نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار- الجزء 14
التجميع مكتبة العقائد
الکاتب السيد علي الحسيني الميلاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





ملحق

سند حديث الطّير

تأليف

السيد علي الحسيني الميلاني



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.

وبعد، فقد عرفت الرّواة لهذا الحديث من الصحابة، والتابعين، والعلماء الأعلام والمحدّثين في مختلف القرون وعرفت الذين أفردوه بالتأليف، والذين أخرجوه في الصحّيح بما لا يبقي مجالا للريب في صدوره عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمّ إنّا من خلال مراجعاتنا للأسانيد وبعض المؤلّفات الأخرى وقفنا على جماعة من رواة هذا الحديث من الأكابر، وجدنا رواياتهم في كتبهم أو رواية غيرهم عنهم في أسانيدهم فرأينا من المناسب إلحاقهم لمزيد الفائدة.

وقد تبيّن لنا من خلال البحث صحّة عدّة كبيرة من أسانيد الحديث في خارج الصحاح، مضافا إلى ما كان فيها، فكان من الضروري ذكر ذلك في هذا المقام، فنقول وبالله التوفيق:


ذكر أسانيد صحيحة للحديث في خارج الصحاح

ما رواه البخاري

روى الحديث بإسناده الآتي عن زهير عن عثمان الطّويل عن أنس، ولم يشكل في السّند إلاّ أن قال: « ولا يعرف لعثمان سماع عن أنس ».

قلت : قال ابن حبّان: « يروي عن أنس وعنه: زهير » وسنذكر عبارته بترجمة عثمان.

فالسند صحيح.

* ورواه عن « عبد الملك - هو ابن أبي سليمان - عن أنس » فلم يقل إلاّ « مرسل ».

قلت: الراوي عن أنس هو « عطاء » كما في سند الحافظ الطبراني في الأوسط(١) والحافظ الخطيب(٢) روياه باسنادهما عن « عبد الملك، عن عطاء، عن أنس » و « عطاء » هو « ابن أبي رباح » من رجال الكتب الستّة وقد ذكروا في الرواة عنه « عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي »(٣) وهو ثقة(٤) فالسند صحيح.

ما رواه عبّاد بن يعقوب الرواجني

* رواه عن: عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي، عن أبيه عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن علي

وعن الرّواجني: ابن عساكر وابن كثير وغير هما، وسند الأوّل إليه صحيح، كما سيأتي.

____________________

(١). المعجم الأوسط ٨ / ٢٢٥ رقم: ٧٤٦٢. وسيأتي قريبا.

(٢). تاريخ بغداد ٩ / ٣٦٩، وقد تقدم في الأصل.

(٣). تهذيب التهذيب ٧ / ١٨٠.

(٤). تقريب التهذيب ١ / ٥١٩.


أمّا « الرّواجني » فمن شيوخ البخاري، وأخرج له في غير واحد من الصحّاح، ونصّوا على صدقه وثقته.

وأمّا السّند المذكور فصحيح، كما سيأتي تحت عنوانه.

ما رواه أبو يعلى

رواه بسندين:

* الحسن بن حمّاد، عن مسهر بن عبد الملك بن سلع، عن عيسى بن عمر، عن السدّي.

و « الحسن » ثقة(١) و « مسهر » وثّقة هو، وأخرج له النسائي - وشرطه في صحيحه أشد من شرط البخاري ومسلم، كما ذكروا - وذكره ابن حبّان في الثقات، و « عيسى » - هو القاري - ثقة(٢) ، و « السدّي » ثقة كما فصّل في الأصل.

فالسند صحيح.

* قطن بن نسير، عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن عبد الله بن مثنى، عن عبد الله بن أنس، عن أنس.

و « قطن » ثقة، ذكرناه في الملحق، وكذا « جعفر »(٣) و « عبد الله » ذكرناه في الملحق.

فالسند صحيح، وهذا هو السند الذي قال عنه الذهبي: « ومن أجودها: حديث قطن بن نسير - شيخ مسلم - حدّثنا جعفر ».

ما رواه ابن أبي حاتم

* رواه عن: عمّار بن خالد الواسطي، عن إسحاق الأزرق، عن عبد

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ١٦٥.

(٢). تقريب التهذيب ٢ / ١٠٠.

(٣). تقريب التهذيب ٣ / ١٣١.


الملك بن أبي سليمان، عن أنس.

كذا في ( البداية والنهاية ) وقال: « هذا أجود من إسناد الحاكم ».

قلت: لأنّ « عمار » ثقة(١) وكذا « إسحاق »(٢) و « عبد الملك » تقدم.

ولو كان مرسلا - كما زعم البخاري - فقد عرفت الواسطة.

فالسند صحيح.

ما وراه الطبراني

* رواه في ( الكبير ) و ( الأوسط ) وعنه الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) فذكر عن أنس روايات وقال: « رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار وفي أحد أسانيد الأوسط « أحمد بن عياض بن أبي طيبة » ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح »(٣) .

قلت:

وكذا قال الذهبي(٤) والصلاح العلائي(٥) بالنسبة إلى هذا السّند، لكن الحافظ ابن حجر تعقّب الذهبي بإخراج الرجل عن الجهالة، وثبت مما ذكره - بالإضافة إلى إخراج الحاكم عنه في مستدركه والطبراني وغيرهما - كون الرجل ثقة فيكون الحديث صحيحا، ويلزم القوم كلّهم القول بصحّته، لأنّ توقفهم عن ذلك لم يكن إلاّ من جهته.

____________________

(١). تقريب التهذيب ٢ / ٤٧.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٦٣.

(٣). مجمع الزوائد ٩ / ١٣٥.

(٤). ميزان الاعتدال ٣ / ٤٦٥.

(٥). طبقات السبكي ٤ / ١٧٠ قال: « ورجال هذا السند كلهم ثقات معروفون، سوى أحمد بن عياض، فلم أر من ذكره بتوثيق ولا جرح ».


وهذه عبارة ابن حجر الحافظ، بعد إيراد كلام الذهبي:

« قلت: ذكره ابن يونس في تاريخ مصر قال: أحمد بن عياض بن عبد الملك بن نصر الفرضي مولى حبيب، يكنّى أبا غسّان، يروي عنه يحيى بن حسان، توفي سنة ٢٩٣ هكذا ذكره، ولم يذكر فيه جرحا. ثم أسند له حديثا ً فقال: حدّثني المعافى بن عمر بن حفص الرازي، ثنا أبو غسان أحمد بن عياض المحسّبي، ثنا يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس -رضي‌الله‌عنه - عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا يلام الرجل على قومه.

وهذا طرف من حديث الطير. وأمّا ابنه فذكر مسلمة بن قاسم أنّه مات في حبس ابن طولون قال: وكان سبب حبسه أن قوما ذكروا عنه أنّه كان يسب عليا -رضي‌الله‌عنه - فأحضرت البيّنة، فأمر به فجرّد فضرب نحو الثمانين سوطا في الحبس، وذلك في السابع عشر رمضان فلما كان بعد سبعة أيام اخرج ميتا. وقال أبو عمر الكندي: كان مازحا هو وابنه وأبوه »(١) .

* ثم إن الهيثمي قال: « وفي أحد أسانيد الأوسط » وظاهره عدم الإشكال في غيره من أسانيده.

قلت:

مما أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) ما ذكر في الأصل، وسنده:

« حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أنس ».

أمّا « سلمة بن شبيب » فمن رجال مسلم والأربعة(٢) .

وأمّا « عبد الرزاق » و « الأوزاعي » فذكرناهما في الملحق.

وأمّا « يحيى بن أبي كثير » فمن رجال الكتب الستة.

____________________

(١). لسان الميزان ٥ / ٥٨.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٣١٦.


وبقي « أحمد » شيخ الطّبراني، والأحمدون في مشايخه كثيرون، فأيّهم هذا؟ لا أدري الآن.

* وأخرجه في ( الكبير ) قال: « حدّثنا عبيد العجلي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا حسين بن محمّد، ثنا سليمان بن قرم، عن فطر بن خليفة، عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن سفينة مولى النبي »(١) .

وهذا هو الذي قال الهيثمي: « رجال الطبراني رجال الصحيح، غير فطر ابن خليفة، وهو ثقة»(٢) .

فهذا سند آخر صحيح.

ما رواه الدار قطني

* وأخرجه ابن عساكر الحافظ عن طريقه، وهو: عن شيخه « ابن الأكفاني » عن « عبد العزيز الكتاني » عن « ابن السمسار » عن « الدار قطني » عن « ابن مخلد الدوري » عن « حاتم بن ليث » عن « عبد السلام بن راشد » عن « عبد الله ابن المثنى » عن « ثمامة » عن « أنس ».

وقد ذكرنا ثقة كلّ واحد من هؤلاء بعنوانه.

فالسند صحيح.

ما رواه الحربي

* وأخرجه ابن عساكر الحافظ عن طريقه، وهو: عن شيخه « ابن السمرقندي » عن « ابن النقور » عن « الحربي » عن « ابن سراج » عن « فهد بن سليمان » عن « أحمد الورتنيس » عن « زهير » عن « عثمان الطويل » عن « أنس ».

____________________

(١). المعجم الكبير ٧ / ٨٢ رقم: ٦٤٣٧.

(٢). مجمع الزوائد ٩ / ١٢٥.


وقد ذكرنا ثقة كلّ واحد من هؤلاء بعنوانه.

فالسند صحيح.

ما رواه بحشل

* رواه عن: وهب بن بقيّة، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك، عن أنس.

وعنه الفقيه ابن المغازلي بسند صحيح، كما سيأتي.

ورجال « بحشل » كلّهم ثقات كما تجدهم في الملحق.

فسنده صحيح.

ما رواه أبو نعيم الأصبهاني

* رواه بسند صحيح فإنّه قال:

« حدّثنا علي بن حميد الواسطي، ثنا أسلم بن سهل، ثنا محمّد بن صالح ابن مهران، ثنا عبد الله بن محمّد بن عمارة القداحي السّعدي قال: سمعت هذا من مالك بن أنس سماعا، يحدّثنا به عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس » ثمّ قال أبو نعيم:

« غريب من حديث مالك وإسحاق، رواه الجم الغفير عن أنس. وحديث مالك لم نكتبه إلاّ من حديث القداحي، تفرّد به »(١) .

أقول:

« علي بن حميد » ترجم له الخطيب قال:

« علي بن حميد بن أحمد بن عبد الله بن أبي مخلد، أبو الحسين الواسطي، قدم بغداد، وحدّث عن: بشر بن موسى، ومحمّد بن أحمد بن

____________________

(١). حلية الأولياء ٦ / ٣٣٩.


النضر، وأسلم بن سهل المعروف ببحشل. حدّثنا عنه: أبو الحسن بن رزقويه، وذكر أنّه سمع منه في سنة ٣٥٠ في دار كعب. أخبرني محمّد بن أحمد بن رزق »(١) .

و « أسلم بن سهل » وهو « بحشل » ترجمنا له في الملحق.

و « محمد بن صالح بن مهران » قال الخطيب: « محمّد بن صالح بن مهران، المعروف بابن النطاح، مولى بني هاشم، يكنى أبا عبد الله وقيل أبا جعفر بصري قدم بغداد، وحدّث بها عن: يوسف بن عطيّة الصفار، وعون بن كهمس، والمنذر بن زناد الطائي، وارطأة أبي حاتم، ومعتمر بن سليمان.

وروى عنه: أحمد بن علي الخزاز، وبشر بن موسى الأسدي، وأحمد بن القاسم بن مساور الجوهري، والهيثم بن خالف الدوري، وعبد الله بن محمّد ابن ناجية، وكان أخباريّا ناسبا، رواية للسير، وله كتاب الدولة، وهو أول من صنّف في أخبارها كتابا » ثمّ أسند عنه حديثا فقال: « حدّثنا أبو نعيم الحافظ إملاء

أخبرني أحمد بن علي بن الحسين التوزي، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن أحمد البزاز، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبدان الصفّار، حدّثنا أحمد بن علي الخزاز، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن صالح - قدم علينا بغداد - أخبرني أبو بشر محمد بن عمر الوكيل، حدّثنا عمر بن أحمد بن عثمان قال: سنة ٢٥٢ فيها مات محمد بن صالح النطّاح »(٢) .

و « عبد الله بن محمّد بن عمارة » قال الذهبي: « مدني أخباري، عن أبي ذئب ونحوه. مستور، ما وثّق ولا ضعّف، وقلّ ما روى »(٣) .

____________________

(١). تاريخ بغداد ١١ / ٤٢٢.

(٢). تاريخ بغداد ٥ / ٣٥٧.

(٣). ميزان الاعتدال ٢ / ٤٩٨.


قلت : وقد ترجم له الخطيب فقال: « من أهل مدينة رسول الله،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . حدّث عن: محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وسليمان بن بلال، ويعقوب بن محمّد بن أبي صعصعة الحارثي، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، وسليمان بن داود بن الحصين، ومخرمة بن عبد الله بن بكير، وعبد الرحمن بن أبي الزناد. روى عنه: محمّد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معلّى بن منصور، ومحمّد بن علي بن المغيرة الأثرم، وعمر بن شبة النميري، والفضل بن سهل الأعرج. وكان عالما بالنسب، سكن بغداد، وله كتاب في نسب الأنصار خاصة، يرويه عنه مصعب بن عبد الله الزبيري، وابن القداح، يقول في كتابه: كان فلان هاهنا - يعني ببغداد - ثم انتقل إلى المدينة » ثم أسند عنه حديثا فقال:

« حدّثنا أبو عمر عبد الواحد بن محمّد بن عبد الله بن مهدي، أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي - إملاء - حدثنا فضل الأعرج، حدثنا عبد الله بن محمّد بن عمارة، حدّثنا مخرمة بن بكير »(١) .

و « مالك بن أنس » هو الإمام المعروف.

و « إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة » من رجال الكتب الستة، قال ابن حجر: « ثقة، حجّة، مات سنة: ٣٣ وقيل بعدها / ع »(٢) .

ما رواه الخطيب البغدادي

* رواه بسند صحيح فقال:

« أخبرني محمّد بن أحمد بن رزق، حدثنا أبو الحسن علي بن حميد بن أحمد بن أبي مخلّد الواسطي، حدّثنا أسلم بن سهل الواسطي أبو الحسن

____________________

(١). تاريخ بغداد ١٠ / ٦٢.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٥٩.


بحشل، حدّثنا محمّد بن صالح بن مهران، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن عمارة القداحي ثمّ الظفري قال: سمعت هذا من مالك بن أنس سماعا، فحدّثنا به مترسّلا عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: بعثتني ام سليم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطير مشوي ومعه أربعة أرغفة من شعير. وساق الحديث » انتهى(١) .

أقول:

« محمّد بن أحمد بن رزق » شيخ الخطيب، حافظ ثقة.

وأمّا سائر رجال الحديث فقد عرفتهم في رواية أبي نعيم الحافظ.

ما رواه ابن المغازلي الواسطي

* رواه عن أنس بن مالك بإسناد صحيح عن طريق بحشل، فقال:

أخبرنا عمر بن عبد الله، حدّثنا محمّد بن عثمان بن سمعان المعدّل، حدّثنا أسلم بن سهل، حدّثنا وهب بن بقية، أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس.

وهؤلاء كلّهم ثقات، وقد عنونّا كلّ واحد منهم، كما قدّمنا رواية بحشل.

فالسند صحيح.

ما رواه ابن عساكر

* رواه بسند صحيح عن طريق الدار قطني، كما تقدم ذكره.

* وبسند صحيح إلى عبّاد بن يعقوب بسنده المتقدم الصحيح، قال ابن عساكر:

« أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أخبر أبو الفتح هبة الله بن علي بن

____________________

(١). تاريخ بغداد ١١ / ٤٢٢.


محمّد بن الطيب بن الجار القرشي الكوفي ببغداد، أنبأنا أبو الحسن محمّد بن جعفر بن محمّد التميمي النحوي - يعرف بابن النجار - الكوفي، أنبأنا أبو عبد الله محمّد بن القاسم بن زكريا المحاربي، أنبأنا عباد بن يعقوب ».

ورجال سند ابن عساكر إلى عباد كلّهم ثقات، ذكرنا هم واحدا واحدا في الملحق.

فالسند صحيح.

* ورواه ابن عساكر بسند آخر، قال: « أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمّد ابن البغدادي، أنبأنا أبو المظفر محمود بن جعفر بن محمّد الكوسج وأبو منصور محمّد بن أحمد بن شكرويه قالا: أنبأنا أبو علي الحسن بن علي بن أحمد بن سليمان ابن البغدادي، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمر بن أبان العبدي، أنبأنا أبو إسماعيل محمّد بن إسماعيل الترمذي، أنبأنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدّثني ابن لهيعة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري

وقد ذكرنا رجال هذا السند وثقتهم كلا على حده.

فالسند صحيح.

* ورواه ابن عساكر بإسناده عن أبي يعلى، عن قطن بن نسير إلى آخر ما تقدم في رواية أبي يعلى.

وطريقه إلى أبي يعلى هو: « أخبرتنا ام المجتبى بنت ناصر، قالت: قرئ على إبراهيم بن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقري، أنبأنا أبو يعلى ».

هؤلاء ذكرناهم كلا في موضعه.

فالسند صحيح.

* ورواه بسنده عن الحربي بإسناده المتقدم في محلّه.

وهو عن: ابن السمرقندي، عن ابن النقور، عن الحربي

والكلّ ثقات.


فالسند صحيح.

* ورواه بسند صحيح آخر وهو قوله:

« أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو الحسين ابن النقور، أنبأنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أنبأنا أبو جعفر محمّد بن علي بن دحيم، أنبأنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سكين بن عبد العزيز، عن ميمون أبي خلف، حدّثني أنس بن مالك ».

وهؤلاء كلّهم ثقات، كما ذكرنا بتراجمهم، كلّ في موضعه في الملحق.

فالسند صحيح.

هذا، ولو وجدنا فراغا لصحّحنا أسناد أخرى غير هذه، إلاّ أنّ بما ذكرنا كفاية للمنصف فلنشرع في ذكر أسماء طائفة من أعلام رواة حديث الطّير، ممّن لم يذكروا في الأصل:

* * *


(١)

رواية

عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي عليه‌السلام

عن أبيه، عن جدّه، عن علي.

أخرجه عباد بن يعقوب الرّواجني.

وأخرجه عنه الحافظ ابن عساكر بإسناده عنه

أمّا ( عيسى بن عبد الله ) فقد ذكره ابن حبّان في الثقات وقال:

« كنيته أبو بكر، في حديثه بعض المناكير »(١) .

وأمّا ( عبد الله بن محمّد ) فقد قال الحافظ ابن حجر:

« عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أبو محمّد العلوي، المدني، مقبول، من السادسة، مات في خلافة المنصور / دس »(٢) .

وأمّا ( محمّد بن عمر ) فقد قال الحافظ ابن حجر:

« محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب. صدوق، من السادسة، وروايته عن جدّه مرسلة. مات بعد الثلاثين / ع »(٣) .

وأمّا ( عمر بن علي ) فقد قال الحافظ ابن حجر:

« عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة، من الثالثة. مات في زمن الوليد، وقيل قبل ذلك / ع »(٤) .

أقول : فالسند معتبر. ووجود المناكير في حديث ( عيسى بن عبد الله )

____________________

(١). كتاب الثقات ٨ / ٤٩٢.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٤٤٨.

(٣). تقريب التهذيب ٢ / ١٩٤.

(٤). تقريب التهذيب ٢ / ٦٠.


لا يضر بوثاقته، ولذا عدّه ابن حبان في الثقات مع تنصيصه على ذلك، وللتفصيل يراجع معنى « المنكر » في كتب علوم الحديث، ولعلّ النكارة عندهم من جهة كون كثير من رواياته من فضائل أهل البيتعليهم‌السلام .

(٢)

رواية سعيد بن المسيّب

وهو: أبو محمّد القرشي المخزومي، المتوفي سنة: ٩٣، أو ٩٤، أو ٩٥، أو ١٠٥ وتعلم روايته من أسانيد ابن عساكر وابن كثير، رواه عن أنس بن مالك.

الذهبي : « الإمام العلم، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين، روى عنه خلق، وكان ممّن برّز في العلم والعمل » ثم ذكر مناقبه في فصول، يتقدّمها ذكر كلمات الأعلام في حقّه، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم(١) .

ومن مصادر ترجمته:

التاريخ الكبير ٣ / ٥١٠، طبقات ابن سعد ٥ / ١١٩، حلية الأولياء ٢ / ١٦١، تهذيب التهذيب ٤ / ٨٤.

(٣)

رواية عثمان الطويل

وهو: راوي الحديث عن أنس بن مالك.

وعنه: زهير بن معاوية بن خديج.

في أسانيد الحافظ ابن عساكر.

وقد أورده ابن حبّان في الثقات وقال:

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٤ / ٢١٧.


« يروي عن أنس بن مالك -رضي‌الله‌عنه -، ربما أخطأ. روى عنه: شعبة، وزهير »(١) .

(٤)

رواية ميمون بن أبي خلف

وهو: الراوي للحديث عن أنس بن مالك.

ورواه عنه « سكين بن عبد العزيز ».

وجاء كذلك في أسانيد ابن عساكر الحافظ.

ابن حجر : « ميمون بن جابر أبو خلف البرقاني، عن أنس -رضي‌الله‌عنه - بحديث الطير. قال أبو زرعة: متروك، يروي عنه سكين بن عبد العزيز. انتهى. وذكره العقيلي وقال: لا يصح حديثه »(٢) .

قلت : والأصل في ذلك ما جاء في الجرح والتعديل: « ميمون أبو خلف الرفاء، روى عن أنس بن مالك قصة الطير، روى عنه سكين بن عبد العزيز. نا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عنه فقال: منكر الحديث وترك حديثه ولم يقرأ علينا »(٣) .

فالرجل منكر الحديث، والظاهر أنّهم يقصدون حديث الطير، فإنّ معناه عندهم منكر! لكنّ الرجل من التابعين، والتابعون عند أهل السنّة كالأصحاب لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فيما رووه -: « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم » ولذا لم نجد تصريحا بضعفه، وإنّما يقولون منكر الحديث، وقد تقرّر عندهم أن رواية الحديث المنكر لا يكون جرحا للراوي.

____________________

(١). كتاب الثقات ٥ / ١٥٧.

(٢). تقريب التهذيب ٦ / ١٤٠.

(٣). الجرح والتعديل ٨ / ٢٣٤.


(٥)

رواية محمّد بن المنكدر

وهو: راوي الحديث عن جابر بن عبد الله.

وعنه: عبد الله بن لهيعة.

أخرجه عنه الحافظ ابن عساكر بإسناد له.

وابن المنكدر من رجال الصحاح الستّة:

ابن حجر : « محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهريز - بالتصغير - التيمي المدني. ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ٣٠ أو بعدها / ع »(١) .

(٦)

رواية ثمامة بن عبد الله

وهو حفيد أنس بن مالك.

وقد رواه عن أنس. ورواه عنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى، كما في الأسانيد، منها عند الحافظ ابن عساكر.

قال الحافظ: « ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، الأنصاري، البصري، قاضيها، صدوق، من الرابعة، عزل سنة عشر. ومات بعد ذلك بمدة » وقد وضع عليه علامة الكتب الستّة »(٢) .

____________________

(١). تقريب التهذيب ٢ / ٢١٠.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ١٢٠.


(٧)

رواية عبد الله بن المثّنى

وهو: عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك.

وتعلم روايته من كثير من الأسانيد المذكورة في الكتاب، منها أسانيد ابن عساكر الحافظ.

وهو من رجال البخاري والترمذي وابن ماجة.

قال ابن حجر الحافظ: « صدوق، كثير الغلط، من السادسة »(١) .

(٨)

رواية جعفر بن سليمان الضبعي

المتوفى سنة: ٧٨.

وتعلم روايته من كثير من الأسانيد، رواه عن « عبد الله بن المثنّى ».

قال الذهبي: « ولحديث الطير طرق كثيرة عن أنس، متكلّم فيها، وبعضها على شرط السنن، ومن أجودها حديث:

قطن بن نسير - شيخ مسلم - حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثنا عبد الله بن المثّنى، عن عبد الله بن أنس، عن أنس »(٢) .

وقال ابن حجر: « صدوق زاهد، لكنه كان يتشيّع » ووضع عليه علامة: بخ م ٤(٣) .

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٤٤٥.

(٢). تاريخ الإسلام ٢ / ١٩٧.

(٣). تقريب التهذيب ١ / ١٣١.


(٩)

رواية سكين بن عبد العزيز

وهو: راوي الحديث عن « ميمون أبي خلف عن أنس ».

ورواه عنه: « عبيد الله بن موسى ».

وقد أخرجه عنه بإسناده ابن عساكر الحافظ.

ابن حجر : « سكين - بالتصغير - ابن عبد العزيز بن قيس العبدي، العطار، البصري، وهو سكين بن أبي الفرات. صدوق، يروي عن الضعفاء. من السّابعة / د »(١) .

(١٠)

رواية الصباح بن محارب

وتعلم روايته من أسانيد الخطيب، فقد رواه عنده عن « عمر بن عبد الله ابن يعلى بن مرّة»(٢) .

وهو من رجال ابن ماجة.

ابن حجر : « قال أبو زرعة وأبو حاتم صدوق. وقال عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سليمان: رأيت كتابه وكان صحيح الكتاب. وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وقال العقيلي: يخالف في بعض حديثه. ونقل ابن خلفون في الثقات عن العجلي توثيقه »(٣) .

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٣١٣.

(٢). تاريخ بغداد ١١ / ٣٧٦.

(٣). تهذيب التهذيب ٤ / ٣٥٨.


(١١)

رواية ابن لهيعة

وهو: عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي.

روى هذا الحديث عن: محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله.

ورواه عنه: أبو صالح المصري، كاتب الليث.

وأخرجه عنه الحافظ ابن عساكر بإسناد له.

ابن حجر : « عبد الله بن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما. وله في مسلم بعض شيء مقرون. مات سنة ٧٤ وقد ناف على الثمانين / م د ت ق »(١) .

(١٢)

رواية عبد الله بن صالح

وهو: كاتب الليث، أبو صالح المصري.

روى هذا الحديث عن ابن لهيعة.

ورواه عنه: محمّد بن إسماعيل التّرمذي

وأخرجه عنه الحافظ ابن عساكر بإسناده.

ابن حجر : « عبد الله بن صالح بن محمّد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٤٤٤.


غفلة. من العاشرة. مات سنة ٢٢ وله ٨٥ سنة / خت د ت ق »(١) .

(١٣)

رواية عبد السلام بن راشد

وهو: راوي الحديث عن « عبد الله بن المثنى » وعنه: « حاتم بن الليث الجوهري » الحافظ الثقة المكثر المتقن الثبت كما وصفه الخطيب والذهبي، كما ذكرنا بترجمته.

فبقرينة الراوي يعرف « عبد السلام بن راشد » ويعلم كونه معتمدا، كما أنّ الحديث بهذا الطريق الّذي أخرجه به الحافظ ابن عساكر معتبر صحيح، لأنّه:

عن شيخه ابن الأكفاني، عن عبد العزيز الكتاني، عن ابن السمسار، عن الدار قطني، عن ابن مخلد الدوري، عن حاتم بن ليث، عن عبد السلام ابن راشد، عن عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس.

وبهذا تعرف ما في كلام الذهبي بترجمة عبد السلام بن راشد:

« عبد السلام بن راشد، عن عبد الله بن المثنى بحديث الطير. لا يعرف والخبر لا يصح ».

بل الخبر صحيح بهذا السند فضلا عن أسانيده الصحاح الأخرى، ولذا تعقّبه الحافظ بقوله:

« وقد تابعه على رواية حديث الطير عن عبد الله بن المثنى: جعفر بن سليمان الضبعي، وهو مشهور من حديثه »(٢) .

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٤٢٣.

(٢). لسان الميزان ٤ / ١٢.


(١٤)

رواية قطن بن نسير

وهو: أبو عباد قطن بن نسير البصري المعروف بالذرع المتوفى سنة:

وتعلم روايته من كثير من الأسانيد.

ابن حجر : « روى عن جعفر بن سليمان الضبعي روى عنه مسلم حديثا واحدا، وأبو داود، روى الترمذي عن أبي داود عنه »(١) .

فهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي، وكذلك وضع عليه علائم الكتب الثلاثة

والذهبي أثبت وثاقته(٢) .

وابن حجر قال: « صدوق يخطئ، من العاشرة »(٣) .

(١٥)

رواية الحكم بن عتيبة

وهو: الراوي لحديث سعد بواسطة ابن أبي ليلى، توفي سنة: ١١٥.

وعنه رواه شعبة بن الحجاج في رواية الحافظ أبي نعيم.

وهو من رجال الكتب الستة.

الذهبي : « الإمام الكبير، عالم أهل الكوفة » ثم أورد كلمات الثناء بالجميل عليه »(٤) .

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٨ / ٣٤١.

(٢). ميزان الاعتدال ٣ / ٣٩٠.

(٣). تقريب التهذيب ٢ / ١٢٦.

(٤). سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٠٨.


(١٦)

رواية إسحاق بن عبد الله

وهو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة المتوفى سنة: ١٣٣.

راوي الحديث عن أنس، في رواية عند الحافظين أبي نعيم والخطيب.

وهو من رجال الكتب الستة.

قال ابن حجر: « ثقة حجة »(١) .

(١٧)

رواية عبد الملك بن عمير

وهو: عبد الملك بن عمير بن سويد المتوفى سنة ١٣٦.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الذهبي : « حدّث عن وخلق من الصحابة وكبار التابعين، وعمّر دهرا طويلا، وصار مسند أهل الكوفة » ثم ذكر الكلمات في حقّه وقد وضع عليه علامة الكتب الستة(٢) .

وله ترجمة في:

التاريخ الكبير ٥ / ٤٢٦، تهذيب التهذيب ٦ / ٤١١ وغيرهما.

(١٨)

رواية الأوزاعي

وهو: عبد الرحمن بن عمرو، المتوفى سنة: ١٥٧.

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٥٩.

(٢). سير أعلام النبلاء ٥ / ٤٣٨.


وتعلم روايته من إسناد الحافظ الطبراني في المعجم الأوسط.

الذهبي : « عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي، قال محمد بن سعد: كان ثقة، وكان خيّرا، فاضلا، مأمونا، كثير العلم والحديث والفقه، حجة، توفي سنة ١٥٧، وقال أحمد: يصلح للإمامة. وعن مالك قال: الأوزاعي إمام يقتدى به. قال الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه »(١) .

وله ترجمة في:

طبقات ابن سعد ٧ / ٤٨٨، التاريخ الكبير ٥ / ٣٢٦، حلية الأولياء ٦ / ١٣٥، تهذيب التهذيب ٦ / ٢٣٨. وغيرها.

(١٩)

رواية شعبة

وهو: ابن الحجاج، المتوّفى سنة: ١٦٠.

وتعلم روايته من إسناد أبي نعيم الحافظ(٢) .

الذهبي : « شعبة / ع. ابن الحجاج بن الورد، الإمام الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، روى عنه عالم عظيم وانتشر حديثه في الآفاق » ثم ذكر فضائله ومناقبه وأطنب فيها(٣) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٧ / ١٠٧ ملخصّا.

(٢). حلية الأولياء ٤ / ٣٥٦.

(٣). سير أعلام النبلاء ٧ / ٢٠٢.


(٢٠)

رواية زهير بن معاوية

وهو: زهير بن معاوية بن خديج الجعفي، المتوفى سنة ١٧٣ أو ١٧٧(١) .

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر فقد أخرجه بإسناده عن أحمد بن يزيد الورتنيس قال: « أنبأنا زهير، أنبأنا عثمان الطويل، عن أنس بن مالك » و « زهير » هو « ابن معاوية » المذكور كما بترجمة « أحمد بن يزيد » من ( تهذيب التهذيب )(٢) .

و « زهير » من رجال الصحاح الستّة.

قال ابن حجر: « زهير بن معاوية بن خديج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلاّ أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة، من السابعة.

مات سنة ٣٢ أو ٣ أو أربع وسبعين، وكان مولده سنة ١٠٠ / ع »(٣) .

(٢١)

رواية مالك بن أنس

وهو: الإمام المشهور المعروف، المتوفّى سنة: ١٧٩.

وتعلم روايته من إسناد أبي نعيم الحافظ في الحلية.

السيوطي : « شيخ الأئمة، وإمام دار الهجرة. روى عن: نافع، ومحمد ابن المنكدر، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وخلق. وعنه: الشافعي، وخلائق جمعهم الخطيب في مجلّد قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٣ / ٣٠٣.

(٢). تهذيب التهذيب ١ / ٧٨.

(٣). تقريب التهذيب ١ / ٢٦٥.


النجم »(١) .

وله ترجمة في كافّة المصادر الحديثية والتاريخية والرجالية وغيرها.

(٢٢)

رواية إسحاق الأزرق

وهو: إسحاق بن يوسف الواسطي المتوفى سنة: ١٩٥.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو الناقد، والحسن بن حماد سجادة ورد إسحاق بغداد وحدّث بها وكان من الثقات المأمونين، وأحد عباد الله الصالحين » ثم روى ثقته عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وابن سعد(٢) .

(٢٣)

رواية يونس بن أرقم

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

البخاري : ترجم له بلا جرح(٣) .

وابن أبي حاتم كذلك(٤) .

وابن حجر وقال: « قال البخاري: كوفي معروف الحديث، كان يتشيّع، وكذا قال ابن حبان في الثقات لكن قال: بصري »(٥) .

____________________

(١). طبقات الحفّاظ: ٩٦.

(٢). تاريخ بغداد ٦ / ٣١٩ - ٣٢١.

(٣). التاريخ الكبير ٨ / ٤١٠.

(٤). الجرح والتعديل ٩ / ٣٣٦.

(٥). تعجيل المنفعة: ٣٠١.


قال: « وقال البزار في مسنده: يونس بن أرقم كان صدوقا، روى عنه أهل العلم واحتملوا حديثه، على أنّ فيه شيعيّة شديدة »(١) .

(٢٤)

رواية الرياحي

وهو: أبو العوام أحمد بن يزيد، المتوفى سنة

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « حدّث عن مالك بن أنس و روى عنه: ابنه محمّد. وكان ثقة »(٢) .

(٢٥)

رواية عبد الرزّاق الصنعاني

وهو: أبو بكر عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة: ٢١١.

وتعلم روايته من إسناد الحافظ الطبراني في المعجم الأوسط.

وهو من رجال الكتب الستّة

الذهبي : « عبد الرزاق بن همام / ع.

ابن نافع، الحافظ الكبير، عالم اليمن، أبو بكر، الحميري مولاهم، الصنعاني، الثقة، الشيعي » ثم نقل ثقته والكلمات في حقه بما يطول المقام به فلاحظه(٣) وراجع غيره من المصادر مثل:

الطبقات ٥ / ٥٤٨، تذكرة الحفّاظ ١ / ٣٦٤، تهذيب التهذيب ٦ / ٣١٠.

____________________

(١). لسان الميزان ٦ / ٣٣١.

(٢). تاريخ بغداد ٥ / ٢٢٧.

(٣). سير أعلام النبلاء ٩ / ٥٦٣.


(٢٦)

رواية عبيد الله بن موسى

هو: عبيد الله بن موسى بن أبي المختار المتوفى سنة ٢١٣ أو ٢١٤.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الذهبي : « الإمام، الحافظ، العابد، وكان من حفّاظ الحديث، مجوّدا للقرآن وحدّث عنه: أحمد بن حنبل قليلا - كان يكرهه لبدعة ما فيه - وإسحاق، وابن معين، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعبد بن حميد، و

وروى عنه البخاري في صحيحه، ويعقوب الفسوي في مشيخته، وثّقه ابن معين وجماعة.

وحديثه في الكتب الستة »(١) .

وتوجد ترجمته في:

تهذيب التهذيب ٢ / ٥٠، تذكرة الحفّاظ ١ / ٣٥٣، الكاشف ٢ / ٢٣٢.

(٢٧)

رواية أبي عاصم النبيل

وهو: الضحّاك بن مخلد الشيباني المتوفى سنة: ٢١٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

السيوطي : « عنه: أحمد، وإسحاق، والبخاري، وابن المديني، وعبد ابن حميد، وابن المثّنى، وخلق.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٩ / ٥٥٣.


وكان فقيها، حافظا، عابدا، متقنا »(١) .

وله ترجمة في مصادر كثيرة.

(٢٨)

رواية المصيّصي

وهو: إبراهيم بن مهدي، المتوفى سنة: ٢٢٥.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « روى عنه: أحمد بن حنبل، ويعقوب الدورقي ذكره ابن أبي حاتم الرازي فقال: بغدادي الأصل، سكن المصيصة. وقال أيضا: سمعت أبي يقول: حدثنا إبراهيم بن مهدي وكان ثقة.

... وسئل يحيى بن معين عن إبراهيم بن مهدي الطرسوسي فقال: كان رجلا مسلما، فقيل له: أهو ثقة؟ فقال: ما أراه يكذب »(٢) .

(٢٩)

رواية القواريري

وهو: عبيد الله بن عمر بن ميسرة، المتوفى سنة: ٢٣٥.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الذهبي : « الإمام الحافظ، محدّث الإسلام حدّث عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وإبراهيم الحربي، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد وكتب عنه: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وابن سعد.

وثّقه يحيى، وصالح جزرة الحافظ، والنسائي.

____________________

(١). طبقات الحفّاظ: ١٥٩.

(٢). تاريخ بغداد ٦ / ١٧٨.


وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث.

وقال أبو حاتم: صدوق »(١) .

وتوجد ترجمته في:

طبقات ابن سعد ٧ / ٣٥٠، التاريخ الكبير ٥ / ٣٩٥، تاريخ بغداد ١٠ / ٣٢٠، تهذيب التهذيب ٧ / ٤٠ وغيرها.

(٣٠)

رواية سهل بن زنجلة

وهو: سهل بن أبي سهل الرّازي الخياط المتوفى سنة: ٢٣٨.

وتعلم روايته من أسانيد الخطيب في تاريخه.

الذهبي : « الحافظ الإمام الكبير قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو يعلى الخليلي: سهل ثقة حجة، ارتحل مرتين، وله تصانيف، ولا يقدّم عليه أحد في الإتقان والديانة من أقرانه في وقته ...»(٢) .

وله ترجمة في:

تهذيب التهذيب ٤ / ٢٥١، تاريخ بغداد ٩ / ١١٦، وغيرهما.

(٣١)

رواية وهب بن بقية

وهو: وهب بن بقيّة الواسطي المعروف بوهبان، المتوفى سنة: ٢٣٩.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « روى عنه: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١١ / ٤٤٢.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٠ / ٦٩٢.


الحجاج، وحنبل بن إسحاق، وأبو داود السجستاني

وكان ثقة وكان قدم إلى بغداد فحمل عنه شيوخنا »(١) .

(٣٢)

رواية محمّد بن مصفّى

وهو: ابن بهلول الحمصي، المتوفى سنة: ٢٤٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الحافظ الإمام، عالم أهل حمص حدّث عنه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، و

قال أبو حاتم: صدوق »(٢) .

(٣٣)

رواية البخاري

وهو: أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل، المتوفى سنة: ٢٥٦.

وهو صاحب الصحيح، وهو غني عن التعريف.

قال:

« إسماعيل بن سلمان الأزرق الكوفي، سمع أباه والشّعبي وأبا عمر، سمع منه وكيع. وقال عبيد الله بن موسى: أخبرنا إسماعيل بن سلمان بن أبي المغيرة الأزرق عن أنس: أهدي للنبيّ طائر فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك، فجاء علي.

وسمعت أنسا: مرّ أبو ذر برجل عرّس فلم يسلّم عليه. قال أبو عبد الله:

____________________

(١). تاريخ بغداد ١٣ / ٤٨٧.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٢ / ٩٤.


لا يتابع عليه.

وروى ابن الفضيل، عن مسلم، عن أنس في الطير.

وقال عبيد الله بن موسى: أخبرنا سكين بن عبد العزيز، عن ميمون أبي خلف حدّثه عن أنس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الطير »(١) .

وقال:

« أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسن الحرّاني، قال لي محمّد بن يوسف: حدّثنا أحمد قال: ثنا زهير قال: ثنا عثمان الطويل، عن أنس بن مالك قال: اهدي للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر كان يعجبه فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل هذا الطير، فاستأذن علي، فسمع كلامه فقال:

ادخل.

ولا يعرف لعثمان سماع من أنس: وقال إسحاق بن عبد الله بن يوسف، عن عبد الملك - هو ابن أبي سليمان - عن أنس: شهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا. مرسل »(٢) .

(٣٤)

رواية حاتم بن الليث

وهو: أبو الفضل حاتم بن الليث البغدادي الجوهري المتوفى سنة: ٢٦٢.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « روى عنه: محمّد بن محمّد الباغندي، وأبو العباس السراج النيسابوري، وجماعة آخرهم: محمّد بن مخلد الدوري. وبعض الرواة عنه

____________________

(١). التاريخ الكبير ١ / ٣٥٧ - ٣٥٨.

(٢). التاريخ الكبير ٢ / ٢ - ٣


يقول: حدّثنا حاتم بن الليث وكان ثقة ثبتا متقنا حافظا »(١) .

الذهبي : « الحافظ المكثر الثقة »(٢) .

(٣٥)

رواية فهد بن سليمان

وهو الدلاّل المتوفى سنة: ٢٧٥.

روى الحديث عن « أحمد بن يزيد الورتنيس ».

ورواه عنه: « علي بن سراج المصري ».

كما في أسانيد الحافظ ابن عساكر.

وذكره الذهبي فيمن روى عنه « علي بن سرّاج المصري » وفي وفيات سنة ٢٧٥ من سير الأعلام(٣) .

وقال ابن أبي حاتم: « كتبت فوائده ولم يقض لنا السّماع منه »(٤) .

(٣٦)

رواية أحمد بن حازم

وهو: أحمد بن حازم بن محمّد، أبو عمرو الغفاري الكوفي المتوفى سنة ٢٧٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الإمام الحافظ الصدوق أحمد بن حازم سمع: جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى حدّث عنه: مطيّن، وابن

____________________

(١). تاريخ بغداد ٨ / ٢٤٥.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥١٩.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٣ / ١٧٧.

(٤). الجرح والتعديل ٧ / ٨٩.


دحيم الشيباني

وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا »(١) .

وله ترجمة في:

تذكرة الحفّاظ ٢ / ٥٩٤، الوافي بالوفيات ٦ / ٢٩٨، اللباب ٢ / ٣٧٧.

(٣٧)

رواية أبي الأحوص

وهو: محمّد بن الهيثم بن حماد بن واقد المتوفى سنة ٢٧٩.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « كان من أهل الفضل، ورحل في الحديث إلى الكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، فسمع من روى عنه: موسى بن هارون الحافظ، ومحمّد بن عبد الله الحضرمي مطين، و » فروى عن: ابن خراش أنّه: « من الأثبات المتقنين » وعن الدار قطني: « كان من الثقات الحفّاظ»(٢) .

(٣٨)

رواية محمّد بن إسماعيل الترمذي

وهو: محمّد بن إسماعيل بن يوسف، أبو إسماعيل السّلمي الترمذي، المتوفى سنة: ٢٨٠.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « سمع في أمثالهم من الشيوخ، وكان فهما متقنا مشهورا بمذهب السنّة، وسكن بغداد، وحدّث بها، فروى عنه وروى عنه أيضا أبو

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٣٩.

(٢). تاريخ بغداد ٣ / ٣٦٢.


عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، في صحيحيهما » ثم نقل ثقته عن غير واحد من الأعلام(١) .

(٣٩)

رواية الباغندي

وهو: محمّد بن سليمان بن الحارث أبو بكر الواسطي الباغندي المتوفى سنة: ٢٨٣.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « والباغندي مذكور بالضّعف، ولا أعلم لأيّة علّة ضعّف! فإنّ رواياته كلّها مستقيمة، ولا أعلم في حديثه منكرا »(٢) .

الذهبي : « الإمام، المحدّث، العالم، الصادق، أبو بكر »(٣) .

(٤٠)

رواية الحسين بن فهم

وهو: أبو علي الحسين بن محمّد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، المتوفى سنة: ٢٨٩.

وتعلم روايته من أسانيد ابن المغازلي الفقيه الشافعي.

الخطيب : « كان ثقة، وكان عسرا في الرواية متمنّعا إلاّ لمن أكثر ملازمته »(٤) .

____________________

(١). تاريخ بغداد ٢ / ٤٢.

(٢). تاريخ بغداد ٥ / ٢٩٨.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٣٨٦.

(٤). تاريخ بغداد ٨ / ٩٢.


الذهبي : « هو الحافظ، العلاّمة، النسّابة، الأخباري »(١) .

(٤١)

رواية بحشل

وهو: أبو الحسن أسلم بن سهل بن أسلم الرزاز المتوفى سنة: ٢٩٢.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الذهبي : « الحافظ، الصّدوق، المحدّث، مؤرّخ مدينة واسط ثقة، ثبت، إمام، يصلح للصحيح »(٢) .

السيوطي : « هو الحافظ الصدوق، محدّث واسط وصاحب تاريخها قال خميس الحافظ: ثقة ثبت إمام يصلح للصحيح. مات سنة ٢٩٢ »(٣) .

(٤٢)

رواية أبي جعفر الفسوي

هو: الحسن بن علي بن الوليد، المتوفّى سنة ٢٩٠ أو ٢٩٦.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « سكن بغداد وحدّث بها عن روى عنه: أبو عمرو ابن السمّاك، وعبد الصّمد بن علي الطستي، وعبد الباقي ابن قانع القاضي، وأبو بكر الشافعي، وأبو علي ابن الصوّاف، ومحمّد بن علي بن حبيش.

وذكره الدار قطني فقال: لا بأس به »(٤) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٢٧.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٥٥٣.

(٣). طبقات الحفّاظ: ٢٩٣.

(٤). تاريخ بغداد ٧ / ٣٧٢.


(٤٣)

رواية مطيّن

وهو: أبو جعفر محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، المتوفى سنة: ٢٩٧.

وتعلم روايته من إسناد الحاكم.

الذهبي : « الحافظ الكبير كان من أوعية العلم، حدّث عنه: أبو بكر النجار، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر الإسماعيل، وعلي بن حسّان الدممي، و

قال أبو بكر بن أبي دارم الحافظ: كتبت عن مطين مائة ألف.

وسئل عنه الدار قطني فقال: ثقة جبل »(١) .

(٤٤)

رواية ابن صدقة

وهو: إبراهيم بن صدقة

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « إبراهيم بن صدقة، من أهل المدائن. حدّث عن: داود بن المحبّر، وأبي يحيى زكريا بن عبد الرحمن الملطي. روى عنه: أبو الحسن بن البراء، وبكر بن أحمد بن مقبل البصري »(٢) .

____________________

(١). تذكرة الحفّاظ: ٦٦٢.

(٢). تاريخ بغداد ٦ / ١٠٤.


(٤٥)

رواية الورتنيس

وهو: أحمد بن يزيد بن إبراهيم.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

ابن حجر : « أحمد بن يزيد بن إبراهيم الورتنّيس - بفتح الواو وسكون الراء وفتح التاء الفوقانية وكسر النون الثقيلة، بعدها ياء أخيرة ساكنة ثمّ سين مهملة - يكنّى أبا الحسن الحرّاني.

ضعّفه أبو حاتم، من العاشرة. ولم يرو عنه البخاري إلاّ حديثا واحدا متابعة / خ »(١) .

أقول:

فالرّجل من رجال البخاري في صحيحه.

وقد رضيه غير أبي حاتم، قال الذهبي: « ضعّفه أبو حاتم ومشّاه غيره »(٢) .

وتضعيف أبي حاتم لا يعبأ به - خاصة إذا عارضه توثيق من غيره - لما ذكره الذهبي بترجمته من أنّه متعنّت في الرجال، يقدّم توثيق غيره على تضعيفه(٣) .

(٤٦)

رواية الجاذري الواسطي

وهو: أبو الحسن علي بن الحسن الجاذرى الطّحان المتوفى سنة:

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٢٨.

(٢). ميزان الاعتدال ١ / ١٦٣.

(٣). سير أعلام النبلاء - ترجمة أبي حاتم الرازي ١٣ / ٢٤٧.


السمعاني : « قال ابن ماكولا: هو شيخ حدّث عنه أبو غالب ابن بشران، يروي عن محمّد بن عثمان بن سمعان تاريخ بحشل »(١) ياقوت: في « جاذر »(٢) .

(٤٧)

رواية الناقد

وهو: أحمد بن عيسى بن الهيثم بن بابويه أبو بكر التمّار.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « سمع: أحمد بن علي البربهاري، وأبا مسلم الكجي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وأحمد بن يحيى الحلواني، والحسن بن علي المعمري، وجعفر بن محمّد الفريابي.

حدّثنا عنه: أبو الحسن بن رزقويه.

وكان ثقة »(٣) .

(٤٨)

رواية أبي القاسم القطيعي

وهو: إبراهيم بن محمّد بن الهيثم المتوفى سنة: ٣٠١.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « روى عنه: القاضي أبو عبد الله المحاملي، وأبو الحسين ابن المنادي، وعبد الصمد بن علي الطستي، وإسماعيل بن علي الخطبي،

____________________

(١). الأنساب - الجاذري ٣ / ١٥٧.

(٢). معجم البلدان ٢ / ٩٢.

(٣). تاريخ بغداد ٤ / ٢٨٣.


وغيرهم.

وذكره الدار قطني فقال: ثقة صدوق.

... كان حسن المعرفة بالحديث، وثقة متيقّظا، منزله في الجانب الغربي في قطيعة عيسى. كتب الناس عنه »(١) .

(٤٩)

رواية القرشي الكوفي

وهو: أبو الفتح هبة الله بن علي، المتوفى سنة ٣٠١ أو ٣٠٢.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « سكن بغداد، وحدّث بها عن القاضي أبي عبد الله ابن الهرواني، ومحمّد بن جعفر بن النّجار.

كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا »(٢) .

(٥٠)

رواية ابن متّويه

وهو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن الحسن الأصبهاني المتوفى سنة ٣٠٢.

وتعلم روايته من رواية أبي الشيخ وهو شيخه.

الذهبي : « الإمام المأمون القدوة إمام جامع أصبهان، كان من العبّاد والسادة، يسرد الصوم، وكان حافظا حجة، من معادن الصدق حدّث عنه: أبو الشيخ ابن حيان، وأبو القاسم الطبراني وقال أبو الشيخ: كان من

____________________

(١). تاريخ بغداد ٦ / ١٥٤.

(٢). تاريخ بغداد ١٤ / ٧٣


معادن الصدق. وقال أبو نعيم: كان من العبّاد الفضلاء. مات في جمادى الآخرة سنة ٣٠٢. قلت: نيف على الثمانين.رحمه‌الله »(١) .

وله تراجم في كثير من الكتب.

(٥١)

رواية ابن الأنباري

وهو: محمّد بن القاسم بن بشار النحوي المتوفى سنة ٣٠٤.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الخطيب : « كان ابن الأنباري، صدوقا ديّنا، من أهل السنّة »(٢) .

الذهبي : « الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون » ونقل كلمة الخطيب المذكورة وغيرها(٣) .

(٥٢)

رواية أبي الحسن ابن سراج

وهو: علي بن سراج الحرشي البصري المتوفى سنة ٣٠٨.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر وغيره.

الخطيب : « كان عارفا بأيام الناس وأحوالهم، حافظا »(٤) .

الذهبي : الإمام الحافظ البارع حدّث عنه: أبو بكر الشافعي، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد العسّال، وأبو بكر الجعابي، وأبو عمرو ابن حمدان، وعلي بن عمر السّكري، وآخرون.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٤ / ١٤٢.

(٢). تاريخ بغداد ٣ / ١٨١.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٧٤.

(٤). تاريخ بغداد ١١ / ٤٣١.


قال الدار قطني: كان يحفظ الحديث.

وقال الخطيب: كان عارفا بأيام الناس وأحوالهم حافظا.

وقيل: مات سنة ٣٠٨ في ربيع الأول.

إلّا أن الدار قطني قال: كان يشرب ويسكر »(١) .

(٥٣)

رواية الزيادي

وهو: عمر بن عبد الله بن عمر، المعروف بابن أبي حسان المتوفى سنة: ٣١٤.

وقد عرفت روايته من أسانيد ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « روى عنه: محمّد بن جعفر زوج الحرة، ومحمّد بن إسحاق القطيعي وأبو الحسن بن لؤلؤ، ومحمّد بن المظفّر، وعبد الله بن موسى الهاشمي، وأبو حفص ابن شاهين.

وكان ثقة »(٢) .

(٥٤)

رواية أبي الليث الفرائضي

وهو: نصر بن القاسم بن نصر بن زيد المتوفى سنة: ٣١٤.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « روى عنه أبو الحسين بن البوّاب المقرئ، وعمر بن محمّد ابن سبنك، وأبو الفضل الزهري، وأبو حفص ابن شاهين، وغيرهم.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٨٣.

(٢). تاريخ بغداد ١١ / ٢٢٤.


وكان ثقة مأمونا »(١) .

الذهبي : « الإمام العلاّمة المحدّث المقرئ كان إماما في الفقه كبير الشأن، حدّث عنه وقد وثّق »(٢) .

(٥٥)

رواية أبي الطيّب اللخمي

وهو: محمّد بن الحسين بن حميد بن الربيع بن مالك أبو الطيّب اللخمي المتوفى سنة: ٣١٨.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « أبو الطيّب اللخمي الكوفي، سكن بغداد وحدّث بها عن أخبرنا أحمد بن محمّد بن غالب قال: أنبأنا أبو يعلى الطوسي قال: محمّد بن الحسين بن حميد بن الربيع كان ثقة يفهم.

وكان ثقة صاحب مذهب حسن، وجماعة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر »(٣) .

(٥٦)

رواية ابن نيروز الأنماطي

وهو: أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن نيروز المتوفى سنة: ٣٠٨ أو ٣١٩.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي، والحافظ ابن عساكر.

____________________

(١). تاريخ بغداد ١٣ / ٢٩٥.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٤ / ٤٦٥.

(٣). تاريخ بغداد ٢ / ٢٣٦.


الخطيب : « روى عنه: أبو بكر محمّد بن عبد الله الشافعي، وعبيد الله بن أبي سمرة البغوي، ومحمّد بن إبراهيم بن حمدان العاقولي، ومحمّد بن عبيد الله بن الشخير الصيرفي، ومحمّد بن المظفر، وأبو الحسن الدار قطني، ويوسف بن عمر القواس.

وحدّثني الحسن بن محمّد الخلال: أن يوسف القوّاس ذكره في جملة شيوخه الثقات »(١) .

الذهبي : « ابن نيروز: الشيخ المسند الصدوق وثّقه القوّاس »(٢) .

(٥٧)

رواية المحاربي

وهو: أبو عبد الله محمّد بن القاسم بن زكريا المحاربي المتوفى سنة: ٣٢٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ المعمر المحدّث »(٣) .

ابن حجر : « عن علي بن المنذر الطريقي وجماعة. تكلّم فيه وقيل: كان مؤمنا بالرجعة حدّث عنه: الدار قطني، ومحمّد بن عبد الله القاضي الجعفي »(٤) .

قلت : إنّما تكلّم فيه لما قيل من أنّه كان مؤمنا بالرجعة، لكنّ إيمانه بذلك غير ثابت، وعلى فرضه فغير مضر، وإلاّ لما روى عنه مثل الدار قطني.

____________________

(١). تاريخ بغداد ١ / ٤٠٨.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٨.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٧٣

(٤). لسان الميزان ٥ / ٣٤٧.


(٥٨)

رواية الجوجيري

وهو: أبو جعفر محمّد بن عمر بن حفص الأصبهاني المتوفى سنة: ٣٣٠.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الجورجيري، الشيخ الصدّوق »(١) .

وله ترجمة في:

أخبار أصبهان ٢ / ٢٧٢، الأنساب ٣ / ٣٥٦ - الجورجيري. وغيرها.

(٥٩)

رواية ابن مخلد العطّار

وهو: أبو عبد الله محمّد بن مخلد بن حفص الدوري البغدادي المتوفى سنة: ٣٣١.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كان أحد أهل الفهم، موثوقا به في العلم، متسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، مذكورا بالعبادة »(٢) .

الذهبي : « الإمام الحافظ الثقة القدوة وكان موصوفا بالعلم والصلاح والصدق والاجتهاد في الطلب، طال عمره واشتهر اسمه وانتهى إليه العلو مع القاضي المحاملي ببغداد. سئل الدار قطني عنه فقال: ثقة مأمون »(٣) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٧١.

(٢). تاريخ بغداد ٣ / ٣١٠.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٥٦.


(٦٠)

رواية العبدي اللنباني

وهو: أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمر بن أبان الاصبهاني المتوفى سنة: ٣٣٢.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

السمعاني : « محدّث مشهور ثقة معروف مكثر »(١) .

الذهبي : « الإمام المحدّث ارتحل فسمع كثيرا من ابن أبي الدنيا وسمع المسند كلّه من ابن الإمام أحمد روى عنه توفي في ربيع الآخر سنة ٣٣٢ »(٢) .

(٦١)

رواية حمزة الهاشمي

وهو: أبو عمر حمزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي المتوفى سنة: ٣٣٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الخطيب : « كان ثقة مشهورا بالصّلاح، استسقى للناس فقال: اللهم إن عمر بن الخطاب استسقى بشيبة العباس فسقي، وهو أبي وأنا استسقي به. فجاء المطر وهو على المنبر »(٣) .

الذهبي : « الإمام القدوة إمام جامع المنصور روى عنه: الدار قطني،

____________________

(١). الأنساب ٥ / ١٤٢ - اللنباني.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٥ - ٣١١.

(٣). تاريخ بغداد ٨ / ١٨١.


وأبو الحسين ابن المتّيم قال الخطيب توفى سنة ٣٣٥ »(١) .

(٦٢)

رواية الزعفراني الواسطي

وهو: أبو عبد الله محمّد بن الحسين بن محمّد بن سعيد المتوفى سنة: ٣٣٧.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « قدم بغداد، وحدّث بها، فروى عنه من أهلها: عياش بن الحسن بن عياش مناقب الشافعي، تصنيف زكريا الساجي، وحدّثنا عنه القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، وكان سمع منه بالبصرة.

وكان ثقة »(٢) .

(٦٣)

رواية ابن شوذب البغدادي

وهو: أبو محمّد عبد الله بن عمر المتوفى سنة: ٣٤٢.

وتعلم روايته من أسانيد ابن المغازلي الفقيه الشافعي.

الذهبي : « المقرئ المحدّث ولد سنة ٤٩. قال أبو بكر أحمد بن بيري: ما رأيت أحدا أقرأ لكتاب الله منه »(٣) .

وله ترجمة في:

العبر ٢ / ٢٥٩، طبقات القراء ١ / ٤٣٧.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٣٧٤.

(٢). تاريخ بغداد ٢ / ٢٤٠.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٦٦.


(٦٤)

رواية ابن نجيح

وهو: أبو بكر محمّد بن العبّاس البغدادي البزّاز المتوفى سنة: ٣٤٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الخطيب : عن ابن رزقويه: « كان حافظا »(١) .

الذهبي : « المحدّث الإمام وصفه ابن رزقويه بالحفظ، مات في جمادى الآخرة سنة ٣٤٥»(٢) .

(٦٥)

رواية أبي العباس ابن محبوب

وهو: محمّد بن أحمد المحبوبي المروزي المتوفى سنه: ٣٤٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الإمام المحدّث، مفيد مرو، راوي جامع أبي عيسى عنه حدّث عنه: أبو عبد الله ابن مندة، وأبو عبد الله الحاكم وكانت الرحلة إليه في سماع الجامع.

وكان شيخ البلد ثروة وإفضالا قال الحاكم: سماعه صحيح »(٣) .

____________________

(١). تاريخ بغداد ٣ / ١١٨.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥١٣.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٣٧.


(٦٦)

رواية السوسي

هو: أبو بكر محمّد بن إسحاق، المتوفّى حدود سنة: ٣٥٠.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « قدم بغداد في إحدى وأربعين وثلاثمائة، وحدّث بها عن أحاديث مستقيمة. حدّثنا عنه: أبو الحسن بن رزقويه، وأبو الحسين ابن الفضل القطّان، وروى عنه أبو الحسن الدار قطني »(١) .

السمعاني : كذلك(٢) .

(٦٧)

رواية أبي جعفر ابن دحيم

وهو: محمّد بن علي الشيباني الكوفي المتوفى سنة: ٣٥٢.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « ابن دحيم، الشيخ الثقة المسند الفاضل محدّث الكوفة أبو جعفر محمّد بن علي بن دحيم الشيباني الكوفي.

سمع من إبراهيم بن عبد الله العبسي القصّار

حدّث عنه: الحاكم، وأبو بكر ابن مردويه

وكان أحد الثقات »(٣) .

____________________

(١). تاريخ بغداد ١ / ٢٥٨.

(٢). الأنساب ٣ / ٣٣٦ - السوّسي.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٣٦.


(٦٨)

رواية أبي بكر ابن خلاّد

وهو: أحمد بن يوسف النصيبي البغدادي المتوفى سنة: ٣٥٩.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « روى عنه: أبو الحسن الدار قطني، وحدّثنا عنه: أبو الحسن ابن رزقويه، و

كان ابن خلاد لا يعرف من العلم شيئا، غير أنّ سماعه كان صحيحا، سمعت أبا نعيم الحافظ يقول: حدّثنا أبو بكر ابن خلاد - وكان ثقة - قال

وكان ثقة، مضى أمره على جميل، ولم يكن يعرف الحديث »(١) .

الذهبي : « الشيخ الصدوق المحدّث، مسند العراق » ثم نقل ثقته.

عن الخطيب وأبي نعيم وابن أبي الفوارس(٢) .

(٦٩)

رواية الطوماري

وهو: أبو علي عيسى بن محمّد بن أحمد بن جريح المتوفى سنة: ٣٦٠.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « حدّث عن: أبي الحارث بن أسامة، والحسين بن فهم حدّثنا عنه: أبو الحسن بن رزقويه، وعلي بن عبد الله الهاشمي، وعلي بن أحمد الرزاز، وأبو علي ابن شاذان، وأبو عبد الله الخالع، ومحمّد بن جعفر بن علاّن،

____________________

(١). تاريخ بغداد ٥ / ٢٢٠.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٦٩.


وأحمد بن محمّد بن أبي جعفر الأخرم، وأبو نعيم الأصبهاني »(١) .

السمعاني : كذلك(٢) .

(٧٠)

رواية ابن عدي

وهو: أبو أحمد عبد الله بن عدي المتوفى سنة: ٣٦٥.

وتعلم روايته من إسناد الحافظ حمزة السّهمي.

الذهبي : « هو الإمام الحافظ الناقد الجوّال قال الحافظ ابن عساكر:

كان ثقة، على لحن فيه قال حمزة السهمي: كان ابن عدي حافظا متقنا، لم يكن في زمانه أحد مثله وقال أبو يعلى الخليلي: كان أبو أحمد عديم النظير حفظا وجلالة »(٣) .

وانظر:

طبقات السبكي ٣ / ٣١٥، مرآة الجنان ٢ / ٣٨١، طبقات الحفاظ: ٣٨٠.

(٧١)

رواية أبي الشيخ الأصبهاني

وهو: أبو محمّد عبد الله بن محمّد المتوفى سنة: ٣٦٩.

قال:

« حدّثنا إبراهيم قال: ثنا أحمد بن الوليد بن برد، قال عبد الله بن ميمون،

____________________

(١). تاريخ بغداد ١١ / ١٧٦.

(٢). الأنساب ٤ / ٨٢ - الطوماري.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٦ / ١٥٤.


عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: اهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه. فذكر الحديث »(١) .

ترجمته:

الذهبي: « أبو الشيخ: الإمام الحافظ الصادق عنه: ابن مندة، وابن مردويه، و

قال ابن مردويه: ثقة مأمون.

وقال أبو بكر الخطيب: كان أبو الشيخ حافظا ثبتا متقنا.

وقال أبو القاسم السوذرجاني: هو أحد عباد الله الصالحين، ثقة مأمون.

وقال أبو نعيم: كان أحد الأعلام وكان ثقة »(٢) .

(٧٢)

رواية أبي أحمد الحاكم

وهو: محمّد بن محمّد النيسابوري الكرابيسي صاحب الكنى المتوفى سنة: ٣٧٨.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « أبو أحمد الحاكم، الإمام الحافظ العلامة الثبت، محدّث خراسان، وكان من بحور العلم، حدّث عنه: أبو عبد الله الحاكم فقال: هو إمام عصره في هذه الصنعة، كثير التصنيف، مقدّم في معرفة شروط الصحيح والأسامي والكنى وكان مقدّما في العدالة أوّلا من الصّالحين الثابتين على سنن السلف، ومن المنصفين فيما نعتقده في أهل البيت

____________________

(١). طبقات المحدثين بأصبهان ٣ / ٤٥٤.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٢٧٦.


والصّحابة وهو حافظ عصره بهذه الديار »(١) .

وراجع:

المنتظم ٧ / ١٤٦، مرآة الجنان ٢ / ٤٠٨، طبقات الحفاظ: ٣٨٨.

(٧٣)

رواية محمّد بن المظفّر

هو: أبو الحسين محمّد بن المظفر بن موسى البغدادي، المتوفى سنة: ٣٧٩.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « كان حافظا فهما صادقا مكثرا أخبرني أحمد بن علي المحتسب: حدّثنا محمّد بن أبي الفوارس قال: كان محمّد بن المظفر ثقة أمينا مأمونا حسن الحفظ، وانتهى إليه الحديث وحفظه وعلمه قال العتيقي: وكان ثقة مأمونا حسن الخط »(٢) .

الذهبي : « الشيخ الحافظ المجوّد، محدّث العراق تقدّم في معرفة الرجال، وجمع وصنّف، وعمّر دهرا، وبعد صيته، وأكثر الحفّاظ عنه، مع الصدق والإتقان، وله شهرة ظاهرة، وإن كان ليس في حفظ الدار قطني »(٣) .

(٧٤)

رواية ابن معروف

وهو: عبيد الله بن أحمد بن معروف، قاضي القضاة ببغداد، المتوفى سنة

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ملخصا ١٦ / ٣٧٠.

(٢). تاريخ بغداد ٣ / ٢٦٢.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤١٨.


٣٨١.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « حدّث عن: يحيى بن محمّد بن صاعد، ومحمّد بن إبراهيم ابن نيروز، و حدّثنا عنه: أبو محمّد الخلاّل، والأزهري، والعتيقي

وكان ثقة.

قلت : كان من أجلاّء الرجال، وألبّاء الناس، مع تجربة وحنكة ومعرفة وفطنة، وبصيرة ثاقبة، وعزيمة ناصبة »(١) .

(٧٥)

رواية ابن المقرئ

وهو: أبو بكر محمّد بن إبراهيم الأصبهاني المتوفى سنة: ٣٨١.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الحافظ الجوّال الصدوق مسند الوقت

قال ابن مردويه في تاريخه: ثقة مأمون، صاحب أصول.

وقال أبو نعيم: محدّث كبير ثقة، صاحب مسانيد، سمع ما لا يحصى »(٢) .

وله ترجمة في:

أخبار أصبهان ٢ / ٢٩٧، الوافي بالوفيات ١ / ٣٤٢، طبقات الحفاظ: ٣٨٧ وغيرها.

____________________

(١). تاريخ بغداد ١٠ / ٣٦٥.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٣٩٨.


(٧٦)

رواية ابن حيّويه

وهو: أبو عمر محمّد بن العباس بن حيّويه الخراز المتوفى سنة: ٣٨٢.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « سمع: عبد الله بن إسحاق المدائني، ومحمّد بن محمّد بن سليمان الباغندي، ومحمّد بن خلف بن المرزبان، وإبراهيم بن محمّد الخنازيري، وأبا القاسم البغوي، وأبا بكر بن أبي داود، ويحيى بن محمّد بن صاعد، وخلقا يطول ذكرهم.

وكان ثقة، سمع الكثير، وكتب طول عمره، وروى المصنّفات الكبار ».

ثمّ حكى ثقته عن الأزهري، والعتيقي، والبرقاني. وقال مرة أخرى:

وكان ثقة متيقّظا(١) .

(٧٧)

رواية ابن شاذان البزّاز

وهو: أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان المتوفى سنة: ٣٨٣.

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « روى عنه: الدار قطني. وأخبرنا عنه: ابناه الحسن وعبد الله، وأحمد بن علي البادا، وأبو بكر البرقاني، وأبو القاسم الأزهري، وأبو محمّد الخلاّل، وجماعة سواهم.

____________________

(١). تاريخ بغداد ٣ / ١٢١.


وكان ثقة، ثبتا، صحيح السماع، كثير الحديث

سمعت الأزهري يقول: كان ابن شاذان ثقة ثبتا حجة

ثقة، مأمون، فاضل، كثير الكتب، صاحب أصول حسان »(١) .

(٧٨)

رواية ابن بيري الواسطي

وهو: أحمد بن عبيد بن الفضل بن سهل المتوفى حدود سنة: ٣٩٠.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

السمعاني : « بيري، وهو اسم جدّ أبي بكر أحمد بن عبيد بن الفضل بن سهل بن بيري الواسطي، ثقة صدوق من أهل واسط. روى مسند أحمد بن علي ابن سنان القطّان روى عنه »(٢) .

(٧٩)

رواية أبي طاهر المخلّص

وهو: محمّد بن عبد الرحمن البغدادي المتوفى سنة: ٣٩٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كان ثقة »(٣) .

الذهبي: « الشيخ المحدّث المعمّر الصّدوق »(٤) .

وراجع:

المنتظم ٧ / ٢٢٥، اللباب ٣ / ١٨١، النجوم الزاهرة ٤ / ٢٠٨.

____________________

(١). تاريخ بغداد ٤ / ١٨.

(٢). الأنساب ١ / ٤٣٠.

(٣). تاريخ بغداد ٢ / ٣٢٢.

(٤). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٧٨.


(٨٠)

رواية الإسماعيلي

وهو: أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي المتوفى سنة: ٣٩٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كان ثقة فاضلا، فقيها على مذهب الشافعي، وكان سخيّا جوادا مفضلا على أهل العلم، والرّياسة بجرجان اليوم في ولده وأهل بيته »(١) .

الذهبي : « العلاّمة شيخ الشافعيّة قال حمزة السّهمي: كان أبو سعد إمام زمانه، مقدّما في الفقه وأصوله والعربيّة والكتابة والشروط والكلام، صنّف في اصول الفقه كتابا كبيرا، وتخرّج به جماعة، مع الورع الثخين والمجاهدة والنصح للإسلام »(٢) .

(٨١)

رواية عبد الوهاب الكلابي

وهو: المعروف بابن أخي تبوك المتوفى سنة: ٣٩٦.

قال: « حدّثنا أبو يحيى زكريا بن أحمد البلخي قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم الحلواني قال: حدّثنا يوسف بن عدي قال: حدّثنا حماد بن المختار - من أهل الكوفة - عن عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال:

اهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير، فوضع بين يديه، فقال:

____________________

(١). تاريخ بغداد ٦ / ٣٠٩.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٨٧.


اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي، قال: فجاء علي بن أبي طالب فدقّ الباب، قلت: من ذا؟ قال: أنا علي. قال قلت: النبيّ على حاجة. فأتى ثلاث مرّات، كلّ ذلك يجئ فأردّه، فضرب الباب برجله فدخل، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هلمّ ما حبسك؟ قال: قد جئت ثلاث مرّات، كلّ ذلك يقول: النبيّ على حاجة. فقال لي: ما حملك على ذلك؟ قال قلت: كنت أحبّ أن يكون رجل من قومي »(١) .

ترجمته:

الذهبي : « الكلابي، المحدّث الصّادق المعمّر، أبو الحسين، عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد بن موسى الكلابي الدمشقي أخو تبوك. حدّث عن حدّث عنه ومات في ربيع الأول سنة ٣٩٦، وله ٩٠ تسعون سنة.

قاله عبد العزيز الكتّاني وقال:

كان ثقة نبيلا مأمونا »(٢) .

(٨٢)

رواية ابن طاوان

وهو: أبو بكر أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب المتوفى سنة:

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

السمعاني : « أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب بن طاوان البزاز الواسطي الطاواني، من أهل واسط، له رحلة إلى البصرة روى عنه: أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد بن محمّد النخشبي، وذكر أنّه سمع منه بواسط »(٣) .

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب. الحديث رقم: ١٨.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٥٥٧.

(٣). الأنساب - الطّاواني ٨ / ١٨٠.


(٨٣)

رواية المعدّل الواسطي

وهو: محمّد بن عثمان بن سمعان المتوفى سنة

وتعلم روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي.

الخطيب : « أدركته ولم يقض لي السّماع عنه، وكتب عنه أصحابنا: وكان ثقة »(١) .

(٨٤)

رواية ابن النجار التميمي الكوفي

وهو: أبو الحسن محمّد بن جعفر النحوي، المتوفّى سنة: ٤٠٢.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « من أهل الكوفة، قدم بغداد، وحدّث بها عن ومحمّد ابن القاسم بن زكريّا المحاربي قال العتيقي: ثقة »(٢) .

(٨٥)

رواية البرجي

وهو: الفرج عثمان بن أحمد البرجي المتوفى سنة: ٤٠٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

السمعاني : « والمشهور بها: أبو الفرج عثمان بن أحمد بن إسحاق بن بندار البرجي، من أهل أصبهان، كان ثقة، يروي عن: أبي جعفر محمّد بن

____________________

(١). تاريخ بغداد ٣ / ٥٢.

(٢). تاريخ بغداد ٢ / ١٥٨.


عمر بن حفص الجورجيري، روى عنه: أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي، وأبو مسعود سليمان بن إبراهيم الحافظ، وغيرهما. وتوفي ليلة الفطر من سنة ٤٠٦. وكانت ولادته سنة ٣١٢»(١) .

(٨٦)

رواية ابن البيّع

وهو: أبو محمّد عبد الله بن عبيد الله البغدادي المتوفى سنة: ٤٠٨.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ المعمّر، مسند بغداد حدّث عن القاضي أبي عبد الله المحاملي حدّث عنه: أبو الغنائم محمّد بن أبي عثمان

قال الخطيب: كان يسكن بدرب اليهود، وكان ثقة، لم ارزق السّماع منه، وأعرف لمـّا ذهبوا إليه، فلم أذهب لأجل الحر. مات في رجب سنة ٤٠٨ وله ٨٧ سنة »(٢) .

(٨٧)

رواية ابن أبي الجراح المروزي

وهو: أبو محمّد عبد الجبّار بن محمّد المرزباني الجرّاحي المتوفى سنة: ٤١٢.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الصالح الثقة قال أبو سعد السّمعاني: توفي سنة ٤١٢ إن شاء الله. قال: وهو صالح ثقة »(٣) .

____________________

(١). الأنساب ١ / ٣١١. البرجي.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٢١.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٥٧.


(٨٨)

رواية أبي علي ابن شاذان

وهو: أبو علي الحسن بن أبي بكر أحمد ابن شاذان البغدادي البزاز المتوفى سنة: ٤٢٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كتبنا عنه وكان صدوقا صحيح الكتاب، »(١) .

الذهبي : « الإمام الفاضل الصدوق مسند العراق حدّث عنه: الخطيب، والبيهقي، وأبو إسحاق الشيرازي و » ثم نقل ثقته عن غير واحد(٢) .

وله ترجمة في:

المنتظم ٨ / ٨٦، البداية والنهاية ١٢ / ٣٩، الجواهر المضيّة ٢ / ٣٨.

(٨٩)

رواية السّهمي

وهو: أبو القاسم حمزة بن يوسف الجرجاني المتوفى سنة: ٤٢٧ أو ٤٢٨.

قال:

« جعفر بن محمّد بن محمّد بن عامر، أبو محمّد الدينوري. روى بجرجان عن محمّد بن إسماعيل الأصفهاني. حدّثنا عبد الله بن عدي الحافظ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن محمّد الدّينوري - بجرجان - حدّثنا محمّد بن

____________________

(١). تاريخ بغداد ٧ / ٢٧٩.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤١٥.


إسماعيل الأصفهاني، حدّثنا أبو مكيس - يعني دينار - قال: سمعت أنس بن مالك يقول: اهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك.

وذكر الحديث »(١) .

ترجمته:

الذهبي : « الإمام الحافظ، المحدّث المتقن، المصنّف، محدّث جرجان حدّث عنه: أبو بكر البيهقي و وصنّف التصانيف، وتكلّم في العلل والرّجال »(٢) .

(٩٠)

رواية ابن السمسار

وهو: أبو الحسن علي بن موسى بن الحسين الدمشقي المتوفى سنة: ٤٣٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الجليل المسند العالم كان مسند أهل الشام في زمانه، حدّث عنه: عبد العزيز الكتّاني، وأبو نصر بن طلاب، وأبو القاسم المصيّصي، والحسن بن أحمد بن أبي الحديد، والفقيه نصر بن إبراهيم، وأحمد بن عبد المنعم الكريدي، وسعد بن علي الزنجاني، وآخرون.

قال الكتّاني: كان فيه تشيّع وتساهل. وقال أبو الوليد الباجي: فيه تشيع يفضي به إلى الرفض، وهو قليل المعرفة، في أصوله سقم.

مات ابن السمسار في صفر سنة ٤٣٣ وقد كمل التسعين، وتفرّد بالرواية عن ابن أبي العقب وطائفة، ولعلّ تشيّعه كان تقية لا سجيّة، فإنّه من بيت

____________________

(١). تاريخ جرجان: ١٧٦.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٦٩.


الحديث. ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض »(١) .

(٩١)

رواية أبي طالب السّوادي

وهو: محمّد بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر المتوفى سنة: ٤٤٥.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشّافعي.

الخطيب : « سمع أبا حفص ابن الزيّات، والحسين بن محمّد بن عبيد العسكري، وعلي بن محمّد بن لؤلؤ الورّاق، ومحمّد بن إسحاق القطيعي، ومحمّد بن المظفر، وأبا بكر ابن شاذان.

كتبنا عنه، وكان صدوقا »(٢) .

(٩٢)

رواية ابن العشّاري الحربي البغدادي

وهو: أبو طالب محمّد بن علي بن الفتح ابن العشّاري الحربي المتوفى سنة: ٤٥١.

وقد عرفت روايته من أسانيد الفقيه ابن المغازلي الشافعي.

الخطيب : « سمع: علي بن عمر السكري، وأبا حفص ابن شاهين، وأبا الحسن الدار قطني، ويوسف بن عمر القوّاس، وأبا الهيثم بن حبابة، وخلقا من هذه الطبقة.

كتبت عنه، وكان ثقة ديّنا صالحا »(٣) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٥٠٦.

(٢). تاريخ بغداد ١ / ٣١٩.

(٣). تاريخ بغداد ٣ / ١٠٧.


(٩٣)

رواية أبي سعد الجنزرودي

وهو: محمّد بن عبد الرحمن النيسابوري، المتوفى سنة: ٤٥٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الفقيه، الإمام الأديب، النحوي، الطبيب، مسند خراسان عنه: البيهقي: والسّكري، وروى الكثير، وانتهى إليه علوّ الإسناد. حدّث عنه: إسماعيل بن عبد الغافر »(١) .

وله ترجمة في:

الأنساب ١٠ / ٤٧٩، الوافي بالوفيات ٣ / ٢٣١، بغية الوعاة ١ / ١٥٧.

(٩٤)

رواية أبي محمّد الجوهري

وهو: الحسن بن علي بن محمّد أبو محمّد، المتوفى سنة: ٤٥٤.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كتبنا عنه وكان ثقة أمينا كثير السّماع »(٢) .

الذهبي : « الشيخ الإمام، المحدّث الصدوق، مسند الآفاق وكان من بحور الرواية، روى الكثير، وأملى مجالس عدّة »(٣) .

وله ترجمة في:

المنتظم ٨ / ٢٢٧، الكامل في التاريخ ١٠ / ٢٤، اللباب ١ / ٣١٣.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٠١.

(٢). تاريخ بغداد ٧ / ٣٩٣.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٦٨.


(٩٥)

رواية سبط بحرويه

وهو: إبراهيم بن منصور السّلمي الكرّاني الاصبهاني المتوفى سنة: ٤٥٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الصالح، الثقة المعمر، أبو القاسم سمع مسند أبي يعلى الموصلي من أبي بكر بن المقرئ، وكتاب التفسير لعبد الرزاق.

حدّث عنه: يحيى بن مندة وقال: كانرحمه‌الله صالحا عفيفا، ثقيل السمع، مات في ربيع الأول سنة ٤٥٥.

قلت : وحدّث عنه أيضا: وفاطمة العلوية أم المجتبى، وآخرون »(١) .

(٩٦)

رواية ابن الآبنوسي

وهو: أبو الحسين محمّد بن أحمد البغدادي المتوفى سنة: ٤٥٧.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كتبت عنه وكان سماعه صحيحا »(٢) .

الذهبي : « الشيخ الثقة أبو الحسين سمع أبا القاسم ابن حبابة، والدار قطني، وابن شاهين قال الخطيب »(٣) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٧٣.

(٢). تاريخ بغداد ١ / ٣٥٦.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٨٥.


(٩٧)

رواية أبو الحسن الحسن آبادي

وهو: علي بن محمّد بن أحمد المعروف بابن أبي عيسى، المتوفى بعد سنة: ٤٦٠.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

السمعاني : « كان شيخا ثقة صدوقا مكثرا من الحديث، يرجع إلى فضل ودراية روى لنا عنه ابن عمّه أبو الخير عبد السلام »(١) .

(٩٨)

رواية ابن المهتدي

وهو: أبو الحسين محمّد بن علي العبّاسي البغدادي المتوفى سنة: ٤٦٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كتبت عنه وكان فاضلا نبيلا ثقة صدوقا، وولي القضاء بمدينة المنصور وما اتّصل بها، وهو ممن اشتهر ذكره وشاع أمره بالصلاح والعبادة، حتى كان يقال له: راهب بني هاشم »(٢) .

الذهبي : « الإمام العالم الخطيب، المحدّث الحجة، مسند العراق » ثم نقل ثقته عن: الخطيب والسمعاني، وأبيّ النرسي، وابن خيرون وغيرهم(٣) .

____________________

(١). الأنساب ٢ / ٢٢٠ - الحسن آبادي.

(٢). تاريخ بغداد ٣ / ١٠٨.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٤١.


وتوجد ترجمته أيضا في:

المنتظم ٨ / ٢٨٣، الوافي بالوفيات ٤ / ١٣٧، الكامل ١٠ / ٨٨.

(٩٩)

رواية الكتّاني

وهو: أبو محمّد عبد العزيز بن أحمد التميمي الدمشقي المتوفى سنة: ٤٦٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الكتّاني، الإمام الحافظ المفيد، الصدوق، محدّث دمشق، حدّث عنه: الخطيب، والحميدي، وأبو الفتيان الدهستاني، وأبو القاسم النسيب، وهبة الله ابن الأكفاني

وجمع وصنف، ومعرفته متوسطة، وأول سماعه في سنة ٤٠٧.

قال ابن ماكولا: كتب عنّي وكتبت عنه، وهو مكثر متقن.

وقال الخطيب: ثقة أمين.

وقال ابن الأكفاني: كان كثير التلاوة، صدوقا، سليم المذهب »(١) .

(١٠٠)

رواية ابن النقور

وهو: أبو الحسين أحمد بن محمّد البغدادي البزّاز المتوفى سنة: ٤٧٠.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الخطيب : « كان صدوقا »(٢) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٤٨.

(٢). تاريخ بغداد ٤ / ٣٨١.


الذهبي: « الشيخ الجليل، الصدوق، مسند العراق وكان صحيح السماع، متحريّا في الرواية » ثم نقل ثقته عن جماعة(١) .

ابن الجوزي : كذلك(٢) .

(١٠١)

رواية أبي المظفر الكوسج

وهو: محمود بن جعفر التميمي الأصبهاني المتوفى سنة: ٤٧٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « روى عن: عم أبيه الحسين بن أحمد، والحسين بن علي ابن البغدادي. وعنه: إسماعيل بن محمّد الحافظ

عدل مرضي. توفي سنة ٤٧٣ »(٣) .

(١٠٢)

رواية أبي القاسم ابن مسعدة

وهو: إسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني المتوفى سنة: ٤٧٤.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الإمام المفتي، الرئيس وكان صدرا، معظّما، إماما، وعاظا، بليغا، له النظم والنثر، وسعة العلم. روى ابن السمرقندي عنه كتاب الكامل لا بن عدي »(٤) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٣٧٢.

(٢). المنتظم ٨ / ٣١٤.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٤٤٩.

(٤). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٥٦٤.


وله ترجمة في:

المنتظم ٩ / ١٠، الوافي بالوفيات ٩ / ٢٢٣، الكامل ١٠ / ١٤١.

