هل العزل منقصة منفّرة ؟
قوله:
الثالث: إن ما ذكروه من أنّ زوال هذه المترتبة من هارون يستلزم عزله، وعزل النبي غير جائز.
نقول: إطلاق « العزل » على « انقطاع العمل » خلاف العرف واللغة.
أقول:
تجويز انقطاع خلافة هارونعليهالسلام دعوى شنيعة، لعدة أسباب:
الأول:
إن الخلافة هارون عن موسىعليهماالسلام كانت شرفاً ومقاماً جديداً له، لأنّها أثبتت له الإمامة مع الواسطة بالإضافة إلى إمامته الثابتة له بلا واسطة، فكان جامعاً بين الإمامتين، ولا ريب في أنّ زوال الإمامة بعد ثبوتها انحطاط في المرتبة، يوجب التنفير والتّعبير، وهذاما نصّ عليه القيصري والجامي في شرحيهما على ( فصوص الحكم )، وهي حقيقة لا تقبل الجدل والبحث.
وداود القيصري المتوفى سنة ٧٥١ من كبار العلماء العرفاء المحققين عندهم، كما لا يخفى على من راجع ترجمته في ( الشقائق النعمانية ١ / ٧٠ ) وغيره.
كما أنّ عبد الرحمن الجامي المتوفى سنة ٨٩٨ من أشهر عرفائهم
واُدبائهم، كما لا يخفى على من راجع ترجمته في ( البدر الطالع ١ / ٣٢٧ ) و ( شذرات الذهب ٧ / ٣٦٠ ) وغيرهما.
الثاني:
لقد حصلت لهارونعليهالسلام - بسبب استخلاف موسى إيّاه - مرتبة تنفيذ الأحكام حسب تصريح الفخر الرّازي فإذا كانت الخلافة هذه منقطعة انقطع بانقطاعها استمرار تلك المرتبة الجديدة الحاصلة على أساسها، فلا تنفّذ أحكامه ولا تمضى رئاسته، ويزول عنه ذاك الشّرف العظيم والمقام الجليل، ولا ريب في أن ذلك يستلزم الهتك والتحقير، ويستوجب العيب والتّعبير، سواء صحّ على ذلك اطلاق « العزل » أو لم يصح إذ ليس النزاع في الاسم والعنوان، بل في الحقيقة والمعنون.
الثالث:
إنّ تشكيك ( الدهلوي ) في صحة عنوان « العزل » على « انقطاع العمل والخلافة » يدفعه صريح ما ذكره ابن تيمية، في كلامه الطافح بالبغض والعناد لأمير المؤمنينعليهالسلام ، حيث أطلق « العزل » على انقطاع الخلافة بعود المستخلف عن سفرته وهذا عين عبارته:
« وقوله: لأنه لم يعزله عن المدينة.
قلنا: هذا باطل، فإنه لمـّا رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم انعزل علي بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع »(١) .
فلو كان هناك انقطاع لخلافة هارونعليهالسلام ، فقد تحقق العزل في
___________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٥١.
حقّه ومعاذ الله من ذلك كلّه
وأيضاً، يندفع تشكيكه بصريح كلام القاري في دعوى انعزال أمير المؤمنينعليهالسلام برجوع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من تبوك إلى المدينة وقد تقدمت عبارته سابقاً.
الرابع:
بل إنّ بعضهم يرى « انقطاع الرّسالة » بسبب « الموت »، ويصحّح حينئذٍ إطلاق « العزل » وقد صدرت هذا التجاسر من الأشعرية في حقّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم :
قال الشيخ أبو شكور الكشي في ( التمهيد ): « ناظرت أشعريّاً فقال لي: إن الوضوء والصلاة عندكم أن يجلس أحدكم تحت الميزاب حتى يبتلَّ وجهه وذراعاه ورأسه وقدماه، ثم يبسط خرء الحمام ويقوم عليه ويقول بالفارسية: خدا بزرك. يعني: الله أكبر. ويقرأ بالفارسيّة مقدار آية ويقول: دو برگ سبز. يعني: قوله تعالى( مُدْهامَّتانِ ) ثم يركع ويسجد ساكتاً ويقعد مقدار التشهّد وقت العقود، ثم يضرط، فهذه عبادتكم.
قال هذا طعناً لأبى حنيفة ولأصحابكمرحمهمالله .
فأجبته وقلت: إنكم تعتقدون بأن الله تعالى ما كان خالقاً ولا رازقاً ولا معبوداً قبل أنْ يخلق الخلق، والآن ليس بغافر ولا مثيب ولا معاقب، والرسول اليوم ليس برسول، وقبل الوحي ما كان رسولاً، والمؤمنون بالمعصية ينقص إيمانهم، فلذلك المعبود الذي اعتقدت بأنه ما كان ربّاً معبوداً ثم صار معبوداً، وإن هذا الرسول ما كان رسولاً ثم صار رسولاً ثم عزل، فإنّ المؤمن الذي ينقص إيمانه بالضّحك ونحوه يكتفي بهذا القدر من العبادة، نعوذ بالله من ذلك ».
