بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللّهمّ يا من أضاء على مطالع العقول والألباب، وأنار عليها بسواطع السنّة والكتاب، فأحكم الفروع بأصولها في كل باب، ونصلّي على أفضل من أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله الطاهرين الأطياب، سيّما المخصوص بالأخوة سيّد أولي الألباب.
ربّنا آمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول وآل الرسول، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا سوء الحساب، واللعنة على أعدائهم من اليوم إلى يوم الحساب.
وبعد: فالعلم على تشعّب شؤونه، وتفنّن غصونه، مفتقر إلى علم الأصول افتقار الرعية إلى السلطان، ونافذ حكمه عليها بالوجدان، ولا سيّما العلوم الدينية، وخصوصا الأحكام الشرعية، فلولا الأصول لم تقع في علم الفقه على محصول.
فيه استقرّت قواعد الدين، وبه صار الفقه كشجرة طيّبة تؤتي أُكلها كل حين، فلذا بادر علماء الأمصار، وفضلاء الأعصار - في كل دور من الأدوار - إلى تمهيد قواعده، وتقييد شوارده، وتبيين ضوابطه، وتوضيح روابطه، وتهذيب أُصوله، وإحكام قوانينه، وترتيب فصوله.
لكنّه لما فيه من محاسن النكت والفِقر، ولطائف معان تدق دونها الفكر، جلَّ عن أن يكون شرعة لكل وارد، أو أن يطلع على حقائقه إلّا واحد
بعد واحد، فنهض به من أُولي البصائر كابر بعد كابر، فللّه دَرّهم من عصابة تلقّوا وأذعنوا، وبرعوا فأتقنوا، وأجادوا فجادوا، وصنفوا وأفادوا، أثابهم الله برضوانه وبوّأهم بحبوحات جنانه.
حتى انتهى الأمر إلى أوحد علماء العصر، قطب فلك الفقاهة والاجتهاد، ومركز دائرة البحث والانتقاد، الطود الشامخ، والعلم الراسخ، محيي الشريعة وحامي الشيعة، النحرير الأوّاه، والمجاهد في سبيل الله، خاتم الفقهاء والمجتهدين، وحجّة الإِسلام والمسلمين، الوفي الصفي، مولانا الآخوند (ملّا محمد كاظم الهروي الطوسي النجفي) مدّ الله أطناب ظلاله على رؤوس الأنام، وعمر بوجوده دوارس شرع الإِسلام، فقد فاز - دام ظلّه - منه بالقدح المعلى وجلّ عن قول أين وأنّى، وجرى بفكر صائب تقف دونه الأفكار، ونظر ثاقب يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، فلذا أذعن بفضله الفحول، وتلقوه بأنعم القبول. وأظهر صحفاً هي المنتهى في التبيان، ذوات نكت لم يطمثهنّ قبله إنس ولا جان، ويغنيك العيان عن البيان، والوجدان عن البرهان.
فما قدمته لك إحدى مقالاته الشافية، ورسائله الكافية، فقد أخذت بجزأيها على شطري الأصول الأصلية، من مباحث الألفاظ والأدلة العقلية، وأغنت بالاشارة عن المطولات، فهي النهاية والمحصول، فحريٌّ بأن يسمى ب (كفاية الأصول)، فأين من يعرف قدرها، ولا يرخص مهرها، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال أدام الله ظلّه [بعد التسمية والتحميد والتصلية](١) :
____________________
(١) نقلنا هذه المقدمة من «ب».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
وبعد فقد رتّبته على مقدّمة، ومقاصد وخاتمة.
أمّا المقدمة ففي بيان أمور:
الأول
إنّ موضوع كل علم، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية - أي بلا واسطة في العروض - هو نفس موضوعات مسائله عيناً، وما يتّحد معها خارجاً، وإن كان يغايرها مفهوماً، تغاير الكلّي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده، والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتّتة، جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لاجله دُوِّن هذا العلم، فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل، مما كان له دخل في مهمين، لأجل كل منهما دُوِّن علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين.
لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما، فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا، لا يكاد انفكاكهما.
فإنّه يقال: مضافاً إلى بُعد ذلك، بل امتناعه عادة، لا يكاد يصحّ لذلك تدوين علمين وتسميتهما باسمين، بل تدوين علم واحد، يبحث فيه تارة لكلا المهمّين، واخرى لاحدهما، وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل، فان حسن تدوين علمين - كانا مشتركين في مسألة، أو أزيد - في جملة مسائلهما المختلفة، لأجل مهمين، مما لا يخفى.
وقد انقدح بما ذكرنا، أن تمايزَ العلوم إنما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين، لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلّا كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم، علماً على حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدد، كما لا يكون وحدتهما سبباً لان يكون من الواحد.
ثم إنّه ربّما لا يكون لموضوع العلم - وهو الكلّي المتّحد مع موضوعات المسائل - عنوان خاص واسم مخصوص، فيصح أن يعبّر عنه بكل ما دلّ عليه، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلاً.
وقد انقدح بذلك أن موضوع علم الاصول، هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة، لا خصوص الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة(١) ، بل ولا بما هي هي(٢) ، ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمّة ليس من عوارضها، وهو واضح لو كان المراد بالسنّة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، كما هو المصطلح فيها، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمّة، كعمدة مباحث التعادل والترجيح، بل ومسألة حجّية خبر الواحد، لا عنها ولا عن سائر الأدلّة، ورجوع البحث فيهما - في الحقيقة - إلى البحث عن ثبوت السنّة بخبر الواحد، في مسألة حجّية الخبر - كما اُفيد -(٣) وبأي الخبرين في باب التعارض، فإنّه أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال غير مفيد فان البحث عن ثبوت الموضوع، وما هو مفاد كان التامة، ليس بحثاً عن عوارضه، فإنّها مفاد كان الناقصة.
لا يقال: هذا في الثبوت الواقعي، وأمّا الثبوت التعبدي - كما هو
____________________
(١) كما هو المشهور بين الاصوليين.
(٢) صرح به صاحب الفصول، الفصول / ٤.
(٣) افاده الشيخ (قده) في فرائد الأصول / ٦٧، في بداية مبحث حجية الخبر لواحد.
المهم في هذه المباحث - فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.
فإنّه يقال: نعم، لكنّه مما لا يعرض السنة، بل الخبر الحاكي لها، فإن الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، وهذا من عوارضه لا عوارضها، كما لا يخفى.
وبالجملة: الثبوت الواقعي ليس من العوارض، والتعبدي وإن كان منها، إلّا أنّه ليس للسنة، بل للخبر، فتأمّل جيدّاً.
وأمّا إذا كان المراد(١) من السنة ما يعم حكايتها، فلأن البحث في تلك المباحث وإن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى، إلا أن البحث في غير واحد من مسائلها، كمباحث الألفاظ، وجملة من غيرها، لا يخص الأدلة، بل يعمّ غيرها، وإن كان المهم معرفة أحوال خصوصها، كما لا يخفى.
ويؤيّد ذلك تعريف الأصول، بأنّه (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية)، وإن كان الأولى تعريفه بأنه (صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل)، بناءً على أن مسألة حجية الظنّ على الحكومة، ومسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية من الأصول، كما هو كذلك، ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمّات.
الأمر الثاني
الوضع هو نحو اختصاص للّفظ بالمعنى، وارتباط خاص بينهما، ناش من تخصيصه به تارة، ومن كثرة استعماله فيه أخرى، وبهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعييني والتعيّني، كما لا يخفى.
____________________
(١) هذا مراد صاحب الفصول، الفصول / ١٢.
ثم إن الملحوظ حال الوضع: إما يكون معنى عاماً، فيوضع اللفظ له تارة، ولأفراده ومصاديقه أخرى؛ وإما يكون معنى خاصاً، لا يكاد يصحّ إلا وضع اللفظ له دون العام، فتكون الأقسام ثلاثة، وذلك لأن العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فإنه من وجوهها، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه، بخلاف الخاص، فإنّه بما هو خاص، لا يكون وجهاً للعام، ولا لسائر الأفراد، فلا يكون معرفته وتصوّره معرفة له، ولا لها - أصلاً - ولو بوجه.
نعم ربّما يوجب تصوّره تصوّر العام بنفسه، فيوضع له اللفظ، فيكون الوضع عاماً، كما كان الموضوع له عاماً، وهذا بخلاف ما في الوضع العام والموضوع له الخاص، فإن الموضوع له - وهي الأفراد - لا يكون متصوّراً إلا بوجهه وعنوانه، وهو العام، وفرق واضح بين تصوّر الشيء بوجهه، وتصوّره بنفسه، ولو كان بسبب تصوّر أمر آخر.
ولعلّ خفاء ذلك على بعض الأعلام(١) ، وعدم تميّزه بينهما، كان موجباً لتوهّم امكان ثبوت قسم رابع، وهو أن يكون الوضع خاصاً، مع كون الموضوع له عاماً، مع أنه واضح لمن كان له أدنى تأمّل.
ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع(٢) الخاص والموضوع له الخاص كوضع الأعلام، وكذا الوضع(٣) العام والموضوع له العام، كوضع أسماء الأجناس وأما الوضع العام والموضوع له الخاص، فقد توهّم(٤) أنّه وضع الحروف، وما ألحق بها من الأسماء، كما توهّم(٥) أيضاً ان المستعمل فيه فيها(٦)
____________________
(١) الظاهر أنّه صاحب البدائع، البدائع / ٣٩، في تقسيم الوضع إلى العام والخاص.
(٢ - ٣) في «أ و ب»: وضع.
(٤) صاحب الفصول، لفصول / ١٦، في الوضع.
(٥) الفصول / ١٦، في الوضع.
(٦) في «أ»: أن المستعمل فيها.
خاصٌ(١) مع كون الموضوع له كالوضع عامّاً.
والتحقيق - حسبما يؤدّي إليه النظر الدقيق - أن حال المستعمل فيه والموضوع له فيها حالهما في الأسماء، وذلك لأن الخصوصية المتوهمة، إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئياً خارجياً، فمن الواضح أن كثيراً ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك بل كلّيّاً، ولذا التجأ بعض الفحول(٢) إلى جعله جزئياً إضافياً، وهو كما ترى. وإن كانت هي الموجبة لكونه جزئياً ذهنياً، حيث أنّه لا يكاد يكون المعنى حرفياً، إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر، ومن خصوصياته القائمة به، ويكون حاله كحال العرض، فكما لا يكون في الخارج إلا في الموضوع، كذلك هو لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر، ولذا قيل في تعريفه: بأنّه ما دلّ على معنى في غيره، فالمعنى، وإن كان لا محالة يصير جزئياً بهذا اللحاظ، بحيث يباينه إذا لوحظ ثانياً، كما لوحظ أولاً، ولو كان اللاحظ واحداً(٣) ، إلّا أن هذا اللحاظ لا يكاد مأخوذاً في المستعمل فيه، وإلا فلا بدّ من لحاظ آخر، متعلّق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة أن تصوّر المستعمل فيه مما لا بدّ منه في استعمال الألفاظ، وهو كما ترى. مع أنه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات، لامتناع صدق الكلّي العقلي عليها، حيث لا موطن له إلّا الذهن، فامتنع امتثال مثل (سر من البصرة) إلا بالتجريد وإلغاء(٤) الخصوصية، هذا مع أنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلا كلحاظه في نفسه في الأسماء، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبراً في المستعمل فيه فيها، كذلك ذاك اللحاظ في الحروف، كما لا يخفى.
____________________
(١) في «أ و ب»: خاصاً.
(٢) المراد من بعض الفحول، إما صاحب الفصول، الفصول/١٦، وإمّا المحقق التقي، هداية المسترشدين/٣٠.
(٣) في «أ» واحد إلا أن.
(٤) في «ب»: إلقاء.
وبالجملة: ليس المعنى في كلمة (من) ولفظ الإبتداء - مثلاً - إلا الإبتداء، فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلاً، كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها وآلة، وكما لا يكون لحاظه فيه موجباً لجزئيته، فليكن كذلك فيها.
إن قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى، ولزم كون مثل كلمة (من) ولفظ الإبتداء مترادفين، صحّ استعمال كل منهما في موضع الآخر، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، وهو باطل بالضرورة، كما هو واضح.
قلت: الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع، حيث [أنّه](١) وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره، كما مرّت الاشارة إليه غير مرّة، فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع، يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر، وإن اتفقا فيما له الوضع، وقد عرفت - بما لا مزيد عليه - أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته.
ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والإنشاء أيضاً كذلك، فيكون الخبر موضوعاً ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه، والإنشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته، وإن اتفقا فيما استعملا فيه، فتأمّل.
ثم إنّه قد انقدح مما حققناه، أنّه يمكن أن يقال: إن المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضاً عام، وأن تشخّصه إنما نشأ من قبل طور استعمالها، حيث أن أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، وكذا
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
بعض الضمائر، وبعضها ليخاطب به(١) المعنى، والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى، فدعوى أن المستعمل فيه في مثل (هذا) أو (هو) أو (إيّاك) إنّما هو المفرد المذكّر، وتشخّصه إنّما جاء من قبل الإشارة، أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه، فإن الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلا إلى الشخص أو معه، غير مجازفة.
فتلخّص مما حققناه: إنّ التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات، لا يوجب تشخص المستعمل فيه، سواء كان تشخصاً خارجياً - كما في مثل أسماء الإشارة - أو ذهنياً - كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما - من غير فرق في ذلك أصلاً بين الحروف وأسماء الأجناس، ولعمري هذا واضح. ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصاً في الحرف عين ولا أثر، وإنّما ذهب إليه بعض من تأخّر(٢) ، ولعلّه لتوهّم كون قصده بما هو في غيره، من خصوصيات الموضوع له، أو المستعمل فيه، والغفلة من أن قصد المعنى من لفظه على أنحائه، لا يكاد يكون من شؤونه وأطواره، وإلّا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك، فتأمّل في المقام فإنّه دقيق، وقد زلّ(٣) فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق.
الثالث
صحّة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له، هل هو بالوضع، أو بالطبع؟ وجهان، بل قولان، أظهرهما أنّه بالطبع بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه، ولا معنى لصحته إلا حسنه، والظاهر أن صحة الاستعمال
____________________
(١) في «ب»: بها.
(٢) صاحب الفصول، الفصول / ١٦.
(٣) في «ب»: ذل.
اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله، كما يأتي الإشارة إلى تفصيله(١) .
الرابع
لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ، وإرادة نوعه به، كما إذا قيل: ضرب - مثلاً - فعل ماض، أو صنفه كما إذا قيل: (زيد) في (ضرب زيد) فاعل، إذا لم يقصد به شخص القول أو مثله ك (ضرب) في المثال فيما إذا قصد.
وقد أشرنا(٢) إلى أن صحة الاطلاق كذلك وحسنه، إنما كان بالطبع لا بالوضع، وإلا كانت المهملات موضوعة لذلك، لصحة الاطلاق كذلك فيها، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى.
وأمّا إطلاقه وإرادة شخصه، كما إذا قيل: (زيد لفظ) وأريد منه شخص نفسه، ففي صحته بدون تأويل نظر، لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول، أو تركب القضية من جزءين كما في الفصول(٣) .
بيان ذلك: أنّه إن اعتبر دلالته على نفسه - حينئذٍ - لزم الاتحاد، وإلا لزم تركبها من جزءين، لأن القضية اللفظية - على هذا - إنما تكون حاكية عن المحمول والنسبة، لا الموضوع، فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين، مع امتناع التركب إلا من الثلاثة، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين.
قلت: يمكن أن يقال: إنّه يكفي تعدد الدال والمدلول اعتباراً، وإن اتَّحَدا ذاتاً، فمن حيث أنّه لفظ صادر عن لافظه كان دالّاً، ومن حيث أن
____________________
(١) في الأمر الرابع.
(٢) أشار إليه في الأمر الثالث.
(٣) الفصول / ٢٢، عند قوله: فصل قد يطلق اللفظ..الخ.
نفسه وشخصه مراده كان مدلولاً، مع أن حديث تركب القضية من جزءين - لو لا اعتبار الدلالة في البين - إنما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه، وإلا كان أجزاؤها الثلاثة تامة، وكان المحمول فيها منتسباً إلى شخص اللفظ ونفسه، غاية الأمر أنه نفس الموضوع، لا الحاكي عنه، فافهم، فانه لا يخلو عن دقة.
وعلى هذا، ليس من باب استعمال اللفظ بشيء، بل يمكن أن يقال: إنه ليس أيضاً من هذا الباب، ما إذا أُطلق اللفظ وأُريد به نوعه أو صنفه، فإنّه فرده ومصداقه حقيقة، لا لفظه وذاك معناه، كي يكون مستعملاً فيه استعمال اللفظ في المعنى، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجاً، قد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاكٍ(١) ، وقد حكم عليه ابتداءً، بدون واسطة أصلاً، لا لفظه، كما لا يخفى، فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى، بل فرد قد حكم في القضية عليه - بما هو مصداق لكلي(٢) اللفظ، لا بما هو خصوص جزئيّة.
نعم فيما إذا أُريد به فرد آخر مثله، كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، اللَّهمّ إلا أن يقال: إنّ لفظ (ضرب) وإن كان فرداً له، إلّا أنه إذا قصد به حكايته، وجعل عنواناً له ومرآته، كان لفظه المستعمل فيه، وكان - حينئذ - كما إذا قصد به فرد مثله.
وبالجملة: فإذا أُطلق وأُريد به نوعه، كما إذا أُريد به فرد مثله، كان من باب استعمال اللفظ في المعنى، وإن كان فرداً منه، وقد حكم في القضية بما يعمه، وإن أُطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليّه ومصداقه، لا بما هو لفظه وبه حكايته، فليس من هذا الباب، لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهراً
____________________
(١) في «أ و ب»: حاكي.
(٢) في «أ»: لكليه.
ليست كذلك، كما لا يخفى، وفيها ما لا يكاد يصح أن يراد منه ذلك، مما كان الحكم في القضية لا يكاد يعمّ شخص اللفظ، كما في مثل: (ضرب فعل ماض).
الخامس
لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي، لا من حيث هي مرادة للافظها، لما عرفت بما لا مزيد عليه، من أن قصد المعنى على أنحائه من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه.
هذا مضافاً إلى ضرورة صحة الحمل والاسناد في الجمل، بلا تصرّف في ألفاظ الأطراف، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة، لما صح بدونه؛ بداهة أن المحمول على (زيد) في (زيد قائم) والمسند إليه في (ضرب زيد) - مثلاً - هو نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان، مع أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عامّاً والموضوع له خاصاً، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فإنه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإِرادة فيه، كما لا يخفى، وهكذا الحال في طرف الموضوع.
وأمّا ما حكي(١) عن العلمين (الشيخ الرئيس(٢) ، والمحقق
____________________
(١) راجع الشفاء، قسم المنطق في المقالة الأولى من الفن الأول، الفصل الثامن / ٤٢، عند قوله (وذلك لان معنى دلالة اللفظ، هو أن يكون اللفظ اسماً لذلك المعنى على سبيل القصد الأوّل) انتهى.
وحكى العلّامة الحلّيرحمهالله في الجوهر النضيد في شرح التجريد / ٤. عن أستاذه المحقق الطوسيرحمهالله قوله بأن اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه بل باعتبار الإرادة والقصد.
(٢) الشيخ الرئيس أبوعلي الحسين بن عبدالله بن سينا الحكيم المشهور، أحد فلاسفة المسلمين ولد سنة ٣٧٠ ه بقرية من ضياع بخارى، نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه، لم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره الّا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها، صنف كتاب «الشفاء» و «النجاة» و «الإشارات» و «القانون» وغير ذلك ممّا يقارب مائة مصنّف، =
الطوسي(١) ) من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الارادة، فليس ناظراً إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة، كما توهمه بعض الأفاضل(٢) ، بل ناظر إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية، أي دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع إرادتها منها، ويتفرع عليها تبعية مقام الإِثبات للثبوت، وتفرع الكشف على الواقع المكشوف، فإنّه لولا الثبوت في الواقع، لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجال، ولذا لا بدّ من إحراز كون المتكلّم بصدد الإِفادة في إثبات إرادة ماهو ظاهر كلامه ودلالته على الارادة، وإلا لما كانت لكلامه هذه الدلالة، وإن كانت له الدلالة التصورية، أي كون سماعه موجباً لإِخطار معناه الموضوع له، ولو كان من وراء الجدار، أو من لافظ بلا شعور ولا اختيار.
إن قلت: على هذا، يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ، والقطع بما ليس بمراد، أو الاعتقاد بإرادة شيء، ولم يكن له من اللفظ مراد.
قلت: نعم لا يكون حينئذٍ دلالة، بل يكون هناك جهالة وضلالة، يحسبها الجاهل دلالة، ولعمري ما أفاده العلمان من التبعية - على ما بيّنّاه - واضح لا محيص عنه، ولا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم أن يجعل كلامهما ناظراً إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل، فضلاً عمن هو عَلَم
____________________
= وله شعر، توفي بهمدان يوم الجمعة من شهر رمضان ٤٢٨ ه ودفن بها. (وفيات الاعيان ٢ / ١٥٧ رقم ١٩٠).
(١) المحقق خواجه نصير الدّين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي الحكيم الفيلسوف ولد في طوس عام ٥٩٧ ه ، درس في صغره مختلف العلوم وأتقن علوم الرياضيات وكان لايزال في مطلع شبابه، سافر إلى نيشابور وقضى فيها فترة ظهر نبوغه وتفوّقه، باشر إنشاء مرصد مراغة وأسس مكتبة مراغة، حضر درس المحقق الحلّي عندما زار الفيحاء بصحبة هولاكو، كتب ما يناهز ١٨٤ مؤلفاً في فنون شتّى، توفي ٦٨٢ ه ودفن في جوار الامام موسى الكاظمعليهالسلام . (أعيان الشيعة ٩ / ٤١٤).
(٢) صاحب الفصول ١٧، السطر الأخير.
في التحقيق والتدقيق؟ !.
السادس
لا وجه لتوهّم وضع للمركبات، غير وضع المفردات، ضرورة عدم الحاجة إليه، بعد وضعها بموادها، في مثل (زيد قائم) و (ضرب عمرو بكراً) شخصياً، وبهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعياً، ومنها خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات النسب والإضافات، بمزاياها الخاصة من تأكيد وحصر وغيرهما نوعياً؛ بداهة أن وضعها كذلك وافٍ بتمام المقصود منها، كما لا يخفى من غير حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها، مع استلزامه الدلالة على المعنى: تارة بملاحظة وضع نفسها، وأخرى بملاحظة وضع مفرداتها، ولعل المراد من العبارات الموهمة لذلك، هو وضع الهيئات على حدة، غير وضع المواد، لا وضعها بجملتها، علاوة على وضع كل منهما.
السابع
لا يخفى أن تبادر المعنى من اللفظ، وانسباقه إلى الذهن من نفسه - وبلا قرينة - علامة كونه حقيقة فيه؛ بداهة أنه لولا وضعه له، لما تبادر.
ولا يقال: كيف يكون علامة؟ مع توقفه على العلم بأنه موضوع له، كما هو واضح، فلو كان العلم به موقوفاً عليه لدار.
فإنه يقال: الموقوف عليه غير الموقوف عليه، فإن العلم التفصيلي - بكونه موضوعاً له - موقوف على التبادر، وهو موقوف على العلم الإِجمالي الإِرتكازي به، لا التفصيلي، فلا دور.
هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم، وأما إذا كان المراد به التبادر عند أهل المحاورة، فالتغاير أوضح من أن يخفى.
ثم إنّ هذا فيما لو علم استناد الانسباق إلى نفس اللفظ، وأما فيما احتمل استناده إلى قرينة، فلا يجدي أصالة عدم القرينة في إحراز كون الاستناد إليه، لا إليها - كما قيل(١) - لعدم الدليل على اعتبارها إلا في إحراز المراد، لا الاستناد.
ثم إن(٢) عدم صحة سلب اللفظ - بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن اجمالاً كذلك - عن معنى تكون علامة كونه حقيقة فيه، كما أن صحة سلبه عنه علامة كونه مجازاً في الجملة.
والتفصيل: إن عدم صحة السلب عنه، وصحة الحمل عليه بالحمل الأولي الذاتي، الذي كان ملاكه الاتحاد مفهوماً، علامة كونه نفس المعنى، وبالحمل الشائع الصناعي، الذي ملاكه الاتحاد وجوداً، بنحو من أنحاء الاتحاد، علامة كونه من مصاديقه وأفراده الحقيقية(٣) .
كما أن صحّة سلبه كذلك علامة أنّه ليس منها، وإن لم نقل بأن إطلاقه عليه من باب المجاز في الكلمة، بل من باب الحقيقة، وإن التصرف فيه في أمر عقلي، كما صار إليه السكاكي(٤) ، واستعلام حال اللفظ، وأنه حقيقة أو
____________________
(١) قوانين الأصول / ١٣.
(٢) في «أ»: إنّه كذلك عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم، المرتكز في الذهن إجمالاً عن معنى..الخ.
(٣) فيما إذا كان المحمول والمحمول عليه كلياً وفرداً، لا فيما إذا كانا كليين متساويين، أو غيرهما، كما لا يخفى. منهقدسسره .
وفي نسخة «أ» لم يظهر كونه تعليقاً بل الظاهر دخوله في المتن.
(٤) مفتاح العلوم / ١٥٦، الفصل الثالث في الاستعارة.
أبويعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي الخوارزمي، ولد سنة ٥٥٥ ه كان علامة بارعاً في فنون شتّى خصوصاً المعاني والبيان، وله كتاب «مفتاح العلوم» فيه إثنا عشر علماً من علوم العربية، وله النصيب الوافر في علم الكلام وسائر الفنون مات بخوارزم سنة ٦٢٦ ه. (بغية الوعاة ٢ / ٣٦٤ رقم ٢٢٠٤).
مجاز في هذا المعنى بهما، ليس على وجه دائر، لما عرفت في التبادر من التغاير بين الموقوف والموقوف عليه، بالإجمال والتفصيل أو الإضافة إلى المستعلم والعالم، فتأمّل جيداً.
ثم إنه قد ذُكر الاطراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز أيضاً، ولعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها، وإلّا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة، وزيادة قيد (من غير تأويل) أو (على وجه الحقيقة)(١) ، وإن كان موجباً لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة، إلا أنه - حينئذٍ - لا يكون علامة لها إلا على وجه دائر، ولا يتأتّى التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا(٢) ، ضرورة أنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة، لا يبقى مجال لاستعلام(٣) حال الاستعمال بالاطراد، أو بغيره.
الثامن
انّه للّفظ أحوال خمسة، وهي: التجوّز، والاشتراك، والتخصيص، والنقل، والإضمار، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الأمر بينه وبين المعنى الحقيقي، إلا بقرينة صارفة عنه إليه.
وأما إذا دار الأمر بينها، فالأصوليون، وإن ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوهاً، إلّا أنّها استحسانية، لا اعتبار بها، إلّا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى، لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك، كما لا يخفى.
____________________
(١) الزيادة من صاحب الفصول، الفصول / ٣٨، فصل في علامة الحقيقة والمجاز.
(٢) في «أ»: هاهنا.
(٣) في «ب»: الاستعلام.
التاسع
إنّه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال، وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال، وهو: أن الوضع التعييني، كما يحصل بالتصريح بإنشائه، كذلك يحصل بإستعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما إذا وضع له، بأن يُقصد الحكاية عنه، والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة، وإن كان لا بد - حينئذ - من نصب قرينة، إلا أنه للدلالة على ذلك، لا على إرادة المعنى، كما في المجاز، فافهم.
وكون إستعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له، بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز، فلا يكون بحقيقة ولا مجاز، غير ضائر بعد ما كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره، وقد عرفت سابقاً(١) ، أنه في الاستعمالات الشايعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز.
إذا عرفت هذا، فدعوى الوضع التعييني في الالفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدّاً، ومدعي القطع به غير مجازف قطعاً، ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته، ويؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية واللغوية، فأيّ علاقة بين الصلاة شرعاً والصلاة بمعنى الدعاء، ومجرد إشتمال الصلاة على الدعاء لايوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكل بينهما، كما لا يخفى. هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا.
وأما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة، كما هو قضية غير واحد من الآيات، مثل قوله تعالى( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
____________________
(١) راجع صفحة ١٤ الأمر الرابع.
قَبْلِكُمْ ) (١) وقوله تعالى( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) (٢) وقوله تعالى( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) (٣) إلى غير ذلك، فألفاظها حقائق لغوية، لا شرعية، واختلاف الشرائع فيها جزءاً وشرطاً، لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية؛ إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات، كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا، كما لا يخفى.
ثم لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال، لا مجال لدعوى الوثوق - فضلاً عن القطع - بكونها حقائق شرعية، ولا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها، لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه، ومنه [قد](٤) إنقدح حال دعوى الوضع التعيّني معه، ومع الغض عنه، فالإِنصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة، نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع، فتأمل.
وأما الثمرة بين القولين، فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت، وعلى معانيها الشرعية على الثبوت، فيما إذا عُلم تأخر الاستعمال، وفيما إذا جهل التاريخ، ففيه إشكال، وأصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع، لا دليل على اعتبارها تعبداً، إلا على القول بالأصل المثبت، ولم يثبت بناء من العقلاء على التأخر مع الشك، وأصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في أصل النقل، لا في تأخره، فتأمل.
____________________
(١) البقرة / ١٨٣.
(٢) الحج / ٢٧.
(٣) مريم / ٣١.
(٤) أثبتناه من «أ».
العاشر
أنه وقع الخلاف في أن الفاظ العبادات، أسامٍ لخصوص الصحيحة أو للاعم منها؟
وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين، يذكر أمور:
منها : إنه لا شبهة في تأتّي الخلاف، على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، وفي جريانه على القول بالعدم إشكال.
وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره: إن النزاع وقع - على هذا - في أن الأصل في هذه الألفاظ المستعملة مجازاً في كلام الشارع، هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الاعم، بمعنى أن أيّهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغوية ابتداء، وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته، كي ينزل كلامه(١) عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية، وعدم قرينة أخرى معينة للآخر.
وأنت خبير بأنه لا يكاد يصح هذا، إلا إذا علم أن العلاقة إنما اعتبرت كذلك، وأن بناء الشارع في محاوراته، استقر عند عدم نصب قرينة أخرى على إرادته، بحيث كان هذا قرينة عليه، من غير حاجة إلى قرينة معينة أخرى، وأنّى لهم بإثبات ذلك.
وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع - على مانسب(٢) إلى الباقلّاني(٣) -
____________________
(١) في «أ»: تقديم (عليه) على (كلامه).
(٢) نسبه ابن الحاجب والعضدي: راجع شرح العضدي على مختصر الأصول: ١ / ٥١ - ٥٢.
(٣) هو القاضي أبوبكر محمد بن الطيب البصري البغدادي المالكي الأصولي المتكلم كان مشهوراً بالمناظرة وسرعة الجواب توفي سنة ٤٠٣ ه ببغداد، (الكنى والألقاب: ٢ / ٥٥ والعبر في خبر من غبر: ٢ / ٢٠٧).
وذلك بأن يكون النزاع، في أن قضية القرينة المضبوطة التي لا يتعدى عنها إلا بالأخرى - الدالة على أجزاء المأمور به وشرائطه - هو تمام الأجزاء والشرائط، أو هما في الجملة، فلا تغفل.
ومنها : أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد، وهو التمامية، وتفسيرها بإسقاط القضاء - كما عن الفقهاء - أو بموافقة الشريعة - كما عن المتكلمين - أو غير ذلك، إنما هو بالمهم من لوازمها؛ لوضوح اختلافه بحسب اختلاف الأنظار، وهذا لا يوجب تعدد المعنى، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر، والحضر، والاختيار، والاضطرار إلى غير ذلك، كما لا يخفى.
ومنه ينقدح أن الصحة والفساد أمران إضافيان، فيختلف شيء واحد صحة وفساداً بحسب الحالات، فيكون تاماً بحسب حالة، وفاسداً بحسب أُخرى، فتدبر جيّداً.
ومنها : أنه لابد - على كلا القولين - من قدر جامع في البين، كان هو المسمى بلفظ كذا، ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة، وإمكان الإشارة إليه بخواصه وآثاره، فإن الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد، يؤثر الكل فيه بذاك الجامع، فيصح تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً: بالناهية عن الفحشاء، وما هو معراج المؤمن، ونحوهما.
والإشكال فيه (١) - بأن الجامع لا يكاد يكون أمراً مركباً؛ إذ كل ما فرض جامعاً، يمكن أن يكون صحيحاً وفاسداً؛ لما عرفت، ولا أمراً بسيطاً، لأنه لا يخلو: إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب، أو ملزوماً مساوياً له، والأول غير معقول؛ لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى إلا من قبل الطلب في متعلقه،
____________________
(١) الاشكال من صاحب التقريرات، مطارح الانظار / ٦.
مع لزوم الترادف بين لفظة الصلاة والمطلوب، وعدم جريان البراءة مع الشك في أجزاء العبادات وشرائطها؛ لعدم الإجمال - حينئذ - في المأمور به فيها، وإنما الإجمال فيما يتحقق به، وفي مثله لامجال لها، كما حقق في محله، مع أن المشهور القائلين بالصحيح، قائلون بها في الشك فيها، وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضاً -مدفوع ، بأن الجامع إنما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة. بحسب إختلاف الحالات، متحد معها نحو إتحاد، وفي مثله تجري البراءة، وإنما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمراً واحداً خارجياً، مسبباً عن مركب مردد بين الأقل والأكثر، كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شك في أجزائهما، هذا على الصحيح.
وأما على الاعم، فتصوير الجامع في غاية الإشكال، فما قيل في تصويره أو يقال: وجوه(١) :
أحدها (٢) : أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة، كالأركان في الصلاة مثلاً، وكان الزائد عليها معتبراً في المأمور به لا في المسمّى.
وفيه ما لا يخفى، فإن التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها، ضرورة صدق الصلاة مع الإخلال ببعض الأركان، بل وعدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء والشرائط عند الأعمي، مع أنه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به - بأجزائه وشرائطه - مجازاً عنده، وكان من باب إستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، لا من باب إطلاق الكلّي على الفرد والجزئي، كما هو واضح، ولا يلتزم به القائل بالأعم، فافهم.
____________________
(١) راجع القوانين / ٤٠ في الصحيح والأعمّ، ومطارح الأنظار / ٧ في الصحيح والأعمّ، والفصول / ٤٦.
(٢) هذا ما يظهر من صاحب القوانين، القوانين ١ / ٤٤ في الصحيح والأعمّ.
ثانيها : أن تكون موضوعة لمعظم الأجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفاً، فصدق الإسم كذلك يكشف عن وجود المسمى، وعدم صدقه عن عدمه.
وفيه - مضافاً إلى ما أورد على الأول أخيراً - أنه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى، فكان شيء واحد داخلاً فيه تارة، وخارجاً عنه أُخرى، بل مردداً بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند إجتماع تمام الأجزاء، وهو كما ترى، سيّما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات.
ثالثها : أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصية ك (زيد) فكما لا يضر في التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر، ونقص بعض الأجزاء وزيادته، كذلك فيها.
وفيه: أن الأعلام إنما تكون موضوعة للأشخاص، والتشخص إنما يكون بالوجود الخاص، ويكون الشخص حقيقة باقياً مادام وجوده باقياً، وإن تغيرت عوارضه من الزيادة والنقصان، وغيرهما من الحالات والكيفيات، فكما لا يضرّ اختلافها في التشخص، لا يضرّ اختلافها في التسمية، وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات مما كانت موضوعة للمركبات والمقيدات، ولا يكاد يكون موضوعاً له، إلا ما كان جامعاً لشتاتها وحاوياً لمتفرقاتها، كما عرفت في الصحيح منها.
رابعها : إن ما وضعت له الألفاظ إبتداءً هو الصحيح التام الواجد لتمام الأجزاء والشرائط، إلا أن العرف يتسامحون - كما هو ديدنهم - ويطلقون تلك الألفاظ على الفاقد للبعض، تنزيلاً له منزلة الواجد، فلا يكون مجازاً في الكلمة - على ما ذهب إليه السكاكي(١) في الاستعارة - بل يمكن دعوى
____________________
(١) مفتاح العلوم / ١٥٦، الفصل الثالث في الاستعارة.
صيرورته حقيقة فيه، بعد الاستعمال فيه كذلك دفعة أو دفعات، من دون حاجة إلى الكثرة والشهرة، للأنس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة، أو المشاركة في التأثير، كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداءً لخصوص مركبات واجدة لأجزاء خاصة، حيث يصح إطلاقها على الفاقد لبعض الأجزاء المشابه له صورة، والمشارك في المهم أثراً تنزيلاً أو حقيقة.
وفيه: إنه إنما يتم في مثل أسامي المعاجين، وسائر المركبات الخارجية مما يكون الموضوع له(١) فيها ابتداءً مركباً، خاصاً، ولا يكاد يتم في مثل العبادات، التي عرفت أن الصحيح منها يختلف حسب إختلاف الحالات، وكون الصحيح بحسب حالة فاسداً(٢) بحسب حالة أخرى، كما لا يخفى، فتأمل جيداً.
خامسها : أن يكون حالها حال أسامي المقادير والأوزان، مثل المثقال، والحقة، والوزنة إلى غير ذلك، مما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة، فإن الواضع وإن لاحظ مقداراً خاصاً، إلا أنه لم يضع له بخصوصه، بل للأعم منه ومن الزائد والناقص، أو أنه وإن خص به أولاً، إلا أنه بالاستعمال كثيراً فيهما بعناية أنهما منه، قد صار حقيقة في الأعم ثانياً.
وفيه: إن الصحيح - كما عرفت في الوجه السابق - يختلف زيادة ونقيصة، فلا يكون هناك ما يلحظ الزائد والناقص بالقياس عليه، كي يوضع اللفظ لما هو الأعم، فتدبر جيداً.
ومنها : إن الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له - في ألفاظ العبادات - عامين، واحتمال كون الموضوع له خاصاً بعيد جدّاً، لاستلزامه كون
____________________
(١) في «ب»: الموضوع فيها.
(٢) في «أ و ب»: فاسد.
استعمالها في الجامع، في مثل: (الصلاة تنهى عن الفحشاء) و (الصلاة معراج المؤمن) و [(عمود الدين)](١) و(الصوم جنّة من النار) مجازاً، أو منع استعمالها فيه في مثلها، وكل منهما بعيد إلى الغاية، كما لا يخفى على أولي النهاية(٢) .
ومنها : أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحي، وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه، في رفع ما إذا شك في جزئية شيء للمأمور به أو شرطيته أصلاً، لاحتمال دخوله في المسمى، كما لا يخفى، وجواز الرجوع إليه في ذلك على القول الأعمّي، في غير ما إحتمل دخوله فيه، مما شك في جزئيته أو شرطيته، نعم لا بد في الرجوع إليه فيما ذكر من كونه وارداً مورد البيان، كما لا بد منه في الرجوع إلى سائر المطلقات، وبدونه لا مرجع أيضاً إلا البراءة أو الاشتغال، على الخلاف في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
وقد إنقدح بذلك: إن الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال الخطاب أو إهماله على القولين، فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع إلى البراءة على الأعم، والاشتغال على الصحيح(٣) ، ولذا ذهب المشهور إلى البراءة، مع ذهابهم إلى الصحيح.
وربما قيل(٤) بظهور الثمرة في النذر أيضاً.
قلت: وإن كان تظهر فيما لو نذر لمن صلّى إعطاء درهم في البرء فيما لو أعطاه لمن صلّى، ولو علم بفساد صلاته، لإخلاله بما لا يعتبر في الاسم على الأعم، وعدم البرء على الصحيح، إلا أنه ليس بثمرة لمثل هذه
____________________
(١) أثبتناها من (ب).
(٢) في «أ و ب»: النهاية.
(٣) القوانين ١ / ٤٠، مبحث الصحيح والأعم.
(٤) القوانين ١ / ٤٣، مبحث الصحيح والأعم.
المسألة، لما عرفت من أن ثمرة المسألة الأصولية، هي أن تكون نتيجتها واقعة في طريق استنباط الأحكام الفرعية، فافهم.
وكيف كان، فقد استدل للصحيحي بوجوهٍ:
أحدها : التبادر، ودعوى أن المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح، ولا منافاة بين دعوى ذلك، وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فإن المنافاة إنما تكون فيما إذا لم تكن معانيها على هذا مبينة بوجه، وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه.
ثانيها : صحة السلب عن الفاسد، بسبب الإخلال ببعض أجزائه، أو شرائطه بالمداقّة، وإن صح الإطلاق عليه بالعناية.
ثالثها : الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسمّيات مثل (الصلاة عمود الدين)(١) أو (معراج المؤمن)(٢) و (الصوم جنة من النار)(٣) إلى غير ذلك، أو نفي ماهيّتها وطبائعها، مثل (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)(٤) ونحوه، مما كان ظاهراً في نفي الحقيقة، بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطراً أو شرطاً، وإرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأولى، ونفي الصحة من الثانية؛ لشيوع إستعمال هذا التركيب في نفي مثل الصحة أو الكمال خلاف الظاهر، لا يصار إليه مع عدم نصب قرينة عليه، واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع، حتى في مثل (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)(٥) مما يعلم أن المراد نفي الكمال، بدعوى استعماله
____________________
(١) دعائم الاسلام ١: ١٣٣، جامع الاخبار / ٨٥، الكافي ٣ / ٩٩ باب النفساء الحديث ٤ غوالي اللآلي ١ / ٣٢٢ الحديث ٥٥.
(٢) لم نجده في كتب الحديث، ولكن أورده في جواهر الكلام ٧ / ٢.
(٣) الفقيه ٢ / ٤٤ باب ضل الصيام، الحديث ١ و ٥، الكافي ٤ / ٦٢ باب ما جاء في فضل الصوم والصائم الحديث ١.
(٤) غوالي اللآلي ١: ١٩٦، الحديث ٢ وغوالي اللآلي ٢: ٢١٨ الحديث ١٣.
(٥) دعائم الاسلام ١: ١٤٨، التهذيب ٣: ٢٦١ باب ٢٥ فضل المساجد والصلاة فيها، =
في نفي الحقيقة، في مثله أيضا بنحو من العناية، لا على الحقيقة، وإلا لما دل على المبالغة، فافهم(١) .
رابعها : دعوى القطع بأن طريقة الواضعين وديدنهم، وضع الألفاظ للمركبات التامة، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه، والحاجة وإن دعت أحيانا إلى إستعمالها في الناقص أيضاً، إلا أنه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة، بل ولو كان مسامحة، تنزيلاً للفاقد منزلة الواجد.
والظاهر أن الشارع غير متخط عن هذه الطريقة.
ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت غير بعيدة، إلا أنها قابلة للمنع، فتأمل.
وقد إستدل للأعمّي أيضاً، بوجوه:
منها : تبادر الأعم، وفيه: أنه قد عرفت الإشكال في تصوير الجامع الذي لا بد منه، فكيف يصح معه دعوى التبادر.
ومنها : عدم صحة السلب عن الفاسد، وفيه منع، لما عرفت.
ومنها : صحة التقسيم إلى الصحيح والسقيم.
وفيه أنه إنما يشهد على أنها للاعم، لو لم تكن هناك دلالة على كونها موضوعة للصحيح، وقد عرفتها، فلا بد أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ، ولو بالعناية.
____________________
= الحديث ٥٥ وسائل الشيعة ٣ / ٤٧٨ الباب ٢ من أبواب أحكام المساجد، الحديث ١.
(١) إشارة إلى أن الاخبار المثبتة للآثار وإن كانت ظاهرة في ذلك - لمكان أصالة الحقيقة، ولازم ذلك كون الموضوع له للأسماء هو الصحيح، ضرورة اختصاص تلك الآثار به - إلّا أنه لا يثبت بأصالتها كما لا يخفى، لاجرائها العقلاء في إثبات المراد، لا في أنه على نحو الحقيقة لا المجاز، فتأمّل جيداً، منهقدسسره .
ومنها : استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الأخبار في الفاسدة، كقوله عليه الصلاة والسلام (بني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، ولم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع، وتركوا هذه، فلو أن أحداً صام نهاره وقام ليله، ومات بغير ولاية، لم يقبل له صوم ولا صلاة)(١) ، فإن الأخذ بالأربع، لا يكون بناء على بطلان عبادات تاركي الولاية، إلا إذا كانت أسامي للأعم. وقولهعليهالسلام : (دعي الصلاة أيام اقرائك)(٢) ضرورة أنه لو لم يكن المراد منها الفاسدة، لزم عدم صحة النهي عنها، لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها.
وفيه: أن الاستعمال أعم من الحقيقة، مع أن المراد في الرواية الأولى، هو خصوص الصحيح بقرينة أنها مما بني عليها الإسلام، ولا ينافي ذلك بطلان عبادة منكري الولاية، إذ لعل أخذهم بها إنما كان بحسب اعتقادهم لا حقيقة، وذلك لا يقتضي استعمالها في الفاسد أو الأعم، والاستعمال في قوله: (فلو أن أحداً صام نهاره) [إلى آخره](٣) ، كان كذلك - أي بحسب اعتقادهم - أو للمشابهة والمشاكلة.
وفي الرواية الثانية، الإرشاد(٤) إلى عدم القدرة على الصلاة، وإلا كان الإتيان بالأركان، وسائر ما يعتبر في الصلاة، بل بما يسمى في العرف بها،
____________________
(١) الكافي ٢ / ١٥ باب ١٣ دعائم الاسلام - الخصال / ٢٧٧ باب الخمسة، الحديث ٢١ غوالي اللآلي ١/٨٢، الفصل الخامس، الحديث ٤.
(٢) التهذيب ١ / ٣٨٤ باب ١٩ الحيض والاستحاضة والنفاس، الحديث ٦ - الكافي ٣ / ٨٨ باب جامع في الحائض والمستحاضة الحديث ١. غوالي اللآلي ٢ / ٢٠٧ باب الطهارة الحديث ١٢٤.
(٣) أثبتنا هذه العبارة من «ب».
(٤) وفي بعض النسخ المطبوعة (النهي للإرشاد).
ولو أخلّ بمالا يضر الإِخلال به بالتسمية عرفاً. محرماً على الحائض ذاتاً، وإن لم تقصد به القربة.
ولا أظن أن يلتزم به المستدل بالرواية، فتأمل جيداً.
ومنها : أنه لا شبهة(١) في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة، لا يكاد يحصل به الحنث أصلاً، لفساد الصلاة المأتي بها لحرمتها، كما لا يخفى، بل يلزم المحال، فإن النذر حسب الفرض قد تعلق بالصحيح منها، ولا يكاد يكون معه صحيحة، وما يلزم من فرض وجوده عدمه محال.
قلت: لا يخفى أنه لو صح ذلك، لا يقتضي إلا عدم صحة تعلق النذر بالصحيح، لا عدم وضع اللفظ له شرعاً، مع أن الفساد من قبل النذر لا ينافي صحة متعلقة، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها.
ومن هنا إنقدح أن حصول الحنث إنما يكون لأجل الصحة، لولا تعلقه، نعم لو فرض تعلقه بترك الصلاة المطلوبة بالفعل(٢) ، لكان منع حصول الحنث بفعلها بمكان من الإمكان.
بقي أمور:
الاول : إن أسامي المعاملات، إن كانت موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو للأعم، لعدم إتصافها بهما، كما لا يخفى، بل بالوجود تارة وبالعدم أخرى، وأما إن كانت موضوعة للأسباب،
____________________
(١) في نسخة «أ»: لا إشكال.
(٢) ولو مع النذر، ولكن صحته كذلك مشكل، لعدم كون الصلاة معه صحيحة مطلوبة، فتأمل جيداً. «منهقدسسره ».
فللنزاع فيه مجال، لكنه لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً، وأن الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً. والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد، لا يوجب الإختلاف بينهما في المعنى، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق، وتخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره، محققاً لما هو المؤثر، كما لا يخفى فافهم.
الثاني : إن كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيحة، لا يوجب إجمالها، كألفاظ العبادات، كي لا يصح التمسك بإطلاقها عند الشك في اعتبار شيء في تأثيرها شرعاً، وذلك لان إطلاقها - لو كان مسوقاً في مقام البيان - ينزّل على أن المؤثر عند الشارع، هو المؤثر عند أهل العرف، ولم يعتبر في تأثيره عنده. غير ما اعتبر فيه عندهم، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره، حيث أنه منهم، ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره، كان عليه البيان ونصب القرينة عليه، وحيث لم ينصب، بان عدم اعتباره عنده أيضاً. ولذا يتمسكون بالإطلاق في أبواب المعاملات، مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح.
نعم لو شك في اعتبار شيء فيها عرفاً، فلا مجال للتمسك بإطلاقها في عدم اعتباره، بل لابد من اعتباره، لاصالة عدم الأثر بدونه، فتأمل جيداً.
الثالث : إنّ دخل شيء وجودي أو عدمي في المأمور به:
تارة: بأن يكون داخلاً فيما يأتلف منه ومن غيره، وجعل جملته متعلقاً للأمر، فيكون جزءاً له وداخلاً في قوامه.
وأخرى: بأن يكون خارجاً عنه، لكنه كان مما لا يحصل الخصوصية
المأخوذه فيه بدونه، كما إذا أخذ شئ مسبوقاً أو ملحوقاً به أو مقارناً له، متعلقاً للأمر، فيكون من مقدماته لا مقوماته.
وثالثة: بأن يكون مما يتشخص به المأمور به، بحيث يصدق على المتشخص به عنوانه، وربما يحصل له بسببه مزية أو نقيصة، ودخل هذا فيه أيضاً، طوراً بنحو الشطريّة وآخر بنحو الشرطية، فيكون الإخلال بما له دخل بأحد النحوين في حقيقة المأمور به وماهيته، موجباً لفساده لا محالة، بخلاف ماله الدخل في تشخصه وتحققه مطلقاً. شطراً كان أو شرطاً، حيث لا يكون الإخلال به إلّا إخلالاً بتلك الخصوصية، مع تحقق الماهية بخصوصية أخرى، غير موجبة لتلك المزية، بل كانت موجبة لنقصانها، كما أشرنا إليه، كالصلاة في الحمام.
ثم إنه ربما يكون الشئ مما يندب إليه فيه، بلا دخل له أصلاً - لا شطراً ولا شرطاً - في حقيقته، ولا في خصوصيته وتشخصه، بل له دخل ظرفاً في مطلوبيته، بحيث لايكون مطلوباً إلا إذا وقع في أثنائه، فيكون مطلوباً نفسياً في واجب أو مستحب، كما إذا كان مطلوباً كذلك، قبل أحدهما أو بعده، فلا يكون الإخلال به موجباً للإخلال به ماهية ولا تشخصاً وخصوصية أصلاً.
إذا عرفت هذا كله، فلا شبهة في عدم دخل ما ندب إليه في العبادات نفسياً في التسمية بأساميها، وكذا فيما له دخل في تشخصها مطلقاً، وأما ماله الدخل شرطاً في أصل ماهيتها، فيمكن الذهاب أيضاً إلى عدم دخله في التسمية بها، مع الذهاب إلى دخل ما له الدخل جزءاً فيها، فيكون الإخلال بالجزء مخلاً بها، دون الإخلال بالشرط، لكنك عرفت أن الصحيح اعتبارهما فيها.
* * *
الحادي عشر
الحق وقوع الاشتراك، للنقل والتبادر، وعدم صحة السلب، بالنسبة إلى معنيين أو أكثر للفظ واحد، وان أحاله بعض، لإخلاله بالتفهم المقصود من الوضع لخفاء القرائن، لمنع الإخلال أولاً، لإمكان الاتكال على القرائن الواضحة، ومنع كونه مخلاً بالحكمة ثانياً، لتعلق الغرض بالإجمال أحياناً، كما أن استعمال المشترك في القرآن ليس بمحال كما توهم، لأجل لزوم التطويل بلا طائل، مع الاتكال على القرائن والإجمال في المقال، لو لا الاتكال عليها. وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى جل شأنه، كما لا يخفى، وذلك لعدم لزوم التطويل، فيما كان الاتكال على حال أو مقال أتي به لغرض آخر، ومنع كون الإجمال غير لائق بكلامه تعالى، مع كونه مما يتعلق به الغرض، وإلا لما وقع المشتبه في كلامه، وقد أخبر في كتابه الكريم(١) ، بوقوعه فيه قال الله تعالى( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (٢) .
وربما توهم وجوب وقوع الاشتراك في اللغات، لاجل عدم تناهي المعاني، وتناهي الألفاظ المركبات، فلابد من الاشتراك فيها، وهو فاسد لوضوح(٣) امتناع الاشتراك في هذه المعاني، لاستدعائه الأوضاع الغير(٤) المتناهية، ولو سلم لم يكد يجدي إلا في مقدار متناهٍ، مضافاً إلى تناهي المعاني الكلية، وجزئياتها وإن كانت غير متناهية، إلا أن وضع الألفاظ بإزاء كلياتها، يغنى عن وضع لفظ بإزائها، كما لا يخفى، مع أن المجاز باب واسع، فافهم.
____________________
(١) لا توجد كلمة «الكريم» في نسخة «أ».
(٢) آل عمران / ٧.
(٣) في «ب»: بوضوح.
(٤) في «أ و ب»: الغير.
الثاني عشر
إنه قد اختلفو في جواز استعمال اللفظ، في أكثر من معنى على سبيل الانفراد والاستقلال، بأن يراد منه كل واحد، كماإذا لم يستعمل إلّا فيه، على أقوال(١) :
أظهرها عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلاً.
وبيانه: إن حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى، بل جعله وجهاً وعنواناً له، بل بوجه نفسه كأنه الملقى، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك، إلّا لمعنى واحد، ضرورة أن لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث أن لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلا بتبع لحاظ المعنى فانياً فيه، فناء الوجه في ذي الوجه، والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، ومع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال.
وبالجملة(٢) : لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد، لحاظه وجهاً لمعنيين وفانياً في الاثنين، إلا أن يكون اللاحظ أحول العينين.
فانقدح بذلك امتناع استعمال اللفظ مطلقاً - مفرداً كان أو غيره - في أكثر من معنى بنحو الحقيقة أو المجاز، ولو لا امتناعه فلا وجه لعدم جوازه فإن اعتبار الوحدة في الموضوع له واضح المنع، وكون(٣) الوضع في حال وحدة المعنى، وتوقيفيته لا يقتضي عدم الجواز، بعد ما لم تكن الوحدة قيداً
____________________
(١) القوانين ١ / ٦٧، في بيان الاشتراك، معالم الدين في الاصول / ٣٢.
(٢) في «أ»: وفي الجملة.
(٣) هذا ردٌّ على المحقق القمّي، القوانين ١ / ٦٧.
للوضع، ولا للموضوع له، كما لا يخفى.
ثم لو تنزلنا عن ذلك، فلا وجه للتفصيل(١) بالجواز على نحو الحقيقة في التثنية والجمع، وعلى نحو المجاز في المفرد، مستدلاً على كونه بنحو الحقيقة فيهما، لكونهما بمنزلة تكرار اللفظ وبنحو المجاز فيه، لكونه موضوعاً للمعنى بقيد الوحدة، فاذا استعمل في الاكثر لزم إلغاء قيد الوحدة، فيكون مستعملاً في جزء المعنى، بعلاقة الكلّ والجزء، فيكون مجازاً، وذلك لوضوح أن الألفاظ لا تكون موضوعة إلا لنفس المعاني، بلا ملاحظة قيد الوحدة، وإلّا لما جاز الاستعمال في الأكثر؛ لأن الأكثر ليس جزء المقيد بالوحدة، بل يباينه مباينة الشيء بشرط شيء، والشيء بشرط لا، كما لا يخفى، والتثنية والجمع وإن كانا بمنزلة التكرار في اللفظ، إلّا أن الظاهر أن اللفظ فيهما كأنه كُرّر وأُريد من كل لفظ فرد من أفراد معناه، لا أنه أُريد منه معنى من معانيه، فاذا قيل مثلاً: (جئني بعينين) أريد فردان من العين الجارية، لا العين الجارية والعين الباكية، والتثنية والجمع في الأعلام، إنما هو بتأويل المفرد إلى المسمى بها، مع أنه لو قيل بعدم التأويل، وكفاية الاتحاد في اللفظ، في استعمالهما حقيقة، بحيث جاز إرادة عين جارية وعين باكية من تثنية العين حقيقة، لما كان هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر، لأن هيئتهما إنما تدل على إرادة المتعدد مما يراد من مفردهما، فيكون استعمالهما وإرادة المتعدد من معانيه، استعمالهما في معنى واحد، كما إذا استعملا وأريد المتعدد من معنى واحد منهما، كما لا يخفى.
نعم لو أريد مثلاً من عينين، فردان من الجارية، وفردان من الباكية، كان من استعمال العينين في المعنيين، إلا أن حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك أصلاً، فإن فيه إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضاً، ضرورة أن التثنية
____________________
(١) المفصل هو صاحب المعالم، معالم الدين / ٣٢.
عنده إنما يكون لمعنيين، أو لفردين بقيد الوحدة، والفرق بينهما وبين المفرد إنما يكون في أنه موضوع للطبيعة، وهي موضوعة لفردين منها أو معنيين، كما هوأوضح من أن يخفى.
وهم ودفع:
لعلك تتوهم أن الاخبار الدالّة على أن للقرآن بطوناً - سبعة أو سبعين - تدلّ على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، فضلاً عن جوازه، ولكنك غفلت عن أنه لا دلالة لها أصلاً على أن إرادتها كان من باب إرادة المعنى من اللفظ، فلعله كان بارادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى، لا من اللفظ، كما إذا استعمل فيها، أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ، وإن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها.
الثالث عشر
إنه اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ في الحال، أو فيما يعمه وما انقضى عنه على أقوال، بعد الاتفاق على كونه مجازاً فيما يتلبس به في الاستقبال، وقبل الخوض في المسألة، وتفصيل الأقوال فيها، وبيان الاستدلال عليها، ينبغي تقديم أمور:
أحدها : إن المراد بالمشتق هاهنا ليس مطلق المشتقات، بل خصوص ما يجري منها على الذوات، مما يكون مقهومه منتزعاً عن الذات، بملاحظة اتصافها بالمبدأ، واتحادها معه بنحو من الاتحاد، كان بنحو الحلول أو الانتزاع أو الصدور والإيجاد(١) ، كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات، بل وصيغ المبالغة، وأسماء الأزمنة والأمكنة والآلات، كما هو ظاهر العنوانات، وصريح بعض المحققين، مع عدم صلاحية ما يوجب
____________________
(١) وفي بعض النسخ المطبوعة: أو الإيجاد.
اختصاص النزاع بالبعض إلا التمثيل به، وهو غير صالح، كما هو واضح.
فلا وجه لما زعمه بعض الأجلّة(١) ، من الاختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبهة وما يلحق بها، وخروج سائر الصفات، ولعل منشأه توهم كون ما ذكره لكل منها من المعنى، مما اتفق عليه الكل، وهو كما ترى، واختلاف أنحاء التلبسات حسب تفاوت مبادىء المشتقات، بحسب الفعلية والشأنية والصناعة والملكة - حسبما نشير إليه(٢) - لا يوجب تفاوتاً في المهم من محل النزاع ها هنا، كما لا يخفى.
ثم إنه لا يبعد أن يراد بالمشتق في محل النزاع، مطلق ما كان مفهومه ومعناه جارياً على الذات ومنتزعاً عنها، بملاحظة اتصافها بعرض أو عرضي ولو كان جامداً، كالزوج والزوجة والرقّ والحر، وإن(٣) أبيت إلا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتق، كما هو قضية الجمود على ظاهر لفظه، فهذا القسم من الجوامد أيضاً محل النزاع.
كما يشهد به ما عن الإِيضاح(٤) في باب الرضاع، في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان، أرضعتا زوجته الصغيرة، ما هذا لفظه: «تحرم المرضعة الأولى والصغيرة مع الدخول [باحدى](٥) بالكبيرتين، وأما المرضعة الأخرى، ففي تحريمها خلاف، فاختار والدي المصنفرحمهالله وابن ادريس تحريمها لأن هذه يصدق عليها أم زوجته، لأنه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه هكذا هاهنا»، وما عن المسالك(٦) في هذه المسألة، من ابتناء الحكم فيها
____________________
(١) صاحب الفصول، الفصول / ٦٠، في المشتق.
(٢) إشارة إلى ما سيأتي من تفصيل الكلام في الأمر الرابع صفحة ٤٣.
(٣) في «ب»: فإن أبيت.
(٤) إيضاح الفوائد ٣: ٥٢، أحكام الرضاع.
(٥) هذه الزيادة وردت في المصدر.
(٦) المسالك ١ / ٣٧٩، كتاب النكاح.
على الخلاف في مسألة المشتق.
فعليه كلما كان مفهومه منتزعاً من الذات، بملاحظة اتصافها بالصفات الخارجة عن الذاتيات - كانت عرضاً أو عرضياً - كالزوجية والرقّيّة والحرية وغيرها من الاعتبارات والإضافات، كان محل النزاع وإن كان جامداً، وهذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعاً عن مقام الذات والذاتيات، فإنه لا نزاع في كونه حقيقة في خصوص ما إذا كانت الذات باقية بذاتياتها.
ثانيها : قد عرفت أنه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقات الجارية على الذوات، إلا أنه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان، لأن الذات فيه وهي الزمان بنفسه ينقضي وينصرم، فكيف يمكن أن يقع النزاع في أن الوصف الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، أو فيما يعم المتلبس به في المضي؟
ويمكن حل الإشكال بأن انحصار مفهوم عام بفرد - كما في المقام - لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام، وإلا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أن الواجب موضوع للمفهوم العام، مع انحصاره فيه تبارك وتعالى.
ثالثها : إنه من الواضح خروج الأفعال والمصادر المزيد فيها عن حريم النزاع؛ لكونها غير جارية على الذوات، ضرورة أن المصادر المزيد فيها كالمجردة، في الدلالة على ما يتصف به الذوات ويقوم بها - كما لا يخفى - وإن الأفعال إنما تدل على قيام المبادي بها قيام صدور أو حلول أو طلب فعلها أو تركها منها، على اختلافها.
إزاحة شبهة:
قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان، حتى أخذوا
الاقتران بها في تعريفه. وهو اشتباه، ضرورة عدم دلالة الأمر ولا النهي عليه، بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك، غاية الأمر نفس الإِنشاء بهما في الحال، كما هو الحال في الإخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما، كما لا يخفى، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الافعال على الزمان إلّا بالاطلاق والإسناد إلى الزمانيات، وإلّا لزم القول بالمجاز والتجريد، عند الإسناد إلى غيرها من نفس الزمان والمجردات.
نعم لا يبعد أن يكون لكل من الماضي والمضارع - بحسب المعنى - خصوصية أخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة، في الزمان الماضي في الماضي، وفي الحال أو الاستقبال في المضارع، فيما كان الفاعل من الزمانيات، ويؤيده أن المضارع يكون مشتركاً معنوياً بين الحال والاستقبال، ولامعنى له إلا أن يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما، إلا أنه يدل على مفهوم زمان يعمهما، كما أن الجملة الاسمية ك (زيد ضارب) يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من الأزمنة، مع عدم دلالتها على واحد منها أصلاً، فكانت الجملة الفعلية مثلها.
وربما يؤيد ذلك أن الزمان الماضي في فعله، وزمان الحال أو الاستقبال في المضارع، لايكون ماضياً أو مستقبلاً حقيقة لا محالة، بل ربما يكون في الماضي مستقبلاً حقيقة، وفي المضارع ماضياً كذلك، وإنما يكون ماضياً أو مستقبلاً في فعلهما بالإضافة، كما يظهر من مثل قوله: يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله بأيّام، وقوله: جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب في ذلك الوقت، أو فيما بعده مما مضى، فتأمل جيّداً.
ثم لا باس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه، بما يناسب المقام؛ لأجل الاطراد في الاستطراد في تمام الأقسام.
فاعلم أنه وإن اشتهر بين الأعلام، أن الحرف ما دل على معنى في
غيره، وقد بيناه في الفوائد(١) بما لا مزيد عليه، إلا أنك عرفت فيما تقدم، عدم الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى، وأنه فيهما ما لم يلحظ فيه الاستقلال بالمفهومية، ولا عدم الاستقلال بها، وإنما الفرق هو أنه وضع ليستعمل وأُريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير، ووضع غيره ليستعمل وأُريد منه معناه بما هو هو.
وعليه يكون كل من الاستقلال بالمفهومية، وعدم الاستقلال بها، إنما اعتبر في جانب الاستعمال، لا في المستعمل فيه، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى، فلفظ (الابتداء) لو استعمل في المعنى الآلي، ولفظة (من) في المعنى الاستقلالي، لما كان مجازاً واستعمالاً له في غير ما وضع له، وإن كان بغير ما وضع له، فالمعنى في كليهما في نفسه كلّي طبيعي يصدق على كثيرين، ومقيداً باللحاظ الاستقلالي أو الآلي كلّي(٢) عقلي، وإن كان بملاحظة أن لحاظه وجوده ذهناً كان جزئياً ذهنياً، فإن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد، وإن كان بالوجود الذهني، فافهم وتأمل فيما وقع في المقام من الأعلام، من الخلط والاشتباه، وتوهم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصاً، بخلاف ما عداه فإنه عام.
وليت شعري إن كان قصد الآلية فيها موجباً لكون المعنى جزئياً، فلم لا يكون قصد الاستقلالية فيه موجباً له؟ وهل يكون ذلك إلا لكون هذا القصد، ليس مما يعتبر في الموضوع له، ولا المستعمل فيه بل في الاستعمال، فلم لا يكون فيها كذلك؟ كيف، وإلّا لزم أن يكون معاني المتعلقات غير منطبقة على الجزئيات الخارجية؛ لكونها على هذا كليات
____________________
(١) حاشية كتاب فرائد الأصول، كتاب الفوائد / ٣٠٥.
(٢) في (أ): الآلي الكلي.
عقلية، والكلّي العقلي لا موطن له إلا الذهن، فالسير والبصرة والكوفة(١) ، في (سرت من البصرة إلى الكوفة)(٢) لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة(٣) ، لتقيّدها بما اعتبر فيه القصد فتصير عقلية، فيستحيل انطباقها على الأمور الخارجية.
وبما حققناه(٤) يوفق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمي، والصدق على الكثيرين(٥) ، وإن الجزئية باعتبار تقيّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آلياً أو استقلالياً، وكليته بلحاظ نفس المعنى، ومنه ظهر عدم اختصاص الإشكال والدفع بالحرف، بل يعم غيره، فتأمل في المقام فإنه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام، وقد سبق في بعض الأمور بعض الكلام، والإعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإفادة، فافهم.
رابعها : إن اختلاف المشتقات في المبادىء، وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة، وفي بعضها قوة وملكة، وفي بعضها فعليّاً، لا يوجب اختلافاً في دلالتها بحسب الهيئة أصلاً، ولا تفاوتاً في الجهة المبحوث عنها، كما لا يخفى، غاية الأمر إنه يختلف التلبس به في المضي أو الحال، فيكون التلبس به فعلاً، لو أخذ حرفة أو ملكة، ولو لم يتلبس به إلى الحال، أو انقضى عنه، ويكون مما مضى أو يأتي لو أخذ فعلياً، فلا يتفاوت فيها أنحاء التلبسات وأنواع التعلقات، كما أشرنا إليه(٦) .
خامسها : إن المراد بالحال في عنوان المسألة، هو حال التلبس
____________________
(١و٢و٣) في (أ): تقديم الكوفة على البصرة.
(٤) في هامش (ب): ثم إنه قد انقدح بما ذكرنا أن المعنى بما هو معنى اسمي، وملحوظ استقلالي، أو بما هو معنى حرفي وملحوظ آلي، كلّي عقلي في غير الأعلام الشخصية، وفيها جزئي كذلك، وبما هو هو أي بلا أحد اللحاظين، كلي طبيعي أو جزئي خارجي، وبه...(نسخة بدل).
(٥) في (أ): على كثيرين.
(٦) اشار اليه في الامر الاول / ٣٩.
لا حال النطق ضرورة أن مثل (كان زيد ضارباً أمس) أو (سيكون غداً ضارباً) حقيقة إذا كان متلبساً بالضرب في الأمس، في المثال الأول، ومتلبساً به في الغد في الثاني، فجري المشتق حيث كان بلحاط حال التلبس، وإن مضى زمانه في أحدهما، ولم يأت بعد في آخر، كان حقيقة بلا خلاف، ولا ينافيه الاتفاق على أن مثل (زيد ضارب غداً) مجاز، فإن الظاهر أنه فيما إذا كان الجري في الحال، كما هو قضية الإطلاق، والغد إنما يكون لبيان زمان التلبس، فيكون الجري والاتصاف في الحال، والتلبس في الاستقبال.
ومن هنا ظهر الحال في مثل (زيد ضارب أمس) وأنه داخل في محل الخلاف والاشكال. ولو كانت لفظة (أمس) أو (غد) قرينة على تعيين زمان النسبة والجري أيضاً كان المثالان حقيقة.
وبالجملة: لاينبغي الإشكال في كون المشتق حقيقة، فيما إذا جرى على الذات، بلحاظ حال التلبس، ولو كان في المضي أو الاستقبال، وإنما الخلاف في كونه حقيقة في خصوصه، أو فيما يعم ما إذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى عنه التلبس، بعد الفراغ عن كونه مجازاً فيما إذا جرى عليها فعلاً بلحاظ التلبس في الاستقبال، ويؤيد ذلك اتفاق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان، ومنه الصفات الجارية على الذوات، ولا ينافيه اشتراط العمل في بعضها بكونه بمعنى الحال، أو الاستقبال؛ ضرورة أن المراد الدلالة على أحدهما بقرينة، كيف لا؟ وقد اتفقوا على كونه مجازاً في الاستقبال.
لايقال: يمكن أن يكون المراد بالحال في العنوان زمانه، كما هو الظاهر منه عند إطلاقه، وادعي أنه الظاهر في المشتقات، إما لدعوى الانسباق من الإطلاق، أو بمعونة قرينة الحكمة.
لأنا نقول: هذا الانسباق، وإن كان مما لا ينكر، إلا أنهم في هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتق، لا تعيين ما يراد بالقرينة منه.
سادسها : إنه لا أصل في نفس هذه المسألة يعوّل عليه عند الشك، وأصالة عدم ملاحظة الخصوصية، مع معارضتها بأصالة عدم ملاحظة العموم، لا دليل على اعتبارها في تعيين الموضوع له، وأما ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز. إذا دار الأمر بينهما لأجل الغلبة، فممنوع؛ لمنع الغلبة أولاً، ومنع نهوض حجة على الترجيح بها ثانياً.
وأما الأصل العملي فيختلف في الموارد، فأصالة البراءة في مثل (أكرم كل عالم) يقتضي عدم وجوب إكرام ما(١) انقضى عنه المبدأ قبل الإيجاب، كما أن قضية الاستصحاب وجوبه لو كان الإيجاب قبل الانقضاء.
فإذا عرفت ما تلونا عليك، فاعلم أن الأقوال في المسألة وإن كثرت، إلّا أنها حدثت بين المتأخرين، بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين، لأجل توهم اختلاف المشتق باختلاف مباديه في المعنى، أو بتفاوت ما يعتريه من الأحوال، وقد مرت الإشارة(٢) إلى أنه لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده، ويأتي له مزيد بيان في أثناء الاستدلال على ما هو المختار، وهو اعتبار التلبس في الحال، وفاقاً لمتأخري الأصحاب والأشاعرة، وخلافاً لمتقدميهم والمعتزلة، ويدل عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، وصحة السلب مطلقاً عما انقضى عنه، كالمتلبس به في الاستقبال، وذلك لوضوح أن مثل: القائم والضارب والعالم، وما يرادفها من سائر اللغات، لا يصدق على من لم يكن متلبساً بالمبادئ، وإن كان متلبساً بها قبل الجري والانتساب، ويصح سلبها عنه، كيف؟ وما يضادها بحسب ما ارتكز من معناها في الأذهان يصدق عليه، ضرورة صدق القاعد عليه في حال تلبسه بالقعود، بعد انقضاء تلبسه بالقيام، مع وضوح التضاد بين القاعد والقائم بحسب ما ارتكز لهما من المعنى، كما لا يخفى.
____________________
(١) في (أ): من انقضى.
(٢) تقدم في الأمر الرابع، صفحة ٤٣.
وقد يقرر هذا وجهاً على حدة، ويقال(١) : لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة، على ما ارتكز لها من المعاني، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم، لما كان بينها مضادة بل مخالفة، لتصادقها فيما انقضى عنه المبدأ وتلبس بالمبدأ الآخر.
ولا يرد على هذا التقرير ما أورده بعض الأجلّة(٢) من المعاصرين، من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط، لما عرفت من ارتكازه بينها، كما في مبادئها.
إن قلت: لعل ارتكازها لأجل الانسباق من الإطلاق، لا الاشتراط.
قلت: لا يكاد يكون لذلك، لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء، لو لم يكن بأكثر.
إن قلت: على هذا يلزم أن يكون في الغالب أو الأغلب مجازاً، وهذا بعيد، ربما لا يلائمه حكمة الوضع.
لا يقال: كيف؟ وقد قيل: بأن أكثر المحاورات مجازات. فإن ذلك لو سلم، فإنما هو لأجل تعدد المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي الواحد. نعم ربما يتفق ذلك بالنسبة إلى معنى مجازي، لكثرة الحاجة إلى التعبير عنه. لكن أين هذا مما إذا كان دائماً كذلك؟ فافهم.
____________________
(١) البدائع / ١٨١، في المشتق.
(٢) المراد من بعض الأجلّة، هو صاحب البدائع، البدائع / ١٨١.
الشيخ الميرزا حبيب الله بن الميرزا محمد علي خان القوجاني الرشتي، ولد عام ١٢٣٤ ه، حضر بحث صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري، كان من أكابر علماء عصره، أعرض عن الرئاسة ولم يرض أن يقلّده أحد لشدّة تورّعه في الفتوى، ولم يتصدّ للوجوه، له تصانيف كثيرة منها «بدائع الأصول» و «شرح الشرائع» و «كاشف الظلام في علم الكلام» وغيرها، توفي ليلة الخميس ١٤ / ج ٢ عام ١٣١٢ ه ودفن في النجف الأشرف.
(طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر ١ / ٣٥٧ رقم ٧١٩)
قلت: مضافاً إلى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر بالمراد، بعد مساعدة الوجوه المتقدمة عليه، إن ذلك إنما يلزم لو لم يكن استعماله فيما انقضى بلحاظ حال التلبس، مع أنه بمكان من الإمكان، فيراد من جاء الضارب أو الشارب - وقد انقضى عنه الضرب والشرب - جاء الذي كان ضارباً وشارباً قبل مجيئه حال التلبس بالمبدأ، لا حينه بعد الانقضاء، كي يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال، وجعله معنوناً بهذا العنوان فعلاً بمجرد تلبسه قبل مجيئه، ضرورة أنه لو كان للأعم لصح استعماله بلحاظ كلا الحالين.
وبالجملة: كثرة الاستعمال في حال الانقضاء يمنع عن دعوى انسباق خصوص حال التلبس من الإطلاق، إذ مع عموم المعنى وقابلية كونه حقيقة في المورد - ولو بالانطباق - لا وجه لملاحظة حالة أخرى، كما لا يخفى، بخلاف ما إذا لم يكن له العموم، فإن استعماله - حينئذ - مجازاً بلحاظ حال الانقضاء وإن كان ممكناً، إلا أنه لما كان بلحاظ حال التلبس على نحو الحقيقة بمكان من الإمكان، فلا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازاً وبالعناية وملاحظة العلاقة، وهذا غير استعمال اللفظ فيما لا يصح استعماله فيه حقيقة، كما لا يخفى، فافهم.
ثم إنه ربما أورد(١) على الاستدلال بصحة السلب، بما حاصله: إنه إن أريد بصحة السلب صحته مطلقاً، فغير سديد، وإن أريد مقيداً، فغير مفيد؛ لأن علامة المجاز هي صحة السلب المطلق.
وفيه: إنه إن أريد بالتقييد، تقييد المسلوب الذي يكون سلبه أعم من سلب المطلق - كما هو واضح - فصحة سلبه وإن لم تكن علامة على كون المطلق مجازاً فيه، إلا أن تقييده ممنوع، وإن أريد تقييد السلب، فغير ضائر بكونها علامة، ضرورة صدق المطلق على أفراده على كل حال، مع إمكان
____________________
(١) البدائع / ١٨٠، في المشتق.
منع تقييده أيضاً، بأن يلحظ حال الانقضاء في طرف الذات الجاري عليها المشتق، فيصح سلبه مطلقاً بلحاظ هذا الحال، كما لا يصح سلبه بلحاظ حال التلبس، فتدبر جيّداً.
ثم لا يخفى أنه لا يتفاوت(١) في صحة السلب عما انقضى عنه المبدأ، بين كون المشتق لازماً وكونه متعدياً، لصحة سلب الضارب عمن يكون فعلاً غير متلبس بالضرب، وكان متلبساً به سابقاً، وأما إطلاقه عليه في الحال، فان كان بلحاظ حال التلبس، فلا إشكال كما عرفت، وإن كان بلحاظ الحال، فهو وإن كان صحيحاً إلا أنه لا دلالة على كونه بنحو الحقيقة، لكون الاستعمال أعم منها كما لا يخفى، كما لا يتفاوت في صحة السلب عنه، بين تلبسه بضد المبدأ وعدم تلبسه، لما عرفت من وضوح صحته مع عدم التلبس - أيضاً - وإن كان معه أوضح، ومما ذكرنا ظهر حال كثير من التفاصيل، فلا نطيل بذكرها على التفصيل.
حجة القول بعدم الاشتراط وجوه:
الأول : التبادر، وقد عرفت أن المتبادر هو خصوص حال التلبس.
الثاني : عدم صحة السلب في مضروب ومقتول، عمن انقضى عنه المبدأ.
وفيه: إن عدم صحته في مثلهما، إنما هو لأجل أنه أريد من المبدأ معنى يكون التلبس به باقياً في الحال، ولو مجازاً.
وقد انقدح من بعض المقدمات أنه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم في محل البحث والكلام ومورد النقض والإبرام، اختلاف ما يراد من المبدأ في كونه حقيقة أو مجازاً، وأما لو أريد منه نفس ما وقع على الذات، مما صدر
____________________
(١) التفصيل لصاحب الفصول، الفصول / ٦٠، فصل حول إطلاق المشتق.
عن الفاعل، فإنما لا يصح السلب فيما لو كان بلحاظ حال التلبس والوقوع - كما عرفت - لا بلحاظ الحال أيضاً، لوضوح صحة أن يقال: إنه ليس بمضروب الآن بل كان.
الثالث : استدلال الإمام -عليهالسلام - تأسياً بالنبي - صلوات الله عليه - كما عن غير واحد من الأخبار بقوله( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) على عدم لياقة من عبد صنماً أو وثناً لمنصب الإمامة والخلافة، تعريضاً بمن تصدى لها ممن عبد الصنم مدة مديدة، ومن الواضح توقف ذلك على كون المشتق موضوعاً للأعم، وإلا لما صح التعريض، لانقضاء تلبسهم بالظلم وعبادتهم للصنم حين التصدي للخلافة، والجواب منع التوقف على ذلك، بل يتم الاستدلال ولو كان موضوعاً لخصوص المتلبس.
وتوضيح ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة، وهي: إن الأوصاف العنوانية التي تؤخذ في موضوعات الأحكام، تكون على أقسام:
أحدها : أن يكون أخذ العنوان لمجرد الإشارة إلى ما هو في الحقيقة موضوعٌ(٢) للحكم، لمعهوديته بهذا العنوان، من دون دخل لاتصافه به في الحكم أصلاً.
ثانيها : أن يكون لأجل الإشارة إلى علّية المبدأ للحكم، مع كفاية مجرد صحة جري المشتق عليه، ولو فيما مضى.
ثالثها : أن يكون لذلك مع عدم الكفاية، بل كان الحكم دائراً مدار صحة الجري عليه، واتصافه به حدوثاً وبقاء.
إذا عرفت هذا فنقول: إن الاستدلال بهذا الوجه إنما يتم، لو كان أخذ العنوان في الآية الشريفة على النحو الأخير، ضرورة أنه لو لم يكن المشتق
____________________
(١) البقرة / ١٢٤.
للأعم، لما تم بعد عدم التلبس بالمبدأ ظاهراً حين التصدي، فلابد أن يكون للأعم، ليكون حين التصدي حقيقة من الظالمين، ولو انقضى عنهم التلبس بالظلم.
وأما إذا كان على النحو الثاني، فلا، كما لا يخفى، ولا قرينة على أنه على النحو الأول، لو لم نقل بنهوضها على النحو الثاني، فإن الآية الشريفة في مقام بيان جلالة قدر الإمامة والخلافة وعظم خطرها، ورفعة محلها، وإن لها خصوصية من بين المناصب الإلهية، ومن المعلوم أن المناسب لذلك، هو أن لا يكون المتقمص بها متلبساً بالظلم أصلاً، كما لا يخفى.
إن قلت: نعم، ولكن الظاهر أن الإمام -عليهالسلام - إنما استدل بما هو قضية ظاهر العنوان وضعاً، لا بقرينة المقام مجازاً، فلا بد أن يكون للأعم، وإلّا لماتم.
قلت: لو سلم، لم يكن يستلزم جري المشتق على النحو الثاني كونه مجازاً، بل يكون حقيقة لو كان بلحاظ حال التلبس - كما عرفت - فيكون معنى الآية، والله العالم: من كان ظالماً ولو آناً في زمان سابق(١) لا ينال عهدي أبداً، ومن الواضح أن إرادة هذا المعنى لا تستلزم الاستعمال، لا بلحاظ حال التلبس.
ومنه قد انقدح ما في الاستدلال على التفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به، باختيار عدم الاشتراط في الأول، بآية حد السارق والسارقة، والزاني والزانية، وذلك حيث ظهر أنه لا ينافي إرادة خصوص حال التلبس دلالتها على ثبوت القطع والجلد مطلقاً، ولو بعد انقضاء. المبدأ، مضافاً إلى
____________________
(١) في «ب»: السابق.
وضوح بطلان تعدد الوضع، حسب وقوعه محكوماً عليه أو به، كما لا يخفى.
ومن مطاوي ما ذكرنا - ها هنا وفي المقدمات - ظهر حال سائر الأقوال، وماذكر لها من الاستدلال، ولا يسع المجال لتفصيلها، ومن أراد الاطلاع عليها فعليه بالمطولات.
بقي أمور:
الأوّل : إن مفهوم المشتق - على ما حققه المحقق الشريف(١) في بعض حواشيه(٢) -: بسيط منتزع عن الذات - باعتبار تلبسها بالمبدأ واتصافها به - غير مركب. وقد أفاد في وجه ذلك: أن مفهوم الشيء لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلاً، وإلّا لكان العرض العام داخلاً في الفصل، ولو اعتبر فيه ما صدق عليه الشيء، انقلبت مادة الإمكان الخاص ضرورة، فإن الشيء الذي له الضحك هو الإنسان، وثبوت الشيء لنفسه ضروري. هذا ملخص ما أفاده الشريف، على مالخصه بعض الأعاظم(٣) .
وقد أورد عليه في الفصول(٤) ، بأنه يمكن أن يختار الشق الأول، ويدفع الإشكال بأن كون الناطق - مثلاً - فصلاً، مبني على عرف المنطقيين،
____________________
(١) المير سيد علي بن محمد بن علي الحسيني الاسترابادي، ولد المحقق الشريف سنة ٧٤٠ ه بجرجان وكان متكلماً بارعاً، باهراً في الحكمة والعربية، روى عن جماعة منهم العلامة قطب الدين الرازي، واخذ منه العلامة المذكور، له شرح المطالع وشرح على مواقف القاضي عضد الايجي في علم أصول الكلام، عدّه القاضي نور الله من حكماء الشيعة وعلمائها. وتوفي في شيراز سنة ٨١٦ ه. (الكنى والالقاب ٢ / ٣٥٨).
(٢) في حاشيته على شرح المطالع عند قول الشارح: الا أن معناه شيء له المشتق منه... الخ، شرح المطالع/١١.
(٣) الفصول / ٦١، التنبيهات.
(٤) الفصول / ٦١، التنبيهات.
حيث اعتبروه مجرداً عن مفهوم الذات، وذلك لا يوجب وضعه لغة كذلك.
وفيه: إنه من المقطوع أن مثل الناطق قد اعتبر فصلاً بلا تصرف في معناه أصلاً، بل بماله من المعنى، كما لا يخفى.
والتحقيق أن يقال إن مثل الناطق ليس بفصل حقيقي، بل لازم ما هو الفصل وأظهر خواصه، وإنما يكون فصلاً مشهورياً منطقياً يوضع مكانه إذا لم يعلم نفسه، بل لا يكاد يعلم، كما حقق في محله، ولذا ربما يجعل لازمان مكانه إذا كانا متساوي النسبة إليه، كالحساس والمتحرك بالإرادة في الحيوان، وعليه فلا بأس بأخذ مفهوم الشيء في مثل الناطق، فإنه وإن كان عرضاً عاماً، لا فصلاً مقوماً للإنسان، إلا أنه بعد تقييده بالنطق واتصافه به كان من أظهر خواصه.
وبالجملة لا يلزم من أخذ مفهوم الشيء في معنى المشتق، إلا دخول العرض في الخاصة التي هي من العرضي، لا في الفصل الحقيقي الذي هو من الذاتي، فتدبر جيّداً.
ثم قال:
(إنه يمكن أن يختار الوجه الثاني أيضاً، ويجاب بأن المحمول ليس مصداق الشيء والذات مطلقاً، بل مقيداً بالوصف، وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة، لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضرورياً) انتهى.
ويمكن أن يقال(١) : إن عدم كون ثبوت القيد ضرورياً لا يضر بدعوى الانقلاب، فإن المحمول إن كان ذات المقيد وكان القيد خارجاً، وإن كان التقييد داخلاً بما هو معنى حرفي، فالقضية لا محالة تكون ضرورية، ضرورة ضرورية ثبوت الإنسان الذي يكون مقيداً بالنطق للإنسان وان كان المقيد به بما هو مقيد على أن يكون القيد داخلاً، فقضية (الإنسان ناطق) تنحل في الحقيقة إلى قضيتين إحداهما قضية (الإنسان إنسان) وهي
____________________
(١) تعليق السبزواري على الأسفار ١/٤٢.
ضرورية، والأخرى قضية (الإنسان له النطق) وهي ممكنة، وذلك لأن الأوصاف قبل العلم بها أخبار، كما أن الأخبار بعد العلم تكون أوصافاً، فعقد الحمل ينحل إلى القضية، كما أن عقد الوضع ينحل إلى قضية مطلقة عامة عند الشيخ، وقضية ممكنة عند الفارابي(١) ، فتأمل.
لكنهقدسسره تنظر فيما أفاده بقوله: وفيه نظر لأن الذات الماخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلاً، إن كانت مقيدة به واقعاً صدق الإيجاب بالضرورة وإلا صدق السلب بالضرورة، مثلاً: لا يصدق زيد الكاتب بالقوة أو بالفعل [كاتب](٢) بالضرورة. انتهى.
ولا يذهب عليك أن صدق الإيجاب بالضرورة، بشرط كونه مقيداً به واقعاً لا يصحح دعوى الانقلاب إلى الضرورية، ضرورة صدق الإيجاب بالضرورة بشرط المحمول في كل قضية ولو كانت ممكنة، كما لا يكاد يضر بها صدق السلب كذلك، بشرط عدم كونه مقيداً به واقعاً، لضرورة السلب بهذا الشرط، وذلك لوضوح أن المناط في الجهات ومواد القضايا، إنما هو بملاحظة أن نسبة هذا المحمول إلى ذلك الموضوع موجهة بأي جهة منها، ومع أية منها في نفسها صادقة، لا بملاحظة ثبوتها له واقعاً أو عدم ثبوتها له كذلك، وإلّا كانت الجهة منحصرة بالضرورة، ضرورة صيرورة الإيجاب أو السلب - بلحاظ الثبوت وعدمه - واقعاً ضرورياً، ويكون من باب الضرورة
____________________
(١) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الحكيم المشهور، صاحب التصانيف في الفلسفة والمنطق والموسيقى وغيرها من العلوم، أقام ببغداد برهة ثم ارتحل إلى مدينة حرّان ثم رجع إلى بغداد ثم سافر إلى دمشق ثم إلى مصر، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها وسلطانها يومئذ سيف الدولة بن حمدان، ويحكى أن الآلة المسماة «القانون» من وضعه، وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس، أكثر تصانيفه فصول وتعاليق، توفي عام ٣٣٩ بدمشق وقد ناهز ثمانين سنة وصلّى عليه سيف الدولة ودفن بظاهر دمشق. (وفيات الاعيان ٥ / ١٥٣ رقم ٧٠١).
(٢) أثبتناها من (ب)
بشرط المحمول.
وبالجملة: الدعوى هو انقلاب مادة الإمكان بالضرورة، فيما ليست مادته واقعاً في نفسه وبلا شرط غير الامكان.
وقد انقدح بذلك عدم نهوض ما أفادهرحمهالله بإبطال الوجه الأول، كما زعمهقدسسره ، فإن لحوق مفهوم الشيء والذات لمصاديقهما، إنما يكون ضرورياً مع إطلاقهما، لا مطلقاً، ولو مع التقيد إلا بشرط تقيد المصاديق به أيضاً، وقد عرفت حال الشرط، فافهم.
ثم إنه لو جعل التالي في الشرطية الثانية لزوم أخذ النوع في الفصل؛ ضرورة أن مصداق الشيء الذي له النطق هو الإنسان، كان أليق بالشرطية الاُولى، بل كان أولى(١) لفساده مطلقاً، ولو لم يكن مثل الناطق بفصل حقيقي، ضرورة بطلان أخذ الشيء في لازمه وخاصته، فتأمل جيداً.
ثم إنه يمكن أن يستدل(٢) على البساطة، بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل زيد الكاتب، ولزومه من التركب، وأخذ الشيء مصداقاً أو مفهوماً في مفهومه.
إرشاد:
لا يخفى أن معنى البساطة - بحسب المفهوم - وحدته إدراكاً وتصوراً، بحيث لا يتصور عند تصوره إلّا شيء واحد لا شيئان، وإن انحل بتعمّل من العقل إلى شيئين، كانحلال مفهوم الشجر والحجر إلى شيء له الحجرية أو الشجرية، مع وضوح بساطة مفهومهما.
وبالجملة: لا ينثلم بالانحلال إلى الاثنينية - بالتعمّل العقلي - وحدة المعنى
____________________
(١) في «ب»: الاولى.
(٢) راجع.
وبساطة المفهوم كما لا يخفى، وإلى ذلك يرجع الإجمال والتفصيل الفارقان(١) بين المحدود والحد، مع ما هما عليه من الاتحاد ذاتاً، فالعقل بالتعمل يحلل النوع، ويفصله إلى جنس وفصل، بعد ما كان أمراً واحداً إدراكاً، وشيئاً فارداً تصوراً، فالتحليل يوجب فتق ما هو عليه من الجمع والرتق.
الثاني : الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوماً، أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدأ، ولا يعصي عن الجري عليه، لما هما عليه من نحو من الاتحاد، بخلاف المبدأ، فإنه بمعناه يأبى عن ذلك، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره، لا هو هو، وملاك الحمل والجري إنما هو نحو من الاتحاد والهوهوية، وإلى هذايرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما، من أن المشتق يكون لا بشرط والمبدأ يكون بشرط لا، أي يكون مفهوم المشتق غير آب عن الحمل، ومفهوم المبدأ يكون آبياً عنه، وصاحب الفصول(٢) رحمهالله - حيث توهم أن مرادهم إنما هو بيان التفرقة بهذين الاعتبارين، بلحاظ الطوارئ والعوارض الخارجية مع حفظ مفهوم واحد - أورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك، لأجل امتناع حمل العلم والحركة على الذات، وإن اعتبرا لا بشرط، وغفل عن أن المراد ما ذكرنا، كما يظهر منهم من بيان الفرق بين الجنس والفصل، وبين المادة والصورة، فراجع.
الثالث : ملاك الحمل - كما أشرنا إليه - هو الهوهوية والاتحاد من وجه،
____________________
(١) في «أ و ب»: الفارقين.
(٢) الفصول / ٦٢، التنبيه الثاني من تنبيهات المشتق.
هو الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم الطهراني الحائري، ولد في «إيوان كيف»، أخذ مقدمات العلوم في طهران، ثم اكتسب من شقيقه الحجة الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب «هداية المسترشدين» في اصفهان، ثم هاجر إلى العراق فسكن كربلاء، كان مرجعاً عاماً في التدريس والتقليد، وقد تخرّج من معهده جمع من كبار العلماء، أجاب داعي ربه سنة ١٢٥٤ ه وله آثار أشهرها «الفصول الغروية» في الأصول (طبقات اعلام الشيعة الكرام البررة ١ / ٣٩٠ رقم ٧٩٥).
والمغايرة من وجه آخر، كما يكون بين المشتقات والذوات، ولا يعتبر معه(١) ملاحظة التركيب بين المتغايرين، واعتبار كون مجموعهما - بما هو كذلك - واحداً، بل يكون لحاظ ذلك مخلا؛ لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلية.
ومن الواضح أن ملاك الحمل لحاظ نحو اتحاد بين الموضوع والمحمول، مع وضوح عدم لحاظ ذلك في التحديدات وسائر القضايا في طرف الموضوعات، بل لا يلحظ في طرفها إلّا نفس معانيها، كما هو الحال في طرف المحمولات، ولا يكون حملها عليها إلا بملاحظة ما هما عليه من نحو من الاتحاد، مع ما هما عليه من المغايرة ولو بنحو من الاعتبار.
فانقدح بذلك فساد ما جعله في الفصول تحقيقاً للمقام. وفي كلامه موارد للنظر، تظهر بالتأمل وإمعان النظر.
الرابع : لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري المشتق عليه مفهوماً، وإن اتحدا عيناً وخارجاً، فصدق الصفات - مثل: العالم، والقادر، والرحيم، والكريم، إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال - عليه تعالى، على ما ذهب إليه أهل الحق من عينية صفاته، يكون على الحقيقة، فإن المبدأ فيها وإن كان عين ذاته تعالى خارجاً، إلا أنه غير ذاته تعالى مفهوماً.
ومنه قد انقدح ما في الفصول، من الالتزام بالنقل(٢) أو التجوز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى، بناء على الحق من العينية، لعدم المغايرة المعتبرة بالاتفاق(٣) ، وذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوماً، ولا اتفاق على اعتبار غيرها، إن لم نقل بحصول الاتفاق على عدم اعتباره، كمالا يخفى، وقد عرفت ثبوت المغايرة كذلك بين الذات ومبادئ الصفات.
____________________
(١) اشارة إلى ما افاده صاحب الفصول، الفصول، ٦٢ التنبيه الثاني.
(٢) الفصول / ٦٢، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
(٣) وهو الاتفاق الذي ادّعاه صاحب الفصولقدسسره الفصول / ٦٢.
الخامس : إنه وقع الخلاف بعد الاتفاق على اعتبار المغايرة - كما عرفت - بين المبدأ وما يجري عليه المشتق، في اعتبار قيام المبدأ به، في صدقه على نحو الحقيقة، وقد استدل من قال(١) بعدم الاعتبار، بصدق الضارب والمؤلم، مع قيام الضرب والألم بالمضروب والمؤلَم - بالفتح -.
والتحقيق: إنه لا ينبغي أن يرتاب من كان من أولى الألباب، في أنه يعتبر في صدق المشتق على الذات وجريه عليها، من التلبس بالمبدأ بنحو خاص، على اختلاف أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة، واختلاف الهيئات أخرى، من القيام صدوراً أو حلولاً أو وقوعاً عليه أو فيه، أو انتزاعه عنه مفهوماً مع اتحاده معه خارجاً، كما في صفاته تعالى، على ما أشرنا إليه آنفاً، أو مع عدم تحقق إلا للمنتزع عنه، كما في الإضافات والاعتبارات التي لا تحقق لها، ولا يكون بحذائها في الخارج شيء، وتكون من الخارج المحمول، لا المحمول بالضميمة، ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً، وقائماً به عيناً، لكنه بنحو من القيام، لا بأن يكون هناك اثنينية، وكان ما بحذائه غير الذات، بل بنحو الاتحاد والعينية، وكان ما بحذائه عين الذات، وعدم اطلاع العرف على مثل هذا التلبس من الأمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة، إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة، ولو بتأمل وتعمّل من العقل. والعرف إنما يكون مرجعاً في تعيين المفاهيم، لا في تطبيقها على مصاديقها.
وبالجملة: يكون مثل العالم، والعادل، وغيرهما - من الصفات الجارية عليه تعالى وعلى غيره - جارية عليهما بمفهوم واحد ومعنى فارد، وإن اختلفا فيما يعتبر في الجري من الاتحاد، وكيفية التلبس بالمبدأ، حيث أنه بنحو العينية فيه تعالى، وبنحو الحلول أو الصدور في غيره، فلا وجه لما التزم به في
____________________
(١) الفصول / ٦٢، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
الفصول(١) ، من نقل الصفات الجارية عليه تعالى عما هي عليها من المعنى، كما لا يخفى؛ كيف؟ ولو كانت بغير معانيها العامة جارية عليه تعالى كانت صرف لقلقة اللسان وألفاظ بلا معنى، فإن غير تلك المفاهيم العامة الجارية على غيره تعالى غير مفهوم ولا معلوم إلا بما يقابلها، ففي مثل ما إذا قلنا: إنه تعالى عالم، إما أن نعني أنه من ينكشف لديه الشيء فهو ذاك المعنى العام، أو أنه مصداق لما يقابل ذاك المعنى، فتعالى عن ذلك علوا كبيراً، وإما أن لا نعني شيئاً، فتكون كما قلناه من كونها صرف اللقلقة، وكونها بلا معنى، كما لا يخفى.
والعجب أنه جعل ذلك علة لعدم صدقها في حق غيره، وهو كما ترى، وبالتأمل فيما ذكرنا، ظهر الخلل فيما استدل من الجانبين والمحاكمة بين الطرفين، فتأمل.
السادس : الظاهر أنه لا يعتبر في صدق المشتق وجريه على الذات حقيقة، التلبس بالمبدأ حقيقة وبلا واسطة في العروض، كما في الماء الجاري، بل يكفي التلبس به ولو مجازاً، ومع هذه الواسطة، كما في الميزاب الجاري، فاسناد الجريان إلى الميزاب، وإن كان إسناداً إلى غير ما هو له وبالمجاز، إلا أنه في الإِسناد، لا في الكلمة، فالمشتق في مثل المثال، بما هو مشتق قد استعمل في معناه الحقيقي، وإن كان مبدؤه مسنداً إلى الميزاب بالإسناد المجازي، ولا منافاة بينهما أصلاً، كما لا يخفى، ولكن ظاهر الفصول(٢) بل صريحه، اعتبار الإسناد الحقيقي في صدق المشتق حقيقة، وكأنه من باب الخلط بين المجاز في الإسناد والمجاز في الكلمة، وهذا - هاهنا - محل الكلام بين الأعلام، والحمد لله، وهو خير ختام.
____________________
(١) الفصول / ٦٢، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
(٢) الفصول / ٦٢، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
المقصد الأوّل
الأوامر
المقصد الاول: في الاوامر
الأول : فيما يتعلق بمادة الأمر من الجهات، وهي عديدة:
الأولى : إنه قد ذكر للفظ الأمر معانٍ متعددة، منها الطلب، كما يقال، أمره بكذا.
ومنها الشأن، كما يقال: شغله أمر كذا.
ومنها الفعل، كما في قوله تعالى:( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (١) .
ومنها الفعل العجيب، كما في قوله تعالى:( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ) (٢) .
ومنها الشيء، كما تقول: رأيت اليوم أمراً عجيباً.
ومنها الحادثة، ومنها الغرض، كما تقول: جاء زيد لأمر كذا.
ولا يخفى أن عدّ بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم؛ ضرورة أن الأمر في (جاء زيد لأمر[كذا]) ما إستعمل في معنى الغرض، بل اللام قد دل على الغرض، نعم يكون مدخوله مصداقه، فافهم، وهكذا الحال في قوله
____________________
(١) هود: ٩٧.
(٢) هود: ٦٦، ٨٢.
تعالى( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ) (١) يكون مصداقاً للتعجب، لا مستعملاً في مفهومه، وكذا في الحادثة والشأن.
وبذلك ظهر ما في دعوى الفصول(٢) ، من كون لفظ الأمر حقيقة في المعنيين الأولين، ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة والشيء، هذا بحسب العرف واللغة.
وأما بحسب الإِصطلاح، فقد نقل(٣) الاتفاق على أنه حقيقة في القول المخصوص، ومجاز في غيره، ولا يخفى أنه عليه لا يمكن منه الاشتقاق، فإن معناه - حينئذ - لا يكون معنى حدثياً، مع أن الاشتقاقات منه - ظاهراً - تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم، لا بالمعنى الآخر، فتدبر.
ويمكن أن يكون مرادهم به هو الطلب بالقول لا نفسه تعبيراً عنه بما يدل عليه، نعم القول المخصوص - أي صيغة الأمر - إذا أراد العالي بها الطلب يكون من مصاديق الأمر، لكنه بما هو طلب مطلق أو مخصوص.
وكيف كان، فالأمر سهل لو ثبت النقل، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإنما المهم بيان ما هو معناه عرفاً ولغة، ليحمل عليه فيما إذا ورد بلا قرينة، وقد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنة، ولا حجة على أنه على نحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة والمجاز.
وما ذكر في الترجيح، عند تعارض هذه الأحوال، لو سلم، ولم يعارض بمثله، فلا دليل على الترجيح به، فلا بد مع التعارض من الرجوع إلى الأصل في مقام العمل، نعم لو علم ظهوره في أحد معانيه، ولو إحتمل أنه كان للانسباق من الإِطلاق، فليحمل عليه، وإن لم يعلم أنه حقيقة فيه
____________________
(١) هود: ٦٦، ٨٢.
(٢) الفصول / ٦٢، القول في الأمر.
(٣) الفصول / ٦٢ - ٦٣، القول في الأمر.
بالخصوص، أو فيما يعمه، كما لا يبعد أن يكون كذلك في المعنى الأول.
الجهة الثانية : الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر، فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية، كما أن الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء، فيكون الطلب من العالي أمراً ولو كان مستخفضاً لجناحه.
وأما إحتمال اعتبار أحدهما فضعيف، وتقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه، وتوبيخه بمثل: إنك لِمَ تأمره، إنما هو على استعلائه، لا على أمره حقيقة بعد استعلائه، وإنما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه، وكيف كان، ففي صحة سلب الأمر عن طلب السافل، ولو كان مستعلياً كفاية.
الجهة الثالثة : لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب، لانسباقه عنه عند إطلاقه، ويؤيّد قوله تعالى( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (١) وقولهصلىاللهعليهوآله (٢) : (لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) وقولهصلىاللهعليهوآله (٣) : - لبريرة بعد قولها: أتأمرني يا رسول الله؟ -: (لا، بل إنما أنا شافع) إلى غير ذلك، وصحة الاحتجاج على العبد ومؤاخذته بمجرد مخالفة أمره، وتوبيخه على مجرد مخالفته، كما في قوله تعالى( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) (٤) .
وتقسيمه إلى الإيجاب والاستحباب، إنما يكون قرينة على إرادة المعنى الأعم منه في مقام تقسيمه، وصحة الاستعمال في معنى أعم من كونه على نحو
____________________
(١) النور: ٦٣.
(٢) غوالي اللآلي: ٢ / ٢١ الحديث ٤٣.
(٣) الكافي: ٥ / ٤٨٥، التهذيب: ٧ / ٣٤١، الخصال: ١ / ١٩٠.
(٤) الأعراف: ١٢.
الحقيقة، كما لا يخفى، وأما ما أُفيد(١) من أن الاستعمال فيهما ثابت، فلو لم يكن موضوعاً للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز، فهو غير مفيد، لما مرت الإِشارة إليه في الجهة الأولى، وفي تعارض الأحوال(٢) ، فراجع.
والاستدلال بأن فعل المندوب طاعة، وكل طاعة فهو فعل المأمور به، فيه ما لا يخفى من منع الكبرى، لو أُريد من المأمور به معناه الحقيقي، وإلا لا يفيد المدعى.
الجهة الرابعة : الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الأمر، ليس هو الطلب الحقيقي الذي يكون طلباً بالحمل الشائع الصناعي، بل الطلب الإِنشائي الذي لا يكون بهذا الحمل طلباً مطلقاً، بل طلباً إنشائياً، سواء أُنشئ بصيغة إفعل، أو بمادة الطلب، أو بمادة الأمر، أو بغيرها، ولو أبيت إلا عن كونه موضوعاً للطلب فلا أقل من كونه منصرفاً إلى الإنشائي منه عند إطلاقه كما هو الحال في لفظ الطلب أيضاً، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائي، كما أن الأمر في لفظ الإرادة على عكس لفظ الطلب، والمنصرف عنها عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقية(٣) واختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة، من المغايرة بين الطلب والإرادة، خلافاً لقاطبة أهل الحق والمعتزلة، من اتحادهما، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحق في المقام، وإن حققناه في بعض فوائدنا إلا أن الحوالة لما تكن عن المحذور خالية، والإعادة [ليست] بلا فائدة ولا إفادة، كان المناسب هو التعرض ها هنا أيضاً.
فاعلم، أن الحق كما عليه أهله - وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشاعرة - هو اتحاد الطلب والإرادة، بمعنى أن لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد وما بإزاء
____________________
(١) أفاده العلامةرحمهالله نهاية الأصول / ٦٤ مخطوطة.
(٢) في الأمر الثامن من المقدمة ص ٢٠.
(٣) في «ب»: الحقيقة.
أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائية، وبالجملة هما متحدان مفهوماً وإنشاءً وخارجاً، لا أن الطلب الإنشائي الذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متحد مع الإرادة الحقيقية(١) التي ينصرف إليها إطلاقها أيضاً، ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس. فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد، ففي مراجعة الوجدان عند طلب شيء والأمر به حقيقة كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان، فإن الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها، يكون هو الطلب غيرها، سوى ما هو مقدمة تحققها، عند خطور الشئ والميل وهيجان الرغبة إليه، والتصديق لفائدته، وهو الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لأجلها.
وبالجملة: لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب، فلا محيص(٢) عن إتحاد الإرادة والطلب، وأن يكون ذلك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك، مسمى بالطلب والإِرادة كما يعب به تارة وبها أخرى، كما لا يخفى. وكذا الحال في سائر الصيغ الإنشائية، والجمل الخبرية، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس، من الترجي والتمني والعلم إلى غيرذلك، صفة أخرى كانت قائمة بالنفس، وقد دل اللفظ عليها، كما قيل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما |
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
وقد انقدح بما حققناه، ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة بالأمر مع عدم الإرادة، كما في صورتي الاختبار والاعتذار من الخلل، فإنه كما لا إرادة
____________________
(١) في «ب»: الحقيقة.
(٢) في النسختين فلا محيص إلّا، والظاهر «إلّا» هنا مقحمة في السياق.
حقيقة في الصورتين، لا طلب كذلك فيهما، والذي يكون فيهما إنما هو الطلب الإنشائي الإيقاعي، الذي هو مدلول الصيغة أو المادة، ولم يكن بيّناً ولا مبيّناً في الاستدلال مغايرته مع الإرادة الإنشائية.
وبالجملة: الذي يتكفله الدليل، ليس إلا الانفكاك بين الإرادة الحقيقية، والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما. وهو مما لا محيص عن الالتزام به، كما عرفت، ولكنه لا يضر بدعوى الاتحاد أصلاً، لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقي والإنشائي، كما لا يخفي.
ثم إنه يمكن - مما حققناه - أن يقع الصلح بين الطرفين، ولم يكن نزاع في البين، بأن يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوماً ووجوداً حقيقياً وإنشائيّاً، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينية هو اثنينية الإنشائي من الطلب، كما هو كثيراً ما يراد من إطلاق لفظه، وا لحقيقي من الإرادة، كما هو المراد غالباً منها حين إطلاقها، فيرجع النزاع لفظياً، فافهم.
دفع ووهم (١) : لا يخفى أنه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة، من نفي غير الصّفات المشهورة، وأنه ليس صفة أخرى قائمة بالنفس كانت كلاماً نفسياً مدلولاً للكلام اللفظي، كما يقول به الأشاعرة، إن هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام.
إن قلت: فماذا يكون مدلولاً عليه عند الأصحاب والمعتزلة؟
قلت: أما الجمل الخبرية، فهي دالّة على ثبوت النسبة بين طرفيها، أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج، كالإنسان نوع أو كاتب.
وأما الصيغ الإنشائية، فهي - على ما حققناه في بعض فوائدنا(٢) - موجدة
____________________
(١) المتوهم هو القوشجي، راجع شرح تجريد العقائد للقوشجي / ٢٤٦، عند البحث عن المسموعات.
(٢) تعليقة المصنف على الفرائد، كتاب الفرائد / ٢٨٥.
لمعانيها في نفس الأمر، أي قصد ثبوت معانيها وتحققها بها، وهذا نحو من الوجود، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبارٍ مترتب عليه شرعاً وعرفاً آثار، كما هو الحال في صيغ العقود والإيقاعات.
نعم لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجي والتمني - بالدلالة الالتزامية - على ثبوت هذه الصفات حقيقة، إما لأجل وضعها لإيقاعها، فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات، أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصورة، فلو لم تكن هناك قرينة، كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها، لأجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمة بالنفس، وضعاً أو إطلاقاً.
إشكال ودفع : أما الإشكال، فهو إنه يلزم بناء على اتحاد الطلب والإرادة، في تكليف الكفار بالإيمان، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان، إما أن لا يكون هناك تكليف جدي، إن لم يكن هناك إرادة، حيث أنه لا يكون حينئذ طلب حقيقي، وإعتباره في الطلب الجدي ربما يكون من البديهي، وإن كان هناك إرادة، فكيف تتخلف عن المراد؟ ولا تكاد تتخلف، إذا أراد الله شيئاً يقول له: كن فيكون.
وأما الدفع، فهو إن إستحاله التخلف إنما تكون في الإرادة التكوينية وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التام، دون الإرادة التشريعية، وهي العلم بالمصلحة في فعل المكلف. وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية، فإذا توافقتا فلابد من الإطاعة والإيمان، وإذا تخالفتا، فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.
إن قلت: إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان، بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلاً.
قلت: إنما يخرج بذلك عن الاختيار، لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار، وإلا لَزِم تخلف إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
إن قلت: إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما، إلا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف؟ وقد سبقهما الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار؟
قلت: العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما، فإن السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه)(١) و (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)(٢) ، كما في الخبر، والذاتي لا يعلّل، فانقطع سؤال: إنه لِمَ جعل السعيد سعيداً والشقي شقياً؟ فإن السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي كذلك، وإنما أوجدهما الله تعالى (قلم اينجا رسيد سر بشكست)(٣) ، قد إنتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام، ومن الله الرشد والهداية وبه الاعتصام.
وهم ودفع : لعلك تقول: إذا كانت الإرادة التشريعية منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل، لزم - بناء على أن تكون عين الطلب - كون المنشأ بالصيغة في الخطابات الإلهية هو العلم، وهو بمكان من البطلان.
____________________
(١) ورد بهذا المضمون في توحيد الصدوق / ٣٥٦ الباب ٥٨ الحديث ٣.
(٢) الروضة من الكافي ٨ / ١٧٧، الحديث ١٩٧.
مسند أحمد بن حنبل ٢ / ٥٣٩ وفيه تقديم الفضّة على الذهب. وقريب منه في هذا المصدر صفحة ٢٥٧، ٢٦٠، ٣٩١، ٤٣٨، ٤٨٥، ٤٩٨، ٥٢٥ والبخاري ٤ / ٢١٦.
(٣) يريد المؤلفرحمهالله : وهنا يقف القلم، لأن الكلام انتهى إلى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام، وما بين القوسين، تعبير فارسي ترجمته: لما وصل القلم إلى هنا انكسر رأسه.
لكنك غفلت عن أن اتحاد الإرادة مع العلم بالصلاح، إنما يكون خارجاً لا مفهوماً، وقد عرفت(١) أن المنشأ ليس إلا المفهوم، لا الطلب الخارجي، ولا غرو أصلاً في اتحاد الإرادة والعلم عيناً وخارجاً، بل لا محيص عنه في جميع صفاته تعالى؛ لرجوع الصفات إلى ذاته المقدسة، قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه(٢) : (وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه).
الفصل الثاني
فيما يتعلق بصيغة الأمر وفيه مباحث:
الأول : إنه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها، وقد عد منها: الترجي، والتمني، والتهديد، والإنذار، والإهانة، والاحتقار، والتعجيز، والتسخير، إلى غير ذلك، وهذا كما ترى، ضرورة أن الصيغة ما استعملت في واحد منها، بل لم يستعمل إلا في إنشاء الطلب، إلا أن الداعي إلى ذلك، كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي، يكون أخرى أحد هذه الأمور، كما لا يخفى.
[و]قصارى ما يمكن أن يدعى، أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب، فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداعٍ آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقة، وإنشاؤه بها تهديداً مجازاً، وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره، فلا تغفل.
إيقاظ : لا يخفى أن ما ذكروه في صيغة الأمر، جار في سائر الصيغ الإنشائية، فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمني أو الترجي أو الاستفهام
____________________
(١) مرّ في صفحة ٦٦ من هذا الكتاب عند قوله: وأما الصيغ الإنشائية. الخ.
(٢) نهج البلاغة / ٣٩ الخطبة الأولى.
بصيغها، تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة، يكون الداعي غيرها أخرى، فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها، واستعمالها في غيرها، إذا وقعت في كلامه تعالى، لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه تبارك وتعالى، مما لازمه العجز أو الجهل، وأنه لا وجه له، فإن المستحيل إنما هو الحقيقي منها لا الإنشائي الإيقاعي، الذي يكون بمجرد قصد حصوله بالصيغة، كما عرفت، ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الإيقاعية الإنشائية أيضاً، لا لإظهار ثبوتها حقيقة، بل لأمر آخر حسب ما يقتضيه الحال من إظهار المحبة أو الإنكار أو التقرير إلى غير ذلك، ومنه ظهر أن ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضاً.
المبحث الثاني : في أن الصيغة حقيقة في الوجوب، أو في الندب، أو فيهما، أو في المشترك بينهما، وجوه بل أقوال، لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة، ويؤيده عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب، مع الاعتراف بعدم دلالته ليه بحال أو مقال، وكثرة الاستعمال فيه في الكتاب والسنة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه(١) ، لكثرة استعماله في الوجوب أيضاً، مع أن الاستعمال وإن كثر فيه، إلا أنه كان مع القرينة المصحوبة، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا يوجب صيرورته مشهوراً فيه، ليرجح أو يتوقف، على الخلاف في المجاز المشهور، كيف؟ وقد كثر إستعمال العام في الخاص، حتى قيل: (ما من عام إلا وقد خص) ولم ينثلم به ظهوره في العموم، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص.
المبحث الثالث : هل الجمل الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب والبعث - مثل: يغتسل، ويتوضأ، ويعيد - ظاهرة في الوجوب أو التعدد
____________________
(١) هذا تعريض بصاحب المعالمقدسسره ، معالم الدين / ٤٨، فصل في الأوامر: فائدة.
المجازات فيها، وليس الوجوب بأقواها، بعد تعذر حملها على معناها من الأخبار، بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها.
الظاهر الأول، بل تكون أظهر من الصيغة، ولكنه لا يخفى أنه ليست الجمل الخبرية الواقعة في ذلك المقام - أي الطلب - مستعملة في غير معناها، بل تكون مستعملة فيه، إلا أنه ليس بداعي الإعلام، بل بداعي البعث بنحو آكد، حيث أنه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه، إظهاراً بأنه لا يرضى إلا بوقوعه، فيكون آكد في البعث من الصيغة، كما هو الحال في الصيغ الإنشائية، على ما عرفت من أنها أبداً تستعمل في معانيها الإيقاعية لكن بدواعٍ أخر، كما مر(١) .