(١٠٣)

رواية الغورجي

وهو: أبو بكر أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل المتوفى سنة: ٤٨١.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الثقة الجليل وثّقه المحدّث الحسين بن محمّد الكتبي. توفي في ذي الحجة سنة ٤٨١ بهراة، وهو في عشر التسعين »(١) .

وله ترجمة في:

المنتظم ٩ / ٤٤، الكامل ١٠ / ١٦٨، اللباب ٢ / ٣٩٣ وغيرها.

(١٠٤)

رواية أبي نصر الترياقي

وهو: عبد العزيز بن محمّد الهروي المتوفى سنة: ٤٨٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الإمام الأديب المعمّر الثقة »(٢) .

وله ترجمة في:

الأنساب ٣ / ٥٠، العبر ٣ / ٣٠٢، معجم البلدان ٢ / ٢٨.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٧.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٦.


(١٠٥)

رواية أبي الغنائم الدقاق

وهو: محمّد بن علي بن الحسن البغدادي المتوفى سنة: ٤٨٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الجليل، الصالح، المسند، وكان خيّرا ديّنا، كثير السماع »(١) .

وله ترجمة في:

المنتظم ٩ / ٥٤، الوافي بالوفيات ٤ / ١٤١، شذرات الذهب ٣ / ٣٦٩.

(١٠٦)

رواية ابن خلف

وهو: أبو بكر أحمد بن علي النيسابوري، المتوفى سنة: ٤٨٧.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ العلاّمة النحوي سمع في سنة ٤٠٤ ثم بعدها من أبي عبد الله الحاكم قال عبد الغافر أما شيخنا ابن خلف فهو الأديب المحدّث، المتقن، الصحيح السماع، أبو بكر، ما رأينا شيخا أروع منه، ولا أشدّ إتقانا، حصل على خطّ وافر من العربية، وكان لا يسامح في فوات لفظة مما يقرأ عليه، ويراجع في المشكلات، ويبالغ، رحل إليه العلماء، سمّعه أبوه الكثير، وأملى على الصحة، وسمعنا منه الكثير.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٥٨٩.


قال إسماعيل بن محمّد الحافظ: كان حسن السّيرة، من أهل الفضل والعلم، محتاطاً في الأخذ، ثقةً.

وقال السمعاني: كان فاضلاً، عارفاً باللّغة والأدب ومعاني الحديث، في كمال العفّة والورع.

مات في ربيع الأول سنة ٤٨٧ »(١) .

(١٠٧)

رواية القاضي الأزدي

وهو: أبو عامر محمود بن القاسم المهلَّبي الهروي الشافعي المتوفى سنة: ٤٨٧.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الإِمام المسند القاضي أبو عامر من كبار أئمة المذهب، حدّث بجامع الترمذي عن عبد الجبّار الجرّاحي. قال أبو النضر الفامي: شيخ عديم النظير زهداً وصلاحاً وعفّةً قال السمعاني: هو جليل القدر كبير المحلّ عالم فاضل وقال أبو جعفر بن أبي علي: كان شيخ الإِسلام يزور أبا عامر ويعوده إذا مرض ويتبرَّك بدعائه »(٢) .

وله ترجمة في:

طبقات السبكي ٥ / ٣٢٧، العبر ٣ / ٣١٨ وغيرهما.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٤٧٨.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٢.


(١٠٨)

رواية ابن سوسن

وهو: أبو بكر أحمد بن المظفر بن حسين التمّار المتوفى سنة: ٥٠٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ المعمّر حدّث عن: أبي علي ابن شاذان، وأبي القاسم الحرفي، وعبد الملك بن بشران. حدّث عنه: إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطي، وأبو طاهر السلفي، ويحيى بن شاكر، وآخرون.

قال: الأنماطي: شيخ مقارب »(١) .

(١٠٩)

رواية اسماعيل ابن البيهقي

وهو: أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين، المتوفى سنة: ٥٠٧.

وتعلم روايته من أسناد الخوارزمي المكي.

ابن الجوزي : « كان فاضلاً مرضي الطريقة »(٢) .

الذهبي : « الفقيه الإِمام، شيخ القضاة، وكان عارفاً بالمذهب، مدرساً، جليل القدر ...»(٣) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٤١.

(٢). المنتظم ١٧ / ١٣٤ حوادث ٥٠٧.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣١٣.


(١١٠)

رواية ابن الأكفاني

وهو: أبو محمّد هبة بن أحمد الأنصاري الدمشقي المتوفى سنة: ٥٢٤.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الإِمام، المفنّن المحدّث الأمين، مفيد الشام، أبو محمّد حدّث عنه ابن عساكر قال ابن عساكر: سمعت منه الكثير وكان ثقة ثبتاً متيقظاً، معنيّاً بالحديث وجمعه وقال السلفي: هو حافظ مكثر ثقة، كان تاريخ الشام، كتب الكثير »(١) .

وله ترجمة في عدّةٍ من المصادر.

(١١١)

رواية ابن البنّاء

وهو: أحمد بن الحسن بن أحمد البغدادي المتوفى سنة: ٥٢٧.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الصالح الثقة، مسند بغداد سمع أبا محمّد الجوهري، وتفرّد عنه بأجزاء عالية، وأبا الحسين ابن حسنون النرسي، والقاضي أبا يعلى ابن الفرّاء حدّث عنه: السلفي، وابن عساكر، وأبو موسى المديني

وكان من بقايا الثّقات »(٢) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٥٧٦.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٦٠٣.


(١١٢)

رواية زاهر بن طاهر

وهو: النيسابوري الشحامي المتوفى سنة: ٥٣٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ العالم، المحدّث المفيد المعمّر، مسند خراسان الشاهد روى الكثير، واستملى على جماعة، وخرّج، وجمع، وانتقى وكان ذا حبٍّ للرّواية، فرحل لمـّا شاخ، وروى الكثير ببغداد، وبهراة، وأصبهان، وهمدان، والري، والحجاز، ونيسابور قال أبو سعد السمعاني:

كان مكثراً متيقظاً، ورد علينا بمرو قصداً للرواية بها، وخرج معي إلى أصبهان، لا شغل له إلّا الرواية بها، وازدحم عليه الخلق، وكان يعرف الأجزاء، وجمع ونسخ وعمر، قرأت عليه تاريخ نيسابور في أيام قلائل ولكنّه كان يخلُّ بالصلوات إخلالاً ظاهراً »(١) .

(١١٣)

رواية أُم المجتبى

وهي: فاطمة العلوية بنت ناصر الاصبهانية، المتوفاة سنة: ٥٣٣.

ويعلم روايتها من أسانيد ابن عساكر.

وهي شيخة ابن عساكر والسمعاني، إذ قال في ترجمتها: « امرأة علوية معمرة، كتبت عنها باصبهان، وماتت في سنة ٥٣٣ »(٢) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٩.

(٢). التحبير ٢ / ٤٣٤ باختصار.


(١١٤)

رواية ابن زريق

وهو: أبو منصور عبد الرحمن بن أبي غالب البغدادي القزّاز المتوفى سنة ٥٣٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ الجليل الثقة راوي تاريخ الخطيب وله مشيخة حدّث عنه: ابن عساكر، والسمعاني وكان شيخاً صالحاً متودّداً، سليم القلب، حسن الأخلاق، صبوراً، مشتغلاً بما يعنيه وكان صحيح السماع، أثنى عليه السمعاني وغيره »(١) .

وله ترجمة في:

المنتظم ١٠ / ٩٠، الأنساب - الزريقي، العبر ٤ / ٩٥، مرآة الزّمان ٨ / ١٠٧.

(١١٥)

رواية أبي القاسم ابن السمرقندي

وهو: إسماعيل بن أحمد الدمشقي البغدادي المتوفى سنة: ٥٣٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر وغيره.

الذهبي : « الشيخ الإِمام المحدّث المفيد المسند، حدّث عنه: السلفي، وابن عساكر، والسمعاني،

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٦٩.


قال السمعاني: قرأت عليه الكتب الكبار والأجزاء، وسمعت أبا العلاء العطّار بهمدان يقول: ما أعدل بأبي القاسم ابن السمرقندي أحداً من شيوخ العراق وخراسان.

وقال عمر البسطامي: أبو القاسم إسناد خراسان والعراق

قال ابن عساكر: كان ثقة مكثراً، صاحب أُصول، دلّالاً في الكتب

قال السلفي: هو ثقة »(١) .

(١١٦)

رواية أبي الفتح الهروي

وهو: عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله الكروخي المتوفى سنة: ٥٤٨.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الإِمام الثقة قال السمعاني: هو شيخ صالح، ديّن خيّر، حسن السيرة، صدوق، ثقة، قرأت عليه »(٢) .

وله ترجمة في:

المنتظم ١٠ / ١٥٤، تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٣١٣، الكامل في التاريخ ١١ / ١٩٠.

(١١٧)

رواية أبي سعد ابن أبي صالح

وهو: عبد الوهاب بن الحسن الكرماني المتوفى سنة: ٥٥٩.

وتعلم روايته من أسانيد ابن عساكر الحافظ.

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٢٨.

(٢). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٢٧٣.


الذهبي : « الشيخ الصالح المعمر أبو سعد سمع من أبي بكر ابن خلف وتفرّد في وقته، حدّث عنه: السمعاني وجماعة. توفي سنة ٥٥٩ »(١) .

(١١٨)

رواية أبي الخير الباغبان

وهو: محمّد بن أحمد الأصبهاني المتوفى سنة: ٥٥٩.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ ابن عساكر.

الذهبي : « الشيخ المعمر الثقة الكبير حدّث عنه: السمعاني و قال ابن نقطة: هو ثقة صحيح السّماع »(٢) .

وله ترجمة في:

الوافي بالوفيات ٢ / ١١١، النجوم الزاهرة ٦ / ٣٦٦، العبر ٤ / ١٦٨.

(١١٩)

رواية أبي زرعة المقدسي

وهو: طاهر بن محمّد بن طاهر الشيباني المقدسي المتوفى سنة: ٥٦٦.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ العالم المسند الصّدوق أبو زرعة كان يقدم بغداد، ويحدّث بها، وتفرّد بالكتب والأجزاء حدّث عنه: السمعاني، وابن الجوزي وأبو بكر محمّد بن سعيد ابن الخازن، وآخرون.

... قال ابن النجار كان شيخاً صالحاً »(٣) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٣٣٩.

(٢). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٣٧٨.

(٣). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٥٠٣.


(١٢٠)

رواية ابن شاتيل

وهو: أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله البغدادي الدبّاس المتوفى سنة: ٥٨١.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الجليل المسند المعمر عمّر دهراً وتفرّد ورحلوا إليه انتهى إليه علوّ الإِسناد، حدّث عنه: السمعاني، وابن الأخضر، والشيخ الموفّق، و »(١) .

(١٢١)

رواية ابن الأخضر

وهو: عبد العزيز بن أبي نصر محمود الجنابذي البغدادي المتوفى سنة: ٦١١.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الإمام العالم المحدّث الحافظ المعمر مفيد العراق صنّف وجمع وكتب عن أقرانه، وحدّث نحواً من ستّين عاماً، وكان ثقة فهماً خيّراً ديّناً عفيفاً » ثم نقل ثقته عن ابن نقطة وابن النّجار(٢) .

وله ترجمة في كثير من الكتب الرجاليّة، والتاريخية، مثل:

الكامل ١٢ / ١٢٦، تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٣٨٣، النجوم الزاهرة ٦ / ٢١١

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢١ / ١١٧.

(٢). سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٣١.


(١٢٢)

رواية المراتبي

وهو: أبو غالب منصور بن أحمد الخلّال ابن المعوّج المتوفى سنة: ٦٤٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ أبو غالب سمع روى عنه: مجد الدين ابن العديم وبالإِجازة الفخر ابن عساكر، وأبو المعالي ابن البالسي، والقاضي الحنبلي، وعيسى المطعّم، وابن سعد، وأحمد بن الشحنة، وستُّ الفقهاء الواسطية.

توفي في جمادى الآخرة سنة ٦٤٣ »(١) .

وله ترجمة في:

العبر ٥ / ١٨١، النجوم الزاهرة ٦ / ٣٥٥ وغيرهما.

(١٢٣)

رواية ابن الخازن

وهو: أبو بكر محمّد بن سعيد بن الموفق النيسابوري البغدادي المتوفى سنة: ٦٤٣.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الشيخ الجليل الصالح المسند سمع أبا زرعة المقدسي و حدّث عنه وكان شيخاً صيّناً متديّناً مسمتاً »(٢) .

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢٣ / ٢٢٠.

(٢). سير أعلام النبلاء ٢٣ / ١٢٤.


وله ترجمة في:

تاريخ بغداد لا بن الدبيثي ١ / ٢٨٣، النجوم الزاهرة ٦ / ٣٥٥، العبر ٥ / ١٧٩.

(١٢٤)

رواية الباذرائي

وهو: أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن حسن البغدادي المتوفى سنة: ٦٥٥.

وتعلم روايته من أسانيد الحافظ الكنجي.

الذهبي : « الإِمام قاضي القضاة قال أبو شامة: وكان فقيهاً عالماً ديّناً متواضعاً دمث الأخلاق منبسطاً »(١) .

وله ترجمة في:

طبقات السبكي ٨ / ١٥٩، البداية والنهاية ١٣ / ١٩٦، ذيل مرآة الزمان ١ / ٧٠ - ٧٢، العبر ٥ / ٢٢٣.

(١٢٥)

رواية ابن كثير

وهو: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي المتوفى سنة: ٧٧٤.

قال:

« حديث الطير: وهذا الحديث قد صنّف الناس فيه، وله طرق متعددة، في كلٍّ منها نظر، ونحن نشير إلى شيء من ذلك:

قال الترمذي: حدّثنا سفيان بن وكيع، ثنا عبد الله بن موسى، عن عيسى

____________________

(١). سير أعلام النبلاء ٢٢ / ٣٣٢.


ابن عمر، عن السدّي عن أنس قال: « كان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء علي فأكل معه، ثم قال الترمذي: غريبُ لا نعرفه من حديث السدّي إلّا من هذا الوجه، قال: وقد روي من غير وجه عن أنس.

وقد رواه أبو يعلى: عن الحسن بن حمّاد، عن مسهر بن عبد الملك، عن عيسى بن عمر، به.

وقال أبو يعلى: ثنا قطن بن بشير، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا عبد الله بن مثنى، ثنا عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجل مشوي بخبزة وضيافة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام. فقالت عائشة: اللّهم اجعله أبي، وقالت حفصة: اللّهم اجعله أبي، وقال أنس: وقلت: اللّهم اجعله سعد بن عبادة، قال أنس: فسمعت حركةً بالباب، فقلت: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، فانصرف. ثم سمعت حركة بالباب فخرجت فإذا علي بالباب، فقلت: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، فانصرف. ثم سمعت حركة بالباب، فسلّم علي فسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوته فقال: انظر من هذا؟ فخرجت فإذا هو علي، فجئت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرته فقال: ائذن له يدخل عليّ، فأذنت له فدخل، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم وال من والاه ».

ورواه الحاكم في مستدركه، عن أبي علي الحافظ، عن محمّد بن أحمد الصفار وحميد بن يونس الزيات، كلاهما عن محمّد بن أحمد بن عياض، عن أبي غسان أحمد بن عياض، عن أبي ظبية، عن يحيى بن حسان، عن سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس فذكره، وهذا إسناد غريب. ثم قال الحاكم: هذا الحديث على شرط البخاري ومسلم. وهذا فيه نظر، فإن أبا


علاثة محمّد بن أحمد بن عياض هذا غير معروف، لكن روى هذا الحديث عنه جماعة، عن أبيه، وممن رواه عنه أبو القاسم الطبراني ثم قال: تفرد به عن أبيه والله أعلم.

قال الحاكم: وقد رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفساً. قال شيخنا الحافظ الكبير أبو عبد الله الذهبي: فصلهم بثقة يصحّ الإِسناد إليه. ثم قال الحاكم: وصحّت الرواية عن علي وأبي سعيد وسفينة، قال شيخنا أبو عبد الله: لا - والله - ما صح شيء من ذلك.

ورواه الحاكم من طريق إبراهيم بن ثابت القصار - وهو مجهول - عن ثابت البناني عن أنس قال: دخل محمّد بن الحجاج، فجعل يسب علياً، فقال أنس: اُسكت عن سب علي، فذكر الحديث مطولاً، وهو منكر سنداً ومتناً. لم يورد الحاكم في مستدركه غير هذين الحديثين.

وقد رواه ابن أبي حاتم، عن عمار بن خالد الواسطي، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس. وهذا أجود من إسناد الحاكم.

ورواه عبد الله بن زياد أبو العلاء، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أنس بن مالك. فقال: اُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. فذكر نحوه.

ورواه محمّد بن مصفى، عن حفص بن عمر، عن موسى بن سعيد، عن الحسن، عن أنس فذكره.

ورواه علي بن الحسن الشامي، عن خليل بن دعلج، عن قتادة، عن أنس بنحوه.

ورواه أحمد بن يزيد الورتنيس، عن زهير، عن عثمان الطويل، عن أنس فذكره.


ورواه عبيد الله بن موسى، عن سكين بن عبد العزيز، عن ميمون أبي خلف، حدّثني أنس بن مالك فذكره. قال الدار قطني: من حديث ميمون أبي خلف تفرد به سكين بن عبد العزيز.

ورواه الحجاج بن يوسف بن قتيبة، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس.

ورواه ابن يعقوب إسحاق بن الفيض، ثنا المضاء بن الجارود، عن عبد العزيز بن زياد: أن الحجاج بن يوسف دعا أنس بن مالك من البصرة، فسأله عن علي بن أبي طالب فقال: اهدي للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر فأمر به فطبخ وصنع فقال: اللهم ائتني بأحبّ الخلق إليّ يأكل معي. فذكره.

وقال الخطيب البغدادي: أنا الحسن بن أبي بكير، أنا أبو بكر محمّد بن العباس بن نجيح، ثنا محمّد بن القاسم النحوي أبو عبد الله، ثنا أبو عاصم، عن أبي الهندي عن أنس فذكره.

ورواه الحاكم بن محمّد، عن محمّد بن سليم، عن أنس بن مالك. فذكره.

وقال أبو يعلى: حدّثنا الحسن بن حماد الوراق، ثنا مسهر بن عبد الملك ابن سلع - ثقة - ثنا عيسى بن عمر، عن إسماعيل السدي: أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده طائر فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء أبو بكر فردّه، ثم جاء عمر فردّه، ثم جاء عثمان فردّه، ثم جاء علي فأذن له.

وقال أبو القاسم بن عقدة: ثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، ثنا يوسف ابن عدي، ثنا حماد بن المختار الكوفي، ثنا عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال: اهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر فوضع بين يديه فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي قال: فجاء علي فدّق الباب، فقلت من ذا؟ فقال: أنا علي، فقلت: إن رسول الله على حاجة. حتى فعل ذلك


ثلاثاً، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما حبسك؟ فقال: قد جئت ثلاث مرات فيحبسني أنس، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما حملك على ذلك؟ قال قلت: كنت أحب أن يكون رجلاً من قومي.

وقد رواه الحاكم النيسابوري، عن عبدان بن يزيد، عن يعقوب الدقاق، عن إبراهيم بن الحسين الشامي، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن حسين ابن سليمان، عن عبد الملك بن عمير، عن أنس فذكره. ثم قال الحاكم: لم نكتبه إلّا بهذا الإِسناد.

وساقه ابن عساكر من حديث الحرث بن نبهان، عن إسماعيل - رجل من أهل الكوفة - عن أنس بن مالك فذكره. ومن حديث حفص بن عمر المهرقاني، عن الحكم بن شبير بن إسماعيل أبي سليمان - أخي إسحاق بن سليمان الرازي - عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس فذكره، ومن حديث سليمان بن قرم، عن محمّد بن علي السلمي، عن أبي حذيفة العقيلي، عن أنس فذكره.

وقال أبو يعلى: ثنا أبو هشام، ثنا ابن فضيل، ثنا مسلم الملائي، عن أنس قال: أهدت أُم أيمن إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيراً مشوياً فقال: اللّهم ائتني بمن تحبه يأكل معي من هذا الطير، قال أنس: فجاء علي فاستأذن فقلت: هو على حاجته، فرجع ثم عاد فاستأذن فقلت: هو على حاجته فرجع، ثم عاد فاستأذن فسمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوته فقال: ائذن له فدخل - وهو موضوع بين يديه - فأكل منه وحمد الله.

فهذه طرق متعددة عن أنس بن مالك، وكل منها فيه ضعف ومقال.

وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي - في جزء جمعه في هذا الحديث بعد ما أورد طرقاً متعددة نحواً مما ذكرنا -: ويروى هذا الحديث من وجوه باطلة أو مظلمة عن: حجاج بن يوسف، وأبى عاصم خالد بن عبيد، ودينار أبى كيسان،


وزياد بن محمّد الثقفي، وزياد العبسي، وزياد بن المنذر، وسعد بن ميسرة البكري، وسليمان التيمي، وسليمان بن علي الأمير، وسلمة بن وردان، وصباح ابن محارب، وطلحة بن مصرف، وأبي الزناد، وعبد الأعلى بن عامر، وعمر بن راشد، وعمر بن أبي حفص الثقفي الضرير، وعمر بن سليم البجلي، وعمر بن يحيى الثقفي، وعثمان الطويل، وعلي بن أبي رافع، وعيسى بن طهمان، وعطية العوفي، وعباد بن عبد الصمد، وعمار الدّهني، وعباس بن علي، وفضيل بن غزوان، وقاسم بن جندب، وكلثوم بن جبر، ومحمّد بن علي الباقر، والزهري، ومحمّد بن عمرو بن علقمة، ومحمّد بن مالك الثقفي، ومحمّد بن جحادة، وميمون بن مهران، وموسى الطويل، وميمون بن جابر السلمي، ومنصور بن عبد الحميد، ومعلى بن أنس، وميمون أبي خلف الجراف، وقيل أبو خالد، ومطر بن خالد، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر، وموسى بن عبد الله الجهني، ونافع مولى ابن عمر، والنضر بن أنس بن مالك، ويوسف بن إبراهيم، ويونس بن حيان، ويزيد بن سفيان، ويزيد بن أبي حبيب، وأبي المليح، وأبي الحكم، وأبي داود السبيعي، وأبي حمزة الواسطي، وأبي حذيفة العقيلي، وإبراهيم بن هدبة.

ثم قال بعد أن ذكر الجميع: الجميع بضعة وتسعون نفساً، أقربها غرائب ضعيفة، وأردؤها طرق مختلقة مفتعلة، وغالبها طرق واهية.

وقد روي من حديث سفينة مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال أبو القاسم البغوي وأبو يعلى الموصلي قالا: حدّثنا القواريري، ثنا يونس بن أرقم، ثنا مطير بن أبي خالد، عن ثابت البجلي، عن سفينة مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أهدت امرأة من الأنصار طائرين بين رغيفين - ولم يكن في البيت غيري وغير أنس - فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدعا بغدائه. فقلت: يا رسول الله، قد أهدت لك امرأة من الأنصار هدية، فقدمت الطائرين إليه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك


إليك وإلى رسولك، فجاء علي بن أبي طالب فضرب الباب خفياً فقلت: من هذا؟ قال أبو الحسن، ثم ضرب الباب ورفع صوته فقال رسول الله من هذا: قلت علي بن أبي طالب. قال: افتح له، ففتحت له فأكل معه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الطيرين حتى فنيا.

وروي عن ابن عباس، فقال أبو محمّد يحيى بن محمّد بن صاعد: ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا حسين بن محمّد، ثنا سليمان بن قرم، عن محمّد بن شعيب، عن داود بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس قال: إن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتي بطائر فقال: اللّهم ائتني برجل يحبه الله ورسوله. فجاء علي فقال: اللّهم وإليَّ.

وروي عن علي نفسه فقال عباد بن يعقوب: ثنا عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: أُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير يقال له الحبارى، فوضعت بين يديه - وكان أنس بن مالك يحجبه - فرفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده إلى الله ثم قال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. قال فجاء علي فاستأذن فقال له أنس: إن رسول الله يعني على حاجته، فرجع. ثم أعاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدعاء، فرجع. ثم دعا الثالثة فجاء علي فأدخله، فلما رآه رسول الله قال: اللّهم وإليَّ. فأكل معه. فلما أكل رسول الله وخرج علي قال أنس: تبعت علياً فقلت: يا أبا الحسن استغفر لي فإن لي إليك ذنباً، وإن عندي بشارة، فأخبرته بما كان من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحمد الله واستغفر لي ورضي عني، أذهب ذنبي عنده بشارتي إياه.

ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، أورده ابن عساكر من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن ابن لهيعة.، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر. فذكره بطوله.

وقد روي أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري - وصححه الحاكم - ولكن


إسناده مظلم. وفيه ضعفاء.

وروي من حديث حبشي بن جنادة. ولا يصح أيضاً.

ومن حديث يعلى بن مرة، والإِسناد إليه مظلم.

ومن حديث أبي رافع نحوه. وليس بصحيح.

وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم: أبو بكر بن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمّد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذّهبي، ورأيت فيه مجلداً في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في ردّه وتضعيفه سنداً ومتناً للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم.

وبالجملة، ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه.

والله أعلم »(١) .

ترجمته:

وتوجد ترجمته والثناء عليه في:

١ - الدرر الكامنة ١ / ٣٩٩.

٢ - طبقات ابن قاضي شهبة ٢ / ١١٣.

٣ - طبقات الحفّاظ: ٥٢٩.

٤ - طبقات المفسّرين ١ / ١١٠.

وهي مشحونة بالثناء والإِكبار والتوثيق ولا حاجة إلى نقلها.

____________________

(١). تاريخ ابن كثير ٧ / ٣٥١ - ٣٥٤.


(١٢٦)

رواية العاقولي

وهو: محمّد بن محمّد بن عبد الله العاقولي المتوفى سنة: ٧٩٧.

قال:

« عن أنس قال: كان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال:

اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطائر. فجاء علي فأكل معه.

أخرجه الترمذي »(١) .

ترجمته:

وكان العاقولي فقيهاً، محدّثاً، أديباً، له مصنَّفات، منها الردّ على الرافضة، شرح المشكاة، وشرح منهاج البيضاوي، وغير ذلك(٢) .

(١٢٧)

رواية الهيثمي

وهو: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة: ٨٠٧.

قال:

« وعن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقدّم فرخاً مشويّاً فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليَّ يأكل معي من هذا الفرخ، فجاء علي ودقّ الباب. فقال

____________________

(١). الرصف فيما روي عن النبيّ من الفضل والوصف: باب عليعليه‌السلام : ٣٦٩.

(٢). بغية الوعاة: ٩٧، شذرات الذهب ٦ / ٣٥١ وغيرهما.


أنس: من هذا؟ قال: علي. فقلت: النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، فانصرف. ثمّ تنّحى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأكل، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ يأكل معي من هذا الفرخ. فجاء علي فدق الباب دقاً شديداً فسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا أنس، من هذا؟ قلت علي، قال: أدخله، فدخل، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد سألت الله ثلاثاً أنْ يأتيني بأحبّ الخلق إليه وإليَّ يأكل معي من هذا الفرخ. فقال علي: وأنا - يا رسول الله - لقد جئت ثلاثاً، كلّ ذلك يردّني أنس. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أنس، ما حملك على ما صنعت؟ قال: أحببت أن تدرك الدعوة رجلاً من قومي. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يلام الرجل على حبّ قومه.

وفي روايةٍ: كنت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حائطٍ وقد اُتي بطائر.

وفي روايةٍ قال: أهدت اُم أيمن إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائراً بين رغيفين فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: هل عندك شيء؟ فجاءته بالطائر.

قلت : عند الترمذي طرف منه.

رواه الطبراني في الأوسط باختصار، و أبو يعلى باختصار كثيرٍ، إلّا أنه قال:

فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له.

وفي إسناد الكبير: حماد بن المختار، ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح.

وفي أحد أسانيد الأوسط: أحمد بن عياض بن أبي طيبة، ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح.

ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم ضعف.


و عن أنس بن مالك قال: أُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أطيار فقسّمها بين نسائه، فأصاب كل امرأةٍ منها ثلاثة، فأصبح عند بعض نسائه - صفيّة أو غيرها - فأتته بهنَّ، فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك يأكل معي من هذا. فقلت: اللّهم اجعله رجلا من الأنصار، فجاء علي -رضي‌الله‌عنه - فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أنس، أُنظر من على الباب، فنظرت فإذا علي، فقلت: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجةٍ، ثم جئت فقمت بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: أنظر من على الباب؟ فإذا علي، حتى فعل ذلك ثلاثاً، فدخل يمشي وأنا خلفه، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من حبسك - رحمك الله -؟ فقال هذا آخر ثلاث مرات يردّني أنس يزعم أنك على حاجة. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ما حملك على ما صنعت؟ قلت: يا رسول الله، سمعت دعاءك فأحببت أن يكون من قومي. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الرجل قد يحبُّ قومه، إنّ الرجل قد يحبُّ قومه. قالها ثلاثاً.

رواه البزار ، وفيه: إسماعيل بن سلمان، وهو متروك.

وعن سفينة - وكان خادماً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قال: أُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طوائر، فصنعت له بعضها، فلمـّا أصبح أتيته به فقال: من أين لك هذا؟ فقتل: من التي أتيت به أمس: فقال: ألم أقل لك لا تدّخرّن لغد طعاما، لكلّ يوم رزقه؟ ثم قال: اللهم أدخل عليّ أحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فدخل عليرضي‌الله‌عنه عليه فقال: اللّهم وإليَّ.

رواه البزار والطبراني باختصار ورجال الطبراني رجال الصحيح غير فطر ابن خليفة، وهو ثقة.

وعن ابن عباس قال: أُتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطير فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك، فجاء علي فقال: اللّهم وإليَّ.


رواه الطبراني، وفيه: محمّد بن سعيد، شيخ يروي عنه سليمان بن قرم، ولم أعرفه. وبقيّة رجاله وثّقوا وفيه ضعف »(١) .

ترجمته:

وقد ترجم له في الموسوعات الرجالية بكل تفخيم وتجليل:

السيوطي : « الهيثمي الحافظ قال الحافظ ابن حجر: كان خيّراً ساكناً، صيّناً ليّناً، سليم الفطرة، شديد الإِنكار للمنكر، لا يترك قيام الليل »(٢) .

السخاوي : « كان عجباً في الدين والتقوى والزهد، والإِقبال على العلم والعبادة والأوراد » ثم نقل كلمات الأعلام كإبن حجر، والحلبي، والفاسي، وابن خطيب الناصرية، والأقفهسي ثمّ قال:

« والثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جداً، بل هو في ذلك كلمة اتفاق »(٣)

(١٢٨)

رواية الجزري

وهو: أبو الخير شمس الدين بن محمّد الجزري الشافعي المتوفى سنة: ٨٣٣.

وتعلم روايته من رواية العصامي.

____________________

(١). مجمع الزوائد ٩ / ١٢٥ - ١٢٦.

(٢). طبقات الحفّاظ: ٥٤١.

(٣). الضوء اللامع ٥ / ٢٠٠


ترجمته:

وتوجد ترجمته والثناء البالغ عليه في:

١ - أنباء الغمر ٣ / ٤٦٧.

٢ - البدر الطّالع ٢ / ٢٥٧.

٣ - شذرات الذهب ٧ / ٢٠٤.

(١٢٩)

رواية المغربي

وهو: محمّد بن محمّد المتوفى سنة: ١٠٩٤.

قال:

« أنس - كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه. هما للترمذي.

زاد رزين: إن أنساً قال لعلي: استغفر لي ذلك، عندي بشارة، ففعل، فأخبره بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

ترجمته:

المحبّي : « الإِمام الجليل، المحدّث المفنّن، فرد الدنيا في العلوم كلّها، الجامع بين منطوقها ومفهومها، والمالك لمجهولها ومعلومها، ولد سنة ١٠٣٧ نقلت عن شيخنا المرحوم عبد القادر بن عبد الهادي - وهو ممّن أخذ عنه، وسافر إلى الروم في صحبته وانتفع به - وكان يصفه بأوصاف بالغة حدّ الغلو فإنّه كان يقول: إنّه يعرف الحديث والاُصول معرفةً ما رأينا من يعرفها

____________________

(١). جمع الفوائد ٣ / ٢٢٠.


ممّن أدركناه وقد أخذ عنه بمكة والمدينة والروم خلق، ومدحه جماعة وأثنوا عليه »(١) .

(١٣٠)

رواية العصامي

وهو: عبد الملك بن حسين المكّي، المتوفى سنة: ١١١١.

قال - في: الأحاديث في شأن أبي الحسنين كرّم الله تعالى وجهه -:

« الحديث الحادي عشر: عن أنسرضي‌الله‌عنه قال: كان عنده طير اُهدي إليه وكان مما يعجبه أكله، فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي، فأكل معه. خرّجه الترمذي، والبغوي في المصابيح. وخرّجه الجزري وزاد بعد قوله: فجاء علي: فقال: استأذن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقلت: ما عليه إذن. ثمّ جاء فرددته، ثمّ دخل الثالثة أو الرابعة. فقال عليه الصلاة والسلام: ما حبسك عنّي، أو ما أبطأك عنّي، يا علي؟ قال: جئت فردّني أنس. وكان أنس خادم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال رسول الله: يا أنس، ما حملك على ما صنعت؟

قلت: رجوت أنْ يكون رجلاً من الأنصار. فقال: يا أنس أوَفي الأنصار خير من علي، أو أفضل من علي؟ خرّجه البخاري »(٢) .

ترجمته:

١ - الشوكاني: البدر الطالع ١ / ٤٠٢.

٢ - المرادي: سلك الدرر ٣ / ١٣٩.

____________________

(١). خلاصة الأثر ٤ / ٢٠٤.

(٢). سمط النجوم العوالي فضائل علي، الحديث: ١١.


(١٣١)

رواية النابلسي

وهو: عبد الغني بن إسماعيل المتوفّى سنة: ١١٤٣.

رواه في كتابه ( ذخائر المواريث ١ / ١٢٨ ).

وتوجد ترجمته في:

١ - نفحة الريحانة ٢ / ١٣٧.

٢ - سلك الدرر ٣ / ٣٠.

(١٣٢)

رواية الشبراويّ

وهو: عبد الله بن محمّد بن عامر المتوفى سنة: ١١٧١.

قال:

« وأخرج الحاكم عن ثابت البناني: إن أنساً كان شاكياً، فأتاه محمّد بن الحجاج يعوده في أصحابٍ له، فجرى بينهم الحديث، حتى ذكروا عليّاً، فانتقصه ابن الحجاج، فقال أنس: من هذا؟ أقعدوني فأقعدوه. فقال: يا ابن الحجاج! أراك تنقص علي بن أبي طالب؟ والذي بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحق، لقد كنت خادم رسول الله بين يديه، فجاءت اُم أيمن بطيرٍ فوضعته بين يدي رسول الله. فقال: يا اُم أيمن ما هذا؟ قالت: طير أصبته فصنعته لك. فقال: اللّهم جئني بأحبّ خلقك إليَّ وإليك يأكل معي من هذا الطير، فضرب الباب. فقال: يا أنس، أُنظر من بالباب؟ فقلت: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار، فذهبت فإذا علي بالباب فقلت له: إنّ رسول الله على حاجة، وجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضرب الباب فقال رسول الله:


إذهب فانظر من على الباب؟ فقلت: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار، فإذا علي بالباب، فقلت: إن رسول الله على حاجة، وجئت حتى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضرب الباب. فقال: يا أنس، أدخله فلست بأوّل رجلٍ أحب قومه، ليس هو من الأنصار، فذهبت فأدخلته. فقال: يا أنس قرّب إليه الطير، فوضعته فأكلا جميعاً.

قال ابن الحجاج: يا أنس، كان هذا بمحضر منك؟ قال: نعم. قال:

أعطي الله عهدا أن لا انتقص عليّاً بعد مقامي هذا، ولا أسمع أحداً ينقصه إلّا أشنت له وجهه»(١) .

ترجمته:

والشبراويّ: محدّث، فقيه، أُصولي، متكلّم، أديب، ولي مشيخة الجامع الأزهر، وله مصنفات منها: الإِتحاف بحبّ الأشراف(٢) .

(١٣٣)

رواية عبد القادر بدران

الحنبلي المتوفى سنة: ١٣٤٦، صاحب تهذيب تاريخ دمشق.

رواه بترجمة حمزة بن حراس. قال:

« فقال القشيري: حدّثني أنس بن مالك فقال: كنت أصحب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعته وهو يقول: اللّهم أطعمنا من طعام الجنّة. قال: فأُتي بلحم طير مشوي فوضع بين يديه فقال: اللّهم ائتنا بمن نحبه ويحبّك ويحبّ نبيك ويحبّه نبيك. قال أنس: فخرجت فإذا علي بن أبي طالب

____________________

(١). الإتحاف بحب الأشراف: ٢٨.

(٢). سلك الدرر ٣ / ١٠٧ عنه: معجم المؤلفين ٦ / ١٢٤.


بالباب فقال لي: استأذن لي، فلم آذن له. وفي رواية: انه قال ذلك ثلاثاً، فدخل بغير إذني، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما الذي أبطأ بك يا علي؟ فقال: يا رسول الله، جئت لأدخل فحجبني أنس. فقال: يا أنس لِمَ حجبته؟ فقال: يا رسول الله، لما سمعت الدعوة أحببت أن يجئ رجل من قومي فتكون له. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تضر الرجل محبة قومه ما لم يبغض سواهم »(١) .

ترجمته:

كحّالة : « فقيه، أُصولي، أديب، ناثر، ناظم، مؤرّخ، مشارك في أنواعٍ من العلوم، من مؤلَّفاته الكثيرة »(٢) .

(١٣٤)

رواية بهجت افندي

المتوفى سنة: ١٣٥٠.

رواه في ( تاريخ آل محمّد: ٣٨ ) وترجمه إلى الفارسية وأوضح مدلوله ومعناه.

(١٣٥)

رواية منصور ناصف

وهو: الشيخ منصور علي ناصف، المتوفى بعد سنة: ١٣٧١، من علماء الأزهر.

____________________

(١). تهذيب تاريخ دمشق ٤ / ٤٤٣.

(٢). معجم المؤلفين ٥ / ٢٨٣.


قال:

« عن أنس -رضي‌الله‌عنه - قال: كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. فجاء علي فأكل معه ».

وقال بشرحه:

« فيه: إنّ عليّاً -رضي‌الله‌عنه - أحبّ الخلق إلى الله تعالى »(١) .

ترجمته:

ويكفي للوقوف على شخصية الرّجل العلمية ومزايا كتابه المذكور النظرُ في التقاريظ الصادرة عن علماء عصره والمطبوعة في مقدمة كتابه، فلاحظ.


تفنيد مزاعم

الكابلي والدهلوي حول

سند حديث الطّير



قوله:

« الحديث الرّابع ما رواه أنس: إنّه كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر قد طبخ له أو أُهدي إليه، فقال: اللّهم ائتني بأحبّ الناس إليك يأكل معي من هذا الطير. فجاءه علي ».

تصرّفات ( الدهلوي ) في الحديث وتلبيساته لدى نقله

أقول:

( للدهلوي ) هنا تسويلات وتعسّفات نشير إليها:

(١) من الواضح جدّاً أنّ علماء الإماميّة، كالشيخ المفيد، وابن شهر آشوب وأمثالهما، يثبتون تواتر هذا الحديث، ولهم في ذلك بيانات وتقريرات. فكان على ( الدهلوي ) أن يشير إلى تواتر هذا الحديث - ولو عن الإِمامية، ولو مع تعقيبه بالردّ - لكنّ إعراضه عن ذكر ذلك ليس إلّا لتخديع عوام أهل نحلته، كيلا يخطر ببال أحدٍ منهم، ولا يطرق آذانهم تواتر هذا الحديث، حتّى نقلاً عن الإِماميّة.


لكن ثبوت تواتره - حسب إفادات أئمة أهل السنّة - بل قطعيّة صدوره ومساواته للآية القرآنية في القطعية - حسب إفادة ( الدهلوي ) نفسه، كما عرفت ذلك كلّه - يكشف النّقاب عن تسويل ( الدهلوي ) وتلبيسه والله يحق الحقّ بكلماته.

(٢) إنّ قوله: « ما رواه أنس » تخديع وتلبيس آخر، إنّه يريد - لفرط عناده وتعصّبه - إيهام أنّ رواية هذا الحديث منحصرة في أنس بن مالك، وأنّه لم يرو عن غيره من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لكن قد عرفت أنّ رواة هذا الحديث يروونه عن عدّة من الصحابة عن الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم:

١ - أمير المؤمنينعليه‌السلام .

٢ - أنس بن مالك.

٣ - عبد الله بن العباس.

٤ - أبو سعيد الخدري.

٥ - سفينة مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٦ - سعد بن أبي وقاص.

٧ - عمرو بن العاص.

٨ - أبو الطفيل عامر بن واثلة.

٩ - يعلى بن مرّة.

ولا يتوّهم: لعلّ ( الدهلوي ) إنّما نسبه إلى أنس بن مالك فحسب، لانتهاء طرق أكثر الرّوايات إليه، وليس مراده حصر روايته فيه.

لأنّ صريح عبارته في فتواه المنقولة سابقاً أنّ مدار حديث الطير بجميع طرقه ووجوهه على أنس بن مالك فحسب

(٣) إنّه بالإِضافة إلى ما تقدّم كتم كثرة طرق هذا الحديث ووجوهه عن أنس.


(٤) إنّه - بالإِضافة إلى كلّ ما ذكر - لم يذكر لفظاً كاملاً من ألفاظ الخبر عن أنس بن مالك، المتقدمة في أسانيد الحديث.

(٥) إنّه قد ارتكب القطع والتغيير في نفس هذا اللّفظ الذي ذكره بحيث أنّا لم نجد في كتاب من كتب الفريقين رواية حديث الطير بهذا اللّفظ بل إنّ لفظه لا يطابق حتى لفظ الكابلي المنتحل منه كتابه وهذه عبارة الكابلي كاملةً:

« الرابع: ما رواه أنس بن مالك: إنّه كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر قد طبخ له فقال: اللّهم ائتني بأحبّ الناس إليك يأكل معي. فجاء علي، فأكله معه.

وهو باطل، لأنّ الخبر موضوع، قال الشيخ العلّامة إمام أهل الحديث شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد الدمشقي الذهبي في تلخيصه: لقد كنت زمناً طويلاً أظنّ أنّ حديث الطير لم يحسن الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلمـّا علّقت هذا الكتاب رأيت القول من الموضوعات التي فيه.

وممّن صرّح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري.

ولأنّه ليس بناص على المدّعى، فإنّ أحبّ الخلق إلى الله تعالى لا يجب أنْ يكون صاحب الزعامة الكبرى كأكثر الرسل والأنبياء.

ولأنّه يحتمل أن يكون الخلفاء غير حاضرين في المدينة حينئذٍ، والكلام يشمل الحاضرين فيها دون غيرهم، ودون إثبات حضورهم خرط قتاد هوبر.

ولأنّه يحتمل أن يكون المراد بمن هو من أحبّ الناس إليك كما في قولهم فلان أعقل الناس وأفضلهم. أي من أعقل وأفضلهم.

ولأنّه اختلف الروايات في الطير المشوي، ففي رواية هو النحام، وفي رواية إنّه الحبارى، وفي أُخرى إنّه الحجل.

ولأنّه لا يقاوم الأخبار الصحاح لو فرضت دلالته على المدّعى ».

فقد أضاف ( الدهلوي ) جملة « أو أهدي إليه ». ونقص جملة « فأكله معه »


بتغيير « فجاء علي » إلى « فجاءه علي ».

ثمّ إنّ ( الدهلوي ) وضع - تبعاً للكابلي - كلمة « أحبّ الناس » في مكان « أحبّ الخلق» فلماذا هذا التبديل والتغيير منهما؟ والحال أنّه لم يرد لفظ « أحبّ الناس » في طريقٍ من طرق حديث الطّير، لا عند السابقين ولا اللّاحقين من أهل السنّة وتلك ألفاظهم قد تقدمت في قسم السّند كما لا تجده في لفظٍ من ألفاظ الإِماميّة في شيء من موارد استدلالهم بحديث الطّير على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وخلافته بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

ولعمري، إنّ مثل هذه التبديلات والتصرّفات والتحريفات، لا يليق بمثل ( الدهلوي ) عمدة الكبار، بل هو دأب المحرّفين الأغمار، وديدن المسوّلين الأشرار والله الصائن الواقي عن العثار.

اختلاف الرّوايات في الطير غير قادح في الحديث

قوله:

« واختلفت الرّوايات في الطير المشوي، ففي رواية إنّه النحام، وفي رواية إنّه حبارى، وفي رواية إنّه حجل ».

أقول:

لا أدري ما ذا يقصد ( الدهلوي ) من ذكر اختلاف الروايات في الطير المشوي!! إنْ أراد أن ذلك موجود في كلمات علماء الإِماميّة، فهو محض الكذب والإِفتراء. وإنْ أراد إفهام كثرة تتّبعه في الحديث وإحاطته بألفاظ هذا الحديث بالخصوص، فهذا يفتح عليه باب اللّوم والتعيير، لأنّ معنى ذلك أنّه قد وقف على الطرق الكثيرة والألفاظ العديدة لهذا الحديث، ثمّ أعرض عن


جميعها، عناداً للحقّ وأهله. وإنْ كان ذكر هذا الإِختلاف عبثاً، فهذا يخالف شأنه، لا سيّما في هذا الكتاب الموضوع على الاختصار والإِيجاز، كما يدّعي أولياؤه.

لكنّ الحقيقة، إنّه قد أخذ هذا المطلب من الكابلي، كغيره ممّا جاء به، فقد عرفت قول الكابلي: « ولأنّه اختلفت الرّوايات في الطير المشوي، ففي رواية هو النحام، و في رواية إنّه الحبارى، و في أخرى إنّه الحجل ».

غير أنّ الكابلي ذكر هذا الاختلاف في وجوه الإِبطال بزعمه، وكأن ( الدهلوي ) استحيى من أن يورده في ذاك المقام، وإن لم يمكنه كف نفسه فيعرض عنه رأساً.

مجرّد اختلاف الأخبار لا يجوّز تكذيب أصل الخبر

وعلى كلّ حالٍ، فإنّ الإِستناد إلى إختلاف الروايات في « الطير المشوّي »، لأجل القدح والطعن في أصل الحديث، جهل بطريقة علماء الحديث أو تجاهل عنها، فإنّهم في مثل هذا المورد لا يكذّبون الحديث من أصله، ولا ينفون الواقعة التي أخبرت عنها تلك الأخبار، بل إنّهم يجمعون بينها بطرقٍ شتى، منها الحمل على تعدّد الواقعة هذا الطريق الّذي على أساسه الجمع بين الروايات المختلفة في واقعة حديث الطير

ولا بأس بذكر بعض موارد الجمع على هذا الطريق في كتب الحديث:

قال الحافظ ابن حجر - بعد ذكر الأحاديث المختلفة في رمي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجوه الكفّار يوم حنين، حيث جاء في بعضها: أنّه رماهم بالحصى، وفي آخر: بالتراب، وفي ثالث: أنّه نزل عن بغلته وتناول بنفسه، وفي رابع: أنّه طلب الحصى أو التراب من غيره. واختلفت في المناول، ففي بعضها: إنّه ابن مسعود، وفي آخر: إنّه أمير المؤمنين علي عليه


السلام - قال ابن حجر:

« ويجمع بين هذه الأحاديث: إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولاً قال لصاحبه: ناولني، فناوله، فرماهم. ثمّ نزل عن البغلة فأخذه بيده فرماهم أيضاً، فيحتمل: أنه الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب. والله أعلم »(١) .

وقال الحافظ ابن حجر بشرح قول البرّاء بن عازب: « وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء »، وهو الحديث الثاني في باب غزوة حنين عند البخاري:

« وفي حديث العباس عند مسلم: شهدت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث، فلم نفارقه. الحديث. وفيه: ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يركض بغلته قبل الكفّار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكفّها إرادة أنْ لا يسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه ».

قال ابن حجر: « ويمكن الجمع: بأنّ أبا سفيان أخذ أوّلاً بزمامها، فلمـّا ركّضها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جهة المشركين خشي العباس، فأخذ بلجام البغلة يكفّها، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له، لأنّه كان عمه »(٢) .

وقال شهاب الدين القسطلاني(٣) بشرح قول البّراء: « ولقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بغلته البيضاء » وهو الحديث الرابع في باب غزوة حنين عند البخاري. قال:

« عند مسلم من حديث سلمة: على بغلته الشهباء. وعند ابن

____________________

(١). فتح الباري - شرح صحيح البخاري ٨ / ٢٦.

(٢). فتح الباري - شرح صحيح البخاري ٨ / ٢٤.

(٣). وهو: أحمد بن محمد، المتوفّى سنة: ٩٢٣، الضوء اللّامع ٢ / ١٠٣.


سعد ومن تبعه: على بغلته دلدل. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأنّ دلدل أهداها له المقوقس، يعني لأنّه ثبت في صحيح مسلم من حديث العباس: وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. قال القطب الحلبي: فيحتمل أن يكون يومئذٍ ركب كلّا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته، وإلّا فما في الصحيح أصح »(١) .

وقال الشّامي(٢) : « السابع - البغلة البيضاء. وفي مسلم عن سلمة بن الأكوع: الشهباء التي كان عليها يومئذٍ أهداها له فَروة - بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الواو وبالتاء - ابن نفاثة - بنون مضمومة ففاء مخففة فألف فثاء مثلثة. ووقع في بعض الروايات عند مسلم فروة بن نعامة - بالعين والميم - والصحيح المعروف الأوّل.

ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممّن ألّف في المغازي: إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على بغلته دلدل. وفيه نظر، لأنّ دلدل أهداها له المقوقس.

قال القطب: يحتمل أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ركب يومئذٍ كلا من البغلتين، وإلّا فما في الصحيح أصّح »(٣) .

وقال القسطلاني: « حدّثني بالإِفراد عمرو بن علي - بفتح العين وسكون الميم - ابن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي قال: حدّثنا أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد قال: حدّثنا سفيان الثوري قال: حدّثنا أبو صخرة جامع بن شداد - بالمعجمة وتشديد الدال المهملة الاُولى - المحاربي قال: حدّثنا صفوان بن محرز - بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاء - المازني: قال: حدّثنا عمران بن حصين قال:

____________________

(١). إرشاد الساري - شرح صحيح البخاري ٦ / ٤٠٣.

(٢). محمد بن يوسف الصالحي، المتوفّى سنة: ٩٤٢، شذرات الذهب ٨ / ٢٥٠، كشف الظنون ٢ / ٩٧٨.

(٣). سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٥ / ٣٤٩.


جاء بنو تميم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لهم: ابشروا - بهمزة قطع - بالجنّة يا بني تميم قالوا: أمّا إذا بشّرتنا فأعطنا من المال، فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء ناس من أهل اليمن - وهم الأشعريون - فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم: إقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلناها يا رسول الله كذا ورد هذا الحديث هنا مختصراً، وسبق تاماً في بدء الخلق، ومراده منه هنا قوله: فجاء ناس من أهل اليمن.

قال في الفتح: واستشكل بأنّ قدوم وفد بني تميم كان سنة تسع، وقدوم الأشعريين كان قبل ذلك عقب فتح خيبر سنة سبع. وأجيب: باحتمال أن يكون طائفة من الأشعريين قدموا بعد ذلك »(١) .

وقال القسطلاني: « حدّثني بالإِفراد ولأبي ذر حدّثنا محمّد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي قال: حدّثنا أبو اُسامة حمّاد بن اُسامة، عن بريد بن عبد الله - بضم الموحدة وفتح الراء - ابن أبي بردة - بضم الموحدة وسكون الراء - عن جدّه أبي بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعريرضي‌الله‌عنه أنّه قال: أرسلني أصحابي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسأله الحملان لهم - بضم الحاء المهملة وسكون الميم - أي ما يركبون عليه ويحملهم، إذ هم معه في جيش العسرة وهي غزوة تبوك. فقلت: يا نبيّ الله، إنّ أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم فقال: والله لا أحملكم على شيء، ووافقته، أي صادفته وهو غضبان ولا أشعر، أي والحال أني لم أكن أعلم غضبه، ورجعت إلى أصحابي حال كوني حزيناً من منع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحملنا، ومن مخافة أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وَجَد في نفسه، أي غضب عليّ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(١). إرشاد الساري - شرح صحيح البخاري ٦ / ٤٣٩.


فلم ألبث - بفتح الهمزة والموحدة بينهما لام ساكنة. آخره مثلثة - إلّا سويعة، - بضم السّين المهملة وفتح الواو مصّغر ساعة - وهي جزء من الزمان، أو من أربعة وعشرين جزء من اليوم والليلة، إذ سمعت بلالا ينادي، أي عبد الله بن قيس، يعني يا عبد الله، ولأبي ذرّ ابن عبد الله بن قيس: فأجبته. فقال: أجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعوك، فلمـّا أتيته قال: خذ هذين القرينين وهاتين القرينتين. أي: الناقتين. لستة أبعرة. لعلّه قال: هذين القرينين - ثلاثاً - فذكر الراوي مرّتين اختصاراً.

لكن قوله في الرواية الاُخرى: فأمر لنا بخمس ذود. مخالف لما هنا.

فيحمل على التعدد، أو يكون زادهم واحداً على الخمس، والعدد لا ينفي الزائد »(١) .

فالعجب من الكابلي المتتبّع النظّار، كيف عرّض الحديث للقدح والإِنكار بمجرّد اختلاف الروايات في الطّير المشوي، ولم يقف على دأب خدّام الحديث النبوي، حيث أنّهم حملوا اختلاف كثير من الأحاديث على تعدّد الواقعة، وجعلوه حجة نافية للشبهات قاطعة، فليت شعري هل يقف الكابلي عن مقالته السمجة الشنيعة، ويتوب عن هفوته الغثة الفظيعة، أم يصرّ على ذنبه ويدع النصفة في جنبه، فيبطل شطراً عظيماً من الروايات والأخبار، ويعاند جمعاً كثيراً من العلماء والأحبار.

بطلان دعوى حكم أكثر المحدّثين بوضع الحديث

قوله:

« وهذا الحديث قال أكثر المحدّثين بأنّه موضوع ».

____________________

(١). إرشاد الساري - شرح صحيح البخاري ٦ / ٤٥٠.


أقول:

هذا كذب مبين وتقوّل مهين فقد عرفت أنّ رواة هذا الحديث ومخرجيه في كلّ قرنٍ يبلغون في الكثرة حدّاً لا يبقى معه شكّ في تواتره وقطعيّة صدوره ووقوعه

وأيضاً قد عرفت أنّ حديث الطير مخرَّج في صحيح الترمذي الذي هو أحد الصحّاح الستّة التي ادّعى جمع من أكابرهم إجماع السابقين واللاحقين على صحّة الأحاديث المخرّجة فيها فيكون هذا الحديث صحيحاً لدى جميع العلماء الأعلام بل الْأُمة قاطبة

فهل تصدق هذه الدعوى من ( الدهلوي )؟

وهل من الجائز جهله برواية هؤلاء الذين ذكرناهم وغيرهم لحديث الطّير، وهو يدّعي الإِمامة والتبّحر في الحديث؟

لكن هذا القول من ( الدهلوي ) ليس إلّا تخديعاً للعوّام، وإلّا فإنّه لم ينسب القول بوضع هذا الحديث إلّا إلى الجزري والذهبي!! فيا ليته ذكر أسامي طائفة من « أكثر المحدّثين » القائلين بوضع حديث الطير!!

بل الحقيقة، إنّه لا يملك إلّا ما قاله وتقوّله الكابلي وقد عرفت أنّ الكابلي لم يعز هذه الفرية إلّا إلى الرجلين المذكورين فقط. لكن لما ذا زاد عليه دعوى حكم أكثر المحدثين بذلك؟

وسواء كان القول بالوضع لهذين الرجلين فحسب أو لأكثر أو أقلّ منهما فإنّه قول من أعمته العصبيّة العمياء، وتغلّب عليه العناد والشقاء، فخبط في الظلماء وعمه في الطخية الطخياء، وبالغ في الاعتداء وصرم حبل الحياء.


حول نسبة القول بوضعه إلى الجزري

قوله:

« وممّن صرّح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري ».

أقول:

في أي كتابٍ قال ذلك؟

أوّلاً : في أيّ كتاب وأيّ مقام صرّح الجزري بوضع حديث الطير؟

لم يفصح ( الدهلوي ) عن ذلك كي نراجع ونطابق بين الحكاية والعبارة.

ولكن أنّى له ذلك وأين؟! فإنّ إمامه الكابلي أيضاً قد أغفل وأجمل، وكلّ ما عند ( الدهلوي ) فمأخوذ منه ومن أمثاله

كذب ( الدهلوي ) في نسبة القول بوضع حديث المدينة إليه

وثانياً : لقد عزا الكابلي القول بوضع حديث أنا مدينة العلم إلى الجزري، وقلّده ( الدهلوي ) في ذلك مع أنّ الجزري روى حديث المدينة بسنده، ولم يحكم بوضعه بل نقل عن الحاكم تصحيحه وهذه عبارته:

« أخبرنا الحسن بن أحمد بن هلال - قراءة عليه - عن علي بن أحمد بن عبد الواحد، أخبرنا أحمد بن محمّد بن محمّد - في كتابه من إصبهان - أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسين المقري، أخبرنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الحافظ، أخبرنا أبو أحمد محمّد بن أحمد الجرجاني، أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا عبد الحميد بن بحر، أخبرنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن الصنابحي، عن علي -رضي‌الله‌عنه - قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا دار الحكمة وعلي بابها.


رواه الترمذي في جامعه عن إسماعيل بن موسى، حدّثنا محمّد بن رومي، حدّثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن علي وقال: حديث غريب. وروى بعضهم عن شريك ولم يذكروا فيه عن الصنابحي. قال: لا يعرف هذا الحديث عن واحد من الثقات غير شريك، وفي الباب عن ابن عباس. انتهى.

قلت: ورواه بعضهم عن شريك، عن سلمة ولم يذكر فيه عن سويد.

ورواه الأصبغ بن نباتة، والحارث، عن علي نحوه.

ورواه الحاكم من طريق مجاهد عن ابن عباس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولفظه: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من بابها وقال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. و رواه أيضاً من حديث جابر بن عبد الله ولفظه: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب »(١) .

أقول : فمن يرى النسبة بلا تعيين للكتاب ولا نقل لنصّ العبارة والكلام - ثمّ يرى كذب نسبة القول بالوضع في حديث أنا مدينة العلم - يقطع بكذب النّسبة في حديث الطير.

لو قال ذلك فلا قيمة له

وثالثاً : ولو فرضنا جَدَلاً وسلّمنا صدور مثل هذه الهفوة من الجزري، فلا ريب في أنّه لا يعبأ ولا يعتنى به، في قبال تصريحات أساطين الأئمة المحققين بثبوت حديث الطير وتحقق قصّته

قال ابن حجر وغيره: القول بوضعه باطل

ورابعاً : لقد تقدم قول السبكي في ( طبقاته ) بترجمة الحاكم: « وأمّا

____________________

(١). أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٦٩ - ٧١.


الحكم على حديث الطير بالوضع، فغير جيد » وقول ابن حجر المكّي في ( المنح المكّية ): « وأمّا قول بعضهم: إنّه موضوع، وقول ابن طاهر: طرقه كلها باطلة معلولة، فهو الباطل ». فلو كان الجزري قد قال بذلك كان باطلاً.

الجزري متّهم بالمجازفة في القول

وخامساً : إنّ الجزري كان متّهماً لدى العلماء بالمجازفة في القول وبأشياء أُخرى كما لا يخفى على من راجع ترجمته. فلو كان قد قال في حديث الطير ما زعمه الكابلي و ( الدهلوي ) فهو من مجازفاته في القول.

وإليك عبارة السّخاوي بترجمته، المشتملة على ما ذكرنا:

« وقال شيخنا في ( معجمه ) خرّج لنفسه أربعين عشارية لفظها من أربعين شيخنا العراقي، وغيّر فيها أشياء ووهم فيها كثيراً، وخرّج جزءً فيه مسلسلات بالمصافحة وغيرها، جمع أوهامه فيه في جزء الحافظ ابن ناصر الدين، وقفت عليه وهو مفيد. وكذا انتقد عليه شيخنا في مشيخة الجنيد البلباني من تخريجه

ووصفه في ( الإِنباء ) بالحافظ الإِمام المقري ثم قال: وذكر أنّ ابن الخبّاز أجاز له، واتّهم في ذلك، وقرأت بخط العلاء ابن خطيب الناصريّة: أنّه سمع الحافظ أبا إسحاق البرهان سبط ابن العجمي يقول: لمـّا رحلت إلى دمشق قال لي الحافظ الصدر الياسوفي: لا تسمع من ابن الجزري شيئاً. انتهى. وبقيّة ما عند ابن خطيب الناصرية: إنّه كان يتّهم في أول الأمر بالمجازفة، وأنّ البرهان قال له: أخبرني الجلال ابن خطيب داريا: أن ابن الجزري مدح أبا البقاء السبكي بقصيدة زعم أنّها له، بل وكتب خطّه بذلك، ثم ثبت للممدوح أنّها في ديوان قلاقش.

قال شيخنا: وقد سمعت بعض العلماء يتّهمه بالمجازفة في القول، وأمّا


الحديث فما أظنّ به ذلك، إلّا أنه كان إذا رأى للعصريّين شيئاً أغار عليه ونسبه لنفسه، وهذا أمر قد أكثر المتأخّرون منه، ولم ينفرد به.

قال: وكان يلقّب في بلاده: الإِمام الأعظم. ولم يكن محمود السّيرة في القضاء »(١) .

حول نسبة القول بوضَعه إلى الذّهبي

قوله:

« قال إمام أهل الحديث شمس الدين ابو عبد الله محمّد بن أحمد الذهبي في تلخيصه ».

أقول:

تصريح الذهبي بأنّ للحديث طرقاً كثيرة وأصلا ً

أوّلاً : قد عرفت سابقاً تصريح الذهبي بأنّ لحديث الطّير طرقاً كثيرة وأنّ له أصلاً، بل إنّ الذهبي أفرد طرقه بالتّصنيف، وعرفت أيضاً ذكر ( الدهلوي ) هذا في كتابه ( بستان المحدّثين )، وإقرار العقلاء على أنفسهم مقبول وعلى غيرهم مردود.

وعليه، فإنّ إقرار الذهبي بما ذكر يؤخذ به، ودعواه وضع الحديث لا يعبأ بها، إذ ليست إلّا عن التعصّب والعناد، ويبطلها إقراره المذكور. لكن العجب من ( الدهلوي ) كيف يحتّج بكلام الذهبي الصّادر عن البغض والتعصّب، ويُعرض عمّا اعترف به في ثبوت الحديث وأنّ له أصلاً؟ إنّه ليس إلّا التعصب والعناد إذ يقبل كلام الذهبي الباطل ولا يقبل كلامه الحق!!

____________________

(١). الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع ٣ / ٤٦٥.


رجوعه عن كلامه الذي استند إليه الدهلوي وسلفه

وثانياً : لقد رجع الذهبي عمّا كان يدّعيه ونصّ على ذلك، فكيف أخذ ( الدهلوي ) بما قاله الذهبي في السابق، ولم يلتفت إلى رجوعه وعدوله عنه؟

لقد قال الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) ما نصّه: « محمّد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة المصري عن يحيى بن حسّان. فذكر حديث الطّير. وقال الحاكم: هذا على شرط البخاري ومسلم.

قلت : الكلّ ثقات إلّا هذا، فإنّه اتّهمته به، ثمّ ظهر لي أنّه صدوق.

روى عنه: الطبراني، وعلي بن محمّد الواعظ، ومحمّد بن جعفر الرافقي، وحميد بن يونس الزّيات، وعدة. يروي عن: حرملة، وطبقته.

ويكنّى أبا علاثة. مات سنة ٢٩١. وكان رأساً في الفرائض.

وقد يروي أيضاً عن: مكّي بن عبد الله الرعيني، ومحمّد بن سلمة المرادي، وعبد الله بن يحيى بن معبد صاحب ابن لهيعة.

فأمّا أبوه فلا أعرفه »(١) .

فظهر أنّ الذي قاله الذهبي - حول ما رواه الحاكم - كان قبل انكشاف حال « محمّد بن أحمد بن عياض » عنده إذ رواته الآخرون ثقات، فلمـّا ظهر له حاله وأنّه صدوق - ورأس في الفرائض وهو نصف الفقه - رفع اليد عمّا قاله، فالحديث عنده صحيح والحقّ مع الحاكم.

فسقط اعتماد الكابلي و ( الدهلوي ) على كلام الذهبي السابق.

قال السبكي وغيره: الذهبي متعصّب متهوّر

وثالثاً: ولو فرضنا أنّ الذّهبي لم يعترف بالحق والأمر الواقع الصحيح في

____________________

(١). ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٣ / ٤٦٥.


باب حديث الطير، وأنّه ليس بين أيدينا إلّا حكمه بوضعه فالحقيقة أنّه لا تأثير لكلامه ولا قيمة له حتى يعتمد عليه في مقام ردّ هذا الحديث، لأنّ كبار المحققين من أهل السنّة لم ينظروا إلى كلامه في موارد كثيرة من الجرح والتعديل بعين الاعتبار، لفرط تعصّبه، حتى خشي عليه بعض تلامذته يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وإليك شواهد من كلماتهم في هذا الباب:

قال السبكي بترجمة أحمد بن صالح المصري: « وممّا ينبغي أنْ يتفقّد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربّما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرّافعي بقوله: وينبغي أنْ يكون المزكّون برآء من الشحناء والعصبيّة في المذهب، خوفاً من أنْ يحملهم ذلك على جرح عدلٍ أو تزكية فاسق، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة، جرحوا بناءً على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب.

وقد أشار شيخ الإِسلام، سيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه ( الإِقتراح ) إلى هذا وقال: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من النّاس: المحدّثون والحكّام.

قلت : ومن أمثلته قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللّفظ، فيا لله والمسلمين! أيجوز لأحدٍ أنْ يقول: البخاري متروك؟ وهو حامل لواء الصناعة ومقدّم أهل السنّة والجماعة، ويا لله والمسلمين! أتجعل ممادحه مذام؟! فإنّ الحقّ في مسألة اللّفظ معه، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أنّ تلفظّه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى؟ وإنّما أنكرها الإِمام أحمد لبشاعة لفظها.

ومن ذلك قول بعض المجسّمة في أبي حاتم ابن حبان: لم يكن له كثير دين! نحن أخرجناه من سجستان لأنّه أنكر الحدّ لله. فليت شعري! مَنْ أحق بالإِخراج؟ من يجعل ربّه محدوداً أو من ينزّهه عن الجسميّة!


وأمثلة هذا تكثر.

وهذا شيخنا الذهبي من هذا القبيل، له علم وديانة، وعنده على أهل السنّة تحامل مفرط، فلا يجوز أنْ يعتمد عليه.

ونقلت من خطّ الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائيرحمه‌الله ما نصّه: الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا شكّ في دينه وورعه وتحرّيه فيما يقوله في الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الإِثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه، حتّى أثّر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأوّل له ما أمكن، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزّالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده ديناً وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها. وكذا فعله في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه. ونحو ذلك. وسببه المخالفة في العقائد. إنتهى.

والحال في شيخنا الذهبي أزيد ممّا وصف، هو شيخنا ومعلّمنا، غير أنّ الحق أحق أنْ يتّبع. وقد وصل من التعصّب المفرط إلى حدٍّ يسخر منه، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم، الذين حملوا لنا الشريعة النّبويّة، فإن غالبهم أشاعرة، وهو إذا وقع بأشعري يبقي ولا يذر، والذي أعتقده أنّهم خصماؤه يوم القيامة عند من أدناهم عنده أوجه منه. فالله المسئول أنْ يخفّف عنه، وأن يلهمهم العفو عنه، وأن يشفّعهم فيه.

والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله

فلينظر كلامه من شاء ثمّ يبصر، هل الرّجل متحرٍّ عند غضبه أو غير


متحر، وأعني بغضبه وقت ترجمته لواحدٍ من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية والمالكية والشافعية، فإنّي أعتقد أن الرجل كان إذا مدّ القلم لترجمة أحدهم غضب غضباً مفرطاً، ثمّ قرطم الكلام ومزّقه وفعل من التعصّب ما لا يخفى على ذي بصيرة.

ثمّ هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي، فربّما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها، ودائماً أتعجب من ذكره الإِمام فخر الدين الرازي في كتاب ( الميزان ) وفي ( الضعفاء ). وكذلك السيف الآمدي وأقول: يا لله العجب، هذان لا رواية لهما، ولا جرحهما أحد، ولا سمع عن أحدٍ أنّه ضعّفهما في ما ينقلانه من علومهما، فأيّ مدخل لهما في هذين الكتابين. ثمّ إنا لم نسمع أحداً سمّى الإِمام فخر الدين بالفخر، بل إمّا الإمام وإمّا ابن الخطيب، وإذا ترجم كان في المحمدين، فجعله في حرف الفاء وسمّاه الفخر، ثمّ حلف في آخر الكتاب أنّه لم يتعمّد فيه هوى نفس، فأيّ هوى نفسٍ أعظم من هذا؟ فإما أنّ يكون ورّى في يمينه، أو استثنى غير الرواة. فيقال له: فَلِم ذكرت غيرهم. وإمّا أنْ يكون اعتقد أنّ هذا ليس هوى نفس، وإذا وصل إلى هذا الحدّ - والعياذ بالله - فهو مطبوع على قلبه »(١) .

وقال السبكي بترجمة أحمد بن صالح:

« قاعدةُ في المؤرخين نافعة جدّاً، فإنّ أهل التاريخ قد وضعوا من اُناسٍ أو رفعوا اُناساً، إمّا لتعصّب، أو لجهلٍ، أو لمجرّد اعتمادٍ على من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب. والجهل في المؤرّخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل. وكذلك التعصّب قلّ أن رأيت تاريخاً خالياً من ذلك.

وأمّا تاريخ شيخنا الذهبي - غفر الله له - فإنّه على جمعه وحسنه، مشحون بالتعصّب المفرط، لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين، أعني

____________________

(١). طبقات الشافعيّة ٢ / ١٢ - ١٥.


الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المجسّمة، هذا وهو الحافظ المدره والإِمام المبجّل، فما ظنّك بعوام المؤرخين »(١) .

وقال السبكي - بترجمة الحسين الكرابيسي، بعد الكلام في مسألة اللفظ -:

« فإذا تأمّلت ما سطرناه ونظرت قول شيخنا في غير موضع من تاريخه: أنّ مسألة اللفظ ممّا ترجع إلى قول جهمٍ، عرفت أن الرجل لا يدري في هذه المضايق ما يقول، وقد أكثر هو وأصحابه من ذكر جهم بن صفوان، وليس قصدهم إلّا جعل الأشاعرة - الذين قدّر الله لقدرهم أن يكون مرفوعاً، وللزومهم للسنّة أنّ يكون مجزوماً به ومقطوعاً - فرقةً جهميّة.

واعلم أنّ جهماً شر من المعتزلة كما يدريه من ينظر الملل والنحل، ويعرف عقائد الفرق، والقائلون بخلق القرآن هم المعتزلة جميعاً، وجهم لا خصوص له بمسألة خلق القرآن، بل هو شر من القائلين بالمشاركة إيّاهم فيما قالوه وزيادته عليهم بطامّات.

فما كفى الذهبي أنْ يشير إلى اعتقاد ما يتبرّأ العقلاء عن قوله من قدم الألفاظ الجارية على لسانه، حتى ينسب هذه العقيدة إلى مثل الإمام أحمد بن حنبل وغيره من السّادات، ويدّعي أنّ المخالف فيها يرجع إلى قول جهم؟

فليته درى ما يقول! والله يغفر لنا وله، ويتجاوز عمّن كان السّبب في خوض مثل الذهبي في مسائل هذا الكلام، وإنّه ليعزّ عليَّ الكلام في ذلك، ولكن كيف يسعنا السكوت، وقد ملأ شيخنا تاريخه بهذه العظائم التي لو وقف عليها العامّي لأضلّته ضلالاً مبيناً.

ولقد يعلم الله منّي كراهيّة الإزراء بشيخنا، فإنّه مفيدنا ومعلّمنا، وهذا

____________________

(١). طبقات الشافعيّة ٢ / ٢٢.


النزر اليسير الحديثي الذي عرفناه منه استفدناه، ولكنْ أرى أنّ التنبيه على ذلك حتم لازم في الدين »(١) .

وقال السبكي:

« زكريا بن يحيى بن السّاجي الحافظ، كان من الثقات الأئمة

روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري. قال شيخنا الذهبي: وأخذ عنه مذهب أهل الحديث.

قلت : سبحان الله، هنا تجعل الأشعري على مذهب أهل الحديث، وفي مكانٍ آخر - لو لا خشيتك سهام الأشاعرة - لصرّحت بأنّه جهمي، وما أبو الحسن إلّا شيخ السنّة وناصر الحديث وقامع المعتزلة والمجسّمة وغيرهم »(٢) .

وقال السبكي - بترجمة الأشعري -:

« وأنت إذا نظرت بترجمة هذا الشيخ - الذي هو شيخ السنّة وإمام الطائفة - في تاريخ شيخنا الذهبي، ورأيت كيف مزّقها وحار كيف يضع من قدره، ولم يمكنه البوح بالغض منه خوفاً من سيف أهل الحقّ، ولا الصبر عن السكوت لما جبلت عليه طوّيته من نقصه، بحيث اختصر ما شاء الله أن يختصر في مدحه، ثمّ قال في آخر الترجمة: من أراد أن يتبحّر في معرفة الأشعري فعليه بكتاب تبيين كذب المفتري لأبي القاسم ابن عساكر، اللّهم توفّنا على السنّة، وأدخلنا الجنّة، واجعل أنفسنا مطمئنّة، نحبُّ فيك أولياءك ونبغض فيك أعداءك، ونستغفر للعصاة من عبادك، ونعمل بمحكم كتابك، ونؤمن بمتشابه ما وصفت به نفسك. انتهى.

فعند ذلك يقضي العجب من هذا الذهبي، ويعلم إلى ما ذا يشير المسكين، فويحه ثمّ ويحه، وأنا قد قلت غير مرة: إنّ الذهبي استادي، وبه

____________________

(١). طبقات الشافعيّة ٢ / ١١٩ - ١٢٠.

(٢). طبقات الشافعيّة ٣ / ٢٩٩.


تخرّجت في علم الحديث، إلّا أنّ الحقّ أحقّ أنْ يتّبع، ويجب عليّ تبيين الحقّ، فأقول »(١) .

وقال السبكي - بترجمة إمام الحرمين الجويني، بعد كلام عبد الغافر الفارسي -:

« إنتهى كلام عبد الغافر، وقد ساقه بكماله الحافظ ابن عساكر، في كتاب التبيين. وأمّا شيخنا الذهبي - غفر الله له - فإنّه حار كيف يصنع في ترجمة هذا الإمام، الذي هو من محاسن هذه الاُمة المحمّدية، وكيف يمزّقها، فقرطم ما أمكنه، ثمّ قال: وقد ذكره عبد الغافر وأسهب وأطنب فيقال له:

هلّا زيّنت كتابك بها، وطرّزته بمحاسنها، فإنّها أولى من خرافاتٍ تحكيها لأقوامٍ لا يعبأ الله بهم

وقد حكى شيخنا الذهبي كسر المنبر والأقلام والمحابر، وأنهم أقاموا على ذلك حولاً، ثمّ قال: وهذا من فعل الجاهلية والأعاجم، لا من فعل أهل السنّة والاتباع.

قلت: وقد حار هذا الرجل ما الذي يؤذي به هذا الإِمام، وهذا لم يفعله الإِمام، ولا أوصى به بأن يفعل، حتى يكون غضّا منه، وإنّما حكاه الحاكون إظهارا لعظمة الإمام عند أهل عصره، وأنّه حصل لأهل العلم - على كثرتهم، فقد كانوا نحو أربعمائة تلميذ - ما لم يتمالكوا معه الصبر، بل أدّاهم إلى هذا الفعل، ولا يخفى أنّه لو لم تكن المصيبة عندهم بالغةً أقصى الغايات لما وقعوا في ذلك. وفي هذا أوضح دلالة لمن وقّفه الله على حال هذا الإِمام -رضي‌الله‌عنه - وكيف كان شأنه بين أهل العلم في ذلك العصر المشحون بالعلماء والزّهاد »(٢) .

____________________

(١). طبقات الشافعيّة ٥ / ١٨٢.

(٢). طبقات الشافعيّة ٦ / ٢٠٣.


وقال السبكي بترجمة أبي حامد الغزالي:

« ذكر كلام عبد الغافر: وأنا أرى أنْ أسوقه بكماله على نصّه حرفاً حرفاً، فإن عبد الغافر ثقةً عارفُ، وقد تحزّب الحاكون لكلامه حزبين، فمن ناقلٍ لبعض الممادح وتالٍ لجميع ما أورده ممّا عيب على حجة الإِسلام، وذلك صنيع من يتعصّب على حجة الإسلام، وهو شيخنا الذهبي، فإنّه ذكر بعض الممادح نقلاً معجرف اللّفظ محكيّاً بالمعنى، غير مطابق في الأكثر، ولـمـّا انتهى إلى ما ذكره عبد الغافر ممّا عيب عليه استوفاه، ثمّ زاد ووشّح وبسط ورشح، ومن ناقل لكلّ الممادح، ساكت عن ذكر ما عيب به، وهو الحافظ أبو القاسم ابن عساكر »(١) .

وقال السبكي - بترجمة الخبوشاني -:

« وكان ابن الكيزاني - رجل من المشبّهة - مدفوناً عند الشافعي -رضي‌الله‌عنه - فقال الخبوشاني: لا يكون صدّيق وزنديق في موضعٍ واحد، وجعل ينبش ويرمي عظامه وعظام الموتى الذين حوله من أتباعه، وتعصّبت المشبّهة عليه ولم يبال بهم، وما زال حتى بنى القبر والمدرسة، ودرّس بها، ولعلّ الناظر يقف على كلام شيخنا الذهبي في هذا الموضع من ترجمة الخبوشاني فلا يحتفل به وبقوله في ابن الكيزاني أنّه من أهل السنّة، فالذهبي -رحمه‌الله - متعصّب جدّاً، وهو شيخنا، وله علينا حقوق، إلّا أنّ حقّ الله مقدّم على حقّه. والذي نقوله: إنّه لا ينبغي أنْ يسمع كلامه في حنفي ولا شافعي، ولا تؤخذ تراجمهم من كتبه، فإنّه يتعصّب عليهم كثيراً »(٢) .

وقال اليافعي في سنة ٥٩٥:

« قال الذهبي: وفيها كانت فتنة الفخر الرازي صاحب التصانيف، وذلك

____________________

(١). طبقات الشافعيّة ٦ / ٢٠٣.

(٢). طبقات الشافعيّة ٧ / ١٤.


وحميت الفتنة، فأرسل السلطان الجند وسكّنهم، وأمر الرازي بالخروج.

قلت : هكذا ذكر من المؤرخّين من له غرض في الطعن عل، الأئمة وفي طائر جاءت به أُم أيمن شعر بيان لمن بالحقّ يرضى ويقنع.

ثمّ أتبع ذلك بقوله: وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغني، وكان أمّاراً بالمعروف، داعياً إلى السنّة، فقامت عليه الأشعريّة، وأفتوا بقتله، فأُخرج من دمشق مطروداً.

انتهى كلامه بحروفه في القصّتين معاً، ومذهب الكراميّة والظاهريّة معروف، والكلام عليهما إلى كتب الاُصول الدّينيّة مصروف، فهنالك يوضح الحق البراهين القواطع، ويظهر الصّواب عند كشف النقاب للمبصر والسامع »(١) .

وقال السيوطي في ( قمع المعارض في نصرة ابن الفارض ):

« وإنْ غرّك دندنة الذهبي، فقد دندن على الإِمام فخر الدين ابن الخطيب ذي الخطوب، وعلى أكبر من الإِمام، وهو أبو طالب المكّي صاحب قوت القلوب، وعلى أكبر من أبي طالب، وهو الشيخ أبو الحسن الأشعري، الذي يجول ذكره في الآفاق ويجوب، وكتبه مشحونة بذلك: الميزان، والتاريخ، وسير النبلاء، فقابل أنت كلامه في هؤلاء، كلاّ والله لا يقابل كلامه فيهم، بل نوصلهم حقّهم ونوفيهم ».

أقول : وإذا كان هذا حال تعصّب الذّهبي بالنسبة إلى من خالفه في العقيدة من أهل السنّة، فما ظنك بحاله بالنسبة إلى من روى منهم شيئاً في مناقب أهل البيت؟ وما ظنّك بحاله بالنسبة إلى علماء الإِماميّة؟ وما ظنّك بحاله بالنسبة إلى الأئمة من العترة الطاهرة؟

من تعصباته ضدّ أهل البيت ومناقبهم

فلقد أورد في كتابه ( ميزان الاعتدال في نقد الرجال ) الإِمام جعفراً

____________________

(١). مرآة الجنان - حوادث ٥٩٥.


الصّادق، والإِمام موسى الكاظم، والإِمام علي بن موسى الرضا،عليهم‌السلام ، وعدداً كبيراً من أبناء أئمّة أهل البيت وذريّة العترة الطّاهرة

بل لقد جرح الرّجل من أهل البيت لا لشيءٍ، بل لمجرّد روايته الفضيلة من فضائل جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام فاستمع إلى قوله:

« الحسن بن محمّد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين ابن زين العابدين علي ابن الشهيد الحسين العلوي، ابن أخي أبي طاهر النسّابة، عن إسحاق الدبّري، روى بقلّة حياءٍ عن الديري، عن عبد الرزاق باسنادٍ كالشمس: علي خير البشر.

وعن الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن محمّد بن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر مرفوعاً قال: علي وذريّته يختمون الأوصياء إلى يوم القيامة.

فهذان دالاّن على كذبه ورفضه، عفا الله عنه »(١) .

بل الأشنع والأفظع من هذا: ترجمته يزيد بن معاوية، من غير أن يذكر ما ارتكبه بحق سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وريحانته، الإِمام الحسين الشهيد وأهل بيتهعليهم‌السلام ، فقد أعرض عن ذلك وكأنه لم يكن. أو كأنّه من الاُمور السهلة والقضايا الجزئية التي لا تستحق الذّكر إنّه قال في كتابه ( تذهيب التهذيب ) ما نصّه:

« يزيد بن معاوية، أبو شيبة الكوفي، عن عبد الملك بن عمير، وعنه سعيد بن منصور. ذكر للتمييز.

قلت : ويزيد بن معاوية الاُموي، الذي ولي الخلافة وفعل الأفاعيل سامحه الله. وأخباره مستوفاة في تاريخ دمشق، ولا رواية له. مات في نصف ربيع الأول سنة ٦٤ وخلافته أقل من أربع سنين، وعمره ٣٩ سنة. قال نوفل بن

____________________

(١). ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١ / ٥٢١.


أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد بن معاوية فقال: قال أمير المؤمنين يزيد. قال عمر: تقول أمير المؤمنين يزيد! وأمر فضرب عشرين سوطاً. رواها يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة أحد الثقات عن نوفل. ذكرته للتمييز »(١) .

وأمّا طعنه في الرجال والمحدّثين الكبار من أهل السنّة بسبب رواية مناقب أهل البيتعليهم‌السلام فالشّواهد عليه كثيرة الأمر الذي جعل العلماء منهم إذا حقّق فضيلة من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام نبّه على أنّه من أهل السنّة، وأكّد براءته من الشيعة والتشيع، لئلّا يرمى بالتشيع ويُتهم بالخروج عن طريقة أهل السنّة ونحن هنا نكتفي بذكر كلام العلّامة الشيخ محمّد معين السندي بعد إثبات عصمة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام :

« وممّا يجب أنْ أُنبّه عليه أنّ الكلام في عصمة الأئمة إنّما جرينا فيها على ما جرى الشيخ الأكبر -قدس‌سره - فيها في المهدي رضي الله تعالى عنه، من حيث أن مقصودنا منه أن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه: « يقفو أثري، لا يخطأ » لـمّا دلّ عند الشيخ على عصمته، فحديث الثقلين يدلّ على عصمة الأئمة الطاهرين رضي الله عنهم، كما مرّ تبيانه. وليست عقدة الأنامل على أنّ العصمة الثابتة في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام توجد في غيرهم، وإنّما أعتقد في أهل الولاية قاطبةً العصمة بمعنى الحفظ وعدم صدور الذنب، لا إستحالة صدوره، والأئمة الطاهرون أقدم من الكلّ في ذلك، وبذلك يطلق عليهم الأئمة المعصومون. فمن رماني من هذا المبحث باتّباع مذهب غير السنّة ممّا يعلم الله سبحانه براءتي منه فعليه إثم فريته، والله خصيمه.

