الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله على لسان وصيّه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
التجميع الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله
الکاتب السيّد محسن الحسيني الأميني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله

على لسان وصيّه

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام



الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله

على لسان وصيّه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

المؤلف: السيّد محسن الحسيني الأميني



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه الميامين المنتجبين.

وبعد :

لمّا إنتهينا بعون الله من كتابنا الرّسول الأعظم على لسان حفيده الإمام زين العابدين وسيّد الساجدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام شرعنا بحول الله وقوّته في بيان نبذة اُخرى من حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله على لسان وصيّه ووزيره علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

ولا يسعني أن أُترجم هذا الإمام العظيم بعد ما ورد في الصحاح والمسانيد والسنن والسير والتاريخ من الأحاديث الصحيحة المتواتره المرويّة عن النبيّ الأعظم في شخصيّته الفذّة مضافاً إلى ما لا يجهل موضع عليعليه‌السلام من إبن عمّه الرّسول الكريم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة فكان يضعه في حجره وهو طفل ويضمّه إلى صدره ويمسّه جسده ويشمّه عَرْفَه ، ولقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجاور في كل سنة بحراء فيراه علي ولا يراه


سواه ، ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة أُم المؤمنين ، وكان عليعليه‌السلام ثالثهما ، يرى نور الوحي والرسالة ويشمّ ريح النبوّة ، ولا يقف الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الصّلاة إلّا وعلي وخديجه خلفه وعليعليه‌السلام واسىٰ نبيّه الكريم بنفسه في المواطن التي تنكص فيها الأبطال. وتزلّ فيها الأقدام نجدةً أكرمه الله بها ، وحسبك ليلة المبيت ، بات في فراش الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله غير جازع عن الموت وفداه بنفسه.

وفي الحديث عن إبن عبّاس رضي الله عنه قال : شرى علي نفسه ولبس ثوب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نام مكانه وكان المشركون يرمون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألبسه برده ، وكانت قريش تريد أن تقتل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعلوا يرمون عليّاً ويرونه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد لبس برده وكان عليعليه‌السلام يتضوّر(١) فإذا هو علي. فقالوا : إنّك للئيم ، إنّك لتتضوّر وكان صاحبك لا يتضوّر ولقد استنكرناه منك.

وقال علي بن الحسينعليه‌السلام : إنّ أوّل من شرى نفسه إبتغاء رضوان الله كان علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقال عليعليه‌السلام عند مبيته على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى

ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

رسول إلٰه خاف أن يمكروا به

فنجّاه ذو الطول الإلٰه من المكر

وبات رسول الله في الغار آمناً

موقى وفي حفظ الإلٰه وفي ستر

__________________

١ ـ يتضوّر : أي يتلوّي ويقلّب ظهر البطن.


وبتّ اُراعيهم ولم يتّهمونني

وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر(١)

وشهد معه جميع مغازيه إلّا ما كان من غزوة تبوك التي خلّفه فيها الرّسول في أهل بيته قائلاً له : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي؟ فأجابهعليه‌السلام : قائلاً رضيت رضيت(٢) .

ولقد سجّل لهعليه‌السلام التاريخ أجلّ المواقف وأسماهما ، فهو أحد المبارزين يوم بدر إذ قتل الوليد بن عتبة.

وفي عزوة الخندق : لمّا خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام نحو عمرو بن عبدود للقتال ، رفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يديه إلى السماء داعياً له : اللّهم إحفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته(٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمبارزة علي بن أبي طالبعليه‌السلام لعمرو بن عبدود يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة(٤) .

وفي حديث آخر : برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه(٥) .

وذكر إبن كثير الدمشقي : بأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام حينما خرج إلى البراز

__________________

١ ـ المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ، ص ٤.

٢ ـ أخرجه إبن عساكر في ترجمة عليعليه‌السلام من تاريخ دمشق : ج ١ ، ص ٣١٢ ، ح ٣٤٤ و ٣٤٥ ، والهندي في كنز العمّال : ج ١٣ ، ص ١٥٨ ، ح ٣٦٤٨٩ ، والترمذي في سننه : ج ٥ ، ص ٥٩٩ ، ح ٣٧٣٠ ـ ٣٧٣١ ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج ١ ، ص ٣٢٥ ، ح ٢٢٧٤.

٣ ـ أخرجه الكاشاني في تفسيره : ج ٦ ، ص ٢٦.

٤ ـ المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ، ص ٣٢.

٥ ـ بحار الأنوار : ج ٢٠ ، ص ٢٧٣.


نحو عمرو بن عبدود أخذ يهر ول في مشيه وهو يقول :

لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز

ذونيّة وبصيرة والصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن اُقيم عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقي صيتها بعد الهزاهز(١)

فبعد قتال شديد وانكشاف العجاجة فإذا برأس عمرو بن عبدود بيد أمير المؤمنينعليه‌السلام والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو وسيفه يقطر منه الدم(٢) .

كما كانعليه‌السلام أحد النفرين الذين ثبتوا مع الرّسول الكريم في عزوة أُحد فلم يزل يقاتل حتّى تقطّع سيفه بثلاث قطع فجاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فطرحه بين يديه ، فأعطاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذاالفقار فسمعوا صوتاً في السماء :

لا سيف إلّا ذوالفقار

ولا فتى إلّا علي

وقال إبن الإثير في الكامل : وكان الذي قتل أصحاب اللواء عليّ ، قاله أبو رافع ، قال : فلمّا قتلهم أبصرالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جماعة من المشركين ، فقال لعلي : أحمل عليهم ، ففرّقهم وقتل منهم ، ثم أبصر جماعة اُخرى ، فقال له : أحمل عليهم ، فحمل عليهم وفرّقهم وقتل منهم ، فقال جبرائيل : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه المواساة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه منّي وأنا منه(٣) .

وفي حديث آخر : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي(٤) .

__________________

١ ـ الهزاهز : الحروب والشدائد.

٢ ـ البداية والنهاية : ج ٤ ، ص ١٠٨.

٣ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ١٥٤.

٤ ـ أخرجه الترمذي في سننه : ج ٥ ، ص ٥٩٠ ، ح ٣٧١٢.


وفي ثالث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : علي منّي وأنا من علي ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو علي(١) .

وقد دعاصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي وقال : اللّهم اكفه أذى الحرّ والبرد. أخرجه عبد الرحمان بن أبي ليلي ، عن أبيه أنّه قال لعلي وكان يمّر معه : إنّ الناس قد انكروا منك أن تخرج في البرد في الملاءتين وتخرج في الحر في الحشو والثوب الغليظ؟.

قال : فقال علي : أولم تكن معنا بخيبر؟

قال : بلى.

قال : فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبابكر وعقد له لواءً فرجع وقد انهزم ، فبعث بعد ذلك عمر وعقد له لواءً فرجع منهزماً بالنّاس.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبَّه الله ورسوله ، يفتح الله له ، ليس بفرّار.

قال : فأرسل إليّ وأنا أرمد.

فقلت : أني أرمد ، فتفّل في عينيّ ، ثم قال : اللّهم أكفه أذٰى الحرّ والبرد ، قالعليه‌السلام : فما وجدت حرّاً بعد ذلك ولا برداً(٢) .

وفي غزوة خيبر : قال إبن عساكر : أعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللواء عمربن خطاب ونهض معه من نهض معه من الناس ، ولقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله يحبّنه أصحابه ويحبّنهم.

__________________

١ ـ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير : ج ٤ ، ص ١٦ ، ح ٣٥١٣ ، والترمذي في سننه : ج ٥ ، ص ٥٩٤ ، ح ٣٧١٩ ، وإبن ماجة في سننه : ج ١ ، ص ٤٤ ، ح ١١٩.

٢ ـ أخرجه إبن عساكر من ترجمة عليعليه‌السلام : ج ١ ، ص ٢١٩ ـ ٢٢٠ ، ح ٢٦٢ ، والنسائي في خصائص أمير المؤمنينعليه‌السلام : ص ٣٦ ـ ٣٨ ، ح ١٤.


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لأعطين اللواء غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، فلمّا كان الغد تصادر لها أبوبكر وعمر ، فدعا عليّاً وهو أرمد فتفّل في عينيه وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض ، قال : فتلقّى أهل خيبر ، فإذا مرحب يرتجز ويقول :

قد علمت خيبر إنّي مرحب

شاكي السّلاح بطل مجرّب

أطعن أحياناً وحينا أضرب

إذا الليوث أقبلت تلهب

فبرز له عليعليه‌السلام وهو يقول :

أنا الذي سمّتني أُمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة

فاختلف هو وعلي ضربتين فضربه عليعليه‌السلام على هامّته حتّى غصّ(١) السيف منه بنص(٢) رأسه وسمع أهل العسكر صوت ضربته ، ففتح الله له(٣) .

وفي حديث المؤاخاة : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام : أنت أخي في الدنيا والآخرة(٤) .

وفي حديث آخر : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام : أنت أخي وصاحبي ووارثي ووزيري(٥) .

ولقد سد الأبواب إلّا باب علي حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : سدّوا هذه الأبواب

__________________

١ ـ الغُصَّةُ : الشجىٰ.

٢ ـ نصَّ كلّ شيئ : منتهاه.

٣ ـ أخرجه إبن عساكر من ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام من تاريخ دمشق : ج ١ ، ص ١٩٦ ، ح ٢٤٢ و ٢٤٣ ، وإبن ماجة في سننه : ج ١ ، ص ٤٣ ، ح ١١٧ ، وأحمد بن حنبل في مسنده : ج ٥ ، ص ٣٥٣ ، والحاكم في المستدرك : ج ٣ ، ص ٣٨ ـ ٣٩.

٤ ـ أخرجه الترمذي في سننه : ج ٥ ، ص ٥٩٥ ، ح ٣٧٢٠ ، وإبن عساكر من ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام من تاريخ دمشق : ج ١ ، ص ١١٨ ، ح ١٤٢.

٥ ـ خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ٩٨.


إلّا باب علي ثم قال : والله ما سددته ولا فتحته ، ولكنّي اُمرت بشيئ فأتبعته(١) .

وفي حديث عبد الله ، الجدلي ، قال : دخلت على اُم سلمة رضي الله عنها فقالت لي : أيسبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكم؟ فقلت معاذ الله أو سبحان الله أوكلمة نحوها ، فقالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من سبّ عليّاً فقد سبّني(٢) .

وقال إبن عبد ربّه في العقد الفريد في عنوان أخبار معاوية : ولمّا مات الحسن بن علي حجّ معاوية فدخل المدينه وأراد أن يلعن عليّاً على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقيل له : إن هاهنا سعد بن أبي وقّاص ، ولا نراه يرضى بهذا ، فابعث إليه وخذ رأيه ، فأرسل إليه وذكر له ذلك ، فقال : إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ثم لا أعود إليه.

فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد ، فلمّا مات سعد لعنه على المنبر ، وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا ، فكتبت اُم سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى معاوية : إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم؟ وذلك أنّكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله. فلم يلتفت معاوية إلى كلامها(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومن عصى عليّاً فقد عصاني(٤) .

__________________

١ ـ أخرجه الحاكم في المستدرك : ج ٣ ، ص ١٢٥ ، وأحمد في مسنده : ج ٤ ، ص ٣٦٩.

٢ ـ أخرجه الحاكم في المستدرك : ج ٣ ، ص ١٢١ ، وأحمد في مسنده : ج ٦ ، ص ٣٢٣ ، والطبراني في المعجم الكبير : ج ٢٣ ، ص ٣٢٢ ، ح ٧٣٧.

٣ ـ العقد الفريد : ج ٥ ، ص ١١٤ ـ ١١٥.

٤ ـ أخرجه الحاكم في المستدرك : ج ٣ ، ص ١٢١.


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله قد امتحن قلب علي للإيمان(٢) .

وفي حديث آخر : إنّ الله يهدي قلبه ويثبّت لسانه(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث غديرخم : من كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبّه وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، وأخذل من خذله(٤) .

وغير ذلك من فضائله وخصائصه التي لا تحصى ، فمن أراد الإطلاع على جميع ذلك فليرا جع كتب الأحاديث والمسانيد والصحاح والسير والتاريخ وغير ذلك ، ولنعم ما قيل :

جمعت في صفاتك الأضداد

فلهذا عزّت لك الأنداد

زاهدٌ حاكمٌ حليمٌ شجاعٌ

فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشرٍ قطّ

ولا حاز مثلهن العباد

__________________

١ ـ أخرجه الحاكم في المستدرك : ج ٣ ، ص ١٢٤.

٢ ـ أخرجه السيوطي في جمع الجوامع : ج ٢ ، ص ٥٣ ، والمتقي في كنز العمّال : ج ١٣ ، ص ١٢٧ ، ح ٣٦٤٠٢ ، والحاكم في المستدرك : ج ٤ ، ص ٢٩٨ ، والترمذي في سننه : ج ٥ ، ص ٥٩٢ ، ح ٣٧١٥.

٣ ـ أخرجه الحاكم في المستدرك : ج ٣ ، ص ١٣٥ ، والبيهقي في سنن الكبرىٰ : ج ١٠ ، ص ٨٦ ، وإبن نعيم في حلية الأولياء : ج ٤ ، ص ٣٨١ ـ ٣٨٢ ، واُنظر في مسند أبي يعلي : ج ١ ، ص ٣٢٣ ، ح ١٤١ و ٤٠١.

٤ ـ هذا حديث مشهور متواتر أخرجه الهندي في كنز العمّال : ج ١٣ ، ص ١٥٨ ، ح ٣٦٤٨٧ ، وإبن كثير في البداية والنهاية ، ج ٧ ، ص ٣٦ ، والشيخ الطوسي في أماليه : ص ٢٥٥ ، ح ٤٥٩ / ٥١ ، المجلس التاسع ، والنسائي في خصائص أمير المؤمنينعليه‌السلام : ص ١٤٢ ، ح ٩٩ ، وغير ذلك من الاعلام.


هذا وقد قام علي بن أبي طالبعليه‌السلام أن يعظّم الرّسول الأعظم إجلالاً عظيماً وتبجيلاً شديداً وأخذ يجتهد في إعلاء كلمته في خطبه ورسائله وحكمه وكتبه لأنّهعليه‌السلام كان قوي الإيمان برسول الله ، مطيع لأوامره ، ومتصدّق بأقواله وأفعاله ، تابع لسلوكه ومشيه ، متمسّك بسننه وأحكامه ، فادياً بنفسه في غزواته وكان مع ذلك يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حبّاً كثيراً لنسبته منه وتربيته له ، وإختصاصه به من دون أصحابه ، ولأنّهما نفس واحد في جسمين ، الأب واحد والدار واحدة ، والأخلاق متناسبة ، فإذا عظّم فقد عظّم نفسه ، وإذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه ، ولقد كان يؤدّان تطبيق دعوة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

ولمّا قام الشريف الرضي بجمع الخطب والرسائل والكتب والحكم والآثار لأمير المؤمنينعليه‌السلام في كتابه نهج البلاغة فرأيت من الأحرى أن أشرح ما يكون فيها بما يختصّ بالرسول الأعظم شرحاً موجزاًوما توفيقى إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ »(١) .

قم المشرّفة

السيد محسن الحسيني الأميني

غرة صفر المظفّر ١٤٢٨ هجـ ٣٠ / ١١ / ٨٥ ش

__________________

١ ـ آل عمران : ٨.



(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُعليه‌السلام )(١)

إلَىٰ أَنْ بَعَثَ الله سُبْحٰانَهُ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِصلى‌الله‌عليه‌وآله لِإِنْجٰازِ عِدَتِهِ ، وَتَمٰامِ نُبُوَّتِهِ. مَأْخُوذاً ٰ النَّبِيِّينَ مِيثٰاقُهُ ، مَشْهُورَةً سِماٰتُهُ ، كَرِيماً مِيلٰادُهُ. وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ ، وَأَهْوٰاءٌ مُنتَشِرَةٌ ، وَطَرٰائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ ، بَيْنَ مُشَبِّةٍ لِلّهِ بِخَلْقِهِ ، أَوْ مُلْحِدٍ فِى اسْمِهِ ، أَوْ مُشِيرٍ إِلىٰ غَيْرِهِ. فَهَدٰاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلٰالَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكٰانِهِ مِنَ الْجَهٰالَةِ. ثُمَّ اخْتٰارَ سُبْحٰانَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ لِقٰاءَهُ ، وَرَضِىَ لَهُ مٰا عِنْدَهُ ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دٰارِ الدُّنْيا ، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مُقارَنَةِ الْبَلْوىٰ ، فَقَبَضَةُ إِلَيْهِ كَرِيماً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ.

قولهعليه‌السلام : «إلَىٰ أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحٰانَهُ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِصلى‌الله‌عليه‌وآله » قال تعالى : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ »(٢) . ومحمّد علم منقول من الصفة التي معناها كثير الخصال المحمودة ، وهذا الإسم الشريف الواقع علماً عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أعظم أسمائه وأشهرهاكأنّه حمد مرّة بعد مرّة أخرى(٣) .

وقال الجوهري : المحمّد : الذي كثرت خصاله المحمودة(٤) .

وفي لسان العرب : محمّد وأحمد من أسماء سيّدنا المصطفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد سمّيت محمّداً وأحمداً(٥) .

وقال الزبيدي : وقد سمّت العرب أحمداً ومحمّداً وهما من أشرف

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٤٤ ، الخطبة ١.

٢ ـ الجمعة : ٢.

٣ ـ تاج العروس : ج ٨ ، ص ٣٩ ـ ٤٠ ، مادة «حمد».

٤ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٤٦٦ ، مادة «حمد».

٥ ـ لسان العرب : ج ٣ ، ص ١٥٧ ، «حمد».


أسمائهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يعرف من تسمّى قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأحمد ، إلّا ما حكي أنّ الخضرعليه‌السلام كان إسمه كذلك(١) .

وقال إبن فارس سمّي نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله محمّداً : لكثرة خصاله المحمودة(٢) . يعنى ألَهَم تعالى أهلهصلى‌الله‌عليه‌وآله تسميته بذلك لما علم من خصاله الحميدة.

ومحمّد هو النبيّ وهو : الاُمّي العربيّ القرشيّ الهاشمي الأبطحي التهامي المصطفى من دوحة الرسالة ، والمرتضىٰ من شجرة الولاية.

قولهعليه‌السلام : «لِإِنْجٰازِ عِدَتِهِ» الّتي وعدها الله لخلقه على ألسنة رسله السابقين بمبعثهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال تعالى : «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ »(٣) أي يعرفون محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بنعته ، وصفته ، ومبعثه ، ومهاجرته ، وصفة أصحابه في التوارة والأنجيل ، كما يعرفون أبنائهم في منازلهم. وفي تفسير القمي ، قال : نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. لأنّ الله قد أنزل عليهم في التوراة والإنجيل والزبور صفة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وصفة أصحابه ، ومهاجرته ، وهو قوله تعالى : «ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ »(٤) فهذه صفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في التوراة والإنجيل وصفة أصحابه ، فلمّا بعثة الله عزّوجلّ عرفه أهل الكتاب كما قال جلّ جلاله : «فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ »(٥) (٦)

وقال تعالى : «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ

__________________

١ ـ تاج العروس : ج ٨ ، ص ٤٠ ، مادة «حمد».

٢ ـ مجمل اللّغة : ج ١ ، ص ٢٥٠ ، ومعجم مقاييس اللّغة : ج ٢ ، ص ١٠٠.

٣ ـ البقرة : ١٤٦ ، والأنعام : ٢٠.

٤ ـ الفتح : ٢٩.

٥ ـ البقرة : ٨٩.

٦ ـ تفسير القمي : ج ١ ، ص ٣٣.


مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ »(١) .

وفي الكافي عن الصادقعليه‌السلام في حديث قال : كان قوم فيما بين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيسىعليه‌السلام يتوعّدون. أهل الأصنام بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقولون : ليخرجنّ نبيّ فليكسرنّ أصنامكم ، وليفعلنّ بكم ، فلمّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كفروا به(٢) .

وقال علي بن إبراهيم في تفسيره : كانت اليهود يقولون للعرب قبل مجيئ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أيّها العرب هذا أوان نبيّ يخرج من مكة ، وكانت مهاجرته بالمدينة ، وهو آخر الأنبياء وأفضلهم ، في عينيه حمرة ، وبين كتفيه خاتم النبوّة ، يلبس الشملة(٣) ويجتزي بالكسرة(٤) والتميرات ، ويركب الحمار العريّ ، وهو الضحوك القتّال ، يضع سيفه على عاتقه ، لا يبالي من لاقىٰ ، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ والحافر ، ليقتلنّكم به يا معشر العرب قتل عاد ، فلمّا بعث الله نبيّه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به(٥) .

وفي أمالي الشيخ الصدوق : عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام في حديث : قال يهودي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي قرأت نعتك في التوراة : محمّد بن عبداللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مولده بمكة ومهاجره بطيبة ، ليس بفظّ(٦) ولا غليظ ، ولا سخّاب ،(٧) ولا مترنّن(٨) بالفحش ، ولا قول الخنا(٩) ، وأنا أشهد أن لا إلٰه الله ،

__________________

١ ـ الأعراف : ١٥٧.

٢ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٣١٠ ، ح ٤٨٢.

٣ ـ الشملة : كساء يشتمل به.

٤ ـ الكسرة : القطعة من الشيئ.

٥ ـ تفسير القمي : ج ٢ ، ص ١٨٠ و ١٩١.

٦ ـ فظّ يفظّ ـ من باب تعب ـ فظاظة : إذا غلظ. بمعنى سيئ الخلق ، القاسي القلب.

٧ ـ السَخَبْ بالتحريك : وهو شدّة الصوت.

٨ ـ المترنّن : أي الصوت العالى.

٩ ـ الخنا : مرادف للفحش.


وأنّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله(١) .

وفي الكافي عن الباقرعليه‌السلام : لمّا نزلت التوراة على موسىعليه‌السلام بشّر بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : فلم تزل الأنبياء تبشّر به حتّى بعث الله المسيح عيسى بن مريم فبشّر بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وذلك قوله تعالى : «يجدونه» يعني في التوارة والإنجيل وهو قول الله عزّوجلّ يخبر عن عيسىعليه‌السلام «وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »(٢) (٣) .

ولقد أجاد أبو طالب عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال :

ألم تعلموا أنا وجدنا محمّداً

رسولاً كموسى خطّ في أوّل الكتب

أقول : هذا أحسن دليل على إسلامهعليه‌السلام .

قولهعليه‌السلام : «وَتَمٰامِ نُبُوَّتِهِ» الضمير في «نبوّته» راجع إلى الله تعالى مثل «عدته» قال تعالى : «وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «مَأْخُوذًا عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثٰاقُهُ» لم يكن نبيّ قط إلّا وبَشّر اُمّته بنبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّه خاتم الأنبياء ، وأنّ شريعته ناسخة لشرائعهم ، فيجب عليهم إتّباع شريعته ، ورفض شرائعهم ، قال تعالى : «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ

__________________

١ ـ الأمالي للشيخ الصدوق : ص ٣٧٦ ، ح ٦ ، المجلس الحادي والسبعون.

٢ ـ الصف : ٦.

٣ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ١١٧ ، ح ٩٢.

٤ ـ الأحزاب : ٤٠.


فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ »(١) .

وفي مجمع البيان ذيل هذه الآية عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام إنّ الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يخبروا أممهم بمعثه ونعته ويبشّر وهم به ويأمروهم بتصديقه(٢) .

وعنهعليه‌السلام ايضاً إنه قال : لم يبعث الله نبيّاً آدم ومن بعده إلّا أخذ عليه العهد لئن بعث الله محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ، وأمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه(٣) .

قولهعليه‌السلام : «مَشْهُورَةً سِماٰتُهُ» أي مشهورة صفاته وعلاماته في الكتب المنزلة ، والصحف السماويّة من التوراة والإنجيل ، قال الله تعالى : «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ »(٤) .

وفي تفسير العياشي عن الباقرعليه‌السلام ذيل هذه الآية قال : يعني اليهود والنصارى يجدون صفة محمّد وإسمه(٥) .

وفي الكافي إن موسىعليه‌السلام ناجاه ربّه تبارك وتعالى ، فقال له في مناجاته : أوصيك يا موسى وصيّة الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم ، ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر ، الطيّب ، الطاهر ، المطهّر ، فمثله في كتابك أنّه مهيمن على الكتب كلّها وانّه راكع ، ساجد ، راغب ، راهب ،

__________________

١ ـ آل عمران : ٨١.

٢ ـ مجمع البيان : ج ١ ـ ٢ ، ص ٤٨٦.

٣ ـ مجمع البيان : ج ١ ـ ٢ ، ص ٤٦٨ ـ ٤٦٩.

٤ ـ الأعراف : ١٥٧.

٥ ـ تفسير العياشي : ج ٢ ، ص ٣١ ، ح ٨٧.


إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون(١) .

وقال الكراجكي الطرابلسي : وفي التوراة مكتوب في السفر الخامس الرب ظهر فتجلّى على سنين ، وأشرف على جبل ساعير ، وأشرف من جبل فاران ، وأتى من ربوات القدس ، من يمينه نار ، شريعة لهم(٢) .

وجبال فاران جبال مكّة ، وظهور الرب إنّما هو ظهور أمره.

وفي الإنجيل : اليوم مكتوب إبن البشر ذاهب ، والفار قليط أتىٰ من بعده وهو الذي يجلّى لكم الأسرار ، ويعيش لكم كلّ شيئ ، وهو يشهد لي كما شهدت له ، فإنّي أنا جئتكم بالأمثال ، وهو يأتيكم بالتأويل(٣) .

وهكذا جاء في الصحف السماويةّ : كزبور داود حيث قال : اللّهم ابعث إلينا مقيم السنّة بعد الفترة(٤) . فمن أقامها غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن قول يوشع النبيّعليه‌السلام : رأيت راكبين يسيران ، أضاءت لهما الأرض ، أحدهما على حمار ، والآخر على جمل ، فكان راكب الحمار عيسىعليه‌السلام وراكب الجمل نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) .

ومن قول شعيا النبيّعليه‌السلام قال لي إلٰه إسرائيل : أقم على المنظرة فأنظر ما ذا ترى؟ فإذا رأيت راكبين يسيران ، أضاءت لهما الأرض ، أحدهما على حمار ، والآخر على جمل ، فقال : ويل لبابل ، كلّ صنم بها يكسر ويضرب به الأرض(٦) .

ومن قول دانيال النبيّعليه‌السلام : جاء الله بالبيان من جبل فاران وامتلأت

__________________

١ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٤٢ ، ح ٨ ، حديث موسىعليه‌السلام .

٢ ـ كنز الفوائد : ج ١ ، ص ٢٠٥.

٣ ـ كنز الفوائد : ج ١ ، ص ٢٠٥.

٤ ـ كنز الفوائد : ج ١ ، ص ٢٠٦.

٥ ـ كنز الفوائد : ج ١ ، ص ٢٠٥.

٦ ـ كنز الفوائد : ج ١ ، ص ٢٠٥.


السموات والأرض من تسبيح محمّد وأُمّته(١) .

وقال أبو طالب عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أمين حبيب في العباد مسوّم

بخاتم ربّ قاهر في الخواتم

يرى الناس برهاناً عليه وهيبة

وما جاهل في قومه مثل عالم

وقال إبن قتيبة : كان أميّة بن أبي الصّلت : قد قرأ الكتب ، ورغب عن عبادة الأوثان ، وكان يخبر بأن نبيّاً يبعث قد أظل زمانه ، فلمّا سمع بخروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقصته كفر حسداً له ، ولمّا أنشد للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله شعره ، قال : آمن لسانه وكفر قلبه(٢) .

قولهعليه‌السلام : «كَرِيماً مِيلٰادُهُ » عند ما كان وقت الميلاد أرهصت الدنيا بعلامات الهادي الحبيب ، فالأرض ملئت ظلما وجوراً ، غدت الأرض مرتعاً للظلم والفساد ، والجاهليّة قد إستطال ظلامها فغشيت العيون القلوب وكتب الله قد حرّفت وشوّهت معالمها ، وكان لابدّ أن يشرق اللطلف الإلهي في ربوع الأرض ، وتتجّدد رسالة الله سبحانه للإنسان ، فيخاطبه بالكلمة الحق ، وشاء الله أن يولد النور في رحاب مكّة ، ويشعّ الوحي في سمائها المقدّس. ويتعالى صوت التوحيد في الحرم الأمن ، حرم إبراهيم وإسماعيلعليه‌السلام ، ذلك في عام المحنة عام الفيل الذي دهم فيه مكّة ، خطر الغزو والحبشي لهدم الكعبة وإطفاء نور النبوات ، واستئصال ميراث إبراهيم العظيمعليه‌السلام وفي هذا العام (٥٧١) للميلاد ولد محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم الجمعة عند الروال في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل كما هو المشهور بين أصحابنا قبل هجوم أصحاب الفيل بخمسين ليلة ، ولدته اُمّه آمنة بنت وهب في مكة المكرّمة في منزل أبيه عبد الله بن عبد المطلب في

__________________

١ ـ كنز الفوائد : ج ١ ، ص ٢٠٥.

٢ ـ المعارف لإبن قتيبة : ٦٠.


شعب أبي طالبعليه‌السلام ، وكانت ولادته قبل وفاة أبيه بشهرين.

وفي الحديث عن الصادقعليه‌السلام قال : كان ابليس يخترق السماوات السبع ، فلمّا ولد عيسىعليه‌السلام حجب عن ثلاث سماوات ، وكان يخترق أربع السماوات ، فلمّا ولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حجب عن السبع كلّها ورميت الشياطين بالنجوم ، وقالت قريش : هذا قيام الساعة كنّا نسمع أهل الكتب يذكرونه(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ » فجاهليّة العرب ووثنيّتها واُميّتها ووحشيّتها تعبث بأطلال الحجاز ، وتدنّس ربوع مكة والبيت الحرام ، ومجوسيّة الفرس وسلطانها تعبث في مشرق الدنيا فساداً ، والنار تعبد من دون الله ، وأحبار اليهود ورهبان النصرانيّة قد حرّفوا التوراة والإنجيل؛ ودولة الروم تسوم الناس في مغرب الدنيا سوء العذاب ، والعالم يضجّ ، وكيل الأرض يطفح بالجرائم ، وحياة الغاب المتوحّشة تسيطر على سلوك الإنسان.

قولهعليه‌السلام : «وَأَهْوٰاءٌ مُنتَشِرَةٌ » كالثنويّة وعابدي الملائكة وعابدي الشمس ، والعرب آنذاك كانوا على أصناف مختلفة ، فمنهم معطّلة ، ومنهم غير معطّلة ، فأمّا المعطّلة. فبعضهم أنكر الخالق والبعث والإعادة فحكى الله تعالى عنهم : «مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ »(٢) .

فجعلوا الجامع لهم الطبع ، والمهلك الدهر «وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ »(٣) .

__________________

١ ـ أمالي الشيخ الصدوق : ص ٢٣٥ ، ح ١ ، المجلس ٤٨.

٢ ـ الجاثية : ٢٤.

٣ ـ الجاثية : ٢٤.


وبعضهم إعترف بالخالق سبحانه ، وأنكر البعث ، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله : «قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ »(١) .

ومنهم من أقروا بالخالق ونوع من الإعادة ، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا أنّها شفعآء عند الله في الآخرة ، وحجّوا لها ، ونحروا لها الهدي ، وقرّبوا لها القربان ، وحلّلوا وحرّموا ، وهم جمهور العرب ، وقد قال الله عنهم : «وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ »(٢) ومن هؤلاء : قبيلة ثقيف وهم أصحاب اللات بالطائف وقريش وبنوكنانة وغيرهم أصحاب العزّى.

وأما الذين ليسوا بمعطّلة من العرب ، وهم المتألهون أصحاب الورع والتحرّج عن القبائح ، كعبد الله ، وعبدالمطلب ، وابنه أبي طالب ، وزيد بن عمروبن نفيل ، وجماعة غير هؤلاء.

وعبادة الأصنام كانوا على أقسام ، فمنهم المشركون الذين يجعلون لله شريكاً كقريش وكنانة كانوا إذا أهلّوا قالوا : «لبيك اللّهم لبيك ، لا شريك لك إلّا شريك هو لك تملكه وما ملك»(٣) .

وقال أبو رجاء العطاردي : كنّا نجمع التراب في الجاهليّة فنجعل وسطه حفرة ، فنحلب فيها ، ثم نسعي حولها ونقول : «لبيّك لا شريك لك إلّا شريكاً هو لك تملكه وما ملك»(٤) .

ومنهم من يجعلها وسائل ، وهم الذين قالوا : «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا

__________________

١ ـ يس : ٧٨ ـ ٧٩.

٢ ـ يونس : ١٨.

٣ ـ السيرة النبوية لإبن هشام : ج ١ ، ص ٨٠.

٤ ـ حلية الأولياء : ج ٢ ، ص ٣٠٦.


إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ »(١) .

وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها ، قص الله تعالى خبرها على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال عزّوجلّ : «وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا »(٢) .

فكان الذين إتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم وسمّوا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل : كلب بن وَبرْة من قضاعة ، إتّخذوا «وَدّاً» بدومة الجندل(٣) .

وهذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ، اتّخذوا «سواعاً»(٤) وأنعم من طيّ ، وأهل جرش من مذحج(٥) اتخذوا «يغوث» وخيوان(٦) بطن من هَمْدان إتّخذوا «يعوق» بأرض همدان من أرض اليمن.

وذو الكلاع من حِمْيَر ، اتّخذوا «نسراً» بأرض حمير(٧) وكانت «اللّات»(٨) لثقيف بالطائف. وكانت «مناة»(٩) للاوس والخزرج ، ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد(١٠) وكانت لقريش وبني كنانة «العزى»(١١) . واتخذوا أساف و

__________________

١ ـ الزمر : ٣.

٢ ـ نوح : ٢٣ ـ ٢٤.

٣ ـ دومة الجندل : حصنٌ بين المدينة والشام ، وهو أقرب إلى الشام من المدينة.

٤ ـ سواع : اسم صنم كان يعبد في زمن نوح ، ثم صار لهذيل.

٥ ـ المعروف أنّ جرش من حمير ، وأنّ مذحج من كهلان بن سبأ.

٦ ـ خيوان : قرية لهم من صنعاء على ليلتين ممّا يلي مكّة وكان بها يعوق.

٧ ـ كان هذا الصنم بأرض يقال لها : بلخع ، موضع من أرض سبأ ولم تزل تعبده حمير.

٨ ـ اللات وهي أحدث من مناة ، وكانت صخرة مربّعة.

٩ ـ وكانت مناة أقدمها كلّها ، ولم يكن أحد أشد إعظاماً لها من الأوس والخزرج.

١٠ ـ قديد : موضع قرب مكة. والمشلل : جبل يهبط منه إلى قديد من ناحيه البحر.

١١ ـ العزى أحدث من اللات ومناة.


نائلة صنماً لهم وجعلوهما على الصفا والمروة(١) .

وكانت قريش قد اتخذت صنماً على بئر في جوف الكعبة يقال له : هبل(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَطَرٰائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ » كالدهريّة ، والوثنية. وكان الحرث بن قيس السهمي ـ وهو أحد المستهزئين بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان يقول : قد غرّ محمّد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت ، والله ما يهلكنا إلّا الدهر ، وكان يأخذ حجراً يعبده ، فإذا رأى أحسن منه ترك الأوّل وعبد الثاني ، وقيل : فيه نزلت هذه الآية : «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ »(٣) (٤) .

وكانت بنو حنيفة اتّخذوا في الجاهليّة إلٰهاً من حيس فعبدوه دهراً طويلاً ، ثم أصابهم مجاعة فأكلوه ، فقال رجل من بني تميم :

أكلت ربّها حنيفة من

جوع قديم بها ومن إعواز

وكان لربيعة بيت يطوفون به يسمى ذو الكعبات.

وكان لخثعم بيت كان يدعى كعبة اليمامة وكان فيه صنم يدعى الخلّصة. وكان أهل الجاهليّة ينحرون لصخرة يعبدونها ، ويلطّخونها بالدم ويسّمونها سعد الصخرة ، وكان إذا أصابهم داء في إبلهم وأغنامهم

__________________

١ ـ وكان إساف ونائلة رجلاً وإمرأة من جُرهم وهو إساف بن عمروبن يحيى ، ونائلة بنت سهل ـ فوقع إساف على نائلة في الكعبة ، فمسخهما الله حجرين ، ثم وضع عمروبن يحيى أساف بعد ذلك على الصفا ، ونائلة على المروة ، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة.

٢ ـ وكان هبل أعظم أصنام العرب التي في جوف الكعبة وحولها ، وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمن ، أدركته قريش كذلك ، فجعلوا له يداً من ذهب. وكان أوّل من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وكان يقال له : هبل خزيمة وكانت تضرب عنده القداح.

٣ ـ الفرقان : ٤٣.

٤ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ٧١.


جاؤوا إلى تلك الصخرة وتمسّحوا بها الإبل والغنم ، فجاء رجل بإبل له يريد أن يتمسّح لها بالصخرة ، ويبارك عليها ، فنفرت وتفرّقت فقال :

أتينا إلى سعد ليجمع شملنا

فشتّتنا سعد فما نحن من سعد

وهل سعد إلّا صخرة بتنوفة(١)

من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد(٢)

ومرّ رجل بسعد وثعلب يبول عليه فقال :

أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب

قولهعليه‌السلام : «بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلّٰهِ بِخَلْقِهِ » وهم الذين شبّهوا الله تعالى بالمخلوقات ، ومثّلوه بالحادثات وأثبتوا له صفات الجسم.

فمنهم مشبّهة الحشويّة ، قالوا : هو جسم لا كالأجسام ، ومركّب من لحم ودم لا كاللحوم والدماء ، وله الأعضاء والجوارح ، ويجوز عليه الملامسة والمعانقة والمصافحة للمخلصين.

ومنهم الذين قالوا : إنّ الله على العرش من جهة العلو مماس له من الصفحة العليا ، ويجوز عليه الحركة والإنتقال ، قال اميّة بن أبي الصلت :

من فوق عرش جالس قد حطّ رجليه على كرسيّه المنصوب

ومنهم : اليهود والنصارىٰ ، حيث أثبتوا له إبناً وهو عزير ، وحكى الله عنهم «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ »(٣) .

__________________

١ ـ التنوفة : القفر من الارض الذي لا ينبت شيئاً.

٢ ـ السيرة النبويه لإبن هشام : ج ١ ، ص ٨٣.

٣ ـ التوبة : ٣٠.


ولقد أثبتوا لله سبحانه وتعالى يدأ ، كما قال الله تعالى : «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »(١) .

وكصنف من العرب حيث أثبتوا له بنات ، أي الملائكة؛ فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله تعالى ، وهم الذين أخبر تعالى عنهم في قوله : «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «أَوْ مُلْحِدٍ فِى اسْمِهِ » إشارة إلى فرقة اُخرى من هذه الفرق قال الله تعالى : «وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ »(٣) .

أي وهم الذين يعدلون بأسماء الله تعالى عمّا هي عليه فيسمّون بها أصنامهم ، ويصفونه بما لا يليق به ، ويسمّونه بما لا يجوز تسميته به ، «اللات» من الله ، «والعزى» من العزيز ، و «المناة» من المنّان عن إبن عبّاس ومجاهد كما جاء في مجمع البيان(٤) .

قولهعليه‌السلام : «أَوْ مُشِيرٍ إِلىٰ غَيْرِهِ » إشارة إلى الدهريّة حيث جعلوا الصانع الدهر والنور والظلمة. وفي الحديث لمّا قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لقومه : أدعوكم إلىٰ شهادة أن لا إلٰه إلّا الله ، وخلع الأنداء ، قالوا : ندع ثلاثماءة وستين إلٰهاً ، ونعبد إلٰهاً واحداً(٥) .

قولهعليه‌السلام : «فَهَدٰاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلٰالَة » أي إنّ الله سبحانه هداهم برسول الله من الغواية.

قولهعليه‌السلام : «وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكٰانِهِ مِنَ الْجَهٰالَةِ » أي بوجود نبيّه نجاهم وخلّصهم من ظلمة الجهالة.

__________________

١ ـ المائدة : ٦٤.

٢ ـ النحل : ١٥.

٣ ـ الأعراف : ١٨٠.

٤ ـ مجمع البيان : ج ٣ ـ ٤ ، ص ٥٠٣.

٥ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٤.


قولهعليه‌السلام : «ثُمَّ اخْتٰارَ سُبْحٰانَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ لِقٰاءَهُ » أي أنّ محمّداً لمّا بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة وأكمل الدين وأتمّ النعمة وهدى الاُمّة من الضلالة وأنقذها من الجهالة إختار الله سبحانه لقاءه وذلك في الليلتين بقيتا من صفر ، وهو إبن ثلاث وستّين سنة. ولقد خسرت الإنسانيّة أعظم هادٍ وأجلّ مربّ عرفته الأرض والسماء فصلّى الله عليه يوم ولد ، ويوم رحل إلى ربّه الأعلى ، ويوم يبعث حيّا.

روى الطبري مسنداً عن أبي مويهبة مولى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث قال النبيّ : يا أبا مويهبة إنّى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة ، خيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّى والجنة ، فاخترت لقاء ربي والجنّة.

قال : قلت : بأبي أنت وأمّي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة فقال : لا والله يا أبا مويهبة ، لقد إخترت لقاء ربّي والجنّة ، ثم أستغفر لأهل البقيع(١) .

فلمّا وقف بين القبور قال مخاطباً موتى المؤمنينعليه‌السلام : السلام عليكم يا أهل القبور ، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ، ممّا فيه الناس ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتّبع أوّلها آخرها ، ثم أستغفر لأهل البقيع طويلا ، ونعى نفسه لمن كان حاضراً من المؤمنين ، ثم إنصرف ، فبدأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بوجعه الذي قبض فيه.

قولهعليه‌السلام : «وَرَضِىَ لَهُ مٰا عِنْدَهُ » أي من المقام والمكانة عند الله ممّا لا عين رأت ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر كما جاء في الحديث(٢) .

__________________

١ ـ تاريخ الطبري : ج ٢ ، ص ٢٢٦ ، سنة ١١ ، ذكر الأحداث الّتي كانت فيها.

٢ ـ بحار الأنوار : ج ٨ ، ص ٩٢ و ١٧١.


قولهعليه‌السلام : «وَأَكْرَمَهُ عَنْ دٰارِ الدُّنْيٰا » أي أعزّه عن اللبث والبقاء في دار الدنيا.

قولهعليه‌السلام : «وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مُقٰارَنَةِ الْبَلْوىٰ» أي صرفه عن الإقامة في دار الدنيا الّتي هي دار بالبلاء محفوفة.

قولهعليه‌السلام : «فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » أي بعد ما بلّغ رسالات ربّه.

روى الطبري عن إبن مسعود قال : نعى إلينا نبيّنا وحبيبناصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه قبل موته بشهر إلى أن قال : فقلنا متى أجلك؟

قال : قددنا الفراق والمنقلب إلى الله ، وإلى سدرة المنتهى.

قلنا : فمن يغسلك يا نبي الله؟

قال : أهلي الأدنىٰ فالأدنىٰ.

قلنا : ففيم نكفنك يا نبيّ الله؟

قال : في ثيابي هذه إن شئتم ، أوفي بياض مصر ، أوفي حلّة اليمانيّة إلى أن قال : إذا غسّلتموني ، وكفّنتموني ، فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ، ثم أخرجوا عنّي ساعة ، فإنّ أوّل من يصلّي علّي جليسي وخليلي جبرئيل ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة بأجمعها ، ثم اُدخوا علّي فوجاً فوجاً ، فصلّوا عليّ وسلّموا تسليماً. إلى أن قال : قلنا فمن يدخلك في قبرك يا نبي الله؟.

قال : أهلي مع ملائكة كثيرين ، يرونكم من حيث لا ترونهم(١) .

* * *

__________________

١ ـ تاريخ الطبري : ج ٢ ، ص ٢٢٨ ، سنة ١١ ، ذكر الأحداث التي كانت فيها.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالدَّينِ الْمَشْهُور ، وَالْعِلْمِ الْمَأْثُورِ ، وَالْكِتٰابِ الْمَسْطُورِ ، وَالنُّورِ السّٰاطِعِ ، وَالضِّيٰاءٍ اللّٰامِعِ ، وَالْأَمْرِ الصّٰادِعِ ، إِزٰاحَةٍ لِلشُّبُهٰاتِ ، وَاحْتِجٰاجاً بِالْبَيِّنٰاتِ ، وَتَحْذِيرًا بِالْاٰيٰاتِ ، وَتَخْوِيفاً بِالْمُثلٰاثِ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنْ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » تشهّدهعليه‌السلام بالرسالة بعد تشهّده بالوحدانيّة والربوبيّة لا يكون إلّا لتقدّم مرتبه التوحيد على مرتبة الرسالة ، لأنّ الله تعالى قد كتب بخطوط النور على ساق العرش لا إلٰه إلّا الله محمّد رسول الله(٢) .

وفي الكافي عن أبى عبيدة الحذاء عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : من قال : أشهد أن لا إلٰه إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، كتب الله له ألف ألف حسنة(٣) .

وفي ثواب الأعمال عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : من شهد أن لا إلٰه إلّا الله ولم يشهد أنّ محمّداً رسول الله كتبت له عشر حسنات ، فإن شهد أنّ محمّداً رسول الله كتبت له ألفي ألف حسنة(٤) .

وفيه أيضاً عن سهل بن سعد الأنصاري قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٤٦ ، الخطبة ٢.

٢ ـ بحار الأنوار : ج ٣٦ ، ص ٣٢١.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٥١٨ ، ح ١ ، باب من قال أشهد أن لا إلٰه إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله.

٤ ـ ثواب الأعمال : ص ٩ ـ ١٠ ، ح ١ ، ثواب من شهد أن لا إلٰه إلّا الله وأن محمّداً رسول الله.


عن قول الله عزّوجلّ : «وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا»(١) قال : كتب الله عزّوجلّ كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورق آس أنبته ثم وضعها على العرش ، ثم نادى يا اُمّة محمّد إنّ رحمتي سبقت غضبي ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا أنا ، وأنّ محمّداً عبدي ورسولي ، أدخلته الجنّة برحمتي(٢) .

وأمّا تسمية النبيّ بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّ أوّل من سماّه بذلك كان هو الله سبحانه عزّوجلّ كما يدلّ عليه حديث عرض الأشباح لآدمعليه‌السلام حيث قال سبحانه له : هذا محمّد وأنا الحميد المحمود في أفعالي ، شققت له إسماً من إسمي(٣) الحديث.

وسماّه بعد ذلك عبدالمطلب بمحمّد يوم السابع من ولادته إلهاماً من الله تعالى وتفأّلاً بكثرة حمد الخلق له ، ولكثرة خصاله الحميدة.

وقد قيل له : لم سمّيت إبنك محمّداً ، وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟

فقال : رجوت أن يحمد في السماء والأرض ، وقد حقّق الله رجاءه.

هذا وقد ورد روايات كثيرة المستفيضة في إستحباب التسمية بذلك الإسم المبارك للأطفال.

ففي الكافي عن الصادقعليه‌السلام : قال : لا يولد لنا ولد إلّا سمّيناه محمّداً فإذا مضى سبعة أيّام فإن شئنا غيّرنا وإن شئنا تركنا(٤) .

__________________

١ ـ القصص : ٤٦.

٢ ـ ثواب الأعمال : ص ١٠ ، ح ٢ ، ثواب من شهد أن لا إلٰه إلله وأنّ محمّداً رسول الله.

٣ ـ بحارالأنوار : ج ٢٦ ، ص ٣٢٧.

٤ ـ الكافي : ج ٦ ، ص ١٨ ، ح ٤ ، باب الأسماء والكنى.


وأخرجه الإربلي عن إبن عبّاس قال : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : ألا ليقم من إسمه محمّد فاليدخل الجنّة لكرامة سميّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وأمّا تسمية محمّد بأنّه عبد الله فقد سماّه الله تعالى ذلك في قوله : «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »(٢) .

وأمّا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رسول الله فقد قال الله تعالى : «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ »(٣) . وقال سبحانه وتعالى : «وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٤) وقال عزّوجلّ : «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ بِالدَّينِ الْمَشْهُورِ» الرسالة بالكسر لغة : اسم من الإرسال وهو التوجيه ، وعرفاً : تكليف الله تعالى بعض عباده بواسطة ملك يشاهده ويشافهه أن يدعو الخلق إليه ويبلّغهم أحكامه ، فالله سبحانه عزّوجلّ أرسل نبيّنا بالدين الواضح بين الأُمم الماضية والحاضرة ، قال الله تعالى : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ »(٦) وقال سبحانه عزّوجلّ : «قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا »(٧) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْعِلْمِ الْمأْثُورِ » أي القرآن الكريم لأنّ المراد من العلم ، أي ما يهتدى به ، والمراد من المأثور : أي المنقول. قال الجوهري : وحديث

__________________

١ ـ كشف الغمّة : ج ١ ، ص ٢٨ ، ووسائل الشيعة : ج ٢١ ، ص ٣٩٥ ، ح ٢٧٣٩٣ / ١٠ ، باب ٢٤. إستحباب التسمية بإسم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ ـ الإسراء : ١.

٣ ـ آل عمران : ١٤٤.

٤ ـ الأحزاب : ٤٠.

٥ ـ الفتح : ٢٩.

٦ ـ التوبة : ٣٣ ، والفتح : ٢٨ ، والصف : ٩.

٧ ـ الأنعام : ١٦١.


مأثور : أي ينقله خلف عن سلف(١) فالقرآن هو العلم الذي يهتدى به الناس وينقله خلف عن سلف ، وقال إبن أبي الحديد : ويجوز أن يريد به أحد معجزاته غير القرآن ، فإنّها كثيرة ومأثورة ، ويؤكّد هذا قوله بعد هذا «والكتاب المسطور» فدل على تغايرهما(٢) .

وقيل «العِلْمِ المأثور» بكسر العين وسكون اللام مصدر عَلِمَ فيكون كلامه إشارة إلى قوله تعالى : «ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ »(٣) ، أي ايتوا ببقيّة من علم يؤثر عن الأوليين بصحّة دعواكم.

قولهعليه‌السلام : «وَالْكِتٰابِ الْمَسْطُورِ » أي القرآن الذي سطر بقلم النور على اللوح المحفوظ ، قال تعالى : «وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَالنُّورِ السّٰاطِعِ ، وَالضِّيٰاءِ اللّٰامِعِ » أي النور المرتفع والضياء المشرق قال الله تعالى : «وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(٥) وقال الله تعالى : «قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ »(٦) .

قولعليه‌السلام : «وَالْأَمْرِ الصّٰادِعِ » أي الظاهر ، قال تعالى : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »(٧) .

__________________

١ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٥٧٥ ، مادة «أثر».

٢ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١ ، ص ١٣٦.

٣ ـ الأحقاف : ٤.

٤ ـ الطور : ١ ـ ٣.

٥ ـ الأعراف : ١٥٧.

٦ ـ المائدة : ١٥ ـ ١٦.

٧ ـ الحجر : ٩٤.


قولهعليه‌السلام : «إِزٰاحَةً لِلشُّبُهٰاتِ » أي إزالة للشبهات الباطلة والفاسدة.

قولهعليه‌السلام : «وَاحْتِجٰاجاً بِالْبَيِّنٰاتِ » أي بالمعجزات القاهرة والبراهين الواضحة ، قال تعالى : «قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا »(١) وقال عزّوجلّ : «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ »(٢) وقال تعالى : «قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَحْذِيرًا بِالْاٰيٰاتِ » أي إنذاراً بالآيات القرآنيّة الدّالة على العقوبات النازلة للكفّار والمشركين والمنافقين والوصاة قال تعالى : «وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَخْوِيفاً بِالْمَثُلاٰتِ » أي العقوبات ، قال تعالى : «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ »(٥) أي عقوبات أمثالهم من المكذّبين فما بالهم لم يعتبروا بها.

* * *

__________________

١ ـ الإسراء : ٨٨.

٢ ـ هود : ١٣.

٣ ـ يونس : ٣٨.

٤ ـ الحجر : ٧٤ ـ ٧٥.

٥ ـ الرعد : ٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ وَسَلَّمَ نَذِيرًا لِلْعٰالَمِينَ ، وَأَمِينًا عَلَىٰ التَّنْزِيلِ. وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلى شَرِّ دِينٍ وَفِى شَرِّ دٰارٍ ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجٰارَةٍ خُشْنٍ وَحَيّٰاتٍ صُمٍّ. تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ ، وَتأْكُلُونَ الْجَشِبَ ، وَتَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ, وَتَقْطَعُونَ أَرْحٰامَكُمْ. الْأَصْنٰامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ ، وَالْاٰثامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ.

قولهعليه‌السلام : «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِٰهِ وَسَلَّمَ نَذِيرًا لِلْعٰالَمِينَ » اُمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بجمل الرسالة وتبليغ كلمة الله ، والدعوة إلى توحيده وعبادته وإصلاح البشريّة وإنقاذها من الظلم والكفر والفساد والخرافة بقوله تعالى : «قُمْ فَأَنذِرْ »(٢) فانطلق مستجيباً لأمر الله ، يبشّر بالإسلام ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولمّا كانت دعوته عامّة وشاملة لجميع البشر قالعليه‌السلام : «نذيراً للعالمين» وتنبيهاً للإنسانيّة على الغفلة بما ورد من الإنذارات في القرآن الكريم.

قولهعليه‌السلام : «وَأَمِينًا عَلَى التَّنْزِيلِ » الأمين : فعيل من الأمانة : فهو إما بمعنى مفعول : أي مأمون من أمنه كعلمه إذا إستأمنه ، أو بمعنى فاعل من أمن هو ككرم فهو أمين أي غير خائن بما أوحى إليه من القرآن الكريم ولا مبدّل لكلماته وأنّه غير مقصّر في تبليغ آياته وأحكامه ، إذ من شأن الأمين قوّته على ضبط ما يستأمن عليه ، وإستعداده له وحفظه وصيانته عن التلف والأدناس والتبديل والزيادة والنقصان ولهذا

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٦٨ ، الخطبة ٢٦.

٢ ـ المدثر : ٢.


السرّ كانت العرب تسميّه بالأمين قبل مبعثه لما شاهدوه من أمانته وشهّر بهذا الإسم قبل نبوّته ، وبعد بعثته أخبر عنه تعالى فقال : «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلىٰ شَرِّ دِينٍ » حيث عبدوا الأوثان والأصنام ، واتّخذوالله ، أنداداً وكان يقتل بعضهم بعضاً ، ويغير بعضهم على بعض ، ويدفنوا إبنتهم وهي حيّة كراهة أن تأكلّ زادهم وطعامهم.

وقد صورت إحدى آيات القرآن الكريم هذه الصورة المأساويّة المروّعة حيث قال الله تعالى : «وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ »(٢) .

وكانت أديان العرب في الجاهليّة النصرانيّة واليهوديّة والمجوسيّة والصابئيّة والوثنيّة ، وكان بعضهم يعبدون الملائكة ، وبعضهم يعبدون الجن ، وبعضهم قالوا : بالدهر ، وبعض الآخر أقرّوا بالمبدأ وأنكروا المعاد.

قولهعليه‌السلام : «وَفِى شَرِّ دٰارٍ » أرادعليه‌السلام بها تهامة أو نجد أو البوادي الّتي كانوا يسكنونها ، ولقد كان الفقر والجهل والمرض ، أشباحاً مرعبة تسيطر على قبائل العرب المتناثرة في جزيرتها الموحّشة الجرداء. وقال المغيرة بن زرارة ليز دجرد : وأمّا منازلنا فإنّما هي ظهر الأرض(٣) .

قولهعليه‌السلام : «مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجٰارَةٍ خُشْنٍ » أي ساكنون بين أحجار صلب لا نداوة فيها ولانبات.

قولهعليه‌السلام : «وَحَيّٰاتٍ صُمٍّ » وفي الصحاح : الصمة : الذكر من الحيّات

__________________

١ ـ الشعراء : ١٠٧ ، والدخان : ١٨.

٢ ـ الإسراء : ٣١.

٣ ـ اُنظر تاريخ الطبري : ج ٢ ، ص ٣٩١ ، سنة ١٤.


التي لا علاج لسمومها(١) .

بيد أنّ حيّات تلك الأرض على غاية من القوة والسموم.

قولهعليه‌السلام : «تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ» لأنّ غالب مياه العرب آنذاك هو الغدران ، وأصلها ماء المطر ينزل على الأودية السبخة والقفار الملحة فيسيل حتّى يقع في تلك الغدران فيكون مرّاً أٌجاجاً ثم يتكدّر ويتعفّن.

وقال الحموي : سلاح : ماء لبني كلاب شبكة ملحة لا يشرب منها إلّا سلح(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَتأْكُلُونَ الْجَشِبَ » قال الجوهري : طعام جشب ومجشوب : أي غليظ وخشن ، ويقال : هو الذي لا أدم معه(٣) .

وقال المغيرة بن زرارة ليزد جرد : كنّاناً كلّ الخنافس والجعلان والعقارب والحيات(٤) .

وقال الجاحظ : في طعام العرب غير العلهز والهبيد أطعمة اُخرى مذمومة منها : الغث ، والدعاع ، والقدّ ، والعسوم ، ومنقع البرم ، والقصيد ، والحيّات(٥) .

وقال خالد بن عمير العددي : شهدت فتح الأملة ، فأصبنا سفينة مملوّة جوزاً ، فقال رجل : ما هذه الحجارة؟ ثم كسر واحدة.

فقال : طعام طيّب.

قولهعليه‌السلام : «وَتَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحٰامَكُمْ » فإنّ القتل والغارة وسفك الدماء كان من شعار العرب في أيّام الجاهليّة ، وربّما كان

__________________

١ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٩٢٨ ، مادة «صمم».

٢ ـ معجم البلدان : ج ٣ ، ٢٣٣.

٣ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٩٩ ، مادة «جشب».

٤ ـ تاريخ الطبري : ج ٢ ، ص ٣٩١.

٥ ـ البخلاء للجاحظ : ٣٣٩.


يقتل الأب ولده وبالعكس ، قال الله عزّوجلّ : «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ »(١) .

وقال إبن عبّاس : وكانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها فإن ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة ، وإن ولدت غلاماً حبسته(٢) ؟

قولهعليه‌السلام : «الْأَصْنٰامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ » الصنم : ما كان له جسم أو صورة ، فإن لم يكن له جسم ولا صورة ، فهو وثن قاله الجزري(٣) .

وقال إبن اسحاق : واتخذ أهل كلّ دار في دارهم صنماً يعبدونه ، فإذا أراد الرجل منهم سفراً تمسّح به حين يركب ، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجّه إلى سفره ، وإذا قدم من سفره تمسّح به ، فكان ذلك أوّل ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله ، فلمّا بعث الله تعالى رسوله محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتوحيد قالت قريش : «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ »(٤) (٥) .

وفي المناقب : أنّه لما فتح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مكّة كان فيها ثلاثماءة وستّون صنماً بعضها مشدود ببعض بالرصاص. فأنفذ أبوسفيان من ليلته مناة إلى الحبشة ، ومنها إلى الهند فهيّؤوا لها داراً من مغناطيس ، فتعلقت في الهواء إلى أيّام محمود سبكتكين ، فلمّا غزاها أخذها وكسرها ، ونقلها إلى إصفهان وجعلت تحت مارة الطريق(٦) .

__________________

١ ـ التكوير : ٨ ـ ٩.

٢ ـ مجمع البيان : ج ٩ ـ ١٠ ، ص ٤٤٤.

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ٣٩٠ ، ص ٥٦ ، مادة «صنم».

٤ ـ ص : ٥.

٥ ـ السيرة لإبن هشام : ج ١ ، ص ٧٨.

٦ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ٢٠٩.


وقال الجزري : وكان على الكعبة ثلاثماءة وستون صنماً ، وكان بيد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قضيب ، فكان يشير به إلى الأصنام وهو يقرأ : «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا »(١) فلا يشير إلى صنم منها إلّا سقط لوجهه(٢) .

وأخرجه الخطيب البغدادي عن أبي مريم قال : قال عليعليه‌السلام : إنطلق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الأصنام ، فقال : اجلس ، فجلست إلى جنب الكعبة ، ثمّ صعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على منكبي ، ثم قال : إنهض بي إلى الصنم فنهضت به ، فلمّا رأى ضعفي تحته ، قال : اجلس ، فجلست وأنزلته عنّي ، وجلس لي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال لي : يا على إصعد إلىٰ منكبي ، فصعدت على منكبيه ، ثم نهض بي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فلمّا نهض بى خيّل لي أني لو شئت نلت السماء ، وصعدت على الكعبة ، وتنحّى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فألقيت صنمهم الأكبر صنم قريش ، وكان من نحاس موتّداً بأوتادٍ من حديد إلى الأرض. فقال لي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : عالجه ، فعالجته ، فما زلت أعالجه والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إيه إيه إيه ، فلم أزل أعالجه حتّى استمكنت منه ، فقال : دقّه فدققته ، وكسّرته ونزلت(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْاٰثٰامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ » أي مشدودة ، يقال : عصب رأسه بعصابة أي شدّ رأسه بعصابة.

قيل لحنظلة بن الشرقي : ما أدنى آثامك ليلة الدير؟ قال : نزلت

__________________

١ ـ الإسراء : ٨١.

٢ ـ الكامل في التاريخ لإبن الأثير : ج ٢ ، ص ٢٥٢ ، سنة ٨.

٣ ـ تاريخ بغداد : ج ١٣ ، ص ٣٠٢ ، ح ٧٢٨٢ ، وأخرجه أحمد في مسنده : ج ١ ، ص ٨٤ ، والنسائي في الخصائص : ١٦٥ ، والجويني في فرائط السمطين : ج ١ ، ص ٢٤٩ ، والخوارزمي في المناقب : ص ١٢٣ ، والهيثمى في مجمع الزوائد : ج ٦ ، ص ٢٣ ، وإبن شهراشوب في مناقبه : ج ٢ ، ١٣٥.


بديرانية ، فأكلت عندها طِفْشَلِيّاً أي : ـ مرقاً بلحم خنزير ـ وشربت من خمرها ، وزينت بها ، وسرقت كأسها ومضيت(١) .

وقالوا : إنّ عمرو بن كلثوم ، وزهير بن جناب ، وعامر ـ ملاعب الاُسنة ـ ممّن غضبوا فشربوا خمرهم صرفاً حتّى ماتوا(٢) .

* * *

__________________

١ ـ بهج الصباغه : ج ٢ ، ص ١٧١.

٢ ـ بهج الصباغه : ج ٢ ، ص ١٧١.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَّمَدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتٰابًا ،

وَلٰا يَدَّعِى نُبُوَّةً ، فَسٰاقَ النّاسَ حَتّىٰ

بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ، وَبَلَّغَهُمْ مَنْجٰاتَهُمْ ، فَاسْتَقٰامَتْ قَناتُهُمْ ، وَاطْمَأَنَّتْ صَفٰاتُهُمْ.