فلو كانت رسالة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تنتفي بموته ويصحّ إطلاق العزل في حقّه، كان نفي الخلافة عن هارونعليهالسلام بزعم انقطاعها في حال الحياة أولى بإطلاق العزل عليه، ويكون استلزامه للإهانة والتحقير آكد وأشد
الخامس:
وأخيراً، فإنّا قد وجدنا ( الدّهلوي ) نفسه ينص على أنّ « انقطاع الخلافة » هو « العزل »!! وهذا من طرائف الاُمور فلقد كرّر الرجل دعوى عدم صحة إطلاق العزل على انقطاع الخلافة والعمل إلّا أنه في مقام رفع العيب والنقص عن عمر بن الخطاب بسبب العزل، إلتجأ إلى النقض بوقوع العزل في حق هارونعليهالسلام !!
يقول ( الدهلوي ) في الجواب عن المطعن الخامس من مطاعن أبي بكر: « سلّمنا أن عمر كان معزولاً من قبل النبي، لكنه مثل هارون الذي برجوع موسىعليهالسلام من الطور انعزل عن خلافته، إلّا أنه لمـّا كان نبيّاً بالإستقلال لم يوجب هذا العزل نقصاً في إمامته، وكذلك عمر بن الخطاب الذي قال في حقّه: لو كان بعدي نبي لكان عمر، لم يوجب عزله نقصاً في إمامته »(١) .
إذن، عزل هارون عن الخلافة برجوع موسى، لكن عزله لم يكن بقولٍ من موسى، بل بمجرّد عوده من الميقات
لكن « العزل » يوجب الإهانة كما نصّ عليه ( الدهلوي ) نفسه، فدعوى انقطاع الخلافة باطلة
وحديث « لو كان بعدي نبي لكان عمر » قد أوضحنا فساده في بعض مجلّدات كتابنا فليراجع.
___________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٢٨٦.
قوله:
لأنّ السلاطين إذا خرجوا من دار السلطنة إستخلفوا نوّابهم وبطانتهم، فإذا رجعوا انقطعت تلك الخلافة قهراً، ولا يقال بأنّهم عزلوا، ولا يتوهّم وقوع الإهانة عليهم.
أقول:
أين الثريّا من الثرى، وأين الدرّ من الحصى؟!
ثم إنّ موسىعليهالسلام استخلف هارونعليهالسلام في قومه من غير تقييدٍ بمدّة، إذْ لم يقل له إلّا:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) ، وليس هذا الحال الرؤساء والسلاطين، فإنّهم لا يستخلفون غالباً إذا خرجوا هذا الإستخلاف المطلق، بل إنّ ذلك الإستخلاف منهم يكون مقيَّداً ومحدوداً بتلك السفرة فقط، ولذا لا يصدق العزل على نوابهم إذا انقطعت النيابة والخلافة برجوعهم. فلو فرض أنّ رئيساً استخلف أحداً الإستخلاف المطلق غير المقيَّد بأمدٍ، ثم قطع الخلافة، كان الخليفة معزولاً لغةً وعرفاً والمنكر مكابر قطعاً.
ولو سلّمنا أنّ قطع عمل الخليفة غير المقيَّدة خلافته بزمانٍ من الأزمنة، لا يستوجب الإهانة في حقّه، فإنّ ذلك ليس إلّا لاختلاف مراتب الإهانة والتنفير، فإنّ بعض الاُمور توجب الإهانة بالنسبة إلى الأنبياء والسلاطين معاً، وبعضها لا توجبها بالنّسبة إلى السلاطين ورجال أهل الدّنيا، وتوجبها بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة قطعاً، لوضوح أنّ مرتبتهم أعلى وأجل من مراتب السلاطين والرؤساء، فما يكون منفّراً بالنسبة إلى السلاطين والرؤساء، فما يكون منفّراً بالنسبة إلى سلاطين والوزراء منفّر بالنسبة إلى الأئمة
والأنبياء، دون العكس
وتلخص: أنه لو فرض أنّ انقطاع العمل لا يوجب إهانة في حقّ الوزراء ونوّاب السلاطين، فإن ذلك لا يستلزم أن لا يكون انقطاع الخلافة عن الأنبياء موجباً للتنفّر ومن هنا يشترط في الإمامة والخلافة ما لا يشترط في الوزارة والرئاسة الدنيوية وهذا واضح جدّاً.
قوله:
وإن كان عزلاً فلماذا يكون - مع وصول النبوة الإستقلالية بعد موت موسى إلى هارون، وهي أعلى من الخلافة بألف درجة - موجباً للنقصان والإهانة له؟
أقول:
قد عرفت صدق « العزل » ولزوم « التنفير ». وأمّا أنّهعليهالسلام كان ذا نبوة إستقلاليّة، فهذا لا يرفع الإشكال:
أمّا أولاً:
فلأنّه بعد تحقق ما يوجب الإهانة والتحقير له لا يصلح للنبوّة أصلاً، لاشتراط خلوّ النّبي من العيوب والمنفّرات، فيكون فرض كونه نبيّاً فرضاً لتحقق الشيء لا يتحقق مع تحقق المانع عن تحققه.
وأمّا ثانياً:
فرضنا حصول النبوة الإستقلالية له بعد موت موسى، لكنّ ذلك لا يرفع
الإهانة الحاصلة له منذ رجوع موسى من الطّور حتى وفاة هارونعليهالسلام وكأنّ ( الدهلوي ) فرض تحقق النبوّة الإستقلالية له بمجرّد رجوع موسى وانعزاله عن خلافته!