وكيف لا أخاف الاتّهام من هذا الكلام، وقد خاف شيخ أرباب السيّر في السيرة الشاميّة من الكلام على طرق حديث ردّ الشمس بدعائه صلّى الله عليه

____________________

(١). تذهيب التهذيب - مخطوط.


وسلّم لصلاة عليرضي‌الله‌عنه ، وتوثيق رجالها، أن يرمى بالتشيع، حيث رأى الحافظ الحسكاني في ذلك سلفاً له، ولننقل ذلك بعين كلامه. قالرحمه ‌الله تعالى لـمّا فرغ من توثيق رجال سنده: ليحذر من يقف على كلامي هذا هنا أن يظنّ بي أني أميل إلى التشيّع، والله تعالى أعلم أنّ الأمر ليس كذلك.

قال: والحامل على هذا الكلام - يعني قوله: وليحذر إلى آخره - أن الذهبي ذكر في ترجمة الحسكاني أنّه كان يميل إلى التشيّع، لأنّه أملى جزءٌ في طرق حديث ردّ الشمس. قال: وهذا الرجل - يعني الحسكاني - ترجمه تلميذه الحافظ عبد الغافر الفارسي في ذيل تاريخ نيسابور، فلم يصفه بذلك، بل أثنى عليه ثناءً حسناً، وكذلك غيره من المؤرّخين، ونسأل الله تعالى السلامة من الخوض في أعراض الناس بما لا نعلم. والله تعالى أعلم. انتهى.

أقول : وهذا الجرح في الحافظ الحسكاني إنّما نشأ من كمال صعوبة الجارح وانحرافه من مناهج العدل والإِنصاف، وإلّا فالحافظ من خدمة الحديث، بذل جهده في تصحيح الحديث وجمع طرقه وأسناده، وأثبت بذلك معجزةً من أعظم علامات النبوّة وأكملها، ممّا يقرّ بصحّته عين كلّ من يؤمن بالله تعالى ورسوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم. وكيف يتّهم ونسب إلى التشيّع بملابسة القضية لعليرضي‌الله‌عنه ؟ ولو صحح حافظ حديثاً متمحّضاً في فضله لا يتّهم بذلك، ولو كان كذلك لترك أحاديث أهل البيت رأساً.

ومن مثل هذه المؤاخذات الباطلة طعن كثير من المشايخ العظام.

ومولع هذا الفن الشريف إذا صحّ عنده حديث في أدنى شيء من العادات كاد أن يتّخذ لذلك طعاماً فرحاً بصحة قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنده، وأين هذا من ذاك؟ ولـمّا اطّلع هذا الفقير على صحّته كأنّه ازداد سمناً من سرور ذلك ولذّته. أقرّ الله سبحانه وتعالى عيوننا بأمثاله. والحمد لله ربّ العالمين »(١) .

____________________

(١). دراسات اللبيب في الاُسوة الحسنة بالحبيب - مبحث العصمة.


قوله: نقلاً عن الذهبي:

« لقد كنت زمناً طويلاً أظنّ أنّ هذا الحديث لم يحسن الحاكم أنْ يودعه في مستدركه، فلمـّا علقت هذا الكتاب رأيت القول من الموضوعات التي فيه ».

أقول:

أوّلاً :نقول ( للدهلوي ) الجسور: لقد صحّفت لفظ « لم يجسر » بلفظ « لم يحسن » فأسأت الفهم ولم تحسن النقل، وهذا دليل على طول باعك!!

وثانياً :نقول للذهبي: إن قولك: لقد كنت زمناً طويلاً اعتراف منك بأنّك قد تهت زمناً طويلاً في مهامة الجهل، ولم تقف على كتاب المستدرك السائر في البلدان والأمصار، والمتداول بين خدمة الأخبار والآثار، فلِمَ كنت مع جهلك تزعم أن إدخال حديث الطير في المستدرك جسارة، وهل هذا الزعم منك إلّا خسارة وأيّ خسارة؟! ومع ذلك: فكيف تحكم وقت التعليق بالوضع على هذا الحديث الشريف، ولا تأخذ بطرف من التحقيق، ولا تقبل قول الحاكم، ولا تحتفل بأنّه من مروّيات الأساطين وأجلّة المحدّثين؟ كيف رميت الحديث بالوضع من غير دليل، فأرديت أتباعك بالإضلال والتضليل؟ ولكن - لله الحمد - حيث أفقت من سكر التعصّب والشنآن وغلبة البغي والعدوان، فاعترفت في كتاب ( الميزان ) بالحقّ الصريح الواضح البرهان، كما اعترفت في ( تذكرة الحفّاظ ) بأنّ طرق هذا الحديث كثيرة جدّاً حتّى أفردتها بمصنف مجدّاً.

وثالثاً : نقول لأساطين العلم ومراجيح الحلم: أُنظروا بعين الإِنصاف تاركين للإِعتساف، كيف سفر الحق غاية السفور، ووضح نهاية الظهور، وبانت الطريقة الواضحة، واستنارت المحجة اللّائحة، حيث أقرّ مثل هذا الجاحد بتفريطه في أمر هذا الخبر الرفيع الأثير، وظهر صدق قوله تعالى( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ) .


كلامُ ( الدّهلوي ) في الحاشية

وإذْ عرفت بطلان ما قاله ( الدّهلوي ) في متن ( التحفة ) فلنبطل كلامه في الحاشية في هذا الموضع قال في الحاشية:

« قالت النواصب: لقد كذب أنس ثلاثاً في قوله لعلي: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة على ما في كتاب المجالس للشيخ المفيد، فكيف يجوز قبول روايته لهذا الحديث؟ ».

وجوه الجواب عن هذا الكلام

أقول:

قبل كلّ شيء: هل هذه الشبهة التي نقلها عن النواصب صحيحة وواردة عند ( الدهلوي ) أو باطلة مردودة؟ إن قال بصحّتها فقد قلّد النّواصب وألقى بنفسه وأتباعه في دركات أسفل السّافلين، وتلك عاقبة الذين ظلموا آل محمّد ونصبوا لهم العداء إلى أبد الآبدين والمتيقّن هذا الشقّ، لأنّ نقل القول والسكوت عليه دليل التّسليم والقبول كما ذكر ( الدهلوي ) وتلميذه ( الرشيد ) ويشهد بذلك جدّه وجهده في متن ( التحفة ) لأجل ردّ حديث الطير ودعوى وضعه.

وإنْ قال ببطلانها فلما ذا ذكرها ولم يجب عنها؟

ثمّ إنّ الأصل في هذه الشبهة هو « الأعور الواسطي » فإنْ كان مراد ( الدهلوي ) من « النواصب » هو « الأعور » فمرحباً بالإِنصاف وحبّذا الأئتلاف - ولا مانع من إطلاق « النّواصب » بصيغة الجمع عليه، لشدّة عداوة « الأعور » ونصبه -.


وكيف كان فالشبهة - هذه - مندفعة بوجوه:

كذِبُ « أنس » موجود في روايات أهل السنّة

الأوّل : إنَّ كذب « أنس » في قصّة حديث الطير ثلاث مرّات لا اختصاص له بروايات الإِماميّة للقصة، بل موجود في روايات أهل السنّة أيضاً كما عرفت في قسم السند واعترف به ( الدهلوي ) في ( فتواه ) المذكورة سابقاً، وقد روى العيدروس اليمني قائلاً:

« روي عن أنس قال: كنت أحجب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعته يقول: اللّهم أطعمنا من طعام الجنّة، فأُتي بلحم طير مشوي، فوضع بين يديه فقال: اللّهم ائتنا بمن نحبه ويحبّك ويحبّ نبيّك. قال أنس: فخرجت فإذا علي بالباب، فاستأذنني فلم آذن له، ثمّ عدت فسمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل ذلك، فخرجت فإذا علي بالباب، فاستأذنني فلم آذن له - أحسب أنه قال: ثلاثاً - فدخل بغير إذن، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما الذي أبطأ بك يا علي؟ قال: يا رسول الله جئت لأدخل فحجبني أنس. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لِمَ حجبته؟ فقلت: يا رسول الله، لـمّا سمعت الدعوة أحببت أنْ يجئ رجل من قومي فتكون له. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما يضرّ الرجل محبّة قومه ما لم يبغض سواهم. أخرجه ابن عساكر »(١) .

استدلال الإِماميّة بروايته من باب الإِلزام

والثاني : إن رواية أنس مقبولة لدى أهل السنّة، واحتجاج الإِماميّة بروايته إلزاماً عليهم وإفحاماً لهم صحيح وتام ولا يضرّ بذلك كونه عندهم فاسقاً كاذباً كما هو واضح

____________________

(١). العقد النبوي والسرّ المصطفوي - مخطوط.


الفضل ما شهدت به الأعداء

والثالث : إنّه لا ريب في عداء أنس لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، والشواهد على ذلك عديدة، منها موقفه منهعليه‌السلام في قصة الطائر - فإذا روى شيئاً في فضله ومنقبته قُبل، لأنّ الفضل ما شهدت به الأعداء ومن الواضح أنّه لو روى هذا الحديث عمر بن الخطاب أو أبو بكر لكان اعتباره أكثر والإِعتماد عليه أشد، وكان أدخل في الإِلزام والإِفحام.

قال الشيخرحمه‌الله السندي في بيان أمارات الحديث الموضوع: « منها إقرار واضعه به، وليس هذا قبولاً لقوله مع فسقه، وإنّما هو مؤاخذة بموجب إقراره، كما يؤخذ بالإِعتراف بالزنّا أو القتل، ولذا جعل إقراره أمارة، لأنا لا نقطع على حديثه بالوضع، لاحتمال كذبه في إقراره بفسقه، نعم إذا انضم إلى إقراره قرائن تقتضي صدقه فيه قطعنا به، سيّما بعد التوبة »(١) .

رواية غير « أنس » من الصّحابة

الرابع : إنّه لم ينفرد أنس برواية هذا الحديث ليقال: كيف تعتمدون على رواية الفاسق الكاذب. بل لقد رواه جمع غيره من الصّحابة، وعلى رأسهم سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام . ومن رواته منهم: ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وسفينة مولى النبيّ، وأبو الطفيل، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وأبو مرازم يعلى بن مرّة إذن، لقد رواه غيره من الصّحابة. بل إن رواية الأمير كافية للإِحتجاج والإِستدلال وقاطعة للسان القيل والقال.

____________________

(١). مختصر تنزيه الشريعة - المقدمة.


كلامٌ آخر له في الحاشية

وذكر ( الدهلوي ) في الحاشية وجهاً آخر لإِبطال حديث الطّير، نتعرّض له ونجيب عنه، لئلّا يبقى شيء من ناحيته لم يتّبين فساده في هذا المقام لقد قال ( الدهلوي ) في الحاشية هنا:

« قال السيد الحميري:

وفي طائر جاءت به أُم أيمن

بيان لمن بالحقّ يرضى ويقنع.

وقال الصاحب ابن عباد:

علي له في الطير ما طار ذكره

وقامت به أعداؤه وهي تشهد

هذه الرواية تكذّبها رواية أبي علي الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الإِمام أبي عبد اللهعليه‌السلام : إن الطير جاء به جبرئيل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين كان جائعاً، ودعا الله أن يشبعه » انتهى.

وجوه الجواب عن هذا الكلام

وهذا الوجه كسابقه - وكسائر كلمات ( الدهلوي ) - مردود وبالرغم من وضوح بطلانه وسقوطه لدى أولي الألباب وأصحاب الأنظار فإنا نفصّل الكلام في ردّه وبيان وهنه في وجوه:

هذا الاعتراض يتوجه إلى روايات أهل السنّة أيضاً

الأوّل : إنّه لـمّا كان أهل السنّة يروون هذا الحديث، وينصّ كبار علمائهم على صحته أو حسنه ويجعلونه حجةً، فإنّ عليهم الجواب عن هذا الاعتراض، لأنّ الإِختلاف الذي أشار إليه ( الدهلوي ) موجود في رواياتهم،


ففي بعضها: أنّ الطير أرسلته أُم سليم، و في آخر: إنّه أرسلته أُم سلمة رضي الله عنها ، و في ثالث: أنّه جاءت به أُم أيمن، و في رابع: أنّه جاء من الجنّة

بل إنّ ( الدهلوي ) لـمّا ذكر الحديث قال: « كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر قد طبخ له أو أُهدي إليه ».

وبالجملة، فإنّ روايات أهل السنّة في كيفية مجيء الطائر إلى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وحضوره عنده مختلفة وكما أنّ هذا الاختلاف غير قادح في ثبوت الحديث لدى رواته ومصححيه ومثبتيه من أهل السنّة فكذلك الإِماميّة.

مقتضى القاعدة الجمع كما في نظائر المقام

وثانياً : إنّ هذا الإِعتراض من ( الدهلوي ) يكشف عن جهله بفنون الحديث وعلومه وقواعده، هذا الجهل الذي أدّى به إلى الحكم بوضع الحديث بمجرّد اختلاف ألفاظه لكن هذا لا يختص بهذا الحديث أو ببعض الأحاديث الأخرى، فإنّ الاختلاف موجود في مئات الأخبار الحاكية للقضايا والحوادث والخصوصيّات، ولا يقول أحد ببطلان جميع تلك الأحاديث وكذب كلّ تلك الحوادث، بل يجمع بينها مهما أمكن على تعدد الواقعة وأمثال ذلك من طرق الجمع، كما عرفت سابقاً من تصريحات أساطين القوم.

وهذا الجمع المشار إليه ممكن هنا، بأن تكون الواقعة متعدّدة، فمرةً جاء جبرئيلعليه‌السلام بالطائر من الجنّة، ومرةً قدّمته أُم أيمن إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لا منافاة بين مفادي شعر الحميري ورواية الاحتجاج

وثالثاً : لا منافاة بين مجيء أُم أيمن بالطير وقت الأكل، وبين مجيء جبرئيلعليه‌السلام به، إذ من الممكن أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلّمه


إيّاها بعد مجيء جبرئيلعليه‌السلام به، ثمّ جاءت به إليه بعد ذلك. وأمّا ما وقع في رواية المستدرك للحاكم من أن أُم أيمن لـمّا سألها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الطّير قالت: « هذا الطائر أصبته فصنعته لك » فليس بمنافٍ لما ذكرنا، لأن كلامنا مسوق للجمع بين ما ورد في طرق أهل الحقّ، لا للجمع بين ما ورد من طرق أهل الخلاف ولم يقع في روايةٍ من روايات أهل الحق أن الطائر صنعته أُم أيمن. انتهى. قاله السيد محمّد قلي طاب ثراه.

خلط وخطأ للدهلوي في المقام

ورابعاً : إنّه لا دخل لشعر الصاحب ابن عبّاد الذي ذكره بعد شعر السيد الحميري بالإِختلاف، إذ لم يتعرّض الصاحب في هذا البيت إلى كيفية مجئ الطائر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ليكون مدلوله مخالفاً لشعر الحميري أو لرواية الطبرسي في الاحتجاج. ومن هنا يظهر اختلاط الأمر على ( الدّهلوي ) مع أنّه قد أدّعى متانة بحوثه في هذا الكتاب في مقابلة أهل الحقّ.

نتيجة البحث: سقوط دعوى الوضع

وقد تحصّل إلى هنا - حيث تعرضنا لِما ذكره ( الدهلوي ) في متن ( التحفة ) وحاشيتها - سقوط دعوى وضع حديث الطّير، وقد عرفت التنصيص من ابن حجر المكّي وغيره على بطلان هذه الدّعوى.

وهذا تمام الكلام مع ( الدهلوي ) في هذا المقام. والحمد لله وحده.

* * *



مع العلماء الآخرين

في أباطيلهم حول حديث الطَّير



سقوط دعوى ابن طاهر بطلان طرقه

وكما بطل دعوى وضع حديث الطير، فقد بطل دعوى بطلان طرقه كما عن ابن طاهر ومن تبعه قال ابن حجر المكي في ( المنح المكيّة ): « أما قول بعضهم: إنّه موضوع وقول ابن طاهر: طرقه كلها باطلة معلولة، فهو الباطل، وابن طاهر معروف بالغلو الفاحش ».

والحمد لله الذي أظهر بطلان ما قاله ابن طاهر على لسان ابن حجر الذي هو من كبار المتعصّبين ضدّ الحقّ وأهله، لأنّه المدافع عن معاوية والقائل بخلافته والمؤلّف في فضائله ومناقبه الأحاديث الموضوعة كتاب ( تطهير اللسان والجنان ). وهو أيضاً صاحب ( الصّواعق المحرقة ) المشتمل على التعصّب والعناد لأهل البيت وأتباعهم، كما اعترف الشيخ عبد الحق الدهلوي، ورشيد الدين صاحب ( إيضاح لطافة المقال ) بذلك.

وبالجملة، فإنّ ما ذكره ابن طاهر باطل مردود، حتى لدى المتعصّبين من أهل نحلته وطائفته.


ترجمة محمّد بن طاهر المقدسي

وكما وصف ابن حجر المكّي محمّد بن طاهر المقدسي بالغلوّ الفاحش فقد أورده الذهبي في كتاب ( المغني في الضعفاء ) حيث قال: « محمّد بن طاهر المقدسي الحافظ ليس بالقوي، فإنّ له أوهاماً في تواليفه. وقال ابن ناصر: كان لحنة وكان يصحف. وقال ابن عساكر: جمع أطراف الكتب الستّة، رأيته بخطه وأخطأ فيه في مواضع خطأ فاحشاً »(١) .

وفي ( ميزان الاعتدال ) بعد أنْ ذكر ما تقدّم عن ( المغني ): « قلت: وله انحراف عن السنّة إلى تصوّفٍ غير مرضي، وهو في نفسه صدوق لم يتهم، وله حفظ ورحلة واسعة »(٢) .

وقال الحافظ ابن حجر: « قال الدقاق في رسالته: كان ابن طاهر صوفياً ملامتياً، له أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم، وذكر لي عنه حديث الإِباحة. أسأل الله أن يعافينا منها، وممّن يقول بها من صوفية وقتنا. وقال ابن ناصر: ابن طاهر يقرأ ويلحن، فكان الشيخ يحرّك رأسه ويقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله. وقال ابن عساكر: له شعر حسن مع أنّه كان لا يعرف النحو »(٣) .

وقال السيوطي: « كان ظاهريّاً يرى إباحة السّماع والنظر إلى المرد، وصنّف في ذلك كتاباً، وكان لحنة لا يحسن النحو »(٤) .

____________________

(١). المغني في الضعفاء ٢ / ٢٨.

(٢). ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٣ / ٥٨٧.

(٣). لسان الميزان ٥ / ٢٠٧.

(٤). طبقات الحفّاظ: ٤٥٢.


كذب قول جماعة: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات

ومن العجائب أن جماعة من أعلام القوم يعزون إلى ابن الجوزي إيراد حديث الطير في كتاب ( الموضوعات ):

قال الشعراني: « البحث الثالث والأربعون، في بيان أن أفضل الأولياء المحمديين بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وهذا الترتيب بين هؤلاء الخلفاء قطعي عند الشيخ أبي الحسن الأشعري، ظنّي عند القاضي أبي بكر الباقلاني.

وممّا تشبّث به الرّافضة في تقديمهم علياً -رضي‌الله‌عنه - على أبي بكررضي‌الله‌عنه حديث: إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُتي بطير مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فأتاه عليرضي‌الله‌عنه .

وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وأفرد له الذهبي جزءً وقال: إنّ طرقه كلّها باطلة. واعترض الناس على الحاكم حيث أدخله في المستدرك »(١) .

فرية الشعراني على ابن الجوزي

وفي هذه العبارة من الكذب والإِفتراء والتدليس ما لا يخفى:

أمّا أولاً : فإنّ الشعراني قد افترى على ابن الجوزي إيراد هذا الحديث في كتاب الموضوعات، وهذه فرية قبيحة وكذبة واضحة، فإنّه - بغضّ النظر عن عدم وجدان هذا الحديث الشريف في هذا الكتاب رغم التّفحص التام والتتبع

____________________

(١). اليواقيت والجواهر - المبحث الثالث والأربعون.


الدقيق في نسخته الخطيّة العتيقة - قد نصّ الحافظ العلائي وابن حجر المكّي على أنّ ابن الجوزي لم يذكر هذا الحديث في الموضوعات. فلو فرضنا أنّ الشعراني لم يراجع كتاب الموضوعات، ولم ير عبارة العلائي، فهلّا اعتمد على ابن حجر المكّي الذي بالغ في مدحه والثناء عليه في ( لواقح الأنوار ) كي لا يقع في مثل هذه الورطة؟!

فرية على الذهبي

وأمّا ثانياً: فإنّه قد افترى على الذهبي حيث نسب إليه القول بأنّ طرق هذا الحديث كلّها باطلة، لأنّ الذّهبي ذكر أنّه قد جمع طرقه وأنّها تدل على أن للحديث أصلاً، وقد تقدّم نقل عبارة الذهبي هذه عن ( تذكرة الحفّاظ ) و ( مقاليد الأسانيد ) و ( بستان المحدّثين ).

وأيضاً: قد عرفت أنّ الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) يصرّح بأنّ رجال رواية الحاكم ثقات.

تدليس وتلبيس من الشعراني

وأمّا ثالثاً : فإنّ الشعراني ذكر اعتراض الناس على الحاكم حيث أدخله في المستدرك، ولم يتعرض لوجه الإِعتراض والجواب عنه. وقد عرفت أنّ أول المعترضين هو الذهبي في ( تلخيص المستدرك ) ومنه أخذ من بعده وكان وجه الإِعتراض اتّهامه « محمّد بن أحمد بن عياض » لكن الذّهبي رجع عن هذا الاتّهام في ( ميزان الإِعتدال ) وظهر له صدق الرّجل مع تنصيصه على وثاقة غيره من رجال الحديث عند الحاكم، فيكون قد صحّح الحديث ورفع اليد عن اعتراضه وكلّ هذا لم يتطرّق إليه الشعراني، فهل كان قد جهله؟! أو تجاهله ولم يشأ أن يتطرّق إليه؟


فرية محمّد طاهر الفتني على ابن الجوزي

وقال محمّد طاهر الكجراتي الفتني: « في المختصر: اللّهم ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطير. له طرق كثيرة كلّها ضعيفة. قلت: ذكره أبو الفرج في الموضوعات »(١) .

وهذه فرية إذْ أنّه غير مذكور في ( الموضوعات ).

والعجيب أيضاً: أنّ الفتني ينسب هذا إلى ابن الجوزي ليعتمد عليه في ردّ هذا الحديث؟ وهو القائل عن ابن الجوزي في صدر كتابه ما نصّه: « ولعمري إنّه قد أفرط في الحكم بالوضع، حتى تعقبه العلماء من أفاضل الكاملين، فهو ضرر عظيم على القاصرين المتكاسلين. قال مجدد المائة السيوطي: قد أكثر ابن الجوزي في الموضوعات من إخراج الضعيف بل ومن الحسان ومن الصّحاح ».

فظهر أنّ النسبة كاذبة من أصلها. وعلى فرض الصّحة فإنّه يرى ابن الجوزي مفرطاً في الحكم بالوضع، وأنّ كتاب الموضوعات فيه أحاديث صحاح أيضاً.

بل، لقد تعقب الفتني الهندي ابن الجوزي في بعض ما حكم بوضعه بأنّ الحديث ممّا أخرجه الترمذي، فلا يحكم عليه بالوضع وإنْ ضعّفه فلو فرض ذكر ابن الجوزي حديث الطّير في الموضوعات لكان على الفتني أن يتعقّبه، لكونه من أحاديث الترمذي في صحيحه، لا سيّما وأن الترمذي لم يحكم عليه بالضعف؟!

فما الذي حمل الفتني على هذا الموقف من الحديث غير التعصّب؟!

____________________

(١). تذكرة الموضوعات: ٩٥.


فرية القاري على ابن الجوزي

وقال الشيخ علي القاري: « رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. أي إسناداً أو متناً، ولا منع من الجمع. قال ابن الجوزي: موضوع »(١) .

وهذه فرية على ابن الجوزي، ولا يخفى أنّه لم يقنع بدعوى ذكره إياه في الموضوعات بل نسب إليه القول بأنّه « موضوع » لكنْ اين؟ وفي أيّ كتاب؟!

فرية الصبّان على ابن الجوزي

وقال الشيخ محمّد الصبّان المصري مقتفياً أثر الشعراني: « وأمّا ما أخرجه الحاكم في مستدركه من أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُتي بطير مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فأتاه علي. فهو - وإنْ كان ممّا تشبّث به الرافضة في تفضيلهم علياً - حديث باطل. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وأفرده الحافظ الذهبي بجزءٍ وقال: إن طرقه كلها باطلة. واعترض الناس على الحاكم حيث أدخله في المستدرك »(٢) .

ويرد عليه ما ورد على الشعراني، لكنه زاد عليه الحكم ببطلان الحديث، وهذا جزافٌ محض وعنادٌ بحت،

فرية الشوكاني على ابن الجوزي

وقال الشوكاني: « اللّهم ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطير. قال في المختصر: له طرق كثيرة كلّها ضعيفة. وقد ذكره ابن الجوزي في

____________________

(١). مرقاة المفاتيح - شرح مشكاة المصابيح ٥ / ٥٦٩.

(٢). اسعاف الراغبين في مناقب النبيّ وأهل بيته الطاهرين: ١٦٩.


الموضوعات. وأما الحاكم فأخرجه في المستدرك وصحّحه. واعترض عليه كثير من أهل العلم ومن أراد استيفاء البحث فلينظر ترجمة الحاكم في النبلاء »(١) .

ويردّه ما ذكرناه في الجواب عن كلمات من تقدّمه.

والحاصل: إنّ نسبة إيراد هذا الحديث في كتاب ( الموضوعات ) أو الحكم بوضعه إلى ابن الجوزي لا أساس لها من الصّحة، والذي أظنّ: أنّ هؤلاء لمـّا كانوا في مقام الطعن في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام مهما أمكنهم ذلك، عناداً ولجاجاً وتعصّباً، وكانوا يعلمون أنّ ابن الجوزي قد أورد طرفاً كبيراً من مناقب أمير المؤمنين والعترة الطاهرة في كتاب ( الموضوعات ) فقد نسبوا إليه إيراد هذا الحديث في الكتاب المذكور، رجماً منهم بالغيب من دون مراجعة كتابه.

لكنك قد عرفت أن الحافظ العلائي وابن حجر المكّي ينفيان أنْ يكون ابن الجوزي قد ذكر حديث الطير في موضوعاته مضافاً، إلى أنّ هذا الكتاب موجود بين الأيدي، فمن يدّعي فليثبت؟.

حديث الطير في كتاب العلل المتناهية

نعم، لقد أورد ابن الجوزي حديث الطير في كتابه ( العلل المتناهية ) وموضوعه الأحاديث الضعيفة بحسب السند - بزعم ابن الجوزي - والتي لا دلالة لألفاظها على كونها كاذبة أورده بطرقه الكثيرة وتكلّم عليها

لكن هذا لا يضرّ بمطلوب أهل الحقّ لوجوه:

الأوّل : إن ابن الجوزي متعصب مفرط في أحكامه وهذا أمر ثابت من كلمات أكابر علماء أهل السنّة.

الثاني : إنّ ابن الجوزي لم يناقش في بعض الطرق التي ذكرها. وإذا

____________________

(١). الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: ٢٨٢.


كان طريق البحث والنقاش في بعض الطرق مسدوداً على مثل ابن الجوزي كان إيراده هذا الحديث في كتابه المذكور مجازفة، لأنّ الحديث حينئذٍ لا يكون ممّا يناسب الكتاب موضوعاً.

والثالث : إن كثيراً من مناقشاته في رجال طرقه مردودة.

والرابع : لو سلّمنا جميع مناقشاته، كان الحديث ضعيفاً سنداً، لكنك قد عرفت سابقاً من كلمات أئمة القوم أن اجتماع الطرق الضعيفة على حديث واحدٍ يوجب تقوّي بعضها ببعض، وبذلك يرتقي الحديث إلى درجة الحسن وعلى هذا، فإنّ مجرّد هذه الطرق الكثيرة التي ذكرها ابن الجوزي وخدش فيها - هي وحدها مع قطع النظر عن غيرها - تقتضي أن يكون الحديث حسناً لا ضعيفاً.

الخامس : إن الوجوه السابقة التي ذكرناها لإِثبات صحّة حديث الطير وحسنه إذا انضمت إلى هذه الطرق الكثيرة - المفروض ضعفها - بلغت بالحديث إلى مرتبة القوّة والاعتبار.


خلاصة البحوث

ويتلخّص البحث إلى الآن في نقاط:

١ - إنّ القول بوضع حديث الطير باطل، أيّاً من كان قائله.

٢ - دعوى قول أكثر المحدّثين بوضعه لا أساس لها من الصحة.

٣ - دعوى قول ابن الجزري بوضعه لا يعبأ بها.

٤ - دعوى قول الذهبي بوضعه كاذبة.

٥ - دعوى بطلان طرقه كما عن ابن طاهر ومن تبعه باطلة.

٦ - دعوى جماعة ذكر ابن الجوزي إيّاه في ( الموضوعات ) كاذبة.

٧ - إيراد ابن الجوزي إياه في ( العلل المتناهية ) لا يضر بمطلوب الإِمامية.


مع ابن تيميّة الحرّاني

ولا بن تيميّة خرافات وأباطيل في تكذيب هذا الحديث الشريف نتعرض لها بالتفصيل

لقد قال ابن تيميّة المشهور بالعناد والعصبية في جواب العلاّمة الحلّي ما نصّه، قال:

« الجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل.

وقوله : روى الجمهور كافّة. كذب عليهم، فإنّ حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صحّحه أئمة الحديث. ولكن هو ممّا رواه بعض الناس كما رووا أمثاله في فضل غير علي. بل قد رووا في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصنّف في ذلك مصنفات، وأهل العلم بالحديث لا يصحّحون هذا ولا هذا ».

جواب قوله: لم يروه أحد من أصحاب الصّحيح!

وهذا الكلام كلّه أكاذيب وأباطيل: إنّه يقول: « إنّ حديث الطّير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح » فنقول له:

إنّ حديث الطير مخرَّج في صحيح الترمذي، وصحيح الحاكم، وصحيح النسائي - بناءً على أنّ الخصائص من سننه - فكيف يقال: لم يروه أحد من أصحاب الصحيح؟!

جواب قوله: ولا صححه أئمة الحديث

ويقول ابن تيميّة: ولا صحّحه أئمة الحديث. وهذا كذب وإنكار


للحقيقة، لأنّ المأمون العباسي، وقاضي القضاة يحيى بن أكثم، وإسحاق بن إبراهيم بن حمّاد بن يزيد وأربعين - أو تسعة وثلاثين - من كبار علماء عصر المأمون. وكذا أبو عمر أحمد بن عبد ربّه القرطبي، وأبو عبد الله الحاكم، وقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، وأبو عبد الله الكنجي الشافعي يصحّحون - أو يسلّمون تصحيح - حديث الطير وهؤلاء علماء متبحرون في علم الحديث

وهل ينكر ابن تيميّة أن يكون هؤلاء من أئمة الحديث؟!

نعم: إنّ من يقول الحقّ ويعترف بما ينفع أهل الحقّ لا يكون من أئمّة الحدّيث عند ابن تيمية وأمثاله من المتعصبين المعاندين للحق!!

جواب قوله: ولكن هو ممّا رواه بعض الناس

ثمّ يقول: « ولكنْ هو ممّا رواه الناس » وكأنّه يريد إيهام أنّ رواة حديث الطير ومخرجيه شرذمة شاذة من آحاد الناس والعوام الجهلة لكنّا نساءل أهل العلم والإِنصآف، هل أنّ أمثال:

أبي حنيفة، إمام المذهب الحنفي.

وأحمد بن حنبل، إمام المذهب الحنبلي.

وعبّاد بن يعقوب الرواجني.

وأبي حاتم الرّازي.

وأبي عيسى الترمذي.

وأحمد بن يحيى البلاذري.

وعبد الله بن أحمد بن حنبل.

وأبي بكر البزار.

وأحمد بن شعيب النسائي.

وأبي يعلى الموصلي.


ومحمّد بن جرير الطبري.

وأبي القاسم البغوي.

ويحيى بن صاعد البغدادي.

وابن أبي حاتم الرّازي.

وأبي عمر ابن عبدربّه.

والقاضي حسين المحاملي.

وأبي العباس ابن عقدة.

وعلي بن الحسين المسعودي.

وأحمد بن سعيد الجدّي.

وأبي القاسم الطبراني.

وابن السّقاء الواسطي.

وأبي اللّيث الفقيه.

وابن شاهين البغدادي.

وأبي الحسن الدار قطني.

وابن شاذان السكري الحربي.

وابن بطة العكبري.

وأبي بكر النّجار.

وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري.

وأبي سعد الخركوشي.

وأبي بكر ابن مردويه.

وأبي نعيم الأصبهاني.

وأبي طاهر ابن حمدان.

وابن المظفر العطّار.

وأبي بكر البيهقي.


وابن بشران.

وابن عبد البرّ.

وأبي بكر الخطيب البغدادي.

وابن المغازلي الواسطي.

وأبي المظفّر السمعاني.

ومحيي السنّة البغوي.

ورزين العبدري.

وابن عساكر الدمشقي.

ومجد الدين ابن الأثير.

وابن النّجار البغدادي.

ومحمّد بن طلحة الشافعي.

وسبط ابن الجوزي.

ومحمّد بن يوسف الكنجي.

ومحبّ الدين الطبري الشافعي.

وإبراهيم الحمويني.

يقال عنهم: « بعض الناس » أو أنّ هؤلاء أساطين دين أهل السنّة، وأكابر حفّاظهم المحدّثين، وأئمّتهم المعتمدين؟!

من تناقضات ابن تيمية

وياليته استثنى ممّن عبَّر عنه بـ « بعض الناس » مستهيناً له ومستصغراً إياه أبا حنيفة وأحمد بن حنبل، وأبا حاتم، والنسائي، ومحمّد بن جرير الطبري، والدار قطني لئلّا يلزم التناقض والتهافت في كلماته:

وذلك، لأنّ ابن تيمية وصف في كتابه ( المنهاج ) أحمد بن حنبل، وأبا حاتم، والنسائي، والدار قطني، بأنّهم أئمة ونقّاد وحكّام وحفّاظ للحديث، ولهم


معرفة تامّة بأقوال النبيّ وأحوال الصّحابة والتابعين وسائر رجال الحديث طبقة بعد طبقة، ولهم كتب كثيرة في معرفة أحوال رجال الحديث

وزعم أنّ أبا حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومحمّد بن جرير الطبري، بلغوا في العلم مرتبةً حتى كانوا - معاذ الله - أعلم من الإِمامين العسكريّينعليهما‌السلام بالشريعة ...!! إلى غير ذلك ممّا قال فلا نذكره ونعوذ بالله من الضّلالة والخسران

مفاد قوله: أهل العلم بالحديث لا يصححون فضائل علي ولا فضائل معاوية

وأمّا قوله: « كما رووا أمثاله في فضائل غير علي بل قد رووا في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصنّف في ذلك مصنّفات، وأهل العلم بالحديث لا يصحّحون هذا ولا هذا ».

ففيه فوائد:

أمّا أوّلاً: فإنّه يبطل دعاوي المتأخرين من علماء أهل السنّة من أنْ أهل السنّة هم الذين اهتمّوا منذ اليوم الأول برواية فضائل أهل البيتعليهم‌السلام وتصحيحها وجمعها في مقابلة النواصب والأعداء وأنّ الإماميّة في هذا الباب عيال على أهل السنّة ومستفيدون منهم نعم، إن كلام ابن تيمية هذا يبطل كلّ هذه الدعاوي ويكذب هذه المزاعم، إذ يقول بأنّ أهل العلم بالحديث لا يصحّحون فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وأمّا ثانياً: فإنّه يقتضي سقوط جميع روايات أهل السنّة عن الإِعتبار، لأنّهم قد وضعوا أحاديث في فضل معاوية ثمّ أفردوها بالتأليف لغرض تضليل العوام وتخديعهم وحينئذٍ لا يبقى وثوق واعتبار لرواياتهم وكتبهم في الأبواب العلمية الاُخرى.

وأمّا ثالثاً: فإنّه يفيد أنّ المصحّحين لِما رووه في فضل معاوية ليسوا من


أهل العلم بالحديث وبهذا يعرف حال والد ( الدهلوي ) الذي حاول إثبات فضائل معاوية في ( إزالة الخفاء )، وحال ابن حجر المكّي المؤلّف كتاباً خاصاً في ذلك.

إلى هنا إنتهى الكلام حول ما ذكره ابن تيمية في الوجه الأول.

قال:

« الثاني: إنّ حديث الطير من المكذوبات الموضوعات عند أهل المعرفة بحقائق النقل. قال الحافظ أبو موسى المديني: قد جمع غير واحدٍ من الحفّاظ طرق أحاديث الطير للإِعتبار والمعرفة: كالحاكم النيسابوري، وأبي نعيم وابن مردويه. وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصحّ.

هذا مع أنّ الحاكم منسوب إلى التشيّع، وقد طلب منه أنْ يروي حديثاً في فضل معاوية فقال: ما يجئ من قلبي ما يجئ من قلبي، وقد خوصم على ذلك فلم يفعل، وهو يروي في المستخرج والأربعين أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أئمة الحديث، كقوله: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

لكنّ تشيّعه وتشيّع أمثاله من أهل العلم بالحديث: كالنسائي، وابن عبد البرّ، وأمثالهما، لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر، فلا يعرف في علماء الحديث من يفضلّه عليهما، بل غاية التشيع منهم أنْ يفضلّه على عثمان، أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله، ونحو ذلك. لأنّ علماء الحديث قد عصمهم وقيّدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة الدّالة على فضيلة الشيخين، ومن ترفّض ممّن له نوع اشتغال بالحديث: كابن عقدة وأمثاله، فهذا غايته أنْ يجمع ما يروى في فضائله من الكذوبات والموضوعات لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين، فإنّها باتّفاق أهل العلم بالحديث أكثر ممّا صحَّ من فضائل علي وأصّح وأصرح في الدلالة.

وأحمد بن حنبل لم يقل إنّه صحّ لعلي من الفضائل ما لم يصحّ لغيره، بل أحمد أجلّ من أن يقول مثل هذا الكذب، بل نقل عنه أنّه قال: روي له ما


لم يرو لغيره، مع أنّ في نقل هذا عن أحمد كلام ليس هذا موضعه ».

جواب قوله: حديث الطير من المكذوبات عند أهل المعرفة

وهذا الوجه كسابقه كلّه أكاذيب وأباطيل إنّه يدّعي: « أنّ حديث الطّير من المكذوبات الموضوعات عند أهل المعرفة بحقائق النقل » وهذه دعوى باطلة، فالحديث عند أهل التحقيق من أساطين أهل السنّة من الأحاديث الصحاح المعتبرة الصالحة للاستدلال والاحتجاج كما عرفت ذلك بالتفصيل

وليت شعري من « أهل المعرفة بحقائق النقل » القائلين بأنّه من المكذوبات الموضوعات؟ لما ذا لم يذكرهم؟ ولم يذكر واحداً منهم؟ ألم يكن من المناسب أن يذكر ولو اسم واحدٍ فقط!، وإنْ كانت دعوى وضعه فارغة مردودة لدى المحقّقين الكبار من أهل السنّة أيضاً كالعلائي والسّبكي وابن حجر المكّي؟

لا علاقة لما نقله عن المديني بمدّعاه

ثمّ نقل عن أبي موسى المديني أنّه قال: « قد جمع غير واحدٍ من الحفّاظ طرق أحاديث الطّير للإِعتبار والمعرفة كالحاكم وأبي نعيم وابن مردويه » ولكنْ أيّ علاقة لهذا الذي نقله عن المديني بما ادّعاه من كون الحديث من المكذوبات الموضوعات عند أهل المعرفة بحقائق النقل؟ وهل يدلّ على مدّعاه بإحدى الدلالات الثلاث؟

بل الأمر بالعكس، وما ذكره ابن تيمية اعتراف حديث الطير ...، إذ قد عرفت أنّ جمع علماء أهل السنّة طرق هذا الحديث في أجزاءٍ مفردة وتآليف خاصة يدل بوجوهٍ عديدة على ثبوته وتحقّقه لكنّ هذا الرجل وأمثاله إذا أرادوا البحث مع الإِماميّة يضطربون، وقد يتفوّهون بما يضرّهم وهم


لا يشعرون

ما نقله عن الحاكم كذب عليه

وأمّا ما ذكره من أنّه « سئل الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصح » ففيه:

أوّلاً : إنّه كذب على الحاكم وكيف يقول الحاكم بعدم صحته وقد أخرجه في مستدركه على الصحيحين وأثبت صحته رغم الجاحدين؟

ومع هذا، فإنّ نقل حكم الحاكم بعدم صحة هذه الحديث غايته أن يكون ظنيّاً، لكن حكمه بصحته في المستدرك قطعي، والظّني لا يعارض القطعي.

وثانياً : لو سلّمنا ثبوت هذا الذي حكاه عن الحاكم، فإنّه لا يجوز الاحتجاج به، لتصريح الحافظ برجوع الحاكم عن ذلك كما ستعلم.

وثالثاً : لو سلّمنا ثبوته وفرضنا عدم رجوعه كان الاستدلال والإِحتجاج بتصحيحه إيّاه في المستدرك من باب الإِلزام والافحام للمخالفين تاماً، على القواعد والاُصول المقرّرة في باب الإِحتجاج والمناظرة.

ورابعاً : ولو فرضنا أنّه كان قد قدح فيه ولم يخرجه في المستدرك، فإنّ الأدلة القويمة والبراهين المتينة على صحة حديث الطير وثبوته كثيرة، بل يكفي لبطلان القول بوضعه ما قاله العلائي والسبكي وابن حجر المكّي.

هذا، وقد نصَّ الحافظ الذهبي في ( تذكرة الحفّاظ ) - بعد أن حكى ذلك القول المنسوب إلى الحاكم - على رجوعه عنه، وقد أورد الشيخ محمّد الأمير الصنعاني كلام الذّهبي وعلّق عليه حيث قال في ( الروضة الندية ):

« هذا الخبر رواه جماعة عن أنس، منهم: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن عمير، وسليمان بن الحجاج الطائفي، وابن أبي الرجال الكوفي، وأبو الهندي، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، ويغنم بن سالم بن قنبر،


وغيرهم.

وأمّا ما قال الحافظ الذهبي في التذكرة في ترجمة الحاكم أبي عبد الله المعروف بابن البيّع الحافظ المشهور مؤلّف المستدرك وغيره - بعد أن ساق حكاية: وسئل الحاكم أبو عبد الله عن حديث الطير فقال: لا يصح، ولو صحّ لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قال الذهبي: قلت: تغيَّر رأي الحاكم فأخرج حديث الطير في مستدركه. قال الذهبي: وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة قد أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أنّ الحديث له أصل. انتهى كلام الذهبي.

فأقول : كلام الحاكم هذا لا يصح عنه، أو أنّه قاله ثمّ رجع عنه كما قال الذهبي: ثمّ تغيّر رأيه. وإنّما قلنا ذلك لأمرين: أحدهما - وهو أقواهما - أنّ القول بأفضلّية علي بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو مذهب الحاكم كما نقله الذهبي أيضاً في ترجمته عن ابن طاهر، قال الذهبي: قال ابن طاهر: كان - يعني الحاكم - شديد التعصّب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً عن معاوية، وأنّه يتظاهر بذلك ولا يعتذر فيه. انتهى كلام ابن طاهر. وقرّره الذهبي بقوله: قلت: أمّا انحرافه عن خصوم علي فظاهر. وأمّا الشيخان فمعظّم لهما بكلّ حال، فهو شيعي لا رافضي. انتهى.

قلت : إذا عرفت هذا فكيف يطعن الحاكم في شيء هو رأيه ومذهبه ومن أدلّة ما يجنح إليه؟ فإنْ صحّ عنه نفي صحة حديث الطائر فلا بدَّ من تأويله بأنّه أراد نفي أعلى درجات الصحة، إذْ الصحّة عند أئمة الحديث درجات سبع، أو أنّ ذلك وقع منه قبل الإِحاطة بطريق الحديث، ثمّ عرفها بعد ذلك فأخرجه فيما جعله مستدركاً على الصحيحين.

والثاني : إنّ إخراجه في المستدرك دليل صحته عنده، فلا يصح نفي الصحة عنه إلّا بالتأويل المذكور.

وعلى كلّ حال فقدح الحاكم في الحديث لا يتم.


ثمّ هذا الذهبي مع تعاديه وما يعزى إليه من النصب ألّف في طرقه جزءٌ. فعلى كلّ تقدير قول الحاكم: لا يصح. لا بدّ من تأويله.

ولأنّه علّل عدم صحته بأمرٍ قد ثبت من غير حديث الطّير، وهو: إنّه إذا كان أحبّ الخلق إلى الله كان أفضل الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى الله من غير حديث الطائر وإذا ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه أحب الخلق إلى الله سبحانه، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يكون الأحب إليه إلّا الأحب إلى الله سبحانه، وأنّه قد ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى الله من أدلةٍ غير حديث الطائر.

فماذا ينكر من دلالة حديث الطّير على الأحبيّة الدالّة على الأفضلية، وأنّها تجعل هذه الدلالة قادحة في صحة الحديث كما نقل عن الحاكم، ويقرب أنّ الحافظ أبا عبد الله الحاكم ما أراد إلّا الإِستدلال على ما يذهب إليه من أفضلية علي، بتعليق الأفضلية على صحة حديث الطير، وقد عرف أنّه صحيح، فأراد استنزال الخصم إلى الإِقرار بما يذهب إليه الحاكم فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من علي بعده. وقد تبيّن صحته عنده وعند خصمه. فيلزم تمام ما أراده من الدليل على مذهبه ».

جواب قوله: الحاكم منسوب إلى التشيّع

وأمّا قوله: « مع أنّ الحاكم منسوب إلى التشيّع » ففيه: أنّه إنْ أراد أنّ بعض المتعصبين نسب الحاكم إلى التشيّع وإنْ لم يكن متشيّعا في الواقع، فهذا مسلّم، لكن ايش يجدي هذا؟ وإن أراد أنّ الحاكم متشيّع حقّاً، فهذا باطل، إذ لا يخفى على من كان له أدنى تتّبع ونظر في كتب الرجال عدم وجود أي دليلٍ متين وبرهان مبين على تشيّع الحاكم، ومن هنا لم يتعرّض كثير ممّن ترجم له إلى هذه الناحية


على أنّه لا فائدة في الإِصرار على هذه الدعوى وأمثالها، لثبوت أنّ التشيّع لا يكون قادحاً في العدالة أبداً، بل لا ينافي الرّفض الوثاقة أصلاً فلو كان الحاكم متشيّعاً بل رافضيّاً لم يضرّ بوثاقته وجلالته وإمامته في الحديث، فكيف وهو من كبار أهل السنّة بل أساطينهم، ومن صدور علمائهم بل سلاطينهم.

حول ما ذكره من أنّه طلب من الحاكم رواية حديث في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي

وأضاف ابن تيمية لإِثبات تشيّع الحاكم: « وقد طلب منه أن يروي حديثاً في فضل معاوية فقال: ما يجئ من قلبي، ما يجئ من قلبي » وهذا عجيب من ابن تيمية جدّاً، لأنّه قد ذكر من قبل أنّ أهل العلم بالحديث لا يصحّحون شيئاً في فضل معاوية، فإذا كان موقف الحاكم من فضائل معاوية كسائر أهل العلم عدّ متشيعاً؟ اللّهم إلّا أن يدّعي الملازمة بين فضائل معاوية وفضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بأنْ يكون ردّ فضائلهما معاً ديدن أهل العلم بالحديث، وحيث أن الحاكم يصحّح فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ولا يصحّح شيئاً في فضائل معاوية فهو شيعي، وهذا ممّا يضحك الثكلى

على أنّ السبكي أورد خبر امتناع الحاكم من رواية شيء في فضل معاوية، وكذّبه جدّاً، وإليك نصّ الخبر عنده عن ابن طاهر قال: « سمعت أبا الفتح سمكويه بهراة يقول: سمعت عبد الواحد المليحي يقول: سمعت أبا عبد الرحمن السلمّي يقول: دخلت على أبي عبد الله الحاكم - وهو في داره لا يمكنه الخروج إلى المسجد، من أصحاب أبي عبد الله، وذلك أنّهم كسروا منبره ومنعوه من الخروج - فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا لاسترحت من هذه الفتنة؟ فقال: لا يجئ من قلبي - يعني معاوية - ».

فقال السّبكي: « والغالب على ظنّي أنّ ما عزي إلى أبي عبد الرحمن


السّلمي كذب عليه، ولم يبلغنا أنّ الحاكم ينال من معاوية، ولا يظنُّ ذلك فيه، وغاية ما قيل فيه الإِفراط في ولاء علي كرّم الله وجهه، ومقام الحاكم عندنا أجلّ من ذلك »(١) .

بطلان حكمه بوضع حديث: تقاتل الناكثين

وأمّا حكم ابن تيميّة بوضع حديث: « تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين » فقلّة حياء، وقد دعاه إلى هذه الوقاحة اعتقاده الخبيث بخطأ أمير المؤمنينعليه‌السلام في قتال أهل الجمل وصفّين، - كما قد أظهر هذا الاعتقاد في بعض المواضع من خرافاته - فهو يريد إبطال كلّ حديثٍ يدلّ على حقيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام في قتال أولئك البغاة

وعلى كلّ حالٍ فإنّ هذا الحديث من الأحاديث الصحاح الثّابتة التي لم يجد طائفة من متعصّبيهم بدّاً من الاعتراف به وحتى أن والد ( الدهلوي ) مع ميله إلى تخطئة الأميرعليه‌السلام في حروبه مع البغاة والخارجين عليه ينقل هذا الحديث في كتبه بل يصرّح بثبوته، بل ( الدهلوي ) نفسه ينصّ في بحث مطاعن عثمان من ( التحفة ) على ثبوت هذا الحديث، فهل يكون ( الدهلوي ) ووالده من الشيعة؟

هذا، وقد روى حديث أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين جمع من أئمة أهل السنّة وحفّاظهم الكبار:

منهم : أبو عمرو ابن عبد البرّ بترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث قال: « وروي من حديث علي كرّم الله وجهه، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي أيّوب الأنصاري: إنّه: أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين »(٢) .

____________________

(١). طبقات الشافعيّة للسبكي ٤ / ١٦٣.

(٢). الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ١١١٧.


ومنهم : أبو المؤيَّد الموفق بن أحمد الخوارزمي حيث قال: « أخبرني الشيخ الإِمام شهاب الدين أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمداني المعروف بالمروزي - فيما كتب إليَّ من همدان - قال: أخبرنا الحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد بإصبهان - فيما أذن - قال: أخبرنا الشيخ الأدي يعلى عبد الرزاق بن عمر بن إبراهيم الطهراني سنة ٤٧٣ قال: أخبرنا الإمام الحافظ طراز المحدّثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني وبهذا الإسناد: عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه هذا قال: حدّثنا محمّد بن علي بن دحيم، قال: حدّثنا أحمد بن حازم قال: حدّثنا عثمان بن محمّد قال: حدّثنا يونس بن أبي يعقوب قال: حدّثنا حمّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي سعيد التيمي، عن عليعليه‌السلام قال:

عهد إليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقيل له: يا أمير المؤمنين، من الناكثون؟ قال: الناكثون أهل الجمل، والمارقون الخوارج، والقاسطون أهل الشام »(١) .

ومنهم : ابن الأثير الجزري بترجمة الإِمامعليه‌السلام حيث قال: « أنبأنا أرسلان بن بعان الصّوفي، حدّثنا أبو الفضل أحمد بن طاهر بن سعيد بن أبي سعيد الميهني، أنبأنا أبو بكر أحمد بن خلف الشيرازي، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو جعفر محمّد بن علي بن دحيم الشيباني، حدّثنا الحسين بن الحكم الحيري، حدّثنا إسماعيل بن أبان، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فقلنا: يا رسول الله: أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال: مع علي بن أبي طالب، معه يُقتل عمّار بن ياسر.

____________________

(١). مناقب أمير المؤمنين للخوارزمي: ١٧٥.


و أخبر الحاكم: أنبأنا أبو الحسن بن علي بن محمشاد المعدّل، حدّثنا إبراهيم بن الحسين بن ديرك، حدّثنا عبد العزيز بن الخطا، حدّثنا محمّد بن كثير، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن محنف بن سليم قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ جئت تقاتل المسلمين؟ قال: أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

وأنبأنا أبو الفضل بن أبي الحسن، بإسناده عن أبي يعلى، حدّثنا إسماعيل بن موسى، حدّثنا الربيع بن سهل، عن سهل بن عبيد، عن علي بن ربيعة قال: سمعت عليّاً على منبركم هذا يقول: عهد إليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين »(١) .

ومنهم : شهاب الدين أحمد حيث قال: « عن أبي سعيد -رضي‌الله‌عنه - قال: ذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم لعلي رضوان الله تعالى عليه ما يلقى من بعده فبكى وقال: أسألك بقرابتي وصحبتي إلّا دعوت الله تعالى أنْ يقبضني. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم: يا علي تسألني أن أدعو الله لأجل مؤجل! فقال يا رسول الله: على ما أُقاتل القوم؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم: على الإِحداث في الدين.

وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن علي كرّم الله تعالى وجهه قال: عهد إليَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبارك وسلّم أنْ أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقيل له: يا أمير المؤمنين من الناكثون؟ قال كرّم الله تعالى وجهه: الناكثون أهل الجمل، والقاسطون أهل الشام، والمارقون الخوارج.

رواهما الصالحاني وقال: رواهما الإِمام المطلق روايةً ودرايةً أبو بكر ابن

____________________

(١). أَسد الغابة في معرفة الصحابة ٤ / ٣٢.


مردويه، وخطيب خوارزم الموفق أبو المؤيد. أدام الله جمال العلم بمأثور أسانيدهما ومشهور مسانيدهما»(١) .

ومنهم : محمد بن طلحة الشافعي - في الأحاديث الدالّة على علم علي وفضله -: « ومن ذلك ما نقله القاضي الإِمام أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه المذكور - يعني شرح السنّة - عن ابن مسعود قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتى منزل أُم سلمة، فجاء علي فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أُم سلمة هذا - والله - قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر في هذا الحديث فرقاً ثلاثة صرّح بأنّ عليّاً يقاتلهم من بعده، وهم: الناكثون، والقاسطون، والمارقون »(٢) .

ومنهم : محمّد صدر العالم حيث قال: « وأخرج ابن أبي شيبة، وابن عدي، والطبراني، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الإِشكال، والإِصبهاني في الحجة، وابن مندة في غرائب شعبة، وابن عساكر: عن علي قال: أُمرت بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين ».

قال محمّد صدر العالم: « وأخرج الحاكم في الأربعين، وابن عساكر، عن علي قال: أُمرت بقتال ثلاثة: القاسطين والناكثين والمارقين. أمّا القاسطون فأهل الشام، وأمّا الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان - يعني الحرورية - »(٣) .

ومنهم : محمّد بن إسماعيل الأمير حيث قال:

وسل الناكث والقاسط والـ

مارق الآخذ بالإِيمان غيّا »

« والبيت إشارة إلى قتال أمير المؤمنين عليه‌السلام ثلاث طوائف بعد

____________________

(١). توضيح الدلائل في ترجيح الفضائل - مخطوط.

(٢). مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ١ / ٦٧.

(٣). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.


إمامته وهم: الناكثون والقاسطون والمارقون.

قال ابن حجر: وقد ثبت عند النسائي في الخصائص، والبزّار، والطبراني من حديث عليعليه‌السلام : أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

ذكره الحافظ ابن حجر في التخليص الحبير ثمّ قال: والناكثون: أهل الجمل، لأنّهم نكثوا بيعتهم، والقاسطون: أهل الشام، لأنّهم جاروا عن الحقّ في عدم مبايعته، والمارقون: أهل النهروان، لثبوت الخبر الصحيح أنّه يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرمية. إنتهى بلفظه »(١) .

وبهذا القدر الذي ذكرناه ظهر ثبوت الحديث عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عند كبار الأئمة والحفّاظ من أهل السنّة أمثال:

أبي بكر ابن أبي شيبة.

وأبي بكر البزّار.

وأحمد بن شعيب النسائي.

وأبي يعلى الموصلي.

وأبي القاسم الطّبراني.

وابن عدي الجرجاني.

وابن مندة الأصبهاني.

وعبد الغني بن سعيد.

وأبي بكر ابن مردويه.

وابن عبد البرّ القرطبي.

وأبي القاسم إسماعيل الإِصبهاني صاحب كتاب الحجة.

وأخطب الخطباء الخوارزمي المكّي.

وابن عساكر الدمشقي.

____________________

(١). الروضة الندية - شرح التحفة العلوية.


وأبي حامد الصالحاني.

وابن الأثير الجزري.

وشهاب الدين أحمد.

وابن حجر العسقلاني.

ومحمّد صدر العالم.

ومحمّد بن إسماعيل الأمير.

إذن، لا يجوز الشك والريب في ثبوت هذا الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا سيّما مع تأيّده بحديثٍ: ابن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي سعيد الخدري كما عرفت

بطلان دعوى تشيّع النسائي

ودعوى ابن تيميّة تشيّع النسَائي من العجائب، لأنّ النسائي من أساطين أهل السنّة وأركان مذهبهم، وكتابه أحد الصّحاح الستّة التي يستند إليها أهل السنّة في جميع اُمورهم فجعل النسائي من أكابر أساطين مذهبهم تارةً، وجعله من المتشيّعين تارةً أُخرى من عجائب أهل السنّة المختصّة بهم

بطلان دعوى تشيّع ابن عبد البرّ

والأعجب من ذلك دعواه تشيّع ابن عبد البرّ مع أنّه من كبار حفّاظهم في المغرب، ومن أشهر فقهاء المذهب المالكي تجد مآثره ومفاخره في كلمات الحفّاظ الكبار ومشاهير المؤرّخين والمترجمين له أمثال:

أبي سعد عبد الكريم السمعاني في ( الأنساب ).

وابن خلكان في ( وفيات الأعيان ).

وشمس الدين الذهبي في ( تذكرة الحفاظ ) و ( العبر في خبر من غبر )


و ( سير أعلام النبلاء ).

وأبي الفداء في ( المختصر في أحوال البشر ).

وعمر بن الوردي في ( تتمّة المختصر في أحوال البشر ).

وعبد الله بن أسعد اليافعي في ( مرآة الجنان ).

وابن الشحنة في ( روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر ).

وجلال الدين السيوطي في ( طبقات الحفّاظ ).

والزرقاني المالكي في ( شرح المواهب اللدنيّة ).

و ( الدهلوي ) في ( بستان المحدّثين ).

حول ترّفض ابن عقدة

وإذا كان ابن تيميّة يتمادى في الغيّ والضلالة حتى نسب النسائي والحاكم وابن عبد البرّ إلى التشيع، فلا عجب أنْ ينسب ابن عقدة إلى الترفّض، بل الكفر لكن هذه النسبة إلى ابن عقدة باطلة عند محققي أهل السنّة وإن القائل بها متعصّب عنيد، يقول محمّد طاهر الفتني: « حديث أسماء في ردّ الشمس. فيه فضيل بن مرزوق، ضعيف، وله طريق آخر فيه ابن عقدة رافضي رمي بالكذب ورافضي كاذب.

قلت : فضيل صدوق احتجّ به مسلم والأربعة.

وابن عقدة من كبار الحفّاظ، وثّقه الناس، وما ضعّفه إلّا عصريٌ متعصّب »(١) .

وتقدّم في قسم حديث الغدير، الأدلة الكثيرة المتينة على وثاقة ابن عقدة وجلالته من شاء فليرجع إليه.

____________________

(١). تذكرة الموضوعات: ٩٦.


بطلان دعوى تواتر فضائل الشيخين وأنها أكثر من مناقب علي

وادّعى ابن تيميّة تواتر فضائل الشّيخين، وأنّها باتّفاق أهل العلم بالحديث أكثر ممّا صحّ من فضائل علي وأصحّ وأصرح في الدلالة وهذه دعوى فارغة وعن الصحة عاطلة ». إنّ الروايات الّتي يشير إليها روايات واهية متناقضة، وضعها قوم تزلّفاً إلى الملوك وتقرّباً إلى السلاطين، ثمّ جاء المدّعون للعلم من تلك الطائفة وأدرجوها في كتبهم وأمّا دعوى أنّها أصح وأكثر من مناقب مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام - المتّفق عليها بين الفريقين - فمصادمة للبداهة والضرورة.

تكذيبه كلمة أحمد في فضائل علي كذب

وأمّا قوله: وأحمد بن حنبل لم يقل « إنّه صح لعليّ من الفضائل ما لم يصح لغيره، بل أحمد أجلّ من أن يقول مثل هذا الكذب » فمن غرائب الهفوات وعجائب الخرافات لقد وجد ابن تيمية هذه الكلمة الشهيرة عن أحمد بن حنبل مكذّبةً لدعوة أكثرية فضائل الشيخين من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ...، وأنّ معناها أفضلّية الإِمامعليه‌السلام منهما فاضطرّ إلى إنكارها لكنّ هذا القول منه كسائر أقواله في السّقوط ولا يجديه النفي والإِنكار لكون الكلمة ثابتة عند الأئمة والعلماء الأعلام، ينقلونها عن أحمد بأسانيدهم المتصّلة إليه أو يرسلونها عنه إرسال المسلّمات وقد ذكرها وأكدّ على قطعية صدورها العلامة أبو الوليد ابن الشّحنة: « وفضائله كثيرة مشهورة. قال أحمد بن حنبلرحمه‌الله : لم يصح في فضل أحد من الصحابة ما صحّ في فضل عليرضي‌الله‌عنه وكرّم الله وجهه، وناهيك به »(١) .

____________________

(١). روضة المناظر - سنة ٤٠، ترجمة أمير المؤمنين.


ثمّ إنّ جماعةً منهم: كابن عبد البرّ، وابن حجر العسقلاني، والسيّوطي، والسّمهودي، وابن حجر المكّي، وغيرهم نقلوا الكلمة بلفظ « لم يرد » أو « لم يرو »:

قال ابن عبد البرّ: « قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد ما روي في فضائل علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه. وكذلك قال أحمد بن علي بن شعيب النسائي »(١) .

وقال السّمهودي: « قال الحافظ ابن حجر: قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحدٍ من الصّحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في علي »(٢) .

وإنّ جماعةً منهم: كالحاكم، والثعلبي، والبيهقي، والخوارزمي، وابن عساكر، وابن الأثير الجزري، والكنجي، والزرندي، والسّيوطي، والسمهودي، وابن حجر المكي، وكثيرين غيرهم نقلوا الكلمة بلفظ « ما جاء »:

قال الحاكم: « سمعت القاضي أبا الحسن علي بن الحسن الجراحي وأبا الحسين محمّد بن المظّفر يقولان: سمعنا أبا حامد محمّد بن هارون الحضرمي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفضائل ما جاء لعلّي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه »(٣) .

وقال الخوارزمي في بيان كثرة فضائل الإِمامعليه‌السلام : « ويدّلك على ذلك أيضاً ما يروى عن الإِمام الحافظ أحمد بن حنبل - وهو كما عرف أصحاب

____________________

(١). الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ١١١٥.

(٢). جواهر العقدين - مخطوط.

(٣). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٠٧.


الحديث في علم الحديث، قريع أقرانه وإمام زمانه والمقتدى به في هذا الفن في إبّانه، والفارس الذي يكبّ فرسان الحفّاظ في ميدانه، وروايته فيهرضي‌الله‌عنه مقبولة وعلى كاهل التصديق محمولة، لما علم أن الإمام أحمد بن حنبل ومن احتذى على مثاله ونسج على منواله وحطب في حبله وانضوى إلى حفله مالوا إلى تفضيل الشيخين رضوان الله عليهما، فجاءت روايته فيه كعمود الصباح لا يمكن ستره بالراح - وهو:

ما رواه الشيخ الإمام الزاهد فخر الأئمة أبو الفضل ابن عبد الرحمن الحفر بندي الخوارزميرحمه‌الله - إجازة - قال: أخبرنا الشيخ الإِمام أبو محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن عبدان العطّار وإسماعيل بن أبي نصر عبد الرحمن الصّابوني وأحمد ابن الحسين البيهقي قالوا جميعاً: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت القاضي الإِمام أبا الحسن علي بن الحسين وأبا الحسن محمّد بن المظفر الحافظ يقولان: سمعنا أبا حامد محمّد بن هارون الحضرمي يقول: سمعت محمّد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام »(١) .

وقال ابن الأثير: « قال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما جاء لعلي بن أبي طالب »(٢) .

وقال ابن حجر المكّي: « الفصل الثاني في فضائل علي كرّم الله وجهه، وهي كثيرة عظيمة شهيرة، حتى قال أحمد: ما جاء لأحدٍ من الفضائل ما جاء لعلي. وقال إسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري: لم يرو في

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٣٣.

(٢). الكامل في التاريخ ٣ / ٣٩٩.


حق أحدٍ من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر ممّا جاء في علي »(١) .

وهذا تمام الكلام على ما ذكره ابن تيمية في الوجه الثاني في هذا المقام.

قال :

«الثالث : إنّ أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجئ أحب الخلق إلى الله ليأكل معه، فإن إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر، وليس في ذلك زيادة قربة لعند الله لهذا الأكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأيّ أمرٍ عظيم هنا يناسب جعل أحبّ الخلق إلى الله بفعله ».

جواب إنكار إنّ أكل الطّير معَ النبيّ فيه أمر عظيم

وهذا كلام سخيف في الغاية، وما أكثر صدور مثله عند ما يحاولون الإِجابة من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهم يفقدون كلّ استدلال متين وبرهان مبين

إنّ من الواضح جدّاً لدى جميع العقلاء دلالة المؤاكلة مع العظماء، على الشرف العظيم، فكيف بالمؤاكلة مع النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي لا يشك مسلمٌ في كونها شرفاً عظيماً جدّاً، فدعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ الخلق لنيل هذا الشرف العظيم في كمال المناسبة، ومن هنا قالت عائشة – لـمّا سمعت هذه الدعوة -: « اللّهم اجعله أبي ». وقالت حفصة: « اللّهم اجعله أبي ». وقال أنس: « اللّهم اجعله سعد بن عبادة » وفي رواية: « اللّهم اجعله رجلاً منّا حتى نشرَّف به ».

وأيّ ربط لقوله: « فإنّ إطعام الطعام مشروع للبرّ والفاجر » بما نحن فيه؟ إذ الكلام في اختيار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعوته لأن يأكل معه، ولا يلزم من مشروعيّة الإِطعام للبرّ والفاجر أنْ لا يطلب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حصول شرف المؤاكلة معه لأحبّ الخلق.

____________________

(١). الصواعق المحرقة: ٧٢.


وقوله: « وليس في ذلك زيادة قربة لعند الله » خطأ فاحش وسوء أدب، ونفيه ترتّب المصلحة عليه خطأ أفحش لأنّ تخصيص رجلٍ بالمؤاكلة - التي هي شرف عظيم - وطلب حضوره مرةً بعد اُخرى، وردّ غيره، دليلٌ واضح على فضل ذلك الرّجل، وفي هذا مصلحة عظيمة من مصالح الدين.

ولو تنزلّنا عن كلّ هذا وسلّمنا قوله: بأنّ أكل الطّير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجئ أحبّ الخلق إلى الله ليأكل معه، وليس فيه زيادة قربة، لا معونة على مصلحة ومع أنّ طلبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك لأحب الخلق لم يكن محرّماً ولا مكروهاً، ليكون شاهداً على كون الحديث موضوعاً نعم لو تنزلّنا وسلّمنا ما ذكره، فهل كان ابن تيميّة يقول هذا لو كان هذا الحديث في حقّ أحد الشيخين أو الشيوخ، وهل كان يقدح فيه بمثل هذه الوجوه؟ لا والله، بل كانوا يجعلون هذا من أعظم مفاخره وأكبر مآثره؟! ولقالوا: إن مجرّد المؤاكلة مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضل عظيم، فكيف بامتناعهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مؤاكلة الغير معه، وإرادته هذا الشخص بالخصوص لذلك؟

وعلى الجملة، فإنّ التعصّب والعناد هو الباعث لمثل ابن تيميّة على الطعن والقدح في هذا الحديث الشريف، بمثل هذه الشبهات الركيكة والوساوس السّخيفة.

ثمّ إنّه قد جاء في روايات الإِمامية أنّ الطّير كان من الجنّة نزل به جبرئيل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى هذا الأساس أيضاً تبطل شبهة ابن تيميّة وتندفع، لأنّ أكل طعام الجنّة أمر عظيم يناسب أن يجئ أحبُّس الخلق إلى الله ليأكل منه معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن الواضح جدّا أن في أكل طعام الجنّة زيادة قربة، وأنّ الله لم يقسّم الأكل منه للبرّ والفاجر، بل إنّ أهل الحقّ على أنّ الأكل من طعام الجنّة دليل على العصمة والطّهارة قال العلّامة المجلسي طاب ثراه:


« وفي بعض روايات الإِماميّة أنّ الطّير المشوي جاء به جبرئيل من الجنّة، ويشهد به عدم إشراكهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنساً وغيره - مع جوده وسخائه - في الأكل معه، لأنّ طعام الجنّة لا يجوز أكله في الدنيا لغير المعصوم. فتكون هذه الواقعة دالّة على فضيلة أمير المؤمنينعليه‌السلام من جهتين، إذ تكون دليلاً على العصمة والإِمامة معاً »(١) .

ويؤيّد هذا الكلام ما رواه أسعد بن إبراهيم الأربلي بقوله:

« الحديث الثاني والعشرون، يرفعه عبد الله التنوخي إلى صعصعة بن صوحان قال: اُمطرت المدينة مطراً، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه أبو بكر، والتحق به علي، فساروا مسير فرحة بالمطر بعد جدب، فرفع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طرفه إلى السماء وقال: اللّهم أطعمنا شيئاً من فاكهة الجنّة، فإذا هو برمّانة تهوي من السماء، فأخذها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومصّها حتى روى منها، وناولها علياً فمصّها حتى روى منها. والتفت إلى أبي بكر وقال: لو لا أنّه لا يأكل من ثمار الجنّة في الدنيا إلّا نبيّ أو وصيّه لأطعمتك منها. فقال أبو بكر: هنيئاً لك يا علي »(٢) .

وكان هذا الوجه الثالث لا بن تيميّة.

قال :

« الرّابع: إنّ هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة، فإنّهم يقولون إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم أنّ علياً أحبّ الخلق إلى الله، وأنّه جعله خليفة من بعده. وهذا الحديث يدلّ على أنّه ما كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله ».

____________________

(١). بحار الأنوار ٣٨ / ٣٤٨.

(٢). الأربعين في الحديث - مخطوط.


بطلان دعوى دلالة الحديث على أنّ النبيّ ما كان يعرف أحبّ الخلق

هذا كلامه وليت شعري إلى أيّ حدٍّ ينجرُّ العناد وتؤدّي الضغائن والأحقاد!! وليت أتباع شيخ الإِسلام؟! يوضّحون لنا موضع دلالة حديث الطّير على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله، وكيفية هذه الدلالة، ليكون الحديث مناقضا لمذهب الإماميّة!!

إن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللهم ائتني بأحبّ الخلق إليك » لا يدلّ على ما يدّعيه ابن تيميّة بإحدى الدّلالات الثلاث، ولا يفهم أهل اللغة ولا أهل العرف ولا أهل الشرع من هذه الجملة ما فهمه ابن تيمية!!

بل إنّ أهل العلم يعلمون باليقين أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرف بأنّ عليّاًعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى الله، وأنّه لم يكن مراده من « أحبّ الخلق » في ذلك الوقت إلاّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام . لكنه إنّما دعاه بهذا العنوان ليظهر فضله، كما اعترف بذلك ابن طلحة الشافعي وأوضحه كما ستعرف.

ثمّ إنّ مفاد بعض أخبار الإِماميّة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صرّح في واقعة حديث الطّير بتعيّن أحبّ الخلق عنده ومعرفته به، بحيث لو لم يحضر الإِمامعليه‌السلام عنده في المرّة الثالثة لصرّح باسمه ففي كتاب ( الأمالي ) للشيخ ابن بابويه القمي:

« حدّثنا أبيرحمه‌الله قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي هدبة قال: رأيت أنس بن مالك معصوباً بعصابة، فسألته عنها فقال: هي دعوة علي بن أبي طالب، فقلت له: وكيف يكون ذلك؟ فقال: كنت خادماً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأُهدي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر مشوي، فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليَّ يأكل معي هذا الطائر. فجاء علي، فقلت له: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك


مشغول، وأحببت أنْ يكون رجلاً من قومي، فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده الثانية فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليَّ يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي، فقلت له: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك مشغول، وأحببت أنْ يكون رجلاً من قومي، فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده الثالثة فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي، فقلت: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك مشغول وأحببت أن يكون رجلاً من قومي.

فرفع علي صوته فقال: وما يشغل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنّي، فسمعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال: يا أنس من هذا؟ قلت: علي بن أبي طالب. قال: ائذن له. فلمـّا دخل قال له: يا علي، إنّي قد دعوت الله عزّ وجلّ ثلاث مرّات أن يأتيني بك. فقالعليه‌السلام : يا رسول الله، إنّي قد جئت ثلاث مرّات كلّ ذلك يردّني أنس ويقول: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنك مشغول. فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أنس ما حملك على هذا؟ فقلت: يا رسول الله سمعت الدعوة فأحببت أن يكون رجلاً من قومي.

فلمـّا كان يوم الدار استشهدني عليعليه‌السلام فكتمته، فقلت: إنّي نسيته. قال: فرفع عليعليه‌السلام يده إلى السماء فقال: اللّهم ارم أنساً بوضح لا يستره من الناس، ثمّ كشف العصابة عن رأسه فقال: هذه دعوة علي. هذه دعوة علي، هذه دعوة علي »(١) .

فكيف يناقض هذا الحديث مذهب الإماميّة يا شيخ الإِسلام؟!! وهل هذا إلّا رمي للسّهام في الظلام، واتّباع الوساوس والهواجس والأوهام؟!!

وكان هذا ما ذكره ابن تيميّة في الرابع.

____________________

(١). الأمالي للشيخ محمّد بن علي بن بابويه: ٧٥٣.


وقال في الخامس والأخير:

« الخامس - أن يقال: إمّا أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرف أنّ عليّاً أحبّ إلى الله أو ما كان يعرف، فإنْ كان يعرف ذلك كان يمكنه أنْ يرسل بطلبه كما كان يطلب الواحد من أصحابه، أو يقول: اللّهم ائتني بعليّ فإنّه أحبّ الخلق إليك، فأيّ حاجة إلى الدعاء والإِبهام في الدعاء، ولو سمّى علياً لاستراح أنس من الرجاء الباطل ولم يغلق الباب في وجه علي. وإنْ كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعرف ذلك، بطل ما يدّعونه من كونه كان يعرف ذلك. ثمّ إنّ في لفظة « أحبّ الخلق إليك وإليَّ » فكيف لا يعرف أحبّ الخلق إليه؟ ».

جواب اعتراضه بأنّه إن كان يعرفه فلما ذا الإبهام؟

قلت : قد عرفت أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرف أحبّ الخلق إلى الله، وأنّه لم يكن إلّا عليعليه‌السلام ، فالترديد التي ذكره ابن تيميّة في غير محلّه. وأمّا قوله: فأيّ حاجة إلى الدّعاء والإِبهام في الدّعاء؟ فالجواب:

إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أنْ يُعلم الاُمّة بأنّ مصداق هذا العنوان ليس إلّا الإِمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأنّ الله عزّ وجلّ هو الذي جعل علياً أحبّ الخلق إليه وإلى رسوله، لا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل علّياً كذلك من عند نفسه ولو أرسل بطلبه أو قال: اللّهم ائتني بعلّي فإنّه أحبّ الخلق إليك لم تتبيّن هذه الحقيقة، ولتعنّت المنافقون وقالوا بأنّ الذي قاله النبيّ من عنده لا من الله عزّ وجل.

فقضيّة الطّير هذه على ما ذكرنا تشبه قضيّة شفاعة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم القيامة بتقدّمٍ وطلب من الأنبياء واحدٍ بعد واحد كما في الحديث المرويّ قال الإِسكندري ما نصّه:

« أمّا المقدمة، فاعلم أنّ الله سبحانه وتعالى لمـّا أراد إتمام عموم نعمته


وإفاضة فيض رحمته، واقتضى فضله العظيم أنْ يمنَّ على العباد بوجود معرفته، وعلم سبحانه وتعالى عجز عقول عموم العباد عن التلّقي من ربوبيّته، جعل الأنبياء والرسل لهم الاستعداد العام لقبول ما يرد من إلهيّته، يتلقّون منه بما أودع فيهم من سرّ خصوصيّته، ويلقون عنه جمعاً للعباد على أحديّته، فهم برازخ الأنوار ومعادن الأسرار، رحمة مهداة ومنّة مصفّاة، حرّر أسرارهم في أزله من رقّ الأغيار، وصانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار، لا يحبّون إلّا إيّاه ولا يعبدون ربّاً سواه، يلقي الروح من أمره عليهم ويواصل الإِمداد بالتأييد إليهم.

وما زال فلك النبوّة والرسالة دائراً إلى أن عاد الأمر من حيث الإِبتداء، وختم بمن له كمال الإِصطفاء، وهو نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو السيّد الكامل القائم الفاتح الخاتم، نور الأنوار وسرّ الأسرار، المبجّل في هذه الدار وتلك الدار على المخلوقات، أعلى المخلوقات مناراً وأتمّهم فخاراً.

دلّ على ذلك الكتاب المبين قال الله سبحانه:( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) ومن رحم به غيره فهو أفضل من غيره. والعالم كلّ موجود سوى الله تعالى. وأمّا تفضيله على بني آدم خصوصاً فمن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي سيد بني آدم ولا فخر. وأمّا تفضيله على آدم عليه اسلام فمن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين و من قوله: آدم فمن دونه من الأنبياء يوم القيامة تحت لوائي. و بقوله: إنّي أوّل شافع وإنّي أوّل مشفّع. وأنا أول من تنشق الأرض عنه وحديث الشفاعة المشهور الذي:

أخبرنا به الشيخ الإِمام الحافظ بقيّة المحدّثين شرف الدين أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي - بقراءتي عليه أو قرئ عليه وأنا أسمع - قال: أخبرنا الشيخان الإِمام فخر الدين وفخر القضاة أبو الفضل أحمد ابن محمّد بن عبد العزيز الحبّاب التميمي وأبو التقى صالح بن شجاع بن سيدهم المدلجي الكناني قالا: أخبرنا الشريف أبو المفاخر سعيد بن الحسين


ابن محمّد بن سعيد العباسي المأموني قال: أخبرنا أبو عبد الله الفراوي وقال: أخبرنا عبد الغافر الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد محمّد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سفيان الفقيه قال:

حدّثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري قال: حدّثنا أبو الرّبيع العتكي قال: حدّثنا حمّاد بن زيد قال: حدّثنا سعيد بن هلال الغنوي، وحدّثنا سعيد بن منصور - واللفظ له - قال: حدّثنا حمّاد بن زيد قال: حدّثنا سعيد بن هلال الغنوي قال:

إنطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفّعنا بثابت، فانتهينا إليه وهو يصلّي الضحى، فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه وأجلس ثابتاً معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أنْ تحدّثهم حديث الشفاعة. قال:

حدّثنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم فيقولون: إشفع لذريّتك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنّه كليم الله. فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنّه روح الله وكلمته فيأتون عيسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيأتون إليَّ فأقول: أنا لها. فأنطلق إلى ربّي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه إلّا أنْ يلهمنيه الله عزّ وجلّ. ثمّ اُخرّ ساجداً فيقال لي: يا محمّد، إرفع رأسك وقل، نسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفّع. فأقول: ربّي أُمّتي أُمّتي، فيقال: إنطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبّة من خردل من الإيمان فأخرجه من النار. فأنطلق فأفعل

فانظر - رحمك الله - ما تضمنّه هذا الحديث من فخامة قدرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجلالة أمره، وإن أكابر الرسل والأنبياء لم ينازعوه في هذه الرتبة التي هي مختصة به، وهي الشفاعة العامّة في كلّ من ضمّه المحشر.


فإنْ قلت: فما بال آدم أحال على نوح في حديث وعلى إبراهيم في هذا ودلّ نوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم تكن الدلالة على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأوّل؟

فاعلم أنّه لو وقعت الدلالة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأوّل لم يتبيّن من نفس هذا الحديث أنّ غيره لا يكون له هذه الرتبة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يدلّ كلّ واحد على من بعده، وكل واحد يقول لست لها، مسلّماً للرتبة غير مدّع لها، حتى أتوا عيسىعليه‌السلام ، فدلَّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال: أنا لها »(١) .

هذا، وقول ابن تيمية: « ولو سمّى علياً لاستراح أنس » اعتراض صريح على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجترئ عليه إلّا هذا الرّجل وأمثاله ونعوذ بالله منه ونشكره سبحانه وتعالى على أن عافانا ممّا ابتلي به هؤلاء

____________________

(١). لطائف المنن - في مبحث شفاعة نبيّنا بطلب الأنبياء السابقين.


مع الأعور الواسطي

وجاء الأعور الواسطي ناسجاً على منوال ابن تيميّة يقول:

« ومنها - حديث الطائر المنسوب إلى أنس بن مالك خادم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أتى رجل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطائر مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل منه، وكان أنس في الباب فجاء عليرضي‌الله‌عنه ثلاث مرات وأنس يردّه، فبصق عليه فبرص من فرقه إلى قدمه.

والجواب من وجوه:

الأوّل - نقول: هذا حديث مكذوب.

الثاني - نقول: مردود، لأنّهم يدّعون أن أنساً كذب ثلاث مرات في مقام واحد، فترد شهادته.

الثالث - نسلّم صحته ونقول: معنى « أحبّ خلقك يأكل منه »: الذي أحببت أنْ يأكل منه حيث كتبته رزقاً له، لا ما يعنيه الرافضة أنّ علياً أحبّ إلى الله، فإنّه يلزم أنْ يكون أحبّ من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو ظاهر البطلان »(١) .

بطلان دعوى أنّ هذا حديث مكذوب

أقول : أمّا الوجه الأوّل فما ذكره فيه مجرّد دعوى فارغة، ولو كان قول القائل « هذا حديث مكذوب » كافياً في ردّ شيء من الأحاديث، فمن الممكن أن تردّ جميع الأحاديث والآثار بهذه الكلمة لكلّ أحد.

____________________

(١). رسالة الأعور في الردّ على الإِماميّة - مخطوط.


ردّ القدح فيه من جهة كذب راويه

وأمّا الوجه الثاني، فقد عرفت الجواب عنه سابقاً ولعلَّ بطلان هذا الكلام لدى الخاص والعام، هو الذي منع ( الدهلوي ) وسلفه ( الكابلي ) وغيرهما من متكلّمي القوم من الاستدلال به في كتبهم الكلاميّة التي وضعوها للردّ على الإِماميّة نعم ذكره ( الدهلوي ) في حاشية كتابه ناسباً إيّاه إلى النّواصب مذعناً بناصبيّة الأعور

الجواب عن المناقشة في الدلالة

وأمّا الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه عند ما نتكلّم بالتفصيل في مفاد حديث الطّير ودلالته، فانتظر.

وقال في ( التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور ):

« وأمّا الثالث فلأنّا لا نسلّم لزوما ما توهمّه ممّا أرادوه، فإن المعني به كما سبق أحبّ من يأتي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنبي ممّن يؤتى، فكيف يلزم أن يكون أحبّ منه على ذلك التقدير؟ بل إنّما يلزم ذلك على تأويله الفاسد وقوله الوهمي الفاسد من أنّ معنى أحبّ خلقك يأكل معي: الذي أحببت أن يأكل منه حيث كتبته رزقاً له، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكل منه وكتب رزقاً له. ما أعمى قلب الخارجي الخارج عن طريق الصواب، والأبتر الناصبي الهارب عن المطر الجالس تحت الميزاب ».


مع محسن الكشميري

وعلى هذه الوتيرة كلمات محمّد محسن الكشميري في هذا الباب، فإنّه قال:

« السابع - خبر الطائر، وهو: أنّه أُهدي إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر مشوي. فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي. فجاء علي وأكل.

والجواب من وجوه:

الأوّل : إنّه ذكر مهرة فن الحديث أنّه موضوع، كما صرّح به محمّد بن طاهر الفتني في الرسالة له في بيان الصحيح والضعيف والوضّاعين والضعفاء المجهولين.

الثاني : إنّه لا يدلّ على الإِمامة بالمعنى المراد عند الخصم، كما مرّ غير مرة.

