________
(١) المخيلة: السحابة الّتي تحسبها ما طرة.
جميع ذلك، كما مكّنّاكم بها.
والأوّل أظهر وأوفق، لقوله:( هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ) (١) .( كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً ) (٢) . وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحثّ على الاعتبار.
فمعنى الآية: ولقد مكّنّاهم في الشيء الّذي لم نمكّنكم فيه، من قوّة الأبدان، وبسطة الأجسام، وطول العمر، وكثرة المال.
( وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً ) ليعرفوا بذلك النعم، ويستدلّوا بها على واهبها، ويواظبوا على شكرها( فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) من الإغناء. وهو القليل منه، إذ لم يستعملوا هذه القوى في النظر والتفكّر فيما يدلّهم على التوحيد، فلم ينفعهم جميع ذلك.
( إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ ) صلة لـ «ما أغنى». وهو ظرف جرى مجرى التعليل. وكذلك «حيث». وذلك لاستواء التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذا أساء، لأنّك إذا ضربته في وقت إساءته، فإنّما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، إلّا أنّ «إذ» و «حيث» غلبتا ـ دون سائر الظروف ـ في ذلك.
( وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا ) جزاء ما كانوا( بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) من العذاب.
( وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ ) يا أهل مكّة( مِنَ الْقُرى ) أي: من أهل القرى. وهم: قوم هود كانوا باليمن، وقوم صالح بالحجر، وقوم لوط على طريقهم إلى الشام.( وَصَرَّفْنَا الْآياتِ ) أي: نكرّرها تارة في الإعجاز، وتارة في الإهلاك، وتارة في التذكير بالنعم، وتارة في التذكير بالنقم، وتارة في وصف الأبرار ليقتدى بهم، وتارة في وصف الفجّار ليجتنب مثل فعلهم( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) لكي يرجعوا عن كفرهم.
__________________
(١) مريم: ٧٤.
(٢) غافر: ٨٢.
( فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً ) فهلّا منعتهم من الهلاك آلهتهم الّذين يتقرّبون بهم إلى الله، حيث قالوا:( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) (١) .
والقربان ما يتقرّب به إلى الله. وأوّل مفعولي «اتّخذوا» الراجع إلى الموصول محذوف. وثانيهما «قربانا». و «آلهة» بدل، أو عطف بيان. أو المفعول الثاني «آلهة» و «قربانا» حال، أو مفعول له، على أنّه بمعنى التقرّب.
( بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ) غابوا عن نصرهم، فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم، وامتنع أن يستمدّوا بهم امتناع الاستمداد بالضالّ( وَذلِكَ ) الاتّخاذ الّذي هذا أثره( إِفْكُهُمْ ) صرفهم عن الحقّ( وَما كانُوا يَفْتَرُونَ ) وافتراؤهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء.
( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّ في الجنّ مؤمنين وكافرين كما في الإنس، فقال :
__________________
(١) يونس: ١٨.
( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ ) أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك. والنفر دون العشرة.
وجمعه أنفار.( يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) حال محمولة على المعنى( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) أي: القرآن، أي: فلمّا كان بمسمع منهم. أو الرسول.( قالُوا أَنْصِتُوا ) قال بعضهم لبعض: اسكتوا لنسمعه( فَلَمَّا قُضِيَ ) أتمّ وفرغ من قراءته، على بناء الفاعل، وهو ضمير الرسول( وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) أي: منذرين إيّاهم بما يسمعوا.
عن سعيد بن جبير والزهري وجماعة: أنّه لـمّا توفّي أبو طالب اشتدّ البلاء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعمد ليقف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم، هم سادة، وهم إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو. فعرض عليهم نفسه. فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قطّ.
وقال الآخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك.
وقال الآخر: والله لا أكلّمك بعد مجلسك هذا أبدا. فلئن كنت رسولا كما تقول، فأنت أعظم خطرا من أن يردّ عليك الكلام. وإن كنت تكذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلّمك بعد.
وتهزّؤا به، وأفشوا في قومه ما راجعوه به. فقعدوا له صفّين على طريقه، فلمّا مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين صفّيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلّا رضخوهما بالحجارة، حتّى أدموا رجليه، فخلص منهم وهما تسيلان دما.
فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظلّ في ظلّ نخلة منه، وهو مكروب موجع، تسيل رجلاه دما، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلمّا رآهما كره مكانهما، لـما يعلم من عداوتهما لله ورسوله. فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس، معه عنب، وهو نصرانيّ من أهل نينوى. فلمّا جاءه قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أيّ أرض أنت؟
قال: من أهل نينوى.
قالعليهالسلام : من مدينة العبد الصالح يونس بن متّى؟
فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متّى؟
قال: أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متّى. فلمّا أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس، خرّ عداس ساجدا لله ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجعل يقبّل قدميه، وهما يسيلان الدم.
فلمّا أبصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا. فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمّد، وقبّلت قدميه، ولم نرك فعلت ذلك بأحد منّا.
قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا، يدعى: يونس بن متّى.
فضحكا وقالا: لا يفتننّك عن نصر انيّتك، فإنّه رجل خدّاع.
فرجع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مكّة، حتّى إذا كان بنخلة قام في جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين ـ وقيل: من اليمن ـ فوجدوه يصلّي صلاة الغداة ويتلو القرآن، فاستمعوا له.
وروي: أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا: ما هذا إلّا لنبأ حدث. فنهض سبعة أو تسعة من أشراف جنّ نصيبين أو نينوى ـ منهم زوبعة ـ فضربوا حتّى بلغوا تهامة، ثمّ اندفعوا إلى وادي نخلة، فوافوا رسول الله وهو قائم في جوف الليل يصلّي، أو في صلاة الفجر، فاستمعوا لقراءته.
وقال آخرون: أمر رسول الله أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن. فصرف الله إليه نفرا من الجنّ من نينوى. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة، فأيّكم يتبعني؟ قالها ثلاثا. فأطرقوا إلّا عبد الله بن مسعود.
قال: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة، ودخل نبيّ الله شعبا يقال له شعب الحجون، فخطّ لي خطّا ثمّ أمرني أن أجلس فيه، وقال :
لا تخرج منه حتّى أعود إليك. ثمّ انطلق حتّى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتّى لم أسمع صوته. ثمّ انطلقوا وطفقوا يتقطّعون مثل قطع السحاب ذاهبين.
فقال لي رسول الله: هل رأيت شيئا؟
فقلت: نعم، رأيت رجالا سودا مستثفري(١) ثياب بيض.
قال: أولئك جنّ نصيبين. وكانوا اثني عشر ألفا. والسورة الّتي قرأها عليهم( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) .
وروى علقمة عن عبد الله قال: لم أكن مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة الجنّ، ووددت أنّي كنت معه.
وروي عن ابن عبّاس: أنّهم كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين، فجعلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رسلا إلى قومهم.
وقال زرّ بن حبيش: كانوا تسعة نفر، منهم زوبعة.
وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: لـمّا قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الرحمن على الناس سكتوا، فلم يقولوا شيئا. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الجنّ كانوا أحسن جوابا منكم، لـمّا قرأت عليهم:( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) قالوا: لا ولا بشيء من آلائك ربّنا نكذّب».
ثمّ بيّن سبحانه تمام خبر الجنّ، فقال حاكيا عنهم:( قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ) يعنون القرآن. عن عطاء: إنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا يهودا. وعن ابن عبّاس: لأنّهم ما سمعوا بأمر عيسى( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) لـما تقدّمه من الكتب( يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) من أصول العقائد الحقّة( وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) من فروع الشرائع.
__________________
(١) الاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويا، كما يفعل الكلب بذنبه.
( يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ ) يعنون محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الأنداد دونه( وَآمِنُوا بِهِ ) بالله( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) بعض ذنوبكم، وهو ما يكون في خالص حقّ الله، فإنّ المظالم لا تغفر بالإيمان. ونحوه قوله تعالى:( أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) (١) .( وَيُجِرْكُمْ ) ويخلّصكم( مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) هو معدّ للكفّار.
( وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ ) فلا يعجز الله، إذ لا ينجى منه مهرب، ولا يسبق قضاءه سابق. ونحوه قوله تعالى:( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ) (٢) .( وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ) أنصار يمنعونه من الله، ويدفعون عنه العذاب( أُولئِكَ ) يعني: الّذين لا يجيبون داعي الله( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه.
واعلم أنّه اختلف في أنّه هل للجنّ ثواب كالإنس؟ فقال أبو حنيفة: لا ثواب لهم إلّا النجاة من النار، لقوله:( وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) (٣) . والصحيح: أنّهم في حكم بني آدم، لأنّهم مكلّفون مثلهم.
وعن عليّ بن إبراهيم قال: «فجاؤا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وآمنوا به، وعلّمهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شرائع الإسلام، فأنزل الله تعالى:( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ ) (٤) إلى آخر السورة، وكانوا يعودون إلى رسول الله في كلّ وقت»(٥) .
وفي هذا دلالة على أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان مبعوثا إلى الجنّ، كما كان مبعوثا إلى
__________________
(١) نوح: ٣ ـ ٤.
(٢) الجنّ: ١٢.
(٣) الأحقاف: ٣١.
(٤) الجنّ: ١.
(٥) تفسير عليّ بن إبراهيم ٢: ٢٩٩ ـ ٣٠٠.
الإنس. ولم يبعث الله نبيّا إلى الإنس والجنّ قبله.
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) )
ولـمّا صدّر السورة بتحقيق المبدأ، أراد ختمها بإثبات المعاد، فقال :
( أَوَلَمْ يَرَوْا ) أولم يعلموا( أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَ ) أي: لم يصبه في خلق ذلك إعياء ولا تعب، ولم يعجز عنه. يقال: فلان عيّ بأمره، إذا لم يهتد له ولم يقدر عليه، أي: قدرته التامّة ثابتة على حالها بعد خلق السماوات والأرض، ولا تنقص ولا تنقطع بإيجادهما.
( بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) في محلّ الرفع على أنّه خبر «أنّ». ويدلّ عليه قراءة يعقوب: يقدر. وإنّما دخلت الباء المزيدة عليه، لاشتمال النفي في أوّل الآية على «أنّ» وما في حيّزها، كأنّه قال: أليس الله بقادر. ولذلك أجاب عنه بقوله:( بَلى ) هو قادر عليه( إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تقريرا للقدرة على وجه عامّ يكون كالبرهان على المقصود، وهو قدرته على البعث.
( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ) منصوب بقول مضمر مقوله( أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ ) والإشارة إلى العذاب، بدليل قوله:( قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) بكفركم في الدنيا. ومعنى الأمر هو الإهانة بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم:( وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) (١) .
( فَاصْبِرْ ) يا محمد على أذى هؤلاء الكفّار، وعلى ترك إجابتهم لك( كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) أولوا الثبات والجدّ منهم، فإنّك من جملتهم. و «من» للتبيين. وقيل: للتبعيض. وأولوا العزم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمّل مشاقّها ومعاداة الطاعنين فيها. ومشاهيرهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام . ومرويّ أيضا عن ابن عبّاس وقتادة.
وقيل: الصابرون على بلاء الله، كنوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتّى يغشى عليه. وإبراهيم على النار، وذبح ولده. والذبيح على الذبح. ويعقوب على فقد الولد، وذهاب بصره. ويوسف على الجبّ والسجن. وأيّوب على الضرّ.
وموسى قال له قومه:( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (٢) . وداود بكى على ترك ندبه أربعين سنة. وعيسى لم يضع لبنة على لبنة. قال: إنّها معبر، فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم:( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) (٣) . وفي يونس( وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ ) (٤) .
( وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) لكفّار قريش بالعذاب، أي: لا تدع عليهم بتعجيله، فإنّه
__________________
(١) الصافّات: ٥٩.
(٢) الشعراء: ٦١ ـ ٦٢.
(٣) طه: ١١٥.
(٤) القلم: ٤٨.
نازل بهم لا محالة وإن تأخّر( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ) من العذاب في الآخرة( لَمْ يَلْبَثُوا ) في الدنيا( إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ) أي: إذا عاينوا العذاب استقصروا من هوله مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ، حتّى يحسبوها ساعة من نهار.
( بَلاغٌ ) هذا الّذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ، أي: كفاية. أو هذا تبليغ من الرسول. وقيل: مبتدأ خبره «لهم»، وما بينهما اعتراض، أي: لهم وقت يبلغون إليه، كأنّهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدّة عمرهم.( فَهَلْ يُهْلَكُ ) أي: لا يهلك( إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ) الخارجون من أمر الله، المتمرّدون في الفسق والمعاصي. وعن الزجّاج: ما جاء في رجاء رحمة الله شيء أبلغ من هذه الآية.
(٤٧)
سورة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
وتسمّى سورة القتال. وهي مدنيّة. وقال ابن عبّاس وقتادة: غير آية منها نزلت على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يريد التوجّه إلى المدينة من مكّة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنا عليه، فنزلت:( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ ) الآية.
وهي ثمان وثلاثون آية.
أبيّ بن كعب قال: «قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم كان حقّا على الله أن يسقيه من أنهار الجنّة».
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأها لم يدخله شكّ في دينه أبدا، ولم يزل محفوظا من الشرك والكفر أبدا حتّى يموت، فإذا مات وكلّ الله به في قبره ألف ملك يصلّون في قبره، ويكون ثواب صلواتهم له، ويشيّعونه حتّى يوقفوه موقف الأمن عند الله، ويكون في أمان الله وأمان محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وقالعليهالسلام : «من أراد أن يعرف حالنا وحال أعدائنا فليقرأ سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّه يراها آية فينا وآية فيهم».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا ختم تلك السورة بوعيد الكفّار، افتتح هذه السورة بمثلها، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) امتنعوا عن الدخول في الإسلام وسلوك طريقه، أو منعوا الناس عنه. وهم المطعمون يوم بدر.
وكانوا عشرة أنفس، أطعم كلّ واحد منهم الجند يوما. وعن مقاتل: كانوا اثني عشر رجلا من أهل الشرك، يصدّون الناس عن الإسلام، ويأمرونهم بالكفر. أو شياطين قريش. أو المصرّون من أهل الكتاب، صدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. أو عامّ في جميع من كفر وصدّ.
( أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) أي: جعل مكارمهم ـ كصلة الرحم، وفكّ الأسارى، وحفظ الجوار ـ ضالّة، أي: ضائعة محبطة بالكفر. أو جعلها ضالّة في كفرهم ومعاصيهم، كالضالّة من الإبل الّتي هي مضيّعة لا ربّ لها يحفظها ويعتني بأمرها. أو مغلوبة مغمورة في الكفر، كما يضلّ الماء في اللبن. أو ضلالا، حيث لم يقصدوا به وجه الله. أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله والصدّ عن سبيله، بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كلّه.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) يعمّ المهاجرين والأنصار والّذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم( وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ) تخصيص للمنزل عليه ممّا
يجب الإيمان به تعظيما له، وإشعارا بأنّ الإيمان لا يتمّ بدونه، وأنّه الأصل فيه.
ولذلك أكّده بالجملة الاعتراضيّة الّتي هي قوله:( وَهُوَ ) أي: وما نزل على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) وحقيقته بكونه ناسخا لا ينسخ( كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) سترها، وغفر لهم بالإيمان وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي، لرجوعهم عنها وتوبتهم( وَأَصْلَحَ بالَهُمْ ) شأنهم وحالهم في الدين والدنيا، بالتوفيق واللطف في امور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد.
( ذلِكَ ) إشارة إلى ما مرّ من إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيّئات الثاني، والإصلاح. وهو مبتدأ خبره( بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ ) أي: ذلك كائن بسبب اتّباع هؤلاء الباطل، واتّباع هؤلاء الحقّ. وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها، ولذلك سمّي تفسيرا.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك الضرب( يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ ) يبيّن لهم( أَمْثالَهُمْ ) أحوال الفريقين، أو أحوال الناس. أو يضرب أمثالهم، بأن جعل اتّباع الباطل مثلا لعمل الكفّار، والإضلال مثلا لخيبتهم، واتّباع الحقّ مثلا للمؤمنين، وتكفير السيّئات مثلا لفوزهم، لرجوعهم عنها وتوبتهم.
( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ
(٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) )
ثمّ أمر سبحانه بقتال الكفّار، فقال:( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) في المحاربة( فَضَرْبَ الرِّقابِ ) أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل، وقدّم المصدر، وأنيب منابه، مضافا إلى المفعول. ففيه اختصار، مع معنى التوكيد. والتعبير به عن القتل إشعار بأنّه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن، إن اختاره الإمام عندنا.
وتصوير له بأشنع صورة، لأنّ في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، وهو حزّ العنق، وإطارة العضو الّذي هو رأس البدن وعلوه(١) وأوجه أعضائه. ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى:( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) (٢) .
( حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ) أكثرتم قتلهم وأغلظتموه. من الثخين، وهو الغليظ.
أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتّى أذهبتم عنهم النهوض.( فَشُدُّوا الْوَثاقَ ) فأسروهم واحفظوهم. والوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به.( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ ) فإمّا تمنّون منّا( وَإِمَّا فِداءً ) وإمّا تفدون فداء.
والمراد التخيير بعد الأسر بين المنّ والإطلاق، وبين أخذ الفداء. وهو ثابت عند الشافعيّة، فإنّ الذكر الحرّ المكلّف إذا أسر تخيّر الامام بين القتل والمنّ والفداء
__________________
(١) علو الشيء: نقيض سفله وسفالته.
(٢) الأنفال: ١٢.
والاسترقاق. وعند الحنفيّة يتخيّر بين القتل والاسترقاق. فعلى قولهم الآية منسوخة، أو مخصوصة بحرب بدر. وظاهر الآية قريب من مذهب الشافعيّة.
وفي التحقيق الآية تمنع القتل بعد الإثخان والأسر، لتقييد المنّ والفداء بكونه بعد الأسر، ولم يذكر معهما القتل. وعلى التقادير ؛ فالاسترقاق علم بالسنّة. هذا، وقد قيل: إنّ الأسر كان محرّما بقوله:( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) (١) . حتّى نسخ بهذه الآية.
( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) أي: يضع أهل الحرب آلاتها وأثقالها الّتي لا تقوم الحرب إلّا بها، كالسلاح والخيل والركاب، أي: تنقضي الحرب ولم يبق إلّا مسلم أو مسالم. وسمّيت أوزارها، لأنّه لـمّا لم يكن لها بدّ من جرّها فكأنّها تحملها وتستقلّ بها، فإذا انقضت فكأنّها وضعتها. وقيل: آثامها. والمعنى: حتّى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم. وهو غاية للضرب، أو الشدّ، أو للمنّ والفداء، أو للمجموع. يعني: أنّ هذه الأحكام جارية فيهم حتّى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم. وقيل: بنزول عيسى.
وقال الحسن: إنّ الامام مخيّر بين المنّ والفداء والاسترقاق، وليس له القتل بعد الأسر. فكأنّه جعل في الآية تقديما وتأخيرا، تقديره: فضرب الرقاب حتّى تضع الحرب أوزارها. ثمّ قال: حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإمّا منّا وإمّا فداء.
وقيل: حكم الآية منسوخ بآية السيف(٢) . وليس بشيء، لأصالة عدم النسخ. والتخصيص خير منه.
والمنقول عن أهل البيتعليهمالسلام : أنّ الأسير إن أخذ والحرب قائمة، كان الإمام
__________________
(١) الأنفال: ٦٧.
(٢) التوبة: ٥ و٢٩.
مخيّرا بين أن يقتله، أو يقطع يده ورجله من خلاف، ويتركه حتّى ينزف ويموت. وإن أخذ بعد انقضاء الحرب تخيّر الامام بين المنّ والفداء والاسترقاق، ولا يجوز القتل. ولو حصل منه الإسلام في الحالين منع القتل خاصّة.
فعلى هذا يكون قول الحسن موافقا لمذهبنا. ويقوى القول بالتقديم والتأخير، ولا حرج في ذلك.
( ذلِكَ ) أي: الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك( وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ) لانتقم منهم ببعض أسباب الهلكة، من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت مستأصل( وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) ولكن أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين، بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين، بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر.
«والذين قاتلوا» جاهدوا( فِي سَبِيلِ اللهِ ) قرأ البصريّان وحفص: قتلوا، أي: استشهدوا( فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ) فلن يضيّعها( سَيَهْدِيهِمْ ) إلى الثواب، أو سيثبت هدايتهم( وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ) بالرسوخ على العقيدة الحقّة( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ) وقد عرّفها لهم في الدنيا حتّى اشتاقوا إليها، فعملوا ما استحقّوها به. أو بيّنها لهم بحيث يعلم كلّ واحد منزله ويهتدي إليه.
قال مجاهد: يهتدي أهل الجنّة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنّهم كانوا سكّانها منذ خلقوا.
وعن مقاتل: إنّ الملك الّذي وكلّ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه، فيعرّفه كلّ شيء أعطاه الله.
أو طيّبها لهم، من العرف وهو طيب الرائحة. أو حدّدها لهم بحيث يكون لكلّ جنّة مفرزة عن غيرها.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ ) أي: إن تنصروا دينه ورسوله( يَنْصُرْكُمْ ) على عدوّكم( وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) في مواطن الحرب، بالتشجيع وتقوية القلوب وتثبيتها. أو على محجّة الإسلام، والقيام بحقوقه.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ ) فعثورا وانحطاطا وهلاكا. ونقيضه: لعا له، أي: نجاة. وتقول للعاثر: لعا لك، إذا دعوت بالانتعاش والثبات. وانتصابه بفعله الواجب إضماره سماعا، تقديره: فقال: تعسا لهم، أو فقضى تعسا لهم، أو أتعسهم الله فتعسوا تعسا. والجملة خبر «الّذين كفروا».( وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) عطف عليه. وعن ابن عبّاس: يريد: في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردّي في النار.
( ذلِكَ ) التعس والإضلال( بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ ) القرآن، لـما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لـما ألفوه واشتهته أنفسهم، من الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذّ، فشقّ ذلك عليهم وتعاظمهم. وهذا تصريح بسببيّة الكفر بالقرآن للتعس والإضلال.( فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ) كرّره إشعارا بأنّ إحباط الأعمال يلزم الكفر، ولا ينفكّ عنه بحال.
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) )
ثمّ نبّههم سبحانه على الاستدلال على صحّة ما دعاهم إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله، فقال :
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) استأصل عليهم ما اختصّ بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم( وَلِلْكافِرِينَ ) من وضع الظاهر موضع الضمير( أَمْثالُها ) أمثال تلك العاقبة المذكورة. أو العقوبة. أو الهلكة، لأنّ التدمير يدلّ عليها. أو السنّة، لقوله:( سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ ) (١) .
__________________
(١) غافر: ٨٥.
( سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا ) (١) .
( ذلِكَ ) أي: الّذي فعلناه في الفريقين( بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) وليّهم وناصرهم على أعدائهم وحافظهم( وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ) ينصرهم، فيدفع العذاب عنهم عاجلا أو آجلا. وهو لا يخالف قوله:( وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ ) (٢) فإنّ المولى فيه بمعنى المالك.
( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) )
__________________
(١) الأحزاب: ٣٨.
(٢) يونس: ٣٠.
ثمّ ذكر مآل حال الفريقين بقوله:( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) من تحت أشجارها وأبنيتها( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ) ينتفعون بمتاع الدنيا أيّاما قلائل( وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ) في مسارحها ومعالفها، غافلة عمّا هي بصدده من النحر والذبح. فهم أيضا يكونون حريصين غافلين عن وخامة العاقبة، غير مفكّرين فيها.( وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) منزل ومقام لهم.
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ) على حذف المضاف وإجراء أحكامه على المضاف إليه. كأنّه قال: وكم من قرية هم أشدّ قوّة من قومك الّذين أخرجوك، أي: كانوا سبب خروجك.( أَهْلَكْناهُمْ ) بأنواع العذاب( فَلا ناصِرَ لَهُمْ ) يدفع عنهم العذاب. وهو كالحال المحكيّة، كقولك: أهلكناهم فهم لا ينصرون.
ثمّ قال سبحانه على وجه التهجين والتوبيخ للكفّار والمنافقين :
( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) حجّة واضحة من عنده. وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات. أو ما يعمّه من الحجج العقليّة للمؤمنين.( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) من الشرك والمعاصي. وهم أهل مكّة الّذين زيّن لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله.( وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ) شهواتهم في ذلك، لا شبهة لهم عليه فضلا عن حجّة. وتوحيد الضمير أوّلا وجمعه ثانيا على اللفظ والمعنى.
( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) صفة الجنّة العجيبة الشأن فيما قصصنا عليك. وقيل: هو مبتدأ خبره( كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ) الآتي بعد.
وهذا كلام صورته الإثبات، ومعناه النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيّزه، وانخراطه في سلكه. فهو كقوله:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) . فكأنّه قيل: أمثل أهل الجنّة
كمثل من هو خالد؟ أو أمثل الجنّة كمثل جزاء من هو خالد؟ وحذف ما حذف استغناء بجري مثله.
وفي تعريته من حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوّي بين المتمسّك بالبيّنة والتابع لهواه، وأنّه بمنزلة من يسوّي بين الجنّة الّتي تجري فيها تلك الأنهار، وبين النار الّتي يسقى أهلها الحميم. ونظيره: قول القائل :
أفرح أن أرزأ الكرام وأن |
أورث ذودا(١) شصائصا نبلا |
فإنّه كلام منكر للفرح برزيّة الكرام ووراثة الذود، مع تعرّيه عن حرف الإنكار، لانطوائه تحت قول من قال: أَتفرح بموت أخيك وبوارثة إبله؟ والّذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصوّر قبح ما اتّهم به. فكأنّه قال: نعم، مثلي يفرح بمرزأة الكرام، وبأن يستبدل منهم ذودا يقلّ طائله. وهو من التسليم الّذي تحته كلّ إنكار.
وعلى الأوّل قوله: «كمن هو خالد» خبر محذوف، تقديره: أَفمن هو خالد في هذه الجنّة كمن هو خالد في النار؟ أو بدل من قوله:( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) . وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من على بيّنة في الآخرة، تقريرا لإنكار المساواة.
( فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) استئناف لشرح المثل، كأنّ قائلا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار. ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي: مستقرّة فيها أنهار.
أو خبر لـ «مثل». و «آسن» من: أسن الماء بالفتح إذا تغيّر طعمه وريحه، أو بالكسر على معنى الحدوث. وقرأ ابن كثير: أسن بغير مدّ.
__________________
(١) الذّود: الإبل لا يتجاوز عددها الثلاثين ولا يقلّ عن الثلاث. والشصائص جمع الشصوص: الناقة أو الشاة القليلة اللبن. والنبل: الكبار من الإبل، والصغار منها، فهو من الأضداد.
( وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) لم يصر قارصا(١) ولا حازرا، كما يكون في ألبان الدنيا.
( وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) لذيذة لا يكون فيها غائلة مرارة وسكر وخمار وريح وصداع. وهي تأنيث لذّ، وهو اللذيذ. أو مصدر نعت به بإضمار ذات، أي: ذات لذّة. أو تجوّز. والمعنى: ما هو إلّا التلذّذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار، ولا آفة من آفات الخمار.
( وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ) لم يخالطه الشمع والرغوة، وسائر فضلات النحل وغيرها، كما في عسل الدنيا. والمعنى: فيها أنواع الأشربة الّتي تكون في الدنيا، مجرّدة عمّا ينقصها وينغّصها، موصوفة بغاية الالتذاذ. وفي الأنهار دلالة على غزارة أنواع الأشربة واستمرارها.
( وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) أي: لهم فيها صنف من الثمرات لا يعرفون اسمها، وصنف منها يعرفون اسمها، كلّها مبرّأة من كلّ مكروه يكون لثمرات الدنيا( وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) عطف على الصنف المحذوف. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: لهم مغفرة.( كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً ) شديد الحرارة، مكان تلك الأشربة( فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ) من فرط الحرارة.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ
__________________
(١) القارص من الطعام: الحديد المنغّص والحازر: الحامض.
أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩))
ثمّ بيّن سبحانه حال المنافقين، فقال:( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) يسمعون كلامك( حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) من مجلسك. وتوحيد الضمير وجمعه ثانيا نظرا إلى لفظ «من» ومعناه.( قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) أي: لعلماء الأصحاب. وقيل: قالوه لعبد الله بن مسعود. وعن ابن عبّاس: أنا منهم.
وعن الأصبغ بن نباتة، عن عليّعليهالسلام قال: إنّا كنّا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيخبرنا بالوحي، فأعيه أنا ومن يعيه، فإذا خرجنا قالوا لنا:( ما ذا قالَ آنِفاً ) ما الّذي قال الساعة؟ استهزاء، أو إظهار أنّا لم نشتغل بوعيه وفهمه، أو استعلاما، إذ لم يلقوا له آذانهم تهاونا به.
وقيل: كان يخطب فإذا عاب المنافقين خرجوا فقالوا ذلك للعلماء.
و «آنفا» من قولهم: أنف الشيء لـما تقدّم منه. مستعار من الجارحة. ومنه: استأنفت الشيء إذا ابتدأته. ونصبه على الظرف، بمعنى: في أوّل وقت يقرب منّا. أو حال من الضمير في «قال». وقرأ ابن كثير: أنفا.
( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) تخلية بينهم وبين اختيارهم وخذلانا. أو وسما عليها بسمة الكفر، لتكون دالّة عليه، فلعنتهم الملائكة لذلك.( وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ) شهوات نفوسهم، وما مالت إليه طباعهم. فلذلك استهزؤا بكلام الله، وتهاونوا به.
ثمّ وصف سبحانه المؤمنين بقوله:( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) أي: زادهم الله بالتوفيق والإلهام. وقيل: الضمير لقول الرسول، أو لاستهزاء المنافقين.( وَآتاهُمْ
تَقْواهُمْ ) بيّن لهم ما يتّقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها.
( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ ) فليسوا ينتظرون إلّا القيامة( أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ) بدل اشتمال من السّاعة، نحو: «أن تطؤهم» في قوله:( رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ ) (١) .( فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها ) علاماتها، كمبعث خاتم الأنبياء، وانشقاق القمر. وهو متّصل بإتيان الساعة اتّصال العلّة بالمعلول.( فَأَنَّى لَهُمْ ) هذا جواب الشرط، وهو قوله:( إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ) . والمعنى: فكيف لهم ذكراهم ـ أي: تذكّرهم ـ إذا جاءتهم الساعة، وحينئذ لا تنفعهم الذكرى؟
( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ ) أي: إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانيّة( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) لترك ندبك، بالإقدام على ما هو أولى فعله، والثبات على الّذي هو موجب لكمال النفس، وعلى إصلاح أحوالها، وهضمها وتواضعها وانقطاعها إلى الله، فإنّ تكميل النفس لا يكون إلّا بذلك. ولا يجوز إطلاق الكلام على ظاهره، لأنّ استغفار الأنبياء لا يجوز أن يكون للذنوب، لأنّهم معصومون عنها صغيرها وكبيرها.
( وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) واستغفر لذنوبهم بالدعاء لهم، والتحريض على ما يستدعي غفرانهم. وفي إعادة الجارّ، وحذف المضاف، إشعار بالفرق بين استغفاره له واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات.
( وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ) في الدنيا، فإنّ للعبد مراتب ومراحل، ينقلب فيها من أوّل خلقه إلى آخر عمره( وَمَثْواكُمْ ) في العقبى، فإنّها دار إقامتكم.
__________________
(١) الفتح: ٢٥.
( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) )
روي: أنّ ضعفاء المؤمنين أو المنافقين كانوا يدّعون الحرص على الجهاد، ويتمنّونه بألسنتهم، فلمّا نزلت سورة في الأمر بالجهاد شقّ عليهم وكرهوا منه، فنزلت :
( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا ) هلّا( نُزِّلَتْ سُورَةٌ ) في أمر الجهاد( فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ) مبيّنة لا تشابه فيها( وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ ) أي: الأمر به. وعن قتادة: كلّ سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة غير منسوخة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين.
( رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) ضعف في الدين، غير ثابتي الأقدام. وقيل: نفاق. ووضع الظاهر في موضع الضمير لبيان علّة التقاعد عن الحرب والكراهة منه.
ويجوز أن يريد بالّذين آمنوا المؤمنين الخلّص الثابتين، وأنّهم يتشوّقون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد تضجّر المنافقون منها.( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) أي: تشخص أبصارهم جبنا ومخالفة، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت.
( فَأَوْلى لَهُمْ ) فويل لهم. أفعل من الولي، وهو القرب. ومعناه: الدعاء عليهم، أي: أقرب لهم المكروه. أو فعلى، من: آل، أي: يؤول المكروه إليهم.
( طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) استئناف، أي: أمرهم طاعة وقول معروف، أو طاعة وقول معروف خير لهم. أو حكاية قولهم، أي: قالوا: أمرنا طاعة وقول معروف.
وقيل: «أولى» مبتدأ، وهذا خبره، أي: أولى وأحرى لهم طاعة لله ورسوله وقول معروف بالإجابة، أي: لو أطاعوا وأجابوا كانت الطاعة والإجابة أولى لهم. وهذا قول ابن عبّاس في رواية عطاء، واختيار الكسائي.
( فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ ) أي: جدّ ولزم أمر القتال. والعزم والجدّ حقيقة لأصحاب الأمر، وإسناده إليه مجاز. ومنه قوله:( إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (١) . وقولهم: إنّ الأمر معزوم لا عازم. وعامل الظرف محذوف، وهو: اذكر. وجواب «إذا» محذوف تقديره: فإذا عزم الأمر نكلوا وكذبوا فيما وعدوا من أنفسهم. ويدلّ على حذفه قوله:( فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ ) فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الايمان. أو فلو صدقوا في إيمانهم وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم( لَكانَ ) الصدق( خَيْراً لَهُمْ ) في دينهم ودنياهم من نفاقهم.
( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) فهل يتوقّع منكم؟ وقرأ نافع بكسر السين. وهو غريب.( إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) أمور الناس وتأمّرتم عليهم، أو أعرضتم وتولّيتم عن الإسلام( أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ) تناحرا على الولاية وتجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهليّة من التغاور ومقاتلة الأقارب.
والمعنى: أنّهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا، أحقّاء بأن يتوقّع ذلك منهم من عرف حالهم في ضعف الإيمان ومرض النفاق، ويقول لهم: هل عسيتم. فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في التوبيخ.
وإلحاق الضمير بـ «عسى» على لغة الحجاز. وأمّا بنو تميم فلا يلحقون
__________________
(١) الشورى: ٤٣.
الضمائر، ويقولون: عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا. وخبره «أن تفسدوا»، و «إن تولّيتم» اعتراض. وعن يعقوب: تولّيتم، وتقطعوا من القطع، أي: إن تولّاكم ظلمة خرجتم معهم وساعدتموهم في الإفساد وقطيعة الرحم.
( أُولئِكَ ) إشارة إلى المذكورين( الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ) لإفسادهم، وقطعهم الأرحام( فَأَصَمَّهُمْ ) عن استماع الحقّ( وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ) أي: فمنعهم ألطافه، وخذلهم حتّى صمّوا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى، فلا يهتدون سبيله.
( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) يتصفّحونه وما فيه من المواعظ والزواجر، حتّى لا يجسروا على المعاصي. وعن قتادة: والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبّروه، ولكنّهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.( أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر. وقيل: «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة فيها التقرير. وتنكير القلوب لأنّ المراد قلوب بعض منهم. أو للإشعار بأنّها لإبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها، كأنّها مبهمة منكورة. وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصّة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة. وهي أقفال الكفر الّتي استغلقت، فلا تنفتح.
( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) )
( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ) أي: رجعوا عن الإيمان إلى ما كانوا عليه من الكفر( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) بالدلائل الواضحة، والمعجزات الظاهرة. وهم المنافقون.
وعن ابن عبّاس والسدّي والضحّاك: كانوا يؤمنون عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ يظهرون الكفر فيما بينهم، فتلك ردّة منهم.
وعن قتادة: هم كفّار أهل الكتاب كفروا بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد عرفوه ووجدوا
نعته مكتوبا عندهم.
وليس في هذا دلالة على أنّ المؤمن قد يكفر، لأنّه لا يمتنع أن يكون المراد من رجع في باطنه عن الإيمان بعد أنّ أظهره وقامت الحجّة عنده بصحّته.
( الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ) سهّل لهم اقتراف الكبائر وركوب العظائم. من السول، وهو الاسترخاء. وقيل: حملهم على الشهوات. من السول، وهو التمنّي. وفيه: إن السول مهموز، قلبت همزته واوا لضمّ ما قبلها. ويمكن ردّه بقولهم: هما يتساولان.( وَأَمْلى لَهُمْ ) ومدّ لهم في الآمال والأماني.
وقرأ أبو عمرو: املي لهم، على البناء للمفعول. وهو ضمير الشيطان أولهم، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم. وقرأ يعقوب: املي لهم. والمعنى: أنّ الشيطان يغويهم وأنا أملي لهم وأنظرهم وأمهلهم، ولم أعاجلهم بالعقوبة. فتكون الواو للحال، أو الاستئناف.
ثمّ بيّن سبحانه سبب استيلاء الشيطان عليهم، فقال:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ ) أي: قال اليهود الّذين كفروا بالنبيّ بعد ما تبيّن لهم نعته في التوراة للمنافقين. أو المنافقون لقريظة والنضير، حيث قالوا لهم: لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم. أو أحد الفريقين للمشركين. والمرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أنّهم بنو اميّة، كرهوا ما نزّل الله في ولاية عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
( سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ) في بعض الأمر الّذي يهمّكم. وهو التكذيب برسول الله، أو بلا إله إلّا الله. أو في بعض ما تأمرون به، كالقعود عن الجهاد، والموافقة في الخروج معهم، والتظافر على عداوة الرسول.( وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ) ما أسرّه بعضهم إلى بعض من القول، وما أسرّوه في أنفسهم من الاعتقاد.
( فَكَيْفَ ) يعملون وما حيلتهم( إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ ) إذا قبضت الملائكة أرواحهم( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ) تصوير لتوفّيهم بما يخافون منه
ويجتنبون عن القتال له. وعن ابن عبّاس: لا يتوفّى أحد على معصية الله إلّا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره.
( ذلِكَ ) إشارة إلى التوفّي الموصوف( بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ ) من الكفر، وكتمان نعت الرسول، وعصيان الأمر( وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ) ما يرضاه، من الإيمان برسول الله، والجهاد، وغيرهما من الطاعات( فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ) ولم يتقبّل لذلك.
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ ) لن يظهر الله لرسوله والمؤمنين( أَضْغانَهُمْ ) أحقادهم على المؤمنين، ولا يبدي خفاياهم للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ) لعرّفناكهم بدلائل حتّى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ) بعلاماتهم الّتي يسمهم الله بها.
وعن أنس: ما خفي على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين، بل كان يعرفهم بسيماهم. ولقد كنّا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا وعلى جبهة كلّ واحد منهم مكتوب: هذا منافق.
واللام لام جواب «لو» كرّرت في المعطوف.
( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) جواب قسم محذوف. ولحن القول: أسلوبه. وعن ابن عبّاس: هو قولهم: ما لنا إن أطعنا من الثواب، ولا يقولون: ما علينا إن عصينا من العقاب.
وقيل: اللحن أن تلحن بكلامك، أي: تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك. ومنه قيل للمخطئ: لاحن، لأنّه يعدل بالكلام عن الصواب.
وعن أبي سعيد الخدري قال: لحن القول بغضهم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
قال: وكنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ببغضهم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وروي مثل ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعن عبادة بن الصامت قال: كنّا نبور(١) أولادنا بحبّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فإذا رأينا أحدهم لا يحبّه علمنا أنّه لغير رشدة(٢) .
( وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ) فيجازيكم على حسب قصدكم، إذا الأعمال بالنيّات.
( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) ونعاملكم معاملة المختبر، بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقّة( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ ) حتّى نميّزهم عن غيرهم( وَالصَّابِرِينَ ) على مشاقّ المجاهدة عن غيرهم. أو حتّى نعلم جهادكم موجودا، لأنّ الغرض أن تفعلوا الجهاد فنثيبكم على ذلك. أو يعلم أولياؤنا. والإضافة إلى ذاته تعظيما لهم.
( وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) فنختبر ما يخبر به عن أعمالكم، فيظهر به حسنها وقبحها، لأنّ الخبر على حسب المخبر عنه، إن حسنا فحسن، وإن قبيحا فقبيح. أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها.
وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها. وعن يعقوب: ونبلو بسكون الواو، على تقدير: ونحن نبلو.
وعن الفضيل: أنّه كان إذا قرأها بكى، وقال: أللّهمّ لا تبلنا، فإنّك إن تبلونا فضحتنا، وهتكت أستارنا، وعذّبتنا.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) امتنعوا عن اتّباع دين الله، ومنعوا غيرهم عن اتّباعه بالقهر والإغواء( وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ) عاندوه وعادوه( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى ) من بعد ما ظهر لهم أن محمدا رسول الله. وهم قريظة والنضير، أو المطعمون يوم بدر.( لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً ) بكفرهم وصدّهم. أو لن يضرّوا رسول الله بمشاقّته. وحذف المضاف لتعظيمه، وتفظيع مشاقّته.( وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ )
__________________
(١) بار الرجل يبوره: جرّبه واختبره.
(٢) الرشدة والرشدة: ضدّ الزنية. يقال: ولد لرشدة، أي: شرعيّ وليس من زنا.
وسيبطل ثواب حسنات أعمالهم الّتي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب، لكفرهم برسول الله. أو مكايدهم الّتي نصبوها في مشاقّته، فلا يصلون بها إلى مقاصدهم، ولا تثمر لهم إلّا القتل والجلاء عن أوطانهم.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ ) بتوحيده( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) بتصديقه( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) بما أبطل به هؤلاء، كالكفر والنفاق والشكّ والعجب والرياء والمنّ والأذى ونحوها. وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، كما قال أبو حنيفة.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) أي: أصرّوا على الكفر حتّى ماتوا على كفرهم( فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) أبدا، لأنّ «لن» للتأبيد. وهذا عامّ في كلّ من مات على كفره، وإن صحّ نزوله في قتلى القليب، وهو بئر في بدر.
( فَلا تَهِنُوا ) فلا تضعفوا، ولا تذلّوا للعدوّ( وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) ولا تدعوا إلى السلم تذلّلا وضعفا. ويجوز نصبه بإضمار «أن». وقرأ أبو بكر وحمزة بكسر السين.( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) الأغلبون. ونحوه قوله تعالى:( إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ) (١) .
( وَاللهُ مَعَكُمْ ) بالنصرة على عدوّكم( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) ولن يضيع أعمالكم، بل يثيبكم عليها. من: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا، من ولد وأخ أو حميم.
وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله. من الوتر، وهو الفرد. فشبّه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر. وهو من فصيح الكلام. ومنه قولهعليهالسلام : «من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله»، أي: أفرد عنهما قتلا ونهبا.
( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ
__________________
(١) طه: ٦٨.
(٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) )
ثمّ حضّ سبحانه على طلب الآخرة بقوله:( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) لا ثبات لها( وَإِنْ تُؤْمِنُوا ) بالله( وَتَتَّقُوا ) معاصيه( يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ) ثواب إيمانكم وتقواكم( وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ) جميع أموالكم، بل يقتصر على جزء يسير ـ كربع العشر والعشر ـ في الزكاة الواجبة في بعض أموالكم.
( إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ ) فيجهدكم بطلب الكلّ. والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية. يقال: إحفاء في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح. وأحفى شاربه إذا استأصله.( تَبْخَلُوا ) فلا تعطوا( وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ) ويظهر بغضكم وعداوتكم، فتضطغنوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . والضمير في «يخرج» لله تعالى، أو البخل، لأنّه سبب الاضطغان.
( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) أي: أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون. ثمّ استأنف وصفهم. كأنّهم قالوا: وما وصفنا؟ فقيل:( تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) ويجوز أن يكون صلة لـ «هؤلاء»، على أنّه بمعنى: الّذين. وهو يعمّ نفقة الغزو والزكاة وغيرهما.( فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ) ناس يبخلون به. ثمّ قال:( وَمَنْ يَبْخَلْ ) بالصدقة وأداء الفريضة( فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ) فلا يتعدّاه ضرر بخله، بل إنّما هو راجع إلى نفسه، لأنّه يحرّمها مثوبة جسيمة، ويلزمها عقوبة عظيمة. يقال: بخلت عليه وعنه.
وكذلك: ضننت عليه وعنه. وفيه إشارة إلى أنّ معطي المال أحوج إليه من الفقير الآخذ.
ثمّ أخبر أنّه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فقال:( وَاللهُ الْغَنِيُ ) الّذي تستحيل عليه الحاجات( وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ) إلى ما عند الله من الخير. فما يأمركم به فهو لاحتياجكم وفقركم إلى الثواب. فإن امتثلتم فلكم، وإن تولّيتم فعليكم.
( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ) وإن تعرضوا عن طاعته. وهو عطف على( وَإِنْ تُؤْمِنُوا ) .( يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) يخلق قوما سواكم على خلاف صفتكم فيقوموا مكانكم، كقوله:( وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) (١) .( ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ) في التولّي عن الإيمان، والزهد في التقوى. وهم الفرس، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عنه، وكان سلمان إلى جنبه، فضرب فخذه وقال: «هذا وقومه. والّذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريّا لتناوله رجال من فارس». أو الأنصار، أو الملائكة.
وروى أبو بصير عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «إن تتولّوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم». يعني: الموالي.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «قد والله أبدل بهم خيرا منهم». يعني: الموالي.
__________________
(١) إبراهيم: ١٩
(٤٨)
سورة الفتح
مدنيّة. وهي تسع وعشرون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها فكأنّما شهد مع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فتح مكّة».
وفي رواية اخرى: «فكأنّما كان مع من بايع محمّدا تحت الشجرة».
وأورد البخاري في الصحيح عن عمر بن الخطّاب قال: «كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سفر، فقال: نزلت عليّ البارحة سورة عظيمة هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها:( إِنَّا فَتَحْنا ) ـ إلى قوله ـ( وَما تَأَخَّرَ ) »(١) .
وعن قتادة عن أنس قال: « لـمّا رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة إذ أنزل اللهعزوجل :( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا كلّها».
عن عبد الله بن مسعود قال: «أقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الحديبية فجعلت ناقته تثقل، فتقدّمنا فأنزل عليه( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) ، فأدركنا رسول الله وبه من السرور ما شاء الله، فأخبر أنّها أنزلت عليه».
عبد الله بن بكير، عن أبيه قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : «حصّنوا أموالكم ونساءكم وما ملكت أيمانكم من التلف بقراءة( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) ، فإنّه إذا كان ممّن يدمن قراءتها ناداه مناد يوم القيامة حتّى يسمع الخلائق: أنت من عبادي المخلصين، ألحقوه بالصالحين من عبادي، فأسكنوه جنّات النعيم، واسقوه الرحيق المختوم بمزاج الكافور».
__________________
(١) صحيح البخاري ٦: ١٦٨ ـ ١٦٩.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( وَاللهُ الْغَنِيُ ) ، افتتح هذه السورة بأنّه فتح لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما احتاج إليه في دينه ودنياه، ليشعر على غناه المطلق، وكمال جبروته وغالبيّته، وافتقار العباد إليه، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) وعد بفتح مكّة. والتعبير عنه بالماضي لتحقّقه وتيقّنه بمنزلة الكائنة الموجودة. وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علوّ شأن المخبر ما لا يخفى.
وقيل: هذا إخبار عن صلح الحديبية. وإنّما سمّاه فتحا، لأنّه كان بعد ظهوره على المشركين حتّى سألوا الصلح، وتسبّب لفتح مكّة، وأدخل في الإسلام خلقا عظيما. وظهر له في الحديبية آية عظيمة، وهي أنّه نزح ماؤها حتّى لم يبق فيها قطرة. فتمضمض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ مجّه فيها، فدرّت بالماء حتّى شرب جميع من كان معه. وقيل: فجاش الماء حتّى امتلأت، ولم ينفد ماؤها بعد.
وعن عروة ـ وقد ذكر خروج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عام الحديبية ـ قال: وخرجت قريش من مكّة، فسبقوه إلى بلدح(١) وإلى الماء، فنزلوا عليه. فلمّا رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حرّ شديد ليس فيها إلّا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ، والقوم كثير، فنزل فيها رجال يمتحنوها. ودعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بدلو من ماء، فتوضّأ من الدلو، ومضمض فاه ثمّ مجّ فيه، وأمر أن يصبّ في البئر. ونزع سهما من كنانته وألقاه في البئر، فدعا الله تعالى ففارت بالماء، حتّى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها.
وروى سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنّا ألفا وخمسمائة. وذكر عطشا أصابهم. قال: فأتي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بماء في تور(٢) ، فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنّه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا.
وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الحديبية راجعا، فقال رجل من أصحابه: «ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت، وصدّ هدينا. فبلغ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح(٣) ، ويسألوكم القضيّة ـ أي: رجوعكم عنهم ـ ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا».
__________________
(١) بلدح: واد قبل مكّة من جهة المغرب.
(٢) التّور: إناء يشرب فيه.
(٣) الراح: الخمر. والراح جمع راحة، وهي: الكفّ. والراح: الارتياح والنشاط. ولعلّ الظاهر هنا المعنى الثالث.
وعن الشعبي: نزلت هذه السورة بالحديبية، وأصاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة. أصاب: أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محلّه بعد الصلح، وأطعموا نخل خيبر.
وعن جابر: ما كنّا نعلم فتح مكّة إلّا يوم الحديبية.
وقيل: المراد فتح خيبر. وقيل: فتح الروم. وقيل: الفتح القضاء، من الفتاحة، وهي الحكومة، أي: قضينا لك أن تدخل مكّة من قابل.
( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ) علّة للفتح من حيث إنّه مسبّب عن جهاد الكفّار، والسعي في إزالة الشرك، وإعلاء الدين، وتكميل النفوس الناقصة قهرا، ليصير ذلك التكميل بالتدريج اختيارا، وتخليص الضعفة عن أيدى الظلمة( ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) . قد قيل فيه أقوال، كلّها غير موافق لـما يذهب إليه أصحابنا أنّ الأنبياء معصومون من الذنوب كلّها، صغيرها وكبيرها، قبل النبوّة وبعدها.
فمنها: أنّهم قالوا: معناه: ما تقدّم من معاصيك قبل النبوّة، وما تأخّر عنها.
ومنها: قولهم: ما تقدّم الفتح، وما تأخّر عنه.
ومنها: قولهم: ما وقع وما لم يقع، على الوعد بأنّه يغفر له إذا وقع.
ومنها: قولهم ما تقدّم من ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك، وما تأخّر من ذنوب أمّتك بدعوتك.
والكلام في ذنب آدم كالكلام في ذنب نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن حمل ذلك على الصغائر الّتي تقع محبطة عندهم، فالّذي يبطل قولهم أنّ الصغائر إذا سقط عقابها وقعت مكفّرة، فكيف يجوز أن يمنّ الله سبحانه على نبيّه بأن يغفرها له؟ وإنّما يصحّ الامتنان والتفضّل منه سبحانه بما يكون له المؤاخذة به، لا بما لو عاقب به لكان ظالما عندهم. فوضح فساد قولهم.
ولأصحابنا فيه وجهان من التأويل: أحدهما: أنّ المراد: ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنب أمّتك وما تأخّر بشفاعتك. وأراد بذكر التقدّم والتأخّر ما تقدّم زمانه وما تأخّر، كما يقول القائل لغيره: صفحت عن السالف والآنف من ذنوبك. وحسنت إضافة ذنوب أمّته إليه، للاتّصال والسبب بينه وبين أمّته.
ويؤيّد هذا الجواب ما رواه المفضّل بن عمر عن الصادقعليهالسلام قال: «سأله
رجل عن هذه الآية، فقال: والله ما كان له ذنب، ولكنّ الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، ما تقدّم من ذنبهم وما تأخّر».
وروى عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : قول الله سبحانه:( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) . قال: ما كان له ذنب ولا همّ بذنب، ولكنّ الله حمّله ذنوب شيعته ثمّ غفرها له».
والثاني: ما ذكره المرتضى قدّس سّره: أنّ الذنب مصدر، والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا، فيكون هنا مضافا إلى المفعول. والمراد: ما تقدّم من ذنبهم إليك في منعهم إيّاك عن مكّة، وصدّهم لك عن المسجد الحرام. ويكون معنى المغفرة على هذا التأويل: الإزالة والنسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه، أي: يزيل الله تعالى ذلك عنك، ويستر عليك تلك الوصمة بما يفتح الله لك من مكّة، فستدخلها فيما بعد. ولذلك جعله جزاء على جهاده، وغرضا في الفتح، ووجها له.
قال: ولو أنّه أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله:( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ) معنى معقول، لأنّ المغفرة للذنوب لا تعلّق لها بالفتح، فلا يكون غرضا فيه.
وأمّا قوله: «ما تقدم وما تأخر» فلا يمتنع أن يريد به ما تقدّم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك.
وقيل أيضا في ذلك وجوه أخر :
منها: أنّ معناه: لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك.
ومنها: أنّ المراد بالذنب هنا ترك المندوب. وحسن ذلك لأنّ من المعلوم أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ممّن لا يخالف الأوامر الواجبة، فجاز أن يسمّى ذنبا منه ما لو وقع من غيره لم يسمّ ذنبا، لعلوّ قدره ورفعة شأنه.
ومنها: أنّ القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب، كما قيل في قوله :
( عَفَا اللهُ عَنْكَ ) (١) .
وهذا ضعيف، لأنّ العادة جرت في مثل هذا أن يكون على لفظ الدعاء.
( وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) بإعلاء دينك على سائر الأديان، وبقاء شرعك، وضمّ الملك إلى النبوّة. وقيل بفتح خيبر ومكّة والطائف.( وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرئاسة. أو تثبيتك على صراط يؤدّي بسالكه إلى الجنّة.
( وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً ) أي: نصرا فيه عزّ ومنعة. أو يعزّ به المنصور.
فهو وصف بصفة المنصور مبالغة إسنادا مجازيّا. أو عزيزا صاحبه. وقد فعل ذلك بنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ صيّر دينه أعزّ الأديان، وسلطانه أعظم السلطان.
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ) هي اسم السكون، كالبهيتة للبهتان، أي: أنزل الثبات والطمأنينة( فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: يفعل بهم اللطف الّذي يحصل لهم عنده، من البصيرة بالحقّ ما تسكن إليه نفوسهم. وذلك بكثرة ما ينصب لهم من الأدلّة الهادية إليه، ومن جملتها ها هنا أن يقع الصلح بينهم وبين المعاندين، ويأمنوا منهم لذلك، بعد أن قلقت نفوسهم، ودحضت أقدامهم، لفرط الدهشة والخوف، ويروا من الفتوح وعلوّ كلمة الإسلام على وفق ما وعدوا.
( لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ) يقينا مع يقينهم، بمزيّة رسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، لمشاهدتهم وعرفانهم. أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول من الشرائع، ليزدادوا بها إيمانا مقرونا إلى إيمانهم بالله واليوم الآخر.