لا يقال: كيف؟ ويلزم الكذب كثيراً، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في الخارج، تعالى الله وأولياؤه عن ذلك علواً كبيراً.
فإنه يقال: إنما يلزم الكذب، إذا أتي بها بداعي الإخبار والإعلام، لا لداعي البعث، كيف؟ وإلا يلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل (زيد كثير الرماد) أو (مهزول الفصيل) لا يكون كذباً، إذا قيل كناية عن جوده، ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلاً، وإنما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ، فإنه مقال بمقتضى الحال. هذا مع أنه إذا أتى بها في مقام البيان، فمقدمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب، فإن تلك النكتة إن لم تكن موجبة لظهورها فيه، فلا أقل من كونها موجبة لتعينه من بين محتملات ما هو بصدده، فإن شدة مناسبة الإخبار بالوقوع مع الوجوب، موجبة لتعيّن إرادته إذا كان بصدد البيان، مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره، فافهم.
____________________
(١) في المبحث الأول من هذا الفصل، عند قولهقدسسره : إيقاظ / ٦٩.
المبحث الرابع : إنه إذا سلم أن الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب هذه لا تكون ظاهرة فيه أيضاً أو تكون؟ قيل بظهورها فيه، إما لغبة الاستعمال فيه، أو لغلبة وجوده أو أكمليته، والكل كما ترى، ضرورة أن الاستعمال في الندب وكذا وجوده، ليس بأقل لو لم يكن بأكثر. وأما الأكملية فغير موجبة للظهور، إذ الظهور لا يكاد يكون إلا لشدة أنس اللفظ بالمعنى، بحيث يصير وجهاً له، ومجرد الأكملية لا يوجبه، كما لا يخفى، نعم فيما كان الأمر بصدد البيان، فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب، فإن الندب كأنه يحتاج إلى مؤونة بيان التحديد والتقييد بعدم المنع من الترك، بخلاف الوجوب، فإنه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد، فإطلاق اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلق في مقام البيان، كاف في بيانه، فافهم.
المبحث الخامس : إن إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصليّاً، فيجزي إتيانه مطلقاً، ولو بدون قصد القربة، أو لا؟ فلا بد من الرجوع فيما شك في عبديته وتوصليته إلى الأصل.
لابد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات:
إحداها : الوجوب التوصلي، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب، ويسقط بمجرد وجوده، بخلاف التعبدي، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل لابد - في سقوطه وحصول غرضه - من الإتيان به متقرباً به منه تعالى.
ثانيتها : إن التقرب المعتبر في التعبدي، إن كان بمعنى قصد الامتثال والإتيان بالواجب بداعي أمره، كان مما يعتبر في الطاعة عقلاً، لا مما أخذ في نفس العبادة شرعاً، وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشيء في متعلق ذاك الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً، فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة للأمر، لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها.
وتوهم إمكان تعلق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر، وإمكان الاتيان بها بهذا الداعي، ضرورة إمكان تصور الأمر بها مقيدة، والتمكن من إتيانها كذلك، بعد تعلق الأمر بها، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلاً في صحة الأمر إنما هو في حال الامتثال لا حال الأمر،واضح الفساد ، ضرورة أنه وإن كان تصورها كذلك بمكان من الإمكان، إلا أنه لا سكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها، لعدم الأمر بها، فإن الأمر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعي الأمر، ولا يكاد يدعو الأمر إلا إلى ما تعلق به، لا إلى غيره.
إن قلت: نعم، ولكن نفس الصلاة أيضا صارت مأمورة بها بالأمر بها مقيدة.
قلت: كلّا؛ لأن ذات المقيد لا يكون مأموراً بها، فإن الجزء التحليلي العقلي لا يتصف بالوجوب أصلاً، فإنه ليس إلا وجود واحد واجب بالوجوب النفسي، كما ربما يأتي في باب المقدمة.
إن قلت: نعم، لكنه إذا أخذ قصد الامتثال شرطاً، وأما إذا أخذ شطراً، فلا محالة نفس الفعل الذي تعلق الوجوب به مع هذا القصد، يكون متعلقاً للوجوب، إذ المركب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر، ويكون تعلقه بكل بعين تعلقه بالكل، ويصح أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب؛ ضرورة صحة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه.
قلت: مع امتناع اعتباره كذلك، فإنه يوجب تعلق الوجوب بأمر غير اختياري، فإن الفعل وإن كان بالإرادة اختيارياً، إلا أن إرادته - حيث لا تكون بإرادة أخرى، وإلا لتسلسلت - ليست باختيارية، كما لا يخفى. إنما يصح الإتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي، ولا يكاد يمكن الإتيان بالمركب عن قصد الامتثال، بداعي امتثال أمره.
إن قلت: نعم(١) ، لكن هذا كله إذا كان إعتباره في المأمور به بأمر واحد، وأما إذا كان بأمرين: تعلق أحدهما بذات الفعل، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره، فلا محذور أصلاً، كما لا يخفى. فللآمر أن يتوسل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده، بلا منعة.
قلت: - مضافاً إلى القطع بأنه ليس في العبادات إلا أمر واحد، كغيرها من الواجبات والمستحبات، غاية الأمر يدور مدار الامتثال وجوداً وعدماً فيها المثوبات والعقوبات، بخلاف ما عداها، فيدور فيه خصوص المثوبات، وأما العقوبة فمترتبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة - أن الأمر الأول إن كان يسقط بمجرد موافقته، ولو لم يقصد به الامتثال، كما هو قضية الأمر الثاني، فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأول بدون قصد امتثاله، فلا يتوسل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة، وإن لم يكد يسقط بذلك، فلا يكاد يكون له وجه، إلا عدم حصول غرضه بذلك من أمره؛ لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله، وإلا لما كان موجباً لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الأمر، لاستقلال العقل، مع عدم حصول غرض الآمر بمجرد موافقة الأمر بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه، فيسقط أمره.
هذا كله إذا كان التقرب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال.
وأما إذا كان بمعنى الإتيان بالفعل بداعي حسنه، أو كونه ذا مصلحة [أو له تعالى](٢) ، فاعتباره في متعلق الأمر وإن كان بمكان من الإمكان، إلا أنه غير معتبر فيه قطعاً، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال، الذي عرفت
____________________
(١) إشارة إلى ما أفاده صاحب التقريرات في مطارح الأنظار / ٦٠، السطر الأخير، في التعبدي والتوصلي.
(٢) سقطت من «أ».
عدم إمكان أخذه فيه بديهة.
تأمل فيما ذكرناه في المقام، تعرف حقيقة المرام، كي لا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام.
ثالثتها : إنه إذا عرفت بما لا مزيد عليه، عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلاً، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه - ولو كان مسوقاً في مقام البيان - على عدم اعتباره، كما هو أوضح من أن يخفى، فلا يكاد يصح التمسك به إلا فيما يمكن اعتباره فيه.
فانقدح بذلك أنه لا وجه لاستظهار التوصلية من إطلاق الصيغة بمادتها، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه مما هو ناشئ من قبل الأمر، من إطلاق المادة في العبادة لو شك في اعتباره فيها، نعم إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ماله دخل في حصول غرضه، وإن لم يكن له دخل في متعلق أمره، ومعه سكت في المقام، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه، وإلا لكان سكوته نقصاً له وخلاف الحكمة، فلا بد عند الشك وعدم إحراز هذا المقام، من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل ويستقل به العقل.
فاعلم: أنه لا مجال - ها هنا - إلا لأصالة الاشتغال، ولو قيل بأصالة البراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، وذلك لأن الشك ها هنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها، فلا يكون العقاب - مع الشك وعدم إحراز الخروج - عقاباً بلا بيان، والمؤاخذه عليه بلا برهان، ضرورة أنه بالعلم بالتكليف تصح المؤاخذة على المخالفة، وعدم الخروج عن العهدة، لو اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة بلا قصد القربة، وهكذا الحال في كل ما شك دخله في الطاعة، والخروج به عن العهدة، مما لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه والتمييز.
نعم: يمكن أن يقال: إن كلّ ما ربما يحتمل بدواً دخله في الامتثال،
أمراً كان مما يغفل عنه غالباً العامة(١) ، كان على الآمر بيانه، ونصب قرينة على دخله واقعاً، وإلّا لأخل بما هو همّه وغرضه، [و]أما إذا لم ينصب دلالة على دخله؛ كشف عن عدم دخله، وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتمييز في الطاعة بالعبادة، حيث ليس منهما عين ولا أثر في الأخبار والآثار، وكانا مما يغفل عنه العامة، وإن احتمل اعتباره بعض الخاصة، فتدبر جيّداً.
ثم إنه لا أظنك أن تتوهم وتقول: إن أدلة البراءة الشرعية مقتضية لعدم الاعتبار، وإن كان قضية الاشتغال عقلاً هو الاعتبار، لوضوح أنه لابد في عمومها من شيء قابل للرفع والوضع شرعاً، وليس ها هنا، فإن دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي، بل واقعي. ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان كذلك، إلا أنهما قابلان للوضع والرفع شرعاً، فبدليل الرفع - ولو كان أصلاً - يكشف أنه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه المشكوك، يجب الخروج عن عهدته عقلاً، بخلاف المقام، فإنه علم بثبوت الأمر الفعلي، كما عرفت، فافهم.
المبحث السادس : قضية إطلاق الصيغة، كون الوجوب نفسياً تعينيّاً عينياً لكون كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب وتضيق دائرته، فإذا كان في مقام البيان، ولم ينصب قرينة عليه، فالحكمة تقتضي كونه مطلقاً، وجب هناك شيء آخر أو لا، أتى بشيء آخر أو لا، أتى به آخر أو لا، كما هو واضح لا يخفى.
المبحث السابع : إنه اختلف القائلون بظهور صيغة الأمر في الوجوب وضعاً أو إطلاقاً فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهمه على أقوال:
____________________
(١) هذا ما أثبتناه من «أ و ب»، وفي بعض النسخ المطبوعة هكذا (إن كل ما يحتمل بدواً دخله في الامتثال وكان يغفل عنه غالباً العامة).
نسب(١) إلى المشهور ظهورها في الإباحة، وإلى بعض العامّة(٢) ظهورها في الوجوب، وإلى بعضٍ(٣) تبعيتها لما قبل النهي، إن علق الأمر بزوال علّة النهي، إلى غير ذلك.
والتحقيق: إنّه لا مجال للتشبّث بموارد الاستعمال، فإنّه قلّ مورد منها يكون خالياً عن قرينة على الوجوب، أو الإباحة، أو التبعية، ومع فرض التجريد عنها، لم يظهر بعدُ كون عقيب الحظر موجباً لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه.
غاية الأمر يكون موجباً لإجمالها، غير ظاهرة في واحد منها إلّا بقرينة أخرى، كما أشرنا.
المبحث الثامن : الحق أن صيغة الأمر مطلقاً، لا دلالة لها على المرة ولا التكرار، فإن المنصرف عنها، ليس إلا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها، فلا دلالة لها على أحدهما، لا بهيئتها ولا بمادتها، والاكتفاء بالمرّة، فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة، كما لا يخفى.
ثم لا يذهب عليك: أن الإتفاق على أن المصدر المجرّد عن اللام والتنوين، لا يدلّ إلّا على الماهية - على ما حكاه السكاكي(٤) - لا يوجب كون النزاع ها هنا في الهيئة - كما في الفصول(٥) - فإنه غفلة وذهول عن [أنّ] كون المصدر كذلك، لا يوجب الاتفاق على أن مادة الصيغة لا تدلّ إلا على
____________________
(١) راجع الفصول / ٧٠، وبدائع الأفكار في النسخة الثانية من نسختي الأوامر / ٢٩٤.
(٢) البصري في المعتمد / ٧٥، باب في صيغة الأمر الواردة بعد حظر، والبيضاوي وغيره راجع الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي: ٢ / ٤٣.
(٣) كالعضدي، شرح مختصر الأصول / ٢٠٥، في مسألة وقوع صيغة الأمر بعد الحظر.
(٤) مفتاح العلوم.
(٥) الفصول / ٧١، فصل: الحق أن هيئة...الخ.
الماهية، ضرورة أن المصدر ليس(١) مادة لسائر المشتقات، بل هو صيغة مثلها، كيف؟ وقد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر وسائر المشتقات بحسب المعنى، فكيف بمعناه يكون مادة لها؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في مادتها، كما لا يخفى.
إن قلت: فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلاً في الكلام.
قلت: مع أنّه محلّ الخلاف، معناه أن الذي وضع أولاً بالوضع الشخصي، ثم بملاحظته وضع نوعيّاً أو شخصياً سائر الصيغ التي تناسبه، مما جمعه معه مادة لفظ متصورة في كل منها ومنه، بصورة ومعنى كذلك، هو المصدر أو الفعل، فافهم.
ثم المراد بالمرة والتكرار، هل هو الدفعة والدفعات؟ أو الفرد والأفراد؟
والتحقيق: أن يقعا بكلا المعنيين محل النزاع، وإن كان لفظهما ظاهراً في المعنى الأول،وتوهم (٢) أنّه لو أُريد بالمرة الفرد، لكان الأنسب، بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمة للبحث الآتي، من أن الأمر هل يتعلق بالطبيعة أو بالفرد؟ فيقال عند ذلك وعلى تقدير تعلقه بالفرد، هل يقتضي التعلق بالفرد الواحد أو المتعدد؟ أو لا يقتضي شيئاً منهما؟ ولم يحتج إلى إفراد كل منهما بالبحث كما فعلوه، وأما لو أُريد بها الدفعة، فلا علقة بين المسألتين، كما لا يخفى، فاسد، لعدم العلقة بينهما لو أريد بها الفرد أيضاً، فإن الطلب على القول بالطبيعة إنما يتعلق بها باعتبار وجودها في الخارج، ضرورة أن الطبيعة من حيث هي ليست إلا هي، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة، وبهذا الاعتبار كانت مرددة بين المرة والتكرار بكلا المعنيين، فيصحّ النزاع في دلالة الصيغة على المرة والتكرار بالمعنيين وعدمها.
____________________
(١) في «أ و ب» ليست.
(٢) المتوهم هو صاحب الفصول، الفصول / ٧١.
أمّا بالمعنى الأول فواضح، وأما بالمعنى الثاني فلوضوح أن المراد من الفرد أو الأفراد وجود واحد أو وجودات، وإنّما عبر بالفرد لأن وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد، غاية الأمر خصوصيته وتشخصه على القول بتعلق الأمر بالطبائع يلازم المطلوب وخارج عنه، بخلاف القول بتعلقه بالأفراد، فإنه مما يقوّمه.
تنبيه : لا إشكال بناءً على القول بالمرة في الامتثال، وأنه لا مجال للاتيان بالمأمور به ثانياً، على أن يكون أيضاً به الامتثال، فإنه من الامتثال بعد الامتثال. وأما على المختار من دلالته على طلب الطبيعة من دون دلالة على المرة ولا على التكرار، فلا يخلو الحال: إما أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة في مقام البيان، بل في مقام الإِهمال أو الإِجمال، فالمرجع هو الأصل. وإما أن يكون إطلاقها في ذلك المقام، فلا إشكال في الاكتفاء بالمرة في الامتثال، وإنما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها، فإن لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها، هو الإتيان بها مرة أو مراراً، لا لزوم الإقتصار على المرة، كما لا يخفى.
والتحقيق: إن قضية الإِطلاق إنما هو جواز الإِتيان بها مرة في ضمن فرد أو أفراد، فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال، كإيجادها في ضمن الواحد، لا جواز الإتيان بها مرة ومرات، فإنه مع الإتيان بها مرة لا محالة يحصل الامتثال ويسقط به الأمر، فيما إذا كان امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى، بحيث يحصل بمجرده، فلا يبقى معه مجال لإتيانه ثانياً بداعي امتثال آخر، أو بداعي أن يكون الإتيانان امتثالاً واحداً؛ لما عرفت من حصول الموافقة بإتيانها، وسقوط الغرض معها، وسقوط الأمر بسقوطه، فلا يبقى مجال لامتثاله أصلاً، وأما إذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضأ فأتي به، ولم يشرب أو لم يتوضأ فعلاً، فلا يبعد صحة تبديل الامتثال بإتيان فرد آخر أحسن منه، بل
مطلقاً، كما كان له ذلك قبله، على ما يأتي بيانه في الإجزاء.
المبحث التاسع: الحق أنه لا دلالة للصيغة، لا على الفور ولا على التراخي، نعم قضية إطلاقها جواز التراخي، والدليل عليه تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها، بلا دلالة على تقييدها بأحدها، فلا بدّ في التقييد من دلالة أخرى، كما ادعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية.
وفيه منع، ضرورة أن سياق آية( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) (١) وكذا آية( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) (٢) إنّما هو البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير، من دون استتباع تركهما للغضب والشرّ، ضرورة أن تركهما لو كان مستتبعاً للغضب والشر، كان البعث بالتحذير عنهما أنسب، كما لا يخفى، فافهم.
مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبات، وكثير من الواجبات بل أكثرها، فلا بدّ من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب، ولا يبعد دعوى استقلال العقل بحسن المسارعة والاستباق، وكان ما ورد من الآيات والروايات في مقام البعث نحوه إرشاداً إلى ذلك، كالآيات والروايات الواردة في الحثِّ على أصل الإطاعة، فيكون الأمر فيها لما يترتب على المادة بنفسها، ولو لم يكن هناك أمر بها، كما هو الشأن في الأوامر الإِرشادية، فافهم.
تتمة : بناء على القول بالفور، فهل قضية الأمر الإتيان فوراً ففوراً بحيث لو عصى لوجب عليه الإتيان به فوراً أيضاً، في الزمان الثاني، أو لا؟ وجهان: مبنيان على أن مفاد الصيغة على هذا القول، هو وحدة المطلوب أو تعدده، ولا يخفى أنه لو قيل بدلالتها على الفورية، لما كان لها دلالة على نحو
____________________
(١) آل عمران: ١٣٣.
(٢) البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨.
المطلوب من وحدته أو تعدده، فتدبّر جيداً.
الفصل الثالث
الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء في الجملة بلا شبهة، وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والإبرام، ينبغي تقديم أمور:
أحدها : الظاهر أن المراد من (وجهه) - في العنوان - هو النهج الذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعاً وعقلاً، مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في العبادة، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعاً، فإنّه عليه يكون (على وجهه) قيداً توضيحياً، وهو بعيد، مع أنّه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع، بناءً على المختار، كما تقدّم من أن قصد القربة من كيفيات الإطاعة عقلاً، لا من قيود المأمور به شرعاً، ولا الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب(١) ، فإنّه - مع عدم اعتباره عند المعظم، وعدم اعتباره عند من اعتبره، إلّا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات - لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار، فلا بدّ من إرادة ما يندرج فيه من المعنى، وهو ما ذكرناه، كما لا يخفى.
ثانيها : الظاهر أن المراد من الاقتضاء - ها هنا - الاقتضاء بنحو العلية والتأثير، لا بنحو الكشف والدلالة، ولذا نسب إلى الإتيان لا إلى الصيغة.
إن قلت: هذا إنما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره، وأما بالنسبة إلى أمر آخر، كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره، بنحو يفيد الإجزاء، أو بنحو آخر لا يفيده.
____________________
(١) من المتكلمين، وأشار اليه في مطارح الأنظار / ١٩.
قلت: نعم، لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما، كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدم، غايته أن العمدة في سبب الاختلاف فيهما، إنما هو الخلاف في دلالة دليلهما، هل أنه على نحو يستقل العقل بأن الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثر فيه، وعدم دلالته؟ ويكون النزاع فيه صغروياً أيضاً، بخلافه في الإجزاء بالإضافة إلى أمره، فإنه لا يكون إلا كبروياً، لو كان هناك نزاع، كما نقل عن بعض(١) . فافهم.
ثالثها : الظاهر أن الإجزاء - ها هنا - بمعناه لغة، وهو الكفاية(٢) ، وإن كان يختلف ما يكفي عنه، فإن الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي يكفي، فيسقط به التعبد به ثانياً، وبالأمر الاضطراري أو الظاهري الجعلي، فيسقط به القضاء، لا أنه يكون - ها هنا - اصطلاحاً، بمعنى إسقاط التعبد أو القضاء، فإنه بعيد جداً.
رابعها : الفرق(٣) بين هذه المسألة، ومسألة المرة والتكرار، لا يكاد يخفى، فإنّ البحث - ها هنا - في أن الإتيان بما هو المأمور به يجزىء عقلاً، بخلافه في تلك المسألة، فإنه في تعيين ما هو المأمور به شرعاً بحسب دلالة الصيغة بنفسها، أو بدلالة أخرى.
نعم كان التكرار عملاً موافقاً لعدم الإجزاء لكنه لا بملاكه، وهكذا الفرق بينها وبين مسألة تبعية القضاء للأداء، فإن البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعية وعدمها، بخلاف هذه المسألة؛ فإنه - كما عرفت - في
____________________
(١) وهو القاضي عبدالجبار، راجع المعتمد ١ / ٩٠.
(٢) اجزأ الشيءُ إياي: كفاني. القاموس المحيط ١/١٠ مادة الجزء.
أجزأني الشيء: كفاني. مجمع البحرين ١/٨٥ مادة جزأ.
(٣) راجع مطارح الأنظار / ١٩.
أن الإتيان بالمأمور به بجزي عقلاً عن إتيانه ثانياً أداءً أو قضاءً، أو لا يجزىء، فلا علقة بين المسألة والمسألتين أصلاً.
إذا عرفت هذه الأمور، فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين:
الأول : إن الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي - بل(١) بالأمر الاضطراري أو الظاهري أيضاً - يجزىء عن التعبد به ثانياً؛ لاستقلال العقل بأنه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه، لاقتضائه التعبد به ثانياً.
نعم لا يبعد أن يقال: بأنه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد به ثانياً، بدلاً عن التعبد به أولاً، لا منضماً إليه، كما أشرنا إليه في المسألة السابقة(٢) ، وذلك فيما علم أن مجرد امتثاله لا يكون علّة تامة لحصول الغرض، وإن كان وافياً به لو اكتفى به، كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه، فلم يشربه بعد، فإن الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد، ولذا لو أهريق(٣) الماء واطلع عليه العبد، وجب عليه إتيانه ثانياً، كما إذا لم يأت به أولاً، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه، وإلا لما أوجب حدوثه، فحينئذ يكون له الإتيان بماء آخر موافق للأمر، كما كان له قبل إتيانه الأول بدلاً عنه.
نعم فيما كان الإتيان علة تامة لحصول الغرض، فلا يبقى موضع للتبديل، كما إذا أمر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه، بل لو لم يعلم أنه من أيّ القبيل، فله التبديل باحتمال أن لا يكون علة، فله إليه سبيل، ويؤيّد ذلك - بل يدلّ عليه - ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلى فرادى
____________________
(١) في نسختي «أ و ب» بل او..
(٢) راجع تنبيه المبحث الثامن من هذا الكتاب / ٧٩.
(٣) في «ب»: أهرق.
جماعة(١) ، وأن الله تعالى يختار أحبهما إليه.
الموضع الثاني: وفيه مقامان:
المقام الأول : في أن الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري، هل يجزىء عن [القضاء و](٢) الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ثانياً، بعد رفع الاضطرار في الوقت إعادةً، وفي خارجه قضاءً، أو لا يجزىء؟
تحقيق الكلام فيه يستدعي التّكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراري من الأنحاء، وبيان ما هو قضيّة كلّ منها من الإجزاء وعدمه، وأخرى في تعيين ما وقع عليه.
فاعلم أنه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار، كالتكليف الاختياري في حال الاختيار، وافياً بتمام المصلحة، وكافياً فيما هو المهمّ والغرض، ويمكن أن لا يكون وافياً به كذلك، بل يبقى منه شيء أمكن استيقاؤه أو لا يمكن. وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه، أو يكون بمقدار يستحب، ولا يخفى أنه إن كان وافياً به فيجزىء، فلا يبقى مجال أصلاً للتّدارك، لا قضاءً ولا إعادةً، وكذا لو لم يكن وافياً، ولكن لا يمكن تداركه، ولا يكاد يسوغ له البدار في هذه الصّورة إلا لمصلحة كانت فيه، لما فيه من نقض الغرض، وتفويت مقدارٍ من المصلحة، لو لا مراعاة ماهو فيه من الأهم، فافهم.
لا يقال: عليه، فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار، لإمكان استيفاء الغرض بالقضاء.
____________________
(١) الكافي: ٣ / ٣٧٩، باب الرجل يصلي وحده من كتاب الصلاة.
التهذيب: ٣ / ٢٦٩ الحديث ٩٤، وصفحة ٢٧٠ الحديث ٩٥ إلى ٩٨ الباب ٢٥.
الفقيه: ١ / ٢٥١. الحديث ٤١ إلى ٤٣ من باب الجماعة وفضلها.
(٢) أثبتناها من «أ».
فإنّه يقال: هذا كذلك، لو لا المزاحمة بمصلحة الوقت، وأمّا تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصّورة الأولى، فيدور مدار كون العمل - بمجرد الاضطرار مطلقاً، أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طروِّ الاختيار - ذا مصلحة ووافياً بالغرض.
وإن لم يكن وافياً، وقد أمكن تدارك الباقي(١) في الوقت، أو مطلقاً ولو بالقضاء خارج الوقت، فإن كان الباقي ممّا يجب تداركه فلا يجزىء، بل لابد(٢) من إيجاب الإعادة أو القضاء، وإلا فيجزىء، ولا مانع عن البدار في الصورتين، غاية الأمر يتخير في الصورة الأولى بين البدار والإتيان بعملين: العمل الاضطراري في هذا الحال، والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار أو الانتظار، والاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار، وفي الصورة الثانية يجزىء البدار ويستحب الإعادة بعد طروء الاختيار.
هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري من الأنحاء، وأما ما وقع عليه فظاهر إطلاق دليله، مثل قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) (٣) وقولهعليهالسلام : (التراب أحد الطهورين)(٤) و: (يكفيك عشر سنين)(٥) هو الإجزاء، وعدم وجوب الإعادة أو القضاء، ولا بد في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص.
وبالجملة: فالمتبع هو الإطلاق لو كان، وإلا فالأصل، وهو يقتضي البراءة من إيجاب الإعادة، لكونه شكّاً في أصل التكليف، وكذا عن إيجاب
____________________
(١) في «ب»: ما بقي منه.
(٢) في «أ»: ولابد.
(٣) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٤) التهذيب: ١ / ١٩٦ - ١٩٧، ٢٠٠ باب التيمم وأحكامه.
الكافي: ٣ / ٦٤. باب الوقت الذي يوجب التيمم، مع اختلاف في الألفاظ.
(٥) التهذيب: ١ / ١٩٤، الحديث ٣٥، التيمم وأحكامه، وصفحة ١٩٩، الحديث ٥٢.
القضاء بطريق أولى، نعم لو دل دليله على أن سببه فوت الواقع، ولو لم يكن هو فريضة، كان القضاء واجباً عليه، لتحقق سببه، وإن أتى بالفرض لكنه مجرد الفرض.
المقام الثاني : في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري وعدمه.
والتحقيق: إن ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه، وكان بلسان تحقق ماهو شرطه أو شطره، كقاعدة الطهارة أو الحلية، بل واستصحابهما في وجه قوي، ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية يجرىء، فإن دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط، ومبيّناً لدائرة الشرط، وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجباً لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل، وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنه ما هو الشرط واقعاً، كما هو لسان الأمارات، فلا يجزىء، فإن دليل حجيته حيث كان بلسان أنه واجد لما هو شرطه الواقعي، فبارتفاع الجهل ينكشف أنه لم يكن كذلك، بل كان لشرطه فاقداً(١) .
هذا على ما هو الأظهر الأقوى في الطرق والأمارات، من أن حجيتها ليست بنحو السببية، وأما بناءً عليها، وأن العمل بسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو شطره، يصير حقيقة صحيحاً كأنه واجد له، مع كونه فاقده، فيجزىء لو كان الفاقد معه - في هذا الحال - كالواجد في كونه وافياً بتمام الغرض، ولا يجزىء لو لم يكن كذلك، ويجب الإتيان بالواجد لاستيفاء الباقي - إن وجب - وإلا لاستحب.
هذا مع إمكان استيفائه، وإلا فلا مجال لإتيانه، كما عرفت في الأمر الاضطراري.
____________________
(١) في «أ و ب»: فاقد.
ولا يخفى أن قضية إطلاق دليل الحجية - على هذا - هو الاجتزاء بموافقته أيضاً، هذا فيما إذا أحرز أن الحجية بنحو الكشف والطريقية، أي بنحو الموضوعية والسببية، وأما إذا شك [فيها](١) ولم يحرز أنها على أيِّ الوجهين، فأصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للإعادة في الوقت، واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليّاً في الوقت لا يجدي، ولا يثبت كون ما أتى به مسقطاً، إلّا على القول بالأصل المثبت، وقد علم اشتغال ذمته بما يشك في فراغها عنه بذلك المأتي.
وهذا بخلاف ما إذا علم أنه مأمور به واقعاً، وشك في أنه يجزىء عما هو المأمور به الواقعي الأولي، كما في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية، بناءً على أن يكون الحجية على نحو السببية، فقضية الأصل فيها - كما أشرنا إليه - عدم وجوب الإعادة؛ للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقيناً، وأصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف.
وأما القضاء فلا يجب بناء على أنه فرض جديد، وكان الفوت المعلق عليه وجوب لا يثبت بأصالة عدم الإتيان، إلا على القول بالاصل المثبت، وإلا فهو واجب، كما لا يخفى على المتأمل، فتأمل جيّداً.
ثم إن هذا كله فيما يجري في متعلق التكاليف، من الأمارات الشرعية والأصول العملية، وأما ما يجري في إثبات أصل التكليف، كما إذا قام الطريق أو الأصل على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة، فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر في زمانها، فلا وجه لإجزائها مطلقاً، غاية الأمر أن تصير صلاة الجمعة فيها - أيضاً - ذات مصلحة لذلك، ولا ينافي هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة، كما لا يخفى، إلا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد.
____________________
(١) أثبتناها من «أ».
تذنيبان:
الأول : لا ينبغي توهم الإجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطأ، فإنه لا يكون موافقة للأمر فيها، وبقي الأمر بلا موافقة أصلاً، وهو أوضح من أن يخفى، نعم ربما يكون ما قطع بكونه مأموراً به مشتملاً على المصلحة في هذا الحال، أو على مقدار منها، ولو في غير الحال، غير ممكن مع استيفائه استيفاء الباقي منها، ومعه لا يبقى مجال لامتثال الأمر الواقعي، وهكذا الحال في الطرق، فالإجزاء ليس لأجل اقتضاء امتثال الأمر القطعي أو الطريقي للإجزاء - بل إنما هو لخصوصية اتفاقية في متعلقهما، كما في الإتمام والقصر، والإخفات والجهر.
الثاني : لا يذهب عليك أن الإجزاء في بعض موارد الأصول والطرق والأمارات، على ما عرفت تفصيله، لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد، فإن الحكم الواقعي بمرتبته محفوظ فيها، فإن الحكم المشترك بين العالم والجاهل والملتفت والغافل، ليس إلا الحكم الإنشائي المدلول عليه بالخطابات المشتملة على بيان الأحكام للموضوعات بعناوينها الأولية، بحسب ما يكون فيها من المقتضيات، وهو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الأمارات، وإنما المنفي فيها ليس إلا الحكم الفعليّ البعثيّ، وهو منفي في غير موارد الإصابة، وإن لم نقل بالإجزاء، فلا فرق بين الإجزاء وعدمه، إلا في سقوط التكليف بالواقع بموافقة الأمر الظاهري، وعدم سقوطه بعد انكشاف عدم الاصابة، وسقوط التكليف بحصول غرضه، أو لعدم إمكان تحصيله غير التصويب المجمع على بطلانه، وهو خلو الواقعة عن الحكم غير ما أدت إليه الامارة، كيف؟ وكان الجهل بها - بخصوصيتها أو بحكمها - مأخوذاً في موضوعها، فلابد من أن يكون الحكم الواقعي بمرتبته محفوظاً فيها، كما لا يخفى.
فصل
في مقدمة الواجب
وقبل الخوض في المقصود، ينبغي رسم أمور:
الأول : الظاهر أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة، البحث عن الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، فتكون مسألة أصولية، لا عن نفس وجوبها، كما هو المتوهم من بعض العناوين(١) ، كي تكون فرعية، وذلك لوضوح أن البحث كذلك لا يناسب الأصولي، والاستطراد لا وجه له، بعد إمكان أن يكون البحث على وجه تكون عن المسائل الأصولية.
ثم الظاهر أيضاً أن المسألة عقلية، والكلام في استقلال العقل بالملازمة وعدمه، لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم(٢) ، حيث استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث، مضافاً إلى أنه ذكرها في مباحث الالفاظ، ضرورة(٣) أنه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ثبوتاً محل الاشكال، فلا مجال لتحرير النزاع في الإثبات والدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث، كما لا يخفى.
الأمر الثّاني : إنه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات:
منها: تقسيمها إلى [الـ] داخلية وهي الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها، والخارجية وهي الأمور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه.
____________________
(١) كما في حاشية القزوينيرحمهالله على القوانين.
وربما يتوهم من عنوان البدائع، البدائع / ٢٩٦ عند قوله أحدهما. في آخرالصفحة.
(٢) معالم الدين في الأصول / ٦١، في مقدمة الواجب.
(٣) اشارة إلى ما اورده صاحب التقريرات على صاحب المعالم مطارح الانظار / ٣٧، في مقدمة الواجب.
وربما يشكل(١) في كون الأجزاء مقدمة له وسابقة عليه، بأن المركب ليس إلا نفس الأجزاء بأسرها.
والحل: إن المقدمة هي نفس الأجزاء بالأسر، وذو المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، فيحصل المغايرة بينهما، وبذلك ظهر أنه لابد في اعتبار الجزئية أخذ الشيء بلا شرط، كما لابد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع.
وكون الأجزاء الخارجية كالهيولى والصورة، هي الماهية المأخوذة بشرط لا ينافي ذلك، فإنه إنما يكون في مقام الفرق بين نفس الأجزاء الخارجية والتحليلية، من الجنس والفصل، وأن الماهية إذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة، وإذا أخذت لا بشرط تكون جنساً أو فصلاً، لا بالإضافة إلى المركب، فافهم.
ثم لا يخفى أنه ينبغي خروج الأجزاء عن محل النزاع، كما صرح به بعض(٢) وذلك لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً، وإنما كانت المغايرة بينهما اعتباراً، فتكون واجبة بعين وجوبه، ومبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر، لامتناع اجتماع المثلين، ولو قيل بكفاية تعدد الجهة، وجواز اجتماع الأمر والنهي معه، لعدم تعددها ها هنا؛ لأن الواجب بالوجوب الغيري، لو كان إنما هو نفس الأجزاء، لا عنوان مقدميتها والتوسل بها إلى المركب المأمور به؛ ضرورة أن الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة، لأنه المتوقف عليه، لا عنوانها، نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون.
____________________
(١) هو المحقق صاحب حاشية المعالم.
(٢) وهو سلطان العلماء كما في بدائع الأفكار / ٢٩٩.
فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي والغيري، باعتبارين، فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي، وباعتبار كونه مما يتوسل به إلى الكل واجب غيري، اللهم إلا أن يريد أن فيه ملاك الوجوبين، وإن كان واجباً بوجوب واحد نفسي لسبقه، فتأمل(١) ، هذا كله في المقدمة الداخلية.
وأما المقدمة الخارجية، فهي ما كان خارجاً عن المأمور به، وكان له دخل في تحققه، لا يكاد يتحقق بدونه، وقد ذكر لها أقسام، وأُطيلَ الكلامُ في تحديدها بالنقض والابرام، إلا أنه غير مهم في المقام.
ومنها : تقسيمها إلى العقلية والشرعية والعادية:
فالعقلية هي(٢) ما استحيل واقعاً وجود ذي المقدمة بدونه.
والشرعية على ما قيل: ما استحيل وجوده بدونه شرعاً، ولكنه لا يخفى رجوع الشرعية إلى العقلية؛ ضرورة أنه لا يكاد يكون مستحيلاً ذلك شرعاً، إلا إذا أُخذ فيه شرطاً وقيداً، واستحالة المشروط والمقيد بدون شرطه وقيده، يكون عقليّاً.
وأما العادية، فإن كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة، بحيث يمكن تحقق ذيها بدونها، إلا أن العادة جرت على الإتيان به بواسطتها، فهي وإن كانت غير راجعة إلى العقلية، إلا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل
____________________
(١) وجهه: إنه لا يكون فيه أيضاً ملاك الوجوب الغيري، حيث أنه لا وجود له غير وجوده في ضمن الكل يتوقف على وجوده، وبدونه لا وجه لكونه مقدمة، كي يجب بوجوبه أصلاً، كما لا يخفى. وبالجملة: لا يكاد يجدي تعدد الاعتبار الموجب للمغايرة بين الأجزاء والكل في هذا الباب، وحصول ملاك وجوب الغيري المترشح من وجوب ذي المقدمة عليها، لو قيل بوجوبها، فافهم (منهقدسسره ).
(٢) في «أ و ب» فهي.
النزاع، وإن كانت بمعنى أن التوقف عليها وإن كان فعلاً واقعياً، كنصب السلم ونحوه للصعود على السطح، إلا أنه لاجل عدم التمكن من الطيران الممكن عقلاً فهي أيضاً راجعة إلى العقلية؛ ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلاً لغير الطائر فعلاً، وإن كان طيرانه ممكناً ذاتاً، فافهم.
ومنها : تقسيمها إلى مقدمة الوجود، ومقدمة الصحة، ومقدمة الوجوب، ومقدمة العلم.
لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود، ولو على القول بكون الأسامي موضوعة للأعم؛ ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب، لا في مقدمة المسمى بأحدها، كما لا يخفى.
ولا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع، وبداهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها، وكذلك المقدمة العلمية، وإن استقل العقل بوجوبها، إلا أنه من باب وجوب الإطاعة إرشاداً ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز، لا مولويّاً من باب الملازمة، وترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذي المقدمة.
ومنها : تقسيمها إلى المتقدم، والمقارن، والمتأخر، بحسب الوجود بالإضافة إلى ذي المقدمة، وحيث أنها كانت من أجزاء العلة، ولا بد من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول أشكل الأمر في المقدمة المتأخرة، كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض، والاجازة في صحة العقد على الكشف كذلك، بل في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زماناً المتصرم حينه، كالعقد في الوصية والصرف والسلم، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه، لتصرمها حين تأثيره، مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زماناً، فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصاً بالشرط المتأخر في
الشرعيات - كما اشتهر في الألسنة - بل يعم الشرط والمقتضي المتقدِّمين المتصرِّمين حين الأثر.
والتحقيق في رفع هذا الإشكال أن يقال: إن الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها، لا يخلو إما [أن] يكون المتقدم أو المتأخر شرطاً للتكليف، أو الوضع، أو المأمور به.
أما الأول : فكون أحدهما شرطاً له، ليس إلا أن للحاظه دخلاً في تكليف الامر، كالشرط المقارن بعينه، فكما أن اشتراطه بما يقارنه ليس إلا أن لتصوره دخلاً في أمره، بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدم أو المتأخر.
وبالجملة: حيث كان الأمر من الأفعال الاختيارية، كان من مبادئه بما هو كذلك تصوِّر الشيء بأطرافه، ليرغب في طلبه والأمر به، بحيث لولاه لما رغب فيه ولما أراده واختاره، فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه وإرادته شرطاً، لأجل دخل لحاظه في حصوله، كان مقارناً له أو لم يكن كذلك، متقدماً أو متأخراً، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطاً، كان فيهما كذلك، فلا إشكال، وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً ولو كان مقارناً، فإن دخل شيء في الحكم به وصحة انتزاعه لدى الحاكم به، ليس إلا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه، وبدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده، فيكون دخل كل من المقارن وغيره بتصوره ولحاظه وهو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن؟ فتأمل تعرف.
وأما الثاني : فكون شيء شرطاً للمأمور به ليس إلا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه وعنوان، به يكون حسناً أو متعلقاً للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك، واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات، مما لا شبهة فيه ولا شك يعتريه، والإضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت أصلاً، كما لا يخفى على المتأمل، فكما تكون إضافة شيء إلى مقارن له موجباً لكونه
معنوناً بعنوان، يكون بذلك العنوان حسناً و متعلقاً للغرض، كذلك إضافته إلى متأخر أو متقدم، بداهة أن الاضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضاً، فلو لا حدوث المتأخر في محله، لما كانت للمتقدم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والأمر به، كما هو الحال في المقارن أيضاً، ولذلك أطلق عليه الشرط مثله، بلا انخرام للقاعدة أصلاً؛ لان المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس إلا طرف الإضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن، وقد حقق في محله أنه بالوجوه والإعتبارات، ومن الواضح أنها تكون بالإضافات.
فمنشأ توهم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخر، وقد عرفت أن إطلاقه عليه فيه، كإطلاقه على المقارن، إنما يكون لأجل كونه طرفاً للإضافة الموجبة للوجه، الذي يكون بذاك الوجه مرغوباً ومطلوباً، كما كان في الحكم لأجل دخل تصوره فيه، كدخل تصور سائر الأطراف والحدود، التي لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف، أو لما صح عنده الوضع.
وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإشكال، في بعض فوائدنا(١) ، ولم يسبقني إليه أحد فيما أعلم، فافهم واغتنم.
ولا يخفى أنها بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع، وبناء على الملازمة يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة، ويكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعىً بإتيانه، فلولا اغتسالها في الليل - على القول بالاشتراط - لما صح الصوم في اليوم.
الأمر الثالث : في تقسيمات الواجب
منها : تقسيمه إلى المطلق والمشروط، وقد ذكر لكل منهما تعريفات
____________________
(١) تعليقة المصنّف على فرائد الأصول، كتاب الفوائد / ٣٠٢، فائدة في تقدم الشرط على المشروط.
وحدود، تختلف بحسب ما أُخذ فيها من القيود، وربما أُطيل الكلام بالنقض والإبرام(١) في النقض على الطرد والعكس، مع أنها - كما لا يخفى - تعريفات لفظية لشرح الاسم، وليست بالحد ولا بالرسم، والظاهر أنه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط، بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي، كما أن الظاهر أن وصفي الإطلاق والاشتراط، وصفان إضافيان لا حقيقيان، وإلا لم يكد يوجد واجب مطلق، ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الأمور، لا أقل من الشرائط العامة، كالبلوغ والعقل.
فالحريّ أن يقال: إن الواجب مع كل شيء يلاحظ معه، إن كان وجوبه غير مشروط به، فهو مطلق بالإضافة إليه، وإلا فمشروط كذلك، وإن كانا بالقياس إلى شيء آخر كانا بالعكس.
ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه، أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقة، ولا طلب واقعاً قبل حصول الشرط، كما هو ظاهر الخطاب التعليقي؛ ضرورة أن ظاهر خطاب (إن جاءك زيد فأكرمه) كون الشرط من قيود الهيئة، وأن طلب الإكرام وإيجابه معلق على المجيء، لا أن الواجب فيه يكون مقيداً به، بحيث يكون الطلب والإيجاب في الخطاب فعليّاً ومطلقاً، وإنما الواجب يكون خاصاً ومقيداً، وهو الإكرام على تقدير المجيء، فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة(٢) أعلى الله مقامه، مدعياً لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٤٣، الفصول / ٧٩، هداية المسترشدين / ١٩٢، قوانين الأصول ١ / ١٠٠، البدائع/٣٠٤.
(٢) مطارح الأنظار / ٤٥ - ٤٦ و ٥٢، في مقدمة الواجب.
هو الشيخ مرتضى بن محمد امين الدزفولي الانصاري النجفي، ولد في دزفول ١٢١٤، قرأ أوائل أمره على عمه الشيخ حسين ثم خرج مع والده إلى زيارة مشاهد العراق وهو في العشرين من عمره، بقي في كربلاء آخذاً عن الاستاذين السيد محمد مجاهد وشريف العلماء أربع =
واقعاً، ولزوم كونه من قيود المادة لبّاً، مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية أنه من قيود الهيئة ظاهراً.
أما امتناع كونه من قيود الهيئة، فلانه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة، حتى يصح القول بتقييده بشرط ونحوه، فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الذي يدل عليه الهيئة، فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة.
وأما لزوم كونه من قيود المادة لبّاً، فلأن العاقل إذا توجه إلى شيء والتفت إليه، فإمّا أن يتعلق طلبه به، أو لا يتعلق به طلبه أصلاً، لا كلام على الثاني.
وعلى الأوّل: فإما أن يكون ذاك الشيء مورداً لطلبه وأمره مطلقاً على اختلاف طوارئه، أو على تقدير خاص، وذلك التقدير، تارة يكون من الأمور الاختيارية، وأُخرى لا يكون كذلك، وماكان من الأمور الاختيارية، قد يكون مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف، وقد لا يكون كذلك، على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، والقول بعدم التبعية، كما لا يخفى، هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل(١) المقرر لبحثه بأدنى تفاوت، ولا يخفى ما فيه.
____________________
= سنوات، ثم عاد إلى وطنه، ثم رجع إلى العراق واخذ من الشيخ موسى الجعفري سنتين، عزم زيارة مشهد خراسان ماراً في طريقه على كاشان، فاز بلقاء استاذه النراقي مما دعاه إلى الاقامة فيها نحو ثلاث سنين، ورد دزفول سنة ١٢١٤ ثم عاد إلى النجف الاشرف سنة ١٢٤٩ فاختلف إلى مدرسة الشيخ علي بن الشيخ جعفر، ثم انتقل بالتدريس والتاليف، ووضع اساس علم الاصول الحديث، تخرج عليه الميرزا الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي وغيرهما له مؤلفات منها «الرسائل» في الاصول و «المكاسب» انتهت اليه رئاسة الامامية. توفي في ١٨ جمادي الاخرة سنة ١٢٨١ ودفن في المشهد الغروي (اعيان الشيعة ١٠ / ١١٧).
(١) هو العلامة الميرزا أبوالقاسم النوريرحمهالله، على ما في مطارح الأنظار، كما تقدم آنفاً.
أما حديث عدم الإطلاق في مفاد الهيئة، فقد حققناه سابقاً(١) ، إن كل واحد من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عاماً كوضعها، وإنما الخصوصية من قبل الاستعمال كالأسماء، وإنما الفرق بينهما أنها وضعت لتستعمل وقصد بها معانيها بما هي آلة وحالة لمعاني المتعلقات، فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى، بل من مشخصات الاستعمال، كما لا يخفى على أولي الدراية والنهى.
فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق، قابل لأن يقيد، مع أنه لو سلم أنه فرد، فانما يمنع عن التقيد لو أنشئ أوّلاً غير مقيد، لا ما إذا أنشئ من الأول مقيداً، غاية الأمر قد دل عليه بدالين، وهو غير إنشائه أولاً ثم تقييده ثانياً، فافهم.
فإن قلت: على ذلك، يلزم تفكيك الإنشاء من المنشأ، حيث لا طلب قبل حصول الشرط.
قلت: المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله، فلابد أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث، وإلا لتخلف عن إنشائه، وإنشاء أمر على تقدير كالإخبار به بمكان من الإمكان، كما يشهد به الوجدان، فتأمل جيداً.
وأما حديث(٢) لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبّاً ففيه: إن الشيء إذا توجه إليه، وكان موافقاً للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها، كما يمكن أن يبعث فعلاً إليه ويطلبه حالاً؛ لعدم مانع عن طلبه كذلك، يمكن أن يبعث إليه معلقاً، ويطلبه استقبالاً على تقدير شرط متوقّع الحصول لأجل مانع عن الطلب
____________________
(١) راجع صفحة ١١ و ١٢ من هذا الكتاب، الأمر الثاني في تعريف الوضع.
(٢) هذه هي الدعوى الإيجابية التي ادعاها الشيخ (قده)، من رجوع الشرط إلى المادة لباً. مطارح الأنظار /٥٢، في مقدمة الواجب.
والبعث فعلاً قبل حصوله، فلا يصح منه إلا الطلب والبعث معلقاً بحصوله، لا مطلقاً ولو متعلقاً بذاك على التقدير، فيصح منه طلب الإكرام بعد مجيء زيد، ولا يصح منه الطلب المطلق الحالي للإكرام المقيد بالمجيء، هذا بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح.
وأما بناء على تبعيتها للمصالح والمفاسد في المأمور به، والمنهي عنه فكذلك؛ ضرورة أن التبعية كذلك، إنما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية، لا بما هي فعلية، فإن المنع عن فعلية تلك الأحكام غير عزيز، كما في موارد الأصول والأمارات على خلافها، وفي بعض الأحكام في أول البعثة، بل إلى يوم قيام القائم عجل الله فرجه، مع أن حلال محمدصلىاللهعليهوآله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ومع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الأحكام باقياً مرّ الليالي والأيام، إلى أن تطلع شمس الهداية ويرتفع(١) الظلام، كما يظهر من الأخبار المروية(٢) عن الأئمةعليهمالسلام .
فان قلت: فما فائدة الانشاء؟ إذا لم يكن المنشأ به طلباً فعلياً، وبعثاً حالياً.
قلت: كفى فائدة له أنه يصير بعثاً فعليّاً بعد حصول الشرط، بلا حاجة إلى خطاب آخر، بحيث لولاه لما كان فعلاً متمكناً من الخطاب، هذا مع شمول الخطاب كذلك للإيجاب فعلاً بالنسبة إلى الواجد للشرط، فيكون بعثاً فعليّاً بالإضافة إليه، وتقديريّاً بالنسبة إلى الفاقد له، فافهم وتأمل جيّداً.
____________________
(١) في «ب»: (وارتفع الظلام).
(٢) الكافي: ١، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقاييس الحديث ١٩.
الكافي: ٢ كتاب الإيمان والكفر، باب الشرائع، الحديث ٢ مع اختلاف يسير.
ثم الظاهر دخول المقدّمات الوجودية للواجب المشروط، في محل النزاع(١) أيضاً، فلا وجه لتخصيصه بمقدّمات الواجب المطلق، غاية الأمر تكون في الإطلاق والاشتراط تابعة لذي المقدمة كأصل الوجوب بناءً على وجوبها من باب الملازمة.
وأما الشرط المعلق عليه الإيجاب في ظاهر الخطاب، فخروجه مما لا شبهة فيه، ولا ارتياب:
أما على ما هو ظاهر المشهور والمتصور، لكونه مقدمة وجوبية.
وأما على المختار لشيخنا العلامة(٢) - أعلى الله مقامه - فلانه وإن كان من المقدمات الوجودية للواجب، إلا أنه أخذ على نحو لا يكاد يترشح عليه الوجوب منه، فانه جعل الشيء واجباً على تقدير حصول ذاك الشرط، فمعه كيف يترشح عليه الوجوب ويتعلق به الطلب؟ وهل هو إلا طلب الحاصل؟ نعم على مختاره -قدسسره - لو كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها وجوبه، لتعلق بها الطلب في الحال على تقدير اتفاق وجود الشرط في الاستقبال، وذلك لأن إيجاب ذي المقدمة على ذلك حالي، والواجب إنما هو استقباليّ، كما يأتي في الواجب المعلق(٣) ، فإن الواجب المشروط على مختاره، هو بعينه ما اصطلح عليه صاحب الفصول(٤) من المعلق، فلا تغفل.
هذا في غير المعرفة والتعلم من المقدمات، وأما المعرفة، فلا يبعد القول بوجوبها، حتى في الواجب المشروط - بالمعنى المختار - قبل حصول شرطه، لكنه لا بالملازمة، بل من باب استقلال العقل بتنجز الأحكام على الأنام بمجرد قيام
____________________
(١) كما في مطارح الأنظار / ٤٤.
(٢) من رجوع الشرط إلى المادة لبّاً، مطارح الأنظار / ٤٥ - ٤٦ و ٥٢، في مقدمة الواجب.
(٣) سيأتي في الصفحة ١٠٣ من هذا الكتاب، عند قوله: وربما أشكل...الخ.
(٤) الفصول / ٧٩ في آخر الصفحة.
احتمالها، إلا مع الفحص واليأس عن الظفر بالدليل على التكليف، فيستقل بعده بالبراءة، وإن العقوبة على المخالفة بلا حجة وبيان، والمؤاخذة عليها بلا برهان، فافهم.
تذنيب : لا يخفى أن إطلاق الواجب على الواجب المشروط، بلحاظ حال حصول الشرط على الحقيقة مطلقاً، وأمّا بلحاظ حال قبل حصوله فكذلك على الحقيقة على مختاره(١) -قدسسره - في الواجب المشروط؛ لأن الواجب وإن كان أمراً استقباليّاً عليه، إلا أن تلبّسه بالوجوب في الحال، ومجاز على المختار، حيث لا تلبّس بالوجوب عليه قبله، كما عن البهائي(٢) رحمهالله تصريحه بأن لفظ الواجب مجاز في المشروط، بعلاقة الأوْل أو المشارفة.
وأما الصيغة مع الشرط، فهي حقيقة على كل حال لاستعمالها على مختاره(٣) -قدسسره - في الطلب المطلق، وعلى المختار في الطلب المقيد، على نحو تعدد الدالّ والمدلول، كما هو الحال فيما إذا أريد منها المطلق المقابل للمقيد، لا المبهم المقسم، فافهم.
ومنها : تقسيمه إلى المعلق والمنجز، قال في الفصول(٤) : إنه ينقسم
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٤٥ - ٤٦ و ٥٢ في مقدمة الواجب.
(٢) زبدة الأصول / ٤٦ مخطوط.
هو بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبدالصمد الجبعي العاملي، ولد في بعلبك عام ٩٥٣ ه، انتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجمية، أخذ عن والده وغيره من الجهابذة، ولي بها شيخ الإسلام، ثم أخذ في السياحة ثلاثين سنة، واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل، ثم عاد وقطن بأرض العجم، له كتب كثيرة منها «الحبل المتين» و «الزبدة» في الأصول و «حاشية الشرح العضدي على مختصر الأصول» وغيرها، له شعر كثير بالعربية والفارسية. قال تلميذه العلّامة المولى محمد تقي المجلسي: ما رأيت بكثرة علومه ووفور فضله وعلوّ مرتبته أحداً، توفي سنة ١٠٣١. (أمل الآمل ١/١٥٥ رقم ١٥٨).
(٣) راجع المصدر المتقدم في هامش رقم (١).
(٤) الفصول / ٧٩ آخر الصفحة.
باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف، ولا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له، كالمعرفة، ولْيُسمَّ منجّزاً، وإلى ما يتعلق وجوبه به، ويتوقف حصوله على أمر غير مقدور له، ولْيُسمَّ معلّقاً كالحج، فإن وجوبه يتعلق بالمكلف من أول زمن الاستطاعة، أو خروج الرفقة، ويتوقف فعله على مجيء وقته، وهو غير مقدور له، والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أن التوقف هناك للوجوب، وهنا للفعل. انتهى كلامه رفع مقامه.
لا يخفى أن شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى، وجعل الشرط لزوماً من قيود المادة ثبوتاً وإثباتاً، حيث ادعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك، أي إثباتاً وثبوتاً، على خلاف القواعد العربية وظاهر المشهور، كما يشهد به ما تقدم آنفاً عن البهائي، أنكر(١) على الفصول هذا التقسيم، ضرورة أن المعلق بما فسره، يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك، كما هو واضح، حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر معقول، كان هو المعلق المقابل للمشروط.
ومن ها انقدح أنه في الحقيقة إنما أنكر الواجب المشروط، بالمعنى الذي يكون هو ظاهر المشهور، والقواعد العربية، لا الواجب المعلق بالتفسير المذكور.
وحيث قد عرفت - بما لا مزيد عليه - امكان رجوع الشرط إلى الهيئة، كما هو ظاهر المشهور وظاهر القواعد، فلا يكون مجال لإنكاره عليه.
نعم يمكن أن يقال: إنه لا وقع لهذا التقسيم؛ لأنه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط وخصوصية(٢) كونه حاليّاً أو استقباليّاً لا توجبه ما لم
____________________
(١) مطارح الأنظار ٥١ - ٥٢. في الهداية ٦ من القول في وجوب مقدمة الواجب.
(٢) وفي «ب»: خصوصيته.
توجب الاختلاف في المهم، وإلا لكثر تقسيماته لكثرة الخصوصيات، ولا اختلاف فيه، فإن ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلاً - كما يأتي - إنما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليّته، لا من استقباليّة الواجب، فافهم.
ثم إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر(١) من أهل العصر إشكال في الواجب المعلق، وهو أن الطلب والإيجاب، إنما يكون بأزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد، فكما لا تكاد تكون الإرادة منفكة عن المراد، فليكن الإيجاب غير منفك عما يتعلق به، فكيف يتعلق بأمر استقبالي؟ فلا يكاد يصح الطلب والبعث فعلاً نحو أمر متأخر.
قلت: فيه أن الإرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي، كما تتعلق بأمر حالي، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلاً عن فاضل؛ ضرورة أن تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات - فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المؤونة - ليس إلا لأجل تعلق إرادته به، وكونه مريداً له قاصداً إياه، لا يكاد يحمله على التحمل إلا ذلك، ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكد المحرِّك للعضلات نحو المراد، وتوهم أن تحريكها نحو المتأخر مما لا يكاد، وقد غفل عن أن كونه(٢) محركاً نحوه يختلف حسب اختلافه، في كونه مما لا مؤونة له كحركة نفس العضلات، أو مما له مؤونة ومقدمات قليلة أو كثيرة، فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له، والجامع أن يكون نحو المقصود، بل مرادهم من هذا الوصف - في تعريف الارادة - بيان مرتبة الشوق الذي يكون هو الإرادة، وإن لم يكن هناك فعلاً تحريك؛ لكون المراد وما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمراً استقبالياً غير محتاج إلى تهيئة مؤونة أو تمهيد مقدمة، ضرورة أن شوقه إليه ربما يكون أشد من الشوق
____________________
(١) هو المحقق النهاوندي، تشريح الاصول.
(٢) والصحيح «كونها».
المحرّك فعلاً نحو أمر حالي أو استقبالي، محتاج إلى ذلك.
هذا مع أنه لا يكاد يتعلق البعث إلا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أن البعث إنما يكون لإحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به، بأن يتصوره بما يترتب عليه من المثوبة، وعلى تركه من العقوبة، ولا يكاد يكون هذا إلا بعد البعث بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان، ولا يتفاوت طوله وقصره، فيما هو ملاك الاستحالة والإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب، ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه، والإطناب إنما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلاب.
وربما أشكل على المعلق أيضاً، بعدم القدرة على المكلف به في حال البعث، مع أنها من الشرائط العامة.
وفيه: إن الشرط إنما هو القدرة على الواجب في زمانه، لا في زمان الإيجاب والتكليف، غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخر، وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه كالمقارن، من غير انخرام للقاعدة العقلية أصلاً، فراجع.
ثم لا وجه لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخِّر، أُخذ على نحو يكون مورداً للتكليف، ويترشح عليه الوجوب من الواجب، أو لا، لعدم تفاوت فيما يهمّه من وجوب تحصيل المقدمات التي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب المعلّق، دون المشروط، لثبوت الوجوب الحالي فيه، فيترشح منه الوجوب على المقدمة، بناء على الملازمة، دونه لعدم ثبوته فيه إلا بعد الشرط.
نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر، وفرض وجوده، كان الوجوب المشروط به حاليّاً أيضاً، فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضاً حاليّاً، وليس الفرق بينه وبين المعلّق حينئذ إلّا كونه مرتبطاً
بالشرط، بخلافه، وإن ارتبط به الواجب.
تنبيه : قد انقدح - من مطاوي ما ذكرناه - أن المناط في فعلية وجوب المقدمة الوجودية، وكونه في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها، هو فعلية وجوب ذيها، ولو كان أمراً استقباليّاً، كالصوم في الغد والمناسك في الموسم، كان وجوبه مشروطاً بشرط موجود أُخذ فيه ولو متأخراً، أو مطلقاً، منجزاً كان أو معلقاً، فيما إذا لم تكن مقدمة للوجوب أيضاً، أو مأخوذة في الواجب على نحو يستحيل أن تكون مورداً للتكليف، كما إذا أُخذ عنواناً للمكلف، كالمسافر والحاضر والمستطيع إلى غير ذلك، أو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله، وتقدير وجوده - بلا اختيار أو باختياره - مورداً للتكليف؛ ضرورة أنه لو كان مقدمة الوجوب أيضاً، لا يكاد يكون هناك وجوب إلا بعد حصوله، وبعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل، كما أنه إذا أخذ على أحد النحوين يكون كذلك، فلو لم يحصل لما كان الفعل مورداً للتكليف، ومع حصوله لا يكاد يصح تعلقه به، فافهم.
إذا عرفت ذلك، فقد عرفت أنه لا إشكال أصلاً في لزوم الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب، إذا لم يقدر عليه بعد زمانه، فيما كان وجوبه حاليّاً مطلقاً، ولو كان مشروطاً بشرط متأخر، كان معلوم الوجود فيما بعد، كما لا يخفى، ضرورة فعلية وجوبه وتنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته، فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة، ولا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، وإنما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به، بل لزوم الإتيان بها عقلاً، ولو لم نقل بالملازمة، لا يحتاج إلى مزيد بيان ومؤونة برهان، كالإتيان بسائر المقدمات في زمان الواجب قبل إتيانه.
فانقدح بذلك: أنه لا ينحصر التفصي عن هذه العويصة بالتعلق بالتعليق، أو بما يرجع إليه، من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط.
فانقدح بذلك: أنه لا إشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب، كالغسل في الليل في شهر رمضان وغيره مما وجب عليه الصوم في الغد، إذ يكشف به بطريق الإنّ عن سبق وجوب الواجب، و إنما المتأخر هو زمان إتيانه، ولا محذور فيه أصلاً، ولو فرض العلم بعدم سبقه، لاستحال اتصاف مقدمته بالوجوب الغيري، فلو نهض دليل على وجوبها، فلا محالة يكون وجوبها نفسيّاً [ولو](١) تهيؤاً، ليتهيّأ بإتيانها، ويستعد لإيجاب ذي المقدمة عليه، فلا محذور أيضاً.
إن قلت: لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفاً عن سبق وجوب ذي المقدمة لزم وجوب جميع مقدماته ولو موسّعاً، وليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم تمكنه منها لو لم يبادر.
قلت: لا محيص عنه، إلا إذا أخذ في الواجب من قبل سائر المقدمات قدرة خاصة، وهي القدرة عليه بعد مجيء زمانه، لا القدرة عليه في زمانه من زمان وجوبه، فتدبر جداً.
تتمة : قد عرفت اختلاف القيود في وجوب التحصيل، وكونه مورداً للتكليف وعدمه، فإن علم حال قيد فلا إشكال، وإن دار أمره ثبوتاً بين أن يكون راجعاً إلى الهيئة، نحو الشرط المتأخر أو المقارن، وأن يكون راجعاً إلى المادة على نهج يجب تحصيله أولا يجب، فإن كان في مقام الإثبات ما يعين حاله، وأنه راجع إلى أيهما من القواعد العربية فهو، وإلا فالمرجع هو الأصول العملية.
وربما قيل(٢) في الدوران بين الرجوع إلى الهيئة أو المادة، بترجيح الإطلاق في طرف الهيئة، وتقييد المادة، بوجهين:
____________________
(١) أثبتناها من «أ».
(٢) راجع مطارح الأنظار / ٤٩ الهداية ٥ من القول بوجوب المقدمة، في الوجه الخامس.
أحدهما : إن إطلاق الهيئة يكون شمولياً، كما في شمول العام لأفراده، فإن وجوب الإكرام على تقدير الإطلاق، يشمل جميع التقادير التي يمكن أن يكون تقديراً له، وإطلاق المادة يكون بدلياً غير شامل لفردين في حالة واحدة.
ثانيهما : إن تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الإطلاق في المادة ويرتفع به مورده، بخلاف العكس، وكلما دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى.
أما الصغرى، فلاجل أنه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة وبيان لإطلاق المادة، لأنها لا محالة لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة، بخلاف تقييد المادة، فإن محل الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه.
وأما الكبرى، فلأن التقييد وإن لم يكن مجازاً إلا أنه خلاف الأصل، ولا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق، وبين أن يعمل عملاً يشترك مع التقييد في الأثر، وبطلان العمل به.
وما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقررِّي بحث الأستاذ العلامة أعلى الله مقامه، و أنت خبير بما فيهما.
أما في الأول: فلأن مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شمولياً بخلاف المادة، إلا أنه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها، لأنه أيضاً كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة، غاية الأمر أنه تارة يقتضي العموم الشمولي، وأخرى البدلي، كما ربما يقتضي التعيين أحياناً، كما لا يخفى.
وترجيح عموم العام على إطلاق المطلق إنما هو لأجل كون دلالته بالوضع، لا لكونه شمولياً، بخلاف المطلق فإنه بالحكمة، فيكون العام أظهر منه، فيقدّم عليه، فلو فرض أنهما في ذلك على العكس، فكان عام بالوضع دلّ على العموم البدلي، ومطلق بإطلاقه دلّ على الشمول، لكان العام
يقدم بلا كلام.
وأما في الثاني: فلأن التقييد وإن كان خلاف الأصل، إلا أن العمل الي يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة، وانتفاء بعض مقدماته، لا يكون على خلاف الأصل أصلاً، إذ معه لا يكون هناك إطلاق، كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثل التقييد الذي يكون على خلاف الأصل.
وبالجملة لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل، إلا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة، ومع انتفاء المقدمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور، كان ذاك العمل المشارك مع التقييد في الأثر، وبطلان العمل بإطلاق المطلق، مشاركاً معه في خلاف الأصل أيضاً.
وكأنه توهم: أن إطلاق المطلق كعموم العام ثابت، ورفع اليد عن العمل به، تارة لأجل التقييد، وأخرى بالعمل المبطل للعمل به، وهو فاسد، لأنه لا يكون إطلاق إلا فيما جرت هناك المقدمات.
نعم إذا كان التقييد بمنفصل، ودار الأمر بين الرجوع إلى المادة أو الهيئة كان لهذا التوهّم مجال، حيث انعقد للمطلق إطلاق، وقد استقر له ظهور ولو بقرينة الحكمة، فتامل.
ومنها : تقسيمه إلى النفسي والغيري، وحيث كان طلب شيء وإيجابه لا يكاد يكون بلا داع، فإن كان الداعي فيه هو التوصل به إلى واجب، لا يكاد [يمكن] التوصّل بدونه إليه، لتوقفه عليه، فالواجب غيريّ، وإلا فهو نفسيّ، سواء كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه، كالمعرفة بالله، أو محبوبيّته بما له من فائدة مترتبة عليه، كأكثر الواجبات من العبادات والتوصليات.
هذا، لكنه لا يخفى أن الداعي لو كان هو محبوبيته كذلك - أي بما له من الفائدة المترتبة عليه - كان الواجب في الحقيقة واجباً غيرياً، فإنه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازماً، لما دعي إلى إيجاب ذي الفائدة.
فإن قلت: نعم وإن كان وجودها محبوباً لزوماً، إلا أنه حيث كانت من الخواصِّ المترتبة على الأفعال التي ليست داخلة تحت قدرة المكلف، لما كاد يتعلق بها الإيجاب.
قلت: بل هي داخلة تحت القدرة، لدخول أسبابها تحتها، والقدرة على السبب قدرة على المسبب، وهو واضح، وإلا لما صحّ وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق.. إلى غير ذلك من المسببات، مورداً لحكم من الأحكام التكليفية.
فالأولى أن يقال: إن الأثر المترتب عليه وإن كان لازماً، إلا أن ذا الأثر لما كان معنوناً بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله، بل ويذم تاركه، صار متعلقاً للإيجاب بما هو كذلك، ولا ينافيه كونه مقدمة لأمر مطلوب واقعاً، بخلاف الواجب الغيري، لتمحض وجوبه في أنه لكونه مقدمة لواجب نفسي، وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه، إلا أنه لا دخل له في إيجابه الغيري، ولعله مراد من فسرهما بما أمر به لنفسه، وما أمر به لأجل غيره، فلا يتوجه عليه بأنّ جلّ الواجبات - لو لا الكل - يلزم أن يكون من الواجبات الغيريّة، فإن المطلوب النفسي قلّ ما يوجد في الأوامر، فإن جلها مطلوبات لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها، فتأمل.
ثم إنه لا إشكال فيما إذا علم بأحد القسمين، وأما إذا شك في واجب أنه نفسي أو غيري، فالتحقيق أن الهيئة، وإن كانت موضوعة لما يعمّهما، إلا أن إطلاقها يقتضي كونه نفسياً، فإنه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلم الحكيم.
وأما ما قيل(١) من أنه لا وجه للاستناد إلى إطلاق الهيئة، لدفع الشك
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٦٧ في الهداية ١١ من القول بوجوب المقدمة.
المذكور، بعد كون مفادها الأفراد التي لا يعقل فيها التقييد، نعم لو كان مفاد الأمر هو مفهوم الطلب، صح القول بالإطلاق، لكنه بمراحل من الواقع، إذ لا شك في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الأمر، ولا يعقل اتصاف المطلوب بالمطلوبية بواسطة مفهوم الطلب، فإن الفعل يصير مراداً بواسطة تعلق واقع الارادة وحقيقتها، لا بواسطة مفهومها، وذلك واضح لا يعتريه ريب.
ففيه: إن مفاد الهيئة - كما مرت الإشارة إليه - ليس الأفراد، بل هو مفهوم الطلب، كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف(١) ، ولا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقي، والذي يكون بالحمل الشائع طلباً، وإلا لما صح إنشاؤه بها؛ ضرورة أنه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة.
نعم ربما يكون هو السبب لإنشائه، كما يكون غيره أحياناً.
واتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية والإرادة الحقيقية - الداعية إلى إيقاع طلبه، وإنشاء إرادته بعثاً نحو مطلوبه الحقيقي وتحريكا إلى مراده الواقعي - لا ينافي اتصافه بالطلب الإنشائي أيضاً، والوجود الإنشائي لكل شيء ليس إلا قصد حصول مفهومه بلفظه، كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن، بل كان إنشاؤه بسبب آخر.
ولعل منشأ الخلط والاشتباه تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق، فتوهم منه أن مفاد الصيغة يكون طلباً حقيقياً، يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع، ولعمري إنه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق، فالطلب الحقيقي إذا لم يكن قابلاً للتقييد لا يقتضي أن لا يكون مفاد الهيئة قابلاً له، وإن تعارف تسميته بالطلب أيضاً، وعدم تقييده بالإنشائي لوضوح إرادة
____________________
(١) باعتبار أن الهيئة ملحقة بالحروف، راجع صفحة ١١ من هذا الكتاب.
خصوصه، وإن الطلب الحقيقي لا يكاد ينشأ بها، كما لا يخفى.
فانقدح بذلك صحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط، كما مرّ هاهنا بعض الكلام، وقد تقدم(١) في مسألة اتحاد الطلب والإرادة ما يُجدي [في] المقام.
هذا إذا كان هناك إطلاق، وأما إذا لم يكن، فلابد من الإتيان به فيما إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطاً له فعليّاً، للعلم بوجوبه فعلاً، وإن لم يعلم جهة وجوبه، وإلا فلا، لصيرورة الشك فيه بدوياً، كما لا يخفى.
تذنيبان
الأول : لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي وموافقته، واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلاً، وأما استحقاقهما على امتثال الغيري ومخالفته، ففيه إشكال، وإن كان التحقيق عدم الاستحقاق على موافقته ومخالفته، بما هو موافقة ومخالفة؛ ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلا لعقاب واحد، أو لثواب كذلك، فيما خالف الواجب ولم يأت بواحدة من مقدماته على كثرتها، أو وافقه وأتاه بما له من المقدمات.
نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة، وبزيادة المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدمات بما هي مقدمات له، من باب أنه يصير حينئذ من أفضل الأعمال، حيث صار أشقّها، وعليه ينزّل ما ورد في الأخبار(٢) من الثواب على المقدمات، أو على التفضل فتأمل جيّداً، وذلك لبداهة أن موافقة الأمر الغيري - بما هو أمر لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسي - لا توجب قرباً، ولا مخالفته - بما هو كذلك - بُعداً، والمثوبة والعقوبة إنما تكونان من تبعات القرب والبعد.
____________________
(١) راجع صفحة ٦٤ من الكتاب، الجهة الرابعة (في بحث الطلب والإرادة).
(٢) كامل الزيارات / ١٣٣، فيما ورد في زيارة أبي عبدالله، من أنه لكلّ قدم ثواب كذا.
إشكال ودفع:
أما الأول : فهو أنه إذا كان الأمر الغيري بما هو لا إطاعة له، ولا قرب في موافقته، ولا مثوبة على امتثاله، فكيف حال بعض المقدمات؟ كالطهارات، حيث لا شبهة في حصول الإطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمرها، هذا مضافاً إلى أن الأمر الغيري لا شبهة في كونه توصلياً، وقد اعتبر في صحتها إتيانها بقصد القربة.
وأما الثاني : فالتحقيق أن يقال: إن المقدمة فيها بنفسها مستحبة وعبادة، وغاياتها إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات، فلا بد أن يؤتى بها عبادة، وإلا فلم يؤت بما هو مقدمة لها، فقصد القربة فيها إنما هو لأجل كونها في نفسها أموراً عبادية ومستحبات نفيسة، لا لكونها مطلوبات غيرية والاكتفاء بقصد أمرها الغيري، فإنما هو لأجل أنه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه حيث أنه لا يدعو إلا إلى ما هو المقدمة، فافهم.
وقد تُفُصّي عن الإشكال بوجهين آخرين(١) :
أحدهما ما ملخصه : إن الحركات الخاصة ربما لا تكون محصلة لما هو المقصود منها، من العنوان الذي يكون بذاك العنوان مقدمة وموقوفاً عليها، فلا بد في إتيانها بذاك العنوان من قصد أمرها، لكونه لا يدعو إلا إلى ما هو الموقوف عليه، فيكون عنواناً إجمالياً ومرآة لها، فإتيان الطهارات عبادة وإطاعة لأمرها ليس لأجل أن أمرها المقدمي يقضي بالإتيان كذلك، بل إنما كان لأجل إحراز نفس العنوان، الذي يكون بذاك العنوان موقوفا عليها.
وفيه: مضافاً إلى أن ذلك لا يقتضي الإتيان بها كذلك، لا مكان الإشارة إلى عناوينها التي تكون بتلك العناوين موقوفاً عليها بنحو آخر، ولو
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٧١ في تنبيهات الهداية ١٢ من القول في وجوب مقدمة الواجب.
بقصد أمرها وصفاً لا غاية وداعياً، بل كان الداعي إلى هذه الحركات الموصوفة بكونها مأموراً بها شيئاً(١) آخر غير أمرها، غير وافٍ بدفع إشكال ترتب المثوبة عليها، كما لا يخفى.
ثانيهما : ما مُحَصّله أن لزوم وقوع الطهارات عبادة، إنما يكون لأجل أن الغرض من الأمر النفسي بغاياتها، كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرب بموافقته، كذلك لا يحصل ما لم يؤت بهاكذلك، لا باقتضاء أمرها الغيري.
وبالجملة وجه لزوم إتيانها عبادة، إنما هو لأجل أن الغرض في الغايات، لا يحصل إلا بإتيان خصوص الطهارات من بين مقدماتها أيضاً، بقصد الإطاعة.
وفيه أيضاً: إنه غير وافٍ بدفع إشكال ترتب المثوبة عليها، وأما ما ربما قيل(١) في تصحيح اعتبار قصد الإطاعة في العبادات، من الالتزام بأمرين: أحدهما كان متعلقاً بذات العمل، والثاني بإتيانه بداعي امتثال الأول، لا يكاد يجزي في تصحيح اعتبارها في الطهارات، إذ لو لم تكن بنفسها مقدمة لغاياتها، لا يكاد يتعلق بها أمر من قبل الأمر بالغايات، فمن أين يجيء طلب آخر من سنخ الطلب الغيري متعلق بذاتها، ليتمكن به من المقدمة في الخارج. هذا مع أن في هذا الالتزام ما في تصحيح اعتبار قصد الطاعة في العبادة على ما عرفته مفصلاً سابقاً، فتذكر.
الثاني : إنه قد انقدح مما هو التحقيق، في وجه اعتبار قصد القربة في الطهارات صحتها ولو لم يؤت بها بقصد التوصل بها إلى غاية من غاياتها، نعم لو كان المصحح لاعتبار قصد القربة فيها امرها الغيري، لكان قصد الغاية مما لابد منه فيوقوعها صحيحة، فان الأمر الغيري لا يكاد يمتثل إلا إذا قصد
____________________
(١) في «ي»: شيء.
(٢) مطارح الأنظار / ٧١، في تنبيهات الهداية ١٢.
التوصل إلى الغير، حيث لا يكاد يصير داعياً إلا مع هذا القصد، بل في الحقيقة يكون هو الملاك لوقوع المقدمة عبادة، ولو لم يقصد أمرها، بل ولو لم نقل بتعلق الطلب بها أصلاً.
وهذا هو السر في اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة عبادة، لا ما توهم(١) من أن المقدمة إنما تكون مأموراً بها بعنوان المقدمية، فلا بد عند إرادة الامتثال بالمقدمة من قصد هذا العنوان، وقصدها كذلك لا يكاد يكون بدون قصد التوصل إلى ذي المقدمة بها، فإنه فاسد جداً؛ ضرورة أن عنوان المقدمية ليس بموقوف عليه الواجب، ولا بالحمل الشائع مقدمة له، وإنما كان المقدمة هو نفس المعنونات بعناوينها الأولية، والمقدمية إنما تكون علة لوجوبها.
الأمر الرابع : لا شبهة في أن وجوب المقدمة بناءً على الملازمة، يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوب ذي المقدمة، كما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا، ولا يكون مشروطاً بإرادته، كما يوهمه ظاهر عبارة صاحب المعالم(٢) رحمهالله في بحث الضد، قال: وأيضاً فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما تنهض دليلاً على الوجوب، في حال كون المكلف مريداً للفعل المتوقف عليها، كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر.
وأنت خبير بأن نهوضها على التبعية واضح لا يكاد يخفى، وإن كان نهوضها على أصل الملازمة لم يكن بهذه المثابة، كما لا يخفى.
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٧٢.
(٢) معالم الدين / ٧٤، في آخر مبحث الضد.
هو الشيخ جمال الدين أبومنصور الحسن بن الشيخ زين الدين، ولد سنة ٩٥٩ ه، كان عالماً فاضلاً عاملاً جامعاً للفنون، اعرف أهل زمانه بالفقه والحديث والرجال، يروي عن جماعة من تلامذة أبيه، منهم الشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي، له كتب ورسائل منها «منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان» و «معالم الدين وملاذ المجتهدين» توفي سنة ١٠١١ ه. (أمل الآمل ١ / ٥٧ رقم ٤٥).
وهل يعتبر في وقوعها على صفة الوجوب أن يكون الإتيان بها بداعي التوصل بها إلى ذي المقدمة؟ كما يظهر مما نسبه إلى شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - بعض أفاضل(١) مقرري بحثه، أو ترتب ذي المقدمة عليها؟ بحيث لو لم يترتب عليها لكشف(٢) عن عدم وقوعها على صفة الوجوب، كما زعمه صاحب الفصول(٣) قدسسره أو لا يعتبر في وقوعها كذلك شئ منهما.
الظاهر عدم الاعتبار: أما عدم اعتبار قصد التوصل، فلأجل أن الوجوب لم يكن بحكم العقل إلا لأجل المقدمية والتوقف، وعدم دخل قصد التوصل فيه واضح، ولذا اعترف(٤) بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدمات العبادية، لحصول ذات الواجب، فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصل من المقدمة بلا مخصص، فافهم.
نعم انما اعتبر ذلك في الامتثال، لما عرفت(٥) من انه لا يكاد يكون الآتي بها بدونه ممتثلاً لأمرها، وآخذاً في امتثال الأمر بذيها، فيُثاب بثواب أشقِّ الأعمال، فيقع الفعل المقدمي على صفة الوجوب، ولو لم يقصد به التوصل، كسائر الواجبات التوصلية، لا على حكمه السابق الثابث له، لو لا عروض صفة توقف الواجب الفعلي المنجز عليه، فيقع الدخول في ملك الغير واجبا إذا كان مقدمة لإنقاذ غريق أو إطفاء حريق واجب فعليّ لا حراماً، وإن لم يلتفت إلى التوقف والمقدمية، غاية الأمر يكون حينئذ متجرِّئاً فيه، كما أنه مع الالتفات يتجرّأ بالنسبة إلى ذي المقدمة، فيما لم يقصد التوصل إليه أصلاً.
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٧٢.
(٢) في «ب»: يكشف.
(٣) الفصول / ٨٦، في مقدمة الواجب.
(٤) مطارح الأنظار / ٧٢.
(٥) راجع صفحة ١١٢.
وأما إذا قصده، ولكنه لم يأت بها بهذا الداعي، بل بداع آخر أكّده بقصد التوصل، فلا يكون متجرِّئاً أصلاً.
وبالجملة: يكون التوصل بها إلى ذي المقدمة من الفوائد المترتبة على المقدمة الواجبة، لا أن يكون قصده قيداً وشرطاً لوقوعها على صفة الوجوب، لثبوت ملاك الوجوب في نفسها بلا دخل له فيه أصلاً، وإلا لما حصل ذات الواجب ولما سقط الوجوب به، كما لا يخفى.
ولا يقاس على ما إذا أتى بالفرد المحرّم منها، حيث يسقط به الوجوب، مع أنه ليس بواجب، وذلك لأن الفرد المحرم إنما يسقط به الوجوب، لكونه كغيره في حصول الغرض به، بلا تفاوت أصلاً، إلا أنّه لأجل وقوعه على صفة الحرمة لا يكاد يقع على صفة الوجوب، وهذا بخلاف [ما] ها هنا، فإنه إن كان كغيره في حصول الغرض به، بلا تفاوت أصلاً، إلا [أنّه] لأجل وقوعه على صفة الوجوب مثله، لثبوت المقتضي فيه بلا مانع، وإلا لما كان يسقط به الوجوب ضرورة، والتالي باطل بداهة، فيكشف هذا عن عدم اعتبار قصده في الوقوع على صفة الوجوب قطعاً، وانتظر لذلك تتمة(١) توضيح.
والعجب أنه شدّد النكير على القول بالمقدمة الموصلة، واعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب، على ما حرره بعض مقرري(٢) بحثهقدسسره بما يتوجه على اعتبار قصد التوصل في وقوعها كذلك، فراجع تمام كلامه زيد في علو مقامه، وتأملّ في نقضه وإبرامه.
وأما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب، فلأنه لا يكاد يعتبر في الواجب إلا ما له دخل في غرضه الداعي إلى إيجابه
____________________
(١) في «ب»: جهة.
(٢) راجع مطارح الأنظار / ٧٤ و ٧٥ في المقدمة الموصلة.
والباعث على طلبه، وليس الغرض من المقدمة إلا حصول ما لولاه لما أمكن حصول ذي المقدمة، ضرورة أنه لا يكاد يكون الغرض إلا ما يترتب عليه من فائدته وأثره، ولا يترتب على المقدمة إلا ذلك، ولا تفاوت فيه بين ما يترتب عليه الواجب، وما لا يترتب عليه أصلاً، وأنه لا محالة يترتب عليهما، كما لا يخفى.
وأما ترتب الواجب، فلا يعقل أن يكون الغرض الداعي إلى إيجابها والباعث على طلبها، فإنه ليس بأثر تمام المقدمات، فضلاً عن إحداها في غالب الواجبات، فإن الواجب إلا ما قلّ في الشرعيات والعرفيات فعل اختياري، يختار المكلف تارة إتيانه بعد وجود تمام مقدماته، وأخرى عدم إتيانه، فكيف يكون اختيار إتيانه غرضاً من إيجاب كل واحدة من مقدماته، مع عدم ترتبه على تمامها(١) ، فضلاً عن كل واحدة منها؟
نعم فيما كان الواجب من الأفعال التسبيبية والتوليدية، كان مترتباً لا محالة على تمام مقدماته، لعدم تخلّف المعلول عن علته.
ومن هنا [قد](٢) انقدح أن القول بالمقدمة الموصلة، يستلزم إنكار وجوب المقدمة في غالب الواجبات، والقول بوجوب خصوص العلة التامة في خصوص الواجبات التوليدية.
فإن قلت: ما من واجب إلّا وله علة تامة؛ ضرورة استحالة وجود الممكن بدونها، فالتخصيص بالواجبات التوليدية بلا مخصص.
قلت: نعم وإن استحال صدور الممكن بلا علة، إلا أن مبادئ اختيار الفعل الاختياري من أجزاء علته، وهي لا تكاد تتصف بالوجوب، لعدم كونها
____________________
(١) في «ب»: عامّها.
(٢) أثبتناها من «ب».
بالاختيار، وإلا لتسلسل، كما هو واضح لمن تأمل، ولأنه لو كان معتبراً فيه الترتب، لما كان الطلب يسقط بمجرد الإتيان بها، من دون انتظار لترتب الواجب عليها، بحيث لا يبقى في البين إلا طلبه وإيجابه، كما إذا لم تكن هذه بمقدمته(١) ، أو كانت حاصلة من الأول قبل إيجابه، مع أن الطلب لا يكاد يسقط إلا بالموافقة، أو بالعصيان والمخالفة، أو بارتفاع موضوع التكليف، كما في سقوط الأمر بالكفن أو الدفن، بسبب غرق الميت احياناً أو حرقه، ولا يكون الإتيان بها بالضرورة من هذه الأمور غير الموافقة.
إن قلت: كما يسقط الأمر في تلك الأمور، كذلك يسقط بما ليس بالمأمور به فيما يحصل به الغرض منه، كسقوطه في التوصليات بفعل الغير، أو المحرمات.
قلت: نعم، ولكن لا محيص عن أن يكون ما يحصل به الغرض، من الفعل الاختياري للمكلف متعلقاً للطلب فيما لم يكن فيه مانع، وهو كونه بالفعل محرماً، ضرورة أنه لا يكون بينهما تفاوت أصلاً، فيكف يكون أحدهما متعلقاً له فعلاً دون الآخر؟
وقد استدل صاحب الفصول(٢) على ما ذهب إليه بوجوه، حيث قال بعد بيان أن التوصل بها إلى الواجب، من قبيل شرط الوجود لها لا من قبيل شرط الوجوب، ما هذا لفظه:
(والذي يدلّك على هذا - يعني الاشتراط بالتوصل - أن وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية، فالعقل لا يدل عليه زائداً على القدر المذكور، وأيضاً لا يأبى العقل أن يقول الآمر الحكيم: أريد الحج، وأريد المسير الذي
____________________
(١) في «ب»: بمقدمة.
(٢) الفصول / ٨٦. في التنبيه الأول من تنبيهات مقدمة الواجب.
يتوصل به إلى فعل الواجب، دون ما لم يتوصل به إليه، بل الضرورة قاضية بجواز تصريح الآمر بمثل ذلك، كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقاً، أو على تقدير التوصل بها إليه، وذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه ووجوب مقدماته على تقدير عدم التوصل بها إليه، وأيضاً حيث أن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب وحصوله، فلاجرم يكون التوصل بها إليه وحصوله معتبراً في مطلوبيتها، فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه، وصريح الوجدان قاضٍ بأن من يريد شيئاً بمجرد حصول شيء آخر، لا يريده إذا وقع مجرداً عنه، ويلزم منه أن يكون وقوعه على وجه المطلوب منوطاً بحصوله). انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه.
وقد عرفت بما لا مزيد عليه، أن العقل الحاكم بالملازمة دل على وجوب مطلق المقدمة، لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب، فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه، كما إذا كان بعض مصاديقه محكوماً فعلاً بالحرمة، لثبوت مناط الوجوب حينئذ في مطلقها، وعدم اختصاصه بالمقيد بذلك منها.
وقد انقدح منه، أنه ليس للآمر الحكيم الغير المجازف بالقول ذلك التصريح، وأن دعوى أن الضرورة قاضية بجوازه(١) مجازفة، كيف يكون ذا مع ثبوت الملاك في الصورتين بلا تفاوت أصلاً؟ كما عرفت.
نعم إنما يكون التفاوت بينهما في حصول المطلوب النفسي في إحداهما، وعدم حصوله في الأخرى، من دون دخل لها في ذلك أصلاً، بل كان بحسن اختيار المكلف وسوء اختياره، وجاز للآمر أن يصرِّح بحصول هذا المطلوب في إحداهما، وعدم حصوله في الأخرى، [بل من](٢) حيث أن الملحوظ بالذات هو
____________________
(١) ادّعاه صاحب الفصول، حيث قال: ولا يأبى أن يقول الآمر الحكيم..الخ.../ الفصول / ٨٦.
(٢) أثبتناها من «أ».
هذا المطلوب، وإنما كان الواجب الغيري ملحوظاً إجمالاً بتبعه، كما يأتي أن وجوب المقدمة على الملازمة تبعيّ، جاز في صورة عدم حصول المطلوب النفسي التصريح بعدم حصول المطلوب أصلاً؛ لعدم الإلتفات إلى ما حصل من المقدمة، فضلاً عن كونها مطلوبة، كما جاز التصريح بحصول الغيري مع عدم فائدته لو التفت اليها، كما لا يخفى، فافهم.
إن قلت: لعل التفاوت بينهما في صحة اتصاف إحداهما بعنوان الموصلية دون الأخرى، أوجب التفاوت بينهما في المطلوبية وعدمها، وجواز التصريح بهما، وإن لم يكن بينهما تفاوت في الأثر، كما مرّ.
قلت: إنما يوجب ذلك تفاوتاً فيهما، لو كان ذلك لأجل تفاوت في ناحية المقدمة، لا فيما إذا لم يكن في ناحيتها أصلاً - كما هاهنا - ضرورة أن الموصلية إنما تنتزع من وجود الواجب، وترتبه عليها من دون اختلاف في ناحيتها، وكونه في كلا الصورتين على نحو واحد وخصوصية واحدة، ضرورة أن الإتيان بالواجب بعد الإتيان بها بالاختيار تارة، وعدم الإتيان به كذلك أخرى، لا يوجب تفاوتاً فيها، كما لا يخفى.
وأما ما أفاده(١) قدسسره من أن مطلوبية المقدمة حيث كانت بمجرد التوصل بها، فلا جرم يكون التوصل بها إلى الواجب معتبراً فيها.
ففيه: إنه إنما كانت مطلوبيتها لأجل عدم التمكن من التوصل بدونها، لا لأجل التوصل بها، لما عرفت من أنه ليس من آثارها، بل مما يترتب عليها أحياناً بالاختيار بمقدمات أخرى، وهي مبادئ اختياره، ولا يكاد يكون مثل ذا غاية لمطلوبيتها وداعياً إلى إيجابها، وصريح الوجدان إنما يقتضي بأن ما أريد لأجل غاية، وتجرد عن الغاية بسبب عدم حصول سائر ماله دخل في حصولها،
____________________
(١) الفصول / ٨٦، في تنبيهات مقدمة الواجب.
يقع على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية، كيف؟ وإلا يلزم أن يكون وجودها من قيوده، ومقدمة لوقوعه على نحو يكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو ووجوبها.
وهو كما ترى، ضرورة أن الغاية لا تكاد تكون قيداً لذي الغاية، بحيث كان تخلفها موجباً لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية، وإلا يلزم أن تكون مطلوبة بطلبه كسائر قيوده، فلا يكون وقوعه على هذه الصفة منوطاً بحصولها، كما أفاده.
ولعل منشأ توهمه، خلطه بين الجهة التقييدية والتعليلية، هذا مع ما عرفت من عدم التخلف ها هنا، وأن الغاية إنما هو حصول ما لولاه لما تمكن من التوصل إلى المطلوب النفسي، فافهم واغتنم.
ثم إنه لا شهادة على الاعتبار في صحة منع المولى عن مقدماته بأنحائها، إلا فيما إذا رتّب عليه الواجب لو سلم أصلاً، ضرورة أنه وإن لم يكن الواجب منها حينئذ غير الموصلة، إلا أنه ليس لاجل اختصاص الوجوب بها في باب المقدمة، بل لأجل المنع عن غيرها المانع عن الاتصاف بالوجوب هاهنا، كما لا يخفى.
مع أن في صحة المنع عنه كذلك نظر، وجهه أنه يلزم أن لا يكون ترك الواجب حينئذ مخالفة وعصياناً، لعدم التمكن شرعاً منه، لاختصاص جواز مقدمته بصورة الإتيان به.
وبالجملة يلزم أن يكون الإيجاب مختصاً بصورة الإتيان، لاختصاص جواز المقدمة بها وهو محال(١) فإنه يكون من طلب الحاصل المحال، فتدبر جيدا.
____________________
(١) حيث كان الإيجاب فعلاً متوقفاً على جواز المقدمة شرعاً، وجوازها كذلك كان متوقفاً على إيصالها المتوقف على الإتيان بذي المقدمة بداهة، فلا محيص إلّا عن كون إيجابه على تقدير الإتيان به، وهو من طلب الحاصل الباطل «منهقدسسره ».
بقي شيء وهو أن ثمرة القول بالمقدمة الموصلة، هي تصحيح العبادة التي يتوقف على تركها فعل الواجب، بناءً على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل ضده، فإن تركها على هذا القول لا يكون مطلقاً واجباً، ليكون فعلها محرماً، فتكون فاسدة، بل فيما يترتب عليه الضد الواجب، ومع الإتيان بها لا يكاد يكون هناك ترتب، فلا يكون تركها مع ذلك واجباً، فلا يكون فعلها منهيا عنه، فلا تكون فاسدة.
وربما أورد(١) على تفريع هذه الثمرة بما حاصله بأن فعل الضد، وإن لم يكن نقيضاً للترك الواجب مقدمة، بناءً على المقدمة الموصلة، إلا أنه لازم لما هو من أفراد النقيض، حيث أن نقيض ذاك الترك الخاص رفعه، وهو أعم من الفعل والترك الآخر المجرد، وهذا يكفي في إثبات الحرمة، وإلا لم يكن الفعل المطلق محرماً فيما إذا كان الترك المطلق واجباً؛ لأن الفعل ايضاً ليس نقيضاً للترك، لأنه أمر وجودي، ونقيض الترك إنما هو رفعه، ورفع الترك إنما يلازم الفعل مصداقاً، وليس عينه، فكما أن هذه الملازمة تكفي في إثبات الحرمة لمطلق الفعل، فكذلك تكفي في المقام، غاية الأمر أن ما هو النقيض في مطلق الترك، إنما ينحصر مصداقه في الفعل فقط، وأما النقيض للترك الخاص فله فردان، وذلك لا يوجب فرقاً فيما نحن بصدده، كما لا يخفى.
قلت: وأنت خبير بما بينهما من الفرق، فإن الفعل في الأول لا يكون إلا مقارناً لما هو النقيض، من رفع الترك المجامع معه تارة، ومع الترك المجرد أخرى، ولا تكاد تسري حرمة الشيء إلى ما يلازمه، فضلاً عما يقارنه أحياناً.
نعم لابد أن لا يكون الملازم محكوماً فعلاً بحكم آخر على خلاف حكمه، لا أن يكون محكوماً بحكمه، وهذا بخلاف الفعل في الثاني، فإنه
____________________
(١) مطارح الأنظار / ٧٨.
بنفسه يعاند الترك المطلق وينافيه، لا ملازم لمعانده ومنافيه، فلو لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوماً، لكنه متحد معه عيناً وخارجاً، فإذا كان الترك واجباً، فلا محالة يكون الفعل منهياً عنه قطعاً، فتدبر جيّداً.
ومنها : تقسيمه إلى الأصلي والتبعي، والظاهر أن يكون هذا التقسيم بلحاظ الأصالة والتبعية في الواقع ومقام الثبوت، حيث يكون الشيء تارة متعلقاً للإرادة والطلب مستقلا، للالتفات إليه بما هو عليه مما يوجب طلبه فيطلبه، كان طلبه نفسياً أو غيرياً، وأخرى متعلقاً للإرادة تبعاً لإرادة غيره، لأجل كون إرادته لازمة لإرادته، من دون التفات إليه بما يوجب إرادته، لا بلحاظ الأصالة والتبعية في مقام الدلالة والإثبات(١) ، فإنه يكون في هذا المقام، تارةً مقصوداً بالإفادة، وأخرى غير مقصود بها على حدة، إلا أنه لازم الخطاب، كما في دلالة الإشارة ونحوها.
وعلى ذلك، فلا شبهة في انقسام الواجب الغيري إليهما، واتّصافه بالأصالة والتبعية كليهما، حيث يكون متعلقاً للإرادة على حدة عند الالتفات إليه بما هو مقدمة، وأخرى لا يكون متعلقاً لها كذلك عند عدم الالتفات إليه كذلك، فإنه يكون لا محالة مراداً تبعاً لإرادة ذي المقدمة على الملازمة.
كما لا شبهة في اتصاف النفسي أيضاً بالأصالة، ولكنه لا يتصف بالتبعية، ضرورة أنه لا يكاد يتعلق به الطلب النفسي ما لم تكن فيه مصلحة نفسيّة، ومعها يتعلق الطلب بها مستقلاً، ولو لم يكن هناك شيء آخر مطلوب أصلاً، كما لا يخفى.
نعم لو كان الاتصاف بهما بلحاظ الدلالة، اتصف النفسي بهما أيضاً،
____________________
(١) كما هو مذهب صاحبي القوانين والفصول (قدسسرهما).
القوانين ١ / ١٠١ - ١٠٢، في مقدمة الواجب، المقدمة السادسة والسابعة.
الفصول / ٨٢.
ضرورة أنه قد يكون غير مقصودة بالإفادة، بل أُفيد بتبع غيره المقصود بها، لكن الظاهر - كما مر - أن الاتصاف بهما إنما هو في نفسه لا بلحاظ حال الدلالة عليه، وإلا لما اتصف بواحد منهما، إذا لم يكن بعد مفاد دليل، وهو كما ترى.
ثم إنه إذا كان الواجب التبعي ما لم يتعلق به إرادة مستقلة، فإذا شك في واجب أنه أصليّ أو تبعيّ، فبأصالة عدم تعلق إرادة مستقلة به يثبت أنه تبعي، ويترتب عليه آثاره إذا فرض له آثار شرعية(١) ، كسائر الموضوعات المتقومة بأمور عدمية.
نعم لو كان التبعي أمراً وجودياً خاصاً غير متقوّم بعدمي، وإن كان يلزمه، لما كان يثبت بها إلّا على القول بالأصل المثبت، كما هو واضح، فافهم.
تذنيب : في بيان الثمرة، وهي في المسألة الأصولية - كما عرفت سابقاً - ليست إلا أن تكون نتيجتها صالحة للوقوع في طريق الاجتهاد، واستنباط حكم فرعيّ، كما لو قيل بالملازمة في المسألة، فإنّه بضميمة مقدمة كون شيء مقدمة لواجب يستنتج انه واجب.
ومنه قد انقدح، أنه ليس منها مثل برءِ النذر بإتيان مقدمة واجب، عند نذر الواجب، وحصول الفسق بترك الواجب بمقدماته إذا كانت له مقدمات كثيرة، لصدق الإصرار على الحرام بذلك، وعدم جواز أخذ الأجرة على المقدمة.
مع أن البرء وعدمه إنما يتبعان قصد الناذر، فلا برء بإتيان المقدمة لو قصد الوجوب النفسي، كما هو المنصرف عند إطلاقه ولو قيل بالملازمة، وربما
____________________
(١) في نسختي «أو ب»: آثار شرعي.
يحصل البرء به لو قصد ما يعم المقدمة ولو قيل بعدمها، كما لا يخفى.
ولا يكاد يحصل الإصرار على الحرام بترك واجب، ولو كانت له مقدمات غير عديدة، لحصول العصيان بترك أول مقدمة لا يتمكن معه من الواجب، ولا يكون ترك سائر المقدمات بحرام أصلاً، لسقوط التكليف حينئذ، كما هو واضح لا يخفى.
وأخذ الأجرة على الواجب لا بأس به، إذا لم يكن إيجابه على المكلف مجاناً وبلا عوض، بل كان وجوده المطلق مطلوبا كالصناعات الواجبة كفائية التي لا يكاد ينتظم بدونها البلاد، ويختل لولاها معاش العباد، بل ربما يجب أخذ الأجرة عليها لذلك، أي لزوم الاختلال وعدم الانتظام لولا أخذها، هذا في الواجبات التوصلية.
وأما الواجبات التعبدية، فيمكن أن يقال بجواز أخذ الأجرة على إتيانها بداعي امتثالها، لا على نفس الإتيان، كي ينافي عباديتها، فيكون من قبيل الداعي إلى الداعي، غاية الأمر يعتبر فيها - كغيرها - أن يكون فيها منفعة عائدة إلى المستأجر، كي لا تكون المعاملة سفهية، وأخذ الأجرة عليها أكلاً بالباطل.
وربما يجعل(١) من الثمرة، اجتماع الوجوب والحرمة - إذا قيل بالملازمة - فيما كانت المقدمة محرمة، فيبتني على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه، بخلاف ما لو قيل بعدمها، وفيه:
أولاً : إنه لا يكون من باب الاجتماع، كي تكون مبتنية عليه، لما أشرنا إليه غير مرة، إن الواجب ما هو بالحمل الشائع مقدمة، لا بعنوان المقدمة، فيكون على الملازمة من باب النهي في العبادة والمعاملة.
____________________
(١) نسب إلى الوحيد البهبهاني، مطارح الأنظار / ٨١.
وثانياً :(١) إن الاجتماع وعدمه لا دخل له في التوصل(٢) بالمقدمة المحرمة وعدمه أصلاً، فإنه يمكن التوصل(٣) بها إن كانت توصلية، ولو لم نقل بجواز الاجتماع، وعدم جواز التوصل(٤) بها إن كانت تعبدية على القول بالامتناع، قيل بوجوب المقدمة أو بعدمه، وجواز التوصل(٥) بها على القول بالجواز كذلك، أي قيل بالوجوب أو بعدمه.
وبالجملة لا يتفاوت الحال في جواز التوصل(٦) بها، وعدم جوازه أصلاً، بين أن يقال بالوجوب، أو يقال بعدمه، كما لا يخفى.
في تأسيس الأصل في المسألة
إعلم أنه لا أصل في محل البحث في المسألة، فإن الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذي المقدمة وعدمها ليست لها حالة سابقة، بل تكون الملازمة أو عدمها أزليّة، نعم نفس وجوب المقدمة يكون مسبوقا بالعدم، حيث يكون حادثاً بحدوث وجوب ذي المقدمة، فالأصل عدم وجوبها.
وتوهم عدم جريانه، لكون وجوبها على الملازمة، من قبيل لوازم الماهية، غير مجعولة، ولا أثر آخر مجعول مترتب عليه، ولو كان لم يكن بمهم هاهنا، مدفوع بأنه وإن كان غير مجعول بالذات، لا بالجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامة، ولا بالجعل التأليفي الذي هو مفاد كان الناقصة، إلا أنه
____________________
(١) قد حذف المصنفقدسسره إشكالاً آخر من نسختي «أ و ب»، وجعل الثالث مكانه، وهذا يشعر بإضرابه عن الإيراد الثاني وهو قوله: «لا يكاد يلزم الاجتماع أصلاً، لاختصاص الوجوب بغير المحرم، في غير صورة الانحصار به، وفيها امّا لا وجوب للمقدمة، لعدم وجوب ذي المقدمة لأجل المزاحمة، وامّا لاحرمة لها لذلك، كما لا يخفى».
(٢) في «أ»: التوسل.
(٣ و٤ و٥ و٦) في «أ و ب»: التوسل.
مجعول بالعرض، ويتبع جعل وجوب ذي المقدمة، وهو كافٍ في جريان الأصل.
ولزوم التفكيك بين الوجوبين مع الشك لا محالة، لأصالة عدم وجوب المقدمة مع وجوب ذي المقدمة، لا ينافي الملازمة بين الواقعيين، وإنما ينافي الملازمة بين الفعليين، نعم لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتى في المرتبة الفعلية، لما صح التمسك بالأصل، كما لا يخفى.
إذا عرفت ما ذكرنا، فقد تصدى غير واحد من الأفاضل(١) لإقامة البرهان على الملازمة، وما أتى منهم بواحد خال عن الخلل، والأولى إحالة ذلك إلى الوجدان، حيث أنه أقوى شاهد على أن الانسان إذا أراد شيئاً له مقدمات، أراد تلك المقدمات، لو التفت إليها بحيث ربما يجعلها في قالب الطلب مثله، ويقول مولوياً (أدخل السوق واشتر اللحم) مثلاً، بداهة أن الطلب المنشأ بخطاب (أدخل) مثل المنشأ بخطاب (إشتر) في كونه بعثاً مولوياً، وأنه حيث تعلقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء، ترشّحت منها له إرادة أخرى بدخو السوق، بعد الالتفات إليه وأنه يكون مقدمة له، كما لا يخفى.
ويؤيد الوجدان، بل يكون من أوضح البرهان، وجود الأوامر الغيرية في الشرعيات والعرفيات؛ لوضوح أنه لا يكاد يتعلق بمقدمة أمر غيريّ، إلا إذا كان فيها مناطه، وإذا كان فيها كان في مثلها، فيصح تعلقه به أيضاً، لتحقق ملاكه ومناطه، والتفصيل بين السبب وغيره والشرط الشرعي وغيره سيأتي بطلانه، وأنه لا تفاوت في باب الملازمة بين مقدمة ومقدمة.
ولا بأس بذكر الاستدلال الذي هو كالأصل لغيره - مما ذكره الأفاضل(٢)
____________________
(١) انظر مطارح الأنظار / ٨٣، في أدلة القائلين بوجوب المقدمة.
(٢) المصدر السابق / ٨٣ - ٨٤، الفصول / ٨٤، هداية المسترشدين / ٢٠٥، نهاية الأصول / ٨٨، في المبحث الأول من الفصل الخامس في أحكام الوجوب.
من الاستدلالات - وهو ما ذكره أبوالحسن [الحسين](١) البصري(٢) ، وهو أنه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها، وحينئذ، فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق، وإلا خرج الواجب المطلق عن وجوبه.
وفيه: - بعد إصلاحه بإرادة عدم المنع الشرعي من التالي في الشرطية الاُولى، لا الإباحة الشرعية، وإلا كانت الملازمة واضحة البطلان، وإرادة الترك عما أضيف إليه الظرف، لا نفس الجواز، وإلا فمجرد الجواز بدون الترك، لا يكاد يتوهم معه صدق القضية(٣) الشرطية الثانية - ما لا يخفى؛ فان الترك بمجرد عدم المنع شرعاً لا يوجب صدق إحدى الشرطيتين، ولا يلزم أحد المحذورين، فإنه وإن لم يبق له وجوب معه، إلا أنه كان ذلك بالعصيان، لكونه متمكناً من الإطاعة والإتيان، وقد اختار تركه بترك مقدمته بسوء اختياره، مع حكم العقل بلزوم إتيانها، إرشاداً إلى ما في تركها من العصيان المستتبع للعقاب.
نعم لو كان المراد من الجواز الترك شرعاً وعقلاً، يلزم أحد المحذورين، إلا أن الملازمة على هذا في الشرطية الاُولى ممنوعة، بداهة أنه لو لم يجب شرعاً لا يلزم أن يكون جائزاً شرعاً وعقلاً؛ لإمكان أن لا يكون محكوما بحكم شرعاً، وإن كان واجباً عقلاً إرشاداً، وهذا واضح.
وأما التفصيل بين السبب وغيره، فقد استدل(٤) على وجوب السبب،
____________________
(١) ما أثبتناه هو الصواب، راجع المعتمد في أصول الفقه ١ / ٩٤، لأبي الحسين البصري.
(٢) هو أبوالحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري من نسل أبي موسى الأشعري ولد في البصرة سنة ٢٦٠ ه، تلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم، ثم رجع وجاهر بخلافهم، وأسس مذهب الأشاعرة، بلغت مصنفاته ثلاثمأة كتاب، توفي ببغداد سنة ٣٢٦ ه (اعلام الزركلي ٤ / ٢٦٣).
(٣) في «ب» قضية.
(٤) بدائع الافكار / ٣٥٣، القول الثالث في وجوب المقدمة.
بأن التكليف لا يكاد يتعلق إلا بالمقدور، والمقدور لايكون إلا هو السبب، وإنما المسبب من آثاره المترتبة عليه قهراً، ولا يكون من أفعال المكلف وحركاته أو سكناته، فلابد من صرف الأمر المتوجه إليه عنه إلى سببه.
ولا يخفى ما فيه، من أنه ليس بدليل على التفصيل، بل على أن الأمر النفسي إنما يكون متعلقا بالسبب دون المسبب، مع وضوح فساده، ضرورة أن المسبب مقدور المكلف، وهو متمكن عنه بواسطة السبب، ولا يعتبر في التكليف أزيد من القدرة، كانت بلا واسطة أو معها، كما لا يخفى.
وأما التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره، فقد استدل(١) على الوجوب في الأول بأنه لولا وجوبه شرعاً لما كان شرطاً، حيث أنه ليس مما لا بد منه عقلاً أو عادة.
وفيه - مضافاً إلى ما عرفت من رجوع الشرط الشرعي إلى العقلي - أنه لا يكاد يتعلق الأمر الغيري إلا بما هو مقدمة الواجب، فلو كانت مقدميته متوقفة على تعلقه بها لدار، والشرطية وإن كانت منتزعة عن التكليف، إلا أنه عن التكليف النفسي المتعلق بما قيّد بالشرط، لا عن الغيري، فافهم.
تتمة : لا شبهة في أن مقدمة المستحب كمقدمة الواجب، فتكون مستحبة - لو قيل بالملازمة - وأما مقدمة الحرام والمكروه فلا تكاد تتصف بالحرمة أو الكراهة، إذ منها ما يتمكن معه من ترك الحرام أو المكروه اختياراً، كما كان متمكناً قبله، فلا دخل له أصلاً في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه، فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتهما، نعم ما لا يتمكن معه من الترك المطلوب، لا محالة يكون مطلوب الترك، ويترشح من طلب تركهما طلب ترك خصوص هذه المقدمة، فلو لم يكن للحرام مقدمة لا يبقى
____________________
(١) المصدر المتقدم / ٣٥٤، القول الرابع في وجوب المقدمة.
معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته.
لايقال: كيف؟ ولا يكاد يكون فعل إلا عن مقدمة لامحالة معها يوجد، ضرورة أن الشيء مالم يجب لم يوجد.
فإنه يقال: نعم لا محالة يكون من جملتها ما يجب معه صدور الحرام، لكنه لا يلزم أن يكون ذلك من المقدمات الاختيارية، بل من المقدمات الغير الاختيارية، كمبادئ الاختيار التي لا تكون بالاختيار، والا لتسلسل، فلا تغفل، وتأمل.
فصل
الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده، أو لا؟
وفيه أقوال، وتحقيق الحال يستدعي رسم أمور:
الأول : الاقتضاء في العنوان أعم من أن يكون بنحو العينية، أو الجزئية، أو اللزوم من جهة التلازم بين طلب أحد الضدين، وطلب ترك الآخر، أو المقدمية على ما سيظهر، كما أن المراد بالضد هاهنا، هو مطلق المعاند والمنافي وجودياً كان أو عدمياً.
الثاني : إن الجهة المبحوثة عنها في المسألة، وإن كانت أنه هل يكون للأمر اقتضاء بنحو من الأنحاء المذكورة، إلا أنه لما كان عمدة القائلين بالاقتضاء في الضد الخاص، إنما ذهبوا إليه لأجل توهم مقدمية ترك الضد، كان المهم صرف عنان الكلام في المقام إلى بيان الحال وتحقيق المقال، في المقدمية وعدمها، فنقول وعلى الله الاتكال:
إن توهم توقف الشيء على ترك ضده، ليس إلا من جهة المضادة والمعاندة بين الوجودين، وقضيتها الممانعة بينهما، ومن الواضحات أن عدم
المانع من المقدمات.
وهو توهم فاسد؛ وذلك لأن المعاندة والمنافرة بين الشيئين، لا تقتضي إلا عدم اجتماعهما في التحقّق، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر، كما لا يخفى.
فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين، كيف؟ ولو اقتضى التضاد توقف وجود الشيء على عدم ضده، توقف الشيء على عدم مانعه، لاقتضى توقف عدم الضد على وجود الشيء توقف عدم الشيء على مانعه، بداهية ثبوت المانعية في الطرفين، وكون المطاردة من الجانبين، وهو دور(١) واضح.
وما قيل (٢) في التفصي عن هذا الدور بأن التوقف من طرف الوجود فعلي، بخلاف التوقف من طرف العدم، فإنه بتوقف على فرض ثبوت المقتضي له، مع شراشر شرائطه غير عدم وجود ضده، ولعله كان محالاً، لأجل انتهاء عدم وجود أحد الضدين مع وجود الآخر إلى عدم تعلق الإرادة الأزلية به، وتعلقها بالآخر حسب ما اقتضته الحكمة البالغة، فيكون العدم دائماً مستنداً إلى عدم المقتضي، فلا يكاد يكون مستنداً إلى وجود المانع، كي يلزم الدور.
إن قلت: هذا إذا لوحظا منتهيين إلى إرادة شخص واحد، وأما إذا كان كل منهما متعلقاً لإرادة شخص، فأراد مثلاً أحد الشخصين حركة شيء، وأراد الآخر سكونه، فيكون المقتضي لكل منهما حينئذ موجوداً، فالعدم - لا محالة - يكون فعلاً مستنداً إلى وجود المانع.
____________________
(١) راجع هداية المسترشدين / ٢٣٠ عند قوله: ثانيها.
(٢) المتفصي هو المحقق الخوانساريقدسسره على ما في مطارح الأنظار / ١٠٩.
قلت: هاهنا أيضاً مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما في إرادته، وهي مما لابد منه في وجود المراد، ولا يكاد يكون بمجرد الإرادة بدونها لا إلى وجود الضد، لكونه مسبوقاً بعدم قدرته - كما لا يخفى -غير سديد ، فإنه وإن كان قد ارتفع به الدور، إلا أنه غائلة لزوم توقف الشيء على ما يصلح أن يتوقف عليه على حالها، لاستحالة أن يكون الشيء الصالح لأن يكون موقوفا عليه [الشيء](١) موقوفا عليه، ضرورة أنه لو كان في مرتبة يصلح لأن يستند إليه، لما كاد يصح أن يستند فعلاً إليه.
والمنع عن صلوحه لذلك بدعوى: أن قضية كون العدم مستنداً إلى وجود الضد، لو كان مجتمعاً مع وجود المقتضي، وإن كانت صادقة، إلا أن صدقها لا يقتضي كون الضد صالحاً لذلك، لعدم اقتضاء صدق الشرطية صدق طرفيها،مساوق (٢) لمنع مانعية الضد، وهو يوجب رفع التوقف رأساً من البين؛ ضرورة أنه لا منشأ لتوهم توقف أحد الضدين على عدم الآخر، إلا توهّم مانعية الضد - كما أشرنا إليه - وصلوحه لها.
إن قلت: التمانع بين الضدين كالنار على المنار، بل كالشمس في رابعة النهار، وكذا كون عدم المانع مما يتوقف عليه، مما لا يقبل الإنكار، فليس ما ذكر إلا شبهة في مقابل البديهة.
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
(٢) مع أن حديث عدم اقتضاء صدق الشرطية لصدق طرفيها، وإن كان صحيحاً، إلا أن الشرطية - هاهنا - غير صحيحة، فإن وجود المقتضي لضد، لا يستلزم بوجه استناد عدمه إلى ضده، ولا يكون الاستناد مترتباً على وجوده؛ ضرورة أن المقتضي لا يكاد يقتضي وجود ما يمنع عما يقتضيه أصلاً كما لا يخفى، فليكن المقتضي لاستناد عدم الضد إلى وجود ضده فعلاً عند ثبوت مقتضي وجوده، هي الخصوصية التي فيه الموجبة للمنع عن اقتضاء مقتضيه، كما هو الحال في كل مانع، وليست في الضد تلك الخصوصية، كيف؟ وقد عرفت أنه لا يكاد يكون مانعاً إلا على وجه دائر، نعم إنّما المانع عن الضد هو العلة التامة لضدّه، لاقتضائها ما يعانده وينافيه، فيكون عدمه كوجود ضدّه مستنداً إليها، فافهم (منهقدسسره ).