الثالث : إن مثله وارد في حقّ اُسامة بن زيد، حين سأل النبيّعليه‌السلام رجل عن أحبّ الناس إليه. فقال عليه الصلاة والسلام: اُسامة بن زيد. فلو كان علي أحب إلى الحق من بين الصحابة كان أحب إلى النبيّ أيضا، إذ لا يحبّ النبيّ إلاّ لما يحبّ الله. فلو كان أحبّ إليهعليه‌السلام مطلقا كان حديث اُسامة معارضاً له، فلا بدّ من تخصيص، فلم يبق حجة.

الرابع : إنّه مضمحل بتقديم النبيّ أبا بكر في الصلاة »(١) .

____________________

(١). نجاة المؤمنين - مخطوط.


دعوى وضع الحديث كاذبة

أقول : أمّا الوجه الأوّل فما ذكره فيه من « أنّه ذكر مهرة فنّ الحديث أنّه موضوع » فنسبة كاذبة ودعوى فارغة، إذ قد عرفت سابقاً وآنفاً أنْ مهرة فن الحديث لا يقولون بأنّه موضوع، ومن ادّعى ذلك كابن تيميّة فليس من مهرة فنّ الحديث، وليس لدعوى ذلك وجه يصلح للإِصغاء.

فرية على الفتني

وقوله: « كما صرَّح به محمّد بن طاهر الفتني » فرية واضحة، فقد ذكرنا سابقاً عبارة الفتني في ( تذكرة الموضوعات ) وليس فيها نسبة القول بوضع هذا الحديث إلى مهرة فنّ الحديث، وإنّما ذكر عن المختصر أن طرقه ضعيفة وأنّ ابن الجوزي ذكره في الموضوعات وأين هذا من ذاك؟ وقد عرفت أنّ دعوى من يدّعي ضعف جميع طرق حديث الطير كاذبة، ونسبة إيراد ابن الجوزي إيّاه في الموضوعات افتراء عليه

المناقشة في دلالته مردودة

وأمّا الوجه الثاني - وهو المناقشة في دلالة حديث الطير على مراد الإِماميّة - فسيظهر اندفاعه من الوجوه التي سنذكرها في بيان دلالة هذا الحديث على ما يذهب إليه الإِماميّة، إذ حاصل ذلك أنّه يدلّ على أفضلّية أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والأفضلية مستلزمة للإِمامة بلا كلام.

دحض المعارضة بما رووه في حق اُسامة

وأمّا الوجه الثالث فواضح البطلان. أمّا أولاً: فلأن الحديث الذي ذكره الكشميري غير وارد بهذا اللّفظ في شيء من روايات أهل السنّة.


وأمّا ثانياً: فلأنّ هذا الحديث بأيّ لفظ كان - من متفردّات أهل السنّة وما كان كذلك فهو غير صالحٍ لإِلزام الإِماميّة به، ولا اقتضاء له لحملهم على رفع اليد عن عموم حديث الطَّير به. وأمّا ثالثاً: فلأنّ ما رووه في أحبيّة أُسامة ليس عندهم في مرتبة حديث الطّير، فإنّ حديث الطّير - كما فصّل سابقاً - متواتر مقطوع بصدوره عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بلغت طرقه حدّاً في الكثرة حمل بعض أعلام حفّاظهم على جمعها في أجزاء مفردة. أما حديث أحبيّة أُسامة فلم تتعدّد طرقه فضلاً عن التواتر والثبوت.

ردّ الاستدلال بما ادّعاه من تقديم النبيّ أبا بكر في الصلاة

وأمّا الوجه الرابع - وهو دعوى اضمحلال حديث الطير ومفاده بتقديم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر في الصّلاة - فأوهن وأسخف ممّا تقدمه، وهو يدلّ على بُعد الكشميري عن أدب المناظرة والإِحتجاج وذلك لأنّ تقديم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر في الصلاة من الموضوعات، وفيهم من اعترف بوقوع الاختلاف والإِضطراب الفاحش في روايات القصّة كابن حجر العسقلاني في شرح البخاري، وهذا الإِضطراب والإِختلاف دليل الوضع والإِفتعال لدى جماعة من الأكابر منهم: كابن عبد البرّ، والأعور، والكابلي، و ( الدهلوي ) كما تبين في ( تشييد المطاعن ).

على أنّ الإِستخلاف في الصّلاة لا دلالة فيه على الإِمامة، وبهذا صرّح ابن تيميّة حيث قال: « الإِستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بدّ لكلّ ولي أمر، وليس كلّ من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الاُمة يصلح أنْ يستخلف بعد الموت، فإنّ النبيّ استخلف غير واحد، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته »(١) .

____________________

(١). منهاج السنّة ٤ / ٩١.


موجز الكلام في تحقيق خبر صلاة أبي بكر

وحديث صلاة أبي بكر - وإنْ رووه في صحاحهم بطرقٍ عديدة، واعتنوا به كثيراً، واستندوا إليه في بحوثهم في الاُصول والفروع - لم يسلم سندٌ من أسانيده من قدحٍ في الرواة، على أنّ هناك أدلة وشواهد من خارج الخبر وداخله على أنّ هذه الصلاة لم تكن بأمر من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والعمدة في هذا الخبر ما أخرجوه عن عائشة، وسيأتي بعض الكلام عليه، وأمّا عن غيرها، فقد جاء عن أبي موسى الأشعري - أخرجه البخاري ومسلم(١) - وقد قال الحافظ ابن حجر بأنّه مرسل، ويحتمل أن يكون تلقّاه عن عائشة(٢) .

وجاء عن عبد الله بن عمر(٣) ، ومداره على « الزّهري » وهو من أشهر المنحرفين عن علي عليه الصّلاة والسلام(٤) .

وجاء عن ابن عباس، وهو: « عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس » وقد قال البخاري: « لا نذكر لأبي إسحاق سماعاً من الأرقم بن شرحبيل »(٥) .

وجاء عن عبد الله بن مسعود، وفيه « عاصم بن أبي النجود » قال الهيثمي: « فيه ضعف »(٦) وعن بعضهم « كان عثمانياً »(٧) .

____________________

(١). صحيح البخاري ٢ / ١٣٠ بشرح ابن حجر، صحيح مسلم بشرح النووي - هامش القسطلاني ٣ / ٦٣.

(٢). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٢ / ١٣٠.

(٣). صحيح البخاري ٢ / ٣٠٢ بشرح ابن حجر، صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ٥٩ هامش القسطلاني.

(٤). شرح نهج البلاغة ٤ / ١٠٢.

(٥). هامش سنن ابن ماجة ١ / ٣٩١.

(٦). مجمع الزوائد ٥ / ١٨٣.

(٧). تهذيب التهذيب ٥ / ٣٥.


وجاء عن سالم بن عبيد وفيه « نعيم بن أبي هند » قالوا: « كان يتناول علياً »(١) .

وجاء عن أنس، وفيه: « أبو اليمان عن شعيب عن الزهري » فأمّا « الزهري » فقد تقدم. وأمّا الآخران فقد قالوا: إن « أبا اليمان » لم يسمع من « شعيب » ولا كلمة(٢) .

ثمّ إنّ الحديث عن عائشة ينتهي بجميع أسانيده إلى:

١ - الأسود بن يزيد النخعي، وهذا الرجل من المنحرفين عن عليعليه‌السلام (٣) والراوي عنه هو: إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو من أعلام المدلّسين(٤) .

٢ - عروة بن الزبير، وهو من المشتهرين ببغض علي(٥) والراوي عنه ابنه « هشام » وهو من كبار المدلّسين(٦) .

٣ - عبيد الله بن عبد الله، والراوي عنه عند الشيخين هو « موسى بن أبي عائشة » وقد قال ابن أبي حاتم عن أبيه « تريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبيّ »(٧) .

٤ - مسروق بن الأجدع، والراوي عنه: شقيق بن سلمة، وكان عثمانيّاً(٨) .

____________________

(١). تهذيب التهذيب ١٠ / ٤١٨.

(٢). تهذيب التهذيب ٢ / ٣٨٠.

(٣). شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٧.

(٤). معرفة علوم الحديث: ١٠٨.

(٥). شرح نهج البلاغة ٤ / ١٠٢.

(٦). تهذيب التهذيب ١١ / ٤٤.

(٧). تهذيب التهذيب ١٠ / ٣١٤.

(٨). تهذيب التهذيب ٤ / ٣١٧.


ثمّ نقول:

أوّلاً : لقد أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر بالخروج مع اُسامة، إذْ لا ريب لأحدٍ في كونه هو وعمر وغيرهما من كبار المهاجرين والأنصار في بعث اُسامة(١) .

وثانياً : إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - بعد أن علم بخروج أبي بكر إلى الصلاة - خرج بنفسه، وهو معتمد على رجلين، فنحّاه عن المحراب، وصلّى بالناس بنفسه الكريمة(٢) .

وثالثاً : إن من الاُمور المسلّمة عدم جواز تقدّم أحدٍ على النبيّ(٣) .

ورابعاً : إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يرى أن صلاة أبي بكر كانت بأمر من عائشة(٤) و « علي مع الحقّ والحقّ مع علي »(٥) ، وهو ما يدلّ عليه سقوط الأسانيد وقرائن الأحوال والشواهد.

وإنْ شئت التفصيل فراجع رسالتنا في الموضوع(٦) .

____________________

(١). فتح الباري ٨ / ١٢٤.

(٢). تجده في جميع الروايات في الصحاح وغيرها.

(٣). فتح الباري ٣ / ١٣٩، نيل الأوطار ٣ / ١٩٥، السيرة الحلبية ٣ / ٣٦٥.

(٤). شرح نهج البلاغة ٩ / ١٩٦ - ١٩٨.

(٥). صحيح الترمذي ٣ / ١٦٦، المستدرك ٣ / ١٢٤، جامع الاُصول ٩ / ٤٢٠.

(٦). الإمامة في أهم الكتب الكلامية وعقيدة الشيعة الإِمامية.


مع القاضي پاني پتي

ومن الطرائف ردّ القاضي پاني پتي - وهو من مشاهير متأخري علماء أهل السنّة، بل بيهقي عصره كما في ( إتحاف النبلاء ) عن ( الدهلوي ) - حديث الطير بقوله تبعاً للكابلي:

« الرابع - حديث أنس بن مالك: إنّه كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر قد طبخ له فقال: اللّهم ائتني بأحبّ الناس إليك يأكل معي، فجاء علي فأكله. رواه الترمذي.

قال شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن أحمد الذهبي في ( التلخيص ): لقد كنت زمناً طويلاً أظنّ أن هذا الحديث لم يحسن الحاكم أنْ يودعه في مستدركه، فلمـّا علقت هذا الكتاب رأيت القول من الموضوعات التي فيه.

وقد صرّح شمس الدين الجزري بوضع هذا الحديث.

وأيضاً: هذا الحديث لا دلالة فيه على الإِمامة كما لا يخفى. والمراد من « أحب الناس »: « من أحبّ الناس إليك » كما في قولهم: فلان أعقل الناس.

ومن المحتمل عدم حضور الخلفاء الآخرين في ذلك الوقت.

وقد ورد مثل هذا الحديث في حقّ العباسرضي‌الله‌عنه : روى ابن عساكر من طريق السبكي عن دحية قال: قدمت من الشام وأهديت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاكهة يابسة من فستق ولوز وكعك. فقال: اللّهم ائتني بأحبّ أهلي إليك يأكل معي. فطلع العبّاس، فقال: يا عم أُجلس. فجلس وأكل.

لكن سنده واهٍ »(١)

____________________

(١). السيف المسلول - مخطوط.


تصرّفه في لفظ الحديث

أقول : أوّل ما في هذا الكلام تحريفه لفظ الحديث، فقد بدّل لفظ « أحبّ الخلق » إلى « أحبّ الناس ».

تصحيفه عبارة الذهبي

ثمّ إنّه ذكر كلمة الذهبي « لم يجسر الحاكم » بلفظ « لم يحسن » وهكذا ترجمها إلى الفارسيّة.

دعواه أنه موضوع مع اعترافه بإخراج الترمذي إيّاه

وهو يدّعي أنّ الحديث موضوع مع اعترافه بإخراج الترمذي إيّاه حيث قال: « رواه الترمذي » وهل في « الترمذي » حديث « موضوع »؟

لكنّ الحديث عند الترمذي بلفظ « أحبّ الخلق » لا « أحبّ الناس » وكلمة الذهبي « لم يجسر » لا « لم يحسن ».

ومن هذا كلّه يظهر أنّ الرّجل بصدّد أنْ يكتب شيئاً ليكون بزعمه ردّاً على استدلال الإِماميّة بهذا الحديث، فجاء بعبارات الكابلي ولم يكلِّف نفسه مشقة مراجعة ( الترمذي ) و ( تلخيص المستدرك ).

نسبة القول بوضعه إلى ابن الجزري

كما أنّه تبع الكابلي في نسْبة القول بأنّه حديث موضوع إلى ابن الجزري، هذه النسبة التي لا شاهد على ثبوتها، بل تدل القرائن على كذبها.

مناقشة في دلالته وتأويله للفظه

وفي الدلالة تبع الكابلي في دعوى أنّ هذا الحديث لا يدلّ على الإِمامة


لكنها دعوى فارغة عاطلة ثمّ ادّعى كون المراد من « أحب الناس » هو « من أحبّ الناس » إدعى هذا جازما به، والحال أنّه لو كان هذا الحديث موضوعاً كما يزعم فمن أين يثبت أنّ هذا الذي ذكره هو المراد حتماً؟

احتماله عدم حضور الخلفاء وقت القصّة

ومع ذلك، إحتمل - تبعاً للكابلي - أن لا يكون الخلفاء حاضرين في المدينة وقت قصّة الطير ودعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحضور « أحبّ الخلق » إلى الله وإليه، إلّا أنّه ليس إلّا محاولةً أُخرى لإِسقاط دلالة الحديث الشريف على أفضلية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام

ومن أدلّة بطلان هذا الإِحتمال وسقوطه: خبر الطير برواية النسائي.

معارضته الحديث بحديث اعترف بوهنه

ولقد زاد القاضي في الطنّبور نغمةً أُخرى، فجاء بما لم يذكره أسلافه فزعم معارضة حديث الطير بما وضعه بعض الكذّابين منهم في مقابلته لكنْ الذي يهوّن الأمر قوله بالتالي: « لكنَّ سنده واهٍ ».

* * *


مع حيدر علي الفيض آبادي

ولقد اغترَّ المولوي حيدر علي الفيض آبادي بكلمات الكابلي و ( الدهلوي ) في هذا الباب وحسبها كلمات حقٍّ فقال على ضوئها:

« كيف لا تكون أحاديث تقديم أبي بكر في الصلاة - هذه الأحاديث التي رواها أكثر فقهاء الصحابة بل الخلفاء الرّاشدون الملازمون لصحبة خاتم النبيّين، وكذا أهل البيت الطّاهرون، وبلغت حدّ التواتر والاستفاضة، بحيث انقطع بها نزاع المنازعين في مجمع المهاجرين والأنصار، واستدلّ بها المرتضى والزبير - دليلاً لاستحقاق الصدّيق للخلافة، ثمّ يستدلّ بخبر الطير غير الثابت صحتّه، وحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها، لإِثبات مقصود الشيعة؟

وكيف تفيد مثل هذه الأحاديث ما يدّعيه المخالفون؟ والحال أنّ الإِمامة عندهم - في الحقيقة - أصل الاُصول، وقد صرّحوا آلاف المرّات بأنّه لا يفيد في هذا الباب إلّا الروايات المتواترات خلافاً لجمهور أهل السنّة القائلين بأنّ الإِمامة من الفروع؟ »(١) .

كيف تكون الأكاذيب أدلّة على خلافة الثلاثة؟

أقول : إنّ هذا الكلام الذي تفوّه به الفيض آبادي كلام لا يفضح إلّا نفسه، ولا يثبت إلّا جهله أو تعصبّه كيف يجعل الأحاديث الّتي وضعها الموالون لأبي بكر ثابتة فضلاً عن استفاضتها وتواترها؟ إنّه لا طريق إلى ذلك إلّا أن يسمّى « الموضوع » بـ « الصحيح » و « الخامل » بـ « المشهور » و « المنكر »

____________________

(١). القول المستحسن في فخر الحسن - فضائل أبي بكر، مبحث صلاته.


بـ « المستفيض » و « الباطل » بـ « المتواتر » فإنّه عندئذٍ يكون لما ذكره وجه!! إنّ هذه الأحاديث التي يدّعيها الرجل وأمثالها إذا وضعت في ميزان النقد ليست إلّا هباءً منثوراً، وكانت كأنْ لم يكن شيئاً مذكوراً؟!

ولا تكون الصحاح والمتواترات أدلّة على خلافة الأمير؟

وأمّا أدلّة إمّامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وأفضليته: فمن تتّبع أسفار القوم وروايات أئمتهم الأساطين، ونظر فيها بعين الإنصاف، يرى أنّها أدلّة محكمة رزينة وبراهين متقنة متينة، بحيث لا يؤثر فيها قدح قادح أو طعن طاعن

ومن ذلك حديث الطّير فإنّ من نظر في رواته وأسانيده في كتب القوم يذعن بصحّة إحتجاج الإماميّة به على خلافة أمير المؤمنينعليه‌السلام . وكيف لا يكون كذلك؟ وهو حديث رواه أركان مذاهب أهل السنّة وأساطين علمائهم وأعاظم فقهائهم في القرون المختلفة عن التابعين ومعاريف الصحابة الملازمين لخاتم النبيّين، بل عن رئيس أهل البيت وسيد العترة أمير المؤمنينعليه‌السلام ...!!

لقد بلغ حديث الطير في الصحة والثبوت حدّاً حمل جمعاً من أكابر أعلامهم المحققين على الإِذعان بذلك.

بل كان ثبوته وصحّته في زمن المأمون العباسي قاطعاً لنزاع النازعين في مجمعٍ من الفقهاء.

بل لقد استدل واحتّج به سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم الشورى وسلّم به وأذعن بثبوته الزبير وطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص.

بل لقد احتجّ به عمرو بن العاص على معاوية؟

وكيف لا يجوز الإحتجاج والاستدلال بهذا الحديث على أهل السنّة وهم


يرون الإِمامة فرعاً من فروع الدين لا أصلاً من أُصوله حتى لو لم يكن متواتراً؟ فكيف وتواتره ثابت بالقطع واليقين؟

* * *



دلالة

حديث الطَّير



قوله:

« ومع هذا فإنّه لا يفيد المدّعى ».

حاصل مفاد حديث الطّير خلافة علي

أقول:

إن منع دلالة حديث الطّير على ما يقوله الإِمامية واضح البطلان، فإنّ استدلال الإِمامية بهذا الحديث على ما يذهبون إليه في تمام المتانة وكمال الرزانة. وبيانه:

إنّ علّياًعليه‌السلام - حسب دلالة هذا الحديث الشريف - أحبّ جميع الخلق إلى الله تعالى وإلى رسوله، وكلّ من كان أحبّ الخلق إلى الله تعالى ورسوله فهو أفضل من جميع الخلائق عند الله ورسوله، وكل من كان أفضل من جميع الخلائق عند الله ورسوله فهو متعيّن للخلافة عند الله ورسوله، فينتج أنّ علياًعليه‌السلام متعيّن للخلافة عند الله ورسوله.

الأحبيّة تستلزم الأفضلية

أمّا أن كلّ من كان أحبّ الخلق إلى الله ورسوله فهو أفضل من جميع الخلائق عند الله ورسوله ففي غاية الوضوح، لكنّا نستشهد هنا بكلماتٍ لبعض الأساطين حذراً من مكابرة الجاحدين:


شواهد من كلمات العلماء

قال القسطلاني:

« فإنْ قلت: من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضليّة على الترتيب المعلوم، ولكن محبّته لبعضهم تكون أكثر هل يكون آثماً أم لا؟

أجاب شيخ الإِسلام الولي العراقي: إنّ المحبة قد تكون لأمرٍ دينيّ، وقد تكون لأمرٍ دنيوي. فالمحبّة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبته الدينيّة له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنّه أفضل ثمّ أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبّة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة أو إحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع.

فمن اعترف بأن أفضل هذه الاُمة بعد نبيّها أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي، لكنّه أحبّ علياً أكثر من أبي بكر مثلاً، فإنْ كانت المحبّة المذكورة محبةً دينية فلا معنى لذلك، إذ المحبّة الدينية لازمة للأفضليّة كما قرّرناه، وهذا لم يعترف بأفضليّة أبي بكر إلّا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضّل لعلي، لكونه يحبّه محبّة دينية زائدةً على محبّة أبي بكر، وهذا لا يجوز. وإن كانت المحبة المذكورة دنيويةً لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه. والله أعلم »(١) .

إذن، المحبّة الدينيّة لازمة للأفضليّة، وهذا أمر مقرّر.

وقال السبكي:

« محمّد بن أحمد بن نصر الشيخ الإِمام أبو جعفر الترمذي شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن شريح وكان إماماً زاهداً ورعاً قانعاً باليسير قال أحمد ابن كامل: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تقلّلاً. وقال

____________________

(١). المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية - بشرح الزرقاني ٧ / ٤٢.


الدار قطني: ثقة مأمون ناسك. توفي أبو جعفر في المحرم سنة ٢٩٥. وقد كمل أربعاً وتسعين سنة. ونقل أنّه اختلط في آخر عمره.

وله كتاب في المقالات سمّاه كتاب اختلاف أهل الصلاة في الاُصول، وقف عليه ابن الصّلاح وانتقى منه فقال - ومن خطّه نقلت - إنّ أبا جعفر قلّ ما تعرض في هذا الكتاب لما يختار هو، وأنّه روى في أوّله حديث: « تفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة » عن أبي بكر ابن أبي شيبة. وأنّه بالغ في الردّ على من فضّل الغني على الفقير، وأنّه نقل: إن فرقة من الشيعة قالوا: أبو بكر وعمر أفضل الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غير أنّ علياً أحبّ إلينا. قال أبو جعفر: فلحقوا بأهل البدع حيث ابتدعوا خلاف من مضى »(١) .

وهذا صريح في أنّ أحبيّة غير الأفضل لا وجه لها أبداً.

وقال شاه ولي الله في بيان أفضلية الشّيخين:

« وأمّا أفضليّتهم المطلقة من جهة وجود الخصائل الأربع فيهم فثابتة بالأحاديث الكثيرة، منها: حديث عمرو بن العاص - وهو الحديث الثاني والأربعون من أحاديث هذا المسلك - فعن عمرو بن العاص: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته. فقلت: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة فقلت: من الرجال؟! فقال: أبوها. قلت: ثمّ من؟ قال: عمر بن الخطاب.

وذلك كناية عن الأفضلية المطلقة »(٢) .

وقال أيضاً: « إنّ من ضروريات الدين أن الغرض من العبادات والطاعات وأشغال الصّوفية وغيرهم ليس إلّا حصول القرب من الله تعالى، وأن الأنبياء لم يفضلوا على غيرهم، والأولياء لم يتقدموا على غيرهم، إلّا من جهة قربهم عند

____________________

(١). طبقات الشافعية الكبرى ٢ / ١٨٧.

(٢). إزالة الخفا عن سيرة الخلفا - مبحث أفضلّية الشيخين.


الله. ولمـّا كان الشيخان أحبّ إلى رسول الله من سائر الصّحابة كانا أحقّ بالخلافة من غيرهما.

أمّا المقدّمة الأُولى: فللحديث المستفيض عن عائشة: قيل لها: أيّ أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أحبّ إليه؟ قال: أبو بكر ثمّ عثمان. وعن عمرو بن العاص قال: عائشة. ومن الرجال أبوها ثمّ عمر. وعن أنس مثله.

والمراد من « الأحب » هنا هو « الأقرب منزلة » بدليل قول عائشة: لو كان مستخلفاً لاستخلف أبا بكر ثمّ عمر.

وأمّا المقدّمة الثانية: فلأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما ينطق عن الهوى، وأنّ حبّه بالخصوص لم يكن عن هوى. فالأحبيّة تدل على أفضلية الشيخين »(١) .

وقال أيضاً في الوجوه الدالّة على أفضلية الشيخين: « النوع الخامس عشر: كون الصدّيق أحبّ من سائر الصّحابة، فعن عائشة عن عمر بن الخطاب قال: أبو بكر سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . أخرجه الترمذي. ومن حديث ابن عباس(٢) ، عن عمر في قصّة البيعة نحوه. رواه الترمذي »(٣) .

فهل يبقى ريب لمنصف أو مجال لتعنّت متعصّب في أنّ الأحبيّة تستلزم الأفضليّة؟

وقال ( الدهلوي ) كما في ( مجموعة فتاواه ):

« فائدة - كثرة المحبّة الدينيّة لها معنيان، الأوّل: أنْ يعتقد المحبّ في محبوبه زيادةً في الاُمور الدينية. وهذا المعنى يستلزم ألبتّة اعتقاده

____________________

(١). إزالة الخفا عن سيرة الخلفا - مبحث أفضلّية الشيخين.

(٢). هنا وهم بيّن فإنّ البخاري إنّما روى نحو تلك الألفاظ في مناقب أبي بكر في ضمن قصة البيعة المرويّة عن عروة، عن ابن عباس، عن عمر من هذه الألفاظ شيء إلّا قول عمر: إنّه كان من خيرنا حين توفى الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(٣). قرة العينين في تفضيل الشيخين - النوع الخامس عشر من فضائل أبي بكر.


بأفضليّته. والثاني: أن يكون حصل المحبّ من محبوبه نفع ديني عظيم لم يصل إليه من غيره. وهذا المعنى لا يستلزم اعتقاده الأفضلية، لأنّ هذه المحبّة موجودة بين كلّ شيخٍ ومريده، وكلّ تلميذ وأُستاذه، مع أنّه لا يعتقد تفضيله ».

ومن الواضح أنّ محبة الله ورسوله ليست إلّا من القسم الأول حيث الأحبيّة تستلزم الأفضلية كما اعترف ( الدهلوي ). فالحمد لله الذي أجرى الحقّ على لسانه، وأظهر صحّة استدلال الإماميّة بحديث الطّير من قبله.

وتفيد كلمات بعض الأساطين المحقّقين دلالة الأحبيّة على الأفضليّة:

قال أبو حامد الغزالي:

« بيان محبّة الله للعبد ومعناها: إعلم أنّ شواهد القرآن متظاهرة على أنّ الله تعالى يحب عبده، فلا بدَّ من معرفة معنى ذلك. ولنقدّم الشواهد على محبّته، فقد قال الله تعالى:( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) . وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) . وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) . ولذلك ردَّ سبحانه على من ادّعى أنّه حبيب الله فقال:( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) .

وقد روى أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: إذا أحب الله تعالى عبداً لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثمّ تلى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) . ومعناه: إنّه إذا أحبّه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت، كما لا يضر الكفر الماضي بعد الإسلام، وقد اشترط الله تعالى للمحبّة غفران الذنب فقال:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإِيمان إلّا من يحب.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبّر وضعه الله، ومن أكثر ذكر الله أحبّه الله


وقالعليه‌السلام : قال الله تعالى: لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتّى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به. الحديث.

وقال زيد بن أسلم: إنّ الله ليحبّ العبد حتى يبلغ من حبّه له أن يقول: إعمل ما شئت فقد غفرت لك.

وما ورد من ألفاظ المحبّة خارج عن الحصر.

وقد ذكرنا أنّ محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز، إذ المحبة في وضع اللّسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق، والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط

فأمّا حبّ الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا، بل الأسامي كلّها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تطلق عليهما بمعنى واحد أصلا فكلّ ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق، وواضع اللغة إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق، فإنّ الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق، فكان استعمالها في حقّ الخالق بطريق الاستعارة والتّجوز والنقل

ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه ‌الله تعالى لمـّا قرئ عليه قوله تعالى( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فقال: بحق يحبّهم، فإنه ليس يحبّ إلّا نفسه على معنى أنّه الكلّ، وأن ليس في الوجود غيره، فمن لا يحبّ إلّا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبّه وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذا لا يحبّ إلّا نفسه.

وما ورد من الألفاظ في حبّه لعباده فهو مأوّل، ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلب عبده، فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له، كما قال تعالى: لا يزال عبدي [ العبد ] يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه. فيكون تقرّبه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربّه. فكلّ ذلك فعل الله تعالى ولطفه به، فهو معنى حبّه

والقرب من الله في البُعد من صفات البهائم والسباع والشياطين،


والتخلّق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإِلهية، فهو قرب بالصّفة لا بالمكان

فإذاً، محبّة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا، ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنّه يراه »(١) .

أقول : إذا كان هذا حال من أحبّه الله فيكف يكون حال أحبّ الخلق إلى الله؟ وهل تحصل المراتب الحاصلة لأحبّ الخلق إلى الله لغيره؟ وهل يكون أحد في الفضيلة في مرتبة أحبّ الخلق إلى الله؟ أفلا تدلّ الأحبيّة إليه على الأفضلية عنده؟

وقال القاضي عياض:

« وأصل المحبّة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ولكن هذا في حقّ من يصحّ الميل منه والانتفاع بالوفق، وهي درجة المخلوق. فأمّا الخالق - جلّ جلاله - فمنزّه عن الأعراض، فمحبّته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرّد لله والانقطاع إلى الله والإِعراض عن غير الله وصفاء القلب لله وإخلاص الحركات لله»(٢) .

إذا، الأحبيّة سبب الأفضليّة

____________________

(١). إحياء علوم الدين ٤ / ٣٢٧ - ٣٢٨.

(٢). الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ٣ / ٣٧٢.


وقال النووي:

« ومحبّة الله تعالى لعبده تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه، وتيسير ألطافه وهدايته، وإفاضة رحمته عليه. هذه مباديها. وأمّا غايتها فكشف الحجب عن قلبه حتى يراه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث الصحيح: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره »(١) .

وقال الاسكندري:

« قال الشيخ أبو الحسن: المحبّة أخذة من الله لقلب عبده عن كلّ شيء سواه، فترى النفس مائلةً لطاعته والعقل متحصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسرّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمسّ أبكار الحقائق وثّيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس الله ولا يرى عرائس الله المجرمون »(٢) .

فهذه مراتب من أحبّه الله، فكيف إذا بلغت هذه المراتب أقصاها وأعلاها بسبب كون العبد أحبّ الخلائق بأجمعها عند الله عزّ وجلّ؟! إنّ هذا يدلّ على الأفضليّة والأكرميّة بلا ريب ولا شبهة.

وقال الفخر الرازي:

بتفسير قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) :

____________________

(١). المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٥ / ١٥١.

(٢). لطائف المنن: ٣٨.

(٣). سورة آل عمران: ٣١.


« والمراد من محبّة الله تعالى له إعطاؤه الثواب »(١) .

وعليه، فالأحبيّة إلى الله عزّ وجلّ تستلزم الأكثرية في الثواب، وهذه هي الأفضلية بلا شبهة وارتياب

في حديثٍ نبوي

ولو أنّ المتعصّبين والمتعنتين لم يقنعوا بما ذكرنا عن أكابر علمائهم فإنّا نستشهد بحديث يروونه في كتبهم المعتبرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

« عن أُسامة قال: كنت جالساً إذ جاء علي والعباس يستأذنان، فقالا لأُسامة: استأذن لنا على رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فقلت: يا رسول الله، علي والعباس يستأذنان. فقال: أتدري ما جاء بهما؟ قلت: لا، فقال: لكني أدري. ائذن لهما. فدخلا. فقالا: يا رسول الله جئناك نسألك أيّ أهلك أحبّ إليك؟ قال: فاطمة بنت محمّد. قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك قال: أحبّ أهلي إليّ من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أُسامة بن زيد. قالا: ثمّ من؟ قال: ثمّ علي بن أبي طالب. فقال العباس: يا رسول الله جعلت فداك عمّك آخرهم؟ قال: إنّ علياً سبقك بالهجرة. رواه الترمذي »(٢) .

فظهر أنّ الأحبيّة عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس لميلٍ شخصي وهوى نفسي منه، بل إنّ ملاكها الفضائل والجهات الدينيّة، ولمـّا كان عليعليه‌السلام الأحبّ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمقتضى حديث الطير، فهو متقدم على جميع الخلائق في الكمالات الدينية والفضائل المعنويّة، فيكون الأفضل من الجميع. وأمّا تقديم أُسامة عليه في هذا الحديث فلا يضرّ بالإِستدلال، لأنّ هذا من متفردّات أهل السنّة، فلا يكون حجة على الإِماميّة.

____________________

(١). التفسير الكبير ٨ / ١٨.

(٢). مشكاة المصابيح ٣ / ١٧٤٠.


الأحبيّة دليل الأحقيّة بالخلافة في رأي عمر

وبعد، فمن الضروري أن ننقل هنا ما يروونه عن عمر بن الخطاب، الصريح في دلالة الأحبيّة عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الأحقيّة بالخلافة عنه فقد روى البخاري قائلاً:

« حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثني سليمان بن بلال، عن هشام ابن عروة، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وأبو بكر بالسنح - قال إسماعيل يعني بالعالية - واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقال أبو بكر: نحن الاُمراء وأنتم الوزراء. فقال عمر: نبايعك أنت، فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فبايعه. فبايعه الناس »(١) .

فالأحبيّة المزعومة عند عمر تدل على الأحقيّة بالخلافة، فلم لا تكون الأحبيّة الثابتة باعتراف الخصوم - بمقتضى حديث الطّير - دالة على ذلك؟!

حبّ الله حقّاً دليل الأحقيّة بالخلافة عند عمر

بل إنّ « حبّ الله حقاً » دليل الأحقيّة بالخلافة عنده أنظر إلى ما يرويه أبو نعيم: « حدّثنا أبو حامد بن جبلة، نا محمّد بن إسحاق الثقفي السرّاج، نا محمود بن خداش، نا مروان بن معاوية، نا سعيد قال: سمعت شهر بن حوشب يقول: قال عمر بن الخطاب: لو استخلفت سالما مولى أبي حذيفة، فسألني عنه ربّي ما حملك على ذلك لقلت: ربّي سمعت نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول: إنّه يحبّ الله حقّاً من قلبه »(٢) .

____________________

(١). صحيح البخاري ٥ / ٧ - ٨.

(٢). حلية الأولياء ١ / ١٧٧.


ورواه الطبري وابن الأثير باللفظ الآتي:

« لمـّا طعن عمر قيل له: لو استخلفت! فقال: لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الاُمة. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك إنّ سالماً شديد الحبّ لله »(١) .

____________________

(١). تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٧، الكامل ٣ / ٦٥



إبطال حُملِ الأحبّية من الخلق

على خصوص الأحبّية في الأكل مع النبيّ



قوله:

« إذ القرينة تدلّ على أنّ المراد هو أحبّ الناس في الأكل مع النبيّ ».

أقول:

١ - إنّه خلاف الظّاهر

إنّ هذا الحمل خلاف الظّاهر فإنّ كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهر في أنّ عليّاًعليه‌السلام أحبّ الخلق إليه مطلقاً، والحمل المذكور تأويل لا وجه له، وهو غير جائز.

وقد نصّ ( الدهلوي ) في أوّل كتاب ( التحفة ) على أنّ مذهب أهل السنّة هو الأخذ بظواهر كلمات المرتضى - لا حملها على التقيّة وغيرها - كما هو الحال بالنسبة إلى كلام الله عزّ وجلّ وكلام الرسول، وعليه، فيجب الأخذ بما ورد عن المرتضى في تفضيل بعض الأصحاب على نفسه.

هذا كلامه، وهو كاف لإِبطال جميع ما ورد عنه وعن غيره من أسلافه وأتباعه من التأويل لهذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث الواردة في إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ولله الحمد على ذلك.


٢ - لو كان المراد ذلك لم يجز إطلاق أفعل التفضيل

فهذا الكلام الصادر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلق، ولو كان المراد الأحب في خصوص الأكل - لا مطلقاً - كان الكلام غلطاً مستبشعاً، لانّ إطلاق أفعل التفضيل بلحاظ بعض الحيثيّات غير المعتد بها غير جائز، إذْ لو جاز ذلك لزم أنْ يكون العالِم بمسألةٍ جزئيّةٍ واحدةٍ من مسائل الوضوء « أعلم» أو « أفقه » ممّن اتفّق جهله بها، وهو عالم بما سواها من مسائل الوضوء بل الطّهارات كلها بل سائر الأبواب الفقهية وهذا بديهيّ البطلان

وأيضاً: لو كان معظم أعضاء بدن زيد أجمل من عمر إلّا عضواً واحداً من عمر وكإصبعه مثلاً فكان أجمل فإنّه لا يستريب عاقل في بطلان قول القائل: عمر وأجمل من زيد.

إذن، لا يجوز رفع اليد عن الإِطلاقات بلحاظ هكذا حيثيّات في شيء من الكلمات، فكيف بكلمات الشارع المقدّس، فإنّ إرادة مثل هذه الحيثيّات من الإِطلاقات أشبه بالألغاز

٣ - لو جاز لزم تفضيل غير الأنبياء على الأنبياء

ولو جاز إطلاق أفعل التفضيل بلحاظ بعض الْأُمور غير المعتبرة في التفضيل لزم جواز تفضيل من اخترع صناعةً أو اكتشف علماً مثلاً على الأوصياء والأنبياء المرسلين وأنْ لا يكون مثل هذا من التعريض وسوء الأدب لكنّ شناعة هذا واضح لدى المميّزين من الأطفال فضلاً عن أرباب الأدب والكمال ولا نظنّ بأحدٍ من أهل السنّة الإِلتزام بجوازه، وكيف يظنّ بهم ذلك وهم يوجبون الضرب الشديد والحبس الطويل على من أقرّ على قول من عرّض بابنة أبي بكر؟ قال السّيوطي:

« أفتى أبو المطرف الشعبي في رجلٍ أنكر تحليف امرأة باللّيل قال: ولو


كانت بنت أبي بكر الصدّيق ما حلفت إلّا بالنهار. وصوّب قوله بعض المتسمّين بالفقه. فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر رضي الله عنها يوجب عليه الضّرب الشديد والحبس الطويل، والفقيه الذي صوّب قوله هو أحقّ باسم الفسق من اسم الفقه، فيتقدم إليه في ذلك ويؤخر ولا يقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة تامة، ويبغض في الله »(١) .

فإذا كان هذا فيمن لم يسب ولم يعرض بل أقرّ على قول من عرّض، فما ظنّك بمن عرّض أو صرّح بالسب، والغرض من هذا كلّه تقرير أنّه فاسق مرتكب لعظيم من الكبائر، لا مخلص له إلى العدالة بسبيل.

٤ - إذا جاز رفع اليد عن الإِطلاق لجاز فيما رووه عن ابن العاص

وإذا جاز حمل « الأحبّ المطلق » على « الأحب بالمعنى الخاص » مثل « الأحبّ في الأكل» ونحو ذلك جاز للإِماميّة أن تقول بأنّ المراد من أحبيّة أبي بكر وعمر - فيما رواه أهل السنّة عن عمرو بن العاص، وبالنظر إليه حمل ابن حجر والمحبّ الطبري الأحبيّة في حديث الطّير على المحمل المذكور وسيأتي الكلام على ذلك - هو « الأحبيّة في اللّعن » بقرينة ما أخرجه البخاري: « اللّهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً ».

أو « الأحبيّة في ترك الإِستخلاف » بقرينة ما رواه الشبلي في ( آكام المرجان ) عن ابن مسعود، الظّاهر في إعراض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن استخلاف الشيخين.

أو « الأحبيّة في ترك النفاق والرجوع إلى الإِيمان الخالص وتطهير قلوبهم من البغض والحسد لأهل البيت » هذا الحسد الذي ظهر من الشيخين فيما تكلّما به في قضية النجوى، وغير ذلك.

____________________

(١). إلقام الحجر - مخطوط.


أو « الأحبيّة في الهلاك حتى لا تنعقد سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبيّ ».

وأمثال ذلك من وجوه الحمل والتأويل

إذن خلق هذا الإِحتمال في حديث الطّير يفتح الباب لتوجّه ما ذكرناه إلى الحديث الذي اختلقوه في أحبيّة الشيخين، فيكون مصداقاً لقوله تعالى:( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ) .

٥ - أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة غير وارد قط

هذا، وقد نصّ على عدم جواز إطلاق « أفعل التفضيل » وإرادة معنى « الزيادة في الجملة » المحقّقون من أهل السنّة، بل نصّ بعضهم على أنّ هذا غير وارد في اللّغة والعرف قطّ فقد قال القوشجي في شرح قول المحقق الطّوسي: « وعلى أكرم أحبّائه » قال:

« أي: آله وأصحابه الذين هم موصوفون بزيادة الكرم على من عداهم ». ثمّ قال القوشجي:

« قيل: لم يرد به معيّناً بل ما يتناول متعدداً، أعني من اتصّف من محبوبيّة بزيادة الكرم في الجملة.

وفيه نظر، لأنّ أفعل التفضيل إذا اُضيف فله معنيان، الأوّل - وهو الشائع الكثير - أنْ يقصد به الزيادة على جميع ما عداه ممّا اُضيف إليه. والثاني: أن يقصد به الزيادة مطلقاً لا على جميع ما عداه ممّا اُضيف إليه. وهو بالمعنى الأوّل يجوز أن يقصد بالمفرد منه المتعدد، دون المعنى الثاني. وأمّا أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة فلم يردّ قط »(١) .

إذن، ليس « الأحبّ » في حديث الطّير بمعنى « الأحبّ في الجملة » بل هو الأحبّ على طريقة العموم والإِستغراق، فبطل التأويلات السّخيفة التي

____________________

(١). القوشجي على التجريد: ٣٧٩.


اخترعها أرباب الشّقاق.

وقال صدر الدين الشيرازي في الردّ على التوّهم المذكور:

« وأيضاً: لو كان معناها - أي معنى صيغة التفضيل - ذلك - أي الزيادة في الجملة - فإذا قال سائل: أيّ ابنيك أعلم؟ يصحّ أن يجاب بكليهما. والعارف باللّسان لا يشك في عدم جواز هذا الجواب.

فتبيَّن أن معناها ليس على ما ظنّه، وإصراره على ذلك أدلّ دليل »(١) .

٦ - إختلاف المسلمين في الأفضليّة دليل على عدم الجواز

ثمّ إنّ المسلمين مختلفون في أفضليّة بعض الصّحابة من بعض وهذا واضح ولو كانت الأفضليّة في الجملة جائزة وصحّ إطلاق « الأفضل » وإرادة الأفضليّة من بعض الجهات والوجوه، لانتفى الخلاف وهذا ممّا استدل به صدر الّدين الشيرازي على عدم الجواز حيث قال:

« ثمّ اختلف المسلمون في أفضليّة بعض الصّحابة على بعض، فذهب أهل السنّة إلى أنّ أبا بكر أفضلهم، وأثبتوا ذلك بوجوه مذكورة في موضعها، وبنوا على إثبات ذلك أنّ غيره من الصّحابة ليس أفضل منه، ومنعوا إطلاق الأفضل على غيره منهم.

وذهب الشيّعة إلى أنّ عليّاً أفضلهم، وأثبتوا ذلك بما لهم من الدلائل، وبنوا على إثبات ذلك أنّ غيره من الصّحابة ليس أفضل منه، ومنعوا أنْ يطلق الأفضل على آخر من الصحابة.

واستمرّ الخلاف بينهما، وفي كل من الطائفتين علماء كبار عارفون باللغة حقّ المعرفة، فلو كان معنى الصيغة ما ظنّه هذا القائل لصحّ أن يكون كل واحد منهما أفضل من الآخر، ولم يتمشّ هذا الخلاف والبناء والمنع.

____________________

(١). الحاشية على القوشجي على التجريد - مبحث الامامة.


وكيف يجوز أنْ يكون معناها ذلك ولم يتنبّه به أحد من هذه الجماعات الكثيرة، ونفي الخلاف والبناء والمنع المذكورة بين الطائفتين من قريب ثمانمائة سنة »(١) .

وعليه، فإنّه لمـّا ثبت « أحبيّة » أمير المؤمنينعليه‌السلام من حديث الطّير والأحاديث الكثيرة غيره، كان إطلاق « الأحبّ » على غيره غير جائز، وبذلك أيضاً يسقط التأويل المذكور، كما يسقط ما وضعوه في « أحبيّة » غيره عليه الصلاة والسلام.

٧ - شواهد عدم الجواز في أخبار الصّحابة وأقوالهم

ولِما ذكرنا من عدم جواز إطلاق « أفعل التفضيل » على « المفضول »، وبطلان حمل « أفعل التفضيل » على « الأفضلية الجزئيّة غير المعتنى بها » شواهد في أقوال الصّحابة والآثار المنقولة عنهم وإليك بعض ذلك:

* قال الغزّالي: « وروي عن ضبّة بن محصن العنزي قال: كان علينا أبو موسى الأشعري أميراً بالبصرة، فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنشأ يدعو لعمررضي‌الله‌عنه . قال: فغاظني ذلك منه، فقمت إليه فقلت له: أين أنت من صاحبه تفضّله عليه؟ فصنع ذلك جمعاً.

ثمّ كتب إلى عمر يشكوني يقول: إنّ ضبّة بن محصن العنزي يتعرّض لي في خطبتي.

فكتب إليه عمر أن أشخصه إليَّ.

قال: فاشخصني إليه، فقدمت فضربت عليه الباب، فخرج إليَّ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا ضبّة بن محصن العنزي. قال فقال لي: فلا مرحباً ولا

____________________

(١). الحاشية على شرح القوشجي على التجريد - مبحث الامامة.


أهلاً. قلت: أما المرحب فمن الله. وأما الأهل فلا أهل لي ولا مال، فبماذا استحللت - يا عمر - إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته ولا شيء أتيته؟

فقال: ما الذي شجر بينك وبين عاملي؟ قال قلت: الآن أخبرك به، إنّه كان إذا خطبنا

قال: فاندفع عمر -رضي‌الله‌عنه - باكياً وهو يقول: أنت - والله - أوفق منه وأرشد، فهل أنت غافر لي ذنبي، يغفر الله لك؟

قال: قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين.

قال: ثمّ اندفع باكياً وهو يقول: والله لليلة أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر، فهل لك أن احدّثك بليلته ويومه؟

قلت: نعم.

قال: أمّا اللّيلة، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمـّا أراد الخروج من مكّة هاربا من المشركين، خرج ليلا، فتبعه أبو بكر فهذه ليلته. وأمّا يومه، فلمـّا توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتدّت العرب

ثمّ كتب إلى أبي موسى يلومه »(١) .

فإنّ هذا الخبر يفيد أنّه - بالإِضافة إلى عدم جواز إطلاق صيغة أفعل التفضيل على المفضول، وإلى بطلان حمل أفعل التفضيل على الأفضليّة غير المعتنى بها - لا يجوز الفعل أو الترك المشعر بتفضيل المفضول على الفاضل، وأنّه لا يجوز تأويل ذلك بإرادة التفضيل من بعض الوجوه، وإلّا لما توجّه غيظ ضبّة ولا لوم عمر على أبي موسى الأشعري، بل كان على عمر أن يذكر الوجوه الجزئيّة التي يكون بها أفضل من أبي بكر، فيحمل ما كان يصنعه أبو موسى على ذلك.

* وروى المتقي: « عن ضبّة بن محصن العنزي قال قلت لعمر بن

____________________

(١). إحياء العلوم ٢ / ٢٤٤.


الخطّاب: أنت خير من أبي بكر؟

فبكى وقال: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر عمر. هل لك أنْ أحدّثك بليلته ويومه؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: أمّا ليلته، فلمـّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هارباً وأمّا يومه، فلمـّا توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وارتدّ العرب

الدينوري في المجالسة، وأبو الحسن ابن بشران في فوائده، وق في الدلائل، واللّالكائي في السنّة»(١) .

ولو كان يجوز أن يقال « عمر خير من أبي بكر » ويراد « أنّه خير منه من بعض الوجوه » لمـّا « بكى عمر » فقدّم وفضّل ليلة أبي بكر ويومه على « عمر عمر »!! بل كان له إثبات أفضليته من أبي بكر من بعض الوجوه أمثال « الشدّة » و « الغلظة » و « الفظاظة »!!

* وروى المتّقي قال: « جبير بن نفير - إن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: والله ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقول بالحقّ، ولا أشدّ على المنافقين، منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال عوف بن مالك: كذبتم، والله لقد رأينا خيراً منه بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال: من هو يا عوف؟

فقال: أبو بكر.

فقال عمر: صدق عوف وكذبتم والله، لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضلّ من بعير أهلي.

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٤٩٣ رقم: ٣٥٦١٥.


أبو نعيم في فضائل الصحابة. قال ابن كثير: إسناده صحيح »(١) .

ومن الواضح أنه لو جاز إطلاق أفعل التفضيل ببعض الوجوه عير المعتبرة، كان الواجب حمل قول القائلين لعمر: « أنت خير الناس بعد رسول الله » على تلك الوجوه، فلا يقول عوف وعمر لهم: « كذبتم والله ».

* وروى المتقي: « عن عمر قال: خير هذه الاُمة بعد نبيّها: أبو بكر، فمن قال غير هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر، وعليه ما على المفتري. اللالكائي »(٢) .

ولو جاز التفضيل بلحاظ وجه غير معتبر لما حكم عمر على من فضّله على أبي بكر بما حكم

* وروى المتقي: « عن زياد بن علاقة قال: رأى عمر رجلاً يقول: إنّ هذا لخير الاُمّة بعد نبيّها. فجعل عمر يضرب الرّجل بالدّرة ويقول: كذب الآخر، لأبو بكر خير منّي ومن أبي ومنك ومن أبيك. خيثمة في فضائل الصّحابة »(٣) .

فلو جاز إطلاق ألفاظ التفضيل - ولو بلحاظ بعض الوجوه - لَما فعل عمر ذلك قطعاً.

* وقال أبو إسماعيل محمّد بن عبد الله الأزدي في أخبار وقعة فحل « فأرسلوا إلى أبي عبيدة أن أرسل إلينا رجلاً من صلحائكم نسأله عمّا تريدون وما تسألون وما تدعون إليه، نخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظّكم إن قبلتم. فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل، فأتاهم على فرس له، فلمـّا دنا منهم نزل عن فرسه وأخذ بلجامه، ثمّ أقبل إليهم يقود فرسه فقالوا لبعض غلمانهم: إنطلق إليه فأمسك فرسه، فجاء الغلام ليمسك له دابّته، فقال معاذ: أنا أمسك فرسي،

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٤٩٧.

(٢). كنز العمال ١٢ / ٤٩٦.

(٣). كنز العمال ١٢ / ٤٩٥.


لا أُريد أنّ يمسكه أحد غيري، فأقبل يمشي إليهم، فإذا هم على فرش وبسط ونمارق ثمّ أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط.

فقالوا له: لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك، إنّ جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك، وإنّ جلوسك على الأرض متنحياً صنيع العبد بنفسه، فلا نراك إلّا قد أزريت بنفسك.

فأخبره الترجمان بمقالتهم، فجثا معاذ على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه وقال للترجمان: قل لهم

فلمـّا فسّر هذا الترجمان لهم نظر بعضهم إلى بعض وتعجّبوا ممّا سمعوا منه وقالوا لترجمانهم: قل له أنت أفضل أصحابك.

فقال معاذ عند ذلك: معاذ الله أن أقول ذلك، وليتني لا أكون شرّهم »(١) .

ولو كان إطلاق صيغة التفضيل على المفضول بلحاظ بعض الحيثيّات جائزاً، لما استنكر معاذ قولهم: « أنت أفضل أصحابك » قطعاً.

٨ - لو كان مراد النبيّ « الأحب في الأكل » لصرّح به

وبعد، فإنّه لو كان مراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصّة الطير طلب أحب الخلق إليه في الأكل لصرّح به، إذ كان يمكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يقول: اللّهم ائتني بالأحبّ في الأكل. لكنّه لم يقل هكذا بل قال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي من هذا الطائر.

إن تركهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك العبارة المختصرة، وقوله هكذا، يدلّ بكلّ وضوح وصراحة على معنى فوق الأحبيّة في الأكل، وليس ذلك إلّا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد إثبات أنّ الرجل الذي يطلبه أحبّ الخلق إلى الله وإلى رسوله على الإِطلاق والعموم وإلّا فما وجه العدول عن

____________________

(١). فتوح الشام - ذكر وقعة فحل.


الجملة المختصرة الدالّة على المقصود إلى جملة طويلة غير واضحة الدلالة عليه؟!

النكات واللّطائف فيما قاله النبيّ ودعا به

لكنّ دعائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: « اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك » . من جوامع كلمه وسواطع حكمه، فيه لطائف ونكت رفيعة، وهي بمجموعها تدلّ على اهتمام منه بليغ بإظهار علوّ مقام أمير المؤمنينعليه‌السلام في ذلك المقام:

١ - خطابه الباري عزّ وجلّ ونداؤه إيّاه باسم ذاته « الله » الذي هو أحبّ الأسماء إليه.

٢ - قوله: « اللّهم » دون « يا الله » إذ في الأول دلالة على التفخيم والتعظيم ليست هي في الثاني، لاشتماله على شدّتين ليستا في « يا الله ». وهذه النكتة نظير النكتة في اختيار ضم الضمير المجرور في قوله تعالى:( عَلَيْهُ اللهَ ) .

٣ - في « اللّهم » نكتة أُخرى ليست في « يا الله »، هي أنّ الميم عوض حرف النداء، فدلّت الكلمة على النداء لله سبحانه مع الابتداء باسمه العظيم، بخلاف « يا الله ». ومن الواضح أنّ الابتداء باسمه أدخل في التعظيم والتبرّك.

٤ - في أكثر طرق الحديث لفظ « ائتني ». وإنّما اختارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا اللّفظ على « أرسل إليَّ» و « أبعث إليَّ » ونحوهما لما في « الإِتيان » - مع تعديته بالباء - من الدّلالة على مزيد العناية والاحتفال بشأن المأتيّ به، فكأن المرسل مصاحب للمأتيّ به، كما عن المبرّد في معنى: « ذهب فلان بزيد » أنّه يدّل على مصاحبة الفاعل للمفعول به، لأنّ الباء المعديّة عنده بمعنى مع.

٥ - قوله: « إئتني » دون « ائت » ليدلّ على أنّ مطلوبه حضور أحبّ الخلق عنده، لا مطلق إتيان أحبّ الخلق.


٦ - إختياره لفظ « الأحب » على غيره من الألفاظ الدالّة على التفضيل والتّرجيح لأنّ كثرة محبّة الله تعالى لشخصٍ تدلّ على جمعه لجميع صفات الكمال والمجد والعظمة، لأنّ مقام المحبّة أعلى المقامات وأسنى الدرجات.

٧ - « الأحب » هو « الأكثر محبوبية » فأمير المؤمنينعليه‌السلام أشدّ الخلق حباً لله، لأنّ « المحبوبية » فرع « المحبيّة » قال الله تعالى:( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) .

٨ - أضاف لفظة « أحب » إلى « الخلق » ليدلّ بصراحة على أنّ عليا أحبّ خلق الله، ولو لا إرادة الدّلالة الصرّيحة لا كتفي بأن يقول « الأحب » معرفا باللاّم.

٩ - أضاف كلمة « خلق » إلى ضمير الخطاب حيث قال: « خلقك » ليظهر أنّهعليه‌السلام أحبّ جميع الخلق بحيث كان أهلاً لأن يضاف إلى الحقّ جلّ جلاله والمراد من « الخلق » هو « المخلصون » فهو الأحبّ من غير المخلصين بالأولويّة.

١٠ - لفظة « الخلق » اسم جنس. واسم الجنس المضاف يفيد العموم، كما نصّ عليه أكابر العلماء، فالمراد: جميع الخلق المخلصين.

١١ - إتيانه بكلمة « إليك » هو لغرض إفادة الدّلالة الصريحة، وإلّا لكانت مقدرّة أو كانت الدّلالة على أحبيّته إلى الله بالالتزام، لأنّه مع وجود « إليّ » يكون الأحب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن كان أحبّ إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو أحبّ إلى الله تعالى بالالتزام.

١٢ - أضافصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفظ « وإلى رسولك » أو « وإليّ » ليصرّح وينصّ على أن عليّاً أحبّ الخلق إليه، وإن كان في قوله « إليك » كفاية، لأنّ « الأحبّ إلى الله » هو « الأحبّ إلى الرسول» قطعاً فهو إذن، « الأحبّ إلى النبيّ » بالدّلالتين.

١٣ - إنّه لم يذكر لـ « أحبّ » متعلَّقاً خاصّاً، ليدل على عموم أحبيّته


وشمولها لجميع الأنواع والأقسام والأصناف، لأنّ حذف المتعلَّق في مقام البيان دليل العموم

١٤ - قوله « يأكل معي من هذا الطائر » لإثبات أنّ سبب طلبه للأكل معه هو أحبيّته إلى الله ورسوله، وليس أمراً نفسانياً.

١٥ - كلمة « معي » في قوله: يأكل معي من هذا الطائر، لإفادة أنّ علياعليه‌السلام لا يأكل الطائر بانفراد، بل إنّه لمـّا كان الغرض من الطّلب للأكل إظهار شأن علي ومنزلته عند الله ورسوله فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوف يشاركه في الأكل من الطير، ليكشف عن سببيّة مقاماته المعنوية ومراتبه الدينيّة وقربه من الله ورسوله لطلب حضوره والمؤاكلة معه.

٩ - قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحبّ الخلق إليك » يكذّب الحمل المذكور

وأيضاً: لو كان المراد هو « الأحبّ في الأكل » لم يكن لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أحبّ الخلق إليك » معنى، لأنّ « الأحبيّة في الأكل » ميل طبعي، وذلك محال في صفة الله تعالى، كما سبق في كلام الغزالي بل هذه الأحبيّة هي الثواب ورفعة المقام والمرتبة. وقال السيّد المرتضى:

« قد قال السائل: هب أنا سلّمنا صحة الخبر، ما أنكرت أنْ لا يفيد ما ادّعيت من فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام على المجاعة، وذلك أن معنى فيه: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي يريد: أحبّ الخلق إلى الله تعالى في الأكل معه، دون أن يكون أراد أحبّ الخلق إليه في نفسه لكثرة أعماله، إذ قد يجوز أن يكون الله تعالى يحبّ أن يأكل مع نبيّه من هو غير أفضل، ويكون ذلك أحبّ إليه للمصلحة.


فقال الشيخ أيّده الله(١) : هذا الذي اعترضت به ساقط، وذلك أن محبّة الله تعالى ليست ميل الطباع وإنّما هي الثواب، كما أنّ بغضه وغضبه ليستا باهتياج الطباع وإنّما هما العقاب. ولفظ أفعل في أحبّ وأبغض لا يتوجه إلّا ومعناهما من الثواب والعقاب، ولا معنى على هذا الأصل لقول من زعم أنّ أحبّ الخلق إلى الله يأكل مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توجه إلى محبّة الأكل والمبالغة في ذلك بلفظ أفعل، لأنّه يخرج اللفظ ممّا ذكرناه من الثّواب إلى ميل الطباع، وذلك محال في صفة الله تعالى»(٢) .

١٠ - قوله: « بأحبّ خلقك إليك وأوجههم عندك »

عن ( كتاب الطير ) قال الحافظ أبو بكر ابن مردويه: « نا فهد بن إبراهيم البصري قال: نا محمّد بن زكريا قال: نا العبّاس بن بكّار الضّبي قال: نا عبد الله ابن المثنى الأنصاري، عن عمّه ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك:

إن اُمّ سلمة صنعت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيراً أو أضباعاً فبعثت به إليه، فلمـّا وُضِعَ بين يديه قال: اللّهم جئني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي بن أبي طالب فقال له أنس: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، واجتهد النبيّ في الدعاء وقال: اللّهم جئني بأحبّ خلقك إليك وأوجههم عندك. فجاء علي، فقال له أنس: إنّ رسول الله على حاجة. قال أنس: فرفع علي يده فوكز على صدري ثمّ دخل. فلمـّا نظر إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام قائماً فضمّه إليه وقال: يا ربّ وإليَّ، يا ربّ وإليَّ. ما أبطأ بك يا علي؟ قال: يا رسول الله، قد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس، فرأيت الغضب في وجه رسول الله وقال: يا أنس ما حملك على

____________________

(١). يعني: الشيخ محمّد بن النعمان المفيد البغدادي

(٢). الفصول المختارة: ٦٥.


ردّه؟ قلت: يا رسول الله، سمعتك تدعو فأحببت أنْ تكون الدّعوة في الأنصار. قال: لست بأوّل رجلٍ أحبَّ قومه، أبى الله - يا أنس - إلّا أن يكون ابن أبي طالب ».

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم جئني بأحبّ خلقك إليك وأوجههم عندك » يكذّب الحمل والتأويل المذكور، إذ « الأوجه » في هذا المقام بمعنى « الأفضل على الإِطلاق » ومنه يعلم أنّ « الأحبّ » كذلك فقد دلّ الحديث على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام « أحبّ » و « أوجه » و « أشرف » و « أفضل » جميع « الخلق » عند الله سبحانه - عدا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - من الأنبياء والملائكة والناس أجمعين

١١ - قوله: « بخير خلقك »

وعن ( كتاب الطير ) للحافظ أبي نعيم الأصفهاني: « نا علي بن حميد الواسطي، نا أسلم بن سهل، نا محمّد بن صالح بن مهران قال: نا عبد الله بن محمّد بن عمارة قال: سمعت من مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال بعثتني أم سليم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطير مشوي ومعه أرغفة من شعير، فأتيته به فوضعته بين يديه فقال: يا أنس اُدع لنا من يأكل معنا هذا الطير، اللّهم ائتنا بخير خلقك، فخرجت فلم يكن همّي إلّا رجلاً من أهلي آتيه فأدعوه، فإذا أنا بعلي بن أبي طالب، فدخلت، فقال: أما وجدت أحداً؟ قلت: لا. قال: اُنظر. فنظرت فلم أجد أحداً إلّا عليّاً. ففعل ذلك ثلاث مرّات. فرجعت فقلت: هذا علي بن أبي طالب. فقال: ائذن له، اللّهم وإليَّ، اللّهم وإليَّ »


١٢ - قوله: « أدخل عليَّ أحبّ خلقك إليَّ من الأوّلين والآخرين »

وروى ابن المغازلي حديث الطير بإسناده عن أنس بن مالك وفيه: « اللّهم أدخل عليَّ أحبّ خلقك إليَّ من الأوّلين والآخرين يأكل معي من هذا الطائر فجاء علي » وقد تقدّم الحديث بتمامه في موضعه من قسم السّند، لكنّنا نذكر هنا متنه مرةً أُخرى:

« عن أنس بن مالك قال: أُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر مشوي - أهدته له امرأة من الأنصار - فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعت ذلك بين يديه. فقال: اللّهم أدخل عليَّ أحبّ خلقك إليَّ من الأوّلين والآخرين يأكل معي من هذا الطائر. قال أنس: فقلت في نفسي: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار من قومي. فجاء علي، فطرق الباب فرددته وقلت: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متشاغل - ولم يعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك - فقال: اللهم أدخل علىَّ أحبّ الخلق من الأوّلين والآخرين يأكل معي من هذا الطائر. قلت: اللّهم رجلاً من قومي الأنصار. فجاء علي فرددته. فلمـّا جاء الثّالثة قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قم يا أنس فافتح الباب لعلي. فقمت ففتحت الباب فأكل معه، فكانت الدعوة له »(١) .

وهل بعد هذه الجملة من مجال لتأويل لفظ « الأحبّ » وتقييده؟ لقد ثبت من هذا الحديث - أيضاً - أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى النبيّ - وإلى الله بالملازمة - من جميع الخلق من الأوّلين والآخرين أي حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين.

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ١٦٨.


١٣ - لو كان الغرض تضاعف لذّة الطعام لجاءت إحدى نسائه

إنّه لو كان المقصود حضور أحبّ الخلق في الأكل مع النبيّ حتى يتضاعف لذّة الطعام، لكان مقتضى استجابة هذا الدعاء حضور إحدى زوجات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لوضوح حصول الغرض من الدعاء - وهو الالتذاذ المتضاعف من الطعام - بمؤاكلة الزوجة المحبوبة، وأنّه لا يسدّ مسدّها في هذه الناحية أحد من الأولاد فضلاً عن غيرهم.

لكنّ عدم حضور أحد من نسائه - لا سيّما تلك التي يزعمون أنّها أحبّ نسائه بل النساء عامّةً إليه - وكذا عدم حضور فاطمةعليها‌السلام وهي ابنته لو كان الغرض يحصل بمؤاكلة الأولاد، دليل على أنّ غرضه من الدّعاء شيء آخر، وأنّ المقصود من « الأحبّ » ليس « الأحبّ في الأكل »

لقد استجاب الله عزّ وجلّ دعاء نبيّه وحبيبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأحضر عنده أحبّ الخلق إليه وأفضل الناس عنده.

١٤ - صنائع أنس دليل بطلان التأويل

ولو كان المراد مجرّد الأحبيّة في الأكل فلماذا كلّ هذا الإِهتمام من أنس ابن مالك لأنّ يختص بذلك قومه من الأنصار؟ ولماذا منع علياًعليه‌السلام مرة بعد أُخرى من الدخول على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

إنّ كلّ عاقل يلحظ أخبار قصّة الطير وما كان فيها من أنس من كذبٍ واحتيال وتعلّل، يحصل له اليقين الثابت بأنّ الدخول على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك الساعة والأكل معه من ذاك الطائر، مرتبة عظيمة ومنزلة رفيعة.

وأيضاً: من الظّاهر جدّاً - بناء على حمل الأحبيّة على الأحبيّة في خصوص الأكل - أنّ الشخص الأحبّ إليه في الأكل ليس إلّا من كان أكثر


معاشرةً أو أقرب نسباً أو أشدّ أُلفةً من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... ومن المعلوم أن الأنصار لم يكونوا حائزين لهذا الشّرف وتلك المرتبة، فكيف يرجو أنس أن يكونوا مصداق دعاء الرسول؟

١٥ - قول أنس: « اللّهم اجعله رجلاً منّا حتى نشرّف به »

وعن ( كتاب الطير ) للحافظ ابن مردويه: « نا محمّد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن قال: نا علي بن الحسن السمالي قال: حدّثني محمّد بن الحسن بن الجهم، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن أنس قال: أهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر فأعجبه، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليَّ يأكل معي من هذا الطير. قال أنس قلت: اللّهم اجعله رجلاً منّا حتّى نشرّف به. قال: فإذا علي. فلمـّا أنْ رأيته حسدته فقلت: النبيّ مشغول، فرجع، قال: فدعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الثانية، فأقبل علي كأنّما يضرب بالسيّاط، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : افتح افتح، فدخل، فسمعته يقول: اللّهم وإليَّ، حتى أكل معه من ذلك الطير».

فإذن كانت القضيّة ممّا يتشرف ويعتّز به ولم تكن الأحبيّة في الأكل العارية من كلّ فضيلة والخالية من كلّ شرف كما يزعم النّواصب

ونعم ما أفاد الشيخ المفيد البغدادي - طاب ثراه - حيث قال:

« إنّ الذي يسقط ما اعترض به السائل في تأويل قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك » على المحبّة في الأكل معه، دون محبّته في نفسه بإعظام ثوابه بعد الذي ذكرناه في إسقاطه: أن الرواية جاءت عن أنس بن مالك أنّه قال: لمـّا دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأتيه تعالى بأحبّ الخلق إليه: قلت: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار لتكون


لي الفضيلة بذلك. فجاء علي فرددته وقلت له إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على شغل، فمضى، ثمّ دعا ثانيةً فقال لي: استأذن لي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقلت له: إنّه على شغل. ثمّ عاد ثالثة فاستأذنت له، ودخل، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد كنت سألت الله تعالى أن يأتيني بك دفعتين، ولو أبطأت عليَّ الثالثة لأقسمت على الله أن يأتيني بك.

ولو أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل الله تعالى أن يأتيه بأحبّ خلقه إليه في نفسه، وأعظمهم ثواباً عنده، وكانت هذه من أجلّ الفضائل، لَما آثر أنس أن يختص بها قومه، ولو لا أنّ أنسا فهم ذلك من معنى كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما دافع أمير المؤمنينعليه‌السلام عن الدخول، ليكون ذلك الفضل لرجل من الأنصار، فيحصل له جزء منه »(١) .

١٦ - قول أنس: « فإذا علي فلمـّا أن رأيته حسدته »

وجاء في الحديث - فيما رواه ابن مردويه -: « قلت اللّهم اجعله رجلاً منّا حتى نشرّف به. قال: فإذا علي، فلمـّا أن رأيته حسدته، فقلت: النبيّ مشغول، فرجع ». و في لفظ خبر ابن المغازلي عنه: « بينا أنا كذلك إذْ دخل علي فقال: هل من إذن؟ فقلت: لا، ولم يحملني على ذلك إلّا الحسد ».

وهذا دليل آخر على أنّ الأحبيّة لم تكن في الأكل فقط بل إنّها كانت أحبيّة جليلة القدر وعظيمة الفخر توجب الأفضليّة التامّة والأكرمية الكاملة

____________________

(١). الفصول المختارة من العيون والمحاسن: ٦٨.


١٧، ١٨ - قول عائشة وحفصة: « اللّهم اجعله أبي »

وأخرج أبو يعلى حديث الطير بسنده باللفظ التالي:

« ثنا قطن بن نسير، ثنا جعفر بن سليمان الضبّعي، ثنا عبد الله بن مثنّى، نبأ عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك قال: اُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجل مشوي، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام. فقالت عائشة: اللّهم اجعله أبي. وقالت حفصة: اللّهم اجعله أبي. قال أنس: فقلت اللّهم اجعله سعد بن عبادة.

قال أنس: سمعت حركة الباب فسلّم فإذا علي. فقلت: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، فانصرف ثمّ. ثمّ سمعت حركة الباب فسلّم عليّ فسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوته فقال: اُنظر من هذا! فخرجت فإذا علي. فجئت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرته. فقال: ائذن له، فأذنت له فدخل. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وإليَّ وإليَّ »(١) .

فلو كان معنى الحديث « الأحبّ في الأكل » فما هذا الولوع والشغف من عائشة وحفصة؟! وهلّا فهمتا هذا المعنى من الحديث، لا سيّما عائشة التي يزعم المتعصّبون من القوم إرجاع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاُمة إليها، لأخذ الدين والأحكام الفقهية منها!! فلا تدعوان لوالديهما اللذين هما - بزعمهما - أعلى مرتبة وأجلّ شأناً، لحضور أمرٍ جزئيّ تافه لا أثر له!!

لكنّ هذه الأحبيّة هي الأحبيّة التامّة العامّة المطلقة، المقتضية للأفضلية التامة المطلقة وهي التي تمنّتها عائشة لأبيها!! وحفصة لأبيها!! وأنس

____________________

(١). تاريخ دمشق ٢ / ١١١ رقم: ٦١٤.


لسعد أو غيره من الأنصار!!

١٩ - تكرار النبيّ الدعاء واجتهاده فيه

وقد اتّفقت الأخبار على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كرّر دعائه وطلبه من الله تعالى أنْ يأتيه بأحبّ الخلق إليه بل في بعضها: « واجتهد النبيّ في الدعاء »

وهكذا يكشف عن أن لمطلوبه شأناً عظيماً ومرتبةً عاليةً فاللازم بحكم العقل أن تكون صفة « الأحبيّة » المذكورة في دعائه المتكرّر صفةً جليلةً تكشف عن مقام صاحبها

٢٠ - قيام النبيّ لدى دخول علي وضمّه إليه

وفيما رواه الحافظ ابن مردويه عن أنس: « قال أنس: فرفع علي يده، فوكز على صدري ثمّ دخل، فلمـّا نظر إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام قائماً فضمّه إليه وقال: يا ربّ وإليَّ، يا ربّ وإليَّ، ما أبطأ بك يا علي! ».

وهذه قرائن اُخرى على أنّ هذه « الأحبيّة » شرف عظيم شاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إظهاره وإثباته لأمير المؤمنينعليه‌السلام باهتمام بالغ

٢١ - فلمـّا رآه تبسَّم وقال: الحمد لله

وهكذا في رواية النجار وبعض العلماء الكبار عن أنس: « قال: فدخل، فلمـّا رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تبسَّم ثمّ قال: الحمد لله الذي جعلك. فإنّي أدعو في كلّ لقمة أن يأتيني أحبّ الخلق إليه وإليّ، فكنت أنت ».

فما كلّ هذا لو كانت « الأحبيّة » في الأكل فقط!!


٢٢ - غضبه على أنس لردّه عليّا ً

وفي رواية ابن مردويه عنه أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ما أبطأ بك يا علي؟. قال: يا رسول الله قد جئت ثلاثاً، كلّ ذلك يردّني أنس. قال أنس: فرأيت الغضب في وجه رسول الله وقال: يا أنس ما حملك على ردّه؟ قلت: يا رسول الله، سمعتك تدعو، فأحببت أن تكون الدعوة في الأنصار. قال: لست بأوّل رجل أحبّ قومه. أبى الله يا أنس إلّا أن يكون ابن أبي طالب ».

فلماذا الغضب من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو على خُلقٍ عظيم؟! ألأمرٍ جزئي لا يعبؤ به؟! ولما ذا ذاك السّرور والاستبشار من حضور أحبّ الخلق إلى الله وإليه؟! ألأمرٍ جزئي لا يعبؤ به؟!

٢٣ - قوله: أبى الله يا أنس إلّا أنْ يكون ابن أبي طالب

من الأدّلة الواضحة والبراهين الساطعة على أنّ هذه الأحبيّة تشريف خاص من الله لعلي بواسطتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن دون أن يكون لميله النفساني دخل في ذلك وإلّا لقال: يا أنس أما علمت أنّ علياً أحبُّ الخلق إليَّ في الأكل، لكونه مني بمنزلة ولدي، فلا يكون الدعاء إلّا فيه.

نعم يدل هذا الكلام من النبيّعليه‌السلام أن ذاك المقام كان من الله سبحانه، وأنّه لا ينال إلّا علياًعليه‌السلام فظهر بطلان ما سنذكره من تأويلي ( الدهلوي )

٢٤ - قوله له: علي أحبّ الخلق إلى الله

وفي رواية فخر الدين الهانسوي: « فآذنه النبيّ بالدخول وقال: ما أبطأ بك عنّي؟ قال: جئت فردّني أنس، ثمّ جئت الثانية والثالثة فردّني. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أنس ما حملك على هذا؟ قال: رجوت أن يكون


الدعاء لأحدٍ من الأنصار. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليّ أحبّ الخلق إلى الله. فأكل معه »(١) .

أي: كيف ترجو أن يكون الدعاء لأحد من الأنصار، وعليّ أحبّ الخلق إلى الله؟! وقد دعوت أن يأتيني بأحبّ خلقه إليه فبطل تأويل « الأحبيّة » إلى الأحبيّة في الأكل لأجل تضاعف لذّة الطّعام بل هي الأحبيّة التامة العامّة وبذلك تبطل التأويلات الأخرى كذلك

٢٥ - قوله في جوابه: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

وقال محمّد مبين اللكهنوي: « عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقدّم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. قال فقلت: اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار. فجاء علي، فقلت: إن رسول الله على حاجة، ثمّ جاء فقال رسول الله: افتح، فدخل. فقال رسول الله: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول الله، سمعت دعاءك، فأحببت أن يكون رجلاً من قومي. فقال رسول الله: الرجل قد يحب قومه. وفي بعض الروايات: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وهذا الحديث في المشكاة أيضاً برواية الترمذي »(٢)

أي: ليس لك أنْ ترجو أن يكون الذي دعوت الله أن يأتيني به رجلاً من قومك ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم إنّه لا يكون برجاء هذا وذاك بل ليس للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً دخل فيه إنّه بيد الله وفضلُ منه

____________________

(١). دستور الحقائق - مخطوط.

(٢). وسيلة النجاة: ٢٨.


٢٦ - قوله في جوابه: أوَ في الأنصار خير من علي؟!

قال وليّ الله اللكهنوي: « ووقع في روايةِ الطبراني، وأبي يعلى، والبزار بعد قوله فجاء عليرضي‌الله‌عنه فرددته، ثمّ جاء فرددته، فدخل في الثّالثة أو في الرابعة. فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما حبسك عنّي - أو ما أبطأ بك عنّي - يا علي؟ قال: جئت فردّني أنس، ثمّ جئت فردّني أنس. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أنس، ما حملك على ما صنعت؟ قال: رجوت أن يكون رجلاً من الأنصار. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أَوَفي الأنصار خير من عليّ، أو أفضل من علي؟ »(١) .

فإذن، ملاك « الأحبيّة » في حديث الطير هو « الأفضليّة » وأمير المؤمنينعليه‌السلام هو الأفضل من جميع المهاجرين والأنصار فهل تأويلها إلى ما ذكره ( الدهلوي ) إلّا مكابرة ولجاج؟ وهل يجنح إليه ويقبله إلّا من أعمته العصبيّة العمياء، وغلبت على قلبه البغضاء؟

٢٧ - قول أنس لعلي: إن عندي بشارة

وعن كتاب ( المعرفة ) لعبّاد بن يعقوب الرواجني وفي غير واحد من الكتب: « قال أنس: قلت: يا أبا الحسن استغفر لي فإنّ لي إليك ذنباً، وإنّ عندي بشارة. فأخبرته بما كان من دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فحمد الله واستغفر لي ورضي عنّي وأذهب ذنبي عنده بشارتي إيّاه ».

ففي هذا الحديث: إنّ أنساً طلب من أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يستغفر له ذنبه وهو ردّه إيّاه مرةً بعد مرةً، للحيلولة دون دخولهعليه‌السلام على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووعده - في مقابل الاستغفار له - أن يبشّره

____________________

(١). مرآة المؤمنين - مخطوط.


ببشارةٍ، وهي إخباره بما كان من دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك الواقعة.

فلو كانت « الأحبيّة » خاصّةً بالأكل معه لم يجعلها بشارة، لأنّ الأحبيّة على تقدير تقييدها بمحض الأكل الذي هو أمر حقير يسير، ممّا لا يصلح للإِعتناء حتّى يهنّأ به وصيّ البشير النذير

٢٨ - حديث الطير من خصائص علي عند سعد بن أبي وقاص

وروى الحافظ أبو نعيم عن سعد بن أبي وقاص قوله: « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في علي بن أبي طالب ثلاث خِصَالٍ: لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله وحديث الطير. وحديث غدير خم »(١) .

إنّ ( حديث الغدير ) و ( حديث الرّاية ) من أقوى الأدلّة الصريحة في خلافة الأميرعليه‌السلام ، فمقتضى السّياق - بغض النظر عن الوجوه الاُخرى - أن يكون حديث الطير كذلك وكيف يرضى العاقل البصير أن يكون مدلول حديث الطير الواقع في هذا السياق مجرّد الأحبيّة في الأكل لتضاعف لذّة الطعام؟

٢٩ - احتجاج الأمير بحديث الطير في الشورى

وفي حديث الشورى - الذي رواه: ابن عقدة، والحاكم، وابن مردويه، وابن المغازلي، والخطيب الخوارزمي، والكنجي - إنّ الإِمامعليه‌السلام احتجّ على القوم - فيما احتجّ به على أفضليته منهم وأحقيّته بالإِمامة - بحديث الطير -.

فحديث الطير كسائر أحاديث فضائلهعليه‌السلام ممّا يحتجّ به على

____________________

(١). حلية الأولياء - ترجمة ابن أبي ليلى ٤ / ٣٥٦.


الإِمامة والخلافة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لوضوح دلالته على أفضليّته كالأحاديث الأخرى.

ونقول - بقطع النظر عن أدلّة عصمة الأميرعليه‌السلام - إنّه لا يجوّز مسلم تطرّق الغلط في استدلاله، فإن تجويز ذلك في الشناعة بحيث جعله ( الدهلوي ) ووالده شاهداً على حمق قائله وجهله.

وأيضاً: فليس في حديث الشورى مطلقاً ما يدلّ على عدم تسليم القوم ما قاله بل إنّه ظاهر في قبولهم وإنْ أعرضوا عن ترتيب الأثر عليه ظلماً وعدواناً!!

وحينئذٍ، فإنّ جميع التأويلات التي ذكرها المكابرون ساقطة، وهلّا تبعوا أئمتهم في التسليم والقبول!! ولنعم ما قال الشيخ المفيد طاب ثراه:

« وشيء آخر وهو: أنّه لو احتمل معنى آخر لا يقتضي الفضيلة لأمير المؤمنينعليه‌السلام لما احتجّ به أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم الدار، ولا جعله شاهده على أنّه أفضل من الجماعة، وذلك أنّه لو لم يكن الأمر على ما وصفناه، وكان محتملا لما ظنّه المخالفون من أنّه سأل ربّه تعالى أن يأتيه بأحبّ الخلق إليه في الأكل معه، لما أمن أمير المؤمنينعليه‌السلام من أن يتعلَّق بذلك بعض خصومه في الحال، أو يشتبه ذلك على إنسان، فلمـّا احتجّ به أمير المؤمنينعليه‌السلام على القوم، واعتمده في البرهان، دلّ على أنّه لم يكن مفهوماً منه إلّا فضلهعليه‌السلام .

وكان إعراض الجماعة أيضاً بتسليم إدّعائه دليلاً على صحة ما ذكرناه، وهذا بعينه يسقط قول من زعم أنّه يجوز مع إطلاق النبيّعليه‌السلام ما يقتضي فضله عند الله تعالى على الكافّة وجود من هو أفضل منه في المستقبل، لأنّه لو جاز ذلك لما عدل القوم عن الاعتماد عليه، ولجعلوه شبهة في منعه ممّا ادّعاه من القطع على نقصانهم عنه في الفضل.

وفي عدول القوم عن ذلك دليل على أنّ القول مفيد بإطلاقه فضله،


ومؤمن بلوغ أحد منزلته في الثواب بشيء من الأعمال. وهذا بيّن لمن تدبّره »(١) .

٣٠ - حديث الطير من فضائل علي وخصائصه عند عمرو بن العاص

وفي كتاب ( مناقب علي بن أبي طالب ) لموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي: أنّ عمرو بن العاص كتب إلى معاوية كتاباً ذكر فيه مناقب لأمير المؤمنينعليه‌السلام وقد جاء حديث الطير ضمن تلك الفضائل والمناقب التي احتّج بها ابن العاص، لعلّو مقام الإِمام وسمّو مرتبة

وهل من المعقول أن يحتّج به ابن العاص لو كان معناه الأحبّ في الأكل فقط؟

إنّه لو لا دلالته التامّة على فضل الإِمامعليه‌السلام لما شهد به ابن العاص - المعاند له - في مقابل رئيس الفرقة الباغية وهذا أمر يعترف به من كان له أقل بصيرةٍ وإنصَاف

أقول:

فمن هذه الوجوه - ووجوه أُخرى لم نذكرها اختصاراً - لا يبقى أيّ ريب في عموم « الأحبيّة» الواردة في حديث الطير وبطلان تأويلات ( الدّهلوي ) ومن تقدّمة لهذا الحديث الشريف، لأجل صرفه عن الدلالة على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام فخلافته بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبالرغم من كفاية تلك الوجوه المتينة في الدلالة على ما ذكرنا، فإنّا نورد فيما يلي نبذة من الأحاديث الدالّة بوضوح على عموم أحبيّة سيدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، تأكيداً لفساد تخيّلات ( الدهلوي ) وغيره من المسوّلين

____________________

(١). الفصول المختارة من العيون والمحاسن: ٦٩.



الأخبار والآثار

في أنّ عليّاً أحبُّ الخلق مطلقا ً



من الأحاديث الصَّريحة في:

أنّ عليّاً أحبّ الخلق إلى الله والرّسول مطلقا ً

١ - روى الكنجي والبدخشاني عن الحافظ أبي نعيم في أربعينه والطبراني في الكبير، ومحبّ الدين الطبري عن الحافظ أبي العلاء الهمداني في أربعينه في المهدي كلّهم عن علي بن الهلال، عن أبيه، عن علي - واللّفظ للطبري - قال:

« دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحالة التي قبض فيها، فإذا فاطمة - رضي الله عنها - عند رأسه، فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طرفه إليها وقال: حبيبتي فاطمة، ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضّيعة من بعدك. فقال: يا حبيبتي، أما علمت أنّ الله تعالى اطّلع على أهل الأرض اطّلاعةً فاختار منها أباك فبعثه برسالته، ثمّ اطّلع اطّلاعة على أهل الأرض فاختار منها بعلك، وأوحى إليّ أن أنكحك إيّاه!