وعن ابن عبّاس: إنّ أوّل ما أتاهم به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم التوحيد، فلمّا آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثمّ الحجّ، ثمّ الجهاد، فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم.
أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانا إلى
__________________
(١) التوبة: ٤٣.
إيمانهم. يعني: يزدادوا معارف على المعرفة الحاصلة عندهم.
وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا، فيزدادوا إيمانهم.
( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يدبّر أمرها، فيسلّط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السّلم اخرى، كما تقتضيه حكمته.
وقيل: معناه: أنّ الله تعالى لو شاء لأعانكم بجنوده الّذين هم الملائكة والجنّ والإنس.
وفيه بيان أنّه لو شاء لأهلك المشركين، لكنّه عالم بهم وبما يخرج من أصلابهم، فأمهلهم لعلمه وحكمته، ولم يأمر بالقتال عن عجز واحتياج، ولكن ليعرض المجاهدين لجزيل الثواب.
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بالمصالح( حَكِيماً ) فيما يقدّر ويدبّر، فدبّر ما دبّر من تسليط المؤمنين.
( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) فهذا مع ما بعده علّة لـما دلّ عليه قوله:( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من معنى التدبير. فكأنّه قال: سلّط المؤمنين على الكافرين ليعرفوا نعمة الله فيه ويشكروها، فيدخل المؤمنين الجنّة، ويعذّب الكفّار والمنافقين لـما غاضهم من ذلك. وقيل: علّة لقوله: فتحنا، أو أنزل، أو جميع ذلك، أو ليزدادوا. وقيل: إنّه بدل منه بدل الاشتمال.
( وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) يغطّيها ولا يظهرها. والمعنى: لم يعذّبهم بها.
( وَكانَ ذلِكَ ) أي: الإدخال والتكفير( عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً ) لأنّه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرر. و «عند» حال من الفوز.
( وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ ) عطف على «يدخل»، إلّا إذا جعلته بدلا، فيكون عطفا على المبدل منه، لا البدل، لفساد المعنى
( الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ ) ظنّ الأمر السوء، وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين( عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ) ما يظنّونه ويتربّصونه بالمؤمنين، من الذلّ والهلاك وغنيمة الأموال.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: دائرة السّوء. وهما لغتان، غير أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه، ولذلك أضيف الظنّ إليه، لكونه مذموما. والمضموم جرى مجرى الشرّ، وهو مطلق المكروه والشدّة. وكلاهما في الأصل مصدر، من: ساء، كالكرة والكره، والضعف والضعف.
( وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ) عطف لـما استحقّوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا. والواو في الأخيرين، والموضع موضع الفاء ـ إذ اللعن سبب للإعداد، والغضب سبب له ـ لاستقلال الكلّ في الوعيد بلا اعتبار السببيّة.( وَساءَتْ مَصِيراً ) جهنّم.
( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً ) في قهره وانتقامه من أعدائه( حَكِيماً ) في فعله وقضائه. كرّره للتأكيد. أو الأوّل متّصل بذكر المؤمنين، أي: فله الجنود الّتي يقدر أن يعينكم بها. والثاني متّصل بذكر الكافرين، أي: فله الجنود الّتي يقدر على الانتقام منهم بها.
( إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) )
( إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ) تشهد على ما عملت أمّتك، كقوله:( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (١) .( وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) على الطاعة والمعصية.
( لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) الخطاب للنبيّ والأمّة( وَتُعَزِّرُوهُ ) وتقوّوه بتقوية دينه ورسوله( وَتُوَقِّرُوهُ ) وتعظّموه( وَتُسَبِّحُوهُ ) وتنزّهوه، أو تصلّوا له( بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) غدوة وعشيّا، أو دائما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأفعال الأربعة بالياء، والضمير للناس.
وفي الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر أنّ الله يريد من الكفّار الكفر، لأنّه صرّح هنا أنّه يريد من جميع المكلّفين الإيمان والطاعة.
( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) لأنّه المقصود ببيعته( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) حال، أو استئناف مؤكّد له على سبيل التخييل. يريد أنّ يد رسول الله الّتي تعلو أيدي المبايعين في حكم يد الله في هذه البيعة. ولـمّا كان الله تعالى منزّها عن الجوارح وعن سائر صفات الأجسام، فالغرض تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (٢) .
وقيل: معناه: قوّة الله في نصرة نبيّه فوق نصرتهم إيّاه، أي: ثق بنصرة الله لك، لا بنصرتهم وإن بايعوك.
وقيل: نعمة الله عليهم بنبيّه فوق أيديهم بالطاعة والمبايعة.
( فَمَنْ نَكَثَ ) نقض العهد( فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) فلا يعود ضرر نكثه إلّا عليه( وَمَنْ أَوْفى ) ومن ثبت على الوفاء( بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ ) أي: أوفى بمبايعته.
يقال: وفيت بالعهد وأوفيت به. وهي لغة تهامة. ومنها:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٣) ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ) (٤) .( فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) هو الجنّة.
__________________
(١) البقرة: ١٤٣.
(٢) النساء: ٨٠.
(٣) المائدة: ١.
(٤) البقرة: ١٧٧.
وقرأ حفص: عليه بضمّ الهاء. وابن كثير ونافع وابن عامر وروح: فسنؤتيه بالنون.
والآية نزلت في بيعة الحديبية. وهي بيعة الرضوان. سمّيت بها لأنّهم باعوا أنفسهم بالجنّة، بسبب اتّفاقهم على محاربة أعداء الله ونصرة دينه، ورضي لهم تلك البيعة.
قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة إلّا جد بن قيس، وكان منافقا اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم.
( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) )
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين أراد المسير إلى مكّة عام الحديبية معتمرا، وكان في ذي القعدة من سنة ستّ من الهجرة، استنفر من حول المدينة من أسلم وجهينة ومزينة وأشجع وغفار، ليخرجوا معه، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو
يصدّوه عن البيت، وأحرم هوصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وساق معه الهدي، ليعلم أنّه لا يريد حربا. فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب محمّد إلى قوم قد غزوه في عقر داره ـ أي: أصلها ـ بالمدينة وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم. وظنّوا أنّه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة. واعتلّوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنّه ليس لهم من يقوم بأشغالهم. فأخبر الله عن تخلّفهم قبل وقوع ذلك، فقال :
( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا ) عن الخروج معك، إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالنا. والأهلون جمع أهل. ويقال: أهلات على تقدير تاء التأنيث، فإنّه قد جاء أهلة، كأرض وأرضين وأرضة وأرضات. وأمّا أهال فاسم جمع.( فَاسْتَغْفِرْ لَنا ) من الله على التخلّف.
فكذّبهم الله في الاعتذار والاستغفار بقوله:( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) أي: الّذي خلّفهم ليس بما يقولون، وإنّما هو الشكّ في الله والنفاق. وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة.
( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه( إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا ) ما يضرّكم، كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل، عقوبة على التخلّف. وقرأ حمزة والكسائي بالضمّ.( أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً ) ما يضادّ ذلك من ظفر وغنيمة. وهذا تعريض بردّ قولهم.( بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) فيعلم تخلّفكم وقصدكم فيه.
( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ) لا يرجعون إلى من خلّفوا بالمدينة من الأهل والمال، لظنّكم أن المشركين يستأصلونهم( وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ ) أي: زيّن الشيطان ذلك الظنّ المتمكّن في قلوبكم( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ) الظنّ المذكور، وهو التسجيل عليه بالسوء. أو هو وسائر ما يظنّون بالله ورسوله من الأمور الزائغة.( وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) هالكين مستوجبين لسخطه وعقابه
عند الله، لفساد عقيدتكم، وسوء نيّتكم. من: بار، كالهلك من: هلك، بناء ومعنى. ولذلك وصف به الواحد والجمع، والمذكّر والمؤنّث. ويجوز أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ.
وقيل: معناه: فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونيّاتكم، لا خير فيكم. وكان ذلك من الغيب الّذي لا يطّلع عليه أحد إلّا الله، وصار معجزا لنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً ) وضع «الكافرين» موضع الضمير إيذانا بأنّ من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله فهو كافر، وأنّه مستوجب للسعير بكفره. وتنكير «سعيرا» للتهويل، أو لأنّها نار مخصوصة.
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يدبّره كيف يشاء( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) مشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب، وتعذيب المصرّ( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) رحمته سابقة لغضبه، حيث يكفّر السيّئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة. وقد جاء في الحديث الإلهي: «سبقت رحمتي غضبي».
( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ
يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) )
( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ ) أي الّذين تخلّفوا عن الحديبية( إِذَا انْطَلَقْتُمْ ) أيّها المؤمنون( إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ) يعني: مغانم خيبر، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجع من الحديبية في ذي الحجّة من سنة ستّ، وأقام بالمدينة بقيّتها وأوائل المحرّم، ثمّ غزا خيبر بمن شهد الحديبية، ففتحها وغنم أموالا كثيرة، فخصّها بهم. وسيجيء تفصيل قصّتها عن قريب إن شاء الله.
( ذَرُونا ) اتركونا( نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ ) يغيّروه. وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوّضهم من مغانم مكّة مغانم خيبر، ولا يشركهم فيها غيرهم. وهذا قول ابن عبّاس ومجاهد وابن إسحاق وغيرهم من المفسّرين.
وقال الجبائي: أراد بقوله:( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ ) قوله:( فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ) (١) .
وقال صاحب المجمع: «وهذا غلط، لأنّ هذه السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية في سنة ستّ من الهجرة، وتلك الآية نزلت في الّذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، وهذه الغزوة بعد فتح مكّة، وبعد غزوة حنين والطائف، ورجوع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منها إلى المدينة، ومقامه ما بين ذي الحجّة إلى رجب، ثمّ تهيّأ في رجب للخروج إلى تبوك. وكان منصرفه من تبوك في بقيّة رمضان من سنة تسع من الهجرة، ولم يخرجصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ذلك لقتال ولا غزو إلى أن قبضه الله، فكيف تكون هذه الآية مرادة
__________________
(١) التوبة: ٨٣.
ها هنا؟!»(١) .
والكلام اسم للتكليم، غلّب في الجملة المفيدة. وقرأ حمزة والكسائي: كلم الله. وهو جمع كلمة.
( قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا ) نفي في معنى النهي( كَذلِكُمْ قالَ اللهُ ) في الحديبية( مِنْ قَبْلُ ) من قبل تهيّئهم للخروج إلى خيبر( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا ) أن نشارككم في الغنائم( بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ ) لا يفهمون( إِلَّا قَلِيلاً ) إلّا فهما قليلا، وهو فطنتهم لأمور الدنيا. ومعنى الإضراب الأوّل ردّ منهم أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم، وإثبات للحسد. والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أجلّ منه، وهو جهلهم بأمور الدين، كقوله تعالى:( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) (٢) .
( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ ) كرّر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذمّ، وإشعارا بشناعة التخلّف( سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) بني حنيفة، أو قوم مسيلمة، أو غيرهم ممّن ارتدّوا بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في زمن أبي بكر، فإنّه قال:( تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) وفي زمانه لا يقبل منهم إلّا الإسلام أو السيف. وقيل: فارس والروم. ومعنى «يسلمون»: ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس، يقبل منهم إعطاء الجزية. وعن قتادة: أنّهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: هم أصحاب معاوية.
وقال صاحب المجمع: «الصحيح: أنّ المراد بالداعي في قوله: «ستدعون» هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّه قد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، وقتال أقوام ذوي نجدة وشدّة، مثل أهل حنين والطائف ومؤتة وتبوك وغيرها، فلا معنى لحمل ذلك على ما
__________________
(١) مجمع البيان ٩: ١١٥.
(٢) الروم: ٧.
بعد وفاته»(١) .
( فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً ) هو الغنيمة في الدنيا، والجنّة في الآخرة( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ) عن القتال( كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) عن الحديبية( يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) لتضاعف جرمكم.
ولـمّا أوعد على التخلّف نفى الحرج عن المعذورين، فقال :
( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ) ضيق في ترك الخروج مع المؤمنين في الجهاد( وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) فبهذه الآية عذّر الله أهل الزمانة والآفات الّذين تخلّفوا عن المسير إلى الحديبية، ورخّصهم في التخلّف عن الغزو.
ثمّ فصّل الوعد والوعيد بعد الإجمال مبالغة فيهما، لسبق رحمته للمطيعين، وفرط عقابه على المتمرّدين، فقال على سبيل التعميم :
( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) في الأمر بالقتال وغيره( يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَ ) عن أمر الله وأمر رسوله، فيقعد عن الجهاد وغيره من أوامره( يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً ) . وقرأ نافع وابن عامر: ندخله بالنون.
( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ
__________________
(١) مجمع البيان ٩: ١١٥ ـ ١١٦.
صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) )
روي عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج يريد مكّة، فلمّا بلغ الحديبية وقفت ناقته، فزجرها فلم تنزجر وبركت. فقال أصحابه: خلأت(١) الناقة.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل. ودعا عمر بن الخطّاب ليرسله إلى أهل مكّة، ليأذنوا له بأن يدخل مكّة، ويحلّ من عمرته، وينحر هديه.
فقال: يا رسول الله مالي بها حميم، وإنّي أخاف قريشا لشدّة عداوتي إيّاها، ولكن أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي: عثمان بن عفّان.
فقال: صدقت. فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عثمان فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت، معظّما لحرمته. فاحتبسته قريش عندها. فبلغ رسول الله والمسلمين أنّ عثمان قد قتل، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نبرح حتّى نناجز القوم. ودعا الناس إلى البيعة، فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الشجرة ـ وكانت سمرة(٢) ـ فاستند إليها، وبايع الناس على أن يقاتلوا المشركين، ولا يفرّوا عنهم.
قال جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها.
وقيل: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالسا في أصل الشجرة، وعلى ظهره غصن من أغصانها.
قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائما على رأس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك اليوم ،
__________________
(١) أي: وقفت ولزمت مكانها ولم تنقد.
(٢) السمرة: شجرة من العضاه، وليس في العضاه أجود خشبا منها. والعضاه: كلّ شجر يعظم وله شوك.
وبيدي غصن من الشجرة أذبّ عنه، فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفرّوا. فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنتم اليوم خير أهل الأرض. ولا شبهة أنّ هذا مشروط بعدم النكث والارتداد. وكان عدد المبايعين ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وقيل: ألفا وأربعمائة. وقيل: ألفا وثلاثمائة.
وروى الزهري وعروة بن الزبير والمسور بن مخزمة قالوا: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحليفة قلّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى إذا كان بغدير(١) الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي وغيرهما قد جمعوا لك الأحابيش(٢) وجمعوا جموعا، وهم قاتلوك وصادّوك عن البيت.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : روحوا. فراحوا حتّى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ خالد بن الوليد بالغميم(٣) في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. وسارصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى إذا كان بالثنيّة(٤) بركت راحلته، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما خلأت القصواء(٥) ، ولكن حبسها حابس الفيل، فزجرها فوثبت به. قال: فعدل حتّى نزل بأقصى الحديبية
__________________
(١) غدير الأشطاط: قريب من عسفان. وعسفان: منهلة من مناهل الطريق، وهي من مكّة على مرحلتين.
(٢) الأحابيش: الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة.
(٣) الغميم: موضع بين مكّة والمدينة.
(٤) الثنيّة: طريق العقبة. والعقبة: المرقى الصعب من الجبال، أو الطريق في أعلى الجبال.
(٥) القصواء: الناقة التي قطع طرف أذنها. وفي نهاية ابن الأثير (٤: ٧٥): «ولم تكن ناقة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قصواء، وإنّما كان هذا لقبا لها. وقيل: كانت مقطوعة الأذن».
على ثمد(١) قليل الماء، إنّما يتبرّضه(٢) الناس تبرّضا، فشكوا إليه العطش، فانتزع سهما من كنانته فركزه(٣) فيه، فو الله ما زال يجيش(٤) لهم بالريّ حتّى صدورا عنه.
وبعث قريش حويطب بن عبد العزّى، وبديل بن ورقاء الخزاعي، وعروة بن مسعود الثقفي، مع جماعة، وابتدر عروة وجعل يكلّم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه السيف وعليه المغفرة(٥) ، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضرب يده بنعل(٦) السيف وقال: أخّر يدك عن لحية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن لا ترجع إليك. فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة.
فخيّرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المصالحة إلى مدّة معيّنة، ورجوعه عن مكّة إلى أن تنقضي المدّة، وبين أن يدعوه وأصحابه أن يدخلوا مكّة ويطوفوا ويحلّوا ويرجعوا. ثمّ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : والّذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي(٧) أو لينفذنّ اللهعزوجل أمره.
فجعل عروة يرمق صحابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا أمرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له.
فرجع إلى قريش، فقال لهم: والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر
__________________
(١) الثمد: الحفرة يجتمع فيها ماء المطر.
(٢) تبرّض الماء: ترشّفه، أي: مصّه بشفتيه.
(٣) ركز الرمح ونحوه: غرزه في الأرض وأثبته.
(٤) أي: يفيض. والريّ والريّ: أن يشرب الماء حتّى يشبع.
(٥) المغفرة: زرد ـ أي: درع ـ يلبسه المحارب تحت القلنسوة.
(٦) نعل السيف: ما يكون في أسفل غمده من حديد أو فضّة.
(٧) السالفة: صفحة العنق. أرادصلىاللهعليهوآلهوسلم : حتّى يفرّق بين رأسي وجسدي.
وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمدا، إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له. وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها.
فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته.
فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه: هذا فلان، وهو من قوم يعظّمون البدن(١) ، فابعثوها. فبعثت له. واستقبله القوم يلبّون، فلمّا رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت.
فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته.
فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل يكلّم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبينا هو يكلّمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم قد سهل عليكم أمركم.
فقال: اكتب بيننا وبينك كتابا.
فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل: أمّا الرحمن فو الله ما أدري ما هو. فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويبطشوا عليهم، فأنزل الله سكينته عليهم فحلموا.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : من محمّد رسول الله.
فقال سهيل: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمّد بن عبد الله.
فقال النبيّ: إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني.
__________________
(١) البدن جمع البدنة: الناقة أو البقرة المسمّنة.
ثمّ قال لعليّعليهالسلام : امح: رسول الله.
فقال له: يا رسول الله إنّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوّة.
فأخذه رسول الله فمحاه. ثمّ قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض. وعلى أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّا أو معتمرا، أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن أحبّ أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
فتواثبت بنو خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمّد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف.
فقال سهيل: ذلك من العام المقبل.
ثمّ قال سهيل: على أنّه لا يأتيك منّا رجل وإن كان على دينك إلّا رددته إلينا، ومن جاءنا ممّن معك لم نردّه عليك.
فقال المسلمون: سبحان الله كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من جاءهم منّا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا.
فقال سهيل: وعلى أنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكّة. فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا. ولا تدخلها بالسلاح، إلّا السيوف في القراب(١) وسلاح الراكب. وعلى أنّ هذا الهدي حيث ما حبسناه محلّه، لا تقدّمه علينا.
__________________
(١) القراب: الغمد، أي: جفن السيف.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : نحن نسوق، وأنتم تردّون.
قال عمر بن الخطّاب: ما شككت مذ أسلمت إلّا يومئذ، فأتيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: أَلست نبيّ الله؟
قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟
قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذا؟
قال: إنّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري.
قلت: أو لست كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى. أَفأخبرتك أنّك تأتيه العام؟
قلت: لا.
قال: فإنّك تأتيه وتطوف به. فنحر رسول الله بدنة، ودعا بحالقه، فحلق شعره، ثمّ رجع مع أصحابه.
وأخبر سبحانه مجملا عمّا ذكرنا مفصّلا، فقال:( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) شجرة السمرة( فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ ) من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا( فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ ) الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح( عَلَيْهِمْ ) على قلوبهم. والمراد بإنزالها اللطف المقوّي لها.( وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) فتح خيبر غبّ انصرافهم من مكّة. وقيل: مكّة. وعن الحسن: فتح حجر. وهو أجلّ فتح اتّسعوا بثمرها زمانا. والأوّل أصحّ وأشهر.
( وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ) يعني: مغانم خيبر وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسّمها رسول الله عليهم.( وَكانَ اللهُ عَزِيزاً ) غالبا قاهرا( حَكِيماً ) مراعيا مقتضى الحكمة.
( وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ) وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة( فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ ) يعني: مغانم خيبر( وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ) أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغلطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف في قلوبهم الرعب فنكصوا. أو أيدي قريش بالصلح.
( وَلِتَكُونَ ) هذه الكفّة، أو الغنيمة( آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) أمارة يعرفون بها أنّهم من الله بمكان، وأنّه ضامن نصرهم والفتح عليهم. أو صدق الرسول في وعدهم بفتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية، أو وعد المغانم.
قيل: رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتح مكّة في منامه ـ ورؤيا الأنبياء وحي ـ فتأخّر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة وعنوانا لفتح مكّة.
وهو علّة الكفّ، أو «عجّل»، معطوف على محذوف، مثل: لتسلموا، أو لتأخذوا. أو العلّة لمحذوف تقديره: وليكون آية للمؤمنين فعل ذلك.
( وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) ويزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بفضل الله والتوكّل عليه، من عدة الله في القرآن بالفتح والغنيمة.
( وَأُخْرى ) ومغانم اخرى. معطوفة على «هذه». أو منصوبة بفعل يفسّره( قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها ) مثل: قضى. ويحتمل رفعها بالابتداء، لأنّها موصوفة. وجرّها بإضمار «ربّ» أي: ربّ مغانم اخرى.( لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ) لـما كان فيها من الشدّة العظيمة والصعوبة التامّة( قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها ) قد علم بها وقدر عليها واستولى، فأظفركم بها وغنّمكموها. وهو مغانم هوازن في غزوة حنين، ومغانم فارس.( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) لأنّ قدرته ذاتيّة لا تختصّ بشيء دون شيء.
وبيان قصّة وقعة خيبر على ما روى كبراء المفسّرين وعظماء المؤرّخين: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا قدم المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة، ثمّ خرج منها قاصدا إلى خيبر.
ورووا عن ابن إسحاق بإسناده، عن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه، عن جدّه قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى خيبر، حتّى إذا أشرفنا عليها قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قفوا. فوقف الناس. فقال: أللّهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين السبع وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، إنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّ هذه القرية وشرّ أهلها وشرّ ما فيها. أقدموا بسم الله.
وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى خيبر، فسرنا ليلا، فلمّا جدّ الحرب وتصافّ القوم خرج يهوديّ وهو يقول :
قد علمت خيبر أنّي مرحب |
شاكي السلاح بطل مجرّب |
إذا الحروب أقبلت تلهّب
فبرز إليه عامر بن الأكوع وهو يقول :
قد علمت خيبر أنّي عامر |
شاكي السلاح بطل مغامر |
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهوديّ في ترس عامر، وكان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق اليهوديّ ليضربه، فرجع ذباب(١) سيفه فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه.
قال سلمة: فإذا نفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه.
قال: فأتيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أبكي، فقلت: قالوا: إنّ عامرا بطل عمله.
فقال: من قال ذلك؟
قلت: نفر من أصحابك.
فقال: كذب أولئك، بل أوتي من الأجر مرّتين.
__________________
(١) ذباب السيف: طرفه الّذي يضرب به.
قال: فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة. ثمّ إنّ الله فتحها علينا.
وذلك أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطى اللواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله، يجبّنه أصحابه ويجبّنهم. وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، فقال حين أفاق من وجعه: ما فعل الناس بخيبر؟ فأخبر. فقال: لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّارا غير فرّار، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني، عن أبي حازم، قال: أخبرني سهل بن سعد: «أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال يوم خيبر: لأعطينّ هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله.
قال: فبات الناس يدوكون(١) بجملتهم أيّهم يعطاها. فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّهم يرجون أن يعطاها.
فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟
فقالوا: يا رسول الله يشتكي عينيه.
قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عينيه، ودعا له، فبرىء حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
فقال عليٌّعليهالسلام : يا رسول الله أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ قال: أنفذ على رسلك(٢) حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون حمر النعم.
__________________
(١) داك القوم: خاضوا واضطربوا وماجوا.
(٢) الرسلة: التمهّل والتؤدة والرفق. يقال: على رسلك، أي: على مهلك وتأنّ.
قال سلمة: فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أنّي مرحب(١) الأبيات. فبرز له عليّعليهالسلام وهو يقول :
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدرة |
كليث غابات كريه المنظرة |
|
أو فيهم بالصاع كيل السندرة(٢) |
أكيلكم بالسيف كيل السندرة |
فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح على يده».
وروى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن أبي رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: خرجنا مع عليّعليهالسلام حين بعثه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ باب الحصن فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح الله عليه، ثمّ ألقاه من يده. فلقد رأيتني في نفر مع سبعة ـ أنا ثامنهم ـ نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه.
وبإسناده عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمّد بن عليّعليهالسلام قال: «حدّثني جابر بن عبد الله أنّ عليّاعليهالسلام حمل الباب يوم خيبر حتّى صعد المسلمون عليه فافتتحوها، وأنّه حرّك بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا».
قال: وروي من وجه آخر عن جابر: ثمّ اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب.
وبإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان عليّعليهالسلام يلبس في الحرّ والشتاء القباء المحشوّ الثخين، وما يبالي الحرّ. فأتاني أصحابي فقالوا: إنّا رأينا من
__________________
(١) ورد صدر الحديث في صحيح البخاري ٥: ١٧١، وذيله من قوله: «قال سلمة ...» في صحيح مسلم ٣: ١٤٤١.
(٢) السندرة: ضرب من الكيل ضخم. يقال: أكيلكم بالسيف كيل السندرة، يعني: أقتلكم قتلا واسعا ذريعا.
أمير المؤمنينعليهالسلام شيئا، فهل رأيت؟
فقلت: وما هو؟
قالوا: رأيناه يخرج علينا في الحرّ الشديد في القباء المحشوّ الثخين، وما يبالي الحرّ، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين، وما يبالي البرد.
فهل سمعت في ذلك شيئا؟
فقلت: لا.
فقالوا: فسل لنا أباك عن ذلك.
فسألته. فقال: ما سمعت في ذلك شيئا. فدخل على عليّعليهالسلام ، فسمر معه، ثمّ سأله عن ذلك. فقال: أو ما شهدت معنا خيبر؟
فقلت: بلى.
قال: أو ما رأيت رسول الله حين دعا أبا بكر، فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم، ثمّ جاء بالناس وقد هزموا؟
فقال: بلى.
قال: ثمّ بعث إلى عمر فعقد له، ثمّ بعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم فقاتلهم، ثمّ رجع وقد هزم. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لأعطينّ الراية اليوم رجلا يحبّ الله ورسوله، ـ ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، كرّارا غير فرّار. فدعاني فأعطاني الراية، ثمّ قال: أللّهمّ اكفه الحرّ والبرد. فما وجدت بعد ذلك بردا ولا حرّا.
وهذا كلّه أيضا منقول من كتاب دلائل(١) النبوّة للإمام أبي بكر البيهقي.
ثمّ لم يزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يفتح الحصون حصنا حصنا، ويحوز الأموال، حتّى انتهوا إلى حصن الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون خيبر، افتتح، وحاصرهم رسول الله بضع عشرة ليلة.
__________________
(١) دلائل النبوّة ٤: ٢١٢ ـ ٢١٣.
قال ابن إسحاق: ولـمّا افتتح القموص حصن ابن أبي الحقيق، أتي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بصفيّة بنت حييّ بن أخطب وبأخرى معها. فمرّ بهما بلال ـ وهو الّذي جاء بهما ـ على قتلى من قتلى يهود، فلمّا رأتهم الّتي معها صفيّة صاحت وصكّت وجهها، وحثت التراب على رأسها. فلمّا رآها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: اغربوا(١) عنّي هذه الشيطانة. وأمر بصفيّة فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه. فعرف المسلمون أنّه قد اصطفاها لنفسه.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لبلال لـمّا رأى من تلك اليهوديّة ما رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال، حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟
وكانت صفيّة قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، أنّ قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها. فقال: ما هذا إلّا أنّك تتمنّين ملك الحجاز محمّدا، ولطم وجهها لطمة اخضرّت عينها منها. فأتي بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبها أثر منها. فسألها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما هو؟ فأخبرته.
وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انزل فأكلّمك. قال: نعم. فنزل وصالح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرّيّة لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلّون بين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء، والكراع(٢) والحلقة، وعلى البزّ(٣) إلّا ثوبا على ظهر إنسان.
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فبرئت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله إن كتمتموني شيئا. فصالحوه على ذلك.
__________________
(١) اغرب عنّي، أي: تباعد.
(٢) الكراع: اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير. والحلقة: الدرع.
(٣) البزّ: الثياب.
فلمّا سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسألونه أن يسيّرهم، ويحقن دماءهم، ويخلّون بينه وبين الأموال. ففعل. وكان ممّن مشى بين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبينهم في ذلك محيّصة بن مسعود، أحد بني حارثة.
فلمّا نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يعاملهم الأموال على النصف. وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها. فصالحهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على النصف، على أنّا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وصالحه أهل فدك على مثل ذلك. فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين. وكانت فدك خالصة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب.
ولـمّا اطمأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم ـ وهي ابنة أخي مرحب ـ شاة مصليّة(١) ، وقد سألت: أيّ عضو من الشاة أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقيل لها: الذراع. فأكثرت فيها السمّ، وسمّت سائر الشاة، ثمّ جاءت بها. فلمّا وضعتها بين يديه تناول الذراع، فأخذها فلاك منها مضغة، وانتهش منها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، فتناول عظما، فانتهش منه.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ارفعوا أيديكم، فإنّ كتف هذه الشاة تخبرني أنّها مسمومة. ثمّ دعاها فاعترفت.
فقال: ما حملك على ذلك؟
فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبيّا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحت منه.
فتجاوز عنها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومات بشر بن البراء من أكلته الّتي أكل.
قال: ودخلت أمّ بشر بن البراء على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تعوده في مرضه الّذي توفّي فيه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أمّ بشر ما زالت أكلة خيبر الّتي أكلت بخيبر مع ابنك
__________________
(١) صلى اللحم: شواه، فاللحم مصليّ.
تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري(١) . وكان المسلمون يرون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من النبوّة.
( وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) )
ثمّ ذكر نصرة أهل الإيمان على المشركين، فقال:( وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من أهل مكّة يوم الحديبية، ولم يصالحوا. وقيل: من حلفاء أهل خيبر.( لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ) لا نهزموا وغلبوا( ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا ) يحرسهم( وَلا نَصِيراً ) ينصرهم.
وفي الآية دلالة على أنّه يعلم ما لم يكن أن لو كان كيف يكون، وإشارة إلى أنّ المعدوم معلوم عنده.
( سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ) أي: سنّ غلبة أنبيائه سنّة قديمة فيمن مضى من الأمم، كما قال:( لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) (٢) ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) في نصرة الله تغييرا.
( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) أيدي كفّار مكّة بالرعب( وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ )
__________________
(١) الأبهر: وريد العنق، إذا انقطع لم يبق صاحبه. يقال: ما زال يراجعه الألم حتّى قطع أبهره، أي: أهلكه.
(٢) المجادلة: ٢١.
بالنهي( بِبَطْنِ مَكَّةَ ) يوم الحديبية، فإن بعضها من الحرم. وروي أنّ مضارب(١) رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت في الحلّ، ومصلّاه في الحرم.
( مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) أظهركم عليهم. وذلك أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خالد بن الوليد على جند، فهزمهم حتّى أدخلهم حيطان مكّة ثمّ عاد.
وعن ابن عبّاس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتّى أدخلوهم البيوت.
وعن عبد الله بن المغفل: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالسا في ظلّ شجرة، وبين يديه عليّعليهالسلام يكتب كتاب الصلح، فخرج ثلاثون شابّا عليهم السلاح، فدعا عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأخذ الله تعالى بأبصارهم، فقمنا فأخذناهم، فخلّىعليهالسلام سبيلهم.
وقيل: كان ذلك يوم الفتح.
( وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) من مقاتلتهم أوّلا طاعة لرسوله، وكفّهم ثانيا لتعظيم بيته. وقرأ أبو عمرو بالياء.( بَصِيراً ) فيجازيهم عليه.
( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ
__________________
(١) أي: مواضع خيامه.
الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) )
ثمّ ذكر سبحانه سبب منعه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك العام دخول مكّة، فقال :
( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أن تطوفوا وتحلّوا من عمرتكم( وَالْهَدْيَ ) ما يهدى إلى مكّة. وهي البدن الّتي ساقها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معه، وكانت سبعين بدنة. عطف على الضمير المنصوب في «صدّوكم» أي: صدّوا الهدي.
( مَعْكُوفاً ) محبوسا( أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) أي: مكانه الّذي يحلّ فيه نحره ـ أي: يجب ـ يعني: مكّة، لأنّ هدي العمرة لا يذبح إلّا بمكّة، كما أنّ هدي الحجّ لا يذبح إلّا بمنى.
( وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ ) يعني: المستضعفين الّذين كانوا بمكّة بين الكفّار من أهل الإيمان، غير مستطيعين للمهاجرة عنهم( لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ) صفة للرجال والنساء جميعا. والتذكير للتغليب، أي: لم تعرفوا المؤمنين والمؤمنات بأعيانهم، لاختلاطهم بالمشركين.( أَنْ تَطَؤُهُمْ ) أن توقعوا بهم وتبيدوهم، فإنّ الوطء والدوس عبارة عن الإيقاع والإبادة. وهو بدل اشتمال من «رجال ونساء». أو من ضمير «هم» في «تعلموهم».
( فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ ) من جهتهم مكروه، كوجوب الدية والكفّارة بقتلهم، والتأسّف عليهم، وتعيير الكفّار بأنّهم فعلوا بأهل دينهم ما فعلوا بنا، والإثم بالتقصير في البحث عنهم. مفعلة من: عرّه إذا أغراه، أي: أصابه ما يكرهه.
( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) متعلّق بـ «أن تطؤهم» أي: تطؤهم غير عالمين بهم.
وجواب «لولا» محذوف، لدلالة الكلام عليه. والمعنى: لولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين اظهر المشركين، جاهلين بهم، لاختلاطهم بالكافرين، غير متميّزين منهم، ولا معروفي الأماكن، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقّة، لـما كفّ أيديكم عنهم.
وقوله:( لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ ) علّة لـما دلّ عليه كفّ الأيدي عن أهل مكّة صونا لمن فيها من المؤمنين، أي: كان الكفّ ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته ـ أي: في توفيقه للسلامة من القتل، ولزيادة الخير والطاعة ـ( مَنْ يَشاءُ ) من مؤمنيهم.
( لَوْ تَزَيَّلُوا ) لو تفرّقوا، وتميّز بعضهم من بعض. من: زاله يزيله.( لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) بالقتل والسبي. فلحرمة اختلاط المؤمنين بالمشركين لم يعذّب الله المشركين.
( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) مقدّر بـ: اذكر. أو ظرف لـ «لعذّبنا» أو «صدّوكم».
( فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ ) الخصلة الّتي تحمي الإنسان، أي: حميت قلوبهم بالغضب.
والمراد: أنفتهم واستنكافهم من الإقرار بالرسالة، والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم.
ثمّ فسّر تلك الحميّة بقوله:( حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) أي: عادة آبائهم في الجاهليّة أن لا يذعنوا لأحد، ولا ينقادوا له، ويمتنعوا عن اتّباعه وإن كان في الحقّ.
( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ) الثبات والوقار( عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وذلك حين قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام : اكتب في صكّ المصالحة: بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ.
ثمّ قال: اكتب: هذا ما صالح عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أهل مكّة.
فقالوا: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن
اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله أهل مكّة.
فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويبطشوا عليهم كما مرّ، فأنزل الله السكينة عليهم، فتوقّروا وتحلّموا.
ولـمّا ذمّ الكفّار بالحميّة، ومدح المؤمنين بلزوم الكلمة والسكينة، بيّن علمه ببواطن سرائرهم وما ينطوي عليه عقد ضمائرهم، فقال :
( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ) بالتوفيق وإعطاء اللطف. وهي كلمة: بسم الله الرحمن الرحيم ومحمّد رسول الله، فاختارها لهم. أو كلمة الشهادة. وعن الحسن: هي الوفاء بالعهد، والثبات عليه. وإضافة الكلمة إلى التقوى، لأنّها سببها وأساسها.
أو كلمة أهلها.( وَكانُوا أَحَقَّ بِها ) من غيرها، وأولى بالهداية من غيرهم( وَأَهْلَها ) ومستأهلها( وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) فيعلم أهل كلّ شيء وييسّره له.
( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ
وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) )
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى قبل خروجه إلى الحديبية، كأنّه وأصحابه قد دخلوا مكّة آمنين وقد حلقوا وقصّروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وحسبوا أنّهم داخلوها في عامهم. وقالوا: إنّ رؤيا رسول الله حقّ. فلمّا تأخّر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا، ولا قصّرنا، ولا رأينا المسجد الحرام. فنزلت :
( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ) أي: صدّقه في رؤياه، ولم يكذّبه. فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله تعالى:( ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (١) ( بِالْحَقِ ) ملتبسا به، فإنّ ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدّر، وهو العام القابل. وهو إمّا متعلّق بـ «صدق» أي: صدّقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا بالحقّ، أي: بالغرض الصحيح والحكمة البالغة. وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمنين المخلصين، وبين من في قلبه مرض نفاق.
ويجوز أن يتعلّق بالرؤيا حالا منها، أي: صدّقه الرؤيا ملتبسة بالحقّ، على معنى أنّها لم تكن من أضغاث الأحلام.
ويجوز أن يكون «بالحقّ» قسما. إمّا بالحقّ الّذي هو نقيض الباطل. أو بالحقّ الّذي هو من أسمائه تعالى.
__________________
(١) الأحزاب: ٢٣.
( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) يعني: العام المقبل. وهو جواب القسم. وعلى الأوّل جواب قسم محذوف.( إِنْ شاءَ اللهُ ) تعليق للعدة بالمشيئة، تعليما للعباد أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدّبين بأدب الله، ومقتدين بسنّته. أو إشعارا بأنّ بعضهم لا يدخل، لموت أو غيبة. والمعنى: لتدخلنّ جميعا إن شاء الله، ولم يمت منكم أحدا. أو حكاية لـما قاله ملك الرؤيا أو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه.
( آمِنِينَ ) حال من الواو، والشرط معترض( مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) أي: محلّقا بعضكم، ومقصّرا آخرون( لا تَخافُونَ ) حال مؤكّدة، أو استئناف، أي: لا تخافون بعد ذلك.
( فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ) من الحكمة( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ ) من دون دخولكم المسجد الحرام، أو فتح مكّة( فَتْحاً قَرِيباً ) وهو فتح خيبر، ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسّر الموعود.
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ) ملتبسا بالدليل الواضح والحجّة الساطعة.
وقيل: بالقرآن، أو بسببه، أو لأجله.( وَدِينِ الْحَقِ ) وبدين الإسلام( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ليغلبه على جنس الدين كلّه. يريد الأديان المختلفة، من المشركين والجاحدين وأهل الكتاب. وذلك بنسخ ما كان حقّا، وإظهار فساد ما كان باطلا. أو بتسليط المؤمنين على أهله، إذ ما من أهل دين إلّا وقد قهرهم المسلمون. وفيه تأكيد لـما وعده من الفتح. قيل: إنّ تمام ذلك عند خروج المهديّعليهالسلام ، فلا يبقى في الأرض دين سوى دين الإسلام.( وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ) على أنّ ما وعده كائن لا محالة. أو على نبوّته بإظهار المعجزات.
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ) جملة مبيّنة للمشهود به. ويجوز أن يكون «رسول الله» صفة و «محمّد» خبر محذوف. أو مبتدأ( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) معطوف عليه، وخبرهما( أَشِدَّاءُ ) جمع شديد( عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ ) جمع رحيم( بَيْنَهُمْ ) . والمعنى: أنّهم
يغلظون على من خالف دينهم، ويتراحمون فيما بينهم، كقوله:( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) (١) .
وعن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفّار أنّهم كانوا يتحرّزون من ثياب المشركين أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمسّ أبدانهم. وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنّه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلّا صافحه وعانقه. ومن حقّ المؤمنين في كلّ زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطّف، فيتشدّدوا على من ليس على ملّتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإيمان، متعطّفين بالبرّ والصلة، وكفّ الأذى، والمعونة، والأخلاق الكريمة.
( تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ) لأنّهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً ) يلتمسون بذلك زيادة نعمة من الله، ويطلبون مرضاته( سِيماهُمْ ) علامتهم( فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) يريد السمة الّتي تحدث في جبهة السجّاد من كثرة السجود. فعلى، من: سامه إذا أعلمه. و( مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) بيانها. أو حال من المستكن في الجارّ. وكان عليّ بن الحسين يقال له: ذو الثفنات، لأنّ كثرة سجوده أحدثت في مواقعه منه أشباه ثفنات(٢) البعير.
وقيل: السيماء هو صفرة الوجه من خشية الله.
وعن الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى.
وعن سعيد بن المسيّب: ندى الطهور، وتراب الأرض.
وعن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي العالية: هو التراب على الجباه، لأنّهم يسجدون على التراب لا على الأثواب.
__________________
(١) المائدة: ٥٤.
(٢) ثفنات جمع ثفنة. وهي من البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ، كالركبتين.
وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلّوا بالليل، كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار».
روي عن ابن عبّاس وعطيّة معناه: علامتهم يوم القيامة أن تكون مواضع سجودهم أشدّ بياضا.
وقال شهر بن حوشب: يكون مواضع سجودهم كالقمر ليلة البدر.
( ذلِكَ ) إشارة إلى الوصف المذكور، أو إشارة مبهمة يفسّرها «كزرع»( مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ) صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ) عطف عليه، أي: ذلك مثلهم في الكتابين. وقوله:( كَزَرْعٍ ) تمثيل مستأنف، أو تفسير( أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) فراخه. يقال: أشطأ الزرع إذا فرّخ(١) . وقرأ ابن كثير وابن عامر برواية ابن ذكوان: شطأه بفتحات. وهو لغة.( فَآزَرَهُ ) فقوّاه. من المؤازرة، وهي المعاونة. أو من الإيزار، وهي الإعانة. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان: فئازره، كأجر في: آجر.
( فَاسْتَغْلَظَ ) فصار من الدقّة إلى الغلظة( فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ) فاستقام على قصبه. جمع ساق. وعن ابن كثير: سؤقه بالهمزة. وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.
( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) بغلظه وكثافته وو قوّته وحسن منظره. وهو مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام، وترقّيه في الزيادة يوما فيوما إلى أن قوي واستحكم، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قام وحده، ثمّ قوّاه الله بمن آمن معه، كما يقوّي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها ممّا يتولّد منها. فكثر المؤمنون، واستحكم دين الإسلام، فترقّى أمرهم بحيث أعجب الناس.
__________________
(١) الشطء والشطأ: ورق الزرع. وفرّخ الشجر: نبتت فراخه. والفراخ جمع الفرخ: ما يخرج في أصول الشجر من صغار الورق.
قال الواحدي: «الزرع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والشطء أصحابه، والمؤمنون حوله. وكانوا في ضعف وقلّة، كما يكون أوّل الزرع دقيقا ثمّ غلظ وقوي وتلاحق، كذلك المؤمنون في بدء الإسلام قليلون، ثمّ بعضهم عاون بعضا في نصرة دين الله، حتّى استغلظوا واستووا على أمرهم»(١) .
( لِيَغِيظَ بِهِمُ ) بتوافرهم وتظاهرهم واتّفاقهم على إطاعة الله( الْكُفَّارِ ) وهذا علّة لتشبيههم بالزرع في نمائهم وترقّيهم في الزيادة والقوّة. أو لقوله:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) فإنّ الكفّار لـمّا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة، من مغفرة الذنوب والثواب العظيم والنعيم المقيم، مع ما يعزّهم به في الدنيا، غاظهم ذلك. و «منهم» للبيان، كقوله:( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) (٢) .
__________________
(١) تفسير الوسيط ٤: ١٤٧.
(٢) الحجّ: ٣٠.
(٤٩)
سورة الحجرات
مدنيّة. وعن ابن عبّاس: إلّا آية قوله:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ ) (١) . وهي ثماني عشرة آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الحجرات، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه».
الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الحجرات في كلّ ليلة أو في كلّ يوم، كان من زوّار محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الفتح بذكر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، افتتح هذه السورة أيضا بذكره، وما يختصّ به من الإجلال والإعظام، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ) أي: لا تقدّموا أمرا ،
__________________
(١) الحجرات: ١٣.
فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كلّ ما يمكن. أو ترك ليقصد توجّه النهي إلى نفس التقدمة، فيكون المقصود نفي التقدّم رأسا، كأنّه قيل: لا تقدّموا على التلبّس بهذا التقدّم، ولا تجعلوه منكم بسبيل. ويجوز أن يكون من: قدّم بمعنى: تقدّم، كوجّه وبيّن بمعنى: توجّه وتبيّن، كأنّه قيل: لا تتقدّموا. ومنه: مقدّمة الجيش لمتقدّميهم. ويؤيّده قراءة يعقوب: لا تقدموا.
( بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ) أمامهما. مستعار لـما بين الجهتين المسامتتين ليمين الإنسان وشماله قريبا منه. فسمّيت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسّعا، كما يسمّى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه. فهو من باب تسمية الشيء باسم ما يجاوره. وفي ضمن هذه الاستعارة فائدة جليلة ليست في الكلام الحقيقي. وهي: تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء(١) على أمثلة الكتاب والسنّة. والمعنى: لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به ويأذنا فيه.
وقيل: المراد بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وذكر الله تعظيم له، وإشعار بأنّه من الله بمكان ومزيد تقرّب يوجب إجلاله. فهذا يجري مجرى قولك: سرّني زيد وحسن حاله، وأعجبني عمرو وكرمه.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في التقديم، أو مخالفة الحكم( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لأقوالكم( عَلِيمٌ ) بأفعالكم، وحقّ مثله أن يتّقى عمّا نهاه.
عن ابن عبّاس: نهوا بهذه الآية أن يتكلّموا قبل كلامه، أي: إذا كنتم جالسين في مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسئل عن مسألة، فلا تسبقوه بالجواب حتّى يجيب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أوّلا.
وعن السدّي معناه: لا تسبقوه بقول ولا فعل حتّى يأمركم به.
__________________
(١) احتذى مثال فلان وعلى مثاله: اقتدى وتشبّه به.
وقال الحسن: نزل في قوم ذبحوا الأضحية قبل صلاة العيد، فأمرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالإعادة.
وقيل: معناه: لا تقدّموا أعمال الطاعة قبل الوقت الّذي أمر الله ورسوله به، حتّى إنّه قيل: لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقتها.
وقيل: معناه: لا تمكّنوا أحدا يمشي أمام رسول الله، بل كونوا تبعا له، وأخّروا أقوالكم وأفعالكم عن قوله وفعله.
والأولى حمل الآية على الجميع، فإنّ كلّ شيء كان خلافا لله ورسوله إذا فعل فهو تقديم بين يدي الله ورسوله، وذلك ممنوع منه.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) )
ولـمّا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند الله من المكان الّذي لا يخفى، ومن أحظاه الله بهذه الأثرة، واختصّه بهذا الاختصاص القويّ، كان أدنى ما يجب له من التهيّب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت له بالكلام، نهى عباده أن يرفعوا
أصواتهم فوق صوت نبيّه المكرّم لديه نهاية القصوى، ورسوله المقرّب بين يديه غاية الزلفى، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ ) أي: إذا كلّمتموه وكلّمكم فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته عند المكالمة، لأنّ فيه أحد شيئين: إمّا نوع استخفاف به، فهو الكفر، وإمّا سوء الأدب، فهو خلاف التعظيم المأمور به. وتكرير النداء استدعاء مزيد الاستبصار، أو تجديده عند كلّ خطاب وارد. والمبالغة في الاتّعاظ، لئلّا يفتروا ويغفلوا عن تأمّلهم. والدلالة على استقلال المنادى له، وهو النهي عن رفع الصوت، وزيادة الاهتمام به.
( وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ ) أي: جهرا مثل جهر بعضكم( لِبَعْضٍ ) أي: إذا كلّمتموه وهو صامت فلا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، بل اجعلوا أصواتكم أخفض، بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم، حتّى تكون مزيّته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، محاماة على التعظيم، ومراعاة للأدب. فالصوت الّذي لا يستلزم سوء الأدب وتأذّي النبيّ لا يكون منهيّا عنه، كرفعه منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، وما أشبه ذلك. ففي الحديث أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال للعبّاس بن عبد المطّلب لـمّا انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس». وكان العبّاس أجهر الناس صوتا. يروى أنّ غارة أتتهم يوما فصاح العبّاس: يا صباحاه، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.
وقيل: معناه: ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا، وخاطبوه بالنبيّ والرسول، لـما روي عن أبي حمزة الثمالي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ الآية نزلت في نفر من بني العنبر كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أصاب من ذراريهم، فأقبلوا في فدائهم، فقدموا المدينة ودخلوا المسجد، وعجلوا أن يخرج إليهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجعلوا يقولون: يا محمّد اخرج إلينا.
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في وفد تميم. وهم: عطارد بن حاجب بن زرارة، في أشراف من بني تميم، منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهثم، وقيس بن عاصم، في وفد عظيم. فلمّا دخلوا المسجد نادوا رسول الله من وراء الحجرات: أن اخرج إلينا يا محمّد. فآذى ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج إليهم. فقالوا: جئناك لنفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا.
فقال: قد أذنت.
فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الّذي جعلنا ملوكا، الّذي له الفضل علينا، والّذي وهب لنا أموالا عظاما نفعل بها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق، وأكثر عددا وعدّة. فمن مثلنا في الناس؟ فمن فاخرنا فليعدّ مثل ما عددنا. ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنّا نستحي من الإكثار. ثمّ جلس.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجبه.
فقام فقال: الحمد لله الّذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يكن شيء قطّ إلّا من فضله. ثمّ كان من فضله أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمهم نسبا، وأصدقهم حديثا، وأفضلهم حسبا. فأنزل عليه كتابا، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله على العالمين. ثمّ دعا الناس إلى الإيمان بالله، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها. فكان أوّل الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله نحن. فنحن أنصار رسول الله وردؤه(١) ، نقاتل الناس حتّى يؤمنوا. فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن نكث جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
ثمّ قام الزبرقان بن بدر ينشد. وأجابه حسّان بن ثابت.
__________________
(١) الردء: الناصر والعون.
فلمّا فرغ حسّان بن قوله قال الأقرع: إنّ هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا.
فلمّا فرغوا أجازهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأحسن جوائزهم، وأسلموا. فنهاهم الله سبحانه عن أن ينادوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم باسمه.
( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ ) كراهة أن تحبط. فيكون علّة للنهي. أو لأن تحبط، على أنّ النهي عن الفعل المعلّل باعتبار التأدية والعاقبة، لأنّه لـمّا كان بصدد الأداء إلى الحبوط كأنّه فعل لأجله، وكأنّه العلّة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل، كقوله تعالى:( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ) (١) . فإنّ في الجهر ورفع الصوت عنده أو ندائه باسمه استخفافا، وقد يؤدّي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضمّ إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة.( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) أنّها محبطة.
والحبوط من: حبطت الإبل إذا أكلت الخضر، فنفخ بطونها، وربّما هلكت. والمفعول له ـ أعني: «أن تحبط» ـ متعلّق بالفعل الثاني عند البصريّين، مقدّر إضماره عند الفعل الأوّل، كقوله تعالى:( آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ) (٢) . وعند الكوفيّين بالعكس. وأيّهما كان ؛ فمرجع المعنى إلى أنّ الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل.
واعلم أنّ المراد بحبوط العمل حبوط ثواب ذلك العمل، لا للأعمال الصالحة السابقة على هذا العمل، إذا لم يستلزم الكفر لقصد الاستخفاف والإهانة. والمعنى: أنّهم لو أوقعوا العمل على وجه تعظيم النبيّ وتوقيره لاستحقّوا الثواب، فلمّا فعلوه على خلاف ذلك الوجه استحقّوا العقاب.
__________________
(١) القصص: ٨.
(٢) الكهف: ٩٦.
روي عن أنس: أنّ ثابت بن قيس كان في أذنه وقر(١) ، وكان جهوريّا، فلمّا نزلت تخلّف عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتفقّده ودعاه فسأله، فقال: يا رسول الله لقد أنزلت إليك هذه الآية، وإنّي رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لست هناك، إنّك تعيش بخير وتموت بخير، وإنّك من أهل الجنّة».
ثمّ مدح سبحانه من يعظّم رسوله ويوقّره، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ ) يخفضون( أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ) مراعاة للأدب إجلالا له، أو مخافة عن مخالفة النهي( أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) جرّبها( لِلتَّقْوى ) ومرّنها عليها. من قولك: امتحن فلان لأمر كذا، وجرّب له، ودرّب للنهوض به، فهو مضطلع به، غير وان(٢) عنه. والمعنى: أنّهم صابرون على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقّها.
وقيل: وضع الامتحان موضع المعرفة، لأنّ تحقّق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها. وحينئذ تكون اللام متعلّقة بمحذوف. فكأنّه قيل: عرفها كائنة للتقوى، خالصة لها. ويجوز أن تكون متعلّقة بالفعل باعتبار الأصل، إذ المعنى: ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقّة لأجل التقوى. لأنّ حقيقة التقوى لا تعلم إلّا عند المحن والشدائد، والاصطبار على التقوى. أو أخلصها للتقوى، من قولهم: امتحن الذهب، إذا أذابه وميّز إبريزه(٣) من خبثه ونقّاه.
( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) لذنوبهم( وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) لغضّهم وسائر طاعاتهم.
واعلم أنّ هذه الآية بنظمها الّذي رتّبت عليه، من إيقاع الغاضّين أصواتهم اسما لـ «إنّ» المؤكّدة، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا، والمبتدأ اسم الإشارة، ثمّ استئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد
__________________
(١) وقرت أذنه وقرا: ثقلت أو ذهب سمعه.
(٢) ونى يني: فتر وضعف وكلّ وأعيا، فهو: وان.
(٣) الإبريز: الذهب الخالص. وهي كلمة يونانيّة.
الجزاء نكرة مبهما أمره، ناظرة(١) في الدلالة على غاية الإحماد والاعتداد والارتضاء لـما فعل الّذين وقّروا رسول الله من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزّة رسول الله وقدر شرف منزلته. وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم، واستيجابهم ضدّ ما استوجب هؤلاء.
( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ) وهم الجفاة من بني تميم وأجلافهم( مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ ) من خارجها، خلفها أو قدّامها، فإنّ الوراء الجهة الّتي يواريها عنك الشخص بظلّه من خلف أو قدّام. و «من» ابتدائيّة، فإنّ المناداة من جهة الوراء. وفائدتها الدلالة على أنّ المنادى داخل الحجرة، إذ لا بدّ وأن يختلف المبتدأ والمنتهى.
والحجرات جمع حجرة. وهي القطعة من الأرض المحجورة بحائط يحوّط عليها. ولذلك يقال لحظيرة الإبل: حجرة. وهي فعلة بمعنى مفعول، كالغرفة والقبضة. والمراد حجرات نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكانت لكلّ منهنّ حجرة. ومناداتهم من ورائها بأنّهم أتوها حجرة فنادوه من ورائها. أو بأنّهم تفرّقوا على الحجرات متطلّبين له، فأسند فعل الأبعاض إلى الكلّ.
وقيل: إنّ الّذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وفدا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد، فقالا: يا محمّد اخرج إلينا. وإنّما أسند إلى جميعهم، لأنّهم رضوا بذلك، أو أمروا به، أو لأنّه وجد فيما بينهم.
( أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، سيّما لمن كان بهذا المنصب. والإخبار عن أكثرهم بأنّهم لا يعقلون يحتمل أن يكون فيهم
__________________
(١) خبر «أنّ هذه الآية ...» في بداية الفقرة.
من قصد المحاشاة(١) المفهومة من قوله: «وأكثرهم». وأن يكون الحكم بقلّة العقلاء فيهم قصدا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، فإنّ القلّة تقع موقع النفي في كلامهم.
وورود الآية على النمط الّذي وردت عليه فيه ما لا يخفى على الناظر، من بيّنات إكبار محلّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإجلاله.
منها: مجيئها على النظم المسجّل على الصائحين به بالسفه والجهل لـما أقدموا عليه.
ومنها: لفظ الحجرات، وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله(٢) مع بعض نسائه.
ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الّذي تبيّن به ما استنكر عليهم. يعني: لم يصف الحجرات بأنّها موضع خلوة ومقيل، بل اقتصر على الحجرات.
ومنها: التعريف باللام دون الإضافة.
ومنها: أن شفع ذمّهم في خاتمة الآية باستجفائهم، واستركاك عقولهم، وقلّة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتسلية له، وإماطة لـما تداخله من إيحاش سوء أدبهم.
وهلمّ جرّا من أوّل السورة إلى آخر هذه الآية. فتأمّل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور الّتي تنتمي إلى الله ورسوله متقدّمة على الأمور كلّها، من غير حصر ولا تقييد. ثمّ أردف ذلك النهي عمّا هو من جنس التقديم، من رفع الصوت والجهر، كأنّ الأوّل بساط للثاني ووطاء لذكره. ثمّ ذكر ما هو ثناء على الّذين تحاموا ذلك فغضّوا أصواتهم، دلالة على عظيم موقعه عند الله. ثمّ جيء على عقب ذلك بما هو
__________________
(١) أي: التنزّه والابتعاد عن سوء الأدب.
(٢) المقيل: موضع القيلولة، أو النوم والاستراحة في الظهيرة.
أطمّ(١) وهجنته أتمّ، من الصياح برسول الله في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرا، لينبّه على فظاعة ما أجروا إليه وجسروا عليه، لأنّ من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، حتّى خاطبه جلّة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الّذي بلغ من التفاحش مبلغا. ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب.
ثمّ أدّبهم الله تعالى بقوله:( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا ) في محلّ الرفع على الفاعليّة، لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم، فإنّ «أنّ» وإن دلّت بما في حيّزها على المصدر، دلّت بنفسها على الثبوت، ولذلك وجب إضمار الفعل. والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها. قال الله تعالى:( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) (٢) . وهاهنا المفعول محذوف. والتقدير: ولو ثبت حبسهم أنفسهم عمّا تنازع إلى هواها من المناداة وراء الحجرات( حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ) أي: الصبر مغيّا بخروجه.
والمعنى: أنّ خروج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرهم دون الانتهاء إليها، فإنّ «حتّى» مختصّة بغاية الشيء في نفسه، ولذلك تقول: أكلت السمكة حتّى رأسها، ولا تقول: حتّى نصفها، بخلاف «إلى» فإنّها عامّة. وفي «إليهم» إشعار بأنّه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتّى يفاتحهم بالكلام، أو يتوجّه إليهم.
( لَكانَ ) الصبر( خَيْراً لَهُمْ ) من الاستعجال، لـما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب، والإسعاف بالمسؤول، إذ روي أنّهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر كما مرّ، فأطلق النصف وفادى النصف، فلو أنّهم صبروا لأطلق كلّهم بغير فداء.
__________________
(١) أي: أعظم. والهجنة: العيب والقبح.
(٢) الكهف: ٢٨.
( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) بليغ الغفران والرحمة، حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين للأدب، التاركين تعظيم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) )
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان لأمّه ـ وهو الّذي ولّاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقّاص، فصلّى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا، ثمّ قال: هل أزيدكم؟ فعزله عثمان ـ مصدّقا ـ أي: آخذا للصدقة ـ إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم في الجاهليّة إحنة(١) ، فلمّا شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له فرحين بقدومه، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قد ارتدّوا ومنعوا الزكاة. فغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهمّ أن يغزوهم. فوردوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتّهمهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اعتمادا على قول الوليد، فقال: «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا هو عندي كنفسي، يقاتل
__________________
(١) الإحنة: الحقد والعداوة.
مقاتلتكم، ويسبي ذراريكم». ثمّ ضرب بيده على كتف عليّعليهالسلام . وقيل: بعثه إليهم بعد رجوع الوليد، فوجدهم منادين بالصلوات متهجّدين، فسلّموا إليه الصدقات، فرجع. فنزلت :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ) بخبر. وتنكير الفاسق والنبأ للتعميم، كأنّه قال: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ.( فَتَبَيَّنُوا ) فتطلّبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الّذي هو نوع منه. والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه. يقال: فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه: قفست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن مقلوبه أيضا: قفست الشيء، إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبا له عليه. ثمّ استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحقّ.
وقرأ حمزة والكسائي: فتثبّتوا، أي: فتوقّفوا إلى أن يتبيّن لكم الحال. والتثبّت والتبيّن متقاربان. وهما: طلب الثبات والبيان والتعرّف.
ولـمّا كان رسول الله والّذين معه بالمنزلة الّتي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلّا في الندرة، قيل: إن جاءكم، بحرف الشكّ. وفيه أن على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلّا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.
واستدلّ بعضهم بالآية على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا، من حيث إنّ الله أوجب التوقّف في خبر الفاسق، فدلّ على أنّ خبر العدل لا يجب التوقّف فيه.
وهذا لا يصحّ، لأنّ دليل الخطاب لا يعوّل عليه عندنا وعند أكثر المحقّقين.
( أَنْ تُصِيبُوا ) كراهة إصابتكم( قَوْماً بِجَهالَةٍ ) جاهلين بحالهم( فَتُصْبِحُوا ) فتصيروا( عَلى ما فَعَلْتُمْ ) من إصابتهم بالخطإ( نادِمِينَ ) مغتمّين
غمّا لازما، متمنّين أنّه لم يقع، ولا يمكنكم تداركه. وتركيب الحروف الثلاثة في «ندم» دائر مع اللزوم والدوام، فإنّه عبارة عن غمّ يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنّه كلّما تذكّر المتندّم عليه راجعه الغمّ. من الندام(١) ، وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته: أدمن الأمر، أدامه. ومدن بالمكان، أقام به. ومنه: المدينة.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ ) «أنّ» بما في حيّزه سادّ مسدّ مفعولي «اعلموا». وفائدة تقديم خبر «أنّ» على اسمها القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين، على ما استهجن الله منهم من استتباع رأي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لآرائهم، فوجب تقديمه، لانصباب الغرض إليه.
وقوله:( لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) لا يكون كلاما مستأنفا، لأنّه حينئذ لم يظهر للأمر فائدة. فلا بدّ أن يكون متّصلا بما قبله، حالا من أحد ضميري «فيكم». وهو المستتر المرفوع، أو البارز المجرور. وكلاهما مذهب سديد.
والمعنى: أنّ فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها. أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها. وهي: أنّكم تريدون أن يتّبع رأيكم في الحوادث، ولو فعل ذلك لعنتّم، أي: لوقعتم في الجهد والهلاك. من العنت. يقال: فلان يتعنّت فلانا، أي: يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك.
وفائدة إيثار «يطيعكم» على: أطاعكم، الدلالة على أنّه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه، وأنّه كلّما عنّ لهم رأي في أمر كان معمولا عليه، بدليل قوله:( فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ ) ، كقوله: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد: أنّه ممّا اعتاده ووجد منه مستمرّا.
وفيه إشعار بأنّ بعضهم أشار إليه بالإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول
__________________
(١) نادم نداما فلانا على الشراب: جالسه عليه.
الوليد. وأنّ بعضهم كانوا يتصوّنون، ويزعهم(١) جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك. وهم الّذين استثناهم بقوله:( وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ ) جعل الإيمان محبوبا إليكم، بأن أقام الأدلّة على صحّته، وبما وعد عليه من الثواب( وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) بالألطاف الداعية إليه( وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ) بوجوه الألطاف الصارفة عنه.
والحاصل: أنّ هذا استدراك بصفة من لم يفعل ذلك منهم، إحمادا لفعلهم، وتعريضا بذمّ من فعل.
وقيل: استدراك ببيان عذرهم في استصواب الإيقاع ببني المصطلق. يعني: أنّهم من فرط حبّهم للإيمان وكراهتهم للكفر حملهم على ذلك لـمّا سمعوا قول الوليد.
ويؤيّد الأوّل( أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) أي: أولئك المستثنون هم الّذين أصابوا الطريق السويّ من الرشد. وهو الاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّب فيه. من الرشادة، وهي الصخرة.
وشريطة حرف الاستدراك ـ وهي: مخالفة ما بعدها لـما قبلها نفيا وإثباتا ـ وإن كانت منتفية لفظا، لكن حاصلة معنى، لأنّ الّذين حبّب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المقدّم ذكرهم، فوقعت «لكنّ» في حاقّ موقعها من الاستدراك.
ومعنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق كما مرّ. فسبيله الكناية. وكلّ ذي لبّ وصاحب بصيرة لا يغبى(٢) عليه أنّ الرجل لا يمدح بغير فعله. وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثنى عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا
__________________
(١) أي: يمنعهم ويكفّهم.
(٢) أي: لا يخفى عليه ولا يجهل. من: غبا الشيء عليه: لم يفطن له أو جهله.
على الّذين أنزل فيهم( وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ) (١) . والّذي سوّغ أنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه ـ مع أنّ ذلك من فعل الله تعالى ـ أنّهم رأوا حسن الرواء(٢) ووسامة المنظر في الغالب مشعرا بأخلاق محمودة وخصال رضيّة.
ومن ثمّ قالوا: أحسن ما في الدميم(٣) وجهه. فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره. على أنّ من المحقّقين من علماء المعاني من دفع صحّة ذلك، وخطّأ المادح به، وقصّر المدح على النعت بأمّهات الخير، وهي: الفصاحة، والشجاعة، والعدل، والعفّة، وما يتشعّب منها ويرجع إليها. وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد، وغير ذلك ممّا ليس للإنسان فيه عمل، غلطا ومخالفة عن المعقول.
و «كره» يتعدّى بنفسه إلى مفعول واحد، فإذا شدّد زاد له آخر. لكنّه لـمّا تضمّن معنى التبغيض نزّل منزلة: بغّض، فعدّي إلى آخر بـ «إلى». والكفر: تغطية نعم الله بالجحود. والفسوق: الخروج عن القصد بحقيقة الايمان ومحجّته بركوب الكبائر. وعن ابن عبّاس: هو الكذب. وهذا مرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام . والعصيان: الامتناع عن الانقياد.
( فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً ) تعليل للرشد، فإنّه وإن كان فعل القوم والفضل فعل الله، لكن لـمّا كان الرشد لا يكون إلّا عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة إلى اسمه تعالى، صار الرشد كأنّه فعله، فاتّحد الفاعل، كما هو شرط نصب المفعول له، فجاز أن ينتصب عنه. أو تعليل لـ «كرّه» و «حبّب»، وما بينهما اعتراض، أو تعليل للفعل المقدّر، كأنّه قيل: جرى ذلك، أو كان ذلك فضلا من الله. ويجوز أن يكون
__________________
(١) آل عمران: ١٨٨.
(٢) الرواء: حسن المنظر. والوسامة: الحسن والجمال.
(٣) الدميم: القبيح المنظر.
منصوبا على المصدر من غير فعله، فيوضع موضع: رشدا، لأنّ رشدهم فضل من الله، لكونهم موفّقين فيه. والفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام.
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل والتمايز( حَكِيمٌ ) حين يفضل وينعم بالتوفيق عليهم.
وفي هذه الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر، لأنّه إذا حبّب في قلوبهم الإيمان وكرّه الكفر، فمن المعلوم أنّه لا يحبّب ما لا يحبّه ولا يكرّه ما لا يكرهه. ولأنّه إذ ألطف في تحبيب الإيمان بألطافه دلّ ذلك على ما نقوله.
روي عن ابن عبّاس أنّه قال: وقف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوما على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار، فبال الحمار، فأمسك عبد الله بن أبيّ بأنفه وقال: خلّ سبيل حمارك فقد آذانا نتنه(١) . فقال عبد الله بن رواحة الخزرجي: والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك. وبرواية اخرى: حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك. ومضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وطال الخوض بينهما حتّى استبّا وتجالدا، وجاء قوماهما ـ وهما: الأوس والخزرج ـ فتجالدوا بالعصيّ، وقيل: بالأيدي والنعال والسّعف. فرجع إليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأصلح بينهم. ونزلت :
( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) )
__________________
(١) النتن: خبث الرائحة.
( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) تقاتلوا. والجمع باعتبار المعنى، فإنّ كلّ طائفة جمع.( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) بالنصح والدعاء إلى حكم الله( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما ) تعدّت( عَلَى الْأُخْرى ) أي: فمالت على الاخرى، ظالمة لها، متعدّية عليها( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) لأنّها هي الظالمة المتعدّية دون الاخرى( حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) ترجع إلى حكم الله، أو ما أمر به. من الفيء بمعنى الرجوع. وقد سمّي به الظلّ والغنيمة، لأنّ الظلّ يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة ما يرجع من أموال المشركين إلى المسلمين.
( فَإِنْ فاءَتْ ) رجعت إلى طاعة الله( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ ) بالفصل بينهما على حكم الله حتّى يكونوا سواء، لا يكون من إحداهما على الاخرى جور فيما يتعلّق بالضمانات والأروش. وتقييد الإصلاح بالعدل هاهنا لأنّه مظنّة الحيف، من حيث إنّه بعد المقاتلة.
ثمّ أمر باستعمال القسط على طريق العموم، بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، فقال :( وَأَقْسِطُوا ) واعدلوا في كلّ الأمور. من القسط بالفتح بمعنى الجور. ومنه: القسط، وهو اعوجاج في الرجلين. فـ «أقسط» همزته للسلب، أي: أزال القسط.
وأمّا القسط بالكسر بمعنى العدل.( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) يحمد فعلهم بحسن الجزاء.
روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «يا بن أمّ عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسّم فيئها».
والآية تدلّ على أنّ الباغي مؤمن. وأنّه إذا قبض عن الحرب ترك، كما جاء في الحديث، لأنّه فاء إلى أمر الله. وأنّه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح
والسعي في المصالحة.
ثمّ علّل الأمر بالصلاح وقرّره بقوله:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) من حيث إنّهم منتسبون إلى أصل واحد، وهو الإيمان الموجب للحياة الأبديّة. ولذلك كرّر الأمر بالصلاح مرتّبا عليه بالفاء، فقال:( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين، للمبالغة في التقرير والتخصيص. وخصّ الاثنين بالذكر، لأنّهما أقلّ من يقع بينهم الشقاق، وللإشعار على أنّه إذا لزمت المصالحة بين الأقلّ كانت بين الأكثر ألزم، لأنّ الفساد في شقاق الجميع أكثر من الفساد في شقاق الاثنين. وقيل: المراد بالأخوين الأوس والخزرج.
ومعنى الآية: ليس المؤمنون إلّا إخوة، وأنّهم خلّص لذلك متمحّضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبيّة، وأبى لطف حالهم في التمازج والاتّحاد أن يقدموا على ما يتولّد منه التقاطع.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في مخالفة حكمه في العدل والإصلاح والإهمال فيه( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) على تقواكم. أي: عند التواصل والائتلاف وترك الخلاف، فإنّ وصول رحمة الله واشتمال رأفته عليكم حقيق بأن تعقدوا به رجاءكم.
أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار(١) قدره». ثمّ قال: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر عن مسلم يستره الله يوم القيامة».
__________________
(١) القتار: الدخان من المطبوخ، ورائحة اللحم والشواء.
وفي وصيّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنينعليهالسلام : «يا عليّ سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيّع جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في الله، سر خمسة أميال أجب دعوة الملهوف، سر ستّة أميال انصر المظلوم، وعليك بالاستغفار».
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) )
ولـمّا أمر سبحانه بإصلاح ذات البين، ونهى عن التفرّق، عقّب ذلك بالنهي عن أسباب الفرقة، من السخريّة والازدراء بأهل الفقر والمسكنة ونحو ذلك، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ) أي: بعض المؤمنين من بعض. والقوم مختصّ بالرجال، لأنّهم القوّام بأمور النساء، كما قال الله تعالى:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) (١) . وكقول زهير: أقوم آل حصن أم نساء(٢) . وأمّا قولهم: قوم عاد وقوم فرعون، فإمّا على التغليب، أو الاكتفاء بذكر الرجال عن
__________________
(١) النساء: ٣٤.
(٢) صدره: وما أدري وسوف إخال أدري.
ذكرهنّ، لأنّهنّ توابع. وهو في الأصل جمع قائم، كصوم وزور في جمع صائم وزائر. أو مصدر نعت به، فشاع في الجمع. واختيار الجمع لأنّ السخريّة تغلب في المجامع.
ثمّ استأنف بالعلّة الموجبة للنهي، فقال:( عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ) ترك خبر «عسى» لإغناء الاسم عنه. وهذا كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلّة الموجبة لـما جاء النهي عنه، وإلّا فقد كان حقّه أن يوصل بما قبله بالفاء.
والمعنى: وجوب أن يعتقد كلّ أحد أنّ المسخور منه ربّما يكون عند الله خيرا من الساخر، لأنّ الناس لا يطّلعون إلّا على ظواهر الأحوال، ولا علم لهم بالخفيّات. وإنّما الّذي يزن عند الله خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل. فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تزدريه عينه، إذا رآه رثّ(١) الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق(٢) في محادثته، فلعلّه أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممّن هو على ضدّ صفته. فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله، والاستهانة بمن عظّمه الله.
وقيل: نزلت هذه الآية في بني تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمّار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى حذيفة.
وعن ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، فإنّه كان في أذنيه وقر(٣) ، وكان إذا دخل تفسّحوا له حتّى يقعد عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيسمع ما يقول.
فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم، فجعل يتخطّى رقاب الناس ويقول: تفسّحوا تفسّحوا، حتّى انتهى إلى رجل فقال له: أصبت مجلسا فاجلس، فجلس خلفه مغضبا. فلمّا انجلت الظلمة قال: من هذا؟ قال
__________________
(١) أي: ضعيف الحال.
(٢) أي: حاذق.
(٣) أي: ثقل.
الرجل: أنا فلان. فقال ثابت: بل أنت ابن فلانة. ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهليّة. فنكس الرجل رأسه حياء.
وعن أنس: نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سخرن من أمّ سلمة. وذلك أنّها ربطت حقويها بسبيبة ـ وهي: ثوب أبيض من الكتّان ـ وسدلت طرفيها خلفها، فكانت تجرّه.
فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذا تجرّ خلفها، كأنّه لسان كلب. فهذا كانت سخريّتهما.
وقيل: إنّها عيّرت زينب بنت خزيمة الهلاليّة.
وعن أنس: عيّرت نساء رسول الله أمّ سلمة بالقصر، وأشرن بأيديهنّ أنّها قصيرة. فنزل فيهنّ قوله :
( وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ ) ولا تسخر بعض المؤمنات من بعض( عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ ) كلام مستأنف كما مرّ آنفا. وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين: أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، كما فسّرنا به. وأن يقصد إفادة الشياع، وأن تصير كلّ جماعة منهم ومنهنّ منهيّة عن السخريّة.
وإنّما لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، على التوحيد، إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخريّة، واستفظاعا للشأن الّذي كانوا عليه. ولأن مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممّن يتلهّى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر في تحمّل الوزر. وكذلك كلّ من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به، فيؤدّي ذلك ـ وإن أوجده واحد ـ إلى تكثّر السخرة.
( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) ولا يغتب بعضكم بعضا، فإنّ المؤمنين كنفس واحدة. والمعنى: خصّوا أيّها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممّن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم. ففي الحديث: «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس».
وقيل: معناه: ولا تفعلوا ما تلمزون به، فإنّ من فعل ما استحقّ به اللمز فقد
لمز نفسه حقيقة. واللمز: الطعن باللسان. وقرأ يعقوب بالضمّ(١) .
وعن ابن عبّاس: أنّ صفيّة بنت حييّ أتت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالت: إنّ النساء يعيّرنني ويقلن لي: يا يهوديّة بنت يهوديّين. فقال لها: «هلّا قلت: إنّ أبي هارون، وعمّي موسى، وزوجي محمّد».
وكان من شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهوديّ، يا فاسق، فنهوا عنه بقوله:( وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ ) لا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء، فإنّ النبز مختصّ بلقب السوء عرفا( بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ ) الاسم ها هنا بمعنى الذكر، من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته.
وحقيقته: ما سما من ذكره وارتفع بين الناس. فالمعنى: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب السخريّة والتنابز، أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان واشتهارهم به. والمراد به إمّا تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين، أو استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الّذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة(٢) الصبوة.
( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ) عمّا نهى عنه( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ ) أي: كونوا على جانب. يقال: جنّبه الشرّ إذا أبعده عنه. وحقيقته: جعله منه في جانب. فيعدّى إلى مفعولين. قال الله تعالى:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) (٣) . ثمّ يقال في مطاوعه: اجتنب الشرّ. فينقص المطاوعة مفعولا.
وإبهام الكثير ليحتاط في كلّ ظنّ ويتأمّل حتّى يعلم أنّه من أيّ القبيل، فإنّ
__________________
(١) أي: ولا تلمزوا.
(٢) الكبرة: الكبر في السنّ. والصبوة: الميل إلى جهلة الصبيان.
(٣) إبراهيم: ٣٥.
من الظنّ ما يجب اتّباعه، كالظنّ حيث لا قاطع فيه، من العمليّات وحسن الظنّ بالله.
وما يحرم حيث يخالفه قاطع، كظنّ السوء بالمؤمنين. وما يباح، كالظنّ في الأمور المعاشيّة، وفيمن جاهر بين الناس بالخبائث.
( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) تعليل مستأنف للأمر. والإثم: الذنب الّذي يستحقّ صاحبه العقوبة عليه. والهمزة فيه بدل من الواو. كأنّه يثمّ(١) الأعمال، أي: يكسر مرتبتها عند الله.
( وَلا تَجَسَّسُوا ) ولا تبحثوا عن عورات المسلمين. تفعّل من الجسّ، باعتبار ما فيه من معنى الطّلب، كالتلمّس. والمراد: النهي عن تتبّع عورات المسلمين ومعايبهم، والاستكشاف عمّا ستروه.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه خطب فرفع صوته حتّى أسمع العواتق ـ أي: الشوابّ ـ في خدورهنّ. قال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتّبعوا عورات المسلمين، فإنّ من تتبّع عوراتهم تتبّع الله عورته حتّى يفضحه ولو في جوف بيته».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله حرّم من المسلم دمه وعرضه، وأن يظنّ به ظنّ السوء».
وعن الحسن: إنّ الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعلّه أن يتوب.
وقد روي: «من ألقى جلباب(٢) الحياء فلا غيبة له».
وعن مجاهد: خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستره الله.
وعن أبي قلابة: أنّ أبا محجن الثقفي كان يشرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتّى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلّا رجل.
فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لا يحلّ لك، قد نهاك الله تعالى عن
__________________
(١) من: وثم يثم الشيء: كسره ودقّه.
(٢) الجلباب: القميص أو الثوب الواسع.
التجسّس.
فقال عمر: ما يقول هذا؟
قال زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين.
قال: فخرج عمر وتركه.
وروي: أنّ عمر أيضا خرج ومعه عبد الرحمن بن عوف يعسّان(١) ، فتبيّنت لهما نار، فأتيا واستأذنا ففتح الباب فدخلا، فإذا رجل وامرأة تغنّي، وعلى يد الرجل قدح. فقال عمر من هذه منك؟
قال: امرأتي.
قال: وما في القدح؟
قال: ماء.
فقال للمرأة: ما الّذي تغنّين به؟
قالت: أقول :
تطاول هذا الليل واسودّ جانبه |
وأرّقني ألّا حبيب ألاعبه |
|
فو الله لولا خشية الله والتقى |
لزعزع من هذا السّرير جوانبه |
|
ولكنّ عقلي والحياء يكفّني |
وأكرم بعلي أن تنال مراكبه |
ثمَّ قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى:( وَلا تَجَسَّسُوا ) .
فقال عمر: صدقت، وانصرف.
وفي الحديث: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تقاطعوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا».
وروي: أنّ سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة، ويسوّي لهما طعامهما،
__________________
(١) عسّ يعسّ عسّا: طاف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة.
فنام عن شأنه يوما، فبعثاه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبغي لهما إداما ـ وكان أسامة على طعام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ما عندي شيء. فأخبرهما سلمان بذلك. فقالا: بخل أسامة. وقالا لسلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها. فلمّا راحا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ فقالا: ما تناولنا يومنا هذا طعاما. فقال: ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة. فنزلت :
( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته. يقال: غابه واغتابه، كغاله واغتاله. والغيبة من الاغتياب، كالغيلة(١) من الاغتيال. وهي: ذكر السوء في الغيبة. وسئلصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الغيبة، فقال: «أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه».
وعن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الغيبة أشدّ من الزنا».
وعن ابن عبّاس: الغيبة إدام كلاب النار.
( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) تمثيل وتصوير لـما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه، مع مبالغات: الاستفهام المقرّر. وإسناد الفعل إلى «أحد» للتعميم المشعر بأنّ أحدا من الأحدين لا يحبّ ذلك. وتعليق المحبّة بما هو في غاية الكراهة. وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان. وجعل المأكول أخا وميتا. وتعقيب ذلك بقوله:( فَكَرِهْتُمُوهُ ) تقريرا وتحقيقا لذلك.
وانتصاب «ميتا» على الحال من اللحم أو الأخ. وشدّده نافع. والفاء هي الفصيحة المظهرة لشرط مقدّر. والمعنى: إن صحّ ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته.
وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حيّ.
__________________
(١) الغيلة: الخديعة والاغتيال. يقال: قتله غيلة، أي: خدعه فذهب به إلى موضع فقتله.
ولهذا يقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس، كما قال الشاعر :
وليس الذئب يأكل لحم ذئب |
ويأكل بعضنا بعضا عيانا |
|
وقال آخر: فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم |
وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا |
وعن ميمون بن شاة قال: بينا أنا نائم إذا بجيفة زنجيّ، وقائل يقول لي: كل يا عبد الله. قلت: ولم آكل؟ قال: بما اغتيب عندك فلان. قلت: والله ما ذكرت فيه خيرا ولا شرّا. قال: لكنّك استمعت فرضيت. فكان ميمون بعد ذلك لا يدع أن يغتاب عنده أحد.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه( إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) لمن اتّقى ما نهى عنه، وتاب ممّا فرط منه. والمبالغة في التوّاب لأنّه بليغ في قبول التوبة، إذ يجعل صاحبها كمن لم يذنب، أو لكثرة المتوب عليهم، أو لكثرة ذنوبهم.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) )
عن يزيد بن شجرة: مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سوق المدينة، فرأى غلاما أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط، لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فاشتراه رجل. فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يراه عند كلّ صلاة، ففقده يوما فسأل عنه صاحبه، فقال: محموم. فعاده، ثمّ سأل عنه بعد ثلاثة أيّام، فقال: هو لـما به. فجاءه رسول الله وهو في ذمائه(١) ، فتولّى غسله ودفنه. فدخل على المهاجرين
__________________
(١) الذماء: بقيّة الروح.
والأنصار أمر عظيم. فنزلت :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ) من آدم وحوّاء. أو خلقنا كلّ واحد منكم من أب وأمّ، فالكلّ سواء في ذلك، فلا وجه للتفاخر بالنسب.
وعن مقاتل: لـمّا كان يوم فتح مكّة أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلالا حتّى علا ظهر الكعبة وأذّن. فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الّذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيّره لغيّره. وقال أبو سفيان: إنّي لا أقول شيئا، أخاف أن يخبره به ربّ السماء. فأتى جبرئيل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره بما قالوا. فدعاهم رسول الله وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا به. فنزلت هذه الآية. وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والأحساب، والازدراء بالفقراء، والتكاثر بالأموال.
وعن ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس لـمّا قال للرجل الّذي لم يتفسّح له: ابن فلانة. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من الذاكر فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله. فقال: انظر في وجوه القوم. فنظر إليهم. فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود. قال: فإنّك لا تفضلهم إلّا بالتقوى. وهو الّذي نزل فيه قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ ) (١) الآية.
وعلى التقادير ؛ يجوز أن تكون هذه الآية تقريرا للأخوّة.
( وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ) الشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الستّ الّتي عليها العرب. وهي: الشعب، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل. فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصيّ بطن، وهاشم فخذ، وعبّاس فصيلة. وقيل: الشعوب بطون العجم ،
__________________
(١) المجادلة: ١١.
والقبائل بطون العرب.
( لِتَعارَفُوا ) أي: الحكمة الّتي من أجلها رتّبكم على شعوب وقبائل، هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزي(١) إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدّعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب والقبائل.
ثمّ بيّن الخصلة الّتي بها يفضل الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال :
( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) فإنّ التقوى بها تكمل النفوس، وتتفاضل بها الأشخاص. فمن أراد شرفا فليلتمسه منها، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتّق الله». وقال: «أيّها النّاس إنما الناس رجلان: مؤمن تقيّ كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله».
روي: أنّ رجلا سأل عيسى بن مريم: أيّ الناس أفضل؟ فأخذ قبضتين من تراب ثمّ قال: أيّ هاتين أفضل؟ الناس خلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم.
عن أبي بكر البيهقي بالإسناد عن عباية بن ربعي، عن ابن عبّاس قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ اللهعزوجل جعل الخلق قسمين، فجعلني في خيرهم قسما. وذلك قوله: «وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال»(٢) . فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثمّ جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا. وذلك قوله:( فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) (٣) . فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثمّ جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة. وذلك قوله:( وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ) الآية. فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله، ولا فخر. ثمّ جعل القبائل بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا. وذلك قولهعزوجل :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ
__________________
(١) أي: ينتسب. من: عزى يعزي فلانا إلى فلان: نسبه إليه. واعتزى إليه: انتسب.
(٢) إشارة إلى الآيات ٢٧ و٤١ و٨ ـ ١٠ من سورة الواقعة.
(٣) إشارة إلى الآيات ٢٧ و٤١ و٨ ـ ١٠ من سورة الواقعة.
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) . فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «يقول الله تعالى يوم القيامة: أمرتكم فضيّعتم ما عهدت إليكم فيه، ورفعتم أنسابكم، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم. أين المتّقون؟ إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم».
( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ) بأعمالكم( خَبِيرٌ ) ببواطنكم.
( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) )
__________________
(١) الأحزاب: ٣٣.
روي عن ابن عبّاس: أنّ نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادتين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وهم يغدون ويروحون على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون الصدقة ويمنّون عليه، فنزلت :
( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب، ولم يحصل لكم وإلّا لـمّا مننتم على الرسول بالإسلام وترك المقاتلة كما دلّ عليه آخر السورة( وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) فإن الإسلام ـ الّذي هو انقياد ـ دخول في السلم وإظهار الشهادة. وترك المحاربة يشعر به.
وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا آمنّا ولكن قولوا أسلمنا، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. فعدل منه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم. فإنّه لو قيل: ولكن أسلمتم لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم، وهو غير معتدّ به، لفقد شرط اعتباره شرعا، وهو التصديق القلبي. فأفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلا، ودفع ما انتحلوه، فقيل: «قل لم تؤمنوا». وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه، فلم يقل: كذبتم، ووضع «لم تؤمنوا» الّذي هو نفي ما ادّعوا إثباته موضعه. ثمّ نبّه على ما فعل من وضعه موضع: كذبتم، في قوله بعد في صفة المخلصين:( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (١) تعريضا بأنّ هؤلاء هم الكاذبون.
( وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) توقيت لـ «قولوا»، فإنّه حال من ضميره، أي: ولكن قولوا: أسلمنا، ولم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد. ولـمّا كان فائدة قوله:( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) تكذيب دعواهم، وقوله:( وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) توقيت
__________________
(١) الحجرات: ١٥.
لما أمروا به أن يقولوه، فلا يكون تكريرا من غير فائدة متجدّدة.
( وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) بالإخلاص القلبي وترك النفاق( لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ ) لا ينقصكم من أجورها( شَيْئاً ) من: لات ليتا إذا نقص. وقرأ البصريّان: لا يألتكم، من الألت. وهو لغة غطفان. وفي الصحاح: «الته حقّه يألته ألتا، أي: نقصه. وألته أيضا: حبسه عن وجهه وصرفه. مثل: لاته يليته. وهما لغتان، حكاهما اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء»(١) .
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) لـما فرط من المطيعين( رَحِيمٌ ) بالتفضّل عليهم.
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ) لم يشكّوا ـ يعني: لم يقع في نفوسهم شكّ ـ فيما آمنوا به. من: ارتاب مطاوع: رابه، إذا أوقعه في الشكّ مع التهمة. وفيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإيمان عنهم. و «ثمّ» للإشعار بأنّ اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس حال الإيمان فقط، بل فيه وفيما يستقبل إلى آخر العمر. فـ «ثمّ» هاهنا كما في قوله:( ثُمَّ اسْتَقامُوا ) (٢) .
( وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) في طاعته. والمجاهدة بالأموال والأنفس تصلح للعبادات الماليّة والبدنيّة بأسرها. فتشمل مجاهدة العدوّ والمحارب، أو الشيطان، أو الهوى، وفي تحمّل أنواع الطاعات ومشاقّ صنوف العبادات.
( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الّذين صدقوا في قولهم: آمنّا، ولم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد.
روي: أنّه لـمّا نزلت الآيتان أتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فحلفوا أنّهم مؤمنون صادقون في دعواهم الإيمان، فأنزل الله سبحانه :
__________________
(١) الصحاح ١: ٢٤١.
(٢) فصّلت: ٣٠.
( قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ ) أَتخبرون بقولكم: «آمنّا»؟ والهمزة للإنكار والتوبيخ، أي: كيف تعلّمون الله بدينكم؟( وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) لا يخفى عليه خافية. وفيه تجهيل لهم، لأنّه العالم بالذات، فيعلم المعلومات كلّها بنفسه، فلا يحتاج إلى معلّم يعلّمه، كما أنّه كان قديما موجودا في الأزل بالذات، واستغنى عن موجد أوجده.
وكانوا يقولون: آمنّا بك من غير قتال، وقاتلك بنو فلان. فأجابهم الله سبحانه بقوله :
( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) يعدّون إسلامهم عليك منّة. وهي: النعمة الّتي لا يستثيب مسديها(١) ممّن يزلّها إليه. من المنّ بمعنى القطع، لأنّه إنّما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة. ثم يقال: منّ عليه صنعه، إذا اعتدّه عليه منّة وإنعاما.
( قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ) أي: بإسلامكم. فنصب بنزع الخافض، أو تضمين الفعل معنى الاعتداد.( بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ) بل الله يعتدّ عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم، وادّعيتم أنّكم أرشدتم إليه ووفّقتم له( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في ادّعاء الإيمان، إلّا أنّكم تزعمون وتدّعون ما الله عليم بخلافه. وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه ما قبله، أي: فلله المنّة عليكم.
وفي سياق الآية لطف، وهو أنّهم لـمّا سمّوا ما صدر عنهم إيمانا ومنّوا به، فنفى أنّه إيمان، وسمّاه إسلاما، فقال: يمنّون عليك بما هو في الحقيقة إسلام، وليس بجدير أن يمنّ به عليك، بل لو صحّ ادّعاؤهم للإيمان فلله المنّة عليهم بالهداية له، لا لهم.
__________________
(١) من: أسدى إليه: أحسن. وأزلّ إليه نعمة: أعطاها.
( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ما غاب فيهما( وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) في سرّكم وعلانيتكم، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟
وفي هذه الآية بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم. وتوضيح المعنى: أنّهعزوجل يعلم كلّ مستتر في العالم، ويبصر كلّ عمل تعملونه في سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، ولا يظهر على صدقكم وكذبكم؟ وذلك أنّ حاله مع كلّ معلوم واحدة لا تختلف.
وقرأ ابن كثير بالياء، لـما في الآية من الغيبة.
(٥٠)
سورة ق
مكّيّة. وهي خمس وأربعون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة ق هوّن الله عليه تارات الموت وسكراته».
أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من أدمن في فرائضه ونوافله سورة ق وسّع الله في رزقه، وأعطاه كتابه بيمينه، وحاسبه حسابا يسيرا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ
عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة الحجرات بذكر الإيمان وشرائطه للعبيد، افتتح هذه السورة بذكر ما يجب الإيمان به، من القرآن المجيد وأدلّة التوحيد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) الكلام فيه وفي تركيبه كما مرّ في( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) . وعن ابن عبّاس: أنّه اسم من أسماء الله تعالى. وعن الضحّاك: هو اسم الجبل المحيط بالأرض، من زمرّدة خضراء، خضرة السماء منها. وقيل: معناه: قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن. والمجيد: ذو المجد والشرف على سائر الكتب. وقيل: وصف به، لأنّه كلام المجيد، فجاز اتّصافه بصفته. أو لأنّ من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد عند الله وعند الناس.
( بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ) إنكار لتعجّبهم ممّا ليس بعجب. وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم، قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته. ومن كان بصفته لم يكن إلّا ناصحا لقومه، مترفرفا عليهم، خائفا أن ينالهم سوء، ويحلّ بهم مكروه.
وإذا علم أنّ مخوفا أظلّهم لزمه أن ينذرهم ويحذّرهم، فكيف بما هو غاية المخاوف ونهاية المحاذير؟! ثمّ حكى عن تعجّبهم بقوله:( فَقالَ الْكافِرُونَ هذا ) أي: اختيار الله محمدا للرسالة( شَيْءٌ عَجِيبٌ ) وإضمار ذكرهم ثمّ إظهاره للإشعار بتعنّتهم بهذا المقال، ثمّ التسجيل على كفرهم بذلك. ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى إنكار تعجّبهم ممّا
أنذرهم به من البعث والرجع، مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلى اختراع كلّ شيء وإبداعه، وإقرارهم بالنشأة الأولى، ومع شهادة العقل بأنّه لا بدّ من الجزاء. وللمبالغة في إنكارهم البعث وضع الظاهر موضع ضميرهم، للشهادة على أنّهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم، إذ الأوّل استبعاد لأن يفضل عليهم مثلهم، والثاني استقصار لقدرة الله عمّا هو أهون ممّا يشاهدون من صنعه. فالتعجّب هنا أدخل في الإنكار.
( أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ) منصوب بمضمر معناه: أحين نموت وصرنا ترابا ونبلى نرجع؟ ويدلّ على المحذوف قوله:( ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) أي: بعيد عن الوهم، أو العادة، أو الإمكان. وقيل: ذلك جواب من الله استبعادا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث. والرجع بمعنى المرجوع. والمعنى: ذلك الإنكار مرجوع، أي: مردود بعيد عن العقل. وحينئذ ناصب الظرف ما دلّ عليه المنذر من المنذر به، وهو البعث. وعلى هذا ؛ الوقف قبله حسن.
ثمّ ردّ استبعادهم الرجع بقوله:( قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ) ما تأكل من أجساد موتاهم. فمن لطف علمه حتّى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم، كان قادرا على رجعهم أحياء كما كانوا. وقيل: إنّه جواب القسم. واللام محذوف، لطول الكلام.
( وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ) حافظ لتفاصيل الأشياء كلّها. أو محفوظ عن التغيير، أو عن الشياطين، أو عن البلى والدروس. والمراد اللوح المحفوظ، وهذا الكتاب الّذي كتب فيه جميع ما وقع ويقع إلى يوم القيامة. أو المراد صحائف أعمال العباد يكتبها الحفظة. ويجوز أن يكون المراد تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه.
( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ ) إضراب أتبع الإضراب الأوّل، للدلالة على أنّهم جاءوا
بما هو أفظع من تعجّبهم، وهو التكذيب بالحقّ الّذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات، أو النبيّ، أو القرآن، أو الإخبار بالغيب( لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ) مضطرب. من: مرج الخاتم في إصبعه. ومنه الهرج والمرج. وذلك قولهم تارة أنّه شاعر، وتارة أنّه ساحر، وتارة أنّه كاهن، لا يثبتون على شيء واحد.
ثمّ أقام سبحانه الدليل على كونه قادرا على البعث، فقال:( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا ) حين كفروا بالبعث( إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ) إلى آثار قدرة الله في خلق العالم العلوي، وحسن ترتيبه وانتظامه( كَيْفَ بَنَيْناها ) رفعناها بلا عمد( وَزَيَّنَّاها ) بالكواكب( وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ) فتوق وشقوق، بأن خلقها ملساء سليمة من العيوب، لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل، كقوله:( هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) (١) .
( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ) دحوناها وبسطناها( وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ) جبالا ثوابت، ولولا هي لتقلّبت( وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) من كل صنف يبتهج ويسرّ به، لحسنه ونضارته. عن ابن زيد: البهجة الحسن الّذي له روعة عند الرؤية، كالزهرة والأشجار النضرة والرياض الخضرة.
( تَبْصِرَةً وَذِكْرى ) هما علّتان للأفعال السابقة. والمعنى: فعلنا ما فعلنا من الأفعال المذكورة لنبصّر بها ونذكّر.( لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) كلّ عبد راجع إلى ربّه، متفكّر في بدائع صنعه.
( وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً ) مطرا كثير المنافع( فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ ) بهذا الماء بساتين فيها أشجار تشتمل على أنواع الثمار المستلذّة والفواكه الطيّبة( وَحَبَّ الْحَصِيدِ ) وحبّ الزرع الّذي من شأنه أن يحصد. وهو ما يقتات به، من نحو البرّ والشعير وغيرهما. والإضافة كإضافة حقّ اليقين ومسجد الجامع.
( وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ ) طوالا. وقيل: حوامل، من: أبسقت الشاة إذا حملت.
__________________
(١) الملك: ٣.
وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها.( لَها ) لهذه النخل الموصوفة بالعلوّ والارتفاع( طَلْعٌ نَضِيدٌ ) منضود بعضه فوق بعض. والمراد: تراكم الطلع، أو كثرة ما فيه من الثمر.
( رِزْقاً لِلْعِبادِ ) علّة لـ «أنبتنا» أي: أنبتناها لنرزقهم. أو مصدر، فإنّ الإنبات في معنى الرزق.( وَأَحْيَيْنا بِهِ ) بذلك الماء( بَلْدَةً مَيْتاً ) أرضا جدبة لا نماء فيها، فنمت به وأنبتت كلّ نبات( كَذلِكَ الْخُرُوجُ ) الكاف في محلّ الرفع على الابتداء، أي: مثل إحياء هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم، فإنّ من قدر على أحدهما قدر على الآخر. وإنّما دخلت الشبهة على هؤلاء من حيث إنّهم رأوا العادة مستمرّة في إحياء الموات من الأرض بنزول المطر، ولم تجر العادة بإحياء الموتى من البشر، ولو أعملوا الفكر وأمعنوا في النظر لعلموا أنّ من قدر على أحد الأمرين قدر على الآخر.
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) )
ثمّ ذكر سبحانه الأمم المكذّبة تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتهديدا للكفّار، فقال:( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ) من الأمم الماضية( قَوْمُ نُوحٍ ) فأغرقهم الله( وَأَصْحابُ الرَّسِ ) وهم أصحاب البئر الّتي رسّوا(١) نبيّهم فيها بعد أن قتلوه. وبيان ذلك واختلاف الأقوال فيه قد مرّ سابقا.(٢)
__________________
(١) أي: دفنوا.
(٢) راجع ج ٤ ص ٥٦٩، ذيل الآية ٣٥ من سورة الفرقان.
( وَثَمُودُ ) وهم قوم صالحعليهالسلام .( وَعادٌ ) وهم قوم هود( وَفِرْعَوْنُ ) أراد إيّاه وقومه، ليلائم ما قبله وما بعده، فإنّ المعطوف عليه قوم نوح، والمعطوفات جماعات( وَإِخْوانُ لُوطٍ ) فإنّهم كانوا أصهاره ومن نسبه.
( وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ ) وهم قوم شعيب. وقد مرّ في الحجر(١) .( وَقَوْمُ تُبَّعٍ ) تبّع الحميري. وقد مرّ في(٢) الدخان.( كُلٌ ) كلّ واحد منهم، أو قوم منهم، أو جميعهم. وحينئذ إفراد الضمير في قوله:( كَذَّبَ الرُّسُلَ ) لإفراد لفظة الكلّ( فَحَقَّ وَعِيدِ ) فوجب وحلّ عليه وعيدي، وهو كلمة العذاب. فإذا كان مآل الأمم الخالية إذا كذّبوا الرسل الهلاك، وإنّكم معاشر الكفّار قد سلكتم مسالكهم في التكذيب والإنكار، فحالكم كحالهم في التباب(٣) والخسار.
( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) )
وبعد تهديدهم بعواقب المكذّبين المنكرين، ذكر الأدلّة على إمكان البعث، فقال :
( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ) أَفعجزنا عن الإبداء حتّى نعجز عن الإعادة؟ من: عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله. والهمزة فيه للإنكار. يعني: أنّا لم نعجز ـ كما
__________________
(١) الحجر: ٧٨.
(٢) الدخان: ٣٧.
(٣) النباب: الهلاك.
علموا ـ عن الخلق الأوّل حتّى نعجز عن الثاني.( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي: هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأوّل، واعترافهم بذلك في طيّه الاعتراف بالقدرة على الإعادة، بل هم في خلط وشبهة قد لبّس عليهم الشيطان وحيّرهم.
وأصل اللبس المنع من إدراك الشيء بما هو كالستر له. والجديد: القريب الإنشاء. ومنه قول عليّعليهالسلام : «يا حار إنّه لملبوس عليك، اعرف الحقّ تعرف أهله».
ولبس الشيطان عليهم: تسويله إليهم أنّ إحياء الموتى أمر خارج عن العادة. فتركوا لذلك القياس الصحيح المنصوص العلّة، وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر. والجديد بمعنى القريب.
وتنكير الخلق والجديد ليدلّ على أنّ له شأنا عظيما وحالا شديدة، حقّ من سمع به أن يهتمّ به ويخاف، ويبحث عنه، ولا يقعد على لبس في مثله. وللإشعار بأنّه على وجه غير متعارف ولا معتاد.
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) جنس البشر( وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) ما تحدّثه به نفسه وما يخطر بالبال، فإنّ وسوسة النفس ما يخطر ببال الإنسان، ويهجس(١) في ضميره من حديث النفس. وأصل الوسوسة: الصوت الخفيّ. ومنها: وسواس الحليّ. والضمير لـ «ما» إن جعلت موصولة. والباء مثلها في قولك: صوّت بكذا وهمس(٢) به. وإن جعلت مصدريّة فالضمير لـ «الإنسان». والباء للتعدية.
( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ) إسناد القرب إلى الله مجاز. والمراد قرب علمه منه، كما يقال: الله في كلّ مكان، وقد جلّ عن الأمكنة. والمعنى: ونحن أعلم بحاله ممّن كان أقرب إليه( مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) فتجوّز بقرب الذات لقرب العلم، لأنّ الذات موجبه.
وحبل الوريد مثل في فرط القرب، كقولهم: هو منّي مقعد القابلة ومعقد الإزار. قال
__________________
(١) أي: يخطر.
(٢) همس الصوت: أخفاه.
ذو الرمّة: والموت أدنى لي من الوريد. والحبل: العرق، شبّه بواحد الحبال.
وإضافته للبيان، كقولهم: بعير سانية(١) . والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدّمها، متّصلان بالوتين، يردان من الرأس إليه. وقيل: سمّي وريدا لأنّ الروح ترده.
ثمّ ذكر سبحانه أنّه مع علمه به وكلّ به ملكين يحفظان عليه عمله إلزاما للحجّة، فقال :
( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ ) مقدّر بـ «اذكر» أو متعلّق بـ «أقرب» أي: نحن أعلم بحاله من كلّ قريب حين يتلقّى الحفيظان ما يتلفّظ به. والتلقّي: التلقّن بالحفظ والكتبة. وفيه إيذان بأنّه غنيّ عن استحفاظ الملكين، فإنّه أعلم منهما، ومطّلع على ما يخفى عليهما، وكيف لا يستغني عنه وهو مطّلع على أخفى الخفيّات؟ لكنّه لحكمة اقتضته، وهي ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف الأعمال يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك، مع علمه بإحاطة الله بعمله، من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيّئات والرغبة في الحسنات.
( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ) أي: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد من المتلقّيين، أي: مقاعد، كالجليس بمعنى المجالس. فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، كقوله: فإنّي وقيّار بها لغريب. وقد يطلق الفعيل للواحد والمتعدّد، كقوله:( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) (٢) . والمراد بالقعيد الملازم الّذي لا يبرح، لا القاعد الّذي هو ضدّ القائم. وعن الحسن: الحفظة أربعة: ملكان بالنهار، وملكان بالليل.
( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ) ما يرمي به من فيه( إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ) ملك يرقب عمله( عَتِيدٌ ) معدّ حاضر. واختلف فيما يكتب الملكان، فقيل: يكتبان كلّ شيء حتّى
__________________
(١) السانية: الناقة يستقى عليها من البئر.
(٢) التحريم: ٤.
أنينه في مرضه. وقيل: لا يكتبان عليه إلّا ما فيه ثواب وعقاب. ويؤيّده ما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها لملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيّئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر».
وعن أبي امامة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ صاحب الشمال ليرفع القلم ستّ ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلّا كتب واحدة».
وعن أنس بن مالك قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله تعالى وكلّ بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات قالا: يا ربّ قد قبضت عبدك فلانا فإلى أين؟ قال: سمائي مملوءة بملائكتي يعبدونني، وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني، اذهبا إلى قبر عبدي فسبّحاني وكبّراني وهلّلاني، فاكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ مقعد ملكيك على ثنيّتيك(١) ، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك، لا تستحي من الله ولا منهما».
( وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) )
ولـمّا ذكر إنكارهم البعث، واحتجّ عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أنّ ما أنكروه وجحدوه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي، فقال :
__________________
(١) الثنيّة وجمعها ثنايا: وهي أسنان مقدّم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل.
( وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ ) غمرته وشدّته الذاهبة بالعقل. والباء للتعدية، كقولك: جاء زيد بعمرو. والمعنى: وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الموعود الّذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله. أو حقيقة الأمر وجليّة الحال، من سعادة المرء وشقاوته. أو الحقّ الّذي خلق له الإنسان من أنّ كلّ نفس ذائقة الموت.
أو الجزاء، فإنّ الإنسان خلق له. أو مثل الباء في( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) (١) ، أي: وجاءت ملتبسة بحقيقة الأمر. أو بالحكمة والغرض الصحيح، كقوله:( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) (٢) .
( ذلِكَ ) أي: الموت( ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) تميل وتنفر عنه. والخطاب للإنسان في قوله تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) (٣) على طريق الالتفات. أو الإشارة إلى الحقّ، والخطاب للفاجر.
( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حال الناس بعد البعث، فقال:( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) يعني: نفخة البعث( ذلِكَ ) إشارة إلى مصدر «نفخ» بحذف المضاف، أي: وقت ذلك النفخ( يَوْمُ الْوَعِيدِ ) يوم تحقّق الوعيد ووقوع المجازاة.
__________________
(١) المؤمنون: ٢٠.
(٢) الأنعام: ٧٣.
(٣) ق: ١٦.
( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ) ملكان أحدهما يسوقه، والآخر يشهد بعمله. أو ملك جامع للوصفين، كأنّه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد عليها.
وقيل: السائق نفسه أو قرينه، والشهيد جوارحه أو أعماله، فلا يجد إلى الهرب ولا إلى الجحود سبيلا. ومحلّ «معها» النصب على الحال من «كلّ»، لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة، للاستغراق الّذي يفيد التخصيص.
( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا ) على إضمار القول. والخطاب لكلّ نفس، إذ ما من أحد إلّا وله اشتغال مّا عن الآخرة.( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ) حاجبك لأمور المعاد وخاسئك(١) عنها. وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات، والألف بها، وقصور النظر عليها. فإذا كان يوم القيامة تيقّظ وزالت عنه هذه الغفلة وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحقّ، ويرجع بصره الكليل عن الإبصار ـ لغفلته ـ حديدا لتيقظّه، كما قال:( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) حادّ نافذ لا يدخل عليه شبهة، لزوال المانع للإبصار. ولا شبهة أنّ الأمور العقليّة والسمعيّة لا تكون كالمشاهد المحسوس، فشبّه الله تعالى الغفلة الموصوفة بغطاء غطّى الإنسان جسده كلّه، أو بغشاوة غطّى بها عينيه، فهو لا يبصر شيئا.
وقيل: الخطاب للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . والمعنى: كنت في غفلة من أمر الديانة، فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي وتعليم القرآن، فبصرك اليوم حديد، ترى ما لا يرون، وتعلم ما لا يعلمون.
وعن ابن عبّاس: هو خاصّ بالكافر، أي: فأنت اليوم عالم بما كنت تنكره في الدنيا.
ويؤيّد الأوّل سوق الكلام السابق، وقراءة من كسر التاء والكافات على خطاب النفس.
__________________
(١) خسئ: بعد. وخسأ البصر: كلّ وأعيا.
( وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) )
( وَقالَ قَرِينُهُ ) وقال الملك الموكّل عليه( هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ) هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لديّ. أو قال الشيطان الّذي قيّض له ـ في قوله:( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) (١) ـ: إنّ هذا شيء لديّ وفي ملكتي(٢) عتيد لجهنّم. وتلخيص المعنى على هذا التقدير: أنّ ملكا يسوقه، وآخر شهيد عليه، وشيطانا مقرونا به يقول: قد اعتدته لجهنّم، وهيّأته لها بإغوائي وإضلالي. والقول الأوّل مرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام ، منقول عن جمع كثير من المفسّرين.