قلت: التمانع بمعنى التنافي والتعاند الموجب لاستحالة الاجتماع مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، إلا أنه لا يقتضي إلا امتناع الاجتماع، وعدم وجود أحدهما إلا مع عدم الأخر، الذي هو بديل وجوده المعاند له، فيكون في مرتبته لا مقدّماً عليه ولو طبعاً، والمانع الذي يكون موقوفا على عدمه(١) الوجود هو ماكان ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره، لا ما يُعاند الشيء ويزاحمه في وجوده.
نعم العلة التامة لأحد الضدين، ربما تكون مانعاً عن الآخر، ومزاحماً لمقتضيه في تأثيره، مثلاً تكون شدة الشفقة على الولد الغريق وكثرة المحبة له، تمنع عن أن يؤثر ما في الأخ الغريق من المحبة والشفقة، لإرادة إنقاذه مع المزاحمة فينقذ به الولد دونه، فتأمل جيداً.
ومما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين الضد الموجود والمعدوم، في أن عدمه الملائم للشيء المناقض لوجوده المعاند لذاك، لابد أن يجامع معه من غير مقتضٍ لسبقه، بل عرفت ما يقتضي عدم سبقه.
فانقدح بذلك ما في تفصيل بعض الأعلام(٢) ، حيث قال بالتوقف على رفع الضد الموجود، وعدم التوقف على عدم الضد المعدوم، فتأمل في أطراف ماذكرناه، فإنه دقيق وبذلك حقيق.
فقد ظهر عدم حرمة الضد من جهة المقدمية.
وأما من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود، في الحكم، فغايته أن لا يكون أحدهما فعلاً محكوماً بغير ما حكم به الآخر، لا أن يكون محكوماً بحكمه.
وعدم خلو الواقعة عن الحكم، فهو إنما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي، فلا حرمة للضد من هذه الجهة أيضاً، بل على ما هو عليه، لولا
____________________
(١) الصحيح ما أثبتناه وفي «ب» موقوفاً عليه.
(٢) هو المحقق الخونساري، راجع مطارح الأنظار / ١٠٩.
الابتلاء بالمضادّة للواجب الفعلي، من الحكم الواقعي.
الأمر الثالث : إنه قيل(١) بدلالة الأمر بالشيء بالتضمن على النهي عن الضد العام، بمعنى الترك، حيث أنه يدل على الوجوب المركب من طلب الفعل والمنع عن الترك.
والتحقيق أنه لا يكون الوجوب إلا طلباً بسيطاً، ومرتبة وحيدة أكيدة من الطلب، لا مركباً من طلبين، نعم في مقام تحديد تلك المرتبة وتعيينها، ربما يقال: الوجوب يكون عبارة من طلب الفعل مع المنع عن الترك، ويتخيل منه أنه يذكر له حداً، فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب ومقوماته، بل من خواصه ولوازمه، بمعنى أنه لو التفت الآمر إلى الترك لما كان راضياً به لا محالة، وكان يبغضه البتة.
ومن هنا انقدح أنه لا وجه لدعوى العينية، ضرورة أن اللزوم يقتضي الاثنينية، لا الاتحاد والعينية.
نعم لا بأس بها، بأن يكون المراد بها أنه يكون هناك طلب واحد، وهو كما يكون حقيقة منسوباً إلى الوجود وبعثاً إليه، كذلك يصح أن ينسب إلى الترك بالعرض والمجاز ويكون زجراً وردعاً عنه، فافهم.
الأمر الرابع : تظهر الثمرة في أن نتيجة المسألة، وهي النهي عن الضد بناء على الاقتضاء، بضميمة أن النهي في العبادات يقتضي الفساد، يتنج فساده إذا كان عبادة.
وعن البهائيرحمهالله (٢) أنه أنكر الثمرة، بدعوى أنه لا يحتاج في استنتاج الفساد إلى النهي عن الضد، بل يكفي عدم الأمر به، لاحتياج العبادة إلى الأمر.
____________________
(١) القائل هو صاحب المعالم، المعالم / ٦٣.
(٢) زبدة الأصول / ٨٢، مخطوط.
وفيه: إنه يكفي مجرد الرجحان والمحبوبية للمولى، كي يصح أن يتقرب به منه، كما لا يخفى، والضدّ بناءً على عدم حرمته يكون كذلك، فإن المزاحمة على هذا لا يوجب إلا ارتفاع الأمر المتعلق به فعلاً، مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة، كما هو مذهب العدلية، أو غيرها أيّ شيء كان، كما هو مذهب الأشاعرة، وعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرب به كما حدث، بناءً على الاقتضاء.
ثم إنه تصدى جماعة من الأفاضل(١) ، لتصحيح الأمر بالضد بنحو الترتب على العصيان، وعدم إطاعة الأمر بالشيء بنحو الشرط المتأخر، أو البناء على معصيته(٢) بنحو الشرط المتقدم، أو المقارن، بدعوى أنه لا مانع عقلاً عن تعلق الأمر بالضدين كذلك، أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقاً، والأمر بغيره معلقاً على عصيان ذاك الأمر، أو البناء والعزم عليه، بل هو واقع كثيراً عرفاً.
قلت: ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد، آتٍ في طلبهما كذلك، فإنه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما، إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة، وعدم سقوطه بعدُ بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً، لتحقق ما هو شرط فعليته فرضاً.
لا يقال: نعم لكنه بسوء اختيار المكلف حيق يعصي فيما بعدُ بالاختيار، فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلا الطلب بالأهم، ولا برهان على امتناع الاجتماع، إذا كان بسوء الاختيار.
فإنه يقال: استحالة طلب الضدين، ليس إلا لأجل استحالة طلب المحال، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته، لا تختص بحال دون
____________________
(١) منهم صاحب كشف الغطاء، كشف الغطاء / ٢٧، البحث الثامن عشر.
(٢) في «ب» معصية، وفي بعض النسخ المطبوعة «المعصية».
حال، وإلا لصح فيما علق على أمر اختياريّ في عرض واحد، بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب، مع أنه محال بلا ريب ولا إشكال.
إن قلت: فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك، فإن الطلب في كلّ منهما في الأول يطارد الآخر، بخلافه في الثاني، فإن الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم، فإنه يكون على تقدير عدم الإتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه، وعدم عصيان أمره.
قلت: ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم؟ وهل يكون طرده له إلا من جهة فعليته، ومضادة متعلقه للأهم؟ والمفروض فعليته، ومضادّة متعلقه له.
وعدم إرادة غير الأهم على تقدير الإتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه مع تحققه، على تقدير عدم الإتيان به وعصيان أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير، مع ما هما عليه من المطاردة، من جهة المضادّة بين المتعلقين، مع أنه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم، فإنه على هذا الحال يكون طارداً لطلب الضد، كما كان في غير هذا الحال، فلا يكون له معه أصلاً بمجال.
إن قلت: فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين في العرفيات؟
قلت: لا يخلو: إما أن يكون الأمر بغير الأهم، بعد التجاوز عن الأمر به وطلبه حقيقة.
وإمّا أن يكون الأمر به إرشاداً إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض لولا المزاحمة، وأن الإتيان به يوجب استحقاق المثوبة فيذهب بها بعض ما استحقه من العقوبة على مخالفة الأمر بالأهم، لا أنه أمر مولوي فعلي كالأمر به، فافهم وتامل جيداً.
ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب، بما هو لازمه من الاستحقاق في
صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد، ولذا كان سيدنا الأستاذقدسسره (١) لا يلتزم به - على ما هو ببالي - وكنا نورد به على الترتب، وكان بصدد تصحيحه، فقد ظهر أنه لا وجه لصحة العبادة، مع مضادتها لما هو أهم منها، إلا ملاك الأمر.
نعم فيما إذا كانت موسعة، وكانت مزاحمة بالأهم ببعض الوقت، لا في تمامه، يمكن أن يقال: إنه حيث كان الأمر بها على حاله، وإن صارت مضيقة بخروج ما زاحمه الأهم من أفرادها من تحتها، أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذاك الأمر، فإنه وإن كان خارجاً عن تحتها بما هي مأمور بها، إلا أنه لما كان وافياً بغرضها كالباقي تحتها، كان عقلاً مثله في الإتيان به في مقام الامتثال، والإتيان به بداعي ذاك الأمر، بلا تفاوت في نظره بينهما أصلاً.
ودعوى أن الأمر لا يكاد يدعو إلا إلى ما هو من أفراد الطبيعة المأمور بها، وما زوحم منها بالأهم، وإن كان من أفراد الطبيعة، لكنه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها،فاسدة ، فإنه إنما يوجب ذلك، إذا كان خروجه عنها بما هي كذلك تخصيصاً لا مزاحمة، فإنه معها وإن كان لا تعمه الطبيعة المأمور بها، إلا أنه ليس لقصور فيه، بل لعدم إمكان تعلق الأمر بما تعمه عقلاً، وعلى كل حال، فالعقل لا يرى تفاوتاً في مقام الامتثال وإطاعة الأمر بها، بين هذا الفرد وسائر الافراد أصلاً.
____________________
(١) هو آية الله مجدد المذهب الحاج ميرزا محمد حسن بن السيد ميرزا محمود الحسيني الشيرازي ولد في ١٥ ج ١ ١٢٣٠، حضر درس المحقق السيد حسن المدرس والمحقق الكلباسي قصد العراق عام ١٢٥٩، حضر الأندية العلمية، اختصّ في التلمذة والحضور بأبحاث المحقق الأنصاري، عين مرجعاً بعده، حجّ سنة ١٢٨٨، وهاجر إلى سامراء شعبان سنة ١٢٩١ ثم تبعه تلاميذه، أخذ منه كثير من فحول العلماء، منهم: آقا رضا الهمداني والشيخ فضل الله النوري والآخوند الخراساني، توفي ليلة الأربعاء ٢٤ شعبان ١٣١٢ ه.
(الكنى والألقاب ٣ / ١٨٤)
هذا على القول بكون الأوامر متعلقة بالطبائع.
وأما بناء على تعلقها بالأفراد فكذلك، وإن كان جريانه عليه أخفى، كما لايخفى، فتأمل.
ثم لا يخفى أنه بناءً على إمكان الترتب وصحته، لابد من الالتزام بوقوعه، من دون انتطار دليل آخر عليه، وذلك لوضوح أن المزاحمة على صحة الترتب لا تقتضي عقلاً إلا امتنع الاجتماع في عرض واحد، لا كذلك، فلو قيل بلزوم الأمر في صحة العبادة: ولم يكن في الملاك كفاية، كانت العبادة مع ترك الأهم صحيحة لثبوت الأمر بها في هذا الحال، كما إذا لم تكن هناك مضادة.
فصل
لا يجوز أمر الآمر، مع علمه بانتفاء شرطه، خلافاً لما نسب(١) إلى أكثر مخالفينا(٢) ، ضرورة أنه لا يكاد يكون الشيء مع عدم علته، كما هو المفروض هاهنا، فإن الشرط من أجزائها، انحلال المركب بانحلال بعض أجزائه مما لا يخفى، وكون الجواز في العنوان بمعنى الإمكان الذاتي بعيد عن محل الخلاف بين الأعلام.
نعم لو كان المراد من لفظ الأمر، الأمر ببعض مراتبه، ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الأخر، بأن يكون النزاع في أن أمر الآمر يجوز إنشاءً مع علمه بانتفاء شرطه، بمرتبة فعلية.
وبعبارة أخرى: كان النزاع في جواز إنشائه مع العلم بعدم بلوغه إلى المرتبة الفعلية لعدم شرطه،لكان جائزاً ، وفي وقوعه في الشرعيات والعرفيات
____________________
(١) كما في معالم الأصول / ٨٥، وقوانين الأصول / ١٢٥.
(٢) راجع شرح مختصر الأصول للعضدي / ١٠٧، وتيسير التحرير ٢ / ٢٤٠.
غنى وكفاية، ولا يحتاج معه إلى مزيد بيان أو مؤونة برهان.
وقد عرفت سابقاً(١) أن داعي إنشاء الطلب، لا ينحصر بالبعث و التحريك جداً حقيقة، بل قد يكون صورياً امتحاناً، وربما يكون غير ذلك.
ومنع كونه أمراً إذا لم يكن بداعي البعث جداً واقعاً، وإن كان في محله، إلا أن إطلاق الأمر عليه، إذا كانت هناك قرينة على أنه بداعٍ آخر غير البعث توسعاً، مما لا بأس به أصلاً، كما لا يخفى.
وقد ظهر بذلك حال ما ذكره الأعلام في المقام من النقض والإبرام، وربما يقع به التصالح بين الجانبين ويرتفع النزاع من البين، فتأمل جيداً.
فصل
الحق أن الأوامر والنواهي تكون متعلقة بالطبائع دون الأفراد، ولا يخفى أن المراد أن متعلق الطلب في الأوامر هو صرف الإيجاد، كما أن متعلقه في النواهي هو محض الترك، ومتعلقهما هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود والمقيدة بقيود، تكون بها موافقة للغرض والمقصود، من دون تعلق غرض بإحدى الخصوصيات اللازمة للوجودات، بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكناً، لما كان ذلك مما يضر بالمقصود أصلاً، كما هو الحال في القضية الطبيعية في غير الأحكام، بل في المحصورة، على ما حقق في غير المقام.
وفي مراجعة الوجدان للإنسان غنى وكفاية عن إقامة البرهان على ذلك، حيث يرى إذا راجعه أنه لا غرض له في مطلوباته إلا نفس الطبائع، ولا نظر له إلا إليها من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية، وعوارضها العينية، وإن نفس وجودها السعي بما هو وجودها تمام المطلوب، وإن كان ذاك الوجود
____________________
(١) في المقصد الأول، الفصل الثاني، المبحث الأول صفحة / ٦٩.
لا يكاد ينفك في الخارج عن الخصوصية.
فانقدح بذلك أن المراد بتعلق الأوامر بالطبائع دون الأفراد، انها بوجودها السعي بما هو وجودها قبالاً لخصوص الوجود، متعلقة للطلب، لا أنها بما هي هي كانت متعلقة له، كما ربما يتوهم، فإنها كذلك ليست إلا هي، نعم هي كذلك تكون متعلقة للأمر، فإنه طلب الوجود، فافهم.
دفع وهم : لا يخفى أن كون وجود الطبيعة أو الفرد متعلقاً للطلب، إنما يكون بمعنى أن الطالب يريد صدور الوجود من العبد، وجعله بسيطاً الذي هو مفاد كان التامة، وإفاضته، لا أنه يريد ما هو صادر وثابت في الخارج كي يلزم طلب الحاصل، كما توهم، ولا جعل الطلب متعلقا بنفس الطبيعة، وقد جعل وجودها غاية لطلبها.
وقد عرفت أن الطبيعة بما هي هي ليست إلا هي، لا يعقل أن يتعلق بها طلب لتوجد أو تترك، وأنه لابد في تعلق الطلب من لحاظ الوجود أو العدم معها، فيلاحظ وجودها فيطلبه ويبعث إليه، كي يكون ويصدر منه، هذا بناءً على أصالة الوجود.
وأما بناءً على أصالة الماهية، فمتعلق الطلب ليس هو الطبيعة بما هي أيضاً، بل بما هي بنفسها في الخارج، فيطلبها كذلك لكي يجعلها بنفسها من الخارجيات والأعيان الثابتات، لا بوجودها كما كان الأمر بالعكس على أصالة الوجود.
وكيف كان فيلحظ الآمر ما هو المقصود من الماهية الخارجية أو الوجود، فيطلبه ويبعث نحوه ليصدر منه ويكون ما لم يكن، فافهم وتأمل جيداً.
فصل
إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ ولا المنسوخ على بقاء الجواز
بالمعنى الأعم، ولا بالمعنى الأخص، كما لا دلالة لهما على ثبوت غيره من الأحكام، ضرورة أن ثبوت كل واحد من الأحكام الأربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعاً ممكن، ولا دلالة لواحد من دليلي الناسخ والمنسوخ - بإحدى الدلالات - على تعيين واحد منها، كما هو أوضح من أن يخفى، فلابد للتعيين من دليل آخر، ولا مجال لاستصحاب الجواز، إلا بناءً على جريانه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكليّ، وهو ما إذا شك في حدوث فرد كلّي مقارناً لارتفاع فرده الآخر، وقد حققنا في محله(١) ، أنه لا يجري الاستصحاب فيه، ما لم يكن الحادث المشكوك من المراتب القوية أو الضعيفة المتصلة بالمرتفع، بحيث عد عرفاً - لو كان - أنه باق، لا أنه أمر حادث غيره.
ومن المعلوم أن كل واحد من الأحكام مع الآخر عقلاً وعرفاً، من المباينات والمتضادات، غير الوجوب والاستحباب، فإنه وإن كان بينهما التفاوت بالمرتبة والشدة والضعف عقلاً إلا أنهما متباينان عرفاً، فلا مجال للاستصحاب إذا شك في تبدل أحدهما بالآخر، فإن حكم العرف ونظره يكون متّبعاً في هذا الباب.
فصل
إذا تعلق الأمر بأحد(٢) الشيئين أو الأشياء، ففي وجوب كل واحد على التخيير، بمعنى عدم جواز تركه إلا إلى بدل، أو وجوب الواحد بعينه، أو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما، أو وجوب لمعيّن عند الله، أقوال.
والتحقيق أن يقال: إنه إن كان الأمر بأحد الشيئين، بملاك أنه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما، بحيث إذا أتى بأحدهما حصل به تمام
____________________
(١) في التنبيه الثالث من تنبيهات الاستصحاب / ٤٠٦.
(٢) في «ب» باحدى.
الغرض، ولذا يسقط به الأمر، كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما، وكان التخيير بينهما بحسب الواقع عقلياً لا شرعياً، وذلك لوضوح أن الواحد لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان، ما لم يكن بينهما جامع في البين، لاعتبار نحو من السنخية بين العلة والمعلول.
وعليه: فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعي، لبيان أن الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين.
وإن كان بملاك أنه يكون في كل واحد منهما غرض، لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر بإتيانه، كان كل واحد واجباً بنحو من الوجوب، يستكشف عنه تبعاته، من عدم جواز تركه إلا إلى الآخر، وترتب الثواب على فعل الواحد منهما، والعقاب على تركهما، فلا وجه في مثله للقول بكون الواجب هو(١) أحدهما لا بعينه مصداقاً ولا مفهوماً، كما هو واضح، إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأول، من أن الواجب هو الواحد الجامع بينهما، ولا أحدهما معينا، مع كون كل منهما مثل الآخر في أنه وافٍ بالغرض [ولا كل واحد منهما تعينا مع السقوط بفعل أحدهما، بداهة عدم السقوط مع إمكان استيفاء ما في كل منهما من الغرض، وعدم جواز الإيجاب كذلك مع عدم إمكانه](٢) فتدبر.
بقي الكلام في أنه هل يمكن التخيير عقلاً أو شرعاً بين الأقل والاكثر، أولا؟
____________________
(١) فإنه وإن كان مما يصح أن يتعلق به بعض الصفات الحقيقية ذات الإضافة كالعلم، فضلاً عن الصفات الاعتبارية المحضة كالوجوب والحرمة وغيرهما، مما كان من خارج المحمول الذي ليس بحذائه في الخارج شيء غير ما هو منشأ انتزاعه، إلا أنه لا يكاد يصح البعث حقيقة إليه، والتحريك نحوه، كما لا يكاد يتحقق الداعي لإرادته، والعزم عليه، ما لم يكن مائلاً إلى إرادة الجامع، والتحرك نحوه، فتأمل جيداً (منهقدسسره ).
(٢) أثبتناها من «ب».
ربما يقال، بأنه محال، فإن الأقل إذا وجد كان هو الواجب لا محالة، ولو كان في ضمن الأكثر، لحصول الغرض به، وكان الزائد عليه من أجزاء الأكثر زائداً على الواجب، لكنه ليس كذلك، فإنه إذا فرض أن المحصِّل للغرض فيما إذا وجد الأكثر، هو الأكثر لا الأقل الذي في ضمنه، بمعنى أن يكون لجميع أجزائه حينئذ دخل في حصوله، وإن كان الأقل لو لم يكن في ضمنه كان وافياً به أيضاً، فلا محيص عن التخيير بينهما، إذ تخصيص الأقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص، فإن الأكثر بحده يكون مثله على الفرض، مثل أن يكون الغرض الحاصل من رسم الخط مترتباً على الطويل إذا رسم بماله من الحد، لا على القصير في ضمنه، ومعه كيف يجوز تخصيصه بما لا يعمه؟ ومن الواضح كون هذا الفرض بمكان من الإمكان.
إن قلت: هبه في مثل ما إذا كان للأكثر وجود واحد، لم يكن للأقل في ضمنه وجود على حدة، كالخط الطويل الذي رسم دفعة بلا تخلّل سكون في البين، لكنه ممنوع فيما كان له في ضمنه وجود، كتسبيحة في ضمن تسبيحات ثلاث، أو خط طويل رسم مع تخلّل العدم في رسمه، فإن الأقل قد وجد بحدِّه، وبه يحصل الغرض على الفرض، ومعه لا محالة يكون الزائة عليه مما لا دخل له في حصوله، فيكون زائداً على الواجب، لا من أجزائه.
قلت: لا يكاد يختلف الحال بذاك، فإنه مع الفرض لا يكاد يترتب الغرض على الأقل في ضمن الأكثر، وإنما يترتب عليه بشرط عدم الانضمام، ومعه كان مترتباً على الأكثر بالتمام.
وبالجملة إذا كان كل واحد من الأقل والأكثر بحدِّه مما يترتب عليه الغرض، فلا محالة يكون الواجب هو الجامع بينهما، وكان التخيير بينهما عقلياً إن كان هناك غرض واحد، وتخييراً شرعياً فيما كان هناك غرضان، على ما عرفت.
نعم لو كان الغرض مترتباً على الأقل، من دون دخل للزائد، لما كان الأكثر مثل الأقل وعدلاً له، بل كان فيه اجتماع الواجب وغيره، مستحباً كان أو غيره، حسب اختلاف الموارد، فتدبر جيداً.
فصل
في الوجوب(١) الكفائي:
والتحقيق أنه سنخ من الوجوب، وله تعلق بكل واحد، بحيث لو أخلّ بامتثاله الكل لعوقبوا على مخالفته جميعاً، وإن سقط عنهم لو أتى به بعضهم، وذلك لأنه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد، حصل بفعل واحد، صادر عن الكل أو البعض.
كما أن الظاهر هو امتثال الجميع لو أتوا به دفعة، واستحقاقهم للمثوبة، وسقوط الغرض بفعل الكل، كما هو قضية توارد العلل المتعدِّدة على معلول واحد.
فصل
لا يخفى أنه وإن كان الزمان مما لا بد منه عقلاً في الواجب إلا أنه تارة مما له دخل فيه شرعاً فيكون موقّتاً، وأخرى لا دخل له فيه أصلاً فهو غير موقت، والموقت إما أن يكون الزمان المأخوذ فيه بقدره فمضيّق، وإما أن يكون أوسع منه فموسّع.
ولا يذهب عليك أن الموسع كلّي، كما كان له أفراد دفعيّة، كان له أفراد تدريجية، يكون التخيير بينها كالتخيير بين أفرادها الدفعية عقلياً.
ولا وجه لتوهم أن يكون التخيير بينها شرعياً، ضرورة أن نسبتها إلى الواجب نسبة أفراد الطبائع إليها، كما لا يخفى، ووقوع الموسّع فضلاً عن
____________________
(١) في «ب»: في الوجوب الواجب الكفائى.
إمكانه، مما لا ريب فيه، ولا شبهة تعتريه، ولا اعتناء ببعض التسويلات كما يظهر من المطوّلات.
ثم إنه لا دلالة للأمر بالموقّت بوجه على الأمر به في خارج الوقت، بعد فوته في الوقت، لو لم نقل بدلالته على عدم الأمر به.
نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل، لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت، وكان لدليل الواجب إطلاق، لكان قضيّة إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت، وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله.
وبالجملة: التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب، كذلك ربما يكون بنحو تعدُّد المطلوب، بحيث كان أصل الفعل، ولو في خارج الوقت مطلوباً في الجملة، وإن لم يكن بتمام المطلوب، إلا أنه لابد في إثبات أنه بهذا النحو من دلالة، ولا يكفي الدليل على الوقت إلا فيما عرفت، ومع عدم الدلالة فقضية أصالة البراءة عدم وجوبها في خارج الوقت، ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت، فتدبر جيداً.
فصل
الأمر بالأمر بشيء، أمر به لو كان الغرض حصوله، ولم يكن له غرض في توسيط أمر الغير به إلا تبليغ(١) أمره به، كما هو المتعارف في أمر الرسل بالأمر أو النهي. وأما لو كان لغرض من ذلك يحصل بأمره بذاك الشيء، من دون تعلق غرضه به، أو مع تعلق غرضه به لا مطلقاً، بل بعد تعلق أمره به، فلا يكون أمراً بذاك الشيء، كما لا يخفى.
وقد انقدح بذلك أنه لا دلالة بمجرد الأمر بالأمر، على كونه أمراً به، ولا بد في الدلالة
____________________
(١) في «ب»: بتبليغ.
عليه من قرينة عليه.
فصل
إذا ورد أمر بشئ بعد الأمر به قبل امتثاله فهل يوجب تكرار ذاك الشيء، أو تأكيد الأمر الأول، والبعث الحاصل به؟ قضية إطلاق المادة هو التأكيد، فإن الطلب تأسيساً لا يكاد يتعلق بطبيعة واحدة مرتين، من دون أن يجيء تقييد لها في البين، ولو كان بمثل (مرّة اخرى) كي يكون متعلق كلٍّ منهما غير متعلق الاخر، كما لا يخفى، والمنساق من إطلاق الهيئة، وإن كان هو تأسيس الطلب لا تأكيده، إلا أن الظاهر هو انسباق التأكيد عنها، فيما كانت مسبوقة بمثلها، ولم يذكر هناك سبب، أو ذكر سبب واحد.
المقصد الثاني:
في النواهي
المقصد الثاني: في النواهي
فصل
الظاهر أن النهي بمادته وصيغته في الدلالة على الطلب، مثل الأمر بمادته وصيغته، غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود، وفي الآخر العدم، فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت أصلاً، نعم يختص النهي بخلاف، وهو: إن متعلق الطلب فيه، هل هو الكف، أو مجرد الترك وأن لا يفعل؟
والظاهر هو الثاني، وتوهم أن الترك ومجرد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار، فلا يصح أن يتعلق به البعث والطلب، فاسد، فإن الترك أيضاً يكون مقدوراً، وإلا لما كان الفعل مقدوراً وصادراً بالإرادة والاختيار، وكون العدم الأزلي لا بالاختيار، لا يوجب أن يكون بحسب البقاء والاستمرار الذي يكون بحسبه محلاً للتكليف.
ثم إنه لا دلالة لصيغته على الدوام والتكرار، كما لا دلالة لصيغة الأمر وإن كان قضيتهما عقلاً تختلف ولو مع وحدة متعلقهما، بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها وقيدها تعلق بها الأمر مرة والنهي أخرى، ضرورة أن وجودها يكون بوجود فرد واحد، وعدمها لا يكاد يكون إلا بعدم الجميع، كما لا يخفى.
ومن ذلك يظهر أن الدوام والاستمرار، إنما يكون في النهي إذا كان متعلقه طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال، فإنه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة، إلا بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية.
وبالجملة قضية النهي، ليس إلا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له، كانت مقيدة أو مطلقة، وقضية تركها عقلاً، إنما هو ترك جميع أفرادها.
ثم إنه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف، أو عدم إرادته، بل لابد في تعيين ذلك من دلالة، ولو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة، ولا يكفي إطلاقها من سائر الجهات، فتدبر جيداً.
فصل
اختلفوا في جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد وامتناعه على أقوال:(١) ثالثها (٢) : جوازه عقلاً وامتناعه عرفاً، وقبل الخوض في المقصود يقدم أمور:
الأول : المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين، ومندرجاً تحت عنوانين، بأحدهما كان مورداً للامر، وبالآخر للنهي، وإن كان كلياً مقولاً على كثيرين، كالصلاة في المغصوب، وإنما ذكر لإخراج ما إذا تعدد متعلق الأمر والنهي ولم يجتمعا وجوداً، ولو جمعهما واحد مفهوماً، كالسجود لله تعالى، والسجود للصنم مثلاً، لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة والسكون الكليين المعنونين بالصلاتية والغصبية.
الثاني : الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي في العبادة(٣) ، هو أن الجهة المبحوث عنها فيها التي بها تمتاز المسائل، هي أن تعدد الوجه والعنوان في الواحد يوجب تعدد متعلق الأمر والنهي، بحيث يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه، بل يكون حاله حاله، فالنزاع في سراية كل
____________________
(١) راجع مطارح الأنظار / ١٢٩. في اجتماع الأمر والنهي.
(٢) مجمع الفائدة والبرهان للأردبيلي ٢: ١١٠.
(٣) في «ب» العبادات.
من الأمر والنهي إلى متعلق الآخر، لاتحاد متعلقيهما وجوداً، وعدم سرايته لتعددهما وجهاً، وهذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الأخرى، فإن البحث فيها في أن النهي في العبادة [أو المعاملة](١) يوجب فسادها، بعد الفراغ عن التوجه إليها.
نعم لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي في مسألة الاجتماع، يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة.
فانقدح أن الفرق بين المسألتين في غاية الوضوح، وأماما أفاده في الفصول(٢) ، من الفرق بما هذه عبارته:
(ثم اعلم أن الفرق بين المقام والمقام المتقدم، وهو أن الأمر والنهي هل يجتمعان في شيء واحد أو لا؟ أما في المعاملات فظاهر، وأما في العبادات، فهو أن النزاع هناك فيما إذا تعلق الأمر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة، وإن كان بينهما عموم مطلق، وهنا فيما إذا اتحدتا حقيقة وتغايرتا بمجرد الإطلاق والتقييد، بأن تعلق الأمر بالمطلق، والنهي بالمقيد) انتهى موضع الحاجة، فاسد، فإن مجرد تعدد الموضوعات وتغايرها بحسب الذوات، لا يوجب التمايز بين المسائل، ما لم يكن هناك اختلاف الجهات، ومعه لا حاجة أصلاً إلى تعددها، بل لابد من عقد مسألتين، مع وحدة الموضوع وتعدد الجهة المبحوث عنها، وعقد مسألة واحدة في صورة العكس، كما لا يخفى.
ومن هنا انقدح أيضاً فساد الفرق، بأن النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلاً، وهناك في دلالة النهي لفظاً، فإن مجرد ذلك لو لم يكن تعدد الجهة في البين، لا يوجب إلا تفصيلاً في المسألة الواحدة، لا عقد مسألتين، هذا مع
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
(٢) الفصول / ١٤٠، فصل في دلالة النهي على فساد المنهي عنه.
عدم اختصاص النزاع في تلك المسألة بدلالة اللفظ، كما سيظهر.
الثالث : إنه حيث كانت نتيجة هذه المسألة مما تقع في طريق الاستنباط، كانت المسألة من المسائل الأصولية، لا من مبادئها الأحكامية، ولا التصديقية، ولا من المسائل الكلامية، ولا من المسائل الفرعية، وإن كانت فيها جهاتها، كما لا يخفى، ضرورة أن مجرد ذلك لا يوجب كونها منها إذا كانت فيها جهة أخرى، يمكن عقدها معها من المسائل، إذ لا مجال حينئذ لتوهم عقدها من غيرها في الأصول، وإن عقدت كلامية في الكلام، وصح عقدها فرعية أو غيرها بلا كلام، وقد عرفت في أول الكتاب(١) أنه لا ضير في كون مسألة واحدة، يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين، لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة، كانت بإحداهما من مسائل علم، وبالأخرى من آخر، فتذكر.
الرابع : إنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه، أن المسألة عقلية، ولا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع والامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب والتحريم باللفظ، كما ربما يوهمه التعبير بالأمر والنهي الظاهرين في الطلب بالقول، إلا أنه لكون الدلالة عليهما غالباً بهما، كما هو أوضح من أن يخفى، وذهاب البعض(٢) إلى الجواز عقلاً والامتناع عرفاً، ليس بمعنى دلالة اللفظ، بل بدعوى أن الواحد بالنظر الدقيق العقلي اثنان، وأنه بالنظر المسامحي العرفي واحد ذو وجهين، وإلا فلا يكون معنى محصلاً للامتناع العرفي، غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع، فتدبر جيداً.
الخامس : لا يخفى أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع والامتناع يعم جميع أقسام الايجاب والتحريم، كما هو قضية إطلاق لفظ الأمر والنهي،
____________________
(١) في الأمر الأول من مقدمة الكتاب / ٧.
(٢) الأردبيلي في شرح الإرشاد ٢ / ١١٠.
ودعوى الانصراف إلى النفسيين التعيينيين العينيين في مادتهما، غير خالية عن الاعتساف، وإن سلم في صيغتهما، مع أنه فيها ممنوع(١) .
نعم لا يبعد دعوى الظهور والانسباق من الإطلاق، بمقدمات الحكمة الغير الجارية في المقام، لما عرفت من عموم الملاك لجميع الأقسام، وكذا ما وقع في البين من النقض والابرام، مثلاً إذا أمر بالصلاة والصوم تخييراً بينهما، وكذلك نهى عن التصرف في الدار والمجالسة مع الأغيار، فصلى فيها مع مجالستهم، كان حال الصلاة فيها حالها، كما إذا أمر بها تعييناً(٢) ، ونهى عن التصرف فيها كذلك في جريان النزاع في الجواز والامتناع، ومجيئ أدلة الطرفين، وما وقع من النقض والإبرام في البين، فتفطن.
السادس : إنه ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة في مقام الامتثال، بل ربما قيل: بأن الإطلاق إنما هو للاتكال على الوضوح، إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال.
ولكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها في ما هو المهم في محل النزاع من لزوم المحال، وهو اجتماع الحكمين المتضادين، وعدم الجدوى في كون موردهما موجهاً بوجهين في رفع غائلة اجتماع الضدين، أو عدم لزومه، وأن تعدد الوجه يجدي في رفعها، ولا يتفاوت في ذلك أصلاً وجود المندوحة وعدمها، ولزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع.
نعم لابد من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلاً، لمن يرى التكليف بالمحال محذوراً ومحالاً، كما ربما لابد من اعتبار أمر آخر في الحكم به كذلك أيضاً.
وبالجملة لا وجه لاعتبارها، إلا لأجل اعتبار القدرة على الامتثال، وعدم
____________________
(١) في «ب»: ممنوعة.
(٢) في «ب»: تعيّناً.
لزوم التكليف بالمحال، ولا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف المحال، فافهم واغتنم.
السابع : إنه ربما يتوهم تارةً أن النزاع في الجواز والامتناع، يبتني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع، وأما الامتناع على القول بتعلقها بالأفراد فلا يكاد يخفى، ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي، ولو كان ذا وجهين على هذا القول.
وأخرى أن القول بالجواز مبني على القول بالطبائع، لتعدد متعلق الأمر والنهي ذاتاً عليه، وإن اتحد وجوداً، والقول بالامتناع على القول بالافراد، لاتحاد متعلقهما شخصاً خارجاً، وكونه فرداً واحداً.
وأنت خبير بفساد كلا التوهمين، فإن تعدد الوجه إن كان يجدي بحيث لايضر معه الاتحاد بحسب الوجود والإيجاد، لكان يجدي ولو على القول بالافراد، فإن الموجود الخارجي الموجه بوجهين، يكون فرداً لكل من الطبيعتين، فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد، فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين، لا يضر بكون المجمع اثنين بما هو مصداق وفرد لكل من الطبيعتين، وإلا لما كان يجدي أصلاً، حتى على القول بالطبائع، كما لا يخفى، لوحدة الطبيعتين وجوداً واتحادهما خارجاً، فكما أن وحدة الصلاتية والغصبية في الصلاة في الدار المغصوبة وجوداً غير ضائر بتعددهما وكونها طبيعتين، كذلك وحدة ما وقع في الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجوداً غير ضائر بكونه فرداً للصلاة، فيكون مأموراً به، وفرداً للغصب فيكون منهياً عنه، فهو على وحدته وجوداً يكون اثنين، لكونه مصداقاً للطبيعتين، فلا تغفل.
الثامن : إنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع، إلا إذا كان في كل واحد من متعلقي الإيجاب والتحريم مناط حكمه مطلقاً، حتى في مورد
التصادق والاجتماع، كي يحكم على الجواز بكونه فعلاً محكوماً بالحكمين وعلى الامتناع بكونه محكوماً بأقوى المناطين، أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى، كما يأتي تفصيله(١) .
وأما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك، فلا يكون من هذا الباب، ولا يكون مورد الاجتماع محكوماً إلا بحكم واحد منها، إذا كان له مناطه، أو حكم آخر غيرهما، فيما لم يكن لواحد منهما، قيل بالجواز والامتناع، هذا بحسب مقام الثبوت.
وأما بحسب مقام الدلالة والإثبات، فالروايتان الدالّتان على الحكمين متعارضتان، إذا احرز أن المناط من قبيل الثاني، فلابد من حمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح والتخيير، وإلا فلا تعارض في البين، بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين، فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلاً، لكونه أقوى مناطاً، فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات أصلاً، بل لابد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات، كما يأتي الإشارة(٢) إليها.
نعم لو كان كل منها متكفلاً للحكم الفعلي، لوقع بينهما التعارض، فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة، لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة، فتفطن.
التاسع : إنه قد عرفت أن المعتبر في هذا الباب، أن يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها والمنهي عنها، مشتملة على مناط الحكم مطلقاً، حتى في حال الاجتماع، فلو كان هناك ما دلّ على ذلك من إجماع أو غيره فلا إشكال، ولو لم يكن إلا إطلاق دليلي الحكمين، ففيه تفصيل وهو:
إن الإطلاق لو كان في بيان الحكم الاقتضائي، لكان دليلاً على ثبوت
____________________
(١ و٢) راجع التنبيه الثاني من تنبيهات اجتماع الأمر والنهي، ص ١٧٤.
المقتضي والمناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب، ولو كان بصدد الحكم الفعلي، فلا إشكال في استكشاف ثبوت المقتضي في الحكمين على القول بالجواز، إلا إذا علم إجمالاً بكذب أحد الدليلين، فيعامل معهما معاملة المتعارضين. وأما على القول بالامتناع فالإطلاقان متنافيان، من غير دلالة على ثبوت المقتضي للحكمين في مورد الاجتماع أصلاً، فإن انتفاء أحد المتنافيين، كما يمكن أن يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن أن يكون لأجل انتفائه، إلا أن يقال: إن قضية التوفيق بينهما، هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي، لو لم يكن أحدهما أظهر، وإلا فخصوص الظاهر منهما.
فتلخص أنه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين، كان من مسألة الاجتماع، وكلما لم تكن هناك دلالة عليه، فهو من باب التعارض مطلقاً، إذا كانت هناك دلالة على انتفائه في أحدهما بلا تعيين ولوعلى الجواز، وإلا فعلى الامتناع.
العاشر (١) : إنه لا إشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز مطلقاً، ولو في العبادات، وإن كان معصية للنهي أيضاً، وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر، إلا أنه لا معصية عليه، وأما عليه وترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر به مطلقاً في غير العبادات، لحصول الغرض الموجب له، وأما فيها فلا، مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيراً، فإنه وإن كان متمكناً - مع عدم الالتفات - من قصد القربة، وقد قصدها، إلا أنه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرب به أصلاً، فلا يقع مقرباً، وبدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عبادة، كما لا يخفى. وأما إذا لم يلتفت إليها قصوراً، وقد قصد القربة بإتيانه، فالأمر
____________________
(١) من هنا إلى ص ١٨٤ عند قوله «ضرورة أنه لو لا جلعه» سقط من نسخة (أ) المعتمدة عندنا.
يسقط، لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به، لاشتماله على المصلحة، مع صدوره حسناً لأجل الجهل بحرمته قصوراً، فيحصل به الغرض من الأمر، فيسقط به قطعاً، وإن لم يكن امتثالاً له بناءً على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعاً، لا لما هو المؤثر منها فعلاً للحسن أو القبح، لكونهما تابعين لما علم منهما كما حقق في محله.
مع أنه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك، فإن العقل لا يرى تفاوتا بينه وبين سائر الأفراد في الوفاء بغرض(١) الطبيعة المأمور بها، وإن لم تعمه بما هي مأمور بها، لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي.
ومن هنا انقدح أنه يجزي، ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادة، وعدم كفاية الإتيان بمجرد المحبوبية، كما يكون كذلك في ضد الواجب، حيث لا يكون هناك أمر يقصد أصلاً.
وبالجملة مع الجهل قصوراً بالحرمة موضوعاً أو حكماً، يكون الإتيان بالمجمع امتثالاً، وبداعي الأمر بالطبيعة لا محالة، غاية الأمر أنه لا يكون مما تسعه بما هي مأمور بها، لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للأحكام الواقعية، وأما لو قيل بعدم التزاحم إلا في مقام فعلية الأحكام، لكان مما تسعه وامتثالاً لأمرها بلا كلام.
وقد انقدح بذلك الفرق بين ما اذا كان دليلا الحرمة والوجوب متعارضين، وقدم دليل الحرمة تخييراً أو ترجيحاً، حيث لا يكون معه مجال للصحة أصلاً، وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع.
وقيل بالامتناع، وتقديم جانب الحرمة، حيث يقع صحيحاً في غير مورد من موارد الجهل والنسيان، لموافقته للغرض بل للأمر، ومن هنا علم أن
____________________
(١) في «ب»: لغرض، وما أثبتناه من النسخ المطبوعة هو الأصحّ.
الثواب عليه من قبيل الثواب على الإطاعة، لا الانقياد ومجرد اعتقاد الموافقة.
وقد ظهر بما ذكرناه، وجه حكم الأصحاب بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، مع النسيان أو الجهل بالموضوع، بل أو الحكم إذا كان عن قصور، مع أن الجلّ لو لا الكلّ قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة، ويحكمون بالبطلان في غير موارد العذر، فلتكن من ذلك على ذكر.
إذا عرفت هذه الامور، فالحق هو القول بالامتناع، كما ذهب إليه المشهور، وتحقيقه على وجه يتضح به فساد ما قيل، أو يمكن أن يقال، من وجوه الاستدلال لسائر الأقوال، يتوقف على تمهيد مقدمات:
إحداها : إنه لاريب في أن الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها، وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان والزجر عنه في ذاك الزمان، وإن لم يكن بينها مضادة ما لم يبلغ إلى تلك المرتبة، لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الإنشائية قبل البلوغ اليها، كما لا يخفى، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضاً.
ثانيتها : إنه لا شبهة في أن متعلق الأحكام، هو فعل المكلف وما هو في الخارج يصدر عنه، وهو فاعله وجاعله، لا ما هو اسمه، وهو واضح، ولا ما هو عنوانه مما قد انتزع عنه، بحيث لو لا انتزاعه تصوراً واختراعه ذهناً، لا كان بحذائه شئ خارجاً ويكون خارج المحمول، كالملكية والزوجية والرقية والحرية والمغصوبية(١) ، إلى غير ذلك من الاعتبارات والإضافات، ضرورة أن البعث ليس نحوه، والزجر لا يكون عنه، وإنما يؤخذ في متعلق الأحكام آلة للحاظ
____________________
(١) في «ب»: الغصبية.
متعلقاتها، والإشارة إليها، بمقدار الغرض منها والحاجة إليها، لا بما هو هو وبنفسه، وعلى استقلاله وحياله.
ثالثتها : إنه لا يوجب تعدد الوجه والعنوان تعدد المعنون، ولا ينثلم به وحدته، فإن المفاهيم المتعددة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد، وتصدق على الفارد الذي لا كثرة فيه من جهة، بل بسيط من جمبع الجهات، ليس فيه حيث غير حيث، وجهة مغايرة لجهة أصلاً، كالواجب تبارك وتعالى، فهو على بساطته ووحدته وأحديته، تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلالية والجمالية، له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، لكنها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الأحد.
عباراتنا شتى وحسنك واحد |
وكل إلى ذاك الجمال يشير |
رابعتها : إنه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد، إلّا ماهية واحدة وحقيقة فاردة، لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلا تلك الماهية، فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كل منهما ماهية وحقيقة، وكانت عينه في الخارج كما هو شأن الطبيعي وفرده، فيكون الواحد وجوداً واحداً ماهية وذاتاً لا محالة، فالمجمع وإن تصادق عليه متعلقا الأمر والنهي، إلا أنه كما يكون واحداً وجوداً، يكون واحداً ماهية وذاتاً، ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية.
ومنه يظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة، على القولين في تلك المسألة، كما توهم في الفصول(١) ، كما ظهر عدم الابتناء على تعدد وجود الجنس والفصل في الخارج، وعدم تعدده، ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس والفصل له، وإن مثل الحركة في دار من أي
____________________
(١) راجع الفصول / ١٢٥.
مقولة كانت، لا يكاد يختلف حقيقتها وماهيتها ويتخلف ذاتياتها، وقعت جزءاً للصلاة أو لا، كانت تلك الدار مغصوبة أو لا(١) .
إذا عرفت ما مهدناه، عرفت أن المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً، كان تعلق الأمر والنهي به محالاً، ولو كان تعلقهما به بعنوانين، لما عرفت من كون فعل المكلف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنه، متعلقاً للأحكام لا بعناوينه الطارئة عليه، وأن غائلة اجتماع الضدين فيه لا تكاد ترتفع بكون الأحكام تتعلق بالطبائع لا الأفراد(٢) ، فإن غاية تقريبه أن يقال: إن الطبائع من حيث هي هي، وإن كانت ليست إلا هي، ولا تتعلق بها الأحكام الشرعية، كالآثار العادية والعقلية، إلا أنها مقيدة بالوجود، بحيث كان القيد خارجاً والتقيد داخلاً، صالحة لتعلق الأحكام بها، ومتعلقا الأمر والنهي على هذا لا يكونان متحدين أصلاً، لا في مقام تعلق البعث والزجر، ولا في مقام عصيان النهي وإطاعة الأمر بإتيان المجمع بسوء الاختيار.
أما في المقام الأول، فلتعددهما بما هما متعلقان لهما وإن كانا متحدين فيما هو خارج عنهما، بما هما كذلك.
وأما في المقام الثاني، فلسقوط أحدهما بالإطاعة، والآخر بالعصيان بمجرد الإتيان، ففي أي مقام اجتمع الحكمان في واحد؟
وأنت خبير بأنه لا يكاد يجدي بعد ما عرفت، من أن تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون لا وجوداً ولا ماهية، ولا تنثلم به وحدته أصلاً، وأن المتعلق للأحكام هو المعنونات لا العنوانات، وأنها إنما تؤخذ في المتعلقات بما
____________________
(١) وقد عرفت أن صدق العناوين المتعددة، لا تكاد تنثلم به وحدة المعنون - لا ذاتاً ولا وجوداً - غايته أن تكون له خصوصية بها يستحق الاتصاف بها، ومحدوداً بحدود موجبة لانطباقها عليه، كما لا يخفى، وحدوده ومخصصاته لا توجب تعدده بوجه أصلاً، فتدبر جيداً (منهقدسسره ).
(٢) كما في قوانين الأصول ١ / ١٤٠.
هي حاكيات كالعبارات، لا بما هي على حيالها واستقلالها.
كما ظهر مما حققناه: أنه لا يكاد يجدي أيضاً كون الفرد مقدمة لوجود الطبيعي المأمور به أو المنهي عنه، وأنه لا ضير في كون المقدمة محرمة في صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار، وذلك - مضافاً إلى وضوح فساده، وأن الفرد هو عين الطبيعي في الخارج، كيف؟ والمقدمية تقتضي الاثنينية بحسب الوجود، ولا تعدد كما هو واضح - أنه إنما يجدي لو لم يكن المجمع واحداً ماهية، وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه بحسبها أيضاً واحد.
ثم إنه قد استدل(١) على الجواز بأمور:
منها (٢) : إنه لو لم يجز اجتماع الأمر والنهي، لما وقع نظيره وقد وقع، كما في العبادات المكروهة، كالصلاة في مواضع التهمة وفي الحمام والصيام في السفر وفي بعض الأيام.
بيان الملازمة: إنه لو لم يكن تعدد الجهة مجدياً في إمكان اجتماعهما لما جاز اجتماع حكمين آخرين في مورد مع تعددهما، لعدم اختصاصهما من بين الأحكام بما يوجب الامتناع من التضاد، بداهة تضادها بأسرها، والتالي باطل، لوقوع اجتماع الكراهة والإيجاب أو الاستحباب، في مثل الصلاة في الحمام، والصيام في السفر، وفي عاشوراء ولو في الحضر، واجتماع الوجوب أو الاستحباب مع الإباحة أو الاستحباب، في مثل الصلاة في المسجد أو الدار.
والجواب عنه أما إجمالاً: فبأنه لا بد من التصرف والتأويل فيما وقع في الشريعة مما ظاهره الاجتماع، بعد قيام الدليل على الامتناع، ضرورة أن
____________________
(١) انظر قوانين الأصول ١ / ١٤٠.
(٢) هذا هو الوجه الثاني الذي استدل له، قوانين الأصول ١ / ١٤٢.
الظهور لا يصادم البرهان، مع أن قضية ظهور تلك الموارد، اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد، ولا يقول الخصم بجوازه كذلك، بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين وبوجهين، فهو أيضاً لابد [له] من التفصي عن إشكال الاجتماع فيها لا سيما إذا لم يكن هناك مندوحة، كما في العبادات المكروهة التي لا بدل لها، فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلاً، كما لا يخفى.
وأمّا تفصيلاً: فقد أُجيب عنه بوجوه(١) ، يوجب ذكرها بما فيها من النقض والإبرام طول الكلام بما لا يسعه المقام، فالأولى الاقتصار على ما هو التحقيق في حسم مادة الإشكال، فيقال وعلى الله الاتكال: إن العبادات المكروهة على ثلاثة أقسام:
أحدها : ما تعلق به النهي بعنوانه وذاته، ولا بدل له، كصوم يوم عاشوراء(٢) ، والنوافل المبتدئة في بعض الأوقات(٣) .
ثانيها : ما تعلق به النهي كذلك، ويكون له البدل، كالنهي عن الصلاة في الحمام(٤) .
ثالثها : ما تعلق النهي به لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً،
____________________
(١) راجع مطارح الأنظار / ١٣٠ وما بعده.
(٢) الكافي ٤ / ١٤٦، باب صوم عرفة وعاشوراء، الأحاديث ٣ إلى ٧ - وللمزيد راجع وسائل الشيعة، ٧ / ٣٣٩ الباب ٢١ من أبواب الصوم المندوب.
(٣) الكافي ٣ / ٢٨٨ باب التطوع في وقت الفريضة والساعات التي لا يصلّى فيها - الاستبصار ١ / ٢٧٧ باب وقت نوافل النهار - وللمزيد راجع وسائل الشيعة ٣ / ١٧٠، الباب ٣٨ من أبواب المواقيت.
(٤) الكافي ٣ / ٣٩٠ الحديث ١٢ من باب الصلاة في الكعبة...الخ.
أو ملازم له خارجاً، كالصلاة في مواضع التهمة(١) ، بناءً على كون النهي عنها لأجل اتحادها مع الكون في مواضعها.
أما القسم الأول : فالنهي تنزيهاً عنه بعد الإجماع على أنه يقع صحيحاً، ومع ذلك يكون تركه أرجح، كما يظهر من مداومة الأئمة عليهم السلام على الترك، إمّا لاجل انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك، فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض، وإن كان مصلحة الترك أكثر، فهما حينئذ يكونان من قبيل المستحبين المتزاحمين، فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهم في البين، وإلا فيتعين الأهم وإن كان الآخر يقع صحيحاً، حيث أنه كان راجحاً وموافقاً للغرض، كما هو الحال في سائر المستحبات المتزاحمات بل الواجبات، وارجحية الترك من الفعل لا توجب(٢) حزازة ومنقصة فيه أصلاً، كما يوجبها ما إذا كان فيه مفسدة غالبة على مصلحته، ولذا لا يقع صحيحاً على الامتناع، فإن الحزازة والمنقصة فيه مانعة عن صلاحية التقرب به، بخلاف المقام، فإنه على ما هو عليه من الرجحان وموافقة الغرض،
____________________
(١) التهذيب ٢ / ٢١٩ الحديث ٧١ من باب ١١ ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان...الخ.
وللمزيد راجع وسائل الشيعة ٣ / ٤٦٦ الباب ٣٤ من أبواب مكان المصلي.
(٢) ربما يقال: إن أرجحية الترك، وإن لم توجب منقصة وحزازة في الفعل أصلاً، إلا أنه توجب المنع منه فعلاً، والبعث إلى الترك قطعاً، كما لا يخفى، ولذا كان ضد الواجب - بناءً على كونه مقدمة له - حراماً، ويفسد لو كان عبادة، مع أنه لا حزازة في فعله، وإنما كان النهي عنه وطلب تركه لما فيه من المقدمية له، وهو على ما هو عليه من المصلحة، فالمنع عنه لذلك كافٍ في فساده لو كان عبادة.
قلت: يمكن أن يقال: إن لنهي التحريمي لذلك وإن كان كافياً في ذلك بلا إشكال، إلا أن التنزيهي غير كاف، إلا إذا كان عن حزازة فيه، وذلك لبداهة عدم قابلية الفعل للتقرب به منه تعالى مع المنع عنه وعدم ترخيصه في ارتكابه، بخلاف التنزيهي عنه إذا كان لا لحزازة فيه، بل لما في الترك من المصلحة الراجحة، حيث أنه معه مرخوص فيه، وهو على ما هو عليه من الرجحان والمحبوبية له تعالى، ولذلك لم تفسد العبادة إذا كانت ضد المستحبة أهم اتفاقاً، فتأمل (منهقدسسره ).
كما إذا لم يكن تركه راجحاً بلا حدوث حزازة فيه أصلاً.
وإما لاجل ملازمة الترك لعنوان كذلك، من دون انطباقه عليه، فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت، إلا في أن الطلب المتعلق به حينئذ ليس بحقيقي، بل بالعرض والمجاز، فإنما يكون في الحقيقة متعلقاً بما يلازمه من العنوان، بخلاف صورة الانطباق لتعلقه به حقيقة، كما في سائر المكروهات من غير فرق، إلا أن منشأه فيها حزازة ومنقصة في نفس الفعل، وفيه رجحان في الترك، من دون حزازة في الفعل أصلاً، غاية الأمر كون الترك أرجح.
نعم يمكن أن يحمل النهي - في كلا القسمين - على الإرشاد إلى الترك الذي هو أرجح من الفعل، أو ملازم لما هو الأرجح وأكثر ثواباً لذلك، وعليه يكون النهي على نحو الحقيقة، لا بالعرض والمجاز، فلا تغفل.
وأما القسم الثاني : فالنهي فيه يمكن أن يكون لأجل ما ذكر في القسم الأول، طابق النعل بالنعل، كما يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها، لأجل تشخصها في هذا القسم بمشخص غير ملائم لها، كما في الصلاة في الحمام، فإن تشخصها بتشخص وقوعها فيه، لا يناسب كونها معراجاً، وإن لم يكن نفس الكون في الحمام بمكروه ولا حزازة فيه أصلاً، بل كان راجحاً، كما لا يخفى.
وربما يحصل لها لأجل تخصصها بخصوصية شديدة الملاءمة معها مزية فيها كما في الصلاة في المسجد والأمكنة الشريفة، وذلك لأن الطبيعة المأمور بها في حد نفسها، إذا كانت مع تشخص لا يكون له شدة الملاءمة، ولا عدم الملاءمة لها مقدار من المصلحة والمزية، كالصلاة في الدار مثلاً، وتزداد تلك المزية فيما كان تشخصها بماله شدة الملاءمة، وتنقص فيما إذا لم تكن له ملاءمة، ولذلك ينقص ثوابها تارة ويزيد أخرى، ويكون النهي فيه لحدوث نقصان في مزيتها فيه إرشاداً إلى ما لا نقصان فيه من سائر الأفراد، ويكون أكثر ثواباً منه، وليكن
هذا مراد من قال: إن الكراهة في العبادة بمعنى أنها تكون أقل ثواباً، ولايرد عليه بلزوم اتصاف العبادة التي تكون أقل ثواباً من الأخرى بالكراهة، ولزوم اتصاف ما لا مزيد فيه ولا منقصة بالاستحباب، لأنه أكثر ثواباً مما فيه المنقصة، لما عرفت من أن المراد من كونه أقل ثواباً، إنما هو بقياسه إلى نفس الطبيعة المتشخصة بما لا يحدث معه مزية لها، ولا منقصة من المشخصات، وكذا كونه أكثر ثواباً، ولا يخفى أن النهي في هذا القسم لا يصح إلا للإرشاد، بخلاف القسم الأول، فإنه يكون فيه مولوياً، وإن كان حمله على الإرشاد بمكان من الإمكان.
وأما القسم الثالث : فيمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة المتحدة مع ذاك العنوان أو الملازمة له بالعرض والمجاز، وكان المنهي عنه به حقيقة ذاك العنوان، ويمكن أن يكون على الحقيقة إرشاداً إلى غيرها من سائر الأفراد، مما لا يكون متحداً معه أو ملازماً له، إذ المفروض التمكن من استيفاء مزية العبادة، بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان أصلاً، هذا على القول بجواز الاجتماع.
وأما على الامتناع، فكذلك في صورة الملازمة، وأما في صورة الاتحاد وترجيح جانب الأمر - كما هو المفروض، حيث أنه صحة العبادة - فيكون حال النهي فيه حاله في القسم الثاني، فيحمل على ما حمل عليه فيه، طابق النعل بالنعل، حيث أنه بالدقة يرجع إليه، إذا على الامتناع، ليس الاتحاد مع العنوان الآخر إلا من مخصصاته ومشخصاته التي تختلف الطبيعة المأمور بها في المزية زيادة ونقيصة بحسب اختلافها في الملاءمة كما عرفت.
وقد انقدح بما ذكرناه، أنه لا مجال أصلاً لتفسير الكراهة في العبادة بأقلية الثواب في القسم الأول مطلقاً، وفي هذا القسم على القول بالجواز، كما انقدح حال اجتماع الوجوب والاستحباب فيها، وأن الأمر الاستحبابي يكون على نحو
الإرشاد إلى أفضل الأفراد مطلقاً على نحو الحقيقة، ومولوياً اقتضائياً كذلك، وفعلياً بالعرض والمجاز فيما كان ملاكه ملازمتها لما هو مستحب، أو متحداً(١) معه على القول بالجواز.
ولا يخفى أنه لا يكاد يأتي القسم الأول هاهنا، فإن انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الذي لا بدل له إنما يؤكد إيجابه، لا أنه يوجب استحبابه أصلاً، ولو بالعرض والمجاز، إلا على القول بالجواز، وكذا فيما إذا لازم مثل هذا العنوان، فإنه لو لم يؤكد الإيجاب لما يصحح الاستحباب إلا اقتضائياً بالعرض والمجاز، فتفطن.
ومنها : إن أهل العرف يعدون من اتى بالمأمور به في ضمن الفرد المحرم، مطيعاً وعاصياً من وجهين(٢) ، فإذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان خاص، كما مثّل به الحاجبي(٣) والعضدي(٤) ، فلو خاطه في ذاك المكان، عد مطيعاً لأمر الخياطة وعاصياً للنهي عن الكون في ذلك المكان.
وفيه - مضافاً إلى المناقشة في المثال، بأنه ليس من باب الاجتماع، ضرورة أن الكون المنهي عنه غير متحد مع الخياطة وجوداً أصلاً، كما لا يخفى -
____________________
(١) في «ب»: متحدة.
(٢) دليل آخر للمجوزين، قوانين الأصول ١ / ١٤٨.
(٣ و٤) انظر شرح العضدي على مختصر المنتهى لابن الحاجب / ٩٢، ٩٣. مسألة استحالة كون الشيء واجباً حراماً من جهة واحدة.
ابن الحاجب ابوعمرو عثمان بن عمر بن ابي بكر المالكي، تولد سنة ٥٧٠ ه باسناد كان ابوه جندياً، اشتغل ابنه في صغره بالقاهرة، وحفظ القرآن المجيد، واخذ بعض القراءات عن الشاطبي وسمع من البوصيري وجماعة، لزم الاشتغال حتى برع في الاصول والعربية، ثم قدم دمشق ودرس بجامعها، كان الاغلب عليه النحو، وصنف في عدة علوم، له كتاب «الكافية» في النحو و «الشافية» في الصرف و «مختصر الاصول» ثم انتقل إلى الاسكندرية، مات بها سنة ٦٤٦ ه.(الكنى والالقاب ١ / ٢٤٤).
المنع إلّا عن صدق أحدهما، إما الإطاعة بمعنى الامتثال فيما غلب جانب الأمر، أو العصيان فيما غلب جانب النهي، لما عرفت من البرهان على الامتناع.
نعم لا بأس بصدق الإطاعة بمعنى حصول الغرض والعصيان في التوصليات، وأما في العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها، إلا فيما صدر من المكلف فعلاً غير محرم وغير مبغوض عليه، كما تقدم(١) .
بقي الكلام في حال التفصيل من بعض الأعلام(٢) ، والقول بالجواز عقلاً والامتناع عرفاً.
وفيه: إنه لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع، إلا طريق العقل، فلا معنى لهذا التفصيل إلا ما أشرنا إليه من النظر المسامحي الغير المبتني على التدقيق والتحقيق، وأنت خبير بعدم العبرة به، بعد الاطلاع على خلافه بالنظر الدقيق، وقد عرفت فيما تقدم(٣) أن النزاع ليس في خصوص مدلول صيغة الأمر والنهي، بل في الأعم، فلا مجال لأن يتوهم أن العرف هو المحكم في تعيين المداليل، ولعله كان بين مدلوليهما حسب تعيينه(٤) تناف، لا يجتمعان في واحد ولو بعنوانين، وإن كان العقل يرى جواز اجتماع الوجوب والحرمة في واحد بوجهين، فتدبر.
وينبغي التنبيه على أمور:
الأول : إن الاضطرار إلى ارتكاب الحرام، وإن كان يوجب ارتفاع حرمته، والعقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه - لو كان - مؤثراً له، كما إذا لم يكن
____________________
(١) في الأمر العاشر / ١٥٦.
(٢) المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد ٢: ١١٠، وقد ينسب ذلك إلى صاحب الرياض (قده) أيضاً وكأنه مسموع منه شفاهاً، على حد تعبير صاحب مطارح الأنظار / ١٢٩.
(٣) في الأمر الرابع / ١٥٢.
(٤) في «ب» تعينه.
بحرام بلا كلام، إلا أنه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، بأن يختار ما يؤدي إليه لا محالة، فإن الخطاب بالزجر عنه حينئذ، وإن كان ساقطاً، إلا أنه حيث يصدر عنه مبغوضاً عليه وعصياناً لذاك الخطاب ومستحقاً عليه العقاب، لا يصلح لأن يتعلق بها الإيجاب، وهذا في الجملة مما لا شبهة فيه ولا ارتياب.
وإنما الإشكال فيما إذا كان ما اضطر إليه بسوء اختياره، مما ينحصر به التخلص عن محذور الحرام، كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسطها بالاختيار في كونه منهياً عنه، أو مأموراً به، مع جريان حكم المعصية عليه، أو بدونه، فيه أقوال، هذا على الامتناع.
وأما على القول بالجواز، فعن أبي هاشم(١) أنه مأمور به ومنهيّ عنه، واختاره الفاضل القمي(٢) ، ناسباً له إلى أكثر المتأخرين وظاهر الفقهاء.
والحق أنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه، وعصيان له بسوء الاختيار، ولا يكاد يكون ماموراً به، كما إذا لم يكن هناك توقف(٣) عليه، أو بلا انحصار به، وذلك ضرورة أنه حيث كان قادراً على ترك
____________________
(١) راجع شرح مختصر الأصول / ٩٤.
هو أبوهاشم عبدالسلام بن محمد بن عبدالوهاب الجبّائي، ولد عام ٢٤٧ ه من أبناء ابان مولى عثمان، عالم بالكلام، من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سمّيت «البهشمية» نسبة إلى كنيته أبي هاشم وله مصنفات منها: «الشامل» في الفقه و «تذكرة العالم» و «العدة» في الأصول مات سنة ٣٢١ ه. «الاعلام للزركلي ٤ / ٧».
(٢) قوانين الأصول ١ / ١٥٣، في التنبيه الثاني، من قانون دلالة النهي على الفساد.
(٣) لا يخفى إنه لا توقف ها هنا حقيقة، بداهة أن الخروج إنما هو مقدمة للكون في خارج الدار، لا مقدمة لترك الكون فيها الواجب، لكونه ترك الحرام، نعم بينهما ملازمة لأجل التضاد بين الكونين، ووضوح الملازمة بين وجود الشيء وعدم ضده، فيجب الكون في خارج الدار عرضاً، لوجوب ملازمه حقيقة، فيجب مقدمته كذلك، وهذا هو الوجه في المماشاة والجري على أن مثل الخروج يكون مقدمة لما هو الواجب من ترك الحرام، فافهم. (منهقدسسره ).
الحرام رأساً، لا يكون عقلاً معذوراً في مخالفته فيما اضطر إلى ارتكابه بسوء اختياره، ويكون معاقبا عليه، كما إذا كان ذلك بلا توقف عليه، أو مع عدم الانحصار به، ولا يكاد يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام به، لكونه بسوء الاختيار.
إن قلت: كيف لا يجديه، ومقدمة الواجب واجبة؟
قلت: إنما يجب المقدمة لو لم تكن محرمة، ولذا لا يترشح الوجوب من الواجب إلا على ما هو المباح من المقدمات دون المحرمة مع اشتراكهما في المقدمية.
وإطلاق الوجوب بحيث ربما يترشح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدمة بها، إنما هو فيما إذا كان الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة، والمفروض هاهنا وإن كان ذلك إلا أنه كان بسوء الاختيار، ومعه لا يتغير عما هو عليه من الحرمة والمبغوضية، وإلّا لكانت الحرمة معلقة على إرادة المكلف واختياره لغيره، وعدم حرمته مع اختياره له، وهو كما ترى، مع أنه خلاف الفرض، وأن الاضطرار يكون بسوء الاختيار.
إن قلت(١) : إن التصرف في أرض الغير بدون إذنه بالدخول والبقاء حرام، بلا إشكال ولا كلام، وأما التصرف بالخروج الذي يترتب عليه رفع الظلم، ويتوقف عليه التخلص عن التصرف الحرام، فهو ليس بحرام في حال من الحالات، بل حاله حال مثل شرب الخمر، المتوقف عليه النجاة من الهلاك في الاتصاف بالوجوب في جميع الأوقات.
____________________
(١) إشارة إلى مختار الشيخ (قده) مطارح الأنظار / ١٥٥، الهداية ٦ من القول في جواز اجتماع الأمر والنهي.
ومنه ظهر المنع عن كون جميع انحاء التصرف في أرض الغير مثلاً حراماً قبل الدخول، وأنه يتمكن من ترك الجميع حتى الخروج، وذلك لأنه لو لم يدخل لما كان متمكنا من الخروج وتركه، وترك الخروج بترك الدخول رأساً ليس في الحقيقة إلا ترك الدخول، فمن لم يشرب الخمر، لعدم وقوعه في المهلكة التي يعالجها به مثلاً، لم يصدق عليه إلا أنه لم يقع في المهلكة، لا أنه ما شرب الخمر فيها، إلا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، كما لا يخفى.
وبالجملة لا يكون الخروج - بملاحظة كونه مصداقاً للتخلص عن الحرام أو سبباً له - إلا مطلوباً، ويستحيل أن يتصف بغير المحبوبية، ويحكم عليه بغير المطلوبية.
قلت: هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلص مأموراً به، وهو موافق لما أفاده شيخنا العلامة أعلى الله مقامه، على ما في تقريرات بعض الأجلة(١) ، لكنه لا يخفى أن ما به التخلص عن فعل الحرام أو ترك الواجب، إنما يكون حسناً عقلاً ومطلوباً شرعاً بالفعل، وإن كان قبيحاً ذاتاً إذا لم يتمكن المكلف من التخلص بدونه، ولم يقع بسوء اختياره، إما في الاقتحام في ترك الواجب أو فعل الحرام، وإما في الإقدام على ما هو قبيح وحرام، لولا [أنّ](٢) به التخلص بلا كلام كما هو المفروض في المقام، ضرورة تمكنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره.
وبالجملة كان قبل ذلك متمكناً من التصرف خروجاً، كما يتمكن منه دخولاً، غاية الأمر يتمكن منه بلا واسطة، ومنه بالواسطة، ومجرد عدم التمكن منه إلا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدوراً، كما هو الحال في البقاء، فكما يكون تركه مطلوباً في جميع الأوقات، فكذلك الخروج، مع أنه مثله في
____________________
(١) مطارح الأنظار ١٥٥. الهداية ٦، من القول في جواز اجتماع الأمر والنهي.
(٢) اثبتناها من بعض النسخ المطبوعة.
الفرعية على الدخول، فكما لا تكون الفرعية مانعة عن مطلوبيته قبله وبعده، كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيته، وإن كان العقل يحكم بلزومه إرشاداً إلى اختيار أقل المحذورين وأخف القبيحين.
ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجاً وتخلصاً عن المهلكة، وأنه إنما يكون مطلوباً على كل حال لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، وإلا فهو على ما هو عليه من الحرمة، وإن كان العقل يلزمه إرشاداً إلى ما هو أهم وأولى بالرعاية من تركه، لكون الغرض فيه أعظم، [فَـ](١) من ترك الاقتحام فيما يؤدي إلى هلاك النفس، أو شرب الخمر، لئلا يقع في أشد المحذورين منهما، فيصدق أنه تركهما، ولو بتركه ما لو فعله لأدّى لا محالة إلى أحدهما، كسائر الأفعال التوليدية، حيث يكون العمد إليها بالعمد إلى اسبابها، واختيار تركها بعدم العمد إلى الأسباب، وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج، وإن كان لازماً عقلاً للفرار عما هو أكثر عقوبة.
ولو سلم عدم الصدق إلا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، فهو غير ضائر بعد تمكنه من الترك، ولو على نحو هذه السالبة، ومن الفعل بواسطة تمكنه مما هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة، فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة، أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر ويتخلص بالخروج، أو يختار ترك الدخول والوقوع فيهما(٢) ، لئلا يحتاج إلى التخلص والعلاج.
إن قلت: كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعاً عنه شرعاً ومعاقباً عليه عقلاً؟ مع بقاء ما يتوقف عليه على وجوبه، و [وضوح](٣) سقوط الوجوب مع امتناع المقدمة المنحصرة، ولو كان بسوء الاختيار، والعقل قد استقل بان
____________________
(١) أثبتناه من بعض النسخ المطبوعة.
(٢) في «ب»: فيها.
(٣) أثبتناها من هامش «ب» المصححة.
الممنوع شرعاً كالممتنع عادةً أو عقلاً.
قلت:أولاً : إنما كان الممنوع كالممتنع، إذا لم يحكم العقل بلزومه إرشاداً إلى ما هو أقل المحذورين، وقد عرفت لزومه بحكمه، فإنه مع لزوم الإتيان بالمقدمة عقلاً، لا بأس في بقاء ذي المقدمة على وجوبه، فإنه حينئذ ليس من التكليف بالممتنع، كماإذا كانت المقدمة ممتنعة.
وثانياً : لو سلم، فالساقط إنما هو الخطاب فعلاً بالبعث والإيجاب لا لزوم إتيانه عقلاً، خروجاً عن عهدة ما تنجز عليه سابقاً، ضرورة أنه لو لم يأت به لوقع في المحذور الأشد ونقض الغرض الأهم، حيث أنه الآن كما كان عليه من الملاك والمحبوبية، بلا حدوث قصور أو طروء فتور فيه أصلاً، وإنما كان سقوط الخطاب لأجل المانع، وإلزام العقل به لذلك إرشاداً كافٍ، لا حاجة معه إلى بقاء الخطاب بالبعث إليه والإيجاب له فعلاً، فتدبر جيداً.
وقد ظهر مما حققناه فساد القول بكونه مأموراً به، مع إجراء حكم المعصية عليه نظراً إلى النهي السابق، مع ما فيه من لزوم اتصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب والحرمة، ولا يرتفع غائلته باختلاف زمان التحريم والإيجاب، قبل الدخول وبعده، كما في الفصول(١) ، مع اتحاد زمان الفعل المتعلق لهما، وإنما المفيد اختلاف زمانه ولو مع اتحاد زمانهما، وهذا أوضح من أن يخفى، كيف؟ ولازمه وقوع الخروج بعد الدخول، عصياناً للنهي السابق، وإطاعة للأمر اللاحق فعلاً، ومبغوضاً ومحبوباً كذلك بعنوان واحد، وهذا مما لا يرضى به القائل بالجواز، فضلاً عن القائل بالامتناع.
كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة، كون النهي مطلقاً وعلى كل حال، وكون الأمر مشروطاً بالدخول، ضرورة منافاة حرمة شيء كذلك، مع وجوبه
____________________
(١) الفصول / ١٣٨، الفصل الرابع من فصول النهي.
في بعض الأحوال.
وأما القول(١) بكونه مأموراً به ومنهياً عنه، ففيه - مضافاً إلى ما عرفت من امتناع الاجتماع فيما إذا كان بعنوانين، فضلاً عما إذا كان بعنوان واحد كما في المقام، حيث كان الخروج بعنوانه سبباً للتخلص، وكان بغير إذن المالك، وليس التخلص إلا منتزعاً عن ترك الحرام المسبب(٢) عن الخروج، لا عنواناً له - أن الاجتماع ها هنا لو سلم أنه لا يكون بمحال، لتعدد العنوان، وكونه مجدياً في رفع غائلة التضادّ، كان محالاً لأجل كونه طلب المحال، حيث لا مندوحة هنا، وذلك لضرورة عدم صحة تعلق الطلب والبعث حقيقة بما هو واجب أو ممتنع، ولو كان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختيار، وما قيل أن الامتناع أو الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار، إنما هو في قبال استدلال الأشاعرة للقول بأن الأفعال غير اختيارية، بقضية أن الشيء ما لم يجب لم يوجد.
فانقدح بذلك فساد الاستدلال لهذا القول، بأن الأمر بالتخلص والنهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما، ولا موجب للتقييد عقلاً، لعدم استحالة كون الخروج واجباً وحراماً باعتبارين مختلفين، إذ منشأ الاستحالة: إمّا لزوم اجتماع الضدين وهو غير لازم، مع تعدد الجهة، وإمّا لزوم التكليف بما لا يطاق وهو ليس بمحال إذا كان مسبباً عن سوء الاختيار، وذلك لما عرفت من
____________________
(١) راجع قوانين الأصول ١ / ١٤٠، قانون اجتماع الأمر والنهي.
(٢) قد عرفت - مما علقت على الهامش - أن ترك الحرام غير مسبب عن الخروج حقيقة، وإنما المسبب عنه إنما هو الملازم له، وهو الكون في خارج الدار، نعم يكون مسبباً عنه مسامحةً وعرضاً، وقد انقدح بذلك أنه لا دليل في البين الّا على حرمة الغصب المقتضي لاستقلال العقل بلزوم الخروج، من باب أنه أقل المحذورين وأنه لا دليل على وجوبه بعنوان آخر، فحينئذٍ يجب إعماله أيضاً، بناء على القول بجواز الاجتماع كاحتمال [كإعمال] النهي عن الغصب، ليكون الخروج مأموراً به ومنهياً عنه، فافهم (منهقدسسره ).
ثبوت الموجب للتقييد عقلاً ولو كانا بعنوانين، وأن اجتماع الضدين لازم ولو مع تعدد الجهة، مع عدم تعددها هاهنا، والتكليف بما لا يطاق محال على كل حال، نعم لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب بسقوط التكليف بالتحريم أو الإيجاب.
ثم لا يخفى أنه لا إشكال في صحة الصلاة مطلقاً في الدار المغصوبة على القول بالاجتماع، وأما على القول بالامتناع، فكذلك، مع الاضطرار إلى الغصب، لا بسوء الاختيار أو معه ولكنها وقعت في حال الخروج، على القول بكونه مأموراً به بدون إجراء حكم المعصية(١) عليه، أو مع غلبة ملاك الأمر على النهي مع ضيق الوقت، أما مع السعة فالصحة وعدمها مبنيان على عدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ واقتضائه، فإن الصلاة في الدار المغصوبة، وإن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة، إلا أنه لا شبهة في أن الصلاة في غيرها تضادّها، بناءً على أنه لا يبقى مجال مع إحداهما للأخرى، مع كونها أهمّ منها، لخلوها من المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع الغصب، لكنه عرفت عدم الاقتضاء بما لا مزيد عليه، فالصلاة في الغصب اختياراً في سعة الوقت صحيحة، وإن لم تكن مأموراً بها.
الأمر الثاني : قد مرّ(٢) - في بعض المقدمات - أنه لا تعارض بين مثل خطاب (صلّ) وخطاب (لا تغصب) على الامتناع، تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان، كي يقدم الأقوى منهما دلالة أو سنداً، بل إنما هو من باب
____________________
(١) اختاره الشيخ (قده)، مطارح الأنظار / ١٥٣، وابن الحاجب، راجع شرح مختصر الأصول ٩٤.
(٢) في الأمر التاسع من المقصد الثاني في النواهي / ١٥٥.
تزاحم المؤثرين والمقتضيين، فيقدم الغالب منهما، وإن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه، هذا فيما إذا أحرز الغالب منهما، وإلا كان بين الخطابين تعارض، فيقدم الأقوى منهما دلالة أو سنداً، وبطريق الإنّ يحرز به أن مدلوله أقوى مقتضياً، هذا لو كان كل من الخطابين متكفلاً لحكم فعلي، وإلا فلا بد من الأخذ بالمتكفل لذلك منهما لو كان، وإلا فلا محيص عن الانتهاء إلى ما تقتضيه الأصول العملية.
ثم لا يخفى(١) أن ترجيح أحد الدليلين وتخصيص الآخر به في المسألة لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأساً، كما هو قضية التقييد والتخصيص في غيرها مما لا يحرز فيه المقتضي لكلا الحكمين، بل قضيته ليس إلّا خروجه فيما كان الحكم الذي هو مفاد الآخر فعلياً، وذلك لثبوت المقتضي في كل واحد من الحكمين فيها، فإذا لم يكن المقتضي لحرمة الغصب مؤثراً لها، لاضطرار أو جهل أو نسيان، كان المقتضي لصحة الصلاة مؤثراً لها فعلاً، كما إذا لم يكن دليل الحرمة أقوى، أو لم يكن واحد من الدليلين دالّاً على الفعلية أصلاً.
فانقدح بذلك فساد الإشكال في صحة الصلاة في صورة الجهل أو النسيان ونحوهما، فيما إذا قدم خطاب (لا تغصب) كما هو الحال فيما إذا كان الخطابان من أول الأمر متعارضين، ولم يكونا من باب الاجتماع أصلاً، وذلك لثبوت المقتضي في هذا الباب كما إذا لم يقع بينهما تعارض، ولم يكونا متكلفين للحكم الفعلي، فيكون وزان التخصيص في مورد الاجتماع وزان التخصيص العقلي الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين وتأثيره فعلاً المختص بما إذا لم يمنع عن
____________________
(١) هذا ردّ على الشيخقدسسره ، مطارح الأنظار / ١٥٢.
تأثيره مانع المقتضي، لصحة مورد الاجتماع مع الأمر، أو بدونه فيما كان هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له، أو عن فعليته، كما مرّ تفصيله.
وكيف كان، فلا بد في ترجيح أحد الحكمين من مرجح، وقد ذكروا لترجيح النهي وجوهاً:
منها : إنه أقوى دلالة، لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد، بخلاف الأمر.
وقد أُورد عليه بأن ذلك فيه من جهة إطلاق متعلقه بقرينة الحكمة، كدلالة الأمر على الاجتزاء بأي فرد كان.
وقد أُورد عليه بأنه لو كان العموم المستفاد من النهي بالإطلاق بمقدمات الحكمة، وغير مستند إلى دلالته عليه بالالتزام، لكان استعمال مثل (لا تغصب) في بعض أفراد الغصب حقيقة، وهذا واضح الفساد، فتكون دلالته على العموم من جهة أن وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي، يقتضي عقلاً سريان الحكم إلى جميع الأفراد، ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها، إلا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه.
قلت: دلالتها على العموم والاستيعاب ظاهراً مما لا ينكر، لكنه من الواضح أن العموم المستفاد منهما كذلك، إنما هو بحسب ما يراد من متعلقهما، فيختلف سعة وضيقاً، فلا يكاد يدلّ على استيعاب جميع الأفراد، إلا إذا أريد منه الطبيعة مطلقة وبلا قيد، ولا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته(١) عليه بالخصوص، إلا بالإطلاق وقرينة الحكمة، بحيث لو لم يكن هناك قرينتها بأن يكون الإطلاق في غير مقام البيان، لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة، وذلك لا ينافي دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلق، إذ الفرض عدم الدلالة على أنه المقيد أو المطلق.
____________________
(١) الظاهر أن أصل العبارة: عدم دلالة، (حقائق الاصول ١ / ٤١٢).
اللهم إلّا أن يقال: إن في دلالتهما على الاستيعاب كفاية ودلالة على أن المراد من المتعلق هو المطلق، كما ربما يُدَّعى ذلك في مثل (كل رجل)، وإن مثل لفظة (كل) تدل على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة إلى ملاحظة إطلاق مدخوله وقرينة الحكمة، بل يكفي إرادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة ولا بشرط في دلالته على الاستيعاب وإن كان لا يلزم مجاز أصلاً، لو أُريد منه خاص بالقرينة، لا فيه لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول، ولا فيه إذا كان بنحو تعدد الدالّ والمدلول، لعدم استعماله إلا فيما وضع له، والخصوصية مستفادة من دالّ آخر، فتدبر.
ومنها : إنَّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.
وقد أورد عليه في القوانين(١) ، بأنه مطلقاً ممنوع، لأن في ترك الواجب أيضاً مفسدة إذا تعين.
ولا يخفى ما فيه، فإن الواجب ولو كان معيناً، ليس إلّا لأجل أنَّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة، كما أنَّ الحرام ليس إلا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.
ولكن يرد عليه أنَّ الأولوية مطلقاً ممنوعة، بل ربما يكون العكس أولى، كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات، خصوصاً مثل الصلاة وما يتلو تلوها.
ولو سلم فهو أجنبي عن المقام(٢) ، فإنه فيما إذا دار بين الواجب والحرام.
____________________
(١) قوانين الأصول ١ / ١٥٣، في قانون اجتماع الأمر والنهي.
(٢) فإن الترجيح به إنما يناسب ترجيح المكلف واختياره للفعل أو الترك، بما هو أوفق بغرضه، لا المقام وهو مقام جعل الأحكام، فإن المرجح هناك ليس إلا حسنها أو قبحها العقليان، لا موافقة الأغراض ومخالفتها، كما لا يخفى، تأمل تعرف (منهقدسسره ).
ولو سلم فإنما يجدي فيما لو حصل به القطع.
ولو سلم أنه يجدي ولو لم يحصل، فإنما يجري فيما لا يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال، كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة التعيينيين، لا فيما تجري، كما في محل الاجتماع، لأصالة البراءة عن حرمته فيحكم بصحته، ولو قيل بقاعدة الاشتغال في الشك في الأجزاء والشرائط فإنه لا مانع عقلاً إلا فعلية الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلاً ونقلاً.
نعم لو قيل(١) بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية ولو لم يكن الغلبة بمحرزة، فأصالة البراءة غير جارية، بل كانت أصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة، ولو قيل بأصالة البراءة في الأجزاء والشرائط، لعدم تأتّي قصد القربة مع الشك في المبغوضية، فتأمل.
ومنها : الاستقراء، فإنه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب، كحرمة الصلاة في أيام الاستظهار، وعدم جواز الوضوء من الإناءين المشتبهين.
____________________
(١) كما هو غير بعيد كله بتقريب أن إحراز المفسدة والعلم بالحرمة الذاتية كافٍ في تأثيرها بما لها من المرتبة، ولا يتوقف تأثيرها كذلك على إحرازها بمرتبتها، ولذا كان العلم بمجرد حرمة شيء موجباً لتنجز حرمته، على ماهي عليه من المرتبة ولو كانت في أقوى مراتبها، ولاستحقاق العقوبة الشديدة على مخالفتها حسب شدتها، كما لا يخفى. هذا، لكنه إنما يكون إذا لم يحرز أيضاً ما يحتمل أن يزاحمها ويمنع عن تأثيرها المبغوضية، وأما معه فيكون الفعل كما إذا لم يحرز أنه ذو مصلحة أو مفسدة مما لا يستقل العقل بحسنه أو قبحه، وحينئذٍ يمكن أن يقال بصحته عبادة لو أتى به بداعي الأمر المتعلق بما يصدق عليه من الطبيعة، بناءً على عدم اعتبار أزيد من إتيان العمل قربيّاً في العبادة، وامتثالاً للأمر بالطبيعة، وعدم اعتبار كونه ذاتاً راجحاً، كيف ويمكن أن لا يكون جلّ العبادات ذاتاً راجحاً، بل إنما يكون كذلك فيما إذا أتى بها على نحو قربي، نعم المعتبر في صحته عبادة، إنما هو أن لا يقع منه مبغوضاً عليه، كما لا يخفى، وقولنا: (فتأمل) إشارة إلى ذلك (منهقدسسره ).
وفيه: أنه لا دليل على اعتبار الاستقراء، ما لم يفد القطع.
ولو سلم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار.
ولو سلم فليس حرمة الصلاة في تلك الأيام، ولا عدم جواز الوضوء منهما مربوطاً بالمقام، لأن حرمة الصلاة فيها إنما تكون لقاعدة الامكان والاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضاً، فيحكم بجميع أحكامه، ومنها حرمة الصلاة عليها لا لأجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدَّعى، هذا لو قيل بحرمتها الذاتية في أيام الحيض، وإلا فهو خارج عن محل الكلام.
ومن هنا انقدح أنه ليس منه ترك الوضوء من الإناءين، فإن حرمة الوضوء من الماء النجس ليس إلا تشريعياً، ولا تشريع فيما لو توضّأ منهما احتياطاً، فلا حرمة في البين غلب جانبها، فعدم جواز الوضوء منهما ولو كذلك، بل إراقتهما كما في النص(١) ، ليس إلا من باب التعبد، أو من جهة الابتلاء بنجاسة البدن ظاهراً بحم الاستصحاب، للقطع بحصول النجاسة حال ملاقاة المتوضئ من الإناء الثانية، إما بملاقاتها، أو بملاقاة الأولى، وعدم استعمال مطهر بعده، ولو طهر بالثانية مواضع الملاقاة بالأولى.
نعم لو طهرت على تقدير نجاستها بمجرد ملاقاتها، بلا حاجة إلى التعدد وانفصال الغسالة لا يعلم تفصيلاً بنجاستها، وإن علم بنجاستها حين ملاقاة الأولى أو الثانية إجمالاً، فلا مجال لاستصحابها بل كانت قاعدة الطهارة محكمة.
الأمر الثالث : الظاهر لحوق تعدد الإضافات، بتعدد العنوانات والجهات، في أنه لو كان تعدد الجهة والعنوان كافياً مع وحدة المعنون وجوداً، في جواز الاجتماع، كان تعدد الإضافات مجدياً، ضرورة أنه يوجب أيضاً
____________________
(١) التهذيب ١ / الباب ١١، باب تطهير المياه من النجاسات، الحديث ٤٣ - ٤٤..
اختلاف المضاف بها بحسب المصلحة والمفسدة والحسن والقبح عقلاً، وبحسب الوجوب والحرمة شرعاً، فيكون مثل (اكرم العلماء ولا تكرم الفساق) من باب الاجتماع (كصلّ ولا تغصب) لا من باب التعارض، إلا إذا لم يكن للحكم في أحد الخطابين في مورد الاجتماع مقتضٍ، كما هو الحال أيضاً في تعدد العنوانين، فما يتراءى منهم من المعاملة مع مثل (اكرم العلماء ولا تكرم الفساق) معاملة تعارض العموم من وجه، إنما يكون بناءً على الامتناع، أو عدم المقتضي لأحد الحكمين في مورد الاجتماع.
فصل
في أن النهي عن الشيء، هل يقتضي فساده أم لا؟
وليقدم أمور:
الأول : إنه قد عرفت في المسألة السابقة الفرق بينها وبين هذه المسألة، وإنه لا دخل للجهة المبحوث عنها في إحداهما، بما هو جهة البحث في الأخرى، وإن البحث في هذه المسألة في دلالة النهي بوجه يأتي تفصيله على الفساد بخلاف تلك المسألة، فإن البحث فيها في أن تعدد الجهة يجدي في رفع غائلة اجتماع الأمر والنهي في مورد الاجتماع أم لا؟
الثاني : إنه لا يخفى أن عد هذه المسألة من مباحث الألفاظ، إنما هو لأجل أنه في الأقوال قول بدلالته على الفاسد في المعاملات، مع إنكار الملازمة بينه وبين الحرمة التي هي مفاده فيها، ولا ينافي ذلك أن الملازمة على تقدير ثبوتها في العبادة إنما تكون بينه وبين الحرمة ولو لم تكن مدلولة بالصيغة، وعلى تقدير عدمها تكون منتفية بينهما، لإمكان أن يكون البحث معه في دلالة الصيغة، بما تعم دلالتها بالالتزام، فلا تقاس بتلك المسألة التي لا يكاد يكون لدلالة اللفظ بها مساس، فتأمل جيداً.
الثالث : ظاهر لفظ النهي وإن كان هو النهي التحريمي، إلا أن ملاك البحث يعم التنزيهي، ومعه لا وجه لتخصيص العنوان(١) ، واختصاص عموم ملاكه بالعبادات لا يوجب التخصيص به، كما لا يخفى.
كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي، فيعم الغيري إذا كان أصلياً، وأما إذا كان تبعياً، فهو وإن كان خارجاً عن محل البحث، لما عرفت أنه في دلالة النهي والتبعي منه من مقولة المعنى، إلا أنه داخل فيما هو ملاكه، فإن دلالته على الفساد على القول به فيما لم يكن للإرشاد إليه، إنما يكون لدلالته على الحرمة، من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك، كما توهمه القمي(٢) قدسسره ويؤيد ذلك أنه جعل ثمرة النزاع في أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فساده إذا كان عبادة، فتدبر جيداً.
الرابع : ما يتعلق به النهي، إما أن يكون عبادة أو غيرها، والمراد بالعبادة - هاهنا - ما يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى، موجباً بذاته للتقرب من حضرته لولا حرمته، كالسجود والخضوع والخشوع له وتسبيحه وتقديسه، أو ما لو تعلق الأمر به كان أمره أمراً عبادياً، لا يكاد يسقط إلا إذا أتى به بنحو قربى، كسائر أمثاله، نحو صوم العيدين والصلاة في أيام العادة، لا ما أمر به
____________________
(١) ذهب اليه الشيخ (قده)، مطارح الأنظار / ١٥٧.
(٢) قوانين الأصول ١ / ١٠٢. في المقدمة السادسة.
هو ابوالقاسم ابن المولى محمد حسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمي. تولد سنة ١١٥١ في جابلق، فرغ من تشييد مقدمات الكمال في قم، ثم انتقل إلى خونسار فاشتغل على المحقق الأمير سيد حسين ثم توجه إلى العتبات العاليات، تتلمذ عند العلامة المروّج فاجاز له في الرواية والاجتهاد، له مؤلفات كثيرة منها «القوانين» و«الغنائم» و«المناهج». توفي سنة ١٢٣١ (روضات الجنّات٥ /٣٦٩ رقم٥٤٧).
لاجل التعبد به(١) ، ولا ما يتوقف صحته على النية(٢) ، ولا ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شيء(٣) ، كما عرّف بكل منها العبادة، ضرورة أنها بواحد منها، لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهي، مع ما أورد عليها بالانتقاض طرداً أو عكساً، أو بغيره، كما يظهر من مراجعة المطولات(٤) ، وإن كان الإشكال بذلك فيها في غير محله، لأجل كون مثلها من التعريفات، ليس بحد ولا برسم، بل من قبيل شرح الاسم كما نبهنا عليه غير مرة، فلا وجه لإطالة الكلام بالنقض والإبرام في تعريف العبادة، ولا في تعريف غيرها كما هو العادة.
الخامس : إنه لا يدخل في عنوان النزاع إلا ما كان قابلاً للاتصاف بالصحة والفساد، بأن يكون تارة تاماً يترتب عليه ما يترقب عنه من الأثر، وأخرى لا كذلك، لاختلال بعض ما يعتبر في ترتبه، أما ما لا أثر له شرعاً، أو كان أثره مما لا يكاد ينفك عنه، كبعض أسباب الضمان، فلا يدخل في عنوان النزاع لعدم طروء الفساد عليه كي ينازع في أن النهي عنه يقتضيه أو لا، فالمراد بالشيء في العنوان هو العبادة بالمعنى الذي تقدم، والمعاملة بالمعنى الأعم، مما يتصف بالصحة والفساد، عقداً كان أو إيقاعاً أو غيرهما، فافهم.
السادس : إن الصحة والفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار والأنظار، فربما يكون شيء واحد صحيحاً بحسب أثر أو نظر وفاسداً بحسب آخر، ومن هنا صح أن يقال: إن الصحة في العبادة والمعاملة لا تختلف، بل فيهما بمعنى واحد وهو التمامية، وإنما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار
____________________
(١) اختاره الشيخ (قده) مطارح الأنظار / ١٥٨، في الأمر الثالث.
(٢) مال إليه المحقق القمي، قوانين الأصول ١ / ١٥٤، في المقدمة الاولى.
(٣) هذا التعريف للمحقق القمي أيضاً، المصدر السابق.
(٤) راجع مطارح الأنظار ١٥٨، والفصول / ١٣٩.
التي بالقياس عليها تتصف بالتمامية وعدمها، وهكذا الاختلاف بين الفقيه والمتكلم في صحة العبادة، إنما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الأثر، بعد الاتفاق ظاهراً على أنها بمعنى التمامية، كما هي معناها لغة وعرفاً.
فلما كان غرض الفقيه، هو وجوب القضاء، أو الإعادة، أو عدم الوجوب، فسّر صحة العبادة بسقوطهما، وكان غرض المتكلم هو حصول الامتثال الموجب عقلاً لاستحقاق المثوبة، فسرها بما يوافق الأمر تارة، وبما يوافق الشريعة أُخرى.
وحيث أن الأمر في الشريعة يكون على أقسام: من الواقعي الأولى، والثانوي، والظاهري، والأنظار تختلف في أن الأخيرين يفيدان الإجزاء أو لا يفيدان، كان الإتيان بعبادة موافقة لأمر ومخالفة لآخر، أو مسقطاً للقضاء والإعادة بنظر، وغير مسقط لهما بنظر آخر، فالعبادة الموافقة للأمر الظاهري، تكون صحيحة عند المتكلم والفقيه، بناءً على أن الأمر في تفسير الصحة بموافقة الأمر أعم من الظاهري، مع اقتضائه للإجزاء، وعدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته، بناء على عدم الإجزاء، وكونه مراعى بموافقة الأمر الواقعي [و](١) عند المتكلم، بناء على كون الأمر في تفسيرها خصوص الواقعي.
تنبيه : وهو أنه لا شبهة في أن الصحة والفساد عند المتكلم، وصفان اعتباريان ينتزعان من مطابقة المأتيّ به مع المأمور به وعدمها، وأما الصحة بمعنى سقوط القضاء والإعادة عند الفقيه، فهي من لوازم الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأولي عقلاً، حيث لا يكاد يعقل ثبوت الإعادة أو القضاء معه جزماً، فالصحة بهذا المعنى فيه، وإن كان ليس بحكم وضعي مجعول بنفسه أو بتبع تكليف، إلا أنه ليس بأمر اعتباري ينتزع كما توهم(٢) ، بل مما يستقل به
____________________
(١) اثبتنا الزيادة من طبعة المشكيني.
(٢) انظر مطارح الأنظار / ١٦٠، في تذنيب الهداية الأولى من القول في اقتضاء النهي للفساد.
العقل، كما يستقل باستحقاق المثوبة به وفي غيره، فالسقوط ربما يكون مجعولاً، وكان الحكم به تخفيفاً ومنةً على العباد، مع ثبوت المقتضي لثبوتهما، كما عرفت في مسألة الإجزاء، كما ربما يحكم بثبوتهما، فيكون الصحة والفساد فيه حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين.
نعم، الصحة والفساد في الموارد الخاصة، لا يكاد يكونان مجعولين، بل إنما هي تتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به، هذا في العبادات.
وأما الصحة في المعاملات، فهي تكون مجعولة، حيث كان ترتب الأثر على معاملة إنما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاءً، ضرورة أنه لولا جعله، لما كان يترتب عليه، لأصالة الفساد.
نعم صحة كل معاملة شخصية وفسادها، ليس إلا لأجل انطباقها مع ما هو المجعول سبباً وعدمه، كما هو الحال في التكليفية من الأحكام، ضرورة أن اتصاف المأتيّ به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما، ليس إلا لانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام.
السابع : لا يخفى أنه لا أصل في المسألة يعوّل عليه، لو شك في دلالة النهي على الفساد. نعم، كان الأصل في المسألة الفرعية الفساد، لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحة في المعاملة.
وأما العبادة فكذلك، لعدم الأمر بها مع النهي عنها، كما لا يخفى.
الثامن : إن متعلق النهي إمّا أن يكون نفس العبادة، او جزأها، أو شرطها الخارج عنها، أو وصفها الملازم لها كالجهر والإخفات(١) للقراءة، أو وصفها الغير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة عنها.
____________________
(١) فإن كل واحد منهما لا يكاد ينفك عن القراءة، وإن كانت هي تنفك عن أحدهما، فالنهي عن أيهما يكون مساوقاً للنهي عنها، كما لا يخفى. (منهقدسسره ).
لا ريب في دخول القسم الاول في محل النزاع، وكذا القسم الثاني بلحاظ أن جزء العبادة عبادة، إلا أن بطلان الجزء لا يوجب بطلانها، إلا مع الاقتصار عليه، لا مع الإتيان بغيره مما لا نهي عنه، إلا أن يستلزم محذوراً آخر.
وأما القسم الثالث، فلا يكون حرمة الشرط والنهي عنه موجباً لفساد العبادة، إلا فيما كان عبادة، كي تكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط به.
وبالجملة لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجباً لفساد العبادة المشروطة به، لو لم يكن موجباً لفساده، كما إذا كانت عبادة.
وأما القسم الرابع، فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه، فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلاً مساوقاً للنهي عنها، لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأموراً بها، مع كون الجهر بها منهياً عنه(١) فعلا، كما لا يخفى.
وهذا بخلاف ما إذا كان مفارقاً، كما في القسم الخامس، فإن النهي عنه لا يسري إلى الموصوف، إلا فيما إذا اتحد معه وجوداً، بناءً على امتناع الاجتماع، وأما بناءً على الجواز فلا يسري إليه، كما عرفت في المسألة السابقة، هذا حال النهي المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف.
وأما النهي عن العبادة لأجل أحد هذه الأمور، فحاله حال النهي عن أحدها إن كان من قبيل الوصف بحال المتعلق. وبعبارة أخرى: كان النهي عنها بالعرض، وإن كان النهي عنها على نحو الحقيقة، والوصف بحاله، وإن كان بواسطة أحدها، إلا أنه من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض، كان حاله حال النهي في القسم الأول، فلا تغفل.
____________________
(١) في «ب»: عنها.
ومما ذكرنا في بيان أقسام النهي في العبادة، يظهر حال الأقسام في المعاملة، فلا يكون بيانها على حدة بمهم، كما أن تفصيل الأقوال في الدلالة على الفساد وعدمها، التي ربما تزيد على العشرة - على ما قيل(١) - كذلك، إنما المهم بيان ما هو الحق في المسألة، ولا بد في تحقيقه على نحو يظهر الحال في الأقوال، من بسط المقال في مقامين:
الاول في العبادات : فنقول وعلى الله الاتكال: إن النهي المتعلق بالعبادة بنفسها، ولو كانت جزء عبادة بما هو عبادة - كما عرفت - مقتضٍ(٢) لفسادها، لدلالته على حرمتها ذاتاً، ولا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الأمر أو الشريعة مع الحرمة، وكذا بمعنى سقوط الإعادة، فإنه مترتب على إتيانها بقصد القربة، وكانت مما يصلح لأن يتقرب به(٣) ، ومع الحرمة لا تكاد تصلح لذلك، ويتأتى قصدها من الملتفت إلى حرمتها، كما لا يخفى.
لا يقال: هذا لو كان النهي عنها دالّاً على الحرمة الذاتية، ولا يكاد يتصف بها العبادة، لعدم الحرمة بدون قصد القربة، وعدم القدرة عليها مع قصد القربة بها إلا تشريعاً، ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة، ومعه لا تتصف بحرمة أخرى، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين.
فإنه يقال: لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة - لو كان مأموراً به - بالحرمة الذاتية، مثلاً صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها، بمعنى أنه لو أمر به كان عبادة، لا يسقط الأمر به إلا إذا أتى به بقصد القربة، كصوم سائر الأيام، هذا فيما إذا لم يكن ذاتاً عبادة، كالسجود لله تعالى ونحوه، وإلا كان محرماً مع
____________________
(١) مطارح الأنظار / ١٦٢، في الهداية الثانية من القول في اقتضاء النهي للفساد.
(٢) في «أ و ب»: مقتضى.
(٣) هكذا في «أ و ب»: وفي بعض النسخ المطبوعة «بها».
كونه فعلاً عبادة، مثلاً إذا نهي الجنب والحائض عن السجود له تبارك وتعالى، كان عبادة محرمة ذاتاً حينئذ، لما فيه من المفسدة والمبغوضية في هذا الحال، مع أنه لا ضير في اتصافه بهذه الحرمة مع الحرمة التشريعية، بناءً على أن الفعل فيها لا يكون في الحقيقة متصفاً بالحرمة، بل إنما يكون المتصف بها ما هو من أفعال القلب، كما هو الحال في التجري والانقياد، فافهم.
هذا مع أنه لو لم يكن النهي فيها دالّاً على الحرمة، لكان دالّاً على الفساد، لدلالته على الحرمة التشريعية، فإنه لا أقل من دلالته على أنها ليست بمأمور بها، وإن عمها إطلاق دليل الأمر بها أو عمومه، نعم لو لم يكن النهي عنها إلا عرضاً، كما إذا نهى عنها فيما كانت ضد الواجب مثلاً، لا يكون مقتضيا للفساد، بناء على عدم اقتضاء الأمر(١) بالشيء للنهي عن الضد الا كذلك أي عرضا، فيخصص به او يقيد.
المقام الثاني في المعاملات : ونخبة القول، أن النهي الدالّ على حرمتها لا يقتضي الفساد، لعدم الملازمة فيها - لغةً ولا عرفاً - بين حرمتها وفسادها أصلاً، كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة، أو بمضمونها بما هو فعل بالتسبب بها إليه، وإن لم يكن السبب ولا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام، وإنما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالّاً على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها، مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن في بيع أو بيع شيء.
نعم لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها، كما أن الأمر بها يكون ظاهراً في الإرشاد إلى صحتها من دون دلالته على إيجابها أو استحبابها، كما لايخفى، لكنه في المعاملات بمعنى العقود والإيقاعات، لا المعاملات بالمعنى الأعم المقابل للعبادات، فالمعول هو ملاحظة القرائن في
____________________
(١) في «ب» عدم الأقتضاء للأمر بالشيء..الخ.
خصوص المقامات، ومع عدمها لا محيص عن الأخذ بما هو قضية صيغة النهي من الحرمة، وقد عرفت أنها غير مستتبعة للفساد، لا لغةً ولا عرفاً.
نعم ربما يتوهم استتباعها له شرعاً، من جهة دلالة غير واحد من الأخبار عليه، منها ما رواه في الكافي والفقيه، عن زرارة، عن الباقرعليهالسلام (١) : (سأله عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذلك إلى سيده، إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك الله تعالى، إن الحكم بن عتيبة(٢) وإبراهيم النخعي وأصحابهما، يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا يحل إجازة السيد له، فقال أبوجعفرعليهالسلام : إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده، فإذا أجاز فهو له جائز) حيث دل بظاهره أنّ النكاح لو كان مما حرمه الله تعالى عليه كان فاسداً، ولا يخفى أن الظاهر أن يكون المراد بالمعصية المنفية هاهنا، أن النكاح ليس مما لم يمضه الله ولم يشرعه كي يقع فاسداً، ومن المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى للفساد كما لا يخفى، ولا بأس بإطلاق المعصية على عمل لم يمضه الله ولم يأذن به، كما أطلق عليه(٣) بمجرد عدم إذن السيد فيه أنه معصية.
وبالجملة: لو لم يكن ظاهراً في ذلك، لما كان ظاهراً فيما توهم، وهكذا
____________________
(١) الكافي / ٤٧٨، الحديث ٣، باب المملوك يتزوج بغير إذن مولاه، الفقيه ٣ / ٣٥٠ الحديث ٤ باب طلاق العبد - التهذيب ٧ / ٣٥١ الحديث ٦٣ في العقود على الإماء.
(٢) في «أ و ب»: حكم بن عتبة.
(٣) وجه ذلك أن العبودية تقتضي عدم صدور العبد إلا عن أمر سيده وإذنه، حيث أنه كلّ عليه لا يقدر على شيء، فإذا استقل بأمر كان عاصياً حيث أتى بما ينافيه مقام عبوديته، لا سيما مثل التزوج الذي كان خطيراً، وأما وجه أنه لم يعص الله فيه، فلأجل كون التزوج بالنسبة إليه أيضاً كان مشروعاً ماضياً، غايته أنه يعتبر في تحققه إذن سيده ورضاه، وليس كالنكاح في العدة غير مشروع من أصله، فإذا أجاز ما صدر عنه بدون إذنه فقد وجد شرط نفوذه وارتفع محذور عصيانه، فعصيانه لسيده. (منهقدسسره ).
حال سائر الأخبار الواردة في هذا الباب(١) ، فراجع وتأمل.
تذنيب : حكي عن أبي حنيفة(٢) والشيباني(٣) دلالة النهي على الصحة، وعن الفخر(٤) أنه وافقهما في ذلك، والتحقيق(٥) انه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبب أو التسبيب، لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر، ولا يكاد يقدر عليهما إلا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة، وأما إذا كان عن السبب، فلا، لكونه مقدوراً وإن لم يكن صحيحاً، نعم قد عرفت أن النهي عنه لا ينافيها.
وأما العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود والركوع والخشوع والخضوع له تبارك وتعالى، فمع النهي عنه يكون مقدوراً، كما إذا كان ماموراً به، وما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان ماموراً به، فلا يكاد يقدر عليه إلا إذا قيل باجتماع الأمر والنهي في شيء ولو بعنوان واحد، وهو محال، وقد عرفت أن النهي في هذا القسم إنما يكون نهياً عن العبادة، بمعنى أنه لو كان مأموراً به، كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلا بقصد القربة، فافهم.
____________________
(١) راجع وسائل الشيعة ١٤، الباب ٢٣ إلى ٢٥ من أبواب نكاح العبيد والإماء.
(٢ و٣) شرح تنقيح الفصول، ١٧٣.
(٤) أي فخر المحققينرحمهالله نجل العلامة الحليرحمهالله.
(٥) ملخصه أن الكبرى وهي: ان النهي - حقيقة - إذا تعلق بشيء ذي أثر كان دالّاً على صحته وترتب أثره عليه، لاعتبار القدرة فيما تعلق به النهي كذلك وإن كانت مسلمة، إلا أن النهي كذلك لا يكاد يتعلق بالعبادات، ضرورة امتناع تعلق النهي كذلك بما تعلق به الأمر كذلك، وتعلقه بالعبادات بالمعنى الأول وإن كان ممكناً، إلا أن أثر المرغوب منها عقلاً أو شرعاً غير مترتب عليها مطلقا، بل على خصوص ما ليس بحرام منها وهكذا الحال في المعاملات، فإن كان الأثر في معاملة مترتباً عليها ولازماً لوجودها كان النهي عنها دالّاً على ترتبه عليها، لما عرفت. (منهقدسسره ).
المقصد الثالث: المفاهيم
المقصد الثالث: في المفاهيم
مقدمة
وهي: إن المفهوم - كما يظهر من موارد إطلاقه - هو عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أُريد من اللفظ، بتلك الخصوصية ولو بقرينة الحكمة، وكان يلزمه لذلك، وافقه في الإيجاب والسلب أو خالفه، فمفهوم (إن جاءك زيد فأكرمه) مثلاً - لو قيل به - قضية شرطية سالبة بشرطها وجزائها، لازمة للقضية الشرطية التي تكون معنى القضية اللفظية، وتكون لها خصوصية، بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها، فصح أن يقال: إن المفهوم إنما هو حكم غير مذكور، لا أنه حكم لغير مذكور، كما فسّر(١) به، وقد وقع فيه النقض والإبرام بين الأعلام(٢) ، مع أنه لا موقع له كما أشرنا إليه في غير مقام، لأنه من قبيل شرح الاسم، كما في التفسير اللغوي.
ومنه قد انقدح حال غير هذا التفسير مما ذكر في المقام، فلا يهمنا التصدي لذلك، كما لا يهمنا بيان أنه من صفات المدلول أو الدلالة وإن كان بصفات
____________________
(١) كما عن العضدي، راجع شرح العضدي على مختصر المنتهى لابن الحاجب / ٣٠٦، في المنطوق والمفهوم.
(٢) راجع تقريرات الشيخ مطارح الأنظار / ١٦٧ والفصول / ١٤٥ والقوانين ١ / ١٦٧.
المدلول أشبه، وتوصيف الدلالة [به](١) أحياناً كان من باب التوصيف بحال المتعلق.
وقد انقدح من ذلك أن النزاع في ثبوت المفهوم وعدمه في الحقيقة، إنما يكون في أن القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الأخرى، أم لا؟
فصل
الجملة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء ، كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام، أم لا؟ فيه خلاف بين الأعلام.
لا شبهة في استعمالها وإرادة الانتفاء عند الانتفاء في غير مقام، إنما الإشكال والخلاف في أنه بالوضع أو بقرينة عامة، بحيث لابد من الحمل عليه لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال، فلا بد للقائل بالدلالة من إقامة الدليل على الدلالة، بأحد الوجهين على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط، نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة.
وأما القائل بعدم الدلالة ففي فسحة، فإن له منع دلالتها على اللزوم، بل على مجرد الثبوت عند الثبوت ولو من باب الاتفاق، أو منع دلالتها على الترتب، أو على نحو الترتب على العلة، أو العلة المنحصرة بعد تسليم اللزوم أو العلية.
لكن منع دلالتها على اللزوم، ودعوى كونها اتفاقية، في غاية السقوط، لانسباق اللزوم منها قطعاً، وأما المنع عن أنه بنحو الترتب على العلة فضلاً عن كونها منحصرة، فله مجال واسع.
ودعوى تبادر اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة - مع كثرة
____________________
(١) أثبتناه من «أ».
استعمالها في الترتب على نحو الترتب على الغير المنحصرة منها بل في مطلق اللزوم - بعيدة، عهدتها على مدعيها، كيف؟ ولايرى في استعمالها فيهما(١) عناية، ورعاية علاقة، بل إنما تكون إرادته كإرادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية، كما يظهر على من أمعن النظر وأجال البصر(٢) في موارد الاستعمالات، وفي عدم الإلزام والأخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات والاحتجاجات، وصحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم، وعدم صحته لو كان له ظهور فيه معلوم.
وأما دعوى الدلالة، بادعاء انصراف إطلاق العلاقة اللزومية إلى ما هو أكمل افرادها، وهو اللزوم بين العلة المنحصرة ومعلولها، ففاسدة جداً، لعدم كون الأكملية موجبة للانصراف إلى الأكمل، لاسيما مع كثرة الاستعمال في غيره، كما لا يكاد يخفى.
هذا مضافاً إلى منع كون اللزوم بينهما أكمل مما إذا لم تكن العلة بمنحصرة، فإن الإنحصار لا يوجب أن يكون ذاك الربط الخاص الذي لا بد منه في تأثير العلة في معلولها آكد وأقوى.
إن قلت: نعم، ولكنه قضية الإطلاق بمقدمات الحكمة، كما ان قضية إطلاق صيغة الأمر هو الوجوب النفسي.
قلت: أولاً: هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة، ولا تكاد تتم فيما هو مفاد الحرف كما هاهنا، وإلا لما كان معنى حرفياً، كما يظهر وجهه بالتامل.
وثانياً: تعينه من بين أنحائه بالإطلاق المسوق في مقام البيان بلا معيّن، ومقايسته مع تعين الوجوب النفسي بإطلاق صيغة الأمر مع الفارق، فإن النفسي هو الواجب على كل حال بخلاف الغيري، فإنه واجب على تقدير دون
____________________
(١) في «ب»: فيها.
(٢) في «ب»: البصيرة.
تقدير، فيحتاج بيانه إلى مؤونة التقييد بما إذا وجب الغير، فيكون الإطلاق في الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولاً عليه، وهذا بخلاف اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة، ضرورة أن كل واحد من أنحاء اللزوم والترتب، محتاج في تعينه إلى القرينة مثل الآخر، بلا تفاوت أصلاً، كما لا يخفى.
ثم إنه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم بإطلاق الشرط، بتقريب أنه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده، ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده، وقضية إطلاقه أنه يؤثر كذلك مطلقاً.
وفيه أنه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك، إلا أنه من المعلوم ندرة تحققه، لو لم نقل بعدم اتفاقه.
فتلخص بما ذكرناه، أنه لم ينهض دليل على وضع مثل (إن) على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، ولم تقم عليها قرينة عامة، أما قيامها أحياناً كانت مقدمات الحكمة أو غيرها، مما لا يكاد ينكر، فلا يجدي القائل بالمفهوم، انه قضية(١) الاطلاق في مقام من باب الاتفاق.
وأما توهم أنه قضية(٢) إطلاق الشرط، بتقريب أن مقتضاه تعينه، كما أن مقتضى إطلاق الأمر تعين الوجوب.
ففيه: أن التعين ليس في الشرط نحواً يغاير نحوه فيما إذا كان متعدداً، كما كان في الوجوب كذلك، وكان الوجوب في كل منهما متعلقاً بالواجب بنحو آخر، لابد في التخييري منهما من العِدل، وهذا بخلاف الشرط فإنه واحداً كان أو متعدداً، كان نحوه واحداً ودخله في المشروط بنحو واحد، لا تتفاوت الحال فيه ثبوتاً كي تتفاوت عند الإطلاق إثباتاً، وكان الإطلاق مثبتاً لنحو لا يكون له عدل لإحتياج ما له العدل إلى زيادة مؤونة، وهو ذكره بمثل (أو كذا)
____________________
(١ و٢) في «ب»: قضيته.
واحتياج ما إذا كان الشرط متعدداً إلى ذلك إنما يكون لبيان التعدد، لا لبيان نحو الشرطية، فنسبة إطلاق الشرط إليه لا تختلف، كان هناك شرط آخر أم لا، حيث كان مسوقاً لبيان شرطيته بلا إهمال ولا إجمال.
بخلاف إطلاق الامر، فإنه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني، فلا محالة يكون في مقام الإهمال أو الإجمال، تأمل تعرف. هذا مع أنه لو سلم لا يجدي القائل بالمفهوم، لما عرفت أنه لا يكاد ينكر فيما إذا كان مفاد الإطلاق من باب الاتفاق.
ثم إنه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه:
أحدها : ما عُزي إلى السيد(١) من أن تاثير الشرط، إنما هو تعليق الحكم به، وليس بممتنع أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج عن كونه شرطاً، فإن قوله تعالى:( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ) (٢) يمنع من قبول الشاهد الواحد، حتى ينضم إليه شاهد آخر، فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول، ثم علمنا أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول شرط في القبول، ثم علمنا أن ضم اليمين يقوم مقامه أيضاً، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى، مثل الحرارة، فإن انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة، لاحتمال قيام النار مقامها، والأمثلة لذلك كثيرة شرعاً وعقلاً.