وقد تنبّه إلى هذا التوهّم في باب المطاعن، وعدل عن إثبات النبوّة المذكورة له بعد موسى، وادّعى حصولها له في حياته، وحاول أن يرفع بذلك الإشكالَ بلزوم النقص من العزل.
لكنّ غيره من الأئمة السنيّة التجأ إلى زعم وقوع عزل هارون بعد موت موسى، وجَعْل حصول النبوّة الإستقلالية له دافعاً لإهانة العزل:
قال في ( شرح المواقف ): « الجواب: منع صحة الحديث كما منعه الآمدي، وعندالمحدثين إنه صحيح وإنْ كان من قبيل الآحاد. أو نقول على تقدير صحّته: لا عموم له في المنازل، بل المراد إستخلافه على قومه في قوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) لاستخلافه على المدينة. أي: المراد في الحديث أن عليّاً خليفة منه على المدينة في غزوة تبوك، كما أن هارون كان خليفةً لموسى في حال غيبته، ولا يلزم دوامه، أي دوام استخلاف موسى بعد وفاته، فإن قوله:( اخْلُفْنِي ) لا عموم له بحيث يقتضي الخلافة في كلّ زمان، بل المتبادر استخلافه مدّة غيبته، ولا يكون حينئذٍ عدم دوامه بعد وفاة موسى - لقصور دلالة اللفظ عن استخلافه فيه - عزلاً، كما لو صرّح بالإستخلاف في بعض التصرّفات دون بعضها، ولا عزله إذا انتقل إلى مرتبةٍ أعلى - وهو الإستقلال بالنبوّة - منفّراً، يعني وإنْ سلّمنا تناول اللفظ لما بعد الموت، وأن عدم بقاء خلافته بعده عزله، لم يكن ذلك العزل منفّراً عنه، وموجباً لنقصانه في الأعين.
وبيانه: إنه وإنْ عزل عن خلافة موسى، فقد صار بعد العزل مستقلّاً بالرسالة والتصرف عن الله تعالى، وذلك أشرف وأعلى من كونه مستخلَف
موسى مع الشركة في الرسالة »(١) .
وفي ( شرح المقاصد ): « ولو سلّم، فلا دلالة على بقائها بعد الموت، وليس انتفاؤها بموت المستخلف عزلاً ولا نقصاً، بل ربما يكون عوداً إلى حالةٍ أكمل، هي الإستقلال بالنبوة والتبليغ من الله تعالى »(٢) .
وفي ( الصواعق ): « وليس في اللفظ ما يدل على الإستمرار والبقاء بعد انقضاء مدة الغيبة، ودعوى كونه خليفةً له بعد موته من المنازل، ممنوع، فإنه ادّعاه محض، وزوال المرتبة الثابتة له فية حياة موسى بوفاته لا يسلتزم نقصاً، بل إنما يستلزم كمالاً، لأنه يصير بعده مستقلاًّ بالرسالة في التبليغ من الله تعالى، وذلك أعلى من كونه خليفةً وشريكاً له في الرسالة »(٣) .
أقول:
لكنه توهّم باطل، لاستلزامه كون هارونعليهالسلام خليفةً لموسى من حين خروجه إلى الطور وحتى وفاته، وأن خلافته لم تنقطع برجوع موسى من الطور بل بموته، وهذا واضح البطلان، لأنّه لا دخل لموت المستخلف في العزل، وأنّ خلافة الثابتة في حال حياته لا تزول بسبب موته أبداً. وليس عاقل يقول بأن موت المتخلِف من أسباب عزل الخليفة، بل أنّ موت المستخلِف يكون مصحّحاً لخلافة الخليفة عنه، قال ابن تيمية: « والخليفة لا يكون خليفةً إلّامع مغيب المستخلف أو موته».
وبالجملة، موت المستخلف لا ينافي خلافة الخليفة بل يصحّحها كما هو
___________________
(١). شرح المواقف ٨ / ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
(٣). الصواعق الموبقة مخطوط.
صريح عبارة ابن تيمية - وإن كان يزعم بأنّ حياته تنافي خلافة خليفة - وعلى هذا، فكيف يجوّز عاقل زوال خلافة هارون - الثابتة من حين خروج موسى إلى الطّور - بسبب موت موسى؟
على أنّ كثيرين من الأنبياء استخلفوا في حياتهم وبقيت خلافة الخليفة بعد مماتهم.
فإنّ ( يوشع ) كان خليفةً لموسى بعد موته كما عرفت.
ويوشع استخلف ( كالب بن يوفنا ) فكان خليفةً من بعد يوشع كما ذكر الثعلبي(١) .
وكالب استخلف ابنه ( يوشا فاش ) كما روى الكسائي(٢) والثعلبي(٣) .
واستخلف ( إلياس ) على بني إسرائيل ( اليسع ).
واستخلف اليسع ( ذا الكفل ) كما ذكر الثعلبي(٤) وغيره.
وكما يظهر من هذه العبارات الحاكية لتلك الاستخلافات بطلان ما زعموا من زوال الخلافة بالموت، كذلك يظهر بطلان ما زعمه ابن تيمية من امتناع الخلافة في حال حياة المستخلِف، فقد ذكروا أن ذا الكفل كان حاكماً على الناس في حياة اليسع كما في راوية الرازي بتفسير الآية:( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين ) (٥) .