قولهعليه‌السلام : «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتٰابًا » قال الله تعالى : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(٢) لم تكن العرب لتعرف القراءة والكتابة وتدوين الأحداث الإجتماعيّة والسياسيّة والتاريخيّة وغير ذلك في زمن الجاهليّة بل كان الشعر والأخبار والقصص التي تروى شفاهة هي سجل العرب وديوان معارفهم وثقافتهم التاريخيّة ، فغالبيّة الناس آنذاك لم تكن لهم كتب يدرسونها والذي كان بأيديهم من التوراة والإنجيل لم يكن هو المنزل من السماء لمكان التحريف والتغيير الذي وقع فيها كما يشهد له قوله تعالى : «وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(٣) .

قال الطبرسي في مجمع البيان : قيل : نزلت في جماعة من أحبار اليهود

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٧٧ ، الخطبة ٣٣.

٢ ـ الجمعة : ٢.

٣ ـ آل عمران : ٧٨.


كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله من نعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وغيره وأضافوه إلى كتاب الله. وقيل : نزلت اليهود والنصارى حرّفوا التوراة والإنجيل وضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وألحقوا به ما ليس منه وأسقطوا منه الدين الحنيف(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا يَدَّعِى نُبُوَّةً » لمّا شاع خبر بعثة النبيّ ، وقرب ظهوره ، سمّى قوم أبناءهم «محمّداً» طمعاً في النبوّة لما سمعوا أنّ إسم النبيّ الآتي هو «محمّد» منهم محمّد بن سفيان بن مجاشع في بني تميم ، ومحمّد الجشمي في بني سواءة ، ومحمّد الأسيدي ، ومحمّد الفقيمي ، ومحمّد بن مسلمة ، ومحمّد بن اُحيحة ، ومحمّد بن برء البكري ، ومحمّد بن حمران الجعفي ، ومحمّد بن خزاعة السلمي(٢) .

بيد أن نظير ذلك قد وقع قبل ظهورهصلى‌الله‌عليه‌وآله لموسىعليه‌السلام ووقع بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام المهدي الثاني عشر من اَئمة اثنى عشر.

هذا وجماعة من الناس أتوا بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وادّعوا النبوّة كذباً منهم مسيلمة من حنيفة ، وسجاج الّتي تزوجها مسيلمة من بني يربوع ، وأسود بن كعب من عنس ، وطلحة بن خويلد من أسد بن خزيمة لكنّه رجع إلى الاسلام بعد(٣) .

قولهعليه‌السلام : «فَسٰاقَ النّٰاسَ حَتّىٰ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ » أي قاتلهم بسيفه على الاسلام حتّى أوصلهم إليه ومكّنهم منزلتهم ومرتبتهم الّتي خلقوا لأجلها.

__________________

١ ـ مجمع البيان : ج ١ ـ ٢ ، ص ٤٦٤ ، في شأن النزول.

٢ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٣٤.

٣ ـ بهج الصباغة : ج ٢ ، ص ٢٠٩.


قولهعليه‌السلام : «وَبَلَّغَهُمْ مَنْجٰاتَهُمْ » وهو الإسلام الذي لا خوف على سالكه ولا سلامة للمنحرف عنها.

قولهعليه‌السلام : «فَاسْتَقٰامَتْ قَنٰاتُهُمْ ، وَاطْمَأَنَّتْ صَفٰاتُهُمْ » أي استقامت أحوالهم بالإسلام بعد ما كانت متزلزلة وغير ثابتة ، لما كانوا دائماً على الحروب والغارة والقتل والنهب والسلب ، فاطمأنت أحوالهم وصفاتهم فاستقرّوا في مواطنهم آمنين.

* * *


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

اللّٰهُمَّ اجْعَلْ شَرٰائِفَ صَلَوٰاتِكَ وَنَوٰامِىَ بَرَكٰاتِكَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ، الْخٰاتِمِ لِمٰا سَبَقَ ، وَالْفٰاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ ، وَالدّٰافِعِ جَيْشٰاتِ الْأَبٰاطِيلِ ، وَالدّٰامِغِ صَوْلٰاتِ الْأَضٰالِيلِ. كَمٰا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ ، قٰائِمًا بِأَمْرِكَ ، مُسْتَوْفِزًا فِى مَرْضٰاتِكَ ، غَيْرَ نٰاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ ، وَلٰا وٰاهٍ فِى عَزْمٍ ، وٰاعِياً لِوَحْيِكَ ، حاٰفِظًا لِعَهْدِكَ ، مٰاضِياً عَلىٰ نَفٰاذِ أَمْرِكَ ، حَتّىٰ أَوْرىٰ قَبَسَ الْقٰابِسِ ، وَأَضٰاءَ الطَّرِيقَ لِلْخٰابِطِ ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضٰاتِ الْفِتَنِ وَالْاٰثٰامِ ، وَأَقٰامَ مُوضِحٰاتِ الْأَعْلٰامِ ، وَنَيِّرٰاتِ الْأَحْكٰامِ. فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَخٰازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِيثُكَ بِالْحَقِّ ، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ. اللّٰهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحًا فِى ظِلِّكَ ، وَاجْزِهِ مُضٰاعَفٰاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ. اللّٰهُمَّ أَعْلِ عَلىٰ بِنٰاءِ الْبٰانِينَ بِنٰاءَهُ ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ ، وَاجْزِهِ مِنِ ابْتِعٰاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهٰادَةِ مَرْضِىَّ الْمَقٰالَةِ ، ذٰا مَنْطِقٍ عَدْلٍ ، وَخُطَّةٍ فَصْلٍ. اللّٰهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنٰا وَبَيْنَهُ فِى يَرْدِ الْعَيْشِ وَقَرٰارِ النِّعْمَةِ ، وَمُنَى الشَّهَوٰاتِ ، وَأَهْوٰاءِ اللَّذّاٰتِ ، وَرَخٰاءِ الدَّعَةِ ، وَمُنتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ وَتُحَفِ الْكَرٰامَةِ.

قولهعليه‌السلام : «اللّٰهُمَّ اجْعَلْ شَرٰائِفَ صَلَوٰاتِكَ وَنَوٰامِىَ بَرَكٰاتِكَ عَلىٰ مُحَمَّدٍ » أي إجعل عوالي صلواتك وزيادة بركاتك على محمّد وآل محمّد تشريفاً لهصلى‌الله‌عليه‌وآله وترفيعاً لشأنه وجلالته ، وفي الحديث عن كعب بن عجرة ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : في الصّلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ،

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٠١ ، الخطبة ٧٢.


اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد(١) .

وأخرجه الخطيب البغدادي عن علي قال : قالوا : يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال : قولوا : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم(٢) .

وأخرجه أحمد بن حنبل عن اُم سلمة ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمةعليه‌السلام : إيتيني بزوجك وابنيك ، فجاءت بهم ، فألقى عليهم كساءً فدكيّاً ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : اللّهم إنّ هؤلاء آل محمّد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد إنّك حميد مجيد.

قالت اُم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي ، وقال : إنّك على خير(٣) .

قولهعليه‌السلام : «عَبْدِكَ» قيل في تفسير العبد : ـ العين ـ علمه بالله ، وـ الباء ـ بعده عن الخلق ، وـ الدال ـ دنّوه من الله بلا إشارة ولا كيف ، يعني لا يحصل للعبد كمال العبوديّة إلّا إذا عرف ربّه سبحانه حقّ معرفته ، وكان قريباً منه بالقرب المعنوي ، قال الله تعالى : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ »(٤) وكان بعيداً عن الخلق وإن كان فيهم ، أي لا يكون معهم فإنّه حينئذ يحصل له كمال العبوديّة فيدخل في

__________________

١ ـ تاريخ بغداد : ج ٦ ، ص ٢١٦ ، ح ٣٢٧٣.

٢ ـ تاريخ بغداد : ج ١٤ ، ص ٣٠٣ ، ح ٧٦١٤.

٣ ـ مسند أحمد : ج ٦ ، ص ٣٢٣ ، وأخرجه الحسكاني نحوه في شواهد التنزيل : ج ٢ ، ص ١١٥ ، ح ٧٤٧.

٤ ـ البقرة : ١٨٦.


جملة من أوليائه المقرّبين قال الله سبحانه : «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »(١) وقال : «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »(٢) وقال : «فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ »(٣)

قولهعليه‌السلام : «وَرَسُولِكَ» قال الله تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا »(٤) وقال أيضاً : «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ »(٥)

قولهعليه‌السلام : «الْخٰاتِمِ لِمٰا سَبَقَ » أي لما سبق من الأنبياء والمرسلينعليهم‌السلام ، أو من الملل السابقة.

قولهعليه‌السلام : «وَالْفٰاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ » أي من أمر الجاهليّة والبلايا الموجودة في الأديان السابقة ، قال الله تعالى : «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ »(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ » أي أظهر الحق الذي هو خلاف الباطل ببيان الصواب قال تعالى : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ »(٧) .

قولهعليه‌السلام : «وَالدّٰافِعِ جَيْشٰاتِ الْأَبٰاطِيلِ » قال الجوهري : جاشت القدر تجيش : أي غلت(٨) أي الدافع لغليان وثوران الفتنة الّتي حصلت في زمن الجاهليّة من القتل والحرب والغارة و

قولهعليه‌السلام : «وَالدّٰامِغِ صَوْلٰاتِ الْأَضٰالِيلِ » قال الجوهري : دمغه دمغاً : شجّه حتّى بلغت الشجّة الدماغ(٩) .

__________________

١ ـ الإسراء : ١.

٢ ـ ص~ : ٤٤.

٣ ـ النجم : ١٠.

٤ ـ الأحزاب : ٤٥.

٥ ـ المنافقون : ١.

٦ ـ الأعراف : ١٥٧.

٧ ـ الفتح : ٢٨.

٨ ـ الصحاح : ج ٣ ، ص ٩٩٩ ، مادة «جيش».

٩ ـ الصحاح : ج ٤ ، ص ١٣١٨ ، مادة «دمغ».


وصال عليه : وثب ، والفحلان يتصاولان ، أي يتواثبان(١) والمراد أنّ التواثب على الضّلال والباطل قد اندفع بوجود النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قولهعليه‌السلام : «كَمٰا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ » أي حمل أعباء الرسالة فنهض وقام بها قويّاً.

قولهعليه‌السلام : «قٰائِمًا بِأَمْرِكَ » أي ممتثلاً بأوامره.

قولهعليه‌السلام : «مُسْتَوْفِزًا فِى مَرْضٰاتِكَ » قال الجوهري : الوفز : العجلة(٢) أي مستعجلاً في تحصيل رضاء الله عزّوجلّ من دون فتور.

قولهعليه‌السلام : «غَيْرَ نٰاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ » أي غير ممتنع عن الإقدام بالواجبات.

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا وٰاهٍ فِى عَزْمٍ » أي ولامتهاون في العزم على الإمتثال بالواجبات ، وقد طلب منه قريش أن يصرف عن عزمه فقال : لو قدروا أن يجعلوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما صرفت عن عزمي ، ألا ترى بأنّه أشرف اُولي العزم من الرسل.

قولهعليه‌السلام : «وٰاعِيًا لِوَحْيِكَ » أي كانصلى‌الله‌عليه‌وآله فاهماً وملتفتاً ومتوجّها بما يوحى إليه وواعياً به بدون غفلة وسهو.

قولهعليه‌السلام : «حٰافِظاً لِعَهْدِكَ » أي ملتزماً بالعهد ، قال تعالى : «رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ»(٣) .

قولهعليه‌السلام : «مٰاضِياً عَلىٰ نَفٰاذِ أَمْرِكَ » أي مصّراً على العمل بالأوامر والنواهي ، وبما كلّف بهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ومن هنا لمّا استشفع قريش في ترك قطع يد

__________________

١ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٧٤٦ ، مادة «صول».

٢ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٨٩٨ ، مادة «وفز».

٣ ـ الأحزاب : ٢٣.


مخزوميّة الّتي سرقت ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتشفّع في حد من حدود الله؟(١) .

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ أَوْرىٰ » من أوريت الزند : أخرجت ناره.

قولهعليه‌السلام : «قَبَسَ الْقٰابِسِ » قال الجرري : القبس : الشعلة من النار ، واقتباسُها الأخذ منها ، ومنه حديث عليعليه‌السلام «حتّى أورى قبساً لقابس» أي أظهر نوراً من الحق لطالبه ، والقابس طالب النار»(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَضٰاءَ الطَّرِيقَ لِلْخٰابِطِ » الخابط : الذي يمشى في الليل بلامصباح فيتحيّر ويضّل ، وربّما تردّى في بئر أو سقط على سبع ، وهو كقولهم : يخبط فى عمياء؛ إذا ركب أمراً بجهالة ، قاله الجزري(٣) والمراد : جعل الطريق للخابط مضيئة.

قولهعليه‌السلام : «وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضٰاتِ الْفِتَنِ وَالْاٰثٰامِ » أي هديت القلوب القاسية برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما كانوا في زمن الجاهليّة يئدون البنات وكان شغلهم الحروب والغارات والنهب والقتل والإبادة والأسر ، وشرب الخمور وإتيان الفواحش وغير ذلك.

قولهعليه‌السلام : «وَأَقٰامَ مُوضِحٰاتِ الْأَعْلٰامِ » الموضحة : الّتي توضح للناس الأمور وتكشفها ، والأعلام : جمع علم ، وهو ما يستدلّ به على الطريق ، كالمنارة ونحوها ، والمراد : أنّ رسول الله أقام الأدلّة الواضحة على الحق التي هي كلأعلام المستدلّ بها على الطريق ، وهو القرآن المجيد.

قولهعليه‌السلام : «وَنَيِّرٰاتِ الْأَحْكٰامِ » أي الأحكام الشرعيّة والتكاليف

__________________

١ ـ صحيح مسلم : ج ٣ ، ص ١٣١٥ ، ح ١٦٨٨ / ٨ ـ ١٠ ، باب ٢. قطع السارق الشريف وغيره.

٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٤ ، ص ٤ ، مادة «قبس».

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٢ ، ص ٨ ، مادة «خبط».


الإلٰهيّة المنوّرة المستنبطة من الأدلّة الشرعيّة «الكتاب والسنة والعقل والإجماع».

قولهعليه‌السلام : «فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ » الأمين : فعيل من الأمانة تقدّم شرحه في الخطبة ٢٦ ، فراجع.

وفي كنز العمّال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما والله إنّي لأمين في السماء أمين في الارض(١) .

وقال عمّه أبوطالب فيه :

أنت الأمين أمين الله لا كذب

والصادق القول لا لهو ولالعب

أنت الرسول رسول الله نعلمه

عليك ينزل من ذي العزّة الكتب

أقول : قوله هذا رحمه الله : أحسن دليل على إسلامه.

قولهعليه‌السلام : «وَخٰازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ » أي العلم المخزون عند الله الّذي لا يعلمه أحد إلّا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال تعالى : «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ »(٢)

أخرجه الكليني في حديث : عن سدير الصيرفي قال : سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفرعليه‌السلام عن قوله جل ذكره : «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا »(٣) فقال أبوجعفرعليه‌السلام : «إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ »(٤) وكان والله محمّد ممّن ارتضاه ، وأما قوله : «عالم الغيب» فإنّ الله عزّوجلّ عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدّر من شيئ ، ويقضيه في علمه قبل أن

__________________

١ ـ كنز العمال : ج ١١ ، ص ٤١٣ ، ح ٣١٩٣٧.

٢ ـ الجن : ٢٦ ـ ٢٧.

٣ ـ الجن : ٢٦.

٤ ـ الجن : ٢٧.


يخلقه ، وقبل أن يفضيه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران علم موقوف عنده ، إليه فيه المشيئة ، فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه ، فأمّا العلم الذي يقدّره الله عزّوجلّ فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم إلينا(١) .

وأخرجه الصدوق عن الصادقعليه‌السلام قال : من مخزون علم الله عزّوجلّ الإتمام في أربعة مواطن : حرم الله عزّوجلّ ، وحرم رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحرم أميرالمؤمنينعليه‌السلام وحرم الحسين بن عليعليهما‌السلام (٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ » أي يوم القيامة فتكون شهادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله على اُمّته ، وعلى أئمّة الدين ، وعلى الحجج من لدن آدم إلى آخر الدهر ، كما يشهد له الآيات الكريمة : «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ »(٣) .

وفي تفسير القمي ذيل هذه الآية : فرسول الله شهيد على الأئمة ، وهم شهداء على الناس(٤) .

وقوله تعالى : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »(٥) .

أخرجه القمي في تفسيره(٦) والكليني في الكافي(٧) والعياشي عن الباقرعليه‌السلام قال : نحن الاُمّة الوسط ، ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه وسمائه(٨) .

__________________

١ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٢٥٦ ، ح ١ ، باب نادر فيه ذكر الغيب.

٢ ـ الخصال : ص ٢٥٢ ، ح ١٢٣ ، باب من مخزون علم الله عزّوجلّ الإتمام في أربعة مواطن.

٣ ـ النحل : ٨٩.

٤ ـ تفسير القمي : ج ١ ، ص ٣٨٨.

٥ ـ البقرة : ١٤٣.

٦ ـ تفسير القمي : ج ١ ، ص ٣٨٨.

٧ ـ الكافي : ج ١ ، ص ١٩١ ، ح ٤.

٨ ـ تفسير العياشي : ج ١ ، ص ٦٢ ، ح ١١٠.


وأخرجه الحسكاني عن أميرالمومنينعليه‌السلام قال : إيّانا عني بقوله : «لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ »(١) فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شاهد علينا ، ونحن شهداء الله على خلقه ، وحجّته في أرضه ، ونحن الذين قال الله : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٢) (٣) .

وقوله تعالى : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا »(٤) .

قال الطبرسي في تفسير هذه الآية : إنّ الله يستشهد يوم القيامة كلّ نبيّ على اُمّته فيشهد لهم وعليهم ، ويستشهد نبيّنا على اُمّته(٥) .

وفي الكافي : قال : أبو عبداللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذيل هذه الآية إنّها نزلت في اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة في كلّ قرن منهم إمام منّا شاهد عليهم ، ومحمّد شاهد علينا(٦) .

وفي بصائر الدرجات عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام قال : إنّ الله طهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجّته في أرضه ، وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا(٧) .

فمعنى «كونهم شهيداً» : أنّ الأئمّةعليهم‌السلام يشهدون على الأنبياء بأنّ الله أرسلهم ، ويشهدون للأنبياء بأنّهم بلّغوا رسالات ربّهم ، ويشهدون لمن أجابهم وأطاعهم بإجابته وإطاعته ، وعلى من خالفهم وعصاهم بمخالفته وعصيانه ، ويشهدون على محمّد بأن الله أرسله مبشّراً ونذيراً ،

__________________

١ ـ البقرة : ١٤٣.

٢ ـ البقرة : ١٤٣.

٣ ـ شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ١١٩ ، ح ١٢٩.

٤ ـ النساء : ٤١.

٥ ـ مجمع البيان : ج ٣ ـ ٤ ، ص ٤٩.

٦ ـ الكافي : ج ١ ، ص ١٩٠ ، ح ١ ، باب في أنّ الأئمة شهداء الله عزّوجلّ على خلقه.

٧ ـ بصائر الدرجات : ص ١٠٣ ، ح ٦ ، باب ١٣. في أنّ الأئمةعليهم‌السلام أنّهم شهداء لله في خلقه.


ويشهدون له أنّه بلّغ ما أمر بتبليغه وعلى أمّته ولهم كذلك ، ويشهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليهم بما حملهم من أمر الخلافة ولهم بما أدّوا ما حمّلوا.

وفي تفسير النيسابوري : روي أنّ الأُمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياءعليهم‌السلام فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينّة عليه على أنّهم قد بلّغوا ، وهو أعلم للحجّة على الجاحدين وزيادة لخزيهم ، فيؤتى باُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فيشهدون. فيقول الأُمم : من أين عرفتم؟ فيقولون : عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيّه الصادق ، فيؤتى عند ذلك بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ويُسئل عن أُمّته فيزكّيهم ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله تعالى : «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »(١) ومن الحكمة في ذلك ، تمييز أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفضل عن ساير الأُمم حيث يبادرون إلى تصديق الله وتصديق الأنبياء والإيمان بهم جميعاً ، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق فلذلك تقبل شهادتهم على الأُمم ولا تقبل شهادة الأُمم عليهم(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَعِيثُكَ بِالْحَقِّ » أي مبعوثك وهو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الخلق حق لا إنكار فيه ، قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ » قال تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا »(٤) .

__________________

١ ـ البقرة : ١٤٣.

٢ ـ تفسير النيسابوري في هامش ، تفسير الطبري ج ٢ ، ص ١٢ وأنوار التنزيل : ج ١ ، ص ٨٧ ، مع اختلاف يسير في بعض العبارة.

٣ ـ المائدة : ٦٧.

٤ ـ سبأ : ٢٨.


قولهعليه‌السلام : «اللّٰهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحًا فِى ظِلِّكَ » أي اللهّم أوسع له من لطفك وجودك مكاناً متّسعاً في حظيرة القدس. قال تعالى : «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ »(١) .

قال الطبرسي في ذيل هذه الآية وفي الخبر إنّ في الجنّة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة سنة لا يقطعها ، إقرؤوا إن شئتم «وظلّ ممدود»(٢) .

وقال ايضاً : روي إن أوقات الجنّة كغدوات الصيف لا يكون فيه حرّ ولا برد(٣) .

وفي الكافي عن الباقرعليه‌السلام عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث يصف فيه أهل الجنّة ، قال : ويتنعّمون في جنّاتهم في ظلّ ممدود ، في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وأطيب من ذلك(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَاجْزِهِ مُضٰاعَفٰاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ » أي ضاعف له من الخير بفضلك وجودك قال الله : «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «اللّٰهُمَّ أَعْلِ عَلىٰ بِنٰاءِ الْبٰانِينَ بِنٰاءَهُ » أي اللّهم اجعل ما بناهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الشريعة والهداية في الدين أعلى ممّا بنوه سائر الأنبياء من الشرائع في الدين ، قال تعالى : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »(٦) .

__________________

١ ـ الواقعة : ٢٧ ـ ٣٠.

٢ ـ مجمع البيان : ج ٩ ـ ١٠ ، ص ٢١٨.

٣ ـ مجمع البيان : ج ٩ ـ ١٠ ، ص ٢١٨.

٤ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٩٩ ، حديث الجنان والنوق.

٥ ـ الكوثر : ١ ـ ٣.

٦ ـ الصف : ٩.


أخرجه الترمذي : عن اُبي بن كعب : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وجمّلها وترك منها موضع لبنة ، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه ، ويقولون : لوتمّ موضع تلك اللبنة ، وأنا في النبيين بموضع تلك اللبنة(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ» أي إجعل اللّهم منزلته عندك في أعلى عليين وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأوّلون والآخرون.

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر(٢) .

وفي خبر آخر : وبيدى لواء الحمد ولا فخرّ(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ » أي أكمل له نوره يوم القيامة بحيث يطفىء بذلك سائر الأنوار. وإليه الإشارة في قوله تعالى : «يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(٤) .

وقال إبن أبي الحديد : وقد روى أنّه تطفأ سائر الأنوار إلّا نور محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم يعطى المخلصون من أصحابه أنواراً يسيرة يبصرون بها مواطىء الأقدام ، فيدعون إلى الله تعالى بزيادة تلك الأنوار وإتمامها. ثم إنّ الله تعالى يتم نور محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فيستطيل حتّى يملأ اَلآفاق ، فذلك هو إتمام نورهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَاجْزِهِ مِنِ ابْتِعٰاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهٰادَةِ مَرْضِىَّ الْمَقٰالَةِ »

__________________

١ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٧ ، ح ٣٦١٣.

٢ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٨ ، ح ٣٦١٦.

٣ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٨ ، ح ٣٦١٥.

٤ ـ التحريم : ٨.

٥ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ١٤٢.


سألعليه‌السلام ربّه أن يجزي نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله من بعثته إيّاه الشهادة المقبولة عنده والشفاعة المقبولة لديه.

قولهعليه‌السلام : «ذا مَنْطِقٍ عَدْلٍ ، وَخُطَّةٍ فَصْلٍ » أي صاحب نطق عادل ومنهج فصل ، وعن الكاظمعليه‌السلام كان ليهودي دنانير على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فتقاضاه ، فقال له : ما عندي ما اعطيك. فقال : إنّي لا اُفارقك حتّى تقضيني. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذن أجلس معك. فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ، والغداة ، وكان أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يتهدّدونه ويتوّعدونه ، فنظر إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : ما الذي تصنعون به؟.

فقالوا : يهودي يحبسك. فقال : لم يبعثني ربّي بأن أظلم معاهداً ولا ٧ غيره. فلمّا علا النهار ، قال اليهودي : أشهد أن لا إلٰه إلّا الله ، وأنّك رسوله ، وشطر مالي في سبيل الله ، ما فعلت الذي فعلت إلّا لأنظر إلى نعتك في التوراة ، فإني قرأت فيها : محمّد بن عبدالله مولده بمكة ومهاجره بطيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا متزيّن بالفحش وقول الخنا(١) .

قولهعليه‌السلام : «اللّٰهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنٰا وَبَيْنَهُ » في الآخرة.

قولهعليه‌السلام : «فِى بَرْدِ الْعَيْشِ » الذي لا كلفة ولا تكليف فيه.

قولهعليه‌السلام : «وَقَرٰارِ النِّعْمَةِ » أي تكون النعمة باقية ومستمرّة من دون زوال.

قولهعليه‌السلام : «وَمُنَى الشَّهَوٰاتِ ، وَأَهْوٰاءِ اللَّذّاٰتِ » في الجنان العالية

__________________

١ ـ الاُمالى الشيخ الصدوق : ص ٣٧٦ ، ح ٦ ، المجلس ٧١.


وقال تعالى : «وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَرَخٰاءِ الدَّعَةِ » أي الراحة. قال تعالى : «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَمُنتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ » أي من دون التشويش واضطراب القلب.

قولهعليه‌السلام : «وَتُحَفِ الْكَرٰامَةِ » المعدّة لأهل اليقين من أولياء الله المقربين. ممّا لا عين رأت ولا اُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

* * *


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ

عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفٰاذِ أَمْرِهِ ،

وَإِنْهٰاءِ عُذْرِهِ ، وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِٰهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفٰاذِ أَمْرِهِ » كما قال تعالى : «يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَإِنْهٰاءِ عُذْرِهِ » أي بلاغ عذره ، ومن هنا يخاطب الكفار بقوله تعالى : «لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ » اُمر النبيّ بحمل الرسالة وتبليغ كلمة الله ، والدعوة إلى توحيده وعبادته ، وإصلاح البشريّة ، وإنقاذها من الظلم والكفر والفساد والخرافة ، بقوله تعالى : «قُمْ فَأَنذِرْ »(٤) . فانطلق مستجيباً لأمر الله ، يبشّر بالإسلام ، ويدعو إلى سبيل ربّه فكان أوّل من دعاه وطلب منه التصديق به زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنه وإبن عمّه علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

هكذا بدأت الدعوة إلى الإسلام بدايتها الاُولى عن خفية وخوف ، واستمرّت ثلاث سنوات إلى أن قال تعالى : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »(٥) . تتحدّث هذه الآية عن بدء المرحلة العلنيّة والأمر بالإنتقال إليها إنّها توضّح لنا جانباً من ظروف الدعوة إلى الإسلام والعقبات وأساليب المواجهة ، فهي تتحدّث عن تعهّد الله بنصرة نبيّه

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٠٧ ، الخطبة ٨٣.

٢ ـ الأعراف : ٧٩.

٣ ـ التوبة : ٦٦.

٤ ـ المدثر : ٢.

٥ ـ الحجر : ٩٤.


والدفاع عنه وتثبيته له. كما تكشف عن حبّ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لرسالته وتعلّقه بها ، وضيق صدره ممّا يخشاه عليها من مقاومة المشركين والمستهزئين به.

بيد أن هذا الإنذار كان يختص بالبداية إلى عشيرته الاُقربين قال تعالى : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(١) ، ثم إتّسع الإنذار وشمل جميع الناس وقال تعالى : «أَنذِرِ النَّاسَ »(٢) . وقال : «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ »(٣) . فكانت المفاجأة التاريخيّة الكبرى ، والعمل الإعلامي المذهل الذي ملأ نوادي قريش وأحاديث العرب وإجتماعاتها ، فلفّت الأنظار إلىٰ تلك الدعوة واستقطب الإهتمام والرأي العام باتّجاه هذه الإنطلاقة التوحيديّة الرائدة.

* * *

__________________

١ ـ الشعراء : ٢١٤.

٢ ـ إبراهيم : ٤٤.

٣ ـ الرعد : ٧.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمٰانًا ، حَتّىٰ أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيمٰا أَنْزَلَ مِنْ كِتٰابِهِ دِينَهُ الَّذِى رَضِىَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنْهىٰ إِلَيْكُمْ عَلىٰ لِسٰانِهِ مَحٰابَّهُ مِنَ الْأَعْمٰالِ وَمَكٰارِهَهُ ، وَنَوٰاهِيَهُ وَأَوامِرَهُ ، فَأَلْقىٰ إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ.

قولهعليه‌السلام : «وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمٰاناً » ولدصلى‌الله‌عليه‌وآله في عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل مكة بخمسين يوماً ، ومن مولده إلى يوم مبعثه أربعون سنة ، أي بعد بنيان الكعبة بخمس سنين ، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة بعد مبعثه ، وأخفى أمره ثلاث سنين ، وأنزل عليه بمكة من القرآن اثنين وثمانين سورة ، ونزل تمام بعضها بالمدينة ، وهاجر عشراً ، وقبض هو إبن ثلاث وستّين سنة.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيمٰا أَنْزَلَ مِنْ كِتٰابِهِ دِينَهُ الَّذِى رَضِىَ لِنَفْسِهِ » كقوله تعالى : «أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا »(٢) .

وفي المناقب لإبن شهراشوب : المجمع عليه : أنّ الثامن عشر من ذي الحجّة كان يوم غدير خم فأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله منادياً فنادىٰ الصّلاة جامعة وقال : من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا : الله ورسوله ، فقال : اللّهم اشهد ، ثم أخذ بيد عليعليه‌السلام فقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله.

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١١٧ ، الخطبة ٨٦.

٢ ـ المائدة : ٣.


ويؤكد ذلك أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام استشهد به يوم الدار حيث عدّد فضائله ، فقال : أفيكم من قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعليّ مولاه؟. فقالوا : لا ، فاعترفوا بذلك ، وهم جمهور الصحابة.

وقال حسان بن ثابت :

ينادينهم يوم الغدير نبيّهم

بخم واسمع بالنبيّ منادياً

يقول : فمن مولاكم ووليّكم؟

فقالوا : ولم يبدوا هناك التعاديا

إلٰهك مولانا وأنت ولينا

ولا تجدّن منّا لك اليوم عاصيا

فقال له : قم يا علي فإنّني

رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليّه

فكونوا له أنصار صدق موالياً

هناك دعا اللّهم وال وليّه

وكن للذي عادى عليّاً معاديا(١)

أخرجه السيد هاشم البحراني : عن كتاب المناقب الفاخرة للشريف الرضي بإسناده عن محمّد بن إسحاق ، عن أبي جعفر ، عن جدّهعليهم‌السلام قال : لمّا إنصرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع نزل أرضاً يقال لها : ضجنان ، فنزلت «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٣ ، ص ٢٧ ـ ٢٨.


رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ »(١) فلمّا نزلت «يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » نادى : الصّلاة جامعة فاجتمع الناس إليه ، فقال : من أولى منكم بأنفسكم؟ فضجّوا بأجمعهم : الله ورسوله. فأخذ بيد علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعادي من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، فإنّه منّي وأنا منه ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنه لانبي بعدي ، وكان آخر فريضة فرضها الله تعالى على أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم أنزل تعالى على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا »(٢) فقبلوا من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كل ما أمرهم من الفرائض في الصّلاة والزكاة والصوم والحج وصدّقوه على ذلك وفي ذيله لم يصدّقوا له في فريضة الولاية التي هي أعظم الفرائض ، وبها إكمال الدين(٣) .

وفي رواية عن الصّادقعليه‌السلام : نعطي حقوق الناس بشهادة شاهدين ، وما أعطي أمير المؤمنينعليه‌السلام حقّه بشهادة عشرة آلاف نفس يعني ـ يوم الغدير ـ والغدير في وادي الأراك على عشرة فراسخ من المدينة ، وعلى أربعة أميال من الجحفة ، عند شجرات خمس دوحات عظام ، وقد أنشد الكميّت عند الإمام الباقرعليه‌السلام :

ويوم الدوح دوح غدير خمّ

أبان له الولاية لوأطيعا

ولكن الرجال تبايعوها

فلم أرمثلها خطراً منيعا

ولم أر مثل هذا اليوم يوماً

ولم أر مثله حقّاً اُضيعا(٤)

__________________

١ ـ المائدة : ٦٧.

٢ ـ المائدة : ٣.

٣ ـ البرهان في تفسير القرآن : ج ١ ، ص ٤٣٦ ، ح ٨.

٤ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ٣ ، ص ٢٦.


وأخرجه الصفّار عن أبي أسامة : قال : كنت عند أبي عبداللهعليه‌السلام وعنده رجل من المغيريّة ، فسأل عن شيئ من السنن ، فقال : ما من شيئ يحتاج إليه ولد آدم إلّا وقد خرجت فيه السنّة من الله ومن رسوله ولو لا ذلك ما إحتجّ.

فقال المغيري : وبما احتجّ؟ فقال أبو عبداللهعليه‌السلام قوله تعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا »(١) فلو لم يكمل سننه وفرائضه وما يحتاج إليه الناس ما إحتجّ به(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَنْهىٰ إِلَيْكُمْ عَلىٰ لِسٰانِهِ » أي على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبلغ الاُمّة بما تحتاج من الشرائع والأحكام.

قولهعليه‌السلام : «مَحٰابَّهُ مِنَ الْأَعْمٰالِ » أي ما يحبّه من الأعمال الحسنة.

قولهعليه‌السلام : «وَمَكٰارِهَهُ » جمع مكروه ، أي ما يكرهه منها

قولهعليه‌السلام : «وَنَوٰاهِيَهُ » أي وزواجره.

قولهعليه‌السلام : «وَأَوامِرَهُ » أي وواجباته. روى الشيخ المفيد قدس سره أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج في مرض وفاته معصوب الرأس معتمداً على أمير المؤمنينعليه‌السلام بيمنى يديه ، وعلى الفضل بن العباس باليد الاُخرى حتّى صعد المنبر ، فجلس عليه.

ثم قال : معاشر الناس قد حان منّي خفوق من بين أظهركم إلى أن قال : ليس بين الله وبين أحد شيئ يعطيه به خيراً ، أو يصرف عنه به شرّاً إلّا العمل. أيها الناس لا يدّع مدّع ولا يتمنّ متمنّ ، والذي

__________________

١ ـ المائدة : ٣.

٢ ـ بصائر الدرجات : ص ٥٣٧ ـ ٥٣٨ ، ح ٥١ ، باب ١٨ : النوادر في الأئمةعليهم‌السلام واُعاجيبهم.


بعثنى بالحقّ نبيّاً لا ينجى إلّا عمل مع رحمة ، ولو عصيت لهويت ، اللّهم هل بلغت(١) ؟ الحديث.

قولهعليه‌السلام : «فَأَلْقىٰ إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ » فلايمكنكم إلاعتذار مع المخالفة بالجهالة.

قولهعليه‌السلام : «وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ » لقوله تعالى : «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » اقتباس من قوله تعالى : «قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ »(٣) ليكون الوعيد قبل حلول العقاب ، ويشهد له قوله تعالى : «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا »(٤) فبعث الله تعالى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالكتاب المبين لكيلا «تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ » اقتباس من قوله تعالى : «إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »(٦) فالإنذار دائماً يكون قبل نزول العذاب لقبح العقاب من دون البيان قال تعالى : «يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ »(٧) .

* * *

__________________

١ ـ الارشاد : ٩٧.

٢ ـ الأنعام : ١٤٩.

٣ ـ ق : ٢٨.

٤ ـ الإسراء : ١٥.

٥ ـ الأعراف : ١٧٢.

٦ ـ سبأ : ٤٦.

٧ ـ يس : ١ ـ ٦.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ، وَاعْتِزٰامٍ مِنَ الْفِتَنِ ، وَانْتِشٰارٍ مِنَ الْأُمُورِ ، وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » الفترة : أي ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان الذي إنقطعت فيه الرسالة ومنه «فترة ما بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسلام» هكذا ذكره إبن الأثير(٢) .

وفي شرح إبن أبي الحديد : الفترة بين الرسل : إنقطاع الرسالة والوحي ، وكذلك كان إرسال محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ بين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين عهد المسيحعليه‌السلام عهداً طويلاً أكثر الناس على أنّه ستماءة سنة ولم يرسل في تلك المدّة رسول(٣) .

ففي هذه الفترة الخالية من الرسول انحرفت الاُمّة عن مسيرها الديني والأخلاقي الموجب لنشر الظلم والعدوان والقتل والطرد فحينئذٍ تحتاج الاُمّة إلى قوانين جديدة حكيمة لنظم أمورهم الموجب لبعثة رسول لهم.

فبعثة نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله تكون أكبر نعمة للبشريّة الّتي تنفي عنهم ما كانوا عليه سابقاً من الظلم والعدوان وأنّه موجب لهدايتهم وإرشادهم وتعليمهم و كما دل عليه قوله تعالى : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٢١ ـ ١٢٢ ، الخطبة ٨٩.

٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٤٠٨ ، مادة «فتر».

٣ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٣٨٨.


مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ » الهجعة : النوم ليلاً كذا ذكره الجوهري(٢) .

والاُمم : جمع اُمّة وهي الجماعة ، وأصلها القصد من أمّه يأمّه أمّاً : إذا قصده ، كأنّهم قصدوا أمراً واحداً وجهة واحدة ، وتأتي لمعانٍ.

منها : الجماعة مطلقاً.

ومنها : جماعة اُرسل إليهم رسول.

ومنها : يقال لكلّ جيل من الناس والحيوان : اُمّة ، ومنه الحديث : لولا أن الكلاب اُمّة تسبّح لأمرت بقتلها(٣) .

ومنها : إنّ إبراهيمعليه‌السلام كان اُمّة واحدة كما في قوله تعالى : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً»(٤) .

ومنها : بمعنى حين كما في قوله تعالى : «وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ»(٥) .

هذا وأن اُمّة النبيّ تكون نوعان :

النوع الأوّل : اُمّة الإجابة : وهم الذين أجابوا دعوته ، وصدّقوا نبوّته ، وآمنوا بما جاء به ، وهؤلاء هم الذين جاء مدحهم بالكتاب والسنّة : كقوله تعالى : «جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٦) وكقوله تعالى : «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ »(٧) .

__________________

١ ـ الجمعة : ٢.

٢ ـ الصحاح : ج ٣ ، ص ١٣٠٥ ، مادة «هجع».

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٦٨.

٤ ـ النحل : ١٢٠.

٥ ـ يوسف : ٤٥.

٦ ـ البقرة : ١٤٣.

٧ ـ آل عمران : ١١٠.


وكقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي»(١) .

وفي حديث آخر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن اُمّتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين»(٢) .

النوع الثاني : اُمّة الدعوة : وهم الذين بعث اليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من مسلم وكافر ، ومنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الاُمّة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي اُرسلت به إلّا كان من أصحاب النار(٣) .

فهؤلاء هم الذين بعث الله إليهم النبيّ في زمان الفترة التي كانوا يعيشون في ظلمة الجهل والضلال غافلين عن أمر المعاد ، وكان الفقر والمرض تسيطران عليهم بحيث دعت بعضم إلى قتل أولادهم والتخلّص منهم خشية إملاق وخوفاً من الإرتزاق عليهم.

قولهعليه‌السلام : «وَاعْتِزٰامٍ مِنَ الْفِتَنِ » قال : إبن أبي الحديد : كأنّهعليه‌السلام جعل الفتن معتزمة ، أي : مريدة مصمّمة للشغب والهرج. ويروى «واعتراض» كما يروى «واعترام» بالراء المهملة من العرام ، وهي : الشدة(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَانْتِشٰارٍ مِنَ الْأُمُورِ» أي أنّ اُمور الخلق متشتّة ومتفرّقة غير منتظمة ليس لهم قانون عدلي يحكم بينهم بالمساواة فحياتهم هرج ومرج.

قولهعليه‌السلام : «وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ» التلظّي : الإلتهاب والإشتعال شبّهعليه‌السلام الحرب : بالنار في الإحتراق والهلاك وأسند إليها التلظّي على

__________________

١ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ٢٣٦.

٢ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٤٠٠.

٣ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ١٣٤ ، ح ٢٤٠.

٤ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٣٨٨.


سبيل الإستعارة وكنّى به عن هيجانها وتؤامراتها في ايّام الجاهليّة فإنّها كانت كثيرة جدّاً انظر العقد الفريد ،(١) والكامل لإبن الأثير(٢) .

* * *

__________________

١ ـ العقد الفريد : ج ٦ ، ص ٤.

٢ ـ الكامل في التاريخ : ج ١ ، ص ٥٠٢.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

حَتّىٰ تَمَّتْ بِنَبِيِّنٰا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ حُجَّتُهُ ، وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَنُذُرُهُ.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ تَمَّتْ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ حُجَّتُهُ » أي أكمل به دينه ، وختم به أنبيائه ورسله. قال الله تعالى : «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٢) . وعن أبي هريرة أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : اُرسلت إلى النّاس كافّة وبي ختم النبيّون(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَنُذُرُهُ » المقطع بالكسر : ما يقطع به الشيئ ، قاله الجوهري(٤) أي لم يزل يبعث الأنبياء واحداً بعد واحد ، حتّى بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فتمّت به حجّته على الخلق أجمعين قال الله تعالى : «رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا »(٥) .

* * *

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٣٣ ـ ١٣٤ ، الخطبة ٩١.

٢ ـ الأحزاب : ٤٠.

٣ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٥٠ ، والسنن الكبرى : ج ٢ ، ص ٤٣٣ ـ ٤٣٤.

٤ ـ الصحاح : ج ٣ ، ص ١٢٦٧ ، مادة «قطع».

٥ ـ النساء : ١٦٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

حَتّىٰ أَفْضَتْ كَرٰامَةُ اللهِ سُبْحٰانَهُ إِلىٰ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلٰهِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعٰادِنِ مَنْبِتًا ، وَأَعَزِّ الْأُرُومٰاتِ مَغْرِسًا. مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِى صَدَعَ مِنْهٰا أَنْبِيٰاءَهُ ، وَانْتَجَبَ مِنْهٰا أُمَنٰاءَهُ. عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ. نَبَتَتْ فِى حَرَمٍ ، وَبَسَقَتْ فِى كَرَمٍ ، لَهٰا فُرُوعٌ طِوالٌ ، وَثَمَرَةٌ لٰا تُنالُ. فَهُوَ إِمٰامُ مَنِ اتَّقىٰ ، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدىٰ ، سِرٰاجٌ لَمَعَ ضَوْءُهُ ، وَشِهٰابٌ سَطَعَ نُورُهُ ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ؛ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ ، وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ ، وَكَلٰامُهُ الْفَصْلُ ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ. أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ ، وَغَبٰاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ أَفْضَتْ كَرٰامَةُ اللهِ سُبْحٰانَهُ إِلىٰ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلٰهِ » الإفضاء إلى الشيئ : الوصول والإنتهاء إليه ، فانتهت سلسلة النبوة والرسالة إلى وجوده الشريفصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأشرقت الأرض بنور جماله ، وأضاءت الدنيا بأشعّة كماله :

بلغ العلى بكماله

كشف الدجى بجماله

حسنت جميع خصاله

صلّوا عليه وآله

قولهعليه‌السلام : «فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعٰادِنِ مَنْبِتًا » أي من نسل إبراهيم الخليلعليه‌السلام لأنّه محل لجوهر الرسالة ، وأصل لشجرة النبوّة ، فحقيق بأن يكون أفضل المعادن ، وأعزّ الأصول.

روى مسلم عن واثلة بن الأسقع. يقول سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ الله اصطفىٰ كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٣٩ ، الخطبة ٩٤.


من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم(١) .

ويحتمل أن يكون المراد بذلك مكّة المكرمة لِما كانت ولادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها ويشعر به قولهعليه‌السلام في هذه الخطبة : نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ.

وروى الطبرسي في الإحتجاج عن الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام في حديث عن آبائهعليهم‌السلام ، عن الحسين بن عليعليهما‌السلام قال : إنّ يهوديّاً من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة والإنجيل ، والزبور ، وصحف الأنبياءعليهم‌السلام وعرف دلائلهم ، جاء إلى مجلس فيه أصحاب ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفيهم علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وإبن عبّاس ، وإبن مسعود ، وأبوسعيد الجهني فقال : يا اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ما تركتم لنبي درجة ، ولا لمرسل فضيلة ، إلّا نحلتموها لنبيّكم ، فهل تجيبوني عمّا أسألكم عنه؟ فكاع(٢) القوم عنه ، فقال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : نعم ، ما أعطى الله عزّوجلّ نبيّاً درجة ، ولا مرسلاً فضيلة ، إلّا وقد جمعها لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وزاد محمّداً على الأنبياء أضعافاً مضاعفةً الحديث(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَعَزِّ الْأُرُومٰاتِ مَغْرِسًا » الأرومات : جمع أرومة بمعنى الأصل ، و «مغرساً» من حيث النسل أي النسل السامي.

قولهعليه‌السلام : «مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهٰا أَنْبِيٰاءَهُ » الصدع : بمعني الشق ، والمراد : إن الله إشتق من شجرة إبراهيم رسل وأنبياء الذين جاؤوا من بعده.

__________________

١ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ١٧٨٢ ، كتاب الفضائل : باب ١ فضل نسب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ح ٢٢٧٦ ، ومسند أبي يعلى الموصلي : ج ١٣ ، ص ٤٦٩ ـ ٤٧٠ ، ح ٣ / ٧٤٨٥.

٢ ـ فكاع : أي جبن وهاب.

٣ ـ الإحتجاج : ج ١ ، ص ٤٩٧ ـ ٤٩٨ ، ح ١٢٧.


قولهعليه‌السلام : «وَانْتَجَبَ مِنْهٰا أُمَنٰاءَهُ » أي إختار من الأنبياء من هم أمناء على وحيه.

قولهعليه‌السلام : «عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ » عترة الرجل : نسله ورهطه الأدنون(١) فهم الذين أوصى فيهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد روى أبو سعيد الخدري عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : إنّي أوشك أن أدعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزّوجلّ وعترتي ، كتاب الله حبل ممدودً بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وأن اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا بماذا تخلّفوني فيهما(٢) .

وروى الشيخ الصدوق بإسناده عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كهاتين ـ وضم بين سبّابتيه ـ فقام إليه جابر بن عبدالله الأنصاري وقال : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عترتك؟ قال : علي ، والحسن ، والحسين ، والأئمة من ولد الحسين إلى يوم القيامة(٣) .

وقال الشيخ الصدوق : العترة : علي بن أبي طالبعليه‌السلام وذريّته من

__________________

١ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٧٣٥ ، مادة «عتر».

٢ ـ هذا الحديث المعروف بحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة أخرجه الشيخ الصدوق قدس سره بخمس طرق في إكمال الدين : ص ٢٣٥ ـ ٢٤٠ ، ح ٤٦ ، ٤٨ ، ٥٠ ، ٥٧ ، وأخرجه الشيخ الطوسي في أماليه : ص ٢٥٥ ، ح ٤٦٠ / ٥٢ ، المجلس التاسع ، وأخرجه أحمد بأربع طرق في مسنده : ج ٣ ، ص ١٤ ، ١٧ ، والثعلبي في تفسيره عنه ، ينابيع المودة : ص ٣٢ ، والطبراني في معجمه عنه الدر المنثور : ج ٢ ، ص ٦٠ ، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري ، وفي الباب عن علي وفاطمة والحسن وإبن عبّاس وزيد بن الأرقم وثلاثة عشر من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : ص ٢٤٤ ، ٢٤٥.


فاطمة وسلالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهم الذين نص الله بالإمامة على لسان نبيّه وهم اثنا عشر أوّلهم عليعليه‌السلام وآخرهم المهديعليهم‌السلام على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة : وذلك أنّ الأئمّةعليهم‌السلام من بين. جميع بني هاشم. ومن بين جميع ولد أبي طالب كقطاع المسك الكبار في النافجة ، وعلومهم العذبة عند أهل الحكمة والعقل. وهم الشجرة التي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصلها ، وأمير المؤمنينعليه‌السلام فرعها ، والأئمة من ولده أغصانها ، وشيعتهم ورقها ، وعلومهم ثمرها ، وهمعليهم‌السلام أصول الإسلام على معنى البلدة والبيضة. وهم الهداة على معنى الصخرة العظيمة الّتي يتّخذ الضبّ عندها حجراً فيأوي إليه لقلّة هدايته ، وهم أصل الشجرة المقطوعة لأنهم وتّروا وظلموا وجفوا وقطعوا ولم يواصلوا فنبتوا من اُصولهم وعروقهم ، ولا يضرّهم قطع من قطعهم ، ولا إدبار من أدبر عنهم ، إذ كانوا من قبل الله منصوصاً عليهم على لسان نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ » «الاُسرة» بالضمّ ـ كغرفة ـ : ومن ضبطه ـ بالفتح ـ فقد وَهَم ، وهُم رهط الرجل الأدنون ، وأصلها من الأسر وهو الشدّ ، لأنّ الرجل يشتدّ برهطه وعشيرته ويقوى بهم ، والمراد رهطهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعشيرته ، وهم بنو هاشم ، ونعم ما قيل :

لله في عالمه صفوة

وصفوة الخلق بنو هاشم

وصفوة الصفوة من هاشم

محمّد الطهر أبوالقاسم

وممّا يدلّ على ذلك ما أخرجه البيهقي عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله عزّوجلّ ، اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل ،


واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم(١) .

وهكذا أخرجه الترمذي في سننه عن أبي عمّار أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ الله تعالى ، اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم(٢) .

وأيضاً أخرجه الحاكم في حديث : إنّ الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم ، واختار من بني آدم العرب ، واختار من العرب مضر ، واختار من مضر قريشاً ، واختار من قريش بني هاشم ، واختارني من بني هاشم ، فأنا من بني هاشم من خيار إلى خيار ، فمن أحبّ العرب فبحّبي أحبّهم ، ومن أبغض العرب ، فببغضي أبغضهم(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ » أي أصله خير الاُصول ، وأرادبها إمّا هاشماً أو إسماعيل.

وفي الحديث عن أبي جعفرعليه‌السلام سئل عن قول الله عزّوجلّ : «كَشَجَرَةٍ

__________________

١ ـ دلائل النبوة : ج ١ ، ص ١٦٥ ، وأخرجه مسلم في صحيحه : ج ٤ ، ص ١٧٨٢ ، كتاب الفضائل : باب فضل نسب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ح ٢٢٧٦ ، والترمذي في سننه ، في اول كتاب المناقب : ج ٥ ، ص ٥٤٤ ، ح ٣٦٠٥ ، وحنبل في مسنده : ج ٤ ، ص ١٠٧ ، وجاء في مسند أبي يعلى الموصلي : ج ١٣ ، ص ٤٧٢ ، ح ٥ / ٧٤٨٧.

٢ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٤ ، ح ٣٦٠٦ ، وأخرجه البيهقى في دلائل النبوّة : ج ١ ، ص ١٦٦ ، وجاء في مسند أبي يعلى الموصلي : ج ١٣ ، ص ٤٦٩ ـ ٤٧٠ ، ح ٣ / ٧٤٨٥.

٣ ـ المستدرك على الصحيحين : ج ٤ ، ص ٧٣ ، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة : ج ١ ، ص ١٧١ ـ ١٧٢ ، ونقله إبن كثير في البداية والنهاية : ج ٢ ، ص ٢٥٧.


طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا »(١) ، قالعليه‌السلام : أمّا الشجرة : فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفرعها : عليعليه‌السلام ، وغصن الشجرة : فاطمة بنت رسول الله سلام الله عليها ، وثمرها : أولادهاعليهم‌السلام ، وورقها : شيعتنا. الحديث(٢) .

قولهعليه‌السلام : «نَبَتَتْ فِى حَرَمٍ » أي منبته في عزّو كرامة.

قولهعليه‌السلام : «وَبَسَقَتْ فِى كَرَمٍ » وبسقت : أي علت وارتفعت في العزّ والشرف والكرامة.

قولهعليه‌السلام : «لَهٰا فُرُوعٌ طِوالٌ » أي أهلهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وذرّيته الطيّبين ، ووصفها بالطوال إشارة إلى بلوغها في الشرف والكمال وقد قال الله تعالى : «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَثَمَرَةٌ لٰا تُنالُ » أراد بثمرها : نفسهعليه‌السلام ومن يجرى مجراء من أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنّهم ثمرة تلك الشجرة ، وكنّى بها عن علوّ مكارم أخلاق نفسه والأئمة من ذريّته ، بيد أنّه لا يمكن النيل منها لعلو شر فهاكما لا يمكن الوصول إليها لغموض أسرارها ودقتها ، فلا تصل الأذهان إليها.

وقال إبن أبي الحديد لاينال مساعيهم ومآثرهم ولا يباريهم أحد ، وقد روي في الحديث في فضائلهم : نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة ، وقوله لبني هاشم : والله لا يبغضكم أحد إلّا أكبّه الله على منخريه في النّار.

وقولهعليه‌السلام : «سادة أهل محشر » أي سادة أهل الدنيا وهم : أنا ، وعلي ، وحسن ، وحسين ، وحمزة ، وجعفر وقوله : «ما بال رجال يزعمون أن

__________________

١ ـ إبراهيم : ٢٤ ـ ٢٥.

٢ ـ معاني الأخبار : ص ٤٠٠ ، ح ٦١.

٣ ـ الكوثر : ١ ـ ٣.


قرابتي غير نافعة» ، بلى إنّها لنافعة وأنّه لا يبغض أحد أهلي إلّا حرّمه الله الجنّة(١) .

قولهعليه‌السلام : «فَهُوَ إِمٰامُ مَنِ اتَّقٰى ، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدىٰ » يعني أنّه صلوات الله عليه وآله قدوة للمتقين ، وتبصرة للمهتدين ، وأسوة حسنة لهم.

قولهعليه‌السلام : «سِرٰاجُ لَمَعَ ضَوْءُهُ ، وَشِهٰابٌ سَطَعَ نُورُهُ ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ » شبّههعليه‌السلام بالسراج والشهاب والزند في كونه سبب هداية الخلق ، ضرورة أنّه بعد لمعان ضوء السراج لم يبق معه الظلمة ، وبعد إرتفاع نور الشهاب تضيىء كلّ الجوانب ، وبعد بروق الزند تحصل الإستنارة منه. والزند كما جاء في الصحاح : العود الذي يقدح به النّار وهو الأعلى ، والزندة : السفلى فيها ثقب ، وهي الأُنثى ، فإذا اجتمعا قيل زندان(٢) فلا مجال حينئذٍ لبقاء الأُمّة في الضلال وعدم هدايتهم.

قولهعليه‌السلام : «سِيرَتُهُ الْقَصْدُ » القصد أي الإعتدال ليس بإفراط ولا تفريط.

وفي الخبر كانت صلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قصداً وخطبته قصداً(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ » أي الصواب ، ويشهد له ما أخرجه أبو داود في سننه ، عن عبدالله بن أبي الحمساء قال : بايعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ببيع قبل

__________________

١ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٧ ، ص ٦٣ ـ ٦٤.

٢ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٤٧٨ ، مادة «زند».

٣ ـ أخرجه مسلم بطريقين في صحيحه : ج ٢ ، ص ٥٩١ ، ح ٤١ ، و ٤٢ ، والترمذي في سننه : ج ٢ ، ص ٣٨١ ، ح ٥٠٧ ، والنسائي في سننه : ج ٣ ، ص ١٩١ ، وإبن ماجة في سننه : ج ١ ، ص ٣٥١ ، ح ١١٠٦. وغيره.


أن يبعث وبقيت له بقيّة ، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ، فنسيت ، ثم ذكرت بعد ثلاث. فجئت فإذا هو في مكانه. فقال : يا فتى! لقد شققت عليّ ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك(١) .

وفي الخبر إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزء لله ، وجزء لأهله ، وجزء لنفسه ، ثم جزأ جزءهَ بينه ، وبين النّاس فيسرد ذلك بالخاصّة على العامّة ولا يدّخر عنهم منه شيئاً(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَكَلٰامُهُ الْفَصْلُ » الفارق بين الحق والباطل ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : اُوتيت جوامع الكلم(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ » وفي الخبر أعطى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يهود خيبر أرضها ونخلها بالمناصفة ، فلمّا أدركت الثمرة بعث عبدالله بن رواحة ، فقوّم عليهم ، وخرص ، فقال لهم : إما أن تأخذوه وتعطوني نصف التمر وإمّا آخذه وأعطيكم نصف التمر ، فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض(٤) .

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ عَلٰى حِينِ فَتْرَةٍْ » أي على حين إنقطاع الرسل ، إذ بالضرورة أنّ الرسل إلى زمان رفع عيسىعليه‌السلام إلى السماء كانت كثيرة ، وبعد رفع عيسى إنقطع الوحى والرسالة إلى زمان نبيَّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله والفاصل من الزمان كان خمسماءة سنة حسب بعض روايات الشيعة وستماءة سنة كما جاء في صحيح البخاري

__________________

١ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ٢٩٩ ، ح ٤٩٩٦.

٢ ـ معاني الأخبار : ص ٨١ ، باب معاني ألفاظ وردت في صفة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٣٢٥.

٣ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ٣٧٢ ، ٥٢٣ / ٧ و ٨.

٤ ـ مسند إبن حنبل : ج ٢ ، ص ٢٤.


وقال إبن الأثير : الفترة : هو ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان الذي إنقطعت فيه الرسالة ، ومنه «فترة ما بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ » الهفوة : أي الزلّة ، فكانت أعمالهم غير صالحة ، أو لم تكن لهم أعمال فلم يؤدّوا واجباتهم.

قولهعليه‌السلام : «وَغَبٰاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ » الغباوة : الجهل ، وقلّة الفطنة ، وفلان غبّي : أي قليل الفطنة ، فالأُمّة آن ذاك كانت غبيّة جدّاً في مجالات عديدة : السياسيّة ، والإقتصاديّة والإجتماعيّة ، وغيرها.

* * *

__________________

١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٤٠٨ ، مادة «فتر».


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

بَعَثَهُ وَالنّٰاسُ ضُلّٰالٌ فِى حَيْرَةٍ ، وَحٰاطِبُونَ فِى فِتْنَةٍ. قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوٰاءُ ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيٰاءُ ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجٰاهِلِيَّةُ الْجَهْلٰاءُ. حَيٰارىٰ فِى زِلْزٰالٍ مِنَ الْأَمْرِ ، وَبَلٰاءٍ مِنَ الْجَهْلِ. فَبٰالَغَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ في النَّصِيحَةِ ، وَمَضىٰ عَلَى الطَّرِيقَةِ ، وَدَعٰا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

قولهعليه‌السلام : «بَعَثَهُ وَالنّٰاسُ ضُلّٰالٌ فِى حَيْرَةٍ » لقد كان الفقر والبؤس والجهل أشباحاً مرعبة تسيطر على قبائل العرب المتناثرة في جزيرتها الموحشة الجرداء ، ففي ظلمات ذلك العصر الجاهلي المتخلّف بزغت أنوار الإسلام وشعّ ضياء بعثة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي دعا الاُمّة إلى التوحيد وخلع الأنداد وما كانوا يعبدون من الأصنام والأوثان.

قولهعليه‌السلام : «وَحٰاطِبُونَ فِى فِتْنَةٍ » حاطبون : جمع حاطب ، وهو الذي يجمع الحطب ، ويقال لمن يجمع بين الصواب والخطأ ، أويتكلّم بالغثّ والسمين : حاطب ليل ، لأنه لا يبصر ما يجمع في حبله ، فهو إستعارة. والمراد أنّهم جامعون في ضلالهم وفتنهم بين الغث والسمين وبين الحق والباطل ، وفي نسخه «خابطون» أي كانت أعمالهم مخبوطة بين حقّ والباطل.

قولهعليه‌السلام : «قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوٰاءُ » أي جذبتهم الأهواء الفاسدة ، والآراء الباطلة إلى الهلاك والفناء.

قولهعليه‌السلام : «وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيٰاءُ » أي أَدّت التكبّر والتجبّر إلى الزلل والهبوط في المضار كما حصلت لابليس حيث قال : «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٤٠ ، الخطبة ٩٥.


خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ »(١) وقال : «لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجٰاهِلِيَّةُ الْجَهْلٰاءُ » أي جعلتهم ذوي خفّة وطيش و «الجهلاء» : وصف مبالغة للجهل ، وتأكيد للأوّل كما يقال : ليل أليل.

قولهعليه‌السلام : «حَيٰارىٰ فِى زِلْزٰالٍ مِنَ الْأَمْرِ » الزلزال ـ بالفتح ـ الإسم ، وبالكسر : المصدر ، والزلازل : الشدائد ، أي متحيّرين في الشدائد تائهين مغمورين في إضطراب من الأمر ، أي لا يهتدون إلى وجوه الخير والصلاح ، والمراد من الأمر هنا : دينه وشريعته كما فسّر به قوله تعالى : «وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَلٰاءٍ مِنَ الْجَهْلِ » لأنّ الجهل بلاء ليس فوقه بليّة لأنّهم كانوا في الجاهليّة يأكلون الميتة ، ويأتون الفواحش ، ويقطعون الأرحام ، ويقتلون أولادهم خشية اِملاق وفقر ، وقد صوّرت إحدى آيات القرآن الكريم هذه الصورة المأساويّة المروّعة بنصّها : «وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «فَبٰالَغَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فِى النَّصِيحَةِ » النصح بالضم مصدر نصح له من باب ـ منع ـ : هذه اللغة الفصيحة وعليها قوله تعالى : «إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ »(٥) وفي لغة يتعدّى بنفسه ، فيقال : نصحته ، والإسم : النصحية ، وهي كلمة جامعة ، ومعناها : حياز الخير للمنصوح له ،

__________________

١ ـ الأعراف : ١٢.

٢ ـ الحجر : ٣٣.

٣ ـ التوبة : ٤٨.

٤ ـ الإسراء : ٣١.

٥ ـ هود : ٣٤.


من نصحت العسل : إذا صفّيته من الشمع ، شبّهوا تخليص العقول من الغش بتخليص العسل من الشمع ، والمراد من «بالغ في النصيحة» أي بالغ في إرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم ، وتعليمهم ايّاها ، وعرضهم عليها ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، والذبّ عنهم وعن أعراضهم.

