ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
(٥٩)
سورة الحشر
مدنيّة. وهي أربع وعشرون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ومن قرأ سورة الحشر لم يبق جنّة، ولا نار، ولا عرش، ولا كرسيّ، ولا حجاب، ولا السماوات السبع، ولا الأرضون السبع، والهوامّ، والرياح، والطير، والشجر، والدوابّ، والشمس، والقمر، والملائكة، إلّا صلّوا عليه، واستغفروا له، وإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا».
وعن أبي سعيد المكاري، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ إذا أمسى الرحمن والحشر، وكّل الله بداره ملكا شاهرا سيفه حتّى يصبح».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي
الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة المجادلة بذكر حزب الشيطان وحزب الله تعالى، افتتح هذه السورة بقهره حزب الشيطان، وهم بنو النضير من اليهود، وما نالهم من الخزي والهوان، ونصرة حزبه من أهل الإيمان.
وبيان ذلك: أنّ النبيّ لـمّا قدم المدينة صالح بني النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له. فلمّا ظهر يوم بدر قالوا: هو النبيّ المنعوت في التوراة، لا تردّ له راية.
فلمّا هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكّة، فأتوا قريشا وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمّد. ثمّ دخل أبو سفيان في أربعين، وكعب في أربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة ثمّ رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة.
ونزل جبرئيل فأخبر النبيّ بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه من الرضاعة. فخرج ومعه سلكان بن سلامة، وثلاثة من بني الحرث. وخرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على أثرهم على حمار مخطوم(١) بليف، وجلس في موضع ينتظر رجوعهم. فذهب محمد بن مسلمة مع القوم إلى قرب قصره، وأجلس قومه عند جدار، وناداه: يا كعب. فانتبه وقال: من أنت؟
__________________
(١) أي: مشدود بليف. ومنه: الخطام، وهو حبل يجعل في عنق البعير.
قال: أنا محمد بن مسلمة أخوك، جئتك أستقرض منك دراهم، فإنّ محمدا يسألنا الصدقة، وليس معنا الدراهم.
فقال كعب: لا أقرضك إلّا بالرهن.
قال: معي رهن، انزل فخذه.
وكانت له امرأة بنى بها تلك الليلة عروسا، فقالت: لا أدعك تنزل، لأنّي ارى حمرة الدم في ذلك الصوت. فلم يلتفت إليها، فخرج فعانقه محمّد بن مسلمة وهما يتحادثان، حتّى تباعدا من القصر إلى الصحراء. ثمّ أخذ رأسه ودعا بقومه. وصاح كعب، فسمعت امرأته وصاحت، وسمع بنو النضير صوتها، فخرجوا نحوه فوجدوه قتيلا. ورجع القوم سالمين إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فلمّا أسفر الصبح أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه بقتل كعب، ففرحوا. فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحربهم، والسير إليهم. فسار بالناس حتّى نزل بهم، فتحصّنوا منه في الحصن.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم: اخرجوا من أرض المدينة.
فقالوا: الموت أحبّ إلينا من ذاك.
فتنادوا بالحرب.
وقيل: استمهلوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عشرة أيّام ليتجهّزوا للخروج. فدسّ عبد الله بن أبيّ المنافق أصحابه إليهم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم. فدربوا(١) على الأزقّة وحصّنوها. فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة. فلمّا قذف الله الرعب في قلوبهم، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصلح. فأبى عليهم إلّا الجلاء، على أن يحمل كلّ ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم. فجلوا إلى الشام، إلى أريحا وأذرعات، إلّا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حييّ بن أخطب، فإنّهم
__________________
(١) أي: ضيّقوا أفواهها بالخشب والحجارة.
لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة. فنزلت فيهم :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) مرّ تفسيره.
( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) يعني: يهود بني النضير( مِنْ دِيارِهِمْ ) بأن سلّط الله المؤمنين عليهم، وأمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بإخراجهم من منازلهم وحصونهم( لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ) متعلّق بـ «أخرج». وهي اللام في قوله تعالى:( يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) (١) . وقولك: جئته لوقت كذا. والمعنى: أخرج الّذين كفروا في أوّل حشرهم من جزيرة العرب، إذ لم يصبهم هذا الذلّ قبل ذلك. أو في أوّل إجلائهم إلى الشام، وآخر حشرهم إجلاء عمر إيّاهم من خيبر إلى الشام. أو أوّل حشر الناس إلى الشام، وآخر حشرهم أنّهم يحشرون إليه عند قيام الساعة، فيدركهم هناك. أو أنّ نارا تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب، فهذا هو الحشر الثاني. وعن عكرمة: من شكّ أنّ المحشر هاهنا ـ يعني: الشام ـ فليقرأ هذه الآية.
وقيل: معناه: أخرجهم من ديارهم لأوّل ما حشر لقتالهم، لأنّه أوّل قتال قاتلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . والحشر: إخراج جمع من مكان إلى آخر.
( ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ) لشدّة بأسهم ومنعتهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدّتهم( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ ) أي: أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله. وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إيّاهم. وفي تصيير ضميرهم اسما لـ «أنّ»، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنّهم في عزّة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرّض لهم، أو يطمع في معازّتهم(٢) . وليس ذلك في قولك: وظنّوا أنّ حصونهم تمنعهم. ولذلك غيّر النظر؟
__________________
(١) الفجر: ٢٤.
(٢) عازّه معازّة: عارضه في العزّة.
( فَأَتاهُمُ اللهُ ) أي: عذابه. وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء. وقيل: الضمير للمؤمنين، أي: فأتاهم نصر الله.( مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) لم يظنّوا ولم يخطر ببالهم، وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرّة(١) وغيلة على يد أخيه. وذلك ممّا أضعف قوّتهم، وفلّ من شوكتهم، وثبّط المنافقين الّذين كانوا يتولّونهم عن مظاهرتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم، ويعينوا على أنفسهم، كما قال عزّ اسمه :
( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) وأثبت فيها الخوف الّذي يرعبها، أي: يملؤها( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ) ضنّا(٢) بها على المسلمين، واحتياجا لهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواه الأزقّة، وإخراجا لـما استحسنوا من آلاتها( وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) فإنّهم أيضا كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعا لمجال القتال، فلا يبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم ديار. وعطفها على «أيديهم» من حيث إنّ تخريب المؤمنين مسبّب عن نقضهم، فكأنّهم استعملوا المؤمنين في التخريب. والجملة حال، أو تفسير للرعب. وقرأ أبو عمرو: يخرّبون بالتشديد. وهو أبلغ، لـما فيه من التكثير. وقيل: الإخراب: التعطيل، أو ترك الشيء خرابا. والتخريب: الهدم.
( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) فاتّعظوا بما دبّر الله ويسّر من أمر إخراجهم، وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال، فلا تعتمدوا على غير الله.
وفيه دليل على أنّ القياس المنصوص العلّة حجّة لا مطلقا، من حيث إنّه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال، مثلها في اشتراك العلّة، فحملها عليها في الحكم لـما بينهما من العلّة المشتركة المقتضية له.
وقيل: وعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير
__________________
(١) أي: غفلة.
(٢) ضنّ بالشيء: بخل.
قتال، ويريحوهم من جوارهم، فكان كما قال، فاستدلّوا بذلك على صدق الرسول.
( وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ) الخروج من أوطانهم على ما اقتضته حكمته( لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ) بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم بني قريظة( وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ) استئناف معناه: إنّهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.
( ذلِكَ ) إشارة إلى ما ذكر من عذاب الدنيا، وما كانوا بصدده من الفساد، وما هو معدّ لهم في الآخرة. أو إلى الأخير.( بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) خالفوهما( وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) فيعاقبهم على مشاقّتهم أشدّ العقاب.
( ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) )
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين محاصرة حصونهم أمر بقطع نخيلهم وتحريقها، فنادوه: يا محمّد قد كنت تنهى عن الفحشاء، فما بالك تقطع النخل؟ ووقع في أنفس بعض المؤمنين شيء من ذلك. فأنزل الله سبحانه :
( ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) محلّ «ما» نصب بـ «قطعتم»، أي: أيّ شيء قطعتم من نخلة. فعلة، وياؤها عن واو، كالديمة. من اللون، ويجمع على ألوان. والمراد ضروب النخل وأنواعها. وقيل: من اللين. ومعناها: النخلة الكريمة، مثل العجوة والبرنية. وجمعها: لين وأليان. وعلى هذا تخصيصها بالقطع ليكون غيظ اليهود أشدّ.
( أَوْ تَرَكْتُمُوها ) الضمير لـ «ما». وتأنيثه لأنّه مفسّر باللينة.( قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ ) فبأمره( وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) علّة لمحذوف، أي: وفعلتم، أو وأذن لكم في القطع ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه، وضاعف لهم حسرة. وفيه دليل على جواز هدم ديار الكفّار، وقطع أشجارهم، زيادة لغيظهم.
( وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) )
روي: أنّ بعض المسلمين طلبوا القسمة في أموال بني النضير، فنزلت:( وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ) وما أعاده عليه، بمعنى: صيّره له أو ردّه عليه، فإنّه كان حقيقا
بأن يكون له، لأنّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوسّلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين.( مِنْهُمْ ) من بني النضير، أو من جميع الكفرة( فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ) فما أجريتم على تحصيله. من الوجيف، وهو سرعة السير.( مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ) ما يركب من الإبل غلّب فيه كما غلّب الراكب على راكبه.
والمعنى: وما تعبتم عليه بركض الخيل والركاب وعدوهما، وإنّما مشيتم إليه على أرجلكم. وذلك لأنّ قرى بني النضير كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالا غير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّه ركب حمارا، وقيل: جملا، ولم يجر قتال، ولذلك قسّم الفيء بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منه شيئا، إلّا ثلاثة كانت بهم حاجة.
( وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ) وعلى ما في أيديهم، بقذف الرعب في قلوبهم. فالأمر فيه مفوّض إليه، يضعه حيث يشاء. يعني: أنّه لا يقسّم قسمة الغنائم الّتي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيفعل ما يريد تارة بالوسائط الظاهرة، وتارة بغيرها.
ثمّ أمر رسوله أن يضع الفيء حيث يضع الخمس من الغنائم، مقسوما على الأقسام الستّة، فقال :
( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) من أموال الكفّار. وهذا بيان للأوّل، ولذلك لم يعطف عليه.( فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) من أهل قرابته، وهم بنو هاشم( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) منهم، لأنّ التقدير: ولذي قرباه، ويتامى أهل بيته، ومساكينهم، وابن السبيل منهم. ويؤيّده ما روى المنهال بن عمرو، عن عليّ بن الحسينعليهالسلام قال: «قلت: قوله:( وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) قال: هم قربانا، ومساكيننا، وأبناء سبيلنا».
وقال فقهاء العامّة: هم يتامى الناس عامّة، وكذلك المساكين وأبناء السبيل.
وقد روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: «كان أبي يقول: لنا سهم الرسول وسهم ذي القربى، ونحن شركاء الناس فيما بقي».
وروي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال: «نحن قوم فرض الله طاعتنا، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال».
يعني: ما كان يصطفى لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من فره الدوابّ، وحسان الجواري، والدرّة الثمينة، والشيء الّذي لا نظير له. والشروط المعتبرة في الخمس وكيفيّة تقسيمه قد مرّ في سورة الأنفال.
( كَيْ لا يَكُونَ ) أي: لئلّا يكون الفيء الّذي حقّه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها. وقرأ هشام بالتاء.( دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ) ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم، يتكاثرون به، فلا يصيب الفقراء منه، كما كان في الجاهليّة، فإنّ الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة، لأنّهم أهل الرئاسة والدولة والغلبة، وكانوا يقولون: من عزّ(١) بزّ. وهذا الخطاب للمؤمنين، دون الرسول وأهل بيتهعليهمالسلام .
قال الكلبي: نزلت في رؤساء المسلمين قالوا له: يا رسول الله خذ صفيّك والربع، ودعنا والباقي، فهكذا كنّا نفعل في الجاهليّة. فلمّا نزلت هذه الآية قالت الصحابة: سمعا وطاعة لأمر الله وأمر رسوله.
وقرأ هشام: دولة بالرفع، على «كان» التامّة، أي: كيلا يقع دولة جاهليّة.
( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ) وما أعطاكم من الفيء، أو من الأمر( فَخُذُوهُ ) لأنّه حلال لكم. أو فتمسّكوا به، لأنّه واجب الطاعة.( وَما نَهاكُمْ عَنْهُ ) عن أخذه، أو عن إتيانه( فَانْتَهُوا ) عنه( وَاتَّقُوا اللهَ ) في مخالفة رسوله( إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) لمن خالفه. والأجود أن يكون الحكم عامّا في كلّ ما أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه وإن نزل في آية الفيء.
__________________
(١) أي: من غلب سلب.
وروى زيد الشحّام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «ما أعطى الله نبيّا من الأنبياء شيئا إلّا وقد أعطى محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال لسليمان:( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) (١) .
وقال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ».
وفي هذه الآية دلالة على أنّ تدبير الأمّة إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلى الأئمّة القائمين مقامه. ولهذا قسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أموال خيبر، ومنّ عليهم في رقابهم، وكذا منّ على أهل مكّة، وأجلى بني النضير وبني قينقاع، وأعطاهم شيئا من المال، وقتل رجال بني قريظة، وسبى ذراريهم ونساءهم، وقسّم أموالهم على المهاجرين، كما قال اللهعزوجل :
( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ ) بدل من( لِذِي الْقُرْبى ) وما عطف عليه، فإنّ الرسول لا يسمّى فقيرا، لترفّعه عن هذه التسمية، ولقوله: «وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ »( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ) فإنّ كفّار مكّة أخرجوهم وأخذوا أموالهم( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً ) حال مقيّدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم( وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) بأنفسهم وأموالهم( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الّذين ظهر صدقهم في إيمانهم.
قال الزجّاج: بيّن سبحانه من المساكين الّذين لهم الحقّ بقوله:( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ) . ثمّ ثنّى سبحانه بوصف الأنصار ومدحهم، حتّى طابت أنفسهم عن الفيء، فقال :
( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ) عطف على «المهاجرين». والمراد بهم الأنصار الّذين لزموا المدينة والإيمان، وتمكّنوا فيهما. وقيل: المعنى: تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان. فحذف المضاف من الثاني، والمضاف إليه من الأوّل، وعوّض عنه اللام. أو تبوّؤا الدار وأخلصوا الإيمان، كقوله: علفتها تبنا وماء باردا. وقيل :
__________________
(١) ص: ٣٩.
سمّى المدينة بالدار والإيمان، لأنّها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان.( مِنْ قَبْلِهِمْ ) من قبل هجرة المهاجرين. وقيل: قبل إيمان المهاجرين. والمراد به أصحاب ليلة العقبة، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على حرب الأحمر والأبيض.
( يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ) ولا يثقل عليهم، لأنّهم أحسنوا إليهم، وأسكنوهم دورهم، وأشركوهم في أموالهم( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ ) في أنفسهم( حاجَةً ) ما يحملهم الاحتياج عليه، كالطلب والحزازة والحسد والغيظ( مِمَّا أُوتُوا ) ممّا أعطي المهاجرون من الفيء وغيره. يعني: نفوسهم لم تتبع ما أعطي المهاجرون، ولم تطمح إلى شيء منه يحتاج إليه.
( وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) ويقدّمون المهاجرين على أنفسهم، حتّى إنّ من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوّجها من أحدهم( وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) خلّة. من خصاص البيت، وهي فرجه. والجملة في موضع الحال، أي: مفروضة خصاصتهم.
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قسّم أموال بني النضير على المهاجرين، ولم يعط الأنصار إلّا ثلاثة محتاجين: سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم: إن شئتم قسّمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسّم لكم شيء من الغنيمة. فقالت الأنصار: بل نقسّم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها. فنزلت هذه الآية.
( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) ومن غلب ما أمرته به نفسه ـ من حبّ المال، وبغض الإنفاق ـ بتوفيق الله سبحانه ولطفه، وخالف هواها بمعونته( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الفائزون بالثناء العاجل، والثواب الآجل.
وقيل: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئا أمره الله بأدائه، فقد وقي
شحّ نفسه.
وعن سعيد بن جبير: شحّ النفس هو أخذ الحرام ومنع الزكاة.
( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) عطف أيضا على المهاجرين، أي: هم الّذين هاجروا بعدهم حين قوي الإسلام. أو التابعون بإحسان. وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة. ولذلك قيل: الآية قد استوعبت جميع المؤمنين.
( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ) أي: لإخواننا السابقين في الدين( وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا ) حقدا لهم( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) لطفا منك( رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) فحقيق بأن تجيب دعاءنا.
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ
قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) )
ولـمّا وصف سبحانه المهاجرين الّذين هاجروا الديار والأوطان، ثمّ مدح الأنصار الّذين تبوّؤا الدار والإيمان، ثمّ ذكر التابعين بإحسان، وما يستحقّونه من النعيم في الجنان، عقّب ذلك بذكر المنافقين وما أسرّوه من الكفر والعصيان، فقال :
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) يريد الّذين بينهم وبينهم أخوّة الكفر أو الصداقة والموالاة( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ) من دياركم( لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) في قتالكم أو خذلانكم مساعدين لكم( وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ ) في قتالكم( أَحَداً أَبَداً ) أي: من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه. أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة.( وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) لنعاوننّكم( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) في مواعيدهم لليهود. يعني: لا يفعلون ذلك، كما قال :
( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ) وكان كذلك، فإنّ ابن أبيّ وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثمّ أخلفوهم. وفيه دليل على صحّة النبوّة وإعجاز القرآن.( وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ) أي: على التقدير والفرض، كقوله:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (١) . فلا ينافي قوله:( لا يَنْصُرُونَهُمْ ) .( لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ) أي: ليهز منّ الله اليهود( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) لا ينفعهم نصرة المنافقين. أو ليهزمنّ المنافقون ثمّ لا ينصرون بعد ذلك، أي: يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم، لظهور كفرهم. إذ ضمير
__________________
(١) الزمر: ٦٥.
الفعلين يحتمل أن يكون لليهود أو للمنافقين.
ثمّ خاطب المؤمنين بقوله:( لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً ) مصدر للفعل المبنيّ للمفعول، أي: أشدّ مرهوبيّة في صدورهم. وهذا دلالة على نفاقهم، يعني: أنّهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب( فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ) فإنّ استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة الله( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) لا يعلمون عظمة الله حتّى يخشوه حقّ خشيته، ويعلموا أنّه الحقيق بأن يخشى.
( لا يُقاتِلُونَكُمْ ) اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على مقاتلتكم( جَمِيعاً ) مجتمعين متساندين( إِلَّا ) كائنين( فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ ) بالدروب والخنادق( أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ) يرمونكم دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم، لفرط رهبتهم. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: جدار. وأمال أبو عمرو فتحة الدال.
( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) أي: ليست رهبتهم منكم لضعفهم وجبنهم، فإنّه يشتدّ بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم، وتأييد الله ونصرته معكم. ولأنّ الشجاع يجبن، والعزيز يذلّ، إذا حارب الله ورسوله.
( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ) مجتمعين متّفقين في الظاهر( وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) متفرّقة، لافتراق دواعيهم وأهوائهم، واختلاف آرائهم ومقاصدهم، لأنّ بينهم إحنا وعداوات، خذلانا وتخلية من الله، فلا يتعاضدون حقّ التعاضد، ولا يرمون عن قوس واحدة.
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) ما فيه صلاحهم، وأنّ تشتّت القلوب يوهن قواهم. وفيه تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم.
( كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي: مثل اليهود كمثل أهل بدر أو بني قينقاع إن صحّ أنّهم أخرجوا قبل النضير. أو المهلكين من الأمم الماضية.( قَرِيباً ) في زمان قريب. وانتصابه بـ «مثل»، على تقدير: كوجود مثل.( ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ) سوء
عاقبة كفرهم في الدنيا، كالقتل والسبي والإجلاء( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة.
( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ) أي: مثل المنافقين في إغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إيّاهم النصر، ثمّ متاركتهم وإخلافهم، كمثل الشيطان( إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ ) أغراه على الكفر بكيده إغراء الآمر المأمور.
وعن ابن عبّاس: هو عابد في بني إسرائيل اسمه برصيصا، عبد الله زمانا من الدهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم، ويعوّذهم فيبرءون على يده. وأنّه أتي بامرأة في شرف قد جنّت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت، فلمّا استبان حملها قتلها ودفنها.
فلمّا فعل ذلك ذهب الشيطان حتّى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالّذي فعل الراهب، وأنّه دفنها في مكان كذا، ثمّ أتى بقيّة إخوتها رجلا رجلا، فذكر ذلك له.
فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول: والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا يكبر عليّ ذكره.
فذكر بعضهم لبعض حتّى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقرّ لهم بالّذي فعل، فأمر به فصلب.
فلمّا رفع على خشبته تمثّل له الشيطان، فقال: أنا الّذي ألقيتك في هذا، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك، أخلّصك ممّا أنت فيه؟
قال: نعم.
قال: اسجد لي سجدة واحدة.
فقال: كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة؟
فقال: أكتفي منك بالإيماء.
فأومى له بالسجود، فكفر بالله، وقتل الرجل. فهو قوله:( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ ) .
( فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ) أي: تبرّأ منه مخافة أن يشاركه في
العذاب، كما قال:( إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ) ولم ينفعه ذلك.
( فَكانَ عاقِبَتَهُما ) عاقبة الفريقين الداعي والمدعوّ، من الشيطان ومن أغواه من المنافقين واليهود( أَنَّهُما فِي النَّارِ ) أنّهما معذّبان في النار( خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) فضرب الله تعالى هذه القصّة لبني النضير حين اغترّوا بالمنافقين، ثمّ تبرّؤا منهم عند الشدّة وأسلموهم. وقيل: المراد بالإنسان أبو جهل، قال له إبليس يوم بدر:( لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) إلى قوله:( إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ) (١) . قيل: أراد بالشيطان والإنسان اسم الجنس لا المعهود، فإنّ الشيطان أبدا يدعو الإنسان إلى الكفر، ثمّ يتبرّأ منه وقت الحاجة.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) )
ثمّ رجع إلى موعظة المؤمنين، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ ) من عمل صالح ينجيه، أو طالح يوبقه ويرديه( لِغَدٍ ) ليوم القيامة.
سمّاه غدا لدنوّه، كاليوم الّذي يلي يومك. أو لأنّ الدنيا كيوم، والآخرة كغده.
وتنكيره للتعظيم، ولإبهام أمره، كأنّه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمته. وأمّا تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدّمن للآخرة، كأنّه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) تكرير للتأكيد، أو الأوّل في أداء الواجبات، لأنّه مقرون
__________________
(١) الأنفال: ٤٨.
بالعمل، والثاني في ترك المحارم، لاقترانه بما يجري مجرى الوعيد، وهو قوله:( إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) .
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ ) تركوا أداء حقّ الله( فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) فجعلهم ناسين لها بالخذلان حتّى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلّصها. أو فأراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم. أو حرّمهم حظوظهم من الخير والثواب.( أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) الكاملون في الفسوق. وهم الكفّار المصرّون على كفرهم.
( لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) )
ثمّ بيّن سبحانه ضعة الكافرين ورفعة المؤمنين، فقال:( لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ ) أي: الّذين استمهنوا نفوسهم فاستحقّوا النار( وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ ) والّذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنّة. واحتجّ به أصحابنا والشافعيّة على أنّ المسلم
لا يقتل بالكافر.( أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ) بالنعيم المقيم.
ثمّ عظّم سبحانه حال القرآن وجلالة قدره، فقال:( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ) تمثيل وتخييل، كما مرّ في قوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ) (١) . ولذلك عقّبه بقوله:( لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً ) متشقّقا( مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ ) إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله الأخر، فإنّها في مواضع من التنزيل( نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) .
والمعنى: لو كان الجبل ممّا ينزل عليه القرآن ويشعر به، مع غلظه وجفاء طبعه، وكبر جسمه، لخشع لمنزله، فانصدع من خشيته تعظيما لشأنه، فالإنسان أحقّ بهذا لو عقل الأحكام الّتي فيه. والمراد توبيخ الإنسان على عدم تخشّعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وقلّة تدبّره.
ثمّ أخبر سبحانه بربوبيّته وعظمته، فقال:( هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي: هو المستحقّ للعبادة الّذي لا تحقّ العبادة إلّا له( عالِمُ الْغَيْبِ ) ما غاب عن الحسّ، من الجواهر القدسيّة وأحوالها( وَالشَّهادَةِ ) وما حضر له وشاهد من الأجرام وأعراضها( هُوَ الرَّحْمنُ ) المنعم على جميع خلقه فعلا وقوّة( الرَّحِيمُ ) بالمؤمنين.
( هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) كرّره للتأكيد والمبالغة( الْمَلِكُ ) السيّد المالك لجميع الأشياء الّذي له التصرّف فيها على وجه ليس لأحد منعه منه. وقيل: هو الواسع القدرة.( الْقُدُّوسُ ) البليغ في النزاهة عمّا يوجب نقصانا. ونظيره: السبّوح بناء ومعنى.( السَّلامُ ) ذو السلامة من كلّ نقص وآفة. أو الّذي سلم العباد من ظلمه. أو من عنده ترجى السلامة. ومنه: دار السلام. مصدر وصف به للمبالغة في وصف كونه سليما من النقائص، أو في إعطائه السلامة.
( الْمُؤْمِنُ ) واهب الأمن. أو الّذي أمن أولياؤه عذابه( الْمُهَيْمِنُ ) الرقيب
__________________
(١) الأحزاب: ٧٢.
على كلّ شيء، الحافظ له. وعن ابن عبّاس والضحّاك والجبائي: الأمين الّذي لا يضيع لأحد عنده حقّ. مفيعل من الأمن، قلبت همزته هاء.( الْعَزِيزُ ) المنيع الّذي لا يرام، ولا يمتنع عليه مرام( الْجَبَّارُ ) القاهر الّذي جبر خلقه على ما أراد. أي: أجبره. أو الّذي جبر حال خلقه، بمعنى: أصلحه.( الْمُتَكَبِّرُ ) الّذي تكبّر عن كلّ ما يوجب حاجة أو نقصانا. وقيل: المتكبّر عن ظلم عباده.( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يشركون به من الأصنام، إذ لا يشاركه في شيء من ذلك.
( هُوَ اللهُ الْخالِقُ ) المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته( الْبارِئُ ) الموجد لها بريئا من التفاوت. أو المميّز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة.( الْمُصَوِّرُ ) الموجد لصورها وكيفيّاتها كما أراد( لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) نحو: الله، الرحمن، الرحيم، القادر، العالم، الحيّ، القيّوم، وغيرها، فإنّها دالّة على محاسن المعاني( يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: ينزّهه جميع الأشياء عن النقائص كلّها.
فالحيّ يصفه بالتنزيه، والجماد يدلّ على تنزيهه.( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) الجامع للكمالات بأسرها، فإنّها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم.
عن أبي هريرة: سألت حبيبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اسم الله الأعظم، فقال: «عليك بآخر الحشر، فأكثر قراءته».
فأعدت عليه فأعاد عليّ، فأعدت عليه فأعاد عليّ.
وروى أيضا سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اسم الله الأعظم في ستّ آيات في آخر سورة الحشر».
(٦٠)
سورة الممتحنة
مدنيّة. وهي ثلاث عشرة آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة الممتحنة، كان المؤمنون والمؤمنات له شفعاء يوم القيامة».
أبو حمزة الثمالي، عن عليّ بن الحسينعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الممتحنة في فرائضه ونوافله، امتحن الله قلبه للإيمان، ونوّر له بصره، ولا يصيبه فقر أبدا، ولا جنون في بدنه ولا في ولده».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ
بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) )
ولـمّا ذكر سبحانه في سورة الحشر الكفّار والمنافقين، افتتح هذه السورة بذكر تحريم موالاتهم، وإيجاب معاداتهم، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) توصلون إليهم المودّة بالمكاتبة. والباء مزيدة مؤكّدة للتعدّي، مثلها في( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (١) . أو ثابتة على أنّ مفعول «تلقون» محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودّة الّتي بينكم وبينهم.
والجملة حال من فاعل «لا تتّخذوا». أو صفة لـ «أولياء» جرت على غير من هي له.
ولا حاجة فيها إلى إبراز الضمير، لأنّه مشروط في الاسم دون الفعل.
روي: أنّ مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمدينة وهو يتجهّز لفتح مكّة، فقال لها: أمسلمة جئت؟
قالت: لا.
قال: أفمهاجرة جئت؟
قالت: لا.
قال: فما جاء بك؟
قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي ـ يعني: قتلوا يوم بدر ـ فاحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني.
قال: فأين أنت من شبّان مكّة؟ وكانت مغنّية نائحة.
__________________
(١) البقرة: ١٩٥.
قالت: ما طلب منّي بعد وقعة بدر.
فحثّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليها بني عبد المطّلب، فكسوها وحمّلوها وزوّدوها.
فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا، واستحملها كتابا إلى أهل مكّة، نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكّة: اعلموا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يريدكم، فخذوا حذركم.
فخرجت سارة. ونزل جبرئيل بالخبر، فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاعليهالسلام وعمّارا والمقداد وأبا مرثد وعمر وطلحة والزبير، وكانوا فرسانا، وقال: انطلقوا حتّى تأتوا روضة(١) خاخ، فإنّ بها ظعينة(٢) معها كتاب من حاطب إلى أهل مكّة، فخذوه منها وخلّوها، فإن أبت فاضربوا عنقها. فأدركوها فجحدت وحلفت. فهمّوا بالرجوع، فقال عليّعليهالسلام : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله. وسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك. فأخرجته من عقاص(٣) شعرها.
وروي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمّن جميع الناس يوم الفتح إلّا أربعة، هي أحدهم.
فاستحضر رسول الله حاطبا وقال: ما حملك عليه؟
فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن كنت امرءا ملصقا في قريش، وروي: غريرا فيهم ـ أي: غريبا ـ ولم أكن من أنفسها، وكلّ من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكّة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، فأردت أن اتّخذ عندهم يدا، وقد علمت أنّ الله تعالى ينزل عليهم بأسه، وأنّ كتابي لا يغني عنهم شيئا. فصدّقه
__________________
(١) خاخ: موضع بين الحرمين بقرب حمراء الأسد من المدينة. معجم البلدان ٢: ٣٣٥.
(٢) الظعينة: الزوجة أو المرأة ما دامت في الهودج أو عموما.
(٣) عقاص جمع عقيصة، وهي ضفيرة الشعر، أي: ما شدّته من شعرها في قفاها.
وقبل عذره.
فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
فقال عمر: الله ورسوله أعلم.
فنهى الله سبحانه المؤمنين عن موالاتهم الكافرين، وأوجب معاداتهم إيّاهم، بقوله:( لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) .
( وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ ) وهو حال من فاعل أحد الفعلين. والحقّ الإسلام.
( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ) أي: من مكّة. وهو حال من «كفروا».
أو استئناف لبيان كفرهم وعتوّهم.( أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ ) تعليل لـ «يخرجون» أي: يخرجونكم لإيمانكم بالله. وفيه تغليب المخاطب، والالتفات من التكلّم إلى الغيبة، للدلالة على ما يوجب الإيمان.
( إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ ) متعلّق بـ «لا تتّخذوا» يعني: تتولّوا أعدائي إن كنتم خرجتم عن أوطانكم( جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي ) علّة للخروج، وعمدة للتعليق. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه «لا تتّخذوا». والمعنى: إن كان غرضكم في خروجكم وهجرتكم الجهاد وطلب رضائي، فأوفوا خروجكم حقّه من معاداتهم، ولا تلقوا إليهم بالمودّة، ولا تتّخذوهم أولياء.
( تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) بدل من «تلقون» أو استئناف. ومعناه: أيّ طائل لكم في إسرار المودّة، أو الإخبار بسبب المودّة.( وَأَنَا أَعْلَمُ ) منكم( بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ ) أي: وقد علمتم أنّ الإخفاء والإعلان سيّان في علمي لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرّون. وقيل: «أعلم» مضارع، والباء مزيدة، و «ما» مصدريّة.
( وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ ) أي: يفعل الاتّخاذ والإسرار( فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) أخطأ طريق الحقّ والصواب.
( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ) يظفروا بكم( يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ) خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم، ولا ينفعكم إلقاء المودّة إليهم( وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ) بما يسوؤكم، كالقتل والشتم( وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) وتمنّوا ارتدادكم. فإذن مودّة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم، ومغالطة لأنفسكم.
ومجيئه بلفظ الماضي للإشعار بأنّهم ودّوا أن يلحقوا بكم مضارّ الدنيا والدين جميعا، من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردّكم كفّارا.
( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ ) قراباتكم( وَلا أَوْلادُكُمْ ) الّذين توالون المشركين لأجلهم، وتتقرّبون إليهم محاماة عليهم( يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) يفرّق بينكم وبين أقاربكم وأولادكم( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ) (١) الآية. فما لكم ترفضون حقّ الله اليوم لمن يفرّ منكم غدا.( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
وقرأ حمزة والكسائي بالتشديد وكسر الصاد وفتح الفاء. وابن عامر: يفصّل على البناء للمفعول مع التشديد، وهو «بينكم». وعاصم: يفصل.
__________________
(١) عبس: ٣٤.
( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) )
ثمّ ضرب سبحانه لهم إبراهيمعليهالسلام مثلا في ترك موالاة الكفّار، فقال:( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ ) قدوة( حَسَنَةٌ ) وهو اسم لـما يؤتسى به، أي: ما تأتسون به وتتّخذونه سنّة تستنّون بها. والمعنى: قد كان فيهم مذهب حسن وطريق مرضيّ بأن يؤتسى به ويتبع أثره.( فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) صفة ثانية. أو خبر «كان» و «لكم» لغو. أو حال من المستكن في «حسنة». أو صلة لها، لا لـ «أسوة» لأنّها وصفت.
( إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ) ظرف لخبر «كان»( إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ) فلا نواليكم. جمع بريء، كظريف وظرفاء.( وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ ) أي: بدينكم أو بمعبودكم، أو بكم وبه، فلا نعتدّ بشأنكم وآلهتكم( وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) أي: سبب العداوة والبغضاء بيننا وبينكم ليس إلّا كفركم بالله، فما دام هذا السبب قائما كانت العداوة قائمة، حتّى إن أزالوه بالإيمان بالله وحده انقلبت العداوة والبغضاء ألفة ومحبّة.
( إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ) لعمّه الّذي بمنزلة أبيه في التربية( لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) استثناء من قوله: «أسوة حسنة» فإنّ استغفاره لأبيه ـ أي: عمّه ـ الكافر ليس ممّا ينبغي أن يأتسوا به، فإنّه كان لموعدة وعدها إيّاه، فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ لله تبرّأ منه( وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) إذا أراد عقابك، ولا يمكنني دفع ذلك عنك. وهذا من تمام الاستثناء، ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه.
( رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ) فوّضنا أمرنا إليك( وَإِلَيْكَ أَنَبْنا ) وإلى طاعتك مرجعنا
( وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) وإلى حكمك المرجع. وهذا المنادي متّصل بما قبل الاستثناء، أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه تتميما لـما وصّاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفّار.
( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) بأن تسلّطهم علينا تخلية، فيفتنونا بعذاب لا نتحمّله( وَاغْفِرْ لَنا ) ما فرط منّا( رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) الّذي لا يغالب( الْحَكِيمُ ) الّذي لا يفعل إلّا الحكمة والصواب. ومن كان كذلك كان حقيقا بأن يجير المتوكّل، ويجيب الداعي ولا يخيبه.
( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) كرّره للمبالغة، ولمزيد الحثّ على التأسّي بإبراهيم وأتباعه. وأبدل قوله:( لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) إبدالا من «لكم»، فإنّه يدلّ على أنّه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسّي بهم، وأنّ تركه مؤذن بسوء العقيدة. ولذلك عقّبه بقوله:( وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) فإنّه جدير بأن يوعد به الكفرة، فإنّ معناه: ومن يعرض عن هذا الاقتداء بإبراهيم والأنبياء والمؤمنين، فإنّ الله هو الغنيّ عن ذلك، المحمود في جميع أفعاله، فلا يضرّه تولّيه، ولكنّه ضرّ نفسه.
( عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) )
ولـمّا نزل «لا تتّخذوا» تشدّد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين ومقاطعتهم، فلمّا راى الله منهم الجدّ والصبر على الوجه الشديد، وطول التمنّي للسبب الّذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة، رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنّوه، فقال :
( عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ) بتوفيق الإسلام.
وذلك حين يسّر فتح مكّة أظفرهم الله بأمنيّتهم، فأسلم قومهم، وتمّ بينهم التحابب والتصافي. و «عسى» وعد من الله على عادات الملوك، حيث يقولون في بعض الحوائج: عسى أو لعلّ، فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك. أو قصد به إطماع المؤمنين.
وروي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تزوّج أمّ حبيبة، فعند ذلك لانت عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة. وكانت أمّ حبيبة قد أسلمت وهاجرت مع زوجها عبد الله بن أبي جحش إلى الحبشة، فتنصّر وأرادها على النصرانيّة، فأبت وصبرت على دينها. ومات زوجها، فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى النجاشي، فخطبهاعليهالسلام ، وساق عنه إليها المهر أربعمائة دينار. وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يقدع(١) أنفه.
( وَاللهُ قَدِيرٌ ) على تقليب القلوب من العداوة إلى المحبّة، وتسهيل أسباب المودّة( وَاللهُ غَفُورٌ ) لذنوب عباده( رَحِيمٌ ) بهم إذا تابوا وأسلموا. أو غفور رحيم لـما فرط منكم من موالاتهم من قبل، ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم.
( لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) أي: لا ينهاكم عن مبرّة هؤلاء، لأنّ قوله:( أَنْ تَبَرُّوهُمْ ) بدل من «الّذين».
( وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) وتفضوا إليهم بالقسط، أي: العدل. والمعنى: لا ينهاكم الله
__________________
(١) أي: لا يضرب أنفه ولا يكفّ.
عن مبرّة هؤلاء، وإنّما ينهاكم عن تولّي هؤلاء.( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) العادلين.
وهذا أيضا رحمة لهم، لتشدّدهم وجدّهم في العداوة متقدّمة لرحمته، بتيسير إسلام قومهم، حيث رخّص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم.
وقيل: أراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه.
وعن مجاهد: هم النساء والصبيان.
وقيل: قدمت على أسماء بنت أبي بكر أمّها قتيلة بنت عبد العزّى وهي مشركة بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول، فنزلت. فأمرها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تدخلها، وتقبل منها، وتكرمها، وتحسن إليها.
وقيل: إنّ المسلمين استأمروا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أن يبرّوا أقرباءهم من المشركين، وذلك قبل أن يؤمروا بقتال جميع المشركين، فنزلت هذه الآية.
وعن مجاهد: هي منسوخة بآية(١) القتال.
والّذي عليه الإجماع أنّ برّ الرجل من يشاء من أهل الحرب ـ قرابة كان أو غير قرابة ـ ليس بمحرّم. وإنّما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة والفطرة والكفّارات، فلم يجوّزه أصحابنا، والعامّة اختلفوا فيه. وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين به، ويتحاموا ظلمهم، مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم.
( إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ ) كمشركي مكّة، فإنّ رؤساءهم سعوا في إخراج المؤمنين، وأتباعهم عاونوا رؤساءهم على الإخراج( أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ) بدل من «الّذين» بدل الاشتمال ،
__________________
(١) التوبة: ٥.
أي: ينهاكم الله عن أن تولّوهم وتوادّوهم بالمكاتبة وغيرها من أسباب التوادّ.
( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ ) وينصرهم( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) لوضعهم الولاية في غير موضعها.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) )
عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا صالح بالحديبية مشركي مكّة، على أنّ من أتاه من أهل مكّة ردّه عليهم، ومن أتى أهل مكّة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو لهم ولم يردّوه عليه، وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه. فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلميّة مسلمة بعد الفراغ من الكتاب والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحديبية. فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم ـ وقال مقاتل: هو صيفي بن الراهب ـ في طلبها، وكان كافرا، فقال: يا محمّد اردد عليّ امرأتي، فإنّك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منّا، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد. فنزلت الآية بيانا لأنّ الشرط إنّما كان
في الرجال دون النساء.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ ) فاختبروهنّ بما يغلب على ظنّكم موافقة قلوبهنّ لسانهنّ في الإيمان( اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ ) فإنّه المطّلع على ما في قلوبهنّ، فلا سبيل لكم إلى ما تطمئنّ به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهنّ، فإنّ ذلك ممّا استأثر به علّام الغيوب، وأنّ ما يؤدّي إليه الامتحان من العلم كاف لكم في ذلك، وأنّ تكليفكم لا يعدوه.
( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ) العلم الّذي يمكنكم تحصيله، وهو الظنّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات. وإنّما سمّاه علما إيذانا بأنّه كالعلم في وجوب العمل به.
( فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) أي: إلى أزواجهنّ الكفرة، لقوله:( لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ ) والتكرار للمبالغة. أو الأولى لحصول الفرقة، والثانية للمنع عن استئناف العقد. وفيه دلالة على وقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة، وإن لم يطلّق المشرك.
( وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ) ما دفعوا إليهنّ من المهور. وذلك لأنّ صلح الحديبية جرى على أنّ من جاءنا منكم رددناه، فلمّا تعذّر عليه ردّهنّ لورود النهي عنه لزمه ردّ المهر. فاستحلفها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق، وتزوّجها عمر.
( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) أيّها المسلمون( أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) فإنّ الإسلام حال بينهنّ وبين أزواجهنّ الكفّار( إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) شرط إيتاء المهر في نكاحهنّ إيذانا بأنّ ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر، وإشعارا بأنّ المهر أجر البضع، ووجب على الامام أو نائبه أن يدفع إلى أزواجهنّ من بيت المال ما سلّموهنّ من المهور.
ثمّ نهى المؤمنين عن نكاح الكافرات بقوله:( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ )
بما يعتصم به الكافرات من عقد وسبب. جمع عصمة. والمعنى: لا تكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجيّة. وفيه دلالة على عدم جواز العقد على الكافرة، سواء كانت حربيّة أو ذمّيّة، لعموم لفظ الكوافر.( وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ ) من مهور نسائكم اللاحقات بالكفّار( وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ) من مهور أزواجهم المهاجرات.
( ذلِكُمْ ) إشارة إلى جميع ما ذكر في الآية( حُكْمُ اللهِ ) وأمره( يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ) استئناف، أو حال من الحكم على حذف الضمير، أي: يحكمه الله. أو جعل الحكم حاكما على المبالغة.( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بجميع الأشياء( حَكِيمٌ ) فيما يفعل، ومن ذلك شرع ما تقتضيه حكمته.
قال الحسن: كان في صدر الإسلام تكون المسلمة تحت الكافر، والكافرة تحت المسلم، فنسخته هذه الآية.
وروي: أنّه لـمّا نزلت الآية أدّى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهنّ المشركين، وأبى المشركون أن يؤدّوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهنّ المسلمين، فنزلت :
( وَإِنْ فاتَكُمْ ) وإن سبقكم وانفلت منكم( شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) أحد من أزواجكم. وإيقاع «شيء» موقعه للتحقير والمبالغة في التعميم. أو شيء من مهورهنّ.( إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ ) فجاءت عقبتكم: أي: نوبتكم من أداء المهر. شبّه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء اخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره.( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ ) فآتوا أيّها الحكّام من فاتته امرأته من بيت المال أو الغنيمة( مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ) مثل مهر المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر.
وقيل: معناه: إن غزوتم فأصبتم من الكفّار عقبى ـ هي الغنيمة ـ فأتوا الزوج الّذي فاتته امرأته إلى الكفّار من رأس الغنيمة ما أنفقه من مهرها.
( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) فإنّ الإيمان به يقتضي التقوى منه.
قيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعات عن الإسلام ستّ نسوة: أمّ الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شدّاد الفهري. وفاطمة بنت أبي أميّة، كانت تحت عمر بن الخطّاب، وهي أخت أمّ سلمة.
وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزّى بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبد ودّ. وهند بنت أبي جهل، كانت تحت هشام بن العاص.
وكلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر. فأعطاهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مهور نسائهم من الغنيمة.
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) )
ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة بيعة النساء، بعد أخذ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم البيعة من الرجال، فقال :
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً ) من الأصنام وغيرها( وَلا يَسْرِقْنَ ) مال الأزواج وغيرهم( وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ ) يريد وأد البنات والإسقاط( وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ ) .
قيل: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك. فكنّى
بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الّذي تلصقه بزوجها كذبا، لأنّ بطنها الّذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الّذي تلده به بين الرجلين.
( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) في حسنة تأمرهنّ بها. والتقييد بالمعروف ـ مع أنّ الرسول لا يأمر إلّا به ـ تنبيه على أنّ طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقّي والاجتناب.
قيل: هذا نهي عن النوح، وتمزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشقّ الجيب، وخمش الوجه، والدعاء بالويل. والأصل أنّ المعروف كلّ ما دلّ العقل والسمع على وجوبه أو ندبه. وسمّي معروفا، لأنّ العقل يعترف به من جهة عظم حسنه.
( فَبايِعْهُنَ ) إذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء.( وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) صفوح عنهنّ( رَحِيمٌ ) منعم عليهنّ.
روي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا فرغ يوم فتح مكّة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا، وكان عمر أسفل منه، وهند بنت عتبة متنقّبة متنكّرة مع النساء خوفا أن يعرفها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئا.
فقالت هند: إنّك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال. وذلك أنّه بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولا تسرقن.
فقالت هند: إنّ أبا سفيان رجل ممسك، وإنّي أصبت من ماله هنات، فلا أدري أيحلّ لي أم لا؟
فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال.
فضحك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعرفها، فقال لها: فإنّك لهند بنت عتبة؟
قالت: نعم، فاعف عمّا سلف يا نبيّ الله، عفا الله عنك.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولا تزنين.
فقالت: أو تزني الحرّة؟
فتبسّم عمر بن الخطّاب لـما جرى بينه وبينها في الجاهليّة.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ولا تقتلنّ أولادكنّ.
فقالت: ربّيناهم صغارا، وقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم. وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يوم بدر.
فضحك عمر حتّى استلقى. وتبسّم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولـمّا قال: ولا تأتين ببهتان.
قالت هند: والله إنّ البهتان قبيح، وما تأمرنا إلّا بالرشد ومكارم الأخلاق.
ولـمّا قال: ولا يعصينك في معروف.
قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.
وروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: أن لا يشركن بالله شيئا، وما مسّت يد رسول الله يد امرأة قطّ إلّا يد امرأة يملكها. رواه البخاري في الصحيح(١) .
وروي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده، ثمّ غمسن أيديهنّ فيه.
وقيل: إنّه كان يبايعهنّ من وراء الثوب. عن الشعبي.
والوجه في بيعة النساء مع أنّهنّ لسن من أهل النصرة بالمحاربة: هو أخذ العهد عليهنّ بما يصلح من شأنهنّ في الدين والأنفس والأزواج، وكان ذلك في صدر الإسلام، ولئلّا ينفتق بهنّ فتق لـما وضع من الأحكام، فبايعهنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حسما لذلك.
__________________
(١) صحيح البخاري ٩: ٩٩.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) )
روي: أنّ بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فنزلت :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) يعني: اليهود. وقيل: عامّة الكفّار.
( قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ ) قد يئسوا من أن يكون لهم حظّ في الآخرة، لكفرهم بها، أو لعلمهم بأنّه لا حظّ لهم فيها، لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة، المؤيّد بالآيات( كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء، أو يثابوا، أو ينالهم خير منهم. وعلى الثاني وضع الظاهر فيه موضع الضمير، للدلالة على أنّ الكفر آيسهم.
وقيل:( مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) بيان للكفّار، أي: كما يئس الكفّار الّذين قبروا من خير الآخرة، لأنّهم تبيّنوا قبح حالهم وسوء منقلبهم.
(٦١)
سورة الصفّ
وتسمّى سورة الحواريّين، وسورة عيسىعليهالسلام . مدنيّة. وهي أربع عشرة آية بلا خلاف.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة عيسىعليهالسلام مصلّيا عليه، مستغفرا له ما دام في الدنيا، وهو يوم القيامة رفيقه».
أبو بصير عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الصفّ، وأدمن قراءتها في فرائضه ونوافله، صفّه الله تعالى مع ملائكته وأنبيائه المرسلين».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) )
ولـمّا ختم الله سبحانه السورة بقطع موالاة الكفّار، افتتح هذه السورة بإيجاب
ذلك ظاهرا وباطنا، ثمّ بالأمر بالجهاد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) مضى تفسيره.
روي: أنّ المسلمين قالوا: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله لبذلنا أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ) (١) .
فولّوا يوم أحد، فنزلت تعييرا لهم:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) «لم» مركّبة من لام الجرّ و «ما» الاستفهاميّة. والأكثر حذف ألفها مع حروف الجرّ، في قولك: بم، وفيم، وممّ، وعمّ، وإلام، وعلام، لكثرة استعمالهما في الكلام المستفهم عنه. وقد جاء استعمال الأصل قليلا. والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان. ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف. وفيه معنى التعجّب.
( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) إيثار المقت الّذي هو أشدّ البغض، ونصبه على التمييز، للدلالة على أنّ قولهم هذا مقت خالص كبير عند الله، بحيث يحقّر دونه كلّ عظيم، مبالغة في المنع عنه، لأنّه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تمّ كبره وشدّته.
قيل: لـمّا أخبر الله بثواب شهداء بدر، قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغنّ فيه وسعنا، ففرّوا يوم أحد ولم يفوا، فنزلت.
وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر.
وقيل: قد آذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب، وانتحل قتله آخر.
فقال عمر لصهيب: أخبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّك قتلته. فقال: إنّما قتلته لله ولرسوله.
فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب. قال: كذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم. فنزلت
__________________
(١) الصفّ: ٤.
في المنتحل.
وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان على حسب ظاهر حالهم.
والّذي يدلّ على أنّ المقت قد تعلّق بقول الّذين وعدوا الثبات في قتال الكفّار، فلم يفوا، قوله بعد ذلك:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) مصطفّين، أو صافّين أنفسهم. مصدر وصف به.( كَأَنَّهُمْ ) في تراصّهم وتلاصقهم من غير فرجة ولا خلل( بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) رصّ بعضه إلى بعض. وهذا الكلام حال من المستكن في الحال الأولى. والرصّ اتّصال بعض البناء بالبعض واستحكامه.
وقيل: يجوز أن يريد استواء نيّاتهم في الثبات حتّى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص.
وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا، لأنّ الفرسان لا يصطفّون على هذه الصفة. ومعنى محبّة الله إيّاهم أنّه يريد ثوابهم ومنافعهم.
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) )
ثمّ ذكر سبحانه حديث موسىعليهالسلام في صدق نيّته وثبات عزيمته على الصبر في أذى قومه، تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في تكذيبهم إيّاه، فقال :
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ) مقدّر بـ: اذكر( يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ) كانوا يؤذونه بأنواع الأذى، من انتقاصه وعيبه في نفسه بالرمي بالأدرة(١) ، وجحود آياته ،
__________________
(١) الادرة: انتفاخ الخصية.
وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة، وقولهم:( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) (١) .( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) (٢) .
ونسبة قتل هارون إليه، والتكذيب الّذي هو تضييع حقّ الله وحقّه.
( وَقَدْ تَعْلَمُونَ ) في موضع الحال تقريرا للإنكار. و «قد» لتحقيق العلم، أي: تؤذونني عالمين علما يقينا.( أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ ) بما جئتكم من المعجزات.
وقضيّة علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بي، لأنّ من عرف الله وعظمته عظّم رسوله، علما بأنّ تعظيمه في تعظيم رسوله.
( فَلَمَّا زاغُوا ) عن الحقّ( أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) بأن منع ألطافه عنهم، وخلّاهم وسوء اختيارهم، فصرفت قلوبهم عن قبول الحقّ والميل إلى الصواب تخلية وخذلانا( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) لا يلطف بهم ليهتدوا، لأنّهم ليسوا من أهل اللطف، فلم يقبلوا الحقّ.
( وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) )
__________________
(١) الأعراف: ١٣٨.
(٢) المائدة: ٢٤.
ثمّ عطف سبحانه قصّة عيسى على قصّة موسى، فقال:( وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) لم يقل: يا قوم كما قال موسى، لأنّه لا نسب له فيهم( إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَ ) في حال تصديقي لـما تقدّمني( مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً ) وفي حال تبشيري( بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي ) والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإرسال، لا الجارّ، لأنّه لغو، إذ هو صلة للرسول، فلا يجوز أن يعمل شيئا، لأنّ حروف الجرّ لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت صلات لم تتضمّن معنى فعل، فمن أين تعمل؟
( اسْمُهُ أَحْمَدُ ) يعني: محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم . والمعنى: أنّ ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه. فذكر أوّل الكتب المشهورة الّذي حكم به النبيّون والنبيّ الّذي هو خاتم النبيّين.
ولاسم أحمد معنيان :
أحدهما: أن يجعل مبالغة من الفاعل، أي: هو أكثر حمدا لله من غيره.
والآخر: أن يجعل مبالغة من المفعول، أي: يحمد بما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر ممّا يحمد غيره.
وصحّت الرواية عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ لي أسماء: أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الّذي ليس
بعدي نبيّ». أورده البخاري في الصحيح(١) .
وفي هذه البشرى معجزة لعيسىعليهالسلام عند ظهور محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمر لأمّته أن يؤمنوا به عند مجيئه.
( فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ) الإشارة إلى ما جاء به أو إليه.
وتسميته سحرا للمبالغة. ويؤيّده قراءة حمزة والكسائي: هذا ساحر، على أنّ الإشارة إلى عيسىعليهالسلام .
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ ) وأيّ الناس أشدّ ظلما؟ بمعنى: لا أحد أظلم ممّن يدعوه ربّه على لسان نبيّه إلى الإسلام الّذي له فيه سعادة الدارين، فيضع موضع إجابته إليه افتراء الكذب على الله، بقوله لكلامه الّذي هو دعاء عباده إلى الحقّ: هذا سحر مبين، لأنّ السحر كذب وتمويه.
والاستفهام للإنكار.( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الّذين ظلموا أنفسهم بفعل الكفر والمعاصي.
قال ابن جريج: هم الكفّار والمنافقون. ويدلّ عليه قوله:( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا ) أي: يريدون أن يطفؤا كما جاء في سورة البراءة(٢) . واللام مزيدة لـما فيها من معنى الإرادة تأكيدا لها، كما زيدت في قولك: لا أبالك، تأكيدا لمعنى الإضافة في: لا أباك. أو يريدون الافتراء ليطفؤا( نُورَ اللهِ ) يعني دينه: أو كتابه أو حجّته( بِأَفْواهِهِمْ ) بأن طعنوا فيه بأنّه سحر مبين. مثّلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس ليطفئه.( وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) مبلغ غايته بنشره وإعلائه. وقرأ ابن كثير وحفص بالإضافة.( وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) إرغاما لهم.
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ) بالقرآن أو المعجزة( وَدِينِ الْحَقِ ) والملّة
__________________
(١) صحيح البخاري ٤: ٢٢٥.
(٢) البراءة: ٣٢.
الحنيفيّة، وهي دين الإسلام( لِيُظْهِرَهُ ) ليعليه ويغلبه( عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) على جميع الأديان المخالفة له. والدين اسم الجنس.( وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) لـما فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك. وفي هذه دلالة على صحّة نبوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّه سبحانه قد أظهر دينه على جميع الأديان بالاستعلاء والقهر وإعلاء الشأن، بحيث ما بقي من الأديان إلّا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام، كما وعده ذلك في حال الضعف وقلّة الأعوان.
وروى العيّاشي بالإسناد عن عمران بن ميثم، عن عباية أنّه سمع أمير المؤمنينعليهالسلام يقول حين تلاوة هذه الآية: «والّذي نفسي بيده حتّى لا تبقى قرية إلّا ينادى فيها بشهادة أن لا إله إلّا الله بكرة وعشيّا».
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) )
ولـمّا قدّم ذكر الرسول عقّبه بذكر دعاء العباد إلى قبول قوله ونصرة دينه والعمل بشريعته، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) قرأ ابن عامر: تنجّيكم بالتشديد.
ثمّ استأنف كلاما لبيان التجارة، كأنّهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال:( تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) يعني: التجارة المنجية من عذاب أليم هو الجمع بين الإيمان والجهاد المؤدّي إلى كمال عزّهم. والمراد به الأمر، وإنّما جيء بلفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنّه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك. جعلت المغفرة لقوّة الرجاء، كأنّها كانت ووجدت. وأيضا إيراد الأمر على صورة الخبر تلطّف في الاستدعاء إلى الإخلاص في الطاعة، فإنّ المعنى: هل ترغبون في تجارة منجية من العذاب؟
عن ابن عبّاس: أنّهم قالوا: لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله لعملناه. فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي؟ فدلّهم الله تعالى على التجارة المذكورة بقوله: «تؤمنون». وهذا دليل على أنّ «تؤمنون» كلام مستأنف، وعلى أنّ الأمر الوارد على النفوس بعد تشوّف وتطلّع منها إليه، أوقع فيها وأقرب من قبولها له ممّا فوجئت به.
( ذلِكُمْ ) أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد( خَيْرٌ لَكُمْ ) من أموالكم وأنفسكم( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) إن كنتم من أهل العلم، إذ الجاهل لا يعتدّ بفعله. أو إن كنتم تعلمون أنّه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ، لأنّه إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبّون أنفسكم وأموالكم.
( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، أو لشرط أو استفهام دلّ عليه الكلام، تقديره: إن تؤمنوا وتجاهدوا، أو هل تقبلون أن أدلّكم يغفر لكم؟ ويبعد جعله جوابا لـ «هل أدلّكم» كما قال الفرّاء، لأنّ مجرّد الدلالة لا توجب المغفرة.( وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ) مستطابة مستلذّة( فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ) جنّات إقامة لا تبغون عنها حولا( ذلِكَ ) أي: ما ذكر من
المغفرة وإدخال الجنّة( الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) لا ما يعدّه الناس فوزا، من طول البقاء وولاية الدنيا.
روي: أنّه سأل الحسن عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير قوله:( وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ) . فقالا: سألنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك، فقال: «قصر من لؤلؤ في الجنّة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوت حمراء، في كلّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خضراء، في كلّ بيت سبعون سريرا، على كلّ سرير سبعون فراشا من كلّ لون، على كلّ فراش امرأة من الحور العين، في كلّ بيت سبعون مائدة، على كلّ مائدة سبعون لونا من الطعام، في كلّ بيت سبعون وصيفا ووصيفة. فقال: يعطي الله المؤمن من القوّة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كلّه».
ثمّ بشّرهم بنعمة عاجلة مزيدا على الآجلة، فقال:( وَأُخْرى تُحِبُّونَها ) أي: ولكم إلى هذه النعمة المذكورة ـ أعني: المغفرة والثواب في الآجلة ـ نعمة اخرى عاجلة محبوبة إليكم. وفي «تحبّونها» تعريض بأنّهم يؤثرون العاجل على الآجل.
وقيل: «اخرى» منصوبة بإضمار: يعطيكم أو تحبّون. أو مبتدأ خبره( نَصْرٌ مِنَ اللهِ ) . وهو على الأوّل بدل أو بيان. وعلى قول النصب خبر محذوف.( وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) عاجل. وهو فتح مكّة. وقال الحسن: فارس والروم. وقيل: جميع فتوح الإسلام.( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) عطف على محذوف مثل: قل يا أيّها الّذين آمنوا وبشّر. أو على «تؤمنون» فإنّه في معنى الأمر، كأنّه قال: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم أيّها المؤمنون، وبشّرهم يا رسول الله بما وعدتهم على الايمان والجهاد آجلا وعاجلا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤) )
ثمّ حضّ المؤمنين على نصرة دينه، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ ) وقرأ الحجازيّان وأبو عمرو بالتنوين واللام، لأنّ المعنى: كونوا بعض أنصار الله( كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ ) التشبيه محمول على المعنى. والمراد: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريّون أنصار عيسى حين قال لهم. أو المراد: قل لهم كما قال عيسى للحواريّين:( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ ) أي: من جندي متوجّها إلى نصرة الله؟ ليطابق قوله:( قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) .
والإضافة الأولى إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر، لـما بينهما من الاختصاص. والثانية إضافة الفاعل إلى المفعول. فمعنى «من أنصاري»: من الأنصار الّذين يختصّون بي، ويكونون معي في نصرة الله؟ ومعنى( نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) : نحن الّذين ينصرون الله. ولا يجوز أن يكون معنى الأوّل: من ينصرني مع الله، لأنّه لا يطابق الجواب.
والحواريّون: أصفياء عيسى، فإنّ حواريّ الرجل صفيّه وخلصانه.
من الحور، وهو البياض الخالص. وقيل: كانوا قصّارين يحوّرون الثياب، أي: يبيّضونها. ونظير الحواريّ في زنته: الحواليّ، بمعنى: الكثير الحيل.
وقيل: كانوا يلبسون الثياب البيض. وهم أوّل من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلا.
( فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) بعيسى( وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ) به. وذلك أنّه
لمّا رفع تفرّق قومه ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله، فارتفع. وفرقة قالت: كان ابن الله، فرفعه إليه. وفرقة قالت: كان عبد الله ورسوله، فرفعه إليه، وهم المؤمنون. واتّبع كلّ فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين، حتّى بعث محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرين. وذلك قوله:( فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ ) بالحجّة أو بالحرب( فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ) فصاروا غالبين. وعن مجاهد: بل أيّدوا في زمانهم على من كفر.
(٦٢)
سورة الجمعة
مدنيّة. وهي إحدى عشرة آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة الجمعة اعطي عشر حسنات، بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين».
منصور بن حازم عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من الواجب على كلّ مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة وسبّح اسم ربّك الأعلى، وفي صلاة الظهر بالجمعة والمنافقين، فإذا فعل فكأنّما يعمل عمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان جزاؤه وثوابه على الله الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ
مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة الصفّ بالترغيب في عبادته والدعاء إليها، وذكر تأييد المؤمنين بالنصر والظهور على الأعداء، افتتح هذه السورة ببيان قدرته على ذلك وعلى جميع الأشياء، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ينزّهه عن جميع النواقص كلّ شيء من العلويّات والسفليّات( الْمَلِكِ ) القادر على تصريف الأشياء بأيّ وجه أراد( الْقُدُّوسِ ) كثير النظافة والنزاهة عن كلّ نقص( الْعَزِيزِ ) الغالب الّذي لا يمتنع عليه شيء( الْحَكِيمِ ) العالم الّذي يضع الأشياء موضعها.
وبعد إثبات الألوهيّة وصفاتها اللازمة قال في بيان الرسالة وما يتبعها:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ ) أي: في العرب، فإنّ الأمّي منسوب إلى أمّة العرب، لأنّهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤن من بين الأمم. وقيل: بدئت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. والمعنى: بعث منهم رجلا أمّيّا في قوم أمّيّين.
ووجه النعمة في أنّه جعل النبوّة في أمّيّ: موافقته لـما تقدّمت البشارة به في كتب الأنبياء السالفة، ولأنّه أبعد من توهّم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم الّتي تلاها والكتب الّتي قرأها، فبذلك يعلم علما ضروريّا بأنّ ما يخبرهم به من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية على وفق ما في كتبهم
ليس ذلك إلّا بالوحي.
وقيل: منسوب إلى أمّ القرى، وهي مكّة.
( رَسُولاً مِنْهُمْ ) من جملتهم، كقوله:( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) (١) . فيعلمون نسبه وأحواله( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ) آيات القرآن المشتملة على الحلال والحرام والحجّ والأحكام، مع كونه أمّيّا مثلهم لم تعهد منه قراءة، ولم يعرف بتعلّم( وَيُزَكِّيهِمْ ) ويطهّرهم من خبائث الشرك وأعمال الجاهليّة( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) القرآن والشريعة، أو معالم الدين من المنقول والمعقول، ولو لم يكن سواه معجزة لكفاه( وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه، من الشرك وخبث الجاهليّة. و «إن» هي المخفّفة، واللام تدلّ عليها. وهذا بيان لشدّة احتياجهم إلى نبيّ يرشدهم، وإزاحة لـما يتوهّم أنّ الرسول تعلّم ذلك من معلّم.
وقال في المجمع: «وإنّما قال: «منهم» لأنّهم إذا أسلموا صاروا منهم، فإنّ المسلمين كلّهم يد واحدة على من سواهم، وأمّة واحدة وإن اختلفت أجناسهم، كما قال سبحانه:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) (٢) . ومن لم يؤمن بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّهم ليسوا ممّن عناهم الله بقوله:( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ) »(٣) .
( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ) عطف على «الأميّين»، أو المنصوب في «يعلّمهم» أي: يعلّم آخرين. وهم الّذين جاءوا بعد الصحابة إلى يوم الدين، فإنّ دعوته وتعليمه يعمّ الجميع من أبناء عصره وأبناء العصور الغوابر، لأنّ التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كلّه مستندا إلى أوّله، فكأنّه هو الّذي تولّى كلّ ما وجد فيه من الأوّلين والآخرين.( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون، من العجم والعرب.
__________________
(١) التوبة: ١٢٨.
(٢) التوبة: ٧١.
(٣) مجمع البيان ١٠: ٢٨٤.
وقيل: لـمّا نزلت قيل: من هم يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان، ثمّ قال: «لو كان الإيمان عند الثريّا لتناوله رجال من هؤلاء».
( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في تمكينه من هذا الأمر الخارق للعادة( الْحَكِيمُ ) في اختياره وتعليمه من بين كافّة البشر.
( ذلِكَ ) أي: ذلك الفضل الّذي أعطاه محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبه امتاز عن أقرانه، وهو أن يكون نبيّ جميع العباد إلى آخر الدهر( فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) إعطاءه، وتقتضيه حكمته.
روى محمّد بن أبي عمير عن هشام بن سالم يرفعه قال: «جاء الفقراء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: يا رسول الله إنّ للأغنياء ما يتصدّقون، وليس لنا ما نتصدّق.
ولهم ما يحجّون، وليس لنا ما نحجّ. ولهم ما يعتقون، وليس لنا ما نعتق.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كبّر الله مائة مرّة كان أفضل من عتق مائة رقبة. ومن سبّح الله مائة مرّة كان أفضل من سياق مائة بدنة. ومن حمد الله مائة مرّة كان أفضل من حملان(١) مائة فرس في سبيل الله يسرجها ويلجمها. ومن هلّل الله مائة مرّة كان أفضل الناس عملا في ذلك اليوم إلّا من زاد.
فبلغ ذلك الأغنياء فقالوه، فرجع الفقراء إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: يا رسول الله قد بلغ الأغنياء ما قلت فصنعوه. فقال رسول الله: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) الّذي يستحقر دونه نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
ثمّ ضرب سبحانه مثلا لليهود الّذين تركوا العمل بالتوراة الّتي فيها الوعد ببعثة رسول الله ونعوته، فقال :
( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ) علّموها وكلّفوا العمل بها.( ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ) أي: لم يعملوا ولم ينتفعوا بها، فكأنّهم لم يحملوها( كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً )
__________________
(١) الحملان: ما يحمل عليه من الدوابّ في الهبة خاصّة.
كتبا من العلم يتعب في حملها، ولا ينتفع بها. يعني: صفة اليهود ـ في أنّهم حملة التوراة وقرّاؤها، وحفّاظ ما فيها، ثمّ إنّهم غير عالمين بها، ولا منتفعين بآياتها، وذلك أنّ فيها نعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والبشارة به، ولم يؤمنوا به ـ كصفة الحمار، حمل كتبا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلّا ما يمرّ بجنبيه وظهره من الكدّ والتعب.
و «يحمل» حال، والعامل فيه معنى المثل. أو صفة، إذ ليس المراد من الحمار معيّنا، كقوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني.
( بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ) أي: مثل الّذين كذّبوا( بِآياتِ اللهِ ) الدالّة على نبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ويجوز أن يكون «الّذين» صفة للقوم، والمخصوص بالذمّ محذوفا، وهو: مثلهم.( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي: لا يفعل بهم من الألطاف الّتي يفعلها بالمؤمنين الّذين بها يهتدون. وقيل: لا يثيبهم ولا يهديهم إلى الجنّة.
( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) )
وبعد تبيين إنكار اليهود ما في التوراة، سكّتهم بما كانوا يقولون:( نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) (١) ، وألزمهم بقوله :
( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا ) تهوّدوا. من: هاد يهود إذا تهوّد.
__________________
(١) المائدة: ١٨.
( إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ ) أي: إن كان قولكم( نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) حقّا، وكنتم على ثقة منه( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) فتمنّوا من الله أن يميتكم وينقلكم سريعا من دار البليّة إلى محلّ دار الكرامة الّتي أعدّها لأوليائه( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في زعمكم.
ثمّ أخبر سبحانه عن حالهم في كذبهم، وأنّهم غير واثقين بما يقولون، فقال:( وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) بسبب ما قدّموا من الكفر والمعاصي( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) فيجازيهم على أعمالهم. وقد قال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «والّذي نفسي بيده لا يقولها أحد منهم إلّا غصّ بريقه».
فلولا أنّهم كانوا مؤمنين بصدق رسول الله لتمنّوا، ولكنّهم علموا أنّهم لو تمنّوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد أن يتمنّى. وبرواية اخرى عنه: «لو تمنّوا لماتوا عن آخرهم». وهي إحدى المعجزات.
( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ) ولا تجسرون أن تتمنّوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم( فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) لاحق بكم لا تفوتونه. والفاء لتضمّن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف. ويجوز أن يكون الموصول خبرا، ثمّ استؤنف: إنّه ملاقيكم. والفاء للعطف، للدلالة على أنّ الفرار لا ينفع منه الموت، بل بمنزلة السبب في ملاقاته، فلا معنى للتعرّض للفرار، فكأنّه سبب الملاقاة، لأنّه لا يباعد منه. وإلى هذا المعنى
أشار أمير المؤمنينعليهالسلام في قوله: «كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه، والأجل مساق النفس، والهرب منه موافاته».
( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) يعلم سرّكم وعلانيتكم يوم القيامة( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بأن يجازيكم عليه.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) )
اعلم أنّ الله سبحانه أبطل قول اليهود في ثلاث: أحدها: افتخروا بأنّهم أولياء الله وأحبّاؤه، فكذّبهم في قوله:( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) . وثانيها: افتخروا بأنّهم أهل الكتاب، والعرب لا كتاب لهم، فشبّههم بالحمار يحمل أسفارا. وثالثها: افتخروا بالسّبت، وأنّه ليس للمسلمين مثله، فشرع الله لهم الجمعة، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ) أي: أذّن لها. ووقت الأذان عند قعود الامام. وقد كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مؤذّن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذّن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة. ثمّ كان أبو بكر وعمر على ذلك إلى زمن عثمان، وكثر الناس وتباعدت المنازل، فزاد مؤذّنا آخر، فأمر بالتأذين الأوّل على داره الّتي تسمّى الزوراء، فإذا جلس على المنبر أذّن المؤذّن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة، ولم يعب ذلك عليه. وعند الإماميّة: الأذان الثاني حرام من جملة بدع عثمان.
وقوله:( مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) بيان لـ «إذا» وتفسير له. وإنّما سمّاه جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة. وكانت العرب قبل الإسلام تسمّيه العروبة. وقيل: سمّاه كعب بن لؤي، لاجتماع الناس فيه إليه.
وروي عن ابن سيرين: أنّ أهل المدينة جمّعوا قبل أن يقدم إليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقبل أن تنزل سورة الجمعة، وقالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيّام، وللنصارى مثل ذلك، فهلمّوا نجعل لنا يوما نجتمع فيه، فنذكر الله فيه ونصلّي.
فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين، وذكّرهم ووعّظهم، فسمّوه يوم الجمعة، لاجتماعهم فيه. فأنزل الله آية الجمعة، فهي أوّل جمعة كانت في الإسلام.
وأمّا أوّل جمعة جمّعها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهي أنّه لـمّا قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسّس مسجدهم، ثمّ خرج يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلّى الجمعة في دارهم.
( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) فامضوا إليه مسرعين قصدا غير متثاقلين، فإنّ السعي دون العدو. والذكر الخطبة. وقيل: الصلاة. والأمر بالسعي إليها يدلّ على وجوبها.
( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) أي: اتركوا المعاملة وجميع ما يذهل عن ذكر الله، من شواغل الدنيا.
وإنّما خصّ البيع من بينها لأنّ يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبّون(١) إلى المصر من كلّ أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا تعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ يتكاثر البيع والشراء. فلمّا كان ذلك الوقت مظنّة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضيّ إلى المسجد، قيل لهم: بادروا إلى تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الّذي لا شيء أنفع منه وأربح. وقيل: سمّي جنس المعاملة بيعا تسمية للشيء باسم أكثر أنواعها وقوعا.
( ذلِكُمْ ) أي: السعي إلى ذكر الله( خَيْرٌ لَكُمْ ) من المعاملة، فإنّ نفع الآخرة خير وأبقى( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الخير والشرّ الحقيقيّين، أو كنتم من أهل العلم.
وفي الحديث: «أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: اعلموا أنّ الله تعالى قد افترض
__________________
(١) أي: ينحدرون.
عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي، ولهم إمام عادل، استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك في أمره. ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجّ له، ألا ولا صوم له، الا ولا بركة له حتّى يتوب».
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنّة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أتاني جبرئيل وفي كفّه مرآة بيضاء، وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربّك لتكون لك عيدا، ولأمّتك من بعدك، وهو سيّد الأيّام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ لله في كلّ جمعة ستّمائة ألف عتيق من النّار».
وعن كعب: إنّ الله فضّل من البلدان مكّة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيّام الجمعة.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر».
وأيضا في الحديث: «إذا كان يوم الجمعة، قعدت الملائكة على أبواب المسجد، بأيديهم صحف من فضّة، وأقلام من ذهب، يكتبون الأوّل فالأوّل على مراتبهم».
وكانت الطرقات في أيّام السلف وقت السحر وبعد الفجر مختصّة بالمبكّرين إلى الجمعة، يمشون بالسرج.
وقيل: أوّل بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.
وعن ابن مسعود: أنّه بكّر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتمّ وأخذ يعاتب نفسه ويقول: أراك رابع أربعة، وما رابع أربعة بسعيد.
واعلم أنّ العلماء أجمعوا على اشتراط العدد في الجمعة، فقال الشافعي
وأحمد: أقلّهم أربعون. وأبو حنيفة: أربعة الامام أحدهم. ولم ينقل أصحاب مالك تقديرا. وأمّا أصحابنا فلهم قولان: أحدهما: سبعة، والآخر خمسة. وهو قول الأكثر. وعليه أكثر الروايات المرويّة عن أهل البيتعليهمالسلام . وبواقي الشروط الواجبة في صلاة الجمعة وأحكامها مذكورة في كتب الفقه، فلا نطوّل الكلام بذكرها.
( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ) أي: أدّيتم صلاة الجمعة وفرغتم منها، فإنّ اللام للعهد، أي: الصلاة الّتي تقدّم ذكرها، وهي الّتي وجب السعي إليها.
ثمّ أطلق لهم ما حظر عليهم لأجل الصلاة، من الانتشار وابتغاء الربح بعد قضائها، فقال :
( فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ) فتفرّقوا فيها( وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ ) واطلبوا الرزق في الشراء والبيع وغير ذلك. وهذا الأمر للإباحة. واحتجّ به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة. وأقول: لا يبعد أن ينزّل هذا الأمر منزلة أحوال المكلّفين في وجوب الكسب وندبه وإباحته. وفي الحديث: «وابتغوا من فضل الله ليس بطلب الدنيا، وإنّما هو عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله».
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «الصلاة يوم الجمعة، والانتشار يوم السبت».
وعن الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: المراد بقوله:( وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ ) طلب العلم.
( وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً ) واذكروه في مجامع أحوالكم على إحسانه إليكم بالتوفيق، ولا تخصّوا ذكره بالصلاة.
وقيل: واذكروه في تجارتكم وأسواقكم، كما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه، كتب له ألف حسنة، ويغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم يخطر على قلب بشر».
وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر. وفي الحديث: «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة».
وعلى هذا، فالمعنى: تفكّروا في صنائع الله وبدائعه، على تقدير المضاف، لأنّ التفكّر في ذاته تعالى منهيّ عنه، حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «تفكّروا في آلاء الله، ولا تتفكّروا في ذات الله». وذلك لعجز العقول البشريّة عن إدراك ذاته تعالى وحقيقته.( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) بخير الدارين.
روي: أنّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يخطب يوم الجمعة، فقاموا إلى اشتراء الزيت بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا يسير. قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «والّذي نفس محمّد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا». وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فنزلت :
( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ) ما ألهى عن ذكر الله( انْفَضُّوا إِلَيْها ) انتشروا من عندك متوجّهين إلى التجارة. وإفراد التجارة بردّ الكناية، لأنّها المقصودة، فإنّ المراد من اللهو والطبل الّذي كانوا يستقبلون به العير، ولهذا قدّمها عليه. وقيل: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضّوا إليها، وإذا رأوا لهوا انفضّوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. والترديد للدلالة على أنّ منهم من انفضّ لمجرّد سماع الطبل ورؤيته. أو للدلالة على أنّ الانفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما، كان الانفضاض إلى اللهو أولى بذلك.
( وَتَرَكُوكَ قائِماً ) أي: على المنبر، أو في الصلاة. ويؤيّد الأوّل أنّه سئل عن ابن مسعود: أكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يخطب قائما؟ قال: أو ما تقرأ:( وَتَرَكُوكَ قائِماً ) ؟.
( قُلْ ما عِنْدَ اللهِ ) للمؤمنين من الثواب( خَيْرٌ ) أحمد عاقبة، وأنفع خاتمة
( مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ ) فإنّ ذلك محقّق مخلّد، بخلاف ما تتوهّمون من نفعهما.
قدّم التجارة أوّلا للترقّي، إذ التقدير أوّلا: انفضّوا إلى التجارة مع حاجتهم إليها، وذلك مذموم، بل أبلغ من ذلك أنّهم انفضّوا إلى ما لا فائدة لهم فيه. وأخّر ثانيا، لأنّ تقديره: ما عند الله خير من اللهو، بل أبلغ من ذلك أنّه خير من التجارة المنتفع بها.
( وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) فتوكّلوا عليه، واطلبوا الرزق منه، ولا تنفضّوا عن الرسول لطلب الرزق.
(٦٣)
سورة المنافقون
مدنيّة. وهي إحدى عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة المنافقين برىء من النفاق».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الجمعة بما هو من علامات النفاق، من ترك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قائما في الصلاة أو في الخطبة، والاشتغال باللهو وطلب الارتفاق، افتتح هذه السّورة بذكر المنافقين، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ )
شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم، فإنّ الشهادة إخبار عن علم من الشهود، وهو الحضور والاطّلاع، ولذلك صدّق الله تعالى المشهود به وكذّبهم في الشهادة بقوله:( وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) على الحقيقة، وكفى بالله شهيدا( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) في قولهم: نشهد، وادّعائهم فيه المواطاة، لأنّهم لم يعتقدوا ذلك. أو لأنّ قولهم لـمّا خلا عن المواطاة لم يكن شهادة في الحقيقة، فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو إنّهم لكاذبون عند أنفسهم، لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم:( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ ) كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. ولـمّا كان الاكتفاء بقوله :
( نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) يوهم أنّ قولهم هذا كذب، وسّط بينهما قوله:( وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) ليميط هذا الإيهام.
( اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ ) حلفهم الكاذب، أو شهادتهم هذه، فإنّها تجري مجرى الحلف في التوكيد، كقولك: أشهد بالله وأعزم بالله في موضع: أقسم( جُنَّةً ) وقاية من القتل والسبي( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) صدّا أو صدودا عن الإيمان بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) من نفاقهم وصدّهم النّاس عن سبيل الله أو صدودهم.
( ذلِكَ ) إشارة إلى سوء عملهم، أي: ذلك القول الشاهد بأنّهم أسوأ الناس أعمالا. أو إلى حالهم المذكورة، من النفاق والكذب والاستجنان بالإيمان.
( بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ) بسبب أنّهم نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام( ثُمَّ كَفَرُوا ) ثمّ ظهر كفرهم بعد ذلك وتبيّن بما اطّلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمّد حقّا فنحن حمير. وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر؟ هيهات. ونحوه قوله تعالى:( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) (١) أي: ظهر كفرهم بعد أن أسلموا.
__________________
(١) التوبة: ٧٤.
ونحوه قوله:( لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) (١) . والمعنى: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ثمّ كفروا حيثما سمعوا من شياطينهم شبهة. أو نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى:( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) (٢) .
( فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ) خذلانا وتخلية، فمنع اللطف والتوفيق منهم، لفرط عنادهم وجحودهم، مع ظهور الحقّ عندهم، حتّى تمرّنوا على الكفر فاستحكموا فيه، فجسروا فيه على كلّ عظيمة( فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) حقيقة الإيمان، ولا يعرفون صحّته.
( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) )
روي: أنّ عبد الله بن أبيّ كان جسيما صبيحا فصيحا ذلق(٣) اللسان، يحضر مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جمع من المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيستندون فيه، ولهم جهارة(٤) المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم، ويسمعون إلى
__________________
(١) التوبة: ٦٦.
(٢) البقرة: ١٤.
(٣) لسان ذلق: طلق ذو حدّة.
(٤) الجهارة: حسن القدّ والمنظر.
كلامهم، فقال سبحانه :
( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ) لضخامتها وصباحتها. والخطاب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو لكلّ من يخاطب.( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) لذلاقتهم وحلاوة كلامهم( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) حال من الضمير المجرور في «لقولهم» أي: تسمع لـما يقولونه مشبّهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط، في كونهم أشباحا خالية عن العلم والنظر والإيمان وإذاعة الخير.
وقيل: شبّهوا بالخشب. لأنّه إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظانّ الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط فشبّهوا به في عدم الانتفاع.
ويجوز أن يراد بالخشب المسنّدة: الأصنام المنحوتة من الخشب المسنّدة إلى الحيطان. شبّهوا بها في حسن صورهم وقلّة جدواهم.
وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل عن ابن كثير بسكون الشين على التخفيف، أو على أنّه كبدن جمع بدنة.
وقيل: الخشب جمع الخشباء، وهي الخشبة الّتي دعر(١) جوفها. شبّهوا بها في حسن المنظر وفساد الباطن.
( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ ) من نحو انفلات دابّة، أو إنشاد ضالّة، أو نداء مناد في العسكر، أو صيحة أحدهم بصاحبه( عَلَيْهِمْ ) أي: واقعة عليهم وضارّة لهم، لجبنهم واتّهامهم. وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم، ويبيح دماءهم وأموالهم. فـ «عليهم» ثاني مفعولي «يحسبون». ويجوز أن يكون صلته، والمفعول( هُمُ الْعَدُوُّ ) . وعلى هذا يكون الضمير للكلّ. وجمعه بالنظر إلى الخبر. لكن ترتّب قوله:( فَاحْذَرْهُمْ ) عليه يدلّ على أنّ الضمير للمنافقين.
__________________
(١) دعر العود: نخر وفسد.
( قاتَلَهُمُ اللهُ ) دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم. أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك.( أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) كيف يصرفون عن الحقّ؟ تعجّبا من جهلهم وضلالتهم.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) )
قال في الكشّاف: «روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع ـ وهو ماء لهم ـ وهزمهم وقتل منهم، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد ـ أجير لعمر يقود فرسه ـ وسنان الجهني ـ حليف لعبد الله بن أبيّ ـ واقتتلا، فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين، وسنان: يا للأنصار. فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا.
فقال عبد الله لجعال: وأنت هناك. وقال: ما صحبنا محمّدا إلّا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلّا كما قيل: سمّن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. عنى بالأعزّ نفسه، وبالأذلّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم قال لقومه: ما ذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم. أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم، فلا تنفقوا عليهم حتّى ينفضّوا من حول محمّد.
فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغّض في قومك، ومحمّد في عزّ من الرحمان وقوّة من المسلمين.
فقال عبد الله: اسكت فإنّما كنت ألعب.
فأخبر زيد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.
قال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصاريّا.
فقال: فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمّدا يقتل أصحابه.
وقالعليهالسلام لعبد الله: أنت صاحب الكلام الّذي بلغني؟
قال: والله الّذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإنّ زيدا لكاذب.
فقال الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا، لا تصدّق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم.
وروي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لزيد: لعلّك غضبت عليه.
قال: لا.
قال: فلعلّه أخطأ سمعك.
قال: لا.
قال: فلعلّه شبّه عليك.
قال: لا.
ولـمّا أراد عبد الله أن يدخل المدينة اعترضه ابنه حباب ـ وهو عبد الله بن
عبد الله، غيّر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اسمه، وقال: إنّ حبابا اسم شيطان ـ وكان مخلصا، وقال لأبيه: وراءك والله لا تدخلها حتّى تقول: رسول الله الأعزّ وأنا الأذلّ. فلم يزل حبيسا في يده حتّى أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بتخليته.
وروي: أنّه قال له: لئن لم تقرّ لله ورسوله بالعزّ لأضربنّ عنقك.
فقال: ويحك أفاعل أنت؟
قال: نعم.
فلمّا رأى منه الجدّ قال: أشهد أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين.
فقال رسول الله لابنه: جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا»(١) .
وروي: أنّه لـمّا بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك. فلوى رأسه، ثمّ قال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكّي مالي فزكّيت، فما بقي إلّا أن أسجد لمحمّد. فنزلت فيه :
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ) عطفوها إعراضا واستكبارا عن ذلك. وقرأ نافع بتخفيف الواو.( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ ) يعرضون عن الاستغفار( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) عن الاعتذار.
( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) أي: يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار. وعن الحسن: أخبره سبحانه أنّهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم.( لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) لرسوخهم في كفرهم وإن أظهروا الإسلام( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) الخارجين عن مظنّة الاستصلاح، لانهماكهم في الكفر والنفاق.
( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ) أي: للأنصار( لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ) من المؤمنين المحتاجين( حَتَّى يَنْفَضُّوا ) يتفرّقوا، يعنون فقراء المهاجرين( وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) بيده الأرزاق والقسم، فهو رازقهم منها وإن أبى أهل
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٥٤١ ـ ٥٤٣.
المدينة أن ينفقوا عليهم( وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ ) عبد الله وأضرابه( لا يَفْقَهُونَ ) ذلك لجهلهم بالله، فيهذّون(١) بما يزيّن لهم الشيطان.
( يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ ) من غزوة بني المصطلق( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ ) يعنون أعزّهم بإنفاق الأموال( مِنْهَا الْأَذَلَ ) يعنون رسول الله والمؤمنين( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ) القوّة والغلبة( وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ولمن أعزّه الله من رسوله والمؤمنين به. وهم الأخصّاء بذلك، كما أنّ المذلّة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين.
وقيل: لله العزّة بالربوبيّة، ولرسوله بالنبوّة، وللمؤمنين بالعبوديّة.
وقيل: عزّ الله خمسة: عزّ الملك والبقاء، وعزّ العظمة والكبرياء، وعزّ البذل والعطاء، وعزّ الرفعة والعلاء، وعزّ الجلال والبهاء.
وعزّ الرسول خمسة: عزّ السبق والابتداء، وعزّ الأذان والنداء، وعزّ تقدّمه على الأنبياء، وعزّ الاجتباء والاصطفاء، وعزّ الظهور على الأعداء.
وعزّ المؤمنين خمسة: عزّ التأخير. بيانه: نحن الآخرون السابقون. وعزّ التيسير. بيانه:( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) (٢) .( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) (٣) . وعزّ التبشير. بيانه:( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً ) (٤) . وعزّ التوقير. بيانه:( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) (٥) . وعزّ التكثير. بيانه أنّهم أكثر الأمم.
( وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) من فرط جهلهم وغرورهم.
__________________
(١) أي: يلهجون وينطقون.
(٢) القمر: ١٧.
(٣) البقرة: ١٨٥.
(٤) الأحزاب: ٤٧.
(٥) آل عمران: ١٣٩.
وعن الحسن بن عليّعليهالسلام : «أنّ رجلا قال له: إنّ الناس يزعمون أنّ فيك تيها.
قال: ليس بتيه، ولكنّه عزّة. وتلا هذه الآية».
ولـمّا نزلت هذه الآية لحق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زيدا من خلفه فعرك(١) أذنه وقال: «وفت أذنك يا غلام، إنّ الله صدّقك وكذّب المنافقين».
وروي: أنّ ابن أبيّ بعد نزول هذه الآية لم يلبث إلّا أيّاما قلائل حتّى مرض ومات.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١) )
ثمّ أمر سبحانه المؤمنين بإنفاق الأموال في مرضاته، بعد أن ذمّ المنافقين على ترك الإنفاق، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ ) لا يشغلكم التصرّف في أموالكم، والسعي في تدبير أمرها، والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، ولا ابتغاء النتاج، والتلذّذ بها، والاستمتاع بمنافعها.( وَلا أَوْلادُكُمْ ) وسروركم بهم ،
__________________
(١) أي: دلكه وحكّه.
وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم، في حياتكم وبعد مماتكم( عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) وإيثاره عليها. قيل: هو الصلوات الخمس. وعن الحسن: جميع الفرائض. وقيل: القرآن. وعن الكلبي: الجهاد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والأولى: جميع العبادات، فإنّها تذكرة للمعبود. والمراد نهيهم عن اللهو بها، وتوجيه النهي إليها للمبالغة. ولذلك قال:( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) أي: اللهو والشغل( فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) في تجارتهم، لأنّهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
( وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ ) بعض أموالكم ادّخارا للآخرة. والمراد الإنفاق الواجب منه.( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) أي: يرى دلائله، ويعاين ما ييأس معه من الإمهال، ويضيق به الخناق، ويتعذّر عليه الإنفاق، ويفوت وقت القبول، فيتحسّر على المنع، ويعضّ أنامله على فقد ما كان متمكّنا منه( فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي ) أمهلتني( إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) أمد غير بعيد( فَأَصَّدَّقَ ) فأتصدّق( وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) بالتدارك. وجزم «أكن» للعطف على موضع «فأصّدّق». كأنّه قيل: إن أخّرتني أصّدّق وأكن. وقرأ أبو عمرو: وأكون منصوبا، عطفا على: فأصّدّق.
وعن ابن عبّاس: تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل.
وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكّي، وإذا أطاق الحجّ أن يحجّ من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربّه الكرّة فلا يعطاها.
وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزكّ ولم يصم ولم يحجّ إلّا سأل الرجعة.
( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً ) ولن يمهلها( إِذا جاءَ أَجَلُها ) آخر عمرها( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) فمجاز عليه. وقرأ أبو بكر بالياء ليوافق ما قبله في الغيبة.
والمعنى: أنّهم إذا علموا أنّ تأخير الموت عن وقته ممّا لا سبيل إليه، وأنّه هاجم لا محالة، وأنّ الله عليم بأعمالهم، فمجاز عليها، من منع واجب وغيره، لم تبق إلّا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات، والاستعداد للقاء الله.
(٦٤)
سورة التغابن
مدنيّة. وقال ابن عبّاس: مكّيّة غير ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) إلى آخر السورة. وهي ثماني عشرة آية بالإجماع.
بيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة».
ابن أبي العلاء عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة التغابن في فريضته كانت شفيعة له يوم القيامة، وشاهد عدل عند من يجيز شهادتها، ثمّ لا تفارقه حتى يدخل الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة المنافقين بذكر الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، افتتح هذه السورة ببيان حال المطيع والعاصي، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) بدلالتهما على كماله واستغنائه( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) قدّم الظرفين للدلالة على اختصاص الأمرين به من حيث الحقيقة، لأنّ الملك على الحقيقة له، لأنّه مبدئ كلّ شيء ومبدعه، والقائم به والمهيمن عليه. وكذلك الحمد، لأنّ أصول النعم وفروعها منه.
وأمّا ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأنّ نعمة الله جرت على يده.( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) لأنّ نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكلّ على سواء.
ثمّ شرع فيما ادّعاه، فقال:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ ) أي: آت بالكفر وفاعل له( وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) آت بالإيمان وفاعل له، كقوله:( وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) (١) . والدليل عليه قوله:( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي: عالم بكفركم وإيمانكم اللّذين هما من عملكم فيعاملكم بما يناسب أعمالكم.
والمعنى: هو الّذي تفضّل عليكم بأصل النعم الّذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين.
فما فعلتم مع تمكّنكم، بل تشعّبتم شعبا، وتفرّقتم أمما، فمنكم كافر ومنكم مؤمن.
__________________
(١) الحديد: ٢٦.
وقدّم الكفر لأنّه الأغلب عليهم والأكثر فيهم.
وقيل: هو الّذي خلقكم، فمنكم كافر بالخلق وهم الدهريّة، ومنكم مؤمن به.
ولا يجوز حمل الكلام على أنّ الله سبحانه خلقهم مؤمنين وكافرين كما هو مذهب الأشاعرة، لأنّه لم يقل كذلك، بل أضاف الكفر والإيمان إليهم وإلى فعلهم، ولذلك يصحّ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وبعثة الأنبياء. على أنّ الله سبحانه لو جاز أن يخلق الكفر والقبائح لجاز أن يبعث رسولا يدعو إلى الكفر والضلال، ويؤيّده بالمعجزات، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. هذا وقد قال سبحانه:( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) (١) . وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كلّ مولود يولد على الفطرة، وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم حكاية عن الله سبحانه: «خلقت عبادي كلّهم حنفاء».
ونحو ذلك من الأخبار كثير.
إن قيل: سلّمنا أنّ العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الله الحكيم أنّه إذا خلقهم لم يفعلوا إلّا الكفر، ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلّا واحد؟ وهل مثله إلّا مثل من وهب سيفا باترا(٢) لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة، فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذمّ الواهب للسيف وتعنيفه كما يذمّون القاتل؟
بل قصدهم باللوائم على الواهب أشدّ؟
قلنا: قد علمنا أنّ الله حكيم، عالم بقبح القبيح، عالم بغناه عنه، فقد علمنا أنّ أفعاله كلّها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنا، وأن يكون له وجه حسن. وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها.
__________________
(١) الروم: ٣٠.
(٢) أي: قاطعا.
ويدلّ على حسن أفعاله قوله:( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) بالحكمة البالغة والغرض الصحيح، وهو أن جعلها مقارّ المكلّفين ومقابرهم، ليعلموا ويعملوا فيجازيهم( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) فجعلكم أحسن الحيوان كلّه وأبهاه، بدليل أنّ الإنسان لا يتمنّى أن تكون صورته على خلاف ما يرى في سائر الصور، ومن حسن صورته أنّه خلق منتصبا غير منكب، وزيّنه بصفوة أوصاف الكائنات، وخصّه بخلاصة خصائص المبدعات، وجعله أنموذج جميع المخلوقات. ولا ينافيه أنّ في جملتهم من هو مشوّه الصورة سمج الخلقة، لأنّ الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بيّنا لا يخرج عن حدّ الحسن لا تستملح. ألا ترى أنّك قد تعجب بصورة وتستملحها، ثمّ ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن، فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان.
( يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) نبّه بعلمه ما في السّماوات والأرض، ثمّ بعلمه ما يسرّه العباد ويعلنونه، ثمّ بعلمه ذوات الصدور، أن لا شيء من الكلّيّات والجزئيّات خاف عليه ولا عازب عنه، فحقّه أن يتّقى ويحذر، ولا يجترأ على شيء ممّا يخالف رضاه.
وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد. وكلّ ما ذكره بعد قوله:( فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته. فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق، ويجعله من جملته، والخلق أعظم نعمة من الله على عباده، والكفر أعظم كفران من العباد لربّهم.
وتقديم تقرير القدرة على العلم، لأنّ دلالة المخلوقات على قدرته أوّلا وبالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء.
( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) )
ثمّ أخبر سبحانه أنّ الأمم الماضية جوزوا بأعمالهم ترغيبا على الإيمان وأنواع الطاعات، وترهيبا عن الكفر وسائر المعصيات، فقال:( أَلَمْ يَأْتِكُمْ ) أيّها الكفّار( نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) كقوم نوح وهود وصالحعليهمالسلام ( فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ) ضرر كفرهم في الدنيا. وأصله الثقل. ومنه: الوبيل لطعام يثقل على المعدة. والوابل: المطر الثقيل الأمطار.( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة.
( ذلِكَ ) أي: المذكور من الوبال في الدنيا، والعذاب في العقبى( بِأَنَّهُ ) بسبب أنّ الشأن والحديث( كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات الواضحات( فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا ) أنكروا وتعجّبوا من أن يكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون المعبود حجرا. والبشر يطلق على الواحد والجمع.( فَكَفَرُوا ) بالرسل( وَتَوَلَّوْا ) عن التدبّر في البيّنات( وَاسْتَغْنَى اللهُ ) عن كلّ شيء، فضلا عن طاعتهم. فأطلق ليتناول كلّ شيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.( وَاللهُ غَنِيٌ ) عن عبادتهم وغيرها( حَمِيدٌ ) يدلّ على حمده كلّ مخلوق.
( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا
وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) )
ثمّ حكى سبحانه ما يقوله الكفّار بقوله:( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أهل مكّة( أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ) الزعم ادّعاء العلم، ولذلك يتعدّى إلى مفعولين تعدّي العلم. قال: ولم أزعمك عن ذاك معزلا.(١) وقد قام مقامهما «أنّ» مع ما في حيّزه.( قُلْ بَلى ) إثبات لـما بعد «لن»، وهو البعث، أي: بلى تبعثون( وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ ) قسم أكّد به الجواب( ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ) بالمحاسبة والمجازاة( وَذلِكَ ) البعث والحشر( عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) سهل هيّن لا يصرفه عنه صارف، لقبول المادّة وحصول القدرة التامّة.
__________________
(١) وصدره :
وإنّ الّذي قد عاش يا أم مالك |
يموت ولم أزعمك |
يعني: أنّ كلّ حيّ وإن طال عمره يموت، ولم أظنّك يا أمّ مالك بمعزل عن الموت.
( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا ) يعني: القرآن، فإنّه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر لغيره ممّا فيه شرحه وبيانه( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) فمجاز عليه.
( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ) ظرف لـ «تنبّؤنّ» أو لـ «خبير» لـما فيه من معنى الوعيد، كأنّه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار: اذكر. وقرأ يعقوب: نجمعكم بالنون.
( لِيَوْمِ الْجَمْعِ ) لأجل يوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون للحساب في الجزاء( ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ) يغبن فيه بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء الّتي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء الّتي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. وفيه تهكّم بالأشقياء، لأنّ نزولهم ليس بغبن.
وفي حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما من عبد مؤمن يدخل الجنّة إلّا أري مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا. وما من عبد يدخل النار إلّا أري مقعده من الجنّة لو أحسن، ليزداد حسرة».
ويوم التغابن بهذا المعنى مستعار من: تغابن القوم في التجارة. واللام فيه للدلالة على أنّ التغابن الحقيقي في أمور الآخرة لعظمها ودوامها.
وقيل: تغابن تفاعل من الغبن، وهو أخذ شرّ وترك خير، وهو المغبون، أو أخذ خير وترك شرّ، فهو الغابن. فالمؤمن ترك حظّه من الدنيا، وأخذ حظّه من الآخرة، فترك ما هو شرّ له، وأخذ ما هو خير له، فكان غابنا. والكافر ترك حظّه من الآخرة، وأخذ حظّه من الدنيا، فترك الخير وأخذ الشرّ، فكان مغبونا. فيظهر في ذلك اليوم الغابن والمغبون.
فعلى هذا ؛ الآيتان المذكورتان بعد ذلك تفصيل للتغابن، وهما قوله:( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً ) أي: عملا صالحا( يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ) معاصيه( وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) مؤبّدين فيها، ولا يفنى
ما هم فيه من النعيم أبدا. وقرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما.( ذلِكَ ) الإشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله الفوز العظيم بقوله:( الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) لأنّه جامع للمصالح، من دفع المضارّ وجلب المنافع.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ) بحججنا ودلائلنا( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) المآل والمرجع.
( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) إلّا بتقديره وعلمه ومشيئته، فكأنّه أذن للمصيبة أن تصيبه. أو إلّا بتخلية الله بينكم وبين من يريد فعلها.
( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ ) يصدّق به، ويرض بقضائه( يَهْدِ قَلْبَهُ ) يلطف به ويشرحه، للازدياد من الطاعة والخير، والثبات عليه. وقيل: هو الاسترجاع عند حلول المصيبة. وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن ظلم غفر. ويجوز أن يكون المعنى: أنّ المؤمن واجد لقلبه مهتد إليه، كقوله:( لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ) (١) . والكافر ضالّ عن قلبه بعيد منه.
( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) حتّى يعلم ما يؤثّر فيه اللطف من القلوب ممّا لا يؤثّر فيه، فيمنحه ويمنعه.
( وَأَطِيعُوا اللهَ ) في جميع ما أمركم به( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) في جميع ما آتاكم به( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) أعرضتم عن القبول منه( فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) أي: فإن تولّيتم فلا بأس عليه، لأنّه لم يكتب عليه طاعتكم وتولّيكم، إذ وظيفته التبليغ وقد بلّغ.
ثمّ بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على التوكّل عليه والتقوّي به في أمره، حتّى ينصره على من كذّبه وتولّى عنه، فقال:( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) لأنّ الإيمان يقتضي التوكّل عليه.
__________________
(١) ق: ٣٧.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) )
عن ابن عبّاس ومجاهد: أنّ قوما أرادوا الهجرة عن مكّة فثبّطهم نساؤهم وأولادهم عنها، فقالوا: تنطلقون وتضيّعوننا، فرقّوا لهم ووقفوا. فلمّا هاجروا بعد ذلك ورأوا الّذين سبقوهم قد فقهوا في الدين، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم.
وقيل: قالوا لهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم؟ فغضبوا عليهم وقالوا: إن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير. فلمّا هاجروا منعوهم الخير، فنزلت :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) و «من» للتبعيض، أي: بعضا منهنّ بهذه الصفة( وَأَوْلادِكُمْ ) أي: بعضا منهم( عَدُوًّا لَكُمْ ) يشغلكم عن طاعة الله. أو يخاصمكم في أمر الدين أو الدنيا.
( فَاحْذَرُوهُمْ ) ولا تأمنوا غوائلهم( وَإِنْ تَعْفُوا ) عن ذنوبهم بترك المعاقبة( وَتَصْفَحُوا ) بالإعراض، وترك التثريب عليها( وَتَغْفِرُوا ) بإخفائها، وتمهيد معذرتهم فيها( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يعاملكم بمثل ما عملتم، ويتفضّل عليكم.
( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ
لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) )
وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعي ذا أهل ومال، فإذا أراد أن يغزوا تعلّقوا به وبكوا إليه ورقّقوه، فهمّ بأذاهم. فنزلت :
( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) بلاء ومحنة، لأنّهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما. ألا ترى إلى قوله:( وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) لمن آثر محبّة الله وطاعته على محبّة الأموال والأولاد والسعي لهم. وفي الحديث: «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته».
وعن بعض السّلف: العيال سوس الطاعات.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على المنبر فقال: صدق اللهعزوجل ( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) . رأيت هذين الصبيّين فلم أصبر عنهما. ثمّ أخذ في خطبته».
وعن ابن مسعود قال: لا يقولنّ أحدكم: أللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، فإنّه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلّا وهو مشتمل على فتنة. ولكن ليقل: أللّهمّ إنّي أعوذ بك من مضلّات الفتن.
( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) أي: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. ولا تنافي بين هذا وبين قوله:( اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) (١) لأنّ كلّ واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي، فمن فعل ذلك فقد اتّقى عقاب الله، لأنّ من لم يفعل قبيحا ولا أخلّ بواجب فلا عقاب عليه. إلّا أنّ في أحد الكلامين تبيينا أنّ التكليف لا يلزم العبد إلّا
__________________
(١) آل عمران: ١٠٢.
فيما يطيق، وكلّ أمر أمر الله به فلا بدّ أن يكون مشروطا بالاستطاعة.
( وَاسْمَعُوا ) مواعظه( وَأَطِيعُوا ) أوامره( وَأَنْفِقُوا ) في وجوه الخير الّتي وجبت عليكم النفقة فيها خالصا لوجهه( خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ ) نصب بمحذوف، تقديره: ائتوا خيرا لأنفسكم، أي: افعلوا ما هو خير لها وأنفع. وهو تأكيد للحثّ على امتثال هذه الأوامر، وبيان لأنّ هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد، وما أنتم عاكفون عليه من حبّ الشهوات وزخارف الدنيا. ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: إنفاقا خيرا، أو خبرا لـ «كان» مقدّرا جوابا للأوامر.
( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) حتّى يعطي حقّ الله من ماله( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) سبق تفسيره.
( إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ ) بصرف الأموال فيما أمره لكم( قَرْضاً حَسَناً ) مقرونا بإخلاص وطيب قلب( يُضاعِفْهُ لَكُمْ ) يجعل لكم بالواحد عشرا إلى سبعمائة وأكثر. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: يضعّفه.( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) ببركة الإنفاق( وَاللهُ شَكُورٌ ) مجاز، أي: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، فيعطي الجزيل بالقليل. وكذلك قوله:( حَلِيمٌ ) أي: يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء، فلا يعاجلكم بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم.
( عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) عالم السرّ والعلانية، لا يخفى عليه شيء( الْعَزِيزُ ) الغالب على ما سواه( الْحَكِيمُ ) تامّ القدرة والعلم.
(٦٥)
سورة الطلاق
مدنيّة بالإجماع. وهي إحدى عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الطلاق مات على سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الطلاق والتحريم في فريضته أعاذه الله تعالى من أن يكون يوم القيامة ممّن يخاف أو يحزن، وعوفي من النار، وأدخله الله الجنّة بتلاوته إيّاهما ومحافظته عليهما، لأنّهما للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ
يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة التغابن بذكر النساء والتحذير منهنّ، افتتح هذه السورة بذكرهنّ وذكر أحكامهنّ وأحكام فراقهنّ، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ) ناداه بهذا النداء تشريفا له، وتعليما لعباده كيف يحاورونه في أثناء محاوراتهم، ويذكرونه في خلال كلامهم.
وخصّ النداء وعمّ الخطاب بالحكم، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا لتقدّمه، واعتبارا لترؤّسه، ونظرا إلى أنّه الّذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلّهم، وسادّا مسدّ جميعهم، فنداؤه كندائهم.
وعن الجبائي: تقديره: قل إذا طلّقتم. أو لأنّ الكلام معه، والحكم يعمّهم.
وهذا أحسن الوجوه. ولا يلزم خروجه عن الحكم على هذا الوجه، لأنّه إنّما جعلهصلىاللهعليهوآلهوسلم آمرا تنزيها له عن فعل المكروه بغير داع يدعو إليه، فإنّ الطلاق من غير داع مكروه، لكونه خلاف النكاح المرغوب، ولما رواه الثعلبي عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «تزوّجوا ولا تطلّقوا، فإنّ المطلّق يهتزّ منه العرش».
وعن ثوبان يرفعه إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنّة».
والمعنى: إذا أردتم تطليقهنّ، على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة
الشارع فيه، كقوله تعالى:( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) (١) ( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) (٢) .
كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قتل قتيلا فله سلبه».
( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ) أي: وقتها. وهو الطهر، فإنّ اللام في الأزمان للتأقيت، كأنّه قال: فطلّقوهنّ في طهرهنّ الّذي يحصينه من عدّتهنّ، ولا تطلّقوهنّ لحيضهنّ الّذي لا يعتددن به من زمان العدّة. فظاهره يدلّ على أنّ العدّة بالأطهار، كما هو مذهب أصحابنا والشافعيّة، ومرويّ عن ابن عبّاس وابن مسعود والحسن ومجاهد وابن سيرين وقتادة والضحّاك والسدّي. وأنّ طلاق المعتدّة بالأقراء ينبغي أن يكون في الطهر، وأنّه يحرم في الحيض من حيث إنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه. وهذا يدلّ على عدم وقوعه، إذ النهي يستلزم الفساد عندنا، فإنّ النهي عن نفس الطلاق، وقد نقل عن المحقّقين أنّ النهي عن الشيء نفسه أو جزئه أو لازمه يدلّ على الفساد، كما حقّق في الأصول.
وروى البخاري عن سليمان بن حرب، وروى مسلم عن عبد الرحمان بن بشر عن بهز، وكلاهما عن شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: «سمعت يقول: طلّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها إن شاء»(٣) .
وفي هذه الرواية دلالة على أنّه يشترط الطهر في الطلاق.
والّذي يدلّ على أنّه يشترط أن يكون الطلاق في طهر لا يقربها الزوج فيه بجماع، ما روى البخاري ومسلم عن قتيبة، عن ليث بن سعد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: «أنّه طلّق امرأته وهي حائض تطليقة واحدة، فأمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن
__________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) الإسراء: ٤٥.
(٣) صحيح البخاري ٧: ٥٢، صحيح مسلم ٢: ١٠٩٧ ذيل ح ١٢.
يراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض عنده حيضة اخرى، ثمّ يمهلها حتّى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلّقها فليطلّقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدّة الّتي أمر الله أن يطلّق لها النساء»(١) .
واحتجّ الفقهاء من الجمهور على وقوع طلاق الحائض وإن كان حراما بهذين الحديثين، من حيث قوله: «مره فليراجعها» في الأوّل، وفي الثاني أمر أن يراجعها، والمراجعة تدلّ على وقوع الطلاق.
وفيه نظر، فإنّه لا دلالة في ذلك، لأنّه كما يحتمل الأمر بالمراجعة وقوع الطلاق، يحتمل أيضا أن يراد بالمراجعة التمسّك بمقتضى العقد وبقاء الزوجيّة، فإنّ من طلّق طلاقا فاسدا وظنّ أنّه واقع فاعتزل زوجته صحّ أن يقال له: راجعها.
فيكون المراد حينئذ المراجعة اللغويّة لا الاصطلاحيّة، يعني: بعد الطلاق. ومن عدّ العدّة بالحيض ـ كما هو مذهب الحنفيّة ـ علّق اللام بمحذوف، مثل: مستقبلات لعدّتهنّ، أي: قبل عدّتهنّ، كقولك: أتيته لثلاث بقيت من المحرّم، أي: مستقبلا لها.
( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) واضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء. وإنّما أمر بإحصاء العدّة لمراعاة حقّ المطلّقة فيها كالنفقة والسكنى، ومراعاة حقّ الزوج، كالرجعة ومنعها من الزواج.
واعلم أنّ عموم الأمر بالطلاق مخصوص بأمرين: أحدهما غير المدخول بها. وثانيهما: الغائب عنها زوجها غيبة يعلم انتقالها من طهر إلى آخر، أو خرج عنها في طهر لم يقربها فيه بجماع، فإنّ هاتين يصحّ طلاقهما من غير تحريم، وعلى ذلك إجماع أصحابنا وتظافر أخبارهم. وبواقي أحكام الطلاق وأنواعه مذكورة في كتب الفقه.
( وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ ) في تطويل العدّة والإضرار بهنّ، وغير ذلك من مخالفة
__________________
(١) صحيح البخاري ٧: ٥٢، صحيح مسلم ٢: ١٠٩٣ ح ١.
ما أمركم به( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ ) من مساكنهنّ الّتي يسكنّها وقت الطلاق حتّى تنقضي عدّتهنّ. والمراد بيوت الأزواج. وأضيف إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى. والمعنى: لا تخرجوهنّ منها غضبا عليهنّ، وكراهة لمساكنتهنّ، أو لحاجة لكم إلى المساكن.
( وَلا يَخْرُجْنَ ) باستبدادهنّ وإن لم تخرجوهنّ. أمّا لو اتّفقا على الانتقال جاز، إذ الحقّ لا يعدوهما. وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقها السكنى، ولزومها ملازمة مسكن الفراق.
وقوله:( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) مستثنى من الأوّل. والمعنى: إلّا أن يبذون(١) على أهل الأزواج، في أذيّتهنّ أهلهم وشتمهنّ إيّاهم، فإنّه كالنشوز، فيسقط حقّهنّ بذلك. أو إلّا أن يزنين، فيخرجن لإقامة الحدّ عليهنّ. أو من الثاني، للمبالغة في النهي، والدلالة على أنّ نفس خروجهنّ فاحشة. والأحكام المذكورة في عدّة الطلاق الرجعي، بخلاف البائن، فإنّه يجوز خروجها وإخراجها.
ثمّ إنّه تعالى بيّن أنّ تلك الأحكام المذكورة أمور محدودة مقدّرة واجبة الوقوع، وأنّ مع مخالفتها يستحقّ الذمّ والعقاب، فقال :
( وَتِلْكَ ) إشارة إلى الأحكام المذكورة( حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ ) بأنّ يطلّق على غير ما أمر الله به( فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) بأن عرّضها للعقاب( لا تَدْرِي ) أي: النفس، أو أنت أيّها النبيّ، أو أيّها المطلّق( لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ ) بعد الطلاق( أَمْراً ) وهو أن يقلّب قلبه من بغضها إلى محبّتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه، فيراجعها. وهو كالتعليل لعدم الإخراج والخروج من البيوت. فالجملة المترجّية متعلّقة بالأمر بالتطليقة المذكورة وإحصاء العدّة. والمعنى: فطلّقوهنّ لعدّتهنّ، وأحصوا العدّة، لعلّكم ترغبون
__________________
(١) البذاءة: الفحش والكلام القبيح. تقول: بذا على القوم يبذو.
وتندمون فتراجعون.
وفيه دلالة على أنّ المراد بذلك الطلاق الرجعي لا البائن، ولهذا قال بعد ذلك:( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) أي: شارفن آخر عدّتهنّ، فإنّ المراد ببلوغه مقاربته ومشارفة انقضائه، لا انقضاؤه، وإلّا لـما كان للزوج رجوع( فَأَمْسِكُوهُنَ ) فراجعوهنّ( بِمَعْرُوفٍ ) بحسن عشرة وإنفاق مناسب، من النفقة والكسوة والسكنى( أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) بإيفاء الحقّ واتّقاء الضرار، مثل أن يراجعها ثمّ يطلّقها فيراجعها ثمّ يطلّقها وهكذا، تطويلا لعدّتها.
( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) على الرجعة، أو الفرقة. وفائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتّهم في إمساكها، ولئلّا يموت أحدهما فيدّعي الآخر ثبوت الزوجيّة ليرث. والأمر بالإشهاد للندب عند أبي حنيفة، كقوله:( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) (١) . وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب في الفرقة. والمرويّ عن أئمّتنا معناه: وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم. وهذا أليق بالظاهر، لأنّا إذا حملناه على الطلاق كان أمرا يقتضي الوجوب، وهو من شرائط صحّة الطلاق، بخلاف المراجعة.
( وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ ) أيّها الشهود عند الحاجة( لِلَّهِ ) خالصا لوجهه، بأن تقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض آخر من الأغراض، سوى إقامة الحقّ والقيام بالقسط، كقوله:( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) (٢) .
( ذلِكُمْ ) يريد الحثّ على الإشهاد والإقامة، أو على جميع ما في الآية( يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) فإنّه المنتفع به، والمقصود تذكيره ذلك اليوم.
__________________
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) النساء: ١٣٥.
( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ ) يطعه فيما يأمره وينهاه، فيصبر على ضيقه( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) من الشدّة إلى الرخاء، ومن الحرام إلى الحلال، ومن النار إلى الجنّة( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) هذه الشرطيّة جملة معترضة مؤكّدة لـما سبق، بالوعد على الاتّقاء عمّا نهى عنه صريحا أو ضمنا، من الطلاق في الحيض، والإضرار بالمعتدّة، وإخراجها من المسكن، وتعدّي حدود الله، وكتمان الشهادة، وتوقّع جعل على إقامتها، بأن يجعل الله له مخرجا ممّا في شأن الأزواج من المضايق والغموم، فينفّس كربه، ويرزقه فرجا وخلفا من وجه لم يخطر بباله ولا يحتسبه، إن أوفى المهر وأدّى الحقوق والنفقات. أو بالوعد لعامّة المتّقين بالخلاص عن مضارّ الدارين، والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. ويجوز أن يكون هذا الكلام جيء به على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله:( ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ ) .
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قرأها فقال: «مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّي لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم:( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ ) فما زال يقرؤها ويعيدها».
وروي: أنّ سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدوّ، فشكا أبوه إلى رسول الله عن أسر ابنه وعن فاقته. فقال له: «اتّق الله واصبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله». ففعل، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدوّ فاستاقها. فنزلت هذه الآية. وفي رواية: رجع ومعه غنيمات ومتاع.
( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) ومن يفوّض أمره إلى الله، ويثق بحسن تدبيره وتقديره( فَهُوَ حَسْبُهُ ) كافيه. وفي الحديث: «من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكّل على الله».
وعن الربيع: إنّ الله قد قضى على نفسه أنّ من توكّل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به أنجاه، ومن دعاه أجابه ولبّاه. وتصديق ذلك في كتاب اللهعزوجل :( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) .( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) (١) .
( إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ ) (٢) .( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٣) .( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ) (٤) الآية.
( إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ ) نافذ أمره، يبلغ ما يريد من قضاياه، ولا يفوته مراد.
وقرأ حفص بالإضافة.( قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) تقديرا وتوقيتا، أو مقدارا، أو أجلا بحسب المصلحة لا يتأتّى تغييره. وهو بيان لوجوب التوكّل على الله، وتفويض الأمر إليه، لأنّه إذا علم أنّ كلّ شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلّا بتقديره وتوقيته، لم يبق إلّا التسليم للقدر والتوكّل. وتقرير لـما تقدّم من تأقيت الطلاق بزمان العدّة والأمر بإحصائها، وتمهيد لـما سيأتي من مقاديرها.
( وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) )
__________________
(١) التغابن: ١١.
(٢) التغابن: ١٧.
(٣) آل عمران: ١٠١.
(٤) البقرة: ١٨٦.
روي: أنّه لـمّا نزل:( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) (١) . قالوا: قد عرفنا عدّة ذوات الأقراء، فما عدّة اللائي لا يحضن؟ فنزلت :
( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ ) شككتم في عدّتهنّ، فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهنّ أم لعارض( فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ) .
وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضة؟ فعدّتهنّ ثلاثة أشهر.
والأوّل موافق لمذهب أكثر أصحابنا من كون الآيسة لا عدّة لها، لـما رواه جماعة منهم عبد الرحمان بن الحجّاج عن الصادقعليهالسلام : «ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: الّتي لم تحض، ومثلها لا تحيض. قال: قلت: وما حدّها؟ قال: إذا أتى لها أقلّ من تسع سنين. والّتي لم يدخل بها. والّتي قد يئست من الحيض، ومثلها لا تحيض. قال: قلت: فما حدّها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة».
فعلى هذا يكون العدّة المذكورة ـ أعني: الأشهر الثلاثة ـ لمن هي في سنّ من تحيض، أو يقطع عنها الحيض لعارض، من مرض أو رضاع وغير ذلك، سواء كان ذلك الانقطاع مع الشكّ في سنّها أو لا معه، بل الشكّ في سبب الانقطاع، وهو المشار إليه بقوله: «إن ارتبتم». أو لا للشكّ، بل مع القطع بانقطاعه والجزم بسببه.
وهو المشار إليه بقوله:( وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) بعد بسبب علّة معلومة من مرض أو غيره ومثلهنّ يحضن، فعدّتهنّ أيضا ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة المذكور عليه.
فعلى هذا يكون المراد بقوله:( وَاللَّائِي يَئِسْنَ ) أي: حصل لهنّ صفة الآيسات، وهو انقطاع الحيض، إمّا مع الريبة أو مع القطع، فعدّتهنّ ثلاثة أشهر. ولا يكون في الآية دليل على عدم العدّة على الآيسة والصغيرة، ولا على وجودها.
نعم، الحقّ أن لا عدّة عليهما، لأنّ الحكمة في شرعيّتها العلم باستبراء الرحم، وهو منتف فيهما.
__________________
(١) البقرة: ٢٢٨.
وقال أكثر المفسّرين والسيّد المرتضىرحمهالله : إنّ الارتياب في وجوب العدّة لا في السنّ، كأنّه قيل: إن أشكل عليكم حكمهنّ وجهلتم كيف تعتدون. وإنّ المراد باللائي لم يحضن، أي: لم يبلغن سنّ الحيض، عدّتهنّ ثلاثة أشهر. واحتجّوا بوجهين :
الأوّل: سبب النزول، وهو أنّ أبيّ بن كعب قال: يا رسول الله إنّ عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال. فنزلت.
والثاني: أنّه لو أراد ما ذكر الأصحاب من الشكّ في ارتفاع الحيض لقال: إن ارتبتنّ، لأنّ المرجع في الحيض إليهنّ.
والجواب عن الأوّل: أنّه لو كان المراد ما ذكروه لقال: إن جهلتم، ولم يقل: إن ارتبتم، لأنّ سبب النزول كما ذكر يوجب ذلك، لأنّ ابيّا لم يشكّ في عدّتهنّ، بل جهل.
وعن الثاني: أنّه إنّما أتى بالضمير مذكّرا لكون الخطاب مع الرجال بقوله :
( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ) . ولأنّ النساء يرجعن في تعرّف أحكامهنّ إلى رجالهنّ وإلى العلماء، فكان الخطاب لهم لا للنساء، لأنّهنّ يأخذن العلم منهم.
( وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَ ) أي: منتهى عدّتهنّ( أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) أي: مدّة وضع الحمل، فإنّ «أن» والفعل في تقدير المصدر. وهذا لا خلاف أنّه في الطلاق.
وهل هو كذلك في الوفاة؟ بمعنى أنّه لو تقدّم الوضع على الأربعة أشهر وعشرا تكون العدّة منقضية لذلك أم لا؟ قال أصحابنا: لا، بل عدّتها أبعد الأجلين. وهو قول عليّعليهالسلام وابن عبّاس. وقال الفقهاء الأربعة والأوزاعي بالأوّل، محتجّين بعموم الآية.
احتجّ أصحابنا بدخولها في عموم قوله:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً ) (١) . فقد دخلت تحت عامّين، ولا وجه للجمع بينهما إلّا بالقول بأبعد
__________________
(١) البقرة: ٢٣٤.
الأجلين. ولطريقة الاحتياط. ولاختصاص آية الوضع بالمطلّقات. ولو سلّم عمومها فهي مخصوصة بإجماع الإماميّة، لدخول المعصوم فيهم. فأدلّة الجمهور في مدّعاهم كانت مدخولة.
( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ ) في أحكامه فيراعي حقوقها( يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) يسهّل عليه أمره، ويوفّقه للخير في الدارين بميامن التقوى.
( ذلِكَ ) إشارة إلى ما ذكر من أحكام الطلاق والرجعة والعدّة وغيرها( أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ ) في أحكامه فيراعي حقوقها بالامتثال( يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ) فإنّ الحسنات يذهبن السيّئات( وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) بالمضاعفة.
وخلاصة المعنى: أنّ من حافظ على الحقوق الواجبة عليه ممّا ذكر، من الإسكان، وترك الضرار، والنفقة على الحوامل، وإيتاء أجر المرضعات، وغير ذلك، استوجب تكفير السيّئات والأجر العظيم.
( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) )
ثمّ بيّن سبحانه حال المطلّقة في النفقة والسكنى، فقال:( أَسْكِنُوهُنَ ) . قال في الكشّاف: «هذا وما بعده بيان لـما شرط من التقوى في قوله تعالى:( وَمَنْ يَتَّقِ
اللهَ ) . كأنّه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدّات؟ فقيل: أسكنوهنّ»(١) .
( مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ) «من» للتبعيض، ومبعّضها محذوف. ومعناه: أسكنوهنّ مكانا من حيث سكنتم، أي: بعض مكان سكناكم. قال قتادة: إن لم يكن إلّا بيت واحد فأسكنها في بعض جوانبه.( مِنْ وُجْدِكُمْ ) عطف بيان لقوله:( مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ) . والوجد: الوسع والطاقة. والمعنى: ممّا تطيقونه.
( وَلا تُضآرُّوهُنَ ) في السكنى. يعني: لا تستعملوا معهنّ الضرار.( لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ ) في المسكن ببعض الأسباب، من إنزال من لا يوافقهنّ، أو يشغل مكانهنّ، أو غير ذلك، حتّى تضطرّوهنّ فتلجأهنّ إلى الخروج.
وقيل: هو أن يراجعها إذا بقي من عدّتها يومان ليضيّق عليها أمرها.
وقيل: هو أن يلجئها إلى أن تفتدي منه.
( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ ) فيخرجن من العدّة.
واعلم أنّ وجوب السكنى للمطلّقات في الآية على الإجمال، من غير بيان كونه رجعيّا أو بائنا، لكن السنّة الشريفة بيّنت ذلك. فنقول: المطلّقة إن كانت رجعيّة فلها استحقاق الإنفاق والإسكان. وإن كانت بائنة، قال أبو حنيفة لها أيضا النفقة والسكنى. وهو مرويّ عن عمر وابن مسعود. وقال الشافعي: إنّ لها السكنى لا غير.
وقال الحسن وأبو ثور: إنّه لا سكنى لها ولا نفقة. وهو مذهب أصحابنا نقلا عن الأئمّةعليهمالسلام . وأيضا نقل ذلك من طريق الجمهور عن الشعبي والزهري. فيكون إطلاق الآية مخصوصا بالمطلّقة الرجعيّة.
والمطلّقة الحامل تستحقّ النفقة والسكنى إجماعا، بائنة كانت أو رجعيّة، لإطلاق الآية من غير تقييد. لكن اختلف الفقهاء في نفقة الحامل البائن هل هي للحامل أو للحمل؟ فقيل: للحمل، إذ لولاه لـما كان لها شيء، فقد دار الوجوب مع
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٥٥٨.
الحمل وجودا وعدما. وهو الأقوى. وقيل: للحامل بشرط الحمل. وتظهر الفائدة في عدم وجوب قضائها على الأوّل، ووجوبها على الجدّ.
واعلم أنّ الحامل إذا وضعت وانقضت عدّتها لا يجب عليها إرضاع الولد، وسقطت نفقتها، لخروج العدّة. فإن تبرّعت بإرضاع الولد فلا بحث، وإلّا يجب على الأب أجرة رضاعه، لقوله:( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ ) بعد انقطاع علقة النكاح( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) على الإرضاع( وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ ) وليأمر بعضكم بعضا، فإنّ الائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور. يقال: ائتمر القوم إذا أمر بعضهم بعضا.
( بِمَعْرُوفٍ ) بجميل في الإرضاع والأجر. وهو المسامحة، وعدم مماكسة الأب، وعدم تعاسر الأمّ، لأنّه ولدهما معا، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه، فلا يجوز لهما إرضاع الولد أقلّ من المقدّر الشرعي. والخطاب للآباء والأمّهات.
( وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ ) تضايقتم وتماكستم في الإرضاع والأجرة( فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ) امرأة اخرى. يعني: فستوجد مرضعة غير الأمّ ترضعه له، أي: للأب.
والمعنى: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمّه. وفيه طرف من معاتبة الأمّ على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك.
تريد: لن تبقى غير مقضيّة وأنت ملوم.
( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ ) أي: لينفق على المطلّقة والمرضعة كلّ من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه، كما قال:( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) (١) .
( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ) أي: إلّا وسعها. وفيه تطييب لقلب المعسر، ولذلك وعد له باليسر، فقال:( سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) بعد ضيق سعة، وبعد
__________________
(١) البقرة: ٢٣٦.
فقر غنى، وبعد صعوبة الأمر سهولة عاجلا، بأن يفتح عليه أبواب الرزق، أو آجلا بأن يعطيه أجرا جزيلا وثوابا جليلا.
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) )
ولـمّا بيّن الأحكام الشرعيّة وأمر بالتقوى في مراعاة حقوقها، خوّف العباد على تركها، بذكر تعذيب الأمم الماضية لأجل عتوّهم وتمرّدهم عن امتثال الأحكام، فقال :
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ) من أهل قرية( عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ ) أعرضت عنه على وجه العتوّ والعناد( فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً ) بالاستقصاء والمناقشة( وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ) منكرا. والمراد حساب الآخرة وعذابها. والتعبير بلفظ الماضي للتحقيق، كقوله:( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) (١) ( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ ) (٢) .
ونحو ذلك، فإنّ ما هو كائن لا محالة فكأن قد كان. ويجوز أن يكون المراد بالحساب استقصاء ذنوبهم، وإثباتها في صحائف الحفظة، وبالعذاب ما أصيبوا به عاجلا.
( فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها ) ثقل عقوبة كفرها وشدّة معاصيها( وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ) لا ربح فيه أصلا.
( أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) تكرير للمبالغة، وبيان لـما يوجب التقوى المأمور بها في قوله:( فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) يا أصحاب العقول الصافية، فلا تفعلوا مثل ما فعل أولئك، فينزل بكم ما نزل بهم.
ثمّ وصف أولي الألباب بقوله:( الَّذِينَ آمَنُوا ) خصّ المؤمنين بينهم بالذكر، لأنّهم المنتفعون بذلك دون الكفّار. ثمّ ابتدأ سبحانه فقال:( قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً ) يعني بالذكر جبرئيل، لكثرة ذكره، أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، أو لأنّه مذكور في السماوات، أو في الأمم. أو ذا ذكر، أي: شرف.
أو محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لمواظبته على تلاوة القرآن، أو لتبليغه. وأبدل منه «رسولا» للبيان. وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
أو أراد بالذكر القرآن، و «رسولا» منصوب بمقدّر مثل: أرسل، ودلّ قوله:( أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ) عليه. وقيل: عمل «ذكرا» في «رسولا» أي: أنزل الله إليكم ذكرا رسولا، أي: للرسالة.
__________________
(١) الأعراف: ٤٤ و٥٠.
(٢) الأعراف: ٤٤ و٥٠.
( يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ ) حال من اسم «الله» أو صفة «رسولا».
والمراد بالموصول في قوله:( لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) الّذين آمنوا بعد إنزاله، أي: ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، لأنّهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنّما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج من علم أنّه مؤمن( مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) من ظلمات الكفر إلى الهدى. شبّه الكفر بالظلمات، لأنّه يؤدّي إلى ظلمة القبر وظلمة القيامة وظلمة جهنّم. وشبّه الإيمان بالنور، لأنّه يؤدّي إلى نور القيامة.
( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) قرأ نافع وابن عامر: ندخله بالنون.( قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً ) فيه تعجيب وتعظيم لـما رزقوا من الثواب.
( اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ) مبتدأ وخبر( وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ ) أي: وخلق مثلهنّ في العدد من الأرض. وما في القرآن آية تدلّ على أنّ الأرضين سبع إلّا هذه. ولا خلاف في السماوات أنّها سماء فوق سماء. وأمّا الأرضون فقال المحقّقون: إنّها سبع طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات، لأنّها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة. وفي كلّ أرض خلق، خلقهم الله تعالى كما شاء.
وروى أبو صالح عن ابن عبّاس: أنّها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض، يفرّق بينهنّ البحار، وتظلّ جميعهنّ السماء. والله سبحانه أعلم بصحّة ما استأثر بعلمه، واشتبه على خلقه. وقد ذكر في الذاريات(١) رواية العيّاشي عن أبي الحسنعليهالسلام في كيفيّة وضع السماوات والأرضين.
وقيل: بين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كلّ سماء كذلك.
__________________
(١) راجع ج ٦ ص ٤٦٦، ذيل الآية ٨ من سورة الذاريات.
والأرضون مثل السماوات.
وعن ابن عبّاس: إنّ نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرضين خلق؟ قال: نعم. قال: فما الخلق؟ قال: إمّا ملائكة أو جنّ.
( يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ ) أي: يجري أمر الله وقضاؤه بينهنّ، وينفذ حكمه فيهنّ.
وعن قتادة: في كلّ سماء وفي كلّ أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) علّة لـ «خلق»، أو لـ «يتنزّل»، أو لمضمر يعمّهما، مثل: فعل ما فعل. ولا شبهة أنّ كلّا منهما يدلّ على كمال قدرته وعلمه.
(٦٦)
سورة التحريم
مدنيّة. وهي اثنتا عشرة آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ) أعطاه الله توبة نصوحا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ
مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ذكر في سورة الطلاق أحكام النساء في الطلاق وغيره، افتتح هذه السورة بأحكامهنّ.
وقد اختلف أقوال المفسّرين في سبب نزول هذه السورة.
فقيل: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان إذا صلّى الغداة يدخل على أزواجه امرأة امرأة، وكان قد أهديت لحفصة بنت عمر بن الخطّاب عكّة(١) من عسل، وكانت إذا دخل عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسلّما حبسته وسقته منها. وإنّ عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية حبشيّة عندها: إذا دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على حفصة فادخلي عليها، فانظري ماذا تصنع. فأخبرتها الخبر وشأن العسل. فغارت عائشة وأرسلت إلى صواحبها فأخبرتهنّ، وقالت: إذا دخل عليكنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلن: إنّا نجد منك ريح المغافير، وهو صمغ العرفط(٢) كريه الرائحة.
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يكره ويشقّ عليه أن يوجد منه ريح غير طيّبة، لأنّه يأتيه الملك.
قال: فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على سودة. قالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ إنّي فرقت من عائشة فقلت: يا رسول الله ما هذه الريح الّتي أجدها منك، أكلت المغافير؟ فقال: لا، ولكن حفصة سقتني عسلا. ثمّ دخل على امرأة امرأة، وهنّ يقلن له ذلك.
ثمّ دخل على عائشة، فأخذت بأنفها. فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أجد ريح
__________________
(١) العكّة: وعاء أصغر من القربة.
(٢) العرفط: شجر من العضاه. والواحدة: عرفطة. والعضاه: كلّ شجر يعظم وله شوك.
المغافير، أكلتها يا رسول الله؟ قال: لا، بل سقتني حفصة عسلا. فقالت: جرست(١) إذا نحلها العرفط. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا أطعمه أبدا. فحرّمه على نفسه.
وعن عطاء بن أبي مسلم: أنّ الّتي كانت تسقي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم العسل أمّ سلمة. وقيل: بل كانت زينب بنت جحش.
قالت عائشة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا. فتواطأت أنا وحفصة أيّتنا دخل عليها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلتقل: إنّي أجد منك ريح المغافير، أكلت المغافير. فدخلصلىاللهعليهوآلهوسلم على إحداهما فقالت له ذلك. فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود عليه فنزلت.
وعن قتادة والشعبي ومسروق: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قسّم الأيّام بين نسائه، فلمّا كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله إنّ لي إلى أبي حاجة، فأذن لي أن أزوره.
فأذن لها. فلمّا خرجت أرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى جاريته مارية القبطيّة، وكان قد أهداها له المقوقس، فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها. فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجهه يقطر عرقا.
فقالت حفصة: إنّما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثمّ وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقّا؟
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أليس هي جاريتي، قد أحلّ الله ذلك لي؟! اسكتي، فهي حرام عليّ، ألتمس بذلك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهنّ، وهو عندك أمانة.
فلمّا خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قرعت حفصة الجدار الّذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشّرك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد حرّم عليه أمته مارية، وقد أراحنا الله منها. وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه.
فطلّق حفصة، واعتزل سائر نسائه تسعة وعشرين يوما، وقعد في مشربة أمّ إبراهيم
__________________
(١) جرس الشيء: لحسه بلسانه.
مارية حتّى نزلت آية التخيير.
وعن الزجّاج: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خلا في يوم عائشة مع جاريته أمّ إبراهيم مارية القبطيّة، فوقفت حفصة على ذلك. فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تعلمي عائشة ذلك.
وحرّم مارية على نفسه. فأعلمت حفصة عائشة الخبر، واستكتمتها إيّاه. فأطلع الله نبيّه على ذلك، وهو قوله:( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً ) يعني: حفصة.
ولـمّا حرّم مارية القبطيّة أخبر حفصة أنّه يملك من بعده أبو بكر ثمّ عمر تسلية لها. فعرّفها بعض ما أفشت من الخبر، وأعرض عن بعض، وهو أنّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي.
وقريب من ذلك ما رواه العيّاشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكّي عن أبي جعفرعليهالسلام ، إلّا أنّه زاد في ذلك: أنّ كلّ واحدة منهما حدّثت أباها بذلك، فعاتبهما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمر مارية وما أفشتا عليه من ذلك، وأعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر. فنزلت :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ) يعني: العسل، أو ما ملكت يمينك، وهي مارية( تَبْتَغِي ) بهذا التحريم( مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ) تفسير لـ «تحرّم»، أو حال من فاعله، أو استئناف لبيان الداعي إلى التحريم. والمعنى: تطلب به رضا نسائك، وهو أحقّ أن تطلب مرضاته.
وليس هذا بزلّة منهصلىاللهعليهوآلهوسلم وارتكاب ذنب صغير، كما زعم جار الله(١) ، لأنّ تحريم الرجل أمته أو بعض ملاذّه بسبب أو غير سبب ليس بقبيح، ولا داخل في جملة الذنوب. ولا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجّع لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ بالغ في إرضاء أزواجه في تلك المشقّة. ولو أنّ رجلا أرضى بعض نسائه بتطليق بعضهنّ
__________________
(١) انظر الكشّاف ٤: ٥٦٤.
لجاز أن يقال له: لم فعلت ذلك وتحمّلت فيه المشقّة؟ وإن لم يفعل قبيحا. ولو قلنا: إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عوتب على ذلك، لأنّ ترك التحريم كان أفضل من فعله، لم يمتنع، لأنّه يحسن أن يقال لتارك النفل: لم لم تفعله؟ ولم عدلت عنه؟ ولأنّ تطييب قلوب النساء ممّا لا تنكره العقول.
واعلم أنّ العلماء اختلفوا فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام. فقال مالك: هو ثلاث تطليقات.
وقال أبو حنيفة: إن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى الإيلاء فهو إيلاء، وإن نوى الطلاق فهو طلاق. وإن نوى ثلاثا كان ثلاثا، وإن نوى اثنتين فواحدة بائنة.
وإن لم يكن له نيّة فهو يمين.
وقال الشافعي: إن نوى الطلاق كان طلاقا، أو الظهار كان ظهارا، وإن لم يكن له نيّة فهو يمين.
وروي عن ابن مسعود وابن عبّاس وعطاء: أنّه يمين.
وقال أصحابنا: إنّه لا يلزم به شيء، إذ وجوده كعدمه. وهو قول مسروق.
وإنّما أوجب الله فيه الكفّارة، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حلف أن لا يقرب جاريته ولا يشرب الشراب المذكور، فأوجب الله عليه أن يكفّر عن يمينه، ويعود إلى استباحة ما كان حرّمه. وبيّن أنّ التحريم لا يحصل إلّا بأمر الله ونهيه، ولا يصير الشيء حراما بتحريم منّا إلّا إذا حلفنا على تركه.
( وَاللهُ غَفُورٌ ) عن الذنب، فضلا عن ترك الندب، فكيف يؤاخذ به؟
( رَحِيمٌ ) إذا رجع عن الذنب، أو إلى ما هو الأولى.
( قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) قد شرع لكم تحليلها، وهو حلّ ما عقدته بالكفّارة. وفي هذا دلالة على أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد حلف، ولم يقتصر على قوله: هي عليّ حرام، لأنّ هذا القول ليس بيمين.
وعن مقاتل: أمر الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكفّر عن يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة وعاد إلى مارية.
وعن الحسن: أنّه لم يكفّر، وإنّما هو تعليم للمؤمنين.
وقيل: معناه: شرع الله لكم الاستثناء.
( وَاللهُ مَوْلاكُمْ ) متولّي أموركم( وَهُوَ الْعَلِيمُ ) بما يصلحكم، فيشرعه لكم( الْحَكِيمُ ) المتقن في أفعاله وأحكامه، فلا يأمركم ولا ينهاكم إلّا بما توجبه الحكمة. وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ ) يعني: حفصة( حَدِيثاً ) تحريم مارية أو العسل، أو أنّ أبا بكر وعمر يملكان( فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ) أي: فلمّا أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته إليها( وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ ) وأطلع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على الحديث ـ أي: على إفشائه ـ على لسان جبرئيل( عَرَّفَ بَعْضَهُ ) عرّف الرسول حفصة بعض ما فعلت( وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ) عن إعلام بعض تكرّما، وعملا بمكارم الأخلاق. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. وقال الحسن: ما استقصى كريم قطّ.
وقرأ الكسائي بالتخفيف، على معنى: جازى عليه. من قولك للمسيء: لأعرفنّ لك ذلك، وقد عرفت ما صنعت. ومنه:( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ) (١) . وهذا كثير في القرآن. وكان جزاؤه تطليقه إيّاها، فطلّقها ثم راجعها بأمر الله. لكنّ المشدّد من باب إطلاق المسبّب على السبب، والمخفّف بالعكس.
ويؤيّد الأوّل قوله:( فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ ) بجميع الأمور( الْخَبِيرُ ) بسرائر الصدور، فإنّه أوفق للإعلام.
__________________
(١) النساء: ٦٣.
( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ ) من التعاون على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالإيذاء والتظاهر عليه، فقد حقّ عليكما التوبة، ووجب عليكما الرجوع إلى الحقّ. والخطاب لحفصة وعائشة على الالتفات، للمبالغة في معاتبتهما. فقد روى البخاري في الصحيح عن ابن عبّاس قال: «قلت لعمر بن الخطّاب: من المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: هما عائشة وحفصة»(١) .
ويدلّ على حذف جزاء الشرط قوله:( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) مالت إلى الإثم، وزاغت عن مخالصة الرسول، وحبّ ما يحبّه، وكراهة ما يكرهه. من: صغت النجوم إذا مالت للغروب.
( وَإِنْ تَظاهَرا ) تتظاهرا( عَلَيْهِ ) أي: تتعاونا بما يسوءه، من إفشاء سرّه وغيره. وقرأ الكوفيّون بالتخفيف.
( فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ ) وليّه وناصره. وزيادة «هو» إيذان بأنّ نصرته عزيمة من عزائمه، وأنّه يتولى ذلك بذاته.
( وَجِبْرِيلُ ) قرن ذكر جبريل بذكره مفردا له من بين الملائكة، تعظيما له، وإظهارا لمكانته عنده، فإنّه رئيس الملائكة الكرّوبيّين( وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ومن صلح العمل من المؤمنين. يعني: كلّ من آمن وعمل صالحا أتباعه وأعوانه.
فـ «صالح» جنس، ولذلك عمّم بالإضافة، فأريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس. وكقولك: لا يفعله من صلح منهم. ويجوز أن يكون أصله: وصالحوا المؤمنين، فكتب بغير واو على اللفظ، لأنّ تلفّظ الواحد والجمع فيه واحد، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخطّ.
ووردت الرواية من طريق الخاصّ والعامّ أنّ المراد بصالح المؤمنين
__________________
(١) صحيح البخاري ٦: ١٩٦.
أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وهو قول مجاهد.
وفي كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «لقد عرّف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا أصحابه مرّتين. أمّا مرّة فحيث قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. وأمّا الثانية فحيث نزلت هذه الآية:( فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) أخذ رسول الله بيد عليّ فقال: أيّها الناس هذا صالح المؤمنين»(١) .
وقالت أسماء بنت عميس: سمعت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «وصالح المؤمنين عليّ بن أبي طالب».
( وَالْمَلائِكَةُ ) على تكاثر عددهم وامتلاء السماوات من جموعهم( بَعْدَ ذلِكَ ) بعد نصرة الله وناموسه وصالح المؤمنين( ظَهِيرٌ ) فوج مظاهر له، كأنّهم يد واحدة على من يعاديه. فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟
ومظاهرتهم من جملة نصرة الله. فكأنّه فضّل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه.
( عَسى رَبُّهُ ) أي: واجب منه، فإنّ «عسى» و «لعلّ» من الله واجب( إِنْ طَلَّقَكُنَ ) يا معاشر أزواج النبيّ( أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ ) على التغليب، أو تعميم الخطاب. وقرأ نافع وأبو عمرو: يبدله بالتخفيف. وليس فيه ما يدلّ على أنّه لم يطلّق حفصة. وأزواج النبيّ قبل عصيانهنّ كنّ أخيار النساء، فلمّا آذين رسول الله وعصينه لم يبقين على تلك الصفة، فكان غيرهنّ من المطيعات لرسول الله والنازلات عن هواهنّ ورضاهنّ خيرا منهنّ.
وقد عرّض بذلك في قوله:( مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ ) مقرّات مخلصات، أو منقادات مصدّقات( قانِتاتٍ ) مصلّيات، أو مواظبات على الطاعة، أو متذلّلات
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٣٥٢ ح ٩٩٦.
لأمر الله( تائِباتٍ ) عن الذنوب( عابِداتٍ ) متعبّدات، أو متذلّلات لأمر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ( سائِحاتٍ ) صائمات. سمّي الصائم سائحا، لأنّه يسيح بالنهار بلا زاد، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه. فشبّه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. أو مهاجرات.
( ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ) وسّط العاطف بينهما لتنافيهما، لا يجتمعن فيهما اجتماعهنّ في سائر الصفات، فلم يكن به بدّ من الواو. أو لأنّهما في حكم صفة واحدة، إذ المعنى: مشتملات على الثيّبات والأبكار.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) )
ولـمّا أدّب سبحانه نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمر عقيبه المؤمنين بتأديب نسائهم
وذرّيّتهم، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ ) احفظوها وامنعوها بترك المعاصي وفعل الطاعات( وَأَهْلِيكُمْ ) بالنصح والتأديب، والنهي عن القبائح، والحثّ على أفعال الخير، ليتّصفوا بما اتّصفتم به من التقوى. وفي الحديث: «رحم الله رجلا قال: يا أهلاه ؛ صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم، لعلّ الله يجمعهم معه في الجنّة».
( ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) نوعا من النار لا يتّقد إلّا بهما اتّقاد غيرها بالحطب. وعن ابن عبّاس: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرّا إذا أوقد عليها. وقيل: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله.
( عَلَيْها مَلائِكَةٌ ) تلي أمرها، وهم الزبانية( غِلاظٌ شِدادٌ ) الأفعال. أو غلاظ الخلق، شداد الخلق، عظام الأجرام، أقوياء على الأفعال الشديدة. وهم الزبانية التسعة عشر وأعوانهم.
( لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ ) فيما مضى. في محلّ النصب على البدل، أي: لا يعصون ما أمر الله، أي: أمره، كقوله:( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) (١) . أو لا يعصونه فيما أمرهم( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) فيما يستقبل. أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها، ويؤدّون ما يؤمرون به من غير توان وتثاقل. فالجملة الثانية غير الأولى.
واعلم أنّ فسّاق المؤمنين وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفّار، فإنّهم مساكنون الكفّار في قرار واحد، فقيل للّذين آمنوا: قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الّذين أعدّت لهم هذه النار الموصوفة.
ويجوز أن يأمرهم بالتوقّي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام.
وأن يكون خطابا للّذين آمنوا بألسنتهم، وهم المنافقون. ويعضد ذلك قوله على
__________________
(١) طه: ٩٣.
أثره:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار. والنهي عن الاعتذار لأنّه لا عذر لهم، أو لا ينفعهم الاعتذار.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ) بالغة في النصح. وهو الخلوص لوجه الله. يقال: عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ورجل ناصح الجيب، أي: نقيّ القلب. أو في النصاحة، وهي الخياطة، كأنّها تنصح ـ أي: ترفو ـ ما خرق الذنب وترمّ خلله. وصفت به التوبة على الإسناد المجازي مبالغة. وحقيقة: صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا على طريقها متداركة للفرطات، ماحية للسيّئات. وذلك أن يتوبوا على القبائح لقبحها، نادمين عليها، مغتمّين أشدّ الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنّهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطّنين أنفسهم على ذلك.
وعن عليّعليهالسلام : «أنّه سمع أعرابيّا يقول: أللّهمّ إنّي أستغفرك وأتوب إليك.
فقال: إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذّابين. قال: وما التوبة؟ قال: يجمعها ستّة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، وردّ المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربّيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي».
وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشرّ أن يتوب عن الذنب ثمّ يعود فيه.
وعن شهر بن حوشب: أن لا يعود ولو حزّ بالسيف وأحرق بالنار.
ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أي: تدعوهم إلى مثلها، لظهور اثرها في صاحبها، واستعماله الجدّ والعزيمة في العمل على مقتضياتها.
ويؤيّده ما روي عن السدّي أنّه قال: لا تصحّ التوبة إلّا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأنّ من صحّت توبته أحبّ أن يكون الناس مثله.
وقرأ أبو بكر بضمّ النون. وهو مصدر بمعنى النصح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور. أو بمعنى النصاحة، كالثبات والثبوت. تقديره: ذات نصوح. أو تنصح نصوحا. أو توبوا لنصح أنفسكم، على أنّه مفعول له.
قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: أن يتوب التائب ثمّ لا يرجع في ذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
وقال ابن مسعود: التوبة النصوح هي الّتي تكفّر كلّ سيّئة، وهو في القرآن. ثمّ قرأ هذه الآية.
وقيل: إنّ التوبة النصوح هي الّتي يناصح الإنسان فيها نفسه بإخلاص الندم، مع العزم على أن لا يعود إلى مثله.
وقيل: هي أن يكون الذنب نصب عينيه، ولا يزال كأنّه ينظر إليه.
( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) ذكر بصيغة الإطماع على عادة الملوك من الإجابة بـ «عسى» و «لعلّ»، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبتّ. وإشعارا بأنّ العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء.
ثمّ عرّض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحمد إلى المؤمنين على أنّه عصمهم من مثل حالهم، فقال :
( يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَ ) ظرف لـ «يدخلكم».( وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) عطف على النبيّ. وقيل: مبتدأ خبره( نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ) أي: على الصراط.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «يسعى أئمّة المؤمنين بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم، حتّى ينزلوهم منازلهم في الجنّة».
( يَقُولُونَ ) إشفاقا إذا طفئ نور المنافقين، على عادة البشريّة، وإن كانوا معتقدين الأمن( رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ) وقال الحسن: الله متمّمه لهم، ولكنّهم يدعون
تقرّبا إلى الله، كقوله:( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (١) ، وهو مغفور له. فلمّا كانت حالهم كحال المتقرّبين، حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة، سمّي تقرّبا.
وقيل: تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم، فيسألون إتمامه تفضّلا، كما قيل: إنّ السابقين إلى الجنّة يمرّون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا، فأولئك الّذين يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا.( وَاغْفِرْ لَنا ) واستر علينا معاصينا( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
ويؤيّد القول الأول قوله إثر ذلك:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ ) بالسيف( وَالْمُنافِقِينَ ) بالحجّة( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم إذا بلغ الرفق نهايته ولم يؤثّر( وَمَأْواهُمْ ) ومآل الكفّار والمنافقين( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) جهنّم، أو مأواهم.
( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) )
ثمّ مثّل اللهعزوجل حال الكفّار ـ في أنّهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر، لأنّ عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبتّ الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب، وإن كان المؤمن الّذي يتّصل به الكافر نبيّا من أنبياء الله ـ بحال امرأة لوط وامرأة نوح لـمّا نافقتا وخانتا الرسولين ،
__________________
(١) محمد: ١٩.
تعريضا لعائشة وحفصة إذ خانتا رسول الله وتظاهرتا عليه، فقال :
( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ) بيّنة( لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ ) يريد به تعظيم نوح ولوط( فَخانَتاهُما ) بالنفاق وتظاهرهما على الرسولين. فامرأة نوح قالت لقومه: إنّه مجنون مخبّط العقل.
وامرأة لوط دلّت على ضيفانه. ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور، لأنّه سمج في الطباع كلّها، نقيصة عند كلّ أحد، موجب لاستخفاف الزوج، وحطّ مرتبته ومنزلته عن قلوب العباد، بخلاف الكفر، فإنّ الكفّار لا يستسمجونه، بل يستحسنونه ويسمّونه حقّا. وعن ابن عبّاس: ما بغت امرأة نبيّ قطّ.
( فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً ) فلم يغن النبيّان عن امرأتيهما بحقّ الزواج إغناء مّا( وَقِيلَ ) لهما عند موتهما، أو يوم القيامة( ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) مع سائر الداخلين من الكفرة الّذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياءعليهمالسلام .
( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) )
ثمّ مثّل حال المؤمنين ـ في أنّ وصلة الكافرين لا تضرّهم، ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله ـ بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، فقال :
( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ) هي آسية بنت مزاحم. وقيل :
هي عمّة موسىعليهالسلام ، آمنت حين سمعت بتلقّف عصا موسى الإفك، فعذّبها فرعون.
وعن أبي هريرة: أنّ فرعون وتّد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها. وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة، فدعت الله فرقى بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.
( إِذْ قالَتْ ) ظرف للمثل المحذوف( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ ) قريبا من رحمتك كمال قرب. أو في أعلى درجات المقرّبين. فعبّرت عن كمال القرب إلى العرش بقولها: عندك( بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ) أي: في جنّات المأوى الّتي هي أقرب إلى العرش( وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ ) من نفسه الخبيثة( وَعَمَلِهِ ) وفعله السيء( وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) من القبط التابعين له في الظلم.
وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه، ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل، من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين.
وقوله:( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ ) عطف على( امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ) تسلية للأرامل، فإنّه جمع في التمثيل بين الّتي لها زوج والّتي لا زوج لها( الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها ) من الرجال( فَنَفَخْنا فِيهِ ) في فرجها( مِنْ رُوحِنا ) من روح خلقناه بلا توسّط أصل( وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ) بصحفه المنزلة، أو بما أوحي إلى أنبيائه( وَكُتُبِهِ ) وما كتب في اللوح. أو جنس الكتب المنزلة. ويدلّ عليه قراءة البصريّين وحفص: وكتبه بالجمع.
( وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ) من عداد المواظبين على الطاعة. والتذكير للتغليب، وللإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين، حتّى عدّت من جملتهم أو من نسلهم. فتكون «من» ابتدائيّة. والمعنى: أنّها ولدت من القانتين، لأنّها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله عليهما.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلّا أربع :
آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
ولا شبهة لأولي النهى أنّ في طيّ هذين التمثيلين تعريضا بحفصة وعائشة، وبما فرط منهما من التظاهر على رسول الله بما كرهه. وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدّه، لـما في التمثيل من ذكر الكفر. وإشارة إلى أنّ من حقّهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين. وأن لا تتّكلا على أنّهما زوجا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلّا مع كونهما مخلصتين. والتعريض بحفصة أرجح، لأنّ امرأة لوط أفشت عليه، كما أفشت حفصة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وأسرار التنزيل ورموزه في كلّ باب بالغة من اللطف والخفاء حدّا تدقّ عن تفطّن العالم، وتزلّ عن تبصّره.
(٦٧)
سورة الملك
وتسمّى الواقية والمنجية، لأنّها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر. مكّيّة.
وهي إحدى وثلاثون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة «تبارك» فكأنّما أحيا ليلة القدر».
وعن ابن عبّاس قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «وددت أنّ تبارك الملك في قلب كلّ مؤمن».
وعن أبي هريرة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ سورة من كتاب الله ما هي إلّا ثلاثون آية شفعت للرجل، فأخرجته يوم القيامة من النار، وأدخلته الجنّة، وهي سورة تبارك».
وعن ابن مسعود قال: إذا وضع الميّت في قبره يؤتى من قبل رجليه، فيقال له: ليس لكم عليه سبيل، لأنّه قد كان يقوم بسورة الملك. ثمّ يؤتى من قبل رأسه، فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، لأنّه كان يقرأ بي سورة الملك.
وروى الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح، عن سدير الصيرفي، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «سورة الملك هي المانعة، تمنع من عذاب القبر، وهي مكتوبة في التوراة، سورة الملك. ومن قرأها في ليلة فقد أكثر وأطاب، ولم يكتب من الغافلين. وإنّي لأركع بها بعد العشاء الآخرة وأنا جالس. وإنّ الّذي كان يقرؤها في
حياته في يومه وليلته، إذا دخل عليه في قبره ناكر ونكير من قبل رجليه، قالت رجلاه لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل، قد كان هذا العبد يقوم عليّ فيقرأ سورة الملك في كلّ يوم وليلة. فإذا أتياه من قبل جوفه قال لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل كان هذا العبد قد وعى سورة الملك. وإذا أتياه من قبل لسانه قال لهما: ليس لكما إلى ما قبلي سبيل، قد كان هذا العبد يقرأ في كلّ يوم وليلة سورة الملك».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ( تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) في المكتوبة قبل أن ينام لم يزل في أمان الله حتّى يصبح، وفي أمانه يوم القيامة حتّى يدخل الجنّة إن شاء الله».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) )
ولـمّا ختم سبحانه تلك السورة بأنّ الوصلة لا تنفع إلّا بالطاعة، وأصل الطاعة المعرفة والتصديق بالكلمات الإلهيّة، افتتح هذه السورة بدلائل المعرفة وآيات الربوبيّة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ ) تزايد وتعالى، وتعاظم عن صفات المخلوقين في صفاته وأفعاله. أو تكاثر خيره. من البركة، وهي كثرة الخير.( الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) بقبضة قدرته التصرّف في الأمور كلّها كيف يشاء. وذكر اليد مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء عليه.
( وَهُوَ عَلى كُلِ ) كلّ ما يشاء( قَدِيرٌ ) فيفعل كلّ ما تقتضيه حكمته ومصلحته.
( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ) قدّرهما. أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدّره.
والحياة ما يصحّ بوجوده الإحساس. وقيل: ما يوجب كون الشيء حيّا، وهو الّذي يصحّ منه أن يعلم ويقدر. والموت عدم ذلك فيه. ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحّح وإعدامه.
والمعنى: أنّه سبحانه أعطاكم الحياة الّتي تقدرون بها على العمل، وتستمكنون منه، وسلّط عليكم الموت الّذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، لأنّ وراءه البعث والجزاء الّذي لا بدّ منه. وقدّم الموت على الحياة لقوله:( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) (١) . ولأنّه أدعى إلى حسن العمل، فإنّ أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدّم، لأنّه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهمّ. ولأنّه إلى القهر أقرب.
( لِيَبْلُوَكُمْ ) ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف أيّها المكلّفون( أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) أصوبه وأخلصه، لأنّه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل. وكذلك إذا كان صوابا غير خالص. فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنّة.
وجاء مرفوعا أنّ أبا قتادة قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن قوله( أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) . قال: «أتمّكم عقلا، وأشدّكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به
__________________
(١) البقرة: ٢٨.
ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلّكم تطوّعا».
وعن ابن عمر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه تلا( تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) إلى قوله:( أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) . فقال: «يقول: أيّكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله».
وعن الحسن: أيّكم أزهد في الدنيا، وأترك لها.
والجملة واقعة موقع ثاني المفعولين لفعل البلوى المتضمّن معنى العلم. فكأنّه قيل: ليعلمكم أيّكم أحسن عملا. وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه، كما تقول: علمته هو أحسن عملا.
وليس هذا من باب التعليق، لأنّه إنّما يكون إذا وقع بعده ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعا، كقولك: علمت أيّهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنّه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين، بين أن يقع ما بعده مصدّرا بحرف الاستفهام وغير مصدّر به.
( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) الغالب الّذي لا يعجز من الانتقام ممّن أساء العمل( الْغَفُورُ ) لمن تاب منهم، أو لمن أراد التفضّل عليه بإسقاط العقاب عنه.
( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ) مطابقة بعضها فوق بعض. مصدر: طابقت النعل إذا خصفتها طبقا على طبق. وهذا وصف بالمصدر. أو طوبقت طباقا. أو ذات طباق. جمع طبق، كجبل وجبال. أو جمع طبقة، كرحبة ورحاب.
( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) أي: اختلاف وتناقض من طريق الحكمة، وهو عدم مناسبة بعض الأجزاء من بعض، وعدم تناسق بعضها إلى بعض في الإتقان والإحكام والانتظام، بل ترى أفعاله كلّها سواء في الحكمة.
وقرأ حمزة والكسائي: من تفوّت. ومعناهما واحد، كالتعاهد والتعهّد. وهو الاختلاف وعدم التناسب والملائمة. من الفوت، فإنّ كلّا من المتفاوتين فات عنه بعض ما في الآخر.
والجملة صفة ثانية لـ «سبع» وضع فيها «خلق الرحمن» موضع الضمير للتعظيم، والإشعار بأنّه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضّلا، وأنّ في إبداعها نعما جليلة لا تحصى. والخطاب فيها للرسول، أو لكلّ مخاطب.
وقوله:( فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) متعلّق بـ «ما ترى» على معنى التسبيب، أي: قد نظرت إليها مرارا فانظر إليها مرّة اخرى متأمّلا فيها، لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها. والفطور: الشقوق والصدوع، جمع فطر. والمراد الخلل، من: فطره إذا شقّه. ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شقّ.
( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) أي: رجعتين أخريين في ارتياد الخلل، لأنّ من نظر في الشيء كرّة بعد اخرى بان له ما لم يكن بائنا. والمراد بالتثنية التكرير والتكثير، كما في: لبّيك وسعديك. تريد إجابات كثيرة بعضها في أثر بعض. ولذلك أجاب الأمر بقوله:( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً ) بعيدا عن إصابة المطلوب ونيل المراد، كأنّه طرد عنه طردا بالصغار والتذلّل، كذلّة من طلب شيئا فلم يجده وأبعد عنه( وَهُوَ حَسِيرٌ ) كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة.
( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى
قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) )
( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا ) أقرب السماوات إلى الأرض( بِمَصابِيحَ ) بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السّرج فيه. والتنكير للتعظيم. ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سماوات فوقها، إذ التزيين بإظهارها فيها.
( وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ) وجعلنا لها فائدة اخرى، وهي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب الّتي تنفصل من نار الكواكب، لا أنّهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنّها قارّة في الفلك على حالها. وما ذاك إلّا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص.
وقيل: معناه: وجعلناها رجوما وظنونا لشياطين الإنس، وهم المنجّمون.
والرجوم جمع رجم بالفتح. وهو مصدر سمّي به ما يرجم به.
( وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ) في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا.
( وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) من الشياطين وغيرهم( عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) وصفه بـ «بئس» وهو من صفات الذمّ، والعقاب حسن، لـما في ذلك من الضرر الّذي يجب على كلّ عاقل أن يتّقيه غاية الجهد.
( إِذا أُلْقُوا ) طرحوا( فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً ) صوتا فظيعا كصوت الحمير، فيعظم بسماع ذلك عذابهم، لـما يرد على قلوبهم من هوله( وَهِيَ تَفُورُ ) تغلي بهم
غليان المرجل(١) بما فيه.
( تَكادُ تَمَيَّزُ ) تتفرّق( مِنَ الْغَيْظِ ) من شدّة غضبها عليهم. وهو تمثيل لشدّة اشتعالها بهم. ويجوز أن يراد غيظ الزبانية.( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ) جماعة من الكفرة( سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها ) أي: قال لهم الملائكة الموكّلون بالنار على وجه التوبيخ والتبكيت:( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ) يخوّفكم بهذا العذاب.
( قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا ) ولم نقبل منهم( وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) ممّا تدعوننا إليه وتحذّروننا منه( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) فكذّبنا الرسل، وأفرطنا في التكذيب حتّى نفينا الإنزال والإرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال. فالنذير إمّا بمعنى الجمع، لأنّه فعيل. أو مصدر مقدّر بمضاف، أي: أهل إنذار. أو منعوت به للمبالغة. أو الواحد، والخطاب له ولأمثاله على التغليب. أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكلّ. أو على أنّ المعنى: قالت الأفواج قد جاء إلى كلّ فوج منّا رسول من الله فكذّبناهم وضلّلناهم.
وقيل: الخطاب من كلام الزبانية للكفّار على إرادة القول. فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا، أو المراد عقابه الّذي يكونون فيه في الآخرة. فأرادوا بالضلال الهلاك، أو سمّوا عقاب الضلال باسمه.
( وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ) كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش، اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات( أَوْ نَعْقِلُ ) نتفكّر في حكمه ومعانيه تفكّر المستبصرين( ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ) في عدادهم وجملتهم.
( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ) حين لا ينفعهم. والاعتراف إقرار عن معرفة. والذنب لم يجمع، لأنّه في الأصل مصدر، أو المراد به الكفر.
( فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ) فأسحقهم الله سحقا، أي: أبعدهم من رحمته.
__________________
(١) المرجل: القدر.
وتغليب أصحاب السعير على الكائنين فيهم حيث لم يقل: فسحقا لهم ولأصحاب السعير، للإيجاز والمبالغة والتعليل، لأنّه يشعر بأنّ الدعاء عليهم لكونهم من أصحاب السعير. وقرأ الكسائي بضمّ الحاء.
ولـمّا بيّن الوعيد عقّبه بالوعد، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاينوه بعد. أو غائبين عنه، أو عن أعين الناس. أو بالمخفي منهم، وهو قلوبهم.( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) لذنوبهم( وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) تصغر دونه لذائذ الدنيا.
( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) )
روي: أنّ المشركين كانوا يتكلّمون فيما بينهم بأشياء، فيخبر الله به رسوله، فيقولون: أسرّوا قولكم لئلّا يسمعه إله محمّد، فنبّه الله على جهلهم بقوله :
( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ) ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإجهار والإسرار. ومعناه: ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما. ثمّ علّله بقوله:( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) بالضمائر قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلّم به؟! ثمّ أنكر أن لا يحيط علما بالمضمر والمسرّ والمجهر بقوله:( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) ألا يعلم السرّ والجهر من أوجد الأشياء كلّها حسبما قدّرته حكمته( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) المتوصّل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن. ويجوز أن يكون «من خلق» منصوبا بمعنى: ألا يعلم الله من خلقه وهو بهذه المثابة؟! والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون لـ «يعلم» مفعول ليفيد، لأنّك لو قلت: ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير، لم يكن معنى صحيحا، لأنّ «ألا يعلم» معتمد على
الحال، والشيء لا يوقّت بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن: ألا يعلم كذا وهو عالم بكلّ شيء.
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) )
ثمّ عدّد سبحانه أنواع نعمه ممتنّا على عباده بذلك، فقال:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً ) ليّنة يسهل لكم السلوك فيها( فَامْشُوا فِي مَناكِبِها ) في جوانبها.
وهو مثل لفرط التذليل، فإنّ منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلّل، فإذا جعل الأرض في الذلّ بحيث يمشى في مناكبها، لم يبق شيء لم يتذلّل.
وقيل: مناكبها جبالها. قال الزجّاج: معناه: سهّل لكم السلوك في جبالها، فإذا جعل الأرض في الذلّ بحيث يمشى في مناكبها، لم يبق شيء لم يتذلّل.
وقيل: مناكبها جبالها. قال الزجّاج: معناه: سهّل لكم السلوك في جبالها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها، فهو أبلغ التذليل.
( وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) ممّا أنبت الله في الأرض والجبال من الزروع والأشجار حلالا، والتمسوا من نعم الله تعالى فيها( وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) المرجع، فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم.
( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) )
ثمّ هدّد سبحانه الكفّار، زاجرا لهم عن ارتكاب معصيته والجحود لربوبيّته، فقال :
( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ ) من ملكوته في السماء، لأنّها مسكن ملائكته، وثمّ عرشه وكرسيّه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. أو الملك الموكّل بعذاب العصاة. أو على زعم العرب، فإنّهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنّه في السماء، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: ء أمنتم من تزعمون أنّه في السماء وهو متعال عن المكان؟! وعن ابن كثير برواية قنبل: وأمنتم، بقلب الهمزة الأولى واوا، لانضمام ما قبلها. وآمنتم، بقلب الثانية ألفا. وهو قراءة نافع برواية ورش وأبي عمرو ورويس.
( أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ) فيغيّبكم فيها إذا عصيتموه، كما فعل بقارون. وهو بدل من بدل الاشتمال.( فَإِذا هِيَ تَمُورُ ) تضطرب. والمور التردّد في المجيء والذهاب. وذلك بأن يحرّك الأرض عند الخسف بهم، حتّى تضطرب فوقهم وهم يخسفون فيها، حتّى تلقيهم إلى أسفل.
( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ) أي: ريحا ذات حجر، كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء. أو سحابا يمطر عليكم الحصباء.
( فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) أي: إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري، وحينئذ لا ينفعكم العلم.
ثمّ سلّى رسوله، وهدّد قومه بقوله:( وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) إنكاري عليهم بإنزال العذاب واستئصالهم.
( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ
الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) )
ثمّ نبّه سبحانه على قدرته على الخسف وإرسال الحجارة، فقال :
( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ) باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها، فإنّهنّ إذا بسطنها صففن قوادمها( وَيَقْبِضْنَ ) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهنّ وقتا بعد وقت، للاستظهار به على التحرّك. ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل، للتفرقة بين الأصل في الطيران، وهو صفّ الأجنحة ـ لأنّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها ـ وبين القبض الّذي هو طارىء على البسط للاستعانة به على التحرّك، كما يكون من السابح.
( ما يُمْسِكُهُنَ ) في الجوّ على خلاف الطبع( إِلَّا الرَّحْمنُ ) الشامل رحمته كلّ شيء، بأن خلقهنّ على أشكال وخصائص يتأتّى منها الجري في الهواء( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبّر العجائب.
( أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ) وهذا عديل لقوله :
( أَوَلَمْ يَرَوْا ) على معنى: أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنائع، فلم تعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب؟ أم لكم هذا الّذي هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه؟ ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع الأوثان، لاعتقادهم أنّهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنّهم الجند الناصر
والرازق. ونحوه قوله:( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا ) (١) . إلّا أنّه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم، إشعارا بأنّهم اعتقدوا هذا القسم.
و «من» مبتدأ، و «هذا» خبره، و «الّذي» بصلته صفته. و «ينصركم» وصف لـ «جند» محمول على لفظه.
( إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ) لا معتمد لهم.
( أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ) أم من يشار إليه ويقال: «هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ »( إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ) بإمساك المطر وسائر الأسباب المحصّلة للرزق( بَلْ لَجُّوا ) تمادوا( فِي عُتُوٍّ ) عناد( وَنُفُورٍ ) شراد عن الحقّ، لتنفّر طباعهم عنه.
( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى ) يقال: كببته فأكبّ. وهو من الغرائب والشواذّ. ونحوه: قشع الله السحاب فأقشع. والتحقيق أنّهما من باب: أنفض(٢) ، بمعنى: صار ذا كبّ وذا قشع. وليسا مطاوعي: كبّ، بل المطاوع لهما: انكبّ وانقشع. ومعنى «مكبّا»: منكّسا رأسه إلى الأرض، فهو لا يبصر الطريق، ولا من يستقبله، ولا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فيعثر كلّ ساعة، ويخرّ على وجهه، لو عورة طريقه، واختلاف أجزائه انخفاضا وارتفاعا. فحاله نقيض حال من يمشي سويّا، ولذلك قابله بقوله:( أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا ) مستويا قائما، يبصر الطريق وجميع جهاته، فيضع قدمه سالما من العثار والخرور( عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) مستوي الأجزاء والجهة.
وقيل: يراد الأعمى الّذي لا يهتدي إلى الطريق فيعتسف(٣) ، فلا يزال ينكبّ على وجهه، وأنّه ليس كالرجل السويّ الصحيح البصر، الماشي في الطريق ،
__________________
(١) الأنبياء: ٤٣.
(٢) أنفض القوم: فني زادهم، وهلكت أموالهم.
(٣) اعتسف الطريق: ركبه على غير هداية. واعتسف عن الطريق: مال عنه وعدل.
المهتدي له. والمراد تمثيل المشرك والموحّد بالسالكين، والدينين بالمسلكين.
ولعلّ الاكتفاء بما في الكبّ من الدلالة على حال المسلك بدون ذكر الطريق، للإشعار بأنّ ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمّى طريقا، كمشي المتعسّف في مكان متعاد(١) غير مستو.
وقيل:( فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا ) هو الّذي يحشر على وجهه إلى النار، و( أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا ) الّذي يحشر على قدميه إلى الجنّة.
وعن قتادة: الكافر أكبّ على المعاصي، فحشره الله يوم القيامة على وجهه.
وعن الكلبي: عني به أبو جهل بن هشام، وبالسويّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: حمزة بن عبد المطّلب.
( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) )
( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ ) بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ) لتسمعوا المواعظ( وَالْأَبْصارَ ) لتنظروا صنائعه( وَالْأَفْئِدَةَ ) لتتفكّروا وتعتبروا( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) أي: تشكرون شكرا قليلا. أو في زمان قليل
__________________
(١) تعادى المكان: تفاوت ولم يستو.
تشكرون، باستعمالها فيما خلقت لأجلها. أو قليلا شكركم. فتكون «ما» مصدريّة.
( قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ ) خلقكم( فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) منها للجزاء.
( وَيَقُولُونَ ) خاطبين للنبيّ والمؤمنين( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) أي: الحشر، أو ما وعدوا من الخسف والحاصب( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في ذلك الوعد.
( قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ ) أي: علم وقته( عِنْدَ اللهِ ) لا يطّلع عليه غيره( وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) والإنذار يكفي فيه العلم ـ بل الظنّ ـ بوقوع المحذّر منه.
ثمّ ذكر سبحانه حالهم عند نزول العذاب ومعاينته فقال:( فَلَمَّا رَأَوْهُ ) أي: الوعد، فإنّه بمعنى الموعود( زُلْفَةً ) ذا زلفة، أي: قريبا منهم( سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ساءت الرؤية وجوههم، بأن علتها الكآبة، وغشيها الكسوف والقترة(١) والاسوداد، كما يكون وجه من يقاد إلى القتل، أو يعرض على بعض العذاب( وَقِيلَ ) قيل: القائلون هم الزبانية( هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ) تطلبون وتستعجلون به. تفتعلون من الدعاء. أو تدّعون أن لا بعث. فهو من الدعوى.
وعن بعض الزهّاد: أنّه تلاها في أول الليل في صلاته، فبقي يكرّرها وهو يبكي إلى أن نودي لصلاة الفجر.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) )
__________________
(١) القترة: الغبرة، أي: لون الغبار.
روي: أنّ كفّار مكّة كانوا يدعون على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى المؤمنين بالهلاك، فقال الله سبحانه:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ ) أماتني( وَمَنْ مَعِيَ ) من المؤمنين( أَوْ رَحِمَنا ) بتأخير آجالنا( فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) أي: لا ينجيهم أحد من العذاب. قيل: وهو جواب لقولهم:( نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) (١) .
وتنقيح المعنى: أنّ الله سبحانه أمر رسوله بأن يقول للكافرين: نحن مؤمنون متربّصون لإحدى الحسنيين: إمّا أن نهلك كما تتمنّون، فننقلب إلى الجنّة، أو نرحم بالنصرة والإدالة(٢) للإسلام كما نرجو، فمن يجيركم وأنتم كافرون من عذاب النار؟
يعني: أنتم تطلبون لنا الهلاك الّذي هو استعجال للفوز والسعادة، وأنتم في أمر هو الهلاك الّذي لا هلاك بعده، وأنتم غافلون لا تطلبون الخلاص منه.
أو المعنى: إن أهلكنا الله بالموت فمن يجيركم بعد موت هداتكم من النار؟ وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم وقتلكم فمن يجيركم؟ فإنّ المقتول على أيدينا هالك. أو إن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون، فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم؟ وإن رحمنا بالإيمان فمن يجير من لا إيمان له؟
( قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ ) الّذي أدعوكم إليه مولي النعم كلّها( آمَنَّا بِهِ ) للعلم بذلك( وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ) للوثوق عليه، والعلم بأنّ غيره بالذات لا يضرّ ولا ينفع.
وتأخير صلة «آمنّا» وتقديم صلة «توكّلنا» لأجل أنّ وقوع «آمنّا» تعريض بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم، كأنّه قيل: آمنّا ولم نكفر كما كفرتم. ثم قال: وعليه توكّلنا خصوصا، لم نتّكل على ما أنتم متّكلون عليه من رجالكم وأموالكم.
__________________
(١) الطور: ٣٠.
(٢) الإدالة: الغلبة.
( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) منّا ومنكم. وقرأ الكسائي بالياء.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ) غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء.
مصدر وصف به.( فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ) جار، أو ظاهر سهل المأخذ. قيل: إنّها تليت عند محمد بن زكريّا المتطبّب فقال: تجيء به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينيه. نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته.
(٦٨)
سورة القلم
مكّيّة وهي اثنتان وخمسون آية.
أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومن قرأ سورة( ن وَالْقَلَمِ ) أعطاه الله ثواب الّذين حسن أخلاقهم».
عليّ بن ميمون عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة «ن والقلم» في فريضة أو نافلة آمنه اللهعزوجل من أن يصيبه في حياته فقر أبدا، وأعاذه إذا مات من ضمّة القبر إن شاء الله تعالى».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الملك بذكر تكذيب الكفّار ووعيدهم، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ن ) من أسماء الحروف. ويؤيّده سكونه وكتبته
بصورة الحرف. أو من أسماء السورة، مثل «حم» و «ص» وما أشبه ذلك. وقد ذكرنا ذلك مع غيره من الأقوال في مفتتح سورة البقرة.
وقيل: اسم الحوت. والمراد به الجنس، أو البهموت، وهو الحوت الّذي عليه الأرضون.
وعن الحسن: هو الدواة، فإنّ بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشدّ سوادا من المداد يكتب به.
وعن ابن عبّاس ومجاهد ومقاتل والسدّي مرفوعا إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «هو لوح من نور».
وفي رواية عن ابن عبّاس: هو حرف من حروف الرحمن.
وعن أبي جعفرعليهالسلام : «هو نهر في الجنّة قال الله له: كن مدادا فجمد، وكان أبيض من اللبن وأحلى من الشهد. ثمّ قال للقلم: اكتب، فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة».
ويؤيّده قوله عقيب ذلك :
( وَالْقَلَمِ ) هو الّذي خطّ به اللوح، أو الّذي يخطّ به في الدنيا. أقسم به لكثرة فوائده الّتي لا يحيط بها الوصف، إذ هو أحد لساني الإنسان، يؤدّي عنه ما في جنانه، ويبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه، وبه تحفظ أحكام الدين، وبه تستقيم أمور العالمين.
وقد قيل: إنّ البيان بيانان: بيان اللسان، وبيان البنان. وبيان اللسان تدرسه(١) الأعوام، وبيان الأقلام باق على مرّ الأيّام.
وقيل: إنّ قوام أمور الدين والدنيا بشيئين: القلم والسيف، والسيف تحت القلم.
__________________
(١) أي: يمحوه مرور الأعوام.
وأخفى ابن عامر والكسائي ويعقوب النون إجراء للواو المنفصل مجرى المتّصل، فإنّ النون الساكنة تخفى مع حروف الفم إذا اتّصلت بها، وقد روي ذلك عن نافع وعاصم.
( وَما يَسْطُرُونَ ) وما يكتبون. والضمير للقلم بالمعنى الأوّل على التعظيم، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس. وإسناد الفعل إلى الآلة، وإجراؤه مجرى أولي العلم، لإقامته مقامهم. أو لأصحابه المقدّر، و «ما» موصولة أو مصدريّة، كأنّه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم، أو وسطرهم. أو للملائكة الحفظة، أي: وما تكتبه الملائكة ممّا يوحى إليهم، وما يكتبونه من أعمال بني آدم.
وجواب القسم قوله:( ما أَنْتَ ) مبتدأ( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) حال، والعامل فيها معنى النفي( بِمَجْنُونٍ ) خبر المبتدأ. وحقيقة المعنى: انتفى عنك الجنون منعّما عليك بالنبوّة وحصافة(١) الرأي. ونظير ذلك: ما أنت بمجنون بحمد الله.
وقيل: عامل الحال «مجنون»، والباء لا تمنع عمله فيما قبله، لأنّها مزيدة.
وفيه نظر من حيث المعنى، لأنّه يقيّد نفي الجنون، والمقصود نفيه مطلقا.
والمراد استبعاد ما كان ينسبه إليه كفّار مكّة من الجنون عداوة وحسدا، وأنّه من إنعام الله عليه بحصافة العقل والشهامة الّتي يقتضيها التأهيل للنبوّة بمعزل عنه.
( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً ) على احتمال أعباء رسالتك وغصص تبليغك( غَيْرَ مَمْنُونٍ ) مقطوع، كقوله:( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) (٢) . أو غير ممنون به عليك، لأنّه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضّل ابتداء، وإنّما تمنّ الفواضل لا الأجور على الأعمال. وقال ابن عبّاس: ليس من نبيّ إلّا وله مثل أجر من آمن به ودخل في دينه.
__________________
(١) حصف حصافة: كان جيّد الرأي محكم العقل.
(٢) هود: ١٠٨.
( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) إذ تتحمّل من قومك ما لا يتحمّل أمثالك. وقيل: هو الخلق الّذي أمره الله به في قوله:( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (١) .
وعن عائشة: أنّ سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) (٢) . وقريب منه: أنّ معناه: إنّك متخلّق بأخلاق الإسلام، ومتأدّب بآدابه.
وقيل: سمّي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه. ويعضده ما روي عنه أنّه قال: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق».
وقال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي».
وقالعليهالسلام : «إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار».
وعن أبي الدرداء قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن».
وعن الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «عليكم بحسن الخلق، فإنّ حسن الخلق في الجنّة لا محالة. وإيّاكم وسوء الخلق، فإنّ سوء الخلق في النار لا محالة».
( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أيّكم الّذي فتن بالجنون. والباء مزيدة. أو بأيّكم الجنون، على أنّ المفتون مصدر، كالمعقول والمجلود. أو بأيّ الفريقين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين؟ أم بفريق الكافرين؟ أي: في أيّهما يوجد من يستحقّ هذا الاسم. وهذا تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما. وهذا كقوله:( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) (٣) .
__________________
(١) الأعراف: ١٩٩.
(٢) المؤمنون: ١
(٣) القمر: ٦.
( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) وهم المجانين على الحقيقة. وهم الذين ضلّوا عن سبيله.( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) الفائزين بكمال العقل، العاملين بموجبه. فيجازي كلّا بما يستحقّه ويستوجبه.
روي عن السيّد أبي الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائنيرحمهالله ، قال: حدّثنا أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، قال: حدّثنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: حدّثنا أبو بكر الجرجرائي، قال: حدّثنا أبو أحمد البصري، قال: حدّثني عمرو بن محمد بن تركي، قال: حدّثنا محمد بن الفضل، قال: حدّثنا محمد بن شعيب، عن عمرو بن شمر، عن دلهم بن صالح، عن الضحّاك بن مزاحم، قال: لـمّا رأت قريش تقديم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاعليهالسلام وإعظامه له نالوا من عليّ وقالوا: قد افتتن به محمد.
فأنزل الله تعالى:( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) .
قسم أقسم الله به.( ما أَنْتَ ) يا محمد( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) يعني: القرآن. إلى قوله:( بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) وهم النفر الّذين قالوا ما قالوا.( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) عليّ بن أبي طالبعليهالسلام »(١) .
( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) )
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٣٥٩ ح ١٠٠٦.
ثمّ قال سبحانه لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم تهييجا للتصميم على معاصاتهم:( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) بتوحيد الله وبنبوّتك( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ ) لو تلين وتصانع، بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانا( فَيُدْهِنُونَ ) خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يدهنون، كقوله تعالى:( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً ) (١) . ولهذا رفع ولم ينصب بإضمار «أن» ليكون جواب التمنّي.
والمعنى: فهم يلاينونك بترك الطعن والموافقة. كما روي أنّهم كانوا أرادوه على أن يعبد الله مدّة وآلهتهم مدّة، ويكفّوا عنه غوائلهم.
والفاء للعطف، أي: ودّوا التداهن وتمنّوه، لكنّهم أخّروا ادّهانهم حتّى تدهن.
أو للسببيّة، أي: ودّوا لو تدهن، فهم يدهنون حينئذ. أو ودّوا ادّهانك، فهم الآن يدهنون طمعا في ادّهانك.
( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ ) كثير الحلف في الحقّ والباطل. وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف. ومثله قوله تعالى:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) (٢) .( مَهِينٍ ) حقير الرأي. من المهانة، وهي القلّة والحقارة. يريد القلّة في الرأي والتمييز. وعن ابن عبّاس: أي: كذّاب، لأنّ الكذّاب حقير عند الناس.
( هَمَّازٍ ) عيّاب، طعّان. وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.
( مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ) نقّال للحديث على وجه السعاية.
( مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ) يمنع الناس عن الخير، من الإيمان والإنفاق والعمل الصالح( مُعْتَدٍ ) متجاوز في الظلم( أَثِيمٍ ) كثير الآثام.
( عُتُلٍ ) جاف، غليظ، شديد الخصومة بالباطل. من: عتله إذا قاده بعنف وغلظة.
__________________
(١) الجنّ: ١٣.
(٢) البقرة: ٢٢٤.
( بَعْدَ ذلِكَ ) بعد ما عدّ من المعائب والنقائص( زَنِيمٍ ) دعيّ ملصق إلى قوم ليس منهم في النسب، أي: مولود على الزنا. من زنمتي الشاة، وهما المتدلّيتان من أذنها وحلقها، لأنّهما زائدتان. قال حسّان :
وأنت زنيم نيط في آل هاشم |
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد(١) |
فلمّا كان الدعيّ زائدا في القوم ليس منهم فهو معلّق بغيرهم.
وقيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسرا، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته(٢) : من أسلم منكم منعته رفدي. وكان دعيّا في قريش ليس من سنخهم، ادّعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده. وقيل: بغت أمّه، ولم يعرف حتّى نزلت هذه الآية.
واعلم أنّ الله سبحانه جعل جفاءه ودعوته أشدّ معايبه، لأنّه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه، واجترأ على كلّ معصية. والنطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها، ومن ثمّ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يدخل الجنّة ولد الزنا، ولا ولده، ولا ولد ولده».
وقيل: نزلت في الأخنس بن شريق، أصله من ثقيف، وعداده في زهرة.
( أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي: كذّب بآياتنا حينئذ، ونسبها إلى أحاديث الأوائل الّتي سطرت وكتبت لا أصل لها، لأنّه كان متموّلا مستظهرا بالمال والبنين من فرط غروره. والعامل في «أن كان» مدلول «قال» الّذي هو جواب «إذا»، وهو ما دلّت عليه الجملة من معنى التكذيب، لا نفسه، لأنّ ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله. ويجوز أن يكون علّة لـ «لا تطع» أي: لا
__________________
(١) لحسّان بن ثابت يخاطب الوليد بن المغيرة بأنّه زنيم، أي: معلّق في آل هاشم كزنمتي الشاة. فشبّهه بالزنمة وبالقدح المنفرد المعلّق خلف الراكب. انظر ديوان حسّان (طبعة دار صادر): ٨٩.
(٢) اللحمة: القرابة.
تطع من هذه معايبه، لأن كان ذا مال وبنين، أي: ليساره وحظّه من الدنيا.
وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وأبو بكر: أأن كان، على الاستفهام، غير أنّ ابن عامر برواية هشام جعل الهمزة الثانية بين بين، أي: ألأن كان ذا مال كذّب، أو أتطيعه لأن كان ذا مال.
( سَنَسِمُهُ ) سنعلمه بالكيّ( عَلَى الْخُرْطُومِ ) على الأنف. وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره.
وقيل: هو عبارة عن أن يذلّه غاية الإذلال، كقولهم: جدع أنفه ورغم أنفه، فإنّ الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لتقدّمه له، ولذلك جعلوه مكان العزّ والحميّة، واشتقّوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف. فعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأنّ السمة على الوجه شين وإذلال، فكيف بها على أكرم موضع منه. وفي إيثار الخرطوم على الأنف استخفاف به واستهانة.
وقيل: معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوّهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عداوة بان بها عنهم.
وقيل: إنّ الخرطوم الخمر، سمّيت به لأنّها تطير في الخياشيم. فالمعنى: سنحدّه على شربها. وهو تعسّف.
( إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا
الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) )
( إِنَّا بَلَوْناهُمْ ) بلونا أهل مكّة بالقحط والجوع بدعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ ) يريد بستانا كان دون صنعاء بفرسخين، وكان لرجل صالح، وكان ينادي الفقراء وقت الصرام(١) ، ويترك لهم ما أخطأه المنجل، وألقته الريح، وما بقي على البساط الّذي يبسط تحت النخلة، فيجتمع لهم شيء كثير. فلمّا مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر، فحلفوا: ليصر منّها وقت الصباح خفية عن المساكين، كما قال :
( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ) ليقطعنّها داخلين في الصباح مبكّرين( وَلا يَسْتَثْنُونَ ) ولا يقولون: إن شاء الله. وإنّما سمّاه استثناء، وإنّما هو شرط، لأنّه يؤدّي مؤدّى الاستثناء، من حيث إنّ معنى قولك: لأخرجنّ إن شاء الله، ولا أخرج إلّا أن يشاء الله، واحد. ولما فيه من الإخراج، غير أنّ المخرج به خلاف المذكور ،
__________________
(١) أي: القطع.
والمخرج بالاستثناء عينه.
( فَطافَ عَلَيْها ) على الجنّة( طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ) مبتدأ منه( وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) كالبستان الّذي صرم ثماره، أي: المقطوع بحيث لم يبق فيه شيء. فعيل بمعنى مفعول.
وقيل: الصريم اسم الليل والنهار. سمّيا به لأنّ كلّا منهما ينصرم عن صاحبه.
فالمعنى: كالليل باحتراقها واسودادها، أي: احترقت فاسودّت. أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس، أي: يبست وذهبت خضرتها، ولم يبق منها شيء. من قولهم: بيّض الإناء إذا فرّغه. وقيل: الصريم الرمال. سمّيت به لانقطاعها.
( فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ) أي: نادى بعضهم بعضا حال كونهم داخلين في الصباح( أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ ) أي: اخرجوا، أو بأن اخرجوا إليه غدوة. وتعدية الفعل بـ «على» إمّا لتضمّنه معنى الإقبال، كقولهم: يغدى عليه بالجفنة ويراح، أي: فأقبلوا على حرثكم باكرين. أو لتشبيه الغدوّ للصرام بغدوّ العدوّ المتضمّن لمعنى الاستيلاء، كما يقال: غدا عليهم العدوّ.( إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ) قاطعين له.
( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ) يتشاورون فيما بينهم. وخفت وخفي وخفد بمعنى الكتم. ومنه: الخفدود للخفّاش.( أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ) «أن» مفسّرة. والمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول، أي: لا تمكّنوه من الدخول حتّى يدخل، كقولك: لا أرينّك هاهنا.
( وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ) وخرجوا غدوة قادرين على نكد ـ أي: على منع الخير ـ لا غير، عاجزين عن النفع. من: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطر. وحاردت الإبل، إذا منعت درّها.
والمعنى: أنّهم عزموا أن يتنكّدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلّا على النكد والحرمان.
وذلك أنّهم طلبوا حرمان المساكين، فتعجّلوا الحرمان والمسكنة. أو وغدوا على محاردة جنّتهم وذهاب خيرها قادرين على إصابة خيرها ومنافعها، أي: غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع. أو لـمّا قالوا: اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيّتهم عاقبهم الله تعالى، بأن حاردت جنّتهم وحرموا خيرها، فلم يغدوا على حرث، وإنّما غدوا على حرد.
و «قادرين» على عكس الكلام للتهكّم، أي: قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين. وعلى هذا «على حرد» ليس بصلة «قادرين».
وقيل: الحرد بمعنى الحرد، أي: لم يقدروا إلّا على حنق وغضب بعضهم على بعض، كقوله:( يَتَلاوَمُونَ ) (١) .
وقيل: الحرد القصر والسرعة. يقال: حردت حردك. قال :
أقبل سيل جاء من أمر الله |
يحرد حرد الجنّة المغلّة(٢) |
يعني: وغدوا قاصدين إلى جنّتهم بسرعة ونشاط، قادرين عند أنفسهم، يقولون: نحن نقدر على صرامها وزيّ(٣) منفعتها عن المساكين.
وقيل: حرد علم للجنّة، أي: غدوا على تلك الجنّة قادرين على صرامها عند أنفسهم، أو مقدّرين أن يتمّ لهم مرادهم. من الصرام والحرمان. كلّ ذلك نقلت عن الكشّاف(٤) .
( فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا ) في بديهة وصولهم( إِنَّا لَضَالُّونَ ) طريق جنّتنا، وما هي بها( بَلْ نَحْنُ ) أي: بعد ما تأمّلوا وعرفوا أنّها هي( مَحْرُومُونَ ) حرمنا
__________________
(١) القلم: ٣٠.
(٢) يصف الشاعر سيلا بالكثرة. يقول: جاء سيل من عند الله، يسرع إسراع الجنّة المغلّة، أي: كثيرة الغلّة والخير. وإسراع الجنّة ـ أي: البستان ـ: ظهور خيرها في زمن يسير.
(٣) زوى يزوي زيّا الشيء: منعه.
(٤) الكشّاف ٤: ٥٩٠ ـ ٥٩١.
خيرها، لجنايتنا على أنفسنا.
( قالَ أَوْسَطُهُمْ ) أعدلهم رأيا وخيرهم. من قولهم: هو من سطة خيار قومه، وأعطني من سطات مالك. ومنه. قوله تعالى:( أُمَّةً وَسَطاً ) (١) . وقيل: أوسطهم سنّا.( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيّتكم.
وقد روي: أنّه قال أوسطهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إلى حسم شرّها قبل حلول النقمة. فعصوه، فعيّرهم. والدليل عليه قوله:( قالُوا ) اعترافا بظلمهم في منع المعروف( سُبْحانَ رَبِّنا ) نزّهناه عن الظلم، فلم يفعل بنا ما فعله ظلما( إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) فتكلّموا بما كان يدعوهم إلى التكلّم به على أثر مقارفة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة.
وقيل: المراد بالتسبيح الاستثناء، لتشاركهما في معنى التعظيم لله، لأنّ الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه له، وكلّ واحد من التفويض والتنزيه تعظيم.
وعن الحسن: هو الصلاة. كأنّهم كانوا يتوانون في الصلاة، وإلّا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر، ولكانت لهم لطفا في أن يستثنوا ولا يحرموا.
( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ) يلوم بعضهم بعضا، فإنّ منهم من أشار بذلك، ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكت راضيا، ومنهم من أنكره.
( قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ) متجاوزين حدود الله. والويل: المكروه الشديد الشاقّ على النفس.
فتابوا وندموا ورجعوا إلى الله، ثمّ قالوا:( عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها ) لعلّ الله يخلّف علينا، ويولينا خيرا من الجنّة الّتي هلكت ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة. وقد روي: أنّهم لـمّا تابوا ابدلوا خيرا منها. وعن ابن مسعود: بلغني أنّهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق، فأبدلهم بها جنّة يقال لها: الحيوان، فيها عنب
__________________
(١) البقرة: ١٤٣.
يحمل البغل منه عنقودا.
( إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ) راجون العفو، طالبون منه الخير. و «إلى» لانتهاء الرغبة، أو لتضمّنها معنى الرجوع.
( كَذلِكَ الْعَذابُ ) مثل ذلك العذاب الّذي بلونا به أهل مكّة وأصحاب الجنّة العذاب في الدنيا( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ) أشدّ وأعظم منه( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) لاحترزوا عمّا يؤدّيهم إلى العذاب.
( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) )
ولـمّا ذكر سبحانه ما أعدّه في الآخرة للكافرين، عقّبه بذكر ما وعده للمتّقين، فقال :
( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي: في الآخرة، أو في جوار القدس( جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) جنّات ليس فيها إلّا التنعّم الخالص.
روي: أنّ المجرمين كانوا يقولون: إن صحّ أنّا نبعث كما يزعم محمّد ومن معه لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا. فأنكر الله تعالى ذلك عليهم بقوله:( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) أي: لا نجعل المسلمين كالمشركين في الجزاء والثواب.
( ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) التفات فيه تعجّب من حكمهم، وتهجين وتوبيخ لهم، واستبعاد له، وإشعار بأنّ هذا من اختلال فكرهم واعوجاج رأيهم. ومعناه: أيّ شيء يحملكم على تفضيل الكفّار حتّى صار سببا لإصراركم على الكفر؟ ولا يحسن في الحكمة التسوية بين الأولياء والأعداء في دار الجزاء، فضلا عن تفضيل الأعداء على الأولياء.
( أَمْ لَكُمْ كِتابٌ ) من السماء( فِيهِ تَدْرُسُونَ ) تقرءون.( إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ) إنّ لكم ما تختارونه وتشتهونه. يقال: تخيّر الشيء واختاره، أخذ خيره.
ونحوه: تنخّله وانتخله(١) إذا أخذ من خوله. وأصل الكلام: تدرسون أنّ لكم ما تتخيّرون، بفتح «أنّ» لأنّه المدروس، فلمّا جيء باللام كسرت. ويجوز أن يكون حكاية للمدروس، كقوله:( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى نُوحٍ ) (٢) أو استئنافا.
( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا ) عهود مؤكّدة بالأيمان( بالِغَةٌ ) متناهية في التوكيد.
__________________
(١) تنخّل وانتخل الشيء: صفّاه واختاره وأخذ أفضله.
(٢) الصافّات: ٧٨ ـ ٧٩.
يقال: لفلان عليّ يمين بكذا، إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به. يعني: أم ضمنّا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلّظة متناهية في التوكيد.
( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) متعلّق بالمقدّر في «لكم» أي: ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة، لا نخرج عن عهدتها حتّى نحكّمكم في ذلك اليوم وأعطيناكم ما تحكمون.
أو بـ «بالغة» أي: أيمان تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه، وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم.
فقوله:( إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ) جواب القسم، لأنّ معنى( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا ) : أم أقسمنا لكم.
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلزاما للكفرة بما قالوه :
( سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ ) الحكم( زَعِيمٌ ) أي: قائم به وبالاحتجاج لصحّته، كما يقوم الزعيم المتكلّم عن القوم المتكفّل بأمورهم.
( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ ) ناس يشاركونهم في هذا القول، ويوافقونهم عليه، ويذهبون مذهبهم فيه( فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ) في دعواهم. يعني: أن أحدا لا يسلّم لهم هذا، ولا يساعدهم عليه، كما أنّه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به.
وقد نبّه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبّثوا به من عقل أو نقل يدلّ عليه، لاستحقاق أو وعد أو محض تقليد على الترتيب، تنبيها على مراتب النظر، وتزييفا لـما لا سند له.
وقيل: المعنى: أم لهم شركاء ـ يعني: الأصنام ـ يجعلونهم مثل المؤمنين في الآخرة؟ كأنّه لـمّا نفى أن تكون التسوية من الله، نفى بهذا أن تكون ممّا يشركون الله به.
( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ) ناصب الظرف «فليأتوا». أو إضمار: اذكر. أو
التقدير: يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ. والمعنى: يوم يشتدّ الأمر ويصعب الخطب، فإنّ كشف الساق مثل في ظهور اشتداد الأمر وصعوبة الخطب. وأصله: تشمير المخدّرات عن سوقهنّ(١) في الهرب. وتشمير الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه، فيشمّر عن ساقه. قال حاتم :
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها |
وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا |
فاستعير عن الساق في موضع الشدّة من غير كشف الساق حقيقة، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثمّ ولا غلّ، وإنّما هو مثل في البخل.
وأمّا من شبّه فلقلّة نظره في علم البيان. والّذي غرّه حديث ابن مسعود: «يكشف الرحمن عن ساقه، فأمّا المؤمنون فيخرّون سجّدا، وأمّا المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا، كأنّ فيها سفافيد»(٢) . ومعناه: يشتدّ أمر الرحمان ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة. وليس معنى حديثه على ظاهره، لأنّ هذا موافق لمذهب المشبّهة الّذين كانوا من أعاظم الكفّار والملاحدة. وأيضا على هذا الوجه الظاهر من حقّ الساق أن تعرّف، لأنّها ساق مخصوصة معهودة عنده، وهي ساق الرحمن.