وأيضاً: ذكروا أنّ ( داود ) استخلف ابنه ( سليمان ) وأن ( سليمان ) استخلف
___________________
(١). العرائس في قصص الانبياء: ٢٥٠.
(٢). قصص الانبياء مخطوط.
(٣). العرائس: ٢٥٠ وفيه: يوسافس.
(٤). العرائس: ٢٦١.
(٥). تفسير الرازي ٢٢/٢١٠ - ٢١١ والآية في سورة الأنبياء ٢١ : ٨٥.
ابنه ( رخبعم )(١) .
وبعد، فإنّ العزل مطلقاً عيب موجب للتنفير، سواء كان في حال الحياة أو بعد الموت فما التجأوا إليه لرفع نقص العزل غير مفيد.
وتلخّص:
إن العزل منقصة لا يشك في ذلك ذو لب وقال ابن القيّم في كلامٍ له: « إن من المدح ما يكون ذمّاً وموجباً لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس، فإنه يمدح بما ليس فيه، فتطالبه النفوس بما مدح به وتظنّه عنده، فلا تجده كذلك، فينقلب ذمّاً، ولو ترك بغير مدح لم تحصل له هذه المفسدة، ويشبه حاله حال من ولي ولايةً سنيّةً ثم عزل عنها، فإنه تنقص مرتبته عمّا كان قبل الولاية، وينقص في نفوس الناس عما كان عليه قبلها »(٢) .
وأمّا ثالثاً:
فإنّ ما ذكروه من لزوم حصول النبوّة بالإستقلال لهارونعليهالسلام ، لم يقيموا عليه دليلاً قطعيّاً، لا من النقل ولا من العقل، ومجرّد الدعوى في مقام البحث والمناظرة لا يرفع الإشكال.
وأمّا رابعاً:
فلقد ثبت أن هارونعليهالسلام كان مطيعاً لموسى في حال حياته، مع كونه شريكاً له في رسالته، فلو كان باقياً بعد موته لكان تابعاً مع اتّصافه بالنبوة
أمّا كونه مطيعاً لموسى في حال حياته، فهذا مما لا سبيل إلى نفيه وإنكاره، فقد روى السيوطي عن: ابن اسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم،
___________________
(١). العرائس: ٢٩٠ - ٢٩١ و ٣٢٨.
(٢). زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ٦.
عن ابن عباس في قصّة السّامري: « فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممّن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إنْ سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي، وكان له هائباً مطيعاً »(١) .
وكذا في ( العرائس ) و ( عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ).
وأمّا خامساً:
فإن يوشع كان خليفةً لموسى من بعده، مع أنه كان حينئذاك نبيّاً من الأنبياء فكما أمكن اجتماع الخلافة والنبوة في يوشع، ولم تمنع نبوّته من خلافته لموسى، فكذلك هارون لو قدر بقاؤه حيّاً بعد موسى لم تكن نبوّته مانعةً من أن يكون خليفةً لموسى. وفي ذلك كفاية لأهل الدراية.
وأمّا سادساً:
فإن الأنبياء بعد موسى كانوا جميعاً مبعوثين لتجديد وإحياء ما نسيته أو تركته بنو إسرائيل من أحكام التوراة، فهم جميعاً تبع لشريعة موسى، ولو قدّر بقاء هارون بعده نبيّاً لكان كذلك، ولم يكن نبيّاً مستقلاً فسقط ما ذكروه.
أمّا أن الأنبياء كانوا يبعثون بعد موسى لا بشريعةٍ مستقلة، فهذا ما نصَّ عليه العلماء القوم:
قل الثعلبي « قال الله تعالى:( وإن إلياس لمن المرسلين ) (١) إلى آخر القصة. قال ابن إسحاق والعلماء من أصحاب الأخبار: لمـّا قبض الله تعالى حزقيلعليهالسلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد، ونسوا عهد الله إليهم في توراة، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله عز وجل. فبعث إليهم إلياس نبيّاً، وهو إلياس بن يسّى بن فنحاص بن عيزار
___________________
(١). الدر المنثور ٥/ ٥٩٤.
ابن عمران بن هارون. وإنما كانت الأنبياء بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا وضيّعوا من أحكام التوراة »(١) .
وقال شمس الدين العلقمي بشرح الحديث: « أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ليس بيني وبينه نبي »:
« قوله: ليس بيني وبينه نبي.
قال في الفتح: هذا أورده كالشاهد لقوله: إنه أقرب الناس إليه، واستدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلّا نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم.
وفيه نظر: لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين اُرسلوا إلى أصحاب القرية، المذكورة قصتهم في سورة يس، كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس وخالد ابن سنان كانا نبيّن وكانا بعد عيسى.
والجواب: إنّ هذا الحديث يضعّف ما ورد من ذلك، فإنه صحيح بلا تردّد، وفي غيره مقال. أو المراد: إنه لم يبعث أحد بعد عيسى بشريعةٍ مستقلة، وإنما بعث بعده من بعث بتقرير شريعة عيسى. وقصة خال بن سنان أخرجها الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس، ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في الصّحابة »(٢) .