وبالجملة جلب خير الدنيا والآخرة إليهم.

قولهعليه‌السلام : «وَمَضىٰ عَلَى الطَّرِيقَةِ » أي الطريق المستقيم من غير إنحراف ، قال تعالى : «قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَدَعٰا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » قال الطبرسي : أي دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اُمّته إلى دين الحق وإلى مرضاة الله ، و «الحكمة» أي بالقرآن ، وسمّى القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالحسن والنهي عن القبيح ، وأصل الحكمة المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد «وبالموعظة الحسنة» أي الوعظ الحسن وهو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله ، وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع(٢) .

* * *

__________________

١ ـ يوسف : ١٠٨.

٢ ـ مجمع البيان : ج ٥ ـ ٦ ، ص ٣٩٢.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ ، فِى مَعٰادِنِ الْكَرٰامَةِ ، وَمَمٰاهِدِ السَّلٰامَةِ ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرٰارِ ، وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصٰارِ. دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغٰائِنَ ، وَأَطْفَأَ بِهِ الثَّوٰائِرَ. أَلَّفَ بِهِ إِخْوٰنًا ، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرٰانًا ، أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ. كَلٰامُهُ بَيٰانٌ ، وَصَمْتُهُ لِسٰانٌ.

قولهعليه‌السلام : «مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ » الظاهر أنّ المراد من المستقر والمنبت : الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة.

أو أن يكون المراد من الأوّل : المدينة المنورّة ، وقد سماّها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الطيّبة كما جاء في الخبر ، وأنّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خبث الفضّة(٢) .

ومن الثاني مكة المكّرمة لكونها أمّ القرى ، ومقصد خلق الله ، ومحل كعبته ، وقد قال الله تعالى : «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «فِى مَعٰادِنِ الْكَرٰامَةِ » وهي جمع معدن ، والمراد منه أي الرّسالة ، أو ما هو أعمّ منها ومن غيرها.

قولهعليه‌السلام : «وَمَمٰاهِدِ السَّلٰامَةِ » والمماهد ، جمع ممهد كمقعد اسم مكان : ما يُمْهد ، أي يبسط فيه الفراش ونحوه المتّصفة بالخلوّ من الأدناس والأرجاس والبراءة من العيوب الظاهرة والباطنة.

قال إبن ميثم البحراني : وهي كناية من مكّة والمدينة وما حولها ، فإنّها

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٤١ ، الخطبة ٩٦.

٢ ـ صحيح مسلم : ج ٢ ، ص ١٠٠٦ ، ح ٤٩٠.

٣ ـ آل عمران : ٩٦ ـ ٩٧.


محلّ لعبادة الله والخلوة به التي هي مهاد السلامة من عذابه ، وإنّما كانت كذلك لكونها دار القشف خالية عن المشتهيّات والقينات الدنيويّة.

ويحتمل أن يريد بمماهد السلامة : ما تقلّب فيه ، ونشأ عليه من مكارم الأخلاق الممهّدة للسلامة من سخط الله(١) .

قولهعليه‌السلام : «قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرٰارِ » أي صرف الله سبحانه أفئدتهم إليه من باب التوفيق واللطف والعناية بهم ، فصاروا مصدّقيه ، وملازميه ، ومن هنا وَفَدَ الأسود بن ربيعة علىٰ النبيّ وقال : جئت لأقترب إلى الله تعالى بصحبتك ، فسماّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المقترب.

وقال أبو طالب فيه :

وإنّ عليه في العباد محبّةً

ولا حيف في من خصّه الله بالحبّ

وقال أيضاً

لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد

وأحببته حبّ الحبيب المواصل

وجدت بنفسي دونه فحميته

ودافعت عنه بالذري والكو اهل

فإذا تأملت قليلاً في أشعار أبي طالب في مدائح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وجدت أن ذلك الشيخ المبجّل كيف يصف إبن أخيه ، وهو شابّ مستجير به ، معتصم بظلّه من قريش ، قد ربّاه في حجره غلاماً ، وعلى عاتقه طفلاً ، وبين يديه شاباً ، يأكل من زاده ويأوي إلى داره ، فهو مذعن بأمره ونبوّته ، وإنّ له مكاناً جليلاً ، وأمراً عظيماً ، ومنزلة رفيعة.

__________________

١ ـ شرح نهج البلاغة لإبن ميثم : ج ٢ ، ص ٤٠١.


قولهعليه‌السلام : «وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصٰارِ » ثنيت أي : رفعت ، والأزمّة : كالأئمّة ، جمع زمام ، أي الشدّة ، والمراد عطفت إليه شدّة البصائر والقلوب إليه ، وهذا كناية عن إلتفات الأمة إليه وتلقّيهم له بقلوبهم ومحبّة الأبرار لهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإجابة لدعوة إبراهيم الخليلعليه‌السلام حيث قال : «رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ »(١) أي أسكنت بعض ولدي وهو إسماعيل ومن ولد منه.

وفي مجمع البيان : روي عن الباقرعليه‌السلام أنّه قال : نحن بقيّة تلك العترة ، وقال : كانت دعوة إبراهيمعليه‌السلام لنا خاصّة(٢) .

وروى العيّاشي في تفسيرة عن الباقرعليه‌السلام قال : نحن هم ، ونحن بقيّة تلك الذريّة(٣) .

وفي تفسير العيّاشي(٤) والقمّي : عن الباقرعليه‌السلام نحن والله بقيّة تلك العترة(٥) .

وفي الإحتجاج : عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : والأفئدة من الناس تهوي إلينا ، وذلك دعوة إبراهيمعليه‌السلام حيث قال : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا(٦) .

وجاء في بصائر الدرجات : عن الصّادقعليه‌السلام في حديث : فاجعل

__________________

١ ـ إبراهيم : ٣٧.

٢ ـ مجمع البيان : ج ٥ ـ ٦ ، ص ٣١٨ ، س ٢٦.

٣ ـ تفسير العيّاشي : ج ٢ ، ص ٢٣١ ، ح ٣٥.

٤ ـ تفسير القمي : ج ١ ، ص ٣٧١ ، س ٢٠.

٥ ـ تفسير العيّاشي : ج ٢ ، ص ٣٢ ، ح ٣٦.

٦ ـ الإحتجاج : ج ١ ، ص ٢٣٥ ، إحتجاجهعليه‌السلام على الناكثين بيعته.


أفئدة من الناس تهوي إلينا(١) .

وفي الكافي : عن الباقرعليه‌السلام قال : ولم يعن البيت فيقول : «إليه» فنحن والله دعوة إبراهيمعليه‌السلام (٢) .

وكان الجلف البدوي ينظر إلى وجههصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول : والله ما هذا وجه كذّاب. وكان عظيماً مهيباً في النفوس ومحبوباً في القلوب.

وقال عروة بن مسعود الثقفي ـ لقريش ـ : والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي والله ما رأيت ملكاً قط يعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمّد محمّداً ، يقتتلون على وضوئه ، ويتبادرون لأمره ، ويخفضون أصواتهم عنده ، وما يحّددون النظر إليه تعظيماً له.

ولما دخل أبوسفيان ـ عام الفتح ـ عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورأى أيدي المسلمين تحت شعره يستشفون بالقطرات من وضوئه ، قال : تالله ما رأيت كاليوم كسرى وقيصر(٣) .

قولهعليه‌السلام : «دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغٰائِنَ » الضغائن : جمع ضغينة ، وهى الحقد ، أي أخفى بوجوده صلوات الله عليه الأحقاد الجاهليّة بعد أن كانت ظاهرة علانيّة وكانت بين الأوس والخزرج ضغائن من حروب فأخمدت بوجود النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، و «دفنها» أكمنها وأخفاها.

قولهعليه‌السلام : «وَأَطْفَأَ بِهِ الثَّوٰائِرِ » الثوائر : جمع ثائرة ، وهي العداوة الواثبة بصاحبها على أخيه ليضرّه إن لم يقتله ، فاستعار لفظ الإطفاء لإزالة العدوان بين العرب بالتأليف بين قلوبهم كما قال سبحانه في إظهار

__________________

١ ـ بصائر الدرجات : ص ١٤٩ ، ح ٢.

٢ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٣١١ ـ ٣١٢ ، ح ٤٨٥.

٣ ـ المغازي للواقدي : ج ٢ ، ص ٨١٦ ، وفتوح البلدان للبلاذري : ص ٥١.


المنّة على عبادة : «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا »(١) .

وفي الخبر قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على يد من سواهم يسعى بذمّتهم أدناهم ، ويردّ على أقصاهم(٢) .

قولهعليه‌السلام : «أَلَّفَ بِهِ إِخْوٰاناً » أي آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض ، وآخى بين المهاجرين والأنصار كما آخىٰصلى‌الله‌عليه‌وآله بينه وبين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قولهعليه‌السلام : «وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرٰاناً » بواسطة مخالفتهم في الدين كما قطع بين حمزة وأبي لهب. ولقد جمع الوليد بن المغيرة قريشاً وقال : إنّ النّاس يأتوكم أيّام الحج فيسألونكم عن محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فتختلف أقوالكم فيه فماذا تقولون لهم؟ فقام أبوجهل ، وقال : أنا أقول : إنّه مجنون ، وقال أبولهب : أنا أقول : إنّه شاعر ، وقال عقبة بن أبي معط : أنا أقول : إنّه كاهن ، فقال الوليد : وأنا أقول : إنّه ساحر لأنّه يفرّق بين المرء وأخيه وزوجته وبنيه(٣) .

قولهعليه‌السلام : «أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ » فكم من أذلّاء صاروا بالإيمان به أعزّاء كسلمان الفارسي ، وكم من جبابرة أعزّاء صاروا بالكفر به أذّلاء كأبي لهب وأمثالهم.

قولهعليه‌السلام : «كلٰامُهُ بَيٰانٌ »كلامه بيان للأحكام ، وأنّ ما يقول لا يكون من تلقاء نفسه ، بل إنّما هو وحي يوحى إليه كما قال تعالى : «وَمَا يَنطِقُ

__________________

١ ـ آل عمران : ١٠٣. ٢

٢ ـ سنن إبن ماجة : ج ٢ ، ص ٨٩٥ ، ح ٢٦٨٣.

٣ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ٧١.


عَنِ الْهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ» (١) . وفي الخبر جاء مجوسي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أعفى شاربه وأحفى لحيته فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أمرك بهذا؟ قال : ربّي. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لكنّ ربّي أمرني أن أحفي شاربى وأعفي لحيتي(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَصَمْتُهُ لِسٰانٌ » أي أنّ سكوته كلام وبيان ، فحينذٍ لا يخلو من فائدة من وجهين :

الوجه الأوّل : إن سكوته عن بعض المطالب الذي لا ينبغي القول فيه : يكون إفهاماً للناس بعدم جواز خوضهم فيما لا يعنيهم.

الوجه الثاني : أنّ سكوته في مقام التقرير حجّة كقوله وفعله. فإن الصحابه إذا عملوا عملاً جائزاً ولم ينهاهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك بل سكت عنهم ، فإنّ سكوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله حينئذٍ دليل على جواز ذلك العمل.

* * *

__________________

١ ـ النجم : ٣ ـ ٤.

٢ ـ الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٣٤٧ ، ذكر أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من شاربه.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صٰادِعاً ، وَبِذِكْرِهِ

نٰاطِقاً ، فَأَدّىٰ أَمِينًا ، وَمَضىٰ رَشِيدًا.

قولهعليه‌السلام : «وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صٰادِعاً » أي أرسله إلى خلقه مجاهراً وإمتثالاً لقوله سبحانه : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »(٣) . فعن أبي عبيدة ، أنّ عبد الله بن مسعود قال : مازال النبيّ مستخفياً حتّى نزل : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ »(٤) فخرج هو وأصحابه(٥) .

وقال عبيد الله بن علي الحلبي : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : مكث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة بعد ما جاءه الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة ، منها : ثلاث سنين مختفياً خائفاً لا يظهر حتّى أمره الله عزّوجلّ أن يصدع بما أمره به ، فأظهر حينئذٍ الدعوة(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَبِذِكْرِهِ نٰاطِقاً » قال الله تعالى : «هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ »(٧) قال الواحدي : نزلت سورة الكافرون في رهط من قريش ، قالوا : يا محمّد هلمّ إتّبع ديننا ، ونتّبع دينك ، تعبد آلهتنا ، ونعبد

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٤٥ ، الخطبة ١٠٠.

٢ ـ الفتح : ٢٩.

٣ ـ الحجر : ٩٤.

٤ ـ الحجر : ٩٤.

٥ ـ الدر المنثور : ج ٤ ، ص ١٠٦.

٦ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : ص ٣٤٤.

٧ ـ الجاثية : ٢٩.


إلٰهَك سنة ، فإن كان الذي جئت به خيراً ممّا بأيدينا قد شركناك فيه وأخذنا بحظّنا منه ، وإن كان الذي بأيدينا خيراً ممّا في يدك قد شركت في أمرنا وأخذت بحظّك ، فقال : معاذ الله أن أشرك به غيره ، فأنزل الله تعالى : «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ *وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ »(١) (٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَأَدّىٰ أَمِينًا » الأمين : فعيل من الأمانة ، فهو إمّا بمعنى مفعول : أي مأمون من أمنه ـ كعلمه ـ إذا إستأمنه ، أو بمعنى فاعل من أمن هو ككرم فهو أمين ، والمراد في الألواح ، وكمال إستعداد نفسه الطاهرة لأسرار الله وعلومه ، وحكمه ، وحفظه لها عن ضياعها ، وصيانتها عن تدنّسها بأذهان غير أهلها ، وعدم تطرّق تبديل أوزيادة أونقصان إليها.

بيد أنّ من شأن الأمين قوّته على ضبظ مايستأمن عليه ، وإستعداده له وحفظه وصيانته عن التلف والأدناس والتبديل والزيادة والنقصان ، ولهذا السرّ كانت العرب تسمّيه بالأمين قبل مبعثه لما شاهدوه من أمانته وشهّر بهذا الاسم قبل نبوّته ، وبعد بعثته أخبر عنه تعالى فقال : «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَمَضىٰ رَشِيدًا » أي مضى إلى الحقّ رشيداً ، حيث أدّى ما كان عليه من قبل الله تعالى بجعل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وليّاً ووصيّاً من بعده كما جاء في الأخبار المستفيضة الصحيحة في ذيل الآية : «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ »(٤) .

__________________

١ ـ الكافرون : ١ ـ ٦.

٢ ـ أسباب النزول : ص ٣٤٢.

٣ ـ الشعراء : ١٠٧ ، والدخان : ١٨.

٤ ـ المائدة : ٦٧.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَمّٰا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحٰانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتٰاباً ، وَلٰا يَدَّعِى نُبُوَّةً وَلٰا وَحْيًا. فَقٰاتَلَ بِمَنْ أَطٰاعَهُ مَنْ عَصٰاهُ ، يَسُوقُهُمْ إِلىٰ مَنْجٰاتِهِمْ ، وَيُبٰادِرُ بِهِمُ السّٰاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ ، يَحْسَرُ الْحَسِيرُ ، وَيَقِفُ الكَسِيرُ ، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتّىٰ يُلْحِقَهُ غٰايَتَهُ ، إِلّٰا هٰالِكًا لٰا خَيْرَ فِيهِ ، حَتّىٰ أَرٰاهُمْ مَنْجٰاتَهُمْ ، وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ، فَاسْتَدٰارَتْ رَحٰاهُمْ ، وَاسْتَقٰامَتْ قَنٰاتُهُمْ.

قولهعليه‌السلام : «أَمّٰا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحٰانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » قال الله تعالى : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتٰاباً » لم تكن العرب لتعرف القراءة والكتابة وتدوين الأحداث الإجتماعيّة والسياسيّة والتاريخيّة وغير ذلك في زمن الجاهليّة بل كان الشعر والأخبار والقصص التي تروى شفاهة هي سجل العرب وديوان معارفهم وثقافتهم التاريخيّة ، فغالبية الناس آنذاك لم تكن لهم كتب يدرسونها والذي كان بأيديهم من التوراة والإنجيل لم يكن هو المنزل من السماء لمكان التحريف والتغيير الذي وقع فيهما كما يشهد له قوله تعالى : «وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٥٠ ، الخطبة ١٠٤.

٢ ـ الجمعة : ٢.


عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(١) . قال الطبرسي في ذيل هذه الآية قيل : نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله من نعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وغيره ، وأضافوه إلى كتاب الله.

وقيل : نزلت في اليهود والنصارى الذين حرّفوا التوراة والإنجيل ، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وألحقوا به ما ليس منه ، وأسقطوا منه الدين الحنيف(٢) .

وقال وهب : أوّل من خطّ بالقلم كان إدريسعليه‌السلام (٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا يَدَّعِى نُبُوَّةً » لما شاع خبر بعثة النبيّ وقرب ظهوره سمّى قوم أبناءهم «محمّداً» طمعاً في النبوّة لما سمعوا أن اسم النبيّ الآتي هو «محمّد» فهؤلاء. كمايلى أسماءهم :

محمّد بن سفيان بن مجاشع في بني تميم ، ومحمّد بن احيحة ، ومحمّد الجشمي في بني سواءة ، ومحمّد بن حمران الجعفي ، ومحمّد الاسيدى ، ومحمّد بن خزاعة السلمى ، ومحمّد بن مسلمة ، ومحمّد بن الفقيمى ، ومحمّد بن برء البكري(٤) .

بيد أن نظير ذلك قد وقع قبل ظهورهصلى‌الله‌عليه‌وآله لموسىعليه‌السلام ووقع بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام المهدي الثاني عشر من أئمّة اثنى عشر. هذا وجماعة من الناس اُتوا بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وادّعوا النبوّة كذباً ، منهم : مسيلمة بن حنيفة ، وسجاج

__________________

١ ـ آل عمران : ٧٨.

٢ ـ مجمع البيان : ج ١ ـ ٢ ، ص ٤٦٤ ، في شأن النزول.

٣ ـ المعارف لإبن قتيبة : ص ٥٥٢ ـ ٥٥٣.

٤ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٣٤.


التي تزوجها مسيلمة من بني يربوع ، وأسود بن كعب من عنس ، وطلحة بن خويلد من أسد بن خزيمة لكنه رجع إلى الاسلام بعد(١) .

وقال الشيخ المفيد بإسناده عن عمر بن أبان : كان خمسة من الأنبياء سريانيّون : آدم ، وشيث ، وإدريس ، ونوح ، وإبراهيمعليه‌السلام ، وخمسة عبرانيّون : اسحاق ، ويعقوب ، وموسى ، وداود ، وعيسىعليهم‌السلام ، وخمسة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، وإسماعيل ، ومحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا وَحْيًا » الوحي في اللغة : هو الكلام الخفي ، وهو الإشارة السريعة ، أوهو القاء ما يريد الموحي إلقاءه لدى الطرف الآخر ، من إعلام ، وأوامر ، وإرشادات ، والنصح وغير ذلك سواء عن طريق الإشارة ، أوالكتابة ، أو الرمز ، أوالمحادثة.

وقد اتخذت كلمة الوحي معنى اصطلاحيّاً قرآنيّاً كغيرها من الكلمات العربيّة ، الّتي نقلت من إستعمالها العام إلى إستعمالها الشرعي الخاص ، فأصبح لفظ الوحي إسماً لما يلقىٰ للأنبياء والرسل من كلام الله ومن قوله سبحانه وتعالى.

قولهعليه‌السلام : «فَقٰاتَلَ بِمَنْ أَطٰاعَهُ مَنْ عَصٰاهُ » أي قاتل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأهل المدينه من الأنصار والمهاجرين أهل مكة واليهود وغيرهم.

وقيل : بعد مضيّ سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل يقوله : «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ »(٣) فقلّد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عنقه سيفاً بدون غمدوا أخذ يحارب به قومه حتّى يقولوا لا إلٰه إلّا الله.

__________________

١ ـ بهج الصباغة : ج ٢ ، ص ٢٠٩.

٢ ـ الإختصاص : ٢٦٤.

٣ ـ الحج : ٣٩.


وقال السروي نقل عن أهل السير : بأنّ جميع غزوات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه تبلغ ست وعشرون غزوة ، وسراياهصلى‌الله‌عليه‌وآله تبلغ ست وثلاثون سريّة(١) .

قولهعليه‌السلام : «يَسُوقُهُمْ إِلىٰ مَنْجٰاتِهِمْ » أي سوقهم إلى محل نجاتهم.

قولهعليه‌السلام : «وَيُبٰادِرُ بِهِمُ السّٰاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ » أي قبل الإستعداد ليوم القيامة تنزل بهم ، العذاب وقال الشيخ المفيد : لما عاد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن يكرب ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أسلم يا عمرو يؤمّنك الله من الفزع الأكبر ، قال. يا محمّد وما الفزع الأكبر؟ فإنّي لا أفزع ، فقال : يا عمرو : إنّه ليس كما تظنّ وتحسب ، إنّ النّاس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميّت إلّا نشر ، ولا حيّ إلامات ، إلّا ماشاء الله ، ثم يصاح بهم صيحة أخرى ، فَيُنْشر من مات ، ويصفّون جميعاً ، وينشقّ السماء ، وتهدّ الأرض ، وتخرّ الجبال هدّاً ، وترمى النار بمثل الجبال شرراً ، فلا يبقى ذوروح إلّا انخلع قلبه وذكر ذنبه وشغل بنفسه ، إلّا ما شاء الله ، فأين أنت يا عمرو من هذا؟.

قال : ألا إني أسمع أمراً عظيماً. فآمن بالله ورسوله ، وآمن معه من قومه ناس ورجعوا إلى قومهم.(٢)

قولهعليه‌السلام : «يَحْسَرُ الْحَسِيرُ» قال الجوهري : الحسرة : أشد التلهّف على الشيئ الفائت(٣) . فالإنسان يحسر في يوم القيامة لماذا لم يأت بالأعمال الصالحة الحسنة اكثر ممّا أتى به ويفزع من أعماله القبيحة. حينما يخاطب

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٨٦.

٢ ـ الإرشاد : ص ٨٤.

٣ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٦٣٠ ، مادة «حسر».


بقوله تعالى «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا »(١) فلما ينظر إلى صحيفة أعماله يقول : «مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَيَقِفَ الكَسِيرُ » أي من كان كسيراً لا يتمكّن من السير المتعارف فلابدّ أن يقف. قال تعالى : «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتّىٰ يُلْحِقَهُ غٰايَتَهُ » أي من لم يكن صاحب معرفة ولا يقبل الإسلام بمجرّد الدعوة إليه. بل لابد من المدارة معه حتّى يعرف الحق بالتأمّل والهدوء.

قولهعليه‌السلام : «إلّٰا هٰالِكًا لٰا خَيْرَ فِيهِ » أي من لم يكن مؤمناً من الكفار والمشركين والمنافقين أي المستهزئين الذين قال الله فيهم : «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ » وهم : الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، وأبو زمعة ، والعاص بن وائل ، والحرث بن قيس ، وعقبة بن أبي معيط ، والأسود بن الحرث ، وأبوالبختري وأبوجهل ، وأبولهب ونظراؤهم ، فهداهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى صراط الحق ، فأبوا أن يقبلوا عناداً وعتوّا.

وفي الخبر : مرّ الأسود بن عبد يغوث على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأومأ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بطنه ، فاستسقى ومات حبناً(٥) .

ومرّ عليه أبوزمعة ، فأشارصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عينه ، فعمي ، وكان يضرب رأسه على الجدار حتّى هلك.

ومرّ به الوليد بن المغيرة ، فأومأصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جرح اندمل في بطن رجله

__________________

١ ـ الإسراء : ١٤.

٢ ـ الكهف : ٤٩.

٣ ـ الصافات : ٢٤.

٤ ـ الحجر : ٩٥.

٥ ـ الحبن : داء البطن يعظم منه.


من نبل ، فتعلّقت به شوكة فنن(١) فخدشت ساقه ، ولم يزل مريضاً حتّى مات.

وخرج العاص بن وائل من بيته ، فلفحته(٢) السموم ، فلمّا انصرف إلى داره لم يعرفوه ، فباعدوه فمات غمّاً وفي خبر فقتلوه.

ورمى الله أبالهب بالعدسة ، فتركه إبناه ثلاثاً لا يدفنانه ، وكانوا يتّقون العدسة ، فقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه(٣) .

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ أَرٰاهُمْ مَنْجٰاتَهُمْ ، وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ » أي حتّى أراهم منازلهم ومحل نجاتهم.

قولهعليه‌السلام : «فَاسْتَدٰارَتْ رَحٰاهُمْ » أي نفوذ أمرهم.

قولهعليه‌السلام : «وَاسْتَقٰامَتْ قَنٰاتُهُمْ » أي تمكّنهم.

* * *

__________________

١ ـ الفنن ـ محركة ـ الغصن.

٢ ـ لفحته النار : أي أحرقته.

٣ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٧٣ ـ ٧٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

حَتّىٰ بَعَثَ اللهُ مَحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ

شَهِيدًا وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا. خَيْرَ الْبَرِيَّةِ

طِفْلًا ، وَأَنْجَبَهٰا كَهْلًا. أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ

شِيمَةً ، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ بَعَثَ اللهُ مَحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ شَهِيدًا وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا » شهيد : فعيل بمعنى فاعل من شهد على الشيئ إطّلع عليه وعاينه ، فهو شهيد وشاهد ، والمراد هنا إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يشهد على الاُمّة بما فعلته من خير أو من شرّ من طاعته أو عصيان قال تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا »(٢) وقال : «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ »(٣) وقال : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »(٤) وقال : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا »(٥) فرسول الله يشهد على كلّ اُمّة بما فعلت ويدل عليه.

ما روي أنّ الأُمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياءعليهم‌السلام فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبيّنة عليه على أنّهم قد بلّغوا ، وهو أعلم للحجّة على الجاحدين وزيادة لخزيهم ، فيؤتى باُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فيشهدون. فيقول

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٥١ ، الخطبة ١٠٥.

٢ ـ الأحزاب : ٤٥.

٣ ـ النحل : ٨٩.

٤ ـ البقرة : ١٤٣.

٥ ـ النساء : ٤١.


الأُمم : من أين عرفتم؟ فيقولون : عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيّه الصادق ، فيؤتى عند ذلك بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ويُسئل عن أُمّته فيزكّيهم ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله تعالى : «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »(١) ومن الحكمة في ذلك ، تمييز أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفضل عن ساير الأُمم حيث يبادرون إلى تصديق الله وتصديق الأنبياء والإيمان بهم جميعاً ، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق فلذلك تقبل شهادتهم على الأُمم ولا تقبل شهادة الأُمم عليهم(٢) .

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : قال : نحن الشهداء على الناس بما عندهم من الحلال والحرام وبما ضيّعوا منه(٣) .

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل : بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي ، عن عليّعليه‌السلام : إنّ الله تعالى إيّانا عنى بقوله : «لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ »(٤) فرسول الله شاهد علينا ، ونحن شهداء على خلقه وحجّته في أرضه ، ونحن الذين قال الله تعالى : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٥) (٦) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما لكم في حياتي خيراً وفي مماتي خيراً ، قال : فقيل : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمّا حياتك فقد علمناه ، فما لنا في وفاتك؟ فقال : أمّا في حياتي فإنّ الله عزّوجلّ ، قال : «وَمَا كَانَ اللهُ

__________________

١ ـ البقرة : ١٤٣.

٢ ـ أنوار التنزيل : ج ١ ، ص ٨٧ ، مع اختلاف يسير في بعض العبارة وتفسير النيسابوري في هامش ، تفسير الطبري ج ٧ ، ص ١٢.

٣ ـ تفسير نور الثقلين : ج ١ ، ص ١٣٣ ، وبصائر الدرجات : ص ١٠٢ ، ح ١.

٤ ـ البقرة : ١٤٣.

٥ ـ البقرة : ١٤٣.

٦ ـ شواهد التنزيل للحسكاني : ج ١ ، ص ٩٢ ، ح ١٢٩.


لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ »(١) وأمّا في مماتي. فتعرض عليّ أعمالكم فأستغفر لكم(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا » أي يكون صلوات الله عليه مبشّراً لمن إتّبعه بالثواب ، ونذيراً لمن خالفه بالعقاب قال الله : «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلًا »أي خير الناس طفلاً وأفضل الخلق طفوليّةً بسلوكه ومشيه في صباه ، قال عكرمة : كان يوضع فراش لعبدالمطلب في ظلّ الكعبة ، ولا يجلس عليه اُحد إلّا هو إجلالاً له ، وكان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج ، فكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه ، فقال لهم عبدالمطلب : دعوا إبني ، فوالله إنّ له لشأناً عظيماً(٤) .

وفي المناقب عن أبي طالب : لم أرمنه كذبة قط ، ولا جاهليّة قط ، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضحك ، ولا يدخل مع الصبيان في لعب ، ولا إلتفت إليهم ، وكانت الوحدة أحبّ إليه(٥) .

وقال المسعودي : قال أبوه عبدالله فيه :

الحمدلله الذي أعطاني

هذا الغلام الطيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان

أعيذه بالبيت ذي الأركان(٦)

وفي المناقب : قال أبو طالب لأخيه عبّاس : يا عبّاس اُخبرك عن

__________________

١ ـ الأنفال : ٣٣.

٢ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ٤٥٤ ، ج ٣٦١.

٣ ـ البقرة : ١١٩.

٤ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٣٥.

٥ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٣٧.

٦ ـ مروج الذهب : ج ٢ ، ص ٢٨٩.


محمّد ، إنّى ضممته فما أُفارقه ساعة من ليل أونهار ، فلم أئتمن أحداً حتّى نوّمته في فراشي ، فأمرته أن يخلع ثيابه وينام معي ، فرأيت في وجهه الكراهيّة ، فقال : لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي ، فتعجّبت من قوله ، وصرفت بصري عنه حتّى دخل فراشه(١) .

قال السروي نقلاً عن القاضي المعتمد في تفسيره : قال أبوطالب : لقد كنت كثيراً ما أسمع منه إذا ذهب من الليل كلاماً يعجبني ، وكنّا لا نسمّي على الطعام ، ولا على الشراب حتّى سمعته يقول : بسم الله الأحد ثم يأكلّ ، فإذا فرغ من طعامه ، قال : الحمد لله كثيراً ، فتعجبت منه ، وكنت ربّما أتيت غفلة ، فأرى من لدن راسه نوراً ممدوداً قد بلغ السماء ثم لم أرمنه كذبة قط ، ولا جاهليّة قط ، ولا رأيته يضحك في موضع الضحك ، ولا مع الصبيان في لعب ، ولا إلتفت إليهم ، وكان الوحدة أحب إليه والتواضع(٢) .

وقال عمّه أبوطالب في النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

ولقد عهدتك صادقاً

في القول لا تتزيد

ما زلت تنطق بالصواب

وأنت طفل أمرد

قولهعليه‌السلام : «وَأَنْجَبَهٰا كَهْلًا » النجيب : الكريم ، النفيس في نوعه فعيل بمعنى فاعل ، من نجُبَ ـ كَكرُمَ ـ نجابة ، ورجل نجيب أي كريم بيّن النجابة ، ولقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله في حال كهوليّته منبع كلّ كرم وفضل. والكهل من الرجال : الذي جاوز الثلاثين ، قاله الجوهري(٣) .

وقال المسعودي : لمّا بنت قريش الكعبة ورفعت سمكها تنازعوا في

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٣٦.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٣٧.

٣ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٨١٣ ، مادة «كهل».


رفع الحجر ووضعه في محله فاتّفقوا أن يرضوا بأوّل من يطّلع عليهم من باب بني شيبة ، فكان أوّل من ظهر لأبصارهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من ذلك الباب ، وكانوا يعرفونه بالأمين ، لوقاره وهديه وصدق لهجته ، واجتنابه القاذورات والأدناس ، فحكموه فيما تنازعوا فيه ، وإنقادوا إلى قضائه ، فبسط ما كان عليه من رداء ، وقيل : كساء طاروني وأخذ عليه الصّلاة والسلام الحجر فوضعه في وسطه ، ثم قال لأربعة رجال من قريش وهم أهل الرياسة فيهم ، والزعماء منهم ، وهم : عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، والأسود بن عبدالمطلب بن أسد بن عبدالعزّى بن قصيّ ، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمروبن مخزوم ، وقيس بن عدي السهمي : ليأخذ كلّ واحد منهم بجنب من جنبات هذا الرداء ، فشالوه حتّى إرتفع عن الأرض ، وأدنوه من موضعه ، فأخذصلى‌الله‌عليه‌وآله الحجر ووضعه في مكانه وقريش كلّها حضور ، وكان ذلك أوّل ما ظهر من فعله وقضائه وأحكامه.

فقال قائل ممّن حضر من قريش متعجّباً من فعلهم وإنقيادهم إلى أصغرهم سنّاً : وإعجاباً لقوم أهل شرف ورياسة وشيوخ وكهول عمدوا إلى أصغرهم سنّاً وأقلّهم مالاً ، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً!! أما واللات والعزى(١) ليفوقنّهم سبقاً وليقسمنّ بينهم حظوظاً وجدوداً ، وليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم(٢) .

قولهعليه‌السلام : «أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً » أي خلقاً وطبيعة. قال السروي كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أحكم الناس ، وأحلمهم ، وأشجعهم ، وأعدلهم وأعطفهم ،

__________________

١ ـ اللات والعزىٰ : صنمان كانا في الطائف ، وكانت تعبدهما ثقيف في الجاهليّة.

٢ ـ مروج الذهب : ج ٢ ، ص ٢٨٧ ـ ٢٨٨.


لم تمس يده يد إمرأة لا تحلّ ، وأسخى الناس وكان يكرم أهل الفضل في أخلاقهم ، ويتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم ، ولا يجفو على أحد ، ولا لعن إمرأة ولا خادماً بلعنةٍ وما شتم أحداً يشتمة وغير ذلك من الأوصاف الحميدة والأخلاق الطيّبة(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً » الديمة : المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق ، وأقلّه ثلث النهار أوثلث الليل ، وأكثر ما بلغ من العدّة قاله الجوهري(٢) .

كني بذلك عن غاية جوده وكرمه ، وقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أمسى آوى إلى البيت فلا يجد فيه شيئاً من فضّة أوذهب إلّا تصدّق به ، ولم يبت في بيته منه شيى. وكان يكرم من يدخل عليه حتّى ربّما بسط ثوبه ، ويؤثر الداخل بالوسادة النبيّ تحته.

وقال أبو طالب فيه :

وأبيض يستسقى الغمام بوجه

ثمال التيامى عصمة للأرامل

يطيف به الهلاك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

* * *

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٤٥ ـ ١٤٧.

٢ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٩٢٤.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

حَتّىٰ أَوْرىٰ قَبَسًا لِقٰابِسٍ ، وَأَنٰارَ عَلَمًا لِحٰابِسٍ. فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِثُكَ نِعْمَةً ، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً. اللّٰهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ ، وَاجْزِهِ مُضٰاعَفٰاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ. اللّٰهُمَّ أَعْلِ عَلىٰ بِنٰاءِ الْبٰانِينَ بِنٰاءَهُ ، وَاكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَتَهُ ، وَاٰتِهِ الْوَسِيلَةَ ، وَأَعْطِهِ السَّنٰاءَ وَالْفَضِيلَةَ؛ وَاحْشُرْنٰا فِى زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزٰايٰا ، وَلٰا نٰادِمِينَ ، وَلٰا نٰاكِبِينَ ، وَلٰا نٰاكِثِينَ وَلٰا ضٰالِّينَ ، وَلٰا مُضِلِّينَ ، وَلٰا مَفْتُونِينَ.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ أَوْرىٰ قَبَسًا لِقٰابِسٍ » ورىٰ الزند : خرجت ناره ، والزند الواري : الذي تظهر ناره سريعاً(٢) .

القبس : الشعلة من النّار ، وإقتباسُها : الأخذ منها. أي أظهر نوراً من الحقّ لطالبه. والقابس : طالب النّار. قاله الجزري(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَنٰارَ عَلَمًا لِحٰابِسٍ » الحابس : أي الذي حبس ناقته ، ووقف لا يدري كيف يهتدى المنهج ويسلك طريق النجاة؟ والمراد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوقد على الحابس النّار ويستنار له الطريق لكي يهتدي به الضال المتحيّر.

قولهعليه‌السلام : «فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ » الأمين : فعيل من الأمانة ، فهو إمّا بمعنى مفعول : أي مأمون من أمنه ـ كعلمه ـ إذا إستأمنه ، فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله مأمون على ما أوحىٰ إليه من الكتاب الكريم وشرايع الدين القويم من التحريف والتغيير في ما اُمر بتبليغه لمكان العصمة الموجدة فيه. أو بمعنى فاعل من

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٥٣ ـ ١٥٤ ، الخطبة ١٠٦.

٢ ـ لسان العرب : ج ١٥ ، ص ٣٨٩.

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٤ ، ص ٤ ، مادة «قبس».


أمن هو ككرم فهو أمين ، وحيث أنّ من شأن الأمين قوّته على ضبط ما يستأمن عليه ، وإستعداده له ، وحفظه وصيانته عن التلف والأدناس والتبديل والزيادة والنقصان ، ولهذا سمّي نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الناس قبل بعثته بـ«محمّد الأمين» وبعد بعثته أخبر عنه سبحانه وتعالى وقال : «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ »(١) ، والمأمون تأكيد للأمين ، فكان نبيّنا أميناً في أداء رسالته وقد قال تعالى في شأنه : «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ »(٢) .

أخرجه المتقي الهندي عن أبي رافع ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما والله إنّي لأمين في السماء ، وأمين في الأرض(٣) .

وقال عمّه أبو طالب فيه :

أنت الأمين أمين الله لا كذب

والصّادق القول لا لهو ولا لعب

أنت الرّسول رسول الله نعلمه

عليك ينزل من ذي العزّة الكتب

قولهعليه‌السلام : «وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ » الشهيد : فعيل بمعنى فاعل من شهد على الشيئ : اطّلع عليه وعاينه ، فهو شهيد وشاهد.

و «يوم الدين» أي يوم القيامة. قال تعالى : «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ »(٤) ، وقوله : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا »(٥) .

__________________

١ ـ الشعراء ١٠٧.

٢ ـ النجم : ٣ ـ ٤.

٣ ـ كنزل العمّال : ج ١١ ، ص ٤١٣ ، ح ٣١٩٣٧.

٤ ـ النحل : ٨٩.

٥ ـ النساء : ٤١.


قال بعض العلماء : فإن قلت : ما حقيقة هذه الشهادة وما فائدتها مع أنّ الله تعالى عالم الغيب والشهادة؟

قلت : أمّا حقيقتها : فيعود إلى إطّلاعه صلوات الله عليه على أفعال الأُمّة. وبيان ذلك : إنّ للنّفوس القدسيّة الإطّلاع على الاُمور الغيبيّة والإنتقاش بها مع كونها في جلابيب من أبدانها ، فكيف به قبل ملابستها لها وبعد مفارقتها لهذا العالم والجسم المظلم ، فإنّها إذن تكون مطّلعة على أفعال جميع الأُمم ومشاهدة لها من خير وشر.

وأمّا فائدتها : فقد علمت أنّ أكثر أحكام الناس وهميّة ، والوهم منكر للإلٰه على الوجه الذي هو الإلٰه ، فبالحري أن ينكر كونه عالماً بجزئيّات أفعال عباده ودقائق حطرات أوهامهم ، والظاهر أنّ ذلك الإنكار يستتبع عدم المبالاة بفعل القبيح والإنهماك في الاُمور الباطلة التي نهى الله تعالى عنها ، فإذا ذكر لهم أنّ عليهم شهداء ورقباء وكتّاباً لما يفعلون مع صدق كلّ ذلك بأحسن تأويل ، كان ذلك ممّا يعين العقل على كثرة النفس الأمّارة بالسوء ، وقهر الأوهام الكاذبة ، ويردع النفس عن متابعة الهوى ، وإذا كان معنى الشهادة يعود إلى إطّلاع الشاهد على ما في ذمّة المشهود عليه وعلمه بحقيقته وفائدتها حفظ ما في ذمّة المشهود عليه ، وتخوّفه إن جحد ، أولم يوصله إلى مستحقّه أن يشهد عليه الشاهد فيفضحه وينزع منه على أقبح وجه ، وكان المعنى والفائدة قائمين في شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذ بها تحفظ أوامر الله وتكاليفه التي هي حقوقه الواجبة ، يحصل الخوف للمقصّرين فيها بذكر شهادته عليهم بالتقصير فيفتضحوا في محفل القيامة ويستوفي منهم جزاء ما كلّفوا به فقصّروا فيه بالعقاب الأليم لا جرم ظهر معنى كونه شهداء الله على خلقه.


قولهعليه‌السلام : «وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً » أي مبعوثك وهو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الخلق نعمة لهم لأجل هدايتهم به إلى الجنّة.

قولهعليه‌السلام : «وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً » «الرسالة» بالكسر لغة : اسم من الإرسال وهو التوجيه ، وعرفاً : تكليف الله تعالى بعض عباده بواسطة ملك يشاهده ويشافهه أن يدعو الخلق إليه ويبلّغهم أحكامه ، وقد تطلق على نفس الأحكام المرسل به كما وقع هنا قال تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ »(١) .

و «الرحمة» : قيل هي ميل القلب إلى الشفقة على الخلق والتلطّف بهم. وقيل هي إرادة إيصال الخير إليهم. وقال أهل العربيّة : يجوز أن تكون رحمة ، مفعولاً له أي لأجل الرحمة ، وأن تكون حالاً مبالغة في أن جعله نفس الرحمة ، وإمّا على حذف مضاف أي ذا رحمة ، أو بمعنى راحم.

وفي الحديث : «أنا نبيّ الرحمة»(٢) ، وفي آخر : «إنّما أنا رحمة مهداة»(٣) .

وتفصيل هذه الرحمة من وجوه :

أحدها : أنّه الهادي إلى سبيل الرشاد ، والقائد إلى رضوان الله سبحانه ، وبسبب هدايته يكون وصول الخلق إلى المقاصد العالية ، ودخول جنّات النعيم التي هي غاية الرحمة.

الثاني : أنّ التكاليف الواردة على يديه أسهل التكاليف وأخفّها على الخلق بالنسبة إلى سائر التكاليف الواردة على أيدي الأنبياء السّابقين لاُممهم. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة»(٤) وذلك عناية من

__________________

١ ـ الأنبياء : ١٠٧.

٢ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ٣٩٥.

٣ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ، ص ٦٧.

٤ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٤٥١.


الله تعالى ورحمة اختص بها أُمّته على يديه.

الثالث : أنّه ثبت أنّ الله يعفو عن عصاة أُمّته ويرحمهم بسبب شفاعته.

الرابع : أنّه سأل الله أن يرفع عن أُمّته بعده عذاب الإستيصال ، فأجاب الله دعوته ، ورفع العذاب رحمة.

الخامس : أنّ الله وضع في شرعه الرّخص تخفيفاً ورحمة لأُمّته.

السادس : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رحم كثيراً من أعدائه كاليهود والنصارى والمجوس ، برفع السيف عنهم ، وبذل الأمان لهم ، وقبول الجزية منهم.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من آذى ذمّياً فأنا خصمه ومن كنت خصمه ، خصمته يوم القيامة»(١) ، ولم يقبل أحد من الأنبياء الجزية قبله.

السابع : إن الله تعالى أخّر عذاب من كذّبه إلى الموت ، أو القيامة كما قال الله تعالى : «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ »(٢) وكلّ نبيّ من الأنبياء قبله كان إذا كذب أهلك الله من كذّبه ، إلى غير ذلك من الوجوه التي لا تكاد تحصى كثرة.

وروي إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لجبرئيل لما نزل عليه بقوله تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ »(٣) : هل أصابك من هذه الرحمة شيئ؟

قال : نعم كنت أخشى سوء العاقبة فأمنت إن شاء الله بقوله تعالى : «ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ »(٤) (٥) .

قولهعليه‌السلام : «اللّٰهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ » أي اللّهم بموجب عدلك إجعل له حظّاً وافراً ونصيباً كثيراً ، ومن هنا قال الله عزّوجلّ : «وَلَلْآخِرَةُ

__________________

١ ـ الجامع الصغير : ج ٢ ، ص ١٥٨.

٢ ـ الأنفال : ٣٣.

٣ ـ الأنبياء : ١٠٧.

٤ ـ التكوير : ٢٠ ـ ٢١.

٥ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ، ص ٦٧ ، مع اختلاف يسير في العبارة.


خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ *وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ» (١) ولمّا دعاعليه‌السلام للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بما يستحقّه سئلعليه‌السلام ربّه أكثر من ذلك.

قولهعليه‌السلام : «وَاجْزِهِ مُضٰاعَفٰاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ » أي ضاعف له من الخير بفضلك وجودك ، فاستجاب الله عزّوجلّ دعاءه وقال : «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «اللّٰهُمَّ أَعْلِ عَلىٰ بِنٰاءِ الْبٰانِينَ بِنٰاءَهُ » أي اللّهم اجعل ما بناهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الشريعة والهداية في الدين أعلى ممّا بنوه سائر الأنبياء من الشرائع في الدين ، قال تعالى : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»(٣) .

أخرجه الترمذي ، عن اُبّي بن كعب : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مثلي في النبيّين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وجمّلها وترك منها موضع لبنة ، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه ، ويقولون : لو تمّ موضع تلك اللبنة ، وأنا في النبيّين بموضع تلك اللبنة(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَاكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ » قال الجوهري : النزل : ما يهيّأ للنزيل(٥) . والمراد إجعل اللّهم منزلته عندك في أعلى عليين. وإبعثه مقاماً محموداً.

قولهعليه‌السلام : «وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَتَهُ » أي إجعل منزلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أشرف المنازل عندك أي في حظيرة القدس.

__________________

١ ـ الضحى : ٤ ـ ٥.

٢ ـ الكوثر : ١ ـ ٣.

٣ ـ الصف : ٩.

٤ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٧ ، ح ٣٦١٣.

٥ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٨٢٨ ، مادة «نزل».


قولهعليه‌السلام : «وَاٰتِهِ الْوَسِيلَةَ » أخرجه الترمذي ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : سلوا الله لي الوسيلة. قالوا : يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال : أعلى درجة في الجنّة لا ينالها إلّا رجل واحد أرجو أن أكون أنا هو(١) .

وأخرجه الشيخ الصدوق عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا سألتم الله لي فسلوه الوسيلة. فسألنا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الوسيلة؟

فقال هي درجتي في الجنّة وهي ألف مرقاة ، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر(٢) الفرس الجواد شهراً ، وهي ما بين مرقاة جوهر إلى مرقاة زبرجد إلى مرقاة ياقوت إلى مرقات الذهب إلى مرقاة فضّة فيؤتىٰ بها يوم القيامة حتّى تنصب مع درجة النبيّين فهي في درجة النبيّين كالقمر بين الكواكب فلا يبقى يومئذ نبيّ ولا صدّيق ولا شهيد إلّا قال : طوبى لمن كانت هذه الدرجة درجته ، فيأتي النداء من عند الله عزّوجلّ يسمع النبيّين وجميع الخلق : هذه درجة محمّد. الحديث(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَعْطِهِ السَّنٰاءَ وَالْفَضِيلَةَ » قال الطريحي : السناء بالمد : أي الرفعة.

وفي الخبر : «بّشر أُمّتى بالسّناء» أي بارتفاع القدر والمنزلة عند الله(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَاحْشُرْنٰا فِى زُمْرَتِهِ » أي في جماعته.

__________________

١ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٦ ، ح ٣٦١٢ ، وقريب منه : ص ٥٤٧ ، ح ٣٦١٤.

٢ ـ الحضر : أي العدو.

٣ ـ معاني الأخبار : ص ١١٦ ، باب معنى الوسيلة : ح ١.

٤ ـ مجمع البحرين : ج ١ ، ص ٢٣١.


قولهعليه‌السلام : «غَيْرَ خَزٰايٰا ، وَلٰا نٰادِمِينَ ، وَلٰا نٰاكِبِينَ ، وَلٰا نٰاكِثِينَ وَلٰا ضٰالِّينَ ، وَلٰا مُضِلِّينَ ، وَلٰا مَفْتُونِينَ » أي اللّهم أحشرنا في جماعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله غير ذليلين موهنين ، ولا نادمين على التفريط في جنب الله ، ولا منحرفين عن سبيل الله ، ولا ناقضين لعهد الله ، ولا منحرفين عن طريق المستقيم ، ولا مفتونين باللغو والأباطيل.

وقال إبن أبي الحديد في ذيل هذه الخطبة : سألت النقيب أبا جعفر رحمه الله ـ وكان منصفاً بعيداً عن الهوى والعصبيّة عن هذا الموضع ـ فقلت له : وقد وقفت على كلام الصحابة وخُطَبِهم فلم أرفيهم من يعظّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تعظيم هذا الرجل ، ولا يدعو كدعائه ، فإنّا قد وقفنا من «نهج البلاغة» ومن غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل ، تدلّ على إجلال عظيم وتبجيل شديد منه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال : ومن أين لغيره من الصحابة كلام مدوّن يتعلّم منه كيفيّة ذكرهم للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ وهل وُجِدَ لهم إلا كلمات مبتدرة ، لاطائل تحتها!

ثم قال : إنّ عليّاًعليه‌السلام كان قوي الإيمان برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والتصديق له ، ثابت اليقين ، قاطعاً بالأمر ، متحقّقا له ، وكان مع ذلك يحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لنسبته منه ، وتربيته له ، واختصاصه به من دون الصحابة ، وبَعْدُ ، فشرفه له ، لأنّهما نفس واحد في جسمين ، الأب واحد والدار واحدة ، والأخلاق متناسبة ، فإذا عظّمه فقد عظّم نفسه وإذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه. ولقد كان يؤدّان تطبيق دعوة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، لأنّ جمال ذلك لا حق به وعائد عليه ، فكيف لا يعظّمه ويبجّله ويجتهد في إعلاء كلمته.


فقلت له : قد كنت اليوم أنا وجعفر بن مكي الشاعر نتجاذب هذا الحديث.

فقال جعفر : لم ينصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحد نصرة أبي طالب وبنيه له ، أمّا أبو طالب فكفّله وربّاه ، ثم حمّاه من قريش عند إظهار الدعوة ، بعد إصفاقهم وإطباقهم على قتله ، وأمّا ابنه جعفر فهاجر بجماعة من المسلمين إلى أرض الحبشة ، فنشر دعوته بها ، وأمّا عليّ فإنّه أقام عماد الملّة بالمدينة ، ثم لم يمن أحد من القتل والهوان والتشريد بما مني به بنو أبي طالب ، أما جعفر فقتل يوم مؤتة ، وأمّا علي فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل ، وتمنّىٰ الموت ، ولو تأخّر قتل إبن ملجم له لمات أسفاً وكمدا ، ثم قتل إبناه بالسمّ والسيف ، وقتل بنوه الباقون مع أخيهم بالطف ، وحملت نساؤهم على الأقتاب سبايا إلىٰ الشام ، ولقيت ذريّتهم وأخلافهم بعد ذلك من القتل والصلب والتشريد في البلاد والهوان والحبس والضرب ما لا يحيط بالوصف بكنهه ، فأيّ خير أصاب هذا البيت من نصرته ، ومحبّته وتعظيمه بالقول والفعل(١) ؟.

* * *

__________________

١ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٧ ، ص ١٧٤ ـ ١٧٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

إِخْتٰارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيٰاءِ ، وَمِشْكٰاةِ

الضِّيٰاءِ ، وَذُؤٰابَةِ الْعَلْيٰاءِ ، وَسُرَّةِ الْبَطْحٰاءِ وَمَصٰابِيحِ الظُّلْمَةِ ، وَيَنٰابِيعِ الْحِكْمَةِ.

قولهعليه‌السلام : «إِخْتٰارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيٰاءِ » إستعارعليه‌السلام لفظ الشجرة لصنف الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله ووجه المشابهة : أن الشجرة لمّا كانت ذات أغصان وثمار ، فصنف الأنبياء يكون كذلك ذا ثمر وفروع ، ففروعه يكون نفس الأشخاص ، وثمره يكون العلوم والكمالات النفسانيّة.

أخرجه إبن سعد في الطبقات الكبرىٰ بإسناده عن إبن عبّاس في قوله تعالى : «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ »(٢) قال : أي من نبيّ إلى نبيّ ، ومن نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّاً(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَمِشْكٰاةِ الضِّيٰاءِ » المشكاة : كوّة غير نافذة ، ذكره الراغب في المفردات(٤) .

إستعارعليه‌السلام لفظ المشكاة لآل إبراهيم ، ووجه المشابهة أنّ هؤلاء قد ظهرت منهم الأنبياء وسطع من بينهم أنوار النبوّة والهداية ، كما يظهر نور المصباح من المشكاة.

قولهعليه‌السلام : «وَذُؤٰابَةِ الْعَلْيٰاءِ » الذؤابة : طائفة من شعر الرأس التي تدلى ، فاستعارعليه‌السلام لفظ الذؤابة إلى الإشارة إلى قريش ، ووجه المشابهة تدليهم في أغصان الشرف والعلوّ عن آبائهم كتدلّي ذؤابة الشعر عن

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٥٦ ، الخطبة ١٠٨.

٢ ـ الشعراء : ٢١٩.

٣ ـ الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٢٢.

٤ ـ المفردات : ص ٢٦٦.


الرأس. قال الشاعر في كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله من شجرة الأنبياء ، ومشكاة الضياء :

ورث الشرف جامعاً عن جامع

وشهد له نداء نداء الصوامع

هو من مضر في سويداء قلبها

ومن هاشم في سواد طرفها

أخرجه البيهقي في دلائل النبّوة : عن إبن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله عزّوجلّ قسّم الخلق قسمين فجعلني من خيرهما قسماً ، وذلك قوله : «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ »(١) «وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ »(٢) فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثاً ، فجعلني في خيرها ثلثاً ، فذلك قوله تعالى : «فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ »(٣) ، «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ »(٤) فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث : قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، فذلك قول الله تعالى : «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ »(٥) وأنا أتقىٰ ولد آدم ، وأكرمهم على الله ولا فخر.

ثم جعل القبائل بيوتاً ، فجعلني في خيرها بيتاً ، وذلك قوله عزّوجلّ : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(٦) فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب(٧) .

وروى الترمذي في حديث : إنّ الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة ، ثم جعلهم فرقتين ، فجعلني في خيرهم فرقة ، ثم جعلهم قبائل ،

__________________

١ ـ الواقعة : ٢٧.

٢ ـ الواقعة : ٤١.

٣ ـ الواقعة : ٨.

٤ ـ الواقعة : ١٠.

٥ ـ الحجر : ١٣.

٦ ـ الأحزاب : ٣٣.

٧ ـ دلائل النبّوة : ج ١ ، ص ١٧٠ ، وأخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل : ج ٢ ، ص ٤٨ ، ح ٦٦٩.


فجعلني في خير هم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتاً ، فجعلني في خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَسُرَّةِ الْبَطْحٰاءِ » المراد بالبطحاء : مكة ، فسرّة البطحاء : أي وسطها من باب إستعمال المقيد في المطلق كالمشفر في شفة الإنسا ، فأشارعليه‌السلام بذلك إلى أنّ الله إختار النبيّ من أفّضل بيت في مكة.

وقال إبن أبي الحديد : وبنو كعب بن لؤى يفخرون على بني عامر بن لؤى بأنّهم سكنوا الباطح ، وسكنت عامر بالجبال المحيطة بمكة ، وسكن معها بنو فهر بن مالك ، رهط أبي عبيدة بن الجراح وغيره(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَمَصٰابِيحِ الظُّلْمَةِ » إستعارعليه‌السلام لفظ المصابيح ، للأنبياء أيضاً. ووجه المشابهة كونهم مصابيح ظلمات الجهل يهتدى بهم من ظلمة الجهالة.

قولهعليه‌السلام : «وَيَنٰابِيعِ الْحِكْمَةِ » إستعارعليه‌السلام لفظ الينابيع للأنبياء أيضاً. ووجه المشابهة أنّ فيضان الحكمة يكون عنهم كما أنّ فيضان الماء يكون عن ينابيعه.

* * *

__________________

١ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٥ ، ح ٣٦٠٨ ، كتاب المناقب باب في فضل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٧ ، ص ١٨٢.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيٰا وَصَغَّرَهٰا ، وَأَهْوَنَ بِهٰا وَهَوَّنَهٰا ، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ زَوٰاهٰ عَنْهُ اخْتِيٰاراً ، وَبَسَطَهٰا لِغَيْرِهِ احْتِقٰارًا. فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيٰا بِقَلْبِهِ ، وَأَمٰاتَ ذِكْرَهٰا عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهٰا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلٰا يَتَّخِذَ مِنْهٰا رِيٰاشًا ، أَوْ يَرْجُوَ فِيهٰا مُقٰامًا ، بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِرًا ، ونَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِرًا ، وَدَعٰا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً ، وَخَوَّفَ مِنْ النّارِ مُحَذَّرِاً.

قولهعليه‌السلام : «قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيٰا وَصَغَّرَهٰا » أي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل الدنيا حقيرة وصغيرة ولذلك كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يبتعد عنها وعن لذّاتها ويصبر على محنتها ومصائبها وجوعها وغير ذلك.

وفي الحديث قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الدنيا دار من لا دار لها ، ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعي من لا يقين له(٢) .

وأخرجه إبن سعد في حديث : فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مالي وللدينا ، وما أنا والدنيا؟ ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَهْوَنَ بِهٰا وَهَوَّنَهٰا » أي جعلهاصلى‌الله‌عليه‌وآله هيّنة ذليلة في نظره.

وفي الحديث : أترون هذه السخلة هانت على أهلها حين ألقوها؟ فو الذي نفس محمّد بيده الدنيا أهون على الله من هذه السخلة

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٦٢ ، الخطبة ١٠٩.

٢ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٧ ، وأخرجه الكليني شطراً من الحديث في الكافي : ج ٨ ، ص ٢٧٤ ، ح ٨.

٣ ـ الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٣٦١ ، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوّة : ج ١ ، ص ٣٣٨.


على أهلها(١) .

وفي الكافي : عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : مرّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بجدي اُسك(٢) ملقىً على مزبلة ميّتاً ، فقال لأصحابه : كم يساوي هذا؟ فقالوا : لعلّه لو كان حيّاً لم يساو درهماً ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : والذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ زَوٰاهٰ عَنْهُ اخْتِيٰاراً » أي : إنّ الله عزّوجلّ إختار لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يعدل من الدنيا ويطوي عنها.

وفي الحديث ما زويت الدنيا عن أحد إلّا كانت خيرةً له(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَسَطَهٰا لِغَيْرِهِ احْتِقٰارًا » وفي الكافي : قال الباقرعليه‌السلام إيّاك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك ، فكفى بما قال الله عزّوجلّ لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ »(٥) . وقال : «وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا »(٦) فإن دخلك من ذلك شيئ فاذكر عيش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فانّما كان قوته الشعير ، وحلوا التمر ، ووقوده السعف إذا وجد(٧) .

ويشهد له أيضاً قوله تعالى : «وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا

__________________

١ ـ كنز العمّال : ج ٣ ، ص ٢١١ ، ح ٦٢٠١ ، ٦٢٠٢.

٢ ـ أسك : أي مقطوع الأذنين.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢٩ ، ح ٩ ، وأخرجه الهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ٢١٢ ـ ٢١٣ ، ح ٦٢٠٦ ، ٦٢٠٧.

٤ ـ الجامع الصغير : ج ٢ ، ص ٤٩٧ ، ح ٧٩١٧ ، وأخرجه الهندي في كنزل العمّال : ج ٣ ، ص ١٩٦ ، ح ٦١٤١.

٥ ـ التوبة : ٥٥.

٦ ـ طه : ١٣١.

٧ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٣٧ ـ ١٣٨ ، ح ١.


يَظْهَرُونَ *وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ *وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا »(١) .

قولهعليه‌السلام : «فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيٰا بِقَلْبِهِ ، وَأَمٰاتَ ذِكْرَهٰا عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهٰا عَنْ عَيْنِهِ » ولهذا نشاهد بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأمر عائشة بأن تحوّل الستر الذي جعلتها على الباب الذي فيه تمثال طائر عن وجهه الشريف لكي لا يذكر الدنيا كما جاء في صحيح مسلم. بإسناده عن عائشة ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل إستقبله ، فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : حوّلي هذا. فإنّي كلّما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا(٢) .

وفي الحديث : حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة(٣) .

وفي كنز العمّال : الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلّا ما كان فيها لله عزّوجلّ(٤) .

قولهعليه‌السلام : «لِكَيْلٰا يَتَّخِذَ مِنْهٰا رِيٰاشًا ، أَوْ يَرْجُوَ فِيهٰا مُقٰامًا » أي لا يتّخذها زينة وتجمّلاً ولا يجعلها دار قرار كما أشار بذلك مؤمن آل فرعون حيث يحكي عنه القرآن الكريم : «يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ »(٥) .

وفي الحديث : الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له ، و

__________________

١ ـ الزخرف : ٣٣ ـ ٣٥.

٢ ـ صحيح مسلم : ج ٣ ، ص ١٦٦٦ ، ح ٨٨ ، وأخرجه الهندي في كنزل العمّال : ج ٣ ، ص ٢٤٢ ، ح ٦٣٥٣ و ٦٣٥٤.

٣ ـ الجامع الصغير : ج ١ ، ص ٥٦٦ ، ح ٣٦٦٢ ، وتنبيه الخواطر : ج ١ ، ص ١٣٦.

٤ ـ كنز العمّال : ج ٣ ، ص ١٨٥ ، ح ٦٠٨٣ ، وص ١٨٧ ، ح ٦٠٨٨.

٥ ـ غافر : ٣٩.


عليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعي من لا يقين له(١) .

قولهعليه‌السلام : «بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً » لكي لا يبقى لأحد عذر عند المخالفة. قال الله تعالى : «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »(٢) . وقال الله تعالى : «لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ »(٣) . وقال الله تعالى : «قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ »(٤) .

أخرجه الكليني بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع ، فقال : يا أيها الناس والله ما من شيئ يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النّار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيئ يقرّبكم من النّار ويباعدكم من الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه ، ألا وإنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لن يموت نفس حتّى تستكمل رزقها ، فاتقوالله وأجملوا في الطلب ، ولا يحمل أحدكم إستبطاء شيئ من الرزق أن يطلبه بغير حلّه ، فإنّه لا يدرك ما عند الله إلّا بطاعته(٥) .

وقال الشيخ الصدوق في الخصال : في حديث : وقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنى حين قضى مناسكه في حجّة الوداع فقال : أيّها الناس أيّ يوم هذا؟ قالوا : يوم حرام ، ثم قال : يا أيّها الناس فأيّ شهر هذا؟ قالوا : شهر حرام ، قال : أيّها الناس أيّ بلد هذا؟ قالوا : بلد حرام ، قال : فإنّ الله عزّوجلّ حرّم

__________________

١ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٧ ، وأخرج الكليني شطراً من الحديث في الكافي : ج ٨ ، ص ٢٧٤ ، ح ٨.