يا فاطمة: ونحن أهل بيتٍ قد أعطانا الله سبع خصالٍ لم يعط أحداً قبلنا، ولا يعطي أحداً بعدنا:

أنا خاتم النبيين وأكرمهم على الله عزّ وجلّ، وأحبّ المخلوقين إلى الله تعالى، وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ وهو بعلكِ،


وشهيدنا خير الشّهداء وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ وهو حمزة بن عبد المطلب عمّ أبيكِ وعمّ بعلكِ. ومنّا من له جناحان أخضران يطير بهما في الجنّة حيث يشاء مع الملائكة وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك. ومنّا سبطا هذه الاُمّة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيّدا شباب أهل الجنّة وأبوهما - والذي بعثني بالحق - خير منهما.

يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، إنّ منهما مهدي هذه الاُمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعت السّبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقّر كبيراً، يبعث الله عزّ وجلّ عند ذلك منها من يفتح حصون الضّلالة، وقلوباً غلفاً، يقوم بالدّين في آخر الزّمان كما قمت به في أوّل الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً »(١) .

فالنبيّ يصف عليّاً -عليه‌السلام - بقوله: « ووصيي خير الأوصياء وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ » ومن المعلوم أنّ الأوصياء السّابقين كانوا أنبياء فعليعليه‌السلام أحبّ إلى الله من أُولئك الأنبياء فمن زيدٌ هناك ومن عمرو؟!

فالحديث يدلّ على أحبيّة علي من الأنبياء بالدلالة المطابقية، وعلى أحبيّة من غيرهم بالأولويّة القطعيّة وهذا أيضاً مفاد حديث الطير، لأنّ الحديث يفسّر بعضاً.

٢ - روى السيد علي الهمداني: « عن أنس قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حدّثني جبرئيل عن الله عزّ وجلّ: إنّ الله يحب عليّاً ما لا يحبّ الملائكة ولا النبيّين ولا المرسلين، وما من تسبيح يسبّحه لله إلّا ويخلق الله ملكاً يستغفر لمحبيّه وشيعته إلى يوم القيامة »(٢) .

____________________

(١). البيان في أخبار صاحب الزمان: ٧. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ١٣٥. مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.

(٢). مودة القربى - ينابيع المودة: ٢٥٦.


فهل من تأمّل في أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام من الثلاثة؟!

٣ - روى الخطيب الخوارزمي بسنده من طريق محمّد بن جرير الطبري، عن عبد الله بن عمر قال: « سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وسئل بأيّ لغةٍ خاطبك ربّك ليلة المعراج فقال - خاطبني بلغة علي بن أبي طالب، فألهمني أنْ قلت: يا ربّ خاطبتني أم علي؟ فقال: يا أحمد، أنا شيء ليس كالأشياء، لا اُقاس بالناس، ولا اُوصف بالشبهات، خلقتك من نوري وخلقت علياً من نورك، فاطّلعت على سرائر قلبك فلم أجد أحداً في قلبك أحبّ إليك من علي بن أبي طالب، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئنُّ قلبك »(١) .

ورواه نور الدين جعفر البدخشي في ( خلاصة المناقب ) مرسلاً.

وعلى ضوء هذا الحديث يتضّح فساد تأويلات ( الدهلوي ) وأنّ حديث الطّير من البراهين السّاطعة على أفضليّة مولانا أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسّلام.

ومن لطائف هذا المقام: أنّ السيد علي بن أحمد بن معصوم المدني طاب ثراه يروي هذا الحديث الشريف بسند أكثره من رواية الأبناء عن الآباء حيث يقول:

« حدّثنا والدي الأجل أحمد نظام الدين، عن والده السيد الجليل محمّد معصوم، عن شيخه المحقق المولى محمّد أمين الأسترآبادي، عن شيخه طراز المحدّثين الميرزا محمّد الأسترآبادي، عن السيّد أبي محمّد محسن قال: حدّثني أبي علي شرف الآباء، عن أبيه منصور غياث الدّين أستاذ البشر، عن أبيه محمّد صدر الحقيقة، عن أبيه منصور غياث الدين، عن أبيه محمّد صدر الدين، عن أبيه إبراهيم شرف الملّة، عن أبيه محمد صدر الدين، عن أبيه إسحاق عزّ الدين، عن أبيه علي ضياء الدين، عن أبيه عربشاه

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٣٧.


زين الدين، عن أبيه أبي الحسن الأمير نجيب الدين، عن أبيه الأمير خطير الدين، عن أبيه أبي علي الحسن جمال الدين، عن أبيه أبي جعفر الحسين العزيزي، عن أبيه أبي سعيد علي، عن أبيه أبي إبراهيم زيد الأعثم، عن أبيه أبي شجاع علي، عن أبيه أبي عبد الله محمّد، عن أبيه علي، عن أبيه أبي عبد الله جعفر، عن أبيه أحمد السكّين، عن أبيه جعفر، عن أبيه أبي جعفر محمّد، عن أبيه زيد الشهيد، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين سيّد الشهداء، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال:

سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول - وقد سئل بأيّ لغةٍ خاطبك ربّك ليلة المعراج قال -: خاطبني بلسان علي، فألهمني أنْ قلت

توضيح : أقول: هذا الحديث الشريف رواه أيضاً أبو المؤيد الموفق بن أحمد الخوارزمي المعروف بأخطب خوارزم

واللّغة كاللسان كما تطلق على ما يعبّر به كلّ قوم عن أغراضهم، كلغة العرب ولغة العجم، تطلق على ما يعبّر به الإِنسان الواحد عن غرضه، من النطق وتقطيع الصّوت، الذين يمتاز بهما الأشخاص بعضها عن بعض، ويعبّر عنها باللهجة، فقول السائل في الحديث: بأيّ لغة خاطبك ربّك؟ يحتمل المعنيين. و قوله: خاطبني بلسان علي - أو بلغة علي كما في رواية الخوارزمي - مراد به المعنى الثاني، وهو يتضمن الجواب عن المعنى الأول أيضاً إنْ كان مرادا، لأنّ لغة عليعليه‌السلام كانت عربيّة. وقاس الشيء بالشيء قدّره به، أي جعله على مقداره. والشبهات جمع شبهة كغرفة وغرفات قال في القاموس: الشبهة بالضم الالتباس والمثل انتهى. وإرادة المعنى الثاني هنا أظهر. أي لا أوصف بالأمثال، وإن كان المعنى الأول أيضاً ظاهراً »(١) .

٤ - أخرج الترمذي: « حدّثنا محمّد بن بشّار ويعقوب بن إبراهيم وغير

____________________

(١). التذكرة - مخطوط.


واحد قالوا: نا أبو عاصم، عن أبي الجراح قال: ثني جابر بن صبيح قال: حدّثتني أم شراحيل قالت: حدّثتني أم عطيّة قالت: بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جيشاً فيهم علي. قالت: فسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو رافع يديه يقول: اللّهم لا تمتني حتى تريني عليّاً هذا حديث غريب حسن، إنّما نعرفه من هذا الوجه »(١) .

ورواه الفقيه ابن المغازلي حيث قال: « قولهعليه‌السلام : لا تمتني حتى تريني وجه علي. أخبرنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن العباس البزاز قال: أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن محمّد المحاملي، نا علي بن مسلم، نا أبو عاصم قال: حدّثني أبو الجراح »(٢) .

ورواه الخطيب الخوارزمي بسنده عن الحافظ البيهقي قال: « أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمر قالا: حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم الطرسوسي، قال: حدّثنا أبو عاصم النبيل »(٣) .

ورواه الكنجي الشّافعي بسنده عن الترمذي قال: « هذا حديث عال، أخرجه أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي في صحيحه، ووقع إلينا عاليا من غير هذا الطريق، لكن اقتصرنا على هذا لشهرته عند أهل النقل »(٤) .

ورواه الزرندي عن اُم عطيّة(٥) .

وكذا حسام الدين(٦) والبدخشاني(٧) عن الترمذي.

____________________

(١). صحيح الترمذي ٥ / ٦٠١.

(٢). مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام : ١٢٢.

(٣). مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام : ٣٠.

(٤). كفاية الطالب: ١٣٣.

(٥). نظم درر السمطين: ١٠٠.

(٦). مرافض الروافض - مخطوط.

(٧). مفتاح النجا - مخطوط.


وهل في دلالته على الأحبيّة المطلقة العامّة ريب؟!

٥ - قال الحافظ محبّ الدين الطبري تحت عنوان « ذكر أنّه أحبّ الخلق إلى الله تعالى بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » بعد أن روى حديث الطير:

« وعن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال: إنّ علياً دخل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام إليه وعانقه وقبّل ما بين عينيه، فقال له العباس: أتحبّ هذا يا رسول الله؟ فقال: يا عم، والله لله أشدّ حبّا له منّي. أخرجه أبو الخير القزويني(*) »(١) .

وكرّر روايته في « ذكر أن الله تعالى جعل ذريّته في صلب علي »(٢) .

وقد بلغت دلالة هذا الحديث في الوضوح حدّاً حتى ذكره الطبري تحت عنوان « ذكر أنّه أحبّ الخلق إلى الله » كما نصَّ محمّد بن إسماعيل وغيره على دلالته على ذلك.

فهذا هو الحديث، وهذه تصريحات المحقّقين من أهل السنّة فقل ما يقتضيه الإنصاف في تأويلات المنحرفين؟!

٦ - روى الخطيب الخوارزمي قائلاً: « أنبأني أبو العلاء الحافظ الحسن ابن أحمد العطار الهمداني قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المقري قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ قال: حدّثنا حبيب بن الحسن قال: حدّثنا عبد الله بن أيوب القربي قال: حدّثنا زكريا بن يحيى المنقري قال: حدّثنا إسماعيل بن عبّاد المدني، عن شريك عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عند زينب بنت جحش فأتى بيت أم سلمة - وكان يومها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فلم يلبث أن جاء علي فدقّ الباب دقّاً خفيفاً، فاستثبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدقّ

____________________

(١). ذخائر العقبى: ٦٢.

(٢). ذخائر العقبى: ٦٧.

(*). هو: أحمد بن إسماعيل المتوفى سنة: ٥٨٩ أو ٥٩٠. ترجم له في سير أعلام النبلاء ٢١ / ١٩٠.


فأنكرته اُمّ سلمة. قال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قومي فافتحي له الباب. فقالت: يا رسول الله من هذا الذي بلغ من خطره ما أفتح له الباب فأتلقاه بمعاصمي، وقد نزلت فيّ آية من كتاب الله بالأمس!! فقال - كالمغضب - إن طاعة الرّسول طاعة الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله! إنّ بالباب رجلا ليس بالنزق ولا الخرق، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. ففتحت له الباب، فأخذ بعضادتي الباب حتى إذا لم يسمع حسّاً ولا حركة، وصرت إلى خدري استأذن فدخل.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتعرفينه؟ قلت: نعم، هذا علي بن أبي طالب. قال: صدقت. سجيّته من سجيّتي، ولحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو عيبة علمي.

إسمعي واشهدي: هو قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي.

إسمعي واشهدي: لو أنَّ عبداً عبد الله ألف عام من بعد ألف عام بين الركن والمقام، ثمّ لقى الله مبغضاً لعلي لأكبَّه الله يوم القيامة على منخريه في نار جهنم »(١) .

ولا يخفى: أن هذه الصّفات التي ذكرها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما ذكرها جواباً لسؤال اُمّ سلمة « من هذا الذي بلغ من خَطَره »؟ فلا يعقل أنْ يكون قوله « يحبّه الله ورسوله » إلّا بمعنى « الأحبيّة»، لأنّ كلّ مؤمن يحبّه الله ورسوله، فلا بدّ أن يكون قوله في حق علي لإفادة معنى الأحبيّة العامة المطلقة وهذا هو المطلوب.

٧ - روى الخطيب الخوارزمي قائلاً: « وأنبأني مهذّب الأئمة هذا قال أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن علي بن أبي عثمان الدّقاق قال: أخبرنا أبو المظفر هنّاد بن إبراهيم النسفي قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن يوسف بن

____________________

(١). مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام : ٤٣.


محمّد بن الحجاج الطبري - بسارية طبرستان - قال: حدّثنا أبو عبد الله الحسين ابن جعفر بن محمّد الجرجاني قال: حدّثنا أبو عيسى إسماعيل بن إسحاق بن سليمان النّصيبي قال: حدّثنا محمّد بن علي الكفرثوثي قال: حدّثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:

صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة العصر وأبطأ في ركوعه في الركعة الأولى، حتى ظنّ أنّه قد سهى وغفل، ثمّ رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ثمّ أوجز في صلاته، ثمّ أقبل علينا بوجهه كأنّه القمر ليلة البدر في وسط النجوم، ثمّ جثى على ركبتيه وبسط قائمه حتى تلألأ المسجد بنور وجهه، ثمّ رمى بطرفه إلى الصفّ الأوّل يتفقَّد أصحابه رجلاً رجلاً، ثمّ رمى بطرفه إلى الصفّ الثّاني، ثمّ رمى بطرفه إلى الصف الثّالث، يتفقّدهم رجلاً رجلاً، ثمّ كثرت الصّفوف على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال:

ما لي لا أرى ابن عمّي علي بن أبي طالب، يا ابن عمّي، فأجابه علي من آخر الصفوف وهو يقول: لبّيك لبّيك يا رسول الله. فنادى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأعلى صوته: اُدنُ منّي يا علي. فما زال علي يتخطّى أعناق المهاجرين والأنصار حتى دنا المرتضى إلى المصطفى، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما الذي خلَّفك عن الصفّ الأوّل؟ قال: شككت أنّي على غير طهر، فأتيت منزل فاطمة فناديت يا حسن يا حسين يا فضّة، فلم يجبني أحد، فإذا بهاتف يهتف بي من ورائي وهو ينادي: يا أبا الحسن يا ابن عمّ النبيّ، إلتفتْ، فالتفتُّ، فإذا بسطلٍ من ذهب وفيه ماء وعليه منديل، فأخذت المنديل ووضعته على منكبي الأيمن وأومأت إلى الماء، فإذا الماء يفيض على منكبي، فتطّهرت وأسبغت الطهر، ولقد وجدته في لين الزبد وطعم الشهد ورائحة المسك، ثمّ التفتّ ولا أدري من وضع السّطل والمنديل، ولا أدري من أخذه.

فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجهه وضمّه إلى صدره،


فقبَّل ما بين عينيه ثمَّ قال: يا أبا الحسن ألا أُبشّرك، إنّ السّطل من الجنّة والماء والمنديل من الفردوس الأعلى، والذي هيّأك للصّلاة جبرئيل، والذي مندلك ميكائيل. والذي نفس محمّد بيده ما زال إسرافيل قابضا بيده على ركبتي حتى لحقت معي الصّلاة.

أفيلومني الناس على حبّك، والله تعالى وملائكته يحبّونك فوق السماء؟! »(١) .

٨ - روى الحافظ الدار قطني: « ثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد بن بشر البجلي الكوفي، ثنا علي بن الحسين بن عتبة، ثنا إسماعيل بن أبان، ثنا عبد الله بن مسلم الملائي، عن أبيه، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة قالت: لمـّا حضر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الموت قال: ادعوا لي حبيبي، فدعوت له أبا بكر فنظر إليه ثمّ وضع رأسه، فقال: ادعوا لي حبيبي، فدعوت له عمر فنظر إليه ثمّ وضع إليّ رأسه، فقال: ادعوا لي حبيبي فقلت: ويلكم ادعوا لي علي بن أبي طالب، فو الله ما يريد غيره. فلمـّا رآه أخرج الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه »(٢) .

ورواه الخوارزمي: « أخبرني الشّيخ الإِمام شهاب الدين أبو النجيب سعد ابن عبد الله بن الحسن الهمداني - فيما كتب إليَّ من همدان - أخبرنا الحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد باصبهان - فيما أذن لي في الرواية عنه - قال: أخبرنا الشيخ الأديب أبو يعلى عبد الرزاق بن عمر بن إبراهيم الطبراني - سنة ٤٧٣ - قال: أخبرنا الإِمام الحافظ طراز المحدّثين أبو بكر أحمد ابن موسى بن مردويه الأصبهاني.

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٢١٥.

(٢). الأفراد للدار قطني.


وبهذا الإِسناد قال أبو النجيب سعد بن عبد الله الهمداني المعروف بالمروزي قال: وأخبرنا بهذا الحديث الإِمام الحافظ سليمان بن إبراهيم الأصبهاني - في كتابه إليّ من أصبهان سنة ٤٨٨ - عن أبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه. قال:

حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد بن حمّاد قال: حدّثنا القاسم بن علي بن منصور الطائي قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان »(١) .

والكنجي: « أخبرنا أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد بن الحسن الصالحي، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي، أخبرنا أبو غالب ابن البنّاء، أخبرنا أبو الغنائم ابن المأمون، أخبرنا إمام أهل الحديث أبو الحسن الدار قطني

قلت : رواه محدّث الشام في كتابه كما أخرجناه قال قال الدار قطني: تفرّد به مسلم الملّائي، وهو قريب في مثل هذا »(٢) .

ورواه محمّد باكثير المكّي عن الدار قطني عن عائشة(٣) .

ومحبّ الدين الطبري(٤) وإبراهيم الوصّابي(٥) : عن التّمام الرازي في فوائده، عن عائشة.

وشهاب الدين أحمد، عن المحبّ الطبري، عن الرازي. وعن الصالحاني، عن سليمان الحافظ الأصبهاني، عن ابن مردويه عن عائشة(٦) .

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٢٨.

(٢). كفاية الطالب: ٢٦٢.

(٣). وسيلة المآل - مخطوط.

(٤). ذخائر العقبى: ٧٢.

(٥). الاكتفاء - مخطوط.

(٦). توضيح الدلائل - مخطوط.


وأخرجه الحافظ أبو يعلى من حديث عبد الله بن عمرو باللفظ التالي:

« ثنا كامل بن طلحة، ثنا ابن لهيعة، حدّثني حي بن عبد الله المغازي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في مرضه: ادعوا لي أخي، فدعوا له أبا بكر فأعرض عنه، ثمّ قال: ادعوا لي أخي فدعوا له عمر فأعرض عنه، ثمّ قال: ادعوا لي أخي فدعي له عثمان فأعرض عنه، ثمّ قال: ادعوا لي أخي، فدعي له علي بن أبي طالب، فستره بثوب وأكبّ عليه، فلمـّا خرج من عنده قيل له: ما قال؟ قال: علّمني ألف باب كلّ باب يفتح ألف باب »(١) .

ويفيد هذا الحديث بطرقه - فيما بعد - أنّ الثلاثة ما كانوا في نظر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصداقاً لقوله « حبيبي » أو « أخي » حتى قامت عائشة لأئمة الحاضرين: « ويلكم ادعوا له علي بن أبي طالب » إنّ « حبيبه » و « أخاه » ليس إلّا أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسّلام فهو الأحبّ إليه والأقرب عنده من جميع الخلائق، فهو الأفضل

فهل في سقوط تأويلات ( الدهلوي ) شكّ وريب!!

____________________

(١). العلل المتناهية ١ / ٢٢١، رقم: ٣٤٧.


من أقوال الصحابة الصَّريحة في:

أنّ علّياً أحبُّ النّاس إلى النبيّ

وكما كانت الأحاديث الواردة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صريحةً في الدلالة على أنّ علياًعليه‌السلام كان أحبّ الخلق عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... كذلك الآثار التي يروونها عن الصّحابة فإنّها صريحة في أن هذا الأمر كان مفروغاً عنه ومتسالماً عليه بينهم سمعوه من النّبيّ وفهموه من أحواله وسيرته

قول أبي ذر الغفاري

عن معاوية بن ثعلبة قال: « جاء رجل إلى أبي ذر - وهو في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فقال: يا أبا ذر، ألا تحدّثني بأحبّ الناس إليك! فو الله لقد علمت أنّ أحبّهم إليك أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال: أجل والذي نفسي بيده: إنّ أحبّهم إليَّ أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو ذلك الشيخ. وأشار إلى علي ».

رواه الخوارزمي بسنده عن البيهقي عن معاوية بن ثعلبة(١) .

والمحبّ الطبري(٢) وإبراهيم الوصابي(٣) عن الملّا في سيرته عنه

وشهاب الدين أحمد، عن الطبري، عن الملّا(٤) .

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٢٩.

(٢). الرياض النضرة ٣ / ١١٦، ذخائر العقبى: ٦٢.

(٣). الاكتفاء - مخطوط.

(٤). توضيح الدلائل - مخطوط.


وهل يجوّز عاقل تخصيص هذه « الأحبيّة » بالأحبيّة في الأكل وما شابه؟ وما الدليل على ذلك؟

قول بريدة

أخرج الحاكم قائلاً: « حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، حدّثنا العباس بن محمّد الدوري، حدّثنا شاذان الأسود بن عامر، حدّثنا جعفر بن زياد الأحمر، عن عبد الله بن عطا، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:

كان أحبّ النساء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة ومن الرجال علي.

هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه »(١) .

ورواه المولوي مبين عن الحاكم(٢) .

وروى البدخشاني، عن الترمذي، عن بريدة قال: « كان أحبّ الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة ومن الرّجال علي »(٣) .

قول عائشة

١ - روى الكنجي: « أخبرنا الحافظ محمّد بن محمود - ببغداد - ويوسف ابن خليل - بحلب - وخالد بن يوسف - بدمشق - وغيرهم، قالوا جميعاً: أخبرنا حجّة العرب زيد بن الحسن الكندي، أخبرنا القزاز، أخبرنا إمام أهل الحديث أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ، أخبرنا أبو منصور محمّد بن محمّد ابن عثمان السوّاق، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي طالب الكاتب، حدّثنا محمّد بن جرير الطبري، حدّثنا محمّد بن عيسى الدّامغاني، حدّثني يسع بن

____________________

(١). المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٥٥. ووافقه الذهبي.

(٢). وسيلة النجاة: ٢٧.

(٣). مفتاح النجا - مخطوط.


عدي، حدّثنا شاه بن الفضل، عن أبي المبارك، عن حيوة بن شريح بن هاني، عن أبيه، عن عائشة قالت:

ما خلق الله خلقاً أحب إلى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - من علي ابن أبي طالب »(١) .

فهذا الحديث الذي رواه الحفّاظ عن الحافظ الطبري، بسنده عن عائشة، نصّ صريح فيما يدلّ عليه حديث الطير من « الأحبيّة » العامّة المطلقة، فلا مجال لشيء من التأويلات الفاسدة.

٢ - أخرج التّرمذي: « حدّثنا حسين بن يزيد الكوفي، نا عبد السلام بن حرب، عن أبي الجحاف، عن جميع بن عمير التيمي قال: دخلت مع عمتي على عائشة فسئلت: أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، أن كان - ما علمت - صوّاماً قوّاماً. هذا حديث حسن غريب »(٢) .

وأخرجه الحاكم بسنده عن عبد السلام بن حرب(٣) .

وعن الترمذي: ابن الأثير(٤) ومحبّ الدين الطّبري(٥) وشهاب الدين أحمد(٦) والعيدروس(٧) والوصّابي(٨) والبدخشاني(٩) .

إنّ هذه « الأحبيّة » عامّة قطعاً ولو كان هناك غير فاطمة وعلي لذكرته

____________________

(١). كفاية الطالب: ٣٢٤.

(٢). صحيح الترمذي ٥ / ٦٥٨.

(٣). المستدرك ٣ / ١٥٧.

(٤). أَسد الغابة ٥ / ١٥٧.

(٥). الرياض النضرة ٣: ١١٥، ذخائر العقبى.

(٦). توضيح الدلائل - مخطوط.

(٧). العقد النبوي - مخطوط.

(٨). الاكتفاء - مخطوط.

(٩). مفتاح النجا - مخطوط.


عائشة قطعاً

٣ - أخرج الحاكم: « حدّثنا أبو بكر محمّد بن علي الفقيه الشاشي، حدّثنا أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ، حدّثنا علي بن سعيد بن بشير، عن عبّاد بن يعقوب، حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جميع بن عمير قال:

دخلت مع أُمي على عائشة فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسألها عن علي فقالت: تسأليني عن رجلٍ - والله - ما أعلم رجلاً كان أحبّ إلى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - منه ولا امرأة من الأرض كانت أحبّ إلى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - من امرأته. هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه »(١) .

ورواه المولوي مبين عن الحاكم كذلك(٢) .

وأخرجه النّسائي بسنده عن أبي إسحاق الشيباني(٣) وكذا أبو يعلى الموصلي(٤) وكذا الخطيب الخوارزمي(٥) .

ورواه الحافظ المحبّ الطبري عن الحافظين المخلّص الذهبي وأبي القاسم الدمشقي، عن عائشة(٦) .

وشهاب الدين أحمد، عن المحبّ عنهما، عن عائشة(٧) .

والمولوي ولي الله عن النسائي(٨) .

____________________

(١). المستدرك ٣ / ١٥٤.

(٢). وسيلة النجاة: ٢٨.

(٣). الخصائص: ٢٩.

(٤). المسند

(٥). مناقب أمير المؤمنين: ٣٧.

(٦). ذخائر العقبى: ٦٢، الرياض النضرة ٣ / ١١٦.

(٧). توضيح الدلائل - مخطوط.

(٨). مرآة المؤمنين - مخطوط.


إذن لا أحبَّ إلى الله والرسول من أمير المؤمنينعليه‌السلام وباعترافٍ من عائشة و « الأحبيّة » أحبيّة مطلقة

٤ - روى الحافظ الزرندي بقوله: « ويروى أنّ امرأة من الأنصار قالت لعائشة رضي الله عنها: أيّ أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: علي بن أبي طالب »(١) .

ورواه شهاب الدين أحمد عن الزرندي(٢) .

٥ - روى الزرندي: « عن جميع بن عمير قال: دخلت على عائشة فسألتها: من كان أحبّ الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: فاطمة. قلت: لست أسألكِ عن النساء، إنّما أسألكِ عن الرجال! فقالت: زوجها »(٣) .

وكذا رواه الابشيهي(٤) .

٦ - روى المتّقي: « عن عروة قال: قلت لعائشة: من كان أحبّ الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: علي بن أبي طالب. قلت: أيّ شيء كان سبب خروجك عليه؟ قالت: لِمَ تزوَّج أبوك أمك؟ قلت: ذلك من قدر الله. قالت: وكان ذلك من قدر الله. ن »(٥) .

٧ - روى المحبّ الطبري، وإبراهيم بن عبد الله الوصّابي: « عن معاذة الغفارية قالت: كان لي اُنس بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أخرج معه في الأسفار وأقوم على المرضى واُداوي الجرحى، فدخلت إلى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - في بيت عائشة وعلي خارج من عنده وسمعته يقول:

____________________

(١). نظم درر السمطين: ١٠٢.

(٢). توضيح الدلائل - مخطوط.

(٣). نظم درر السمطين: ١٠٢.

(٤). المستطرف من كل فن مستظرف ١ / ١٣٧.

(٥). كنز العمال ١١ / ٣٣٤، رقم ٣١٦٧٠ وفيه: ( ز ).


يا عائشة، إنّ هذا أحبّ الرجال إليَّ وأكرمهم عليَّ، فاعرفي له حقّه وأكرمي مثواه، [ فلمـّا أن جرى بينها وبين علي بالبصرة ما جرى رجعت عائشة إلى المدينة، فدخلت عليها فقلت لها: يا اُم المؤمنين كيف قلبك اليوم بعد ما سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لكِ فيه ما قال؟ قالت معاذة قالت: كيف يكون قلبي لرجلٍ كان إذا دخل عليَّ وأبي عندنا لا يملّ من النظر إليه، فقلت: يا أبة إنّك لتديم النظر إلى عليّ! فقال: يا بنيّة، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: النظر إلى وجه علي عبادة ]. أخرجه الخجندي(*) »(١) .

وإنّ هذه الأحاديث لتقلع أساس جميع التأويلات والتسويلات لا سيّما وأنّها عن عائشة التي جرى منها على أمير المؤمنينعليه‌السلام ما جرى وكان منها ما كان!! ولكن مع ذلك كلّه وبالإِضافة إليه نورد عنها الحديث التّالي:

٨ - أخرج أحمد: « ثنا أبو نعيم، حدّثنا يونس، ثنا عمرو بن حريث قال:

قال النّعمان بن بشير: إستأذن أبو بكر على رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: والله لقد عرفت أنّ عليّاً أحبّ إليك من أبي - ثلاثاً -. فاستأذن أبو بكر فدخل فأهوى إليها وقال لها: يا بنت اُم رومان لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله صلّى الله عليه! »(٢) .

وأخرجه النسائي: « أخبرني عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال: أنبأنا عمرو بن محمّد قال: أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن عمرو بن حريث، عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمع

____________________

(١). الرياض النضرة ٣ / ١١٦، الاكتفاء - مخطوط.

(*) وهو: ابو بكر محمد بن عبد اللطيف الاصفهاني الشافعي المتوفى سنة: ٥٥٢. سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٣٨٦.

(٢). مسند أحمد ٤ / ٢٥٧.


صوت عائشة عالياً وهي تقول: والله لقد علمت أنّ عليّا أحبّ إليك من أبي. فأهوى أبو بكر ليلطمها وقال: يا بنت فلانة، أراكِ ترفعين صوتكِ على رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فأمسكه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخرج أبو بكر مغضباً، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عائشة كيف رأيتني أنقذتك من الرجل! ثمّ استأذن أبو بكر بعد ذلك، وقد اصطلح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعائشة فقال: أدخلاني في السّلم كما أدخلتماني في الحرب. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد فعلنا »(١) .

وقال الحافظ ابن حجر: « أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، بسندٍ صحيح، عن النعمان بن بشير قال: إستأذن أبو بكر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول: والله لقد علمت أنّ عليّاً أحبّ إليك من أبي »(٢) .

تنبيهات على بطلان دعاوى وتأويلات

لقد كانت تلك ثلّة من الأحاديث والآثار الواضحة الدلالة على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق لدى الله ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلقاً لا سيّما ما كان منها عن عائشة مع انحرافها عن الإِمامعليه‌السلام ومن هنا صرّح العلّامة جلال الدين الخجندي - بالنسبة إلى أحاديث عائشة ومعاذة الغفارية وأبي ذر الغفاري - بأنّ هذه الأحاديث لدلالتها على أحبيّة عليعليه‌السلام تعاضد حديث الطير وتؤيّده، ونصَّ العلّامة محمّد ابن إسماعيل الأمير على أنّ الأخبار المذكورة دليل على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... كما سنقف

____________________

(١). الخصائص: ٢٨.

(٢). فتح الباري ٧ / ١٨.


عليه فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.

ولكنَّ من القوم من سوّلت له نفسه لأنْ يدّعي المعارضة بين ذلك، وبين ما رووه من أحبيّة عائشة وأبيها فيجمع بينهما بحمل ما ورد في علي والزهراءعليهما‌السلام على الأحبيّة النسبيّة فلننقل كلامه ونبيّن ما فيه:

كلام المحبّ الطبري وبطلانه

لقد جاء في ( الرّياض النضرة ): « ذكر اختصاصه بأحبيّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

عن عائشة: سُئلت: أيّ الناس أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: فاطمة. فقيل: من الرّجال؟ قالت: زوجها، أنْ كان - ما علمت - صوّاماً قوّاماً. أخرجه الترمذي. وقال: حسن غريب.

وعنها - وقد ذكر عندها علي فقالت: ما رأيت رجلاً كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا امرأة أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من امرأته. خرّجه المخلّص والحافظ الدمشقي.

وعن معاذة الغفارية قالت: كانت لي اُنس بالنبيّ -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أخرج معه في الأسفار وأقوم على المرضى واُداوي الجرحى، فدخلت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت عائشة - وعليرضي‌الله‌عنه خارج من عنده - فسمعته يقول: يا عائشة، إنّ هذا أحبّ الرجال وأكرمهم عليَّ، فاعرفي له حقّه وأكرمي مثواه. خرّجه الخجندي.

وعن مجمع قال: دخلت مع اُمي على عائشة فسألتها عن أمرها يوم الجمل فقال: كان قدراً من قدر الله. وسألتها عن علي فقالت: سألت عن أحبّ الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وزوجه أحبّ الناس كانت إليه.

وعن معاوية بن ثعلبة قال: جاء رجل إلى أبي ذر - وهو في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فقال: يا أبا ذر، ألا تخبرني بأحبّ الناس إليك، فإني


أعلم أنّ أحبّ الناس إليك أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: إي وربّ الكعبة، أحبّهم إليَّ أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هو ذاك الشيخ. وأشار إلى علي. خرّجه الملّا في سيرته.

وقد تقدَّم لأبي بكر مثل هذه في المتّفق عليه.

فيحمل هذا على أنّ علياً أحبّ الناس إليه من أهل بيته، وعائشة أحبّ إليه مطلقاً، جمعاً بين الحديثين. ويؤيّده ما رواه الدولابي في الذريّة الطاهرة: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لفاطمة: أنكحتك أحبّ أهل بيتي إليَّ.

خرّجه عبد الرزاق، ولفظه: أنكحتك أحبّ أهلي إليَّ »(١) .

وقلّده الوصّابي صاحب ( الاكتفاء ) فيما قال.

أقول:

إنّ حمل أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام على الأحبيّة النّسبية - بأيّ معنىً كانت - حمل باطل، تدفعه الأحاديث التي ذكرناها والآثار التي أوردناها، خصوصاً ما كان منها عن عائشة فإنّ هذه الأحاديث والآثار لا تقبل التأويل بشكلٍ من الأشكال

على أنّ تخصيص أحبيّة الإِمامعليه‌السلام بأنّها بالنسبة إلى أهل البيتعليهم‌السلام - على تقدير تسليمه - لا يضرّ بما نقوله، لأنّ مقتضى الأحاديث المعتبرة الكثيرة - كحديث الثقلين، وحديث السّفينة، وأمثالهما ممّا رواه القوم ومنهم المحبّ الطبري نفسه - وكذا الأحاديث الواردة في أفضليّة بني هاشم من سائر قريش، وهي أيضاً أحاديث كثيرة معتبرة جداً(٢) هو أفضليّة أهل البيتعليهم‌السلام من جميع الناس على العموم. فمن كان الأفضل في أهل البيت - الذين هم أفضل الناس - كان أفضل الناس، بالأولوية القطعيّة

____________________

(١). الرياض النضرة في مناقب العشرة ٣ / ١١٥ - ١١٦.

(٢). اُنظر: الجزء ٥ ص ٣١٦ - ٣٢١ من كتابنا.


الواضحة.

والشواهد على هذا المعنى من كلام أكابر القوم كثيرة أيضاً، من ذلك ما رواه ملك العلماء الهندي عن الحافظ الزرندي: أنّه نقل عن إمام أهل السنّة أبي حنيفة:

« إنّه مرَّ يوماً في سكك بغداد، فرأى بعض أولاد السّادات يلعب بالجوز، فنزل من بغلته وأمر أصحابه بالنزول ومشى أربعين خطوة ثم ركب، وتوجّه إلى أصحابه فقال: من جال في قلبه أو ظهر على لسانه أنّه خير من صبي أو غلامٍ من أهل بيت رسول الله فهو عندي زنديق »(١) .

فانظر إلى حكم هذا الإِمام واحكم على طبقته بما شئت على من شئت.

وجوه ردّ حديث عمرو بن العاص

لكنا - مع كلّ هذا - نبرهن على أنّ الحديث الذي عارض به المحبّ الطبري تلك الأحاديث، - وهو حديث ابن العاص - باطل سنداً ودلالةً فلا معارضة، ولا موجب للحمل الذي زعمه وبطلانه من وجوه:

الوجه الأول:

إنّ حديث عمرو بن العاص خبر واحد تفرّد بنقله أهل السنّة، وما كان كذلك فليس بحجةٍ على الإِماميّة، إذ لو كانت أخبارهم حجة على الإِمامية فلِمَ لا تكون أخبار الإِماميّة حجةٍ عليهم كذلك ولقد أنصف ولي الله الدهلوي في كتابه ( قرّة العينين في تفضيل الشيخين ) حيث نصَّ على أنّه لا يجوز الإِحتجاج على الإِماميّة والزيديّة بأحاديث الصحيحين، فضلاً عن غيرها. وكذا

____________________

(١). هداية السعداء - مخطوط.


قال ولده ( الدهلوي ) في غير موضع من كتابه ( التحفة ).

فهذا الحديث - وإنْ كان في الصحيحين - ممّا لا يصلح الإحتجاج به أمام الإِماميّة.

الوجه الثاني:

إنَّ مدار هذا الحديث المزعوم المتفق عليه!! في الصحيحين على « خالد بن مهران الحذّاء » ففي البخاري:

« حدّثنا معلّى بن أسد، ثنا عبد العزيز بن مختار، ثنا خالد الحذّاء، عن أبي عثمان، ثني عمرو بن العاص: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قال فقلت: ثمّ من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدَّ رجالاً »(١) .

وفيه: « حدّثنا إسحاق قال: حدّثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذّاء، عن أبي عثمان: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثمّ من؟ قال: عمر. فعدَّ رجالاً، فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم »(٢) .

وفي مسلم: « حدّثنا يحيى بن يحيى قال: أنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذّاء، عن أبي عثمان قال: أخبرني عمرو بن العاص »(٣) .

فمدار الحديث على « خالد الحذّاء »، وهو مقدوح مطعون فيه: قال

____________________

(١). صحيح البخاري - باب مناقب أبي بكر ٣ / ٦٤.

(٢). صحيح البخاري - خبر غزوة ذات السلاسل ٣ / ٢٨٦.

(٣). صحيح مسلم - باب مناقب أبي بكر ٧ / ١٠٩.


الحافظ ابن حجر: « قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به »(١) . وقال أيضاً: « قد أشار حمّاد بن زيد إلى أن حفظه تغيّر لما قدم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السّلطان»(٢) .

الوجه الثالث:

إنّه حديث منقطع، لأنَّ خالداً لم يسمع عن أبي عثمان - وهو النهدي - شيئاً، قال ابن حجر: « قال عبد الله بن أحمد بن حنبل - في كتاب العلل - عن أبيه: لم يسمع خالد الحذّاء عن أبي عثمان النهدي شيئاً »(٣) .

الوجه الرّابع:

إنّ هذا الحديث يدل على أحبيّة عائشة من فاطمةعليها‌السلام ، فيبطله الأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة من طرقهم في شأن فاطمةعليها‌السلام ، الدالّة على أحبيّتها وأفضليّتها من عائشة وغيرها مثل: حديث: « فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة » و حديث: « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني » و حديث: « إنّما هي بضعة منّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها » إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى كثرةً(٤) .

فمن العجيب جدّاً دعوى المحبّ كون « عائشة أحبّ إليه مطلقاً » فإنّه قلّة حياء على أنّه لا يستقيم على اُصول السنّة أيضاً، لأنّ « الأحبيّة » دليل « الأفضلية »(٥) . فيلزم أن تكون أفضل من أبيها أبي بكر أيضاً. وهو كما ترى!!

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٣ / ١٠٤.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٢١٩.

(٣). تهذيب التهذيب ٣ / ١٠٥.

(٤). راجع أبواب فضائلها في الصحاح وغيرها.

(٥). هذا واضح جدّاً، وقد نصّ عليه العلماء، كالحافظ النووي بشرح حديث عمرو بن العاص من


الوجه الخامس:

عن أسلم بإسناد صحيح على شرط الشيخين: « إنّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وكان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم - فلمـّا بلغ ذلك عمر بن الخطّاب خرج، حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله، والله ما من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحدٍ أحبّ إلينا بعد أبيك منكِ، وأيم الله ما ذاك بمانعي إنْ اجتمع هؤلاء النفر عندكِ أنْ آمر بهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلمـّا خرج عمر جاءوها فقالت: أتعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقنَّ عليكم البيت، وأيم الله ليمضينّ لِما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فرأُوا رأيكم ولا ترجعوا إليَّ، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها، حتى بايعوا لأبي بكر »(١) .

ولو كان لحديث عمرو بن العاص أصل لم يكن وجه لما قاله عمر مع الحلف عليه.

الوجه السادس:

إنّه لو كان لهذا الحديث المفترى أصل، فلما ذا اعترفت عائشة بأحبيّة علي والزهراءعليهما‌السلام ؟ ولماذا لم تجب « جميع بن عمير » و « عروة بن الزبير » و « معاذة الغفاريّة » الذين عيّروها بخروجها على أمير المؤمنينعليه‌السلام بكونها هي وأبوها أحبّ النّاس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل قالت: إنّه كان قضاءً وقدراً من الله؟

____________________

( المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ) فراجعه.

(١). إزالة الخفا عن سيرة الخلفا. والحديث في كنز العمال ٥ / ٦٥١ رقم: ١٤١٣٨ عن ابن أبي شيبة.


من هنا يظهر أنْ حديث عمرو بن العاص ممّا اختلقته يداه، أو بعض الأيدي الحاقدة على أمير المؤمنينعليه‌السلام من العثمانية أو المروانيّة وإلّا لاحتجت به عائشة في هذه المواضع ونحوها لتبرير مواقفها وأقوالها

الوجه السابع:

لقد عرفت من الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي - بسندٍ صحيح كما اعترف ابن حجر - أن عائشة خاطبت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقولها: « والله لقد علمت أنّ عليا أحبّ إليك من أبي » وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقرّها على هذا ولم يجبها بشيء فما نسبه عمرو بن العاص في هذا الحديث إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذب.

كلام ابن حجر وإبطاله

نعم هو افتراء وكذب، وإنْ حاول الحافظ ابن حجر ترجيح حديث عمرو، أو الجمع بينهما - لأنّ حديث عمرو بن العاص صحيح في زعمه، لأنّه مخرج في الصحيحين - فقال ما نصه:

« أخرج أحمد وأبو داود والنّسائي - بسندٍ صحيح - عن النعمان بن بشير قال: إستأذن أبو بكر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول: والله لقد علمت أنّ عليا أحبّ إليك من أبي. الحديث. فيكون علي ممّن أبهمه عمرو بن العاص أيضا.

وهو وإنْ كان في الظاهر يعارض حديث عمرو، لكن يرجّح عمرو أنّه من قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا من تقريره.

ويمكن الجمع باختلاف جهة المحبّة، فيكون في حق أبي بكر على عمومه بخلاف علي، ويصح حينئذ دخوله فيمن أبهمه عمرو.

ومعاذ الله أن نقول - كما يقول الرافضة - من إبهام عمرو فيما روى، لما


كان بينه وبين علي رضي الله عنهما، فقد كان النعمان مع معاوية على علي وَلم يمنعه ذلك من الحديث بمنقب علي، ولا ارتياب في أنَّ عمراً أفضل من النعمان، والله أعلم »(١) .

أقول : لكنّها محاولة يائسة

أمّا ترجيح حديث عمرو لكونه من قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حديث النعمان، لكونه من تقريره، فصدور مثله من شيخ الإِسلام عند القوم غريب.

أمّا أوّلاً: فلأنَّ تقدم أحد المتعارضين لكونه قولا ممنوع في أمثال المقام.

وأمّا ثانياً: فلأنَّ في حديث النعمان مرجّحات عديدة على اصول أهل السنّة، توجب تقدّمه على حديث عمرو بن العاص. منها: جلالة شأن عائشة صاحبة القضيّة، وأنّها أكثر وقوفا على حالات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّها أعرف الناس بحال أبيها من حيث الفضيلة إلى غير ذلك ممّا لا يخفى عند الإِمعان.

ومن أكبر المرجّحات في حديث النّعمان: أنّ هذا الرجل يروي هذا الحديث مع كونه مع معاوية على عليعليه‌السلام ، والفضل ما شهدت به الأعداء، وأيضاً: فإنّه من حديث عائشة، وهي من أشدّ الناس عداوةً لأمير المؤمنينعليه‌السلام . بخلاف حديث عمرو بن العاص، فإن عمراً لم يكن له عداوة مع عائشة وأبي بكر وعمر، بل كانوا جميعاً ملةً واحدةً، وقد كان وزير معاوية بن أبي سفيان الذي وضعت في سلطنته الأحاديث الكثيرة في فضل المخالفين لأهل البيتعليهم‌السلام ، ومن الواضح جدّاً تقدّم الخبر الذي ينقله مثل النعمان في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، على الخبر الذي ينقله مثل ابن العاص في فضل

____________________

(١). فتح الباري ٧ / ١٨.


أبي بكر وعمر

وأمّا دعوى الجمع بين الحديثين بما ذكر فبطلانها واضح ممّا سبق بالتفصيل، حيث علمت أنّ إطلاق أفعل التفصيل على المفضول بلحاظ وجهٍ حقيرٍ، غير جائز

الوجه الثامن:

أخرج الترمذي: « حدّثنا سفيان بن وكيع، نا محمّد بن بكر، عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر: أنّه فرض لاسامة في ثلاثة آلاف وخمسمائة، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف. فقال عبد الله بن عمر لأبيه: لم فضّلت اُسامة عليَّ، فوالله ما سبقني إلى مشهد؟ قال: لأنَّ زيداً كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أبيك، وكان اُسامة أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منك، فآثرت حبّ رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - على حبّي. هذا حديث حسن غريب »(١) .

فهذا الحديث صريح في أنّ « زيد بن حارثة » كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من « عمر بن الخطاب » بإقرارٍ منه، فما جاء في ذيل حديث عمرو بن العاص كذب، ولو كان لِما ذكره عمرو أصل لعلمه عمر بن الخطاب، وحمل هذا الإِقرار من عمر على التواضع غير جائز، لأنّه جاء في جواب اعتراضٍ من ولده على ما فعله فلا بدَّ من أن يحمل على الحقيقة والإِطلاق

وبالجملة، فلا مناص للقوم من الإِلتزام بأحد الأمرين، إمّا تكذيب عمر ابن الخطاب في أحبيّة زيد منه، وإمّا تكذيب عمرو بن العاص في حديثه! لكنّ الإِنسان إذا ابتلي ببليّتين اختار أهونهما والأهون عندهم تكذيب عمرو

____________________

(١). صحيح الترمذي ٥ / ٦٣٤.


الوجه التّاسع:

روى المتقي: « عن عمرو بن العاص قال قيل: يا رسول الله، أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. فقال: من الرجال؟ قال: أبو بكر، قال: ثمّ من؟ قال: ثم أبو عبيدة. كر »(١) .

وهذا الحديث الذي رواه المتقي، عن ابن عساكر، عن عمرو بن العاص يعارض حديثه المذكور

فأيّ النّاس أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أبي بكر: عمر أو أبو عبيدة؟

لقد وقع الرّجل في تهافت واضح، وواقع الأمر أنّه عند ما جعل أحد الرجلين أحبّ الناس بعد أبي بكر نسي جعله الآخر من قبل فكذب مرّتين

الوجه العاشر:

وروى المتقي أيضاً: « عن عمرو بن العاص قال: لمـّا قدمت من غزوة السلاسل - وكنت أظن أنْ ليس أحد أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منّي - فقلت: يا رسول الله، أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. قال: إني لست أسألك عن النساء. قال: أبوها إذن. قلت: فأيّ الناس أحبّ إليك بعد أبي بكر؟ قال: حفصة. قلت: لست أسألك عن النساء، قال: فأبوها إذن. قلت: يا رسول الله فأين علي؟ فالتفت إلى أصحابه فقال: إنَّ هذا يسألني عن النفس. ابن النجار »(٢) .

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٥٠٠، رقم: ٣٥٦٣٩.

(٢). كنز العمال ١٣ / ١٤٢، رقم: ٣٦٤٤٦.


وهذا حديث آخر يرويه المتقي، عن الحافظ ابن النجار، عن عمرو بن العاص وفي رجوعه من غزوة ذات السلاسل بالذّات، فنقول: إنّه وإن افترى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صدر الحديث أحبيّة فلان وفلان إليه، إلاّ أنّه صرّح في ذيله - بإلجاء من الله سبحانه - بما هو الحق وبالرغم من أن للإماميّة الأخذ بالذيل وتكذيب الصدر أخذاً بقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم مقبول وعلى غيرهم مردود، وعملاً بما قيل: خذ ما صفى ودع ما كدر فلهم الإِحتجاج بذيله على الأحبيّة المطلقة لعليعليه‌السلام ، لكن لو سلّم صدور الحديث بكاملة فإنّ دلالته على كونهعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبيةً مطلقةً عامة صحيحة وتامّة وهذا هو المطلوب والحمد لله الذي أجرى الحق على لسانهم وخرّب بأيديهم بنيانهم.

هذا تمام الكلام على ما ادّعاه المحبّ الطبري في هذا المقام.

كلامٌ آخر للمحبّ الطبري وإبطاله

وكذا ادّعى المحبّ الطبري في حديث أحبيّة الصدّيقة الزهراءعليها‌السلام ، حيث قال في كتابه ( ذخائر العقبى ):

« وذكر أنّها رضي الله عنها كانت أحبّ الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

عن اُسامة بن زيد -رضي‌الله‌عنه - قالوا: يا رسول الله من أحبّ إليك؟ قال: فاطمة. قالوا: نسألك عن الرجال؟ قال: أما أنت يا جعفر، وذكر حديثاً سيأتي إن شاء الله تعالى في مناقب جعفررضي‌الله‌عنه وفيه: إنّ أحبّهم إليه زيد بن حارثةرضي‌الله‌عنه . أخرجه أحمد.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنّها سُئلت: أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقالت: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت:


زوجها، أن كان - ما علمت - صوّاماً قوّاماً. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وأخرجه أبو عمر بن عبيد، وزاد بعد قوله قوّاماً، جديراً بقول الحق.

وعن بريدة -رضي‌الله‌عنه - قال: أحبّ النساء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة رضي الله عنها، ومن الرجال عليرضي‌الله‌عنه . أخرجه أبو عمر. قال إبراهيم: يعني من أهل بيته.

ويؤيّد تأويل إبراهيم: الحديث المتقدّم: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: أنكحتك أحبّ أهل بيتي إليّ.

وفي المصير إليه جمع بينه وبين ما روي في الصحيح عن عمرو بن العاصرضي‌الله‌عنه أنّه سئل عن أحبّهم إليه قال: عائشة. قالوا: من الرجال؟

قال: أبوها - وقد ذكرنا ذلك في مناقب أبي بكررضي‌الله‌عنه في كتاب الرياض النضرة في فضائل العشرة المبشرة، وذكرناه في مناقب عائشة رضي الله عنها في كتاب السمط الثمين في مناقب اُمهات المؤمنين -.

وما أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي عن اُسامة: إنَّ علياًرضي‌الله‌عنه قال: يا رسول الله، أي أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال: فاطمة. قال عليرضي‌الله‌عنه : والله لا نسألك عن أهلك، قال: فأحبّ أهلي إليَّ من أنعم الله عليه وأنعمت عليه: اُسامة بن زيد. قال: فقال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: علي. ثمّ أنت. قال فقال العباس: يا رسول الله، جعلت عمّك آخرهم؟! قال قال: إنّ علياً سبقك بالهجرة »(١) .

أقول:

فالعجب من المحبّ الطبري لقد جهل أو تجاهل دلالة الأحاديث الكثيرة الشائعة - والتي روى هو كثيراً منها في نفس كتابه هذا - على أنّ أهل البيت

____________________

(١). ذخائر العقبى: ٣٥ - ٣٦.


عليهم‌السلام أفضل الناس وأحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلقاً، وإلّا لَما ارتضى هذا التأويل؟

والأعجب جعله هذا التأويل طريق الجمع!! وكأنّه ما درى - بغض النظر عن الأمور والجهات الأخرى - أنّ ذكر حديث عمرو بن العاص مع تلك المثالب والقبائح التي يتّصف بها في مقابلة أحاديث سيّدنا أبي ذر -رضي‌الله‌عنه - وغيره من الصحابة ممّا لا يرتضيه إنسان عاقل فضلا عن المؤمن!! وأمّا ما رواه في أنّ أحبّهم إليه زيد بن حارثة، فممّا تفرّد به أهل السنّة، على أنّه غير صحيح على اُصولهم أيضاً، فهو ينافي ما أجمع عليه الشيعة والسنّة.

كلام الشيخ عبد الحق الدهلوي وبطلانه

وممّا يضحك الثكلى قول الشيخ عبد الحق الدهلوي في ( شرح المشكاة ) بشرح حديث جميع بن عمير:

« قوله: قالت: زوجها.

اُنظر إلى إنصاف الصدّيقة وصدقها على رغم من يزعم من الزائغين خلاف ذلك. ولقد استحيت أن تذكر نفسها وأباها. ولا يبعد أنْ لو سئلت فاطمة عن ذلك لقالت: عائشة وأبوها. وقد ورد كذلك في رواية عن غير فاطمة رضي الله عنها. ومن هاهنا يعلم أنّ الوجوه مختلفة والحيثيّات متعددة، وبهذا ينحلّ الشبهات ويتخلّص عن الورطات ».

أقول:

إنّه لم يتعرَّض شرّاح ( المصابيح ) و ( المشكاة ) لهذه الورطة في شرحهم لهذا الحديث، وكأنّه يعلمون بأنْ لا مخلَص لهم منها، فرأوا المصلحة في السّكوت وليت الشيخ عبد الحق سار على نهجهم، لكنْ منعه من ذلك


شدّة تعصّبه، فأتى بما يزيد الشّبهة قوةً، وأوقع نفسه في ورطة

إنّ من الواضح جدّاً: أنّ مثل هذا الحديث لا ينفي إتّصاف عائشة بالعداء لأمير المؤمنينعليه‌السلام وبغضها له لكنَّ الفضل ما شهدت به الأعداء وهل ينكر الشيخ عدائها للإِمامعليه‌السلام حتى آخر لحظةٍ من حياته، حيث أنشدت - لمـّا بلغها نبأ استشهاده -:

فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قرَّ عيناً بالإِياب المسافر؟!

وأمّا قوله: « ولقد استحيت أن تذكر نفسها وأباها »

فنقول في جوابه: أي نسبة بين تلك المتبرّجة المتجمّلة الخارجة على إمام زمانها وبين الحياء ...!!

ثمّ ما يقول الشيخ بالنسبة إلى اعترافها بأحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام مطلقاً من غير سؤال منها عن ذلك كقولها: « ما خلق الله خلقاً أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من علي بن أبي طالب »؟ ففي هذا الحديث الذي رواه الحافظ الكنجي بسنده عنها لم يكن أحد سألها عن أحبّ الناس إليه، وقد جاءت فيه بعبارة واضحة الدّلالة على العموم، تشمل نفسها وأباها وسائر الناس أجمعين

وأيضاً: ففي الأحاديث المتقدّمة أنّ « جميعاً » و « عروةً » و « معاذةً » لمـّا عيّروها بالخروج إلى البصرة لم تسكت، بل اعتذرت بأنَّه كان قضاءً وقدراً من الله، وأنّها استشهدت في جواب معاذة بحديث عن أبيها أبي بكر في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن الواضح جدّاً أنّه متى آل الأمر إلى التعنيف والتعيير - لا مرةً بل مرّات - تحتّم الجواب بما يقطع اللّوم والعتاب فلو كان لحديث أحبيّتها وأحبيّة والدها أصل، فأيّ موضعٍ يكون اُولى من هذا الموقع للإِعتذار به يا اُولوا الألباب!!

وأيضاً: لو كان لها نصيب من الحياء لَما قالت لعروة: « لِمَ تزوَّج أبوك أُمّكِ »؟ ألم يكن بإمكانها التمثيل بشيء آخر للقضاء والقدر في جواب ذاك


التابعي الجليل عند القوم؟

وأيضاً: لو كان الحياء هو المانع لها من ذكر نفسها وأبيها فما الذي حملها على ذكر أحبيّة علي والزهراءعليها‌السلام ؟ هلّا سكتت ولم تجب بشيء أصلاً؟!

وأيضاً: فقد أخرج الحاكم أنّها قالت في جواب أُمّ جميع بن عمير: « والله ما أعلم رجلاً كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه، ولا امرأة من الأرض كانت أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من امرأته »(١) وليس من شأن أحدٍ من أهل الإِيمان أن يذكر - استحياءً - أمراً غير واقعٍ ويؤكّده بالحلف الشرعي بلفظ الجلالة غير متأثّم من قوله تعالى:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) !!

وأيضاً: لقد جاء في حديث النعمان بن بشير - الذي رووه بسندٍ صحيح - « فسمع صوتها عالياً وهي تقول: والله لقد علمت أنّ علياً أحبّ إليك من أبي » فلما ذا كلّ ذلك؟ وأين كان حياؤها؟

وأمّا قوله: « ولا يبعد أنْ لو سئلت فاطمة ».

فكلام من عنده قاله تسكيناً لقلبه وفاطمةعليها‌السلام لا تتفوّه بما لا أصل له وما تعتقد هي خلافه مطلقاً

وأمّا قوله: « وقد ورد كذلك في رواية عن غير فاطمة ».

فإنْ أراد حديث عمرو بن العاص، فقد عرفت حاله.

وإنْ أراد غيره فحديث يتفرّدون به والأدلّة السابقة واللاحقة تبطله

وأمّا قوله: « ومن هنا يعلم ».

فجوابه: أنّ ممّا ذكرنا - ونذكر - يعلم أنْ ليس لهم لزيغهم خلاص عن الشبهات، ولا مناص عن الورطات، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون( فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ


النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) .


من أقوال التّابعين والخلفاء الصريحة

في أنّ عليّاً أحبّ الناس إلى النبيّ

وكذلك رأي التّابعين واُولئك الذين يقول أهل السنّة فيهم بإمرة المؤمنين فإنّهم كانوا يرون أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى رسول ربّ العالمين:

قول الحسن البصري:

قال الغزالي: « ويروى عن ابن عائشة: أنّ الحجاج دعا بفقهه البصرة وفقهاء الكوفة. قال: فدخلنا عليه ودَخَل الحسن البصريرحمه‌الله آخر من دخل. فقال الحجاج: مرحباً بأبي سعيد مرحباً بأبي سعيد، إليَّ إليَّ، ثمّ دعا بكرسي ووضع إلى جنب سريره، فقعد عليه، فجعل الحجاج يذاكرنا ويسألنا، إذا ذكر علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه فنال منه ونلنا منه مقاربةً له وفرقاً من شره، والحسن ساكت عاض على إبهامه.

فقال: يا أبا سعيد، مالي أراك ساكتاً؟

قال: ما عسيت أن أقول؟

قال: أخبرني برأيك في أبي تراب.

قال: سمعت الله جلّ ذكره يقول:( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) فعلي ممّن هدى الله من أهل الإِيمان، فأقول:


ابن عمّ النبيّعليه‌السلام ، وختنه على ابنته، وأحبّ الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله، لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها. وأقول: إنّه إنْ كانت لعلي هنات فالله حسيبه، والله ما أجد فيه قولاً أعدل من هذا.

فبسر وجه الحجاج وتغيّر، وقام عن السرير مغضباً، فدخل بيتاً خلفه وخرجنا.

قال عامر الشعبي: فأخذت بيد الحسن فقلت له: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأو غرت صدره. فقال: إليك عنّي يا عامر. يقول الناس: عامر الشعبي عالم أهل الكوفة، أتيت شيطاناً من شياطين الإِنس تكلّمه بهواه وتقاربه في رأيه! ويحك يا عامر، هلّا اتقيت إنْ سُئلت فصدقت أو سكتّ فسلمت. قال عامر: يا أبا سعيد قلتها وأنا أعلم ما فيها. قال الحسن: فذاك أعظم في الحجة عليك وأشدّ في التّبعة»(١) .

قول المأمون العبّاسي:

وروى أبو علي مسكويه: إنّ المأمون كتب إلى الناس كتاباً يجيب فيه على اعتراضهم في كتاب لهم إليه على أخذه البيعة منهم لسيّدنا الإِمام الرضاعليه‌السلام ، فذكر نصّ الكتاب بطوله، نورد منه قدر الحاجة، وهذا هو:

« بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآل محمّد رغم أنف الراغمين. أما بعد فقد عرف أمير المؤمنين كتابكم وتدبّر أمركم ومخض زبدتكم، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم قبل كتابكم، في مراوضة الباطل وصرف وجوه الحق عن مواضعها، ونبذكم كتاب الله تعالى والآثار، وكلّ ما جاءكم به

____________________

(١). إحياء علوم الدين ٢ / ٣٤٦.


الصادق محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى كأنكم من الاُمم السالفة التي هلكت بالخسف والقذف والريح والصيحة والصواعق والرجم( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) .

والذي هو أقرب إلى أمير المؤمنين من حبل الوريد، لولا أنْ يقول قائل: إنّ أمير المؤمنين ترك الجواب من سوء أحلامكم وقلة أخطاركم وركاكة عقولكم ومن سخافة ما تأوون من آرائكم. فليستمع مستمع وليبلّغ الشاهد غائباً. أما بعد:

فإنّ الله تعالى بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على فترة من الرسل، وقريش في أنفسها وأموالها لا يرون أحداً يساويهم ولا يناويهم، فكان نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أميناً من أوسطهم بيتاً وأقلّهم مالاً.

وكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها. ثمّ آمن به علي ابن أبي طالب -رضي‌الله‌عنه - وله سبع سنين، لم يشرك بالله شيئاً، ولم يعبد وثناً، ولم يأكل رباً، ولم يشاكل أهل الجاهلية في جهالاتهم. وكانت عمومة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إما مسلم مهين أو كافر معاند، إلّا حمزة، فإنّه لم يمتنع من الإِسلام ولا امتنع الإِسلام منه. فمضى لسبيله على بيّنةٍ من ربّه.

أمّا أبو طالب فإنّه كفلَه وربّاه مدافعاً عنه ومانعاً منه، فلمـّا قبض الله أبا طالب همّ به القوم وأجمعوا عليه ليقتلوه، فهاجر إلى القوم الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

فلم يقم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب، فإنّه آزره ووقاه بنفسه ونام في مضجعه. ثمّ لم يزل بعد ذلك مستمسكا بأطراف الثغور وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولي عن جيش. منيع القلب، يأمَّر على جميع ولا يأمّر عليه أحد.

أشدّ الناس ووطأةً على المشركين، وأعظمهم جهاداً في الله، وأفقههم في


دين الله، وأقرأهم لكتاب الله، وأعرفهم بالحلال والحرام.

وهو صاحب الولاية في حديث غدير خم، وصاحب قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، وصاحب يوم الطائف.

وكان أحب الخلق إلى الله وإلى رسوله »(١) .

____________________

(١). الطرائف: ١٢٢ عن نديم الفريد.


لقد أثبتنا - والحمد لله - أنّ الأحبيّة في حديث الطير هي الأحبيّة المطلقة وأنّ جميع تأويلات ( الدّهلوي ) وغيره باطلة في الغاية وساقطة إلى النهاية إلّا أنا نذكر فيما يلي تصريحاتٍ ونصوصاً من عدة من أكابر علماء القوم، في أنّ حديث الطير دليل على أفضلية سيدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام وأحبيّته المطلقة عند الله والنبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... إتماماً للحجّة وتنويراً للمحجّة

علماء عصر المأمون

قد تقدّم سابقاً عن ابن عبد ربّه فيما رواه تحت عنوان « إحتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي » عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد قال: « بعث إليّ يحيى بن أكثم وإلى عدّةٍ من أصحابي - وهو يومئذٍ قاضي القضاة - فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن احضر معي غدا مع الفجر أربعين رجلا، كلّهم فقيه يفقه ما يقال له ويحسن الجواب » أنّ المأمون احتّج على الفقهاء الحاضرين - وفيهم إسحاق وابن أكثم - بفضائل لأمير المؤمنينعليه‌السلام في إثبات أفضليّته من غيره من الأصحاب، وكان منها حديث الطّير، حيث قال لإسحاق بن إبراهيم الذي كان المخاطب فيهم:

« يا إسحاق: أتروي الحديث؟ قلت: نعم. قال: فهل تعرف حديث



من تصريحات الأعلام

بدلالة حديث الطّير على أفضلية الإِمام عليه‌السلام


الطَّير؟ قلت: نعم. قال: فحدّثني به. قال: فحدّثته الحديث فقال: يا إسحاق، إني كنت اُكلّمك وأنا أظنّك غير معاندٍ للحق، فأما الآن فقد بان لي عنادك، إنّك توقنُ أنَّ هذا الحديث صحيح؟ قلت: نعم، رواه من لا يمكنني ردّه. قال:

أفرأيت أنَّ من أيقن أنّ هذا الحديث صحيح ثمّ زعم أن أحداً أفضل من علي لا يخلو من إحدى ثلاثة: من أن يكون دعوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنده مردودة عليه، أو أنْ يقول: عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحبّ إليه، أو أن يقول: إنّ الله عزّ وجلّ لم يعرف الفاضل من المفضول. فأيّ الثلاثة أحبّ إليك أن تقل؟

فأطرقت.

ثمّ قال: يا إسحاق: لا تقل منها شيئاً، فإنّك إنْ قلت منها شيئاً استتبتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله.

قلت: لا أعلم ».

ثمّ إنّ يحيى بن أكثم أعرب عن قبوله لما قال المأمون وعجزه عن الجواب بقوله: « يا أمير المؤمنين، قد أوضحت الحق لمن أراد الله به الخير، وأثبتّ ما لا يقدر أحد أنْ يدفعه ».

قال إسحاق: « فأقبل علينا وقال: ما تقولون؟ فقلنا: كلّنا نقول بقول أمير المؤمنين »(١) .

الحاكم النيسابوري

وقال الذهبي بترجمة الحاكم: « وسئل الحاكم أبو عبد الله عن حديث الطير فقال: لا يصحّ، ولو صحّ لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله

____________________

(١). العقد الفريد ٥ / ٣٥٤ - ٣٥٨.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

فهذا الكلام الذي نسبه الذهبي إلى الحاكم وأقرّه عليه صريح في دلالة حديث الطَّير على الأفضليّة ولنعم ما أفاد محمّد بن إسماعيل الأمير في توضيح هذا الكلام المعزى إلى الحاكم:

« وإذا ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى الله من أدلة غير حديث الطير، فما ذا ينكر من دلالة حديث الطير على الأحبيّة الدالة على الأفضلية؟ وكيف تجعل هذه الدلالة قادحة في صحة الحديث كما نقل عن الحاكم؟ ويقرب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم ما أراد إلّا الاستدلال على ما يذهب إليه من أفضليّة علي، بتعليق الأفضلية على صحة حديث الطير، وقد عرف أنّه صحيح، فأراد استنزال الخصم إلى الإِقرار بما يذهب إليه الحاكم فقال: لا يصح ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من علي بعده. وقد تبيّن صحّته عنده وعند خصمه، فيلزم تمام ما أراده من الدليل على مذهبه »(٢) .

الفخر الرّازي

قال إمام الإِشاعرة الفخر الرازي ما نصّه:

« فأما خبر الطّير فلا شك أنّه لو صحّ لدلّ على كونه أفضل من غيره، لكنه من أخبار الآحاد ».

فهذا كلامه وهو - كما ترى - إقرار بالدّلالة بلا تشكيك، وأما ما ذكره بالنسبة إلى سنده فبطلانه ظاهر ممّا تقدّم وسبق في بحث السند، لا سيّما من الحاكم النيسابوري الممدوح لدى الفخر والمعتمد.

وأيضاً:

قال الفخر بعد عبارته المذكورة في جواب حديث الطير: « وهو معارض

____________________

(١). تذكرة الحفّاظ ٢ / ١٠٣٩.

(٢). الروضة الندية - شرح التحفة العلويّة.


بأخبار كثيرة وردت في حق الشيخين

لا يقال: الأحاديث المرويّة في حق علي -رضي‌الله‌عنه - أقوى، لبقائها مع الخوف الشديد على روايتها في زمان بني اُميّة، فلو لا قوّتها في ابتداء أمرها لما بقيت.

لأنّا نقول: هذا معارض بما أنّ الروافض كانوا أبداً قادحين في فضائل الصّحابة - رضي الله عنهم - فلو لا قوتها في ابتدائها وإلّا لما بقي الآن شيء منها »(١) .

هذا كلام الفخر ولو كان هناك مساغ لشيء من التأويلات التي ذكرها ( الدهلوي ) أو غيره، أو كان عند الفخر نفسه تأويل غيرها لذكره فيظهر أن لا طريق عندهم للجواب إلّا الطعن في السند، وقد عرفت فساده، والمعارضة بما رووه في فضائل الشيخين، وهي معارضة باطلة، لكون ما يروونه فيهما ليس بحجة، واللّاحجة لا يعارض الحجة. وأمّا ما ذكره في جواب الاعتراض فواضح الاندفاع، لأنّه قياس مع الفارق

وبالجملة، فهذا الكلام أيضاً دال على المفروغية عن دلالة حديث الطّير على الأفضليّة وهذا هو المطلوب في المقام.

محمّد بن طلحة

وقال محمّد بن طلحة الشافعي في ( مطالب السؤول ) في الباب الأول: « الفصل الخامس: في محبة الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومؤاخاة الرسول إياه، وامتزاجه به، وتنزيله إياه منزلة نفسه، وميله إليه، وإيثاره إيّاه.

وقبل الشروع في المعاقد المقصودة والمقاصد المعقودة في هذا الفصل، لا بدّ من شرح حقيقة المحبّة وكيفية إضافتها إلى الله تعالى وإلى

____________________

(١). نهاية العقول - مخطوط.


العبد، فإن العقل إذا لم يحط بتصوّر ذاتها لم ينتظم قضاؤه عليها لا بنفيها ولا إثباتها، ولم يستقم حكمه لها بشيء من نعوتها وصفاتها فأقول:

المحبّة حالة شريفة أخبر الله عزّ وجلّ بوجودها منه لعبده ومن عبده له، فقال جلّ وعلا:( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) وقالك( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وقال:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ )

إنّ حقيقة محبّة الله تعالى لعبده: إرادته سبحانه لإِنعامٍ مخصوص يفيضه على ذلك العبد من تقريبه، وإزلافه من محال الطهارة والقدس، وقطع شواغله وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا، ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنّه يراه، فإرادته بأنْ يخصَّ عبده بهذه الأحوال الشريفة هي محبّته له

وأمّا محبّة الله تعالى فهي ميله إلى نيل هذا الكمال، وإرادته درك هذه الفضائل.

فيكون إضافة المحبة إلى الله - تعالى جلّ وعلا - وإضافتها إلى العبد مختلفين، نظراً إلى الاعتبارين المذكورين.

فإذا وضح معناهما فمن خصّه الله - عزّ وعلا - بمحبّته على ما تقدم من إرادته بقربه وإزلافه من مقرّ التقديس والتطهير، وقطع شواغله عنه، وتطهير قلبه من كدورات الدنيا ورفع الحجاب، فقد أحرز قصاب السّابقين، وارتدى بجلباب الفائزين المقربين.

وهذه المحبّة ثابتة لأمير المؤمنين علي، بتصريح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه صحَّ النقل في المسانيد الصحيحة والأخبار الصريحة، كمسندي البخاري ومسلم وغيرهما: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال يوم خيبر: لأعطينَّ الراية

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً - وقد اُحضر إليه طير ليأكله - اللّهم ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه. وكان أنس


حاضراً يسمع قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل مجيء علي. فبعد ذلك جاء أنس إلى علي فقال: استغفر لي ولك عندي بشارة، ففعل، فأخبره بقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

إيقاظ وتنبيه: إعلم - أيدك الله بروحٍ منه - أن أخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدق وأقواله حق، فإذا أخبر عن شيء فهو محقّق لا يرتاب في صحته ذوو الإِيمان ولا أحد من المهتدين، فكان صلوات الله عليه قد اطّلع بنور النبوّة على أنَّ علياً ممّن يحبّه الله تعالى، وأراد أنْ يتحقق الناس ثبوت هذه المنقبة السنيّة والصّفة العليّة التي هي أعلى درجات المتّقين لعلي، وكان بين الصحابة يومئذٍ منهم حديثو عهد بالإِسلام، ومنهم سمّاعون لأهل الكتاب، ومن فيهم شيء من نفاق، فأحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يثبت ذلك لعلي في نفوس الجميع فلا يتوقف فيه أحد. فقرنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خبره بثبوت هذه الصفة - وهي المحبة الموصوفة من الجانبين لعلي، التي هي صفة معينة معنوية لا تدرك بالعيان - بصفة محسوسةٍ تدرك بالأبصار أثبتها له وهي فتح خيبر على يديه، فجمع قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وصف علي بين المحبة والفتح، بحيث يظهر لكلّ ناظر صورة الفتح ويدركه بحاسّته، فلا يبقى عنده توقف في ثبوت الصفة الْأُخرى المقترنة بهذه الصفة المحسوسة، فيترسّخ في نفوس الجميع ثبوت هذه الصفة الشريفة العظيمة لعلي.

وهكذا في حديث الطير، جعل إتيانه وأكله معه - وهو أمر محسوس مرئي - مثبتاً عند كلّ أحد من علمه أنّ علياً متصف بهذه الصفة العظيمة، وزيادة الأحبيّة على أصل المحبة. وفي ذلك دلالة واضحة على علّو مكانة علي وارتفاع درجته وسمّو منزلته، واتّصافه بكون الله تعالى يحبّه وأنّه أحبّ خلقه إليه.

وكانت حقيقة هذه المحبة قد ظهرت عليه آثارها وانتشرت لديه أنوارها، فإنّه كان قد أزلفه الله تعالى في مقرّ التقديس، فإنّه نقل الترمذي في صحيحه: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا علياً يوم الطائف فانتجاه فقال الناس:


لقد أطال نجواه مع ابن عمه! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما انتجيته ولكنَّ الله انتجاه »(١) .

الحافظ الكنجي

وقال الحافظ محمد بن يوسف الكنجي - بعد رواية حديث الطير -: « وفيه دلالة واضحة على أنّ عليّاً أحبّ الخلق إلى الله، وأدّل الدلالة على ذلك إجابة دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما دعا به. وقد وعد الله تعالى من دعاه بالإجابة حيث قال:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) فأمر بالدعاء ووعد بالإِجابة، وهو عزّ وجلّ لا يخلف الميعاد، وما كان الله ليخلف وعده رسله. ولا يردّ دعاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأحبّ الخلق إليه. ومن أقرب الوسائل إلى الله محبّته ومحبّة من يحبّه لحبّه. كما أنشدني بعض أهل العلم في معناه:

بالخمسة الغرّ من قريش

وسادس القوم جبرئيل

بحبّهم ربّ فاعف عنّي

بحسن ظنّي بك الجميل

العدد الموسوم بالستّة في هذا البيت أصحاب العباء الذين قال الله تعالى في حقهم:( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وهم: محمّد رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وسادس القوم جبرئيل »(٢) .

المحبُّ الطَّبري

وقال محبّ الدين الطبري في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام :

« ذكر أنّه أحبّ الخلق إلى الله تعالى بعد رسول الله صلّى الله عليه

____________________

(١). مطالب السؤول ١ / ٤٢ - ٤٣.

(٢). كفاية الطالب: ١٥١.


وسلّم:

عن أنس بن مالكرضي‌الله‌عنه قال: كان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. فجاء علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه فأكل معه. أخرجه الترمذي، والبغوي في المصابيح في الحسان »(١) .

وأيضاً:

قال الطبري في فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام :

« ذكر اختصاصه بأحبيّة الله تعالى له:

عن أنس بن مالك قال: كان عند النبيّ »(٢) .

وأيضاً:

قال: « ذكر محبة الله عزّ وجلّ ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له:

تقدّم في الخصائص ذكر أحبيّته إلى الله ورسوله، وهي متضمنّة للمحبّة مع الترجيح فيها على الغير »(٣) .

فليمت المنكرون والجاحدون حنقاً وغيظاً

شهابُ الدّين أحمد

وقال السيد شهاب الدين أحمد - بعد حديث أبي ذر في أحبّ الخلق إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« قال الشيخ العارف اُسوة ذوي المعارف جلال الدين أحمد الخجنديقدس‌سره - بعد رواية حديث عائشة ومعاذة وأبي ذر رضي الله عنهم كما سبق -: وهذه الآثار عاضدة حديث الطير، إذ لا يكون أحد أحبّ إلى رسول الله

____________________

(١). ذخائر العقبى: ٦١.

(٢). الرياض النضرة ٣ / ١١٤.

(٣). الرياض النضرة ٣ / ١٨٨.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا أن يكون ذلك أحبّ إلى الله عزّ وجل »(١) .

وأيضاً:

قال السيد شهاب الدين: « الباب السابع، في ترنّم أغاني النبوّة في مغاني الفتوة، بأحبّيته إلى الله تعالى ورسوله، وتنسّمه شقائق شواهق معالي العناية بما ظهر أنّه أشدّ حبّاً لله ورسوله:

عن أنس بن مالك -رضي‌الله‌عنه - قال: كان عند النبيّ صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم وبارك وسلّم طير فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه. ورواه الطبري وقال: خرّجه الترمذي »(٢) .

فحديث الطير عنده دليل الأحبيّة

ابن تيميّة

وقال ابن تيمية في الجواب عن حديث الطير ما نصّه:

« السادس - إنّ الأحاديث الثّابتة في الصّحاح التي أجمع أهل الحديث على صحّتها وتلقّيها بالقبول تناقض هذا، فكيف يعارض تلك بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصحّحوه؟ يتبيّن هذا لكلّ متأمّل ما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من فضائل القوم

وأيضاً: فإنّ الصّحابة أجمعوا على تقديم عثمان، الذي عمر أفضل منه، وأبو بكر أفضل منهما. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد تقدّم بعض ذلك، لكن ذكر هذا ليتبيّن أن حديث الطير من الموضوعات »(٣) .

____________________

(١). توضيح الدلائل - مخطوط.

(٢). توضيح الدلائل - مخطوط.

(٣). منهاج السنّة ٤ / ٩٩.


فلو لا دلالة هذا الحديث على الأفضلية عند ابن تيمية لما كان بحاجة إلى المعارضة والإِستدلال بما ذكر ولو كانت الأحبيّة فيه نسبية - كما ذكر ( الدهلوي ) أو يمكن تأويلها بوجه من الوجوه - لم يكن تناقض بين حديث الطير وما ذكر من أحاديث القوم!!

ومن هنا يظهر اضطراب القوم في مقام الجواب عن هذا الحديث الشريف، فالمتقدّمون كالرّازي وابن تيميّة لم يذكروا شيئا من التأويلات إمّا عن عجز وقصور، وإمّا للالتفات إلى ركاكتها وسخافتها، فعمدوا إلى خرافات شيوخهم في باب فضائل الشيخين، فزعموا مناقضتها لحديث الطّير، أو ادّعوا وضع هذا الحديث الشّريف، مكذّبين كبار أساطين طائفتهم الذين رووه، وأثبتوه في كتبهم في جملة فضائل مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام . والمتأخّرون سلكوا سبيل التأويل وإنكار دلالة الحديث على الأحبيّة والأفضليّة المطلقة، مخطّئين أولئك الذين أذعنوا بالدلالة وادّعوا المعارضة أو الوضع بل لقد وقع الواحد منهم في التهافت والتناقض فالرازي يعترف في ( نهاية العقول ) بدلالة حديث الطير على الأفضلية بصراحة ثمّ يدّعي المعارضة، ويناقض نفسه في ( الأربعين ) - كما ستسمع فيما بعد - ويمنع الدّلالة

لكن الجمع بين المتناقضات ممتنع، وهم بين أمرين، إمّا رفع اليد عن الحكم بالوضع بدعوى معارضته لما وضعوه في حق الشيخين، وإمّا الإِعتقاد والإِقرار بدلالة الحديث على الأحبيّة ونبذ التأويلات الموهونة وأمّا لا هذا ولا ذاك فهذا من وساوس الخناس الأفّاك، والله ولّي التفضّل بالفهم والإدراك.

محمّد الأمير الصّنعاني

وقال العلّامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في دلالة حديث الطَّير على أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد إيراد طرقه:

« قلت: هذا الخبر رواه جماعة عن أنس، منهم: سعيد بن المسيب،


وعبد الملك بن عمير، وسليمان بن الحجاج الطّائفي، وأبو الرجال الكوفي، وأبو الهندي، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، ويغنم بن سالم بن قنبر، وغيرهم.

وأمّا ما قال الحافظ الذهبي في التذكرة في ترجمة الحاكم أبي عبد الله المعروف بابن البيّع الحافظ المشهور، مؤلّف المستدرك وغيره، بعد أن ساق حكاية: وسئل الحاكم أبو عبد الله عن حديث الطير فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال الذهبي: قلت: ثمّ تغيّر رأي الحاكم، فأخرج حديث الطير في مستدركه. قال الذهبي: وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة قد أفردتها بمصنَّف، ومجموعها يوجب أن الحديث له أصل. انتهى كلام الذهبي. فأقول:

كلام الحاكم هذا لا يصح عنه، أو أنّه قاله ثمّ رجع عنه كما قال الذهبي ثمّ تغيّر رأيه. وإنّما قلنا ذلك لأمرين:

أحدهما - وهو أقواهما - إنّ القول بأفضليّة عليرضي‌الله‌عنه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو مذهب الحاكم، كما نقله الذهبي أيضاً في ترجمته عن ابن طاهر، قال الذهبي قال ابن طاهر: كان - يعني الحاكم - شديد التعصّب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا عن معاوية وإنّه يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه. انتهى كلام ابن طاهر، وقرّره الذهبي بقوله: أمّا انحرافه عن خصوم علي فظاهر، وأمّا الشيخان فمعظّم لهما بكلّ حال، فهو شيعي لا رافضي. إنتهى.

قلت : إذا عرفت هذا: فكيف يطعن الحاكم في شيء هو رأيه ومذهبه ومن أدلة ما يجنح إليه؟ فإنْ صحّ عنه نفي صحة حديث الطائر فلا بدَّ من تأويله بأنّه أراد نفي أعلى درجات الصحّة، إذ الصحة عند أئمة الحديث درجات سبع، أو أن ذلك وقع منه قبل الإحاطة بطرق الحديث، ثمّ عرفها بعد ذلك فأخرجه فيما جعله مستدركاً على الصحيحين.


والثاني : إنّ إخراجه في المستدرك دليل صحته عنده، فلا يصح نفي الصحة عنه إلّا بالتأويل المذكور.

فعلى كلّ حالٍ فقدح الحاكم في الحديث لا يتم.

ثمّ هذا الذهبي - مع تعاديه وما يعزى إليه من النصب - ألّف في طرقه جزء. فعلى كلّ تقدير قول الحاكم لا يصح. لا بدّ من تأويله.

ولأنّه علّل عدم صحته بأمر قد ثبت من غير حديث الطير، وهو أنّه: إذا كان أحبّ الخلق إلى الله سبحانه كان أفضل الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى الله من غير حديث الطائر، كما أخرجه أبو الخير القزويني من حديث ابن عباس: إنّ عليّاً -رضي‌الله‌عنه - دخل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام إليه وعانقه وقبّل بين عينيه، قال له العباس: أتحب هذا يا رسول الله؟ فقال: والله للهَ أشدّ حبّاً له منّي. ذكره المحبّ الطبريرحمه‌الله .

قلت : وفي حديث خيبر الماضي - و قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ساُعطي الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله - ما يدلّ لذلك. فإنّه ليس المراد من وصفه بحبّ الله إيّاه أدنى مراتبها ولا أوسطها بل أعلاها، لما علم ضرورةً من أنّ الله يحبّ جماعة من الصحابة غير عليرضي‌الله‌عنه ، قد ثبت ذلك بالنص على أفرادٍ منهم، وثبت أنّ الله يحبّهم جملةً، لقوله تعالى:( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) وقد أخبر الله عنهم في عدّة آيات أنّهم اتّبعوا رسوله كقوله تعالى:( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) وغيرها من الآيات المثنية عليهم، الدالة على اتّباعهم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد علّق محبّته تعالى باتّباع رسوله، فدلّ أنّهم محبوبون لله تعالى، وأنّ رتبتهم في المحبّة متفاوتة.

فلمـّا خصَّ علياً يوم خيبر بتلك الصّفة من بينهم، وقد علم أنّه قد شاركهم في محبّة الله لهم، لأنه رأس المتّبعين لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، علم


أنّه أعلاهم محبةً لله، كأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لاُعطينَّ الرّاية أحبَّ الناس إلى الله، ولهذا تطاول لها الصحابة، وامتدّت إليها الأعناق، وأحبَّ كلٌّ وترجّى أن يخصَّ بها.

وقد ثبت أنّ علياً أحبّ الخلق إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما أخرجه الترمذي - وقال حسن غريب - من حديث عائشة أنّها سئلت: أيّ الناس أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: فاطمة. قيل فمن الرجال؟ قالت: زوجها، إنّه كان - ما علمت - صوّاماً قوّاماً.

وأخرج المخلّص الذهبي والحافظ أبو القاسم الدمشقي من حديث عائشة - وقد ذكر عنها عليرضي‌الله‌عنه - قالت: ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه، ولا امرأة أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من امرأته.

وأخرج الخجندي عن معاذة الغفارية قالت: دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت عائشة وعلي خارج من عنده، فسمعته يقول: يا عائشة إنّ هذا أحبّ الرجال إليّ وأكرمهم عليّ، فاعرفي له حقّه وأكرمي مثواه.