أو معنى الآية: يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا.
مستعار من ساق الشجر وساق الإنسان. وتنكيره للتهويل أو للتعظيم. كأنّه قيل: يشتدّ الخطب يوم يقع أمر فظيع هائل وشدّة عظيمة.
( وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) أي: يقال لهم: اسجدوا على وجه التوبيخ على تركهم السجود في الدنيا إن كان اليوم يوم القيامة، أو يدعون إلى الصلوات إن كان وقت النزع( فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) لذهاب وقته، أو زوال القدرة عليه.
__________________
(١) جمع: ساق.
(٢) سفافيد جمع سفّود، وهي: حديدة يشوى عليها اللحم.
وقيل: معناه: أنّ شدّة الأمر وصعوبة حال ذلك اليوم تدعوهم إلى السجود، وإن كانوا لا ينتفعون به، وليس أنّهم يؤمرون به. وهذا كما يفزع الإنسان إلى السجود إذا أصابه هول من أهوال الدنيا.
وعن ابن مسعود: تعقم أصلابهم، أي: تردّ عظاما بلا مفاصل، لا تنثني عند الرفع والخفض، فلا يستطيعون السجود. وفي الحديث: «تبقى أصلابهم طبقا واحدا» أي: فقارة واحدة.
( خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) تلحقهم ذلّة. ثمّ علّل ذلك بقوله:( وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) في الدنيا، أو زمان الصحّة( وَهُمْ سالِمُونَ ) سالموا الأصلاب والمفاصل، متمكّنون منه، مزاحوا العلل فيه. يعني: أنّهم كانوا يؤمرون بالصلاة في الدنيا فلم يفعلوا.
وروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أنّهما قالا: «في هذه الآية أفحم القوم، ودخلتهم الهيبة، وشخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، لـما رهقهم من الندامة والخزي والمذلّة، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، أي: يستطيعون الأخذ بما أمروا به، والترك لـما نهوا عنه، ولذلك ابتلوا».
ثمّ قال تسلية لرسوله وتهديدا للمكذّبين:( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ) كله إليّ، فإنّي أكفيكه. والمعنى: حسبي مجازيا لمن يكذّب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه، وتوكّل عليّ في الانتقام منه.( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) سندينهم من العذاب درجة درجة، بالإمهال وإدامة الصحّة وازدياد النعمة، فإنّ استدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحّة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة إلى ازدياد الكفر والمعاصي، ثمّ يجزيهم( مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) من الجهة الّتي لا يشعرون أنّه استدراج، وهو الإنعام عليهم، لأنّهم حسبوه تفضيلا لهم على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم.
( وَأُمْلِي لَهُمْ ) أمهلهم ليزدادوا إثما. ولا شبهة أنّ الصحّة والرزق والمدّ في
العمر إحسان من الله وإفضال، يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنّهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم، فلمّا تدرّجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج.( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) لا يدفع بشيء. وسمّي إنعامه وتمكينه كيدا، كما سمّاه استدراجا، لأنّه في صورة الكيد، حيث كان سببا للتورّط في الهلكة.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «إذا أحدث العبد ذنبا جدّد له نعمة، فيدع الاستغفار، فهو الاستدراج».
( أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) )
ثمّ خاطب سبحانه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال على وجه التوبيخ للكفّار، عطفا على قوله:( أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ) .
( أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً ) على الإرشاد( فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ ) من غرامة( مُثْقَلُونَ ) بحملها، فيعرضون عنك.
( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) اللوح، أو المغيّبات( فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) منه ما يحكمون به، ويستغنون به عن علمك، أي: لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم، فيثبّطهم ذلك عن الإيمان.
ولـمّا كان عدم انقيادهم لك لا يكون إلّا لفرط عنادهم وتوغّلهم في مكابرتهم ولجاجهم( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) وهو إمهالهم، وتأخير نصرتك عليهم( وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ ) يعني: يونسعليهالسلام في استعجال عقاب قومه( إِذْ نادى ) ربّه في
بطن الحوت، وهو قوله:( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (١) .( وَهُوَ مَكْظُومٌ ) مملوء غيظا. من: كظم السقاء إذا ملأه. والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلي ببلائه.
( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) لولا أن أدركته رحمة من ربّه، من إجابة دعائه، وقبول توبته عن ترك الأولى، وتخليصه من بطن الحوت. وحسن تذكير الفعل للفصل.( لَنُبِذَ بِالْعَراءِ ) بالأرض العارية الخالية عن الأشجار( وَهُوَ مَذْمُومٌ ) مليم مطرود عن الرحمة والكرامة. وهو حال يعتمد عليها الجواب، لأنّها المنفيّة دون النبذ، لأنّه كان واقعا. ولو كان بغير اعتماد لكان النبذ منفيّا، لكنّه واقع.
يعني: أنّ حاله كانت على خلاف الذمّ حين نبذ بالعراء، ولو لا توبته لكانت حاله على الذمّ.
( فَاجْتَباهُ رَبُّهُ ) بأن جمعه إليه، وقرّبه بالتوبة عليه، كما قال:( ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ) (٢) . أو بأن ردّ الوحي إليه. أو استنبأه إن صحّ أنّه لم يكن نبيّا قبل هذه الواقعة.( فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) من الكاملين في الصلاح، بأن عصمه من أن يفعل ما تركه أولى. أو من الأنبياء. والآية نزلت حين همّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يدعو على ثقيف. وقيل: بأحد حين حلّ به ما حلّ، فأراد أن يدعو على المنهزمين.
( وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) )
وروي: أنّه كان في بني أسد عيّانون(٣) ، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله، وكان الرجل منهم يتجوّع ثلاثة أيّام، فلا يمرّ به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله
__________________
(١) الأنبياء: ٨٧.
(٢) طه: ١٢٢.
(٣) العيّان: الشديد الإصابة بالعين.
إلّا عانه وصرعه. فأراد بعض العيّانين على أن يقول في رسول الله بمثل هذا القول، فقال له حين قراءته: لم أر كاليوم رجلا مثله، فعصمه الله. فنزلت :
( وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ ) بأن يصيبوك بالعين. «وإن» هي المخفّفة، واللام دليلها. وفي الحديث: «إنّ العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر».
ويكون ذلك من خصائص بعض النفوس، فإنّه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحّة ذلك لضرب من المصلحة، وعليه إجماع المفسّرين، وجوّزه العقلاء، فلا مانع منه.
وجاء في الخبر: «أنّ أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، فلو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين».
وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية.
وقرأ نافع: ليزلقونك. من: زلقته فزلق، كحزنته فحزن.
( لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) أي: القرآن. وعن الزجّاج: معنى الآية: أنّهم من شدّة تحديقهم وحدّة نظرهم إليك شزرا(١) بعيون العداوة والبغضاء، بحيث يكادون يزلّون قدمك، أو يهلكونك عند تلاوة القرآن والدعاء إلى التوحيد، حسدا على ما أوتيت من النبوّة والكتاب. من قولهم: نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أي: لو أمكنه بنظره الصرع والأكل لفعله.( وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ) حيرة في أمره وتنفيرا عنه، وإلّا فقد علموا أنّه أعقلهم.
ولـمّا نسبوا الجنون إليه لأجل القرآن، بيّن أنّه ذكر عامّ، لا يدركه ولا يتعاطاه إلّا من كان أكمل الناس عقلا وأمتنهم رأيا، فقال:( وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) ذكر عامّ وموعظة تامّة، فكيف يجنّن من جاء بمثله؟!
__________________
(١) شزر الرجل وإليه: نظر إليه بجانب عينه مع إعراض أو غضب.
(٦٩)
سورة الحاقّة
مكّيّة. وهي إحدى وخمسون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة الحاقّة حاسبه الله حسابا يسيرا».
وروى جابر الجعفي عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «أكثروا من قراءة الحاقّة، فإنّ قراءتها في الفرائض من الإيمان بالله ورسوله، ولم يسلب قارئها دينه حتّى يلقى الله».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) )
ولـمّا ذكر في آخر سورة القلم حديث القيامة ووعيد الكفّار، افتتح هذه السورة بذكر القيامة أيضا وأحوال أهل النار، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ ) أي: الساعة. أو الحالة الّتي يحقّ وقوعها، ويجب مجيئها. أو الّتي تقع فيها حواقّ الأمور، من الحساب والثواب والعقاب. أو الّتي تحقّ فيها الأمور، أي: تعرف على الحقيقة. من قولك: لا أحقّ هذا، أي: لا أعرف حقيقته. جعل الفعل لها. وهو لأهلها، على الإسناد المجازي. وهي مبتدأ خبرها( مَا الْحَاقَّةُ ) وأصله: ما هي؟ أي: أيّ شيء هي؟ على التعظيم لشأنها والتهويل لها. فوضع الظاهر موضع المضمر، لأنّه أهول لها.
ثمّ زاد في تهويلها، فقال:( وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ) أي: أيّ شيء أعلمك ما هي؟ أي: أنّك لا تعلم كنهها، فإنّها أعظم من أن تبلغها دراية أحد. و «ما» مبتدأ وخبره «أدراك»، معلّق عنه لتضمّنه معنى الاستفهام. قال الثوري: يقال للمعلوم: وما أدريك، ولـما ليس بمعلوم: وما يدريك، في جميع القرآن. وإنّما قال لمن يعلمها: وما أدراك، لأنّه إنّما يعلمها بالصفة.
ولـمّا ذكرها وفخّمها أتبع ذلك ذكر من كذّب بها، وما حلّ بهم بسبب التكذيب، تذكيرا لأهل مكّة، وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم، فقال :
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ ) قوم صالح( وَعادٌ ) قوم هود( بِالْقارِعَةِ ) بالحالة الّتي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، والأجرام والسماء بالانفطار والانشقاق، والأرض والجبال بالدكّ والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار. ووضعت موضع الضمير لتدلّ على معنى القرع في الحاقّة زيادة في وصف شدّتها.
( فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ) بالواقعة المجاوزة للحدّ في الشدّة، وهي الصاعقة أو الرجفة. وعن قتادة: بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم، أي: فأماتتهم، لتكذيبهم بالقارعة.
وما قيل: معناه: بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره، على أنّها مصدر كالعافية، لا يطابق قوله:( وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ ) أي: شديدة الصوت، أو البرد من الصرّ، كأنّها الّتي كرّر فيها البرد وكثر، فهي تحرق لشدّة بردها( عاتِيَةٍ ) شديدة العصف عتت على عاد، فما قدروا على ردعها بحيلة، من استتار ببناء، أو لياذ بجبل، أو اختفاء في حفرة، فإنّها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم. أو كأنّها عتت على خزّانها، فلم يستطيعوا ضبطها. أو على عاد، فلم يقدروا على ردّها.
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما أرسل الله سفينة من ريح إلّا بمكيال، ولا قطرة من مطر إلّا بمكيال، إلّا يوم عاد ويوم نوح، فإنّ الماء يوم نوح طغا على الخزّان، فلم يكن لهم عليه سبيل.
ثمّ قرأ( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ ) (١) الآية. وإنّ الريح يوم عاد عتت على الخزّان، فلم يكن لهم عليها سبيل. ثمّ قرأ:( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ) . ولعلّها عبارة عن الشدّة والإفراط فيها.
وكذا روي عن الزهري: أنّه ما يخرج من الريح شيء إلّا عليها خزّان يعلمون قدرها وعددها وكيلها، حتّى كانت الّتي أرسلت على عاد فاندفق منها، فهم لا يعلمون قدرها غضبا لله، فلذلك سمّيت عاتية.
( سَخَّرَها عَلَيْهِمْ ) سلّطها عليهم بقدرته. وهو استئناف أو صفة جيء به لنفي ما يتوهّم من أنّها كانت من اتّصالات فلكيّة، إذ لو كانت لكان هو المقدّر لها والمسبّب.( سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) متتابعات، فإنّ هبوبات الرياح ما سكنت ساعة حتّى أتت عليهم وأهلكتهم جميعا. جمع حاسم، كشهود وقعود. تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم، في إعادة الكيّ على الداء كرّة بعد كرّة حتّى ينحسم. يقال: حسمت الدابّة إذا تابعت كيّها بعد كيّ. أو نحسات
__________________
(١) الحاقّة: ١١.
حسمت كلّ خير واستأصلته. أو قاطعات قطعت دابرهم. ويجوز أن يكون مصدرا كالشكور والكفور، منتصبا على العلّة بمعنى: قطعا، أي: سخّرنا عليهم للاستئصال، أو المصدر لفعله المقدّر حالا، أي: تحسمهم حسوما، بمعنى: تستأصل استئصالا.
وهي كانت أيّام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر. وإنّما سمّيت عجوزا، لأنّها عجز الشتاء، أي: آخره. وهذه الأيّام ذات برد ورياح شديدة.
ولها أسماء مشهورة. لليوم الأوّل: الصنّ. وللثاني: الصنّبر. وللثالث: الوبر. وللرابع: مطفئ الجمر. وللخامس: مكفئ الظعن. وقيل: السادس: الآمر. والسابع: المؤتمر. والثامن: المعلّل. أو لأنّ عجوزا من عاد توارت في سرب، فانتزعتها الريح في الثامن فأهلكتها، فانقطع العذاب فيه.
( فَتَرَى الْقَوْمَ ) إن كنت حاضرهم( فِيها ) في مهابّها، أو في الليالي والأيّام( صَرْعى ) هلكى مصروعين. جمع صريع.( كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ ) أصول نخل( خاوِيَةٍ ) متأكّلة الأجواف( فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ) من بقيّة، أو من نفس باقية، أو بقاء.
( وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ ) ومن تقدّمه. وقرأ البصريّان والكسائي: ومن قبله، أي: ومن عنده من أتباعه. ويؤيّده قراءة عبد الله وأبيّ: ومن معه.( وَالْمُؤْتَفِكاتُ ) قرى قوم لوط. والمراد أهلها.( بِالْخاطِئَةِ ) بالخطإ، أو بالفعلة، أو بالأفعال ذات الخطأ.
( فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ) أي: فعصى كلّ أمّة رسولها( فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ) زائدة في الشدّة، كما زادت أعمالهم في القبح. يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد. قال الله تعالى:( لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ ) (١) .
__________________
(١) الروم: ٣٩.
( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) )
ثمّ بيّن سبحانه قصّة نوحعليهالسلام ، فقال:( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ ) جاوز حدّه المعتاد، أو طغا على خزّانه، وذلك في الطوفان( حَمَلْناكُمْ ) أي: آباءكم وأنتم في أصلابهم( فِي الْجارِيَةِ ) في سفينة نوح. ولـمّا كانوا من نسل المحمولين الناجين كان حمل آبائهم منّة عليهم، لأنّ نجاتهم سبب ولادتهم.
( لِنَجْعَلَها لَكُمْ ) لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين( تَذْكِرَةً ) عظة وعبرة دالّة على قدرة الصانع وحكمته، وكمال قهره ورحمته، وتتذكّرون بها نعم الله تعالى، وتشكرونه عليها، وتتفكّرون فيها، فتعرفون كمال قدرته( وَتَعِيَها ) وتحفظها. والوعي أن تحفظ الشيء في نفسك، والإيعاء أن تحفظه في غيرك، كما تقول: أوعيت الشيء في الظرف.( أُذُنٌ واعِيَةٌ ) حافظة لـماجاء من عند الله. أو سامعة قابلة ما سمعت ممّا يجب سماعها، بتذكّره وإشاعته، والتفكّر فيه والعمل بموجبه.
وقرأ نافع: أذن بالتخفيف والتنكير، للدلالة على قلّتها، فإنّ تنكير الواحد يدلّ على القلّة. ولتوبيخ الناس بقلّة من يعي منهم. وللدلالة على أنّ الأذن الواحدة إذا وعت فهي السواد الأعظم عند الله، وأنّ ما سواها لا يبالي الله تعالى بهم وإن ملأوا ما بين الخافقين.
وروى الطبري بإسناده عن مكحول أنّه لـمّا نزلت هذه الآية قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أللّهمّ اجعلها أذن عليّ. ثمّ قال عليّعليهالسلام : فما سمعت شيئا من رسول الله فنسيته»(١) .
__________________
(١) تفسير الطبري ٢٩: ٣٥.
وكذا روى بإسناده عن عكرمة عن بريدة الأسلمي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ: «يا عليّ إنّ الله تعالى أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلّمك وأن تعي، وحقّ على الله أن تعي»(١) .
وعن أبي عمرو عثمان بن خطّاب المعمّر المعروف بأبي الدنيا الأشجّ قال: «سمعت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يقول: لـمّا نزلت( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : سألت اللهعزوجل أن يجعلها أذنك يا عليّ».
ونقل الزمخشري أيضا في الكشّاف عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّه قال لعليّعليهالسلام عند نزول هذه الآية: سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ. قال عليّعليهالسلام : فما نسيت شيئا بعد، وما كان لي أن أنسى»(٢) .
( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) )
ولـمّا بالغ في تهويل القيامة، وذكر مآل المكذّبين بها، تفخيما لشأنها وتنبيها على إمكانها، عاد إلى شرحها، فقال :
( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ) أي: لا يتثنّى في وقتها. فلا ينافيها النفختان: نفخة الصعق، ونفخة الحشر. وإنّما حسن إسناد الفعل إلى المصدر لتقييده.
__________________
(١) تفسير الطبري ٢٩: ٣٥ ـ ٣٦. ولكن رواه عن عبد الله بن رستم عن بريدة.
(٢) الكشّاف: ٤: ٦٠٠.
وحسن تذكيره للفصل. والمراد بها النفخة الأولى الّتي عندها خراب العالم. وبه رواية عن ابن عبّاس.
( وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ) رفعت من أماكنها بمجرّد القدرة الكاملة، أو بتوسّط زلزلة أو ريح عاصفة( فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ) فضربت الجملتان بعضها ببعض ضربة واحدة حتّى تندقّ وتصير كثيبا مهيلا وهباء منبثّا. والدكّ أبلغ من الدقّ. وقيل: فبسطتا بسطة واحدة، فصارتا أرضا لا عوج فيها ولا أمتا، لأنّ الدكّ سبب للتسوية.
ولهذا قيل: ناقة دكّاء للّتي لا سنام لها، وأرض دكّاء للمتّسعة المستوية. ومنه: الدكّان.
( فَيَوْمَئِذٍ ) فحينئذ( وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) نزلت النازلة، وهي القيامة( وَانْشَقَّتِ السَّماءُ ) انفرج بعضها من بعض لنزول الملائكة( فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ) ضعيفة مسترخية ساقطة القوّة جدّا، فتصير بمنزلة الصوف في الوهي والضعف بعد ما كانت محكمة متقنة.
( وَالْمَلَكُ ) والجنس المتعارف بالملك. وهو أعمّ من الملائكة. ألا ترى أنّ قولك: ما من ملك إلّا وهو شاهد، أعمّ من قولك: ما من ملائكة.
( عَلى أَرْجائِها ) جوانبها. جمع رجا مقصورا. يعني أنّها تنشقّ ـ وهي مسكن الملائكة ـ فينضوون(١) إلى أطرافها وما حولها من حافّاتها.
قال في الأنوار: «ولعلّه تمثيل لخراب السماء بخراب البنيان، وانضواء أهلها إلى أطرافها وحواليها. وإن كان على ظاهره فلعلّ هلاك الملائكة أثر ذلك»(٢) .
( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ) فوق الملائكة الّذين هم على الأرجاء( يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ) ثمانية أملاك، لـما روي مرفوعا أنّهم اليوم اربعة، فإذا كان يوم القيامة
__________________
(١) انضوى إليه: انضمّ وأوى إليه.
(٢) أنوار التنزيل ٥: ١٤٨.
أيّدهم الله بأربعة آخرين، فيكونون ثمانية.
وعن الضحّاك: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدّتهم إلّا الله.
وروي: ثمانية أملاك، أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون مسبّحون.
وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر.
وروي: ثمانية أملاك في خلق الأوعال(١) ، ما بين أظلافها(٢) إلى ركبها مسيرة سبعين عاما.
وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك أللّهمّ وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. وأربعة يقولون: سبحانك أللّهمّ وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك.
وعن الحسن: الله أعلم كم هم؟ أثمانية أم ثمانية آلاف؟
ويجوز أن تكون الثمانية من الروح، أو من خلق آخر. فهو القادر على كلّ خلق. سبحان الّذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون.
وقال صاحب الأنوار: «ولعلّه أيضا تمثيل لعظمته بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم خروجهم على الناس للقضاء العامّ. وعلى هذا قال:( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ) تشبيها للمحاسبة بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحوالهم»(٣) . والصحيح أنّه لا للتمثيل بل للتحقيق.
__________________
(١) الأوعال جمع الوعل: تيس الجبل له قرنان قويّان. والتيس: الذكر من المعز والظباء والوعول.
(٢) أظلاف جمع ظلف. وهو لـما اجترّ من الحيوانات ـ كالبقرة والجمل ـ بمنزلة الحافر للفرس.
(٣) أنوار التنزيل ٥: ١٤٨.
وقال في الكشّاف: «وروي أنّ في يوم القيامة ثلاث عرضات: ثنتان منها معاذير وجدال واحتجاج وتوبيخ، والثالثة منها تطيّر الصحف في الأيدي، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه، والهالك كتابه بشماله»(١) .
وهذا وإن كان بعد النفخة الثانية، لكن لـمّا كان اليوم اسما لزمان متّسع تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب، وإدخال أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، صحّ جعله ظرفا للكلّ.
( لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ) سريرة على الله حتّى يكون العرض للاطّلاع عليها.
وإنّما المراد منه إفشاء الحال، والمبالغة في العدل. أو على الناس، كما قال الله تعالى:( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) (٢) . وقرأ حمزة والكسائي بالياء للفصل.
( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٦٠٢.
(٢) الطارق: ٩.
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧) ) ثمّ فصّل حال المكلّفين في ذلك اليوم، فقال:( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ ) لأهل القيامة تبجّحا وفرحا( هاؤُمُ ) تعالوا( اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ) لعلمه بأنّه ليس فيه إلّا الطاعات، فلا يستحي أن ينظر فيه غيره. و «هاء» اسم لـ «خذ». وفيه لغات أجودها: هاء يا رجل، وهاء يا امرأة، وهاؤما يا رجلان أو امرأتان، وهاؤم يا رجال، وهاؤنّ يا نسوة. ومفعوله محذوف. و «كتابيه» مفعول «اقرأوا» لأنّه أقرب العاملين. ولأنّ أصله: هاؤم كتابي اقرؤا كتابي، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.
ونظيره:( آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ) . ولأنّه لو كان مفعول «هاؤم» لقيل: اقرؤه، إذ الأولى إضماره حيث أمكن. والهاء فيه وفي «حسابيه» و «ماليه» و «سلطانيه» للسكت، تثبت في الوقف، وتسقط في الوصل. واستحبّ الوقف، لثباتها في الامام.
( إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ) أي: علمت. وإنّما أجرى الظنّ مجرى العلم، لأنّ الظنّ الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام. ولعلّه عبّر عنه بالظنّ إشعارا بأنّه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات الّتي لا تنفكّ عنها العلوم النظريّة غالبا.
( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) في حالة من العيش ذات رضا، أي: منسوبة إليه ،
كالتامر واللابن(١) ، على النسبة بالصيغة، فإنّ النسبة نسبتان: نسبة بالحروف، ونسبة بالصيغة، أو جعل الفعل لها مجازا، وهو لصاحبها، وذلك لكونها صافية عن الشوائب، دائمة مقرونة بالتعظيم.
( فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) مرتفعة المكان، لأنّها في السماء. أو رفيعة الدرجات. أو رفيعة الأبنية والأشجار.
( قُطُوفُها ) جمع قطف، وهو ما يجتنى بسرعة. والقطف بالفتح المصدر.
( دانِيَةٌ ) يتناولها القاعد والنائم.
وعن عطاء بن يسار، عن سلمان قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يدخل الجنّة أحدكم إلّا بجواز بسم الله الرّحمن الرّحيم: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنّة عالية قطوفها دانية».
( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) بإضمار القول. وجمع الضمير للمعنى.( هَنِيئاً ) أكلا وشربا هنيئا. أو هنئتم هنيئا على المصدر.( بِما أَسْلَفْتُمْ ) بما قدّمتم من الأعمال الصالحة( فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ) الماضية من أيّام الدنيا. وعن مجاهد: أيّام الصيام، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله.
وروي أنّه تعالى يقول: «يا أوليائي طالـما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيّام الخالية».
( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ ) لـما يرى من قبح العمل وسوء العاقبة( يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها ) يا ليت الموتة الّتي متّها( كانَتِ الْقاضِيَةَ ) القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها، ولم ألق ما ألقى. أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة الّتي قضت عليّ، لأنّه رأى تلك الحالة أبشع وأمرّ ممّا ذاقه
__________________
(١) أي: ذو التمر واللبن.
من مرارة الموت وشدّته، فتمنّاه عندها. أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة، ولم أخلق فيها حيّا.
( ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ) مالي من المال والتبع من عذاب الله شيئا. و «ما» نفي، والمفعول محذوف. أو استفهام إنكار مفعول لـ «أغنى» أي: أيّ شيء أغنى عنّي ما كان لي من اليسار؟
( هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ) ملكي وتسلّطي على الناس، فبقيت فقيرا ذليلا. وعن ابن عبّاس: أنّها نزلت في الأسود بن عبد الأشدّ، أي: ضلّت عنّي حجّتي الّتي كنت أحجّ بها في الدنيا وبطلت.
وقرأ حمزة: عنّي، مالي، عنّي، سلطاني، بحذف الهاء في الوصل. والباقون بإثباتها في الحالين.
ثمّ أخبر سبحانه أنّه يقول لخزنة النار:( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ) أوثقوه بالغلّ، وهو أن تشدّ إحدى يديه ورجليه إلى عنقه بجامعة.
( ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) ثمّ لا تصلّوه إلّا الجحيم، وهي النار العظمى، لأنّه كان يتعظّم على الناس. يقال: صلى النار، وصلّاه النار.
( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً ) أراد بذلك الوصف بالطول، كما قال:( إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) (١) . يريد مرّات كثيرة.
قال نوف البكالي: كلّ ذراع سبعون باعا، والباع أبعد ممّا بينك وبين مكّة، وكان في رحبة الكوفة.
وقال سويد بن نجيح: إنّ جميع أهل النار في تلك السلسلة، ولو أنّ حلقة منها وضعت على جبل لذاب من حرّها.
( فَاسْلُكُوهُ ) فأدخلوه فيها، بأن تلفّوها على جسده، وهو فيما بينها مرهق
__________________
(١) التوبة: ٨٠.
مضيّق عليه لا يقدر على حركة.
وتقديم السلسلة كتقديم الجحيم للدلالة على التخصيص، والاهتمام بذكر أنواع ما يعذّب به. و «ثمّ» لتفاوت ما بين الغلّ والتصلية بالجحيم، وما بينها وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدّة.
ثمّ علّل ذلك العذاب الأليم والعقاب العظيم على طريقة الاستئناف مبالغة بقوله:( إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ ) كأنّه قيل: ما له يعذّب هذا العذاب الشديد؟
فأجيب بأنّه لم يكن يوحّد الله في دار التكليف، ولا يصدّق به. وذكر العظيم للإشعار بأنّه المستحقّ للعظمة، فمن تعظّم فيها استوجب ذلك.
( وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) ولا يحثّ على بذل طعام المسكين.
يعني: أنّه يمنع الناس عن أداء الزكاة وسائر الحقوق الواجبة، فضلا عن أن يبذل من ماله.
وفيه دليلان قويّان على عظم الجرم في حرمان المسكين: أحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينا له. والثاني: ذكر الحضّ دون الفعل، ليعلم أنّ تارك الحضّ بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل. وتخصيص الأمرين بالذكر، لأنّ الكفر بالله أقبح العقائد، والبخل وقسوة القلب أشنع الرذائل. وفيه دليل على تكليف الكفّار بالفروع.
وعن أبي الدرداء: أنّه كان يحضّ امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟
وقيل: هو منع الكفّار عن قولهم:( أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ ) (١) .
( فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ) قريب يحميه ويدفع عنه العذاب( وَلا طَعامٌ ) ولا له اليوم طعام( إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ) غسالة أهل النار، وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم. فعلين من الغسل.
__________________
(١) يس: ٤٧.
وقيل: إنّ أهل النار طبقات: فمنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الزقّوم، ومنهم من طعامه الضريع، لأنّه قال في موضع آخر:( لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) (١) .
وقيل: يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، فعبّر عنه بعبارتين.
وقيل: يجوز أن يكون المراد: ليس لهم طعام إلّا من ضريع، ولا شراب إلّا من غسلين، كقوله: علفتها تبنا وماء باردا.
( لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ ) أصحاب الخطايا. من: خطئ الرجل إذا تعمّد الذنب، لا من الخطأ المضادّ للصواب.
وقال في المجمع: «والفرق بين الخاطئ والمخطئ: أنّ المخطئ قد يكون من غير تعمّد، والخاطئ: المذنب المتعمّد، الجائر عن الصراط المستقيم»(٢) . وعن ابن عبّاس: هم المشركون.
( فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
__________________
(١) الغاشية: ٦.
(٢) مجمع البيان: ١٠: ٣٤٨.
(٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) )
( فَلا أُقْسِمُ ) لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم. أو فأقسم، و «لا» مزيدة. أو فلا ردّ، لإنكارهم البعث، و «أقسم» مستأنف.( بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ ) أي: بجميع الأشياء على الشمول والإحاطة، لأنّها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر.
وقيل: الدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنّ، والخلق والخالق، والنعم الظاهرة والباطنة.
وجواب القسم( إِنَّهُ ) إنّ القرآن( لَقَوْلُ رَسُولٍ ) أي: يقوله ويتكلّم به على وجه الرسالة من عند الله وتبليغه عن الله، فإنّ الرسول لا يقول عن نفسه( كَرِيمٍ ) على الله، وهو محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: جبرئيل.
( وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ ) كما تزعمون تارة( قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ ) تصدّقون، لفرط عنادكم. والقلّة في معنى العدم، أي: لا تؤمنون البتّة، كما تقول لمن لا يزورك: قلّ ما تأتينا، وأنت تريد: لا تأتينا أصلا.
( وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ ) كما تدّعون أخرى( قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ) تذكّرا قليلا، أي: لا تذكرون أصلا، فلذلك يلتبس الأمر عليكم. وقرأ ابن كثير ويعقوب وابن عامر بالياء فيهما. وذكر الإيمان مع نفي الشاعريّة، والتذكّر مع نفي الكاهنيّة، لأنّ عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بيّن لا ينكره إلّا معاند، بخلاف مباينته للكهانة، فإنّه يتوقّف على تذكّر أحوال الرسول ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم.
وفيه تنبيه على أنّ المراد بـ «رسول كريم» محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ المعنى: على
إثبات أنّه رسول، لا شاعر ولا كاهن.
( تَنْزِيلٌ ) هو تنزيل( مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) نزّله على لسان جبرئيل.
ثمّ أوعدهم على التكذيب، فقال:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ) أي: افترى علينا بعض الأقوال المفتراة، فإنّ التقوّل افتعال القول، لأنّ فيه تكلّفا من المفتعل. وسمّى الأقوال المتقوّلة ـ أي: المفتراة ـ أقاويل تحقيرا لها وتصغيرا بها، كأنّها جمع أفعولة من القول، كالأضاحيك والأعاجيب. والمعنى: ولو ادّعى علينا شيئا لم نقله( لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ) أي: لأخذنا بيمينه.
( ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ) أي: نياط قلبه بضرب عنقه. وهو حبل الوريد إذا قطع مات صاحبه. وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وهو أن يأخذ القتّال بيمينه ويكفحه(١) بالسيف ويضرب به جيده. وخصّ اليمين عن اليسار، لأنّ القتّال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفا أحد أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف ـ وهو أشدّ على المصبور، لنظره إلى السيف ـ أخذ بيمينه. وقيل: اليمين بمعنى القوّة.
( فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ ) عن القتل( حاجِزِينَ ) دافعين، أي: لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه. أو عن محمد، أي: لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه. ووصف «أحد» بـ «حاجزين» لأنّه في معنى الجماعة. وهو اسم يقع في النفي العامّ، مستويا فيه الواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث. ومنه قوله تعالى:( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) (٢) . والخطاب للناس.
( وَإِنَّهُ ) وإنّ القرآن( لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) لأنّهم المنتفعون به( وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ )
__________________
(١) كفح العدو: واجهه واستقبله.
(٢) البقرة: ٢٨٥.
فنجازيهم على تكذيبهم( وَإِنَّهُ ) وإنّ القرآن( لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ) إذا رأوا ثواب المصدّقين به( وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ) أي: وإنّ القرآن لليقين حقّ اليقين، كقولك: هو العالم حقّ العالم. والإضافة للبيان. والمعنى: لعين اليقين، ومحض اليقين.
( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) فسبّح الله بذكر اسمه العظيم، تنزيها له عن الرضا بالتقوّل عليه، وشكرا على ما أوحى إليك.
(٧٠)
سورة المعارج
مكّيّة. وهي أربع وأربعون آية.
عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومن قرأ سورة «سأل سائل» أعطاه الله ثواب الّذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والّذين هم على صلواتهم يحافظون».
وعن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من أدمن قراءة «سأل سائل» لم يسأله الله يوم القيامة عن ذنب عمله، وأسكنه جنّته مع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ
يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) )
ولـمّا ختم سورة الحاقّة بوعيد الكفّار، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) ضمّن «سأل» معنى: دعا، فعدّي تعديته، كأنّه قيل: دعا داع بعذاب واقع على نفسه. من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه. ومنه قوله تعالى:( يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ ) (١) .
وعن ابن عبّاس: السائل النضر بن الحارث، فإنّه قال:( اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٢) . وقيل: أبو جهل: فإنّه قال:( فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) (٣) سأله استهزاء. وقيل: هو الرسول، استعجل بعذابهم.
وقرأ نافع وابن عامر: سال. وهو إمّا من السؤال على لغة قريش. يقولون: سلت تسال، وهما يتسالان. أو يكون من السيلان. والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم وأهلكهم. ومضيّ الفعل لتحقّق وقوعه، إمّا في الدنيا، وهو قتل بدر، أو في الآخرة، وهو عذاب النار.
وعن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع؟ فنزلت.
__________________
(١) الدخان: ٥٥.
(٢) الأنفال: ٣٢.
(٣) الشعراء: ١٨٧.
وعلى هذا، «سأل» مضمّن معنى: عنى واهتمّ.
وقال السيّد أبو الحمد: حدّثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: حدّثنا أبو بكر الجرجرائي، قال: حدّثنا أبو أحمد البصري، قال: حدّثنا محمّد بن سهل، قال: حدّثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار، قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الواسطي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمّد الصادق، عن آبائه صلوات الله عليهم، قال: «لـمّا نصب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاعليهالسلام يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، طار ذلك في البلاد، فقدم على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم النعمان بن الحرث الفهري، فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصلاة والصوم والزكاة، فقبلناها. ثمّ لم ترض حتّى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه. فهذا شيء منك، أو أمر من عند الله؟
قال: والله الّذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله.
فولّى نعمان بن الحرث وهو يقول: أللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. فرماه الله بحجر على رأسه فقتله. فأنزل الله تعالى:( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) »(١) .
( لِلْكافِرينَ ) صفة اخرى لـ «عذاب»، أي: بعذاب واقع كائن للكافرين. أو متعلّق بالفعل، أي: دعا للكافرين بعذاب واقع. أو صلة لـ «لواقع» أي: بعذاب نازل لأجلهم. وعلى قول قتادة: كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين.( لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ) يردّه.
( مِنَ اللهِ ) متّصل بـ «واقع» أي: واقع من عنده. أو بـ «دافع» بمعنى: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته، وأوجبت الحكمة وقوعه.( ذِي الْمَعارِجِ ) ذي
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٣٨١ ح ١٠٣٠.
المصاعد. وهي الدرجات العالية والمراتب الرفيعة الّتي يعطيها الأنبياء والأولياء في الجنّة. أو المراد: مواضع عروج الملائكة في السماوات، فإنّ الملائكة يعرجون فيها. ومنه: ليلة المعراج، لأنّه عرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى السماء فيها. أو الدرجات الّتي يصعد فيها الكلم الطيّب والعمل الصالح، أو يترقّى فيها المؤمنون في سلوكهم.
ثمّ وصف المصاعد وبعد مداها في العلوّ والارتفاع، فقال:( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ ) وقرأ الكسائي بالياء( وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) أي: ارتفاع تلك المعارج بحيث لو قدرت الملائكة قطعها في زمان لكان في زمان مقدّر بخمسين الف سنة من سنيّ الدنيا.
وقيل: معناه: تعرج الملائكة والروح إلى عرشه في يوم كان مقداره كمقدار خمسين ألف سنة، من حيث إنّهم يقطعون فيه ما يقطعه الإنسان فيها لو فرض. لا أنّ ما بين أسفل العالم وأعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة، لأنّ ما بين مركز الأرض ومقعّر السماء الدنيا ـ على ما قيل ـ مسيرة خمسمائة عام، وثخن كلّ واحد من السماوات السبع والكرسيّ والعرش كذلك. وحيث قال( فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ) (١) يريد به زمان عروجهم من الأرض إلى محدّب السماء الدنيا.
وقيل: معناه: إنّ أوّل نزول الملائكة إلى الدنيا، وأمره ونهيه، وقضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء ـ وهو القيامة ـ هذه المدّة. فيكون مقدار الدنيا خمسين ألف سنة، لا يدري كم مضى وكم بقي، وإنّما يعلمها اللهعزوجل .
وقيل: في «يوم» متعلّق بـ «واقع» أو «سال» إذا جعل من السيلان. والمراد به يوم القيامة. واستطالته إمّا لشدّته على الكفّار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات، أو لأنّه على الحقيقة كذلك. والروح جبرئيل. وإفراده لفضله. أو خلق أعظم من الملائكة، هم حفظة على الملائكة، كما أنّ الملائكة حفظة على الناس.
__________________
(١) السجدة: ٥.
وقد روي: «أنّ فيه خمسين موطنا، كلّ موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمنين إلّا كما بين الظهر والعصر».
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه: «لو ولي الحساب يوم القيامة غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا، والله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة واحدة».
وعنه أيضا قال: «لا ينتصف ذلك اليوم حتّى يقبل أهل الجنّة في الجنّة، وأهل النار في النار».
وروى أبو سعيد الخدري قال: «قيل: يا رسول الله ما أطول هذا اليوم؟ فقال: والّذي نفس محمد بيده إنّه ليخفّ على المؤمن حتّى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا».
وقوله:( فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ) متعلّق بـ «سأل» لأنّ سؤال الكفرة كان عن استهزاء أو تعنّت، وذلك ممّا يضجر الرسول، أو سؤاله كان عن تضجّر واستبطاء للنصر. أو بـ «سال» لأنّ المعنى: قرب وقوع العذاب، فاصبر صبرا جميلا لا يشوبه استعجال واضطراب قلب، فقد شارفت الانتقام.
( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ ) الضمير للعذاب الواقع، أو ليوم القيامة فيمن علّق «في يوم» بـ «واقع» أي: يرون العذاب أو يوم القيامة( بَعِيداً ) عن الإمكان، أي: يستبعدونه على جهة الإحالة( وَنَراهُ قَرِيباً ) منه، أو من الوقوع، هيّنا في قدرتنا، غير بعيد عنّا ولا متعذّر.
( يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ) ظرف لـ «قريبا» أي: قريب عذاب الكافرين في يوم. أو لمضمر دلّ عليه «واقع» أي: يقع العذاب في يوم. أو بدل من «في يوم» فيمن علّقه بـ «واقع». والمهل(١) : المذاب في مهل، كالفلزّات بالكسر وتشديد الزاء
__________________
(١) المهل: اسم يجمع معدنيّات الجواهر، كالفضّة والحديد والصفر. والمهل: الرفق والتؤدة. والمعنى: المذاب برفق وتؤدة.
المعجمة. وهي ما نبعته(١) الكير ممّا يذاب من جواهر الأرض، كالفضّة المذابة.
وعن ابن عبّاس: المهل درديّ(٢) الزيت.
( وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ) كالصوف المصبوغ ألوانا، لأنّ الجبال مختلفة الألوان، فإذا بسّت وطيّرت في الجوّ أشبهت العهن المنفوش إذا طيّرته الريح.
( وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) ولا يسأل قريب قريبا عن حاله ولا يكلّمه، لأنّ بكلّ أحد ما يشغله عن المساءلة. وعن ابن كثير: ولا يسأل على بناء المفعول، أي: لا يطلب من حميم حميم، أو لا يسأل منه حاله.
وقيل: معناه: أنّه لا يحتاج إلى سؤاله، لأنّه يكون لكلّ علامة يعرف بها.
فعلامة الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون، وعلامة المؤمنين نضارة اللون وبياض الوجوه.
( يُبَصَّرُونَهُمْ ) أي: يبصّر الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم.
فجمع الضميرين لعموم الحميم. وهذا كلام مستأنف، كأنّه لـمّا قال:( وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) قيل: لعلّه لا يبصره، فقيل: يبصّرونهم، ولكنّهم لتشاغلهم لم يتمكّنوا من تساؤلهم، لا للخفاء أو لـما يغني عنه من مشاهدة الحال، كبياض الوجه وسواده. ويجوز أن يكون صفة لـ «حميما» أي: حميما مبصّرين معرّفين إيّاهم.
وقيل: معناه: يعرّف المؤمنون أعداءهم على حالهم من العذاب، فيشمتوا بهم ويسرّون.
وقيل: يعرّف أتباع الضلالة رؤساءهم.
وقيل: الضمير للملائكة، فقد تقدّم ذكرهم، أي: يعرّفهم الملائكة ويجعلون
__________________
(١) كذا في النسخة الخطّية، ولعلّ الصحيح: نفخته. والكير: زقّ ينفخ فيه الحدّاد.
(٢) الدرديّ من الزيت ونحوه: الكدر الراسب في أسفله.
بصراء بهم، فيسوقون فريقا إلى الجنّة وفريقا إلى النار.
( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ ) حال من أحد الضميرين. أو استئناف يدلّ على أنّ اشتغال كلّ مجرم بنفسه بحيث يتمنّى أن يفتدي من العذاب.
( بِبَنِيهِ ) بأولاده الّذين هم أعزّ الناس عليه وأحبّهم.
( وَصاحِبَتِهِ ) وزوجته الّتي كانت سكنا له، وربما آثرها على أبويه( وَأَخِيهِ ) الّذي كان ناصرا له ومعينا.
وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم يومئذ، على البناء للإضافة إلى غير متمكّن.
ومحصّل معنى الآية: أنّ كلّ مجرم يتمنّى أن يدفع عن نفسه العذاب بافتداء أقرب الناس عنده وأعلقهم بقلبه، فضلا أن يهتمّ بحاله ويسأل عنها.
( وَفَصِيلَتِهِ ) وعشيرته الأدنون الّذين فصل عنهم( الَّتِي تُؤْوِيهِ ) تضمّه انتماء إليها في النسب، أو لياذا بها في النوائب والشدائد.
( وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) من الثقلين، أو الخلائق كلّهم( ثُمَّ يُنْجِيهِ ) عطف على «يفتدي» أي: يودّ لو يفتدي ثمّ لو ينجيه الافتداء، أو من في الأرض. و «ثمّ» لاستبعاد الإنجاء. يعني: يتمنّى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثمّ ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه.
( كَلَّا ) ردع عن الودادة، ودلالة على أنّ الافتداء لا ينجيه من العذاب( إِنَّها ) الضمير للنار، وذكر العذاب دالّ عليها. أو مبهم يفسّره( لَظى ) . فهو خبر، أو بدل. أو للقصّة، و «لظى» مبتدأ خبره( نَزَّاعَةً لِلشَّوى ) وهو اللهب الخالص. وقيل: علم للنار منقول من اللظى، بمعنى اللهب.
وقرأ حفص: نزّاعة، بالنصب على الاختصاص للتهويل، أو الحال المؤكّدة، أو المتنقّلة على أنّ «لظى» بمعنى: متلظّية.
والشوى: الأطراف. أو جمع شواة. وهي جلدة الرأس. والمعنى: تنزع
الأطراف وتقطعها، أو الجلد واللحم، فلا تترك لحما ولا جلدا، ثمّ تعاد ثمّ تنزع، وهكذا.
وقال الكلبي: يعني: تأكل الدماغ كلّه ثمّ يعود كما كان، ثمّ تأكل.
( تَدْعُوا ) أي: تدعو النار إلى نفسها. مجاز عن جذبها وإحضارها لمن فرّ عنها. والمعنى: لا يفوت هذه النار كافر، فكأنّها تدعوه فيجيبها كرها. وقيل: تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح، ثمّ تلتقطهم التقاط الحبّ. فيجوز أن يخلق الله فيها كلاما، كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وكما خلقه في الشجرة.
وقيل: «تدعو»: تهلك، من قولهم: دعاه الله إذا أهلكه. فالمعنى: تهلك النار( مَنْ أَدْبَرَ ) عن الحقّ( وَتَوَلَّى ) عن الطاعة.
( وَجَمَعَ ) وجمع المال( فَأَوْعى ) فجعله في وعاء وكنزه حرصا وتأميلا، ولم يؤدّ الزكاة وسائر الحقوق، وتشاغل به عن الدين، وزها باقتنائه وتكبّر.
( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
(٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) إِنَّ الْإِنْسانَ ) أراد به الناس، بقرينة الاستثناء بعد( خُلِقَ هَلُوعاً ) شديد الحرص، سريع الجزع عند مسّ المكروه، كثير المنع عن الخير المقدّر شرعا.
وأصل الهلع: السرعة، من قولهم: ناقة هلواع أو هلواعة، أي: سريعة السير. وفي الصحاح: «الهلع: أفحش الجزع. وقد هلع ـ بالكسر ـ فهو هلع وهلوع. وقد جاء في الحديث: «من شرّ ما أوتي العبد شحّ هالع، وجبن خالع» أي: يجزع فيه ويحزن، كما يقال: يوم عاصف وليل نائم. ثمّ قال: وقد هلوعت، أي: أسرعت.
وذئب هلع بلع. فالهلع من الحرص، والبلع من الابتلاع. والهالع: النعام السريع في مضيّه. والنعامة هالعة»(١) .
وعن أحمد بن يحيى أنّه قال: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسّره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره. وهو قوله:( إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ) ناله الضرّ من المرض والفقر( جَزُوعاً ) يظهر شدّة الجزع( وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ ) السعة من المال( مَنُوعاً ) يبالغ في المنع والإمساك.
والأوصاف الثلاثة أحوال مقدّرة. والمعنى: أنّ الإنسان لإيثاره الجزع والمنع، وتمكّنهما منه، ورسوخهما فيه، كأنّه مجبول عليهما مطبوع، وكأنّه أمر خلقيّ وضروريّ غير اختياري، كقوله تعالى:( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) (٢) . والدليل عليه
__________________
(١) الصحاح ٣: ١٣٠٨.
(٢) الأنبياء: ٣٧.
أنّه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع. ولأنّه ذمّ، والله تعالى لا يذمّ فعله.
والدليل عليه أنّه سبحانه استثنى المؤمنين الكاملين الّذين جاهدوا أنفسهم، وحملوها على المكاره في الطاعات، وظلفوها(١) عن الشهوات، حتّى لم يكونوا جازعين ولا مانعين، فقال:( إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) أي: مواظبون على أدائها، ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل.
( وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ) كالزكوات والأخماس وسائر حقوق الناس( لِلسَّائِلِ ) الّذي يسأل( وَالْمَحْرُومِ ) الّذي لا يسأل تعفّفا عنه، فيحسب غنيّا فيحرم.
( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) بيوم الجزاء، تصديقا بأعمالهم، وهو أن يتعب نفسه في الطاعة، ويصرف ماله طمعا في المثوبة الأخرويّة، ولذلك ذكر يوم الدين.
( وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) خائفون على أنفسهم( إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ) لا يؤمن حلوله بمستحقّيه.
وقيل: معناه: يخافون أن لا تقبل حسناتهم، ويؤخذون بسيّئاتهم. وذلك لأنّ المكلّف لا يعلم هل أدّى الواجب كما أمر به؟ وهل انتهى عن المحظور على ما نهي عنه؟ فهذا اعتراض يدلّ على أنّه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله، وإن بالغ في طاعته، بل يكون بين الخوف والرجاء.
( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) المتجاوزون عن حدود الله. وقد سبق(٢) تفسير هذه الآيات الثلاث في سورة المؤمنين.
__________________
(١) ظلف نفسه عن الشيء: منعها من أن تفعله وكفّ عنه.
(٢) راجع ج ٤ ص ٤٢٦، ذيل الآية ٥ ـ ٧ من سورة المؤمنون.
( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ) حافظون. وقرأ ابن كثير: لأمانتهم.
( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ) يعني: لا يخفون ولا ينكرون ما علموه من حقوق الله وحقوق العباد. وخصّها من بينها إبانة لفضلها، لأنّ في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها، وفي صرفها تضييعها وإبطالها. وقرأ يعقوب وحفص: بشهاداتهم، لاختلاف الأنواع.
( وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ) فيراعون شرائطها وأركانها، ويكملون فرائضها وسننها. فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة، والمحافظة إلى أحوالها. ووصفهم بها أوّلا وآخرا باعتبارين، للدلالة على فضلها وإنافتها على غيرها.
وروي عن أبي جعفرعليهالسلام : «أنّ قوله:( عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) في النوافل، وهذه الآية في الفرائض والواجبات».
وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسنعليهالسلام أنّه قال: «أولئك اصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا».
وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى، من الجملة الاسميّة، وتقديم الضمير، وجمع الصفات، وغير ذلك، والإتيان بما هو العلّة والسبب في البعض.
( أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ) معظّمون مبجّلون بما يفعل بهم من إعطاء الثواب العظيم والأجر الجزيل.
( فَما لـ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ
يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) )
روي: أنّ المشركين كانوا يحتفّون حول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حلقا حلقا وفرقا فرقا، يستمعون ويستهزءون بكلامه، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنّة، كما يقول محمد فلندخلنّها قبلهم، فنزلت :
( فَما لـ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ ) حولك( مُهْطِعِينَ ) مسرعين نحوك، مادّي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ) فرقا شتّى. جمع عزة. وأصلها عزوة، من العزو، كأنّ كلّ فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الاخرى، فهم مفترقون. وقيل: كان المستهزؤن خمسة أرهط.
( أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ) بلا إيمان. وهو إنكار لقولهم: لو صحّ ما يقوله لنكون فيها أفضل حظّا منهم كما في الدنيا.
( كَلَّا ) ردع لهم عن هذا الطمع. ثمّ علّل ذلك بقوله:( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) أي: إنّهم مخلوقون من نطفة قذرة لا تناسب عالم القدس، فمن لم يستكمل بالإيمان والطاعة، ولم يتخلّق بالأخلاق المكتسبة، لم يستعدّ لدخولها. أو إنّكم مخلوقون من أجل ما تعلمون. وهو تكميل النفس بالعلم والعمل، فمن لم يستكملها لم يتبوّأ في منازل الكاملين.
( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ ) أي: نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم. وقيل: معناه: نعطي محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم بدلهم، وهو خير منهم، وهم الأنصار.( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) بمغلوبين في كلّ ما أردنا. وهذا عطف
على جواب القسم.
ويفهم من هذا الكلام إنكارهم البعث، من حيث إنّه احتجاج عليهم بالنشأة الأولى، كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل، وذلك قوله:( خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) أي: من النطف. وبالقدرة على أن يهلكهم ويبدّل ناسا خيرا منهم. وأنّه تعالى ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه، لا يعجزه شيء. والغرض أنّ من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة، وهم ينكرون ذلك عنادا ولجاجا مع علمهم بذلك.
( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ) في باطلهم( وَيَلْعَبُوا ) في دنياهم( حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) مرّ تفسيره في آخر سورة الطور(١) .
( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً ) من القبور مسرعين. جمع سريع.( كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ ) شيء منصوب للعبادة، أو إلى علم نصب لهم( يُوفِضُونَ ) يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم. وقرأ ابن عامر وحفص: نصب بضمّ النون والصاد. والباقون بفتح النون وسكون الصاد.
( خاشِعَةً ) ذليلة خاضعة( أَبْصارُهُمْ ) لا يرفعونها لذلّتهم( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) تغشاهم مذلّة. وقد مرّ(٢) تفسيره أيضا.( ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) به في الدنيا فلا يصدّقون به ويجحدونه، وقد شاهدوه في تلك الحال.
__________________
(١) راجع ج ٦ ص ٤٩٧، ذيل الآية (٤٥) من سورة الطور.
(٢) راجع ص ١٥٣، ذيل الآية (٤٣) من سورة القلم.
(٧١)
سورة نوح
مكّيّة. وهي ثمان وعشرون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومن قرأ سورة نوحعليهالسلام ، كان من المؤمنين الّذين تدركهم دعوة نوحعليهالسلام ».
أبو عبد اللهعليهالسلام قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويقرأ كتابه، فلا يدع أن يقرأ سورة: «إنّا أرسلنا نوحا». فأيّ عبد قرأها محتسبا صابرا في فريضة أو نافلة، أسكنه الله مساكن الأبرار، وأعطاه ثلاث جنان مع جنّته كرامة من الله، وزوّجه مائتي حوراء وأربعة آلاف ثيّب إن شاء الله».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥)
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة المعارج بوعيد أهل التكذيب، افتتح هذه السورة بذكر قصّة نوح وقومه وما نالهم بالتكذيب، تسلية لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ) بأن أنذرهم، فحذف الجارّ وأوصل الفعل. وهي «أن» الناصبة للفعل. والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، أي: بالأمر بالإنذار. ويجوز أن تكون مفسّرة، لتضمّن الإرسال معنى القول. والتقدير: قلنا له: أنذرهم.( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) عذاب الآخرة، أو الطوفان.
( قالَ يا قَوْمِ ) أضافهم إلى نفسه، فكأنّه قال: أنتم عشيرتي يسوءني ما يسوءكم( إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) مرّ في الشعراء(١) نظيره. وفي «أن» يحتمل الوجهان.
__________________
(١) راجع ج ٥ ص ٣٨، ذيل الآية (١٠٨)
( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) بعض ذنوبكم، وهو ما سبق، فإنّ الإسلام يجبّه، فلا يؤاخذكم به في الآخرة. ولـمّا كانت ذنوبهم الّتي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق، لـما يكون في ذلك من الإغراء بالقبيح، قيّد سبحانه الغفران بـ «من» التبعيضيّة.
( وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) هو أقصى ما قدّر لكم بشرط الإيمان والطاعة.
مثل: ان قضى الله أنّ قوم نوح إن آمنوا عمّرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة. فقيل لهم: آمنوا يؤخّركم إلى وقت سمّاه الله وضربه أمدا تنتهون إليه لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف. وفيه دلالة على ثبوت أجلين.
ثمّ أخبر أنّه لو جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخّر كما يؤخّر هذا الوقت، ولم تكن فيه حيلة أصلا، فقال :
( إِنَّ أَجَلَ اللهِ ) أي: الأجل الأطول الأقصى الّذي قدّره الله( إِذا جاءَ ) وحلّ في الوقت المقدّر( لا يُؤَخَّرُ ) عن وقته، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير( لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك. وفيه أنّهم لانهماكهم في حبّ الحياة كأنّهم شاكّون في الموت.
( قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي ) إلى عبادتك وخلع الأنداد من دونك( لَيْلاً وَنَهاراً ) أي: دائما من غير فتور، مستغرقا به الأوقات كلّها( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ) نفارا عن الإيمان والطاعة من فرط العناد، وإدبارا عنّي. وإسناد الزيادة إلى الدعاء على السببيّة، كقوله:( فَزادَتْهُمْ إِيماناً ) (١) .
( وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ ) إلى الإيمان( لِتَغْفِرَ لَهُمْ ) أي: ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم بسببه. فذكر المسبّب الّذي هو حظّهم ليكون أقبح، لإعراضهم عنه.
__________________
(١) التوبة: ١٢٤.
( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) أي: سدّوا أسماعهم عن استماع الدعوة( وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ) تغطّوا بها لئلّا يروني. والتعبير بصيغة الطلب للمبالغة، كأنّهم طلبوا أن تغشاهم ثيابهم أو تغشّيهم لئلّا يبصروه، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله. وقيل: لئلّا يعرفهم. ويعضده قوله:( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ) (١) .
( وَأَصَرُّوا ) وأكبّوا على الكفر والمعاصي. مستعار من: أصرّ الحمار على العانة إذا صرّ(٢) أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها، للإقبال على المعاصي والإكباب عليها.( وَاسْتَكْبَرُوا ) عن اتّباعي( اسْتِكْباراً ) عظيما، أي: أخذتهم العزّة من اتّباعي وطاعتي. وفي ذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط استكبارهم وعتوّهم.
قيل: إنّ الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح فيقول له: احذر هذا لا يغوينّك، فإنّ أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك، فحذّرني مثل ما حذّرتك.
( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ) أي: دعوتهم مرّة بعد اخرى وكرّة بعد أولى، على أيّ وجه أمكنني. وقد فعل نوحعليهالسلام كما يفعل الّذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، في الابتداء بالأهون، والترقّي في الأشدّ فالأشدّ. فافتتح بالمناصحة في السرّ، فلمّا لم يقبلوا ثنّى بالمجاهرة، فلمّا لم تؤثّر ثلّث بالجمع بين الإسرار والإعلان. ومعنى «ثمّ» الدلالة على تباعد الأحوال، لأنّ الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما.
و «جهارا» منصوب بـ «دعوتهم» نصب المصدر، لأنّ الدعاء أحد نوعيه
__________________
(١) هود: ٥.
(٢) العانة: القطيع من حمر الوحش. صرّ الفرس أذنه: سوّاها ونصبها للاستماع. وكدم كدما: عضّ بمقدّم فمه.
الجهار، فنصب به نصب القرفصاء(١) بـ: قعد، لكونها أحد أنواع القعود. أو لأنّه أراد بـ «دعوتهم» جاهرتهم. ويجوز أن يكون صفة لمصدر: دعا، أي: دعاء جهارا، أي: مجاهرا به. أو مصدرا في موضع الحال، أي: مجاهرا.
( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) أي: اطلبوا منه المغفرة على كفركم ومعاصيكم( إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ) للتائبين. أمرهم بالاستغفار الّذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي.
وكأنّهم لـمّا أمرهم بالعبادة قالوا: إن كنّا على حقّ فلا نتركه، وإن كنّا على باطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه. فأمرهم بما يجبّ معاصيهم، ويجلب إليهم المنح.
وقيل: لـمّا طالت دعوتهم، وتمادى إصرارهم، حبّس الله عنهم القطر أربعين سنة، وروي سبعين، وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم بالمطر والخصب على الاستغفار عمّا كانوا عليه، فقال :
( يُرْسِلِ السَّماءَ ) المظلّة، لأنّ المطر منها ينزل إلى السحاب. أو السحاب.
أو المطر، من قوله: إذا نزل السماء بأرض قوم(٢) .
( عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) كثير الدرور. ويستوي في مفعال المذكّر والمؤنّث، كقولهم: رجل أو امرأة معطار ومتفال. والآية سبب مشروعيّة الاستغفار في الاستسقاء.
( وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ) بساتين من أنواع الثمار( وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) قدّم نوحعليهالسلام إليهم الموعد بما هو أبلغ وأوقع في نفوسهم وأحبّ إليهم، من المنافع الحاضرة والفوائد العاجلة، ترغيبا في الإيمان وبركاته ،
__________________
(١) القرفصاء: هي أن يجلس الرجل على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه، أو يجلس على ركبتيه ويلصق بطنه بفخذيه. يقال: قعد القرفصاء، أي: قعد على الهيئة المذكورة.
(٢) وعجزه: رعيناه وإن كانوا غضابا
والطاعة ونتائجها من خير الدارين. كما قال:( وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ ) (١) .
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ ) (٢) .( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ) (٣) .( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ) (٤) .
وعن الحسن: أنّ رجلا شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله. وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلّة النسل، وآخر قلّة ريع أرضه. فأمرهم كلّهم بالاستغفار. فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلّهم بالاستغفار. فتلا هذه الآية.
وروى عليّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن محمد بن يوسف، عن أبيه، قال: «سأل رجل أبا جعفرعليهالسلام وأنا عنده فقال له: جعلت فداك إنّي كثير المال، وليس يولد لي ولد، فهل من حيلة؟ قال: نعم، استغفر ربّك سنة في آخر الليل مائة مرّة، فإن ضيّعت ذلك بالليل فاقضه بالنهار، فإنّ الله يقول:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) إلى آخره».
ثمّ قال نوح لقومه على وجه التبكيت:( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ) أي: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما لمن عبده وأطاعه، فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمه إيّاكم في دار الثواب. و «لله» بيان للموقّر، ولو تأخّر لكان صلة للوقار. أو لا تعتقدون له عظمة، فتخافوا عصيانه. والمعنى: لا تعظّمون الله حقّ تعظيمه، فتعبدوه حقّ عبادته. وإنّما عبّر عن الاعتقاد بالرجاء التابع لأدنى الظنّ مبالغة. وعن ابن
__________________
(١) الصفّ: ١٣.
(٢) الأعراف: ٩٦.
(٣) المائدة: ٦٦.
(٤) الجنّ: ١٦.
عبّاس: لا تخافون لله عاقبة، لأنّ العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب. من: وقر إذا ثبت واستقرّ.
( وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ) حال مقرّرة للإنكار، من حيث إنّها موجبة للرجاء.
كأنّه قال: مالكم لا تؤمنون بالله والحال هذه، فإنّها حال موجبة للإيمان به، لأنّه خلقكم تارات، أي: تارة بعد تارة وحالة بعد حالة، بأن خلقكم أوّلا عناصر، ثمّ مركّبات تغذّى بها الإنسان، ثمّ نطفا، ثمّ علقا، ثمّ مضغا، ثمّ عظاما ولحما، ثمّ أنشأكم خلقا آخر، وهو إيلاج الروح إلى البدن، فإنّه يدلّ على أنّه يعيدكم تارة اخرى فيعطيكم الثواب، وعلى أنّه تعالى عظيم القدرة تامّ الحكمة.
وقيل: معناه: خلقكم صبيانا، ثمّ شبّانا، ثمّ شيوخا.
وقيل: خلقكم مختلفين في الصفات، أغنياء وفقراء، وزمنى وأصحّاء، وطوالا وقصارا. والآية محتملة للجميع.
( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) )
ثمّ أتبع ذلك ما يؤيّده من آيات الآفاق، فقال:( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ) طبقا فوق طبق( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) أي: في السماوات. وهو في السماء الدنيا، وإنّما نسب إليهنّ لـما بينهنّ من الملابسة، من حيث إنّها طباق، فجاز أن يقال: فيهنّ كذا، وإن لم يكن في جميعهنّ، كما يقال: في المدينة كذا، وهو
في بعض نواحيها.
( وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) يبصر أهل الدنيا في ضوئها، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره. فمثّلها به لأنّها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض، كما يزيلها السراج عمّا حوله. والقمر ليس كذلك، وإنّما هو نور لم يبلغ قوّة ضياء الشمس. ومثله قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ) (١) . والضياء أقوى من النور.
وعن ابن عبّاس وابن عمر: أنّ الشمس والقمر وجوههما ممّا يلي السماء، وظهورهما ممّا يلي الأرض.
( وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ) أنشأكم منها. فاستعير الإنبات للإنشاء، كما يقال: زرعك الله للخير. وكانت هذه الاستعارة أدلّ على الحدوث والتكوّن من الأرض، لأنّهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات. ومنه قيل للحشويّة: النابتة والنوابت، لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أوّليّة لهم فيه.
وأصله: أنبتكم إنباتا فنبتّم نباتا، فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزاميّة.
( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها ) مقبورين( وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ) بالحشر. وأكّده بالمصدر كما أكّد به الأوّل، دلالة على أنّ الإعادة محقّقة كالإبداء. فكأنّه قال: يخرجكم حقّا ولا محالة.
( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ) مبسوطة تتقلّبون عليها كما يتقلّب الرجل على بساطه( لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ) واسعة. جمع فجّ. و «من» لتضمّن الفعل معنى الاتّخاذ.
عدّد الله سبحانه هذه الضروب من النعم، فنبّههم سبحانه أوّلا على النظر في أنفسهم، لأنّها أقرب منظور فيه منهم. ثمّ على النظر في العالم وما سوّى فيه من
__________________
(١) يونس: ٥.
العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته وعلمه، من السماوات والأرض والشمس والقمر، امتنانا عليهم، وتنبيها لهم على استحقاق خالقها للعبادة خالصة من كلّ شرك وندّ، ودلالة لهم على أنّه عالم بمصالحهم، ومدبّر لهم على ما تقتضيه الحكمة، فيجب أن لا يقابلوا هذه النعم الجليلة بالكفر والجحود.
( قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨) )
( قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) فيما أمرتهم به( وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً ) واتّبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترّين بأولادهم، بحيث صار ذلك سببا لزيادة خسارهم وهلاكهم في الآخرة. وفيه أنّهم إنّما اتّبعوهم لوجاهة حصلت لهم بالأموال والأولاد، وأدّت إلى الخسار. وأجرى ذلك مجرى
صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها، تحقيقا له وتثبيتا، وإبطالا لـما سواه.
وقرأ ابن كثير والكسائي والبصريّان: وولده بالضمّ والسكون، على أنّه لغة، كالحزن والحزن، أو جمع كالأشد.
( وَمَكَرُوا ) عطف على «لم يزده». والضمير لـ «من». وجمعه للمعنى.( مَكْراً كُبَّاراً ) كبيرا في الغاية، فإنّه أبلغ من: كبار، وهو أكبر من: كبير. ونحوه: طوال وطوّال. ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش السفلة على أذاه، وصدّهم عن الميل إليه.
( وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ) أي: عبادتها( وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا ) كانت هذه أكبر أصنامهم، وأعظمها عندهم، وأشهرها بينهم، فخصّوها بعد قولهم:( لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ) . ثمّ قالوا:( وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) أي: لا تذرنّ هؤلاء أيضا خصوصا. وقرأ نافع: ودّا بالضمّ. ومنع صرف «يغوث» و «يعوق» للعلميّة والعجمة.
قيل: هي أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلمّا ماتوا قال إبليس لمن بعدهم: لو صوّرتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا. فلمّا مات أولئك قال لمن بعدهم: إنّهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم، وقد انتقلت إلى العرب.
وكان ودّ لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير.
ولهذا سمّيت العرب بعبد ودّ وعبد يغوث.
وقال الواقدي: كان ودّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر.
وروى ابن عبّاس: كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند، ويحول بينه وبين الكفّار لئلّا يطوفوا بقبره. فقال لهم إبليس: إنّ هؤلاء يفخرون عليكم، ويزعمون أنّهم بنو آدم دونكم، وإنّما هو جسد، وأنا أصوّر لكم مثله تطيفون به.
فنحت خمسة أصنام، وحملهم على عبادتها. وهي: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق ،
ونسر. فلمّا كان أيّام الغرق دفن الطوفان تلك الأصنام، فطمّها التراب، فلم تزل مدفونة حتّى أخرجها الشيطان لمشركي العرب. فاتّخذت قضاعة ودّا، فعبدوها بدومة الجندل، ثمّ توارثها بنوه الأكابر حتّى صارت إلى كلب، فجاء الإسلام وهو عندهم. وأخذ بطنان من طيّ يغوث، فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا. ثمّ إنّ بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم، ففرّوا به إلى بني الحرث بن كعب. وأمّا يعوق فكان لكهلان، ثمّ توارثه بنوه الأكبر فالأكبر حتّى صار إلى همدان. وأمّا نسر فكان لخثعم يعبدونه. وأمّا سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه.
وروي عن عطاء وقتادة والثمالي: أنّ أوثان قوم نوح صارت إلى العرب، فكان ودّ بدومة الجندل، وسواع برهاط لهذيل. وكان يغوث لبني غطيف من مراد، وكان يعوق لهمدان، وكان نسر لآل ذي الكلاع من حمير، وكان اللات لثقيف. وأمّا العزى فلسليم وغطفان وجشم ونضر وسعد بن بكر. وأمّا مناة فكانت لقديد. وأمّا أساف ونائلة وهبل فلأهل مكّة. وكان أساف حيال الحجر الأسود. وكانت نائلة حيال الركن اليماني. وكان هبل في جوف الكعبة ثمانية عشر ذراعا.
( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ) الضمير للرؤساء، أو للأصنام، كقوله تعالى:( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً ) (١) ( وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً ) عطف على( رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) على حكاية كلام نوحعليهالسلام بعد: «قال». ومعناه: قال: ربّ إنّهم عصوني، وقال: لا تزد الظالمين إلّا ضلالا، أي: قال هذين القولين. وهما في محلّ النصب، لأنّهما مفعولا «قال». كقولك: قال زيد: نودي للصلاة وصلّ في المسجد، تحكي قوليه معطوفا أحدهما على صاحبه.
وأراد نوح بالضلال أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف، لتصميمهم على الكفر، ووقوع اليأس من إيمانهم. وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به، بل لا يحسن الدعاء
__________________
(١) إبراهيم: ٣٦.
بخلافه. فكأنّه قال: إلّا منعا من الطاعات، عقوبة لهم على رسوخهم في الكفر وعتوّهم وعنادهم.
ويجوز أنّهعليهالسلام أراد الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم، لا في أمر دينهم. أو الضياع والهلاك، كقوله:( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) (١) .
فاستجاب الله سبحانه دعاءه، وأهلكهم جميعا بالإغراق، كما حكاه سبحانه عنه بقوله:( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ ) من أجل خطيئاتهم الكثيرة وذنوبهم العظيمة. و «ما» مزيدة للتأكيد والتفخيم. وقرأ أبو عمرو: ممّا خطاياهم.( أُغْرِقُوا ) بالطوفان( فَأُدْخِلُوا ناراً ) عذاب الآخرة. وتقديم( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ ) لبيان أنّه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلّا من أجل خطيئاتهم. ولهذا أكّد هذا المعنى بزيادة «ما».
والفاء التعقيبيّة لبيان عدم الاعتداد بما بين الإغراق والإدخال، لاقترابه، ولأنّه كائن لا محالة. أو لأنّ المسبّب كالمتعقّب للسبب وإن تراخى عنه، لفقد شرط أو وجود مانع. أو أريد عذاب القبر، فإنّ من مات في ماء أو في نار أو أكلته السباع والطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب. وعن الضحّاك: وكانوا يغرقون من جانب، ويحترقون من جانب.
وتنكير النار للتعظيم، أو لأنّ الله أعدّ لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النيران.
( فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً ) تعريض لهم باتّخاذ آلهة من دون الله لا تقدر على نصرهم. وتهكّم بهم، كأنّه قال: فلم يجدوا لهم من دون الله آلهة ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، كقوله:( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا ) (٢) .
( وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) نازل دار، أي: لا تدع منهم أحدا إلّا أهلكته. وهو من الأسماء المستعملة في النفي العامّ. يقال: ما بالدار
__________________
(١) القمر: ٤٧.
(٢) الأنبياء: ٤٣.
ديّار وديّور، كقيّام وقيّوم. وهو فيعال من الدار والدور. وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بأصل سيّد وميّت. لا فعّال، وإلّا لكان دوّارا.
( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ) عن دينك( وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) إلّا من سيفجر ويكفر بعد البلوغ. فوصفهم بما يصيرون إليه، كقوله عليه الصلاة والسّلام: «من قتل قتيلا فله سلبه».
وعلمهعليهالسلام بذلك لـما جرّبهم واستقرى أحوالهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، فعرف شيمهم وطباعهم. وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه كما ذكر ويقول: احذر هذا، فإنّه كذّاب، وإنّ أبي حذّرنيه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك. وأيضا قد أخبره اللهعزوجل ( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) (١) .
واعلم أنّ صبيانهم غرقوا لا على وجه العقاب، ولكن كما يموتون بالأنواع من أسباب الهلاك. وكم منهم من يموت بالحرق والغرق، وكان ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمّهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون.
وعن الحسن: أنّه سئل عن ذلك، فقال: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب.
وعن مقاتل والربيع وعطاء: أنّ الله أعقم أرحام نسائهم، وأيبس أصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة، فلم يكن معهم صبيّ حين أغرقوا.
ثمّ دعاعليهالسلام لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، فقال:( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) لملك بن متوشلح وشمخا بنت أنوش، وكانا مؤمنين( وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ ) منزلي. وقيل: مسجدي. وقيل: سفينتي.
( مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) إلى يوم القيامة. خصّ أوّلا من يتّصل به، لأنّهم أولى وأحقّ بدعائه، ثمّ عمّ المؤمنين والمؤمنات.( وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ) هلاكا.
__________________
(١) هود: ٣٦.
(٧٢)
سورة الجنّ
مكّيّة. وهي ثمان وعشرون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة الجنّ اعطي بعدد كلّ جنّيّ وشيطان صدّق بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذّب به عتق رقبة».
حنان بن سدير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من أكثر قراءة «قل أوحي إليّ» لم يصبه في الحياة الدنيا شيء من أعين الجنّ، ولا من نفثهم، ولا من سحرهم، ولا من كيدهم، وكان مع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيقول: يا ربّ لا أريد بهم بدلا، ولا أريد بدرجتي حولا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ
كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) )
ولـمّا تقدّم في سورة نوحعليهالسلام اتّباع قومه أكابرهم، افتتح هذه السورة اتّباع الجنّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ ) إنّما ذكره على لفظ ما لم يسمّ فاعله
تفخيما وتعظيما، فإنّ الله سبحانه أوحى إليه، وجبرئيلعليهالسلام أنزل عليه( أَنَّهُ اسْتَمَعَ ) بالفتح، لأنّه فاعل «أوحي»( نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ ) النفر ما بين الثلاثة والعشرة.
وقيل: كانوا من الشيصبان. وهم أكثر الجنّ عددا، وعامّة جنود إبليس منهم. والجنّ أجسام عاقلة خفيّة يغلب عليهم الناريّة أو الهوائيّة على صورة مخصوصة، بخلاف صورة الناس والملائكة، فإنّ الملك مخلوق من النور، والانس من الطين، والجنّ من النار. وقيل: نوع من الأرواح المجرّدة. وقيل: نفوس بشريّة مفارقة عن أبدانها.
وفيه دلالة على أنّهعليهالسلام ما رءاهم ولم يقرأ عليهم، وإنّما اتّفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها، فأخبر الله به رسوله.
( فَقالُوا ) أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم، كقوله تعالى:( فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) (١) ( إِنَّا ) بالكسر، لأنّه مبتدأ محكيّ بعد القول( سَمِعْنا قُرْآناً ) كتابا( عَجَباً ) بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه ودقّة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز عن الإتيان بمثله. وهو مصدر وضع موضع العجيب للمبالغة.
( يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ) إلى الحقّ والصواب، من التوحيد والإيمان بكلّ ما جاء به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( فَآمَنَّا بِهِ ) بالقرآن. ولـمّا كان الإيمان به إيمانا بالله وبوحدانيّته وبراءة من الشرك قالوا:( وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ) أي: لن نعود إلى ما كنّا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان.
وفي هذا دلالة على أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان مبعوثا إلى الجنّ والإنس. وعلى أنّ الجنّ عقلاء مخاطبون، وبلغات العرب عارفون. وعلى أنّهم يميّزون بين المعجز وغيره.
وأنّهم دعوا قومهم إلى الإسلام، وأخبروهم بإعجاز القرآن. وأنّه كلام الله، لأنّ كلام العباد لا يتعجّب منه.
وروى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: ما قرأ
__________________
(١) الأحقاف: ٢٩.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على الجنّ وما رآهم، بل انطلق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء بشهاب ثاقب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلّا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فمرّ النفر الّذين أخذوا نحو تهامة بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الّذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم وقالوا: إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنّا به ولن نشرك بربّنا أحدا. فأوحى الله تعالى إلى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «قل أوحي إليّ أنّه استمع نفر من الجنّ»(١) . ورواه البخاري(٢) ومسلم أيضا في الصحيح.
وعن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة الجنّ؟ فقال: ما كان منّا معه أحد، فقدناه ذات ليلة ونحن بمكّة، فقلنا: اغتيل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو استطير. فانطلقنا نطلبه من الشعاب، فلقيناه مقبلا من نحو حراء، فقلنا: يا رسول الله أين كنت؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة بشرّ ليلة بات بها قوم حين فقدناك. فقال لنا: إنّه أتاني داعي الجنّ فذهبت وأقرأتهم القرآن. فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. فأمّا أن يكون صحبه منّا أحد فلم يصحبه.
وقيل: كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين رآهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فآمنوا به وأرسلهم إلى سائر الجنّ.
( وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ) قراءة ابن كثير والبصريّان بالكسر، على أنّه من
__________________
(١) التفسير الوسيط ٤: ٣٦١.
(٢) صحيح البخاري ٦: ١٩٩، صحيح مسلم ١: ٣٣١ ح ١٤٩.
جملة المحكيّ بعد القول. وكذا ما بعده، إلّا قوله:( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ) (١) ( وَأَنَّ الْمَساجِدَ ) (٢) ( وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ ) (٣) فإنّها من جملة الموحى به. ووافقهم نافع وأبو بكر إلّا في قوله:( وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ ) على أنّه استئناف أو مقول. وفتح الباقون الكلّ إلّا ما صدّر بالفاء، على أنّ ما كان من قولهم فمعطوف على محلّ الجارّ والمجرور في «آمنّا به» كأنّه قيل: صدّقناه أنّه تعالى جدّ ربّنا، أي: عظمته. من قولك: جدّ فلان في عيني إذا عظم. ومنه قول أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة جدّ في أعيننا، أي: عظم. أو سلطانه، أو غناه. مستعار من الجدّ الّذي هو الدولة والبخت، لـما يقال: الملوك والأغنياء هم المجدودون. والمعنى: وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد، لعظمته أو لسلطانه أو لغناه.
وقوله:( مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ) بيان لوصفه بالتعالي.
قال الربيع بن أنس: إنّه قال: ليس لله تعالى جدّ، وإنّما قالته الجنّ بجهالة، فحكاه سبحانه كما قالت. وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
( وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا ) جاهلنا، إبليس أو مردة الجنّ( عَلَى اللهِ شَطَطاً ) قولا ذا شطط، وهو البعد والمجاوزة عن الحدّ في الظلم وغيره. ومنه: أشطّ في السوم إذا أبعد فيه. أو هو في نفسه شطط، لفرط ما أشطّ فيه، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى. فاعترفوا بأنّ إبليس كان يخرج عن الحدّ في إغواء الخلق ودعائهم إلى الضلالة.
ثمّ اعتذروا عن اتّباعهم السفيه في ذلك، بظنّهم أنّ أحدا لا يكذب على الله، فقالوا :
( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً ) نصب على المصدر، لأنّه نوع من القول. أو الوصف لمحذوف، أي: قولا مكذوبا فيه. ومن قرأ: أن لن تقوّل
__________________
(١) الجنّ: ١٦ و١٨ ـ ١٩.
(٢) الجنّ: ١٦ و١٨ ـ ١٩.
(٣) الجنّ: ١٦ و١٨ ـ ١٩.
جعله مصدرا، لأنّ التقوّل لا يكون إلّا كذبا.
والمعنى: كان في ظنّنا أنّ أحدا من الثقلين لن يكذب على الله ولن يفتري عليه ما ليس بحقّ، من اتّخاذ الشريك معه والصاحبة والولد، فكنّا نصدّقهم فيما أضافوا إليه من ذلك، حتّى تبيّن لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم.
وفي هذا دلالة على أنّهم كانوا مقلّدين، حتّى سمعوا الحجّة وانكشف لهم الحقّ، فرجعوا عمّا كانوا عليه. وفيه إشارة إلى بطلان التقليد في التوحيد، ووجوب اتّباع الدليل.
( وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ ) وذلك لأنّ الرجل كان إذا أمسى بقفر قال: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه. يريد كبير الجنّ.
فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجنّ والإنس. وكان هذا منهم على حسب اعتقادهم أنّ الجنّ يحفظهم. وعن مقاتل: أوّل من تعوّذ بالجنّ قوم من اليمن، ثمّ بنو حنيفة، ثمّ فشا في العرب.
( فَزادُوهُمْ ) فزادوا الجنّ باستعاذتهم بهم( رَهَقاً ) كبرا وعتوّا وطغيانا. أو فزاد الجنّ الإنس غيّا، بأن أضلّوهم لاستعاذتهم بهم. والرهق في الأصل غشيان المحارم.
( وَأَنَّهُمْ ) وأنّ الإنس( ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ ) أيّها الجنّ. وهو من كلام الجنّ يقوله بعضهم لبعض. أو استئناف كلام من الله. ومن فتح «أنّ» فيهما جعلهما من الموحى به. والضمير في( وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا ) للجنّ. والخطاب لكفّار قريش، أي: ظنّ الجنّ كما ظننتم أيّها الكفّار( أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً ) هذا سادّ مسدّ مفعولي «ظنّوا».
( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ ) طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. واللّمس مستعار من المسّ للطلب، لأنّ الماسّ طالب متعرّف. يقال: لمسه والتمسه وتلمّسه، كطلبه واطّلبه وتطلّبه. ونحوه: الجسّ. يقال: جسّوه بأعينهم وتجسّسوه.
( فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً ) حرّاسا. اسم جمع، كالخدم بمعنى الخدّام( شَدِيداً ) أي: قويّا. ولو ذهب إلى معناه الجمعيّ لقيل: شدادا. وهم الملائكة يمنعونهم عنها.( وَشُهُباً ) جمع شهاب. وهو شيء مضيء متولّد من النار.
( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ) مقاعد خالية عن الحرس والشهب، أو صالحة للترصّد والاستماع. و «للسمع» صلة لـ «نقعد» أو صفة لـ «مقاعد».( فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ) شهابا راصدا له ولأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم. أو ذوي شهاب راصدين بالرجم، على أنّه اسم جمع للراصد. وهم الملائكة الّذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع.
واعلم أنّ بعضهم قالوا: إنّ الرجم لم يكن في الجاهليّة أصلا، وحدث بعد مبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو إحدى آياته. والأصحّ أنّه كان قبل المبعث، ولكنّ الشياطين كانت تسترقّ في بعض الأحوال، فلمّا بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة، حتّى تنبّه لها الإنس والجنّ، ومنع الاستراق رأسا.
وعن البلخي: أنّ الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان، غير أنّه لم يكن يمنع بها الجنّ عن صعود السماء، فلمّا بعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منع بها الجنّ منه.
وعن معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهليّة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت قوله:( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ ) ؟ فقال: غلظت الرجمة وشدّد أمرها حين بعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفي قوله: «ملئت» دليل على أنّ الحادث هو الملء والكثرة. وكذلك قوله:( نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ ) أي: كنّا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلّها. وهذا سبب ما حملهم على الضرب في البلاد حتّى عثروا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واستمعوا قراءته. يقولون: لـمّا حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق، قلنا: ما هذا إلّا لأمر أراده الله بأهل الأرض.
( وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ) بحراسة السماء( أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ) خيرا ورحمة، ولو ببعث نبيّ عظيم الشأن.
( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ ) المؤمنون الأبرار( وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ ) أي: قوم دون ذلك، فحذف الموصوف. وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه. أو أرادوا الطالحين.( كُنَّا طَرائِقَ ) ذوي طرائق ومذاهب متفرّقة مختلفة. أو كنّا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة. أو كنّا في طرائق مختلفة. أو كانت طرائقنا طرائق، على حذف المضاف الّذي هو الطرائق، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه.( قِدَداً ) متفرّقة مختلفة. جمع القدّة. من: قدّ، كالقطعة من: قطع. ووصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطيع والتفرّق.
( وَأَنَّا ظَنَنَّا ) علمنا، فإنّ الظنّ بمعنى اليقين شائع في كلامهم( أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ ) كائنين في الأرض أينما كنّا فيها( وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ) هاربين منها إلى السماء. وقيل: لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا.
( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى ) القرآن( آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ ) فهو لا يخاف، أي: فهو غير خائف، لأنّ الكلام في تقدير مبتدأ وخبر دخلت الفاء عليه، ولو لا ذلك لقيل: لا يخف. والفائدة في رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله أنّه إذا فعل ذلك فكأنّه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالّا على تحقيق أنّ المؤمن ناج لا محالة، وأنّه هو المختصّ بذلك دون غيره.( بَخْساً ) أي: جزاء بخس، وهو النقص في الجزاء( وَلا رَهَقاً ) ولا جزاء رهق، وهو وصول الذلّة، لأنّه لم يبخس هذا المؤمن أحدا حقّا، ولم يرهق ظلم أحد، فلا يخاف جزاءهما. وفيه دلالة على أنّ من حقّ من آمن بالله أن يجتنب المظالم. ومنه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم ودمائهم وأموالهم».
ويجوز أن يراد: فلا يخاف أن يبخس، بل يجزى الجزاء الأوفى، ولا أن ترهقه ذلّة، من قولهعزوجل :
( وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) (١) .
( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ) المنقادون لأوامر الله( وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ) الجائرون عن طريق الحقّ، وهو الإيمان والطاعة( فَمَنْ أَسْلَمَ ) انقاد لأوامره( فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ) توخّوا رشدا عظيما يبلغهم إلى دار الثواب.
( وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) توقد بهم كما توقد بالحطب. وعن سعيد بن جبير: أنّ الحجّاج قال له حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل.
فقال القوم: ما أحسن ما قال. حسبوا أنّه يصفه بالقسط والعدل. فقال الحجّاج: يا جهلة إنّه سمّاني ظالما مشركا، وتلا لهم قوله:( وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) وقوله:( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) (٢) .
وقد زعم من لا يرى للجنّ ثوابا أنّ الله عزّ وعلا أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم. وكفى به وعدا أن قال:( فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ) . فذكر سبب الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد.
( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ) «أن» مخفّفة من الثقيلة، وهو من جملة الموحى به.
وضمير الجمع للجنّ. والمعنى: وأوحي إليّ أنّ الشأن لو استقام الجنّ( عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أي: الطريقة المثلى، وهي طريقة الإسلام، أي: لو ثبت أبو الجنّ ـ وهو الجانّ ـ على ما كان عليه من عبادة الله والطاعة، ولم يستكبر عن السجود لآدم، ولم يكفر، وتبعه ولده على الإسلام، واستقاموا على الهدى( لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) ماء كثيرا غزيرا من السماء، أي: لأنعمنا عليهم، ولوسّعنا رزقهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير، لأنّه أصل المعاش وسعة الرزق، ولعزّة وجوده بين العرب.
( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لنختبرهم كيف يشكرون ما خوّلوا منه، أي: لنعاملهم معاملة
__________________
(١) يونس: ٢٧.
(٢) الأنعام: ١.
المختبر في شدّة التعبّد، بتكليف الانصراف عمّا تدعو شهواتهم إليه، وفي ذلك المحنة الشديدة، والمثوبة على قدر المشقّة في الصبر عمّا تدعو إليه الشهوة.
ويجوز أن يكون معناه: وأن لو استقام الجنّ الّذين استمعوا على طريقتهم الّتي كانوا عليها قبل الإسماع، ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام، لوسّعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم لنفتنهم فيه، أي: لتكون النعمة سببا في اتّباعهم شهواتهم، ووقوعهم في الفتنة، وازديادهم إثما، أو لنعذّبهم في كفران النعمة.
وقيل: ضمير الجمع راجع إلى الإنس. وعن مقاتل: أراد به مشركي مكّة، أي: لو آمنوا واستقاموا على طريقة الإيمان لأسقيناهم ماء كثيرا، وذلك بعد ما رفع عنهم القطر سبع سنين.
وعن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أخبرني عن قول الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ) (١) . قال: هو والله ما أنتم عليه، ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا».
وعن بريد العجلي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «معناه: لأفدناهم علما كثيرا يتعلّمونه من الأئمّة».
وقيل: راجع إلى الجنّ والإنس كليهما.
( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ) عن عبادته، أو موعظته، أو وحيه( يَسْلُكْهُ ) يدخله. وقرأ غير الكوفيّين بالنون.( عَذاباً صَعَداً ) شاقّا يعلو المعذّب ويغلبه.
مصدر وصف به. والأصل: نسلكه في عذاب، كقوله:( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) (٢) .
فعدّي إلى مفعولين، إمّا بحذف الجارّ وإيصال الفعل، كقوله:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) (٣) . وإمّا بتضمينه معنى: ندخله.
__________________
(١) فصّلت: ٣٠.
(٢) المدّثّر: ٤٢.
(٣) الأعراف: ١٥٥.
( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨) )
وعن سعيد بن جبير: قالت الجنّ للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : كيف لنا أن نأتي المسجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت :
( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ ) أي: أوحي إليّ أنّ المساجد كلّها لله مختصّة به( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) فلا تعبدوا فيها غيره.
وقيل: معناه: ولأنّ المساجد لله فلا تدعوا، على أنّ اللام متعلّقة بـ «لا
تدعوا» أي: فلا تدعوا مع الله أحدا في المساجد، لأنّها لله خاصّة ولعبادته. والأولى أن يكون المراد بالمخاطبين الجنّ والإنس جميعا.
وعن قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد.
وقيل: المساجد أعضاء السجود السبعة، على أنّ المراد النهي عن السجود لغير الله. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أمرت أن أسجد على سبعة آراب(١) ، وهي: الجبهة والأنف، واليدان، والركبتان، وأصابع الرجلين».
وروي: أنّ المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن عليّ بن موسى الرضاعليهمالسلام عن قوله:( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ ) . فقال: «هي الأعضاء السبعة الّتي يسجد عليها».
وقيل: المراد المسجد الحرام، لأنّه قبلة المساجد، ولهذا ورد بلفظ الجمع.
ومنه قوله تعالى:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (٢) .
وقيل: المساجد جمع المسجد، وهو مصدر ميمي. والمعنى: السجدات كلّها لله.
وقيل: المراد بالمساجد الأرض كلّها، لأنّها جعلت للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مسجدا، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «جعلت لي الأرض مسجدا».
( وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ ) أي: النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . وإنّما ذكر بلفظ العبد، لأنّ التقدير: وأوحي إليّ أنّه لـمّا قام عبد الله. فلمّا كان واقعا في كلام رسول الله عن نفسه، جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلّل. وللإشعار بما هو المقتضي لقيامه، أعني: العبوديّة.( يَدْعُوهُ ) يعبده. يريد قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجنّ فاستمعوا لقراءته.( كادُوا ) كاد الجنّ( يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ) متراكمين من ازدحامهم عليه
__________________
(١) الآراب جمع الإرب: العضو.
(٢) البقرة: ١١٤.
تعجّبا ممّا رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائما وراكعا وساجدا، فسمعوا من قراءته. أو كاد الإنس والجنّ يكونون عليه مجتمعين لإبطال أمره.
وعن قتادة: تلبّدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفؤه، فأبى الله إلّا أن ينصره ويظهره على من ناواه.
ومن قرأ «وإنّه» بالكسر جعله من كلام الجنّ، قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم، حاكين ما رأوا من صلاته وازدحام الصحابة عليه في ائتمامهم به.
واللبد جمع لبدة، وهو ما تلبّد بعضه على بعض، كلبدة الأسد. وعن ابن عامر برواية هشام: لبدا بضمّ اللام، جمع لبدة، وهي لغة.
( قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ) أي: قال عبد الله للجنّ عند ازدحامهم متعجّبين: ليس ما ترون من عبادتي الله ورفضي الإشراك بالله بأمر يتعجّب منه، إنّما يتعجّب ممّن يدعو غير الله ويجعل له شركاء. أو قال للمتظاهرين عليه: إنّما أدعو ربّي. يريد: ما أتيتكم بأمر منكر، إنّما أعبد ربّي وحده، ولا أشرك به أحدا، وليس ذلك ممّا يوجب إطباقكم على مقتي وعداوتي. أو قال الجنّ لقومهم ذلك حكاية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقرأ عاصم وحمزة: قل، على الأمر للنبيّ، ليوافق قوله:( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ) ولا نفعا. أو غيّا ولا رشدا. والمعنى: لا أستطيع أن أضرّكم وأن أنفعكم، إنّما الضارّ والنافع الله. أو لا أستطيع أن أقسركم على الغيّ والرشد، إنّما القادر على ذلك اللهعزوجل .
( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ ) إن أراد بي سوءا، من مرض أو موت أو غيرهما( وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ) ملتجأ يؤوى إليه. وأصله: المدّخل، من اللحد. وقيل: محيصا ومعدلا.
( إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللهِ ) استثناء من قوله: «لا أملك» فإنّ التبليغ إرشاد وإنفاع ،
وما بينهما اعتراض مؤكّد لنفي الاستطاعة من نفسه وبيان عجزه. أو من «ملتحدا».
ومعناه: لن أجد من دونه منجا إلّا أن أبلّغ عنه ما أرسلني به. وقيل: «إلّا» بمعنى: إن لا، أي: إن لا أبلّغ بلاغا. وما قبله دليل الجواب.
وقوله:( وَرِسالاتِهِ ) عطف على «بلاغا». كأنّه قيل: لا أملك إلّا التبليغ والرسالات. و «من الله» صفة «بلاغا» لا صلته، لأنّ صلته «عن» كقوله: بلّغوا عنّي.
والمعنى: إلّا أن أبلّغ بلاغا كائنا من الله، فأقول: قال الله كذا وكذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلّغ رسالاته وأحكامه الّتي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان.
وقيل: أراد بالبلاغ توحيد الله وعدله، وما يجوز عليه وما لا يجوز، إذ الكلام فيه. وأراد بالرسالة ما أرسل لأجله من بيان الشرائع.
ولـمّا بيّن سبحانه أنّه لا ملجأ من عذابه إلّا طاعته، عقّبه بوعيد من قارف معصيته، فقال :
( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) في الأمر بالتوحيد، إذ الكلام فيه( فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) جمعه للمعنى.
( حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ) في الدنيا، كوقعة بدر. أو في الآخرة. والغاية لقوله:( يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ) بالمعنى الثاني. أو لمحذوف دلّ عليه الحال، من استضعاف الكفّار للنبيّ، وعصيانهم له، واستقلالهم لعدده. كأنّه قال: لا يزال على ما هم عليه حتّى إذا رأوا ما يوعدون.( فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ) هو أم هم.
ولـمّا سمع المشركون( حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ) قالوا: متى يكون هذا الموعود؟ إنكارا له، فقال الله سبحانه :
( قُلْ إِنْ أَدْرِي ) ما أدري( أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ ) متوقّع في كلّ ساعة( أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ) مهلة وغاية تطول مدّتها. يعني: قل لهم إنّه كائن لا محالة ،
ولكن لا أدري وقته.
( عالِمُ الْغَيْبِ ) هو عالم الغيب( فَلا يُظْهِرُ ) فلا يطلع( عَلى غَيْبِهِ ) أي: على الغيب المخصوص به علمه( أَحَداً ) من عباده( إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) يعلم بعضه حتّى يكون له معجزة. و «من» بيان لـ «من».
قال صاحب الكشّاف: «معناه: أنّه لا يطلع على الغيب إلّا المرتضى الّذي هو مصطفى للنبوّة خاصّة، لا كلّ مرتضى. وفي هذا إبطال للكرامات، لأنّ الّذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل. وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطّلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط»(١) . انتهى كلامه.
والجواب عن إبطال ظهور الكرامات من الأولياء بتخصيص الإظهار على الغيب بما يكون بغير توسّط البشر، كما هو المتبادر، أو بتخصيص الرسول بالملائكة.
والمعنى: لا يظهر الغيب أوّلا إلّا على الرسل أو على الملائكة، وهم يطلعون الأنبياء والأولياء ثانيا بإذنه. فكرامات الأولياء على المغيّبات إنّما يكون تلقّيا من الرسول أو الملائكة، كاطّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسّط الأنبياء. ولا ريب أنّ فشوّ معجزات الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم، واشتهار كراماتهم بحيث لا ينكرها أحد إلّا أعدى معاديهم وأعند معانديهم، يهدم أساس هذا الإبطال. وبديهة العقل قاضية على أنّ في قوله: «لا كلّ مرتضى» تعريضا له إلى قدوة الأولياء ومرتضى الأوصياء، ومظهر العجائب ومظهر الغرائب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله، وهذا مستلزم للعناد والبغض. نعوذ بالله من شرور الاعتقادات الفاسدة، والآراء الباطلة، والأقوال المضلّة.
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٦٣٢ ـ ٦٣٣.
( فَإِنَّهُ ) فإنّ الله سبحانه( يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) يدخل من بين يدي من ارتضى للرسالة( وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) حرسا من الملائكة يحرسونه ويحفظونه من الشياطين، يطردونهم عنه، ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم. وعن الضحّاك: ما بعث نبيّ إلّا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبّهوا بصورة الملك.
( لِيَعْلَمَ ) النبيّ الموحى إليه( أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا ) جبريل مع خواصّ الملائكة النازلين بالوحي، كما جرت عادة الملوك بأن يضمّوا إلى الرسول جماعة من خواصّهم تشريفا له. وهذا كما روي أنّ سورة الأنعام نزلت ومعه سبعون ألف ملك.
وعن سعيد بن جبير: ما نزل جبرئيل بشيء من الوحي إلّا ومعه أربعة من الملائكة حفظة. أو ليعلم الله أن قد أبلغ الأنبياء. يعني: ليتعلّق علمه به موجودا.( رِسالاتِ رَبِّهِمْ ) محروسة من التغيير. وعلى التفسير الثاني ؛ وحدّ الضمير أوّلا على اللفظ في قوله:( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) . ثمّ جمع على المعنى، كقوله:( فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) (١) .
( وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ ) بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء، ولا ينسى منها حرفا، فهو مهيمن عليها حافظ لها( وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) حتّى القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ ونصب «عددا» على الحال، أي: وضبط كلّ شيء معدودا محصورا. أو على المصدر في معنى: إحصاء.
__________________
(١) الجنّ: ٢٣.
(٧٣)
سورة المزّمّل
مكّيّة. وقيل: مدنيّة. وقيل: بعضها مكّيّ، وبعضها مدنيّ. وهي ثماني عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة المزّمّل دفع عنه العسر في الدنيا والآخرة».
منصور بن حازم عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة المزّمّل في العشاء الآخرة أو في آخر الليل، كان له الليل والنهار شاهدين مع السّورة، وأحياه الله حياة طيّبة، وأماته ميتة طيّبة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) )
ولـمّا ختم الله سورة الجنّ بذكر الرسل، افتتح هذه السورة بذكر نبيّنا خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) أصله: المتزمّل، وهو الّذي تزمّل في ثيابه، أي: تلفّف بها، فأدغم التاء في الزاي. ونحوه: المدّثّر في المتدثّر.
سمّي به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تهجينا لـما كان عليه، فإنّه كان نائما، أو مرتعدا ممّا دهشه من بدء الوحي، متزمّلا في قطيفة، وذلك قبل التبليغ، ولـمّا بلّغ خوطب بالنبيّ والرسول.
وقيل: دخل على خديجة، وقد جئث(١) فرقا وخوفا أوّل ما أتاه جبرئيل على صورته الأصليّة، وبوادره(٢) ترعد، فقال: زمّلوني زمّلوني، وحسب أنّه عرض له، فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبرئيل: يا أيّها المزّمّل.
أو تحسينا(٣) له، إذ روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصلّي متلفّفا بمرط(٤) مفروش على عائشة، فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.
__________________
(١) جئث جأثا: فزع.
(٢) البوادر جمع البادرة: اللحمة بين المنكب والعنق.
(٣) عطف على قوله: تهجينا، قبل ستّة أسطر.
(٤) المرط: كساء من صوف ونحوه يؤتزر به. كلّ ثوب غير مخيط.
وعن عائشة: أنّها سئلت ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه عليه وهو يصلّي. فسئلت: ما كان؟ قالت: والله ما كان خزّا، ولا قزّا(١) ، ولا مرعزّى، ولا إبريسما، ولا صوفا، كان سداه(٢) شعرا، ولحمته وبرا.