والجواب: أنهقدسسره إن كان بصدد إثبات إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت وفي الواقع، فهو مما لا يكاد ينكر، ضرورة أن الخصم يدّعي عدم وقوعه في مقام الإثبات، ودلالة القضية الشرطيّة عليه، وإن كان بصدد إبداء احتمال وقوعه، فمجرد الاحتمال لا يضره، ما لم يكن
____________________
(١) الذريعة: ١ / ٤٠٦، في جوابه عن ثالث وجوه أدلة القول بثبوت المفهوم.
(٢) البقرة / ٢٨٢.
بحسب القواعد اللفظية راجحاً أو مساوياً، وليس فيما أفاده ما يثبت ذلك أصلاً، كما لا يخفى.
ثانيها : إنه لو دل لكان بإحدى الدلالات، والملازمة كبطلان التالي ظاهرة، وقد أُجيب عنه بمنع بطلان التالي، وأن الالتزام ثابت، وقد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه، فلا تغفل.
ثالثها : قوله تبارك وتعالى(١) :( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) .
وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له أحياناً وبالقرينة، لا يكاد ينكر، كما في الآية وغيرها، وإنما القائل به إنما يدّعي ظهورها فيما له المفهوم وضعاً أو بقرينة عامة، كما عرفت.
بقى هاهنا أمور:
الأمر الأول : إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه، لا انتفاء شخصه، ضرورة انتفائه عقلاً بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده، فلا(٢) يتمشى الكلام - في أن للقضية الشرطية مفهوماً أو ليس لها مفهوم - إلا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء، وانتفاؤه عند انتفاء الشرط ممكناً، وإنما وقع النزاع في أن النزاع في أن لها دلالة على الانتفاء عند الانتفاء، أو لا يكون لها دلالة.
ومن هنا انقدح أنه ليس من المفهوم دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا والأوقاف والنذور والأيمان، كما توهم(٣) ، بل عن الشهيد
____________________
(١) النور / ٣٣.
(٢) في «ب»: ولا.
(٣) مطارح الأنظار / ١٧٣، الهداية الثالثة من القول في المفهوم والمنطوق.
في تمهيد القواعد(١) ، أنه لا إشكال في دلالتها على المفهوم، وذلك لأن انتفاءها عن غير ما هو المتعلق لها، من الأشخاص التي تكون بألقابها أو بوصف شيء أو بشرطه، مأخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه، بل لأجل أنه إذا صار شيء وقفاً على أحد أو أوصى به أو نذر له، إلى غير ذلك، لا يقبل أن يصير وقفاً على غيره أو وصية أو نذراً له. وانتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق، قد عرفت أنه عقلي مطلقاً، ولو قيل بعدم المفهوم في مورد صالح له.
إشكال ودفع : لعلك تقول: كيف يكون المناط في المفهوم هو سنخ الحكم؟ لا نفس شخص الحكم في القضية، وكان الشرط في الشرطية إنما وقع شرطاً بالنسبة إلى الحكم الحاصل بإنشائه دون غيره، فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه، لا انتفاء سنخه، وهكذا الحال في سائر القضايا التي تكون مفيدة للمفهوم.
ولكنك غفلت عن أن المعلق على الشرط، إنما هو نفس الوجوب الذي هو مفاد الصيغة ومعناها، وأما الشخص والخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه، لا تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه، كما لا يخفى، كما لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الإخبار به،، من خصوصيات ما أخبر به
____________________
(١) تمهيد القواعد / ١٤، القاعدة ٢٥، عند قوله: ذهب جماعة من الأصوليين إلى أنّ مفهوم الصفة والشرط حجة...الخ.
الشهيد الثاني هوالشيخ الاجل زين الدين بن نور الدين العاملي الجبعي ولد عام ٩١١ ه، قرأ على والده جملة من الكتب العربية والفقه، ختم القرآن وعمره تسع سنين. ارتحل إلى بلاد عديدة وقرأ على كثير من العلماء منهم الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، ثم انتقل إلى بلده واشتغل بالتدريس والتصنيف ومصنفاته كثيرة مشهورة أولها «الروض» وآخرها «الروضة» ومن تلامذته ابنه صاحب المعالم وصاحب المدارك ووالد البهائي وغيرهم، استشهد سنة ٩٦٦ ه (الكنى والالقاب ٢/٣٤٤).
واستعمل فيه إخباراً لا إنشاءً.
وبالجملة: كما لا يكون المخبر به المعلق على الشرط خاصاً بالخصوصيات الناشئة من قبل الإخبار به، كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه، وقد عرفت بما حققناه في معنى الحرف وشبهه، أن ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له، وأن خصوصية لحاظه بنحو الآلية والحالية لغيره من خصوصية الاستعمال، كما أن خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك، فيكون اللحاظ الآلي كالاستقلالي، من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه.
وبذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات(١) في مقام التفصي عن هذا الإشكال، من التفرقة بين الوجوب الإخباري والإنشائي، بأنه كلّي في الأول، وخاص في الثاني، حيث دفع الاشكال بأنه لا يتوجه في الأول، لكون الوجوب كلياً، وعلى الثاني بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلّية المستفادة من الجملة الشرطية، حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستنداً إلى ارتفاع العلة المأخوذة فيها، فإنه يرتفع ولو لم يوجد في حيال أداة الشرط كما في اللقب والوصف.
وأورد(٢) على ما تفصي به عن الإشكال بما ربما يرجع إلى ما ذكرناه، بما حاصله: إن التفصي لا يبتني على كلية الوجوب، لما أفاده، وكون الموضوع له في الإنشاء عاماً لم يقم عليه دليل، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه، حيث أن الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الألفاظ.
وذلك لما عرفت من أن الخصوصيات في الإنشاءات والإخبارات، إنما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت أصلاً بينهما، ولعمري - لا يكاد ينقضي تعجبي - كيف تجعل خصوصيات الإنشاء من خصوصيات المستعمل
____________________
(١) مطارح الأنظار / ١٧٣، في الهداية الثالثة من القول في المنطوق والمفهوم.
(٢) المصدر المتقدم / ١٧٣ في الهداية الثالثة من القول في المفهوم والمنطوق.
فيه؟ مع أنها كخصوصيات الإخبار، تكون ناشئة من الاستعمال، ولا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال، كما هو واضح لمن تأمل.
الأمر الثاني : إنه إذا تعدد الشرط، مثل (إذا خفي الأذان فقصر، وإذا خفي الجدران فقصر)، فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم، لابد من التصرف ورفع اليد عن الظهور.
إما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر، فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين.
وإما برفع اليد عن المفهوم فيهما، فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شيء آخر في الجزاء، بخلاف الوجه الأول، فإن فيهما الدلالة على ذلك.
وإما بتقييد إطلاق الشرط في كل منهما بالآخر، فيكون الشرط هو خفاء الأذان والجدران معاً، فإذا خفيا وجب القصر، ولا يجب عند انتفاء خفائهما ولو خفي أحدهما.
وإما بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما، بأن يكون تعدد الشرط قرينة على أن الشرط في كل منهما ليس بعنوانه الخاص، بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان.
ولعل العرف يساعد على الوجه الثاني، كما أن العقل ربما يعين هذا الوجه، بملاحظة أن الأمور المتعددة بما هي مختلفة، لا يمكن أن يكون كل منها مؤثراً في واحد، فإنه لا بد من الربط الخاص بين العلة والمعلول، ولا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطاً بالاثنين بما هما اثنان، ولذلك أيضاً لا يصدر من الواحد إلا الواحد، فلا بد من المصير إلى أن الشرط في الحقيقة واحد، وهو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم، وبقاء إطلاق الشرط في كل منهما على حاله، وإن كان بناء العرف والأذهان العامية
على تعدد الشرط وتأثير كل شرط بعنوانه الخاص، فافهم.
الأمر الثالث : إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، فلا إشكال على الوجه الثالث، وأما على سائر الوجوه، فهل اللازم لزوم الإتيان بالجزاء متعدداً، حسب تعدد الشروط؟ أو يتداخل، ويكتفى بإتيانه دفعة واحدة؟
فيه أقوال: والمشهور عدم التداخل، وعن جماعة - منهم المحقق الخوانساري(١) - التداخل، وعن الحلي(٢) التفصيل بين اتحاد جنس الشروط وتعدده.
والتحقيق: إنه لما كان ظاهر الجملة الشرطية، حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه، أو بكشفه عن سببه، وكان قضيته تعدد الجزاء عند تعدد الشرط، كان الأخذ بظاهرها إذا تعدد الشرط حقيقة أو وجوداً محالاً، ضرورة أن لازمه أن يكون الحقيقة الواحدة - مثل الوضوء - بما هي واحدة، في مثل (إذا بلت فتوضأ، وإذا نمت فتوضأ)، أو فيما إذا بال مكرراً، أو(٣) نام كذلك، محكوماً بحكمين متماثلين، وهو واضح الاستحالة كالمتضادين.
فلابد على القول بالتداخل من التصرف فيه: إما بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على الحدوث عند الحدوث، بل على مجرد الثبوت، أو الالتزام بكون متعلق الجزاء وإن كان واحداً صورة، إلا أنه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط، متصادقة على واحد، فالذمة وإن اشتغلت بتكاليف متعددة، حسب
____________________
(١) مشارق الشموس ٦١، كتاب الطهارة في تداخل الأغسال الواجبة، قال: لأن تداخل الأسباب لا يوجب تعدد المسببات.
(٢) السرائر / ٥٥، في باب أحكام السهو والشك في الصلاة.
هو محمد بن احمد بن ادريس الحلّي، فاضل فقيه ومحقق نبيه، فخر الاجلة وشيخ فقهاء الحلة صاحب كتاب «السرائر» و «مختصر تبيان الشيخ» توفي سنة ٥٩٨ وهو ابن خمس وخمسين (الكنى والالقاب ١ / ٢٠١).
(٣) في «ب»: و.
تعدد الشروط، إلا أن الاجتزاء بواحد لكونه مجمعاً لها، كما في (أكرم هاشمياً وأضف عالماً)، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة، ضرورة أنه بضيافته بداعي الأمرين، يصدق أنه امتثلهما، ولا محالة يسقط الأمر بامتثاله وموافقته، وإن كان له امتثال كل منهما على حدة، كما إذا أكرم الهاشمي بغير الضيافة، وأضاف العالم الغير الهاشمي.
إن قلت: كيف يمكن ذلك - أي الامتثال بماتصادق(١) عليه العنوانان - مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه؟
قلت: انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين، بل غايته أن انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب وانتزاع صفته له، مع أنه - على القول بجواز الاجتماع - لا محذور في اتصافه بهما، بخلاف ما إذا كان بعنوان واحد، فافهم.
أو الالتزام بحدوث الأثر عند وجود كل شرط، إلا أنه وجوب الوضوء في المثال عند الشرط الأول، وتأكد وجوبه عند الآخر.
ولا يخفى أنه لا وجه لأن يصار إلى واحد منها، فإنه رفع اليد عن الظاهر بلا وجه، مع ما في الأخيرين من الاحتياج إلى إثبات أن متعلق الجزاء متعدد متصادق على واحد، وإن كان صورة واحداً سمي(٢) باسم واحد، كالغسل، وإلى إثبات أن الحادث بغير الشرط الأول تؤكد ما حدث بالأول، ومجرد الاحتمال لا يجدي، ما لم يكن في البين ما يثبته.
إن قلت: وجه ذلك هو لزوم التصرف في ظهور الجملة الشرطية، لعدم امكان الأخذ بظهورها، حيث أن قضيته اجتماع الحكمين في الوضوء في
____________________
(١) في «أ و ب»: تصادقا.
(٢) في «أ» مسمى.
المثال، كما مرت الإشارة إليه.
قلت: نعم، إذا لم يكن المراد بالجملة - فيما إذا تعدد الشرط كما في المثال - هو وجوب وضوء مثلاً بكل شرط غير ما وجب بالآخر، ولا ضير في كون فرد محكوماً بحكم فرد آخر أصلاً، كما لا يخفى.
إن قلت: نعم، لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الإطلاق.
قلت: نعم، لو لم يكن ظهور الجملة [الشرطية](١) في كون الشرط سبباً أو كاشفاً عن السبب، مقتضياً لذلك أي لتعدد الفرد، و(٢) بياناً لما هو المراد من الإطلاق.
وبالجملة: لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الإطلاق ضرورة أن ظهور الإطلاق يكون معلقاً على عدم البيان، وظهورها في ذلك صالح لأن يكون بياناً، فلا ظهور له مع ظهورها، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلاً، بخلاف القول بالتداخل كما لا يخفى(٣) .
فتلخص بذلك، أن قضية ظاهر الجملة الشرطية، هو القول بعدم التداخل عند تعدد الشرط.
وقد انقدح مما ذكرناه، أن المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
(٢) في «أ»: والّا كان بياناً. ولكن شطب عليه المصنف في «ب».
(٣) هذا واضح بناء على ما يظهر من شيخنا العلامة من كون ظهور الإطلاق معلقاً على عدم البيان مطلقاً، ولو كان منفصلاً، وأما بناءً على ما اخترناه في غير مقام، من أنه إنما يكون معلقاً على عدم البيان في مقام التخاطب لا مطلقاً، فالدوران حقيقة بين الظهورين حينئذ وإن كان، إلا أنه لا دوران بينهما حكماً، لأن العرف لا يكاد يشك بعد الاطلاع على تعدد القضية الشرطية أن قضيته تعدد الجزاء، وأنه في كل قضية وجوب فرد غير ما وجب في الأخرى، كما إذا اتصلت القضايا وكانت في كلام واحد، فافهم (منهقدسسره ).
التي ذكرناها، لامجرد كون الأسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات، فلا وجه لما عن الفخر(١) وغيره، من ابتناء المسألة على أنها معرفات أو مؤثرات(٢) ، مع أن الأسباب الشرعية حالها حال غيرها، في كونها معرفات تارة ومؤثرات أخرى، ضرورة أن الشرط للحكم الشرعي في الجمل(٣) الشرطية، ربما يكون مما له دخل في ترتب الحكم، بحيث لولاه لما وجدت له علة، كما أنه في الحكم الغير الشرعي، قد يكون أمارة على حدوثه بسببه، وإن كان ظاهر التعليق أن له الدخل فيهما، كما لا يخفى.
نعم، لو كان المراد بالمعرفية في الأسباب الشرعية أنها ليست بدواعي الأحكام التي هي في الحقيقة علل لها، وإن كان لها دخل في تحقق موضوعاتها، بخلاف الأسباب الغير الشرعية، فهو وإن كان له وجه، إلا أنه مما لا يكاد يتوهم أنه يجدي فيما همّ وأراد.
ثم إنه لا وجه للتفصيل(٤) بين اختلاف الشروط بحسب الأجناس وعدمه، واختيار عدم التداخل في الأول، والتداخل في الثاني، إلا توهم عدم صحة التعلق بعموم اللفظ في الثاني، لأنه من أسماء الأجناس، فمع تعدد أفراد شرط واحد لم يوجد إلا السبب الواحد، بخلاف الأول، لكون كل منها سبباً، فلا وجه لتداخلها، وهو فاسد.
____________________
(١) فخر المحققين ابوطالب محمد بن جمال الدين حسن بن يوسف المطهر الحلي، ولد سنة ٦٨٢، فاز بدرجة الاجتهاد في السنة العاشرة من عمره الشريف كان والده العلامة يعظمه ويثني عليه، له كتب منها «غاية السؤل» و «شرح مبادئ الاصول». توفي سنة ٧٧١ ه.
(روضات الجنات ٦ / ٢٣٠ رقم ٥٩١).
(٢) حكى الشيخ الأعظمرحمهالله نسبته إلى فخر المحققينرحمهالله واحتمل تبعة النراقيرحمهالله له في العوائد/مطارح الأنظار/١٧٥ في الهداية ٦ من القول في المفهوم والمنطوق.
(٣) في «ب»: الجملة.
(٤) المفصل هو ابن إدريس في السرائر / ٥٥، عند قوله (قده): فإن سها المصلي في صلاته بما يوجب سجدتي السهو مرات كثيرة...الخ.
فإن قضية اطلاق الشرط في مثل (إذا بلتَ فتوضأ) هو حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرّات، وإلا فالأجناس المختلفة لابد من رجوعها إلى واحد، فيما جعلت شروطاً وأسباباً لواحد، لما مرت إليه الإشارة، من أن الأشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون أسباباً لواحد، هذا كله فيما إذا كان موضوع الحكم في الجزاء قابلاً للتعدد.
وأما ما لا يكون قابلاً لذلك، فلابد من تداخل الأسباب، فيما لا يتأكد المسبب، ومن التداخل فيه فيما يتأكد.
فصل
الظاهر أنه لا مفهوم للوصف وما بحكمه مطلقاً، لعدم ثبوت الوضع، وعدم لزوم اللغوية بدونه، لعدم انحصار الفائدة به، وعدم قرينة أخرى ملازمة له، وعلّيته فيما إذا استفيدت غير مقتضية له، كما لا يخفى، ومع كونها بنحو الانحصار وإن كانت مقتضية له، إلا أنه لم يكن من مفهوم الوصف، ضرورة أنه قضية العلة الكذائية المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام، وهو مما لا إشكال فيه ولا كلام، فلا وجه لجعله تفصيلاً في محل النزاع، ومورداً للنقض والإبرام.
ولا ينافي ذلك ما قيل من أن الأصل في القيد أن يكون احترازياً، لأن الاحترازية لا توجب إلا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية، مثل ما إذا كان بهذا الضيق بلفظ واحد، فلا فرق أن يقال: جئني بإنسان أو بحيوان ناطق، كما أنه لا يلزم في حمل المطلق على المقيد، فيما وجد شرائطه إلا ذلك، من دون حاجة فيه إلى دلالته على المفهوم، فإنه من المعلوم أن قضية الحمل ليس إلا أن المراد بالمطلق هو المقيد، وكأنه لا يكون في البين غيره، بل ربما قيل(١) :
____________________
(١) مطارح الأنظار / ١٨٣.
إنه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم، فإن ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الإطلاق، كي يحمل عليه، لو لم نقل بأنه الأقوى، لكونه بالمنطوق، كما لا يخفى.
وأما الاستدلال على ذلك - أي عدم الدلالة على المفهوم - بآية( وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم ) (١) ففيه أن الاستعمال في غيره أحياناً مع القرينة مما لا يكاد ينكر، كما في الآية قطعاً، مع أنه يعتبر في دلالته عليه عند القائل بالدلالة، أن لا يكون وارداً مورد الغالب كما في الآية، ووجه الاعتبار واضح، لعدم دلالته معه على الاختصاص، وبدونها لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم، فافهم.
تذنيب : لا يخفى أنه لا شبهة في جريان النزاع، فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه ولو من وجه، في مورد الافتراق من جانب الموصوف، وأما في غيره، ففي جريانه إشكال أظهره عدم جريانه، وإن كان يظهر مما عن بعض الشافعية(٢) ، حيث قال: (قولنا في الغنم السائمة زكاة، يدل على عدم الزكاة في معلوفة الإبل) جريانه فيه، ولعل وجهه استفادة العلية المنحصرة منه.
وعليه فيجري فيما كان الوصف مساوياً أو أعم مطلقاً أيضاً، فيدل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه، فلا وجه في التفصيل بينهما وبين ما إذا كان أخص من وجه(٣) ، فيما إذا كان الافتراق من جانب الوصف، بأنه لا وجه للنزاع فيهما، معللاً بعدم الموضوع، واستظهار جريانه من بعض الشافعية فيه، كما لا يخفى، فتأمل جيداً.
____________________
(١) النساء / ٢٣.
(٢) راجع المنخول للغزالي / ٢٢٢، في مسائل المفهوم، عند قوله: (كقوله: في عوامل الابل زكاة...الخ).
(٣) التفصيل للشيخ، مطارح الأنظار ١٨٢، عند قوله قده: ثم إن الوصف قد يكون مساوياً...الخ.
فصل
هل الغاية في القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية، بناء على دخول الغاية في المغيّى، أو عنها وبعدها، بناء على خروجها، أو لا؟
فيه خلاف، وقد نسب(١) إلى المشهور الدلالة على الارتفاع، وإلى جماعة منهم السيد(٢) والشيخ(٣) ، عدم الدلالة عليه.
والتحقيق: إنه إذا كانت الغاية بحسب القواعد العربية قيداً للحكم، كما في قوله: (كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام)(٤) ، و (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر)(٥) ، كانت دالة على ارتفاعه عند حصولها، لانسباق ذلك منها، كما لا يخفى، وكونه قضية تقييده بها، وإلا لما كان ما جعل غاية له بغاية، وهو واضح إلى النهاية.
وأما إذا كانت بحسبها قيداً للموضوع، مثل (سر من البصرة إلى
____________________
(١) كما في مطارح الأنظار / ١٨٦، في مفهوم الغاية، المقام الثاني.
(٢) الذريعة ١ / ٤٠٧، في عدم الفرق بين الوصف والغاية.
(٣) راجع عدة الاصول ٢ / ٢٤، تعليق الحكم بالغاية.
هو ابوجعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، ولد سنة ٣٨٥، قدم العراق سنة ٤٠٨ ه، تلمذ على الشيخ المفيد والسيد المرتضى وابي الحسين علي بن احمد بن محمد بن ابي الجيد القمي، ثم هاجر إلى مشهد امير المؤمنينعليهالسلام خوفاً من الفتنة التي تجددت ببغداد واحرقت كتبه وكرسي درسه، بقي في النجف إلى ان توفي سنة ٤٦٠ ه له مصنفات كثيرة منها: «التبيان» و «التهذيب» و «الاستبصار» و «المبسوط» و «الخلاف» و «العدة» في الاصول.
(الكنى والالقاب ٢ / ٣٥٧).
(٤) الكافي: ٥ / ٣١٣. الحديث ٤٠ من باب النوادر، كتاب المعيشة. باختلاف يسير.
(٥) التهذيب: ١ / ٢٨٤. الحديث ١١٩. باختلاف يسير.
الكوفة)، فحالها حال الوصف في عدم الدلالة، وإن كان تحديده بها بملاحظة حكمه وتعلق الطلب به، وقضيته ليس إلا عدم الحكم فيها إلا بالمغيّى، من دون دلالة لها أصلاً على انتفاء سنخه عن غيره، لعدم ثبوت وضع لذلك، وعدم قرينة ملازمة لها ولو غالباً، دلت على اختصاص الحكم به، وفائدة التحديد بها كسائر أنحاء التقييد، غير منحصرة بإفادته كما مر في الوصف.
ثم إنه في الغاية خلاف آخر، كما أشرنا إليه، وهو أنها هل هي داخلة في المغيّى بحسب الحكم؟ أو خارجة عنه؟ والأظهر خروجها، لكونها من حدوده، فلا تكون محكومة بحكمه، ودخوله فيه في بعض الموارد إنما يكون بالقرينة، وعليه تكون كما بعدها بالنسبة إلى الخلاف الأول، كما أنه على القول الآخر تكون محكومة بالحكم منطوقاً، ثم لا يخفى أن هذا الخلاف لا يكاد يعقل جريانه فيما إذا كان قيداً للحكم، فلا تغفل(١) .
فصل
لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم - سلباً أو إيجاباً - بالمستثنى منه ولا يعم المستثنى ولذلك يكون الاستثناء من النفي إثباتاً، ومن الإثبات نفياً، وذلك للانسباق عند الإطلاق قطعاً، فلا يعبأ بما عن أبي حنيفة(٢) من عدم الإفادة، محتجاً بمثل (لا صلاة إلا بطهور) ضرورة ضعف احتجاجه:
____________________
(١) حيث أن المغيّى حينئذ هو نفس الحكم، لا المحكوم به ليصح أن ينازع في دخول الغاية في حكم المغيّى، أو خارج عنه، كما لا يخفى، نعم يعقل أن ينازع في أن الظاهر هل هو انقطاع الحكم المغيّى بحصول غايته [في] الاصطلاح، اي مدخول إلى أو حتى. أو استمراره في تلك الحال، ولكن الاظهر هو انقطاعه، فافهم واستقم، (منهقدسسره ).
(٢) راجع شرح مختصر الأصول للعضدي / ٢٦٥، والتقرير والتحبير ١ / ٣١٣. =
أولاً: يكون المراد من مثله(١) أنه لا تكون الصلاة التي كانت واجدة لأجزائها وشرائطها المعتبرة فيها صلاة، إلا إذا كانت واجدة للطهارة، وبدونها لا تكون صلاة على وجه، وصلاة تامة مأموراً بها على آخر.
وثانياً: بأن الاستعمال مع القرينة، كما في مثل التركيب، مما علم فيه الحال لا دلالة له على مدعاه أصلاً، كما لا يخفى.
ومنه قد انقدح(٢) أنه لا موقع للاستدلال على المدّعى، بقبول رسول اللهصلىاللهعليهوآله إسلام من قال كلمة التوحيد، لإمكان دعوى أن دلالتها على التوحيد كان بقرينة الحال أو المقال.
والإشكال في دلالتها عليه - بأن خبر (لا) إما يقدّر (ممكن) أو (موجود) وعلى كل تقدير لا دلالة لها عليه، أما على الاول: فإنه(٣) حينئذ لا دلالة لها إلا على إثبات إمكان وجوده تبارك وتعالى، لا وجوده، وأما على الثاني: فلأنها وإن دلت على وجوده تعالى، إلا أنه لا دلالة لها على عدم إمكان إله آخر - مندفع، بأن المراد من الإله هو واجب الوجود، ونفي ثبوته ووجوده في الخارج، وإثبات فرد منه فيه - وهو الله - يدل بالملازمة البينة على امتناع تحققه في ضمن غيره تبارك وتعالى، ضرورة أنه لو لم يكن ممتنعاً لوجد، لكونه من أفراد الواجب.
____________________
= أبوحنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي ولد عام ٨٠ ه امام الحنفية - احد الأئمة الاربعة عند اهل السنة، قيل اصله من ابناء فارس، ولد ونشأ بالكوفة، وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه ثم انقطع للتدريس والافتاء، توفي ببغداد عام ١٥٠ ه (الكنى والالقاب ١ / ٥٠)
(١) بل المراد من مثله في المستثنى منه نفي الإمكان، وأنه لا يكاد يكون بدون المستثنى، قضيته ليس إلا إمكان ثبوته معه لا ثبوته فعلاً، لما هو واضح لمن راجع أمثاله من القضايا العرفية (منهقدسسره ).
(٢) ردّ على صاحب الفصول والشيخقدسسره أنظر الفصول / ١٩٥، مطارح الأنظار / ١٨٧.
(٣) في «ب» فلأنه.
ثم إن الظاهر أن دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى بالمفهوم، وأنه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي دلت عليها الجملة الاستثنائية، نعم لو كانت الدلالة في طرفه بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة، كانت بالمنطوق، كما هو ليس ببعيد، وإن كان تعيين ذلك لا يكاد يفيد.
ومما يدل على الحصر والاختصاص (إنما) وذلك لتصريح أهل اللغة بذلك، وتبادره منها قطعاً عند أهل العرف والمحاورة.
ودعوى - أن الإنصاف(١) أنه لا سبيل لنا إلى ذلك، فإن موارد استعمال هذه اللفظة مختلفة، ولا يعلم بما هو مرادف لها في عرفنا، حتى يستكشف منها(٢) ما هو المتبادر منها - غير مسموعة، فإن السبيل إلى التبادر لا ينحصر بالانسباق إلى أذهاننا، فإن الانسباق إلى أذهان أهل العرف أيضاً سبيل.
وربما يعد مما دل على الحصر، كلمة (بل) الإضرابية، والتحقيق أن الإضراب على أنحاء:
منها: ماكان لأجل أن المضرب عنه، إنما أتى به غفلة أو سبقه به لسانه، فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه، فلا دلالة له على الحصر أصلاً، فكأنه أتى بالمضرب إليه ابتداءً، كما لا يخفى.
ومنها: ما كان لأجل التاكيد، فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة والتمهيد لذكر المضرب إليه، فلا دلالة له عليه أيضاً.
ومنها: ما كان في مقام الردع، وإبطال ما أثبت أولاً، فيدل عليه(٣) وهو
____________________
(١) المدّعي هو الشيخ (قدس) مطارح الأنظار / ١٨٨.
(٢) في «ب»: منه.
(٣) إذا كان بصدد الردع عنه ثبوتاً، وأمّا إذا كان بصدده إثباتاً، كما إذا كان مثلاً بصدد بيان أنه إنما أثبته أولاً بوجه لايصح معه الاثبات اشتباهاً، فلا دلالة له على الحصر أيضاً، فتأمل جيداً (منهقدسسره ).
واضح.
ومما يفيد الحصر - على ما قيل - تعريف المسند إليه باللام، والتحقيق أنه لا يفيده إلا فيما اقتضاه المقام، لأن الأصل في اللام أن تكون لتعريف الجنس، كما أن الأصل في الحمل في القضايا المتعارفة، هو الحمل المتعارف الذي ملاكه مجرد الاتحاد في الوجود، فإنه الشائع فيها، لا الحمل الذاتي الذي ملاكه الاتحاد بحسب المفهوم، كما لا يخفى، وحمل شيء على جنس وماهية كذلك، لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به وحصرها عليه، نعم، لو قامت قرينة على أن اللام للاستغراق، أو أن مدخوله أخذ بنحو الإرسال والإطلاق، أو على أن الحمل عليه كان ذاتياً لأفيد حصر مدخوله على محموله واختصاصه به.
وقد انقدح بذلك الخلل في كثير من كلمات الأعلام في المقام، وما وقع منهم من النقض والإبرام، ولا نطيل بذكرها فإنه بلا طائل، كما يظهر للمتأمل، فتأمل جيداً.
فصل
لا دلالة للّقب ولا للعدد على المفهوم وانتفاء سنخ الحكم عن غير موردهما أصلاً، وقد عرفت أن انتفاء شخصه ليس بمفهوم، كما أن قضية التقييد بالعدد منطوقاً عدم جواز الاقتصار على ما دونه، لأنه ليس بذاك الخاص والمقيد، وأما الزيادة فكالنقيصة إذا كان التقييد به للتحديد بالإضافة إلى كلا طرفيه، نعم لو كان لمجرد التحديد بالنظر إلى طرفه الأقل لما كان في الزيادة ضير أصلاً، بل ربما كان فيها فضيلة وزيادة، كما لا يخفى، وكيف كان، فليس عدم الاجتزاء بغيره من جهة دلالته على المفهوم، بل إنما يكون لأجل عدم الموافقة مع ما أخذ في المنطوق، كما هو معلوم.
المقصد الرابع
العام والخاصّ
المقصد الرابع: في العام و الخاص
فصل
قد عرف(١) العام بتعاريف، وقد وقع من الأعلام فيها النقض بعدم الاطراد تارة والانعكاس أخرى بما لا يليق بالمقام، فإنها تعاريف لفظية، تقع في جواب السؤال عنه ب (ما)(٢) الشارحة، لا واقعة في جواب السؤال عنه ب(ما)(٣) الحقيقية، كيف؟ وكان المعنى المركوز منه في الأذهان أوضح مما عرف به مفهوماً ومصداقاً، ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه، المقياس في الإشكال عليها بعدم الاطراد أو الانعكاس بلا ريب فيه ولا شبهة تعتريه من أحد، والتعريف لابد أن يكون بالأجلى، كما هو أوضح من أن يخفى.
فالظاهر أن الغرض من تعريفه، إنما هو بيان ما يكون بمفهومه جامعاً بين ما لا شبهة في أنها أفراد العام، ليشار به إليه في مقام إثبات ما له من الأحكام، لا بيان ما هو حقيقته(٤) وماهيته، لعدم تعلق غرض به بعد وضوح ما هو محل الكلام بحسب الأحكام من أفراده ومصاديقه، حيث لا يكون بمفهومه العام محلاً لحكم من الأحكام.
____________________
(١) راجع معارج الاصول / ٨١، وزبدة الاصول / ٩٥، والمستصفى ٢ / ٣٢.
(٢ و ٣) في «أ»: بالما، وفي «ب»: بالماء.
(٤) في «ب» حقيقة.
ثم الظاهر أن ما ذكر له من الأقسام: من الاستغراقي(١) والمجموعي والبدلي إنما هو باختلاف كيفية تعلق الأحكام به، وإلا فالعموم في الجميع بمعنى واحد، وهو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه، غاية الأمر أن تعلق الحكم به تارة بنحو يكون كل فرد موضوعاً على حدة للحكم، وأخرى بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً، بحيث لو أخل بإكرام واحد في (أكرم كل فقيه) مثلاً، لما امتثل أصلاً، بخلاف الصورة الأولى، فإنه أطاع وعصى، وثالثة بنحو يكون كل واحد موضوعاً على البدل، بحيث لو أكرم واحداً منهم، لقد أطاع وامتثل، كما يظهر لمن أمعن النظر وتأمل.
وقد انقدح أن مثل شمول عشرة وغيرها لآحادها المندرجة تحتها ليس من العموم، لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كل واحد منها، فافهم.
فصل
لا شبهة في أن للعموم صيغة تخصه - لغة وشرعاً - كالخصوص كما يكون ما يشترك بينهما ويعمهما ضرورة أن مثل لفظ (كل) وما يرادفه في أي لغة كان تخصه، ولا يخص الخصوص ولا يعمه، ولا ينافي اختصاصه به استعماله في الخصوص عناية، بادعاء أنه العموم، أو بعلاقة العموم والخصوص.
ومعه لا يصغى إلى أن إرادة الخصوص متيقنة، ولو في ضمنه بخلافه، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن أولى، ولا إلى أن التخصيص قد اشتهر وشاع، حتى قيل: (ما من عام إلا وقد خص)، والظاهر يقتضي كونه حقيقة، لما هو الغالب تقليلاً للمجاز، مع أن تيقن إرادته لا يوجب اختصاص الوضع به، مع
____________________
(١) إن قلت: كيف ذلك؟ ولكل واحد منها لفظ غير ما للآخر، مثل (أيّ رجل) للبدلي، و (كل رجل) للاستغراقي.
قلت: نعم، ولكنه لا يقتضي أن تكون هذه الأقسام له بملاحظة إختلاف كيفية تعلق الأحكام، لعدم إمكان تطرق هذه الأقسام إلا بهذه الملاحظة، فتأمل جيداً (منهقدسسره ).
كون العموم كثيراً ما يراد، واشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز، لعدم الملازمة بين التخصيص والمجازية، كما يأتي توضيحه، ولو سلم فلا محذور فيه أصلاً إذا كان بالقرينة، كما لا يخفى.
فصل
ربما عد من الألفاظ الدالة على العموم النكرة في سياق النفي أو النهي، ودلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلاً، لضرورة أنه لا يكاد يكون طبيعة معدومة، إلا إذا لم يكن فرد منها بموجود، وإلا كانت موجودة، لكن لا يخفى أنها تفيده إذا أخذت مرسلة(١) لا مبهمة قابلة للتقيد، وإلا فسلبها لا يقتضي إلا استيعاب السلب، لما أريد منها يقيناً، لا استيعاب ما يصلح انطباقها عليه من أفرادها، وهذا لا ينافي كون دلالتها عليه عقلية، فإنها بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها، لا الأفراد التي يصلح لانطباقها عليها، كما لا ينافي دلالة مثل لفظ (كل) على العموم وضعاً كون عمومه بحسب مايراد من مدخوله، ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة.
نعم لا يبعد أن يكون ظاهراً عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها، وهذا هو الحال في المحلى باللام جمعاً كان أو مفرداً - بناءً على إفادته للعموم - ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف وغيره، وإطلاق التخصيص على تقييده، ليس إلا من قبيل (ضيّق فم الركية)، لكن دلالته على العموم وضعاً محل منع، بل إنما يفيده فيما إذا اقتضته الحكمة أو قرينة أخرى، وذلك لعدم اقتضائه وضع اللام ولا مدخوله ولا وضع آخر للمركب منهما، كما لا يخفى، وربما يأتي في المطلق والمقيد بعض الكلام مما يناسب المقام.
____________________
(١) وإحراز الإرسال فيما اضيفت [إليه] إنما هو بمقدمات الحكمة، فلولاها كانت مهملة، وهي ليست إلا بحكم الجزئية، فلا تفيد إلا نفي هذه الطبيعة في الجملة ولو في ضمن صنف منها، فافهم فإنه لا يخلو من دقة (منهقدسسره ).
فصل
لا شبهة في أن العام المخصص بالمتصل أو المنفصل حجة فيما بقى فيما علم عدم دخوله في المخصص مطلقاً ولو كان متصلاً، وما احتمل دخوله فيه أيضاً إذا كان منفصلاً، كما هو المشهور(١) بين الأصحاب، بل لا ينسب الخلاف إلا إلى بعض(٢) أهل الخلاف.
وربما فصل(٣) بين المخصص المتصل فقيل بحجيته فيه، وبين المنفصل فقيل بعدم حجيته، واحتج النافي بالاجمال، لتعدد المجازات حسب مراتب الخصوصيات، وتعيين(٤) الباقي من بينها بلا معيّن ترجيح بلا مرجّح.
والتحقيق في الجواب أن يقال: إنه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازاً، أما في التخصيص بالمتصل، فلما عرفت من أنه لا تخصيص أصلاً، وإن أدوات العموم قد استعملت فيه، وإن كان دائرته سعة وضيقاً تختلف باختلاف ذوي الأدوات، فلفظة (كل) في مثل (كل رجل) و (كل رجل عالم) قد استعملت في العموم، وإن كان أفراد أحدهما بالإضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلة.
وأمّا في المنفصل، فلأن إرادة الخصوص واقعاً لا تستلزم استعماله فيه وكون الخاص قرينة عليه، بل من الممكن قطعاً استعماله معه في العموم قاعدة، وكون الخاص مانعاً عن حجية ظهوره تحكيماً للنص، أو الأظهر على الظاهر، لامصادماً لأصل ظهوره، ومعه لا مجال للمصير إلى أنه قد استعمل فيه مجازاً، كي يلزم الإجمال.
____________________
(١) أنظر مطارح الأنظار / ١٩٢.
(٢) كأبي ثور وعيسى بن أبان، راجع الإحكام في أصول الأحكام، الجزء الثاني / ٤٤٣.
(٣) كالبلخي، راجع المصدر المتقدم / ٤٤٤.
(٤) في «ب» تعيّن.
لا يقال: هذا مجرد احتمال، ولا يرتفع به الإجمال، لاحتمال الاستعمال في خصوص مرتبة من مراتبه.
فإنه يقال: مجرد احتمال استعماله فيه لا يوجب إجماله بعد استقرار ظهوره في العموم، والثابت من مزاحمته بالخاص أنما هو بحسب الحجية تحكيماً لما هو الأقوى، كما أشرنا إليه آنفا.
وبالجملة: الفرق بين المتصل والمنفصل، وإن كان بعدم انعقاد الظهور في الأوّل إلا في الخصوص، وفي الثاني إلا في العموم، إلا أنه لا وجه لتوهّم استعماله مجازاً في واحد منهما أصلاً، وإنما اللازم الالتزام بحجية الظهور في الخصوص في الأوّل، وعدم حجية ظهوره في خصوص ما كان الخاص حجة فيه في الثاني، فتفطن.
وقد أجيب عن الاحتجاج(١) ، بأن الباقي أقرب المجازات.
وفيه: [إنّه] لا اعتبار في الأقربية بحسب المقدار، وإنما المدار على الأقربية بحسب زيادة الأنس الناشئة من كثرة الاستعمال، وفي تقريرات بحث شيخنا الأستاذ(٢) قدسسره في مقام الجواب عن الاحتجاج، ما هذا لفظه: (والأولى أن يجاب بعد تسليم مجازية الباقي، بأن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده، ولو كانت دلالة مجازية، إذ هي بواسطة عدم شموله للأفراد المخصوصة، لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله، فالمقتضي للحمل على الباقي موجود والمانع مفقود، لأن المانع في مثل المقام إنما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله، والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصص بغيره، فلو شك فالأصل عدمه) انتهى موضع الحاجة.
____________________
(١) الجواب للمحقق القمي والمحقق الحائري، القوانين ١ / ٢٦٦ الفصول / ٢٠٠.
(٢) مطارح الأنظار / ١٩٢، في العموم والخصوص.
قلت: لا يخفى أن دلالته على كل فرد إنما كانت لأجل دلالته على العموم والشمول، فإذا لم يستعمل فيه واستعمل في الخصوص - كما هو المفروض - مجازاً، وكان إرادة كل واحد من مراتب الخصوصيات مما جاز انتهاء التخصيص إليه، واستعمال العام فيه مجازاً ممكناً، كان تعين(١) بعضها بلا معين ترجيحاً بلا مرجح، ولا مقتضي لظهوره فيه، ضرورة أن الظهور إمّا بالوضع وإمّا بالقرينة، والمفروض أنه ليس بموضوع له، ولم يكن هناك قرينة، وليس له موجب آخر، ودلالته على كل فرد على حدة حيث كانت في ضمن دلالته على العموم، لا يوجب ظهوره في تمام الباقي بعد عدم استعماله في العموم، إذا لم تكن هناك قرينة على تعيينه، فالمانع عنه وإن كان مدفوعاً بالأصل، إلا أنه لا مقتضي له بعد رفع اليد عن الوضع، نعم إنما يجدي إذا لم يكن مستعملاً إلا في العموم، كما فيما حققناه في الجواب، فتأمل جيداً.
فصل
إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملاً، بأن كان دائراً بين الأقل والأكثر وكان منفصلاً، فلا يسري إجماله إلى العام، لا حقيقة ولا حكماً، بل كان العام متبعاً فيما لا يتبع فيه الخاص، لوضوح أنه حجة فيه بلا مزاحم أصلاً، ضرورة أن الخاص إنما يزاحمه فيما هو حجة على خلافه، تحكيماً للنص أو الاظهر على الظاهر، لا فيما لا يكون كذلك، كما لا يخفى.
وإن لم يكن كذلك بأن كان دائراً بين المتباينين مطلقاً، أو بين الأقلّ والأكثر فيما كان متصلاً، فيسري إجماله إليه حكماً في المنفصل المردّد بين المتباينين، وحقيقة في غيره:
____________________
(١) في «أ»: تعيين.
أما الأول: فلأن العام - على ما حققناه(١) - كان ظاهراً في عمومه، إلا أنه يتبع ظهوره في واحد من المتباينين اللذين علم تخصيصه بأحدهما.
وأما الثاني: فلعدم(٢) انعقاد ظهور من رأس للعام، لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكل واحد من الأقل والأكثر، أو لكل واحد من المتباينين، لكنه حجة في الأقل، لأنه المتيقن في البين.
فانقدح بذلك الفرق بين المتصل والمنفصل، وكذا في المجمل بين المتباينين والأكثر والأقل، فلا تغفل.
وأما إذا كان مجملاً بحسب المصداق، بأن اشتبه فرد وتردد بين أن يكون فرداً له أو باقياً تحت العام، فلا كلام في عدم جواز التمسك بالعام لو كان متصلاً به، ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلا في الخصوص، كما عرفت.
وأما إذا كان منفصلاً عنه، ففي جواز التمسك به خلاف، والتحقيق عدم جوازه، إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه، أن الخاص إنما يزاحم العام فيما كان فعلاً حجة، ولا يكون حجة فيما اشتبه أنه من أفراده، فخطاب (لا تكرم فساق العلماء) لا يكون دليلاً على حرمة إكرام من شك في فسقه من العلماء، فلا يزاحم مثل (أكرم العلماء) ولا يعارضه، فإنه يكون من قبيل مزاحمة الحجة بغير الحجة، وهو في غاية الفساد، فإن الخاص وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه فعلاً، إلا أنه يوجب اختصاص حجية العام في غير عنوانه من الأفراد، فيكون (أكرم العلماء) دليلاً وحجة في العالم الغير الفاسق، فالمصداق المشتبه وإن كان مصداقاً للعام بلا كلام، إلا أنه لم يعلم أنه من مصاديقه بما هو حجة، لاختصاص حجيته بغير الفاسق.
وبالجملة العام المخصص بالمنفصل، وإن كان ظهوره في العموم، كما إذا
____________________
(١) في صفحة ٢١٩.
(٢) في «ب»: ولعدم.
لم يكن مخصصاً، بخلاف المخصص بالمتصل كما عرفت، إلا أنه في عدم الحجية إلا في غير عنوان الخاص مثله، فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت إحدى الحجتين، فلابد من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين، هذا إذا كان المخصص لفظياً.
وأما إذا كان لبيّاً، فإن كان مما يصح أن يتّكل عليه المتكلم، إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب، فهو كالمتصل، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلا في الخصوص، وإن لم يكن كذلك، فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه على حجيته كظهوره فيه.
والسرّ في ذلك، أن الكلام الملقى من السيد حجة، ليس إلا ما اشتمل على العام الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم، فلابد من اتباعه ما لم يقطع بخلافه، مثلا إذا قال المولى: (أكرم جيراني) وقطع بأنه لا يريد إكرام من كان عدوّاً له منهم، كان أصالة العموم باقية على الحجية بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام، للعلم بعدواته، لعدم حجة أخرى بدون ذلك على خلافه، بخلاف ما إذا كان المخصص لفظياً، فإن قضية تقديمه عليه، هو كون الملقى إليه كأنه كان من رأس لا يعم الخاص، كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متصلاً، والقطع بعدم إرادة العدو لا يوجب انقطاع حجيته، إلا فيما قطع أنه عدوه، لا فيما شك فيه، كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى له لو لم يكرم واحداً من جيرانه لاحتمال عداوته له، وحسن عقوبته على مخالفته، وعدم صحة الاعتذار عنه بمجرد احتمال العداوة، كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة، والسيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجية أصالة الظهور.
وبالجملة كان بناء العقلاء على حجيتها بالنسبة إلى المشتبه هاهنا بخلاف هناك، ولعله لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما، بإلقاء حجتين هناك، تكون قضيتهما بعد تحكيم الخاص وتقديمه على العام، كأنه لم يعمه حكماً من رأس،
وكأنه لم يكن بعام، بخلاف هاهنا، فإن الحجة الملقاة ليست إلا واحدة، والقطع بعدم إرادة إكرام العدوّ في (اكرم جيراني) مثلاً، لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلا فيما قطع بخروجه من تحته، فإنه على الحكيم إلقاء كلامه على وفق غرضه ومرامه، فلابد من اتباعه ما لم تقم حجة أقوى على خلافه.
بل يمكن أن يقال: إن قضية عمومه للمشكوك، أنه ليس فرداً لما علم بخروجه من حكمه بمفهومه، فيقال في مثل (لعن الله بني أُمية قاطبة)(١) : إن فلاناً وإن شك في إيمانه يجوز لعنه لمكان العموم، وكل من جاز لعنه لا يكون مؤمناً، فينتج أنه ليس بمؤمن، فتأمل جيدّاً.
إيقاظ : لا يخفى أن الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل، لما كان غير معنون بعنوان خاص، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص، كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي في غالب الموارد - إلا ما شذّ - ممكناً، فبذلك يحكم عليه بحكم العام وإن لم يجز التمسك به بلا كلام، ضرورة أنه قلّ مالا يوجد(٢) عنوان يجري فيه أصل ينقح به أنّه مما بقي تحته، مثلا إذا شك أن امرأة تكون قرشية، فهي وإن كانت وجدت إمّا قرشية أو غيرها، فلا أصل يحرز أنها قرشية او غيرها، إلا أن أصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش(٣) تجدي في تنقيح أنها ممّن لا تحيض إلا إلى خمسين، لأن المرأة التي لا يكون بينها وبين قريش(٤) انتساب أيضاً باقية تحت ما دلّ على أن المرأة إنما ترى الحمرة إلى خمسين، والخارج عن تحته هي القرشية، فتأمل تعرف.
وهم وإزاحة : ربما يظهر عن بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا شك
____________________
(١) كامل الزيارات / ١٧٦، الباب ٧١.
(٢) في «ب»: لم يوجد.
(٣ و ٤) في «أ و ب» القريش.
في فرد، لا من جهة احتمال التخصيص، بل من جهة أخرى، كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف، فيستكشف صحته بعموم مثل (أوفوا بالنذور) فيما إذا وقع متعلقاً للنذر، بأن يقال: وجب الإتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم، وكل ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحاً، للقطع بأنه لولا صحته لما وجب الوفاء به، وربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الإحرام والصيام قبل الميقات(١) وفي السفر(٢) إذا تعلق بهما النذر كذلك.
والتحقيق أن يقال: إنه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكلفة لأحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها، إذا أخذ في موضوعاتها أحد الاحكام المتعلقة بالأفعال بعناوينها الأولية(٣) ، كما هو الحال في وجوب إطاعة الوالد، والوفاء بالنذر وشبهه في الأمور المباحة أو الراجحة، ضرورة أنه معه لا يكاد يتوهم عاقل أنه إذا شك في رجحان شيء أو حليته جواز التمسك بعموم دليل وجوب الإطاعة أو الوفاء في رجحانه أو حليته.
نعم لا بأس بالتمسك به في جوازه بعد إحراز التمكن منه والقدرة عليه، فيما لم يؤخذ في موضوعاتها حكم أصلاً، فإذا شك في جوازه صح(٤) التمسك بعموم دليلها في الحكم بجوازها، وإذا كانت محكومة بعناوينها الأولية بغير حكمها بعناوينها الثانوية، وقع(٥) المزاحمة بين المقتضيين، ويؤثر الأقوى منهما لو
____________________
(١) التهذيب ٥ / ٥٣، الاحاديث ٨ إلى ١٠ من باب ٦ المواقيت.
الاستبصار ٢ / ١٦١ الاحاديث ٨ إلى ١٠ من باب ٩٣ من أحرم قبل الميقات، وللمزيد راجع وسائل الشيعة ٨/٢٣٦ الباب ١٣ من ابواب المواقيت.
(٢) التهذيب ٤ / ٢٣٥ الحديث ٦٣ و ٦٤ من باب ٥٧ حكم المسافر والمريض في الصيام وللمزيد راجع وسائل الشيعة ٧ / ١٣٩ الباب ١٠ من ابواب من يصح منه الصوم الحديث ١ و ٧.
(٣) في «أ»: الاولوية.
(٤) في «أ»: فصح.
(٥) في «أ»: فتقع.
كان في البين، وإلا لم يؤثر أحدهما، وإلّا لزم الترجيح بلا مرجح، فليحكم عليه حينئذ بحكم آخر، كالإباحة إذا كان أحدهما مقتضياً للوجوب والآخر للحرمة مثلاً.
وأما صحة الصوم في السفر بنذره فيه - بناءً على عدم صحته فيه بدونه - وكذا الإحرام قبل الميقات، فإنما هو لدليل خاص، كاشف عن رجحانهما ذاتاً في السفر وقبل الميقات، وإنما لم يأمر بهما استحباباً أو وجوباً لمانع يرتفع مع النذر، وإما لصيرورتهما راجحين بتعلق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك، كما ربما يدل عليه ما في الخبر من كون الإحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت(١) .
لا يقال: لا يجدي صيرورتهما راجحين بذلك في عباديتهما، ضرورة كون وجوب الوفاء توصلياً لا يعتبر في سقوطه إلا الإتيان بالمنذور بأي داع كان.
فإنه يقال: عباديتهما إنما تكون لأجل كشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح عليهما، ملازم لتعلق النذر بهما، هذا لو لم نقل بتخصيص عموم دليل اعتبار الرجحان في متعلق النذر بهذا الدليل، وإلا أمكن أن يقال بكفاية الرجحان الطارئ عليهما من قبل النذر في عباديتهما، بعد تعلق النذر بإتيانهما عبادياً ومتقرباً بهما منه تعالى، فإنه وإن لم يتمكن من إتيانهما كذلك قبله، إلا أنه يتمكن منه بعده، ولا يعتبر في حصة النذر إلا التمكن من الوفاء ولو بسببه، فتأمل جيداً.
بقي شيء، وهو أنه هل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص؟ في إحراز عدم كون ما شك في أنه من مصاديق العام، مع العلم بعدم كونه محكوماً
____________________
(١) لم نعثر على الخبر المشار اليه في المتن، ولكن ورد أنه كمن صلّى في السفر اربعاً وترك الثنتين.
راجع الكافي ٤ / ٣٢١ الحديث ٢، ٦ من باب من احرم دون الوقت.
بحكمه، مصداقاً له، مثل ما إذا علم أن زيداً يحرم إكرامه، وشك في أنه عالم، فيحكم عليه بأصالة عدم تخصيص (أكرم العلماء) أنه ليس بعالم، بحيث يحكم عليه بسائر ما لغير العالم من الأحكام.
فيه إشكال، لاحتمال اختصاص حجيتها بما إذا شك في كون فرد العام محكوماً بحكمه، كما هو قضية عمومه، والمثبت من الأصول اللفظية وإن كان حجة، إلا أنه لابد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل، ولا دليل هاهنا إلا السيرة وبناء العقلاء، ولم يعلم استقرار بنائهم على ذلك، فلا تغفل.
فصل
هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص؟ فيه خلاف، وربما نفي(١) الخلاف عن عدم جوازه، بل ادعي الاجماع(٢) عليه، والذي ينبغي أن يكون محل الكلام في المقام، أنه هل يكون أصالة العموم متبعة مطلقاً؟ أو بعد الفحص عن المخصص واليأس عن الظفر به؟ بعد الفراغ عن(٣) اعتبارها بالخصوص في الجملة، من باب الظن النوعي للمشافه وغيره، ما لم يعلم بتخصيصه تفصيلاً، ولم يكن من أطراف ما علم تخصيصه إجمالاً، وعليه فلا مجال لغير واحد مما استدل به على عدم جواز العمل به قبل الفحص والياس.
فالتحقيق عدم جواز التمسك به قبل الفحص، فيما إذا كان في معرض التخصيص كما هو الحال في عمومات الكتاب والسنة، وذلك لاجل أنه لولا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله، فلا أقل من الشك،
____________________
(١) الغزالي في المستصفى ٢ / ١٥٧.
(٢) مطارح الأنظار / ١٩٧، قال: «بل ادعى عليه الاجماع كما عن النهاية» ولم نعثر عليه في مظانه من النهاية، راجع نهاية الاصول / ١٣٩. ونقل الاجماع عن الغزالي والامدي، راجع فواتح الرحموت ١ / ٢٦٧.
(٣) في «ب»: من.
كيف؟ وقد ادعي الإجماع على عدم جوازه، فضلاً عن نفي الخلاف عنه، وهو كافٍ في عدم الجواز، كما لا يخفى.
وأما إذا لم يكن العام كذلك، كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في السنة أهل المحاورات، فلا شبهة في أن السيرة على العمل به بلا فحص عن مخصص، وقد ظهر لك بذلك أن مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضية له، كما أن مقداره اللازم منه بحسب سائر الوجوه التي استدل بها من العلم الاجمالي به(١) أو حصول الظن بما هو التكليف(٢) ، أو غير ذلك رعايتها، فتختلف مقداره بحسبها، كما لا يخفى.
ثم إن الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصص المتصل، باحتمال أنه كان ولم يصل، بل حاله حال احتمال قرينة المجاز، وقد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به مطلقاً، ولوقبل الفحص عنها، كما لايخفى.
إيقاظ : لا يذهب عليك الفرق بين الفحص هاهنا، وبينه في الأصول العملية، حيث أنه هاهنا عما يزاحم الحجة(٣) ، بخلافه هناك، فإنه بدونه لا حجة، ضرورة أن العقل بدونه يستقل باستحقاق المؤاخذة على المخالفة، فلا يكون العقاب بدونه بلا بيان والمؤاخذة عليها من غير برهان، والنقل وإن دل على البراءة أو الاستصحاب في موردهما مطلقاً، إلا أن الإجماع بقسميه على تقييده به، فافهم.
فصل
هل الخطابات الشفاهية مثل: (يا أيها المؤمنون) تختص بالحاضر مجلس التخاطب، أو تعم غيره من الغائبين، بل المعدومين؟
____________________
(١) استدل بهذا الوجه الشيخ (قده) مطارح الأنظار / ٢٠٢، رابعها.
(٢) راجع زبدة الاصول / ٩٧.
(٣) في «ب»: الحجية.
فيه خلاف، ولابد قبل الخوض في تحقيق المقام، من بيان ما يمكن أن يكون محلاً للنقض والإبرام بين الأعلام.
فاعلم أنه يمكن أن يكون النزاع في أن التكليف المتكفل له الخطاب هل يصح تعلقه بالمعدومين، كما صح تعلقه بالموجودين، أم لا؟ أو في صحة المخاطبة معهم، بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالألفاظ الموضوعة للخطاب، أو بنفس توجيه الكلام إليهم، وعدم صحتها، أو في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب، للغائبين بل المعدومين، وعدم عمومها لهما، بقرينة تلك الاداة.
ولا يخفى أن النزاع على الوجهين الأولين يكون عقلياً، وعلى الوجه الأخير لغوياً.
إذا عرفت هذا، فلا ريب في عدم صحة تكليف المعدوم عقلاً، بمعنى بعثه أو زجره فعلاً، ضرورة أنه بهذا المعنى يستلزم الطلب منه حقيقة، ولا يكاد يكون الطلب كذلك إلا من الموجود ضرورة، نعم هو بمعنى إنشاء الطلب بلا بعث ولا زجر، لا استحالة فيه أصلاً، فإن الإنشاء خفيف المؤونة، فالحكيم تبارك وتعالى ينشئ على وفق الحكمة والمصلحة، طلب شيء قانوناً من الموجود والمعدوم حين الخطاب، ليصير فعلياً بعد ما وجد الشرائط وفقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر، فتدبر.
ونظيره من غير الطلب إنشاء التمليك في الوقف على البطون، فإن المعدوم منهم يصير مالكاً للعين الموقوفة، بعد وجوده بإنشائه، ويتلقى لها من الواقف بعقده، فيؤثر في حق الموجود منهم الملكية الفعلية، ولا يؤثر في حق المعدوم فعلاً، إلا استعدادها لان تصير ملكاً له بعد وجوده، هذا إذا أنشئ الطلب مطلقاً.
وأما إذا أُنشئ مقيداً بوجود المكلف ووجدانه الشرائط، فإمكانه بمكان
من الإمكان.
وكذلك لا ريب في عدم صحة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة، وعدم إمكانه، ضرورة عدم تحقق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة إلا إذا كان موجوداً، وكان بحيث يتوجه إلى الكلام، ويلتفت إليه.
ومنه قد انقدح أن ما وضع للخطاب، مثل أدوات النداء، لو كان موضوعاً للخطاب الحقيقي، لأوجب استعماله فيه تخصيص ما يقع في تلوه بالحاضرين، كما أن قضية إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره، لكن الظاهر أن مثل أدوات النداء لم يكن موضوعاً لذلك، بل للخطاب الإيقاعي الإنشائي، فالمتكلم ربما يوقع الخطاب بها تحسّراً وتأسفاً وحزناً مثل:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره(١) |
......................... |
أو شوقاً، ونحو ذلك، كما يوقعه مخاطباً لمن يناديه حقيقة، فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقي - حينئذ - التخصيص بمن يصح مخاطبته، نعم لا يبعد دعوى الظهور، انصرافاً في الخطاب الحقيقي، كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجي والتمني وغيرها، على ما حققناه في بعض المباحث السابقة(٢) ، من كونها موضوعة للإيقاعي منها بدواع مختلفة مع ظهورها في
____________________
(١) وعجزه....وكذاك عمر كواكب الاسحار.
وهو من رائية ابوالحسن التهامي في رثاء ولده الذي مات صغيراً، وهي في غاية الحسن والجزالة وفخامة المعنى وجودة السرد وصدرها:
حكم المنية في البرية جارٍ |
ما هذه الدنيا بدار قرار |
سجن بالقاهرة سنة ٤١٦ ثم قتل سراً. رأه بعض اصحابه بعد موته في المنام وساله عن حاله قال: غفر لي ربي، فقال: باي الاعمال. قال: بقولي في مرثية ولدي الصغير:
جاورت اعدائي وجاور ربه |
شتان بين جواره وجواري |
(شهداء الفضيلة: ٢٤).
(٢) في مبحث الاوامر / ٦٤.
الواقعي منها انصرافاً، إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه، كما يمكن دعوى وجوده غالباً في كلام الشارع، ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل: (يا أيها الناس اتقوا) و (يا أيها المؤمنون) بمن حضر مجلس الخطاب، بلا شبهة ولا ارتياب.
ويشهد لما ذكرنا صحة النداء بالأدوات، مع إرادة العموم من العام الواقع تلوها بلا عناية، ولا للتنزيل والعلاقة رعاية.
وتوهّم كونه ارتكازياً، يدفعه عدم العلم به مع الالتفات إليه، والتفتيش عن حاله مع حصوله بذلك لو كان مرتكزاً، وإلا فمن أين يعلم بثبوته كذلك؟ كما هو واضح.
وإن أبيت إلا عن وضع الأدوات للخطاب الحقيقي، فلا مناص عن التزام اختصاص الخطابات الإلهية بأداة الخطاب، أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة كغيرها بالمشافهين، فيما لم يكن هناك قرينة على التعميم.
وتوهم صحة التزام التعميم في خطاباته تعالى لغير الموجودين، فضلاً عن الغائبين، لإحاطته بالموجود في الحال والموجود في الاستقبال، فاسد، ضرورة أن إحاطته [تعالى] لا توجب صلاحية المعدوم بل الغائب للخطاب، وعدم صحة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصاً في ناحيته تعالى، كما لا يخفى، كما أن خطابه اللفظي لكونه تدريجياً ومتصرم الوجود، كان قاصراً عن أن يكون موجها نحو غير من كان بمسمع منه ضرورة، هذا لو قلنا بأن الخطاب بمثل (يا أيها الناس اتقوا) في الكتاب حقيقة إلى غير النبيصلىاللهعليهوآله بلسانه.
وأما إذا قيل بأنه المخاطب والموجه إليه الكلام حقيقة وحياً أو إلهاماً، فلا محيص إلا عن كون الأداة في مثله للخطاب الإيقاعي ولو مجازاً، وعليه لا مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين، بل يعم المعدومين، فضلاً عن الغائبين.
فصل
ربما قيل: إنه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين ثمرتان:
الأولى(١) : حجية ظهور خطابات(٢) الكتاب لهم كالمشافهين.
وفيه: إنّه مبني على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالإفهام، وقد حقق عدم الاختصاص بهم. ولو سلم، فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك ممنوع، بل الظاهر أن الناس كلهم إلى يوم القيامة يكونون كذلك، وإن لم يعمهم الخطاب، كما يومئ إليه غير واحد من الأخبار.
الثانية(٣) : صحة التمسك بإطلاقات الخطابات القرآنيّة بناء على التعميم، لثبوت الأحكام لمن وجد وبلغ من المعدومين، وإن لم يكن متحداً مع المشافهين في الصنف، وعدم صحته على عدمه، لعدم كونها حينئذ متكفلة لأحكام غير المشافهين، فلابد من إثبات اتحاده معهم في الصنف، حتى يحكم بالاشتراك مع المشافهين في الأحكام، وحيث لا دليل عليه حينئذ إلا الإجماع، ولا إجماع عليه إلا فيما اتحد الصنف، كما لا يخفى.
ولا يذهب عليك، أنه يمكن إثبات الاتحاد، وعدم دخل ما كان البالغ الآن فاقداً له مما كان المشافهون واجدين له، بإطلاق الخطاب إليهم من دون التقييد به، وكونهم كذلك لا يوجب صحة الإطلاق، مع إرادة المقيد معه فيما يمكن أن يتطرق الفقدان، وإن صح فيما لا يتطرق إليه ذلك. وليس المراد بالاتحاد في الصنف إلا الاتحاد فيما اعتبر قيداً في الأحكام، لا الاتحاد فيما كثر
____________________
(١) ذكرها المحقق القميرحمهالله في القوانين ١ / ٢٣٣، في الخطابات المشافهة.
(٢) في «ب»: الخطابات.
(٣) راجع كلام المحقق الوحيد البهبهاني (قده) في كتاب ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد / ٥٥.
الاختلاف بحسبه، والتفاوت بسببه بين الأنام، بل في شخص واحد بمرور الدهور والأيام، وإلا لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين - فضلاً عن المعدومين - حكم من الأحكام.
ودليل الاشتراك إنما يجدي في عدم اختصاص التكاليف بأشخاص المشافهين، فيما لم يكونوا مختصين بخصوص عنوان، لو [لم](١) يكونوا معنونين به لشك في شمولها لهم أيضاً، فلولا الإطلاق وإثبات عدم دخل ذاك العنوان في الحكم، لما أفاد دليل الاشتراك، ومعه كان الحكم يعم غير المشافهين ولو قيل باختصاص الخطابات بهم، فتأمل جيداً.
فتلخص: أنه لا يكاد تظهر الثمرة إلا على القول باختصاص حجية الظواهر لمن قصد إفهامه، مع كون غير المشافهين غير مقصودين بالإفهام، وقد حقق عدم الاختصاص به في غير المقام، واُشير(٢) إلى منع كونهم غير مقصودين به في خطاباته تبارك وتعالى في المقام.
فصل
هل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده، يوجب تخصيصه به أو لا؟
فيه خلاف بين الأعلام وليكن محل الخلاف ما إذا وقعا في كلامين، أو في كلام واحد مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام، كما في قوله تبارك وتعالى:( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ) إلى قوله( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) (٣) وأما ما إذا كان مثل: والمطلقات ازواجهن احق بردّهن، فلا شبهة في تخصيصه به.
____________________
(١) اثبتناه من «ب».
(٢) في ردّه للثمرة الاولى / ٢٣١.
(٣) البقرة: ٢٢٨.
والتحقيق أن يقال: إنه حيث دار الأمر بين التصرف في العام، بإرادة خصوص ما أُريد من الضمير الراجع إليه، أو التصرف في ناحية الضمير: إمّا بإرجاعه إلى بعض ما هو المراد من مرجعه، أو إلى تمامه مع التوسع في الإسناد، بإسناد الحكم المسند إلى البعض حقيقة إلى الكل توسعاً وتجوزاً، كانت أصالة الظهور في طرف العام سالمة عنها في جانب الضمير، وذلك لأن المتيقن من بناء العقلاء هو اتباع الظهور في تعيين المراد، لا في تعيين كيفية الاستعمال، وإنه على نحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الاسناد مع القطع بما يراد، كما هو الحال في ناحية الضمير.
وبالجملة: أصالة الظهور إنما يكون حجة فيما إذا شك فيما أُريد، لا فيما إذا شك في أنه كيف اُريد، فافهم، لكنه إذا انعقد للكلام ظهور في العموم، بأن لا يعد ما اشتمل على الضمير مما يكتنف به عرفاً، وإلا فيحكم عليه بالاجمال، ويرجع إلى ما يقتضيه الاصول، إلا أن يقال باعتبار أصالة الحقيقة تعبداً، حتى فيما إذا احتفّ بالكلام ما لا يكون ظاهراً معه في معناه الحقيقي كما عن بعض الفحول.
فصل
قد اختلفوا في جواز التخصيص بالمفهوم المخالف مع الاتفاق على الجواز بالمفهوم الموافق، على قولين، وقد استدل لكل منهما بما لا يخلو عن قصور.
وتحقيق المقام: أنه إذا ورد العام وما له المفهوم في كلام أو كلامين، ولكن على نحو يصلح أن يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف في الآخر، ودار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم، فالدلالة على كل منهما إن كانت
بالإطلاق بمعونة مقدمات الحكمة، أو بالوضع، فلا يكون هناك عموم، ولا مفهوم، لعدم تمامية مقدمات الحكمة في واحد منهما لأجل المزاحمة، كما في مزاحمة ظهور أحدهما وضعاً لظهور الآخر كذلك، فلا بد من العمل بالأصول العملية فيما دار فيه بين العموم والمفهوم، إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر، وإلا كان مانعاً عن انعقاد الظهور، أو استقراره في الآخر.
ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دل على العموم وما له المفهوم، ذاك الارتباط والاتصال، وأنه لا بد أن يعامل مع كل منهما معاملة المجمل، لو لم يكن في البين أظهر، والا فهو المعول، والقرينة على التصرف في الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل.
فصل
الاستثناء المتعقب لجمل متعددة، هل الظاهر هو رجوعه إلى الكل(١) أو خصوص الاخيرة(٢) ، أو لا ظهور له في واحد منهما(٣) ، بل لابد في لتعيين من قرينة؟ أقوال.
والظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أي حال، ضرورة أن رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة، وكذا في صحة رجوعه إلى الكل، وإن كان المتراءى من كلام صاحب المعالم(٤) رحمهالله حيث مهّد مقدمة لصحة رجوعه إليه، أنه محل الإشكال والتأمل.
____________________
(١) نسبه السيد المرتضىرحمهالله إلى مذهب الشافعي وأصحابه، الذريعة إلى أصول الشريعة: ١ / ٢٤٩، راجع المعتمد في أصول الفقه: ١ / ٢٤٥، وشرح المختصر للعضدي: ١ / ٢٦٠.
(٢) في المصدرين المتقدمين أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
(٣) الذريعة إلى اصول الشريعة ١ / ٢٤٩.
(٤) معالم الدين / ١٢٧، حيث قال: ولنقدم على توجيه المختار مقدّمة... الخ.
وذلك ضرورة أن تعدد المستثنى منه، كتعدد المستثنى، لا يوجب تفاوتاً أصلاً في ناحية الأداة بحسب المعنى، كان الموضوع له في الحروف عاماً أو خاصاً، وكان المستعمل فيه الأداة فيما كان المستثنى منه متعدداً هو المستعمل فيه فيما كان واحداً، كما هو الحال في المستثنى بلا ريب ولا إشكال، وتعدد المخرج أو المخرج عنه خارجاً لا يوجب تعدد ما استعمل فيه أداة الإخراج مفهوماً، وبذلك يظهر أنه لا ظهور لها في الرجوع إلى الجميع، أو خصوص الأخيرة، وإن كان الرجوع إليها متيقنا على كل تقدير، نعم غير الأخيرة أيضاً من الجمل لا يكون ظاهراً في العموم لاكتنافه بما لا يكون معه ظاهراً فيه، فلابد في مورد الإستثناء فيه من الرجوع إلى الأُصول.
اللهم إلا أن يقال بحجية أصالة الحقيقة تعبداً، لا من باب الظهور، فيكون المرجع(١) عليه أصالة العموم إذا كان وضعياً، لا ما إذا كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة، فإنه لا يكاد يتم تلك المقدمات مع صلوح الاستثناء للرجوع إلى الجميع، فتأمل(٢) .
فصل
الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص كما جاز بالكتاب أو بالخبر المتواتر، أو المحفوف بالقرينة القطعية من خبر الواحد، بلا ارتياب، لما هو الواضح من سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الأئمة عليهم السلام، واحتمال أن يكون ذلك
____________________
(١) في «ب»: مرجع.
(٢) إشارة إلى أنه يكفي في منع جريان المقدمات، صلوح الاستثناء لذلك، لاحتمال اعتماد المطلق حينئذ في التقييد عليه، لاعتقاد أنه كاف فيه، اللهم إلا أن يقال: إن مجرد صلوحه لذلك بدون قرينة عليه، غير صالح للاعتماد مالم يكن بحسب متفاهم العرف ظاهراً في الرجوع إلى الجميع، فأصالة الإطلاق مع عدم القرينة محكمة، لتمامية مقدمات الحكمة، فافهم (منهقدسسره ).
بواسطة القرينة واضح البطلان.
مع أنه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرة أو ما بحكمه، ضرورة ندرة خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب، لو سلم وجود ما لم يكن كذلك.
وكون العام الكتابي قطعياً صدوراً، وخبر الواحد ظنياً سنداً(١) ، لا يمنع عن التصرف في دلالته الغير القطعية قطعاً، وإلا لما جاز تخصيص المتواتر به أيضاً، مع أنه جائز جزماً.
والسر: أن الدوران في الحقيقة بين أصالة العموم ودليل سند الخبر، مع أن الخبر بدلالته وسنده صالح للقرينية(٢) على التصرف فيها، بخلافها، فإنها غير صالحة لرفع اليد عن دليل اعتباره، ولا ينحصر(٣) الدليل على الخبر بالإجماع، كي يقال بأنه فيما لا يوجد على خلافه دلالة، ومع وجود الدلالة القرآنية(٤) يسقط وجوب العمل به.
كيف؟ وقد عرفت أن سيرتهم مستمرة على العمل به في قبال العمومات الكتابية، والأخبار الدالة على أن الأخبار المخالفة للقرآن يجب طرحها(٥) أو ضربها على الجدار، أو أنها زخرف(٦) ، أو أنها مما لم يقل به الإمامعليهالسلام (٧) ، وإن كانت كثيرة جداً، وصريحة الدلالة على طرح المخالف، إلا
____________________
(١) انظر معالم الدين / ١٤٧، في جواز تخصيص الكتاب بالخبر..
(٢) في «ب»: للقرينة.
(٣) ردّ على ما أجاب به المحقق عن استدلال المجّوزين لتخصيص الكتاب بالخبر الواحد، معارج الأُصول/٩٦.
(٤) في «ب» دلالة القرائنة.
(٥) أصول الكافي: ١ / ٦٩ باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب. وسائل الشيعة ١٨ / ٧٨ الباب ٩ من أبواب صفات القاضي الحديث ١٠.
(٦) أُصول الكافي: ١ / ٦٩ الحديث ٣، ٤، وسائل الشيعة ١٨ / ٧٨ الحديث ١٢ و ١٤.
(٧) أُصول الكافي ١ / ٦٩ الحديث ٥، وسائل الشيعة / ١٨ / ٧٩ الحديث ١٥.
أنه لا محيص عن أن يكون المراد من المخالفة في هذه الأخبار غير مخالفة العموم، إن لم نقل بأنها ليست من المخالفة عرفاً، كيف؟ وصدور الأخبار المخالفة للكتاب بهذه المخالفة منهم عليهم السلام كثيرة جداً، مع قوة احتمال أن يكون المراد أنهم لا يقولون بغير ما هو قول الله تبارك وتعالى واقعاً - وإن كان هو على خلافه ظاهراً - شرحاً لمرامه تعالى وبياناً لمراده من كلامه، فافهم.
والملازمة بين جواز التخصيص وجواز النسخ به ممنوعة، وإن كان مقتضى القاعدة جوازهما، لاختصاص النسخ بالإجماع على المنع، مع وضوح الفرق بتوافر الدواعي إلى ضبطه، ولذا قل الخلاف في تعيين موارده، بخلاف التخصيص.
فصل
لا يخفى أن الخاص والعام المتخالفين، يختلف حالهما ناسخاً ومخصصاً ومنسوخاً فيكون الخاص: مخصصاً تارة، وناسخاً مرة، ومنسوخاً أخرى، وذلك لأن الخاص إن كان مقارناً مع العام، أو وارداً بعده قبل حضور وقت العمل به، فلا محيص عن كونه مخصصاً وبياناً له.
وإن كان بعد حضوره كان ناسخاً لا مخصصاً، لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما إذا كان العام وارداً لبيان الحكم الواقعي، وإلا لكان الخاص أيضاً مخصصاً له، كما هو الحال في غالب العمومات والخصوصات في الآيات والروايات.
وإن كان العام وارداً بعد حضور وقت العمل بالخاص، فكما يحتمل أن يكون الخاص مخصصاً للعام، يحتمل أن يكون العام ناسخاً له، وإن كان الأظهر أن يكون الخاص مخصصاً، كثرة التخصيص، حتى اشتهر (ما من عام إلّا وقد خص) مع قلة النسخ في الأحكام جداً، وبذلك يصير ظهور الخاص في
الدوام - ولو كان بالإطلاق - أقوى من ظهور العام ولو كان بالوضع، كما لا يخفى، هذا فيما علم تاريخهما.
وأما لو جهل وتردد بين أن يكون الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام وقبل حضوره، فالوجه هو الرجوع إلى الأُصول العملية.
وكثرة التخصيص وندرة النسخ هاهنا، وإن كانا يوجبان الظن بالتخصيص أيضاً، وأنه واجد لشرطه إلحاقاً له بالغالب، إلا أنه لا دليل على اعتباره، وإنما يوجبان الحمل عليه فيما إذا ورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص، لصيرورة الخاص لذلك في الدوام اظهر من العام، كما أشير إليه، فتدبر جيداً.
ثم إن تعين الخاص للتخصيص، إذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، أو ورد العام قبل حضور وقت العمل به، إنما يكون مبنياً على عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل، وإلا فلا يتعين له، بل يدور بين كونه مخصصاً(١) وناسخاً في الأول، ومخصصاً ومنسوخاً في الثاني، إلا أن الأظهر كونه مخصصاً، وإن كان ظهور العام في عموم الأفراد أقوى من ظهوره وظهور الخاص في الدوام(٢) ، لما أُشير اليه من تعارف التخصيص وشيوعه، وندرة النسخ جداً في الأحكام.
ولا بأس بصرف(٣) الكلام إلى ماهو نخبة القول في النسخ، فاعلم أن
____________________
(١) لا يخفى أن كونه مخصصاً بمعنى كونه مبيناً بمقدار المرام عن العام، وناسخاً بمعنى كون حكم العام غير ثابت في نفس الأمر في مورد الخاص، مع كونه مراداً ومقصوداً بالافهام في مورده بالعام كسائر الأفراد، وإلا فلا تفاوت بينهما عملا أصلاً، كما هو واضح لا يكاد يخفى (منهقدسسره ).
(٢) في «ب»: ولو فيما كان ظهور العام في عموم الأفراد أقوى من ظهور الخاص في الخصوص.
(٣) في «ب»: لصرف.
النسخ وإن كان رفع الحكم الثابت إثباتاً، إلا أنه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا، وإنما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم واستمراره، أو أصل إنشائه وإقراره، مع أنه بحسب الواقع ليس له قرار، أو ليس له دوام واستمرار، وذلك لأن النبيصلىاللهعليهوآله الصادع للشرع، ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال، وأنه ينسخ في الاستقبال، أو مع عدم اطلاعه على ذلك، لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه تبارك وتعالى، ومن هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل.
وحيث عرفت أن النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعاً، وإن كان بحسب الظاهر رفعاً، فلا بأس به مطلقاً ولو كان قبل حضور وقت العلم، لعدم لزوم البداء المحال في حقه تبارك وتعالى، بالمعنى المستلزم لتغير إرادته تعالى مع اتحاد الفعل ذاتاً وجهة، ولا لزوم(١) امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ، فإن الفعل إن كان مشتملا على مصلحة موجبة للأمر به امتنع النهي عنه، وإلا امتنع الأمر به، وذلك لأن الفعل أو دوامه لم يكن متعلقاً لإرادته، فلا يستلزم نسخ أمره بالنهي تغيير إرادته، ولم يكن الأمر بالفعل من جهة كونه مشتملاً على مصلحة، وإنما كان إنشاء الأمر به أو إظهار دوامه عن حكمة ومصلحة.
وأما البداء في التكوينيات(٢) بغى ذاك المعنى، فهو مما دل عليه الروايات المتواترات(٣) ، كما لا يخفى، ومجمله أن الله تبارك وتعالى إذا تعلقت مشيته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه، لحكمة داعية إلى إظهاره، ألهم أو أوحى إلى نبيه أو وليه أن يخبر به، مع علمه بأنه يمحوه، أو مع عدم علمه به، لما أشير إليه من عدم الإحاطة بتمام ما جرى في علمه، وإنما يخبر به لأنه حال الوحي أو الإلهام لارتقاء نفسه الزكية، واتصاله بعالم لوح المحو والإثبات اطلع على
____________________
(١) في بعض النسخ المطبوعة: وإلا لزم.
(٢) في «ب»: التكوينات.
(٣) الوافي: ١ / ١١٢، باب البداء.
ثبوته، ولم يطلع على كونه معلقاً على [أمر](١) غير واقع، أو عدم الموانع، قال الله تبارك وتعالى:( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) (٢) الآية، نعم من شملته العناية الإلهية، واتصلت نفسه الزكية بعالم اللوح المحفوظ الذي [هو] من أعظم العوالم الربوبية، وهو أم الكتاب، يكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها، كما ربما يتفق لخاتم الأنبياء، ولبعض الأوصياء، كان عارفاً بالكائنات(٣) كما كانت وتكون.
نعم مع ذلك، ربما يوحى إليه حكم من الأحكام، تارة بما يكون ظاهراً في الاستمرار والدوام، معه أنه في الواقع له غاية وأمد يعينها(٤) بخطاب آخر، وأخرى بما يكون ظاهراً في الجد، مع أنه لا يكون واقعاً بجد، بل لمجرد الابتلاء والاختبار، كما أنه يؤمر وحياً أو الهاماً بالإخبار بوقوع عذاب أو غيره مما لا يقع، لأجل حكمة في هذا الإخبار أو ذاك الإظهار، فبدا له تعالى بمعنى أنه يظهر ما أمر نبيه أو وليه بعدم إظهاره أولاً، ويبدي ما خفي ثانياً.
وإنما نسب إليه تعالى البداء، مع إنه في الحقيقة الإبداء، لكمال شباهة إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره، وفيما ذكرنا كفاية فيما هو المهم في باب النسخ، ولا داعي بذكر تمام ما ذكروه في ذاك الباب كما لا يخفى على أولي الألباب.
ثم لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص والنسخ، ضرورة أنه على التخصيص يبنى على خروج الخاص عن حكم العام رأساً، وعلى النسخ، على ارتفاع حكمه عنه من حينه، فيما دار الأمر بينهما في المخصص، وأما إذا دار بينهما في الخاص والعام، فالخاص على التخصيص غير محكوم بحكم العام أصلاً، وعلى النسخ كان محكوماً به من حين صدور دليله، كما لا يخفى.
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
(٢) الرعد: ٣٩.
(٣) في «ب»: على الكائنات.
(٤) في «ب»: يتعينها.
المقصد الخامس:
المطلقُ والمقيّد
المقصد الخامس: في المطلق والمقيد والمجمل والمبين
فصل
عرف(١) المطلق بأنه: ما دل على شائع في جنسه، وقد أشكل عليه بعض الأعلام(٢) ، بعدم الإطراد أو الإنعكاس، وأطال الكلام في النقض والإبرام، وقد نبهنا في غير مقام على أن مثله شرح الإسم، هو مما يجوز أن لا يكون بمطرد ولا بمنعكس، فالأولى الإعراض عن ذلك، ببيان ما وضع له بعض الألفاظ التي يطلق عليها المطلق، أو من غيرها مما يناسب المقام.
فمنها: اسم الجنس، كإنسان ورجل وفرس وحيوان وسواد وبياض إلى غير ذلك من أسماء الكليات من الجواهر والأعراض بل العرضيات، ولا ريب أنها موضوعة لمفاهيمها بما هي هي مبهمة مهملة، بلا شرط أصلاً ملحوظاً معها، حتى لحاظ أنها كذلك.
وبالجملة: الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنى، وصرف المفهوم الغير الملحوظ معه شيء أصلاً الذي هو المعنى بشرط شيء، ولو كان ذاك الشيء هو الإرسال والعموم البدلي، ولا الملحوظ معه عدم لحاظ شيء معه الذي هو
____________________
(١) هذا التعريف لأكثر الأصوليين على ما ذكره المحقق القمي، القوانين ١ / ٣٢١، المطلق والمقيد.
(٢) المستشكل هو صاحب الفصول، قال في الفصول / ٢١٨، في فصل (المطلق): ويخرج بقولنا شيوعاً حكمياً... إلى أن قال: وقد أهملوا هذا القيد فيرد ذلك على طردهم... الخ.
الماهية اللابشرط القسمي، وذلك لوضوح صدقها بما لها من المعنى، بلا عناية التجريد عما هو قضية الاشتراط والتقييد فيها، كما لا يخفى، مع بداهة عدم صدق المفهوم بشرط العموم على فرد من الأفراد، وإن كان يعم كل واحد منها بدلاً أو استيعاباً، وكذا المفهوم اللابشرط(١) القسمي، فإنه كلّي عقلي لا موطن له إلا الذهن لا يكاد يمكن صدقه وانطباقه عليها، بداهة أن مناطه الاتحاد بحسب الوجود خارجاً، فكيف يمكن أن يتحد معها ما لا وجود له إلا ذهناً؟
ومنها: علم الجنس(٢) كأُسامة، والمشهور بين أهل العربية أنه موضوع للطبيعة لا بما هي هي، بل بما هي متعينة بالتعين(٣) الذهني ولذا يعامل معه معاملة المعرفة بدون أداة التعريف.
لكن التحقيق أنه موضوع لصرف المعنى بلا لحاظ شيء معه أصلاً كاسم الجنس، والتعريف فيه لفظي، كما هو الحال في التأنيث اللفظي، وإلا لما صح حمله على الأفراد بلا تصرف وتأويل، لأنه على المشهور كلي عقلي، وقد عرفت أنه لا يكاد صدقه عليها مع صحة حمله عليها بدون ذلك، كما لا يخفى، ضرورة أن التصرف في المحمول بإرادة نفس المعنى بدون قيده تعسف، لا يكاد يكون بناء القضايا المتعارفة عليه، مع أن وضعه لخصوص معنى يحتاج إلى تجريده عن خصوصيته عند الاستعمال، لا يكاد يصدر عن جاهل، فضلاً عن الواضع الحكيم.
ومنها: المفرد المعرف باللام، والمشهور أنه على أقسام: المعرف بلام الجنس، أو الاستغراق، أو العهد بأقسامه، على نحو الاشتراك بينها لفظاً أو معنى، والظاهر أن الخصوصية في كل واحد من الأقسام من قِبَل خصوص
____________________
(١) في (أ): لا بالشرط.
(٢) في «ب»: للجنس.
(٣) في «ب»: بالتعيين.
اللام، أو من قِبَل قرائن المقام، من باب تعدد الدالّ والمدلول، لا باستعمال المدخول ليلزم فيه المجاز أو الإشتراك، فكان المدخول على كل حال مستعملاً فيما يستعمل فيه الغير المدخول.
والمعروف أن اللام تكون موضوعة للتعريف، ومفيدة للتعيين في غير العهد الذهني، وأنت خبير بأنه لا تعين(١) في تعريف الجنس إلا الإشارة إلى المعنى المتميز بنفسه من بين المعاني ذهناً، ولازمه أن لا يصح حمل المعرف باللام بما هو معرف على الأفراد، لما عرفت من امتناع الاتحاد مع ما لا موطن له إلا الذهن إلا بالتجريد، ومعه لا فائدة في التقييد، مع أن التأويل والتصرف في القضايا المتداولة في العرف غير خال عن التعسف.
هذا مضافاً إلى أن الوضع لما لا حاجة اليه، بل لا بد من التجريد عنه وإلغائه في الاستعمالات المتعارفة المشتملة على حمل المعرف باللام أو الحمل عليه، كان لغواً، كما أشرنا إليه، فالظاهر أن اللام مطلقاً يكون للتزيين، كما في الحسن والحسين، واستفادة الخصوصيات إنما تكون بالقرائن التي لابد منها لتعينها على كل حال، ولو قيل بإفادة اللام للإشارة إلى المعنى، ومع الدلالة عليه بتلك الخصوصيات لا حاجة إلى تلك الإشارة، لو لم تكن مخلة، وقد عرفت إخلالها، فتأمل جيداً.
وأما دلالة الجمع(١) المعرف باللام على العموم مع عدم دلالة المدخول عليه، فلا دلالة فيها على أنها تكون لأجل دلالة اللام على التعين(٢) ، حيث لا تعين إلا للمرتبة المستغرقة لجميع الأفراد، وذلك لتعين المرتبة الأخرى، وهي أقل مراتب الجمع، كما لا يخفى.
فلا بد أن يكون دلالته عليه مستندة إلى وضعه كذلك لذلك، لا إلى دلالة
____________________
(١) في نسخة: التعيين.
(٢) ردّ على صاحب الفصول، الفصول / ١٦٩. التنبيه الاول.
(٣) في «ب»: التعيين.
اللام على الإشارة إلى المعين، ليكون به التعريف، وإن أبيت إلا عن استناد الدلالة عليه اليه، فلا محيص عن دلالته على الاستغراق بلا توسيط الدلالة على التعيين، فلا يكون بسببه تعريف إلا لفظاً، فتأمل جيداً.
ومنها: النكرة مثل (رجل) في (وجاء رجل من أقصى المدينة) أو في (جئني برجل) ولا إشكال أن المفهوم منها في الأول، ولو بنحو تعدد الدالّ والمدلول، هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب المحتمل الانطباق على غير واحد من أفراد الرجل.
كما أنه في الثاني، هي الطبيعة الماخوذة مع قيد الوحدة، فيكون حصة من الرجل، ويكون كليا ينطبق على كثيرين، لا فرداً مردداً بين الأفراد(١) .
وبالجملة: النكرة - أي [ما] بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم - إما هو فرد معين في الواقع غير معيّن للمخاطب، أو حصة كلية، لا الفرد المردد بين الأفراد، وذلك لبداهة كون لفظ (رجل) في (جئني برجل) نكرة، مع أنه يصدق على كل من جيء به من الأفراد ولا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره، كما هو قضية الفرد المردد، لو كان هو المراد منها، ضرورة أن كل واحد هو هو، لا هو أو غيره، فلابد أن تكون النكرة الواقعة في متعلق الأمر، هو الطبيعي المقيد بمثل مفهوم الوحدة، فيكون كلياً قابلاً للانطباق، فتأمل جيداً.
إذا عرفت ذلك، فالظاهر صحة اطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس والنكرة بالمعنى الثاني، كما يصح لغة. وغير بعيد أن يكون جريهم في هذا الإطلاق على وفق اللغة، من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها، كما لا يخفى.
نعم لو صح ما نسب إلى المشهور، من كون المطلق عندهم موضوعاً لما
____________________
(١) قال به صاحب الفصول، الفصول / ١٦٣، في صيغة العموم، عند قوله: ومدلولها فرد من الجنس لا بعينه... الخ.
قيد بالإرسال والشمول البدلي، لما كان ما أُريد منه الجنس أو الحصة عندهم بمطلق، إلا أن الكلام في صدق النسبة، ولا يخفى أن المطلق بهذا المعنى لطروء القيد غير قابل، فإن ماله من الخصوصية ينافيه ويعانده، بل(١) وهذا بخلافه بالمعنيين، فإن كلاً منهما له قابل، لعدم انثلامهما بسببه أصلاً، كما لا يخفى.
وعليه لا يستلزم التقييد تجوزاً في المطلق، لإمكان إرادة معنى لفظه منه، وإرادة قيده من قرينة حال أو مقال، وإنما استلزمه لو كان بذاك المعنى، نعم لو أُريد من لفظه المعنى المقيد، كان مجازاً مطلقاً، كان التقييد بمتصل أو منفصل.
فصل
قد ظهر(٢) لك أنه لا دلالة لمثل (رجل) إلا على الماهية المبهمة وضعاً، وأن الشياع والسريان كسائر الطوارئ يكون خارجاً عما وضع له، فلا بد في الدلالة عليه من قرينة حال أو مقال أو حكمة، وهي تتوقف على مقدمات:
إحداها : كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، لا الإهمال أو الإجمال.
ثانيتها : انتفاء ما يوجب التعيين.
ثالثتها : انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب، ولو كان المتيقن بملاحظة الخارج عن ذاك المقام في البين، فإنه غير مؤثر في رفع الإخلال بالغرض، لو كان بصدد البيان، كما هو الفرض، فإنه فيما تحققت لو لم يرد الشياع لأخلّ بغرضه، حيث أنه لم ينبه مع أنه بصدده، وبدونها لا يكاد يكون هناك إخلال به، حيث لم يكن مع انتفاء الأُولى، إلا في مقام الإهمال أو الإجمال، ومع انتفاء الثانية، كان البيان بالقرينة، ومع انتفاء الثالثة،
____________________
(١) أثبتناها من «أ».
(٢) تقدم في المقصد الخامس، الفصل الأول / ٢٤٣.
لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده، فإن الفرض أنه بصدد بيان تمامه، وقد بينه، لا بصدد بيان أنه تمامه، كي أخلّ ببيانه، فافهم(١) .
ثم لا يخفى عليك أن المراد بكونه في مقام بيان تمام مراده، مجرد بيان ذلك وإظهاره وإفهامه، ولو لم يكن عن جد، بل قاعدة وقانوناً، لتكون حجة فيما لم تكن حجة أقوى على خلافه، لا البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا يكون الظفر بالمقيد - ولو كان مخالفاً - كاشفاً عن عدم كون المتكلم في مقام البيان، ولذا لا ينثلم به إطلاقه وصحة التمسك به أصلاً، فتأمل جيداً.
وقد انقدح بما ذكرنا(٢) أن النكرة في دلالتها على الشياع والسريان - أيضاً - تحتاج فيما لا يكون هناك دلالة حال أو مقال من مقدمات الحكمة، فلا تغفل.
بقي شيء: وهو أنه لا يبعد أن يكون الأصل فيما إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، هو كونه بصدد بيانه، وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسك بالإطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهة خاصة، ولذا ترى أن المشهور لا يزالون يتمسكون بها، مع عدم إحراز كون مطلِقها بصدد البيان، وبعُد كونه لأجل ذهابهم إلى أنها موضوعة للشياع والسريان، وإن كان ربما نسب ذلك اليهم، ولعل وجه النسبة ملاحظة أنه لا وجه للتمسك بها بدون الإحراز والغفلة عن وجهه، فتأمل جيداً.
____________________
(١) إشارة إلى أنه لو كان بصدد بيان أنه تمامه ما أخلّ ببيانه، بعد عدم نصب قرينة على إرادة تمام الأفراد، فإنه بملاحظته يفهم أن المتيقن تمام المراد، وإلا كان عليه نصب القرينة على إرادة تمامها، وإلا قد أخلّ بغرضه، نعم لا يفهم ذلك إذا لم يكن إلا بصدد بيان أن المتيقن مراد، لا بصدد بيان أن غيره مراد أو ليس بمراد، قبالاً للإجمال والإهمال المطلقين، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة (منه أعلى الله مقامه).
(٢) في صفحة ٢٤٧ من هذا الكتاب.
ثم إنه قد انقدح بما عرفت - من توقف حمل المطلق على الإطلاق، فيما لم يكن هناك قرينة حالية أو مقالية على قرينة الحكمة المتوقفة على المقدمات المذكورة - أنه لا إطلاق له فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف، لظهوره فيه، أو كونه متيقناً منه، ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه، حسب اختلاف مراتب الانصراف، كما أنه منها ما لا يوجب ذا ولا ذاك، بل يكون بدوياً زائلاً بالتأمل، كما أنه منها ما يوجب الاشتراك أو النقل.
لا يقال: كيف يكون ذلك وقد تقدم أن التقييد لا يوجب التجوز في المطلق أصلاً.
فإنه يقال: مضافاً إلى أنه إنما قيل لعدم استلزامه له، لا عدم إمكانه، فإن استعمال المطلق في المقيد بمكان من الإمكان، إن كثرة إرادة المقيد لدى إطلاق المطلق ولو بدالّ آخر ربما تبلغ بمثابة توجب له مزية أنس، كما في المجاز المشهور، أو تعيناً(١) واختصاصاً به، كما في المنقول بالغلبة، فافهم.
تنبيه : وهو أنه يمكن أن يكون للمطلق جهات عديدة، كان وارداً في مقام البيان من جهة منها، وفي مقام الإهمال أو الإجمال من أخرى، فلابدّ في حمله على الإطلاق بالنسبة إلى جهة من كونه بصدد البيان من تلك الجهة، ولا يكفي كونه بصدده من جهة أخرى، إلا إذا كان بينهما ملازمة عقلاً أو شرعاً أو عادة، كما لا يخفى.
فصل
إذا ورد مطلق ومقيد متنافيين ، فإمّا يكونان مختلفين في الإثبات والنفي، وإمّا يكونان متوافقين، فإن كانا مختلفين مثل (إعتق رقبة) و (لا
____________________
(١) في «ب»: تعييناً.
تعتق رقبة كافرة) فلا إشكال في التقييد، وإن كانا متوافقين، فالمشهور فيهما الحمل والتقييد، وقد استدل بأنه جمع بين الدليلين وهو أولى.
وقد أُورد عليه بإمكان الجمع على وجه آخر، مثل حمل الأمر في المقيد على الاستحباب.
وأُورد عليه بأن التقييد ليس تصرفاً في معنى اللفظ، وإنما هو تصرف في وجه من وجوه المعنى، اقتضاه تجرده عن القيد، مع تخيل وروده في مقام بيان تمام المراد، وبعد الاطلاع على ما يصلح للتقييد نعلم وجوده على وجه الإجمال، فلا إطلاق فيه حتى يستلزم تصرفاً، فلا يعارض ذلك بالتصرف في المقيد، بحمل أمره على الاستحباب.
وأنت(١) خبير بأن التقييد أيضاً يكون تصرفاً في المطلق، لما عرفت من أن الظفر بالمقيّد لا يكون كاشفاً عن عدم ورود المطلق في مقام البيان، بل عن عدم كون الإطلاق الذي هو ظاهره بمعونة الحكمة، بمراد جدّي، غاية الأمر أن التصرف فيه بذلك لا يوجب التجوّز فيه، مع أن حمل الأمر في المقيد على الاستحباب لا يوجب تجوزاً فيه، فإنه في الحقيقة مستعمل في الإيجاب، فإن المقيد إذا كان فيه ملاك الاستحباب، كان من أفضل أفراد الواجب، لا مستحباً فعلاً، ضرورة أن ملاكه لا يقتضي استحبابه إذا اجتمع مع ما يقتضي وجوبه.
نعم، فيما إذا كان إحراز كون المطلق في مقام البيان بالأصل، كان من التوفيق بينهما، حمله على أنه سيق في مقام الإهمال على خلاف مقتضى الأصل، فافهم. ولعل وجه التقييد كون ظهور إطلاق الصيغة في الإيجاب التعييني أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق.
____________________
(١) ردّ على الشيخ (قده) في انتصاره لدليل المشهور، مطارح الأنظار / ٢٢٠.
وربما يشكل بأنه يقتضي التقييد في باب المستحبات، مع أن بناء المشهور على حمل الأمر بالمقيد فيها على تأكّد الاستحباب، اللهم إلا أن يكون الغالب في هذا الباب هو تفاوت الأفراد بحسب مراتب(١) المحبوبية، فتأمل.
أو أنه كان بملاحظة التسامح في أدلة المستحبات، وكان عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق بعد مجيىء دليل المقيّد، وحمله على تأكد استحبابه، من التسامح(٢) فيها.
ثم إن الظاهر أنه لا يتفاوت فيما ذكرنا بين المثبتين والمنفيين بعد فرض كونهما متنافيين، كما لا يتفاوتان في استظهار التنافي بينهما من استظهار اتحاد التكليف، من وحدة السبب وغيره(٣) ، من قرينة حال أو مقال حسبما يقتضيه النظر، فليتدبر.
تنبيه : لا فرق فيما ذكر من الحمل في المتنافيين، بين كونهما في بيان الحكم التكليفي، وفي بيان الحكم الوضعي، فإذا ورد مثلاً: إن البيع سبب، وإن البيع الكذائي سبب، وعلم أن مراده إمّا البيع على إطلاقه، أو البيع الخاص، فلابد من التقييد لو كان ظهور دليله في دخل القيد أقوى من ظهور دليل الإطلاق فيه، كما هو ليس ببعيد، ضرورة تعارف ذكر المطلق وإرادة المقيد - بخلاف العكس - بإلغاء القيد، وحمله على أنه غالبي، أو على وجه آخر، فإنه على خلاف المتعارف.
____________________
(١) في «أ و ب»: المراتب، والصواب ما أثبتناه.
(٢) ولا يخفى أنه لو كان حمل المطلق على المقيد جمعاً عرفياً، كان قضيته عدم الاستحباب إلا للمقيد، وحينئذ إن كان بلوغ الثواب صادقاً على المطلق كان استحبابه تسامحياً، وإلا فلا استحباب له أصلاً، كما لا وجه - بناء على هذا الحمل وصدق البلوغ - يؤكد الاستحباب في المقيد، فافهم (منهقدسسره ).
(٣) تعريض بصاحب المعالم والمحقق القمي، حيث اعتبرا وحدة السبب في عنوان البحث، معالم الدين / ١٥٥، القوانين ١ / ٣٢٢.
تبصرة لا تخلو من تذكرة ، وهي: إن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف حسب اختلاف المقامات، فإنها تارة يكون حملها على العموم البدلي، وأخرى على العموم الاستيعابي، وثالثة على نوع خاص مما ينطبق عليه حسب اقتضاء خصوص المقام، واختلاف الآثار والأحكام، كما هو الحال في سائر القرائن بلا كلام.
فالحكمة في إطلاق صيغة الأمر تقتضي أن يكون المراد خصوص الوجوب التعييني العيني النفسي، فإن إرادة غيره تحتاج إلى مزيد بيان، ولا معنى لإرادة الشياع فيه، فلا محيص عن الحمل عليه فيما إذا كان بصدد البيان، كما أنها قد تقتضي العموم الاستيعابي، كما في (أحل الله البيع) إذ إرادة البيع مهملاً أو مجملاً، ينافي ما هو المفروض من كونه بصدد البيان، وإرادة العموم البدلي لا يناسب المقام، ولا مجال لاحتمال إرادة بيع اختاره المكلف، أيّ بيع كان، مع أنها تحتاج إلى نصب دلالة عليها، لا يكاد يفهم بدونها من الإطلاق، ولا يصح قياسه على ما إذا أُخذ في متعلق الأمر، فإن العموم الاستيعابي لا يكاد يمكن إرادته، وإرادة غير العموم البدلي، وإن كانت ممكنة، إلا أنها منافية للحكمة، وكون المطلق بصدد البيان.
فصل
في المجمل والمبيّن
والظاهر أن المراد من المبيّن في موارد إطلاقه، الكلام الذي له ظاهر، ويكون بحسب متفاهم العرف قالباً لخصوص معنى، والمجمل بخلافه، فما ليس له ظهور مجمل وإن علم بقرينة خارجية ما أُريد منه، كما أن ماله الظهور مبيّن وإن علم بالقرينة الخارجية أنه ما أُريد ظهوره وأنه مأوّل، ولكل منهما في الآيات والروايات، وإن كان أفراد كثيرة لا تكاد تخفى، إلا أن لهما أفراد مشتبهة وقعت محل البحث والكلام للأعلام، في أنها من أفراد أيهما؟ كآية
السرقة(١) ، ومثل( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) (٢) و( أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ) (٣) مما أُضيف التحليل إلى الأعيان ومثل (لا صلاة إلا بطهور)(٤) .
ولا يذهب عليك أن إثبات الإجمال أو البيان لا يكاد يكون بالبرهان، لما عرفت من أن ملاكهما أن يكون للكلام ظهور، ويكون قالباً لمعنى، وهو مما يظهر بمراجعة الوجدان، فتأمل.
ثم لا يخفى أنهما وصفان إضافيان، ربما يكون مجملاً عند واحد، لعدم معرفته بالوضع، أو لتصادم ظهوره بما حفّ به لديه، ومبيّناً لدى الآخر، لمعرفته وعدم التصادم بنظره، فلا يهمنا التعرض لموارد الخلاف والكلام والنقض والإبرام في المقام، وعلى الله التوكل وبه الاعتصام.
____________________
(١) المائدة: ٣٨.
(٢) النساء: ٢٣.
(٣) المائدة: ١.
(٤) الفقية: ١ / ٣٥ الباب ١٤ في من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه.
المقصد السادس:
الامارات
المقصد السادس:
في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلاً
وقبل الخوض في ذلك، لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام، وإن كان خارجاً من مسائل الفن، وكان أشبه بمسائل الكلام، لشدة مناسبته مع المقام.
فاعلم: أن البالغ الذي وضع عليه القلم، إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري، متعلق به أو بمقلديه، فإما أن يحصل له القطع به، أو لا، وعلى الثاني، لابد من انتهائه إلى ما استقل به العقل، من اتباع الظن لو حصل له، وقد تمت مقدمات الانسداد - على تقدير الحكومة - وإلا فالرجوع إلى الأصول العقلية: من البراءة والاشتغال والتخيير، على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله تعالى.
وإنما عممنا متعلق القطع؛ لعدم اختصاصه أحكامه بما إذا كان متعلقاً بالأحكام الواقعية، وخصصنا بالفعلي؛ لاختصاصها بما إذا كان متعلقاً به - على ما ستطلع عليه - ولذلك عدلنا عما في رسالة(١) شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - من تثليث الأقسام.
وإن أبيت إلا عن ذلك، فالأولى أن يقال: إن المكلف إما أن يحصل له
____________________
(١) فرائد الأصول / ٢.
القطع أو لا، وعلى الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا؛ لئلا تتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام، ومرجعه على الأخير إلى القواعد المقررة عقلاً أو نقلاً لغير القاطع، ومن يقوم عنده الطريق، على تفصيل يأتي في محله - إن شاء الله تعالى - حسبما يقتضي دليلها.
وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه، يستدعي رسم أمور:
الأمر الأول : لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً، ولزوم الحركة على طبقه جزماً، وكونه موجباً لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم والعقاب على مخالفته، وعذراً فيما أخطأ قصوراً، وتأثيره في ذلك لازم، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم، فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان.
ولا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل، لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشيء ولوازمه، بل عرضاً بتبع جعله بسيطاً.
وبذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضاً، مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقاداً مطلقاً، وحقيقة في صورة الإصابة، كما لا يخفى.
ثم لا يذهب عليك أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعلياً، وما لم يصر فعلياً لم يكد يبلغ مرتبة التنجز، واستحقاق العقوبة على المخالفة، وإن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة، وذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر ولا نهي، ولا مخالفته عن عمد بعصيان، بل كان مما سكت الله عنه، كما في الخبر(١) ، فلاحظ وتدبر.
نعم، في كونه بهذه المرتبة مورداً للوظائف المقررة شرعاً للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين، على ما يأتي(٢) تفصيله إن شاء الله تعالى، مع ما هو
____________________
(١) الفقيه ٤ / ٥٣، باب نوادر الحدود، الحديث ١٥.
(٢) في بداية مبحث الامارات ص ٢٧٧.
التحقيق في دفعه، في التوفيق بين الحكم الواقعي والظاهري، فانتظر.
الأمر الثاني : قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة، والمثوبة على الموافقة في صورة الإصابة، فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإصابة على التجرّي بمخالفته، واستحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته، أو لا يوجب شيئاً؟
الحق أنه يوجبه؛ لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته، وذمه على تجريه، وهتكه لحرمة مولاه(١) وخروجه عن رسوم عبوديته، وكونه بصدد الطغيان، وعزمه على العصيان، وصحة مثوبته، ومدحه على قيامه(٢) بما هو قضية عبوديته، من العزم على موافقته والبناء على إطاعته، وإن قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة، مالم يعزم على المخالفة أو الموافقة، بمجرد سوء سريرته أو حسنها، وإن كان مستحقاً للّوم(٣) أو المدح بما يستتبعانه، كسائر الصفات والأخلاق الذميمة أو الحسنة.
وبالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحاً [أوذماً](٤) أو لوماً، وإنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافاً إلى أحدهما، إذا صار بصدد الجري على طبقها والعمل على وفقها وجزم وعزم، وذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك، وحسنها معه، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة والعصيان، وما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان.
ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرى [به] أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن
____________________
(١) في «أ»: وهتك حرمته لمولاه، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) في «أ و ب»: إقامته، والصحيح ما أثبتناه.
(٣) في هامش «ب» من نسخة أخرى: للذم.
(٤) أثبتناها من «ب».
أو القبح، والوجوب أو الحرمة واقعاً، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة، ولا يغير جهة حسنه أو قبحه بجهته(١) أصلاً، ضرورة أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح عقلاً ولا ملاكاً للمحبوبية والمبغوضية شرعاً، ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية والمحبوبية للمولى، بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له. فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له، ولو اعتقد العبد بأنه عدوّه، وكذا قتل عدوه، مع القطع بأنه إبنه، لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً.
هذا مع أن الفعل المتجرئ به أو المنقاد به، بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً، فإن القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان مما يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً؟ ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلا إذا كانت اختيارية.
إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع، وهل كان العقاب عليها إلا عقاباً على ما ليس بالاختيار؟
قلت: العقاب إنما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار.
إن قلت: إن القصد والعزم إنما يكون من مبادئ الاختيار، وهي ليست باختيارية، وإلا لتسلسل.
قلت: - مضافاً إلى أن الاختيار وإن لم يكن بالاختيار، إلا أن بعض مباديه غالباً يكون وجوده بالاختيار، للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه
____________________
(١) في هامش (ب) من نسخة أخرى: بجهة.
من تبعة العقوبة واللوم والمذمّة - يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذه والعقوبة إنما يكون من تبعة بُعده عن سيّده بتجرّيه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنه يوجب البعد عنه، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، [فإنه] وإن لم يكن باختياره(١) إلا أنه بسوء سريرته وخبث باطنه، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتاً وإمكانه(٢) ، وإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال وينقطع السؤال ب (لِمَ) فإن الذاتيات ضروري(٣) الثبوت للذات.
وبذلك أيضاً ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان؟ والمطيع والمؤمن الإطاعة والإيمان؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لِمَ يكون ناهقاً؟ والإنسان لم يكون ناطقاً؟
وبالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى(٤) والبعد عنه، سبب لاختلافها في استحقاق الجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، [وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدم نيلها](٥) ، وتفاوتها في ذلك بالأخرة يكون ذاتياً، والذاتي لا يعلل.
إن قلت: على هذا، فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار.
قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته، لتكمل به نفسه، ويخلص مع ربه أنسه، ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، قال الله تبارك وتعالى:
____________________
(١) كيف لا، وكانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختيارية، فإنها هي المخالفة العمدية، وهي لا تكون بالاختيار، ضرورة أن العمد إليها ليس باختياري، وإنما تكون نفس المخالفة اختيارية، وهي غير موجبة للاستحقاق، وإنما الموجبة له هي العمدية منها، كما لا يخفى على أولى النهى (منهقدسسره ).
(٢) المطبوع في «ب» إمكاناً، ولكن صححه المصنف (قده) بما في المتن.
(٣) في «ب»: ضرورية.
(٤) في «ب»: جل شأنه وعظمت كبرياؤه.
(٥) أثبتناها من «ب».
( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) وليكون حجة على من ساءت سريرته وخبثت طينته، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، كيلا يكون للناس على الله حجة، بل كان له حجة بالغة.
ولا يخفى أن في الآيات(٢) والروايات(٣) ، شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة والمثوبة، ومعه لا حاجة إلى ما استدل(٤) على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: إنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار، من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته واختياره؛ مع بطلانه وفساده، إذ للخصم أن يقول بأن استحقاق العاصي دونه، إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه، وهو مخالفته عن عمد واختيار، وعدم تحققه فيه لعدم مخالفته أصلاً، ولو بلا اختيار، بل عدم صدور فعل منه في بعض افراده بالاختيار، كما في التجري بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام، كما إذا قطع مثلاً بأن مائعاً خمر، مع أنه لم يكن بالخمر، فيحتاج إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية، كما عرفت بما لا مزيد عليه.
ثم لا يذهب عليك: إنه ليس في المعصية الحقيقية إلا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة، وهو هتك واحد، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم(٥) ، مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما، كما لا يخفى.
____________________
(١) الذاريات: ٥٥.
(٢) الإسراء: ٣٦.والبقرة: ٢٢٥ و ٢٨٤.والأحزاب: ٥.
(٣) الكافي ٢ / ٦٩ باب النية من كتاب الإيمان والكفر. وللمزيد راجع وسائل الشيعة ١ / ٣٥، الباب ٦ من أبواب مقدمة العبادات، الحديث ٣ و٤ و٦ و٧ و٨ و١٠.
(٤) استدل به المحقق السبزواري، ذخيرة المعاد / ٢٠٩ - ٢١٠.
(٥) راجع الفصول / ٨٧، التنبيه الرابع من مقدمة الواجب.
ولا منشأ لتوهمه، إلا بداهة أنه ليس في معصية واحدة إلا عقوبة واحدة، مع الغفلة عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الإنّ عن وحدة السبب.
الأمر الثالث : إنه قد عرفت(١) أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب، يوجب عقلاً استحقاق المدح والثواب، أو الذم والعقاب، من دون أن يؤخذ شرعاً في خطاب، وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه، لا يماثله ولا يضاده، كما إذا ورد مثلاً في الخطاب أنه (إذا قطعت بوجوب شيء يجب عليك التصدق بكذا) تارة بنحو يكون تمام الموضوع، بأن يكون القطع بالوجوب مطلقاً ولو أخطأ موجباً لذلك، وأخرى بنحو يكون جزءَه وقيده، بأن يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجباً له، وفي كل منهما يؤخذ طوراً بما هو كاشف وحاكٍ عن متعلقه، وآخرَ بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به، وذلك لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة - ولذا كان العلم نوراً لنفسه ونوراً لغيره - صح أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة وحالة مخصوصة، بإلغاء جهة كشفه، أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها، كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه وحاكٍ عنه، فتكون أقسامه أربعة، مضافاً إلى ما هو طريق محض عقلاً غير مأخوذ في الموضوع شرعاً.
ثم لا ريب في قيام الطرق والأمارات المعتبرة - بدليل حجيتها واعتبارها - مقام هذا القسم، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما أُخذ في الموضوع على نحو الصفتية من تلك الأقسام، بل لابد من دليل آخر على التنزيل، فإن قضية الحجية والاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار، لا له بما هو صفة وموضوع؛ ضرورة أنه كذلك يكون كسائر الموضوعات والصفات.
ومنه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أُخذ في الموضوع على نحو
____________________
(١) في الأمر الأول صفحة ٢٥٨.
الكشف، فإن القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعاً، كسائر مالها(١) دخل في الموضوعات أيضاً، فلا يقوم مقامه شيء بمجرد حجيته، وقيام(٢) دليل على اعتباره، ما لم يقم دليل على تنزيله، ودخله في الموضوع كدخله، وتوهم(٣) كفاية دليل الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه وجعله بمنزلة القطع، من جهة كونه موضوعاً ومن جهة كونه طريقاً فيقوم مقامه طريقاً كان أو موضوعاً، فاسد جداً.
فإن الدليل الدالّ على إلغاء الاحتمال، لا يكاد يكفي إلا بأحد التنزيلين، حيث لا بد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل والمنزّل عليه، ولحاظهما في أحدهما آلي، وفي الآخر استقلالي، بداهة أن النظر في حجيته وتنزيله منزلة القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع ومؤدى الطريق، وفي كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما، ولا يكاد يمكن الجمع بينهما.
نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما، يمكن أن يكون دليلاً على التنزيلين، والمفروض أنه ليس، فلا يكون دليلاً على التنزيل إلا بذاك اللحاظ الآليّ، فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه، وصحة العقوبة على مخالفته في صورتي إصابته وخطئه بناء على استحقاق المتجري، أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي، فيكون مثله في دخله في الموضوع، وترتيب ما له عليه من الحكم الشرعي.
لايقال: على هذا لا يكون دليلاً على أحد التنزيلين، ما لم يكن هناك قرينة في البين.
فإنه يقال: لا إشكال في كونه دليلاً على حجيته، فإن ظهوره في أنه بحسب اللحاظ الآلي مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، وإنما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه، فتأمل في المقام فإنه دقيق ومزالّ الأقدام
____________________
(١) في حقائق الاصول: ماله، الحقائق ٢: ٢٤.
(٢) في «ب»: أو قيام دليل... الخ.
(٣) تعريض بما ذكره الشيخ الأنصاري (قده) فرائد الأصول / ٤.
للأعلام.
ولا يخفى أنه لو لا ذلك، لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد - دالّ على إلغاء احتمال خلافه - مقام القطع بتمام أقسامه، ولو فيما(١) أُخذ في الموضوع على نحو الصفتية، كان تمامه أو قيده وبه قوامه.
فتلخص ممّا ذكرنا: إن الأمارة لا تقوم بدليل اعتبارها إلا مقام ما ليس بمأخوذ(٢) في الموضوع أصلاً.
وأما الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلتها - أيضاً - غير الاستصحاب؛ لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار والاحكام، من تنجز التكليف وغيره - كما مرت(٣) إليه الإشارة - وهي ليست إلا وظائف مقررة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلاً.
لا يقال: إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان.
فإنه يقال: أما الاحتياط العقلي، فليس إلا لأجل حكم العقل بتنجز التكليف، وصحة العقوبة على مخالفته، لا شيء يقوم مقامه في هذا الحكم.
وأما النقلي، فإلزام الشارع به، وإن كان مما يوجب التنجز وصحة العقوبة على المخالفة كالقطع، إلا أنه لا نقول به في الشبهة البدوية، ولا يكون بنقلي في المقرونة بالعلم الاجمالي، فافهم.