٢ ـ النساء : ١٦٥.

٣ ـ الأنفال : ٤٢.

٤ ـ الأعراف : ١٧٢.

٥ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٧٤ ، ح ٢.


عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه ، ألا فليبلّغ شاهدكم غائبكم ، لا نبي بعدى ولا أُمّة بعدكم ، ثم رفع يديه حتّى أنه ليري بياض إبطيه ، ثم قال : اللّهم إشهد إنّي قد بلّغت(١) .

وفي الحديث : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حضر يوم وفاته مع شدّة مرضه المسجد ، وقال : أيّها الناس أنّه ليس بين الله وبين أحد شيئ يعطيه به خيراً ، أو يصرف به عنه شرّاً : إلّا العمل الصالح.

أيها الناس : لا يدّع مدّعٍ ولا يتمنّ متمنٍّ ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا ينجىٰ إلّا العمل مع رحمة الله ، وقال : لو عصيت لهويت ، وقال : اللّهم هل بلّغت ـ ثلاثاً ـ(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِرًا » اقتباس من قوله تعالى : «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ »(٣) ومن قوله تعالى : «قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ »(٤) . ومن قوله تعالى : «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا »(٥) .

«نصح» : أي أرشدصلى‌الله‌عليه‌وآله أمّته إلى مصالح الدين والدنيا ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وجلب خير الدنيا والآخرة إليهم خالصاً مخلصاً لوجه الله. ومن ثم قيل : النصيحة في وجازة لفظها وجميع معانيها كلفظ الفلاح الجامع لخير الدنيا والآخرة.

و «الاُمّة» : أي الجماعة وتأتي لمعان :

__________________

١ ـ الخصال : ص ٤٨٦ ـ ٤٨٧ ، ح ٦٣ ، أبواب الاثنىٰ عشر.

٢ ـ أعلام الورى : ص ١٣٤.

٣ ـ الرعد : ٧.

٤ ـ ص : ٦٥.

٥ ـ النازعات : ٤٥.


الجماعة مطلقاً ، وجماعة اُرسل إليهم رسول ، ويقال لكلّ جيل من الناس والحيوان : اُمّة. ومنه : لولا أنّ الكلاب اُمّة تسبّح لأمرت بقتلها(١) .

ومنه : إنّ إبراهيمعليه‌السلام كان اُمّة واحدة كما في قوله تعالى : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً»(٢) .

ومنه بمعنى حين كما قال الله : «وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ »(٣) .

هذا واُمّة النبي نوعان :

الأول : اُمّة الإجابة : وهم الذين أجابوا دعوته ، وصدّقوا نبوّته ، وآمنوا بما جاء به ، وهؤلاء هم الذين جاء مدحهم بالكتاب والسنّة كقوله تعالى : «جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٤) وكقوله : «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ »(٥) ولقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله «شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي»(٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ اُمّتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين»(٧) .

الثاني : اُمّة الدعوة : وهم الذين بعث إليهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من مسلم وكافر ، ومنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله «والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الاُمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي اُرسلت به إلّا كان من أصحاب النار»(٨)

قولهعليه‌السلام : «وَدَعٰا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً » أي مبشراً لمن سلك سبيل الله

__________________

١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٦٨.

٢ ـ النحل : ١٢٠.

٣ ـ يوسف : ٤٥.

٤ ـ البقرة : ١٤٣.

٥ ـ آل عمران : ١١.

٦ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ٢٣٦.

٧ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٤٠٠.

٨ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ١٣٤ ، ح ٢٤٠.


ونهجه المستقيم بما أعدّ له فيها من النعيم المقيم ، ويشهد له قوله تعالى : «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ »(١) ، وقوله تعالى : «وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ »(٢) ، وقوله تعالى : «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَخَوَّفَ مِنْ النّارِ مُحَذَّرِاً » أي حذّر النبيّ اُمّته من النّار التي هي أشدّ العذاب ، قال الله تعالى : «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ »(٤) ، وقال الله تعالى : «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ »(٥) ، وقال الله تعالى : «فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ »(٦) ، وقال الله تعالى : «وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ »(٧) ، وغيرها من الآيات الواردة في القرآن الكريم.

* * *

__________________

١ ـ التوبة : ٢١.

٢ ـ النساء : ١٣.

٣ ـ النسا : ٥٧ و ١٢٢.

٤ ـ البقرة : ٢٤.

٥ ـ البقرة : ٨٥.

٦ ـ البقرة : ٩٠.

٧ ـ البقرة : ١٨١.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَرْسَلَهُ دٰاعِياً إِلَى الْحَقِّ ، وَشٰاهِداً عَلَى الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسٰالٰاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وٰانٍ وَلٰا مُقَصِّرٍ ، وَجٰاهَدَ فِى اللهِ أَعْدٰاءَهُ غَيْرَ وٰاهِنٍ وَلٰا مُعْذِّرٍ. إِمٰامُ مَنِ اتَّقىٰ ، وَبَصِيرَةٌ مَنِ اهْتَدىٰ.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ دٰاعِياً إِلَى الْحَقِّ ، وَشٰاهِداً عَلَى الْخَلْقِ » اقتباس من قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا »(٢) فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يشهد على اُمته لمن يصدّقه ويكذّبه ، بل يشهد على جميع الاُمم السابقة بعد ما يشهد من أنفسهم شهيداً عليهم : قال الله تعالى : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا»(٣) .

وفي الجميع : في تفسير هذه الآية : قال : إنّ الله يستشهد يوم القيامة كلّ نبيّ على اُمّته فيشهد لهم وعليهم ، ويستشهد نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله على اُمّتهم.

وفي الآية مبالغة في الحثّ على الطاعة واجتناب المعصية والزجر عن كلّ ما يُستحىٰ منه علىٰ رؤوس الأشهاد ، لأنّه يشهد للإنسان وعليه يوم القيامة شهود عدول لا يتوقّف في الحكم بشهادتهم ولا يتوقّع القدح فيهم وهم الأنبياء والمعصومون والكرام الكاتبون والجوارح والمكان والزمان كما قال الله تعالى : «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ »(٤) . وقال تعالى : «مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٧٣ ، الخطبة ١١٦.

٢ ـ الأحزاب : ٤٥ ـ ٤٦.

٣ ـ النساء : ٤١.

٤ ـ البقرة : ١٤٣.


عَتِيدٌ »(١) وقال تعالى : «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا »(٢) وقال تعالى : «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ »(٣) .

وفي بعض الأخبار المكان والزمان يشهدان على الرجل بأعماله(٤) .

وفي الحديث عن الصادقعليه‌السلام في ذيل هذه الآية قال : إنّها نزلت في اُمّة محمّد وخاصة في كلّ قرن منهم إمام منّا شاهد عليهم ، ومحمّد شاهد علينا(٥) .

قولهعليه‌السلام : «فَبَلَّغَ رِسٰالٰاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وٰانٍ » التبليغ : الإيصال والإسم : البلاغ بالفتح. و «الرسالة» بالكسر ، لغة : اسم من الإرسال وهو التوجيه ، وعرفاً تكليف الله تعالى بعض عباده بواسطة ملك يشاهده ويشافهه أن يدعو الخلق إليه ويبلّغهم أحكامه ، وقد تطلق على نفس الأحكام المرسل به.

«غير وان» قال الجوهري : «الونىٰ» : الضعف والفتور ، والكلال والإعياء ، وتوانىٰ في حاجته : قصّر(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا مُقَصِّرٍ » أي في التبليغ حتّى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حضر يوم وفاته مع شدّة مرضه المسجد وقال : «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ »(٧) .

أيّها الناس لا يدّعي مدّع ولا يتمّنى متمنّ أنّه ينجور إلّا بعمل ورحمة ، ولو عصيت لهويت ، اللّهم هل بلّغت(٨) .

__________________

١ ـ ق : ١٨.

٢ ـ الإسراء : ٣٦.

٣ ـ النور : ٢٤ ـ ٢٥.

٤ ـ مجمع البيان : ج ٣ ـ ٤ ، ص ٤٩.

٥ ـ الكافي : ج ١ ، ص ١٩٠ ، ح ١.

٦ ـ الصحاح : ج ٦ ، ص ٢٥٣١.

٧ ـ البقرة : ٢٨١.

٨ ـ أعلام الورى : ١٣٤.


وقد خطبصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنى في حجّة الوداع خطبته المشهوره الذي أوصى الناس بالتقوى ، والخوف من الله ، وبالحساب ، وبيوم القيامة ، وأنّ المسلم أخو المسلم ، ولا يحلّ لإمرئ مسلم دم إمرئ مسلم وماله إلّا ما أعطاء بطيبة نفسه ، والحذر من الرجوع بعده كفّاراً ، ومن قتل الأبرياء لأجل الدنيا وغير ذلك من الموارد الهامة.

قولهعليه‌السلام : «وَجٰاهَدَ فِى اللهِ أَعْدٰاءَهُ غَيْرَ وٰاهِنٍ وَلٰا مُعَذِّرٍ » أي من غير ضعف ، والمعذّر بالتثقيل : من يأتى بالعذر باطلاً ، كما قال تعالى : «وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «إِمٰامُ مَنِ اتَّقىٰ» الإمام : ما يقتدى به من رئيس أو غيره فيطلق على الخليفة ، والعالم المقتدى به ، ومن يؤتم به في الصّلاة ، ويستوى فيه المذكر والمؤنث ، والمراد منه إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قدوة للمتقين.

قولهعليه‌السلام : «وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدىٰ» أي بصيرة لمن اهتدى بوسيلتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

* * *

__________________

١ ـ التوبة : ٩٠.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ،

وَتَنٰازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ ، فقفّىٰ بِهِ الرُّسُلَ ،

وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْىَ. فَجٰاهَدَ فِى اللهِ

الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ ، وَالْعٰادِلِينَ بِهِ.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » «الرسالة» بالكسر ، لغة : اسم من الإرسال وهو التوجيه ، وعرفاً تكليف الله تعالى بعض عباده بواسطة ملك يشاهده ويشافهه أن يدعو الخلق إليه ويبلّغهم أحكامه ، وقد تطلق على نفس الأحكام المرسل به.

و «حين فترة من الرسل» الفترة : أي ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان الذي إنقطعت فيه الرسالة ومنه «فترة ما بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسلام» هكذا ذكره إبن الأثير(٢) .

وفي شرح إبن أبي الحديد : الفترة بين الرسل : إنقطاع الرسالة والوحي ، وكذلك كان إرسال محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ بين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين عهد المسيحعليه‌السلام عهداً طويلاً أكثر الناس على أنّه ستماءة سنة ولم يرسل في تلك المدّة رسول(٣) .

ففي هذه الفترة الخالية من الرسول انحرفت الاُمّة عن مسيرها الديني والأخلاقي الموجب لنشر الظلم والعدوان والقتل والطرد فحينئذٍ تحتاج الاُمّة إلى قوانين جديدة حكيمة لنظم أمورهم الموجب لبعثة رسول لهم.

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ١٩١ ، الخطبة ١٣٣.

٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٤٠٨ ، مادة «فتر».

٣ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٣٨٨.


فبعثة نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله تكون أكبر نعمة للبشريّة الّتي تنفي عنهم ما كانوا عليه سابقاً من الظلم والعدوان وأنّه موجب لهدايتهم وإرشادهم وتعليمهم و كما دل عليه قوله تعالى : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَنٰازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ » أي تشتّت الآراء والأهواء الموجب لإختلاف الألفاظ على الألسن فحسب ، فكلّ طائفة تجادل مخالفيها بألسنتها نظير قول يوسفعليه‌السلام في ما حكى الله تعالى عنه : «مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَقَفّىٰ بِهِ الرُّسُلَ » قفيت على أثره بفلان أي إتّبعته إيّاه ، قاله الجوهري(٣) ومنه قوله تعالى : «ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْىَ » ختم الكتاب من باب ـ ضرب ـ وختم عليه ختماً : وضع عليه الخاتم وهو الطابع.

والوحي في اللغة : الإشارة والكتاب والإلهام وكلّ ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه فهو وحي ، وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعد ، وأوحى إليه بالألف مثله ، وهي لغة القرآن الفاشية ، ثم غلب إستعمال الوحي فيما يلقىٰ إلى الأنبياء من عند الله وحيث إنقطع الوحي بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذن ختم الله به الوحى فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء.

__________________

١ ـ الجمعة : ٢.

٢ ـ يوسف : ٤٠.

٣ ـ الصحاح : ج ٦ ، ص ٢٤٦٦ ، مادة «قفى».

٤ ـ الحديد : ٢٧.


قولهعليه‌السلام : «فَجٰاهَدَ فِى اللهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ » أي جاهد في سبيل الله المعرضون عن إتّباع أوامره ونواهيه.

قولهعليه‌السلام : «وَالْعٰادِلِينَ بِهِ » أي الجاعلين غير الله عديلاً له «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا »(١) .

* * *

__________________

١ ـ الإسراء : ٤٣.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

فَبَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ ٰٰادَهُ مِنْ عِبٰادَةِ الْأَوْثٰانِ إِلىٰ عِبٰادَتِهِ ، وَمِنْ طٰاعَةِ الشَّيْطٰانِ إِلىٰ طٰاعَتِهِ ، بِقُرْاٰنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبٰادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ ، وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ. فَتَجَلّىٰ لَهُمْ سُبْحٰانَهُ فِى كِتٰابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمٰا أَرٰاهُم مِنْ قُدْرَتِهِ ، وِخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمُثلٰاتِ ، وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمٰاتِ.

قولهعليه‌السلام : «فَبَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ بِالْحَقِّ » لقد اُمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بحمل الرسالة ، وتبليغ كلمة الله ، والدعوة إلى توحيده وعبادته ، وإصلاح البشريّة وإنقاذها من الكفر والظلم والفساد والخرافة. قال تعالى : «قُمْ فَأَنذِرْ »(٢) فانطلق مستجيباً لأمر الله يبشّر بدعوته ، ويدعو إلى سبيل ربّه فكان أوّل من دعاه وفاتحه بالدعوة وطلب منه التّصديق به زوجته خديجة بنت خويلد ، وإبن عمّه علي بن أبي طالبعليه‌السلام الذي كان صبّياً في العاشرة من عمره المبارك ، فآمنّا به وصدّقاه ، ثم استمرّت الدعوة إلى أن فوجئصلى‌الله‌عليه‌وآله بنداء آخر من الله تعالى : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(٣) فأخذصلى‌الله‌عليه‌وآله يبلّغ عشيرته.

وفي الحديث عن إبن عبّاس ، قال : صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم الصفا ، فقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش ، فقالوا : مالك؟

قال : أرأيتكم أن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٠٤ ، الخطبة ١٤٧.

٢ ـ المدثر : ٢.

٣ ـ الشعرا : ٢١٤.


تصدّقوني؟ قالوا : بلى ، قال : فإني «نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»(١) .

فقال أبولهب : تبّاً لك لهذا دعوتنا فنزلت سورة تبّت(٢) .

قولهعليه‌السلام : «لِيُخْرِجَ عِبٰادَهُ مِنْ عِبٰادَةِ الْأَوْثٰانِ إِلىٰ عِبٰادَتِهِ » الأوثان : جمع وثن ، وهو الصنم ، وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها ، قصّ الله تبارك وتعالى خبرها على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا »(٣) فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم وسمّوا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل : كلب بن وبرة من قضاعة ، إتّخذوا «ودّاً» بدومة الجندل(٤) .

وهذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ، إتّخذوا «سواعاً»(٥) .

وأنعم من طي وأهل جرش من مذحج إتخذوا «يغوث»(٦) .

وخيوان(٧) بطن من همدان إتخذوا «يعوق» بأرض همدان من أرض اليمن.

وذوالكلاع من حمير ، اتخذوا «نسراً» بأرض حمير(٨) وكانت

__________________

١ ـ سبأ : ٤٦.

٢ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٥٦ ـ ١٥٧ ، والمناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٤٦ ، وتاريخ الطبري : ج ١ ، ص ٥٤١ ، ٥٤٢.

٣ ـ نوح : ٢٣ ـ ٢٤.

٤ ـ دومة الجندل : حصن بين المدينة والشام ، وهو أقرب إلى الشام من المدينة.

٥ ـ سواع : اسم صنم كان يعبد في زمن نوح ، ثم صار لهذيل.

٦ ـ المعروف : أنّ جرش من حمير ، وانّ مذحج من كهلان بن سبأ.

٧ ـ خيوان : قرية لهم من صنعاء على ليلتين ممّا يلي مكة ، وكان بها يعوق.

٨ ـ كان هذا الصنم بأرض يقال لها : بلخع ، موضع من أرض سبأ.


«اللّات»(١) لثقيف بالطائف ، وكانت «مناة»(٢) للأوس والخزرج ، ومَن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد(٣) .

وكانت لقريش وبني كنانة «العزى»(٤) .

فالغاية من بعثتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما كانت إلّا تخلّص الإنسان من عبوديّة الأصنام إلى عبادة الله عزّوجلّ.

قولهعليه‌السلام : «وَمِنْ طٰاعَةِ الشَّيْطٰانِ إِلىٰ طٰاعَتِهِ » أي أنّ بعثتهصلى‌الله‌عليه‌وآله تكون لتهذيب النفس وإخراجها من طاعة الشيطان إلى طاعة الله سبحانه عزّوجلّ.

قولهعليه‌السلام : «بِقُرْاٰنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ » القرآن كتاب الله الذي نزل على عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، فهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا تنقضى عجائبه ، قال تعالى : «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ »(٥) . وقال : «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ »(٦) . وقال : «هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ »(٧) .

وفي الحديث : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من قرأ القرآن ثم رأى أن أحداً

__________________

١ ـ اللات : وهى أحدث من مناة ، وكانت صخرة مرّبعة.

٢ ـ وكانت مناة أقدمها كلّها ، ولم يكن أحد أشدّ إعظاماً لها من الاُوس والخزرج.

٣ ـ قديد : موضع قرب مكة : والمشلل : جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر.

٤ ـ العزى أحدث من اللات ومناة.

٥ ـ الإسراء : ٩.

٦ ـ إبراهيم : ١.

٧ ـ آل عمران : ١٣٨.


أوتي أفضل ممّا أوتي ، فقد استصغر ما عظّمه الله(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، فقيل : يا رسول الله وما جلاؤها؟ فقال : تلاوة القرآن وذكر الموت(٢) .

قولهعليه‌السلام : «لِيَعْلَمَ الْعِبٰادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ ، وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ » وقد تكفّل القرآن الكريم من خلال آياته المباركة بهداية الناس إلى الحقّ والعدل والخير في جميع شؤونهم عبر الأجيال والقرون لكي تتمّ الحجّة عليهم بمعرفتهم ربّهم الذي خلقهم حينما جهلوه ونادوه بألسنتهم بعد ما جحدوه ، وثبّتوه بقلوبهم بعد ما أنكروه.

قولهعليه‌السلام : «فَتَجَلّىٰ لَهُمْ سُبْحٰانَهُ فِى كِتٰابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ » قال تعالى : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «بِمٰا أَرٰاهُم مِنْ قُدْرَتِهِ» وذكّرهم من بدائع مصنوعاته وحكمته وعجائب مخلوقاته في البرّ والبحر ، قال تعالى : «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »(٤) وقال ايضاً : «وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ

__________________

١ ـ المحجّة البيضاء : ج ٢ ، ص ٢١٠.

٢ ـ المحجّة البيضاء : ج ٢ ، ص ٢١٠.

٣ ـ الأنفال : ٢.

٤ ـ البقرة : ١٦٤.


مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »(١) وقال الله تعالى : «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ » أي حذّرهم من نقمته ، قال الله تعالى : «إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ »(٣) وقال تعالى : «إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ »(٤) وقال تعالى : «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ *وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ *وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ »(٥) وغير ذلك من الآيات المشتملة على التحذير بقصص الأوّلين والتخويف بما جرى على السلف الماضين.

قولهعليه‌السلام : «وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلٰاتِ » المثلات بالضم : العقوبات ، أي كيف من أهلك الله عزّوجلّ منهم ، وأذهب آثارهم عن وجه الأرض بالعقوبات النازلة عليهم.

قولهعليه‌السلام : «وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمٰاتِ » أي استأصل من استأصله بما عذّبهم به مكافأة سوء أعمالهم.

* * *

__________________

١ ـ الروم : ٢٤.

٢ ـ الروم : ٢٢.

٣ ـ البقرة : ٥٩.

٤ ـ العنكبوت : ٣٤.

٥ ـ الصافات : ١٣٦ ـ ١٣٨.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ لٰا يُؤٰزىٰ فَضْلُهُ ، وَلٰا يُجْبَرُ فَقْدُهُ. أَضٰاءَتْ بِهِ الْبِلٰادُ بَعْدَ الضَّلٰالَةِ الْمُظْلِمَةِ ، وَالْجَهٰالَةِ الْغٰالِبَةِ ، وَالْجَفْوَةِ الْجٰافِيَةِ. وَالنّٰاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ ، يَحْيَوْنَ عَلىٰ فَتْرَةٍ وَيَمُوتُونَ عَلىٰ كَفْرَةٍ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ» النجيب : الكريم ، والنفيس في نوعه ، فعيل بمعنى فاعل ، من نجُبَ ـ كَكرُمَ ـ نجابة ، ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول : أي اللّباب الخالص ، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كريم النسب ، ولد في بيت من أرفع بيوت العرب شأناً وجلالة وأعلاها مجداً وشرفاً ، وأكثرها عزّة ومنعة ، وأكرمها نسباً وهو بذات نفسه ممتاز عن سائر شباب قريش ، بشرف نفسه وكمال خلقه ، ولقد. أجاد جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام في حديثه مع النجاشي : قائلاً إنّ الله بعث فينا رسولاً منّا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته(٣) .

وروى الطبري في تفسيره : عن سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن محمّدعليهما‌السلام في قوله : «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ »(٤) قال : لم يصبه شيئ من ولادة الجاهليّة قال : وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي خرجت من نكاح ، ولم

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٠٩ ـ ٢١٠ ، الخطبة ١٥١.

٢ ـ الأحزاب : ٤٠.

٣ ـ تفسير القرآن العظيم لإبن كثير : ج ٢ ، ص ٣٤٨ ، ص ٥٦.

٤ ـ التوبة : ١٢٨.


خرج من سفاح(١) .

وروى إبن كثير بإسناده عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام . قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولّدني أبي وأمّي لم يمسّني من سفاح الجاهليّة شيئ(٢) .

وعن إبن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح»(٣) .

قال الكلبي : كتبت للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خمسمأة اُم فما وجدت فيهنّ سفاحاً ولا شيئاً ممّا كان من أمرالجاهليّة(٤) .

قولهعليه‌السلام : «لٰا يُؤٰازىٰ فَضْلُهُ » أي لا يحاذي فضله من أحد ، روى الزمخشري وقال : لمّا حضر أبوطالب نكاح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة قال : ثم إنّ محمّد بن عبدالله إبن أخي ، من لا يوزن به فتى من قريش اِلا رجّح به برّاً وفضلاً وكرماً وعقلاً ، ومحتداً ونبلاً ، وإن كان في المال قلّ ، فإن المال ظل زائل ورزق حائل ، قد خطب خديجة بنت خويلد ، وبذل لها من الصدقات ما عاجله وآجله في مالي. وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل(٥) .

وقالوا : ـ لمّا تلجلج ورقة عمّ خديجة في الجواب في قبال أبي طالب مع كونه من القسيسين ، قالت خديجة نفسها ، قد زوجتك نفسى والمهر عليّ في مالي ، عند ذلك كما جاء فى المناقب قال بعض قريش : يا عجبا!

__________________

١ ـ جامع البيان في تفسير القرآن : ج ٧ ـ المجلّد الحادي عشر : ص ٥٦.

٢ ـ تفسير القرآن العظيم لإبن كثير : ج ٢ ، ص ٣٤٨.

٣ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٥١.

٤ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٥٠.

٥ ـ ربيع الأبرار : ج ٤ ، ص ٢٩٩ ـ ٣٠٠.


أيمهر النساء الرجال؟ ـ أي أيكون ـ المهر على النساء للرجال! فغضب أبوطالب غضباً شديداً وقام على قدميه ـ وكان ممّن تهابه الرجال وتكره غضبه ـ وقال : إذا كانوا مثل إبن أخي هذا طلبت الرجال بأغلا الأثمان ، وإذا كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلّا بالمهر الغالي ، فقال رجل من قريش يقال له : عبدالله بن غنم.

هنياً مريئاً يا خديجة قد جرت

لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوجته خير البرية كلّها

ومن ذا الذي في الناس مثل محمّد

وبشّر به المرءان عيسى بن مريم

وموسى بن عمران فيا قرب موعد

أقرّت به الكتاب قدماً بأنّه

رسول من البطحاء هادٍ ومهتدي(١)

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا يُجْبَرُ فَقْدُهُ » أي لا يسدّ أحدٌ مسدّه بعده.

وفي الكافي : عن الباقرعليه‌السلام قال : إن أصبت بمصيبة في نفسك ، أو في مالك ، أو في ولدك ، فاذكر مصابك بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثله قط(٢) .

قولهعليه‌السلام : «أَضٰاءَتْ بِهِ الْبِلٰادُ بَعْدَ الضَّلٰالَةِ الْمُظْلِمَةِ » أي بعد ما ملئت الأرض ظلماً وجوراً ، والجاهليّة قد استطال ظلامها فغشيت العيون والقلوب وغدت الأرض مرتعاً للظلم والفساد ، وكان لابدّ أن يشرق

__________________

١ ـ مناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٤٢.

٢ ـ الكافي : ج ٣ ، ص ٢٢ ، ح ٢.


اللطف الإلٰهي في ربوع الأرض ، وتتجدّد رسالة الله سبحانه للإنسان فيخاطبه بالكلمة الحق ، ويبلّغه بدعوة الهدى ، وشاء الله أن يولد النور في رحاب مكّة ويشعّ الوحي في سمائها المقدّس ويتعالى صوت التوحيد في الحرم الأمن.

قولهعليه‌السلام : «وَالْجَهٰالَةِ الْغٰالِبَةِ » أي أنّ الجهل والاُميّة والخرافة كانت تسيطر على قبائل العرب المتناثرة في جزيرتها الموحّشة الجرداء.

قولهعليه‌السلام : «وَالْجَفْوَةِ الْجٰافِيَةِ » أي مبالغةً في الغلظة والشدّة فكانت قلوبهم في الجاهليّة قاسية ، ونفوسهم شقيّة ، والقتل وسفك الدماء بينهم مستمرّة وكان الأب إذا وَلدَت امرأته بنتاً ، سيطر عليه الهم والخزن ، وشَعَر بالخوف من العار وسوء السمعة. ولجأ إلى قتلها أو دفنها حيّة ، فكانت المرأة ضحيّة هذه العقليّة المتخلّفة ، والأعراف الإجتماعيّة البالية ، حتّى بلغت الجريمة والقساوة والوحشيّة بأولئك القساة الجناة أن يدفنوا بناتهم وهنّ أحياء للتخلّص من الإنفاق عليهنّ ، ومن العار والشنار الذي يخشون وقوعه من المرأة ويسجّل القرآن تلك المشاهد المأسويّة في تاريخ المرأة المنكوبة وينتصر لها ويدافع عن إنسانيّتها المعذّبة ، فينادي في مجتمع العرب آنذاك مستنكراً أعرافهم ومواقفهم بقوله : «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ »(١) ثم يرفع صوته مرة اُخرى مدافعاً عن إنسانيّة المرأة وكرامتها ويقول : «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ »(٢) .

وهكذا يحدّث لنا الأحاديث ما سجّل تلك المواقف المخزية بحق

__________________

١ ـ النحل : ٥٨ ـ ٥٩.

٢ ـ التكوير : ٨ ـ ٩.


المرأة فعن إبن عبّاس المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها فإن ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة ، وإن ولدت غلاماً حبسته(١) .

وفي الكافي عن الصادقعليه‌السلام : جاء رجل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : إني قد ولدت لي بنتاً وربّيتها حتّى إذا بلغت ، فألبستها وحليتها ، ثم جئت بها إلى قليب ، فدفعتها في جوفه ، وكان آخر ما سمعت منها ، وهي تقول : يا أبتاه فما كفارة ذلك؟(٢) الحديث.

قولهعليه‌السلام : «وَالنّٰاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ » أي يحللّون المحرمات بلا مبالاة. وقد كان الأبناء يرثون زوجات الآباء ويتزوّجونهنّ ، تلك الظاهرة البشعة التي أشار إليها القرآن الكريم وحرّم الإقدام عليها بقوله : «وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ » أي العليم. قال تعالى : «وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا »(٤) ولقد كان الأعراب في زمن الجاهليّة يستذلّون أهل العلم والحكمة والفضيلة بزعمهم أن هؤلاء لمّا كانوا يجتنبون الأفعال القبيحة والأعمال السيّئة فهذا لا يكون إلّا عن خوف وجبن وضعف ولهذا كانوا يستذلّونهم ، ففي هذا الزمان إستطاع الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بمشيئة الله ولطفه أن ينقذ البشريّة ، من الحياة الجاهليّة بكل أبعادها ومرارتها وإنحطاطها الأخلاقي والعقائدي والإجتماعي ، و

__________________

١ ـ مجمع البيان : ج ٩ ـ ١٠ ، ص ٤٤٤.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٦٢ ، ح ١٨.

٣ ـ النساء : ٢٢.

٤ ـ البقرة : ٢٦٩.


يضعها على طريق المدنيّة والإستقامة السلوكيّة مبتدءً ، بمن حوله من العرب ، وممتدّاً برسالته العالميّة التي حملها من بعده اُمّته ، وبشّر بها الدعاة إلى الله سبحانه في كل مكان إلى عصرنا هذا وإلى هذا وصف سبحانه وتعالى رسالة نبيّه بقوله : «قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ »(١)

قولهعليه‌السلام : «يَحْيَوْنَ عَلىٰ فَتْرَةٍ » أي زمان إنقطاع الوحي بين عيسىعليه‌السلام ونبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله الموجب للغفلة عن الربّ الذي خلق خلقهم ورزقهم.

قولهعليه‌السلام : «وَيَمُوتُونَ عَلىٰ كَفْرَةٍ » لعدم هادٍ لهم ولكي يهتدون بهداء في تلك الفترة ، فيموتون على الكفر والضلال ولقد قال حسّان في النبيّ :

رسول أتانا بعد يأس وفترة

من الرسل والأوثان في الأرض تعبد

ولقد أوضح المؤرّخون وشرحوا لنا الوضعيّة الإجتماعيّة المنهارة آنذاك ، وصورة الإنحطاط والمعاملة الوحشية بين الناس.

وهكذا تتجسّد طبيعة ذلك المجتمع الجاهلي المتخلّف ، تلك الطبيعة التي وصفها جعفر بن أبي طالبصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديثه للنجاشي ملك حبشه بقوله : أيها الملك كنّا أهل جاهليّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف. حتّى بعث الله إلينا رسولاً منّا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئاً ، ونخلع ما كنّا نعبد من الأصنام.

__________________

١ ـ المائدة : ١٥ ـ ١٦.


وأن نترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ، وبالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرّحم وحسن الجوار ، وحرّم الظلم ، والجور وسفك الدماء بغير حقّها ، والزنا والربا وأكل الميتة والدم ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم والبغى والمنكر فقال الملك : بهذا بعث الله تعالى عيسى بن مريم(١) .

* * *

__________________

١ ـ تفسير القمي : ج ١ ، ص ١٧٧ وأخرجه أحمد في مسنده مفصلاً : ج ١ ، ص ٢٠١ ، ج ٥ ، ص ٢٩٠ ، إبن الأثير في الكامل : ج ٢ ، ص ٨٠.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ،

وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ، وَانْتِقٰاضٍ

مِنَ الْمُبْرَمِ. فَجٰاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِى

بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدىٰ بِهِ.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ عَلىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » الفترة : أي ما بين الرسولين من رسل الله تعالى من الزمان الذي إنقطعت فيه الرسالة ومنه «فترة ما بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسلام» هكذا ذكره إبن الأثير(٢) .

وفي شرح إبن أبي الحديد : الفترة بين الرسل : إنقطاع الرسالة والوحي ، وكذلك كان إرسال محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ بين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين عهد المسيحعليه‌السلام عهداً طويلاً أكثر الناس على أنّه ستماءة سنة ولم يرسل في تلك المدّة رسول(٣) .

ففي هذه الفترة الخالية من الرسول انحرفت الاُمّة عن مسيرها الديني والأخلاقي الموجب لنشر الظلم والعدوان والقتل والطرد فحينئذٍ تحتاج الاُمّة إلى قوانين جديدة حكيمة لنظم أمورهم الموجب لبعثة رسول لهم. فبعثة نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله تكون أكبر نعمة للبشريّة الّتي تنفي عنهم ما كانوا عليه سابقاً من الظلم والعدوان وأنّه موجب لهدايتهم وإرشادهم

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٢٣ ، الخطبة ١٥٨.

٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٤٠٨ ، مادة «فترة».

٣ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ٦ ، ص ٣٨٨.


وتعليمهم و كما دل عليه قوله تعالى : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ » الهجعة : النوم ليلاً كذا ذكره الجوهري(٢) . والاُمم : جمع اُمّة وهي الجماعة ، وأصلها القصد من أمّه يأمّه أمّاً : إذا قصده ، كأنّهم قصدوا أمراً واحداً وجهة واحدة ، وتأتي لمعانٍ.

منها : الجماعة مطلقاً.

ومنها : جماعة اُرسل إليهم رسول.

ومنها : يقال لكلّ جيل من الناس والحيوان : اُمّة ، ومنه الحديث : لولا أنّ الكلاب اُمّة تسبّح لأمرت بقتلها(٣) .

ومنها : إن إبراهيمعليه‌السلام كان اُمّة واحدة كما في قوله تعالى : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً »(٤) .

ومنها : بمعنى حين كما في قوله تعالى : «وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ »(٥) .

هذا وأن اُمّة النبيّ تكون نوعان :

النوع الأوّل : اُمّة الإجابة : وهم الذين أجابوا دعوته ، وصدّقوا نبوّته ، وآمنوا بما جاء به ، وهؤلاء هم الذين جاء مدحهم بالكتاب والسنّة : كقوله تعالى : «جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا »(٦) وكقوله : «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ »(٧) .

وكقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي»(٨) .

__________________

١ ـ الجمعة : ٢.

٢ ـ الصحاح : ج ٣ ، ص ١٣٠٥ ، مادة «هجع».

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٦٨.

٤ ـ النحل : ١٢٠.

٥ ـ يوسف : ٤٥.

٦ ـ البقرة : ١٤٣.

٧ ـ آل عمران : ١١٠.

٨ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ٢٣٦.


وفي حديث آخر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أن اُمّتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين»(١) .

النوع الثاني : اُمّة الدعوة : وهم الذين بعث اليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من مسلم وكافر ، ومنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الاُمّة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي اُرسلت به إلّا كان من أصحاب النار(٢) .

فهؤلاء هم الذين بعث الله إليهم النبيّ في زمان الفترة التي كانوا يعيشون في ظلمة الجهل والضلال غافلين عن أمر المعاد ، وكان الفقر والمرض تسيطران عليهم بحيث دعت بعضم إلى قتل أولادهم والتخلّص منهم خشية إملاق وخوفاً من الإرتزاق عليهم.

قولهعليه‌السلام : «وَانْتِقٰاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ » أبرم الحبل : جعله طاقين ثم قتله ، وأبرم الأمر : أحكمه ، والمراد انقض الديانات الإلٰهيّة وأحكامها بالقوانين الشرع المبين.

قولهعليه‌السلام : «فجٰاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ» أي جاءهم الرسول مصدّقاً لما قبله ، فيكون التصديق وصفاً لنفس الرسول كقوله تعالى : «وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ »(٣) .

ويمكن أن يكون الباء للتعدية فالمعنى أنه أتاهم بكتاب أي بالقرآن فيه تصديق الذي بين يديه ، فيكون المصدق هو الكتاب كما قال الله تعالى «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ »(٤) .

__________________

١ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٢ ، ص ٤٠٠.

٢ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ١٣٤ ، ح ٢٤٠.

٣ ـ البقرة : ١٠١.

٤ ـ آل عمران : ٣.


قولهعليه‌السلام : «وَالنُّورِ الْمُقْتَدىٰ بِهِ » أي القرآن الذي هو نور يهتدى به في ظلمات الجهل ، ويقتدى بأحكامه وسننه كما في قوله تعالى : «قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ »(١) .

* * *

__________________

١ ـ المائدة : ١٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَلَقَدْ كٰانَ فِى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ كٰافٍ لَكَ فِى الْأُسْوَةِ ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلىٰ ذَمِّ الدُّنْيٰا وَعَيْبِهٰا ، وَكَثْرَةِ مَخٰازِيهٰا وَمَسٰاوِيهٰا ، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرٰافُهٰا ، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنٰافُهٰا ، وَفُطِمَ عَنْ رِضٰاعِهٰا ، وَزُوِىَ عَنْ زَخٰارِفِهٰا. فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسّىٰ ، وَعَزٰاءً لِمَنْ تَعَزّىٰ. وَأَحَبُّ الْعِبٰادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّى بِنَبِيِّهِ ، وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ. قَضَمَ الدُّنْيٰا قَضْماً ، وَلَمْ يُعِرْهٰا طَرْفاً ، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيٰا كَشْحًا ، وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيٰا بَطْنًا. عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيٰا فَأَبىٰ أَنْ يَقْبَلَهٰا ، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحٰانَهُ أَبْغَضَ شَيْئًا فَأَبْغَضَهُ ، وَحَقَّرَ شَيْئًا فَحَقَّرَهُ ، وَصَغَّرَ شَيْئًا فَصَغَّرَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينٰا إِلّٰا حُبُّنٰا مٰا أَبْغَضَ اللهُ وَتَعْظِيمُنٰا مٰا صَغَّرَ اللهُ ، لَكَفىٰ بِهِ شِقٰاقًا لِلّٰهِ ، وَمُحٰادَّةً عَنْ أَمْرِ اللهِ. وَلَقَدْ كٰانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ، وَيَرْكَبُ الْحِمٰارَ الْعٰارِىَ ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ. وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلىٰ بٰابِِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصٰاوِيرُ ، فَيَقُولُ يٰا فُلٰانَةُ ـ لِإِحْدىٰ أَزْوٰاجِهِ ـ غَيِّبِيِه عَنِّي ، فِإِنِّي إِذٰا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيٰا وَزَخٰارِفَهٰا ، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيٰا بِقَلْبِهِ ، وَأَمٰاتَ ذِكْرَهٰا مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهٰا عَنْ عَيْنِهِ. لِكَيْلٰا يَتَّخِذَ مِنْهٰا رِيٰاشًا ، وَلٰا يَعْتَقِدَهٰا قَرٰارًا ، وَلٰا يَرْجُوَ فِيهٰا مُقٰامًا ، فَأَخْرَجَهٰا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهٰا عَنِ الْقَلْبِ ، وَغَيَّبَهٰا عَنِ الْبَصَرِ. وَكَذٰلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ. وَلَقَدْ كٰانَ فِى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ مٰا يَدُلُّكَ عَلىٰ مَسٰاوِى الدُّنْيٰا وَ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٢٦ ـ ٢٢٩ ، الخطبة ١٦٠.


عُيُوبِهٰا ، إِذْ جٰاعَ فِيهٰا مَعَ خٰاصَّتِهِ ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخٰارِفُهٰا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ. فَلْيَنْظُرْ نٰاظِرٌ بِعَقْلِهِ أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّدًا بِذٰلِكَ أَمْ أَهٰانَهُ. فَإِنْ قٰالَ أَهٰانَهُ ، فَقَدْ كَذَبَ وَاللهِ الْعَظِيمِ وَأَتىٰ بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ ، وَإِنْ قٰالَ أَكْرَمَهُ ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهٰانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيٰا لَهُ ، وَزَوٰاهٰا عَنْ أَقْرَبِ النّٰاسِ مِنْهُ. فَتَأَسّىٰ مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ ، وَإِلّٰا فَلٰا يَأْمَنُ الْهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ عَلَمًا لِلسّٰاعَةِ ، وَمُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ ، وَمُنْذِرًا بِالْعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيٰا خَمِيصًا ، وَوَرَدَ الْاٰخِرَةَ سَلِيمًا. لَمْ يَضَعْ حَجَرًا عَلىٰ حَجَرٍ حَتّىٰ مَضىٰ لِسَبِيلِهِ ، وَأَجٰابَ دٰاعِىَ رَبِّهِ. فَمٰا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنٰا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنٰا بِهِ سَلَفًا نَتَّبِعُهُ ، وَقٰائِدًا نَطَأُ عَقِبَهُ.

قولهعليه‌السلام : «وَلَقَدْ كٰانَ فِى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ كٰافٍ لَكَ فِى الْأُسْوَةِ » لمّا كانت شخصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد مثّلث قمّة التسلسل بالنسبة لدرجات الشخصيّة الإسلاميّة التي توجد عادة في دنيا الإسلام. فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله عظيماً في فكره ووعيه ، قمّة في عبادته وتعلّقه بربّه الأعلى ، رائداً في أساليب تعامله مع أسرته والناس جميعاً ، مثاليّاً في حسم الموقف والصدق في المواطن ، ومواجهة المحن فما من فضيلة إلّا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سابق إليها ، وما من مكرمة إلّا وهو متقلّد لها.

ومن أجل هذا ألزمنا الله بوجوب سلوك سبيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من لدن اُمّته بامتدادها التاريخي في القول والعمل والأنشطة كافة وقال الله تعالى : «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ »(١) ، وهذا هو السر الذي جعل سيرة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله العطرة وسنّته المباركة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد الذكر الحكيم.

__________________

١ ـ الأحزاب : ٢١.


قولهعليه‌السلام : «وَدَلِيلٌ لَكَ عَلىٰ ذَمِّ الدُّنْيٰا وَعَيْبِهٰا » السير الصحيح الموجب للسعادة الأبديّة للمجتمع الإنساني في الحياة الدنيويّة المستفاد من الآيات القرآنيّة والسنّة النبويّة والأحاديث تبرهن لنا بعدم التوجّه إلى زخارف الدنيا وعدم الركون إليها قال الله تعالى : «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ »(١) ، وقال الله تعالى : «إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ »(٢) ، وقال الله تعالى : «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ »(٣) ، وغير ذلك من الآيات الواردة في المقام. ويشهد له ما عن سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «الدنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر»(٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى(٥) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عجبا كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود ، وهو يسعي لدار الغرور(٦) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلّا ما كان لله منها(٧) .

وقال الغزالي : روي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقف على مزبلة ، فقال :

__________________

١ ـ الحديد : ٢٠.

٢ ـ محمّد : ٣٦.

٣ ـ الأنعام : ٣٢.

٤ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٦.

٥ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٦.

٦ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٦.

٧ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٦.


«هلمّوا إلى الدنيا ، وأخذ خرقاً قد بليت على تلك المزبلة ، وعظاماً قد نخرت ، فقال : هذه الدنيا(١) .

وفي بحار الأنوار : روي أنّ عثمان بن مظعون لمّا كشف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الثوب عن وجهه ، ثم قبّل ما بين عينيه ، ثم بكىٰ طويلاً ، فلمّا رفع السرير ، قال : طوباك يا عثمان ، لم تلبسك الدنيا ، ولم تلبسها(٢) .

كما يشهد له ما ورد عن سيد الوصيين أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام حيث قال :

الدنيا : سوق الخسران(٣) .

الدنيا : مصرع العقول(٤) .

الدنيا : مطلّقة الأكياس(٥) .

الدنيا : سم آكله من لا يعرفه(٦) .

الدنيا : معدن الشرّ ومحل الغرور(٧) .

الدنيا : مزرعة الشرّ(٨) .

الدنيا : منية الأشقياء(٩) .

الدنيا : تُذِلّ(١٠) .

الدنيا : ضحكة مستعبر(١١) .

قولهعليه‌السلام : «وَكَثْرَةِ مَخٰازِيهٰا » المخازي : جمع مخزاة ، أي الخصلة القبيحة.

__________________

١ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٧.

٢ ـ بحارالأنوار : ج ٨٢ ، ص ٩١ ، ح ٤٣.

٣ ـ غررالحكم : ٣٩٦.

٤ ـ غررالحكم : ٩٢١.

٥ ـ غررالحكم : ٤٤١.

٦ ـ غررالحكم : ١٤١١.

٧ ـ غرر الحكم : ٤٠١.

٨ ـ غررالحكم : ١٤٧٣.

٩ ـ غررالحكم : ٦٩٤.

١٠ ـ غررالحكم : ٤٤٢.

١١ ـ غررالحكم : ٣.


قولهعليه‌السلام : «وَمَسٰاوِيهٰا » أي نقائصها ومعائبها ، ويشهد له قولهعليه‌السلام : من كانت الدنيا همّته اشتدّت حسرته عند فراقها(١) .

قولهعليه‌السلام : «إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرٰافُهٰا » ويشهد له ما أخرجه الكليني عن أبي عبداللهعليه‌السلام ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ في طلب الدّنيا إضراراً بالآخرة ، وفي طلب الآخرة إضراراً بالدّنيا ، فأضرّوا بالدّنيا فإنّها أولى بالإضرار(٢) .

وعنهعليه‌السلام : قال : إنّ في كتاب علي صلوات الله عليه : إنّما مثل الدنيا كمثل الحيّة ما ألين مسّها؟ وفي جوفها السمّ الناقع ، يحذرها الرجل العاقل ، ويهوي إليها الصبي الجاهل(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنٰافُهٰا » أي جوانبها ، وفي الحديث عن علي بن الحسين بن رباط قال : شكى رجل إلى أميرالمؤمنينعليه‌السلام الحاجة ، فقال له : إعلم أنّ كلّ شيئ تصيبه من الدنيا فوق قوتك فإنّما أنت فيه خازن لغيرك(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَفُطِمَ مِنْ رِضٰاعِهٰا » أي قطع عن رضاعها ، والتقم غيره ضرعها ، لشدّة حبّ أهل الدنيا بها.

قولهعليه‌السلام : «وَزُوِىَ عَنْ زَخٰارِفِهٰا » أي تنحّى عن زينتها ، ويشهد له ما أخرجه السيوطى في الجامع الصغير : ما زويت الدنيا عن أحدٍ إلاّ كانت خيرة له(٥) .

__________________

١ ـ بحارالأنوار : ج ٧١ ، ص ١٨١.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٣١ ، ح ١٢.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٣٦ ، ح ٢٢.

٤ ـ الخصال : ص ١٦ ، ح ٥٨.

٥ ـ الجامع الصغير : ج ٢ ، ص ٤٩٧ ، ح ٧٩١٧. وأخرجه الهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ١٩٦ ، ح ٦١٤١.


قولهعليه‌السلام : «فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسّىٰ » لمّا كانت شخصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من نمط خاص فكراً وعملاً ، وعلى المستوى الفردي والإجتماعي ، فأنّه في كل شأن من شؤون حياته ، لاتباري عظمته ولا تطاول قمّة مجده جدير بأن يتأسى به كل مؤمن موحد.

قولهعليه‌السلام : «وَعَزٰاءً لِمَنْ تَعَزّىٰ » أي من أراد أن ينتسب فحقيق أن ينتسب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قولهعليه‌السلام : «وَأَحَبُّ الْعِبٰادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّى بِنَبِيِّهِ » ويشهد له قوله تعالى : «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ » أي : المتّبع لأمره يفعل ما يفعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويترك ما يتركهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنه قوله تعالى : «وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «قَضَمَ الدُّنْيٰا قَضْماً » أي تناول منها قدر الكفاف ، وبمقدار الضرورة ، وقال الجوهري : القضم : «الأكل بأطراف الأسنان ، والخضم : أكل بجميع الفم(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَلَمْ يُعِرْهٰا طَرْفاً » الطرف أي النظر بمؤخر العين وفي تاج العروس نقلاً عن المحكم طرف يطرف طرفاً : لحظ(٤) .

وفي الحديث : وكان نظرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللحظ بعينه(٥) فمرادهعليه‌السلام من قوله : «لم يعرها طرفاً» أي لم يعطها لحظة على وجه العاريه وهذا كناية عن

__________________

١ ـ آل عمران : ٣١.

٢ ـ القصص : ١١.

٣ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ٢٠١٣ ، مادة «قضم».

٤ ـ تاج العروس : ج ٢٤ ، ص ٧٥ ، مادة «طرف».

٥ ـ مكارم الأخلاق : ج ١ ، ص ٦٢.


عدم إلتفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الدنيا أبداً.

قولهعليه‌السلام : «أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيٰا كَشْحًا » قال الجوهري نقلاً عن إبن السكيت : الهَضَم بالتحريك : إنضمام الجنين ورجلٌ أهْضَمُ بيّن الهضم(١) والكشح : ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيٰا بَطْنًا » وفي الصحاح : الخمصة : الجوعة(٣) وهذا كناية عن كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشد الناس جوعاً وأقلّهم شبعاً.

وفي الكافي : عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : ما أعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئ من الدنيا إلّا أن يكون فيها جائعاً خائفاً(٤) .

وفي روضة الواعظين : عن العيص بن القاسم : قال : قلت للصادقعليه‌السلام : حديث يروى عن أبيكعليه‌السلام أنّه قال : ما شبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خبز برقط ، أهو صحيح؟.

فقال : لا ما أكلّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبز برقط ، ولا شبع من خبر شعير قط. قالت عائشة : ما شبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خبز الشعير حتّى مات(٥) وأخرجه البيهقى : عن عائشة ، قالت : ما شبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثة أيّام تباعاً حتّى مضى سبيله(٦) .

وأخرجه البيهقي : عن عائشة ايضاً ، قالت : ما شبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتّى قبض(٧) .

__________________

١ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ٢٠٦٠ ، مادة «هضم».

٢ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٣٩٩ ، مادة «كشح».

٣ ـ الصحاح : ج ٣ ، ص ١٠٣٨ ، مادة «خمص».

٤ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢٩ ، ح ٧.

٥ ـ روضة الواعظين : ص ٤٥٦.

٦ ـ دلائل النبوّة : ج ١ ، ص ٣٤٠.

٧ ـ دلائل النبوّة : ج ، ص ٣٤٣.


وأخرجه الغزالي عن أنس قال : جاءت فاطمة صلوات الله عليها بكسرة خبز إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : ما هذه الكسرة؟ قالت : قرص خبزته ولم تطب نفسي حتّى أتيتك منه بهذه الكسرة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما أنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام(١) .

وفي عرائس الثعلبي بإسناده عن جابر الأنصاري : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقام أيّاماً لم يطعم طعاماً حتّى شقّ ذلك عليه ، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئاً ، فأتى فاطمةعليهما‌السلام فقال : يا بنيّة هل عندك شيئ آكل فإنّي جائع؟ فقالت : لا والله بأبي أنت واُمّي ، فلّما خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين ، وبضعة لحم. فأخذته منها ووضعته في جفنة ، وغطّت عليه ، وقالت لأوثرنّ بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على نفسي ومن عندي ، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة من طعام ، فبعثت حسناً وحسيناً إلى جدّهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرجع إليها ، فقالت بأبي أنت وأمي يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أتانا الله بشيىء فخبّأته لك.

قال : فهلّمي به فكشف عن الجفتة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً. فلمّا نظرت إليه ، بهتت ، وعرفت أنّها من بركة الله ، فحمدت الله تعالى وصلّت على نبيّه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أين لك هذا يا بنيّة؟ «قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ »(٢) فحمد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل ، فإنّها كانت إذا رزقها الله رزقاً حسناً فسئلت عنه «قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ »(٣) (٤) .

__________________

١ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٩٠.

٢ ـ آل عمران : ٣٧.

٣ ـ آل عمران : ٣٧.

٤ ـ العرائس للثعلبي : ٣٧٣.


قولهعليه‌السلام : «عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيٰا فَأَبىٰ أَنْ يَقْبَلَهٰا » أخرجه الصدوق في عيون أخبار الرضا بإسناده عن إبن بابويه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتاني ملك ، فقال : يا محمّد إنّ ربّك عزّوجلّ يقرؤك السلام ويقول : إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهباً ، قال : فرفع رأسه إلى السماء ، وقال : يا رب أشبع يوماً فأحمدك ، وأجوع يوماً فأسألك(١) .

أخرجه الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد المؤمن الأنصاري ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : عرضت عليّ بطحاء مكة ذهباً ، فقلت : يا ربّ لا ، ولكنّي أشبع يوماً وأجوع يوماً ، فإذا شبعت حمدتك وشكرتك ، وإذا جعت دعوتك وذكرتك(٢) .

وقال الغزالي : وفي الخبر : أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجوع من غير عوز(٣) .

وعنه أيضاً : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة ، وأنّ أبغض الناس إلى الله المتخمّون الملأى ، وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلّا كانت له درجة في الجنّة(٤) .

وعنه ايضاً قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفضلكم عندالله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعاً وتفكّراً في الله سبحانه(٥) .

__________________

١ ـ عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ٣٠ ، ح ٣٦ ، وأخرجه المفيد في أماليه ص ١٢٤ ، ح ١ ، المجلس ١٥ ، والترمذي في سننه : ج ٤ ، ص ٤٩٧ ، ح ٢٣٤٧ ، باب ٣٥ ، ما جاء في الكفاف والصبر عليه. وأحمد في مسنده : ج ٥ ، ص ٢٥٤ ، والهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ١٩٣ ، ح ٦١٢٠.

٢ ـ الأمالي للشيخ الطوسي : ص ٦٩٣ ، ح ١٤٧٢ / ١٥ ، مجلس ٣٩ ، وأخرجه الكليني في الكافي : ج ٨ ، ص ١٣١ ، ح ١٠٢ ، والهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ١٩٣ ، ح ٦١٢٠.

٣ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٨٨.

٤ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٩٠.

٥ ـ إحياءالعلوم : ج ٣ ، ص ٨٨.


وأخرجه الكليني بإسناده عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام ، قال : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض ، فقال : يا محمّد هذه مفاتيح خزائن الأرض يقول لك ربّك : إفتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئاً عندي ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له ، فقال الملك : والذي بعثك بالحق نبيّا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحٰانَهُ أَبْغَضَ شَيْئًا فَأَبْغَضَهُ » أي إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يبغض ما يبغضه الله شيئاً لأوليائه لأنّه لا شاء إلاّ ما يشاء الله.

وفي الكافي عن الصادقعليه‌السلام قال : في مناجاة موسىعليه‌السلام يا موسى إنّ الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته وجعلتها ملعونة ، ملعون ما فيها إلّا ما كان فيها لي(٢) .

وفي كنز العمّال : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لله عزّوجلّ(٣) .

وايضاً فيه : إنّ الله لم يخلق خلقاً هو أبغض إليه من الدنيا ، وما نظر إليها منذ خلقها بغضاً لها(٤) .

وقال الغزالي : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ الله لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا وأنّه منذ خلقه لم ينظر إليها(٥) .

__________________

١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢٩ ، ح ٨ ، وأخرجه الهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ١٨٦ ، ح ٦٠٨٦.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٣١٧ ، ح ٩.

٣ ـ كنزالعمّال : ج ٣ ، ص ١٨٥ ، ح ٦٠٨٣ و ٦٠٨٤ و ٦٠٨٥ و ٦٠٨٨ ، وإحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٦.

٤ ـ كنز العمال : ج ٣ ، ص ١٩٠ ، ح ٦١٠٢.

٥ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٧.


قولهعليه‌السلام : «وَحَقَّرَ شَيْئًا فَحَقَّرَهُ » أي كلّ شيئ كان حقيراً عند الله سبحانه عزّوجلّ فهو حقير عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي الكافي عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : مرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجدي أسك (أي مقطوع الاُذنين) ملقىً على مزبلة ميتاً ، فقال لأصحابه : كم يساوي هذا؟ فقالوا : لعلّه لو كان حيّاً لم يساو درهماً : فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَصَغَّرَ شَيْئًا فَصَغَّرَهُ » أي ما كان صغيراً عندالله فهو صغير عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يرفع ما وضعه الله جلّ ثناؤه ولا يكثر ما أقلّه الله عزّوجلّ ، فالأنبياء والأوصياء تنزّهوا عن الدنيا وزهدوا فيما زهّدهم الله جلّ ثناؤه فيه ، وأبغضوا ما كان مبغوضاً عند الله ، وصغرّوا ما كان صغيراً عند الله ، ثم اقتصّ الصالحون آثارهم وسلكوا مناهجهم.

قولهعليه‌السلام : «وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينٰا إِلّٰا حُبُّنٰا مٰا أَبْغَضَ اللهُ وَتَعْظِيمُنٰا مٰا صَغَّرَ اللهُ ، لَكَفىٰ بِهِ شِقٰاقًا لِلّٰهِ » أي مخالفة لله تعالى لأنه يكون في نصف الآخر المقابل لله ، قال الجوهري : الشِقُّ بالكسر نصف الشيئ ، يقال : أخذ شق الشاة(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَمُحٰادَّةً عَنْ أَمْرِ اللهِ » أين غاضبه وعاداه وخالفه ، كأنّه صار في الحدّ الذي فيه عَدُوّه ، قاله الزبيدي في تاج العروس(٣) .

وفي الحديث مرّ موسىعليه‌السلام برجل وهو يبكي ، ورجع وهو يبكي

__________________

١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢٩ ، ح ٩ ، وقريب منه ما أخرجه العلامة المجلسي في بحار الأنوار : ج ٧٣ ، ص ١٢٦ ، ح ١٢١ ، والهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ٢١٢ ، ح ٦٢٠٦.

٢ ـ الصحاح : ج ٤ ، ص ١٥٠٢ ، مادة «شقق».

٣ ـ تاج العروس : ج ٨ ، ص ١٠ ، مادة «حدد».


فقال : ياربّ عبدك يبكي من مخافتك؟ فقال : يابن عمران لو نزل دماغه مع دموع عينيه ، ورفع يديه حتّى تسقطا لم أغفر له وهو يحبّ الدنيا(١) .

وفي الكافي : قال الباقرعليه‌السلام : إيّاك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك ، فكفى بما قال الله عزّوجلّ لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ »(٢) وقال : «وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا »(٣) فإن دخلك من ذلك شيئ فاذكر عيش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّما كان قوته الشعير ، وحلواه التمر ، ووقوده السعف إذا وجد(٤) .

وعن النبيّعليه‌السلام : حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة(٥) .

ومن هنا يقول الإمام زين العابدين وسيّد الساجدينعليه‌السلام : «سيدي أخرج حبّ الدّنيا من قلبي »(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَلَقَدْ كٰانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ » فمن ناحية العلميّة كانصلى‌الله‌عليه‌وآله المتواضع الأوّل في دنيا المسلمين ، فسيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله العظيمة مع الناس أكبر شاهد على ذلك.

قال الصادق :عليه‌السلام مرّت امرأة بذيّة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يأكلّ وهو جالس على الحضيض(٧) فقالت : يا محمّد إنّك لتأكلّ أكلّ العبد وتجلس جلوسه ، فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي عبد وأيّ عبد أعبد منّي ، قالت : فناولني لقمة من طعامك فناولها ، فقالت : لا والله إلّا الذي في فيك ، فأخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللقمة من فيه فناولها فأكلتها ، قال أبو عبداللهعليه‌السلام :

__________________

١ ـ تنبيه الخواطر : ج ١ ، ص ١٤٢.

٢ ـ التوبة : ٥٥.

٣ ـ طه : ١٣١.

٤ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٣٧ ـ ١٣٨ ، ح ١.

٥ ـ تنبيه الخواطر : ج ١ ، ص ١٣٦ ، والجامع الصغير : ج ١ ، ص ٥٦٦ ، ح ٣٦٦٢.

٦ ـ مصباح المتهجد : ص ٥٣٣.

٧ ـ الحضيض : القرار من الأرض عند منقطع الجبل.


فما أصابها بذاء حتّى فارقت الدنيا(١) .

وعنه ايضاً قال : كان رسول الله يأكل أكلّ العبد ، ويجلس جلسة العبد ، ويعلم أنه عبد(٢) .

وفي الكافي عن أبي خديجة قال : سأل بشير الدّهان أباعبداللهعليه‌السلام وأنا حاضر ، فقال : هل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأكلّ متّكئاً على يمينه وعلى يساره؟ فقال : ما كان رسول الله يأكلّ متّكئاً على يمينه ولا على يساره. ولكن يجلس جلسة العبد ، قلت : ولم ذلك؟ قال : تواضعاً لله عزّوجلّ(٣) .

وأخرجه الدينوري عن قيس بن أبي حازم قال : جاء رجل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأصابته رعدة ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : هوّن عليك فإنّما أنا إبن إمرأة من قريش ، كانت تأكلّ القديد(٤) .

وعن أنس : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعى إلى خبز الشعير والإهالة(٥) السَنِخة(٦) فيجيب(٧) .

قولهعليه‌السلام : «وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ » اُنظر إلى سمّو سيرته وتواضعه مع اُمّته ولقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله متواضعاً في ملبسه ومشربه ومأكله ومسكنه على أنّ تواضعهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذاك لم ينقص من هيبته وجلالته ولا من محبّته عند اُمّته أبداً ، بل كان يحلّه في المقام الذي هو له.

وفي الحديث سأل رجل عائشة هل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعمل في

__________________

١ ـ الكافي : ج ٦ ، ص ٢٧١ ، ح ٢.

٢ ـ الكافي ، ج ٦ ، ص ٢٧١ ، ح ٣.

٣ ـ الكافي : ج ٦ ، ص ٢٧١ ـ ٢٧٢ ، ح ٧.

٤ ـ عيون الأخبار لإبن قتيبة : ج ١ ، ص ٢٦٥.

٥ ـ الإهالة : كلّ شيئ من الأدهان ممّا يؤتدم به.

٦ ـ السُّنِخَة : المتغيّر الريح.

٧ ـ عيون الأخبار لإبن قتيبة : ج ١ ، ص ٢٦٧.


بيته؟ قالت : نعم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخصف نعله ، ويخبط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته(١) .

وفي حديث آخر : كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويخدم في مهنة أهله(٢) .

وقد تأسّى برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام كما جاء عن إبن عبّاس : إنّه قال : دخلت على أميرالمؤمنينعليه‌السلام بذي قار وهو يخصف نعله ، فقال لي ما قيمة هذه النعل؟ فقلت : لاقيمة لها.

فقالعليه‌السلام : والله لَهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلّا أن اُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَيَرْكَبُ الْحِمٰارَ الْعٰارِىَ » كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يأنف ولا يستنكر أن يركب الحمار العاري وفي الحديث : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجيب دعوة العبد ، ويركب الحمار ردفاً(٤) .

وفي إحياء العلوم : كان يركب الحمار مؤكّفاً ، عليه قطيفة وكان مع ذلك يستردف(٥) .