ثم لا يخفى: أن دعوى استقلال هارون بالنبوة على تقدير بقاءه بعد موسى هذه الدعوى الّتي أرادوا بها رفع إشكال ورود النقص عن هارون بعزله عن الخلافة ضعيفة جدّاً، بحيث لم يجزم الفخر الرازي بها مع كونه الأصل فيها،
___________________
(١). العرائس: ٢٥٢.
(٢). الكوكب المنير - شرح الجامع الصغير - مخطوط
وهم قد أخذوها منه، بل ذكرها على سبيل الفرض والتقدير. ولكن القوم الذين أخذوا منه هذه الدعوى ذكروها على سبيل الجزم فتورّطوا وهذه عبارة الفخر الرازي:
« ثم إنْ سلمنا أنه منفّر، ولكن متى؟ إذا حصلت عقيبه مرتبة أخرى أشرف منها، أو إذا لم يحصل؟ بيانه: وهو إن هارونعليهالسلام لو بقي بعد موسىعليهالسلام ، وقدّرنا أن الله تعالى كان يأمره أن يتولى تنفيذ الأحكام على طريق الأصالة لا على طريق النيابة من موسىعليهالسلام ، كان ذلك أشرف من نيابة موسى، وعلى هذا التقدير لا يلزم من فوات خلافته لموسى حصول أمر منفّر ».
أقول:
لكنّ ذلك لم يتحقّق، وذاك التقد بر لم يكن، فيلزم من فوات خلافته لموسى أمر منفّر، وإذا كان لا يجوز هذا اللازم، فالملزوم وهو فوات الخلافة غير متحقق.
هذا، ولو كانت الإشكالات كلّها تندفع وترفع بالتقديرات غير الواقعة وغير الجائزة، لم يبق إشكال في مسألةٍ أصلاً، للزم انسداد باب البحث والتحقيق في شتّى العلوم
ومن هنا لمـّا رأى المتأخّرون عن الرّازي سقوط هذا الاسلوب لرفع الإشكال، عمد جماعة منهم إلى دعوى حصول النبوة بالإستقلال لهارون بعد موت موسى جزماً وقد عرفت سقوطها كذلك.
وجماعة آخرون عمدوا إلى دعوى حصول النبوة بالإستقلال لهارون في حياة موسىعليهالسلام :
منهم: محمود بن عبد الرحمن الإصفهاني في ( شرح التجريد )، فإنه قال بعد منع خلافة هارون على قوم موسى: « سلّمنا إنه استخلفه في حال حياته،
ولكن لا نسلّم استخلافه له بعد موته، فإن قوله( اخْلُفْنِي ) ليس فيه صيغة عموم بحيث يقتضي الخلافة في كلّ زمان، ولهذا فإنه لو استخلف وكيلاً في حال حياته على أمواله، فإنه لا يلزم من ذلك استمرار استخلافه له بعد حياته، وإذا لم يكن ذلك مقتضياً للخلافة في كل زمان، فعدم خلافته في بعض الزمان لقصُور دلالة اللفظ عن استخلافه فيه لا يكون عزلاً له، كما لو صرّح بالإستخلاف في بعض التصرفات دون بعض، فإن ذلك لا يكون عزلاً فيما لو يستخلف فيه، وإذا لم يكن عزلاً فلا ينفر.
سلّمنا أن ذلك يكون عزلاً له، ولكن متى يكون ذلك منفّراً عنه؟ إذا كان قد ازال عنه بالعزل حالة توجب نقصه في الأعين، أو إذا لم يكن؟ الأول مسلّم والثاني ممنوع. فلِمَ قلتم بأن ذلك مما يوجب نقصه في العين؟ وبيان عدم نقصه هو: إن هارون كان شريكاً لموسى في النبوة، وحال المستخلَف دون حال الشريك في نظر الناس، فإذن، الاستخلاف حالة منقصة بالنظر إلى حال الشركة، وحال المنقصة لا يكون زواله موجباً للتنقيص.
سلّمنا لزوم النتقيص من ذلك، لكن إذا لزم منه العود إلى حالةٍ هي أعلى من حالة الإستخلاف، أو إذا لم يعد؟ الأول ممنوع والثاني مسلّم. لكن لم قلتم أنه لم يعد إلى حالة هي أعلى؟ وبيان ذلك: إنه وإنْ عزل عن الإستخلاف فقد صار بعد العزل مستقلاً بالرسالة عن الله تعالى لا عن موسى، وذلك أشرف من استخلافه عن موسى ».
ومنهم: إسحاق الهروي، حيث قال ( في السهام الثاقبة ): « ولو سلّم فأيّ دلالة على بقاء الخلافة بعد موت موسىعليهالسلام ، وانتهاء الشغل بانتهاء العمل ليس من باب العزل، خصوصاً إذا اشتمل على العود إلى حالة أكمل، وهو الإستقلال بالنبوّة والتبليغ من الله، لا من موسىعليهالسلام ».
أقول:
لكن هذه الدعوى أيضاً لا ترفع الإشكال.
لأنه إن كان المراد من حصول النبوة بالإستقلال لهارون في حياة موسى، حصول وصف زائد له على شركته مع موسى في النبوة، بعد عزله عن الخلافة عنه، فهذا مخدوش:
أوّلاً: بأنّه لا دليل لهم على أنه بعد عزله عن الخلافة لموسى حصل له وصف زائد على شركته لموسى في النبوّة.