ثم لا يخفى إن دليل الاستصحاب أيضاً لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ
____________________
(١) الظاهر أنّه ردّ على الشيخ حيث فصل بين القطع الموضوعي الطريقي وبين القطع الموضوعي الصفتي، من جهة قيام الأمارة مقامه وعدم قيامها مقامه، فرائد الأصول / ٣.
(٢) في «ب»: مأخوذاً.
(٣) في ص ٢٦٤ عند قوله: (فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه...).
في الموضوع مطلقاً، وإن مثل (لا تنقض اليقين) لا بد من أن يكون مسوقاً إما بلحاظ المتيقن، أو بلحاظ نفس اليقين.
وما ذكرنا في الحاشية(١) - في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع والقطع، وأن دليل الاعتبار إنما يوجب تنزيل المستصحب والمؤدى منزلة الواقع، وإنما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما، وتنزيل القطع بالواقع تنزيلاً وتعبداً منزلة القطع بالواقع حقيقة - لا يخلو من تكلف بل تعسف.
فإنه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده، بما هو كذلك بلحاظ أثره، إلا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزاً بالوجدان، أو تنزيله في عرضه، فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلاً على تنزيل جزء الموضوع، ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر، فيما لم يكن محرزاً حقيقة، وفيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة، كما في ما نحن فيه - على ما عرفت(٢) - لم يكن دليل الأمارة دليلاً عليه أصلاً؛ فإن دلالته على تنزيل المؤدى تتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة، ولا دلالة له كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدى، فإن الملازمة(٣) إنما تكون بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي، وتنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى، فتأمل جيّداً، فإنه لا يخلو عن دقة.
ثم لا يذهب عليك أنّ(٤) هذا لو تمّ لعمّ، ولا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذاً على نحو الكشف.
الأمر الرابع : لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا
____________________
(١) حاشية المصنف على الفرائد / ٨ في كيفية تنزيل الأمارة مقام القطع.
(٢) في عدم إمكان الجمع بين اللحاظين / ٢٦٤.
(٣) في بعض النسخ المطبوعة زيادة هنا حذفها المصنف من نسختي «أ» و «ب».
(٤) في «أ» و «ب»: إنه.
الحكم للزوم الدور، ولا مثله للزوم اجتماع المثلين، ولاضده للزوم اجتماع الضدين، نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضده.
وأما الظن بالحكم، فهو وإن كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون، إلا أنه لما كان معه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، كان جعل حكم آخر في مورده - مثل الحكم المظنون أو ضده - بمكان من الامكان.
إن قلت: إن كان الحكم المتعلق به الظن فعلياً أيضاً، بأن يكون الظن متعلقاً بالحكم الفعلي، لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعلي آخر مثله ضده، لاستلزامه الظن باجتماع الضدين أو المثلين، وإنما يصح أخذه في موضوع حكم آخر، كما في القطع، طابق النعل بالنعل.
قلت: يمكن أن يكون الحكم فعلياً، بمعنى أنه لو تعلق به القطع - على ما هو عليه من الحال - لتنجز واستحق على مخالفته العقوبة، ومع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلف، برفع جهله لو أمكن، أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن، بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة، وإلى ضده أخرى، ولا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده، كما لا يخفى، فافهم.
إن قلت: كيف يمكن ذلك؟ وهل هو إلا أنه يكون مستلزماً لاجتماع المثلين أو الضدين؟.
قلت: لا بأس بإجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك المعنى - أي لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز - مع حكم آخر فعلي في مورده بمقتضى الأصل أو الأمارة، أو دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص، على ما سيأتي(١) من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهري والواقعي.
____________________
(١) في بحث الأمارات / ٢٧٨، عند قوله: لأن أحدهما طريقي عن مصلحة في نفسه... إلخ.
الأمر الخامس : هل تنجز التكليف بالقطع - كما يقتضي موافقته عملاً - يقتضي موافقته إلتزاماً، والتسليم له اعتقاداً وانقياداً؟ كما هو اللازم في الأصول الدينية والأمور الاعتقادية، بحيث كان له امتثالان وطاعتان، إحداهما بحسب القلب والجنان، والأخرى بحسب العمل بالأركان، فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاماً ولو مع الموافقة عملاً، أو لا يقتضي؟ فلا يستحق العقوبة عليه، بل إنما يستحقها على المخالفة العملية.
الحق هو الثاني، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان بذلك، واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده إلا المثوبة دون العقوبة، ولو لم يكن متسلماً وملتزماً به ومعتقداً ومنقاداً له، وإن كان ذلك يوجب تنقيصه وانحطاط درجته لدى سيده، لعدم اتصافه بما يليق أن يتصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه والانقياد لها، وهذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاماً مع موافقته عملاً، كما لا يخفى.
ثم لا يذهب عليك، إنه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية، لو كان المكلف متمكناً منها لوجب، ولو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملاً، ولا يحرم المخالفة القطعية عليه كذلك أيضاً لامتناعهما، كما إذا علم إجمالاً بوجوب شيء أو حرمته، للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعاً، والانقياد له والاعتقاد به بما هو الواقع والثابت، وإن لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة.
وإن أبيت إلا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه، لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة، ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعاً، فإن محذور الالتزام بضد التكليف عقلاً ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة، مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي إلا الالتزام بنفسه عيناً، لا الالتزام به أو بضده تخييراً.
ومن هنا قد انقدح أنه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول
الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية، مع قطع النظر عنه، كما لا يدفع(١) بها محذورعدم الالتزام به(٢) .
إلا أن يقال: إن استقلال العقل بالمحذور فيه إنما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام والاقتحام في الأطراف، ومعه لا محذور فيه؛ بل ولا في الالتزام بحكم آخر.
إلا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، مع عدم ترتب أثر علمي عليها، مع أنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية، مضافاً إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه، للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها، كما ادعاه(٣) شيخنا العلامة أعلى الله مقامه، وإن كان محل تأمل ونظر، فتدبر جيّداً.
الأمر السادس : لا تفاوت في نظر العقل أصلاً فيما يترتب على القطع من الآثار عقلاً، بين أن يكون حاصلاً بنحو متعارف، ومن سبب ينبغي حصوله منه، أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه، كما هو الحال غالباً في القطّاع، ضرورة أن العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله، وصحة مؤاخذة قاطعه على مخالفته، وعدم صحة الاعتذار عنها بأنه حصل كذلك، وعدم صحة المؤاخذة مع القطع بخلافه، وعدم حسن الاحتجاج عليه بذلك، ولو مع التفاته إلى كيفية حصوله.
نعم(٤) ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعاً، والمتبع في عمومه وخصوصه دلالة دليله في كل مورد، فربما يدل على اختصاصه بقسم في
____________________
(١) إشارة إلى ما في فرائد الأصول / ١٩، عند قوله: وأما المخالفة الغير العملية... الخ.
(٢) هنا زيادة في بعض النسخ المطبوعة حذفها المصنف من نسختي «أ» و «ب».
(٣) فرائد الأصول / ٤٢٩، عند قوله: بل لأن العلم الإجمالي هنا بانتقاض... الخ.
(٤) قد نبه الشيخ في فرائد الأصول / ٣، على هذا الاستدراك.
مورد، وعدم اختصاصه به في آخر، على اختلاف الأدلة واختلاف المقامات، بحسب مناسبات الأحكام والموضوعات، وغيرها من الأمارات.
وبالجملة القطع فيما كان موضوعاً عقلاً لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع، ولا من حيث المورد، ولا من حيث السبب، لا عقلاً - وهو واضح - ولا شرعاً، لما عرفت(١) من أنه لا تناله يد الجعل نفياً ولا إثباتاً، وإن نسب إلى بعض الاخباريين أنه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية، إلا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها، وأنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه، كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي(٢) عن السيد الصدر(٣) في باب الملازمة، فراجع.
وإما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية، لأنها لا تفيد إلا الظن، كما هو صريح [الشيخ المحدث](٤) الأمين [الأسترآبادي - رحمه الله -](٤) حيث قال - في جملة ما استدل به في فوائده(٥) على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في السماع عن الصادقينعليهمالسلام .
الرابع: إن كل مسلك غير ذلك المسلك - يعني التمسك بكلامهم (عليهم الصلاة والسلام) - إنما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم الله تعالى، وقد أثبتنا
____________________
(١) تقدم في الأمر الأول: ٢٥٨.
(٢) راجع ما حكاه الشيخ عن السيد الصدر: فرائد الأصول: ١١، وكلام السيد الصدر في شرح الوافية.
(٣) السيد صدر الدين بن محمد باقر الرضوي القمي، أخذ من أفاضل علماء إصفهان، كالمدقق الشيرواني والاقا جمال الدين الخونساري والشيخ جعفر القاضي، ثم إرتحل إلى قُم، فأخذ في التدريس إلى أن اشتعلت نائرة فتنة الأفغان، فانتقل منها إلى موطن أخيه الفاضل بهمدان ثم منها إلى النجف الأشرف، فاشتغل فيها على المولى الشريف أبي الحسن العاملي والشيخ أحمد الجزائري، تلمذ عليه الأستاذ الأكبر المحقق البهبهاني، له كتاب «شرح الوافية» توفي في عشر الستين بعد المئة والألف وهو ابن خمس وستين سنة (الكنى والألقاب ٢ / ٣٧٥).
(٤) أثبتنا الزيادة من «ب».
(٥) الفوائد المدنية: ١٢٩.
سابقاً أنه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها) وقال في جملتها أيضاً - بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة - ما هذا لفظه(١) :
(وإذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ، وإن تمسكنا بغيره لم يعصم عنه، ومن المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلاً، ألا ترى أن الإمامية استدلوا على وجوب العصمة بأنه لولا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ، وذلك الأمر محل، لأنه قبيح، وأنت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى)، انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وما مهده من الدقيقة هو الذي نقله شيخنا العلامة - أعلى الله مقامه - في الرسالة(٢) .
وقال في فهرست فصولها(٣) أيضاً:
(الأول: في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى شأنه، ووجوب التوقف عند فقد القطع بحكم الله، أو بحكم ورد عنهم عليهم السلام)، انتهى.
وأنت ترى أن محل كلامه ومورد نقضه وإبرامه، هو العقليّ الغير المفيد للقطع، وإنما همّه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع.
وكيف كان، فلزوم اتباع القطع مطلقاً، وصحة المؤاخذة على مخالفته عند إصابته، وكذا ترتب سائر آثاره عليه عقلاً، مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلاً عن
____________________
(١) المصدر السابق: ١٣٠، مع اختلاف يسير.
(٢) فرائد الأصول / ٩ مبحث القطع.
(٣) الفوائد المدنية / ٩٠، باختلاف غير قادح في العبارة.
فاضل، فلابد فيما يوهم(١) خلاف ذلك في الشريعة من المنع عن حصول العلم التفصيلي بالحكم الفعلي(٢) لأجل منع بعض مقدماته الموجبة له، ولو إجمالاً، فتدبر جيّداً.
الأمر السابع : إنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه، لا تكاد تناله يد الجعل إثباتاً أو نفياً، فهل القطع الإجمالي كذلك؟
فيه إشكال، ربما يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف، وكانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة، جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالاً بل قطعاً، وليس محذور مناقضته مع المقطوع إجمالاً [إلّا](٣) محذور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة الغير المحصورة، بل الشبهة البدوية(٤) ، ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي والإذن بالاقتحام في مخالفته بين الشبهات أصلاً، فما به التفصّي عن المحذور فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضاً، كما لا يخفى، [وقد أشرنا إليه سابقاً، ويأتي(٥) إن شاء الله مفصلاً](٦) .
نعم كان العلم الإجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء، لا في العلّية التامة(٧) ، فيوجب تنجز التكليف أيضاً لو لم يمنع عنه مانع عقلاً، كما كان في أطراف كثيرة غير
____________________
(١) المحاسن / ٢٨٦، الحديث ٤٣٠ - الكافي: ٢ / ١٦، الحديث ٥.الوسائل: ١٨ / الباب ٦ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٣٧.
(٢) في هامش «ب» عن نسخة أخرى: العقلي.
(٣) أثبتناه من «ب».
(٤) كان هنا اشكال آخر ضرب عليه المصنف في نسختي «أ» و «ب».
(٥) تقدم في الأمر الرابع / ٢٦٧، عند قوله: قلت: لا بأس باجتماع...الخ، ويأتي في أوائل البحث عن حجية الأمارات.
(٦) شطب المصنف على هذه العبارة في (ب).
(٧) لكنه لا يخفى أن التفصّي عن المناقضة - على ما يأتي - لما كان بعدم المنافاة بين الحكم الواقعي ما لم يصر فعلياً والحكم الظاهري الفعلي، كان الحكم الواقعي في موارد الأصول والأمارات المؤدية =
محصورة، أو شرعاً كما في ما أذن الشارع في الاقتحام فيها، كما هو ظاهر (كل شيء فيه حلال وحرام، فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه)(١) .
وبالجملة: قضية صحة المؤاخذة على مخالفته، مع القطع به بين أطراف محصورة وعدم صحتها مع عدم حصرها، أو مع الإذن في الاقتحام فيها، هو كون القطع الإجمالي مقتضياً للتنجز لا علة تامة.
وأما احتمال(٢) أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية، وبنحو العلية بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية، فضعيف جداً.
ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة، فلا يكون عدم القطع بذلك معها موجباً لجواز الإذن في الاقتحام، بل لو صح الإذن [معها] في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضاً، فافهم.
ولا يخفى أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك، كما أن المناسب في باب البراءة والاشتغال - بعد الفراغ هاهنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو الاقتضاء لا العلية - هو البحث عن ثبوت المانع شرعاً أو عقلاً وعدم ثبوته، كما لا مجال بعد
____________________
= إلى خلافه لا محالة غير فعلي، فحينئذ فلا يجوّز العقل مع القطع بالحكم الفعلي الإذن في مخالفته، بل يستقل مع قطعه ببعث المولى أو زجره ولو إجمالاً بلزوم موافقته وإطاعته.
نعم لو عرض بذلك عسر موجب لارتفاع فعليته شرعاً أو عقلاً، كما إذا كان مخلّاً بالنظام، فلاتنجز حينئذ، لكنه لأجل عروض الخلل في المعلوم لا لقصور العلم عن ذلك، كان الأمر كذلك فيما إذا أذن الشارع في الاقتحام، فإنه أيضاً موجب للخلل في المعلوم، لا المنع عن تأثير العلم شرعاً، وقد انقدح بذلك أنه لا مانع عن تأثيره شرعاً أيضاً، فتأمل جيداً (منهقدسسره ).
(١) باختلاف يسير في العبارة: الكافي ٥ / ٣١٣ باب النوادر من كتاب المعيشة، الحديث ٣٩. التهذيب ٧/٢٢٦، الباب ٢١ من الزيادات، الحديث ٨، الفقيه ٣ / ٢١٦، الباب ٩٦ الصيد والذبايح الحديث ٩٢.
(٢) هذه إشارة إلى التفصيل في حجية العلم الإجمالي كما يستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري في مبحث العلم الاجمالي / ٢١، عند قوله: (وأمّا المخالفة العملية فإن كانت...)، ومبحث الاشتغال / ٢٤٢، عند قوله: (نعم لو أذن الشارع...).
البناء على أنه بنحو العلية للبحث عنه هناك أصلاً،كما لا يخفى.
هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف وتنجزه به، وأما سقوطه به بأن يوافقه إجمالاً، فلا إشكال فيه في التوصليات. وأما [في](١) العباديات فكذلك فيما لا يحتاج إلى التكرار، كما إذا تردد أمر عبادة بين الأقل والأكثر، لعدم الإخلال بشيء مما يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها، مما لا يمكن أن يؤخذ فيها، فإنه نشأ من قبل الأمر بها، كقصد الإطاعة والوجه والتمييز فيما إذا أتى بالأكثر، ولا يكون إخلال حينئذٍ إلا بعدم إتيان ما احتمل جزئيته على تقديرها بقصدها، واحتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف في الغاية وسخيف إلى النهاية.
وأما فيما احتاج إلى التكرار، فربما يشكل(٢) من جهة الإخلال بالوجه تارة، وبالتمييز أخرى، وكونه لعباً وعبثاً ثالثة.
وأنت خبير بعدم الإخلال بالوجه بوجه في الإتيان مثلاً بالصلاتين المشتملتين على الواجب لوجوبه، غاية الأمر أنه لا تعيين له ولا تمييز(٣) فالإخلال إنما يكون به، واحتمال اعتباره أيضاً في غاية الضعف، لعدم عين منه ولا أثر في الأخبار، مع أنه مما يغفل عنه غالباً، وفي مثله لا بد من التنبيه على اعتباره ودخله في الغرض، وإلا لأخل بالغرض، كما نبهنا عليه سابقاً(٤) .
وأما كون التكرار لعباً وعبثاً، فمع أنه ربما يكون لداع عقلائي، إنما يضر إذا كان لعباً بأمر المولى، لا في كيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها، كما لا يخفى، هذا كله في قبال ما إذا تمكن من القطع تفصيلاً بالامتثال.
وأما إذا لم يتمكن الا من الظن به كذلك، فلا إشكال في تقديمه على الامتثال الظني لو لم يقم دليل على اعتباره، إلا فيما إذا لم يتمكن منه، وأما لو قام على اعتباره
____________________
(١) من هامش (ب) عن نسخة أخرى.
(٢) راجع كلام الشيخ قدس فرائد الأصول / ٢٩٩، في الخاتمة في شرائط الأصول.
(٣) في «أ و ب» التميز.
(٤) في مبحث التعبدي والتوصلي، ٧٦.
مطلقاً، فلا إشكال في الاجتزاء بالظني، كما لا إشكال في الاجتزاء بالامتثال الاجمالي في قبال الظني، بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد، بناء على أن يكون من مقدماته عدم وجوب الاحتياط، وأما لو كان من مقدماته بطلانه لاستلزامه العسر المخل بالنظام، أو لأنه ليس من وجوه الطاعة والعبادة، بل هو نحو لعب وعبث بأمر المولى فيما إذا كان بالتكرار، كما توهّم، فالمتعين هو التنزل عن القطع تفصيلاً إلى الظن كذلك.
وعليه: فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد والاجتهاد، وإن احتاط فيها، كما لا يخفى.
هذا بعض الكلام في القطع مما يناسب المقام، ويأتي بعضه الآخر في مبحث البراءة والاشتغال، فيقع المقام فيما هو المهم من عقد هذا المقصد، وهو بيان ما قيل باعتباره من الأمارات، أو صح أن يقال، وقبل الخوض في ذلك ينبغي تقديم أمور:
أحدها : إنه لا ريب في أن الأمارة الغير العلمية، ليس كالقطع في كون الحجية من لوازمها ومقتضياتها بنحو العلية، بل مطلقاً، وأن ثبوتها لها محتاج إلى جعل أو ثبوت مقدمات وطروء حالات موجبة لاقتضائها الحجّية عقلاً، بناءً على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة، وذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجية بدون ذلك ثبوتاً بلا خلاف، ولا سقوطاً وإن كان ربما يظهر فيه من بعض المحققين(١) الخلاف والاكتفاء بالظن بالفراغ، ولعله لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل، فتأمل.
ثانيها : في بيان إمكان التعبد بالأمارة الغير العلمية شرعاً، وعدم لزوم
____________________
(١) لعلّه المحقق الخوانساريرحمهالله كما قد يستظهر من بعض كلماته في مسألة ما لو تعدد الوضوء ولم يعلم محل المتروك (الخلل)، راجع مشارق الشموس / ١٤٧.
محال منه عقلاً، في قبال دعوى استحالته للزومه، وليس(١) الإمكان بهذا المعنى، بل مطلقاً أصلاً متّبعاً(٢) عند العقلاء، في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع، لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشك فيه، ومنع حجيتها - لو سلم ثبوتها - لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها، والظن به لو كان فالكلام الآن في إمكان التعبد بها وامتناعه، فما ظنك به؟ لكن دليل وقوع التعبد بها من طرق إثبات إمكانه، حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تالٍ باطل فيمتنع مطلقاً، أو على الحكيم تعالى، فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى إثبات الإمكان، وبدونه لا فائدة في إثباته، كما هو واضح.
وقد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلامة(٣) - أعلى الله مقامه - من كون الإمكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلاً، والإمكان في كلام الشيخ الرئيس(٤) : (كلما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، مالم يذدك عنه واضح البرهان)، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع والإيقان، ومن الواضح أن لا موطن له إلا الوجدان، فهو المرجع فيه بلا بينة وبرهان.
وكيف كان، فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من المحال، أو الباطل ولو لم يكن بمحال أمور:
أحدها : إجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين مثلاً فيما أصاب، أو ضدين من إيجاب وتحريم ومن إرادة وكراهة ومصلحة ومفسدة ملزمتين بلا كسر وانكسار في البين فيما أخطأ، أو التصويب وأن لا يكون هناك غير مؤديات الأمارات أحكام.
____________________
(١) هذا تعريض بالشيخرحمهالله حيث اعترض على المشهور بما لفظه: (وفي هذا التقرير نظر...)، فرائد الأصول / ٢٤، في إمكان التعبد بالظن.
(٢) في «أ»: بأصل متبع.
(٣) فرائد الأصول / ٢٤، في إمكان التعبّد بالظن.
(٤) راجع الإشارات والتنبيهات: ٣ / ٤١٨، النمط العاشر في أسرار الآيات، نصيحة.
ثانيها : طلب الضدين فيما إذا أخطأ وأدى إلى وجوب ضد الواجب.
ثالثها : تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فيما أدى إلى عدم وجوب ماهو واجب، أو عدم حرمة ما هو حرام، وكونه محكوماً بسائر الأحكام.
والجواب: إن ما ادعي لزومه، إما غير لازم، أو غير باطل، وذلك لأن التعبد بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته، والحجية المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق، بل إنما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا أصاب، وصحته الاعتذار به إذا أخطأ، ولكون مخالفته وموافقته تجرياً وانقياداً مع عدم إصابته، كما هو شأن الحجة الغير المجعولة، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين، ولا طلب الضدين ولا اجتماع المفسدة والمصلحة ولا الكراهة والإرادة، كما لا يخفى.
وأما تفويت مصلحة الواقع، أو الإلقاء في مفسدته فلا محذور فيه أصلاً، إذا كانت في التعبد به مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.
نعم لو قيل باستتباع جعل الحجية للأحكام التكليفية، أو بأنه لا معنى لجعلها إلا جعل تلك الأحكام، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم، إلا أنهما ليسا بمثلين أو ضدين، لأن احدهما طريقي عن مصلحة في نفسه موجبة لإنشائه الموجب للتنجز، أو لصحة الاعتذار بمجرده من دون إرادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلقة بمتعلقه فيما يمكن هناك انقداحهما، حيث إنه مع المصلحة أو المفسدة الملزمتين في فعل، وإن لم يحدث بسببها إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى، إلا أنه إذا أوحى بالحكم الناشئ(١) من قبل تلك المصلحة أو المفسدة إلى النبي، أو ألهم به الوليّ، فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة بسببهما(٢) ، الإرادة أو الكراهة الموجبة للإنشاء بعثاً أو زجراً، بخلاف ما ليس هناك مصلحة أو مفسدة في المتعلق، بل إنما كانت في نفس
____________________
(١) في «ب»: الشاني.
(٢) أثبتناها من «أ».
إنشاء الأمر به طريقياً.
والآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلقه، موجبة لإرادته أو كراهته، الموجبة لإنشائه بعثاً أو زجراً في بعض المبادئ العالية، وإن لم يكن في المبدأ الأعلى إلا العلم بالمصلحة أو المفسدة - كما أشرنا - فلا يلزم أيضاً اجتماع إرادة وكراهة، وإنما لزم إنشاء حكم واقعي حقيقي بعثاً وزجراً، وإنشاء حكم آخر طريقي، ولا مضادة بين الإنشاءين فيما إذا اختلفا، ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتفقا، ولا إرادة ولا كراهة أصلاً إلا بالنسبة إلى متعلق الحكم الواقعي، فافهم.
نعم يشكل الأمر في بعض الأصول العملية، كأصالة الإباحة الشرعية، فإن الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع فعلاً، كما فيما صادف الحرام، وإن كان الإذن فيه لأجل مصلحة فيه، لا لأجل عدم مصلحة ومفسدة ملزمة في المأذون فيه؛ فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية أيضاً، كما في المبدأ الأعلى، لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي، بمعنى كونه على صفة ونحو لو علم به المكلف لتنجز عليه، كسائر التكاليف الفعلية التي تتنجز بسبب القطع بها، وكونه فعلياً إنما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبويّة أو الولويّة، فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة فيه.
فانقدح بما ذكرنا أنه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعي في مورد الأصول والأمارات فعلياً، كي يشكل تارة بعدم لزوم الإتيان حينئذ بما قامت الأمارة على وجوبه، ضرورة عدم لزوم إمتثال الأحكام الإنشائية ما لم تصر فعلية ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر، ولزوم الإتيان به مما لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.
لا يقال: لا مجال لهذا الإشكال، لو قيل بأنها كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائية، لأنها بذلك تصير فعلية، تبلغ تلك المرتبة.
فإنه يقال: لا يكاد يحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائي لا حقيقة ولا تعبداً، إلا حكم إنشائي تعبداً، لا حكم إنشائي أدّت إليه الأمارة، أما
حقيقة فواضح، وأما تعبداً فلأنّ قصارى ماهو قضية حجية الأمارة كون مؤدّاها(١) هو الواقع تعبداً، لا الواقع الذي أدّت إليه الأمارة، فافهم.
أللهم إلّا أن يقال: إن الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع - الذي صار مؤدّى لها - هو دليل الحجية بدلالة الاقتضاء، لكنه لا يكاد يتم إلا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلاّ، وإلا لم تكن لتلك الدلالة مجال، كما لا يخفى.
وأخرى بأنّه كيف يكون التوفيق بذلك؟ مع احتمال أحكام فعلية بعثيّة أو زجريّة في موارد الطرق والأصول العملية المتكلفة لأحكام فعلية؛ ضرورة أنه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين، كذلك لا يمكن احتماله.
فلا يصح التوفيق بين الحكمين، بالتزام كون الحكم الواقعي - الذي يكون مورد الطرق - إنشائياً غير فعلي، كما لا يصح بأن الحكمين ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين؛ ضرورة تأخر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين، وذلك لا يكاد يجدي، فإن الظاهري وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعي، إلا أنّه يكون في مرتبته أيضاً.
وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة؛ فتأمل فيما ذكرنا من التحقيق في التوفيق، فإنه دقيق وبالتأمل حقيق.
ثالثها : إن الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعاً ولا يحرز التعبد به واقعاً، عدم حجيته جزماً، بمعنى عدم ترتب الآثار المرغوبة من الحجة عليه قطعاً، فإنها لا تكاد تترتب إلّا على ما اتّصف بالحجية فعلاً، ولا يكاد يكون الاتصاف بها، إلا إذا أحرز التعبد به وجعله طريقاً متبعاً؛ ضرورة أنه بدونه لا يصح المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرد إصابته، ولا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها، ولا يكون
____________________
(١) في «أ»: مؤداه.
مخالفته تجرياً، ولا يكون موافقته بما هي موافقة انقياداً، وإن كانت بما هي محتملة لموافقة الواقع كذلك إذا وقعت برجاء إصابته، فمع الشك في التعبد به يقطع بعدم حجيته وعدم ترتيب شيء من الآثار عليه، للقطع بانتفاء الموضوع معه، ولعمري هذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.
وأما صحة الالتزام(١) بما أدى إليه من الأحكام، وصحة نسبته إليه تعالى، فليسا من آثارها؛ ضرورة أن حجية الظن عقلاً - على تقرير الحكومة في حال الانسداد - لا توجب صحتهما، فلو فرض صحتهما شرعاً مع الشك في التعبد به لما كان يجدي في الحجية شيئاً ما لم يترتب عليه ما ذكر من آثارها، ومعه لما كان يضر عدم صحتهما أصلاً، كما أشرنا إليه آنفاً.
فبيان عدم صحة الالتزام مع الشك في التعبد، وعدم جواز إسناده(٢) إليه تعالى غير مرتبط بالمقام، فلا يكون الاستدلال عليه بمهم، كما أتعب به شيخنا العلامة(٣) - أعلى الله مقامه - نفسه الزكية، بما أطنب من النقض والإبرام، فراجعه بما علقناه(٤) عليه، وتأمل.
وقد انقدح - بما ذكرنا - أن الصواب فيما هو المهم في الباب ما ذكرنا في تقرير الأصل، فتدبر جيداً.
إذا عرفت ذلك، فما خرج موضوعاً عن تحت هذا الأصل أو قيل بخروجه يذكر في ذيل فصول.
____________________
(١) هذا تعرض بالشيخ، فرائد الأصول / ٣٠ في المقام الثاني.
(٢) في «ب»: الاستناد.
(٣) راجع فرائد الأصول / ٣٠.
(٤) حاشية فرائد الأصول / ٤٤، عند قوله: ولا يخفى أن التعبد... الخ.
فصل
لا شبهة في لزوم اتباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة؛ لاستقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات في تعيين المرادات، مع القطع بعدم الردع عنها، لوضوح عدم اختراع طريقة أُخرى في مقام الإفادة لمرامه من كلامه، كما هو واضح.
والظاهر(١) أن سيرتهم على اتباعها، من غير تقييد بإفادتها للظن فعلاً، ولا بعدم الظن كذلك على خلافها قطعاً، ضرورة أنه لا مجال عندهم للاعتذار عن مخالفتها، بعدم إفادتها للظن بالوفاق، ولا بوجود الظن بالخلاف.
كما أن الظاهر عدم اختصاص ذلك بمن قصد إفهامه؛ ولذا لا يسمع اعتذار من لايقصد إفهامه إذا خالف ما تضمنه ظاهر كلام المولى، من تكليف يعمه أو يخصه، ويصح به الاحتجاج لدى المخاصمة واللجاج، كما تشهد به صحة الشهادة بالإقرار من كل من سمعه ولو قصد عدم إفهامه، فضلاً عما إذا لم يكن بصدد إفهامه؛ ولا فرق في ذلك بين الكتاب المبين وأحاديث سيد المرسلين والأئمة الطاهرين.
وإن ذهب بعض الأصحاب إلى عدم حجية ظاهر الكتاب، إما بدعوى
____________________
(١) إشارة إلى التفصيلين أشار إليهما الشيخ في رسائله. فرائد الأصول / ٤٤.
اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله ومن خوطب به، كما يشهد به ما(١) ورد في ردع أبي حنيفة وقتادة(٢) عن الفتوى به.
أو بدعوى(٣) أنه لأجل احتوائه على مضامين شامخة ومطالب غامضة عالية، لا يكاد تصل إليه أيدي أفكار أولي الأنظار الغير الراسخين العالمين بتأويله، كيف؟ ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلّا الأوحدي من الأفاضل، فما ظنك بكلامه تعالى مع اشتماله على علم ما كان وما يكون وحكم كل شيء.
أو بدعوى(٤) شمول المتشابه الممنوع عن اتباعه للظاهر، لا أقل من احتمال شموله لتشابه المتشابه وإجماله.
أو بدعوى أنه وإن لم يكن منه ذاتاً، إلا أنه صار منه عرضاً؛ للعلم الإجمالي بطروء التخصيص والتقييد والتجوز في غير واحد من ظواهره، كما هو الظاهر.
أو بدعوى شمول الأخبار الناهية(٥) عن تفسير القرآن بالرأي، لحمل الكلام الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى.
ولا يخفى أن النزاع يختلف صغروياً وكبروياً بحسب الوجوه، فبحسب غير الوجه الأخير والثالث يكون صغروياً، وأما بحسبهما فالظاهر أنه كبروي، ويكون
____________________
(١) وسائل الشيعة ١٨: ٢٩، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٥٢٧، الكافي ٨: ٣١١، الحديث ٤٨٥.
(٢) هو قتادة بن دِعامة بن عزيز أبوالخطاب السدوسي البصري، مفسر حافط ضرير أكمه، قال أحمد بن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة، كان مع علمه بالحديث رأساً في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر وقد يدلّس في الحديث، مات بواسط في الطاعون سنة ١١٨ ه، وهو ابن ست وخمسين سنة. (تذكرة الحفاظ ١: ١٢٢ الرقم ١٠٧).
(٣) حكي عن الأخباريين، راجع فرائد الأصول / ٣٤.
(٤) حكاه الشيخقدسسره عن السيد الصدر، فرائد الأصول / ٣٨، شرح الوافية.
(٥) تفسير العيّاشي: ١ / ١٧ - ١٨، عيون أخبار الرضا: ١ / ٥٩، الباب ١١، الحديث ٤، أمالي الصدوق: ١٥٥ / الحديث ٣، التوحيد: ٩٠٥، الحديث ٥.
المنع عن الظاهر، إما لأنه من المتشابه قطعاً أو احتمالاً، أو لكون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير بالرأي، وكل هذه الدعاوي فاسدة:
أما الأولى، فإنما المراد مما دل على اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته ومحكماته؛ بداهة أن فيه ما لا يختص به، كما لا يخفى.
وردع أبي حنيفة وقتادة عن الفتوى به إنما هو لأجل الاستقلال في الفتوى بالرجوع إليه من دون مراجعة أهله، لا عن الاستدلال بظاهره مطلقاً ولو مع الرجوع إلى رواياتهم والفحص عما ينافيه، والفتوى به مع اليأس عن الظفر به، كيف؟ وقد وقع في غير واحد من الروايات(١) الإرجاع إلى الكتاب والاستدلال بغير واحد من آياته(٢) .
وأما الثانية، فلأن احتواءه على المضامين العالية الغامضة لا يمنع عن فهم ظواهره المتضمنة للأحكام وحجيتها، كما هو محل الكلام.
وأما الثالثة، فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه، فإن الظاهر كون المتشابه هو خصوص المجمل، وليس بمتشابه ومجمل.
وأما الرابعة، فلأن العلم إجمالاً بطروء إرادة خلاف الظاهر، إنما يوجب الإجمال فيما إذا لم ينحل بالظفر في الروايات بموارد إرادة خلاف الظاهر بمقدار المعلوم بالإجمال.
مع أن دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحص عما يخالفه لظفر به، غير بعيدة، فتأمل جيداً.
____________________
(١) مثل رواية الثقلين، راجع الخصال: ١ / ٦٥، الحديث ٩٨، معاني الأخبار / ٩٠، التهذيب: ١ / ٣٦٣، الحديث ٢٧ من باب صفة الوضوء، الوسائل: ١ / ٢٩٠ الباب ٢٣ من أبواب الوضوء، الحديث ١.
(٢) في «ب»: الآيات.
وأما الخامسة، فيمنع كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير، فإنه كشف القناع ولا قناع للظاهر، ولو سلم، فليس من التفسير بالرأي، إذ الظاهر أن المراد بالرأي هو الاعتبار الظني الذي لا اعتبار به، وإنما كان منه حمل اللفظ على خلاف ظاهره، لرجحانه بنظره، أو حمل المجمل على محتمله بمجرد مساعدته ذاك الاعتبار، من دون السؤال عن الأوصياء، وفي بعض الأخبار(١) (إنما هلك الناس في المتشابه، لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرفونهم).
هذا مع أنه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك، ولو سلم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره، ضرورة أنه قضية التوفيق بينها وبين مادل على جواز التمسك بالقرآن، مثل خبر الثقلين(٢) ، وما دل على التمسك به، والعمل بما فيه(٣) ، وعرض الأخبار المتعارضة عليه(٤) ، ورد الشروط المخالفة له(٥) ، وغير ذلك(٦) ، مما لا محيص عن إرادة الإرجاع إلى ظواهره لا خصوص نصوصه، ضرورة أن الآيات التي يمكن أن تكون مرجعاً في باب تعارض الروايات أو الشروط، أو يمكن أن يتمسك بها ويعمل بما فيها، ليست إلا ظاهرة في معانيها، ليس فيها ما كان نصاً، كما لا يخفى.
ودعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف فيه بنحوٍ: إمّا بإسقاط، أو
____________________
(١) وسائل الشيعة ١٨ / ١٤٨، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٦٢.
(٢) الخصال: ١ / ٦٥ الحديث ٩٨، ومعاني الأخبار / ٩٠، الحديث ١.
(٣) نهج البلاغة: باب الخطب، الخطبة ١٧٦.
(٤) الوسائل ١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث: ١٢، ١٥، ٢٩.
(٥) الوسائل ١٢، الباب ٦ من أبواب الخيار، الحديث: ١.
(٦) التهذيب: ١ / ٣٦٣، الحديث ٢٧ من باب صفة الوضوء. الوسائل: ١ / ٢٩٠ الباب ٢٣ من أبواب الوضوء، الحديث: ١. الوسائل: ١ / ٣٢٧ الباب ٣٩ من أبواب الوضوء، الحديث: ٥.
تصحيف(١) ، وإن كانت غير بعيدة، كما يشهد به بعض الأخبار(٢) ويساعده الاعتبار، إلا أنه لا يمنع عن حجية ظواهره، لعدم العلم بوقوع خلل(٣) فيها بذلك أصلاً.
ولو سلّم، فلا علم بوقوعه في آيات الأحكام، والعلم بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات غير ضائر بحجية آياتها، لعدم حجية ظاهر سائر الآيات، والعلم الإجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنما يمنع عن حجيتها إذا كانت كلها حجة، وإلا لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك، كما لا يخفى، فافهم.
نعم لو كان الخلل المحتمل فيه أو في غيره بما اتصل به، لأخل بحجيته، لعدم انعقاد ظهور له حينئذ، وإن انعقد له الظهور لولا اتصاله.
ثم إن التحقيق أن الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور مثل (يطهرن) بالتشديد والتخفيف، يوجب الإخلال بجواز التمسك والاستدلال، لعدم إحراز ما هو القرآن، ولم يثبت تواتر القراءات، ولا جواز الاستدلال بها، وإن نسب(٤) إلى المشهور تواترها، لكنه مما لا أصل له، وإنما الثابث جواز القراءة بها، ولا ملازمة بينهما، كما لا يخفى.
ولو فرض جواز الاستدلال بها، فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها بعد كون الأصل في تعارض الأمارات هو سقوطها عن الحجية في خصوص المؤدى، بناء على اعتبارها من باب الطريقية، والتخيير بينها بناء على السببية، مع عدم دليل على الترجيح في غير الروايات من سائر الأمارات، فلابد من الرجوع حينئذ إلى الأصل أو العموم، حسب اختلاف المقامات.
____________________
(١) في «ب»: بتصحيف.
(٢) الإتقان: ١ / ١٠١، ١٢١. مسند أحمد: ١ / ٤٧. صحيح مسلم: ٤ / ١٦٧.
(٣) في «ب»: الخلل.
(٤) نسبة الشيخ (قده) راجع فرائد الأصول / ٤٠.
فصل
قد عرفت حجية ظهور الكلام في تعيين المرام: فإن أحرز بالقطع وأن المفهوم منه جزماً - بحسب متفاهم أهل العرف - هو ذا فلا كلام، وإلا فإن كان لأجل احتمال وجود قرينة فلا خلاف في أن الأصل عدمها، لكن الظاهر أنه معه يبنى على المعنى الذي لولاها كان اللفظ ظاهراً فيه ابتداء، لا أنه يبنى عليه بعد البناء على عدمها، كما لا يخفى، فافهم.
وإن كان لاحتمال قرينية الموجود فهو، وإن لم يكن بخال عن الإشكال - بناء على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد - إلا أن الظاهر أن يعامل معه معاملة المجمل، وإن كان لأجل الشك فيما هو الموضوع له لغة أو المفهوم منه عرفاً، فالأصل يقتضي عدم حجية الظن فيه، فإنه ظن في أنه ظاهر، ولا دليل إلا على حجية الظواهر.
نعم نسب(١) إلى المشهور حجية قول اللغوي بالخصوص في تعيين الأوضاع، واستدل لهم باتفاق العلماء بل العقلاء على ذلك، حيث لا يزالون يستشهدون بقوله في مقام الاحتجاج بلا إنكار من أحد، ولو مع المخاصمة واللجاج، وعن بعض(٢) دعوى الإجماع على ذلك.
وفيه: أن الاتفاق - لو سلم اتفاقه - فغير مفيد، مع أن المتيقّن منه هو الرجوع إليه مع إجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة.
والإجماع المحصل غير حاصل، والمنقول منه غير مقبول، خصوصاً في مثل
____________________
(١) نسبه الشيخ (قده) راجع فرائد الأصول / ٤٥، في القسم الثاني من الظنون المستعملة لتشخيص الأوضاع.
(٢) كالسيد المرتضى على ما نسب إليه، الذريعة ١ / ١٣.
المسألة مما احتمل قريباً أن يكون وجه ذهاب الجل لو لا الكل، هو اعتقاد أنه مما اتفق عليه العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة من كل صنعة فيما اختص بها.
والمتيقن من ذلك إنما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوق(١) والاطمئنان، ولا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوق بالأوضاع، بل لا يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك، بل إنما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال، بداهة أن همه ضبط موارده، لا تعيين أن أيّاً منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازاً، وإلا لوضعوا لذلك علامة، وليس ذكره أوّلاً علامة كون اللفظ حقيقة فيه، للانتقاض بالمشترك.
وكون موارد الحاجة إلى قول اللغوي أكثر من أن يحصى، لانسداد باب العلم بتفاصيل المعاني غالباً، بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك أو خروجه، وإن كان المعنى معلوماً في الجملة لا يوجب اعتبار قوله، ما دام انفتاح باب العلم بالأحكام، كما لا يخفى، ومع الانسداد كان قوله معتبراً إذا أفاد الظن، من باب حجية مطلق الظن، وإن فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد.
نعم لو كان هناك دليل على اعتباره، لا يبعد أن يكون انسداد باب العلم بتفاصيل اللغات موجباً له على نحو الحكمة لا العلة.
لا يقال: على هذا لا فائدة في الرجوع إلى اللغة.
فإنه يقال: مع هذا لا يكاد تخفى الفائدة في المراجعة إليها، فإنه ربما يوجب القطع بالمعنى، وربما يوجب القطع بأن اللفظ في المورد ظاهر في معنى - بعد الظفر به وبغيره في اللغة - وإن لم يقطع بأنه حقيقة فيه أو مجاز، كما اتفق كثيراً، وهو يكفي في الفتوى.
____________________
(١) في «ب»: موجباً للوثوق.
فصل
الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند كثير ممن قال باعتبار الخبر بالخصوص، من جهة أنه من أفراده، من دون أن يكون عليه دليل بالخصوص، فلا بد في اعتباره من شمول أدلة اعتباره له، بعمومها أو إطلاقها.
وتحقيق القول فيه يستدعي رسم أمور:
الأول : إن وجه اعتبار الإجماع، هو القطع برأي الإمامعليهالسلام ، ومستند القطع به لحاكيه - على ما يظهر من كلماتهم - هو علمه بدخولهعليهالسلام في المجمعين شخصاً، ولم يعرف عيناً، أو قطعه باستلزام ما يحكيه لرأيهعليهالسلام عقلاً من باب اللطف، أو عادة أو اتفاقاً من جهة حدس رأيه، وإن لم تكن ملازمة بينهما عقلاً ولا عادة، كما هو طريقة المتأخرين في دعوى الإجماع، حيث إنهم مع عدم الاعتقاد بالملازمة العقلية ولا الملازمة العادية غالباً وعدم العلم بدخول جنابهعليهالسلام في المجمعين عادة، يحكون الإجماع كثيراً، كما أنه يظهر ممن اعتذر عن وجود المخالف بأنه معلوم النسب، أنه استند في دعوى الإجماع إلى العلم بدخولهعليهالسلام وممن اعتذر عنه بانقراض عصره، أنه استند إلى قاعدة اللطف.
هذا مضافاً إلى تصريحاتهم بذلك، على ما يشهد به مراجعة كلماتهم، وربما
يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيتهعليهالسلام وأخذه الفتوى من جنابه، وإنما لم ينقل عنه، بل يحكي الإجماع لبعض دواعي الإخفاء.
الأمر الثاني : إنه لا يخفى اختلاف نقل الإجماع، فتارة ينقل رأيهعليهالسلام في ضمن نقله حدساً كما هو الغالب، أو حساً وهو نادر جداً، وأخرى لا ينقل إلا ما هو السبب عند ناقله، عقلاً أو عادة أو اتفاقاً، واختلاف ألفاظ النقل أيضاً صراحةً وظهوراً وإجمالاً في ذلك، أي في أنه نقل السبب أو نقل السبب والمسبب.
الأمر الثالث : إنه لا إشكال في حجية الإجماع المنقول بأدلة حجية الخبر، إذا كان نقله متضمناً لنقل السبب والمسبب عن حس، لو لم نقل بأن نقله كذلك في زمان الغيبة موهون جدّاً، وكذا إذا لم يكن متضمناً له، بل كان ممحضاً لنقل السبب عن حس، إلا أنه كان سبباً بنظر المنقول إليه أيضاً عقلاً أو عادة أو اتفاقاً، فيعامل حينئذ مع المنقول معاملة المحصل في الالتزام بمسببه بأحكامه وآثاره.
وأما إذا كان نقله للمسبب لا عن حس، بل بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه دون المنقول إليه ففيه إشكال، أظهره عدم نهوض تلك الأدلة على حجيته، إذ المتيقن من بناء العقلاء غير ذلك، كما أن المنصرف من الآيات والروايات ذلك(١) ، على تقدير دلالتهما، خصوصاً فيما إذا رأى المنقول إليه خطأ الناقل في اعتقاد الملازمة، هذا فيما انكشف الحال.
وأما فيما اشتبه، فلا يبعد أن يقال بالاعتبار، فإنّ عمدة أدلة حجية الأخبار هو بناء العقلاء، وهم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم أنه عن حس، يعملون به فيما يحتمل كونه عن حدس، حيث إنه ليس بناؤهم إذا أخبروا بشيء على التوقف والتفتيش، عن أنه عن حدس أو حس، بل العمل على(٢) طبقه والجري على
____________________
(١) في «ب»: قدم «على تقدير دلالتهما» على «ذلك».
(٢) في «أ»: على العمل طبقه.
وفقه بدون ذلك، نعم لا يبعد أن يكون بناؤهم على ذلك، فيما لا يكون هناك أمارة على الحدس، أو اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة.
هذا لكن الإجماعات المنقولة في ألسنة الأصحاب غالباً مبنية على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلاً، فلا اعتبار لها ما لم ينكشف أن نقل السبب كان مستنداً إلى الحس، فلابد في الإجماعات المنقولة بألفاظها المختلفة من استظهار مقدار دلالة ألفاظها، ولو بملاحظة حال الناقل وخصوص موضع النقل، فيؤخذ بذاك المقدار ويعامل معه كأنه المحصل، فإن كان بمقدار تمام السبب، وإلا فلا يجدي ما لم يضم إليه مما حصله أو نقل له من سائر الأقوال أو سائر الأمارات ما به(١) تم، فافهم.
فتلخص بما ذكرنا: أن الإجماع المنقول بخبر الواحد، من جهة حكايته رأي الإمامعليهالسلام بالتضمن أو الالتزام، كخبر الواحد في الاعتبار إذا كان من نقل إليه ممن يرى الملازمة بين رأيهعليهالسلام وما نقله من الأقوال، بنحو الجملة والإجمال، وتعمّه أدلة اعتباره، وينقسم بأقسامه، ويشاركه في أحكامه، وإلا لم يكن مثله في الاعتبار من جهة الحكاية.
وأما من جهة نقل السبب، فهو في الاعتبار بالنسبة إلى مقدار من الأقوال التي نقلت إليه على الإجمال بألفاظ نقل الإجماع، مثل ما إذا نقلت على التفصيل، فلو ضم إليه مما حصّله أو نقل له(٢) - من أقوال السائرين أو سائر الأمارات - مقدار كان المجموع منه وما نقل بلفظ الإجماع بمقدار السبب التام، كان المجموع كالمحصل، ويكون حاله كما إذا كان كله منقولاً، ولا تفاوت في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمامه، أو ما له دخل فيه وبه قوامه، كما يشهد به حجيته بلا ريب في تعيين حال السائل، وخصوصية القضية الواقعة المسؤول عنها، وغير ذلك مما له دخل في تعيين
____________________
(١) في «ب»: بانّه.
(٢) في «أ»: إليه، وصححه المصنف.
مرامهعليهالسلام من كلامه.
وينبغي التنبيه على أمور:
الأول : إنه قد مر أن مبنى دعوى الإجماع غالباً، هو اعتقاد الملازمة عقلاً، لقاعدة اللطف، وهي باطلة، أو اتفاقاً بحدس رأيهعليهالسلام من فتوى جماعة، وهي غالباً غير مسلّمة، وأما كون المبنى العلم بدخول الإمام بشخصه في الجماعة، أو العلم برأيه للإطلاع بما يلازمه عادة من الفتاوى، فقليل جداً في الإجماعات المتداولة في ألسنة الأصحاب، كما لا يخفى، بل لا يكاد يتفق العلم بدخولهعليهالسلام على نحو الإجمال في الجماعة في زمان الغيبة، وإن احتمل تشرف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحياناً، فلا يكاد يجدي نقل الإجماع إلا من باب نقل السبب بالمقدار الذي أحرز من لفظه، بما اكتنف به من حال أو مقال، ويعامل معه معاملة المحصل.
الثاني : إنه لا يخفى أن الإجماعات المنقولة، إذا تعرض إثنان منها أو أكثر، فلا يكون التعرض إلا بحسب المسبب، وأما بحسب السبب فلا تعارض في البين، لاحتمال صدق الكل، لكن نقل الفتاوى على الإجمال بلفظ الإجماع حينئذ، لا يصلح لأن يكون سبباً، ولا جزء سبب، لثبوت الخلاف فيها، إلا إذا كان في أحد المتعارضين خصوصية موجبة لقطع المنقول إليه برأيهعليهالسلام لو اطّلع عليها، ولو مع اطّلاعه على الخلاف، وهو وإن لم يكن مع الاطلاع على الفتاوى على اختلافها مفصلاً ببعيد، إلا أنه مع عدم الاطلاع عليها كذلك إلا مجملاً بعيد، فافهم.
الثالث : إنه ينقدح مما ذكرنا في نقل الإجماع حال نقل التواتر، وأنه من حيث المسبب لا بد في اعبتاره من كون الأخبار به إخباراً على الإجمال بمقدار يوجب قطع المنقول إليه بما أخبر به لو علم به، ومن حيث السبب يثبت به كل مقدار كان اخباره بالتواتر دالّاً عليه، كما إذا أخبر به على التفصيل، فربما لا يكون إلا دون حد
التواتر، فلا بد في معاملته معه معاملته من لحوق مقدار آخر من الأخبار، يبلغ المجموع ذاك الحد.
نعم، لو كان هناك أثر للخبر المتواتر في الجملة - ولو عند المخبر - لوجب ترتيبه عليه، ولو لم يدل على ما بحد التواتر من المقدار.
فصل
مما قيل باعتباره بالخصوص الشهرة في الفتوى، ولا يساعده دليل، وتوهّم(١) دلالة أدلة حجية خبر الواحد عليه بالفحوى، لكون الظن الذي تفيده أقوى مما يفيده لخبر، فيه مالا يخفى، ضرورة عدم دلالتها على كون مناط اعتباره إفادته الظن، غايته تنقيح ذلك بالظن، وهو لا يوجب إلا الظن بأنها أولى بالاعتبار، ولا اعتبار به، مع أن دعوى القطع بأنه ليس بمناط غير مجازفة.
وأضعف منه، توهم دلالة المشهورة(٢) والمقبولة(٣) عليه، لوضوح أن المراد بالموصول في قوله في الاُولى: (خذ بما اشتهر بين أصحابك) وفي الثانية: (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به) هو الرواية، لا ما يعم الفتوى، كما هو أوضح من أن يخفى.
نعم بناء على حجية الخبر ببناء العقلاء، لا يبعد دعوى عدم اختصاص بنائهم على حجيته، بل على حجية(٤) كل أمارة مفيدة للظن أو الاطمئنان، لكن دون إثبات ذلك خرط القتاد.
____________________
(١) راجع تعليقة المصنف على كتاب فرائد الأصول / ٥٧.
(٢) عوالي اللآلي ٤ / ١٣٣، الحديث ٢٢٩.
(٣) التهذيب ٦ / ٣٠١، الحديث ٥٢، والفقيه ٣ / ٥، الحديث: ٢، باختلاف يسير في الرواية.
(٤) في «ب»: حجيته.
فصل
المشهور بين الأصحاب حجية خبر الواحد في الجملة بالخصوص ، ولا يخفى أن هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية، وقد عرفت في أول الكتاب(١) أن الملاك في الأصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط، ولو لم يكن البحث فيها عن الأدلة الأربعة، وإن اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في علم الأصول هي الأدلة، وعليه لا يكاد يفيد في ذلك - أي كون هذه المسألة أصولية - تجشم دعوى(٢) أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل؛ ضرورة أن البحث في المسألة ليس عن دليلية الأدلة، بل عن حجية الخبر الحاكي عنها، كما لا يكاد يفيد عليه تجشم دعوى(٣) أن مرجع هذه المسألة إلى أن السنّة - وهي قول الحجة أو فعله أو تقريره - هل تثبت بخبر الواحد، أو لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة؟ فإن التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الأخبار بها ليس من عوارضها، بل من عوارض مشكوكها، كما لا يخفى، مع أنه لازم لما يبحث عنه في المسألة من حجية الخبر، والمبحوث عنه في المسائل إنما هو الملاك في أنها من المباحث أو من غيره، لا ما هو لازمه، كما هو واضح.
____________________
(١) راجع ص ٩.
(٢) انظر دعوى صاحب الفصول، الفصول / ١٢.
(٣) راجع فرائد الأصول / ٦٧، في الخبر الواحد.
وكيف كان، فالمحكي عن السيد(١) والقاضي(٢) وابن زهرة(٣) والطبرسي(٤) وابن إدريس(٥) عدم حجية الخبر، واستدل(٦) لهم بالآيات الناهية(٧) عن اتباع غير العلم، والروايات(٨) الدالة على رد ما لم يعلم أنه قولهم (عليهم
____________________
(١) الذريعة ٢: ٥٢٨، في التعبد بخبر الواحد ورسالة للسيّد في إبطال العمل بالخبر الواحد، المطبوعة في رسائل السيد المرتضى ٣: ٣٠٩ وأجوبته عن مسائل التبانيات المطبوعة في ضمن رسائله ١: ٢١، الفصل الثاني. علم الهدى أبوالقاسم علي بن الحسين المشهور بالسيد المرتضى، تولد سنة ٣٥٥، حاز من الفضائل ما تفرد به، له تصانيف مشهورة منها «الشافي» في الامامة و «الذخيرة» و «الذريعة» وغيرها، خلف بعد وفاته ثمانين الف مجلد من مقرواته ومصنفاته، توفي لخمس بقين من شهر ربيع الاول سنة ٤٣٦ ه. (الكنى والالقاب٢/٤٨٣).
(٢) الشيخ عبدالعزيز بن نحرير بن عبدالعزيز بن البراج، وجه الأصحاب وفقيههم، لقب بالقاضي لكونه قاضياً في طرابلس، قرأ على السيد والشيخ فترة ويروي عنهما وعن الكراجكي وأبي الصلاح الحلبي. له «المهذب» و«الموجز» و«الكامل» و«الجواهر». توفي في ٩ شعبان سنة ٤٨١ (الكنى والألقاب ١ / ٢٢٤).
(٣) الغنية: ٤٧٥، (المطبوعة في الجوامع الفقهية).
أبوالمكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي العالم الفاضل الفقيه، يروي عن والده وغيره، له «غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع» و «قبس الأنوار في نصرة العترة الأطهار» توفي سنة ٥٨٥ في سن اربع وسبعين، قبره بحلب بسفح جبل جوشن عند مشهد السقط. (الكنى والألقاب ١ / ٢٩٩).
(٤) كذا يظهر من تفسيره آية النبأ، مجمع البيان ٥: ١٣٣.
أمين الاسلام أبوعلي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهدي مفسر فقيه صاحب كتاب مجمع البيان وجوامع الجامع، كان معاصراً لصاحب الكشاف، يروي عنه جماعة من أفاضل العلماء، منهم ولده الحسن بن الفضل وابن شهر آشوب والقطب الراوندي، انتقل من المشهد الرضوي إلى سبزوار سنة ٥٢٣ وانتقل منها إلى دار الخلود سنة ٥٤٨ وحمل نعشه إلى المشهد المقدس وقبره معروف (رياض العلماء ٤ / ٣٤٠).
(٥) السرائر: ٥.
(٦) المعتمد ٢: ١٢٤.
(٧) الإسراء: ٣٦، النجم: ٢٨.
(٨) مستدرك الوسائل ٣: ١٨٦، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١٠.
السلام)، أو لم يكن عليه شاهد من كتاب الله أو شاهدان(١) ، أو لم يكن موافقاً للقرآن إليهم(٢) ، أو على بطلان ما لا يصدّقه كتاب الله(٣) ، أو على أن ما لا يوافق كتاب الله زخرف(٤) ، أو على النهي عن قبول حديث إلا ما وافق الكتاب أو السنة(٥) ، إلى غير ذلك(٦) .
والإجماع المحكي(٧) عن السيد في مواضع من كلامه، بل حكي(٨) عنه أنه جعله بمنزلة القياس، في كون تركه معروفاً من مذهب الشيعة.
والجواب: أما عن الآيات، فبأن الظاهر منها أو المتيقن من إطلاقاتها هو اتباع غير العلم في الأصول الاعتقادية، لا ما يعم الفروع الشرعية، ولو سلم عمومها لها، فهي مخصصة بالأدلة الآتية على اعتبار الأخبار.
وأما عن الروايات، فبأن الاستدلال بها خال عن السداد، فإنها أخبار آحاد.
لا يقال: إنها وإن لم تكن متواترة لفظاً ولا معنىً، إلا أنها متواترة إجمالاً، للعلم الإجمالي بصدور بعضها لا محالة.
فإنه يقال: إنها وإن كانت كذلك، إلا أنها لا تفيد إلا في ما توافقت عليه، وهو غير مفيد في إثبات السلب كليّاً، كما هو محل الكلام ومورد النقض والإبرام، وإنما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنة، والالتزام به ليس بضائر، بل
____________________
(١) وسائل الشيعة ١٨: ٨٠، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١٨.
(٢) مستدرك الوسائل ٣: ١٨٦، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٥.
(٣) المحاسن ١: ٢٢١.
(٤) وسائل الشيعة ١٨: ٧٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١٢.
(٥) وسائل الشيعة ١٨: ٧٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١١.
(٦) راجع وسائل الشيعة ١٨: ٧٥: أحاديث باب ٩ من أبواب صفات القاضي.
(٧) أجوبة المسائل التبانيات ١: ٢٤، الفصل الثاني.
(٨) رسائل السيد المرتضى ٣: ٣٠٩، رسالة إبطال العمل بالخبر الواحد.
لا محيص عنه في مقام المعارضة.
وأما عن الإجماع، فبأن المحصّل منه غير حاصل، والمنقول منه للاستدلال به غير قابل، خصوصاً في المسألة، كما يظهر وجهه للمتأمل، مع أنه معارض بمثله، وموهون بذهاب المشهور إلى خلافه.
وقد استدل للمشهور بالأدلة الأربعة:
فصل
في الآيات التي استدل بها:
فمنها: آية النبأ ، قال الله تبارك وتعالى:( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (١) . ويمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه(٢) : أظهرها أنه من جهة مفهوم الشرط، وأن تعليق الحكم بإيجاب التبين عن النبأ الذي جيء به على كون الجائي به الفاسق(٣) ، يقتضي انتفاءه عند انتفائه.
ولا يخفى أنه على هذا التقرير لا يرد: أن الشرط في القضية لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم له، أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع، فافهم.
نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ ومجيء الفاسق به، كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع، مع أنه يمكن أن يقال: إن القفضية ولو كانت مسوقة لذلك، إلا أنها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبين في النبأ الذي جاء به الفاسق، فيقتضي انتفاء وجوب التبين عند انتفائه ووجود موضوع آخر، فتدبر.
ولكنه يشكل(٤) بأنه ليس لها هاهنا ملهوم، ولو سلّم أن أمثالها ظاهرة في
____________________
(١) الحجرات: ٦.
(٢) ذكر الوجوه في حاشية الفرائد / ٦٠.
(٣) في منتهى الدراية ٤ / ٤٤١: فاسقاً.
(٤) وللمزيد راجع فرائد الأصول / ٧٢، وعدة الأصول / ١ / ٤٤، ومعارج الأصول / ١٤٥.
المفهوم، لأن التعليل بإصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم والمنطوق، يكون قرينة على أنه ليس لها مفهوم.
ولا يخفى أن الإشكال إنما يبتني على كون الجهالة بمعنى عدم العلم، مع أن دعوى أنها بمعنى السفاهة وفعل مالا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة.
ثم إنه لو سلم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العدل، ربما أشكل شمول مثلها للروايات الحاكية لقول الإمامعليهالسلام بواسطة أو وسائط، فإنّه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ليس إلا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الأثر الشرعي بلحاظ نفس هذا الوجوب، فيما كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر؛ لأنه وإن كان أثراً شرعياً لهما، إلا أنه بنفس الحكم في مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض.
نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانياً، فلا بأس في أن يكون بلحاظه أيضاً، حيث إنه صار أثراً بجعل آخر، فلا يلزم اتحاد الحكم والموضوع، بخلاف ما إذا لم يكن هناك إلا جعل واحد، فتدبّر.
ويمكن ذب الإشكال(١) ، بأنه إنما يلزم إذا لم يكن القضية طبيعية، والحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر، بل بلحاظ أفراده، وإلا فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعة إلى أفراده، بلا محذور لزوم اتحاد الحكم والموضوع.
هذا مضافاً إلى القطع بتحقق ما هو المناط في سائر الآثار في هذا الأثر - أي وجوب التصديق - بعد تحققه بهذا الخطاب، وإن كان لا يمكن أن يكون ملحوظاً(٢) لأجل المحذور، وإلى عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار، في وجوب الترتيب لدى الإخبار بموضوع، صار أثره الشرعي وجوب التصديق، وهو خبر العدل، ولو بنفس الحكم في الآية به، فافهم.
____________________
(١ و ٢) الصحيح ما أثبتناه وما في النسخ المطبوعة خطأ ظاهر.
ولا يخفى أنه لا مجال بعد اندفاع الإشكال بذلك للإشكال في خصوص الوسائط من الأخبار، كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلاً، بأنه لا يكاد يكون خبراً تعبداً إلا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد، فكيف يكون هذا الحكم المحقق لخبر الصفار تعبداً مثلاً حكماً له أيضاً، وذلك لأنه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل به، كسائر ذوات الآثار من الموضوعات، لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية، أو لشمول الحكم فيها له مناطاً، وإن لم يشمله لفظاً، أو لعدم القول بالفصل، فتأمل جيداً.
ومنها: آية النفر، قال الله تبارك وتعالى:( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ) (١) الآية، وربما يستدل بها من وجوه:
أحدها : إن كلمة (لعل) وإن كانت مستعملة على التحقيق في معناه الحقيقي، وهو الترجي الإيقاعي الإنشائي، إلا أن الداعي إليه حيث يستحيل في حقه تعالى أن يكون هو الترجي الحقيقي، كان هو محبوبية التحذر عند الإنذار، وإذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه شرعاً، لعدم الفصل، وعقلاً لوجوبه مع وجود ما يقتضيه، وعدم حسنه، بل عدم إمكانه بدونه.
ثانيها : إنه لما وجب الإنذار لكونه غاية للنفر الواجب، كما هو قضية كلمة (لولا) التحضيضية، وجب التحذر، وإلا لغى وجوبه.
ثالثها : إنه جعل غاية للإنذار الواجب، وغاية الواجب واجب.
ويشكل الوجه الأول، بأن التحذر لرجاء إدراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته، من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة، حسن، وليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف، ولم يثبت ها هنا عدم الفصل، غايته عدم
____________________
(١) التوبة: ١٢٢.
القول بالفصل.
والوجه الثاني والثالث بعدم انحصار فائدة الإنذار ب [إيجاب](١) التحذر تعبداً، لعدم إطلاق يقتضي وجوبه على الإطلاق، ضرورة أن الآية مسوقة لبيان وجوب النفر، لا لبيان غايتية التحذر، ولعل وجوبه كان مشروطاً بما إذا أفاد العلم لو لم نقل بكونه مشروطاً به، فإن النفر إنما يكون لأجل التفقه وتعلم معالم الدين، ومعرفة ما جاء به سيد المرسلينصلىاللهعليهوآله ، كي ينذروا بها المتخلفين أو النافرين، على الوجهين في تفسير الآية، لكي يحذروا إذا أنذروا بها، وقضيته إنما هو وجوب الحذر عند إحراز أن الإنذار بها، كما لا يخفى.
ثم إنه أشكل أيضاً، بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقاً فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر، حيث إنه ليس شأن الراوي إلا الإخبار بما تحمّله، لا التخويف والإنذار، وإنما هو شأن المرشد أو المجتهد بالنسبة إلى المسترشد أو المقلد.
قلت: لا يذهب عليك أنه ليس حال الرواة في الصدر الأول في نقل ما تحملوا من النبي (صلى الله عليه وعلى أهل بيته الكرام) أو الإمامعليهالسلام من الأحكام إلى الأنام، إلا كحال نقلة الفتاوى إلى العوام.
ولا شبهة في أنه يصح منهم التخويف في مقام الإبلاغ والإنذار والتحذير بالبلاغ، فكذا من الرواة، فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي إذا كان مع التخويف، كان نقله حجة بدونه أيضاً، لعدم الفصل بينهما جزماً، فافهم.
ومنها: آية الكتمان،( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا ) (٢) الآية.
وتقريب الاستدلال بها: إن حرمة الكتمان تستلزم وجوب(٣) القبول عقلاً،
____________________
(١) اثبتناها من «ب».
(٢) البقرة: ١٥٩.
(٣) أثبتناها من «أ».
للزوم لغويته بدونه، ولا يخفى أنه لو سلمت هذه الملازمة لا مجال(١) للإيراد على هذه الآية بما أورد على آية النفر، من دعوى الإهمال أو استظهار الاختصاص بما إذا أفاد العلم، فإنها تنافيهما، كما لا يخفى، لكنها ممنوعة، فإن اللغوية غير لازمة، لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبداً، وإمكان أن تكون حرمة الكتمان لأجل وضوح الحق بسبب كثرة من أفشاه وبيّنه، لئلا يكون للناس على الله حجة، بل كان له علهيم الحجة البالغة.
ومنها: آية السؤال عن أهل الذكر( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٢) . وتقريب الاستدلال بها ما في آية الكتمان.
وفيه: إن الظاهر منها إيجاب السؤال لتحصيل العلم، لا للتعبد بالجواب.
وقد أورد(٣) عليها: بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر، فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي، فإنه بما هو راوٍ لا يكون من أهل الذكر والعلم، فالمناسب إنما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية.
وفيه: إن كثيراً من الرواة يصدق عليهم أنهم أهل الذكر والاطلاع على رأي الإمامعليهالسلام كزرارة ومحمد بن مسلم ومثلهما، ويصدق على السؤال عنهم أنه السؤال عن [أهل](٤) الذكر والعلم، ولو كان السائل من أضرابهم، فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية، وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم من العدول مطلقاً، لعدم الفصل جزماً في وجوب القبول بين المبتدئ والمسبوق بالسؤال، ولا بين أضراب زرارة وغيرهم ممن لا يكون من أهل
____________________
(١) دفع لما أورده الشيخ - من الإشكالين الأولين في آية النفر - على الاستدلال بهذه الآية، فرائد الأصول/٨١.
(٢) النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧.
(٣) هذا هو الإيراد الثالث للشيخ على الاستدلال بالآية، فرائد الأصول / ٨٢.
(٤) أثبتناها من «ب».
الذكر، وإنما يروي ما سمعه أو رآه، فافهم.
ومنها: آية الأُذن( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) فإنه تبارك وتعالى مدح نبيه بأنه يصدّق المؤمنين، وقرنه بتصديقه تعالى.
وفيه: أوّلاً: إنه إنما مدحه بأنه أذن، وهو سريع القطع، لا الأخذ بقول الغير تعبداً.
وثانياً: إنه إنما المراد بتصديقه للمؤمنين، هو ترتيب خصوص الآثار التي تنفعهم ولا تضر غيرهم، لا التصديق بترتيب جميع الآثار، كما هو المطلوب في باب حجية الخبر، ويظهر ذلك من تصديقه للنمّام بأنه ما نمه، وتصديقه لله تعالى بأنه نمّه، كما هو المراد من التصديق في قولهعليهالسلام : (فصدقه وكذبهم)، حيث قال - على ما في الخبر(٢) -: (يا محمد(٣) كذب سمعك وبصرك عن أخيك: فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولاً، وقال: لم أقله، فصدّقه وكذّبهم) فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرّهم، وتكذيبهم فيما يضرّه ولا ينفعهم، وإلا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين؟ وهكذا المراد بتصديق المؤمنين في قصة إسماعيل(٤) ، فتأمل جيداً.
فصل
في الأخبار التي دلت على اعتبار أخبار الآحاد.
وهي وإن كانت طوائف كثيرة، كما يظهر من مراجعة الوسائل(٥) وغيرها،
____________________
(١) التوبة: ٦١.
(٢) عقاب الأعمال / ٢٩٥، الحديث ١، الكافي ٨ / ١٤٧، الحديث ١٢٥.
(٣) في «أ و ب»: يا أبا محمد والصحيح ما أثبتناه، لأنه خطاب لمحمد بن فضيل المكنى بأبي جعفر.
(٤) الكافي ٥ / ٢٩٩، باب حفظ المال وكراهة الاضاعة من كتاب المعيشة، الحديث ١.
(٥) الوسائل ١٨: ٧٢ الباب ٨ من أبواب صفات القاضي والباب ٩، الحديث ٥ والباب ١١، =
إلا أنه يشكل الاستدلال بها على حجية أخبار الآحاد بأنها أخبار آحاد، فإنها غير متفقة على لفظ ولا على معنى، فتكون متواترة لفظاً أو معنى.
ولكنه مندفع بأنها وإن كانت كذلك، إلا أنها متواترة إجمالاً، ضرورة أنه يعلم إجمالاً بصدور بعضها منهمعليهمالسلام ، وقضيته وإن كان حجية خبر دلّ على حجّيته أخصها مضموناً(١) إلا أنه يتعدى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية، وقد دل على حجية ما كان أعم، فافهم.
فصل
في الإجماع على حجية الخبر.
وتقريره من وجوه:
أحدها : دعوى الإجماع من تتبع فتاوى الأصحاب على الحجية من زماننا إلى زمان الشيخ، فيكشف رضاهعليهالسلام بذلك، ويقطع به، أو من تتبع الإجماعات المنقولة على الحجية، ولا يخفى مجازفة هذه الدعوى؛ لاختلاف الفتاوى فيما أخذ في اعتباره من الخصوصيات، ومعه لا مجال لتحصيل القطع برضائهعليهالسلام من تتبعها، وهكذا حال تتبع الإجماعات المنقولة، اللهم إلا أن يدعى تواطؤها على الحجية في الجملة، وإنما الاختلاف في الخصوصيات المعتبرة فيها، ولكن دون إثباته خرط القتاد.
ثانيها : دعوى اتفاق العلماء عملاً - بل كافة المسلمين - على العمل بخبر الواحد في أمورهم الشرعية، كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها.
____________________
= الحديث ٤ و ٤٠.
(١) في الحقائق ٢: ١٣٢، وإن كان حجية خبر أخصها مضموناً... الخ.
وفيه: مضافاً إلى ما عرفت مما يرد على الوجه الأول، أنه لو سلّم اتفاقهم على ذلك، لم يحرز أنّهم اتفقوا بما هم مسلمون ومتديّنون بهذا الدين، أو بما هم عقلاء ولو لم يلتزموا بدين، كما هو لا يزالون يعملون بها في غير الأمور الدينية من الأمور العادية، فيرجع إلى ثالث الوجوه، وهو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة، واستمرت إلى زماننا، ولم يردع عنه نبي ولا وصيّ نبي، ضرورة أنه لو كان لاشتهر وبان، ومن الواضح أنه يكشف عن رضاء الشارع به في الشرعيات أيضاً.
إن قلت: يكفي في الردع الآيات الناهية، والروايات المانعة عن اتباع غير العلم، وناهيك قوله تعالى:( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (١) ، وقوله تعالى:( وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (٢) .
قلت: لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك، فإنه - مضافاً إلى أنها وردت إرشاداً إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين، ولو سلم فإنما المتيقن لو لا أنه المنصرف إليه إطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة - لا يكاد يكون الردع بها إلا على وجه دائر، وذلك لأن الردع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها، أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة، وهو يتوقف على الردع عنها بها، وإلا لكانت مخصصة أو مقيدة لها، كما لا يخفى.
لا يقال: على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضاً، إلا على وجه دائر، فإنّ اعتباره بها فعلاً يتوقف على عدم الردع بها عنها، وهو يتوقف على تخصيصها بها، وهو يتوقف على عدم الردع بها عنها.
فإنه يقال: إنما يكفي في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها، لعدم نهوض ما يصلح لردعها، كما يكفي في تخصيصها لها ذلك، كما لا يخفى، ضرورة أن ما
____________________
(١) الإسراء: ٣٦.
(٢) النجم: ٢٨.
جرت عليه السيرة المستمرة في مقام الإطاعة والمعصية، وفي استحقاق العقوبة بالمخالفة، وعدم استحقاقها مع الموافقة، ولو في صورة المخالفة عن الواقع(١) ، يكون عقلاً في الشرع متّبعاً ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في الشرعيات، فافهم وتأمل.(٢)
فصل
في الوجوه العقلية التي أقيمت على حجية الخبر(٣) الواحد.
أحدها : إنه يعلم إجمالاً بصدور كثير مما بأيدينا من الأخبار من الأئمة الأطهارعليهمالسلام بمقدار وافٍ بمعظم الفقه، بحيث لو علم تفصيلاً ذاك المقدار لا نحل علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات وسائر الأمارات إلى
____________________
(١) الصواب: المخالفة للواقع.
(٢) قولنا: (فافهم وتأمل) إشارة إلى كون خبر الثقة متبعاً، ولو قيل بسقوط كل من السيرة والإطلاق عن الاعتبار، بسبب دوران الأمر بين ردعها به وتقييده بها، وذلك لأجل استصحاب حجيّته الثابتة قبل نزول الآيتين.
فان قلت: لا مجال لاحتمال التقييد بها، فإن دليل اعتبارها مغيّى بعدم الردع به عنها، ومعه لا تكون صالحة لتقييد الإطلاق مع صلاحيته للردع عنها، كما لا يخفى.
قلت: الدليل ليس إلّا إمضاء الشارع لها ورضاه بها، المستكشف بعدم الردع عنها في زمان مع إمكانه، وهو غير مغيّى، نعم يمكن أن يكون له واقعاً، وفي علمه تعالى أمد خاص، كحكمه الابتدائي، حيث أنّه ربما يكون له أمر فينسخ، فالردع في الحكم الامضائي ليس إلا كالنسخ في الابتدائي وذلك غير كونه بحسب الدليل مغيّى، كما لا يخفى.
وبالجملة: ليس حال السيرة مع الآيات الناهية إلّا كحال الخاص المقدّم، والعام المؤخر، في دوران الأمر بين التخصيص بالخاص، أو النسخ بالعام، ففيهما يدور الأمر أيضاً بين التخصيص بالسيرة أو الردع بالآيات فافهم (منهقدسسره ).
(٣) أثبتناه من هامش نسخة «ب»، وفي «أ»: خبر الواحد.
العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعلومة تفصيلاً، والشك البدوي في ثبوت التكليف في مورد سائر الأمارات الغير المعتبرة، ولازم ذلك لزوم العمل على وفق جميع الأخبار المثبتة، وجواز العمل على طبق النافي منها فيما إذا لم يكن في المسألة أصل مثبت له، من قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب، بناءً على جريانه في أطراف [ما](١) علم إجمالاً بانتقاض الحالة السابقة في بعضها، أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه، وإلا لاختص عدم جواز العمل على وفق النافي بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال.
وفيه: إنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر، بحيث يقدم تخصيصاً أو تقييداً أو ترجيحاً على غيره، من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم، وإن كان يسلم عما أورد عليه(٢) من أن لازمه الاحتياط في سائر الأمارات، لا في خصوص الروايات، لما عرفت من انحلال العلم الإجمالي بينهما بما علم بين الأخبار بالخصوص ولو بالإجمال فتأمل جيّداً.
ثانيها : ما ذكره في الوافية(٣) ، مستدلاً على حجية الأخبار الموجودة في الكتب المعتمدة للشيعة، كالكتب الأربعة، مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر، وهو:
(إنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة، سيما بالأصول الضرورية، كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمتاجر والأنكحة ونحوها، مع أن جل أجزائها وشرائطها وموانعها إنما يثبت بالخبر الغير القطعي، بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد، ومن أنكر فإنما ينكره باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان). انتهى.
وأورد(٤) عليه: أوّلاً: بأن العلم الإجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط
____________________
(١) الزيادة من «ب».
(٢) أورده الشيخ على الوجه الأول بتقريره فليلاحظ، فرائد الأصول / ١٠٣.
(٣) الوافية / ٥٧.
(٤) إشارة إلى ما أورده الشيخ (قده)، فرائد الأصول / ١٠٥، في جوابه عن التقرير الثاني من =
بين جميع الأخبار، لا خصوص الأخبار المشروطة بما ذكره، فاللازم حينئذ: إما الاحتياط، أو العمل بكل ما دلّ على جزئية شيء أو شرطيته(١) .
قلت: يمكن أن يقال: إن العلم الإجمالي وإن كان حاصلاً بين جميع الأخبار، إلا أن العلم بوجود الأخبار الصادرة عنهمعليهمالسلام بقدر الكفاية بين تلك الطائفة، أو العلم باعتبار طائفة كذلك بينها، يوجب انحلال ذاك العلم الاجمالي، وصيرورة غيره خارجاً عن طرف العلم، كما مرت إليه الإشارة في تقريب الوجه الأول، اللهم إلا أن يمنع عن ذلك، وادعي(٢) عدم الكفاية فيما علم بصدوره أو اعتباره، أو ادعي(٣) العلم بصدور أخبار أخر بين غيرها، فتأمل.
وثانياً: بأن قضيته إنما هو العمل بالأخبار المثبتة للجزئية أو الشرطية، دون الأخبار النافية لهما.
والأولى أن يورد عليه: بأن قضيته إنما هو الاحتياط بالأخبار المثبتة فيما لم تقم حجة معتبرة على نفيهما، من عموم دليل أو إطلاقه، لا الحجية بحيث يخصص أو يقيد بالمثبت منهما، أو يعمل بالنافي في قبال حجة على الثبوت ولو كان أصلاً، كما لا يخفى.
ثالثها : ما أفاده بعض المحققين(٤) بما ملخصه: إنا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع إلى الكتاب والسنة إلى يوم القيامة، فإن تمكنا من الرجوع إليهما على نحو يحصل العلم بالحكم أو ما بحكمه، فلابد من الرجوع إليهما كذلك، وإلا فلا
____________________
= دليل العقل.
(١) كذا في النسختين، والموجود في الرسائل: (فاللازم حينئذٍ: إما الاحتياط، والعمل بكل خبر دل على جزئية شيء أو شرطيته، وإما العمل بكل خبر ظن صدوره مما دل على الجزئية أو الشرطية)، راجع فرائد الأصول/١٠٥.
(٢ و ٣) الأولى في الموردين: يدعى.
(٤) هو العلّامة الشيخ محمد تقي الاصفهاني في هداية المسترشدين / ٣٩٧، السادس من وجوه حجية الخبر.
محيص عن الرجوع على نحو يحصل الظن به في الخروج عن عهدة هذا التكليف، فلو لم يتمكن من القطع بالصدور أو الاعتبار، فلابد من التنزل إلى الظن بأحدهما.
وفيه: إن قضية بقاء التكليف فعلاً بالرجوع إلى الأخبار الحاكية للسنة، كما صرح بأنها المراد منها في ذيل كلامه - زيد في علو مقامه - إنما هي الاقتصار في الرجوع إلى الأخبار المتيقن الاعتبار، فإن وفى، وإلا أضيف إليه الرجوع إلى ما هو المتيقن اعتباره بالإضافة لو كان، وإلا فالاحتياط بنحو عرفت، لا الرجوع إلى ما ظن اعتباره، وذلك للتمكن من الرجوع علماً تفصيلاً أو إجمالاً، فلا وجه معه من الاكتفاء بالرجوع إلى ما ظن اعتباره.
هذا مع أن مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع إلى السنة - بذاك المعنى - فيما لم يعلم بالصدور ولا بالاعتبار بالخصوص واسع.
وأما الإيراد(١) عليه: برجوعه إما إلى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى العلم الإجمالي بتكاليف واقعية، وإما إلى الدليل الأول، لو كان ملاكه دعوى العلم بصدور أخبار كثيرة بين ما بأيدينا من الأخبار.
ففيه: إن ملاكه إنما هو دعوى العلم بالتكليف، بالرجوع إلى الروايات في الجملة إلى يوم القيامة، فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه.
____________________
(١) المستشكل عليه هو الشيخ (قده)، فرائد الأصول / ١٠٦.
فصل
في الوجوه(١) التي أقاموها على حجية الظن، وهي أربعة:
الأول : إن في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنة للضرر، ودفع الضرر المظنون لازم.
أما الصغرى، فلأن الظن بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته أو الظن بالمفسدة فيها، بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.
وأما الكبرى، فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون، ولو لم نقل بالتحسين والتقبيح(٢) ، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما، بل يكون التزامه بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك ولو لم يستقل بالتحسين والتقبيح، مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه، إذا قيل باستقلاله، ولذا أطبق العقلاء عليه، مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح، فتدبر جيداً.
والصواب في الجواب: هو منع الصغرى، أما العقوبة فلضرورة عدم الملازمة بين الظن بالتكليف والظن بالعقوبة على مخالفته، لعدم الملازمة بينه والعقوبة على مخالفته، وإنما الملازمة بين خصوص معصيته واستحقاق العقوبة عليها، لا بين
____________________
(١) ذكر الشيخ (قده) هذه الوجوه أيضاً، فرائد الأصول / ١٠٦.
(٢) هذا رد على الحاجبي: العضدي في شرحه، شرح العضدي على مختصر الأصول: ١ / ١٦٣.
مطلق المخالفة والعقوبة بنفسها، وبمجرد(١) الظن به بدون دليل على اعتباره لا يتنجز به، كي يكون مخالفته عصيانه.
إلا أن يقال: إن العقل وإن لم يستقل بتنجزه بمجرده، بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته، إلا أنه لا يستقل أيضاً بعدم استحقاقها معه، فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة، ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جداً، لا سيما إذا كان هو العقوبة الأخروية، كما لا يخفى.
وأما المفسدة فلأنها وإن كان الظن بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه، إلا أنها ليست بضرر على كل حال، ضرورة أن كل ما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله، بل ربما يوجب حزازة ومنقصة في الفعل، بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلاً، كما لا يخفى.
وأما تفويت المصلحة، فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرة، بل ربما يكون في استيفائها المضرة، كمافي الإحسان بالمال.
هذا مع منع كون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في المأمور به(٢) والمنهي عنه(٣) ، بل إنما هي تابعة لمصالح فيها، كما حققناه في بعض فوائدنا(٤) .
وبالجملة: ليست المفسدة ولا المنفعة الفائتة اللتان في الأفعال وأنيط بهما الأحكام بمضرة، وليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة من الأفعال على القول باستقلاله بذلك، هو كونه ذا ضرر وارد على فاعله أو نفع عائد إليه، ولعمري هذا أوضح من أن يخفى، فلا مجال لقاعدة رفع
____________________
(١) في «ب»: ومجرد.
(٢ و ٣) أنث الضمير في النسخ، والصواب ما أثبتناه.
(٤) الفوائد: ٣٣٧، فائدة في اقتضاءِ الأفعال للمدح والذم، عند قوله: فيمكن أن يكون صورية...ويمكن أن يكون حقيقية. وراجع ما ذكره في حاشيته على الرسائل: ٧٦، عند قوله: مع احتمال عدم كون الأحكام تابعة لهما، بل تابعة لما في انفسهما من المصلحة... الخ.
الضرر المظنون ها هنا أصلاً، ولا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة أو ترك ما فيه احتمال المصلحة، فافهم.
الثاني : إنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح.
وفيه: إنه لا يكاد يلزم منه ذلك إلا فيما إذا كان الأخذ بالظن أو بطرفه لازماً، مع عدم إمكان الجمع بينهما عقلاً، أو عدم وجوبه شرعاً، ليدور الأمر بين ترجيحه وترجيح طرفه، ولا يكاد يدور الأمر بينهما إلا بمقدمات دليل الانسداد، وإلا كان اللازم هو الرجوع إلى العلم أو العلمي أو الاحتياط أو البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الأشخاص أو الأحوال في اختلاف المقدمات، على ما ستطلع على حقيقة الحال.
الثالث : ما عن السيد الطباطبائي(١) قدسسره ، من:
إنه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالإتيان بكل ما يحتمل الوجوب ولو موهوماً، وترك ما يحتمل الحرمة كذلك، ولكن مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب ذلك كله، لأنه عسر اكيد وحرج شديد، فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط وانتفاء الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات، لأن الجمع على غير هذا الوجه بإخراج بعض المظنونات وإدخال بعض المشكوكات والموهومات باطل
____________________
(١) هو السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي الحائري، ولد في الكاظمية عام ١١٦١ ه اشتغل على ولد الأستاذ العلّامة ثم اشتغل عند خاله الأستاذ العلامة «وحيد البهبهاني» وبعد مدة قليلة اشتغل بالتصنيف والتدريس والتأليف، له شرحان معروفان على النافع كبير موسوم ب «رياض المسائل» وصغير وغيرهما، ونقل عنه أيضاً أنه كان يحضر درس صاحب الحدائق، وكتب جميع مجلدات الحدائق بخطه الشريف، تخرج عليه صاحب المقابس وصاحب المطالع وصاحب مفتاح الكرامة وشريف العلماء وأمثالهم من الأجلة. توفي سنة ١٢٣١ ه ودفن تقريباً من قبر خاله العلامة (روضات الجنات ٤ / ٣٩٩ الرقم ٤٢٢).
إجماعاً(١) .
ولا يخفى ما فيه من القدح والفساد، فإنه بعض مقدمات دليل الانسداد، ولا يكاد ينتج بدون سائر مقدماته، ومعه لا يكون دليل آخر، بل ذاك الدليل.
الرابع : دليل الانسداد، وهو مؤلف من مقدمات، يستقل العقل مع تحققها بكفاية الإطاعة الظنية حكومة أو كشفاً على ما تعرف، ولا يكاد يستقل بها بدونها، وهي خمس(٢) .
أولها: إنه يعلم إجمالاً بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة.
ثانيها: إنه قد انسد علينا باب العلم والعلمي إلى كثير منها.
ثالثها: إنه لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرض لامتثالها أصلاً.
رابعها: إنه لا يجب علينا الاحتياط في أطراف علمنا، بل لا يجوز في الجملة، كما لا يجوز الرجوع إلى الأصل في المسألة، من استصحاب وتخيير وبراءة واحتياط، ولا إلى فتوى العالم بحكمها.
خامسها: إنه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحاً، فيستقل العقل حينئذ بلزوم الإطاعة الظنية لتلك التكاليف المعلومة، وإلا لزم - بعد انسداد باب العلم والعلمي بها - إما إهمالها، وإما لزوم الاحتياط في أطرافها، وإما الرجوع إلى الأصل الجاري في كل مسألة، مع قطع النظر عن العلم بها، أو التقليد فيها، أو الاكتفاء بالإطاعة الشكية أو الوهمية مع التمكن من الظنية.
____________________
(١) حكى هذا القول الشيخ الأنصاريقدسسره في فرائد الأصول / ١١١، نقلاً عن أستاذه شريف العلماء عن أستاذه السيّد الأجل الاقا ميرزا سيد علي الطباطبائيقدسسره «صاحب الرياض» في مجلس المذاكرة، كما صرح بذلك العلامة المرحوم الميرزا محمد حسن الاشتيانيقدسسره راجع بحر الفوائد ١٨٩.
(٢) الصواب ما أثبتناه وفي النسخ: خمسة.
والفرض بطلان كل واحد منها:
أما المقدمة الأولى : فهي وإن كانت بديهية إلا أنه قد عرفت انحلال العلم الإجمالي بما في الأخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرينعليهمالسلام التي تكون فيما بأيدينا، من الروايات في الكتب المعتبرة، ومعه لا موجب للاحتياط إلا في خصوص ما في الروايات، وهو غير مستلزم للعسر فضلاً عما يوجب الاختلال، ولا إجماع على عدم وجوبه، ولو سلم الإجماع على عدم وجوبه لو لم يكن هناك انحلال.
وأما المقدمة الثانية : أما بالنسبة إلى العلم، فهي بالنسبة إلى أمثال زماننا بيّنة وجدانية، يعرف الانسداد كل من تعرض للاستنباط والاجتهاد.
وأما بالنسبة إلى العلمي، فالظاهر أنها غيرثابتة، لما عرفت من نهوض الأدلة على حجية خبر يوثق بصدقه، وهو بحمد الله وافٍ بمعظم الفقه، لا سيّما بضميمة ما علم تفصيلاً منها، كما لا يخفى.
وأما الثالثة : فهي قطعية، ولو لم نقل بكون العلم الإجمالي منجزاً مطلقاً أو فيما جاز، أو وجب الاقتحام في بعض أطرافه، كما في المقام حسب ما يأتي، وذلك لأن إهمال معظم الأحكام وعدم الاجتناب كثيراً عن الحرام، مما يقطع بأنه مرغوب عنه شرعاً ومما يلزم تركه إجماعاً.
إن قلت: إذا لم يكن العلم بها منجزاً لها للزوم الاقتحام في بعض الأطراف - كما أشير إليه - فهل كان العقاب على المخالفة في سائر الأطراف - حينئذ - على تقدير المصادفة إلا عقاباً بلا بيان؟ والمؤاخذة عليها إلا مؤاخذة بلا برهان؟!
قلت: هذا إنما يلزم، لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط، وقد علم به بنحو اللمّ، حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه، بحيث ينافيه عدم إيجابه الاحتياط الموجب للزوم المراعاة، ولو كان بالالتزام ببعض المحتملات، مع صحة دعوى الاجماع على عدم جواز الإهمال في هذا الحال، وأنه مرغوب عنه شرعاً قطعاً، [وأما
مع استكشافه](١) فلا تكون المؤاخذة والعقاب حينئذ بلا بيان وبلا برهان، كما حققناه في البحث وغيره.
وأما المقدمة الرابعة : فهي بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التام بلا كلام، فيما يوجب عسره اختلال النظام، وأما فيما لا يوجب، فمحل نظر بل منع، لعدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط، وذلك لما حققناه(٢) في معنى ما دل على نفي الضرر والعسر، من أن التوفيق بين دليلهما ودليل التكليف أو الوضع المتعلقين بما يعمهما، هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما، فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل، لعدم العسر في متعلق التكليف، وإنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطاً.
نعم، لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر - كما قيل(٣) - لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط، لأن العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة، فتكون منفية بنفيه.
ولا يخفى أنه على هذا لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض الأطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط في تمامها، بل لا بد من دعوى وجوبه شرعاً، كما أشرنا إليه في بيان المقدمة الثالثة، فافهم وتأمل جيّداً.
وأما الرجوع إلى الأصول، فبالنسبة إلى الأصول المثبتة من احتياط أو استصحاب مثبت للتكليف، فلا مانع عن إجرائها عقلاً مع حكم العقل وعموم النقل. هذا، ولو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي،
____________________
(١) هكذا في «أ» وشطب عليها في «ب».
(٢) تعرض المصنف لقاعدة لا ضرر في ص ٧٢ (الكتاب) فليراجع عند قوله أن الظاهر أن يكون لا لنفي الحقيقة ادعاءً.. وقوله بعد أسطر ثم الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر... الخ.
(٣) القائل هو الشيخ الأنصاريقدسسره انظر، فرائد الأصول / ٣١٤ ورسالة قاعدة نفي الضرر في مكاسبه، المكاسب / ٣٧٢.
لاستلزام شمول دليله لها التناقض في مدلوله، بداهة تناقض حرمة النقض في كل منها بمقتضى (لا تنقض) لوجوبه في البعض، كما هو قضية (ولكن تنقضه بيقين آخر) وذلك لأنه إنما يلزم فيما إذا كان الشك في أطرافه فعلياً.
وأما إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشك فعلاً إلا في بعض أطرافه، وكان بعض أطرافه الآخر غير ملتفت إليه فعلاً أصلاً، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام، كما لا يخفى، فلا يكاد يلزم ذلك، فإن قضية (لا تنقض) ليس حينئذ إلا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك، وليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له، فافهم.
ومنه قد انقدح ثبوت حكم العقل وعموم النقل بالنسبة إلى الأصول النافية أيضاً، وأنه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدليل لها لو لم يكن هناك مانع عقلاً أو شرعاً من إجرائها، ولا مانع كذلك لو كانت موارد الأصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلاً، أو نهض عليه علمي بمقدار المعلوم إجمالاً، بل بمقدار لم يكن معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط، وإن لم يكن بذاك المقدار، ومن الواضح أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وقد ظهر بذلك أن العلم الإجمالي بالتكاليف ربما ينحل ببركة جريان الأصول المثبتة وتلك الضميمة، فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلاً ولا شرعاً أصلاً، كما لا يخفى.
كما ظهر أنه لو لم ينحل بذلك، كان خصوص موارد أصول النافية مطلقاً - ولو من مظنونات [عدم](١) التكليف - محلاً للاحتياط فعلاً، ويرفع اليد عنه فيها كلاً أو بعضاً، بمقدار رفع الاختلال أو رفع العسر - على ما عرفت - لا محتملات التكليف مطلقاً.
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
وأما الرجوع إلى فتوى العالم فلا يكاد يجوز، ضرورة أنه لا يجوز إلا للجاهل لا للفاضل الذي يرى خطأ من يدعي انفتاح باب العلم أو العلمي، فهل يكون رجوعه إليه بنظره إلا من قبيل رجوع الفاضل إلى الجاهل؟
وأما المقدمة الخامسة : فلاستقلال العقل بها، وأنه لا يجوز التنزل - بعد عدم التمكن من الإطاعة العلمية أو عدم وجوبها - إلا إلى الإطاعة الظنية دون الشكية أو الوهمية، لبداهة مرجوحيّتها بالإضافة إليها، وقبح ترجيح المرجوح على الراجح، لكنك عرفت عدم وصول النوبة إلى الإطاعة الاحتمالية، مع دوران الأمر بين الظنية والشكية أو الوهمية، من جهة ما أوردناه على المقدمة الأولى من انحلال العلم الاجمالي بما في أخبار الكتب المعتبرة، وقضيته الاحتياط بالإلزام عملاً بما فيها من التكاليف، ولا بأس به حيث لا يلزم منه عسر فضلاً عما يوجب اختلال النظام.
وما أوردنا على المقدمة الرابعة من جواز الرجوع إلى الأصول مطلقاً، ولو كانت نافية، لوجود المقتضي وفقد المانع لو كان التكليف في موارد الأصول المثبتة وما علم منه تفصيلاً، أو نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم بالإجمال، وإلا فإلى الأصول المثبتة وحدها، وحينئذ كان خصوص موارد الأصول النافية محلاً لحكومة العقل، وترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها، ولو بعد استكشاف وجوب الاحتياط في الجملة شرعاً، بعد عدم وجوب الاحتياط التام شرعاً أو عقلاً - على ما عرفت تفصيله - هذا هو التحقيق على ما يساعد عليه النظر الدقيق، فافهم وتدبر جيداً.
فصل
هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجية الظن بالواقع، أو بالطريق، أو بهما؟ أقوال:
والتحقيق أن يقال: إنه لا شبهة في أن همّ العقل في كل حال إنما هو
تحصيل الأمن من تبعة التكاليف المعلومة، من العقوبة على مخالفتها، كما لا شبهة في استقلاله في تعيين ما هو المؤمّن منها، وفي أن كلّ ما كان القطع به مؤمّناً في حال الانفتاح كان الظن به مؤمّناً حال الانسداد جزماً، وإن المؤمّن في حال الانفتاح هو القطع بإتيان المكلف به الواقعي بما هو كذلك، لا بما هو معلوم ومؤدى الطريق ومتعلق العلم، وهو طريق شرعاً وعقلاً، أو بإتيانه الجعلي؛ وذلك لأن العقل قد استقل بأن الإتيان بالمكلف به الحقيقي بما هو هو، لا بما هو مؤدى الطريق مبرئ للذمة قطعاً.
كيف؟ وقدعرفت أن القطع بنفسه طريق لا يكاد تناله يد الجعل إحداثاً وإمضاءً، إثباتاً ونفياً، ولا يخفى أن قضية ذلك هو التنزل إلى الظن بكل واحد من الواقع والطريق، ولا منشأ لتوهم الاختصاص بالظن بالواقع إلا توهم أنه قضية(١) اختصاص المقدمات بالفروع؛ لعدم انسداد باب العلم في الأصول، وعدم إلجاء في التنزل إلى الظن فيها، والغفلة عن أن جريانها في الفروع موجب لكفاية الظن بالطريق في مقام يحصل الأمن من عقوبة التكاليف، وإن كان باب العلم في غالب الأصول مفتوحاً، وذلك لعدم التفاوت في نظر العقل في ذلك بين الظنين، كما أن منشأ توهم الاختصاص بالظن بالطريق وجهان:
أحدهما: ما أفاده بعض الفحول(٢) وتبعه في الفصول(٣) ، قال فيها:
إنا كما نقطع بأنا مكلفون في زماننا هذا تكليفاً فعلياً بأحكام فرعية كثيرة، لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع، ولا بطريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه، أو قيام طريقه مقام القطع ولو عند تعذره، كذلك نقطع بأن الشارع قد جعل لنا إلى تلك الأحكام طريقاً مخصوصاً،
____________________
(١) في «ب»: قضيته.
(٢) هو العلامة المحقق الشيخ اسد الله الشوشتري، كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع / ٤٦٠.
(٣) الفصول / ٢٧٧، مع اختلاف في الألفاظ.
وكلفنا تكليفاً فعلياً بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة، وحيث أنه لا سبيل غالباً إلى تعيينها بالقطع، ولا بطريق يقطع من السمع بقيامه بالخصوص، أو قيام طريقه كذلك مقام القطع ولو بعد تعذره، فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين ذلك الطريق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل على [عدم](١) حجيته؛ لأنه أقرب إلى العلم، وإلى إصابة الواقع مما عداه.
وفيه: أولاً - بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصة باقية فيما بأيدينا من الطرق الغير العلمية، وعدم وجود المتيقن بينها أصلاً - أن قضية ذلك هو الاحتياط في أطراف هذه الطرق المعلومة بالإجمال لا تعيينها بالظن.
لا يقال(٢) : الفرض هو عدم وجوب الاحتياط، بل عدم جوازه، لأنّ الفرض إنما هو عدم وجوب الاحتياط التام في أطراف الأحكام، مما يوجب العسر المخل بالنظام، لا الاحتياط في خصوص ما بأيدينا من الطرق.
فإن قضية هذا الاحتياط هو جواز رفع اليد عنه في غير مواردها، والرجوع إلى الأصل فيها ولو كان نافياً للتكليف، وكذا فيما إذا نهض الكل على نفيه، وكذا فيما إذا تعارض فردان من بعض الأطراف فيه نفياً وإثباتاً مع ثبوت المرجح للنافي، بل مع عدم رجحان المثبت في خصوص الخبر منها، ومطلقاً في غيره بناء على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار في غير الأخبار، وكذا لو تعارض إثنان منها في الوجوب والتحريم، فإن المرجع في جميع ما ذكر من موارد التعارض هو الأصل الجاري فيها ولو كان نافياً، لعدم نهوض طريق معتبر ولا ما هو من أطراف العلم به على خلافه، فافهم.
وكذا كل مورد لم يجر فيه الأصل المثبت، للعمل بانتقاض الحالة السابقة فيه
____________________
(١) أثبتنا الزيادة من الفصول.
(٢) إيراد ذكره الشيخقدسسره وأمر بالتأمل فيه، فرائد الأصول / ١٣٢، عند قوله: أللهم إلّا أن يقال إنه يلزم الحرج... الخ.
إجمالاً بسبب العلم به، أو بقيام أمارة معتبرة عليه في بعض أطرافه، بناءً على عدم جريانه بذلك.
وثانياً: لو سلم أنّ قضيته(١) لزوم التنزّل إلى الظن، فتوهّم أن الوظيفة حينئذٍ هو خصوص الظن بالطريق فاسد قطعاً، وذلك لعدم كونه أقرب إلى العلم وإصابة الواقع من الظن، بكونه مؤدى طريق معتبر من دون الظن بحجية طريق أصلاً، ومن الظن بالواقع، كما لا يخفى.
لا يقال: إنما لا يكون أقرب من الظن بالواقع، إذا لم يصرف التكليف الفعلي عنه إلى مؤدّيات الطرق ولو بنحو التقييد، فإن الالتزام به بعيد، إذ الصرف لو لم يكن تصويباً محالاً، فلا أقلّ من كونه مجمعاً على بطلانه؛ ضرورة أنّ القطع بالواقع يجدي في الإجزاء بما هو واقع، لا بما هو مؤدى طريق القطع، كما عرفت.
ومن هنا انقدح أن التقييد أيضاً غير سديد، مع أن الالتزام بذلك غير مفيد، فإن الظن بالواقع فيما ابتلي به من التكاليف لا يكاد ينفكّ عن الظن بأنه مؤدى طريق معتبر، والظن بالطريق ما لم يظن بإصابته(٢) الواقع غير مجدٍ بناءً على التقييد، لعدم استلزامه الظن بالواقع المقيد به بدونه.
هذا مع عدم مساعدة نصب الطريق على الصرف ولا على التقييد، غايته أن العلم الإجمالي بنصب طرق وافية يوجب انحلال العلم بالتكاليف الواقعية إلى العلم بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف الفعلية، والانحلال وإن كان يوجب عدم تنجز مالم يؤد إليه الطريق من التكاليف الواقعية، إلا أنه إذا كان رعاية العلم بالنصب لازماً، والفرض عدم اللزوم، بل عدم الجواز.
وعليه يكون التكاليف الواقعية، كما إذا لم يكن هناك علم بالنصب في كفاية
____________________
(١) في «ب»: قضية.
(٢) في «ب»: بإصابة.
الظن بها حال انسداد باب العلم، كما لا يخفى، ولابد حينئذ من عناية أخرى(١) في لزوم رعاية الواقعيات بنحو من الإطاعة، وعدم إهمالها رأساً كما أشرنا إليه(٢) ، ولا شبهة في أن الظن بالواقع لو لم يكن أولى حينئذ لكونه أقرب في التوسل به إلى ما به الاهتمام من فعل الواجب وترك الحرام، من الظن بالطريق، فلا أقل من كونه مساوياً فيما يهم العقل من تحصيل الأمن من العقوبة في كل حال، هذا مع ما عرفت من أنه عادة يلازم الظن بأنه مؤدى طريق، وهو بلا شبهة يكفي، ولو لم يكن هناك ظن بالطريق، فافهم فإنه دقيق.
ثانيهما: ما اختص به بعض المحققين(٣) ، قال:
(لا ريب في كوننا مكلفين بالأحكام الشرعية، ولم يسقط عنا التكليف بالأحكام الشرعية، وأن الواجب علينا أولاً هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف، بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به، وسقوط تكليفنا عنا، سواء حصل العلم معه بأداء الواقع أو لا، حسبما مر تفصيل القول فيه.
فحينئذ نقول: إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمتنا في حكم الشارع، فلا إشكال في وجوبه وحصول البراءة به، وإن انسد علينا سبيل العلم كان الواجب
____________________
(١) وهي إيجاب الاحتياط في الجملة المستكشف بنحو اللّم، من عدم الإهمال في حال الانسداد قطعاً إجماعاً بل ضرورة، وهو يقتضي التنزل إلى الطن بالواقع حقيقة أو تعبداً، إذا كان استكشافه في التكاليف المعلومة إجمالاً؛ لما عرفت من وجوب التنزل عن القطع بكل ما يجب تحصيل القطع به في حال الانفتاح إلى الظن به في هذا الحال، وإلى الظن بخصوص الواقعيات التي تكون مؤديات الطرق المعتبرة، أو بمطلق المؤديات لو كان استكشافه في خصوصها أو في مطلقها، فلا يكاد أن تصل النوبة إلى الظن بالطريق بما هو كذلك وإن كان يكفي، لكونه مستلزماً للظن بكون مؤداه مؤدى طريق معتبر، كما يكفي الظن بكونه كذلك، ولو لم يكن ظن باعتبار طريق أصلاً كما لا يخفى؛ وأنت خبير بأنه لا وجه لاحتمال ذلك، وإنما المتيقن هو لزوم رعاية الواقعيات في كل حال، بعد عدم لزوم رعاية الطرق المعلومة بالإجمال بين أطراف كثيرة، فافهم (منهقدسسره ).
(٢) راجع صفحة / ٣١٢.
(٣) وهو العلامة المحقق الشيخ محمد تقي الأصفهاني، هداية المسترشدين / ٣٩١.
علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكمه، إذ هو الأقرب إلى العلم به، فيتعين الأخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل، بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف، دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع، كما يدعيه القائل بأصالة حجية الظن). انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه.
وفيه أولاً: إن الحاكم على الاستقلال في باب تفريغ الذمة بالإطاعة والامتثال إنما هو العقل، وليس للشاعر في هذا الباب حكم مولوي يتبعه حكم العقل، ولو حكم في هذا الباب كان بتبع حكمه إرشاداً إليه، وقد عرفت استقلاله بكون الواقع بما هو [هو] مفرّغ(١) ، وأن القطع به حقيقة أو تعبداً مؤمّن جزماً، وأن المؤمّن في حال الانسداد هو الظن بما كان القطع به مؤمّناً حال الانفتاح، فيكون الظن بالواقع أيضاً مؤمّناً حال الانسداد.
وثانياً: سلّمنا ذلك، لكن حكمه بتفريغ الذمة - فيما إذا أتى المكلف بمؤدى الطريق المنصوب - ليس إلا بدعوى أن النصب يستلزمه، مع أن دعوى أن التكليف بالواقع يستلزم حكمه بالتفريغ فيما إذا أتى به أولى، كما لا يخفى، فيكون الظن به ظناً بالحكم بالتفريغ أيضاً.
إن قلت: كيف يستلزمه(٢) الظن بالواقع؟ مع أنه ربما يقطع بعدم حكمه به معه، كما إذا كان من القياس، وهذا بخلاف الظن بالطريق، فإنه يستلزمه ولو كان من القياس.
قلت: الظن بالواقع أيضاً يستلزم(٣) الظن بحكمه بالتفريغ(٤) ، ولا ينافي
____________________
(١) أثبتنا الزيادة من «أ».
(٢) في «ب»: يستلزم.
(٣) وذلك لضرورة الملازمة بين الإتيان بما كلف به واقعاً وحكمه بالفراغ ويشهد به عدم جواز الحكم بعدمه، لو سئل عن أن الإتيان بالمأمور به على وجهه، هل هو مفرغ؟ ولزوم حكمه بأنه مفرغ، والا لزم عدم إجزاء الأمر الواقعي، وهو واضح البطلان (منهقدسسره ).
(٤) كذا في النسخة المصححة، وفي «أ»: الظن بهما على الأقوى يستلزم الحكم بالتفريغ.
القطع بعدم حجيته لدى الشارع، وعدم كون المكلف معذوراً - إذا عمل به فيهما - فيما أخطأ، بل كان مستحقاً للعقاب - ولو فيما أصاب - لو بنى على حجيته والاقتصار عليه لتجريه، فافهم.
وثالثاً: سلمنا أن الظن بالواقع لا يستلزم الظن به، لكن قضيته ليس إلا التنزل إلى الظن بأنه مؤدى طريق معتبر، لا خصوص الظن بالطريق، وقد عرفت أن الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بأنه مؤدى الطريق غالباً.
فصل
لا يخفى عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقاً منصوباً شرعاً؛ ضرورة أنه معها لا يجب عقلاً على الشارع أن ينصب طريقاً، لجواز اجتزائه بما استقل به العقل في هذا الحال، ولا مجال لاستكشاف نصب الشارع من حكم العقل، لقاعدة الملازمة، ضرورة أنها إنما تكون في مورد قابل للحكم الشرعي، والمورد هاهنا غير قابل له، فإن الإطاعة الظنية التي يستقل العقل بكفايتها في حال الانسداد إنما هي بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بأزيد منها، وعدم جواز اقتصار المكلف بدونها، ومؤاخذة الشارع غير قابلة لحكمه، وهو واضح.
واقتصار المكلف بما دونها، لما كان بنفسه موجباً للعقاب مطلقاً، أو فيما أصاب الظن، كما أنها بنفسها موجبة للثواب أخطأ أو أصاب من دون حاجة إلى أمرٍ بها أو نهي عن مخالفتها، كان حكم الشارع فيه مولوياً بلا ملاك يوجبه، كما لا يخفى، ولا بأس به إرشادياً، كما هو شأنه في حكمه بوجوب الإطاعة وحرمة المعصية.
وصحة نصبه الطريق وجعله في كل حال بملاك يوجب نصبه وحكمة داعية إليه، لا تنافي استقلال العقل بلزوم الإطاعة بنحو حال الانسداد، كما يحكم بلزومها بنحو آخر حال الانفتاح، من دون استكشاف حكم الشارع بلزومها
مولوياً، لما عرفت.
فانقدح بذلك عدم صحة تقرير المقدمات إلا على نحو الحكومة دون الكشف، وعليها فلا إهمال في النتيجة أصلاً، سبباً ومورداً ومرتبة، لعدم تطرق الإهمال والإجمال في حكم العقل، كما لا يخفى.
أما بحسب الأسباب فلا تفاوت بنظره فيها.
وأما بحسب الموارد، فيمكن أن يقال بعدم استقلاله بكفاية الإطاعة الظنية، إلا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب وترك الحرام، واستقلاله بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد الاهتمام، كما في الفروج والدماء بل وسائر حقوق الناس مما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر.
وأما بحسب المرتبة، فكذلك لا يستقل إلا بلزوم التنزل إلى مرتبة الإطمئنان من الظن بعدم التكليف(١) ، إلا على تقدير عدم كفايتها في دفع محذور العسر.
وأما على تقرير الكشف، فلو قيل بكون النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه، فلا إهمال فيها أيضاً بحسب الأسباب، بل يستكشف حينئذ أن الكل حجة لو لم يكن بينها ما هو المتيق، وإلا فلا مجال لاستكشاف حجية(٢) غيره، ولا بحسب الموارد، بل يحكم بحجيته في جميعها، وإلا لزم عدم وصول الحجة، ولو لأجل التردد في مواردها، كما لا يخفى.
ودعوى الاجماع(٣) على التعميم بحسبها في مثل هذه المسألة المستحدثة مجازفة جدّاً.
____________________
(١) كذا صححه في «ب»، وفي «أ»: فكذلك لا يستقل إلا بكفاية مرتبة الاطمئنان من الظن إلا على... إلخ.
(٢) في «ب»: حجة.
(٣) ادعاه الشيخ (قده) فرائد الأصول / ١٣٩.
وأما بحسب المرتبة، ففيها إهمال، لأجل احتمال حجية خصوص الاطمئناني منه إذا كان وافياً، فلا بد من الاقتصار عليه، ولو قيل بأن النتيجة هو نصب الطريق الواصل ولو بطريقه، فلا إهمال فيها بحسب الأسباب، لو لم يكن فيها تفاوت أصلاً، أو لم يكن بينها إلا واحد، وإلا فلابد من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها أو مظنونه، بإجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ مرة أو مرات في تعيين الطريق المنصوب، حتى ينتهي إلى ظن واحد أو إلى ظنون متعددة لا تفاوت بينها، فيحكم بحجية كلها، أو متفاوتة يكون بعضها الوافي متيقن الاعتبار، فيقتصر عليه.
وأما بحسب الموارد والمرتبة، فكما إذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل بنفسه، فتدبر جيداً.
ولو قيل: بأن النتيجة هو الطريق ولو لم يصل أصلاً، فالإهمال فيها يكون من الجهات، ولا محيص حينئذ إلا من الاحتياط في الطريق بمراعاة اطراف الاحتمال لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار، لو لم يلزم منه محذور، وإلا لزم التنزل إلى حكومة العقل بالاستقلال، فتأمل فإن المقام من مزال الأقدام.
وهم ودفع : لعلك تقول: إن القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان مجال لدليل الانسداد، ضرورة أنه من مقدماته انسداد باب العلمي أيضاً.
لكنك غفلت عن أن المراد ما إذا كان اليقين بالاعتبار من قبله، لأجل اليقين بأنه لو كان شيء حجة شرعاً كان هذا الشيء حجة قطعاً، بداهة أن الدليل على أحد المتلازمين إنما هو الدليل على الآخر، لا الدليل على الملازمة.
ثم لا يخفى أن الظن باعتبار ظن(١) بالخصوص، يوجب اليقين باعتباره من باب دليل الانسداد على تقرير الكشف بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل
____________________
(١) في «ب»: الظن.
بنفسه، فإنه حينئذ يقطع بكونه حجة، كان غيره حجة أو لا، واحتمال عدم حجيته بالخصوص لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد، ضرورة أنه على الفرض لا يحتمل أن يكون غيره حجة بلا نصب قرينة، ولكنه من المحتمل أن يكون هو الحجة دون غيره، لما فيه من خصوصية الظن بالاعتبار، وبالجملة الأمر يدور بين حجية الكل وحجيته، فيكون مقطوع الاعتبار.
ومن هنا ظهر حال القوة، ولعل نظر من رجح بها إلى هذا الفرض، وكان منع شيخنا العلامة(١) - أعلى الله مقامه - عن الترجيح بهما(٢) ، بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل ولو بطريقه، أو الطريق ولو لم يصل أصلاً، وبذلك ربما يوفق بين كلمات الأعلام في المقام، وعليك بالتأمل التام.
ثم لا يذهب عليك أن الترجيح بهما(٣) إنما هو على تقدير كفاية الراجح، وإلا فلا بد من التعدي إلى غيره بمقدار الكفاية، فيختلف الحال باختلاف الأنظار بل الأحوال.
وأما تعميم النتيجة(٤) بأن قضية العلم الإجمالي بالطريق هو الاحتياط في أطرافه، فهو لا يكاد يتم إلا على تقدير كون النتيجة هو نصب الطريق ولو لم يصل أصلاً، مع أن التعميم بذلك لا يوجب العمل إلا على وفق المثبتات من الأطراف دون النافيات، إلا فيما إذا كان هناك نافٍ من جميع الأصناف، ضرورة أن الاحتياط فيها يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية إذا لزم، حيث لا ينافيه، كيف؟ ويجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية، كما لا يخفى، فما ظنك بما لا يجب الأخذ بموجبه إلا من باب الاحتياط؟ فافهم.
____________________
(١) فرائد الأصول / ١٤٢، وأما المرجح الثاني.
(٢) في «ب»: بها.
(٣) في «ب»: بها.
(٤) هذا ثالث طرق «تعميم النتيجة» الذي نقله الشيخ (قده) عن شيخه المحقق شريف العلماء (قده)، واستشكل عليه، فرائد الأصول ١٥٠.
فصل
قد اشتهر الإشكال بالقطع بخروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة، وتقريره على ما في الرسائل(١) أنه:
(كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطاً للإطاعة والمعصية، ويقبح على الآمر والمأمور التعدي عنه، ومع ذلك يحصل الظن و خصوص الاطمئنان من القياس، ولا يجوّز الشارع العمل به؟ فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن، أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكناً، جرى في غير القياس، فلا يكون العقل مستقلاً، إذ لعله نهى عن أمارة مثل ما نهى عن القياس [بل وأزيد](٢) واختفى علينا، ولا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك على الشارع، إذ احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلا بقبحه، وهذا من أفراد ما اشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص). انتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه.