وفيه إيضاً كان اسم حمارهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعفور وأضاف الغزالي في القول وقال : وفي صحيح البخاري من حديث معاذ كنت ردفت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على حمار يقال له : عفير(٦) .

وقال إبن الأثير : أنّ إسم حمار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عُفَير ، وهو تصغير ترخيم لأعفر من العفرة : وهي الغبرة ولون التراب.

__________________

١ ـ دلائل النبوّة : ج ١ ، ص ٣٢٨ ، وأخرجه أحمد في مسنده : ج ٦ ، ص ١٢١ و ١٣٧ و ٢٦٠.

٢ ـ إحياء العلوم : ج ٢ ، ص ٣٨٩.

٣ ـ نهج البلاغة : ص ٧٦ ، الخطبة ٣٣ ، عند خروجهعليه‌السلام لقتال أهل البصرة.

٤ ـ عيون الأخبار لإبن قتيبة : ج ١ ، ص ٢٦٧.

٥ ـ إحياء العلوم : ج ٢ ، ص ٤١٢.

٦ ـ إحياء العلوم : ج ٢ ، ص ٤٠٨.


وفي حديث سعد بن عبادة : إنّه خرج على حماره يعفور ليعوده.

قيل : سمّى يعفوراً لكونه ، من العفرة ، وقيل سمّى به تشبيهاً في عدوه باليعفور ، وهو الظبي(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ » روى الواحدي بإسناده عن عروة بن الزبير أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سار يعود سعد بن عبادة ، فركب حماراً على قطيفة فدكيّة وأردف اُسامه بن زيد خلفه(٢) .

وعن إبن عباس أنّ اُسامة كان ردف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من عرفة إلى المزدلفة(٣) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لست أدع ركوب الحمار مؤكّفاً ، والأكل على الحضيض مع العبيد ، ومناولة السائل بيدي(٤) .

وأخرجه الترمذي بإسناده عن إبن عبّاس عن الفضل بن عبّاس قال : أردفني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع جُمَعٍ إلى منى(٥) .

وفي أنساب البلاذري : وقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعرفات وهو مردف اُسامه بن زيد. وكان اسامة يدعى الردف لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يردفه كثيراً(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلىٰ بٰابِِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصٰاوِيرُ ، فَيَقُولُ يٰا فُلٰانَةُ ـ لِإِحْدىٰ أَزْوٰاجِهِ ـ غَيِّبِيِه عَنِّي ، فِإِنِّي إِذٰا نَظَرْتُ إِلَيْهِ

__________________

١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٢٦٣ ، مادة «عفر».

٢ ـ أسباب النزول : ص ٩٥ ـ ٩٦ وأخرجه أحمد بثلاث طرق في مسنده : ج ٥ ، ص ٢٠٣. والنقل بالمعنى.

٣ ـ مسند إبن حنبل : ج ٥ ، ص ٢٠١.

٤ ـ مكارم الأخلاق : ج ١ ، ص ٦٣ ، ح ٥٩ / ٥.

٥ ـ سنن الترمذي : ج ٣ ، ص ٢٦٠ ، ح ٩١٨ ، باب ٧٨ ، وأخرجه إبن ماجة في سننة : ج ٢ ، ص ١٠٢٦ ، ح ٣٠٧٤.

٦ ـ أنساب الأشراف للبلاذري : ج ١ ، ص ٤٦٩ و ٤٧٠.


ذَكَرْتُ الدُّنْيٰا وَزَخٰارِفَهٰا » والمراد من قولهعليه‌السلام يا فلانة : يكون «عائشة» كما جاء في صحيح مسلم ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة : قالت كان لناستر فيه تمثال طائر. وكان الداخل إذا دخل إستقبله.

فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : حوّلي هذا ، فإنّى كلّما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا(١) .

وقد قال الله تعالى : «وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيٰا بِقَلْبِهِ ، وَأَمٰاتَ ذِكْرَهٰا مِنْ نَفْسِهِ » هذا هو الزهد الحقيقي الذي ينبغي علينا أن نأخذه اُسوة حسنة لنا.

أخرج مسلم في صحيحه : عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : قالت إنّما كان فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي ينام عليه ، أدماً حشوه ليف(٣) .

وفي الطبقات الكبرى بإسناده عن عائشة : أنّها كانت تفرش للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عباءة مثنيّة ، فجاء ليلة وقد ربعتها فنام عليها ، فقال : يا عائشة ما لفراشي الليلة ليس كما كان؟.

قلت : يا رسول الله ربّعتها لك!.

قال : فأعيديه كما كان(٤) .

__________________

١ ـ صحيح مسلم : ج ٣ ، ص ١٦٦٦ ، ح ٨٨ ، وقريب منه : ح ٩٠ و ٩١ و ٩٢ و ٩٦ ، وأخرجه أحمد في مسنده : ج ٦ ، ص ٢٤٦.

٢ ـ طه : ١٣١.

٣ ـ صحيح مسلم : ج ٣ ، ص ١٦٥٠ ، ح ٢٠٨٢ / ٣٨ ، ونحوه جاء في مكارم الأخلاق : ج ١ ، ص ٩١ ، ح ١٦٩ / ٤.

٤ ـ الطبقات الكبرى لإبن سعد : ج ١ ، ص ٣٦٠.


وعنها أيضاً قالت : كان ضجاع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أدم محشواً ليفاً(١) .

وأخرجه الترمذي عن عليعليه‌السلام كان فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عباءة ، وكانت مرفقته(٢) أدم حشوها ليف. فثنيت ذات ليلة ، فلمّا أصبح قال : لقد منعني الليلة الفراش الصّلاة فأمرصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجعل له بطاق واحد(٣) .

وفي مكارم الاخلاق : وكان لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فراش من أدم حشوه ليف ، وكانت لهصلى‌الله‌عليه‌وآله عباءة تفرش له حيثما انتقل وثنّى ثنتين(٤) .

ومن عظيم زهده والإعراض عن الدنيا وزخارفها قال الغزالي : وكانت له عباءة تفرش له حيثما تنقل ثنىٰ طاقتين تحته(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهٰا عَنْ عَيْنِهِ. لِكَيْلٰا يَتَّخِذَ مِنْهٰا رِيٰاشًا » أي زينة وتجمّلاً ، وفي منهاج البراعة نقلاً عن الغزالي : قال : قال أبو بردة : خرجت لنا عائشة كساءً ملبّداً وإزاراً غليظً ، فقالت : قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذين(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا يَعْتَقِدَهٰا قَرٰارًا » كما أشار بذلك مؤمن آل فرعون حيث يحكىٰ عنه القران الكريم : «يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ »(٧) .

__________________

١ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٣٦٠ ، وأخرجه إبن ماجة في سننه : ج ٢ ، ص ١٣٩٠ ، ح ٤١٥١ ، وأحمد في مسنده : ج ٦ ، ص ٤٨ ، ٢٠٧ ، ٢١٢ ، وأبو داود في سننه : ج ٤ ، ص ٧١ ، ح ٤١٤٦ و ٤١٤٧.

٢ ـ المرفقه : المخدّة.

٣ ـ الشمائل للترمذي : ٣٢٢ وأخرجه المجلسي في بحارالأنوار : ج ١٦ ، ص ٢٥٢ ، والأنوار في شمائل النبيّ المختار : ج ٢ ، ص ٤٥٤ ، ح ٨٣٥.

٤ ـ مكارم الأخلاق : ج ١ ، ص ٩١ ، ح ١٦٩ / ٤ ، في فراشهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥ ـ إحياء العلوم : ج ٢ ، ص ٤٠٧.

٦ ـ منهاج البراعة : ج ٩ ، ص ٣٧٩.

٧ ـ غافر : ٣٩.


قولهعليه‌السلام : «وَلٰا يَرْجُوَ فِيهٰا مُقٰامًا » لأنّها دار فناء لا دار بقاء.

قال الشاعر :

أحلام نوم أوكظلّ زائل

إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع

وقال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعي من لا يقين له(١) .

وعن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مالي وللدنيا ، إنّما مثلي ومثلها كمثل الراكب رفعت له شجرة في يوم صائف ، فقال تحتها(٢) ثم راح وتركها(٣) .

وروى البيهقي في حديث فقال : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : مالي وللدنيا؟ وما أنا والدنيا؟ وإنّما أنا والدنيا كراكب استظلّ تحت شجرة ، ثم راح وتركها(٤) .

قولهعليه‌السلام : «فَأَخْرَجَهٰا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهٰا عَنِ الْقَلْبِ » أي أبعدها عن القلب.

قولهعليه‌السلام : «وَغَيَّبَهٰا عَنِ الْبَصَرِ » أي غيّب زينتها عن البصر.

قولهعليه‌السلام : «وَكَذٰلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ » وهذا واضح طبيعى لا مناقشه فيه.

__________________

١ ـ إحياء العلوم : ج ٣ ، ص ٢١٧ وأخرج الكليني شطراً من الحديث في الكافي : ج ٨ ، ص ٢٧٤ ، ح ٨.

٢ ـ فقال تحتها : أي أتى بالقيلولة : من قال يقيل فيلولة وهي النوم قبل الظهر.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٣٤ ، ح ١٩.

٤ ـ دلائل النبوّة : ج ١ ، ص ٣٣٨ ، وأخرجه إبن سعد في الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٣٦١ ، والهندي في كنز العمّال : ج ٣ ، ص ٢٤٣ ، ح ٦٣٦١.


قولهعليه‌السلام : «وَلَقَدْ كٰانَ فِى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ مٰا يَدُلُّكَ عَلىٰ مَسٰاوِى الدُّنْيٰا وَعُيُوبِهٰا ، إِذْ جٰاعَ فِيهٰا مَعَ خٰاصَّتِهِ » فمن تحمّلهصلى‌الله‌عليه‌وآله للجوع والفقر وترويض نفسه على رفض زينة الحياة الدنيا ، قالت عائشة في حديث : ما شبع آل محمّد منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليالي تباعاً حتّى قبض(١) .

وقالت أيضاً : ما شبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثه أيّام تباعاً ، من خبز برّ ، حتّى مضى سبيله(٢) .

وفي حديث آخر : قالت : ما شبع آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من خبز شعير ، يومين متتابعين ، حتّى قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

وفي خبر آخر عنها قالت : ما شبع آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من خبز برّ فوق ثلاث(٤) .

وعنها أيضاً قالت : ما شبع آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من خبز البُر ، ثلاثاً حتّى مضى سبيله(٥) .

وعنها أيضاً : قالت : توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين شبع الناس من الأسودين : التمر والماء(٦) .

وعنها أيضاً قالت : توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد شبعنا من الأسودين :

__________________

١ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨١ ، ح ٩٧٠ / ٢٠.

٢ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨١ ، ح ٩٧٠ / ٢١ ، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوّة : ج ١ ، ص ٣٤٠.

٣ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨٢ ، ح ٢٩٧٠ / ٢٢.

٤ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨٢ ، ح ٢٩٧٠ / ٢٣.

٥ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨٢ ، ح ٢٩٧٠ / ٢٤.

٦ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨٣ ، ح ٢٩٧٥ / ٣٠.


الماء والتمر(١) .

وعن أبي هريرة قال : والذي نفسي بيده ما أشبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أهله ثلاثة أيّام تباعاً من خبز حنطة حتّى فارق الدنيا(٢) .

وعنه أيضاً قال : جاء رجل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فشكا إليه الجوع ، فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بيوت أزواجه فقلن : منا عندنا إلّا الماء.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من لهذا الرجل الليلة؟ فقال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : أنا له يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وأتى فاطمةعليها‌السلام فقال : ما عندك يا ابنة رسول الله؟ فقالت : ما عندنا إلّا قوت الصبية لكنّا نؤثر ضيفنا.

فقال عليعليه‌السلام : يا ابنة محمّد ، نوّمي الصبية ، واطفئي المصباح ، فلَمّا أصبح عليعليه‌السلام غدا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبره الخبر ، فلم يبرح حتّى أنزل الله عزّوجلّ هذه الآية : «وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(٣) (٤) .

وقال الواحدي نزلت هذه الآية : «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا »(٥) . في عليعليه‌السلام قال عطاء ، عن إبن عبّاس : وذلك أنّ علي بن أبي طالب رضى الله عنه نوبة آجر نفسه يسقي نخلاً بشيئ من شعير ليلة حتّى أصبح ، وقبض الشعير وطحن ثلثه ، فجعلوا منه شيئاً ليأكلوا يقال له : الخزيرة ، فلمّا تمّ إنضاجه ، أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ، ثم عمل الثلت الثاني ، فلمّا تمّ انضاجه أتى يتيم فسأل ، فأطعموه ،

__________________

١ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨٤ ، ح ٢٩٧٥ / ٣١.

٢ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ٢٢٨٤ ، ح ٢٩٧٦ / ٣٢.

٣ ـ الحشر : ٩.

٤ ـ أمالى الشيخ الطوسي : ص ١٨٥ ، ح ٣٠٩ / ١١.

٥ ـ الإنسان : ٨.


ثم عمل الثلث الثالث ، فلمّا تمّ إنضاجه آتى أسير من المشركين فأطعموه وطووا يومهم ذلك فأنزلت فيه هذه الآية(١) .

ومن أجل ما تقدم اتّضحت أمامنا صور عظيمة من زهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتقواه وتواضعه مع اُمّته وإعراضه عن الدنيا وإيثاره الآخرة على الدنيا وغير ذلك من صفاته العظيمة ، وسمّوا أخلاقه.

قولهعليه‌السلام : «وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخٰارِفُهٰا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ » أي مع قربهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الله عزّوجلّ إبتعد عن زينة الدنيا.

وفي الحديث : ما زويت الدنيا عن أحد إلّا كانت خِيرَة له(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَلْيَنْظُرْ نٰاظِرٌ بِعَقْلِهِ » أي فاليتأمّل العاقل قليلاً وينظر إلى الدّنيا بنظرة الإعتبار إذ لو كان فيها خير فلما ذا هؤلاء الأنبياء والصالحون يبتعدون عنها ويجتنبون منها مع أنّهم أقرب الخلق إلى الله سبحانه عزّوجلّ ، بل تقرّبوا إلى الله عزّوجلّ بالبغض لها ، وعدم الإعتناء بها.

قولهعليه‌السلام : «أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّدًا بِذٰلِكَ أَمْ أَهٰانَهُ » ولقد بلغ من عظمة شخصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتقرّبه إلى الله وإعراضه عن زخارف الدنيا أن يطرح الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام أمام المجتمع الإسلامي سؤاله عن موقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الشريف في جميع المجالات من تواضعه بين اُمّته وسمّوا أخلاقه ، وعلوّ شأنه في مضمار الفضيلة وكرم النفس والنبل والطهارة ، بأنّ جميع هذه الفضائل هل كانت إكراماً وإجلالاً وتعظيماً من الله سبحانه وتعالى لهصلى‌الله‌عليه‌وآله أم كان عكس ذلك؟ فأجاب هو بنفسه قائلاً.

__________________

١ ـ أسباب النزول للواحدي : ص ٣٢٢.

٢ ـ الجامع الصغير : ج ٢ ، ص ٤٩٧ ، ح ٧٩١٧ ، وأخرجه الهندي في كنزل العمّال : ج ٣ ، ص ١٩٦ ، ح ٦١٤١.


قولهعليه‌السلام : «فَإِنْ قٰالَ أَهٰانَهُ ، فَقَدْ كَذَبَ وَاللهِ الْعَظِيمِ وَأَتىٰ بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ » لافترائه على الله ، والقول على خلاف الواقع.

قولهعليه‌السلام : «وَإِنْ قٰالَ أَكْرَمَهُ ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهٰانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيٰا لَهُ ، وَزَوٰاهٰا عَنْ أَقْرَبِ النّٰاسِ مِنْهُ » فعن علي بن الحسينعليه‌السلام قال : مرّ رسول الله براعي إبل فبعث يستسقيه ، فقال : أما في ضروعها فصبوح الحي(١) وأمّا في آنيتنا فغبوقهم ،(٢) فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهم أكثر ماله وولده ، ثمّ مرّ براعي غنم فبعث إليه يستسقيه فحلب له ما في ضروعها وأكفأ ما في إنائه في إناء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعث إليه بشاة ، وقال : هذا ما عندنا ، وإن أحببت أن نزيدك زدناك؟ قال : فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهم اُرزقه الكفاف ، فقال له بعض أصحابه : يا رسول الله دعوت للذي ردّك بدعاء عامتنا نحبّه ، ودعوت للّذي أسعفك بحاجتك(٣) بدعاء كلّنا نكرهه؟.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهىٰ(٤) اللّهم ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف(٥) .

وقال إبن الأثير في تاريخه : لمّا فرع عبدالرّحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس من بناء «الزهراء» وقصورها ، وقد قعد في قبّة مزخرفة بالذهب والمجوهرات ، والبناء البديع الذي لم يسبق إليه ، فقال لمن معه من الأعيان : هل بلغكم أنّ أحداً بنى مثل هذا البناء؟ فأثنى الجميع بأنّهم لم يروا ، ولم يسمعوا بمثله إلّا القاضي منذر بن سعيد فانّه سكت.

فقال له الناصر : لِمَ لا تنطق أنت؟ فبكى. وقال : ما كنت أظنّ أنّ

__________________

١ ـ الصبوح : ما يشرب بالغداة.

٢ ـ القبوح : ما يشرب بالليل.

٣ ـ أسعفك بحاجتك : أي قضاها لك.

٤ ـ أي شغل عن الله وعن عبادته.

٥ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٤٠ ـ ١٤١ ، ح ٤.


الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ حتّى أنزلك منازل الكافرين : قال الله تعالى : «وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ *وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ *وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ »(١) (٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَتَأَسّىٰ مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ » أي ولقد اتّضحت أمامنا صور عظيمة من سموّ أخلاقه وسلوكه على المستوى الفردي والإجتماعي ، ففي كلّ شأن من شؤون حياته لاتبارى عظمته ولاتطاول قمّة مجده فجدير على التأسيّ به والدخول في مدخله والتتبع بمآثره.

قولهعليه‌السلام : «وَإِلّٰا فَلٰا يَأْمَنُ الْهَلَكَةَ » لما عرفت بأن النجاة الحقيقي ، من عقوبات الدنيا والآخرة لا تكون إلّا بالتأسيّ بالرسول الأعظم بترك الدنيا وملذّاتها ، لأنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة كما جاء في الحديث(٣) .

قولهعليه‌السلام : «فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ عَلَمًا لِلسّٰاعَةِ » إقتباس من قوله تعالى : «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَمُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ ، وَمُنْذِرًا بِالْعُقُوبَةِ » كقوله تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «خَرَجَ مِنَ الدُّنْيٰا خَمِيصًا » أي جائعاً.

__________________

١ ـ الزخرف : ٣٣ ـ ٣٥.

٢ ـ الكامل في التاريخ ، ج ٨ ، ص ٦٧٤ سنه ٣٦٦ ، والنقل بتخليص.

٣ ـ تنبيه الخواطر : ج ١ ، ص ١٣٦ ، والجامع الصغير : ج ١ ، ص ٥٦٦ ، ح ٣٦٦٢.

٤ ـ الزخرف : ٦١.

٥ ـ الإسرا : ١٠٥ ، والفرقان : ٥٦.


قولهعليه‌السلام : «وَوَرَدَ الْاٰخِرَةَ سَلِيمًا » إقتباس من قوله تعالى : «إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «لَمْ يَضَعْ حَجَرًا عَلىٰ حَجَرٍ حَتّىٰ مَضىٰ لِسَبِيلِهِ ، وَأَجٰابَ دٰاعِىَ رَبِّهِ » وفي الحديث عن الحسن قال : مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة(٢) .

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا أراد الله بعبدٍ شرّاً أهلك ماله في الماء والطين(٣) .

وعنه أيضاًصلى‌الله‌عليه‌وآله : من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة(٤) .

أخرجه إبن سعد بإسناده عن الهذلي قال : رأيت بيوت أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حين هدمها عمر بن عبدالعزيز ، كانت بيوتاً باللبن ، ولها حجر من جريد مطرورة بالطين ، عددت تسعة أبيات بحجرها ، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبيّ ،صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى منزل أسماء بنت حسن بن عبدالله بن عبيدالله بن العباس ، ورأيت بيت اُم سلمة وحجرتها من لبن ، فسألت إبن إبنها.

فقال : لما غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزوة دومة بَنَتْ اُم سلمة حجرتها بلبن ، فلما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نظر إلى اللبن فدخل عليها أوّل نسائه. فقال : ما هذا البناء؟

فقالت : أردت يا رسول الله أن أكفّ أبصار الناس ، فقال : يا اُم سلمة إنّ شرّ ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان(٥) .

وعن الحسن يقول : كنت أدخل بيوت أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في خلافة

__________________

١ ـ الشعراء : ٨٩.

٢ ـ منهاج البراعة : ج ٩ ، ص ٣٩٠.

٣ ـ منهاج البراعة : ج ٩ ، ص ٣٩٠.

٤ ـ منهاج البراعة : ج ٩ ، ص ٣٩١.

٥ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٣٨٧.


عثمان بن عفّان فأتناول سقفها بيدى(١) .

وعن شيخ من أهل المدينه قال : رأيت حجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل أن تهدم بجرائد النخل ملْبَسَّة الأنطاع(٢) .

وعن داود بن شيبان قال رأيت حجر أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليها المسوح ، يعني متاع الأعراب(٣) .

قولهعليه‌السلام : «فَمٰا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنٰا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنٰا » أي بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحبه المنتجبين.

قولهعليه‌السلام : «بِهِ سَلَفًا نَتَّبِعُهُ ، وَقٰائِدًا نَطَأُ عَقِبَهُ » ويشهد له قوله تعالى : «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(٤) .

* * *

__________________

١ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٣٨٨.

٢ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٣٨٨.

٣ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ٣٨٨.

٤ ـ آل عمران : ١٦٤.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

إِبْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِىءِ ، وَالْبُرْهٰانِ الْجَلِىَّ ، وَالْمِنْهٰاجِ الْبٰادِى ، وَالْكِتٰابِ الْهٰادِى. أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ. أَغصٰانُهٰا مُعْتَدِلَةٌ ، وَثِمٰارُهٰا مُتَهَدِّلَةٌ. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ. عَلٰا بِهٰا ذِكْرُهُ ، وَامْتَدَّ مِنْهٰا صَوْتُهُ. أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كٰافِيَةٍ ، وَمَوْعِظَةٍ شٰافِيَةٍ ، وَدَعْوَةٍ مُتَلٰافِيَةٍ. أَظْهَرَ بِهِ الشَّرٰائِعَ الْمَجْهُولَةَ ، وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ ، وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكٰامَ الْمَفْصُولَةَ. فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِينًا تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ ، وَيَكُنْ مَاٰبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ ، وَالْعَذٰابِ الْوَبِيلِ.

قولهعليه‌السلام : «إِبْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِىءِ » أي نور النبوّة ، أوالقرآن كما يشهد عليه قوله تعالى : «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْبُرْهٰانِ الْجَلِىَّ » أي المعجزات الباهرات ، والآيات الواضحات الدّالة على نبوته ، قال الله عزّوجلّ : «قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْمِنْهٰاجِ الْبٰادِى » أي الطريق والمسلك الواضح الظاهر وهو شريعته ودينه الواضح ، قال الله : «قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْكِتٰابِ الْهٰادِى » أي القرآن الذي يهدي إلى التقوى وطريق الجنّة ، قال الله تعالى : «ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ »(٥) وقال : «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٢٩ ، الخطبة ١٦١.

٢ ـ الأعراف : ١٥٧.

٣ ـ النساء : ١٧٤.

٤ ـ البقرة : ٢٥٦.

٥ ـ البقرة : ٢.


مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ»(١) .

قولهعليه‌السلام : «أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ » أي رهطه وعشيرته وهم بنوهاشم أفضل طوائف قريش ، ونعم ما قيل :

لله في عالمه صفوة وصفوة

الخلق بنوهاشم

وصفوة الصفوة من هاشم

محمّد الطهر أبوالقاسم

قولهعليه‌السلام : «وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ » أي أصله خير الاُصول ، وأراد بها هاشماً ، ويشهد له قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا وعلي من شجرة واحدة ، والناس من أشجار شتّى(٢) .

قولهعليه‌السلام : «أَغصٰانُهٰا مُعْتَدِ لَةٌ ، وَثِمٰارُهٰا مُتَهَدِّلَةٌ » اغصانها معتدلة : أي : متقاربة في الفضل والشرف ، وليس فيها إعوجاج.

وثمارها متهدّلة : أي نازلة يمكن قطفها ، والمراد من أغصانها وثمارها : الأئمة الأطهار من أهل البيتعليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، ويشهد له ما سئل عن أبي جعفرعليه‌السلام عن قوله تعالى : «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا »(٣) فقالعليه‌السلام : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا أصل تلك الشجرة وعلي ، والأئمةعليهم‌السلام أغصانها ، وعلمنا ثمرها ، وما يخرج من الإمام من الحلال والحرام في كلّ سنة إلى شيعته هو إيتاء اُكلها كلّ حين(٤) .

__________________

١ ـ المائدة : ١٥ ـ ١٦.

٢ ـ الدر المنثور : ج ٤ ، ص ٤٤ ، وأخرجه الخوارزمي في مناقبه : ص ٨٧ ، والحسكاني : في شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ٢٨٨ ، ح ٣٩٥ ، ٣٩٦ ، والجويني في فرائد السمطين : ج ١ ، ص ٥٢ ، ح ١٧.

٣ ـ إبراهيم : ٢٤ ـ ٢٥.

٤ ـ بصائر الدرجات : ٧٨.


وقال الطبرسي في تفسيره روى إبن عقدة عن أبي جعفرعليه‌السلام إنّ الشجرة : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفرعها : عليعليه‌السلام ، وعنصر الشجرة : فاطمة ، وثمرتها أولادها ، وأغصانها وأوراقها شيعتنا ، ثم قالعليه‌السلام : إن الرجل من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة ، وأنّ المولود من شيعتنا ليولد فيورق مكان تلك الورقة ورقة(١) .

وفي مجمع البيان : عن إبن عبّاس ، قال : قال جبرئيلعليه‌السلام للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت : الشجرة ، وعلي : غُصنها ، وفاطمة : ورقها ، والحسن والحسين : ثمارها(٢) .

وعن أميرالمؤمنينعليه‌السلام : نحن شجرة النبوّة ، ومحطّ الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ، وينابيع الحكم(٣) .

قولهعليه‌السلام : «مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ » أي كان ولادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حرم الله في يوم الجمعة عند طلوع الشمس السابع عشر من ربيع الأوّل في عام الفيل ، قبل هجوم جيش الفيل بخمسين ليلة.

قولهعليه‌السلام : «وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ » أي المدينة المنوّرة وذكر الشريف مرتضى في شرحه على قصيدة الحميرى : أنّ للمدينة اثنى عشر إسماً : طيبة ، يثرب ، والدار ، والسكينة ، وجابرة ، والمجبورة ، والمحبّة ، والمحبوبة ، والعذراء ، والرعبوبة ، والقاصمة ، وبندر(٤) .

هاجرصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى طيبة وهو إبن ثلاث وخمسين كما جاء في كشف الغمّة عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال : قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو إبن ثلاث

__________________

١ ـ مجمع البيان : ج ٥ ـ ٦ ، ص ٣١٢.

٢ ـ مجمع البيان : ج ٥ ـ ٦ ، ص ٣١٢.

٣ ـ نهج البلاغة : ص ١٦٢ ، الخطبة ١٠٩.

٤ ـ شرح القصيدة الذهبيّة للشريف المرتضى : ٨.


وستين سنة في سنة عشر من الهجرة ، فكان مقامه بمكة أربعين سنة ثم نزل عليه الوحي في تمام الأربعين ، وكان بمكة ثلاث عشر سنة ، ثم هاجر إلى المدينة وهو إبن ثلاث وخمسين سنة ، فأقام بالمدينة عشر سنين وقبضصلى‌الله‌عليه‌وآله في شهر ربيع الأول يوم الإثنين لليلتين خلتامنه(١) .

وقال سيف بن ذي يزن لجّده عبدالمطلب لمّا بَشّره به : أجد في الكتاب الناطق ، والعلم السابق : أنّ يثرب دار ملكه ، وبها إستحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره(٢) .

قولهعليه‌السلام : «عَلٰا بِهٰا ذِكْرُهُ » أي علىٰ بطيبة ذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفوزه على أعدائه من الكفّار واليهود وغيرهم بنصرة أهلها ولذا سمّي أهلها بالأنصار.

قولهعليه‌السلام : «وَامْتَدَّ مِنْهٰا صَوْتُهُ » أي إنتشرت دعوته في الآفاق ، وكان إسمه يكرر في الأذان ، كما أخرجه الصدوق عن الصادقعليه‌السلام كان اسم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكرّر في الأذان فأوّل من حذفه إبن أروى(٣) .

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كٰافِيَةٍ » وهي القرآن وسائر معجزاته ، قال تعالى : «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَمَوْعِظَةٍ شٰافِيَةٍ » قال تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ »(٥) وغير ذلك من الآيات الدّالة على الوعد والوعيد وضرب الأمثال والتفكّر في الاُمم الماضية والعبرة بهم.

__________________

١ ـ كشف الغمّة : ج ١ ، ص ١٤ ، ذكر مولدهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : ص ١٨٠ ، ذيل ح ٣٢ وأخرجه البيهقي في دلائل النبوّة : ج ٢ ، ص ٣.

٣ ـ من لا يحضره الفقيه : ج ١ ، ص ١٩٥ ، ح ٥١ / ٩١٣.

٤ ـ البقرة : ٢٣.

٥ ـ يونس : ٥٧.


قولهعليه‌السلام : «وَدَعْوَةٍ مُتَلٰافِيَةٍ » أي تدارك مافات من الدعوة إلى الله ، قال الله تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا »(١) .

قولهعليه‌السلام : «أَظْهَرَ بِهِ الشَّرٰائِعَ الْمَجْهُولَةَ » أي الشرائع التي قد اُخفيت بين الناس ، وأصبحت مجهولة في زمان الفترة ، أي بين زمان عيسى ونبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فأظهرها النبيّ وأمر بتنفيذها قال تعالى : «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ »(٢) .

وفي الحديث : أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله برجم اليهودي الذي حمّم وجهه لأجل الزناء بدلاً عن الرجم ، وقال : اللّهم إنّى أوّل من أحياء ما أماتوا من كتابك(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ » أي البدع المدخولة في الدين في أيّام الجاهليّة من عبادة الأصنام ، والنحر لها ، والطواف عرياناً ، وغير ذلك من البدع الّتي لا تحصى ، قال الله تعالى : «مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ »(٤) وقال الله تعالى : «وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ *وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكٰامَ الْمَفْصُولَةَ » أي بيّن رسول الله أحكام

__________________

١ ـ الأحزاب : ٤٥ ـ ٤٦.

٢ ـ المائدة : ١٥.

٣ ـ سنن أبي داود : ج ٤ ، ص ١٥٤ ، ح ٤٤٤٧ و ٤٤٤٨.

٤ ـ المائدة : ١٠٣.

٥ ـ الأنعام : ١٣٨ ـ ١٣٩.


الإسلام مفصّلاً قال الله تعالى : «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ »(١) ، وقال الله تعالى : «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِينًا تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ » أي من إتّخذ غير الإسلام ديناً بعد ما عرف حقيقته ومعالمه وشرائعه وأحكامه فهو شقي ، قال الله تعالى : «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ » أي ينقطع ما يتمسّك به من حبل النجاة ، فالعروة الوثقى التي لا إنفصام لها : هي دين الإسلام.

قولهعليه‌السلام : «وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ » أي عشرته.

قولهعليه‌السلام : «وَيَكُنْ مَاٰبُهُ » أي مرجعه.

قولهعليه‌السلام : «إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ » لا إنقضاء له.

قولهعليه‌السلام : «وَالْعَذٰابِ الْوَبِيلِ » أي الشديد ، وقد أجاد أبوطالب في شعره في شأن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال :

نبيّ أتاه الوحي من عند ربّه ومن قال لا يقرع بسنّ نادم

اقول : وهذا الشعر أحسن دليل على إسلام أبي طالب رحمة الله.

* * *

__________________

١ ـ الأنعام : ١١٩.

٢ ـ الأنعام : ١١٤.

٣ ـ آل عمران : ٨٥.


﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١)

إِنَّ اللهَ تَعٰالىٰ بَعَثَ رَسُولًا

هٰادِيًا بِكِتٰابٍ نٰاطِقٍ وَأَمْرٍ قٰائِمٍ

قولهعليه‌السلام : «إِنَّ اللهَ تَعٰالىٰ بَعَثَ رَسُولًا هٰادِيًا » اقتباس من قوله تعالى : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ »(٢) .

فبعث الله رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأجل هداية الناس إلى شرائع الدين ، ومعالم الشرع المبين ، فعن أبي صالح قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أيها الناس إنّما أنا رحمة مهداة(٣) .

قولهعليه‌السلام : «بِكِتٰابٍ نٰاطِقٍ » اقتباس من قوله تعالى : «هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ »(٤) وبقوله : «وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَمْرٍ قٰائِمٍ » أي أمر مستقيم لا عوج فيه إلى يوم القيامة.

* * *

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٤٣ ، الخطبة ١٦٩.

٢ ـ الفتح : ٢٨ ، الصف : ٩.

٣ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٥١.

٤ ـ الجاثية : ٢٩.

٥ ـ المؤمنون : ٦٢.


﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١)

أَمِينُ وَحْيِهِ ، وَخٰاتَمُ

رُسُلِهِ ، وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ ،

وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ

قولهعليه‌السلام : «أَمِينُ وَحْيِهِ » الأمين : فعيل من الأمانة ، فهو إمّا بمعنى المفعول : أي مأمون من أمنه ـ كعلمه ـ إذا إستأمنه ، فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله مأمون على ما أوحى إليه من الكتاب الكريم ، وشرائع الدين القويم من التحريف والتغيير فيما أمر بتبليغه لمكان العصمة الموجدة فيه.

أو بمعنى فاعل من أمن هو ـ ككرم ـ فهو أمين وحيث أنّ من شأن الأمين قوّته على ضبط ما يستأمن عليه ، وإستعداده له ، وحفظه وصيانته عن التلف والأدناس والتبديل والزيادة والنقصان ، ولهذا سمّي نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الناس قبل بعثته بـ«محمّد الأمين» وبعد بعثته قد أخبر عنه سبحانه وقال : «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ »(٢) وقال الله تعالى فيه : «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ »(٣) .

وأخرجه المتّقي الهندي : عن أبي رافع قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما والله إنّي لأمين في السماء ، أمين في الأرض(٤) .

وقال عمّه أبوطالب فيه :

أنت الأمين أمين الله لاكذب

والصّادق القول لا لهو ، ولا لعب

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٤٧ ، الخطبة ١٧٣.

٢ ـ الشعراء : ١٠٧.

٣ ـ النجم : ٣ ـ ٤.

٤ ـ كنز العمّال : ج ١١ ، ص ٤١٣ ، ح ٣١٩٣٧.


أنت الرّسول رسول الله نعلمه

عليك ينزل من ذي العزّة الكتب

و «الوحي» في اللغة : الإشارة والرسالة والكتاب والإلهام وكلّ ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه فهو وَحي ، وكيف كان : هو مصدر وَحَى إليه يَحِى من باب وعد ، وأوحى إليه بالألف مثله ، وهي لغة : القرآن الفاشية ، ثم غلب إستعمال الوحي فيما يُلقى إلى الأنبياء من عند الله.

قولهعليه‌السلام : «وَخٰاتَمُ رُسُلِهِ » ختم الكتاب من باب ـ ضرب ـ وختم عليه ختماً وضع عليه الخاتم وهو الطابع(١) والمراد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخر الرّسل ليس بعده رسول كما قال الله سبحانه : «وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٢) وفي الحديث المتواتر : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي(٣) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، فمن إدعى بعده نبوّة ، أوأتى بعد كتابه بكتاب ، أوجاء بعد سنّته بسنّة ، فكافر ودمه مباح(٤) .

وفي صحيح مسلم عن جابر ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : مثلى ومثل الأنبياء ، كمثل رجل بنى داراً فأتمّها وأكملها إلّا موضع لبنة. فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون منها ، ويقولون : لو لا موضع اللبنة؛ قال رسول

__________________

١ ـ الطابع : بفتح الباء وكسرها : ما يطبع به ، المصباح المنير : ص ٣٦٨ ـ ٣٦٩.

٢ ـ الأحزاب : ٤٠.

٣ ـ هذا الحديث المعروف بحديث المنزلة من الاُحاديث المتواترة ، أخرجه كثير من أهل الحديث من طرق متعدّده ، ورواه على ما قيل اثنان وأربعون من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله منهم إبن عبّاس والزبير وطلحة وأبوبكر وعمر وعثمان وغيرهم.

٤ ـ بهج الصباغة : ج ٢ ، ص ٢٣٧.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فأنا موضع اللبنة. جئت فختمت الأنبياءعليهم‌السلام (١) .

وفي حديث آخر : أنا خاتم الأنبياءعليهم‌السلام (٢) .

وروى إبن سعد عن عرباض بن سارية صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّي عبد الله وخاتم النبيّين وإنّ آدم لمنجدل(٣) في طينته(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَبَشِيرٌ رَحْمَتِهِ » أي مبشّر برحمته الواسعة والثواب الجزيل ، كما قال الله سبحانه عزّوجلّ : «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ »(٥) .

و «الرحمة» : هي ميل القلب الى الشفقة على الخلق والتلطّف بهم.

وقيل هي إرادة إيصال الخير إليهم.

وفي الحديث : «أنا نبيّ الرحمة»(٦) ، وفي آخر : «إنّما أنا رحمة مهداة»(٧) .

قولهعليه‌السلام : «وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ» أي مخوّف من عقوبته الدائمة ، والعذاب الوبيل. كما قال الله تعالى : «وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ »(٨) ، وقوله : «وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ »(٩) ، وقوله : «فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ »(١٠) وقوله : «إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا »(١١) .

__________________

١ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ١٧٩١ ، ح ٢٣ / ٢٢٨٧ وح ٢٢ / ٢٢٨٦.

٢ ـ صحيح مسلم : ج ٤ ، ص ١٧٩١.

٣ ـ المنجدل : أي الساقط.

٤ ـ الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ١١٨ ، ذكر نبوّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٥ ـ يونس : ٢.

٦ ـ منسد أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ٣٩٥.

٧ ـ مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ، ص ٦٧.

٨ ـ إبراهيم : ٤٤.

٩ ـ غافر : ١٨.

١٠ ـ فصّلت : ١٣.

١١ ـ النبأ : ٤٠.


﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبىٰ مِنْ خَلٰائِقِهِ ، وَالْمُعْتٰامُ لِشَرْحِ حَقٰائِقِهِ ، وَالْمُخْتَصُّ بِعَقٰائِلِ كَرٰامٰاتِهِ ، والْمُصْطَفىٰ لِكَرٰائِمِ رِسٰالٰاتِهِ ، وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرٰاطُ الْهُدىٰ ، وَالْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمىٰ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «الْمُجْتَبىٰ مِنْ خَلٰائِقِهِ » أي المصطفى من الأولين والآخرين.

عن إبن عبّاس قال : إنّ جبرئيلعليه‌السلام أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّ ربّي بعثني إليك وأمرني أن آتيه بك فقم فإنّ الله يكرمك كرامة لم يكرم بها أحد قبلك ولا بعدك فأبشر وطب نفساً الحديث(٣) .

وعنه ايضاً فلمّا بلغ إلى سدرة المنتهى فانتهى إلى الحجب ، فقال جبرئيل : تقدّم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان ، ولو دنوت أنملة لاحترقت(٤) .

وقال أبو بصير : سمعته يقول : إنّ جبرئيل إحتمل رسول الله حتّى إنتهى به إلى مكان من السماء ، ثم تركه فقال له : ما وطأ نبيّ قط مكانك(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَالْمُعْتٰامُ لِشَرْحِ حَقٰائِقِهِ » أي شرح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حقائق التوحيد والعدل والمعاد ، وشرح الحلال والحرام ، والثواب والعقاب ،

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٥٧ ، الخطبة ١٧٨.

٢ ـ آل عمران : ١٤٤.

٣ ـ مناقب إبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٧٧.

٤ ـ مناقب إبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٧٩.

٥ ـ مناقب إبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٧٩.


وشرح الحقائق في ما نسبه أهل الكتاب إلى التوراة والإنجيل إفتراءً منهم ، فقالوا : لحم الإبل كان محرّماً في ملّة إبراهيم فكذّبهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في ما أنزل تعالى في قوله : «كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ »(١) .

وشرح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قصص الأنبياء بحقائقها في ما أنزل الله تعالى عليه فقال بعد ذكر قصة نوح : «تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ »(٢) .

وهكذا شرح خبر ذي القرنين ،(٣) وخبر أصحاب الكهف(٤) وغير ذلك من أخبار الأنبياءعليهم‌السلام .

قولهعليه‌السلام : «وَالْمُخْتَصُّ بِعَقٰائِلِ كَرٰامٰاتِهِ » أي المختص بنفائس كرامات الله ، كما قال الله تعالى : «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا »(٥) وقال عزّوجلّ : «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ *أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ *وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ *وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ *فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ *وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ *وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ »(٦) ، وقال عزّ إسمه : «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ *وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ »(٧) .

__________________

١ ـ آل عمران : ٩٣.

٢ ـ هود : ٤٩.

٣ ـ الكهف : ٨٣ ـ ٩٨.

٤ ـ الكهف : ١٠ ـ ٢٦.

٥ ـ الإسراء : ١.

٦ ـ الضحى : ٥ ـ ١١.

٧ ـ الشرح : ١ ـ ٤.


وجاء في خبر المعراج : أنا المحمود وأنت محمّد شققت إسمك من إسمي فمن وصلك وصلته ، ومن قطعك بتّلته ، أنزل إلى عبادي ، فأخبرهم بكرامتي إيّاك وإني لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً وإنّك رسولي ، وأنّ عليّاً وزيرك(١) .

قولهعليه‌السلام : «والْمُصْطَفىٰ لِكَرٰائِمِ رِسٰالٰاتِهِ » المصطفىٰ : أي المختار ، ومنه الصفي والصفيّة لما يختاره الرئيس لنفسه من الغنيمة ، أو بمعنى الحبيب المصافي من صافاه الودّ والإخاء ، يقال : هو صفيّ من بين إخواني.

قال إبن الأثير : هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول(٢) .

ويحتمل أن يكون المراد بإصطفائه تعالى لهصلى‌الله‌عليه‌وآله جعله صفوة خلقه وعباده ، أي خيرتهم كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله إصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، وإصطفىٰ من ولد إسماعيل كنانة ، وإصطفىٰ من كنانة قريشاً ، وإصطفىٰ من قريش بني هاشم ، وإصطفاني من بني هاشم(٣) .

ولقد شاء لطف الله بعباده ، وقضت إرادته الحكيمة أن يختار أفراداً مخصوصين ومؤهّلين للإتّصال بالألطاف الربّانيّة بعد ان يهيّئهم الله بلطفه ، فيوفّر لهم الإستعداد الروحي ، والتكامل النفسي ، والنضج العقلي ، والسموّ الذاتي ، ليكونوا مؤهلين لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة ، وتمثيل الإرادة الربّانيّة على هذه الأرض «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »(٤) . فالله سبحانه وتعالى إختار نبيّه

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٧٩.

٢ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٤٠.

٣ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٨ ، ومسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ١٠٧.

٤ ـ الحج : ٧٥.


محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله واصطفاه على العالمين لرسالاته الكريمة الشريفة إلى النّاس.

قولهعليه‌السلام : «والْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرٰاطُ الْهُدىٰ » أي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قد بيّن للخلائق بأجمعهم أعلام الهداية ، فقد أوضح بقوله وفعله وتقريره ما يوجب هدايتهم إلى الطريق الحق والنهج القويم والصراط المستقيم ، وقد قال إبن الزبعري في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

هادي العباد إلى الرشاد وقائد للمؤمنين بضوء نور ثاقب

قولهعليه‌السلام : «وَالْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمىٰ » أي المنكشف بنور نبوّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ظلمات الجهالة وشدائد الأمور ، فرفع بهصلى‌الله‌عليه‌وآله ظلمات الجهالة وشدائد الأمور ، فرفع بهصلى‌الله‌عليه‌وآله المنكرات والشنائع وأصبح الناس به بصيرين.

وفي الخبر : سأل إبن الكوا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن مسائل ، منها : ما الأعمىٰ بالليل بصير بالنهار؟

فقالعليه‌السلام : ذلك رجل جحد الأنبياء الذين مضوا ، والأوصياء والكتب ، ثم أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فآمن بالله وبرسوله محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وآمن بإمامتي وقَبِِلَ ولايتي ، فعمي بالليل وأبصر بالنهار(١) .

* * *

__________________

١ ـ الاحتجاج : ج ١ ، ص ٥٤٣ ـ ٥٤٤.


﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ ، وَأَمِينُهُ الرَّضِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ. أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ ، وَظُهُورِ الْفَلَجِ ، وَإِيضٰاحِ الْمَنْهَجِ ، فَبَلَّغَ الرِّسٰالَةَ صٰادِعًا بِهٰا ، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دٰالًّا عَلَيْهٰا ، وَأَقٰامَ أَعْلٰامَ الْإِهْتِدٰاءِ ، وَمَنٰارَ الضِّيٰاءِ ، وَجَعَلَ أَمْرٰاسَ الْإِسْلٰامِ مَتِينَةً ، وَعُرَى الْإِيمٰانِ وَثِيقَةً.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «الصَّفِىُّ » أي الخالص في مقام العبوديّة عن الكدر النفسانيّة.

وقيل : إنّ على حساب الحروف الأبجديّة لفظ المصطفى محمّد رسول الله يساوي عدد ٧١٤ ، ولفظ سيّد النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يساوي عدد ٧١٦. فهما متقاربان تقريباً.

قولهعليه‌السلام : «وَأَمِينُهُ الرَّضِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » «الأمين» : تقدم شرحه في الخطبة ١٠٠.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ » «الرسالة» بالكسر ، لغة : اسم من الإرسال وهو التوجيه ، وعرفاً تكليف الله تعالى بعض عباده بواسطة ملك يشاهده ويشافهه أن يدعو الخلق إليه ويبلّغهم أحكامه ، وقد تطلق على نفس الأحكام المرسل به. والمراد أي أرسله مع المعجزات الباهرة الدّالة على صدق قوله بأنّه : «نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ»(٣) ولإتمام الحجّة على العباد

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٦٩ ، الخطبة ١٨٥.

٢ ـ الأحزاب : ٤٠.

٣ ـ هود : ٢.


كقوله تعالى : «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »(١) . وكقوله تعالى : «لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ »(٢) .

وإليك نموذجاً واحداً من معجزاته كما جاء في المناقب : أجمع المفسّرون والمحدّثون في قوله تعالى : «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ »(٣) إنّه قد إجتمع المشركون ليلة بدر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا : إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين ، قال : إن فعلت تؤمنون؟ قالوا : نعم ، فأشار إليه بإصبعه فانشقّ ، رؤى حرى بين فلقيه ، وفي رواية نصفاً على أبي قبيس ، ونصفاً على فعيقان(٤) .

وفي رواية نصفه على الصفاء ونصف الآخر على المروة ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إشهدوا إشهدوا ، فقال ناس : سحرنا محمّد ، فقال رجل : إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلّهم. فنزلت هذه الآية : «وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ »(٥) وفي رواية جاء المسافرون من كلّ وجه وقالوا : بأنّهم رأوا مثل ما رأوا :

والقمر والبدر المنير شقّه

فقيل سحر عجب لما رأى(٦)

قولهعليه‌السلام : «وَظُهُورِ الْفَلَجِ » أي لإستبانة الإنكسار والإنهيار في صفوف الأعداء ، قال تعالى : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ »(٧) .

قولهعليه‌السلام : «وَإِيضٰاحِ الْمَنْهَجِ » أي أنّ منهجه واضح ، وسلوكه قويم ،

__________________

١ ـ النساء : ١٦٥.

٢ ـ الأنفال : ٤٢.

٣ ـ القمر : ١.

٤ ـ جبل بمكة وجهه إلى أبي قبيس.

٥ ـ القمر : ٢.

٦ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٢٢ ـ ١٢٣.

٧ ـ الفتح : ٢٨.


قال الله تعالى : «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ »(١) .

وفي الخبر أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول : «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَبَلَّغَ الرِّسٰالَةَ صٰادِعًا بِهٰا » إمتثالاً لأمره ومظهراً بها ، كما أمره تعالى في قوله : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »(٣) وفي القاموس : «فاصدع بما تؤمر» أي شق جماعاتهم بالتوحيد ، أو أجهر. بالقران ، أواحكم بالحق وأفصل بالأمر(٤) .

وقال إبن هشام : إن الوليد بن المغيرة إجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم ، فقال لهم : يا معشر قريش ، إنّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فاجموا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاً ، ويردّ قولكم بعضه بعضاً ، قالوا : فأنت يا أبا شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقول به ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا : نقول : كاهن ، قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة(٥) الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول : مجنون ، قال ما هو بمجون. لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ، قالوا : فنقول شاعر ، قال ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ، ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر.

__________________

١ ـ يس : ٣ ـ ٤.

٢ ـ الإسراء : ٨١.

٣ ـ الحجر : ٩٤.

٤ ـ القاموس المحيط : ج ٣ ، ص ٤٩ ، مادة «صدع».

٥ ـ الزمزمة : الكلام الخفي الذي لا يسمع.


قالوا : فنقول ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحّار وسحرهم فما بنفثهم ولا عقدهم(١) .

قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس؟.

قال : والله إنّ لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق(٢) وإنّ فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلّا عرف أنّه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر ، يفرّق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك(٣) .

وفي المناقب : لمّا قالت قريش : إنّه ساحر. علمنا أنّه قد أراهم ما لم يقدروا على مثله ، وقالوا : هذا مجنون. لما هجم منه على شيئ لم يفكّر في عاقبته منهم ، وقالوا : كاهن. لأنه أنبأ بالغائبات ، وقالوا : معلّم. لأنّه قد أنبأهم بما يكتمونه من أسرارهم ، فثبت صدقه من حيث قصدوا تكذيبه(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ » أي كان هدايتهصلى‌الله‌عليه‌وآله للناس مع الدليل والبرهان.

قولهعليه‌السلام : «دٰالًّا عَلَيْهٰا » أي هادياً إليها ، قال تعالى : «وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَقٰامَ أَعْلٰامَ الْإِهْتِدٰاءِ ، وَمَنٰارَ الضِّيٰاءِ » أي نصب لهم

__________________

١ ـ إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطاً ثم ينفث فيه ، ومنه قوله تعالى في سورة الفلق الآية ٤ : «وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ» يعني الساحرات.

٢ ـ العذق : النخلة. شبّهه بالنخلة التي تثبت أصلها ، وقوي وطاب فرعها إذا جنى.

٣ ـ سيرة إبن هشام : ج ١ ، ص ٢٨٨ ـ ٩ / ٢.

٤ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٢٣.

٥ ـ الأنعام : ١٥٣.


أعلاماً توجب إهتدائهم ، ومناراً يستضيئون بنوره حتّى كملت الدين. قال تعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَجَعَلَ أَمْرٰاسَ الْإِسْلٰامِ مَتِينَةً » أي وضع حبال الدين قويّة متقنة.

قولهعليه‌السلام : «وَعُرَى الْإِيمٰانِ وَثِيقَةً » أي جعل عرىٰ الإيمان مستحكمة ، ينبغي أن تمسك بها كما قال الله : «فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(٢) .

وفي الكافي : عن الصادقعليه‌السلام قال : هي الإيمان بالله وحده لا شريك له(٣) .

* * *

__________________

١ ـ المائدة : ٣.

٢ ـ البقرة : ٢٥٦.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٤ ، ح ١ ، باب في أنّ الصبغة هي الإسلام.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، دَعٰا إِلىٰ طٰاعَتِهِ ، وَقٰاهَرَ أَعْدٰاءَهُ جِهٰادًا عَنْ دِينِهِ ، لٰا يَثْنِيهِ عَنْ ذٰلِكَ اجْتِمٰاعٌ عَلىٰ تَكْذِيبِهِ ، وَالْتِمٰاسٌ لِإِطْفٰاءِ نُورِهِ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «دَعٰا إِلىٰ طٰاعَتِهِ » أي بما أمره الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة قال الله : «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ »(٣) .

ولقد دعا اُمّته في أوّل بعثتهصلى‌الله‌عليه‌وآله فعن : عن إبن عبّاس ، قال : صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم الصفا ، فقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش ، فقالوا : مالك؟ قال أرأيتكم أن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدّقوني؟ قالوا : بلى ، قال. فإنّي «نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »(٤) ، فقال : أبولهب : تبّاً لك لهذا دعوتنا ، فنزلت سورة تبّت(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَقٰاهَرَ أَعْدٰاءَهُ جِهٰادًا عَنْ دِينِهِ » أي جاهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سبيل الله وغلب على أعدائه في حروبه وغزواته وسراياه ، وكان

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٨١ ، الخطبة ١٩٠.

٢ ـ الأحزاب : ٤٠.

٣ ـ النحل : ١٢٥.

٤ ـ سبأ : ٤٦.

٥ ـ تاريخ الطبري : ج ١ ، ص ٥٤١ ـ ٥٤٢ وأخرجه إبن شهراشوب في المناقب : ج ١ ، ص ٤٦ وهكذا أخرجه إبن سعد : ج ١ ، ص ١٥٦ ـ ١٥٧.


مجموع غزواته ست وعشرون ، وحروبه تسعه ، وسراياه ست وثلاثون ، وقال إبن شهراشوب : لمّا كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل بقوله «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ »(١) فقلّد في عنقهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيفاً.

وفي رواية لم يكن له غمد ، فقال : حارب بهذا قومك حتّى يقولوا : لا إلٰه إلّا الله(٢) .

قولهعليه‌السلام : «لٰا يَثْنِيهِ عَنْ ذٰلِكَ » أي لا يصرفه عن الدعوة والتبليغ والجهاد في سبيل الله.

قولهعليه‌السلام : «اجْتِمٰاعٌ عَلىٰ تَكْذِيبِهِ » مع قلّة ناصريه وكثرة معانديه.

قولهعليه‌السلام : «وَالْتِمٰاسٌ لِإِطْفٰاءِ نُورِهِ » قال الطبري : في حديث. مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن إبن أخيك قد سبّ آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلّل آباءنا ، فإما أن تكفّه عنّا ، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه ، فبعث أبوطالب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : يابن أخي ، إنّ قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبو عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عمّاه ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ، ثم استعبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبكى ثم قام ، فلمّا تولّى ناداه أبوطالب ، فقال : أقبل يابن أخي ، فأقبل عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : إذهب يابن أخي ، فقل : ما أحببت ، فوالله لا أسلّمُكَ لشيئ أبداً(٣) .

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب ، ج ١ ، ص ١٨٦.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٨٦.

٣ ـ تاريخ الطبري : ج ١ ، ص ٥٤٤ ـ ٥٤٥ ، وسيرة لإبن هشام : ج ١ ، ص ٢٨٣ ـ ٢٨٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ابْتَعَثَهُ وَالنّٰاسُ يَضْرِبُونَ فِى غَمْرَةٍ ، وَيَمُوجُونَ فِى حَيْرَةٍ ، قَدْ قٰادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ. وَاسْتَغْلَقَتْ عَلٰى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفٰالُ الرَّيْنِ.

قولهعليه‌السلام : «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «ابْتَعَثَهُ وَالنّٰاسُ يَضْرِبُونَ فِى غَمْرَةٍ » الضرب : السير السريع ، والغمرة : الإنهماك في الباطل ، أي الناس يسيرون في الجهل والضلالة والبطلان سيراً سريعاً.

قولهعليه‌السلام : «وَيَمُوجُونَ فِى حَيْرَةٍ » أي يضطربون ويختلجون في حيرة وجهالة ، لكثرة الفتن وشدّة المصائب في أيّام الفترة من سفك الدماء والقتل والنهب فلا يعرفون سبيلاً للنجاة لهم.

قولهعليه‌السلام : «قَدْ قٰادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ » أي حيث إنهمكوا في المحرمات ، وارتكبوا المعاصي فقادتهم تلك الأزمّة إلى الهلاك الأبديّة. وقد قال الله تعالى : «وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَاسْتَغْلَقَتْ عَلٰى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفٰالُ الرَّيْنِ » وفي الصحاح : الرين : الطبع والدنس ، يقال : ران على قلبه ذنبه يرين ريناً وريوناً ، أي : غلب(٤) .

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٢٨٣ ، الخطبة ١٩١.

٢ ـ الفتح : ٢٩.

٣ ـ آل عمران : ١٠٣.

٤ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ٢١٢٩.


والمراد : إذا طبع دنس الذنوب على القلوب فلا يدخل أنوار الحق فيها لأنّها مغلقة ، قال الله تعالى : «بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ »(١) .

وعن الباقرعليه‌السلام : قال : ما من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنباً خرج في تلك النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادىٰ في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض ، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً(٢) .

* * *

__________________

١ ـ المطفّفين : ١٤.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٢٧٣ ، ح ٢٠ ، باب الذنوب.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ مِنْ لَدُنْ كٰانَ فَطِيمًا أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلٰائِكَتِهِ ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكٰارِمِ ، وَمَحٰاسِنَ أَخْلٰاقِ الْعٰالَمِ ، لَيْلَهُ وَنَهٰارَهُ.

قولهعليه‌السلام : «وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ مِنْ لَدُنْ كٰانَ فَطِيمًا أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلٰائِكَتِهِ » القرن : أهل زمان واحد ، واشتقافه من قرنت لاقترانهم برهة من الزمان و «الفطيم» ككريم هو الذي انتهت مدّة رضاعه ، وفطم عن الثدي. يقال فطمت الرضيع من باب ضرب فصلته عن الرضاع ، ومن الواضح أنّ علوّ شأن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّوا أخلاقة في مضمار الفضيلة وكرم النفس والنبل والطهارة التي جاءت حصيلة لإعداد إلٰهي خاص توفّر لرسوله اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل الدعوة الإسلاميّة حتّى صار كفواً للرسالة الإلٰهيّة وتجسيداً لحقائقها وإلى هذا اللون من الإعداد الإلٰهي أشارعليه‌السلام بقوله : «ولقد قرن الله ...» وذلك الملك كان أعظم من جبرئيل وميكائيل كما حدّث عنه أبو بصير عندما سأل أبا عبداللهعليه‌السلام عن قول الله عزّوجلّ : «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »(٢) ، قال : خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مع الأئمةعليهم‌السلام ، وهو من الملكوت(٣) .

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٠٠ ، الخطبة ١٩٢.

٢ ـ الإسراء : ٨٥.

٣ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٢٧٣ ، ح ٣ ، باب الروح الّتي يسدّد الله بها الأئمةعليهم‌السلام وتفسير القمي : ج ٢ ، ص ٢٦ ، س ١٥ ، وأخرجه العياشي في تفسيره ، ج ٢ ، ص ٣١٧ ، ح ١٦١.


وفي خبر آخر عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام في ذيل هذه الآية : «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »(١) قال : خلق عظيم أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مع الأئمة يسدّدهم ، وليس كلّ ما طلب وجد(٢) .

وفيه ايضاً عن أسباط بن سالم ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل مع الأئمة يفقههم وهو من الملكوت(٣) .

وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير قال : سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن قول الله تبارك وتعالى : «وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ »(٤) قال : خَلْقٌ من خلق الله عزّوجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخبره ويسدّده وهو مع الأئمه من بعده(٥) .

وفي رواية : منذ أنزل الله ذلك الروح على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ما صعد إلى السماء وإنّه لفينا(٦) .

قال إبن أبي الحديد : روى أن بعض أصحاب أبي جعفر محمّد بن على الباقرعليه‌السلام سأله عن قوله الله عزّوجلّ : «إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا »(٧) فقالعليه‌السلام : يوكّل الله تعالى

__________________

١ ـ الإسراء : ٨٥.

٢ ـ تفسير العياشي : ج ٢ ، ص ٣١٧ ، ح ١٦١. وأخرجه الكليني في الكافي : ج ١ ، ص ٢٧٣ ، ح ٥.

٣ ـ تفسير العياشي : ج ٢ ، ص ٣١٧ ، ح ١٦٥.

٤ ـ الشورى : ٥٢.

٥ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٢٧٣ ، ح ١ ، باب الروح الّتي يسدّد الله بها الأئمةعليهم‌السلام .

٦ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٢٧٣ ، ح ٢ ، باب الروح الّتي يسدّد الله بها الأئمةعليهم‌السلام .

٧ ـ الجن : ٢٧.


بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم ويوَدّون إليه تبليغهم الرسالة ، ووكلّ بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق ، ويصدّه ، عن الشرّ ومساوئ الأخلاق ، وهو الذي كان يناديه : السلام عليك يا محمّد يا رسول الله ، وهو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد ، فيظن أنّ ذلك من الحجر والأرض ، فيتأمل فلا يرى شيئاً(١) .

وأخرجه الكليني بإسناده عن رفاعة ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : كان عبدالمطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره ، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه ، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو طفل يدرج حتّى جلس على فخذيه ، فأهوى بعضهم إليه لينحّيه عنه ، فقال له عبدالمطلب :عليه‌السلام إبني فإنّ الملك قد أتاه(٢) .

وقال إبن ميثم البحراني : وروى أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أذكر وأنا إبن سبع سنين ، وقد بنى إبن جدعان داراً بمكة ، فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدر في حجورنا فننقله فملأت حجري تراباً فانكشفت عورتي فسمعت نداءً من فوق رأسي يا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أرخ إزارك فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئاً إلّا إنّنى أسمع الصوت فتماسكت ولم أرخه ، فكأنّ إنساناً ضربني على ظهري فخررت بوجهي فانحلّ إزاري فسترني وسقط التراب إلى الأرض فقمت إلىٰ دار عمّي أبي طالب ولم أعد(٣) .

قولهعليه‌السلام : «يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكٰارِمِ » إنّ سمّو أخلاق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

١ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١٣ ، ص ٢٠٧ ، وأخرجه إبن ميثم البحراني في شرحه : ج ٤ ، ص ٣١٤.

٢ ـ الكافي : ج ١ ، ص ٤٤٨ ، ح ٢٦.

٣ ـ شرح نهج البلاغة لإبن ميثم البحراني : ج ٤ ، ص ٣١٤ ، وأورده إبن أبي الحديد في شرحه : ج ١٣ ، ص ٢٠٨ ، نقلاً عن أمالي محمّد بن حبيب فراجع.