وثانياً: بأنّ هذه الدعوى واضحة البطلان، إذ لا يجوّز عاقل أن يكون هارونعليهالسلام قبل الخلافة عن موسى تابعاً لموسى وشريكاً له في النبوة، ويكون بعد عزله عن الخلافة الصريح في الدلالة على النقص والتنفير في مرتبةٍ أعلى من وصف التبعيّة، وهي مرتبة النبوة المستقلة.
وإن لم يكن المراد من الإستقلال في النبوة مع موسى والتبعية له، فأين العود إلى مرتبة أعلى وأشرف، حتى يرتفع به إشكال النقص والتنفير الحاصل بالعزل به عن الخلافة؟
ولعلّ الإصفهاني إلتفت إلى أنْ لا جدوى لسلوك هذا الطريق لرفع إشكال التنفير، فلذا عدل في ( شرح الطوالع ) عمّا ذكره في ( شرح التجريد ) وسلك طريقاً آخر فقال:
« ولئن سلّم أنّ ذلك - أي عدم خلافة هارون بعد وفاة موسىعليهماالسلام على تقدير حياة هارونعليهالسلام - عزل، ولكنْ إنما يكون نقصاً له إذا
لم يكن له مرتبة أعلى من الإستخلاف، وهي الشركة في النبوّة »(١) .
فجعل الرافع للنقص والتنفير الحاصل بالعزل: الشركة في النبوة.
لكن هذه الشركة في النبوة كانت حاصلةً له قبل الإستخلاف، وبعد العزل المزعوم، فأين العود إلى مرتبة أعلى ترفع النقص الحاصل بسبب العزل؟
وتلخّص من جميع ما ذكرنا:
١ - إن العزل عن الخلافة نقص وعيب ومنفّر.
٢ - إن المنفّر لا يجوز حصولة بالنسبة إلى النبي، لما تقرّر من أنّ النبي يجب أن يكون سالماً عن جميع المنفّرات.
٣ - إن جميع ما ذكروه لرفع إشكال حصول المنفّر عن هارونعليهالسلام - بسبب ما زعموه من عزله عن خلافة موسى - غير رافع للإشكال.
أمّا التمثيل بعادة السلاطين، فقد عرفت ما فيه.
وأمّا أنّ النبوة المستقلة الحاصلة لهارون ترفع النقص والعيب الحاصل بعزله، فقد رأيت اضطرابهم في بيان ذلك، فتارةً جعلوا العزل مقارناً للرجوع من الطّور وحصول النبوة بعد موسى.
واُخرى: جعلوا العزل بعد وفاة موسى لا عند رجوعه من الطور.
وثالثة: جعلوا العزل في حياة موسى وحصول النبوة في حياته أيضاً.
ورابعة: جعلوا مجرد الشركة في النبوة رافعاً للنقص الحاصل بسبب العزل.
والكلّ - كما رأيت - بمعزلٍ عن الصواب، مستغرَب غاية الإستغراب عند اُولي الألباب.
___________________
(١). شرح الطّوالع - مخطوط.
وبقي وجه آخر ذكره ( الدهلوي ) وهو:
قوله:
بل هو نظير أنْ يعزل نائب الوزير - بعد موت الوزير - ويجعل وزيراً مستقلاً.
أقول:
لكنه سخيف جداً.
أمّا أوّلاً: فوزارة نائب الوزير - بعد موت الوزير - ليست عزلاً، بل ترفيع في المرتبة ورفعة في المقام.
وأمّا ثانياً: إن صرفه عن النيابة وجعله وزيراً مستقلّاً يكون في وقت واحدٍ تقريباً ومن غير فاصلٍ زماني، ولذا لا يكون ذلك الصرف عن النيابة إهانةً تستلزم التنفير. وإنما يتحقق الإهانة والتنفير فيما لو عزل عن النيابة ولم ترتفع درجته بالحصول على الوزارة.
وبهذا تعرف أن التنظير بين ما ذكره وبين ما نحن فيه سخيف جدّاً فإنهم يدّعون تحقق « العزل » لهارونعليهالسلام ، ويقولون إن هذا النقص كان يرتفع نبوّته الإستقلالية التي كانت تكون له لو قدّر بقاؤه حيّاً مدّة أربعين سنة وحتى بعد موت موسى!!
هل يجوز المنفّر على الأنبياء؟
وإنّ جميع ما ذكره القوم مبني على عدم جواز المنفّر على الأنبياءعليهمالسلام فإنهم - بعد أن زعموا وقوع العزل عن الخلافة في حق هارون، وسلّموا كون العزل منقصة منفّرة، والمنفّرات غير جائزة على الأنبياء - انبروا لتوجيه هذا العزل وإخراجه عن كونه منفّراً
وقد عرفت أن الأصل - في أكثر ما ذكروه - هو الفخر الرازي في كتابه ( نهاية العقول ).
لكن الرازي ذكر وجهاً آخر - وكأنّه يعلم في قرارة نفسه أنّ جميع ما ذكره هو وغيره غير رافع للإشكال - استحيى مقلّدوه من ذكره لقبحه وشناعته وهو:
جواز التنفير في حق الأنبياءعليهمالسلام ...!!