وأخرج الملّا في سيرته عن معاوية بن ثعلبة قال: جاء رجل إلى أبي ذر - وهو في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قال: يا أبا ذر، ألا تخبرني بأحبّ الناس إليك، فإني أعرف أنَّ أحبّ الناس إليك أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال: أي وربّ الكعبة، أحبّهم إليَّ أحبّهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو ذاك الشيخ - وأشار إلى عليرضي‌الله‌عنه -.

ذكر هذه الأحاديث المحبّ الطبريرحمه‌الله .

وإذا ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه أحبّ الخلق إلى الله سبحانه. فإن رسول الله لا يكون الأحب إليه إلّا الأحبّ إلى الله سبحانه. وإنّه قد ثبت أنّه أحبّ الخلق إلى الله من أدلّة غير حديث الطائر هذا.


فماذا ينكر من دلالة حديث الطّير على الأحبيّة الدالّة على الأفضليّة؟ وانّها تجعل هذه الدلالة قادحة في صحة الحديث! كما نقل عن الحاكم.

ويقرب أنّ الحافظ أبا عبد الله الحاكم ما أراد إلّا الإِستدلال على ما يذهب إليه من أفضليّة عليرضي‌الله‌عنه ، بتعليق الأفضليّة على صحة حديث الطير، وقد عرف أنّه صحيح، فأراد استنزال الخصم إلى الإِقرار بما يذهب إليه الحاكم فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من عليرضي‌الله‌عنه بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد تبيَّن صحته عنده وعند خصمه، فيلزم تمام ما أراده من الدليل على مذهبه هذا.

وفي حديث الطير معجزة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باستجابة دعائه في إتيانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأحبّ الخلق.

وفيه دلالة على أن أحبّ الخلق إلى الله علي، فإنّه مقتضى استجابة الدعوة، وأنّه لا أرفع منه درجةً في الأحبيّة عنده تعالى بعد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا ثلاث مرّات، وكلّها يأتي فيها عليرضي‌الله‌عنه لا غيره، ويرجع من طريقه مرة بعد مرة، يردّه أمر الله والدعوة النبويّة، وألقى في قلب أنس ردّه لهرضي‌الله‌عنه مرة بعد مرة، ليظهر الأمر الإِلهي والدعوة النبويّة، إذ لو فتح له عند أوّل مرة لربّما قيل اتّفق أنّه وصل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتّفاقاً، فما وقع الترديد من أنس والتردّد منهرضي‌الله‌عنه إلّا ليعلم اختصاصه، وأنّه لو كان غيره في رتبتهرضي‌الله‌عنه لجاء به له أو معه، إذ ليست الدعوة مقصورةً على أحد.

وقد قدّمنا في حديث المحبّة بحثاً نفيساً في حديث خيبر فلا نكرّره، وأشار الإِمام المنصور بالله إلى حديث الطير بقوله:

ومن غداة الطير كان الذي

خصّ بأكل الطّائر المشتوي »(١)

____________________

(١). الروضة الندية - شرح التحفة العلوية.


الملّا يعقوب اللّاهوري

وقال الملّا يعقوب اللاهوري في ( شرح تهذيب الكلام ) في البحث عن أدلّة أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام : « ولحديث الطير وهو قولهعليه‌السلام : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فجاء علي فأكل معه. رواه الترمذي.

ولا شكَّ أنّ الأحبّ إلى الله تعالى من كان أكثر ثواباً عنده.

أقول : وهذا الحديث يدلّ على أفضليّة علي على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو خلاف الإِجماع، والعام المخصوص لا يكون حجة ».

ودلالة هذا الكلام على مطلوب الإِمامية واضحة جدّا، فقد نصّ اللاّهوري على دلالة حديث الطير على أفضليّة أمير المؤمنين مطلقا حتى من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - والعياذ بالله -. لكن زعم شمول هذا الإِطلاق للنبيّ عليه وآله السلام صريح البطلان، لما نصّ عليه أكابر العلماء المحققين من عدم دخول المتكلِّم في إطلاق كلامه وسيجئ ما يدل على ذلك وعليه، فهذا العام ليس مخصّصاً حتى يقال: العام المخصوص لا يكون حجة.

ولو سلَّمنا كونه عاماً مخصوصاً فهو - على ما نصّ عليه أجلّة المحققين في علم الاُصول - حجة أيضاً بل حجيّته مورد اجماعٍ مستند إلى الصّحابة، وإليك كلام القاضي عضد الدين الإِيجي الصريح في ذلك، فإنّه قال في مبحث العام المخصّص من ( شرح المختصر ):

« لنا ما سبق من استدلال الصّحابة مع التخصيص، وتكرر وشاع ولم ينكر، فكان إجماعاً. ولنا أيضاً: إنا نقطع بأنّه إذا قال: أكرم بني تميم وأمّا فلاناً منهم فلا تكرمه، فترك إكرام سائر بني تميم عُدّ عاصياً، فدلَّ على ظهوره فيه وهو المطلوب. ولنا أيضاً: إنّه كان متناولاً للباقي، والأصل بقاؤه على ما كان


عليه »(١) .

المولوي حسن زمان

وقال المولوي حسن زمان الهندي في معنى حديث الطير: « وكان إتيان الشيخين إتّفاقاً، فلذا صرفهما رضي الله عنهما، ثمّ إتيان المرتضى إجابة من الله عزّ وجلّ لدعائه، ولذا قبله، حيث علم ذلكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلّا فكيف يسوغ ردّ من أتى الله به!

ولذا خرّجه النسائي في ذكر منزلة علي من الله عزّ وجلّ.

وبه تبطل إرادة « من أحبّ الخلق » فإنّ الصدّيق والفاروق كذلك قطعاً، فما وجه تخصيصه بالأحبيّة بالإِتيان به دونهما!

ويبطل احتمال أنّهما لم يكونا حينئذٍ بالمدينة الطيّبة.

وقيل من قال: إنَّ المراد: أحبّ الناس إلى الله في الأكل مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ المرتضى هو كذا، إذ الأكل مع من هو في حكم الولد يوجب تضاعف لذّة الطعام. مردود بأنّ أحبّ الناس كذلك شرعاً وعرفاً وعقلاً إنّما هو فاطمة أو اُختها إن كانت، أو الحسن والحسين إن كانا، أو الأزواج المكرّمات.

واحتمال الأحبيّة للمجموع إحتمال ناشٍ من غير دليل، فلا اختلال به بالاستدلال »(٢) .

* * *

____________________

(١). شرح المختصر في علم الاُصول: ٢٢٤.

(٢). القول المستحسن في فخر الحسن - فضائل علي.


قوله:

ولا ريب في كون حضرة الأمير أحبّ الناس إلى الله في الوصف المذكور.

أقول:

لا ريب في كون سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى الله تعالى في ذاك الوصف، بل جميع الأوصاف الفاضلة والمحامد الكاملة. ولو فرضنا قصر دلالة هذا الحديث على الأحبيّة في الأكل مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدلّ ذلك على أفضليّته من غيره مطلقا، لأنّ محبّة الله ليست منبعثة عن الطبائع النفسانيّة، وإنّما هي دائرة مدار الأفضليّة الدينيّة، فمن كان الأفضل من حيث الفضائل الدينية كان الأكثر محبوبيةً، لامتناع أحبيّة المفضول من الفاضل عنده سبحانه، ولوضوح أنّه الحكيم على الإِطلاق، وأفعاله وأحكامه مبنيّة على الحكم والمصالح، فهي منزّهة عن اللغو والعبث، ولا مساغ للترجيح أو الترجّح بلا مرجّح في أقواله وأفعاله.

وعلى هذا، فكون المفضول أحبّ عند الله في الأكل مع رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبث صريح بل ظلم قبيح وترجيح للمرجوح، وكلّ ذلك ممتنع في حقه، وتعالى شأنه عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.


فأحبيّة مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام في الأكل مثبتة لأفضليته في الدين وتقدّمه على غيره من المقرّبين فكيف بالمردودين! فاستبصر ولا تكن من الغافلين.

فهذا التأويل لا ينفع السّاعين وراء إنكار فضائل الوصّي، ودلائل إمامته بعد النبيّ صلوات الله عليهما.

قوله:

لأنّ الأكل مع الولد أو من هو في حكم الولد يوجب تضاعف لذّة الطعام.

أقول:

لا يخفى أنّ هذه الجملة غير واردة في كلام الكابلي الذي انتحل ( الدهلوي ) كلماته، وإنّما هي زيادة منه أتى بها تمادياً في الباطل وسعياً وراء إطفاء نور الله ولكنّه جهل ما يستلزمه ذلك، وأنّ ذلك سيعرّضه إلى مزيدٍ من النقد، لأنّ أكل الولد أو من في حكمه مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما يوجب تضاعف لذّه الطّعام فيما إذا كان ذاك الولد أو من بحكمه أفضل من غيره لدى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلّا فمن الواضح جدّاً أنّه لو كان هناك أفضل من هذا الآكل معه لم يكن أكل هذا المفضول أحبّ إليه من أكل الأفضل معه، وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ ملاك الأحبيّة والأقربيّة إلى الله والرّسول هو الأفضليّة في الدين، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يراعي هذا الملاك في جميع جهات معاشرته مع أصحابه، ولم تكن أفعاله وأقواله منبعثةً عن الميول النفسانيّة.

ومن هنا كان ما رواه الحافظ ابن مردويه بسنده: « عن رافع مولى عائشة قال: كنت غلاماً أخدمها، فكنت إذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندها ذات يوم، إذ جاء جاءٍ فدقَّ الباب، فخرجت إليه، فإذا جارية مع إناءٍ مغطّى،


فرجعت إلى عائشة فأخبرتها فقالت: أدخلها، فدخلت فوضعته بين يدي عائشة، فوضعته عائشة بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجعل يأكل وخرجت الجارية، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليت أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وإمام المتّقين يأكل معي. فجاء جاءٍ فدقَّ الباب، فخرجت إليه، فإذا هو علي بن أبي طالب. قال: فرجعت فقلت: هذا علي. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مرحباً وأهلاً فقد عنيتك مرّتين حتى أبطأت عليّ، فسألت الله عزّ وجلّ أن يأتي بك، إجلس فكل معي »(١) .

فهذا الحديث صريح في أنّ دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن ناشئاً عن الميل النفساني، بل إنّ دعائه بحضور أمير المؤمنينعليه‌السلام عنده وأكله معه كان لأجل كونهعليه‌السلام « أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وإمام المتقين » هذه الأوصاف التي يكفي الواحد منها للإِمامة والخلافة من بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل.

فلو سلّم كون الأحبيّة في حديث الطير مقيّدة بالأكل مع النبيّ، فلا ريب في أنّ السبّب في هذه الأحبيّة هي الأحبيّة الحقيقيّة العامّة والأفضليّة المطلقة التامّة الثابتة لأمير المؤمنينعليه‌السلام .

فإنكار دلالة حديث الطير، ودعوى دلالته على مجرّد الأحبيّة في الأكل - أو تأويله بغير هذا التأويل ممّا ذكره ( الدّهلوي ) - لا يسقط الحديث عن الصّلاحية للاستدلال به للامامة والخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.

____________________

(١). مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام لا بن مردويه - مخطوط.


قوله:

ولو كان المراد الأحبيّة مطلقاً فلا دلالة للحديث على المدّعى.

أقول:

أمّا أنّ المراد هو الأحبيّة المطلقة فقد بيّنا ثبوته بما لا مزيد عليه.

وأمّا أنّ هذه الأحبيّة لا تفيد المدّعى فتفوّه ( الدهلوي ) به بعيد، لما أثبتنا بما لا مزيد عليه كذلك من دلالة الأحبيّة على الأفضلية، وأن الأفضليّة توجب الإِمامة والرئاسة والخلافة وقد كان عمر بن الخطّاب نفسه يرى ذلك، فإنكار استلزام الأحبيّة للأفضلية الدالّة على الإِمامة تكذيب لخليفتهم أيضاً.

قوله:

وأيّ دليلٍ على أنْ يكون أحبّ الخلق إلى الله صاحب الرئاسة العامّة؟

أقول:

هلّا ألقى ( الدهلوي ) نظرةً في إفادات والده التي نصَّ فيها على الملازمة بين الأحبيّة والإِمامة؟

لكنْ لا عجب لأنّ الإِنهماك في الباطل والسّعي في إبطال الحق قد يؤدّي إلى ذلك وإلاّ فإنّ ( الدهلوي ) متّبع لوالده في عقائده وأفكاره، وسائر على نهجه في أخذه وردّه

بل، إنّ هذا الذي قاله تكذيب لجدّه الأعلى، وإبطالٌ لاستدلاله يوم السقيفة على أولويّة أبي بكر بالخلافة

وعلى كلّ حالٍ، فقد ثبت - والحمد لله - وجوب الرئاسة العامة والإِمامة الكبرى لأحبّ الخلق إلى الله، وأنّ العاقل المنصف لا يجوّز أنْ يتقدم غير


الأحبّ إلى الله ورسوله على الأحبّ إليهما في شأنٍ من الشؤون فضلاً عن الإِمامة والرئاسة العامة، لا سيّما إذا كان ذلك الغير غير محبوبٍ عند الله والرّسول أصلاً!!

قوله:

فما أكثر الأولياء الكبار والأنبياء العظام الذين كانوا أحبّ الخلق إلى الله ولم يكونوا أصحاب الرئاسة العامّة.

أقول:

على ( الدهلوي ) إثبات الأمرين المذكورين. وهما: أولاً: إنّ كثيراً من الأولياء الكبار كانوا أحبّ الخلق إلى الله. وثانياً: إنّ هؤلاء لم يكونوا أصحاب الرئاسة العامة. لكنّه لم يذكر شاهداً واحداً لما ادّعاه فضلاً عن جمعٍ منهم، فضلاً عن كثير منهم، فضلاً عن إثبات الأحبيّة لهم ونفي الرئاسة عنهم، بدليلٍ قابل للإِصغاء وبرهان صالح للاعتناء

إنّ مرادهم - غالباً - من « الأولياء » هم « الصوفية » الذين يدَّعون لهم المقامات المعنوية العالية، وبطلان دعوى أحبيّة هؤلاء من البديهيات الأوّلية إذ ليس مع وجود الأئمة المعصومين -عليهم‌السلام - أحبّ الخلق إلى الله ورسوله كائناً من كان وأهل السنّة لا يقدّمون أحداً - غير الثلاثة - على الأئمّة المعصومين، فالقول بوجود أولياء غير الأئمة المعصومين هم أحبّ الخلق إلى الله ولا يكونون أصحاب الرئاسة العامة من أفحش الأقاويل الباطلة، وأوحش الأكاذيب الفاضحة.


قوله:

مثل سيّدنا زكريا وسيّدنا يحيى.

أقول:

إنّ ( الدهلوي ) بعد أن نفى الرئاسة العامة عن كثير من الأنبياء العظام ذكر زكريا ويحيى، وغرضه من ذلك أنّهما مع كونهما أحبّ الخلق إلى الله لم تكن لهما الرئاسة العامّة. لكن نفي الرئاسة العامة عن هذين النبيّين العظيمين كذب، لأنّه مع ثبوت النبوّة لا ريب في ثبوت الرئاسة العامّة، بل نفي الرئاسة نفي للنبوّة، لأنّ معنى النبوّة أنْ يختار الله رجلاً معصوماً وينصبه لهداية الخلق ويفرض عليهم طاعته في جميع اُمور الدين والدنيا، وهذه هي الرئاسة العامّة وهذا ما نصَّ عليه ولي الله والد ( الدهلوي ) أيضاً في غير موضعٍ من كتابه ( إزالة الخفا عن سيرة الخلفا ).

والحاصل: إنّه بعد ثبوت النبوّة لزكريّا ويحيى والرئاسة العامة ثابتة لهما، وإنكارها إنكار للنبوة، وهو كفر.

قوله:

بل شموئيل الذي كانت الرئاسة العامّة في زمانه بالنصّ الإِلهي لطالوت.

أقول:

هذا تخديع وتضليل، أمّا أوّلاً: فإنّ ثبوت الرئاسة العامة لطالوت غير متفّق عليه بين أهل السنّة. وأمّا ثانياً: فإنّه - على تقدير عموم الرئاسة - لم يكن باستقلاله كذلك، بل صريح المحقّقين منهم أنّ طالوت كان حاكماً في بني


إسرائيل نيابةً عن شموئيل وممّن نصّ عليه والد ( الدهلوي ) في ( إزالة الخفاء ).

إذن، لم يثبت إنفكاك الرئاسة عن النبوة.

والحمد لله ربّ العالمين.



بقيّة كلام الدّهلوي

إحتمالان مردودان



(١)

إبطال إحتمال

عدم حضور أبي بكر في المدينة

قوله:

وأيضاً: يحتمل عدم حضور أبي بكر في المدينة المنّورة.

أقول:

هذا مردود بوجوه:

١ - لا أثر لحضوره وعدم حضوره في المدينة

إنّه لا يخفى على الممعن المنصف أنْ لا أثر لحضور أبي بكر وعدم حضوره في المدينة المنوّرة يوم قصة الطير في استدلال الإماميّة بالحديث، ولا علاقة لذلك بوجهٍ من الوجوه في الإِحتجاج به لأنّ محطّ الإِستدلال قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحبّ الخلق إليك وإليَّ »، وهذه الجملة صريحة الدّلالة على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ إلى الله والرسول من جميع الحاضرين والغائبين والسّابقين واللاحقين، ومن كلّ من يدخل تحت عنوان


« الخلق » ويشمله هذا اللفظ. وغياب أبي بكر لا يستلزم خروجه عن « الخلق » وولوجه في غير المخلوقات.

نعم لو كان أبو بكر غائباً وكذا عمر وعثمان و قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم ائتني بأحبّ من حضر الآن وفي المدينة إليك وإليَّ » أو نحوه لكان لما احتمله ( الدهلوي ) وجه.

وعلى الجملة، إنّه لا يكفي إخراج أبي بكر عن المدينة، بل لا بدَّ من إخراجه - بل الثاني والثالث أيضاً - عن « الخلق » ثمّ التعرّض للاستدلال بالقدح والإِشكال

٢ - قول عائشة: أللّهم اجعله أبي. وكذا حفصة.

إنّ ما أخرجه أبو يعلى في ( المسند ) دليل قاطع على سقوط هذا الإِحتمال الذي أبداه ( الدهلوي ) تبعاً للكابلي وذلك لأنّ في الحديث المذكور: « فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام.

فقالت عائشة: اللّهم اجعله أبي. وقالت حفصة: اللّهم اجعله أبي

قال أنس: فقلت أنا: اللّهم اجعله سعد بن عبادة ».

فلو كان الأول والثّاني في خارج المدينة المنوّرة ساعة دعوة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ دعائه كان مختصّاً بالحاضرين في المدينة، فما معنى قول عائشة وحفصة: اللّهم اجعله أبي؟ وهلّا يكون دعاءً بلا طائل وكلاماً بدون حاصل؟

لقد حاول الكابلي و ( الدهلوي ) بإبداع هذا الإِحتمال حفظ شأن الشيخين، ولكنّ لازمه الإزراء والتهجين لاُمّهما المكرّمتين!!


٣ - كان الشيخان حاضرين للحديث الصحيح

وكأنّ ( الدهلوي ) قد أقسم على تقليد الكابلي وإنْ خالف ما قالته الأحاديث الصحيحة الواردة في كتب قومه لقد احتمل في هذا المقام رجماً بالغيب غياب أبي بكر عن المدينة المنوّرة من دون أنْ ينظر في أحاديث وأخبار القصّة لقد سمعت - فيما تقدم - رواية أبي يعلى المشتملة على مجيء الشيخين، وهذا نصّها مرةً أُخرى:

« حدّثنا الحسن بن حماد الوراق، ثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع - ثقة -، ثنا عيسى بن عمر، عن إسماعيل السدّي، عن أنس بن مالك: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده طائر فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك يأكل معي من هذا الطير. فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء عثمان فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له »(١) .

ورواه النّسائي بقوله: « أخبرني زكريا بن يحيى قال: ثنا الحسن بن حماد قال: ثنا مسهر بن عبد الملك، ثنا عيسى بن عمر، عن السدّي، عن أنس بن مالك: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عنده طائر فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطّائر. فجاء أبو بكر فردّه ثمّ جاء عمر فردّه ثمّ جاء علي فأذن له »(٢) .

فإذا لم يكن هذا الحديث - وبهذا اللفظ - دليلاً على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فما هو مدلوله يا منصفون؟ فلقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المصداق الوحيد لـ « أحبّ الخلق » وأنّه الذي أذن له النبيّ بالدخول والأكل معه، وأمّا غيره فقد رُدّ فأيّ قصورٍ في دلالة هذا الحديث

____________________

(١). مسند أبي يعلى ٧ / ١٠٥ رقم: ١٢٩٧ باختلاف يسير.

(٢). خصائص علي ٢٩ / ١٠.


الصحيح على مطلوب الإِماميّة، يا منصفون؟!

وعلى كلّ حالٍ، فقد سقط هذا الإِحتمال الذي أبداه ( الدهلوي ) للقدح في الاستدلال بحديث الطّير من حديثٍ صحيحٍ أخرجه الحافظ أبو يعلى في ( مسنده ) والحافظ النسائي في ( الخصائص ) الذي ذكره له ( الدهلوي ) في ( اُصول الحديث ) وفي ( التحفة ) في الكتب المصنّفة من قبل علماء أهل السنّة في مناقب أهل البيتعليهم‌السلام لكنْ لا ندري هل كان حين إبداع هذا الإِحتمال على علمٍ بوجود الحديث المذكور في ( الخصائص ) أو لا؟ إنّه - وإن كان الاحتمال الثاني هو الأقوى بالنظر إلى القرائن العديدة - فللأوّل أيضاً مجال، لأنّه - مضافاً إلى وجود النظائر العديدة للمقام حيث وجدناه ينكر شيئاً عن علمٍ وعمدٍ - أجاب عن سؤالٍ وُجّه إليه حول حديث الطّير في ( الخصائص ) بالطعن في راويه - وهو السدّي - لا بإنكار وجوده في الكتاب المذكور.

٤ - هل كانوا خارجين في جميع وقائع قضية الطير؟

لو سلّمنا ترتّب أثر على هذا التأويل، فإنّما يترتّب في حال احتمال خروج أبي بكر وعمر وعثمان كلّهم لا الأوّل وحده من المدينة المنّورة، في جميع وقائع حديث الطير، لثبوت تعدّد القضية وتكرّرها، ومن العجيب جدّاً خروجهم كذلك ولم يذكره أحد من أصحاب السّير، مع شدّة اعتنائهم بضبط الأحوال خاصةً أحوال الثلاثة، وعدم نقلهم هكذا خبرٍ دليلٌ على عدم وقوعه. كما قال ابن تيميّة في ( منهاجه ) في نظائر المقام.

لقد ادّعى الكابلي خروج الثلاثة جميعاً حيث قال: « ويحتمل أنْ يكون الخلفاء غير حاضرين في المدينة، والكلام يشمل الحاضرين فيها دون غيرهم، ودون إثبات حضورهم خرط القتاد »، لكن ( الدهلوي ) استبعد هذا الاحتمال فاستحيى من ذكره واكتفى باحتمال خروج أبي بكر فقط.


وبما أنّ الكابلي يعترف بأنّ الكلام يشمل الحاضرين في المدينة، وقد عرفت حضور الشيخين بل الثلاثة كلّهم بالدلائل القاطعة، فالكلام شامل لهم، فأمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق إلى الله والرسول منهم. والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً.

ولا يخفى اضطراب القوم وتناقضهم في مسألة خروج الشيخين من المدينة المنوّرة، فإذا اعترض على الشيخين وطعن فيهما بعدم تأمير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إياهما في بعثةٍ أو سريّة وعدم إرساله إيّاهما في أمرٍ من الأُمور - كما كان يفعل مع غيرهما من صحابته - قالوا بضرورة وجودهما عند النبيّ في المدينة، لكونهما وزيرين له، يشاورهما في أُموره وجميع شئونه، فلم يكن له غنىٌ عنهما حتى يرسلهما في عملٍ، ومن هنا وضعوا على لسانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث في هذا المعنى. أمّا إذا قيل لهم: إنّ حديث الطير و قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك » يدلّ على أفضليّة عليعليه‌السلام منهما، قالوا: لعلّهما لم يكونا حاضرين في المدينة حينذاك!!

قوله:

وكان الدعاء خاصّاً بالحاضرين لا الغائبين.

أقول:

إنّ ( الدهلوي ) بعد أنْ ذكر احتمال عدم حضور أبي بكر في المدينة المنوّرة لدى دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ادعى اختصاص هذا الدعاء بالحاضرين، ولكنّ الدليل الذي أقامه على هذه الدعوى - وهو: عدم جواز خرق العادة على الأنبياء إلّا في حال التحدّي مع الكفّار - باطل جدّاً ومعارض بما ستعلم.


وأيضاً، فإنّ أحداً لم يدّع اختصاص دعاء النبيّ في قصة الطير بالغائبين، بل ليس هذا الإِحتمال ممّا يلتفت إليه أحد من العقلاء، سواء من الشّيعة أو غيرهم فنفي ( الدهلوي ) احتمال اختصاصه بالغائبين لم يكن مناسباً لشأنه المزعوم في البلاغة والرصانة في البيان، فاستبصر ولا تكن من الغافلين.

نعم لو كانت عبارته: وكان الدعاء خاصّاً بالحاضرين ولا يعمّ الغائبين، لم يرد عليه هذا الإِعتراض.

قوله:

بدليل أنّه قال: اللّهم ائتني

أقول:

لو قال بدليل « ائتني » لكانت عبارته أخصر وأمتن كما لا يخفى على من له ذوق سليم، وهذا التطويل غريب ممّن يدّعي التمييز والفهم المستقيم، ويرمي كلمات عليعليه‌السلام بما ينبو عنه الأسماع لوهمه السقيم.

قوله:

لأنَّ إحضار الغائب من المسافة البعيدة عن طريق خرق العادة في تلك اللّمحة الواحدة التي كانت مجلس الأكل والشرب أمر متصوّر.

أقول:

كون مطلوبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضور من طلب إتيانه « في لمحةٍ واحدة » لا دليل عليه في شيء من ألفاظ حديث قضيّة الطير، فمن أين جاء ( الدهلوي ) بهذا؟

وأيضاً: إذا كان التخصيص باللّمحة الواحدة مستفاداً من الحديث عنده


فلماذا تجشّم مؤنة إيجاد احتمال غيبة أبي بكر عن المدينة المنوّرة؟ هلّا اكتفى باحتمال بُعد أبي بكر عن مجلس الأكل بمسافةٍ لا يكون حضوره متصوّراً في لمحةٍ واحدة من دون خرق العادة؟

قوله:

والأنبياء لا يطلبون خرق العادة من الله تعالى إلّا عند التحدّي مع الكفّار.

أقول:

إنّ ( الدّهلوي ) يدّعي هذا المطلب لكونه في مقام التحدّي مع الإِماميّة، وإلّا فكيف ينسى الكرامات العجيبة الغريبة التي يدّعونها لأئمتهم في التصوّف ولا شيء منها في مقام التحدّي مطلقاً؟ فإذا جاز هذا المشايخ الصّوفيّة فما المانع عنه بالنّسبة للأنبياء؟!

بل لقد أجاز ابن تيمية صدور خوارق العادة من آحاد النّاس، في جوابه عن كرامةٍ لأمير المؤمنينعليه‌السلام أوردها العلّامة الحلّيرحمه‌الله ، قال ابن تيمية:

« روى جماعة أهل السير بأنّ عليّاً كان يخطب على منبر الكوفة، فظهر ثعبان فرقى المنبر، وخاف الناس وأرادوا قتله فمنعهم، فخاطبه ثمّ نزل، فسأل الناس عنه فقال: إنّه حاكم الجن، التبست عليه قضيّة فأوضحتها له. وكان أهل الكوفة يسمّون الباب الذي دخل فيه باب الثعبان. فأراد بنو اُمية إطفاء هذه الفضيلة، فنصبوا على ذلك الباب قتلى مدةً طويلةً حتى سمّي باب القتلى.

والجواب: إنّه لا ريب أنّ مَن دون علي بكثير يحتاج الجن إليه وتستفتيه وتسأله، وهذا معلوم قديماً وحديثاً. فإنْ كان هذا قد وقع فقدره أجلّ من ذلك، وهذا من أدنى فضائل من هو دون علي. وإن لم يكن وقع لم ينقص فضله بذلك، وإنّما من باشر أهل الخير والذين لهم أعظم من هذه الخوارق، أو رأى


من نفسه ما هو أعظم من هذه الخوارق، لم تكن هذه ممّا توجب أن يفضّل بها عليّاً، ونحن لو ذكرنا ما باشرناه من هذا الجنس ممّا هو أعظم من ذلك لذكرنا شيئاً كثيراً، ونحن نعلم أنَّ من هو دون علي بكثير من الصحابة خير منّا بكثير، فكيف يمكن مع هذا أن يجعل مثل هذا حجةً على فضيلة علي على الواحد منّا، فضلاً عن أبي بكر وعمر؟

ولكنّ الرافضة لجهلهم وظلمهم وبعدهم عن طريق أولياء الله ليس لهم من كرامات الأولياء المتقين ما يعتدّ به، فهم لإِفلاسهم منها إذا سمعوا شيئاً من خوارق العادات عظّموه تعظيم المفلس للقليل من النقد، والجائع للكسرة من الخبز. والرافضة لفرط جهلهم وبعدهم عن ولاية الله وتقواه ليس لهم نصيب كثير من كرامات الأولياء، فإذا سمعوا مثل هذا على علي ظنّوا أنّ هذا لا يكون إلّا لأفضل الخلق، وليس الأمر كذلك.

بل هذه الخوارق المذكورة وما هو أعظم منها يكون لخلق كثيرٍ من اُمة محمّد المعترفين بأنّ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً خير منهم، الذين يتولّون الجميع ويحبّونهم ويقدّمون من قدّم الله ورسوله، لا سيّما الذين يعرفون قدر الصدّيق ويقدّمونه، فإنّه أخصّ هذه الاُمة بولاية الله وتقواه، واللبيب يعرف ذلك بطرقٍ، إمّا أن يطالع الكتب المصنّفة في أخبار الصالحين وكرامات الأولياء، مثل كتاب ابن أبي الدنيا، وكتاب الخلّال، وكتاب اللالكائي، وغيرهم. ومثل ما يوجد من ذلك في أخبار الصالحين مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، وغير ذلك. وإمّا أن يكون قد باشر من رأى منه ذلك. وإمّا أنْ يخبره بذلك من هو عنده صادق، فما زال الناس في كلّ عصرٍ يقع لهم من ذلك شيء كثير، ويحكي ذلك بعضهم لبعض، وهذا كثير في كثير من المسلمين. وإمّا أنْ يكون نفسه وقع له بعض ذلك.

وهذه جيوش أبي بكر وعمر ورعيّتهما، لهم من ذلك ما هو أعظم من ذلك، مثل: العلاء بن الحضرمي وعبوره على الماء كما تقدّم ذكره، فإنّ هذا


أعظم من نضوب الماء، ومثل: استسقائه وتغيّيب قبره، ومثل: النفر الذين كلّمهم البقر وكانوا جيش سعد بن أبي وقاص في وقعة القادسية، ومثل: نداء عمر: يا سارية الجبل - وهو بالمدينة وسارية بنهاوند - ومثل: شرب خالد بن الوليد السمّ، ومثل: إلقاء أبي مسلم الخولاني في النار فصارت عليه بردا وسلاما لمـّا ألقاه فيها الأسود العنسي المتنبّي الكذّاب، وكان قد استولى على اليمن، فلمـّا امتنع أبو مسلم من الإيمان به ألقاه في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، فخرج منها يمسح جبينه، وغير ذلك ممّا يطول وصفه »(١) .

قوله:

وإلّا لم يقوموا بحربٍ وقتالٍ وتجهيز للأسباب الظاهرية، وتوَصلّوا إلى مقاصدهم بخرق العادة.

أقول:

كأنّ ( الدهلوي ) لم يفهم أنّ الإِيجاب الجزئي لا ينافي السّلب الكلّي، فأخذ الأنبياءعليهم‌السلام في بعض الأحيان بالأسباب الظاهرية لا يستلزم أن يكونوا دائماً كذلك، وأنّه إذا لم يطلبوا من الله سبحانه إجراء المعجزة على أيديهم وخرق العادات، فإنّه لا يستلزم عدم جواز طلبهم ذلك منه بالكليّة

إنّ الحرب والقتال والتوسّل بالأسباب الظّاهرية، كلّ ذلك لا يدلّ بإحدى الدلالات الثلاث على عدم جواز طلبهم من الله بغير تحدٍّ خرق العادة

إنّ الأنبياء يتبعون في أفعالهم وتروكهم المصالح التي شاءها الله سبحانه لهم، يمتثلون ما يأمرهم به، وبأمره يعملون وإنْ كانوا لو أرادوا شيئاً من الله

____________________

(١). منهاج السنة ٤ / ١٩٦.


أعطاهم ولو طلبوا منه إظهار المعجزة على أيديهم أجابهم، سواء حال تحدّي أهل الكفر والضّلالات وعدمه

* * *


(٢)

إبطال احتمال

كون المراد: بمَن هو مِن أحبّ النّاس

قوله:

ويحتمل أن يكون المراد بمَن هو مِن أحبّ النّاس إليك.

أقول:

١ - هو باطل بالوجوه المبطلة للتأويل الأوّل

إنّ البراهين الدّامغة والحجج السّاطعة الّتي أقمناها على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أحب الخلق إلى الله ورسوله مطلقاً، من الأحاديث النبويّة، ومن تصريحات الصّحابة، ومن إفادات العلماء لا تدع مجالاً لأيّ تأويلٍ في حديث الطّير، ولا حاجة - بالنظر إليها - إلى دفع هذا التأويل أو غيره بوجهٍ أو وجوه أُخرى لا سيّما هذا التأويل الذي يبطله كثير من تلك البراهين فلاحظ.

٢ - هو منقوض باستدلالهم بقوله تعالى: ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) .

ومع ذلك ينبغي أن نذكر جواباً نقضيّاً واحداً، وآخر حليّاً عن هذا الاحتمال الواضح الاختلال أمّا الجواب النقضي فهو:

إنّ علماء أهل السنّة يزعمون نزول الآية:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي


مالَهُ يَتَزَكَّى ) (١) في أبي بكر. ويدّعون أنّ وصف أبي بكر فيها بـ « الأتقى » تصريح بأنّه أتقى من سائر الاُمة قال ابن حجر المكّي في الآيات الدالّة بزعمه على فضل أبي بكر: « أمّا الآيات، فالأولى قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى ) قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنّها نزلت في أبي بكر. ففيها التصريح بأنّه أتقى من سائر الاُمة، والأتقى هو الأكرم عند الله لقوله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) والأكرم عند الله هو الأفضل، فينتج أنّه أفضل من بقيّة الاُمة »(٢) .

فنقول:

إذا كان لفظ « الأتقى » في هذه الآية تصريحاً بأنّ من نزلت فيه « أتقى من سائر الاُمّة » فلا ريب في كون لفظ « أحبّ » في حديث الطير تصريحاً بأنَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام « أحبّ الخلق إلى الله ورسوله من سائر الاُمة »

فتأويل الحديث بتقدير « مِن » فاسد وكيف يكون لفظ « الأتقى » نصّاً صريحاً في كون أبي بكر « أتقى الاُمة » عندهم، ولا يكون لفظ « أحبّ الخلق » نصّاً صريحاً في كون أمير المؤمنينعليه‌السلام « أحبّ الخلق » من الشيخين وغيرهم إلى الله ورسوله؟! مع أنّ حديث الطّير معتضد بأحاديث اُخرى رووها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صريحة الدلالة على أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

أليس لفظ « الأتقى » ولفظ « الأحبّ » كلاهما من صيغة أفعل التفضيل؟

فهل من فارق إلّا التعصّب والعناد؟!

نعم بينهما فرق من جهة أن لفظ « أحبّ » في الحديث مضاف إلى

____________________

(١). سورة الليل: ١٧ - ١٨.

(٢). الصواعق المحرقة: ٩٨.


« الخلق » فيكون دلالته أصرح من دلالة « الأتقى » فيما يزعمون فهل هذه الزيادة في الصّراحة هي المانعة عن الدلالة على الأحبيّة من جميع الخلق؟!

٣ - هو غير مانع من دلالة الحديث على أحبية علي من الشيخين

وأمّا الجواب الحلّي فهو: إنّ الغرض من هذا التأويل ليس إلّا منع دلالة حديث الطير على أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام من الشيخين، فيكونعليه‌السلام من أحبّ الخلق إلى الله ورسوله، لا الأحب مطلقاً ليلزم كونه أحبّ منهما، ولكنَّ٠ دلالة الحديث على أحبيّتهعليه‌السلام منهما ثابتة حتى على هذا التأويل، وذلك لأنّ النسائي وأبا يعلى رويا الحديث وفيه: « فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له ».

فظهر أنّ الشيخين لم يكونا أحبّ إلى الله ورسوله حتى « من بعض الخلق » فيكون هذا التأويل مستوجباً لمزيد الحطّ من شأنهما وقدرهما، إذن، بناءً على تقدير « من » أيضاً يكون الحديث دالاً على أنّه هو الأحبّ إلى الله ورسوله وأنّ الشيخين ليسا الأحبّ إليهما.

لكن ( الدهلوي ) ومن قبله الكابلي لم يفهما ما يستلزمه كلامهما وما ينتهي إليه مرامهما!!

وعلى كلّ حالٍ، فإنّ هذا التأويل لا يضرّ باستدلال الشيعة بحديث الطير على كون أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ وأفضل من الشيخين ومن سائر الخلق أجمعين هذه الأحبيّة المطلقة الثابتة له من أحاديث العترة الطاهرة والأحاديث التي رواها أهل السنّة - المتقدّم بعضها - الآبية عن كلّ تأويل، واللازم هو الأخذ بها - وبحديث الطير - على المعنى الذي هي صريحة فيه والحمد لله ربّ العالمين.

وأمّا دعوى نزول قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) في أبي بكر فقد


أثبت علماء الشّيعة بطلانها بما لا مزيد عليه. فراجع(١) .

قوله:

وهذا استعمال رائج ومعروف، كما في قولهم: فلان أعقل النّاس وأفضلهم.

أقول:

نعم التّسويل في هؤلاء القوم رائج إنّهم يحاولون صرف أدلّة

____________________

(١). قد استدلوا بالآية الكريمة على أفضلية أبي بكر، في أغلب كتبهم في التفسير كتفسير الرازي والكلام كالمواقف وشرحها، وشرح المقاصد، ووجه الاستدلال ما ذكرناه، وقد أبطلناه في كتابنا ( الإمامة في أهم الكتب الكلاميّة وعقيدة الشيعة الإماميّة ) في ( الطرائف على شرح المواقف ) و ( المراصد على شرح المقاصد ) بأنّ الاستدلال موقوف على نزول الآية في أبي بكر وصحّة الخبر في ذلك، وهذا أوّل الكلام، لأنّ:

١ - هذا الخبر ممّا تفرّدوا بنقله، فلا يكون حجة في مقام الاستدلال والإحتجاج.

٢ - نزول الآية في حق أبي بكر غير متّفق عليه بينهم، ولذا نسب القول به في ( شرح المواقف ) إلى أكثر المفسّرين.

٣ - من المفسّرين من حمل الآية على العموم، ومنهم من قال بنزولها في قصّة أبي الدحداح وصاحب النخلة، كما في ( الدر المنثور ٦ / ٣٥٨ ).

٤ - خبر نزولها في أبي بكر إنّما يرويه آل الزبير، وانحراف هؤلاء عن علي عليه‌السلام مشهور، فلا يكون قولهم حجة.

٥ - سند الرواية غير معتبر. قال الحافظ الهيثمي في ( مجمع الزوائد ٩ / ٥٠ ): « وعن عبد الله الزبير قال: نزلت في أبي بكر الصدّيق: (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى ). رواه الطبراني وفيه: مصعب بن ثابت، وفيه ضعف ».

قلت : وهو من آل الزبير، فهو: « مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير » قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أراه ضعيف الحديث، لم أر الناس يحمدون حديثه، وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن حبان: انفرد بالمناكير عن المشاهير فلما كثر ذلك فيه استحقّ مجانبة حديثه، وقال ابن سعد: يستضعف، وقال الدار قطني: ليس بالقوي: ( تهذيب التهذيب ١٠ / ١٤٤ ).


مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام عن دلالتها بالتأويلات العليلة، فهم كقول القائل:

وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورها

و يجهد أنْ يأتي لها بضريب

فهل من متكلّم عربي أديب يقول: « فلان أعقل الناس وأفضلهم » وهو يريد « فلان من أعقل الناس وأفضلهم »؟ سلّمنا فما الدليل على حجيّة هكذا قول؟ سلّمنا فما الملازمة بين صحّة هكذا كلام وتماميّة التأويل المذكور فيه، وبين مجيء نفس التأويل في حديث الطّير؟

والحمد لله ربّ الذي وفّقنا لبيان ركاكة هذه التأويلات وسخافتها فلننظر فيما قاله غير ( الدهلوي ) في هذا الباب

* * *



دحض تقوّلات

بعض علماء الحديث



التُّوربشتي

قال الشيخ فضل الله التوربشتي - شارح مصابيح السنّة - بشرح حديث الطير:

« ومنه حديث أنسرضي‌الله‌عنه قال: كان عند النبيّعليه‌السلام طير. الحديث.

قلت: نحن وإنْ كنا لا نجهل - بحمد الله - فضل عليرضي‌الله‌عنه وقدمه وبلاءه وسوابقه واختصاصه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة القريبة ومؤاخاته إيّاه في الدين، ونتمسّك من حبّه بأقوى وأولى ممّا يدّعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحاً، لما نخشى فيها من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وهذا باب اُمرنا بمحافظته وحمى اُمرنا بالذبّ عنه، فحقيق علينا أنْ ننصر فيه الحق ونقدّم فيه الصدّق.

وهذا حديث يريش به المبتدع سهامه ويوصل به المنتحل جناحه، فيتخّذه ذريعةً إلى الطعن في خلافة أبي بكررضي‌الله‌عنه ، التي هي أوّل حكمٍ أجمع عليه المسلمون في هذه الاُمة، وأقوم عمادٍ أُقيم به الدين بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأقول - وبالله التوفيق -:

هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريّته، من


الأخبار الصّحاح منضمّاً إليها إجماع الصحابة، لمكان سنده، فإن فيه لأهل النقل مقالاً، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإِجماع، لا سيّما والصحابي الذي يرويه ممّن دخل في هذا الإِجماع، واستقام عليه مدّة عمره، ولم ينقل عنه خلافه، فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسّبيل أنْ يأوّل على وجهٍ لا ينقض عليه ما اعتقده ولا يخالف ما هو أصحّ منه متناً وإسناداً، وهو أنْ يقال:

يحمل قوله « بأحبّ خلقك » على أنّ المراد منه: ائتني بمن هو من أحبّ خلقك إليك، فيشاركه فيه غيره، وهم المفضلّون بإجماع الاُمّة، وهذا مثل قولهم: فلانٌ أعقل الناس وأفضلهم. أي: من أعقلهم وأفضلهم. وممّا يبيّن لك أن حمله على العموم غير جائز هو أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جملة خلق الله، ولا جائز أن يكون علي أحبّ إلى الله منه. فإنْ قيل: ذاك شيء عرف بأصل الشرع. قلت: والذي نحن فيه عرف أيضاً بالنصوص الصحيحة وإجماع الاُمة. فيأوّل هذا الحديث على الوجه الذي ذكرناه.

أو على أنّه أراد به: أحبّ خلقه إليه من بني عمّه وذويه، وقد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطلق القول وهو يريد تقييده، ويعمّ به وهو يريد تخصيصه، فيعرفه ذو الفهم بالنظر إلى الحال أو الوقت أو الأمر الذي هو فيه »(١) .

أقول:

١ - في كلامه اعتراف بدلالة حديث الطير

تفيد عبارة التوربشتي بوضوحٍ دلالة حديث الطير على أفضلية أمير المؤمنينعليه‌السلام وبطلان تقدّم المتغلّبين عليه، إنّه يصرّح بصلاحيّة هذا الحديث لأن يتخذ ذريعة إلى الطعن في خلافة أبي بكر لكنْ لـمّـا كانت

____________________

(١). شرح المصابيح - مخطوط.


خلافته إجماعيةً - بزعمه - فلا مناص من الطّعن في سند حديث الطّير أو تأويله

٢ - بطلان دعوى أنّ في سنده مقالا ً

لكنّ دعوى « إنّ في سنده مقالاً لأهل النقل فلا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر » باطلة فقد أثبتنا - بحمد الله - تواتر حديث الطير وقطعيّة صدوره عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورأيت طرقه العديدة الصحيحة، وتصريحات أكابر أعلام القوم بصحته بقطع النظر عن تواتره فلو كان بعد ذلك لأحدٍ مقال في سنده فهو مردود عليه.

٣ - بطلان دعوى المعارضة

ومن العجيب: أنّ هذا المحدِّث المتّبحر لم يفهم أن أخبار أهل السنّة - وإنْ بلغت عندهم في الصّحة أعلى درجاتها - لا تكون حجة على الآخرين، فقوله: « هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريّته من الأخبار الصحاح » ساقط في الغاية.

٤ - بطلان دعوى الإجماع على خلافة أبي بكر

وأيضا يريد هذا المحدّث ردّ حديث الطير لمخالفته للإجماع المزعوم على خلافة أبي بكر لكن أين الإجماع على ذلك؟ لقد ثبت وهن التمسّك بهذا الإِجماع في كتب الإِمامية من المتقدمين والمتأخرين مثل ( تشييد المطاعن ) وغيره، بما لا مزيد عليه والمؤمن لا يجوّز رفع اليد عن حديث صادَر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقطع واليقين بهكذا دعوى لا أساس لها من الصحة أصلاً


٥ - بطلان قوله: إن الصّحابي الذي يرويه ممّن دخل في الإِجماع

وأمّا دعوى أن « الصّحابي الذي يرويه ممّن دخل في هذا الإِجماع واستقام عليه مدّة عمره ولم ينقل عنه خلافه » فمردودة، لأنّ رواية هذا الحديث غير منحصرة في أنس بن مالك كي يكون لهذه الدعوى حظٌّ من الواقعية، بل لقد ثبت أن غير أنسٍ من الصّحابة كسيدّنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وابن عباس، وأبي الطّفيل، وغيرهم، يروون حديث الطّير. ومن المعلوم أنّ دخول أمير المؤمنينعليه‌السلام وابن عبّاس في الإِجماع المزعوم في حيّز المنع والإِمتناع، وعدم نقل الخلاف عنهما باطل محض، بل الدلائل على إبطال أمير المؤمنينعليه‌السلام - وكذا ابن عبّاس وسائر بني هاشم بل غيرهم - خلافة أبي بكر لا تحصى وفي كتاب ( المعارف ) إن أبا الطفيل كان من غلاة الرّوافض(١) فكيف يقال بأنه ممّن دخل في الإِجماع المدّعى واستقام عليه مدّة عمره ولم ينقل عنه خلافه؟

على أنّ سيّدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام استدلّ - فيما استدل في الشورى - بحديث الطّير على أحقيّته بالخلافة، وقد سلّم القوم جميعاً كلامه وقد جاء في حديث احتجاجه على القوم بفضائله قوله لهم:

« بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق، فسمعت وأطعت مخافة أنْ يرجع الناس كفّاراً يضرب بعضهم رقاب بعضٍ بالسيف، ثمّ بايع أبو بكر لعمر وأنا والله أولى منه بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أنْ يرجع الناس كفّاراً، ثمّ أنتم تريدون أنْ تبايعوا عثمان! إذا لا أسمع ولا اُطيع، إنّ عمر جعلني في خمسةِ نفرٍ أنا سادسهم، لا يعرف لي فضل في الصلاح ولا يعرفونه لي كما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أنْ أتكلَّم ثم لا يستطيع عربيّهم

____________________

(١). كتاب المعارف: ٦٢٤.


ولا عجميّهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك ردّ خصلة منها ».

ولو سلّمنا ما ذكره من دخول رواة حديث الطّير من الصّحابة في الإِجماع وعدم نقل خلافٍ عنهم فأيّ ضرورةٍ لتوجيه هذا الحديث على وجهٍ لا ينافي اعتقادهم بخلافة أبي بكر؟ إنّه كثيراً ما يتّفق اعتراف الشخص بالحق وهو لا يعتقده، وذاك مصداق

قولهعليه‌السلام : « الحق يعلو ولا يعلى عليه ».

٦ - صرف ألفاظ الشّارع عن ظاهرها حرام

ثمّ إنّ التأويل كيفما كان، ومن أيّ أحدٍ كان، بلا مجوّز، غير جائز وهذا شيء نصَّ عليه كبار العلماء وأرسلوه إرسال المسلّمات قال المنّاوي بشرح حديث: « إتّقوا الحديث عنّي إلّا بما علمتم »: « قال الغزالي: ومن الطامات: صرف ألفاظ الشارع عن ظاهرها إلى أُمورٍ لم تسبق منها إلى الإِفهام كدأب الباطنية، فإن الصَّرف عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصامٍ فيه بالنقل عن الشارع، وبغير ضرورة تدعو إليه من دليلٍ عقلي، حرام »(١) .

ولا ريب في أنّ ما فعله التوربشتي في حديث الطير من أظهر مصاديق هذا الموضوع المتوجّه إليه هذا الحكم.

٧ - دعوى أن ما دلّ على تقديم أبي بكر أصحّ متناً وإسناداً باطلة

وأمّا دعوى أنّ حديث الطير يخالف ما هو أصحّ متناً وإسناداً فباطلة:

أمّا أوّلاً: فلأنَّ الفضائل الموضوعة والمناقب المصنوعة موهونة على أُصولهم، كما فصّل في كتاب ( شوارق النّصوص ). وأمّا ثانياً: فلأنَّ تلك الأحاديث حتّى لو صحّت عند أهل السنّة فليست بحجةٍ على خصومهم.

____________________

(١). فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ / ١٣٢.


٨ - سخافة التأويل بتقدير « مِن »

وأمّا ما ذكره من تقدير « من » وحمل « أحبّ الخلق » على « من أحبّ الخلق » فسخيف في الغاية، وقد عرفت ذلك في جواب كلام ( الدهلوي ).

مضافاً إلى أنه - بناءً على هذا التأويل - يكون كلٌّ من المشايخ الثلاثة المفضَّلين على غيرهم بإجماع الاُمة - كما زعم - داخلاً في دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و « من أحبّ الخلق إلى الله »، فلما ذا جعل الله سبحانه علياًعليه‌السلام مصداق الدعاء ومَن طلب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجيئه إليه، ولم يجعله أحد الثلاثة المفضَّل كلٌّ منهم عليهعليه‌السلام كما زعم؟!

وأيضاً، لو كان كذلك لم يكن من المناسب أنْ يردَّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المشايخ الثلاثة بعد مجيء الواحد منهم تلو الآخر كما ثبت من رواية أبي يعلى، إلّا أنْ يقال بأن الله تعالى أجاب دعوة النبيّ وأتاه بأحبّ الخلق إليه لكنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ردّهم خلافاً لمرضاة ربّه!!

ولكنّ هذا ممّا يهدم أركان الإِيمان، وإنْ لا يبعد إلتزامهم به! ألا ترى ( الدهلوي ) - في مقام الجواب عن مطعن حديث القرطاس - ينكر أن تكون جميع أقوال النبيّ وأفعالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطابقة للوحي الإلهي؟!!

لكنّ الإِصرار على هذا التأويل العليل - والالتزام بهذا اللّازم الفاسد الشنيع - ينجرّ إلى سقوط عمدة أدلّتهم عن الاستدلال، وهو تمسكّهم بقوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) على أفضلية أبي بكر. وقد بيّنا وجه ذلك فهل يبقون على إصرارهم؟!!

٩ - وجوه الرّد على طعنه في العموم باستلزامه دخول النبي

وأمّا قوله: « وممّا يبيّن لك أنّ حمله على العموم غير جائز هو: أنّ


النبيّ » فمن أعاجيب، الهفوات وقد كنّا نظنّ أنّ صدور هذا وأمثاله من المتسنّنين المتأخرّين من قلة ممارستهم لكلام العرب وقصر باعهم في فنون الأدب، لكن صدوره من مثل التوربشتي يبيّن لك أنّ الباعث على هذا ونحوه هو التعصب الأعمى للباطل والسقوط في دركات الهوى وكيف كان، فإنّ الجواب عمّا ذكره من وجوه:

الوجه الأوّل:

إنّ أحبيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الله من أمير المؤمنينعليه‌السلام أمر ثابت في أصل الشرع بالأدلّة القطعيّة، وعليه الإِجماع من الشيعة الإِمامية والمخالفين لهم قاطبة، فمن الضروري رفع اليد عن عموم حديث الطّير كيلا يشمل نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذ ليس لتخصيص غيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دليل فالحديث بالنسبة إلى من عدا النبيّ باق على عمومه. وتمسّك التوربشتي للتخصيص الزائد « بالنّصُوص الصحيحة وإجماع الاُمة » فباطل. أمّا بالنظر إلى النصوص الصّحيحة فلا نصّ صحيح على أحبيّة أبي بكر وعمر وعثمان - الذين زعم أفضليتهم بإجماع الاُمة - إلى الله وما يرويه أرباب الكذب والإِفتراء في باب أحبيّة الشيخين إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّما هو كذب مفتعل، مضافاً إلى أنَّ أحداً من أرباب الكذب لم يرو في باب أحبيّة عثمان إليه حديثاً ولو مفترى عليه. وأمّا بالنّظر إلى إجماع الاُمّة فدعوى قيامها على أحبيّة أولئك فمن أعاجيب الأكاذيب، لوضوح أنّ الإِمامية الأثني عشرية بل جمهور الشيعة ينفون أصل المحبوبيّة عنهم فضلاً عن الأحبيّة، فأين إجماع الاُمّة؟ وهل يرى التوربشتي أو غيره خروج فرق الشيعة عن الاُمّة؟

لكنّ دعوى خروج فرق الشيعة عن الاُمّة وانحصارها في أهل نحلته لا تخلّصه من الورطة وذلك:


أوّلاً : ما الدليل على قيام إجماع أهل السنّة على أحبيّة القوم؟ ولو كان يكفي مجرد دعوى الإِجماع لجاز لكلّ أحدٍ دعواه على مدّعاه.

وثانياً : سلّمنا، فما الدّليل على حجية إجماعهم على غيرهم؟

وثالثاً : إنّك قد عرفت أن أبا ذر وبريدة كانا يقولان بأحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأنّ عائشة قد اعترفت بذلك غير مرّة حتى أنّها قالت للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « والله لقد علمت أنّ علياً أحبّ إليك من أبي » كما ورد عنها ما يدلّ بصراحة على أحبيّة فاطمة الزهراءعليها‌السلام واُسامة بن زيد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... فيكون هؤلاء خارجين عن الإجماع على أحبيّة المشايخ، وإذا خرج أبو ذرّ وبريدة وعائشة ورسول الله نفسه عن هذا الإِجماع فإنّ وصفه بإجماع الاُمة عجيب!! وكما ظهر بطلان دعوى إجماع الامّة على ما نحن فيه لخروج جملة من الأصحاب عنه يظهر بطلانه أيضا من خروج: الحسن البصري - من التابعين - والمأمون العباسي - من حكّام أهل السنّة - ويحيى بن أكثم وغيره - من كبار قضاتهم - والشيخ أبي عبد الله البصري، والحاكم النيسابوري، وقاضي القضاة عبد الجبار، ومحمّد بن طلحة الشافعي، ومحمّد بن يوسف الكنجي، وجلال الدين الخجندي، وشهاب الدين أحمد، ومحمّد بن إسماعيل الأمير وغيرهم من كبار علمائهم المعترفين بالأحبيّة المطلقة لأمير المؤمنينعليه‌السلام

وأيضا، فإنّ كثيرا من الأصحاب والتابعين وعلماء الإسلام يقولون بأفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام مطلقا، وبين الأفضلية والأحبيّة تلازم كما هو واضح.

وأيضاً، فإنَّ كثيرين منهم فضّلوه على عثمان، فيلزم خروجهم عن الإِجماع المدّعى، للتلازم بين الأفضليّة والأحبيّة

وأيضاً، فإنَّ كثيرين منهم في مسألة الأفضلية متوقّفون فدخولهم في


الإِجماع المزعوم غير معلوم.

الوجه الثاني:

لقد نصَّ أكابر المحققين على أنَّ المتكلِّم خارج عن عموم كلامه، وبناءً على هذه القاعدة فإنّ النبيّ -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - غير داخل من أوّل الأمر في عموم « أحبّ الخلق » في حديث الطير، وعلى هذا أيضاً تبطل دعوى عدم عمومه، ولنذكر عبارةً واحدةً فيها التصريح بالقاعدة المذكورة:

قال شيخ الإِسلام عبد الله بن حسن الدين ابن جمال الدين الأنصاري المعروف بمخدوم الملك في كتاب ( عصمة الأنبياء ): « إتفق المليّون واجتمعت على أنّهم معصومون قبل البعثة وبعدها من الكفر الحقيقي الإِختياري، غير أنّ الأزارقة والفضليّة من الخوارج يجوّزون صدور ذلك منهم، لا بمعنى فساد العقيدة في التوحيد والجهل في معرفة الذات والصّفات، بل باعتبار أنَّ كل ذنبٍ كفر عندهم، وصدور الذنب عنهم جائز، فوقوع الكفر عنهم يكون كذلك. وعن الإِضطراري - أيْ إظهاره تقيةً - خلافاً للشيعة، فإنّهم يجوّزون إظهار الكفر تقيةً، بل أوجبه بعضهم. ومعصومون عن الكفر الحكمي أيضاً، بمعنى أنّه لا يحكم عليهم في صباهم بالكفر تبعاً للأبوين ولا تبعاً للدار، فإنّهم مولودون على الفطرة والمعرفة بالله وصفاته وتوحيده، وهم نشأوا على المعرفة من بدو خلقتهم وأوّل فطرتهم، ومن طالع سيرتهم مذ صباهم إلى مبعثهم يعلم ذلك يقيناً، ثم لم يقدر آباؤهم أن يغووهم عن الفطرة، لكونهم عرفاء بالله تعالى، عقلاء لدينه، مختارين لتوحيده بتأييده. وإسلام الصبي الذي يعقل ديناً صحيح، وعقلهم في هذه الحالة من فضله ورحمته عليهم، والله يختصُّ برحمته من يشاء، فلا يكونون أتباعاً للآباء.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ما من مولود إلّا يولد على فطرة الإِسلام وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » فليس على عمومه على ما لا يخفى، مع


أنَّ المتكلّم لا يدخل تحت الحكم، صرّح به أئمّة الحديث ».

الوجه الثالث:

إنّه لو تأمّل التوربشتي في لفظ الحديث لَما تفوّه بهذا الذي تفوّه به إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: « اللّهم ائتني » فطلب من الله إتيان « أحبّ الخلق » إليه وحضوره عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا عند غيره فلم يكن داخلاً في عموم كلامه من أوّل الأمر وهذا ظاهر كلّ الظّهور، ولكن من لم يجعل الله له نورا فما له نور.

الوجه الرابع:

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الطّير: « يأكل معي هذا الطّير » وهل يعقل أن يكون هو نفسه مصداقاً لقوله هذا فيكون المؤاكل نفسه؟

الوجه الخامس:

إنّ في كثيرٍ من طرق الحديث بعد لفظ « أحبّ خلقك إليك » أو نحوه لفظ « وإلى رسولك » أو نحوه وهذا صريح في أنَّ السؤال لغيره، وأن الدعاء لا يشمل نفسه، ولنعم ما أفاد العلّامة ابن بطريق:

« قد سأل الله تعالى أن يأتيه بأحبّ خلقه إليه وإلى رسوله، وتردّد السؤال من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك، وفي الجميع لم يأت إلّا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام . فثبت أنّه دعوة الرسول. وإذا كانت المحبّة من الله تعالى له هي إرادة تعظيمه ورفعته ودنوّه منه وقربه من طاعته وقد سألها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلفظة « أفعل » وهي مما يبالغ به في المدح، لأنّه قال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك، و « الأحبّ » على وزن « أفعل » فصارت هذه غاية المدحة له، وإذا كان الله تعالى يريد قربه ورفعته


وتعظيمه زيادةً على كافة خلقه، فقد ثبت مزيّته على سائر الخلق، بدليلٍ ثابت وهو سؤال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك. وإذا كان أحبّ خلق الله تعالى إليه وجب الإِقتداء به دون غيره، وهذا غاية التنويه بذكره ودعاء الخلق إلى اتّباعه.

وفي هذه المدحة أيضاً قطع النظارة له، لأنّه إذا كان أحبّ خلق الله تعالى ولا مماثل له في ذلك أحد، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خارج من هذه الدعوة، يدلّ على ذلك قوله حين رآه: اللهم وإليّ، وفي الخبر الآخر يقول:

إليك وإلى رسولك. ثبت أنّ السؤال لمن عداه، لئلّا يعترض معترض على هذا الكلام. ومن كان أحبّ خلق الله تعالى إليه وأحبّ خلق الله إلى رسوله فقد عدم نظيره ووجب تفردّه بعلوّ المنزلة عند الله تعالى وعند رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

إنْ عدّ أهل التُّقى كانوا أئمّتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم

ولا يدانيهم خلق وإنْ كرموا »(١)

ولا يخفى أنّه لما لم يكن دخول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عموم « أحبّ خلقك إليك » متبادراً إلى الأفهام ولا وجه لصّحة دعواه من أحدٍ، فقد ذكر المحبّ الطّبري حديث الطير تحت عنوان « ذكر أنّه أحبّ الخلق إلى الله تعالى بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

١٠ - وجوه الردّ على التأويل بإرادة الأحبّ من بني عمّه

وقول التوربشتي: « فيأوّل هذا الحديث على أنّه أراد به أحبّ خلقه إليه من بني عمّه وذويه » فتعصّب بحت، وإلّا فإنّه غير نافع له أبداً لوجوه:

____________________

(١). العمدة: ٢٥٢ - ٢٥٣.


الوجه الأوّل:

إنّه لا يقتضي وجه من الوجوه - ولو كان سخيفاً - هذا التأويل، ودعوى أنّه مقتضى أفضليّة الشيخين مصادرة على المطلوب.

الوجه الثاني:

إنّه تأويل من غير دليل شرعي أو ضرورة عقليّة، وقد تقدّم أنّ صرف كلام الشارع عن مقتضى ظاهره من غير اعتصام فيه بالنقل عنه وبغير ضرورة حرام.

الوجه الثالث:

إنّه تخصيص بلا مخصّص، فهو غير صحيح وغير مسموع وهذه قاعدة مسلَّمة، قال المنّاوي بشرح: « إتّقوا الحديث عنّي إلّا بما علمتم فمن يكذب عليَّ متعمّداً فليتبوّء مقعده من النار » قال: « قال الطيّبي: الأمر بالتبوّء تهكّم وتغليظ، إذ لو قيل: كان مقعده في النار لم يكن كذلك، والكذب عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكبائر الموبقة والعظام المهلكة، لإِضراره بالدين وإفساده أصل الإِيمان، والكاذبون عليه كثيرون، وقد اختلفت طرق كذبهم كما هو مبين في مبسوطات اُصول كتب الحديث. قال بعضهم: وعموم الخبر يشمل الكذب في غير الدين، ومن خصَّ به فعليه الدليل»(١) .

الوجه الرابع:

لقد جاء في صريح الأحاديث المعتبرة الكثيرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تفضيل قريش على غيرها، ثمّ تفضيل بني هاشم من قريش على

____________________

(١). فيض القدير ١ / ١٣٢.


غيرهم وأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يزل من خيارٍ في خيار فلو سلّمنا كون المراد أنّ علياًعليه‌السلام أحبّ الخلق من بني عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذويه لم يناف مدلول الحديث مطلوب أهل الحق لأنّ المفروض كون بني عمّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خير الخلق مطلقاً، فيكون عليعليه‌السلام أحبّ خير الخلق وهو المطلوب.

وقال محبّ الدين الطبري: « ذكر ما جاء في أنّه أفضل من ركب الكور بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عن أبي هريرة -رضي‌الله‌عنه - قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا ركب الكور بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل من جعفر. خرّجه الترمذي وقال: حسن صحيح »(١) .

فإذا كان جعفر أفضل الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - بحسب هذا الحديث - فهو أحبّ الناس إليه، لأنّ الأحبيّة تابعة للأفضليّه ومقتضى التأويل المذكور أن يكون أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ إلى رسول الله من جعفر، فهو أحبّ الخلق إليه مطلقاً. وهو المطلوب.

الوجه الخامس:

لقد دلَّت الأحاديث الكثيرة الصحيحة على أفضلية أهل البيتعليهم‌السلام من جميع الخلق، فهم أحبّ الخلق إلى الله والرسول فيكون أمير المؤمنينعليه‌السلام - الذي هو أحبّ أهل البيت - أحبّ الخلق مطلقاً.

الطَّيِّبي

وقال الحسين بن عبد الله الطيّبي - شارح مشكاة المصابيح - بشرح حديث

____________________

(١). ذخائر العقبى: ٢١٧.


الطير:

« قوله: بأحبّ خلقك إليك.

التوربشتي: نحن وإنْ كنّا لا نجهل - بحمد الله - فضل عليرضي‌الله‌عنه وقدمه وسوابقه في الإِسلام واختصاصه برسول الله

أقول : والوجه الذي يقتضيه المقام هو الوجه الثّاني، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يكره أن يأكل وحده، لأنّه ليس من شيمة أهل المروّة، فطلب من الله أنْ يتيح له من يؤاكله، وكان ذلك براً وإحساناً منه إليه، وأبرّ المبرّات برّ ذي الرحم وصلته، كأنّه قال: بأحبّ خلقك إليك من ذوي القرابة ومن هو أولى بإحساني وبرّي إليه »(١) .

أقول:

لقد أورد الطّيبي كلام التوربشتي في تأويل هذا الحديث بنصّه ثمّ أعرض عن الوجه الأوّل لسخافته وأيدّ الوجه الثاني من وجهي التأويل بما ذكر، لكنَّ ما جاء به تأييداً لما تقوّله التوربشتي باطل من وجوه:

١ - لو كان الدعاء لكراهة الأكل وحده فقد كان أنس وغيره عنده

إنّه لا ريب في حضور أنس بن مالك وسفينة عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قضيّة الطائر وساعة سؤاله من الله سبحانه أن يأتيه بأحبّ الخلق إليه، فلو كان السّبب في دعائه هو « أنّه كان يكره أن يأكل وحده لأنّه ليس من شيمة أهل المروّة » لكان يكفي أكل أحد الحاضرين معه، ولم يكن حاجة لطلب غيره لا مرةً بل مرّات.

____________________

(١). الكاشف - شرح المشكاة - مخطوط.


٢ - لو كان الغرض المؤاكلة فلماذا ردّ المشايخ؟

ولو كان الغرض أنْ لا يأكل وحده « فطلب من الله أن يتيح له من يؤاكله » كما يقول الطيّبي، فلما ذا ردّ المشايخ الثّلاثة الواحد بعد الآخر، كما في حديثي أبي يعلى والنسائي؟ اللّهم إلّا أنْ يضطّر الطيبي لأنْ يعترف بعدم أهليّتهم للمؤاكلة معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

٣ - لو كان المطلوب المؤاكلة والبرّ لكان أهل الحاجات أولى

ولو كان المطلوب هو إتاحة من يؤاكله، وليكون منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « برا وإحسانا منه إليه » فقد كان المناسب أن يأتيه الله تعالى ببعض الجائعين وأهل الحاجات والمساكين، لا أنْ يكون أمير المؤمنينعليه‌السلام المصداق الوحيد لدعائه، لأنّ أولئك - وإنْ كان عليعليه‌السلام ذا رحم، وأبرّ المبرّات برّ ذي الرحم وصلته - هم أولى من جهة إفتقارهم وشدّة فاقتهم

٤ - لو سلّمنا أولويّة ذي الرحم ففاطمة أولى من علي

سلّمنا تقدّم ذي الرّحم في البرّ والإِحسان والصّلة على غير ذي الرّحم مع شدّة افتقار الغير، لكنْ ما كان المناسب أن يكون عليعليه‌السلام مورد انطباق الدعاء واستجابته، لكون فاطمةعليها‌السلام أولى منه بالبرّ والإِحسان في ذوي القرابة القريبة، فكان اللازم أن تكون هي المصداق لدعوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥ - رجاء أنس أنْ يكون رجلاً من الأنصار يبطل هذا الإِحتمال

ولو كان مراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من « أحبّ خلقك إليك » هو « أحبّ خلقك إليك من ذوي القرابة القريبة ومن هو أولى بإحساني وبرّي


إليه » كما زعم الطيبي، فلما ذا رجا أنس بن مالك أن يكون رجلاً من الأنصار؟ ألم يعلم أنس أنْ لا قرابة بينه وبين الأنصار، وأنَّهم ليسوا بأولى الناس بإحسانه وبرّه؟

إنّ من الطّريف قول الطيبي نقلاً عن التوربشتي أنّه « قد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطلق القول وهو يريد التقييد، ويعمّ به ويريد تخصيصه، فيعرفه ذو الفهم بالنظر إلى الحال والوقت، أو الأمر الذي هو فيه » فإنّه يقول هذا ولا يعبأ بفهم أنس الذي فهم ما يخالف هذا التأويل العليل الذي أورده، مع أنَّ أنساً عندهم من ذوي الفهم!!

أضف إلى هذه الوجوه: أنّ كثيراً من ألفاظ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الحديث واضحة على بطلان هذا التأويل، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« اللّهم جئني بأحبّ خلقك وأوجههم عندك ».

و « اللّهم ائتنا بخير خلقك ».

و « اللّهم أدخل عليَّ أحبّ خلقك إليَّ من الأوّلين والآخرين ».

و « الحمد لله الذي جعلك، فإني أدعو في كلّ لقمة أنْ يأتيني الله أحبّ الخلق إليه وإليَّ فكنت أنت ».

و « أبى الله يا أنس إلّا أنْ يكون علي بن أبي طالب ».

و « ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ».

و « أوَفي الأنصار خير من علي؟ » أو « أفضل من علي ».

وغير ذلك.

الخلخالي

تأويل التوربشتي فقط

وقال شمس الدين محمّد بن مظفر - شارح مصابيح السنّة - بشرح


الحديث ناقلاً كلا تأويلي التوربشتي: « أوّل بعضهم هذا الحديث على أنّ المراد: بمن هو من أحبّ خلقك إليك، فيشاركه فيه غيره، وهم المفضلَّون بإجماع الاُمة، وهو كقولهم: فلان أعقل الناس وأفضلهم. أي: من أعقلهم وأفضلهم. وممّا يدلّ على أنّ حمله على العموم غير جائز: أنّهعليه‌السلام من جملة « خلقك » ولا جائز أن يكون علي أحبّ إلى الله منه. فإنْ قيل: ذلك شيء عرف بأصل الشرع. أُجيب: بأن ما نحن فيه أيضاً عرف بالنصوص الصحيحة.

أو يقال: أراد أحبّ خلقه من بني عمّه، وقد كانعليه‌السلام يطلق ويريد به التقييد، فيعرفه ذو الفهم بالنظر إلى الحال أو الوقت أو الأمر الذي هو فيه »(١) .

السُّيوطي

تأويل التوربشتي فقط

وقال جلال الدين السيوطي - شارح الترمذي - بشرحه: « قال التوربشتي: قوله: بأحبّ خلقك إليك. أي: من هو من أحبّ خلقك. فيشارك غيره وهم المفضلّون بإجماع الاُمة، وهذا مثل قولهم: فلان أفضل الناس وأعقلهم. أي: من أفضلهم وأعقلهم. ومما يتبيّن لك. أنّ حمله على العموم غير جائز: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جملة خلق الله، ولا جائز أن يكون علي أحبّ إلى الله منه.

أو يأوّل على أنّه أراد به: أحبّ خلقه إليه من بني عمّه وذويه، وقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطلق القول وهو يريد تقييده، ويعم به ويريد تخصيصه، فيعرفه ذو الفهم بالنظر إلى الحال أو الوقت أو الأمر الذي هو فيه »(٢) .

____________________

(١). المفاتيح - شرح المصابيح - مخطوط.

(٢). قوت المغتذي على شرح الترمذي - باب مناقب علي.


القاري

١ - نقله كلامي التوربشتي والطيّبي

وقال علي بن سلطان القاري - شارح مشكاة المصابيح - بشرحه:

« قال الإِمام التوربشتي: نحن وإنْ كنّا لا نجهل بحمد الله فضل علي

قال الطيبي: والوجه الذي يقتضيه المقام هو الوجه الثاني

وفيه: إنّه لا شك أنّ العم أولى من ابنه، وكذا البنت وأولادها في أمر البرّ والإِحسان. على أنّ قول الطيبي هذا إنّما يتم إذا لم يكن أحد هناك ممّن يؤاكله، ولا شك في وجوده لا سيّما وأنس حاضر وهو خادمه، ولم يكن من عادته أنْ لا يأكل معه. فالوجه الأول هو المعوَّل، ونظيره ما ورد من الأحاديث بلفظ: « أفضل الأعمال » في أُمورٍ لا يمكن جمعها، إلّا أنْ يقال في بعضها: إن التقدير من أفضلها »(١) .

٢ - ردّه كلام الطيبي

أقول: لقد أورد القاري نصّ عبارة التوربشتي، ثمّ نصّ عبارة الطيبي في توجيه الوجه الثاني من تأويلي التوربشتي، ثمّ ردَّ ما ذكره الطيبي بما رأيت.

فظهر من مجموع ذلك: سقوط الوجه الأوّل عند الطيبي، وسقوط الوجه الثاني عند القاري، مضافاً إلى ما ذكرناه بالتفصيل في ردّ الوجهين والكلامين.

____________________

(١). مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح ٥ / ٥٦٩.


٣ - نقد تأييد القاري للوجه الأوّل.

وأمّا تأييد القاري الوجه الأوّل بقوله: « فالوجه الأول هو المعوّل، ونظيره ما ورد من الأحاديث بلفظ » ففيه: أنّه إذا كان أهل السنّة مضطرّين إلى التأويل لرفع التهافت في أحاديثهم تلك، فما الملزم للشيعة الإِمامية لأنْ يلتزموا بالتأويل في حديث الطير؟!

عبد الحقّ الدّهلوي

١ - نقل كلامي التوربشتي والطيّبي

وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي - شارح مشكاة المصابيح -: « قوله: بأحبّ خلقك. أوّله الشّارحون بأنّ المراد من أحبّ خلقك - أو أحبّ خلق الله - من بني عمّه، أو بأحبّ خلقك إليك من ذوي القرابة القريبة، أو من هو أولى وأقرب وأحق بإحساني إليه. وهذا الوجه الأخير أقرب وأوفق بالمقام. هكذا قالوا. »(١) .

٢ - خطأ فضيع من الدهلوي

وهذه هي تأويلات التوربشتي والطيّبي، وقد عرفت سخافتها وركاكتها بالتفصيل فلا حاجة إلى الإِعادة والتكرار لكنْ من العجيب جدّاً أنّ هذا الشّيخ ينقل - بعد عبارته المذكورة - كلام التوربشتي - الذي أوردنا نصّه بكاملة وأبطلناه بما لا مزيد عليه - عن ( الصواعق ) ناسباً إيّاه إلى ابن حجر المكّي إستمع إليه يقول:

« ولقد أتى الشيخ ابن حجر في كتاب الصواعق في الإِعتذار عن التأويل

____________________

(١). اللمعات في شرح المشكاة - باب مناقب علي.


لهذا الحديث بكلامٍ مليح فصيح طويل، قال: نحن وإنْ كنّا لا نجهل - بحمد الله - فضل عليرضي‌الله‌عنه وقدمه وسوابقه في الإِسلام واختصاصه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة القريبة، ومؤاخاته إيّاه في الدين، ونتمسّك من حبّه بأقوى وأولى ممّا يدّعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحاً، لما نخشى فيها من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. وهذا باب أمرنا بمحافظته، وحمىً اُمرنا بالذبّ عنه، فحقيق علينَا أنْ ننصر فيه الحق ونقدّم فيه الصّدق. وهذا حديث يريش به المبتدع سهامه ويوصل به المنتحل جناحه فيتخذّه ذريعةً إلى الطّعن في خلافة أبي بكر، التي هي أوّل حكمٍ أجمع عليه المسلمون في هذه الاُمة، وأقوم عمادٍ اُقيم به الدين بعد رسول الله فنقول - وبالله التوفيق:

هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريّته، من الأخبار الصّحاح. منضّماً إليه إجماع الصّحابة، لمكان سنده، فإنّ فيه لأهل النقل مقالاً، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإِجماع، لا سيّما والصّحابي الذي يرويه ممّن دخل في هذا الإجماع واستقام عليه مدّة عمره ولم ينقل عنه خلافه، فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسّبيل أن يأوّل على وجهٍ لا ينتقض عليه ما اعتقده ولا يخالف ما هو أصحّ متناً وإسناداً، وهو أنْ يحمل على أحد الوجوه المذكورة ».

وهذا كلام التوربشتي الذي أتينا عليه آنفاً، غير أنّ للدهلوي فيه تصرّفاً مّا في آخره، وليس لهذا الكلام في ( الصواعق ) عين ولا أثر أبداً، وليته نسبه إلى ابن حجر ولم ينص على أنّه في ( كتاب الصّواعق )!!

ثمّ إنّ الدهلوي تصدّى لتأويل الحديث الشّريف حسبما يروق له ويسوقه إليه تعصّبه فقال:

« قال العبد الضعيف - عصمه الله عمّا يصمّه وصانه عمّا شانه -: إنّ من الظاهر أنّ الحديث غير محمول على الظاهر، لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


من جملة خلق الله، وهو أحبّ الخلق إلى الله من جميع الوجوه والحيثيّات، فالمراد أهل زمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الصحابة، وغيره إنّما يكون من وجهٍ واحد خاص أو وجوه متعددّة مخصوصة، فلا حاجة إلى تخصيص الخلق، بل إلى تخصيص الوجه أو الوجوه، لأنّه ليس أحبّ وأفضل من جميع الوجوه سوى سيّد المحبوبين وأفضل المخلوقينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ثمّ الكلام في الصحابة إنّما هو في الأفضليّة من كثرة الثواب والأحبيّة، كما في القول المشهور من بعض العلماء في الفرق بين الأفضلية والأحبيّة. والـمَخلَص في هذه المسألة: إعتبار الوجوه والحيثيّات. والله أعلم ».

٣ - تكراره استلزام دخول النبيّ في العموم

لقد حكم الدهلوي بعدم جواز بقاء هذا الحديث على ظاهره في العموم « لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جملة خلق الله وهو أحبّ الخلق إلى الله من جميع الوجوه والحيثيّات » وهذا تكرار لما سبق عن التوربشتي، وقد عرفت سقوطه بوجوه

٤ - حمله الحديث على أنّه أحبّ أهل زمان الرسول إليه باطل

وأمّا حمله الحديث - بعد عدم جواز إبقائه على ظاهره، لأنّ النبيّ من جملة خلق الله، وهو أحبّ الخلق إليه - على أنّ « المراد أهل زمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الصحابة » فواضح البطلان، لأنّا لو سلّمنا رفع اليد عن ظاهر الحديث بسبب استلزام كون أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ إلى الله تعالى من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ مقتضى القاعدة رفع اليد عن ظاهر الحديث بقدر الضرورة، بأن يكون عمومه غير شاملٍ للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط، وأمّا غيره من الأنبياء والأوصياء والملائكة وسائر الخلق فباق تحت العموم.


إن وجوه بطلان هذا الحمل كثيرة، وهو واضحٌ جدّاً، فلا نطيل المقام ببيان تلك الوجوه، ونكتفي بأنّ في بعض ألفاظ الحديث: « اللّهم أدخل عليَّ أحبَّ الخلق من الأوّلين والآخرين ».

٥ - دعوى اختصاص النبيّ بالأحبيّة من جميع الوجوه مردودة

وأمّا قوله: « وغيره إنّما يكون من وجهٍ واحدٍ خاص أو وجوه متعدّدة مخصوصة فلا حاجة إلى تخصيص الخلق بل إلى تخصيص الوجه أو الوجوه، فإنّه ليس أحبّ وأفضل من جميع الوجوه سوى سيّد المحبوبين وأفضل المخلوقينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فدعوى بلا دليل، لأنّ اجتماع جميع وجوه الأحبيّة المعتبرة في الأفضليّة في غير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير ممنوع أبدا، إنّما الممنوع أن يكون كمال جميع الوجوه الموجودة في غيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أزيد من كمالها في شخصهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

إذن، لا مانع من اجتماع جميع وجوه الأحبيّة في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وحينئذ فما الملزم لتخصيص أحبيّته بجهةٍ أو جهات دون غيرها وصرف الكلام النبوي عن ظاهره؟ ولو لم يكن لبطلان هذا التخصيص وجه إلاّ صرف الحديث عن ظاهره بلا دليل لكفى، فكيف والوجوه على بطلانه كثيرة! تقدّمت طائفة منها في ردّ التأويل الأوّل الذي زعمه ( الدّهلوي )، فلا تغفل.

ثمّ العجب من هذا الشيخ يدّعي التّخصيص في الخلق ويقول « فالمراد أهل زمان رسول الله من الصحابة » ثمّ يعود بفاصلٍ قليل ليقول: « فلا حاجة إلى تخصيص الخلق بل إلى تخصيص الوجه أو الوجوه » وهل هذا إلّا تهافت؟!


٦ - مغايرة الأحبيّة للأفضليّة مردودة عند علمائهم

وأمّا قوله: « ثمّ الكلام في الصّحابة إنّما هو في الأفضلية من جهة كثرة الثواب، والأحبيّة غيرها، كما في القول المشهور من بعض العلماء في الفرق بين الأفضليّة والأحبيّة » فعجيبٌ أيضاً، فقد صرّح الرازي في ( تفسيره ) بأنّ المحبّة من الله إعطاء الثواب، فالأحبيّة إليه توجب أكثريّة الثواب بلا ارتياب، وقد تقدّمت عبارته سابقاً، كما ستعلم أن أكابر المتكلّمين من أهل السنّة: كالرازي، والأصفهاني، والعضد، والشّريف الجرجاني، والدولت آبادي، وافقوا على كون الأحبيّة بمعنى أكثريّة الثّواب.

* * *



دحضُ تقوّلات

بعض عُلماء الكلام



القاضي عبد الجبّار

قال قاضي القضاة عبد الجبّار بن أحمد الأسترآبادي ما نصّه:

« دليل لهم آخر: وقد تعلّقوا بقولهعليه‌السلام : لاُعطينَّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله و بما روي من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطّائر.

قالوا: إذا دلَّ على أنّه أفضل خلق الله تعالى بعده وأحبَّهم إلى الله تعالى فيجب أنْ يكون هو الإِمام.

وهذا بعيد، لأنّه إنّما يمكن أنْ يتعلَّق به في أنّه أفضل، فأمّا في النصّ على أنّه إمام فغير جائز التعلّق به، إلّا من حيث أنْ يقال: الإِمامة واجبة للأفضل. وقد بيّنا أنّها غير مستحقّة بالفضل، فإنّه لا يمتنع في المفضول أنْ يتولّاها أو من يساويه غيره في الفضل »(١) .

إقراره بالسّند والدلالة وإنكاره تعيّن الأفضل للإِمامة

أقول : هذا كلام ظاهر في قبول القاضي عبد الجبّار حديث الطّير سنداً ودلالةً، ولو كان عنده تأمّل في جهة سنده أو جهة دلالته على أفضليّة أمير

____________________

(١). المغني في الإِمامة ج ٢٠ ق ٢ / ١٢٢.


المؤمنينعليه‌السلام لَما سكت عن إظهاره، لكنه منع وجوب الإِمامة للأفضل وجوّز أنْ يتولّاها المفضول تصحيحاً لخلافة المتغلّبين عليها لكنْ قد أثبتنا في محلّه أن نصب المفضول لها مع وجود الأفضل غير جائز فلا يبقى ريبٌ في دلالة حديث الطّير على إمامة الإِمام وخلافته عن الرّسول بلا فصل.

ولنعم ما أفاد السيّد المرتضى علم الهدى طاب ثراه في نقض كلام القاضي: « هذان الخبران اللذان ذكرتهما إنّما يدلّان عندنا على الإِمامة، كدلالة المؤاخاة وما جرى مجراها، لأنّا قد بيّنا أنّ كلّ شيء دلَّ على التفضيل والتعظيم فهو دلالة على استحقاق أعلى الرتب والمنازل، وإنّ أولى الناس بالإِمامة من كان أفضلهم وأحقّهم بأعلى منازل التبجيل والتعظيم، وقد مضى طرف من الكلام في أنَّ المفضول لا يحسن إمامته، وإنْ ورد من كلامه شيء من ذلك في المستقبل أفسدناه بعون الله»(١) .