وأنت خبير بأنه لا وقع لهذا الإشكال، بعد وضوح كون حكم العقل بذلك معلقاً على عدم نصب الشارع طريقاً واصلاً، وعدم حكمه به فيما كان هناك منصوب ولو كان أصلاً، بداهة أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم ولا علمي، فلا موضوع لحكمه مع أحدهما، والنهي عن ظن حاصل من سبب ليس إلا كنصب شيء، بل هو يستلزمه فيما كان في مورده أصل شرعي، فلا يكون نهيه عنه رفعاً لحكمه عن موضوعه، بل به يرتفع موضوعه، وليس حال النهي عن سبب مفيد للظن إلا كالأمر بما لا يفيده، وكما لا حكومة معه للعقل لا حكومة له معه، وكما لا يصح بلحاظ حكمه الإشكال فيه، لا يصح الإشكال فيه بلحاظه.
____________________
(١) فرائد الأصول / ١٥٦.
(٢) أثبتناها من فرائد الأصول.
نعم لا بأس بالإشكال فيه في نفسه، كما أشكل فيه برأسه بملاحظة توهم استلزام النصب لمحاذير، تقدم الكلام في تقريرها وما هو التحقيق في جوابها في جعل الطرق.
غاية الأمر تلك المحاذير - التي تكون فيما إذا أخطأ الطريق المنصوب - كانت في الطريق المنهي عنه في مورد الإصابة، ولكن من الواضح أنه لا دخل لذلك في الإشكال على دليل الانسداد بخروج القياس، ضرورة أنه بعد الفراغ عن صحة النهي عنه في الجملة، قد أشكل في عموم النهي لحال الانسداد بملاحظة حكم العقل، وقد عرفت أنه بمكان من الفساد.
واستلزام إمكان المنع عنه، لاحتمال المنع عن أمارة أخرى وقد اختفى علينا، وإن كان موجباً لعدم استقلال العقل، إلا أنه إنما يكون بالإضافة إلى تلك الأمارة، لو كان غيرها مما لا يحتمل فيه المنع بمقدار الكفاية، وإلا فلا مجال لاحتمال المنع فيها مع فرض استقلال العقل؛ ضرورة عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعه، على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع والممنوع(١) .
وقياس حكم العقل(٢) بكون الظن مناطاً للإطاعة في هذا الحال على حكمه بكون العلم مناطاً لها في حال الانفتاح، لا يكاد يخفى على أحد فساده، لوضوح أنه مع الفارق؛ ضرورة أن حكمه في العلم على نحو التنجز، وفيه على نحو التعليق.
ثم لا يكاد ينقضي تعجبي لم خصصوا الإشكال بالنهي عن القياس، مع جريانه في الأمر بطريق غير مفيد للظن، بداهة انتفاء حكمه في مورد الطريق قطعاً، مع أنه لا يظن بأحد أن يستشكل بذلك، وليس إلا لأجل أن حكمه به معلق على عدم النصب، ومعه لا حكم له، كما هو كذلك مع النهي عن بعض أفراد الظن، فتدبر جيّداً.
____________________
(١) سيأتي تحقيقه في الفصل الآتي.
(٢) ذكره الشيخ (قده) في فرائد الأصول / ١٥٦.
وقد انقدح بذلك أنه لا وقع للجواب عن الإشكال: تارة(١) بأن المنع عن القياس لأجل كونه غالب المخالفة، وأخرى(٢) بأن العمل به يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الإصابة، وذلك لبداهة أنه إنما يشكل بخروجه بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه، بملاحظة حكم العقل بحجية الظن، ولا يكاد يجدي صحته كذلك في ذب الإشكال في صحته بهذا اللحاظ، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة.
وأما ما قيل في جوابه(٣) ، من منع عموم المنع عنه بحال الانسداد، أو منع حصول الظن منه بعد انكشاف حاله، وأن ما يفسده أكثر مما يصلحه، ففي غاية الفساد، فإنه مضافاً إلى كون كل واحد من المنعين غير سديد - لدعوى الإجماع على عموم المنع مع إطلاق أدلته وعموم علته، وشهادة الوجدان بحصول الظن منه في بعض الأحيان - لا يكاد يكون في دفع الإشكال بالقطع بخروج الظن الناشئ منه بمفيد، غاية الأمر أنه لا إشكال مع فرض أحد المنعين، لكنه غير فرض الإشكال، فتدبر جيداً.
فصل
إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص ، فالتحقيق أن يقال بعد تصور المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد: إنه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه، فضلاً عما إذا ظن، كما أشرنا إليه في الفصل السابق، فلا بد من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص، فإن كفى، وإلا فبضميمة ما لم يظن المنع عنه وإن احتمل، مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد، وإن انسد باب هذا الاحتمال معها، كما لا يخفى، وذلك ضرورة أنه لا احتمال مع الاستقلال
____________________
(١) هذا سابع الوجوه التي ذكرها الشيخ (قده) في الجواب عن الإشكال، فرائد الأصول / ١٦١.
(٢) هو الوجه السادس الذي أفاده الشيخ (قده) واستشكل عليه، فرائد الأصول / ١٦٠.
(٣) راجع الوجهين الأولين من الوجوه السبعة التي ذكره الشيخ (قده) فرائد الأصول / ١٥٧.
حسب الفرض ومنه قد انقدح أنه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي حجية الظن في الأصول أو في الفروع أو فيهما، فافهم.
فصل
لا فرق في نتيجة دليل الانسداد، بين الظن بالحكم من أمارة عليه، وبين الظن به من أمارة متعلقة بألفاظ الآية أو الرواية، كقول اللغوي فيما يورث الظن بمراد الشارع من لفظه، وهو واضح، ولا يخفى أن اعتبار ما يورثه [لا محيص عنه فيما](١) إذا كان مما ينسد فيه باب العلم، قول أهل اللغة حجة فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد، ولو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد.
نعم لا يكاد يترتب عليه أثر آخر من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو غيرهما من الموضوعات الخارجية، إلا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن بالخصوص، أو ذاك المخصوص، ومثله الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي، كالظن بأن راوي الخبر هو زرارة بن أعين مثلاً، لا آخر.
فانقدح أن الظنون الرجالية مجدية في حال الانسداد، ولو لم يقم دليل على اعتبار قول الرجالي، لا من باب الشهادة ولا من باب الرواية.
تنبيه : لا بيعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة إلى مثل السند أو الدلالة أو جهة الصدور، مهما أمكن في الرواية، وعدم الاقتصار على(١) الظن الحاصل منها بلا سد بابه فيه بالحجة من علم أو علمي، وذلك لعدم جواز التنزل في صورة الانسداد إلى الضعيف مع التمكن من القوي أو ما بحكمه عقلاً، فتأمل جيداً.
فصل
إنما الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الاحكام هو حجية الظن فيها،
____________________
(١) وفي «ب»: يختص بما.
(١) في «أ»: بالظن.
لاحجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها، فيتبع مثلاً في وجوب صلاة الجمعة يومها، لا في إتيانها، بل لابد من علم أو علمي بإتيانها، كما لا يخفى.
نعم ربما يجري نظير مقدمت الانسداد في الأحكام في بعض الموضوعات الخارجية، من انسداد باب العلم به غالباً، واهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفة(١) الواقع بإجراء الأصول فيه مهما أمكن، وعدم وجوب الاحتياط شرعاً أو عدم إمكانه عقلاً، كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب والحرمة مثلاً، فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ أيضاً، فافهم.
خاتمة : يذكر فيها أمران استطراداً:
الأول : هل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلاً في الفروع العملية، المطلوب فيها أولاً العمل بالجوارح، يتبع في الأصول الاعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح من الاعتقاد به وعقد القلب عليه وتحمله والانقياد له، أو لا؟.
الظاهر لا، فإن الأمر الاعتقادي وإن انسد باب القطع به، إلا أن باب الاعتقاد إجمالاً - بما هو واقعه والانقياد له وتحمله - غير منسد، بخلاف العمل بالجوارح، فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاحتياط، والمفروض عدم وجوبه شرعاً، أو عدم جوازه عقلاً، ولا أقرب من العمل على وفق الظن.
وبالجملة: لا موجب مع انسداد باب العلم في الاعتقاديات لترتيب الأعمال الجوانحية على الظن فيها، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها، فلا يتحمل إلا لما هو الواقع، ولا ينقاد إلا له، لا لما هو مظنونه، وهذا بخلاف العمليات، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد.
نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن، من باب وجوب المعرفة لنفسها، كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداءً لشكر بعض نعمائه، ومعرفة
____________________
(١) في «ب»: بمخالفته.
أنبيائه، فإنهم وسائط نعمه وآلائه، بل وكذا معرفة الإمامعليهالسلام على وجه صحيح(١) ، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك، ولاحتمال الضرر في تركه، ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر، إلا ما وجب شرعاً معرفته، كمعرفة الإمامعليهالسلام على وجه آخر غير صحيح، أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته، وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص، لا من العقل ولا من النقل، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة(٢) .
ولا دلالة لمثل قوله تعالى( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ ) (٣) الآية، ولا لقوله (صلىاللهعليهوآله ): (وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس)(٤) ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم، ضرورة أن المراد من (ليعبدون) هو خصوص عبادة الله ومعرفته، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة، فلا إطلاق فيه أصلاً، ومثل آية النفر(٥) ، إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته، كما لا يخفى، وكذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه، لا بصدد بيان ما يجب العلم به.
ثم إنه لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعاً، حيث أنه ليس بمعرفة قطعاً، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، ومع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة(٦) المطلب مع قلة الاستعداد، كما هو المشاهد في
____________________
(١) وهو كون الإمامة كالنبوة منصباً إلهياً يحتاج إلى تعيينه - تعالى - ونصبه، لا أنها من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين، وهو الوجه الآخر (منهقدسسره الشريف).
(٢) هذا تعريض بما أفاده الشيخ (قده) انتصاراً للعلامة، فرائد الأصول / ١٧٠.
(٣) الذاريات: ٥٦.
(٤) وقريب منه: الكافي ٣ / ٢٦٤، والتهذيب ٢ / ٢٣٦.
(٥) التوبة: ١٢٢.
(٦) في «ب»: الغموضية.
كثير من النساء بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد، ولو لأجل حب طريقة الآباء والأجداد واتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلّي للخلف، وقلما عنه تخلف(١) .
والمراد من المجاهدة في قوله تعالى( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (٢) هو المجاهدة مع النفس، بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل، وهي التي كانت أكبر من الجهاد، لا النظر والاجتهاد، وإلا لأدى إلى الهداية، مع أنه يؤدي إلى الجهالة والضلالة، إلا إذا كانت هناك منه - تعالى - عناية، فإنه غالباً بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق، لا بصدد الحق، فيكون مقصراً مع اجتهاده، ومؤاخذا إذا أخطأ على قطعه واعتقاده.
ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم، فيما يجب تحصيله عقلاً لو أمكن، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه، بل بعدم جوازه، لما أشرنا إليه(٣) من أن الأمور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها والانقياد لها، فلا إلجاء فيها أصلاً إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم، بخلاف الفروع العملية، كما لا يخفى.
وكذلك لا دلالة من النقل على وجوبه، فيما يجب معرفته مع الإمكان شرعاً، بل الأدلة الدالّة على النهي عن اتباع الظن، دليل على عدم جوازه أيضاً.
وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا، أن القاصر يكون في الاعتقاديات للغفلة، أو عدم الاستعداد للاجتهاد فيها، لعدم وضوح الأمر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها إلا عن تقصير، كما لا يخفى، فيكون(٤) معذوراً عقلاً.
____________________
(١) في «ب»: يتخلف.
(٢) العنكبوت / ٦٩.
(٣) أشار إليه في الأمر الأوّل من خاتمة دليل الانسداد / ٣٢٩.
(٤) ولا ينافي ذلك عدم استحقاقه درجة، بل استحقاقه دركة لنقصانه بسبب فقدانه للإيمان به تعالى أو =
ولا يصغى إلى ما ربما قيل: بعدم وجود القاصر فيها، لكنه إنما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحق، إذا لم يكن يعانده، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله.
هذا بعض الكلام مما يناسب المقام، وأما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر والإسلام، فهو مع عدم مناسبته خارج عن وضع الرسالة.
الثاني : الظن الذي لم يقم على حجيته دليل، هل يجبر به ضعف السند أو الدلالة بحيث صار حجة ما لولاه لما كان بحجة، أو يوهن به ما لولاه على خلافه لكان حجة، أو يرجح به أحد المتعارضين، بحيث لولاه على وفقه لما كان ترجيح لأحدهما، أو كان للآخر منهما، أم لا؟
ومجمل القول في ذلك: إن العبرة في حصول الجبران أو الرجحان بموافقته، هو الدخول بذلك تحت دليل الحجية، أو المرجحية الراجعة إلى دليل الحجية، كما أن العبرة في الوهن إنما هو الخروج بالمخالفة عن تحت دليل الحجية، فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه، ودخوله بذلك تحت ما دل على حجية ما يوثق به، فراجع أدلة اعتبارها.
وعدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد لاختصاص دليل الحجية بحجية الظهور في تعيين المراد، والظن من أمارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر، إلا فيما أوجب القطع ولو إجمالاً باحتفافه بما كان موجباً لظهوره فيه لولا عروض انتفائه، وعدم وهن السند بالظن بعدم صدوره، وكذا عدم وهن دلالته مع ظهوره، إلا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده، أو وجود قرينة مانعة
____________________
= برسوله، أو لعدم معرفة أوليائه، ضرورة أن نقصان الإنسان لذلك يوجب بعده عن ساحة جلاله تعالى، وهو يستتبع لا محالة دركة من الدركات، وعليه فلا إشكال فيما هو ظاهر بعض الروايات والآيات، من خلود الكافر مطلقاً ولو كان قاصراً، فقصوره إنما ينفعه في دفع المؤاخذة عنه بما يتبعها من الدركات، لا فيما يستتبعه نقصان ذاته ودنو نفسه وخساسته، فإذا انتهى إلى اقتضاء الذات لذلك فلا مجال للسؤال عنه، ب(لم ذلك؟) فافهم (منهقدسسره ).
عن انعقاد ظهوره فيما فيه ظاهر لولا تلك القرينة، لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة ولا دليل اعتبار الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم صدوره، أو ظن بعدم إرادة ظهوره.
وأما الترجيح بالظن، فهو فرع دليل على الترجيح به، بعد سقوط الأمارتين بالتعارض من البين، وعدم حجية واحد منهما بخصوصه وعنوانه، وإن بقي أحدهما بلا عنوان على حجيته، ولم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به.
وإن ادعى شيخنا(١) العلامة - أعلى الله مقامه - استفادته من الأخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة، على ما في(٢) تفصيله في التعادل والترجيح(٣) .
ومقدمات الانسداد في الأحكام إنما توجب حجية الظن بالحكم أو بالحجة، لا الترجيح به ما لم يوجب ظن بأحدهما، ومقدماته في خصوص الترجيح لو جرت إنما توجب حجية الظن في تعيين المرجح، لا أنه مرجح إلا إذا ظن أنه - أيضاً - مرجح، فتأمل جيّداً، هذا فيما لم يقم على المنع عن العمل به بخصوصه دليل.
وأما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس، فلا يكاد يكون به جبر أو وهن أو ترجيح، فيما لا يكون لغيره أيضاً، وكذا فيما يكون به أحدهما(٤) ، لوضوح أن الظن القياسي إذا كان على خلاف ما لولاه لكان حجة - بعد المنع عنه - لا يوجب خروجه عن تحت دليل حجيته(٥) ، وإذا كان على وفق ما لولاه لما كان حجة لا يوجب دخوله تحت دليل الحجية، وهكذا لا يوجب ترجيح أحد المتعارضين، وذلك لدلالة دليل المنع على إلغائه الشارع رأساً، وعدم جواز استعماله في الشرعيات قطعاً، ودخله في واحد منها نحو استعمال له فيها، كما لا يخفى، فتأمل جيداً.
____________________
(١) فرائد الأصول / ١٨٧، حيث قال الثالث: ما يظهر من بعض الأخبار... إلخ.
(٢) في «ب»: على ما يأتي تفصيله.
(٣) في «أ»: التراجيح.
(٤) في «ب»: أحدهما.
(٥) في «ب»: الحجية.
المقصد السابع:
الأصول العمليّة
المقصد السابع: في الأصول العملية
وهي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل، مما دل عليه حكم العقل أو عموم النقل، والمهم منها أربعة، فإن مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية(١) ، وإن كان مما ينتهي إليه فيما لا حجة على طهارته ولا على نجاسته، إلا أن البحث عنها ليس بمهم، حيث إنها ثابتة بلا كلام، من دون حاجة إلى نقض وإبرام، بخلاف الأربعة، وهي: البراءة والاحتياط، والتخيير والاستصحاب: فإنها محل الخلاف بين الأصحاب، ويحتاج تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث وبيان ومؤونة حجة وبرهان، هذا مع جريانها في كل الأبواب، واختصاص تلك القاعدة ببعضها، فافهم.
____________________
(١) لا يقال: إن قاعدة الطهارة مطلقاً، تكون قاعدة في الشبهة الموضوعية، فإن الطهارة والنجاسة من الموضوعات الخارجية التي يكشف عنها الشرع.
فإنه يقال: أولاً: نمنع ذلك، بل إنهما من الأحكام الوضعية الشرعية، ولذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما، كما لا يخفى.
وثانياً: إنهما لو كانتا كذلك، فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على أحدهما كانت حكمية، فإنه لا مرجع لرفعها إلا الشارع، وما كانت كذلك ليست إلا حكمية (منهقدسسره ).
فصل
لو شك في وجوب(١) شيء أو حرمته، ولم تنهض عليه حجة جاز شرعاً وعقلاً ترك الأول وفعل الثاني ، وكان مأموناً من عقوبة مخالفته، كان عدم نهوض الحجة لأجل فقدان النص أو إجماله، واحتماله الكراهة أو الاستحباب، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما رجيح، بناء على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين.
وأما بناء على التخيير - كما هو المشهور - فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها، لمكان وجود الحجة المعتبرة، وهو أحد النصين فيها، كما لا يخفى، وقد استدل على ذلك بالأدلة الأربعة:
____________________
(١) لا يخفى أن جمع الوجوب والحرمة في فصل، وعدم عقد فصل لكل منهما على حدة، وكذا جمع فقد النص وإجماله في عنوان عدم الحجة، إنما هو لأجل عدم الحاجة إلى ذلك، بعد الاتحاد فيما هو الملاك، وما هو العمدة من الدليل على المهم، واختصاص بعض شقوق المسألة بدليل أو بقول، لا يوجب تخصيصه بعنوان على حدة.
وأما ما تعارض فيه النصان فهو خارج عن موارد الأصول العملية المقررة للشاك على التحقيق فيه من الترجيح أو التخيير، كما أنه داخل فيما لا حجة فيه - بناء على سقوط النصين عن الحجية - وأما الشبهة الموضوعية فلا مساس لها بالمسائل الأصولية، بل فقهية، فلا وجه لبيان حكمها في الأصول إلا استطراداً فلا تغفل، (منهقدسسره ).
أما الكتاب : فبآيات أظهرها قوله تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ) (١) .
وفيه: إن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منة منه تعالى على عباده، مع استحقاقهم لذلك، ولو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية، لما صح الاستدلال بها إلا جدلاً، مع وضوح منعه، ضرورة أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه، وليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلا كالوعيد به فيه، فافهم.
وأما السنة : فبروايات(٢) منها: حديث الرفع(٣) ، حيث عدّ (ما لا يعلمون) من التسعة المرفوعة فيه، فالالزام المجهول ممّا لا يعلمون، فهو مرفوع فعلاً وإن كان ثابتاً واقعاً، فلا مؤاخذة عليه قطعاً.
لا يقال: ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية، كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهراً، فلا دلالة له على ارتفاعها(٤) .
فإنه يقال: إنها وإن لم تكن بنفسها أثراً شرعياً، إلا أنها مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره وباقتضائه، من إيجاب الاحتياط شرعاً، فالدليل على رفعه دليل على عدم إيجابه المستتبع لعدم استحقاقه العقوبه على مخالفته.
لا يقال: لا يكاد يكون إيجابه مستتبعاً لاستحقاقها على مخالفة التكليف
____________________
(١) الإسراء: ١٥.
(٢) في «ب»: فروايات.
(٣) الكافي / ٢ كتاب الإيمان والكفر، باب ما رفع عن الأمة، الحديث ٢، الفقيه ١ / ٣٦، الباب ١٤، الحديث ٤، والخصال ٢ / ٤١٧، باب التسعة.
(٤) مع أن ارتفاعها وعدم استحقاقها بمخالفة التكليف المجهول هو المهم في المقام، والتحقيق في الجواب أن يقال - مضافاً إلى ما قلناه - أن الاستحقاق وإن كان أثراً عقلياً، إلا أن عدم الاستحقاق عقلاً، مترتب على عدم التكليف شرعاً ولو ظاهراً، تأمل تعرف، (منهقدسسره ).
المجهول، بل على مخالفة(١) نفسه، كما هو قضية إيجاب غيره.
فإنه يقال: هذا إذا لم يكن إيجابه طريقياً، وإلا فهو موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول، كما هو الحال في غيره من الإيجاب والتحريم الطريقيين، ضرورة أنه كما يصح أن يحتج بهما صح أن يحتج به، ويقال لم أقدمت مع إيجابه؟ ويخرج به عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان، كما يخرج بهما.
وقد انقدح بذلك، أن رفع التكليف المجهول كان منّة على الأمة، حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيته(٢) من إيجاب الاحتياط، فرفعه، فافهم.
ثم لا يخفى(٣) عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة ولا غيرها من الآثار الشرعية في (ما لا يعلمون)، فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقاً كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع والوضع شرعاً، وإن كان في غيره لابد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه، فإنه ليس ما اضطروا وما استكرهوا... إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة.
نعم لو كان المراد من الموصول في (ما لا يعلمون) ما اشتبه حاله ولم يعلم عنوانه، لكان أحد الأمرين مما لا بد منه أيضاً. ثم لا وجه(٤) لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح أن المقدر في غير واحد غيرها، فلا محيص عن أن يكون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها، أو تمام آثارها التي تقتضي المنة رفعها، كما أن ما يكون بلحاظه الإسناد إليها مجازاً، هو هذا، كما لا يخفى.
فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منة على الأمة، كما
____________________
(١) في «ب»: مخالفته.
(٢) في «ب»: قضية.
(٣) خلافاً لما أفاده الشيخ، فرائد الأصول / ١٩٥.
(٤) المصدر السابق.
استشهد الإمامعليهالسلام بمثل(١) هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق.
ثم لا يذهب عليك أن المرفوع فيما اضطر إليه وغيره، مما أخذ بعنوانه الثانوي، إنما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولي، ضرورة أن الظاهر أن هذه العناوين صارت موجبة للرفع، والموضوع للأثر مستدعٍ لوضعه، فكيف يكون موجباً لرفعه؟.
لا يقال كيف؟ وإيجاب الاحتياط فيما لا يعلم وإيجاب التحفظ في الخطأ والنسيان، يكون أثراً لهذه العناوين بعينها وباقتضاء نفسها.
فإنه يقال: بل إنما تكون باقتضاء الواقع في موردها، ضرورة أن الاهتمام به يوجب إيجابهما، لئلا يفوت على المكلف، كما لا يخفى.
ومنها: حديث الحجب(٢) ، وقد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا في حديث الرفع، إلا أنه ربما يشكل(٣) بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف، بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه، لعدم أمر رسله بتبليغه، حيث إنه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه تعالى.
ومنها: قولهعليهالسلام (٤) (كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه) الحديث، حيث دل على حليّة مالم يعلم حرمته مطلقاً، ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته، وبعدم الفصل قطعاً بين إباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية، يتم المطلوب.
____________________
(١) المحاسن ٢ / ٣٣٩، الحديث ١٢٤.
(٢) التوحيد للصدوقرحمهالله ٤١٣، باب التعريف والبيان والحجة، الحديث ٩. والوسائل ١٨ / ١٢، باب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٨.
(٣) أورده الشيخرحمهالله على الاستدلال بهذا الحديث، فرائد الأصول / ١٩٩.
(٤) قريب من هذا المضمون روايات، الوسائل: ١٢ / ٥٩، باب ٤ من أبواب ما يكتسب به الحديثان ١ و ٤ والوسائل: ١٧ / ٩٠، باب ٦١ من الأطعمة المباحة، الأحاديث، ١ و٢ و٧.
مع إمكان أن يقال: ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته، فهو حلال، تأمل.
ومنها: قولهعليهالسلام (١) (الناس في سعة ما لا يعلمون) فهم في سعة مالم يعلم، أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته، ومن الواضح أنه لو كان الاحتياط واجباً لما كانوا في سعة أصلاً، فيعارض به ما دل على وجوبه، كما لا يخفى.
لا يقال: قد علم به وجوب الاحتياط.
فإنه يقال: لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من أجله؟ نعم لو كان الاحتياط واجباً نفسياً كان وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه، لكنه عرفت أن وجوبه كان طريقياً، لأجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحياناً، فافهم.
ومنها: قولهعليهالسلام (٢) (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) ودلالته يتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه، بالنهي عنه وإن صدر عن الشارع ووصل إلى غير واحد، مع أنه ممنوع لوضوح صدقه على صدوره عنه سيما بعد بلوغه إلى غير واحد، وقد خفي على من لم يعلم بصدوره.
لا يقال: نعم، ولكن بضميمة أصالة العدم صح الاستدلال به وتم.
فإنه يقال: وإن تم الاستدلال به بضميمتها، ويحكم بإباحة مجهول الحرمة وإطلاقه، إلا أنه لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعاً، بل بعنوان أنه مما لم يرد عنه النهي واقعاً.
لا يقال: نعم، ولكنه لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالإباحة في مجهول الحرمة، كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان.
____________________
(١) الوسائل: ٢ / ١٠٧٣، باب ٥ من أبواب النجاسات، الحديث ١١ بتفاوت يسير في العبارة.
(٢) الوسائل: ١٨ / ١٢٧، باب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٦٠.
فإنه يقال: حيث أنه بذاك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلاً، ولا يكاد يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان، وإباحته(١) في آخر، واشتبها من حيث التقدم والتأخر.
لا يقال: هذا لولا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.
فإنه يقال: وإن لم يكن بينها الفصل، إلا أنه إنما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل، لا الأصل، فافهم.
وأما الإجماع : فقد نقل(٢) على البراءة، إلا أنه موهون، ولو قيل باعتبار الإجماع المنقولة في الجملة، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل، بعيد جدّاً.
وأما العقل : فإنه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول، بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه، فإنهما بدونهما عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان، وهما قبيحان بشهادة الوجدان.
ولا يخفى أنه مع استقلاله بذلك، لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا يكون مجال ها هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، كي يتوهم أنها تكون بياناً، كما أنه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة، بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل.
وأما ضرر غير العقوبة، فهو وإن كان محتملاً، إلا أن المتيقن منه فضلاً عن محتمله ليس بواجب الدفعٍ شرعاً ولا عقلاً، ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلاً وجوازه شرعاً، مع أن احتمال الحرمة أو الوجوب لا
____________________
(١) في «ب»: إباحة.
(٢) راجع الوجه الثاني من وجوه التقرير الثاني للإجماع على حجية البراءة في كلام الشيخ (قده) فرائد الأصول/٢٠٢.
يلازم احتمال المضرة، وإن كان ملازماً لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة، لوضوح أن المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الأحكام، وقد استقل العقل بحسن الأفعال التي تكون ذات المصالح وقبح ماكان ذات المفاسد، ليست براجعة إلى المنافع والمضار، وكثيراً ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر، نعم ربما تكون المنفعة أو المضرة مناطاً للحكم شرعاً وعقلاً.
إن قلت: نعم، ولكن العقل يستقل بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته، وأنه كالإقدام على ما علم مفسدته، كما استدل به شيخ الطائفة(١) قدسسره ، على أن الأشياء على الحظر أو الوقف.
قلت: استقلاله بذلك ممنوع، والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والأديان، حيث إنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته، ولا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته، كيف؟ وقد أذن الشارع بالإقدام عليه، ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح، فتأمل.
واحتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة، بالأدلة الثلاثة:
أما الكتاب : فبالآيات الناهية عن القول بغيرالعلم(٢) ، وعن الإلقاء في التهلكة(٣) ، والآمرة بالتقوى(٤) .
والجواب: إن القول بالإباحة شرعاً وبالأمن من العقوبة عقلاً، ليس قولاً بغير علم، لما دلّ على الإباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل، ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلاً، ولا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.
____________________
(١) عدة الأصول ٢ / ١١٧ ولكن المتراءى منه غير هذا.
(٢) الأعراف: ٣٣، الإسراء: ٣٦، النور: ١٥.
(٣) البقرة: ١٩٥.
(٤) البقرة: ١٠٢، التغابن: ١٦.
وأما الأخبار : فبما(١) دل على وجوب التوقف عند الشبهة، معللاً في بعضها بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة، من الأخبار الكثيرة الدالّة عليه مطابقة أو إلتزاماً، وبما(٢) دل على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة.
والجواب: إنه لا مهلكة في الشبهة البدوية، مع دلالة النقل على [الإباحة](٣) وحكم العقل بالبراءة كما عرفت.
وما دل على وجوب الاحتياط لو سلم، وإن كان وارداً على حكم العقل، فإنه كفى بياناً على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول.
ولا يصغى إلى ما قيل(٤) : من أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح، وإن كان نفسياً فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع؛ وذلك لما عرفت من أن إيجابه يكون طريقيّاً، وهو عقلاً مما يصح أن يحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة، كما هو الحال في أوامر الطرق والأمارات والأصول العملية.
إلا أنها تعارض بما هو أخص وأظهر؛ ضرورة أن ما دل على حلّيّة المشتبه أخص، بل هو في الدلالة على الحلّية نص، وما دل على الاحتياط غايته أنه ظاهر في وجوب الاحتياط، مع أن هناك قرائن دالة على أنه للإرشاد، فيختلف إيجاباً واستحباباً حسب اختلاف ما يرشد إليه.
____________________
(١) الوسائل: ١٨ / ٧٥ الباب ٩ من أبواب صفات القاضي / الحديث ١ - الوسائل ١٤ / ١٩٣، الباب ١٥٧ من أبواب مقدمات النكاح الحديث ٢.
الوسائل: ١٨ / ١١١ الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي / أحاديث: ٣، ٤، ١٠، ٣١، ٣٥.
(٢) الوسائل: ١٨ / ١١١ الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي / أحاديث: ١، ٣٧، ٤١، ٥٤.
(٣) أثبتناها من «ب».
(٤) القائل هو الشيخ الأعظم، فرائد الأصول / ٢٠٨.
ويؤيده أنه لو لم يكن للإرشاد يوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعاً، مع أنه آب عن التخصيص قطعاً، كيف لا يكون قوله: (قف عند الشبهة فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) للإرشاد؟ مع أن المهلكة ظاهرة في العقوبة، ولا عقوبة في الشبهة البدوية قبل إيجاب الوقوف والاحتياط، فكيف يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة؟.
لا يقال: نعم، ولكنه يستكشف منه(١) على نحو الإنّ إيجاب الاحتياط من قبل، ليصح به العقوبة على المخالفة.
فإنه يقال: إن مجرد إيجابه واقعاً ما لم يعلم لا يصحح العقوبة، ولا يخرجها عن أنها بلا بيان ولا برهان، فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه لو كان كالشبهة قبل الفحص مطلقاً، أو الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، فتأمل جيّداً.
وأما العقل : فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته، حيث علم إجمالاً بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته، مما لم يكن هناك حجة على حكمه، تفريغاً للذمة بعد اشتغالها، ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي إلا من بعض الأصحاب.
والجواب: إن العقل وإن استقل بذلك، إلا أنه إذا لم ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي، وقد انحل هاهنا، فإنه كما علم بوجود تكاليف إجمالاً، كذلك علم إجمالاً بثبوت طرق وأصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية في الموارد(٢) المثبتة من الطرق والأصول العملية.
____________________
(١) في «ب»: عنه.
(٢) في «ب»: موارد.
إن قلت: نعم، لكنه إذا لم يكن العلم بها مسبوقاً بالعلم بالتكاليف(١) .
قلت: إنما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثاً، وأما إذا لم يكن كذلك بل مما ينطبق عليه ما علم أولاً، فلا محالة قد انحل العلم الإجمالي إلى التفصيلي والشك البدوي.
إن قلت: إنما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالإجمال ذلك إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجباً لثبوته فعلاً، وأما بناءً على أن قضية حجيته واعتباره شرعاً ليس إلا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلاً، وهو تنجز ما أصابه والعذر عما أخطأ عنه، فلا انحلال لما علم بالإجمال أولاً، كما لا يخفى.
قلت: قضية الاعتبار شرعاً - على اختلاف ألسنة أدلته - وإن كان ذلك على ما قوينا في البحث، إلا أن نهوض الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف، يكون عقلاً بحكم الانحلال، وصَرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف والعذر عما إذا كان في سائر الأطراف، مثلاً إذا علم إجمالاً بحرمة إناء زيد بين الإناءين وقامت البينة على أن هذا إناؤه، فلا ينبغي الشك في أنه كما إذا علم أنه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر، ولولا ذلك لما كان يجدي القول بأن قضية اعتبار الأمارات هو كون المؤديات أحكاماً شرعية فعلية، ضرورة أنها تكون كذلك بسبب حادث، وهو كونها مؤديات الأمارات الشرعية.
هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار المعلوم بالإجمال، وإلا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار أطرافه بموارد تلك الطرق بلا إشكال. كما لا يخفى.
وربما استدل بما قيل(٢) : من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير الضرورية قبل الشرع، ولا أقل من الوقف وعدم استقلاله، لا به ولا بالإباحة،
____________________
(١) في «أ»: بالواجبات.
(٢) قرر الشيخ (قده) هذا الوجه العقلي بقوله: «الوجه الثاني»، فرائد الأصول / ٢١٤.
ولم يثبت شرعاً إباحة ما اشتبه حرمته، فإن ما دل على الإباحة معارض بما دل على وجوب التوقف أو الاحتياط.
وفيه أولاً: إنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف والإشكال، وإلا لصح الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة.
وثانياً: إنه ثبت الإباحة شرعاً، لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط، للمعارضة لما دل عليها.
وثالثاً: أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة، للقول بالاحتياط في هذه المسألة، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وما قيل(١) - من أن الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم فيه المفسدة - ممنوع، ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإن المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالباً، ضرورة أن المصالح والمفاسد التي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع والمضار، بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر، والمفسدة فيما فيه المنفعة، واحتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالباً لا يعتنى به قطعاً، مع أن الضرر ليس دائماً مما يجب التحرز عنه عقلاً، بل يجب ارتكابه أحياناً فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره، مع القطع به فضلاً عن احتماله.
بقي أمور مهمة لا بأس بالإشارة إليها:
الأول : إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعاً وعقلاً فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقاً ولو كان موافقاً لها، فإنه معه لا مجال لها أصلاً، لوروده عليها كما يأتي تحقيقه(٢) فلا تجري - مثلاً - أصالة الإباحة في حيوان شك في حلّيته مع الشك في
____________________
(١) القائل هو شيخ الطائفة، عدة الأصول / ١١٧.
(٢) يأتي تحقيق الورود في خاتمة الاستصحاب - حقائق - ٢ / ٢٥٦.
قبوله التذكية، فإنه إذا ذبح مع سائر الشرائط المعتبرة في التذكية، فأصالة عدم التذكية تدرجه(١) فيما لم يذك وهو حرام إجماعاً، كما إذا مات حتف أنفه، فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى شرعاً؛ ضرورة كفاية كونه مثله حكماً، وذلك بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الأوداج [الأربعة](٢) مع سائر شرائطها، عن خصوصية في الحيوان التي بها يؤثر فيه الطهارة وحدها أو مع الحلّية، ومع الشك في تلك الخصوصية فالأصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري بسائر شرائطها، كما لا يخفى.
نعم لو شك بقبوله التذكية وشك في الحلّية، فأصالة الإباحة فيه محكمة، فإنه حينئذ إنما يشك في أن هذا الحيوان المذكّى حلال أو حرام، ولا أصل فيه إلا أصالة الإباحة، كسائر ما شك في أنه من الحلال أو الحرام.
هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية، كما إذا شك - مثلاً - في أن الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها، أم لا؟ فأصالة قبوله لها معه محكمة، ومعها لا مجال لأصالة عدم تحققها، فهو قبل الجلل كان يطهر ويحل بالفري بسائر شرائطها، فالأصل أنه كذلك بعده.
ومما ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حليته وحرمته بالشبهة الموضوعية من الحيوان، وأن أصالة عدم التذكية محكمة فيما شك فيها لأجل الشك في تحقق ما اعتبر في التذكية شرعاً، كما أن أصالة قبول التذكية محكمة إذا شك في طروء ما يمنع عنه، فيحكم بها فيما أحرز الفري بسائر شرائطها عداه، كما لا يخفى، فتأمل جيّداً.
الثاني : إنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعاً وعقلاً في الشبهة الوجوبية أو(٣) التحريمية في العبادات وغيرها، كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما
____________________
(١) في «أ»: تدرجها.
(٢) أثبتناها من «ب».
(٣) في «أ»: و.
إذا احتاط وأتى أو ترك بداعي احتمال الأمر أو النهي.
وربما يشكل(١) في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب، من جهة أن العبادة لابد فيها من نية القربة المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلاً أو إجمالاً.
وحسن الاحتياط عقلاً لا يكاد يجدي في رفع الإشكال، ولو قيل بكونه موجباً لتعلق الأمر به شرعاً، بداهة توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته؟
وانقدح بذلك أنه لا يكاد يجدي في رفعه أيضاً القول بتعلق الأمر به من جهة ترتب الثواب عليه، ضرورة أنه فرع إمكانه، فكيف يكون من مبادئ جريانه؟
هذا مع أن حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الأمر به بنحو اللّم، ولا ترتب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الإنّ، بل يكون حاله في ذلك حال الإطاعة، فإنه نحو من الانقياد والطاعة.
وما قيل(٢) في دفعه: من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة.
فيه: مضافاً إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها، بداهة أنه ليس باحتياط حقيقة، بل هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوباً مولوياً نفسياً عبادياً، والعقل لا يستقل إلا بحسن الاحتياط، والنقل لا يكاد يرشد إلا إليه.
نعم، لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة، لما
____________________
(١) ذكر الشيخ هذا الإشكال في التنبيه الثاني من مسألة دوران الحكم بين الوجوب وغير الحرمة من جهة عدم النص، فرائد الأصول / ٢٢٨.
(٢) ذكره الشيخ في التنبيه الثاني من مسألة دوران الحكم بين الوجوب وغير الحرمة، فرائد الأصول / ٢٢٩.
كان محيص عن دلالته اقتضاءً على أن المراد به ذاك المعنى، بناء على عدم إمكانه فيها بمعناه حقيقة، كما لا يخفى أنه التزام بالإشكال وعدم جريانه فيها، وهو كما ترى.
قلت: لا يخفى أن منشأ الإشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها، مما يتعلق بها الأمر المتعلق بها، فيشكل جريانه حينئذ، لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها(١) ، وقد عرفت أنه فاسد(٢) ، وإنما اعتبر قصد القربة فيها عقلاً لأجل أن الغرض منها لايكاد يحصل بدونه.
وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإمكان، ضرورة التمكن من الإتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله، غاية الأمر أنه لابد أن يؤتى به على نحو لو كان مأموراً به لكان مقرّباً، بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر أو احتمال كونه محبوباً له تعالى، فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالاً لأمره تعالى، وعلى تقدير عدمه انقياداً لجنابه تبارك وتعالى، ويستحق الثواب على كل حال إما على الطاعة أو الانقياد.
وقد انقدح بذلك أنه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلق أمر بها(٣) ،
____________________
(١) هكذا صححه في «ب»، وفي «أ»: لعدم التمكن من إتيان جميع ما اعتبر فيها...إلخ.
(٢) هذا مع أنه لو أغمض عن فساده، لما كان في الاحتياط في العبادات إشكال غير الإشكال فيها، فكما يلتزم في دفعه بتعدد الأمر فيها، ليتعلق أحدهما بنفس الفعل والآخر بإتيانه بداعي أمره، كذلك فيما احتمل وجوبه منها، كان على هذا احتمال أمرين كذلك، أي أحدهما كان متعلقاً بنفسه والآخر بإتيانه بداعي ذاك الأمر، فيتمكن من الاحتياط فيها بإتيان ما احتمل وجوبه بداعي رجاء أمره واحتماله، فيقع عبادة وإطاعة لو كان واجباً، وانقياداً لو لم يكن كذلك.
نعم كان بين الاحتياط ها هنا وفي التوصليات فرق، وهو أن المأتي به فيها قطعاً كان موافقاً لما احتمل وجوبه مطلقاً، بخلافه هاهنا، فإنه لا يوافق إلا على تقدير وجوبه واقعاً؛ لما عرفت من عدم كونه عبادة إلا على هذا التقدير، ولكنه ليس بفارق لكونه عبادة على تقدير الحاجة إليه، وكونه واجباً.
ودعوى عدم كفاية الإتيان برجاء الأمر في صيرورته عبادة أصلاً - ولو على هذا التقدير - مجازفة، ضرورة استقلال العقل بكونه امتثالاً لأمره على نحو العبادة لو كان، وهو الحاكم في باب الإطاعة والعصيان، فتأمل جيداً (منهقدسسره ).
(٣) خلافاً لما يظهر من الشيخ في بداية كلامه، فرائد الأصول / ٢٢٨.
بل لو فرض تعلقه بها لما كان من الاحتياط بشيء، بل كسائر ما علم وجوبه أو استحبابه منها، كما لا يخفى.
فظهر أنه لو قيل(١) بدلالة أخبار(٢) (من بلغه ثواب) على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب ولو بخبر ضعيف، لما كان يجدي في جريانه في خصوص ما دل على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف، بل كان عليه مستحباً كسائر ما دل الدليل على استحبابه.
لا يقال: هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب بعنوانه، وأما لو دل على استحبابه لا بهذا العنوان، بل بعنوان أنه محتمل الثواب، لكانت دالّة على استحباب الإتيان به بعنوان الاحتياط، كأوامر الاحتياط، لو قيل بأنها للطلب المولوي لا الإرشادي.
فإنه يقال: إن الأمر بعنوان الاحتياط ولو كان مولوياً لكان توصلياً، مع أنه لو كان عبادياً لما كان مصححاً للاحتياط، ومجدياً في جريانه في العبادات كما أشرنا إليه آنفاً.
ثم إنه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب، فإن صحيحة(٣) هشام بن سالم المحكية عن المحاسن، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: (من بلغه عن النبي -صلىاللهعليهوآله - شيء من الثواب فعمله، كان أجر ذلك له، وإن كان رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - لم يقله) ظاهرة في أن الأجر كان مترتباً على نفس العمل الذي بلغه عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه ذو ثواب، وكون العمل متفرعاً على البلوغ، وكونه الداعي إلى
____________________
(١) هذا ردّ للشيخ في التنبيه الثاني من مسألة دوران الحكم بين الوجوب وغيره، فرائد الأصول / ٢٢٩.
(٢) الوسائل: ١ / ٥٩ ب ١٨ من أبواب مقدمة العبادات، أحاديث الباب.
(٣) المحاسن / ٢٥، وكتاب ثواب الأعمال الباب ١، الحديث ٢.
العمل غير موجب(١) لأن يكون الثواب إنما يكون مترتباً عليه، فيما إذا أتى برجاء أنه مأمور به وبعنوان الاحتياط، بداهة أن الداعي إلى العمل لا يوجب له وجهاً وعنواناً يؤتى به بذاك الوجه والعنوان.
وإتيان(٢) العمل بداعي طلب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما قيد به في بعض الأخبار(٣) ، وإن كان انقياداً، إلا أن الثواب في الصحيحة إنما رتب على نفس العمل، ولا موجب لتقييدها به، لعدم المنافاة بينهما، بل لو أتى به كذلك أو إلتماساً للثواب الموعود، كما قيد به في بعضها الآخر(٤) ، لأوتي الأجر والثواب على نفس العمل، لا بما هو احتياط وانقياد، فيكشف عن كونه بنفسه مطلوباً وإطاعة، فيكون وزانه وزان (من سرح لحيته)(٥) أو (من صلى أو صام فله كذا) ولعله لذلك أفتى المشهور بالاستحباب، فافهم وتأمل.
الثالث : إنه لا يخفى أن النهي عن شيء، إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان، بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ولو دفعة لما امتثل أصلاً، كان اللازم على المكلف إحراز أنه تركه بالمرة ولو بالأصل، فلا يجوز الإتيان بشيء يشك معه في تركه، إلا إذا كان مسبوقاً به ليستصحب مع الإتيان به.
نعم، لو كان بمعنى طلب تركه كل فرد منه على حدة، لما وجب إلا ترك ما علم أنه فرد، وحيث لم يعلم تعلق النهي إلا بما علم أنه مصداقه، فأصالة البراءة في المصاديق المشتبهة محكمة.
فانقدح بذلك أن مجرد العلم بتحريم شيء لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده المشتبهة، فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حدة، أو كان
____________________
(١ و٢) تعريض بالشيخ في أخبار من بلغ، فرائد الأصول / ٢٣٠.
(٣) الوسائل: ١ / ٦٠، الباب ١٨ من أبواب مقدمة العبادات، الحديث ٤.
(٤) المصدر السابق، الحديث ٧.
(٥) الوسائل: ١ / ٤٢٩، الباب ٧٦ من أبواب آداب الحمام.
الشيء مسبوقاً بالترك، وإلا لوجب الاجتناب عنها عقلاً لتحصيل الفراغ قطعاً، فكما يجب فيما علم وجوب شيء إحراز إتيانه إطاعة لأمره، فكذلك يجب فيما علم حرمته إحراز تركه وعدم إتيانه امتثالاً لنهيه.
غاية الأمر كما يحرز وجود الواجب بالأصل، كذلك يحرز ترك الحرام به، والفرد المشتبه وإن كان مقتضى أصالة البراءة جواز الاقتحام فيه، إلا أن قضية لزوم إحراز الترك اللازم وجوب التحرز عنه، ولا يكاد يحرز إلا بترك المشتبه أيضاً، فتفطن.
الرابع : إنه قد عرفت حسن الاحتياط عقلاً ونقلاً، ولا يخفى أنه مطلقاً كذلك، حتى فيما كان هناك حجة على عدم الوجوب أو الحرمة، أو أمارة معتبرة على أنه ليس فرداً للواجب أو الحرام، ما لم يخل بالنظام فعلاً، فالاحتياط قبل ذلك مطلقاً يقع حسناً، كان في الأمور المهمة كالدماء والفروج أو غيرها، وكان احتمال التكليف قوياً أو ضعيفاً، كانت الحجة على خلافه أو لا، كما أن الاحتياط الموجب لذلك لا يكون حسناً كذلك، وإن كان الراجح لمن التفت إلى ذلك من أول الأمر ترجيح بعض الاحتياطات احتمالاً أو محتملاً، فافهم.
فصل
إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته، لعدم نهوض حجة على أحدهما تفصيلاً بعد نهوضها عليه إجمالاً، ففيه وجوه:
الحكم بالبراءة عقلاً ونقلاً لعموم النقل، وحكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به، ووجوب الأخذ بأحدهما تعييناً أو تخييراً، والتخيير بين الترك والفعل عقلاً، مع التوقف عن الحكم به رأساً، أو مع الحكم عليه بالإباحة شرعاً، أوجهها الأخير؛ لعدم الترجيح بين الفعل والترك، وشمول مثل (كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام) له، ولا مانع عنه عقلاً ولا نقلاً.
وقد عرفت أنه لا يجب موافقة الأحكام إلتزاماً، ولو وجب لكان الالتزام إجمالاً بما هو الواقع معه ممكناً، والالتزام التفصيلي بأحدهما لو لم يكن تشريعاً محرماً لما نهض على وجوبه دليل قطعاً، وقياسه بتعارض الخبرين - الدالّ أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب - باطل، فإن التخيير بينهما على تقدير كون الأخبار حجة من باب السببية يكون على القاعدة، ومن جهة التخيير بين الواجبين المتزاحمين، وعلى تقدير أنها من باب الطريقية فإنه وإن كان على خلاف القاعدة، إلا أن أحدهما - تعييناً أو تخييراً - حيث كان واجداً لما هو المناط للطريقية من احتمال الإصابة مع
اجتماع سائر الشرائط، صار(١) حجة في هذه الصورة بأدلة الترجيح تعييناً، أو التخيير تخييراً، وأين ذلك مما إذا لم يكن المطلوب إلا الأخذ بخصوص ما صدر واقعاً؟ وهو حاصل، والأخذ بخصوص أحدهما ربما لا يكون إليه بموصل.
نعم، لو كان التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة، وإحداثهما الترديد بينهما، لكان القياس في محلّه، لدلالة الدليل على التخيير بينهما على التخيير ها هنا، فتأمل جيّداً.
ولا مجال - ها هنا - لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنه لا قصور فيه - ها هنا - وإنما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية كمخالفتها، والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة، كما لا يخفى.
ثم إن مورد هذه الوجوه، وإن كان ما [إذا](٢) لم يكن واحدٌ من الوجوب والحرمة على التعيين تعبدياً، إذ لو كانا تعبديين أو كان أحدهما المعين كذلك، لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما والرجوع إلى الإباحة، لأنها مخالفة عملية قطعية على ما أفاد شيخنا الأستاذ(٣) قدسسره ، إلا أن الحكم أيضاً فيهما إذا كانا كذلك هو التخيير عقلاً بين إتيانه على وجه قربي، بأن يؤتى به بداعي احتمال طلبه، وتركه كذلك، لعدم الترجيح وقبحه بلا مرجح.
فانقدح أنه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصليين بالنسبة إلى ما هو المهم في المقام، وإن اختص بعض الوجوه بهما، كما لا يخفى.
ولا يذهب عليك أن استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين، ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعيينه(٤) كما هو الحال
____________________
(١) كذا صححه في «ب»، وفي «أ»: جعل.
(٢) أثبتناها من «ب».
(٣) راجع فرائد الأصول / ٢٣٦.
(٤) في «ب»: بتبعيَّته.
في دوران الأمر بين التخيير والتعيين في غير المقام، ولكن الترجيح إنما يكون لشدة الطلب في أحدهما، وزيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز الإخلال بها في صورة المزاحمة، ووجب الترجيح بها، وكذا وجب ترجيح احتمال ذي المزية في صورة الدوران.
ولا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقاً، لأجل أن دفع المفسدة أولى من ترك المصلحة، ضرورة أنه رب واجب يكون مقدماً على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام، فكيف يقدم على احتماله احتماله في صورة الدوران بين مثليهما؟ فافهم.
فصل
لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف من الإيجاب أو التحريم، فتارة لتردده بين المتابينين، وأخرى بين الأقل والأكثر الارتباطيين، فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل : في دوران الأمر بين المتابينين.
لا يخفى أن التكليف المعلوم بينهما مطلقاً - ولو كانا فعل أمر وترك آخر - إن كان فعليّاً من جميع الجهات، بأن يكون واجداً لما هو العلة التامة للبعث أو الزجر الفعلي، مع ما هو [عليه](١) من الإجمال والتردد والاحتمال، فلا محيص عن تنجزه وصحة العقوبة على مخالفته، وحينئذ لا محالة يكون ما دلّ بعمومه على الرفع أو الوضع أو السعة أو الإباحة مما يعم أطراف العلم مخصصاً عقلاً، لأجل مناقضتها معه.
وإن لم يكن فعلياً كذلك، ولو كان بحيث لو علم تفصيلاً لوجب امتثاله وصح العقاب على مخالفته، لم يكن هناك مانع عقلاً ولا شرعاً عن شمول أدلة البراءة الشرعية للأطراف.
ومن هنا انقدح أنه لا فرق بين العلم التفصيلي والإجمالي، إلا أنه لا مجال
____________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
للحكم الظاهري مع التفصيلي، فإذا كان الحكم الواقعي فعلياً من سائر الجهات، لا محالة يصير فعلياً معه من جميع الجهات، وله مجال مع الإجمالي، فيمكن أن لا يصير فعليّاً معه، لإمكان جعل الظاهري في أطرافه، وإن كان فعليّاً من غير هذه الجهة، فافهم.
ثم إن الظاهر أنه لو فرض أن المعلوم بالإجمال كان فعلياً من جميع الجهات لوجب عقلاً موافقته مطلقاً ولو كانت أطرافه غير محصورة، وإنما التفاوت بين المحصورة وغيرها هو أن عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعلية المعلوم، مع كونه فعليّاً لولاه من سائر الجهات.
وبالجملة لا يكاد يرى العقل تفاوتاً بين المحصورة وغيرها، في التنجز وعدمه، فيما كان المعلوم إجمالاً فعليّاً، يبعث المولى نحوه فعلاً أو يزجر عنه كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه.
والحاصل أن اختلاف الأطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتاً في ناحية العلم، ولو أوجب تفاوتاً فإنما هو في ناحية المعلوم في فعلية البعث أو الزجر مع الحصر، وعدمها مع عدمه، فلا يكاد يختلف العلم الإجمالي باختلاف الأطراف قلة وكثرة في التنجيز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعلية وعدمها بذلك، وقد عرفت آنفاً أنه لا تفاوت بين التفصيلي والإجمالي في ذلك، ما لم يكن تفاوت في طرف المعلوم أيضاً، فتأمل تعرف.
وقد انقدح أنه لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعية مع حرمة مخالفتها، ضرروة أن التكليف المعلوم إجمالاً لو كان فعلياً لوجب موافقته قطعاً، وإلا لم يحرم مخالفته كذلك أيضاً.
ومنه ظهر أنه لو لم يعلم فعلية التكليف مع العلم به إجمالاً، إما من جهة عدم الابتلاء ببعض أطرافه، أو من جهة الاضطرار إلى بعضها معيناً أو مردداً، أو من جهة تعلقه بموضوع يقطع بتحققه إجمالاً في هذا الشهر، كأيام حيض المستحاضة
مثلاً، لما وجب موافقته بل جاز مخالفته، وأنه لو علم فعليته ولو كان بين أطراف تدريجية، لكان منجزاً ووجب موافقته. فإن التدرج لا يمنع عن الفعلية، ضرورة أنه كما يصح التكليف بأمر حالي كذلك يصح بأمر استقبالي، كالحج في الموسم للمستطيع، فافهم.
تنبيهات
الأول : إن الاضطرار كما يكون مانعاً عن العلم بفعلية التكليف لو كان إلى واحد معين، كذلك يكون مانعاً لو كان إلى غير معين، ضرورة أنه مطلقاً موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه، تعييناً أو تخييراً، وهو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلاً، وكذلك لا فرق بين أن يكون الاضطرار كذلك سابقاً على حدوث العلم أو لاحقاً؛ وذلك لأن(١) التكليف المعلوم بينها من أول الأمر كان محدوداً بعدم عروض الاضطرار إلى متعلقة، فلو عرض على بعض أطرافه لما كان التكليف به معلوماً، لاحتمال أن يكون هو المضطر إليه فيما كان الاضطرار إلى المعين، أو يكون هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا تعيين.
لا يقال: الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلا كفقد بعضها، فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان، كذلك لا ينبغي الإشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار، فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجاً عن
____________________
(١) لا يخفى أن ذلك إنما يتم فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، وأما لو كان إلى أحدهما المعين، فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجز، لعدم منعه عن العلم بفعلية التكليف المعلوم إجمالاً، المردد بين أن يكون التكليف المحدود في ذلك الطرف أو المطلق في الطرف الآخر؛ ضرورة عدم ما يوجب عدم فعلية مثل هذا المعلوم أصلاً، وعروض الاضطرار إنما يمنع عن فعلية التكليف لو كان في طرف معروضه بعد عروضه، لا عن فعلية المعلوم بالإجمال المردد بين التكليف المحدود في طرف المعروض، والمطلق في الآخر بعد العروض، وهذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، فإنه يمنع عن فعلية التكليف في البين مطلقاً، فافهم وتأمل (منهقدسسره ).
عهدة ما تنجز عليه قبل عروضه.
فإنه يقال: حيث أن فقد المكلف به ليس من حدود التكليف به وقيوده، كان التكليف المتعلق به مطلقاً، فإذا اشتغلت الذمة به، كان قضية الاشتغال به يقيناً الفراغ عنه كذلك، وهذا بخلاف الاضطرار إلى تركه، فإنه من حدود التكليف به وقيوده، ولا يكون الاشتغال به من الأول إلا مقيداً بعدم عروضه، فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به إلا إلى هذا الحد، فلا يجب رعايته فيما بعده، ولا يكون إلا من باب الاحتياط في الشبهة البدوية، فافهم وتأمل فإنه دقيق جدّاً.
الثاني : إنه لما كان(١) النهي عن الشيء إنما هو لأجل أن يصير داعياً للمكلف نحو تركه، لو لم يكن له داع آخر - ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به، وأما ما لا ابتلاء به بحسبها، فليس للنهي عنه موقع أصلاً، ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل، بل يكون من قبيل طلب الحاصل - كان الابتلاء بجميع الأطراف مما لابد منه في تأثير العلم، فإنه بدونه لا علم بتكليف فعليّ، لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به.
ومنه قد انقدح أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر وانقداح طلب تركه في نفس المولى فعلاً، هو ما إذا صح انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطلاعه على ما هو عليه من الحال، ولو شك في ذلك كان المرجع هو البراءة، لعدم القطع بالاشتغال، لا إطلاق الخطاب(٢) ، ضرورة أنه لا مجال للتشبث به إلا فيما إذا شك في التقييد بشيء بعد الفراغ عن صحة الإطلاق بدونه، لا فيما شك في اعتباره في صحته(٣) ، تأمل(٤) لعلك تعرف إن شاء الله تعالى.
____________________
(١) كما أنه إذا كان فعل الشيء الذي كان متعلقاً لغرض المولى مما لا يكاد عادة أن يتركه العبد، وأن لا يكون له داع إليه، لم يكن للأمر به والبعث إليه موقع أصلاً، كما لا يخفى (منهقدسسره ).
(٢) تعريض بما قد يظهر من الشيخ، فرائد الأصول / ٢٥٢.
(٣) هكذا صححه المصنف في «ب»، وفي «أ»: به.
(٤) نعم لوكان الإطلاق في مقام يقتضي بيان التقييد بالابتلاء - لو لم يكن هناك ابتلاء مصحح للتكليف =
الثالث : إنه قد عرفت أنه مع فعلية التكليف المعلوم، لا تفاوت بين أن تكون أطرافه محصورة وأن تكون غير محصورة.
نعم ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعية باجتناب كلها أو ارتكابه، أو ضرر فيها أو غيرهما مما لا يكون معه التكليف فعليّاً بعثاً أو زجراً فعلاً، وليس بموجبة لذلك في غيره، كما أن نفسها ربما يكون موجبة لذلك ولو كانت قليلة في مورد آخر، فلابد من ملاحظة ذاك الموجب لرفع فعلية التكليف المعلوم بالإجمال أنه يكون أو لا يكون في هذا المورد، أو يكون مع كثرة أطرافه وملاحظة أنه مع أية مرتبة من كثرتها كما لا يخفى.
ولو شك في عروض الموجب، فالمتبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان، وإلا فالبراءة لأجل الشك في التكليف الفعليّ، هذا هو حقّ القول في المقام، وما قيل(١) في ضبط المحصور وغيره لا يخلو من الجزاف.
الرابع : إنه إنما يجب عقلاً رعاية الاحتياط في خصوص الأطراف، مما يتوقف على اجتنابه أو ارتكابه حصول العلم بإتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين في البين دون غيرها، وإن كان حاله حال بعضها في كونه محكوماً بحكمه واقعاً.
ومنه ينقدح الحال في المسألة ملاقاة شيء مع أحد أطراف النجس المعلوم بالإجمال، وأنه تارة يجب الاجتناب عن الملاقى دون ملاقيه، فيما كانت الملاقاة بعد العلم إجمالاً بالنجس بينها، فإنه إذا اجتنب عنه وطرفه اجتنب عن النجس في البين قطعاً، ولو لم يجتنب عما يلاقيه، فإنه على تقدير نجاسته لنجاسته كان فرداً آخر من النجس، قد شك في وجوده، كشيء آخر شك في نجاسته بسبب آخر.
____________________
= كان الإطلاق وعدم بيان التقييد دالّاً على فعليته، ووجود الابتلاء المصحح لهما، كما لا يخفى، فافهم (منهقدسسره ).
(١) راجع فرائد الأصول / ٢٦٠ - ٢٦٢.
ومنه ظهر أنه لا مجال لتوهم(١) أن قضية الاجتناب عن المعلوم هو الاجتناب عنه أيضاً، ضرورة أن العلم به إنما يوجب تنجز الاجتناب عنه، لا تنجز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه وإن احتمل.
وأخرى يجب الاجتناب عما لاقاه دونه، فيما لو علم إجمالاً نجاسته أو نجاسة شيء آخر، ثم حدث [العلم بـ](٢) الملاقاة والعلم بنجاسة الملاقى أو ذاك الشيء أيضاً، فإن حال(٣) الملاقى في هذه الصورة بعينها حال مالاقاه في الصورة السابقة في عدم كونه طرفاً للعلم الإجمالي، وأنه فرد آخر على تقدير نجاسته واقعاً غير معلوم النجاسة أصلاً، لا إجمالاً ولا تفصيلاً، وكذا لو علم بالملاقاة ثم حدث العلم الإجمالي، ولكن كان الملاقى خارجاً عن محل الابتلاء في حال حدوثه وصار مبتلى به بعده.
وثالثة يجب الاجتناب عنهما، فيما لو حصل العلم الإجمالي بعد العلم بالملاقاة؛ ضرورة أنه حينئذ نعلم إجمالاً: إما بنجاسة الملاقي والملاقى أو بنجاسة الآخر كما لا يخفى، فيتنجز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين، وهو الواحد أو الإثنان(٤) .
المقام الثاني : (في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين).
والحق أن العلم الإجمالي بثبوت التكليف بينهما - أيضاً - يوجب الاحتياط عقلاً بإتيان الأكثر، لتنجزه به حيث تعلق بثبوته فعلاً.
____________________
(١) جعل الشيخ هذا التوهم أحد الاحتمالين في المسألة، مستشهداً له بكلام السيد أبي المكارم في الغنية ولم نعثر عليه في الغنية، نعم استدل أبوالمكارم بايتي تحريم الخبائت وتحريم الميتة، ولكن يظهر ما ذكره الشيخ من كلام السيد المرتضى في الناصريات، للمزيد راجع فرائد الأصول ٢٥٢ والغنية (الجوامع الفقهية ٤٨٩) والناصريات (الجوامع الفقهية ٢١٤).
(٢) أثبتناها من «ب».
(٣) وإن لم يكن احتمال نجاسة ما لاقاه إلّا من ملاقاته، (منهقدسسره ).
(٤) في نسختي «أ و ب» الاثنين.
وتوهم(١) انحلاله إلى العلم بوجوب الأقل تفصيلاً والشك في وجوب الأكثر بدواً - ضرورة لزوم الإتيان بالأقل لنفسه شرعاً، أو لغيره كذلك أو عقلاً، ومعه لا يوجب تنجزه لو كان متعلقاً بالأكثر - فاسد قطعاً، لاستلزام الانحلال المحال، بداهة توقف لزوم الأقل فعلاً إما لنفسه أو لغيره على تنجز التكليف مطلقاً، ولو كان متعلقاً بالأكثر، فلو كان لزومه كذلك مستلزماً لعدم تنجزه إلا إذا كان متعلقاً بالأقل كان خلفاً، مع أنه يلزم من وجوده عدمه؛ لاستلزامه عدم تنجز التكليف على كل حال المستلزم لعدم لزوم الأقل مطلقاً، المستلزم لعدم الانحلال، وما يلزم من وجوده عدمه محال.
نعم إنما ينحل إذا كان الأقل ذا مصلحة ملزمة، فإن وجوبه حينئذ يكون معلوماً له، وإنما كان الترديد لاحتمال أن يكون الأكثر ذا مصلحتين، أو مصلحة أقوى من مصلحة الأقل، فالعقل في مثله وإن استقل بالبراءة بلا كلام، إلا أنه خارج عما هو محل النقض والإبرام في المقام.
هذا مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز إلا بالأكثر، بناءً على ما ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد في المأمور به والمنهي عنه، وكون الواجبات الشرعية ألطافاً في الواجبات العقلية، وقد مرّ(٢) اعتبار موافقة الغرض وحصوله عقلاً في إطاعة الأمر وسقوطه، فلابد من إحرازه في إحرازها، كما لا يخفى.
ولا وجه للتفصي عنه(٣) : تارة بعدم ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على ما ذهب إليه مشهور العدلية، وجريانها على ما ذهب إليه الأشاعرة المنكرين لذلك، أو
____________________
(١) تعريض بالشيخقدسسره ، راجع فرائد الأصول / ٢٧٤.
(٢) في المبحث الخامس من الفصل الثاني من المقصد الأول في الأوامر حيث قال: وإن لم يكد يسقط بذلك فلا يكاد له وجه إلّا عدم حصول غرضه.. إلخ.
(٣) ردّ على الشيخ، أنظر فرائد الأصول / ٢٧٣.
بعض العدلية المكتفين بكون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به.
وأخرى بأن حصول المصلحة واللطف في العبادات لا يكاد يكون إلا بإتيانها على وجه الامتثال، وحينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة أجزائها تفصيلاً - ليؤتى بها مع قصد الوجه - مجال، ومعه لا يكاد يقطع بحصول اللطف والمصلحة الداعية إلى الأمر، فلم يبق إلا التخلص عن تبعة مخالفته بإتيان ما علم تعلقه به، فإنه واجب عقلاً وإن لم يكن في المأمور به مصلحة ولطف رأساً، لتنجزه بالعلم به إجمالاً.
وأما الزائد عليه لو كان فلا تبعة على مخالفته من جهته، فإن العقوبة عليه بلا بيان.
وذلك ضرورة أن حكم العقل بالبراءة - على مذهب الأشعري - لا يجدي من ذهب إلى ما عليه المشهور من العدلية، بل من ذهب إلى ما عليه غير المشهور؛ لاحتمال أن يكون الداعي إلى الأمر ومصلحته - على هذا المذهب أيضاً - هو ما في الواجبات من المصلحة وكونها ألطافاً، فافهم.
وحصول اللطف والمصلحة في العبادة، وإن كان يتوقف على الإتيان بها على وجه الامتثال، إلا أنه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الأجزاء وإتيانها على وجهها، كيف؟ ولا إشكال في إمكان الاحتياط هاهنا كما في المتباينين، ولا يكاد يمكن مع اعتباره. هذا مع وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك، والمراد بالوجه في كلام من صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب اقترانه به، هو وجه نفسه من وجوبه النفسي، لا وجه أجزائه من وجوبها الغيري أو وجوبها العرضي، وإتيان الواجب مقترناً بوجهه غاية ووصفاً بإتيان الأكثر بمكان من الإمكان؛ لانطباق الواجب عليه ولو كان هو الأقل، فيتأتّى من المكلف معه قصد الوجه، واحتمال اشتماله على ما ليس من أجزائه ليس بضائر، إذا قصد وجوب المأتي على إجماله، بلا تمييز ماله دخل في الواجب من أجزائه، لاسيما إذا دار الزائد بين كونه جزءاً لماهيته وجزءاً لفرده، حيث ينطبق الواجب على المأتي حينئذ بتمامه وكماله، لأن الطبيعي
يصدق على الفرد بمشخصاته.
نعم، لو دار بين كونه جزءاً أو مقارناً لما كان منطبقاً عليه بتمامه لو لم يكن جزءاً، لكنه غير ضائر لانطباقه عليه أيضاً فيما لم يكن ذاك الزائد جزءاً غايته، لا بتمامه بل بسائر أجزائه.
هذا مضافاً إلى أن اعتبار قصد الوجه من رأس مما يقطع بخلافه، مع أن الكلام في هذه المسألة لا يختص بما لابد أن يؤتى به على وجه الامتثال من العبادات، مع أنه لو قيل باعتبار قصد الوجه في الامتثال فيها على وجه ينافيه التردد والاحتمال، فلا وجه معه للزوم مراعاة الأمر المعلوم أصلاً، ولو بإتيان الأقل لو لم يحصل الغرض، وللزم الاحتياط بإتيان الأكثر مع حصوله، ليحصل القطع بالفراغ بعد القطع بالاشتغال، لاحتمال بقائه مع الأقل بسبب بقاء غرضه، فافهم.
هذا بحسب حكم العقل.
وأما النقل(١) فالظاهر أن عموم مثل حديث الرفع قاضٍ برفع جزئية ما شك في جزئيته، فبمثله يرتفع الإجمال والتردد عما تردد أمره بين الأقل والأكثر، ويعينه في الأول.
لا يقال(٢) : إن جزئية السورة المجهولة(٣) - مثلاً - ليست بمجعولة وليس لها أثر مجعول، والمرفوع بحديث رافع إنما هو المجعول بنفسه أو أثره، ووجوب الإعادة
____________________
(١) لكنه لا يخفى أنه لا مجال للنقل فيما هو مورد حكم العقل بالاحتياط، وهو ما إذا علم إجمالاً بالتكليف الفعلي، ضرورة أنه ينافيه دفع الجزئية المجهولة، وإنما يكون مورده ما إذا لم يعلم به كذلك، بل علم مجرد ثبوته واقعاً، وبالجملة الشك في الجزئية والشرطية وإن كان جامعاً بين الموردين، إلا أن مورد حكم العقل مع القطع بالفعلية، ومورد النقل هو مجرد الخطاب بالإيجاب، فافهم (منهقدسسره ).
(٢) القائل هو الشيخ الأنصاريقدسسره ، فرائد الأصول / ٢٧٨.
(٣) هكذا صححه في «ب» وفي «أ»: المنسية.
إنما هو أثر بقاء الأمر الأول بعد العلم(١) مع أنه عقلي، وليس إلا من باب وجوب الإطاعة عقلاً.
لأنه يقال: إن الجزئية وإن كانت غير مجعولة بنفسها، إلا أنها مجعولة بمنشأ انتزاعها، وهذا كاف في صحة رفعها.
لا يقال: إنما يكون ارتفاع الأمر الانتزاعي برفع منشأ انتزاعه، وهو الأمر الأول، ولا دليل آخر على أمر آخر بالخالي عنه.
لأنه يقال: نعم، وإن كان ارتفاعه بارتفاع منشأ انتزاعه، إلا أن نسبة حديث الرفع - الناظر إلى الأدلة الدالة على بيان الأجزاء - إليها نسبة الاستثناء، وهو معها يكون دالة على جزئيتها إلا مع [الجهل بها](٢) ، كما لا يخفى، فتدبر جيّداً.
وينبغي التنبيه على أمور:
الأول : إنه ظهر مما مرّ حال دوران الأمر بين المشروط بشيء ومطلقه، وبين الخاص كالإنسان وعامّه كالحيوان، وأنه لا مجال ها هنا للبراءة عقلاً، بل كان الأمر فيهما أظهر، فإن الانحلال المتوهم في الأقل والأكثر لا يكاد يتوهم هاهنا، بداهة أن الأجزاء التحليلية لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة عقلاً، فالصلاة - مثلاً - في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها، وفي ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها وخصوصيتها تكون متبائنة للمأمور بها، كما لا يخفى.
نعم لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الأمر بين المشروط وغيره، دون دوران الأمر(٣) بين الخاص وغيره، لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطية ما شك في شرطيته، وليس كذلك خصوصية الخاص، فإنها إنما تكون منتزعة عن نفس الخاص، فيكون الدوران بينه و [بين] غيره من قبيل الدوران بين
____________________
(١) في «أ»: التذكر.
(٢) في «أ»: نسيانها.
(٣) في «أ»: دون الدوران بين... إلخ.
المتباينين، فتأمل جيّداً.
الثاني : إنه لا يخفى أن الأصل فيما إذا شك في جزئية شيء أو شرطيته في حال نسيانه عقلاً ونقلاً، ما ذكر في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية، فلولا مثل حديث الرفع(١) مطلقاً ولا تعاد(٢) في الصلاة لحكم(٣) عقلاً بلزوم إعادة ما أخل بجزئه أو شرطه نسياناً، كما هو الحال فيما ثبت شرعاً جزئيته أو شرطيته مطلقاً نصاً أو إجماعاً.
ثم لا يذهب عليك أنه كما يمكن رفع الجزئية أو الشرطية في هذا الحال بمثل حديث الرفع، كذلك يمكن تخصيصهما(٤) بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية، كما إذا وجه الخطاب على نحو يعم الذاكر والناسي بالخالي عما شك في دخله مطلقاً، وقد دل دليل آخر على دخله في حق الذاكر، أو وجّه إلى الناسي خطاب يخصه بوجوب الخالي بعنوان آخر عام أو خاص، لا بعنوان الناسي كي يلزم استحالة إيجاب ذلك عليه بهذا العنوان؛ لخروجه عنه بتوجيه الخطاب إليه لا محالة، كما توهم(٥) لذلك استحالة تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر وإيجاب العمل الخالي عن المنسي على الناسي، فلا تغفل.
الثالث : إنه ظهر - ممّا مر - حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطاً أو شطراً في الواجب - مع عدم اعتباره في جزئيته، وإلا لم يكن من زيادته بل من نقصانه - وذلك لاندراجه في الشك في دخل شيء فيه جزءاً أو شرطاً، فيصح لو أتى به مع الزيادة عمداً تشريعاً أو جهلاً قصوراً أو تقصيراً أو سهواً، وإن استقل العقل
____________________
(١) الخصال ٢ / ٤١٧، الحديث ٩ والفقيه ١ / ٣٦ الحديث ٤.
(٢) الفقيه ١ / ٢٢٥، أحكام السهو الحديث ٨، الفقيه ١ / ١٨١، في القبلة / الحديث ١٧، والتهذيب ٢ / ٥٢، ب ٩ / الحديث ٥٥.
(٣) في «ب»: يحكم.
(٤) في «ب»: تخصيصها.
(٥) المتوهم هو الشيخقدسسره ، فرائد الأصول / ٢٨٦.
لولا النقل بلزوم الاحتياط؛ لقاعدة الاشتغال.
نعم لو كان عبادة وأتى به كذلك، على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه، لكان باطلاً مطلقاً أو في صورة عدم دخله فيه، لعدم قصد الامتثال في هذه الصورة، مع استقلال العقل بلزوم الإعادة مع اشتباه الحال لقاعدة الاشتغال.
وأما لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أي حال كان صحيحاً، ولو كان مشرّعاً في دخله الزائد فيه بنحو، مع عدم علمه بدخله، فإن تشريعه في تطبيق المأتي مع المأمور به، وهو لا ينافي قصده الامتثال والتقرب به على كل حال.
ثم إنه ربما تمسك لصحة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة، وهو لا يخلو من كلام ونقض وإبرام خارج عما هو المهم في المقام، ويأتي(١) تحقيقه في مبحث الاستصحاب، إن شاء الله تعالى.
الرابع : إنه لو علم بجزئية شيء أو شرطيته في الجملة، ودار [الأمر] بين أن يكون جزءاً أو شرطاً مطلقاً ولو في حال العجز عنه، وبين أن يكون جزءاً أو شرطاً في خصوص حال التمكن منه، فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأول، لعدم القدرة حينئذ على المأمور به، لا على الثاني فيبقى متعلقاً بالباقي، ولم يكن هناك ما يعين أحد الأمرين، من إطلاق دليل اعتباره جزءاً أو شرطاً، أو إطلاق دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله، لاستقل العقل بالبراءة عن الباقي، فإن العقاب على تركه بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان.
لا يقال: نعم ولكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في حال التمكن منه.
فإنه يقال: إنه لا مجال ها هنا لمثله، بداهة أنه ورد في مقام الامتنان،
____________________
(١) الظاهر انهقدسسره لم يف بوعده، وللمزيد راجع نهاية الدراية ٢ / ٢٨٨.
فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته.
نعم ربما يقال(١) : بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال التعذر أيضاً.
ولكنه لا يكاد يصح إلا بناءً على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلّي، أو على المسامحة في تعيين الموضوع في الاستصحاب، وكان ما تعذر مما يسامح به عرفاً، بحيث يصدق مع تعذره بقاء الوجوب لو قيل بوجوب الباقي، وارتفاعه لو قيل بعدم وجوبه، ويأتي تحقيق الكلام فيه في غير المقام(٢) .
كما أن وجوب الباقي في الجملة ربما قيل(٣) بكونه مقتضى ما يستفاد من قولهصلىاللهعليهوآله : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)(٤) وقوله: (الميسور لا يسقط بالمعسور)(٥) وقوله: (ما لا يدرك كله لا يترك كله)(٦) ودلالة الأول مبنية على كون كلمة (من) تبعيضية، لا بيانية، ولا بمعنى الباء، وظهورها في التبعيض وإن كان مما لا يكاد يخفى، إلا أن كونه بحسب الأجزاء غير واضح، لاحتمال أن يكون بلحاظ الأفراد، ولو سلم فلا محيص عن أنه - هاهنا - بهذا اللحاظ يراد، حديث ورد جواباً عن السؤال عن تكرار الحج بعد أمره به، فقد روي أنه خطب رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٧) ، فقال: (إن الله كتب
____________________
(١) راجع فرائد الأصول / ٢٩٤.
(٢) سيأتي في مبحث الاستصحاب / ٤٢٥.
(٣) راجع فرائد الأصول / ٢٩٤.
(٤) عوالي اللآلي ٤ / ٥٨، مع اختلاف يسير.
(٥) عوالي اللآلي ٤ / ٥٨، باختلاف يسير.
(٦) عوالي اللآلي ٤ / ٥٨، باختلاف يسير.
(٧) راجع مجمع البيان ٢: ٢٥٠، في ذيل الآية ١٠١ من سورة المائدة والتفسير الكبير للفخر الرازي ١٢: ١٠٦ وأنوار التنزيل للبيضاوي ١: ٢٩٤، وفي الأخير فقام سراقة بن مالك.
عليكم الحج، فقام عكاشة(١) - ويروى سراقة بن مالك(٢) - فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً، فقال: ويحك، وما يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم، لوجب، ولو وجب ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تُركتم، وإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).
ومن ذلك ظهر الإشكال في دلالة الثاني أيضاً، حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها، لاحتمال إرادة عدم سقوط الميسور من أفراى العام بالمعسور منها.
هذا مضافاً إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوماً، لعدم اختصاصه بالواجب، ولا مجال لتوهم دلالته على أنه بنحو اللزوم، إلا أن يكون المراد عدم سقوطه بماله من الحكم وجوباً كان أو ندباً، بسبب سقوطه عن المعسور، بأن يكون قضية الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه، حيث إن الظاهر من مثله هو ذلك، كما أن الظاهر من مثل (لا ضرر ولا ضرار)(٣) هو نفي ماله من تكليف أو وضع، لأنها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه وبقائه على عهدة المكلف كي لا يكون له دلالة
____________________
(١) عكاشة بن محصن بن حُرثان، شهد بدراً مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم لم يزل عنده يشهد المشاهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى قتل في قتال أهل الردة، كان عمره عند وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعاً وأربعين سنة. (تهذيب الأسماء ١: ٣٨.رقم ٤١٨).
(٢) سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي، كنيته أبوسفيان، له صحبة، كان يسكن قديد، مات بعد عثمان، روى عنه سعيد بن المسيّب وأبورشدين و عبدالرحمن بن مالك.(الجرح والتعديل ٤: ٣٠٨ رقم ١٣٤٢).
(٣) الكافي ٥ / ٢٩٣، كتاب المعيشة باب الضرار، الحديث ٦.
و: الكافي ٥ / ٢٨٠، كتاب المعيشة باب الشفعة، الحديث ٤.
و: التهذيب ٧ / ١٦٤، باب الشفعة، الحديث ٤.
على جريان القاعدة في المستحبات على وجه، أو لا يكون له دلالة على وجوب الميسور في الواجبات على آخر، فافهم.
وأما الثالث، فبعد تسليم ظهور كون الكل في المجموعي لا الأفرادي، لا دلالة له إلا على رجحان الإتيان بباقي الفعل المأمور به - واجباً كان أو مستحباً - عند تعذر بعض أجزائه؛ لظهور الموصول فيما يعمهما، وليس ظهور (لا يترك) في الوجوب - لو سلم - موجباً لتخصيصه بالواجب، لو لم يكن ظهوره في الأعم قرينة على إرادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي، وكيف كان فليس ظاهراً في اللزوم هاهنا، ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام.
ثم إنه حيث كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفاً، كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط أيضاً؛ لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفاً، كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة، وإن كان فاقد الشرط مبايناً للواجد عقلاً، ولأجل ذلك ربما لا يكون الباقي - الفاقد لمعظم الأجزاء أو لركنها - مورداً لها فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفاً، وإن كان غير مباين للواجد عقلاً.
نعم ربما يلحق به شرعاً مالا يعد بميسور عرفاً بتخطئة للعرف، وإن عدم العد كان لعدم الاطلاع على ما هو عليه الفاقد، من قيامه في هذا الحال بتمام ما قام عليه الواجد، أو بمعظمه في غير الحال، وإلا عدّ أنه ميسوره، كما ربما يقوم الدليل على سقوط ميسور عرفي لذلك - أي للتخطئة - وأنه لا يقوم بشيء من ذلك.
وبالجملة: مالم يكن دليل على الإخراج أو الإلحاق كان المرجع هو الإطلاق، ويستكشف منه أن الباقي قائم بما يكون الامور به قائماً بتمامه، أو بمقدار يوجب إيجابه في الواجب واستحبابه في المستحب، وإذا قام دليل على أحدهما فيخرج أو يدرج تخطئة أو تخصيصاً في الأول، وتشريكاً في الحكم، من دون الاندراج في الموضوع في الثاني، فافهم.
تذنيب : لا يخفى أنه إذا دار الأمر بين جزئية شيء أو شرطيته، وبين مانعيته
أو قاطعيته، لكان من قبيل المتباينين، ولا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين، لإمكان الاحتياط بإتيان العمل مرتين، مع ذاك الشيء مرة وبدونه أخرى، كما هو أوضح من أن يخفى.
خاتمة: في شرائط الأصول
أما الاحتياط : فلا يعتبر في حسنه شيء أصلاً، بل يحسن على كل حال، إلا إذا كان موجباً لاختلال النظام، ولا تفاوت فيه بين المعاملات والعبادات مطلقاً ولو كان موجباً للتكرار فيها، وتوهم(١) كون التكرار عبثاً ولعباً بأمر المولى - وهو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة - فاسد؛ لوضوح أن التكرار ربما يكون بداعٍ صحيح عقلائي، مع أنه لو لم يكن بهذا الداعي وكان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داعٍ له سواه لما ينافي قصد الامتثال، وإن كان لاغياً في كيفية امتثاله، فافهم.
بل يحسن أيضاً فيما قامت الحجة على البراءة عن التكليف لئلا يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته، من المفسدة وفوت المصلحة.
وأما البراءة العقلية : فلا يجوز إجراؤها إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجة على التكليف، لما مرت(٢) الإشارة إليه من عدم استقلال العقل بها إلا بعدهما.
وأما البراءة النقلية : فقضية إطلاق أدلتها وإن كان هو عدم اعتبار
____________________
(١) المتوهم هو الشيخ (قده) راجع فرائد الأصول، ص ٢٩٩.
(٢) في الاستدلال على البراءة بالدليل القطعي، ص ٣٤٣.
الفحص في جريانها، كما هو حالها في الشبهات الموضوعية، إلا أنه استدل(١) على اعتباره بالإجماع وبالعقل، فإنه لا مجال لها بدونه، حيث يعلم إجمالاً بثبوت التكليف بين موارد الشبهات، بحيث لو تفحص عنه لظفر به.
ولا يخفى أن الإجماع هاهنا غير حاصل، ونقله لوهنه بلا طائل، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب لو لم يكن عادة بمستحيل، لقوة احتمال أن يكون المستند للجل - لولا الكل - هو ما ذكر من حكم العقل، وأن الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجز، إما لانحلال العلم الإجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، أو لعدم الابتلاء إلا بما لا يكون بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات، ولو لعدم الالتفات إليها.
فالأولى الاستدلال للوجوب بما دل من الآيات(٢) والأخبار(٣) على وجوب التفقة والتعلم، والمؤاخذة على ترك التعلم في مقام الاعتذار عن عدم العمل بعدم العلم، بقوله تعالى كما في الخبر(٤) : (هلا تعلمت) فيقيد بها أخبار البراءة، لقوة ظهورها في أن المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلم فيما لم يعلم، لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو إجمالاً، فلا مجال للتوفيق بحمل هذه الأخبار على ما إذا علم إجمالاً، فافهم.
ولا يخفى اعتبار الفحص في التخيير العقلي أيضاً بعين ما ذكر في البراءة، فلا تغفل.
ولا بأس بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من
____________________
(١) راجع فرائد الأصول / ٣٠٠ و ٣٠١.
(٢) التوبة: ١٢٢ والنحل: ٤٣.
(٣) الفقيه ٦ / ٢٧٧، الباب ١٧٦ ذيل الحديث ١٠ - الكافي ١ / كتاب ٢ / احاديث الباب ١.
(٤) الأمالي للشيخ / ٩ - الصافي / ٥٥٥.
التبعة والأحكام.
أما التبعة، فلا شبهة في استحقاق العقوبة على المخالفة فيما إذا كان ترك التعلم والفحص مؤدياً إليها، فإنها وإن كانت مغفولة حينها وبلا اختيار، إلا أنها منتهية إلى الاختيار، وهو كافٍ في صحة العقوبة، بل مجرد تركهما كاف في صحتها، وإن لم يكن مؤدياً إلى المخالفة، مع احتماله، لأجل التجري وعدم المبالاة بها.
نعم يشكل في الواجب المشروط والمؤقت، لو أدى تركهما قبل الشرط والوقت إلى المخالفة بعدهما، فضلاً عما إذا لم يؤد إليها، حيث لا يكون حينئذ تكليف فعلي أصلاً، لا قبلهما وهو واضح، ولا بعدهما وهو كذلك، لعدم(١) التمكن منه بسبب الغفلة، ولذا التجأ المحقق الأردبيلي(٢) وصاحب المدارك(٣) (قدسسرهما) إلى الالتزام بوجوب التفقه والتعلم نفسياً تهيئياً، فتكون العقوبة على ترك التعلم نفسه لا على ما أدى اليه من المخالفة.
فلا إشكال حينئذ في المشروط والمؤقت، ويسهل بذلك الأمر في غيرهما لو صعب على أحد، ولم تصدق كفاية الانتهاء إلى الاختيار في استحقاق العقوبة على ما كان فعلاً مغفولاً عنه وليس بالاختيار، ولا يخفى أنه لا يكاد ينحل هذا الإشكال إلا بذلك، أو الالتزام بكون المشروط أو المؤقت مطلقاً معلقاً، لكنه قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلاً بالوجوب قبل الشرط أو الوقت غير التعلم،
____________________
(١) إلا أن يقال بصحة المؤاخذة على ترك المشروط أو الموقت عند العقلاء إذا تمكن منهما في الجملة، ولو بأن تعلّم وتفحّص إذا التفت، وعدم لزوم التمكن منهما بعد حصول الشرط ودخول الوقت مطلقاً، كما يظهر ذلك من مراجعة العقلاء ومؤاخذتهم العبيد على ترك الواجبات المشروطة أو المؤقتة، بترك تعلمها قبل الشرط أو الوقت المؤدي إلى تركها بعد حصوله أو دخوله، فتأمل (منهقدسسره ).
(٢) راجع كلامهقدسسره في مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان ٢ / ١١٠، عند قوله: واعلم أيضاً أنّ سبب بطلان الصلاة... الخ.
(٣) راجع مدارك الأحكام / ١٢٣، في مسألة إخلال المصلي بإزالة النجاسة عن بدنه أو ثوبه.
فيكون الإيجاب حاليّاً، وإن كان الواجب استقبالياً قد أُخذ على نحو لا يكاد يتصف بالوجوب شرطه، ولا غير التعلم من مقدماته قبل شرطه أو وقته.
وأما لو قيل بعدم الإيجاب إلا بعد الشرط والوقت، كما هو ظاهر الأدلة وفتاوى المشهور، فلا محيص عن الالتزام يكون وجوب التعلم نفسيّاً، لتكون العقوبة - لو قيل بها - على تركه لا على ما أدى إليه من المخالفة، ولا بأس به كما لا يخفى، ولا ينافيه مايظهر من الأخبار من كون وجوب التعلم إنما هو لغيره لا لنفسه، حيث أن وجوبه لغيره لا يوجب كونه واجباً غيرياً يترشح وجوبه من وجوب غيره فيكون مقدميّاً، بل للتهيّؤ لإيجابه، فافهم.
وأما الأحكام، فلا إشكال في وجوب الإعادة في صورة المخالفة، بل في صورة الموافقة أيضاً في العبادة، فيما لا يتأتّى منه قصد القربة وذلك لعدم الإتيان بالمأمور به مع عدم دليل على الصحة والإجزاء، إلّا في الإتمام في موضع القصر أو الاجهار أو الاخفات في موضع الآخر، فورد في الصحيح(١) - وقد أفتى به المشهور - صحة الصلاة وتماميتها في الموضعين مع الجهل مطلقاً، ولو كان عن تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها؛ لأن ما أتى بها وإن صحت وتمت إلا أنها ليست بمأمور بها.
إن قلت: كيف يحكم بصحتها مع عدم الأمر بها؟ وكيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها، حتى فيما إذا تمكن مما أمر بها؟ كما هو ظاهر إطلاقاتهم، بأن علم بوجوب القصر أو الجهر بعد الإتمام والإخفات وقد بقي من الوقت مقدار إعادتها قصراً أو جهراً، ضرورة أنه لا تقصير هاهنا يوجب
____________________
(١) التهذيب ٣ / ٢٢٦، الباب ٢٣ الصلاة في السفر، الحديث / ٨٠، وسائل الشيعة ٥ / ٥٣١ الباب: ١٧ من أبواب صلاة المسافر الحديث ٤.
التهذيب ٢ / ١٦٢ الباب ٩ تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون، الحديث ٩٣.
ووسائل الشيعة ٤ / ٧٦٦ الباب ٢٦ من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث ١.
استحقاق العقوبة، وبالجملة كيف يحكم بالصحة بدون الأمر؟ وكيف يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإعادة؟ لولا الحكم شرعاً بسقوطها وصحة ما أتى بها.
قلت: إنما حكم بالصحة لأجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في نفسها مهمة في حد ذاتها، وإن كانت دون مصلحة الجهر والقصر، وإنما لم يؤمر بها لأجل أنه أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل والأتم.
وأما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإعادة فإنها بلا فائدة، إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في المأمور بها، ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلاً - مع تمكنه من التعلم - فقد قصر، ولو علم بعده وقد وسع الوقت.
فانقدح أنه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام، ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلاة الإخفات، وإن كان الوقت باقياً.
إن قلت: على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سبباً لتفويت الواجب فعلاً، وما هو سبب لتفويت الواجب كذلك حرام، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.
قلت: ليس سبباً لذلك، غايته أنه يكون مضاداً له، وقد حققنا في محله(١) أن الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلاً.
لا يقال: على هذا فلو صلى تماماً أو صلى إخفاتاً - في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبهما في موضعهما - لكانت صلاته صحيحة، وإن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر.
فإنه يقال: لا بأس بالقول به لو دل دليل على أنها تكون مشتملة على المصلحة
____________________
(١) مبحث الضد، في الأمر الثاني، عند دفع توهم المقدمية بين الضدين ص ١٣٠.
ولو مع العلم، لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل، ولا بعد أصلاً في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شيء والجهل به، كما لا يخفى. وقد صار بعض الفحول(١) بصدد بيان إمكان كون المأتي به في غير موضعه مأموراً به بنحو الترتب، وقد حققناه في محبث الضد امتناع الأمر بالضدين مطلقاً، ولو بنحو الترتب، بما لا مزيد عليه فلا نعيد.
ثم إنه ذكر(٢) لأصل البراءة شرطان آخران:
أحدهما : أن لا يكون موجباً لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى.
ثانيهما : أن لا يكون موجباً للضرر على آخر.
ولا يخفى أن أصالة البراءة عقلاً ونقلاً في الشبهة البدوية بعد الفحص لا محالة تكون جارية، وعدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية والإباحة أو رفع التكليف الثابت بالبراءة النقلية، لو كان موضوعاً لحكم شرعي أو ملازماً له فلا محيص عن ترتبه عليه بعد إحرازه، فإن لم يكن مترتباً عليه بل على نفي التكليف واقعاً، فهي وإن كانت جارية إلا أن ذاك الحكم لا يترتب، لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها، وهذا ليس بالاشتراط.
وأما اعتبار أن لا يكون موجباً للضرر، فكل مقام تعمه قاعدة نفي الضرر وإن لم يكن مجال فيه لأصالة البراءة، كما هو حالها مع سائر القواعد الثابتة بالأدلة الاجتهادية، إلا أنه حقيقةً لا يبقى لها مورد، بداهة أن الدليل الاجتهادي يكون بياناً وموجباً للعلم بالتكليف ولو ظاهراً، فإن كان المراد من الاشتراط ذلك، فلابد من اشتراط أن لا يكون على خلافها دليل اجتهادي، لا خصوص قاعدة الضرر، فتدبر، والحمد لله على كل حال.
____________________
(١) وهو كاشف الغطاءقدسسره كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء / ٢٧ في البحث الثامن عشر.
(٢) ذكرهما الفاضل التوني (قده) في الوافية / ٧٩، في شروط التمسّك بأصالة البراءة.
ثم إنه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان قاعدة الضرر والضرار على نحو الاقتصار، وتوضيح مدركها وشرح مفادها، وإيضاح نسبتها مع الأدلة المثبتة للأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأوّلية أو الثانوية، وإن كانت اجنبية عن مقاصد الرسالة، إجابةً لالتماس بعض الأحبّة، فأقول وبه أستعين:
إنه قد استدل عليها بأخبار كثيرة:
منها: موثقة زرارة(١) ، عن أبي جعفرعليهالسلام : (إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، وكان سمرة يمرّ إلى نخلته ولا يستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فجاء الأنصاري إلى النبيصلىاللهعليهوآله فشكى إليه، فأخبر بالخبر، فأرسل رسول الله وأخبره بقول الأنصاري وما شكاه، فقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلما أبى فساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيعه، فقال: لك بها عذق في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله للأنصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار).
وفي رواية الحذّاء(٢) عن أبي جعفرعليهالسلام مثل ذلك، ألا أنه فيها بعد الإباء (ما أراك يا سمرة إلا مضاراً، إذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في قصة سمرة وغيرها(٣) . وهي كثيرة وقد ادّعي(٤) تواترها، مع اختلافها لفظاً ومورداً، فليكن المراد به تواترها إجمالاً، بمعنى
____________________
(١) التهذيب ٧: ١٤٦، الحديث ٣٦ من باب بيع الماء، مع اختلاف لا يخل بالمقصود.
الكافي ٥: ٢٩٢، الحديث ٢ من باب الضرار.
الفقيه ٣: ١٤٧ الحديث ١٨ من باب المضاربة.
(٢) الفقيه ٣: ٥٩ الحديث ٩ الباب ٤٤ حكم الحريم.
(٣) الفقيه ٣: ٤٥ الحديث ٢ الباب ٣٦ الشفعة.
الكافي ٥: ٢٨٠ الحديث ٤ باب الشفعة.
التهذيب ٧: ١٦٤، ٧٢٧.
(٤) إيضاح الفوائد: فخر المحققين ٢: ٤٨ كتاب الدين، فصل التنازع.
القطع بصدور بعضها، والانصاف أنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف، وهذا مع استناد المشهور إليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها، مع أن بعضها موثقة، فلا مجال للإشكال فيها من جهة سندها، كما لا يخفى.
وأما دلالتها، فالظاهر أن الضرر هو ما يقابل النفع، من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال، تقابل العدم والملكة، كما أن الأظهر أن يكون الضرار معنى الضرر جيء به تأكيداً، كما يشهد به إطلاق المضارّ على سمرة، وحكي عن النهاية(١) لا فعل الاثنين، وإن كان هو الأصل في باب المفاعلة، ولا الجزاء على الضرر لعدم تعاهده من باب المفاعلة، وبالجملة لم يثبت له معنى آخر غير الضرر.
كما أن الظاهر أن يكون (لا) لنفي الحقيقة، كما هو الأصل في هذا التركيب حقيقةً أو ادعاءً، كنايةً عن نفي الآثار، كما هو الظاهر من مثل: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)(٢) و (يا أشباه الرجال ولا رجال)(٣) فإن قضية البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاءً، لا نفي الحكم أو الصفة، كما لا يخفى.
ونفي الحقيقة ادعاءً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداءً مجازاً في التقدير أو في الكلمة، مما لا يخفى على من له معرفة بالبلاغة.
وقد انقدح بذلك بُعد إرادة نفي الحكم الضرري(٤) ، أو الضرر الغير المتدارك(٥) ، أو إرادة النهي من النفي جداً(٦) ، ضرورة بشاعة استعمال الضرر
____________________
(١) النهاية لابن الاثير ٣: ٨١ مادة ضرر.وفيها «الضرار: فعل الاثنين.... وقيل هما بمعنى، وتكرارهما للتأكيد».
(٢) دعائم الإسلام ١: ١٤٨ في ذكر المساجد.
(٣) نهج البلاغة، الخطبة ٢٧.
(٤) التزم به الشيخ في فرائد الأصول / ٣١٤ في الشرط الثاني المحكي عن الفاضل التوني من شروط اصالة البراءة، وكذا في رسالة قاعدة لا ضرر المطبوعة في المكاسب ٣٧٣.
(٥) ذهب اليه الفاضل التونيرحمهالله ، الوافية / ٧٩، في شروط التمسك بأصالة البراءة.
(٦) اختاره السيد مير فتاح، العناوين / ١٩٨، العنوان العاشر. ومال اليه شيخ الشريعة الاصفهاني، =
وإرادة خصوص سبب من أسبابه، أو خصوص الغير المتدارك منه، ومثله لو أُريد ذاك بنحو التقييد، فإنه وإن لم يكن ببعيد، إلا أنه بلا دلالة عليه غير سديد، وإرادة النهي من النفي وإن كان ليس بعزيز، إلا أنه لم يعهد من مثل هذا التركيب، وعدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة لا يكاد يكون قرينة على إرادة واحد منها، بعد إمكان حمله على نفيها إدعاءً، بل كان هو الغالب في موارد استعماله.
ثم الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها، أو المتوهّم ثبوته لها كذلك في حال الضرر لا الثابت له بعنوانه، لوضوح أنه العلّة للنفي، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه.
ومن هنا لا يلاحظ النسبة بين أدلّة نفيه وأدلّة الأحكام، وتقدم أدلّته على أدّلتها - مع أنها عموم من وجه - حيث أنه يوفّق بينهما عرفاً، بأن الثابت للعناوين الأولّية إقتضائي، يمنع عنه فعلاً ما عرض عليها من عنوان الضرر بأدلّته، كما هو الحال في التوفيق بين سائر الأدلّة المثبتة أو النافية لحكم الأفعال بعناوينها الثانوية، والأدلّة المتكفّلة لحكمها بعناوينها الأوّلية.
نعم ربما يعكس الأمر فيما أحرز بوجه معتبر أن الحكم في المورد ليس بنحو الاقتضاء، بل بنحو العليّة التامة.
وبالجملة الحكم الثابت بعنوان أوّلي:
تارة يكون بنحو الفعلية مطلقاً، أو بالإضافة إلى عارض دون عارض، بدلالة لا يجوز الإغماض عنها بسبب دليل حكم العارض المخالف له، فيقدّم دليل ذاك العنوان على دليله.
وأخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الإغماض عنها بسببه عرفاً، حيث كان اجتماعهما قرينة على أنه بمجرد المقتضي، وأن العارض مانع فعلي، هذا
____________________
= قاعدة لا ضرر ولا ضرار، ٤٤.
ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله، لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله، كما قيل(١) .
ثم انقدح بذلك حال توارد دليلي العارضين، كدليل نفي العسر ودليل نفي الضرر مثلاً، فيعامل معهما معاملة المتعارضين لو لم يكن من باب تزاحم المقتضيين، وإلا فيقدم ما كان مقتضيه أقوى وإن كان دليل الآخر أرجح وأولى، ولا يبعد أن الغالب في توارد العارضين أن يكون من ذاك الباب، بثبوت المقتضي فيهما مع تواردهما، لا من باب التعارض، لعدم ثبوته إلا في أحدهما، كما لا يخفى؛ هذا حال تعارض الضرر مع عنوان أولي أو ثانوي آخر.
وأما لو تعارض مع ضرر آخر، فمجمل القول فيه أن الدوران إن كان بين ضرري شخص واحد أو إثنين، فلا مسرح إلا لاختيار أقلهما لو كان، وإلا فهو مختار.
وأما لو كان بين ضرر نفسه وضرر غيره، فالأظهر عدم لزوم تحمله الضرر، ولو كان ضرر الآخر أكثر، فإن نفيه يكون للمنة على الأمة، ولا منة على تحمل الضرر، لدفعه عن الآخر وإن كان أكثر.
نعم لو كان الضرر متوجهاً إليه، ليس له دفعه عن نفسه بإيراده على الآخر، اللّهم إلا أن يقال: إن نفي الضرر وإن كان للمنة، إلا أنه بلحاظ نوع الأمة، واختيار الأقل بلحاظ النوع منّة، فتأمل.
____________________
(١) التزم الشيخ (قده) بحكومة دليل لا ضرر على أدلة العناوين الأولية، فرائد الأصول ٣١٥، في الشرط الثاني مما ذكره عن الفاضل التوني من شروط البراءة.
فصل
في الاستصحاب : وفي حجيته إثباتاً ونفياً أقوال للأصحاب.
ولا يخفى أن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى، إلا أنه تشير إلى مفهوم واحد ومعنى فارد، وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه:
إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقاً، أو في الجملة تعبداً، أو للظن به الناشيء عن ملاحظة ثبوته سابقاً.
وإما من جهة دلالة النص أو دعوى الإجماع عليه كذلك، حسبما تأتي الإشارة إلى ذلك مفصلاً.
ولا يخفى أن هذا المعنى هو القابل لأن يقع فيه النزاع والخلاف في نفيه وإثباته مطلقاً أو في الجملة، وفي وجه ثبوته، على أقوال.
ضرورة أنه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظن به الناشئ مع العلم بثبوته، لما تقابل فيه الأقوال، ولما كان النفي والإثبات واردين على مورد واحد بل موردين، وتعريفه بما ينطبق على بعضها، وإن كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه، إلا أنه حيث لم يكن بحد ولا برسم بل من قبيل شرح الاسم، كما هو الحال في التعريفات غالباً، لم يكن له دلالة على أنه نفس
الوجه، بل للإشارة إليه من هذا الوجه، ولذا لا وقع للإشكال على ما ذكر في تعريفه بعدم الطرد أو العكس، فإنه لم يكن به إذا لم يكن بالحد أو الرسم بأس.
فانقدح أن ذكر تعريفات القوم له، وما ذكر فيها من الإشكال، بلا حاصل وطول بلا طائل.
ثم لا يخفى أن البحث في حجيّته(١) مسألة أصولية، حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعية، وليس مفادها حكم العقل بلا واسطة، وإن كان ينتهي إليه، كيف؟ وربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكماً أصولياً كالحجية مثلاً، هذا لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا.
وأما لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته، أو الظن به الناشئ من ملاحظة ثبوته، فلا إشكال في كونه مسألة أصولية.
وكيف كان، فقد ظهر مما ذكرنا في تعريف اعتبار أمرين في مورده: القطع بثبوت شيء، والشك في بقائه، ولا يكاد يكون الشك في البقاء إلا مع اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة بحسب الموضوع والمحمول، وهذا مما لا غبار عليه في الموضوعات الخارجية في الجملة.
وأما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل أم النقل، فيشكل حصوله فيها، لأنه لا يكاد يشك في بقاء الحكم إلا من جهة الشك في بقاء موضوعه، بسبب تغير بعض ما هو عليه مما احتمل دخله فيه حدوثاً أو بقاءً، وإلا لما تخلف(٢) الحكم عن موضوعه إلا بنحو البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى، ولذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعاً لا رفعاً.
____________________
(١) في «ب»: حجية.
(٢) في «ب»: لا يتخلف.
ويندفع هذا الإشكال، بأن الاتحاد في القضيتين بحسبهما، وإن كان مما لا محيص عنه في جريانه، إلا أنه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف كافياً في تحققه وفي صدق الحكم ببقاء ما شك في بقائه، وكان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيات التي يقطع معها بثبوت الحكم له، مما يعد بالنظر العرفي من حالاته - وإن كان واقعاً من قيوده ومقوماته - كان جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها عند الشك فيها - لأجل طروء انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها، مما عد من حالاتها لا من مقوماتها، بمكان من الإمكان، ضرورة [صحة](١) إمكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبداً، أو لكونه مظنوناً ولو نوعاً، أو دعوى دلالة النص أو قيام الإجماع عليه قطعاً، بلا تفاوت(٢) في ذلك بين كون دليل الحكم نقلاً أو عقلاً.
أما الأول فواضح، وأما الثاني، فلأن الحكم الشرعي المستكشف به عند طروء انتفاء ما احتمل دخله في موضوعه، مما لا يرى مقوماً له، كان مشكوك البقاء عرفاً، لاحتمال عدم دخله فيه واقعاً، وإن كان لا حكم للعقل بدونه قطعاً.
إن قلت: كيف هذا؟ مع الملازمة بين الحكمين.
قلت: ذلك لأن الملازمة إنما تكون في مقام الإثبات والاستكشاف لا في مقام الثبوت، فعدم استقلال العقل إلا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع في غير تلك الحال، وذلك لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو المفسدة التي هي ملاك حكم العقل، كان على حاله في كلتا الحالتين، وإن لم يدركه إلا في إحداهما؛ لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه، أو احتمال أن يكون معه ملاك آخر بلا دخل لها فيه أصلاً، وإن كان لها دخل فيما اطلع عليه من الملاك.
وبالجملة: حكم الشرع إنما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعاً، لا ما هو
____________________
(١) أثبتناها من «ب».
(٢) إشارة إلى تضعيف تفصيل الشيخ (قده)، فرائد الأصول / ٣٢٥.
مناط حكمه فعلاً، وموضوع حكمه كذلك مما لا يكاد يتطرق إليه الإهمال والإجمال، مع تطرقه إلى ما هو موضوع حكمه شأناً، وهو ما قام به ملاك حكمه واقعاً، فرب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله، فبدونها لا استقلال له بشيء قطعاً، مع احتمال بقاء ملاكه واقعاً. ومعه يحتمل بقاء حكم الشرع جداً لدورانه معه وجوداً وعدماً، فافهم وتأمل جيداً.
ثم إنه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجية الاستصحاب مطلقاً، وعدم حجيته كذلك، والتفصيل بين الموضوعات والأحكام، أو بين ما كان الشك في الرافع وما كان في المقتضي، إلى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة، على أقوال شتّى لا يهمنا نقلها ونقل ما ذكر من الاستدلال عليها، وإنما المهم الاستدلال على ما هو المختار منها، وهو الحجية مطلقاً، على نحو يظهر بطلان سائرها، فقد استدل عليه بوجوه:
الوجه الأول : استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة، وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً.
وفيه: أولاً منع استقرار بنائهم على ذلك تعبداً، بل إما رجاءً واحتياطاً، أو اطمئناناً بالبقاء، أو ظناً ولو نوعاً، أو غفلةً كما هو الحال في سائر الحيوانات دائماً وفي الإنسان أحياناً.
وثانياً: سلمنا ذلك، لكنه لم يعلم أن الشارع به راضٍ وهو عنده ماضٍ، ويكفي في الردع عن مثله ما دل من الكتاب والسنة على النهي عن اتباع غير العلم، ومادل على البراءة أو الاحتياط في الشبهات، فلا وجه لاتباع هذا البناء فيما لابد في اتباعه من الدلالة على إمضائه، فتأمل جيداً.
الوجه الثاني (١) : إن الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق.
وفيه: منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلاً ولا نوعاً، فإنه لا وجه له أصلاً إلا كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع إمكان أن لا يدوم، وهو غير معلوم، ولو سلم، فلا دليل على اعتباره بالخصوص، مع نهوض الحجة على عدم اعتباره بالعموم.
الوجه الثالث : دعوى الإجماع عليه، كما عن المبادئ(٢) حيث قال:
الاستصحاب حجة، لإجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم، ثم وقع الشك في أنه طرأ ما يزيله أم لا؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أولاً، ولو لا القول بأن الاستصحاب حجة، لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجح، انتهى. وقد نقل عن غيره(٣) أيضاً.
وفيه: إن تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة مما له مبانٍ مختلفة في غاية الإشكال، ولو مع الاتفاق، فضلاً عما إذا لم يكن وكان مع الخلاف من المعظم، حيث ذهبوا إلى عدم حجيته مطلقاً أو في الجملة، ونقله موهون جداً لذلك، ولو قيل بحجيته لولا ذلك.
الوجه الرابع : وهو العمدة في الباب، الأخبار المستفيضة.
منها: صحيحة زرارة(٤) (قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء،
____________________
(١) راجع شرح مختصر الاصول / ٥٣.
(٢) مبادئ الأصول/٢٥٠، ونظير هذا ما عن النهاية على ما حكاه الشيخ -قدسسره - فرائد الأصول /٣٢٩.
(٣) راجع معالم الأصول / ٢٣١، الدليل الرابع.
(٤) التهذيب ١ / ٨ الباب ١ ح ١١، باختلاف يسير في اللفظ.
أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ قال: يا زرارة، قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن، وإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء، قلت: فإن حُرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم، قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشك، ولكنه ينقضه بيقين آخر).
وهذه الرواية وإن كانت مضمرة إلا أن إضمارها لا يضر باعتبارها، حيث كان مضمرها مثل زرارة، وهو ممن لا يكاد يستفتي من غير الإمام -عليهالسلام - لا سيما مع هذا الاهتمام.
وتقريب الاستدلال بها أنه لا ريب في ظهور قولهعليهالسلام : (وإلا فإنه على يقين.. إلى آخره) عرفاً في النهي عن نقض اليقين بشيء بالشك فيه، وأنهعليهالسلام بصدد بيان ما هو علة الجزاء المستفاد من قولهعليهالسلام : (لا) في جواب: (فإن حرك في جنبه... إلى آخره)، وهو اندراج اليقين والشك في مورد السؤال في القضية الكلية الارتكازية الغير المختصة بباب دون باب، واحتمال أن يكون الجزاء هو قوله: (فإنه على يقين... إلى آخره) غير سديد، فإنه لا يصح إلا بارادة لزوم العمل على طبق يقينه، وهو إلى الغاية بعيد، وأبعد منه كون الجزاء قوله: (لا ينقض.. إلى آخره) وقد ذكر: (فإنه على يقين) للتمهيد.
وقد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية: (لا تنقض... إلى آخره) باليقين والشك بباب الوضوء جداً، فإنه ينافيه ظهور التعليل في أنه بأمر ارتكازي لا تعبدي قطعاً، ويؤيده تعليل الحكم بالمضي مع الشك في غير الوضوء في غير هذه الرواية بهذه القضية أو ما يرادفها، فتأمل جيداً.
هذا مع أنه لا موجب لاحتماله إلا احتمال كون اللام في اليقين للعهد، إشارة إلى اليقين في (فإنه على يقين من وضوئه) مع أن الظاهر أنه للجنس، كما هو
الأصل فيه، وسبق: (فإنه على يقين... إلى آخره) لا يكون قرينة عليه، مع كمال الملاءمة مع الجنس أيضاً، فافهم.
مع أنه غير ظاهر في اليقين بالوضوء، لقوة احتمال أن يكون (من وضوئه) متعلقاً بالظرف لا ب(يقين)، وكان المعنى: فإنه كان من طرف وضوئه على يقين، وعليه لا يكون الأوسط(١) إلا اليقين، لا اليقين بالوضوء، كما لا يخفى على المتأمل.
وبالجملة: لا يكاد يشك في ظهور القضية في عموم اليقين والشك، خصوصاً بعد ملاحظة تطبيقها في الأخبار على غير الوضوء أيضاً.
ثم لا يخفى حسن اسناد النقض - وهو ضد الإبرام - إلى اليقين، ولو كان متعلقاً بما ليس فيه اقتضاء للبقاء والاستمرار، لما يتخيل فيه من الاستحكام بخلاف الظن، فإنه يظن أنه ليس فيه إبرام واستحكام وإن كان متعلقاً بما فيه اقتضاء ذلك، وإلا لصح أن يسند إلى نفس ما فيه المقتضي له، مع ركاكة مثل (نقضت الحجر من مكانه) ولما صح أن يقال: (انتقض اليقين باشتعال السراج) فيما إذا شك في بقائه للشك في استعداده، مع بداهة صحته وحسنه.
وبالجملة: لا يكاد يشك في أن اليقين كالبيعة والعهد إنما يكون حسن إسناد النقض إليه بملاحظته لا بملاحظة متعلقة، فلا موجب لإرادة ما هو أقرب إلى الأمر المبرم، أو أشبه بالمتين المستحكم مما فيه اقتضاء البقاء لقاعدة (إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات) بعد تعذر إرادة مثل ذاك الأمر مما يصح إسناد النقض إليه حقيقة.
فإن قلت: نعم، ولكنه حيث لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة، فلو لم يكن هناك اقتضاء البقاء في المتيقن لما صح إسناد الانتقاض إليه بوجهٍ
____________________
(١) كذا صححه في «ب» وفي «أ»: الأصغر.
ولو مجازاً، بخلاف ما إذا كان هناك، فإنه وإن لم يكن معه أيضاً انتقاض حقيقة إلا أنه صح إسناده إليه مجازاً، فإن اليقين معه كأنه تعلق بأمر مستمرّ مستحكم قد انحلَّ وانفصم بسبب الشك فيه، من جهة الشك في رافعه.
قلت: الظاهر أن وجه الإسناد هو لحاظ اتّحاد متعلقي اليقين والشك ذاتاً، وعدم ملاحظة تعددهما زماناً، وهو كافٍ عرفاً في صحة إسناد النقض إليه واستعارته له، بلا تفاوت في ذلك أصلاً في نظر أهل العرف، بين ما كان هناك اقتضاء البقاء وما لم يكن، وكونه مع المقتضي أقرب بالانتقاض وأشبه لا يقتضي تعيينه لأجل قاعدة (إذا تعذرت الحقيقة)، فإن الاعتبار في الأقربية إنما هو بنظر العرف لا الاعتبار، وقد عرفت عدم التفاوت بحسب نظر أهله، هذا كله في المادة.
وأما الهيئة، فلا محالة يكون المراد منها النهي عن الانتقاض بحسب البناء والعمل لا الحقيقة، لعدم كون الانتقاض بحسبها تحت الاختيار، سواء [أ] كان متعلقاً باليقين - كما هو ظاهر القضية - أو بالمتيقن، أو بآثار اليقين بناء على التصرف فيها بالتجوز أو الاضمار، بداهة أنّه كما لا يتعلق النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه بنفس اليقين، كذلك لا يتعلق بما كان على يقين منه أو أحكام اليقين، فلا يكاد(١) يجدي التصرف بذلك في بقاء الصيغة على حقيقتها، فلا مجوّز له فضلاً عن الملزِم، كما توهّم.
لا يقال: لا محيص عنه، فإن النهي عن النقض بحسب العمل لا يكاد يراد بالنسبة إلى اليقين وآثاره، لمنافاته مع المورد.
فإنه يقال: إنما يلزم لو كان اليقين ملحوظاً بنفسه وبالنظر الاستقلالي،
____________________
(١) فيه تعريض بالشيخقدسسره فرائد الأصول / ٣٣٦، عند قوله: ثم لا يتوهم الاحتياج... الخ.