وهذه عبارته:
« ثم إنْ سلّمنا إنه منفّر مطلقاً، فلِمَ لا يجوز على الأنبياء؟
فإن المنع منه بناء على القول بالتحسين والتقبيح.
وقد مضى القول فيه ».
وإنّ هذا الكلام في الشناعة والفظاعة بحيث تقشعرّ منه الجلود وتتألّم القلوب، إنه كلام يتحاشى عن التفوّه به أطفال أهل الإسلام
إذا كان يجوز على الأنبياء ما يوجب الإهانة والحقارة والمذلَّة لهم، ويستلزم تنفّر الطباع وابتعادها عنهم، فأيّ أثر لبعثهم؟ وأيّ فائدةٍ للشرائع التي يبعثون بها؟ فانظر إلى أيّ حدٍّ يصل بالقوم إصرارهم على إنكار فضائل أمير المؤمنين وتكذيبها!! إن العجز عن ردّ تلك الفضائل يلجؤهم إلى نسبة العيب والنقص إلى الأنبياء!! وإنّ الإلتزام بهذه الطامّات عندهم أسهل وأفضل من الإعتراف بفضل أمير المؤمنين!! إنّ كلّ هذه الأباطيل حول خلافة هارون، وكلّ تلك الإفتراءات على هارون نفسه، لأجل إبطال خلافة أمير المؤمنين المشبَّهة بخلافة هارون عن موسى؟!
فتسعاً لهؤلاء! كيف قادتهم العصبيّة إلى النار؟ واختاروا النار على الإقرار؟!
لقد نصّ شاه ولي الله الدهلوي في ( إزالة الخفا ) على وجوب اشتراك الخليفة مع النبي في جدّ الأعلى، كي لا ينظر الناس إلى الخليفة بعين التحقير
ونصّ ابن القيّم على وجوب نزاهة النبيّ من أن يكون له خائنة الأعين قال: « أي إن النبي لا يخالف ظاهره باطنه ولا سرّه علانيته، وإذا نفذ حكم الله وأمره لم يُومِ به، بل صرّح وأعلنه »(١) .
ونصّ ابن الهمام وابن أبي شريف على وجوب سلامة النبي من كلّ نقصٍ ومنفر. وهذا كلام ابن الهمام بشرح ابن أبي شريف:
« شرط النبوّة الذكورة، لأنّ الانوثة وصف نقص.
وكونه أكمل أهل زمانه عقلاً وخلقاً. بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام. حال الإرسال. وأما عقدة لسان السيد موسىعليهالسلام قبل الإرسال فقد
___________________
(١). زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ١٨٥.
اُزيلت بدعوته عند الإرسال بقوله:( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) (١) كما دلّ عليه قوله تعالى( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) (٢) .
وأكملهم فطنةً وقوة رأي. كما هو مقتضى كونه سائس الجميع ومرجعهم في المشكلات.
والسلامة. بالرفع عطف على الذكورة. أي وشرط النبوة السلامة. من دناءة الآباء ومن غمز الاُمّهات. أي الطعن بذكرهنّ بما لا يليق من أمر الفروج.
والسلامة من القسوة. لأن قسوة القلب موجبة للبعد عن جناب الرب، إذ هي منبع المعاصي، لأن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما نطق به الحديث الصحيح. وفي حديثٍ - حسّنه الترمذي، ورواه البيهقي - إن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي.
والسلامة من العيوب المنفّرة منهم، كالبرص والجذام، ومن قلة المروّة، كالأكل على الطريق. ومن دناءة الصناعة كالحجامة، لأن النبوة أشرف مناصب الخلق مقتضية لغاية الإجلال اللائق بالمخلوق، فيعتبر لها انتفاء ما ينافي ذلك »(٣) .
وقال البزودي - في ( أصول عقائده ) - « وجه قول عامّة أهل السنّة والجماعة: إن الله تعالى بيَّن أن بعض الرسل حصل منهم ذنوب، ولا يستقيم أن يكون ذنوبهم عن قصد واختيار، فإنه لو كان كذلك لكان لا يؤمن منهم الكذب، فيؤدي إلى تفويت ما هو المقصود بالرسالة، ولأنه إذا كان يجيء منهم الذنوب قصداً نفر طباع الناس عنهم، فيؤدّي إلى أن لا يكون في بعث الرسل فائدة ».
وقال التفتازاني بشرح عقائد النسفي: « وأمّا الصغائر فتجوز عمداً عند
___________________
(١). طه ٢٠: ٢٧.
(٢). طه ٢٠: ٣٦.
(٣). المسامرة في شرح المسايرة في العقائد المنجمة في الآخرة.
الجمهور، خلافاً للجبّائي وأتباعه، وتجوز سهواً بالإتّفاق، إلّاما يدلّ على الخسّة، كسرقة لقمة والتطفيف بحبّة. لكن المحققين اشترطوا أن ينبَّهوا عليه فينتهوا عنه. [ هذا ] كلّه بعد الوحي. وأمّا قبله، فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة. وذهب المعتزلة إلى امتناعها، لأنها توجب النّفرة المانعة عن اتّباعهم، فتفوت مصلحة البعثة.
والحق منع ما يوجب النفرة، كعهر الاُمهات والفجور، والصغائر الدالّة على الخِسة »(١) .