أو تشبيها(٣) له في تثاقله بالمتزمّل، لأنّه لم يتمرّن بعد في قيام الليل. أو من: تزمّل الزمل إذا تحمّل الحمل، أي: الّذي تحمّل أعباء النبوّة.
( قُمِ اللَّيْلَ ) أي: قم إلى الصلاة في الليل، أو داوم عليها( إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) والاستثناء من الليل. و «نصفه» بدل من «قليلا».
وقلّته بالنسبة إلى الكلّ. والتخيير بين ثلاث: قيام النصف بتمامه، والناقص منه كالثلث، والزائد عليه كالثلثين.
أو «نصفه» بدل من «الليل»، والاستثناء منه. كأنّه قال: قم أقلّ من نصف الليل. والضمير في «منه» و «عليه» للأقلّ من النصف كالثلث. فيكون التخيير بينه وبين الأقلّ منه كالربع، والأكثر منه كالنصف. فكأنّه قيل: قم أقلّ من نصف الليل، أو قم أنقص من ذلك الأقلّ أو أزيد منه قليلا. فيكون التخيير فيما وراء النصف، لأنّ الأقلّ من نصف الليل والناقص منه قليلا والزائد عليه قليلا كلّه وراء النصف، وما وراء النصف لا يصل إلى النصف، فإمّا أن يكون بين النصف والثلث، كالثلثين ونصف السدس مثلا، أو أقرب إلى الثلث، أو أقرب إلى النصف، أو للنصف.
__________________
(١) القزّ: ما يسوّى منه الإبريسم أو الحرير. والمرعزّى: الزغب الّذي تحت شعر العنز، الليّن من الصوف.
(٢) السدى من الثوب: ما مدّ من خيوطه، واللحمة: ما سدّي به بين سدى الثوب، أي: ما نسج عرضا، وهو خلاف سداة.
(٣) عطف على قوله: تهجينا، قبل عشرة أسطر.
والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقلّ من نصف الليل على البتّ، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما: النقصان من النصف، والزيادة عليه. أو الاستثناء من أعداد الليل، فإنّه عامّ، والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه.
وقال في المجمع: «وقيل: معناه: قم نصف الليل إلّا قليلا من الليالي، وهي ليالي العذر، كالمرض وغلبة النوم وعلّة العين ونحوها»(١) .
واعلم أنّ للأصحاب خلافا في أنّ القيام في الليل عليه وعلى أمّته في بدو الإسلام فرض أو نفل؟ وعن عائشة: أنّ الله جعله تطوّعا بعد أن كان فرضا.
وقيل: كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثمّ نسخ بهنّ إلّا ما تطوّعوا به بنذر وشبهه.
وعن الحسن: كان قيام ثلث الليل فريضة على الناس، وكانوا على ذلك سنة.
وقيل: كان واجبا، وإنّما وقع التخيير في المقدار ثمّ نسخ بعد عشرة سنين.
وعن الكلبي: كان يقوم الرجل حتّى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين. ومنهم من قال: كان نفلا، بدليل التخيير في المقدار، ولقوله تعالى:( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ) (٢) .
والأصحّ أنّ التهجّد واجب عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم ينسخ أبدا. والنافلة في الآية بمعنى فريضة زائدة على الفرائض اليوميّة. وأمّا على أمّته فنسخ وجوبه وبقي استحبابه. والروايات المأثورة عن أئمّتنا صلوات عليهم مصرّحة بذلك.
( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) اقرأه على تؤدة، بتبيين الحروف وإشباع الحركات ،
__________________
(١) مجمع البيان ١٠: ٣٧٧.
(٢) الإسراء: ٧٩.
بحيث يتمكّن السامع من عدّها. من قولهم: ثغر رتل إذا كان مفلّجا(١) .
وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الترتيل: حفظ الوقوف، وأداء الحروف.
وسئلت عائشة عن قراءة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقالت: لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها. و «ترتيلا» تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنّه ما لا بدّ منه للقارىء.
وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عبّاس: إنّي رجل في قراءتي وفي كلامي عجلة. فقال ابن عبّاس: لأن أقرأ البقرة أرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن كلّه.
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : «معناه: بيّنه بيانا، ولا تهذّه(٢) هذّ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن اقرع به القلوب القاسية، ولا يكوننّ همّ أحدكم آخر السورة».
وروي عن أمّ سلمة أنّها قالت: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقطع قراءته آية آية.
وعن قطرب: المراد به تحزين القرآن، أي: اقرأه بصوت حزين. ويعضده ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذا قال: «هو أن تتمكّث فيه، وتحسّن به صوتك».
وعن ابن عمر قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها».
( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) سنوحي عليك قولا يثقل عليك وعلى أمّتك. يعني: القرآن، فإنّه لـما فيه من التكاليف الشاقّة ثقيل على المكلّفين، سيّما على الرسول، إذ كان عليه أن يتحمّلها ويحمّلها أمّته. وعن ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، وكما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة. والجملة اعتراض يسهّل
__________________
(١) المفلّجة من الأسنان: المنفرجة.
(٢) هذّ الشيء: قطعه سريعا. وهذّ الحديث: سرده.
مشقّة التكليف عليه بالتهجّد، فإنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء، فلا بدّ لمن أحياه من مضادّة لطبعه ومجاهدة لنفسه.
وقيل: معناه: رصين، لرزانة لفظه ومتانة معناه. أو ثقيل على المتأمّل فيه، لافتقاره إلى مزيد تصفية للسرّ وتجريد للنظر. أو ثقيل في الميزان، أو على الكفّار والفجّار. أو ثقيل تلقّيه، لقول عائشة: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم(١) عنه، وإنّ جبينه ليرفضّ(٢) عرقا.
وعن ابن عبّاس: كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربّد(٣) له جلده.
وقيل: كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يتغيّر حاله عند نزول الوحي ويعرق، وإذا كان راكبا يبرك راحلته ولا يستطيع المشي.
وسأل الحرث بن هشام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّ عليّ، فيفصم عنّي، وقد وعيت ما قال. وأحيانا يتمثّل الملك رجلا، فأعي ما يقول.
( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ) إنّ النفس الّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة. من: نشأ من مكانه إذا نهض. أو قيام الليل، على أنّ الناشئة مصدر من: نشأ إذا قام ونهض، على فاعلة، كالعاقبة. ويدلّ عليه ما روي عن عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أوّل الليل أتقولين له: قام ناشئة؟ قالت: لا، إنّما الناشئة القيام بعد النوم. ففسّرت الناشئة بالقيام عن المضجع، أو العبادة الّتي تنشأ بالليل، أي: تحدث. أو ساعات الليل، لأنّها تحدث واحدة بعد اخرى. أو ساعاتها الأول، من: نشأت إذا ابتدأت.
وعن عليّ بن الحسين: «أنّه كان يصلّي بين المغرب والعشاء ويقول: أما سمعتم قول الله تعالى:( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ) هذه ناشئة الليل».
__________________
(١) أي: يقلع عنه.
(٢) ارفضّ العرق: سال وترشّش.
(٣) تربّد اللون: تغيّر.
( هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً ) كلفة، أو ثبات قدم. وقرأ أبو عمرو وابن عامر: وطاء، أي: مواطأة يواطئ قلبها لسانها، إن أردت النفس. أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه، إن أردت القيام أو العبادة أو الساعات. أو أشدّ موافقة لـما يراد من الخشوع والإخلاص. أو أثقل وأغلظ على المصلّي من صلاة النهار، من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أللّهمّ اشدد وطأتك على مضر».
( وَأَقْوَمُ قِيلاً ) وأسدّ مقالا، وأثبت قراءة، لحضور القلب وهدوء الأصوات.
( إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ) تقلّبا في مهمّاتك وشواغلك من تبليغ الرسالة، ودعوة الخلق، وتعليم الفرائض والسنن، وإصلاح المعيشة لنفسك وعيالك. فعليك بالتهجّد، فإنّ مناجاة الحقّ تستدعي فراغا.
وقال صاحب المجمع: «وفي هذا دلالة على أنّه لا عذر لأحد في ترك صلاة الليل لأجل التعليم والتعلّم، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يحتاج إلى التعليم أكثر ممّا يحتاج الواحد منّا إليه، ثمّ لم يرض سبحانه منه أن يترك حظّه من قيام الليل»(١) .
( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ) ودم على ذكره ليلا ونهارا. وذكر الله يتناول كلّ ما يذكر به، من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة ودراسة علم.
وقيل: معناه: اقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم في ابتداء صلاتك، توصلك بركة قراءتها إلى ربّك، وتقطعك من كلّ ما سواه.
( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) وانقطع إليه بالعبادة، وجرّد نفسك عمّا سواه. ولهذه الرمزة ومراعاة الفواصل وضع «تبتيلا» موضع: تبتّلا. وقال في الكشّاف: «معنى تبتّل: بتّل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة لحقّ الفواصل»(٢) . وعن ابن عبّاس: معناه: أخلص له إخلاصا.
__________________
(١) مجمع البيان ١٠: ٣٧٩.
(٢) الكشّاف ٤: ٦٣٩.
وروى محمد بن مسلم وزرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّ التبتّل هنا رفع اليدين في الصلاة». وفي رواية أبي بصير قال: «هو رفع يدك إلى الله، وتضرّعك إليه».
( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) خبر محذوف، أي: هو ربّ العالم بما فيه، والمتصرّف فيما بينهما، والمدبّر لـما بينهما. أو مبتدأ خبره( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي: ربّ المشرقين لا أحد يحقّ له العبادة سواه. وقرأ ابن عامر والكوفيّون غير حفص ويعقوب بالجرّ على البدل من «ربّك». وقيل: بإضمار حرف القسم، وجوابه( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) .
( فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ) حفيظا للقيام بأمرك، واعتمد عليه، وفوّض أمرك إليه. وهذا مسبّب عن التهليل، فإنّ توحّده بالألوهيّة يقتضي أن توكّل إليه الأمور.
( وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) من التكذيب والأذى، والنسبة إلى السحر والكهانة( وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ) بأن تجانبهم وتداريهم، ولا تكافئهم، وتكل أمرهم إلى الله، كما قال مهدّدا للكفّار:( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ ) والّذين يكذّبونك فيما تدعوهم إليه، من التوحيد وإخلاص العبادة ووقوع البعث والجزاء. ونصبه على أنّه مفعول معه. والمعنى: دعني وإيّاهم، وكل إليّ أمرهم، فإنّ بي غنية عنك في مجازاتهم، فلا تشغل نفسك بمجازاتهم.( أُولِي النَّعْمَةِ ) أرباب التنعّم. يريد صناديد قريش. وقيل: نزلت في المطعمين ببدر، وهم عشرة، ذكرناهم في الأنفال(١) .( وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ) زمانا أو إمهالا قليلا. وهذا أيضا وعيد، ولم يكن إلّا يسيرا حتّى كانت وقعة بدر.
ثمّ علّل الأمر المذكور بقوله:( إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً ) جمع النكل، وهو القيد الثقيل
__________________
(١) راجع ج ٣ ص ٣٨، ذيل الآية ٣٦ من سورة الأنفال.
( وَجَحِيماً ) هو اسم من أسماء جهنّم. وقيل: يعني: نارا عظيمة، ولا يسمّى القليل به.
( وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ ) ينشب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج، كالزقّوم والضريع. وروى حمران بن أعين عن عبد الله بن عمر: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سمع قارئا يقرأ هذه فصعق.( وَعَذاباً أَلِيماً ) ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يعرف كنهه إلّا الله تعالى.
( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ ) تضطرب وتتزلزل شديدا. ظرف لـما في( لَدَيْنا أَنْكالاً ) من معنى الفعل.( وَالْجِبالُ ) وترجف الجبال معها، وتضطرب بمن عليها( وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً ) رملا مجتمعا. فعيل بمعنى مفعول. من: كثبت الشيء إذا جمعته.
( مَهِيلاً ) سائلا منثورا. من: هيل هيلا إذا نثر. يعني: أنّ الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل.
( إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) )
ثمّ أكّد سبحانه الحجّة على قريش فقال:( إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً ) يا أهل مكّة( شاهِداً عَلَيْكُمْ ) يشهد عليكم يوم القيامة بتكذيبكم وكفركم( كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ) يعني: موسى. ولم يعيّنه، لأنّ المقصود لم يتعلّق به.
( فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) عرّفه لسبق ذكره( فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً ) ثقيلا
شديدا، مع كثرة جنوده وسعة ملكه. من قولهم: طعام وبيل غير مستمرئ لثقله. ومنه: الوابل للمطر العظيم القطر.
ثمّ حذّرهم الله سبحانه أن ينالهم مثل ما نال فرعون وقومه، فقال:( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ) أنفسكم( إِنْ كَفَرْتُمْ ) بقيتم على الكفر( يَوْماً ) عذاب يوم. أو فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة؟ ويجوز أن يكون مفعولا لـ «كفرتم» على تأويل: فكيف تتّقون الله إن جحدتم يوم القيامة والجزاء؟ لأنّ التقوى هو خوف عقاب الله.
( يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ) من شدّة هوله. جمع أشيب. وهذا على التمثيل والفرض، كما يقال: يوم يشيب النواصي، وهذا أمر يشيب منه الوليد. وأصله: أن الهموم الشديدة تضعف القوى فتسرع بالشيب. ويجوز أن يكون وصفا لليوم بالطول.
( السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ) التذكير على تأويل السقف. والباء للآلة، كالباء في: فطرت العود بالقدوم(١) . بمعنى: أنّ السماء على عظمها وإحكامها تنفطر بشدّة، كما ينفطر الشيء بما يفطر به.( كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ) الضمير لله، أو لليوم وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلوما، على إضافة المصدر إلى المفعول.
( إِنَّ هذِهِ ) أي: هذه الآيات الموعدة( تَذْكِرَةٌ ) موعظة( فَمَنْ شاءَ ) أن يتّعظ( اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) إلى ثواب ربّه طريقا يتقرّب إليه بسلوك التقوى والخشية.
__________________
(١) القدوم: آلة للنحت والنجر.
( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) )
روي: أنّ التهجّد كان واجبا على التخيير المذكور، فكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وطائفة من المؤمنين معه يقومون في الليل للتهجّد، فشقّ ذلك عليهم، فكان الرجل يصلّي الليل كلّه مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام، فخفّف الله ذلك عنهم بقوله :
( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى ) أي: أقلّ( مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) استعار الأدنى للأقلّ، لأنّ الأقرب إلى الشيء أقلّ بعدا منه، فإنّ المسافة بين الشيئين إذا دنت قلّ ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك. وقرأ هشام: ثلثي الليل بسكون اللام. وابن كثير والكوفيّون: نصفه وثلثه بالنصب، عطفا على «أدنى». والمعنى: أنّك تقوم في بعض الليالي أقلّ من ثلثيها، وفي بعضها النصف، وفي بعضها الثلث.
( وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) ويقوم ذلك طائفة من أصحابك. روى أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: في قوله:( وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) : عليّ وأبو ذرّ(١) .
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٣٨٧ ح ١٠٣٦.
( وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلّا الله، فإنّ تقديم اسمه مبتدأ مبنيّا عليه «يقدّر» يشعر بالاختصاص. ويؤيّده قوله:( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) أي: لن تحصوا تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضبطها بالتعديل والتسوية، إلّا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) عن الجبائي: معناه: جعله تطوّعا بعد أن كان فرضا. وقيل: معناه: فلم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب.
وقيل: فخفّف عليكم هذا التكليف. والكلّ عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدّر، ورفع التبعة فيه، كرفع التبعة عن التائب.
( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) فصلّوا ما تيسّر عليكم من صلاة الليل. عبّر عن الصلاة بالقرآن كما عبّر عنها بسائر أركانها. ثمّ نسخ ذلك أيضا بالصلوات الخمس.
وقيل: فاقرؤا القرآن بعينه كيفما تيسّر عليكم. ومن قال: المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة، فهو محمول على الاستحباب عند الأكثر دون الوجوب.
وقال بعضهم: هو محمول على الوجوب، لأنّ القارئ يقف على إعجاز القرآن وما فيه من دلائل التوحيد وإرسال الرسل. ولا يلزم حفظ القرآن، لأنّه من القرب المستحبّة المرغّب فيها.
ثمّ اختلفوا في القدر الّذي تضمّنه هذا الأمر من القراءة. فقال سعيد بن جبير: خمسون آية. وقال ابن عبّاس: مائة آية. وعن الحسن قال: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجّه القرآن. وقال كعب: من قرأ مائة آية في ليلة كتب من القانتين. وقال السدّي: مائتا آية. وقال جويبر: ثلث القرآن، لأنّ الله يسّره على عباده. وعلى مذهب أصحابنا لا تجب القراءة إلّا في الصلوات الواجبة، وفي غيرها مندوبة.
ثمّ بيّن حكمة اخرى مقتضية للترخيص والتخفيف، فقال مستأنفا:( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ ) يسافرون( فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ
اللهِ ) للتجارة، أو لتحصيل العلم. قال عبد الله بن مسعود: أيّما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا، فباعه بسعر يومه، كان عند الله بمنزلة الشهداء. ثمّ قرأ:( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ ) .
( وَآخَرُونَ ) ومنكم قوم آخرون( يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) فيقتضي التخفيف عنهم أيضا( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ) كرّره مبالغة في القراءة، ولهذا يؤكّد استحبابها.
وروي عن الرضاعليهالسلام ، عن أبيه، عن جدّه قال: «ما تيسّر منه لكم فيه خشوع القلب وصفاء السرّ».
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) المفروضة( وَآتُوا الزَّكاةَ ) الواجبة( وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) يريد به الأمر بسائر الإنفاقات في سبيل الخير، أو بأداء الزكاة على أحسن وجه، والترغيب فيه بوعد العوض، كما صرّح به في قوله:( وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ ) من طاعة بدنيّة أو ماليّة( تَجِدُوهُ ) تجدوا ثوابه( عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً ) لكم من التقصير والشحّ( وَأَعْظَمَ أَجْراً ) أفضل ثوابا من الّذي تؤخّرونه إلى الوصيّة عند الموت. أو من متاع الدنيا تخلّفونه بعد موتكم. و «خيرا» ثاني مفعولي «تجدوه». وهو تأكيد، أو فصل، لأنّ «أفعل من» كالمعرفة، ولذلك يمتنع من حرف التعريف.
( وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ ) في مجامع أحوالكم، فإنّ الإنسان لا يخلو من تفريط( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) ستّار لذنوبكم، صفوح عنكم( رَحِيمٌ ) بكم، منعم عليكم.
(٧٤)
سورة المدّثّر
مكّيّة. وهي ستّ وخمسون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة المدّثّر اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بمحمّد وكذّب به بمكّة».
محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ في الفريضة سورة المدّثّر كان حقّا على الله أن يجعله مع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في درجته، ولا يدركه في حياة الدنيا شقاء أبدا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) )
ولـمّا أمر سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في آخر المزّمّل بالصلاة وغيرها، أمره في مفتتح
هذه السورة بالإنذار عن ترك المأمورات، فأمره أن يبدأ بنفسه ثمّ بالناس، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) وهو لابس الدثار.
روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي فلم أر شيئا، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض ـ يعني: الملك الّذي ناداه ـ فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثّروني دثّروني، فنزل جبرئيل وقال: «يا أيّها المدّثّر». ولذلك قيل: هي أوّل سورة نزلت.
وعن الزهري: أوّل ما نزل سورة «اقرأ باسم ربّك» إلى قوله: «ما لم يعلم». فحزن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبرئيل فقال: إنّك نبيّ الله. فرجع إلى خديجة وقال: دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا. فنزل: «يا أيّها المدّثّر».
وقيل: سمع من قريش ما كرهه، فاغتمّ فتغطّى بثوبه مفكّرا كما يفعل المغموم، فنزل.
وقيل: المراد المتدثّر بالنبوّة والكمالات النفسانيّة. أو المختفي، فإنّه كان بحراء كالمختفي فيه، على سبيل الاستعارة.
( قُمْ ) من مضجعك، أو قم قيام عزم وجدّ( فَأَنْذِرْ ) أطلق الإنذار للتعميم.
والمعنى: فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد. أو قدّر بمفعول دلّ عليه قوله:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) أي فحذّر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. والأوّل أولى. ويؤيّده قوله:( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) (٢) .
( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) وخصّص ربّك بالتكبير. وهو وصفه بالكبرياء اعتقادا وقولا. روي: أنّه لـمّا نزل قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الله أكبر، فكبّرت خديجة وفرحت، وأيقنت
__________________
(١) الشعراء: ٢١٤.
(٢) سبأ: ٢٨.
أنّه الوحي، وذلك لأنّ الشيطان لا يأمر بذلك.
وقد يحمل على تكبير الصلاة، وهو في مفتتح الصلوات الواجبة واجب، وفي غيرها مستحبّ. والفاء فيه وفيما بعده لإفادة معنى الشرط، كأنّه قال: مهما يكن من شيء فلا تدع تكبيره. وتقديم هذا الأمر على الأوامر الآتية، للدلالة على أنّ المقصود الأوّل من الأمر بالقيام أن يكبّر ربّه عن الشرك والتشبيه، فإنّ أوّل ما يجب معرفة الصانع، وأوّل ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه عن جميع النواقص والعيوب.
( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) من النجاسات، فإنّ التطهير شرط في الصلاة، محبوب في غيرها. وذلك بغسلها، أو بحفظها عن النجاسة، كتقصيرها مخافة جرّ الذيول فيها.
ولهذا قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «معناه: فثيابك فقصّر».
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «قال أمير المؤمنينعليهالسلام : غسل الثياب يذهب الهمّ والحزن، وهو طهور للصلاة، وتشمير(١) الثياب طهور لها، وقد قال الله تعالى:( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) أي: فشمّر».
وهو أوّل ما أمر به من رفض العادات المذمومة، فإنّ عادتهم في الجاهليّة جرّ الذيول على الأرض مرحا وتكبّرا.
أو طهّر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة. يقال للرجل إذا كان صالحا: إنّه لطاهر الثياب، وطاهر الجيب والأردان والذيل. فهو وصف له بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق. وإذا كان فاجرا يقال: إنّه لخبيث الثياب والذيل. وذلك لأنّ الثوب يلابس الإنسان ويشتمل عليه، فكنّي به عنه. فيكون أمرا باستكمال القوّة العمليّة، بعد أمره باستكمال القوّة النظريّة والدعاء إليه.
أو فطهّر دثار النبوّة عمّا يدنّسه من الحقد والضجر وقلّة الصبر.
( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) أي: فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدّي إليه من الشرك وغيره من المآثم. والمعنى: الثبات على هجره، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان بريئا منه.
__________________
(١) شمّر الثوب عن ساقيه: رفعه.
وقيل: معناه: أخرج حبّ الدنيا عن قلبك، لأنّه رأس كلّ خطيئة. وقرأ يعقوب وحفص: والرّجز بضمّ الراء. وهو لغة، كالذّكر.
( وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) ولا تعط عطيّة مستكثرا. نهي عن الاستغزار، وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوّض من الموهوب له أكثر من الموهوب. ومنه: الحديث: «المستغزر يثاب من هبته».
وفيه وجهان :
أحدهما: أن يكون نهيا خاصّا برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ الله اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق. وهذا مرويّ عن ابن عبّاس، وقتادة، ومجاهد، والضحّاك، والنخعي.
والثاني: أن يكون نهي تنزيه لا تحريم له ولأمّته.
وقال الحسن والربيع بن أنس: معناه: لا تمنن حسناتك على الله تعالى مستكثرا، أي: رائيا لها كثيرا، فينقصك ذلك عند الله.
وعن ابن زيد: لا تمنن ما أعطاك الله من النبوّة والقرآن، مستكثرا به الأجر من الناس لأجل التبليغ.
وعن أبي مسلم: هذا نهي عن الربا المحرّم.
وقيل: لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا ما أعطيته، فإنّ المنّ يكدّر الصنيعة.
( وَلِرَبِّكَ ) ولوجهه، أو أمره( فَاصْبِرْ ) فاستعمل الصبر. أو فاصبر على مشاقّ التكاليف وأذى المشركين. وعن النخعي: فاصبر على عطيّتك. كأنّه وصله بما قبله، وجعله صبرا على العطاء من غير استكثار.
( فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) في الصور. فاعول من النقر بمعنى التصويت. وأصله: القرع الّذي هو سبب الصوت. واختلف في أنّها النفخة الأولى الّتي هي أوّل الشدّة
الهائلة العامّة، أم الثانية الّتي عندها يحيي الله الخلق جميعا يوم القيامة، وتسمّى صيحة الساعة. والفاء للسببيّة، كأنّه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم نفخ الصور الّذي يلقون في يومه عاقبة أمرهم، وتلقى عاقبة صبرك عليه.
و «إذا» ظرف لـما دلّ عليه قوله:( فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ ) فإنّ معناه: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين. و «ذلك» إشارة إلى وقت النقر. وهو مبتدأ، خبره «يوم عسير». و «يومئذ» بدله. كأنّه قيل: فيوم النقر يوم عسير. أو ظرف لخبره، إذ التقدير: فذلك الوقت وقت وقوع يوم عسير.( غَيْرُ يَسِيرٍ ) تأكيد يمنع أن يكون عسيرا عليهم من وجه دون وجه، ويشعر بيسره على المؤمنين، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم، وبشارة المؤمنين وتسليتهم.
ويجوز أن يراد أنّه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما يرجى تيسّر العسير من أمور الدنيا.
( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما
أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) )
وروي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا نزل عليه( حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ ) (١) قام إلى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلمّا فطن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية.
فانطلق الوليد حتّى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة(٢) ، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق(٣) ، وإنّه ليعلو وما يعلى. ثمّ انصرف إلى منزله.
فقالت قريش: صبأ(٤) والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلّهم. وكان يقال للوليد: ريحانة قريش.
فقال لهم أبو جهل: أنا أكفيكموه. فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا.
فقال له: مالي أراك حزينا يا ابن أخي؟
قال: هذه قريش يعيبونك على كبر سنّك، فيزعمون أنّك زيّنت كلام محمد.
فقام مع أبي جهل حتّى أتى مجلس قومه فقال: تزعمون أنّ محمّدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟
قالوا: أللّهمّ لا.
__________________
(١) غافر: ١ ـ ٣.
(٢) الطلاوة: الحسن والبهجة.
(٣) غدق المكان: ابتلّ بالغدق وخصب. والغدق: الماء الكثير.
(٤) أي: خرج من دين إلى دين آخر.
قال: تزعمون أنّه كاهن، فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك؟
قالوا: أللّهمّ لا.
قال: تزعمون أنّه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بشعر قطّ؟
قالوا: أللّهمّ لا.
قال: أتزعمون أنّه كذّاب؟ فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب؟
قالوا: أللّهمّ لا. وكان يسمّى الصادق الأمين قبل النبوّة من صدقه.
فقالت قريش للوليد: فما هو؟
فتفكّر في نفسه ثمّ نظر وعبس فقال: ما هو إلّا ساحر. أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فهو ساحر. وما الّذي يقوله إلّا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل. ففرحوا بقوله. فقال سبحانه تهديدا للوليد:( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً )
حال من الياء، أي: ذرني وحدي معه، فإنّي أجزيك في الانتقام منه عن كلّ منتقم، فأكفيكه. أو من التاء، أي: ومن خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد. أو من العائد المحذوف، أي: من خلقته فريدا لا مال له ولا ولد، فإنّه كان ملقّبا بالوحيد، فسمّاه الله به تهكّما، وتغييرا له عن الغرض الّذي كانوا يؤمّونه ـ من مدحه والثناء عليه بأنّه وحيد قومه، لرئاسته ويساره وتقدّمه في الدنيا ـ إلى وجه الذمّ والعيب، وهو أنّه خلق وحيدا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر بنعمة الله وأشرك به، واستهزأ بدينه. أو أراد أنّه وحيد ولكن في الشرارة، أو عن أبيه، لأنّه كان زنيما(١) .
( وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً ) مبسوطا كثيرا، أو ممدّا بالنماء. من: مدّ النهر ومدّ نهره آخر. قيل: كان له الضرع والزرع والتجارة. وعن ابن عبّاس: هو ما كان له بين مكّة والطائف من صنوف الأموال. وقيل: الممدود الكثير الّذي لا تنقطع غلّته عنه
__________________
(١) الزنيم: الدعيّ، أي: اللاحق بقوم ليس منهم.
سنة حتّى يدرك غلّة سنة أخرى، فهو ممدود على الأيّام. وكان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفا وشتاء، وما بين مكّة إلى الطائف من الإبل المؤبّلة(١) ، والخيل المسوّمة، والنعم المرحّلة(٢) ، والمستغلّات الّتي لا تنقطع غلّتها، والجواري والعبيد، والعين الكثيرة. وعن مجاهد: كان له مائة ألف دينار. وقيل: ألف ألف.
( وَبَنِينَ شُهُوداً ) حضورا معه بمكّة يتمتّع بلقائهم ويستأنس بهم، لا يشتغل قلبه بغيبتهم، ولا يحزن لفراقهم. ولا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش، لأنّهم مكفيّون، لوفور نعمة أبيهم، فاستغنوا عن التكسّب وطلب المعاش بأنفسهم. ولا يحتاج هو أن يرسلهم في مصالحه، لكثرة خدمه. أو يشهدون معه في المحافل والمجامع، لوجاهتهم واعتبارهم. أو تسمع شهاداتهم فيما يتحاكم فيه.
وعن مجاهد: كان له عشرة بنين. وقيل: ثلاثة عشر. وقال مقاتل: سبعة: الوليد بن الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاص، وقيس، وعبد شمس. أسلم منهم ثلاثة: خالد، وهشام، وعمارة.
( وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ) وبسطت له الرئاسة والجاه العريض. ومنه قولهم: أدام الله تأييدك وتمهيدك، يريدون زيادة الجاه والحشمة. وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم، ولذلك لقّب ريحانة قريش والوحيد بسبب استحقاق الرئاسة والتقدّم.
( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) على ما أعطيته. وهو استبعاد واستنكار لطمعه، إمّا لأنّه لا مزيد على ما أوتي سعة وكثرة، أو لأنّه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم. وقيل: إنّه كان يقول: إن كان محمّد صادقا فما خلقت الجنّة إلّا لي.
ولذلك قال:( كَلَّا ) ردعا له عن الطمع وقطع رجائه. ثمّ علّل الردع على سبيل الاستئناف بقوله:( إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ) أي: عاند آيات المنعم وكفّر بذلك نعمته ،
__________________
(١) أي: المتّخذة والمقتناة، أو المجتمعة.
(٢) المرحّل من النعم: الّذي شدّ عليه الرّحل.
والكافر لا يستحقّ المزيد. روي: أنّه ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله حتّى هلك.
( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) سأغشيه عقبة شاقّة المصعد. وهو مثل لـما يلقى من الشدائد الّتي لا يطاق. وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثمّ يهوي فيه كذلك أبدا».
وعنه أيضا: «يكلّف أن يصعد عقبة من النار كلّما وضع عليها يده ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، فإذا رفعها عادت».
وعن الكلبي: هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلّف أن يصعدها، حتّى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، تمّ يكلّف أن يصعدها، فذلك دأبه أبدا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في أربعين سنة.
ثمّ علّل للوعيد المذكور، أو بيّن عناده ووصف أشكاله الّتي تشكّل بها بقوله :
( إِنَّهُ فَكَّرَ ) فيما يخيّل طعنا في القرآن( وَقَدَّرَ ) في نفسه ما يقول فيه وهيّأه( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) تعجيب من تقديره استهزاء به. أو لأنّه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه. من قولهم: قتله الله ما أشجعه، أي: بلغ في الشجاعة مبلغا يحقّ بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك.( ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) تكرير للمبالغة. و «ثمّ» للدلالة على أنّ الثانية أبلغ من الأولى. وفيما بعد على أصلها الّذي هو العطف، أعني: قوله:( ثُمَّ نَظَرَ ) معطوفا على «قدّر». والدعاء اعتراض بينهما، أي: نظر في أمر القرآن مرّة أخرى.
( ثُمَّ عَبَسَ ) قطّب وجهه لـمّا لم يجد فيه مطعنا ولم يدر ما يقول. أو نظر إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقطّب في وجهه.( وَبَسَرَ ) لم يقل: ثمّ بسر، لأنّه جار مجرى التأكيد من المؤكّد، لأنّه إتباع لـ «عبس»( ثُمَّ أَدْبَرَ ) عن الحقّ، أو الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ( وَاسْتَكْبَرَ ) عن اتّباعه( فَقالَ إِنْ هذا ) ما هذا القرآن( إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) يروى
ويتعلّم. وقيل: معناه: تؤثره النفوس وتختاره لحلاوته فيها. والفاء للدلالة على أنّه لـمّا خطرت هذه الكلمة بباله تفوّه بها من غير تلبّث وتفكّر.
( إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) كالتأكيد للجملة الأولى، ولهذا لم يعطف عليها. ولو كان القرآن سحرا أو من كلام البشر ـ كما قاله الملعون ـ لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله، أو قدر قريش مع فصاحتهم على الإتيان بسورة مثله.
( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) سأدخله جهنّم. هذا بدل من «سأرهقه».( وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ) تفخيم لشأنها. وقوله:( لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ) بيان لذلك، أو حال من «سقر».
والعامل فيها معنى التعظيم. والمعنى: لا تبقي شيئا يلقى فيها إلّا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكا حتّى يعاد.( لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ) مسودّة لأعالي الجلد. قيل: تلفح(١) الجلد لفحة فتدعه أشدّ سوادا من الليل.( عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) أي: يلي أمرها ويتسلّط على أهلها تسعة عشر ملكا. وقيل: صنفا من الملائكة.
قال فخر الدين الرازي: «الوجه في تخصيص هذا العدد أنّ اختلال النفوس البشريّة في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانيّة. وهي تسعة عشر: خمس هي الحواسّ الظاهرة، وخمس هي الحواسّ الباطنة، واثنتان: الغضبيّة والشهويّة، وسبعة هي القوى الطبيعيّة، وهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولّدة. ومجموعها تسعة عشر. وهي الزبانية الواقعة على باب جهنّم البدن، وعلى وفق هذا العدد زبانية جهنّم الآخرة»(٢) .
وقال بعضهم: إنّ لجهنّم سبع دركات، ستّ منها لأصناف الكفّار، وكلّ صنف يعذّب بترك الاعتقاد والإقرار والعمل أنواعا من العذاب تناسبها، وعلى كلّ نوع ملك أو صنف يتولّاه. وواحدة لعصاة الأمّة، يعذّبون فيها بترك العمل تعذيبا يناسبه ،
__________________
(١) لفحت النار فلانا: أصابته وأحرقته.
(٢) التفسير الكبير ٣٠: ٢٠٣.
ويتولّاه ملك أو صنف. ولا يبعد أنّهم يعذّبون بعدد الركعات اليوميّة الّتي كانوا يتركونها.
وقيل: إنّ تسعة عشر جامع لأكثر القليل من العدد وأقلّ الكثير منه، لأنّ العدد آحاد وعشرات ومئات وألوف، فأقلّ العشرات عشرة، وأكثر الآحاد تسعة. والله أعلم.
( وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) )
روي: أنّه لـمّا نزلت( عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمّهاتكم ؛ أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدّهم(١) الشجعان، أفيعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنّم؟! فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة
__________________
(١) الدّهم: العدد الكثير.
على ظهري، وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين. فنزلت :
( وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ) أي: وما جعلنا الموكّلين بالنار رجالا من جنسكم، بل ما جعلناهم إلّا ملائكة ليخالفوا جنس المعذّبين من الثقلين، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقّة، ولا يستروحون إليهم. ولأنّهم أقوى الخلق بأسا، وأشدّهم غضبا لله، وأقواهم بطشا. وعن عمرو بن دينار: واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنّم أكثر من ربيعة ومضر. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كأنّ أعينهم البرق، وكأنّ أفواههم الصياصي(١) ، يجرّون أشعارهم، لأحدهم مثل قوّة الثقلين، يسوق أحدهم الأمّة وعلى رقبته جبل، فيرمي بهم في النار، ويرمي بالجبل عليهم».
( وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: وما جعلنا عددهم إلّا العدد الّذي اقتضى فتنتهم، أي: محنة وتشديدا لهم في التكليف، وهو التسعة عشر. فعبّر بالأثر ـ أعني: الفتنة ـ عن المؤثّر، أعني: تسعة عشر، فوضع( فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) موضع «تسعة عشر» تنبيها على أنّ الأثر لا ينفكّ منه. وافتتانهم به: استقلالهم، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولّى هذا العدد القليل ـ الناقص واحدا من عقد العشرين ـ تعذيب أكثر الثقلين.
( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) أي: ليكتسبوا اليقين بنبوّة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وصدق القرآن لـمّا رأوا ذلك موافقا لـما في كتابهم( وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ) بالإيمان به وإن خفي وجه الحكمة عليهم. كأنّه قيل: ولقد جعلنا عدّتهم عدّة من شأنها أن يفتتن بها، لأجل استيقان أهل الكتاب، لأنّ عدّتهم تسعة عشر في الكتابين، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنّه منزل من الله. ولأجل ازدياد المؤمنين إيمانا، لتصديقهم بذلك كما صدّقوا بسائر ما أنزل، ولـما رأوا من تسليم
__________________
(١) الصياصي جمع الصيصية: الحصون.
أهل الكتاب وتصديقهم أنّه كذلك.
( وَلا يَرْتابَ ) ولئلّا يرتاب( الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ) أي: في ذلك.
وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان، ونفي لـما يعرض المتيقّن حيثما عراه شبهة، وتعريض بحال من عداهم. كأنّه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكّين المرتابين من أهل النفاق والكفر.
( وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) شكّ ونفاق. فيكون إخبارا بمكّة عمّا سيكون في المدينة بعد الهجرة، كسائر الإخبارات بالغيوب. فالآية لا تخالف كون السورة مكّيّة.
( وَالْكافِرُونَ ) الجازمون في التكذيب. واللام هاهنا لام العاقبة، أي: عاقبة أمر المنافقين والكافرين أن يقولوا:( ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً ) أيّ شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل؟ والمعنى: أيّ شيء أراد بهذا العدد العجيب؟ وأيّ غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين ومرادهم إنكاره من أصله، وأنّه ليس من عند الله، وأنّه لو كان من عند الله لـما جاء بهذا العدد الناقص.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى( يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) يعني: يفعل فعلا حسنا مبنيّا على الحكمة والصواب، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له، لاعتقادهم أنّ أفعال الله كلّها حسنة وحكمة، فيزيدهم إيمانا، وينكره الكافرون ويشكّون فيه، فيزيدهم كفرا وضلالا، وأضاف الهدى والضلال إلى نفسه، لأنّ سبب ذلك التكليف، وهو من جهته. كأنّه قال: يكلّف الخلق بهذه المحنة والاختبار ليظهر الضلال والهدى.
( وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ) جموع خلقه، وما عليه كلّ جند من العدد الخاصّ، بأن يكون بعضها على عقد كامل، وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كلّ جند بعدده من الحكمة( إِلَّا هُوَ ) إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والاطّلاع
على حقائقها وصفاتها، وما يوجب اختصاص كلّ واحد منها بما يخصّه من كمّ وكيف واعتبار ونسبة، فإنّه لا يعرف الحكمة في أعداد السماوات والأرضين، وأيّام السنة والشهور، والبروج والكواكب، وأعداد النصب والحدود والكفّارات والصلوات في الشريعة إلّا هو.
والمعنى: وما يعلم جنود ربّك لفرط كثرتها إلّا هو، فلا يعزّ عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها.
وقيل: هذا جواب لقول أبي جهل: أما لربّ محمّد أعوان إلّا تسعة عشر.
( وَما هِيَ ) متّصل بوصف سقر. وهي ضميرها، أو ضمير الآيات الّتي ذكرت فيها، أو ضمير عدّة الزبانية أو السورة، أي: وما سقر، أو وما الآيات المذكورة، أو وما عدّة الخزنة أو السورة.( إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ) أي: تذكرة لهم.
( كَلَّا ) ردع لمن أنكرها، أو إنكار أن يتذكّر الكفّار بها( وَالْقَمَرِ ) أقسم به لـما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه وغروبه ومسيره وزيادته ونقصانه( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) أي(١) : أدبر، كـ: قبل بمعنى: أقبل. وقيل: هو من: دبر الليل النهار إذا خلفه.
وقرأ نافع ويعقوب وحمزة وحفص: إذ أدبر.( وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ) أضاء وأنار.
( إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ) لإحدى البلايا والدواهي الكبر. وإنّما جمع كبرى على كبر إلحاقا لفعلى بفعلة، تنزيلا للألف منزلة التاء، كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع، كأنّها جمع فاعلة. ومعنى كونها إحداهنّ: أنّها من بينهنّ واحدة في العظم لا نظيرة لها، كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء.
والجملة جواب القسم، أو تعليل لـ «كلّا». والقسم معترض للتأكيد.
( نَذِيراً لِلْبَشَرِ ) أي: لإحدى الكبر إنذارا لهم. ونصبه بالتمييز، كما تقول: هي إحدى النساء عفافا. وقيل: هي حال عمّا دلّت عليه الجملة، أي: كبرت منذرة.
__________________
(١) هذا التفسير على قراءة: دبر.
( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) بدل من «للبشر» أي: نذيرا للمتمكّنين من السبق إلى الخير والتخلّف عنه، الّذين إن شاؤا تقدّموا ففازوا، وإن شاؤا تأخّروا فهلكوا. أو «أن يتقدّم» في موضع الرفع بالابتداء، و «لمن شاء» خبر مقدّم عليه، كقولك: لمن توضّأ أن يصلّي. ومعناه: لمن شاء التقدّم والسبق إلى الخير أو التأخّر والتخلّف عنه أن يتقدّم أو يتأخّر. وهو كقوله:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (١) .
وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسنعليهالسلام أنّه قال: «كلّ من تقدّم إلى ولايتنا تأخّر عن سقر، وكلّ من تأخّر عن ولايتنا تقدّم إلى سقر».
( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ
__________________
(١) الكهف: ٢٩.
(٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) )
( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) من طاعة أو معصية( رَهِينَةٌ ) مرهونة عند الله غير مفكوك. مصدر، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنّه قال: كلّ نفس بما كسبت رهن، أي: مرهونة محبوسة مطالبة. ولو كانت صفة لقيل: رهين، لمساواة فعيل بمعنى المفعول في التذكير والتأنيث.
( إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ) فإنّهم فكّوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، كما يخلّص الراهن رهنه بأداء الحقّ. وروي عن عليّعليهالسلام أنّه فسّرهم بالأطفال، لأنّهم لا أعمال لهم يرتهنون بها.
وعن ابن عبّاس: هم الملائكة. وعن الباقرعليهالسلام : «هم نحن وشيعتنا».
( فِي جَنَّاتٍ ) لا يكتنه وصفها. وهي حال من( أَصْحابَ الْيَمِينِ ) أو من ضميرهم في قوله:( يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) أي: يسأل بعضهم بعضا حال كونهم ساكنين في جنّات عن حال المجرمين وعن ذنوبهم الّتي استحقّوا بها النار. أو يسألون غيرهم عن حالهم، كقولك: تداعيناه، أي: دعوناه.
وقوله:( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) بجوابه حكاية قول المسؤولين عنهم، لأنّ المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر( قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) إلّا أنّ الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه. فلا يقال: كيف طابق قوله: «ما سلككم» وهو سؤال للمجرمين قوله:( يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) وهو سؤال عنهم، وإنّما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين ما سلككم؟ والمراد بالصلاة الصلاة الواجبة كما لا يخفى.
( وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ) ما يجب إعطاؤه من الزكوات والأخماس والكفّارات. وفيه دليل على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع.
( وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ) نشرع في الباطل مع الشارعين فيه، فإنّ الخوض هو الشروع في الباطل وما لا ينبغي.
( وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) أخّره لتعظيمه، أي: وكنّا بعد ذلك كلّه مكذّبين بالقيامة، كقوله:( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) (١) الآية.
( حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ) الموت ومقدّماته. والغرض من هذا التساؤل ـ مع أنّ المؤمنين عالمون بذلك ـ توبيخ لهم وتحسير. وأيضا ليكون حكاية ذلك في كتابه تذكرة للسامعين.
( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ) لو شفعوا لهم جميعا من الملائكة والنبيّين وغيرهم، لأنّ الشفاعة لمن ارتضاه، وهم مسخوط عليهم، فما تنفعهم شفاعة الملك والجنّ والإنس كما نفعت الموحّدين. وقد صحّت الرواية عن عبد الله بن مسعود قال: يشفع نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم رابع أربعة: جبرئيل، ثمّ إبراهيم، ثمّ موسى أو عيسى، ثمّ نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا يشفع أحد أكثر ممّا يشفع فيه نبيّكم، ثمّ النبيّون، ثمّ الصدّيقون، ثمّ الشهداء. ويبقى قوم في جهنّم فيقال لهم:( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) إلى قوله:( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ) . قال ابن مسعود: فهؤلاء الّذين يبقون في جهنّم.
وعن الحسن عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «يقول الرجل من أهل الجنّة يوم القيامة: أي ربّ عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا فشفّعني فيه. فيقول: اذهب فأخرجه من النار. فيذهب فيتجسّس في النار حتّى يخرجه منها».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ من أمّتي سيدخل الله بشفاعته الجنّة أكثر من مضر».
( فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) أي: معرضين عن التذكير، وهو العظة.
__________________
(١) البلد: ١٧.
يعني: القرآن، أو ما يعمّه من المواعظ. و «معرضين» حال، كقولك: مالك قائما. والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة إذا أعرضوا عن القرآن ونفروا عنه.
( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ) شديدة النفار، كأنّها تطلب النفار من نفوسها في جمعها للنفار وحملها عليه. وقرأ ابن عامر بفتح الفاء. والمعنى: يطلب منها النفار.( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) شبّههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة فرّت من قسورة، أي: أسد. فعولة من القسر، وهو القهر والغلبة. وفي وزنه حيدرة من أسماء الأسد. وعن الضحّاك ومجاهد: القسورة الرماة الّذين يتصيّدونها.
وفي تشبيههم بالحمر مذمّة ظاهرة، وتهجين لحالهم بيّن، كما في قوله:( كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ) (١) وشهادة عليهم بالبله وقلّة العقل. ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطّرادها في العدو إذا رابها رائب، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدّة سيرها بالحمر وعدوها إذا وردت ماء حال شدّة العطش.
روي: أنّهم اقترحوا على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عنادا: لن نتّبعك حتّى تأتي كلّا منّا بكتب من السماء عنوانها: من ربّ العالمين إلى فلان بن فلان اتّبع محمدا. فنزلت :
( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ) قراطيس تنشر وتقرأ، كالكتب الّتي يتكاتب بها. أو كتبا كتبت في السماء، ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشّرة على أيديها، غضّة رطبة لم تطو بعد. ونحوه قوله تعالى:( وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) (٢) . وقوله:( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ) (٣) الآية.
وقيل: قالوا: إن كان محمد صادقا فلتصبح عند رأس كلّ رجل منّا صحيفة
__________________
(١) الجمعة: ٥.
(٢) الإسراء: ٩٣.
(٣) الأنعام: ٧.
فيها براءته وأمنه من النار.
وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أنّ الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفّارته، فأتنا بمثل ذلك. وهذا من الصحف المنشّرة بمعزل، إلّا أن يراد بالصحف المنشّرة الكتابات الظاهرة المكشوفة.
( كَلَّا ) ردع عن اقتراحهم الآيات( بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ) فلذلك أعرضوا عن التذكرة، لا لامتناع إيتاء الصحف.
( كَلَّا ) ردع عن إعراضهم عن التذكرة( إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ) وأيّ تذكرة، أي: تذكرة بليغة كافية. والضمير للتذكرة. وتذكيره لأنّها في معنى التذكير والذكر. أو القرآن.
( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ) فمن شاء أن يذكره ويجعله نصب عينه فعل، فإنّ نفع ذلك راجع إليه.
( وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) ذكرهم، بأن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه، لأنّهم مطبوع على قلوبهم، معلوم لله تعالى أنّهم لا يؤمنون اختيارا.
وقيل: معناه: إلّا أن يشاء الله من حيث أمر به ونهى عن تركه، ووعد الثواب على فعله، وأوعد العقاب إن لم يفعله، فكانت مشيئته سابقة، أي: لا تشاءون إلّا والله قد شاء ذلك. وقرأ نافع: تذكرون بالتاء.
( هُوَ أَهْلُ التَّقْوى ) حقيق بأن يتّقيه عباده، ويخافوا عقابه، فيؤمنوا ويطيعوا( وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) حقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا.
وروي مرفوعا عن أنس قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تلا هذه الآية فقال: «قال الله سبحانه: أنا أهل أن اتّقى فلا يجعل معي إله، فمن اتّقى أن يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له».
وقيل: معناه: هو أهل أن يتّقى عقابه، وأهل أن يعمل له بما يؤدّي مغفرته.
(٧٥)
سورة القيامة
مكّيّة. وهي أربعون آية.
أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة القيامة شهدت أنا وجبرئيل له يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بيوم القيامة، وجاء ووجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من أدمن قراءة لا أقسم، وكان يعمل بها، بعثها الله يوم القيامة معه في قبره في أحسن صورة، تبشّره وتضحك في وجهه حتّى يجوز الصراط والميزان».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ
الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة المدّثّر بذكر القيامة وأنّ الكافر لا يؤمن بها، افتتح هذه السورة بذكر القيامة وذكر أهوالها، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) قد شاع في كلام العرب إدخال «لا» النافية على فعل القسم للتأكيد.
وقيل: «لا» ردّ على الّذين أنكروا البعث والنشور، فكأنّه قال: لا كما تظنّون، ثمّ ابتدأ القسم فقال: أقسم بيوم القيامة إنّكم مبعوثون.
وقيل: معناه: لا أقسم بيوم القيامة، لظهورها بالدلائل العقليّة والسمعيّة. وقد سبق الكلام في ذلك في قوله:( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ) (١) .
وقرأ قنبل: لأقسم بغير ألف بعد اللام. وكذلك روي عن البزّي، على أنّ اللام لتأكيد القسم، أو على تقدير: لأنا أقسم، فخفّف.
( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) بالنفس المتّقية الّتي تلوم النفوس المقصّرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرها. أو النفس الّتي تلوم نفسها في الدنيا وتقول له: ماذا فعلت؟ ولم قصّرت؟ وإن اجتهدت في الطاعة، فتكون مفكّرة في العواقب أبدا، والفاجر لا يفكّر في أمر الآخرة. أو النفس المطمئنّة اللائمة للنفس الأمّارة. أو بالجنس، لـما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلّا وتلوم نفسها
__________________
(١) الواقعة: ٧٥.
يوم القيامة، إن عملت خيرا قالت: كيف لم أزدد، وإن عملت شرّا قالت: ليتني لم أفعل».
أو نفس آدمعليهالسلام ، فإنّها لم تزل تتلوّم على ما خرجت به من الجنّة. وضمّها إلى يوم القيامة، لأنّ المقصود من إقامتها مجازاتها.
وجواب القسم محذوف، تقديره: إنّكم تبعثون، أو لتبعثنّ. ويدلّ على حذفه قوله:( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) صورته الاستفهام، ومعناه الإنكار. والمراد الجنس.
وإسناد الفعل إليه لأنّ فيهم من يحسب. أو الّذي نزل فيه، لـما روي أنّ عديّ بن أبي ربيعة ختن(١) الأخنس بن شريق ـ وهما اللّذان كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول فيهما: أللّهمّ اكفني جاري السّوء ـ سال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أمر القيامة، وقال: يا محمّد حدّثني عن يوم القيامة متى يكون وكيف أمره؟ فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك يا محمد، ولم أرض به أو يجمع الله العظام. فنزلت فيه( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) .
( أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ) بعد تفرّقها، أي: لن نعيده إلى ما كان أوّلا عليه خلقا جديدا بعد أن صار رفاتا مختلطا بالتراب، وبعد ما سفّتها الرياح وطيّرتها في أباعد الأرض. فكنّى عن البعث بجمع العظام.
( بَلى ) إيجاب بعد النفي، وهو الجمع. فكأنّه قال: بلى نجمعها.( قادِرِينَ ) حال من فاعل الفعل الّذي قدّرناه بعد «بلى»( عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ) بجمع سلامياته(٢) ، وضمّ بعضها إلى بعض كما كانت أوّلا، مع صغرها ولطافتها، فكيف بكبار العظام؟! أو على أن نسوّي بنانه. أي: أصابعه الّتي هي أطرافه، وآخر ما يتمّ به خلقه.
وعن ابن عبّاس وقتادة معناه: بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوّي أصابع يديه ورجليه، أي: نجعلها مستوية شيئا واحدا، كخفّ البعير وحافر الحمير ،
__________________
(١) الختن: زوج الابنة، أو كلّ من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ.
(٢) السلاميات جمع السلامى: كلّ عظم مجوّف من صغار العظام، مثل عظام الأصابع.
لا نفرّق بينها، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا ممّا يعمل بأصابعه المفرّقة ذات المفاصل والأنامل، من فنون الأعمال والقبض والبسط والتأتّي لـما يريد من الحوائج، ولكنّا مننّا عليه بالأنامل ليكمل بها المنفعة، ويتهيّأ له القبض والبسط والارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة وغيرها.
( بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ ) عطف على «أيحسب». فيجوز أن يكون مثله استفهاما، وأن يكون إيجابا، على أن يكون للإضراب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو إلى موجبه.( لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ) ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان، لا ينزع عنه.
وعن سعيد بن جبير: يقدّم الذنب ويؤخّر التوبة، يقول: سوف أتوب سوف أتوب، حتّى يأتيه الموت على شرّ أحواله وأسوأ أعماله.
( يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ) استبعادا لقيام الساعة. أو استهزاء. ونحوه:( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ ) (١) .
ثمّ قال سبحانه ردّا عليه:( فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ) تحيّر فزعا. من: برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره. وقرأ نافع بالفتح. وهو لغة. أو من البريق. يعني: لمع من شدّة شخوصه.( وَخَسَفَ الْقَمَرُ ) وذهب ضوؤه، أو ذهب بنفسه( وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) حيث يطلعهما الله من المغرب. ولا ينافيه الخسوف، فإنّه مستعار للمحاق.
وقيل: وجمعا في ذهاب الضوء. وقيل: يجمعان أسودين مكوّرين(٢) ، كأنّهما ثوران عقيران(٣) في النار. وقيل: يجمعان ثمّ يقذفان في البحر، فيكون نار الله
__________________
(١) الملك: ٢٥.
(٢) كوّرت الشمس: جمع ضوؤها ولفّ كما تلفّ العمامة، أو اضمحلّت وذهبت.
(٣) أي: معقوران قطعت قوائمهما بالسيف.
الكبرى.
ولمن حمل ذلك على أمارات الموت أن يفسّر الخسوف بذهاب ضوء البصر، والجمع باستتباع الروح ـ الّتي هي بمنزلة القمر ـ الحاسّة ـ الّتي هي بمنزلة الشمس ـ في الذهاب. أو بوصوله إلى من كان يقتبس منه نور العقل من سكّان القدس.
وتذكير الفعل لتقدّمه، وتغليب المعطوف.
( يَقُولُ الْإِنْسانُ ) المكذّب بالقيامة( يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ) أين الفرار؟ أو مكان الفرار. وقال الزجّاج: المفرّ بالفتح: الفرار، والمفرّ بالكسر: مكان الفرار. والمعنى: يقول ذلك قول الآيس من وجدانه المتمنّي.
( كَلَّا ) ردع عن طلب المفرّ( لا وَزَرَ ) لا ملجأ ولا مهرب لهم. وكلّ ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلّصت به فهو وزرك. ومنه: الوزير الّذي يلجأ إليه في الأمور. واشتقاقه من الوزر، وهو الثقل.
( إِلى رَبِّكَ ) إليه وحده( يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) استقرار العباد، أي: لا يقدرون أن يستقرّوا إلى غيره. أو إلى حكمه استقرار أمرهم، لا يحكم فيها غيره، كقوله :
( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) (١) . أو إلى مشيئته موضع قرارهم من جنّة أو نار، فيدخل من يشاء الجنّة ومن يشاء النار، على وفق حكمته.
( يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) بما قدّم من عمل عمله، وبما أخّر منه لم يعمله. أو بما قدّم من عمل الخير والشرّ، وبما أخّر من سنّة حسنة أو سيّئة عمل بها بعده. أو بما قدّم من مال تصدّق به، وبما أخّر فخلّفه. وعن ابن عبّاس: بما قدّم من المعاصي، وبما أخّر من الطاعات. وعن مجاهد: بأوّل عمله وآخره. ونحوه:( فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) (٢) .
__________________
(١) غافر: ١٦.
(٢) المجادلة: ٦.
( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) حجّة بيّنة على أعمالها، لأنّه شاهد بها. وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله :
( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً ) (١) . أو عين بصيرة بها، فلا يحتاج إلى الإنباء، لأنّه شاهد عليها بما عملت، لأنّ جوارحه تنطق بذلك:( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٢) . فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه عليه.
روى العيّاشي بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسرّ سيّئا؟ أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنّه ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول:( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) إنّ السريرة إذا صلحت قويت العلانية».
وعن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه تلا هذه الآية ثمّ قال: «ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس خلاف ما يعلم الله منه؟».
وعن زرارة سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : «ما حدّ المرض الّذي يفطر صاحبه؟ قال: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ».
( وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ) ولو جاء بكلّ ما يمكن أن يعتذر به لمن ينفعه ذلك. جمع معذار، وهو العذر. أو جمع معذرة على غير قياس، فإنّ قياسه: معاذر. أو ليس بجمع معذرة، وإنّما هو اسم جمع لها. ونحوه: المناكير في المنكر. وعن الضحّاك: ولو أرخى ستوره. وقال: المعاذير الستور، واحدها معذار. وهي لغة طائيّة، لأنّه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب. والمعنى على هذا القول: وإن أسبل الستور ليخفي ما يعمل، فإنّ نفسه شاهدة.
__________________
(١) النمل: ١٣.
(٢) النور: ٢٤.
( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) )
عن ابن عبّاس: كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا نزل عليه القرآن عجّل بتحريك لسانه، ولم يصبر إلى أن يتمّه جبرئيل، لحبّه إيّاه، وحرصه على أخذه وضبطه مخافة أن ينفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه، حتّى يقضى إليه وحيه، ثمّ يقفّيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه، فقال:( لا تُحَرِّكْ بِهِ )
بالقرآن( لِسانَكَ ) قبل أن يتمّ وحيه( لِتَعْجَلَ بِهِ ) لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك، فإنّ معاذيرك في هذا غير مسموعة، لأنّ نفسك بصيرة على أنّ علينا أن نؤيّدك في حفظ القرآن، ونحفظك أن ينفلت منك شيء منه.
ثمّ قال معلّلا للنهي عن العجلة والاعتذار فيها بقوله:( إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ ) في صدرك حتّى تحفظه( وَقُرْآنَهُ ) وإثبات قراءته في لسانك، فلا تخف فوت شيء منه.
( فَإِذا قَرَأْناهُ ) بلسان جبرئيل عليك( فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) قراءته مقفّيا له فيها.
وطمأن نفسك أنّه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه.
( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ) بيان ما أشكل عليك شيء من معانيه. كأنّه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعا، كما ترى بعض الحراص على العلم. ونحوه:( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (١) . عن ابن عبّاس قال: كان
__________________
(١) طه: ١١٤.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد هذا إذا نزل عليه جبرئيل أطرق، فإذا ذهب قرأ.
وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، واعتراض بما هو تأكيد للتوبيخ على حبّ العجلة، لأنّ العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهمّ الأمور الدينيّة، ففي الأمور الدنياويّة الموجبة لترك الاهتمام بالآخرة بطريق الأولى.
( كَلَّا ) ردع للرسول عن عادة العجلة، وإنكار لها عليه، وحثّ على الأناة والتؤدة. وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله:( بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ) فعمّم الخطاب إشعارا بأنّ بني آدم لفرط عجلتهم كأنّهم مطبوعون على الاستعجال. والمعنى: بل أنتم يا بني آدم تعجلون في كلّ شيء، ومن ثمّ تحبّون العاجلة.
( وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ) فتعملون للدنيا لا للآخرة، جهلا منكم. وقيل: «كلّا» ردع للإنسان المذكور في صدر السورة عن الاغترار بالعاجل. والمراد به الجنس. فجمع الضمير للمعنى. ويؤيّده قراءة ابن كثير وابن عامر والبصريّين بالياء في الفعلين. والمعنى: لا تتدبّرون القرآن وما فيه من البيان، بل تحبّون الدنيا الدنيّة السريعة الزوال، وتذرون الآخرة الّتي هي دار القرار من غير زوال ولا انتقال.
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١)
وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) )
ثمّ بيّن سبحانه حال الناس في الآخرة، فقال:( وُجُوهٌ ) أي: وجوه المؤمنين المستحقّين للثواب. والمراد أنفسهم، تسمية الكلّ باسم أشرف أجزائه.
ويسمّونه أيضا بالرأس والرقبة.( يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ) ناعمة بهيّة متهلّلة من نضرة النعيم.
( إِلى رَبِّها ) أي: إلى رحمته ونعيم جنّته( ناظِرَةٌ ) بحيث تغفل عمّا سواها، ولذلك قدّم المفعول. روي ذلك التفسير عن جماعة من علماء المفسّرين من الصحابة والتابعين. فحذف المضاف في «ربّها» وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله:( وَجاءَ رَبُّكَ ) (١) أي: أمر ربّك.
وقيل: معنى الناظرة: المنتظرة والمتوقّعة. من قولهم: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقّع والرجاء. فالمعنى: أنّهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة إلّا من ربّهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلّا الله.
__________________
(١) الفجر: ٢٢.
وهذا المعنى مرويّ عن مجاهد والحسن وسعيد بن جبير والضحّاك. وهو المرويّ عن عليّعليهالسلام .
وما قيل: إنّ النظر بمعنى الانتظار لا يدعى بـ «إلى». يأباه قول شعرائهم في أشعارهم. وكفى في ردّ هذا القول قول أكابر الصحابة ـ الّذين من جملتهم الامام المعصومعليهالسلام ـ أنّ معنى ناظرة: منتظرة.
وقيل: «إلى» اسم، وهو واحد الآلاء الّتي هي النعم. والمعنى: نعمة ربّها ناظرة.
ولا يجوز أن يكون المعنى: تنظر إلى ربّها خاصّة لا تنظر إلى غيره، على مقتضى تقديم المفعول، كما في قوله:( إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) (١) ( إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ) (٢) .( أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) (٣) .( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٤) .( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (٥) . وكيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص؟ فإنّه معلوم أنّ المؤمنين ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، من أنواع نعم الجنّة، ومشاهدتهم المعذّبين في النار. فالاختصاص بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال، فوجب حمله على المعنيين الأوّلين.
وأيضا كلّ منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة واللحاظ، والله تعالى منزّه عن أن يشار إليه بالعين، كما جلّ سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع.
وأيضا الرؤية بالحاسّة لا تتمّ إلّا بالمقابلة والتوجّه، والله يتعالى عن
__________________
(١) القيامة: ١٢.
(٢) القيامة: ٣٠.
(٣) الشورى: ٥٣.
(٤) البقرة: ٢٤٥.
(٥) هود: ٨٨.
ذلك بالاتّفاق.
وأيضا فإنّ رؤية الحاسّة لا تتمّ إلّا باتّصال الشعاع بالمرئيّ، والله منزّه عن اتّصال الشعاع به. على أنّ النظر لا يفيد الرؤية في اللغة، فإنّه إذا علّق بالعين أفاد طلب الرؤية، كما أنّه إذا علّق بالقلب أفاد طلب المعرفة، بدلالة قولهم: نظرت إلى الهلال فلم أره، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول متناقضا. وقولهم: ما زلت أنظر إليه حتّى رأيته. والشيء لا يجعل غاية لنفسه، فلا يقال: ما زلت أراه حتّى رأيته.
ولأنّا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة، ولا نعلمه رائيا بالضرورة، بدلالة أنّا نسأله: هل رأيت أم لا؟
( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ) شديدة العبوس. والباسل أبلغ من الباسر، لكنّه غلب في الشجاع إذا اشتدّ كلوحه(١) .
( تَظُنُ ) تتوقّع أربابها( أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ) داهية تكسر فقار الظهر، كما توقّعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كلّ خير.
( كَلَّا ) ردّ عن إيثار الدنيا على الآخرة. كأنّه قيل: ارتدّوا عن حبّ الدنيا واختيارها على الآخرة، وتنبّهوا على ما بين أيديكم من الموت الّذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة الّتي تبقون فيها مخلّدين. فذكّرهم صعوبة الموت الّذي هو أوّل مراحل الآخرة، فقال:( إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ) إذا بلغت النفس العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال. والمراد أعالي الصدر. وإضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها.
( وَقِيلَ مَنْ راقٍ ) أي: قال من حضر المحتضر من أهله بعضهم لبعض: من يرقيه ويداويه من طبيب شاف ما به من الرقية؟ أو قال ملائكة الموت: أيّكم يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ من الرقيّ.
__________________
(١) كلح وجهه كلوحا: عبس وتكشّر.
( وَظَنَ ) وعلم المحتضر( أَنَّهُ الْفِراقُ ) أنّ الّذي نزل به فراق الدنيا المحبوبة من أجل الأهل والولد والمال. وجاء في الحديث: «أنّ العبد ليعالج كرب الموت وسكراته، ومفاصله يسلّم بعضها على بعض ويقول: عليك السّلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة».
( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) والتوت ساقه بساقه عند علز الموت(١) ، فلا يزال يمدّ إحدى رجليه ويرسل الأخرى، ويلفّ إحداهما بالأخرى، فلا يقدر على تحريكهما.
وقال قتادة: ماتت رجلاه فلا تحملانه، وقد كان عليهما جوّالا.
وعن ابن عبّاس: التوت شدّة فراق الدنيا بشدّة خوف الآخرة، فإنّ الساق مثل في الشدّة.
وعن سعيد بن المسيّب: هما ساقاه حين تلفّان في أكفانه.
( إِلى رَبِّكَ ) إلى حكمه( يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ) سوقه، أو موضع سوقه. وقيل: يسوق الملك بروحه إلى حيث أمر الله تعالى به، إن كان من أهل الجنّة فإلى علّيّين، وإن كان من أهل النار فإلى سجّين.
( فَلا صَدَّقَ ) ما يجب تصديقه، من التوحيد والرسالة والبعث. أو فلا صدّق ماله، بمعنى: فلا زكّاه.( وَلا صَلَّى ) ما فرض عليه. والضمير فيهما للإنسان المذكور في( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) (٢) . وقيل: نزلت في أبي جهل.
( وَلكِنْ كَذَّبَ ) بالله ورسوله( وَتَوَلَّى ) عن الطاعة( ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ) يتبختر في مشيه افتخارا بذلك. من المطّ بمعنى المدّ، فإنّ المتبختر يمدّ خطاه. فيكون أصله: يتمطّط، بمعنى: يتمدّد. أو من المطا، وهو الظهر، فإنّه يلويه.
__________________
(١) علز الموت: القلق والهلع اللّذان يأخذان المحتضر، أو هو كالرعدة تأخذه.
(٢) القيامة: ٣٦.
( أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ) بمعنى: ويل لك، فإنّه دعاء عليه بأن يليه ما يكره.
وأصله: أولاك الله ما تكرهه. واللام مزيدة كما في( رَدِفَ لَكُمْ ) (١) . أو أولى لك الهلاك. وقيل: أفعل، من الويل بعد القلب، كأدنى من أدون. أو فعلى من: آل يئول، بمعنى: عقباك النار.
( ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ) يتكرّر ذلك عليك مرّة بعد اخرى. وقد جاءت الرواية أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيد أبي جهل ثمّ قال:( أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ) . فقال أبو جهل: بأيّ شيء تهدّدني؟ لا تستطيع أنت ولا ربّك أن تفعلا بي شيئا، وإنّي لأعزّ أهل هذا الوادي. فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله.
وقيل: معناه: أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر، فأولى لك في القبر، ثمّ أولى لك يوم القيامة، فأولى لك في النار. وأدخل «ثمّ» للتراخي بين الدنيا والآخرة.
( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) جنس الإنسان، أو أبو جهل( أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ) مهملا لا يكلّف ولا يجازى. والهمزة للإنكار، أي: لا ينبغي أن يظنّ ذلك. وهو يتضمّن تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه، من حيث إنّ الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح، والتكليف لا يتحقّق إلّا بالمجازاة، وهي قد لا تكون في الدنيا، فتكون في الآخرة.
( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ) يصبّ في الرحم. وقرأ حفص: يمنى بالياء.
( ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ) فقدّر وعدل خلقه وصورته وأعضاءه الباطنة والظاهرة في بطن أمّه. وقيل: معناه: فسوّى بعد الولادة إنسانا كامل القوّة والفطنة.
( فَجَعَلَ مِنْهُ ) من المنيّ، أو من الإنسان( الزَّوْجَيْنِ ) الصنفين( الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) هذا استدلال آخر بالإبداء على الإعادة، فإنّه سبحانه أخبر أنّه لم يخلق
__________________
(١) النمل: ٧٢.
الإنسان من المنيّ، ولم ينقله من حال إلى حال ليتركه مهملا، بل لا بدّ من غرض في ذلك، وهو التعريض للثواب بالتكليف فيه، ولا يتصوّر الثواب والعوض إلّا في دار لا تكليف فيه، وهي الآخرة. ولذلك رتّب عليه قوله:( أَلَيْسَ ذلِكَ ) أي: ذلك الّذي أنشأ هذا الإنشاء( بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) أي: على الإعادة.
عن البراء بن عازب: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قرأها قال: «سبحانك بلى». وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وفي الآية دلالة على صحّة القياس العقلي، فإنّه سبحانه اعتبر النشأة الثانية بالنشأة الأولى.
(٧٦)
سورة الإنسان
وتسمّى سورة الدهر، وسورة الأبرار. وهي مدنيّة. وقيل: إنّها مدنيّة إلّا قوله:( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) (١) فإنّه مكّيّ. وقيل: مكّيّة كلّها. وقيل: إنّ قوله:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ) (٢) إلى آخر السورة مكّيّ، والباقي مدنيّ. والصحيح الأوّل، كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى في أثناء السورة. وهي إحدى وثلاثون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله تعالى جنّة وحريرا».
وقال أبو جعفرعليهالسلام : «من قرأ سورة هل أتى في كلّ غداة خميس، زوّجه الله من الحور العين مائة عذراء وأربعة آلاف ثيّب، وكان مع محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا
__________________
(١) الإنسان: ٢٤.
(٢) الإنسان: ٢٣.
الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة القيامة بأن دلّ على صحّة البعث بخلق الإنسان من نطفة، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ) استفهام تقرير وتقريب، ولذلك فسّر بـ «قد». وأصله: أهل، بدليل قوله: أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم(١) .
فالمعنى: قد أتى على الإنسان، أي: أتى عليه قبل زمان قريب.( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) طائفة محدودة من الزمان الممتدّ غير المحدود( لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) بل كان شيئا منسيّا غير مذكور بالانسانيّة ـ كالعنصر والتراب والطين ـ إلى أن نفخ فيه الروح.
والجملة حال من «الإنسان» كأنّه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور. أو وصف لـ «حين» بحذف الراجع، تقديره: لم يكن شيئا مذكورا فيه.
وعن حمران بن أعين قال: سألنا الصادقعليهالسلام عنه فقال: «كان شيئا مقدورا، ولم يكن مكوّنا».
وعن سعيد الحدّاد عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «كان مذكورا في العلم، ولم يكن مذكورا في الخلق».
وفيه دلالة على أنّ المعدوم معلوم وإن لم يكن مذكورا، وعلى أنّ المعدوم يسمّى شيئا. والمراد بالإنسان آدمعليهالسلام . وهو أوّل من سمّي به، فإنّه أتى عليه أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا، لا في السماء ولا في الأرض، بل كان جسدا ملقى من
__________________
(١) لزيد الخيل الّذي سمّاه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم زيد الخير. وصدره: سائل فوارس يربوع بشدّتنا. ويربوع: أبو حيّ. والسفح: أصل الجبل المنسطح. والقاع: المستوي من الأرض. والأكم: التلول المرتفعة. واحده: أكمة. والمعنى: راجعهم واسألهم عن قوّتنا أهل
طين قبل أن ينفخ فيه الروح. وروى عطاء عن ابن عبّاس: أنّه تمّ خلقه بعد عشرين ومائة سنة.
فبيّن أوّلا خلقه، ثمّ ذكر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالجملة المستأنفة لبيان كيفيّة خلقهم، فقال:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) أي: جنس بني آدم( مِنْ نُطْفَةٍ ) وقيل: المراد بالإنسان الأوّل أيضا الجنس. والمعنى: قد أتى عليه حين من الدهر قبل الولادة لا يعرف ولا يذكر بالإنسانيّة، بل كان عنصرا وترابا ونباتا ونطفة. ثمّ فصّل وبيّن خلقه بقوله:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) . فوضع الظاهر موضع المضمر، للعناية بذكر اسمه صريحا في بيان كيفيّة خلقه. وهذا تقرير على ألطف الوجوه. فيقول: أيّها المنكر للصانع وقدرته أليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئا مذكورا ثمّ ذكرت؟ وكلّ واحد يعلم من نفسه أنّه لم يكن موجودا ثمّ وجد، فإذا تفكّر في ذلك علم أنّ له صانعا صنعه ومحدثا أوجده.
وقيل: المراد بالإنسان الأوّل العلماء، لأنّهم كانوا لا يذكرون، فصيّرهم الله سبحانه بالعلم مذكورين بين الخاصّ والعامّ في حياتهم وبعد مماتهم.
وورد في تفسير أهل البيتعليهمالسلام أنّ المراد بالإنسان عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، على أنّ الاستفهام بمعنى النفي، أي: ما مرّ زمان على الإنسان أنّه ليس مذكورا فيه.
على معنى: أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام مذكور في كلّ زمان، معروف عند كلّ قوم.
ويؤيّد ذلك ما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «يا عليّ كنت مع الأنبياء سرّا، ومعي جهرا». وكيف لا يكون مذكورا في جميع الأزمنة والأحيان، وقد كتب اسمه مع اسم اللهعزوجل واسم رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، على ساق العرش وعلى سرادقاته(١) وأستار الجنّة، قبل أن يخلق آدمعليهالسلام بأربعة عشر ألف سنة. وفي رواية اخرى: بأربعة وعشرين ألف سنة.
__________________
(١) سرادقات جمع سرادق، وهي الخيمة، أو الفسطاط الّذي يمدّ فوق صحن البيت.
وقد ورد في الأخبار عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «مكتوب على ساق العرش: لا إله إلّا الله، محمد رسول الله، أيّدته بعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ونصرته».
وورد أيضا في تفسير الاماميّة: أنّ الدليل على صحّة ما ذكر أنّ المراد بالإنسان عليّ صلوات الله عليه، أنّ الألف واللام في قوله:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) للعهد، فهو إشارة إلى الإنسان الأوّل. ولـمّا ذكر أن الإنسان الثاني خلقه من نطفة، علم أنّ الإنسان الأوّل لا يكون المراد به آدمعليهالسلام ، إذ ليس خلقه من النطفة.
وأيضا قد اشتهر غاية الشهرة عند المفسّرين أنّ هذه السورة نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين، وسبب نزولها مذكور عند الخاصّ والعامّ، كما سنذكره إن شاء الله، فطريق المناسبة يقتضي أن تكون هذه السورة معنونة بذكر اسمه الشريف. فأراد سبحانه بالإنسان الأوّل عليّاعليهالسلام ، ثمّ أخبر سبحانه عن كيفيّة خلقه بقوله:( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) .
( أَمْشاجٍ ) أخلاط. جمع مشج أو مشيج. من: مشجت الشيء إذا خلطته.
ووصف النطفة به، لأنّ المراد بها مجموع منيّ الرجل والمرأة، وكلّ واحد منهما مختلف الأجزاء في الرّقة والقوام والخواصّ، ولذلك يصير كلّ جزء منهما مادّة عضو.
وقيل: مختلفة الألوان، فإنّ ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اختلطا اخضرّا. وعن ابن عبّاس والضحّاك والكلبي ومجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء، فهي مختلفة الألوان.
وقيل: مختلفة الأطوار، فإنّ النطفة تصير علقة ثمّ مضغة إلى تمام الخلقة.
وقيل: مفرد، كبرمة(١) أعشار وبرد أكياش. وهما لفظان مفردان غير جمعين ،
__________________
(١) البرمة: القدر من الحجر. والأعشار جمع العشر: القطعة من كلّ شيء إذا جزّئ إلى عشر قطع. ولم يذكر أكياش في اللغة. وإنّما ذكره الزمخشري في الكشّاف ٤: ٦٦٦، ولعلّ المفسّر أخذه منه.
ولذلك وقعتا صفتين للمفردين.
وقوله:( نَبْتَلِيهِ ) في موضع الحال، أي: مبتلين له، بمعنى: مريدين اختباره، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، تريد: قاصدا به الصيد غدا.
أو ناقلين له من حال إلى حال، فاستعير له الابتلاء. وعن ابن عبّاس: نصرّفه في بطن أمّه نطفة ثمّ علقة.
( فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) ليتمكّن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات.
فهو كالمسبّب من الابتلاء، ولذلك عطف بالفاء على قوله: «نبتليه»، ورتّب عليه قوله :
( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ) أي: بنصب الدلائل وإنزال الآيات( إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) حالان من الهاء. و «إمّا» للتفصيل أو التقسيم، أي: مكّنّاه وأقدرناه في حالتيه جميعا. أو دعوناه إلى الإسلام بأدلّة السمع والعقل، وقد كان معلوما منه أنّه يؤمن أو يكفر، لإلزام الحجّة. أو مقسوما إليهما، بعضهم شاكر بالاهتداء والأخذ فيه، وبعضهم كفور بالإعراض عنه. أو من السبيل. ووصفه بالشكر والكفر مجاز، أي: وعرّفناه السبيل، إمّا سبيلا شاكرا، وإمّا كفورا، كقوله تعالى:( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) (١) .
وعن الزجّاج: معناه: ليختار إمّا السعادة وإمّا الشقاوة. والمراد: إمّا أن يختار بحسن اختياره الشكر لله والاعتراف بنعمه، فيصيب الحقّ، وإمّا أن يكفر نعم الله ويجحد إحسانه، فيكون ضالّا عن الصواب، فأيّهما اختار جوزي عليه بحسبه.
وهذا كقوله:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (٢) .
وفي الآية دلالة على أنّ الله قد هدى جميع خلقه، لأنّ اللفظ عامّ، وإن كان
__________________
(١) البلد: ١٠.
(٢) الكهف: ٢٩.
سبب نزوله خاصّا. ولم يقل: كافرا ليطابق قسيمه، محافظة على الفواصل، وإشعارا بأنّ الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا، وإنّما المؤاخذ به التوغّل فيه.
واعلم أنّ في وصف كيفيّة خلق الإنسان على التفسير الأخير بأمور شاهدة له ولغيره من سائر أفراد الإنسان، تنبيها على أنّ جميع أفراد بني آدم في أصل خلقتهم متساوون، لا مزيّة ولا فضل لهم فيه، وإنّما فضّل بعضهم بالدرجات العليّة والمراتب الرضيّة على بعض بوسيلة امتثال أوامر الله وانقياد أحكام رسوله لا غير.
( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا
مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) ) ولـمّا ذكر سبحانه السبيلين أتبعهما الوعد والوعيد، فقال :
( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ ) بها يقادون( وَأَغْلالاً ) بها يقيّدون( وَسَعِيراً ) بها يحرقون. وتقديم وعيدهم وقد تأخّر ذكرهم، لأنّ الإنذار أهمّ وأنفع، وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن. وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر: سلاسلا، ليكون مناسبا لـ «أغلالا».
( إِنَّ الْأَبْرارَ ) جمع برّ، كربّ وأرباب. أو بارّ، كشاهد وأشهاد. وهو المطيع لله، المحسن في أفعاله. وقال الحسن: هم الّذين لا يؤذون الذرّ(١) ، ولا يرضون الشرّ.
وقيل: هم الّذين يقضون الحقوق الواجبة والنافلة.( يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ ) من خمر.
وهي في الأصل القدح تكون فيه. و «من» لابتداء الغاية. والمعنى: الكأس مبدأ شربهم وأوّل غايته.( كانَ مِزاجُها ) ما يمزج بها( كافُوراً ) ماء كافور. وهو اسم
__________________
(١) الذرّ: النمل.
عين في الجنّة، ماؤها في بياض كافور الجنّة ورائحته وبرده، يخلق فيها رائحة الكافور وبرده وبياضه، فكأنّها مزجت بالكافور. وليس المراد كافور الدنيا.
( عَيْناً ) بدل من «كافورا» إن جعل اسم ماء. وعلى القول الأخير بدل من محلّ «من كأس» على تقدير مضاف، كأنّه قيل: يشربون خمرا خمر عين. أو نصب على الاختصاص، أو بفعل يفسّره قوله:( يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ ) الباء للإلصاق، ومتعلّقها محذوف، تقديره: ملتذّا أو ممزوجا بها عباد الله. وقيل: الباء مزيدة، أو بمعنى «من» لأنّ الشرب مبتدأ منها. والمراد بـ «عباد الله» الأولياء. وإضافتهم إلى الله تشريفا وتبجيلا لهم.
( يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) يجرونها حيث شاؤا إجراء سهلا. وعن مجاهد: أنهار الجنّة تجري بغير أخدود، فإذا أراد المؤمن أن يجري نهرا خطّ خطّا فينبع الماء من ذلك الموضع، ويجري بغير تعب. وقد أجمع أهل البيتعليهمالسلام وموافقوهم وكثير من مخالفيهم أنّ المراد بالأبرار المنعوتين بهذه النعوت عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام . فالآية وما بعدها متعيّنة فيهم.
وقال صاحب مجمع البيان(١) : «وقد روى الخاصّ والعامّ أن الآيات من هذه السورة ـ وهي قوله:( إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ ) إلى قوله:( وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) ـ نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين وجارية لهم تسمّى فضّة. وهو المرويّ عن ابن عبّاس ومجاهد وأبي صالح»(٢) .
والقصّة طويلة. جملتها أنّهم قالوا: مرض الحسن والحسينعليهماالسلام فعادهما جدّهماصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجوه العرب، وقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا. فنذر صوم ثلاثة أيّام لله إن شفاهما الله سبحانه. ونذرت فاطمةعليهاالسلام ، وكذلك فضّة.
__________________
(١) مجمع البيان ١٠: ٤٠٤ ـ ٤٠٦.
(٢) مجمع البيان ١٠: ٤٠٤.
فبرءا، وليس عندهم شيء، فاستقرض عليّعليهالسلام ثلاثة أصوع من شعير من يهوديّ ـ وروي: أنّه أخذها ليغزل له صوفا ـ وجاء به إلى فاطمةعليهاالسلام ، فطحنت صاعا منها، فاختبزته خمسة أقراص على عددهم. وصلّى عليّعليهالسلام المغرب، وقرّبته إليهم، فأتاهم مسكين يدعو لهم ويسألهم، فأعطوه، ولم يذوقوا إلّا الماء. فلمّا كان اليوم الثاني أخذت صاعا وطحنته واختبزته وقدّمته إلى عليّعليهالسلام ، فإذا يتيم بالباب يستطعم فأعطوه، ولم يذوقوا إلّا الماء. فلمّا كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبزته وقدّمته إلى عليّعليهالسلام ، فإذا أسير بالباب يستطعم، فأعطوه. فلمّا كان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم، أتى عليّعليهالسلام ، ومعه الحسن والحسينعليهماالسلام إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبهما ضعف، فبكى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونزل جبرئيل بسورة «هل أتى».
وفي رواية عطاء عن ابن عبّاس: أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام آجر نفسه ليستقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتّى أصبح، فلمّا أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه، فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له: الحريرة(١) ، فلمّا تمّ إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام. ثمّ عمل الثلث الثاني، فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه. ثمّ عمل الثلث الثالث، فلمّا تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك. ذكره الواحدي في تفسيره(٢) .
وذكر عليّ بن إبراهيم أنّ أباه حدّثه عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «كان عند فاطمة شعير فجعلوه عصيدة، فلمّا أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فقال المسكين: رحمكم الله. فقام عليّعليهالسلام فأعطاه ثلثها.
فلم يلبث أن جاء يتيم، فقال اليتيم: رحمكم الله. فقام عليّعليهالسلام فأعطاه الثلث. ثمّ جاء أسير، فقال الأسير: رحمكم الله. فأعطاه عليّ الثلث الباقي، وما ذاقوها. فأنزل
__________________
(١) الحريرة: الحساء المطبوخ من الدقيق والدسم والماء.
(٢) الوسيط ٤: ٤٠٠ ـ ٤٠١.
الله سبحانه الآيات فيهم، وهي جارية في كلّ مؤمن فعل ذلك للهعزوجل »(١) . وفي هذا دلالة على أنّ السورة مدنيّة.
وقال أبو حمزة الثمالي في تفسيره: حدّثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنّها مدنيّة، نزلت في عليّعليهالسلام وفاطمةعليهاالسلام السورة كلّها.
وحدّثنا السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائني، قال: أنبأنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، قال: حدّثنا أبو نصر المفسّر، قال: حدّثني عمّي أبو حامد إملاء، قال: حدّثنا الفزاري أبو يوسف يعقوب بن محمد المقري، قال: حدّثنا محمد بن يزيد السلمي، قال: حدّثنا يزيد بن موسى، قال: أنبأنا عمرو بن هارون، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عبّاس قال: أوّل ما أنزل بمكّة: اقرأ باسم ربّك، ثمّ ن والقلم، ثمّ المزّمّل، ثمّ المدّثّر، ثمّ تبّت، ثمّ إذا الشمس كوّرت، ثمّ سبّح اسم ربّك الأعلى، ثمّ والليل إذا يغشى، ثمّ والفجر، ثمّ والضحى، ثمّ ألم نشرح، ثم والعصر، ثمّ والعاديات، ثمّ إنّا أعطيناك الكوثر، ثمّ ألهكم التكاثر، ثمّ أرأيت، ثمّ الكافرون، ثمّ ألم تر كيف، ثمّ قل أعوذ بربّ الفلق، ثمّ قل أعوذ بربّ الناس، ثمّ قل هو الله أحد، ثمّ والنّجم، ثمّ عبس، ثمّ إنّا أنزلناه، ثمّ والشمس، ثمّ البروج، ثمّ والتين، ثمّ لإيلاف، ثمّ القارعة، ثمّ القيامة، ثمّ الهمزة، ثمّ والمرسلات، ثمّ ق، ثمّ البلد، ثمّ الطّارق، ثمّ اقتربت السّاعة، ثمّ ص، ثمّ الأعراف، ثمّ قل أوحي، ثمّ يس، ثمّ الفرقان، ثمّ الملائكة، ثمّ كهيعص، ثمّ طه، ثمّ الواقعة، ثمّ الشعراء، ثمّ النمل، ثمّ القصص، ثمّ بني إسرائيل، ثمّ يونس، ثمّ هود، ثمّ يوسف، ثمّ الحجر، ثمّ الأنعام، ثمّ الصّافّات، ثمّ لقمان، ثمّ القمر، ثمّ سبأ، ثمّ الزمر، ثمّ حم المؤمن، ثمّ حم السجدة، ثمّ حمعسق، ثمّ الزخرف، ثمّ الدخان، ثمّ الجاثية، ثمّ الأحقاف، ثمّ الذاريات، ثمّ الغاشية، ثمّ الكهف، ثمّ النحل، ثمّ نوح، ثمّ
__________________
(١) تفسير القمّي ٢: ٣٩٨.
إبراهيم، ثمّ الأنبياء، ثمّ المؤمنون، ثمّ ألم تنزيل، ثمّ الطور، ثمّ الملك، ثمّ الحاقّة، ثمّ ذو المعارج، ثمّ عمّ يتساءلون، ثمّ النازعات، ثمّ انفطرت، ثمّ انشقّت، ثمّ الروم، ثمّ العنكبوت، ثمّ المطفّفين. فهذه ما أنزلت بمكّة خمس(١) وثمانون سورة.
ثمّ أنزلت بالمدينة: البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ سورة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ الرعد، ثمّ الرحمن، ثمّ هل أتى، ثمّ الطلاق، ثمّ لم يكن، ثمّ الحشر، ثمّ إذا جاء نصر الله، ثمّ النور، ثمّ الحجّ، ثمّ المنافقون، ثمّ المجادلة، ثمّ الحجرات، ثمّ التحريم، ثمّ الجمعة، ثمّ التغابن، ثمّ سورة الصفّ، ثمّ سورة الفتح، ثمّ سورة المائدة، ثمّ التوبة. فهذه ثمان وعشرون سورة.
وقد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عبّاس في كتاب الإيضاح. وزاد فيه: وكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكّة كتبت بمكّة، ثمّ يزيد الله ما يشاء بالمدينة.
وبإسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن البصري: أنّ أوّل ما أنزل الله من القرآن بمكّة على الترتيب: اقرأ باسم ربّك، ون، والمزّمّل. إلى قوله: وما أنزل بالمدينة: ويل للمطفّفين، والبقرة، والأنفال، وآل عمران، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، وإذا زلزلت، والحديد، وسورة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والرعد، والرحمن، وهل أتى على الإنسان إلى آخره.
وبإسناده عن سعيد بن المسيّب عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أنّه قال: «سألت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما أنزلت من
__________________
(١) كذا في شواهد التنزيل ٢: ٤٠٩ ـ ٤١٠ ذيل ح ١٠٦٢. ولكنّ السور المكّية المذكورة في الرواية ستّ وثمانون. وهو الصحيح، إذ أنّها مع الثمان والعشرين المدنيّة تكون مائة وأربع عشرة سورة عدد سور القرآن الكريم.
السماء. فأوّل ما نزل عليه بمكّة: فاتحة الكتاب، ثمّ اقرأ باسم ربّك، ثمّ ن. إلى أن قال: وأوّل ما أنزل بالمدينة: سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ سورة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ الرعد، ثمّ سورة الرحمن، ثمّ هل أتى إلى قوله: فهذا ما أنزل بالمدينة.
ثمّ قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع آيات القرآن ستّة آلاف آية ومائتا آية وستّ وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وواحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفا، لا يرغب في تعلّم القرآن إلّا السعداء، ولا يتعهّد قراءته إلّا أولياء الرحمن».
أقول: قد اتّسع نطاق الكلام في هذا الباب حتّى كاد يخرج عن أسلوب الكتاب، وربّما نسبنا به إلى الإطناب، ولكنّ الغرض فيه أنّ بعض أهل العصبيّة قد طعن في هذه القصّة، بأن قال: هذه السورة مكّيّة، فكيف يتعلّق بها ما كان بالمدينة؟
واستدلّ بذلك على أنّها مخترعة، جرأة على الله، وعداوة لأهل بيت رسوله.
فأحببت إيضاح الحقّ في ذلك، وإيراد البرهان في معناه، وكشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه. على أنّه كما ترى يحتوي على السرّ المخزون والدرّ المكنون من هذا العلم الّذي يستضاء بنوره ويتلألأ بزهوره، وهو معرفة ترتيب السور في التنزيل، وحصر عددها على الجملة والتفصيل. أللّهمّ أمدّنا بتأييدك، وأيّدنا بتوفيقك، فأنت الرجاء والأمل، وعلى فضلك المعوّل والمتّكل». انتهى كلام صاحب المجمع.
وروى أيضا صاحب الكشّاف عن ابن عبّاسرضياللهعنه : «أنّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك. فنذر عليّ وفاطمة وفضّة ـ جارية لهما ـ إن برءا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام. فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث
أصوع من شعير. فطحنت فاطمة صاعا، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السّلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة.
فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء، وأصبحوا صياما. فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم، فآثروه. ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك.
فلمّا أصبحوا أخذ عليّعليهالسلام بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم. وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك. فنزل جبرئيلعليهالسلام وقال: خذها يا محمّد هنّأك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة»(١) .
ومثل ذلك روى البيضاوي في تفسيره(٢) . ونعم ما قيل :
إلى م ألام وحتّى متى |
أعاتب في حبّ هذا الفتى |
|
فهل زوّجت فاطم غيره |
وفي غيره هل أتى هل أتى؟ |
وقوله:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) استئناف ببيان ما رزقوه لأجله، كأنّه سئل عنه فأجيب بذلك. وهو أبلغ في وصفهم بالتوفّر على أداء الواجبات، لأنّ من وفى بما أوجبه على نفسه لله كان أوفى بما أوجبه الله عليه.
( وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ ) شدائده( مُسْتَطِيراً ) فاشيا منتشرا غاية الانتشار. من: استطار الحريق والفجر. وهو أبلغ من: طار، كما أنّ استنفر أبلغ من: نفر. وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي.
( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ) حبّ الطعام، أي: مع اشتهائه والحاجة إليه.
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٦٧٠.
(٢) أنوار التنزيل ٥: ١٦٥.
ونحوه قوله تعالى:( وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ) (١) .( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (٢) . أو الإطعام لله. وعن الفضيل بن عياض: على حبّ الله.( مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) يعني: أسارى الكفّار.
عن الحسن: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول: أحسن إليه، فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه.
وعند عامّة العلماء: يجوز الإحسان إلى الكفّار في دار الإسلام، ولا يصرف إليهم الواجبات كالزكوات.
وعن أبي سعيد الخدري وعطاء وسعيد بن جبير: هو الأسير المؤمن. ويدخل فيه المملوك والمسجون. وفي الحديث: «غريمك أسيرك، فأحسن إلى أسيرك».
وعن أبي سعيد الخدري أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ما من مسلم أطعم مسلما على جوع إلّا أطعمه الله من ثمار الجنّة، وما من مسلم كسا أخاه على عري إلّا كساه الله من خضر الجنّة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق».
( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ) على إرادة القول بلسان الحال، بيانا وكشفا عن اعتقادهم وصحّة نيّتهم وإن لم يقولوا شيئا. أو المقال، إزاحة لتوهّم المنّ، ومنعا لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر، لأنّ ذلك منقّص للأجر. والأوّل أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. وقد روي عن مجاهد: أما إنّهم ما تكلّموا به، ولكن علمه الله منهم فأثنى عليهم.( لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ) أي: شكرا، فإنّ الكفور والشكور مصدران، كالكفر والشكر.
( إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا ) فلذلك نحسن إليكم، أو لا نطلب المكافأة منكم( يَوْماً ) عذاب يوم( عَبُوساً ) وصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين: أن
__________________
(١) البقرة: ١٧٧.
(٢) آل عمران: ٩٢.
يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم، فكأنّه قيل: يعبس فيه وجوه الأشقياء. وروي: أنّ الكافر يعبس يومئذ حتّى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران. وأن يشبّه في شدّته وضرره بالأسد العبوس، أو بالشجاع الباسل.
( قَمْطَرِيراً ) شديد العبوس، كالّذي يجمع ما بين عينيه. من: اقمطرّت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها(١) . مشتقّ من القطر، والميم مزيدة.
( فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ ) بسبب خوفهم وتحفّظهم عنه( وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ) أي: أعطاهم بدل عبوس الفجّار وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب. وهذا يدلّ على أنّ اليوم موصوف بعبوس أهله.
( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا ) بصبرهم على أداء الواجبات، واجتناب المحرّمات، وإيثار الأموال، وما يؤدّي إليه من الجوع والعري( جَنَّةً ) بستانا يأكلون منه هنيئا( وَحَرِيراً ) يلبسونه بهيّا.
( مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ ) حال من ضمير «جزاهم»، أو صفة لـ «جنّة».
والأرائك جمع الأريكة، وهي السرير.( لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ) يحتملهما، وأن يكون حالا من المستكن في «متّكئين». والمعنى: أنّه يمرّ عليهم فيها هواء معتدل، لا حرّ شمس يحمي، ولا شدّة برد تؤذي. وفي الحديث: «هواء الجنّة سجسج(٢) ، لا حرّ ولا قرّ».
وعن ثعلب: الزمهرير: القمر في لغة طيء.
وأنشد :
وليلة ظلامها قد اعتكر |
قطعتها والزمهرير ما زهر(٣) |
__________________
(١) القطر: الناحية والجانب.
(٢) يوم سجسج: إذا لم يكن فيه حرّ مؤذ ولا برد شديد.
(٣) أي: وربّ ليلة قد تراكم ظلامها واختلط، قطعتها بالسير، والحال أنّ الزمهرير ما ظهر وما أضاء.
والمعنى: أنّ الجنّة ضياء، فلا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر.
( وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ) حال أيضا من ضمير «جزاهم». ودخلت الواو للدلالة على أنّ الأمرين مجتمعان لهم، كأنّه قيل: وجزاهم جنّة جامعين فيها بين البعد عن الحرّ والقرّ، ودنوّ الضلال عليهم. أو صفة اخرى لـ «جنّة» معطوفة على ما قبلها. أو عطف على «جنّة» أي: وجنّة اخرى دانية، على أنّهم وعدوا جنّتين، كقوله:( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) (١) لأنّهم وصفوا بالخوف في قولهم:( إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا ) (٢) . والمعنى: أفياء أشجار الجنّة قريبة منهم.
( وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ) معطوفة على «دانية». والمعنى: ودانية عليهم ظلالها، ومذلّلة قطوفها. أو حال من «دانية» أي: تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم، بأن تجعل ذللا سهل التناول لا يمتنع على قطّافها كيف شاؤا. أو تجعل خاضعة متقاصرة، من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصيرا.
( وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ ) وأباريق بلا عروة. جمع كوب.
( كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ ) هو من «يكون» في قوله:( كُنْ فَيَكُونُ ) (٣) أي: تكوّنت قوارير بتكوين الله، تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، وهما: صفاء الزجاجة وشفيفها، وبياض الفضّة ولينها.
والمعنى: أنّ أصلها مخلوق من فضّة، وهي مع بياض الفضّة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها، فاجتمع لها بياض الفضّة وصفاء القارورة، فيرى من خارجها ما في داخلها.
وقيل: معنى( قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ ) مع أنّها من زجاج: أنّ الشيء إذا قاربه شيء
__________________
(١) الرحمن: ٤٦.
(٢) الإنسان: ١٠.
(٣) البقرة: ١١٧.
واشتدّت ملابسته له قيل: إنّه من كذا، وإن لم يكن منه في الحقيقة.
و «قوارير» الثانية بدل من الأولى. وقد نوّن «قوارير» من نوّن «سلاسلا».
وابن كثير الأولى، لأنّها رأس الآية.
( قَدَّرُوها تَقْدِيراً ) صفة لـ «قوارير» أي: قدّروها في أنفسهم، فجاءت مقاديرها وأشكالها كما تمنّوه. أو قدّروها بأعمالهم الصالحة، فجاءت على حسبها.
أو قدّر الطائفون بها ـ المدلول عليهم بقوله:( وَيُطافُ عَلَيْهِمْ ) ـ شرابها على قدر اشتهائهم. وهو ألذّ للشارب، لكونه على قدر حاجته، لا يفضل عنها ولا ينقص.
وعن مجاهد: لا تفيض ولا تغيض.
( وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ) ما يشبه الزنجبيل في الطعم.
وكانت العرب يستلذّون ويستطيبون الشراب الممزوج به.
( عَيْناً فِيها ) نصبه إمّا على البدل من «زنجبيلا»، أو «كأسا» بتقدير المضاف، كأنّه قيل: ويسقون فيها كأسا كأس عين في الجنّة. أو على الاختصاص.
( تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ) لسلاسة انحدارها في الحلق، وسهولة مساغها. يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل. ولذلك حكم بزيادة الباء حتّى صارت الكلمة خماسيّة.
ودلّت على غاية السلاسة، كما قال الزجّاج: السلسبيل في اللغة صفة لـما كان في غاية السلاسة. والمعنى: أنّها في طعم الزنجبيل، وليس فيه لذعه(١) ، ولكن نقيض اللذع، وهو السلاسة.