ثمّ خاطب الله سبحانه السائق والشهيد، أو ملكين من خزنة النار، بقوله:( أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ ) ويجوز أن يكون الخطاب لواحد على وجهين :
الأوّل: قول المبرّد: إنّ تثنية الفاعل بمنزلة تثنية الفعل وتكريره، كأنّه قيل :
__________________
(١) الزخرف: ٣٦.
(٢) الملكة: الملك.
الق ألق، كقوله: فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر(١) .
والثاني: الألف بدل من نون التأكيد، على إجراء الوصل مجرى الوقف. ويؤيّده أنّه قرئ في الشواذّ: ألقين بالنون الخفيفة. والأوّل أظهر.
وروى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن الأعمش أنّه قال: حدّثنا ابو المتوكّل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي ولعليّ: ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا الجنّة من أحبّكما، وذلك قوله: ألقيا في جهنّم( كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) »(٢)
معاند، مجانب للحقّ، معاد لأهله.
( مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ) كثير المنع للمال عن حقوقه المفروضة. وجعل ذلك عادة له، فلا يبذل منه شيئا قطّ. وقيل: المراد بالخير الإسلام، لـما روي أنّ الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لـمّا منع بني أخيه عن الإسلام، وكان يقول: من دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت.( مُعْتَدٍ ) متعدّ، ظالم، متخطّ عن الحقّ( مُرِيبٍ ) شاكّ في الله وفي دينه.
( الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) مبتدأ متضمّن معنى الشرط، وخبره( فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ) أو بدل «كلّ كفّار». فيكون «فألقياه» تكريرا للتوكيد، أو مفعولا لمضمر يفسّره: فألقياه.
( قالَ قَرِينُهُ ) أي: الشيطان المقيّض له. وإنّما أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الأولى، لأنّها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون.
وبيان التقاول هنا: أنّه لـمّا قال قرينه:( هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ) . وتبعه قوله:( قالَ
__________________
(١) وعجزه: وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا.
(٢) شواهد التنزيل ٢: ٢٦١ ـ ٢٦٢ ح ٨٩٥.
قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ ) . وتلاه( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) علم أنّ ثم مقاولة بين الكافر والشيطان، لكنّها طرحت لـما يدلّ عليها( رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ ) . كأنّ الكافر قال: ربّ هو أطغاني. فقال قرينه: ربّنا ما أطغيته. بخلاف الجملة الأولى، فإنّها واجبة العطف على ما قبلها، للدلالة على الجمع بين معناها وبين معنى ما قبلها. والمعنى: ما جعلته طاغيا، وما أوقعته في الطغيان( وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ولكن طغى واختار الضلالة على الهدى، فأعنته عليه، فإنّ إغواء الشيطان إنّما يؤثّر فيمن كان مائلا إلى الفجور، كما قال:( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (١) .
( قالَ ) أي: الله تعالى( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ ) استئناف مثل قوله:( قالَ قَرِينُهُ ) .
كأنّ قائلا قال: فما ذا قال الله؟ فقيل: قال لا تختصموا لديّ، أي: في موقف الحساب، فإنّه لا فائدة في اختصامكم( وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجّة عليّ. والجملة حاليّة، فيها تعليل للنهي، أي: لا تختصموا عالمين بأنّي أوعدتكم. والباء مزيدة، مثلها في:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) . أو معدّية على أنّ «قدّم» بمعنى: تقدّم. ولـمّا كان قوله: «لا تختصموا إلخ» معناه: لا تختصموا عندي وقد صحّ عندكم أنّي قدّمت إليكم بالوعيد، وصحّة ذلك عندهم يكون في الآخرة. فلا يقال: إنّ قوله: «وقد قدّمت» واقع موقع الحال من «لا تختصموا». والتقديم بالوعيد في الدنيا، والخصومة في الآخرة، واجتماعهما في زمان واحد واجب.
( ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ ) أي: بوقوع الخلف في أنّي أعاقب من جحدني وكذّب رسلي. فلا تطمعوا أن أبدّل وعيدي، فأعفيكم عمّا أوعدتكم به. ويجوز أن يقع
__________________
(١) إبراهيم: ٢٢.
(٢) البقرة: ١٩٥.
قوله:( وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ ) على قوله: «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ إلخ». ويكون «بالوعيد» حالا من المفعول أو الفاعل، أي: قدّمت إليكم هذا القول ونثبت لكم مضمونه ملتبسا بالوعيد. أو قدّمته إليكم موعدا لكم به.
( وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) فأعذّب من ليس بمستوجب للعذاب. وفي إيراد نفي الظلم في صورة بناء المبالغة وجهان: أن يكون مثل قولك: هو ظالم لعبده، وظلّام لعبيده. وأن يراد: لو عذّبت من لا يستحقّ العقاب لكنت ظلّاما مفرط الظلم، فنفى ذلك.
وقوله:( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ ) منصوب بـ «ظلّام» أو بمضمر نحو: اذكر وأنذر حين نقول لجهنّم هل امتلأت؟ من كثرة ما ألقي فيك من العصاة( وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) . ويجوز أن ينتصب بـ «نفخ» كأنّه قيل: ونفخ في الصور يوم نقول لجهنّم. وعلى هذا( ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ) إشارة إلى «يوم نقول» فلا يفتقر إلى تقدير مضاف.
وسؤال جهنّم وجوابها من باب التخييل الّذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته. والمعنى: أنّها مع اتّساعها تطرح فيها الجنّ والإنس فوجا فوجا حتّى تمتلئ، لقوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) (١) . أو أنّها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيما بعد فراغ وموضع للمزيد. أو أنّها من شدّة زفيرها وحدّتها وتشبّثها بالعصاة وغيضها عليهم، كالمستكثرة لهم، والطالبة لزيادتهم.
وقيل: الجواب والسؤال على الحقيقة، لأنّ الله سبحانه يخلق لجهنّم آلة الكلام فتتكلّم. وهذا غير منكر، لأنّ من أنطق الأيدي والجوارح والجلود قادر على أن ينطق جهنّم.
وعن الحسن: هذا خطاب لخزنة جهنّم على وجه التقرير لهم. والمعنى: هل
__________________
(١) الأعراف: ١٨.
امتلأ جهنّم؟ فيقولون: بلى لم يبق موضع لمزيد، ليعلم الخلق صدق وعده. ومعنى( هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) على هذا: ما من مزيد، أي: لا مزيد، كقوله:( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ ) (١) .
وقرأ نافع وأبو بكر: يوم يقول بالياء. والمزيد إمّا مصدر كالمحيد، أو مفعول كالمبيع.
( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) )
ولـمّا أخبر سبحانه عمّا أعدّه للكافرين والعصاة، عقّبه بذكر ما أعدّه للمتّقين، فقال :
( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ ) أدنيت( لِلْمُتَّقِينَ ) حتّى يروها قريبة لهم( غَيْرَ بَعِيدٍ ) نصب على الظرف، أي: مكانا غير بعيد. ويجوز أن يكون حالا. وتذكيره لأنّه صفة محذوف، أي: شيئا غير بعيد. أو على أنّه مصدر، كالزئير والصليل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكّر والمؤنّث. وقيل: معناه: ليس ببعيد مجيء ذلك، لأنّ كلّ آت قريب. أو لأنّ الجنّة بمعنى البستان الّذي يجمع كلّ لذّة، من الأنهار والأشجار وطيّب الثمار، ومن الأزواج الكرام والحور الحسان والخدم من الولدان ،
__________________
(١) فاطر: ٣.
ومن الأبنية الفاخرة المزيّنة بالدرّ واليواقيت والزمرّد والعقيان(١) . وذكر «غير بعيد» بعد الإزلاف للتأكيد، كما تقول: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل.
( هذا ما تُوعَدُونَ ) على إضمار القول. والإشارة إلى الثواب، أو مصدر «أزلفت». وقرأ ابن كثير بالياء.( لِكُلِّ أَوَّابٍ ) رجّاع إلى ذكر الله. بدل من «المتّقين» بإعادة الجارّ، كقوله:( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) (٢) .( حَفِيظٍ ) حافظ لحدود الله، متحفّظ من الخروج إلى ما لا يجوز، من سيّئة تدنّسه أو خطيئة تشينه.
( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) بدل بعد بدل. أو بدل من موصوف «أوّاب» أي: شخص أوّاب. ولا يجوز أن يكون في حكم «أوّاب»، لأنّ «من» لا يوصف به، فإنّه لا يوصف من بين الموصولات إلّا بـ «الّذي» وحده. أو مبتدأ خبره( ادْخُلُوها ) على تأويل: يقال لهم: ادخلوها، فإنّ «من» بمعنى الجمع.
ويجوز أن يكون منادى، كقولهم: من لا يزال محسنا أحسن إليّ. وحذف حرف النداء للتقريب.
و «بالغيب» حال من المفعول، أي: خشيه وهو غائب لم يعرفه وكونه معاقبا إلّا بطريق الاستدلال. أو من الفاعل، أي: خشيه حال كونه لم يره. أو صفة لمصدر، أي: خشيه خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب. أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد.
وتخصيص «الرحمن» للثناء البليغ على الخاشي، وهو خشيته مع علمه أنّه الواسع الرحمة، كما أثنى عليه بأنّه خاش مع أنّ المخشيّ منه غائب. ونحوه:( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) (٣) . فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات.
__________________
(١) العقيان: الذهب الخالص.
(٢) الأعراف: ٧٥.
(٣) المؤمنون: ٦٠.
ووصف القلب بالإنابة، إذ الاعتبار بما ثبت منها في القلب، من رجوعه إلى الله.
( بِسَلامٍ ) سالمين من العذاب وزوال النعم. أو مسلّما عليكم من الله وملائكته.( ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ) يوم تقدير الخلود، كقوله:( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) (١) أي: مقدّرين الخلود.
( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ) وهو: ما لا يخطر ببالهم ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقيل: إنّ السحاب تمرّ بأهل الجنّة فتمطرهم الحور، فتقول الحور: نحن المزيد الّذي قال اللهعزوجل :( وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ) .
( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ
__________________
(١) الزمر: ٧٣.
تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) )
ثمّ خوّف سبحانه كفّار مكّة فقال:( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ) قبل قومك( مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً ) قوّة، كعاد وفرعون( فَنَقَّبُوا ) فخرقوا(١) ( فِي الْبِلادِ ) وتصرّفوا فيها. والفاء للتسبيب، أي: شدّة بطشهم أبطرتهم وأقدرتهم على التنقيب.
وقيل: معناه: جالوا في الأرض كلّ مجال حذر الموت.( هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي: هل لهم من الله أو من الموت مهرب حتّى يتوقّعوا مثله لأنفسهم؟
وقيل: الضمير لأهل مكّة. ومعناه: فنقّب أهل مكّة في أسفارهم ومسايرهم في البلاد والقرى، وحين نزول آجالهم أو عقوباتهم، فهل رأوا لهم مهربا منها؟
والدليل على صحّته قراءة من قرأ: فنقّبوا على الأمر، كقوله:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ) (٢) . وعلى الثاني والثالث ؛ الفاء للتعقيب.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) فيما ذكر في هذه السورة( لَذِكْرى ) لتذكرة( لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ) أي: قلب واع يتفكّر في حقائقه، لأنّ من لا يعي قلبه فكأنّه لا قلب له( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ) أي: أصغى لاستماعه( وَهُوَ شَهِيدٌ ) حاضر بذهنه ليفهم معانيه، لأنّ من لا يحضر ذهنه فكأنّه غائب. أو شاهد يصدّقه بأنّه وحي، فيتّعظ بظواهره، وينزجر بزواجره. وفي تنكير القلب وإبهامه تفخيم وإشعار بأنّ كلّ قلب لا يتفكّر ولا يتدبّر كلا قلب.
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) مرّ تفسيره(٣) مرارا
__________________
(١) خرق الأرض: جابها وقطعها حتّى بلغ أقصاها.
(٢) التوبة: ٢.
(٣) راجع تفسير الآية ٥٤ من سورة الأعراف، يونس: ٣، هود: ٧، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤.
( وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ ) من تعب وإعياء. وهو ردّ لـما زعمت اليهود من أنّه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش.
( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه. أو ما يقول المشركون من إنكارهم البعث، فإنّ من قدر على خلق العالم بلا إعياء، قدر على بعثهم والانتقام منهم. وقيل: هي منسوخة بآية السيف(١) . وقيل: الصبر مأمور به في كلّ حال.
( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) ونزّهه عن العجز عمّا يمكن، والوصف بما يوجب التشبيه، حامدا له على ما أنعم عليك من إصابة الحقّ وغيرها( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) .
روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه سئل عن هذا فقال: «تقول حين تصبح وحين تمسي عشر مرّات: لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير».
والأكثر على أنّ المراد بالتسبيح قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل الغروب صلاة الظهر والعصر. فيعبّر عن الصلاة بالتسبيح، كما يعبّر بالركوع والسجود عنها، تسمية للشيء باسم معظم أركانه.
( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) فسبّحه بعض الليل، يعني: العشاءين. وقيل: التهجّد.
( وَأَدْبارَ السُّجُودِ ) يعني: التسبيح في أعقاب الصلوات. جمع دبر. وقيل: النوافل بعد المكتوبات.
وعن عليّعليهالسلام : «الركعتان بعد المغرب». وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من صلّى بعد المغرب قبل أن يتكلّم كتبت صلاته في علّيّين».
__________________
(١) التوبة: ٥ و٢٩.
وعن ابن عبّاس: الوتر بعد العشاء. وقيل: الوتر بعد التهجّد. وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
وقرأ الحجازيّان بكسر الهمزة، من: أدبرت الصلاة إذا انقضت. يعني: وقت انقضاء السجود.
وقال في كنز العرفان بعد نقل الأقوال المذكورة: «وعندي أنّ حمله على العموم أولى»(١) .
( وَاسْتَمِعْ ) لـما أخبرك به من أهوال يوم القيامة. وفيه تهويل وتعظيم لشأن المخبر به.( يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ ) نصب بما دلّ عليه( ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) أي: يوم يناد المنادي يخرجون من القبور. والمنادي هو إسرافيل. فيقول: أيّتها العظام البالية، والأوصال المنقطعة، واللحوم المتمزّقة، والشعور المتفرّقة، إنّ الله يأمركنّ أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ، وجبرئيل ينادي بالحشر.( مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ) بحيث يصل نداؤه إلى الكلّ على سواء. قيل: هو صخرة بيت المقدس. وهي أقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلا. وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت شعورهم. ولعلّ هذا في الإعادة نظير لفظة «كن» في الإبداء.
( يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ) بدل من «يوم يناد». والصيحة: النفخة الثانية.
( بِالْحَقِ ) متعلّق بالصيحة. والمراد به البعث للجزاء.( ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) من القبور إلى أرض الموقف. وهو من أسماء يوم القيامة. وقد يقال للعيد.
( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ) في الدنيا( وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ) للجزاء في الآخرة.
( يَوْمَ تَشَقَّقُ ) تتشقّق. وقرأ الكوفيّون وأبو عمرو بالتخفيف(٢) .
__________________
(١) كنز العرفان ١: ٧٨.
(٢) أي: بتخفيف الشين.
( الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ) حال من المجرور، أي: مسرعين إلى الداعي بلا تأخير( ذلِكَ حَشْرٌ ) بعث وجمع بالسوق من كلّ جهة( عَلَيْنا يَسِيرٌ ) هيّن غير متعذّر، مع تباعد ديارهم وقبورهم. وتقديم الظرف للاختصاص، فإنّ ذلك الأمر العظيم لا يتيسّر إلّا على العالم القادر لذاته، الّذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال تعالى:( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) (١) .
ثمّ سلّى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهدّد قومه بقوله:( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) متسلّط قادر على قلوبهم، فتقسرهم على الإيمان، أو تفعل بهم ما تريد، وإنّما أنت داع. وقيل: أريد التحلّم عنهم، وترك الغلظة عليهم. ويجوز أن يكون من: جبره على الأمر بمعنى: أجبره، أي: ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان.
و «على» بمنزلة قولك: هو عليهم، إذا كان وإليهم ومالك أمرهم.
( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ) فإنّه لا ينتفع به غيره. وهذا كقوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) (٢) .
__________________
(١) لقمان: ٢٨.
(٢) النازعات: ٤٥.
(٥١)
سورة الذاريات
مكّيّة. وهي ستّون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة الذاريات أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ ريح هبّت وجرت في الدنيا».
وروى داود بن فرقد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة والذاريات في يومه أو ليلته أصلح الله له معيشته، وأتاه برزق واسع، ونوّر له في قبره بسراج يزهر إلى يوم القيامة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة ق بالوعيد، افتتح هذه السورة بتحقيق الوعيد، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ) يعني: الرياح، لأنّها تذروا التراب وغيره. قال الله تعالى:( تَذْرُوهُ الرِّياحُ ) (١) . أو النساء الولود، فإنّهنّ يذرين الأولاد.
أو الأسباب الّتي تذري الخلائق، من الملائكة وغيرهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال.
( فَالْحامِلاتِ وِقْراً ) فالسحب الحاملة للأمطار، أو الرياح الحاملة للسحاب، أو النساء الحوامل، أو أسباب ذلك. والوقر: ثقل الحمل على ظهر أو في بطن.
( فَالْجارِياتِ يُسْراً ) فالسفن الجارية في البحر سهلا. أو الرياح الجارية في مهابّها. أو الكواكب السبعة الّتي تجري في منازلها. وهي: الشمس، والقمر، وزحل، والمشتري، والمرّيخ، والزهرة، وعطارد. و «يسرا» صفة مصدر محذوف تقديره: جريا ذا يسر، أي: ذا سهولة.
( فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ) الملائكة الّتي تقسّم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو ما يعمّهم وغيرهم من أسباب القسمة.
وعن مجاهد: تتولّى الملائكة تقسيم أمر العباد: جبريل للغلظة، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ.
وقيل: الرياح يقسّمن الأمطار بتصريف السحاب.
وعن عليّعليهالسلام أنّه قال وهو على المنبر: «سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي. فقام ابن الكوّاء فقال: ما الذاريات ذروا؟ قال: الرياح. قال: فالحاملات وقرا؟ قال: السحاب. قال: فالجاريات يسرا؟ قال: الفلك. قال: فالمقسّمات أمرا؟ قال: الملائكة». وكذا عن ابن عبّاس.
واعلم أنّ هذه الصفات إن حملت على ذوات مختلفة، فالفاء لترتيب الأقسام
__________________
(١) الكهف: ٤٥.
بها، باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة، وإلّا فالفاء لترتيب الأفعال، إذ الريح مثلا تذرو الأبخرة إلى الجوّ حتّى تنعقد سحابا، فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به، فتقسّم المطر.
وعن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أنّه «لا يجوز لأحد أن يقسم إلّا بالله، والله سبحانه يقسم بما شاء من خلقه».
ثمّ ذكر سبحانه المقسم عليه فقال:( إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ) أي: الّذي توعدون به ذو صدق، كقوله:( عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) (١) . أو فاعل وضع موضع المصدر.
ويجوز أن يكون «ما» مصدريّة، أي: إنّ وعد الله لكم لذو صدق.
( وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ) وإنّ الجزاء حاصل البتّة. كأنّه استدلّ باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة، على اقتداره على البعث للجزاء الموعود.
( وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ) ذات الطرائق، مثل حبك الرمل والماء إذا ضربته الريح. ويقال: الدرع محبوكة، لأنّها مطرقة بطرائق مدوّرة. ويقال: إنّ خلقة السماء كذلك. أو المراد الطرائق المحسوسة الّتي هي مسير الكواكب، أو المعقولة الّتي يسلكها النظّار، ويتوصّل بها إلى المعارف. أو النجوم، فإنّ لها طرائق، أو أنّها تزيّنها كما تزيّن الموشى(٢) طرائق الوشي. وقيل: حبكها صفاقتها(٣) وإحكامها، من قولهم: فرس محبوك المعاقم(٤) ، أي: محكمها. وإذا أجاد الحائك الحياكة قالوا: ما أحسن حبكه. وهو جمع حبيكة، كطريقة وطرق، أو حباك، كمثال ومثل.
وروي عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن
__________________
(١) الحاقّة: ٢١، القارعة: ٧.
(٢) وشى الثوب: حسّنه بالألوان ونمنمه ونقشه، فهو موشى. والوشي: نقش الثوب.
(٣) أي: كثافتها. من: صفق الثوب صفاقة: كثف نسجه.
(٤) المعاقم: المفاصل وملتقى أطراف العظام. والواحد: معقم.
الرضاعليهالسلام قال: «قلت له: أخبرني عن قول اللهعزوجل :( وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ) .
فقال: محبوكة إلى الأرض. وشبّك بين أصابعه.
فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول:( رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ) (١) ؟
فقال: سبحان الله أليس يقول:( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) ؟
قلت: بلى.
قال: فثمّ عمد ولكن لا ترى؟
قلت: فكيف ذلك جعلني الله فداك؟
قال: فبسط كفّه اليسرى، ثمّ وضع اليمنى عليها، فقال: هذه أرض الدنيا، والسماء الدنيا فوقها قبّة. والأرض الثانية فوق السماء الدنيا، والسماء الثانية فوقها قبّة. والأرض الثالثة فوق السماء الثانية، والسماء الثالثة فوقها قبّة. ثمّ هكذا إلى الأرض السابعة فوق السماء السادسة، والسماء السابعة فوقها قبّة. وعرش الرحمن فوق السماء السابعة. وهو قوله:( خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ ) (٢) . فصاحب الأمر هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والوصيّ من بعده قائم على وجه الأرض، وإنّما يتنزّل الأمر إليه من فوق، من بين السماوات والأرضين.
قلت: فما تحتنا إلّا أرض واحدة؟
قال: ما تحتنا إلّا أرض واحدة، وإنّ السّتّ لفوقنا».
( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ) في الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهو قولهم تارة إنّه شاعر، وتارة إنّه ساحر، وتارة إنّه مجنون. أو في القرآن، إنّه شعر وسحر وأساطير الأوّلين. أو في القيامة، أو أمر الديانة. ولعلّ النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها
__________________
(١) الرعد: ٢.
(٢) الطلاق: ١٢.
وتنافي أغراضها، بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف غاياتها.
( يُؤْفَكُ عَنْهُ ) يصرف عن الرسول، أو القرآن، أو الإيمان( مَنْ أُفِكَ ) من صرف الصرف الّذي لا صرف أشدّ منه وأعظم، فكأنّه لا صرف بالنسبة إليه، كقوله: لا يهلك على الله إلّا هالك.
وقيل: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، أي: علم فيما لم يزل أنّه مأفوك عن الحقّ لا يرعوي.
ويجوز أن يكون الضمير للقول، على معنى: يصدر إفك من أفك عن القول المختلف وبسببه، كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب(١) ، أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب. وحقيقته: يصدر تناهيهم في السمن عنهما. أو لـ «ما توعدون». أو للدّين، بأن أقسم بالذاريات على أنّ وقوع أمر القيامة حقّ، ثمّ أقسم بالسماء على أنّهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاكّ ومنهم جاحد، ثم قال: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك.
( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) الكذّابون المقدّرون ما لا يصحّ، من أصحاب القول المختلف. واللام إشارة إليهم، كأنّه قيل: قتل هؤلاء الخرّاصون. وأصله الدعاء عليهم بالقتل والهلاك، أجري مجرى اللعن، كقوله:( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ) (٢) .
( الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ) في جهل يغمرهم( ساهُونَ ) غافلون عمّا أمروا به. قيل: إنّ أوّل مراتب الجهل السهو، ثمّ الغفلة، ثمّ الغمرة. فتكون الغمرة عبارة عن
__________________
(١) وعجزه: مثل المها يرتعن في خصب.
والمها جمع مهاة، وهي البقرة الوحشيّة. وخصب المكان خصبا: كثر فيه العشب والخير. يصف الشاعر أضيافا بتناهي سمنهم بسبب الأكل والشرب. وشبّههم بالمها اللّاتي يرتعن في الكلأ والمكان الخصب.
(٢) عبس: ١٧.
المبالغة في الجهل، أي: إنّهم في غاية الجهل ساهون عن الحقّ.
( يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ) أي: يقولون: متى يوم الجزاء؟ أي: وقوعه. فوقع «أيّان» ظرفا للوقوع لا اليوم، لأنّ الأحيان ظروف للحدث.
( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) يحرقون. ومنه: الفتين. وهي: الحرّة(١) ، لأنّ حجارتها كأنّها محرقة. وهذا جواب سؤالهم. والمعنى: يقع يوم هم على النار يفتنون. أو هو يوم هم على النار يفتنون.
( ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ) في محلّ الحال. والفتنة العذاب الشديد، أي: مقولا لهم هذا القول( هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ) أي: هذا العذاب هو الّذي كنتم به تستعجلون في الدنيا تكذيبا به. ويجوز أن يكون «هذا» بدلا من «فتنتكم» و «الّذي» صفته، أي: ذوقوا هذا العذاب.
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) )
__________________
(١) الحرّة: أرض ذات حجارة سود، كأنّها أحرقت بالنار.
ثمّ ذكر سبحانه ما أعدّه لأهل الجنّة فقال:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ) قابلين لـما أعطاهم، راضين به. يعني: أنّه ليس فيما آتاهم إلّا ما هو متلقّى بالقبول، مرضيّ غير مسخوط، لأنّ جميعه حسن طيّب. ومنه قوله تعالى:( وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) (١) أي: يقبلها ويرضاها.
ثمّ علّل استحقاقهم بالجملة المستأنفة، فقال:( إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ) قد أحسنوا أعمالهم.
ثمّ فسّر إحسانهم بقوله:( كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ) «ما» مزيدة، أي: يهجعون في طائفة من الليل هجوعا قليلا. أو مصدريّة، أي: في قليل من الليل هجوعهم. أو موصولة، أي: ما يهجعون فيه. مرفوع المحلّ بأنّه فاعل «قليلا». ولا يجوز أن تكون نافية، والمعنى: أنّهم لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كلّه، لأنّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها. تقول: زيدا لم أضرب. ولا تقول: زيدا ما ضربت. والمعنى: في أكثر الليل يصلّون ذاكرون.
وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم، من ذكر القليل، والليل الّذي هو وقت السبات(٢) والراحة، والهجوع الّذي هو الفرار من النوم، وزيادة «ما» المؤكّدة لذلك.
( وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) أي: إنّهم مع قلّة هجوعهم وكثرة تهجّدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنّهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرّة في السحر».
وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنّهم أحقّاء بالاستغفار، لوفور علمهم بالله، وخشيتهم منه.
وبعد ذكر عباداتهم البدنيّة بيّن عباداتهم الماليّة بقوله:( وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌ )
__________________
(١) التوبة: ١٠٤.
(٢) السبات: النوم، أو أوّله.
نصيب يستوجبونه على أنفسهم، تقرّبا إلى الله، وإشفاقا على الناس( لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) للمستجدي والمتعفّف الّذي يظنّ غنيّا، فيحرم الصدقة. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ليس المسكين الّذي تردّه الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان. قالوا: فما هو؟ قال: الّذي لا يجد ولا يتصدّق عليه».
وقيل: المحروم الّذي لا ينمى له مال. وقيل: المحارف الّذي لا يكاد يكسب.
ثمّ بيّن وحدانيّته وكمال علمه وقدرته، ومزيد إفضاله، وفيضان إحسانه على العباد، ترغيبا في الطاعات، وحثّا على العبادات، فقال :
( وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ ) دلائل بيّنات وحجج نيّرات على كمال علمه وقدرته وحكمته، وبديع صنعه، وعجيب تدبيره، فإنّها مدحوّة كالبساط والمهاد لـما فوقها، كما قال:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) (١) . وفيها مسالك فجاجا للمتقّلبين فيها، والماشين في مناكبها. مجزّأة بالأجزاء المختلفة، من سهل وجبل وبرّ وبحر. وقطع متجاورات، من صلبة ورخوة، وطيّبة وسبخة. ثابتة فيها ألوان النباتات، وأنواع الأشجار المثمرة بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح، مع أنّها تسقى بماء واحد. كلّها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم، في صحّتهم واعتلالهم. وما فيها من العيون المتفجّرة، والمعادن المفتنة(٢) ، والدوابّ المنبثّة في برّها وبحرها، المختلفة الصور والأشكال والأفعال، من الوحشيّ والإنسيّ والهوامّ، وغيرها من المنافع العجيبة والمصالح الغريبة.
( لِلْمُوقِنِينَ ) الموحّدين الّذين سلكوا الطريق السويّ البرهانيّ الموصل إلى المعرفة، نظّارين بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلّما رأوا آية تأمّلوا فيها، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وإيقانا إلى إيقانهم.
__________________
(١) طه: ٥٣.
(٢) أي: المحرقة. يقال للحرّة: فتين، كأنّ حجارتها محرقة.
( وَفِي أَنْفُسِكُمْ ) أي: وفي أنفسكم آيات في حال ابتدائها وتنقّلها من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها، من عجائب الفطر وبدائع الخلق، ما تتحيّر فيه الأذهان. وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وخصّت به من أصناف المعاني، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف، وبالأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح. وما سوّى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثنّي، فإنّه إذا جسا(١) شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذلّ. وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الهيئات النافعة، والمناظر البهيّة، والتركيبات العجيبة، والتمكّن من الأفعال الغريبة، واستنباط الصنائع المختلفة، واستجماع الكمالات المتنوّعة. ومع ذلك ما في العالم شيء إلّا وفي الإنسان له نظير، من الآيات الساطعة، والبيّنات الجمّة القاطعة على حكمة المدبّر الحكيم، وصنعة القدير العليم، فتبارك الله أحسن الخالقين.( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) تنظرون نظر من يعتبر.
( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ) المراد بالسماء السحاب، وبالرزق المطر، فإنّه سبب الأقوات. وعن الحسن: أنّه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم، ولكنّكم تحرمونه لخطاياكم.( وَما تُوعَدُونَ ) من الثواب، لأنّ الجنّة فوق السماء السابعة تحت العرش. أو أراد: أنّ ما ترزقونه في الدنيا، وما توعدون به في العقبى، كلّه مقدّر مكتوب في أمّ الكتاب، أعني: اللوح المحفوظ، وهو في السماء.
وقيل: إنّ قوله:( ما تُوعَدُونَ ) مستأنف، خبره( فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ ) وعلى هذا فالضمير لـ «ما». وعلى الأوّل يحتمل أن يكون له، ولـما ذكر من أمر الآيات والرزق والوعد.( مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) أي: مثل نطقكم. يعني: كما أنّه لا شكّ لكم في أنّكم تنطقون، ينبغي أن لا تشكّوا في تحقّق ذلك. ونصبه على الحال من المستكن في «لحقّ»، أو الوصف لمصدر محذوف، أي: إنّه لحقّ حقّا مثل
__________________
(١) أي: صلب ويبس.
نطقكم. وقيل: إنّه مبنيّ على الفتح، لإضافته إلى غير متمكّن، وهو لفظة «ما» إن كانت بمعنى: شيء، و «أنّ» بما في حيّزها إن جعلت زائدة، كما نصّ الخليل عليه.
وهذا كقولك: إنّ هذا لحقّ كما أنّك ترى وتسمع. ومحلّه الرفع على أنّه صفة «لحقّ». ويؤيّده قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر بالرفع.
وعن الأصمعي: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابيّ على قعود(١) له، فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
قال: اتل عليّ.
فتلوت «والذاريات». فلمّا بلغت قوله:( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ) قال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها، ووزّعها على من أقبل وأدبر، وعمد الى سيفه وقوسه فكسرهما وولّى. فلمّا حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابيّ قد نحل واصفرّ، فسلّم عليّ واستقرأ السورة، فلمّا بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا.
ثمّ قال: وهل غير هذا؟ فقرأت( فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ) .
فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الّذي أغضب الجليل حتّى حلف، لم يصدّقوه بقوله حتّى ألجأوه إلى اليمين. قالها ثلاثا، وخرجت معها نفسه.
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ
__________________
(١) القعود: البكر من الإبل إلى أن يثني.
سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) )
ولـمّا قدّم الوعد والوعيد، عقّب ذلك بذكر بشارة إبراهيم ومهلك قوم لوط، تبشيرا لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتخويفا للكفّار أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك، فقال :
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ) هذا اللفظ يستعمل إذا أخبر الإنسان بخبر ماض فيه شأن، فيقال: هل أتاك خبر كذا؟ وإن علم أنّه لم يأته. ففيه تفخيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنّه ليس من علم رسول الله، وإنّما عرفه بالوحي.
والضيف في الأصل مصدر: ضافه، ولذلك يطلق على الواحد والمتعدّد ،
كالزور والصوم(١) . وكانوا اثني عشر ملكا. وقيل: تسعة، وعاشرهم جبرئيل. وقيل: ثلاثة: جبرئيل، وميكائيل، وملك آخر قيل: هو إسرافيل. وسمّاهم ضيفا، لأنّهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم، أو لأنّهم كانوا في حسبانه كذلك.
( الْمُكْرَمِينَ ) عند الله، أو عند إبراهيم، إذ خدمهم بنفسه وأخدمهم امرأته. أو لأنّهم في أنفسهم مكرمون. ونظيره قوله:( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ) (٢) .
( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ ) نصب بالحديث، أو بما في «ضيف» من معنى الفعل، أو بالمكرمين، أو بإضمار: اذكر( فَقالُوا سَلاماً ) أي: نسلّم عليك سلاما( قالَ سَلامٌ ) أي: عليكم سلام. عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثبات، حتّى تكون تحيّته أحسن من تحيّتهم. وهذا أيضا من إكرامه لهم. وقرأ حمزة والكسائي: قال سلم.
( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) أي: أنتم قوم. وإنّما أنكرهم لأنّه ظنّ أنّهم بنو آدم ولم يعرفهم. أو لأنّ السلام لم يكن تحيّتهم، فإنّه علم الإسلام. أو لأنّه رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم. وهو كالتعرّف عنهم، أي: أنتم قوم منكرون، فعرّفوني من أنتم؟
( فَراغَ إِلى أَهْلِهِ ) فذهب إليهم في خفية من ضيفه، فإنّ من أدب المضيف أن يبادر بالقرى، حذرا من أن يكفّه الضيف أو يعذره أو يصير منتظرا( فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) لأنّه كان عامّة ماله البقر.
( فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ) بأن وضعه بين أيديهم( قالَ أَلا تَأْكُلُونَ ) أي: منه. وهو مشعر بكونه حنيذا(٣) . والهمزة فيه للعرض والحثّ على الأكل على طريقة الأدب، إن قاله المضيف أوّل ما وضعه عند الضيف، وللإنكار إن قاله حينما رأى إعراضهم.
__________________
(١) الزور: الزائر للمفرد والمثنّى والجمع. والصوم: الصائم للمفرد والجمع.
(٢) الأنبياء: ٢٦.
(٣) أي: مشويّا. من: حنذ اللحم: شواه وأنضجه.
( فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) فأضمر منهم خوفا لـمّا رأى إعراضهم عن طعامه، وظنّ أنّهم يريدون به سواء. وعن ابن عبّاس: وقع في نفسه أنّهم ملائكة أرسلوا للعذاب.( قالُوا لا تَخَفْ ) إنّا رسل الله. قيل: مسح جبرئيل العجل بجناحه، فقام يدرج حتّى لحق بأمّه، فعرفهم وأمن منهم( وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) يكمل علمه إذا بلغ. والمبشّر به هو إسحاق. وهو أكثر الأقاويل وأصحّها، لأنّه من سارة، والصفة صفتها في هذه القصّة، لا هاجر. وعن مجاهد: هو إسماعيل.
( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ ) سارة إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر إليهم( فِي صَرَّةٍ ) في صيحة. من: صرّ القلم والباب. ومنه: الصرير. وقيل: صرّتها قولها: أوّه. وعن عكرمة: رنّتها(١) . والمعنى: أخذت تصيح وتولول، كما قال:( قالَتْ يا وَيْلَتى ) (٢) .
ومحلّه النصب على الحال، أي: فجاءت صارّة، أو المفعول إن أوّل «أقبلت» بـ: أخذت.( فَصَكَّتْ وَجْهَها ) فلطمت بأطراف الأصابع بعد بسط يديها جبهتها، فعل المتعجّب. وأصل الصكّ ضرب الشيء بالشيء العريض ،. وقيل: وجدت حرارة دم الطمث فلطمت وجهها من الحياء.( وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) أي: أنا عجوز عاقر فكيف ألد؟
( قالُوا كَذلِكَ ) مثل ذلك الّذي بشّرنا به( قالَ رَبُّكِ ) أي: إنّما نخبرك به عنه، والله قادر على ما تستبعدين( إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) فيكون قوله حقّا، وفعله محكما. وروي: أنّ جبرئيل قال لها في حال استبعادها: انظري إلى سقف بيتك. فنظرت فإذا جذوعه مورّقة مثمرة.
ولـمّا علم إبراهيمعليهالسلام أنّهم ملائكة، وأنّهم لا ينزلون مجتمعين إلّا لأمر عظيم( قالَ فَما خَطْبُكُمْ ) فما شأنكم وما طلبكم( أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) .
__________________
(١) الرنّة: الصوت عموما، أو الصوت الحزين.
(٢) هود: ٧٢.
( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) عاصين لله، كافرين لنعمه، استحقّوا العذاب والهلاك. وأصل الجرم القطع. فالمجرم القاطع للواجب بالباطل. فهؤلاء أجرموا، بأن قطعوا الإيمان بالكفر. يعنون قوم لوط.
( لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ) يريد السجّيل، فإنّه طين طبخ كما يطبخ الآجرّ حتّى صار في صلابة الحجارة( مُسَوَّمَةً ) مرسلة. من: اسيمت الماشية إذا أرسلت للرعي. أو معلمة، من السومة. وهي العلامة، على كلّ واحد منها اسم من يهلك به. وقيل: أعلمت بأنّها من حجارة العذاب. وقيل: بعلامة تدلّ على أنّها ليست من حجارة الدنيا.( عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ) المجاوزين الحدّ في الفجور. قيل: أرسلت الحجارة على الغائبين، وقلبت القرية بالحاضرين.
( فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها ) في قرى قوم لوط. وإضمارها، ولم يجر ذكرها، لكونها معلومة.( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ممّن آمن بلوط. وذلك قوله:( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) (١) الآية. وذلك أنّ الله تعالى أمر لوطا بأن يخرج هو ومن معه من المؤمنين لئلّا يصيبهم العذاب.
( فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ ) غير أهل بيت( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) قيل: هم لوط وابنتاه. وقيل: أهل بيته الّذين نجوا ثلاثة عشر. واستدلّ به على اتّحاد الإسلام والإيمان. وهو ضعيف، لأنّ ذلك لا يقتضي إلّا صدق المؤمن والمسلم على من اتّبعه، وذلك لا يقتضي اتّحاد مفهوميهما، لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة.
( وَتَرَكْنا فِيها ) وأبقينا في قرى قوم لوط( آيَةً ) علامة( لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) أي: علامة تدلّ على أنّ الله أهلكهم، فيخافون مثل عذابهم، فإنّهم المعتبرون بها دون القاسية قلوبهم. وهي تلك الأحجار، أو صخرة منضودة فيها، أو ماء أسود منتن.
__________________
(١) هود: ٨١.
( وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) )
ثمّ بيّن ما نزل بالأمم الاخرى، فقال مبتدأ بقصّة موسى وفرعون الّتي هي أشهر القصص وأكثرها عبرة، فقال عطفا على( وَفِي الْأَرْضِ ) (١) :( وَفِي مُوسى ) أي: وفي موسى أيضا آية. أو على( وَتَرَكْنا فِيها ) أي: وجعلنا في موسى، كقوله: علفتها تبنا وماء باردا( إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) بحجّة ظاهرة. وهي: معجزاته، كاليد والعصا.
( فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ ) أي: فأعرض عن الايمان بما كان يتقوّى به من جنوده وملكه، فإنّ الركن اسم لـما يركن إليه الشيء ويتقوّى به. أو تولّى عن الإيمان، كقوله:( وَنَأى بِجانِبِهِ ) (٢) . فالباء للتعدية.( وَقالَ ساحِرٌ ) أي: هو ساحر
__________________
(١) الذاريات: ٢٠.
(٢) الإسراء: ٨٣.
( أَوْ مَجْنُونٌ ) كأنّه جعل ما ظهر عليه من الخوارق منسوبا إلى الجنّ، وتردّد في أنّه حصل ذلك باختياره وسعيه أو بغيرهما.
( فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ ) فأغرقناهم في البحر( وَهُوَ مُلِيمٌ ) آت بما يلام عليه من الكفر والعناد. والجملة حال من الضمير في «فأخذناه».
( وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) أي: الريح الّتي لا خير فيها، وعقمت عن أن تأتي بخير، من تنشئة سحاب، أو تلقيح شجر، أو تذرية طعام، أو نفع حيوان، فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة. أو هي ريح الهلاك. وسمّاها عقيما إمّا لأنّها قطعت دابرهم، أو لأنّها لم تتضمّن منفعة.
وعن ابن عبّاس: هي الدبور. وعن ابن المسيّب: هي الجنوب. وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : هي النكباء(١) .
( ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ) ما تترك هذه الرّيح شيئا مرّت عليه( إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) كالشيء الهالك البالي. وهو نبات الأرض إذا يبس وديس. من: رمّ إذا بلى وتفتّت.
( وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ) تفسيره قوله:( تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) (٢) .
( فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) فاستكبروا عن امتثاله( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) أي: العذاب بعد الثلاث. وقرأ الكسائي: الصعقة. وهي المرّة، من مصدر: صعقتهم الصاعقة. والصاعقة: النازلة نفسها.( وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) إليها، فإنّها جاءتهم معاينة بالنهار. روي: أنّ العمالقة كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرّتهم.
__________________
(١) ريح نكباء: انحرفت عن مهابّ الرياح ووقعت بين ريحين، مثلا بين الصبا والشمال.
(٢) هود: ٦٥.
( فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ ) كقوله:( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) (١) . وقيل: هو من قولهم: ما يقوم به، إذا عجز عن دفعه.( وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ) ممتنعين من العذاب. وقيل: ما كانوا طالبين ناصرا يمنعهم من عذاب الله.
( وَقَوْمَ نُوحٍ ) أي: وأهلكنا قوم نوح، لأنّ ما قبله يدلّ عليه. أو اذكر. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالجرّ، عطفا على محلّ «في عاد». والمعنى: وفي قوم نوح.( مِنْ قَبْلُ ) من قبل عاد وثمود( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) خارجين عن الاستقامة بالكفر والعصيان، فاستحقّوا لذلك الإهلاك.
( وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) )
ولـمّا قال: «وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ » «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ »، بيّن بعد ذلك أنّ السماء والأرض من مصنوعنا، فهما وما وقع بينهما الدلائل الملجئة إلى الاعتراف بأنّ لهما صانعا عالما قادرا، فقال:( وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ ) أي: بقوّة، فإنّ الأيد والآد القوّة. يقال: قد آد يئيد، وهو أيّد.( وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) لقادرون. من الوسع بمعنى الطاقة. وعن الحسن: الموسعون الرزق بالمطر. وقيل: معناه: جعلنا بينها وبين الأرض سعة.
__________________
(١) الأعراف: ٧٨.
( وَالْأَرْضَ فَرَشْناها ) مهّدناها لتستقرّوا عليها( فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ) أي: نحن.
( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) من الحيوان( خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ) ذكرا وأنثى. أو ومن كلّ شيء من الأجناس خلقنا نوعين. ويؤيّده ما روي عن الحسن: السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبرّ والبحر، والموت والحياة. فعدّد أشياء أخر وقال: كلّ اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له.( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي: فعلنا ذلك كلّه، من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج، إرادة أن تتذكّروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه، وتعلموا أنّ التعدّد من خواصّ الممكنات، وأنّ الواجب بالذات لا يقبل التعدّد والانقسام.
( فَفِرُّوا إِلَى اللهِ ) أي: قل يا محمد: ففرّوا من معصيته وعقابه إلى رحمته وثوابه، بوسيلة الإيمان والتوحيد وإخلاص الطاعة وملازمة العبادة. وقيل: ففرّوا إلى الله بترك جميع ما يشغلكم عن طاعته، ويقطعكم عمّا أمركم به. وعن الصادقعليهالسلام معناه: حجّوا.( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ ) من عذابه المعدّ لمن أشرك أو عصى( نَذِيرٌ مُبِينٌ ) بيّن كونه منذرا من الله بالمعجزات. أو مبين ما يجب أن يحذر عنه.
( وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) إفراد لأعظم ما يجب أن يفرّ به( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) تكرير للتأكيد. أو الأوّل مرتّب على ترك الإيمان والطاعة، والثاني على الإشراك.
( كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) كَذلِكَ ) أي: الأمر مثل ذلك. والإشارة إلى تكذيبهم الرسول، وتسميتهم إيّاه ساحرا أو مجنونا. ثمّ فسّر ما أجمل بقوله:( ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) ولا يصحّ أن تكون الكاف منصوبة بـ «أتى» لأنّ «ما» النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ولو عملت لكان المعنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلّا قالوا ساحر أو مجنون.
( أَتَواصَوْا بِهِ ) أي: كأنّ الأوّلين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول، حتّى قالوه جميعا متّفقين عليه. والهمزة للتوبيخ.( بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) إضراب عن أنّ التواصي جامعهم ـ لأنّهم لم يتلاقوا في زمان واحد، لتباعد أيّامهم ـ إلى أنّ الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه. والمعنى: أنّهم لم يتواصوا به، بل جمعتهم العلّة الواحدة، وهي الطغيان.
( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كرّرت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت منهم العناد واللجاج( فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ) على الإعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ، بل اللائمة والذمّ عليهم من حيث لا يقبلون ما تدعوهم إليه.
روي: أنّه لـمّا نزلت( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) حزن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واشتدّ ذلك على أصحابه، ورأوا أنّ الوحي قد انقطع، وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله تعالى :
( وَذَكِّرْ ) ولا تدع التذكير والموعظة( فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: تؤثّر في الّذين عرف الله منهم أنّهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانا.
وعن مجاهد قال: خرج عليّ بن أبي طالبعليهالسلام مغتمّا مشتملا في قميصه، فقال: لـمّا نزلت( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ) لم يبق أحد منّا إلّا أيقن بالهلكة، حين قيل للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم «فتولّ عنهم». فلمّا نزل( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) طابت نفوسنا.
( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) إلّا لأجل العبادة، أي: لم أرد من جميعهم إلّا إيّاها، مختارين لها لا مضطرّين إليها، لأنّه خلقهم ممكّنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
وخلاصة المعنى: أنّ الغرض في خلقهم تعريضهم للثواب، وذلك لا يحصل إلّا بأداء العبادات، فصاروا كأنّهم خلقهم الله للعبادة. فإن لم يعبده قوم لم يبطل الغرض، ويكون كمن هيّأ طعاما لقوم ودعاهم ليأكلوه، فحضروا ولم يأكله بعضهم، فإنّه لا ينسب إلى السفه، ويصحّ غرضه، فإنّ الأكل موقوف على اختيار الغير. فكذلك ها هنا، فإنّ الله إذا أزاح علل المكلّفين، من القدرة والآلة وإعطاء الألطاف، وأمرهم بالعبادة، فمن خالف فقد أتى من قبل نفسه لا من قبله سبحانه.
وشأن الله تعالى مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإنّ ملّاك العبيد إنّما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإنّ العبد إمّا مجهّز في تجارة ليفي ربحا، أو مرتّب في فلاحة ليغتلّ(١) أرضا، أو مسلّم في حرفة لينتفع
__________________
(١) اغتلّ الأرض: أخذ غلّتها.
بالأجرة، أو محتطب، أو محتشّ(١) ، أو مستق، أو طابخ، أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن الّتي هي تصرّف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق. فأمّا مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غنيّ عنكم وعن مرافقكم، ومتفضّل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلّا أنا وحدي، حيث قال عزّ اسمه:( ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ) الّذي يرزق كلّ ما يفتقر إلى الرزق. وفيه إيماء باستغنائه عنه.( ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) شديد القوّة، أي: البليغ الاقتدار على كلّ شيء.
( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً ) أي: للّذين ظلموا رسول الله بالتكذيب نصيبا من العذاب( مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ ) مثل نصيب نظرائهم من الأمم السّالفة الّذين أهلكوا، مثل قوم نوح وعاد وثمود. وهو مأخوذ من مقاسمة السقّاء الماء بالدلاء، فإنّ الذنوب هو الدلو العظيم المملوء.( فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ) جواب لقولهم:( مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (٢) .
( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) من يوم القيامة، أو يوم بدر. والويل كلمة يقولها العرب لكلّ من وقع في الهلكة.
__________________
(١) احتشّ الحشيش: سعى في طلبه وجمعه.
(٢) يس: ٤٨.
(٥٢)
سورة الطور
مكّيّة. وهي تسع وأربعون آية.
أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «ومن قرأ سورة الطور كان حقّا على الله أن يؤمنه من عذابه، وأن ينعّمه في جنّته».
وعن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ سورة الطور في المغرب». وروى محمد بن هشام، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الطور جمع الله له خير الدنيا والآخرة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ
بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الذاريات بالوعيد، افتتح هذه السورة بوقوع الوعيد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ ) يريد طور سينين. وهو جبل بمدين، سمع فيه موسىعليهالسلام كلام الله تعالى. أو مطلق الجبل، أقسم به لـما أودع الله فيه من أنواع نعمه. وهو لغة سريانيّة. أو مأخوذ من: طار من أوج الإيجاد إلى حضيض الموادّ، أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
( وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ) مكتوب. والسطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به القرآن. أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، أو في ألواح موسىعليهالسلام ، أو في قلوب أوليائه من المعارف والحكم. أو ما تكتبه الحفظة.
( فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ) الرقّ: الجلد الّذي يكتب فيه حقيقة، أو مستعار لـما كتب فيه الكتاب. والمنشور: المبسوط. والمعنى: مكتوب في ورق نشر لقراءة ما فيه. وتنكيرهما للتعظيم، والإشعار بأنّهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس.
( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) الضراح(١) . وهو في السماء الرابعة بحيال الكعبة، لو سقط لسقط عليها. وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «ويدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، ثمّ لا يعودون إليه أبدا».
وعن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
__________________
(١) الضراح: بيت في السماء، وهو البيت المعمور.
«البيت المعمور في السماء الدنيا، وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان، يدخله جبرئيل كلّ يوم طلعت فيه الشمس، وإذا خرج انتفض انتفاضة جرت عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كلّ قطرة ملكا، يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلّون فيه، فيفعلون ثمّ لا يعودون إليه أبدا».
أو المراد الكعبة، وعمارتها بالعمّار والحجّاج والمجاورين. أو قلب المؤمن، وعمارته بالمعرفة والإخلاص.
( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) يعني: السماء، فإنّها كالسقف للأرض رفعها الله( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) أي: المملوء. وهو المحيط. أو الموقد، من قوله:( وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ) (١) .
قيل: إنّه تحمى البحار يوم القيامة فتجعل نيرانا، ثمّ تفجّر بعضها في بعض، ثمّ تفجّر إلى النار. وبرواية اخرى: أنّ الله يجعل يوم القيامة البحار نارا يسجّر بها نار جهنّم. أو المختلط، من السجير، وهو الخليط.
وروي عن عليّعليهالسلام أنّه سأل يهوديّا: أين موضع النار في كتابكم؟ قال: في البحر. فقال عليّعليهالسلام : ما أراه إلّا صادقا، لقوله تعالى:( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) .
وجواب القسم( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ) لنازل على المشركين لا محالة( ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) يدفعه.
قال جبير بن مطعم: أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اكلّمه في الأسارى، فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلمّا بلغ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب.
ووجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك أنّها أمور تدلّ على كمال قدرة الله وحكمته، وصدق أخباره، وضبطه أعمال العباد للمجازاة.
__________________
(١) التكوير: ٦.
ثمّ بيّن سبحانه أنّه متى يقع، فقال:( يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ) تضطرب. من المور بمعنى التردّد في المجيء والذهاب. وقيل: هو تحرّك في تموّج. والمائر: الشيء الّذي يتردّد في العرض، كالداغصة. وهي لحمة تكون فوق ركبة البعير.
وقيل: العظم المدوّر يتحرّك على رأس الركبة. والمعنى: يتموّج بالدوران. و «يوم» ظرف لـ «واقع».( وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ) أي: تسير عن وجه الأرض، فتصير هباء حتّى تستوي الأرض.
( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ذكر الفاء لأنّ في الكلام معنى المجازاة، والتقدير: إذا وقع ذلك فويل لهم( الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ ) أي: الخوض في الباطل، فإنّه غلب استعماله في الاندفاع في الباطل والكذب. ومنه قوله:( وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ) (١) ( يَلْعَبُونَ ) يلهون بذكره. وهو إنكار البعث وتكذيب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) يدفعون إليها بعنف. وذلك أنّ الخزنة يغلّون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزخّا(٢) في أقفيتهم.
و «يوم» بدل من «يوم تمور»، أو ظرف لقول مقدّر مقوله:( هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) أي: حين يدفعون إلى النار قال لهم خزنتها هذا القول. وفي حديث أبي موسى: من يتّبع القرآن يهبط به على رياض الجنّة، ومن يتّبعه القرآن يزخّ في قفاه حتّى يقذف به في نار جهنّم.
ثمّ وبّخوهم لـمّا عاينوا العذاب فقالوا لهم:( أَفَسِحْرٌ هذا ) أي: كنتم تقولون للوحي: هذا سحر، أَفهذا المصداق أيضا سحر؟ ودخول الفاء لإفادة هذا المعنى.
وتقديم الخبر لأنّه المقصود بالإنكار والتوبيخ.( أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ) هذا أيضا ،
__________________
(١) المدّثر: ٤٥.
(٢) زخّة: دفعه.
كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدلّ عليه؟ أم سدّت أبصاركم، كما سدّت في الدنيا على زعمكم حين قلتم: إنّما سكّرت أبصارنا؟
( اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ) أي: ادخلوها على أيّ وجه شئتم من الصبر وعدمه، فإنّه لا محيص لكم عنها( سَواءٌ عَلَيْكُمْ ) مبتدأ محذوف خبره، أي: سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه.
ثمّ علّل استواء الأمرين بقوله:( إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: لـمّا كان الجزاء واجب الوقوع كان الصبر وعدمه سيّين في عدم النفع. وتحقيق المعنى: أنّ الصبر إنّما يكون له مزيّة على الجزع لنفعه في العاقبة، بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فأمّا الصبر على العذاب الّذي هو الجزاء ـ ولا عاقبة له ولا منفعة ـ فلا مزيّة له على الجزع.
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) )
ولـمّا أوعد سبحانه الكافرين وعد المؤمنين عقيبه، فقال:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ) في أيّة جنّات وأيّ نعيم، بمعنى الكمال في الصفة. أو في جنّات ونعيم مخصوصة.