وعلوّ شأنه في مضمار الفضيلة وكرم النفس والنبل والطهارة إنّما جاءت حصيلة لإعداد إلٰهي خاص توفر لرسول الله قبل الدعوة وبسبب من تلك الرعاية الربانيّة الخاصة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله باينت شخصيّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله جميع أبناء مجتمعه ، وصار علماً في سمّو أخلاقه وهديه ومضرباً للأمثال في فضله وعلوّ شأنه ، وقد سمّوه قومه حتّى أهل الجاهليّة بـ«الصادق الأمين». تمييزاً له عمّن سواه.

قال السروي : كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل المبعث موصوفاً بعشرين خصلة من خصال الأنبياء ، لو إنفرد واحد بأحدها تدلّ على جلاله ، فكيف من اجتمعت فيه جميع هذه الخصال؟.

كان أميناً ، صادقاً ، حاذقاً ، أصيلاً ، نبيلاً ، مكيناً ، فصيحاً ، عاقلاً ، فاضلاً ، عابداً ، زاهداً ، سخيّاً ، كميّاً ، قانعاً ، متواضعاً ، حليماً ، رحيماً ، غيوراً ، صبوراً ، موافقاً ، مرافقاً. لم يخالط منجّماً ولا كاهناً ولا عيّافاً(١) .

قال المسعودي : روى جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّهعليهم‌السلام قال : إنّ الله عزّوجلّ أدّب محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فأحسن تأديبه ، فقال : «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ »(٢) فلمّا كان كذلك.

قال الله تعالى : «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ »(٣) فلماّ قبل من الله فوّض إليه الأمر. فقال : «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا »(٤) وكان يضمن على الله الجنّة فأجيز له ذلك(٥) .

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٢٣.

٢ ـ الأعراف : ١٩٩.

٣ ـ القلم : ٤.

٤ ـ الحشر : ٧.

٥ ـ مروج الذهب : ج ٢ ، ص ٢٩٨ ، وأخرجه الكليني في الكافي : ج ١ ، ص ٢٦٥ ، ح ١ ، وص ٢٦٦ ، ح ٤.


يَبْد أنّه لو لم يكن له معجزة سوى ما كانصلى‌الله‌عليه‌وآله متّصفاً به من الصفات الحسنة والأخلاق الحميدة لكفى بصادقيّة نبوّته.

قال إبن شهراشوب : كان يتيماً ، فقيراً ضعيفاً ، وحيداً غريباً بلاحصار ، ولا شوكة ، كثير الأعداء ومع جميع ذلك : تعالى مكانه ، وارتفع شأنه وأضاف إبن شهراشوب في القول قائلاً : كان ثابتاً في الشدائد وهو مطلوب وصابراً على البأساء والضراء ، وهو مكروب محروب ،(١) وكان زاهداً في الدنيا ، راغباً في الآخرة ، فثبت له الملك وكان يشهد كلّ عضو منه على معجزة(٢) .

وفي الكافي : عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : إن الله عزّوجلّ خصّ رسله بمكارم الأخلاق ، فامتحنوا أنفسكم ، فإن كانت فيكم فاحمدوا الله ، واعلموا أنّ ذلك من خير ، وإن لا تكن فيكم فاسألوا الله وارغبوا إليه فيها ، قال : فذكرها عشرة : اليقين ، والقناعة ، والصبر ، والشكر ، والحلم ، وحسن الخلق ، والسخاء ، والغيرة ، والشجاعة ، والمروّة(٣) .

وجاء في ذيل هذه الرواية زيادة : الصدق ، وأداء الأمانة ، بعد ذكر هذه الخصال العشرة(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَمَحٰاسِنَ أَخْلٰاقِ الْعٰالَمِ ، لَيْلَهُ وَنَهٰارَهُ » كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عظيماً في فكره ووعيه ، رائداً في أساليب تعامله مع اُسرته والناس جميعاً مثاليّاً في حسم الموقف والصدق في المواطن ومواجهة المحن ، فما من فضيلة إلّا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سابق إليها ، وما من مكرمة إلّا وهو متقلّد لها.

__________________

١ ـ المحروب : من سَلُبَ ماله.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٢٣.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٥٦ ، ح ٢.

٤ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٥٦ ، ح ٢.


ومهما قيل من ثناء على أخلاقيته السامية قديماً وحديثاً فإن ثناء الله تعالى عليه في كتابه العزيز يظل أدقّ تعبير ، وأصدق وصف لمواصفات شخصيّته العظيمة دون سواه. فقول الله تعالى : «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»(١) . يعجز كلّ قلم وكلّ تصوّر وبيان عن تحديد عظمته فهو شهادة من الله سبحانه وتعالى على عظمة أخلاق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّو سجاياه ، وعلوّ شأنه في مضمار التعامل مع ربّه ونفسه ومجتمعه بناءً على أن الأخلاق مفهوم شامل لجميع مظاهر السلوك الإنساني.

ولقد بلغ من عظمة شخصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن سئل علي بن أبي طالبعليهم‌السلام عنها ، فأجاب كيف أصف أخلاق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال : «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ »(٢) (٣) .

وكانت قريش معترفين بكماله في محاسن الأخلاق وأمانته ، فكانوا يسمّونه الصادق الأمين قبل نزول الوحي عليه ، ومن هنا يحدثنا التاريخ أن قريش قررت بناء الكعبة وتوسعتها بعد إغدار سيل جارف بإتجاه الكعبة فهدّمها وخرّب بناءها فشاركت القبائل البناء بعد أن تقاسمت جوانب الكعبة فيما بينها واختلفوا فيما بينهم على رفع الحجر الأسود ووضعه في موضعه بيد أنّ كلّ قبيلة تريد أن تختص بشرف رفع الحجر الأسود ووضعه في موضعه من الكعبة ، فبعد إستمرار النزاع بينهم أربعة أو خمسة أيّام إتّفقوا على أن يكون أوّل داخل على الإجتماع هو الحكم بينهم ، وتعاهدوا على الإلتزام بحكمه ، فكان أوّل داخل عليهم هو النبيّ الأعظم محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا : هذا الأمين قد رضينا به ، هذا محمّد.

__________________

١ ـ القلم : ٤.

٢ ـ القلم : ٤.

٣ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج ٣٢ ، ص ٢١ ، ذيل الآية ١٠ من سورة العلق.


قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتحكيم بينهم ، فكان قضاؤه أن يوضع الحجر الأسود في ردائه ، فتأخذ كلّ قبيلة من القبائل المشتركة في البناء بطرف من الرداء ، ثم يحمل الحجر الأسود بهذه الطريقة ، ويقرّب إلى موضعه من الكعبة. فرضوا بحكمه ، واستجابوا له وحين أوصلوا الحجر الأسود محمولاً بهذه الكيفيّة ، رفع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الحجر الأسود بيده الشريفة ووضعه في موضعه ، ثم بنى عليه(١) .

وفي الحديث عن إبن عبّاس قال : لما اُنزلت : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(٢) صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الصفا فقال : «يا معشر قريش!» فقالت قريش : محمّد على الصفا يهتف ، فأقبلوا واجتمعوا. فقالوا : مالك يا محمّد؟ قال : أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقونني؟

قالوا : نعم. أنت عندنا غير متّهم وماجربنّا عليك كذباً قط ، قال : «نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »(٣) يا بني عبدالمطلب يا بني عبد مناف يا بني زهرة حتّى عدد الأفخاذ من قريش ، إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين(٤) .

* * *

__________________

١ ـ تاريخ الطبري : ج ١ ، ص ٥٢٦.

٢ ـ الشعراء : ٢١٤.

٣ ـ سبأ : ٤٦.

٤ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٥٦.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ لَمّٰا أَتٰاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقٰالُوا لَهُ : يٰا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيمًا لَمْ يَدَّعِهِ اٰبٰاؤُكَ وَلٰا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ ، وَنَحْنُ نَسأَلُكَ أَمْرًا إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنٰا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنٰاهُ عَلِمْنٰا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ ، وَإِنْ لَمْ تفْعَلْ عَلِمْنٰا أَنَّكَ سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ. فَقٰالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ : وَمٰا تَسْأَلُونَ؟ قٰالُوا : تَدْعُوا لَنٰا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ حَتّٰى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهٰا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقٰالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ : إِنَّ اللهَ عَلىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ، فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذٰلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ. قٰالُوا : نَعَمْ. قٰالَ : فَإِنِّى سَأُرِيكُمْ مٰا تَطْلُبُونَ ، وَإِنِّى لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لٰا تَفِيؤُنَ إِلىٰ خَيْرٍ ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِى الْقَلِيبِ ، وَمَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزٰابَ. ثُمَّ قٰالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ : يٰا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَتَعْلَمِينَ أَنِّى رَسُولُ اللهِ فَانْقَلِعِى بِعُرُوقِكِ حَتّىٰ تَقِفِى بَيْنَ يَدَىَّ بِإِذْنِ اللهِ! فَوَ الَّذِى بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهٰا وَجٰاءَتْ وَلَهٰا دَوِىٌّ شَدِيدٌ وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ، حَتّىٰ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ مُرَفْرِفَةً ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلىٰ عَلىٰ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ ، وَبِبَعْضِ أَغْصٰانِهٰا عَلىٰ مَنْكِبِى ، وَكُنْتُ عَنْ يَميِينِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ. فَلَمّٰا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلىٰٰ ذٰلِكَ قٰالُوا عُلُوٍّا واسْتِكْبٰارًا : فَمُرْهٰا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهٰا وَيَبْقىٰ نِصْفُهٰا. فَأَمَرَهٰا بِذٰلِكَ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهٰا كَأَعْجَبِ إِقْبٰالٍ وَأَشَدِّهِ دَوِيًّا ، فَكٰادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ. فَقٰالُوا كُفْرًا وَعُتُوًّا : فَمُرْ هٰذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلىٰ نِصْفِهِ كَمٰا كٰانَ. فَأَمَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فَرَجَعَ. فقُلْتُ أَنَاَ : لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ ، إِنِّى أَوَّلُ مُؤْمِنٍ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٠١ ـ ٣٠٢ ، الخطبة ١٩٢.


بِكَ يٰا رَسُولَ اللهِ ، وأَوَّلُ مَنْ اٰمَنَ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مٰا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعٰالىٰ تَصْديِقًا بِنُبُوَّتِكَ وَإِجْلٰالًا لِكَلِمَتِكَ. فَقٰالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ! وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِى أَمْرِكَ إِلّٰا مِثْلُ هٰذٰا؟! (يَعْنُونَنِى).

قولهعليه‌السلام : «وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ لَمّٰا أَتٰاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقٰالُوا لَهُ : يٰا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيمًا لَمْ يَدَّعِهِ اٰبٰاؤُكَ وَلٰا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ » إشارة إلى بعض معجزاته ، فقد ذكر منها أربعاً.

أحدها : مجيئ الشجرة إليه ، والثانية إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعدم تصديقهم له بعد رؤيته الآية والمعجزة ، والثالثة : من يقتل منهم في بدر ، ويطرح في بئر كعتبة وشيبة إبني ربيعة ، وأبي جهل ، وأميّه بن عبد شمس ، والوليد بن المغيرة ، وغيرهم. الرابعه : أنّ فيهم من يحزّب الأحزاب عليه : نحو أبوسفيان بن حرب ، وعمروبن ود ، وصفوان بن أُميّه ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهل بن عمرو وغيرهم.

وذكر السروي : أنّ للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعة آلاف وأربعماءة وأربعين معجزة ، وقد ذكرت منها : ثلاثة آلاف تنقسم إلى أربعة أقسام :

قسم قبل ميلاده ، وقسم بعد ميلاده قبل بعثته ، وقسم بعد بعثته ، وقسم بعد وفاته(١) .

وقال الجزري : وقد صنّف العلماء في معجزات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كتباً كثيرة ذكروا فيها كلّ عجيبة(٢) .

وفي تفسير العسكريعليه‌السلام : قالعليه‌السلام : قلت لأبي علي بن محمّدعليهما‌السلام :

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٤٤.

٢ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ٤٧.


هل كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يناظر اليهود والنصارى والمشركين إذ عانتوه ويحاجهم؟.

قال : بلى ، مراراً كثيرة منها : ما حكى الله تعالى من قولهم : «وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا *أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا »(١) وقولهم : «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »(٢) وقولهم : «وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا *أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا *أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا *أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا »(٣) .

ثم قيل له في آخر ذلك : لو كنت نبيّاً كموسى لنزّلت علينا الصاعقة فى مسألتنا إيّاك ، لأن مسألتنا أشدّ من مسألة قوم موسى لموسى؟.

وأضاف في القول قائلاً : وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قاعداً ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذ إجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم : الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبوالبختري بن هشام ، وأبوجهل بن هشام ، والعاص بن وائل السهمي ، وعبدالله بن أبي اُميّه المخزومي ، وكان معهم جمع ممّن يليهم كثير ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ، ويؤدّي إليهم عن الله أمره ونهيه.

__________________

١ ـ الفرقان : ٧ ـ ٨.

٢ ـ الزخرف : ٣١.

٣ ـ الإسراء : ٩٠ ـ ٩٣.


فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمّد ، وعظم خطبه فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيده وتوبيخه ، والإحتجاج عليه ، وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه وباطله وتمرّده وطغيانه ، فإن إنتهى وإلّا عاملناه بالسيف الباتر.

قال أبو جهل : فمن الذي يلي كلامه ومجادلته؟

قال عبد الله بن أبي اُميّة المخزومي : أنا إلى ذلك ، أفما ترضاني له قرناً حسيباً ومجادلاً كفيّاً؟

قال أبوجهل : بلى فأتوه بأجمعهم فإبتدأ عبدالله بن اُميّه المخزومي فقال : يا محمّد لقد إدّعيت دعوى عظيمة ، وقلت : مقالاً هائلاً ، زعمت أنّك رسول الله ربّ العالمين ، وما ينبغي لربّ العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسولاً له ، بشر مثلنا يأكلّ كما نأكلّ ، ويمشي في الأسواق كما نمشي ، فهذا ملك الروم ، وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلّا كثير المال ، عظيم الحال ، له قصور ودور وبساتين وفساطيط وخيام وعبيد وخدّام ، وربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم أجمعين ، فهم عبيده ، ولو كنت نبيّاً لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكاً ، لا بشراً مثلنا ، ما أنت يا محمّد إلّا مسحوراً ولست بنبيّ.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هل بقي من كلامك شيئ يا عبدالله؟.

قال : بلى ، لو أراد الله أن يبعث رسولاً لبعث أجلّ من فيما بيننا مالاً ، وأحسنه حالاً ، فهلّا أنزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك


وابتعثك به رسولاً «عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »(١) إمّا الوليد بن المغيرة بمكة ، وإمّا عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هل بقي من كلامك شيئ يا عبدالله؟.

قال : بلى «لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا »(٢) بمكة هذه ، فإنّها ذات حجارة وعرة ، وجبال تكسح أرضها وتحفرها ، وتجري فيها العيون ، فإننا إلى ذلك محتاجون «أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا »(٣) ، «أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا »(٤) . فإنّك قلت لنا : «وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ »(٥) ولعلّنا نقول : ذلك ، ثم قال : «لَن نُّؤْمِنَ لَكَ »(٦) ، «أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا »(٧) . تأتي به وبهم ، وهم لنا مقابلون «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ »(٨) تعطينا منه وتغنينا به ، فلعلّنا نطغى ، فإنّك قلت لنا : «كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ *أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ »(٩) . ثم قال : «أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ »(١٠) من الله العزيز الحكيم إلى عبدالله بن أميّة المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمّد بن عبدالله بن عبدالمطلب ، فإنّه رسولي وصدّقوه في مقاله فإنّه من عندي.

ثم لا أدري يا محمّد إذا فعلت هذا كلّه اُؤمن بك أولاً اُؤمن بك ، بل لو رفعتنا إلى السماء ، وفتحت أبوابها ، وأدخلتناها لقلنا : «إِنَّمَا سُكِّرَتْ

__________________

١ ـ الزخرف : ٣١.

٢ ـ الإسراء : ٩٠.

٣ ـ الإسراء : ٩١.

٤ ـ الإسراء : ٩٢.

٥ ـ الطور : ٤٤.

٦ ـ الإسراء : ٩٠.

٧ ـ الإسراء : ٩٢.

٨ ـ الإسراء : ٩٣.

٩ ـ العلق : ٦ ـ ٧.

١٠ ـ الإسراء : ٩٣.


أَبْصَارُنَا »(١) وسحرتنا.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عبدالله أبقي شيىء من كلامك؟.

قال : يا محمّد أوليس في ما أوردته عليك كفاية وبلاغ؟ ما بقي شيىء ، فقل : ما بدا لك ، وأفصح عن نفسك إن كانت لك حجّة ، واتنا بما سألناك.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهم أنت السامع لكلّ صوت ، والعالم بكلّ شيىء تعلم ما قاله عبادك. فأنزل الله عليه : يا محمّد «وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا *أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا »(٢) .

ثم قال الله تعالى : «انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا »(٣) ثم قال الله : يا محمّد «تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا »(٤) . وأنزل عليه : يا محمّد «فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »(٥) .

وأنزل عليه : يا محمّد «وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ *وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ »(٦) .

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عبدالله أمّا ما ذكرت من أنّي آكل الطعام كما

__________________

١ ـ الحجر : ١٥.

٢ ـ الفرقان : ٧ ـ ٨.

٣ ـ الإسراء : ٤٨.

٤ ـ الفرقان : ١٠.

٥ ـ هود : ١٢.

٦ ـ الأنعام : ٨ ـ ٩.


تأكلون ، وزعمت أنّه لا يجوز لأجل هذه أن أكون لله رسولا ، فإنّما الأمر لله يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، وهو محمود ، وليس لك ولا لأحد الإعتراض عليه بلم وكيف؟.

ألا ترى أنّ الله تعالى كيف أفقر بعضاً وأغنى بعضاً ، وأعزّ بعضاً ، وأذلّ بعضاً ، وأصحّ بعضاً وأسقم بعضاً ، وشرّف بعضاً ووضع بعضاً وكلّهم ممّن يأكلّ الطعام؟.

ثم ليس للفقراء أن يقولوا : لِمَ أفقرتنا وأغنيتهم؟ ولا للوضعاء أن يقولوا : لِمَ وضعتنا وشرّفتهم؟ ولا للزمني والضعفاء أن يقولوا : لِمَ أزمتنا وأضعفتنا وصححّتهم؟ ولا للأذّلاء أن يقولوا : لِمَ أذللتنا وأعززتهم؟ ولا لقبائح الصور أن يقولوا : لِمَ قبّحتنا وجمّلتهم؟ بل إن قالوا : ذلك كانوا على ربّهم رادّين ، وله في أحكامه منازعين ، وبه كافرين ، ولكان جوابه لهم : إنّي أنا الملك الخافض الرافع المغنى المفقر ، المعزّ المذلّ ، المصحّح المستقيم ، وأنتم العبيد ليس لَكم إلّا التسليم لي والإنقياد لحكمي ، فإن سلّمتم كنتم عباداً مؤمنين ، وإن أبيتم كنتم بي كافرين ، وبعقوباتي من الهالكين.

ثم أنزل الله تعالى عليه : يا محمّد «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ »(١) يعني قل لهم : أنا في البشريّة مثلكم ، ولكن ربّي خصّني بالنبوّة دونكم ، كما يخصّ بعض البشر بالفناء والصحّة والجمال دون بعض من البشر ، فلا تنكروا أن يخصّني أيضاً بالنبوّة.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأمّا قولك : إن هذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلّا كثير المال ، وعظيم الحال ، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ، وربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده فإنّ الله

__________________

١ ـ الكهف : ١١٠ ، وفصّلت : ٦.


له التدبير والحكم لا يفعل على ظنك وحسبانك ، ولا بإقتراحك ، بل يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد وهو محمود ، يا عبدالله إنّما بعث الله نبيّه ليعلّم الناس دينهم ، ويدعوهم إلى ربّهم ويكدّ نفسه في ذلك آناء الليل وأطراف النهار ، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والاُمور تتباطأ؟ ، أو ماترى الملوك إذا إحتجبوا كيف يجرى الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون؟.

يا عبدالله إنما بعثني الله ولا مال لي ليعرّفكم قدرته وقوّته ، وأنّه هو الناصر لرسوله ، لا تقدرون على قتله ولا منعه من رسالته فهذا أبين في قدرته وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فأوسعكم قتلاً وأسراً ثم يظفرني الله ببلادكم ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ، ودون من يوافقكم على دينكم.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأمّا قولك لي : ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيّاً لكان إنّما يبعث ملكاً لا بشراً مثلنا ، فالملك لا تشاهده حواسّكم ، لأنّه من جنس هذا الهواء لا عيان منه ، ولو شاهدتموه بأن يزداد في قوى أبصاركم لقلتم : ليس هذا ملكاً ، بل هذا بشر ، لأنّه إنّما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قد ألفتموه لتفهموا عنه مقاله ، وتعرفوا به خطابه ومراده ، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك واَنّ ما يقوله حقّ؟.

بل إنّما بعث الله بشراً ، وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمون بعجزكم عمّا جاء به أنّه معجزة ، وأنّ ذلك شهادة من الله تعالى بالصدق له ، ولو ظهر لكم ملك


وظهر على يده ما يعجز عنه البشر ، لم يكن في ذلك ما يدلّكم أنّ ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه حتّى يصير ذلك معجزاً.

ألا ترون أنّ الطيور الّتي تطير ليس ذلك منها بمعجز ، لأنّ لها أجناساً يقع منها مثل طيرانها ولو أنّ آدميّاً طار كطيرانها كان ذلك معجزاً ، فالله عزّوجلّ سهّل عليكم الأمر ، وجعله بحيث تقوم عليكم حجّته ، وأنتم تفترحون عمل الصعب الذي لا حجّة فيه.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأما قولك ما أنت «إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا»(١) فكيف أكون كذلك ، وقد تعلمون أنّي في صحّة التمييز والعقل فوقكم؟ فهل جرّبتم عليّ منذ نشأت إلى أن إستكملت أربعين سنة جريرة ، أوزلّة ، أوكذبة ، أوخيانة ، أوخطأ من القول ، أو سفهاً من الرأي؟ أتظنّون أنّ رجلاً يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه وقوّتها أوبحول الله وقوّته؟ وذلك كما قال الله تعالى : «انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا »(٢) إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجّة أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأمّا قولك : «لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »(٣) الوليد بن مغيرة بمكه أوعروة بالطائف فإنّ الله تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر له عنده كما عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافراً به ، مخالفاً له شربة ماء ، وليس قسمة رحمة الله إليك ، بل الله القاسم للرحمات ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو عزّوجلّ ممّن يخاف أحداً

__________________

١ ـ الإسراء : ٤٧. والفرقان : ٨.

٢ ـ الإسراء : ٤٨.

٣ ـ الزخرف : ٣١.


كما تخافه أنت لماله وحاله ، فتعرفه بالنبوّة لذلك ، ولا ممّن يطمع في أحد في ماله كما تطمع ، فتخصّه بالنبوة لذلك ، ولا ممّن يحبّ أحداً محبّة الهوى كما تحبّ ، فتقدّم من لا يستحق التقديم.

وإنّما معاملته بالعدل : فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وجلاله إلّا الأفضل في طاعته ، والأجدّ في خدمته ، وكذلك لا يؤخّر في مراتب الدين وجلاله إلّا أشدّهم تباعاً عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حالٍ بل هذا المال والحال من تفضّله ، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب.

فلا يقال : إذا تفضّل بالمال على عبده فلابد من أن يتفضّل عليه بالنبوّة أيضاً ، لأنّه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضّلاً ، لأنّه تفضّل قبله بنعمه.

ألا ترى يا عبدالله كيف أغنى واحداً وقبّح صورته؟ وكيف حسّن صورة واحد وأفقره؟ وكيف شرّف واحداً وأفقره ، وكيف أغنى واحداً ووضعه؟ ثم ليس لهذا الغني أن يقول : وهلّا اُضيف إلى يساري جمال فلان؟ ولا للجميل أن يقول : هلّا اُضيف إلى جمالي مال فلان؟ ولا للشريف أن يقول : هلّا أُضيف إلى شرفي مال فلان؟ ولا للوضيع أن يقول : هلّا أُضيف إلى ضعتي شرف فلان؟ ولكن الحكم لله يقسّم كيف يشاء ويفعل كما يشاء ، وهو حكيم في أفعاله ، محمود في أعماله ، وذلك قوله تعالى : «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »(١) . قال الله تعالى : «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ »(٢) يا محمّد «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا »(٣) . فأحوجنا بعضاً إلى بعض ، أحوجنا هذا

__________________

١ ـ الزخرف : ٣١.

٢ ـ الزخرف : ٣٢.

٣ ـ الزخرف : ٣٢.


إلى مال ذلك وأحوج ذلك إلى سلعة هذا ، وهذا إلى خدمته ، فترى أجلّ الملوك وأغنى الأغنياء محتاجاً إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب : إمّا سلعة معه ليست معه ، وإمّا خدمة يصلح لها لا يتهيّأ لذلك الملك أن يستغني إلّا به ، وأمّا باب من العلوم والحكم ، فهو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير ، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني ، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته ، ثم ليس للفقير أن يقول : هلّا اجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرّف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني؟ ولا للملك أن يقول : هلّا إجتمع إلى ملكي علم هذا الفقير.

ثم قال : «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا »(١) .

ثم قال : يا محمّد «وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ »(٢) يجمع هؤلاء من أموال الدنيا.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأمّا قولك : «لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا »(٣) . إلى آخر ما قلته فإنّك اقترحت على محمّد رسول الله أشياءً.

منها : ما لوجاءك به لم يكن برهاناً لنبوّته ، ورسول الله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ، ويحتجّ عليهم بما لا حجّة فيه.

ومنها : ما لوجاءت به لكان معه هلاكك ، وإنما يؤتىٰ بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الإيمان بها ، لا ليهلكوا بها ، فإنّما إقترحت هلاكك ، وربّ العالمين أرحم بعباده ، وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون.

__________________

١ ـ الزخرف : ٣٢.

٢ ـ الزخرف : ٣٢.

٣ ـ الإسراء : ٩٠.


ومنها : المحال الذي لا يصلح ولا يجوز كونه ، ورسول رب العالمين. يعرّفك ذلك ، ويقطع معاذيرك ، ويضيّق عليك سبيل مخالفته ، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتّى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص.

ومنها : ما قد إعترفت على نفسك أنّك فيه معاند متمرّد لا تقبل حجّة ولا تصغي إلى برهان ، ومن كان كذلك فدواؤه عقاب النار النازل من سمائه أوفي جحيمه أوبسيوف أوليائه.

واما قولك يا عبدالله : «لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا »(١) . بمكة فإنّها ذات حجارة وصخور وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها ، وتجري فيها العيون فإنّنا إلى ذلك محتاجون ، فإنّك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله تعالى. يا عبدالله أرأيت لو فعلت هذا ، كنت من أجل هذا نبيّاً؟ أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين؟ أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللّتها وكسحتها وأجريت فيها عيوناً إستنبطتها(٢) ؟ قال : بلى.

قال : وهل لك في هذا نظراء؟ قال : بلىٰ أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء؟ قال : لا ، قال : فكذلك لا يصير هذا حجّة لمحمّد لو فعله على نبوّته فما هو إلّا كقولك : لن نؤمن لك حتّى تقوم وتمشى على الأرض ، أوحتّى تأكلّ الطعام كما يأكلّ الناس.

وأمّا قولك يا عبدالله : «أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ »(٣) فتأكلّ منها وتطعمنا «فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا »(٤) أوليس لأصحابك ولك جنّات من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها ،

__________________

١ ـ الإسراء : ٩٠.

٢ ـ استنبط البئر : إستخرج ماءها.

٣ ـ الإسراء : ٩١.

٤ ـ الإسراء : ٩١.


وتفجّرون الأنهار خلالها تفجيراً؟ أفصرتم أنبياء بهذا؟ قال : لا.

قال : فما بال إقتراحكم على رسول الله أشياء ، لو كانت كما تقترحون لما دلّت على صدقه ، بل لو تعاطاها لدلّ تعاطيه إيّاها على كذبه ، لأنّه حينئذ يحتجّ بما لا حجّة فيه ، ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم ورسول ربّ العالمين يجلّ ويرتفع عن هذا.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عبدالله وأمّا قولك «أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا »(١) فإنّك قلت : «وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ »(٢) فإنّ في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم.

فإنّما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك ، ورسول ربّ العالمين أرحم بك من ذلك ولا يهلك ، ولكنّه يقيم عليك حجج الله ، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده.

لأنّ العباد جهّال بما يجوز من الصلاح ، وبما لا يجوز منه ، وبالفساد وقد يختلف إقتراحهم ويتضادّ حتّى يستحيل وقوعه إذ لو كانت إقتراحاتهم واقعة لجاز أن تقترح أنت أن تسقط السماء عليكم ، ويقترح غيرك أن لا تسقط عليكم السماء بل أن ترفع الأرض إلى السماء ، وتقع السماء عليها ، وكان ذلك بتضادّ ، ويتنافي أويستحيل وقوعه والله لا يجرى تدبيره على ما يلزم به المحال.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وهل رأيت يا عبدالله طبيباً كان دواؤه للمرضى على حسب إقتراحاتهم؟ وإنّما يفعل بهم ما يعلم صلاحهم فيه ، أحبّه العليل أوكرهه ، فأنتم المرضى والله طبيبكم ، فإن أنفذتم لدوائه

__________________

١ ـ الإسراء : ٩٢.

٢ ـ الطور : ٤٤.


شفاكم ، وإن تمردّتم عليه أسقمكم ، وبعد فمتى رأيت يا عبدالله مدّعي حقّ من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكّامهم ـ فيما مضى ـ بيّنة على دعواه على حسب إقتراح المدعي عليه؟ إذن ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى ولا حقّ ، ولا كان بين ظالم من مظلوم ولا صادق من كاذب فرق.

ثم قال : يا عبدالله وأمّا قولك : «أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا »(١) يقابلوننا ونعاينهم فإنّ هذا من المحال الذي لا خفاء به إنّ ربّنا عزّوجلّ ليس كالمخلوقين يجيئ ويذهب ويتحرّك ويقابل شيئاً حتّى يؤتى به ، فقدسألتم بهذا المحال ، وإنّما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة الّتي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تعلم ولا تغني عنكم شيئاً ولا عن أحد.

يا عبدالله أوليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوّام عليها؟ قال : بلى. قال : أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أوبسفراء بينك وبين معامليك؟ قال : بسفرائى ، قال : أرأيت لو قال : معاملوك وأكرتك وخدمك لسفرائك : لا نصدّقكم في هذه السفارة إلّا أن تأتونا بعبدالله بن أبي اُميّة لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاهاً كنت تسوّغهم هذا ، أوكان يجوز لهم عندك ذلك؟ قال : لا.

قال : فما الذي يجب على سفرائك؟ أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلّهم على صدقهم ، فيجب عليهم أن يصدّقوهم؟ قال : بلىٰ.

قال : يا عبدالله أرأيت سفيرك لو أنّه لمّا سمع منهم هذا ، عاد إليك وقال : قم معي فإنّهم قد إقترحوا عليّ مجيئك ، أليس يكون لك مخالفاً ، وتقول له : إنّما أنت رسول لا مشيرولا آمر؟ قال : بلى.

قال : فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين ما لا تسوّغ

__________________

١ ـ الإسراء : ٩٢.


لأكرتك ومعامليك ، أن يقترحوه على رسولك إليهم؟ وكيف أردت من رسول ربّ العالمين أن يستذم(١) إلى ربّه بأن يأمر عليه وينهى ، وأنت لا تسوّغ مثل هذا لرسولك إلى أكرتك وقوّامك؟ هذه حجّة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كلّ ما اقترحته يا عبدالله.

وأمّا قولك يا عبداللهعليه‌السلام : «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ »(٢) وهو الذهب. أمّا بلغك أن لعزيز مصر بيوتاً من زخرف؟ قال : بلى.

قال : أفصار بذلك نبيّاً؟ قال : لا. قال : فكذلك لا يوجب ذلك لمحمّد لو كان له نبوّة ، ومحمّد لا يغتنم جهلك بحجج الله.

وأمّا قولك يا عبدالله : «أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ »(٣) ثم قلت : «وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ »(٤) .

يا عبداللهعليه‌السلام : الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها ، وإذا إعترفت على نفسك بأنّك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول.

ثم قلت : «حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ »(٥) ومن بعد ذلك لا أدري اُؤمن بك أو لا اُؤمن بك. فأنت يا عبدالله مقرّ بأنّك تعاند حجّة الله عليك ، فلا دواء لك إلّا تأديبه على يد أوليائه من البشر أو ملائكته : الربانيّة ، وقد أنزل الله تعالى عليّ حكمة جامعة لبطلان كلّ ما اقترحته.

فقال تعالى : «سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا »(٦) ما أبعد ربّي عن أن يفعل الأشياء على قدر ما يقترحه الجّهال بما يجوز وبما لا يجوز ،

__________________

١ ـ استذمّ إلى فلان : فعل ما يذمّه عليه.

٢ ـ الإسراء : ٩٣.

٣ ـ الإسراء : ٩٣.

٤ ـ الإسراء : ٩٣.

٥ ـ الإسراء : ٩٣.

٦ ـ الإسراء : ٩٣.


وهل كنت إلّا بشراً رسولاً؟ لا يلزمني إلّا إقامة حجّة الله التي أعطاني ، وليس لي أن آمر على ربّي ولا أنهى ولا اُشير ، فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه الحديث(١) .

وفي حديث آخر : قيل لأميرالمؤمنينعليه‌السلام : هل كان للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله آية مثل آية موسىعليه‌السلام في رفعة الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما أمروا به؟.

فقال أميرالمومنينعليه‌السلام : أي والذي بعثه بالحقّ نبيّا ما من آية كانت لأحد من الأنبياء من لدن آدم إلى أن إنتهى إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا وقد كان لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله مثلها أوأفضل منها الحديث(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَنَحْنُ نَسأَلُكَ أَمْرًا إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنٰا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنٰاهُ عَلِمْنٰا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ ، وَإِنْ لَمْ تفْعَلْ عَلِمْنٰا أَنَّكَ سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ » لأنّ عدم إجابتك ما سألناه منك دليل على عدم قدرتك من إتيان المعجزة الدّالة على صحّة نبوّتك.

قولهعليه‌السلام : «فَقٰالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ : وَمٰا تَسْأَلُونَ؟ قٰالُوا : تَدْعُوا لَنٰا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ حَتّٰى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهٰا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ » إجابة لدعوتك ، وحديث الشجرة حديث مستفيض قد ذكره المحدّثون في كتبهم والمفسّرون في تفاسيرهم ، والمتكلّمون في معجزات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأكثرون قد رووه بمثل ما جاء في خطبة أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، ومنهم من رواه مختصراً ، ومنهم من رواه بلفظ آخر ، وفي قضيّة اُخرى كالبيهقي في دلائل النبوّة فراجع(٣) .

__________________

١ ـ تفسير الإمام العسكري : ص ٥٠٠ ـ ٥١٤ ، وأخرجه الطبرسي في الإحتجاج : ج ١ ، ص ٤٧ ـ ٦٨ ، ح ٢٢.

٢ ـ الإحتجاج : ج ١ ، ص ٦٨ ، ح ٢٣.

٣ ـ دلائل النبوّة : ج ٦ ، ص ٢٥٢ ـ ٢٥٤.


قولهعليه‌السلام : «فَقٰالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ : إِنَّ اللهَ عَلىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » أي غير عاجز عن شيئ.

قولهعليه‌السلام : «فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذٰلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ. قٰالُوا : نَعَمْ » إنّما نسبصلى‌الله‌عليه‌وآله الفعل إلى الله سبحانه ولم ينسبه إلى نفسه تنبيهاً لهم على أنّ ما يفعله ويصدر منهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّما هو فعل الله سبحانه وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله مظهر له كما قال الله تعالى : «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «قٰالَ : فَإِنِّى سَأُرِيكُمْ مٰا تَطْلُبُونَ ، وَإِنِّى لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لٰا تَفِيؤُنَ إِلىٰ خَيْرٍ » أي لا تكون لكم عاقبة حسنة ، فيقتل منكم طائفة ويطرح في بئر بدر ، وتبقى طائفة ، وتحزّب الأحزاب علينا.

هذا وجدير بالذكر : بأن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أني لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى الخير» يكون من معجزاته الإخبارية التي هي كثيرة فنحن نذكر نبذة منها.

منها : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لما قال لعمّه العباس بعد أسره يوم بدر : أفد نفسك وإبني أخيك ، يعني عقيلاً ونوفلاً ، وحليفك ، يعني عتبة بن أبي جحدر ، فإنّك ذومال.

فقال : إن القوم إستكرهوني ولا مال عندي.

قال : فأين المال الذي وضعته بمكّة عند أمّ الفضل حين خرجت ولم يكن معكما أحد وقلت : إن أصبت في سفري فللفضل كذا وكذا ولعبد الله كذا ولقثم كذا؟

قال : والذي بعثك بالحقّ نبيّا ما علم بهذا أحد غيرها ، وإنّي لأعلم إنّك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففدّىٰ نفسه بماءة أوقية ، وكلّ واحد بماءة أوقية(٢) .

__________________

١ ـ الأنفال : ١٧.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٠٧ ـ ١٠٨.


منها : قال السروي : أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وهو بتبوك : بموت رجل بالمدينة عظيم النفاق ، فلما قدموا المدينة وجدوه وقدمات في ذلك يوم(١) .

وهكذا قال السروي : قد أخبرصلى‌الله‌عليه‌وآله بمقتل الأسود العنسي الكذّاب ليلة قتله ، وهو بصنعاء وأخبر بمن قتله(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً لأصحابه : اليوم تنصر العرب على العجم. فجاء الخبر بوقعة ذي قار بنصر العرب على العجم(٣) .

ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لسلمان : أن سيوضع على رأسك تاج كسرى ، فوضع التاج على رأسه عندالفتح(٤) .

ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : للزبير : إنك تقاتل عليّاً وأنت ظالم(٥) .

ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : في أمر الجمل للعائشة : «تنبحك كلاب الحوأب»(٦) .

ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعمّار : «تقتلك الفئة الباغية»(٧) .

إنّ قتل عمّار رحمه الله صار سبباً لتزلزل أهل الشام ولا سيما ذا الكلاع لمّا

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٠٨.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٠٨.

٣ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٠٨.

٤ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٠٩.

٥ ـ أخرجه إبن قتيبة في الإمامة والسياسة : ج ١ ، ص ٧٢ والخوارزمي في مناقبه : ص ١٧٩ ، والهندي في منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد : ج ٥ ، ص ٤٤٠.

٦ ـ أخرجه إبن حنبل في مسنده : ج ٥ ، ص ٩٧ ، وإبن قتيبة في الإمامة والسياسة : ج ١ ، ص ٦٣ ، والخوارزمي في مناقبه : ص ١١٤.

٧ ـ أخرجه مسلم في صحيحه : ج ٤ ، ص ٢٢٣٦ ، ح ٢٩١٦ / ٧٢ وص ٢٢٣٥ ، ح ٢٩١٥ / ٧٠ ، وأخرجه النسائي في خصائص أميرالمؤمنينعليه‌السلام : ص ٢٢١ ، ح ١٥٨ و ١٥٩ و ١٦٠ و ١٦١ و ١٦٢ و ١٦٣ و ١٦٤ و ١٦٥ و ١٦٦ و ١٦٧ و ١٦٨.


بلغه قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعمار : تقتلك الفئة الباغية ، فقال لعمرو : ونحن الفئة الباغيه؟ وهمّ بالرجوع إلى عسكر عليعليه‌السلام وكان تحت يده ستون ألفاً فاضطرّ معاوية إلى خدعة أهل الشام لخفّة عقولهم بأن قال لهم : إنّما قتل عماراً علي حيث جاء به إلى حربنا ، ولما بلغ ذلك عليّاًعليه‌السلام فقال : ونحن قتلنا حمزة لأنّا أخرجناه إلى اُحد؟ فقتل ذوالكلاع قبل عمّار ، فسرّ معاوية بذلك كثيراً ، وقال : لوكان ذوالكلاع حيّاً ، ويقتل عمّار لأفسد علينا. جندنا بميله إلى إبن أبي طالب(١) .

ومنها : بما جاء في عيون إبن قتيبة : قالت عائشة : خطب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إمرأة من كلب فبعثني أنظر إليها ، فقال لي : كيف رأيت؟ فقلت : ما رأيت طائلاً. فقال : بل رأيت بخدّها خالاً ، إقشعّر منه كلّ شعرة منك على حدّة. فقلت : ما دونك سرّ(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِى الْقَلِيبِ » أي بئر بدر قال الجوهري : القليب : البئر قبل أن تطوى ، تذكّر وتؤنّث.

وقال أبو عبيد : هي البئر العادية القديمة(٣) .

وقال : الجزري ولما ألقوا القتلىٰ في القليب ، وقف عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : يا أهل القليب ، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم! كذّبتموني وصدّقني الناس!.

ثم قال : يا عتبة ، يا شيبة ، يا اُميّة بن خلف ، يا أبا جهل بن هشام ، وعدّد من كان في القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربّي حقّاً. فقال له أصحابه : أتكلّم قوماً موتى؟

__________________

١ ـ تذكرة الخواص : ص ٩٣.

٢ ـ عيون الأخبار : ج ٤ ، ص ١٩.

٣ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٢٠٦ ، مادة «قلب».


فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنّهم لا يستطعون أن يجيبوني(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَمَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزٰابَ » أي حزب الكفّار والمشركون والمنافقون وغيرهم ممّا تحزّبوا على القتال والمحاربة كأبى سفيان بن صخر إبن حرب ، وعمروبن عبدود ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبير بن أبي وهب المخزوميّان وغيرهم كما جاء في كتاب الإرشاد(٢) .

قولهعليه‌السلام : «ثُمَّ قٰالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ : يٰا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَتَعْلَمِينَ أَنِّى رَسُولُ اللهِ فَانْقَلِعِى بِعُرُوقِكِ حَتّىٰ تَقِفِى بَيْنَ يَدَىَّ بِإِذْنِ اللهِ! فَوَ الَّذِى بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهٰا وَجٰاءَتْ وَلَهٰا دَوِىٌّ شَدِيدٌ » قال الجزري : الدوي : صوت ليس بالعالي ، كصوت النحل ونحوه(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ » أجنحة الطير.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ مُرَفْرِفَةً » أي حتّى وقفت قدّام يدي رسول الله مرفرفة ، قال الجوهري : رفرف الطائر : إذا حرّك جناحيه حول الشيئ يريد أن يقع عليه(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلىٰ عَلىٰ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ ، وَبِبَعْضِ أَغْصٰانِهٰا عَلىٰ مَنْكِبِى ، وَكُنْتُ عَنْ يَميِينِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » إستدلعليه‌السلام بذلك على إثبات نبوّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإمامة نفسه بعده حيث قالعليه‌السلام

__________________

١ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ١٢٩.

٢ ـ الارشاد : ٥٠.

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٢ ، ص ١٤٣ ، مادة «دوا».

٤ ـ الصحاح : ج ٤ ، ص ١٣٦٧ ، مادة «رفف».


في حديث وما من قريش رجل جرى عليه المواسي إلّا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله تسوقه إلى جنّة أو إلى النار ، فقال قائل : فما نزل فيك يا أميرالمؤمنين؟ قال : «أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ »(١) . محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله على بيّنة من ربّه ، وأنا شاهد منه أتلو آثاره(٢) .

وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله له في الحديث المتواتر : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدى(٣) ، هذا وقد حكى الله تعالى منازل هارون من موسى في قوله : «هَارُونَ أَخِي *اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي *كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا *وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا *إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «فَلَمّٰا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلىٰٰ ذٰلِكَ » أي مجيئ الشجرة إليه.

قولهعليه‌السلام : «قٰالُوا عُلُوًّا واسْتِكْبٰارًا : فَمُرْهٰا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهٰا وَيَبْقىٰ نِصْفُهٰا. فَأَمَرَهٰا بِذٰلِكَ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهٰا كَأَعْجَبِ إِقْبٰالٍ وَأَشَدِّهِ دَوِيًّا » الدوي : أي صوت ليس بالعالي كصوت النحل ، والمراد أنّهم سمعوا صوتاً شديداً يدلّ على قبول الحق.

والظاهر أنّ في العبارة سقط ، والأصل هكذا : فمرها فلترجع إلى مكانها ، فأمرها فرجعت ، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : فمرها فليأتك نصفها إلى آخر قولهعليه‌السلام .

قولهعليه‌السلام : «فَكٰادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » أي تجتمع برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

١ ـ هود : ١٧.

٢ ـ أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ٣٦٦ ـ ٣٦٧ ، ح ٣٨٤ ، ونحوه ح ٣٨٥ و ٣٨٦ ، والعياشي في تفسيره : ج ١ ، ص ١٤٢ ـ ١٤٣ ، ح ١٣ ، والفرات الكوفي في تفسيره : ص ١٨٨ ، ح ٢٣٩ / ٢١.

٣ ـ أخرجه إبن عساكر في ترجمة عليعليه‌السلام : ج ١ ، ص ٣٠٦ ـ ٣٩٤ ، ح ٣٣٦ ـ ٤٥٦.

٤ ـ طه : ٣٠ ـ ٣٥.


قولهعليه‌السلام : «فَقٰالُوا كُفْرًا وَعُتُوًّا : فَمُرْ هٰذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلىٰ نِصْفِهِ كَمٰا كٰانَ » أي إلى مكانه الأوّل منضمّاً بنصفه الآخر.

قولهعليه‌السلام : «فَأَمَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فَرَجَعَ » كما كان ، وفي حديث آخر : رواه المسعودي في الإثبات ما ملخّصه أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أومأ بيده إلى نخلة في دار أبي طالب منعوتة بكثرة الحمل ، موصوفة بالرقّة وعذوبة الطعم ، فانثنت بعرا جينها حتّى كادت تلحق بثمارها الأرض ، فلقطصلى‌الله‌عليه‌وآله منها ما أراد ، ثم رفع يده وأومأ إليها فرجعت(١) .

وروى الجزري حديث الشجرة في قضية أُخرى قال : ومن المستهزئين بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلّب ، كان شديد العداوة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد لقى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : يا إبن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذّاب ، فإن صرعتني علمت أنّك صادق ، ولم يكن يصرعه أحد ، فصرعه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث مرات ، ودعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الإسلام ، فقال لا أسلم حتّى تدعو هذه الشجرة ، فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أقبلي ، فأقبلت تخّد الأرض. فقال ركانة : ما رأيت سحراً أعظم من هذا ، مرها فلترجع ، فأمرها فعادت فقال : هذا سحر عظيم(٢) .

وقال إبن إسحاق : حدثني أبي إسحاق بن يسار قال : كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشدّ قريش عداوة لرسول الله ، فخلا يوماً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض شعاب مكة ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا ركانه ، ألا تبقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ قال : إنى لو أعلم إنّ الذي تقول حقّ لاتبعتك ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أفرأيت إن صرعتك ، أتعلم أنّ ما أقول حقّ؟ قال : نعم قال : فقم حتّى اُصارعك قال :

__________________

١ ـ الإثبات المسعودي : ١١٤.

٢ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ٧٥.


فقام إليه ركانة يصارعه ، فلمّا بطش به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أضجعه ، وهو لا يملك من نفسه شيئاً ، ثم قال : عُد يا محمّد ، فعاد فصرعه ، فقال : يا محمّد : والله إنّ هذا للعجب ، أتصرعني؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأعجب من ذلك إن شئت أن أُريكه ، إن إتّقيت الله واتّبعت أمري ، قال : ما هو؟

قال : أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني ، قال : اُدعها. فدعاها فأقبلت ، حتّى وقفت بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : فقال لها : إرجعى إلى مكانك ، قال : فرجعت إلى مكانها.

قال : فذهب ركانة إلى قومه فقال. يا بنى عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض ، فوالله ما رأيت أسحر منه قط ، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع(١) .

وقريب منه ما في اُسد الغابه فراجع(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فقُلْتُ أَنَاَ : لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ ، إِنِّى أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يٰا رَسُولَ اللهِ ، وأَوَّلُ مَنْ اٰمَنَ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مٰا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعٰالىٰ » أي أنّ أميرالمؤمنينعليه‌السلام لما رأى هذه المعجزة أقرّ بالشهادتين كما أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت.

قولهعليه‌السلام : «تَصْديِقًا بِنُبُوَّتِكَ وَإِجْلٰالًا لِكَلِمَتِكَ » أي قولهعليه‌السلام يا أيّها الشجرة ، إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر إلى آخره

قولهعليه‌السلام : «فَقٰالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سٰاحِرٌ كَذّٰابٌ » أي مدلّس ومموّه لا أصل لما فعلته ، بل هو تخيّل لا حقيقه له ، وإنّك كذّاب فيما تدعوننا إليه من الإيمان بالله ووحدانيّته.

__________________

١ ـ السيرة النبويّة لإبن هشام : ج ٢ ، ص ٣١.

٢ ـ اُسد الغابة : ج ٢ ، ص ٩٠.


وقد حكى الله عنهم ذلك بقوله : «وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ *أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ »(١) .

وفي تفسير القمي قال : لما أظهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الدعوة بمكة إجتمعت قريش إلى أبي طالبعليه‌السلام وقالوا : يا أبا طالب إنّ إبن أخيك قد سفّه أحلامناً ، وسبّ آلهتنا ، وأفسد شبّاننا ، وفرّق جماعتنا ، فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم ، جمعنا له مالاً حتّى يكون أغنىٰ رجل في قريش ، ونملكه علينا ، فأخبر أبوطالب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك ، فقال : لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ، ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم ويكونون ملوكاً في الجنّة ، فقال لهم أبوطالب : ذلك ، فقالوا : نعم وعشر كلمات ، فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تشهدون أن لا إلٰه إلّا الله ، وإنّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا : ندع ثلاثماءة وستّين إلٰها ونعبد إلٰها واحداً(٢) .

قولهعليه‌السلام : «عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ » لما شاهدوا من سرعة عملهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي يعجز عنه غيره بأسرع ما يمكن أن يأتي به غيره من دون أيّ نفث في العقد أو إتيان أي وسيلة من أسباب السحر.

قولهعليه‌السلام : «وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِى أَمْرِكَ إِلّٰا مِثْلُ هٰذٰا؟! (يَعْنُونَنِى) » أي يقصدونني ، استخفافاً بهعليه‌السلام .

ونظيره ما رواه الطبري في حديث عن إبن عبّاس عن علي بن أبي

__________________

١ ـ ص : ٤ ـ ٥.

٢ ـ تفسير القمي : ج ٢ ، ص ٢٢٨ ، س ١٦ ، ونحو ذلك أخرجه الكليني في الكافي : ج ٢ ، ص ٦٤٩ ، ح ٥ ، باب التسليم على أهل الملل.


طالبعليه‌السلام قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(١) دعاني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لي : يا علي إنّ الله أمرني «أن أنذر عشيرتي الأقربين» فضقت بذلك ذرعاً ، وعلمت أنّي متى اُناديهم بهذا الأمر أرىٰ منهم ما أكره ، إلى أن قال : يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتى فيكم؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت : أنا وأنا لأحدثهم سنّا وأرمصهم(٢) عيناً ، وأعظمهم بطناً ، وأحمشهم(٣) ساقاً أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ، ثم قال : إن هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوه. فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لإبنك وتطيع(٤) .

أقول : ولو لم يكن لأمير المؤمنينعليه‌السلام في استخلاف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله له إلّا هذا الخبر وهذه القضيّة لكفىٰ «لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ »(٥) .

ولرسول الله كما تقدّم معاجز كثيرة متنوّعة تبلغ أربعة آلاف وأربعماءة وأربعين معجزة كما جاء في المناقب لإبن شهراشوب فراجع(٦) .

__________________

١ ـ الشعراء : ٢١٤.

٢ ـ الرمص بالتحريك : وسخ يجتمع في موق العين ، فإن سال فهو غمص ، وإن جمد فهو رمص ، الصحاح : ج ٣ ، ص ١٠٤٢.

٣ ـ رجل أحمش الساقين : دقيقهما ، الصحاح : ج ٣ ، ص ١٠٠٢.

٤ ـ تاريخ الطبري : ج ١ ، ص ٥٤٢ ـ ٥٤٣ ، وقريب منه ما أخرجه إبن سعد في الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٤٧.

٥ ـ ق : ٣٧.

٦ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٤٤.


وقال الجزري : وقد صنّف العلماء في معجزات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كتباً كثيرة ذكروا فيها كلّ عجيبة(١) .

ونختم حديثنا بما رواه إبن سعد في طبقاته : أن قريشاً لمّا تكاتبت على بني هاشم ألّا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم في شيئ ، ولا يكلّموهم حين أبوا أن يدفعوا إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكثو في شعبهم ثلاث سنين محصورين. ثم إطلع الله تعالى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أمر صحيفتهم ، وأنّ الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله ، فجاءهم أبوطالب فقال لهم : إن إبن أخي قد أخبرني ولم يكذّبني قط أن الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة ، فلحست كلّ ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كل ما ذكر به الله فإن كان إبن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم ، وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أواستحييتموه. قالوا : قد أنصفتنا. فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قد أكلت الأرضة كلّها إلّا ما كان من ذكر الله فيها ، فسقط في أيديهم ونكّسوا على رؤوسهم.

فقال أبوطالب : علامَ نُحبس ونحصر وقدبان الأمر؟.

ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة ، فقال : اللّهم اُنصرنا ممّن ظلمنا ، وقطع أرحامنا ، واستحلّ ما يحرم عليه منّا ، ثم انصرفوا إلى الشعب.

وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم ، فلبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطّلب فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم

__________________

١ ـ الكامل في التاريخ : ج ٢ ، ص ٤٧.


ففعلوا ، فلمّا رأت قريش ذلك سقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم ، وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة(١) .

* * *

__________________

١ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٦٣ ـ ١٦٤.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ : خٰاضَ إِلىٰ رِضْوٰانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ. وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ ، وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهٰا ، وَضَرَبَتْ إِلىٰ مُحٰارَبَتِهِ بُطُونَ رَوٰاحِلِهٰا ، حَتّىٰ أَنْزَلَتْ بِسٰاحَتِهِ عَدٰاوَتَهٰا مِنْ أَبْعَدِ الدّٰارِ ، وَأَسْحَقِ الْمَزٰارِ.

قولهعليه‌السلام : «وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال الله تعالى : «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «خٰاضَ إِلىٰ رِضْوٰانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ » أي تحمّلصلى‌الله‌عليه‌وآله في سبيل الدعوة إلى الإسلام وتبليغ رسالته والوصول إلى رضوان الله كلّ مكروه وشدّة.

روى السروي عن زين العابدينعليه‌السلام أن قريشاً اجتمعت إلى أبي طالب والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنده فقالوا : نسألك من إبن أخيك النصف. قال : وما النصف منه؟.

قالوا : يكفّ عنّا ونكفّ عنه ، فلا يكلّمنا ولا نكلّمه ، ولا يقاتلنا ولا نقاتله ، ألا إنّ هذه الدعوة قد باعدت بين القلوب وزرعت الشحناء(٣) ، وأنبتت البغضاء ، فقال : يا إبن أخي أسمعت؟

قال : يا عمّ لو أنصفني بنو عمّي لأجابوا دعوتى وقبلوا نصيحتّى ، إنّ الله تعالى أمرني أن أدعو إلى دين الحنيفيّة ملّة إبراهيم ، فمن أجابنى فله

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٠٧ ، الخطبة ١٩٤.

٢ ـ آل عمران : ١٤٤.

٣ ـ الشحناء : العداوة والبغضاء.


عند الله الرضوان والخلود في الجنان ، ومن عصاني قاتلته حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين الحديث(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ » أي تجرّع الغموم والهموم من أذى قريش والمشركين لهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأجل تحصيل رضى الرّب المؤدّي إلى رضوانه تعالى.

وفي المناقب إن طارق المحاربي قال : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في سويقة ذي المجاز ، وعليه حلّة حمراء وهو يقول : يا أيها الناس قولوا لا إلٰه إلّا الله تفلحوا ، وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة ، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه ، وهو يقول : يا أيّها الناس لا تطيعوه فإنّه كذاب(٢) .

وفي الخبر : نهى أبوجهل : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الصّلاة وقال : إن رأيت محمّدًا يصلّي لأطأنّ عنقه ، فنزل : «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا »(٣) (٤) .

وعن الزهري : لمّا توفي أبوطالب ، واشتدّ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله البلاء ، عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يأويه سادتها : عبد نائل ، ومسعود ، وحبيب بنو عمروبن نمير الثقفي ، فلم يقبلوه ، وتبعه سفاؤهم بالأحجار ، ودموا رجليه ، فخلّص منهم ، واستظلّ في ظل حبلة(٥) منه ، وقال : اللّهمّ إنّى أشكو إليك من ضعف قوتي ، وقلّة حيلتي وناصري وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين. فأنفذ عتبة وشيبة إبنا ربيعة إليه بطبق عنب على يدي

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٩.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٦.

٣ ـ الإنسان : ٢٤.

٤ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٧.

٥ ـ الحُبلة ـ بالضمّ ـ الكرم أو أصل من أصوله.


غلام يدعىٰ عداساً ، وكان نصرانيّاً ، فلمّا مدّ يده وقال : بسم الله.

فقال : إن أهل هذا البلد لا يقولونها ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أين أنت؟

قال : من بلدة نينوى ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من مدينة الرجل الصالح يونس إبن متّى؟

قال : وبما تعرفه؟ قال : أنا رسول الله ، والله أخبرني خبر يونس ، فخرّ عداس ساجداً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجعل يقبّل قدميه وهما يسيلان دماً.

فقال عتبة لأخيه : قد أفسد عليك غلامك ، فلمّا انصرف عنه سأل عن مقالته.

فقال : والله إنّه نبيّ صادق ، فقالوا : إنّ هذا رجل خدّاع لا يفتنّنك عن نصرانيّتك ، وقالوا : لو كان محمّد نبيّاً لشغلته النبوّة عن النساء ، ولأمكنه جميع الآيات ولأمكنه منع الموت عن أقاربه(١) .

وروى الطبري في منتخب ذيل المذيل : عن منيب بن مدرك الأزدي ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجاهليّة ، وهو يقول للناس : «قولوا لا إلٰه إلّا الله تفلحوا» فمنهم من تفّل في وجهه ، ومنهم من حثا عليه التراب ، ومنهم من سبّه حتّى انتصف النهار ، الحديث(٢) .

وأخرجه الكليني بإسناده عن عليعليه‌السلام لمّا أمر الله تعالى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإظهار الإسلام ، وظهر الوحي رأى قلّة من المسلمين ، وكثرة من المشركين ، فاهتمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله همّاً شديداً ، فبعث الله تعالى إليه جبرئيلعليه‌السلام بسدرٍ من سدرة المنتهى ، فغسل به رأسه ، فجلا به همّه(٣) .

وقولهعليه‌السلام : «وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ » أي تغيّر لأجلهصلى‌الله‌عليه‌وآله أقار به من قريش كعمّه أبو لهب وأبوجهل. وذكروا : أنّه كان إذا قدم على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٦٨.

٢ ـ منتخب ذيل المذيل : ص ٨٠.

٣ ـ الكافي : ج ٦ ، ص ٥٠٥ ، ح ٧.


وفد ليعلموا علمه ، إنطلقوا بأبي لهب إليهم ، وقالوا له : أخبر عن إبن أخيك ، فكان يطعن في النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتقوّل الباطل ، ويقول : إنّنا لم نزل نعالجه من الجنون. فيرجع القوم ولا يلقونه(١) .

وفي المناقب عن أبي أيوب الأنصاري : وقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بسوق ذي المجاز ، فدعاهم إلى الله تعالى ، والعباس قائم يسمع الكلام ، قال : أشهد أنّك كذّاب ، ومضى إلى أبي لهب ، وذكر ذلك ، فأقبلا يناديان : إن إبن أخينا هذا كذّاب ، فلا يغرّنكم عن دينكم.

وأضاف في القول قائلاً إستقبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أبو طالب ، فاكتنفه ، وأقبل على أبي لهب والعباس فقال لهما : ما تريدان؟ تربت أيديكما(٢) والله أنّه لصادق القيل ، ثم أنشأ أبوطالب :

أنت الرّسول رسول الله نعلمه

عليك ينزل من ذي العزّة الكتب(٣)

وفيه ايضاً قال أبوجهل : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتّى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منّا نبيّ يوحى إليه ، والله لا نؤمن به ، ولا نتّبعه أبداً ، إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزل «وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ»(٤) (٥) .

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٦.

٢ ـ ترب الرجل : إذا إفتقر ، أي لصق بالتراب.

٣ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٦.

٤ ـ الانعام : ١٢٤.

٥ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٠ ـ ٥١.


وقال إبن أبي الحديد : ومن قرأ كتب السيرة علم ما لاقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذات الله سبحانه من المشقّة ، واستهزاء قريش به في أوّل الدعوة ، ورميهم إيّاه بالحجارة ، حتّى أدموا عَقبَهُ ، وصياح الصبيان به ، وفرث الكرش على رأسه ، وفتل الثوب في عنقه ، وحصره وحصر أهله في شعب بني هاشم عدّة ، سنين محرّمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم ، حتّى كادوا يموتون جوعاً ، لولا أنّ بعض من كان يحنو عليهم لرحم أولسبب غيره ، فهو يسرق الشيئ القليل من الدقيق أوالتمر فيلقيه إليهم ليلاً ، ثم ضربهم أصحابه وتعذيبهم بالجوع والوثاق في الشمس ، وطرد هم إيّاهم عن شعاب مكة ، حتّى خرج من خرج منهم إلى الحبشة ، وخرجعليه‌السلام مستجيراً منهم تارة بثقيف. وتارة ببني عامر ، وتارة بربيعة الفَرَس ، وبغيرهم ، ثم أجمعوا على قتله والفتك به ليلاً ، حتّى هرب منهم لائذاً بالأوس والخزرج ، تاركاً أهله وأولاده ، وما حوته يده ، ناجياً بحشاشة نفسه ، حتّى وصل إلى المدينة ، فناصبوه الحرب ، ودموه بالمناسر(١) والكتائب ، وضربوا إليه آباط الإبل ، ولم يزل منهم في عناء شديد ، وحروب متّصلة ، حتّى أكرمه الله تعالى ونصره ، وأيّد دينه وأظهره(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ » أي اجتمعوا على حربهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنابذته وإيذائه الأباعد منه نسباً من أقصى البلاد.

قال السروي نهى أبوجهل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الصّلاة ، وقال : إن رأيت محمّداً يصلّي لأطأنّ عنقه ، فنزل : «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ

__________________

١ ـ المنسر : قطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكبير.

٢ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد ، ج ١٠ ، ص ١٦٥ ـ ١٦٦.


وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا »(١) (٢) .

وفي خبر آخر جاء أبوجهل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يصلّي ليطأ على رقبته ، فجعل ينكص على عقبيه ، فقيل له : مالك؟

قال : إنّ بيني وبينه خندقاً من نار مهولا ، ورأيت ملائكة ذوي أجنحة ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لودنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضوا ، فنزل : «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ *عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ »(٣) (٤) .

وذكروا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا مشى يتكفّأ ، وكان الحكم بن أبي العاص يحكيه ، فالتفتصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً فرآه يفعل ذلك.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : فكذلك فلتكن ، فكان الحكم مختلجاً يرتعش من يومئذٍ(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وخلعت إليه العرب أعنّتها » هذا مثل معروف بين الناس ، معناه أوجفوا إليه مسرعين لمحاربته ، لأن الخيل إذا خلعت أعنّتها كان أسرع لجريها ، قاله : إبن أبي الحديد(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَضَرَبَتْ إِلىٰ مُحٰارَبَتِهِ بُطُونَ رَوٰاحِلِهٰا » الرواحل : جمع الراحلة وفي لسان العرب : الراحلة من الإبل : البعير القوي على الأسفار والأحمال ، والذكر والاُنثى فيه سواء ، والهاء فيها للمبالغة(٧) .

وقال الجزري وفي الحديث : «تجدون الناس كابل مائةٍ ليس فيها راحلة» أي : الرجل الكامل في الناس قليل كقلّة الراحلة في الآبال(٨) .

__________________

١ ـ الإنسان : ٢٤.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٥٧.

٣ ـ العلق : ٩ ـ ١٠.

٤ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٧١.

٥ ـ الإستيعاب : ١ ، ص ٢٥٩ ـ ٣٦٠.

٦ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١٠ ، ص ١٦٤.

٧ ـ لسان العرب : ج ١١ ، ص ٢٧٧ ، مادة «رحل».

٨ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٢ ، ص ٢٠٩.


وقال إبن أبي الحديد : كناية عن إسراع العرب نحوه للحرب ، لأنّ الرواحل إذا ضربت بطونها لتساق كان أوحى لها ، ومراده أنهم كانوا فرساناً وركباناً(١) .

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ أَنْزَلَتْ بِسٰاحَتِهِ عَدٰاوَتَهٰا » أي أسرعوا إلى حربهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قولهعليه‌السلام : «مِنْ أَبْعَدِ الدّٰارِ ، وَأَسْحَقِ الْمَزٰارِ » وفيه إشارة إلى شدّة عداوتهم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأن إثارة الحرب من مكان البعيد لا يكون إلّا عن عداوة شديده لهم.

* * *

__________________

١ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١٠ ، ص ١٦٤ ـ ١٦٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ،

أَرْسَلَهُ ، وَأَعْلٰامُ الْهُدىٰ دٰارِسَةٌ ، وَمَنٰاهِجُ الدِّينِ طٰامِسَةٌ. فَصَدَعَ بِالْحَقِّ ، وَنَصَحَ

لِلْخَلْقِ ، وَهَدىٰ إِلَى الرُّشْدِ ، وَأَمَرَ

بِالْقَصْدِ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ وَسَلَّمَ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » قال تعالى : «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ »(٢) أي رسوله بالحق.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ وَأَعْلٰامُ الْهُدىٰ دٰارِسَةٌ » أي أرسله ربّه إلى الخلق بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ، في حين علائم الهدى إلى صراط الله مندرسة.

قولهعليه‌السلام : «وَمَنٰاهِجُ الدِّينِ طٰامِسَةٌ » المناهج : جمع منهج أي الطريق الواضح ، ذكر الجوهري(٣) والدين في اللغة الطاعة ، وفي العرف الشرعي : هو الشريعة الصادرة بواسطة الرسلعليهم‌السلام ولمّا كان إتّباع الشريعة طاعة مخصوصة كان ذلك تخصيصاً من الشارع للعام بأحد مسمّياته ولكثرة إستعماله صار حقيقة دون سائر المسمّيات ، لأنّه المتبادر إلى الفهم حال إطلاق لفظ الدين.

و «طامسة» أي ممحوّة : فالمراد من قولهعليه‌السلام «ومناهج الدين طامسة» أي أنّ طريق المعارف الإسلاميّة والدين الواضح المبين كان

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٠٨ ـ ٣٠٩ ، الخطبة ١٩٥.

٢ ـ آل عمران : ١٤٤.

٣ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٣٤٦ ، مادة «نهج».


ممحوّة قبل الإسلام أي في زمن الفتره.

وقال داودعليه‌السلام في زبوره : «اللّهم إبعث مقيم السنّة بعد الفترة»(١) ، أي طريق المعارف الحقّة ممحوّة.

وفي المناقب : في زبور داود اللّهم ابعث مقيم السنّة بعد الفترة(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَصَدَعَ بِالْحَقِّ » أي أعلن بالحقّ كما أمر ، قال تعالى : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ»(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَنَصَحَ لِلْخَلْقِ » النصح : مصدر نصح له من باب ـ منع ـ هذه اللغة الفصيحة ، وعليها قوله تعالى : «إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ »(٥) وفي لغة يتعدّى بنفسه فيقال : نصحته ، والاسم : النصيحة ، وهي كلمة جامعة ، ومعناها : حيازة الخير للمنصوح له ، من نصحت العسل إذا صفّيته من الشمع ، شبّهوا تخليص العقول من الغشّ بتخليص العسل من الشمع.

وقال الراغب : أصلها من نصحت الثوب إذا خطّته ، وهي إخلاص المحبّة لغيرك في إظهار مافيه صلاحه(٦) .

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٤.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٤.

٣ ـ الحجر : ٩٤.

٤ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : ص ٣٤٤ ، ح ٢٨.

٥ ـ هود : ٣٤.

٦ ـ المفردات : ص ٤٩٤ ، مع إختلاف يسير في العبارة.


والمراد بنصحهصلى‌الله‌عليه‌وآله للخلق : إرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم ، وتعليمهم إيّاها ، وعونهم عليها ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، والذبّ ، عنهم ، وعن أعراضهم ، والسخاء عليهم بوجوده ، والإيثار لهم وحسن الخلق معهم واغتفار سيّئاتهم وإكرامهم على حسناتهم والدعاء لهم ، وبالجملة جلب خير الدنيا والآخرة إليهم خالصاً مخلصاً لوجه الله.

قولهعليه‌السلام : «وَهَدىٰ إِلَى الرُّشْدِ » أي إلى ما يوجب هدايتهم إلى الرشد والصواب ، قال تعالى : «قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ » أي أمر بالعدل وهو الصراط المستقيم قال تعالى : «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» قال تعالى : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا »(٣) . فالصلاة من الله تعالى : الرحمة ، ومن الملائكة : الإستغفار ، ومن الآدميين : الدعاء.

قولهعليه‌السلام : «وَاٰلِهِ وَسَلَّمَ» أي آل الرسول ، وهم أصحاب الكساء ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً كما قال تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »(٤) .

أخرج الطبراني : عن اُم سلمة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة : ائتيني

__________________

١ ـ البقرة : ٢٥٦.

٢ ـ الأعراف : ١٥٧.

٣ ـ الأحزاب : ٥٦.

٤ ـ الأحزاب : ٣٣.


بزوجك وإبنيك ، فجاءت بهم ، فألقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليهم كساء فدكيّاً ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : اللّهم إنّ هؤلاء أهل محمّد وفي نسخة لفظ ـ آل محمّد ـ فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد قالت اُم سلمة فرفعت الكساء لأدخل معهم فجزبه من يدى ، وقال : إنّك على خير(١) .

وفي هذا المعنى روايات كثيرة ، انظر كتب السير والتاريخ.

* * *

__________________

١ ـ المعجم الكبير : ج ٢٣ ، ص ٣٣٦ ، ح ٧٧٩ ـ ٧٨٠.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

بَعَثَهُ حِينَ لٰا عَلَمٌ قٰائِمٌ ، وَلٰا مَنٰارٌ

سٰاطِعٌ ، وَلٰا مَنْهَجٌ وٰاضِحٌ.

قولهعليه‌السلام : «بَعَثَهُ حِينَ لٰا عَلَمٌ قٰائِمٌ » أي في زمان الفترة لم يكن عالم حتّى يهتدى به المكلّف. فبعثته في تلك الفترة تكون بمقتضى وجوب اللطف على الله سبحانه ، لئلاّ تخلو الأرض من الحجّة. قال الله : «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا مَنٰارٌ سٰاطِعٌ » أي لا يكون للطريق علم مرتفع حتّى يكون دليلاً على الإرشاد والهداية لهم.

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا مَنْهَجٌ وٰاضِحٌ » أي ما كان لهم في تلك الفتره مسلك وطريق واضح لأنّ الجهل والاُميّة. والخرافة كانت تسيطر على الجزيزة العربيّة وتعبث بالعقول والمعتقدات ولم يكن العرب أهل كتاب ولا ديانة سماويّة ترفع من مستواهم الفكري ، أو تنظّم حياتهم الإجتماعيّة ، وتعمّق وعيهم الحضاري ، بل كانوا أعراباً جاهلين يعبدون الأصنام والأوثان والجن والنجوم والملائكة ، وعندما نعرف هذه الحقيقة نستطيع أن نفهم عظمة نبيّ الإسلام الهادي إلى الرشد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي إستطاع بمشيئة الله ولطفه على العباد أن ينقذ البشريّة ، من الجهل والاُميّة.

* * *

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣١٠ ، الخطبة ١٩٦.

٢ ـ النساء : ١٦٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا نَجِيبُ اللهِ.

وَسَفِيرُ وَحْيِهِ ، وَرَسُولُ رَحْمَتِهِ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا نَجِيبُ اللهِ » النجيب : الكريم ، النفيس في نوعه ، فضيل بمعنى فاعل ، من نجُبَ ـ كَكرُمَ ـ نجابة ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول ، أي اللّباب الخالص الذي انتجبه الله من خلقه ، فالمراد إذن من قولهعليه‌السلام : «محمّد نجيب الله» أي كريم النسب وأفضل الناس حسباً ونسباً.

قولهعليه‌السلام : «وَسَفِيرُ وَحْيِهِ » الوحي في اللغة : الإشارة والرسالة والإلهام وكلّ ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه فهو وحي ، وهو مصدر وحى إليه يحيي من باب وعد ، وأوحى إليه بالألف مثله ، وهي لغة القرآن الفاشية ، ثم غلب إستعمال الوحي فيما يلقىٰ إلى الأنبياء من عند الله ، قال تعالى : «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ »(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَرَسُولُ رَحْمَتِهِ » أي أنّ رسالتهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت رحمة للعالمين ، قال تعالى : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ »(٣) وفي الحديث : أنا نبيّ الرحمة(٤) وفي آخر قالصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما أنا رحمة مهداة(٥) وتفصيل هذه الرحمة من وجوه.

أحدها : أنّه الهادي إلى سبيل الرشاد ، والقائد إلى رضوان الله

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣١٢ ، الخطبة ١٩٨.

٢ ـ النجم : ٣ ـ ٤.

٣ ـ الأنبياء : ١٠٧.

٤ ـ مسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ٣٩٥.

٥ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٥١.


سبحانه ، وبسبب هدايتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يكون وصول الخلق إلى المقاصد العالية ، ودخول جنّات النعيم التي هي غاية الرحمة.

الثاني : أن التكاليف الواردة على يديهصلى‌الله‌عليه‌وآله أسهل التكاليف وأخفّها على الخلق بالنسبة إلىٰ سائر التكاليف الواردة على أيدي الأنبياء السابقين لاُممهم ، ومن هنا نرى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة(١) وذلك عناية من الله تعالى ورحمة اختصّ بها اُمّته على يديه.

الثالث : إنّه ثبت أنّ الله يعفو عن عصاة اُمّته ويرحمهم بسبب شفاعته.

الرابع : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله سأل ربّه أن يرفع عن اُمّته بعده عذاب الإستيصال ، فأجاب الله دعوته ، ورفع العذاب رحمة.

الخامس : أنّ الله وضع في شريعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله الرّخص تخفيفاً ورحمة لاُمّته.

السادس : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رحم كثيراً من أعدائه كاليهود والنصارىٰ والمجوس. برفع السيف عنهم ، وبذل الأمان لهم ، وقبول الجزية منهم.

بيد أنّه لم يقبل أحد من الأنبياء الجزية قبله.

السابع : إنّ الله تعالى أخّر عذاب من كذّبه ولم يصدّقه إلى الموت ، أو القيامة قال تعالى : «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ »(٢) مع العلم بأنّ كلّ نبيّ من الأنبياء قبله إذا كذّب ، أهلك الله من كذّبه ، وغير ذلك من الوجوه التي لا تحصى كثرة.

وفي المناقب : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صبر في ذات الله ، وأعذر قومه إذ كذّب في ذات الله وشرّد ، وحصب بالحصاة ، وعلاه أبوجهل بسلا شاة ، فأوحى الله إلى جاجائيل ملك الجبال أن شق الجبال وانته إلى أمر محمّد ،

__________________

١ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ١ ، ص ٤٥١.

٢ ـ الأنفال : ٣٣.


فأتاه فقال له : قد اُمرت لك بالطاعة ، فان أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها.

قال : إنما بعثت رحمة ، اللّهم إهد قومي ، فانّهم لا يعلمون(١) .

* * *

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٢١٥.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

ثُمَّ إِنَّ اللهَ سُبْحٰانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ بِالْحَقِّ حِينَ دَنٰا مِنَ الدُّنْيَا الْإِنْقِطٰاعُ ، وَأَقْبَلَ مِنَ الْاٰخِرَةِ الْإِطِّلٰاعُ ، وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهٰا بَعْدَ إِشْرٰاقٍ ، وَقٰامَتْ بِأَهْلِهٰا عَلىٰ سٰاقٍ ، وَخَشُنَ مِنْهٰا مِهٰادٌ ، وَأَزِفَ مِنْهٰا قِيٰادٌ. فِى انْقِطٰاعٍ مِنْ مُدَّتِهٰا ، وَاقْتِرٰابٍ مِنْ أَشْرٰاطِهٰا ، وَتَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهٰا ، وَانْفِصٰامٍ مِنْ حَلْقَتِهٰا ، وَانْتِشٰارٍ مِنْ سَبَبِهٰا ، وَعَفٰاءٍ مِنْ أَعْلٰامِهٰا ، وَتَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرٰاتِهٰا ، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهٰا. جَعَلَهُ اللهُ سُبْحٰانَهُ بَلٰاغًا لِرِسٰالَتِهِ ، وَكَرٰامَةً لِأُمَّتِهِ ، وَرَبِيعًا لِأَهْلِ زَمٰانِهِ ، وَرِفْعَةً لِأَعْوٰانِهِ ، وَشَرَفًا لِأَنْصٰارِهِ.

قولهعليه‌السلام : «ثُمَّ إِنَّ اللهَ سُبْحٰانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ بِالْحَقِّ حِينَ دَنٰا مِنَ الدُّنْيَا الْإِنْقِطٰاعُ » أي قرب زمان إنقطاع الدنيا كما في قولهعليه‌السلام في الخطبة الثامنة والعشرين : «أما بعد فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع» وقد إختلف الناس في مدّة عمر الدنيا ، إختلافاً شديداً ، فذهب قوم إلى أنّ عمر الدنيا خمسون ألف سنة ، قد ذهب بعضها ، وبقي بعضها واحتجّوا بقوله تعالى : «تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ »(٢) لأنّ اليوم إشارة إلى الدنيا ، وفيها يكون عروج الملائكة والروح إليه ، وذكر إبن أبي الحديد نقلاً عن حمزة بن الحسن الإصفهاني في كتابه المسمّىٰ «تواريخ الأُمم» أنّ اليهود تذهب إلى أنّ عدد السنين من إبتداء التناسل إلى سنة الهجرة لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعة آلاف واثنتان وأربعون سنة وثلاثة أشهر.

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣١٤ ـ ٣١٥ ، الخطبة ١٩٨.

٢ ـ المعارج : ٤.


والنصارى : تذهب إلى أنّ عدد ذلك خمسة آلاف وتسعماءة وتسعون سنة وثلاثة أشهر.

وأنّ الفرس تذهب إلى أنّ من عهد كيومرث والد البشر عندهم إلى هلاك يزدجرد إبن شهريار الملك : أربعة آلاف وماءة واثنتين وثمانين سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوماً ، ويسندون ذلك إلى كتابهم الذي جاء به زردشت ، وهو الكتاب المعروف بأبستا.

فأما اليهود والنصارى فيسندون ذلك إلى التوراة ، ويختلفون في كيفيّة استنباط المدّة.

وتزعم النصارى واليهود أنّ مدّة الدنيا كلّها سبعة آلاف سنة ، قد ذهب منها ما ذهب ، وبقي ما بقي.

وامّا الأخباريّون من المسلمين ، فأكثرهم يقولون : إنّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ويقولون إنّنا في السابع.

والحقّ أنّه لا يعلم أحد هذا إلّا الله تعالى وحده كما قال سبحانه : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا *فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا *إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا »(١) (٢) .

وقال المسعودي : كيف توجب أن يوقّت عمر الدّنيا بسبعة آلاف سنة ، والله عزّوجلّ يقول : وقد ذكر الأجيال ومن ضمّه الهلاك «وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا »(٣) والله تعالى ذكره لا يقول الكثير إلّا في الشيئ الحقيقي الكثير ، وأعلمنا في كتابه خلقة آدم.

__________________

١ ـ النازعات : ٤٢ ـ ٤٣.

٢ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١٠ ، ص ١٩٧ ـ ١٩٨.

٣ ـ الفرقان : ٣٨.


وما كان من أمره وأمر الأنبياء بعده ، وأخبر عن شأن بدأ الخلق ، ولم يخبرنا. بمقدار ذلك فنقف عليه كوقوفنا عندما أخبرنا به إلى أن قال : فلا نحصر ما لم يحصره الله عزّوجلّ ، ولا تقبل من اليهود ما أوردته ، لنطق القرآن «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ »(١) «لَيَكْتُمُونَ الْحقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(٢) ونفيهم النبوّات وجحدهم ما أتوا به من الآيات ممّا أظهره الله عزّوجلّ على يدي عيسى بن مريم من المعجزات ، وعلى يدي نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من البراهين الباهرات والدلائل والعلامات.(٣)

قولهعليه‌السلام : «وَأَقْبَلَ مِنَ الْاٰخِرَةِ الْإِطِّلٰاعُ » أي الإشراف. وفي النهاية لإبن الأثير المطّلع : مكان الإطلاع من موضع عالٍ. يقال : مطّلع هذا الجبل من مكان كذا : أي مأتاه ومصعده ومنه حديث عمر «لو أنّ لي ما في الأرض جميعاً لا فتديت به من هول المطّلع» يريد به الموقف يوم القيامة ، أوما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت فشبّهه بالمطّلع الذي يشرف عليه من موضع عال(٤) .

ويشهد لما قالهعليه‌السلام : من دنّوا إطلاع الآخرة قوله تعالى : «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ »(٥) وقوله تعالى : «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ »(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهٰا بَعْدَ إِشْرٰاقٍ » اَلبهْجَةُ : الحُسن. يقال : رجل ذوبَهْجَةٍ قاله الجوهري(٧) . والمراد بعد ما كانت الدنيا مبتهجة

__________________

١ ـ النساء : ٤٦.

٢ ـ البقرة : ١٤٦.

٣ ـ مروج الذهب : ج ٢ ، ص ٢٧٩.

٤ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ١٣٢ ـ ١٣٣.

٥ ـ القمر : ١.

٦ ـ الأنبياء : ١.

٧ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ٣٠٠ ، مادة «بهج».


بوجود الأنبياء السابقين مشرقة مضيئة بأنوار هدايتهم ، فأظلمت بهجتها أي ذهب حسنها ونضارتها بطول زمان الفترة وتمادي مدّة الغفلة والضلالة.

قولهعليه‌السلام : «وَقٰامَتْ بِأَهْلِهٰا عَلىٰ سٰاقٍ » إشارة إلى أنّ الدنيا كانت في زمان الفترة أي قبل بعثتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غاية الشدّة بأهلها من ضيق المعيشة ، والقتل والدمار وإثارة الفتن ، وتهييج الشرور والمفاسد ، وغير ذلك.

قولهعليه‌السلام : «وَخَشُنَ مِنْهٰا مِهٰادٌ » المهاد : الفراش ، وكنى بهعليه‌السلام عن عدم الإستقرار بها ، وفقدان طيب العيش والراحة.

قولهعليه‌السلام : «وَأَزِفَ مِنْهٰا قِيٰادٌ » أي قرب زمان إنقيادها إلى الفناء والزوال.

قولهعليه‌السلام : «فِى انْقِطٰاعٍ مِنْ مُدَّتِهٰا » أي بانقضائها وفنائها.

قولهعليه‌السلام : «وَاقْتِرٰابٍ مِنْ أَشْرٰاطِهٰا » اقتباس من قوله تعالى : «فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا »(١) أي آياتها وعلاماتها الدّالة على زوالها ، وإضافتها إلى الدنيا لأنّها تحدث في الدنيا وإن كانت هي من علامات وأشراط الساعة.

قولهعليه‌السلام : «وَتَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهٰا » أي الإنقطاع منهم.

قولهعليه‌السلام : «وَانْفِصٰامٍ مِنْ حَلْقَتِهٰا » فصم الشيئ : كسره من غير أن يبيّن. قاله الجوهري(٢) والمراد هنا أي الإنكسار في العقائد الباطلة في زمن الفترة. أي في زمن الجاهليّة.

قولهعليه‌السلام : «وَانْتِشٰارٍ مِنْ سَبَبِهٰا » السبب : كلّ شيئ يتوصّل به إلى غيره يقال له : السبب والسبب ايضاً : الحبل قاله الجوهري(٣) والمراد إنتشار حبل الإسلام.

__________________

١ ـ محمّد : ١٨.

٢ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ٢٠٠٢ ، مادة «فصم».

٣ ـ الصحاح : ج ١ ، ص ١٤٥ ، مادة «سبب».


قولهعليه‌السلام : «وَعَفٰاءٍ مِنْ أَعْلٰامِهٰا » قال الجوهري : العفاء : الدروس والهلاك(١) والمراد إندراس العلماء والصلحاء الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهالة.

قولهعليه‌السلام : «وَتَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرٰاتِهٰا » العورة : سوأة الإنسان وكلّ ما يستحيامنه ، قاله الجوهري(٢) أي ظهور معايبها ومساوئها التي كانت مستورة.

قولهعليه‌السلام : «وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهٰا » من الواضح أن طول الدنيا وبقائها إنّما يكون عند صلاحها باتّباع أحكام الإسلام ، إذن قصرها يكون عند فسادها وعدم تطبيق النظام الإسلامي.

قولهعليه‌السلام : «جَعَلَهُ اللهُ سُبْحٰانَهُ بَلٰاغًا لِرِسٰالَتِهِ » أي أرسل الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعباده لتبيين شريعته وأحكامه قال الله : «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »(٣) وقال تعالى : «وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ »(٤) .

قولهعليه‌السلام : «وَكَرٰامَةً لِأُمَّتِهِ » أي أكرم الله عزّوجلّ أُمّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بجعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله رسولاً لهم ، وبجعلهم أُمّة له.

قولهعليه‌السلام : «وَرَبِيعًا لِأَهْلِ زَمٰانِهِ » أي أنّ وجودهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل زمانه كان كالربيع لهم. فكانوا يبتهجون ببهجة جماله وحسن أخلاقه كما يبتهجون بالربيع وطراوته. ولقد أجاد أبو طالب حيث قال :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ربيع اليتامى عصمة للأرامل

__________________

١ ـ الصحاح : ج ٦ ، ص ٢٤٣١ ، مادة «عفا».

٢ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٧٥٩ ، مادة «عور».

٣ ـ النساء : ١٦٥.

٤ ـ النور : ٥٤ ، والعنكبوت : ١٨.


أخرجه الشيخ الطوسي في أماليه عن مسلم الملائي قال : جاء أعرابي إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : والله يا رسول الله ، لقد أتيناك ومالنا بعير يئط(١) ، ولا غنم تغط(٢) ، ثم أنشأ أبياتاً :

أتيناك يا خير البريّة كلّها

لترحمنا ممّا لقينا من الأزْلِ(٣)

أتيناك والعذراء يدمىٰ لبانها(٤)

وقد شغلت اُم البنين عن الطفل

وألقى بكفّيه الفتى إستكانة

من الجوع ضعفاً ما يمّر ولا يحلي

ولا شيئ ممّا يأكل الناس عندنا

سوى الحنظل العاميّ(٥) والعِلهَز(٦) الفَسْل

وليس لنا إلّا إليك فرارنا

وأين فرار الناس إلّا إلى الرسول

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للصحابة : إنّ هذا الأعرابي يشكو قلّة المطر وقحطاً شديداً. ثم قام يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه إلى أن قال : اللّهم إسقنا غيثاً مُغيثاً ، مريئاً ، مُرِيعاً ، غَدَقاً ، طَبَقاً ، عاجِلاً غير رائثٍ(٧) . نافعاً غير ضارٍّ تملأ به الزرع ، وتنبت الزرع ، وتحيى به الأرض بعد موتها.

__________________

١ ـ أطيط الإبل : صوتها وحنينها.

٢ ـ الغطيط : الصوت ايضاً.

٣ ـ الأزل : القحط والجدب.

٤ ـ اللبان ـ بالكسر ـ : الرضاع.

٥ ـ الحنظل العامي : أي اليابس ، الذي اُتي عليه عام.

٦ ـ العلهز : نبت كالبردي.

٧ ـ المغيث : العام ، والمريع ، المخصب ، والغَدَق : الغزير الغامر ، وغير رائث : أي غير بطيئ.


فما ردّ يده إلى نحره حتّى أحدق السحاب بالمدينة كالإكليل ، والتقت السماء بأرواقها(١) وجاء أهل البطاح يضجّون : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الغرق الغرق. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهم حوالينا ولا علينا ، فانجاب السحاب عن السماء ، فضحك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : لله درّ أبي طالب لو كان حيّاً لقرّت عيناه ، من ينشدنا قوله؟.

فقام عمر بن خطاب ، فقال : عسى أردت يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

وما حملت من ناقة فوق ظهرها

أبرّ وأوفى ذمة من محمّد

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليس هذا من قول أبي طالب ، هذا من قول حسّان بن ثابت.

فقام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقال : كأنّك أردت يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ربيع اليتامى عصمة للأرامل

تلوذبه الهلاك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم وبيت الله يُبزىٰ(٢) محمّد

ولمّا نماصع(٣) دونه ونقاتل

ونسلّمه حتّى نصرّع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

__________________

١ ـ الأرواق : جمع روق ، وروق السحاب : سيله ، أي ألقت السماء بجميع ما فيها من المطر.

٢ ـ يبزى : أي يترك ويسلم.

٣ ـ المماصعة : أي المقاتلة والمجادلة بالسيوف.


فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أجل.

فقام رجل من بني كنانة ، فقال :

لك الحمد والحمد ممّن شكر

سقينا بوجه النبي المطر

دعا الله خالقه دعوة

وأشخص منه إليه البصر

فلم يك إلّا كإلقاء الرداء

وأسرع حتّى أتانا الدرر

فكان كما قاله عمّه

أبوطالب ذا رواءٍ غُزر

به الله يسقي صيوب الغمام

فهذا العيان وذاك الخبر

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا كناني بوّأك الله بكلّ بيت قلته بيتاً في الجنّة(١) .

ومن أبياته رحمه الله في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً :

تلَقّوا ربيع الأبطحين محمّداً

على ربوة في رأس عنقاء عيطل(٢)

قولهعليه‌السلام : «وَرِفْعَةً لِأَعْوٰانِهِ ، وَشَرَفًا لِأَنْصٰارِهِ » أي شرف الله المسلمين ، ورفع شأنهم في الدنيا والآخرة ، بمتابعتهم لرسوله ومعاونتهم له.

* * *

__________________

١ ـ أمالى الشيخ الطوسي : ص ٧٤ ـ ٧٦ ، ح ١١٠ / ١٩ ، المجلس الثالث.

٢ ـ العيطل : الطويل العنق.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَرْسَلَهُ بِالضِّيٰاءِ وَقَدَّمَهُ فِى الْإِصْطِفاءِ ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفٰاتِقَ ، وَسٰاوَرَ بِهِ الْمُغٰالِبَ ، وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ ، وَسَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ ، حَتّىٰ سَرَّحَ الضَّلٰالَ عَنْ يَمِينٍ وَشِمٰالٍ.

قولهعليه‌السلام : «أَرْسَلَهُ بِالضِّيٰاءِ » أي بالنور اللامع الساطع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو نور يهتدى به في ظلمات الجهل ، ويقتدى بأحكامه وسننه.

ويمكن أن يكون المراد بالنور إمّا نور الإيمان ، وبه فسرّ قوله تعالى : «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ »(٢) أي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

وإمّا نور العلم ، يعني : النبوّة والرسالة الذي كان في قلب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويؤيّده ما ورد في كتاب التوحيد عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى : «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » قال : كذلك الله عزّوجلّ : «مَثَلُ نُورِهِ » قال : محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، «كَمِشْكَاةٍ» قال : صدر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله «فِيهَا مِصْبَاحٌ »(٣) قال : فيه نور العلم ، يعني النّبوة(٤) .

وإمّا نور القرآن كما في قوله تعالى : «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ »(٥) .

قولهعليه‌السلام : «وَقَدَّمَهُ فِى الْإِصْطِفاءِ » الصفي : إمّا بمعنى المصطفىٰ أي

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٣٠ ، الخطبة ٢١٣.

٢ ـ البقرة : ٢٥٧.

٣ ـ النور : ٣٥.

٤ ـ التوحيد : ص ١٥٧ ، ح ٢ ، باب ١٥ ، تفسير قول الله عزّوجلّ : «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ....».

٥ ـ إبراهيم : ١.


المختار ومنه الصفي والصفيّة لما يختاره الرئيس لنفسه من الغنيمة ، أو بمعني الحبيب المصافي من صافاه الودّ والإخاء ، يقال : هو صفّي من بين إخواني ، ويحتمل أن يكون المراد باصطفائه تعالى لهصلى‌الله‌عليه‌وآله جعله صفوة خلقه وعباده ، أي قدّمه على جميع من إختاره من الأنبياء والمرسلين وفضّله عليهم حتّى صار المصطفىٰ علماً له.

وفي الحديث : إنّ الله إصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، وإصطفىٰ من ولد إسماعيل كنانة ، وإصطفىٰ من كنانة قريشاً ، وإصطفىٰ من قريش بني هاشم ، وإصطفاني من بني هاشم(١) .

قولهعليه‌السلام : «فَرَتَقَ بِهِ الْمَفٰاتِقَ » الرتق : ضد الفتق ، والمفاتق : جمع مفتق وهو مصدر ، كالمضرب والمقتل ، والمراد أنّه أصلح ما فسد من اُمورنا في زمن الجاهليّة ، من قطع الأرحام ، وسفك الدماء ، وعبادة الأصنام وغير ذلك.

قولهعليه‌السلام : «وَسٰاوَرَ بِهِ الْمُغٰالِبَ » أي وثب على من أراد الغلبة عليه فصار عالياً على المغالب ، وإلى هذا أشار سبحانه وتعالى : «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ »(٢) .

وفي المجمع فى ذيل هذه الآية قال : ويروى أنّ المسلمين قالوا لمّا رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى : ليفتحنّ الله علينا الروم وفارس ، فقال المنافقون : أتظنّون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتهم عليها؟ فأنزل الله هذه الآية(٣) .

وكقوله تعالى «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ

__________________

١ ـ الطبقات الكبرى : ج ١ ، ص ١٨ ، ومسند أحمد بن حنبل : ج ٤ ، ص ١٠٧.

٢ ـ المجادلة : ٢١.

٣ ـ مجمع البيان : ج ٩ ـ ١٠ ، ص ٢٥٥.


عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ »(١) أي أنّ دين الإسلام هو الغالب على جميع الأديان بالأدلّة الواضحة والقهر والغلبة.

وفي الحديث عن إبن عبّاس : اجتمع قريش في الحجر ، فتعاقدوا باللات والعزّى ومناة لو رأينا محمّداً لقمنا مقام رجل واحد ، ولنقتلنّه ، فدخلت فاطمةعليها‌السلام على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله باكية ، وحكت مقالتهم ، فقال : يا بنيّة أدني وضوءاً ، فتوضأ وخرج إلى المسجد ، فلمّا رأوه قالوا : ها هوذا ، وخفضت رؤوسهم ، وسقطت أذقانهم في صدورهم ، فلم يصل إليه منهم ، فأخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبضة من التراب فحصبهم بها وقال : شاهت الوجوه ، فما أصاب رجلاً منهم إلّا قتل يوم بدر(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ ». أي ذلّل صعوبة الجاهليّة والسنن الماضية ، قال الله تعالى : «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ »(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَسَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ » الحزونة ضد السهولة ، أي سهّل طريق الحق بالهداية والإرشادات الحكيمة والنصائح الكثيرة.

قولهعليه‌السلام : «حَتّىٰ سَرَّحَ الضَّلٰالَ عَنْ يَمِينٍ وَشِمٰالٍ ». أي أزال الضلال رأساً ، قال الله : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ »(٤) .

* * *

__________________

١ ـ التوبة : ٣٣ ، والفتح : ٢٨ ، والصف : ٩.

٢ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ٧١.

٣ ـ الأعراف : ١٥٧.

٤ ـ الجمعة : ٢.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَسَيِّدُ عِبٰادِهِ ، كُلَّمٰا نَسَخَ اللهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِى خَيْرِهِمٰا ، لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عٰاهِرٌ ، وَلٰا ضَرَبَ فِيهِ فٰاجِرٌ.

قولهعليه‌السلام : «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » محمّد علم منقول من الصفة التي معناها كثير الخصال المحمودة ، وهذا الإسم الشريف الواقع علماً عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أعظم أسمائه وأشهرها كأنّه حمد مرّة بعد مرّة أخرى(٢) .

وقال الجوهري : المحمّد : الذي كثرت خصاله المحمودة(٣) .

وفي لسان العرب : محمّد وأحمد من أسماء سيّدنا المصطفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد سمّيت محمّداً وأحمداً(٤) .

وقال الزبيدي : وقد سمّت العرب أحمداً ومحمّداً وهما من أشرف أسمائهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يعرف من تسمّى قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأحمد ، إلّا ما حكي أنّ الخضرعليه‌السلام كان إسمه كذلك(٥) .

وقال إبن فارس : سمّي نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله محمّداً : لكثرة خصاله المحمودة(٦) . يعنى ألْهَمَ تعالى أهلهصلى‌الله‌عليه‌وآله تسميته بذلك لما علم من خصاله الحميدة.

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٣٠ ، الخطبة ٢١٤.

٢ ـ تاج العروس : ج ٨ ، ص ٣٩ ـ ٤٠ ، مادة «حمد».

٣ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٤٦٦ ، مادة «حمد».

٤ ـ لسان العرب : ج ٣ ، ص ١٥٧ ، مادة «حمد».

٥ ـ تاج العروس : ج ٨ ، ص ٤٠ ، مادة «حمد».

٦ ـ مجمل اللّغة : ج ١ ، ص ٢٥٠ ، ومعجم مقاييس اللّغة : ج ٢ ، ص ١٠٠.


وقال الطريحي : ومحمّد إسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في القرآن ، سمّى به لأنّ الله وملائكته وجميع أنبيائه ورسله وجميع أُممهم يحمدونه ويصلّون عليه.

وذكر عن إبن الأعرابي : أنّ لله تعالى ألف إسم وللنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ألف إسم ، ومن أحسنها محمّد ومحمود وأحمد.

وأحمد : إسم نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله في الإنجيل لحسن ثناء الله عليه في الكتاب بما حمد من أفعاله(١) .

وورد في أخبار كثيرة من طرق أهل البيتعليهم‌السلام عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «سمّاني الله من فوق عرشه ، وشقّ لي إسماً من أسمائه فسمّاني محمّداً وهو محمود» ، وجعل إسمي في القرآن محمّداً ، فأنا محمود في جميع أهل قيامة في فصل القضاء ، لا يشفع أحد غيري ، وسمّاني في الإنجيل : أحمد ، فأنا محمود في أهل السماء(٢) .

وأخرج البخاري في تاريخه الصغير : من طريق علي بن زيد ، قال : كان أبو طالب يقول :

وَشقّ مِنْ إسمِهِ ليُجلّهُ

فذوالعَرشِ مَحمُودٌ وَهذا محمّد(٣)

قال القسطاني في المواهب : وقد سماّه الله تعالى بهذا الإسم قبل الخلق بألفي عام ، كما ورد من حديث أنس بن مالك من طريق أبي نعيم في مناجاة موسىعليه‌السلام (٤) .

__________________

١ ـ مجمع البحرين : ج ٣ ، ص ٤٠ ، مادة «حمد».

٢ ـ الخصال : ص ٤٢٥ ، ح ١ ، باب العشر أسماء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، معاني الأخبار : ص ٥٠ ، ح ١ ، باب معاني أسماء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣ ـ شرح المواهب : ج ٣ ، ص ١٥٥. نقلاً عنه.

٤ ـ شرح المواهب : ج ٣ ، ص ١٥٦.


قال إبن قتبية : ومن أعلام نبوّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه لم يسمّ أحد قبله بإسمه محمّد ، صيانة من الله بهذا الإسم كما فعل بيحيى إذ «لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا »(١) .

وذلك أنّه تعالى سماّه في الكتب المتقدّمة وبشّر به الأنبياء ، فلو جعل إسمه مشتركاً فيه لوقعت الشبهة ، إلّا أنّه لمّا قرب زمانه وبشّر أهل الكتاب بقربه سمّى قوم أولادهم بذلك رجاء أن يكون هو ، ولكن «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ »(٢) (٣) .

وهو أبو القاسم محمّد بن عبد الله بن عبد المطلّب ، خاتم النبيين ، وسيّد المرسلين ، حملت به أُمّه في أيّام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى ليلة الجمعة ، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة ، ولدصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة يوم الجمعة عند طلوع الشّمس السابع عشر من شهر ربيع الأوّل عام الفيل وفاقاً لما عليه جمهور الشيعة.

وعند جمهور العامة : أنّه ولد يوم الإثنين من ربيع الأوّل.

ومات أبوه عبد الله بن عبد المطّلب ، وهو إبن شهرين أو سبعة أشهر ، ولمّا بلغ أربعاً أو ستّاً من السنين ماتت أُمّه ، وعاش في حجر جدّه عبد المطّلب ثماني سنين وشهرين وعشرة أيّام.

فتوفّي عبد المطّلب ووليه عمّه أبو طالبعليه‌السلام وذهب به إلى الشام بعد ماتمّ له اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيّام ، ورجع من بصرى وخرج إلى الشام مرّة أخرى مع ميسرة غلام خديجة في تجارة لها قبل أن يتزوّجها ، ثم تزوّجها بعد ما بلغ خمساً وعشرين ، وبقيت معه ثمانية عشرة سنة.

ولمّا بلغ خمساً وثلاثين شهد بنيان الكعبة ، فلمّا بلغ أربعين سنة بعثه

__________________

١ ـ مريم : ٧.

٢ ـ الأنعام : ١٢٤.

٣ ـ شرح المواهب : ج ٣ ص ١٥٨ ، نقلاً عن إبن القتيبة.


الله رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً يوم الإثنين في السابع والعشرين من رجب فما من شجر وحجر إلّا سلّم عليه قائلاً : السلام عليك يا رسول الله ، وفرض عليه التبليغ وقراءة القرآن.

ولمّا تمّت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر اُسري به «ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ »(١) وفرض عليه خمس الصلوات.

ولمّا بلغ ثلاثاً وخمسين هاجر إلى المدينة يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل ، ودخلها ضحى يوم الإثنين ، واُذن له في الجهاد في السنة الثانية لمن إبتدأه في غير الأشهر الحرم ، ثم اُبيح له إبتداؤهم فيها أيضاً ، وفيها وجب صوم شهر رمضان ، واختلفوا في الزّكاة هل فرضت قبله أو بعده؟ وفي فرض الحجّ هل كان في الخامسة أو السادسة؟ وفي السنة الخامسة : كانت بيعة الرضوان ، وفي الثامنة : فتح مكّة. وقال تعالى : «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا »(٢) .

وفي العاشرة كانت حجّة الوداع ، وكانت وقفة عرفة فيها يوم الجمعة بالإجماع ، ولم يحجّ بعد الهجرة إلّا إيّاها وقبلها لم يضبط ، واعتمر أربعاً ، وكانت غزواته سبعاً وعشرين ، وسراياه ستّاً وخمسين ، وقيل : غير ذلك.

وتزوّج إحدى وعشرين إمرأة ، وطلّق ستّاً ، وماتت عنده خمس ، وتُوفيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن تسع.

وأولاده ستّة ذكران وهما : القاسم وإبراهيم ، وأربع بنات : وهنّ فاطمةعليها‌السلام ، وزينب ، ورقيّة ، واُم كلثوم ، وكلّهم من خديجةعليها‌السلام ، إلّا إبراهيم فإنّه من مارية القبطيّة ، هذا هو المتّفق عليه ، واختلف فيما سوى هٰؤلاء.

ولمّا بلغصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثاً وستّين ، وقيل : خمساً وستّين إختاره الرفيق الأعلى

__________________

١ ـ النجم : ٨ ـ ٩.

٢ ـ النصر : ١ ـ ٢.


يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة.

وقيل : لثنتي عشرة خلت من أوّل ربيعي السنة المذكورة ، ودفن ليلة الثلاثاء أو الأربعاء في حجرته التي قبض فيها صلوات الله وسلامه عليه.

فأمّا كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله عبد الله فيشهد له آيات من القرآن الكريم كقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ »(١) ، وفي قوله : «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا »(٢) وفي قوله : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا »(٣) .

وأمّا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رسوله فيشهد له قوله تعالى : «مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ »(٤) وقوله : «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ »(٥) وقوله : «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ »(٦) .

قولهعليه‌السلام : «وَسَيِّدُ عِبٰادِهِ » لا خلاف في ذلك بل هذا هو المجمع عليه بين المسلمين ، ويشهد له قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر(٧) .

وفي حديث آخر : قال : النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله اُدعوا لي سيّد العرب عليّاً ، فقالت عائشة : ألست سيّد العرب؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا سيّد البشر ، وعلي سيّد العرب(٨) .

وأخرجه الشيخ الصدوق ، عن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا سيّد من خلق الله ، وأنا خير من جبرئيل

__________________

١ ـ الحديد : ٩.

٢ ـ الفرقان : ١.

٣ ـ الكهف : ١.

٤ ـ الفتح : ٢٩.

٥ ـ آل عمران : ١٤٤.

٦ ـ الأحزاب : ٤٠.

٧ ـ مسند أحمد : ج ١ ، ص ٢٨١ ، وأخرجه الترمذي في سننه : ج ٥ ، ص ٢٨٨ ، ح ٣١٤٨.

٨ ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١١ ، ص ٦٦.


وميكائيل وحملة العرش ، وجميع الملائكة الله المقربين ، وأنبياء الله المرسلين ، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف ، وأنا وعليعليه‌السلام أبوا هذه الأُمّة ، من عرفنا فقد عرف الله ، ومن أنكرنا فقد أنكر الله عزّوجلّ(١) الحديث.

وفي الكافي بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأيّ شيئ سبقت ولد آدم؟ قال : إنّني أوّل من أقرّ بربّي ، إن الله أخذ ميثاق النبيّين «وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ »(٢) فكنت أوّل من أجاب(٣) .

قولهعليه‌السلام : «كُلَّمٰا نَسَخَ اللهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِى خَيْرِهِمٰا » قال الشيخ الصدوق : إعتقادنا في آباء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّهم مسلمون من آدمعليه‌السلام إلى أبيه عبدالله(٤) .

وأخرجه الترمذي عن واثلة بن الأسقع ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم(٥) .

وقال إبن أبي الحديد : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده إلّا كنت في خيرهما(٦) .

__________________

١ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : ص ٢٦١ ، ح ٧.

٢ ـ الأعراف : ١٧٢.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ١٢ ، ح ٣ ، ونحوه : ح ١ ، فراجع.

٤ ـ الإعتقادات : ٤٥.

٥ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٤ ، كتاب المناقب : ٥٠ ، ح ٣٦٠٥ ، وأخرجه إبن سعد في الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ١٧ ـ ١٨.

٦ ـ نهج البلاغة لإبن أبي الحديد : ج ١١ ، ص ٦٧.


اُخرجه الترمذي : عن عبّاس بن عبد المطلب في حديث ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ، من خير فرقهم ، وخير الفريقين ، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة ، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً(١) .

قولهعليه‌السلام : «لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عٰاهِرٌ » قال الجوهري : القَهْر : الزنا ، وكذلك القَهَر مثل نَهْر ونَهَر(٢) أي لم يكن في نسبه الشريف رجلاً زانياً.

قولهعليه‌السلام : «وَلٰا ضَرَبَ فِيهِ فٰاجِرٌ » أي لم يكن في نسبه رجلاً فاجراً ، قال الشيخ الصدوق ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدمعليه‌السلام (٣) .

وأخرجه المتّقي الهندي : عن إبن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح(٤) .

وأخرجه عن عليعليه‌السلام قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولّدني أبي واُمّي ، لم يصبني من سفاح الجاهليّة شيئ(٥) .

وأخرجه أيضاً عن عائشة ، قالت : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : خرجت من نكاح غير سفاح(٦) .

__________________

١ ـ سنن الترمذي : ج ٥ ، ص ٥٤٥ ، كتاب المناقب : ٥٠ ، ح ٣٦٠٧ و ٣٦٠٨.

٢ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٧٦٢.

٣ ـ الإعتقادات : ٤٥.

٤ ـ كنز العمّال : ج ١١ ، ص ٤٠٢ ، ح ٣١٨٧٠ ، وأخرجه إبن سعد في الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٥١.

٥ ـ كنز العمّال : ج ١١ ، ص ٤٠٢ ، ح ٣١٨٧١.

٦ ـ كنزل العمّال : ج ١١ ، ص ٤٠٢ ، ح ٣١٨٦٦ ، وأخرجه إبن سعد في الطبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٥١.


وأخرجه إبن سعد بإسناده عن محمّد بن علي بن حسين أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، لم يصبني من سفاح أهل الجاهليّة شيئ ، لم اُخرج إلّا من طُهْرِهِ(١) .

وقال إبن سعد : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي ، عن أبيه قال : كتبت للنبيّ عليه الصّلاة والسّلام خمسمائه اُم ، فما وجدت فيهن سفاحاً ولا شيئاً ممّا كان من أمر الجاهليّة(٢) .

* * *

__________________

١ ـ طبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٥٠ ، وأخرجه المتقي في كنز العمّال : ج ١١ ، ص ٤٢٩ ، ح ٣٢٠١٥.

٢ ـ طبقات الكبرىٰ : ج ١ ، ص ٥٠.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

فَصَدَعَ بِمٰا أُمِرَ بِهِ ، وَبَلَّغَ رِسٰالَةَ رَبِّهِ. فَلَمَّ اللهُ بِهِ الصَّدْعَ ، وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ ، وَأَلَّفَ بَيْنَ ذَوِى الْأَرْحٰامِ ، بَعْدَ الْعَدٰاوَةِ الْوٰاغِرَةِ فِى الصُّدُورِ ، وَالضَّغٰائِنِ الْقٰادِحَةِ فِى الْقُلُوبِ.

قولهعليه‌السلام : «فَصَدَعَ بِمٰا أُمِرَ بِهِ » أي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أظهر ما أمر به بعد ما كان مختفياً خمس سنوات لا يستطيع أن يظهر دينه ، ويشهد له ما ورد عن الصّادقعليه‌السلام قال : إكتتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة مستخفياً خائفاً خمس سنين ، ليس يظهر ، وعليعليه‌السلام معه وخديجة ، ثم أمره الله تعالى أن يصدع بما يؤمر فظهر وأظهر أمره(٢) .

وفي خبر أخر عن الحلبي قال : سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول : مكث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة بعد ما جاءه الوحي عن الله تعالى ، ثلاث عشرة سنة منها ثلاث سنين مستخفياً خائفاً لا يظهر حتّى أمره الله تعالى أن يصدع بما يؤمر فأظهر حينئذٍ الدعوة(٣)

قولهعليه‌السلام : «وَبَلَّغَ رِسٰالَةَ رَبِّهِ » من الحكم والمواعظ وغير ذلك.

قولهعليه‌السلام : «فَلَمَّ اللهُ بِهِ الصَّدْعَ » أي جمع الله بالنبي التشتّت والإفتراق السائد آنذاك بين الأعراب وألّف بين قلوبهم.

قولهعليه‌السلام : «وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ » الرتق : ضدّ الفتق ، والمراد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رفع ما كان بين الأعراب من إختلاف الآراء وتشتّت الأهواء وإفتراق

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٥٣ ، الخطبة ٢٣١.

٢ ـ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : ص ٢٠١ ـ ٢٠٢.

٣ ـ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : ص ٢٠٢.


الكلمة بالعداوة والبغضاء ، ويشهد له ما أخرجه إبن شهراشوب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم ، فلقي رهطاً من الخزرج ، فقال : ألا تجلسون أُحدّثكم؟ قالوا : بلى. فجلسوا إليه ، فدعاهم إلىٰ الله تعالى ، وتلا عليهم القرآن ، فقال بعضهم لبعض : يا قوم تعلموا ، والله إنّه النبيّ الذي كان يوعدكم به اليهود ، فلا يسبقنّكم إليه أحد. فأجابوه ، وقالوا له : إنّا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ مثل ما بينهم ، وعسى أن يجمع الله بينهم بك ، فتقدم عليهم ، وتدعوهم إلى أمرك ، وكانوا ستّة نفر ، فلمّا قدموا المدينة فأخبر قومهم بالخبر ، فما دار حول إلّا وفيها حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار إثنىٰ عشر رجلاً فلقوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فبايعوه على بيعة النساء أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا إلى آخرها(١) .

قولهعليه‌السلام : «وَأَلَّفَ بَيْنَ ذَوِى الْأَرْحٰامِ » كما ألّفصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الأوس والخزرج إبني حارثة ، ويقال لهما : إبني قيلة نسبة إلى أُمّهما.

قولهعليه‌السلام : «بَعْدَ الْعَدٰاوَةِ الْوٰاغِرَةِ فِى الصُّدُورِ » الواغرة : أي : المتوقّدة في الصدور.

قولهعليه‌السلام : «وَالضَّغٰائِنِ الْقٰادِحَةِ فِى الْقُلُوبِ » الضغائن جمع الضغينة ، أي الحقد ، والقادحة : أي المشتعلة ، والمراد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألف بين ذوى الأرحام بعد ما كانت العداوة والبغضاء والحقد. مشتعلة في قلوبهم.

* * *

__________________

١ ـ المناقب لإبن شهراشوب : ج ١ ، ص ١٨١.


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ

اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فَأَطَأُ

ذِكْرَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرَجِ.

قولهعليه‌السلام : «فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ » أي بعد ما خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مكة مهاجراً إلى المدينة ، قالعليه‌السلام : أخذت أتّبع الطريقة والجهة التي سلكها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أن إنتهيت إلى العرج.

قولهعليه‌السلام : «فَأَطَأُ ذِكْرَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرَجِ » أي إطمأنّ قلبهعليه‌السلام على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورد المدينة سالماً ، لأنّ ذلك المكان كان قريباً من المدينة المنورة. بيد أنّ قدماه قد توّرمتا من بُعد المسافة وسرعة المشي حافياً.

* * *

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٥٦ ، الخطبة ٢٣٦.


(وَمِنْ كِتٰابٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

وَكٰانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ ، وَأَحْجَمَ النّٰاسُ قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقىٰ بِهِمْ أَصْحٰابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالْأَسِنَّةِ ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الحٰارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ.

قولهعليه‌السلام : «وَكٰانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ » أي إذا إشتدّ القتال حتّى احمرّت الأرض من الدم.

قولهعليه‌السلام : «وَأَحْجَمَ النّٰاسُ » قال الجوهري : حجمته عن الشيئ فأحجم ، أي : كففته فكفّ. وهو من النوادر ، مثل كببته فأكبّ(٢) .

والمراد إنّ الناس كفّوا عن الحرب وجنّبوا عن الإقدام.

قولهعليه‌السلام : «قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقىٰ بِهِمْ أَصْحٰابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالْأَسِنَّةِ » وإنّما قدّمهم ليظهر على العالم أنّهم السابقون في كلّ خير ، وقد تأدّبصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك من الله تعالى حيث قال له أوّلاً : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(٣) حيث صعد رسول الله على الصفا وأخذ يهتف وينادي قومه وقال : يابني عبد المطلب ، با بني عبد مناف ، يا بني زهرة : إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين : «نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »(٤) .

وقال له ثانياً : «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا »(٥) .

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٣٦٨ ـ ٣٦٩ ، الكتاب : ٩.

٢ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ١٨٩٤ ، مادة «رجم».

٣ ـ الشعراء : ٢١٤.

٤ ـ سبأ : ٤٦.

٥ ـ طه : ١٣٢.


وفي الحديث كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأتي باب فاطمة على تسعة أشهر عندكلّ غداة فيقول : الصّلاة الصّلاة رحمكم الله «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »(١) .

فإنّ الله أمره أن يخصّ أهله دون الناس ليعلم الناس أنّ لأهل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله عند الله منزلة خاصّة ليست للناس. إذ أمرهم مع الناس عامّة ثم أمرهم خاصّة ، ليعلم الناس تأخّرهم عن أهل بيت الرسالة(٢) .

قولهعليه‌السلام : «فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الحٰارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ » قال : الحموي وبدر : ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء بينه وبين الجار ، وهو ساحل البحر ، ليلة. ويقال : انه ينسب إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة ، وقيل : بل هو رجل من بني ضَمْرَة سكن هذا الموضع فنسب إليه ثم غلب إسمه عليه(٣) .

وفي الصحاح : وبدرٌ : موضع ، يذكر ويؤنث ، وهو إسم ماء.

قال الشعبي : بدر : بئر كانت لرجل يدعى بدراً. ومنه يوم بدر(٤) .

وكانت وقعة بدر يوم الجمعة سبع عشر ليلة خلت من شهر رمضان من سنة اثنين من الهجرة.

روى الشيخ المفيد قدس سره مسنداً عن أبي رافع ، قال : لمّا أصبح الناس يوم بدر إصطفّت قريش ، وأمامها عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة وإبنه الوليد ،

__________________

١ ـ الأحزاب : ٣٣.

٢ ـ تفسير القمي : ج ٢ ، ص ٦٧ ، وأخرجه الشيخ الطوسي في أماليه : ص ٨٩ ، ح ١٣٨ / ٤٧ ، المجلس الثالث والطبرسي في مجمع البيان : ج ٧ ـ ٨ ، ص ٣٧ ، وإبن عساكر في ترجمة عليعليه‌السلام : ج ١ ، ص ٢٧٢ ، ح ٣٢٠ ، والحسكاني : في شواهد التنزيل : ج ١ ، ص ٤٩٧ ، ح ٥٢٦.

٣ ـ معجم البلدان : ج ١ ، ص ٣٥٧.

٤ ـ الصحاح : ج ٢ ، ص ٥٨٦ ، مادة «بدر».


فنادى عتبة : يا محمّد أخرج إلينا أكفّائنا من قريش فبدر إليهم ثلاثة من شبّان الأنصار ، فقال لهم عتبة : من أنتم؟ فانتسبوا له.

فقال لهم : لا حاجة لنا إلى مبارزتكم ، إنّما طلبنا بني عمّنا.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للأنصار : إرجعوا إلى موافقكم. ثم قال : قم يا علي ، قم ياحمزة ، قم يا عبيدة ، قاتلوا على حقّكم الذي بعث الله به نبيّكم ، إذ جاؤوا بباطلهم «لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ »(١) .

فقاموا فصفّوا للقوم ، وكان عليهم البيض فلم يُعرفوا.

فقال لهم عتبة : تكلّموا ، فإن كنتم أكفّائنا قاتلناكم.

فقال حمزة : أنا حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله ، فقال عتبة : كفوّ كريم.

وقال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : أنا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب.

وقال عبيدة : أنا عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب.

فقال عتبة لإبنه الوليد : قم فبرز إليه أميرالمؤمنينعليه‌السلام وكانا إذ ذاك أصغر الجماعة سنّاً فاختلفا ضربتين ، أخطأت ضربة الوليد أميرالمؤمنينعليه‌السلام واتّقى بيده اليسرى ضربة أميرالمؤمنينعليه‌السلام فأبانتها.

فروي أنّهعليه‌السلام كان يذكر بدراً وقتله الوليد ، فقال : كأنّي إلى وميض خاتمه في شماله ثم ضربته ضربة أخرى فصرعته وسلبته ، فرأيت به درعاً من خلوق ، فعلمت أنّه قريب عهد بعرس ، ثم بارز عتبة حمزة ، فقتله حمزه ، ومشى عبيدة ، وكان أسن القوم إلى شيبة فاختلفا ضربتين ، فأصاب ذباب سيف شيبة عضلة ساق عبيدة. فمات بالصفراء ، وفي قتل عتبة وشيبة والوليد تقول هند بنت عتبة :

__________________

١ ـ الصف : ٨.


أيا عين جودي بدمع سرب

على خير خندف لم ينقلب

تداعى له رهط غدوة

بنوهاشم وبنو المطلب

يذيقونه حد أسيافهم

يعيّرونه بعد ما قد شجب(١)

وقال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره : نظر عتبة إلى أخيه شيبة ، ونظر إلى إبنه الوليد ، فقال : قم يا بني فقام ، ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه ، فلم يجدوها لعظم هامته ، فاعتمّ بعمّامتين ثم أخذ سيفه وتقدّم هو وأخوه وإبنه ، ونادى : يا محمّد أخرج إلينا أكفّائنا من قريش ، فبرز إليه ثلاثه نفر من الأنصار عود ومعود وعوف من بني عفرا.

فقال عتبة : من أنتم؟ إنتسبوا لنعرفكم.

فقالوا نحن بنو عفرا أنصار الله وأنصار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

قال : إرجعوا ، فإنّا لسنا إيّاكم نريد ، إنّما نريد الأكفّاء من قريش ، فبعث إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أرجعوا فرجعوا ، وكره أن يكون أوّل الكرّة بالأنصار ، فرجعوا ووقفوا مواقفهم.

ثم نظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب وكان له سبعون سنة ، فقال له : ثم يا عبيدة! فقام بين يديه بالسيف ، ثم نظر إلى حمزة بن عبدالمطلب ، فقال : قم يا عم ، ثم نظر إلى أميرالمؤمنينعليه‌السلام فقال له : قم يا علي! وكان أصغرهم فقال : فاطلبوا بحقّكم الذي جعله الله لكم قدجاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفىء نور الله «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ »(٢) .

ثم قال رسول الله : يا عبيدة عليك بعتبة ، وقال لحمزة : عليك بشيبة ،

__________________

١ ـ الإرشاد للمفيد : ٤٠ ، والنقل بتصرف يسير.

٢ ـ التوبة : ٣٢.


وقال لعلي عليك بالوليد بن عتبة ، فمرّوا حتّى إنتهوا إلى القوم.

فقال عتبة : من أنتم؟ إنتسبوا لنعرفكم ، فقال عبيدة : أنا عبيدة بن حارث بن عبدالمطلب ، فقال : كفوٌ كريم فمن هذان؟ قال : حمزة بن عبدالمطلب ، وعلي بن أبي طالبعليهما‌السلام فقال : كفوان كريمان. لعن الله من أوقفنا وإيّاكم هذا الموقف. فقال شيبة لحمزة : من أنت؟.

فقال : أنا حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله ، وقال له شيبة : لقد لقيت أسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله! فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة ففلق هامته ، وضرب عتبة عبيدة على ساقه قطعها ، وسقطا جميعاً ، وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتّى انثلما وكلّ واحد يتّقي بدرقته.

وحمل أميرالمؤمنينعليه‌السلام على الوليد بن عتبة ، فضربه على عاتقه فأخرج السيف من إبطه ، فقال عليعليه‌السلام : فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أنّ السماء وقعت على الأرض.

ثم اعتنق حمزة وشيبة ، فقال المسلمون : يا علي أماترى الكلب قد أبهر عمّك؟

فحمل عليعليه‌السلام ثم قال : يا عم طأطأ رأسك وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزه رأسه في صدره فضربه أميرالمؤمنينعليه‌السلام على رأسه فطيّر نصفه ، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه ، وحمل عبيدة بين حمزة وعلي حتّى أتيا به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فنظر إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واستعبر. فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ألستُ شهيداً؟ فقال : بلى أنت أوّل شهيد من أهل بيتي.

قال : أمّا لو كان عمّك حيّاً لعلم أني أولى بما قال منه.


قال : وأيّ أعمامي تعني؟ قال : أبوطالب حيث يقولعليه‌السلام :

كذبتم وبيت الله نبرأ محمّداً

ولما نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتّى نصرع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما ترى ابنه كاليث العادي بين يدي الله ورسوله ، وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة.

فقال : يا رسول الله أسخطت عليّ في هذه الحالة. فقال : ما سخطت عليك ولكن ذكرت عمّي فانقبضت لذلك(١) .

وروى إبن سعد أنّ قوله تعالى : «هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ »(٢) نزل في حمزة بن عبدالمطّلب ، وعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وعبيدة بن الحارث ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة(٣) .

قولهعليه‌السلام : «وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ » قال حموى : أُحدْ : بضم أوّله وثانيه معاً : اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة اُحُدْ ، وعنده كانت الواقعة الفضيعة الّتي قُتِلَ فيها حمزة عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسبعون من المسلمين ، وكسرت رباعيّة النبيّ ،صلى‌الله‌عليه‌وآله وشجّ وجهه الشريف ، وكُلِمَت شفته ، وكان يوم بلاء وتمحيص ، وذلك لسنتين وتسعة أشهر وسبعة أيّام من مهاجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في سنة ثلاث(٤) .

وكان يوم اُحد : يوم بلاء ومصيبة وتمحيص إختبر الله المؤمنين ومحنّ به المنافقين ممّن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر في قبله.

__________________

١ ـ تفسير القمي : ج ١ ، ص ٢٦٤ ـ ٢٦٦.

٢ ـ الحج : ١٩.

٣ ـ الطبقات الكبرى : ج ٢ ، ص ١٢ وج ٣ ، ص ١٢.

٤ ـ معجم البلدان : ج ١ ، ص ١٠٩.