وقيل: أصله: سل سبيلا، فسمّيت به، كتأبّط شرّا، لأنّه لا يشرب منها إلّا من سأل الله إليها سبيلا بالعمل الصالح.
( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) دائمون( إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ) من صفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم للخدمة، وانعكاس شعاع بعضهم
__________________
(١) أي: حدّته.
إلى بعض. وقيل: شبّهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه، لأنّه أحسن وأكثر ماء.
( وَإِذا رَأَيْتَ ) ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدّر، لأنّه عامّ. والمعنى: وإذا أوجدت الرؤية، وإذا رميت ببصرك أينما وقع.( ثَمَ ) أي: في الجنّة( رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ) واسعا. وفي الحديث: «أدنى أهل الجنّة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه».
وعن الصادقعليهالسلام : «معناه: رأيت نعيما لا يزول ولا يفنى».
وقيل: الملك الكبير: استئذان الملائكة عليهم وتحيّتهم بالسلام. وقيل: هو أنّهم لا يريدون شيئا إلّا قدروا عليه. هذا، وللعارف أكبر من ذلك، وهو أن تنتقش نفسه بجلايا الملك وخفايا الملكوت، فيستضيء بأنوار قدس الجبروت.
( عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ) أي: يعلوهم ثياب الحرير الخضر مارقّ منها وما غلظ. وإستبرق معرّب، وأصله: استبره. ونصب «عاليهم» على الحال من «هم» في «عليهم» أو في «حسبتهم» أي: يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب، أو حسبتهم لؤلؤا عاليا لهم ثياب. أو من «ملكا كبيرا» على تقدير مضاف، أي: وأهل ملك كبير، أي: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب.
وقرأ حمزة ونافع: عاليهم بالرفع على أنّه خبر و «ثياب» مبتدأ، أي: ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو برفع «خضر» وجرّ «إستبرق». وقرأ ابن كثير وحفص بالعكس. وقرأ حمزة والكسائي: خضر وإستبرق بالجرّ.
( وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ) عطف على( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) . ولا يخالفه قوله:( أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) (١) لإمكان أنّهم يسوّرون بالجنسين، إمّا على المعاقبة، وإمّا على الجمع، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحليّ وتجمع بينها. وما أحسن بالمعصم أن
__________________
(١) الكهف: ٣١.
يكون فيه سواران: سوار من ذهب، وسوار من فضّة. ويجوز أن يكون بالتبعيض، فإنّ حليّ أهل الجنّة تختلف باختلاف أعمالهم، فلعلّه تعالى يفيض عليهم جزاءلـما عملوه بأيديهم حليّا وأنوارا تتفاوت تفاوت الذهب والفضّة. ويمكن أن تكون الجملة حالا من الضمير في «عاليهم» بإضمار «قد». وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم، وذلك للمخدومين.
( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) نوعا آخر من الشراب يفوق على النوعين المتقدّمين، ولذلك أسند سقيه إلى اللهعزوجل . ووصفه بالطهور مبالغة، ليدلّ على أنّه ليس برجس كخمر الدنيا، لأنّ كونها رجسا بالشرع لا بالعقل، وليست الدار دار تكليف. أو لأنّه لم يعصر فتمسّه الأيدي الوضرة(١) ، وتدوسه الأقدام الدنسة، ولم يجعل في الدنان والأباريق الّتي لم يعن بتنظيفها. أو لأنّه لا يئول إلى النجاسة، لأنّه يرشّح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك.
وقيل: طهوريّته من حيث إنّه يطهّر شاربه عن الرذائل الخسيسة، والميل إلى اللذّات الحسيّة، والركون إلى ما سواه، فيتجرّد شاربه بالتوجّه التامّ إليه، ملتذّا به فارغا عن غيره. وهذا منتهى درجات الصدّيقين، ولأجل أنّ هذا أعظم نعم الجنّة ختم به ثواب الأبرار.
( إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً ) على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنّة: إنّ هذا.
وهذا إشارة إلى ما عدّ من ثوابهم.( وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) أي: مجازى عليه غير مضيّع، فإنّ الشكر هاهنا مجاز عن الإثابة التامّة.
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ
__________________
(١) أي: الوسخة. من: وضر وضرا، كان وسخا، فهو: وضر.
اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) )
ثمّ أمر سبحانه نبيّه بالصبر عن التأذّي من أقوال الكفّار وأفعال الأشرار، فقال:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ) مفرّقا منجّما لحكمة اقتضته. وتكرير الضمير مع «أنّ» فيه تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل، ليتقرّر في نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه إذا كان هو المنزّل لم يكن تنزيله على أيّ وجه إلّا حكمة وصوابا. كأنّه قيل: ما نزّل عليك القرآن تنزيلا مفرّقا منجّما إلّا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيما فاعلا لكلّ ما أفعله بدواعي الحكمة. ولقد دعتني حكمة بالغة إلى أن أنزل عليك الأمر بالمكافّة والمصابرة، وسأنزل عليك الأمر بالانتقام والقتال بعد حين.
( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) الصادر عن الحكمة الّتي من جملتها تعليقه الأمور بالمصالح، وتأخير نصرك على كفّار مكّة وغيرهم( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) أي: كلّ واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه، ومن الغالي في الكفر الداعي لك إليه، فإنّهم إمّا أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن لا يساعدهم على الاثنين دون الثالث.
وروي: أنّهم مع إفراطهم في العداوة والإيذاء له ولمن معه، يدعونه إلى أنّه يرجع عن أمره، ويبذلون له أموالهم، وتزويج أكرم بناتهم إن أجابهم. فأمرصلىاللهعليهوآلهوسلم بالصبر على الإيذاء، ونهي عن إطاعة الكفرة فيما يرتكبون من المآثم ويدعونه إليه.
وقيل: الآثم: عتبة، والكفور: الوليد، لأنّ عتبة كان ركّابا للمآثم، متعاطيا لأنواع الفسوق. وكان الوليد غاليا في الكفر، شديد الشكيمة في العتوّ. وإنّما قال: «أو» ولم يقل بالواو العاطفة، ليكون نهيا عن إطاعتهما جميعا، لأنّه لو قال: ولا تطعهما، لجاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل: ولا تطع أحدهما، علم أنّ الناهي عن طاعة أحدهما عن طاعتهما جميعا أنهى، كما إذا نهي أن يقول لأبويه: أفّ، علم أنّه منهيّ عن ضربهما على طريق الأولى.
( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً ) أوّل النهار( وَأَصِيلاً ) وعشيّا، وهو أصل الليل.
والمعنى: أقبل على شأنك من ذكر الله والدعاء إليه وتبليغ الرسالة صباحا ومساء، أي: دائما، فإنّ الله ناصرك ومؤيّدك ومعينك. أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإنّ الأصيل يتناول وقتيهما.
( وَمِنَ اللَّيْلِ ) للتبعيض، لأنّه لم يأمره بقيام الليل كلّه. والمعنى: وبعض الليل( فَاسْجُدْ لَهُ ) فصلّ له. يعني: صلاة المغرب والعشاء. وتقديم الظرف لـما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص.
( وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ) وتهجّد له طائفة طويلة من الليل: ثلثيه، ونصفه، وثلثه. وقيل: يريد التطوّع بعد المكتوبة. ويؤيّد الأوّل ما روي عن الرضاعليهالسلام أنّه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية وقال: «ما ذلك التسبيح؟ قال: صلاة الليل».
( إِنَّ هؤُلاءِ ) الكفرة( يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ) يؤثرون اللذّات والمنافع العاجلة في دار الدنيا، كقوله:( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) (١) ( وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ ) أمامهم، أو
__________________
(١) الأعلى: ١٦.
خلف ظهورهم، لا يعبئون به( يَوْماً ثَقِيلاً ) عسيرا، وشديدا هوله. مستعار من الشيء الثقيل الشاقّ الباهظ لحامله. ونحوه:( ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) (١) . وهو كالتعليل لـما أمر به ونهى عنه. والمعنى: أنّهم لا يؤمنون به ولا يعملون له.
( نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ ) وأحكمنا ربط مفاصلهم وعظامهم بالأعصاب الّتي توصل بعضها ببعض، فإنّ الأسر الربط والتوثيق. ومنه: أسر الرجل إذا أوثق بالقدّ(٢) ، وهو الإسار. وفرس مأسور الخلق، وترس مأسور بالعقب، أي: مربوط. ولو لا إحكامه إيّاها على هذا النظام لـما أمكن العمل بها والانتفاع منها.
وقيل: معناه: كلّفناهم وشددناهم بالأمر والنهي كيلا يجاوزوا حدود الله، كما يشدّ الأسير بالقيد لئلّا يهرب.
( وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ) وإذا أردنا أهلكناهم وبدّلنا أمثالهم في الخلقة وشدّة الأسر. يعني: النشأة الثانية، ولذلك جيء بـ «إذا». أو بدّلنا غيرهم ممّن يطيع، ولكن نبقيهم إتماما للحجّة. وعلى هذا ؛ حقّه أن يجيء بـ «إن» لا بـ «إذا» لأنّه غير محقّق، كقوله:( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) (٣) ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) (٤) ، لكن جيء بـ «إذا» لتحقّق القدرة والقوّة الداعية.
( إِنَّ هذِهِ ) إشارة إلى السورة أو الآيات القريبة( تَذْكِرَةٌ ) تذكير يتذكّر به أمر الآخرة( فَمَنْ شاءَ ) فمن اختار الخير لنفسه( اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ ) إلى رضا ربّه( سَبِيلاً ) تقرّب إليه بالطاعة والتوسّل إليه بالعبادة.
( وَما تَشاؤُنَ ) أيّها المعاندون المكذّبون اتّخاذ الطريق إلى مرضاة الله
__________________
(١) الأعراف: ١٨٧.
(٢) القدّ: السير يقدّ من جلد.
(٣) محمد: ٣٦.
(٤) إبراهيم: ١٩.
اختيارا( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) إلّا وقت مشيئة الله أن يقسركم ويجبركم، ولا ينفعكم ذلك حينئذ، لزوال التكليف الاختياري المنوط به الثواب والعقاب. وقرأ ابن كثير وابن عامر: يشاؤن بالياء. وليس المعنى: أنّه سبحانه يشاء كلّ ما يشاء العباد من المعاصي والمباحات وغيرها، لأنّ الدلائل الواضحة قد دلّت على أنّه سبحانه لا يجوز أن يريد القبائح، ويتعالى عن ذلك، وقد قال سبحانه:( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) (١) .
( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) بأحوالهم وما يكون منهم( حَكِيماً ) حيث خلقهم مع علمه بهم.
( يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ ) من الطالبين سبيل الخير( فِي رَحْمَتِهِ ) في جنّته بالهداية والتوفيق للطاعة( وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) نصب «الظالمين» بفعل يفسّره «أعدّ لهم» مثل: أوعد وكافأ، فيطابق الجملة المعطوف عليها. وهذه القراءة المتواترة أولى من قراءة ابن مسعود: وللظّالمين، وقراءة ابن الزبير: والظّالمون بالابتداء، لذهاب الطباق بين الجملة المعطوفة والمعطوف عليها فيها، مع مخالفتها للمصحف.
__________________
(١) غافر: ٣١.
(٧٧)
سورة المرسلات
مكّيّة. وهي خمسون آية بلا خلاف.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومن قرأ سورة والمرسلات كتب أنّه ليس من المشركين».
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأها عرّف الله بينه وبين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة هل أتى بذكر القيامة وما أعدّ فيها للظالمين، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالْمُرْسَلاتِ ) أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهنّ( عُرْفاً ) نصب على العلّة، أي: للأمر بالمعروف الحسن عقلا وشرعا. أو على الحال، بمعنى المتتابعة، من عرف الدابّة والضبع. يقال: جاؤا عرفا واحدا. وهم عليه كعرف الضبع، إذا تألّبوا عليه، أي: اجتمعوا عليه.( فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ) فعصفن في امتثال أمره عصف الرياح في الهبوب.
( وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ) وبطوائف منهنّ نشرن أجنحتهنّ في الجوّ عند انحطاطهنّ بالوحي. أو نشرن الشرائع في الأرض. أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين من العلم.( فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ) ففرقن بين الحقّ والباطل.
( فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ) فألقين إلى الأنبياء ذكر الأحكام الشرعيّة.
أو أقسم بآيات القرآن المرسلة بكلّ معروف إلى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ، ونشرن آثار الهدى والحكم في المشرق والمغرب، ففرقن بين الحقّ والباطل، فألقين ذكر الحقّ فيما بين العالمين.
أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحقّ، ونشرن أثر ذلك الاستكمال في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحقّ بذاته والباطل في نفسه، فيرون كلّ شيء هالكا إلّا وجهه، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلّا ذكر الله.
أو برياح عذاب أرسلن متتابعة فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجوّ ففرقن بينه، كقوله:( وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ) (١) . أو بسحائب أو أمطارها نشرن الموات، ففرقن بين من يشكر لله وبين من يكفر، كقوله :
__________________
(١) الروم: ٤٨.
( لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) (١) . فألقين ذكرا، أي: تسبّبن له، فإنّ العاقل إذا شاهد هبوب الرياح ومنافعها، أو السحائب وآثارها، ذكر الله تعالى وتذكّر كمال قدرته.
( عُذْراً أَوْ نُذْراً ) مصدران لـ: عذر إذا محا الإساءة، وأنذر إذا خوّف، كالكفر والشكر. أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة، ونذير بمعنى الإنذار. أو بمعنى العاذر والمنذر. ونصبهما على الأوّلين بالعلّيّة، أي: عذرا للمحقّين الّذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم، أو نذرا للمبطلين الّذين يغفلون عن شكر منعهم ويجحدونه.
أو بالبدل من «ذكرا» على أنّ المراد به الوحي، أو ما يعمّ التوحيد والشرك والإيمان والكفر. وعلى الأخير بالحاليّة، بمعنى: عاذرين أو منذرين. وقرأهما حمزة وأبو عمرو والكسائي وحفص بالتخفيف.
وجواب القسم( إِنَّما تُوعَدُونَ ) أي: إنّ الّذي توعدونه من مجيء القيامة( لَواقِعٌ ) كائن لا محالة.
( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ) محيت ومحقت ذواتها، أي: ذهب بنورها، ثمّ تنشر ممحوقة النور.
( وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ ) صدعت وفتحت فكانت أبوابا.
( وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ) قلعت من أماكنها، كالحبّ ينسف بالمنسف. ونحوه قوله تعالى:( وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ) (٢) ( وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً ) (٣) . وقيل: أخذت بسرعة من أماكنها. من: انتسفت الشيء إذا اختطفته.
( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) عيّن وقت حضورهم فيه للشهادة على الأمم. أو بلغوا ميقاتهم الّذي كانوا ينتظرونه، وهو يوم القيامة. وقرأ أبو عمرو: وقّتت على الأصل.
__________________
(١) الجنّ: ١٦ ـ ١٧.
(٢) الواقعة: ٥.
(٣) المزّمّل: ١٤.
( لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ) أي: يقال: لأيّ يوم أخّرت الرسل، وضرب الأجل لجمعهم؟ وفيه تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. ويجوز أن يكون ثاني مفعولي «أقّتت» على أنّه بمعنى: أعلمت.
( لِيَوْمِ الْفَصْلِ ) بيان ليوم التأجيل، أي: اليوم الّذي يفصل فيه بين الخلائق( وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ) ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي: بذلك اليوم. و «ويل» في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله، عدل به إلى الرفع للدلالة على إثبات الهلاك ودوامه للمدعوّ عليه. ونحوه:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) (١) . و «يومئذ» ظرفه أو صفته. وإنّما خصّ الوعيد بمن جحد يوم القيامة وكذّب به، لأنّ التكذيب به يتبعه خصال المعاصي كلّها وإن لم تذكر معه.
( أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ
__________________
(١) الأنعام: ٥٤.
تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) )
ثمّ بيّن سبحانه ما فعله بالمكذّبين الأوّلين تهديدا لمشركي مكّة، فقال:( أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ) بالعذاب في الدنيا، كقوم نوح وعاد وثمود حين كذّبوا رسلهم( ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ) أي: ثمّ نحن نتبعهم نظراءهم، ككفّار مكّة( كَذلِكَ ) مثل ذلك الفعل الشنيع( نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ) بكلّ من أجرم. يعني: نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأوّلين، ونسلك بهم سبيلهم، لأنّهم كذّبوا مثل تكذيبهم.
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بآيات الله وأنبيائه، فليس بتكرير. وكذا إن أطلق التكذيب، لأنّ الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا. مع أنّ التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب، كما مرّ في سورة الرحمن.
( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) نطفة قذرة ذليلة( فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ) هو الرحم( إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ) إلى مقدار معلوم من الوقت قدّره الله للولادة وحكم به، وهو تسعة أشهر أو ما دونها أو ما فوقها( فَقَدَرْنا ) على خلقته كيف يكون، قصيرا أم طويلا، ذكرا أم أنثى. أو فقدّرناه. ويدلّ عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد ،
وقوله:( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) (١) .( فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ) نحن عليه. ولا يخفى أنّ في خلق الإنسان على هذا الكمال من الحواسّ الصحيحة والعقل الشريف والتمييز والنطق من ماء ضعيف، أعظم الاعتبار وأبين الحجّة على أنّ له صانعا قادرا مدبّرا حكيما، والجاحد لذلك كالمكابر لبداهة العقول.( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بقدرتنا على ذلك، أو على الإعادة.
( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ) كافتة. اسم لـما يكفت، أي: يضمّ ويجمع، كالضمام والجماع لـما يضمّ ويجمع. يقال: هذا الباب جماع الأبواب. أو مصدر نعت به. أو جمع كافت، كصائم وصيام. أو جمع كفت، وهو الوعاء.
( أَحْياءً وَأَمْواتاً ) منتصبان على المفعوليّة، كأنّه قيل: كافتة أحياء وأمواتا، أي: جامعة إيّاهما. أو بفعل مضمر يدلّ عليه «كفاتا»، وهو: تكفت. والمعنى: تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. وتنكيرهما للتفخيم، كأنّه قيل: تكفت أحياء لا يعدّون، وأمواتا لا يحصرون. أو لإفادة التبعيض، لأنّ أحياء الإنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات. أو على الحاليّة من مفعول «كفاتا» المحذوف، وهو الإنس، لأنّه قد علم أنّها كفات الإنس. أو منتصبان بـ «نجعل» على المفعوليّة، و «كفاتا» حال. والمعنى: نجعلها ما ينبت وما لا ينبت حال كونها كافتة لهما.
( وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ ) جبالا ثوابت طوالا( وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ) بخلق الأنهار والمنابع فيها. وتنكير الثلاثة للتفخيم، وإشعارا بأنّ فيها ما لم يعرف ولم ير، لأنّ في السماء جبالا، قال الله تعالى:( مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ) (٢) . وفيها ماء فرات أيضا، بل هي معدنه ومصبّه.( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بأمثال هذه النعم.
__________________
(١) عبس: ١٩.
(٢) النور: ٤٣.
( انْطَلِقُوا ) أي: يقال لهم: انطلقوا( إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) من العذاب( انْطَلِقُوا ) خصوصا. وعن يعقوب: انطلقوا، على الإخبار من امتثالهم للأمر، لأنّهم مضطرّون إليه لا يستطيعون امتناعا منه.( إِلى ظِلٍ ) أي: ظلّ دخان جهنّم، كقوله :
( وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ) (١) .( ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ) يتشعّب لعظمه، كما ترى الدخان العظيم يتفرّق تفرّق الذوائب.
وقيل: يخرج لسان من النار فيحيط بالكفّار كالسّرادق، ويتشعّب من دخانها ثلاث شعب، فتظلّهم حتّى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظلّ العرش.
وخصوصيّة الثلاث إمّا لأنّ حجاب النفس عن أنوار القدس: الحسّ، والخيال، والوهم. أو لأنّ المؤدّي إلى العذاب هو القوّة الواهمة الحالّة في الدماغ، والغضبيّة الّتي في يمين القلب، والشهويّة الّتي في يساره. ولذلك قيل: شعبة تقف فوق الكافر، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن يساره.
( لا ظَلِيلٍ ) أي: غير مانع من الأذى بستره عنه. ومثله: الكنين. فالظليل من الظلّة، وهي السترة، والكنين من الكنّ(٢) . وفيه تهكّم بهم وتعريض بأن ظلّهم غير ظلّ المؤمنين، وردّ لـما أوهم لفظ الظلّ.( وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ ) في محلّ الجوّ، أي: غير مغن عنهم من حرّ اللهب شيئا. وهو ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. يعني: أنّهم إذا استظلّوا بذلك الظلّ لم يدفع عنهم حرّ اللهب.
ثمّ وصف النار بقوله:( إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ) وهو ما يتطاير من النار في الجهات، أي: كلّ شرارة كالقصر من القصور في عظمها. وقيل: هو جمع قصرة، وهي الشجرة العظيمة الغليظة، نحو: جمرة وجمر.( كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ) جمع
__________________
(١) الواقعة: ٤٣.
(٢) الكنّ: البيت، وقاء كلّ شيء وستره.
جمال. أو جمالة جمع جمل، فإنّ الشرار بما فيه من الناريّة يكون أصفر. وقيل: سود، لأنّ سواد الإبل يضرب إلى الصفرة. والأوّل تشبيه في العظم، وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص: جمالة. وعن يعقوب: جمالات بالضمّ، جمع جمالة، وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة، شبّهه بها في امتداده والتفافه.
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بأمثال هذه العقوبات.
( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) أي: بما يستحقّ، فإنّ النطق بما لا ينفع كلا نطق. أو بشيء أصلا من فرط الدهشة والحيرة. وهذا في بعض المواقف، فإنّ يوم القيامة طويل ذو مواطن ومواقيت، ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت، ولذلك ورد الأمران في القرآن.
وعن قتادة قال: جاء رجل إلى عكرمة فقال: أرأيت قول الله تعالى:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) وقوله:( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) (١) . فقال: إنّها مواقف، فأمّا موقف منها فتكلّموا واختصموا، ثمّ ختم على أفواههم وتكلّمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون.
( وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) عطف على «يؤذن» منخرط في سلك النفي.
والمعنى: ولا يكون لهم إذن واعتذار عقيبه. ولو نصب لكان مسبّبا عنه لا محالة.
ويدلّ هذا على أنّ عدم اعتذارهم لعدم الإذن. وأوهم ذلك أنّ لهم عذرا لكن لا يؤذن لهم فيه.( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بهذا الخبر.
( هذا يَوْمُ الْفَصْلِ ) بين المحقّ والمبطل( جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ) تقرير وبيان للفصل، لأنّه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين الأنبياء وأممهم، فلا بدّ
__________________
(١) الزمر: ٣١.
من جمع الأوّلين والآخرين حتّى يقع ذلك الفصل بينهم.
( فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ) إن كانت لكم حيلة. وهذا تقريع على كيدهم لدين الله وللمؤمنين في الدنيا، وتسجيل عليهم بعجزهم واستكانتهم.( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) إذ لا حيلة لهم في التخلّص من العذاب.
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) )
ثمّ ذكر سبحانه أحوال المؤمنين، فقال:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) عن الشرك، لأنّهم في مقابلة المكذّبين( فِي ظِلالٍ ) من أشجار الجنّة( وَعُيُونٍ ) جارية بين أيديهم في غير أخدود(١) ، لأنّ ذلك أمتع لهم( وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) يتمنّون. يعني: مستقرّون في أنواع الترفّه.
( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً ) خالصا من التكدّر والأذى( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) والأمر في موضع الحال من ضمير المتّقين، في الظرف الّذي هو «في ظلال» أي: هم مستقرّون في ظلال، مقولا لهم ذلك. وهذا الأمر للإباحة.
( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) في العقيدة. هذا ابتداء إخبار من الله تعالى. أو يقال لهم ذلك أيضا.
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بأنّه يمحّض لهم العذاب المخلّد، ولخصومهم الثواب المؤبّد.
__________________
(١) الأخدود: الحفرة المستطيلة.
( كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) )
ثمّ عاد الكلام إلى ذكر المكذّبين، فقال:( كُلُوا وَتَمَتَّعُوا ) في الدنيا( قَلِيلاً ) أي: تمتّعا قليلا، أو زمانا قليلا، فإنّ الموت كائن لا محالة( إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ) حال من المكذّبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك في الآخرة، إيذانا بأنّهم كانوا في الدنيا أحقّاء بأن يقال لهم ذلك، تذكيرا لهم بحالهم السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم. ويجوز أن يكون ذلك كلاما مستأنفا خطابا للمكذّبين في الدنيا، دلالة على أنّ كلّ مجرم ما له إلّا الأكل والتمتّع أيّاما قلائل، ثمّ البقاء في الهلاك أبدا.( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بما ذكر.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا ) اخشعوا لله وتواضعوا له واخضعوا، بقبول وحيه واتّباع دينه، واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة( لا يَرْكَعُونَ ) لا يمتثلون ذلك، ويصرّون على استكبارهم.
وقيل: المراد الأمر بالصلاة أو بالركوع فيها، إذ روي أنّها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني، أي: لا نركع، فإنّها مسبّة علينا. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. واستدلّ به على أنّ الأمر للوجوب، وأنّ الكفّار مخاطبون بالفروع.
وقيل: هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون.( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بذلك.
( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ) بعد القرآن( يُؤْمِنُونَ ) إذا لم يؤمنوا به. يعني: أنّ القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة، مشتملة على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة، فحين لم يؤمنوا به فبأيّ كتاب بعده يؤمنون؟!
(٧٨)
سورة النبأ
مكّيّة. وهي إحدى وأربعون آية.
أبيّ بن كعب عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ عمّ يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامة».
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «من قرأ عمّ يتساءلون لم يخرج سنته ـ إذا كان يدمنها في كلّ يوم ـ حتّى يزور البيت الحرام».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا
مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة المرسلات بذكر القيامة ووعيد المكذّبين بها، افتتح هذه السورة بذكرها وذكر دلائل القدرة على البعث والإعادة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * عَمَّ يَتَساءَلُونَ ) أصله: عن ما، على أنّه حرف جرّ دخل على «ما» الاستفهاميّة، فحذف الألف تخفيفا، لكثرة استعماله. ومثله: فيم، وبم، ولم، وإلى م، وعلى م، ومتى م، وفي هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه، كأنّه لفخامته خفي جنسه، فيسأل عنه. والمعنى: عن أيّ شيء يتساءلون. ونحوه ما في قولك: زيد ما زيد؟ جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنّه شيء خفي عليك جنسه، فتسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما العنقاء وما الغول؟ تريد: أيّ شيء هو من الأشياء؟ هذا أصله، ثمّ جرّد عن التفخيم حتّى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية. والضمير لأهل مكّة، كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنين عنه استهزاء، كقولهم: يتداعونهم ويتراءونهم، أي: يدعونهم ويرونهم.
وقوله:( عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) بيان للشأن المفخّم. أو صلة «يتساءلون» و «عمّ» متعلّق بمضمر مفسّر به، كشيء يبهم ثمّ يفسّر، كأنّه قال: عمّ يتساءلون؟ يتساءلون عن النبأ العظيم. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير ويعقوب: عمّه، بهاء السكت للوقف، ثمّ الابتداء بقوله:( يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) .
( الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ) بجزم النفي وبالشكّ فيه، فإنّه كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ومنهم من يشكّ.
وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعا. وكانوا جميعا يسألون عنه، أمّا
المسلم فليزداد خشية واستعدادا، وأمّا الكافر فليزداد استهزاء.
وقيل: المتساءل عنه القرآن. وقيل: نبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وروي بالأسانيد الصحيحة في تفسير أهل البيت صلوات الله عليهم أنّ النبأ العظيم عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه. وقد روى علقمة: أنّ يوم صفّين لـمّا التقى الصفّان برز رجل من عسكر الشام شاكي السلاح، وكأنّه من قرّاء الشام، وقرأ عمّ يتساءلون بدل الرجز، فوددت أن أبارزه. فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: مكانك. فتوجّه بنفسه الشريف نحوه، فلمّا قرب إليه قالعليهالسلام : أتعرف النبأ العظيم؟
فقال الشامي: لا. فقالعليهالسلام : والله العظيم إنّي أنا النبأ العظيم الّذي فيّ اختلفتم، وعلى ولايتي تنازعتم، وعن ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم، وببغيكم هلكتم بعد ما بسيفي عن الكفر نجوتم، ويوم الغدير قد علمتم علمتم علمتم، ويوم القيامة تعلمون ما عملتم. ثمّ علا بسيفه ورمى برأسه.
( كَلَّا ) ردع عن التساؤل إنكارا واستهزاء( سَيَعْلَمُونَ ) وعيد لهم بأنّهم سيعلمون أنّ ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حقّ واقع لا ريب فيه.
( ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ) تكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك مبالغة. و «ثمّ» للإشعار بأنّ الوعيد الثاني آكد. وقيل: الأوّل في الدنيا، والثاني في القيامة. أو الأوّل للبعث، والثاني للجزاء في جهنّم. وروى ابن عامر: ستعلمون بالتاء، على تقدير: قل لهم: ستعلمون.
ثمّ ذكّرهم ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه الدالّة على كمال قدرته، ليستدلّوا بذلك على صحّة البعث والجزاء، وما أخبروا به من أحوال المعاد، وليعلموا بهذه الأفعال العجيبة الشأن أنّ الحكيم لا يفعل فعلا عبثا، كما يستلزم من إنكارهم البعث، أو من إنكارهم نزول القرآن المشتمل على مصالح الدارين، أو النبوّة المتضمّنة لإرشاد العباد، أو نصب الإمام المعصوم الحافظ لشريعة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه
عابث في كلّ ما فعل، فقال :
( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ) فراشا أو وطاء وقرارا مهيّئا للتصرّف فيه من غير تعب وأذيّة( وَالْجِبالَ أَوْتاداً ) أي: أرسيناها(١) بالجبال لئلّا تميد بأهلها، كما يرسى البيت بالأوتاد.
( وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ) ذكرا وأنثى حتّى يصحّ منكم التناسل، ويتمتّع بعضكم ببعض.
( وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ) قطعا عن الإحساس والحركة، استراحة للقوى الحيوانيّة، وإزاحة لكلالها. وقيل: موتا، لأنّ النوم أحد التوفّيين. ومنه: المسبوت للميّت. وأصله القطع أيضا.
( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ) غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء، وإخفاء ما لا يحبّ الاطّلاع عليه من كثير من الأمور.
( وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ) وقت معاش تتقلّبون في حوائجكم لتحصيل ما تعيشون به. وقيل: حياة تنبعثون فيها عن نومكم.
( وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ) سبع سماوات محكمة قويّة الخلق، لا يؤثّر فيها مرور الدهور وكرور الأزمان.
( وَجَعَلْنا ) للعالم( سِراجاً وَهَّاجاً ) متلألئا وقّادا. يعني: الشمس. من: توهّجت النار إذا أضاءت. أو بالغا في الحرارة. من الوهج، وهو الحرّ.
( وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ) من السحائب إذا أعصرت، أي: قربت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أحصد الزرع إذا حان له أن يحصد. ومنه: أعصرت الجارية إذا قربت أن تحيض.
وعن مجاهد: من الرياح الّتي حان لها أن تعصر السحاب، أو من الرياح
__________________
(١) أي: أثبتناها.
ذوات الأعاصير. وإنّما جعلت مبدأ للإنزال، لأنّها تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه.
وقد جاء في الحديث: «أنّ الله تعالى يبعث الرياح، فتحمل الماء من السماء إلى السحاب».
فعلى هذا ؛ الإنزال منها ظاهر.
وعن الحسن وقتادة: هي السماوات. وتأويله: أنّ الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السماوات يعصرن، أي: يحملن على العصر.
( ماءً ثَجَّاجاً ) منصبّا بكثرة. يقال: ثجّه وثجّ بنفسه. وفي الحديث: «أفضل الحجّ العجّ والثجّ» أي: رفع الصوت بالتلبية، وصبّ دماء الهدي.
( لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ) ما يقتات به من نحو الحنطة والشعير( وَنَباتاً ) وما يعتلف به من التبن والحشيش، كما قال:( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ) (١) .
( وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ) وبساتين ملتفّة أشجارها بعضها ببعض. قال صاحب الكشّاف: «ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف(٢) . وقيل: الواحد لفّ. وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن عليّ الطوسي :
جنّة لفّ وعيش مغدق |
وندامى كلّهم بيض زهر |
وزعم ابن قتيبة أنّه: لفّاء، ولفّ، ثمّ ألفاف. وما أظنّه واجدا له نظيرا من نحو: خضر وأخضار، وحمر وأحمار. ولو قيل: هو جمع ملتفّة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها»(٣) . انتهى كلامه. وأقول: يمكن أن يكون جمع لفيف، حملا على نحو: أشراف وشريف.
( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ
__________________
(١) طه: ٥٤.
(٢) الأوزاع: الجماعات. والأخياف: المختلفون. يقال: هم إخوة أخياف، أي: أمّهم واحدة والآباء شتّى.
(٣) الكشّاف ٤: ٦٨٧.
سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) )
ثمّ ذكر سبحانه الإعادة والبعث تنبيها على أنّ الصنائع العجيبة تدلّ على صحّة البعث، فقال :
( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ ) في علم الله، أو في حكمه( مِيقاتاً ) حدّا تؤقّت به الدنيا وتنتهي عنده. أو حدّا للخلائق ينتهون إليه.
( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) بدل، أو عطف بيان ليوم الفصل( فَتَأْتُونَ ) من القبور إلى المحشر( أَفْواجاً ) أمما كلّ أمّة مع إمامهم. وقيل: جماعات مختلفة.
وفي الحديث عن البراء بن عازب قال: كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في منزل أبي أيّوب الأنصاري، فقال معاذ: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى:( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ) ؟ فقال: «يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثمّ أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكّسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عميا، وبعضهم صمّا بكما، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، فهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم، يتقذّرهم أهل
الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلّبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم.
فأمّا الّذين على صورة القردة فالقتّات(١) من الناس. وأمّا الّذين على صورة الخنازير فأهل السحت. وأمّا المنكّسون على وجوههم فآكلة الربا. وأمّا العمي فالّذين يجورون في الحكم. وأمّا الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم. وأمّا الّذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصّاص الّذين خالف قولهم أعمالهم. وأمّا الّذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الّذين يؤذون الجيران. وأمّا المصلّبون على جذوع من النار فالسّعاة بالناس إلى السلطان. وأمّا الّذين هم أشدّ نتنا من الجيف فالّذين يتّبعون الشهوات واللذّات، ومنعوا حقّ الله في أموالهم. وأمّا الّذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء».
( وَفُتِحَتِ السَّماءُ ) وشقّت شقوقا كثيرة. وقرأ الكوفيّون بالتخفيف.( فَكانَتْ أَبْواباً ) أي: كثرة أبوابها المفتّحة لنزول الملائكة، فصارت من كثرة الشقوق كأنّ الكلّ أبواب مفتّحة، كقوله:( وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً ) (٢) أي: كأنّ كلّها عيون تنفجر لكثرتها. وعلى قراءة التخفيف معناه: فصارت ذات أبواب. وقيل: الأبواب الطرق والمسالك، أي: تكشط(٣) فينفتح مكانها، وتصير طرقا لا يسدّها شيء.
( وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ ) في الهواء كالهباء( فَكانَتْ سَراباً ) مثل سراب، أي: تصير شيئا كلا شيء، لتفتّت أجزائها وانبثاث جواهرها، فإذا ترى على صورة الجبال ولم تبق على حقيقتها.
__________________
(١) القتّات: النمّام. وقيل: هو الّذي يستمع أحاديث الناس من حيث لا يعلمون.
(٢) القمر: ١٢.
(٣) كشط الشيء: رفع عنه شيئا قد غطّاه.
( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ) موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفّار، أو خزنة الجنّة المؤمنين، ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها. كالمضمار، فإنّه الموضع الّذي تضمّر(١) فيه الخيل. أو محدّة في ترصّد الكفرة لئلّا يشذّ منها واحد.
وقيل: الطريق المعلم الّذي يرتصدون فيه.
( لِلطَّاغِينَ مَآباً ) مرجعا ومأوى( لابِثِينَ فِيها ) وقرأ حمزة وروح: لبثين.
وهو أبلغ وأقوى، لأنّ اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث إلّا لمن شأنه اللبث، كالّذي يجثم(٢) بالمكان لا يكاد ينفكّ منه.( أَحْقاباً ) حقب بعد حقب، كلّما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية. ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلّا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها. والاشتقاق يشهد لذلك. ألا ترى إلى حقيبة الراكب والحقب الّذي وراء التصدير، فإنّ الحقيبة حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير، والتصدير: الحزام، وهو في صدر البعير.
وما قيل عن قتادة: أنّ الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة. وعن الحسن: سبعون ألف سنة، كلّ يوم من تلك السنين ألف سنة ممّا تعدّون. وعن مجاهد: أنّ الحقب ثلاثة وأربعون حقبا، كلّ حقب سبعون خريفا، كلّ خريف سبعمائة سنة، كلّ سنة ثلاثمائة وستّون يوما، وكلّ يوم ألف سنة. وعن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يخرج من النار من دخلها حتّى يمكث فيها أحقابا، والحقب بضع وستّون سنة، والسنة ثلاثمائة وستّون يوما، كلّ يوم ألف سنة ممّا تعدّون».
لا يدلّ(٣) على تناهي تلك الأحقاب، لجواز أن يكون المراد أحقابا مترادفة
__________________
(١) ضمّر الفرس: صيّره ضامرا، وذلك بأن يربطه ويكثر ماءه وعلفه حتّى يسمن، ثمّ يقلّل ماءه وعلفه مدّة ويركضه في الميدان حتّى يهزل.
(٢) جثم الرجل: تلبّد بالأرض، أي: لزمها ولزق بها وأقام فيها.
(٣) خبر لقوله: وما قيل في بداية الفقرة السابقة.
كلّما مضى حقب لحقه آخر. وإن دلّ فمن قبيل المفهوم، فلا يعارض المنطوق الدالّ على خلود الكفّار.
وعن حمران قال: «سألت أبا جعفرعليهالسلام عن هذه الآية، فقال: هذه في الّذين يخرجون من النار». وروي عن الأحول مثله.
ولو جعل قوله:( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) حالا من المستكن في «لابثين»، أو نصب «أحقابا» بـ «لا يذوقون»، احتمل أن يلبثوا فيها أحقابا غير ذائقين إلّا حميما وغسّاقا، ثمّ يبدّلون بعد الأحقاب جنسا آخر من العذاب.
ويجوز أن يكون من: حقب عامنا، إذا قلّ مطره وخيره. وحقب فلان إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب. فينتصب حالا عنهم. يعني: لابثين فيها حقبين. وقوله:( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ) تفسير له، والاستثناء منقطع. يعني: لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفّس عنهم حرّ النار، ولا شرابا يسكّن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميما وغسّاقا.
وقيل: البرد النوم. والمراد بالغسّاق ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم.
وقيل: الزمهرير. وهو مستثنى من البرد، إلّا أنّه أخّر ليتوافق رؤوس الآي. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين.
( جَزاءً وِفاقاً ) أي: جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم، أو موافقا لها. وصف بالمصدر. أو وافقها وفاقا.
ثمّ بيّن ما وافقه هذا الجزاء، فقال:( إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ) أي: فعلنا ذلك بهؤلاء الكفّار لأنّهم كانوا لا يخافون أن يحاسبوا. والمعنى: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنّهم محاسبون.
( وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ) بما جاءت به الأنبياء. وقيل: بالقرآن.( كِذَّاباً ) تكذيبا. وفعّال بمعنى التفعيل مطّرد شائع في كلام الفصحاء.
( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ) مصدر لـ «أحصيناه» فإنّ الإحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط والتحصيل. أو لفعل مقدّر. أو حال بمعنى: مكتوبا في اللوح، أو في صحف الحفظة. والمعنى: إحصاء معاصيهم، كقوله:( أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) (١) . والجملة اعتراض.
وقوله:( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ) مسبّب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات. وزيادته باعتبار أنّ كلّ عذاب يأتي بعد الوقت الأوّل فهو زائد عليه. وناهيك بـ «لن نزيدكم»، وبدلالته على أنّ ترك الزيادة كالمحال الّذي لا يدخل تحت الصحّة، وبمجيئها على طريقة الالتفات، شاهدا على أنّ الغضب قد بلغ غاية البلوغ. وفي الحديث: «هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار».
( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) )
__________________
(١) المجادلة: ٦.
ثمّ عقّب سبحانه وعيد الكفّار بالوعد للمتّقين، فقال:( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ) الّذين يتّقون باجتناب الشرك والمعاصي( مَفازاً ) فوزا وظفرا بالبغية. أو موضع فوز.
وقيل: نجاة ممّا فيه أولئك. أو موضع نجاة منه. ويؤيّد الأوّل تفسير المفاز بالبدليّة اشتمالا أو بعضا.
( حَدائِقَ ) بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة( وَأَعْناباً ) تخصيص بعد تعميم، لمزيّتها على سائر الفواكه.
( وَكَواعِبَ ) نساء فلكت(١) وتكعّبت ثديهنّ. وهنّ النواهد.( أَتْراباً ) لدات، أي: مستويات في السنّ والخلقة والصورة حتّى يكنّ متشاكلات. وعن الجبائي: أترابا على مقدار أزواجهنّ في الحسن والصورة والسنّ.
( وَكَأْساً دِهاقاً ) مترعة مملوءة. من: أدهق الحوض إذا ملأه. وعن سعيد بن جبير معناه: متتابعة على شاربيها.
( لا يَسْمَعُونَ فِيها ) في الجنّة( لَغْواً ) ما لا فائدة فيه( وَلا كِذَّاباً ) ولا تكذيب بعضهم لبعض. وقرأ الكسائي بالتخفيف، أي: كذبا أو مكاذبة.
( جَزاءً مِنْ رَبِّكَ ) بمقتضى وعده. مصدر مؤكّد منصوب بمعنى قوله:( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ) . كأنّه قال: جازى المتّقين بمفاز.( عَطاءً ) بدل من «جزاء». وقيل: منتصب به نصب المفعول به، أي: جزاهم عطاء( حِساباً ) صفة بمعنى: كافيا. من: أحسبه الشيء إذا كفاه حتّى قال: حسبي. وقيل: على حسب أعمالهم.
( رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا ) بدل من «ربّك». وقد رفعه الحجازيّان وأبو عمرو على الابتداء.
( الرَّحْمنِ ) صفة له، أي: من ربّهما المنعم على خلقه مؤمنهم وكافرهم. إلّا
__________________
(١) فلك ثدي الجارية: استدار. وتكعّبت الجارية: نهد ثديها، أي: ارتفع مكانه وانتبر وأشرف.
في قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب برفع «الرحمن» وحده، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرّحمن، أو مبتدأ خبره( لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ) . وعلى قراءة الحجازيّين «لا يملكون» خبر «ربّ السموات». أو خبره «الرحمن» و «لا يملكون» خبر بعد خبر.
وضمير الجمع لأهل السماوات والأرض، أي: لا يملكون خطابه والاعتراض عليه في أمر الثواب والعقاب، لأنّهم مملوكون له على الإطلاق، فلا يستحقّون عليه اعتراضا في الزيادة والنقص. أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلّا أن يأذن لهم فيه، كما قال تقريرا وتوكيدا لذلك :
( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ ) ظرف لـ «لا يملكون» أو لـ «يتكلّمون».
والروح: ملك موكّل على الأرواح، أو جنسها، أو جبرئيل. وعن ابن عبّاس: ملك أعظم من الملائكة وأشرف منهم، وأقرب من ربّ العالمين، ما خلق الله بعد العرش خلقا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفّا، وقامت الملائكة كلّهم صفّا، فيكون عظم خلقه مثل صفّهم.
وعن وهب: أنّ جبرئيل واقف بين يدي اللهعزوجل ترتعد فرائصه، يخلق اللهعزوجل من كلّ رعدة مائة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي اللهعزوجل منكّسوا رؤوسهم ساكتين، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلّا أنت.
وذلك معنى قوله:( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ) في الكلام( وَقالَ صَواباً ) أي: شهد بالتوحيد. أو إلّا لمن أذن له في الشفاعة، فيشفع لمن ارتضى لا لغيره، لقوله:( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) (١) .
وملخّص المعنى: أنّ هؤلاء الّذين هم أفضل الخلائق وأشرفهم وأقربهم من الله، إذا لم يقدروا أن يتكلّموا بين يديه بما يكون صوابا ـ كالشفاعة لمن ارتضى ـ إلّا
__________________
(١) الأنبياء: ٢٨.
بإذنه، فكيف يملكه غيرهم بغير إذنه؟ وهذا ردّ لزعم المشركين أنّ آلهتهم شفعاؤهم، كما حكاه سبحانه عنهم أنّ:( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) (١) .
وروى معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «سئل عن هذه الآية فقال: نحن والله المأذون لهم يوم القيامة والقائلون بالصواب. قال: جعلت فداك ؛ ما تقولون؟ قال: نمجّد ربّنا، ونصلّي على نبيّنا، ونشفع لشيعتنا، فلا يردّنا ربّنا». رواه العيّاشي مرفوعا.
وعلى هذا ؛ المراد بالروح أرواح الأنبياء والأوصياء. ويؤيّده ما ورد في الحديث: «أنّ الروح خلق من خلق الله ليسوا بالملائكة، بل على صورة بني آدم، وهم يأكلون».
( ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ ) الكائن لا محالة( فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ ) إلى ثوابه وقرب منزلته لديه( مَآباً ) مرجعا بالإيمان والطاعة، فقد أزيحت العلل، وأوضحت السبل، وبلّغت الرسل.
ثمّ هدّد سبحانه كفّار مكّة بقوله:( إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً ) يعني: عذاب الآخرة. وقربه لتحقّقه، فإنّ كلّ ما هو آت قريب، ولأنّ مبدأه الموت( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ) يرى ما قدّمه من خير أو شرّ.
وقيل: ينتظر جزاء ما قدّمه، فإن قدّم الطاعة انتظر الثواب، وإن قدّم المعصية انتظر العذاب. والمرء عام.
وقيل: هو الكافر، لقوله:( إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ ) . فمعنى( ما قَدَّمَتْ يَداهُ ) هو الشرّ، كقوله:( وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) (٢) .( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) (٣) .
__________________
(١) يونس: ١٨.
(٢) الأنفال: ٥٠ ـ ٥١.
(٣) الأنفال: ٥٠ ـ ٥١.
( وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ) (١) .( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ) (٢) .( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (٣) .
و «ما» موصولة منصوبة بـ «ينظر». يقال: نظرته بمعنى: نظرت إليه. والراجع من الصلة محذوف. أو استفهاميّة منصوبة بـ «قدّمت» أي: ينظر أيّ شيء قدّمت يداه؟
وعلى القول بأنّ المراد بالمرء هو الكافر يكون قوله:( وَيَقُولُ الْكافِرُ ) وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة الذمّ. والمعنى: إنّا أنذرناكم عذابا في يوم ينظر الكافر عقوبة عقيدته الفاسدة وأعماله القبيحة، ويقول تحسّرا في ذلك اليوم:( يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) في الدنيا، فلم أخلق، ولم أكلّف، فلا أعاد، ولا أحاسب، ولا أعاقب. أو في هذا اليوم، فلم أبعث. وقيل: يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثمّ تردّ ترابا، فيودّ الكافر حالها.
وعن ابن عمر: إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدّ الأديم، وحشر الدوابّ والبهائم والوحوش، ثمّ يجعل القصاص بين الدّوابّ، حتّى يقتصّ للشاة الجمّاء(٤) من الشاة القرناء الّتي نطحتها.
وقال مجاهد: يقاد يوم القيامة للمنطوحة من الناطحة.
وقال المقاتلان: إنّ الله يجمع الوحوش والهوامّ والطير وكلّ شيء غير الثقلين، فيقول: من ربّكم؟ فيقولون: الرحمن الرحيم. فيقول لهم الربّ بعد ما يقضي بينهم حتّى يقتصّ للجمّاء من القرناء: إنّا خلقناكم وسخّرناكم لبني آدم، وكنتم مطيعين أيّام حياتكم، فارجعوا إلى الّذي كنتم فكونوا ترابا، فتكون ترابا. فإذا التفت
__________________
(١) الحجّ: ٩ ـ ١٠.
(٢) الحجّ: ٩ ـ ١٠.
(٣) الجمعة: ٧.
(٤) أي: الّتي لا قرن لها.
الكافر إلى شيء صار ترابا يتمنّى، فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا على صورة الخنزير أرزق كرزقه، وكنت اليوم ـ أي: في الآخرة ـ ترابا.
وقيل: المراد بالكافر إبليس، لـمّا يرى آدم وولده وثوابهم يتمنّى أن يكون الشيء الّذي احتقره حين قال:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (١) .
__________________
(١) الأعراف: ١٢.
(٧٩)
سورة النازعات
مكّيّة. وهي ستّ وأربعون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة والنازعات لم يكن حبسه وحسابه يوم القيامة إلّا كقدر صلاة مكتوبة حتّى يدخل الجنّة».
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «من قرأها لم يمت إلّا ريّان، ولم يبعثه الله إلّا ريّان».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة النبأ بذكر أحوال القيامة وأهوالها، افتتح هذه السورة بمثله، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالنَّازِعاتِ ) أقسم سبحانه بملائكة الموت حين ينزعون أرواح الكفّار من أبدانهم( غَرْقاً ) أي: إغراقا في النزع، فإنّهم ينزعونها من أقاصي الأبدان، من أناملها وأظفارها وجلودها. أو نفوسا غرقة في الأجساد.
( وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ) ينشطون، أي: يخرجون أرواح المؤمنين برفق، كما ينشط العقال من يد البعير. من: نشط الدلو من البئر إذا أخرجها.
( وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً ) يسبحون في إخراجها سبح الغوّاص الّذي يخرج الشيء من أعماق البحر.
( فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ) فيسبقون بأرواح الكفّار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنّة.
( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) فيدبّرون أمر عقابهم وثوابهم، بأن يهيّؤها لإدراك ما أعدّ لها من الآلام واللذّات.
وقيل: النزع والنشط لملائكة الموت، والبواقي لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيّها، أي: يسرعون فيه، فيسبقون إلى ما أمروا به، فيدبّرون أمرا من أمور العباد ممّا يصلحهم في دنياهم أو دينهم كما رسم لهم.
وقد ورد أنّ جبرئيل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل يدبّرون أمور الدنيا.
أمّا جبرئيل فموكّل بالرياح والجنود. وأمّا ميكائيل فموكّل بالقطر والنبات. وأمّا ملك الموت فموكّل بقبض الأنفس. وأمّا إسرافيل فهو يتنزّل بالأمر.
أو الكلّ صفات أنفس الغزاة أو أيديهم، تنزع القسيّ بإغراق السهام، وينشطون بالسهم للرمي، ويسبحون في البرّ والبحر، فيسبقون إلى حرب العدوّ بالعدو التمام، فيدبّرون أمرها.
أو صفات خيلهم، فإنّها تنزع في أعنّتها نزعا، بأن تجذب العنان عن يد فارسها، وتغرق في نزع الأعنّة لطول أعناقها، لأنّها عراب. والّتي تخرج في دار الإسلام إلى دار الكفر، من قولك: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وتسبح في جريها فتسبق إلى العدوّ، فتدبّر أمر الظفر. وإسناد التدبير إليها لأنّها من أسبابه.
أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة، فإنّها تنزع أنفسها عن الأبدان غرقا، أي: نزعا شديدا لتشوّق المفارقة، فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوّتها من المدبّرات. أو حال سلوكها، فإنّها تنزع عن الشهوات، فتنشط إلى عالم القدس، فتسبح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات حتّى تصير من المكمّلات.
وعن ابن عبّاس: أنّ نفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج. وذلك أنّه ما من مؤمن يحضره الموت إلّا عرضت عليه الجنّة قبل أن يموت، فيرى موضعه فيها وأزواجه من الحور العين، فنفسه تنشط أن تخرج.
أو صفات النجوم، فإنّها تنزع من المشرق إلى المغرب. وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كلّه حتّى تنحطّ في أقصى المغرب، وتنشط من برج إلى برج ـ أي: تخرج ـ ويسجن في الفلك، فيسبق بعضها في السير، لكونه أسرع حركة، فتدبّر أمرا نيط بها، كاختلاف الفصول، وتقدير الأزمنة، وظهور مواقيت العبادات، وعلم الحساب. ولـمّا كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسريّة ـ أي: لغيرها ـ وحركاتها من برج إلى برج ملائمة ـ أي: لنفسها ـ سمّى الأولى نزعا والثانية نشطا.
والقول الأوّل منقول عن عليّعليهالسلام ومقاتل وسعيد بن جبير.
وعلى التقادير ؛ المقسم عليه محذوف، وهو: لتبعثنّ أو لتقومنّ الساعة. وإنّما حذف ليدلّ عليه قوله:( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ) وهو منصوب بجواب القسم. والمراد بالراجفة الأجرام الساكنة الّتي تشتدّ حركتها حينئذ، كالأرض والجبال، لقوله
تعالى:( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ) (١) . أو الواقعة الّتي ترجف الأجرام ويشتدّ اضطرابها عندها.
( تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) الواقعة التابعة للأولى. وهي انشقاق السماء وانتثار الكواكب، فإنّهما أثر الراجفة. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى:( عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) (٢) أي: القيامة الّتي يستعجلها الكفرة استبعادا لها، فهي الرادفة لهم لاقترابها. والجملة في موضع الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة.
وإنّما جعل «يوم ترجف» ظرفا للمضمر الّذي هو «لتبعثنّ»، ولا يبعثون عند النفخة الأولى، لأنّ المعنى: لتبعثنّ في الوقت الواسع الّذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الاخرى. ودلّ على أنّ اليوم هو الوقت الواسع، أنّ اليوم زمان الرجفة المقيّدة بكونها متبوعة بالرادفة، فيكون الزمان واسعا للأمرين. فهي لا تنافي قوله:( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ) (٣) .
( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ) شديدة الاضطراب. من الوجيف، بمعنى شديد السرعة. وصفت بما يحدث بحدوثها، وهي النفخة الأولى.
( أَبْصارُها خاشِعَةٌ ) أي: أبصار أصحابها ذليلة من الخوف، ولذلك أضافها إلى القلوب، فإنّها قلقة غير هادئة وساكنة، لـما عاينت من أهوال يوم القيامة. ورفع «قلوب» بالابتداء، و «واجفة» صفتها، وخبرها قوله:( أَبْصارُها خاشِعَةٌ ) . فهو
__________________
(١) المزّمّل: ١٤.
(٢) النمل: ٧٢.
(٣) الزمر: ٦٨.
كقوله:( وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ) (١) .
( يَقُولُونَ ) يقول منكروا البعث( أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ ) في الحالة الأولى. يعنون الحياة بعد الموت. من قولهم: رجع فلان في حافرته، أي: طريقه الّتي جاء فيها فحفرها، أي: أثّر فيها بمشيه فيها. جعل أثر قدميه حفرا، كما قيل: حفرت أسنانه حفرا، إذا أثّر الأكال في أسناخها(٢) . والخطّ المحفور في الصخر. أو على النسبة، أي: منسوبة إلى الحفر، كقوله:( عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) (٣) . أو تشبيه القابل بالفاعل، كقولهم: نهارك صائم، أي: وقع فيها الحفر.
( أَإِذا ) قرأ نافع وابن عامر والكسائي: إذا، على الخبر( كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ) بالية، أي: البالي الأجوف جدّا بحيث إن تمرّ فيها الريح يسمع له نخير. وقرأ الحجازيّان والشامي وحفص وروح: نخرة(٤) . وهي أبلغ. ونصب «إذا» بمحذوف تقديره: أإذا كنّا عظاما نردّ ونبعث.
( قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ) منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها.
والمعنى: أنّها إن صحّت فنحن إذا خاسرون، لتكذيبنا بها. وهو استهزاء منهم.
( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ) متعلّق بمحذوف، أي: لا يستصعبوها، فما هي ـ أي: النفخة الثانية ـ إلّا صيحة واحدة. يعني: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على اللهعزوجل ، فإنّها سهلة هيّنة في قدرته جدّا، فتحدث في أسرع زمان.
( فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في بطنها. والساهرة الأرض البيضاء المستوية. سمّيت بذلك لأنّ السراب يجري فيها.
__________________
(١) البقرة: ٢٢١.
(٢) أسناخ السنّ: منبتها وأصولها. والواحدة: سنخ.
(٣) القارعة: ٧.
(٤) والقراءة الاخرى: ناخرة.
من قولهم: عين ساهرة للّتي يجري ماؤها. وفي ضدّها نائمة. أو لأنّ سالكها يسهر فلا ينام خوف الهلكة. وعن قتادة: هي اسم جهنّم.
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) )
ولـمّا تقدّم ذكر المكذّبين للأنبياء المنكرين للبعث، عقّبه بحديث موسى وتكذيب قومه إيّاه، وما قاساه من الشدائد تسلية لنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ووعدا له بالنصر، وحثّا إيّاه على الصبر اقتداء بموسى، وتحذيرا لقومه أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، وعظة لهم، وتأكيدا للحجّة عليهم، فقال :
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ) أي: أليس قد أتاك حديثه فيسلّيك على تكذيب قومك، وتهدّدهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم؟! والهمزة للتقرير.( إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ) اسم واد. وقد مرّ(١) بيانه مفصّلا في سورة طه.
__________________
(١) راجع ج ٤ ص ٢٢٧، ذيل الآية (١٢) من سورة طه.
( اذْهَبْ ) على إرادة القول، أي: قال الله تعالى له: اذهب( إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ) تجاوز الحدّ في الاستعلاء والتمرّد.
( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ) هل لك الميل إلى أن تتطهّر من الكفر والطغيان؟ يقال: هل لك في كذا؟ وهل لك إلى كذا؟ كما يقال: هل ترغب فيه؟ وهل ترغب إليه؟ ومعناه: العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ أمره سبحانه أن يقول له الكلام الرقيق الليّن ليستدعيه بالتلطّف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوّه، كما أمر بذلك في قوله:( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ) (١) . وقرأ الحجازيّان ويعقوب: تزكّى بالتشديد.
( وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ ) وأرشدك إلى معرفة الله، وأنبّهك عليه فتعرفه( فَتَخْشى ) بأداء واجباته المأمورة وترك محرّماته المنهيّة، إذ الخشية بعد المعرفة، وقد قال الله تعالى:( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) (٢) أي: العلماء العرفاء به.
وذكر الخشية لأنّها ملاك الأمر، فإنّ من خشي الله أتى منه كلّ خير، ومن أمن اجترأ على كلّ شرّ. ومنه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من خاف أدلج(٣) ، ومن أدلج بلغ المنزل».
وهذا كالتفصيل، لقوله:( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ) (٤) .
( فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ) أي: فذهب فأراه المعجزة الكبرى، وهي قلب العصا حيّة، فإنّها كان المقدّم والأصل، والآيات الاخرى كالتبع لها. أو مجموع معجزاته، فإنّها باعتبار دلالتها كالآية الواحدة.
( فَكَذَّبَ ) بموسى والآية الكبرى، فسمّاهما ساحرا وسحرا( وَعَصى ) وعصى الله بعد ما علم صحّة الأمر، وأنّ الطاعة قد وجبت عليه.
__________________
(١) طه: ٤٤.
(٢) فاطر: ٢٨.
(٣) أدلج القوم: ساروا الليل كلّه أو في آخره.
(٤) طه: ٤٤.
( ثُمَّ أَدْبَرَ ) عن الطاعة( يَسْعى ) ساعيا في إبطال أمره. أو أدبر بعد ما رأى الثعبان مرعوبا مسرعا في مشيه. عن الحسن: كان رجلا طيّاشا خفيفا.
( فَحَشَرَ ) فجمع السحرة، كقوله:( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ) (١) .
( فَنادى ) بنفسه في المجمع الّذي اجتمعوا فيه معه، أو أمر مناديا فنادى من قبله. والأصحّ أنّه قام فيهم خطيبا.
( فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) أي: لا ربّ فوقي، أو أعلى من كلّ من يلي أمركم.
وقيل: معناه: أنا الّذي أنال بالضرر من شئت، ولا ينالني غيري. وكذب اللعين، إنّما هذه صفة الله الّذي خلقه وخلق جميع الخلائق. وقيل: إنّه جعل الأصنام أربابا فقال: أنا ربّكم وربّها.
( فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ) أخذا منكّلا لمن رآه أو سمعه، في الآخرة بالإحراق، وفي الدنيا بالإغراق. أو مصدر مؤكّد، كوعد الله، وصبغة الله. تقديره: نكّل الله به نكال الآخرة والأولى. أو أخذه الله على نكال كلمته الآخرة، وهي هذه، وكلمته الأولى، وهي قوله:( ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ) (٢) . أو للتنكيل في الدارين للكلمتين.
وعن أبي جعفرعليهالسلام : «أنّه كان بين الكلمتين أربعون سنة».
وعن وهب، عن ابن عبّاس قال: قال موسىعليهالسلام : يا ربّ إنّك أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربّكم الأعلى، ويجحد رسلك، ويكذّب بآياتك.
فأوحى الله تعالى إليه أنّه كان حسن الخلق سهل الحجاب، فأحببت أن أكافيه.
وروى أبو بصير عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قال جبرئيلعليهالسلام : قلت: يا ربّ تدع فرعون وقد قال: أنا ربّكم الأعلى؟ فقال: إنّما يقول
__________________
(١) الشعراء: ٥٣.
(٢) القصص: ٣٨.
هذا مثلك من يخاف الفوت».
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) الّذي فعل بفرعون حين كذّب وعصى( لَعِبْرَةً ) لعظة( لِمَنْ يَخْشى ) لمن كان من شأنه الخشية.
( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) )
ولـمّا قدم سبحانه ما أتى به موسى، وما قابله به فرعون، وما عوقب به في الدارين، عظة لمن كان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتحذيرا لهم من المثلات، خاطب عقيب ذلك منكري البعث، فقال :
( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ ) أصعب( خَلْقاً أَمِ السَّماءُ ) أي: أخلقكم بعد الموت أشدّ عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله على السواء. ثمّ بيّن كيف خلقها فقال:( بَناها ) .
ثمّ فسّر البناء بقوله:( رَفَعَ سَمْكَها ) أي: جعل مقدار ارتفاعها من الأرض، أو الذاهب في سمت العلوّ رفيعا مسيرة خمسمائة عام( فَسَوَّاها ) فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور أصلا. أو فتمّمها بما علم أنّه صلاحها وكمالها، من الكواكب والتداوير الّتي ليست بشاملة على الأرض وغين ها. من قولهم: سوّى فلان أمره إذا أصلحه.
( وَأَغْطَشَ لَيْلَها ) أظلمه. من: غطش الليل إذا أظلم، كقولك: ظلم وأظلمه.
ويقال أيضا: أغطش الليل، كما يقال: أظلم. فجاءا متعدّيين ولازمين.( وَأَخْرَجَ ضُحاها ) وأبرز ضوء شمسها، لقوله:( وَالشَّمْسِ وَضُحاها ) (١) يريد النهار.
وقولهم: وقت الضحى للوقت الّذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها. وإنّما أضاف الليل والضحى إلى السماء، لأنّهما يحدثان بحركتها، ولأنّ الليل ظلّها، والضحى الشعاع المنبثّ في جوّها.
( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ ) بعد خلق السماء( دَحاها ) بسطها ومهّدها للسكنى.
قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى دحا الأرض بعد السماء وإن كانت الأرض خلقت قبل السماء، وكانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها. وقال مجاهد والسدّي: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، كما قال:( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) (٢) أي: مع ذلك.
( أَخْرَجَ مِنْها ماءَها ) بتفجير العيون( وَمَرْعاها ) ورعيها. وهو في الأصل موضع الرعي. والمراد ما يأكل الناس والأنعام، من الثمار والأشجار والحبوب وسائر النباتات. واستعير الرعي للإنسان، كما استعير الرتع في قوله:( يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) (٣) .
( وَالْجِبالَ أَرْساها ) أثبتها. وتجريد «أخرج» عن العاطف لوجهين :
أحدهما: أن يكون معنى «دحاها»: بسطها ومهّدها للسكنى. ثمّ فسّر التمهيد بما لا بدّ منه في تأتّي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب، وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال، وإثباتها أوتادا لها حتّى تستقرّ ويستقرّ عليها.
والثاني: أن يكون «أخرج» حالا بإضمار «قد» كقوله :
__________________
(١) الشمس: ١.
(٢) القلم: ١٣.
(٣) يوسف: ١٢.
( أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) (١) .
( مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) أي: خلق ما ذكر تمتيعا لكم. أو متّع الله بذلك تمتيعا لكم ولمواشيكم.
( فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) )
ولـمّا دلّ سبحانه بهذه الأشياء على صحّة البعث، وصف يومه بقوله:( فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ ) الداهية الّتي تطمّ، أي: تعلو وتغلب على سائر الدواهي( الْكُبْرى ) الّتي هي أكبر الطامّات. وهي القيامة، لطمومها على كلّ هائلة، أي: ما من طامّة إلّا وفوقها طامّة، والقيامة فوق كلّ طامّة، فهي الداهية العظمى. وقيل: هي النفخة الثانية، أو الساعة الّتي يساق فيها أهل الجنّة إلى الجنّة، وأهل النار إلى النار.
وجواب «فإذا» محذوف، تقديره: فوقع ما لا يدخل تحت الوصف. ويدلّ عليه قوله:( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ) ما عمله من خير وشرّ، بأن يراه مدوّنا في صحيفته، وكان قد نسيها من فرط الغفلة أو طول المدّة. وهو بدل من «إذا جاءت». و «ما» موصولة أو مصدريّة.
( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ) وأظهرت( لِمَنْ يَرى ) لكلّ راء بحيث لا تخفى على
__________________
(١) النساء: ٩٠.
أحد.( فَأَمَّا مَنْ طَغى ) تجاوز الحدّ الّذي حدّه الله له، وارتكب المعاصي العظيمة حتّى كفر( وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) انهمك فيها، ولم يستعدّ للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس. والإيثار إرادة الشيء على طريقة التفضيل له على غيره.( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ) مأواه. واللام فيه سادّة مسدّ الإضافة، للعلم بأنّ صاحب المأوى هو الطاغي.
( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ) مقام مساءلة ربّه عمّا يجب عليه فعله أو تركه( وَنَهَى النَّفْسَ ) النفس الأمّارة بالسوء( عَنِ الْهَوى ) عن اتّباع الشهوات وزجرها عنه، وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير، لعلمه بأنّه مرد( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) ليس له سواها مأوى.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) )
ثمّ خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ) استهزاء وإنكارا( أَيَّانَ مُرْساها ) متى إرساؤها. أي: إقامتها وإثباتها، بأن يقيمها الله ويثبتها ويكوّنها. أو منتهاها ومستقرّها، كما أنّ مرسى السفينة مستقرّها حيث تنتهي إليه وتستقرّ فيه.
( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ) في أيّ شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم، أي: ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء، فإنّ ذكرها لا يزيدهم إلّا غيّا، ووقتها ممّا استأثره الله بعلمه. وروي: أنّه لم يزل رسول الله يذكر الساعة يسأل عنها حتّى نزلت. فهو على هذا تعجّب من كثرة ذكره لها، كأنّه قيل: في أيّ شغل واهتمام أنت
من ذكرها والسؤال عنها. والمعنى: أنّهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها.
وقيل: «فيم» إنكار لسؤالهم. و( أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ) مستأنف، معناه: أنت ذكر من ذكراها، أي: علامة من أشراطها، فإنّ إرسالك خاتما للأنبياء أمارة من أماراتها.
فكفاهم بذلك دليلا على دنوّها ومشارفتها، ووجوب الاستعداد لها. ولا معنى لسؤالهم عنها.
ثمّ قال:( إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ) أي: منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا من خلقه.
( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) أي: منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا من خلقه.
( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) أي: لم تبعث لتعلّمهم وقت الساعة الّذي لا فائدة لهم في علمه، وإنّما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف هولها، ويكون إنذارك لطفا له في الخشية منها. وعن أبي عمرو: منذر بالتنوين، والإعمال على الأصل.
وكلاهما يصلحان للحال والاستقبال، فإذا أريد الماضي فليس إلّا الإضافة، كقولك: هو منذر زيد أمس.
( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا ) أي: في الدنيا. وقيل: في القبور.( إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ) أي: عشيّة يوم أوضحاه. وأضاف الضحى إلى العشيّة لـما بينهما من الملابسة، لاجتماعهما في نهار واحد. وإنّما لم يقل: إلّا عشيّة أو ضحى، للدلالة على أنّ مدّة لبثهم كأنّها لم تبلغ يوما كاملا، ولكن ساعة منه: عشيّته أو ضحاه، فلمّا ترك اليوم أضافه إلى عشيّته، فهو كقوله تعالى:( لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ) (١) .
__________________
(١) الأحقاف: ٣٥.
(٨٠)
سورة عبس
مكّيّة. وهي اثنان وأربعون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر».
وروى معاوية بن وهب عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة عبس وتولّى وإذا الشمس كوّرت كان تحت جناح الله في الجنان، وفي ظلّ الله وكرامته في جنانه، ولا يعظم ذلك على ربّهعزوجل ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) )
ولـمّا ختم اللهعزوجل سورة النازعات بذكر إنذار من يخشى القيامة، افتتح هذه السورة بذكر إنذاره قوما يرجو إسلامهم وإعراضه عمّن يخشى.
وسبب نزول هذه السورة أنّه أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابن أمّ مكتوم ـ وأمّ مكتوم أمّ أبيه لأمّه، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤيّ ـ وعند الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعبّاس بن عبد المطّلب، وأميّة بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال ابن أمّ مكتوم: يا رسول الله أقرئني وعلّمني ممّا علمك الله. وكرّر ذلك وهو لا يعلم تشاغلهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بالقوم. فكره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قطع ابن أمّ مكتوم كلامهصلىاللهعليهوآلهوسلم ،؟؟؟ الصناديد: إنّما أتباعه العميان والعبيد، وعبس وأعرض عنه على القوم الّذين يكلّمهم. فعاتبه الله سبحانه بنزول هذه السورة.
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * عَبَسَ ) ؟ وقبض وجهه( وَتَوَلَّى ) وأعرض بوجهه( أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ) لأن جاءه هذا الأعمى. منصوب المحلّ بـ «تولّى» أو بـ «عبس» على اختلاف المذهبين. وذكر الأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقوم، والدلالة على أنّه أحقّ بالرأفة والرفق. أو لزياد العتاب والإنكار، كأنّه قال: عبس وتولّى لكونه أعمى، وكان يجب أن يزيده لعما تعطّفا وترأّفا وتقريبا وترحيبا. ولأجل ذلك أيضا التفت عن الغيبة إلى الخطاب كمن يشكو إلى الناس جانيا جنى عليه، ثمّ يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجها له بالعتاب والتوبيخ، فقال :
( وَما يُدْرِيكَ ) أي: وأيّ شيء يجعلك داريا، أي: عالما بحال هذا الأعمى( لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ) يتطهّر من الآثام بما يتلقّف منك. وفيه إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية؟ غيره.
( أَوْ يَذَّكَّرُ ) يتّعظ بما يعلّمه من مواعظ القرآن( فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ) فتنفعه موعظتك، وتكون له لطفا في بعض الطاعات. والمعنى: إنّك لا تدري ما هو مترقّب منه من تزكّ أو تذكّر، ولو دريت لـما فرط منك ذلك. قالوا: وفي هذا لطف من الله عظيم لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ لم يخاطبه في باب العبوس، فلم يقل: عبست، فلمّا جاوز العبوس عاد إلى الخطاب وقال: وما يدريك.
وقيل: الضمير في «لعلّه» للكافر، أي: إنّك طمعت في أن يتزكّى بالإسلام، أو يتذكّر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحقّ، ولذلك أعرضت عن غيره، فما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن. وقرأ عاصم بالنصب جوابا لـ «لعلّ»، كقوله:( فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ) (١) .
( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ) بكثرة الأموال والخدم والحشم( فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) تتعرّض بالإقبال عليه. والمصاداة: المعارضة. وأصله: تتصدّى. وقرأ ابن كثير ونافع: تصدّى.
( وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) وليس عليك باس في أن لا يتزكّى بالإسلام، حتّى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض. أو أيّ شيء يلزمك إن لم يسلم، فإنّه ليس عليك إلّا البلاغ.
( وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ) يسرع طالبا للخير( وَهُوَ يَخْشى ) يخشى الله، أو يخشى أذيّة الكفّار في إتيانك، أو عثرة الطريق، لأنّه أعمى لا قائد له( فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) تتشاغل. يقال: لها عنه والتهى وتلهّى. ولعلّ ذكر التصدّي والتلهّي للإشعار بأنّ العتاب على اهتمام قلبه بالغنيّ وتلهّيه عن الفقير. وفي تكرير ضمير الخطاب إفادة الاختصاص. ومعناه: مثلك خصوصا لا ينبغي أن يتصدّى للغنيّ ويتلهّى عن الفقير.
__________________
(١) غافر: ٣٧.
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان بعد نزول هذه الآيات يكرم ابن مكتوم، ويقول إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي. ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرّتين.
وقال أنس: رأيته يوم القادسيّة ـ وهو يوم فتح المدائن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ وعليه درع، وله راية سوداء.
وروي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال: «كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا رأى عبد الله بن أمّ مكتوم قال: مرحبا مرحبا لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا».
وروي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما عبس بعدها في وجه فقير قطّ، ولا تصدّى لغنيّ. ولقد تأدّب الناس بأدب الله ورسوله في هذا تأدّبا حسنا، فقد روي عن سفيان الثوري: أنّ الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.
واعلم أنّ علم الهدى قدّس الله روحه أنكر أن يكون المعاتب في هذه الآيات هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقال في تنزيه الأنبياء: «ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل هو خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه. وفيها ما يدلّ على أن المعنيّ بها غيره، لأنّ العبوس ليس من صفات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع الأعداء المباينين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين. ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة.
ويؤيّد هذا القول قوله سبحانه في وصفهعليهالسلام :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) .
وقوله:( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (٢) . فالظاهر أنّ قوله: «عبس وتولّى» المراد به غيره. وقد روي عن الصادقعليهالسلام أنّها نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فجاء ابن أمّ مكتوم، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه.
__________________
(١) القلم: ٤.
(٢) آل عمران: ١٥٩.
فإن قيل: فلو صحّ الخبر الأوّل هل يكون العبوس ذنبا أم لا؟
فالجواب: أنّ العبوس والانبساط مع الأعمى سواء، إذ لا يشقّ عليه ذلك، فلا يكون ذنبا. فيجوز أن يكون عاتب الله سبحانه بذلك نبيّه ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق، وينبّهه بذلك على عظم حال المؤمن المسترشد، ويعرّفه أنّ تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه.
وقال الجبائي: في هذا دلالة على أنّ الفعل يكون معصية فيما بعد، لمكان النهي. فأمّا في الماضي فلا يدلّ على أنّه كان معصية قبل أن ينهى عنه، والله سبحانه لم ينبّهه إلّا في هذا الوقت.
وقيل: إنّ ما فعله الأعمى كان نوعا من سوء الأدب، فحسن تأديبه بالإعراض عنه، إلّا أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه إنّما أعرض عنه لفقره، وأقبل عليهم لرئاستهم تعظيما لهم، فعاتبه الله سبحانه على ذلك»(١) انتهى كلامه.
وأنا أقول: ما روي عن الصادقعليهالسلام أنّه «كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا رأى عبد الله بن أمّ مكتوم قال: مرحبا مرحبا لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا» لا يدلّ على أنّ العابس والمتولّي عن الأعمى هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لجواز أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا نزلت الآيات في معاتبة الرجل المذكور فيما فعل بالأعمى عرف حال الأعمى ومكانته عند الله، فقال ذلك إجلالا وتعظيما له، وزجرا لنفسه عن أن يصدر منه ما صدر من الرجل المذكور.
( كَلَّا ) ردع عن المعاتب عليه، أو عن معاودة مثله. والمعنى: انزجر عن مثل ذلك، ولا تعد لذلك. وفي هذا الردع دلالة على أنّه ليس له أن يفعل ذلك في المستقبل، وأمّا الماضي فلمّا لم يتقدّم النهي عن ذلك فيه فلا يكون معصية.( إِنَّها تَذْكِرَةٌ )
__________________
(١) تنزيه الأنبياء: ١١٨ ـ ١١٩.
موعظة يجب الاتّعاظ بها والعمل بموجبها.
( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ) حفظه، أو اتّعظ به. والضميران للقرآن، أو للعتاب المذكور. وتأنيث الأوّل لتأنيث خبره. ويحتمل أن يكون الضمير الأوّل راجعا إلى المواعظ المذكورة، والثاني إلى «تذكرة». وتذكيره لأنّ التذكرة في معنى الذكر. وفي هذا دلالة على أنّ العبد قادر على الفعل مخيّر فيه.
( فِي صُحُفٍ ) مثبتة فيها. صفة لـ «تذكرة»، أو خبر ثان، أو خبر لمحذوف.
( مُكَرَّمَةٍ ) عند الله( مَرْفُوعَةٍ ) في السماء، أو مرفوعة المقدار( مُطَهَّرَةٍ ) منزّهة عن أيدي الكفرة أو الشياطين، لا يمسّها إلّا أيدي ملائكة مطهّرين( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) أي: كتبة من الملائكة الّذين ينتسخون الكتب المنزلة على الأنبياء من اللوح. أو من الأنبياء الّذين ينتسخونها من الوحي.
وقيل: المراد بالصحف اللوح. وجمعها باعتبار أنواع الحكم وفنون الوقائع فيه.
وقيل: السفرة القرّاء من أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم يكتبونها ويقرءونها. أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله ورسله. من السفر على الأوّل، والسفارة على الثاني.
والتركيب للكشف. يقال: سفرت المرأة إذا كشفت وجهها.
ويؤيّد الأوّل قوله تعالى:( إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ) (١) . وما نقل عن مقاتل أنّ القرآن كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر إلى الكتبة من الملائكة، ثمّ ينزل به جبرئيلعليهالسلام إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( كِرامٍ ) أعزّاء على الله. أو متعطّفين على المؤمنين، يكلّمونهم ويستغفرون لهم. وقيل: كرام عن المعاصي، يرفعون أنفسهم عنها.( بَرَرَةٍ ) أتقياء.
__________________
(١) الأعلى: ١٨.
( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) )
ثمّ ذكر سبحانه المكذّبين بالقرآن، فقال:( قُتِلَ الْإِنْسانُ ) أهلك ولعن. دعاء عليه بأشنع الدعوات، لأنّ القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها.( ما أَكْفَرَهُ ) تعجّب من إفراطه في كفران الله ونعمته. وهو مع قصره يدلّ على سخط عظيم وذمّ بليغ. قال صاحب الكشّاف: «ولا ترى أسلوبا أغلظ منه، ولا أخشن مسّا، ولا أدلّ على سخط، ولا أبعد شوطا في المذمّة، مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمّة على قصر متنه»(١) .
واللام إشارة إلى كلّ كافر. وعن الضحّاك: هو أميّة بن خلف. وقيل: عتبة بن أبي لهب، إذ قال: كفرت بربّ النجم إذا هوى.
ثمّ بيّن وصف حاله من ابتداء حدوثه إلى أن انتهى، وما هو مغمور فيه من أصول النعم وفروعها، وما هو غارز فيه رأسه من الكفران والغمط وقلّة الالتفات، إلى ما يتقلّب فيه، وإلى ما يجب عليه من القيام بالشكر، فقال :
( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) الاستفهام للتحقير، أي: أيّ شيء حقير مهين خلقه؟ ولذلك أجاب عنه بقوله:( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) فهيّأه لـما يصلح له ويختصّ به من الأعضاء والأشكال. أو فقدّره أطوارا إلى أن تمّ خلقته.
( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) ثمّ سهّل مخرجه من بطن أمّه، بأن فتح فوهة(٢) الرحم ،
__________________
(١) الكشّاف ٤: ٧٠٣.
(٢) فوهة الشيء وفوّهته: فمه.
وألهمه أن ينتكس. أو ذلّل له سبيل الخير والشرّ بإقداره وتمكينه، كقوله:( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ) (١) . وعن ابن عبّاس: بيّن له السبيلين. ونصب «السبيل» بفعل يفسّره الظاهر، للمبالغة في التيسير. وتعريفه باللام دون الإضافة للإشعار بأنّه سبيل عامّ. وفيه ـ على المعنى الأخير ـ إيماء بأنّ الدنيا طريق والمقصد غيرها. ولذلك عقّبه بقوله :
( ثُمَّ أَماتَهُ ) عدّ الإماتة في النعم، لأنّ الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبديّة واللذّات الخالصة( فَأَقْبَرَهُ ) فجعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعله مطروحا على وجه الأرض جزرا للسباع والطير كسائر الحيوان. يقال: قبر الميّت إذا دفنه، وأقبره إذا أمره أن يقبره ومكّنه منه.
( ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ) أنشأه النشأة الأخرى. وفي «إذا شاء» إشعار بأنّ وقت النشور غير متعيّن في نفسه، وإنّما هو موكول إلى مشيئته.
( كَلَّا ) ردع للإنسان عمّا هو عليه( لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ) لم يقض بعد ـ مع تطاول الزمان وامتداده من لدن آدم إلى هذه الغاية ـ ما أمره الله بأسره حتّى يخرج من جميع أوامره، إذ لا يخلو أحد من تقصير مّا.
( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) )
__________________
(١) الإنسان: ٣.
ولـمّا عدّد النعم الذاتيّة أتبعه ذكر النعم الخارجيّة، وهي ما يحتاج إليه في التعيّش، فقال:( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ) مطعمه الّذي يعيش به، ويتفكّر كيف دبّرنا أمره من أسباب التعيّش.
ثمّ استأنف بيان كيفيّة إحداث الطعام بقوله:( أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ) يعني: الغيث. وقرأ الكوفيّون بالفتح(١) على البدل من «طعامه» بدل الاشتمال.
( ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ) أي: بالنبات. أو بالكراب(٢) على البقر. وحينئذ أسند الشقّ إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب.
( فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ) جنس الحبوب الّتي يتقوّت بها، كالحنطة والشعير( وَعِنَباً ) خصّه لكثرة منافعه( وَقَضْباً ) يعني: الرطبة. والمقضاب: أرضه.
سمّيت بمصدر: قضبه إذا قطعه، لأنّها تقضب مرّة بعد اخرى.
( وَزَيْتُوناً ) يعصر عنه الزيت( وَنَخْلاً ) جمع نخلة( وَحَدائِقَ غُلْباً ) يحتمل أن يجعل كلّ حديقة غلباء. فيريد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها، كما تقول: حديقة ضخمة. وأن يجعل شجرها غلبا، أي: عظاما غلاظا. والأصل في الوصف بالغلب: الرقاب، فاستعير.
( وَفاكِهَةً ) وسائر ألوان الفواكه( وَأَبًّا ) ومرعى. من: أبّ إذا أمّ، لأنّه يؤمّ وينتجع(٣) . والأبّ والأمّ أخوان. أو من: أبّ لكذا إذا تهيّأ له، لأنّه متهيّئ للرعي. أو فاكهة يابسة تؤبّ للشتاء. ونقل في الكشّاف(٤) عن أبي بكر أنّه سئل عن الأبّ، فقال: أيّ سماء تظلّني، وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به.
__________________
(١) أي: بفتح همزة: أنّا.
(٢) كرب الأرض كرابا: قلّبها وحرثها.
(٣) في هامش الخطّية: «النجعة بالضمّ: طلب الكلأ في موضعه. منه».
(٤) الكشّاف ٤: ٧٠٤.
وعن عمر: أنّه قرأ هذه الآية فقال: كلّ هذا قد عرفنا، فما الأبّ؟ ثمّ رفض(١) عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلّف. ثمّ قال: اتّبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه.
( مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) تمتيعا لكم ولمواشيكم، فإنّ الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف.
( فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) )
ولـمّا بيّن النشأة الأولى وتوابعها ذكر أحوال النشأة الآخرة، فقال:( فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ) أي: النفخة. يقال: صخّ لحديثه، مثل: أصاخ له. وصفت النفخة بها مجازا، لأنّ الناس يصخّون لها، أي: يصيحون. وعن ابن عبّاس: سمّيت بذلك، لأنّها تصخّ الآذان، أي: تبالغ في إسماعها حتّى تكاد تصمّها.
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنّهم لا ينفعونه. وقيل: للحذر من مطالبتهم بما قصّر في حقّهم. فيقول الأخ :
__________________
(١) رفض الشيء: رماه وتركه.
لم تواسني بمالك. والأبوان: قصّرت في برّنا. والصاحبة: أطعمتني الحرام، وفعلت وصنعت كذا وكذا. والبنون: لم تعلّمنا ولم ترشدنا. وبدأ بالأخ ثمّ بالأبوين، لأنّهما أقرب منه، ثمّ بالصاحبة والبنين، لأنّهم أقرب وأحبّ. كأنّه قيل: يفرّ من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه.
( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) أمر عظيم يشغله عن الأقرباء، ويصرفه عنهم، ويكفيه في الاهتمام به، أي: ليس فيه فضل لغيره، لـما هو فيه من الأمر الّذي قد اكتنفه وملأ صدره، فصار كالغنيّ عن الشيء في أمر نفسه لا ينازع إليه.
وروي عن عطاء بن يسار، عن سودة زوجة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قالت: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يبعث الناس حفاة عراة غرلا(١) ، يلجمهم العرق، ويبلغ شحمة الآذان.
قالت: قلت: يا رسول الله ؛ وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟! قال: شغل الناس عن ذلك، وتلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لكلّ امرئ يومئذ شأن يغنيه».
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ) مضيئة. من: أسفر الصبح إذا أضاء. وعن ابن عبّاس: من قيام الليل، لـما روي من الحديث: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». وعن الضحّاك: من آثار الوضوء. وقيل: من طول ما اغبرّت في سبيل الله.( ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ) لـما ترى من النعيم.
( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ) غبار وكدورة، كالدخان يعلوها( تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ) يعلوها ويغشاها سواد وظلمة. ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى في وجوه الزنوج إذا اغبرّت.
( أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) الّذين جمعوا إلى الكفر الفجور، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة.
__________________
(١) غرل الصبيّ: لم يختن. فهو أغرل. والجمع: غرل.
(٨١)
سورة التكوير
مكّيّة. وهي تسع وعشرون آية. ومنهم من يقول: سورة التكوير.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته».
ابن عمر قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحبّ أن ينظر إليّ يوم القيامة فليقرأ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) ».
وروى أبو بكر قال: قلت: يا رسول الله أسرع إليك الشيب! قال: «شيّبتني سورة هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت».
وروي: أنّ عليّاعليهالسلام لـمّا غسّل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجد في لحيته شعرات بيضا، وما لا يظهر إلّا بعد التفتيش لا يكون شيبا.
فعلى هذا ؛ فالمراد بقوله: «شيّبتني هذه السورة» أنّه لو كان أمر يشيب منه إنسان لشبت.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة عبس بذكر القيامة وأهوالها، افتتح هذه السورة أيضا بذكر علاماتها وأحوالها، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) لفّت. من: كوّرت العمامة إذا لففتها. أو بمعنى: رفعت، لأنّ الثوب إذا أريد رفعه لفّ وطوي. ونحوه قوله تعالى:( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ) (١) . وعن ابن عبّاس ومجاهد: لفّ ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره فأظلمت، ثمّ يحدث الله تعالى ضياء للعباد غيرها. وعن الربيع وأبي صالح: ألقيت وطرحت عن فلكها. من: طعنه فكوّره إذا ألقاه مجتمعا.
والتركيب للإدارة والجمع. وارتفاع الشمس بفعل يفسّره ما بعدها أولى، لأنّ «إذا» الشرطيّة تطلب الفعل.
__________________
(١) الأنبياء: ١٠٤.
( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) انقضّت، أي: تساقطت وتناثرت. وهذا مثل قوله:( وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ) (١) . إلّا أنّ في الأوّل يذهب ضوؤها ثم تتناثر. وعن الجبائي: أظلمت، من: كدرت الماء فانكدر. ويروى: أنّ الشمس والنجوم تطرح في جهنّم ليراها من عبدها، كما قال:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (٢) .
( وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ) عن وجه الأرض وأبعدت. أو في الجوّ تسيير السحاب، كقوله:( وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) (٣) .
( وَإِذَا الْعِشارُ ) النوق اللواتي أتى على حملهنّ عشرة أشهر، ثمّ هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة. جمع عشراء، كالنفاس في جمع نفساء. وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزّها عليهم.( عُطِّلَتْ ) تركت مهملة بلا راع، لاشتغالهم بأنفسهم. وقيل: العشار السحائب عطّلت من المطر. حكي ذلك عن الجبائي، وأبي عمرو. وقال الأزهري: لا أعرف هذا في اللغة.
( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) جمعت من كلّ جانب. أو بعثت للقصاص ثمّ ردّت ترابا، فلا يبقى منها إلّا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته، كالطاووس ونحوه. وقال قتادة: يحشر كلّ شيء ـ حتّى الذباب ـ للقصاص. وعن ابن عبّاس: حشرها موتها. من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس: حشرتهم، أي: أماتتهم.
( وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ) أحميت. أو ملئت بتفجير عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها، فيرتفع البرزخ بينهما حتّى يعود بحرا واحدا. من: سجّر التنّور إذا ملأه بالحطب ليحميه. وعن ابن عبّاس: ملئت نيرانا تضطرم لتعذيب أهل النار.
وعن الحسن: يذهب ماؤها، فلا تبقى فيها قطرة. وعن الجبائي: ملئت من القيح
__________________
(١) الانفطار: ٢.
(٢) الأنبياء: ٩٨.
(٣) النمل: ٨٨.
والصديد الّذي يسيل من أبدان أهل النار في النار. وقيل: أراد بحار جهنّم، لأنّ بحور الدنيا قد فنيت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بالتخفيف.
( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قرنت بالأجساد. أو كلّ منها قرنت بشكلها من أهل النار، وبشكلها من أهل الجنّة. أو بكتابها وعملها. أو نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه، من إنسان أو شيطان.
( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ ) المدفونة حيّة. من: وأد يئد، مقلوب من: آد يؤد إذا أثقل.
قال الله تعالى:( وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما ) (١) لأنّه إثقال بالتراب( سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) تبكيتا لوائدها، كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسىعليهالسلام :( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) (٢) . وإنّما قيل: «قتلت» بناء على أنّ الكلام إخبار عنها. ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل: قتلت. وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق أو لحوق العار بهم من أجلهنّ. وكانوا يقولون: إنّ الملائكة بنات الله، فنلحق البنات بهنّ، فيقولون: إنّهنّ أحقّ بهنّ.
وفي الكشّاف: «كان الرجل في الجاهليّة إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبّة من صوف أو شعر، ترعى له الإبل والغنم في البادية. وإن أراد قتلها تركها حتّى إذا كانت سداسيّة ـ أي: بلغت قامتها ستّة أشبار ـ فيقول لأمّها: طيّبيها وزيّنيها حتّى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثمّ يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتّى تستوي البئر بالأرض»(٣) .
وعن ابن عبّاس: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفيرة فتمخّضت على
__________________
(١) البقرة: ٢٥٥.
(٢) المائدة: ١١٦.
(٣) الكشّاف ٤: ٧٠٨.
رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنا حبسته.
( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) يعني: صحف الأعمال، فإنّها تطوى عند الموت ثمّ تنشر وقت الحساب. وعن قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك ثمّ تنشر يوم القيامة، فلينظر رجل ما يملى في صحيفته. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «يحشر الناس حفاة عراة، كما مرّ في السورة السابقة. فقالت أمّ سلمة: كيف بالنساء؟ فقال: شغل الناس يا أمّ سلمة. قالت: وما شغلهم؟ قال: نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل».
وقيل: «نشرت» بمعنى: فرّقت بين أصحابها. وقيل: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنّة عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم. ومعناه: مكتوب فيهما ذلك. وهي صحف غير صحف الأعمال.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالتشديد، للمبالغة في النشر، أو لكثرة الصحف، أو لشدّة التطاير.
( وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ) قلعت وأزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة.
( وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ) أوقدت إيقادا شديدا. وقرأ نافع وابن عامر برواية ابن ذكوان وحفص ورويس بالتشديد. وقيل: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم.
( وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ) قربت من المتّقين، كقوله:( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) (١) ليزدادوا سرورا، ويزداد أهل النار حسرة.
( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ) جواب «إذا» وعاملها. والمعنى: إذا كانت هذه الأشياء علمت في ذلك الوقت كلّ نفس ما وجدت حاضرا من عملها، كما قالوا: أحمدته، أي: وجدته محمودا.
__________________
(١) ق: ٣١.
وقيل: علمت ما أحضرته من خير وشرّ. وإحضار الأعمال مجاز، لأنّها لا تبقى. والمعنى: أنّه لا يشذّ عنها شيء، فكأنّ كلّها حاضرة.
وقيل: المراد صحائف الأعمال.
وإنّما صحّ ذلك والمذكور في سياق «إذ» اثنتا عشرة خصلة، ستّ منها في مبادئ قيام الساعة قبل فناء الدنيا، وستّ بعده، لأنّ المراد زمان متّسع شامل لها ولمجازاة النفوس على أعمالها. و «نفس» في معنى العموم، كقولهم: تمرة خير من جرادة. كأنّه قيل: علمت كلّ نفس.
وعن ابن مسعود: أنّ قارئا قرأها عنده، فلمّا بلغ( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ) قال: وانقطاع ظهرياه.
( فَلا أُقْسِمُ ) قد ذكرنا اختلاف العلماء فيه غير مرّة( بِالْخُنَّسِ ) بالكواكب الرواجع. من: خنس إذا تأخّر. ألا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعا إلى أوّله.
وهي ما سوى النيّرين من السيّارات. ولذلك وصفها بقوله:( الْجَوارِ ) السيّارات في أفلاكها( الْكُنَّسِ ) الغيّب تحت ضوء الشمس. من: كنس الوحشيّ إذا دخل كناسه، وهو بيته المتّخذ من أغصان الشجر.
وعن عليّعليهالسلام : «هي الدّراري الخمسة: زحل، ومشتري، ومرّيخ، وعطارد، وزهرة».
تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتّى تخفى تحت ضوء الشمس.
فخنوسها: رجوعها. وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس.
وقيل: هي جميع الكواكب، تخنس بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها، كالوحش في كنسها.
( وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ) أدبر ظلامه. يقال: عسعس الليل وسعسع إذا أدبر.
قال العجاج :
حتّى إذا الصبح لها تنفّسا |
وانجاب عنها ليلها وعسعسا |
وقيل: عسعس إذا أقبل ظلامه. فهو من الأضداد.
( وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ) أي: طلع وظهرت إضاءته. ولـمّا كان إقبال الصبح مع إقبال روح ونسيم، جعل ذلك نفسا له على المجاز، فقيل: تنفّس الصبح.
وجواب القسم قوله:( إِنَّهُ ) أي: القرآن( لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) على ربّه.
يعني: جبرئيلعليهالسلام ، فإنّه قاله عن الله تعالى. وقيل: إنّما أضافه إلى جبرئيل، لأنّ الله تعالى قال له: ائت محمّدا وقل له كذا.
ثمّ وصف جبرئيلعليهالسلام بقوله:( ذِي قُوَّةٍ ) كقوله:( شَدِيدُ الْقُوى ) (١) . ولـمّا كانت حال المكانة على حسب حال الممكّن قال:( عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ ) أي: عند مالك العرش وخالقه ومدبّره( مَكِينٍ ) ذي مكانة ورفعة، ليدلّ على عظم منزلته ومكانته وعلوّ مرتبته.
( مُطاعٍ ) في ملائكته( ثَمَ ) إشارة إلى الظرف المذكور، أعني: عند ذي العرش. ويحتمل اتّصاله بما قبله وما بعده، على معنى: أنّه عند الله مطاع في ملائكته المقرّبين، يصدرون عن أمره، ويرجعون إلى رأيه. قالوا: ومن طاعة الملائكة لجبرئيل أنّه أمر خازن الجنّة ليلة المعراج حتّى فتح لمحمّد أبوابها، فدخلها ورأى ما فيها، وأمر خازن النار ففتح له عنها حتّى نظر إليها. أو عند الله.( أَمِينٍ ) على الوحي إلى أنبيائه.
وفي الحديث: «أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لجبرئيلعليهالسلام : ما أحسن ما أثنى عليك ربّك( ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) . فما كانت قوّتك؟ وما كانت أمانتك؟ قال: أمّا قوّتي فإنّي بعثت إلى مدائن لوط، وهي أربع مدائن، في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتّى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثمّ هويت بهنّ فقلبتهنّ. وأمّا أمانتي ؛ فإنّي لم أومر بشيء فعدوته إلى غيره».
__________________
(١) النجم: ٥.
( وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) )
ثمّ خاطب الكفّار، فقال:( وَما صاحِبُكُمْ ) يعني: محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم ( بِمَجْنُونٍ ) كما تبهته(١) الكفرة. وهذا أيضا من جواب القسم، أقسم الله عزّ اسمه أنّ القرآن نزل به جبرئيل، وأنّ محمّدا ليس على ما يرميه به أهل مكّة من الجنون. والاستدلال بذلك على فضل جبرئيل على محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث عدّ فضائل جبرئيل، واقتصر في محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم على نفي الجنون. ضعيف جدّا، إذ المقصود منه نفي قولهم:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) (٢) ( أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ) (٣) . لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما.
( وَلَقَدْ رَآهُ ) ولقد رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جبرئيلعليهالسلام على صورته الأصليّة الّتي خلقه الله عليها( بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) بمطلع الشمس الأعلى.
( وَما هُوَ ) وما محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( عَلَى الْغَيْبِ ) على ما يخبر به، من رؤية جبرئيل والوحي إليه، وغير ذلك من الغيوب.( بِضَنِينٍ ) بمتّهم. من الظنّة، وهي التهمة. وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر: بضنين. من الضنّ، وهو البخل، أي :
__________________
(١) أي: تتّهمه بما ليس فيه.
(٢) النحل: ١٠٣.
(٣) سبأ: ٨.
لا يبخل بالتبليغ، فيزوي(١) بعضه غير مبلّغه، أو يسأل تعليمه فلا يعلّمه. وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبيّ بالضاد. وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ بهما.
وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما ممّا لا بدّ منه للقارىء، فإنّ أكثر العجم لا يفرّقون بين الحرفين، وإن فرّقوا ففرقا غير صواب. وبينهما بون بعيد، فإنّ مخرج الضاد من أصل حافّة اللسان، وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره. وأمّا الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. ولو استوى الحرفان لـما ثبت في هذه الكلمة قراءتان، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب.
( وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) بقول بعض المسترقة للسمع، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة. وهو نفي لقولهم: إنّه لكهانة وسحر.
ثمّ بكّتهم الله سبحانه، فقال:( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرسول والقرآن، كقولك لتارك الجادّة اعتسافا: أين تذهب؟ فمثّلت حالهم بحاله في تركهم الحقّ، وعدولهم عنه إلى الباطل.
( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) تذكير( لِلْعالَمِينَ ) لا مطلقا، بل( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) بتحرّي الحقّ وملازمة الصواب. فهذا بدل من «للعالمين». وإنّما أبدلوا منهم لأنّ الّذين شاؤا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنّه لم يوعظ به غيرهم، وإن كانوا موعظين جميعا.
( وَما تَشاؤُنَ ) الاستقامة يا من يشاؤها( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) إلّا بتوفيق الله مالك الخلق كلّهم وبلطفه. أو وما تشاؤنها أنتم يا من لا يشاؤها إلّا بقسر الله وإلجائه. ولكن لا يفعل، لأنّه إنّما يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقّوا الثواب، فلا يريد أن يحملكم عليه.
__________________
(١) أي: يمنع.
(٨٢)
سورة انفطرت
وتسمّى سورة الانفطار أيضا. مكّيّة. وهي تسع عشرة آية.
أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ومن قرأها أعطاه الله من الأجر يعدد كلّ قبر حسنة، وبعدد كلّ قطرة مائة حسنة، وأصلح الله شأنه يوم القيامة».