( فاكِهِينَ ) ناعمين متلذّذين( بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ) بما أعطاهم من أنواع النعيم( وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) عطف على «في جنّات» أو «آتاهم» إن جعل «ما» مصدريّة. والمعنى: فاكهين بإيتائهم ربّهم ووقايتهم عذاب الجحيم. أو حال بإضمار «قد» من المستكن في الظرف أو الحال، أو من فاعل «آتى» أو مفعوله أو منهما.
( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً ) أي: يقال لهم: كلوا واشربوا أكلا وشربا هنيئا، أو طعاما وشرابا هنيئا، وهو الّذي لا تنغيص فيه( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بسببه أو بدله.
وقيل: الباء زائدة، كما في( كَفى بِاللهِ ) (١) ، و «ما» فاعل «هنيئا». والمعنى: هنيئا لكم ما كنتم تعملون، أي: جزاؤه.
( مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ) مصطفّة، أي: موصول بعضها ببعض( وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) بنساء بيض نقيّات في حسن وكمال، واسعات الأعين في صفاء وبهاء. والباء للسببيّة، إذ المعنى: صيّرناهم أزواجا بسببهنّ. أو لـما في التزويج من معنى الوصلة والإلصاق والقرن. ولذلك عطف قوله:( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) على «حور» أي: قرنّاهم بأزواج حور وبالرفقاء والجلساء من المؤمنين، كقوله :
__________________
(١) النساء: ٦، وغيرها.
( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) (١) . فيتمتّعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان من المؤمنين.
وعن زيد بن أرقم: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله فقال: يا أبا القاسم إنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون؟ فقال: والّذي نفسي بيده إنّ الرجل منهم ليؤتى قوّة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع. قال: فإنّ الّذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة. فقال: عرق يفيض مثل ريح المسك، فإذا كان ذلك ضمر بطنه.
وقيل: الموصول مبتدأ خبره: «ألحقنا بهم».
وقوله:( وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ ) اعتراض للتعليل. وقرأ ابن عامر ويعقوب: ذرّيّاتهم بالجمع وضمّ التاء، للمبالغة في كثرتهم والتصريح، فإنّ الذريّة تقع على الواحد والكثير. وقرأ أبو عمرو: وأتبعناهم ذرّيّاتهم، أي: جعلناهم تابعين لهم في الايمان. وقيل: «بإيمان» حال من الضمير، أو من الذرّيّة، أو منهما. وتنكيره للتعظيم، أي: بسبب إيمان عظيم رفيع الشأن، وهو إيمان الآباء. ويجوز أن يراد إيمان الذرّيّة الداني المحلّ. كأنّه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهّلهم لدرجة الآباء ألحقناهم. أو الاشعار بأنّه يكفي للإلحاق المتابعة في أصل الإيمان.
( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الصغار والكبار في دخول الجنّة أو الدرجة. أمّا الكبار فيتّبعون الآباء بإيمان منهم. وأمّا الصغار فيتّبعونهم بإيمان من الآباء، فإنّ الولد يحكم له بالإسلام تبعا لوالده، لـما روي مرفوعا أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ الله يرفع ذرّيّة المؤمن في درجته وإن كانوا دونه، لتقرّبهم عينه، ثمّ تلا هذه الآية».
وعن الصادقعليهالسلام أنّه قال: «أطفال المؤمنين يهدون إلى آبائهم يوم القيامة».
وروى زادان عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ المؤمنين وأولادهم في الجنّة، ثمّ قرأ هذه الآية».
__________________
(١) الحجر: ٤٧.
فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعاداتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم، وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضّلا عليهم وعلى آبائهم، ليتمّ سرورهم ويكمل نعيمهم.
وقرأ نافع وابن عامر والبصريّان: ذرّيّاتهم.
( وَما أَلَتْناهُمْ ) وما نقصناهم( مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) بهذا الإلحاق، أي: ما نقصنا من ثواب عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتّى يلحقوا بهم، بل إنّما ألحقناهم بهم على سبيل التفضّل. وقرأ ابن كثير بكسر اللام، من: ألت يألت. والمعنى واحد.
( كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) بعمله، مرهون عند الله. كأنّ نفس العبد رهن عند الله بالعمل الّذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا فكّها وخلّصها، وإلّا أوبقها.
( وَأَمْدَدْناهُمْ ) وزدناهم( بِفاكِهَةٍ ) بجنس الفاكهة، فإنّ الإمداد الإتيان بالشيء بعد الشيء( وَلَحْمٍ ) وجنس اللحوم( مِمَّا يَشْتَهُونَ ) من أنواع النعم الشهيّة اللذيذة.
( يَتَنازَعُونَ فِيها ) يتعاطون هم وجلساؤهم ـ من ذرّيّاتهم وإخوانهم ـ بتجاذب( كَأْساً ) خمرا. سمّاها باسم محلّها.( لا لَغْوٌ فِيها ) لا يتكلّمون بلغو الحديث وما لا طائل تحته في أثناء شربها( وَلا تَأْثِيمٌ ) ولا يفعلون ما يؤثّم به فاعله، أي: ينسب إلى الإثم، كما هو عادة الشاربين في الدنيا ذلك، من الكذب والشتم والفواحش، مثل قوله تعالى:( لا فِيها غَوْلٌ ) (١) . وإنّما يتكلّمون بالحكم والكلام الحسن متلذّذين بذلك، لأنّ عقولهم ثابتة غير زائلة، وهم حكماء علماء. وقرأ ابن كثير والبصريّان بالفتح.
( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) أي: بالكأس( غِلْمانٌ لَهُمْ ) مماليك مخصوصون بهم.
__________________
(١) الصافّات: ٤٧.
وقيل: هم أولادهم الّذين سبقوهم.( كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) مصون في الصدف، من بياضهم وصفائهم، لأنّه رطبا أحسن وأصفى وأصبح. أو مخزون، لأنّه لا يخزن إلّا الثمين الغالي القيمة. وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «والّذي نفسي بيده إنّ فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وعنهعليهالسلام : «إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة من ينادي الخادم من خدّامه، فيجيبه ألف ببابه: لبّيك لبّيك».
وقيل: إنّه ليس على الغلمان مشقّة في خدمة أهل الجنّة، بل لهم في ذلك اللذّة والسرور، إذ ليس تلك الدار دار محنة.
( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) يتحادثون، ويسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله وما استوجب به نيل ما عند الله.
( قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ) أرقّاء القلوب من خشية الله، خائفين من عصيان الله، معتنين بطاعته. أو وجلين من العاقبة.
( فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ) بالرحمة والتوفيق( وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ) عذاب النار النافذة في المسامّ نفوذ السموم. وهو الريح الحارّة الّتي تدخل المسامّ. فسمّيت بها نار جهنّم، لأنّها بهذه الصفة.
( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ ) من قبل ذلك في الدنيا( نَدْعُوهُ ) نعبده، أو نسأله الوقاية( إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ ) المحسن. وقرأ نافع والكسائي: أنّه بالفتح.( الرَّحِيمُ ) الكثير الرحمة، الّذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب.
( فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
(٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) )
( فَذَكِّرْ ) فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا تكترث بقولهم( فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) بحمد الله وإنعامه( بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ) كما يقولون: ولا تبال به، فإنّه قول باطل متناقض، لأنّ الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقّة نظر، والمجنون مغطّى على عقله. وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوّة ورجاحة العقل أحد هذين.
( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) ما يقلق النفوس من حوادث الدهر. وقيل: المنون الموت. فعول من: منّه إذا قطعه. يعني: فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء، كزهير والنابغة وغيرهما.
( قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) أتربّص هلاككم كما تتربّصون هلاكي. والمراد بالأمر التهديد، نحو:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) .
( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ ) عقولهم( بِهذا ) التناقض في القول، فإنّ الكاهن يكون ذا فطنة ودقّة نظر، والمجنون مغطّى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون متّسق مخيّل، ولا يتأتّى ذلك من المجنون. وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه، كقوله تعالى:( أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) (٢) . وفي ذكرها إزراء بعقولهم، حيث لم تثمر لهم معرفة الحقّ من الباطل، مع أنّهم معروفون بأهل الأحلام والنهى.( أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحقّ لهم.
( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ) اختلقه من تلقاء نفسه( بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ) فيرمونه بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم، مع علمهم ببطلان قولهم وأنّه ليس بمتقوّل، لعجز العرب عنه.
( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ) مثل القرآن وما يقاربه في نظمه وفصاحته، وحسن بيانه وبراعته( إِنْ كانُوا صادِقِينَ ) في زعمهم أنّ محمّدا تقوّله، إذ فيهم كثير ممّن عدّوا فصحاء. فهذا ردّ للأقوال المذكورة بالتحدّي.
( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) أم أحدثوا وقدّروا من غير محدث ومقدّر، فلذلك لا يعبدونه. أو من أجل لا شيء، من عبادة ومجازاة. وقوله:( أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ) يؤيّد الأوّل، فإنّ معناه: أم خلقوا أنفسهم. ولذلك عقّبه بقوله:( أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) و «أم» في هذه الآيات منقطعة. ومعنى الهمزة فيها الإنكار.( بَلْ لا يُوقِنُونَ ) إذا سئلوا من خلقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، إذ لو أيقنوا ذلك لـما أعرضوا عن عبادته.
__________________
(١) فصّلت: ٤٠.
(٢) هود: ٨٧.
( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ ) خزائن رزقه حتّى يرزقوا النبوّة من شاؤا. أو خزائن علمه حتّى يختاروا للنبوّة من اختارته حكمته.( أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) أي: الأرباب المسلّطون الغالبون على الأشياء حتّى يدبّروا أمر الربوبيّة، ويبثّوا الأمور على إرادتهم كيف شاؤا. وقرأ قنبل وحفص بخلاف عنه وهشام بالسين. وحمزة بخلاف عن خلّاد بين الصاد والزاء. والباقون بالصاد الخالصة.
( أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ) مرقى ومصعد إلى السماء( يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ) صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتّى يعلموا ما هو كائن، من تقدّم هلاكه على هلاكهم، وظفرهم في العاقبة دونه، كما يزعمون( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) بحجّة واضحة تصدّق استماعه.
( أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) فيه تسفيه لأحلامهم، إذ أضافوا إلى الله سبحانه ما أنفوا منه. وهذا غاية في جهلهم، إذ جوّزوا عليه سبحانه الولد، ثمّ ادّعوا أنّه اختار الأدون على الأعلى. وإشعار بأنّ من هذا رأيه لا يعدّ من العقلاء، فضلا أن بترقّى بروحه إلى عالم الملكوت فيتطلّع على الغيوب.
( أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً ) على تبليغ الرسالة( فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ ) من التزام غرم( مُثْقَلُونَ ) محمّلون الثقل، فزهّدهم ذلك في اتّباعك.
( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) اللوح المحفوظ المثبتة فيه المغيّبات( فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) حتّى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لا نعذّب.
( أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ) مكرا بك، وتدبير سوء في بابك سرّا، كما دبّروه في دار الندوة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبالمؤمنين( فَالَّذِينَ كَفَرُوا ) يحتمل العموم والخصوص. فيكون وضعه موضع الضمير للتسجيل على كفرهم، والدلالة على أنّه الموجب للحكم المذكور( هُمُ الْمَكِيدُونَ ) المجزيّون بكيدهم، فإنّ ضرر ذلك يحيق بهم ويعود عليهم. وهو قتلهم يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد، من: كايدته فكدته.
( أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ ) يعينهم ويحرسهم من عذابه( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) عن إشراكهم، أو شركة ما يشركون به.
( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) )
ثمّ ذكر سبحانه عنادهم وقسوة قلوبهم، فقال:( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً ) قطعة( مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا ) من فرط طغيانهم وعنادهم( سَحابٌ مَرْكُومٌ ) هذا سحاب تراكم بعضه على بعض يمطرنا، ولم يصدّقوا أنّه كسف ساقط للعذاب. وهو جواب قولهم:( فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) (١) .
( فَذَرْهُمْ ) اتركهم يا محمّد( حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ) يهلكون بوقوع الصاعقة عليهم. وهذا عند النفخة الأولى الّتي تسمّى نفخة الصعق، يهلك جميع الناس عندها. وقرأ ابن عامر وعاصم: يصعقون على المبنيّ للمفعول، من: صعقه أو أصعقه.
( يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ) حيلتهم( شَيْئاً ) أي: شيئا من الإغناء في ردّ
__________________
(١) الشعراء: ١٨٧.
العذاب( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) لا يمنعون من عذاب الله.
( وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) يحتمل العموم والخصوص( عَذاباً دُونَ ذلِكَ ) دون عذاب الآخرة. وهو عذاب القبر، أو المؤاخذة في الدنيا، كقتلهم ببدر، والقحط سبع سنين.( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ما هو نازل بهم.
( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) بإمهالهم وإبقائك في عنائهم وأذاهم حتّى يرد أمر الله بتخليصك( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ) في حفظنا بحيث نراك ونكلؤك، فلا يصلون إلى شيء ممّا أرادوا عليك. وجمع العين لجمع الضمير، والمبالغة بكثرة أسباب الحفظ.
( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) من أيّ مكان تقوم، أو من مكان قومك. أو حين تقوم إلى الصلاة، فقل: سبحانك أللّهمّ وبحمدك. أو من مجلسك فقل: سبحانك أللّهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، اغفر لي وتب عليّ. وهو المرويّ عن عطاء وسعيد بن جبير. وقد روي مرفوعا: أنّه كفّارة المجلس.
وعن عليّعليهالسلام : «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه:( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ) (١) إلى آخر السورة»(٢) .
( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) فإنّ العبادة فيه أشقّ على النفس وأبعد من الرياء، ولذلك أفرده بالذكر، وقدّمه على الفعل.
وروى زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام في هذه الآية، قالا: «إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقوم من الليل ثلاث مرّات، فينظر في آفاق السماء، ويقرأ الخمس من آل عمران الّتي آخرها( إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) (٣) ، ثمّ يفتتح صلاة الليل».
__________________
(١) الصافّات: ١٨٠.
(٢) هذه الرواية في فضائل سورة الصافّات، ولعلّ المؤلّف نقلها لمناسبتها للمقام.
(٣) آل عمران: ١٩٤.
وقيل: معناه: قبل المغرب والعشاء الآخرة.
( وَإِدْبارَ النُّجُومِ ) وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل، أي: تغيب بضوء الصبح. والمراد: الأمر بقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات.
وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل: صلاة العشاءين، وإدبار النجوم: صلاة الفجر المفروضة.
وهذا منقول عن ابن عبّاس وقتادة، ومرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وقيل: المراد بإدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر.
وقيل: المعنى: لا تغفل عن ذكر ربّك صباحا ومساء، ونزّهه في جميع أحوالك ليلا ونهارا، فإنّه لا يغفل عنك وعن حفظك.
وفي هذه الآية دلالة على أنّه سبحانه قد ضمن حفظه وكلاءته حتّى يبلّغ رسالته.
(٥٣)
سورة النجم
مكّيّة. وهي اثنتان وستّون آية.
أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة النجم أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بمحمّد ومن جحد به».
يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: «من كان يدمن قراءة والنجم في كلّ يوم أو في كلّ ليلة، عاش محمودا بين الناس، وكان مغفورا له، وكان محبوبا بين الناس».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) )
ولـمّا اختتم سورة الطور بذكر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، افتتح هذه السورة بذكره أيضا،
حتّى اتّصلت بها اتّصال النظير بالنظير، وتوافقت الخاتمة بالفاتحة بذكر النجم، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ ) أقسم بجنس النجوم أو الثريّا، فإنّه غلب فيها. أو النجم الّذي يرجم به.( إِذا هَوى ) غرب. أو انتثر يوم القيامة. أو انقضّ. أو طلع، فإنّه يقال: هوى هويّا بالفتح إذا سقط وغرب، وهويّا بالضمّ إذا علا وصعد. أو المراد بالنجم نجوم القرآن، إذ نزل منجّما في ثلاثة وعشرين سنة. وسمّي القرآن نجما لتفريقه في النزول. والعرب تسمّي التفريق تنجيما، والمفرّق منجّما. أو النبات، إذا سقط على الأرض، أو إذا نما وارتفع.
وروت العامّة عن جعفر الصادقعليهالسلام أنّه قال: محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم نزل من السماء السابعة ليلة المعراج، ولـمّا نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب، وكانت تحته بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: لآتينّ محمّدا فلأوذينّه. فأتاه فقال: يا محمد ؛ هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالّذي دنا فتدلّى، ثمّ تفل في وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وردّ عليه ابنته وطلّقها. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك. وكان أبو طالب حاضرا، فوجم(١) لها، وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة.
فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ثمّ خرج مع نفر من قريش إلى الشام فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إنّ هذه أرض مسبعة. فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإنّي أخاف على ابني دعوة محمّد. فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم، وأحدقوا بعتبة. فجاء الأسد يتشمّم وجوههم حتّى ضرب عتبة فقتله. فقال حسّان شعرا:
من يرجع العام إلى أهله |
فما أكيل السّبع بالراجع |
وجواب هذا القسم قوله:( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ ) ما عدل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم عن
__________________
(١) أي: اشتدّ حزنه.
الطريق المستقيم، وما فارق الهدى إلى الضلال. والخطاب لقريش.( وَما غَوى ) وما اعتقد باطلا، فإنّ الضلال نقيض الهوى، والغيّ نقيض الرشد. والمراد: نفي ما ينسبون إليه من الضلال والغيّ.
( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ) وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى( إِنْ هُوَ ) ما القرآن، أو الّذي ينطق به( إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) أي: يوحيه الله إليه. واحتجّ به من لم ير الاجتهاد للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . وأجيب عنه بأنّه إذا أوحي إليه بأن يجتهد كان اجتهاده وما يسند إليه وحيا. قلنا: إنّ ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي.
( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ) ملك شديد قواه. والإضافة غير حقيقيّة، لأنّها إضافة الصفة المشبّهة إلى فاعلها، وهو جبرئيل، فإنّه الواسطة في إبداء الخوارق. ومن قوّته أنّه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء ثمّ قلبها، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين. وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أسرع من رجعة الطرف. ورأى إبليس يكلّم عيسىعليهالسلام على بعض عقاب الأرض المقدّسة، فنفخه بجناحه نفخة فألقاه في أقصى جبل بالهند.
( ذُو مِرَّةٍ ) حصافة في عقله ورأيه، ومتانة في دينه( فَاسْتَوى ) فاستقام على صورته الحقيقيّة الّتي خلقه الله عليها، دون الصورة الّتي كان يتمثّل بها كلّما هبط بالوحي. وكان ينزل في صورة دحية الكلبي. وذلك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحبّ أن يراه في صورته الّتي جبل عليها، فاستوى لهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأفق الأعلى، وهو أفق الشمس، فملأ الأفق.
وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقيّة غير محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم مرّتين: مرّة في الأرض، ومرّة في السماء.
وأورد البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود: «أنّ رسول
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى جبرئيل وله ستّمائة جناح»(١) .
وقيل: استوى بمعنى: استولى بقوّته على ما جعل له من الأمر.
( وَهُوَ ) جبرئيل( بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ) أفق السماء من جانب المشرق، فإنّه فوق جانب المغرب في صعيد الأرض.
( ثُمَّ دَنا ) من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( فَتَدَلَّى ) فتعلّق عليه في الهواء. وقيل: تدلّى من الأفق الأعلى، فدنا من الرسول من غير أن ينفصل من محلّه. وفيه تقرير لشدّة قواه، فإنّ التدلّي استرسال مع تعلّق، كتدلّي الثمرة. ويقال: دلى رجليه من السرير، وأدلى دلوه. والدوالي: الثمر المعلّق.
( فَكانَ ) جبرئيل( قابَ قَوْسَيْنِ ) مقدارهما، فإنّ القاب والقيب والقاد والقيد والقيس: المقدار. وقد جاء التقدير بالقوس، والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والإصبع. وفي الحديث: «لقاب قوس أحدكم من الجنّة وموضع قدّه خير من الدنيا وما فيها».
والقدّ: السوط. وفي الكلام حذف، تقديره: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات.( أَوْ أَدْنى ) على تقديركم، كقوله:( أَوْ يَزِيدُونَ ) (٢) . والمقصود تمثيل شدّة الاتّصال وتحقيق استماعه لـما أوحي إليه بنفي البعد الملبس.
( فَأَوْحى ) جبرئيل( إِلى عَبْدِهِ ) عبد الله. وإضماره قبل الذكر لكونه معلوما لا لبس فيه، كقوله:( عَلى ظَهْرِها ) (٣) .( ما أَوْحى ) جبرئيل. وفيه تفخيم للموحى به. وقيل: ضمير «ما أوحى» لله تعالى. والمعنى: فأوحى جبرئيل إلى عبد الله محمّد ما أوحى الله تعالى إليه.
__________________
(١) صحيح البخاري ٦: ١٧٦، صحيح مسلم ١: ١٥٨ ح ٢٨٠.
(٢) الصافّات: ١٤٧.
(٣) فاطر: ٤٥.
وعن سعيد بن جبير: أوحى إليه:( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) (١) إلى قوله:( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (٢) .
وقيل: أوحى إليه أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتّى تدخلها أمّتك.
وقيل: الضمائر كلّها لله تعالى. وهو المعنيّ بـ «شديد القوى» كما في قوله:( هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (٣) . ودنوّه منه برفع مكانته، وتدلّيه جذبه بشراشره إلى جناب القدس.
وقيل: أوحى إليه سرّا بسرّ. وفي ذلك يقول القائل :
بين المحبّين سرّ ليس يفشيه |
قول ولا قلم للخلق يحكيه |
( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) )
ثمّ بيّن سبحانه ما رآه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة الإسراء، وحقّق ما رأى فيها بقوله:( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ) فؤاد محمّد( ما رَأى ) ما يبصره من صورة جبرئيل. والمعنى: ما قال فؤاده لـما رآه: لم أعرفك. ولو قال ذلك لكان كاذبا، لأنّه عرفه بقلبه كما رآه
__________________
(١) الضحى: ٦.
(٢) الانشراح: ٤.
(٣) الذاريات: ٥٨.
ببصره، ولم يشكّ في أنّ ما رآه حقّ.
وقيل: ما كذب ما رآه بقلبه. والمعنى: أنّه لم يكن تخيّلا كاذبا. ويدلّ عليه: «أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل: هل رأيت ربّك؟ فقال: رأيته بفؤادي».
وعن ابن عبّاس أيضا: أنّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى ربّه بفؤاده. وروي ذلك عن محمد بن الحنفيّة، عن أبيه عليّعليهالسلام .
وهذا يكون بمعنى العلم، أي: علّمه علما يقينا بما رآه من الآيات الباهرات، كقول إبراهيمعليهالسلام :( وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (١) . وإن كان عالما قبل ذلك.
وقيل: إنّ الّذي رآه هو ما رأى من ملكوت الله تعالى وأجناس مقدوراته.
وعن أبي العالية قال: سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «هل رأيت ربّك ليلة المعراج؟
قال: رأيت نهرا، ورأيت وراء النهر حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا، لم أر غير ذلك».
وروي عن أبي ذرّ وأبي سعيد الخدري: «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عن قوله:( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) قال: «رأيت نورا». وروي ذلك عن مجاهد.
وذكر الشعبي عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ محمّدا رأى ربّه.
قال الشعبي: وأخبرني مسروق قال: سألت عائشة عن ذلك. فقالت: إنّك لتقول قولا إنّه ليقف شعري منه.
قلت: رويدا يا أمّ المؤمنين، وقرأت عليها( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ) حتّى انتهيت إلى قوله:( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) .
فقالت: رويدا أنّى يذهب بك، إنّما رأى جبرئيل في صورته. من حدّثك أنّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى ربّه فقد كذب، والله تعالى يقول:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
__________________
(١) البقرة: ٢٦٠.
الْأَبْصارَ ) (١) . ومن حدّثك أن محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم الحسّ من الغيب فقد كذب، والله تعالى يقول:( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) (٢) . ومن حدّثك أن محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب، والله تعالى يقول:( بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (٣) . ولقد بيّن الله سبحانه ما رآه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بيانا شافيا، فقال:( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ) (٤) .
وقرأ هشام: ما كذّب، أي: صدّقه ولم يشكّ أنّه جبرئيل بصورته.
( أَفَتُمارُونَهُ ) أَفتجادلونه( عَلى ما يَرى ) من المراء، وهو المجادلة.
واشتقاقه من: مرى(٥) الناقة، فإنّ كلّا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه.
وقرأ الكوفيّون غير عاصم ويعقوب: أَفتمارونه، أي: أَفتغلبونه في المراء.
من: ماريته فمريته. أو من: مراه حقّه إذا جحده. و «على» لتضمين الفعل معنى الغلبة، فإنّ المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم.
( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) مرّة اخرى. فعلة من النزول، أقيمت مقام المرّة، ونصبت نصبها، إشعارا بأنّ الرؤية في هذه المرّة كانت أيضا بنزول ودنوّ. والكلام في المرئيّ والدنوّ ما سبق. والمعنى: نزل جبرئيل عليه نزلة اخرى في صورة نفسه، فرآه عليها ليلة المعراج. وقيل: تقديره: ولقد رآه نازلا نزلة اخرى. ونصبها على المصدر. والمراد به نفي الريبة عن المرّة الأخيرة.
( عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ) الّتي ينتهي إليها علم الخلائق وأعمالهم، ولا يعلم أحد من خلق الأوّلين والآخرين ما وراءها. أو ما ينزل من فوقها، ويصعد من
__________________
(١) الأنعام: ١٠٣.
(٢) لقمان: ٣٤.
(٣) المائدة: ٦٧.
(٤) النجم: ١٨.
(٥) مرى الناقة: مسح ضرعها لتدرّ.
تحتها. أو الّتي منتهى الجنّة وآخرها، ولم يجاوزها أحد. ولعلّها شبّهت بالسدرة، وهي شجرة النبق، لأنّهم يجتمعون في ظلّها. وروي مرفوعا: أنّها شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة، انتهى إليها علم كلّ ملك. وقيل: هي شجرة طوبى.
( عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) الجنّة الّتي يأوي إليها المتّقون، أو أرواح الشهداء( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ) تعظيم وتكثير لـما يغشاها، بحيث لا يكتنهها نعت، ولا يحصيها عدّ. وقيل: يغشاها الجمّ الغفير من الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجر. وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رأيت على كلّ ورقة من أوراقها ملكا قائما يسبّح الله».
وعنهعليهالسلام : «يغشاها رفرف من طير خضر».
وعن ابن مسعود: يغشاها فراش من ذهب.
( ما زاغَ الْبَصَرُ ) ما مال بصر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمّا رآه، أو لم يمل يمينا ولا شمالا( وَما طَغى ) وما تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا، من غير أن يزيغ بصره أو يتجاوزه. أو ما عدل عن رؤية العجائب الّتي أمر برؤيتها وما جاوزها. أو ما جاوز الحدّ الّذي حدّ له. وهذا وصف أدبهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبا، ولم يمل بصره، ولم يمدّه أمامه إلى حيث ينتهي.
( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ) أي: والله لقد رأى الكبرى من آياته وعجائبه الملكيّة والملكوتيّة ليلة المعراج. يعني: حين رقي به إلى السماء، فاري عجائب الملكوت، من صورة جبرئيل، ورؤيته وله ستّمائة جناح، قد سدّ الأفق بأجنحته. قيل: إنّه رأى رفرفا أخضر من رفارف الجنّة قد سدّ الأفق.
( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها
أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) )
ولـمّا قصّ الله سبحانه هذه الأقاصيص، عقّبها بمخاطبة المشركين، فقال:( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) هي أصنام كانت لهم. وهي مؤنّثات.
فاللات كانت لثقيف بالطائف، أو لقريش بنخلة تعبدها. وهي فعلة من: لوى، لأنّهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يلتوون عليها، أي: يطوفون. وقرأ رويس عن يعقوب بتشديد التاء، على أنّها على صورة رجل كان يلتّ(١) السويق بالسمن ويطعمه الحاجّ. وعن مجاهد: كان رجل يلتّ السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثنا.
والعزّى: سمرة(٢) لغطفان كانوا يعبدونها. وأصلها تأنيث الأعزّ.
فبعث إليها رسول الله خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتّى قتلها، وهو يقول :
يا عزّ كفرانك لا سبحانك |
إنّي رأيت الله قد أهانك |
ورجع فأخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال، تلك العزّى ولن تعبد أبدا.
ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وعن ابن عبّاس: لثقيف. وهي فعلة من: مناه إذا قطعه، فإنّهم كانوا يذبحون عندها القرابين. وكأنّها سمّيت مناة لأنّ دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي: تراق. ومنه: منى. وقرأ ابن كثير: مناءة بالمدّ والهمزة. وهي مفعلة من النوء، كأنّهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبرّكا بها.
__________________
(١) لتّ السويق: بلّه بشيء من الماء أو خلطه بالسمن.
(٢) السمرة: شجرة من العضاه، وليس في العضاه أجود خشبا منه.
وقوله:( الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) صفتان للتأكيد، كقوله:( يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ) (١) . أو «الأخرى» من التأخّر في الرتبة، أي: الوضيعة المقدار، كقوله:( قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ ) (٢) أي: وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم. ويجوز أن تكون الأوّليّة والتقدّم عندهم للات والعزّى.
روي: أنّهم كانوا يقولون: إنّ الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم، ويزعمون أنّهم شفعاؤهم عند الله، مع وأدهم البنات. فقال الله سبحانه إنكارا عليهم: إنّ اللات والعزّى ومناة إناث، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث، وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادا لله وتسمّونهنّ آلهة؟!( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ) أي: كيف يكون ذلك كذلك وأنتم لو خيّرتم لاخترتم الذكر على الأنثى؟! فكيف أضفتم إليه سبحانه ما لا ترضونه لأنفسكم؟!( تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ) جائرة، حيث جعلتم له ما تستنكفون منه. وهي فعلى بالكسر، من: ضاز يضيز ضيزا، إذا ضامه(٣) وجاره. والأصل: ضوزى بالضمّ، ففعل بها ما فعل ببيض لتسلم الياء، فإنّ فعلى بالكسر لم تأت وصفا. وقرأ ابن كثير بالهمزة، من: ضأزه إذا ظلمه، على أنّه مصدر نعت به.
( إِنْ هِيَ ) ما الأصنام باعتبار الألوهيّة( إِلَّا أَسْماءٌ ) تطلقونها عليها، لأنّكم تقولون إنّها آلهة، وليس فيها شيء من معنى الألوهيّة. ويجوز أن يكون الضمير للصفة، أي: ما الصفة إلّا الأسماء خالية عن معنى الصفة المذكورة. أو للأسماء، وهي قولهم: اللات والعزّى ومناة، فإنّهم يقصدون بها أنّه الإله. والحاصل: أنّهم كانوا
__________________
(١) الأنعام: ٣٨.
(٢) الأعراف: ٣٨.
(٣) ضامه: ظلمه. من: ضام يضيم ضيما.
يطلقون اللات عليها باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها، والعزّى لعزّتها، ومناة لاعتقادهم أنّها تستحقّ أن يتقرّب إليها بالقرابين.
فقال سبحانه: ما هذه الأسماء إلّا أسماء( سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ) بهواكم وشهواتكم خالية عن معنى الألوهيّة( ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) برهان، أي: ليس لكم من الله على صحّة تسميتها دليل باهر تتعلّقون به. ومعنى «سمّيتموها»: سمّيتم بها. يقال: سمّيته زيدا، وسمّيته بزيد.
ثمّ رجع إلى الإخبار عنهم بعد المخاطبة، فقال:( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ ) إلّا توهّم أنّ ما هم عليه حقّ تقليدا وتوهّما باطلا( وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) وما تشتهيه أنفسهم( وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) أي: الرشاد والبيان، من الرسول والكتاب فتركوه.
( أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) )
ثمّ أنكر عليهم تمنّيهم شفاعة الأوثان، فقال لهم:( أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ) «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة فيها الإنكار. والمعنى: ليس له كلّ ما يتمنّاه. والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة. وقيل: قولهم:( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ
لَلْحُسْنى ) (١) . وقيل: هو تمنّي بعضهم أن يكون هو النبيّ. وقيل: هو قوله:( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (٢) . وغيرهما. وقيل: هو قول الوليد بن المغيرة:( لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً ) (٣) .
( فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ) أي: هو مالكهما، يعطي منهما ما يشاء لمن يشاء على وفق الحكمة وطبق المصلحة، وليس لأحد أن يتحكّم عليه في شيء منهما.
( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ) وكثير من الملائكة( فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ ) لا تنفع. يعني: أنّ أمر الشفاعة ضيّق، وذلك أنّ الملائكة مع قربهم وزلفاهم وكثرتهم واغتصاص السماوات بجموعهم، لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئا قطّ، ولم تنفع.( شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ ) إلّا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة( لِمَنْ يَشاءُ ) من الملائكة أن يشفع، أو من الناس أن يشفع له( وَيَرْضى ) ويرضاه، ويراه أهلا لذلك. فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم؟
( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ ) أي: كلّ واحد منهم( تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ) بأن سمّوه بنتا.
( وَما لَهُمْ بِهِ ) أي: بما يقولون( مِنْ عِلْمٍ ) أي: ما يستيقنون أنّهم إناث، وليسوا عالمين بذلك( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) أي: الحقّ الّذي هو حقيقة الشيء لا يدرك إلّا بالعلم والتيقّن، والظنّ لا اعتبار له في المعارف الحقيقيّة، وإنّما العبرة به في العمليّات وما يكون وصلة إليها.
__________________
(١) فصّلت: ٥٠.
(٢) الزخرف: ٣١.
(٣) مريم: ٧٧.
( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) )
ثمّ خاطب نبيّه، فقال:( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ) عن دعوة من رأيته معرضا عن ذكرنا، ولم يقرّ بتوحيدنا( وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ) ولم يتأمّل في الآخرة أصلا، لانهماكه في متاع الدنيا وزينتها، فإنّ من غفل عن الله، وأعرض عن ذكره، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت منتهى همّته ومبلغ علمه، لا تزيده الدعوة إلّا عنادا وإصرارا على الباطل.
( ذلِكَ ) أي: أمر الدنيا، أو كونها شهيّة( مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) لا يتجاوزه علمهم. وهذا مبلغ خسيس لا يرضى به لنفسه عاقل، لأنّه من طباع البهائم أن يأكل في الحال ولا ينتظر العواقب. وفي الدعاء: أللّهمّ لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا.
والجملة اعتراض مقرّر لقصور هممهم بالدنيا. وقوله:( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ) تعليل للأمر بالإعراض، أي: إنّما يعلم الله من يجيب ممّن لا يجيب، وأنت لا تعلم، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، إذ ما عليك إلّا البلاغ وقد بلّغت، وهو أعلم بالضالّ والمهتدي، وهو مجازيهما ما يستحقّان من الجزاء.
( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ
الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) )
ثمّ قال:( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) خلقا وملكا( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ) بعقاب ما عملوا من السوء، أو بمثله، أو بسبب ما عملوا من السوء. وهو علّة لـما دلّ عليه ما قبله، أي: خلق العالم وسوّاه ليجزي الّذين أساؤا السّوأى، وهي النار.( وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) بالمثوبة الحسنى، وهي الجنّة. أو بأحسن من أعمالهم، أو بسبب الأعمال الحسنى.
ثمّ وصف الّذين أحسنوا بقوله:( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ ) محلّه إمّا النصب على الصفة أو المدح، أو الرفع على أنّه خبر محذوف. وكبائر الإثم ما يكبر عقابه من الذنوب. وهو ما رتّب عليه الوعيد، ولا يسقط عقابه إلّا بالتوبة. وقرأ حمزة والكسائي: كبير الإثم، على إرادة الجنس أو الشرك.( وَالْفَواحِشَ ) ما فحش من الكبائر خصوصا، كأنّه قال: خصوصا والفواحش منها( إِلَّا اللَّمَمَ ) إلّا ما قلّ وصغر، فإنّه مغفور من مجتنبي الكبائر.
قال الحسن والسدّي: اللمم هو أن يلمّ بالذنب مرّة ثمّ يتوب منه ولا يعود.
وهو اختيار الزجّاج، لأنّه قال: اللمم: هو أن يكون الإنسان قد ألمّ بالمعصية ولم يقم على ذلك. ومنه: ألمّ بالمكان إذا قلّ فيه لبثه، وألمّ بالطعام قلّ منه أكله.
وعن أبي سعيد الخدري: اللمم هي: النظرة، والغمزة، والقبلة. وعن الكلبي: كلّ ذنب لم يذكر الله عليه حدّا ولا عذابا. والاستثناء منقطع، أو صفة كقوله:( لَوْ
كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ ) (١) . كأنّه قال: كبائر الإثم غير اللمم.
( إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) حيث يكفّر الصغائر باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة. أوله أن يغفر ما شاء من الذنوب صغيرها وكبيرها. ولعلّه عقّب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين، لئلّا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولا يتوهّم وجوب العقاب على الله.
( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ) أعلم بأحوالكم منكم( إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) خلقكم منها عند تناول الأغذية المخصوصة الّتي خلقها من الأرض، فكأنّه سبحانه أنشأهم منها( وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) أي: علم أحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم، وحينما صوّركم في الأرحام.
( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي والرذائل، ولا تثنوا عليها بزكاها( هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ) فإنّه يعلم التقيّ وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمّهاتكم.
قيل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجّنا، فنزلت هذه الآية. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء. وأمّا من اعتقد أنّ ما عمله من العمل الصالح بتوفيق الله وتأييده، ولم يقصد به التمدّح، لم يكن من المزكّين أنفسهم، لأنّ المسرّة بالطاعة طاعة وذكرها شكر.
( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ
__________________
(١) الأنبياء: ٢٢.
الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) )
روي عن ابن عبّاس والسدّي والكلبي وجماعة من المفسّرين: أنّ عثمان بن عفّان كان يتصدّق وينفق ماله، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ما هذا الّذي تصنع؟ يوشك أن لا يبقى لك شيء. فقال له عثمان: إنّ لي ذنوبا، وإنّي أطلب بما أصنع رضا الله، وأرجو عفوه. فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها. فأعطاه، وأشهد عليه، وأمسك عن الصدقة. فنزلت :
( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ) عن اتّباع الحقّ والثبات عليه( وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ) وقطع العطاء وأمسك. من قولهم: أكدى الحافر إذا بلغ الكدية، وهي الصخرة
الصلبة، فترك الحفر.
( أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ) علم ما غاب عنه من أمر العذاب( فَهُوَ يَرى ) يعلم أنّ صاحبه يتحمّل عنه العذاب. أو يعلم أنّ ما قال له أخوه من احتمال أوزاره حقّ.
وعن مجاهد: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتّبع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على دينه، فعيّره بعض المشركين، وقال له: تركت دين الأشياخ وضألتهم، وزعمت أنّهم في النار. قال: إنّي خشيت عذاب الله. فضمن له الّذي عاتبه إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمّل عنه عذاب الله. فارتدّ وأعطى بعض المشروط، ثمّ بخل بالباقي.
( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ) ألم يخبر بما في أسفار التوراة( وَإِبْراهِيمَ ) وفي صحف إبراهيم( الَّذِي وَفَّى ) وفّر وأتمّ ما التزم به أو أمر به. أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله. وإطلاقه ليتناول كلّ وفاء وتوفية. وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره. ومن ذلك: تبليغه الرسالة، واستقلاله بأعباء النبوّة، والصبر على ذبح ولده، وعلى نار نمرود، وقيامه بأضيافه، وخدمته إيّاهم بنفسه، وأنّه كان يخرج كلّ يوم فيمشي فرسخا يرتاد ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلّا نوى الصوم.
وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلّا وفى به.
وعن الهذيل بن شرحبيل: كان بين نوح وبين إبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره، ويقتل بأبيه وابنه وعمّه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد بسيّده، فأوّل من خالفهم إبراهيم.
وعن عطاء بن السائب: عهد إبراهيم أن لا يسأل مخلوقا، فلمّا قذف في النار قال له جبرئيل وميكائيل: أَلك حاجة؟ فقال: أمّا إليكما فلا.
وروي عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ألا أخبركم لم سمّى الله خليله( الَّذِي وَفَّى ) ؟
كان يقول إذا أصبح وأمسى: «فسبحان الله حين تمسون وحين تظهرون».
وقيل: وفّى سهام الإسلام. وهي ثلاثون: عشرة في التوبة:( التَّائِبُونَ ) (١) .
وعشرة في الأحزاب:( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ) (٢) . وعشرة في المؤمنين:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) (٣) .
وقدّم موسى لأنّ صحفه ـ وهي: التوراة ـ كانت أشهر وأكبر عندهم.
( أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) «أن» هي المخفّفة من الثقيلة. والضمير للشأن. وهي بما بعدها في محلّ الجرّ بدلا من( بِما فِي صُحُفِ مُوسى ) . والتقدير: أم لم ينبّأ بأنّه لا تزر، أي: لا تحمل نفس حاملة حمل اخرى. أو الرفع على: هو أن لا تزر.
كأنّه قيل: ما في صحفهما؟ فأجاب: أن لا تزر. والمعنى: أنّه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. ولا يخالف ذلك قوله تعالى:( كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) (٤) . وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من سنّ سنّة سيّئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». فإنّ ذلك للدلالة والتسبّب الّذي هو وزره.
( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) إلّا سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله. والوجه فيما صحّ من الأخبار من أنّ الصدقة عن الميّت والحجّ عنه ينفعان الميّت: أنّ سعي غيره لا ينفعه إذا عمل لنفسه، ولكن إذا نواه فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه. وأنّ سعي غيره لـمّا لم ينفعه إلّا مبنيّا على سعي نفسه ـ وهو أن يكون مؤمنا صالحا ـ كان سعي غيره كأنّه سعي نفسه، لكونه
__________________
(١) التوبة: ١١٢.
(٢) الأحزاب: ٣٥.
(٣) المؤمنون: ١ ـ ١٠.
(٤) المائدة: ٣٢.
تابعا له وقائما مقامه.
( وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ) أي: يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفى، فنصب بنزع الخافض. يقال: جزاه الله عمله، وجزاه على عمله، بحذف الجارّ وإيصال الفعل. ويجوز أن يكون مصدرا، أو تكون الهاء للجزاء المدلول عليه بـ «يجزى»، و «الجزاء» بدله، كقوله:( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .
( وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) مصدر بمعنى الانتهاء، أي: انتهاء الخلائق ورجوعهم إلى ثواب ربّك وعقابه، كقوله:( وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (٢) .
( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ) خلق قوّتي الضحك والبكاء. أو فعل سبب الضحك والبكاء، من السرور والحزن، كما يقال: أضحكني فلان وأبكاني.
( وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ) لا يقدر على الإماتة والإحياء غيره، فإنّ القاتل ينقض البنية، والموت يحصل عنده بفعل الله على سبيل العادة.
( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) من كلّ حيوان( مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ) تدفّق في الرحم. يقال: منى وأمنى. وعن الأخفش: تخلّق من منيّ الماني، أي: قدر المقدّر.
( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ) الإحياء بعد الموت وفاء بوعده، ولأنّها واجبة عليه في الحكمة، ليجازي على الإحسان والإساءة. ولفظة «على» دالّة عليه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: النشاءة بالمدّ. وهو أيضا مصدر: نشأ.
( وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ) وأعطى القنية. وهي المال الّذي تأثّلته(٣) وعزمت
__________________
(١) الأنبياء: ٣.
(٢) آل عمران: ٢٨.
(٣) تأثّل المال: اكتسبه وثمّره، وزكّاه، وأنماه.
أن لا تخرجه من يدك، بل تدّخره بعد الكفاية. وإفرادها لأنّها أشفّ(١) الأموال. أو أرضى. وتحقيقه: جعل الرضا له قنية.
( وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ) خالقها ومخترعها. وهي العبور، كوكب أشدّ ضياء من الغميصاء، تطلع وراء الجوزاء، وتسمّى كلب الجبار، لأنّه يتبع الجوزاء كما يتبع الكلب الصائد والصيد. والجبار اسم الجوزاء. وكانت خزاعة تعبدها، سنّ لهم أبو كبشة رجل من أشرافهم. وقيل: إنّه أحد أجداد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل أمّه. وكانت قريش تقول لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو كبشة، تشبيها له به، لمخالفته إيّاهم في دينهم. ولعلّ تخصيصها للإشعار بأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن وافق أبا كبشة في مخالفتهم، خالفه أيضا في عبادتها. فيريد الله أنّه ربّ معبودهم هذا، فلا تتّخذوا المربوب المملوك إلها.
( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ) القدماء، لأنّهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوحعليهالسلام .
وقيل: عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى إرم. وقرأ نافع وأبو عمرو: عادا لولى، بإدغام التنوين في اللام، وطرح همزة «أولى»، ونقل ضمّتها إلى لام التعريف. وقالون بعد ضمّة اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو.
وثمودا عطف على «عادا» لأنّ ما بعده لا يعمل فيه، لأنّه منفيّ بـ «ما». فلا يقال: زيدا ما ضربت، لأنّ لها صدر الكلام. وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين، ويقفان بغير الألف. والباقون بالتنوين، ويقفون بالألف.( فَما أَبْقى ) الفريقين.
( وَقَوْمَ نُوحٍ ) أيضا معطوف عليه( مِنْ قَبْلُ ) عاد وثمود( إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ) من الفريقين، لأنّهم كانوا يؤذونه وينفّرون عنه، حتّى كانوا يحذّرون صبيانهم أن يسمعوا منه، ويضربونه حتّى لا يكون به حراك، وما أثّر فيهم دعاؤه قريبا من ألف سنة.
__________________
(١) أي: أفضلها وأربحها.
( وَالْمُؤْتَفِكَةَ ) والقرى الّتي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت. وهي قرى قوم لوط. يقال: أفكه فأتفك.( أَهْوى ) بعد أن رفعها إلى السماء على جناح جبرئيل، ثمّ أهواها مقلّبة إلى الأرض، أي: أسقطها.
( فَغَشَّاها ما غَشَّى ) فيه تهويل وتعميم لـما أصابهم من العذاب الشديد، إذ أمطر عليها الصخر المنضود.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) )
ولـمّا وعد الله سبحانه ما يدلّ على وحدانيّته وكمال قدرته الذاتيّة، قال:( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ) تتشكّك. والخطاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو لكلّ أحد.
والمعدودات وإن كانت نعما ونقما، لكن سمّاها كلّها آلاء من قبل ما في نقمه من العبر والمواعظ للمعتبرين، والانتقام للأنبياء والمؤمنين.
( هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ) اي: هذا القرآن إنذار من جنس الإنذارات المتقدّمة. أو هذا الرسول منذر من جنس المنذرين الأوّلين. وقال: الأولى، على تأويل الجماعة.
( أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ) قربت الساعة الموصوفة بالقرب في نحو قوله:( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) (١) فإنّ كلّ ما هو آت لا محالة قريب.
__________________
(١) القمر: ١.
( لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ ) ليس لها نفس قادرة على كشفها، مبيّنة متى تقوم؟ أو ليس لها من دون الله كشف، على أنّها مصدر كالعافية.
( أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ ) يعني: القرآن. أو ما قدّم من الأخبار. وهو المرويّ عن الصادقعليهالسلام .( تَعْجَبُونَ ) إنكارا( وَتَضْحَكُونَ ) استهزاء( وَلا تَبْكُونَ ) تحزّنا على ما فرّطتم.
( وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ) لاهون لاعبون. أو مستكبرون، من: سمد البعير في سيره إذا رفع رأسه. أو مغنّون لتشغلوا الناس عن استماعه. من السمود، وهو الغناء.
( فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ) ولا تعبدوا الآلهة. وفي الآية دلالة على أنّ السجود هنا واجب على ما ذهب إليه أصحابنا، لأنّ الظاهر أنّ الأمر يقتضي الوجوب، وللروايات المتواترة عن الأئمّة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين.
(٥٤)
سورة القمر
مكّيّة. وهي خمس وخمسون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة اقتربت الساعة في كلّ غبّ، بعث يوم القيامة ووجهه على صورة القمر ليلة البدر، ومن قرأها كلّ ليلة كان أفضل، وجاء يوم القيامة ووجهه مسفر على وجوه الخلائق».
وروى يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة اقتربت السّاعة، أخرجه الله من قبره على ناقة من نوق الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) )
ولـمّا ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر أزوف الآزفة، افتتح هذه السورة بمثله، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) قربت الساعة الّتي يموت فيها جميع الخلائق، يعني: يوم القيامة، فاستعدّوا لها قبل وقوعها( وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) انشقاق القمر من آيات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعجزاته النيّرة، ومن علامات دنوّ القيامة.
روي عن ابن عبّاس: «اجتمع المشركون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر فلقتين. فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر، فسألعليهالسلام ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فلقتين ورسول الله ينادي: يا فلان يا فلان اشهدوا».
وقال ابن مسعود: انشقّ القمر على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلقتين، فلقة ذهبت، وفلقة بقيت، فقال لنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اشهدوا اشهدوا.
وروي أيضا عن ابن مسعود أنّه قال: والّذي نفسي بيده لقد رأيت حراء بين فلقتي القمر.
وعن جبير بن مطعم قال: انشقّ القمر على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى صار فلقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل، فقال الناس: سحر محمد. فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلّهم.
وقد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، منهم: عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وابن عبّاس، وجبير بن مطعم. وعليه جماعة المفسّرين، إلّا ما روي عن عثمان بن عطاء عن أبيه أنّه قال: معناه: وسينشقّ القمر. وروي ذلك عن الحسن. وأنكره أيضا البلخي. وهذا لا يصحّ، لأنّ المسلمين أجمعوا على ذلك، فلا يعتدّ بخلاف من خلاف فيه. ولأنّ اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه.
وإنّما ذكر سبحانه اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأنّ انشقاقه من علامة نبوّة نبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونبوّته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة.
وعن حذيفة: أنّه خطب بالمدائن ثمّ قال: الا إنّ الساعة قد اقتربت، وإنّ القمر قد انشقّ على عهد نبيّكم.
وأيضا يؤيّد هذا القول قوله:( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ) معجزة( يُعْرِضُوا ) عن الإيمان بها عنادا وحسدا( وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) دائم مطّرد. وكلّ شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله قيل فيه: قد استمرّ. وهو يدلّ على أنّهم رأوا قبله آيات اخرى مترادفة ومعجزات متتابعة حتّى قالوا ذلك. أو محكم من المرّة. يقال: أمررته فاستمرّ، إذا أحكمته فاستحكم. أو مستبشع مرّ.
( وَكَذَّبُوا ) بالآية الّتي شاهدوها( وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ) وهو ما زيّن لهم الشيطان من ردّ الحقّ بعد ظهوره. وذكر هما بلفظ الماضي للإشعار بأنّهما من عادتهم القديمة.( وَكُلُّ أَمْرٍ ) من أمرهم وأمر محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مُسْتَقِرٌّ ) منته إلى غاية، من خذلان أو نصر في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة، فإنّ الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقرّ.
( وَلَقَدْ جاءَهُمْ ) جاء هؤلاء الكفّار في القرآن( مِنَ الْأَنْباءِ ) أنباء القرون الخالية وإهلاكنا إيّاهم. أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفّار.( ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ) ازدجار، من تعذيب أو وعيد. أو موضع ازدجار. والمعنى: هو في نفسه موضع للازدجار ومظنّة له، كقوله:( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (١) أي: هو أسوة. وتاء الافتعال تقلب دالا مع الدال والذال والزاء للتناسب.
( حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ) غايتها، أي: بلغت الغاية والنهاية في الوضوح، لا خلل فيها أصلا. وهي بدل من «ما»، أو خبر لمحذوف.( فَما تُغْنِ النُّذُرُ ) نفي أو استفهام
__________________
(١) الأحزاب: ٢١.
إنكار منصوب المحلّ، أي: فأيّ غناء تغني النذر؟ وهو جمع نذير، بمعنى المنذر أو المنذر منه. أو مصدر بمعنى الإنذار.
( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) أي: أعرض عنهم ولا تقابلهم على سفههم، لعلمك بأنّ الإنذار لا يغني فيهم. وهاهنا وقف تامّ.( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ) إسرافيل أو جبرئيل، كقوله( يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ ) (١) . وإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتخفيف.
وانتصاب «يوم» بـ «يخرجون» أو بإضمار: اذكر.( إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) فظيع تنكره النفوس، لأنّها لم تعهد مثله، وهو هول يوم القيامة. وقرأ ابن كثير: نكر بالتخفيف.
( خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ ) من قبورهم خاشعا ذليلا أبصارهم من الهول. وخشوع الأبصار كناية عن الذلّة والانخزال(٢) ، لأنّ ذلّة الذليل وعزّة العزيز تظهران في عيونهما. وإفراده وتذكيره لأنّ فاعله ظاهر غير حقيقيّ التأنيث.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وعاصم: خشّعا. وإنّما حسن ذلك، ولا يحسن: مررت برجال قائمين غلمانهم، لأنّه ليس على صيغة تشبه الفعل.( كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ) في الكثرة والتموّج والانتشار في الأمكنة. يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض: جاؤا كالجراد وكالدبى(٣) .
وفيه دلالة على أنّ البعث إنّما يكون لهذه البنية، لأنّها الكائنة في الأجداث، خلافا لمن زعم أنّ البعث يكون للأرواح.
( مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ) مسرعين مادّي أعناقهم إليه. أو ناظرين قبل الداعي. وهو حال من قوله:( يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ) صعب شديد.
__________________
(١) ق: ٤١.
(٢) أي: الانقطاع والانكسار.
(٣) الدبى: أصغر الجراد. والواحدة: دباة.
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) )
ثمّ هدّد المعاندين المكذّبين بذكر قصص الأنبياءعليهمالسلام واستئصالهم، لفرط عنادهم وتكذيبهم، فقال :
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ) قبل قومك( قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا ) نوحا. وهو تفصيل بعد إجمال. وقيل: معناه: كذّبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلّما مضى منهم قرن مكذّب تبعه قرن مكذّب. أو كذّبوه بعد ما كذّبوا الرسل.( وَقالُوا مَجْنُونٌ ) هو مجنون( وَازْدُجِرَ ) زجر عن التبليغ بأنواع الأذيّة. وقيل: إنّه من جملة قيلهم، أي: هو مجنون وقد ازدجرته الجنّ، أي: ذهبت بلبّه وتخبّطته وطارت بقلبه.
( فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ ) غلبني قومي، فلم يسمعوا منّي، واستحكم اليأس من إجابتهم لي( فَانْتَصِرْ ) فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم. وذلك بعد يأسه منهم. وقد روي: أنّ الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتّى يخرّ مغشيّا عليه، فيفيق وهو يقول: أللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.
ثمّ بيّن سبحانه إجابته لدعاء نوحعليهالسلام ، فقال:( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ ) هاهنا
حذف معناه: فاستجبنا لنوح دعاءه، ففتحنا أبواب السماء( بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ) أي: أجرينا من السماء ماء منصبّا في فرط كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، كجريانه بدفع شديد إذا فتح عنه باب كان مانعا له. وقرأ ابن عامر ويعقوب: ففتّحنا بالتشديد، لكثرة الأبواب.
( وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً ) وجعلنا الأرض كلّها كأنّها عيون متفجّرة. وأصله: وفجّرنا عيون الأرض، فغيّر للمبالغة.( فَالْتَقَى الْماءُ ) ماء السماء وماء الأرض( عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) على حال قدّرها الله في الأزل من غير تفاوت. أو على حال قدّرت وسوّيت، وهو أن قدّر ما أنزل من السماء على قدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء. أو على أمر قد قدّر في اللوح أنّه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.
( وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ ) ذات أخشاب عريضة( وَدُسُرٍ ) ومسامير.
جمع دسار، وهو فعال من: دسره إذا دفعه، فإنّه يدسر به منفذه. ومصدره الدسر، وهو الدفع الشديد. وهي صفة للسفينة أقيمت مقامها، من حيث إنّها كالشرح لها تؤدّي مؤدّاها.
( تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ) بمرأى منّا، أي: محفوظة بحفظنا. ومنه قولهم: عين الله عليك. وقيل: معناه: بأعين أوليائنا ومن وكّلناهم بها من الملائكة. وقيل: معناه: تجري بأعين الماء الّتي انبعناها.( جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ) أي: فعلنا ذلك جزاء لنوح.
وجعله مكفورا لأنّه نعمة كفروها، فإنّ كلّ نبيّ نعمة من الله ورحمة على أمّته. ويجوز أن يكون على حذف الجارّ وإيصال الفعل إلى الضمير، تقديره: لمن كان كفر به.
( وَلَقَدْ تَرَكْناها ) أي: السفينة، أو الفعلة( آيَةً ) يعتبر بها، إذ شاع خبرها واشتهر. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة ـ وقيل: على الجوديّ ـ دهرا طويلا حتّى نظر إليها أوائل هذه الأمّة.( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) معتبر.
( فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ) استفهام تعظيم ووعيد. والنذر يحتمل المصدر، وجمع نذير، وهو الإنذار.
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) )
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) سهّلناه للادّكار والاتّعاظ، بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر، بأن وشحناه بالمواعظ الشافية والإنذارات الوافية. أو للحفظ.
وقيل: معناه: ولقد هيّأناه للذكر. من: يسّر ناقته للسفر إذا رحّلها، ويسّر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه.( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) متّعظ.
( كَذَّبَتْ عادٌ ) بالرسول الّذي بعث إليهم، وهو هود، فاستحقّوا الهلاك.
( فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ) أي: إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو لمن بعدهم في تعذيبه.
ثمّ بيّن كيفيّة إهلاكهم، فقال:( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ) باردا. من الصرّ، وهو البرد. أو شديد الصوت، من الصرّ.( فِي يَوْمِ نَحْسٍ ) شؤم( مُسْتَمِرٍّ ) استمرّ شؤمه. أو استمرّ عليهم بنحو سته سبع ليال وثمانية أيّام حتّى أهلكهم. أو على جميعهم، كبيرهم وصغيرهم، فلم يبق منهم أحدا. أو اشتدّ مرارته. وكان يوم الأربعاء في آخر الشهر.
( تَنْزِعُ النَّاسَ ) تقلعهم عن أماكنهم. روي: أنّهم دخلوا في الشعاب والحفر، وأخذ بعضهم بأيدي بعض ملاصقين، فنزعتهم الريح منها، وأكبّتهم ودقّت رقابهم
وصرعتهم، فصاروا أمواتا على الأرض جثثا طوالا عظاما.( كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) أصول نخل بلا فروع، منقلع عن مغارسه، ساقط على الأرض. وقيل: شبّهوا بالأعجاز، لأنّ الريح طيّرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم بلا رؤوس.
وتذكير منقعر للحمل على اللفظ. والتأنيث في قوله:( أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ) (١) للمعنى.
( فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ) كرّره للتهويل. وقيل: الأوّل لـما حاق بهم في الدنيا، والثاني لـما يحيق بهم في الآخرة، كما قال أيضا في قصّتهم:( لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى ) (٢) .
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) )
__________________
(١) الحاقّة: ٧.
(٢) فصّلت: ١٦.
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ) بالإنذارات والمواعظ الّتي جاءهم بها صالح. أو بالرسل المنذرين بسبب تكذيبهم صالحا، لأنّ تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الجميع، لأنّهم متّفقون في الدعاء إلى التوحيد وإن اختلفوا في الشرائع.
( فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا ) من جنسنا، أو من جملتنا، لا فضل له علينا. وانتصابه بفعل يفسّره ما بعده.( واحِداً ) منفردا لا تبع له. أو من آحادهم دون أشرافهم.
( نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) جمع سعير. كأنّهم عكسوا عليه، فرتّبوا على اتّباعهم إيّاه ما رتّبه على ترك اتّباعهم له. وقيل: السعر الجنون. ومنه: ناقة مسعورة.
( أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ ) الكتاب، أو الوحي( عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا ) هذا استفهام إنكار وجحود، أي: كيف ألقي الوحي عليه وخصّ بالنبوّة وفينا من هو أحقّ منه بالاختيار للنبوّة؟!( بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) بطر متكبّر، حمله بطره على الترفّع والتعظّم علينا بادّعاء ذلك.
ثمّ قال سبحانه وعيدا لهم:( سَيَعْلَمُونَ غَداً ) أي: عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة. وإنّما قال: «غدا» على وجه التقريب، على عادة الناس في ذكرهم الغد وإرادتهم العاقبة، فقالوا: إنّ مع اليوم غدا.( مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) الّذي حمله أشره على الاستكبار عن الحقّ وطلب الباطل، أصالحعليهالسلام أم من كذّبه؟! وقرأ ابن عامر وحمزة ورويس: ستعلمون، على الالتفات، أو حكاية ما أجابهم به صالح.
( إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ ) مخرجوها وباعثوها معجزة لصالح. وهاهنا حذف، وهو أنّهم تعنّتوا على صالحعليهالسلام ، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء(١) ، تضع ثم ترد ماءهم فتشربه ثمّ تعود عليهم بمثله لبنا. فقال سبحانه: إنّا
__________________
(١) العشراء: الناقة الّتي مضى لحملها عشرة أشهر، وهي كالنفساء من النساء.
مرسلوا الناقة كما سألوها( فِتْنَةً لَهُمْ ) امتحانا لهم( فَارْتَقِبْهُمْ ) فانتظر أمر الله فيهم، وتبصّر ما هم صانعون( وَاصْطَبِرْ ) على أذاهم حتّى يأتيك أمري.
( وَنَبِّئْهُمْ ) وأخبرهم( أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ) مقسوم لها شرب يوم، ولهم شرب يوم. وإنّما قال: «بينهم» لتغليب العقلاء.( كُلُّ شِرْبٍ ) نصيب من الماء( مُحْتَضَرٌ ) محضور لهم، أو للناقة. ففي يوم الناقة تحضره الناقة، وفي يومهم يحضرونه. وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم، واللبن في نوبتها.
( فَنادَوْا صاحِبَهُمْ ) أي: دبّروا في أمر الناقة بالقتل، فدعوا واحدا من أشرارهم، وهو: قدار بن سالف أحيمر ثمود( فَتَعاطى ) فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له( فَعَقَرَ ) فأحدث العقر بالناقة فقتلها. وقيل: فتعاطى السيف فقتلها. والتعاطي تناول الشيء بتكلّف.
( فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ) أي: فانظر كيف كان عذابي لهم وإنذاري إيّاهم.
( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً ) يعني: صيحة جبرئيل( فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) كالحشيش أو الشجر اليابس المتهشّم المتكسّر، الّذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. والحظيرة: هي الّتي يتّخذها المحتظر ـ أي: صاحبها ـ لغنمه تمنعها من برد الريح. والمعنى: أنّهم بادوا وهلكوا، فصاروا كيبيس الشجر المتفتّت إذا تحطّم.
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا
عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) )
( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ) بالإنذار، أو بالرسل( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً ) ريحا تحصبهم بالحجارة، أي: ترميهم( إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ) في سحر، وهو آخر الليل. أو مسحرين.( نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا ) إنعاما منّا. وهو علّة لـ «نجّينا».( كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) نعمتنا بالإيمان والطاعة.
( وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ ) لوط( بَطْشَتَنا ) أخذتنا بالعذاب( فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ) فكذّبوا بالنذر متشاكّين. من المرية. أو فتدافعوا بالإنذار على وجه الجدال بالباطل.
( وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ) طلبوا منه أن يسلّم إليهم أضيافه ليقصدوا الفجور بهم( فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ) فمسحناها وسوّيناها بسائر الوجه، لا يرى لها أثر عين.
روي: أنّهم لـمّا عالجوا باب لوط ليدخلوا قالت الملائكة: خلّهم يدخلوا إنّا رسل ربّك، لن يصلوا إليك. فصفقهم فأعماهم، فتركهم يتردّدون لا يهتدون إلى الباب حتّى أخرجهم لوط.( فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ) فقلنا لهم: ذوقوا، على ألسنة الملائكة.
( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ ) أتاهم في الصباح( بُكْرَةً ) أوّل النهار وباكره، كقوله: مشرقين ومصبحين( عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ) ثابت قد استقرّ عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة.
( فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) كرّر ذلك في كلّ قصّة إشعارا بأن تكذيب كلّ رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كلّ قصّة مستدع للادّكار والاتّعاظ. واستئنافا للتنبيه والاتّعاظ، لئلّا يغلبهم السهو، ولا تستولي عليهم الغفلة، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب في كلّ زمان، مصوّرة
للأذهان، مذكورة من غير نسيان في كلّ أوان. وهكذا تكرير قوله:( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) عند كلّ نعمة عدّها في سورة الرحمن. و( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) عند كلّ آية أوردها في سورة المرسلات، ونحو ذلك.
( وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) )
( وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ) الإنذارات، أو المنذرون. وهم: موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، لأنّهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون. واكتفى بذكر آل فرعون عن ذكره، للعلم بأنّه أولى بذلك منهم.
( كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ) يعني: الآيات التسع( فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ ) لا يغالب( مُقْتَدِرٍ ) لا يعجزه شيء.
( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) )
ثمّ خوّف سبحانه كفّار مكّة، فقال:( أَكُفَّارُكُمْ ) يا معشر العرب( خَيْرٌ ) أشدّ وأقوى في أسباب الدنيا( مِنْ أُولئِكُمْ ) الكفّار، المعدودين من قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، أي: أهم خير قوّة وعدّة، أو مكانة في الدنيا، أو أقلّ كفرا وعنادا؟ والاستفهام للإنكار. والمعنى: لستم مثل أولئك، لا في القوّة، ولا في الثروة، ولا في كثرة العدد والعدّة. فإذا هلك أولئك الكفّار فما الّذي يؤمنكم أن ينزل
بكم ما نزل بهم؟( أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) أم أنزلت عليكم يا أهل مكّة براءة في الكتب السماويّة، أنّ من كفر منكم وكذّب الرسل فهو في أمان من العذاب، فأمنتم بتلك البراءة؟
( أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ ) جماعة، أمرنا مجتمع( مُنْتَصِرٌ ) ممتنع، لا نرام ولا نضام. أو منتصر من الأعداء لا نغلب. أو متناصر ينصر بعضنا بعضا. والتوحيد على لفظ الجميع. وروي: أنّ أبا جهل ضرب فرسه يوم بدر، فتقدّم في الصفّ وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه.
( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) أي: جميع كفّار مكّة( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) أي: الأدبار.
وإفراده لإرادة الجنس، أو لأنّ كلّ واحد يولّي دبره. وقد وقع ذلك يوم بدر، وهو من دلائل النبوّة.
وعن عكرمة: لـمّا نزلت هذه الآية قال عمر: لم أعلم ما هو، فلمّا كان يوم بدر رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يلبس الدرع ويقول: «سيهزم الجمع» فعلمته.
( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) موعد عذابهم الأصليّ، وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه( وَالسَّاعَةُ أَدْهى ) أشدّ وأفظع. والداهية أمر فظيع لا يهتدى لدوائه.
( وَأَمَرُّ ) مذاقا من الهزيمة والقتل والأسر، وغير ذلك من عذاب الدنيا.
( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
(٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) )
ثمّ بيّن سبحانه حال القيامة، فقال:( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ ) عن الحقّ في الدنيا( وَسُعُرٍ ) ونيران في الآخرة.
( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) يجرّون عليها، يقال لهم:( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) حرّ النار وألمها، فإنّ مسّها سبب التألّم بها، كقولك: وجد مسّ الحمى، وذاق طعم الضرب، إذا تأذّى وتألّم منهما. وسقر: علم لجهنّم. وعدم صرفها للعلميّة والتأنيث. وأصل السقر: التلويح، من: سقرته النار وصقرته إذا لوّحته.
( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) خلقنا كلّ شيء مقدّرا بمقدار على مقتضى الحكمة. أو مقدّرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه.
وعن الحسن: على قدر معلوم. فخلقنا اللسان للكلام، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعين للنظر، والأذن للسماع، والمعدة للطعام. ولو زاد أو نقص عمّا قدّرناه لـما تمّ الغرض.
وقيل: معناه: جعلنا لكلّ شيء شكلا يوافقه ويصلح له، كالمرأة للرجل، والأتان للحمار، وثياب الرجال للرجال، وثياب النساء للنساء.
و «كلّ شيء» منصوب بفعل يفسّره ما بعده. واختيار النصب هاهنا مع الإضمار، لـما فيه من النصوصيّة على المقصود.
( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ ) إلّا كلمة واحدة سريعة التكوين. وهو قوله: «كن» عند إرادة إيجاد شيء بلا تأخير.( كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) في اليسر والسرعة. والمعنى: إذا أراد تكوين شيء لم يلبث كونه إلّا فعلة واحدة. وهو الإيجاد بلا معالجة
ومعاناة. وقيل: معناه معنى قوله:( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) (١) .
( وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ ) أشباهكم في الكفر ممّن قبلكم. وسمّاهم أشياعهم لـما وافقوهم في الكفر وتكذيب الأنبياء.( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) متّعظ.
( وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ) مكتوب في كتب الحفظة ودواوينهم.
( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ) من الأعمال والأرزاق والآجال والموت والحياة وغيرها ممّا هو كائن( مُسْتَطَرٌ ) مسطور في اللوح.
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) أنهار الجنّة، من الماء والخمر واللبن والعسل. واكتفى باسم الجنس. وقيل: هو السعة والضياء، من النهار.
( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ) في مكان مرضيّ. وسمّي صدقا، لأنّ الله صدق وعد أوليائه فيه.( عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) مقرّبين عند من تعالى أمره في الملك والاقتدار، فلا شيء إلّا وهو تحت ملكه وقدرته. فأيّ منزلة أكرم من تلك المنزلة، وأجمع للغبطة كلّها والسعادة بأسرها؟ وليس المراد قرب المكان، لتعاليه سبحانه عن ذلك، بل المراد أنّهم في كنفه وجوار رحمته وكفايته، حيث تنالهم غواشي رحمته وفضله.
__________________
(١) النحل: ٧٧.
(٥٥)
سورة الرّحمن
مكّيّة. وهي ثمان وسبعون آية.
أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة الرحمن رحم الله ضعفه، وأدّى شكر ما أنعم الله عليه».
وروي عن موسى بن جعفر، عن آبائهعليهمالسلام ، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لكلّ شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن جلّ ذكره».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «لا تدعوا قراءة الرحمن والقيام بها، فإنّها لا تقرّ في قلوب المنافقين. وتأتي ربّها يوم القيامة في صورة آدميّ في أحسن صورة وأطيب ريح، حتّى تقف من الله موقفا لا يكون أحد أقرب إلى الله منها.
فيقول لها: من الّذي كان يقوم بك في الحياة الدنيا ويدمن قراءتك؟ فتقول: يا ربّ فلان وفلان. فتبيضّ وجوههم. فيقول لهم: اشفعوا فيمن أحببتم. فيشفعون حتّى لا يبقى لهم غاية ولا أحد يشفعون له. فيقول لهم: ادخلوا الجنّة واسكنوا فيها حيث شئتم».
حمّاد بن عثمان قال: «قال الصادقعليهالسلام : يجب أن يقرأ الرجل سورة الرحمن يوم الجمعة، فكلّما قرأ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) قال: لا بشيء من آلائك يا ربّ أكذّب».
وعنهعليهالسلام قال: «ومن قرأ سورة الرحمن ليلا، يقول عند كلّ «فَبِأَيِّ آلاءِ
رَبِّكُما تُكَذِّبانِ »: لا بشيء من آلائك يا ربّ أكذّب، وكلّ الله به ملكا إن قرأها في أوّل الليل يحفظه حتّى يصبح، وإن قرأها حين يصبح وكّل الله به ملكا يحفظه حتّى يمسي».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة القمر باسمه، افتتح هذه السورة أيضا باسمه، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) لـمّا كانت هذه السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيويّة والأخرويّة، صدّرها بالرحمن. ثمّ أراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى رواتبها، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنّه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين
أثرا، وأعزّ الكتب السماويّة حكما، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدّق لنفسه ومصداق لها.
ثمّ أتبعه قوله:( خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) إيماء بأنّ الغرض من خلق البشر، وما يميّز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عمّا في الضمير، هو معرفة الله سبحانه، والعلم بالشرعيّات، والعمل بمقتضاها، وإفهام الغير بها، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزّك بعد ذلّ، كثّرك بعد قلّة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟
وعن ابن عبّاس: المراد بالإنسان آدم. وتعليم البيان تعليم أسماء كلّ شيء واللغات كلّها.
وعن ابن كيسان: الإنسان محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، علّمه القرآن والبيان.
( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ) يجريان بحساب معلوم مقدّر في بروجهما ومنازلهما، وتتّسق بذلك أمور الكائنات السفليّة، وتختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب، وغير ذلك من المنافع العظيمة للناس، من الضياء والنور، ومعرفة الليل والنهار، ونضج الثمار، ونظائرها. ولكثرة منافعهما خصّهما بالذكر.
( وَالنَّجْمُ ) والنبات الّذي ينجم، أي: يطلع من الأرض ولا ساق له، كالبقول( وَالشَّجَرُ ) والّذي له ساق( يَسْجُدانِ ) ينقادان لله فيما خلقا له طبعا، انقياد الساجد من المكلّفين طوعا.
وكان حقّ النظم في الجملتين أن يقال: وأجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر، أو الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتّصالهما بالرحمن، لكنّهما جرّدتا عمّا يدلّ على الاتّصال إشعارا بأنّ وضوحه يغنيه عن البيان.
وإدخال العاطف بينهما للتناسب بينهما، وهو أنّ الشمس والقمر سماويّان ،
والنجم والشجر أرضيّان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل. وأنّ السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين. وأنّ جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر، لاشتراكهما في الدلالة على أنّ ما يحسّ به من تغيّرات أحوال الأجرام العلويّة والسفليّة بتقديره وتدبيره.
وعن مجاهد: أراد: أنّ نجم السماء ـ وهو موحّد، والمراد به جميع النجوم ـ والشجر يسجدان لله بكرة وأصيلا، كما قال:( وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ ) (١) .
وقيل: سجودهما سجود ظلالهما، كقوله:( يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ) (٢) . والمعنى: أنّ كلّ جسم له ظلّ فهو يقتضي الخضوع، بما فيه من دليل الحدوث وإثبات المحدث المدبّر.
( وَالسَّماءَ رَفَعَها ) خلقها مرفوعة محلّا ومرتبة، حيث جعلها منشأ أقضيته، ومنزل أحكامه، ومحلّ ملائكته الّذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. ونبّه بذلك على كبرياء شأنه، وتعالي ملكه، وعظمة سلطانه.
( وَوَضَعَ الْمِيزانَ ) العدل، وهو الإنصاف والانتصاف، بأن وفّر على كلّ مستعدّ مستحقّه، ووفّى كلّ ذي حقّ حقّه، حتّى انتظم أمر العالم واستقام، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «بالعدل قامت السماوات والأرض».
أو ما يعرف به مقادير الأشياء، من ميزان ومكيال ومقياس ونحوها. فعلّق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبّدهم به، من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. كأنّه لـمّا وصف السماء بالرفعة من حيث إنّها مصدر القضايا والأقدار، أراد وصف الأرض بما فيها، ممّا يظهر به التفاوت، ويعرف به المقدار، ويستوي به الحقوق والمواجب.
( أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ) لئلّا تطغوا فيه، أي: لا تعتدوا، ولا تجاوزوا
__________________
(١) الحجّ: ١٨.
(٢) النحل: ٤٨.
الإنصاف.
( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ) وقوّموا وزنكم بالعدل( وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ) ولا تنقصوه، فإنّ من حقّه أن يسوّى، لأنّه المقصود من وضعه. وتكريره مبالغة في التوصية به، وزيادة حثّ على استعماله.
ثمّ قابل قوله:( وَالسَّماءَ رَفَعَها ) بقوله:( وَالْأَرْضَ وَضَعَها ) خفضها مدحوّة على الماء( لِلْأَنامِ ) للخلق. وهو كلّ ما على ظهر الأرض من دابّة. وعن الحسن: الجنّ والإنس. وقيل: الأنام كلّ ذي روح. فهي كالمهاد لهم يتصرّفون فوقها.
( فِيها فاكِهَةٌ ) ضروب ممّا يتفكّه به( وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ) أوعية التمر.
جمع كمّ بكسر الكاف. أو كلّ ما يكمّ ـ أي: يغطّى ـ من لف وسعف وكفرّى(١) ، أوّل ما يبدأ من التمر، فإنّه ينتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجمّاره(٢) وجذوعه.
( وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ) كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذّى به. والعصف ورق النبات اليابس، كالتبن.( وَالرَّيْحانُ ) يعني: المشموم. أو الرزق، من قولهم: خرجت أطلب ريحان الله، أي: رزق الله. أراد: أن فيها ما يتلذّذ به من الفواكه، والجامع بين التلذّذ والتغذّي وهو ثمر النخل، وما يتغذّى به وهو الحبّ.
وقرأ ابن عامر: والحبّ ذا العصف والريحان، أي: وخلق الحبّ وخلق الريحان، أو وأخصّ الحبّ والريحان. ويجوز أن يراد: وذا الريحان، فحذف المضاف.
وقرأ حمزة والكسائي: والرّيحان بالخفض، وما عدا ذلك بالرفع. وهو فيعلان من الروح، فقلبت الواو وأدغم ثمّ حذف. وقيل: روحان، فقلبت واوه ياء للتخفيف.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) لأنّها كلّها منعم عليكم بها. والخطاب للثقلين
__________________
(١) الكفرّى: وعاء طلع النخل.
(٢) الجمّار: شحم النخلة.
المدلول عليهما بقوله: «للأنام» وبقوله:( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) (١) . والمعنى: أنّه لا يمكن جحد شيء من هذه النعم. ووجه تكرار هذه الآية قد مرّ في سورة(٢) القمر.
( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) )
( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) يعني: آدم، أو جميع البشر، لأنّ أصلهم آدمعليهالسلام ( مِنْ صَلْصالٍ ) من طين يابس له صلصلة، أي: صوت إذا ضربت يدك عليه( كَالْفَخَّارِ ) كالخزف والآجرّ. وقد خلق الله آدم من تراب، بأن جعله طينا، ثمّ حمأ مسنونا، ثمّ صلصالا. فلا يخالف قوله:( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) (٣) ( حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) (٤) ( مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) (٥) .
( وَخَلَقَ الْجَانَ ) أبا الجنّ. وقيل: هو إبليس، أو جنس الجنّ.( مِنْ مارِجٍ ) من لهب صاف من الدخان. وقيل: مختلط أحمر وأسود وأبيض.( مِنْ نارٍ ) بيان لـ «مارج» فإنّه في الأصل للمضطرب، من: مرج إذا اضطرب. كأنّه قيل: من صاف من نار.
__________________
(١) الرحمن: ٣١.
(٢) راجع ص ٥٣٣، ذيل الآية ٣٢.
(٣) آل عمران: ٥٩.
(٤) الحجر: ٢٦.
(٥) الصافّات: ١١.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ممّا أفاض عليكما في أطوار خلقتكما، حتّى صيّركما أفضل المركّبات وخلاصة الكائنات.
( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. وقيل: مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ممّا في ذلك من الفوائد الّتي لا تحصى، كاعتدال الهواء، واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كلّ فصل فيه، إلى غير ذلك.
( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) )
( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) أرسلهما. من: مرجت الدابّة إذا أرسلتها. والمعنى: أرسل البحر الملح والبحر العذب.( يَلْتَقِيانِ ) متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين.
( بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ) حاجز من قدرة الله( لا يَبْغِيانِ ) لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصّيّة. أو لا يتجاوزان حدّيهما بإغراق ما بينهما. قيل :إنّهما بحر فارس وبحر الروم.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) حيث خلق البحرين العذب والمالح يلتقيان بحيث لا يختلطان.
( يَخْرُجُ ) وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب: يخرج( مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ )
كبار الدرّ وصغاره. وقيل: المرجان الخرز الأحمر، وهو البسّذ(١) . وإن صحّ أنّ الدرّ يخرج من الملح، فإنّما قال: «منهما» لأنّه لـمّا التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه. وتقول: خرجت من البلد. وإنّما خرجت من محلّة من محالّه، بل من دار واحدة من دوره.
وقيل: لا يخرجان إلّا من ملتقى الملح والعذب. فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج اللؤلؤ إلّا من الموضع الّذي يلتقي فيه الملح والعذب، وذلك معروف عند الغوّاصين.
ومثله قوله:( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) (٢) وإنّما هو في واحدة منهنّ. وقوله:( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) (٣) . والرسل من الإنس دون الجنّ.
وعن ابن عبّاس: يخرج من ماء السماء وماء البحر، فإنّ القطر إذا جاء من السماء تفتّحت الأصداف، فكان من ذلك القطر اللؤلؤ.
وروي عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري: أنّ «البحرين» عليّ وفاطمة.( بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ) محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) الحسن والحسينعليهماالسلام .
ولا غرو أن يكوناعليهماالسلام بحرين، لسعة فضلهما، وكثرة خيرهما، فإنّ البحر إنّما يسمّى بحرا لسعته، وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لفرس ركبه وأجراه فأحمده: «وجدته بحرا» أي: كثير المعاني الحميدة.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ممّا أعطاكم من ألبسة الجواهر الحسنة
__________________
(١) البسّذ كسكّر: المرجان. معرّب. الصحاح ١: ٣٥١.
(٢) نوح: ١٦.
(٣) الأنعام: ١٣٠.
لتتزيّنوا بها.
( وَلَهُ الْجَوارِ ) السفن الجارية في الماء بأمر الله( الْمُنْشَآتُ ) المرفوعات الشرع، أو المصنوعات. وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين، أي: الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهنّ، أو ينشئن السير.( فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ) كالجبال. جمع علم، وهو الجبل الطويل.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) من خلق موادّ السفن، والإرشاد إلى أخذها، وكيفيّة تركيبها وإجرائها في البحر، بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره.
( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) )
( كُلُّ مَنْ عَلَيْها ) على الأرض من الحيوانات أو المركّبات. و «من» للتغليب. ولم يذكر مرجع الضمير لكونه معلوما، كقولهم: ما بين لابتيها، أي: لابتي المدينة.
( فانٍ ) يفنون ويخرجون من الوجود. والتوحيد باعتبار لفظة «كلّ».
( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ) ذاته. والوجه يعبّر به عن الجملة والذات، باعتبار أنّ ذات الشيء يعرف بوجهه. ومساكين مكّة يقولون: أين وجه عربيّ كريم ينقذني من الهوان؟( ذُو الْجَلالِ ) ذو العظمة والكبرياء بحيث لا يحيط بكنهه ما سواه. أو ذو الاستغناء المطلق. أو الّذي يجلّه الموحّدون عن التشبيه بخلقه، وعن أفعالهم. أو الّذي يقال له: ما أجّلك.( وَالْإِكْرامِ ) ذو الفضل العامّ. أو الّذي يقال له: ما أكرمك.
وقيل: معنى جلاله وإكرامه: من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من أنبيائه
وأوليائه بألطافه وإفضاله، مع كمال جلاله وعظمته. وهذه الصفة من أعظم صفات الله. ولقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ألظّوا ـ يعني: الزموا ـ بـ «يا ذا الجلال والإكرام».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنّه مرّ برجل وهو يصلّي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال: قد استجيب لك».
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) أي: من بقاء الربّ، وإبقاء ما لا يحصى ممّا هو على صدد الفناء رحمة وفضلا. أو ممّا يترتّب على فناء الكلّ، من الإعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم.
( يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فإنّهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمّهم ويعنّ لهم. فيسأله أهل السماوات ما يتعلّق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلّق بدينهم ودنياهم. والمراد بالسؤال ما يدلّ على الحاجة إلى تحصيل الشيء، نطقا كان أو غيره.( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) كلّ وقت وحين يحدث أشخاصا ويجدّد أحوالا، على ما سبق به قضاؤه، كما
روي عن أبي الدرداء: «أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تلاها، فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرّج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين».
وعن ابن عبّاس قال: إنّ ممّا خلق الله تعالى لوحا من درّة بيضاء، دواته ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله:( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) .
وقيل: شأنه جلّ ذكره أن يخرج في كلّ يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبر، ثمّ يرتحلون جميعا إلى الله.
وقيل: شأنه إيصال المنافع إليك، ودفع المضارّ عنك، فلا تغفل عن طاعة من
لا يغفل عن برّك.
وعن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، أحدهما: اليوم الّذي هو مدّة عمر الدنيا، فشأنه فيه الأمر والنهي، والإماتة والإحياء، والإعطاء والمنع. والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب.
وعن مقاتل: نزل في ردّ اليهود حين قالوا: إنّ الله لا يقضي يوم السبت شيئا.
وسأل بعض الملوك وزيره عن هذه الآية، فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيبا يفكّر فيها. فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك، لعلّ الله يسهّل لك على يدي. فأخبره، فقال له: أنا أفسّرها للملك فأعلمه.
فقال: أيّها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميّت، ويخرج الميّت من الحيّ، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعزّ ذليلا، ويذلّ عزيزا، ويفقر غنيّا، ويغني فقيرا.
فقال الأمير: أحسنت. وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة.
فقال: يا مولاي هذا من شأن الله.
وعن عبد الله بن طاهر: أنّه دعا الحسين بن الفضل فقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي. قوله تعالى:( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) (١) . وقد صحّ أنّ الندم توبة. وقوله:( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (٢) . وصحّ أنّ القلم جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله:( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) (٣) . فما بال الأضعاف؟
فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمّة، ويكون توبة في
__________________
(١) المائدة: ٣١.
(٢) الرحمن: ٢٩.
(٣) النجم: ٣٩.
هذه الأمّة، لأنّ الله تعالى خصّ هذه الأمّة بخصائص لم يشاركهم فيها الأمم. أو ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. وأمّا قوله:( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) فمعناه: ليس له إلّا ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا. وأمّا قوله:( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) فإنّها شؤون يبديها، لا شؤون يبتدئها.
فقام عبد الله وقبّل رأسه، وسوّغ خراجه.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ممّا يسعف به سؤلكما، وما يخرج لكما من مكمن العدم حينا فحينا.
( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) )
ولـمّا ذكر سبحانه الفناء والإعادة، عقّب ذلك بذكر الوعيد والتهديد، فقال :
( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) سنتجرّد لحسابكم وجزائكم. وذلك يوم القيامة، فإنّها تعالى لا يفعل فيه غيره.
وتنقيح المعنى: ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق الّتي أرادها بقوله:( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) ، فلا يبقى إلّا شأن واحد، وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل.
وقيل: تهديد مستعار من قولك لمن تهدّده: سأفرغ لك. تريد: سأتجرّد للإيقاع بك من كلّ ما يشغلني عنك حتّى لا يكون لي شغل سواه. والمراد: التوفّر على النكاية فيه والانتقام منه، فإنّ المتجرّد للشيء كان أقوى عليه وأجدّ فيه.
وقرأ حمزة والكسائي بالياء. والثقلان: الإنس والجنّ. سمّيا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهما وقدرهما، أو لأنّهما مثقلان بالتكليف.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) من جملتها إعلامكم الحساب والجزاء، لتتهيّئوا في أعمال الخير، وتجتنبوا عن أفعال الشرّ.
( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) كالترجمة لقوله: «أَيُّهَ الثَّقَلانِ »( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض هاربين من الموت، أو فارّين من قضائه وقدره. يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية.( فَانْفُذُوا ) فاخرجوا. ثمّ قال:( لا تَنْفُذُونَ ) لا تقدرون على النفوذ( إِلَّا بِسُلْطانٍ ) إلّا بقوّة وقهر وغلبة، وأنّى لكم ذلك؟ فإنّكم حيث توجّهتم فثمّ ملكي وسلطاني.
بيّن سبحانه بذلك أنّهم في حبسه، وأنّه مقتدر عليهم لا يفوتونه. وجعل ذلك دلالة على توحيده وقدرته، وزجرا لهم عن معصيته ومخالفته. ونحوه:( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) (١) .
روي: أنّ الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق، فإذا رآهم الجنّ والإنس هربوا، فلا يأتون وجها إلّا وجدوا الملائكة أحاطت به.
وقيل: المعنى: إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السماوات والأرض فانفذوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلّا ببيّنة نصبها الله، فتعرجون عليها بأفكاركم.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) أي: من التنبيه والتحذير، والمساهلة والعفو مع
__________________
(١) العنكبوت: ٢٢.
كمال القدرة، لترغبوا بالطاعة، وتجتنبوا عن المعصية. أو ممّا نصب من المصاعد العقليّة والمعارج النقليّة، فتنفذون بها إلى فوق السماوات العلى.
( يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ ) لهب أخضر منقطع( مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ) ودخان. أو صفر مذاب يصبّ على رؤوسهم. وعن ابن عبّاس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر.
وقرأ ابن كثير: شواظ بكسر الشين. وهو لغة. ونحاس بالجرّ، عطفا على «نار». ووافقه أبو عمرو ويعقوب في رواية.
( فَلا تَنْتَصِرانِ ) فلا تقدران على دفع ذلك عنكما وعن غيركما. وجاء في الحديث: «يحاط على الخلق بالملائكة بلسان من نار، ثمّ ينادون:( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) إلى قوله:( شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ) .
وروى مسعدة بن صدقة عن كليب قال: «كنّا عند أبي عبد اللهعليهالسلام فأنشأ يحدّثنا، فقال: إذا كان يوم القيامة جمع الله العباد في صعيد واحد، وذلك أنّه يوحي إلى السماء الدنيا أن اهبطي بمن فيك، فيهبط أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجنّ والإنس والملائكة، فلا يزالون كذلك حتّى يهبط أهل سبع سماوات، فيصير الجنّ والإنس في سبع سرادقات من سبعة أطواق من الملائكة، فينظرون فإذا قد أحاط بهم سبعة أطواق من الملائكة، ثمّ ينادي مناد:( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) إلى قوله:( فَلا تَنْتَصِرانِ ) .
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) فإنّ التهديد لطف. والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفّار في عداد الآلاء.
( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ
رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) )
( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ ) يعني: يوم القيامة تصدّعت السماء، وانفكّ بعضها من بعض( فَكانَتْ وَرْدَةً ) فصارت وردة في الاحمرار. وهي جمع الورد.( كَالدِّهانِ ) أي: مذابة كالدهن. وهو اسم لـما يدهن به، كالحزام. أو جمع دهن. وقيل: هو الأديم(١) الأحمر.
وقال الفرّاء: شبّه تلوّن السماء بتلوّن الوردة(٢) من الخيل، وشبّه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه.
وقيل: هو دهن الزيت، كما قال:( كَالْمُهْلِ ) (٣) . وهو: درديّ(٤) الزيت.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) وجه النعمة في انشقاق السماء واحمرارها وذوبانها، فإنّ في الإخبار به زجرا وتخويفا في دار الدنيا يوجب الانقياد لأوامر الله، فيكون فيه لطف.
( فَيَوْمَئِذٍ ) أي: فيوم تنشقّ السماء( لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ ) بعض من
__________________
(١) أي: الجلد.
(٢) الورد من الخيل: ما كان أحمر اللون إلى صفرة. والوردة: لون الورد.
(٣) المعارج: ٨.
(٤) الدرديّ من الزيت: الكدر الراسب في أسفله.
الإنس( وَلا جَانٌ ) أريد به: ولا جنّ، أي: ولا بعض من الجنّ، فوضع الجانّ الّذي هو أبو الجنّ موضع الجنّ، كما يقال: هاشم ويراد به ولده.
والمعنى: لا يسأل عصاة الإنس والجنّ، لأنّهم يعرفون بسيماهم، وذلك حينما يخرجون من قبورهم ويحشرون إلى الموقف ذودا ذودا(١) على اختلاف مراتبهم.
وأمّا قوله:( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ ) (٢) ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (٣) فحين يحاسبون في المجمع. قال قتادة: قد كانت مسألة ثمّ ختم على أفواه القوم، وتكلّمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
وقيل: معناه: لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن يسأل سؤال توبيخ.
وروي عن الرضاعليهالسلام أنّه قال: «فيومئذ لا يسأل منكم عن ذنبه إنس ولا جان».
والمعنى: أنّ من اعتقد الحقّ ثمّ أذنب ولم يتب في الدنيا عذّب عليه في البرزخ، ثمّ يخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه.
والضمير للإنس باعتبار اللفظ، فإنّه وإن تأخّر لفظا تقدّم رتبة. وتوحيد ضمير الإنس لكونه في معنى البعض.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) أي: ممّا أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم.
( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ) بعلامتهم من سواد الوجه وزرقة العيون، ومن الكآبة والحزن( فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ) مجموعا بينهما، أي: فتأخذهم
__________________
(١) ذاده ذودا: دفعه وطرده.
(٢) الحجر: ٩٢.
(٣) الصافّات: ٢٤.
الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغلّ، ثمّ يسحبون ويقذفون في النار.
وعن الضحّاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره.
وقيل: تسحبهم الملائكة، تارة تأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ممّا أعلمكم من تعذيب العاصين، لتجتنبوا المعصية وترغبوا في الطاعة.
( هذِهِ جَهَنَّمُ ) أي: يقال لهم: هذه جهنّم( الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) الكافرون( يَطُوفُونَ بَيْنَها ) بين النار يحرقون بها( وَبَيْنَ حَمِيمٍ ) ماء حارّ( آنٍ ) بلغ النهاية في الحرارة. يصبّ عليهم، أو يسقون منه.
وقيل: إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم.
وقيل: إنّ واديا من أودية جهنّم يجتمع فيه صديد أهل النار، فينطلق بهم في الأغلال، فيغمسون فيه حتّى تنخلع أوصالهم، ثمّ يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا، وذلك قوله:( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ) (١) . الآية.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ولا شبهة أنّ التذكير بفعل العقاب والإنذار به من أكبر النعم، لـما فيه من الزجر عمّا يستحقّ به العقاب، والبعث والحثّ على فعل ما يستحقّ به الثواب، وهذا نهاية اللطف.
( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ
__________________
(١) النساء: ٥٦.
زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ) موقفه الّذي يقف فيه العباد للحساب. أو مقام الخائف عند ربّه للحساب، كقوله:( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) (١) . أو قيامه على أحواله، من: قام عليه إذا راقبه. وعلى التقادير ؛ أضاف المقام إلى الربّ تفخيما وتهويلا. أو المراد: خاف ربّه، و «مقام» مقحم.( جَنَّتانِ ) جنّة للخائف الإنسي، وجنّة للخائف الجنّي، فإنّ الخطاب للفريقين.
والمعنى: لكلّ خائفين منكما أو لكلّ واحد جنّة لعقيدته، واخرى لعمله. أو جنّة لفعل الطاعات، واخرى لترك المعاصي، لأنّ التكليف دائر عليهما. أو جنّة يثاب بها، واخرى يتفضّل بها عليه، كقوله:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) (٢) . أو جنّة داخل القصر، والاخرى خارج القصر، كما يشتهي الإنسان في الدنيا. وقيل :
__________________
(١) المطفّفين: ٦.
(٢) يونس: ٢٦.
إحدى الجنّتين منزله، والاخرى منزل أزواجه وخدمه. وقيل: جنّة من ذهب، وجنّة من فضّة. أو روحانيّة وجسمانيّة. وكذا ما جاء مثنى بعد.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ممّا أعطاكم من نعم الجنّة.
ثمّ وصف الجنّتين بقوله:( ذَواتا أَفْنانٍ ) أنواع من الأشجار والثمار، جمع فنّ. أو أغصان، جمع فنن، وهي الغصنة الّتي تتشعّب من فروع الشجر. وتخصيصها بالذكر لأنّها الّتي تورق وتثمر، ومنها يمتدّ الظلّ.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ) حيث شاؤا في الأعالي والأسافل. وقيل: تجريان من جبل من مسك. وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما: التسنيم، والاخرى: السلسبيل. وقيل: إحداهما من ماء غير آسن، والاخرى من خمر لذّة للشاربين.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ) صنفان: غريب ومعروف، أو رطب ويابس.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( مُتَّكِئِينَ ) نصبه على المدح للخائفين، أو حال منهم، لأنّ «من خاف» في معنى الجمع، أي: قاعدين اتّكاء كالملوك( عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) من ديباج ثخين. وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنّك بالظهائر؟! وقيل: ظهائرها من سندس. وقيل: من نور. وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق فما الظواهر؟
قال: هذا ممّا قال الله:( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (١) .
( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ) قريب يناله القائم والقاعد، والمضطجع والمستلقي.
و «جنى» اسم بمعنى: مجنيّ.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( فِيهِنَ ) في الجنان، فإنّ الجنّتين تدلّ على الجنان. وهي للخائفين. أو في الأماكن والقصور. أو في هذه الآلاء المعدودة، من الجنّتين والعينين
__________________
(١) السجدة: ١٧.
والفاكهة والفرش.( قاصِراتُ الطَّرْفِ ) نساء حور عين قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، لا ينظرن إلى غيرهم. وقال أبو ذرّ: إنّها تقول لزوجها: وعزّة ربّي ما أرى في الجنّة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الّذي جعلني زوجتك، وجعلك زوجي.( لَمْ يَطْمِثْهُنَ ) لم يفتضّهنّ. والافتضاض النكاح بالتدمية.( إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ ) أي: لم يمسّ الإنسيّات إنس، ولا الجنّيّات جنّ، فهنّ خلقن أبكارا في الجنّة.
وقيل: هنّ من نساء الدنيا لم يمسسهنّ منذ أنشئن خلق، أي: لم يجامعهنّ في هذا الخلق الّذي أنشئن فيه إنس ولا جانّ.
وفيه دليل على أنّ الجنّ يطمثون كما يطمث الإنس. وقرأ الكسائي بضمّ الميم.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ) أي: في حمرة الوجنة وبياض البشرة وصفائهما. والمرجان: صغار الدرّ، وهو أنصع بياضا. وفي الحديث: «إنّ الحوراء تلبس سبعين حلّة، فيرى مخّ ساقها من ورائها، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء».
وعن ابن مسعود: كما يرى السلك من وراء الياقوت.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ ) في العمل( إِلَّا الْإِحْسانُ ) في الثواب، أي: ليس جزاء من أحسن في الدنيا إلّا أن يحسن إليه في الآخرة.
وعن ابن عبّاس: هل جزاء من قال: لا إله إلّا الله، وعمل بما جاء به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا الجنّة؟
وقيل: معناه: هل جزاء من أحسن إليكم بهذه النعم إلّا أن تحسنوا في شكره وعبادته؟
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) )
( وَمِنْ دُونِهِما ) ومن دون تينك الجنّتين الموعودتين للخائفين المقرّبين( جَنَّتانِ ) لمن دونهم من أصحاب اليمين( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( مُدْهامَّتانِ ) خضراوان تضربان إلى السواد من شدّة الخضرة. وفيه إشعار بأنّ الغالب على هاتين الجنّتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، دلالة على ما بينهما من التفاوت.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «لا تقولنّ: الجنّة واحدة، إنّ الله تعالى يقول:( وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ) ولا تقولنّ: درجة واحدة، إنّ الله يقول:( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) (١) . إنّما تفاضل القوم بالأعمال».
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ ) فوّارتان بالماء، ثمّ تجريان. قال ابن عبّاس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور. وقيل: تنضخان بأنواع الخيرات.
والنضخ أكثر من النضخ غير المعجمة، لأنّ النضخ غير المعجمة مثل الرشّ. وهو أيضا أقلّ ممّا وصف به الأوليين. وكذا ما بعده.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( فِيهِما فاكِهَةٌ ) ألوان الفاكهة( وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) عطفهما على الفاكهة بيانا لفضلهما. كأنّهما لـما لهما من المزيّة جنسان آخران، كقوله تعالى:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ) (٢) .
وقيل: لأنّ ثمرة النخل فاكهة وغذاء، وثمرة الرمّان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكّه.
قال الأزهري: «ما علمت أحدا من العرب قال في النخيل والكروم وثمارها إنّها ليست من الفاكهة. وإنّما قال ذلك من قال لقلّة علمه بكلام العرب. والعرب تذكر الأشياء جملة، ثمّ تخصّ منها شيئا بالتسمية، تنبيها على فضل فيه»(٣) .
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( فِيهِنَّ خَيْراتٌ ) أي: خيّرات، فخفّفت، لأنّ خيرا الّذي بمعنى الأخير لا يجمع، فلا يقال فيه: خيرون ولا خيرات. والمعنى: فاضلات الأخلاق( حِسانٌ ) حسان الخلق.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( حُورٌ ) بيض حسان البياض. يقال: العين الحوراء إذا كانت شديدة بياض
__________________
(١) الزخرف: ٣٢.
(٢) البقرة: ٩٨.
(٣) تهذيب اللغة ٦: ٢٥.
البياض، شديدة سواد السواد، وبذلك يتمّ حسن العين.( مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ) قصرن في خدورهنّ. يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة، أي: مخدّرة. أو مقصورات الطرف على أزواجهنّ. قيل: إنّ كلّ خيمة من خيامهنّ درّة مجوّفة.
وعن ابن عبّاس قال: الخيمة درّة مجوّفة فرسخ في فرسخ، فيها أربعة آلاف مصراعه من ذهب.
وعن أنس، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «مررت ليلة أسري بي بنهر حافّتاه قباب المرجان، فنوديت منه: السلام عليك يا رسول الله. فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء جوار من الحور العين، استأذنّ ربّهنّعزوجل أن يسلّمن عليك، فأذن لهنّ.
فقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نيأس، أزواج رجال كرام. ثمّ قرأ:( حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ) .
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الخيمة درّة واحدة طولها في السماء ستّون ميلا، في كلّ زاوية منها أهل للمؤمن لا يراه الآخرون».
وروي: أنّ نساء أهل الجنّة يأخذ بعضهنّ بأيدي بعضهنّ، ويتغنّين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها: نحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج كرام. وإذا قلن هذه المقالة أجابتهنّ المؤمنات من نساء الدنيا: نحن المصلّيات وما صلّيتنّ، ونحن الصائمات وما صمتنّ، ونحن المتوضّئات وما توضّأتنّ، ونحن المتصدّقات وما تصدّقتنّ. فغلبتهنّ والله.
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ ) كحور الأوليين. وهم أصحاب الجنّتين، فإنّهما يدلّان عليهم.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( مُتَّكِئِينَ ) نصب على الاختصاص( عَلى رَفْرَفٍ ) فرش مرتفعة، أو
وسائد، أو نمارق. جمع رفرفة. وقيل: الرفرف ضرب من البسط، أو ذيل الخيمة. وقد يقال لكلّ ثوب عريض.( خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ) العبقريّ منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنّه اسم بلد للجنّ، فينسبون إليه كلّ شيء عجيب. وقيل: هو ثوب الديباج. وقيل: كلّ ثوب موشى(١) . والمراد به الجنس، ولذلك جمع حسان حملا على المعنى.( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
( تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ) تعالى اسمه من حيث إنّه مطلق على ذاته، فما ظنّك بذاته؟ وقيل: الاسم بمعنى الصفة، أو مقحم.( ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ) . وقرأ ابن عامر بالرفع صفة للاسم.
__________________
(١) وشى الثوب ووشّاه: حسّنه بالألوان ونمنمه ونقشه.
(٥٦)
سورة الواقعة
مكّيّة. وهي ستّ وتسعون آية.
أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الواقعة كتب: ليس من الغافلين».
وعن مسروق قال: من أراد أن يعلم نبأ الأوّلين والآخرين، ونبأ أهل الجنّة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا، ونبأ الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة.
وروي: أنّ عثمان بن عفّان دخل على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الّذي مات فيه، فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال: رحمة ربّي.
قال: أَفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: أَفلا نأمر بعطائك؟
قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه.
قال: يكون لبناتك.
قال: لا حاجة لهنّ فيه، فقد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «من قرأ سورة الواقعة كلّ يوم وليلة لم تصبه فاقة أبدا».
وروى العيّاشي بالإسناد عن زيد الشحّام، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الواقعة قبل أن ينام لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر».
وعن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ في كلّ ليلة جمعة الواقعة أحبّه الله، وحبّبه إلى الناس أجمعين، ولم ير في الدنيا بؤسا أبدا، ولا فقرا ولا آفة من آفات الدنيا، وكان من رفقاء أمير المؤمنين».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة الرحمن بصفة الجنّة، افتتح سورة الواقعة أيضا بصفة القيامة والجنّة، فاتّصلت إحداهما بالأخرى اتّصال النظير بالنظير، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) أي: إذا حدثت القيامة، كقولك: إذا حدثت الحادثة، وكانت الكائنة. وسمّاها واقعة لتحقّق وقوعها، فكأنّه قيل: إذا وقعت الساعة الّتي لا بدّ من وقوعها. وفيه حثّ على الاستعداد لها.
وانتصاب «إذا» بمحذوف، مثل: اذكر، أو كان كيت وكيت. أو بقوله:( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) أي: لا تكون حين وقوع الواقعة نفس تكذب على الله، أو تكذب في نفيها كما تكذب الآن، لأنّ كلّ نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذّبات، كقولك:( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ ) (١) . وقوله :
__________________
(١) غافر: ٨٤.
( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) (١) . وقوله:( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) (٢) . واللام مثلها في قوله:( قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) (٣) أي: ليس لأجل وقعتها نفس تكذّبها، فإنّ من أخبر عنها صدق.
أو ليس لها حينئذ نفس تحدّث صاحبها بإطاقة شدّتها واحتمالها، وتغريه عليها. من قولهم: كذّبت فلانا نفسه في الخطب العظيم، إذا شجّعته على مباشرته وقالت له: إنّك تطيقه وما فوقه، فتعرّض له ولا تبال به. على معنى: أنّها
وقعة لا تطاق شدّة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحدّث صاحبها بما تحدّثه به عند عظائم الأمور، وتزيّن له احتمالها وإطاقتها، لأنّهم يومئذ أضعف من ذلك وأذلّ. ألا ترى إلى قوله:( كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ) (٤) ، والفراش مثل في الضعف.
وقيل: كاذبة مصدر ـ كالعاقبة ـ بمعنى التكذيب.
( خافِضَةٌ رافِعَةٌ ) أي: هي تخفض قوما، وترفع قوما آخرين. وهو تقرير لعظمتها، ووصف لها بالشدّة، فإنّ الوقائع العظام يرتفع فيها ناس ويتّضع ناس. أو بيان لـما يكون حينئذ من خفض أعداء الله إلى الدركات، ورفع أوليائه إلى الدرجات. والمعنى: أنّها تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وتجعلهم أذلّة بإدخالهم النار، وترفع رجالا كانوا في الدنيا أذلّة، وتجعلهم أعزّة بإدخالهم الجنّة. أو إزالة الأجرام عن مقارّها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال في الجوّ.
( إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ) حرّكت تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل. والظرف متعلّق بـ «خافضة» أي: تخفض وترفع وقت رجّ الأرض وبسّ الجبال، لأنّ عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض. أو
__________________
(١) الشعراء: ٢٠١.
(٢) الحجّ: ٥٥.
(٣) الفجر: ٢٤.
(٤) القارعة: ٤.
بدل من «إذا وقعت».
( وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ) وفتّت(١) حتّى صارت كالسويق الملتوت. من: بسّ السويق إذا لتّه. أو سيقت وسيّرت. من: بسّ الغنم إذا ساقها، كقوله:( وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ ) (٢) .( فَكانَتْ هَباءً ) غبارا( مُنْبَثًّا ) منتشرا.
( وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) )
__________________
(١) فتّ الشيء: كسره بالأصابع كسرا صغيرة.
(٢) النبأ: ٢٠.
ثمّ وصف سبحانه أحوال الناس، بأن قال:( وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ) أصنافا( ثَلاثَةً ) فإنّه يقال للأصناف الّتي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض: أزواج.
ثمّ فسّرها بقوله:( فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) فأصحاب المنزلة السنيّة. من قولك: فلان منّي باليمين، إذا وصفته بالرفعة عندك، لتيمّنهم بالميامن، وتفأّلهم بالسانح(١) ، ولذلك اشتقّوا لليمين الاسم من اليمن. أو الّذين يعطون صحائفهم بأيمانهم. أو الّذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنّة. أو اصحاب اليمن والبركة، فإنّ السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم.( ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) أي: أيّ شيء هم. وفي إقامة الظاهر مقام الضمير تفخيم لشأنهم العظيم، وتعجيب لرسولهم من حالهم الفخيمة في الجنّة، كما يقال: هم ما هم.
( وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ) وأصحاب المنزلة الدنيّة. من قولهم: فلان منّي بالشمال، إذا وصفوه بالضعة عندهم، لتشاؤمهم بالشمائل، وتطيّرهم بالبارح(٢) .
ولذلك سمّوا الشمائل: لشؤمى. أو الّذين يعطون صحائفهم بشمائلهم. أو الّذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. أو أصحاب الشؤم، لأنّ الأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم.( ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ) أيّ شيء هم. تفخيم لخطبهم في العقوبات الشديدة، وتعجيب لرسوله من حالهم الوضيعة.
( وَالسَّابِقُونَ ) والّذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من الإيمان والطاعة بعد ظهور الحقّ، وشقّوا الغبار في طلب مرضاته من غير تلعثم وتوان. أو سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات. أو الأنبياء، فإنّهم مقدّمو أهل الأديان.( السَّابِقُونَ ) هم الّذين عرفت حالهم ومآلهم، كقول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
كأنّه قال: وشعري ما انتهى إليك، وسمعت بفصاحته وبراعته.
__________________
(١) السانح: الّذي يأتي من جانب اليمين، أو ما مرّ من يسارك إلى يمينك من ظبي أو طائر.
(٢) البارح: الّذي يأتي من جانب اليسار.
( أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) أي: السابقون إلى أنواع الطاعات هم الّذين يقربون إلى رحمة الله في أعلى مراتب الجنّة، وإلى جزيل ثواب الله في أعظم الكرامة.
وعن أبي جعفرعليهالسلام قال: «السابقون أربعة: ابن آدم المقتول، وسابق في أمّة موسى، وهو مؤمن آل فرعون، وسابق في أمّة عيسى، وهو حبيب النجّار، والسابق في أمّة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ».
( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ) أي: هم كثير من الأوّلين. يعني: الأمم السابقة من لدن آدم إلى سيّدنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .( وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) يعني: أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولا يخالف ذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ أمّتي يكثرون سائر الأمم».
لجواز أن يكون سابقوا سائر الأمم أكثر من سابقي هذه الأمّة، وتابعوا هذه أكثر من تابعيهم. ولا يردّه قوله في أصحاب اليمين:( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) (١) ، لأنّ كثرة الفريقين لا تنافي أكثريّة أحدهما.
وقيل: إنّ الأوّلين من متقدّمي هذه الأمّة، والآخرين من متأخّريها، لـما روي مرفوعا عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الثلّتان جميعا من أمّتي».
واشتقاقها من الثلّ، وهو القطع والكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ، وهو الشجّ، كأنّها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم. فكلّ واحد من الفريقين المذكورين في الآية يقطع من الآخر.
( عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ) خبر آخر للضمير المحذوف. والموضونة: المنسوجة بالذهب مشبّكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع. من الوضن، وهو نسج الدرع. قال المفسّرون: منسوجة بقضبان الذهب، مشبّكة بالدرّ والجواهر. وقيل: متواصلة أدنى بعضها من بعض.
__________________
(١) الواقعة: ٣٩ ـ ٤٠.
( مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ) حالان من الضمير في «على سرر». وهو العامل فيها، أي: استقرّوا عليها متّكئين على السرر متقابلين، لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق والآداب.
( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) للخدمة( وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) مبقون أبدا على شكل الولدان وطراوتهم، لا يتحوّلون عنه. قيل: مقرّطون. من الخلدة، وهي: القرط(١) . قيل: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيّئات فيعاقبوا عليها. وروي ذلك عن عليّعليهالسلام . وفي الحديث: «أولاد الكفّار خدّام أهل الجنّة».
( بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ ) حال الشرب وغيره. والكوب: إناء لا عروة ولا خرطوم له. والإبريق: إناء له ذلك. وعن قتادة: هي القداح الواسعة الرؤوس لا خراطيم لها.( وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) من خمر ظاهر للعيون جار.
( لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ) بالخمار(٢) . وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها.( وَلا يُنْزِفُونَ ) ولا تنزف عقولهم ـ أي: لا تذهب ـ بالسكر. أو لا ينفد شرابهم. وقرأ الكوفيّون بكسر الزّاء.
( وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ) يأخذون خيره وأفضله( وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) يتمنّون، فإنّ أهل الجنّة إذا اشتهوا لحم الطير خلق الله تعالى لهم لحم الطير نضيجا، حتّى لا يحتاج إلى ذبح الطير وإيلامه. وقال ابن عبّاس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثّلا بين يديه على ما اشتهى.
( وَحُورٌ عِينٌ ) عطف على «ولدان». أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: وفيها، أو ولهم حور. وقرأ حمزة والكسائي بالجرّ عطفا على «جنّات»، أي: هم في جنّات وفاكهة ولحم وحور. أو على «أكواب» لأنّ معنى «يطوف عليهم ولدان مخلّدون
__________________
(١) القرط: ما يعلّق في شحمة الأذن من درّة ونحوها.
(٢) الخمار: صداع الخمر.
بأكواب»: ينعّمون بأكواب.( كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) المصون عمّا يضرّ به في الصفاء والنقاء.
( جَزاءً ) يجزون جزاء( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ) كلاما باطلا( وَلا تَأْثِيماً ) ولا نسبة إلى الإثم، فلا يقال لهم( إِلَّا قِيلاً ) قولا( سَلاماً سَلاماً ) بدل من «قيلا»، كقوله:( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً ) (١) . أو صفته، أو مفعوله، بمعنى: إلّا أن يقولوا سلاما. أو مصدر. والتكرير للدلالة على فشوّ السلام بينهم.
( وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) )
( وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ ) شجر نبق( مَخْضُودٍ ) منزوع الشوكة، أي: لا شوك له. من: خضد الشوك إذا قطعه، فكأنّه خضد شوكه. أو مثنيّ أغصانه من كثرة حمله. من: خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب.
قال الضحّاك: نظر المسلمون إلى وج، وهو واد مخصب بالطائف، فأعجبهم
__________________
(١) مريم: ٦٢.
سدره، وقالوا: ليت لنا مثل هذا. فنزلت الآية.
( وَطَلْحٍ ) وشجر موز، أو أمّ غيلان، وله أنوار كثيرة طيّبة الرائحة. وعن السدّي: شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل.( مَنْضُودٍ ) نضد حمله من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة.
( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) دائم منبسط لا يتقلّص، كظلّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وقد ورد في الخبر: «أنّ في الجنّة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة سنة لا يقطعها».
وروي أيضا: «أنّ أوقات الجنّة كغدوات الصيف، لا يكون فيه حرّ ولا برد».
( وَماءٍ مَسْكُوبٍ ) يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا بلا تعب. أو مصبوب سائل، دائم الجرية، لا ينقطع. وقيل: مصبوب يجري على الأرض في غير أخدود(١) . كأنّه لـمّا شبّه حال السابقين في التنعّم بأكمل ما يتصوّر لأهل المدن، شبّه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمنّاه أهل البوادي، إشعارا بالتفاوت بين الحالين.
( وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ) كثيرة الأجناس. والوجه في تكرير ذكر الفاكهة بيان اختلاف صفاتها، فذكرت أوّلا بأنّها متخيّرة، وذكرت هاهنا بأنّها كثيرة.
( لا مَقْطُوعَةٍ ) دائمة لا تنقطع في وقت( وَلا مَمْنُوعَةٍ ) لا تمنع عن متناولها بوجه، كما يحظر على بساتين الدنيا.
( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) رفيعة القدر. أو منضّدة مرتفعة، أي: نضّدت حتّى ارتفعت. وقيل: الفرش النساء، لأنّ المرأة يكنّى عنها بالفراش، ومنه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر».
وارتفاعها أنّها على الأرائك. قال الله تعالى:( هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ) (٢) . أو مرتفعات القدر في عقولهنّ
__________________
(١) الأخدود: الحفرة المستطيلة.
(٢) يس: ٥٦.
وحسنهنّ وكمالهنّ. ولذلك عقّبه بقوله:( إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ) أي: ابتدأنا خلقهنّ ابتداء جديدا من غير ولادة، إبداء أو إعادة.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ أمّ سلمة سألته عن قول اللهعزوجل ( إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ ) .
فقال: يا أمّ سلمة هنّ اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا(١) ، جعلهنّ الله بعد الكبر أترابا، على ميلاد واحد في الاستواء(٢) ، كلّما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا. فلمّا سمعت عائشة ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قالت: وأوجعاه. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس هناك وجع».
وقالت عجوزة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ادع الله أن يدخلني الجنّة. فقال: «إنّ الجنّة لا تدخلها العجائز. فولّت وهي تبكي. فقالعليهالسلام : أخبروها أنّها ليست يؤمئذ بعجوز».
( فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ) عذارى( عُرُباً ) متحبّبات إلى أزواجهنّ. جمع عروب. وقيل: العروب اللعوب مع زوجها. وسكّن راءه حمزة وأبو بكر.( أَتْراباً ) مستويات في السنّ، فإنّ كلّهنّ بنات ثلاث وثلاثين. وكذا أزواجهنّ. وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يدخل أهل الجنّة جردا، مردا، بيضا، جعادا، مكحّلين، أبناء ثلاث وثلاثين».
( لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ) متعلّق بـ «أنشأنا» أو «جعلنا». أو صفة لـ «أبكارا». أو خبر لمحذوف، مثل: هنّ، أو لقوله:( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) . وهي على الوجوه الأول خبر محذوف. وإنّما نكّر سبحانه الثلّة ليدلّ على أنّه ليس لجميع الأوّلين والآخرين، وإنّما هو لجماعة منهم، كما يقال: رجل من جملة الرجال.
__________________
(١) الشمط جمع الشمطاء، وهي: الّتي خالط بياض رأسها سواد. والرمص جمع الرمصاء، وهي: الّتي سال منها الرمص. والرمص: وسخ أبيض في مجرى الدمع من العينين.
(٢) لعلّ المراد: أنّهنّ في استواء الخلقة كأنّهنّ ولدن على ميلاد واحد.
روى نقلة الأخبار بالإسناد عن ابن مسعود قال: كنّا نتحدّث عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى أكثرنا الحديث، ثمّ رجعنا إلى أهلنا، فلمّا أصبحنا غدونا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أممها، فكان النبيّ تجيء معه الثلّة من أمّته، والنبيّ معه العصابة من أمّته، والنبيّ معه النفر من أمّته، والنبيّ معه الرجل من أمّته، والنبيّ ما معه من أمّته أحد. حتّى إذا أتى أخي موسى في كبكبة من بني إسرائيل، فلمّا رأيتهم أعجبوني، فقلت: أي ربّ من هؤلاء؟
قال: هذا أخوك موسى بن عمران، ومن معه من بني إسرائيل.
فقلت: ربّ فأين أمّتي؟
قال: انظر عن يمينك. فإذا ظراب(١) مكّة قد سدّت بوجوه الرجال.
فقلت: من هؤلاء؟
فقيل: هؤلاء أمّتك، أرضيت؟
قلت: ربّ رضيت.
قيل: انظر عن يسارك. فإذا الأفق قد انسدّ بوجوه الرجال.
فقلت: ربّ من هؤلاء؟
قيل: هؤلاء أمّتك، أرضيت؟
قلت: ربّ رضيت.
فقيل: إنّ مع هؤلاء سبعين ألفا من أمّتك يدخلون الجنّة لا حساب عليهم.
قال: فأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد من خزيمة، فقال: يا نبيّ الله ادع ربّك أن يجعلني منهم.
فقال: أللّهمّ اجعله منهم.
ثمّ أنشأ رجل آخر فقال: يا نبيّ الله ادع ربّك أن يجعلني منهم.
__________________
(١) الظراب: الروابي الصغار، أي: ما ارتفع من الأرض، وهي التلّة. وواحدها: الظرب.
فقال: سبقك بها عكاشة.
فقال نبيّ الله: فداكم أبي وأمّي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا.
وإن عجزتم وقصّرتم فكونوا من أهل الظراب. فإن عجزتم وقصّرتم فكونوا من أهل الأفق. وإنّي قد رأيت ثمّ ناسا كثيرا يتهاوشون(١) كثيرا. فقلت: هؤلاء السبعون ألفا.
فاتّفق رأينا على أنّهم ناس ولدوا في الإسلام، فلم يزالوا يعملون به حتّى ماتوا عليه.
فانتهى حديثهم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ليس كذلك، ولكنّهم الّذين لا يسرفون، ولا يتكبّرون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون.
ثمّ قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّي لأرجو أن يكون من تبعني ربع أهل الجنّة.
قال: فكبّرنا.
ثمّ قال: إنّي لأرجو أن يكونوا ثلث أهل الجنّة. فكبّرنا.
ثمّ قال: إنّي لأرجو أن يكونوا شطر أهل الجنّة. ثمّ تلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) ».
( وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ
__________________
(١) تهاوش القوم: اختلطوا واضطربوا، ووقعت بينهم الفتنة.
(٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) )
( وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ) في حرّ نار ينفذ في المسامع( وَحَمِيمٍ ) وماء حارّ متناه في الحرارة( وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ) من دخان أسود. يفعول من الحممة.( لا بارِدٍ ) كسائر الظلّ( وَلا كَرِيمٍ ) ولا نافع. نفى بذلك ما أوهم الظلّ من الاسترواح.
( إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ) منهمكين في الشهوات، مشتغلين بها عن الاعتبار، تاركين الواجبات، طلبا لراحة أبدانهم.
( وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) الذنب العظيم. يعني: الشرك. ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. ومنه: حنث في يمينه، خلاف: برّ فيها. ويقال: تحنّث إذا تأثّم.
( وَكانُوا يَقُولُونَ ) إنكارا للبعث( أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) كرّرت الهمزة للدلالة على إنكار البعث مطلقا، وخصوصا في هذا الوقت. كما دخلت العاطف في قوله:( أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ) للدلالة على أنّ ذلك أشدّ إنكارا في حقّهم، لتقادم زمانهم، أي: أو يبعث آباؤنا الّذين ماتوا قبلنا، إنّ هذا لبعيد جدّا. وللفصل بالهمزة حسن العطف على المستكن في «لمبعوثون» من غير
تأكيد بـ: نحن، كما حسن في قوله:( ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ) (١) للفصل بـ «لا» المؤكّدة للنفي. وقرأ نافع وابن عامر: «أو» بالسكون. وقد سبق مثله(٢) . والعامل في الظرف ما دلّ عليه «مبعوثون»، لا هو، للفصل بـ «إنّ» والهمزة.
( قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) إلى ما وقّتت به الدنيا ـ أي: حدّت ـ من يوم معيّن عند الله معلوم له. وهو يوم القيامة. ومنه: مواقيت الإحرام. وهي الحدود الّتي لا يتجاوزها من يريد دخول مكّة إلّا محرما. والإضافة بمعنى «من» كخاتم فضّة.
( ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ ) عن طريق الحقّ( الْمُكَذِّبُونَ ) بتوحيد الله ونبوّة نبيّه وبالبعث. والخطاب لأهل مكّة وأضرابهم.( لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ) «من» الأولى للابتداء، والثانية للبيان( فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) من شدّة الجوع.
( فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ) لغاية العطش. وتأنيث الضمير في «منها» وتذكيره في «عليه» على معنى الشجر ولفظه.( فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) الإبل الّتي بها الهيام. وهو داء يشبه الاستسقاء، فلا تزال تشرب الماء حتّى تموت. والمعنى: كشرب الإبل الّتي لا تروى بالماء. جمع أهيم وهيماء.
وقيل: الرمال، على أنّه جمع هيام بالفتح. وهو الرمل الّذي لا يتماسك. جمع على هيم، كسحاب وسحب، ثمّ خفّف وفعل به ما فعل بجمع أبيض. والمعنى: أنّه يسلّط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقّوم الّذي هو كالمهل، فإذا ملئوا منهم البطون يسلّط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الّذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم.
والمعطوف أخصّ من الآخر، من حيث إنّ كونهم شاربين للحميم على ما هو
__________________
(١) الأنعام: ١٤٨.
(٢) راجع ج ٥ ص ٥٤٥، ذيل الآية ١٧ من سورة الصافّات.
عليه من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين، فلا اتّحاد بين المعطوف والمعطوف عليه ليلزم عطف الشيء على نفسه.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة: شرب، بضمّ الشين.
( هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ) يوم الجزاء، فما ظنّك بما يكون لهم بعد ما استقرّوا في الجحيم؟ وفيه تهكّم، كما في قوله:( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (١) ، لأنّ النزل ما يعدّ للنازل تكرمة له.
( نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) )
ثمّ احتجّ سبحانه عليهم في البعث، فقال:( نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ) ولم تكونوا شيئا( فَلَوْ لا ) فهلّا( تُصَدِّقُونَ ) تحضيض على التصديق. إمّا بالخلق، لأنّهم وإن كانوا مصدّقين به، إلّا أنّهم لـمّا كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنّهم مكذّبون
__________________
(١) التوبة: ٣٤.
به. وإمّا بالبعث، لأنّ من خلق أوّلا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا.
ثمّ نبّههم سبحانه على وجه الاستدلال على صحّة ما ذكره، فقال:( أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ) أي: ما تقذفونه وتصبّونه في الأرحام من النطف.
( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ) تقدّرونه وتصوّرونه بشرا سويّا( أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ) فإذا لم تقدروا أنتم وأمثالكم على ذلك فاعلموا أنّ الله سبحانه هو الخالق لذلك، وإذا ثبت أنّه قادر على خلق الولد من النطفة، وجب أن يكون قادرا على إعادته بعد موته، لأنّه ليس بأبعد منه.
ثمّ بيّن سبحانه أنّه كما هو قادر على إبداء الخلق قادر على إماتتهم، فقال:( نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ) قسّمناه عليكم، وأقّتنا موت كلّ بوقت معيّن كما تقتضيه مشيئتنا. وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال.( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) لا يسبقنا أحد، فيهرب من الموت أو يغيّر وقته. أو لا يغلبنا أحد، من: سبقته على كذا إذا غلبته عليه ولم تمكّنه منه.
وقوله:( عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ) على الأوّل حال، أو علّة لـ «قدّرنا»، و «على» بمعنى اللام، و( ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) اعتراض. وعلى الثاني صلة. والمعنى: لا يغلبني أحد على أن يخلق بدلكم أشباهكم. ويجوز أن يكون الأمثال جمع مثل.
والمعنى: على أن نغيّر صفاتكم الّتي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم.
( وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ) في خلق أو صفات لا تعلمونها. يعني: أنّا نقدر على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم؟!( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى ) حين خلقتم من نطفة وعلقة ومضغة( فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) فهلّا تعتبرون وتستدلّون بأنّ من قدر عليها قدر على النشأة الاخرى، فإنّها أقلّ صنعا، لحصول الموادّ، وتخصيص الأجزاء، وسبق المثال. وهذا قياس منصوص العلّة لا مطلقا.
( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ) تبذرون حبّه، وتعملون في أرضه( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ) تنبتونه، بأن تردّوه نباتا ينمى إلى أن يبلغ الغاية( أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) المنبتون، وقد اعترفتم بأنّا نحن الزارعون. فمن قدر على إنبات الزرع من الحبّة الصغيرة ويجعلها حبوبا كثيرة، قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه. وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يقولنّ أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت».
( لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ ) جعلنا ذلك الزرع( حُطاماً ) هشيما لا ينتفع به. من: حطم إذا تفتّت، كالفتات والجذاذ من: فتّ وجذّ.( فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ) تعجبون. وعن الحسن: تندمون على تعبكم واجتهادكم فيه، وإنفاقكم عليه. أو على ما اقترفتم من المعاصي الّتي أصبتم بذلك من أجلها، فتتحدّثون فيه. والتفكّه: التنقّل بصنوف الفاكهة. وقد استعير للتنقّل بالحديث.
( إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) أي: يقولون: إنّا لملزمون غرامة ما أنفقنا. أو مهلكون، لهلاك رزقنا. من الغرام، وهو الهلاك. وقرأ أبو بكر: أَإنّا على الاستفهام. ثمّ يستدركون فيقولون:( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) حرمنا رزقنا. أو محدودون لا حظّ لنا ولا بخت، لا مجدودون، ولو كنّا مجدودين لـما جرى علينا هذا.
( أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ (٧٠) )
ثمّ نبّه سبحانه على دلالة اخرى على إمكان البعث ووقوعه، فقال:( أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ) أي: العذب الصالح للشرب.
( أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ) من السحاب. واحده مزنة. وقيل: المزن السحاب الأبيض خاصّة، وهو أعذب ماء.( أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) بقدرتنا، نعمة منّا عليكم. والرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلّقة بالاستفهام.
( لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ) ملحا شديد الملوحة لا يقدر أحد على شربه. من الأجيج، فإنّه يحرق الفم. أو مرّا شديد المرارة. وحذفت اللام في جواب «لو» لعلم السامع بمكانها.
وتحقيقه: أنّ «لو» لـمّا كانت داخلة على جملتين، معلّقة ثانيتهما بالأولى تعلّق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كـ: إن، ولا عاملة مثلها، وإنّما سرى في «لو» معنى الشرط اتّفاقا من حيث إفادتها في مضموني جملتيها أنّ الثاني امتنع لامتناع الأوّل، افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلّق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علما مشهورا مكانه، فلأنّ الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به، لم يبال بإسقاطه عن الألفاظ استغناء بمعرفة السامع. ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنّه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ فيحذف الجارّ لعلم كلّ أحد بمكانه.
ويجوز أن يقال: إنّ هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أنّ أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب، وأنّ الوعيد بفقده أشدّ وأصعب، من قبل أنّ المشروب إنّما يحتاج إليه تبعا للمطعوم. ألا ترى أنّك إنّما تسقي ضيفك بعد أن تطعمه. ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب.
( فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ) أمثال هذه النعم الضروريّة الّتي لا يقدر عليها غير الله.
( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) )
ثمّ نبّه سبحانه على دلالة أخرى، فقال:( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ) تقدحونها وتستخرجونها من الزناد. والعرب تقدح بعودين، تحكّ أحدهما على الآخر، ويسمّون الأعلى الزند، والأسفل الزندة، شبّهوهما بالفحل والطروقة.
( أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها ) يعني: الشجرة الّتي منها الزناد( أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ) .
( نَحْنُ جَعَلْناها ) جعلنا نار الزناد( تَذْكِرَةً ) يتذكّر بها ويتفكّر فيها، ليعلم أنّ من قدر عليها وعلى إخراجها من الشجر الأخضر قدر على النشأة الآخرة، كما مرّ في سورة يس(١) . أو تبصرة في أمر المعاش، حيث علّقنا بها أسباب المعايش كلّها، وعمّمنا بالحاجة إليها البلوى. أو في الظلام. أو تذكيرا وأنموذجا لنار جهنّم، فينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به، لـما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ناركم هذه الّتي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنّم».
( وَمَتاعاً ) ومنفعة( لِلْمُقْوِينَ ) للّذين ينزلون القواء، وهي القفر. أو للّذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. من: أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها.
وقيل: للمستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين. والمعنى: أنّهم يستضيئون بها في الظلمة، ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز. وعلى هذا ؛ يكون المقوي من الأضداد. فيكون المقوي هو الّذي صار ذا قوّة من المال والنعمة، والمقوي أيضا الذاهب ماله، النازل بالقواء من الأرض. فالمعنى: ومتاعا للأغنياء والفقراء.
__________________
(١) راجع ج ٥ ص ٥٣٥، ذيل الآية (٨٠) من سورة يس.
( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) )
ولـمّا عدّد بدائع صنعه الدالّة على وحدانيّته وكمال قدرته وإنعامه على عباده، عقّبه بالتسبيح، فقال :
( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) فأحدث التسبيح بذكر اسمه. أو بذكره عمّا لا يليق بعظمة شأنه، فإنّ إطلاق اسم الشيء ذكره. والعظيم صفة للاسم أو الربّ.
وتنقيح المعنى: قل: سبحان الله، إمّا تنزيها له عمّا يقول الظالمون الّذين يجحدون وحدانيّته ويكفرون نعمته. وإمّا تعجّبا من أمرهم في غمط(١) آلائه وأياديه الظاهرة. وإمّا شكرا لله على النعم الّتي عدّها ونبّه عليها. وقد صحّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا نزلت قال: «اجعلوها في ركوعكم». يعني: قولوا فيه: سبحان ربّي العظيم.
( فَلا أُقْسِمُ ) إذ المقسم عليه أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أو فأقسم، و «لا» مزيدة للتأكيد، كما في قوله:( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ ) (٢) . أو فلأنا أقسم، واللام لام الابتداء الّتي دخلت على المبتدأ والخبر، كقولك: لزيد منطلق، فحذف المبتدأ، وأشبع فتحة لام الابتداء. أو فلا رد لكلام يخالف المقسم عليه، وهو قول الكفّار: إنّ القرآن سحر وشعر وكهانة.
( بِمَواقِعِ النُّجُومِ ) بمساقطها ومغاربها. وتخصيص المغارب لـما في غروبها
__________________
(١) غمط النعمة: لم يشكرها.
(٢) الحديد: ٢٩.
من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثّر لا يزول تأثيره. أو بمنازلها ومجاريها.
ولعلّ لله سبحانه في آخر الليل إذا انحطّت النجوم إلى المغرب أفعالا مخصوصة عظيمة، أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنّه وقت قيام المتهجّدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين، ونزول الرحمة والرضوان عليهم.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّ مواقع النجوم رجومها للشياطين».
وقيل: النجوم نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها.
وقرأ حمزة والكسائي: بموقع النّجوم.
ثم استعظم ذلك القسم بقوله:( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) لـما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى. وهو اعتراض في اعتراض، فإنّه اعتراض بين المقسم والمقسم عليه، أعني: قوله:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) . و( لَوْ تَعْلَمُونَ ) اعتراض بين الموصوف والصفة.
( إِنَّهُ ) إنّ الّذي تلوناه عليك( لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) كثير النفع، لاشتماله على أصول العلوم المهمّة في إصلاح المعاد والمعاش. أو حسن مرضيّ في جنسه من الكتب. أو كريم على الله.( فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ) أثبت في كتاب مصون محفوظ، وهو اللوح.
( لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) أي: لا يطّلع على اللوح إلّا المطهّرون من الكدورات الجسمانيّة، وهم الملائكة. هذا إن جعلت الجملة صفة لـ «كتاب مكنون». وإن جعلت صفة للقرآن، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسّ القرآن ـ أي: مكتوبه إلّا المطهّرون من الأحداث الكبرى والصغرى. وهذا مرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام ، وعطاء، وطاووس، وسالم. وهو مذهب مالك والشافعي أيضا. فيكون النفي بمعنى النهي. أو لا يطلبه إلّا المطهّرون من الكفر.
( تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) صفة ثالثة أو رابعة للقرآن. وهو مصدر نعت به، لأنّه نزل نجوما من بين سائر كتب الله تعالى، فكأنّه في نفسه تنزيل. ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه، فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل. أو هو تنزيل، على حذف المبتدأ.
( أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) )
ثمّ خاطب سبحانه أهل مكّة فقال:( أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ ) الّذي حدّثناكم به، وأخبرناكم فيه عن حوادث الأمور. وهو القرآن.( أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) متهاونون به كمن يدهن في الأمر، أي: يليّن جانبه ولا يتصلّب فيه تهاونا به.
( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ) على حذف المضاف. والرزق: المطر الّذي هو سببه، تسمية للمسبّب باسم السبب. والمعنى: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث( أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) بكونه من الله حيث تنسبونه إلى الأنواء. فوضعتم التكذيب موضع الشكر.
عن ابن عبّاس: أصاب الناس عطش في بعض أسفاره، فدعاصلىاللهعليهوآلهوسلم فسقوا، فسمع رجلا يقول: مطرنا بنوء كذا، فنزلت هذه الآية.
وقيل: معناه: أَتجعلون حظّكم من القرآن الّذي رزقكم الله التكذيب به.
( فَلَوْ لا ) فهلّا( إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) بلغت النفس الحلقوم عند الموت
( وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ) ترون تلك الحال. والخطاب لمن حول المحتضر. والواو للحال.( وَنَحْنُ أَقْرَبُ ) ونحن أعلم( إِلَيْهِ ) إلى المحتضر( مِنْكُمْ ) عبّر عن العلم بالقرب الّذي هو أقوى سبب الاطّلاع( وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) لا تدركون كنه ما يجري عليه.
وقيل: معناه: ورسلنا الّذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون رسلنا القابضين روحه.
( فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) غير مجزيّين يوم القيامة. أو مملوكين مقهورين. من: دانه إذا أذلّه واستعبده. وأصل التركيب للذلّ والانقياد.
( تَرْجِعُونَها ) ترجعون النفس إلى مقرّها. وهو عامل الظرف. والمحضّض عليه بـ «لولا» الأولى، والثانية تكرير للتوكيد. وهي بما في حيّزها دليل جواب الشرط. والمعنى: إن كنتم غير مملوكين مجزيّين، كما دلّ عليه جحدكم أفعال الله وتكذيبكم بآياته( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في أباطيلكم، فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم.
وتوضيح المعنى: إنّكم في جحودكم أفعال الله وآياته في كلّ شيء، إن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولا قلتم: ساحر كذّاب، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدّي إلى الإهمال والتعطيل. فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم، إن لم يكن ثمّ قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد؟! وإذا لم تقدروا على ذلك، فاعلموا أنّه من تقدير مقدّر حكيم، وتدبير مدّبر عليم.
( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ
(٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) )
ثمّ ذكر سبحانه حال المخلوقات عند الموت، فقال:( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) أي: إن كان المحتضر الّذي بلغت روحه الحلقوم من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة في أوّل السورة( فَرَوْحٌ ) فله استراحة ولذّة( وَرَيْحانٌ ) ورزق طيّب. وقيل: هو الريحان المشموم من رياحين الجنّة. وقيل: الروح النجاة من النار، والريحان دخول دار القرار. وقيل: روح في القبر، وريحان في القيامة والجنّة.( وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) ذات تنعّم.
( وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ ) يا صاحب اليمين( مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ) الّذين من إخوانك، يسلّمون عليك، كقوله تعالى:( إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً ) (١) .
( وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ ) بالبعث والرسل( الضَّالِّينَ ) عن الهدى. يعني: أصحاب الشمال. وإنّما وصفهم بأفعالهم زجرا عنها، وإشعارا بما أوجب لهم ما أوعدهم به.( فَنُزُلٌ ) فنزلهم الّذي أعدّ لهم، من الطعام والشراب( مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها.
( إِنَّ هذا ) إنّ هذا الّذي ذكر في هذه السورة، أو في شأن الأصناف الثلاثة( لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) أي: الحقّ الثابت من اليقين الّذي لا شبهة معه.
( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) فنزّه اسمه تعالى عمّا لا يليق بعظمة شأنه.
__________________
(١) الواقعة: ٢٦.
(٥٧)
سورة الحديد
مدنيّة. وهي تسع وعشرون آية.
أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: «من قرأ سورة الحديد كتب من الّذين آمنوا بالله ورسوله».
وروى العرباض بن سارية، قال: «إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد، ويقول: إنّ فيهنّ آية أفضل من ألف آية».
وروى عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ المسبّحات كلّها قبل أن ينام لم يمت حتّى يدرك القائمعليهالسلام ، وإن مات كان في جوار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الحديد والمجادلة في صلاة الفريضة وأدمنها، لم يعذّبه الله أبدا حتّى يموت، ولا يرى في نفسه ولا في أهله سوءا أبدا، ولا خصاصة في بدنه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الواقعة بالتسبيح، افتتح هذه السورة أيضا بالتسبيح، وعقّبه بالدلائل الموجبة للتسبيح، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) جاء التسبيح هاهنا وفي الحشر والصفّ بلفظ الماضي، وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع، إشعارا بأنّ من شأن ما أسند إليه التسبيح ـ من السماوات والأرض ـ أن يسبّحه في جميع أوقاته، لأنّه دلالة جبلّيّة لا تختلف باختلاف الحالات. ومجيء المصدر مطلقا في بني إسرائيل أبلغ، من حيث إنّه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كلّ شيء وفي كلّ حال، من الملائكة والثقلين.
وإنّما عدّي هاهنا باللام، اشعارا بأنّ إيقاع الفعل لأجل الله وخالصا لوجهه. ومثله: نصحت له، في: نصحته. فالمعنى: أحدث التسبيح والتنزيه من كلّ سوء خالصا لله. وأصل التسبيح التعدّي بنفسه، كما في قوله:( وَتُسَبِّحُوهُ ) (١) . لأنّ
__________________
(١) الفتح: ٩.
معنى: سبّحته: بعّدته عن السوء. منقول من: سبّح إذا ذهب وبعد.
( ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ما يتأتّى منه التسبيح ويصحّ. أو يسبّح له ذو الروح وغيره. أمّا العقلاء فيسبّحونه قولا واعتقادا ولفظا ومعنى. وأمّا غير العقلاء من سائر الحيوانات والجمادات فتسبيحه ما فيه من الأدلّة الدالّة على وحدانيّته، وعلى الصفات الّتي باين بها جميع خلقه، وما فيه من الحجج على أنّه لا يشبه خلقه، وأنّ خلقه لا يشبهه، فعبّر سبحانه عن ذلك بالتسبيح.
( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح. والمعنى: وهو القادر الّذي لا يمتنع عليه شيء من الأشياء، المحكم لأفعاله، العليم بوجوه الصواب في التدبير.
( لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فإنّه الموجد لهما، والمتصرّف فيهما، وليس لأحد منعه منه( يُحْيِي وَيُمِيتُ ) استئناف، أو خبر لمحذوف، أو حال من المجرور في «له» والجارّ عامل فيها. ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى يوم القيامة، ويميت الأحياء.( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من الإحياء والإماتة وغيرهما( قَدِيرٌ ) تامّ القدرة.
( هُوَ الْأَوَّلُ ) القديم السابق على سائر الموجودات، من حيث إنّه موجدها ومحدثها( وَالْآخِرُ ) الباقي بعد فنائها، ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها. أو هو الأوّل الّذي تبتدأ منه الأسباب، وتنتهي إليه المسبّبات. أو الأوّل خارجا، والآخر ذهنا.
( وَالظَّاهِرُ ) وجوده بالأدلّة الدالّة عليه. أو الغالب على كلّ شيء. من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه.( وَالْباطِنُ ) حقيقة ذاته، فلا تكتنهها العقول، ولا تدرك بالحواسّ. وفي هذا حجّة على من جوّز إدراكه في الآخرة بالحاسّة. أو العالم بباطن كلّ شيء.
وقيل: الأوّل بالأزليّة، والآخر بالأبديّة، والظاهر بالأحديّة، والباطن بالصمديّة.
والواو الأولى للدلالة على أنّه الجامع بين الصفتين: الأوّليّة والآخريّة.
والثالثة على أنّه الجامع بين الظهور والخفاء. وأمّا الوسطى، فعلى أنّه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأخريين.
( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يستوي عنده الظاهر والخفيّ.
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) لـما في ذلك من اعتبار الملائكة بظهور شيء بعد شيء من جهته. ولـما في الإخبار به من المصلحة للمكلّفين.( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) استولى عليه استيلاء الملك على الملك، والمالك على الملك. وقد مرّ ذلك مرارا.
( يَعْلَمُ ما يَلِجُ ) ما يدخل( فِي الْأَرْضِ ) كالبذور( وَما يَخْرُجُ مِنْها ) كالزروع( وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ) كالأمطار والأرزاق( وَما يَعْرُجُ فِيها ) كالأبخرة وأعمال العباد والملائكة( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) لا ينفكّ علمه وقدرته عنكم بحال( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) من خير وشرّ( بَصِيرٌ ) عالم، فيجازيكم عليه. ولعلّ تقديم الخلق على العلم لأنّه دليل عليه.
( لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يتصرّف فيهما كيف يشاء. ذكره مع الإعادة كما ذكره مع الإبداء، لأنّه كالمقدّمة لهما.( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) يوم القيامة. يعني: أنّ جميع من ملّكه شيئا في الدنيا يزول ملكه عنه.
( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) يدخل ما نقص من الليل في النهار، وما نقص من النهار في الليل، حسب ما دبّره فيه من مصالح عباده( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) بمكنونها، من أسرار خلقه، وما يخفونه من الضمائر والاعتقادات والإرادات والكراهات، لا يخفى عليه شيء منها. وفيه تحذير من المعاصي.
( آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ
اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) )
ثمّ خاطب المكلّفين، فقال:( آمِنُوا بِاللهِ ) بوحدانيّته وإخلاص العبادة له( وَرَسُولِهِ ) وصدّقوا بنبوّته( وَأَنْفِقُوا ) في طاعة الله والوجوه الّتي أمركم بالإنفاق فيها( مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرّف فيها. فهي في الحقيقة له لا لكم، بسبب خلقه وإنشائه لها. وإنّما موّلكم إيّاها، وخوّلكم الاستمتاع بها، وما أنتم فيها إلّا بمنزلة الوكلاء والنوّاب.
أو المعنى: جعلكم مستخلفين ممّن كان قبلكم فيما في أيديكم، بتوريثه إيّاكم. فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينتقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم.
وفيه حثّ على الإنفاق، وتهوين له على النفس، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه.
( فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا ) منها في حقوق الله( لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) وعد فيه مبالغات: جعل الجملة اسميّة، وإعادة ذكر الإيمان والإنفاق، وبناء الحكم على الضمير، وتنكير الأجر، ووصفه بالكبر، أي: لهم ثواب عظيم لا يكتنهه العقل.
ثمّ وبّخهم بترك الإيمان، وبعده بترك الإنفاق، فقال:( وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) الجملة الفعليّة حال من معنى الفعل في «لكم»، كما تقول: مالك قائما؟ بمعنى: ما تصنع قائما؟ أي: وما تصنعون غير مؤمنين به؟ وأيّ شيء يمنعكم من الإيمان به؟( وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ ) حال من ضمير «لا تؤمنون». فهما حالان متداخلان.
والمعنى: أيّ عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم إليه، وينبّهكم
عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالحجج والآيات؟
وقوله:( وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ ) حال من مفعول «يدعوكم» أي: الرسول يدعوكم بالإيمان حال كونه تعالى قد أخذ ميثاقكم بالإيمان. وقرأ أبو عمرو: أخذ على البناء للمفعول، أي: وقد أخذ الميثاق منكم بالإيمان قبل ذلك بنصب الأدلّة والتمكين من النظر.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) لموجب مّا، فإنّ هذا موجب لا مزيد عليه، أي: إذا لم يبق لكم علّة بعد ارتفاع الشبه، ولزوم الحجج العقليّة والنقليّة عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟
( هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ ) يعني: محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ( آياتٍ بَيِّناتٍ ) حججا منيرة وبراهين واضحة( لِيُخْرِجَكُمْ ) أي: الله سبحانه، أو عبدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مِنَ الظُّلُماتِ ) من ظلمات الكفر( إِلَى النُّورِ ) إلى نور الايمان بالتوفيق والألطاف الهادية( وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) حيث نبّهكم بالرسل والآيات، ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقليّة. وإنّما جمع بين الرأفة والرحمة للتأكيد. وقيل: الرأفة النعمة على المضرور، والرحمة النعمة على المحتاج.
وفي الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر، فإنّه سبحانه بيّن أنّ الغرض في إنزال القرآن الإيمان به.
( وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا ) وأيّ شيء لكم في أن لا تنفقوا( فِي سَبِيلِ اللهِ ) فيما يكون قربة إليه( وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يرث كلّ شيء فيهما، فلا يبقى لأحد مال. وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقى ـ وهو الثواب ـ كان أولى. وهذا من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله.
ثمّ بيّن التفاوت بين المنفقين منهم، فقال:( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ) قبل فتح مكّة، إذ بالإنفاق وقع عزّ الإسلام وقوّة أهله، ودخول الناس في
دين الله أفواجا( وَقاتَلَ ) مع الكفّار. وذكر القتال في بيان التفاوت بين المنفقين للاستطراد. وقسيم «من أنفق» محذوف، تقديره: ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف لوضوحه، ودلالة ما بعده عليه، أعني: قوله:( أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً ) فإنّه بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم، من السبق وقوّة اليقين وتحرّي الحاجات( مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا ) أي: من بعد فتح مكّة، فإنّ الإنفاق والقتال قبل فتح مكّة كان أشدّ، والحاجة إلى النفقة والجهاد كان أكثر.
( وَكُلًّا ) وكلّ واحد من الفريقين المنفقين( وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى ) المثوبة الحسنى ـ وهي: الجنّة ـ وإن تفاوتوا في مراتب الدرجات. وقرأ ابن عامر: وكلّ، بالرفع على الابتداء، أي: وكلّ وعده الله، ليطابق ما عطف عليه، وهو قوله:( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) عالم بظاهره وباطنه، فمجازيكم على حسبه.
ثمّ بيّن كيفيّة الإنفاق ومزيّة المثوبة، فقال:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ ) أي: ينفق ماله في سبيله رجاء أن يعوّضه، فإنّه كمن يقرض الله( قَرْضاً حَسَناً ) أي: إنفاق أكرم المال وأطيبه في أفضل الجهات مقرونا بالإخلاص. فشبّه ذلك بالقرض على سبيل المجاز. ووجه الشبه هو التعويض.
وقال بعض المحقّقين: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ الله تعالى طيّب، لا يقبل إلّا الطيّب».
وأن يكون من أكرم ما يملكه، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) (١) .
وأن يتصدّق وهو يحبّ المال ويرجو الحياة، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا سئل عن الصدقة: «أفضل الصدقة أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى
__________________
(١) البقرة: ٢٦٧.
الفقر، ولا تمهل حتّى إذا بلغت النفس التراقي قلت: لفلان كذا ولفلان كذا».
وأن يضعه في الأخلّ الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خصّ الله أقواما بأخذ الصدقات، وهم أهل البلوى.
وأن يكتمه ما أمكن، لقوله:( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (١) .
وأن لا يتبعه المنّ والأذى، لقوله:( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (٢) .
وأن يقصد به وجه الله، ولا يرائي بذلك، لأنّ الرياء مذموم.
وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، لأنّ متاع الدنيا قليل.
وأن يكون من أحبّ ماله إليه، لقوله:( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (٣) .
وأن يحتاج إليه، لقوله تعالى:( وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) (٤) .
فهذه الأوصاف العشرة إذا استكملتها الصدقة كان ذلك قرضا حسنا.
( فَيُضاعِفَهُ لَهُ ) أي: يعطي أجره أضعافا، من بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة( وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، ينبغي أن يتوخّى وإن لم يضاعف، فكيف وقد يضاعف أضعافا! وقرأ عاصم: فيضاعفه بالنصب، على جواب الاستفهام باعتبار المعنى، فكأنّه قال: أَيقرض الله أحد فيضاعفه له؟ وقرأ ابن كثير: فيضعفه مرفوعا، عطفا على «يقرض الله». أو على تقدير: فهو يضاعفه. وابن عامر ويعقوب: فيضعفه
__________________
(١) البقرة: ٢٧١.
(٢) البقرة: ٢٦٤.
(٣) آل عمران: ٩٢.
(٤) الحشر: ٩.
منصوبا.
( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) ظرف لقوله:( وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) أو «فيضاعفه». أو مقدّر بـ: اذكر، تعظيما لذلك اليوم.( يَسْعى نُورُهُمْ ) ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنّة وهم يمرّون فيه.
قال قتادة: إنّ المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتّى إنّ من المؤمن من لا يضيء له نوره إلّا موضع قدميه.
وقال عبد الله بن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورا من نوره على إبهامه، يطفأ مرّة ويقد أخرى.
ويخصّص ذلك النور بقوله:( بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ) لأنّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أنّ الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم. فجعل النور في الجهتين شعارا لهم وعلامة، لأنّهم هم الّذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنّة ومرّوا على الصراط يسعون، وسعى بسعيهم ذلك النور جنيبا لهم ومتقدّما.
ويقول لهم الّذين يتلقّونهم من الملائكة:( بُشْراكُمُ الْيَوْمَ ) أي: المبشّر به في هذا اليوم( جَنَّاتٌ ) أو بشراكم دخول جنّات( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ ) إشارة إلى ما تقدّم من النور والبشرى بالجنّات المخلّدة( هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
ثمّ ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال:( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ ) بدل من «يوم ترى»( لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا ) انتظرونا، فإنّهم يسرع بهم إلى الجنّة كالبرق الخاطف على ركاب تزفّ بهم، وهؤلاء مشاة. أو انظروا إلينا، لأنّهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيستضيئون بنور بين أيديهم. وقرأ حمزة: أنظرونا، من النظرة، وهي الإمهال. جعل اتّئادهم(١) في المضيّ إلى أن
__________________
(١) أي: تمهّلهم وتأنّيهم.
يلحقوا بهم إنظارا لهم.
( نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) نصب منه. وذلك بأن يلحقوا بهم فيستنيروا به. وقيل: إنّهم إذا خرجوا من قبورهم اختلطوا، فيسعى المنافقون في نور المؤمنين، فإذا ميّزوا بقوا في الظلمة، فيستغيثون ويقولون هذا القول.
( قِيلَ ) فيقال للمنافقين( ارْجِعُوا وَراءَكُمْ ) إلى الدنيا( فَالْتَمِسُوا نُوراً ) بتحصيل المعارف الإلهيّة والأخلاق الفاضلة، فإنّه يتولّد منها. أو إلى الموقف، فإنّه من ثمّ أعطينا هذا النور، فالتمسوه هنالك. أو ارجعوا خائبين وتنحّوا عنّا، فاطلبوا نورا بتحصيل سببه، وهو الإيمان، فإنّه لا سبيل لكم إلى هذا النور. وهو تهكّم بهم، وتخييب من المؤمنين أو الملائكة.
( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ ) بين المؤمنين والمنافقين( بِسُورٍ ) بحائط يكون بين الجنّة والنار( لَهُ بابٌ ) يدخل منه المؤمنون( باطِنُهُ ) باطن السور، أو الباب( فِيهِ الرَّحْمَةُ ) لأنّه يلي الجنّة( وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ) من جهته، لأنّه يلي النار.
( يُنادُونَهُمْ ) ينادي المنافقون المؤمنين( أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) يريدون موافقتهم ظاهرا في الصلاة والصوم وغيرهما( قالُوا بَلى ) بلى كنتم معنا( وَلكِنَّكُمْ ) كنتم( فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) محنتموها بالنفاق، وأهلكتموها به( وَتَرَبَّصْتُمْ ) بالمؤمنين دوائر السوء( وَارْتَبْتُمْ ) وشككتم في الدين( وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ ) كامتداد العمر وطول الأمل( حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ ) وهو الموت( وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ ) الشيطان، بأنّ الله غفور كريم لا يعذّبكم. أو الدنيا.
( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ) فداء تنقذوا أنفسكم به من العذاب. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتاء.( وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ظاهرا وباطنا( مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ
مَوْلاكُمْ ) هي أولى بكم. وحقيقته: محراكم(١) ، أي: مكانكم الّذي يقال فيه هو أولى بكم. أو مكانكم عمّا قريب، من الولي، وهو القرب. أو ناصركم، على طريقة قولهم: تحيّة بينهم ضرب وجيع. والمعنى: لا ناصر لكم غيرها على البتّ. ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع. ومنه قوله تعالى:( يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ ) (٢) . أو تتولّاكم النار كما تولّيتم موجباتها في الدنيا من أعمال أهل النار.( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) النار.
( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) )
ثمّ دعاهم سبحانه إلى الطاعة، فقال:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ) ألم يأت وقت أن ترقّ وتلين قلوبهم. من: أنى الأمر يأني أنيا وإنى إذا
__________________
(١) يقال: هو حريّ أن يفعل كذا، أي: جدير بذلك وحقيق به. واسم المكان منه: محرى.
(٢) الكهف: ٢٩.
جاء أناه، أي: وقته.( لِذِكْرِ اللهِ ) لـما يذكّرهم الله به من مواعظه. روي: أنّ المؤمنين كانوا مجدبين بمكّة، فلمّا هاجروا أصابوا الرزق والنعمة، ففتروا عمّا كانوا عليه من أفعال الخير، فنزلت. وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلّا أربع سنين.
( وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ ) أي: القرآن. وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر. ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله. وقرأ نافع وحفص ويعقوب: نزل بالتخفيف.
( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ ) عطف على «تخشع». وقرأ رويس بالتاء. والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكي عنهم بقوله:( فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ) فطال عليهم الزمان لطول أعمارهم وآمالهم. أو ما بينهم وبين أنبيائهم. وقيل: طالت أعمارهم، وطارت أعمالهم.
( فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) غلظت وزال خشوعها، ومرنوا على المعاصي واعتادوها.
ومن كلام عيسىعليهالسلام : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله».( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) خارجون عن دينهم، رافضون لـما في كتابهم من فرط القسوة. فلا تكونوا مثلهم، فيحكم الله فيكم بمثل ما حكم فيهم.
ثمّ مثّل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة، فقال:( اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ ) بالنبات( بَعْدَ مَوْتِها ) بعد اليبس والجدوبة، أي: فكذلك الله يحيي الكافر بالإيمان بعد موته بالضلال والكفر، بأن يلطف له ما يؤمن به، من إرسال الرسل وإنزال الكتب وغيره. أو انّ الله يليّن قلوب عبيده بعد قسوتها بالألطاف والتوفيقات الّتي من جملتها الذكر والتلاوة. وقيل: هذا تمثيل لإحياء الأموات، ترغيبا في الخشوع، وزجرا عن القساوة.
( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ ) الحجج الواضحات، والدلائل الباهرات( لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ ) كي يكمل عقولكم بها، فترجعوا إلى طاعتنا، وتعملوا بما أمرناكم به.
( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ ) أي: المتصدّقين والمتصدّقات. وقرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد، أي: الّذين صدقوا الله ورسوله.( وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) عطف على معنى الفعل في المحلّى باللام، لأنّ معناه: الّذين أصدقوا أو صدّقوا. وهو على الأوّل للدلالة على أنّ المعتبر هو التصدّق المقرون بالإخلاص.
( يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) تفسير هذا الكلام وبيان وجوه القراءة في «يضاعف» قد مرّ آنفا، غير أنّه لم ينجزم، لأنّه خبر «إنّ». وهو مسند إلى «لهم»، أو إلى ضمير مصدر «يضاعف».
( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ) صدّقوا بتوحيد الله، وأقرّوا بنبوّة رسله( أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي: أولئك عند الله بمنزلة الصدّيقين والشهداء.
أو هم المبالغون في الصدق، فإنّهم آمنوا وصدّقوا جميع أخبار الله ورسله، والقائمون بالشهادة لله ولهم. أو على الأمم يوم القيامة.
وقيل:( وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) مبتدأ وخبر. والمراد بهم الأنبياء، من قوله:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) (١) . وهو مرويّ عن ابن عبّاس، ومسروق، ومقاتل بن حيّان. واختاره الفرّاء والزجّاج.
وقيل: الّذين استشهدوا في سبيل الله.
وروى العيّاشي بالإسناد عن منهال القصّاب قال: «قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ادع الله أن يرزقني الشهادة. فقال: إنّ المؤمن شهيد، وقرأ هذه الآية».
وعن الحارث بن المغيرة قال: «كنّا عند أبي جعفرعليهالسلام فقال: العارف منكم هذا الأمر المنتظر له، المحتسب فيه الخير، كمن جاهد والله مع قائم آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم بسيفه. ثمّ قال: بل والله كمن جاهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسيفه. ثمّ قال الثالثة: بلى
__________________
(١) النساء: ٤١.
والله كمن استشهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في فسطاطه. وفيكم آية من كتاب الله. قلت: وأيّ آية جعلت فداك. قال: قول اللهعزوجل :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) . ثمّ قال: صرتم والله صادقين شهداء عند ربّكم».
( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) لهم مثل أجر الصدّيقين والشهداء ومثل نورهم، ولكنّه من غير تضعيف، ليحصل التفاوت. أو الأجر والنور الموعودان لهم.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) فيه دليل على أنّ الخلود في النار مخصوص بالكفّار، من حيث إنّ التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدلّ على الملازمة عرفا.
( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) )
ولـمّا ذكر حال الفريقين في الآخرة حقّر أمور الدنيا، تزهيدا للمؤمنين في أمور الدنيا وركونهم إلى لذّاتها، فقال :
( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ) أي: الحياة في هذه الدار الدنيّة والأمور
المتعلّقة بها أمور خياليّة قليلة النفع سريعة الزوال، لأنّها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جدّا، إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة( وَلَهْوٌ ) يلهون به أنفسهم عمّا يهمّهم من الأمور الأخرويّة( وَزِينَةٌ ) يتزيّنون بها، كالملابس الحسنة، والمراكب البهيّة، والمنازل الرفيعة( وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ ) بالأنساب والعدد والعدد( وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) .
ثمّ مثّل لها في سرعة تقضّيها وقلّة جدواها بقوله:( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ) أي: نبات أنبته المطر فاستوى بحيث أعجب الحرّاث. أو الكافرون بالله، لأنّهم أشدّ إعجابا بزينة الدنيا. ولأنّ المؤمن إذا رأى معجبا انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطّى فكره عمّا أحسّ به، فيستغرق فيه إعجابا( ثُمَّ يَهِيجُ ) ييبس بعاهة وآفة( فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ) يتحطّم ويتكسّر بعد يبسه. وشرح هذا المثل قد تقدّم في سورة يونس(١) .
( وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ) لأعداء الله، تنفيرا عن الانهماك في الدنيا، وحثّا على ما يوجب كرامة العقبى. ثمّ أكّد ذلك بقوله:( وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ ) لأولياء الله( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) أي: لمن أقبل عليها، ولم يطلب بها الآخرة.
ثمّ رغّب سبحانه في المسابقة لطلب الجنّة، فقال:( سابِقُوا ) وسارعوا مسارعة السابقين في المضمار( إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) إلى موجباتها من الأعمال الصالحة( وَجَنَّةٍ ) وسابقوا إلى استحقاق ثواب جنّة هذه صفتها( عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) وإذا كان العرض كذلك فما ظنّك بالطول؟! وقيل: طولها لا يعلمه إلّا الله.
وقيل: المراد به البسطة، كقوله:( فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ) (٢) .
__________________
(١) راجع ج ٣ ص ٢٠٢، ذيل الآية ٢٤. من سورة يونس.
(٢) فصّلت: ٥١.
وقيل: إنّ الله قال:( عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) ، والجنّة المخلوقة في السماء السابعة، فلا تنافي بينهما.
( أُعِدَّتْ ) ادّخرت وهيّئت( لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ) فيه دليل على أنّ الجنّة مخلوقة، وأنّ الإيمان وحده كاف في استحقاقها، لأنّه ذكر أنّ الجنّة معدّة للمؤمنين، ولم يذكر معه شيئا آخر، وهذا أعظم رجاء لأهل الإيمان.
( ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) ذلك الموعود يتفضّل به على من يشاء، فإنّه يجزي الدائم الباقي على القليل الفاني. ولو اقتصر في الجزاء على قدر ما يستحقّ بالأعمال، كان عدلا منه، لكنّه تفضّل بالزيادة.
وقيل: معناه: إنّ أحدا منّا لا ينال خيرا في الدنيا والآخرة إلّا بفضل الله، فإنّه سبحانه لو لم يدعنا إلى الطاعة، ولم يبيّن لنا الطريق، ولم يوفّقنا للعمل الصالح، لـما اهتدينا إليه، فذلك كلّه من فضل الله. وأيضا فإنّه سبحانه تفضّل بالأسباب الّتي يفعل بها الطاعة، من التمكين والألطاف وكمال العقل، وعرض المكلّف للثواب، فالتكليف أيضا تفضّل.
( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) فلا يبعد منه التفضّل بذلك وإن عظم قدره.
( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) )
ولـمّا بيّن الثواب على الطاعة، عقّبه ببيان الأعواض على مقاساة المصائب، فقال:( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ) كالجدب والعاهة( وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ )
كالمرض، والآفة، وموت الأولاد، وسائر الأقارب والأحباب( إِلَّا فِي كِتابٍ ) إلّا مكتوبة في اللوح، مثبتة في علم الله( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ) والمعنى: أنّه تعالى أثبتها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الأنفس والأرض، ليستدلّ ملائكته به على أنّه عالم لذاته يعلم الأشياء بحقائقها( إِنَّ ذلِكَ ) أن يثبته في الكتاب على كثرته( عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) لاستغنائه عن العدّة والمدّة.
( لِكَيْلا تَأْسَوْا ) أي: أثبت وكتب ذلك لئلّا تحزنوا( عَلى ما فاتَكُمْ ) من نعم الدنيا( وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) بما أعطاكم الله منها، فإنّ من علم أنّ الكلّ مقدّر هان عليه الأمر. وأيضا إذا علم الإنسان أنّ ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة، فلا ينبغي أن يحزن لذلك. وإذا علم أنّ ما ناله منها كلّف الشكر عليه والحقوق الواجبة فيه، فلا ينبغي أن يفرح به. وإذا علم أنّ شيئا منها لا يبقى، فلا ينبغي أن يهتمّ له، بل يجب أن يهتمّ لأمر الآخرة الّتي تدوم ولا تبيد.