وقال علي بن ابراهيم في حديث : كان حمزة بن عبدالمطلب يحمل على القوم فإذا رأوه إنهزموا ولم يثبت له واحداً ، وكانت هند بنت عتبة قد أعطت وحشيّاً عهداً : لئن قتلت محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله أو عليّاًعليه‌السلام أو حمزة لأعطيتك رضاك ، وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشيّاً ، فقال وحشي : أمّا محمّد فلا أقدر عليه ، وأمّا علي فرأيته رجلاً حذراً كثير الإلتفات فلم أطمع فيه ، قال : فكمنت لحمزة فرأيته يهدّ الناس هدّاً فمرّ بي فوطئ على جرف نهر فسقط ، فأخذت حربتي فهززتها ورميته فوقعت في خاصرته ، وخرجت من مثّانته فغمسه بالدم فسقط ، فأتيته فشققت بطنه وأخذت كبده ، وأتيت بها إلى هند فقلت لها : هذه كبد حمزة فأخذها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة(١) فلفضتها ورمت بها ، فبعث الله ملكاً فحملها وردّها إلى موضعها ، يأبى الله أن يدخل شيئاً من بدن حمزة النار ، فجاءت إليه هند فقطعت مذاكيره ، وقطعت أذنيه وجعلتهما خرصين(٢) وشدّتهما في عنقها ، وقطعت يديه ورجليه ، ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من له علم بعمّى حمزة ، فقال الحرث بن سميّة : أنا أعرف موضعه ، فجاء حتّى وقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله فيخبره.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأميرالمؤمنينعليه‌السلام : يا علي أُطلب عمّك فجاء عليعليه‌السلام فوقف على حمزة فكره أن يرجع إليه ، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى وقف عليه ، فلمّا رأى ما فعل به بكى. ثم قال : والله ما وقفت موقفاً قط أغيظ عليّ من هذا المكان لئن أمكنني الله من قريش لأمثلنّ بسبعين رجلاً منهم ، فنزل عليه جبرئيلعليه‌السلام .

__________________

١ ـ الداغصة : عظم مدوّر في الركبة.

٢ ـ الخرص : حلقة الذهب أوالفضة.


فقال : «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ »(١) فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : بل أصبر ، فألقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على حمزة بردة كانت عليه فكانت إذا مدّها على رأسه بدت رجلاه ، وإذا مدّها على رجليه بدا رأسه ، فمدّها على رأسه ، وألقى على رجليه الحشيش ، وقال : لو لا إنّني أحذر نساء بني عبدالمطلب لتركته للعادية والسباع حتّى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير.

وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالقتلى فجمعوا فصلّى عليهم ودفنهم في مضاجعهم ، وكبّر على حمزة سبعين تكبيرة(٢) .

قولهعليه‌السلام : «وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ » قال الحموي : مؤته : قرية من قرى البلقاء في حدود الشام ، وبها قبر جعفر بن أبي طالب(٣) .

روى إبن سعد بإسناده : عن أبي عامر ، قال : بعثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الشام ، فلمّا رجعت مررت على أصحابي وهم يقاتلون المشركين بمؤتة ، قلت : والله لا أبرح اليوم حتّى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم ، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب ، ولبس السلاح ، ثم حمل جعفر حتّى إذا همّ أن يخالط العدو رجع فَوَحّش بالسلاح ، ثم حمل على العدو وطاعن حتّى قتل ، ثم أخذ اللواء زيد بن حارثة وطاعن حتّى قتل ، ثم أخذ اللواء عبدالله بن رواحة وطاعن حتّى قتل ، ثم انهزم المسلمون أسوء هزيمة(٤) .

* * *

__________________

١ ـ النحل : ١٢٦.

٢ ـ تفسير القمّي : ج ١ ، ص ١١٦ ـ ١٢٣.

٣ ـ معجم البلدان : ج ٥ ، ص ٢٢٠.

٤ ـ الطبقات الكبرى : ج ٢ ، ص ٩٩.


(وَمِنْ حِكَمِهِ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

إِنَّ وَلِىَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطٰاعَ اللهَ وَإِنْ

بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ

عَصَى اللهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرٰابَتُهُ.

قال الجوهري : اللحمة بالضم : القرابة(٢) نبّهعليه‌السلام بقوله هذا على أنّ العبرة في الولاء والعداء لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي إطاعة الله عزّوجلّ ومعصيته ، فمن أطاعه فهو موالي له ، ومن عصاه فهو عدوه وإن كان من لحمته وأقربائه ، ولقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم لبضعته كما جاء في الخبر : يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت. لا اُغني عنك من الله شيئا(٣) .

وقال إبن أبي الحديد : قال رجل لجعفر بن محمّدعليهم‌السلام : أرأيت قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النّار أليس هذا أماناً لكلّ فاطمي في الدنيا؟

فقال : إنّك لأحمق ، إنّما أراد حسناً وحسيناً لأنّهما من لحمة أهل البيت ، فأمّا من عداهما من قعد به عمله لم ينهض به نسبه(٤) .

أخرجه الشيخ الصدوق عن ياسر : قال : إنّ أباالحسن الرضاعليه‌السلام قال لأخيه زيد بن موسىعليه‌السلام : يا زيد غرّك قول سفلة أهل الكوفة : إنّ

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٤٨٤ ، الحكمة : ٩٦.

٢ ـ الصحاح : ج ٥ ، ص ٢٠٢٧ ، مادة «لحم».

٣ ـ صحيح مسلم : ج ١ ، ص ١٩٣ ، ح ٣٥١ ـ ٣٥٢ ، وهكذا أخرجه النسائي في سننه : ج ٦ ، ص ٢٥٠ ، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين.

٤) ـ شرح نهج البلاغة : لإبن أبي الحديد : ج ١٨ ، ص ٢٥٢ ، الأصل ٩٢.


فاطمةعليها‌السلام أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النّار؟ ذلك للحسن والحسين خاصة ، إن كنت ترى إنّك تعصي الله عزّوجلّ وتدخل الجنّة وموسى بن جعفرعليه‌السلام أطاع الله ودخل الجنّة فأنت إذاً أكرم على الله عزّوجلّ من موسى بن جعفرعليه‌السلام والله ما ينال أحد ما عندالله عزّوجلّ إلّا بطاعته ، وزعمت أنّك تناله بمعصيته ، فبئس ما زعمت! فقال له زيد : أنا أخوك وإبن أبيك. فقال له أبوالحسنعليه‌السلام : أنت أخى ما أطعت الله عزّوجلّ. إنّ نوحاًعليه‌السلام قال : «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ »(١) فقال الله عزّوجلّ له : «يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ »(٢) فأخرجه الله عزّوجلّ من أن يكون أهله بمعصيته(٣) .

وفي ذيل رواية اُخرى للوشاء : إلتفتعليه‌السلام إلى الوشاء.

وقال له : وأنت إذا أطعت الله عزّوجلّ فأنت منّا أهل البيت(٤) .

وزاد عليهعليه‌السلام في رواية لإبن جهم قائلاً له : يابن جهم من خالف دين الله فأبرأ منه كائناً من كان ، من أيّ قبيلة كان ، ومن عادى الله فلا تواله كائناً من كان ، من أيّ قبيلة كان. فقلت له : يابن رسول الله ومن الذي يعادي الله تعالى؟ قال : من يعصيه(٥) .

__________________

١ ـ هود : ٤٥.

٢ ـ هود : ٤٦.

٣ ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ج ٢ ، ص ٢٣٥ ، ح ٤ ، باب ٥٨ ، قول الرضاعليه‌السلام لأخيه زيد بن موسى.

٤ ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ج ٢ ، ص ٢٣٢ ، ح ١ ، باب ٥٨ ، قول الرضاعليه‌السلام لأخيه زيد بن موسى.

٥ ـ عيون اخبار الرضاعليه‌السلام : ج ٢ ، ص ٢٣٥ ، ح ٦ ، باب ٥٨ ، قول الرضاعليه‌السلام لأخيه زيد بن موسى.


وفي حديث محمّد بن سنان قال : قال أبوالحسن الرضاعليه‌السلام : إنّا أهل بيت وجب حقّنا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن أخذ برسول الله حقّاً ولم يعط الناس من نفسه مثله فلا حقّ له(١) .

وقال محمّد بن موسى الرازي : سمعت أبى يقول : قال رجل للرضاعليه‌السلام : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً.

فقال : التقوىٰ شرفهم وطاعة الله أحظتهم ، فقال له آخر : أنت والله خير الناس.

فقال له : لا تحلف يا هذا ، خير منّي من كان أتقى لله تعالى وأطوع له ، والله ما نسخت هذه الآية : «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ »(٢) (٣) .

وفي الكافي عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الصفا فقال : يا بني هاشم ، يا بني عبدالمطلّب إنّي رسول الله إليكم ، وإنّي شفيق عليكم ، وإنّ لي عملي ، ولكلّ رجل منكم عمله ، لا تقولوا : إنّ محمّداً منّا وسندخل مدخله ، فلا والله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبدالمطلب إلّاالمتّقون ، ألا فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم ويأتون الناس يحملون الآخره ، ألا إنّي قد أعذرت إليكم فيما بيني وبينكم وفيما بيني وبين الله عزّوجلّ فيكم(٤) .

وفي العيون عن الكاظمعليه‌السلام : إنّ إسماعيل قال لأبيه الصادقعليه‌السلام : ما

__________________

١ ـ عيون أخبارالرضاعليه‌السلام : ج ٢ ، ص ٢٣٦ ، ح ٩ ، باب ٥٨ ، قول الرضاعليه‌السلام لأخيه زيد بن موسى.

٢ ـ الحجرات : ١٣.

٣ ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ج ٢ ، ص ٢٣٦ ، ح ١٠ ، باب ٥٨ ، قول الرضاعليه‌السلام لأخيه زيد بن موسى.

٤ ـ الكافي : ج ٨ ، ص ١٨٢ ، ح ٢٠٥.


تقول في المذنب منّا ومن غيرنا؟ فقالعليه‌السلام : «لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ »(١) (٢) .

* * *

__________________

١ ـ النساء : ١٢٣.

٢ ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : ج ٢ ، ص ٢٣٤ ـ ٢٣٥ ، ح ٥ ، باب ٥٨ ، قول الرضاعليه‌السلام ، لأخيه زيد بن موسى.


(وَمِنْ حِكَمِهِ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

إذٰا كٰانَتْ لَكَ إِلَى اللهِ سُبْحٰانَهُ حٰاجَةٌ

فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلوٰةِ عَلىٰ رَسُولِهِ صَلَّى

اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ ثُمَّ سَلْ حٰاجَتَكَ

فَإِنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حٰاجَتَيْنِ

فَيَقْضِىَ إِحْدٰاهُمٰا وَيَمْنَعَ الْأُخْرىٰ.

قولهعليه‌السلام : «إذٰا كٰانَتْ لَكَ إِلَى اللهِ سُبْحٰانَهُ حٰاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلوٰةِ عَلىٰ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » الصّلاة في اللغة : بمعنى الدعاء ، ويؤيّده : بأن الصّلاة بهذا المعنى في أشعار الجاهليّة كثيرة الإستعمال.

والصّلاة عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غير الصّلاة وعند عدم ذكره مستحبّة عند جميع أهل الإسلام ، ولا يعرف من قال : بوجوبها غير الكرخي فانّه أوجبها في العمر مرّة كما في الشهادتين.

وأما في الصّلاة فأجمع علماؤنا رضوان الله عليهم على وجوبها في الشهادتين معا.

قال الشافعي(٢) : وهي مستحبّة في الأوّل وواجبة في

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٥٣٨ ، الحكمة : ٣٦١.

٢ ـ هو أبو عبد الله محمّد بن إدريس بن العباس ، ينتهي نسبه إلى عبد مناف. والشافعي وهو أحد أئمّة المذاهب الأربعة ، ولد سنة ١٥٠ هجـ بغزّة ، نشأ بمكة ، وكتب العلم بها وبالمدينة ، وكان شديد التشيع وهو القائل :

إن كان رفضاً حبّ آل محمّد

فليشهد الثقلان إنّي رافضي

وله حول الولاية أشعار كثيرة ومدائح غفيرة ، منها : هذان البيتان المشهوران :

يا أهل بيت رسول الله حبّكم

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنّكم

من لا يصلّي عليكم لا صلاة له

ـ


الثاني(١) ، وقال أبو حنيفة(٢) ، ومالك(٣) : مستحبة فيهما معا(٤) .

وأمّا عند ذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله فظاهر كثير من الأخبار والأحاديث كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من ذُكرت عنده فلم يصلّ عليّ دخل النّار ، ومن ذكرت عنده فنسي الصّلاة عليّ خطىء به طريق الجنّة(٥) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ دخل النّار فأبعده الله(٦) .

إنّها تجب كلّما ذكر ، وكلّما سمع ذكره ، لأنّ الوعيد إمارة الوجوب ، وهو

__________________

ـ ومنها :

إذا في مجلس ذكروا عليّاً

وشبله وفاطمة الزكيّة

يقال تجاوزوا يا قوم هذا

فهذا من حديث الرافضيّة

هربت إلى المهيمن من اُناسٍ

يرون الرفض حبّ الفاطميّة

على آل الرسول صلاة ربّي

ولعنته لتلك الجاهليّة

١ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد : ج ١ ، ص ٣٢ ، والفقه على المذهب الاربعة : ج ١ ، ص ٢٣٤ و ٢٤٦.

٢ ـ هو النعمان بن ثابت بن زوطي أحد أصحاب المذاهب الأربعة ، صاحب الرأي والقياس والفتاوى المعروفة في الفقه ، ولد سنة ثمانين ، ومات سنة ماءة وخمسين هجري في بغداد. ودفن في مقبرة الخيزران ، وعاش سبعين سنة ، وتتلمّذ على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهما‌السلام سنتان حيث قال عنها : لو لا السنتان لهلك النعمان.

٣ ـ هو أبو عبد الله مالك بن أنس ، أحد أصحاب المذاهب الأربعة ، ولد في المدينة المنوّرة سنة ٩٥ هجريّة ، وتوفّي سنة ١٧٩ هجريّة ودفن بالبقيع في المدينة ، وتتلمّذ على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام كما جاء في مقدمة الموطأ ، والموطأ كتاب جمع فيه الأحاديث النبويّة والفقه معاً.

٤ ـ الفقه على المذاهب الأربعة : ج ١ ، ص ٢٤٢ ـ ٢٤٣ ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد : ج ١ ، ص ١٣٢.

٥ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٥ ، ح ١٩ ، وثواب الأعمال : ص ٢٠٦ ، باب ٨ ، ح ١.

٦ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٥ ، ح ١٩.


مختار إبن بابويه ، والمقداد من أصحابنا والطحاوي من العامة.

وقال الزمخشري : وهو الذي يقتضيه الإحتياط(١) .

ومنهم من أوجبها في كلّ مجلس مرّة ، ومنهم من أوجبها في العمر مرّة ، والحقّ الوجوب عند ذكره وسماعهصلى‌الله‌عليه‌وآله للأخبار الكثيرة الصريحة بالأمر بها كلّما ذكر ، والأصل في الأمر الوجوب كما هو ظاهر ، وأمّا القول بالإستحباب مطلقا كما ذهب إليه جماعة مستدلّين بالأصل ، والشهرة المستندين إلى عدم تعليمهعليه‌السلام للمؤذّنين وتركهم ذلك مع عدم وقوع نكير عليهم كما يفعلون الآن ، ولو كان لنقل.

ففيه إنّ عدم التعليم ممنوع ، وكذا عدم النكير ، كعدم النقل.

فقد أخرجه الكليني بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام إذا أذنت فأفصح بالألف والهاء ، وصلّ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما ذكرته ، أو ذكره ذاكر في أذان وغيره(٢) .

مضافاً إلى أنّ عدم النقل لا يدلّ على عدمه ، وأصالة البرائة لا يصحّ التمسّك بها بعد ورود القرآن والأخباربه كقوله تعالى : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا »(٣) فالصّلاة من الله تعالى : الرحمة ، ومن الملائكة : الإستغفار ، ومن الآدميين : الدعاء.

وكقول الصّادقعليه‌السلام : إذا ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأكثروا الصّلاة عليه(٤) . حيث رتّب الأمر بالصّلاة على الذكر بالفاء التعقيبيّة.

والظاهر إن الأمر بها عام لكلّ أحد ، وعلى كلّ حالة ، والأخبار في فضل الصّلاة عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر من أن تحصىٰ.

فمنها ما أخرجه الكيني بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام إنه قال : إذا ذُكر

__________________

١ ـ الكشاف : ج ٣ ، ص ٥٥٨.

٢ ـ الكافي : ج ٣ ، ص ٣٠٣ ، ح ٧.

٣ ـ الأحزاب : ٥٦.

٤ ـ الكافي ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٦.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأكثروا الصّلاة عليه ، فإنّه من صلّى على النبيّ صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة ، ولم يبق شيئ ممّا خلقه الله إلّا صلّى على ذلك العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته ، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برأ الله منه ورسوله وأهل بيته(١) .

وعنهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من صلّى على محمّد وآل محمّد عشراً صلّى الله عليه وملائكته ألفا ، أما تسمع قوله الله عزّوجلّ : «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا »(٢) (٣) .

وعن أحدهماعليهما‌السلام قال : ما في الميزان شيئ أثقل من الصّلاة على محمّد وآل محمّد ، وأنّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فيخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ الصّلاة عليه ـ فيضعها في مبزانه فترجّح به(٤) .

وأخرجه الشيخ الصدوق عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن آبائهعليهم‌السلام . قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا عند الميزان يوم القيامة ، فمن ثقلت سيّئاته جئت بالصّلاة علّي حتّى أثقّل بها حسناته(٥) .

وعنه أيضاً قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إرفعوا أصواتكم بالصّلاة عليّ فإنّها تذهب بالنفاق(٦) .

__________________

١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٦ ، وثواب الأعمال : ص ١٥٤ ، ح ١ ، باب ثواب من صلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله صلاة واحدة ، وفيه : «ولا يرغب عن هذا إلّا جاهل ...».

٢ ـ الأحزاب : ٤٣.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٣ ـ ٤٩٤ ، ح ١٤.

٤ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٤ ، ح ١٥.

٥ ـ ثواب الأعمال : ص ١٥٥ ، ح ١ ، باب ثواب الصّلاة على النبيّ.

٦ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٣ ، ح ١٣ ، وثواب الأعمال : ص ١٥٩ ، ح ١ ، باب ثواب من رفع صوته بالصّلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .


وعنهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من صلّى عليّ صلّى الله عليه وملائكته ، فمن شاء فليقل ، ومن شاء فليكثر(١) .

وروى الطبري عن عمير الأنصاري ، قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من صلّى علّي من أُمّتي صلاة مخلصاً بها من نفسه صلّى الله عليه بها عشر صلوات ، ورفعه بها عشر درجات ، وكتب له بها عشر حسنات ، ومحاعنه بها عشر سيّئات(٢) .

وفي سنن أبي داود ، عن أوس بن أوس ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة ، فأكثروا علّي من الصّلاة فيه ، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ ، فقالوا : يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ـ أي بليت ـ؟ قال : إنّ الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء(٣) .

والصّلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وردت في الكتاب والسنّة ، وعلى آله وردت في السنة.

أخرجه النسائي عن كعب بن عجرة ، قال : قلنا : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله السّلام عليك قد عرفناه فكيف الصّلاة عليك؟.

قال : قولوا : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنّك حميدٌ مجيدٌ ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ(٤) .

وأخرجه أحمد بن حنبل : عن اُم سلمة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال

__________________

١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٧.

٢ ـ منتخب ذيل المذيل : ص ٧٢.

٣ ـ سنن أبي داود : ج ٢ ، ص ٨٨ ، ح ١٥٣١ ، وأخرجه النسائي في سننه : ج ٣ ، ص ٩١ ، وهكذا إبن ماجة : ج ١ ، ص ٣٤٥ ، ح ١٠٨٥.

٤ ـ سنن النسائي : ج ٣ ، ص ٤٧ ، وأخرجه الترمذي في سننه : ج ٢ ، ص ٣٥٢ ـ ٣٥٣ ، ح ٤٨٣ ، وأحمد في مسنده : ج ٤ ، ص ٢٤١ و ٢٤٢ و ٢٤٣ ، وغير ذلك من الصحاح والمسانيد.


لفاطمة : ائتيني بزوجك وإبنيك ، فجاءت بهم ، فألقىٰ عليهم كساءً فدكيّاً ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : اللّهم إنّ هؤلاء آل محمّد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد إنّك حميدٌ مجيدٌ ، قالت اُم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي ، وقال : إنّك على خير(١) .

أخرجه إبن عبد البرّ مسنداً عن زيد ، قال : قلت : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد علمنا كيف السلام عليك ، فكيف نصلّي عليك؟ قال : صلّوا عليّ وقولوا : اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ(٢) .

وأخرجه الخطيب البغدادي عن عليعليه‌السلام قال : قالوا : يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال : قولوا : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم(٣) .

وأخرجه أيضاً عن كعب بن عجرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال في الصّلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ ، اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ(٤) .

أخرجه الشيخ الصدوق : عن أبي المغيرة ، قال : سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول في حديث : ومن شرك آل محمّد في الصّلاة على النبيّ وآله ، فقال :

__________________

١ ـ مسند أحمد : ج ٦ ، ص ٣٢٣ ، وأخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل : ج ٢ ، ص ١١٥ ، ح ٧٤٧.

٢ ـ الإستيعاب : ج ٢ ، ص ٥٤١.

٣ ـ تاريخ بغداد : ج ١٤ ، ص ٣٠٣ ، ح ٧٦١٤.

٤ ـ تاريخ بغداد : ج ٦ ، ص ٢١٦ ، ح ٣٢٧٣.


اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد في الأولين ، وصلّ على محمّد وآل محمّد في الآخرين ، وصلّ على محمّد وآل محمّد في الملأ الأعلى ، وصلّ على محمّد وآل محمّد في المرسلين ، اللّهم إعط محمّداً الوسيلة والشرف والفضيلة والدرجة الكبيرة ، اللهمّ إنّي آمنت بمحمّد ولم أره فلاتحرمني يوم القيامة رؤيته ، وارزقني صحبته ، وتوفّني على ملّته ، واسقني من حوضه مشرباً رويّاً سائغاً هينئاً لا أظماً بعده أبداً إنّك على كلّ شيئ قدير ، اللّهم كما آمنت بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم أره فعرّفني في الجنان وجهه ، اللّهم بلّغ روح محمّد عنّي تحيّة كثيرة وسلاماً ، فإنّ من صلّى على النبي بهذه الصلاة : هدمت ذنوبه ، ومحيت خطاياه ، ودام سروره ، وأستجيب دعاؤه ، واُعطي أمله ، وأبسط له في رزقه ، واُعين على عدوه ، وهيّئ له سبب أنواع الخير ، ويجعل من رفقاء نبيّه في الجنان الأعلى(١) .

قولهعليه‌السلام : «ثُمَّ سَلْ حٰاجَتَكَ فَإِنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حٰاجَتَيْنِ فَيَقْضِىَ إِحْدٰاهُمٰا وَيَمْنَعَ الْأُخْرىٰ » إنّ الصّلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تكون من أعظم شرائط إجابة الدعاء ، ويشهد له عدّة من الروايات.

منها ما أخرجه الكليني بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام إنّ رجلاً دخل المسجد فصلّى ركعتين ، ثم سأل الله عزّوجلّ ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أعجل العبد ربّه ، وجاء آخر فصلّى ركعتين ، ثم أثنى على الله عزّوجلّ وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : سل تعط(٢) .

وعنهعليه‌السلام إن في كتاب عليعليه‌السلام ، إنّ الثناء على الله والصّلاة على رسوله قبل المسألة(٣) .

__________________

١ ـ ثواب الأعمال : ص ١٥٦ ، ح ١ ، باب ثواب من قال في دبر صلاة الصبح والمغرب.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٨٥ ، ح ٧.

٣ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٨٥ ، ح ٧.


وعنه أيضاً عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : لا يزال الدعاء محجوباً حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد(١) .

وعنه أيضاً من دعا ولم يذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رفرف الدعا على رأسه ، فإذا ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رفع الدعاء(٢) .

قال العلماء : والسرّ في قبول الدعاء إذا قرن بالصّلاة ، أمران :

الأوّل : أنّ النبي وآلهعليهم‌السلام وسائط بين الله سبحانه وبين عباده في قضاء حوائجهم ونجاح مطالبهم ، وهم أبواب معرفته عزّوجلّ ، فلا بدّ من التوسّل بذكرهم في عرض الدعاء وقبوله لديه ، وذلك كما إذا أراد أحد من الرعيّة إظهار حاجته على السلطان توسّل بمن يعظّمه ولا يردّ قوله.

الثاني : إذا ضمّ العبد الصّلاة مع دعائه ، وعرض المجموع على الله تعالى فلمّا كانت الصّلاة غير محجوبة ، فالدعاء ايضاً لا بدّ أن لا يكون محجوباً ، لأنّه تعالى أكرم مِن أن يقبل الصّلاة ويردّ الدعاء فيكون قد قبل الصحيح وردّ المعيب ، كيف وقد نهى تعالى عباده عن تبعيض الصفقة! ولايمكن ردّ الجميع لكرامة الصّلاة عليه ، فلم يبق إلّا قبول الكلّ وهو المطلوب.

هذا وقد ورد في عدّة من الأخبار على لزوم الختم بمسألة الصّلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عند إجابة الدعاء.

منها : ما أخرجه الكليني بإسناده عن الصّادقعليه‌السلام من كانت له إلى الله حاجّة فاليبدأ بالصّلاة على محمّد وآله ، ثم يسأل حاجته ، ثم يختم بالصّلاة على محمّد وآل محمّد ، فإنّ الله تعالى أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع

__________________

١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩١ ، ح ١.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩١ ، ح ٢.


الوسط إذ كانت الصّلاة على محمّد وآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تحجب عنه(١) .

بل ورد على إعتبار الصّلاة في وسط الدعاء لإجابة الدعاء أيضاً كما جاء في الكافي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لا تجعلونى كقدح الراكب ، فإنّ الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، إجعلوني في أوّل الدعاء ، وفي آخره ، وفي وسطه(٢) .

وفي النهاية هكذا : «لا تجعلوني كَغُمَر الراكب. صلّوا عليّ في أوّل الدعاء ، وأوسطه ، وآخره» وقال : الغُمَر بضم الغين وفتح الميم : القدح ، الصغير ، أراد أنّ الراكب يحمل رحله وأزواده على راحلته ، ويترك عقبه إلى آخر ترحاله ، ثم يعلّقه على رحله كالعلاوة ، فليس عنده بمهم ، فنها هم أن يجعلوا الصّلاة عليه كالغُمَر الذي لا يقدم في المهامّ ويُجعَل تَبعاً(٣) .

* * *

__________________

١ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٤ ، ح ١٦.

٢ ـ الكافي : ج ٢ ، ص ٤٩٢ ، ح ٥.

٣ ـ النهاية لإبن الأثير : ج ٣ ، ص ٣٨٥ ، مادة «غمر».


(فِي غَريِبِ كَلاَمهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١)

كُنّٰا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنٰا بِرَسُولِ

اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ فَلَمْ يَكُنْ

أَحَدٌ مِنّٰا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ.

قولهعليه‌السلام : «كُنّٰا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنٰا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَاٰلِهِ » أي إذا إشتدّ القتال حتّى احمّرت الأرض من الدم استقبلنا العدو برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعلناه لناوقاية ، على أننّالوا استقرأنا مواقفه العسكريّة خلال حروبه الدفاعيّة والهجوميّة لرأينا نمطاً خالصاً من الرجال لا يبلغ شاؤهُ ولا يدرك مداه.

قولهعليه‌السلام : «فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنّٰا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ » روى الطبري بإسناده عن إسحاق ، عن حارثة ، عن علي ، قال : لمّا أن كان يوم بدر ، وحضر البأس ، اتقينا برسول الله ، فكان من أشد الناس بأساً ، وما كان منّا أحد أقرب إلى العدو منه(٢) .

* * *

إلى هنا قد بذلنا جهدنا لتجميع الخطب والحكم والآثار لمولانا وسيّدنا ، وصي رسول الله وخليفته من بعده أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب

__________________

١ ـ نهج البلاغة : ص ٥٢٠ ، الباب الثالث في غريب كلامهعليه‌السلام المحتاج إلى تفسير : ٩.

٢ ـ تاريخ الطبري : ج ٢ ، ص ٢٣ ، سنه ٢.


عليه آلاف التحيّة والسلام الدّالة على إجلال عظيم وتبجيل شديد لرسول الرّحمة ، رسول الله محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المكرّم.

وفي الختام نتقدّم بجزيل الشكر إلى ولدي وقرّة عيني السيد محمّد علي الحسيني الأميني لموازرته ومساعدته لإنجاز هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة ، راجين من الله العلي القدير أن يتقبّل منّا هذا الجهد المتواضع ، وأن يجعله مثمراً في سبيل نشر معارف مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام وتراثهم الفكري وأن يوفّقنا لخدمة دينه والمساهمة في إعلاء كلمته وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

قم المشرفة

السيد محسن الحسيني الأميني

غرة الصفر عام ١٤٢٨ هجـ



الفهارس

*فهرست الآيات الكريمة

*فهرست الموضوعات

*مصادر الكتاب



فهرست الآيات الكريمة

رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة البقرة﴾

(٢)

٢

ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

١٦٧

٢٣

وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا

١٧٠

٢٤

فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

١١٩

٥٩

فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ

١٣٠

٨٥

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ

١١٩

٨٩

فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ

١٦

٩٠

فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ

١١٩

١٠١

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ

١٤٠

١١٩

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا

٩٧

١٤٣

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

٥٠

١٤٣

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

٥١

١٤٣

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

٩٥

١٤٣

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

١٢٠


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

١٤٣

جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

٦٥

١٤٣

جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

١١٨

١٤٣

جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

١٣٩

١٤٣

لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ

٥١

١٤٣

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

٥٢

١٤٣

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

٩٦

١٤٦

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ

١٦

١٤٦

لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

٢٤١

١٦٤

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

١٢٩

١٨١

وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

١١٩

١٨٦

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

٤٥

٢٥٦

قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ

١٦٧

٢٥٦

قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ

٢٣٣

٢٥٦

فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ

١٨٥

٢٥٧

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ

٢٤٧

٢٦٩

وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا

١٣٥

٢٨١

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ

٢١

﴿سورة آل عمران﴾

(٣)

٣

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ

١٤٠

٨

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا

١٣


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٣١

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ

١٤٧

٣٧

قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ

١٤٩

٧٨

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ

٤١

٧٨

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ

٩٠

٨١

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم

١٩

٨٥

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا

١٧٢

٩٣

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ

١٧٨

٩٦

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا

٨١

٩٧

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ

٨١

١٠٣

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

٨٥

١٠٣

وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ

١٨٨

١١٠

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

٦٥

١١٠

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

١١٨

١١٠

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

١٣٩

١٣٨

هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ

١٢٨

١٤٤

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ

٣٢

١٤٤

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ

١٧٧

١٤٤

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ

٢٢٤

١٤٤

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ

٢٣١

١٤٤

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ

٢٤٥


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

١٦٤

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا

١٦٦

﴿سورة النساء﴾

(٤)

١٣

وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ

١١٩

٢٢

وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ

١٣٥

٤١

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ

٥١

٤١

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ

٩٥

٤١

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ

١٠٢

٤١

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ

١٢٠

٤٦

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ

٢٤١

٥٧

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

١١٩

١٢٢

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

١١٩

١٢٣

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ

٢٧٢

١٤٧

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ

٦٨

١٦٥

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

٦٨

١٦٥

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

١١٦

١٦٥

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

١٨٢

١٦٥

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

٢٣٥

١٦٥

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

٢٤٣

١٧٤

قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ

١٦٧


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة المائدة﴾

(٥)

٣

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

٥٩

٣

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

٦١

٣

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

٦٢

٣

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

١٨٥

١٥

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا

١٦٨

١٥

قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ

٣٣

١٥

قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا

١٣٦

١٥

قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا

١٤١

١٥

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ

١٧١

١٦

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ

٣٣

١٦

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ

١٣٦

١٦

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ

١٦٨

٦٤

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ

٢٧

٦٧

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ

٥٢

٦٧

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ

٦١

٦٧

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ

٨٨

١٠٣

مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ

١٧١


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة الأنعام﴾

(٦)

٨

وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ

٢٠٢

٩

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا

٢٠٢

٢٠

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ

١٦

٣٢

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ

١٤٤

١١٤

أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا

١٧٢

١١٩

وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ

١٧٢

١٢٤

وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ

٢٢٧

١٢٤

اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ

٢٥٢

١٣٨

وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا

١٧١

١٣٩

وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ

١٧١

١٤٩

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ

٦٣

١٥٣

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ

١٨٤

١٦١

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

٣٢

﴿سورة الأعراف﴾

(٧)

١٢

أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ

٧٩

٧٩

يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي

٥٧

١٥٧

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ

١٧


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

١٥٧

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ

١٩

١٥٧

وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ

٣٣

١٥٧

وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ

٤٦

١٥٧

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ

١٦٧

١٥٧

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ

٢٣٣

١٥٧

وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ

٢٤٩

١٧٢

تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ

٦٣

١٧٢

قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ

١١٦

١٧٢

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ

٢٥٥

١٨٠

وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ

٢٧

١٩٩

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ

١٩٣

﴿سورة الأنفال﴾

(٨)

٢

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ

١٢٩

١٧

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ

٢١٣

٣٣

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ

٩٧

٣٣

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ

١٠٥

٣٣

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ

٢٣٧

٤٢

لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ

١١٦

٤٢

لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ

١٨٢


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة التوبة﴾

(٩)

٢١

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ

١١٩

٣٠

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ

٢٦

٣٢

وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ

٢٦٤

٣٣

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٣٢

٣٣

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٢٤٩

٤٨

وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ

٧٩

٥٥

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ

١١٤

٥٥

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ

١٥٣

٦٦

لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ

٥٧

٩٠

وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ

١٢٢

١٢٨

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ

١٣١

﴿سورة يونس﴾

(١٠)

٢

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ

١٧٦

١٨

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ

٢٣

٣٨

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ

٣٤

٥٧

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ

١٧٠


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة هود﴾

(١١)

٢

نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ

١٨١

١٢

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ

٢٠٢

١٣

قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ

٣٤

١٧

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ

٢١٧

٣٤

إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ

٧٩

٣٤

إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ

٢٣٢

٤٥

رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ

٢٧٠

٤٦

يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ

٢٧٠

٤٩

تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا

١٧٨

﴿سورة يوسف﴾

(١٢)

٤٠

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا

١٢٤

٤٥

وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ

٦٥

٤٥

وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ

١١٨

٤٥

وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ

١٣٩

١٠٨

قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ

٨٠

﴿سورة الرعد﴾

(١٣)

٥

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ

٣٤


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٧

إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

٥٨

٧

إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

١١٧

﴿سورة إبراهيم﴾

(١٤)

١

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ

١٢٨

١

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ

٢٤٧

٢٤

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ

٧٤

٢٤

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ

١٦٨

٢٥

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا

٧٤

٢٥

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا

١٦٨

٣٧

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ

٨٣

٤٤

أَنذِرِ النَّاسَ

٥٨

٤٤

وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ

١٧٦

﴿سورة الحجر﴾

(١٥)

١٣

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا

١١١

١٥

إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا

٢٠٢

٣٣

لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ

٧٩

٧٤

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ

٣٤

٧٥

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ

٣٤

٩٤

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

٣٣


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٩٤

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

٥٧

٩٤

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

٨٧

٩٤

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

١٨٣

٩٤

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

٢٣٢

٩٥

إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ

٩٣

﴿سورة النحل﴾

(١٦)

١٥

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ

٢٧

٥٨

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا

١٣٤

٥٩

يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ

١٣٤

٨٩

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ

٥٠

٨٩

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ

٩٥

٨٩

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ

١٠٢

١٢٠

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً

٦٥

١٢٠

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً

١١٨

١٢٠

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً

١٣٩

١٢٥

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ

١٨٦

١٢٦

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ

٢٦٨

﴿سورة الإسراء﴾

(١٧)

١

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا

٣٢


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

١

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا

٤٦

١

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا

١٧٨

٩

إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

١٢٨

١٤

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا

٩٣

١٥

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا

٦٣

٣١

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ

٣٦

٣١

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ

٧٩

٣٦

إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ

١٢١

٤٣

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا

١٢٥

٤٧

إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا

٢٠٥

٤٨

انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا

٢٠٢

٤٨

انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا

٢٠٥

٨١

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ

٣٩

٨١

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ

١٨٣

٨٥

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي

١٩٠

٨٥

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي

٩١

٨٨

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ

٣٤

٩٠

وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ

١١٩

٩٠

لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا

٢٠١

٩٠

لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا

٢٠٧

٩٠

لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا

٢٠٨


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٩١

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ

١٩٩

٩١

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ

٢٠١

٩١

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ

٢٠٨

٩١

فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا

٢٠٨

٩٢

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا

١٩٩

٩٢

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا

٢٠١

٩٢

أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا

٢٠١

٩٢

أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا

٢١٠

٩٢

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا

٢٠٩

٩٣

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ

١٩٩

٩٣

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ

٢٠١

٩٣

أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ

٢٠١

٩٣

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ

٢١١

٩٣

أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ

٢١١

٩٣

وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا

٢١١

٩٣

حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ

٢١١

٩٣

سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا

٢١١

١٠٥

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

١٦٤

﴿سورة الكهف﴾

(١٨)

١

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ

٢٥٤


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٤٩

مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً

٩٣

١١٠

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ

٢٠٢

﴿سورة مريم﴾

(١٩)

٧

لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا

٢٥٢

﴿طه﴾

(٢٠)

٣٠

هَارُونَ أَخِي

٢١٧

٣١

اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي

٢١٧

٣٢

وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي

٢١٧

٣٣

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا

٢١٧

٣٤

وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا

٢١٧

٣٥

إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا

٢١٧

١٣١

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ

١١٤

١٣١

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ

١٥٣

١٣١

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ

١٥٧

١٣٢

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا

٢٦١

﴿سورة الأنبياء﴾

(٢١)

١

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ

٢٤١

١٠٧

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

١٠٤


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

١٠٧

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

١٠٥

١٠٧

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

٢٣٦

﴿سورة الحج﴾

(٢٢)

١٩

هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ

٢٢٦

٣٩

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا

٩١

٧٥

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ

١٧٩

﴿سورة المؤمنون﴾

(٢٣)

٦٢

وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ

١٧٣

﴿سورة النور﴾

(٢٤)

٢٤

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم

١٢١

٢٥

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ

١٢١

٣٥

فِيهَا مِصْبَاحٌ

٢٤٧

٥٤

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ

٢٤٣

﴿سورة الفرقان﴾

(٢٥)

١

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ

٢٥٤

٧

وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ

١٩٩

٧

وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ

٢٠٢


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٨

أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ

١٩٩

٨

أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ

٢٠٢

٨

إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا

٢٠٥

١٠

تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ

٢٠٢

٣٨

وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ

٢٤٠

٤٣

أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ

٢٥

٥٦

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

١٦٤

﴿سورة الشعراء﴾

(٢٦)

٨٩

إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

١٦٥

١٠٧

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

٣٦

١٠٧

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

٨٨

١٠٧

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

١٠٢

١٠٧

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

١٧٤

٢١٤

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

٥٨

٢١٤

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

١٢٦

٢١٤

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

١٩٦

٢١٤

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

٢٢١

٢١٤

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

٢٦١

٢١٩

وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ

١١٠


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة القصص﴾

(٢٨)

١١

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ

١٤٧

٤٦

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا

٣١

﴿سورة العنكبوت﴾

(٢٩)

١٨

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ

٢٤٣

٣٤

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ

١٣٠

﴿سورة الروم﴾

(٣٠)

٢٢

وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا

١٣٠

٢٤

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

١٣٠

﴿سورة الأحزاب﴾

(٣٣)

٢١

لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

١٤٣

٢٣

رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ

٤٧

٣٣

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ

١١١

٣٣

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ

٢٣٣

٣٣

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ

٢٦٢

٤٠

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ

٦٨

٤٠

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ

١٣١


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٤٠

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ

١٨١

٤٠

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ

١٨٦

٤٠

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ

٢٥٤

٤٠

وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

١٨

٤٠

وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

٣٢

٤٠

وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

١٧٥

٤٣

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ

٢٧٦

٤٥

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

٤٦

٤٥

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

٩٥

٤٥

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

٢١٠

٤٥

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

١٧١

٤٦

وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا

١٢٠

٤٦

وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا

١٧١

٥٦

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

٢٣٣

٥٦

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

٢٧٥

﴿سورة سبأ﴾

(٣٤)

٢٨

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا

٥٢

٤٦

إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

٦٣

٤٦

نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

١٢٧

٤٦

نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

١٨٦


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٤٦

نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

١٩٦

٤٦

نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

٢٦١

﴿سورة فاطر﴾

(٣٥)

٣٣

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ

٥٦

٣٤

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ

٥٦

٣٥

الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ

٥٦

﴿سورة يس﴾

(٣٦)

١

يس

٦٣

٢

وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ

٦٣

٣

إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ

٦٣

٣

إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ

١٨٣

٤

عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

٦٣

٤

عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

١٨٣

٥

تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ

٦٣

٦

لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ

٦٣

٧٨

قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ

٢٣

٧٩

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ

٢٣


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة الصافات﴾

(٣٧)

٢٤

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ

٩٣

١٣٦

ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ

١٣٠

١٣٧

وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ

١٣٠

١٣٨

وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

١٣٠

﴿سورة ص﴾

(٣٨)

٣

وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ

٢٢٠

٥

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ

٣٨

٥

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ

٢٢٠

٤٤

إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

٤٦

٦٥

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

١١٧

﴿سورة الزمر﴾

(٣٩)

٣

مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ

٢٤

﴿سورة غافر﴾

(٤٠)

١٨

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ

١٧٦

٣٩

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ

١١٥

٣٩

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ

١٥٨


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة فصّلت﴾

(٤١)

٦

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ

٢٠٣

١٣

فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ

١٧٦

﴿سورة الشورىٰ﴾

(٤٢)

٥٢

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا

١٩١

﴿سورة الزخرف﴾

(٤٣)

٣١

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ

١٩٩

٣١

عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ

٢٠١

٣١

لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ

٢٠٥

٣١

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ

٢٠٦

٣٢

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ

٢٠٦

٣٢

نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

٢٠٦

٣٢

وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ

٢٠٧

٣٢

وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

٢٠٧

٣٣

وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً

١١٥

٣٣

وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً

١٦٤

٣٤

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ

١١٥

٣٤

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ

١٦٤


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٣٥

وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

١١٥

٣٥

وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

١٦٤

٦١

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ

١٦٤

٧١

وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ

٥٥

﴿سورة الدخان﴾

(٤٤)

١٨

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

٣٦

١٨

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

٨٨

﴿سورة الجاثية﴾

(٤٥)

٢٤

مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا

٢٢

٢٤

وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

٢٢

٢٩

هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ

٨٧

٢٩

هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ

١٧٣

﴿سورة الأحقاف﴾

(٤٦)

٤

ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ

٣٣

﴿سورة محمّد﴾

(٤٧)

١٨

فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا

٢٤٢

٣٦

إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ

١٤٤


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة الفتح﴾

(٤٨)

٢٨

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٣٢

٢٨

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٤٦

٢٨

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

١٧٣

٢٨

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

١٨٢

٢٨

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٢٤٩

٢٩

ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ

١٦

٢٩

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ

٣٢

٢٩

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

٨٧

٢٩

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

١٨٧

٢٩

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

٢٥٤

﴿سورة الحجرات﴾

(٤٩)

١٣

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا

٢٧١

﴿سورة ق﴾

(٥٠)

١٨

مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

١٢١

٢٨

قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ

٦٣

٣٧

لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ

٢٢١


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة الطور﴾

(٥٢)

١

وَالطُّورِ

٣٣

٢

وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ

٣٣

٣

فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ

٣٣

٤٤

وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا

٢٠١

٤٤

وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا

٢٠٩

﴿سورة النجم﴾

(٥٣)

٣

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ

٨٦

٣

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ

١٠٢

٣

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ

١٧٤

٣

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ

٢٣٦

٤

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ

٨٦

٤

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ

١٠٢

٤

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ

١٧٤

٤

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ

٢٣٦

٨

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ

٢٥٣

٩

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ

٢٥٣

١٠

فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ

٤٦


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة القمر﴾

(٥٤)

١

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ

١٨٢

١

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ

٢٤١

٢

وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ

١٨٢

﴿سورة الواقعة﴾

(٥٦)

٨

فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ

١١١

١٠

وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ

١١١

٢٧

وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ

٥٣

٢٧

وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ

١١١

٢٨

فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ

٥٣

٢٩

وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ

٥٣

٣٠

وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ

٥٣

٤١

وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ

١١١

﴿سورة الحديد﴾

(٥٧)

٩

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ

٢٥٤

٢٠

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ

١٤٤

٢٧

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا

١٢٤


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة المجادلة﴾

(٥٨)

٢١

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي

٢٤٨

﴿سورة الحشر﴾

(٥٩)

٧

وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ

١٩٣

٩

وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ

١٦١

﴿سورة الصف﴾

(٦١)

٦

وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ

١٨

٨

لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ

٢٦٣

٩

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٣٢

٩

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٥٣

٩

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

١٠٦

٩

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

١٧٣

٩

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

٢٤٩

﴿سورة الجمعة﴾

(٦٢)

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

١٥

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

٤١

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

٦٥


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

٨٩

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

١٢٤

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

١٣٩

٢

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

٢٤٩

﴿سورة المنافقون﴾

(٦٣)

١

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ

٤٦

﴿سورة التحريم﴾

(٦٦)

٨

يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ

٥٤

﴿سورة القلم﴾

(٦٨)

٤

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ

١٩٣

٤

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ

١٩٥

﴿سورة المعارج﴾

(٧٠)

٤

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ

٢٣٩

﴿سورة نوح﴾

(٧١)

٢٣

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا

٢٤

٢٣

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا

١٢٧


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٢٤

وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا

٢٤

٢٤

وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا

١٢٧

﴿سورة الجن﴾

(٧٢)

٢٦

عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا

٤٩

٢٧

إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ

٤٩

٢٧

إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ

١٩١

﴿سورة المدّثر﴾

(٧٤)

٢

قُمْ فَأَنذِرْ

٣٥

٢

قُمْ فَأَنذِرْ

٥٧

٢

قُمْ فَأَنذِرْ

١٢٦

﴿سورة الإنسان﴾

(٧٦)

٨

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا

١٦١

٢٤

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا

٢٢٥

٢٤

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا

٢٢٩

﴿سورة النبأ﴾

(٧٨)

٤٠

إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا

١٧٦


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة النازعات﴾

(٧٩)

٤٢

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا

٢٤٠

٤٣

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا

٢٤٠

٤٤

إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا

٢٤٠

٤٥

إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا

١١٧

﴿سورة التكوير﴾

(٨١)

٨

وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ

٢٨

٨

وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ

١٣٤

٩

بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ

٣٨

٩

بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ

١٣٤

٢٠

ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ

١٠٥

٢١

مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ

١٠٥

﴿سورة المطففين﴾

(٨٣)

١٤

بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ

١٨٩

﴿سورة الضحى﴾

(٩٣)

٤

وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ

١٠٦

٥

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ

١٠٦


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

٥

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ

١٧٨

٦

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ

١٧٨

٧

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ

١٧٨

٨

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ

١٧٨

٩

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ

١٧٨

١٠

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ

١٧٨

١١

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

١٧٨

﴿سورة الشرح﴾

(٧٩)

١

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ

١٧٨

٢

وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ

١٧٨

٣

الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ

١٧٨

٤

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ

١٧٨

﴿سورة العلق﴾

(٩٦)

٦

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ

٣٠١

٧

أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ

٢٠١

٩

أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ

٢٢٩

١٠

عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ

٢٢٩


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة الكوثر﴾

(١٠٨)

١

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ

٥٣

١

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ

٧٤

١

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ

١٠٦

٢

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ

٥٣

٢

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ

٧٤

٢

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ

١٠٦

٣

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

٥٣

٣

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

٧٤

٣

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

١٠٦

﴿سورة الكافرون﴾

(١٠٩)

١

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ

٨٨

٢

لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ

٨٨

٣

وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

٨٨

٤

وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ

٨٨

٥

وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

٨٨

٦

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ

٨٨


رقم الآية

اسم السورة

الصفحة

﴿سورة النصر﴾

(١١٠)

١

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

٢٥٣

٢

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا

٢٥٣

* * *


فهرست الموضوعات

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عليه‌السلام )(١) ١٥

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٣٠

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٣٥

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٤١

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٤٤

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٥٧

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٥٩

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٦٤

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٦٨

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٦٩

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٧٨


(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٨١

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٨٧

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٨٩

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٩٥

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٠١

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١١٠

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١١٣

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٢٠

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٢٣

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٢٦

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٣١

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٣٨

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٤٢

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٦٧

﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١) ١٧٣

﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١) ١٧٤


﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١) ١٧٧

﴿وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ﴾(١) ١٨١

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٨٦

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٨٨

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٩٠

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ١٩٧

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٢٤

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٣١

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٣٥

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٣٦

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٣٩

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٤٧

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٥٠

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٥٨

(وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٦٠

(وَمِنْ كِتٰابٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٦١

(وَمِنْ حِكَمِهِ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٦٩


(وَمِنْ حِكَمِهِ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٧٣

(فِي غَريِبِ كَلاَمهُ عَلَيْهِ السَّلٰامُ)(١) ٢٨٢

الفهارس ٢٨٥

فهرست الآيات الكريمة ٢٨٧

فهرست الموضوعات ٣١٩

آثار مؤلف ٣٣٤



مصادر الكتاب

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ الإحتجاج للشيخ الطبرسي : أحمد بن علي بن أبي طالب ، منشورات دار اُسوة للطباعة والنشر ، قم.

٣ ـ إحياء علوم الدين : للإمام محمد بن محمد الغزالي ، منشورات دار الفكر بيروت.

٤ ـ الإختصاص : للشيخ المفيد ، منشورات جماعة المدرّسين ، قم.

٥ ـ الإرشاد : للشيخ المفيد ، قم.

٦ ـ أسباب النزول : لعلي بن أحمد الواحدي النيسابوري ، منشورات دار مكتبة الهلال ، بيروت.

٧ ـ الإستيعاب : لإبن عبد البرّ ، منشورات دار الجيل ، بيروت.

٨ ـ اسد الغابه : لإبن الأثير الجزري ، منشورات دار الفكر ، بيروت.

٩ ـ الإعتقادات في دين الإماميّه : للشيخ الصدوق ، منشورات محلاتي ، قم.

١٠ ـ أعلام الورى : للشيخ الطبرسي ، منشورات دار كتب الإسلاميّة ، قم.

١١ ـ إكمال الدين وإتمام النعمة : للشيخ الصدوق ، منشورات النشر


الإسلامي ، قم.

١٢ ـ الأمالي : للشيخ الصدوق ، منشورات الأعلمي ، بيروت.

١٣ ـ الأمالي : للشيخ الطوسي ، منشورات مؤسسة البعثة ، قم.

١٤ ـ الإمامة والسياسة : لإبن قتيبة الدينوري ، منشورات الشريف الرضي ، قم.

١٥ ـ أنساب الأشراف للنسابة والمؤرخ : الشهير أحمد بن يحيى البلاذري ، منشورات دار التعارف للمطبوعات ، بيروت.

١٦ ـ أنوار التنزيل وأسرار التأويل : لعبد الله بن عمر البيضاوي ، منشورات مصطفىٰ البايي الحلبي وأولاده ، القاهرة.

١٧ ـ بحار الأنوار : للعلّامة المجلسي ، منشورات دار الكتب الإسلاميّة ، طهران.

١٨ ـ البخلاء : للجاحظ ، منشورات ، بيروت.

١٩ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد : للامام محمّد بن أحمد بن محمّد القرطبي ، منشورات الرضي ، قم.

٢٠ ـ البداية والنهاية : لإبن كثير الدمشقي ، منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت.

٢١ ـ البرهان في تفسير القرآن : للعلّامة السيد هاشم البحراني ، منشورات إسماعيليان ، قم.

٢٢ ـ بصائر الدرجات : للشيخ محمّد بن حسن الصفّار ، منشورات الأعلمي ، طهران.

٢٣ ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة : للشيخ محمّد تقي التستري ،


منشورات دار أمير كبير ، طهران.

٢٤ ـ تاج العروس : للسيّد محمّد مرتضى الحسيني الزبيدي ، منشورات دار الهداية للطباعة والنشر ، بيروت.

٢٥ ـ تاريخ بغداد : للخطيب البغدادي ، منشورات دار الفكر ، بيروت.

٢٦ ـ تاريخ الطبري : لإبي جعفر محمّد الطبري ، منشورات دار كتب العلميّة ، قم.

٢٧ ـ تذكرة الخواص : للعلّامة سبط إبن الجوزي ، منشورات مكتبة نينوى ، طهران.

٢٨ ـ ترجمة الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام من تاريخ مدينة دمشق : لإبن عساكر ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة ، طهران.

٢٩ ـ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري : منشورات مدرسة الإمام المهدي ، قم.

٣٠ ـ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان : للعلامة الحسن بن محمد النيسابوري بهامش جامع البيان في تفسير القرآن : منشورات دار الجيل ، بيروت.

٣١ ـ تفسير العيّاشي : لمحمد بن مسعود بن عيّاشي السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي ، منشورات المكتبة العلميّة الإسلاميّة ، طهران.

٣٢ ـ تفسير الفرات الكوفى : لأبي القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفى ، منشورات مؤسسة وزارة الإرشاد الإسلاميّة ، قم.

٣٣ ـ تفسير القرآن العظيم : لإسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ،


منشورات دار القلم ، بيروت.

٣٤ ـ تفسير القمّي : لعلي بن إبراهيم القمّي ، منشورات دارالكتاب ، قم.

٣٥ ـ تفسير الكبير : للفخر الرازي ، الطبعة الثالثة ، قم.

٣٦ ـ تنبيه الخواطر : لأبي الحسن ورّام أبي فراس ، منشورات دار الكتب الإسلاميّة ، طهران.

٣٧ ـ تفسير نور الثقلين : للعلامة الحويزي ، منشورات دار الكتب العلميّة ، قم.

٣٨ ـ ثواب الأعمال : للشيخ الصدوق ، منشورات الشريف الرضي ، قم.

٣٩ ـ جامع البيان في تفسير القرآن : لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ، منشورات دار الجيل ، بيروت.

٤٠ ـ الجامع الصغير : للإمام السيوطي ، منشورات دار الفكر ، بيروت.

٤١ ـ حلية الأولياء : لأبي نعيم الإصفهاني ، منشورات دار الفكر ، بيروت.

٤٢ ـ الخصال : للشيخ الصدوق ، منشورات جماعة المدرسين ، قم.

٤٣ ـ خصائص أمير المؤمنين : للنسائي ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة ، قم.

٤٤ ـ الدر المنثور : للإمام السيوطي ، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، قم.

٤٥ ـ دلائل النبوّة : لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت.

٤٦ ـ ربيع الأبرار : لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، منشورات


الشريف الرضي ، قم.

٤٧ ـ روضة الواعظين : للفتّال النيسابوري ، منشورات الشريف الرّضي ، قم.

٤٨ ـ سنن إبن ماجة : للحافظ محمّد بن يزيد القزويني ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٤٩ ـ سنن أبي داود : لإبن داود السجستاني ، منشورات دار إحياء السنّة النّبويّة ، بيروت.

٥٠ ـ سنن الترمذي : لإبن السورة ، منشورات دار الفكر ، بيروت.

٥١ ـ سنن النسائي : منشورات دار الكتب العربي ، بيروت.

٥٢ ـ السنن الكبرى : للحافظ أحمد بن الحسين بن علي البيهقي : منشورات دار المعرفة ، بيروت.

٥٣ ـ السيرة النبويّة : لإبن هشام ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٥٤ ـ شرح نهج البلاغة : لإبن أبي الحديد ، منشورات دار الكتب العلميّة لإسماعيل النجفي ، قم.

٥٥ ـ شرح نهج البلاغة : لإبن ميثم البحراني ، منشورات مكتب الإسلامي ، قم.

٥٦ ـ شواهدالتنزيل : للحاكم الحسكاني ، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، طهران.

٥٧ ـ الصحاح : لإسماعيل بن حماد الجوهري ، منشورات دار العلم للملائين ، بيروت.


٥٨ ـ صحيح مسلم : للإمام مسلم بن الحجّاج القشيري النيشابوري ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٥٩ ـ الطبقات الكبرى : لمحمّد بن سعد المعروف بإبن سعد ، منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت.

٦٠ ـ العقد الفريد : لأحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي ، منشورات دار كتب العلميّة ، بيروت.

٦١ ـ العرائس : للثعلبي.

٦٢ ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : للشيخ الصدوق ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٦٣ ـ عيون الأخبار : لإبن قتيبة الدينوري ، منشورات دار كتاب العربي ، بيروت.

٦٤ ـ فتوح البلدان : للبلاذري.

٦٥ ـ غرر الحكم.

٦٦ ـ فرائد السمطين : للعلامة الجويني.

٦٧ ـ الكافي : للشيخ الكليني ، منشورات دارالكتب الإسلاميّة ، طهران.

٦٨ ـ الكامل في التاريخ : لإبن الأثير : منشورات دار صادر ، بيروت.

٦٩ ـ كتاب الصافي في تفسير القرآن : للمولىٰ محسن الكاشاني ، منشورات دار الكتب الإسلاميّة ، طهران.

٧٠ ـ كتاب الغيبة : للشيخ الطوسي ، منشورات مكتبة البصيرتي ، قم.

٧١ ـ كتاب الفقه على المذاهب الأربعة : لعبد الرحمان الجزري ،


منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٧٢ ـ الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل : منشورات أدب الحوزة ، قم.

٧٣ ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمة : للعلّامة أبي الحسن علي بن عيسى إبن أبي فتح الإربلي ، منشورات دار الكتب الإسلامي ، بيروت.

٧٤ ـ كنز العمّال : للمتّقي الهندي ، منشورات مؤسسة الرسالة ، بيروت.

٧٥ ـ كنز الفوائد : للكراجكي الطرابلسي ، منشورات دار الذخائر ، قم.

٧٦ ـ لسان العرب : لإبن المنظور الإفريقي المصري ، منشورات دار صادر ، بيروت.

٧٧ ـ مجمع البحرين : لشيخ فخر الدّين الطريحي ، منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفريّة ، قم.

٧٨ ـ مجمع البيان للشيخ الطوسي ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٧٩ ـ مجمع الزوائد : للحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي ، منشورات دار الفكر ، بيروت.

٨٠ ـ مجمع اللغة : لأبي الحسين احمد بن فارس اللغوي ، منشورات مؤسسة الرسالة بغداد.

٨١ ـ المحجّة البيضاء : للمولىٰ محسن الكاشاني ، منشورات النشر الإسلامي ، قم.

٨٢ ـ مروج الذهب : للمسعودي ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت.


٨٣ ـ المستدرك على الصحيحين : للحاكم النيسابوري ، منشورات دار المعرفة ، بيروت.

٨٤ ـ مسند أبي يعلى الموصلى : للحافظ أحمد بن علي التميمي ، منشورات دار المأمون للتراث ، بيروت.

٨٥ ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل : منشورات دار الفكر ، بيروت.

٨٦ ـ مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد : للشيخ الطوسي ، قم.

٨٧ ـ المعارف : لإبن قتيبة.

٨٨ ـ المصباح المنير : للفيومي ، منشورات دار الهجرة ، قم.

٨٩ ـ معاني الأخبار : للشيخ الصدوق ، منشورات جماعة المدرسين ، قم.

٩٠ ـ معجم البلدان : للشيخ الحموي الرومي البغدادي ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٩١ ـ المعجم الكبير : للحافظ سليمان أحمد الطبراني ، منشورات دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

٩٢ ـ معجم مقاييس اللغة : لأبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي ، منشورات كتب الأعلام الإسلامي ، قم.

٩٣ ـ من لا يحضره الفقيه : للشيخ الصدوق ، منشورات دار الكتب الإسلاميّة ، طهران.

٩٤ ـ المفردات في غريب القرآن : للراغب الإصفهاني ، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي ، قم.

٩٥ ـ مكارم الأخلاق : لأبي نصر الحسن بن الفضل


الطبرسي ، منشورات النشر الإسلامي ، قم.

٩٦ ـ مناقب آل أبي طالب : لأبي جعفر رشيد الدين محمّد بن علي بن شهراشوب السروي المازندراني ، منشورات مؤسسة العلّامة ، قم.

٩٧ ـ المناقب : لأحمد بن محمّد الخوارزمي ، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي ، قم.

٩٨ ـ المغازي : للواقدي.

٩٩ ـ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : لحبيب الله الهاشمي ، منشورات المكتبة الإسلاميّة ، طهران.

١٠٠ ـ النهاية في غريب الحديث والأثر : لإبن الأثير ، منشورات المكتبة الإسلاميّة ، بيروت.

١٠١ ـ نهج البلاغة للإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : تحقيق صبحي صالح ، منشورات دار الهجرة ، قم.

١٠٢ ـ وسائل الشيعة : للمحدّث الحرّ العاملي ، منشورات المكتبة الإسلاميّة ، طهران.

* * *



آثار مؤلف

١ ـ تقريرات بحث سيدنا سماحة آية الله العظمى الخوئي قدس سره غير مطبوع كما يلى :

* ـ كتاب الصلاة في أربعة أجزاء.

* ـ كتاب الصوم في جزئين.

* ـ كتاب الزكاة في جزء واحد.

* ـ كتاب الحج في ثلاثة أجزاء.

* ـ كتاب التجارة الجزء الأوّل.

٢ ـ تأليف كتاب الرّسول الأعظم على لسان حفيده الإمام زين العابدينعليه‌السلام في جزء واحد.

٣ ـ تأليف كتاب الرّسول الأعظم على لسان وصيّه الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام في جزء واحد.

٤ ـ تأليف الأحاديث القدسيّة المشتركه بين السنّة والشّيعة في جزء واحد.

٥ ـ فهارس الآيات والأحاديث والموضوعات لمرآة العقول في أربعة أجزاء.

٦ ـ تأليف منتخب أحاديث القدسيّة.


٧ ـ تحقيق خمسة أجزاء من مرآة العقول.

٨ ـ تحقيق كتاب الصافي في تفسير القرآن في سبعة أجزاء.

٩ ـ تحقيق كتاب رياض السالكين في سبعة أجزاء.

١٠ ـ تحقيق كتاب المراسم العلويّة في الأحكام النبوية في جزء واحد.

١١ ـ تحقيق كتاب من هو المهدي في جزء واحد.

١٢ ـ تحقيق بحث ولاية الفقيه من كتاب عوائد الأيّام في جزء واحد.

١٣ ـ تحقيق كتاب مختلف الشيعة.

١٤ ـ تحقيق كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين في جزء واحد.

١٥ ـ تحقيق كتاب في رحاب التقوىٰ في جزء واحد.

١٦ ـ تحقيق وتهذيب كتاب المهذب البارع في خمسة أجزاء.

١٧ ـ تحقيق وتهذيب كتاب كنز الدقايق.

١٨ ـ تحقيق كتاب المحاسن البرقي في جزئين.

* * *