وروى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: «من قرأ هاتين السورتين: إذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقّت، وجعلهما نصب عينيه في صلاة الفريضة والنافلة، لم يحجبه من الله حجاب، ولم يحجزه من الله حاجز، ولم يزل ينظر إلى الله وينظر الله إليه حتّى يفرغ من حساب الناس».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
(٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) )
ولـمّا كانت السورة المتقدّمة في ذكر أهوال القيامة، افتتح هذه السورة بمثل ذلك ليتّصل بها اتّصال النظير بالنظير، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) انشقّت( وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ) تساقطت متفرّقة. قال ابن عبّاس: سقطت سودا لا ضوء لها.
( وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ) فتح بعضها إلى بعض، فزال البرزخ بينها، فاختلط العذب بالمالح، وصار الكلّ بحرا واحدا. وروي: أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار، فتصير مستوية. وهو معنى التسجير عند الحسن.
( وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ) بحثت وقلب ترابها وأخرج موتاها. وقيل: إنّه مركّب من «بعث» مع راء مضمومة إليه. ونظيره: بحثرت لفظا ومعنى. وقيل لبراءة(١) : المبعثرة، لأنّها بعثرت أسرار المنافقين.
( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ ) من حسنة أو سيّئة( وَأَخَّرَتْ ) من سنّة يستنّ بها
__________________
(١) أي: لسورة البراءة.
بعده. وهو جواب «إذا» وعاملها.
وعن عبد الله بن مسعود أنّه قال: ما قدّمت من خير أو شرّ، وما أخّرت من سنّة حسنة استنّ بها بعده، فله أجر من اتّبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، أو سنّة سيّئة عمل بها بعده، فعليه وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء.
ويؤيّد هذا القول ما جاء في الحديث: «أن سائلا قام على عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسأل، فسكت القوم، ثمّ إنّ رجلا أعطاه، فأعطاه القوم أيضا. فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : من استنّ خيرا فاستنّ به فله أجوره ومثل أجور من اتّبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استنّ شرّا فاستنّ به فعليه وزره ومثل أوزار من اتّبعه غير منتقص من أوزارهم». قال: فتلا حذيفة بن اليمان:( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) . وتفصيل ذلك تقدّم(١) في قوله:( يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) .
( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) أيّ شيء خدعك وجرّأك على عصيانك بربّك. وإنّما وصف ذاته بين الصفات بالكرم في بيان إنكار الاغترار به، وإنّما يغترّ بالكريم – كما يروى عن عليٍّعليهالسلام أنّه صاح بغلام له كرّات فلم يلبّه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟ قال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه وأعتقه. وقد قالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ـ للمبالغة في المنع عن الاغترار، فإنّ محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم، وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضمّ إليه صفة القهر والانتقام. وللإشعار بما به يغرّه الشيطان، فإنّه يقول له: افعل ما شئت، فربّك كريم لا يعذّب أحدا، ولا يعاجل بالعقوبة. وللدلالة على أنّ كثرة كرمه تستدعي الجدّ في طاعته، لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه.
فملخّص المعنى: أنّ حقّ الإنسان أن لا يغترّ بتكرّم الله عليه، حيث خلقه
__________________
(١) راجع ص ٢٥٧، ذيل الآية (١٣) من سورة القيامة.
حيّا لينفعه، وبتفضّله عليه بذلك، حتّى يطمع ـ بعد ما مكّنه وكلّفه، فعصى وكفر النعمة المتفضّل بها ـ أن يتفضّل عليه بالثواب وطرح العقاب، اغترارا بالتفضّل الأوّل، فإنّه منكر خارج من حدّ الحكمة. ولهذا
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا تلاها: «غرّه جهله».
وقال الحسن: غرّه والله شيطانه الخبيث، أي: زيّن له المعاصي، وقال له: افعل ما شئت، فربّك الكريم الّذي تفضّل عليك بما تفضّل به أوّلا، وهو متفضّل عليك آخرا، حتّى ورّطه.
وقيل للفضيل بن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك:( ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) ماذا تقول؟ قال: أقول: غرّتني ستورك المرخاة.
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : «كم مغرور بالستر عليه، ومستدرج بالإحسان إليه».
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه فقال: ما غرّك بي؟ قلت: غرّني بك برّك بي سابقا وآنفا.
وعن بعضهم قال: غرّني حلمك.
وعن أبي بكر الورّاق: غرّني كرم الكريم.
وهذه الأقوال على سبيل الاعتراف بالخطإ في الاغترار بالستر. وليس باعتذار كما يظنّه الطمّاع، ويظنّ به قصّاص الحشويّة، ويروون عن شيوخهم إنّما قال: «بربّك الكريم» دون سائر صفاته، ليلقّن عبده الجواب حتّى يقول: غرّني كرم الكريم.
ثمّ ذكر سبحانه صفة ثانية لذاته، مقرّرة لربوبيّته، مبيّنة لكرمه الّذي يقتضي امتثال أمره ونهيه، فقال :
( الَّذِي خَلَقَكَ ) من نطفة، ولم تك شيئا( فَسَوَّاكَ ) فجعلك سويّا سالم الأعضاء لتكون معدّة لمنافعها( فَعَدَلَكَ ) فصيّرك معتدلا متناسب الأعضاء من غير
تفاوت فيه. فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض، ولا بعضها أسود، ولا بعض الشعر فاحما، وبعضه أشقر. أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائما لا كالبهائم.
وقرأ الكوفيّون: فعدلك بالتخفيف. وفيه وجهان :
أحدهما: أن يكون بمعنى: عدّل مشدّدا، أي: فعدّل بعض أعضائك ببعض حتّى اعتدلت.
والثاني: فصرفك. من: عدله عن الطريق. يعني: فعدلك عن خلقة غيرك، وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الحيوانات. أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات.
( فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ) الجارّ متعلّق بـ «ركّبك». و «ما» مزيدة.
والمعنى: وضعك في أيّ صورة اقتضتها مشيئته وحكمته، من الصور المختلفة في الحسن والقبح، والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه. أو بمحذوف، أي: ركّبك حاصلا في أيّ صورة شاء. وقيل: «ما» شرطيّة، و «ركّبك» جوابها، والظرف صلة «عدلك». ويكون في «أيّ» معنى التعجّب، أي: فعدلك في صورة عجيبة. ثمّ قال:( ما شاءَ رَكَّبَكَ ) أي: ركّبك ما شاء من التراكيب. يعني: تركيبا حسنا. ولـمّا كانت الجملة بيانا لقوله «فعدلك» لم يعطف على ما قبلها.
( كَلَّا ) ردع عن الاغترار بكرم الله. والمعنى: ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله الّذي هو موجب للشكر والطاعة، إلى عكسهما الّذي هو الكفر والمعصية. ثمّ قال:( بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم. والمراد بالدين الجزاء أو دين الإسلام، أي: لا يصدّقون بالثواب والعقاب، أو بالإسلام. وهو شرّ من الطمع المنكر.
ثمّ حقّق تكذيبهم بالجزاء، وردّ ما يتوقّعون من التسامح والإهمال، فقال :
( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ ) أي: إنّكم تكذّبون بالجزاء اغترارا بالتسامح، وقد وكّل عليكم الملائكة الحافظون أعمالكم المكرّمون عند الله( يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ) فيكتبون أعمالكم لتجاوزوا بها. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنّه عند الله من جلائل الأمور، ولو لا ذلك لـما وكّل بضبط ما يحاسب عليه ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة.
وفيه إنذار وتهويل وتشوير(١) للعصاة، ولطف للمؤمنين. وعن الفضيل: أنّه كان إذا قرأها قال: ما أشدّها من آية على الغافلين. وفي الآية دلالة على أنّ أفعال العباد حادثة من جهتهم، وأنّهم المحدثون لها دونه تعالى، وإلّا فلا يصحّ قوله: «ما تفعلون».
ثمّ بيّن ما يكتبون لأجله بقوله:( إِنَّ الْأَبْرارَ ) المحسنين المطيعين لله في الدنيا( لَفِي نَعِيمٍ ) وهو الجنّة( وَإِنَّ الْفُجَّارَ ) الكفّار المكذّبين( لَفِي جَحِيمٍ ) وهو العظيم من النار( يَصْلَوْنَها ) يلزمونها ويقاسون حرّها( يَوْمَ الدِّينِ ) يوم الجزاء( وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ) لخلودهم فيها.
وقيل: معناه: وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم، إذ كانوا يجدون سموم جهنّم في القبور.
وقيل: أخبر الله تعالى في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات: حال الحياة الّتي يحفظ فيها عمله، وحال الآخرة الّتي يجازى فيها، وحال البرزخ، وهو قوله:( وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ) .
ثمّ قال تعجّبا وتفخيما لشأن يوم الجزاء:( وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ) أي: أمر يوم القيامة، بحيث لا تدرك دراية كلّ دار كنهه في الهول والشدّة، وكيفما تصوّرته
__________________
(١) شوّر به: أخجله.
فهو فوق ذلك وعلى أضعافه.
ثمّ كرّر ذلك القول بقوله:( ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ) لزيادة التهويل.
ثمّ قرّر شدّة هوله وفخامة أمره إجمالا، فقال:( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ) أي: لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه مّا. ونصب الظرف بإضمار: يدانون، لأنّ «الدين» يدلّ عليه. أو بإضمار: اذكر. ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكّن، وهو في محلّ الرفع. ورفعه نافع وابن كثير والبصريّان، على البدل من «يوم الدين» أو على الخبر لمحذوف.( وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) لا أمر يومئذ في الجزاء والعفو إلّا لله وحده.
روى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: «يا جابر إذا كان يوم القيامة بادت الحكّام، فلم يبق حاكم إلّا الله».
والمعنى: أنّ الله قد ملّك في الدنيا كثيرا من الناس أمورا وأحكاما، وفي القيامة لا أمر لسواه ولا حكم. ولا ينافي ذلك شفاعة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّها لا تكون إلّا بأمره تعالى وبإذنه، فهي من تدابيره.
(٨٣)
سورة المطفّفين
وتسمّى سورة التطفيف. مكّيّة. وقال ابن عبّاس وقتادة: مدنيّة إلّا ثماني آيات منها، وهي:( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) إلى آخر السورة. وهي ستّ وثلاثون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ومن قرأها سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة».
وروى صفوان الجمّال عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من كانت قراءته في الفريضة ويل للمطفّفين، أعطاه الله الأمن يوم القيامة من النار، ولا تراه ولا يراها، ولا يمرّ على جسر جهنّم، ولا يحاسب يوم القيامة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة الانفطار بذكر القيامة وما أعدّ فيها للأبرار والفجّار ،
بيّن في هذه السورة أيضا ذكر أحوال الناس في القيامة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) التطفيف البخس في الكيل والوزن، لأنّ ما يبخس شيء طفيف، أي: حقير.
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا قدم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت، فأحسنوه.
وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان: يكيل بأحدهما لغيره، ويكتال بالآخر لنفسه.
وقيل: كان أهل المدينة تجّارا يطفّفون، وكانت بياعاتهم المنابذة(١) والملامسة(٢) والمخاطرة(٣) ، فنزلت فيهم. فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقرأها عليهم، وقال: «خمس بخمس. قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض العهد قوم إلّا سلّط الله عليهم أعداءهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلّا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت، وما طفّفوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم القطر».
وعن عليّعليهالسلام أنّه مرّ برجل يزن الزعفران وقد أرجح، فقال له: «أقم الوزن بالقسط، ثمّ أرجح بعد ذلك ما شئت».
كأنّه أمره بالتسوية أوّلا ليعتادها، ويفصل الواجب من النفل.
وعن ابن عبّاس: إنّكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المكيال، والميزان. وخصّ الأعاجم لأنّهم يجمعون الكيل والوزن جميعا. وقيل: كان أهل مكّة يزنون، وأهل المدينة يكيلون.
__________________
(١) كان في الجاهليّة يحضر الرجل قطيع الغنم، فينبذ الحصاة ويقول لصاحب الغنم: إنّ ما أصاب الحجر فهو لي بكذا، وكانوا يدعون هذا البيع: بيع المنابذة.
(٢) الملامسة في البيع أن تقول: إذا لمست ثوبك أو لمست ثوبي فقد وجب البيع بكذا.
(٣) خاطره على كذا: راهنه.
وعن ابن عمر: أنّه كان يمرّ بالبائع فيقول له: اتّق الله وأوف الكيل، فإنّ المطفّفين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن، حتّى إنّ العرق ليلجمهم.
وعن عكرمة: أشهد أنّ كلّ كيّال ووزّان في النار. فقيل له: إنّ ابنك كيّال أو وزّان. فقال: أشهد أنّه في النار.
وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممّن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن(١) الموازين.
( الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ ) أي: اكتالوا لأنفسهم من الناس حقوقهم( يَسْتَوْفُونَ ) يأخذونها وافية. ولـمّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرّهم ويتحامل فيه عليهم، أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. ويجوز أن يتعلّق «على» بـ «يستوفون»، ويقدّم المفعول على الفعل لإفادة التخصيص، أي: يستوفون على الناس خاصّة، فأمّا أنفسهم فيستوفون لها. وإنّما لم يذكر: اتّزنوا، كما قال:( أَوْ وَزَنُوهُمْ ) لأنّ المطفّفين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلّا بالمكاييل دون الموازين، لتمكّنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، لأنّهم يدعدعون(٢) ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكّنهم من البخس في النوعين جميعا.
( وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ ) أي: إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم( يُخْسِرُونَ ) ينقصون. يقال: خسر الميزان وأخسره. فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا(٣) . بمعنى: جنيت لك. أو كالوا مكيلهم وموزونهم، فحذف
__________________
(١) لسان الميزان: شيء في قائمة الميزان ـ وهي الّتي تعلّق بها كفّتاه ـ يشبه اللسان.
(٢) دعدع المكيال: هزّه ليسع الشيء.
(٣) أكمو جمع كمء: جنس فطر من فصيلة الكمئيّات، يعيش تحت الأرض، لونه يميل إلى الغبرة، يهيّأ منه طعام لذيذ. والعسقل: جزء من ساق نباتيّة أو من جذر نباتي، يحتوي على موادّ غذائيّة مكتنزة. والجمع: العساقل.
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ولا يحسن جعل الضمير المنفصل تأكيدا للمتّصل، وهو واو الضمير، لأنّه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله، إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع، لا في المباشرة وعدمها، فإنّ معناه حينئذ: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولّوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا. وهو كلام متنافر غير ملائم لـما قبله.
والمعنى الأوّل وإن كان يستدعي إثبات الألف بعد الواو، لكن رسم المصحف لم يراع في كثير منه حدّ المصطلح عليه في علم الخطّ. ويمكن أن يقال: إنّ الواو وحدها هاهنا معطية معنى الجمع، وإنّما تكتب هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو. ولـمّا كان المعنى هاهنا كافيا في التفرقة بينهما، لم يحتج إلى إثبات الألف.
( أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ) فإنّ من ظنّ ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقّنه! وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنّهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمّنون تخمينا أنّهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة.( لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ) عظمه لعظم ما يكون فيه.
( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ ) من قبورهم. نصب بـ «مبعوثون»، أو بدل من الجارّ والمجرور.( لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) لحكمه. ولا شبهة أنّ في هذا الإنكار والتعجيب، وذكر الظنّ، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته بربّ العالمين، مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه.
وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحبّ أن يوفى لك، واعدل كما تحبّ أن يعدل لك.
وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة.
وعن ابن عمر: أنّه قرأ هذه السورة، فلمّا بلغ قوله تعالى: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعالَمِينَ » بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده.
وروي: أنّ أعرابيّا قال لعبد الملك بن مروان: لقد سمعت ما قال الله تعالى في المطفّفين. أراد بذلك: أنّ المطفّف قد توجّه عليه الوعيد العظيم الّذي سمعت به، فما ظنّك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن!!
( كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) )
( كَلَّا ) ردعهم عمّا كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث والحساب، ونبّههم على أنّه ممّا يجب أن يتاب عنه ويندم عليه. ثمّ أتبعه وعيد الفجّار على العموم، فقال:( إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ) ما يكتب من أعمالهم، أو كتابة أعمالهم( لَفِي سِجِّينٍ ) علم لديوان الشرّ الّذي دوّن الله فيه جميع أعمال الفجرة من الشياطين والثقلين، كما قال :
( وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ) أي: ليس ذلك ممّا كنت تعلمه أنت ولا قومك( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) مسطور بيّن الكتابة. أو معلم يعلم من رآه أنّه لا خير فيه. والمعنى :
أنّ ما كتب من أعمال الفجّار مثبت في ذلك الديوان. فعّيل من السجن، وهو الحبس والتضييق. نقل من هذا الوصف ولقّب به الكتاب، لأنّه سبب الحبس في جهنّم، فهو من قبيل تسمية السبب باسم المسبّب. أو لأنّه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش(١) مظلم، وهو مسكن إبليس وذرّيّته، استهانة به، وليشهده الشياطين المدحورون، كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون. تسمية للحالّ باسم المحلّ.
وقيل: اسم مكان على تقدير مضاف، تقديره: ما كتاب السجّين، أو محلّ كتاب مرقوم، فحذف المضاف.
وعلى التقديرين ؛ فلا منافاة بين الآية وبين ما روي عن شمر بن عطيّة أنّه جاء ابن عبّاس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله تعالى:( إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) . قال: إنّ روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثمّ يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، حتّى ينتهى بها إلى سجّين، وهو موضع جند إبليس. وما روى أبو هريرة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ سجّين جبّ في جهنّم مفتوح، والفلق جبّ في جهنّم مغطّى».
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) لمن كذّب بالجزاء والبعث ولم يصدّقه( الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) صفة مخصّصة، أو موضحة، أو ذامّة، كقولك: فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث.
( وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ ) متجاوز عن النظر، غال في التقليد، حتّى استقصر قدرة الله وعلمه، فاستحال منه الإعادة( أَثِيمٍ ) كثير الإثم، منهمك في الشهوات الرديّة المردية، بحيث أشغلته عمّا وراءها، وحملته على الإنكار.
( إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أباطيلهم الّتي كتبوها ولا أصل لها. وذلك من فرط جهله وإعراضه عن الحقّ، فلا تنفعه شواهد النقل، كما لا تنفعه
__________________
(١) مكان وحش: أي: قفر.
دلائل العقل.
( كَلَّا ) ردع للمعتدي الأثيم عن هذا القول. ثمّ بيّن ما أدّى بهم إلى هذا القول، فقال:( بَلْ رانَ ) من الرين، وهو ركوب الصدأ على شيء. وقرأ حفص: بل ران، بإظهار اللام. والإدغام أجود. والمعنى: بل ركب وغلب كما يركب الصدأ( عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) أي: حبّ ما كانوا يعملون من المعاصي والانهماك فيها، فعمي عليهم معرفة الحقّ والباطل، فإنّ كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات، فإذا كان العبد يصرّ على الكبائر، ويسوّف التوبة حتّى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه، كما قالعليهالسلام : «إنّ العبد كلّما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتّى يسودّ قلبه».
وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتّى يسودّ القلب.
وعن عبد الله بن مسعود قال: إنّ الرجل ليذنب الذنب فتنكت على قلبه نكتة سوداء، ثمّ يذنب الذنب فتنكت نكتة اخرى، حتّى يصير قلبه على لون الشاة السوداء.
وروى العيّاشي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «ما من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء، فإذا تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع إلى الخير أبدا، وهو قوله تعالى: «بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ».
( كَلَّا ) ردع عن كسب العمل الرائن على قلوبهم( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنّه لا يؤذن على الملوك إلّا للوجهاء المكرّمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلّا الأدنياء المهانون عندهم. وعن عليّعليهالسلام : «محرومون عن ثوابه وكرامته». وعن ابن عبّاس وقتادة: محجوبون عن
رحمته وإحسانه.
( ثُمَّ إِنَّهُمْ ) بعد أن منعوا من الثواب والكرامة( لَصالُوا الْجَحِيمِ ) يصلونها ويلزمونها أبدا، ولا يغيبون عنها أصلا.
( ثُمَّ يُقالُ ) يقول لهم الزبانية توبيخا وتقريعا( هذَا الَّذِي ) فعل بكم من العذاب الأليم والعقاب العظيم ما( كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) في دار التكليف.
( كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) )
( كَلَّا ) ردع عن التكذيب. أو تكرير للأوّل، ليعقّب بوعد الأبرار كما عقّب الأوّل بوعد الفجّار، إشعارا بأنّ التطفيف فجور والإيفاء برّ. وقيل: معناه: حقّا.( إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ ) ما كتب من أعمالهم.( لَفِي عِلِّيِّينَ ) علم لديوان الخير الّذي دوّن فيه كلّ ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين. منقول من جمع علّيّ، فعّيل من العلوّ، كسجّين من السجن. سمّي به إمّا لأنّه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنّة. وإمّا لأنّه مرفوع في السماء السابعة تحت العرش حيث يسكن الكرّوبيّون، تكريما
له وتعظيما.
( وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ) تعظيم لشأن هذا الكتاب. ثمّ قال:( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) مكتوب فيه طاعاتهم وما تقرّ به أعينهم ويوجب سرورهم، بضدّ كتاب الفجّار( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) يحضرونه فيحفظونه، أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة.
وعن ابن عبّاس: هو لوح من زبرجدة خضراء، معلّق تحت العرش، أعمالهم مكتوبة فيه.
وروي: أنّ الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلّونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: إنّكم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنّه أخلص عمله، فاجعلوه في علّيّين، فقد غفرت له. وإنّها لتصعد بعمل العبد فيزكّونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنّه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجّين.
( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ) يحصلون في ملاذّ وأنواع نعم الجنّة( عَلَى الْأَرائِكِ ) على الأسرّة(١) في الحجال. جمع الأريكة، وهي السرير.( يَنْظُرُونَ ) إلى ما يسرّهم من مناظر الجنّة، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذّبون في النار.
( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) بهجة التنعّم وبريقه، كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الثروة. قال عطاء: وذلك لأنّ الله قد زاد في جمالهم وألوانهم مالا يصفه واصف. وقرأ يعقوب: تعرف على بناء المفعول، ونضرة بالرفع.
( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ ) شراب خالص لا غشّ فيه( مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ )
__________________
(١) الأسرّة جمع: السرير. والحجال جمع الحجلة. وهي: بيت يزيّن بالثياب والأسرّة والستور.
أي: يختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة في الدنيا. وقيل: مختوم أي: ممنوع من أن يمسّه يد حتّى يفكّ ختمه للأبرار. وقرأ الكسائي: خاتمه بفتح التاء، أي: ما يختم به ويقطع.
وعن ابن عبّاس والحسن وقتادة: معناه: مقطعه رائحة المسك إذا شرب.
يعني: إذا رفع الشارب فاه عن آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم مزاجه بالمسك.
وعن أبي الدرداء قال: هو شراب أبيض مثل الفضّة يختمون به شرابهم. ولو أنّ رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثمّ أخرجها لم يبق ذو روح إلّا وجد طيبها.
ثمّ أمر سبحانه بالترغيب فيه بوسيلة الأعمال الصالحة، فقال:( وَفِي ذلِكَ ) يعني: الرحيق، أو النعيم( فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ) فليرتغب المرتغبون، أي: يرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله. وعن مقاتل: فليتنازع المتنازعون. وفي الحديث: «من صام لله في يوم صائف سقاه الله على الظّمأ من الرحيق المختوم».
وفي وصيّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنينعليهالسلام : «يا عليّ من ترك الخمر لله سقاه الله من الرحيق المختوم».
( وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ) علم لعين بعينها. سمّيت تسنيما ـ الّذي هو مصدر: سنّمه إذا رفعه ـ إمّا لأنّها أرفع شراب في الجنّة، وإمّا لأنّها تأتيهم من فوق، على ما روي: أنّها تجري في الهواء متسنّمة فتنصبّ في أوانيهم. وهو أشرف شراب الجنّة.
( عَيْناً ) نصب على المدح. وعند الزجّاج على الحال من «تسنيم».( يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) فإنّهم يشربونها صرفا، لأنّهم لا يشتغلون بغير الله. وتمزج لسائر أهل الجنّة. والكلام في الباء كما في( يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ ) (١) .
__________________
(١) الإنسان: ٦.
( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) )
ولـمّا ذكر الوعد للأبرار بيّن الوعيد للفجّار، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) يعني: رؤساء قريش ومترفيهم، كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم( كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) استهزاء بفقراء المؤمنين، من عمّار وصهيب وخبّاب وبلال ونظرائهم.
وعن مقاتل والكلبي وأبي صالح عن ابن عبّاس: أنّه جاء عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع ـ أرادوا به عليّاعليهالسلام ـ فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل عليّعليهالسلام إلى رسول الله:( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) .
( وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ ) مرّ المؤمنون بهؤلاء الفجّار( يَتَغامَزُونَ ) يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم وحواجبهم.
( وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ) متلذّذين بالسخريّة منهم. وقر حفص: فكهين(١) مبالغة.
__________________
(١) والقراءة الاخرى: فاكهين.
( وَإِذا رَأَوْهُمْ ) وإذا رأوا المؤمنين( قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ) أي: نسبوهم إلى الضلال.
( وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ ) على المؤمنين( حافِظِينَ ) يحفظون عليهم أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، فكيف يطغون عليهم؟! وهذا تهكّم بهم، أو هو من جملة قول الكفّار. يعني: أنّهم إذا رأوا المسلمين قالوا:( إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ) ، وإنّهم لم يرسلوا عليهم حافظين، إنكارا لصدّهم إيّاهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، أو عن النفاق، وجدّهم في ذلك.
( فَالْيَوْمَ ) أي: يوم القيامة الّذي يجازي الله فيه كلّ أحد وفق عمله( الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) حين يرونهم أذلّاء مغلوبين في النار، كما ضحك الكفّار منهم في الدنيا.
وقيل: يفتح لهم باب إلى الجنّة فيقال لهم: أخرجوا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك المؤمنون منهم.
( عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ) حال من «يضحكون» أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزّة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفّه، وهم على الأرائك آمنون.
( هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ) هل أثيبوا؟ والاستفهام للتقرير.( ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) من السخريّة بالمؤمنين في الدنيا. يقال: ثوّبه وأثابه إذا جازاه. فاستعمل لفظ الثواب في العقوبة، لأنّ الثواب في أصل اللغة الجزاء الّذي يرجع إلى العامل بعمله، وإن كان في العرف اختصّ بالجزاء بالنعيم على الأعمال الصالحة، فاستعمل هنا على أصله. وقيل: لأنّه جاء في مقابلة ما فعل بالمؤمنين، أي: هل ثوّب الكفّار كما ثوّب المؤمنون؟
وهذا القول يكون من قبل الله تعالى، أو تقوله الملائكة للمؤمنين، تنبيها لهم على أنّ الكفّار جوزوا على كفرهم واستهزائهم بالمؤمنين ما استحقّوه من العذاب، ليزدادوا بذلك سرورا إلى سرورهم.
(٨٤)
سورة انشقّت
وتسمّى سورة الانشقاق. مكّيّة. وهي خمس وعشرون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأ سورة انشقّت أعاذه الله تعالى أن يعطيه كتابه وراء ظهره».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) )
ولـمّا ختم الله سورة المطفّفين بذكر أحوال القيامة، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فاتّصلت بها اتّصال النظير بالنظير، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ) تصدّعت وانفرجت بالغمام، كقوله تعالى:( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ ) (١) . وعن عليّعليهالسلام : «تنشقّ من المجرّة». وهي طريق ممتدّ في السماء. وانشقاقها من آيات القيامة.
( وَأَذِنَتْ لِرَبِّها ) واستمعت له، أي: انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها، انقياد المطواع الّذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، كقوله:( أَتَيْنا طائِعِينَ ) (٢) .( وَحُقَّتْ ) وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد. يقال: حقّ بكذا، فهو محقوق وحقيق به. يعني: هي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع. ومعناه: الإيذان بأنّ القادر بالذات يجب أن يتأتّى له كلّ مقدور، ويحقّ ذلك.
( وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ) بسطت. من: مدّ الشيء فامتدّ. وهو أن تزال جبالها وآكامها وكلّ أمت(٣) فيها، حتّى تمتدّ وتنبسط ويستوي ظهرها، كما قال تعالى :
( قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ) (٤) . وعن ابن عبّاس: مدّت مدّ الأديم العكاظي، لأنّ الأديم إذا مدّ زال كلّ انثناء فيه وأمت واستوى. أو من: مدّه بمعنى: أمدّه، أي: زيدت سعة وبسطة.
( وَأَلْقَتْ ) ورمت( ما فِيها ) ما في جوفها ممّا دفن فيها من الأموات والكنوز، كقوله:( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ) (٥) ( وَتَخَلَّتْ ) وخلت غاية الخلوّ ،
__________________
(١) الفرقان: ٢٥.
(٢) فصّلت: ١١.
(٣) الأمت: المكان المرتفع.
(٤) طه: ١٠٦ ـ ١٠٧.
(٥) الزلزلة: ٢.
حتّى كأنّها تكلّفت في الخلوّ أقصى جهدها، فلم يبق شيء في باطنها، كما يقال: تكرّم الكريم وترحّم الرحيم، إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلّفا فوق ما في طبعهما.
( وَأَذِنَتْ لِرَبِّها ) في إلقاء ما في بطنها وتخلّيها( وَحُقَّتْ ) للإذن. وليس هذا بتكرير، لأنّ الأوّل في صفة السماء، والثاني في صفة الأرض. وهذا كلّه من أشراط الساعة وجلائل الأمور الّتي تكون فيها. وتكرير «إذا» لاستقلال كلّ من الجملتين بنوع من القدرة. وجوابه محذوف، للتهويل بالإبهام، أو الاكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار.
وقيل: الجواب: لاقى الإنسان كدحه، فإنّه مدلول قوله:( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ) خطاب لجميع المكلّفين( إِنَّكَ كادِحٌ ) جاهد في أعمال الخير والشرّ، وكادّ وساع فيها بالمشقّة العظيمة( إِلى رَبِّكَ ) وهو الموت وما بعده من الأحوال الممثّلة باللقاء( كَدْحاً ) جهدا يؤثّر فيك. من: كدح جلده إذا خدشه.( فَمُلاقِيهِ ) فملاق له لا محالة، ولا مفرّ لك منه. وقيل: الضمير للكدح.
( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ) سهلا هيّنا، ولا يعترض بما يسوءه ويشقّ عليه، ولا يناقش فيه كما يناقش أصحاب الشمال.
وعن عائشة: هو أن يعرّف ذنوبه ثمّ يتجاوز عنه. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «من يحاسب يعذّب. فقيل: يا رسول الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا. قال: ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذّب».
( وَيَنْقَلِبُ ) بعد الفراغ من الحساب( إِلى أَهْلِهِ ) إلى عشيرته المؤمنين، أو فريق المؤمنين، أو أهله في الجنّة من الحور العين( مَسْرُوراً ) ناعما لا يهمّه أمر الآخرة أصلا.
( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ) أي: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره.
قيل: تغلّ يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.( فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ) يتمنّى الثبور ويقول: يا ثبوراه، وهو الهلاك.
( وَيَصْلى سَعِيراً ) ويدخل النار ويعذّب بها. وقرأ الحجازيّان والشامي والكسائي: ويصلّى، كقوله:( وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) (١) .
( إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ ) فيما بين ظهرانيّهم، أو معهم، على أنّهم كانوا جميعا مسرورين. يعني: أنّه كان في الدنيا( مَسْرُوراً ) مترفا، بطرا، مستبشرا بالمال والجاه، فارغا عن الآخرة، كعادة الفجّار الّذين لا يهمّهم أمر الآخرة، ولا يفكّرون في العواقب، ولم يكن كئيبا حزينا متفكّرا، كعادة الصلحاء والمتّقين، وحكاية الله عنهم:( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ) (٢) .
( إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ) لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا بالمعاد، فارتكب المآثم، وانهمك فيها. يقال: لا يحور ولا يحول، أي: لا يرجع ولا يتغيّر. قال لبيد: يحور رمادا بعد إذ هو ساطع(٣) ، أي: يرجع. عن ابن عبّاس: ما كنت أدري ما معنى «يحور» حتّى سمعت أعرابيّة تقول لبنيّة لها: حوري، أي: ارجعي.
( بَلى ) إيجاب لـما بعد «لن» أي: بلى ليحورنّ( إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً ) عالما بأعماله، فلا يهمله، بل يرجعه ويجازيه عليها. قيل: نزلت الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأشدّ وأخيه الأسود بن عبد الأشدّ.
__________________
(١) الواقعة: ٩٤.
(٢) الطور: ٢٦.
(٣) وصدره: وما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه.
أي: ليس حال المرء وحياته وموته بعد ذلك، إلّا كحال الشهاب وضوئه، يصير رمادا بعد إضاءته.
( فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) )
( فَلا أُقْسِمُ ) سبق بيانه غير مرّة( بِالشَّفَقِ ) بالحمرة الّتي ترى في أفق المغرب بعد غروب الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة. وسمّيت به لرقّتها. ومنه: الشفقة على الإنسان، أي: رقّة القلب عليه.
( وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ) وما جمعه وستره وأوى إليه، من الدوابّ وغيرها. وذلك أنّ الليل إذا أقبل أوى كلّ شيء إلى مأواه. يقال: وسقه فاتّسق واستوسق. ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين: اتّسع واستوسع، فإنّهما مطاوعان لـ «وسع». أو طرده إلى أماكنه. من الوسيقة، وهي من الإبل كالرفقة من النّاس.
( وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ) اجتمع وتمّ بدرا في أربع عشرة.
وجواب القسم( لَتَرْكَبُنَ ) الخطاب لجنس الإنسان( طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشدّة والهول. وروي مرفوعا: شدّة بعد شدّة: حياة، ثمّ موتا، ثمّ بعثا، ثمّ جزاء.
و «عن طبق» صفة لـ «طبقا» أي: طبقا مجاوزا لطبق. أو حال من الضمير في «لتركبنّ» أي: لتركبنّ مجاوزين لطبق.
وأصل الطبق ما طابق غيره. يقال: ما هذا بطبق كذا، أي: لا يطابقه. ومنه قيل للغطاء: الطبق. وأطباق الثرى: ما تطابق منه. ثمّ قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق، كما في الآية.
ويجوز أن يكون جمع طبقة، وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقات.
ومنه: طبق الظهر لفقاره، الواحدة: طبقة. فالمعنى: لتركبنّ أحوالا بعد أحوال، هي طبقات في الشدّة، بعضها فوق بعض. وهي: الموت، ومواطن القيامة وأهوالها. أو هي وما قبلها من الدواهي.
وقيل: أمرا بعد أمر، ورخاء بعد شدّة، وفقرا بعد غنى، وغنى بعد فقر، وصحّة بعد سقم، وسقما بعد صحّة.
وقيل: نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظما، ثمّ خلقا آخر، ثمّ جنينا، ثمّ وليدا، ثمّ رضيعا، ثمّ فطيما(١) ، ثمّ يافعا، ثمّ ناشئا، ثمّ مترعرعا، ثمّ حزوّرا(٢) ، ثمّ مراهقا، ثمّ محتلما، ثمّ بالغا، ثمّ أمرد، ثمّ طارا، ثمّ باقلا(٣) ، ثمّ مسيطرا، ثمّ مطرخما، ثمّ مختطّا(٤) ، ثمّ صملّا(٥) ، ثمّ ملتحيا، ثمّ مستويا، ثمّ مصعدا، ثمّ مجتمعا.
والشابّ يجمع ذلك كلّه. ثمّ ملهوزا(٦) ، ثمّ كهلا، ثمّ أشمط(٧) ، ثمّ شيخا، ثمّ أشيب، ثمّ حوقلا(٨) ، ثمّ صفتانا(٩) ، ثمّ همّا، ثمّ هرما، ثمّ ميّتا. فيشتمل الإنسان من كونه
__________________
(١) الفطيم: الولد إذا فصل عن الرضاع.
(٢) الحزور والحزوّر: الغلام إذا اشتدّ وقوي.
(٣) بقل وجه الغلام: خرج شعره. فهو: باقل.
(٤) اختطّ الغلام: نبت عذاره.
(٥) الصملّ: الشديد الخلق.
(٦) لهزه الشيب: خالطه. فهو: ملهوز.
(٧) شمط شمطا: خالط بياض رأسه سواد. فهو: أشمط.
(٨) الحوقل: الشيخ المسنّ.
(٩) الصفتّان: الجسيم الشديد.
نطفة إلى أن يموت على سبعة وثلاثين حالا.
وقيل: معناه: لتركبنّ منزلة عن منزلة، وطبقة عن طبقة. وذلك أنّ من كان على صلاح دعاه ذلك إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لأنّ كلّ شيء يجرّ إلى شكله.
وقيل: لتركبنّ سنن من قبلكم من الأوّلين وأحوالهم. وروي ذلك عن الصادقعليهالسلام . والمعنى: أنّه يكون فيكم ما كان فيهم، ويجري عليكم ما جرى عليهم، حذو القذّة بالقذّة.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: لتركبنّ بالفتح، على أنّه خطاب الإنسان باعتبار اللفظ.
وعن مجاهد والكلبي: الخطاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، على معنى: لتركبنّ حالا شريفة ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة، في القرب من الله ورفعة المنزلة عنده. أو طبقا من أطباق السماء بعد طبق في ليلة المعراج. والمعنى: طبقا مجاوزا لطبق.
وروى البخاريّ(١) في الصحيح عن مجاهد، عن ابن عبّاس، أنّه كان يقرأ: لتركبنّ بالياء. قال: يعني نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم حالا بعد حال.
( فَما لَهُمْ ) لكفّار قريش( لا يُؤْمِنُونَ ) بيوم القيامة( وَإِذا قُرِئَ ) عطف على «لا يؤمنون» أي: فما لهم إذا قرئ( عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ) لا يخضعون ولا يستكينون، أي: ما الّذي يصرفهم عن الخضوع والاستكانة عند تلاوة القرآن، أو عن أن يسجدوا لتلاوة القرآن، لـما روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قرأ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (٢)
فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وعن أبي هريرة: أنّه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلّا بعد أن رأيت رسول
__________________
(١) صحيح البخاري ٦: ٢٠٨.
(٢) العلق: ١٩.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسجد فيها.
وباتّفاق أصحابنا السجدة هنا مستحبّة.
( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ) أي: بالقرآن( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ) بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والعداوة. أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدّخرون لأنفسهم من أنواع العذاب. وأصل الإيعاء: جعل الشيء في وعاء. والقلوب أوعية لـما يحصل فيها من علم أو جهل. وفي كلام أمير المؤمنينعليهالسلام : «هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها».
( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) استهزاء بهم( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) استثناء منقطع أو متّصل. والمراد: من تاب وآمن منهم.( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) مقطوع عليهم، لأنّ نعيم الآخرة غير منقطع. أو ممنون به عليهم.
واعلم أنّ في قوله: «لا يؤمنون» و «لا يسجدون» دلالة على أنّ الإيمان والسجود فعلهم، لأنّ الحكيم لا يقول: مالك لا تؤمن ولا تسجد لمن يعلم أنّه لا يقدر على الإيمان والسجود، ولو وجد ذلك لـما كان من فعله. ويدلّ قوله: «لا يسجدون» على أنّ الكفّار مخاطبون بالعبادات.
(٨٥)
سورة البروج
مكّيّة. وهي اثنتان وعشرون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كلّ يوم جمعة وكلّ يوم عرفة يكون في دار الدنيا عشر حسنات».
يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ والسماء ذات البروج في فرائضه ـ فإنّها سورة النبيّين ـ كان محشره وموقفه مع النبيّين والمرسلين».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة الانشقاق بذكر المؤمنين، افتتح هذه السورة أيضا بذكر المؤمنين من أصحاب الأخدود، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ) البرج بمعنى القصر.
وأصل التركيب للظهور. والمراد: المنازل العالية، وهي منازل الشمس والقمر والكواكب. وهي اثنا عشر برجا، يسير القمر في كلّ برج منها يومين وثلاثا، وتسير الشمس في كلّ برج شهرا. أو منازل القمر، وهي ثمانية وعشرون، سمّيت بها على التشبيه بالقصور. أو عظام الكواكب، سمّيت بروجا لظهورها. أو أبواب السماء، فإنّ النوازل تخرج منها.
( وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ) لمجازاة الخلائق. وهو يوم القيامة باتّفاق جميع المفسّرين.( وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد: من يشهد فيه من الخلائق كلّهم، وما أشهد وأحضر في ذلك اليوم من عجائبه.
وتنكيرهما للإبهام في الوصف، أي: وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. أو المبالغة في الكثرة، كأنّه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود.
وقد اضطربت أقاويل المفسّرين فيهما. فعن ابن عبّاس: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وروي ذلك عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وسمّي يوم الجمعة شاهدا، لأنّه يشهد على كلّ عامل بما عمل فيه. وفي الحديث: «ما طلعت الشمس على يوم ولا غربت أفضل منه، وفيه ساعة لا يوافقها من يدعو الله فيها بخير إلّا استجاب الله له، ولا استعاذ من شرّ إلّا أعاذه منه».
ويوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحجّ، وتشهده الملائكة.
وعن بعضهم: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة.
وعن سعيد بن المسيّب: الشاهد محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمشهود يوم القيامة. وهو المرويّ عن الحسن بن عليّعليهماالسلام .
وروي: أنّ رجلا دخل مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا رجل يحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: فسألته عن الشاهد والمشهود. فقال: نعم، الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. فجزته إلى آخر يحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فسألته عن ذلك.
فقال: نعم، الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر. فجزتهما إلى غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود.
فقال: نعم، أمّا الشاهد فمحمّد، وأمّا المشهود فيوم القيامة. أما سمعته سبحانه يقول:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (١) . وقال:( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) (٢) . فسألت عن الأوّل، فقالوا: ابن عبّاس. وسألت عن الثاني، فقالوا: ابن عمر. وسألت عن الثالث، فقالوا: الحسن بن عليّعليهماالسلام .
أو الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة. وعن أبي الدرداء عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «أكثروا الصّلاة عليّ يوم الجمعة، فإنّه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإنّ أحدا لا يصلّي عليّ إلّا عرضت عليّ صلاته حتّى يفرغ منها. قال: فقلت: وبعد الموت؟ قال: إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبيّ الله حيّ يرزق».
وعن عكرمة: الشاهد الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. ثمّ تلا هاتين الآيتين:( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ) (٣) .( وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) (٤) .
وعن الجبائي: الشاهد الحفظة الّذين يشهدون على الناس، والمشهود هم
__________________
(١) الأحزاب: ٤٥.
(٢) هود: ١٠٣.
(٣) ق: ٢١.
(٤) هود: ١٠٣.
الّذين يشهدون عليهم.
وعن الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمّة، والمشهود سائر الأمم، لقوله:( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ) (١) الآية.
وقيل: الشاهد الحجر الأسود، والمشهود الحاجّ.
وقيل: الشاهد الأيّام والليالي، والمشهود بنو آدم. وعن الحسن: ما من يوم إلّا وينادي: إنّي يوم جديد، وإنّي على ما يعمل فيّ شهيد، فاغتنمني، فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة.
وقيل: الشاهد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمشهود سائر الأمم.
وقيل: الشاهد الأنبياء، والمشهود محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . بيانه:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) إلى قوله:( فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (٢) .
وقيل: الشاهد هو الله، والمشهود لا إله إلّا الله. بيانه: قوله:( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) (٣) .
وقيل: الشاهد الخلق، والمشهود الحقّ، كقوله :
ولله في كلّ تحريكة |
وفي كلّ تسكينة شاهد |
|
وفي كلّ شيء له آية |
تدلّ على أنّه واحد |
وقيل: بالعكس، لقوله:( وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ) (٤) .
وقيل: عيسى وأمّته، لقوله تعالى:( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ) (٥) .
__________________
(١) النور: ٢٤.
(٢) آل عمران: ٨١.
(٣) آل عمران: ١٨.
(٤) آل عمران: ٩٨.
(٥) المائدة: ١١٧.
وعلى التقادير ؛ قوله:( قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ) جواب القسم على تقدير: لقد قتل. والأظهر أنّه دليل جواب محذوف، كأنّه قيل: إنّهم ملعونون ـ يعني: كفّار مكّة ـ كما لعن أصحاب الأخدود، فإنّ السورة وردت لتثبيت المؤمنين، وتصبيرهم على أذاهم، وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم، حتّى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أنّ كفّارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذّبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقّاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، كما قيل: قتل أصحاب الأخدود. وهو دعاء عليهم، كقوله:( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ) (١) .
والأخدود، الخدّ، وهو الشقّ في الأرض. ونحوه: الخقّ والأخقوق بناء ومعنى. ومنه: فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان(٢) .
وروى مسلم في الصحيح عن هدّاب بن خالد، عن حمّاد بن مسلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر، فلمّا مرض الساحر قال: إنّي قد حضر أجلي، فادفع إليّ غلاما أعلّمه السحر، فدفع إليه غلاما. وكان يختلف إليه، وبين الساحر والملك راهب، فمرّ الغلام بالراهب، فأعجبه كلامه وأمره. وكان يطيل عنده القعود، فإذا أبطأ عن الساحر ضربه، وإذا أبطأ عن أهله ضربوه. فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: يا بنيّ إذا استبطأك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا استبطأك أهلك فقل: حبسني الساحر.
فبينما هو ذات يوم إذا بالناس قد حبستهم دابّة عظيمة فظيعة، فقال: اليوم أعلم أمر الساحر أفضل أم أمر الراهب. فأخذ حجرا فقال: أللّهمّ إن كان أمر الراهب
__________________
(١) عبس: ١٧.
(٢) الجرذ: نوع من الفار. والجمع: الجرذان.
أحبّ إليك فاقتل هذه الدابّة. فرمى فقتلها، ومضى الناس. فأخبر بذلك الراهب، فقال: أي: بنيّ إنّك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدلّ عليّ.
قال: وجعل يداوي الناس، فيبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء.
فبينما هو كذلك إذ عمي جليس للملك، فأتاه وحمل إليه مالا كثيرا، فقال: اشفني ولك ما هاهنا.
فقال: إنّي لا أشفي أحدا، ولكنّ الله يشفي، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك.
قال: فآمن، فدعا الله له فشفاه. فذهب فجلس إلى الملك فقال: يا فلان من شفاك؟
قال: ربّي.
قال: أنا.
قال: لا، ربّي وربّك الله.
قال: ولك ربّ غيري؟
قال: نعم، ربّي وربّك الله. فأخذه فلم يزل به حتّى دلّه على الغلام. فبعث إلى الغلام فقال: لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه والأبرص.
قال: ما أشفي أحدا، ولكنّ الله ربّي يشفي.
قال: ولك ربّ غيري؟
قال: نعم، ربّي وربّك الله. فأخذه فلم يزل به حتّى دلّه على الراهب. فوضع المنشار عليه فأنشره حتّى وقع شقّاه. وقال للغلام: ارجع عن دينك. فأبى، فأرسل معه نفرا وقال: اصعدوا به جبل كذا وكذا، فإن رجع عن دينه وإلّا فدهدهوه(١) من ذروته.
__________________
(١) دهده الحجر: دحرجه.
قال: فعلوا به الجبل. فقال: أللّهمّ اكفنيهم بما شئت.
قال: فرجف بهم الجبل، فتدهدهوا أجمعون، ونجا الغلام وجاء إلى الملك.
فقال: ما صنع أصحابك؟
قال: كفانيهم الله.
فأرسل به مرّة اخرى، قال: انطلقوا به فلجّجوه(١) في البحر، فإن رجع وإلّا فغرّقوه. فانطلقوا به في قرقور(٢) ، فلمّا توسّطوا به البحر قال: أللّهمّ اكفنيهم بما شئت.
قال: فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، ونجا وجاء حتّى قام بين يدي الملك.
فقال: ما صنع أصحابك؟
قال: كفانيهم الله.
ثمّ قال: إنّك لست بقاتلي حتّى تفعل ما آمرك به، اجمع الناس ثمّ اصلبني على جذع، ثمّ خذ سهما من كنانتي، ثمّ ضعه على كبد(٣) القوس، ثمّ قل: بسم الله ربّ الغلام، فإنّك ستقتلني.
قال: فجمع الناس وصلبه، ثمّ أخذ سهما من كنانته، فوضعه على كبد القوس وقال: بسم الله ربّ الغلام ورمى، فوقع السهم في صدغه ومات.
فقال الناس: آمنّا بربّ الغلام.
فقيل له: أرأيت نزل بك ما كنت تخاف من عبادة الله. فأمر بأخاديد فخدّدت على أفواه السكك، ثمّ أضرمها نارا، فقال: من رجع عن دينه فدعوه، ومن أبى
__________________
(١) أي: اذهبوا به إلى لجّة البحر. وهي: معظم الماء.
(٢) القرقور: السفينة الطويلة أو الصغيرة.
(٣) كبد القوس: ما بين طرفي علاقتها.
فأقحموه فيها. فجعلوا يقتحمونها. وجاءت امرأة معها صبيّ، فتقاعست(١) أن تقع فيها. فقال لها الصبيّ يا أمّه اصبري، فإنّك على الحقّ، فاقتحمت. وقيل: قال لها: قعي ولا تنافقي. وقيل: قال الصبيّ: ما هي إلّا غميضة(٢) ، فصبرت»(٣) .
وقال ابن المسيّب: كنّا عند عمر بن الخطّاب إذ ورد عليه أنّهم احتفروا فوجدوا ذلك الغلام وهو واضع يده على صدغه، فكلّما مدّت يده عادت إلى صدغه، فكتب عمر: واروه حيث وجدتموه.
وروى سعيد بن جبير قال: لـمّا انهزم أهل اسفندهان قال عمر بن الخطّاب: ما هم يهود ولا نصارى، ولا لهم كتاب، وكانوا مجوسا. فقال عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : بلى قد كان لهم كتاب، ولكنّه رفع. وذلك أنّ ملكا لهم سكر فوقع على ابنته ـ أو قال: على أخته ـ فلمّا أفاق قال لها: كيف المخرج ممّا وقعت فيه؟ قالت له: المخرج أن تجمع أهل مملكتك، وتخبرهم أنّك ترى نكاح البنات، وتأمرهم أن يحلّوه. فجمعهم فأخبرهم، فأبوا أن يتابعوه. فقالت له: ابسط فيهم السوط، فلم يقبلوا. فقالت له: ابسط فيهم السيف، فلم يقبلوا. فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران، وطرح من أبى فيها. فخدّ لهم أخدودا في الأرض، وأوقد فيه النيران، وعرّضهم عليها، فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار، ومن أجاب خلّى سبيله.
وقال الحسن: كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود تعوّذ بالله من جهد البلاء.
وروى العيّاشي بإسناده عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «أرسل عليّعليهالسلام إلى أسقف نجران يسأله عن أصحاب الأخدود، فأخبره بشيء، فقال عليٌّعليهالسلام :
__________________
(١) تقاعس عن الأمر: تأخّر.
(٢) الغميضة تصغير الغمضة، أي: انطباق الجفن.
(٣) صحيح مسلم ٤: ٢٢٩٩ ح ٧٣.
ليس كما ذكرت، ولكن سأخبرك عنهم، إنّ الله بعث رجلا حبشيّا نبيّا ـ وهم حبشة ـ فكذّبوه، فقاتلهم فقتلوا أصحابه وأسروه وأسروا أصحابه، ثمّ بنوا له حيرا(١) ، ثمّ ملؤه نارا، ثمّ جمعوا الناس، فقالوا: من كان على ديننا وأمرنا فليعتزل، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار. فجعل أصحابه يتهافتون في النار.
فجاءت امرأة معها صبيّ لها ابن شهر، فلمّا هجمت على النار هابت ورقّت على ابنها. فناداها الصبيّ: لا تهابي وارمي بي وبنفسك في النار، فإنّ هذا في الله قليل.
فرمت بنفسها في النار وصبيّها، وكان ممّن يكلّم في المهد.
وقال مقاتل: كان أصحاب الأخدود ثلاثة: واحد بنجران، والآخر بالشام، والآخر بفارس، حرّقوا بالنار. أمّا الّذي بالشام فهو أنطياخوس الرومي. وأمّا الّذي بفارس فهو بخت نصّر. وأمّا الّذي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس. فأمّا من كان بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا، وأنزل في الّذي كان بنجران.
وذلك أنّ رجلين مسلمين ممّن يقرآن الإنجيل، أحدهما بأرض تهامة، والآخر بنجران اليمن، آجر أحدهما نفسه في عمل يعمله، فجعل يقرأ الإنجيل، فرأت ابنة المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها، فرمق(٢) حتّى رآه، فسأله فلم يخبره، فلم يزل به حتّى أخبره بدين الإسلام، فتابعه مع سبعة وثمانين إنسانا من رجل وامرأة. وهذا بعد ما رفع عيسى إلى السماء.
فسمع يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبّع الحميري، فخدّ لهم في الأرض وأوقد فيها، فعرّضهم على اليهوديّة، فمن أبى قذفه في النار، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه فيها. وإنّ امرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلّم، فلمّا قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت. فقال لها: يا أمّاه إنّي أرى
__________________
(١) الحير: الحمى، أو شبه الحظيرة.
(٢) رمقه: لحظه لحظا خفيفا، أطال النظر إليه.
أمامك نارا لا تطفأ. فلمّا سمعت من ابنها ذلك قذفها في النار، فجعلها الله وابنها في الجنّة.
وروي: أنّه أحرق منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفا.
وذكر أنّ طول الأخدود أربعون ذراعا، وعرضه اثنا عشر ذراعا.
( النَّارِ ) بدل اشتمال من الأخدود( ذاتِ الْوَقُودِ ) وصف لها بأنّها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها، من الحطب الكثير وأبدان الناس.
( إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ) أي: على ما يدنو منها من حافّات الأخدود قاعدون.
وعن مجاهد: كانوا قعودا على الكراسيّ عند الأخدود. والظرف متعلّق بـ «قتل» أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها.
( وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنّهم لم يقصروا فيما أمروا به من تعذيب المؤمنين. أو يشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين( تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١) .
( وَما نَقَمُوا ) وما عابوا وما أنكروا( مِنْهُمْ ) من المؤمنين( إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ ) استثناء على طريقة قوله :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
ثمّ ذكر سبحانه أوصافه الّتي يستحقّ بها أن يؤمن به ويعبد، وهو قوله:( الْعَزِيزِ ) الغالب القادر الّذي يخشى عقابه( الْحَمِيدِ ) المنعم.
( الَّذِي ) يجب الحمد على نعمته، ويرجى ثوابه. وقرّر ذلك بقوله:( لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) له التصرّف فيهما وما بينهما( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) وعيد لهم. يعني: أنّه عليم بما فعلوا، وهو مجازيهم عليه.
__________________
(١) النور: ٢٤.
( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) )
ولـمّا كان سبحانه متصرّفا في جميع ما سواه، وعالم بكلّه، فكلّ من فيهما يحقّ عليه أن يؤمن به ويعبده ويخشع له. فما نقموا منهم هو الحقّ الّذي لا ينقمه إلّا مبطل منهمك في الغيّ، مستحقّ لانتقام الله منه بعذاب لا يعدله عذاب، كما قال :
( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) بلوهم، بأن أحرقوهم وعذّبوهم بالنار( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) من فعلهم ذلك، ومن الشرك الّذي كانوا عليه( فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ) أنواع عذابه ـ كالزقّوم والغسلين والمقامع ـ بكفرهم( وَلَهُمْ ) مع ذلك( عَذابُ الْحَرِيقِ ) نار اخرى عظيمة زائدة في الإحراق. يعني: أنّ للفاتنين عذابين في الآخرة: لكفرهم، ولفتنتهم. أو المعنى: لهم عذاب جهنّم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لـما روي أنّ النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
وعن الربيع بن أنس: لـمّا ألقوا في النار نجّى الله المؤمنين من النار، وأخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفّار فأحرقتهم.
ويجوز أن يريد الّذين فتنوا المؤمنين، أي: بلوهم بالأذى على العموم، والمؤمنين: المفتونين عموما.
ثمّ بشّر المؤمنين بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) النجاة العظيم والنفع الخالص، إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه. وقيل: إنّما وصفه بالكبير لأنّ نعيم العاملين كبير بالإضافة إلى نعيم من لا عمل له من داخلي الجنّة، لـما في ذلك من الإجلال والإكرام والتبجيل والتعظيم.
( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) مضاعف عنفه، فإنّ البطش أخذ بعنف، فإذا وصف بالشدّة فقد تضاعف وتفاقم. وهو بطشه بالجبابرة والظلمة شديدا جدّا، وأخذهم بالعذاب الأليم انتقاما.
( إِنَّهُ ) وعد الكفرة بأنّه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم، إذ لم يشكروا نعمة الإبداء( هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ) يبدئ الخلق ثمّ يعيده. دلّ باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه. وعن ابن عبّاس معناه: يبدئ البطش بالكفرة في الدنيا، ويعيده في الآخرة. وذلك لأنّ ما قبله يقتضيه.
( وَهُوَ الْغَفُورُ ) لمن تاب، أو تفضّلا( الْوَدُودُ ) المحبّ لمن أطاع، أي: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا.
( ذُو الْعَرْشِ ) مالكه ومدبّره( الْمَجِيدُ ) العظيم في ذاته وصفاته، فإنّه واجب الوجود، تامّ القدرة والحكمة. وقرأ حمزة بالجرّ صفة لـ «ربّك» أو للعرش. ومجده: علوّه وعظمته.
( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) خبر مبتدأ محذوف. وإيراد صيغة المبالغة للدلالة على أنّ ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) )
ثمّ سلّى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على التأذّي من قومه بذكر قصّة فرعون وثمود، فقال:( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ) الّذين تجنّدوا على أنبياء الله( فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ) أبدلهما من الجنود لأنّ المراد بفرعون هو وقومه، كما في قوله:( مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ ) (١) والمعنى: قد عرفت تكذيب تلك الجنود للرسل وما حاق بهم، فتسلّ واصبر على تكذيب قومك، وحذّرهم مثل ما أصابهم.
( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من قومك( فِي تَكْذِيبٍ ) أي: تكذيب لا يخلصون عنه أصلا. فمعنى الإضراب: أنّ حالهم أعجب من حال هؤلاء، لأنّهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم، ورأوا آثار هلاكهم، ولم يعتبروا وكذّبوا أشدّ من تكذيبهم.
( وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ) أي: عالم بجميع أحوالهم، وقادر عليهم، وهم لا يعجزونه. والإحاطة بهم من ورائهم مثل لعدم فوتهم، كما لا يفوت المحاط المحيط.
( بَلْ هُوَ ) بل هذا الّذي كذّبوا به( قُرْآنٌ مَجِيدٌ ) كتاب شريف، جليل القدر، وحيد في النظم والمعنى بين الكتب السماويّة( فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) من التحريف، ومن وصول الشياطين إليه. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن.
وعن ابن عبّاس ومجاهد: أنّ اللوح المحفوظ من درّة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب.
وعن مقاتل: اللوح عن يمين العرش. وعن أنس: في جبهة إسرافيل.
__________________
(١) يونس: ٨٣.
(٨٦)
سورة الطارق
مكّيّة. وهي سبع عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها أعطاه الله بعدد كلّ نجم في السماء عشر حسنات».
المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من كان قراءته في الفريضة بالسماء والطارق، كان له يوم القيامة عند الله جاه ومنزلة، وكان من رفقاء النبيّين وأصحابهم في الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة البروج بالوعيد، افتتح هذه السورة بمثله، وأكّد ذلك
بأنّ أعمال الخلق محفوظة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ) والكوكب البادي بالليل. وهو في الأصل لسالك الطريق. واختصّ عرفا بالآتي ليلا، ثمّ استعمل للبادي فيه. أو الكوكب الذي يطرق الجنّي، أي: يصكّه.
روي: أنّ أبا طالب كان عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فانحطّ نجم، فامتلأ ماثمّ نورا، فجزع أبو طالب وقال: أيّ شيء هذا؟ فقالعليهالسلام : «هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله». فعجب أبو طالب، فنزلت:( وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ) .
( وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) المضيء، كأنّه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، كما قيل: درّيّ، لأنّه يدرأ الظلام، أي: يدفعه. والمراد جنس النجوم، أو جنس الشهب الّتي يرجم بها، أو كوكب معهود بالثقب، وهو زحل.
واعلم أنّ الله سبحانه أراد أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيما له، لـما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبّه على ذلك، فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو الطارق. ثمّ قال:( وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ) . ثمّ فسّره بقوله :
( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) . كلّ هذا إظهارا لفخامة شأنه، كما قال:( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (١) .
وجواب القسم قوله:( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ) «إن» هي المخفّفة، واللام هي الفاصلة، و «ما» زائدة. والمعنى: أنّ الشأن كلّ نفس لعليها مهيمن رقيب، وهو الله تعالى، كقوله:( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ) (٢) .( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) (٣) .
__________________
(١) الواقعة: ٧٥ ـ ٧٦.
(٢) الأحزاب: ٥٢.
(٣) النساء: ٨٥.
وقيل: ملك يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير وشرّ. روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «وكلّ بالمؤمن مائة وستّون ملكا يذبّون عنه، كما يذبّ عن قصعة العسل الذباب. ولو وكّل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين».
وقرأ ابن عامر وحمزة: لـمّا بالتشديد، على أنّها بمعنى «إلّا» و «إن» نافية. والمعنى: ما كلّ نفس إلّا عليها حافظ.
ولـمّا ذكر أنّ على كلّ نفس حافظا، أتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه وأوّل أمره ونشأته، ليعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته، فلا يملي على حافظه إلّا ما يسرّه في عاقبته، فقال :
( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ) من أيّ شيء خلقه الله. فأجاب بقوله:( خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) ذي دفق في الرحم، كاللّابن(١) والتامر. أو الإسناد مجازيّ، والدفق في الحقيقة لصاحبه، أي: دافق صاحبه. قال الفرّاء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول. وهذا وقع في كثير من كلامهم، نحو: سرّ كاتم، وهمّ ناصب. والدفق: صبّ فيه دفع. والمراد: الممتزج من الماءين في الرحم. واتّحادهما حين ابتدئ في خلقه، ولهذا لم يقل: ماءين. ويدلّ على أنّ المراد ماءان قوله:( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ) صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها حيث تكون القلادة. وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة.
ولو صحّ أنّ النطفة تتولّد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل من جميع الأعضاء حتّى تستعدّ لأن يتولّد منها مثل تلك الأعضاء، ومقرّها عروق ملتفّ بعضها بالبعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه، ويسرع
__________________
(١) أي: ذي اللبن والتمر.
الإفراط في الجماع بالضعف فيه، وله خليفة، وهي النخاع، وهو في الصلب، وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المنيّ، فلذلك خصّا بالذكر.
( إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ) لبيّن القدرة. وتقديم الجارّ للتخصيص. والضمير للخالق. ويدلّ عليه «خلق».
وعن الضحّاك: إنّه على ردّ الإنسان ماء كما كان قادر.
وقال مقاتل بن حيّان: يقول الله تعالى: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة.
والأصحّ القول الأوّل. ويؤيّده أنّه حكى البعث بعده بقوله:( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) ظرف للرجع. والمعنى: هو القادر على الرجع في يوم تختبر تلك السرائر. والمراد لازم الاختبار، فكأنّه قيل: يتعرّف ويتميّز كلّ ما أسرّ في القلوب من العقائد وسائر الضمائر، وما أخفي من الأعمال، حتّى يظهر ما طاب منها وما خبث. يعني: خيرها من شرّها، ومقبولها من مردودها.
روي مرفوعا عن أبي الدرداء: قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ضمن الله خلقه أربع خصال: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والغسل من الجنابة. وهي السرائر الّتي قال الله تعالى: «يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ».
وقيل: يظهر الله أعمال كلّ أحد لأهل القيامة، حتّى يعلموا على أيّ شيء أثابه، ويكون فيه زيادة سرور لهم، وإن يكن من أهل العقوبة يظهر عمله ليعلموا على أيّ شيء عاقبه، ويكون في ذلك زيادة غمّ له.
وروي عن ابن عمر أنّه قال: يبدئ الله يوم القيامة كلّ سرّ، ويكون زينا في الوجوه، وشينا في الوجوه.
( فَما لَهُ ) لهذا الإنسان المنكر للبعث( مِنْ قُوَّةٍ ) من منعة في نفسه يمتنع بها( وَلا ناصِرٍ ) يمنعه.
( وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) )
ثمّ ذكر قسما آخر تأكيدا لوقوع البعث، فقال:( وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ) ترجع في كلّ دورة إلى الموضع الّذي تتحرّك عنه. وأكثر المفسّرين على أنّ الرجع المطر، سمّي به كما سمّي أوبا، لأنّ الله يرجعه وقتا فوقتا، أو لأنّ العرب يزعمون أنّ السحاب يحمل الماء من البحار ثمّ يرجعه إلى الأرض. وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء السحاب. أو أرادوا التفاؤل، فسمّوه رجعا وأوبا، ليرجع ويؤب.
( وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ) ما تتصدّع عنه الأرض من النبات. أو الشقّ بالنبات والعيون.
( إِنَّهُ ) إنّ القرآن، أو إنّ الوعد بالبعث( لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) فاصل بين الحقّ والباطل، كما قيل له: إنّه الفرقان.
( وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ) فإنّه جدّ كلّه، ومن حقّه أن يكون مهيبا في الصدور، معظّما في القلوب، يترفّع به قارئه وسامعه أن يلمّ بهزل أو يتفكّه بمزاح، وأن يلقى ذهنه إلى أنّ جبّار السماوات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده ويوعده، حتّى إن لم يستفزّه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جادّا غير هازل، فقد نعى الله على المشركين ذلك في قوله:( وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ) (١) .
( إِنَّهُمْ ) يعني: أهل مكّة( يَكِيدُونَ كَيْداً ) يعملون المكايد في إطفاء نوره
__________________
(١) النجم: ٦٠ ـ ٦١.
وإبطاله( وَأَكِيدُ كَيْداً ) وأقابلهم بكيدي، في استدراجي لهم، وانتقامي منهم من حيث لا يحتسبون، وتدبيري ما ينقص مكايدهم وتدابيرهم أمرهم من حيث لا يعلمون.
( فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ ) فلا تشتغل بالانتقام منهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم( أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) إمهالا يسيرا. والتكرير وتغيير البنية لزيادة التسكين منه والتصبير.
(٨٧)
سورة الأعلى
مكّيّة عند ابن عبّاس، ومدنيّة عند الضحّاك. وهي تسع عشرة آية بلا خلاف.
أبيّ بن كعب قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها أعطاه الله من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وعن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قال: «كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يحبّ هذه السورة( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) . وأوّل من قال: سبحان ربّي الأعلى، ميكائيل».
وعن ابن عبّاس قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قرأ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قال: «سبحان ربّي الأعلى». وكذلك روي عن عليّعليهالسلام . وروى جرير عن الضحّاك أنّه كان يقول ذلك. وكان يقول: من قرأها فليفعل ذلك.
وعن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) في فريضة أو نافلة، قيل له يوم القيامة: ادخل من أيّ أبواب الجنّة شئت».
وروى العيّاشي بإسناده عن أبي حميصة، عن عليّعليهالسلام ، قال: «صلّيت خلفه عشرين ليلة، فليس يقرأ إلّا( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) . وقال: لو يعلمون ما فيها لقرأها الرجل كلّ يوم عشرين مرّة، وإنّ من قرأها فكأنّما قرأ صحف موسى وإبراهيم الّذي وفّى».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة الطارق بذكر الوعيد والتهديد للكفّار، افتتح هذه السورة بذكر صفاته العلى وقدرته على ما يشاء، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) نزّه اسمه عمّا لا يصحّ فيه، من المعاني الّتي هي الإلحاد في أسمائه بالتأويلات الزائغة، مثل أن يفسّر الأعلى بمعنى العلوّ الّذي هو القهر والاقتدار على كلّ شيء، لا بمعنى العلوّ في المكان والاستواء على العرش حقيقة، كما هو مذهب المشبّهة. ومن إطلاقه على غيره راعما أنّهما فيه سواء، كعبدة الأصنام. ومن أن يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم. ويجوز أن يكون الأعلى صفة للربّ، والاسم باعتبار المسمّى.
وعن عقبة بن عامر الجهنيّ قال: «لمّا نزلت( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) (١) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اجعلوها في ركوعكم. فلمّا نزلت( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قال: اجعلوها في سجودكم. وكانوا يقولون في الركوع: أللّهمّ لك ركعت، وفي السجود: أللّهمّ لك سجدت».
( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) خلق كلّ شيء فسوّى خلقه، بأن جعل له ما به يتأتّى كماله من الإحكام والاتّساق، على وجه يدلّ على أنّه صادر من قدير
__________________
(١) الحاقّة: ٥٢.
عليم وصانع حكيم.
( وَالَّذِي قَدَّرَ ) قدّر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها وأفعالها وآجالها.
وقرأ الكسائي: قدر بالتخفيف.( فَهَدى ) فوجّهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا، بخلق الميول والإلهامات، فعرّفه وجه الانتفاع به. كما يحكى أنّ الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله أنّ مسح العين بورق الرازيانج الغضّ يردّ إليها بصرها، فربما كانت في برّيّة بينها وبين الريف مسيرة أيّام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتّى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحكّ بها عينيها، وترجع باصرة بإذن الله تعالى.
وإلهامات البهائم والطيور وهو امّ الأرض باب واسع لا يحيط به وصف واصف. ومن ذلك أنّه سبحانه هدى الطفل إلى ثدي أمّه، وهدى الفرخ حتّى طلب الرزق من أبيه وأمّه، وسائر الدوابّ والطيور حتّى فزع كلّ منهم إلى أمّه. وما صدر من النحل من صنعة البيوت المسدّسة والمثمّنة وغيرهما من الأشكال، على وجه يعجز عنه المهندسون العالمون في صنائعهم المحسّنة اللطيفة البديعة العجيبة، كاف في تأمّل أولي الألباب والأبصار ليهتدوا إلى الله العزيز الحكيم.
وهدايات الله للإنسان من نصب الدلائل وإنزال الآيات ـ إلى ما لا يحدّ من مصالحه، وما لا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، فسبحان ربّي الأعلى وبحمده.
( وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ) أنبت ما ترعاه الحيوانات( فَجَعَلَهُ ) بعد خضرته( غُثاءً ) يابسا هشيما( أَحْوى ) أسود. وقيل: هو حال من المرعى، أي: أخرجه حال كونه أحوى، أي: أسود من شدّة خضرته وريّه، فجعله غثاء، أي: يابسا بعد حويّه، أي: شدّة خضرته. فسبحان من دبّر هذا التدبير، وقدّر هذا التقدير. وقيل: إنّه مثل ضربه الله تعالى لذهاب الدنيا بعد نضارتها.
( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) )
ثمّ بشّر نبيّه بإعطاء آيات هادية بيّنة في الإعجاز بقوله:( سَنُقْرِئُكَ ) على لسان جبرئيل، أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة.( فَلا تَنْسى ) فلا تنساه أصلا من قوّة الحفظ، مع أنّك أمّيّ، ليكون ذلك آية اخرى لك. مع أنّ الإخبار به عمّا يستقبل ووقوعه كذلك أيضا من الآيات.
وقيل: نهي، والألف للفاصلة، كقوله:( السَّبِيلَا ) (١) . والمعنى: فلا تغفل من قراءته وتكريره فتنساه.
( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) نسيانه، بأن يذهب به عن حفظك برفع حكمه وتلاوته، كقوله:( أَوْ نُنْسِها ) (٢) فإنّ الإنساء نوع من النسخ.
وقيل: كان يعجل بالقراءة إذا لقّنه جبرئيل، فقال: لا تعجل، فإنّ جبرئيل
__________________
(١) الأحزاب: ٦٧.
(٢) البقرة: ١٠٦.
مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكرّرة إلى أن تحفظه، ثمّ لا تنساه إلّا أن يشاء الله.
وقيل: الغرض نفي النسيان رأسا، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلّا فيما شاء الله. ولا يقصد استثناء شيء. وهو من استعمال القلّة في معنى النفي.
( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ) ما ظهر من أحوالكم وما بطن، فيعلم ما هو مصلحة لكم في دينكم ومفسدة فيه. أو يعلم جهرك يا محمّد بالقراءة مع جبرئيل، وما دعاك إليه من مخافة التفلّت والنسيان، فيعلم ما فيه صلاحك وأمّتك من إبقاء أو إنساء.
( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ) معطوف على( سَنُقْرِئُكَ ) . وقوله:( إِنَّهُ يَعْلَمُ ) اعتراض.
والمعنى: سنوفّقك للطريقة الّتي هي أيسر وأسهل في حفظ الوحي. وقيل: للشريعة السمحة الّتي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذا. وقيل: نوفّقك لعمل الجنّة. ولـمّا كان التيسير متضمّنا لمعنى التوفيق قال: «نيسّرك»، لا: نيسّر لك.
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلّا عتوّا وطغيانا. وكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يتلظّى حسرة وتلهّفا، ويزداد جدّا في تذكيرهم وحرصا عليه، فقيل له:( وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ) (١) .( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ ) (٢) . ثمّ قيل له:( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) وذلك بعد إلزام الحجّة بتكرير التذكير.
وقيل: ظاهر الآية شرط، ومعناه ذمّ للمذكّرين، وإخبار عن حالهم، واستبعاد لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيل عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ: عظ
__________________
(١) ق: ٤٥.
(٢) الزخرف: ٨٩.
المكّاسين(١) إن سمعوا منك، قاصدا بهذا الشرط استبعاد ذلك، وأنّه لن يكون كذلك.
( سَيَذَّكَّرُ ) سيتّعظ وينتفع بها( مَنْ يَخْشى ) يخشى الله وسوء العاقبة، بأن يتفكّر فيها فيعلم حقيقتها، فيقوده النظر إلى اتّباع الحقّ. فأمّا هؤلاء فغير خاشين ولا ناظرين، فلا تأمل أن يقبلوا منك.
( وَيَتَجَنَّبُهَا ) ويتجنّب الذكرى( الْأَشْقَى ) الكافر، لأنّه أشقى من الفاسق.
أو الّذي هو أشقى من الكفرة، لتوغّله في جحوده وإنكاره، وحقده وشدّة غضبه على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة.
( الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ) نار جهنّم. والصغرى: نار الدنيا، فإنّهعليهالسلام قال: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنّم».
أو ما في الدرك الأسفل من أطباق النار، فإنّ ناره أحرّ وأشدّ من نار أطباق أخر.
( ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ) فيستريح( وَلا يَحْيى ) حياة تنفعه، بل صارت حياته وبالا عليه، ومشقّة يتمنّى زوالها، لـما فيها من فنون العقاب وألوان العذاب. ولهذا ذكر «ثمّ» للدلالة على أنّ التردّد بين الحياة والموت أفظع من الصلي، فهو متراخ عنه في مراتب الشدّة.
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) تطهّر من الكفر والمعصية. وقيل: من الزكاء بمعنى النماء. والمعنى: من نشأ ونما في التقوى. وقيل: تطهّر للصلاة، أو أدّى الزكاة، كتصدّق من الصدقة.
( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ) وحّده بقلبه ولسانه( فَصَلَّى ) بذلك الاسم الصلوات الخمس، لقوله:( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (٢) . وعن ابن عبّاس: معناه: ذكر معاده
__________________
(١) المكّاس: من يأخذ المكس. والمكس: دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في أسواق الجاهليّة.
(٢) طه: ١٤.
وموقفه بين يدي ربّه، فصلّى له. وعن الضحّاك: وذكر اسم ربّه في طريق المصلّى، فصلّى صلاة العيد. وعن عليّعليهالسلام : تصدّق بالفطر،( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ) كبّر يوم العيد، فصلّى صلاته.
ومتى قيل: على هذا القول كيف يصحّ أن تكون السورة مكّيّة، ولم يكن هناك صلاة عيد ولا زكاة فطرة؟
قلنا: يحتمل أن يكون نزلت أوائلها بمكّة وختمت بالمدينة.
وعند أكثر علمائنا أنّ المراد بالذكر هنا الأذان والإقامة، استنادا إلى روايات واردة عن أئمّتنا صلوات الله عليهم.
ثمّ قال سبحانه مخاطبا للكفّار الأشقين على طريقة الالتفات، أو على إضمار قل:( بَلْ تُؤْثِرُونَ ) تختارون( الْحَياةَ الدُّنْيا ) على الآخرة، فلا تفعلون ما تفلحون به. وقيل: هو عامّ في المؤمن والكافر، بناء على الأعمّ الأغلب في أمر الناس.
قال عبد الله بن مسعود: إنّ الدنيا اخضرّت لنا، وعجّل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذّتها وبهجتها، وإنّ الآخرة نعتت لنا وزويت عنّا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ ) أفضل في نفسها( وَأَبْقى ) وأدوم، فإنّ نعيمها ملذّ بالذات، خالص عن الغوائل، لا انقطاع له.
( إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ) الإشارة إلى ما سبق من قوله: «قد أفلح» إلى قوله: «وأبقى»، فإنّه جامع أمر الديانة، وخلاصة الكتب المنزلة. والمعنى: أنّ معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف.( صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ) بدل من الصحف الأولى.
وروي عن أبي ذرّرضياللهعنه أنّه قال: «قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال: مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرون ألفا.
قلت: يا رسول الله كم المرسلون منهم؟
قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، وبقيّتهم أنبياء.
قلت: أكان آدم نبيّا؟
قال: نعم، كلّمه الله وخلقه بيده. يا أبا ذرّ أربعة من الأنبياء عرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيّك.
قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟
قال: مائة وأربعة كتب، منها: على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ ـ وهو إدريس ـ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان».
وقيل: إنّ في صحف إبراهيم: ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه، عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه.
وقيل: إنّ كتب الله سبحانه كلّها أنزلت في شهر رمضان.
(٨٨)
سورة الغاشية
مكّيّة. وهي ستّ وعشرون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: «من أدمن قراءة( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ) في فريضة أو نافلة، غشّاه الله رحمته في الدنيا والآخرة، وأعطاه الأمن يوم القيامة من عذاب النار».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الأعلى بالترغيب في الآخرة، وأنّها خير من الدنيا، افتتح هذه السورة أيضا ببيان أحوال الآخرة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ) الداهية الّتي تغشى الناس بشدائدها، وتلبسهم أهوالها. يعني: يوم القيامة، من قوله:( يَوْمَ يَغْشاهُمُ
الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) (١) . أو النار من قوله:( وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) (٢) ( وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ) (٣) .
( وُجُوهٌ ) أي: صواحبها( يَوْمَئِذٍ ) يوم إذ غشيت( خاشِعَةٌ ) ذليلة( عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ) تعمل في النار عملا تتعب فيه، كجرّ السلاسل والأغلال، وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ووهادها.
وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذّت بها وتنعّمت، ونصبت في أعمال لا ينفعها في الآخرة.
وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة، من قوله:( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ) (٤) .( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (٥) .
( أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) (٦) .
وقيل: هم أصحاب الصوامع. ومعناه: أنّها خشعت لله، وعملت ونصبت في أعمالها، من الصوم الدائب(٧) والتهجّد الواصب.
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «كلّ ناصب لنا وإن تعبّد واجتهد يصير إلى هذه الآية «عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ».
( تَصْلى ناراً ) تدخلها. قيل: المصلّي عند العرب أن يحفروا حفيرا، فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثمّ يعمدوا إلى شاة فيدسّوها وسطه. فأمّا ما يشوى فوق
__________________
(١) العنكبوت: ٥٥.
(٢) إبراهيم: ٥٠.
(٣) الأعراف: ٤١.
(٤) الفرقان: ٢٣.
(٥) الكهف: ١٠٤.
(٦) آل عمران: ٢٢.
(٧) الدائب: الدائم المستمرّ. والتهجّد الواصب: الدائم المواظب على القيام به.
الجمر، أو على المقلى(١) ، أو في التنّور، فلا يسمّى مصلّيا. وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر تصلى، من: أصلاه الله.( حامِيَةً ) متناهية في الحرّ.
( تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) متناهية في الحرّ، كقوله:( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) (٢) قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنّم مذ خلقت، فدفعوا إليها وردا عطاشا، هذا شرابهم.
وقال أبو الدرداء: إنّ الله يرسل على أهل النار الجوع حتّى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة، فيذكرون أنّهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم الله ألف سنة، ثمّ يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ولا مريئة، كلّما أدنوه من وجوههم سلخ وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، فذلك قوله:( وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ) (٣) .
( لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) يبيس الشبرق. وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته، وهو سمّ قاتل. وقيل: شجرة ناريّة تشبه الضريع، كما نقل.
وعن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك، أمرّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشدّ حرّا من النار، سمّاه الله الضريع».
وإنّما قال:( لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) . وفي الحاقّة:( وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ) (٤) وظاهر الكلامين تناف، لأنّ العذاب ألوان، والمعذّبون طبقات، فمنهم أكلة الزقّوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع.
__________________
(١) المقلى: وعاء يقلى ـ أي: ينضج ـ فيه الطعام.
(٢) الرحمن: ٤٤.
(٣) محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم : ١٥.
(٤) الحاقة: ٣٦.
( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) (١) . أو المراد: إنّما طعامهم ممّا تتحاماه الإبل وتعافه، لضرّه وعدم نفعه.
وهذا إشارة إلى أنواع طعام جهنّم، من الضريع والزقّوم والغسلين.
روي: أنّ المشركين لـمّا سمعوا هذه الآية قالوا: إن إبلنا لتسمن على الضريع. وكذبوا في ذلك، لأنّ الإبل لا ترعاه كما علمت. فقال سبحانه تكذيبا لهم :
( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) أي: لا يسمن أحدا، ولا يدفع جوعا. وهذا مرفوع المحلّ أو مجروره على وصف: طعام أو ضريع. والمعنى: طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنّما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع.
وقيل: أراد الله سبحانه بهذه الآية أن لا طعام لهم أصلا، لأنّ الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الإنس، لأنّ الطعام ما أشبع أو أسمن، وهو منهما بمعزل، كما تقول: ليس لفلان ظلّ إلّا الشمس، تريد: نفي الظلّ على التوكيد.
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) )
ثمّ وصف أهل الجنّة بقوله:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ) ذات بهجة وحسن، أو متنعّمة في أنواع اللذّات( لِسَعْيِها ) في الدنيا( راضِيَةٌ ) رضيت بعملها لـمّا رأت ما أدّاهم إليه من الكرامة والثواب لسعيها.
__________________
(١) الحجر: ٤٤.
( فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) عليّة المحلّ أو القدر( لا تَسْمَعُ فِيها ) يا مخاطب، أو الوجوه. وقرأ على بناء المفعول بالياء ابن كثير وأبو عمرو ورويس. وبالتاء نافع.
( لاغِيَةً ) لغوا، أو كلمة ذات لغو، أو نفسا تلغو، فإنّ أهل الجنّة لا يتكلّمون إلّا بالذكر والحكم، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم.
( فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ) يجري ماؤها ولا ينقطع. يريد عيونا في غاية الكثرة، كقوله:( عَلِمَتْ نَفْسٌ ) (١) . فهي اسم جنس. والتنوين للتعظيم. فلكلّ إنسان في قصره من الجنّة عين جارية من كلّ شراب يشتهيه.
( فِيها سُرُرٌ ) ألواحها من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدرّ والياقوت( مَرْفُوعَةٌ ) رفيعة السمك، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوّله ربّه من الملك والنعيم الدائم. أو رفيعة القدر.
( وَأَكْوابٌ ) جمع كوب. وهو إناء من ذهب وفضّة لا عروة له.( مَوْضُوعَةٌ ) بين أيديهم لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها. أو على حافّات العيون معدّة للشرب.
( وَنَمارِقُ ) جمع نمرقة بالفتح والضمّ، وهي الوسادة( مَصْفُوفَةٌ ) بعضها إلى جنب بعض، أينما أراد أن يجلس جلس على مسورة(٢) واستند إلى اخرى.
( وَزَرابِيُ ) وبسط عراض فاخرة. وقيل: هي الطنافس(٣) الّتي لها خمل رقيق. جمع زربية.( مَبْثُوثَةٌ ) مبسوطة، أو مفرّقة في المجالس.
( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ
__________________
(١) التكوير: ١٤.
(٢) المسورة: متّكأ من جلد.
(٣) الطنافس جمع الطنفسة: البساط، الحصير.
سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) )
ولـمّا نعت الله سبحانه الجنّة وما فيها عجب من ذلك أهل الضلال، فبيّن سبحانه أفعاله العجيبة الغريبة الدالّة على كمال القدرة، الموجبة لفعل كلّ ما أراد من الصنائع العظيمة العجيبة، فقال :
( أَفَلا يَنْظُرُونَ ) نظر اعتبار( إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) خلقا عجيبا دالّا على كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها لجرّ الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة باركة للحمل، ناهضة بالحمل، منقادة لمن اقتادها، ولو كان قائدها غير إنسان، كما حكي أنّ فارة أخذت بزمام ناقة فأخذت تجرّها وهي تتبعها حتّى دخلت الجحر، فجرّت الزمام فقرّبت فمها من جحر الفار. طوال الأعناق لتنوء بالأوقار(١) ، ترعى كلّ نابت في البراري والمفاوز ممّا لا يرعاه سائر البهائم، وتحتمل العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتّى لها قطع البراري والمفاوز. مع ما لها من منافع أخر، ولذلك خصّت بالذكر لبيان الآيات المنبثّة في الحيوانات الّتي هي أشرف المركّبات وأكثرها صنعا، ولأنّها أعجب ما عند العرب من هذا النوع.
وقيل: المراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز، لأنّ الإبل ليست من أسماء السحاب حقيقة، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين وغير ذلك.
( وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ) بلا عمد، مع ما في خلقها من صنائع القدرة
__________________
(١) الأوقار جمع الوقر: الحمل الثقيل.
وبدائع الفطرة، من الشمس والقمر والكواكب، وعلّق بها منافع الخلق وأسباب معايشهم.
( وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ) فهي راسخة لا تميل ولا تزول، ولولاها لمادت الأرض بأهلها.
( وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) بسطت حتّى صارت مهادا للمتقلّب عليها.
ووجه حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض: أنّ هذه الأشياء غالبا في مناظر العرب ومطاع(١) نظرهم في أوديتهم وبواديهم، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم.
وملخّص المعنى: أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركّبات، ليتحقّقوا كمال قدرة الخالق، فلا ينكروا اقتداره على البعث، فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به، ويستعدّوا للقائه؟ ولذلك عقّب به أمر المعاد، ورتّب عليه الأمر بالتذكير، فقال:( فَذَكِّرْ ) أي: لا ينظرون، فذكّرهم ولا تلحّ عليهم( إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ) أي: فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكّروا، إذ ما عليك إلّا البلاغ، كقوله:( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) (٢) .
( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) بمتسلّط يمكنك أن تدخل الإيمان في قلوبهم وتجبرهم عليه، كقوله:( وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) (٣) . وعن الكسائي بالسين على الأصل، وحمزة بالإشمام.
( إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ) الاستثناء منقطع. والمعنى: لست بمستول عليهم، ولكن من تولّى عن الذكر وكفر بالله( فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ) الّذي هو عذاب جهنّم.
__________________
(١) كذا في النسخة الخطّية، ولعلّ الصحيح: ومطمح.
(٢) الشورى: ٤٨.
(٣) ق: ٤٥.
وقيل: متّصل، فإنّ جهاد الكفّار وقتلهم تسلّط. وكأنّه أوعدهم الجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة.
وقيل: هو استثناء من قوله: «فذكّر» أي: فذكّر إلّا من انقطع طمعك من إيمانه وتولّى، فاستحقّ العذاب الأكبر. وما بينهما اعتراض.
( إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ) رجوعهم بعد الموت( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ) في المحشر. وتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة في الوعيد. كأنّه قال: إنّ إيابهم ليس إلّا إلى الجبّار المقتدر على الانتقام، وإنّ حسابهم ليس بواجب إلّا عليه، وهو الّذي يحاسب على النقير والقطمير. ومعنى الوجوب الوجوب في الحكمة.
(٨٩)
سورة الفجر
مكّيّة. وهي ثلاثون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها في ليال عشر غفر الله له، ومن قرأها سائر الأيّام كانت له نورا يوم القيامة».
وروى داود بن فرقد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «اقرؤا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم، فإنّها سورة الحسين بن عليّعليهالسلام ، من قرأها كان مع الحسين بن عليّعليهالسلام يوم القيامة في درجته من الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) )
ولـمّا ختم سورة الغاشية بأنّ إياب الخلق إليه وحسابهم عليه، افتتح هذه السورة بتأكيد ذلك المعنى حين أقسم أنّه بالمرصاد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالْفَجْرِ ) أقسم بمطلق الصبح في الأيّام، كما أقسم في قوله:( وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ) (١) . أو بمطلق فلقه، كقوله:( وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ) (٢) . أو بصلاة الفجر، أو بفجر يوم النحر، أو بفجر عرفة، أو فجر أوّل ذي الحجّة، أو فجر أوّل المحرّم. والأوّل أشمل وأعمّ، ومنقول عن عكرمة والحسن والجبائي، ورواه أبو صالح عن ابن عبّاس.
( وَلَيالٍ عَشْرٍ ) عشر ذي الحجّة، على ما نقل عن مجاهد والضحّاك وابن عبّاس والحسن وقتادة والسدّي. ولذلك فسّر الفجر بفجر عرفة أو النحر. وقيل: عشر رمضان الأخير. ولأنّها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي العشر، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها، وقعت منكّرة من بين ما أقسم به. ولو عرّفت بلام العهد، لأنّها ليال معلومة معهودة، لم تستقلّ بمعنى الفضيلة الّذي في التنكير، فإنّ التنكير للتعظيم والتفخيم. ولأنّ الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية، فيوهم أنّ المراد جنس العشرات لا العشرات المعيّنة المطلوبة.
( وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ) أي: والأشياء كلّها، شفعها ووترها. أو الخلق، لقوله:( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ) (٣) والخالق، لأنّه فرد.
ومن فسّرهما بشفع هذه الليالي ووترها، وبالعناصر والأفلاك والبروج والسيّارات. أو شفع الصلوات ووترها. أو بيومي النحر وعرفة، لأنّها تاسع أيّامها
__________________
(١) المدّثر: ٣٤.
(٢) التكوير: ١٨.
(٣) الذاريات: ٤٩.
وذلك عاشرها، فقد روي مرفوعا إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلى أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
أو الوتر آدم، شفّع بزوجته. أو الشفع الأيّام، والوتر اليوم الّذي لا ليل بعده، وهو يوم القيامة. أو الشفع عليّ وفاطمةعليهماالسلام ، والوتر محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . أو الصفا والمروة، والوتر البيت. فلعلّه(١) أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة على التوحيد، أو مدخلا في الدين، أو مناسبة لـما قبلها، أو أكثر منفعة موجبة للشكر.
وقرأ حمزة والكسائي: والوتر، بفتح الواو. وهما لغتان، كالحبر والحبر.
( وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ) إذا يمضي، كقوله:( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) (٢) . وأصله: يسري، حذف الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا. وقد خصّه نافع وأبو عمرو بالوقف. والتقييد بذلك لـما في التعاقب من قوّة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعم.
( هَلْ فِي ذلِكَ ) الإقسام، أو المقسم به( قَسَمٌ ) حلف، أو محلوف به( لِذِي حِجْرٍ ) يعتبره ويعظم بالإقسام به، ويؤكّد به ما يريد تحقيقه. والحجر: العقل. سمّي به لأنّه يحجر عمّا لا ينبغي، كما سمّي عقلا ونهية وحصاة من الإحصاء، وهو الضبط. وفي هذا تعظيم وتأكيد لـما وقع به القسم.
والمعنى: أنّ من كان ذا لبّ علم أنّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على توحيد الله، توضح عن عجائب صنعه وبدائع حكمته.
والمقسم عليه محذوف، وهو: ليعذّبنّ. يدلّ عليه قوله:( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ) . الخطاب للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . وفيه تنبيه للكفّار على ما فعله سبحانه بالأمم السابقة لـمّا كفرت بالله وبأنبيائه، وكانت أطول أعمارا وأشدّ قوّة. وعاد قوم ثمود، سمّوا باسم أبيهم، كما سمّي بنو هاشم باسمه. وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
__________________
(١) خبر لقوله: ومن فسّرهما ...، في بداية الفقرة.
(٢) المدّثر: ٣٣.
( إِرَمَ ) عطف بيان لـ «عاد» إيذانا بأنّهم عاد الأولى القديمة. وهذا على تقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو أهل إرم، إن صحّ أنّه اسم بلدتهم. وقيل: سمّي أوائلهم ـ وهم عاد الأولى ـ بإرم اسم جدّهم، ومن بعدهم سمّوا عادا الأخيرة. ومنع صرفه للعلميّة والتأنيث، باعتبار القبيلة أو البلدة.( ذاتِ الْعِمادِ ) ذات البناء الرفيع، أو القدود(١) الطوال. ومنه قولهم: رجل معمد إذا كان طويلا. ورجل طويل العماد، أي: القامة. أو ذات الرفعة والثبات.
( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ) صفة اخرى لـ «إرم». والضمير لها، سواء جعلت اسم القبيلة أو البلدة. والمعنى: لم يخلق مثل عاد في جميع بلاد الدنيا عظم أجرام وقوّة. فقد روي أنّ طول الرجل منهم كان أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحيّ فيهلكهم. أو لم يخلق مثل مدينة إرم في جميع بلاد الدنيا.
وقيل: كان لعاد ابنان: شدّاد وشديد، فملكا وقهرا، ثمّ مات شديد فخلص الأمر لشداد، وملك المعمورة، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنّة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنّة وسمّاها إرم، فلمّا تمّ سار إليها بأهله، فلمّا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.
وعن عبد الله بن قلابة: أنّه خرج في طلب إبله فوقع عليها. وقصّة ذلك مفصّلا على ما روى وهب بن منبّه: أنّ عبد الله بن قلابة خرج يوما في طلب إبل له شردت، فبينا هو في صحاري عدن إذ هو قد وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال.
فلمّا دنا منها ظنّ أنّ فيها أحدا يسأله عن إبله، فنزل عن دابّته وعقلها، وسلّ سيفه ودخل من باب الحصن. فلمّا دخل الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم
__________________
(١) القدود جمع القدّ: قدر الشيء وتقطيعه.
منهما، والبابان مرصّعان بالياقوت الأبيض والأحمر. فلمّا رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا هو قصور، كلّ قصر فوقه غرف مبنيّة بالذهب والفضّة واللؤلؤ والياقوت، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، ومصاريع تلك الغرف مثل مصراع المدينة يقابل بعضها بعضا، مفروشة كلّها باللآلئ وبنادق من مسك وزعفران.
فلمّا رأى الرجل ما رأى، ولم ير فيها أحدا هاله ذلك. ثمّ نظر إلى الأزقّة فإذا هو بشجر في كلّ زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار، وتحت الأشجار أنهار مطّردة، يجري ماؤها من قنوات من فضّة، كلّ قناة أشدّ بياضا من الشمس.
فقال الرجل: والّذي بعث محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحقّ ما خلق الله مثل هذه في الدنيا، وإنّ هذه هي الجنّة الّتي وصفها الله تعالى في كتابه. فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزعفران، ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا من ياقوتها شيئا. وخرج ورجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه، وعلم الناس أمره. فلم يزل ينمو أمره حتّى بلغ معاوية خبره، فأرسل في طلبه حتّى قدم عليه، فقصّ عليه القصّة. فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار، فلمّا أتاه قال له: يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضّة؟
قال: نعم، أخبرك بها وبمن بناها، إنّما بناها شدّاد بن عاد. فأمّا المدينة فإرم ذات العماد الّتي وصفها الله تعالى في كتابه، وهي( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ) . قال معاوية: فحدّثني حديثها.
فقال: إنّ عادا الأولى ليس بعاد قوم هود، وإنّما هود وقوم هود ولد ذلك.
وكان عاد له ابنان: شدّاد وشديد، فهلك عاد فبقيا وملكا، وقهرا البلاد وأخذاها عنوة. ثمّ هلك شديد وبقي شدّاد، فملك وحده، ودانت له ملوك الأرض، فدعته نفسه إلى بناء مثل الجنّة عتوّا على الله سبحانه. فأمر بصنعة تلك المدينة إرم ذات
العماد، وأمر على صنعتها مائة قهرمان، مع كلّ قهرمان ألف من الأعوان. وكتب إلى كلّ ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر. وكان هؤلاء القهارمة أقاموا في بنيانها في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، فلمّا فرغوا منها جعلوا عليها حصنا، وجعلوا حول الحصن ألف قصر.
ثمّ سار الملك إليها في جنده ووزرائه، فلمّا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث اللهعزوجل عليه وعلى من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد. وسيدخلها في زمانك رجل من المسلمين، أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له في تلك الصحاري. والرجل عند معاوية، فالتفت كعب إليه وقال: هذا والله ذاك الرجل.
( وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ ) قطعوا صخر الجبال واتّخذوا فيها بيوتا ومنازل، لقوله:( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) (١) ( بِالْوادِ ) وادي القرى. قيل: أوّل من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلّها من الحجارة.
( وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ) لكثرة جنوده ومضاربهم الّتي كانوا يضربونها بالأوتاد إذا نزلوا. أو لتعذيبه بالأوتاد، كما روي عن ابن مسعود ومجاهد: كان يشدّ الرجل بأربعة أوتاد على الأرض إذا أراد تعذيبه، ويتركه حتّى يموت. قال: وتّد امرأته آسية بأربعة أوتاد، ثمّ جعل على ظهرها رحى عظيمة حتّى ماتت. وكذا فعل بماشطة ابنته. وقد مرّ بيانه في سورة ص(٢) .
( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ) صفة للمذكورين: عاد وثمود وفرعون. أو ذمّ منصوب أو مرفوع.( فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ) بالكفر والظلم على العباد.
__________________
(١) الشعراء: ١٤٩.
(٢) راجع ج ٦ ص ١١، ذيل الآية ١٢ من سورة ص.
( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ) ما خلط لهم من أنواع العذاب. وأصله: الخلط. وإنّما سمّي به الجلد المضفور الّذي يضرب به، لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض. وقيل: شبّه بالسوط ما أحلّ بهم من العذاب العظيم في الدنيا، إشعارا بأنّه القياس إلى ما أعدّ لهم في الآخرة من العذاب، كالسوط إذا قيس إلى السيف.
( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) المكان الّذي يترقّب فيه الرصد. مفعال من: رصده، كالميقات من: وقته. وهو تمثيل لإرصاد الله تعالى العصاة بالعقاب بحيث إنّهم لا يفوتونه.
وعن الصادقعليهالسلام : «أنّ المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد».
وروي عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: إنّ على جسر جهنّم سبع مجالس يسأل العبد عنه، أوّلها عن شهادة أن لا إله إلّا الله، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثاني.
فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث. فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرابع. فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تامّا جاز إلى الخامس.
فيسأل عن الحجّ، فإن جاء به تامّا جاز إلى السادس. فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى السابع. فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها، وإلّا يقال: انظروا فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنّة.
( فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ
التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) )
ثمّ وصل بقوله:( لَبِالْمِرْصادِ ) قوله:( فَأَمَّا الْإِنْسانُ ) كأنّه قيل: إنّ الله تعالى لا يريد من الإنسان إلّا الطاعة والسعي للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي، فأمّا الإنسان فلا يريد ذلك، ولا يهمّه إلّا العاجلة وما يلذّه وينعمه فيها، لأنّه( إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ) اختبره بالغنا واليسر( فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ) بالجاه والمال( فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ) بما أعطاني، إترافا والتذاذا ومرحا واختيالا بلا مقابلته بالشكر.