لا ما إذا كان ملحوظاً بنحو المرآتية بالنظر الآلي، كما هو الظاهر في مثل قضية (لا تنقض اليقين) حيث تكون ظاهرة عرفاً في أنها كناية عن لزوم البناء والعمل، بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبداً إذا كان حكماً، ولحكمه إذا كان موضوعاً، لا عبارة عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام بحكم مماثل لحكمه شرعاً، وذلك لسراية الآلية والمرآتيّة من اليقين الخارجي إلى مفهومه الكلّي، فيؤخذ في موضوع الحكم في مقام بيان حكمه، مع عدم دخله فيه أصلاً، كما ربما يؤخذ فيما له دخل فيه، أو تمام الدخل، فافهم.
ثم إنه حيث كان كلّ من الحكم الشّرعي وموضوعه مع الشك قابلاً للتنزيل بلا تصرّف وتأويل، غاية الأمر تنزيل الموضوع بجعل مماثل حكمه، وتنزيل الحكم بجعل مثله - كما أشير إليه آنفاً - كان قضيّة (لا تنقض) ظاهرة في اعتبار الاستصحاب في الشبهات الحكمية والموضوعية، واختصاص المورد بالأخيرة لا يوجب تخصيصها بها، خصوصاً بعد ملاحظة أنها قضية كلّية ارتكازية، قد أتي بها في غير مورد لأجل الاستدلال بها على حكم المورد، فتأمّل.
ومنها : صحيحة أُخرى لزرارة(١) : (قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني، فعلَّمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فحضرت الصلاة، ونسيت أن بثوبي شيئاً وصلَّيت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله، قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنه قد أصابه، فطلبته ولم أقدر عليه، فلما صليت وجدته، قالعليهالسلام : تغسله وتعيد، قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئاً فصليت، فرأيت فيه، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك؟
____________________
(١) تهذيب الاحكام ١: ٤٢١ الباب ٢٢، الحديث ٨.
قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً، قلتُ: فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه، ولم أدر أين هو، فأغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها، حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت: فهل عليّ إن شككت في أنه أصابه شيىء أن أنظر فيه؟ قال: لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك، قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: تنقض الصلاة وتعيد، إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطباً، قطعت الصلاة وغسلته، ثم بنيت على الصلاة؛ لأنك لا تدري لعله شيئ أوقع عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك).
وقد ظهر مما ذكرنا في الصحيحة الأولى تقريب الاستدلال بقوله: (فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك) في كلا الموردين، ولا نُعيد.
نعم دلالته في المورد الأوّل على الاستصحاب مبني على أن يكون المراد من اليقين في قولهعليهالسلام : (لأنك كنت على يقين من طهارتك) اليقين بالطهارة قبل ظن الإصابة كما هو الظاهر، فإنه لو كان المراد منه اليقين الحاصل بالنظر والفحص بعده الزائل بالرؤية بعد الصلاة، كان مفاد قاعدة اليقين، كما لا يخفى.
ثم إنه أشكل على الرواية، بأن الإعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة [في النجاسة](١) ليست نقضاً لليقين بالطهارة بالشك فيها، بل باليقين بارتفاعها، فكيف يصح أن يعلل عدم الإعادة بأنها نقض اليقين بالشك؟
نعم إنما يصح أن يعلل به جواز الدخول في الصلاة، كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن التفصي عن هذا الإشكال إلا بأن يقال: إن الشرط في الصلاة فعلاً
____________________
(١) اثبتنا الزيادة من «ب».
حين الالتفات إلى الطهارة هو إحرازها، ولو بأصل أو قاعدة لا نفسها، فيكون قضية استصحاب الطهارة حال الصلاة عدم إعادتها ولو انكشف وقوعها في النجاسة بعدها، كما أن إعادتها بعد الكشف يكشف عن جواز النقض وعدم حجية الاستصحاب حالها، كما لا يخفى، فتأمل جيداً.
لا يقال: لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة فإنها إذا لم تكن شرطاً لم تكن موضوعة لحكم مع أنها ليست بحكم(١) ، ولا محيص في الاستصحاب عن كون المستصحب حكماً أو موضوعاً لحكم.
فإنه يقال: إن الطهارة وإن لم تكن شرطاً فعلاً، إلا أنها غير منعزلة عن الشرطية رأساً، بل هي شرط واقعي اقتضائي، كما هو قضية التوفيق بين بعض الإطلاقات ومثل هذا الخطاب، هذا مع كفاية كونها من قيود الشرط، حيث أنه كان إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطاً.
لايقال: سلمنا ذلك، لكن قضيته أن يكون علة عدم الاعادة حينئذ، بعد انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة، هو إحراز الطهارة حالها باستصحابها، لا الطهارة المحرزة بالاستصحاب، مع أن قضية التعليل أن تكون العلة له هي نفسها لا إحرازها، ضرورة أن نتيجة قوله: (لأنك كنت على يقين...إلى آخره)، أنه على الطهارة لا أنه مستصحبها، كما لا يخفى.
فإنه يقال: نعم، ولكن التعليل إنما هو بلحاظ حال قبل انكشاف الحال، لنكتة التنبيه على حجية الاستصحاب، وأنه كان هناك استصحاب مع وضوح استلزام ذلك لأن يكون المجدي بعد الانكشاف، هو ذاك الاستصحاب لا الطهارة، وإلا لما كانت الإعادة نقضاً، كما عرفت في الإشكال.
____________________
(١) هذا ما أثبتناه من «ب» المصححة، وفي «أ»: الضمائر كلها مذكرة.
ثم إنه لا يكاد يصح التعليل، لو قيل باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، كما قيل(١) ، ضرورة أن العلة عليه إنما هو اقتضاء ذاك الخطاب الظاهري حال الصلاة للإجزاء وعدم إعادتها، لا لزوم النقض من الإعادة كما لا يخفى، اللهم إلا أن يقال: إن التعليل به إنما هو بملاحظة ضميمة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، بتقريب أن اللإعادة لو قيل بوجوبها كانت موجبة لنقض اليقين بالشك في الطهارة قبل الانكشاف وعدم حرمته شرعاً، وإلا للزم عدم اقتضاء ذاك الأمر له، كما لا يخفى، مع اقتضائه شرعاً أو عقلاً، فتأمل(٢) .
ولعل ذلك مراد من قال(٣) بدلالة الرواية على إجزاء الأمر الظاهري.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التعليل، مع أنه لا يكاد يوجب الإشكال فيه - والعجزُ عن التفصّي عنه - إشكالاً في دلالة الرواية على الاستصحاب، فإنه لازم على كلّ حال، كان مفاده قاعدته أو قاعدة اليقين، مع بداهة عدم خروجه منهما، فتأمّل جيداً.
ومنها : صحيحة ثالثة لزرارة(٤) : (وإذا لم يدر في ثلاثٍ هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أخرى ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنه ينقض الشك باليقين، ويتمّ على اليقين فيبني عليه، ولا يعتدٌ بالشك في حال من الحالات).
والاستدلال بها على الاستصحاب مبنيٌ على إرادة اليقين بعدم الإتيان
____________________
(١) راجع فرائد الأصول / ٣٣١.
(٢) وجه التأمل أن اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء ليس بذاك الوضوح، كي يحسن بملاحظته التعليل بلزوم النقض من الاعادة، كما لا يخفى (منه قدس سره)، أثبتنا هذه التعليقة من " أ وب.
(٣) كما عن بعض مشايخ الشيخ الانصاري.
(٤) الكافي: ٣ / ٣٥٢، الحديث ٣.
بالركعة الرابعة سابقاً والشك في إتيانها.
وقد أشكل(١) بعدم إمكان إرادة ذلك على مذهب الخاصة، ضرورة أنّ قضيّته إضافة ركعة أخرى موصولة، والمذهب قد استقرّ على إضافة ركعة بعد التسليم مفصولة، وعلى هذا يكون المراد باليقين اليقين بالفراغ، بما علّمه الإمامعليهالسلام من الاحتياط بالبناء على الأكثر، والإِتيان بالمشكوك بعد التسليم مفصولة.
ويمكن ذبه(٢) بأنَّ الاحتياط كذلك لا يأبى عن إرادة اليقين بعدم الركعة المشكوكة، بل كان أصل الإتيان بها باقتضائه، غاية الأمر إتيانها مفصولة ينافي إطلاق النقض، وقد قام الدليل على التقييد في الشك في الرابعة وغيره، وأن المشكوكة لا بد أن يؤتى بها مفصولةً، فافهم.
وربّما أشكل أيضاً، بأنه لو سلّم دلالتها على الاستصحاب كانت من الأخبار الخاصة الدالّة عليه في خصوص المورد، لا العامة لغير مورد، ضرورة ظهور الفقرات في كونها مبنيّة للفاعل، ومرجع الضمير فيها هو المصلّي الشاك.
وإلغاء خصوصية المورد ليس بذاك الوضوح، وإن كان يؤيّده تطبيق قضيّة (لا تنقض اليقين) وما يقاربها على غير مورد.
بل دعوى أن الظاهر من نفس القضية هو أنّ مناط حرمة النقض إنما يكون لأجل ما في اليقين والشك، لا لما في المورد من الخصوصيّة، وإن مثل اليقين لا ينقض بمثل الشك، غير بعيدة.
ومنها قوله (٣) : (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على
____________________
(١) المستشكل هو الشيخ الانصاريقدسسره فرائد الأصول ٣٣١.
(٢) الصحيح ما أثبتناه خلافاً لما في النسخ.
(٣) الخصال، ٦١٩.
يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين) أو (فإن اليقين لا يدفع بالشك)(١) وهو وإن كان يحتمل قاعدة اليقين لظهوره في اختلاف زمان الوصفين، وإنما يكون ذلك في القاعدة دون الاستصحاب ضرورة إمكان اتّحاد زمانهما، إلا أن المتداول في التعبير عن مورده هو مثل هذه العبارة، ولعله بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين وسرايته إلى الوصفين، لما بين اليقين والمتيقن من نحو من الاتّحاد، فافهم.
هذا مع وضوح أن قوله: (فإن الشك لا ينقض...إلى آخره).هي القضية المرتكزة الواردة مورد الاستصحاب في غير واحد من أخبار الباب(٢) .
ومنها : خبر الصفار(٣) ، عن علي بن محمد القاساني، (قال: كتبت إليه - وأنا بالمدينة - عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية) حيث دل على أن اليقين ب (شعبان)(٤) لا يكون مدخولاً بالشك في بقائه وزواله بدخول شهر رمضان، ويتفرع [عليه](٥) عدم وجوب الصوم إلا بدخول شهر رمضان.
وربما يقال: إن مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشك يشرف القطع بأن المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان، وأنه لابد في وجوب الصوم ووجوب الافطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه، وأين هذا من الاستصحاب؟ فراجع ما عقد في الوسائل(٦) لذلك من الباب تجده شاهداً
____________________
(١) الإرشاد، ١٥٩.
(٢) جامع أحاديث الشيعة ٢ / ٣٨٤، الباب ١٢ من أبواب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض.
(٣) تهذيب الاحكام ٤ / ١٥٩، الباب ٤١ علامة اول شهر رمضان وآخره.
(٤) في نسختي «أ» و «ب» بالشعبان.
(٥) زيادة تقتضيها العبارة.
(٦) وسائل الشيعة ٧ / ١٨٢ الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان.
عليه.
ومنها : قولهعليهالسلام : (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر)(١) وقولهعليهالسلام : (الماء كله طاهر حتى تعلم أنه نجس)(٢) وقولهعليهالسلام : (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام)(٣) وتقريب دلالة مثل هذه الأخبار على الاستصحاب أن يقال: إنّ الغاية فيها إنما هو لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعاً من الطهارة والحلية ظاهراً، ما لم يعلم بطروء ضدّه أو نقيضه، لا لتحديد الموضوع، كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شك في طهارته أو حلّيته، وذلك لظهور المغيّا فيها فيها بيان الحكم للأشياء بعناوينها، لا بما هي مشكوكة الحكم، كما لا يخفى.
فهو وإن لم يكن له بنفسه مساسٌ بذيل القاعدة ولا الاستصحاب إلا أنه بغايته دل على الاستصحاب، حيث أنها ظاهرة في استمرار ذاك الحكم الواقعي ظاهراً ما لم يعلم(٤) بطروء ضده أو نقيضه، كما أنه لو صار مغيَّاً لغاية، مثل الملاقاة بالنجاسة أو ما يوجب الحرمة، لدلّ على استمرار ذاك الحكم واقعاً، ولم يكن له حينئذٍ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب، ولا يخفى أنه لا يلزم على ذلك استعمال اللفظ في معنيين اصلاً، وإنما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع وقيوده غاية لاستمرار حكمه، ليدلّ على القاعدة والاستصحاب من غير تعرض لبيان الحكم الواقعي للأشياء أصلاً، مع وضوح ظهور مثل (كلّ شيء حلال، أو طاهرٌ) في أنه لبيان حكم الاشياء بعناوينها الأوّلية، وهكذا (الماء كله طاهر)، وظهور الغاية في كونها حداً للحكم لا لموضوعه، كما لا يخفى، فتأمل جيّداً.
____________________
(١) المقنع / ٥، الهداية، ١٣، الباب ١١، مع اختلاف في الالفاظ.
(٢) الكافي ٣ / ص ١ وفيه الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر.
(٣) الكافي: ٥ / ٣١٣ الحديث ٤٠ باب النوادر من كتاب المعيشة مع اختلاف يسير.
(٤) في «أ»: ما لم يعلم بارتفاعه لطروء ضده.
ولا يذهب عليك انه بضميمة عدم القول بالفصل قطعاً بين الحلّية والطهارة وبين سائر الأحكام، لعمّ الدليل وتمّ.
ثم لا يخفى أن ذيل موثقة عمار(١) : (فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك) يؤيد ما استظهرنا منها، من كون الحكم المغّيا واقعياً ثابتاً للشيء بعنوانه، لا ظاهرياً ثابتاً له بما هو مشتبه، لظهوره في أنه متفرع على الغاية وحدها، وأنه بيان لها وحدها، منطوقها ومفهومها، لا لها مع المغّيا، كما لا يخفى على المتأمل.
ثم إنك إذا حقّقت ما تلونا عليك مما هو مفاد الأخبار، فلا حاجة في إطالة الكلام في بيان سائر الأقوال، والنقض والإبرام فيما ذكر لها من الاستدلال.
ولا بأس بصرفه إلى تحقيق حال الوضع، وأنه حكم مستقل بالجعل كالتكليف، أو منتزع عنه وتابع له في الجعل، أو فيه تفصيل، حتى يظهر حال ما ذكر ها هنا بين التكليف والوضع من التفصيل.
فنقول وبالله الاستعانة:
لا خلاف كما لا إشكال في اختلاف التكليف والوضع مفهوماً، واختلافهما في الجملة مورداً، لبداهة ما بين مفهوم السببية أو الشرطية ومفهوم مثل الايجاب أو الاستحباب من المخالفة والمباينة.
كما لا ينبغي النزاع في صحة تقسيم الحكم الشرعي إلى التكليفي والوضعي، بداهة أن الحكم وإن لم يصح تقسيمه إليهما ببعض معانيه ولم يكد يصح إطلاقه على الوضع، إلا أن صحة تقسيمه بالبعض الآخر إليهما وصحة إطلاقه عليه بهذا المعنى، مما(٢) لا يكاد ينكر، كما لا يخفى، ويشهد به كثرة
____________________
(١) التهذيب ١ / ٢٨٥: الباب ١٢، الحديث ١١٩.
(٢) في «أ»: كان مما لا يكاد ينكر.
إطلاق الحكم عليه في كلماتهم، والالتزام بالتجوز فيه، كما ترى.
وكذا لا وقع للنزاع في أنه محصور في أمور مخصوصة، كالشرطية والسببية والمانعية - كما هو المحكي عن العلامة - أو مع زيادة العلية والعلامية، أو مع زيادة الصحة والبطلان، والعزيمة والرخصة، أو زيادة غير ذلك - كما هو المحكي عن غيره(١) - أو ليس بمحصور، بل كلٌ ماليس بتكليف مما له دخل فيه أو في متعلقه وموضوعه، أو لم يكن له دخل مما أطلق عليه الحكم في كلماتهم، ضرورة أنه لا وجه للتخصيص بها بعد كثرة إطلاق الحكم في الكلمات على غيرها، مع أنه لا تكاد تظهر ثمرة مهمة علمية أو عملية للنزاع في ذلك، وإنما المهم في النزاع هو أن الوضع كالتكليف في أنه مجعول تشريعاً بحيث يصح انتزاعه بمجرد إنشائه، أو غير مجعول كذلك، بل إنما هو منتزع عن التكليف ومجعول بتبعه وبجعله.
والتحقيق أن ما عُدّ من الوضع على أنحاء.
منها : ما لا يكاد يتطرّق إليه الجعل تشريعاً أصلاً، لا استقلالاً ولا تبعاً، وإن كان مجعولاً تكويناً عرضاً بعين جعل موضوعه كذلك.
ومنها : ما لا يكاد يتطرّق إليه الجعل التشريعي إلّا تبعاً للتكليف.
ومنها : ما يمكن فيه الجعل استقلالاً بإنشائه، وتبعاً للتكليف بكونه منشأً لانتزاعه، وإن كان الصحيح انتزاعه من إنشائه وجعله، وكون التكليف من آثاره وأحكامه، على ما يأتي الإشارة إليه.
أما النحو الأوّل : فهو كالسببيّة والشرطيّة والمانعيّة والرافعية لما هو
____________________
(١) الآمدي، الاحكام في أصول الأحكام / ٨٥، في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه.
سبب التكليف وشرطه ومانعه ورافعه، حيث أنّه لا يكاد يعقل انتزاع هذه العناوين لها من التكليف المتأخّر عنها ذاتاً، حدوثاً أو ارتفاعاً، كما أنّ اتصافها بها ليس إلا لأجل ما عليها من الخصوصية المستدعية لذلك تكويناً، للزوم أن يكون في العلّة بأجزائها من ربط خاص، به كانت مؤثرة(١) في معلولها، لا في غيره، ولا غيرها فيه، وإلا لزم أن يكون كل شيء مؤثراً في كل شيء، وتلك الخصوصية لا يكاد يوجد فيها بمجرد إنشاء مفاهيم العناوين، ومثل قول: دلوك الشّمس سبب لوجوب الصلاة إنشاءً لا إخباراً، ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببيّة له، من كونه واجداً لخصوصيةٍ مقتضية لوجوبها أو فاقداً لها، وإن الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها، ومعه تكون واجبةً لا محالة وإن لم ينشأ السببية للدُّلوك أصلاً.
ومنه انقدح أيضاً، عدم صحّة انتزاع السببية له حقيقةً من إيجاب الصلاة عنده، لعدم اتصافه بها بذلك ضرورة.
نعم لا بأس باتّصافه بها عنايةً، واطلاق السبب عليه مجازاً، كما لا بأس بأن يُعَبَّر عن إنشاء وجوب الصّلاة عند الدلوك - مثلاً - بأنّه سبب لوجوبها فكنيّ به عن الوجوب عنده.
فظهر بذلك أنه لا منشأ لانتزاع السببية وسائر ما لأجزاء العلة للتكليف، إلا ما هي عليها من الخصوصية الموجبة لدخل كل فيه على نحو غير دخل الآخر، فتدبر جيداً.
وأما النحو الثاني : فهو كالجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية، لما هو جزء المكلف به وشرطه ومانعه وقاطعه، حيث أن اتصاف شيء بجزئية المأمور به أو شرطيته أو غيرهما لا يكاد يكون إلا بالأمر بجملة أمور مقيدة بأمر وجودي أو عدمي، ولا يكاد يتصف شئ بذلك - أي كونه جزءً أو شرطاً
____________________
(١) في «أ»: كان مؤثراً، وفي «ب»: كانت مؤثراً.
للمأمور به - إلا بتبع ملاحظة الأمر بما يشتمل عليه مقيداً بأمر آخر، وما لم يتعلق بها الأمر كذلك لما كاد اتصف بالجزئية أو الشرطية، وإن أنشأ الشارع له الجزئية أو الشرطية، وجعل الماهية واختراعها ليس إلا تصوير ما فيه المصلحة المهمة الموجبة للأمربها، فتصورها بأجزائها وقيودها لا يوجب اتصاف شييء منها بجزئية المأمور به شرطيته قبل الأمر بها، فالجزئية للمأمور به أو الشرطية له إنما ينتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الأمر به، بلا حاجة إلى جعلها له، وبدون الأمر به لا اتصاف بها أصلاً، وإن اتصف بالجزئية أو الشرطية للمتصور أو لذي المصلحة، كما لا يخفى.
وأما النحو الثالث : فهو كالحجية والقضاوة والولاية والنيابة والحرية والرّقية والزوجية والملكية إلى غير ذلك، حيث أنها وإن كان من الممكن انتزاعها من الأحكام التكليفية التي تكون في مواردها - كما قيل - ومن جعلها بإنشاء أنفسها، إلا أنه لا يكاد يشك في صحة انتزاعها من مجرد جعله تعالى، أو من بيده الأمر من قبله - جل وعلا - لها بإنشائها، بحيث يترتب عليها آثارها، كما يشهد به ضرورة صحة انتزاع الملكية والزوجية والطلاق والعتاق بمجرد العقد أو الايقاع ممن بيده الاختيار بلا ملاحظة التكاليف والآثار، ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصح إعتبارها إلا بملاحظتها، وللزم أن لا يقع ما قصد، ووقع ما لم يقصد.
كما لا ينبغي أن يشك في عدم صحة انتزاعها عن مجرد التكليف في موردها، فلا ينتزع الملكيّة عن إباحة التصرفات، ولا الزوجية من جواز الوطء، وهكذا سائر الاعتبارات في أبواب العقود والإيقاعات.
فانقدح بذلك أن مثل هذه الاعتبارات إنما تكون مجعولة بنفسها، يصح انتزاعها بمجرد إنشائها كالتكليف، لا مجعولة بتبعه ومنتزعة عنه.
وهم ودفع : أما الوهم(١) : فهو أن الملكية كيف جعلت من الاعتبارات
____________________
(١) انظر شرح التجريد ٢١٦، المسألة الثامنة في الملك.
الحاصلة بمجرد الجعل والإنشاء التي تكون من خارج المحمول، حيث ليس بحذائها في الخارج شيء، وهي إحدى المقولات المحمولات بالضميمة التي لا تكاد تكون بهذا السبب، بل بأسباب أخر كالتَّعَمُّم والتَّقَمُّص والتَّنَعُّل، فالحالة الحاصلة منها للإنسان هو الملك، وأين هذه من الاعتبار الحاصل بمجرد إنشائه؟
وأما الدفع: فهو أن الملك يقال بالاشتراك على ذلك، ويسمى بالجدة أيضاً، واختصاص شيء بشيء خاص، وهو ناشئ إما من جهة إسناد وجوده إليه، ككون العالم ملكاً للباري جل ذكره، أو من جهة الاستعمال والتصرف فيه، ككون الفرس لزيد بركوبه له وسائر تصرفاته فيه، أو من جهة إنشائه والعقد مع من اختياره بيده، كملك الأراضي والعقار البعيدة للمشتري بمجرد عقد البيع شرعاً وعرفاً.
فالملك الذي يسمى بالجدة أيضاً، غير الملك الذي هو اختصاص خاص ناشئ من سبب اختياريّ كالعقد، أو غير اختياري كالإرث، ونحوهما من الأسباب الاختياريّة وغيرها، فالتوهّم إنّما نشأ من إطلاق الملك على مقولة الجدة أيضاً، والغفلة عن أنّه بالاشتراك بينه وبين الاختصاص الخاص والإضافة الخاصة الإشراقيّة كملكه تعالى للعالم، أو المقولية ملك غيره لشيء بسبب من تصرف واستعمال أو إرث أو عقد أو غيرها(١) من الأعمال، فيكون شيئ ملكاً لأحد بمعنى، ولآخر بالمعنى الآخر، فتدبر.
إذا عرفت اختلاف الوضع في الجعل، فقد عرفت أنه لا مجال لاستصحاب دخل ماله الدخل في التكليف إذا شك في بقائه على ما كان عليه من الدخل، لعدم كونه حكماً شرعياً، ولا يترتب عليه أثر شرعيّ، والتكليف وإن كان مترتّباً عليه إلا أنه ليس بترتب شرعي، فافهم.
____________________
(١) في «أ»: غيرهما.
وإنه لا إشكال في جريان الاستصحاب في الوضع المستقلّ بالجعل، حيث أنه كالتكليف، وكذا ما كان مجعولاً بالتبع، فإن أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ولو بتبع منشأ انتزاعه، وعدم تسميته حكماً شرعياً لو سلّم غير ضائر بعد كونه مما تناله يد التصرف شرعاً، نعم لا مجال لاستصحابه، لاستصحاب سببه ومنشأ انتزاعه، فافهم.
ثم إن ها هنا تنبيهات:
الأول : إنه يعتبر في الاستصحاب فعليّة الشك واليقين، فلا استصحاب مع الغفلة، لعدم الشك فعلاً ولو فرض أنه يشك لو التفت، ضرورة أن الاستصحاب وظيفة الشاك، ولا شك مع الغفلة أصلاً، فيحكم بصحة صلاة من أحدث ثم غفل وصلّى ثم شك في أنه تطهّر قبل الصلاة، لقاعدة الفراغ، بخلاف من الْتفت قبلها وشك ثم غفل وصلّى، فيحكم بفساد صلاته فيما إذا قطع بعدم تطهيره بعد الشك، لكونه محدثاً قبلها بحكم الاستصحاب، مع القطع بعدم رفع حدثه الاستصحابي.
لا يقال: نعم، ولكن استصحاب الحدث في حال الصلاة بعد ما الْتفت بعدها يقتضي أيضاً فسادها.
فإنه يقال: نعم، لولا قاعدة الفراغ المقتضية لصحتها المقدمة على أصالة فسادها.
الثاني : إنه هل يكفي في صحّة الاستصحاب الشك في بقاء شيء على تقدير ثبوته، وإن لم يحرز ثبوته فيما رتب عليه أثر شرعاً أو عقلاً؟ إشكال من عدم إحراز الثبوت فلا يقين، ولابدّ منه، بل ولا شك، فإنه على تقديرٍ لم يثبت، ومن أن اعتبار اليقين إنما هو لأجل أن التعبّد والتنزيل شرعاً إنما هو في
البقاء لا في الحدوث، فيكفي الشك فيه على تقدير الثبوت، فيتعبّد به على هذا التقدير، فيترتب عليه الاثر فعلاً فيما كان هناك أثر، وهذا هو الأظهر، وبه يمكن أن يذبّ عمّا في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارات المعتبرة على مجرد ثبوتها، وقد شك في بقائها على تقدير ثبوتها، من الإشكال بأنه لا يقين بالحكم الواقعي، ولا يكون هناك حكم آخر فعلي، بناءً على ما هو التحقيق(١) ، من أن قضيّة حجيّة الأمارة ليست إلا تنجّز التكاليف مع الإصابة والعذر مع المخالفة، كما هو قضيّة الحجّة المعتبرة عقلاً، كالقطع والظن في حال الانسداد على الحكومة، لا إنشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية، كما هو ظاهر الأصحاب.
ووجه الذبّ بذلك؛ إنّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء، فتكون الحجة على ثبوت حجة على بقائه تعبّداً، للملازمة بينه وبين ثبوته واقعاً.
إن قلت: كيف؟ وقد أخذ اليقين بالشيء في التعبّد ببقائه في الأخبار، ولا يقين في فرض تقدير الثبوت.
قلت: نعم، ولكن الظاهر أنه أُخذ كشفاً عنه ومرآةً لثبوته ليكون التعبّد في بقائه، والتعبد مع فرض ثبوته إنما يكون في بقائه، فافهم.
الثالث : إنه لا فرق في المتيقّن السابق بين أن يكون خصوص أحد
____________________
(١) وأمّا بناء على ما هو المشهور من كون مؤديات الامارات أحكاماً ظاهرية شرعية، كما اشتهر أن ظنيّة الطريق لا ينافي قطعية الحكم، فالاستصحاب جارٍ، لأن الحكم الذي أدّت إليه الامارة محتمل البقاء لإمكان إصابتها الواقع، وكان مما يبقى، والقطع بعدم فعليته - حينئذ - مع احتمال بقائه لكونها بسبب دلالة الأمارة، والمفروض عدم دلالتها إلا على ثبوته، لا على بقائه، غير ضائر بفعليته الناشئة باستصحابه، فلا تغفل (منهقدسسره ).
الأحكام، أو ما يشترك بين الاثنين منها، أو الأزيد من أمر عام فإن كان الشك في بقاء ذاك العام من جهة الشك في بقاء الخاص الذي كان في ضمنه وارتفاعه، كان استصحابه كاستصحابه بلا كلام، وإن كان الشكُّ فيه من جهة تردد الخاص الذي في ضمنه، بين ما هو باقٍ أو مرتفع قطعاً، فكذا لا إشكال في استصحابه، فيترتّب عليه كافة ما يترتب عليه عقلاً أو شرعاً من أحكامه ولوازمه، وتردد ذاك الخاص - الذي يكون الكليّ موجوداً في ضمنه ويكون وجوده بعين وجوده - بين متيقّن الارتفاع ومشكوك الحدوث المحكوم بعدم حدوثه، غير ضائرٍ باستصحاب الكلي المتحقق في ضمنه، مع عدم إخلاله باليقين والشك في حدوثه وبقائه، وإنما كان التردد بين الفردين ضائراً باستصحاب أحد الخاصين اللذين كان أمره مردداً بينهما، لإخلاله باليقين الذي هو أحد ركني الاستصحاب، كما لا يخفى.
نعم، يجب رعاية التكاليف المعلومة إجمالاً المترتبة على الخاصين، فيما علم تكليف في البين.
وتوهم كون الشك في بقاء الكلي الذي في ضمن ذاك المردد مسبباً عن الشك في حدوث الخاص المشكوك حدوثه المحكوم بعدم الحدوث بأصالة عدمه فاسد قطعاً، لعدم كون بقائه وارتفاعه من لوازم حدوثه وعدم حدوثه، بل من لوازم كون الحادث المتيقن ذاك المتيقن الارتفاع أو البقاء، مع أن بقاء القدر المشترك إنما هو بعين بقاء الخاص الذي في ضمنه لا أنه من لوازمه، على أنه لو سلم أنه من لوازم حدوث المشكوك فلا شبهة في كون اللزوم عقلياً، ولايكاد يترتب بأصالة عدم الحدوث إلا ما هو من لوازمه وأحكامه شرعاً.
وأما إذا كان الشك في بقائه، من جهة الشك في قيام خاص آخر في مقام ذاك الخاص الذي كان في ضمنه بعد القطع بارتفاعه، ففي استصحابه إشكال، أظهره عدم جريانه، فإن وجود الطبيعي وإن كان بوجود فرده، إلا
أن وجوده في ضمن المتعدد من أفراده ليس من نحو وجود واحد له، بل متعدد حسب تعددها، فلو قطع بارتفاع ما علم وجوده منها، لقطع بارتفاع وجوده، وإن شك في وجود فرد آخر مقارن لوجود ذاك الفرد، أو لارتفاعه بنفسه أو بملاكه، كما إذا شك في الاستحباب بعد القطع بارتفاع الإِيجاب بملاك مقارن أو حادث.
لا يقال: الأمر وإن كان كما ذكر، إلا أنه حيث كان التفاوت بين الإِيجاب والاستحباب وهكذا بين الكراهة والحرمة، ليس إلا بشدة الطلب بينهما وضعفه، كان تبدل أحدهما بالآخر مع عدم تخلل العدم غير موجب لتعدد وجود الطبيعي بينهما، لمساوقة الاتصال مع الوحدة، فالشك في التبدل حقيقة شك في بقاء الطلب وارتفاعه، لا في حدوث وجود آخر.
فإنه يقال: الأمر وإن كان كذلك، إلا أن العرف حيث يرى الايجاب والاستحباب المتبادلين فردين متباينين، لا واحد مختلف الوصف في زمانين، لم يكن مجال للاستصحاب، لما مرت(١) الإِشارة إليه وتأتي(٢) ، من أن قضية إطلاق أخبار الباب، أن العبرة فيه بما يكون رفع اليد عنه مع الشك بنظر العرف نقضاً، وإن لم يكن بنقض بحسب الدقة، ولذا لو انعكس الأمر ولم يكن نقض عرفاً، لم يكن الاستصحاب جارياً وإن كان هناك نقض عقلًا.
ومما ذكرنا في المقام، يظهر - أيضاً - حال الاستصحاب في متعلقات الأحكام في الشبهات الحكمية والموضوعية، فلا تغفل.
الرابع : إنه لا فرق في المتيقن بين أن يكون من الأمور القارّة أو التدريجية الغير القارّة، فإن الأمور الغير القارّة وإن كان وجودها ينصرم ولا يتحقق
____________________
(١) ص ٣٨٦.
(٢) ص ٤٢٧.
منه جزء إلا بعد ما انصرم منه جزء وانعدم، إلا أنه ما لم يتخلل في البين العدم، بل وإن تخلل بما لا يخل بالاتصال عرفاً وإن انفصل حقيقة، كانت باقية مطلقاً أو عرفاً، ويكون رفع اليد عنها - مع الشك في استمرارها وانقطاعها - نقضاً.
ولا يعتبر في الاستصحاب - بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها من أدلته - غير صدق النقض والبقاء كذلك قطعاً، هذا مع أن الانصرام والتدرج في الوجود في الحركة - في الأين وغيره - إنما هو في الحركة القطعية، وهي كون الشي في كل آن في حدّ أو مكان، لا التوسطية وهي كونه بين المبدأ والمنتهى، فإنه بهذا المعنى يكون قارّاً مستمراً.
فانقدح بذلك أنه لا مجال للإشكال في استصحاب مثل الليل أو النهار وترتيب مالهما من الآثار، وكذا كلما إذا كان الشك في الأمر التدريجي من جهة الشك في انتهاء حركته ووصوله إلى المنتهى، أو أنه بعد في البين، وأما إذا كان من جهة الشك في كميته ومقداره، كما في نبع الماء وجريانه، وخروج الدم وسيلانه، فيما كان سبب الشك في الجريان والسيلان الشك في أنه بقي في المنبع والرحم فعلاً شئ من الماء والدم غير ما سال وجرى منهما، فربما يشكل في استصحابهما حينئذ، فإن الشك ليس في بقاء جريان شخص ما كان جارياً، بل في حدوث جريان جزء آخر شك في جريانه من جهة الشك في حدوثه، ولكنه يتخيل بأنه لا يختل به ما هو الملاك في الاستصحاب، بحسب تعريفه ودليله حسبما عرفت.
ثم إنه لا يخفى أن استصحاب بقاء الأمر التدريجي، إما يكون من قبيل استصحاب الشخص، أو من قبيل استصحاب الكلي بأقسامه، فإذا شك في أن السورة المعلومة التي شرع فيها تمت أو بقي شي منها، صح فيه استصحاب الشخص والكلي، وإذا شك فيه من جهة ترددها بين القصيرة والطويلة، كان
من القسم الثاني، وإذا شك في أنه شرع في أخرى مع القطع بأنه قد تمت الاولى كان من القسم الثالث، كما لا يخفى.
هذا في الزمان ونحوه من سائر التدريجيات.
وأما الفعل المقيد بالزمان، فتارةً يكون الشك في حكمه من جهة الشك في بقاء قيده، وطوراً مع القطع بانقطاعه وانتفائه من جهة أخرى، كما إذا احتمل أن يكون التقييد به إنما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله، فإن كان من جهة الشك في بقاء القيد، فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان، كالنهار الذي قيد به الصوم مثلاً، فيترتب عليه وجوب الإمساك وعدم جواز الإفطار ما لم يقطع بزواله، كما لا بأس باستصحاب نفس المقيد، فيقال: إن الامساك كان قبل هذا الآن في النهار، والآن كما كان فيجب، فتأمل.
وإن كان من الجهة الأخرى، فلا مجال إلا لاستصحاب الحكم في خصوص ما لم يؤخذ الزمان فيه إلا ظرفاً لثبوته لا قيداً مقوماً لموضوعه، وإلا فلا مجال إلا لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان، فإنه غير ما علم ثبوته له، فيكون الشك في ثبوته له - أيضاً - شكّاً في أصل ثبوته بعد القطع بعدمه، لا في بقائه.
لا يقال: إن الزمان لا محالة يكون من قيود الموضوع وإن أُخذ ظرفاً لثبوت الحكم في دليله، ضرورة دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته، فلا مجال إلا لاستصحاب عدمه.
فإنه يقال: نعم، لو كانت العبرة في تعيين الموضوع بالدقة ونظر العقل، وأما إذا كانت العبرة بنظر العرف فلا شبهة في أن الفعل بهذا النظر موضوع واحد في الزمانين، قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأول، وشك في بقاء هذا الحكم له وارتفاعه في الزمان الثاني، فلا يكون مجال إلا لاستصحاب ثبوته.
لا يقال: فاستصحاب كل واحد من الثبوت والعدم يجري لثبوت كلا النظرين، ويقع التعارض بين الاستصحابين، كما قيل.
فإنه يقال: إنما يكون ذلك لو كان في الدليل ما بمفهومه يعم النظرين، وإلا فلا يكاد يصح إلا إذا سبق بأحدهما، لعدم إمكان الجمع بينهما لكمال المنافاة بينهما، ولا يكون في أخبار الباب ما بمفهومه يعمهما، فلا يكون هناك إلا استصحاب واحد، وهو استصحاب الثبوت فيما إذا أُخذ الزمان ظرفاً، واستصحاب العدم فيما إذا أُخذ قيداً، لما عرفت من أن العبرة في هذا الباب بالنظر العرفي، ولا شبهة في أن الفعل فيما بعد ذاك الوقت مع ما قبله متحد في الأول ومتعدد في الثاني بحسبه، ضرورة أن الفعل المقيد بزمان خاص غير الفعل في زمان آخر، ولو بالنظر المسامحي العرفي.
نعم، لا يبعد أن يكون بحسبه - أيضاً - متحداً فيما إذا كان الشك في بقاء حكمه، من جهة الشك في أنه بنحو التعدد المطلوبي، وأن حكمه بتلك المرتبة التي كان مع ذاك الوقت وإن لم يكن باقياً بعده قطعاً، إلا أنه يحتمل بقاؤه بما دون تلك المرتبة من مراتبه فيستصحب، فتأمل جيّداً.
إزاحة وهم : لا يخفى أن الطهارة الحدثية والخبثية وما يقابلها يكون مما إذا وجدت بأسبابها، لا يكاد يشك في بقائها إلا من قبل الشك في الرافع لها، لا من قبل الشك في مقدار تأثير أسبابها، ضرورة أنها إذا وجدت بها كانت تبقى ما لم يحدث رافع لها، كانت من الامور الخارجية أو الأمور الاعتبارية التي كانت لها آثار شرعية، فلا أصل لأصالة عدم جعل الوضوء سبباً للطهارة بعد المذي، وأصالة عدم جعل الملاقاة سبباً للنجاسة بعد الغسل مرّة، كما حكي عن بعض الأفاضل(١) ، ولا يكون ها هنا أصل إلا أصالة الطهارة أو
____________________
(١) هو الفاضل النراقي في مناهج الأحكام والأصول / ٢٤٢، في الفائدة الأولى من فوائد ذكرها ذيل
النجاسة.
الخامس : إنه كما لا إشكال فيما إذا كان المتيقن حكماً فعلياً مطلقاً، لا ينبغي الإشكال فيما إذا كان مشروطاً معلقاً، فلو شك في مورد لأجل طروء بعض الحالات عليه في بقاء أحكامه، ففيما صح استصحاب أحكامه المطلقة صح استصحاب أحكامه المعلقة، لعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين ثبوتاً والشك بقاءً.
وتوهم(١) أنه لا وجود للمعلق قبل وجود ما علق عليه فاختل أحد ركنيه فاسد [جداً]، فإن المعلق قبله إنما لا يكون موجوداً فعلاً، لا أنه لا يكون موجوداً أصلاً، ولو بنحو التعليق، كيف؟ والمفروض أنه مورد فعلاً للخطاب بالتحريم - مثلاً - أو الإيجاب، فكان على يقين منه قبل طروء الحالة فيشك فيه بعده، ولا يعتبر في الاستصحاب إلا الشك في بقاء شيء كان على يقين من ثبوته، واختلاف نحو ثبوته لا يكاد يوجب تفاوتاً في ذلك.
وبالجملة: يكون الاستصحاب متمّماً لدلالة الدليل على الحكم فيما أهمل أو أجمل، كان الحكم مطلقاً أو معلقاً، فببركته يعم الحكم للحالة الطارئة اللاحقة كالحالة السابقة، فيحكم – مثلاً - بأنّ العصير الزبيبي يكون على ما كان عليه سابقاً في حال عنبيّته، من أحكامه المطلقة والمعلقة لو شك فيها، فكما يحكم ببقاء ملكيته يحكم بحرمته على تقدير غليانه.
إن قلت: نعم، ولكنه لا مجال لاستصحاب المعلق لمعارضته باستصحاب ضده المطلق، فيعارض استصحاب الحرمة المعلقة للعصير
____________________
تتميم الاستصحاب بشروط الاستصحاب، عند قوله: وإذا شك في بقاء الطهارة الشرعية الحاصلة بالوضوء.
الخ.
(١) راجع المناهل للسيد المجاهد / ٦٥٢.
باستصحاب حلّيّته المطلقة.
قلت: لا يكاد يضر استصحابه على نحو كان قبل عروض الحالة التي شك في بقاء حكم المعلّق بعده، ضرورة أنه كان مغيّاً بعدم ما علق عليه المعلق، وما كان كذلك لا يكاد يضر ثبوته بعده بالقطع فضلاً عن الاستصحاب، لعدم المضادّة بينهما، فيكونان بعد عروضها بالاستصحاب كما كانا معاً بالقطع قبل بلا منافاة أصلاً، وقضية ذلك انتفاء الحكم(١) المطلق بمجرد ثبوت ما علّق عليه المعلّق، فالغليان في المثال كما كان شرطاً للحرمة كان غاية للحلية، فإذا شك في حرمته المعلّقة بعد عروض حالة عليه، شك في حلّيّته المغيّاة لا محالة أيضاً، فيكون الشك في حلّيته أو حرمته فعلاً بعد عروضها متّحداً خارجاً مع الشك في بقائه على ما كان عليه من الحلّية والحرمة بنحو كانتا عليه، فقضيّة استصحاب حرمته المعلّقة بعد عروضها الملازم لاستصحاب حلّيته المغيّاة حرمته فعلاً بعد غليانه وانتفاء حليته، فإنه قضية نحو ثبوتهما كان بدليلهما أو بدليل الاستصحاب، كما لايخفى بأدنى التفات على ذوي الألباب، فالتفت ولا تغفل(٢) .
السادس : لا فرق أيضاً بين أن يكون المتّيقن من أحكام هذه الشريعة أو الشريعة السابقة، إذا شك في بقائه وارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة، لعموم أدلّة الاستصحاب، وفساد توهّم اختلال أركانه في ما كان
____________________
(١) في «ب» حكم المطلق.
(٢) كي لا تقول في مقام التفصّي عن إشكال المعارضة: إن الشك في الحلّية فعلاً بعد الغليان يكون مسبّباً عن الشك في الحرمة المعلَّقة، فيشك بأنه لا ترتّب بينهما عقلاً ولا شرعاً، بل بينهما ملازمة عقلاً، لما عرفت من أن الشك في الحلّية أو الحرمة الفعليين بعده متحد مع الشك في بقاء حرمته وحليته المعلقة، وإن قضية الاستصحاب حرمته فعلاً، وانتفاء حلّيته بعد غليانه، فإن حرمته كذلك وإن كان لازماً عقلاً لحرمته المعلقة المستصحبة، إلا أنه لازم لها، كان ثبوتها بخصوص خطاب، أو عموم دليل الاستصحاب، فافهم (منهقدسسره ).
المتيقّن من أحكام الشريعة السابقة لا محالة، إمّا لعدم اليقين بثبوتها في حقّهم، وإن علم بثبوتها سابقاً في حق آخرين، فلا شك في بقائها أيضاً، بل في ثبوت مثلها، كما لا يخفى، وإمّا لليقين بارتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه الشريعة، فلا شك في بقائها حينئذ، ولو سلم اليقين بثبوتها في حقّهم، وذلك لأنّ الحكم الثابت في الشريعة السابقة حيث كان ثابتاً لأفراد المكلف، كانت محقّقة وجوداً أو مقدّرة، كما هو قضية القضايا المتعارفة المتداولة، وهي قضايا حقيقية، لا خصوص الأفراد الخارجية، كما هو قضية القضايا الخارجية، وإلا لما صحّ الاستصحاب في الأحكام الثابتة في هذه الشريعة، ولا النسخ بالنسبة إلى غير الموجود في زمان ثبوتها، كان الحكم في الشريعة السابقة ثابتاً لعامة أفراد المكلف ممّن وجد أو يوجد، وكان(١) الشك فيه كالشك في بقاء الحكم الثابت في هذه الشريعة لغير من وجد في زمان ثبوته، والشريعة السابقة وإن كانت منسوخة بهذه الشريعة يقيناً، إلا أنّه لا يوجب اليقين بارتفاع أحكامها بتمامها، ضرورة أن قضيّة نسخ الشريعة ليس ارتفاعها كذلك، بل عدم بقائها بتمامها، والعلم إجمالاً بارتفاع بعضها إنما يمنع عن استصحاب ما شك في بقائه منها، فيما إذا كان من أطراف ما علم ارتفاعه إجمالاً، لا فيما إذا لم يكن من أطرافه، كما إذا علم بمقداره تفصيلاً، أو في موارد ليس المشكوك منها، وقد علم بارتفاع ما في موارد الأحكام الثابتة في هذه الشريعة.
ثم لا يخفى أنه يمكن إرجاع ما أفاده شيخنا العلامة(٢) - أعلى الله في الجنان
____________________
(١) في كفاية اليقين بثبوته، بحيث لو كان باقياً ولم ينسخ لعمّه، ضرورة صدق أنّه على يقين منه، فشك فيه بذلك، ولزوم اليقين بثبوته في حقه سابقاً بلا ملزم.
وبالجملة: قضية دليل الاستصحاب جريانه لاثبات حكم السابق للاحق وإسراؤه إليه فيما كان يعمّه ويشمله، لولا طروء حالة معها يحتمل نسخه ورفعه، وكان دليله قاصراً عن شمولها، من دون لزوم كونه ثابتاً له قبل طرّوئها أصلاً، كما لا يخفى (منهقدسسره ).
(٢) فرائد الأصول / ٣٨١، عند قوله: وثانياً ان اختلاف الاشخاص..الخ.
مقامه - في ذب اشكال(١) تغاير الموضوع في هذا الاستصحاب من الوجه الثاني إلى ما ذكرنا، لا ما يوهمه ظاهر كلامه، من أن الحكم ثابت للكلّي، كما أن الملكية له في مثل باب الزكاة والوقف العام، حيث لا مدخل للأشخاص فيها، ضرورة أن التكليف والبعث أو الزّجر لا يكاد يتعلّق به كذلك، بل لا بدّ من تعلقه بالأشخاص، وكذلك الثواب أو العقاب المترتّب على الطاعة أو المعصية، وكان غرضه من عدم دخل الأشخاص عدم [دخل] أشخاص خاصّة، فافهم.
وأما ما أفاده من الوجه الأوّل(٢) ، فهو وإن كان وجيهاً بالنسبة إلى جريان الاستصحاب في حقّ خصوص المدرك للشريعتين، إلا أنه غير مجدٍ في حق غيره من المعدومين، ولا يكاد يتمّ الحكم فيهم، بضرورة اشتراك أهل الشريعة الواحدة أيضاً، ضرورة أن قضية الاشتراك ليس إلا أن الاستصحاب حكم كل من كان على يقين فشك، لا أنه حكم الكل ولو من لم يكن كذلك بلا شك، وهذا واضح.
السابع : لا شبهة في أن قضية أخبار الباب هو إنشاء حكم مماثل للمستصحب في إستصحاب الأحكام، ولأحكامه في استصحاب الموضوعات، كما لا شبهة في ترتيب ما للحكم المنشأ بالاستصحاب من الآثار الشرعية والعقلية، وإنما الإشكال في ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة غير شرعية عادية كانت أو عقلية، ومنشؤه أن مفاد الأخبار: هل هو تنزيل المستصحب والتعبد به وحده؟ بلحاظ خصوص ما له من الأثر بلا واسطة، أو تنزيله بلوازمه العقلية أو العادية ؟ كما هو الحال في تنزيل مؤديات الطرق والأمارات، أو بلحاظ مطلق ما له من الأثر ولو بالواسطة ؟ بناءً على
____________________
(١) الصحيح ما أثبتناه خلافاً لما في النسخ.
(٢) أثبتناها من «ب»
(٣) فرائد الأصول / ٣٨١، عند قوله: وفيه اوّلاً..الخ.
صحة التنزيل(١) بلحاظ أثر الواسطة أيضاً لأجل أن أثر الأثر أثر.
وذلك لأن مفادها لو كان هو تنزيل الشيء وحده بلحاظ أثر نفسه، لم يترتب عليه ما كان مترتباً عليها، لعدم إحرازها حقيقة ولا تعبداً، ولا يكون تنزيله بلحاظه، بخلاف ما لو كان تنزيله بلوازمه، أو بلحاظ ما يعم آثارها، فإنه يترتب باستصحابه ما كان بوساطتها.
والتحقيق أن الأخبار إنما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشك، بلحاظ ما لنفسه من آثاره وأحكامه، ولا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه التي لايكون كذلك، كما هي محل ثمرة الخلاف، ولا على تنزيله بلحاظ ماله مطلقاً ولو بالواسطة، فإن المتيقن إنما هو لحاظ آثار نفسه، وأمّا آثار لوازمه فلا دلالة هناك على لحاظها أصلاً، وما لم يثبت لحاظها بوجه أيضاً لما كان وجه لترتيبها عليه باستصحابه، كما لا يخفى.
نعم لا يبعد ترتيب خصوص ما كان محسوباً بنظر العرف من آثار نفسه لخفاء ما بوساطته، بدعوى أن مفاد الأخبار عرفاً ما يعمه أيضاً حقيقة، فافهم.
كما لا يبعد ترتيب ما كان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب تنزيلاً، كما لا تفكيك بينهما واقعاً، أو بوساطة ما لأجل وضوح
____________________
(١) ولكن الوجه عدم صحة التنزيل بهذا اللحاظ، ضرورة أنه ما يكون شرعاً لشيء من الأثر لا دخل له بما يستلزمه عقلاً أو عادة، وحديث أثر الأثر أثر وإن كان صادقاً إلا أنه إذا لم يكن الترتب بين الشيء وأثره وبينه وبين مؤثره مختلفاً، وذلك ضرورة أنه لا يكاد يعد الأثر الشرعي لشيء أثراً شرعياً لما يستلزمه عقلاً أو عادة أصلاً، لا بالنظر الدقيق العقلي ولا النظر المسامحي العرفي، إلا فيما عد أثر الواسطة أثراً لذيها لخفائها أو لشدة وضوح الملازمة بينهما، بحيث عدا شيئاً واحداً ذا وجهين، وأثر أحدهما أثر الاثنين، كما يأتي الإشارة إليه، فافهم (منهقدسسره ).
لزومه له، أو ملازمته معه بمثابة عد أثره أثراً لهما، فإن عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضاً ليقينه بالشك أيضاً، بحسب ما يفهم من النهي عن نقضه عرفاً، فافهم.
ثم لا يخفى وضوح الفرق بين الاستصحاب وسائر الأصول التعبدية وبين الطرق والأمارات، فإن الطريق أوالأمارة حيث أنه كما يحكي عن المؤدّى ويشير إليه، كذا يحكي عن أطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته ويشير إليها، كان مقتضى إطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها، وقضيته حجية المثبت منها كما لا يخفى، بخلاف مثل دليل الاستصحاب، فإنه لا بد من الاقتصار مما فيه من الدلالة على التعبد بثبوته، ولا دلالة له إلا على التعبد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره، حسبما عرفت فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه، كسائر الأصول التعبدية، إلا فيما عدّ أثر الواسطة أثراً له لخفائها، أو لشدة وضوحها وجلائها، حسبما حققناه.
الثامن : إنه لا تفاوت في الأثر المترتب على المستصحب، بين أن يكون مترتباً عليه بلا وساطة شيء، أو بوساطة عنوان كلي ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشائع ويتحد معه وجوداً، كان منتزعاً عن مرتبة ذاته، أو بملاحظة بعض عوارضه مما هو خارج المحمول لا بالضميمة، فإن الأثر في الصورتين إنما يكون له حقيقة، حيث لا يكون بحذاء ذلك الكلي في الخارج سواه،.
لا لغيره مما كان مبائناً معه، أو من أعراضه مما كان محمولاً عليه بالضميمة كسواده مثلاً أو بياضه، وذلك لأن الطبيعي إنما يوجد بعين وجود فرده، كما أن العرضي كالملكية والغصبية ونحوهما لا وجود له إلا بمعنى وجود منشأ انتزاعه، فالفرد أو منشأ الانتزاع في الخارج هو عين ما رتب عليه الأثر، لا شيء آخر، فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت كما توهم(١) ، وكذا لا تفاوت في الأثر
____________________
(١) المتوهم هو الشيخرحمهالله في الأمر السادس من تنبيهات الاستصحاب عند قوله لا فرق في الأمر
المستصحب أو المترتب عليه، بين أن يكون مجعولاً شرعاً بنفسه كالتكليف وبعض أنحاء الوضع، أو بمنشأ انتزاعه كبعض أنحائه كالجزئية والشرطية والمانعية، فإنه أيضاً مما تناله يد الجعل شرعاً ويكون أمره بيد الشارع وضعاً ورفعاً ولو بوضع منشأ انتزاعه ورفعه.
ولا وجه لاعتبار أن يكون المترتب أو المستصحب مجعولاً مستقلاً كما لا يخفى، فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطية أو المانعية بمثبت، كما ربما توهم(١) بتخيل أن الشرطية أو المانعية ليست من الآثار الشرعية، بل من الأمور الانتزاعية، فافهم.
وكذا لا تفاوت في المستصحب أو المترتب بين أن يكون ثبوت الأثر ووجوده، أو نفيه وعدمه، ضرورة أن أمر نفيه بيد الشارع كثبوته، وعدم إطلاق الحكم على عدمه غير ضائر، إذ ليس هناك ما دل على اعتباره بعد صدق نقض اليقين بالشك برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته كما هو واضح، فلا وجه للإشكال في الاستدلال على البراءة باستصحاب البراءة من التكليف، وعدم المنع عن الفعل بما في الرسالة(٢) ، من أن عدم استحقاق العقاب في الآخرة ليس من اللوازم المجعولة الشرعية، فإن عدم استحقاق العقوبة وإن كان غير مجعول، إلا أنه لا حاجة إلى ترتيب أثر مجعول في استصحاب عدم المنع، وترتب عدم الاستحقاق مع كونه عقلياً على استصحابه، إنما هو لكونه لازم مطلق عدم المنع ولو في الظاهر، فتأمل.
التاسع : إنه لا يذهب عليك أن عدم ترتب الأثر الغير الشرعي
____________________
= العادي... الخ فرائد الاصول / ٣٨٤.
(١) المتوهم هو الشيخرحمهالله في القول السابع في الاستصحاب، عند قوله أن الثاني مفهوم منتزع الخ فرائد الأصول / ٣٥١.
(٢) هذا مفاد كلام الشيخ في التمسك باستصحاب البراءة في ادلة اصل البراءة، فرائد الأصول / ٢٠٤.
ولا الشرعي بوساطة غيره من العادي أو العقلي بالاستصحاب، إنما هو بالنسبة إلى ما للمستصحب واقعاً، فلا يكاد يثبت به من آثاره إلا أثره الشرعي الذي كان له بلا واسطة، أو بوساطة أثر شرعي آخر، حسبما عرفت فيما مر(١) ، لا بالنسبة إلى ما كان للأثر الشرعي مطلقاً، كان بخطاب الاستصحاب أو بغيره من أنحاء الخطاب، فإن آثاره الشرعية كانت أو غيرها يترتب عليه إذا ثبت ولو بأن يستصحب، أو كان من آثار المستصحب، وذلك لتحقق موضوعها حينئذ حقيقة، فما للوجوب عقلاً يترتب على الوجوب الثابت شرعاً باستصحابه أو استصحاب موضوعه، من وجوب الموافقة وحرمة المخالفة واستحقاق العقوبة إلى غير ذلك، كما يترتب على الثابت بغير الاستصحاب، بلا شبهة ولا ارتياب، فلا تغفل.
العاشر : إنه قد ظهر مما مر(٢) لزوم أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو ذا حكم كذلك، لكنه لا يخفى أنه لابد أن يكون كذلك بقاءً ولو لم يكن كذلك ثبوتاً فلو لم يكن المستصحب في زمان ثبوته حكماً ولا له أثر شرعاً وكان في زمان استصحابه كذلك - أي حكماً أو ذا حكم - يصح استصحابه كما في استصحاب عدم التكليف، فإنه وإن لم يكن بحكم مجعول في الأزل ولا ذا حكم، إلا أنه حكم مجعول فيما لا يزال، لما عرفت من أن نفيه كثبوته في الحال مجعول شرعاً، وكذا استصحاب موضوع لم يكن له حكم ثبوتاً، أو كان ولم يكن حكمه فعلياً وله حكم كذلك بقاءً، وذلك لصدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عنه والعمل، كما إذا قطع بارتفاعه يقيناً، ووضوح عدم دخل أثر الحالة السابقة ثبوتاً فيه وفي تنزيلها بقاء، فتوهم اعتبار الأثر سابقاً - كما ربما يتوهمه الغافل من اعتبار كون المستصحب حكماً أو ذا حكم - فاسد قطعاً، فتدبر جيداً.
____________________
(١) راجع التنبيه السابع، ص ٤١٣.
(٢) المصدر المتقدم.
الحادي عشر : لا إشكال في الاستصحاب فيما كان الشك في أصل تحقق حكم أو موضوع.
وأما إذا كان الشك في تقدمه وتأخره بعد القطع بتحققه وحدوثه في زمان: فإن لوحظ بالإضافة إلى أجزاء الزمان، فكذا لا إشكال في استصحاب عدم تحققه في الزمان الأول، وترتيب آثاره لا آثار تأخره عنه، لكونه بالنسبة إليه مثبتاً إلا بدعوى خفاء الواسطة، أو عدم التفكيك في التنزيل بين عدم تحققه إلى زمان وتأخره عنه عرفاً، كما لا تفكيك بينهما واقعاً، ولا آثار حدوثه في الزمان الثاني، فإنه نحو وجود خاص، نعم لا بأس بترتيبها بذا ك الاستصحاب، بناءً على أنه عبارة عن أمر مركب من الوجود في الزمان اللاحق وعدم الوجود في السابق.
وإن لوحظا بالإضافة إلى حادث آخر علم بحدوثه أيضاً، وشك في تقدم ذاك عليه وتأخره عنه، كما إذا علم بعروض حكمين أو موت متوارثين، وشك في المتقدم والمتأخر منهما، فإن كانا مجهولي التاريخ:
فتارة كان الأثر الشرعي لوجود أحدهما بنحو خاص من التقدم أو التأخر أو التقارن، لا للآخر ولا له بنحو آخر، فاستصحاب عدمه صار بلا معارض، بخلاف ما إذا كان الأثر لوجود كل منهما كذلك، أو لكل من أنحاء وجوده، فإنه حينئذ يعارض، فلا مجال لاستسحاب العدم في واحد، للمعارضة باستصحاب العدم في آخر، لتحقق أركانه في كل منهما.
هذا إذا كان الأثر المهم مترتباً على وجوده الخاص الذي كان مفاد كان التامة.
وأما إن كان مترتباً على ما إذا كان متصفاً بالتقدم، أو بأحد ضديه الذي كان مفاد كان الناقصة، فلا مورد ها هنا للاستصحاب، لعدم اليقين السابق فيه، بلا ارتياب.
وأخرى كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر، فالتحقيق أنه أيضاً ليس
بمورد للاستصحاب، فيما كان الأثر المهم مترتباً على ثبوته [للحادث، بأن يكون الأثر الحادث](١) المتصف بالعدم في زمان حدوث الآخر لعدم اليقين بحدوثه كذلك في زمان، [بل قضية الاستصحاب عدم حدوثه كذلك، كما لا يخفى](٢) .
وكذا فيما كان مترتباً على نفس عدمه في زمان الآخر واقعاً، وإن كان على يقين منه في آن قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما، لعدم إحراز اتصال زمان شكه وهو زمان حدوث الآخر بزمان يقينه، لاحتمال انفصاله عنه باتصال حدوثه به.
وبالجملة(٣) كان بعد ذاك الآن الذي قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما زمانان: أحدهما زمان حدوثه، والآخر زمان حدوث الآخر وثبوته الذي يكون طرفاً للشك في أنه فيه أو قبله، وحيث شك في أن أيّهما مقدم وأيّهما مؤخر لم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين، ومعه لا مجال للاستصحاب حيث لم يحرز معه كون رفع اليد عن اليقين بعدم حدوثه بهذا الشك من نقض اليقين بالشك.
لا يقال: لا شبهة في اتصال مجموع الزمانين بذاك الآن، وهو بتمامه زمان الشك في حدوثه لاحتمال تأخره على الآخر، مثلاً إذا كان على يقين من عدم حدوث واحد منهما في ساعة، وصار على يقين من حدوث أحدهما بلا تعيين في ساعة أخرى بعدها، وحدوث الآخر في ساعة ثالثة، كان زمان الشك في حدوث كل منهما تمام الساعتين لا خصوص أحدهما، كما لا يخفى.
____________________
(١) جاءت العبارة في نسخة «أ» وحذفت من «ب».
(٢) أثبتنا الزيادة من «ب».
(٣) وإن شئت قلت: إن عدمه الازلي المعلوم قبل الساعتين، وإن كان في الساعة الأولى منهما مشكوكاً، إلا أنه حسب الفرض ليس موضوعاً للحكم والأثر، وإنما الموضوع هو عدمه الخاص، وهو عدمه في زمان حدوث الآخر المحتمل كونه الساعة الأولى المتصلة بزمان يقينه، أو الثانية المنفصلة عنه، فلم يحرز اتصال زمان شكه بزمان يقينه، ولابد منه في صدق: لا تنقض اليقين بالشك، فاستصحاب عدمه إلى الساعة الثانية لا يثبت عدمه في زمان حدوث الآخر إلا على الأصل المثبت فيما دار الأمر بين التقدم والتأخر، فتدبر، (منهقدسسره ).
فإنه يقال: نعم، ولكنه إذا كان بلحاظ إضافته إلى أجزاء الزمان، والمفروض إنه بلحاظ إضافته إلى الآخر، وأنه حدث في زمان حدوثه وثبوته أو قبله، ولا شبهة أن زمان شكه بهذا اللحاظ إنما هو خصوص ساعة ثبوت الآخر وحدوثه لا الساعتين.
فانقدح أنه لا مورد ها هنا للاستصحاب لاختلال أركانه لا أنه مورده، وعدم جريانه إنما هو بالمعارضة، كي يختص بما كان الأثر لعدم كل في زمان الآخر، وإلا كان الاستصحاب فيما له الأثر جارياً.
وأما لو علم بتاريخ أحدهما، فلا يخلو أيضاً إما يكون الأثر المهم مترتباً على الوجود الخاص من المقدم أو المؤخر أو المقارن، فلا إشكال في استصحاب عدمه، لو لا المعارضة باستصحاب العدم في طرف الآخر أو طرفه، كما تقدم.
وإما يكون مترتباً على ما إذا كان متصفاً بكذا، فلا مورد للاستصحاب أصلاً، لا في مجهول التاريخ ولا في معلومه كما لا يخفى، لعدم اليقين بالاتصاف به سابقاً فيهما.
وإما يكون مترتباً على عدمه الذي هو مفاد ليس التامة في زمان الآخر، فاستصحاب العدم في مجهول التاريخ منهما كان جارياً، لاتصال زمان شكه بزمان يقينه، دون معلومه لانتفاء الشك فيه في زمان، وإنما الشك فيه بإضافة زمانه إلى الآخر، وقد عرفت جريانه فيهما تارة وعدم جريانه كذلك أخرى.
فانقدح أنه لا فرق بينهما، كان الحادثان مجهولي التاريخ أو كانا مختلفين، ولا بين مجهوله ومعلومه في المختلفين، فيما اعتبر في الموضوع خصوصية ناشئة من إضافة أحدهما إلى الآخر بحسب الزمان من التقدم، أو أحد ضديه وشك فيها، كما لا يخفى.
كما انقدح أنه لا مورد للاستصحاب أيضاً فيما تعاقب حالتان متضادتان
كالطهارة والنجاسة، وشك في ثبوتهما وانتفائهما، للشك في المقدم والمؤخر منهما، وذلك لعدم إحراز الحالة السابقة المتيقنة المتصلة بزمان الشك في ثبوتهما، وترددها بين الحالتين، وأنه ليس من تعارض الاستصحابين، فافهم وتأمل في المقام فإنه دقيق.
الثاني عشر : إنه قد عرفت(١) أن مورد الاستصحاب لابد أن يكون حكما شرعياً أو موضوعاً لحكم كذلك، فلا إشكال فيما كان المستصحب من الأحكام الفرعية، أو الموضوعات الصرفة الخارجية، أو اللغوية إذا كانت ذات أحكام شرعية.
وأما الأمور الاعتقادية التي كان المهم فيها شرعاً هو الانقياد والتسليم والاعتقاد بمعنى عقد القلب عليها من الأعمال القلبية الاختيارية، فكذا لا إشكال في الاستصحاب فيها حكماً وكذا موضوعاً، فيما كان هناك يقين سابق وشك لاحق، لصحة التنزيل وعموم الدليل، وكونه أصلاً عملياً إنما هو بمعنى أنه وظيفة الشك تعبّداً، قبالاً للأمارات الحاكية عن الواقعيات، فَيعم العمل بالجوانح كالجوارح، وأما التي كان المهم فيها شرعاً وعقلاً هو القطع بها ومعرفتها، فلا مجال له موضوعاً ويجري حكماً، فلو كان متيقّناً بوجوب تحصيل القطع بشيء - كتفاصيل القيامة - في زمان وشك في بقاء وجوبه، يستصحب.
وأما لو شك في حياة إمام زمانٍ مثلاً فلا يستصحب، لأجل ترتيب لزوم معرفة إمام زمانه، بل يجب تحصيل اليقين بموته أو حياته مع امكانه، ولا يكاد يجدي في مثل وجوب المعرفة عقلاً أو شرعاً، إلا إذا كان حجة من باب إفادته الظن وكان المورد مما يكتفى به أيضاً، فالاعتقاديات كسائر الموضوعات لابد في جريانه فيها من أن يكون في المورد أثر شرعي، يتمكن من موافقته مع بقاء الشك فيه، كان ذاك متعلقاً بعمل الجوارح أو الجوانح.
____________________
(١) في التنبيه السابع / ص ٤١٣.
وقد انقدح بذلك أنه لا مجال له في نفس النبّوة، إذا كانت ناشئة من كمال النفس بمثابة يوحى إليها، وكانت لازمة لبعض مراتب كمالها، إما لعدم الشك فيها بعد اتصاف النفس بها، أو لعدم كونها مجعولة بل من الصفات الخارجية التكوينية، ولو فرض الشك في بقائها باحتمال انحطاط النفس عن تلك المرتبة وعدم بقائها بتلك المثابة، كما هو الشأن في سائر الصفات والملكات الحسنة الحاصلة بالرياضات والمجاهدات، وعدم أثر شرعي مهم لها يترتب عليها باستصحابها.
نعم لو كانت النبوّة من المناصب المجعولة وكانت كالولاية، وإن كان لابد في إعطائها من أهليّة وخصوصيّة يستحق بها لها، لكانت مورداً للاستصحاب بنفسها، فيترتب عليها آثارها ولو كانت عقلية بعد استصحابها، لكنه يحتاج إلى دليل كان هناك غير منوط بها، وإلا لدار، كما لا يخفى.
وأما استصحابها بمعنى استصحاب بعض أحكام شريعة من اتّصف بها، فلا إشكال فيها كما مر(١) .
ثم لا يخفى أن الاستصحاب لا يكاد يلزم به الخصم، إلا إذا اعترف بأنه على يقين فشك، فيما صح هناك التعبّد والتنزيل ودل عليه الدليل، كما لا يصح أن يقنع به إلا مع اليقين والشك والدليل على التنزيل.
ومنه انقدح أنه لا موقع لتشبّث الكتابي باستصحاب نبوّة موسى أصلاً، لا إلزاماً للمسلم، لعدم الشك في بقائها قائمة بنفسه المقدسة، واليقين بنسخ شريعته، وإلا لم يكن بمسلم، مع أنه لا يكاد يلزم به ما لم يعترف بأنه على يقين وشك، ولا إقناعاً مع الشك، للزوم معرفة النبي بالنظر إلى حالاته ومعجزاته عقلاً، وعدم الدليل على التعبد بشريعته لا عقلاً ولا شرعاً، والاتكال على قيامه في شريعتنا لا يكاد يجديه إلا على نحو محال، ووجوب العمل بالاحتياط عقلاً في حال
____________________
(١) في التنبيه السادس / ص ٤١١.
عدم المعرفة بمراعاة الشريعتين ما لم يلزم منه الاختلال، للعلم بثبوت إحداهما على الإجمال، إلا إذا علم بلزوم البناء على الشريعة السابقة ما لم يعلم الحال.
الثالث عشر : إنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب في مقام مع دلالة مثل العام، لكنه ربما يقع الإشكال والكلام فيما إذا خصّص في زمان في أن المورد بعد هذا الزمان مورد الاستصحاب أوالتمسك بالعام.
والتحقيق أن يقال: إن مفاد العام، تارة يكون - بملاحظة الزمان - ثبوت حكمه لموضوعه على نحو الاستمرار والدوام، وأخرى على نحو جعل كل يوم من الايام فرداً لموضوع ذاك العام.
وكذلك مفاد مخصصه، تارة يكون على نحو أخذ الزمان ظرف استمرار حكمه ودوامه، وأخرى على نحو يكون مفرّداً ومأخوذاً في موضوعه.
فإن كان مفاد كل من العام والخاص على النحو الأوّل، فلا محيص عن استصحاب حكم الخاص في غير مورد دلالته، لعدم دلالة للعام على حكمه، لعدم دخوله على حدة في موضوعه، وانقطاع الاستمرار بالخاص الدالّ على ثبوت الحكم له في الزمان السابق، من دون دلالته على ثبوته في الزمان اللاحق، فلا مجال إلا لاستصحابه.
نعم لو كان الخاص غير قاطع لحكمه، كما إذا كان مخصصاً له من الأول، لما ضرَّ به في غير مورد دلالته، فيكون أول زمان استمراد حكمه بعد زمان دلالته، فيصحّ التمسك ب( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (١) ولو خصّص بخيار المجلس ونحوه، ولا يصح التمسك به فيما إذا خصص بخيار لا في أوّله، فافهم.
وإن كان مفادهما على النحو الثاني، فلا بد من التمسك بالعام بلا كلام،
____________________
(١) سورة المائدة: الآية ١.
لكون موضوع الحكم بلحاظ هذا الزمان من أفراده، فله الدلالة على حكمه، والمفروض عدم دلالة الخاص على خلافه.
وإن كان مفاد العام على النحو الأول والخاص على النحو الثاني، فلا مورد للاستصحاب، فإنه وإن لم يكن هناك دلالة أصلاً، إلا أن انسحاب الحكم الخاص إلى غير مورد دلالته من إسراء حكم موضوع إلى آخر، لا استصحاب حكم الموضوع، ولا مجال أيضاً للتمسك بالعام لما مر آنفاً، فلا بد من الرجوع إلى سائر الأصول.
وإن كان مفادهما على العكس كان المرجع هو العام، للاقتصار في تخصيصه بمقدار دلالة الخاص، ولكنه لولا دلالته لكان الاستصحاب مرجعاً، لما عرفت من أن الحكم في طرف الخاص قد أخذ على نحو صح استصحابه، فتأمّل تعرف أن اطلاق كلام(١) شيخنا العلامة (أعلى الله مقامه) في المقام نفياً وإثباتاً في غير محله.
الرابع عشر : الظاهر أن الشك في أخبار الباب وكلمات الأصحاب هو خلاف اليقين، فمع الظن بالخلاف فضلاً عن الظن بالوفاق يجري الاستصحاب، ويدل عليه - مضافاً إلى أنه كذلك لغة كما في الصحاح، وتعارف استعماله فيه في الأخبار في غير باب - قولهعليهالسلام في أخبار الباب: (ولكن تنقصه بيقين آخر) حيث أن ظاهره أنه في بيان تحديد ما ينقض به اليقين وأنه ليس الا اليقين، وقوله أيضاً: (لا حتى يستيقن أنه قد نام) بعد السؤال عنهعليهالسلام عمَّا (إذا حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم) حيث دل بإطلاقه مع ترك الاستفصال بين ما إذا أفادت هذه الأمارة الظن، وما إذا لم تفد، بداهة أنها لو لم تكن مفيدة له دائماً لكانت مفيدة له أحياناً، على عموم النفي لصورة الإفادة، وقولهعليهالسلام بعده: (ولا تنقض اليقين بالشك) أن الحكم في المغيّا مطلقاً هو عدم نقض اليقين بالشك، كما لا
____________________
(١) راجع الأمر العاشر من تنبيهات الاستصحاب، فرائد الأصول / ٣٩٥.
يخفى.
وقد استدل عليه أيضاً بوجهين آخرين:
الاول(١) : الإجماع القطعي على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف على تقدير اعتباره من باب الاخبار.
وفيه: إنه لا وجه لدعواه ولو سلم اتفاق الاصحاب على الاعتبار، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الأخبار عليه.
الثاني(٢) : إن الظن الغير المعتبر، إن علم بعدم اعتباره بالدليل، فمعناه أن وجوده كعدمه عند الشارع، وأن كلما يترتب شرعاً على تقدير عدمه فهو المترتب على تقدير وجوده، وإن كان مما شك في اعتباره، فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه إلى نقض اليقين بالشك، فتأمل جيداً.
وفيه: إن قضية عدم اعتباره لالغائه أو لعدم الدليل على اعتباره لا يكاد يكون إلا عدم إثبات مظنونه به تعبداً، ليترتب عليه آثاره شرعاً، لا ترتيب آثار الشك مع عدمه، بل لابد حينئذ في تعيين أن الوظيفة أيّ أصل من الأصول العملية من الدليل، فلو فرض عدم دلالة الاخبار معه على اعتبار الاستصحاب فلا بد من الانتهاء إلى سائر الأصول بلا شبهة ولا ارتياب، ولعله أشير إليه بالأمر بالتأمل(٣) ، فتأمل جيداً.
تتمة : لا يذهب عليك أنه لا بد في الاستصحاب من بقاء الموضوع، وعدم
____________________
(١) هذا هو الوجه الأول في استدلال الشيخرحمهالله على تعميم الشك، في الأمر الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب، فرائد الأصول / ٣٨٩.
(٢) هذا هو الوجه الثالث في استدلال الشيخرحمهالله على تعميم الشك، في الأمر الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب، فرائد الأصول / ٣٩٨.
(٣) راجع فرائد الأصول، الأمر الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب / ٣٨٩.
أمارة معتبرة هناك ولو على وفاقه، فها هنا مقامان:
المقام الاول : إنه لا إشكال في اعتبار بقاء الموضوع بمعنى اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعاً، كاتحادهما حكماً، ضرورة أنه بدونه لا يكون الشك في البقاء بل في الحدوث، ولا رفع اليد عن اليقين في محل الشك نقض اليقين بالشك، فاعتبار البقاء بهذا المعنى لا يحتاج إلى زيادة بيان وإقامة برهان، والاستدلال(١) عليه باستحالة انتقال العرض إلى موضوع آخر لتقّومه بالموضوع وتشخصه به غريب، بداهة أن استحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته تعبداً، والالتزام بآثاره شرعاً.
وأما بمعنى إحراز وجود الموضوع خارجاً، فلا يعتبر قطعاً في جريانه لتحقق أركانه بدونه، نعم ربما يكون مما لابد منه في ترتيب بعض الآثار، ففي استصحاب عدالة زيد لا يحتاج إلى إحراز حياته لجواز تقليده، وإن كان محتاجاً إليه في جواز الاقتداء به أو وجوب إكرامه أو الانفاق عليه.
وإنما الإشكال كله في أن هذا الاتحاد هل هو بنظر العرف؟ أو بحسب دليل الحكم؟ أو بنظر العقل؟ فلو كان مناط الاتحاد هو نظر العقل فلا مجال للاستصحاب في الأحكام، لقيام احتمال تغيّر الموضوع في كل مقام شك في الحكم بزوال بعض خصوصيات موضوعه، لاحتمال دخله فيه، ويختص بالموضوعات، بداهة أنه إذا شك في حياة زيد شك في نفس ما كان على يقين منه حقيقة بخلاف ما لو كان بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل، ضرورة أن انتفاء بعض الخصوصيات وإن كان موجباً للشك في بقاء الحكم لاحتمال دخله في موضوعه، إلا أنه ربما لا يكون بنظر العرف ولا في لسان الدليل من مقوماته.
كما أنه ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه موضوعاً، مثلاً
____________________
(١) استدل به الشيخرحمهالله في خاتمة الاستصحاب، في شروط جريان الاستصحاب، فرائد الأصول / ٤٠٠.
إذا ورد (العنب إذا غلى يحرم) كان العنب بحسب ما هو المفهوم عرفاً هو خصوص العنب، ولكن العرف بحسب ما يرتكز في أذهانهم ويتخيلونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه، يجعلون الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب ويرون العنبية والزبيبية من حالاته المتبادلة، بحيث لو لم يكن الزبيب محكوماً بما حكم به العنب، كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه، ولو كان محكوماً به كان من بقائه، ولا ضير في أن يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في أذهانهم بسبب ما تخيلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم تكن بمثابة تصلح قرينة على صرفه عما هو ظاهر فيه.
ولا يخفى أن النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع، فيكون نقضاً بلحاظ موضوع، ولا يكون بلحاظ موضوع آخر، فلابد في تعيين أن المناط في الاتحاد هو الموضوع العرفي أو غيره، من بيان أن خطاب (لا تنقض) قد سيق بأي لحاظ؟.
فالتحقيق أن يقال: إن قضية إطلاق خطاب (لا تنقض) هو أن يكون بلحاظ الموضوع العرفي، لأنه المنساق من الإطلاق في المحاورات العرفية ومنها الخطابات الشرعية، فما لم يكن هناك دلالة على أن النهي فيه بنظر آخر غير ما هو الملحوظ في محاوراتهم، لا محيص عن الحمل على أنه بذاك اللحاظ، فيكون المناط في بقاء الموضوع هو الاتحاد بحسب نظر العرف، وإن لم يحرز بحسب العقل أو لم يساعده النقل، فيستصحب مثلاً ما يثبت بالدليل للعنب إذا صار زبيباً، لبقاء الموضوع واتحاد القضيتين عرفاً، ولا يستصحب فيما لا اتحاد كذلك وإن كان هناك اتحاد عقلاً، كما مرت الإشارة إليه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي(١) ، فراجع.
المقام الثاني : إنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الأمارة المعتبرة
____________________
(١) في نهاية التنبيه الثالث / ص ٤٠٦.
في مورده، وإنما الكلام في أنه للورود أو الحكومة أو التوفيق بين دليل اعتبارها وخطابه.
والتحقيق أنه للورود، فإن رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين، وعدم رفع اليد عنه مع الأمارة على وفقه ليس لأجل أن لا يلزم نقضه به، بل من جهة لزوم العمل بالحجة.
لا يقال: نعم، هذا لو أُخذ بدليل الأمارة في مورده، ولكنه لِمَ لا يؤخذ بدليله ويلزم الأخذ بدليلها؟
فإنه يقال: ذلك إنما هو لأجل أنه لا محذور في الأخذ بدليلها بخلاف الأخذ بدليله، فإنه يستلزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلا على وجه دائر، إذ التخصيص به يتوقف على اعتباره معها، واعتباره كذلك يتوقف على التخصيص به، إذ لولاه لا مورد له معها، كما عرفت آنفاً.
وأما حديث الحكومة(١) فلا أصل له أصلاً، فإنه لا نظر لدليلها إلى مدلول دليله إثباتاً وبما هو مدلول الدليل، وإن كان دالاّ على إلغائه معها ثبوتاً وواقعاً، لمنافاة لزوم العمل بها مع العمل به لو كان على خلافها، كما أن قضية دليله إلغائها كذلك، فإن كلاً من الدليلين بصدد بيان ما هو الوظيفة للجاهل، فيطرد كل منهما الآخر مع المخالفة، هذا مع لزوم اعتباره معها في صورة الموافقة، ولا أظن أن يلتزم به القائل بالحكومة، فافهم فإن المقام لا يخلو من دقة.
وأما التوفيق، فإن كان بما ذكرنا فنعم الاتفاق، وإن كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له، لما عرفت من أنه لا يكون مع الأخذ به نقض يقين بشك، لا أنه غير منهي عنه مع كونه من نقض اليقين بالشك.
____________________
(١) القائل بها هو الشيخ الأعظمرحمهالله ، راجع فرائد الأصول، في خاتمة الاستصحاب، الشرط الثالث في جريان الاستصحاب / ٤٠٧.
خاتمة
لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية، وبيان التعارض بين الاستصحابين.
أما الأوّل : فالنسبة بينه وبينها هي بعينها النسبة بين الأمارة وبينه، فيقدم عليها ولا مورد معه لها، للزوم محذور التخصيص إلا بوجه دائر في العكس وعدم محذور فيه أصلاً، هذا في النقلية منها.
وأما العقلية فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها، بداهة عدم الموضوع معه لها، ضرورة أنه إتمام حجّة وبيان ومؤمّن من العقوبة وبه الأمان، ولا شبهة في أن الترجيح به عقلاً صحيح.
وأما الثاني : فالتعارض بين الاستصحابين، إن لعدم إمكان العمل بهما بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، كاستصحاب وجوب أمرين حدث بينهما التضاد في زمان الاستصحاب، فهو من باب تزاحم(١) الواجبين.
____________________
(١) فيتخير بينهما إن لم يكن أحد المستصحبين أهم، وإلا فيتعين الأخذ بالأهم، ولا مجال لتوهم أنه لا يكاد يكون هناك أهم، لأجل أن إيجابهما إنّما يكون من باب واحد وهو استصحابهما من دون مزية في أحدهما أصلاً، كما لا يخفى، وذلك لأن الاستصحاب إنما يثبت المستصحب، فكما يثبت به الوجوب والاستحباب، يثبت به كل مرتبة منهما، فيستصحب، فلا تغفل (منهقدسسره ).
وإن كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعية لمستصحب الآخر، فيكون الشك فيه مسبباً عن الشك فيه، كالشك في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهراً، وأخرى لا يكون كذلك.
فإن كان أحدهما أثراً للآخر، فلا مورد إلا للاستصحاب في طرف السبب، فإن الاستصحاب في طرف المسبب موجب لتخصيص الخطاب، وجواز نقض اليقين بالشك في طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعي، فإن من آثار طهارة الماء طهارة الثوب المغسول به ورفع نجاسته، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته، بخلاف استصحاب طهارته، إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الثوب بالشك، بل باليقين بما هو رافع لنجاسته، وهو غسله بالماء المحكوم شرعاً بطهارته.
وبالجملة فكل من السبب والمسبب وإن كان مورداً للاستصحاب، إلا أن الاستصحاب في الأوّل بلا محذور(١) ، بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه إلا بنحو محال، فاللازم الأخذ بالاستصحاب السببي، نعم لو لم يجر هذا
____________________
(١) وسرّ ذلك أن رفع اليد عن اليقين في مورد السبب يكون فرداً لخطاب: لا تنقض اليقين، ونقضاً لليقين بالشك مطلقاً بلا شك، بخلاف رفع اليد عن اليقين في مورد المسبب، فإنه إنما يكون فرداً له إذا لم يكن حكم حرمة النقض يعمّ النقض في مورد السبب، وإلا لم يكن بفرد له، إذ حينئذ يكون من نقض اليقين باليقين، ضرورة أنه يكون رفع اليد عن نجاسة الثوب المغسول بماء محكوم بالطهارة شرعاً، باستصحاب طهارته لليقين بأن كل ثوب نجس يغسل بماء كذلك يصير طاهراً شرعاً. وبالجملة من الواضح لمن له أدنى تأمل، أن اللازم - في كل مقام كان للعام فرد مطلق، وفرد كان فرديته له معلقة على عدم شمول حكمه لذلك الفرد المطلق كما في المقام، أو كان هناك عامان كان لأحدهما فرد مطلق وللآخر فرد كانت فرديته معلقة على عدم شمول حكم ذاك العام لفرده المطلق، كما هو الحال في الطرق في مورد الاستصحاب - هو الالتزام بشمول حكم العام لفرده المطلق حيث لا مخصص له، ومعه لا يكون فرد آخر يعمّه أو لا يعمّه، ولا مجال لان يلتزم بعدم شمول حكم العام للفرد المطلق ليشمل حكمه لهذا الفرد، فإنه يستلزم التخصيص بلا وجه، أو بوجه دائر كما لا يخفى على ذوي البصائر (منهقدسسره ).
الاستصحاب بوجه لكان الاستصحاب المسببي جارياً، فإنه لا محذور فيه حينئذ مع وجود أركانه وعموم خطابه.
وإن لم يكن المستصحب في أحدهما من الآثار للآخر، فالأظهر جريانهما فيما لم يلزم منه محذور المخالفة القطعية للتكليف الفعلي المعلوم إجمالاً، لوجود المقتضي إثباتاً وفقد المانع عقلاً.
أما وجود المقتضي، فلإطلاق الخطاب وشموله للاستصحاب في أطراف المعلوم بالإجمال، فإن قولهعليهالسلام في ذيل بعض أخبار الباب: (ولكن تنقض اليقين باليقين)(١) لو سلم أنه يمنع(٢) عن شمول قولهعليهالسلام في صدره: (لا تنقض اليقين بالشك) لليقين والشك في أطرافه، للزوم المناقضة في مدلوله، ضرورة المناقضة بين السلب الكلّي والإيجاب الجزئي، إلا أنه لا يمنع عن عموم النهي في سائر الأخبار مما ليس فيه الذيل، وشموله لما في أطرافه، فإن إجمال ذاك الخطاب لذلك لايكاد يسري إلى غيره مما ليس فيه ذلك.
وأما فقد المانع، فلأجل أن جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلا المخالفة الالتزامية، وهو ليس بمحذور لا شرعاً ولا عقلاً.
ومنه قد انقدح عدم جريانه في أطراف العلم بالتكليف فعلا أصلاً ولو في بعضها، لوجوب الموافقة القطعية له عقلاً، ففي جريانه لا محالة يكون محذور المخالفة القطعية أو الاحتمالية، كما لا يخفى.
تذنيب
لا يخفى أن مثل قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل، وقاعدة الفراغ
____________________
(١) التهذيب ١ / ٨ الحديث ١١.
(٢) هذا ردّ لوجه منع الشيخ عن جريان الاستصحابين، راجع فرائد الأصول ٤٢٩، خاتمة الاستصحاب، القسم الثاني من تعارض الاستصحابين عند قوله: بل لأن العلم الإجمالي هنا..الخ.
بعد الفراغ عنه، وأصالة صحة عمل الغير إلى غير ذلك من القواعد المقررة في الشبهات الموضوعية إلا القرعة تكون مقدمة على استصحاباتها المقتضية لفساد ما شك فيه من الموضوعات، لتخصيص دليلها بأدلتها، وكون النسبة بينه وبين بعضها عموماً من وجه لا يمنع عن تخصيصه بها بعد الإجماع على عدم التفصيل بين مواردها، مع لزوم قلة المورد لها جداً لو قيل بتخصيصها بدليلها، إذ قلّ مورد منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها، كما لا يخفى.
وأما القرعة فالاستصحاب في موردها يقدم عليها، لأخصيّة دليله من دليلها، لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه دونها، واختصاصها بغير الأحكام إجماعاً لا يوجب الخصوصية في دليلها بعد عموم لفظها لها، هذا مضافاً إلى وهن دليلها بكثرة تخصيصه، حتى صار العمل به في مورد محتاجاً إلى الجبر بعمل المعظم، كما قيل، وقوّة دليله بقلة تخصيصه بخصوص دليل.
لايقال: كيف يجور تخصيص دليلها بدليله؟ وقد كان دليلها رافعاً لموضوع دليله لا لحكمه، وموجباً لكون نقض اليقين باليقين بالحجة على خلافه، كما هو الحال بينه وبين أدلة سائر الأمارات، فيكون - هاهنا أيضاً - من دوران الأمر بين التخصيص بلا وجه غير دائر والتخصّص.
فإنه يقال: ليس الأمر كذلك، فإن المشكوك مما كانت له حالة سابقة وإن كان من المشكل والمجهول والمشتبه بعنوانه الواقعي، إلا أنه ليس منها بعنوان ما طرأ عليه من نقض اليقين بالشك، والظاهر من دليل القرعة أن يكون منها بقول مطلق لا في الجملة، فدليل الاستصحاب الدالّ على حرمة النقض الصادق عليه حقيقة، رافع لموضوعه أيضاً، فافهم.
فلا بأس برفع اليد عن دليلها عند دوران الأمر بينه وبين رفع اليد عن دليله، لوهن عمومها وقوة عمومه، كما أشرنا إليه آنفاً ، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على محمد وآله باطناً وظاهراً.
المقصد الثامن
في تعارض الأدلّة والأمارات
المقصد الثامن
في تعارض الادلة والامارات
فصل
التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقة أو عرضاً، بأن علم بكذب أحدهما إجمالاً مع عدم امتناع اجتماعهما أصلاً، وعليه فلا تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما، إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض والخصومة، بأن يكون أحدهما قد سيق اظراً إلى بيان كمية ما أُريد من الآخر، مقدماً(١) كان أو مؤخراً، أو كانا على نحو إذا عرضنا على العرف وفق بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما، كما هو مطرد في مثل الأدلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأولية، مع مثل الأدلة النافية للعسر والحرج والضرر والإكراه والاضطرار، مما يتكفل لأحكامها بعناوينها الثانوية، حيث يقدم في مثلهما الأدلة النافية، ولا تلاحظ النسبة بينهما أصلاً ويتفق في غيرهما، كما لا يخفى.
____________________
(١) خلافاً لما يظهر في عبارة الشيخ من اعتبار تقدم المحكوم، راجع فرائد الأصول ٤٣٢، التعادل والترجيح، عند قوله وضابط الحكومة..الخ.
أو بالتصرف فيهما، فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما، أو في أحدهما المعين ولو كان الآخر أظهر، ولذلك تقدم الأمارات المعتبرة على الأصول الشرعية، فإنه لا يكاد يتحير أهل العرف في تقديمها عليه بعد ملاحظتهما، حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلاً، بخلاف العكس فإنه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر، كما أشرنا إليه(١) في أواخر الاستصحاب.
وليس(٢) وجه تقديمها حكومتها على أدلتها بعدم كونها ناظرة إلى أدلتها بوجه، وتعرضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها وشارحة لها، وإلا كانت أدلتها أيضاً دالّة - ولو بالالتزام - على أن حكم مورد الاجتماع فعلاً هو مقتضى الأصل لا الأمارة، وهو مستلزم عقلاً نفي ما هو قضية الأمارة، بل ليس مقتضى حجيتها إلا نفي ما قضيته عقلاً من دون دلالة عليه لفظاً، ضرورة أن نفس الأمارة لا دلالة له إلا على الحكم الواقعي، وقضية حجيتها ليست إلا لزوم العمل على وفقها شرعاً المنافي عقلاً للزوم العمل على خلافه وهو قضية الأصل، هذا مع احتمال أن يقال: إنه ليس قضية الحجية شرعاً إلا لزوم العمل على وفق الحجة عقلاً وتنجز الواقع مع المصادفة، وعدم تنجزه في صورة المخالفة.
وكيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبداً، كي يختلف الحال ويكون مفاده في الأمارة نفي حكم الأصل، حيث أنه حكم الاحتمال بخلاف مفاده فيه، لأجل أن الحكم الواقعي ليس حكم احتمال خلافه، كيف؟ وهو حكم الشك فيه واحتماله، فافهم وتأمل جيداً.
فانقدح بذلك أنه لا تكاد ترتفع غائلة المطاردة والمعارضة بين الأصل والأمارة، إلا بما أشرنا سابقاً وآنفاً، فلا تغفل، هذا ولا تعارض أيضاً إذا كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر، كما في الظاهر مع النص أو الأظهر، مثل
____________________
(١) في خاتمة الاستصحاب / ص ٤٣٠.
(٢) القائل بالحكومة هو الشيخ في فرائد الأصول ٤٣٢، أوّل مبحث التعادل والترجيح.
العام والخاص والمطلق والمقيد، أو مثلهما مما كان أحدهما نصاً أو أظهر، حيث أن بناء العرف على كون النص أو الأظهر قرينة على التصرف في الآخر.
وبالجملة: الأدلة في هذه الصور وإن كانت متنافية بحسب مدلولاتها، إلا أنها غير متعارضة، لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الإثبات، بحيث تبقى أبناء المحاورة متحيرة، بل بملاحظة المجموع أو خصوص بعضها يتصرف في الجميع أو في البعض عرفاً، بما ترتفع به المنافاة التي تكون في البين، ولا فرق فيها بين أن يكون السند فيها قطعيا أو ظنياً أو مختلفاً، فيقدم النص أو الأظهر - وإن كان بحسب السند ظنياً - على الظاهر ولو كان بحسبه قطعياً.وإنما يكون التعارض في غير هذه الصور مما كان التنافي فيه بين الأدلة بحسب الدلالة ومرحلة الإثبات، وإنما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كل واحد منها قطعياً دلالةً وجهةً، أو ظنياً فيما إذا لم يكن التوفيق بينها بالتصرف في البعض أو الكلّ فإنه حينئذ لا معنى للتعبد بالسند في الكل، إما للعمل بكذب أحدهما، أو لأجل أنه لا معنى للتعبد بصدورها مع إجمالها، فيقع التعارض بين أدلة السند حينئذ، كما لا يخفى.
فصل
التعارض وإن كان لا يوجب إلا سقوط أحد المتعارضين عن الحجية رأساً، حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما، فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر، إلا أنه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعاً - فإنه لم يعلم كذبه إلا كذلك، واحتمال كون كل منهما كاذباً - لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤدّاه، لعدم التعيين(١) في الحجة أصلاً، كما لايخفى.
نعم يكون نفي الثالث بأحدهما لبقائه على الحجية، وصلاحيته على ما هو عليه من عدم التعين لذلك لا بهما، هذا بناء على حجية الأمارات من باب
____________________
(١) في «أ و ب» التعيّن.
الطريقية، كما هو كذلك حيث لا يكاد يكون حجة طريقاً إلا ما احتمل إصابته، فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما مانعاً عن حجيته، وأما بناء على حجيتها من باب السببية فكذلك لو كان الحجة هو خصوص ما لم يعلم كذبه، بأن لا يكون المقتضي للسببية فيها إلا فيه، كما هو المتيقن من دليل اعتبار غير السند منها، وهو بناء العقلاء على أصالتي الظهور والصدور، لا للتقية ونحوها، وكذا السند لو كان دليل اعتباره هو بناؤهم أيضاً، وظهوره فيه لو كان هو الآيات والأخبار، ضرورة ظهورها فيه، لو لم نقل بظهورها في خصوص ما إذا حصل الظن منه أو الاطمئنان.
وأما لو كان المقتضي للحجية في كل واحد من المتعارضين لكان التعارض بينهما من تزاحم الواجبين، فيما إذا كانا مؤديين إلى وجوب الضدين أو لزوم المتناقضين، لا فيما إذا كان مؤدى أحدهما حكماً غير إلزامي، فإنه حينئذ لا يزاحم الآخر، ضرورة عدم صلاحية ما لا اقتضاء فيه أن يزاحم به ما فيه الاقتضاء، إلا أن يقال بأن قضية اعتبار دليل الغير الإلزامي أن يكون عن اقتضاء، فيزاحم به حينئذ ما يقتضي الإلزامي، ويحكم فعلاً بغير الإلزامي، ولا يزاحم بمقتضاه ما يقتضي الغير الإلزامي، لكفاية عدم تمامية علة الإلزامي في الحكم بغيره.
نعم يكون باب التعارض من باب التزاحم مطلقاً لو كان قضية الاعتبار هو لزوم البناء والالتزام بما يؤدي إليه من الأحكام، لا مجرد العمل على وفقه بلا لزوم الالتزام به، وكونهما من تزاحم الواجبين حينئذ وإن كان واضحاً، ضرورة عدم إمكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد من الأحكام، إلا أنه لا دليل نقلاً ولا عقلاً على الموافقة الإلتزامية للأحكام الواقعية فضلاً عن الظاهرية، كما مر تحقيقه(١) .
وحكم التعارض بناء على السببية فيما كان من باب التزاحم هو التخيير لو لم
____________________
(١) في مبحث القطع، الأمر الخامس، ص ٢٦٨.
يكن أحدهما معلوم الأهمية أو محتملها في الجملة، حسبما فصلناه(١) في مسألة الضد، وإلا فالتعيين، وفيما لم يكن من باب التزاحم هو لزوم الأخذ بما دل على الحكم الالزامي، لو لم يكن في الآخر مقتضياً لغير الالزامي، وإلا فلا بأس بأخذه والعمل عليه، لما أشرنا إليه من وجهه آنفاً، فافهم.
هذا هو قضية القاعدة في تعارض الأمارات، لا الجمع بينها بالتصرف في أحد المتعارضين أو في كليهما، كما هو قضية ما يتراءى مما قيل من أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، إذ لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف مما كان المجموع أو أحدهما قرينة عرفية على التصرف في أحدهما بعينه أو فيهما، كما عرفته في الصور السابقة، مع أن في الجمع كذلك أيضاً طرحاً للأمارة أو الأمارتين، ضرورة سقوط أصالة الظهور في أحدهما أو كليهما معه، وقد عرفت أن التعارض بين الظهورين فيما كان سنديهما قطعيين، وفي السندين إذا كانا ظنيين، وقد عرفت أن قضية التعارض إنما هو سقوط المتعارضين في خصوص كل ما يؤديان إليه من الحكمين، لا بقاؤهما على الحجية بما يتصّرف فيهما أو في أحدهما، أو بقاء سنديهما عليها كذلك بلا دليل يساعد عليه من عقل أو نقل، فلا يبعد أن يكون المراد من إمكان الجمع هو إمكانه عرفاً، ولا ينافيه الحكم بأنه أولى مع لزومه حينئذ وتعينه، فإن أولويته من قبيل الأولوية في أُولي الأرحام، وعليه لا إشكال فيه ولا كلام.
فصل
لا يخفى أن ما ذكر من قضية التعارض بين الأمارات، إنما هو بملاحظة القاعدة في تعارضها، وإلا فربما يدعى الإجماع على عدم سقوط كلا المتعارضين في الأخبار، كما اتفقت عليه كلمة غير واحد من الأخبار، ولا يخفى أن اللازم فيما إذا لم
____________________
(١) لم يتقدم منه -قدسسره - في مسألة الضد تفصيل ولا إجمال من هذه الحيثية، نعم له تفصيل في تعليقته على الرسالة، راجع حاشية فرائد الأصول / ٢٦٩، عند قوله: اعلم أنّ منشأ الأهمية تارة...الخ.
تنهض حجة على التعيين أو التخيير بينهما هو الاقتصار على الراجح منهما، للقطع بحجيته تخييراً أو تعييناً، بخلاف الآخر لعدم القطع بحجيته، والأصل عدم حجية ما لم يقطع بحجيته، بل ربما ادعي الاجماع(١) أيضاً على حجية خصوص الراجح، واستدل عليه بوجوه أُخر أحسنها الأخبار، وهي على طوائف:
منها : ما دل على التخيير على الإطلاق، كخبر(٢) الحسن بن الجهم، عن الرضا -عليهالسلام -: (قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا يعلم أيهما الحق، قال: فإذا لم يعلم فموسع عليك بأيهما أخذت).
وخبر(٣) الحارث بن المغيرة، عن أبي عبداللهعليهالسلام : (إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه).
ومكاتبة(٤) عبدالله بن محمد إلى أبي الحسنعليهالسلام (اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبداللهعليهالسلام ، في ركعتي الفجر، فروى بعضهم: صلِّ في المحمل، وروى بعضهم: لا تصلها إلا في الأرض، فوقععليهالسلام : موسع عليك بأية عملت) ومكاتبة الحميري(٥) إلى الحجّةعليهالسلام - إلى أن قال في الجواب عن ذلك حديثان...إلى أن قالعليهالسلام - (وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً) إلى غير ذلك من الإطلاقات.
ومنها : ما(٦) دل على التوقف مطلقاً.
ومنها : ما(٧) دل على ما هو الحائط منها.
____________________
(١) ادعاه الشيخ في فرائد الأصول ٤٤١، المقام الثاني في التراجيح من مبحث التعادل والتراجيح.
(٢) الاحتجاج ٣٥٧، في احتجاجات الامام الصادقعليهالسلام .
(٣) المصدر السابق.
(٤) التهذيب ٣، الباب ٢٣، الصلاة في السفر، الحديث ٩٢، مع اختلاف يسير.
(٥) الاحتجاج ٤٨٣، في توقيعات الناحية المقدسة.
(٦) الأصول من الكافي ١ / ٦٦، باب اختلاف الحديث، الحديث ٧.عوالي اللآلي ٤ / ١٣٣، الحديث ٢٣٠.
(٧) وسائل الشيعة ١٨ / ١١١، الباب ١٢ من ابواب صفات القاضي.
ومنها : ما دل(١) على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة، من مخالفة القوم وموافقة الكتاب والسنة، والأعدلية، والأصدقية، والأفقهية والأورعية، والأوثقية، والشهرة على اختلافها في الاقتصار على بعضها وفي الترتيب بينها.
ولأجل اختلاف الأخبار اختلفت الأنظار.
فمنهم من أوجب الترجيح بها، مقيدين بأخباره إطلاقات التخيير، وهم بين من اقتصر على الترجيح بها، ومن تعدّى منها إلى سائر المزايا الموجبة لأقوائية ذي المزية وأقربيته، كما صار إليه شيخنا العلامة أعلى الله مقامه(٢) ، أو المفيدة للظن، كما ربما يظهر من غيره(٣) .
فالتحقيق أن يقال: إنّ أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الأخبار هو المقبولة(٤) والمرفوعة(٥) ، مع اختلافهما وضعف سند المرفوعة جداً، والاحتجاج بهما على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال، لقوة احتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة كما هو موردهما، ولا وجه معه للتعدي منه إلى غيره، كما لا يخفى.
ولا وجه لدعوى تنقيح المناط، مع ملاحظة أن رفع الخصومة بالحكومة في صورة تعارض الحكمين، وتعارض ما استندا إليه من الروايتين لا يكاد يكون إلا بالترجيْح ولذا أمرعليهالسلام بإرجاء الواقعة إلى لقائهعليهالسلام في صورة
____________________
(١) وسائل الشيعة ١٨ / ٧٥ الباب ٩ من ابواب صفات القاضي.
(٢) فرائد الأصول ٤٥٠، في المقام الثالث من مقام التراجيح.
(٣) مفاتيح الاصول / ٦٨٨، التنبيه الثاني من تنبيهات تعارض الدليلين.
(٤) التهذيب ٦ / ٣٠١، الباب ٩٢، الحديث ٥٢. الكافي ١ / ٦٧، باب اختلاف الحديث، الحديث ١٥
الفقيه ٣ / ٥، الباب ٩، الحديث ٢.
(٥) عوالي اللآلي ٤ / ١٣٣ الحديث ٢٢٩.
تساويهما فيما ذكر من المزايا، بخلاف مقام الفتوى ومجرد مناسبة الترجيح لمقامها أيضاً لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه مطلقاً ولو في غير مورد الحكومة، كما لا يخفى.
وإن أبيت إلا عن ظهورهما في الترجيح في كلا المقامين، فلا مجال لتقييد إطلاقات التخيير في مثل زماننا مما لا يتمكن من لقاء الإِمامعليهالسلام بهما، لقصور المرفوعة سنداً وقصور المقبولة دلالةً، لاختصاصها بزمان التمكن من لقائهعليهالسلام ، ولذا ما أرجع إلى التخيير بعد فقد الترجيح، مع أن تقييد الإِطلاقات الواردة في مقام الجواب عن سؤال حكم المتعارضين - بلا استفصال عن كونهما متعادلين أو متفاضلين، مع ندرة كونهما متساويين جداً - بعيد قطعاً، بحيث لو لم يكن ظهور المقبولة في ذاك الاختصاص لوجب حملها عليه أو على ما لا ينافيها من الحمل على الاستحباب، كما فعله بعض الأصحاب(١) ، ويشهد به الاختلاف الكثير بين ما دل على الترجيح من الأخبار.
ومنه قد انقدح حال سائر أخباره، مع أن في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظراً، وجههُ قوة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجة، بشهادة ما(٢) ورد في أنه زخرف، وباطل، وليس بشيء، أو أنه لم نقله، أو أمر بطرحه على الجدار، وكذا الخبر الموافق للقوم، ضرورة أن أصالة عدم صدوره تقية - بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره لولا القطع به - غير جارية، للوثوق حينئذ بصدوره كذلك، وكذا الصدور أو
____________________
(١) الظاهر هو السيد الصدر شارح الوافية، لكنهرحمهالله حمل جميع أخبار الترجيح على الاستحباب، شرح الوافية، ص مخطوط.
(٢) الوسائل ١٨ / ٧٨، الباب ٩ من ابواب صفات القاضي، الاحاديث: ١٠، ١١، ١٢، ١٤، ١٥، ٢٩، ٣٥، ٣٧، ٤٠، ٤٧، ٤٨.
والمحاسن: ١ / ٢٢٠، الباب ١١، الاحاديث ١٢٨ إلى ١٣١ وص ٢٢٥، الباب ١٢، الحديث ١٤٥ وص ٢٢٦، الباب ١٤، الحديث ١٥٠.
الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون موهوناً بحيث لا يعمه أدلة اعتبار السند ولا الظهور، كما لا يخفى، فتكون هذه الأخبار في مقام تميز الحجة عن اللاحجة لا ترجيح الحجة على الحجة، فافهم.
وإن أبيت عن ذلك، فلا محيص عن حملها توفيقاً بينها وبين الإطلاقات، إما على ذلك أو على الاستحباب كما أشرنا إليه آنفاً، هذا ثم إنه لولا التوفيق بذلك للزم التقييد أيضاً في أخبار المرجحات، وهي آبية عنه، كيف يمكن تقييد مثل: (ما خالف قول ربنا لم أقله، أو زخرف، أو باطل)؟ كما لا يخفى.
فتلخص - مما ذكرنا - أن اطلاقات التخيير محكمة، وليس في الأخبار ما يصلح لتقييدها.
نعم قد استدل على تقييدها، ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أُخر:
منها : دعوى(١) الاجماع على الأخذ بأقوى الدليلين.
وفيه أن دعوى الإجماع - مع مصير مثل الكليني إلى التخيير، وهو في عهد الغيبة الصغرى ويخالط النواب والسفراء، قال في ديباجة الكافي: ولا نجد شيئاً أوسع ولا أحوط من التخيير - مجازفة.
ومنها(٢) : أنه لو لم يجب ترجيح ذي المزية، لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلا، بل ممتنع قطعا.
وفيه انه إنما يجب الترجيح لو كانت المزية موجبة لتأكد ملاك الحجية في نظر الشارع، ضرورة إمكان أن تكون تلك المزية بالإضافة إلى ملاكها من قبيل الحجر في جنب الإِنسان، و[معه]كان الترجيح بها بلا مرجح، وهو قبيح كما هو واضح، هذا مضافاً إلى ما هو في الإضراب من الحكم بالقبح إلى الامتناع،
____________________
(١) حكاه الشيخرحمهالله عن كلام جماعة / فرائد الأصول ٤٦٩، المرجحات الخارجية، من الخاتمة في التعادل والتراجيح.
(٢) استدل به المحقق القميرحمهالله قوانين الأصول ٢ / ٢٧٨، في قانون الترجيح من الخاتمة.
من أن الترجيح بلا مرجح في الأفعال الاختيارية ومنها الأحكام الشرعية، لا يكون إلا قبيحاً، ولا يستحيل وقوعه إلا على الحكيم تعالى، وإلا فهو بمكان من الإمكان، لكفاية إرادة المختار علة لفعله، وإنما الممتنع هو وجود الممكن بلا علة، فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح، إلا من باب امتناع صدوره منه تعالى، وأما غيره فلا استحالة في ترجيحه لما هو المرجوح مما باختياره.
وبالجملة: الترجيح بلا مرجح بمعنى بلا علة محال، وبمعنى بلا داع عقلائي قبيح ليس بمحال، فلا تشتبه.
ومنها : غير ذلك(١) مما لا يكاد يفيد الظن، فالصفح عنه أولى وأحسن.
ثم إنه لا إشكال في الافتاء بما اختاره من الخبرين، في عمل نفسه وعمل مقلديه، ولا وجه للافتاء بالتخيير في المسألة الفرعية، لعدم الدليل عليه فيها.
نعم له الافتاء به في المسألة الأصولية، فلا بأس حينئذ باختيار المقلد غير ما اختاره المفتي، فيعمل بما يفهم منه بصريحه أو بظهوره الذي لا شبهة فيه.
وهل التخيير بدوي أم استمراري؟ قضية الاستصحاب لو لم نقل بأنه قضية الاطلاقات أيضاً كونه استمرارياً. وتوهم(٢) أن المتحيّر كان محكوماً بالتخيير، ولا تحيّر له بعد الاختيار، فلا يكون الإطلاق ولا الاستصحاب مقتضياً للاستمرار، لاختلاف الموضوع فيهما، فاسد، فإن التحير بمعنى تعارض الخبرين باق على حاله، وبمعنى آخر لم يقع في خطاب موضوعاً للتخيير أصلاً، كما لا يخفى.
فصل
هل على القول بالترجيح، يقتصر فيه على المرجحات المخصوصة المنصوصة، أو يتعدى إلى غيرها؟ قيل(٣) بالتعدي، لما في الترجيح بمثل الاصدقية
____________________
(١) راجع فرائد الأصول ٤٤٢ - ٤٤٤، المقام الثاني من مقام التراجيح.
(٢) يظهر ذلك من الشيخرحمهالله في فرائد الأصول ٤٤٠، المقام الاول في المتكافئين.
(٣) القائل هو الشيخ (قده) ونسبه إلى جمهور المجتهدين، فرائد الأصول / ٤٥٠.
والأوثقية ونحوهما، مما فيه من الدلالة على أن المناط في الترجيح بها هو كونها موجبة للأقربية إلى الواقع، ولما في التعليل بأن المشهور مما لا ريب فيه، من استظهار أن العلة هو عدم الريب فيه بالإِضافة إلى الخبر الآخر ولو كان فيه ألف ريب، ولما في التعليل بأن الرشد في خلافهم.
ولا يخفى ما في الاستدلال بها:
أما الأول: فإن جعل خصوص شيء فيه جهة الإراءة والطريقية حجة أو مرجحاً لا دلالة فيه على أن الملاك فيه بتمامه جهة إراءته، بل لا إشعار فيه كما لا يخفى، لاحتمال دخل خصوصيته في مرجحيته أو حجيته، لا سيما قد ذكر فيها ما لا يحتمل الترجيح به إلا تعبداً، فافهم.
وأما الثاني: فلتوقفه على عدم كون الرواية المشهورة في نفسها مما لا ريب فيها، مع أن الشهرة في الصدر الأول بين الرواة وأصحاب الائمة - عليهم السلام - موجبة لكون الرواية مما يطمأن بصدورها، بحيث يصح أن يقال عرفاً: إنها مما لا ريب فيها، كما لا يخفى. ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله مما يوجب الوثوق والاطمئنان بالصدور، لا إلى كل مزية ولو لم يوجب إلّا أقربية ذي المزية إلى الواقع، من المعارض الفاقد لها.
وأما الثالث: فلاحتمال أن يكون الرشد في نفس المخالفة، لحسنها، ولو سلم أنه لغلبة الحق في طرف الخبر المخالف، فلا شبهة في حصول الوثوق بأن الخبر الموافق المعارض بالمخالف لا يخلو من الخلل صدوراً أو جهة، ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله، كما مر آنفاً.
ومنه انقدح حال ما إذا كان التعليل لأجل انفتاح باب التقية فيه، ضرورة كمال الوثوق بصدوره كذلك، مع الوثوق بصدورهما، لولا القطع به في الصدر الأول، لقلة الوسائط ومعرفتها، هذا مع ما في عدم بيان الامام -عليهالسلام - للكلية كي لا يحتاج السائل إلى إعادة السؤال مراراً، وما في أمره -عليهالسلام -
بالإرجاء بعد فرض التساوي فيما ذكره من المزايا المنصوصة، من الظهور في أن المدار في الترجيح على المزايا المخصوصة، كما لا يخفى.
ثم إنه بناء على التعدي حيث كان في المزايا المنصوصة مالا يوجب الظن بذي المزية ولا أقربيته، كبعض صفات الراوي مثل الأورعية أو الأفقهية، إذا كان موجبهما مما لا يوجب الظن أو الأقربية، كالتورع من الشبهات، والجهد في العبادات، وكثرة التتبع في المسائل الفقهية أو المهارة في القواعد الأصولية، فلا وجه للاقتصار على التعدي إلى خصوص ما يوجب الظن أو الأقربية، بل إلى كل مزية، ولو لم تكن بموجبة(١) لاحدهما، كما لا يخفى.
وتوهم أن ما يوجب الظن بصدق أحد الخبرين لا يكون بمرجح، بل موجب لسقوط الآخر عن الحجية للظن بكذبه حينئذ، فاسد. فإن الظن بالكذب لا يضر بحجية ما اعتبر من باب الظن نوعاً، وإنما يضر فيما أُخذ في اعتباره عدم الظن بخلافه، ولم يؤخذ في اعتبار الأخبار صدوراً ولا ظهوراً ولا جهةً ذلك، هذا مضافاً إلى اختصاص حصول الظن بالكذب بما إذا علم بكذب أحدهما صدوراً، وإلا فلا يوجبه الظن بصدور أحدهما لإِمكان صدورهما مع عدم إرادة الظهور في أحدهما أو فيهما، أو إرادته تقية، كما لا يخفى.
نعم لو كان وجه التعدي اندراج ذي المزية في أقوى الدليلين لوجب الاقتصار على ما يوجب القوة في دليليته وفي جهة إثباته وطريقيته، من دون التعدي إلى ما لا يوجب ذلك، وإن كان موجباً لقوة مضمون ذيه ثبوتاً، كالشهرة الفتوائية أو الأولوية الظنية ونحوهما، فإن المنساق من قاعدة أقوى الدليلين أو المتيقن منها، إنما هو الأقوى دلالة، كما لا يخفى، فافهم(٢) .
____________________
(١) في «أ» و «ب» بموجبه.
(٢) اثبتنا الأمر بالفهم من «أ».
فصل
قد عرفت سابقاً أنه لا تعارض في موارد الجمع والتوفيق العرفي، ولا يعمها ما يقتضيه الأصل في المتعارضين، من سقوط أحدهما رأساً وسقوط كل منهما في خصوص مضمونه، كما إذا لم يكونا في البين، فهل التخيير أو الترجيح يختص أيضاً بغير مواردها أو يعمها؟ قولان: أولهما المشهور، وقصارى ما يقال في وجهه: إن الظاهر من الأخبار العلاجية - سؤالاً وجواباً - هو التخيير أو الترجيح في موارد التحيّر، مما لا يكاد يستفاد المراد هناك عرفاً، لا فيما يستفاد ولو بالتوفيق، فإنه من أنحاء طرق الاستفادة عند أبناء المحاورة.
ويشكل بأن مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق، لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد الجمع، لصحّة السؤال بملاحظة التحيّر في الحال لأجل ما يتراءى من المعارضة وإن كان يزول عرفاً بحسب المآل، أو للتحيّر في الحكم واقعاً وإن لم يتحير فيه ظاهراً، وهو كاف في صحته قطعاً، مع إمكان أن يكون لاحتمال الردع شرعاً عن هذه الطريقة المتعارفة بين أبناء المحاورة، وجلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة لولا كلها يعمها، كما لا يخفى.