الفخرُ الرّازي

وقال الفخر الرّازي - في ذكر أدلّة الإِمامية على أفضليّة الإِمام أمير المؤمنينعليه‌السلام -: « الحجّة الثّانية: التمسّك بخبر الطّير، وهو قولهعليه‌السلام : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل هذا الطير معي والمحبّة من الله تعالى عبارة عن كثرة الثواب والتعظيم ».

فأجاب: « أمّا الثاني - وهو التمسّك بخبر الطّير - فالإِعتراض عليه أنْ نقول: قولهعليه‌السلام : بأحبّ خلقك. يحتمل أنْ يكون [ المراد منه ] أحبّ خلق الله في جميع الاُمور، وأن يكون أحبّ خلق الله في شيءٍ معيّن. والدليل على كونه محتملاً لهما: أنّه يصح تقسيمه إليهما فيقال: إمّا أنْ يكون أحبّ خلق الله في جميع الأمور أو يكون أحبّ خلق الله في هذا الأمر الواحد، وما به

____________________

(١). الشافي في الإِمامة ٣ / ٨٦ - ٨٧.


الإِشتراك غير مستلزم بما به الإِمتياز، فإذن، هذا اللفظ لا يدلّ على كونه أحبّ إلى الله تعالى في جميع الاُمور، فإذن، هذا اللفظ لا يفيد إلّا أنّه أحبّ إلى الله في بعض الاُمور، وهذا يفيد كونه أزيد ثواباً من غيره في بعض الاُمور، ولا يمتنع كون غيره أزيد ثواباً منه في أمر آخر، فثبت أنّ هذا لا يوجب التفضيل. وهذا جواب قوي »(١) .

وجوب الجواب عن هذا الكلام

وهذا الإِعتراض الذي وصفه بالقوة في غاية الضعف والسخافة، لما قدّمنا في جواب التأويل الأول من تأويلات ( الدهلوي )، من الوجوه القويمة الدالّة على بطلان تأويل حديث الطير وحمل « الأحبيّة » فيه على بعض الوجوه دون بعض.

ونقول هنا بالإضافة إلى ذلك:

أولاً : تخصيص « الأحبيّة » ببعض الاُمور صرف للكلام عن ظهوره وهو حرام بلا ريب، كما سبق وسيأتي فيما بعد أيضاً.

وثانياً : صحّة الإِستثناء دليل العموم، إذ يصحّ أن يقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك إلّا في كذا، وإذ لم يستثن فالكلام عام، وهذه القاعدة مقررة ومقبولة بلا كلام.

وثالثاً : لو سلَّمنا أنّ مدلول حديث الطير كونه « أحبّ إلى الله في بعض الاُمور، وأن هذا يفيد كونه أزيد ثواباً من غيره في بعض الاُمور » فالحديث يدل على أنّهعليه‌السلام أفضل من الثلاثة، إذ لا سبيل لأهل السنّة لأن يثبتوا للإِمامية أنّ أحدهم يستحقّ ثواباً في الأمر الفلاني المحبوب لله ورسوله، فضلاً عن الأحبيّة وأكثريّة الثواب، فضلاً عن أن يكون أحدهم أحبّ وأكثر ثواباً منه

____________________

(١). الأربعين في اُصول الدين - مبحث أدلّة الاماميّة على أفضليّة على.


عليه‌السلام .

الشَّمسُ السَّمرقَنْدي

وقال شمس الدين محمّد بن أشرف الحسني السمرقندي:

« الفصل الثالث في أفضل الناس بعد النبي. المراد بالأفضل هاهنا أن يكون أكثر ثواباً عند الله. واختلفوا فيه فقال أهل السنّة وقدماء المعتزلة: إنّه أبو بكر. وقال الشيعة وأكثر المتأخرين من المعتزلة: هو علي:

إستدلّ أهل السنّة بوجهين: الأول: قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ) السورة. والمراد هو أبو بكر -رضي‌الله‌عنه - عند أكثر المفسّرين، والأتقى أكرم عند الله تعالى، لقوله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) والأكرم عند الله أفضل. الثاني: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والله ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر.

وأجاب الشيعة: بأنّ هذا لا يدلّ على أنّه أفضل، بل على أنَّ غيره ليس أفضل منه.

واحتجّت الشيعة: بأنَّ الفضيلة إمّا عقليّة أو نقليّة، والعقليّة إمّا بالنسب أو بالحسب، وكان علي أكمل الصّحابة في جميع ذلك، فهو أفضل.

أمّا النسب: فلأنّه أقرب إلى رسول الله، والعباس - وإنْ كان عمّ رسول الله لكنه - كان أخا عبد الله من الأب، وكان أبو طالب أخاً منهما. وكان علي هاشمياً من الأب والاُم، لأنّه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعلي بن فاطمة بنت أسد بن هاشم، والهاشمي أفضل لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إصطفى من ولد إسماعيل قريشاً واصطفى من قريش هاشماً.

وأمّا الحسب فلأنّ أشرف الصّفات الحميدة: الزّهد والعلم والشجاعة،


وهي فيه أتم وأكمل من الصحابة.

أمّا العلم: فلأنّه ذكر في خطبه من أسرار التوحيد والعدل والنبوّة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يوجد في الكلام لأحدٍ من الصحابة، وجميع الفرق ينتهي نسبتهم في علم الاُصول إليه، فإنّ المعتزلة ينسبون أنفسهم إليه، والأشعري أيضاً منتسب إليه، لأنّه كان تلميذ الجبائي المنتسب إلى علي، وانتساب الشيعة بيّن، الخوارج - مع كونهم أبعد الناس عنه - أكابرهم تلامذته، وابن عباس رئيس المفسّرين كان تلميذاً له. وعلم منه تفسير كثيرٍ من المواضع التي تتعلَّق بعلوم دقيقةٍ مثل: الحكمة والحساب والشعر والنجوم والرمل وأسرار الغيب، وكان في علم الفقه والفصاحة في الدرجة العليا، وعلم النحو منه وأرشد أبا الأسود الدؤلي إليه، وكان عالماً بعلم السّلوك وتصفية الباطن الذي لا يعرفه إلّا الأنبياء والأولياء، حتى أخذه جميع المشايخ منه أو من أولاده أو من تلامذتهم، وروي أنّه قال: لو كسرت الوسادة ثمّ جلست عليها لقضيت بين أهل التوارة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلّا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أيّ شيء نزلت.

وروي أنّه قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقضاكم علي. والقضاء يحتاج إلى جميع العلوم.

وأمّا الزهد: فلمـّا علم منه بالتواتر من ترك اللّذات الدنياوية والاحتراز عن المحظورات من أوّل العمر إلى آخره مع القدرة، وكان زهّاد الصحابة: كأبي ذرّ وسلمان الفارسي وأبي الدرداء تلامذته.

وأمّا الشجاعة: فغنية عن الشرح، حتى قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا فتى إلاّ علي لا سيف إلاّ ذو الفقار و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الأحزاب: لضربة علي خير من عباده الثقلين.

وكذا السخاء: فإنّه بلغ فيها الدرجة القصوى، حتى أعطى ثلاثة أقراصٍ


ما كان له ولا لأولاده غيرها عند الإِفطار، فأنزل الله تعالى:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) .

وكان أولاده أفضل أولاد الصحابة كالحسن والحسين. و قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هما سيّدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ أولاد الحسن مثل: الحسن المثنى، والحسن المثلث، وعبد الله بن المثنى، والنفس الزكيّة. وأولاد الحسين مثل: الأئمة المشهورة وهم إثنا عشر. وكان أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله - أخذا الفقه من جعفر الصادق والباقون منهما، وكان أبو يزيد البسطامي - من مشايخ الإسلام - سقّاء في دار جعفر الصادق، والمعروف الكرخي أسلم على يد علي الرّضا وكان بوّاب داره.

وأيضاً: اجتماع الأكابر من الاُمة وعلمائها على شيعيّته دالّ على أنّه أفضل، ولا عبرة بقول العوام.

وأمّا الفضائل النقليّة: فما روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

الاُولى : خبر الطير، وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير فجاء علي وأكل معه.

الثانية : خبر المنزلة، وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا إنّه لا نبي بعدي وهذا أقوى من قوله في حق أبي بكر: والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيّين على أفضل من أبي بكر، لأنّه إنّما يدلّ على أنّ غيره ليس اُفضل منه لا على أنّه أفضل من غيره. وأيضاً: يدلّ على أنّ الغير ما كان أفضل منه لا على أنّه ما يكون، فجاز أنْ لا يكون عند ورود هذا الخبر ويكون بعده. وأيضاً: خبر المنزلة يدلُّ على أنّ له مرتبة الأنبياء لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إلّا أنّه لا نبي بعدي، وخبر أبي بكر إنّما يدلّ على أنّ غيره ممّن هو أولى من مراتب الأنبياء ليس أفضل منه لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بعد النبيين والمرسلين، فجاز أن يكون علي أفضل منه.


الثالثة : خبر الراية، روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبا بكر إلى خيبر فرجع منهزماً، ثمّ بعث عمر فرجع منهزماً، فبات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغتمّاً، فلمـّا أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية وقال: لأعطينّ الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّاراً غير فرّار. فتعرّض له المهاجرون والأنصار فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أين علي؟ فقيل: إنّه أرمد العينين، فتفل في عينيه، ثمّ دفع إليه الرّاية.

الرابعة : خبر السّيادة. قالت عائشة: كنت جالسة عند النبيّ -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - إذْ أقبل علي فقال: هذا سيّد العرب. فقلت: بأبي واُمّي، ألست سيد العرب؟ فقال: أنا سيد العالمين، وهو سيد العرب.

الخامسة : خبر المولى. قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعليّ مولاه. وروى أحمد والبيهقي في فضائل الصحابة أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى يوشع في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى وجه علي.

السادسة : روي عن أنس بن مالك -رضي‌الله‌عنه - قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ أخي ووزيري وخير من أتركه من بعدي يقضي ديني وينجز وعدي: علي بن أبي طالب.

السابعة : روي عن ابن مسعود أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : علي خير البشر من أبى فقد كفر.

الثامنة : روي أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - في ذي الثدية، وكان رجلاً منافقاً - يقتله خير الخلق. و في رواية: خير هذه الاُمة. وكان قاتله علي بن أبي طالب. و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمة: إنّ الله تعالى اطّلع على أهل الدنيا واختار منهم أباك واتّخذه نبيّاً، ثمّ اطّلع ثانياً فاختار منهم بعلكِ


هذا ما قالوا.

والحق: إنّ كلّ واحدٍ من الخلفاء الأربعة - بل جميع الصحابة - مكرّم عند الله، موصوف بالفضائل الحميدة »(١) .

إقراره بالدلالة وإعراضه عن التأويل

أقول: لقد أنصف السمرقندي، فنقل استدلالات الشّيعة على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وإن أضاف إليها - عن كياسة أو جهل - كلماتٍ غير صادرة عنهم، وأذعن بدلالاتها وأقرّ بمتانتها ومنها حديث الطّير، فإنّه أورده ولم يناقش في سنده، ولم يتّبع الفخر الرازي في تقوّلاته - وإنْ قلّده في مواضع كثيرة ونقل أقواله ولو بالتفريق والتوزيع ووافقه عليها - لِما رأى فيها من السّخافة والركاكة المانعة من التفوّه بها.

ويؤكّد إقراره بالحق أو عجزه عن الجواب تخلّصه عن استدلال الشيعة بقوله: « والحقّ: إنّ كلّ واحد ». فإنّه يعلم بأنّ هذه الجملة لا تفي للجواب عن تلك الاستدلالات المتينة والبراهين الرصينة، التي يكفي كل واحد واحد منها لإِثبات مطلوب الشيعة، على أنّ ما قاله مجرّد دعوى فهو مطالَب بالدليل عليها. ولو فرض أنّ الثّلاثة - بل جميع الصحابة « مكرم عند الله موصوف بالفضائل الحميدة » فإنّ هذا لا ينافي أفضَليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام منهم.

____________________

(١). الصحائف في علم الكلام - مخطوط. قال كاشف الظنون ٢ / ١٠٧٥ « أوّله: الحمد لله الذي استحق الوجود والوحدة. إلخ. وهو على مقدمة وست صحائف وخاتمة، ومن شروحه: المعارف في شرح الصحائف، أوله: الحمد لله الذي ليس لوجوده بداية إلخ للسمرقندي شمس الدين محمّد، وشرحه البهشتي أيضاً بشرحين » وأرخ وفاته بسنة ٦٠٠. لكن في هديّة العارفين ٢ / ١٠٦: رأيت شرحه على المقدمة البرهانيّة للنسفي، فرغ منه سنة ٦٩٠ فليصحح. وذكر له مؤلّفاتٍ أُخرى.


القاضي البيضاوي

وقال القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي - في بيان وجوه استدلال الشيعة على إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام -:

« السادس - إنّ عليّاً كرّم الله وجهه كان أفضل الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّه ثبت بالأخبار الصحيحة أنّ المراد من قوله تعالى حكايةً( أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) علي، ولا شكّ أنّه ليس نفس محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعينه، بل المراد به أنّه بمنزلته أو هو أقرب الناس إليه، وكلّ من كان كذلك كان أفضل الخلق بعده. ولأنّه أعلم الصحابة، لأنّه كان أشدّهم ذكاء وفطنة وأكثرهم تدبيرا ورويّة، وكان حرصه على التعلّم أكثر، واهتمام الرسولعليه‌السلام بإرشاده وتربيته أتمّ وأبلغ، وكان مقدّماً في فنون العلوم الدينية اُصولها وفروعها، فإنّ أكثر فرق المتكلّمين ينتسبون إليه ويسندون اُصول قواعدهم إلى قوله، والحكماء يعظّمونه غاية التعظيم، والفقهاء يأخذون برأيه. وقد قالعليه‌السلام : أقضاكم علي.

وأيضاً: فأحاديث كثيرة، كحديث الطير وحديث خيبر، وردت شاهدةً على كونه أفضل. والأفضل يجب أن يكون إماماً ».

فقال في الجواب: « وعن السادس: إنّه معارض بمثله، والدليل على أفضلية أبي بكر قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) فإنّ المراد به إمّا أبو بكر أو علي وفاقاً، والثاني مدفوع لقوله تعالى:( وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) لأنّ علياً نشأ في تربيته وإنفاقه وذلك نعمة تجزى، وكلّ من كان أتقى كان أكرم عند الله وأفضل، لقوله تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) . و قولهعليه‌السلام : ما طلعت الشمس ولا غربت على أحدٍ بعد النبيّين والمرسلين أفضل من أبي بكر. و قولهعليه‌السلام لأبي بكر وعمر: هما سيّدا كهول أهل الجنّة ما خلا


النبيّين والمرسلين »(١) .

إقراره بالدلالة وإعراضه عن التأويل

أقول : لقد ذكر البيضاوي أدلّة للشيعة على أفضليّة الإِمامعليه‌السلام ، فلم يناقش في شيء منها، لا في السند ولا في الدلالة. وذكر منها حديث الطّير وأقرّ بدلالته، ولم يذكر له أيّ تأويل.

ويؤكّد ما ذكرنا أنّه لم يأت في الجواب إلّا بالمعارضة بأشياء يروونها في فضل خلفائهم، فإنّ المعارضة - كما هو معلوم - فرع تمامية السّند والدّلالة لكنّ ما استند إليه في المعارضة باطل حتى على اُصولهم(٢) ، وعلى فرض التسليم فإنّه ليس بحجةٍ على الشيعة.

الشّمس الأصفهاني

وقال شمس الدين محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني - في بيان أدلّة الشيعة على إمامة سيدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام : « السادس - إنّ عليّاً كان أفضل الناس بعد النبيّ، لأنّه ثبت بالأخبار الصحيحة أنّ المراد من قوله تعالى:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) علي،

____________________

(١). طوالع الأنوار - مخطوط.

(٢). هذا الحديث أخرجه الهيثمي وحكم بسقوطه، وإليك نصّه:

« عن جابر بن عبد الله قال: رأى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أبا الدرداء يمشي بين يدي أبي بكر، فقال: يا أبا الدرداء تمشي قدّام رجلٍ لم تطلع الشمس بعد النبيّين على رجل أفضل منه. فما رؤي أبو الدرداء بعدُ يمشي إلّا خلف أبي بكر. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذاب.

وعن أبي الدرداء قال: رآني رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وأنا أمشي أمام أبي بكر فقال: لا تمشي أمام من هو خير منك، إنّ أبا بكر خير من طلعت عليه الشمس، أو غربت. رواه الطبراني، وفيه: بقيّة، وهو مدلّس » مجمع الزوائد ٩ / ٤٤.


ولا شكّ أنّ عليّاً ليس نفس محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعينه، بل المراد أنَّ عليّاً بمنزلة النبيّ، أو أنّ عليّاً هو أقرب الناس إلى النبيّ فضلاً، وإذا كان كذلك كان أفضل الخلق بعده.

ولأنّ عليّاً كان أعلم الصحابة، لأنّه كان أشدّهم ذكاءً وفطنةً وأكثرهم تدبيراً ورويّةً، وكان حرصه على العلم أكثر واهتمام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإرشاده وتربيته أتم وأبلغ، وكان مقدّماً في فنون العلوم الدينية اُصولها وفروعها، فإنّ أكثر فرق المتكلّمين ينتسبون إليه ويسندون اُصول قواعدهم إلى قوله، والحكماء يعظّمونه غاية التعظيم، والفقهاء يأخذون برأيه، و قد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقضاكم علي، والأقضى أعلم لاحتياجه إلى جميع أنواع العلم.

وأيضاً: أحاديث كثيرة وردت شاهدةً على أنّ علياً أفضل.

منها: حديث الطير، وهو: إنّهعليه‌السلام اُهدي له طير مشوي، فقالعليه‌السلام : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي، فجاءه علي وأكل معه، والأحبّ إلى الله تعالى هو من أراد الله تعالى زيادة ثوابه. وليس في ذلك ما يدلّ على كونهعليه‌السلام أفضل من النبيّ والملائكة، لأنّه قال: ائتني بأحبّ خلقك إليك، والمأتي به إلى النبيّ يجب أن يكون غير النبيّ، فكأنّه قال: أحبّ خلقك إليك غيري و لقولهعليه‌السلام : يأكل معي، وتقديره: ائتني بأحبّ خلقك إليك ممّن يأكل فيأكل معي، والملائكة لا يأكلون، وبتقدير عموم اللّفظ للكلّ فلا يلزم من تخصيصه بالنسبة إلى النبيّعليه‌السلام والملائكة تخصيصه بالنسبة إلى غيرهما.

ومنها: حديث خيبر، فإنّ النبيّعليه‌السلام بعث أبا بكر إلى خيبر، فرجع منهزما ثمّ بعث عمر فرجع منهزماً. فغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك، فلمـّا أصبح خرج إلى الناس ومعه راية وقال: لاُعطينَّ الرّاية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله والرّسول، كرّار غير فرّار. فعرض له


المهاجرون والأنصار قالعليه‌السلام : أين علي. فقيل له: إنّه أرمد العينين، فتفل في عينيه، ثمّ دفع الرّاية إليه.

وذلك يدلّ على أنّ ما وصفه به مفقود فيمن تقدم، فيكون أفضل منهما، ويلزم أن يكون أفضل من جميع الصّحابة. والأفضل يجب أن يكون إماماً ».

قال الأصفهاني في الجواب عمّا ذكر من الأدلّة:

« وعن السّادس: إنّ ما ذكرنا من الدلائل الدالّة على أنّ علياً أفضل، معارض بما يدلّ على أنّ أبا بكر أفضل، والدليل على أفضليّة أبي بكر قوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي ) الآية. فإنّ المراد إمّا أبو بكر أو علي بالإِتفاق، والثاني - وهو أن يكون المراد به علياً - مدفوع، لأنّه تعالى ذكر في وصف الأتقى قوله( الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) »(١) .

إقراره بالدلالة وإعراضه عن التأويل تبعاً للبيضاوي

وتبع الأصفهاني ماتنه البيضاوي في ذكر طائفةٍ من دلائل الشيعة، والسكوت عنها من حيث السند والدلالة، وهو إقرار منه كذلك بالأمرين. ثمّ أجاب عن تلك الدلائل بالمعارضة. والجواب الجواب.

تأويله الحديث في كتاب آخر تبعاً للرازي

لكنّه في كتابٍ آخر له تبع الفخر الرازي في دعوى التأويل، فإنّه ذكر حديث الطير فيما استدل به الإِمامية بقوله:

« ومنها: حديث الطائر. بيان ذلك: أنّه اُهدي له طائر مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي وأكل معه. والأحبّ إلى

____________________

(١). مطالع الأنظار شرح طوالع الأنوار - مخطوط.


الله تعالى هو من أراد الله تعالى زيادة ثوابه، وليس في ذلك ما يدلّ على كونه أفضل من النبيّ والملائكة، لأنّه قال: ائتني بأحبّ خلقك إليك، والمأتي به إلى النبيّ يجب أن يكون غير النبيّ، فكأنّه قال: أحبّ خلقك إليك غيري، و لقوله: يأكل معي وتقديره: ائتني بأحبّ خلقك ممّن يأكل معي، والملائكة لا يأكلون. وبتقدير عموم اللّفظ للكلّ لا يلزم من تخصيصه بالنسبة إلى النبيّ والملائكة تخصيصه بالنسبة إلى غيرهما ».

فأجاب: « وحديث الطير لا يدل على أنّه أحبّ الخلق مطلقاً، بل أمكن أن يكون أحبّ الخلق بالنظر إلى شيء دون شيء، إذ يصحُّ الإِستفسار بأنْ يقال: أحبّ خلقك في كلّ شيء أو في بعضه، وعند ذلك لا يلزم من زيادة ثوابه في بعض الأشياء على غيره الزيادة في كلّ شيء، بل جاز أنْ يكون غيره أزيد ثواباً في شيء آخر.

فإن قيل: فعلى هذا التقدير أيّ فائدةٍ في قوله: ائتني بأحبّ خلقك إليك؟

قلنا: الفائدة فيه تخصيصه عمّن ليس أحبّ عند الله من وجه »(١) .

الردّ على ما ذكره

أقول : أمّا ما ذكره تبعاً للفخر الرازي فقد عرفت اندفاعه فلا نعيد.

وأمّا ما ذكره في جواب الإِعتراض الذي أورده: فقد كان الأولى به أنْ لا يتفوّه به، لأنّ الثلاثة وأضرابهم لم يكونوا محبوبين عند الله من وجهٍ من الوجوه فضلاً عن الأحبيّة، فيكون الحديث دليلاً على أفضليّة أمير المؤمنينعليه‌السلام منهم.

وبغض النظر عن ذلك، فقد ثبت أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ردّ

____________________

(١). تشييد القواعد شرح تجريد العقائد - مخطوط.


الشيخين - بل الثلاثة - من الدخول عليه في قضية الطير، وبناءً على ما ذكره الأصفهاني من أنّ فائدة الحديث تخصيص عليعليه‌السلام عمّن ليس بأحبّ عند الله من وجهٍ، فالثلاثة ليسوا بأحبّ عند الله من وجه، فضلاً عن الأحبيّة المطلقة.

القاضي العضدي والشريف الجرجاني

وقال القاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإِيجي في ( المواقف ) وكذا السيد الشريف علي بن محمّد الجرجاني في ( شرحه ) بتأويل حديث الطير فقد جاء في ( شرح المواقف ) في وجوه أدلّة الشيعة على أفضلية أمير المؤمنينعليه‌السلام :

« الثاني: حديث الطير، وهو قولهعليه‌السلام - حين أُهدي إليه طائر مشوي -: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فأتى علي وأكل معه الطير والمحبّة من الله كثرة الثّواب والتعظيم، فيكون هو أفضل وأكثر ثواباً.

وأجيب: بأنّه لا يفيد كونه أحب إليه في كلّ شيء، لصحّة التقسيم وإدخال لفظ الكل والبعض، ألا ترى أنّه يصح أن يستفسر ويقال: أحبّ خلقه إليه في كلّ شيء أو في بعض الأشياء؟ وحينئذٍ جاز أنْ يكون أكثر ثواباً في شيء دون آخر، فلا يدلّ على الأفضليّة مطلقاً »(١) .

ما ذكراه هو تأويل الرازي والجواب الجواب

أقول : وإنّ ما ذكراه في الجواب عن حديث الطّير، هو التأويل الّذي اعتمده الفخر الرازي، الذي عرفت سقوطه لدى تعرّضنا لكلامه فالجواب

____________________

(١). شرح المواقف ٨ / ٣٦٧ - ٣٦٨.


الجواب، فلا نطيل المقام.

السَّعدُ التّفتازاني

وقال سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني:

« تمسكّت الشيعة القائلون: بأفضليّة علي رضي الله تعالى عنه بالكتاب والسنّة والمعقول.

أمّا الكتاب فقوله تعالى:( قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا ) وقوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ولا خفاء في أنّ من وجب محبّته بحكم نصّ الكتاب كأن أفضل

وأمّا السنّة فقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوحٍ في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب. ولا خفاء في أنْ من يساوي هذه الأنبياء في هذه الكمالات كان أفضل. و قوله عليه الصلاة والسلام: أقضاكم علي. والأقضى أعلم وأكمل. و قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فجاء علي فأكل معه والأحب إلى الله أكثر ثواباً، وهو معنى الأفضل. وكقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، ولم يكن عند موسى أفضل من هارون. وكقوله عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه. الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام يوم خيبر وقوله عليه الصلاة والسلام: أنا دار الحكمة وعلي بابها. وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي: أنت أخي في الدنيا والآخرة وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لمبارزة علي وعمرو بن عبد ود أفضل من عمل اُمتي إلى يوم القيامة. وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة ومن أحبّك فقد أحبني ومن أحبّني هو حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني، وبغيضي بغيض الله، فالويل لمن أبغضك بعدي.


وأمّا المعقول فهو: إنّه أعلم الصحابة وأيضاً: هو أشجعهم وأيضاً: هو أزهدهم وأيضاً: هو أكثرهم عبادةً وأكثرهم سخاوة وأحلمهم وأيضاً: هو أفصحهم لساناً على ما يشهد به كتاب نهج البلاغة وأسبقهم إسلاماً

وبالجملة، فمناقبه أظهر من أن تخفى وأكثر من أن تحصى.

فالجواب: إنّه لا كلام في عموم مناقبه ووفور فضائله واتّصافه بالكمالات واختصاصه بالكرامات، إلّا أنّه لا يدلّ على الأفضليّة، بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله تعالى، بعد ما ثبت من الإِتّفاق الجاري مجرى الإِجماع على أفضلية أبي بكر وعمر، والاعتراف من عليرضي‌الله‌عنه بذلك. على أنَّ فيما ذكر مواضع بحث لا تخفى على المحصّل، مثل: أنّ المراد( بأَنْفُسَنا ) نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يقال: دعوت نفسي إلى كذا، وأن وجوب المحبة وثبوت النصرة على تقدير تحققه في حق علي -رضي‌الله‌عنه - لا اختصاص به، وكذا الكمالات الثابتة للمذكورين من الأنبياء، وأنّ أحبّ خلقك يحتمل تخصيص أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - عملاً بأدلّة أفضليّتهما، ويحتمل أن يراد أحبّ الخلق إليك في أن يأكل منه »(١) .

إنكاره دلالة ما ذكره على الأفضلية بمعنى زيادة الثواب مردود

أقول : لقد ذكر التفتازاني طائفة من الحجج البالغة والدلائل الواضحة على أفضلية سيدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ثم أنكر أنْ يكون شيء منها دالاً على أفضليّته بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله تعالى لكن إنكاره ذلك ساقط مردود، فقد أثبت علماء الشيعة دلالة كلّ واحدٍ واحدٍ من تلك الأدلة في محلّه

____________________

(١). شرح المقاصد ٥ / ٢٩٥ - ٢٩٩.


وفي خصوص حديث الطّير نقول: إن صريح الفخر الرازي في ( تفسيره ) - في عبارته المتقدّمة سابقاً - أنّ معنى محبّة الله تعالى لعبده إعطاؤه الثواب فلا ريب - إذن - في أنّ معنى أحبيّة العبد لديه أكثريّة الثواب منه إليه، وإذا كانت الأحبيّة بمعنى الأكثرية ثواباً لم يبق أيّ ترديد في دلالة حديث الطّير على أفضلية الإِمامعليه‌السلام

ولقد سلَّم - والحمد لله - الفخر الرازي في ( نهاية العقول ) و ( الأربعين ) وكذا شمس الدين الأصفهاني في ( شرح التجريد ) والقاضي العضدي في ( المواقف ) والشريف الجرجاني في ( شرح المواقف ) والشهاب الدولت آبادي في ( هداية السعداء ) بأنَّ الأحبيّة بمعنى الأكثرية في الثواب.

وإذا رأى المنصف اعتراف هؤلاء الأعاظم - في مقابلة الشيعة، بكون الأحبيّة في حديث الطير بمعنى الأكثرية في الثواب - يفهم جيّداً فظاعة ما تفوّه به التفتازاني في هذا المقام.

ومن العجائب: استدلال التفتازاني - في نفس هذا الكتاب قبل عبارته هذه بورقةً تقريباً - بحديث عمرو بن العاص على أفضليّة أبي بكر، من جهة أنّ الأحبيّة تدلّ على الأكثرية ثواباً فالأفضليّة فكيف يقول بدلالة ذاك الحديث على أفضلية أبي بكر وكونه أكثر ثوابا، ومع ذلك ينفي - في جواب إحتجاج الشيعة بحديث الطير - دلالته على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أكثر ثواباً؟

وجوه الردّ على دعوى الاتفاق على أفضليّة أبي بكر وعمر

وأمّا قوله: « بعد ما ثبت من الإِتفاق الجاري مجرى الإِجماع على أفضليّة أبي بكر ثم عمر » فدعوى كاذبة مردودة بوجوه:

الأول : قال الحافظ ابن عبد البر: « من قال بحديث ابن عمر: كنّا نقول على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نسكت فلا نفاضل. فهو الذي أنكر ابن معين وتكلّم فيه بكلامٍ غليظ، لأنّ


القائل بذلك قد قال خلاف ما اجتمع عليه أهل السنّة من السّلف والخلف من أهل الفقه والآثار: إن علياً كرّم الله وجهه أفضل الناس بعد عثمان. هذا مما لم يختلفوا فيه، وإنّما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان. واختلف السّلف أيضاً في تفضيل عليرضي‌الله‌عنه وأبي بكررضي‌الله‌عنه . وفي إجماع الجميع الذي وصفناه دليل على أنّ حديث ابن عمر وهم وغلط، وأنّه لا يصح معناه وإنْ كان إسناده صحيحاً. ويلزم من قال به أنْ يقول بحديث جابر وحديث أبي سعيد: كنّا نبيع اُمّهات الأولاد على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم لا يقولون بذلك. فناقضوا. وبالله التوفيق »(١) .

الثاني : لقد ثبت أنّ جمعاً من أعلام الصحابة قالوا بأفضلية الإِمامعليه‌السلام من أبي بكر قال ابن عبد البر: « روي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وحذيفة وحباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن الأرقم: أن علي بن أبي طالب أوّل من أسلم، وفضّله هؤلاء على غيره »(٢) .

قلت: ومن الصحابة القائلين بأفضليته: عبد الله بن عمر، فقد روى السيّد علي الهمداني: « عن أبي وائل، عن عبد الله بن عمررضي‌الله‌عنه قال: كنا إذا عدّدنا أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلنا: أبو بكر وعمر وعثمان. فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن فعلي! قال: علي من أهل البيت، لا يقاس به أحد، مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في درجته، إنّ الله يقول:( الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ففاطمة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في درجته، وعلي معهما »(٣) .

والعبّاس عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال أبو علي يحيى بن عيسى بن جزلة الحكيم البغدادي في ( تاريخ بغداد ) بترجمة شريك: « دخل

____________________

(١). الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ٥٢ - ٥٣.

(٢). الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ٢٧.

(٣). المودة في القربى. اُنظر: ينابيع المودّة ١ / ١٧٤.


شريك على المهدي فقال له: ما ينبغي أنْ تقلّد الحكم بين المسلمين. قال: ولم؟ قال: بخلافك على الجماعة وقولك بالإِمامة. قال: أمّا قولك: بخلافك على الجماعة فمن الجماعة أخذت ديني، فكيف اُخالفهم وهم أصلي في ديني؟ وأمّا قولك: بالإِمامة. فما أعرف إلّا كتاب الله وسنة رسوله. وأمّا قولك: مثلك لا يقلّد الحكم بين المسلمين، فهذا شيء أنتم فعلتموه، فإنْ كان خطأً فاستغفروا الله منه، وإنْ كان صواباً فأمسكوا عنه. قال: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: ما قال فيه أبوك العبّاس وعبد الله. قال: وما قالا؟ قال: أمّا العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة، وقد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عمّا نزل من النوازل، وما احتاج هو إلى أحد حتى لحق بالله. وأمّا عبد الله فإنّه كان يضرب بين يديه، وكان في حروبه رأساً متّبعاً وقائداً مطاعاً. فلو كانت إمامة علي جوراً كان أولى أن يقعد عنها أبوك، لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله. فسكت المهدي وأطرق، ولم يمض بعد هذا المجلس إلّا قليل حتى عزل شريك ».

وحسّان بن ثابت. ذكر ذلك ( الدهلوي ) في جواب السؤال الرابع من ( المسائل البخاريّة ).

الثالث : ونفى أبو بكر نفسه كونه خير الاُمة، واعترف بأفضلية أمير المؤمنينعليه‌السلام منه حيث قال على المنبر مخاطباً المسلمين: « أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم »(١) .

الرابع : وقال جماعة من أعلام العلماء أيضاً بأفضلية سيدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام من الشيخين. منهم القاضي شريك كما عرفت من ( تاريخ بغداد ) ومنهم عبد الرزاق الصنعاني، وجماعة الصّوفية كما في ( المسائل البخاريّة ).

الخامس : لو سلمنا قيام هذا الإِجماع، فإنّه إجماع على خلاف قول الله

____________________

(١). إبطال الباطل - مخطوط


ورسوله، وما كان كذلك فلا يحتج به ولا يعبأ به. سلّمنا عدم مخالفته، لكنّه غير ثابت عند الشّيعة فلا وجه لإِلزامهم به.

دعوى اعتراف الإِمام بأفضلية أبي بكر مستندة إلى خبر موضوع

وأمّا دعوى التفتازاني « الاعتراف من عليعليه‌السلام بأفضلية الشيخين منه » فإنّها( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) وذكرها في مقابلة الشيعة مباهتة، ولكن « إذا لم تستح فاصنع ما شئت ».

وعلى كل حال، فإنّه لم يكن إعتراف من الإِمام بأفضلية الشيخين أو أحدهما منه أبداً، وما رواه أسلاف القوم في هذا الباب فخبر مكذوب موضوع( قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .

تأويل حديث الطّير باطل

وأمّا مناقشته في دلالة الأدلة التي ذكرها، فمردودة في مواضع الاستدلال والاحتجاج بها من كتب الإِماميّة، كما أنّ تأويل حديث الطير بما ذكره، قد عرفت أنّ جميع التأويلات التي ذكروها لها فاسدة، فلا نعيد.

العلاء القوشجي

وقال علاء الدين علي بن محمد القوشجي: « وخبر الطائر: اُهدي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائر مشوي فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك حتى يأكل معي. فجاء علي وأكل. والأحب إلى الله تعالى أفضل » فأجاب:

« وأجيب بأنّه: لا كلام في عموم مناقبه »(١) .

____________________

(١). شرح التجريد: ٣٧٩.


ذكر عبارة التفتازاني والجواب الجواب

أقول : لقد تبع القوشجي التفتازاني في هذا المقام في الجواب عن الاستدلال بحديث الطّير، حيث نقل كلامه بحذافيره، فنكتفي في الجواب: بما ذكرناه في الرد على التفتازاني ولا نعيد.

الشَّهابُ الدّولَت آبادي

وقال شهاب الدين ملك العلماء الدولت آبادي الهندي: « إعلم أنّ أحاديث فضيلة علي - كرم الله وجهه - من الصحاح، ولكن احتجاجهم على الخطأ.

إحتجّ الشيعة بخبر الطير قال أهل السنّة: هذا الحديث لا يدل على أنّه أحب في كلّ شيء من أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -. لعل المراد: خيراً لأكل هذا الطير »(١) .

اعتراف بصحته وتأويل عرفت بطلانه

أقول : قد اعترف هذا الرجل بصحّة حديث الطّير، لكنّه أجاب عن الاستدلال به بتأويله عن ظاهره، ناسباً هذا التأويل إلى أهل السنّة، وقد عرفت بطلان هذا التأويل وفساده كغيره ممّا ذكروه، وإنّ كثيراً منهم لم يلجأوا إلى التأويل لوضوح وهنه وسخافته، فزعموا المعارضة بما وضعوه في فضل الشيخين، أو أحدهما.

____________________

(١). هداية السعداء. الهداية الاُولى من الجلوة السابعة.


إسحاق الهروي

وقال إسحاق الهروي - سبط الميرزا مخدوم - مقتصراً على بعض هفوات التفتازاني في جواب حديث الطير: « والجواب: إنّه يحتمل تخصيص أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - عملاً بأدلّة أفضليّتهما. وأيضاً: يحتمل أنْ يكون أحب الخلق إليك في أن يأكل، لا مطلق الأحب ».

ذكر تأويل التفتازاني وقد عرفت فساده

وما ذكره هذا الرجل ليس إلّا تأويل التفتازاني، وقد عرفت فساده فلا نعيد.

حُسام الدّين السّهارنفوري

تأويل تقدّم فساده

واقتصر حسام الدّين السّهارنفوري في ( مرافض الروافض ) على بعض هفوات عبد الحق الدهلوي الذي عرفت فسادها فيما سبق.

محمَّد البَدخشاني

وأجاب الميرزا محمد بن معتمد خان البدخشاني عن الإِستدلال بحديث الطير لا بالقدح في سنده، ولا بالتأويل، بل بالمعارضة بالحديث الموضوع في فضل عمر بن الخطّاب: « ما طلعت الشمس على رجلٍ خير من عمر »(١) .

____________________

(١). ردّ البدعة - مخطوط.


اعتراف بالسّند والدلالة ودعوى المعارضة

والمهمّ اعترافه الضمني بسند حديث الطّير وتماميّة دلالته على أفضلية مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإن في ذلك تخطئةً لكلّ اولئك الذين حاولوا القدح في سنده أو تأويله عن ظاهره. وأمّا دعوى معارضته بالحديث الموضوع المذكور فهي متابعة لبعض أسلافه، وقد أجبنا عنها فيما تقدّم. وحاصل ذلك: أن هذا الحديث موضوع، وعلى فرض تماميته سنداً فهو معتبر عندهم وليس بحجّة على الشّيعة، بخلاف حديث الطّير الذي ثبت من طرق أهل السنّة فيكون حجةً عليهم ومن المعلوم أنّ ما ليس بحجةٍ لا يعارض الحجة.

وليُّ الله الدّهلوي

وتشبّث الشيخ ولي الله الدهلوي ( والد الدهلوي ) في الجواب عن الاستدلال بحديث الطير بأباطيل عديدة حيث قال بجواب المحقّق الطوسي صاحب التجريد: « قوله: وخبر الطير، عن أنس قال: كان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه. أخرجه الترمذي.

لا يخفى ورود مثل هذه الفضائل في حقّ الشّيخين كقوله: « يتجلّى الله تعالى لأبي بكر خاصّة وللنّاس عامّة ». و « ما طلعت الشمس على رجلٍ خيرٍ من عمر ».

وأيضاً: لا يخفى أنّ لفظ « الأحب » وارد بحق كثيرٍ من الصّحابة.

وترتفع المعارضة بأحد وجوهٍ ثلاثة:

إمّا أنْ نقول: بأنّ الحب على أنواع: حبّ الرجل زوجته، وتارةً يطلقون لفظ « الأحب » ويريدون هذا الحب. وحبّ الرجل أولاده وأقربائه، وحبّ الرجل لليتيم، وحبّ الرجل لشيخه، وحبّ الرجل مشاركه في العلم. والحبّ الوارد


في هذه الأخبار يمكن تنزيله بالتأمّل على أحد هذه المعاني، كما عن عائشة الصديقة أنّها قالت: كان أبو بكر أحبّ الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم عمر. ثم قالت: لو استخلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاستخلف أبا بكر ثم عمر. وعن جميع بن عمير، قال: دخلت مع عمّتي على عائشة فسألت: أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالت: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها. أخرجه الترمذي.

فظهر أنّ المراد من الأحبيّة في الحديث الأول حبّ المشابهة في الفضائل التي هي المناط في الاستخلاف، وفي الحديث الثاني حبّ الأولاد والأقارب.

وأمّا أنْ نقول: بأنّ الحبّ يتعلَّق بالصّفات المحمودة التي يحصل بسببها القرب من الله تعالى والرسول ويوجب الرّضا عندهما. ولكلّ صفةٍ من تلك الصفات مقام من الرضا والحبّ، فيجوز أن يكون شخص أحبّ لصفة مثل الشجاعة ومحاربة الأعداء، والآخر أحبّ بصفةٍ اُخرى مثل الحل والعقد في أمر الخلافة.

وإمّا أنْ نقول: إنّ « الأحب » بمعنى « من الأحب » فيكون صنف من المحبوبين أرجح على سائر المحبوبين، و « الأحب » لفظ يمكن اطلاقه بازاء كلّ فردٍ من هذا الصنف »(١) .

دعوى المعارضة بـ « يتجلّى الله لأبي بكر »

أقول : إنّ هذا الكلام في أقصى درجات الهوان ومراتب الفساد، كما لا يخفى على من نظر في مباحثنا المتقدمة بإمعان وإنصَاف ولكن من المناسب أن نبيّن حال هذا الكلام بإيجاز فنقول:

____________________

(١). قرة العينين في تفضيل الشيخين: ٢٨٨.


أمّا دعواه المعارضة بحديث: يتجلّى الله لأبي بكر خاصة وللناس عامّة فباطلة جداً، فمن العجب تمسّك هذا المحدّث الكبير!! بمثل هذا الحديث الموضوع عند محقّقي أهل نحلته!!.

ألا يعلم بتنصيص المجد الفيروزآبادي على أنّه من المفتريات التي يعلم بطلانها ببداهة العقل(١) .

وأنّه قد أورده ابن الجوزي في ( الموضوعات )(٢) .

وأخرجه ابن عدي في كتابه ( الكامل في الضعفاء ) وصرّح ببطلانه(٣) .

واعترف الذهبي في ( ميزان الإِعتدال في نقد الرجال ) بسقوطه في غير موضع(٤)

وقد فصّل ذلك كلّه في كتاب ( شوارق النصوص ).

فما يقول أولياء والد ( الدهلوي ) في مقام الدفاع عنه وتوجيه ما ادّعاه؟!

دعوى المعارضة بـ « ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر »

وأمّا دعواه المعارضة بحديث: « ما طلعت الشمس على رجلٍ خيرٍ من عمر » فكذلك، لأنّه حديث موضوع مفتعل باطل، كما فصّل في ( شوارق النصوص ) كذلك، وإليك عبارة المنّاوي المشتملة على إبطال جماعةٍ إيّاه:

« ما طلعت الشمس على رجلٍ خيرٍ من عمر. أخرجه الترمذي في المناقب والحاكم في فضائل الصحابة عن أبي بكر. قال الترمذي: غريب وليس إسناده بذاك. إنتهى. وقال الذهبي: فيه عبد الله بن داود الواسطي ضعُفوه، وعبد الرحمن بن أخي محمّد المنكدر لا يكاد يعرف، وفيه كلام.

____________________

(١). سفر السعادة - باب فضائل أبي بكر.

(٢). الموضوعات ١ / ٣٠٤.

(٣). الكامل في الضعفاء ٤ / ١٥٥٧.

(٤). ميزان الاعتدال ٢ / ٤١٥.


والحديث شبه الموضوع. انتهى. وقال في الميزان - في ترجمة عبد الله بن داود الواسطي -: في أحاديثه مناكير، وساق هذا منها ثم قال: هذا كذب. وأقرّه في اللسان عليه »(١) .

وبعد، فإنّ تمسّك وليّ الله بهذين الحديثين عجيب من جهةٍ اُخرى وهي: إنّ هذا المحدّث ينصّ في نفس كتابه ( قرّة العينين ) على أنّ أحاديث الصحيحين - فضلاً عن غيرها - غير صالحة للإِحتجاج على الإِمامية بل الزيّدية فكيف يحتج في هذا الكتاب بهكذا حديثين والحال هذه؟

دعوى المعارضة بـ « من أحبّ الناس إليك؟ »

وأمّا دعواه ورود لفظ « الأحب » المطلق في حقّ كثيرٍ من الصّحابة فممنوعة، وكذا المعارضة بما لا يجوز الاحتجاج به من أخبارهم:

أمّا حديث عمرو بن العاص المشتمل على مجئ هذا اللفظ بالنّسبة إلى عائشة وأبيها، فحاله في القدح والجرح معلوم.

وأمّا حديث أنس الوارد فيه ذلك أيضاً، فهو من رواية « حميد عن أنس » وقد نصّوا على عدم جواز الإِحتجاج به إلّا إذا قال: « حدّثنا أنس ».

أمّا أنّه من رواية « حميد عن أنس » من غير قول « حدّثنا » فذلك ظاهر من رواية ابن ماجة والترمذي. قال ابن ماجة: « حدّثنا أحمد بن عبدة والحسين بن الحسن المروزي قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس قال: قيل: يا رسول الله أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة. قيل: من الرجال؟ قال: أبوها »(٢) .

وقال التّرمذي: « حدّثنا أحمد بن عبدة الضبّي، نا المعتمر بن سليمان،

____________________

(١). فيض القدير - شرح الجامع الصغير: ٥ / ٤٥٤.

(٢). سنن ابن ماجة ١ / ٣٨.


عن حميد، عن أنس قال قيل: يا رسول الله، من أحبّ الناس إليك؟ قال: عائشة. قيل: من الرجال؟ قال: أبوها. هذا حديث حسن [ صحيح ] غريب من هذا الوجه من حديث أنس »(١) .

وأمّا أن رواية « حميد عن أنس » لا تقبل إلّا إذا قال حميد « حدّثنا أنس » فقد نصَّ عليه ابن حجر بترجمته بقوله: « قال أبو بكر البرديجي: وأمّا حديث حميد، فلا نحتجّ منه إلّا بما قال: حدّثنا أنس »(٢) .

وبالجملة، فإنّ حديث أنس - كحديث عمرو بن العاص - لا يجوز الإِحتجاج به وإنْ حكم الترمذي بحسنه وصحّته، لكنه مع ذلك حكم بغرابته على أنّه حديث اتّفق الشيخان على الإِعراض عنه.

وإذ لا حديث معتبر محتج به مشتمل على إطلاق « الأحب » مطلقاً على غير سيدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كان حديث الطّير بلا معارض، حتّى يحتاج إلى ما ذكره من وجهٍ لرفع المعارضة.

هذا، وعلى فرض وجود لفظ « الأحبّ » على الإِطلاق في حق كثير من الصحابة في الأخبار المتناقضة المتكاذبة عند أهل السنّة، فأيّ ملزم للإِماميّة لأنْ يتكلَّفوا ويتجشّموا التأويلات المخترعة لأجل رفع التعارض بين تلك الأحاديث وبين حديث الطير، مع أنّ تلك الأحاديث ليست من أحاديثهم؟ إنّه لا عليهم إلّا التمسّك بالأحاديث الدالّة على أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وطرح غيرها من الأحاديث حتى ولو كانت في أعلى درجات الصحّة عند أهل السنّة؟!

على أنّه لو كان على الشيعة جمع الأخبار المتعارضة الواردة عند أهل السنّة في هذا الباب، فلا موجب لتجشّم الجمع بين ما رووه في حقّ الشيوخ

____________________

(١). صحيح الترمذي ٥ / ٧٠٧.

(٢). تهذيب التهذيب ٣ / ٣٥.


وأحزابهم، وبين أحاديث أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بل مقتضى الإِنصاف أنّ أخبارهم في أحبيّة الشيخين وغيرهما معارضة بأخبارٍ اُخرى لهم لا تحصى، في كِفرهم ونفاقهم وفسقهم، فلا تصل النّوبة إلى وقوع المعارضة بين أخبار أحبيّة أولئك، وأخبار أحبيّة الإِمامعليه‌السلام ، حتى يحتاج إلى جمع!!

دعوى تنوّع حبّ الله والرّسول

وأمّا قوله: « وترفع المعارضة بأحد وجوهٍ ثلاثة: إمّا أنْ نقول بأنّ الحبّ على أنواع والحبّ الوارد في هذه الأخبار يمكن تنزيله بالتأمّل على أحد هذه المعاني » فمردود بوجوه:

أمّاأوّلاً : فلا ريب في بطلان القول بتنوّع حبّ الله تعالى بهذه الأنواع، إذ ليس له تعالى زوجة ولا أولاد ولا شيخ، ومفاد حديث الطّير بصراحةٍ أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الله عزّ وجلّ. فلو تأمّل المتأمّلون إلى يوم القيامة لم يمكن تنزيل حديث الطّير على شيء من هذه المعاني.

وأمّاثانياً : فإنّه إذا اضطرّ أولياء وليّ الله إلى القول بأنَّ مراده رفع المعارضة بين الأحاديث الاُخرى غير حديث الطّير، وتلك الأحاديث مفادها الأحبيّة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا إلى الله تعالى، فذلك باطل كذلك، لما نصَّ عليه أكابر القوم - كما مضى سابقاً - من كون الأحبّ إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الأحب إلى الله تعالى، فمن ورد في حقّه في الأخبار أنّه أحب الخلق إلى الرسول فالمراد منه الأحبّ إلى الله تعالى، وقد عرفت أنّ بطلان تنوع حبّ الله إلى تلك الأنواع من القطعيّات. فما ذكره ولي الله لا يرفع المعارضة من بين تلك الأخبار أيضاً.

وأمّاثالثاً : فإنَّ في انقسام حبّ الرسول - بقطع النظر عمّا ذكر - مناقشات عديدة، بل تجويز بعض أنواع الحبّ بالنسبة إليه واضح الفساد، لعلم الكلّ


- حتّى الصبيان - بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن له شيخ حتى يكون له محبوباً عنده ويطلق عليه « الأحبّ » باعتبار كونه شيخاً له.

وأمّارابعاً : فلأنَّ كلّ عاقل يعلم - بالنظر إلى الأدلّة السّابقة - بابتناء حبّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأشخاص على أساس سوابقهم الدينيّة، فمن لم يكن - سواء من اليتامى أو الأولاد أو الأزواج أو غيرهم - أفضل في الدين من غيره لم يجز أن يكون أحبّ الناس إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّاخامساً : فلأنّه لو جازت أحبيّة بعض الأزواج أو الأولاد إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حيث كونها زوجةً له أو كونه ولداً - حتى مع عدم الأفضلية في الدين - لم يجز إطلاق لفظ « الأحب » بنحو الإِطلاق في ذاك المورد، لما عرفت - بحمد الله - بالتفصيل من عدم جواز إطلاق صيغة أفعل التفضيل بلحاظ بعض الحيثيّات غير المعتبرة

فظهر عدم جواز تنزيل « الأحب » في الأخبار المعتبرة على بعض تلك المعاني التي ذكرها ولي الله الدهلوي.

الاستدلال بقول عائشة: كان أبو بكر أحبّ الناس ثم عمر

وأمّا قوله: « كما عن عائشة الصدّيقة أنها قالت: كان أبو بكر أحب الناس إلى رسول الله ثم عمر. ثم قالت: لو استخلف رسول الله لاستخلف أبا بكر ثم عمر » فتزوير غريب مطعون فيه بوجوه:

أوّلاً : لو صحّ في أخبارهم صدور هذين القولين من عائشة، فلا ثبوت لهما عند الشيعة، لعدم اعتبارهم بأخبار أهل السنّة هذه.

وثانياً : على فرض ثبوتهما عنها، فلا اعتبار بها عند الشيعة ليحتجّ بأقوالها عليهم.

وثالثاً : إنّه قد رووا عن عائشة أحبيّة أبي عبيدة بعد الشيخين، وكذا استخلاف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لو استخلف!! - أبا عبيدة


بعدهما وقد روى وليّ الله الدّهلوي نفسه هذين القولين عنها كذلك في نفس كتاب ( قرة العينين ) وهذا لفظه: « قيل لها: أيّ أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أحبّ إليه؟ قالت: أبو بكر. قيل: ثم من؟ قالت: عمر. قيل: ثم من؟ قال: أبو عبيدة. أخرجه الترمذي وابن ماجة ».

« سئلت: من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجراح. ثم انتهت إلى هذا. أخرجه البخاري ومسلم ».

لكن هذين القولين باطلان بالضّرورة، لأنّ الذي بعد الشيخين - بناء على مذهب أهل السنة في التفضيل - إمّا عثمان وإمّا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلا مناص من تكذيب أو تخطئة ما رووا عن عائشة في هذا الباب.

ورابعاً : إن إقرار العقلاء على أنفسهم مقبول وعلى غيرهم مردود. فقول عائشة في حقّ غير علي وفاطمةعليهما‌السلام في مقابلة قوله الجميع بن عمير غير مقبول.

وخامساً : إنه بقطع النظر عمّا ذكر، فإنّ ما تقوله عائشة في فضل أبيها غير مقبول لدى العقلاء، لكونها بلا ريبٍ متهمّة في هذا الباب، بخلاف قولها في أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإنّه لا احتمال لأنْ تكون كاذبةً فيه.

وسادساً : إنه لا ريب في أن عائشة تحبّ أباها أبا بكرٌ بخلاف مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي بلغت عداوتها له الحدّ الأقصى، فكيف يعبأ عاقل بقولها في حقّ محبوبها في مقابلة قولها في حق المبغوض عندها؟

وسابعاً : إن ما رووه عنها في حقّ أبيها خبر واحد، وما رووه عنها في باب أمير المؤمنينعليه‌السلام مستفيض، والواحد لا يقابل الكثير المستفيض.

وثامناً : إن كلماتها المنقولة عنها في حقّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أقوى دلالةً ممّا قالته في حقّ أبي بكر، فمن ذلك قولها: « ما خلق الله خلقاً أحب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من علي بن أبي طالب » وقولها: « والله


ما أعلم رجلاً كان أحب إلى رسول الله من علي ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول الله من امرأته ».

وتاسعاً : إنّ بعض المنقول عنها في حق أمير المؤمنينعليه‌السلام مؤيَّد باليمين بخلاف ما رووه عنها في حق أبيها.

وعاشراً : إن أقوالها في حقّهعليه‌السلام مؤيَّدة ببراهين منها نفسها حيث قالت: « أنْ كان ما علمت صوّاماً قوّاماً » هكذا رواه الترمذي، وإن أطرح منه ولي الله الدهلوي هذه الجملة لدى نقله عن الترمذي! وفي لفظ آخر: « فو الله لقد كان صوّاما قوّاما، ولقد سالت نفس رسول الله في يده فردّها إلى فيه ». وليست هذه الأشياء في قولها في حق أبي بكر.

والحادي عشر : لو كان أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمعنى مجرّد محبّة الإِنسان لأولاده وأقربائه، لما أجابت عائشة سؤال المرأة من الأنصار « أيّ أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »؟ فقالت: « علي بن أبي طالب »، لأن الأصحاب لم يكونوا منحصرين في الأولاد والأقارب، فالسؤال والجواب لم يكن في حدود الأولاد والأقرباء فقط، حتى يحمل ما ورد عن عائشة في أحبيّة الإمام إلى النبي على أنّه كان أحبّ الأولاد والأقرباء.

والثاني عشر : إنّ حمل كلامها على ذلك يبطله أيضاً قولها للنبيّ: « والله لقد علمت أن علياً أحبّ إليك من أبي » فما قالته لجميع بن عمير باقٍ على إطلاقه، وتأويله من قبيل تأويل الكلام بما لا يرضى صاحبه.

والثالث عشر : إنّه لو كان مرادها أحبيّة الإِمام إلى النبيّ من بين الأولاد والأقرباء فقط، لكان ذلك خير طريق لها للتخلّص عن تعيير جميع بن عمير وعروة بن الزبير ومعاذة الغفارية، لخروجها على أمير المؤمنينعليه‌السلام .

والرابع عشر : إنه لو سلّمنا ما ادّعاه وليّ الله الدهلوي من أنّ مراد عائشة


- فيما روي عنها في أحبيّة الأميرعليه‌السلام إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أنّه أحبّ إليه من بين الأولاد والأقرباء فإنّ ذلك لم يكن إلاّ اجتهادا منها في مقابلة النصّ الوارد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن ذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخاطباً إيّاها: « يا عائشة، إن هذا أحب الرجال إليّ وأكرمهم عليّ، فاعرفي له حقّه وأكرمي مثواه » ومن المعلوم أنْ لا اعتبار باجتهادها في مقابل النص عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل يظهر من ذلك كونها في مقام العناد والمخالفة لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذا حال وليّ الله الدهلوي الذي يحاول تثبيت التأويل المذكور، وحال غيره أصحاب التأويلات الاُخرى.

تأويل الحديث ببعض الوجوه

وبالجملة، فقد ثبت - والحمد لله - إطلاق أحبيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو أحبّ الخلق إليه من جميع الجهات، وإنّ تأويل ذلك بشيء من التأويلات تأباه ألفاظ حديث الطير وغيره من الأخبار والرّوايات، فيبطل قول ولي الله: « وإمّا أن نقول بأنّ الحبّ يتعلّق بالصّفات المحمودة ».

مضافاً إلى بطلان ما يومي إليه كلامه من أنَّ أحبيّة الإِمامعليه‌السلام كانت لمجرّد الشجاعة ومحاربة الأعداء، فإنّه باطل بالأدلة المتكثرة ومنها أقوال عائشة المشتملة على التعليل بكونه « صوّاماً قوّاماً » وهو الشيء الذي حذفه ولي الله!!

ومضافاً إلى بطلان ما يومي إليه كلامه من كون الشيخين أحبّ إليه من حيث صفة الحلّ والعقد، فإنّه لو كان كذلك فلما ذا أعرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمّا قال له ابن مسعود ليلة الجنّ بشأن استخلافهما من بعده كما في ( آكام المرجان لبدر الدين محمّد بن عبد الله الشبلي )؟!


ومما ذكرنا - من إطلاق أحبيّة الإِمام إلى النبيّ وبطلان تقييده بجهةٍ من الجهات - يبطل أيضاً قوله:

« وإمّا أن نقول: إن الأحبّ بمعنى من الأحب ».

فإنّ هذا تأويل التوربشتي ومن تبعه وقد عرفت سقوطه بحمد الله فلا نعيد.

الخلاصة:

إنّ كلّ مساعي القوم في ردّ حديث الطّير لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنّ كلّ أعمالهم ذاهبة هباءً منثوراً

لقد سعوا كثيراً وبذلوا جهداً كبيراً لكن ضلّ سعيهم وما شروا بذلك إلّا جهنّم وسعيراً

كلماتٌ في ذم التأويل

إنّه ما كان عند القوم أزيد من القدح في السند، والمعارضة في الدلالة، والحمل والتأويل وقد عرفت سقوط ذلك كلّه ولننقل بعض الكلمات في ذم التأويل لآيات الكتاب والأحاديث النبويّة عن بعض أكابرهم:

قال الغزالي: « وأمّا الطامّات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح، وأمر آخر يخصّها وهو: صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أُمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام شيء يوثق به، كدأب الباطنيّة في التأويلات، فهذا أيضا حرام وضرره عظيم، فإنّ الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له، بل يتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيلها على وجوهٍ شتّى. وهذا أيضاً من البدع


الشائعة العظيمة الضرر، وإنّما قصد أصحابها الإِغراب، لأنَّ النفوس مائلة إلى الغريب، ومستلّذة له، وبهذا الطريق توصّل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم ...»(١) .

وقال ابن قيّم الجوزيّة: « إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله وسنةٍ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه وسلّم فليس أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة الموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإِفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الكلام قديماً وحديثاً »(٢) .

قال: « وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم:( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ؟

ويكفي المتأوّلين كلام الله ورسوله بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلامه أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدّموا آراءهم على نصوص الوحي، وجعلوا آراءهم عياراً على كلام الله ورسوله؟ ولو علموا علموا أيّ باب شرٍّ فتحوا على الاُمّة بالتأويلات الفاسدة، وأيّ بناء الإِسلام هدموا بها، وأيّ معاقل وحصون استباحوها، وكان أحدهم لأنْ يخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليه من أنْ يتعاطى شيئاً من ذلك »(٣) .

وقال محمّد معين السندي: « ومن أشنع ما يخرجون كلام الشارع -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - عن الحقيقة والمجاز، ويفتحون فيه باب التأويل، فهو فعلهم ذلك إذا حملهم عليه نصرة إمامهم على غيره من الأئمة،

____________________

(١). إحياء علوم الدين ١ / ٣٧.

(٢). أعلام الموقعين ٤ / ٢٤٥.

(٣). أعلام الموقعين ٤ / ٢٤٩.


فحفظ رأيه أهم عليهم من إخراج كلام نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الحقيقة والإِمام ليس بمعصوم حتى نأوّل له كلمات الشريعة ونترك حقيقة الكلام، ولم يأذن الله تعالى ورسوله لأحدٍ بهذه النصرة لأحد »(١) .

____________________

(١). دراسات اللبيب - الدراسة الثامنة.



تفنيد المعارضة

بحديث الاقتداء بالشيخين



وبقي شيء وهو آخر ما تذرّع به ( الدّهلوي ) في جواب حديث الطّير دعوى معارضته بحديث الإِقتداء الذي يروونه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... وهذا:

قوله:

« وأيضاً، فإنّه - على تقدير دلالته على المدعى - لا يقاوم الأخبار الصحاح الدالة على خلافة أبي بكر وعمر، مثل: إقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر، وغير ذلك ».

أقول:

هذا الكلام المشتمل على الإِحتجاج بحديث الإِقتداء في غاية الوهن والهوان، لأنّ الحديث المذكور من الأحاديث الموضوعة، فدعوى صحّته والاحتجاج به باطلة، مضافاً إلى الوجوه الاُخرى لبطلان هذا الكلام فنقول:

١ - المعارضة بما اختصوا بروايته غير مسموعة

إنّ هذا الكلام لا يناسب شأن ( الدّهلوي ) لأنّ من القواعد المقرّرة


للبحث والمناظرة، المعلومة لأصاغر الطلبة فضلاً عن الأفاضل: عدم جواز الإِحتجاج على الخصم بما لا يرويه ولا يرضاه، فكيف يحتّج ( الدّهلوي ) بحديث الإِقتداء ونحوه ممّا اختصّ أهل السنّة بروايته ويريد إلزام الشيعة بذلك؟

إنّه لا يجوز الإِحتجاج على الشيعة بما لا ترضاه حتى لو كان في غاية الصحة عند أهل السنّة

٢ - المعارضة به ينافي ما التزم به ( الدّهلوي )

بل معارضة ( الدّهلوي ) واستدلاله بهذا الحديث ينافي ما التزم به في نفس كتابه ( التحفة ) فإنّه قد صرّح في أوّله بأنّه قد التزم فيه بعدم النقل إلّا عن الكتب المعتبرة للشيعة، وأن يكون إلزامهم بها لا بما يرويه أهل السنّة

فالعجب منه كيف نسي هذا الأصل في غير موضع من بحوث كتابه!! والأعجب من ذلك تكراره لهذا الذي التزم به وتأكيده إيّاه، فراجع كلامه في الباب الرابع بعد ذكر حديث الثقلين، وفي الباب السادس بعد ذكر مسألة تفضيل غير الأنبياء، وفي الباب السّابع أيضا - وهو باب الإمامة - نصّ على عدم تمسكّه بغير روايات الشيعة في مقابلتها!

فقد تعهّد ( الدّهلوي ) وجدّد عهده وميثاقه غير مرة، ولكنّه نقض العهد وخالف الالتزام غير مرة كذلك!!

٣ - المعارضة به ينافي ما نصَّ عليه والده

وينافي أيضاً ما نصَّ عليه والده ولي الله الدهلوي، وهو إمامه واُستاذه ومقتداه في كلّ شيء فقد نص وليّ الله في آخر كتابه ( قرة العينين في تفضيل الشيخين ) على عدم جواز المناظرة مع الإِمامية والزيدية حتى بأحاديث الصحيحين وأمثالها، لكونهم لا يرون صحّتها، فكيف يُلزمون بها.


٤ - المعارضة به ينافي ما نصّ عليه تلميذه

وهذا هو الذي نصَّ عليه وقرّره تلميذه رشيد الدين الدهلوي، فقد نصَّ في كتابه ( الشوكة العمرية على أنّ كلّ فرقة من الشيعة والسنة لا تعتمد على ما تختص به الاُخرى، إذن، لا يجوز الإِحتجاج بهكذا روايات من الطّرفين

وتلخص - إلى الآن - أنّ احتجاج ( الدهلوي ) بحديث الإِقتداء، وكذا احتجاجه بغير هذا الحديث من أخبارهم التي اختصّوا بها، وكذا احتجاج غيره من علماء القوم باطل بمقتضى المناظرة وهو ما نصّ عليه ( الدهلوي ) نفسه ووالده وتلميذه

٥ - هذا الحديث واه بجميع طرقه حسب تصريحاتهم

وبعد فإنّ ما ذكرناه هو القاعدة العامّة التي يسقط على أساسها كثير من إِحتجاجات القوم واستدلالاتهم ومنها الإِحتجاج والمعارضة بحديث الإِقتداء

لكنَّ هذا الحديث مقدوح مطعون فيه بجميع طرقه فوصف ( الدهلوي ) إياه بالصحّة جهل أو كذب وإليك بيان ذلك في رسالةٍ خاصّةٍ استفيد فيها كثيراً من تحقيقات السيّد في هذا الحديث:



رسالةٌ في

تحقيق حديث الإِقتداء بالشّيخين

تأليف

السيّد علي الحسيني الميلاني



إنّ حديث الاقتداء من الأحاديث المشهورة في فضل الشيخين ، فقدّرووه عن عدّةٍ من الصحابة و بأسانيد كثيرة . لكن لم يخرجه البخاري و في صحيحيهما مطلقاً ، و لم يخرج في شيء من الصلاح عن غير حلايفة و مسعود و حذيفة.

لكنّا ننظر في الأكثر بما كان من حديث حذيفة و ابن مسعود ، و نكتفي في عن حديث الآخرين بقدر الضرورة فنقول :

لقد رووا هذا الحديث عن :

١- حذيفة بن اليمان.

٢- عبد الله بن مسعود.

٣- أبي الدراء.

٤- أنس بن مالك.

٥- عبد الله بن عمر.

٦- جدّة عبد الله بن أبي الهذيل.

و نحن نذكر الإِسناد إلي كلّ واحدٍ منهم ، و ننظر في رجاله :


ولكنّ الحقيقة هي تسرّبُ الأغراض والدوافع الباعثة إلى الاختلاق والتحريف إلى المعايير التي اتّخذوها للتمييز والتمحيص فلم تخل ( الصحاح ) من الموضوعات والأباطيل، ولم تخل ( الموضوعات ) من الصحاح والحقائق وهذا ما دعا آخرين إلى وضع كتبٍ تكلّموا فيها على ما اُخرج في الصحاح وأخرى تعقّبوا فيها ما أُدرج في الموضوعات وقد تعرّضنا لهذا في بعض بحوثنا المنشورة

وحديث: « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح وقال بصحّته غيرهم تبعاً لهم ومن ثمّ استندوا إليه في البحوث العلميّة.

ففي كتب العقائد في مبحث الإِمامة جعلوه من أقوى الحجج على إمامة أبي بكر وعمر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

وفي الفقه استدلّوا به لترجيح فتوى الشيخين في المسألة إذا خالفهما غيرهما من الأصحاب

وفي الأصول في مبحث الإِجماع يحتجّون به لحجّيّة اتّفاقهما وعدم جواز مخالفتهما فيما اتّفقا عليه

فهل هو حديث صحيح حقّاً؟

لقد تناولنا هذا الحديث بالنقد، فتتبّعنا أسانيده في كتب القوم، ودقّقنا النظر فيها على ضوء كلمات أساطينهم، ثم عثرنا على تصريحاتٍ لجماعة من كبار أئمّتهم في شأنه، ثم كانت لنا تأمّلات في معناه ومتنه

فإلى أهل الفضل والتحقيق هذه الصفحات اليسيرة المتضمّنة تحقيق هذا الحديث في ثلاثة فصول والله أسأل أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأنْ يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنّه خير مسؤول.


(١)

نظرات في أسانيد

حديث الاقتداء

إنّ حديث الاقتداء من الأحاديث المشهورة في فضل الشيخين، فقد رووه عن عدّة من الصحابة وبأسانيد كثيرة لكن لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مطلقاً، ولم يخرج في شيء من الصحاح عن غير حذيفة وعبد الله بن مسعود، وقد ذهب غير واحدٍ من أعلام القوم إلى عدم قبول ما لم يخرجه الشيخان من المناقب، وكثيرون منهم إلى عدم صحّة ما أعرض عنه أرباب الصحاح.

وعلى ما ذكر يسقط حديث الاقتداء مطلقاً أو ما كان من حديث غير ابن مسعود وحذيفة.

لكنّا ننظر في أسانيد هذا الحديث عن جميع من روي عنه من الصحابة، إلّا أنّا نهتمّ في الأكثر بما كان من حديث حذيفة وابن مسعود، ونكتفي في البحث عن حديث الآخرين بقدر الضرورة فنقول:

لقد رووا هذا الحديث عن:

١ - حذيفة بن اليمان.

٢ - عبد الله بن مسعود.

٣ - أبي الدرداء.

٤ - أنس بن مالك.

٥ - عبد الله بن عمر.

٦ - جدّة عبد الله بن أبي الهذيل.

ونحن نذكر الإِسناد إلى كلّ واحدٍ منهم، وننظر في رجاله:


حديث حذيفة

رواه أحمد بن حنبل قال:

« حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي ابن حراش، عن حذيفة: أنّ النبيّ صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلّم ، قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»(١)

وقال أيضاً:

« حدثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي ابن حراش، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، كنّا جلوساً عند النبي صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلّم فقال: إنّي لست أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - قال: وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه »(٢) .

ورواه الترمذي حيث قال:

« حدّثنا الحسن بن الصباح البزّاز، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلَّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

وفيه عن ابن مسعود

قال: « روى سفيان الثوري هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي، عن ربعيّ، عن حذيفة، عن النبي صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلّم ».

قال: « حدّثنا أحمد بن منيع وغير واحد، قالوا: أخبرنا سفيان بن عيينة،

____________________

(١). مسند أحمد ٥ / ٣٨٢.

(٢). مسند أحمد ٥ / ٣٨٥.


عن عبد الملك بن عمير، نحوه ».

« وكان سفيان بن عيينة يدلّس في هذا الحديث فربَّما ذكره عن زائدة عن عبد الملك بن عمير، وربّما لم يذكر فيه عن زائدة ».

« وروى هذا الحديث ابراهيم بن سعد، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن هلال مولى ربعي، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبيّ صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلّم »(١) .

وقال:

« حدّثنا محمود بن غيلان، أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن مولىً لربعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: كنّا جلوساً »(٢) .

ورواه ابن ماجة بسنده

« عن عبد الملك بن عمير، عن مولىً لربعي بن حراش، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلّم: إنّي لا أدري ما قدر بقائي فيكم »(٣) .

ورواه الحاكم بإسناده:

« عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: سمعت رسول الله صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ] ‌وسلّم يقول: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن امّ عبد »

____________________

(١). صحيح الترمذي - مناقب أبي بكر وعمر ٥ / ٦٠٩.

(٢). صحيح الترمذي - مناقب عمّار بن ياسر.

(٣). سنن ابن ماجة - مناقب أبي بكر ١ / ٣٧.


و عنه، عن ربعي، عن حذيفة، قال:

« قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وإذا حدّثكم ابن اُمّ عبد فصدّقوه ».

وعنه:

« عن هلال مولى ربعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، أنّ رسول الله صلى ‌الله ‌عليه [‌ وآله ‌وسلّم ] قال: إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».

وبإسناده:

« عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان: أنّ رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم قال: إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد ».

ثمّ قال الحاكم: « هذا حديثٌ من أجلِّ ما روي في فضائل الشيخين، وقد أقام هذا الإِسناد عن الثوري ومسعر: يحيى الحمّاني، وأقامه أيضاً عن مسعر: وكيع وحفص بن عمر الإِيلي(١) ثم قصر بروايته عن ابن عيينة: الحميدي وغيره، وأقام الإِسناد عن ابن عيينة: إسحاق بن عيسى بن الطبّاع.

فثبت بما ذكرنا صحّة هذا الحديث وإنْ لم يخرجاه »(٢) .

____________________

(١). لقد اقتصرنا في النقد على الكلام حول « عبد الملك بن عمير » الذي عليه مدار هذا الحديث الذي بذل الحاكم جهداً في تصحيحه فكان أكثر حرصاً من الشيخين على رواية ما وصفه بـ « أجلّ ما روي في فضائل الشيخين » وإلّا فإنّ « حفص بن عمر الإِيلي » هذا مثلاً أدرجه العقيلي في الضعفاء وروى عنه حديث الاقتداء ثم قال: « أحاديثه كلّها إمّا منكر المتن، أو منكر الإِسناد، وهو إلى الضعف أقرب » الضعفاء ٢ / ٧٩٧.

و « يحيى الحمّاني » قال الحافظ الهيثمي بعد أن روى الحديث عن الترمذي والطبراني في الأوسط: « وفيه يحيى بن عبد الحميد الحمّاني وهو ضعيف » مجمع الزوائد ٩ / ٢٩٥.

(٢). المستدرك ٣ / ٧٥.


نقد السند

١ - هذه أشهر طرق هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان، ويرى القارئ، الكريم أنّها جميعاً تنتهي إلى:

( عبد الملك بن عمير ) وهو رجلٌ مدلِّس، ضعيفٌ جدّاً، كثير الغلط، مضطرب الحديث جدّاً:

قال أحمد: « مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها »(١) .

وقال: إسحاق بن منصور: « ضعّفه أحمد جدّاً »(٢) .

وقال: أحمد أيضاً: « ضعيف يغلط »(٣) .

أقول : فمن العجيب جدّاً رواية أحمد في مسنده حديث الاقتداء وغيره عن هذا الرجل الذي يصفه بالضعف والغلط، وقد جَعَلَ المسند حجّةً بينه وبين الله!!

وقال ابن معين: « مخلط »(٤)

وقال أبو حاتم: « ليس بحافظٍ، تغيّر حفظه »(٥) .

وقال ابن خراش: « كان شعبة لا يرضاه »(٦) .

وقال الذهبي: « وأمّا ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق »(٧) .

وقال السمعاني: « كان مدلّساً »(٨) .

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٦ / ٤١١ وغيره.

(٢). تهذيب التهذيب ٦ / ٤١٢، ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦٠.

(٣). ميزان الاعتدال ٦ / ٦٦٠.

(٤). ميزان الاعتدال ٦ / ٦٦٠، المغني ٢ / ٤٠٧، تهذيب التهذيب ٦ / ٤١٢.

(٥). ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦٠.

(٦). ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦٠.

(٧). ميزان الاعتدال ٢ / ٦٦٠.

(٨). الأنساب ١٠ / ٥٠ في « القبطي ».


وكذا قال ابن حجر العسقلاني(١) .

وعبد الملك - هذا - هو الذي ذَبَح عبد الله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي وهو رسول الحسينعليه‌السلام إلى أهل الكوفة، فإنّه لـمّا رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر وبقي به رمق أتاه عبد الملك بن عمير فذبحه، فلمـّا عيب ذلك عليه قال: إنّما أردت أن اُريحه(٢) .

٢ - ثمّ إنّ ( عبد الملك بن عمير ) لم يسمع هذا الحديث من ( ربعي بن حراش ) و ( ربعي ) لم يسمع من ( حذيفة بن اليمان ) ذكر ذلك المناوي حيث قال: « قال ابن حجر: اختلف فيه على عبد الملك، وأعلّه أبو حاتم، وقال البزّار كابن حزم: لا يصحّ لأنّ عبد الملك لم يسمعه من ربعي، وربعي لم يسمع من حذيفة. لكن له شاهد »(٣) .

قلت : الشاهد إن كان حديث ابن مسعود كما هو صريح الحاكم والمناوي فستعرف ما فيه

وإن كان حديث حذيفة بسندٍ آخر عن ربعي فهو ما رواه الترمذي بقوله:

« حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، نا وكيع، عن سالم بن العلاء المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: كنّا جلوساً عند النبيّ صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم فقال: إنّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللَّذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر »(٤) .

ورواه ابن حزم بقوله:

« وأخذناه أيضاً عن بعض أصحابنا، عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن ابن الدَّخيل، عن العقيلي، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن فضيل، ثنا

____________________

(١). تقريب التهذيب ١ / ٥٢١.

(٢). تلخيص الشافي ٣ / ٣٥، روضة الواعظين: ١٧٧، مقتل الحسين: ١٨٥.

(٣). فيض القدير ٢ / ٥٦.

(٤). صحيح الترمذي - مناقب أبي بكر وعمر ٥ / ٦١٠.


وكيع، ثنا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله - رجل من أصحاب حذيفة - عن حذيفة »(١) .

وفي سند هذا الحديث

١ - « سالم بن العلاء المرادي » وعليه مداره.

قال ابن حزم بعد أن روى الحديث كما تقدّم: « سالم ضعيف ».

وفي: « ميزان الاعتدال »: « ضعّفه ابن معين والنسائي »(٢) .

وفي « الكاشف »: « ضعّف »(٣) .

وفي « تهذيب التهذيب »: « قال الدوري عن ابن معين: ضعيف الحديث »(٤) .

وفي « لسان الميزان »: « ذكره العقيلي وضعّفه ابن الجارود »(٥) .

٢ - « عمرو بن هرم » وقد ضعّفه القطّان(٦) .

٣ - « وكيع بن الجرّاح » وهو مقدوح(٧) .

ثم إنّ في سند الحديث عن حذيفة في أكثر طرقه « مولى ربعي بن حراش » وهو مجهول كما نصَّ عليه ابن حزم.

وقد سُمّي هذا المولى في بعض الطرق بـ« هلال » وهو أيضاً مجهول، قال ابن حزم:

____________________

(١). الإِحكام في اُصول الأحكام ٢ / ٢٤٢.

(٢). ميزان الاعتدال ٢ / ١١٢.

(٣). الكاشف ١ / ٣٤٤.

(٤). تهذيب التهذيب ٣ / ٤٤٠.

(٥). لسان الميزان ٣ / ٧.

(٦). ميزان الاعتدال ٣ / ٢٩١.

(٧). ميزان الاعتدال ٤ / ٣١٢.


« وقد سمّى بعضهم المولى فقال: هلال مولى ربعي، وهو مجهول لا يعرف من هو أصلاً »(١) .

حديث ابن مسعود

رواه التّرمذي حيث قال:

« حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدَّثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزّعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي:

أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود »(٢) .

والحاكم حيث قال - بعد أن أخرج الحديث عن حذيفة -:

« وقد وجدنا له شاهداً بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن مسعود: حدّثنا أبو بكر ابن إسحاق، أنبأ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدّثنا أبي، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه ، قال: قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم: إقتدوا باللّذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود »(٣) .

نقد السند:

١ - لقد صرّح الترمذي بغرابته وقال: « لا نعرفه إلّا من حديث يحيى بن

____________________

(١). الإِحكام في اُصول الأحكام ٢ / ٢٤٣.

(٢). صحيح الترمذي ٥ / ٦٧٢.

(٣). مستدرك الحاكم ٣ / ٧٥.


سلمة بن كهيل » ثم ضعَّف الرجل، وهذا نصّ كلامه:

« هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلّا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث »(١) .

٢ - في هذا الإِسناد: « يحيى بن سلمة بن كهيل » وهو رجل ضعيف، متروك، منكر الحديث، ليس بشيء:

قال التّرمذي: « يضعَّف في الحديث ».

وقال المقدسي: « ضعّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ؛ وقال البخاري: في حديثه مناكير؛ وقال النسائي: ليس بثقة؛ وقال الترمذي: ضعيف »(٢) .

وقال الذهبي: « ضعيف »(٣) .

وقال ابن حجر: « ذكره ابن حبّان أيضاً في الضعفاء فقال: منكر الحديث جدّاً، لا يحتجّ به، وقال النسائي في الكنى: متروك الحديث؛ وقال ابن نمير:

ليس ممّن يكتب حديثه؛ وقال الدار قطني: متروك، وقال مرّةً: ضعيف؛ وقال العجلي: ضعيف »(٤) .

٣ - وفيه: « إسماعيل بن يحيى بن سلمة » وهو رجلٌ ضعيفٌ متروك:

قال الدار قطني والأزدي وغيرهما: « متروك »(٥) .

٤ - وفيه: « إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى » وهو ليّن، متروك، ضعيف، مدلّس:

قال الذهبي: « ليّنه أبو زرعة، وتركه أبو حاتم(٦) ».

____________________

(١). صحيح الترمذي ٥ / ٦٧٢.

(٢). الكمال في أسماء الرجال - مخطوط -.

(٣). الكاشف ٣ / ٢٥١.

(٤). تهذيب التهذيب ١١ / ٢٢٥.

(٥). ميزان الاعتدال ١ / ٢٥٤، المغني في الضعفاء ١ / ٨٩، تهذيب التهذيب ١ / ٣٦٦.

(٦). ميزان الاعتدال ١ / ٢٠، المغني ١ / ١٠.


وقال ابن حجر: « قال ابن أبي حاتم: كتب أبي حديثه ولم يأته ولم يذهب بي إليه ولم يسمع منه زهادةً فيه، وسألت أبا زرعة عنه فقال: يذكر عنه أنّه كان يحدِّث بأحاديث عن أبيه ثم ترك أباه، فجعلها عن عمّه لأنّ عمّه أجلى عند الناس.

وقال العقيلي: « عن مطيّن: كان ابن نمير لا يرضاه ويضعّفه وقال: روى أحاديث مناكير.

قال العقيلي: ولم يكن إبراهيم هذا بقيّم الحديث »(١) .

ولهذا ذكر الحافظ العقيلي « يحيى بن سلمة بن كهيل » في كتابه « الضعفاء الكبير » وأورد كلمات عدّة من الأعلام في قدحه كالبخاري ويحيى بن معين والنسائي، ثم روى الحديث عنه بنفس السند الذي في « صحيح الترمذي » وهذا نصّ عبارته:

« ثنا علي بن أحمد بن بسطام، ثنا سهل بن عثمان، ثنا يحيى بن زكريّا، ثنا ابن أبي زائدة، ثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم: اقتدوا »(٢) .

وقال الحافظ الذهبي مشيراً إلى الحديث الذي حكم الحاكم بصحّته: « قلتُ: سنده واهٍ »(٣) .

وقال الحافظ السيوطي: « اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود، ت غريب ضعيف. طب. ك وتعقّب. عن ابن مسعود »(٤) .

فالعجب من تصحيح الحاكم لهذا الحديث واستشهاده به، وكذا

____________________

(١). تهذيب التهذيب ١ / ١٠٦.

(٢). كتاب الضعفاء الكبير ٧ / ٢٦٥٤.

(٣). تلخيص المستدرك ٣ / ٧٦.

(٤). الجامع الكبير ١ / ١٣٣.


المناوي(١) . والأعجب قوله: « الترمذي - وحسّنه - عن ابن مسعود »(٢) .

ولقائل أنْ يقول: فما فائدة إخراج الترمذي أيّاه مع التّنصيص على ضعفه في كتابه الموصوف بالصحّة؟!

قلت: لعلّه إنّما أخرجه ونصّ عليه بما ذكر لئلّا يغترّ به أحد ويتوهّم صحّته بالرّغم من اشتمال كتابه - لا سيّما في باب المناقب - على موضوعات كما نص عليه الحافظ الذهبي بترجمته من « سير أعلام النبلاء ».

حديث أبي الدّرداء

رواه ابن حجر المكّي عن الطبراني حيث قال:

« الحديث الثاني والسّبعون: أخرج الطبراني عن أبي الدرداء: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنّهما حبل الله الممدود، من تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها »(٣) .

نقد السند:

١ - لقد روى الحافظ الهيثمي هذا الحديث عن الطبراني وقال: « فيه من لم أعرفهم » وهذا نصّ كلامه:

« وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنّهما حبل الله الممدود، ومن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

____________________

(١). فيض القدير ١ / ٥٦.

(٢). فيض القدير ١ / ٥٧.

(٣). الصواعق: ٤٦.


رواه الطبراني: وفيه من لم أعرفهم »(١) .

٢ - إنّ معاجم الطبراني ليست من الكتب التي وُصفت بالصّحة، ولا من الكتب التي التُزم فيها بالصحّة.