وهذا خبر المبتدأ الّذي هو الإنسان. والفاء لـما في «أمّا» من معنى الشرط. والظرف المتوسّط في تقدير التأخير. كأنّه قيل: فأمّا الإنسان فقائل: ربّي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام. وكذا قوله:( وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) إذ التقدير: وأمّا الإنسان وقت ما ابتلاه بالفقر والتقتير، ليوازن قسيمه، فإنّ حقّ التوازن أن يقابل الواقعان بعد «أمّا» و «أمّا»، كما تقول: أمّا الإنسان فكفور، وأمّا الملك فشكور. أمّا إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك، وأمّا إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك. فعلم أنّ قوله:( وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ ) في تقدير: وأمّا الإنسان إذا ابتلاه، أي: وقت ابتلائه بالفقر.
( فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ) لقصور نظره وسوء فكره، فإنّ التقتير قد يؤدّي إلى كرامة الدارين، إذ التوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حبّ الدنيا، ولذلك ذمّه على قوليه وردعه عنه بقوله:( كَلَّا ) مع أنّ ظاهر قوله الأوّل مطابق لـ( فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ) فإنّ كلّ واحد من التوسعة والتقتير اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ فإذا قدر عليه رزقه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. ونحوه قوله تعالى:( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) (١) .
ولـمّا كان قوله: «ربّي أكرمن» على قصد خلاف ما صحّحه الله عليه، لأنّ قصده إلى أنّ الله أعطاه ما أعطاه إكراما له، مستحقّا مستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله:( إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ) (٢) . وإنّما أعطاه الله على وجه التفضّل من غير استيجاب منه له، ولا سابقة ممّا لا يعتدّ الله إلّا به، وهو التقوى، دون الأنساب والأحساب الّتي كانوا يفتخرون بها، ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. فأنكر قوله: «ربّي أكرمن» وذمّه عليه.
وأيضا ينساق الإنكار والذمّ من قوله: «ربّي أكرمن» إلى قوله: «ربّي أهانن». يعني: أنّه إذا تفضّل الله عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضّل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضّل الله عليه سمّى ترك التفضّل هوانا، وليس بهوان. ولهذا لم يقل: فأهانه وقدر رزقه، كما قال: فأكرمه ونعّمه.
وتوضيحه: أنّ إكرام الله لعبده بإنعامه عليه متفضّلا من غير سابقة. وأمّا التقتير فليس بإهانة، لأنّ الإخلال بالتفضّل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينا، وغير مكرم ومهين. وإذا أهدى لك زيد هديّة قلت: أكرمني بالهديّة. ولا تقول: أهانني ولم يكرمني، إذا لم يهد لك.
__________________
(١) الأنبياء: ٣٥.
(٢) القصص: ٧٨.
وقرأ ابن عامر والكوفيّون «أكرمن» و «أهانن» بغير الياء في الوقف والوصل. وعن أبي عمرو مثله. ووافقهم نافع في الوقف. وقرأ ابن عامر والكوفيّون بالتشديد.
ثمّ بيّن سبحانه أسوأ فعله الّذي يستحقّ به الهوان، فقال:( بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) أي: بل فعلهم أسوأ من قولهم، وأدلّ على تهالكهم على المال، وهو أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، وهم لا يكرمون اليتيم بالتفقّد والمبرّة. وخصّ اليتيم لأنّه لا كافل لهم يقوم بأمرهم، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة». وأشار بالسبّابة والوسط.
( وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) ولا يحثّون أهلهم على طعام المسكين فضلا عن غيرهم. وقرأ الكوفيّون: ولا تحاضّون، أي: لا يحثّ بعضهم بعضا على طعامه.
( وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ) ذا لمّ، أي: جمع بين الحلال والحرام، فإنّهم كانوا لا يورّثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم من الميراث. أو تأكلون ما جمعه المورّث من حلال وحرام عالمين بذلك، فتجمعون في الأكل بين حرامه وحلاله.
ويجوز أن يذمّ الوارث الّذي ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطّالون.
( وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ) كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق. وقرأ أبو عمرو: «لا يكرمون» إلى قوله: «ويحبّون» بالياء.
( كَلَّا ) ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثمّ أتى بالوعيد وذكر تحسّرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، فقال:( إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ) دكّا بعد دكّ، أي: كرّر عليها الدكّ، فكسر ودقّ كلّ شيء على ظهرها، من جبال وتلال
وأبنية وأشجار وغير ذلك، فلم يبق عليها شيء حتّى صارت هباء منبثّا.
( وَجاءَ رَبُّكَ ) أي: ظهرت آيات قدرته، وآثار قهره وهيبته. فمثّل ذلك بحال السلطان إذا حضر بنفسه، ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور وزرائه وخواصّه وجميع عساكره. وقيل: جاء أمر ربّك وقضاؤه ومحاسبته. وقيل: معناه: وزالت الشبهة وارتفع الشكّ، كما يرتفع عند مجيء الشيء الّذي كان يشكّ فيه. وليس المعنى على ظاهره، لقيام البراهين القاهرة والدلائل الباهرة على أنّه سبحانه ليس بجسم، فجلّ وتقدّس عن المجيء والذهاب.
( وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) بحسب منازلهم ومراتبهم. يعني: تنزل ملائكة كلّ سماء، فيصطفّون صفّا بعد صفّ محدقين بالجنّ والإنس.
وقال الضحّاك: أهل كلّ سماء إذا زلزلوا يوم القيامة كانوا صفّا محيطين بالأرض وبمن فيها، فيكونون سبع صفوف.
وقيل: معناه: مصطفّين كصفوف الناس في الصلاة، يأتي الصفّ الأوّل، ثمّ الصفّ الثاني، ثمّ الصفّ الثالث، ثمّ على هذا الترتيب، لأنّ ذلك أشبه بحال الاستواء من التشويش. فالتعديل أولى في الأمور.
( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) كقوله:( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ) (١) . روي مرفوعا عن أبي سعيد الخدري: «أنّها لـمّا نزلت تغيّر وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعرف في وجهه، حتّى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليّاعليهالسلام ، فجاء فاحتضنه من خلفه، وقبّله بين عاتقيه. ثمّ قال: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمّي ما الّذي حدث اليوم؟ وما الّذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال عليّعليهالسلام : كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك، يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع. ثمّ أتعرّض لجهنّم فتقول: مالي ومالك يا محمّد، فقد حرّم الله لحمك عليّ، فلا يبقى
__________________
(١) النازعات: ٣٦.
أحد إلّا قال: نفسي نفسي، وإنّ محمّدا يقول: ربّ أمّتي أمّتي».
( يَوْمَئِذٍ ) بدل من «إذا دكّت». والعامل فيها( يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ) أي: يتذكّر معاصيه. أو يتّعظ، لأنّه يعلم قبحها فيندم عليها.( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ) أي: ومن أين له منفعة الذكرى؟ على تقدير مضاف، لئلّا يناقض ما قبله.
( يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) أي: لحياتي هذه، وهي حياة الآخرة. أو وقت حياتي في الدنيا أعمالا صالحة، كقوله: جئته لعشر ليال خلون من رجب.
وهذا أبين دليل على أنّ الاختيار كان في أيدي المكلّفين، ومعلّقا بقصدهم وإرادتهم، وأنّهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات، مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء والبدع، وإلّا فما معنى التحسّر؟
( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ) الضمير لله، أي: لا يتولّى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه، إذ الأمر كلّه لله في ذلك اليوم. أو للإنسان، أي: لا يعذّب أحد من الزبانية مثل ما يعذّبه الإنسان، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال وثاق أحد منهم، لتناهيه في كفره وعناده. وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول، والضمير للإنسان. وقيل: هو أبيّ بن خلف، أي: لا يعذّب أحد مثل عذابه، ولا يوثق أحد مثل وثاقه. والمعنى: لا يحمّل عذاب الإنسان أحد، كقوله:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (١) .
( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) )
وبعد ذكر الوعيد بيّن الوعد للأبرار، فقال:( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) على
__________________
(١) الأنعام: ١٦٤.
إرادة القول، أي: قال الله لها، كما كلّم موسىعليهالسلام . أو قاله على لسان ملك. وهي الّتي اطمأنّت بذكر الله، فإنّ النفس تترقّى في سلسلة الأسباب والمسبّبات إلى الواجب لذاته، فتستقرّ دون معرفته، وتستغني به عن غيره. أو المطمئنّة إلى الحقّ الّتي سكّنها ثلج اليقين، فلا يخالجها شكّ. وهي النفس المؤمنة الموقنة المصدّقة بالبعث. أو الآمنة الّتي لا يستفزّها خوف ولا حزن. ويؤيّد هذا التفسير قراءة أبيّ بن كعب: يا أيّتها النفس الآمنة المطمئنّة.
( ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ ) إلى أمره، أو موعده بالموت. وهذا الخطاب إمّا عند الموت، أو عند البعث، أو عند دخول الجنّة.( راضِيَةً ) بما أوتيت( مَرْضِيَّةً ) عند الله.
( فَادْخُلِي فِي عِبادِي ) في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) معهم، أو في زمرة المقرّبين، فتستضيء بنورهم، فإنّ الجواهر القدسيّة كالمرايا المتقابلة. أو ادخلي في أجساد عبادي الّتي فارقت عنها، وادخلي دار ثوابي الّتي أعدّت لك.
قيل: نزلت في حمزة بن عبد المطّلب. وقيل: في خبيب بن عديّ الّذي صلبه أهل مكّة، وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: أللّهمّ إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك. فحوّل الله وجهه نحوها، فلم يستطع أحد أن يحوّلها. والظاهر العموم.
(٩٠)
سورة البلد
مكّيّة. وهي عشرون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها أعطاه الله الأمن من غضبه يوم القيامة».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من كان قراءته في الفريضة( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) كان في الدنيا معروفا أنّه من الصالحين، وكان في الآخرة معروفا أنّ له من الله مكانا، وكان من رفقاء النبيّين والشهداء والصّالحين».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ
إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) )
ولـمّا ختم الله سورة الفجر بذكر النفس المطمئنّة، بيّن في هذه السورة وجه الاطمينان، وأنّه النظر في طريق معرفة الله تعالى، وأكّد ذلك بالقسم، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) بمكّة( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) أقسم سبحانه بالبلد الحرام، وقد قيّده بحلول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه، إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأنّ شرف المكان بشرف أهله.
وقيل: «حلّ» أي: مستحلّ تعرّضك فيه، كما يستحلّ تعرّض الصيد في غير الحرم. كما روي عن شرحبيل معناه: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا، ويعضدوا بها شجرة، ويستحلّون إخراجك وقتلك.
وفيه تثبيت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكّة، وتعجيب من حالهم في عداوته.
ومثل ذلك مرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، فإنّه قال: «كانت قريش تعظّم البلد، وتستحلّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه، فقال سبحانه:( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) . يريد: أنّهم استحلّوك فيه، فكذّبوك وشتموك، وكانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه، ويتقلّدون لحاء(١) شجر الحرم، فيأمنون بتقليدهم إيّاه، فاستحلّوا
__________________
(١) اللحاء: قشر العود أو الشجرة.
من رسول الله ما لم يستحلّوا من غيره، فعاب الله ذلك عليهم بقوله:( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) .
أو سلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقسم ببلده، على أنّ الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد. واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: «وأنت حل بهذا البلد». يعني: ومن المكابدة أنّ مثلك على عظم حرمتك يستحلّ بهذا البلد الحرام، كما يستحلّ الصيد في غير الحرم.
أو اعترض بينهما، بأن وعده فتح مكّة تتميما للتسلية والتنفيس عنه، فقال :
( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) . يعني: وأنت حلّ به في المستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر.
وذلك أنّ الله فتح عليه مكّة وأحلّها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلّت له، فأحلّ ما شاء وحرّم ما شاء. ومن ذلك قتل ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة، وغيرهما. وحرّم دار أبي سفيان. ثمّ قال: «إنّ الله حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحلّ لأحد قبلي، ولن تحلّ لأحد بعدي، ولم تحلّ لي إلّا ساعة من نهار. فلا يعضد شجرها، ولا يختلى(١) خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تحلّ لقطتها إلّا لمنشد، أي: معرّف».
فقال العبّاس: يا رسول الله إلّا الإذخر، فإنّه لقيوننا(٢) وقبورنا وبيوتنا. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إلّا الإذخر».
ونظير قوله: «وأنت حلّ» في معنى الاستقبال قوله تعالى:( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (٣) . ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والعطاء: أنت مكرم
__________________
(١) اختلى العشب: جزّه وقطعه. والخلى: العشب.
(٢) القيون جمع القين: الحدّاد.
(٣) الزمر: ٣٠.
محبوّ. وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة.
وكفاك دليلا قاطعا على أنّه للاستقبال، وأنّ تفسيره بالحال محال، أنّ السورة بالاتّفاق مكّيّة، وأين الهجرة عن وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟
( وَوالِدٍ ) عطف على «هذا البلد». والوالد آدم، أو إبراهيم، أو محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَما وَلَدَ ) ذرّيته، أو محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو ذرّيّته الطاهرة. قيل: أقسم الله عزّ اسمه ببلد رسوله الّذي هو مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. والتنكير للتعظيم. وإيثار «ما» على «من» لمعنى التعجّب، كما في قوله:( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) (١) أي: أيّ شيء وضعت. يعني: موضوعا عجيب الشأن. وقيل: المراد كلّ والد وولده. والتنكير للتكثير.
( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) تعب ومشقّة. من: كبد الرجل كبدا فهو أكبد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتّسع فيه حتّى استعمل في كلّ تعب ومشقّة. ومنه اشتقّت المكابدة. والإنسان لا يزال في شدائد، مبدؤها ظلمة الرحم وضيقه، ومنتهاها الموت وما بعده. وهو تسلية لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ممّا كان يكابده من قريش، كما عرفت.
والضمير في( أَيَحْسَبُ ) لبعضهم الّذي كان النبيّ يكابد منه أكثر، أو يغترّ بقوّته، كأبي الأشدّ بن كلدة، فإنّه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظيّ، فيقوم عليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فلا ينزع إلّا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة، أو كلّ أحد منهم. والمعنى: أيظنّ هذا الصنديد القويّ في قومه المستضعف للمؤمنين( أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر أحد على الانتقام منه، وعلى مكافأته بما هو عليه. والهمزة للإنكار، أي: لا يظنّنّ ذلك.
ثمّ ذكر ما يقوله في ذلك الوقت، فقال عزّ اسمه:( يَقُولُ ) في وقت الانتقام
__________________
(١) آل عمران: ٣٦.
منه( أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ) كثيرا. من: تلبّد الشيء إذا اجتمع. والمراد: ما أنفقه رياء وسمعة ومفاخرة، أو معاداة للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . وعن مقاتل: قائله: الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. وذلك أنّه أذنب ذنبا فاستفتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأمره أن يكفّر. فقال: لقد ذهب مالي في الكفّارات والنفقات منذ دخلت في دين محمّد.
( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) حين كان ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، أو بعد ذلك فيسأله عنه. يعني: أنّ الله يراه فيجازيه، أو يجده فيحاسبه عليه.
ثمّ قرّر ذلك بقوله:( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ) يبصر بهما( وَلِساناً ) يترجم به عن ضمائره( وَشَفَتَيْنِ ) يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها.
( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) طريقي الخير والشرّ. وعن ابن المسيّب والضحّاك: أنّهما الثديان. وأصله: المكان المرتفع. وروي: أنّه قيل لأمير المؤمنينعليهالسلام : «إنّ ناسا يقولون في قوله:( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) إنّهما الثديان. فقال: لا، هما الخير والشرّ». وارتفاعهما باعتبار ظهورهما وبروزهما في الحسن والقبح، كبروز المكان المرتفع.
( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم باقتحام العقبة، وهو الدخول تكلّفا في أمر شديد. من القحمة بمعنى الشدّة. والعقبة: الطريق في الجبل.
ولـمّا كان في فكّ الرقبة وإطعام الأقارب والمساكين مجاهدة النفس ومعاناتها، فسّر بها استعارة في قوله:( وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ) أي: إنّك لم تدر كنه صعوبتها وكنه ثوابها عند الله. وهذا اعتراض بين المفسّر والمفسّر.
( فَكُّ رَقَبَةٍ ) تخليصها من رقّ أو غيره. وفي الحديث: «إنّ رجلا قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : دلّني على عمل يدخلني الجنّة. فقال: تعتق النسمة، وتفكّ الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، اعتقاقها: أن تنفرد بعتقها، وفكّها: أن تعين في تخليصها من
قود أو غرم».
وعن الشعبي: في رجل عنده فضل نفقة، أيضعه في ذي قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من فكّ رقبة فكّ الله بكلّ عضو منها عضوا منه من النار».
وأيضا يدلّ على أفضليّته تقديمه على قوله:( أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) ذي مجاعة. من: سغب إذا جاع. ووصف اليوم بذي مسغبة نحو ما يقول النحويّون في قولهم: همّ ناصب، أي: ذو نصب.
( يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ) ذا قربى. من: قرب في النسب. يقال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. وفيه حثّ على تفضيل ذوي القربى المحتاجين على الأجانب في الإطعام.
( أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ) من: ترب إذا افتقر. ومعناه: التصق بالتراب لغاية احتياجه وافتقاره. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «في قوله: «ذا متربة» الّذي مأواه المزابل».
وفي الحديث عن معاذ بن جبل قال: «قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أشبع جائعا في يوم سغب أدخله الله يوم القيامة من باب من أبواب الجنّة، لا يدخلها إلّا من فعل مثل ما فعل».
وعن جابر بن عبد الله قال: «قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وروى محمد بن عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي الحسن الرضاعليهالسلام : إنّ لي ابنا شديد العلّة. قال: مره يتصدّق بالقبضة من الطعام بعد القبضة، فإنّ الله يقول:( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) . وقرأ الآيات».
ومعنى الآية: أنّ الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضيّ النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله( كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ) (١) الآية.
__________________
(١) آل عمران: ١١٧.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: فكّ رقبة أو أطعم، على الإبدال من «اقتحم».
واعلم أنّ «لا» الداخلة على «اقتحم» وإن كانت غير متكرّرة لفظا، لكن متكرّرة معنى، لأنّ معنى( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) : فلا فكّ رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنّه فسّر اقتحام العقبة بذلك. فلا يقال: إنّه قلّ ما تقع «لا» على الماضي إلّا مكرّرة، فما لها لم تكرّر في الكلام الأفصح؟
( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) عطفه على «اقتحم» أو «فكّ» بـ «ثمّ» لتباعد الإيمان عن العتق والإطعام في الرتبة والفضيلة، لا في الوقت، لاستقلاله، واشتراط سائر الطاعات به، فلا يثبت عمل صالح إلّا به، فهو السابق المقدّم على غيره، والأصل في كلّ طاعة، والأساس في كلّ خير.
( وَتَواصَوْا ) أوصى بعضهم بعضا( بِالصَّبْرِ ) على الإيمان والثبات عليه.
أو بالصبر عن المعاصي، وعلى الطاعات والمحن الّتي يبتلي بها المؤمن( وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) بالرحمة، بأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدّي إلى رحمة الله تعالى.
( أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) اليمين، أو اليمن، بمعنى: الميامين على أنفسهم.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ) الشمال، أو الشؤم، بمعنى: المشائيم عليهم. ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإشارة، والكفّار بالضمير، شأن لا يخفى.
( عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ) مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج عنها غمّ، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. من: أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص بالهمزة، من: آصدته بمعناه.
(٩١)
سورة الشمس
مكّيّة. وهي ستّ عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها فكأنّما تصدّق بكلّ شيء طلعت عليه الشمس والقمر».
معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من أكثر قراءة والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، والضحى، وألم نشرح، في يومه أو ليلته، لم يبق شيء بحضرته إلّا شهد له يوم القيامة، حتّى شعره وبشرته ولحمه ودمه وعروقه وعصبه وعظامه، وجميع ما أقلّت الأرض منه. ويقول الربّ تبارك وتعالى: قبلت شهادتكم لعبدي، وأجزتها له، انطلقوا به إلى جناني حتّى يتخيّر منها حيث ما أحبّ، فأعطوه إيّاها من غير منّ منّي، ولكن رحمة وفضلا منّي، فهنيئا هنيئا لعبدي».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨)
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة البلد بذكر النار المؤصدة، بيّن في هذه السورة أنّ النجاة منها لمن زكّى نفسه، وأكّده بأن أقسم عليه، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالشَّمْسِ وَضُحاها ) قد تقدّم أنّ الله سبحانه له أن يقسم بماء شاء من خلقه، تنبيها على عظيم قدرته وكثرة الانتفاع بخلقه. ولـمّا كان قوام العالم من الحيوان والنبات بطلوع الشمس وغروبها، أقسم بها وبضحاها، وهو امتداد ضوئها، وانبساط إشراقها، وقيام سلطانها. ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأنّ وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك.
والضحاء ـ بالفتح والمدّ ـ إذا امتدّ النهار وقرب أن ينتصف.
( وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ) تبعها فأخذ من ضوئها، وسار خلفها. أو تلا طلوعه طلوعها أوّل الشهر. أو تلا طلوعه عند غروبها ليلة البدر، آخذا من نورها. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور.
( وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ) جلّى الشمس، فإنّها تتجلّى تمام الانجلاء إذا انبسط النهار، فكأنّه مجلّيها. وقيل: إذا جلّى الظلمة، أو الدنيا، أو الأرض، وإن لم يجر ذكرها، كقولهم: أصبحت باردة، يردون: الغداة، وأرسلت المطر، يريدون: السماء.
( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ) يغشى الشمس فيغطّي ضوءها، أو الآفاق، أو الأرض.
واعلم أنّ واو القسم مطّرح معها إبراز الفعل إطّراحا كلّيّا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر. فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادّة مسدّهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو. فهنّ عوامل عمل الفعل والجارّ جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب، لقيامها مقام «ضرب» الّذي هو عاملهما، من غير لزوم عطف على عاملين مختلفين، وهما: واو القسم وفعله، كما في قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإمّا أن تجعلهنّ للقسم، فتقع فيما اتّفق الخليل وسيبويه على استكراهه، لأنّه محتاج إلى حرف العطف.
( وَالسَّماءِ وَما بَناها ) أي: من رفعها على وجه الاتّساق والانتظام. وإنّما أوثرت على «من» لإرادة معنى الوصفيّة. كأنّه قيل: والسماء، والقادر العظيم القدرة الّذي بناها. ولذلك أفرد ذكره. وكذا الكلام في قوله:( وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ) أي: والحكيم الباهر الحكمة الّذي بسط الأرض، وسوّى أعضاء النفس على أعدل وجه.
وجعل الماءات مصدريّة يجرّد الفعل عن الفاعل، ويخلّ بنظم قوله:( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) .
وتنكير «نفس» للتكثير، كما في قوله:( عَلِمَتْ نَفْسٌ ) (١) . أو للتعظيم.
والمراد: نفس آدم. والإلهام بالفجور والتقوى إفهامهما، وتعريف حالهما بأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، ليفعل الطاعة ويذر المعصية. أو التمكين من اختيار ما شاء منهما، بدليل قوله:( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) أنماها بالعلم بالمعارف الإلهيّة والأعمال الصالحة، فإنّ التزكية الإنماء والإعلاء بالتقوى. وهو جواب القسم.
وحذف اللام للطول. ولعلّه لـمّا أراد به الحثّ على تكميل النفس والمبالغة فيه، أقسم
__________________
(١) التكوير: ١٤.
عليه بما يدلّهم على العلم بوجود الصانع، ووجوب ذاته، وكمال صفاته، الّذي هو أقصى درجات القوّة النظريّة، ويذكّرهم عظائم آلائه، ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه، الّذي هو منتهى كمالات القوّة العمليّة.
( وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) نقصها وأخفاها بالجهالة والفسوق. من التدسية، وهي النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسّى: دسّس، كتقضّى وتقضّض. وسئل ابن عبّاس عنه فقال: أتقرأ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) (١) ( وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) (٢) .
وجاءت الرواية عن سعيد بن أبي هلال قال: «كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قرأ هذه الآية( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) . وقف ثمّ قال: أللّهمّ آت نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وزكّها أنت خير من زكّاها».
وروى زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام في قوله:( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) قال: «بيّن لها ما تأتي وما تترك». وفي قوله:( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) قال: «قد أفلح من أطاع، وقد خاب من عصى».
وأمّا قول من زعم أنّ الضمير في «زكّى» و «دسّى» لله تعالى، وضمير التأنيث راجع إلى «من» لأنّه في معنى النفس، فمن تعكيس القدريّة الّذين يورّكون(٣) على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحّل(٤) فاحشة ينسبونها إليه.
وقيل: قوله: «قد أفلح» استطراد بذكر أحوال النفس.
وجواب القسم محذوف، تقديره: ليدمدمنّ الله على كفّار مكّة لتكذيبهم رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاعليهالسلام ، حيث قال :
__________________
(١) الأعلى: ١٤.
(٢) طه: ١١١.
(٣) ورّك الذنب عليه: حمله عليه، واتّهمه به.
(٤) تمحّل الشيء: احتال في طلبه.
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ) بسبب طغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله.
أو بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى، كقوله:( فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ) (١) . وأصله: طغيا، من الطغيان. فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزيي.
( إِذِ انْبَعَثَ ) حين قام. ظرف لـ «كذّبت» أو طغوى.( أَشْقاها ) أشقى ثمود.
وهو قدار بن سالف. أو هو ومن عاونه على قتل الناقة، فإن أفعل التفضيل إذا أضفته صلح للواحد والجمع. وفضل شقاوتهم لتولّيهم العقر وقد صحّت الرواية بالإسناد عن عثمان بن صهيب، عن أبيه قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام : من أشقى الأوّلين؟ قال: عاقر الناقة. قال: صدقت. فمن أشقى الآخرين؟ قال: قلت: لا أعلم يا رسول الله. قال: الّذي يضربك على هذه، وأشار إلى يافوخه»(٢) .
وعن عمّار بن ياسر قال: «كنت أنا وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام في غزوة العسرة نائمين في صور(٣) من النخل، ودقعاء(٤) من التراب، فو الله ما أنبهنا إلّا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحرّكنا برجله، وقد تترّبنا من تلك الدقعاء. فقال: ألا أحدّثكما بأشقى الناس؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: أحيمر ثمود الّذي عقر الناقة، والّذي يضربك بالسيف يا عليّ على هذه ـ ووضع يده على قرنه(٥) ـ حتّى تبلّ منها هذه، وأخذ بلحيته».
( فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ ) أي: ذروا ناقة الله، واحذروا عقرها
__________________
(١) الحاقّة: ٥.
(٢) اليافوخ: فراغ بين عظام الجمجمة في مقدّمتها وأعلاها، لا يلبث أن تلتقي فيه العظام.
(٣) الصور: النخل الصغير.
(٤) الدقعاء: التراب، الأرض لانبات بها.
(٥) أي: رأسه.
( وَسُقْياها ) فلا تزووها(١) عنها. وهي شربها من الماء. فنصب على التحذير، كقوله: الأسد الأسد، والصبيّ الصبيّ.
( فَكَذَّبُوهُ ) فيما حذّرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا( فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ) فأطبق عليهم العذاب. وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة، إذا ألبسها الشحم.( بِذَنْبِهِمْ ) بسببه. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كلّ مذنب أن يعتبر ويحذر.( فَسَوَّاها ) فسوّى الدمدمة بينهم أو عليهم، فلم يفلت منهم صغير ولا كبير. أو سوّى ثمود بالأرض، أو في الإهلاك.
( وَلا يَخافُ عُقْباها ) الواو للحال. والمعنى: فسوّى الله الدمدمة بينهم حال كونه لا يخاف عاقبة الدمدمة، أي: عاقبة ما فعله بهم من إطباق العذاب عليهم. أو عاقبة إهلاك ثمود وتبعتها، فيبقي بعض الإبقاء، لأنّ أحدا لا يقدر على معارضته والانتقام منه. وهذا كقوله:( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) (٢) .
وقرأ نافع وابن عامر: فلا يخاف، على العاطفة التعقيبيّة.
__________________
(١) زوى الشيء: نحّاه ومنعه.
(٢) الأنبياء: ٢٣.
(٩٢)
سورة الليل
مكّيّة. وهي إحدى وعشرون آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها أعطاه الله حتّى يرضى، وعافاه من العسر، ويسّر له اليسر».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى
(١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) )
ولـمّا قدّم في سورة الشمس بيان حال المؤمن والكافر، أتبعه سبحانه بمثل ذلك في هذه السورة، فاتّصلت بها اتّصال النظير بالنظير، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ) أي: يغشى الشمس، كقوله :
( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ) (١) . أو النهار، كقوله:( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) (٢) . أو كلّ ما يواريه بظلامه، كقوله:( إِذا وَقَبَ ) (٣) .
( وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ) ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبيّن وانكشف بطلوع الشمس. وهما أعظم النعم، إذ لو كان الدهر كلّه ظلاما لـما أمكن الخلق طلب معايشهم، ولو كان كلّه ضياء لـما انتفعوا بسكونهم وراحتهم، فلذلك كرّر سبحانه ذكر الليل والنهار في السورتين.
( وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) والقادر العظيم القدرة الّذي خلق من ماء واحد صنفي الذكر والأنثى، من كلّ نوع له توالد. أو آدم وحوّاء. وقيل: «ما» مصدريّة، أي: وخلقهما. وجاز إضمار اسم الله، لأنّه معلوم لانفراده بالخلق، إذ لا خالق سواه.
قيل: إنّ الله لم يخلق خلقا من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى وإن أشكل أمره عندنا، فهو عند الله غير مشكل، بل معلوم بالذكورة أو الأنوثة.
( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) إنّ مساعيكم لأشتات مختلفة. جمع شتيت. يعني: أعمالكم مختلفة، فعمل للجنّة، وعمل للنار.
__________________
(١) الشمس: ٤.
(٢) الأعراف: ٥٤.
(٣) الفلق: ٣.
روى الواحدي بالإسناد المتّصل المرفوع عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فيدخل الدار فيصعد النخلة ليأخذ منها التمر، فربما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من النخلة حتّى يأخذ التمرة من أيديهم، فإن وجدها في فم أحدهم أدخل إصبعه حتّى يخرج التمرة من فيه.
فشكا ذلك الرجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة. فقال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : اذهب. ولقي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صاحب النخلة. فقال: تعطيني نخلتك المائلة الّتي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنّة؟ فقال له الرجل: لي نخل كثير، وما فيه نخلة أعجب إليّ تمرة منها.
قال: ثمّ ذهب الرجل، فقال رجل كان يسمع الكلام من رسول الله: يا رسول الله أتعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنّة إن أنا أخذتها؟
قال: نعم.
فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه. فقال له: أشعرت أنّ محمدا أعطاني بها نخلة في الجنّة، فقلت له: يعجبني تمرتها، وإنّ لي نخلا كثيرا فما فيه نخلة أعجب إليّ تمرة منها؟
فقال له الآخر: أتريد بيعها؟
قال: لا إلّا أن أعطى بها ما لا أظنّه أعطى.
قال: فما مناك؟
قال: أربعون نخلة.
فقال الرجل: جئت بعظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة. ثمّ سكت عنه. فقال له: أنا أعطيك أربعين نخلة.
فقال له: أشهد إن كنت صادقا. فمرّ إلى أناس فدعاهم، فأشهد له بأربعين
نخلة. ثمّ ذهب إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله إنّ النخلة قد صارت في ملكي، فهي لك. فذهب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى صاحب الدار، فقال له: النخلة لك ولعيالك»(١) .
وعن عطاء قال: اسم الرجل أبو الدحداح. فأنزل الله تعالى هذه السورة في شأنه، وأقسم بعظم نعمه( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) .
ثمّ فصّل تشتّت المساعي بقوله:( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى ) أي: أعطى ماله لله تعالى. يعني: أبا الدحداح.( وَاتَّقى ) الله ولم يعصه( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ) بالكلمة الحسنى، وهي ما دلّت على حقّ، ككلمة التوحيد. أو بالملّة الحسنى، وهي ملّة الإسلام. أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنّة.( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ) فسنهيّئه للخلّة الّتي تؤدّي إلى يسر وراحة، كدخول الجنّة. من: يسّر الفرس إذا هيّأه للركوب بالسرج واللجام. ومنه قولهعليهالسلام : «كلّ ميسّر لـما خلق له».
والمعنى: فسنلطف به ونوفّقه، حتّى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها. من قوله:( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ) (٢) .
( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ) بما أمر به. يعني: صاحب النخلة.( وَاسْتَغْنى ) وزهد فيما عند الله، حتّى كأنّه مستغن عنه فلم يتّقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى. فهو في مقابلة «واتّقى».( وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ) بإنكار مدلولها( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ) للخلّة المؤدّية إلى العسر والشدّة، كدخول النار. يعني: فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتّى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه. من قوله:( يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ) (٣) .
وقيل: سمّي طريقة الخير باليسرى، لأنّ عاقبتها اليسر، وطريقة الشرّ بالعسرى، لأنّ عاقبتها العسر. والمعنى: فسنهديهما للطريقين في الآخرة.
__________________
(١) الوسيط ٤: ٥٠٢.
(٢) الأنعام: ١٢٥.
(٣) الأنعام: ١٢٥.
( وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ ) نفي، أو استفهام إنكار( إِذا تَرَدَّى ) هلك. تفعّل من الردى. أو تردّى في حفرة القبر، أو قعر جهنّم.
( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) إنّ الإرشاد إلى الحقّ واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع، كقوله:( وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) (١) . فأمّا الاهتداء فإليكم.
( وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ) فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء. أو ثواب الاهتداء للمهتدين في الدارين، كقوله:( وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (٢) . أو نستغني عن اهتدائكم، لأنّ لنا الآخرة والأولى، فلا يضرّنا ترككم الاهتداء.
( فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ) تتلهّب( لا يَصْلاها ) لا يلزمها مقاسيا شدّتها( إِلَّا الْأَشْقَى ) إلّا الكافر، وهو صاحب النخلة، فإنّ الفاسق وإن دخلها لا يلزمها، بل يخرج عنها بالآخرة لإيمانه. ولذلك سمّاه أشقى، فكأنّ النار لم تخلق إلّا له، ووصفه بقوله :
( الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) أي: كذّب الحقّ، وأعرض عن الطاعة. وقيل: المراد بـ( ناراً تَلَظَّى ) طبقة مخصوصة بعينها للأشقى، لا كلّ طبقات النار. ويدلّ عليه التنكير الّذي يدلّ على عظمها وانفرادها من بين طبقاتها.
إن قلت: هذا لا يناسب قوله:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) لأنّه قد علم أنّ أفسق المسلمين يجنّب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصّة.
قلت: هذا المعنى من حيث المفهوم، والمفهوم عندنا ليس بحجّة.
( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) الّذي اتّقى الشرك والمعاصي. وهو أبو الدحداح، فإنّه لا يدخلها، فضلا عن أن يدخلها ويصلاها.
__________________
(١) النحل: ٩.
(٢) العنكبوت: ٢٧.
( الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ) يصرفه في مصارف الخير، لقوله:( يَتَزَكَّى ) فإنّه بدل من «يؤتي» أو حال من فاعله. من الزكاء، أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة.
( وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) فيقصد بإيتائه مجازاتها( إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ) استثناء منقطع، لأنّه مستثنى من غير جنسه، وهو النعمة، أي: ما لأحد عنده نعمة لكن ابتغاء وجه ربّه. أو متّصل عن محذوف، مثل: لا يؤتي ماله إلّا ابتغاء وجه ربّه، لا لمكافأة نعمة. ونصبه بالعلّيّة.
( وَلَسَوْفَ يَرْضى ) وعد بالثواب الّذي يرضيه ويقرّ عينه.
روى العيّاشي عن سعد الإسكاف عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: الآيات محمولة على عمومها في كلّ من يعطي حقّ الله من ماله، وكلّ من يمنع حقّه.
(٩٣)
سورة الضحى
مكّيّة. وهي إحدى عشرة آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها كان ممّن يرضاه الله، ولمحمّد أن يشفع له، وله عشر حسنات بعدد كلّ يتيم وسائل».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة الليل بأنّ الأتقى يعطيه من الثواب ما به يرضى، افتتح هذه السورة بأنّه يرضي نبيّه بما يؤتيه يوم القيامة من الكرامة والزلفى، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالضُّحى ) ووقت ارتفاع الشمس. وتخصيصه لأنّ النهار يقوى فيه. أو لأنّ فيه كلّم موسى ربّه، والقي السحرة سجّدا، لقوله:( وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) (١) . أو النهار كلّه. ويؤيّده قوله:( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى ) (٢) في مقابلة( بَياتاً ) (٣) .
( وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ) سكن أهله فيه، وسكتوا عن أصواتهم. أو ركد واستقرّ ظلامه. من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه. وتقديم الليل في السورة المتقدّمة باعتبار الأصل، وتقديم النهار هاهنا باعتبار الشرف.
وجواب القسم( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ ) ما قطعك قطع المودّع. والتوديع مبالغة في الودع، لأنّ من ودّعك مفارقا فقد بالغ في تركك.( وَما قَلى ) وما أبغضك. وحذف المفعول استغناء بذكره من قبل، ومراعاة للفواصل.
وعن ابن عبّاس: أنّ الوحي تأخّر عنه خمسة عشر يوما. وعن ابن جريج: اثني عشر. وعن مقاتل: أربعين، لتركه الاستثناء كما مرّ في سورة الكهف(٤) ، من أنّ اليهود سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذي القرنين وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فقال المشركون: إنّ محمّدا ودّعه ربّه وقلاه.
وقيل: إنّ أمّ جميل امرأة أبي لهب قالت له: يا محمّد إنّ شيطانك قد تركك.
فقال سبحانه ردّا عليهم ـ بعد أن أقسم بأعظم آياته على ذاته ـ:( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) .
ولـمّا بيّن أنّه تعالى لا يزال يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا، وعدّ له ما هو أعلى وأجلّ من ذلك في الآخرة، فقال :
__________________
(١) طه: ٥٩.
(٢) الأعراف: ٩٧ ـ ٩٨.
(٣) الأعراف: ٩٧ ـ ٩٨.
(٤) راجع ج ٤ ص ١٠٠، ذيل الآية ٢٤ من سورة الكهف.
( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ) فإنّها باقية خالصة عن الشوائب، وهذه فانية مشوبة بالمضارّ. وقيل: المعنى: ولنهاية أمرك خير من بدايته، فإنّك لا تزال تتصاعد في الرفعة والكمال، من الفتوح والنصرة والعزّة.
ثمّ وعد وعدا شاملا لـما أعطاه في الدارين، من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء الدين، ولما ادّخر له ممّا لا يعرف كنهه سواه، فقال :
( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) هذا موعد شامل لـما أعطاه الله في الدنيا، من الظفر والنصرة على أعدائه يوم بدر، ويوم فتح مكّة، ودخول الناس في الدين أفواجا، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبثّ عساكره وسراياه في بلاد العرب، واستيلاء المسلمين على بلاد الشرك، وإظهار دينه على جميع الأديان، ورفعة صيته في المشرق والمغرب، وقذف الرعب في قلوب أهل الشرق والغرب، وفشوّ الدعوة. وفي الآخرة ؛ من السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمّته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين من أمّته، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنيّة الّتي لا يعلمها إلّا الله.
قال ابن عبّاس: له في الجنّة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك، في كلّ قصر ما ينبغي من الأزواج والخدم، وما يشتهي على أتمّ الوصف.
وروى حرث بن شريح، عن محمّد بن عليّ ابن الحنفيّة أنّه قال: يا أهل العراق تزعمون أنّ أرجى آية في كتاب اللهعزوجل :( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) (١) الآية، وإنّا أهل البيت نقول: إنّ أرجى آية في كتاب الله:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) . وهي والله الشفاعة ليعطينّها في أهل لا إله إلّا الله حتّى يقول: ربّ رضيت.
وعن الصادقعليهالسلام قال: «دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على عليّ وفاطمة وعليهما
__________________
(١) الزمر: ٥٣.
كساء من ثلّة(١) الإبل، وهي تطحن بيدها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا أبصرها، فقال: يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله عليّ:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) ».
وعن زيد بن عليّ: إنّ من رضا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يدخل أهل بيته الجنّة.
وعن الصادقعليهالسلام : «رضا جدّي أن لا يبقى في النار موحّد».
واعلم أنّ اللام للابتداء، دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ. والتقدير: ولأنت سوف يعطيك. لا للقسم، فإنّها لا تدخل على المضارع إلّا مع النون المؤكّدة.
والجمع بين حرفي التوكيد والتأخير، للدلالة على أنّ العطاء كائن لا محالة وإن تأخّر لحكمة.
ثمّ عدّد ما أنعم عليه في الماضي، تنبيها على أنّه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل، فقال :
( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً ) من الوجود الّذي بمعنى العلم، و «يتيما» مفعوله الثاني، أي: ألم يعلمك يتيما؟ وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستّة أشهر، وماتت أمّه وهو ابن ثماني سنين.( فَآوى ) بأن كفلك عمّك أبو طالب، وعطفه الله عليك، فأحسن تربيتك. وسئل الصادقعليهالسلام : لم أوتم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أبويه؟ فقال: «لئلّا يكون لمخلوق عليه حقّ».
وقيل: معناه: ألم يجدك واحدا لا مثل لك في شرفك وفضلك، فآواك إلى نفسه، واختصّك برسالته؟ من قولهم: درّة يتيمة، إذا لم يكن لها مثل.
وقال الماوردي: «فآواك أي: جعلك مأوى للأيتام بعد أن كنت يتيما، وكفيل الأنام بعد أن كنت مكفولا»(٢) .
__________________
(١) الثلّة: الصوف والشعر والوبر.
(٢) النكت والعيون ٦: ٢٩٤.
( وَوَجَدَكَ ضَالًّا ) غير مهتد إلى علم الحكم والأحكام، كقوله:( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) (١) ( وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ) (٢) ( فَهَدى ) فعلّمك بالوحي والإلهام، والتوفيق للنظر.
وقيل: وجدك ضالّا في الطريق فهدى، فأزال ضلالك عن جدّك أو عمّك، لـما روي: أنّه ضلّ في صباه في بعض شعاب مكّة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطّلب.
وقيل: حين فطمته حليمة بنت أبي ذؤيب، لـمّا أرضعته وفطمته ثمّ أرادت ردّه على جدّه جاءت به حتّى قربت من مكّة، فضلّ في الطريق، فطلبته جزعة، وكانت تقول: إن لم أره لأرمينّ نفسي من شاهق، وجعلت تصيح: وا محمّداه.
قالت: فدخلت مكّة على تلك الحال فرأيت شيخا متوكّئا على عصاه، فسألني عن حالي، فأخبرته. فقال: لا تبكينّ فأنا أدلّك على من يردّه عليك. وأشار إلى هبل صنمهم الأعظم، ودخل البيت، وطاف بهبل، وقبّل رأسه، وقال: يا سيّداه لم تزل منّتك جسيمة، ردّ محمّدا على هذه السعديّة.
قالت: فتساقطت الأصنام لـمّا تفوّه باسم محمّد، وسمع صوت: إنّ هلاكنا على يدي محمّد، فخرج وأسنانه تصطكّ. وخرجت إلى عبد المطّلب وأخبرته بالحال، فخرج وطاف بالبيت ودعا الله سبحانه، فنودي وأشعر بمكانه. فأقبل عبد المطّلب وتلقّاه ورقة بن نوفل في الطريق، فبينما هما يسيران إذ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قائم تحت شجرة يجذب الأغصان ويلعب بالورق، فقال عبد المطّلب: فداك نفسي، وحمله وردّه إلى مكّة. وهذه الرواية مرويّة عن كعب.
وروي عن سعيد بن المسيّب: أنّه خرج مع عمّه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته فعدل
__________________
(١) الشورى: ٥٢.
(٢) يوسف: ٣.
به عن الطريق، فجاء جبرئيل فنفخ إبليس نفخة رفع بها إلى الحبشة، وردّه إلى القافلة، فمنّ الله عليه بذلك.
( وَوَجَدَكَ عائِلاً ) فقيرا ذا عيال( فَأَغْنى ) بما حصل لك من الربح في التجارة بمال خديجة، أو بما أفاء عليك من الغنائم.
قال عليه الصلاة والسّلام: «جعل رزقي تحت ظلّ رمحي».
وقيل: قنّعك وأغنى قلبك.
وروى العيّاشي بإسناده عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام في قوله:( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) قال: «فردا لا مثل لك في المخلوقين، فآوى الناس إليك. ووجدك ضالّا، أي: ضالّة في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم إليك. ووجدك عائلا تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك».
وتعداد هذه النعم على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لتذكيره لشكر منعمه، وترغيبه فيه، ليستحقّ الشاكر المزيد.
ثمّ أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء، فقال:( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) فلا تغلبه على ماله وحقّه لضعفه، كما كانت تفعل العرب في أمر اليتامى. وعن مجاهد: لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيما.
وعن عبد الله بن مسعود قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مسح على رأس يتيم كان له بكلّ شعر يمرّ على يده نور».
وفي الحديث: «لا يلي أحد منكم يتيما فيحسن ولايته، ويضع يده على رأسه، إلّا كتب الله له بكلّ شعرة حسنة، ومحا عنه بكلّ شعرة سيّئة، ورفع له بكلّ شعرة درجة».
وقالعليهالسلام : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة، إذا اتّقى اللهعزوجل ». وأشار بالسبابة والوسطى.
وعنهعليهالسلام قال: «إنّ اليتيم إذا بكى اهتزّ لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله
لملائكة: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الّذي غيّب أبوه في التراب؟ فتقول الملائكة: أنت أعلم. فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإنّي أشهدكم أنّ لمن أسكنه وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة».
( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) فلا تزجره ولا تردّه. وفي الحديث عن أنس بن مالك قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا أتاك سائل على فرس باسط كفّيه فقد أوجب الحقّ ولو بشقّ تمرة».
وقيل: المراد بالسائل طالب العلم. والمعنى: علّم من يسألك كما علّمك الله الشرائع، وكنت غير عالم بها. والأصحّ الأعمّ.
( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) فإنّ التحدّث بها شكرها. وقيل: المراد بالنعمة النبوّة، والتحدّث بها تبليغها. وعن الصادقعليهالسلام : «فحدّث بما أعطاك الله وفضّلك ورزقك ؛ وأحسن إليك، وقرّبك إليه».
(٩٤)
سورة الشرح
مكّيّة. وهي ثمان آيات بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها أعطي من الأجر كمن لقي محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم مغتمّا ففرّج عنه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) )
وروى أصحابنا عن أئمّتنا صلوات الله عليهم أنّ «الضحى» و «ألم نشرح» سورة واحدة، لتعلّق إحداهما بالأخرى، وجمعوا بينهما في الركعة الواحدة في الفريضة.
وكذلك القول في سورة «ألم تر كيف» و «لإيلاف قريش». والسياق يدلّ على ذلك، لأنّه قال:( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ) إلى آخرها، ثمّ قال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) ألم نفسحه حتّى وسع مناجاة الحقّ، وأعباء النبوّة، وتبليغ الرسالة، ودعوة الثقلين جميعا، وحفظ القرآن
وشرائع الإسلام. أو حتّى احتمل المكاره الّتي يتعرّض لك بها كفّار قومك وغيرهم.
أو فسحناه بما أودعنا فيه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه ضيق الجهل. أو بما يسّرنا لك تلقّي الوحي بعد ما كان يشقّ عليك.
وعن ابن عبّاس قال: «سئل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقيل: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. فقالوا: يا رسول الله وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الموت».
ومعنى الاستفهام إنكار نفي الشرح، فأفاد إثبات الشرح. فكأنّه قيل: شرحنا لك صدرك. ولذلك عطف عليه( وَوَضَعْنا ) وحططنا( عَنْكَ وِزْرَكَ ) عبأك الثقيل.
( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) الّذي حمله على النقيض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله. وهذا مثل لـما كان يثقل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويغمّه، من ترك الأولى قبل النبوّة، أو من جهله بالأحكام والشرائع، أو من تهالكه على إسلام أولي العناد من قومه، أو العجز عن إرشادهم، أو من إصرارهم وتعدّيهم في إيذائه حين دعاهم إلى الإسلام، أو ثقله على أعباء النبوّة. ومعنى وضعه عنه: أن أعطي الثواب على الندم على ترك الأولى، أو علّم الشرائع، أو مهّد عذره بعد ما بلغ وبلغ، أو خفّف عنه أعباء النبوّة.
إن قيل: إنّ السورة مكّيّة نزلت قبل أن يعلي الله كلمة أهل الإسلام.
قلنا: إنّه سبحانه لـمّا بشّره بأن يعلي دينه على الدين كلّه ويظهره على أعدائه، كان بذلك واضعا عنه ثقل غمّه بما كان يلحقه من أذى قومه، ومبدّلا عسره يسرا، فإنّه يثق بأنّ وعد الله حقّ.
( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) بالنبوّة وغيرها، وأيّ رفع! مثل أن قرن اسمه باسمه تعالى في كلمتي الشهادة، خصوصا في الأذان والإقامة والتشهّد وعلى المنابر ،
وجعل طاعته طاعته في قوله:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) (١) .( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (٢) . وصلّى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، وخاطبه بالألقاب، كرسول الله ونبيّ الله. ومنه: ذكره في كتب الأوّلين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به.
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه الآية قال: «قال لي جبرئيل: قال الله تعالى: إذا ذكرت ذكرت معي».
وفي هذا يقول حسّان بن ثابت يمدح النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أغرّ عليه للنبوّة خاتم |
من الله مشهور يلوح ويشهد |
|
وضمّ الإله اسم النبيّ إلى اسمه |
إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد |
|
وشقّ له من اسمه ليجلّه |
فذو العرش محمود وهذا محمّد |
وإنّما زاد ذلك ليكون إبهاما قبل إيضاح، فيفيد المبالغة، فإنّه لـمّا قيل: «ألم نشرح لك» فهم أنّ ثم مشروحا، ثمّ قيل: «صدرك» فأوضح ما علم مبهما. وكذلك «لك ذكرك» و «عنك وزرك».
( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ ) كضيق الصدر، والوزر المنقض للظهر، وضلال القوم وإيذائهم( يُسْراً ) كالشرح، والوضع، والتوفيق للاهتداء والطاعة. فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمّك. وتنكيره للتعظيم، كأنّه قيل: إنّ مع العسر يسرا عظيما وأيّ يسر. ومعنى المصاحبة المفهومة من «مع» المبالغة في معاقبة اليسر للعسر.
والمعنى: إنّ الله يصيبهم بيسر بعد العسر الّذي كانوا فيه بزمان قريب جدّا. فقرّب اليسر المترقّب حتّى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب. فاتّصاله به اتّصال المتقاربين.
__________________
(١) النساء: ١٣.
(٢) المائدة: ٩٢.
( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) تكرير للتأكيد، لتقرير معناه في النفوس، وتمكينه في القلوب. أو استئناف وعدة بأنّ العسر متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة، كقولهعليهالسلام : «إنّ للصائم فرحتين: فرحة عند الإفطار، وفرحة عند لقاء الربّ».
وعليه قولهعليهالسلام : «لن يغلب عسر يسرين».
وقولهعليهالسلام : «والّذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر».
وما رواه عطاء عن ابن عبّاس: قال الله تعالى: خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، فإنّ مع العسر يسرا وإنّ مع العسر يسرا. فإنّ العسر معرّف فلا يتعدّد، سواء كان للعهد ـ وهو العسر الّذي كانوا فيه ـ فهو هو، أو للجنس الّذي يعلمه كلّ أحد فهو هو أيضا. و «يسرا» منكر، فيحتمل أن يراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأوّل.
ولـمّا عدّد سبحانه عليه نعمه السالفة، ووعده الآنفة، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلّي وقتا من أوقاته منها، فقال :
( فَإِذا فَرَغْتَ ) من التبليغ( فَانْصَبْ ) في العبادة شكرا لـما عددنا عليك من النعم السالفة، ووعدناك من النعم الآتية. وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة. وعن ابن عبّاس: فإذا فرغت من الصلاة فاجتهد بالدعاء في دبرها. وهذا مرويّ عن الصادقعليهالسلام . وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك.
( وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) بالسؤال، ولا تسأل غيره، فإنّه القادر وحده على الإعانة والإغاثة.
(٩٥)
سورة التين
مختلف فيها. وهي ثماني آيات بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين، ما دام في دار الدنيا، فإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة صيام يوم».
وعن البراء بن عازب قال: «سمعت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ في المغرب التين والزيتون، فما رأيت إنسانا أحسن قراءة منه». رواه مسلم في الصحيح(١) .
وروى شعيب العقرقوفي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ والتين في فرائضه ونوافله أعطي من الجنّة حيث يرضى».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) )
__________________
(١) صحيح مسلم ١: ٣٣٩ ح ١٧٧. وفيه: أحسن صوتا منه.
ولـمّا أمر الله سبحانه بالرغبة إليه في خاتمة سورة الانشراح، افتتح هذه السورة بذكر أنّه الخالق المستحقّ للعبادة، بعد أن أقسم عليه، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) خصّهما من بين الثمار بالقسم، لأنّ التين فاكهة طيّبة لا فضل له إلّا القليل جدّا، وغذاء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع، فإنّه يليّن الطبع، ويحلّل البلغم، ويطهّر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمّن البدن. وروي: أنّه أهدي لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طبق من تين، فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوه، فلو قلت: إنّ فاكهة نزلت من الجنّة لقلت: هذه، لأنّ فاكهة الجنّة بلا عجم، فكلوها، فإنّها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس».
والزيتون فاكهة وإدام ودواء، وله دهن لطيف كثير المنافع، مع أنّه قد ينبت حيث لا دهنيّة فيه، كالجبال. ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة». وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي».
وقيل: المراد بهما جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانيّة: طور تينا وطور زيتا، لأنّهما منبتا التين والزيتون.
وقيل: التين الجبل الّذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الّذي عليه بيت المقدس.
وقيل: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس.
وعن ابن عبّاس: التين مسجد نوح الّذي بني على الجوديّ، والزيتون بيت المقدس.
وقيل: التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى.
وقيل: التين جبال ما بين حلوان وهمدان، والزيتون جبال الشام، لأنّها
منابتهما، كأنّه قيل: ومنابت التين والزيتون.
( وَطُورِ سِينِينَ ) يعني: الجبل الّذي ناجى عليه موسىعليهالسلام ربّه. وسينين وسيناء اسمان للموضع الّذي هو فيه. وأضيف الطور ـ وهو الجبل ـ إلى سينين، وهي البقعة. وهو سينون أيضا. ومثله: يبرون، في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب.
( وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) أي: الآمن. من: أمن الرجل أمانة فهو أمين. وأمانته أن يحفظ من دخله، كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، من: أمنه، لأنّه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمين في قوله:( حَرَماً آمِناً ) (١) بمعنى: ذي أمن.
ولـمّا كان منبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشأه، والطور المكان الّذي نودي منه موسى، ومكّة مكان البيت الّذي هو هدى للعالمين، ومولد رسول الله ومبعثه، وكلّها مواضع خير وبركة وسكنى الأنبياء، أقسم الله تعالى بها على أنّه( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) يريد به الجنس( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) تعديل، بأن خصّ بانتصاب القامة، وحسن الصورة، وتسوية الأعضاء، واستجماع خواصّ الكائنات وسائر الممكنات.
( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ) أي: ثمّ كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويّة السويّة، أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا، يعني: أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة، وهم أصحاب النار. أو أسفل من سفل من أهل الدركات. أو ثمّ رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوّس ظهره بعد اعتداله، وابيضّ شعره بعد
__________________
(١) القصص: ٥٧.
سواده، وتشنّن(١) جلده، وكلّ سمعه وبصره، وتغيّر كلّ شيء منه. فمشيه دليف(٢) ، وصوته خفات، وقوّته ضعف، وشهامته خرف، وهو أرذل العمر. وعلى هذا ؛ السافلون هم الضعفاء والزمنى والأطفال والشيخ الكبير، وهو أسفل هؤلاء جميعا.
وعلى التفسير الأوّل( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) استثناء متّصل ظاهر الاتّصال. وعلى الثاني منقطع. يعني: ولكنّ الّذين كانوا صالحين من الهرمى.
( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم في هذه الحالة، وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاقّ، والقيام بالعبادة، على تخاذل نهوضهم. وروي: «أنّ المؤمن لا يردّ إلى الخرافة وإن عمّر عمرا طويلا».
وعن عكرمة: إذا ردّ من المؤمنين إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون.
وعن ابن عبّاس: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر. وذلك قوله:( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) . قال: إلّا الّذين قرءوا القرآن.
وفي الحديث عن أنس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «المولود حتّى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتب لوالديه، فإن عمل سيّئة لم يكتب عليه، ولا على والديه.
فإذا بلغ الحنث، وجرى عليه القلم، أمر الله الملكين اللّذين معه يحفظانه ويسدّدانه.
فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام آمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون، والجذام، والبرص. وإذا بلغ خمسين سنة خفّف الله حسابه. فإذا بلغ ستّين رزقه الله الإنابة إليه فيما يجب. فإذا بلغ سبعين أحبّه أهل السماء. فإذا بلغ ثمانين كتب الله حسناته ،
__________________
(١) تشنّن الجلد: يبس وتشنّج.
(٢) أي: متقارب الخطوة في المشي.
وتجاوز عن سيّئاته. فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وشفّعه في أهل بيته، وكان اسمه أسير الله في الأرض. فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا، كتب الله له بمثل ما كان يعمل في صحّته من الخير، وإن عمل سيّئة لم تكتب عليه».
وأقول: إنّما لا تكتب عليه السيّئة لزوال عقله، ونقصان تمييزه في ذلك الوقت.
( فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ ) فأيّ شيء يكذّبك يا محمّد دلالة أو نطقا بعد ظهور هذه الدلائل( بِالدِّينِ ) بالجزاء. وقيل: «ما» بمعنى «من». وقيل: الخطاب للإنسان على الالتفات. والمعنى: أنّ خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه بشرا سويّا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثمّ تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر، لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأنّ من قدر من الإنسان على هذا كلّه لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك أيّها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع؟ ثمّ حقّق ما سبق بقوله:( أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ) أليس الّذي فعل ذلك من الخلق والردّ بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا؟ ومن كان كذلك كان قادرا على الإعادة والجزاء، على ما مرّ مرارا. وهذا وعيد للكفّار بأنّه يحكم عليهم بما هم أهله.
(٩٦)
سورة العلق
مكّيّة. وهي تسع عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها فكأنّما قرأ المفصّل كلّه».
محمد بن حسّان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ في يومه أو ليلته «اقرأ باسم ربّك» ثمّ مات في يومه أو في ليلته مات شهيدا، وبعثه الله شهيدا وأحياه، وكان كمن ضرب بسيفه في سبيل الله مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة التين بذكر اسمه، افتتح هذه السورة بذكر اسمه أيضا، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) أي: اقرأ القرآن مفتتحا باسمه تعالى، أو مستعينا به( الَّذِي خَلَقَ ) أي: الّذي منه الخلق، لا خالق سواه. وعلى هذا لا يقدّر للخلق مفعول. ويجوز أن يقدّر ويراد: الّذي خلق كلّ شيء، فيتناول كلّ مخلوق، لأنّه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض.
ثمّ أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعا وتدبيرا، وأدلّ على وجوب العبادة المقصودة من القراءة، فقال :
( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) أي: الّذي خلق الإنسان. فأبهم أوّلا، ثمّ فسّر تفخيما لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته.( مِنْ عَلَقٍ ) جمعه لأنّ الإنسان في معنى الجمع، كقوله:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) (١) . ولـمّا كان أوّل الواجبات معرفة الله تعالى نزّل أوّلا ما يدلّ على وجوده وكمال قدرته وحكمته.
( اقْرَأْ ) تكرير للمبالغة. أو الأوّل مطلق، والثاني للتبليغ، أو في الصّلاة.
ولعلّه لـمّا قيل له:( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) . فقال: ما أنا بقارئ.
فقيل له: اقرأ. فإنّ أكثر المفسّرين على أنّ هذه السورة أوّل ما نزل من القرآن، في أوّل يوم نزل جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو قائم على حراء، علّمه خمس آيات من أوّل هذه السورة. وقيل: أوّل سورة نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاتحة الكتاب.
( وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) الزائد الكرم على كلّ كريم، فإنّه ينعم على عباده النعم الّتي لا تحصى، ويحلم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة، مع كفرهم وجحودهم لنعمه، وركوبهم المناهي، واطّراحهم الأوامر. ويقبل توبتهم، ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم. فما لكرمه غاية ولا أمد، فكأنّه ليس وراء التكرّم بإفادة الفوائد العلميّة تكرّم حيث قال: الأكرم.
( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) أي: علّم الخطّ بالقلم( عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) من نصب الدلائل، وإنزال الآيات، وسائر أمور الدين والشرائع والأحكام. فدلّ على
__________________
(١) العصر: ٢.
كمال كرمه بأنّه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبّه على فضل علم الكتابة، لـما فيه من المنافع العظيمة الّتي لا يحيط بها إلّا هو، فإنّه ما دوّنت العلوم، ولا قيّدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلّا بالكتابة، ولو لا هي لـما استقامت أمور الدين والدنيا. ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلّا أمر القلم والخطّ لكفى به. فعدّد سبحانه في هذه الآيات الشريفة مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه، إظهارا لـما أنعم عليه، من أن نقله من أخسّ المراتب إلى أعلاها، تقريرا لربوبيّته، وتحقيقا لأكرميّته.
( كَلَّا ) ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه وإن لم يذكر، لدلالة الكلام عليه( إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) بكثرة عشيرته وأمواله وقوّته. وهذا مفعوله الثاني، لأنّه بمعنى: علم، أي: علم نفسه مستغنيا. ومن خصائص أفعال القلوب أن يكون فاعله ومفعوله الأوّل ضميرين لواحد. ولو كان الرؤية بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين لواحد.
ثمّ خاطب الإنسان على الالتفات تهديدا وتحذيرا من عاقبة الطغيان، فقال:( إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ) أي: إلى حكمه وجزائه الرجوع، فإنّه مصدر كالبشرى.
( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) )
روي: أنّ أبا جهل لفرط جهله وعتوّه قال: هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فبالّذي يحلف به لو رأيت محمّدا ساجدا لأطأنّ على رقبته. فقيل له: ها هو ذلك يصلّي. فانطلق ليطأ على رقبته، فنكص على عقبيه.
فقيل له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إنّ بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، وهي أجنحة الملائكة. وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «والّذي نفسي بيده لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا». فأنزل الله سبحانه :
( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً ) يعني: محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِذا صَلَّى ) لفظ العبد والتنكير للمبالغة في تقبيح النهي، والدلالة على كمال عبوديّة المنهيّ. ومعنى «أرأيت» هاهنا تعجيب للمخاطب.
ثمّ كرّر هذه اللفظة مرّتين للتأكيد في التعجيب، فقال:( أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ ) العبد المنهيّ( عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ) بالإخلاص والتوحيد والاتّقاء عن الشرك.
والشرطيّة المفعول الثاني لـ «رأيت» الأوّل. والثاني تكرير للمبالغة، وليس له عمل.
وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأنّ الله يرى؟ وإنّما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني، وهو قوله:( أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ ) أبو جهل( وَتَوَلَّى ) عن الإيمان( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى ) يراه ويطّلع على هداه وضلاله، فيجازيه على حسب ذلك. وهذا وعيد له.
وقيل: المعنى: أخبرني عمّن ينهى عبدا من عبادنا عن الصلاة، إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو كان آمرا بالتقوى كما يعتقده، وكذلك إن كان على التكذيب للحقّ، والتولّي عن الدين الصحيح كما نحن نقول، ألم يعلم بأنّ الله يرى أحواله فيجازيه؟
وقيل: الخطاب في الثانية مع الكافر، فإنّه تعالى كالحاكم الّذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرّة والآخر اخرى. وكأنّه قال: يا كافر أخبرني إن كان
صلاته هدى، ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، أتنهاه؟ ولعلّه ذكر الأمر بالتقوى في التعجيب والتوبيخ، ولم يتعرّض له في النهي، لأنّ النهي كان عن الصّلاة والأمر بالتقوى، فاقتصر على ذكر الصّلاة، لأنّه دعوة بالفعل. أو لأنّ نهي العبد إذا صلّى يحتمل أن يكون لها ولغيرها، وعامّة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة وغيره بالدعوة.
( كَلَّا ) ردع للناهي( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ) عمّا هو فيه( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) لنأخذنّ بناصيته، ولنسحبنّه بها إلى النار. والسفح: القبض على الشيء وجذبه بشدّة. وكتبتها في المصحف بالألف على حكم الوقف، والاكتفاء باللام عن الإضافة، للعلم بأنّ المراد بالناصية ناصية المذكور. وفي الأخذ بالناصية إهانة واستخفاف كما لا يخفى.
( ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ) بدل من الناصية. وإنّما جاز وصفها بالكذب والخطأ، وهما لصاحبها، على الإسناد المجازي للمبالغة.
روي: أنّ أبا جهل مرّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يصلّي فقال: ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا، فنزلت :
( فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ) أي: أهل ناديه ليعينوه. وهو المجلس الّذي ينتدي فيه القوم، أي: يجتمعون.
( سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ) ليجرّوه إلى النار. وهو في كلام العرب: الشرط. واحدها: زبنية، كعفرية. من الزبن، وهو الدفع. يقال: زبنت الناقة إذا ضربت بثفنات(١) رجلها عند الحلب. فالزبن بالثفنات، والركض بالرجل، والخبط باليد. وناقة زبون: تضرب حالبها وتدفعه. وحرب زبون: تزبن الناس، أي: تصدمهم وتدفعهم.
__________________
(١) الثفنة من البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ، كالركبتين. وجمعها: ثفنات.
وقيل: زبنيّ على النسب، كأنّه نسب إلى الزبن، ثمّ غيّر للنسب، كقولهم: أمسيّ. وأصلها: زبانيّ، فقيل: زبانية على تعويض التاء عن الياء. والمراد: ملائكة العذاب، سمّوا بذلك لدفعهم أهل النار إليها. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لو دعا أبا جهل ناديه لأخذته الزبانية».
( كَلَّا ) ردع لأبي جهل( لا تُطِعْهُ ) واثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) (١) ( وَاسْجُدْ ) ودم على سجودك. يريد: الصلاة.
( وَاقْتَرِبْ ) وتقرّب إلى ربّك. وفي الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربّه إذا سجد».
والسجود هنا فرض، وهو من العزائم.
روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «العزائم: ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم إذا هوى، واقرأ باسم ربّك. وما عداها في جميع القرآن مسنون، وليس بمفروض».
__________________
(١) القلم: ٨.
(٩٧)
سورة القدر
مختلف فيها. وهي خمس آيات.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها اعطي من الأجر كمن صام رمضان، وأحيا ليلة القدر».
الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: «من قرأ «إنّا أنزلناه» في فريضة من الفرائض نادى مناد: يا عبد الله قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل».
سيف بن عميرة عن رجل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ «إنّا أنزلناه» يجهر بها كان كشاهر سيفه في سبيل الله، ومن قرأها سرّا كان كالمتشحّط بدمه في سبيل الله، ومن قرأها عشر مرّات مرّت على محو ألف ذنب من ذنوبه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) )
ولـمّا أمر سبحانه بالسجود والتقرّب إليه في خاتمة سورة العلق، افتتح هذه
السورة بذكر ليلة القدر، وأنّ التقرّب فيها إلى الله يزيد على التقرّب إليه في سائر الليالي والأيّام، فكأنّه قال: اقترب إليه في سائر الأوقات، خصوصا في ليلة القدر.
وقال أبو مسلم: لـمّا أمره بقراءة القرآن في سورة العلق، بيّن في هذه السورة أنّ إنزاله في ليلة القدر، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) الضمير للقرآن. فخّمه من ثلاثة أوجه :
أحدها: أن أسند إنزاله إليه، وجعله مختصّا به دون غيره، كجبرئيل.
والثاني: إضماره من غير ذكر اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح.
والثالث: إنزاله في أشرف الزمان وأفضل الأوان، وهو ليلة القدر.
ثمّ فخّم شأن هذه الليلة، ونبّه على عظيم قدرها وشرف محلّها بقوله:( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) أي: لم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علوّ قدرها. وهذا حثّ على العبادة فيها.
ثمّ فسّر تعظيمها بقوله:( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أي: قيام ليلة القدر والعمل فيها خير من قيام ألف شهر. ولـمّا جعل الخير الكثير في ليلة القدر، كانت خيرا من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما يكون في هذه الليلة. وإنزاله فيها بأن ابتدأ بإنزاله فيها. أو أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا على السفرة، ثمّ كان جبرئيل ينزله على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة.
وقيل: معناه: أنزلناه في فضل ليلة القدر. وتسميتها بذلك لشرف قدرها، أو لتقدير الأمور فيها، لقوله تعالى:( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (١) . وعن أبي بكر الورّاق: لأنّ من لم يكن ذا قدر إذا أحياها صار ذا قدر. وقال بعضهم: لأنّ للطاعات
__________________
(١) الدخان: ٤.
فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا. وقيل: لأنّه أنزل فيها ملك ذو قدر، كتابا ذا قدر، من عند ملك ذي قدر، إلى رسول ذي قدر، لأجل أمّة ذات قدر.
وذكر «ألف» إمّا للتكثير، أو لـما روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكر إسرائيليّا لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر، هي خير من مدّة غزوة هذا الغازي.
وقيل: إنّ الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتّى يعبد الله ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحقّ بأن يسمّوا عابدين من أولئك العبّاد.
واختلفوا في أنّها أيّة ليلة؟ فذهب قوم إلى أنّها إنّما كانت على عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ رفعت. وجاءت الرواية عن أبي ذرّ أنّه قال: «قلت: يا رسول الله ليلة القدر هي شيء يكون على عهد الأنبياء، ينزّل الله فيها الملائكة، فإذا قبضوا رفعت؟ قال: لا بل هي إلى يوم القيامة».
وقيل: إنّها في ليالي السنة كلّها. ومن علّق طلاق امرأته على ليلة القدر لم يقع إلى مضيّ السنة. وهو مذهب أبي حنيفة. وفي بعض الروايات عن ابن مسعود: أنّه قال: من يقم الحول كلّه يصبها. فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، أما إنّه علم أنّها في شهر رمضان، ولكنّه أراد أن لا يتّكل الناس.
وجمهور العلماء على أنّها في شهر رمضان في كلّ سنة. ثم اختلفوا في أيّ ليلة هي منه؟ فقيل: هي أوّل ليلة منه. عن ابن زيد العقيلي. وقيل: هي ليلة سبع عشرة منه. عن الحسن. وروي: أنّها ليلة الفرقان، وفي صبيحتها التقى الجمعان.
والصحيح أنّها في العشر الأواخر من شهر رمضان. وهو مذهب الشافعي. ةوروي مرفوعا: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان». وعن عليّعليهالسلام : «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان».
قال: «وكان إذا دخل العشر الأواخر دأب(١) وأدأب أهله».
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا دخل العشر الأواخر شدّ المئزر، واجتنب النساء، وأحيا الليل، وتفرّغ للعبادة».
ثمّ اختلفوا في أنّها أيّة ليلة منه؟ فقيل: إنّها ليلة إحدى وعشرين. وهو مذهب أبي سعيد الخدري، واختيار الشافعي.
قال أبو سعيد الخدري: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رأيت هذه الليلة ثمّ أنسيتها، ورأيتني أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كلّ وتر». قال: فأبصرت عيناي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين. أورده البخاري في الصحيح(٢) .
وقيل: هي ليلة ثلاث وعشرين منه.
عن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله إنّي رأيت في النوم كأنّ ليلة القدر هي ليلة سابعة تبقى. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين».
قال معمّر: وكان أيّوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمسّ طيبا.
وسأل عمر بن الخطّاب أصحاب رسول الله فقال: قد علمتم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في ليلة القدر: «اطلبوها في العشر الأواخر وترا».
ففي أيّ الوتر ترون؟ فأكثر القوم في الوتر.
قال ابن عبّاس: فقال لي: ما لك لا تتكلّم يا بن عبّاس؟! فقلت: رأيت الله أكثر ذكر السبع في القرآن، فذكر السماوات سبعا، والأرضين سبعا، والطواف سبعا، والجمار سبعا، وما شاء الله من ذلك، خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه في سبعة.
__________________
(١) أي: جدّ وتعب.
(٢) صحيح البخاري ٣: ٦٠ و٦٢.
فقال: كلّ ما ذكرت عرفت، فما قولك: خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه في سبعة؟
فقلت: خلق:( الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) إلى قوله:( خَلْقاً آخَرَ ) (١) . ثمّ قرأت:( أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ) إلى قوله:( وَفاكِهَةً وَأَبًّا ) (٢) . فما أراها إلّا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين.
فقال عمر: عجزتم أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الّذي لم يجتمع شؤون(٣) رأسه.
قال: وقال عمر: وافق رأيي رأيك. ثمّ ضرب منكبي فقال: ما أنت بأقلّ القوم علما.
وروى العيّاشي بإسناده عن زرارة، وعن عبد الواحد بن المختار الأنصاري قال: «سألت أبا جعفرعليهالسلام عن ليلة القدر. قال: في ليلتين: ليلة ثلاث وعشرين، وإحدى وعشرين. فقلت: أفرد لي إحداهما. فقال: وما عليك أن تعمل في ليلتين هي إحداهما.
وعن شهاب بن عبد ربّه قال: «قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أخبرني بليلة القدر.
قال: ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين».
وعن حمّاد بن عثمان، عن حسّان بن أبي علي قال: «سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن ليلة القدر. قال: اطلبها في تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين».
وفي كتاب من لا يحضره الفقيه عن عليّ بن أبي حمزة قال: «كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له أبو بصير: جعلت فداك الليلة الّتي يرجى فيها ما يرجى
__________________
(١) المؤمنون: ١٢ ـ ١٤.
(٢) عبس: ٢٥ ـ ٣١.
(٣) شؤون الرأس: موصل أو ملتقى قبائل الرأس. وقبائل الرأس: قطعه المشعوب بعضها إلى بعض.
أيّ ليلة هي؟
فقال: هي ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين.
قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟
فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب.
قال: فقلت: فربما رأينا الهلال عندنا، وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك في أرض اخرى.
فقال: ما أيسر أربع ليال فيما تطلب فيها.
قلت: جعلت فداك ؛ ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني(١) ؟
قال: إنّ ذلك ليقال.
قلت: جعلت فداك ؛ إنّ سليمان بن خالد روى أنّ في تسع عشرة يكتب وفد الحاجّ.
فقال: يا أبا محمّد يكتب وفد الحاجّ في ليلة القدر، والمنايا والبلايا والأرزاق وما يكون إلى مثلها في قابل، فاطلبها في إحدى وثلاث، وصلّ في كلّ واحدة منهما مائة ركعة، وأحيهما إلى النور ـ أي: الصبح ـ واغتسل فيهما.
قال: قلت: فإن لم أقدر على ذلك وأنا قائم؟
قال: فصلّ وأنت جالس.
قلت: فإن لم أستطع.
قال: فعلى فراشك.
قلت: فإن لم أستطع.
فقال: لا عليك أن تكتحل أوّل الليل بشيء من النوم، إنّ أبواب السماء تفتح في شهر رمضان، وتصفد(٢) الشياطين، وتقبل أعمال المؤمنين. نعم الشهر شهر
__________________
(١) يأتي في الصفحة التالية توضيحه نقلا عن الشيخ الصدوقرحمهالله .
(٢) صفد الأسير: أوثقه وقيّده بالحديد وغيره.
رمضان، كان يسمّى على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المرزوق»(١) .
وفي رواية عبد الله بن بكير عن زرارة عن أحدهما قال: «سألته عن الليالي الّتي يستحبّ فيها الغسل في شهر رمضان. قال: ليلة تسع عشرة، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وهي ليلة الجهني. وحديثه: أنّه قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ منزلي ناء عن المدينة، فمرني بليلة أدخل فيها، فأمره بليلة ثلاث وعشرين».
قال الشيخ أبو جعفررحمهالله (٢) : واسم الجهني عبد الله بن أنيس الأنصاري.
وقيل: إنّها ليلة سبع وعشرين. عن أبيّ بن كعب وعائشة.
وروي عن ابن عبّاس وابن عمر قالا: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تحرّوها ليلة سبع وعشرين.
وعن زرّ بن حبيش قال: قلت لأبي: يا أبا المنذر من أين علمت أنّها ليلة سبع وعشرين؟ قال: بالآية الّتي أنبأنا بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: تطلع الشمس غداتئذ، كأنّها طست ليس لها شعاع.
وقال بعضهم: إنّ الله قسّم كلمات هذه السورة على ليالي شهر رمضان، فلمّا بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال: هي.
وقيل: إنّها ليلة تسع وعشرين. وروي عن أبي بكر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «التمسوها في العشر الأواخر، في تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين، أو ثلاث بقين، أو آخر ليلة».
والفائدة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في العبادة، ويحيوا جميع ليالي رمضان طمعا في إدراكها، كما أنّ الله سبحانه أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.
وورد في فضل هذه الليلة روايات كثيرة. منها: ما روي عن ابن عبّاس، عن
__________________
(١) الفقيه ٢: ١٠٢ ح ٤٥٩.
(٢) الفقيه ٢: ١٠٤ ذيل ح ٤٦١.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إذا كان ليلة القدر تنزّل الملائكة الّذين هم سكّان سدرة المنتهى، ومنهم جبرئيل. فينزل جبرئيل ومعه ألوية، ينصب لواء منها على قبري، ولواء على بيت المقدس، ولواء في المسجد الحرام، ولواء على طور سيناء. ولا يدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلّا سلّم عليه، إلّا مدمن الخمر، وآكل لحم الخنزير، والمتضمّخ(١) بالزعفران».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتّى يضيء فجرها، ولا يستطيع فيها على أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر».
وروى الحسن عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في ليلة القدر: «إنّها ليلة سمحة، لا حارّة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع».
( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها ) وهو جبرئيل. أفرد بالذكر لمزيّة شرفه وفضله بينهم. وقيل: خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلّا تلك الليلة.( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) إلى الأرض، أو إلى السماء الدنيا( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) من أجل كلّ أمر قدّر في تلك الليلة من المصالح الدينيّة والدنيويّة.
( سَلامٌ هِيَ ) ما هي إلّا سلامة، أي: لا يقدّر الله فيها إلّا السلامة والخير، ويقضي في غيرها السلامة والبلاء. أو ما هي إلّا سلام، لكثرة ما يسلّمون فيها على المؤمنين، لـما روي: «أنّه لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلّا سلّموا عليه في تلك الليلة».
( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) أي: وقت مطلعه، أي: طلوعه. وقرأ الكسائي بالكسر، على أنّه كالمرجع، أو اسم زمان على غير قياس، كالمشرق.
__________________
(١) تضمّخ بالطيب: تلطّخ به.
(٩٨)
سورة البيّنة
وتسمّى سورة البريّة، وسورة القيامة. مختلف فيها. وهي ثمان آيات.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها كان يوم القيامة مع خير البريّة مسافرا ومقيما».
وعن أبي الدرداء قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو يعلم الناس ما في( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) لعطّلوا الأهل والمال وتعلّموها. فقال رجل من خزاعة: ما فيها من الأجر يا رسول الله؟ فقال: لا يقرؤها منافق أبدا، ولا عبد في قلبه شكّ في اللهعزوجل .
والله إنّ الملائكة المقرّبين ليقرؤنها منذ خلق الله السماوات والأرض، لا يفترون عن قراءتها. وما من عبد يقرؤها بليل إلّا بعث الله ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة. فإن قرأها نهارا، أعطي عليها من الثواب مثل ما أضاء عليه النهار، وأظلم عليه الليل».
فقال رجل من قيس غيلان: زدنا يا رسول الله من هذا الحديث، فداك أبي وأمّي.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «تعلّموا( عَمَّ يَتَساءَلُونَ ) . وتعلّموا( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) . وتعلّموا( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ) . وتعلّموا( وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ) . فإنّكم لو تعلمون ما فيهنّ لعطّلتم ما أنتم فيه وتعلّمتموهنّ، وتقرّبتم إلى الله بهنّ، فإنّ الله يغفر بهنّ كلّ ذنب إلّا الشرك بالله. واعلموا أنّ( تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) تجادل عن صاحبها يوم القيامة ،
وتستغفر له من الذنوب».
أبو بكر الحضرمي عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة «لم يكن» كان بريئا من الشرك، وأدخل في دين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبعثه الله تعالى مؤمنا، وحاسبه حسابا يسيرا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) )
وروي: أنّ الكفّار من أهل الكتاب وعبدة الأصنام كانوا يقولون قبل مبعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ننفكّ ممّا نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتّى يبعث النبيّ الموعود الّذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل والزبور، وهو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . فلمّا بيّن سبحانه في سورة القدر أنّ القرآن حجّة، حكى الله في هذه السورة ما كانوا يقولون حجّة عليهم، وتوبيخا وإلزاما لهم، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) اليهود والنصارى، فإنّهم كفروا بالإلحاد في صفات الله تعالى. و «من» للتبيين.
( وَالْمُشْرِكِينَ ) وعبدة الأصنام( مُنْفَكِّينَ ) عمّا كانوا عليه من دينهم. أو الوعد باتّباع الحقّ إذا جاءهم الرسول. ومعنى انفكاك الشيء من الشيء أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفكّ من مفصله. والمعنى: أنّهم متشبّثون بدينهم لا يتركونه( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) إلّا عند مجيء المبيّن للحقّ. والتاء للمبالغة. أو مجيء المعجزة البيّنة، وهي القرآن الّذي هو المعجزة.
وقوله:( رَسُولٌ مِنَ اللهِ ) بدل من البيّنة بنفسه أو بتقدير مضاف، وهو الوحي، وتقديره: وحي رسول من الله. أو مبتدأ( يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ) خبره.
وعلى البدليّة صفته. والرسول وإن كان أمّيّا، لكنّه لـمّا تلا مثل المسطور في الصحف كان كالتالي لها. وقيل: المراد جبرئيل، فإنّه التالي للصحف المطهّرة المنتسخة في اللوح. وكون الصحف مطهّرة أنّ الباطل لا يأتيها، أو أنّها لا يمسّها إلّا المطهّرون.
( فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ) مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحقّ.
( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) عمّا كانوا عليه، بأن تفرّقوا فرقا مختلفة: كافرة، ومؤمنة، ومتردّدة بين الكفر والإيمان( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) إلّا وقت مجيء البيّنة. فتفرّقوا، فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، ومنهم من عرف وعاند وأصرّ على الكفر، ومنهم من تردّد في دينه. والمعنى: وما تفرّقوا عن الحقّ إلّا بعد مجيئه، فنقضوا ما يعدّون من اجتماع الكلمة والاتّفاق على الحقّ إذا جاءهم الرسول. فيكون كقوله:( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) (١) . وإفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم، وأنّهم لـمّا تفرّقوا مع علمهم كان غيرهم أولى بذلك.
( وَما أُمِرُوا ) أي: في كتبهم بما فيها( إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ ) أي: إلّا لأجل أن يعبدوا الله( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) لا يشركون به( حُنَفاءَ ) مائلين عن العقائد الزائغة
__________________
(١) البقرة: ٨٩.
( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) على طريقة الإسلام( وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ) على وجه تعيّن في الإسلام( وَذلِكَ ) الّذي تقدّم ذكره( دِينُ الْقَيِّمَةِ ) دين الملّة القيامة.
دلّت هذه الآية على بطلان مذهب أهل الجبر، لأنّ فيها تصريحا بأنّه سبحانه إنّما خلق الخلق ليعبدوه مخلصا عن الشرك. وعلى وجوب النيّة في الطهارة، إذ أمر الله بالعبادة على وجه الإخلاص، ولا يمكن الإخلاص إلّا بالنيّة والقربة. والطهارة عبادة، فلا تجزي بغير نيّة، خلافا لبعض العامّة.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) )
ثمّ ذكر سبحانه حال الفريقين بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) أي: يوم القيامة، أو في الحال، لملابستهم ما يوجب ذلك. واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه، فيمكن أن يختلف، لتفاوت كفرهما.( أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) الخليقة. وقرأ نافع: البريئة بالهمزة، على الأصل.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) فيها مبالغات: تقديم المدح، وذكر الجزاء المؤذن بأنّ ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به، والحكم عليه بأنّه من «عند ربّهم»، وجمع جنّات، وتقييدها إضافة ووصفا بما يزداد لها نعيما، وتأكيد
الخلود بالتأبيد.
( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) بما قدّموا من الطاعات المخلصة. استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم.( وَرَضُوا عَنْهُ ) لأنّه بلّغهم أقصى أمانيّهم( ذلِكَ ) أي: المذكور من الجزاء والرضوان( لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) فإنّ الخشية ملاك الأمر، والباعث على كلّ خير.
وفي كتاب شواهد التنزيل للحاكم أبي القاسم الحسكانيرحمهالله قال: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالإسناد المرفوع إلى يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب عليّعليهالسلام ، قال: سمعت عليّاعليهالسلام يقول: «قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا مسنده إلى صدري، فقال: يا عليّ ألم تسمع قول الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) هم أنت وشيعتك. وموعدي وموعدكم الحوض، إذا اجتمعت الأمم للحساب تدعون غرّا محجّلين».(١)
وفيه عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس: في قوله:( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال: نزلت في عليّ وأهل بيتهعليهمالسلام .(٢)
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٤٥٩ ح ١١٢٥.
(٢) شواهد التنزيل ٢: ٤٧٣ ح ١١٤٦.
(٩٩)
سورة الزلزال
مدنيّة. وهي ثمان آيات.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها فكأنّما قرأ البقرة، وأعطي من الأجر كمن قرأ ربع القرآن».
وعن أنس بن مالك: «سأل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلا من أصحابه فقال: يا فلان هل تزوّجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوّج به. قال: أليس معك( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ؟
قال: بلى. قال: ربع القرآن. قال: أليس معك( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) ؟ قال: بلى.
قال: ربع القرآن. قال: أليس معك( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ) ؟ قال: بلى. قال: ربع القرن.
ثمّ قال: تزوّج تزوّج تزوّج».
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «لا تملّوا من قراءة إذا زلزلت، فإنّ من كانت قراءته في نوافله لم يصبه الله بزلزلة أبدا، ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا، فإذا مات أمر به إلى الجنّة، فيقول الله سبحانه: عبدي أبحتك جنّتي، فاسكن منها حيث شئت وهويت، لا ممنوع ولا مدفوع عنه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ
الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) )
ولـمّا ختم سبحانه سورة البيّنة ببيان حال المؤمنين والكافرين، افتتح هذه السورة ببيان وقت ذلك، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ) إضافة الزلزال إلى الأرض لإفادة أنّ المراد زلزالها الّذي تستوجبه في حكمة الله ومشيئته، وهو الزلزال الشديد الّذي ليس بعده. ونحوه: قولك: أكرم التقيّ إكرامه، وأهن الفاسق إهانته.
تريد: ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. أو زلزالها كلّه، وجميع ما هو ممكن منه، بخلاف الزلازل المعهودة الّتي تختصّ ببعض الأرض. فتكون الإضافة للتنبيه على شدّتها. وذلك عند النفخة الأولى أو الثانية.
( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ) ما في جوفها من الدفائن أو الأموات. جمع ثقل، وهو متاع البيت.
( وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ) أي: ما للأرض زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، ولفظت ما في بطنها من الدفائن والأموات أحياء؟! فيقولون ذلك لـما يبهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون:( مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ) (١) . وقيل: هذا قول الكافر، لأنّه كان لا يؤمن بالبعث، فأمّا المؤمن فيقول:( هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) (٢) .
( يَوْمَئِذٍ ) منصوب بمثل: اذكر. أو بدل من «إذا»، وناصبها قوله:( تُحَدِّثُ
__________________
(١) يس: ٥٢.
(٢) يس: ٥٢.
أَخْبارَها ) أي: تحدّث الخلق أخبارها. فحذف المفعول الأوّل، لأنّ المقصود ذكر تحديثها الأخبار، لا ذكر الخلق، تعظيما لليوم. وتحديث الأرض مجاز عن إحداث الله فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، حتّى ينظر من يقول: ما لها؟ إلى تلك الأحوال، فيعلم لم زلزلت؟ ولم لفظت الأموات؟ وأنّ هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذّرون منه.
وقيل: ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خير وشرّ، كما في الحديث أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها، وتقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا. فهذا أخبارها».
وعلى هذا ؛ يجوز أن يكون الله تعالى أحدث الكلام فيها.
( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ) أي: تحدّث بسبب إيحاء ربّك لها، بأن أحدث فيها ما دلّت على الأخبار، أو أنطقها بها. ويجوز أن يكون بدلا من «أخبارها» إذ يقال: حدّثته كذا وبكذا. واللام بمعنى «إلى»، أو على أصلها، إذ لها في ذلك تشفّ من العصاة. وعن أبي سعيد الخدري: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «لا يسمعه جنّ ولا إنس ولا حجر إلّا يشهد له».
( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ ) من مخارجهم، من القبور إلى الموقف( أَشْتاتاً ) متفرّقين بحسب مراتبهم، بيض الوجوه آمنين، وسود الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتا، يتفرّق بهم طريقا الجنّة والنار.( لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ) جزاء أعمالهم.
ثمّ فصّل إراءة الأعمال بقوله:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) أي: ير ما يستحقّ عليه من الثواب.
( وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) وقرأ هشام بإسكان الهاء. و «من» الأولى
مخصوصة بالسعداء، والثانية بالأشقياء، لقوله: «أشتاتا». والذرّة: النملة الصغيرة، أو الهباء(١) .
ويمكن أن يستدلّ بها على بطلان الإحباط، لأنّ الظاهر يدلّ على أنّه لا يفعل أحد شيئا من طاعة الله أو معصيته إلّا ويجازى عليها، وما يقع محبطا لا يجازى عليه. وليس لهم أن يقولوا: إنّ الظاهر بخلاف ما تذهبون إليه في جواز العفو عن مرتكب الكبيرة. وذلك لأنّ الآية مخصوصة بالإجماع، فإنّ التائب معفوّ عنه بلا خلاف. وعندهم أنّ من شرط المعصية الّتي يؤاخذ بها أن لا تكون صغيرة، فجاز لنا أيضا أن نشترط فيها أن لا تكون ممّا يعفو الله عنه.
__________________
(١) الهباء: الغبار، دقائق التراب منثورة على وجه الأرض.
(١٠٠)
سورة العاديات
مدنيّة. وقيل: مكّيّة. وهي إحدى عشرة آية بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا».
سليمان بن خالد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ والعاديات وأدمن قراءتها، بعثه الله مع أمير المؤمنينعليهالسلام يوم القيامة خاصّة، وكان في حجره ورفقائه».
واعلم أنّ هذه السورة اتّصلت بما قبلها، لـما فيها من ذكر القيامة والجزاء، اتّصال النظير بالنظير.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا
يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) )
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ) أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحا. وهو صوت أنفاسها وأجوافها عند العدو. ونصبه بفعله المحذوف، أي: يضبحن أو تضبح ضبحا. أو بالعاديات، لأنّها تدلّ بالالتزام على الضابحات. أو حال بمعنى: ضابحات.
( فَالْمُورِياتِ ) فالّتي توري النار، أي: تنقدح من حوافرها( قَدْحاً ) قدحن قدحا. أو قادحات صاكّات بحوافرها الحجارة، فإنّ الإيراء إخراج النّار. والقدح: الصكّ. يقال: قدح الزند فأورى. وانتصب «قدحا» بما انتصب به «ضبحا».
( فَالْمُغِيراتِ ) يغير أهلها على العدو( صُبْحاً ) أي: وقته ذكر الصبح، لأنّهم كانوا يسيرون إلى العدوّ ليلا، فيأتونهم صبحا.
( فَأَثَرْنَ بِهِ ) عطف على الفعل الّذي وضع اسم الفاعل موضعه، لأنّ المعنى: واللاتي عدون، فأورين، فأغرن، فأثرن به، أي: فهيّجن بذلك الوقت، أي: وقت العدو( نَقْعاً ) غبارا.
( فَوَسَطْنَ بِهِ ) فتوسّطن بذلك الوقت، أو بالعدو، أو بالنقع، أي: ملتبسات به. يقال: وسطه بمعنى: توسّطه.( جَمْعاً ) من جموع الأعداء.
عن مقاتل: بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سريّة إلى حيّ من كنانة، فاستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء، فتأخّر رجوعهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعا، فأخبر الله تعالى عنها بقوله:( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ) .
وقيل: نزلت السورة لـمّا بعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاعليهالسلام إلى ذات السلاسل، فأوقع بهم. وذلك بعد أن بعث إليهم مرارا غيره من الصحابة، فرجع كلّ منهم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل، قال: «وسمّيت هذه الغزوة ذات السلاسل، لأنّه أسر منهم وقتل وسبى، وشدّ أسراهم في الحبال مكتّفين كأنّهم في السلاسل. ولـمّا نزلت السورة خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الناس فصلّى بهم الغداة، وقرأ فيها والعاديات، فلمّا فرغ من صلاته قال أصحابه: هذه سورة لم نعرفها. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نعم، إنّ عليّا قد ظفر بأعداء الله، وبشّرني بذلك جبرئيل في هذه الليلة. فقدم عليّعليهالسلام بعد أيّام بالأسارى والغنائم».
وفي رواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: بينما أنا في الحجرة جالس إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحا، فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثمّ تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم ويورون نارهم. فانفتل(١) عنّي وذهب إلى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحا.
فقال: سألت عنها أحدا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عبّاس، فقال: إنّها الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلمّا وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلّا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات الخيل؟ بل( الْعادِياتِ ضَبْحاً ) الإبل، من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى. قال ابن عبّاس: فرغبت عن قولي، ورجعت إلى الّذي قاله عليّعليهالسلام .
وعلى هذا ؛ فالمراد بالضبح الضبع. قال في الصحاح: «عن أبي عبيدة: ضبحت الخيل ضبحا، مثل: ضبعت، وهو السير»(٢) . ثمّ قال: «ضبعت الإبل تضبع ضبعا، إذا مدّت أضباعها في سيرها، وهي أعضادها. والناقة ضابع. والضبع: أن يهوي بحافره إلى عضده»(٣) .
والمراد بالموريات أنّ أصحابها يورون نارهم في عرفة وجمع ومنى.
__________________
(١) أي: انصرف. من: فتل وجهه عنهم، أي: صرفه.
(٢) الصحاح ١: ٣٨٥، و٣: ١٢٤٧.
(٣) الصحاح ١: ٣٨٥، و٣: ١٢٤٧.
وقال عكرمة: هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلّم به.
وعن محمد بن كعب: هي النيران بجمع. وعنه أيضا: يريد بقوله:( فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ) الإبل ترتفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى. والسنّة أن لا ترتفع بركبانها حتّى تصيح. والإغارة سرعة السير. ومنه قولهم: أشرق(١) ثبير كيما نغير. وعنه أيضا المراد بقوله:( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) يريد جمع منى.
والتفسير الأوّل قول أكثر المفسّرين. ويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كمالهنّ، الموريات بأفكارهنّ أنوار المعارف، والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهنّ مثل أنوار القدس، فأثرن به شوقا، فوسطن به جمعا من جموع العلّيّين.
وعلى التقادير جواب القسم( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) لكفور. من: كند النعمة كنودا. ومنه سمّي كندة، لأنّه كند أباه ففارقه. أو لعاص، بلغة كندة. أو لبخيل، بلغة بني مالك.
( وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ ) إنّ الإنسان على كنوده( لَشَهِيدٌ ) يشهد على نفسه، ولا يقدر أن يجحده، لظهور أمره عليه. وقيل: إنّ الله على كنوده لشهيد. فيكون وعيدا.
( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ ) لأجل حبّ المال، من قوله:( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) (٢) .( لَشَدِيدٌ ) لبخيل. يقال: فلان شديد ومتشدّد. أو لقويّ مبالغ فيه.
( أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ) بعث( ما فِي الْقُبُورِ ) من الموتى( وَحُصِّلَ ) جمع محصّلا في الصحف، أو ميّز( ما فِي الصُّدُورِ ) من خير أو شرّ. وتخصيصه لأنّه الأصل.( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ ) وهو يوم القيامة( لَخَبِيرٌ ) عالم بما أعلنوا وما أسرّوا، فيجازيهم عليه. وإنّما قال «ما» ثمّ «بهم» لاختلاف شأنهم في الحالين.
__________________
(١) تبير: جبل بمكّة. والمعنى: ليشرق شعاع الشمس على ثبير حتّى نغير على الأعداء.
(٢) البقرة: ١٨٠.
(١٠١)
سورة القارعة
مكّيّة. وهي إحدى عشرة آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ومن قرأها ثقّل الله بها ميزانه يوم القيامة».
عمرو بن ثابت عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ القارعة آمنه الله من فتنة الدجّال أن يؤمن به، ومن قيح جهنّم يوم القيامة».
واعلم أنّ هذه السورة اتّصلت بما قبلها اتّصال النظير بالنظير، لأنّ كلتيهما في ذكر القيامة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) )
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْقارِعَةُ ) اسم من أسماء القيامة، لأنّها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء الله بالعذاب.
ثمّ عظّم شأنها وهوّل أمرها بقوله:( مَا الْقارِعَةُ ) أيّ شيء القارعة( وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ) أي: لا تعلم حقيقة أمرها وكنه وصفها على التفصيل، وإنّما تعلمها على الإجمال. وقد سبق مزيد البحث فيها في الحاقّة(١) .
ثمّ بيّن سبحانه أنّها متى تكون، فقال:( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ ) نصب بمضمر دلّت عليه القارعة، أي: تقرع يوم يكون الناس( كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ) في كثرتهم وذلّتهم وحقارتهم وانتشارهم واضطرابهم، لفزعهم عند البعث، فيختلفون في المقاصد على جهات مختلفة. وهذا مثل قوله:( كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ) (٢) . وسمّي الفراش فراشا لتفرّشه وانتشاره على أنحاء مختلفة.
( وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ) كالصوف المصبغ ألوانا، لأنّها ألوان( الْمَنْفُوشِ ) المندوف، لتفرّق أجزائها وتطايرها في الجوّ.
( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) بأن ترجّحت مقادير أنواع حسناته. جمع موزون، وهو العمل الّذي له وزن وخطر عند الله. أو جمع ميزان. وثقلها: رجحانها.( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) ذات رضا، أي: مرضيّة.
( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ) بأن لم يكن له حسنة يعبأ بها، أو ترجّحت سيّئاته على حسناته. والقول في تحقيق الوزن والميزان والاختلاف في ذلك قد مرّ في الأعراف(٣) .( فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ) فمأواه النار. وهي مأخوذة من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه، لأنّه إذا هوى ـ أي: سقط وهلك ـ فقد هوت أمّه ثكلا
__________________
(١) راجع ص ١٥٨.
(٢) القمر: ٧.
(٣) راجع ج ٢ ص ٤٩٦، ذيل الآية ٩ من سورة الأعراف.
وحزنا. فكأنّه قيل: وأمّا من خفّت موازينه فقد هلك.
وقيل: هي من أسماء طبقة النار العميقة، لهويّ أهل النار فيها مهوى بعيدا، كما روي: «يهوى فيها سبعين خريفا» أي: فمأواه النار البعيدة العمق جدّا. وقيل للمأوى أمّ على التشبيه، لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه.
وعن قتادة:( فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ) فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنّم، لأنّه يطرح فيها منكوسا.
ثمّ قال تفخيما لأمرها:( وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ) الضمير للهاوية. والهاء للسكت.
وقد أجيز إثباتها مع الوصل، لأنّها ثابتة في المصحف. وقرأ حمزة بغير الهاء حين الوصل.( نارٌ حامِيَةٌ ) ذات حمى شديدة الحرارة.
(١٠٢)
سورة التكاثر
مختلف فيها. وهي ثمان آيات بالإجماع.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «من قرأها لم يحاسبه الله بالنعيم الّذي أنعم عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنّما قرأ ألف آية».
شعيب العقرقوفي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة «ألهاكم التكاثر» في فريضة كتب له ثواب وأجر مائة شهيد، ومن قرأها في نافلة كان له ثواب خمسين شهيدا، وصلّى معه في فريضته أربعون صفّا من الملائكة».