ودعوى أن المتيقن منها غيرها مجازفة، غايته أنه كان كذلك خارجاً لا بحسب مقام التخاطب، وبذلك ينقدح وجه القول الثاني، اللهم إلا أن يقال: إن التوفيق في مثل الخاص والعام والمقيد والمطلق، كان عليه السيرة القطعية من لدن زمان الأئمة عليهم السلام، وهي كاشفة إجمالاً عما يوجب تخصيص أخبار العلاج بغير موارد التوفيق العرفي، لولا دعوى اختصاصها به، وأنها سؤالاً وجواباً بصدد الاستعلاج والعلاج في موارد التحير والاحتياج، أو دعوى الإِجمال وتساوي احتمال العموم مع احتمال الاختصاص، ولا ينافيها مجرد صحة السؤال لما لا ينافي العموم ما لم يكن هناك ظهور أنه لذلك، فلم يثبت بأخبار العلاج ردع عما هو عليه بناء
العقلاء وسيرة العلماء، من التوفيق وحمل الظاهر على الأظهر، والتصرف فيما يكون صدورهما قرينة عليه، فتأمل.
فصل
قد عرفت حكم تعارض الظاهر والأظهر وحمل الأول على الآخر، فلا إشكال فيما إذا ظهر أن أيّهما ظاهر وأيهما أظهر، وقد ذكر فيما أشتبه الحال لتمييز ذلك ما لا عبرة به أصلاً، فلا بأس بالإِشارة إلى جملة منها وبيان ضعفها:
منها : ما قيل(١) في ترجيح ظهور العموم على الإِطلاق، وتقديم التقييد على التخصيص فيما دار الأمر بينهما، من كون ظهور العام في العموم تنجيزياً، بخلاف ظهور المطلق في اللإطلاق، فإنه معلق على عدم البيان، والعام يصلح بياناً، فتقديم العام حينئذ لعدم تمامية مقتضى الإطلاق معه، بخلاف العكس، فإنه موجب لتخصيصه بلا وجه إلا على نحو دائر. ومن أن التقييد أغلب من التخصيص.
وفيه: إن عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة، إنما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد، وأغلبية التقييد مع كثرة التخصيص بمثابة قد قيل: مامن عام إلا وقد خص، غير مفيد، فلابد(٢) في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر، فتدبر.
ومنها : ما قيل فيما إذا دار بين التخصيص والنسخ - كما إذا ورد عام بعد حضور وقت العمل بالخاص، حيث يدور بين أن يكون الخاص مخصصاً أو يكون العام ناسخاً، أو ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، حيث يدور بين أن يكون الخاص مخصصاً للعام، أو ناسخاً له ورافعاً لاستمراره ودوامه - في وجه تقديم التخصيص على النسخ، من غلبة التخصيص وندرة النسخ.
____________________
(١) راجع فرائد الأصول ٤٥٧، المقام الرابع من مقام التراجيح.
(٢) في «ب»: ولا بد.
ولا يخفى أن دلالة الخاص أو العام على الاستمرار والدوام إنما هو بالإطلاق لا بالوضع، فعلى الوجه العقلي في تقديم التقييد على التخصيص كان اللازم في هذا الدوران تقديم النسخ على التخصيص أيضاً، وإن غلبة التخصيص إنما توجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العام في العموم إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعد من القرائن المكتنفة بالكلام، وإلّا فهي وإن كانت مفيدة للظن بالتخصيص، إلا أنها غير موجبة لها، كما لا يخفى.
ثم إنه بناء على اعتبار عدم حضور وقت العمل في التخصيص، لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، يشكل الأمر في تخصيص الكتاب أو السنة بالخصوصات الصادرة عن الأئمة عليهم السلام، فإنها صادرة بعد حضور وقت العمل بعموماتهما، والتزام نسخهما بها ولو قيل بجواز نسخهما بالرواية عنهم عليهم السلام كما ترى، فلا محيص في حله من أن يقال: إن اعتبار ذلك حيث كان لأجل قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكان من الواضح أن ذلك فيما إذا لم يكن هناك مصلحة في إخفاء الخصوصات أو مفسدة في إبدائها، كإخفاء غير واحد من التكاليف في الصدر الأول، لم يكن باس بتخصيص عموماتهما بها، واستكشاف أن موردها كان خارجاً عن حكم العام واقعاً وإن كان داخلاً فيه ظاهراً، ولأجله لا بأس بالالتزام بالنسخ بمعنى رفع اليد بها عن ظهور تلك العمومات بإطلاقها في الاستمرار والدوام أيضاً، فتفطن.
فصل
لايخفي أن المزايا المرجحة لأحد المتعارضين الموجبة للأخذ به وطرح الآخر - بناءً على وجوب الترجيح - وإن كانت على أنحاء مختلفة ومواردها متعددة، من راوي الخبر ونفسه ووجه صدوره ومتنه ومضمونه مثل: الوثاقة والفقاهة والشهرة ومخالفة العامة والفصاحة وموافقة الكتاب والموافقة لفتوى الأصحاب، إلى غير ذلك مما يوجب مزية في طرف من أطرافه، خصوصاً لو قيل بالتعدي من المزايا المنصوصة، إلا أنها موجبة لتقديم أحد السندين وترجيحه وطرح الآخر، فإن أخبار العلاج دلّت على تقديم رواية ذات مزية في أحد أطرافها ونواحيها فجميع هذه من مرجحات السند حتى موافقة الخبر للتقية، فإنها أيضاً مما يوجب ترجيح أحد السندين وحجيته فعلاً وطرح الآخر راساً، وكونها في مقطوعي الصدور متمحضة في ترجيح الجهة لا يوجب كونها كذلك في غيرهما، ضرورة أنه لا معنى للتعبد بسند ما يتعين حمله على التقية، فكيف يقاس على ما لا تعبد فيه للقطع بصدوره؟.
ثم إنه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات لوقيل بالتعدي وإناطة الترجيح
بالظن أو بالأقربية إلى الواقع، ضرورة أن قضية ذلك تقديم الخبر الذي ظن صدقه أو كان أقرب إلى الواقع منهما، والتخيير بينهما إذا تساويا، فلا وجه لإتعاب النفس في بيان أن أيّها يقدم أو يؤخر إلا تعيين أن أيها يكون فيه المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر.
وأما لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه لما يتراءى من ذكرها مرتباً في المقبولة(١) والمرفوعة(٢) ، مع إمكان أن يقال: إن الظاهر كونهما كسائر أخبار الترجيح بصدد بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح، ولذا إقتصر في غير واحد منها على ذكر مرجح واحد، وإلا لزم تقييد جميعها على كثرتها بما في المقبولة، وهو بعيد جداً، وعليه فمتى وجد في أحدهما مرجح وفي الآخر آخرمنها، كان المرجع هو إطلاقات التخيير، ولا كذلك على الاول بل لابد من ملاحظة الترتيب، إلا إذا كانا في عرض واحد.
وانقدح بذلك أن حال المرجح الجهتي حال سائر المرجحات، في أنه لابد في صورة مزاحمته مع بعضها من ملاحظة أن أيهما فعلاً موجب للظن بصدق ذيه بمضمونه، أو الأقربية كذلك إلى الواقع، فيوجب ترجيحه وطرح الآخر، أو أنه لا مزية لأحدهما على الآخر، كما إذا كان الخبر الموافق للتقية بماله من المزية مساوياً للخبر المخالف لها بحسب المناطين، فلا بد حينئذ من التخيير بين الخبرين، فلا وجه لتقديمه على غيره، كما عن الوحيد البهبهاني(٣) -قدسسره - وبالغ فيه
____________________
(١) التهذيب ٦ / ٣٠١، الباب ٩٢، الحديث ٥٢.
(٢) الكافي ١ / ٦٧، باب اختلاف الحديث، الحديث ١٠.
(٣) راجع ملاحظات الفريد على فوائد الوحيدرحمهالله / ١٢٠ في الفائدة ٢١.
المولى محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني مروج المذهب رأس الماة الثالثة تولد سنة ١١١٨ في اصفهان وقطن برهة في بهبهان، ثم انتقل إلى كربلا ونشر العلم هناك، صنف ما يقرب من ستين كتاباً. منها شرحه على المفاتيح وحواشيه على المدارك وعلى المعالم وغير ذلك توفي في الحائر الشريف سنة ١٢٠٨ ه (الكنى والالقاب ٢ / ٩٧).
بعض(١) أعاظم المعاصرين - أعلى الله درجته - ولا لتقديم غيره عليه، كما يظهر من شيخنا العلامة(٢) - أعلى الله مقامه - قال:
أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور، بأن كان الأرجح صدوراً موافقاً للعامة، فالظاهر تقديمه على غيره وإن كان مخالفاً للعامة، بناءً على تعليل الترجيح بخالفة العامة بإحتمال التقية في الموافق، لأن هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعاً كما في المتواترين، أو تعبداً كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما وترك التعبد بصدور الآخر، وفيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلة الترجيح من حيث الصدور.
إن قلت: إن الأصل في الخبرين الصدور، فإذا تعبدنا بصدورهما إقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقية، كما يقتضي ذلك الحكم بإرادة خلاف الظاهر في أضعفهما، فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدماً على الترجيح بحسب الصدور.
قلت: لا معنى للتعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية، لأنه إلغاء لأحدهما في الحقيقة.
وقال بعد جملة من الكلام:
فمورد هذا الترجيح تساوي الخبرين من حيث الصدور، إما علماً كما في المتواترين، أو تعبداً كما في المتكافئين من الأخبار، وأما ما وجب فيه التعبد بصدور أحدهما المعين دون الآخر فلا وجه لإعمال هذا المرجح فيه، لأن جهة الصدور متفرع على أصل الصدور، إنتهى موضع الحاجة من كلامه، زيد في علو مقامه.
وفيه - مضافاً إلى ما عرفت - أن حديث فرعية جهة الصدور على أصله إنما يفيد
____________________
(١) هو صاحب البدائع في البدائع / ٤٥٥ و ٤٥٧، المقام الرابع في ترتيب المرجحات.
(٢) فرائد الأصول / ٤٦٨.
إذا لم يكن المرجح الجهتي من مرجحات أصل الصدور بل من مرجحاتها، وأما إذا كان من مرجحاته بأحد المناطين، فأي فرق بينه وبين سائر المرجحات؟ ولم يقم دليل بعد في الخبرين المتعارضين على وجوب التعبد بصدور الراجح منهما من حيث غير الجهة، مع كون الآخر راجحاً بحسبها، بل هو أول الكلام، كما لا يخفى، فلا محيص من ملاحظة الراجح من المرجحين بحسب أحد المناطين، أو من دلالة أخبار العلاج، على الترجيح بينهما مع المزاحمة، ومع عدم الدلالة ولو لعدم التعرض لهذه الصورة فالمحكم هو إطلاق التخيير، فلا تغفل.
وقد أورد بعض أعاظم تلاميذه(١) عليه بإنتقاضه بالمتكافئين من حيث الصدور، فإنه لو لم يعقل التعبد بصدور المتخالفين من حيث الصدور، مع حمل أحدهما على التقية، لم يعقل التعبد بصدورهما مع حمل أحدهما عليها، لانه إلغاء لأحدهما أيضاً في الحقيقة.
وفيه ما لا يخفى من الغفلة، وحسبان أنه التزم -قدسسره - في مورد الترجيح بحسب الجهة باعتبار تساويهما من حيث الصدور، إما للعلم بصدورهما، وإما للتعبد به فعلاً، مع بداهة أن غرضه من التساوي من حيث الصدور تعبداً تساويهما بحسب دليل التعبد بالصدور قطعاً، ضرورة أن دليل حجية الخبر لا يقتضي التعبد فعلاً بالمتعارضين، بل ولا بأحدهما، وقضية دليل العلاج ليس إلا التعبد بأحدهما تخييراً أو ترجيحاً.
والعجب كل العجب أنه رحمه الله لم يكتف بما أورده من النقض، حتى ادعى استحالة تقديم الترجيح بغير هذا المرجح على الترجيح به، وبرهن عليه بما حاصله امتناع التعبد بصدور الموافق، لدوران أمره بين عدم صدوره من أصله، وبين صدوره تقية، ولا يعقل التعبد به على التقديرين بداهةً، كما أنه لايعقل التعبد بالقطعي الصدور الموافق، بل الأمر في الظني الصدور أهون، لاحتمال عدم
____________________
(١) وهو الشيخ المحقق الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي (طاب ثراه).راجع بدائع الأفكار / ٤٥٧.
صدوره، بخلافه.
ثم قال: فإحتمال تقديم المرجحات السندية على مخالفة العامة، مع نص الإمام -عليهالسلام - على طرح موافقهم، من العجائب والغرائب التي لم يعهد صدورها من ذي مسكة، فضلاً عمن هو تالي العصمة علماً وعملاً.
ثم قال: وليت شعري، إن هذه الغفلة الواضحة كيف صدرت منه؟ مع أنه في جودة النظر يأتي بما يقرب من شق القمر.
وأنت خبير بوضوح فساد برهانه، ضرورة عدم دوران أمر الموافق بين الصدور تقية وعدم الصدور رأساً، لاحتمال صدوره لبيان حكم الله واقعاً، وعدم صدور المخالف المعارض له أصلاً، ولا يكاد يحتاچ في التعبد إلى أزيد من احتمال صدور الخبر لبيان ذلك بداهة، وإنما دار احتمال الموافق بين الإثنين إذا كان المخالف قطعياً صدوراً وجهةً ودلالةً، ضرورة دوران معارضه حينئذ بين عدم صدوره وصدوره تقية، وفي غير هذه الصورة كان دوران أمره بين الثلاثة لا محالة، لاحتمال صدوره لبيان الحكم الواقعي حينئذ أيضاً.
ومنه قد إنقدح إمكان التعبد بصدور الموافق القطعي لبيان الحكم الواقعي أيضاً، وإنما لم يكن التعبد بصدوره لذلك إذا كان معارضه المخالف قطعياً بحسب السند والدلالة، لتعيين حمله على التقية حينئذ لا محالة، ولعمري إن ما ذكرنا أوضح من أن يخفى على مثله، إلا أن الخطأ والنسيان كالطبيعة الثانية للإنسان، عصمنا الله من زلل الاقدام والأقلام في كل ورطة ومقام.
ثم إن هذا كله إنما هو بملاحظة أن هذا المرجح مرجح من حيث الجهة، وأما بما هو موجب لأقوائية دلالة ذيه من معارضه، لاحتمال التورية في المعارض المحتمل فيه التقية دونه، فهو مقدم على جميع مرجحات الصدور، بناءً على ما هو المشهور من تقدم التوفيق - بحمل الظاهر على الأظهر - على الترجيح بها، اللهم إلا أن يقال: أن باب احتمال التورية وإن كان مفتوحاً فيما احتمل فيه التقية، إلا أنه
حيث كان بالتأمل والنظر لم يوجب أن يكون معارضه أظهر، بحيث يكون قرينة على التصرف عرفاً في الآخر، فتدبر.
فصل
موافقة الخبر لما يوجب الظن بمضمونه ولو نوعاً من المرجحات في الجملة - بناء على لزوم الترجيح - لو قيل بالتعدي من المرجحات المنصوصة، أو قيل بدخوله في القاعدة المجمع عليها كما ادعي(١) ، وهي لزوم العمل بأقوى الدليلين، وقد عرفت أن التعدي محل نظر بل منع، وأن الظاهر من القاعدة هو ما كان الأقوائية من حيث الدليلية والكشفية، ومضمون أحدهما مظنوناً، لأجل مساعدة أمارة ظنية عليه، لا يوجب قوة فيه من هذه الحيثية، بل هو على ما هو عليه من القوة لو لا مساعدتها، كما لا يخفى، ومطابقة أحد الخبرين لها لا يكون لازمه الطن بوجود خلل في الآخر، إما من حيث الصدور، أو من حيث جهته، كيف؟ وقد اجتمع مع القطع بوجود جميع ما اعتبر في حجية المخالف لولا معارضة الموافق، والصدق واقعاً لا يكاد يعتبر في الحجيّة، كما لا يكاد يضرّ بها الكذب كذلك، فافهم. هذا حال الأمارة الغير المعتبرة لعدم الدليل على اعتبارها.
أما ما ليس بمعتبر بالخصوص لأجل الدليل على عدم اعتباره بالخصوص كالقياس، فهو وإن كان كالغير المعتبر لعدم الدليل، بحسب ما يقتضي الترجيح به من الأخبار بناءً على التعدي، والقاعدة بناءً على دخول مظنون المضمون في أقوى الدليلين، إلا أن الأخبار الناهية عن القياس(٢) وأن السنة إذا قيست محق الدين(٣) ، مانعة عن الترجيح به، ضرورة أن استعماله في ترجيح أحد الخبرين
____________________
(١) راجع فرائد الأصول / ٤٦٩.
(٢) الكافي ١: ٤٦ باب البدع والرأي والمقاييس. الاحاديث ١٣ و ١٦.
(٣) المصدر المتقدم، الحديث ١٥ والكافي ٧: ٢٩٩، كتاب الديات، باب الرجل يقتل المرأة و...الخ، الحديث ٦.
وللمزيد راجع جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٦٩، الباب ٧ عدم حجية القياس والرأي و..الخ.
استعمال له في المسألة الشرعية الأصولية، وخطره ليس بأقل من استعماله في المسألة الفرعية.
وتوهم أن حال القياس ها هنا ليس في تحقق الأقوائية به إلا كحاله فيما ينقح به موضوع آخر ذوحكم، من دون اعتماد عليه في مسألة أُصولية(١) ولا فرعية، قياس مع الفارق، لوضوح الفرق بين المقام والقياس في الموضوعات الخارجية الصرفة، فإن القياس المعمول فيها ليس في الدين، فيكون إفساده أكثر من إصلاحه، وهذا بخلاف المعمول في المقام، فإنه نحو إعمال له في الدين، ضرورة أنّه لولاه لما تعيّن الخبر الموافق له للحجية بعد سقوطه عن الحجيّة بمقتضى أدلة الاعتبار، والتخيير بينه وبين معارضه بمقتضى أدلّة العلاج، فتأمّل جيداً.
وأمّا ما إذا اعتضد بما كان دليلاً مستقلاً في نفسه، كالكتاب والسنة القطعية، فالمعارض المخالف لأحدهما إن كانت مخالفته بالمباينة الكلية، فهذه الصورة خارجة عن مورد الترجيح، لعدم حجية الخبر المخالف كذلك من أصله، ولو مع عدم المعارض، فإنه المتيقن من الأخبار الدالة على أنه زخرف أو باطل، أو أنّه: لم نقله، أو غير ذلك(٢) .
وإن كانت مخالفته بالعموم والخصوص المطلق، فقضية القاعدة فيها، وإن كانت ملاحظة المرجحات بينه وبين الموافق وتخصيص الكتاب به تعييناً أو تخييراً، لو لم يكن الترجيح في الموافق، بناءً على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، إلا أن الأخبار الدالة على أخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه الصورة، لو قيل بأنها في مقام ترجيح أحدهما لا تعيين الحجة عن اللاحجة، كما نزلناها عليه، ويؤيده أخبار(٣) العرض على الكتاب الدالة على عدم حجية المخالف من
____________________
(١) في «ب»: في مسألة الأصولية ولا فرعية.
(٢) راجع ص ٤٤٤، هامش ٢.
(٣) وسائل الشيعة ١٨: ٧٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي / الاحاديث ١٠، ١١، ١٢، ١٤،
أصله، فإنهما تفرغان عن لسان واحد، فلا وجه لحمل المخالفة في أحدهما على خلاف المخالفة في الأخرى، كما لا يخفى.
اللهمّ إلا أن يقال: نعم، إلا أن دعوى اختصاص هذه الطائفة بما إذا كانت المخالفة بالمباينة - بقرينة القطع بصدور المخالف الغير المباين عنهم عليهم السلام كثيراً، وإِباءِ مثل: ما خالف قول ربنا لم أقله، أو زخرف أو باطل عن التخصيص - غير بعيدة، وإن كانت المخالفة بالعموم والخصوص من وجه، فالظاهر أنها كالمخالفة في الصورة الأُولى كما لا يخفى، وأما الترجيح بمثل الاستصحاب، كما وقع في كلام غير واحد من الأصحاب، فالظاهر أنه لأجل اعتباره من باب الظنّ والطريقية عندهم، وأما بناءً على اعتباره تعبداً من باب الأخبار وظيفةً للشاك، كما هو المختار، كسائر الأُصول العملية التي يكون كذلك عقلاً أو نقلاً، فلا وجه للترجيح به أصلاً، لعدم تقوية مضمون الخبر بموافقته، ولو بملاحظة دليل اعتباره كما لا يخفى.
هذا آخر ما اردنا إيراده، والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا.
____________________
١٥، ١٨.
والمحاسن ١: ٢٢٠، كتاب مصابيح الظلم، الباب ١١، الأحاديث ١٢٨ إلى ١٣١.وص ٢٢٥، الباب ١٢.الحديث ١٤٥ وص ٢٢٦، الباب ١٤، الحديث ١٥٠.
أما الخاتمة: فهي فيما يتعلق بالاجتهاد والتقليد
فصل
الاجتهاد لغةً: تحمل المشقة، واصطلاحاً كما عن الحاجبي(١) والعلامة(٢) : استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي ، وعن غيرهما(٣) : ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلاً أو قوة قريبة.
ولا يخفى أن اختلاف عباراتهم في بيان معناه اصطلاحاً، ليس من جهة الاختلاف في حقيقته وماهيته، لوضوح أنهم ليسوا في مقام بيان حدّه أو رسمه، بل إنما كانوا في مقام شرح اسمه والإشارة إليه بلفظ آخر وإن لم يكن مساوياً له بحسب مفهومه، كاللغوي في بيان معاني الألفاظ بتبديل لفظ بلفظ آخر، ولو كان أخصّ منه مفهوماً أو أعمّ.
ومن هنا انقدح أنه لا وقع للإيراد على تعريفاته بعدم الانعكاس أو الاطراد، كما هو الحال في تعريف جل الأشياء لولا الكل، ضرورة عدم الإحاطة بها بكنهها، أو بخواصها الموجبة لامتيازها عما عداها، لغير علام الغيوب، فافهم.
____________________
(١) راجع شرح مختصر الأصول / ٤٦٠، عند الكلام عن الاجتهاد.
(٢) التهذيب - مخطوط -.
(٣) زبدة الأصول للشيخ البهائيرحمهالله / ١١٥ المنهج الرابع في الاجتهاد والتقليد.
وكيف كان، فالأولى تبديل الظن بالحكم بالحجة عليه، فإن المناط فيه هو تحصيلها قوة أو فعلاً لا الظن حتى عند العامة القائلين بحجيته مطلقاً، أو بعض الخاصة القائل بها عند انسداد باب العلم بالأحكام، فإنه مطلقاً عندهم، أو عند الانسداد عنده من أفراد الحجة، ولذا لا شبهة في كون استفراغ الوسع في تحصيل غيره من أفرادها - من العلم بالحكم أو غيره مما اعتبر من الطرق التعبدية الغير المفيدة للظن ولو نوعاً - اجتهاداً أيضاً.
ومنه قد انقدح أنه لا وجه لتأبّي الأخباري عن الاجتهاد بهذا المعنى، فإنه لا محيص عنه كما لا يخفى، غاية الأمر له أن ينازع في حجية بعض ما يقول الأصولي باعتباره ويمنع عنها، وهو غير ضائر بالاتفاق على صحة الاجتهاد بذاك المعنى، ضرورة أنه ربما يقع بين الأخباريين، كما وقع بينهم وبين الأصوليين.
فصل
ينقسم الاجتهاد إلى مطلق وتجزٍّ، فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية من أمارة معتبرة، أو أصل معتبر عقلاً أو نقلاً في الموارد التي لم يظفر فيها بها، والتجزي هو ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام.
ثم إنه لا إشكال في إمكان المطلق وحصوله للأعلام، وعدم التمكن من الترجيح في المسألة وتعيين حكمها والتردد منهم في بعض المسائل إنما هو بالنسبة إلى حكمها الواقعي، لأجل عدم دليل مساعد في كل مسألة عليه، أو عدم الظفر به بعد الفحص عنه بالمقدار اللازم، لا لقلة الاطلاع أو قصور الباع.
وأما بالنسبة إلى حكمها الفعلي، فلا تردد لهم أصلاً، كما لا إشكال في جواز العمل بهذا الاجتهاد لمن اتصف به، وأما لغيره فكذا لا إشكال فيه، إذا كان المجتهد ممن كان باب العلم أو العلمي بالأحكام مفتوحاً له - على ما يأتي من الأدلة على جواز التقليد - بخلاف ما إذا انسد عليه بابهما، فجواز تقليد الغير عنه في غاية الإشكال، فإن رجوعه إليه ليس من رجوع الجاهل إلى العالم بل إلى الجاهل، وأدلة
جواز التقليد إنّما دلّت على جواز رجوع غير العالم إلى العالم كما لايخفى، وقضية مقدمات الانسداد ليست إلا حجية الظن عليه لا على غيره، فلا بدّ في حجية اجتهاد مثله على غيره من التماس دليل آخر غير دليل التقليد وغير دليل الانسداد الجاري في حق المجتهد، من إجماع أو جريان مقدمات دليل الانسداد في حقه، بحيث تكون منتجة لحجية الظن الثابت حجيته بمقدماته له أيضاً، ولا مجال لدعوى الاجماع، ومقدماته كذلك غير جارية في حقه، لعدم انحصار المجتهد به، أو عدم لزوم محذور عقلي من عمله بالاحتياط وان لزم منه العسر، إذا لم يكن له سبيل إلى إثبات عدم وجوبه مع عسره.
نعم، لو جرت المقدمات كذلك، بأن انحصر المجتهد، ولزم من الاحتياط المحذور، أو لزم منه العسر مع التمكن من إبطال وجوبه حينئذٍ، كانت منتجة لحجيته في حقه أيضاً، لكن دونه خرط القتاد، هذا على تقدير الحكومة.
وأما على تقدير الكشف وصحته، فجواز الرجوع إليه في غاية الإِشكال لعدم مساعدة أدلة التقليد على جواز الرجوع إلى من اختص حجية ظنه به، وقضية مقدمات الانسداد اختصاص حجية الظن بمن جرت في حقه دون غيره، ولو سلم أن قضيتها كون الظن المطلق معتبراً شرعاً، كالظنون الخاصة التي دل الدليل على اعتبارها بالخصوص، فتأمل.
إن قلت: حجية الشيء شرعاً مطلقاً لا يوجب القطع بما أدى إليه من الحكم ولو ظاهراً، كما مرّ تحقيقه(١) ، وأنه ليس أثره إلا تنجز الواقع مع الإصابة، والعذر مع عدمها، فيكون رجوعه إليه مع انفتاح باب العلمي عليه أيضاً رجوعاً إلى الجاهل، فضلاً عما إذا انسد عليه.
قلت: نعم، إلا أنه عالم بموارد قيام الحجة الشرعية على الأحكام، فيكون من رجوع الجاهل إلى العالم.
____________________
(١) في بيان الأمارات غير القطعية، ص ٢٧٧.
إن قلت: رجوعه إليه في موارد فقد الأمارة المعتبرة عنده التي يكون المرجع فيها الاصول العقلية، ليس إلا الرجوع إلى الجاهل.
قلت: رجوعه إليه فيها إنما هو لأجل اطلاعه على عدم الأمارة الشرعية فيها، وهو عاجز عن الاطلاع على ذلك، وأما تعيين ما هو حكم العقل وأنه مع عدمها هو البراءة أو الاحتياط، فهو إنما يرجع إليه، فالمتبع ما استقل به عقله ولو على خلاف ما ذهب إليه مجتهده، فافهم.
وكذلك لا خلاف ولا إشكال في نفوذ حكم المجتهد المطلق إذا كان باب العلم أو العلمي له مفتوحاً، وأما إذا انسد عليه بابهما ففيه إشكال على الصحيح من تقرير المقدمات على نحو الحكومة، فإن مثله - كما أشرت آنفاً - ليس ممن يعرف الأحكام، مع أن معرفتها معتبرة في الحاكم، كما في المقبولة، إلا أن يدعى عدم القول بالفصل، وهو وإن كان غير بعيد، إلا أنه ليس بمثابة يكون حجة على عدم الفصل، إلا أن يقال بكفاية انفتاح باب العلم في موارد الإجماعات والضروريات من الدين أو المذهب، والمتواترات إذا كانت جملة يعتدّ بها، وإن انسد باب العلم بمعظم الفقه، فإنه يصدق عليه حينئذٍ أنه ممن روى حديثهم (علهيم السلام) ونظر في حلالهمعليهمالسلام وحرامهم (علهيم السلام): وعرف أحكامهم (علهيم السلام) عرفاً حقيقة. وأما قولهعليهالسلام في المقبولة (فإذا حكم بحكمنا) فالمراد أن مثله إذا حكم كان بحكمهم حكم، حيث كان منصوباً منهم، كيف وحكمه غالباً يكون في الموضوعات الخارجية، وليس مثل ملكية دار لزيد أو زوجية امرأة له من أحكامهمعليهمالسلام فصحة إسناد حكمه إليهمعليهمالسلام إنما هو لأجل كونه من المنصوب من قبلهم.
وأما التجزي في الاجتهاد ففيه مواضع من الكلام:
الاول : في إمكانه، وهو وإن كان محل الخلاف بين الأعلام إلا أنه لا ينبغي الارتياب فيه، حيث كانت أبواب الفقه مختلفة مدركاً، والمدارك متفاوتة سهولة
وصعوبة، عقلية ونقلية، مع اختلاف الأشخاص في الاطلاع عليها، وفي طول الباع وقصوره بالنسبة إليها، فرب شخص كثير الاطلاع وطويل الباع في مدرك باب بمهارته في النقليات أو العقليات، وليس كذلك في آخر لعدم مهارته فيها وابتنائه عليها، وهذا بالضرورة ربما يوجب حصول القدرة على الاستنباط في بعضها لسهولة مدركه أو لمهارة الشخص فيه مع صعوبته، مع عدم القدرة على ما ليس كذلك، بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي، للزوم الطفرة. وبساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة، لا تمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب، بحيث يتمكن بها من الإحاطة بمداركه، كما إذا كانت هناك ملكة الاستنباط في جميعها، ويقطع بعدم دخل ما في سائرها به أصلاً، أو لا يعتني باحتماله لأجل الفحص بالمقدار اللازم الموجب للاطمئنان بعدم دخله، كما في الملكة المطلقة، بداهة أنه لا يعتبر في استنباط مسألة معها من الاطلاع فعلاً على مدارك جميع المسائل، كما لا يخفى.
الثاني : في حجية ما يؤدي إليه على المتصف به، وهو أيضاً محل الخلاف، إلا أن قضية أدلة المدارك حجيته، لعدم اختصاصها بالمتصف بالاجتهاد المطلق، ضرورة أن بناء العقلاء على حجية الظواهر مطلقاً، وكذا ما دلّ على حجية خبر الواحد، غايته تقييده بما إذا تمكن من دفع معارضاته كما هو المفروض.
الثالث : في جواز رجوع غير المتصف به إليه في كل مسألة اجتهد فيها، وهو أيضاً محل الإشكال، من أنه من رجوع الجاهل إلى العالم، فتعمّه أدلة جواز التقليد، ومن دعوى عدم إطلاق فيها، وعدم إحراز أن بناء العقلاء أو سيرة المتشرعة على الرجوع إلى مثله أيضاً، وستعرف إن شاء الله تعالى ما هو قضية الأدلة.
وأما جواز حكومته ونفوذ فصل خصومته فأشكل، نعم لا يبعد نفوذه فيما إذا عرف جملة معتدة بها واجتهد فيها، بحيث يصح أن يقال في حقه عرفاً أنه ممن عرف
أحكامهم، كما مرّ في المجتهد المطلق المنسد عليه باب العلم والعلمي في معظم الأحكام.
فصل
لا يخفى احتياج الاجتهاد إلى معرفة العلوم العربية في الجملة ولو بأن يقدر على معرفة ما يبتني عليه الاجتهاد في المسألة، بالرجوع إلى ما دوّن فيه، ومعرفة التفسير كذلك.
وعمدة ما يحتاج إليه هو علم الأصول، ضرورة أنه ما من مسألة إلّا ويحتاج في استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد برهن عليها في الأصول، أو برهن عليها مقدمة في نفس المسألة الفرعية، كما هوطريقة الأخباري، وتدوين تلك القواعد المحتاج إليها على حدة لا يوجب كونها بدعة، وعدم تدوينها في زمانهمعليهمالسلام لا يوجب ذلك، وإلا كان تدوين الفقه والنحو والصرف بدعة.
وبالجملة لا محيص لأحد في استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها إلا الرجوع إلى ما بنى عليه في المسائل الأصولية، وبدونه لا يكاد يتمكن من استنباط واجتهاد، مجتهداً كان أو أخبارياً.
نعم يختلف الاحتياج إليها بحسب اختلاف المسائل والأزمنة والأشخاص، ضرورة خفة مؤونة الاجتهاد في الصدر الأول، وعدم حاجته إلى كثير مما يحتاج إليه في الأزمنة اللاحقة، مما لا يكاد يحقق ويختار عادة إلا بالرجوع إلى ما دوّن فيه من الكتب الأصولية.
فصل
اتفقت الكلمة على التخطئة في العقليات، واختلفت في الشرعيات، فقال أصحابنا بالتخطئة فيها أيضاً، وأن له تبارك وتعالى في كل مسألة حكم يؤدي إليه الاجتهاد تارة وإلى غيره أخرى.
وقال مخالفونا بالتصويب، وأن له تعالى أحكاماً بعدد آراء المجتهدين، فما
يؤدي إليه الاجتهاد هو حكمه تبارك وتعالى، ولا يخفى أنه لا يكاد يعقل الاجتهاد في حكم المسألة إلا إذا كان لها حكم واقعاً، حتى صار المجتهد بصدد استنباطه من أدلته، وتعيينه بحسبها ظاهراً، فلو كان غرضهم من التصويب هو الالتزام بإنشاء أحكام في الواقع بعدد الآراء - بأن تكون الأحكام المؤدي إليها الاجتهادات أحكاماً واقعية كما هي ظاهرية - فهو وإن كان خطأ من جهة تواتر الأخبار، وإجماع أصحابنا الأخيار على أن له تبارك وتعالى في كل واقعة حكماً يشترك فيه الكل، إلا أنه غير محال، ولو كان غرضهم منه الالتزام بإنشاء الأحكام على وفق آراء الأعلام بعد الاجتهاد، فهو مما لا يكاد يعقل، فكيف يتفحص عما لا يكون له عين ولا أثر، أو يستظهر من الآية أو الخبر، إلا أن يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي، وأن المجتهد وإن كان يتفحص عما هو الحكم واقعاً وإنشاءً، إلا أن ما أدّى إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة، وهو مما يختلف باختلاف الآراء ضرورة، ولا يشترك فيه الجاهل والعالم بداهة، وما يشتركان فيه ليس بحكم حقيقةً بل إنشاء، فلا استحالة في التصويب بهذا المعنى، بل لا محيص عنه في الجملة بناءً على اعتبار الأخبار من باب السببية والموضوعية كما لا يخفى، وربما يشير إليه ما اشتهرت بيننا أن ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم.
نعم بناءً على اعتبارها من باب الطريقية، كما هو كذلك، فمؤديات الطرق والامارات المعتبرة ليست بأحكام حقيقية نفسية، ولو قيل بكونها أحكاماً طريقية، وقد مرّ(١) غير مرة إمكان منع كونها أحكاماً كذلك أيضاً، وأن قضية حجيتها ليس إلا تنجز [تنجيز] مؤدياتها عند إصابتها، والعذر عند خطئها، فلا يكون حكم أصلاً إلا الحكم الواقعي، فيصير منجزاً فيما قام عليه حجة من علم أو طريق معتبر، ويكون غير منجز بل غير فعلي فيما لم تكن هناك حجة مصيبة، فتأمل جيداً.
____________________
(١) في دفع الايراد عن إمكان التعبد بالأمارة غير القطعية / ص ٢٧٧ وفي التنبية الثاني من تنبيهات الاستصحاب / ص ٤٠٥.
فصل
إذا اضمحل الاجتهاد السابق بتبدل الرأي الأوّل بالآخر أو بزواله بدونه، فلا شبهة في عدم العبرة به في الأعمال اللاحقة، ولزوم اتباع اجتهاد اللاحق مطلقاً أو الاحتياط فيها، وأما الأعمال السابقة الواقعة على وفقه المختل فيها ما اعتبر في صحتها بحسب هذا الاجتهاد، فلا بدّ من معاملة البطلان معها فيما لم ينهض دليل على صحة العمل فيما إذا اختل فيه لعذر، كما نهض في الصلاة وغيرها، مثل: لا تعاد(١) ، وحديث الرفع(٢) ، بل الاجماع على الإجزاء في العبادات على ما ادّعي.
وذلك فيما كان بحسب الاجتهاد الأول قد حصل القطع بالحكم وقد اضمحلّ واضح، بداهة أنه لا حكم معه شرعاً، غايته المعذورية في المخالفة عقلا، وكذلك فيما كان هناك طريق معتبر شرعاً عليه بحسبه، وقد ظهر خلافه بالظفر بالمقيد أو المخصص أو قرينة المجاز أو المعارض، بناءً على ما هو التحقيق من اعتبار الأمارات من باب الطريقية، قيل بأن قضية اعتبارها إنشاء أحكام طريقية، أم لا على ما مرّ منّا غير مرة، من غير فرق بين تعلقه بالأحكام أو بمتعلقاتها، ضرورة أن كيفية اعتبارها فيهما على نهج واحد، ولم يعلم وجه للتفصيل بينهما، كما في الفصول(٣) ، وأن المتعلقات لا تتحمل اجتهادين بخلاف الأحكام، إلا حسبان أن الأحكام قابلة للتغيّر والتبدل، بخلاف المتعلقات والموضوعات، وأنت خبير بأن الواقع واحد فيهما، وقد عين أولاً بما ظهر خطؤه ثانياً، ولزوم العسر والحرج والهرج والمرج المخلّ بالنظام والموجب للمخاصمة بين الأنام، لو قيل بعدم صحة العقود والإيقاعات والعبادات الواقعة على طبق الاجتهاد الأول الفاسدة بحسب الاجتهاد الثاني،
____________________
(١) الفقيه: ١ / ٢٢٥، الباب ٤٩. الحديث ٨ والباب ٤٢، الحديث ١٧ والتهذيب ٢ / ١٥٢، الباب ٩، الحديث ٥٥.
(٢) راجع ص ٣٣٩، في الاستدلال على البراءة بالسنة.
(٣) الفصول: ٤٠٩، في فصل رجوع المجتهد عن الفتوى.
ووجوب العمل على طبق الثاني، من عدم ترتيب الأثر على المعاملة وإعادة العبادة، لا يكون إلا أحياناً، وأدلة نفي العسر لا ينفي إلا خصوص ما لزم منه العسر فعلاً، مع عدم اختصاص ذلك بالمتعلقات، ولزوم العسر في الأحكام كذلك أيضاً لو قيل بلزوم ترتيب الأثر على طبق الاجتهاد الثاني في الأعمال السابقة، وباب الهرج والمرج ينسد بالحكومة وفصل الخصومة.
وبالجملة لا يكون التفاوت بين الأحكام ومتعلقاتها، بتحمل الاجتهادين وعدم التحمل بيناً ولا مبيناً، بما يرجع إلى محصل في كلامه - زيد في علو مقامه - فراجع وتأمل.
وأما بناءً على اعتبارها من باب السببية والموضوعية، فلا محيص عن القول بصحة العمل على طبق الاجتهاد الأول، عبادةً كان أو معاملةً، وكون مؤداه - ما لم يضمحل - حكماً حقيقة، وكذلك الحال إذا كان بحسب الاجتهاد الأول مجرى الاستصحاب أو البراءة النقلية، وقد ظفر في الاجتهاد الثاني بدليل على الخلاف، فإنه عمل بما هو وظيفته على تلك الحال، وقد مرّ في مبحث الإِجزاء تحقيق المقال، فراجع هناك.
فصل
في التقليد
وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات، أو للالتزام به في الاعتقاديات تعبداً، بلا مطالبة دليل على رأيه، ولا يخفى أنه لا وجه لتفسيره بنفس العمل، ضرورة سبقه عليه، وإلا كان بلا تقليد، فافهم.
ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة، يكون بديهياً جِبِلّياً فطرياً لا يحتاج إلى دليل، وإلّا لزم سدّ باب العلم به على العامي مطلقاً غالباً، لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه كتاباً وسنّةً، ولا يجوز التقليد فيه أيضاً، وإلّا لدار أو تسلسل، بل هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب ما عداه قابل للمناقشة، لبُعد تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة، مما يمكن أن يكون القول فيه لأجل كونه من الأمور الفطرية الارتكازية، والمنقول منه غير حجة في مثلها، ولو قيل بحجيتها في غيرها، لوهنه بذلك.
ومنه قد انقدح إمكان القدح في دعوى كونه من ضروريات الدين، لاحتمال أن يكون من ضروريات العقل وفطرياته لا من ضرورياته، وكذا القدح في دعوى(١) سيرة المتدينين.
____________________
(١) الفصول: ٤١١ في فصل جواز التقليد.
وأما الآيات، فلعدم دلالة آية النفر(١) والسؤال(٢) على جوازه، لقوة احتمال أن يكون الإرجاع لتحصيل العلم لا للأخذ تعبداً، مع أن المسؤول في آية السؤال هم أهل الكتاب كما هو ظاهرها، أو أهل بيت العصمة الأطهار كما فسرّ به في الأخبار(٣) .
نعم لا بأس بدلالة الأخبار عليه بالمطابقة أو الملازمة، حيث دلّ بعضها(٤) على وجوب اتباع قول العلماء، وبعضها(٥) على أن للعوام تقليد العلماء، وبعضها(٦) على جواز الإفتاء مفهوماً مثل ما دلّ على المنع عن الفتوى بغير علم، أو منطوقاً مثل(٧) مادلّ على إظهارهعليهالسلام المحبة لأن يرى في أصحابه من يفتي الناس بالحلال والحرام.
لا يقال: إن مجرد إظهار الفتوى للغير لا يدل على جواز أخذه واتباعه.
فإنه يقال: إن الملازمة العرفية بين جواز الإفتاء وجواز اتباعه واضحة، وهذا غير وجوب إظهار الحق والواقع، حيث لا ملازمة بينه وبين وجوب أخذه تعبداً، فافهم وتأمّل.
وهذه الأخبار على اختلاف مضامينها وتعدد أسانيدها، لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها، فيكون دليلاً قاطعاً على جواز التقليد، وإن لم يكن كل واحد منها
____________________
(١) التوبة: ١٢٢.
(٢) النحل: ٤٣.
(٣) الكافي: ١ / ١٦٣، كتاب الحجّة الباب ٢٠، الأحاديث.
(٤) الوسائل: ١٨ / ٩٨، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الأحاديث: ٤ و ٥ و ٩ و ١٥ و ٢٣ و ٢٧ و ٣٣ و ٤٢ و ٤٥ والباب ١٢، الحديث ٥٤.
(٥) الاحتجاج: ٢ / ٤٥٧ في احتجاجات أبي محمد العسكري وجاء في الوسائل: ١٨ / ٩٤ الباب ١٠ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٠.
(٦) الوسائل: ١٨ / ٩، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي، الأحاديث: ١ و ٢ و ٣ و ٣١ و ٣٣ والباب ٦، الحديث ٤٨.والباب ٩، الحديث ٢٣ والباب ١١، الحديث ١٢.
(٧) الوسائل: ١٨ / ١٠٨، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٣٦.
بحجة، فيكون مخصصاً لما دل على عدم جواز اتباع غير العلم والذم على التقليد، من الآيات والروايات.
قال الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(١) وقوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)(٢) مع احتمال أنّ الذم إنما كان على تقليدهم للجاهل، أو في الأصول الاعتقادية التي لابدّ فيها من اليقين، وأما قياس المسائل الفرعية على الأصول الاعتقادية، في أنه كما لا يجوز التقليد فيها مع الغموض فيها كذلك لا يجوز فيها بالطريق الأولى لسهولتها، فباطل، مع أنه مع الفارق، ضرورة أن الأُصول الاعتقادية مسائل معدودة، بخلافها فإنه مما لا تعدّ ولا تحصى، ولا يكاد يتيسر من الاجتهاد فيها فعلاً طول العمر إلا للأوحدي في كلياتها، كما لا يخفى.
فصل
إذا علم المقلد اختلاف الأحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم والفقاهة، فلابد من الرجوع إلى الأفضل إذا احتمل تعيّنه، للقطع بحجيته والشك في حجية غيره، ولا وجه لرجوعه إلى الغير في تقليده، إلا على نحو دائر.
نعم لا بأس برجوعه إليه إذا استقل عقله بالتساوي، وجواز الرجوع إليه أيضاً، أو جوزّ له الأفضل بعد رجوعه إليه، هذا حال العاجر عن الاجتهاد في تعيين ما هو قضية الأدلة في هذه المسألة.
وأمّا غيره، فقد اختلفوا في جواز تقليد(٣) المفضول وعدم جوازه، ذهب بعضهم إلى الجواز، والمعروف بين الأصحاب - على ما قيل - عدمه وهو الأقوى،
____________________
(١) الاسراء: ٣٦.
(٢) الزخرف: ٢٣.
(٣) في «ب»: تقديم.
للأصل، وعدم دليل على خلافه، ولا إطلاق في أدلة التقليد بعد الغضّ عن نهوضها على مشروعية أصله، لوضوح أنها إنما تكون بصدد بيان أصل جواز الأخذ بقول العالم لا في كل حال، من غير تعرض أصلاً لصورة معارضته بقول الفاضل، كما هو شأن سائر الطرق والأمارات على ما لا يخفى.
ودعوى(١) السيرة على الأخذ بفتوى أحد المخالفَين في الفتوى من دون فحص عن أعلميته مع العلم بأعلمية أحدهما، ممنوعة.
ولا عسر في تقليد الأعلم، لا عليه لأخذ فتاواه من رسائله وكتبه، ولا لمقلديه لذلك أيضاً، وليس تشخيص الأعلمية بأشكل من تشخيص أصل الاجتهاد، مع أن قضية نفي العسر الاقتصار على موضع العسر، فيجب فيما لا يلزم منه عسر، فتأمل جيداً.
وقد استدلّ للمنع أيضاً بوجوه:
أحدها (٢) : نقل الإجماع على تعين تقليد الأفضل.
ثانيها (٣) : الأخبار الدالة على ترجيحه مع المعارضة، كما في المقبولة(٤) وغيرها(٥) ، أو على اختياره للحكم بين الناس، كما دلّ عليه المنقول(٦) عن أمير المؤمنينعليهالسلام : (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك).
ثالثها (٧) : إن قول الأفضل أقرب من غيره جزماً، فيجب الأخذ به عند
____________________
(١) راجع شرح مختصر الأصول / ٤٨٤.
(٢) مطارح الأنظار / ٣٠٣، في التنبيه السادس، عند استدلاله على القول بوجوب تقليد الأفضل.
(٣) مفاتيح الأصول / ٦٢٧.
(٤) التهذيب ٦: ٣٠١، الباب ٩٢، الحديث ٦ - الكافي ١: ٥٤. باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم، الحديث ١٠.
(٥) التهذيب ٦ / ٣٠١، الباب ٩٢، الحديث ٥٠ و ٥١ - الفقيه ٣: ٥ الباب ٩ الحديث ١ و ٢.
(٦) نهج البلاغة الجزء الثالث: ١٠٤ في كتابهعليهالسلام للأشتر النخعي.
(٧) الذريعة ٢: ٨٠١، في باب الاجتهاد، فصل صفة المفتي والمستفتي.
المعارضة عقلاً.
ولا يخفى ضعفها:
أما الاول : فلقوة احتمال أن يكون وجه القول بالتعيين للكلّ أو الجلّ هو الأصل، فلا مجال لتحصيل الإجماع مع الظفر بالاتفاق، فيكون نقله موهوناً، مع عدم حجية نقله ولو مع عدم وهنه.
وأما الثاني : فلأن الترجيح مع المعارضة في مقام الحكومة، لأجل رفع الخصومة التي لا تكاد ترتفع إلا به، لا يستلزم الترجيح في مقام الفتوى، كما لا يخفى.
وأمّا الثالث : فممنوع صغرى وكبرى، أما الصغرى فلأجل أن فتوى غير الأفضل ربما يكون أقرب من فتواه، لموافقته لفتوى من هو أفضل منه ممن مات، ولا يصغى إلى أن فتوى الأفضل أقرب في نفسه، فإنه لو سلم أنه كذلك إلا أنه ليس بصغرى لما ادعى عقلاً من الكبرى، بداهة أن العقل لا يرى تفاوتاً بين أن تكون الأقربية في الأمارة لنفسها، أو لأجل موافقتها لأمارة أخرى، كما لا يخفى.
وأما الكبرى فلأن ملاك حجية قول الغير تعبداً ولو على نحو الطريقية، لم يعلم أنه القرب من الواقع، فلعله يكون ما هو في الأفضل وغيره سيان، ولم يكن لزيادة القرب في أحدهما دخل أصلاً.
نعم لو كان تمام الملاك هو القرب، كما إذا كان حجة بنظر العقل، لتعين الأقرب قطعاً، فافهم.
فصل
اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي ، والمعروف بين الأصحاب(١) الاشتراط
____________________
(١) المعالم / ٢٤١.في " أصل: يعتبر في المفتي..الخ " من المطلب التاسع.راجع مسالك الأفهام ١: ١٢٧، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وقواعد الأحكام ١١٩ كتاب الجهاد، في المقصد الخامس.
وبين العامة(١) عدمه، وهو خيرة الأخباريين(٢) ، وبعض المجتهدين(٣) من أصحابنا، وربما نقل تفاصيل:
منها (٤) : التفصيل بين البدوي فيشترط، والاستمراري فلا يشترط، والمختار ما هو المعروف بين الأصحاب، للشك في جواز تقليد الميت، والأصل عدم جوازه، ولا مخرج عن هذا الأصل، إلا ما استدل به المجوّز على الجواز من وجوه ضعيفة.
منها (٥) : استصحاب جواز تقليده في حال حياته، ولا يذهب عليك أنه لا مجال له، لعدم بقاء موضوعه عرفاً، لعدم بقاء الرأي معه، فإنه متقوم بالحياة بنظر العرف، وإن لم يكن كذلك واقعاً، حيث أن الموت عند أهله موجب لانعدام الميت ورأيه، ولا ينافي ذلك صحة استصحاب بعض أحكام حال حياته، كطهارته ونجاسته وجواز نظر زوجته إليه، فإن ذلك إنما يكون فيما لا يتقوم بحياته عرفاً بحسبان بقائه ببدنه الباقي بعد موته، وإن احتمل أن يكون للحياة دخل في عروضه واقعاً، وبقاء الرأي لابد منه في جواز التقليد قطعاً، ولذا لا يجوز التقليد فيما إذا تبدّل الرأي أو ارتفع، لمرض أو هرم إجماعاً.
وبالجملة يكو انتفاء الرأي بالموت بنظر العرف بانعدام موضوعه، ويكون حشره في القيامة إنما هو من باب إعادة المعدوم، وإن لم يكن كذلك حقيقة، لبقاء موضوعه، وهو النفس الناطقة الباقية حال الموت لتجرده، وقد عرفت في باب الاستصحاب أن المدار في بقاء الموضوع وعدمه هو العرف، فلا يجدي بقاء النفس
____________________
(١) شرح البدخشي ٣: ٢٨٧ والإبهاج في شرح المنهاج ٣: ٢٦٨ وفواتح الرحموت ٢: ٤٠٧.
(٢) الفوائد المدنية ١٤٩.
(٣) كالمحقق القمي، قوانين الأصول ٢.
(٤) راجع مفاتيح الاصول / ٦٢٤.
(٥) راجع مفاتيح الأصول / ٦٢٤، في التنبيه الأول من تقليد الميت.
عقلاً في صحة الاستصحاب مع عدم مساعدة العرف عليه، وحسبان أهله أنها غير باقية وإنما تعاد يوم القيامة بعد انعدامها، فتأمل جيداً.
لا يقال: نعم، الاعتقاد والرأي وإن كان يزول بالموت لانعدام موضوعه، إلا أن حدوثه في حال حياته كافٍ في جواز تقليده في حال موته، كما هو الحال في الرواية.
فإنّه يقال: لا شبهة في أنه لا بدّ في جوازه من بقاء الرأي والاعتقاد، ولذا لو زال بجنون أو تبدل ونحوهما لما جاز قطعاً، كما أُشير إليه آنفاً.هذا بالنسبة إلى التقليد الابتدائي.
وأما الاستمراري، فربما يقال بأنه قضية استصحاب الأحكام التي قلده فيها، فإن رأيه وإن كان مناطاً لعروضها وحدوثها، إلا أنه عرفاً من أسباب العروض لا من مقومات الموضوع والمعروض، ولكنه لا يخفى أنه لا يقين بالحكم شرعاً سابقاً، فإن جواز التقليد إن كان بحكم العقل وقضية الفطرة كما عرفت فواضح، فإنه لا يقتضي أزيد من تنجز ما أصابه من التكليف والعذر فيما أخطأ، وهو واضح. وإن كان بالنقل فكذلك، على ما هو التحقيق من أن قضية الحجية شرعاً ليس إلا ذلك، لاإنشاء أحكام شرعية على طبق مؤداها، فلا مجال لاستصحاب ما قلده، لعدم القطع به سابقاً، إلا على ما تكلفنا في بعض تنبيهات الاستصحاب(١) ، فراجع، ولا دليل على حجية رأيه السابق في اللاحق.
وأما بناءً على ما هو المعروف بينهم، من كون قضية الحجية الشرعية جعل مثل ما أدت إليه من الأحكام الواقعية التكليفية أو الوضعية شرعاً في الظاهر، فلاستصحاب ما قلده من الأحكام وإن كان مجال، بدعوى بقاء الموضوع عرفاً، لأجل كون الرأي عند أهل العرف من أسباب العروض لا من مقومات المعروض، إلا أن الإنصاف عدم كون الدعوى خالية عن الجزاف، فإنه من المحتمل - لولا
____________________
(١) التنبيه الثاني / ص ٤٠٥.
المقطوع - أن الأحكام التقليدية عندهم أيضاً ليست أحكاماً لموضوعاتها بقول مطلق، بحيث عدّ من ارتفاع الحكم عندهم من موضوعه، بسبب تبدل الرأي ونحوه، بل إنما كانت أحكاماً لها بحسب رأيه، بحيث عدّ من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عند التبدل، ومجرد احتمال ذلك يكفي في عدم صحة استصحابها، لاعتبار إحراز بقاء الموضوع ولو عرفاً، فتأمل جيداً.
هذا كله مع إمكان دعوى أنه إذا لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرأي، بسبب الهرم أو المرض إجماعاً، لم يجز في حال الموت بنحو أولى قطعاً، فتأمّل.
ومنها : إطلاق الآيات(١) الدالّة على التقليد.
وفيه - مضافاً إلى ما أشرنا إليه من عدم دلالتها عليه - منع إطلاقها على تقدير دلالتها، وإنما هو مسوق لبيان أصل تشريعه كما لا يخفى. ومنه انقدح حال إطلاق ما دلّ من الروايات على التقليد(٢) ، مع إمكان دعوى الانسياق إلى حال الحياة فيها.
ومنها : دعوى(٣) أنّه لا دليل على التقليد إلا دليل الانسداد، وقضيته جواز تقليد الميت كالحي بلا تفاوت بينهما أصلاً، كما لا يخفى.
وفيه أنه لا يكاد تصل النوبة إليه، لما عرفت من دليل العقل والنقل عليه.
ومنها (٤) : دعوى السيرة على البقاء، فإن المعلوم من أصحاب الأئمّة
____________________
(١) آية النفر / التوبة: ١٢٢ وآية السؤال / النحل: ٤٣ وآية الكتمان / البقرة: ١٥٩ وآية النبأ / الحجرات: ٥.
(٢) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢ / ٤٨٣، باب ذكر التوقيعات، الحديث ٤ وللمزيد راجع الوسائل: ١٨ / ١٠١، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٩.
(٣) استدل به المحقق القميرحمهالله قوانين الأصول: ٢ / ٢٦٥ في قانون عدم اشتراط مشافهة المفتي،
عند قوله: بل الدليل عليه هو ما ذكرنا من البرهان...الخ.
(٤) مطارح الأنظار: ٢٩٥ في أدلة القائلين بجواز الاستمرار لى تقليد الميت.
عليهمالسلام عدم رجوعهم عما أخذوه تقليداً بعد موت المفتي.
وفيه منع السيرة فيما هو محل الكلام، وأصحابهمعليهمالسلام إنما لم يرجعوا عما أخذوه من الأحكام لأجل أنهم غالباً إنما كانوا يأخذونها ممن ينقلها عنهمعليهمالسلام بلا واسطة أحد، أو معها من دون دخل رأي الناقل فيه أصلاً، وهو ليس بتقليد كما لا يخفى، ولم يعلم إلى الآن حال من تعبّد بقول غيره ورأيه، أنه كان قد رجع أو لم يرجع بعد موته.
[ومنها (١) : غير ذلك مما لا يليق بأن يسطر أو يذكر](٢) .
هذا آخر أرادنا إيراده ، و الحمد لله أولاً و آخراً و باطناً و ظاهراً
____________________
(١) راجع مفاتيح الأصول للسيد المجاهد: ٦٢٢ في مفتاح: اختلفوا في جواز تقليد المجتهد الميت عند ذكره أدلة المجوزين.
(٢) أثبتناها في «ب» وشطب عليها المصنف في «أ».
الفهارس العامة
١- فهرس الآيات
٢- فهرس الروايات
٣- فهرس الأعلام
٤- فهرس الكتب
٥- مصادر التحقيق
٦- الفهرس الموضوعي
فهرس الآيات
الآية |
الصفحة |
أحل الله البيع |
٢٥٢ |
احلت لكم بهيمة الأنعام |
٢٥٣ |
اذّن في الناس بالحج |
٢٢ |
إن جاءكم فاسق بنبأٍ |
٢٩٦ |
ان الظن لا يغني من الحق |
٣٠٣ |
إن الذين يكتمون ما انزلنا |
٢٩٨ |
إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا اثارهم مقتدون |
٤٧٤ |
أوفوا بالعقود |
٤٢٤ |
حرمت عليكم أمهاتكم |
٢٥٣ |
الصلاة تنهى عن الفحشاء |
٢٨ |
فاسألوا اهل الذكر |
٣٠٠ |
فاستشهدوا شهيدين من رجالكم |
١٩٧ |
فلما جاء أمرنا |
٦١-٦٢ |
فلولا نفر من كل فرقة |
٢٩٨ |
فليحذر الذين يخالفون |
٦٣ |
فيه آيات محكمات |
٣٥ |
كتب عليكم الصيام |
٢١ |
لا ينال عهدي الظالمين |
٤٩ |
ما منعك الا تسجد إذ امرتك |
٦٣ |
واستبقوا الخيرات |
٨٠ |
والذين جاهدوا فينا |
٣٣١ |
وأوصاني بالصلاة والزكاة |
٢٢ |
وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ |
٢٣٢ |
وجاء رجل من اقصى المدينة |
٢٤٦ |
وذكّر فان الذكرى |
٢٦٢ |
وربائبكم اللّاتي في حجوركم |
٢٠٧ |
وسارعوا الى مغفرة |
٨٠ |
ولا تقف ما ليس لك به علم |
٣٠٣-٤٧٤ |
ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء |
١٩٨ |
ولم تجدوا ماءً فتيمموا |
٨٥ |
وما أمر فرعون برشيد |
٦١ |
وما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون |
٣٣٠ |
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً |
٣٣٩ |
والمطلقات يتربصن |
٢٣٢ |
ومنهم الذين يؤذون النبي |
٣٠١ |
يمحو الله ما يشاء ويثبت |
٢٤٠ |
فهرس الروايات
الرواية |
الصفحة |
اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك |
٤٧٥ |
أختلف اصحابنا في رواياتهم عن أبي عبدالله |
٤٤٢ |
اذا أمرتكم بشيء فأتوا منه |
٣٧٠ |
إذا سعمت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة |
٤٤٢ |
ان الله كتب عليكم الحج |
٣٧٠ |
ان سمرة بن جندب كان له عذق |
٣٨٠ |
انما هلك الناس في المتشابه |
٢٨٤ |
بايهما اخذت من باب التسليم كان صواباً |
٤٤٢ |
بُني الاسلام على خمس |
٣١ |
التراب أحد الطهورين |
٨٥ |
خذ بما اشتهر بين أصحابك |
٢٩٢ |
دعي الصلاة أيام اقرائك |
٣١ |
رفع عن امتي ما لا يعلمون |
٣٣٩ |
سأله عن مملوك تزوج بغير إذن سيّدة |
١٨٨ |
السعيد سعيد في بطن أُمه |
٦٨ |
||
السنة اذا قيست محقت |
٤٥٨ |
||
الصلاة عمود الدين |
٢٨-٢٩ |
||
الصلاة معراج المؤمن |
٢٨-٢٩ |
||
الصوم جنة من النار |
٢٨-٢٩ |
||
فاذا حكم بحكمنا |
٤٦٤ |
||
فاذا علمت فقد قذر |
٣٩٩ |
||
فان الشك لا ينقض اليقين |
٣٩٧ |
||
فان اليقين لا يدفع بالشك |
٣٩٧ |
||
فلو أن أحد صام نهاره |
٣١ |
||
فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك |
٣٩٣ |
||
قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف |
٣٩٢ |
||
قف عند الشبهة |
٣٤٦ |
||
قلت يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة |
٤٤٢ |
||
كتب اليه وانا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه |
٣٩٧ |
||
كل شيء حلال حتى تعرف انه حرام |
٢٠٨-٣٤٠-٣٥٥-٣٩٨ |
||
كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر |
٢٠٨-٣٩٨ |
||
كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه |
٢٧٣ |
||
كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي |
٣٤١ |
||
لا بل انما أنا شافع |
٦٣ |
||
لا تعاد الصلاة |
٣٦٨ |
||
لا تنقض اليقين بالشك |
٣٩٦-٤٢٥-٤٢٨-٤٣١-٤٣٢ |
||
لا، حتى يستيقن انه قد نام |
٤٢٥ |
||
لا صلاة الّا بطهور |
٢٠٩-٢٥٣ |
||
لا صلاة الّا بفاتحة الكتاب |
٢٩ |
لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد |
٢٩ |
لا صلاة لجار المسجد الّا في المسجد |
٣٨١ |
لا ضرر ولا ضرار |
٣٧١-٣٨٠ |
لانك كنت على يقين من طهارتك |
٣٩٣-٣٩٤ |
لا ينقض اليقين بالشك |
٣٨٩ |
لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك |
٦٣ |
الماء كله طاهر حتى تعلم انه نجس |
٣٩٨ |
ما أعلم شيئاً بعد المعرفة افضل من هذه الصلوات |
٣٣٠ |
ما خالف قول ربنا باطل |
٤٤٥-٤٦٠ |
ما خالف قول ربنا زخرف |
٤٤٥-٤٦٠ |
ما خالف قول ربنا لم أقله |
٤٤٥-٤٦٠ |
ما لا يدرك كله لا يترك كله |
٣٧٠ |
من بلغه عن النبي شيء من الثواب |
٣٥٢ |
من سرح لحيته |
٣٥٣ |
الميسور لا يسثط بالمعسور |
٣٧٠ |
الناس في سعة ما لا يعلمون |
٣٤٠ |
الناس معادن كمعادن الذهب والفضة |
٦٨ |
هلا تعلمت |
٣٧٥ |
وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع |
٣٩٥ |
وكمال توحيده الاخلاص له |
٦٩ |
ولكن تنقض اليقين باليقين |
٤٣٢ |
ولكن تنقضه بيقين آخر |
٤٢٥ |
يا أشباه الرجال |
٣٨١ |
يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك |
٣٠١ |
يكفيك عشر سنين |
٨٥ |
ينظر الى ما كان من روايتهم |
٢٩٢ |
فهرس الأعلام
الاسم |
الصفحة |
الآخوند الخراساني = محمد كاظم بن حسين |
|
الآمدي = علي بن أبي علي |
|
الأئمة الأطهار (عليهم السلام) |
٣٠٦، ٣١٢، ٤٤٧، ٤٤٩، ٤٥١ |
٤٧٩ |
|
أبان (مولى عثمان) |
١٦٨ |
ابراهيم (عليه السلام) |
٢٣٩ |
ابراهيم النخعي |
١٨٨ |
ابن ادريس = محمد بن احمد |
|
ابن البراج = عبدالعزيز بن نحرير |
|
ابن الحاجب = عثمان بن عمرو |
|
ابن زهرة |
٢٩٤ |
أبو ثور |
٢١٨ |
أبو جعفر الباقر (عليه السلام) |
١٨٨، ٣٨٠ |
أبو الحسن (عليه السلام) |
٤٤٢ |
أبو الحسن التهامي |
٢٢٩ |
أبو الحسن العاملي |
٢٧٠ |
أبو الحسين البصري (أبوالحسن) |
١٢٧ |
أبو حنفية = النعمان بن ثابت |
|
أبو رشدين |
٣٧١ |
أبو عبدالله الصادق (عليه السلام) |
٣٥٢، ٤٤٢ |
أبو القاسم الكلانتري |
٢٤، ٧٤، ٨٩، ١٦٧ |
أبو القاسم النوري |
٩٦ |
أبو القاسم بن محمد حسن الجيلاني القمي |
٢٥، ٣٦، ١٢٢، ١٦٨، ١٨١ |
٢١٩، ٢٣١، ٢٤٣، ٢٥١، ٤٤٥ |
|
٤٧٧، ٤٧٩ |
|
أبو المكارم بن زهرة |
٣٦٣ |
أبو موسى الأشعري |
١٢٧ |
أبو هاشم |
٨٢، ١٦٨ |
أحمد الجزائري |
٢٧٠ |
أحمد بن إدريس |
٢٠٢ |
أحمد بن حنبل |
٢٨٢ |
أحمد بن محمد الأردبيلي النجفي |
١٥٠، ١٥٢، ١٦٧ |
أحمد بن محمد مهدي الكاشاني النراقي |
٩٦، ٢٠٥، ٤١٠، ٤٥١ |
أسد الله الشوشتري |
٣١٦ |
أسد الله بن اسماعيل الدزفولي الكاظمي |
٣١٠ |
إسماعيل (عليه السلام) |
٢٣٩ |
إسماعيل بن اسحاق الأشعري |
١٢٧ |
إسماعيل بن جعفر |
٣٠١ |
الأشتر النخعي |
٤٧٥ |
الأشعري |
٣٦٥ |
إمام العصر (عجل الله فرجه) = القائم (عجل الله فرجه) |
|
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) |
٢٠٨، ٤٧٥ |
الأمين الاستر آبادي = محمد امين بن محمد شريف |
|
الأنصاري = مرتضى بن محمد امين |
|
الباقلاني = محمد بن الطيب |
|
البصري = محمد بن علي بن الطيب |
|
البلخي |
٢١٨ |
البهائي = محمد بن الحسين |
|
البوصيري = محمد بن سعيد |
|
البيضاوي = عبد الله بن عمر |
|
ثابت بن زوطي |
٢١٠ |
جعفر القاضي |
٢٧٠ |
جعفر بن الحسن بن يحيى الحلي |
١٧، ٢٣٦ |
جعفر بن خضر الجناحي النجفي |
١٣٤، ٣٧٩ |
جمال الدين الخوانساري |
٢٧٠، ٢٧٥ |
الحاجبي = عثمان بن عمرو |
|
الحارث بن المغيرة |
٤٤٢ |
حبيب الله بن محمد علي الجيلاني الرشتي |
١٠، ٤٦، ٩٦، ٤٥٥، ٤٥٦ |
الحذّاء |
٣٨٠ |
حسن المدرس |
١٣٦ |
الحسن بن الجهم |
٤٤٢ |
حسن بن زين الدين العاملي الجبعي |
٣٧، ٧٠، ٨٩، ٨٩، ١١٣ |
١١٣، ١٩٩، ٢٣٤، ٢٥١ |
|
الحسن بن يوسف المطهر الحلي |
٢٠٥ |
الحسن بن يوسف بن علي الحلي |
١٦، ٦٤، ٣٣٠، ٤٠٠، ٤٦٣ |
الأمير سيد حسين |
١٨١ |
الحسين بن عبدالصمد الجبعي العاملي |
١٠٠، ١١٣ |
الحسين بن عبدالله بن سينا البخاري |
١٦، ١٦، ٢٧٦ |
حسين بن محمد بن حسين الخوانساري |
١٣٠، ١٣٢، ٢٠٢ |
الحسين بن محمد بن محمود الآملي الاصبهاني |
٩٠ |
حسين بن محمد امين الدزفولي |
|
(عم الشيخ الانصاري) |
٩٥ |
الحكم بن عتيبة |
١٨٨ |
الحميري = عبدالله بن جعفر |
|
خير الدين الزركلي |
١٢٧ |
دعامة بن عزيز |
٢٨٢ |
الرضا (عليه السلام) |
٤٤٢ |
رضا الهمداني |
١٣٦ |
زرارة |
١٨٨، ٣٠٠، ٣٢٨، ٣٨٠، ٣٩٢ |
الزركلي = خير الدين |
|
زين الدين (الشهيد الثاني) |
١١٣، ١٩٨، ١٩٩ |
السبكي = علي بن عبدالكافي |
|
سراقة بن مالك |
٣٧٠، ٣٧١ |
سعيد بن المسيب |
٣٧١ |
السكاكي = يوسف بن ابي بكر |
|
سلطان العلماء = الحسين بن محمد بن محمود |
|
سمرة بن جندب |
٣٨٠، ٣٨١ |
سيف الدولة = علي بن عبدالله |
|
الشافعي = محمد بن ادريس |
|
شريف العلماء = محمد شريف بن حسن علي |
|
الشهيد الثاني = زين الدين |
|
الشيباني |
١٨٩ |
الشيخ الرئيس = الحسين بن عبدالله |
|
شيخ الشريعة الاصفهاني = فتح الله النمازي |
|
صاحب البدائع = حبيب الله بن محمد علي |
|
صاحب التقريرات = أبو القاسم الكلانتري |
|
صاحب الجواهر = محمد حسن بن باقر |
|
صاحب الحدائق = يوسف بن احمد |
|
صاحب الرياض = علي بن محمد علي |
|
صاحب الفصول = محمد حسين بن محمد رحيم |
|
صاحب القوانين = أبو القاسم بن محمد حسن |
|
صاحب كشف الغطاء = جعفر بن خضر |
|
صاحب المدارك = محمد بن علي |
|
صاحب المطالع = محمود بن ابي بكر |
|
صاحب المعالم = حسن بن زين الدين |
|
صاحب مفتاح الكرامة = محمد جواد بن محمد |
|
صاحب المقابس = اسد الله بن اسماعيل |
صاحب هداية المسترشدين = محمد تقي الاصفهاني |
|
السيد الصدر (صدر الدين) |
٢٧٠، ٢٨٢، ٤٤٤ |
الصفار = محمد بن الحسن |
|
الطبرسي |
٢٩٤ |
الطوسي = محمد بن الحسن |
|
عبد الجبار |
٨٢، ٨٢ |
عبد الرحمن بن احمد بن عبد الغفار الفارسي الغضدي |
٢٣، ٧٧، ١٩٣، ٢٠٩، ٣٠٨ |
عبد الرحمن بن مالك |
٣٧١ |
عبد الصمد الجبعي العاملي |
١٠٠ |
عبدالعزيز بن نحرير بن عبد العزيز البراج |
٢٩٤ |
عبدالفتاح بن علي الحسيني المراغي |
٣٨١ |
عبدالله بن جعفر بن الحسين الحميري |
٤٤٢ |
عبدالله بن عمر البيضاوي |
٧٧، ٣٧٠ |
عبدالله بن محمد |
٤٤٢ |
عبد الله بن محمد التوني |
٣٧٩، ٣٨١، ٣٨٣ |
عثمان بن عفان |
٣٧١ |
عثمان بن عمرو بن ابي بكر المالكي الحاجبي |
٢٣، ١٦٦، ١٩٣، ٣٠٨، ٤٦٣ |
العضدي = عبد الرحمن بن احمد |
|
عكاشة بن محصن |
٣٧١ |
العلّامة الحلي = الحسن بن يوسف |
|
العلّامة المروّج = محمد جعفر الجزائري |
|
السيد علي الطباطبائي |
٣١٠، ٣١١ |
علي بن أبي علي بن محمد الآمدي |
٢٢٦، ٤٠٠ |
علي بن احمد بن ابي الجيد القمي |
٢٠٨ |
الشيخ علي بن جعفر |
٩٦ |
علي بن الحسين بن موسى الموسوي |
١٩٧، ٢٠٨، ٢٠٨، ٢٣٤، ٢٨٦ |
٢٩٤، ٢٩٥، ٣٦٣ |
|
علي بن عبد العالي الميسي |
١٩٩ |
علي بن عبد الكافي بن علي السبكي |
٧٧ |
علي بن فتح الله النهاوندي |
١٠٢ |
علي بن محمد القاساني |
٣٩٧ |
علي بن محمد القوش چ ي |
٦٦ |
علي بن محمد بن علي الحسيني الاسترآبادي |
٥١، ٥١ |
علي بن محمد علي الطباطبائي |
١٦٧ |
عمر بن ابي بكر المالكي |
١٦٦ |
عيسى بن أبان |
٢١٨ |
الغزالي = محمد بن محمد |
|
الفارابي = محمد بن طرخان |
|
الفاضل التوني = عبد الله بن محمد |
|
فتح الله النمازي الشيرازي |
٣٨١ |
الفخر ؟ |
١٨٩، ٢٠٥ |
الفخر الرازي = محمد بن عمر |
|
فخر المحققين = محمد بن الحسن |
|
الفريد ال گلپا ي گ اني |
٢٣١ |
فضل الله النوري |
١٣٦ |
القائم (عجل الله فرجه) |
٩٨، ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٠، ٤٤٢ |
القاضي عبد الجبار = عبد الجبار |
|
القاضي نور الله = نور الله |
|
قتادة |
٢٨٢، ٢٨٣ |
القزويني = محمد بن جعفر |
|
قطب الدين الرازي |
٥١ |
القوش چ ي = علي بن محمد |
|
الكليني = محمد بن يعقوب |
|
مالك بن حشم |
٣٧١ |
محصن بن حرثان |
٣٧١ |
المحقق الأردبيلي |
٣٧٦ |
المحقق البهبهاني |
٢٧٠، ٣١٠، ٤٥٤ |
المحقق التقي = محمد تقي الاصفهاني |
|
المحقق الحلي = جعفر بن الحسن |
|
المحقق الخوانساري = حسين بن محمد |
|
المحقق السبزواري = محمد باقر بن محمد مؤمن |
|
المحقق الشريف = علي بن محمد |
|
المحقق الطوسي = محمد بن محمد |
|
المحقق القمي = ابو القاسم بن محمد حسن |
|
المحقق الكلباسي = محمد ابراهيم بن محمد حسن |
|
المحقق النهاوندي = علي بن فتح الله |
|
محمد (صلى الله عليه وآله) |
٥، ٤٩، ٩٨، ٢١٠، ٢٣٠ |
٢٨١، ٢٩٩، ٣٠١، ٣٣٣، ٣٥٢ |
|
٣٥٣، ٣٧٠، ٣٧١، ٣٨٠، ٤٣٣ |
|
السيد محمد الطباطبائي |
٤٨٠ |
محمد بن احمد بن ادريس الحلي |
٣٩، ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٩٤ |
محمد بن ادريس بن العباس الشافعي |
٢٣٤ |
محمد بن جعفر القزويني |
٨٩ |
محمد بن الحسن الشيرواني |
٢٧٠ |
محمد بن الحسن الطوسي |
٢٠٨، ٣٠٢، ٣٤٤، ٣٤٨ |
محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار |
٣٩٧ |
محمد بن الحسن بن المطهر الحلي |
٣٩ |
محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي |
٣٨٠ |
محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي |
١٠٠، ١٠٠، ١٠١، ١٣٣، ٤٦٣ |
محمد بن سعيد البوصيري الدلاصي |
١٦٦ |
محمد بن طرخان الفارابي |
٥٣، ٥٣ |
محمد بن الطيب بن محمد البصري |
|
البغدادي الباقلاني |
٢٣، ٢٣ |
محمد بن عبد الوهاب الجبائي |
١٦٨ |
محمد بن علي بن الحسين بن ابي الحسن |
|
الموسوي العاملي |
١٩٩، ٣٧٦ |
محمد بن علي بن الطيب البصري |
٧٧ |
محمد بن عمر بن الحسين الرازي |
٣٧٠ |
محمد بن فضيل |
٣٠١ |
محمد بن محمد بن الحسن الطوسي |
١٦، ١٦، ١٧ |
محمد بن محمد بن محمد بن احمد الغزالي |
٢٠٧، ٢٢٦ |
محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي |
٢٠٨ |
محمد بن مسلم |
٣٠٠ |
محمد بن يعقوب الكليني |
٤٤٥ |
محمد ابراهيم بن محمد حسن الاصفهاني الكلباسي |
١٣٦ |
محمد أمين الدزفولي (والد الشيخ الأنصاري) |
٩٥ |
محمد أمين بن محمد شريف الاسترآبادي |
٢٧٠ |
محمد باقر الرضوي |
٢٧٠ |
محمد باقر بن محمد اكمل البهبهاني |
١٢٤، ٢٣١ |
محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري الخراساني |
٢٦٢ |
محمد تقي الاصفهاني |
١١، ٥٥، ٩٠، ٣٠٦، ٣١٩ |
محمد تقي المجلسي |
١٠٠ |
محمد جعفر الجزائري المروج |
١٨١ |
محمد جواد بن محمد الحسيني العاملي النجفي |
٣١٠ |
محمد حسن الاشتياني |
٣١١ |
محمد حسن الجيلاني |
١٨١ |
محمد حسن بن باقر بن عبدالرحيم النجفي |
٤٦ |
محمد حسن بن محمود بن اسماعيل الحسيني الشيرازي |
٩٦، ١٣٦ |
محمد حسين بن محمد رحيم الطهراني الحائري |
٨، ٩، ١٠، ١١، ١٣، ١٧، ٢٠ |
٣٩، ٤٨، ٥٥، ٥٦، ٧٨، ٩٩ |
|
١١٤، ١١٧، ١١٨، ١٢٢، ٢١٠ |
|
٢١٩، ٢٣٣، ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٤٦ |
|
٢٩٣ |
|
محمد شريف بن حسن علي المازندراني الحائري |
٩٥، ٣١٠، ٣١١، ٣٢٤ |
محمد علي الطباطبائي |
٣١٠ |
محمد كاظم بن حسين الهروي النجفي الخراساني |
١٣٦ |
محمد مجاهد |
٩٥ |
محمود الحسيني الشيرازي |
١٣٦ |
محمود بن ابي بكر الارموي |
٣١٠ |
المدقق الشيرواني = محمد بن الحسن |
السيد المرتضى = علي بن الحسين |
|
مرتضى بن محمد أمين التستري الدزفولي |
٨، ٤٦، ٥٣، ٩٤، ٩٥، ٩٧، ٩٩ |
١٠١، ١٠٦، ١١٤، ١٣٦، ١٦٩ |
|
١٧٠، ١٧٤، ١٧٥، ١٨١، ١٩٣ |
|
٢٠٥، ٢٠٧، ٢٠٩، ٢٢٧، ٢٥٠ |
|
٢٥٧، ٢٦٥، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١ |
|
٢٧٣، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨٠، ٢٨١ |
|
٢٨٢، ٢٨٥، ٢٨٦، ٣٠٠، ٣٠٥ |
|
٣٠٧، ٣٠٨، ٣١١، ٣١٣، ٣١٧ |
|
٣٢٢، ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٧، ٣٣٠ |
|
٣٣٣، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٣، ٣٤٤ |
|
٣٤٥، ٣٤٧، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٣ |
|
٣٥٦، ٣٦١، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٦ |
|
٣٦٨، ٣٧٤، ٣٨١، ٣٨٣، ٣٨٦ |
|
٣٨٨، ٣٨٩، ٣٩٥، ٣٩٦، ٤١٣ |
|
٤١٦، ٤١٧، ٤٢٥، ٤٢٦، ٤٢٧ |
|
٤٢٩، ٤٣٦، ٤٣٧، ٤٤٢، ٤٤٣ |
|
٤٤٥، ٤٤٦، ٤٥٥ |
|
المفيد = محمد بن محمد |
|
المقدس الأردبيلي = احمد بن محمد |
|
موسى بن عمران (عليه السلام) |
٤٢٣ |
موسى الكاظم (عليه السلام) |
١٧ |
موسى الجعفري |
٩٦ |
مير فتاح = عبدالفتاح بن علي |
|
الميرزا الشيرازي = محمد حسن بن محمود |
النبي (رسول الله صلى الله عليه وآله) = محمد |
|
النراقي = احمد بن محمد مهدوي |
|
النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي |
١٨٩، ٢٠٩، ٢١٠، ٢٣٤، ٢٨٢ |
٢٨٣ |
|
نور الدين العاملي الجبعي |
١٩٨ |
نور الله |
|
هشام بن سالم |
٣٥٢ |
والد صاحب الايضاح = محمد بن الحسن بن المطهر |
|
الوحيد البهبهاني = محمد باقر بن محمد أكمل |
|
يوسف بن أبي بكر بن محمد الخوارزمي السكاكي |
١٩، ١٩، ٢٦، ٧٧ |
يوسف بن أحمد بن ابراهيم البحراني |
٣١٠ |
فهرس الكتب
الكتاب |
الصفحة |
الابهاج في شرح المنهاج |
٧٧، ٤٧٧ |
الاتقان |
٢٨٥ |
اجوبة السيد عن مسائل التباينات |
٢٩٤، ٢٩٥ |
الاحتجاج |
٤٤٢، ٤٧٣ |
الاحكام في اصول الاحكام |
٢١٨، ٤٠٠ |
ارشاد الأذهان |
٣٧٦ |
ارشاد المفيد |
٣٩٧ |
الاستبصار |
١٦٢، ٢٠٨، ٢١٨ |
الاشارات |
١٦ |
الاشارات والتنبيهات |
٢٧٦ |
اعلام الزركلي |
١٢٧، ١٦٨ |
اعيان الشيعة |
١٧، ٩٦ |
اكمال الدين واتمام النعمة |
٤٧٩ |
الامالي |
٣٧٥ |
امالي الصدوق |
٢٨٢ |
امل الآمل |
١٠٠، ١١٣ |
انوار التنزيل |
٣٧٠ |
الايضاح (ايضاح الفوائد) |
٣٩، ٣٩، ٣٨٠ |
بحر الفوائد |
٣١١ |
بدائع الافكار |
١٠، ٤٦، ٤٦، ٤٦، ٤٦، ٤٧، ٧٧ |
٨٩، ٨٩، ٩٠، ٩٥، ١٢٧ |
|
٤٥٥، ٤٥٦ |
|
بغية الوعاة |
١٩ |
التبيان |
٢٠٢، ٢٠٨ |
تذكرة الحفاظ |
٢٨٢ |
تذكرة العالم |
١٦٨ |
تشريح الاصول |
١٠٢ |
تفسير الصافي |
٣٧٥ |
تفسير العياشي |
٢٨٢ |
التفسير الكبير للفخر |
٣٧٠ |
التقرير والتحبير |
٢٠٩ |
تمهيد القواعد |
١٩٩ |
التهذيب |
٢٩، ٣١، ٨٤، ٨٥، ٨٥، ١٦٣ |
١٧٩، ١٨٨، ٢٠٨، ٢٢٤، ٢٧٣ |
|
٢٨٣، ٢٨٤، ٢٩٢، ٣٣٠، ٣٦٨ |
|
٣٧١، ٣٧٧، ٣٨٠، ٣٨٩، ٣٩٢ |
|
٣٩٧، ٣٩٩، ٤٣٢، ٤٤٢، ٤٤٣ |
|
٤٥٤، ٤٧٠، ٤٧٥ |
|
تهذيب الاسماء |
٣٧١ |
توحيد الصدوق |
٢٨٢، ٣٤٠ |
تيسير التحرير |
١٣٧ |
جامع احاديث الشيعة |
٣٩٧، ٤٥٨ |
جامع الاخبار |
٢٩ |
الجرح والتعديل |
٣٧١ |
الجوامع الفقهية |
٢٩٤، ٣٦٣ |
جواهر الكلام |
٢٩ |
الجوهر النضيد في شرح التجريد |
١٦ |
حاشية الشرح - العضدي - |
١٠٠ |
حاشية الشريف على شرح المطالع |
٥١ |
حاشية القزويني على القوانين |
٨٩ |
حاشية المصنف على فرائد الاصول |
٤٢، ٦٦، ٩٤، ٢٦٦، ٢٨٠ |
٢٩٢، ٢٩٦، ٣٠٩، ٤٤١ |
|
الحبل المتين |
١٠٠ |
الحدائق الناضرة |
٣١٠ |
حقائق الاصول |
١٧٦، ٢٦٤، ٣٠٢ |
الخصال |
٣١، ٢٨٣، ٢٨٤، ٣٣٩، ٣٦٨ |
الخلاف |
٣٩٦، ٢٠٨ |
ذخيرة المعاد |
٢٦٢ |
الذريعة |
٢٩٤، ٤٧٥ |
الذريعة الى اصول الشريعة |
١٩٧، ٢٠٨، ٢٣٤ |
رسائل السيد المرتضى |
٢٩٤ |
رسالة في ابطال العمل بالخبر |
|
الواحد للسيد المرتضى |
٢٩٤، ٢٩٥ |
رسالة قاعدة نفي الضرر |
٣١٣، ٣٨١ |
الروض - الشهيد - |
١٩٩ |
روضات الجنات |
١٨١، ٢٠٥، ٣١٠ |
الروضة |
١٩٩ |
الرياض |
١٦٧ |
رياض المسائل |
٣١٠ |
زبدة الاصول |
١٠٠، ١٠٠، ١٣٣، ٢١٥، ٢٢٧ |
٤٦٣ |
|
السرائر |
٢٠٢، ٢٠٥، ٢٩٤ |
الشافية |
١٦٦ |
الشامل |
١٦٨ |
شرح الارشاد للاردبيلي |
١٥٢، ١٦٧ |
شرح البدخشي |
٤٧٧ |
شرح التجريد |
٤٠٢ |
شرح تجريد العقائد للقوشجي |
٦٦ |
شرح تنقيح الفصول |
١٨٩ |
شرح الشرائع |
٤٦ |
شرح العضدي على مختصر الاصول |
٢٣، ٧٧، ١٣٧، ١٦٦، ١٦٨ |
١٧٤، ١٩٣، ٢٠٩، ٢٣٤، ٣٠٨ |
|
٣٨٨، ٤٦٣، ٤٧٥ |
|
شرح على مواقف القاضي عضد الايجي |
٥١ |
شرح مبادئ الاصول |
٢٠٥ |
شرح المطالع |
٥١ |
شرح الوافية |
٢٧٠، ٢٨٢، ٤٤٤ |
الشفاء |
١٦ |
شهداء الفضيلة |
٢٢٩ |
صحيح مسلم |
٢٨٥ |
طبقات اعلام الشيعة |
٤٦، ٥٥ |
العبر في خبر من غبر |
٢٣ |
العدة لأبي هاشم |
١٦٨ |
عدة الاصول |
٢٠٨، ٢٩٦، ٣٤٤، ٣٤٨ |
عقاب الاعمال |
٣٠١ |
العناوين |
٣٨١ |
العوائد |
٤٥١ |
العوائد - النراقي - |
٢٠٥ |
عوالي اللآلي |
٢٩، ٢٩، ٢٩، ٣١، ٣١، ٢٩٢ |
٣٧٠، ٤٤٢، ٤٤٣ |
|
عيون اخبار الرضا عليه السلام |
٢٨٢ |
غاية السؤول |
٢٠٥ |
الغنائم للقمي |
١٨١ |
الغنية |
٢٩٤، ٣٦٣ |
فرائد الاصول |
٨، ٤٢، ٩٦، ٢٥٧، ٢٦٤ |
٢٦٥، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٤ |
|
٢٧٦، ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٥ |
|
٢٨٦، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٦، ٣٠٠ |
|
٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨، ٣١١ |
|
٣١٣، ٣١٧، ٣٢٢، ٣٢٤، ٣٢٥ |
|
٣٢٦، ٣٢٧، ٣٣٠، ٣٣٣، ٣٤٣ |
|
٣٤٥، ٣٤٧، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٣ |
|
٣٥٦، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٤ |
|
٣٦٦، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٤، ٣٧٥ |
|
٣٨١، ٣٨٣، ٣٨٦، ٣٨٨، ٣٨٩ |
|
٣٩٥، ٣٩٦، ٤١٣، ٤١٤، ٤١٧ |
|
٤٢٥، ٤٢٦، ٤٢٧، ٤٢٩، ٤٣٢ |
٤٣٦، ٤٣٧، ٤٤١، ٤٤٢، ٤٤٣ |
|
٤٤٥، ٤٤٦، ٤٥٠، ٤٥٥ |
|
الفصول |
٨، ٩، ١٠، ١١، ١٣، ١٤، ١٤ |
١٧، ٢٠، ٢٥، ٣٩، ٣٩، ٤٨، ٤٨ |
|
٥١، ٥١، ٥١، ٥٥، ٥٥، ٥٥، ٥٦ |
|
٥٦، ٥٦، ٥٦، ٥٦، ٥٦، ٥٧، ٥٨ |
|
٥٨، ٥٨، ٥٨، ٦٢ ،٦٢، ٦٢، ٧٧ |
|
٧٧، ٧٧، ٧٨، ٧٨، ٩٥، ٩٩، ٩٩ |
|
١٠٠، ١٠٠، ١٠١، ١١٤، ١١٧ |
|
١١٨، ١١٩، ١٢٢، ١٢٦، ١٥١ |
|
١٥٩، ١٧٢، ١٨٢، ١٩٣، ٢١٠ |
|
٢١٩، ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٦٢ |
|
٢٩٣، ٣١٦، ٣١٧، ٤٧٠، ٤٧٢ |
|
الفوائد |
٤٢، ٦٦، ٩٤ |
الفوائد المدنية |
٢٧٠، ٢٧١، ٤٧٧ |
فوائد المصنف |
٣٠٩ |
فوائد الوحيد |
٤٥٤ |
الفوائد للوحيد البهبهاني |
٢٣١ |
فواتح الرحموت |
٢٢٦، ٤٧٧ |
قاعدة لا ضرر ولا ضرار لشيخ الشريعة الاصفهاني |
٣٨٢ |
القاموس المحيط |
٨٢ |
القانون |
١٦ |
قواعد الاحكام |
٤٧٦ |
قوانين الاصول |
١٩، ٢٥، ٢٥، ٢٥، ٢٨، ٢٨، ٣٦ |
٣٦، ٩٥، ١٢٢، ١٣٧، ١٦٠ |
|
١٦١، ١٦٦، ١٦٨، ١٧٣، ١٧٧ |
١٨١، ١٩٣، ٢١٩، ٢٣١، ٢٤٣ |
|
٢٥١، ٤٤٥، ٤٧٧، ٤٧٩ |
|
كاشف الظلام في علم الكلام |
٤٦ |
الكافي |
٢٩، ٢٩، ٣١، ٣١، ٨٤، ٨٥، ٩٨ |
٩٨، ١٦٢، ١٨٨، ٢٠٨، ٢٢٥ |
|
٢٣٦، ٢٦٢، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٨٢ |
|
٣٠١، ٣٣٠، ٣٣٩، ٣٧١، ٣٧٥ |
|
٣٨٠، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٤٢، ٤٤٣ |
|
٤٥٤، ٤٥٨، ٤٧٣ |
|
الكافية |
١٦٦ |
كامل الزيارات |
١١٠ |
الكتب الاربعة |
٣٠٥ |
كشف الغطاء |
١٣٤، ٣٧٩ |
كشف القناع |
٣١٦ |
الكنى والالقاب |
٢٣، ٥١، ١٣٦، ١٦٦، ١٩٩ |
٢٠٢، ٢٠٨، ٢١٠، ٣٧٠ |
|
مبادئ الاصول |
٣٨٨ |
المبسوط |
٢٠٨ |
مجمع البحرين |
٨٢ |
مجمع البيان |
٢٩٤، ٣٧٠ |
مجمع الفائدة والبرهان |
١٥٠، ٣٧٦ |
المحاسن |
١٦٦، ١٦٨، ١٩٣، ٢٠٩، ٢٧٢ |
٢٩٥، ٣٤٢، ٤٤٤، ٤٦٠، ٣٠٨ |
|
٤٦٣ |
|
مختصر تبيان الشيخ |
٢٠٢ |
مدارك الاحكام |
٣٧٦ |
مسالك الافهام |
٣٩، ٣٩، ٤٧٦ |
مستدرك الوسائل |
٢٩٤، ٢٩٥ |
المستصفى |
٢١٥، ٢٢٦ |
مسند احمد |
٢٨٥ |
مشارق الشموس |
٢٠٢، ٢٧٥ |
مطارح الانظار - التقريرات - |
٢٤، ٢٥، ٧٢، ٨١، ٨٢، ٨٩، ٩٥ |
٩٦، ٩٧، ٩٩، ١٠٠، ١٠١ |
|
١٠٥، ١٠٨، ١١١، ١١٣، ١١٤ |
|
١١٥، ١٢١، ١٢٤، ١٢٧، ١٣٠ |
|
١٣٢، ١٥٠، ١٦٢، ١٦٧، ١٦٩ |
|
١٧٠، ١٧٤، ١٧٥، ١٨١، ١٨٢ |
|
١٨٣، ١٨٦، ١٩٣، ١٩٨، ٢٠٠ |
|
٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٠ |
|
٢١١، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٦، ٢٢٧ |
|
٢٥٠، ٤٧٥، ٤٧٩ |
|
المطالع |
٣١٠ |
معارج الاصول |
٢١٥، ٢٣٦، ٢٩٦ |
معالم الدين في الاصول |
٣٦، ٣٧، ٧٠، ٨٩، ٩٠، ١١٣ |
١٣٣، ١٣٧، ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٥١ |
|
٣٨٨، ٤٧٦ |
|
معاني الاخبار |
٢٨٣، ٢٨٤ |
المعتمد في شرح العمد |
٧٧، ٨٢، ١٢٧، ٢٣٤، ٢٩٤ |
مفاتيح الاصول |
٤٤٣، ٤٧٥، ٤٧٧، ٤٨٠ |
مفتاح الاصول |
٤٧٥ |
مفتاح العلوم |
١٩، ١٩، ٢٦، ٧٧ |
مفتاح الكرامة |
٣١٠ |
المقابس |
٣١٠ |
المقنع |
٣٩٨ |
المكاسب |
٩٦، ٣١٣، ٣٨١ |
ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد |
٢٣١، ٤٥٤ |
المناهج للقمي |
١٨١ |
مناهج الاحكام والاُصول |
٤١٠ |
المناهل |
٤١١ |
منتقى الجمان |
١١٣ |
منتهى الدراية |
٢٩٦، ٣٠٤ |
المنخول - الغزالي - |
٢٠٧ |
من لا يحضره الفقيه |
٢٩، ٨٤، ١٨٨، ٢٥٣، ٢٥٨ |
٢٩٢، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٦٨ |
|
٣٧٥، ٣٨٠، ٤٤٣، ٤٧٠ |
|
ناصريات السيد المرتضى |
٣٦٣ |
النافع |
٣١٠ |
النجاة |
١٦ |
النهاية - لابن الثير - |
٣٨١ |
نهاية الاصول |
٦٤، ١٢٦، ٢٢٦، ٣٨٨ |
نهاية الدراية |
٣٦٩ |
نهج البلاغة |
٦٩، ٢٨٤، ٣٨١، ٤٧٥ |
هداية المسترشدين |
١١، ٥٥، ٩٠، ٩٥، ١٢٧ |
١٣٠، ٣٠٦، ٣١٩ |
|
الوافي |
٢٣ |
الوافية |
٣٠٥، ٣٧٩، ٣٨١، ٤٤٤ |
وسائل الشيعة |
٢٩، ١٦٢، ١٦٣، ١٨٩، ٢٢٢ |
٢٣٦، ٢٦٢، ٢٧٢، ٢٨٢، ٢٨٣ |
|
٢٨٤، ٢٩٥، ٣٠١، ٣٤٠، ٣٤١ |
|
٣٤٥، ٣٥٣، ٣٧٧، ٣٩٧، ٤٤٢ |
|
٤٤٣، ٤٤٤، ٤٥٩، ٤٧٣، ٤٧٩ |
|
وفيات الاعيان |
١٧، ٥٣ |
مصادر التحقيق
١- الابهاج في شرح المنهاج: تأليف علي بن عبد الكافي السبكي – نشر دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى – بيروت ، لبنان.
٢- الاتقان في علوم القرآن: تأليف عبدالرحمن بن ابي بكر السيوطي – تحقيق محمد ابوالفضل ابراهيم – منشورات الرضي – قم، ايران.
٣- اجوبة السيد عن مسائل التباينات (رسائل الشريف المرتضى): تأليف السيّد الرضي – المجموعة الاولى – نشر دارالقرآن الكريم – قم، ايران.
٤- الاحتجاج: تأليف الشيخ احمد بن علي الطبرسي – تحقيق محمّد باقر الموسوي الخرسان – مشهد، ايران.
٥- الاحكام في اصول الاحكام: تأليف علي بن ابي علي محمد الآمدي – نشر دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى – بيروت، لبنان.
٦- ارشاد الاذهان: تأليف العلّامة الحسن بن يوسف بن علي الحلي – نشر مؤسسة آل البيت (ع) – قم، ايران.
٧- ارشاد المفيد: تأليف الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي – نشر مكتبة بصيرتي
قم، ايران.
٨- الاستبصار: تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي – تحقيق حسن الموسوي الخرسان – نشر دارالكتب الاسلامية – طهران، ايران.
٩- الاشارات والتنبيهات: تأليف الحسين بن عبد الله بن سينا – مصر.
١٠- اعلام الزركلي: تأليف خيرالدين الزركلي – نشر دار العلم للملايين – الطبعة السادسة – بيروت، لبنان.
١١- اعيان الشيعة: تأليف السيد محسن الامين – نشر دار التعارف للمطبوعات – بيروت، لبنان.
١٢- اكمال الدين واتمام النعمة: تأليف الشيخ محمد بن علي بن الحسين القمي – تحقيق علي اكبر غفاري – نشر مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم – قم، ايران.
١٣- امالي الصدوق: تأليف الشيخ محمد بن علي بن الحسين القمي – نشر مؤسسة الاعلمي للمطبوعات – بيروت، لبنان.
١٤- امل الآمل: تأليف الشيخ محمد بن الحسن العاملي – تحقيق احمد الحسيني – نشر دار الكتاب الاسلامي – قم، ايران.
١٥- انوار التنزيل: تأليف عبد الله بن عمر البيضاوي – نشر محمد محمود الحلبي وشر كاؤه – مصر.
١٦- الايضاح (ايضاح الفوائد): تأليف الشيخ محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي – الطبعة الاولى – قم، ايران.
١٧- بحر الفوائد في شرح الفوائد: تأليف ميرزا حسن الآشتياني – نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم، ايران.
١٨- بدائع الافكار: تأليف الشيخ حبيب الله الرشتي – نشر مؤسسة آل البيت (ع) – قم، ايران.
١٩- بغية الوعاة: تأليف عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي – نشر دارالفكر.
٢٠- التبيان: تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي – تحقيق احمد القصير – نشر دار احياء التراث العربي – بيروت، لبنان.
٢١- تذكرة الحفاظ: تأليف محمد الذهبي – نشر دار احياء التراث العربي – بيروت، لبنان.
٢٢- تشريح الأصول: تأليف علي بن فتح الله النهاوندي – طبع سنة ١٣٢٠ هـ.
٢٣- تفسير الصافي: تأليف الشيخ محمد محسن بن مرتضى (الفيض) الكاشاني – نشر مؤسسة الاعلمي للمطبوعات – بيروت، لبنان.
٢٤- تفسير العياشي: تأليف محمّد بن مسعود العياشي السمرقندي. نشر المكتبة العلمية الاسلامية – طهران، ايران.
٢٥- التفسير الكبير: تأليف الفخر الرازي.
٢٦- التقرير والتحبير: تأليف ابن امير الحاج – نشر دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى – بولاق، مصر.
٢٧- تمهيد القواعد: تأليف زين العابدين بن علي العاملي – طبع سنة ١٢٧٤ هـ.
٢٨- التهذيب: تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي – تحقيق حسن الموسوي الخرسان – نشر دار الكتب الاسلامية – طهران، ايران.
٢٩- تهذيب الاسماء واللغات: تأليف محيي الدين بن شرف النووي – نشر دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان.
٣٠- توحيد الصدوق: تأليف الشيخ محمد بن علي بن الحسين القمي – تحقيق هاشم الحسيني الطهراني – نشر مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم – قم، ايران.
٣١- تيسير التحرير: تأليف محمد امين (أمير بادشاده) – نشر دار الفكر – بيروت، لبنان.
٣٢- جامع احاديث الشيعة: تأليف آية الله السيد البروجردي – قم، ايران.
٣٣- جامع الأخبار: تأليف محمّد بن محمّد الشعيري – منشورات الرضي – قم، ايران.
٣٤- الجرح والتعديل: تأليف عبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي – نشر دار احياء التراث العربي افست على الطبعة الاولى – بيروت، لبنان.
٣٥- الجوامع الفقهية: تأليف جماعة من العلماء – نشر مكتبة آية الله السيد المرعشي – قم، ايران.
٣٦- جواهر الكلام: تأليف الشيخ محمد حسن بن باقر النجفي – نشر دار احياء التراث العربي – بيروت، لبنان.
٣٧ - الجوهر النضيد في شرح التجريد: تأليف الحسن بن يوسف الحلّي - نشر منشورات بيدار - قم ، ايران.
٣٨ - حاشية العضدي: تأليف عبد الرحمن بن أحمد العضدي - طبعة حسن حلمي سنة ١٣٠٧ هـ.
٣٩ - حاشية الشريف علي شرح المطالع: تأليف محمّد شريف بن حسن علي - انتشارات كتبي نجفي.
٤٠ - حاشية القزويني علي القوانين: تأليف محمّد بن جعفر القزويني.
٤١ - حاشية المصنف علي فرائد الأصول: تأليف الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني - نشر منشورات بصيرتي - قم ، ايران.
٤٢ - حاشية المعالم: نشر المكتبة العلمية الإسلامية - طبع سنة ١٣٦٣ هـ.
٤٣ - الحبل المتين: تأليف بهاد الدين العاملي: منشورات بصيرتي - قم ، ايران.
٤٤ - الحدائق الناضرة: تأليف الشيخ يوسف البحراني - نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم ، ايران.
٤٥ - حقائق الأصول: تأليف آية الله السيد محسن الحكيم - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
٤٦ - الخصال: تأليف الشيخ محمد بن علي بن الحسين القمي - تحقيق علي أكبر الغفاري - نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم ، ايران.
٤٧ - الخلاف: تأليف محمّد بن الحسن الطوسي - تحقيق مؤسسة آل البيت (ع).
٤٨ - دعائم الإسلام: تأليف الشيخ النعمان بن محمد بن منصور التميمي المغربي - تحقيق آصف بن علي آصغر فيضي - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
٤٩ - ذخيرة المعاد: تأليف محمد باقر السبزواري - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
٥٠ - الذريعة إلي أصول الشريعة: تأليف السيد علي بن الحسين الموسوي ( المرتضي ) - تحقيق
ابوالقاسم الكرجي - نشر جامعة طهران - طهران ، ايران.
٥١ - رسائل السيد المرتضي: تأليف السيد علي بن الحسين الموسوي - نشر دار القرآن الكريم - قم ، ايران.
٥٢ - رسالة في إبطال العمل بالخبر الواحد (رسائل الشريف المرتضي) - المجموعة الثالثة - نشر دار القرآن الكريم - قم ، ايران.
٥٣ - رسالة قاعدة لا ضرر: تأليف شيخ الشريعة الإصفهاني - تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت - قم ، ايران.
٥٤ – الروض – الشهيد – (روض الجنان): تأليف الشيخ زين الدين الجبعي العاملي الشهيد الثاني - نشر مؤسسة آل البيت (ع ) - قم ، ايران.
٥٥ - روضات الجنات: تأليف السيد محمد باقر الموسوي الخوانساري - نشر مكتبة اسماعيليان - قم ، ايران.
٥٦ - الروضة البهية: تأليف زين الدين بن علي العاملي - تصحيح محمّد كلانتر.
٥٧ - رياض المسائل: تأليف علي الطباطبائي - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم - ايران.
٥٨ - زبدة الأصول:
٥٩ - السرائر: تأليف الشيخ محمد بن ادريس العجلي الحلّي - نشر انتشارات المعارف الإسلامية - طهران ، ايران.
٦٠ - شرح الإِرشاد وللأردبيلي (مجمع الفائدة والبرهان) - نشرم جماعة المدرسين - قم ، ايران.
٦١ - شرح البدخشي: تأليف محمد بن الحسن البدخشي - نشر دار الكتب العلمية - الطبعة الأولي - بيروت ، لبنان.
٦٢ - شرح تجريد العقائد للقوشجي: تأليف علي بن محمد القوشجي - نشر مكتبة الرضي ، بيدار ، عزيزي - قم ، ايران.
٦٣ - شرح تنقيح الفصول:
٦٤ - شرح الشرائع = مدارك الأحكام.
٦٥ - شرح العضدي علي مختصر المنتهي: تأليف عبدالرحمن بن أحمد العضدي - طبعة حسن حلمي - طبع سنة ١٣٠٧ هـ.
٦٦ - الشرح علي مواقف القاضي عضد الايجي:
٦٧ - شرح مبادئ الأصول:
٦٨ - شرح المطالع: تاليف محمّد بن محمّد الرازي البويهي: انتشارات كتبي نجفي.
٦٩ - شرخ الوافية: تأليف صدر الدني الرضوي القمي.
٧٠ - الشفاء: تأليف الحسين بن عبدالله بن سينا - نشر مكتبة آية المرعشي النجفي - قم ، ايران.
٧١ - شهداء الفضيلة: تأليف عبدالحسين الأميني - نشر دار الشهاب - قم ، ايران.
٧٢ - صحيح مسلم: تأليف مسلم بن الحجاج النيشابوري - نشر دار الفكر - بيروت ، لبنان.
٧٣ - طبقات اعلام الشيعة: تأليف آغا بزرك الطهراني - نشر دار الكتاب العربي - بيروت ، لبنان.
٧٤ - العبر في خبر من غبر: تأليف محمّد بن أحمد الذهبي - نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، لبنان.
٧٥ - عدة الأصول: تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي - تحقيق محمد مهدي نجف - نشر مؤسسة آل البيت (ع) الطبعة المحققة الأولى - قم ، ايران.
٧٦ - العناوين: تأليف مير فتاح - طبعة حجرية.
٧٧ - العوائد - النراقي -: تأليف الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي - نشر منشورات بصيرتي - قم ، ايران.
٧٨ - عوالي اللآلي: تأليف محمد بن علي بن إبراهيم الأحسائي - تحقيق مجتبى العراقي - الطبعة الأولى - قم ، ايران.
٧٩ - عيون أخبار الرضا عليه السلام: تأليف محمد بن علي بن الحسين القمي - تحقيق مهدي الحسيني اللاجوردي - نشر رضا مشهدي ( كتاب فروشي طوس ) - قم ، ايران.
٨٠ - غاية المسؤول في علم الأصول: تأليف محمّد حسين الشهرستاني - نشر مؤسسة
آل البيت (ع) - قم ، ايران.
٨١ - الغنائم: تأليف أبوالقاسم القمي - طهران ، ايران.
٨٢ - الغنية (الجوامع الفقهية): تأليف ابن زهرة الحلبي - نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي - قم ، ايران.
٨٣ - فرائد الأصول: تأليف مرتضى بن محمد أمين الأنصاري – تحقيق عبد الله النوراني – نشر مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة – الطبقة المحققة الاولى – قم، ايران.
٨٤ - الفصول الغروية: تأليف محمّد بن حسين بن محمد رحيم الطهراني - طهران ، ايران.
٨٥ - الفوائد المدنية: تأليف محمد أمين الأستر آبادي - نشر دار النشر لأهل البيت (ع) - ايران.
٨٦ - فوائد المصنف:
٨٧ - الفوائد للوحيد البهبهاني:
٨٨ - فواتح الرحموت: تأليف عبدالعلي محمّد بن نظام الدين الأنصاري - منشورات الرضي - قم ، ايران.
٨٩ - القاموس المحيط: تأليف محمد بن يعقوب الفيروزآبادي - نشر دار الفكر - بيروت ، لبنان.
٩٠ - القانون في الطب: تأليف الحسين بن عبدالله بن سينا - مصر.
٩١ - قواعد الأحكام: تأليف الحسين بن يوسف الحلّي - منشورات الرضي - قم ، ايران.
٩٢ - قوانين الأصول: تأليف أبوالقاسم القمي - نشر دار الطباعة - طبع سنة ١٣٠٣ هـ.
٩٣ - كاشف الظلام في علم الكلام: تأليف ميرزا حبيب الله الرشتي.
٩٤ - الكافي: تأليف محمد بن يعقوب الكليني - تحقيق علي أكبر الغفاري - نشر دار الكتب الإسلامية - طهران ، ايران.
٩٥ - كامل الزيارات: تأليف جعفر بن محمد بن قولويه - افست علي طبعة النجف - ايران.
٩٦ - كشف الغطاء:
٩٧ - كشف القناع: تأليف أسدالله التستري - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
٩٨ - الكنى والألقاب: تأليف عباس القمي - انتشارات بيدار - قم ، ايران.
٩٩ - مبادئ الأصول: تأليف الحسن بن يوسف الحلي.
١٠٠ - المبسوط: تأليف محمّد بن الحسن الطوسي - نشر المكتبة المرتضوية - طبع سنة ١٣٥١ ش.
١٠١ - مجمع البحرين: تأليف فخر الدين الطريحي - نشر المكتبة المرتضوية - طهران ، ايران.
١٠٢ - مجمع البيان:تأليف الفضل بن الحسن الطبرسي - نشر مكتبة آية الله السيد المرعشي - قم ، ايران.
١٠٣ - مجمع الفائدة والبرهان: تأليف أحمد الأردبيلي - تحقيق مجتبى العراقي وعلي بناه الاشتهاردي وحسين اليزدي الاصفهاني - نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم ، ايران.
١٠٤ - المحاسن: تأليف أحمد بن محمد خالد البرقي - تحقيق جلال الدين الحسيني - نشر دار الكتب الإسلامية - قم ، ايران.
١٠٥ - مختصر الأصول: تأليف ابن الحاجب - طبعة حسن حلمي - طبع سنة ١٣٠٧ هـ.
١٠٦ - مختصر التبيان: تأليف ابن أدريس الحلّي - مخطوط.
١٠٧ - مختصر المنتهى: تأليف ابن الحاجب - طبعة حسن حلمي - طبع سنة ١٣٠٧ هـ.
١٠٨ - مدارك الأحكام: تأليف محمّد بن علي الطباطبائي: طهران ، ايران.
١٠٩ - مسالك الافهام: تأليف زين الدين بن علي العاملي - نشر دار الهدى - قم ، ايران.
١١٠ - مستدرك الوسائل: تأليف الشيخ حسين النوري الطبرسي الطبعة الحجرية ، ايران.
١١١ - المستصفى: تأليف محمّد بن محمّد الغزالي - الطبعة الأولى - بولاق ، مصر.
١١٢ - مسند أحمد: تأليف أحمد بن حنبل - نشر دار الفكر - بيروت ، لبنان.
١١٣ - مشارق الشموس: تأليف حسين بن محمّد الخوانساري - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
١١٤ - مطارح الأنظار - التقريرات -: تأليف أبوالقاسم الكلانتري - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
١١٥ - المطالع: تأليف محمود بن أبي بكر الأرموي - انتشارات كتبي نجفي.
١١٦ - معارج الأصول: تأليف جعفر بن الحسن بن سعيد الهذلي - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - الطبعه الأولى - قم ، ايران.
١١٧ - معالم الأصول: تأليف الحسن بن زين الدين العاملي - نشر المكتبة العلمية - طهران ، ايران.
١١٨ - معالم الدين في الأصول: تأليف حسن بن زين الدين العاملي - نشر المكتبة العلمية الإسلامية - الطبعة الأولى - طهران ، ايران.
١١٩ - معاني الإخبار: تأليف محمد بن علي بن الحسين القمي - تحقيق علي أكبر الغفاري - نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم ، ايران.
١٢٠ - المعتمد: تأليف محمد بن علي بن الطيب البصري - نشر دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى - بيروت ، لبنان.
١٢١ - مفاتيح الأصول: تأليف السيد محمد الطباطبائي - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
١٢٢ - مفتاح العلوم: تأليف يوسف السكاكي - نشر دار الكتب العلمية.
١٢٣ - مفتاح الكرامة: تأليف محمد جواد الحسين العاملي - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
١٢٤ - المقنع (الجوامع الفقهية): تأليف محمّد بن علي بن بابويه القمي - نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي - قم ، ايران.
١٢٥ - المكاسب: تأليف مرتضى الانصاري - تبريز ، ايران.
١٢٦ - ملاحظات الفريد: تأليف الفريد الگلپايگاني.
١٢٧ - مناهج الأحكام: تأليف أحمد بن مهدي النراقي - طهران ، ايران.
١٢٨ - المناهل: تأليف محمّد الطباطبائي - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
١٢٩ - منتقى الجمان: تأليف الحسن بن زين الدين بن علي العاملي - نشر مؤسسة النشر الإسلامي - قم ، ايران.
١٣٠ - منتهى الدراية: تأليف محمد جعفر الجزائري المروج - أفست على الطبعة الأولى المطبوعة في
النجف الأشرف.
١٣١ - المنخول: تأليف محمّد بن محمّد الغزالي.
١٣٢ - من لا يحضره الفقيه: تأليف محمّد بن علي بن الحسين القمي - نشر دار الكتب الإسلامية - طهران ، ايران.
١٣٣ - الناصريات (الجوامع الفقهية): تأليف علي بن الحسين الموسوي - نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي - قم ، ايران.
١٣٤ - النافع يوم الحشر: تأليف المقداد السيوري.
١٣٥ - النجاة: تأليف الحسين بن عبدالله بن سينا - طهران ، ايران.
١٣٦ - النهاية: تأليف المبارك بن محمد الجزري - نشر المكتبة الإسلامية.
١٣٧ - نهاية الأصول = نهاية الوصول: تأليف الحسن بن يوسف الحلّي - مخطوط.
١٣٨ - نهاية الدراية: تأليف محمد حسين الاصفهاني - تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (ع) - الطبعه الأولى - قم ، ايران.
١٣٩ - نهاية السؤول: تأليف جمال الدّين الأسنوي - نشر دار الكتب العلمية.
١٤٠ - نهج البلاغة: شرح محمد عبدة - مطبعة الإستقامة.
١٤١ - هداية المسترشدين: تأليف محمد تقي الاصفهاني - نشر مؤسسة آل البيت (ع) - قم ، ايران.
١٤٢ - الوافي: تأليف محمد محسن بن مرتضى الكاشاني - نشر مكتبة آية الله السيد المرعشي - قم ، ايران.
١٤٣ - الوافية: تأليف الفاضل التوني - طبعة بمبي - طبع سنة ١٣٠١ هـ.
١٤٤ - وسائل الشيعة: تأليف محمد بن الحسن الحر العاملي - تحقيق عبدالرحيم الشيرازي الرباني - نشر دار أحياء الترث العربي - بيروت ، لبنان.
١٤٥ - وفيات الأعيان: تأليف أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان - نشر دار صادر - بيروت ، لبنان.
فهرس الموضوعي
المقدمة ففي بيان أمور ٧
المقصد الاول: في الاوامر٦١
الفصل الاول في ما يتعلق بمادة الأمر٦١
الفصل الثاني في ما يتعلق بصبغة الأمر ٦٩
الفصل الثالث في الإجزاء ٨١
فصل الرابع في مقدمة الواجب ٨٩
المقصد الثاني: في النواهي ١٤٩
المقصد الثالث في المفاهيم١٩١
المقصد الرابع في العام و الخاص ٢١٣
المقصد الخامس في المطلقُ والمقيّد ٢٤١
المقصد السادس في بيان الامارات المعتبرة شرعاً أو عقلاً ٢٥٥
المقصد السابع في الاُصول العملية٣٣٥
خاتمة: في شرائط الأصول ٣٧٤
المقصد الثامن في تعارض الادلة والامارات ٤٣٧
الخاتمة الاجتهاد والتقليد ٤٦١
الفهارس العامة٤٨١
فهرس الآيات ٤٨٣
فهرس الروايات ٤٨٥
فهرس الأعلام٤٨٩
فهرس الكتب ٥٠١
مصادر التحقيق ٥١١
فهرس الموضوعي ٥٢١