وعلى هذا لا يجوز التمسّك بالحديث بمجرّد كونه في أحد المعاجم الثلاثة للطبراني.

٣ - لقد جاء في الصحيح في مسند أبي الدرداء ما نصّه:

« قالت اُمّ الدرداء: دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضب: فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمر محمّد صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم شيئاً إلّا أنّهم يصلّون جميعاً ».

ولو كان أبو الدرداء قد سمع قوله صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم: « اقتدوا » لما قال هذا ألبتّة!!

حديث أنس بن مالك

قال جلال الدين السيوطي:

« اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.

التّرمذي عن ابن مسعود، الروياني عن حذيفة، ابن عديّ في الكامل عن أنس(٢) .

نقد السند:

فأمّا حديث ابن مسعود: فإنّ التّرمذي ضعّفه بعد أن رواه كما تقدّم.

____________________

(١). مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.

(٢). الجامع الصغير بشرح المناوي ١ / ٥٦.


وأمّا حديث حذيفة فقد ثبت ضعف جميع طرقه كما تقدَّم أيضاً.

وأمّا حديث أنس، فقد جاء في « الكامل » لابن عديّ ما نصّه: « حَمّاد بن دليل. قاضي المدائن. يكنّى أبا زيد. حدّثنا علي بن الحسين بن سليمان، ثنا أحمد ابن محمد بن المعلّى الآدمي، ثنا مسلم بن صالح أبو رجاء، ثنا حمّاد بن دليل، عن عمر بن نافع، عن عمرو بن هرم، قال: دَخلت أنا وجابر بن زيد على أنس ابن مالك فقال: قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ [ وآله‌ ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر(١) وعمر، وتمسّكوا بعهد ابن اُمّ عبد، واهتدوا بهدي عمّار.

ثنا محمد بن عبد الحميد الفرغاني، ثنا صالح بن حكيم البصري، ثنا أبو رجاء مسلم بن صالح، ثنا أبو زيد قاضي المدائن حمّاد بن دليل، عن عمر بن نافع. فذكر بإسناده نحوه.

ثنا محمد بن سعيد الحراني، ثنا جعفر بن محمد بن الصباح، ثنا مسلم بن صالح البصري. فذكر بإسناده نحوه.

ثنا علي بن الحسن بن سليمان، ثنا أحمد بن محمد المعلّى الآدمي، ثنا مسلم ابن صالح، ثنا حمّاد بن دليل، عن عمر بن نافع، عن عمرو بن هرم، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] نحوه.

قال ابن عديّ: وحمّاد بن دليل هذا قليل الرّواية. وهذا الحديث قد روى له حمّاد بن دليل إسنادين. ولا يروي هذين الإِسنادين غير حمّاد بن دليل ».

إنتهى بطوله(٢) .

نقد السند:

في جميع هذه الأسانيد: مسلم بن صالح، عن حمّاد بن دليل، عن عمر

____________________

(١). كذا.

(٢). الكامل ٢ / ٦٦٦.


ابن نافع، عن عمرو بن هرم.

أمّا « عمرو بن هرم » فقد عرفت أنّه مقدوح مطعون فيه.

وأمّا « عمر بن نافع » فعن يحيى بن معين: حديثه ليس بشيء(١) ، وعن ابن سعد: لا يحتجّ بحديثه(٢) .

وأمّا « حمّاد بن دليل » فقد أورده ابن عديّ في ( الكامل في الضعفاء ) والذهبي في ( المغني في الضعفاء )(٣) وفي ( ميزان الاعتدال في نقد الرجال ) وأضاف: « ضعّفه أبو الفتح الأزدي وغيره »(٤) وابن الجوزي في ( الضعفاء )(٥) .

وأمّا « مسلم بن صالح » فلم أعرفه حتى الآن.

حديث عبد الله بن عمر

رواه الذهبي حيث قال:

« أحمد بن صليح، عن ذي النّون المصري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر بحديث اقتدوا باللذين من بعدي » ثم قال: « وهذا غلط من أحمد لا يعتمد عليه »(٦) .

ورواه مرةً اُخرى، قال:

« محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله بن عبيد الله بن عاصم

____________________

(١). الكامل ٥ / ١٧٠٣.

(٢). تهذيب التهذيب ٧ / ٤٩٩.

(٣). المغني في الضعفاء ١ / ١٨٩.

(٤). ميزان الاعتدال ١ / ٥٩٠.

(٥). اُنظر: هامش تهذيب الكمال ٧ / ٢٣٦.

(٦). ميزان الاعتدال ١ / ١٠٥.


ابن عمر بن الخطّاب العدوي العمري، ذكره العقيلي وقال: لا يصحّ حديثه ولا يعرف بنقل الحديث:

نبّأه أحمد بن الخليل، حدّثنا إبراهيم بن محمد الحلبي، حدّثني محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: اقتدوا باللذين من بعدي.

فهذا لا أصل له من رواية مالك

وقال الدار قطني: العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل، وقال ابن مندة: له مناكير »(١) .

ورواه ابن حجر وقال:

« قال العقيلي بعد تخريجه: هذا حديث منكر لا أصل له.

وأخرجه الدار قطني من رواية أحمد بن الخليل البصري بسنده وساق نسبه كذلك ثم قال: لا يثبت، والعمري هذا ضعيف(٢) .

كما أورد الذهبي وابن حجر هذا الحديث بترجمة « أحمد بن محمد بن غالب الباهلي » فبعد نقل كلماتهم في ذمّه وجرحه، قالا:

« ومن مصائبه: قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله العمري، ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».

ثم قالا:

____________________

(١). ميزان الاعتدال ٣ / ٦١٠.

(٢). لسان الميزان ٥ / ٢٣٧.


« فهذا ملصق بمالك، وقال أبو بكر النقّاش: وهو واهٍ(١) ».

نقد السند:

لقد علم من كلمات الذّهبي وابن حجر وغيرهما: أنّ حديث عبد الله بن عمر هذا باطل بجميع طرقه وبذلك نكتفي عن إيراد نصوص كلمات سائر علماء الرجال في رجاله روماً للاختصار.

فالعجب من الحافظ ابن عساكر(٢) وأمثاله الّذين ملأوا كتبهم وسوّدوا صحائفهم بهذه المناكير وأشباهها!!

حديث جدّة عبد الله بن أبي الهذيل

رواه ابن حزم حيث قال:

« كما حدَّثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير، ثنا عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، ثنا محمد بن كثير الملآئي، ثنا المفضّل الضبيّ، عن ضرار بن مرّة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن جدّته، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن اُمّ عبد ».

نقد السند:

ونقتصر - في الكلام على الحديث بهذا السند - على ما ذكره الحافظ ابن حزم نفسه قبل ذلك، وهذا نصّه:

____________________

(١). ميزان الاعتدال ١ / ١٤٢، لسان الميزان ١ / ٢٧٣.

(٢). تاريخ دمشق ٩ / ٦٤٥.


« وأمّا الرّواية: اقتدوا فحديث لا يصحّ، لأنّه مروي عن مولى لربعي مجهول، وعن المفضّل الضبيّ وليس بحجّة، كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور ».


(٢)

كلمات الأئمة وكبار العلماء

حول سند حديث الاقتداء

قد عرفت سقوط أسانيد هذا الحديث فيما عرف بالصحيح من الكتب فضلاً عن غيره وفي هذا الفصل نذكر نصوص عبارات أئمّتهم في الطّعن فيه إمّا على الإِطلاق بكلمة: « موضوع » و « باطل » و « لم يصحّ » و « منكر » وإمّا على بعض الوجوه التي وقفنا على كلماتهم فيها فنقول:

(١)

أبو حاتم الرّازي

لقد طعن الإِمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي في هذا الحديث فقد ذكر العلّامة المناوي بشرحه: « وأعلّه أبو حاتم، وقال البزّار كابن حزم: لا يصحّ، لأنّ عبد الملك لم يسمعه من ربعي، وربعي لم يسمعه من حذيفة، لكن له شاهد »(١) .

ترجمته:

وابو حاتم الرازي، المتوفّى سنة ٢٧٧ ه‍، يعدّ من أكابر الأئمّة الحفّاظ المجمع على ثقتهم وجلالتهم، بل جعلوه من أقران البخاري ومسلم

____________________

(١). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ٢ / ٥٦.


قال السمعاني: « إمام عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث كان من مشاهير العلماء المذكورين الموصوفين بالفضل والحفظ والرحلة وكان أوّل من كتب الحديث »(١) .

وقال ابن الأثير: « هو من أقران البخاري ومسلم »(٢) .

وقال الذّهبي: « أبو حاتم الرازي الإِمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أحد الأعلام »(٣) .

وقال أيضاً: « الإِمام الحافظ الناقد، شيخ المحدّثين وهو من نظراء البخاري »(٤) .

وله ترجمة في:

تاريخ بغداد ٢ / ٧٣، تهذيب التهذيب ٩ / ٣١، البداية والنهاية ١١ / ٥٩، الوافي بالوفيات ٢ / ١٨٣، طبقات الحفّاظ: ٢٥٥.

(٢)

أبو عيسى الترمذي

وكذا طعن فيه أبو عيسى الترمذي صاحب « الجامع الصحيح » فإنّه قال ما نصّه: « حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، ثني أبي، عن أبيه سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر،

____________________

(١). الأنساب - الحنظلي ٤ / ٢٥١ - ٢٥٢.

(٢). الكامل في التاريخ ٦ / ٦٧.

(٣). تذكرة الحفّاظ ٢ / ٥٦٧.

(٤). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٤٧.


واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.

هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلّا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل. ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث. وأبو الزعراء اسمه عبد الله بن هاني، وأبو الزعراء الذي روى عنه شعبة والثوري وابن عيينة اسمه عمرو بن عمرو، وهو ابن أخي أبي الأحوص صاحب ابن مسعود »(١) .

ترجمته:

والترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، المتوفّى سنة ٢٧٩ ه‍، صاحب أحمد الصحاح الستّة غنيّ عن الترجمة والتعريف، إذ لا كلام بينهم في جلالته وعظمته واعتبار كتابه، وهذه أسماء بعض مواضع ترجمته:

وفيات الأعيان ٤ / ٢٧٨، تذكرة الحفّاظ ٢ / ٦٣٣، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٧٠، تهذيب التهذيب ٩ / ٣٨٧، البداية والنهاية ١١ / ٦٦، الوافي بالوفيات ٤ / ٢٩٤، طبقات الحفّاظ: ٢٧٨.

(٣)

أبوبكر البزّار

وأبطله الحافظ الشهير أبو بكر أحمد بن عبد الخالق البزّار صاحب « المسند » المتوفّى سنة ٢٩٢ ه‍، كما عرفت من كلام العلّامة المناوي الآنف الذكر.

ترجمته:

قال الذهبي: « الحافظ العلّامة أبوبكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق

____________________

(١). صحيح الترمذي ٥ / ٦٧٢.


البصري، صاحب المسند الكبير والمعلّل »(١) .

ووصفه الذهبي أيضاً بـ « الشيخ الإِمام الحافظ الكبير »(٢) .

وهكذا وُصف واُثني عليه في المصادر التاريخية والرجاليّة فراجع: تاريخ بغداد ٤ / ٣٣٤، النجوم الزاهرة ٣ / ١٥٧، المنتظم ٦ / ٥٠، تذكرة الحفّاظ ٢ / ٦٥٣، الوافي بالوفيات ٧ / ٢٦٨، طبقات الحفّاظ: ٢٨٥، تاريخ أصفهان ١ / ١٠٤، شذرات الذهب ٢ / ٢٠٩.

(٤)

أبو جعفر العقيلي

وقال الحافظ الكبير أبو جعفر العقيلي، المتوفّى سنة ٣٢٢ ه‍، في كتابه في الضعفاء: « محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم العمري عن مالك. ولا يصحّ حديثه ولا يعرف بنقل الحديث حدّثناه أحمد بن الخليل الخريبي، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن الحلبي، حدثني محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله بن عبيد الله بن إبراهيم بن عمر بن الخطّاب، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم : اقتدوا بالأميرين من بعدي أبي بكر وعمر.

حديث منكر لا أصل له من حديث مالك »(٣) .

وقد أورد الحافظان الذهبي وابن حجر طعن العقيلي هذا واعتمدا عليه كما ستعرف.

وأيضاً: ترجم العقيلي « يحيى بن سلمة بن كهيل » في « الضعفاء » وأورد

____________________

(١). تذكرة الحفّاظ ٢ / ٢٢٨.

(٢). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٥٥٤.

(٣). الضعفاء الكبير ٤ / ٩٥.


الحديث عنه عن ابن مسعود بنفس السند الذي في « صحيح الترمذي » وقد تقدّم نصّ عبارته في الفصل الأول.

ترجمته:

وقد أثنى على العقيلي كلّ من ترجم له قال الذهبي: « الحافظ الإِمام أبو جعفر قال مسلمة بن القاسم: كان العقيلي جليل القدر، عظيم الخطر، ما رأيت مثله وقال الحافظ أبو الحسن ابن سهل القطّان: أبو جعفر ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدَّم في الحفظ، توفّي سنة ٣٢٢ »(١)

وانظر: سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٣٦، الوافي بالوفيات ٤ / ٢٩١، طبقات الحفّاظ: ٣٤٦، وغيرها.

(٥)

أبوبكر النقّاش

وطعن فيه الحافظ الكبير أبو بكر النقّاش - المتوفّى سنة ٣٥٤ ه‍ - فقد قال الحافظ الذهبي بعد أن رواه بترجمة أحمد بن محمّد بن غالب الباهلي: « وقال أبو بكر النقّاش: وهو واهٍ »(٢) .

ترجمته:

ترجم له الحافظ الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ووصفه بـ « العلّامة المفسّر شيخ القرّاء »(٣) . وهكذا ترجم له ووصفه بجلائل الأوصاف غيره من الأعلام

____________________

(١). تذكرة الحفّاظ ٣ / ٨٣٣.

(٢). ميزان الاعتدال ١ / ١٤٢.

(٣). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٧٣.


... فراجع:

تذكرة الحفّاظ ٣ / ٩٠٨، تاريخ بغداد ٢ / ٢٠١، المنتظم ٧ / ١٤، وفيات الأعيان ٤ / ٢٩٨، الوافي بالوفيات ٢ / ٣٤٥، مرآة الجنان ٢ / ٢٤٧، طبقات الحفّاظ: ٣٧١.

(٦)

ابن عديّ

وأورده الحافظ أبو أحمد ابن عدي، المتوفّى سنة ٣٦٥ ه‍، عن أنس بن مالك بترجمة حمّاد بن دليل في « الضعفاء » وعنه السيوطي في الجامع الصغير، ونصّ هناك على أنّ « هذا الحديث قد روى له حمّاد بن دليل إسنادين، ولا يروي هذين الإِسنادين غير حمّاد بن دليل ».

وقد تقدّم ذكر عبارته كاملةً، حيث عرفت ما في الإِسنادين المذكورين عند ابن عديّ وغيره من الأئمّة في الفصل الأول.

ترجمته:

والحافظ ابن عديّ من أعاظم أئمّة الجرح والتعديل لدى القوم

قال السمعاني بترجمته: « كان حافظ عصره، رحل إلى الاسكندرية وسمرقند، ودخل البلاد وأدرك الشيوخ. كان حافظاً متقناً لم يكن في زمانه مثله.

قال حمزة بن يوسف السهمي: سألت الدار قطني أنْ يصنّف كتاباً في ضعفاء المحدّثين، قال: أليس عندك كتاب ابن عديّ؟ فقلت: نعم، فقال: فيه كفاية لا يزاد عليه »(١) .

____________________

(١). الأنساب - الجرجاني ٣ / ٢٢١ - ٢٢٢.


وانظر: تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٦١، شذرات الذهب ٣ / ٥١، مرآة الجنان ٢ / ٣٨١، وغيرها.

(٧)

أبو الحسن الدار قطني

وقال الحافظ الشهير أبو الحسن الدار قطني - المتوفى سنة ٣٨٥ ه‍ - بعد أنْ أخرج الحديث بسنده عن العمري: « لا يثبت، والعمريّ هذا ضعيف »(١) .

ترجمته:

وكتب الرجال والتاريخ مشحونة بالثناء على الدار قطني

قال الذهبي: « الدار قطني - أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ المشهور، صاحب التصانيف ذكره الحاكم فقال: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماماً في القرّاء والنحاة، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنّفات يطول ذكرها. وقال الخطيب: كان فريد عصره، وفزيع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته وقال القاضي أبو الطيّب الطبري: الدار قطني أمير المؤمنين في الحديث!! »(٢) .

وقال ابن كثير: « الحافظ الكبير، اُستاذ هذه الصناعة وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا كان فريد عصره ونسيج وحده وإمام دهره وله كتابه المشهور وقال ابن الجوزي: قد اجتمع له معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر، مع الإِمامة والعدالة وصحّة العقيدة »(٣) .

____________________

(١). اُنظر: لسان الميزان ٥ / ٢٣٧.

(٢). العبر ٣ / ٢٨.

(٣). البداية والنهاية ١١ / ٣١٧.


وراجع: وفيات الأعيان ٢ / ٤٥٩، تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤، النجوم الزاهرة ٤ / ١٧٢، طبقات الشافعية ٣ / ٤٦٢، طبقات القرّاء ١ / ٥٥٨، وغيرها.

(٨)

ابن حزم الأندلسي

وقد نصّ الحافظ ابن حزم الأندلسي، المتوفّى سنة ٤٧٥، ه‍، على بطلان هذا الحديث وعدم جواز الإِحتجاج به فإنّه قال في رأي الشيخين ما نصّه: « أمّا الرواية: اقتدوا باللذين من بعدي فحديث لا يصحّ. لأنّه مرويّ عن مولى لربعيّ مجهول، وعن المفضّل الضبيّ وليس بحجّة.

كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور، نا محمد بن كثير الملّائي، نا المفضّل الضبيّ، عن ضرار بن مرّة، عن عبد الله بن أبي الهذيل العنزي، عن جدّته، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن اُمّ عبد.

وكما حدّثنا أحمد بن قاسم، قال: نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ، قال: حدّثني قاسم بن أصبغ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا محمد ابن كثير، أنا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي، عن ربعي، عن حذيفة

وأخذناه أيضاً عن بعض أصحابنا، عن القاضي أبي الوليد ابن الفرضي، عن ابن الدخيل، عن العقيلي، نا محمد بن إسماعيل، نا محمد بن فضيل، نا وكيع، نا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله - رجل من أصحاب حذيفة - عن حذيفة.

قال أبو محمد: سالم ضعيف. وقد سمّى بعضهم المولى فقال: هلال مولى


ربعيّ. وهو مجهول لا يعرف من هو أصلاً. ولو صحّ لكان عليهم لا لهم، لأنّهم - نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي - أترك الناس لأبي بكر وعمر. وقد بيّنّا أنّ أصحاب مالك خالفوا أبا بكر ممّا رووا في الموطّأ خاصة في خمسة مواضع، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية ممّا رووا في الموطّأ خاصة. وقد ذكرنا أيضاً أنّ عمر وأبابكر اختلفا، وأنّ اتّباعهما فيما اختلفا فيه متعذّر ممتنع لا يعذر عليه أحد ».

وقال في الفصل:

« قال أبو محمد: ولو أنّنا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً أو أبلسوا أسفاً - لاحتججنا بما روي: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

قال أبو محمد: ولكنّه لم يصحّ، ويعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصحّ »(١) .

ترجمته:

وأبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، حافظ، فقيه، ثقة، له تراجم حسنة في كتبهم، وإن كانوا ينتقدون عليه صراحته وشدّته في عباراته

قال الحافظ ابن حجر: « الفقيه الحافظ الظاهري، صاحب التصانيف، كان واسع الحفظ جدّاً، إلّا أنّه لثقة حافظته كان يهجم، كالقول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة.

قال صاعد بن أحمد الربعي: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس كلّهم لعلوم الإِسلام وأشبعهم معرفة، وله مع ذلك توسّع في علم البيان، وحظّ من البلاغة، ومعرفة بالسِيَر والأنساب.

قال الحميدي: كان حافظاً للحديث، مستنبطاً للأحكام من الكتاب

____________________

(١). الإحكام في اُصول الأحكام: المجلّد ٢ الجزء ٦ ص ٢٤٢ - ٢٤٣. الفصل في الملل والنحل ٤ / ٨٨.


والسُنّة، متفنّناً في علومٍ جَمّة، عاملاً بعلمه، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ والتديّن وكرم النفس، وكان له في الأثر باع واسع.

قال مؤرّخ الأندلس أبو مروان ابن حبّان: كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه ونسب وأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة، وكان لا يخلو في فنونه من غلط، لجرأته في السؤال على كل فنّ »(١) .

وراجع: وفيات الأعيان ٣ / ١٣، نفح الطيب ١ / ٣٦٤، العبر في خبر من غبر ٣ / ٢٣٩.

(٩)

برهان الدين العبري الفرغاني

وقد نصّ العلّامة عبيد الله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي - المتوفّى سنة ٧٤٣ ه‍ - على أنّه حديث موضوع لا يجوز الاستدلال به والاستناد إليه، وهذا نصّ كلامه: « وقيل: إجماع الشيخين حجّة لقوله صلّى الله عليه [ وآله ] سلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. فالرسول أمرنا بالاقتداء بهما، والأمر للوجوب، وحينئذٍ يكون مخالفتهما حراماً. ولا نعني بحجّيّة إجماعهما سوى ذلك.

الجواب: إنّ الحديث موضوع لما بيّنّا في شرح الطوالع »(٢) .

ترجمته:

والعبري من كبار أئمّة القوم في علم الكلام والمعقول، وشرحه على « المنهاج » وعلى « الطوالع » للقاضي البيضاوي من أشهر كتبهم في الكلام والأُصول

____________________

(١). لسان الميزان ٤ / ١٩٨.

(٢). شرح المنهاج - مخطوط.


... وقد ترجموا له وأثنوا عليه واعترفوا بفضله.

قال الحافظ ابن حجر: « كان عارفاً بالأصلين، وشرح مصنّفات ناصر الدين البيضاوي ذكره الذهبي في المشتبه - في العبري - فقال: عالم كبير في وقتنا وتصانيفه سائرة. ومات في شهر رجب سنة ٧٤٣. قلت: رأيت بخطّ بعض فضلاء العجم أنّه مات في غرّة ذي الحجّة منها وهو أثبت، ووصفه فقال: هو الشريف المرتضى قاضي القضاة، كان مطاعا عند السلاطين، مشهورا في الآفاق، مشاراً إليه في جميع الفنون، ملاذ الضعفاء، كثير التواضع والإِنصاف »(١) .

وقال الأسنوي: « كان أحد الأعلام في علم الكلام والمعقولات، ذا حظٍّ وافر من باقي العلوم، وله التصانيف المشهورة »(٢) .

وقال اليافعي: « الإِمام العلّامة، قاضي القضاة، عبيد الله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي، البارع العلّامة المناظر، يضرب بذكائه ومناظرته المثل، كان إماماً بارعاً، متفنّناً، تخرج به الأصحاب، يعرف المذهبين الحنفي والشافعي،.

وأقرأهما وصنّف فيهما. وأمّا الأُصول والمعقول فتفرّد فيها بالإِمامة، وله تصانيف وكان اُستاذ الاُستاذين في وقته »(٣) .

(١٠)

شمس الدين الذهبي

وأبطل الحافظ الكبير الذهبي - المتوفّى سنة ٧٤٨ ه‍ - هذا الحديث مرّة بعد

____________________

(١). الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢ / ٤٣٣.

(٢). طبقات الشافعية ٢ / ٢٣٦.

(٣). مرآة الجنان ٤ / ٣٠٦.


اُخرى، واستشهد بكلمات جهابذة فنّ الحديث والرجال وإليك ذلك:

قال: « أحمد بن صليح، عن ذي النون المصري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر بحديث: اقتدوا باللذين من بعدي.

وهذا غلط، وأحمد لا يعتمد عليه »(١)

وقال: « أحمد بن محمد بن غالب الباهلي غلام خليل، عن إسماعيل بن أبي اويس وشيبان وقرّة بن حبيب. وعنه: ابن كامل وابن السماك وطائفة.

وكان من كبار الزّهاد ببغداد. قال ابن عديّ: سمعت أبا عبد الله النهاوندي يقول: قلت لغلام خليل: ما هذه الرقائق التي تحدّث بها؟ قال: قال وضعناها لنرقّق بها قلوب العامة.

وقال أبو داود: أخشى أن يكون دجّال بغداد.

وقال الدارقطني: متروك.

ومن مصائبه: قال: حدّثنا محمد بن عبد الله العمري، حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

فهذا ملصق بمالك. وقال أبو بكر النقّاش: وهو واه »(٢) .

وقال: « محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدوي، العمري.

ذكره العقيلي وقال: لا يصحّ حديثه، ولا يعرف بنقل الحديث، حدّثنا أحمد ابن الخليل، حدّثنا إبراهيم بن محمد الحلبي، حدّثني محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: اقتدوا باللذين من بعدي.

فهذا لا أصل له من حديث مالك، بل هو معروف من حديث حذيفة بن

____________________

(١). ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١ / ١٠٥.

(٢). ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١ / ١٤١.


اليمان.

وقال الدار قطني: العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل.

وقال ابن مندة: له مناكير »(١) .

وقال: « عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود مرفوعاً: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.

قلت: سنده واهٍ جدّاً »(٢) .

ترجمته:

والذهبي أعرف من أن يعرّف، فهو إمام المتأخرين في التواريخ والسّير، والحجّة عندهم في الجرح والتعديل وإليك بعض مصادر ترجمته: الدرر الكامنة ٣ / ٣٣٦، الوافي بالوفيات ٢ / ١٦٣، طبقات الشافعية ٥ / ٢١٦، فوات الوفيات ٢ / ٣٧٠، البدر الطالع ٢ / ١١٠، شذرات الذهب ٦ / ١٥٣، النجوم الزاهرة ١٠ / ١٨٢، طبقات القرّاء ٢ / ٧١.

(١١)

نور الدّين الهيثمي

ونصّ الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - المتوفّى سنة ٨٠٧ ه‍ - على سقوط الحديث عن أبي الدرداء حيث قال: « وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر،

____________________

(١). ميزان الاعتدال ٣ / ٦١٠.

(٢). تلخيص المستدرك ٣ / ٧٥.


فإنّهما حبل الله الممدود، ومن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

رواه الطبراني. وفيه من لم أعرفهم »(١) .

وكذا عن ابن مسعود وقد تقدّمت عبارته.

ترجمته:

والحافظ الهيثمي من أكابر حفّاظ القوم، وأئمّتهم.

قال الحافظ السخاوي بعد وصفه بالحفظ: « وكان عجباً في الدين والتقوى والزهد والإِقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ

قال شيخنا في معجمه: كان خيّراً ساكناً ليّناً سليم الفطرة، شديد الإِنكار للمنكر، كثير الاحتمال لشيخنا ولأولاده، محبّاً في الحديث وأهله

وقال البرهان الحلبي: إنّه كان من محاسن القاهرة.

وقال التقيّ الفاسي: كان كثير الحفظ للمتون والآثار، صالحاً خيّراً.

وقال الأقفهسي: كان إماماً عالماً حافظاً زاهداً

والثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جدّاً »(٢) .

وراجع أيضاً: حسن المحاضرة ١ / ٣٦٢، طبقات الحفّاظ: ٥٤١، البدر الطالع ١ / ٤٤.

(١٢)

ابن حجر العسقلاني

واقتفى الحافظ ابن حجر العسقلاني - المتوفّى سنة ٨٥٢ ه‍ - أثر الحافظ

____________________

(١). مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.

(٢). الضوء اللامع ٥ / ٢٠٠.


الذهبي، فأبطل الحديث في غير موضع. فقال بترجمة أحمد بن صليح:

« أحمد بن صليح، عن ذي النون المصري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما بحديث: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وهذا غلط. وأحمد لا يعتمد عليه »(١) .

وقال بترجمة غلام خليل بعد كلام الذهبي: « وقال الحاكم: سمعت الشيخ أبا بكر ابن إسحاق يقول: أحمد بن محمد بن غالب ممّن لا أشكّ في كذبه.

وقال أبو أحمد الحاكم: أحاديثه كثيرة لا تحصى كثرةً، وهو بيّن الأمر في الضّعف.

وقال أبو داود: قد عرض عليَّ من حديثه فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كذب كلّها. وروى عن جماعةٍ من الثقات أحاديث موضوعة على ما ذكره لنا القاضي أحمد بن كامل، مع زهده وورعه. ونعوذ بالله من ورع يقيم صاحبه ذلك المقام »(٢) .

وأضاف إلى كلام الذهبي بترجمة محمد العمري: « وقال العقيلي بعد تخريجه: هذا حديث منكر لا أصل له. وأخرجه الدار قطني من رواية أحمد الخليلي البصري بسنده وساق بسندٍ كذلك ثم قال: لا يثبت، والعمري هذا ضعيف »(٣) .

ترجمته:

وابن حجر العسقلاني حافظهم على الإِطلاق، وشيخ الإِسلام عندهم في جميع الآفاق، إليه المرجع في التاريخ والحديث والرجال، وعلى كتبه المعوَّل في جميع العلوم قال الحافظ السيوطي:

« الإمام الحافظ في زمانه، قاضي القضاة، انتهت إليه الرحلة والرياسة في

____________________

(١). لسان الميزان ١ / ١٨٨.

(٢). لسان الميزان ١ / ٢٧٢.

(٣). لسان الميزان ٥ / ٢٣٧.


الحديث في الدنيا بأسرها، لم يكن في عصره حافظ سواه. وألّف كتباً كثيرة كشرح البخاري، وتعليق التعليق، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب، ولسان الميزان، والإِصابة في الصحابة، ونكت ابن الصلاح، ورجال الأربعة وشرحها، والألقاب »(١) .

وهكذا وُصف في كلّ كتاب توجد فيه ترجمة له فراجع: البدر الطالع ١ / ٨٧، الضوء اللامع ٢ / ٣٦، شذرات الذهب ٨ / ٢٧٠، ذيل رفع الإِصر: ٨٩، ذيل تذكرة الحفّاظ: ٣٨٠.

(١٣)

شيخ الإِسلام الهروي

وقال الشيخ أحمد بن يحيى الهروي الشافعي - المتوفّى سنة ٩١٦ ه‍ - ما نصّه:

« من موضوعات أحمد الجرجاني:

من قال القرآن مخلوق فهو كافر. الإِيمان يزيد وينقص. ليس الخبر كالمعاينة. الباذنجان شفاء من كلّ داء. دانق من حرام أفضل عند الله من سبعين حجة مبرورة. موضوع. اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر. باطل.

إنّ الله يتجلّى للخلائق يوم القيامة ويتجلّى لأبي بكر خاصّة. باطل »(٢) .

ترجمته:

وهذا الشيخ من فقهاء الشّافعية، وكان شيخ الإِسلام بمدينة هراة، وهو

____________________

(١). حسن المحاضرة ١ / ٣٦٣.

(٢). الدرّ النضيد: ٩٧.


حفيد السّعد التفتازاني.

قال الزركلي: « أحمد بن يحيى بن محمد بن سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الهروي، شيخ الإِسلام، من فقهاء الشافعية، يكنّى سيف الدين ويعرف بـ « حفيد السعد » التفتازاني. كان قاضي هراة مدّة ثلاثين عاماً، ولـمّا دخل الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي كان الحفيد ممّن جلسوا لاستقباله في دار الإِمارة، ولكنّ الوشاة اتّهموه عند الشاه بالتعصّب، فأمر بقتله مع جماعةٍ من علماء هراة، ولم يعرف له ذنب، ونعت بالشهيد. له كتب منها: مجموعة سمّيت: الدرّ النضيد من مجموعة الحفيد ط. في العلوم الشرعية والعربيّة »(١) .

(١٤)

عبد الرؤوف المناوي

وطعن العلّامة عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي المصري - المتوفّى سنة ١٠٢٩ ه‍ - في سند الحديث عن حذيفة، وتعقّبه عن ابن مسعود بكلمة الذهبي. وهذا نصّ عبارته:

« ( اقتدوا باللذين ) بفتح الذال. أي الخليفتين اللذين يقومان ( من بعدي: أبو بكر وعمر ) أمره بمطاوعتهما يتضمّن الثناء عليهما، ليكونا أهلاً لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه، المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وإيماء لكونهما الخليفتين بعده. وسبب الحثّ على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضيّة والطبيعة القابلة للخيور السنيّة، فكأنّهم كانوا قبل الإِسلام كأرض طيّبة في نفسها، لكنّها معطّلة عن الحرث بنحو عوسج وشجر عضاة. فلمـّا

____________________

(١). الأعلام ١ / ٢٧٠.


اُزيل ذلك منها بظهور دولة الهدى أنبتت نباتاً حسناً، فلذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء، وصار أفضل الخلق بعدهم من اتّبعهم بإحسان إلى يوم الصراط والميزان.

فإن قلت: حيث أمر باتّباعهما فكيف تخلّف عليرضي‌الله‌عنه عن البيعة؟

قلت: كان لعذر ثم بايع. وقد ثبت عنه الانقياد لأوامرهما ونواهيهما وإقامة الجمع والأعياد معهما والثناء عليهما حيّين وميّتين.

فإن قلت: هذا الحديث يعارض ما عليه أهل الاُصول من أنّه لم ينصّ على خلافة أحد.

قلت: مرادهم لم ينصّ نصّاً صريحاً. وهذا كما يحتمل الخلافة يحتمل الاقتداء بهم في الرأي والمشورة والصلاة وغير ذلك.

( حم ت ) في المناقب وحسّنه ( ه‍ ) من حديث عبد الملك بن عمير عن ربعي ( عن حذيفة ) بن اليمان.

قال ابن حجر: اختلف فيه على عبد الملك. وأعلّه أبو حاتم. وقال البزّار كابن حزم: لا يصحّ. لأنّ عبد الملك لم يسمعه من ربعي، وربعي لم يسمعه من حذيفة. لكن له شاهد. وقد أحسن المصنّف حيث عقّبه بذكر شاهده فقال:

( اقتدوا باللذين ) بفتح الذال ( من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار ) بن ياسر، أي سيروا بسيرته واسترشدوا بإرشاده فإنّه ما عرض عليه أمران إلّا اختار أرشدهما، كما يأتي في حديث ( وتمسّكوا بعهد ابن مسعود ) عبد الله، أي ما يوصيكم به.

قال التوربشتي: أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة، فإنّه أوّل من شهد بصحّتها وأشار إلى استقامتها قائلاً: ألا نرضى لدنيانا من رضيه لديننا بيننا، كما يومئ إليه المناسبة بين مطلع الخبر وتمامه.

( ت ) وحسّنه ( عن ابن مسعود. الروياني عن حذيفة ) قال: بينا نحن عند رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم إذ قال: لا أدري ما قدر بقائي فيكم، ثم


ذكره. ( عد عن أنس ).

ورواه الحاكم عن ابن مسعود باللفظ المذكور قال الذهبي: وسنده واهٍ »(١) .

ترجمته:

والمناويّ علّامة محقّق كبير، وكتابه ( فيض القدير ) من الكتب المفيدة وقد ترجم له وأثنى عليه العلّامة المحبّي ووصفه بـ « الإِمام الكبير الحجّة » وهذه عبارته:

« عبد الرءوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين، الملقّب بزين الدين، الحدادي ثم المناوي، القاهري، الشافعي.

الإِمام الكبير الحجّة، الثبت القدوة، صاحب التصانيف السائرة، وأجلّ أهل عصره من غير ارتياب.

وكان إماماً فاضلاً، زاهداً، عابداً، قانتاً لله خاشعاً له، كثير النفع، وكان متقرّباً بحسن العمل، مثابراً على التسبيح والأذكار، صابراً صادقاً، وكان يقتصر يومه وليلته على أكلةٍ واحدةٍ من الطعام.

وقد جمع من العلوم والمعارف - على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها - ما لم يجتمع في أحدٍ ممّن عاصره »(٢) .

(١٥)

ابن درويش الحوت

وقال العلّامة ابن درويش الحوت - المتوفّى سنة ١٠٩٧ ه‍ -: « خبر ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ).

رواه أحمد والترمذي وحسنّه. وأعلّه أبو حاتم، وقال البزّار كابن حزم: لا

____________________

(١). فيض القدير - شرح الجامع الصغير ٢ / ٥٦.

(٢). خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٢ / ٤١٢ - ٤١٦.


يصحّ. و في رواية للترمذي وحسّنها: واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود وقال الهيثمي: سندها واه »(١) .

____________________

(١). أسنى المطالب: ٤٨.


(٣)

تأمّلات في متن ودلالة

حديث الاقتداء

قد أشرنا في المقدّمة إلى استدلال القوم بحديث الاقتداء في باب الخلافة والإِمامة وفي الفقه والاُصول في مسائل مهمّة

فقد استدلّ به القاضي البيضاوي في كتابه الشهير « طوالع الأنوار في علم الكلام » وابن حجر المكّي في « الصواعق المحرقة » وابن تيميّة في « منهاج السنّة » وولي الله الدهلوي - صاحب: حجّة الله البالغة - في كتابه « قرّة العينين في تفضيل الشيخين » ومن الطريف جدّاً أنّ هذا الأخير ينسب رواية الحديث إلى البخاري ومسلم وهذه عبارته:

« قوله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

فعن حذيفة: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. متّفق عليه.

وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود. أخرجه الترمذي »(١) .

إذ لا يخفى أنّ النسبة كاذبة إلّا أنْ يكون « متّفق عليه » اصطلاحاً خاصاً بالدهلوي، يعني به اتّفاقهما على عدم الإِخراج!!

واستدلّ به الشيخ علي القاري ووقع فيما وقع فيه الدهلوي

____________________

(١). قرّة العينين: ١٨٩.


فقد جاء في « شرح الفقه الأكبر »: « مذهب عثمان وعبد الرحمن بن عوف: أنّ المجتهد يجوز له أنْ يقلِّد غيره إذا كان أعلم منه بطريق الدين، وأنْ يترك اجتهاد نفسه ويتّبع اجتهاد غيره. وهو المروي عن أبي حنيفة، لا سيّما و قد ورد في الصحيحين: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر فأخذ عثمان وعبد الرحمن بعموم هذا الحديث وظاهره ».

ولعلّه يريد غير صحيحي البخاري ومسلم!! وإلّا فقد نصّ الحاكم - كما عرفت - على أنّهما لم يخرجاه!!

وهكذا فإنّك تجد حديث الاقتداء يُذكر أو يستدلّ به في كتب الاُصول المعتمدة فقد جاء في المختصر:

« مسألة: الإِجماع لا ينعقد بأهل البيت وحدهم خلافاً للشيعة. ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافاً لأحمد. ولا بأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - عند الأكثرين. قالوا: عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي. اقتدوا باللذين من بعدي. قلنا: يدلّ على أهلية اتّباع المقلّد، ومعارض بمثل: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. و خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء ».

قال شارحه العضد: « أقول: لا ينعقد الإِجماع بأهل البيت وحدهم مع مخالفة غيرهم لهم، أو عدم الموافقة والمخالفة، خلافاً للشيعة. ولا بالأئمّة الأربعة عند الأكثرين خلافاً لأحمد. ولا بأبي بكر وعمر عند الأكثرين خلافاً لبعضهم.

لنا: أنّ الأدلّة لا تتناولهم. وقد تكرّر فلم يكرّر. أمّا الشيعة فبنوا على أصلهم في العصمة، وقد قرّر في الكلام فلم يتعرّض له. وأمّا الآخرون فقالوا: قال عليه الصلاة والسلام: عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي. وقال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

الجواب: أنّهما إنّما يدلّان على أهلية الأربعة أو الاثنين لتقليد المقلَّد لهم، لا على حجّيّة قولهم على المجتهد. ثم إنّه معارض بقوله: أصحابي كالنجوم »(١) .

____________________

(١). شرح المختصر في الاُصول ٢ / ٣٦.


وفي المنهاج وشرحه: « وذهب بعضهم إلى أنّ إجماع الشيخين وحدهما حجّة لقولهعليه‌السلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والترمذي وقال: حسن، وذكره ابن حبان في صحيحه.

وأجاب الإِمام وغيره عن الخبرين بالمعارضة بقوله: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم وهو حديث ضعيف. وأجاب الشيخ أبو إسحاق في ( شرح اللمع ) بأنّ ابن عبّاس خالف جميع الصحابة في خمس مسائل انفرد بها، وابن مسعود انفرد بأربع مسائل، ولم يحتجّ عليهما أحد بإجماع »(١) .

وفي مسلّم الثبوت وشرحه: « ولا ينعقد الإِجماع بالشيخين أميري المؤمنين أبي بكر وعمر عند الأكثر، خلافا للبعض، ولا ينعقد بالخلفاء الأربعة خلافاً لأحمد الإمام ولبعض الحنفية قالوا: كون اتّفاق الشيخين إجماعاً، قالوا: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد، فمخالفتهما حرام قلنا: هذا خطاب للمقلّدين، فلا يكون حجّة على المجتهدين، وبيان لأهليّة الاتّباع، لا حصر الاتّباع فيهم، وعلى هذا فالأمر للإِباحة أو للندب، وأحد هذين التأويلين ضروري، لأنّ المجتهدين كانوا يخالفونهم، والمقلّدون كانوا قد يقلّدون غيرهم ولم ينكر عليهم أحد، لا الخلفاء أنفسهم ولا غيرهم، فعدم حجّية قولهم كان معتقدهم. وبهذا اندفع ما قيل إنّ الإِيجاب ينافي هذا التأويل »(٢) .

فهذه نماذج من إستدلال القوم بحديث الاقتداء بالشيخين في مسائل الفقه والاُصوليين

لكنّ الذي يظهر من مجموع هذه الكلمات أنّ الأكثر على عدم حجّية إجماعهما

____________________

(١). الإبهاج في شرح المنهاج ٢ / ٣٦٧.

(٢). فواتح الرحموت في مسلّم الثبوت ٢ / ٢٣١.


وإذا ضممنا إلى ذلك أنّ الأكثر - أيضاً - على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينصّ على خلافة أحدٍ من بعده كما جاء في المواقف وشرحها « والإِمام الحقّ بعد النبي صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم : أبوبكر ثبتت إمامته بالإجماع، وإن توقّف فيه بعضهم ولم ينصّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] و سلّم على أحدٍ خلافاً للبكرية، فإنّهم زعموا النصّ على أبي بكر، وللشيعة فإنّهم يزعمون النصّ على علي كرّم الله وجهه، إمّا نصّاً جلياً وإمّا نصّاً خفيّاً. والحقّ عند الجمهور نفيهما»(١) .

وقال المناوي بشرحه: « فإن قلت: هذا الحديث يعارض ما عليه أهل الأصول من أنّه لم ينصّ على خلافة أحدٍ.

قلت: مرادهم: لم ينصّ نصّاً صريحاً، وهذا كما يحتمل الخلافة يحتمل الاقتداء بهم في الرأي والمشورة والصلاة ونحو ذلك(٢) .

علمنا أنّ المستدلّين بهذا الحديث في جميع المجالات – ابتداءً بباب الإِمامة والخلافة، وانتهاءً بباب الاجتهاد والإِجماع - هم « البكرية » وأتباعهم

إذن فالأكثر يُعْرِضون عن مدلول هذا الحديث ومفاده وإنّ المستدلّين به قوم متعصّبون لأبي بكر وإمامته وهذا وجه آخر من وجوه وضعه واختلاقه

قال الحافظ ابن الجوزي: « قد تعصَّب قوم لا خلاق لهم يدّعون التمسّك بالسُنّة فوضعوا لأبي بكر فضائل »(٣) .

لكن من هم؟

هم « البكرية » أنفسهم!!

____________________

(١). شرح المواقف - مباحث الإِمامة ٨ / ٣٥٤.

(٢). فيض القدير ٢ / ٥٦.

(٣). الموضوعات ١ / ٣٠٣.


قال العلّامة المعتزلي: « فلمـّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة(١) ، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: ( لو كانت متّخذاً خليلاً ) فإنّهم وضعوه في مقابلة ( حديث الإِخاء ). ونحو ( سدّ الأبواب ) فإنّه كان لعليعليه‌السلام ، فقلبته البكرية إلى أبي بكر. ونحو: ( ايتني بدواةٍ وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه إثنان ) ثم قال: ( يأبى الله والمسلمون إلّا أبا بكر ) فإنّهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه: ( إيتوني بدواةٍ وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبداً. فاختلفوا عنده وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله ) ونحو حديث: ( أنا راضٍ عنك، فهل أنت عنّي راض؟ ) ونحو ذلك »(٢) .

وبعد، فما مدلول هذا الحديث ونحن نتكلّم هنا عن هذه الجهة وبغضّ النظر عن السند؟

يقول المناوي: « أمره بمطاوعتهما يتضمّن الثناء عليهما، ليكونا أهلاً لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه ».

لكنّ أوّل شيء يعترض عليه به تخلّف أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن تبعه عن البيعة مع أمرهما به، ولذا قال:

« فإن قلت: حيث أمر باتّباعهما فكيف تخلّف عليرضي‌الله‌عنه عن البيعة؟ قلت: كان لعذر ثم بايع، وقد ثبت عنه الانقياد لأوامرهما ونواهيهما »(٣) .

أقول: لقد وقع القوم - بعد إنكار النصّ وحصر دليل الخلافة في الإِجماع - في مأزق كبير وإشكال شديد، وذلك لأنّهم قرّروا في علم الاُصول أنّه إذا خالف

____________________

(١). الذي صنعته الشيعة أنّها استدلّت بالأحاديث التي رواها أهل السنّة في فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام باعتبار أنّها نصوص جليّة أو خفيّة على إمامته كما ذكر صاحب « شرح المواقف » وغيره.

(٢). شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٩.

(٣). فيض القدير ٢ / ٥٦.


واحد من الاُمّة أو اثنان لم ينعقد الإِجماع.

قال الغزّالي: « إذا خالف واحد من الاُمّة أو اثنان لم ينعقد الإِجماع دونه، فلو مات لم تصر المسألة إجماعاً، خلافاً لبعضهم. ودليلنا: أنّ المحرّم مخالفة الاُمّة كافّة »(١) .

وفي مسلّم الثبوت وشرحه: « قيل: إجماع الأكثر مع ندرة المخالف بأنْ يكون واحداً أو اثنين إجماع والمختار أنّه ليس بإجماع لانتفاء الكلّ الذي هو مناط العصمة. ثم اختلفوا فقيل: ليس بحجّةٍ أصلاً كما أنّه ليس بإجماع، وقيل: بل حجّة ظنّية غير الإِجماع، لأنّ الظاهر إصابة السواد الأعظم قيل: ربّما كان الحقّ مع الأقل وليس فيه بعد ».

فقال المكتفون بإجماع الأكثر: « صحّ خلافة أبي بكر مع خلاف علي وسعد ابن عبادة وسلمان ».

فأجيب: « ويدفع بأنّ الإِجماع بعد رجوعهم إلى بيعته. هذا واضح في أمير المؤمنين علي ».

فلو سلّمنا ما ذكروه من بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فما الجواب عن تخلّف سعد بن عبادة »؟!

أمّا المناوي فلم يتعرّض لهذه المشكلة وتعرّض لها شارح مسلّم الثبوت فقال بعد ما تقدّم: « لكنّ رجوع سعد بن عبادة فيه خفاء، فإنّه تخلّف ولم يبايع وخرج عن المدينة، ولم ينصرف إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة أمير المؤمنين عمر، وقيل: مات سنة إحدى عشرة في خلافة أمير المؤمنين الصدّيق الأكبر. كذا في الاستيعاب وغيره. فالجواب الصحيح عن تخلّفه: أنّ تخلّفه لم يكن عن اجتهاد، فإنّ أكثر الخزرج قالوا: منّا أمير ومنكم أمير، لئلّا تفوت رئاستهم ولم يبايع سعد لما كان له حبّ السيادة، وإذا لم

____________________

(١). المستصفى ١ / ٢٠٣.


تكن مخالفته عن الاجتهاد فلا يضرّ الإِجماع

فإن قلت: فحينئذٍ قد مات هورضي‌الله‌عنه شاقّ عصا المسلمين مفارق الجماعة و قد قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وأصحابه وسلّم: لم يفارق الجماعة أحد ومات إلّا مات ميتة الجاهلية. رواه البخاري. والصحابة لا سيّما مثل سعد برآء عن موت الجاهلية.

قلت: هب أنّ مخالفة الإِجماع كذلك، إلّا أنّ سعداً شهد بدراً على ما في صحيح مسلم، والبدريّون غير مؤاخذين بذنب، مثلهم كمثل التائب وإنْ عظمت المصيبة، لِما أعطاهم الله تعالى من المنزلة الرفيعة برحمته الخاصة بهم. وأيضاً: هو عقبي ممّن بايع في العقبة، وقد وعدهم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وأصحابه وسلّم الجنّة والمغفرة. فإيّاك وسوء الظنّ بهذا الصنيع. فاحفظ الأدب »(١) .

ولو تنزّلنا عن قضية سعد بن عبادة، فما الجواب عن تخلّف الصدّيقة الزهراءعليها‌السلام ؟! وهي من الصحابة، بل بضعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فإذا كان الصحابة - لا سيّما مثل سعد - برآء عن موت الجاهلية، فما ظنّك بالزهراء التي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني »(٢) و قال: « فاطمة بضعة منّي، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها »(٣) . و قال: « فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة إلّا مريم بنت عمران »(٤) هذه الأحاديث التي استدلّ بها الحافظ السهيلي وغيره من الحفّاظ على أنّها أفضل من الشيخين فضلاً عن غيرهما(٥) .

____________________

(١). فواتح الرحموت - شرح مسلّم الثبوت ٢ / ٢٢٣ - ٢٢٤.

(٢). فيض القدير ٤ / ٤٢١ عن البخاري في المناقب.

(٣). فيض القدير ٤ / ٤٢١.

(٤). فيض القدير ٤ / ٤٢١.

(٥). فيض القدير ٤ / ٤٢١.


... فإنّ من ضروريّات التاريخ أنّ الزهراءعليها‌السلام فارقت الدنيا ولم تبايع أبا بكر وأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يأمرها بالمبادرة إلى البيعة، وهو يعلم أنّه « لم يفارق الجماعة أحد ومات إلّا مات ميتة الجاهليّة »!!

أقول:

إذن لا يدلّ هذا الحديث على شيء ممّا زعموه أو أرادوا له الاستدلال به فما هو واقع الحال؟

سنذكر له وجهاً على سبيل الاحتمال في نهاية المقال

ثمّ إنّ ممّا يبطل هذا الحديث من حيث الدلالة والمعنى وجوهاً اُخر.

_ ١ _

إنّ أبا بكر وعمر اختلفا في كثير من الأحكام، والأفعال، واتّباع المختلفين متعذّر غير ممكن فمثلاً: أقرّ أبو بكر جواز المتعة ومنعها عمر. وأنّ عمر منع أن يورّث أحداً من الأعاجم إلّا واحداً ولد في العرب فبمن يكون الاقتداء؟!

ثم جاء عثمان فخالف الشيخين في كثير من أقواله وأفعاله وأحكامه وهو عندهم ثالث الخلفاء الراشدين

وكان في الصّحابة من خالف الشيخين أو الثلاثة كلّهم في الأحكام الشرعية والآداب الدينيّة وكلّ ذلك مذكور في مظانّه من الفقه والاُصول ولو كان واقع هذا الحديث كما يقتضيه لفظه لوجب الحكم بضلالة كلّ هؤلاء!!

_ ٢ _

إنّ المعروف من الشيخين الجهل بكثير من المسائل الإِسلاميّة ممّا يتعلّق


بالاُصول والفروع، وحتّى في معاني بعض الألفاظ العربية في القرآن الكريم فهل يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالاقتداء المطلق لمن هذه حاله ويأمر بالرجوع إليه والانقياد له في أوامره ونواهيه كلّها؟!

_ ٣ _

إنّ هذا الحديث بهذا اللفظ يقتضي عصمة أبي بكر وعمر والمنع من جواز الخطأ عليهما، وليس هذا بقول أحدٍ من المسلمين فيهما، لأنّ إيجاب الاقتداء بمن ليس بمعصوم إيجاب لما لا يؤمن مِن كونه قبيحاً

_ ٤ _

ولو كان هذا الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاحتجّ به أبو بكر نفسه يوم السقيفة ولكن لم نجد في واحدٍ من كتب الحديث والتاريخ أنّه احتجّ به على القوم فلو كان لَنقل واشتهر، كما نقل خبر السقيفة وما وقع فيها من النزاع والمغالبة

بل لم نجد احتجاجاً له به في وقتٍ من الأوقات.

_ ٥ _

بل وجدناه في السقيفة يخاطب الحاضرين بقوله: « بايعوا أيَّ الرجلين شئتم » يعني: أبا عبيدة وعمر بن الخطّاب(١) .

____________________

(١). اُنظر: صحيح البخاري - باب فضل أبي بكر، مسند أحمد ١ / ٥٦، تاريخ الطبري ٣ / ٢٠٩، السيرة الحلبية ٣ / ٣٨٦، وغيرها.


ويلتفت إلى أبي عبيدة الجرّاح قائلاً: « اُمدد يدك اُبايعك »(١) .

_ ٦ _

ثمّ لمـّا بويع بالخلافة قال:

« أقيلوني، أقيلوني، فلست بخيركم »(٢) .

_ ٧ _

ثمّ لمـّا حضرته الوفاة قال:

« وددت أنّي سألت رسول الله لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحد، وددت أني كنت سألت: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب »(٣) .

_ ٨ _

وجاء عمر يقول:

« كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقي المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه »(٤) .

____________________

(١). الطبقات الكبرى ٣ / ١٢٨، مسند أحمد ١ / ٣٥، السيرة الحلبية ٣ / ٣٨٦.

(٢). الإمامة والسياسة ١ / ١٤، الصواعق المحرقة: ٣٠، الرياض النضرة ١ / ١٧٥، كنز العمّال ٣ / ١٣٢.

(٣). تاريخ الطبري ٣ / ٤٣١، العقد الفريد ٢ / ٢٥٤، الإِمامة والسياسة ١ / ١٨، مروج الذهب ٢ / ٣٠٢.

(٤). صحيح البخاري ٥ / ٢٠٨، الصواعق المحرقة: ٥، تاريخ الخلفاء: ٦٧.


وبعد:

فما هو متن الحديث؟ وما هو مدلوله؟

قد عرفت سقوط هذا الحديث معنىً على فرض صدوره

وعلى الفرض المذكور فلا بدّ من الالتزام بأحد أمرين: إمّا وقوع التحريف في لفظه، وإمّا صدوره في قضيّة خاصّة

أمّا الأوّل فيشهد به: أنّه قد روي هذا الخبر بالنصب، أي جاء بلفظ « أبا بكر وعمر » بدلا عن « أبي بكر وعمر » وجعل أبو بكر وعمر مناديين مأمورين بالاقتداء(١) .

فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر المسلمين عامةً بقوله « اقتدوا » - مع تخصيصٍ لأبي بكر وعمر بالخطاب - « باللذين من بعده » وهما « الكتاب والعترة »، وهما ثِقلاه اللذان طالما أمر بالاقتداء والتمسّك والاعتصام بهما(٢) .

وأمّا الثاني فهو ما قيل: من أنّ سبب هذا الخبر: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان سالكاً بعض الطرق، وكان أبو بكر وعمر متأخّرين عنه، جائيين على عقبه، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبعض من سأله عن الطريق الذي سلكه في اتّباعه واللحوق به: « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وعني في سلوك الطريق دون غيره(٣) .

وعلى هذا فليس الحديث على إطلاقه، بل كانت تحفّه قرائن تخصّه بمورده، فأسقط الرّاوي القرائن عن عمدٍ أو سهو، فبدا بظاهره أمراً مطلقاً بالاقتداء بالرجلين وكم لهذه القضية من نظير في الأخبار والأحاديث الفقهية والتفسيريّة

____________________

(١). تلخيص الشافي ٣ / ٣٥.

(٢). إشارة إلى حديث: « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ». راجع: الأجزاء الثلاثة الاُولى من كتابنا، تجد البحث عنه مستقصىِّ.

(٣). تلخيص الشافي ٣ / ٣٨.


والتاريخيّة ومن ذلك ما في ذيل « حديث الاقتداء » نفسه في بعض طرقه وهذا ما نتكلّم عليه بإيجاز ليظهر لك أنّ هذا الحديث - لو كان صادراً - ليس حديثاً واحداً، بل أحاديث متعدّدة صدر كلّ منها في موردٍ خاصّ لا علاقة له بغيره

تكملة:

لقد جاء في بعض طرق هذا الحديث:

« اقتدوا باللذين

واهتدوا بهدي عمّار.

وتمسّكوا بعهد ابن أمّ عبد: أو: إذا حدّثكم ابن اُمّ عبدٍ فصدّقوه. أو: ما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه ».

فالحديث مشتمل على ثلاث فقرات، الاُولى تخصّ الشيخين، والثانية عمّار ابن ياسر، والثالثة عبد الله بن مسعود.

أمّا الفقرة الاُولى فكانت موضوع بحثنا، فلذا أشبعنا فيها الكلام سنداً ودلالة وظهر عدم جواز الاستدلال بها والأخذ بظاهر لفظها، وأنّ من المحتمل قويّاً وقوع التحريف في لفظها أو لدى النقل لها بإسقاط القرائن الحافّة بها الموجب لخروج الكلام من التقييد إلى الإِطلاق، فإنّه نوع من أنواع التحريف، بل من أقبحها وأشنعها كما هو معلوم لدى أهل العلم.

وأمّا الفقرتان الاُخريان فلا نتعرّض لهما إلّا من ناحية المدلول والمفاد لئلّا يطول بنا المقام وإن ذكرا في فضائل الرجلين، وربّما استدلّ بهما بعضهم في مقابلة بعض فضائل أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فنقول:

قوله: « اهتدوا بهدي عمار » معناه: « سيروا بسيرته واسترشدوا بإرشاده ».

فكيف كانت سيرة عمار؟ وما كان إرشاده؟

وهل سار القوم بسيرته واسترشدوا بإرشاده؟!!


هذه كتب السير والتواريخ بين يديك!!

وهذه نقاط من « سيرته » و « إرشاده »:

تخلّف عن بيعة أبي بكر(١) وقال لعبد الرحمن بن عوف - حينما قال للناس في قصة الشورى: أشيروا عليَّ - « إنْ أردتَ أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً »(٢) .

وقال: بعد أن بويع عثمان -: « يا معشر قريش، أمّا إذ صَدَفْتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم هاهنا مرّةً هاهنا مرّةً، فما أنا بآمن من أن ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله »(٣) وكان مع عليعليه‌السلام منذ اليوم الأول حتى استشهد معه بصفّين و قد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « عمار تقتله الفئة الباغية »(٤) و « من عادى عمّاراً عاداه الله »(٥) .

ثم لما ذا أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالاهتداء بهدي عمّار والسير على سيرته؟ لأنّه قال له من قبل: « يا عمّار، إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس كلّهم وادياً غيره فاسلك مع علي، فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى يا عمار: إنّ طاعة علي من طاعتي، وطاعتي من طاعة الله عزّ وجلّ(٦) .

و قوله: « وتمسّكوا بعهد ابن اُمّ عبد » أو « إذا حدّثكم ابن اُمّ عبد فصدّقوه » ما معناه؟

إن كان « الحديث » فهل يصدَّق في كلّ ما حدّث؟

هذا لا يقول به أحد وقد وجدناهم على خلافه فقد منعوه من

____________________

(١). المختصر في أخبار البشر ١ / ١٥٦، تتمّة المختصر ١ / ١٨٧.

(٢). تاريخ الطبري ٣ / ٢٩٧، الكامل ٣ / ٣٧، العقد الفريد ٢ / ١٨٢.

(٣). مروج الذهب ٢ / ٣٤٢.

(٤). المسند ٢ / ١٦٤، تاريخ الطبري ٤ / ٢ و ٤ / ٢٨، طبقات ابن سعد ٣ / ٢٥٣، الخصائص: ١٣٣، المستدرك ٣ / ٣٧٨، عمدة القاري ٢٤ / ١٩٩٢، كنز العمّال ١٦ / ١٤٣.

(٥). الاستيعاب ٣ / ١١٣٨، الإِصابة ٢ / ٥٠٦، كنز العمال ١٣ / ٢٩٨، إنسان العيون ٢ / ٢٦٥.

(٦). تاريخ بغداد ١٣ / ١٨٦، كنز العمّال ١٢ / ٢١٢، فرائد السمطين ١ / ١٧٨، المناقب - للخوارزمي -: ٥٧ و ١٢٤.


الحديث، بل كذّبوه، بل ضربوه فراجع ما رووه ونقلوه(١) .

وإن كان « العهد » فأيّ عهد هذا؟

لا بدّ أنْ يكون إشارةً إلى أمر خاصّ صدر في موردٍ خاصّ لم تنقله الرواة

لقد رووا في حقّ ابن مسعود حديثاً آخر - جعلوه من فضائله - بلفظ: « رضيت لكم ما رضي به ابن اُمّ عبد »(٢) . ولكن ما هو؟

لا بدَّ أنْ يكون صادراً في موردٍ خاصّ بالنسبة إلى أمرٍ خاصّ لم تنقله الرواة

إنّه - فيما رواه الحاكم - كما يلي:

« قال النبيّ صلى ‌الله ‌عليه ‌[وآله]‌ وسلم لعبد الله بن مسعود: إقرأ.

قال: أقرأ وعليك اُنزل؟!

قال: إنّي اُحبّ أن أسمع من غيري.

قال: فافتتح سورة النساء حتى بلغ:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) فاستعبر رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ [وآله] ‌وسلّم، وكفَّ عبد الله.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تكلّم.

فحمد الله في أول كلامه وأثنى على الله وصلّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشهد شهادة الحقّ. وقال:

رضينا بالله ربّاً وبالإِسلام ديناً، ورضيت لكم ما رضي الله ورسوله.

فقال رسول الله صلى ‌الله ‌عليه [‌وآله] ‌وسلم: رضيت لكم ما رضي لكم ابن اُمّ عبد.

____________________

(١). مسند الدارمي ١ / ٦١، طبقات ابن سعد ٢ / ٣٣٦، تذكرة الحفّاظ ١ / ٥ - ٨، المعارف: ١٩٤، الرياض النضرة ٢ / ١٦٣، تاريخ الخلفاء ١٥٨، اُسد الغابة ٣ / ٢٥٩.

(٢). هكذا رووه في كتب الحديث اُنظر: فيض القدير ٤ / ٣٣.


هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه »(١) .

فانظر كيف تلاعبوا بأقوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتصرّفوا في السُنّة الشريفة فضلّوا وأضلّوا ...!!

ونعود فنقول: إنّ السنّة الكريمة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تحقيق وتمحيص، لا سيّما في القضايا التي لها صلة وثيقة بأساس الدين الحنيف، تبنى عليها اُصول العقائد، وتتفرّع منها الأحكام الشرعيّة.

والله نسأل أنْ يوفقنا لتحقيق الحقّ وقبول ما هو به جدير، إنّه سميع مجيب وهو على كلّ شيء قدير.

____________________

(١). المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣١٩.


الفهرس

ملحق سند حديث الطّير تأليف السيد علي الحسيني الميلاني ٥

ذكر أسانيد صحيحة للحديث في خارج الصحاح ما رواه البخاري ما رواه عبّاد بن يعقوب الرواجني ٨

ما رواه أبو يعلى ما رواه ابن أبي حاتم ٩

ما وراه الطبراني ١٠

ما رواه الدار قطني ما رواه الحربي ١٢

ما رواه بحشل ما رواه أبو نعيم الأصبهاني ١٣

ما رواه الخطيب البغدادي ١٥

ما رواه ابن المغازلي الواسطي ما رواه ابن عساكر ١٦

رواية عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي عليه‌السلام ١٩

رواية سعيد بن المسيّب رواية عثمان الطويل ٢٠

رواية ميمون بن أبي خلف ٢١

رواية محمّد بن المنكدر رواية ثمامة بن عبد الله ٢٢

رواية عبد الله بن المثّنى رواية جعفر بن سليمان الضبعي ٢٣

رواية سكين بن عبد العزيز رواية الصباح بن محارب ٢٤

رواية ابن لهيعة رواية عبد الله بن صالح ٢٥

رواية عبد السلام بن راشد ٢٦

رواية قطن بن نسير رواية الحكم بن عتيبة ٢٧

رواية إسحاق بن عبد الله رواية عبد الملك بن عمير رواية الأوزاعي ٢٨

رواية شعبة ٢٩

رواية زهير بن معاوية رواية مالك بن أنس ٣٠


رواية إسحاق الأزرق رواية يونس بن أرقم ٣١

رواية الرياحي رواية عبد الرزّاق الصنعاني ٣٢

رواية عبيد الله بن موسى رواية أبي عاصم النبيل ٣٣

رواية المصيّصي رواية القواريري ٣٤

رواية سهل بن زنجلة رواية وهب بن بقية ٣٥

رواية محمّد بن مصفّى رواية البخاري ٣٦

رواية حاتم بن الليث ٣٧

رواية فهد بن سليمان رواية أحمد بن حازم ٣٨

رواية أبي الأحوص رواية محمّد بن إسماعيل الترمذي ٣٩

رواية الباغندي رواية الحسين بن فهم ٤٠

رواية بحشل رواية أبي جعفر الفسوي ٤١

رواية مطيّن رواية ابن صدقة ٤٢

رواية الورتنيس رواية الجاذري الواسطي ٤٣

رواية الناقد رواية أبي القاسم القطيعي ٤٤

رواية القرشي الكوفي رواية ابن متّويه ٤٥

رواية ابن الأنباري رواية أبي الحسن ابن سراج ٤٦

رواية الزيادي رواية أبي الليث الفرائضي ٤٧

رواية أبي الطيّب اللخمي رواية ابن نيروز الأنماطي ٤٨

رواية المحاربي ٤٩

رواية الجوجيري رواية ابن مخلد العطّار ٥٠

رواية العبدي اللنباني رواية حمزة الهاشمي ٥١

رواية الزعفراني الواسطي رواية ابن شوذب البغدادي ٥٢

رواية ابن نجيح رواية أبي العباس ابن محبوب ٥٣

رواية السوسي رواية أبي جعفر ابن دحيم ٥٤

رواية أبي بكر ابن خلّاد رواية الطوماري ٥٥


رواية ابن عدي رواية أبي الشيخ الأصبهاني ٥٦

رواية أبي أحمد الحاكم ٥٧

رواية محمّد بن المظفّر رواية ابن معروف ٥٨

رواية ابن المقرئ ٥٩

رواية ابن حيّويه رواية ابن شاذان البزّاز ٦٠

رواية ابن بيري الواسطي رواية أبي طاهر المخلّص ٦١

رواية الإسماعيلي رواية عبد الوهاب الكلابي ٦٢

رواية ابن طاوان ٦٣

رواية المعدّل الواسطي رواية ابن النجار التميمي الكوفي رواية البرجي ٦٤

رواية ابن البيّع رواية ابن أبي الجراح المروزي ٦٥

رواية أبي علي ابن شاذان رواية السّهمي ٦٦

رواية ابن السمسار ٦٧

رواية أبي طالب السّوادي رواية ابن العشّاري الحربي البغدادي ٦٨

رواية أبي سعد الجنزرودي رواية أبي محمّد الجوهري ٦٩

رواية سبط بحرويه رواية ابن الآبنوسي ٧٠

رواية أبو الحسن الحسن آبادي رواية ابن المهتدي ٧١

رواية الكتّاني رواية ابن النقور ٧٢

رواية أبي المظفر الكوسج رواية أبي القاسم ابن مسعدة ٧٣

رواية الغورجي رواية أبي نصر الترياقي ٧٤

رواية أبي الغنائم الدقاق رواية ابن خلف ٧٥

رواية القاضي الأزدي ٧٦

رواية ابن سوسن رواية اسماعيل ابن البيهقي ٧٧

رواية ابن الأكفاني رواية ابن البنّاء ٧٨

رواية زاهر بن طاهر رواية أُم المجتبى ٧٩

رواية ابن زريق رواية أبي القاسم ابن السمرقندي ٨٠


رواية أبي الفتح الهروي رواية أبي سعد ابن أبي صالح ٨١

رواية أبي الخير الباغبان رواية أبي زرعة المقدسي ٨٢

رواية ابن شاتيل رواية ابن الأخضر ٨٣

رواية المراتبي رواية ابن الخازن ٨٤

رواية الباذرائي رواية ابن كثير ٨٥

رواية العاقولي رواية الهيثمي ٩٣

رواية الجزري ٩٦

رواية المغربي ٩٧

رواية العصامي ٩٨

رواية النابلسي رواية الشبراويّ ٩٩

رواية عبد القادر بدران ١٠٠

رواية بهجت افندي رواية منصور ناصف ١٠١

تفنيد مزاعم الكابلي والدهلوي حول سند حديث الطّير ١٠٣

تصرّفات ( الدهلوي ) في الحديث وتلبيساته لدى نقله ١٠٥

اختلاف الرّوايات في الطير غير قادح في الحديث ١٠٨

بطلان دعوى حكم أكثر المحدّثين بوضع الحديث ١١٣

حول نسبة القول بوضعه إلى الجزري في أي كتابٍ قال ذلك؟ كذب ( الدهلوي ) في نسبة القول بوضع حديث المدينة إليه ١١٥

لو قال ذلك فلا قيمة له قال ابن حجر وغيره: القول بوضعه باطل ١١٦

الجزري متّهم بالمجازفة في القول ١١٧

حول نسبة القول بوضَعه إلى الذّهبي تصريح الذهبي بأنّ للحديث طرقاً كثيرة وأصلاً ١١٨

رجوعه عن كلامه الذي استند إليه الدهلوي وسلفه قال السبكي وغيره: الذهبي متعصّب متهوّر ١١٩

من تعصباته ضدّ أهل البيت ومناقبهم ١٢٧

كلامُ ( الدّهلوي ) في الحاشية ١٣٢


كذِبُ « أنس » موجود في روايات أهل السنّة استدلال الإِماميّة بروايته من باب الإِلزام ١٣٣

الفضل ما شهدت به الأعداء رواية غير « أنس » من الصّحابة ١٣٤

كلامٌ آخر له في الحاشية ١٣٥

مع العلماء الآخرين في أباطيلهم حول حديث الطَّير ١٣٩

سقوط دعوى ابن طاهر بطلان طرقه ١٤١

كذب قول جماعة: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات فرية الشعراني على ابن الجوزي ١٤٣

تدليس وتلبيس من الشعراني ١٤٤

فرية محمّد طاهر الفتني على ابن الجوزي ١٤٥

فرية القاري على ابن الجوزي ١٤٦

حديث الطير في كتاب العلل المتناهية ١٤٧

خلاصة البحوث ١٤٩

مع ابن تيميّة الحرّاني ١٥٠

جواب قوله: ولكن هو ممّا رواه بعض الناس ١٥١

من تناقضات ابن تيمية ١٥٣

مفاد قوله: أهل العلم بالحديث لا يصححون فضائل علي ولا فضائل معاوية ١٥٤

ما نقله عن الحاكم كذب عليه ١٥٧

بطلان حكمه بوضع حديث: تقاتل الناكثين ١٦١

بطلان دعوى تشيّع النسائي ١٦٦

حول ترّفض ابن عقدة ١٦٧

بطلان دعوى تواتر فضائل الشيخين وأنها أكثر من مناقب علي ١٦٨

جواب إنكار إنّ أكل الطّير معَ النبيّ فيه أمر عظيم ١٧١

بطلان دعوى دلالة الحديث على أنّ النبيّ ما كان يعرف أحبّ الخلق ١٧٤

مع الأعور الواسطي بطلان دعوى أنّ هذا حديث مكذوب ١٨٠

ردّ القدح فيه من جهة كذب راويه الجواب عن المناقشة في الدلالة ١٨١


مع محسن الكشميري ١٨٢

دعوى وضع الحديث كاذبة فرية على الفتني المناقشة في دلالته مردودة دحض المعارضة بما رووه في حق اُسامة ١٨٣

ردّ الاستدلال بما ادّعاه من تقديم النبيّ أبا بكر في الصلاة ١٨٤

موجز الكلام في تحقيق خبر صلاة أبي بكر ١٨٥

مع القاضي پاني پتي ١٨٨

تصرّفه في لفظ الحديث تصحيفه عبارة الذهبي دعواه أنه موضوع مع اعترافه بإخراج الترمذي إيّاه نسبة القول بوضعه إلى ابن الجزري مناقشة في دلالته وتأويله للفظه ١٨٩

احتماله عدم حضور الخلفاء وقت القصّة معارضته الحديث بحديث اعترف بوهنه ١٩٠

مع حيدر علي الفيض آبادي كيف تكون الأكاذيب أدلّة على خلافة الثلاثة؟ ١٩١

ولا تكون الصحاح والمتواترات أدلّة على خلافة الأمير؟ ١٩٢

دلالة حديث الطَّير ١٩٥

حاصل مفاد حديث الطّير خلافة علي الأحبيّة تستلزم الأفضلية ١٩٧

في حديثٍ نبوي ٢٠٥

الأحبيّة دليل الأحقيّة بالخلافة في رأي عمر ٢٠٦

إبطال حُملِ الأحبّية من الخلق على خصوص الأحبّية في الأكل مع النبيّ ٢٠٩

١ - إنّه خلاف الظّاهر ٢١١

٢ - لو كان المراد ذلك لم يجز إطلاق أفعل التفضيل ٣ - لو جاز لزم تفضيل غير الأنبياء على الأنبياء ٢١٢

٤ - إذا جاز رفع اليد عن الإِطلاق لجاز فيما رووه عن ابن العاص ٢١٣

٥ - أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة غير وارد قط ٢١٤

٦ - إختلاف المسلمين في الأفضليّة دليل على عدم الجواز ٢١٥

٧ - شواهد عدم الجواز في أخبار الصّحابة وأقوالهم ٢١٦

٨ - لو كان مراد النبيّ « الأحب في الأكل » لصرّح به ٢٢٠

النكات واللّطائف فيما قاله النبيّ ودعا به ٢٢١


٩ - قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أحبّ الخلق إليك » يكذّب الحمل المذكور ٢٢٣

١٠ - قوله: « بأحبّ خلقك إليك وأوجههم عندك » ٢٢٤

١١ - قوله: « بخير خلقك » ٢٢٥

١٢ - قوله: « أدخل عليَّ أحبّ خلقك إليَّ من الأوّلين والآخرين » ٢٢٦

١٣ - لو كان الغرض تضاعف لذّة الطعام لجاءت إحدى نسائه ٢٢٧

١٤ - صنائع أنس دليل بطلان التأويل ٢٢٧

١٥ - قول أنس: « اللّهم اجعله رجلاً منّا حتى نشرّف به » ٢٢٨

١٦ - قول أنس: « فإذا علي فلمـّا أن رأيته حسدته » ٢٢٩

١٧، ١٨ - قول عائشة وحفصة: « اللّهم اجعله أبي » ٢٣٠

١٩ - تكرار النبيّ الدعاء واجتهاده فيه ٢٠ - قيام النبيّ لدى دخول علي وضمّه إليه ٢١ - فلمـّا رآه تبسَّم وقال: الحمد لله ٢٣١

٢٢ - غضبه على أنس لردّه عليّاً ٢٣ - قوله: أبى الله يا أنس إلّا أنْ يكون ابن أبي طالب ٢٤ - قوله له: علي أحبّ الخلق إلى الله ٢٣٢

٢٥ - قوله في جوابه: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ٢٣٣

٢٦ - قوله في جوابه: أوَ في الأنصار خير من علي؟! ٢٧ - قول أنس لعلي: إن عندي بشارة ٢٣٤

٢٨ - حديث الطير من خصائص علي عند سعد بن أبي وقاص ٢٩ - احتجاج الأمير بحديث الطير في الشورى ٢٣٥

٣٠ - حديث الطير من فضائل علي وخصائصه عند عمرو بن العاص ٢٣٧

الأخبار والآثار في أنّ عليّاً أحبُّ الخلق مطلقاً ٢٣٩

من الأحاديث الصَّريحة في: أنّ عليّاً أحبّ الخلق إلى الله والرّسول مطلقاً ٢٤١

من أقوال الصحابة الصَّريحة في: أنّ علّياً أحبُّ النّاس إلى النبيّ ٢٥٢

تنبيهات على بطلان دعاوى وتأويلات ٢٥٨

كلام المحبّ الطبري وبطلانه ٢٥٩

وجوه ردّ حديث عمرو بن العاص ٢٦١


كلام ابن حجر وإبطاله ٢٦٥

كلامٌ آخر للمحبّ الطبري وإبطاله ٢٦٩

كلام الشيخ عبد الحق الدهلوي وبطلانه ٢٧١

من أقوال التّابعين والخلفاء الصريحة في أنّ عليّاً أحبّ الناس إلى النبيّ ٢٧٥

علماء عصر المأمون ٢٧٩

من تصريحات الأعلام بدلالة حديث الطّير على أفضلية الإِمام عليه‌السلام ٢٨١

الحاكم النيسابوري ٢٨٢

الفخر الرّازي ٢٨٣

محمّد بن طلحة ٢٨٤

الحافظ الكنجي المحبُّ الطَّبري ٢٨٧

شهابُ الدّين أحمد ٢٨٨

ابن تيميّة ٢٨٩

محمّد الأمير الصّنعاني ٢٩٠

الملّا يعقوب اللّاهوري ٢٩٥

المولوي حسن زمان ٢٩٦

بقيّة كلام الدّهلوي إحتمالان مردودان ٣٠٥

إبطال إحتمال عدم حضور أبي بكر في المدينة ١ - لا أثر لحضوره وعدم حضوره في المدينة ٣٠٧

٢ - قول عائشة: أللّهم اجعله أبي. وكذا حفصة ٣٠٨

٣ - كان الشيخان حاضرين للحديث الصحيح ٣٠٩

٤ - هل كانوا خارجين في جميع وقائع قضية الطير؟ ٣١٠

إبطال احتمال كون المراد: بمَن هو مِن أحبّ النّاس ١ - هو باطل بالوجوه المبطلة للتأويل الأوّل ٢ - هو منقوض باستدلالهم بقوله تعالى: ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) ٣١٧

٣ - هو غير مانع من دلالة الحديث على أحبية علي من الشيخين ٣١٩


دحض تقوّلات بعض علماء الحديث ٣٢٣

التُّوربشتي ٣٢٥

١ - في كلامه اعتراف بدلالة حديث الطير ٣٢٦

٢ - بطلان دعوى أنّ في سنده مقالاً ٣ - بطلان دعوى المعارضة ٤ - بطلان دعوى الإجماع على خلافة أبي بكر ٣٢٧

٥ - بطلان قوله: إن الصّحابي الذي يرويه ممّن دخل في الإِجماع ٣٢٨

٦ - صرف ألفاظ الشّارع عن ظاهرها حرام ٧ - دعوى أن ما دلّ على تقديم أبي بكر أصحّ متناً وإسناداً باطلة ٣٢٩

٨ - سخافة التأويل بتقدير « مِن » ٩ - وجوه الرّد على طعنه في العموم باستلزامه دخول النبي ٣٣٠

١٠ - وجوه الردّ على التأويل بإرادة الأحبّ من بني عمّه ٣٣٥

الطَّيِّبي ٣٣٧

١ - لو كان الدعاء لكراهة الأكل وحده فقد كان أنس وغيره عنده ٣٣٨

٢ - لو كان الغرض المؤاكلة فلماذا ردّ المشايخ؟ ٣ - لو كان المطلوب المؤاكلة والبرّ لكان أهل الحاجات أولى ٤ - لو سلّمنا أولويّة ذي الرحم ففاطمة أولى من علي ٥ - رجاء أنس أنْ يكون رجلاً من الأنصار يبطل هذا الإِحتمال ٣٣٩

الخلخالي تأويل التوربشتي فقط ٣٤٠

السُّيوطي تأويل التوربشتي فقط ٣٤١

القاري ١ - نقله كلامي التوربشتي والطيّبي ٣٤٢

٢ - ردّه كلام الطيبي ٣٤٢

٣ - نقد تأييد القاري للوجه الأوّل عبد الحقّ الدّهلوي ١ - نقل كلامي التوربشتي والطيّبي ٢ - خطأ فضيع من الدهلوي ٣٤٣

٣ - تكراره استلزام دخول النبيّ في العموم ٤ - حمله الحديث على أنّه أحبّ أهل زمان الرسول إليه باطل ٣٤٥

٥ - دعوى اختصاص النبيّ بالأحبيّة من جميع الوجوه مردودة ٣٤٦


٦ - مغايرة الأحبيّة للأفضليّة مردودة عند علمائهم ٣٤٧

دحضُ تقوّلات بعض عُلماء الكلام ٣٤٩

القاضي عبد الجبّار إقراره بالسّند والدلالة وإنكاره تعيّن الأفضل للإِمامة ٣٥١

الفخرُ الرّازي ٣٥٢

وجوب الجواب عن هذا الكلام ٣٥٣

الشَّمسُ السَّمرقَنْدي ٣٥٤

إقراره بالدلالة وإعراضه عن التأويل ٣٥٨

القاضي البيضاوي ٣٥٩

إقراره بالدلالة وإعراضه عن التأويل الشّمس الأصفهاني ٣٦٠

إقراره بالدلالة وإعراضه عن التأويل تبعاً للبيضاوي تأويله الحديث في كتاب آخر تبعاً للرازي ٣٦٢

الردّ على ما ذكره ٣٦٣

القاضي العضدي والشريف الجرجاني ما ذكراه هو تأويل الرازي والجواب الجواب ٣٦٤

السَّعدُ التّفتازاني ٣٦٥

إنكاره دلالة ما ذكره على الأفضلية بمعنى زيادة الثواب مردود ٣٦٦

وجوه الردّ على دعوى الاتفاق على أفضليّة أبي بكر وعمر ٣٦٧

دعوى اعتراف الإِمام بأفضلية أبي بكر مستندة إلى خبر موضوع العلاء القوشجي ٣٧٠

ذكر عبارة التفتازاني والجواب الجواب الشَّهابُ الدّولَت آبادي اعتراف بصحته وتأويل عرفت بطلانه ٣٧١

إسحاق الهروي ذكر تأويل التفتازاني وقد عرفت فساده حُسام الدّين السّهارنفوري تأويل تقدّم فساده محمَّد البَدخشاني ٣٧٢

اعتراف بالسّند والدلالة ودعوى المعارضة وليُّ الله الدّهلوي ٣٧٣

دعوى المعارضة بـ « يتجلّى الله لأبي بكر » ٣٧٤

دعوى المعارضة بـ « ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر » ٣٧٥

دعوى المعارضة بـ « من أحبّ الناس إليك؟ » ٣٧٦


دعوى تنوّع حبّ الله والرّسول ٣٧٨

الاستدلال بقول عائشة: كان أبو بكر أحبّ الناس ثم عمر ٣٧٩

تأويل الحديث ببعض الوجوه ٣٨٢

كلماتٌ في ذم التأويل ٣٨٣

تفنيد المعارضة بحديث الاقتداء بالشيخين ٣٨٧

١ - المعارضة بما اختصوا بروايته غير مسموعة ٣٨٩

٢ - المعارضة به ينافي ما التزم به ( الدّهلوي ) ٣ - المعارضة به ينافي ما نصَّ عليه والده ٣٩٠

٤ - المعارضة به ينافي ما نصّ عليه تلميذه ٥ - هذا الحديث واه بجميع طرقه حسب تصريحاتهم ٣٩١

رسالةٌ في تحقيق حديث الإِقتداء بالشّيخين تأليف السيّد علي الحسيني الميلاني ٣٩٣

نظرات في أسانيد ٣٩٧

حديث حذيفة ٣٩٨

حديث ابن مسعود ٤٠٤

حديث أبي الدّرداء ٤٠٧

حديث أنس بن مالك ٤٠٨

حديث عبد الله بن عمر ٤١٠

حديث جدّة عبد الله بن أبي الهذيل ٤١٢

كلمات الأئمة وكبار العلماء حول سند حديث الاقتداء أبو حاتم الرّازي ٤١٤

أبو عيسى الترمذي ٤١٥

أبوبكر البزّار ٤١٦

أبو جعفر العقيلي ٤١٧

أبوبكر النقّاش ٤١٨

ابن عديّ ٤١٩

أبو الحسن الدار قطني ٤٢٠


ابن حزم الأندلسي ٤٢١

برهان الدين العبري الفرغاني ٤٢٣

شمس الدين الذهبي ٤٢٤

نور الدّين الهيثمي ٤٢٦

ابن حجر العسقلاني ٤٢٧

شيخ الإِسلام الهروي ٤٢٩

عبد الرؤوف المناوي ٤٣٠

ابن درويش الحوت ٤٣٢

تأمّلات في متن ودلالة ٤٣٤

تكملة: ٤٤٥

الفهرس ٤٤٩