وقرأ أبو عمرو: «بما أتاكم» من الإتيان، ليعادل «ما فاتكم». وعلى الأوّل فيه إشعار بأنّ فواتها يلحقها إذا خلّيت وطباعها، وأمّا حصولها وبقاؤها فلا بدّ لهما من سبب يوجدها ويبقيها.
والمراد به نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر الله، والفرح الموجب للبطر والاختيال. ولذلك عقّبه بقوله:( وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) إذ قلّ من يثبت نفسه في حالي الضرّاء والسرّاء.
وقيل لبزرجمهر الحكيم: مالك أيّها الحكيم لا تأسف على ما فات، ولا تفرح بما هو آت؟
فقال: لأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالخبرة.
واعلم أنّ في هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء :
الأوّل: حسن الخلق، لأنّ من استوى عنده وجود الدنيا وعدمها، لا يحسد، ولا يعادي، ولا يشاحّ، فإنّ هذه من أسباب سوء الخلق، وهي من
نتائج حبّ الدنيا.
وثانيها: استحقار الدنيا وأهلها، إذا لم يفرح بوجودها، ولم يحزن لعدمها.
وثالثها: تعظيم الآخرة، لـما ينال من الثواب الدائم الخالص من الشوائب.
ورابعها: الافتخار بالله دون أسباب الدنيا.
ويروى أنّ عليّ بن الحسينعليهالسلام جاءه رجل فقال له: ما الزهد؟ فقال: «الزهد عشرة أجزاء. فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع. وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين. وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا. وإنّ الزهد كلّه في آية من كتاب الله:( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) ».
( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) بدل من «كلّ مختال» فإنّ المختال بالمال يضنّ به غالبا. أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله:( وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) لأنّ معناه: ومن يعرض عن الإنفاق، فإنّ الله غنيّ عنه وعن إنفاقه، محمود في ذاته، لا يضرّه الإعراض عن شكره، ولا ينتفع بالتقرّب إليه بشيء من نعمه. وفيه تهديد وإشعار بأنّ الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق. وقرأ نافع وابن عامر: «فإنّ الله الغنيّ».
( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) )
ثمّ بيّن سبحانه بعث الأنبياء على عباده إرشادا لهم إلى الطاعات البدنيّة، المثمرة للخضوع والخشوع، الزاجرين عن البطر والاختيال، وإلى العبادات الماليّة المنتجة للإحسان على المحتاجين، المانعة عن البخل المذموم عند ربّ العالمين، فقال :
( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا ) أي: الملائكة إلى الأنبياء، أو الأنبياء إلى الأمم( بِالْبَيِّناتِ ) بالحجج والمعجزات( وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ ) المكتوب الّذي يتضمّن الأحكام، وما يحتاج إليه الخلق من الحلال والحرام، كالتوراة والإنجيل والقرآن، ليبيّن الحقّ، ويميّز صواب العمل( وَالْمِيزانَ ) ذا الكفّتين الّذي يوزن به لتسوى به الحقوق، ويقام به العدل، كما قال:( لِيَقُومَ النَّاسُ ) في معاملاتهم( بِالْقِسْطِ ) . وإنزاله إنزال أسبابه، والأمر بإعداده.
وروي: أنّ جبرئيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به.
ويجوز أن يراد به العدل لتقام به السياسة، ويدفع به الأعداء، كما قال:( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) أي: يمتنع به، ويحارب به في القتال. والمعنى: أنّه يتّخذ منه آلتان: آلة للدفع وآلة للضرب، فإنّ آلات الحروب متّخذة منه.
قيل: نزل آدم من الجنّة ومعه خمسة أشياء من الحديد: السندان، والكلبتان، والميقعة(١) ، والمطرقة(٢) ، والإبرة. وروي: ومعه المرّ(٣) والمسحاة.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح».
وعن الحسن:( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) : خلقناه، كقوله تعالى:( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ) (٤) . وذلك أنّ أوامره تنزل من السماء.
( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، إذ ما من صنعة إلّا والحديد آلتها، أو ما يعمل بالحديد.
( وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ ) باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفّار. والعطف على محذوف دلّ عليه ما قبله، فإنّه حال يتضمّن تعليلا. كأنّه قال:( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) ليكون أسلحة للحرب ومنافع للعباد، وليعلم الله نصرة من ينصره ورسله نصرة موجودة، وجهاد من جاهد مع رسوله موجودا. أو اللام صلة لمحذوف، أي: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله.( بِالْغَيْبِ ) حال من المستكن في «ينصره». كما قال ابن عبّاس معناه: ينصرونه ولا يبصرونه. يعني: ينصرونه بالعلم الواقع
__________________
(١) الميقعة: خشبة القصّار ـ أي: محوّر الثياب ومبيّضها ـ يدقّ عليها.
(٢) المطرقة: آلة من حديد ونحوه يضرب بها الحديد ونحوه.
(٣) المر: المسحاة.
(٤) الزمر: ٦.
بالاستدلال والنظر من غير مشاهدة بالبصر.
( إِنَّ اللهَ قَوِيٌ ) على إهلاك من أراد إهلاكه( عَزِيزٌ ) لا يفتقر إلى نصرة أحد. وإنّما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به، ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ ) خصّهما بالذكر لفضلهما، ولأنّهما أبوا الأنبياء( وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ ) بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب. وعن ابن عبّاس: المراد بالكتاب الخطّ بالقلم. يقال: كتب كتابا وكتابة.( فَمِنْهُمْ ) فمن الذرّيّة. أو من المرسل إليهم، وقد دلّ عليهم «أرسلنا».( مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) خارجون عن الطريق المستقيم. والعدول عن سنن المقابلة للمبالغة في الذمّ، والدلالة على أنّ الغلبة للضلال.
( ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا ) ثمّ أتبعنا بالإرسال على آثار من ذكرناهم من الأنبياء برسل آخرين إلى قوم آخرين( وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) أي: أرسلنا رسولا بعد رسول حتّى انتهى إلى عيسىعليهالسلام . والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من الرسل، لا للذرّيّة، فإنّ الرسل المقفّى بهم من الذرّيّة.
( وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) في دينه، يعني: الحواريّين وأتباعهم، اتّبعوا عيسى( رَأْفَةً ) هي أشدّ الرقّة والرحمة( وَرَحْمَةً ) وإنّما أضافهما إلى نفسه، لأنّه سبحانه جعلهما في قلوبهم بالأمر بهما، والترغيب فيهما، ووعد الثواب عليهما.
( وَرَهْبانِيَّةً ) انتصابها بفعل مضمر يفسّره ما بعده، تقديره: وابتدعوا رهبانيّة( ابْتَدَعُوها ) وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، واتّخاذ الصوامع لها في البراري والجبال. منسوبة إلى الرهبان، وهو المبالغ في الخوف، من: رهب، كالخشيان من: خشي. والمعنى: ترهّبهم في الجبال فارّين من الجبابرة أن يفتنوهم في دينهم مخلصين أنفسهم للعبادة، كما سيجيء تفصيله.
( ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ) ما فرضناها عليهم( إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ ) استثناء منقطع، أي: ولكنّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، وألزموها على أنفسهم، كما أنّ الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمّه.
وقيل: متّصل، و «رهبانيّة» معطوفة على ما قبلها، و «ابتدعوها» صفة لها في محلّ النصب، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانيّة مبتدعة من عندهم. بمعنى: وفّقناهم للتراحم بينهم، ولابتداع الرهبانيّة واستحداثها، والإتيان بها أولا، لا أنّهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. ما كتبناها عليهم إلّا ليبتغوا رضوان الله، ويستحقّوا بها الثواب. على أنّه كتبها عليهم وألزمها إيّاهم ليتخلّصوا من الفتن، ويبتغوا بذلك رضا الله تعالى وثوابه.
( فَما رَعَوْها ) فما رعوا جميعا( حَقَّ رِعايَتِها ) كما يجب على الناذر رعاية نذره، لأنّه عهد مع الله لا يحلّ نكثه. وذلك بضمّ التثليث، والقول بالاتّحاد، وقصد السمعة، والكفر بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ونحوها، إلى الابتداع.
( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أتوا بالإيمان الصحيح. وهم أهل الرحمة والرأفة الّذين اتّبعوا عيسى، وحافظوا حقوقه، ومن ذلك الإيمان بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مِنْهُمْ ) من المتّسمين باتّباعه( أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) خارجون عن الاتّباع، غير حافظين على نذرهم.
وعن ابن مسعود قال: «دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها اثنتان، وهلك سائرهنّ. فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسىعليهالسلام فقتلوهم. وفرقة لم تكن لهم طاقة لموازاة الملوك، ولا أن يقيموا بين ظهرانيّهم يدعونهم إلى دين الله تعالى ودين عيسىعليهالسلام ، فساحوا في البلاد وترهّبوا. وهم الّذين قال الله فيهم:( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ) . ثمّ قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حقّ
رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون».
وأيضا عن ابن مسعود قال: «كنت رديف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على حمار، فقال: يا ابن أمّ عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانيّة؟
فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسىعليهالسلام ، يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرّات، فلم يبق منهم إلّا القليل.
فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا، ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث الله النبيّ الّذي وعدنا عيسىعليهالسلام ، يعنون محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم . فتفرّقوا في غيران(١) الجبال، وأحدثوا رهبانيّة، فمنهم من تمسّك بدينه، ومنهم من كفر. ثمّ تلا هذه الآية:( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ) إلى آخرها.
ثمّ قال: يا ابن أمّ عبد أَتدري ما رهبانيّة أمّتي؟
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: الهجرة، والجهاد، والصلاة، والصوم، والحجّ، والعمرة».
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بتوحيد الله، وصدّقوا موسى وعيسى وسائر الرسل المتقدّمة( اتَّقُوا اللهَ ) فيما نهاكم عنه( وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ ) نصيبين( مِنْ رَحْمَتِهِ ) لإيمانكم بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وبمن قبله من الأنبياء. ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق ـ وإن كان منسوخا ـ ببركة الإسلام( وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) يريد المذكور في قوله:( يَسْعى نُورُهُمْ ) (٢) . أو الهدى الّذي يسلك به إلى جناب القدس.( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) ما أسلفتم من الكفر والمعاصي( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
__________________
(١) جمع: غار.
(٢) الحديد: ١٢.
روي عن سعيد بن جبير: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه ودعاه، فاستجاب له وآمن به. فلمّا كان عند انصرافه قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلا: ائذن لنا في الوفادة على رسول الله، فأذن لهم. فقدموا مع جعفر وقد تهيّأ لوقعة أحد، فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله، وقالوا: يا نبيّ الله إنّ لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا، فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم. فانصرفوا فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين. فأنزل الله فيهم:( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) إلى قوله:( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (١) .
فلمّا سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله:( يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ) (٢) فخروا على المسلمين وقالوا: أمّا من آمن منّا بكتابكم وبكتابنا فله أجره مرّتين، وأمّا من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) الآية. فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة.
ثمّ قال:( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) «لا» مزيدة. وعن الفرّاء: إنّما تدخل «لا» صلة في كلّ كلام دخل في أواخره أو أوائله جحد، وإن لم يكن مصرّحا به، نحو قوله:( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) (٣) .( وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٤) .( وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) (٥) .
__________________
(١) القصص: ٥٢ ـ ٥٤.
(٢) القصص: ٥٢ ـ ٥٤.
(٣) الأعراف: ١٢.
(٤) الأنعام: ١٠٩.
(٥) الأنبياء: ٩٥.
والمعنى: ليعلم( أَهْلُ الْكِتابِ ) الّذين لم يؤمنوا بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ ) . «أن» هي المخفّفة. والمعنى: أنّ الشأن لا ينالون شيئا ممّا ذكر من فضله، من الكفلين والنور والمغفرة، ولا يتمكّنون من نيله، لأنّهم لم يؤمنوا برسوله، وهو مشروط بالإيمان به. أو لا يقدرون على شيء من فضله، فضلا عن أن يتصرّفوا في أعظمه، وهو النبوّة، فيخصّوها بمن أرادوا. ويؤيّده قوله:( وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ ) في ملكه وتصرّفه( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) يتفضّل على من يشاء من عباده المؤمنين.
وقال الكلبي: كان الوافدون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من اليمن أربعة وعشرين رجلا، وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم بمكّة، لم يكونوا يهودا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء، فأسلموا. فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم، والوفد لقومكم. فردّوا عليه:( وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ ) (١) الآية. فجعل الله لهم ولمؤمني أهل الكتاب ـ عبد الله بن سلام وأصحابه ـ أجرين اثنين. فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول الله ويقولون: نحن أفضل منكم، لنا أجران، ولكم أجر واحد. فنزلت:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) إلى قوله:( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) إلى آخرها.
وقيل: «لا» غير مزيدة. والمعنى: لئلّا يعتقد أهل الكتاب أنّهم لا يقدرون أن يؤمنوا، لأنّ من لا يعلم أنّه لا يقدر يعلم أنّه يقدر.
وقيل: معناه: لئلّا يعلم اليهود والنصارى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنين لا يقدرون على ذلك، بل علموا أنّهم يقدرون عليه، أي: إن آمنتم كما أمركم الله آتاكم الله من فضله، فعلم أهل الكتاب ذلك، ولم يعلموا خلافه. وعلى هذا فالضمير في «يقدرون» ليس لأهل الكتاب.
وقال أبو سعيد السيرافي: معناه: إنّ الله يفعل بكم هذه الأشياء لئلّا يعلم ـ أي: ليتبيّن ـ جهل أهل الكتاب، وأنّهم لا يعلمون أنّ ما يؤتيكم الله من فضله لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم.
__________________
(١) المائدة: ٨٤.
(٥٨)
سورة المجادلة
أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الحديد بذكر فضله على من يشاء من عباده، افتتح هذه السورة بذكر بيان فضله في إجابة دعاء خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة، رآها زوجها ساجدة في صلاتها، وكانت حسنة الجسم عظيمة الأليتين، فلمّا سلّمت راودها فأبت، فغضب، وكان به خفّة ولمم(١) ، فظاهر منها.
وهذا أوّل ظهار في الإسلام، وكان طلاق أهل الجاهليّة. فأتت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعائشة تغسل شقّ رأسه، فقالت: إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابّة، غانية(٢) ، ذات جمال ومال وأهل، حتّى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرّق أهلي، وخلا سنّي، ونثرت بطني ـ أي: كثر ولدي ـ جعلني عليه كأمّه.
وروي أنّها قالت له: إنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.
فقال: ما عندي في أمرك شيء.
وروي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لها: حرمت عليه.
فقالت: يا رسول الله، ما ذكر طلاقا، وإنّما هو أبو ولدي، وأحبّ الناس إليّ.
فقال: حرمت عليه.
فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي. كلّما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : حرمت عليه، هتفت وشكت إلى الله فقالت: أللّهمّ فأنزل على لسان نبيّك.
فقامت عائشة تغسل شقّ رأسه الآخر. فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداك يا نبيّ الله.
فقالت عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا نزل عليه شيء أخذه مثل السبات.
__________________
(١) اللمم: جنون خفيف، أو طرف من الجنون يلمّ بالإنسان.
(٢) الغانية: المرأة الغنيّة بحسنها وجمالها عن الزينة.
فلمّا قضي الوحي قال: ادعي زوجك. فقرأصلىاللهعليهوآلهوسلم :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ) تراجعك في شأنه سؤالا وجوابا( وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ ) وتظهر شكواها وما بها من المكروه، فتقول: أللّهمّ إنّك تعلم حالي فارحمني، فإنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. ومعنى «قد» التوقّع، لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمجادلة كانا يتوقّعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرّج عنها كربها. وأدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر دالها في السين.
( وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ) تراجعكما الكلام. وهو على تغليب الخطاب.( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) للأقوال والأحوال.
ولـمّا كان الظهار من عادة الجاهليّة، ومن أيمانهم خاصّة دون سائر الأمم، وبّخهم الله تعالى وهجّنهم في ذلك، فقال :
( الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ) أي: يقولون لهنّ: أنتنّ كظهور أمّهاتنا. مشتقّ من الظهر. وأصل «يظّهّرون»: يتظهّرون. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: يظّاهرون، من: اظّاهر. وعاصم: يظاهرون، من: ظاهر.( ما هُنَ ) ما الزوجات اللاتي يظاهرونهنّ( أُمَّهاتِهِمْ ) على الحقيقة، فإنّ إلحاق الزوجة بالأمّ، وجعلها مثلها بقول: أنت عليّ كظهر أمّي، تشبيه باطل، لتباين الحالين.
( إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ) فلا تشبّه بهنّ في الحرمة إلّا من ألحقها الله بهنّ كالمرضعات، لأنّهنّ لـمّا أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمّهات شرعا، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وكذلك أزواج الرسول، لأنّ الله تعالى حرّم نكاحهنّ على الأمّة، فدخلن بذلك في حكم الأمّهات، بخلاف الزوجات، فإنّهنّ أبعد شيء من الأمومة، لأنّهنّ لسن بأمّهات حقيقة، ولا بداخلات
في حكم الأمّهات. فكان قول المظاهر منكرا، كما قال عزّ اسمه:( وَإِنَّهُمْ ) أي: المظاهرين( لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ ) إذ الشرع أنكره( وَزُوراً ) وكذبا منحرفا عن الحقّ. وعن عاصم: أمّهاتهم بالرفع، على اللغة الحجازيّة والتميميّة.( وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) لـما سلف منه مطلقا، أو إذا تيب عنه.
وهل يقع الظهار لو شبّهها بغير الظهر، كالبطن والفخذ وغير ذلك من الأعضاء؟ الأقوى عندنا عدم الوقوع. وكذا لو شبّه عضوا من زوجته بظهر أمّه، الأقرب عدم الوقوع أيضا، اقتصارا على منطوق النصّ، وجمودا في التحريم على ما أبلغ عليه. قال الفقهاء: إذا شبّهها بجزء يحرم النظر إليه ـ كالبطن والفخذ ـ وقع.
والآية تدلّ على أنّ الظهار حرام، لوصفه بالمنكر. نعم، لا عقاب فيه، لتعقيبه بذكر المغفرة والرحمة. وهو ملحق بالصغائر الّتي تقع مكفّرة.
ثمّ بيّن حكم الظهار، فقال:( وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ) يتداركون ما قالوا، لأنّ المتدارك للأمر عائد إليه. وقال الفرّاء: يعودون لـما قالوا، وإلى ما قالوا، وفيما قالوا. معناه: يرجعون عمّا قالوا. يقال: عاد لـما فعل، أي: نقض ما فعل. ومنه المثل: عاد الغيث على ما أفسد، أي: تداركه بالإصلاح. وذلك عندنا وعند مالك بإرادة الوطء. وإضمار الإرادة في العود كإضمارها في قوله:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) (١) . وعند الشافعي بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه. وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة.
( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) أي: فعليهم، أو فالواجب إعتاق رقبة. والفاء للسببيّة. ومن فوائدها الدلالة على تكرّر وجوب التحرير بتكرّر الظهار. والرقبة مقيّدة بالأيمان عندنا وعند الشافعي.
__________________
(١) النحل: ٩٨.
( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) أن يجامعها، لشهرة المسيس بمعنى الجماع في الكتاب والسنّة. وعند الشافعي: من قبل أن يستمتع كلّ من المظاهر والمظاهر عنها بالآخر، لعموم اللفظ. وفيه دليل على حرمة ذلك قبل التكفير.
( ذلِكُمْ ) أي: ذلكم الحكم بالكفّارة( تُوعَظُونَ بِهِ ) لأنّه يدلّ على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة الرادعة عنها، فيجب أن تتّعظوا بهذا الحكم لتنزجروا عن أن تعودوا إلى الظهار( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) لا تخفى عليه خافية.
( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) أي: الرقبة( فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) فإن أفطر لغير عذر لزمه الاستئناف. وإن أفطر لعذر بنى. وعند أصحابنا أنّه إذا اصام شهرا، ومن الثاني شيئا ولو يوما واحدا، ثمّ أفطر لغير عذر صحّ، ولا يلزمه الاستئناف. وإن أفطر قبل ذلك استأنف. ومتى بدأ بالصوم وصام بعض ذلك، ثمّ وجد الرقبة، لا يلزمه الرجوع إليها. وإن رجع كان أفضل. وعند جماعة يلزمه الرجوع إلى العتق.
( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) أي: الصوم، لهرم أو لعلّة( فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) لكلّ مسكين نصف صاع عند أصحابنا، فإن لم يقدر فمدّ. وإنّما لم يذكر التماسّ مع الطعام اكتفاء بذكره مع الآخرين.
( ذلِكَ ) أي: ذلك البيان، أو التعليم للأحكام. ومحلّه النصب بفعل معلّل بقوله:( لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) أي: فرض ذلك لتصدّقوا بالله ورسوله في قبول شرائعه، ورفض ما كنتم عليه في جاهليّتكم.
( وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ) لا يجوز تعدّيها( وَلِلْكافِرِينَ ) الّذين لا يقبلونها( عَذابٌ أَلِيمٌ ) وهو نظير قوله:( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (١) .
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد نزول آيات الظهار خيّر الأوس بين الطلاق والإمساك.
__________________
(١) آل عمران: ٩٧.
فاختار الإمساك. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم له: كفّر بعتق رقبة.
فقال: مالي غيرها. وأشار إلى رقبته.
فقال: صم شهرين متتابعين.
فقال: لا طاقة لي بذلك.
فقال: أطعم ستّين مسكينا.
فقال: والله ما بين لابتيها أشدّ مسكنة منّي. فأمر له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بشيء من مال الصدقة، وأمره أن يطعمه عن كفّارته. فشكا خصاصة حاله، وأنّه أشدّ فاقة وضرورة ممّن أمر بدفعه إليهم. فضحك النبيّصلىاللهعليهوآله وسلّم وأمره بالاستغفار، وأباح له العود إليها.
وفيها دلالة على أنّه مع العجز عن الكفّارة يستغفر الله ويعود. ويؤيّده رواية إسحاق بن عمّار موثّقا عن الصادقعليهالسلام : «أنّ الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفّارة فيستغفر ربّه».
وبواقي أحكام الظهار والشرائط المعتبرة فيه مذكورة في كتب الأصحاب، فليطالع ثمّة.
( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) )
( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) يعادونهما، فإنّ كلّا من المتعاديين في حدّ غير حدّ الآخر. أو يضعون، أو يختارون حدودا غير حدودهما.( كُبِتُوا ) أخزوا وأهلكوا. وأصل الكبت الكبّ.( كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يعني: كفّار الأمم
الماضية. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.( وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ) تدلّ على صدق الرسول وصحّة ما جاء به( وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ) يذهب عزّهم وتكبّرهم.
( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ ) منصوب بـ «مهين». أو بإضمار: اذكر، تعظيما لليوم.
( جَمِيعاً ) كلّهم لا يدع أحدا غير مبعوث. أو مجتمعين في حال واحدة.
( فَيُنَبِّئُهُمْ ) الله، أي: يخبرهم( بِما عَمِلُوا ) على رؤوس الأشهاد، تشهيرا لحالهم، وتقريرا لعذابهم، وتوبيخا لهم( أَحْصاهُ اللهُ ) أحاط به عددا، لم يغب منه شيء( وَنَسُوهُ ) لكثرته، أو تهاونهم به( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) لا يغيب عنه شيء.
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه يعلم ما يكون في العالم فقال:( أَلَمْ تَرَ ) الخطاب للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمراد جميع المكلّفين( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) كلّا وجزءا( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ ) من «كان» التامّة. وتذكير الفعل على أنّ النجوى تأنيثها غير حقيقيّ، و «من» فاصلة. أو على أنّ المعنى: ما يقع شيء من النجوى. والنجوى: التناجي. فلا تخلو: إمّا أن تكون مضافة إلى ثلاثة، أي: من نجوى ثلاثة نفر، أو موصوفة بها على حذف المضاف، أي: من أهل نجوى ثلاثة، أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغة، كقوله تعالى:( خَلَصُوا نَجِيًّا ) (١) . واشتقاقها من
__________________
(١) يوسف: ٨٠.
النجوة، وهي ما ارتفع من الأرض، فإنّ السرّ أمر مرفوع إلى الذهن، لا يتيسّر لكلّ أحد أن يطّلع عليه.
( إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) إلّا الله يجعلهم أربعة، من حيث إنّه يشاركهم في الاطّلاع.
والاستثناء من أعمّ الأحوال.( وَلا خَمْسَةٍ ) ولا نجوى خمسة( إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ) .
وتخصيص هذين العددين إمّا لخصوص الواقعة، فإنّ الآية نزلت في تناجي قوم من المنافقين مغايظة للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثة وخمسة. وروي عن ابن عبّاس: أنّها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن اميّة، كانوا يوما يتحدّثون، فقال أحدهم: أَترى أنّ الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا، ولا يعلم بعضا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كلّه.
أو لأنّ الله وتر يحبّ الوتر، والثلاثة أوّل الأوتار. أو لأنّ التشاور لا بدّ له من اثنين يكونان كالمتنازعين، وثالث يتوسّط بينهما، إلى خمسة إلى ستّة، ولا يتجاوزون عن الستّة غالبا عرفا عندهم.
( وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ) ولا أقلّ ممّا ذكر، كالواحد والاثنين( وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ) ومعنى كونه معهم: أنّه يعلم ما يجري بينهم من التناجي، ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنّه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان. وقرأ يعقوب: ولا أكثر بالرفع، عطفا على محلّ «من نجوى»، أو محلّ «ولا أدنى»، بأن جعلت «لا» لنفي الجنس.( أَيْنَ ما كانُوا ) فإنّ علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتّى يتفاوت باختلاف الأمكنة.
( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ) تفضيحا لهم، وتقريرا لـما يستحقّونه من الجزاء( إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) لأنّ نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكلّ على سواء.
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) )
وعن ابن عبّاس: إنّ اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما هذا التناجي إلّا بأنّه بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الّذين خرجوا في السرايا قتل أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلمّا طال ذلك شكوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فنزلت :
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ) عن إسرار الكلام بينهم بما يغمّ المسلمين ويحزنهم( ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ) أي: يرجعون إلى التناجي بعد النهي( وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) بما هو إثم وعدوان للمؤمنين( وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ) وتواص بمعصية الرسول ومخالفته. وقرأ رويس عن يعقوب: وينتجون. وهو يفتعلون من النجوى.
( وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ) وذلك أنّ اليهود كانوا يأتون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقولون: السام عليك يا محمد، أو أنعم صباحا. والله سبحانه يقول :
( وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ) (١) . و( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) (٢) . و( يا أَيُّهَا النَّبِيُ ) (٣) .
( وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ) فيما بينهم( لَوْ لا ) هلّا( يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ ) كانوا يقولون: ماله إن كان نبيّا لا يدعو علينا حتّى يعذّبنا الله بما نقول.
فقال سبحانه:( حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ ) عذابا، لـما فيها من أنواع العذاب والنكال( يَصْلَوْنَها ) يدخلونها( فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) جهنّم.
ثمّ نهى المؤمنين عن مثل ذلك، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ) فلا تتناجوا بالشرّ كما يفعله المنافقون.
وعن يعقوب: فلا تنتجوا.( وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى ) بما يتضمّن خير المسلمين، والاتّقاء عن معصية الرسول. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما، فإنّ ذلك يحزنه». وروي: «دون الثالث».( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) فيما تأتون وتذرون، فإنّه مجازيكم عليه.
ولـمّا كان المؤمنون يتوهّمون في نجوى المنافقين واليهود وتغامزهم أنّ غزاتهم غلبوا، وأنّ أقاربهم قتلوا، فقال سبحانه :
( إِنَّمَا النَّجْوى ) إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان( مِنَ الشَّيْطانِ ) لأنّه المزيّن لها والحامل عليها، فكأنّها منه( لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بتوهّمهم أنّها في نكبة أصابتهم( وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ ) وليس الشيطان أو التناجي أو الحزن بضارّ المؤمنين بذلك الموهم( شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) أي: بمشيئته، بأن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على غزاتهم. وقيل: إلّا بعلمه أو بأمر الله، لأنّ سببه بأمره، وهو الجهاد
__________________
(١) النمل: ٥٩.
(٢) المائدة: ٤١، وغيرها.
(٣) الأنفال: ٦٤، وغيرها.
وخروجهم إليه. وقيل: بأمر الله، لأنّه يلحقهم الآلام والأمراض عقيب ذلك.
( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) في جميع أمورهم دون غيره، ولا يبالوا بنجواهم.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) )
وروى المقاتلان: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الصفّة وفي المكان ضيق، وذلك يوم الجمعة، وكانعليهالسلام يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار. فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته. فردّ عليهم النبيّ. ثمّ سلّموا على القوم بعد ذلك. فردّوا عليهم. فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم. فلم يفسحوا لهم، تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع كلامه. فشقّ ذلك على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان، بقدر النفر الّذين كانوا بين يديه من أهل بدر. فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف الكراهية في وجوههم. وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء، إنّ قوما أخذوا مجالسهم، وأحبّوا القرب من نبيّهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنهم مقامهم.
فنزلت :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ ) توسّعوا فيه، بأن يفسح بعضكم عن بعض، ولا تتضامّوا. من قولهم: افسح عنّي، أي: تنحّ. والمراد
مجلس رسول الله، أو الجيش، فيشمل مجلس القتال. وهي مراكز الغزاة، كقوله:( مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) (١) وغيرها. ويدلّ عليه قراءة عاصم بالجمع.( فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ ) فيما تريدون التفسّح فيه، من المكان والرزق والصدر والقبر والجنّة وغيرها.
( وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا ) ارتفعوا وانهضوا للتوسعة على المقبلين. وقيل: لـما أمرتم به، كصلاة أو جهاد. وقيل: وردت في قوم كانوا يطيلون المكث عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيكون كلّ واحد منهم يحبّ أن يكون آخر خارج، فنزلت فيهم:( وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا ) .( فَانْشُزُوا ) . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضمّ الشين فيهما.
( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة( وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ويرفع العلماء خاصّة( دَرَجاتٍ ) عالية ومراتب غالية في الدارين بما جمعوا من العلم والعمل، فإنّ العلم مع علوّ درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله، ولا يقتدى بغيره. وقيل: درجات في مجلس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأمره الله سبحانه أن يقرّب العلماء من نفسه فوق المؤمنين الّذين لا يعلمون العلم، ليبيّن فضل العلماء على غيرهم.
وفي هذه الآية دلالة على فضل العلماء وجلالة قدرهم. وقد ورد في الحديث أنّه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبيّ على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وعنه بين العالم والعابد مائة درجة، بين كلّ درجتين حضر(٢) الجواد المضمر سبعين سنة».
__________________
(١) آل عمران: ١٢١.
(٢) الحضر: الاسم من: أحضر الفرس: عدا شديدا، أي: ركض.
وعنه: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء». فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوّة والشهادة عند رسول الله.
وعن ابن عبّاس: خيّر سليمانعليهالسلام بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال والملك معه.
وقالعليهالسلام : «أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا إبراهيم إنّي عليم أحبّ كلّ عليم».
وعن عبد الله بن مسعود: أنّه كان إذا قرأها قال: يا أيّها الناس افهموا هذه الآية، ولترغّبكم في العلم.
وعن بعض الحكماء: ليت شعري أيّ شيء أدرك من فاته العلم، وأيّ شيء فات من أدرك العلم.
وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابا، وكلّ عزّ لم يوطّد(١) بعلم فإلى ذلّ مّا يصير.
وعن الزبيري: العلم ذكر، فلا يحبّه إلّا ذكور الرجال.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) تهديد لمن لم يتمثّل الأمر أو استكرهه.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) )
__________________
(١) وطّد الشيء: قوّاه وأثبته.
روي: أنّ الناس أكثروا مناجاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما يريدون حتّى أملّوه(١) وأبرموه، فأراد الله سبحانه أن يكفّوا عن ذلك، فأمرهم بأنّ من أراد أن يناجيه قدّم قبل مناجاته صدقة، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) فتصدّقوا قدّامها. مستعار ممّن له يدان. وفي هذا الأمر تعظيم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنفاع الفقراء، والنهي عن الإفراط في السؤال، والتمييز بين المخلص والمنافق، ومحبّ الآخرة ومحبّ الدنيا. والأمر للوجوب، وخاتمة الآية دالّة عليه. ثمّ نسخ بقوله: «أَأشفقتم». وهو وإن اتّصل به تلاوة، لم يتّصل به نزولا.
وعن عليّعليهالسلام أنّه قال: «لمّا نزلت دعاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبّة أو شعيرة. قال: إنّك لزهيد». فلمّا رأوا ذلك اشتدّ عليهم فارتدعوا وكفّوا. أمّا الفقير فلعسرته، وأمّا الغنيّ فلشحّه.
وقال عليّعليهالسلام : «إنّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي. كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم».
وقال الكلبي: تصدّق به في عشر كلمات سألهنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وروي عنهعليهالسلام أيضا أنّه قال: «بي خفّف الله عن هذه الأمّة، لم ينزل في أحد قبلي، ولم ينزل في أحد من بعدي».
وعن ابن عمر: كان لعليّعليهالسلام ثلاث، لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.
وعن مجاهد وقتادة: لـمّا نهوا عن مناجاته حتّى يتصدّقوا، لم يناجه إلّا عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، قدّم دينارا فتصدّق به، ثمّ نسخ الله سبحانه ذلك الحكم بعد عشرة أيّام.
( ذلِكَ ) أي: ذلك التصدّق( خَيْرٌ لَكُمْ ) لأنفسكم من الريبة وحبّ المال ،
__________________
(١) أي: أضجروه وأوقعوه في المال.
لأنّ فيه أداء واجب وتحصيل ثواب( وَأَطْهَرُ ) وأدعى إلى نزاهة الباطن ونظافة الظاهر، الداعية إلى مجانبة المعاصي، كتقدّم الطهارة على الصلاة( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لمن لم يجد، حيث رخّص له في المناجاة بلا تصدّق.
( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) أخفتم الفقر يا أهل الميسرة من تقديم الصدقة؟ أو أخفتم تقديم الصدقات لـما يعدكم الشيطان عليه من الفقر، حيث قال:( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) (١) ؟ والهمزة للتوبيخ لهم على ترك الصدقة إشفاقا من العيلة. وجمع «صدقات» لجمع المخاطبين، أو لكثرة التناجي.
( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ) ما أمرتم به وشقّ عليكم( وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) بأن رخّص لكم أن لا تفعلوه. وفيه إشعار بأنّ إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه، لـما رأى منهم ممّا قام مقام توبتهم. و «إذ» بمعنى الظرف، أو بمعنى «إن».( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) فلا تفرّطوا في أدائهما( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) في سائر الأوامر، فإنّ القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) ظاهرا وباطنا، من نيّاتكم وأعمالكم.
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) )
__________________
(١) البقرة: ٢٦٨.
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في حجرة من حجراته، فقال: «يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار، وينظر بعين شيطان». فدخل عبد الله بن نبتل المنافق، وكان أزرق. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم له: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل. فقالعليهالسلام : فعلت. فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبّوه. فنزلت :
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا ) والوا( قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) من منافقي اليهود( ما هُمْ مِنْكُمْ ) أيّها المؤمنون( وَلا مِنْهُمْ ) من اليهود، لأنّهم لنفاقهم مذبذبون بين ذلك( وَيَحْلِفُونَ عَلَى ) الله( الْكَذِبِ ) وهو ادّعاء الإسلام( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أنّ المحلوف عليه كذب، كمن يحلف بالغموس(١) . وفي هذا التقييد دليل على أنّ الكذب يعمّ ما يعلم المخبر عدم مطابقته وما لا يعلم.
( أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) نوعا من العذاب متفاقما( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) فتمرّنوا على سوء العمل وأصرّوا عليه.
( اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ ) أي: الّتي حلفوا بها( جُنَّةً ) سترة يتستّرون بها من المؤمنين، يدفعون بها عن أنفسهم التهمة، ووقاية دون دمائهم وأموالهم( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) فصدّوا الناس في خلال أمنهم وسلامتهم عن دين الله، بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام، وتضعيف أمر المسلمين عندهم( فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. وقيل: الأوّل عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة.
( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ
__________________
(١) اليمين الغموس أي: الكاذبة الّتي يتعمّدها صاحبها.
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) )
روي: أنّ رجلا منهم قال: لننصرنّ يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. فقال سبحانه ردّا عليهم :
( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) قليلا من الإغناء( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) قد سبق مثله.
( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ ) أي: لله تعالى على أنّهم مسلمون قائلون بالبعث( كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ) في الدنيا أنّهم لمنكم( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ ) من النفع، لأنّ تمكّن النفاق في نفوسهم بحيث يخيّل إليهم في الآخرة أنّ الأيمان الكاذبة تروّج الكذب على الله، كما تروّجه عليكم في الدنيا( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ
الْكاذِبُونَ ) البالغون الغاية في الكذب، حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة، ويحلفون عليه.
وملخّص معنى الآية: أنّه ليس العجب من حلفهم لكم، فإنّكم بشر تخفى عليكم السرائر، وأنّ لهم نفعا في ذلك دفعا عن دمائهم، واستجرار فوائد دنيويّة.
ولكنّ العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة، مع عدم النفع والاضطرار إلى علم ما أنذرتهم الرسل. والمراد: وصفهم بالتوغّل في نفاقهم ومرونهم(١) عليه، وأنّ ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحلّ، كما قال:( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) (٢) .
( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ) استولى عليهم. من: حذت الإبل وأحذتها إذا استوليت عليها وجمعتها. وهو ممّا جاء على الأصل، نحو: استصوب واستنوق.
والمعنى: ملكهم الشيطان، لطاعتهم له في كلّ ما يريده منهم، حتّى جعلهم رعيّته وحزبه، كما قال:( فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ ) أن يذكروا الله أصلا، لا بقلوبهم ولا بألسنتهم( أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ) جنوده وأتباعه( أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) لأنّهم فوّتوا على أنفسهم النعيم المؤبّد، وعرّضوها للعذاب المخلّد.
( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) يخالفونهما في الحدود ويشاقّونهما. وهم المنافقون.( أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ) في جملة من هو أذلّ خلق الله.
( كَتَبَ اللهُ ) في اللوح( لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) بالحجّة والسيف، أو بأحدهما.
وقرأ نافع وابن عامر: ورسلي بفتح الياء.( إِنَّ اللهَ قَوِيٌ ) على نصر أنبيائه( عَزِيزٌ ) لا يغلب عليه في مراده.
يروى أنّ المسلمين قالوا لـمّا رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى: ليفتحنّ الله
__________________
(١) مرن على الشيء: اعتاده وداومه.
(٢) الأنعام: ٢٨.
علينا الروم وفارس. فقال المنافقون: أَتظنّون أنّ فارس والروم كبعض القرى الّتي غلبتم عليها؟ فأنزل الله هذه الآية.
ثمّ قال سبحانه:( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) هذا من باب التخييل، خيّل نّ من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين، أي: لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقّه أن يمتنع ولا يوجد بحال. مبالغة في النهي عنه، والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلّب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، والاحتراز من مخالطتهم ومعاشرتهم، فلا ينبغي أن يوادّوهم.
ثمّ زاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله:( وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) ولو كان المحادّون أقرب الناس إليهم. ولا يكون شيء أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو الإخلاص بعينه.
( أُولئِكَ ) أي: الّذين لم يوادّوهم( كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ) أثبته فيها بما فعل بهم من الألطاف، فصار كالمكتوب فيها. وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، فإنّ جزء الثابت في القلب لا يكون إلّا ثابتا فيه، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه.
وعن أبي علي الفارسي: كتب في قلوبهم علامة الإيمان. ومعنى ذلك: أنّها سمة لمن يشاهدهم من الملائكة على أنّهم مؤمنون، كما أنّ قولهم في الكفّار:( وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) (١) معناه: علامة يعلم من شاهدها من الملائكة أنّه مطبوع على قلبه.
( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) وقوّاهم بلطف من عنده حييت به قلوبهم. ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، فإنّها سبب لحياة القلوب.
وقيل: قوّاهم بنور الحجج والبراهين حتّى اهتدوا للحقّ وعملوا به.
__________________
(١) التوبة: ٩٣.
وقيل: قوّاهم بالقرآن الّذي هو حياة القلوب من الجهل.
وقيل: أيّدهم بجبرئيل في كثير من المواطن، ينصرهم ويدفع عنهم.
( وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) بخلوص طاعتهم ( وَرَضُوا عَنْهُ) بما وعدهم من الثواب ( أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ) جنده وأنصار دينه، ودعاة خلقه () الفائزون بخير الدارين.
وقيل: إنّ الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكّة ينذرهم بمجيء رسول الله إليهم، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم أخفى ذلك، فلمّا عوتب على ذلك قال: أهلي بمكّة أحببت أن أحفظهم بيد تكون لي عندهم.
وقال السدّي: نزلت في عبد الله بن أبيّ وابنه عبيد الله بن عبد الله، وكان هذا الابن عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فشرب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال: أبق فضلة من شرابك اسقها أبي، لعلّ الله يطهّر قلبه. فأعطاه، فأتى بها أباه. فقال: ما هذا؟ فقال: بقيّة شراب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جئتك بها لتشربها، لعلّ الله يطهّر قلبك. فقال: هلّا جئتني ببول أمّك؟ فرجع إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ائذن لي في قتله. فقال: بل ترفّق به.
فهرس الموضوعات
الموضوع |
الصفحة |
صورة ص (٣٨)
الآية: ١ ـ ٥ ٨
الآية: ٦ ـ ٨ ٨
الآية: ٩ ـ ١٥ ١٠
الآية: ١٦ ـ ٢٠ ١٣
الآية: ٢١ ـ ٢٦ ١٨
الآية: ٢٧ ـ ٢٩ ٢٤
الآية: ٣٠ ـ ٤٠ ٢٦
الآية: ٤١ ـ ٤٤ ٣٤
الآية: ٤٥ ـ ٤٨ ٣٧
الآية: ٤٩ ـ ٦٤ ٤٠
الآية: ٦٥ ـ ٨٥ ٤٧
الآية: ٨٦ ـ ٨٨ ٥١
سورة الزمر (٣٩)
الآية: ١ ـ ٥ ٥٣
الآية: ٦ ٥٦
الآية: ٧ ٥٨
الآية: ٨ ـ ٩ ٦٠
الآية: ١٠ ـ ١٦ ٦٣
الآية: ١٧ ـ ٢٠ ٦٧
الآية: ٢١ ـ ٢٢ ٧٠
الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٧٢
الآية: ٢٥ ـ ٢٨ ٧٥
الآية: ٢٩ ٧٦
الآية: ٣٠ ـ ٣٥ ٧٨
الآية: ٣٦ ـ ٣٧ ٨١
الآية: ٣٨ ـ ٤٢ ٨٢
الآية: ٤٣ ـ ٤٤ ٨٥
الآية: ٤٥ ـ ٤٦ ٨٦
الآية: ٤٧ ـ ٤٨ ٨٧
الآية: ٤٩ ـ ٥٢ ٨٩
الآية: ٥٣ ـ ٥٩ ٨٩
الآية: ٦٠ ٩١
الآية: ٦١ ٩٧
الآية: ٦٢ ـ ٦٣ ٩٨
الآية: ٦٤ ـ ٦٦ ٩٩
الآية: ٦٧ ١٠١
الآية: ٦٨ ـ ٧٠ ١٠٣
الآية: ٧١ ـ ٧٥ ١٠٥
سورة المؤمن (٤٠)
الآية: ١ ـ ٣ ١١٢
الآية: ٤ ـ ٦ ١١٤
الآية: ٧ ـ ٩ ١١٦
الآية: ١٠ ـ ١٢ ١٢٠
الآية: ١٣ ـ ١٧ ١٢٣
الآية: ١٨ ـ ٢٠ ١٢٦
الآية: ٢١ ـ ٢٢ ١٢٩
الآية: ٢٣ ـ ٢٨ ١٣١
الآية: ٢٩ ـ ٣٥ ١٣٥
الآية: ٣٦ ـ ٤٠ ١٣٨
الآية: ٤١ ـ ٤٦ ١٤١
الآية: ٤٧ ـ ٥٢ ١٤٤
الآية: ٥٣ ـ ٥٥ ١٤٦
الآية: ٥٦ ـ ٦٠ ١٤٨
الآية: ٦١ ـ ٦٣ ١٥١
الآية: ٦٤ ـ ٦٨ ١٥٣
الآية: ٦٩ ـ ٧٦ ١٥٥
الآية: ٧٧ ١٥٧
الآية: ٧٨ ١٥٨
الآية: ٧٩ ـ ٨١ ١٥٩
الآية: ٨٢ ـ ٨٥ ١٦١
سورة فصلت (٤١)
الآية: ١ ـ ٧ ١٦٥
الآية: ٨ ـ ١٠ ١٦٨
الآية: ١١ ـ ١٤ ١٧١
الآية: ١٥ ـ ١٨ ١٧٤
الآية: ١٩ ـ ٢٤ ١٧٦
الآية: ٢٥ ـ ٢٩ ١٧٨
الآية: ٣٠ ـ ٣٦ ١٨٠
الآية: ٣٧ ـ ٤٢ ١٨٣
الآية: ٤٣ ١٨٦
الآية: ٤٤ ١٨٧
الآية: ٤٥ ـ ٤٦ ١٨٨
الآية: ٤٧ ـ ٤٨ ١٨٩
الآية: ٤٩ ـ ٥٢ ١٩١
الآية: ٥٣ ـ ٥٤ ١٩٣
سورة الشورى (٤٢)
الآية: ١ ـ ٦ ١٩٨
الآية: ٧ ـ ٩ ٢٠٢
الآية: ١٠ ـ ١٢ ٢٠٤
الآية: ١٣ ـ ١٥ ٢٠٧
الآية: ١٦ ـ ٢٠ ٢١٠
الآية: ٢١ ـ ٢٣ ٢١٣
الآية: ٢٤ ـ ٢٦ ٢١٩
الآية: ٢٧ ـ ٢٩ ٢٢٢
الآية: ٣٠ ـ ٣٥ ٢٢٥
الآية: ٣٦ ـ ٤٣ ٢٢٧
الآية: ٤٤ ـ ٤٨ ٢٣١
الآية: ٤٩ ـ ٥٠ ٢٣٣
الآية: ٥١ ـ ٥٣ ٢٣٤
سورة الزخرف (٤٣)
الآية: ١ ـ ٥ ٢٣٧
الآية: ٦ ـ ١٤ ٢٤٠
الآية: ١٥ ـ ٢٥ ٢٤٣
الآية: ٢٦ ـ ٣٥ ٢٤٨
الآية: ٣٦ ـ ٣٩ ٢٥٢
الآية: ٤٠ ـ ٤٥ ٢٥٣
الآية: ٤٦ ـ ٥٦ ٢٥٧
الآية: ٥٧ ـ ٦٢ ٢٦١
الآية: ٦٣ ـ ٦٦ ٢٦٥
الآية: ٦٧ ـ ٧٣ ٢٦٦
الآية: ٧٤ ـ ٨٠ ٢٦٩
الآية: ٨١ ـ ٨٩ ٢٧١
سورة الدخان (٤٤)
الآية: ١ ـ ١٦ ٢٧٨
الآية: ١٧ ـ ٢٤ ٢٨٤
الآية: ٢٥ ـ ٢٩ ٢٨٦
الآية: ٣٠ ـ ٤٢ ٢٨٨
الآية: ٤٣ ـ ٥٠ ٢٩١
الآية: ٥١ ـ ٥٩ ٢٩٣
سورة الجاثية (٤٥)
الآية: ١ ـ ٥ ٢٩٧
الآية: ٦ ـ ١١ ٢٩٩
الآية: ١٢ ـ ١٣ ٣٠٢
الآية: ١٤ ـ ١٥ ٣٠٣
الآية: ١٦ ـ ٢٠ ٣٠٤
الآية: ٢١ ـ ٢٣ ٣٠٦
الآية: ٢٤ ـ ٢٦ ٣٠٨
الآية: ٢٧ ـ ٣٧ ٣١١
سورة الأحقاف (٤٦)
الآية: ١ ـ ٨ ٣١٦
الآية: ٦ ٣١٩
الآية: ١٠ ٣٢٠
الآية: ١١ ـ ١٢ ٣٢٢
الآية: ١٣ ـ ١٤ ٣٢٤
الآية: ١٥ ـ ٢٠ ٣٢٥
الآية: ٢١ ـ ٢٨ ٣٣٢
الآية: ٢٩ ـ ٣٢ ٣٣٦
الآية: ٣٣ ـ ٣٥ ٣٤١
سورة محمّد صلىاللهعليهوآله (٤٧)
الآية: ١ ـ ٣ ٣٤٦
الآية: ٤ ـ ٩ ٣٤٨
الآية: ١٠ ـ ١١ ٣٥١
الآية: ١٢ ـ ١٥ ٣٥٢
الآية: ١٦ ـ ١٩ ٣٥٦
الآية: ٢٠ ـ ٢٤ ٣٥٨
الآية: ٢٥ ـ ٣٥ ٣٦١
الآية: ٣٦ ـ ٣٨ ٣٦٦
سورة الفتح (٤٨)
الآية: ١ ـ ٧ ٣٧٠
الآية: ٨ ـ ١٠ ٣٧٦
الآية: ١١ ـ ١٤ ٣٧٨
الآية: ١٥ ـ ١٧ ٣٨١
الآية: ١٨ ـ ٢١ ٣٨٤
الآية: ٢٢ ـ ٢٤ ٣٩٧
الآية: ٢٥ ـ ٢٦ ٣٩٩
الآية: ٢٧ ـ ٢٩ ٤٠٢
سورة الحجرات (٤٩)
الآية: ١ ٤٠٧
الآية: ٢ ـ ٥ ٤٠٩
الآية: ٦ ـ ٨ ٤١٧
الآية: ٩ ـ ١٠ ٤٢٢
الآية: ١١ ـ ١٢ ٤٢٥
الآية: ١٣ ٤٣٢
الآية: ١٤ ـ ١٨ ٤٣٥
سورة ق (٥٠)
الآية: ١ ـ ١١ ٤٤٢
الآية: ١٢ ـ ١٤ ٤٤٥
الآية: ١٥ ـ ١٨ ٤٤٦
الآية: ١٩ ٤٤٩
الآية: ٢٠ ـ ٢٢ ٤٥٠
الآية: ٢٣ ـ ٣٠ ٤٥٢
الآية: ٣١ ـ ٣٥ ٤٥٦
الآية: ٣٦ ـ ٤٥ ٤٥٩
سورة الذاريات (٥١)
الآية: ١ ـ ١٤ ٤٦٣
الآية: ١٥ ـ ٢٣ ٤٦٨
الآية: ٢٤ ـ ٣٧ ٤٧٣
الآية: ٣٨ ـ ٤٦ ٤٧٧
الآية: ٤٧ ـ ٥١ ٤٧٩
الآية: ٥٢ ـ ٦٠ ٤٨١
سورة الطور (٥٢)
الآية: ١ ـ ١٦ ٤٨٦
الآية: ١٧ ـ ٢٨ ٤٩٠
الآية: ٢٩ ـ ٤٣ ٤٩٤
الآية: ٤٤ ـ ٤٩ ٤٩٧
سورة النجم (٥٣)
الآية: ١ ـ ١٠ ٥٠١
الآية: ١١ ـ ١٨ ٥٠٥
الآية: ١٩ ـ ٢٣ ٥٠٩
الآية: ٢٤ ـ ٢٨ ٥١١
الآية: ٢٩ ـ ٣٠ ٥١٣
الآية: ٣١ ـ ٣٢ ٥١٤
الآية: ٣٣ ـ ٥٤ ٥١٦
الآية: ٥٥ ـ ٦٢ ٥٢١
سورة القمر (٥٤)
الآية: ١ ـ ٨ ٥٢٣
الآية: ٩ ـ ١٦ ٥٢٧
الآية: ١٧ ـ ٢١ ٥٢٩
الآية: ٢٢ ـ ٣١ ٥٣٠
الآية: ٣٢ ـ ٤٠ ٥٣٣
الآية: ٤١ ـ ٤٦ ٥٣٤
الآية: ٤٧ ـ ٥٥ ٥٣٥
سورة الرحمن (٥٥)
الآية: ١ ـ ١٣ ٥٤٠
الآية: ١٤ ـ ١٨ ٥٤٤
الآية: ٢٦ ـ ٣٠ ٥٤٧
الآية: ٣٧ ـ ٤٥ ٥٥٠
الآية: ٤٦ ـ ٦١ ٥٥٦
الآية: ٦٢ ـ ٧٨ ٥٥٩
سورة الواقعة (٥٦)
الآية: ١ ـ ٦ ٥٦٤
الآية: ٧ ـ ٢٦ ٥٦٦
الآية: ٢٧ ـ ٤٠ ٥٧٠
الآية: ٤١ ـ ٥٦ ٥٧٥
الآية: ٥٧ ـ ٦٧ ٥٧٧
الآية: ٦٨ ـ ٧٠ ٥٧٩
الآية: ٧١ ـ ٧٣ ٥٨٠
الآية: ٧٤ ـ ٨٠ ٥٨٢
الآية: ٨١ ـ ٨٧ ٥٨٤
الآية: ٨٨ ـ ٩٦ ٥٨٦
سورة الحديد (٥٧)
الآية: ١ ـ ٦ ٥٨٨
الآية: ٧ ـ ١٥ ٥٩٢
الآية: ١٦ ـ ١٩ ٥٩٨
الآية: ٢٠ ـ ٢١ ٦٠١
الآية: ٢٢ ـ ٢٤ ٦٠٣
الآية: ٢٥ ـ ٢٩ ٦٠٦
سورة المجادلة (٥٨)
الآية: ١ ـ ٤ ٦١٣
الآية: ٥ ـ ٦ ٦١٨
الآية: ٧ ٦١٩
الآية: ٨ ـ ١٠ ٦٢١
الآية: ١١ ٦٢٣
الآية: ١٢ ـ ١٣ ٦٢٥
الآية: ١٧ ـ ٢٢ ٦٢٩
الفهرس
سورة ص ٥
سورة الزمر ٥٣
سورة المؤمن ١١١
سورة حم السجدة «فصّلت» ١٦٥
سورة حم عسق ١٩٧
سورة الزخرف ٢٣٧
سورة الدخان ٢٧٧
سورة الجاثية ٢٩٧
سورة الأحقاف ٣١٥
سورة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٤٥
سورة الفتح ٣٦٩
سورة الحجرات ٤٠٧
سورة ق ٤٤١
سورة الذاريات ٤٦٣
سورة الطور ٤٨٥
سورة النجم ٥٠١
سورة القمر ٥٢٣
سورة الرّحمن ٥٣٩
سورة الواقعة ٥٦٣
سورة الحديد ٥٨٧
سورة المجادلة ٦١٣