وعن درست عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ) عند النوم وقي فتنة القبر».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) )
ولـمّا أخبر سبحانه في سورة القارعة عن صفة القيامة، ذكر في هذه السورة من شغلته عنها زخارف الدنيا والتفاخر بها، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلْهاكُمُ ) شغلكم عن طاعة الله وعن ذكر الآخرة.
وأصله الصرف إلى اللهو. منقول من: لهى إذا غفل.( التَّكاثُرُ ) التباهي بكثرة الأموال والأولاد والتفاخر.
( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ) أي: إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات. عبّر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكّما، فإنّ الزيارة الحقيقيّة لم تكن موجودة.
روي: أنّ بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة عدد الأقارب والعشائر، فكثّرهم بنو عبد مناف. فقال بنو سهم: إنّ البغي أهلكنا في الجاهليّة، فعادّونا بالأحياء والأموات، فكثّرهم بنو سهم.
وقيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم. والمعنى: ألهاكم ذلك التكاثر ـ وهو ممّا لا يعنيكم، ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم ـ عمّا يعنيكم من أمر الدين الّذي هو أهمّ وأعنى من كلّ مهمّ. وإنّما حذف الملهيّ عنه ـ وهو ما يعنيهم من أمر الدين ـ للتعظيم والمبالغة.
وقيل: معناه: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متّم وقبرتم، مضيّعين أعماركم في طلب الدنيا عمّا هو أهمّ لكم، وهو السعي لأخراكم. فيكون زيارة القبر عبارة عن الموت.
( كَلَّا ) ردع وتنبيه على أنّ العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همّه ومعظم سعيه للدنيا، فإنّ عاقبة ذلك وبال وحسرة و( سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) خطأ رأيكم إذا عاينتم ما قدّامكم من أهوال الآخرة. وهو إنذار ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم.
( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) تكرير لتأكيد الردع والإنذار عليهم. وفي «ثمّ» دلالة على أنّ الإنذار الثاني أبلغ من الأوّل وأشدّ، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثمّ أقول لك لا تفعل. أو الأوّل عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور.
عن زرّ بن حبيش عن عليّعليهالسلام قال: «ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتّى نزلت( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ) إلى قوله:( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) يريد في القبر( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) بعد البعث».
ثمّ كرّر التنبيه لمزيد الإيقاظ عن رقدة الجهل والغفلة، فقال:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين ـ أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور الّتي وكلتم بعلمها هممكم ـ لشغلكم علم ذلك عن غيره، أو لفعلتم ما يوجب فوزكم ممّا لا يوصف ولا يكتنه، ولكنّكم ضلّال جهلة. فحذف الجواب للتفخيم. ولا يجوز أن يكون قوله:( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) جوابا، لأنّه محقّق الوقوع.
فهو جواب قسم محذوف، أكّد به الوعيد، وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه، وقد مرّ ما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه. وقرأ ابن كثير والكسائي بضمّ التاء.
( ثُمَّ لَتَرَوُنَّها ) كرّره معطوفا بـ «ثمّ» تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل. أو الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها.( عَيْنَ الْيَقِينِ ) أي: الرؤية الّتي هي نفس اليقين، فإنّ علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين.
( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) الّذي ألهاكم. قيل: الخطاب مخصوص بالكفّار. وقيل: بكلّ من ألهاه دنياه عن دينه. والمراد بالنعيم ما يشغله عن العلوم المفروضة الدينيّة والأعمال الواجبة الشرعيّة، للقرينة، فإنّ من تمتّع بنعمة الله وأرزاقه الّتي لم يخلقها إلّا لعباده ـ لقوله:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ
لِعِبادِهِ ) (١) ( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) (٢) ـ وتقوّى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضا بالشكر، فهو من ذاك بمعزل. وقيل: يعمّ كلّ متنعّم، إذ كلّ يسأل عن شكره.
وعن قتادة: إنّ الله سائل كلّ ذي نعمة عمّا أنعم عليه.
وعن عكرمة: النعيم: الصحّة والفراغ. ويعضده ما رواه ابن عبّاس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحّة، والفراغ».
وعن عبد الله بن مسعود ومجاهد: هو الأمن والصحّة. وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وقيل: يسأل عن كلّ نعيم إلّا ما خصّه الحديث، وهو قوله: «ثلاث لا يسأل عنها العبد: خرقة يواري بها عورته، أو كسرة يسدّ بها جوعته، أو بيت يكنّه من الحرّ والبرد».
وروي: أنّ بعض الصحابة أضاف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع جماعة من أصحابه، فوجدوا عنده تمرا وماء باردا فأكلوا، فلمّا خرجوا قال: «هذا من النعيم الّذي تسألون عنه».
وروى العيّاشي بإسناده في حديث طويل قال: «سأل أبو حنيفة أبا عبد اللهعليهالسلام عن هذه الآية، فقال له: ما النعيم عندك؟
قال: القوت من الطعام، والماء البارد.
فقال: لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها وشربة شربتها، ليطولنّ وقوفك بين يديه.
قال: فما النعيم؟
__________________
(١) الأعراف: ٣٢.
(٢) البقرة: ٥٧.
قال: نحن أهل البيت النعيم الّذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للإسلام، وهي النعمة الّتي لا تنقطع، والله سائلهم عن حقّ النعيم الّذي أنعم به عليهم، وهو النبيّ وعترتهعليهمالسلام ».
(١٠٣)
سورة العصر
مكّيّة. وهي ثلاث آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «ومن قرأها ختم الله له بالصبر، وكان مع أصحاب الحقّ يوم القيامة».
الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ والعصر في نوافله بعثه الله يوم القيامة مشرقا وجهه، ضاحكا سنّه، قريرة عينه، حتّى يدخل الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) )
ولـمّا ختم الله السورة المتقدّمة بوعيد من ألهاه التكاثر، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، وهو أنّ الإنسان لفي خسر إلّا المؤمن الصالح، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ ) أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله:( وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (١) . وهي صلاة العصر، لقولهعليهالسلام : «من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله».
ولأنّ التكليف في أدائها أشقّ، لتهافت الناس في تجاراتهم
__________________
(١) البقرة: ٢٣٨.
ومكاسبهم آخر النهار. وقالعليهالسلام : «أفضل الأعمال أحمزها».
أو بوقت العشيّ، وهو الطرف الأخير من النهار، لـما في ذلك من الدلالة على وحدانيّة الله تعالى بإدبار النهار وإقبال الليل، وذهاب سلطان الشمس، كما أقسم بالضحى، وهو الطرف الأوّل من النهار، لـما فيه من حدوث سلطان الشمس وإقبال النهار، وأهل الملّتين يعظّمون هذين الوقتين.
أو بعصر النبوّة، أو بالدهر، لاشتماله على أصناف الأعاجيب، وللتعريض بنفي ما يضاف إليه من الخسران.
( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) إنّ الناس لفي خسران في مساعيهم، وصرف أعمارهم في معايشهم. والتعريف للجنس. والتنكير للتعظيم والتكثير.
( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) فإنّهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وفازوا بالحياة الأبديّة والسعادة السرمديّة، بخلاف من عداهم، فإنّهم بالتجارة الدنيويّة الفانية وقعوا في الخسارة والشقاوة.
( وَتَواصَوْا بِالْحَقِ ) بالأمر الثابت الّذي لا يصحّ إنكاره، من اعتقاد أو عمل عقلا ونقلا. وهو كتوحيد الله وطاعته، واتّباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) عن المعاصي، أو على الحقّ، أو على ما يبلو الله به عباده. وهذا من عطف الخاصّ على العامّ للمبالغة، إلّا أن يخصّ العمل بما يكون مقصورا على كماله. ولعلّه سبحانه إنّما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود، وإشعارا بأنّ ما عدا ما عدّ يؤدّي إلى خسر وخفض حظّ، أو تكرّما، فإنّ الإبهام في جانب الخسر كرم.
وفي هذه السورة أعظم دلالة على إعجاز القرآن. ألا ترى أنّها مع قلّة حروفها تدلّ على جميع ما يحتاج الناس إليه في الدين علما وعملا. وفي وجوب التواصي بالحقّ والصبر إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى التوحيد والعدل، وأداء الواجبات، والاجتناب عن المقبّحات.
(١٠٤)
سورة الهمزة
مكّيّة. وهي تسع آيات بالإجماع.
وفي حديث أبيّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من استهزأ بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ ) في فرائضه نفت عنه الفقر، وجلبت عليه الرزق، وتدفع عنه ميتة السوء».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) )
ولـمّا أجمل سبحانه في سورة العصر أنّ الإنسان لفي خسر، فصّل في هذه السورة تلك الجملة، فقال:
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) الهمز: الكسر، كالهزم.
ومنه: الهزيمة. واللمز: الطعن، كاللهز. يقال: لمزه ولهزه: طعنه. فشاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم. وعن سعيد بن جبير وقتادة: الهمزة: المغتاب، واللمزة: الطعّان. وعن ابن زيد: الهمزة: الّذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الّذي يلمزهم بلسانه وبعينه. وعن الحسن وعطاء: الهمزة: الّذي يطعن في الوجه بالعيب، واللمزة: الّذي يغتاب عند الغيبة. وبناء فعلة على الاعتياد، فلا يقال: ضحكة ولعنة إلّا للمكثر المتعوّد.
ونزولها في الأخنس بن شريق، فإنّه كان مغتابا، وله أربعة آلاف دينار.
وقيل: عشرة آلاف. وقيل: في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: في اميّة بن خلف. ويجوز أن يكون السبب خاصّا والوعيد عامّا، ليتناول كلّ من باشر ذلك القبيح.
( الَّذِي جَمَعَ مالاً ) من غير حلّه. بدل من «كلّ». أو ذمّ منصوب أو مرفوع.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد، للتكثير. وهو مطابق لقوله:( وَعَدَّدَهُ ) وعدّه مرّة بعد اخرى، وأحصاه مرارا لكثرة حبّه له. أو جعله عدّة للنوازل. أو جمع وعدّد ماله وقومه الّذين ينصرونه. من قولك: فلان ذو عدد وعدد، إذا كان له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم. فطوّل حبّ المال والأهل أمله، ومنّاه الأماني البعيدة، حتّى أصبح لفرط غفلته وطول أمله( يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ ) تركه خالدا في الدنيا لا يموت أبدا، فأحبّه كما يحبّ الخلود. فعمل عمل من لا يظنّ الموت، من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجرّ، وغرس الأشجار، وعمارة الأرض وغيرها. وفيه تعريض بأنّ المخلّد هو السعي للآخرة.
( كَلَّا ) ردع له عن حسبانه( لَيُنْبَذَنَ ) ليطرحنّ. من: النبذ بمعنى الطرح.
( فِي الْحُطَمَةِ ) في النار الّتي من شأنها أن تحطم كلّ ما يطرح فيها. ويقال للرجل
الأكول: إنّه لحطمة، لكسره المأكولات. وعن مقاتل: وهي تحطم العظام، وتأكل اللحوم، حتّى تهجم على القلوب.
ثمّ قال تفخيما لأمرها:( وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ) ما النار الّتي لها هذه الخاصّية( نارُ اللهِ ) تفسير لها( الْمُوقَدَةُ ) أي: النار الّتي أوقدها الله، وما أوقده لا يقدر غيره أن يطفئه( الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ) أي: تعلو أوساط القلوب، وتشتمل عليها. وتخصيصها بالذكر لأنّ الفؤاد ألطف ما في البدن، وأشدّه تألّما بأدنى أذى يمسّه، فكيف إذا أطلعت عليه نار جهنّم واستولت عليه؟! أو لأنّها محلّ العقائد الزائغة، والنيّات الخبيثة، ومنشأ الأعمال القبيحة.
( إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) مطبقة. من: أوصدت الباب إذا أطبقته.
قال :
تحنّ إلى أجبال مكّة ناقتي |
ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة |
( فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ) أي: موثّقين في أعمدة ممدودة مثل المقاطر(١) الّتي تقطر فيها اللصوص. أو المعنى: توصد عليهم الأبواب، وتمدّد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق. وذلك لتأكيد يأسهم من الخروج، وتيقّنهم بحبس الأبد. وقرأ الكوفيّون غير حفص بضمّتين.
روى العيّاشي بإسناده عن محمد بن النعمان الأحول، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «إنّ الكفّار والمشركين يعيّرون أهل التوحيد في النار، ويقولون: ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا، وما نحن وأنتم إلّا سواء. قال: فيأنف لهم الربّ تعالى، فيقول للملائكة: اشفعوا، فيشفعون لمن شاء الله. ثمّ يقول للنبيّين: اشفعوا، فيشفعون لمن شاء الله. ثمّ يقول للمؤمنين: اشفعوا، فيشفعون لمن شاء الله. ويقول الله: أنا أرحم الراحمين اخرجوا برحمتي، فيخرجون كما يخرج الفراش. قال: ثمّ قال أبو جعفرعليهالسلام : ثمّ مدّت العمد، فأوصدت عليهم، وكان والله الخلود».
__________________
(١) المقاطر جمع المقطرة: الفلق. وهي: خشبة فيها خروق تدخل فيها أرجل المسجونين.
(١٠٥)
سورة الفيل
مكّيّة. وهي خمس آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «من قرأها عافاه الله أيّام حياته من القذف والمسخ».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ في فرائضه( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ) شهد له يوم القيامة كلّ سهل وجبل ومدر بأنّه كان من المصلّين، وينادي يوم القيامة مناد: صدقتم على عبدي، قبلت شهادتكم له أو عليه، أدخلوا عبدي الجنّة ولا تحاسبوه، فإنّه ممّن أحبّه وأحبّ عمله. ومن أكثر قراءة «لإيلاف قريش» بعثه الله يوم القيامة على مركب من مراكب الجنّة، حتّى يقعد على موائد النور يوم القيامة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) )
ولـمّا ذكر سبحانه في سورة الهمزة ما أعدّ من العذاب لمن عاب الناس
واغتابهم وركن إلى الدنيا، بيّن في هذه السورة ما فعله بأصحاب الفيل من عذاب الاستئصال، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ) الخطاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهو وإن لم يشهد تلك الواقعة لكن شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها، فكأنّه رآها. وإنّما قال: «كيف» ولم يقل: «ما» لأنّ المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله وقدرته، وعزّة نبيّه، وشرف رسوله، فإنّها من الإرهاصات(١) ، إذ روي عن أكثر العلماء أنّها وقعت في السنة الّتي ولد فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وعن عائشة: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة أعميين مقعدين يستطعمان.
وقصّتها: أنّ ملك اليمن قصد هدم الكعبة، وهو أبرهة بن الصباح الأشرم.
وقيل: كنيته أبو يكسوم. قال الواقدي: هو صاحب أصحمة النجاشي، جدّ النجاشي الّذي كان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال محمّد بن إسحاق بن يسار: أقبل تبّع(٢) حتّى نزل على المدينة، فنزل بوادي قبا، فحفر بها بئرا تدعى اليوم بئر الملك. قال: وبالمدينة إذ ذاك يهود والأوس والخزرج، فقاتلوه، وجعلوا يقاتلونه بالنهار فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة. فاستحيا وأراد صلحهم، فخرج إليه رجل من الأوس يقال له: أحيحة بن الجلاح، وخرج إليه من اليهود بنيامين القرظي.
فقال له احيحة: أيّها الملك نحن قومك.
وقال بنيامين: هذه بلدة لا تقدر على أن تدخلها ولو جهدت.
قال: ولم؟
قال: لأنّها منزل نبيّ من الأنبياء يبعثه الله من قريش.
__________________
(١) أي: من المبشّرات والمنبئات بمجيء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
(٢) التبّع: لقب ملوك اليمن.
قال: ثمّ خرج يسير حتّى إذا كان من مكّة على ليلتين بعث الله عليه ريحا قصفت يديه ورجليه، وشنجت جسده، فأرسل إلى من معه من اليهود فقال: ويحكم ما هذا الّذي أصابني؟
قالوا: حدّثت نفسك بشيء؟
قال: نعم. وذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة ما فيه.
قالوا: ذلك بيت الله الحرام، ومن أراده هلك.
قال: ويحكم وما المخرج ممّا دخلت فيه؟
قالوا: تحدّث نفسك بأن تطوف به، وتكسوه، وتهدي له. فحدّث نفسه بذلك، فأطلقه الله. ثمّ سار حتّى دخل مكّة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وكسا البيت.
وذكر الحديث في نحره بمكّة، وإطعامه الناس، ثمّ رجوعه إلى اليمن، وقتله، وخروج ابنه إلى قيصر، واستغاثته به فيما فعل قومه بأبيه، وأنّ قيصر كتب له إلى النجاشيّ، وأنّ النجاشي بعث له ستّين ألفا، واستعمل عليهم روزبه حتّى قاتلوا حمير قتلة أبيه، ودخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن.
وكان في أصحاب روزبه رجل يقال له: أبرهة، وهو أبو يكسوم. فقال لروزبه: أنا أولى بهذا الأمر منك، وقتله مكرا، وأرضى النجاشيّ.
ثمّ إنّه بنى كنيسة بصنعاء، وسمّاه القلّيس، وجعل فيها قبابا من ذهب، وأمر أهل مملكته بالحجّ إليها، يضاهي(١) بذلك البيت الحرام، وأراد أن يصرف إليها الحاجّ. وإنّ رجلا من بني كنانة خرج حتّى قدم اليمن، فنظر إليها ثمّ قعد فيها ليلا، يعني: لحاجة الإنسان. فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها، فقال: من اجترأ عليّ بهذا، ونصرانيّتي لأهدمنّ ذلك البيت حتّى لا يحجّه حاجّ أبدا. وقيل: أجّجت رفقة
__________________
(١) أي: يشابه ويشاكل.
من العرب نارا، فحملتها الريح فأحرقتها. فحلف: ليهدمنّ الكعبة. فخرج ومعه فيل اسمه: محمود، وكان قويّا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره. وقيل: ثمانية. وقيل: كان معه ألف فيل. وكان وحده، وأذّن في قومه بالخروج ومن اتّبعه من أهل اليمن، وكان أكثر من اتّبعه منهم عكّ والأشعرون وخثعم.
قال: ثمّ خرج يسير حتّى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ليدعو الناس إلى حجّ بيته الّذي بناه، فتلقّاه رجل من الحمس(١) من بني كنانة فقتله.
فازداد بذلك حنقا، وحثّ السير والانطلاق، وطلب من أهل الطائف دليلا، فبعثوا معه رجلا من هذيل يقال له: نفيل، فخرج بهم يهديهم حتّى إذا كانوا بالمغمس نزلوه، وهو من مكّة على ستّة أميال، فبعثوا مقدّماتهم إلى مكّة. فخرجت قريش عباديد(٢) في رؤوس الجبال، وقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء القوم. ولم يبق بمكّة غير عبد المطّلب بن هاشم، أقام على سقايته، وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار، أقام على حجابة البيت. فجعل عبد المطّلب يأخذ بعضادتي الباب ثمّ يقول :
لا همّ إنّ المرء |
يمنع رحله فامنع حلالك(٣) |
|
لا يغلبنّ صليبهم |
ومحالهم(٤) عدوا محالك |
|
إن كنت تاركهم وكعبتنا |
فأمر ما بدا لك |
|
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا |
يا ربّ فامنع منهم حماكا |
ثمّ إنّ مقدّمات أبرهة أصابت نعما لقريش، فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطّلب بن هاشم. فلمّا بلغه ذلك خرج حتّى انتهى إلى القوم، وكان حاجب
__________________
(١) الحمس جمع الأحمس، وهو المشتدّ الصلب في القتال، والشجاع.
(٢) أي: خرجوا متفرّقين. والعباديد الفرق من الناس.
(٣) أي: سكّان حرمك الّذين حلّوا فيه.
(٤) المحال: الكيد، المكر، الشدّة والقوّة.
أبرهة رجلا من الأشعرين، وكانت له بعبد المطّلب معرفة، فاستأذن له على الملك، وقال له: أيّها الملك جاءك سيّد قريش الّذي يطعم إنسها في الحيّ، ووحوشها في الجبل. فقال: ائذن له. وكان عبد المطّلب رجلا جسيما جميلا، فلمّا رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته، وكره أن يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره فجلس على الأرض، وأجلس عبد المطّلب معه. ثمّ قال: ما حاجتك؟
قال: حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدّمتك.
فقال أبو يكسوم: والله لقد رأيتك فأعجبتني، ثمّ تكلّمت فزهدت فيك.
فقال: ولم أيّها الملك؟
قال: لأنّي جئت إلى بيت عزّكم ومنعتكم من العرب، وفضلكم في الناس، وعصمتكم وشرفكم عليهم، ودينكم الّذي تعبدون، فجئت لأكسره، وأصيبت لك مائتا بعير، فسألتك عن حاجتك، فكلّمتني في إبلك، ولم تطلب إليّ في بيتكم.
فقال له عبد المطّلب: أيّها الملك أنا أكلّمك في مالي، ولهذا البيت ربّ هو يمنعه، لست أنا منه في شيء.
فراع ذلك أبا يكسوم، وأمر بردّ إبل عبد المطّلب عليه. ثمّ رجع، وأمست ليلتهم تلك ليلة كالحة(١) نجومها، كأنّها تكلمهم(٢) ، لاقترابها منهم، فأحسّت نفوسهم بالعذاب. وخرج دليلهم حتّى دخل الحرم وتركهم. وقام الأشعرون وخثعم فكسروا رماحهم وسيوفهم، وبرئوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت، فباتوا كذلك أخبث ليلة. ثمّ أدلجوا(٣) بسحر، فبعثوا فيلهم وقدّموه يريدون أن يصبحوا بمكّة ،
__________________
(١) أي: مستترة في الغمامة، مطموسا ضوءها. وهو استعارة تمثيليّة مركّبة، يصف ليلتهم تلك وبؤسها بوجه كالح، أي عبوس، كأنّ نجوم الليل من شدّة الدواهي كالحة.
(٢) أي: تجرحهم. من: كلم الرجل: جرحه.
(٣) أدلج القوم: ساروا الليل كلّه، أو في آخره.
فوجّهوه إلى مكّة، فكانوا كلّما وجّهوه إلى الحرم برك(١) ، فضربوه فتمرّغ ولم يبرح.
ثمّ إنّهم أقبلوا على الفيل فقالوا: لك الله أن لا نوجّهك إلى مكّة. فانبعث، فوجّهوه إلى اليمن راجعا، فتوجّه يهرول، فعطفوه حين رأوه منطلقا حتّى إذا ردّوه إلى مكانه الأوّل ربض(٢) ، فلمّا رأوا ذلك عادوا إلى القسم. فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتّى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة من جانب اليمن. فالتفت إليها عبد المطّلب وهو يدعو عليهم، فقال: والله إنّها لطير غريبة، ما هي بنجديّة ولا تهاميّة. فجعلت ترميهم، وكلّ طائر في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت اخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلّا خرقه، ولا عظم إلّا أوهاه وثقبه.
وثاب(٣) أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة، فجعل كلّما قدم أرضا انقطع له فيها إرب(٤) ، حتّى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلّا أباده. فلمّا قدمها تصدّع صدره وانشقّ بطنه، فهلك. ولم يصب من خثعم والأشعرين أحد.
قال: وكان عبد المطّلب يرتجز ويدعو على الحبشة، يقول :
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا |
يا ربّ فامنع منهم حماكا |
|
إنّ عدوّ البيت من عاداكا |
إنّهم لن يقهروا قواكا |
قال: ولم تصب تلك الحجارة أحدا إلّا هلك.
وروى العيّاشي بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «أرسل
__________________
(١) برك البعير استناخ، وهو: أن يلصق صدره بالأرض. تمرّغ الحيوان: رشّ اللعاب من فيه.
وتمرّغ في التراب: تقلّب.
(٢) ربضت الدابّة: بمعنى: بركت الإبل.
(٣) ثاب ثوبا: عاد.
(٤) الإرب: العضو. وجمعه: آراب.
الله على أصحاب الفيل طيرا مثل الخطّاف أو نحوه، في منقاره حجر مثل العدسة».
مخطّطة بحمرة كالجزع(١) الظفاري. وقيل: كانت أكبر من العدسة، وأصغر من الحمّصة.
وقال عبد الله بن مسعود: صاحت الطير فرمتهم بالحجارة، فبعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدّة، فما وقع منها حجر على رجل إلّا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره، فلم يزل بهم حتّى أتت عليهم. قال: فأفلت الرجل منهم، فجعل يخبر الناس بالقصّة، فبينا هو يخبرهم إذ أبصر طيرا منها، فقال: هذا هو منها. قال: فحاذى فطرحه على رأسه فخرج من دبره.
وقال عبيد بن عمير الليثي: لـمّا أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرا نشأت من البحر كأنّها الخطاطيف(٢) ، كلّ طير منها معه ثلاثة أحجار، ثمّ جاءت حتّى صفّت على رؤوسهم، ثمّ صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع منها على رجل إلّا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره، وإن وقع على شيء من جسده خرج من الجانب الآخر.
وعن عكرمة عن ابن عبّاس، قال: دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا عليها الطين، فلمّا حاذت بهم رمتهم، فما بقي أحد منهم إلّا أخذته الحكّة، فكان لا يحكّ إنسان منه جلده إلّا تساقط لحمه. قال: وكانت الطير نشأت من قبل البحر، لها خراطيم الطيور ورؤوس السباع، لم تر قبل ذلك ولا بعده.
وعن ابن عبّاس: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وعن الربيع: لها أنياب كأنياب السباع. وقيل: طير خضر لها مناقير صفر. وقيل: طير سود
__________________
(١) الجزع: خرز فيه سواد وبياض. وظفار مدينة ببلاد عمان.
(٢) الخطاطيف جمع الخطّاف: طائر يشبه السنونو، طويل الجناحين، قصير الرجلين، أسود اللون.
بحريّة، تحمل في مناقيرها وأكفّها الحجارة.
وروي: أنّ عبد المطّلب قبل ظهور الطيور عرض على أبرهة ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى، فلمّا استأصلوا بحجارة الطيور احتوت أهل مكّة على أموالهم، وجمع عبد المطّلب من جواهرهم وذهبهم الجورّ(١) ـ أي: المال الكثير استعارة ـ وكان سبب يساره.
وعن أبي سعيد الخدري أنّه سئل عن الطير، فقال: حمام مكّة منها. وقيل: جاءت عشيّة ثمّ صبّحتهم.
وعن عكرمة: من أصابته جدّرته. وهو أوّل جدريّ ظهر.
وحكى الله سبحانه هذه القصّة إجمالا، تنبيها لقريش، وتهديدا لهم، فقال:( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ) في تعطيل الكعبة وتخريبها( فِي تَضْلِيلٍ ) في تضييع وإبطال.
يقال: ضلّل كيده إذا جعله ضالّا ضائعا. ونحوه قوله تعالى:( وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) (٢) . وقيل لامرئ القيس: الملك الضليل، لأنّه ضلّل ملك أبيه، أي: ضيّعه.
يعني: أنّهم كادوا البيت أوّلا ببناء القلّيس، وأرادوا أن ينسخوا أمره بصرف وجوه الحاجّ إليه، فضلّل كيدهم بإيقاع الحريق فيه، وكادوه ثانيا بإرادة هدمه، فضلّل بإرسال الطير عليهم، كما قال :
( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ) جماعات. جمع إبالة، وهي الحزمة الكبيرة. شبّهت بها الجماعة من الطير في تضامّها. وقيل: لا واحد لها، كعباديد(٣) وشماطيط.
( تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) من طين مطبوخ متحجّر، كما يطبخ الآجرّ. معرّب سنك كل. وقيل: من السّجل، وهو الدلو الكبير. أو الإسجال، وهو الإرسال.
__________________
(١) الجورّ: الكثير الّذي جاوز الحدّ والعادة.
(٢) غافر: ٢٥.
(٣) العباديد والشماطيط: الفرق من الناس.
أو من السجلّ. ومعناه: من جملة العذاب المكتوب المدوّن. كأنّه علم للديوان الّذي كتب فيه عذاب الكفّار، كما أنّ سجّينا علم لديوان أعمالهم.
( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) كورق زرع وقع فيه الأكال، وهو أن يأكله الدود. أو كتبن أكلته الدوابّ وراثته(١) . أو أكل حبّه فبقي صفرا منه.
__________________
(١) راث الفرس: مثل: تغوّط الرجل.
(١٠٦)
سورة قريش
مكّيّة. وهي أربع آيات.
وفي حديث أبيّ: «من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها».
وروى العيّاشي بإسناده عن المفضّل بن صالح، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: سمعته يقول: «لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة، إلّا الضحى وألم نشرح، وألم تر كيف ولإيلاف قريش».
وعن أبي العبّاس عن أحدهماعليهماالسلام قال: «ألم تر كيف فعل ربّك، ولإيلاف قريش سورة واحدة».
وروي: أنّ أبيّ بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه.
وقال عمرو بن ميمون الأزدي: صلّيت المغرب خلف عمر بن الخطّاب، فقرأ في الأولى والتين والزيتون، وفي الثانية ألم تر كيف ولإيلاف قريش.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) )
ولـمّا ذكر سبحانه عظيم نعمته على أهل مكّة بما صنعه بأصحاب الفيل، قال عقيب ذلك :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ) متعلّق بقوله:( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ) . والفاء لـما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى: أنّ نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل( إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ) أي: الرحلة في الشتاء إلى اليمن ـ لأنّها بلدة حارّة ـ وفي الصيف إلى الشام، لأنّها بلدة باردة، فيمتارون ويتّجرون. وكانوا في رحلتيهم آمنين، لأنّهم أهل حرم الله وولاة بيته، فلا يتعرّض لهم، وغيرهم يتخطّفون ويغار عليهم.
أو بمحذوف(١) ، مثل: اعجبوا. أو بما قبله، كالتضمين في الشعر، وهو أن يتعلّق معنى البيت بالّذي قبله تعلّقا لا يصحّ إلّا به. والمعنى: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش. ويؤيّده أنّهما في مصحف أبيّ سورة واحدة.
والمعنى: أنّه أهلك الحبشة الّذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك، فيتهيّبوهم زيادة تهيّب، ويحترموهم فضل احترام، حتّى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم، فلا يجترئ أحد عليهم.
والإيلاف من قولهم: آلفت المكان أولفه إيلافا إذا ألفته، فأنا مؤلف.
وقريش ولد النضر بن كنانة. منقول من تصغير قرش، وهو دابّة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، فلا تطاق إلّا بالنار. فشبّهوا بها، لأنّها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى.
وعن معاوية: أنّه سأل ابن عبّاس لم سمّيت قريش؟ قال: لدابّة تكون في البحر من أعظم دوابّه، يقال لها: قريش، لا تمرّ بشيء من الغثّ والسمين إلّا أكلته. وصغّر الاسم للتعظيم.
__________________
(١) عطف على قوله: متعلّق بقوله ...، في بداية الفقرة السابقة.
وقيل: من القرش، وهو الكسب، لأنّهم كانوا كسّابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد، ولم يكونوا أصحاب ضرع ولا زرع.
وأطلق الإيلاف ثمّ أبدل المقيّد عنه، تفخيما لأمر الإيلاف، وتذكيرا بعظيم النعمة فيه. وقرأ ابن عامر: لإلاف، بغير ياء بعد الهمزة. ونصب «رحلة» بأنّه مفعول به لـ «إيلافهم»، كما نصب «يتيما» بـ «إطعام»(١) .
وروي: أنّ أوّل من حمل الميرة(٢) من الشام، ورحّل إليها الإبل، هاشم بن عبد مناف.
( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) بالرحلتين. والتنكير للتعظيم، أي: أطعمهم بالرحلتين: من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، حتّى كانوا يأكلون فيه الجيف والعظام المحرقة والأرواث( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) خوف أصحاب الفيل. أو خوف التخطّف في بلدهم ومسايرهم. وقيل: خوف الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم. وقيل: كلّ ذلك بدعاء إبراهيم على نبيّنا وعليهالسلام .
__________________
(١) البلد: ١٤ ـ ١٥.
(٢) الميرة: الطعام الّذي يدّخره الإنسان.
(١٠٧)
سورة أرأيت
وتسمّى سورة الماعون. مكّيّة، مختلف فيها. وهي سبع آيات.
وفي حديث أبيّ: «من قرأ هذه السورة غفر الله له إن كان للزكاة مؤدّيا».
عمرو بن ثابت عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ «أرأيت الّذي يكذّب بالدين» في فرائضه ونوافله قبل الله صلاته وصيامه، ولم يحاسبه بما كان منه في الحياة الدنيا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) )
ولـمّا ذكر سبحانه نعمته على قريش، عجّب في هذه السورة من تكذيبهم مع عظيم النعمة عليهم، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَرَأَيْتَ ) استفهام في معنى التعجّب، أي: هل عرفت( الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) بالجزاء أو الإسلام من هو؟ إن لم تعرفه( فَذلِكَ الَّذِي
يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) يدفعه دفعا عنيفا بجفوة وأذى، ويردّه ردّا قبيحا بزجر وخشونة. وهو أبو جهل، كان وصيّا ليتيم فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه. أو أبو سفيان، نحر جزورا فسأله يتيم لحما فقرعه بعصاه. أو الوليد بن المغيرة. أو منافق بخيل.
( وَلا يَحُضُ ) ولا يبعث أهله وغيرهم( عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) على بذله، لعدم اعتقاده بالجزاء، ولذلك رتّب الجملة على تكذيب الجزاء بالفاء. يعني: أنّه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشى الله وعقابه، ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه علم أنّه مكذّب.
ثمّ وصل به قوله:( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) كأنّه قال: إذا كان الأمر كذلك فويل للمصلّين( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) أي: تاركوها مع أنّها عماد الدين، لقلّة مبالاتهم بها حتّى تفوتهم. أو لا يصلّونها كما صلّاها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل ينقرونها نقرا من غير حفظ أركانها وشرائطها وآدابها، من خشوع وإخبات.
وقيل: يريد المنافقين الّذين لا يرجون لها ثوابا إن صلّوا، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتّى يذهب وقتها، فإذا كانوا مع المؤمنين صلّوها رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلّوا.
وعن أبي أسامة، عن زيد الشحّام قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله تعالى:( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) . قال: «هو الترك لها، والتواني عنها».
وعن محمد بن الفضيل عن أبي الحسنعليهالسلام قال: «هو التضييع لها».
( الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ) الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليها، فإنّ المراآة مفاعلة من الإراءة، والمرائي يري الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به. وعن بعضهم: أنّه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها، فقال: ما أحسن هذا لو كان في بيتك. وإنّما قال هذا لأنّه توسّم فيه الرياء والسمعة. على أنّ اجتناب الرياء صعب إلّا على المرتاضين بالإخلاص. ومن ثمّ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الرياء
أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح(١) الأسود».
( وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ) الزكاة. أو ما يتعاوره الناس بينهم في العادة، من الفأس والقدر والدلو والمقدحة، ونحوها من ماء ونار وملح. وروي ذلك مرفوعا.
وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحا في المروءة في غير حال الضرورة. والحاصل أنّ الفاء جزائيّة.
والمعنى: إذا كان عدم المبالاة باليتيم من ضعف الدين، والموجب للذمّ والتوبيخ، فالسهو عن الصلاة الّتي هي عماد الدين، والرياء الّذي هو شعبة من الكفر، ومنع الزكاة الّتي هي قنطرة الإسلام، أحقّ بذلك. ولذلك رتّب عليها الويل.
وقيل: المعنى: فويل لهم. فوضع صفتهم موضع ضميرهم، لأنّهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين، غير مزكّين أموالهم. وعلى هذا ؛ إنّما جمع الضمير لأنّ المراد بالموصول الجنس.
والفرق بين «عن صلاتهم» و «في صلاتهم»: أنّ معنى «عن» أنّهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلّة التفات إليها، وذلك فعل الكفّار والمنافقين أو الفسقة من المسلمين. ومعنى «في» أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة الشيطان، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، ومن ثمّ أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. وعن أنس: الحمد لله على أن لم يقل: في صلاتهم.
واعلم أنّ المكلّف لا يكون مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة. فمن حقّ الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقولهعليهالسلام : «ولا غمّة(٢) في فرائض الله» لأنّها إعلام الإسلام وشعائر الدين، ولأنّ تاركها يستحقّ الذمّ والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار. وإن كان تطوّعا فحقّه أن يخفى، لأنّه ممّا لا يلام بتركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا، وإنّما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فيثنى عليه بالصلاح. وكذلك البحث في الزكاة.
__________________
(١) المسح: البلاس يقعد عليه، والكساء من شعر.
(٢) أي: لا ستر ولا وإخفاء.
(١٠٨)
سورة الكوثر
مختلف فيها. وهي ثلاث آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «من قرأها سقاه الله من أنهار الجنّة، وأعطي من الأجر بعدد كلّ قربان قرّبه العباد في يوم عيد ويقرّبون، من أهل الكتاب والمشركين».
أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) في فرائضه ونوافله، سقاه الله يوم القيامة من الكوثر، وكان محدّثه عند محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم في أصل طوبى».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) )
ولـمّا ذكر سبحانه في سورة الماعون تاركي الصلاة ومانعي الزكاة، ذكر في هذه السورة الحافظين على الصلاة بشرائطها، والمعطين للزكاة، فتكون مقابلة للسورة المتقدّمة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) الخير المفرط الكثرة بحيث
لا غاية لكثرته، من خير الدارين الّذي لم يعطه أحد غيرك. فاجتمعت لك الغبطتان السنيّتان على الوجه الأكمل الأتمّ، فإنّ زنة فوعل موضوعة للمبالغة جدّا.
وقيل: الكوثر نهر في الجنّة. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قرأها حين أنزلت عليه فقال: «أتدرون ما الكوثر؟ إنّه نهر في الجنّة ووعدنيه ربّي، فيه خير كثير». ثمّ قال في صفته: «أحلى من العسل، وأشدّ بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافّتاه الزبرجد، وأوانيه من فضّة، عدد نجوم السماء. لا يظمأ من شرب منه أبدا. أوّل وارديه فقراء المهاجرين، الدنسوا الثياب، الشعث الرؤوس، الّذين لا يزوّجون المنعّمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبّره». أي: لو سأل الله أجابه.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «نهر في الجنّة أعطاه الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عوضا من ابنه».
وروى مسلم في الصحيح عن أنس: «بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى(١) إغفاء، ثمّ رفع رأسه متبسّما. فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آنفا سورة. فقرأ الكوثر، ثمّ قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّه نهر ووعدنيه عليه ربّي خيرا كثيرا، هو حوضي ترد عليه أمّتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء. فيختلج(٢) القرن منهم، فأقول: يا ربّ إنّهم من أمّتي. فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(٣) .
وعن عكرمة: الكوثر النبوّة والقرآن. وقيل: كثرة الأصحاب والأشياع. وقيل: هو الشفاعة.
__________________
(١) أي: نعس ونام نومة خفيفة.
(٢) أي: يجتذب وينتزع. والقرن: الجماعة والأمّة.
(٣) صحيح مسلم ١: ٣٠٠ ح ٥٣.
وعن ابن عبّاس: أنّه فسّر الكوثر بالخير الكثير. فقال له سعيد بن جبير: إنّ ناسا يقولون: هو نهر في الجنّة. فقال: هو من الخير الكثير.
وقيل: كثرة ذرّيّته من ولد فاطمةعليهاالسلام حتّى لا يحصى عددهم. ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس: أنّها نزلت في العاص بن وائل السهمي. وذلك أنّه رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخرج من المسجد، فالتقيا عند باب بني سهم وتحدّثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلمّا دخل العاص قالوا من الّذي كنت تحدّث؟ قال: ذلك الأبتر. وكان قد توفّي قبل ذلك عبد الله ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو من خديجة، وكانوا يسمّون من ليس له ابن ابتر، فسمّته قريش عند موت ابنه أبتر وصنبورا، وهو الّذي لا عقب له. واللفظ محتمل للكلّ، فيجب أن يحمل على جميع ما ذكر من الأقوال.
( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) فدم على الصلاة خالصا لوجه الله الّذي أعزّك بإعطائه إيّاك الخير الكثير في الدارين، وصانك من منن الخلق، خلاف الساهي عنها المرائي فيها، شكرا لإنعامه، فإنّ الصلاة جامعة لأقسام الشكر( وَانْحَرْ ) البدن الّتي هي خيار الأموال، وتصدّق على المحاويج لله تعالى، خلافا لهم في النحر للأوثان، ولمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون.
وعن عطيّة: صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى. عن عطاء وعكرمة وقتادة: صلاة العيد والنحر بمنى. والأولى أن يكون جنس الصلاة والنحر.
وقيل: معناه: صلّ لربّك الصلاة المكتوبة، واستقبل القبلة بنحرك. وتقول العرب: منازلنا تتناحر، أي: هذا ينحر هذا، يعني: يستقبله.
وما روى العامّة عن عليّعليهالسلام أنّ معناه: ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة.
فممّا لا يصحّ عنه، لأنّ جميع عترته الطاهرة قد رووه عنه بخلاف ذلك، وهو أنّ معناه: ارفع يديك إلى النحر في الصلاة.
وعن عمر بن يزيد قال: «سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول في قوله:( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) هو رفع يديك حذاء وجهك». وروى عنه عبد الله بن سنان مثله.
وعن جميل قال: «قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) . فقال: أشار بيده هكذا، يعني: استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة».
وعن حمّاد بن عثمان قال: «سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : ما النحر؟ فرفع يده إلى صدره فقال: هكذا، ثمّ رفعها فوق ذلك فقال: هكذا. يعني: استقبل بيديه القبلة في افتتاح الصلاة».
وروي عن مقاتل بن حيّان، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «لمّا نزلت هذه السورة قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لجبرئيل: ما هذه النحيرة الّتي أمرني بها ربّي؟ قال: ليست بنحيرة، ولكنّه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنّ صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع هكذا، وإنّ لكلّ شيء زينة، وإنّ زينة الصلاة رفع الأيدي عند كلّ تكبيرة».
وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رفع الأيدي من الاستكانة. قلت: وما الاستكانة؟ قال: ألا تقرأ هذه الآية( فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ) (١) . أورده الثعلبي والواحدي(٢) في تفسيريهما.
( إِنَّ شانِئَكَ ) إنّ من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم( هُوَ الْأَبْتَرُ ) الّذي لا عقب له ولا له عاقبة خير، إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، وأمّا أنت فتبقى ذرّيّتك الطيّبة، وحسن صيتك على المنائر والمنابر، وعلى لسان كلّ عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثنّى بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت
__________________
(١) المؤمنون: ٧٦.
(٢) الوسيط ٤: ٥٦٢.
الوصف، فمثلك لا يقال له: أبتر، إنّما الأبتر هو شانئك المنسيّ في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن.
وفي هذه السورة دلالات على صدق نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم وصحّة نبوّته :
أحدها: أنّه أخبر عمّا في نفوس أعدائه من أنّ محمّدا ليس له عقب، فيموت عن قريب، ونستريح منه، ويدرس دينه، وينقطع أمره. ولم يكن بلغه ذلك، فكان مطابقا لـما أخبر.
وثانيها: أنّه قال:( أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) . فانظر كيف انتشر دينه، وعلا أمره، وكثرت ذرّيّته، حتّى صار نسبه أكثر من كلّ نسب، ولم يكن شيء من ذلك في تلك الحال.
وثالثها: أنّ جميع فصحاء العرب والعجم قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها، مع تحدّيه إيّاهم بذلك، وحرصهم على بطلان أمره منذ بعثصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى يوم الناس هذا، وهذا غاية الإعجاز.
ورابعها: أنّه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه، وأخبره بسقوط أمرهم، وانقطاع دينهم وأعقابهم، فكان المخبر على ما أخبر به.
(١٠٩)
سورة الكافرون
مختلف فيها. وهي ستّ آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «ومن قرأ( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) فكأنّما قرأ ربع القرآن، وتباعدت عنه مردة الشياطين، وبرىء من الشرك، ويعافى من الفزع الأكبر».
وعن جبير بن مطعم قال: «قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتحبّ يا جبير أن تكون إذا خرجت سفرا من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا؟ قلت: نعم، بأبي أنت وأمّي يا رسول الله. قال: فاقرأ هذه السور الخمس:( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) و( إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ ) و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ، و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) .
فافتتح قراءتك بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». قال جبير: وكنت غير كثير المال، وكنت أخرج مع من شاء الله أن أخرج، فأكون أكبرهم همّة وأمثلهم زادا حتّى أرجع من سفري ذلك.
وعن فروة بن نوفل الأشجعيّ، عن أبيه، أنّه أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: «جئت يا رسول الله لتعلّمني شيئا أقوله عند منامي. قال: إذا أخذت مضجعك فاقرأ( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) ثمّ نم على خاتمتها، فإنّها براءة من الشرك».
شعيب الحدّاد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «كان أبي يقول:( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) ربع القرآن. وكان إذا فرغ منها قال: أعبد الله وحده، أعبد الله وحده».
وعن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «إذا قلت: «لا أَعْبُدُ ما
تَعْبُدُونَ »» فقل: ولكنّي أعبد الله مخلصا له ديني. فإذا فرغت منها فقل: ديني الإسلام، ثلاث مرّات».
وعن الحسين بن أبي العلاء قال: من «قرأقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) في فريضة من الفرائض غفر الله له ولوالديه وما ولدا، وإن كان شقيّا محي من ديوان الأشقياء، وكتب في ديوان السعداء، وأحياه الله سعيدا، وأماته شهيدا، وبعثه شهيدا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) )
ولـمّا ذكر سبحانه في سورة الكوثر أنّ أعداءه عابوه بأنّه أبتر، فردّ عليهم ذلك، وذكر في هذه السورة أنّهم سألوه المداهنة، فأمره بالبراءة منهم، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) يعني: كفرة مخصوصين، قد علم الله منهم أنّهم لا يؤمنون. فاللام للعهد. روي: أنّ رهطا من قريش قالوا: يا محمّد هلمّ فاتّبع ديننا ونتّبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. فقال: معاذ الله أن أشرك بالله غيره. فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إلهك. فنزلت:( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) .
( لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ) أي: فيما يستقبل، فإنّ «لا» لا تدخل إلّا على مضارع بمعنى الاستقبال، كما أنّ «ما» لا تدخل إلّا على مضارع بمعنى الحال. ألا ترى أنّ
«لن» تأكيد فيما ينفيه «لا». وقال الخليل في «لن» إنّ أصله: لا أن. فالمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه منّي من عبادة آلهتكم.
( وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ) فاعلون العبادة( ما أَعْبُدُ ) ما أطلب منكم من عبادة إلهي، أي: فيما يستقبل، لأنّه في قران «لا أعبد».
( وَلا أَنا عابِدٌ ) وما كنت قطّ عابدا فيما سلف( ما عَبَدْتُّمْ ) يعني: لم تعهد منّي عبادة صنم في الجاهليّة، فكيف ترجى منّي عند فشوّ الإسلام؟!( وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ) وما أنتم عبدتم في وقت مّا( ما أَعْبُدُ ) ما أنا على عبادته. ويجوز أن تكونا تأكيدين على طريقة أبلغ. وإنّما لم يقل: ما عبدت، ليطابق «ما عبدتم» لأنّهم كانوا موسومين قبل المبعث بعبادة الأصنام، وهو لم يكن حينئذ موسوما بعبادة الله. وإنّما قال «ما» دون «من» لأنّ المراد الصفة، كأنّه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحقّ. أو للمطابقة، فإنّ معبودهم من غير ذوي العقول.
وقيل: إنّها مصدريّة، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي. وقيل: الأوليان بمعنى الّذي، والأخريان مصدريّتان.
( لَكُمْ دِينُكُمْ ) الّذي أنتم عليه لا تتركونه، من الإشراك( وَلِيَ دِينِ ) الّذي أنا عليه من التوحيد، لا أرفضه. يعني: أنّي نبيّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحقّ والنجاة، فإن لم تقبلوا منّي ولم تتّبعوني فاتركوني على ما أنا فيه من التوحيد، ولا تدعوني إلى الشرك. فليس فيه إذن في الكفر، ولا منع عن الجهاد، ليكون منسوخا بآية(١) القتال. أللّهمّ إلّا إذا فسّر بالمتاركة وتقرير كلّ من الفريقين الآخر على دينه. وقد فسّر الدين بالحساب والجزاء والدعاء والعبادة. وقرأ نافع وحفص وهشام بفتح الياء.
روي: أنّه لـمّا نزلت هذه السورة غدا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم، فأيسوا.
__________________
(١) التوبة: ٥ و٢٩.
(١١٠)
سورة النصر
مدنيّة. وهي ثلاث آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «ومن قرأها فكأنّما شهد مع محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فتح مكّة».
وروى كرام الخثعمي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ( إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ) في نافلة أو فريضة نصره الله على جميع أعدائه، وجاء يوم القيامة ومعه كتاب ينطق، قد أخرجه الله من جوف قبره، فيه أمان من حرّ جهنّم، ومن النار، ومن زفير جهنّم، يسمعه بأذنيه، فلا يمرّ على شيء يوم القيامة إلّا بشّره، وأخبره بكلّ خير حتّى يدخل الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) )
ولـمّا ختم الله سبحانه السورة المتقدّمة بذكر الدين، افتتح هذه السورة بظهور الدين، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ ) وإغاثته، أي: إظهاره إيّاك على
أعدائك. ومنه: نصر الله الأرض، أغاثها.( وَالْفَتْحُ ) وفتح مكّة. وقيل: المراد جنس نصر الله المؤمنين، وفتح سائر بلاد الشرك عليهم. وإنّما عبّر عن الحصول بالمجيء تجوّزا، للإشعار بأنّ المقدّرات متوجّهة من الأزل إلى أوقاتها المعيّنة لها، فيقرب المقدّر من الوقت شيئا فشيئا، وقد قرب النصر من وقته، فكن مترقّبا لوروده، مستعدّا لشكره. والأكثر على القول الأوّل.
وكان فتح مكّة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان، ومع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة.
ثمّ خرج إلى هوازن، وهم أهل حنين، وحين دخلها وقف على باب الكعبة، ثمّ قال: لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثمّ قال: يا أهل مكّة ما ترون أنّي فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فأعتقهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ بايعوه على الإسلام.
وعن ابن مسعود قال: دخل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستّون صنما، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحقّ وما يبدئ الباطل وما يعيد، جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا.
وعن ابن عبّاس قال: لـمّا قدم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مكّة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت صورة إبراهيم وإسماعيلعليهماالسلام وفي أيديهما الأزلام، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : قاتلهم الله أما والله لقد علموا أنّهما لم يستقسما بها قطّ.
( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ ) حال على أنّ «رأيت» بمعنى: أبصرت. أو مفعول ثان على أنّه بمعنى: علمت.( فِي دِينِ اللهِ ) في ملّة الإسلام الّتي لا دين له يضاف إليه غيرها، لقوله:( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (١) ( أَفْواجاً ) جماعات كثيفة، أي: كانت تدخل في الإسلام قبيلة بعد قبيلة، كأهل مكّة والطائف
__________________
(١) آل عمران: ٨٥.
وهوازن وسائر قبائل العرب، بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين.
وعن جابر بن عبد اللهرضياللهعنه : أنّه بكى ذات يوم، فقيل له. فقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: دخل الناس في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا.
وقيل: أراد بالناس أهل اليمن.
قال أبو هريرة: لـمّا نزلت قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، قوم رقيقة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانيّة». وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أجد نفير ربّكم من قبل اليمن».
وعن الحسن: لـمّا فتح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مكّة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا: أما إذ ظفرصلىاللهعليهوآلهوسلم بأهل الحرم فليس به يدان، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وعن كلّ من أرادهم، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال.
وتفصيل قصّة فتح مكّة مذكور في سورة الفتح(١) ، فلتطلب هناك.
( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) فتعجّب لتيسير الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم، حامدا له عليه زيادة في عبادته والثناء عليه، لزيادة إنعامه عليك. أو فصلّ له حامدا على نعمه.
روي: أنّه لـمّا دخل مكّة بدأ بالمسجد، فدخل الكعبة وصلّى ثمان ركعات. أو فنزّهه عمّا كانت الظلمة يقولون فيه، حامدا له على أن صدق وعده. أو فأثن على الله بصفات الجلال، حامدا له على صفات الإكرام.
( وَاسْتَغْفِرْهُ ) هضما لنفسك، واستقصارا لعملك، واستدراكا لـما فرط منك من الالتفات إلى غيره. وعنهعليهالسلام : «إنّي لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة».
وقيل: استغفره لأمّتك. وتقديم التسبيح على الحمد، ثمّ الحمد على الاستنفار، على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق، كما قيل: ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله قبله.
( إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ) لمن استغفره مذ خلق المكلّفين. وروي: أنّه كان يكثر قبل
__________________
(١) راجع ج ٦ ص ٣٧١.
موته أن يقول: «سبحانك أللّهمّ وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك».
وقيل: الأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين، من الجمع بين الطاعة والاحتراس من ترك الأولى، وليكون أمره بذلك مع عصمته لطفا لأمّته. ولأنّ الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس، فهو عبادة في نفسه.
وعن أمّ سلمة قالت: «كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالآخرة لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلّا قال: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فسألناه عن ذلك. فقال: إنّي أمرت بها، ثمّ قرأ( إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ ) .
وروي: أنّه لـمّا قرأها على أصحابه استبشروا، وبكى العبّاس. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما يبكيك يا عمّ. قال: نعيت إليك نفسك. فقال: إنّه لكما تقول. فعاش بعدها سنتين لم ير فيهما ضاحكا مستبشرا.
وقيل: إنّ ابن عبّاس هو الّذي قال ذلك، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا».
وروي: أنّه لـمّا نزلت خطب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين الدنيا وبين لقاء ربّه، فاختار لقاء الله».
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه دعا فاطمةعليهماالسلام فقال: «يا بنتاه، إنّه نعيت إليّ نفسي. فبكت. فقال: لا تبكي، فإنّك أوّل أهلي لحوقا بي».
(١١١)
سورة أبي لهب
وتسمّى سورة المسد. مكّيّة. وهي خمس آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «ومن قرأها رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة».
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «إذا قرأتم «تبّت» فادعوا على أبي لهب، فإنّه كان من المكذّبين بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبما جاء به من عند الله».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) )
ولـمّا ذكر سبحانه في سورة النصر وعده بالنصر والفتح، بيّن في هذه السورة ما كفاه الله من أمر أبي لهب، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * تَبَّتْ ) هلكت، أو خسرت. من التباب، وهو خسران يؤدّي إلى الهلاك. ومنه قولهم: أشابّة أم تابّة؟ أي: هالكة من الهرم.( يَدا
أَبِي لَهَبٍ ) بن عبد المطّلب عمّ النبيّ. والمراد نفسه، كقوله:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (١) . وقيل: معناه: صفرت يداه من كلّ خير.
وإنّما خصّتا لـما روي أنّهعليهالسلام لـمّا نزل عليه( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٢) رقى الصفا وقال: «يا صباحاه، فاجتمع إليه الناس من كلّ أوب. فقال: يا بني عبد المطّلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدّقيّ؟
قالوا: نعم. قال: فإنّي نذير بين يدي الساعة».
فقال أبو لهب: تبّا لك ألهذا دعوتنا؟
وأخذ حجرا ليرميه، فنزلت. وقيل: المراد بهما دنياه وأخراه.
وإنّما كنّاه والتكنية تكرمة، لاشتهاره بكنيته دون اسمه، لحسنه وإشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنّهما تلتهبان. أو لأنّ اسمه عبد العزّى، فاستكره ذكره. أو لأنّه لـمّا كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله. أو ليجانس قوله: «ذات لهب». أو ليتهكّم به وبافتخاره بذلك. وقرأ ابن كثير بإسكان الهاء.
( وَتَبَ ) إخبار بعد إخبار. والتعبير بالماضي لتحقّق وقوعه، كقوله :
جزاني جزاه الله شرّ جزائه |
جزاء الكلاب العاويات وقد فعل |
أو الأوّل إخبار عمّا كسبت يداه، والثاني عن عمل نفسه.
روي: أنّه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقّا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي. فردّ الله تعالى عليه ذلك القول بقوله:( ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ ) إمّا نفي لإغناء المال عنه حين نزل به التباب، أو استفهام إنكار، ومحلّها النصب( وَما كَسَبَ ) موصولة أو مصدريّة، أي: وما كسبه. يعني: مكسوبه أو وكسبه بماله، من النتائج والأرباح، والوجاهة والأتباع والخدم. أو عمله الّذي ظنّ أنّه ينفعه. أو ولده عتبة.
__________________
(١) البقرة: ١٩٥.
(٢) الشعراء: ٢١٤.
وحكي: أنّ بني أبي لهب احتكموا إلى ابن عبّاس فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب ابن عبّاس فقال: أخرجوا عنّي الكسب الخبيث. ومنه: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه».
وقد افترس أسد عتبة في طريق الشام وقد أحدق به العير. ومات أبو لهب بالعدسة ـ وهي بثرة(١) تخرج بالإنسان ـ بعد وقعة بدر بأيّام معدودة، وترك ثلاثا حتّى أنتن، ثمّ استأجروا بعض السودان حتّى دفنوه. فهو إخبار عن الغيب طابقه وقوعه.
( سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ) اشتعال. يريد نار جهنّم. وفي هذا دلالة على صدق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وصحّة نبوّته، لأنّه أخبر بأنّ أبا لهب يموت على كفره، وكان كما قال.
وقال صاحب المجمع: «وإذا قيل: هل كان يلزم أبا لهب الإيمان بعد هذه السورة؟ وهل كان يقدر على الإيمان؟ ولو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله سبحانه بأنّه سيصلى نارا ذات لهب.
فالجواب: أنّ الإيمان يلزمه، لأنّ تكليف الإيمان ثابت عليه، وإنّما توعّده الله بشرط أن لا يؤمن. ألا ترى إلى قوله سبحانه في قصّة فرعون( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) (٢) . وفي هذا دلالة على أنّه لو تاب قبل وقت اليأس لكان يقبل منه، ولهذا خصّ ردّ التوبة عليه بذلك الوقت. وأيضا فلو قدّرنا أنّ أبا لهب سأل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: لو آمنت هل أدخل النار؟ لكانعليهالسلام يقول له: لا، وذلك لعدم الشرط»(٣) .
( وَامْرَأَتُهُ ) عطف على المستكن في «سيصلى» أي: سيصلاها هو وامرأته، وهي أمّ جميل بنت حرب أخت أبي سفيان( حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) صفتها. والمراد
__________________
(١) البثرة: خراج صغير، كالدمّلة.
(٢) يونس: ٩١.
(٣) مجمع البيان ١٠: ٥٦٠.
حطب جهنّم، فإنّها كانت تحمل الأوزار بمعاداة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتحمل زوجها على إيذائه. أو حزمة الشوك، لـما روي أنّها كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك(١) فتنثرها بالليل في طريق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: كانت تمشي بالنميمة. ويقال للمشّاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي: يوقد بينهم نائرة الخصومة، ويورّث الشرّ.
وقرأ عاصم بالنصب على الشتم. وهذه القراءة أحسن، لأنّها قد توسّل بها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بجميل: من أحبّ شتم أمّ جميل.
ويجوز أن يكون قوله: «امرأته» مرفوعا بالابتداء، وخبره( فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) أي: ممّا مسد، أي: فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. ومنه: رجل ممسود الخلق، أي: مجدوله(٢) . وعلى الأوّل فالظرف موضع الحال. وهو تصوير لها بصورة الحطّابة الّتي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها، تحقيرا لشأنها، أو بيانا لحالها في نار جهنّم، حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنّم من شجر الزقّوم والضريع، وفي جيدها سلسلة من النار، كما يعذّب كلّ مجرم بما يجانس حاله في جرمه.
وعن ابن عبّاس: في عنقها سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعا، تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، وتدار على عنقها في النار.
ويروى عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لـمّا نزلت هذه السورة أقبلت العوراء أمّ جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر(٣) ، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس في المسجد
__________________
(١) الحسك: نبات شائك.
(٢) يقال: رجل مجدول، أي: لطيف القصب محكم الفتل. والقصب جمع القصبة: الخصلة الملتوية من الشعر.
(٣) الفهر: حجر رقيق تسحق به الأدوية.
ومعه أبو بكر. فلمّا رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّها لن تراني، وقرأ قرآنا فاعتصم به، كما قال:( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) (١) . فوقفت على أبي بكر، ولم تر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالت: يا أبا بكر أخبرت أنّ صاحبك هجاني. فقال: لا وربّ الكعبة ما هجاك. قال: فولّت وهي تقول: قريش تعلم أنّي بنت سيّدها. ويروى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ما زال ملك يسترني عنها».
__________________
(١) الإسراء: ٤٥.
(١١٢)
سورة الإخلاص
مكّيّة. وقيل: مدنيّة. وسمّيت سورة الإخلاص، لأنّه ليس فيها إلّا التوحيد، وكلمة التوحيد تسمّى كلمة الإخلاص.
وقيل: إنّما سمّيت بذلك، لأنّ من تمسّك بما فيها اعتقادا وإقرارا كان مؤمنا مخلصا.
وقيل: لأنّ من قرأها على سبيل التعظيم أخلصه الله من النار، أي: أنجاه منها.
وتسمّى أيضا سورة الصّمد. وتسمّى أيضا بفاتحتها. وتسمّى أيضا نسبة الربّ. وروي في الحديث: «لكلّ شيء نسبة، ونسبة الله سورة الإخلاص».
وفي الحديث أيضا: «أنّه كان يقول لسورتي( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) المقشقشتان». سمّيتا بذلك لأنّهما تبرّئان من الشرك والنفاق.
يقال: تقشقش المريض من مرضه إذا أفاق وبرىء. وقشقشه: أبرأه، كما يقشقش الهناء(١) الجرب.
وعدد آيها أربع.
في حديث أبيّ: «من قرأها فكأنّما قرأ ثلث القرآن، واعطي من الأجر عشر
__________________
(١) الهناء: القطران. وهو: سيّال دهني يتّخذ من بعض الأشجار، كالصنوبر. والجرب: داء يحدث في الجلد بثورا صغارا لها حكّة شديدة.
حسنات، بعدد من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر».
وعن أبي الدرداء، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في كلّ ليلة؟ قلت: يا رسول الله من يطيق ذلك؟ قال: اقرؤا( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ».
وعن أنس، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مرّة بورك عليه.
ومن قرأها مرّتين بورك عليه، وعلى أهله. فإن قرأها ثلاث مرّات بورك عليه، وعلى أهله، وعلى جميع جيرانه. فإن قرأها اثنتي عشرة مرّة بني له اثنا عشر قصرا في الجنّة. فتقول الحفظة: انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا. فإن قرأ مائة مرّة كفّر عنه ذنوب خمس وعشرين سنة، ما خلا الدماء والأموال. فإن قرأها أربعمائة مرّة كفّر عنه ذنوب أربعمائة سنة. فإن قرأها ألف مرّة لم يمت حتّى يرى مكانه في الجنّة، أو يرى له».
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: «جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فشكا إليه الفقر وضيق المعاش. فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا دخلت بيتك فسلّم إن كان فيه أحد، وإن لم يكن فيه أحد فسلّم واقرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مرّة واحدة. ففعل الرجل، فأدرّ الله عليه رزقا حتّى أفاض على جيرانه».
السكوني، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى على سعد بن معاذ، فلمّا صلّى عليه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد وافى من الملائكة سبعون ألف ملك ـ وفيهم جبرئيل ـ يصلّون عليه. فقلت: يا جبرئيل بم استحقّ صلاتكم عليه؟ فقال: بقراءة( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) قائما، وقاعدا، وراكبا، وماشيا، وذاهبا، وجائيا».
منصور بن حازم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من مضى به يوم واحد، فصلّى فيه بخمس صلوات، ولم يقرأ فيها بـ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ، قيل: يا عبد الله لست من المصلّين».
إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من مضت له جمعة ولم يقرأ
فيها بـ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثمّ مات مات على دين أبي لهب».
هارون بن خارجة، عنهعليهالسلام قال: «من أصابه مرض أو شدّة، فلم يقرأ في مرضه أو شدّته بـ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثمّ مات في مرضه أو في تلك الشدّة الّتي نزلت به، فهو من أهل النار».
أبو بكر الحضرمي، عنهعليهالسلام قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع أن يقرأ في دبر الفريضة بـ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) فإنّ من قرأها جمع له خير الدنيا والآخرة، وغفر له ولوالديه وما ولدا».
عبد الله بن حجر قال: «سمعت أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: من قرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) إحدى عشرة مرّة في دبر الفجر، لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب، وأرغم أنف الشيطان».
إبراهيم بن مهزم، عمّن سمع أبا الحسنعليهالسلام يقول: «من قدّم( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) بينه وبين كلّ جبّار منعه الله منه. ومن يقرؤها بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، رزقه الله خيره ومنعه شرّه». وقال: «إذا خفت أمرا فاقرأ مائة آية من القرآن حيث شئت، ثمّ قل: أللّهمّ اكشف عنّي البلاء، ثلاث مرّات».
عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مائة مرّة حين يأخذ مضجعه، غفر الله له ذنوب خمسين سنة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ذمّ أعداء أهل التوحيد في السورة المتقدّمة، ذكر في هذه السورة بيان التوحيد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) الضمير للشأن، كقولك: هو زيد منطلق. وارتفاعه بالابتداء، وخبره الجملة. ولا حاجة إلى العائد، لأنّها هي هو، فحكم هذه الجملة حكم المفرد. أو لـما سئل عنه، أي: الّذي سألتم عنه هو الله، إذ روي أنّ قريشا قالوا: يا محمّد صف لنا ربّك الّذي تدعونا إليه. يعني: الّذي سألتموني وصفه هو الله المستجمع لجميع صفات الكمال. وعلى هذا قوله: «أحد» بدل، أو خبر ثان. وأصله: وحد. يدلّ على مجامع صفات الجلال، كما دلّ لفظ الله على مجامع صفات الكمال، إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزّها بالذات عن أنحاء التركيب والتعدّد، وما يستلزم أحدهما، كالجسميّة والتحيّز والمشاركة في الحقيقة وخواصّها، كوجوب الوجود، والقدرة الذاتيّة، والحكمة التامّة المقتضية للألوهيّة.
وقيل: إنّما قال «أحد»، ولم يقل: واحد، لأنّ الواحد يدخل في الحساب، ويضمّ إليه آخر. وأمّا الأحد فهو الّذي لا يتجزّأ، ولا ينقسم في ذاته، ولا في معنى صفاته بحسب الاعتبار. ويجوز أن يجعل للواحد ثانيا، ولا يجوز أن يجعل للأحد ثانيا. ألا ترى إنّك لو قلت: فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقاومه اثنان. ولو قلت: لا يقاومه أحد، لم يجز أن يقاومه اثنان ولا أكثر. فهو أبلغ.
وقال أبو جعفر الباقرعليهالسلام في معنى( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) : «أي: قل: أظهر ما أوحينا إليك وما أنبأناك به، بتأليف الحروف الّتي قرأناها عليك، ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد».
«و «هو» اسم مكنيّ مشار إلى غائب. فالهاء تنبيه عن معنى ثابت، والواو إشارة إلى الغائب عن الحواسّ، كما أنّ «هذا» إشارة إلى الشاهد عند الحواسّ.
وذلك أنّ الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة إلى المشاهد المدرك، فقالوا: هذه
آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار، فأشر أنت يا محمد إلى إلهك الّذي تدعو إليه حتّى ندركه، فأنزل الله سبحانه( قُلْ هُوَ ) . فالهاء تثبيت للثابت، والواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواسّ، وأنّه يتعالى عن ذلك، بل هو مدرك الأبصار ومبدع الحواسّ».
وحدّثني أبي عن أبيه، عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «رأيت الخضرعليهالسلام في المنام قبل بدر بليلة، فقلت له: علّمني شيئا أنتصر به على الأعداء. فقال: قل: يا هو، يا من لا هو إلّا هو. فلمّا أصبحت قصصتها على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال لي: يا عليّ علّمت الاسم الأعظم، فكان على لساني يوم بدر».
قال: «وقرأعليهالسلام يوم بدر( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) فلمّا فرغ قال: يا هو، يا من لا هو إلّا هو، اغفر لي وانصرني على القوم الكافرين. وكان يقول ذلك يوم صفّين وهو يطارد. فقال له عمّار بن ياسر: يا أمير المؤمنين ما هذه الكنايات؟ قال: اسم الله الأعظم وعماد التوحيد: الله لا إله إلّا هو. ثمّ قرأ:( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) (١) وآخر الحشر. ثمّ نزل فصلّى أربع ركعات قبل الزوال».
قال: «وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : الله معناه: المعبود الّذي يأله فيه الخلق، ويؤله إليه الله، المستور عن إدراك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات».
قال الباقرعليهالسلام : «الله معناه: المعبود الّذي أله الخلق عن إدراك ماهيّته والإحاطة بكيفيّته.
ويقول العرب: أله الرجل إذا تحيّر في الشيء فلم يحط به علما.
ووله إذا فزع إلى شيء. قال: والأحد: الفرد المتفرّد. والأحد والواحد بمعنى المتفرّد الّذي لا نظير له. والتوحيد: الإقرار بالوحدة، وهو الانفراد. والواحد: المباين الّذي لا ينبعث من شيء، ولا يتّحد بشيء. ومن ثمّ قالوا: إنّ بناء العدد من الواحد، وليس الواحد من العدد، لأنّ العدد لا يقع على الواحد، بل يقع على الاثنين. فمعنى قوله
__________________
(١) آل عمران: ١٨.
( اللهُ أَحَدٌ ) أي: المعبود الّذي يأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكيفيّته، فرد بإلهيّته، متعال عن صفات خلقه».
( اللهُ الصَّمَدُ ) فعل بمعنى المفعول، أي: السيّد المصمود إليه في الحوائج.
من: صمد إليه إذا قصد. وهو الموصوف به على الإطلاق، فإنّه يستغني عن غيره مطلقا، وكلّ ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته.
وقال الباقرعليهالسلام : «حدّثني أبي زين العابدين، عن أبيه الحسين بن عليّعليهالسلام أنّه قال: الصمد: الّذي قد انتهى سؤدده. والصمد: الدائم الّذي لم يزل ولا يزال.
والصمد: الّذي لا يأكل ولا يشرب».
أراد بذلك أنّه الحيّ الّذي لا يحتاج إلى شيء أصلا.
وتعريفه لعلمهم بصمديّته، بخلاف أحديّته. وتكرير لفظ «الله» للإشعار بأنّ من لم يتّصف به لم يستحقّ الألوهيّة. وإخلاء الجملة عن العاطف، لأنّها كالنتيجة للأولى، أو الدليل عليها.
وقال أبو البختري وهب بن وهب: حدّثني الصادق جعفر بن محمد، عن الباقر، عن أبيهعليهمالسلام : «أنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن عليّعليهماالسلام يسألونه عن الصمد. فكتب إليهم: بسم الله الرّحمن الرّحيم. أمّا بعد ؛ فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلّموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار، وإنّ الله سبحانه قد فسّر الصمد بقوله:( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .
( لَمْ يَلِدْ ) لأنّه لم يجانس حتّى تكون من جنسه صاحبة فيتوالدا، كما قال:( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ) (١) . ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه، لامتناع الحاجة والفناء عليه. ولعلّ الاقتصار على لفظ الماضي لوروده ردّا على من
__________________
(١) الأنعام: ١٠١.
قال: الملائكة بنات الله أو المسيح ابن الله، أو ليطابق قوله:( وَلَمْ يُولَدْ ) لأنّ كلّ مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده، وليس بجسم.
( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) أي: ولم يكن أحد يكافئه ـ أي: يماثله ـ من صاحبة أو غيرها. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيا للصاحبة. وكان الأصل أن يؤخّر الظرف الّذي هو لغو غير مستقرّ، وقد نصّ سيبويه على امتناع تقديمه، لكن لـمّا كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدّم، تقديما للأهمّ.
ويجوز أن يكون حالا من «أحد». ولعلّ ربط الجمل الثلاث بالعطف لأنّ المراد منها نفي أقسام المكافأة، فهي كجملة واحدة منبّهة عليها بالجمل.
وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية: كفؤا بالتخفيف. وحفص كفوا، بالحركة وقلب الهمزة واوا.
ولاشتمال هذه السورة ـ مع قصرها ـ على جميع المعارف الإلهيّة، والردّ على من ألحد فيها، جاء في الحديث أنّها تعدل ثلث القرآن، فإنّ مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص. ومن عدلها بكلّه اعتبر المقصود بالذات من ذلك، فإنّ هذه السورة إنّما هي في بيان الأوّل، لأنّها مشتملة على صفاته الجلال والكمال، فإنّ قوله:( هُوَ اللهُ ) إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها. وفي طيّ ذلك وصفه بأنّه قادر عالم، لأنّ الخلق يستدعي القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتّساق وانتظام. وفي ذلك وصفه بأنّه حيّ سميع بصير. وقوله: «أحد» وصف بالوحدانيّة ونفي الشركاء. وقوله: «الصمد» وصف بأنّه ليس إلّا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلّا محتاجا إليه فهو غنيّ. وفي كونه غنيّا مع كونه عالما أنّه عدل غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبيح، وعلمه بغناه عنه. وقوله:( وَلَمْ يُولَدْ ) وصف بالقدم والأوّليّة. وقوله:( لَمْ يَلِدْ ) نفي للشبه والمجانسة. وقوله:( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) تقرير لذلك، وبتّ للحكم به.
وعن عبد خير قال: سأل رجل عليّاعليهالسلام عن تفسير هذه السورة فقال: «قل هو الله أحد بلا تأويل عدد، الصمد بلا تبعيض بدد، لم يلد فيكون والدا، ولم يولد فيكون إلها مشاركا، ولم يكن له من خلقه كفوا أحد».
وقال بعض العرفاء المحقّقين: إنّا وجدنا أنواع الشرك ثمانية: النقص، والتقلّب، والكثرة، والعدد، وكونه علّة، أو معلولا، والأشكال، والأضداد. فنفى الله سبحانه عن صفته نوع الكثرة والعدد بقوله:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . ونفى التقلّب والنقص بقوله:( اللهُ الصَّمَدُ ) . ونفى العلّة والمعلول بقوله:( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) . ونفى الأشكال والأضداد بقوله:( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) . فحصلت الوحدانيّة البحت.
وروى عمران بن الحصين: «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث سريّة واستعمل عليها عليّاعليهالسلام ، فلمّا رجعوا سألهم عن عليّعليهالسلام . فقالوا كلّ خير، غير أنّه كان يقرأ بنا في صلاته( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . فقال: يا عليّ لم فعلت هذا؟ قال: لحبّي( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أحببتها حتّى أحبّك اللهعزوجل ».
ويروى: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقف عند كلّ آية من هذه السورة.
وروى الفضيل بن يسار قال: «أمرني أبو جعفرعليهالسلام أن أقرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) .
وأقول إذا فرغت منها: كذلك الله ربّي، ثلاثا».
(١١٣)
سورة الفلق
مدنيّة في أكثر الأقوال. وقيل: مكّيّة. وهي خمس آيات بالإجماع.
في حديث أبيّ: «ومن قرأ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) فكأنّما قرأ جميع الكتب الّتي أنزلها الله على الأنبياء».
وعن عقبة بن عامر، قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنزلت عليّ آيات لم ينزل مثلهنّ: المعوّذتان». أورده مسلم في الصحيح(١) .
وعنه، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «يا عقبة ألا أعلّمك سورتين هما أفضل القرآن، أو من أفضل القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. فعلّمني المعوذّتين، ثم قرأ بهما في صلاة الغداة. وقال لي: اقرأهما كلّما قمت ونمت».
أبو عبيدة الحذّاء عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من أوتر بالمعوذّتين و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) قيل له: يا عبد الله أبشر فقد قبل الله وترك».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) )
__________________
(١) صحيح مسلم ١: ٥٥٨ ح ٢٦٥.
ولـمّا ذمّ الله سبحانه أعداء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في سورة تبّت، ثمّ ذكر التوحيد في سورة( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) رغما عليهم، ذكر الاستعاذة منهم في هاتين السورتين، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ما يفلق عنه، أي: يفرّق عنه، كالفرق. فعل بمعنى مفعول. وهو في الأصل يعمّ جميع الممكنات، فإنّه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد عنها، سيّما ما يخرج من أصل، كالعيون من الجبال، والأمطار من السحاب، والنبات من الأرض، والأولاد من الأرحام، والحبّ من النوى، وغير ذلك. ويختصّ عرفا بالصبح، فإنّ الليل يفرق عنه. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ولذلك فسّر به. وتخصيصه لـما فيه من تغيّر الحال، وتبدّل وحشته بالليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأنّ من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم، قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه. ولفظ الربّ هنا أوقع من سائر أسمائه، لأنّ الإعاذة من مصالح الربوبيّة.
وقيل: هو واد في جهنّم، أوجبّ فيها. وعن بعض الصحابة: أنّه قدم الشام فرأى دور أهل الذمّة، وما هم فيه من خفض العيش، وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنّم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه.
( مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ) من شرّ خلقه. وشرّهم: ما يفعله المكلّفون، من المعاصي والمآثم. ومضارّة بعضهم بعضا، من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم، وغير ذلك. وما يفعله غير المكلّفين منه، من الأكل والنهش(١) واللدغ والعضّ الصادرة من السباع والحشرات. وغير ذلك من أنواع الضرر، كالإحراق بالنار، والإغراق بالماء، والقتل بالسمّ، والهدم، والسقوط من المواضع المرتفعة. وخصّ عالم الخلق بالاستعاذة عنه
__________________
(١) نهشه: تناوله بفمه ليعضّه، فيؤثّر فيه ولا يجرحه.
لانحصار الشرور فيه، فإنّ عالم الأمر خير كلّه.
( وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ ) ليل إذا اعتكر(١) واختلط ظلامه. من قوله:( إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (٢) . وأصله: الامتلاء. يقال: غسقت العين، إذا امتلأت دمعا. وغسقت الجراحة: امتلأت دما. وقيل: السيلان. وغسق الليل انصباب ظلامه. وغسق العين سيلان دمعها.( إِذا وَقَبَ ) دخل ظلامه في كلّ شيء. وتخصيصه مع دخوله تحت قوله:( مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ) لأنّ انبثاث المضارّ فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ولذلك قيل: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنّه إذا أظلم كثر فيه الغدر.
وقيل: المراد به القمر، فإنّه يكسف فيغسق. ووقوبه: دخوله في الكسوف.
ويجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيّات. ووقبه: ضربه ونقبه.
( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ) ومن شرّ النفوس، أو الجماعات، أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين. والنفث: النفخ مع ريق.
وتخصيصه لماروي أنّ لبيد بن أعصم اليهودي سحر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ دسّ ذلك في بئر ذروان لبني زريق. وفي رواية أنّ بناته سحرن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ دسسن ذلك في البئر المذكور. فمرض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبينا هو نائم إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فأخبراه بذلك، وأنّه في بئر ذروان في جفّ طلعة تحت راعوفة. والجفّ: قشر الطلع(٣) . والراعوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عليها الماتح(٤) . فانتبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعث عليّاعليهالسلام والزبير وعمّار فنزحوا
__________________
(١) اعتكر الليل: اشتدّ سواده.
(٢) الإسراء: ٧٨.
(٣) الطلع من النخل: شيء يخرج كأنّه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود.
(٤) أي: ما يستخرج به الماء. من: متح الماء: نزعه.
ماء تلك البئر، ثمّ رفعوا الصخرة وأخرجوا الجفّ، فإذا فيه مشاطة(١) رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فنزلت هاتان السورتان. فجعل كلّما يقرأ آية انحلّت عقدة، ووجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خفّة فقام، فكأنّما أنشط من عقال. وجعل جبرئيلعليهالسلام يقول: بسم الله أرقيك، من شرّ كلّ شيء يؤذيك، من حاسد وعين، والله تعالى يشفيك. ورووا ذلك عن عائشة وابن عبّاس.
وهذا لا يجوز، لأنّ من وصف بأنّه مسحور فقد خبل عقله، وقد أبى الله سبحانه ذلك في قوله:( وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا ) (٢) . ولكن يمكن أن يكون اليهوديّ أو بناته ـ على ما روي ـ اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه، فأطلع الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما فعلوه من التمويه حتّى استخرج، وكان ذلك دلالة على صدقهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم؟ ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلوا كثيرا من المؤمنين، مع شدّة عداوتهم لهم.
فمعنى الاستعاذة من شرّهنّ: إمّا بأن يستعاذ من عملهنّ الّذي هو صنعة السحر، ومن إثمهنّ في ذلك. أو يستعاذ من فتنتهنّ الناس بسحرهنّ، وما يخدعنهم به من باطلهنّ. أو يستعاذ ممّا يصيب الله به من الشرّ عند نفثهنّ.
ويجوز أن يراد بهنّ النساء الكيّادات، من قوله:( إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) (٣) تشبيها لكيدهنّ بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتنّ الرجال بتعرّضهنّ لهم وعرضهنّ محاسنهنّ، كأنّهنّ يسحرنهم بذلك.
وقيل: المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل. مستعار من تليين
__________________
(١) المشاطة: ما يسقط من الشعر عند مشطه.
(٢) الفرقان: ٨ ـ ٩.
(٣) يوسف: ٢٨.
العقد بنفث الريق ليسهل حلّها. وإفرادها بالتعريف، لأنّ كلّ نفّاثة شرّيرة، بخلاف كلّ غاسق وحاسد.
( وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ) إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه، فإنّه لا يعود ضرر منه قبل ذلك. إلى المحسود، بل يخصّ به لاغتمامه بسروره. وتخصيصه مع دخوله في قوله:( مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ) لأنّه العمدة في إضرار الإنسان بل الحيوان غيره.
ويجوز أن يراد بالغاسق ما يخلو عن النور كالجمادات، وما يضاهيه كالقوى.
وبالنفّاثات النباتات، فإنّ قواها النباتيّة من حيث إنّها تزيد في طولها وعرضها وعمقها، كأنّها تنفث في العقد الثلاث. وبالحاسد الحيوان، فإنّه إنّما يقصد غيره غالبا طمعا فيما عنده. ولعلّ إفرادها من عالم الخلق لأنّها الأسباب القريبة للمضرّة.
قال بعضهم: إنّ الله سبحانه جمع الشرور في هذه السورة وختمها بالحسد ليعلم أنّه أخسّ الطبائع. نعوذ بالله منه.
وروى أنس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من رأى شيئا يعجبه فقال: الله الله ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله، لم يضرّ شيئا».
وروي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان كثيرا مّا يعوّذ الحسن والحسينعليهماالسلام بهاتين السورتين.
(١١٤)
سورة الناس
مدنيّة. وقيل: مكّيّة. وهي مثل سورة الفلق، لأنّها إحدى المعوّذتين. وهي ستّ آيات.
الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: «إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اشتكى شكوى شديدة، ووجع وجعا شديدا، فأتاه جبرئيل وميكائيل، فقعد جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، فعوّذه جبرئيل بـ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ، وعوّذه ميكائيل بـ( أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ».
أبو خديجة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «جاء جبرئيل إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو شاك، فرقاه بالمعوّذتين و( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) . وقال: بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كلّ داء يؤذيك، خذها فلتهنيك».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) )
ولـمّا كانت الاستعاذة في السورة المتقدّمة من المضارّ البدنيّة، وهي تعمّ الإنسان وغيره، والاستعاذة في هذه السورة من الأضرار الّتي تعرض للنفوس البشريّة، عمّم الإضافة ثمّ، وخصّصها بالناس هاهنا، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ولـمّا كانت الاستعاذة وقعت من شرّ الموسوس في صدور الناس، فكأنّه قيل: أعوذ من شرّ الموسوس إلى الناس بربّهم الّذي يملك أمورهم ويستحقّ عبادتهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيّدهم ومخدومهم ووالي أمرهم.
( مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ ) عطف بيان له، فإنّ الربّ قد لا يكون ملكا، والملك قد لا يكون إلها. والإله خاصّ لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
وقيل: ليس في «الناس» تكرار، لأنّ المراد بالأوّل: الأجنّة، ولهذا قال:( بِرَبِّ النَّاسِ ) ، لأنّه يربّيهم. وبالثاني: الأطفال، ولذلك قال:( مَلِكِ النَّاسِ ) لأنّه يملكهم. وبالثالث: البالغون المكلّفون، ولذلك قال:( إِلهِ النَّاسِ ) ، لأنّهم يعبدونه.
وبالرابع: العلماء، لأنّ الشيطان يوسوس إليهم. ولا يريد الجهّال، لأنّ الجاهل يضلّ بجهله، وإنّما يوقع الوسوسة في قلب العالم، كما قال:( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ) (١) .
وقيل: في هذا النظم دلالة على أنّه حقيق بالإعادة، قادر عليها، غير ممنوع عنها. وإشعار على مراتب الناظر في المعارف، فإنّه يعلم أوّلا بما يرى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أنّ له ربّا. ثمّ يتغلغل في النظر حتّى يتحقّق أنّه غنيّ عن الكلّ، وذات كلّ شيء له، ومصارف أمره منه، فهو الملك الحقّ. ثمّ يستدلّ به على أنّه المستحقّ للعبادة لا غير. وتدرّج في وجوه الاستعاذة كما يتدرّج في الاستعاذة المعتادة، تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات، إشعارا بعظم الآفة
__________________
(١) طه: ١٢٠.
المستعاذ منها. وتكرير «الناس» لـما في الإظهار من مزيد البيان، والإشعار بشرف الإنسان.
( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ ) أي: الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فبالكسر، كالزلزال. والمراد به الموسوس، وهو الشيطان، سمّي بفعله مبالغة. أو المراد ذو الوسواس. والوسوسة هي الصوت الخفيّ. ومنه: وسواس الحليّ.
( الْخَنَّاسِ ) الّذي عادته أن يخنس، أي: يتأخّر إذا ذكر الإنسان ربّه.
روي عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربّه خنس الشيطان وولّى، فإذا غفل وسوس إليه.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الشيطان واضع خطمه(١) على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي التقم قلبه».
وروى العيّاشي بإسناده عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّدعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من مؤمن إلّا ولقلبه في صدره أذنان: أذن ينفث فيها الملك، وأذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس، فيؤيّد الله المؤمن بالملك. وهو قول الله تعالى:( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) »(٢) .
( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) إذا غفلوا عن ذكر ربّهم. وذلك كالقوّة الوهميّة، فإنّها تساعد العقل في المقدّمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشكّكه. ومحلّ «الّذي» الجرّ على الصفة، أو النصب، أو الرفع على الذمّ.
( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) بيان للوسواس، أو لـ «الّذي» على أنّ الشيطان ضربان :
__________________
(١) الخطم: الأنف.
(٢) المجادلة: ٢٢.
جنّيّ وإنسيّ، كما قال:( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ ) ويجوز أن يكون متعلّقا بـ «يوسوس». ومعناه: ابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّة والناس.
والحمد لله ربّ العالمين، أوّلا وآخرا، وباطنا وظاهرا، على توفيقي وتيسيري في تتميم زبدة التفاسير، مع وجازة ألفاظه، وغزارة معانيه، ونكات دقيقة، وأسرار لطيفة، على وفق الطريقة الحنيفيّة الإماميّة، والملّة البيضاء الاثني عشريّة.
أللّهمّ اجعل جدّي واجتهادي في جميع الزبدة والخلاصة من تفاسير كتابك العزيز، وكدّي وسعيي في ضمّ ما انتشر من معانيه، على وفق مذهب الحقّ وطريق الصدق، باللفظ الوجيز، ذريعة إلى درك رضوانك، ووصلة إلى الاتّصال بأوليائك وأصفيائك في جنانك، وتوسّلا إلى شفاعة سيّد الأخيار، وعترته الأبرار.
أللّهمّ اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبّت أقدامنا يوم التناد، بحقّ نبيّك النبيه المصطفى، ووليّك الوليه المرتضى، وأولادهما المعصومين الأمجاد.
ووقع الفراغ من تسويده في منتصف شهر ذي القعدة الحرام، سنة سبع وسبعين وتسعمائة، على يد مؤلّفه ومسوّده أفقر عباد الله الملك اللطيف، ابن شكر الله فتح الله الشريف، كساهما الله الملك المنّان جلابيب الرضوان، وسقاهما شآبيب الغفران، بحقّ النبيّ المنيف، والوليّ العريف.
__________________
(١) الأنعام: ١١٢.
فهرس الموضوعات
سورة الحشر (٥٩)
الموضوع |
الصفحة |
الآية: ١ ـ ٤ ٦
الآية: ٥ ١٠
الآية: ٦ ـ ١٠ ١١
الآية: ١١ ـ ١٧ ١٧
الآية: ١٨ ـ ١٩ ٢٠
الآية: ٢٠ ـ ٢٤ ٢١
سورة الممتحنة (٦٠)
الآية: ١ ـ ٣ ٢٦
الآية: ٤ ـ ٦ ٣٠
الآية: ٧ ـ ٩ ٣١
الآية: ١٠ ـ ١١ ٣٤
الآية: ١٢ ٣٧
الآية: ١٣ ٤٠
سورة الصف (٦١)
الآية: ١ ـ ٤ ٤١
الآية: ٥ ٤٣
الآية: ٦ ـ ٩ ٤٥
الآية: ١٠ ـ ١٣ ٤٧
الآية: ١٤ ٥٠
سورة الجمعة (٦٢)
الآية: ١ ـ ٥ ٥٤
الآية: ٦ ـ ٨ ٥٧
الآية: ٩ ـ ١١ ٥٩
سورة المنافقون (٦٣)
الآية: ١ ـ ٣ ٦٥
الآية: ٤ ٦٧
الآية: ٥ ـ ٨ ٦٩
الآية: ٩ ـ ١١ ٧٣
سورة التغابن (٦٤)
الآية: ١ ـ ٤ ٧٦
الآية: ٥ ـ ٦ ٧٩
الآية: ٧ ـ ١٣ ٨٠
الآية: ١٤ ٨٣
الآية: ١٥ ـ ١٨ ٨٤
سورة الطلاق (٦٥)
الآية: ١ ـ ٣ ٨٨
الآية: ٤ ـ ٥ ٩٤
الآية: ٦ ـ ٧ ٩٧
الآية: ٨ ـ ١٢ ١٠٠
سورة التحريم (٦٦)
الآية: ١ ـ ٥ ١٠٦
الآية: ٦ ـ ٩ ١١٣
الآية: ١٠ ١١٧
الآية: ١١ ـ ١٢ ١١٨
سورة الملك (٦٧)
الآية: ١ ـ ٤ ١٢٢
الآية: ٥ ـ ١٢ ١٢٦
الآية: ١٣ ـ ١٤ ١٢٨
الآية: ١٥ ـ ١٨ ١٢٩
الآية: ١٩ ـ ٢٢ ١٣١
الآية: ٢٣ ـ ٢٧ ١٣٢
الآية: ٢٨ ـ ٣٠ ١٣٤
سورة القمل (٦٨)
الآية: ١ ـ ٧ ١٣٧
الآية: ٨ ـ ١٦ ١٤١
الآية: ١٧ ـ ٣٣ ١٤٥
الآية: ٣٤ ـ ٤٥ ١٤٩
الآية: ٤٦ ـ ٥٠ ١٥٤
الآية: ٥١ ـ ٥٢ ١٥٥
سورة الحاقة (٦٩)
الآية: ١ ـ ١٠ ١٥٧
الآية: ١١ ـ ١٢ ١٦١
الآية: ١٣ ـ ١٨ ١٦٢
الآية: ١٩ ـ ٣٧ ١٦٦
الآية: ٣٨ ـ ٥٢ ١٧١
سورة المعارج (٧٠)
الآية: ١ ـ ١٨ ١٧٦
الآية: ١٩ ـ ٣٥ ١٨٣
الآية: ٣٦ ـ ٤٤ ١٨٦
سورة نوح (٧١)
الآية: ١ ـ ١٤ ١٩٠
الآية: ١٥ ـ ٢٠ ١٩٥
الآية: ٢١ ـ ٢٨ ١٩٧
سورة الجن (٧٢)
الآية: ١ ـ ١٧ ٢٠٤
الآية: ١٨ ـ ٢٨ ٢١٣
سورة المزمل (٧٣)
الآية: ١ ـ ١٤ ٢٢٠
الآية: ١٥ ـ ١٩ ٢٢٧
الآية: ٢٠ ٢٢٩
سورة المدثر (٧٤)
الآية: ١ ـ ١٠ ٢٣٢
الآية: ١١ ـ ٣٠ ٢٣٨
الآية: ٣١ ـ ٣٧ ٢٤٣
الآية: ٣٨ ـ ٥٦ ٢٤٨
سورة القيامة (٧٥)
الآية: ١ ـ ١٥ ٢٥٤
الآية: ١٦ ـ ٢١ ٢٥٩
الآية: ٢٢ ـ ٤٠ ٢٦١
سورة الإنسان (٧٦)
الآية: ١ ـ ٣ ٢٦٨
الآية: ٤ ـ ٢٢ ٢٧٣
الآية: ٢٣ ـ ٣١ ٢٨٦
سورة المرسلات (٧٧)
الآية: ١ ـ ١٥ ٢٩١
الآية: ١٦ ـ ٤٠ ٢٩٥
الآية: ٤١ ـ ٤٥ ٢٩٩
الآية: ٤٦ ـ ٥٠ ٣٠٠
سورة النبأ (٧٨)
الآية: ١ ـ ١٦ ٣٠٢
الآية: ١٧ ـ ٣٠ ٣٠٦
الآية: ٣١ ـ ٤٠ ٣١٠
سورة النازعات (٧٩)
الآية: ١ ـ ١٤ ٣١٧
الآية: ١٥ ـ ٢٦ ٣٢٢
الآية: ٢٧ ـ ٣٣ ٣٢٥
الآية: ٣٤ ـ ٤١ ٣٢٧
الآية: ٤٢ ـ ٤٦ ٣٢٨
سورة عبس (٨٠)
الآية: ١ ـ ١٦ ٣٣١
الآية: ١٧ ـ ٢٣ ٣٣٧
الآية: ٢٤ ـ ٣٢ ٣٣٨
الآية: ٣٣ ـ ٤٢ ٣٤٠
سورة التكوير (٨١)
الآية: ١ ـ ٢١ ٣٤٤
الآية: ٢٢ ـ ٢٩ ٣٥٠
سورة انفطرت (٨٢)
الآية: ١ ـ ١٩ ٣٥٤
سورة المطففين (٨٣)
الآية: ١ ـ ٦ ٣٦١
الآية: ٧ ـ ١٧ ٣٦٥
الآية: ١٨ ـ ٢٨ ٣٦٨
الآية: ٢٩ ـ ٣٦ ٣٧١
سورة انشقت (٨٤)
الآية: ١ ـ ١٥ ٣٧٣
الآية: ١٦ ـ ٢٥ ٣٧٧
سورة البروج (٨٥)
الآية: ١ ـ ٩ ٣٨١
الآية: ١٠ ـ ١٦ ٣٩١
الآية: ١٧ ـ ٢٢ ٣٩٢
سورة الطارق (٨٦)
الآية: ١ ـ ١٠ ٣٩٥
الآية: ١١ ـ ١٧ ٣٩٩
سورة الأعلى (٨٧)
الآية: ١ ـ ٥ ٤٠٢
الآية: ٦ ـ ١٩ ٤٠٤
سورة الغاشية (٨٨)
الآية: ١ ـ ٧ ٤٠٩
الآية: ٨ ـ ١٦ ٤١٢
الآية: ١٧ ـ ٢٦ ٤١٤
سورة الفجر (٨٩)
الآية: ١ ـ ١٤ ٤١٧
الآية: ١٥ ـ ٢٦ ٤٢٤
الآية: ٢٧ ـ ٣٠ ٤٢٨
سورة البلد (٩٠)
الآية: ١ ـ ٢٠ ٤٣٢
سورة الشمس (٩١)
الآية: ١ ـ ١٥ ٤٤٠
سورة الليل (٩٢)
الآية: ١ ـ ٢١ ٤٤٦
سورة الضحى (٩٣)
الآية: ١ ـ ١١ ٤٥١
سورة الشرح (٩٤)
الآية: ١ ـ ٨ ٤٥٩
سورة التين (٩٥)
الآية: ١ ـ ٨ ٤٦٣
سورة العلق (٩٦)
الآية: ١ ـ ٨ ٤٦٩
الآية: ٩ ـ ١٩ ٤٧١
سورة القدر (٩٧)
الآية: ١ ـ ٥ ٤٧٥
سورة البينة (٩٨)
الآية: ١ ـ ٥ ٤٨٤
الآية: ٦ ـ ٨ ٤٨٦
سورة الزلزال (٩٩)
الآية: ١ ـ ٨ ٤٩٠
سورة العاديات (١٠٠)
الآية: ١ ـ ١١ ٤٩٤
سورة القارعة (١٠١)
الآية: ١ ـ ١١ ٤٩٧
سورة التكاثر (١٠٢)
الآية: ١ ـ ٨ ٥٠١
سورة العصر (١٠٣)
الآية: ١ ـ ٣ ٥٠٧
سورة الهمزة (١٠٤)
الآية: ١ ـ ٩ ٥٠٩
سورة الفيل (١٠٥)
الآية: ١ ـ ٥ ٥١٣
سورة قريش (١٠٦)
الآية: ١ ـ ٤ ٥٢٣
سورة أرأيت (١٠٧)
الآية: ١ ـ ٧ ٥٢٧
سورة الكوثر (١٠٨)
الآية: ١ ـ ٣ ٥٣١
سورة الكافرون (١٠٩)
الآية: ١ ـ ٦ ٥٣٨
سورة النصر (١١٠)
الآية: ١ ـ ٣ ٥٤١
سورة أبي لهب (١١١)
الآية: ١ ـ ٥ ٥٤٥
سورة الإخلاص (١١٢)
الآية: ١ ـ ٤ ٥٥٣
سورة الفلق (١١٣)
الآية: ١ ـ ٥ ٥٥٩
سورة الناس (١١٤)
الآية: ١ ـ ٦ ٥٦٥
الفهرس
سورة الحشر ٥
سورة الممتحنة ٢٥
سورة الصفّ ٤١
سورة الجمعة ٥٣
سورة المنافقون ٦٥
سورة التغابن ٧٥
سورة الطلاق ٨٧
سورة التحريم ١٠٥
سورة الملك ١٢١
سورة القلم ١٣٧
سورة الحاقّة ١٥٧
سورة المعارج ١٧٥
سورة نوح ١٨٩
سورة الجنّ ٢٠٣
سورة المزّمّل ٢١٩
سورة المدّثّر ٢٣٣
سورة القيامة ٢٥٣
سورة الإنسان ٢٦٧
سورة المرسلات ٢٩١
سورة النبأ ٣٠١
سورة النازعات ٣١٧
سورة عبس ٣٣١
سورة التكوير ٣٤٣
سورة انفطرت ٣٥٣
سورة المطفّفين ٣٦١
سورة انشقّت ٣٧٣
سورة البروج ٣٨١
سورة الطارق ٣٩٥
سورة الأعلى ٤٠١
سورة الغاشية ٤٠٩
سورة الفجر ٤١٧
سورة البلد ٤٣١
سورة الشمس ٤٣٩
سورة الليل ٤٤٥
سورة الضحى ٤٥١
سورة الشرح ٤٥٩
سورة التين ٤٦٣
سورة العلق ٤٦٩
سورة القدر ٤٧٥
سورة البيّنة ٤٨٣
سورة الزلزال ٤٨٩
سورة العاديات ٤٩٣
سورة القارعة ٤٩٧
سورة التكاثر ٥٠١
سورة العصر ٥٠٧
سورة الهمزة ٥٠٩
سورة الفيل ٥١٣
سورة قريش ٥٢٣
سورة أرأيت ٥٢٧
سورة الكوثر ٥٣١
سورة الكافرون ٥٣٧
سورة النصر ٥٤١
سورة أبي لهب ٥٤٥
سورة الإخلاص ٥٥١
سورة الفلق ٥٥٩
سورة الناس ٥٦٥
فهرس الموضوعات ٥٦٩