وقال بشرح المقاصد: « خاتمة: من شروط النبوّة: الذكورة، وكمال العقل، والذكاء، والفطنة، وقوة الرأي - ولو في الصبى كعيسى ويحيىعليهماالسلام -، والسلامة عن كل ما ينفّر، كدناءة الآباء وعهر الاُمهات، والغلظة، والفظاظة، والعيوب المنفّرة كالبرص والجذام ونحو ذلك، والاُمور المخلّة بالمروءة، كالأكل على الطريق والحرف الدنيّة كالحجامة، وكل ما يخل بحكمة البعثة من أداء الشرائع وقبول الامّة »(٢) .
وقال الشعراني: « كان إمام الحرمين رحمه الله تعالى يقول: من جوّز وقوع الصغيرة من الأنبياء سهواً قيّدها بغير الدالّة على الخِسَّة »(٣) .
وقال القاري: « وأما الصغائر، فما كان منها دالّاً على الخِسَّة كسرقة لقمة، فلا خلاف في عصمتهم فيه مطلقاً »(٤) .
وقال عبد العلي الأنصاري: « وأما غير الكذب من الكبائر، والصغائر الخسيسة كسرقة لقمةٍ وغيرها مما يدل على الخِسّة وإنْ كانت مباحة، فالإتفاق
___________________
(١). شرح العقائد النسفية - مبحث عصمة الأنبياء: ٢١٥.
(٢). شرح المقاصد ٥ / ٦١.
(٣). اليواقيت والجواهر، المبحث الحادي والثلاثون.
(٤). ضوء المعالي في شرح بدء الأمالي - مبحث عصمة الأنبياء.
بين فرق الإسلام على عصمتهم عن تعمّدها سمعاً عند أهل السنّة القامعين للبدعة كثّرهم الله تعالى، أو عقلاً عند المعتزلة والروافض خذلهم الله تعالى، وقد عرفت شبههم وجوابها »(١) .
وكذا قال ( الدهلوي ) نفسه(٢) .
وقد نصّ عليه ابن روزبهان، لكن من العجائب جهله أو تجاهله بما تفوّه به الرازي في ( نهاية العقول ) حتّى ردّ على قول العلّامة الحلّي: « إن الأشاعرة لزمهم باعتبار نفي الحسن والقبح أنْ يذهبوا إلى جواز بعثة من هو موصوف بالرذائل والأفعال الدالّة على الخسة » بقوله:
« نعوذ بالله من هذه الخرافات والهذيانات، وذكر هذه الفواحش عند ذكر الأنبياء، والدخول في زمرة:( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) (١) ، وكفى بإساءة الأدب أن يذكر عند ذكر الأنبياء أمثال هذه الترّهات، ثم يفترى على مشايخ السنّة وعلماء الإسلام ما لا يلزم من قولهم شيء منه، وقد علمت أن الحسن والقبح يكون بمعانٍ ثلاثة: أحدهما: وصف النقص والكمال. والثاني: الملائمة والمنافرة. وهذان المعنيان عقليّان لا شك فيهما، فإذا كان مذهب الأشاعرة أنهما عقليان فأيّ نقصٍ أتمّ من أن يكون صاحب الدعوة الإلهية موصوفاً بهذه القبائح التي ذكرها هذا الرجل السوء الفحّاش. وكأنّه حسب أن الأنبياء أمثاله من رعاع الحلة الذين يفسدون على شاطىء الفرات بكل ما ذكره. نعوذ بالله من التعصّب، فإنه أورده النار ».
___________________
(١). شرح مسلّم الثبوت ٢ / ٩٩ هامش المستصفى.
(٢). التحفة الاثنا عشرية، مبحث النبوّة: ١٦٣.
أقول:
إنّه يتجاسر على العلّامة، وهو يتجاهل كلام الرّازي، على أنّ الأشاعرة، لا يرون امتناع شيء عقلاً على الله تعالى، فلابدّ أن يكون من الجائز عندهم عقلاً عهر امّهات الأنبياءعليهمالسلام ، ومن هنا صرّح الرازي بمنع عدم جواز المنفّرات على الأنبياء، وبنى ذلك على القول بالحسن والقبح العقليين لكنْ لمـّا كان هذا التجويز شنيعاً جدّاً، فقد تجاهله ابن روزبهان وأنكر على العلّامة كلامه!!
إلّا أن الأعجب هو أنّ ابن روزبهان نفسه يصرّح بأنّه ليس من القبيح عند العقل أن يظهر الله المعجزة على يد الكذّابين!!
قال العلّامة: « لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير، لَما قبح من الله شيء، ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكذابين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوّة، فإنّ أيّ نبيّ أظهر المعجزة عقيب ادّعاء النبوّة لا يمكن تصديقه، مع تجويز إظهاره المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوّة ».
فقال ابن روزبهان: « جوابه: إنه لم يقبح من الله شيء. قوله: لو كان كذلك لما قبح منه إظهارالمعجزات على الكذّابين. قلنا: عدم إظهار المعجزة على يد الكذّابين ليس لكونه قبيحاً عقلاً، بل لعدم جريان عادة الله تعالى الجاري مجرى المحال المحال العادي بذلك الإظهار ».
فإذا كان هذا جائزاً، فأيّ ريب في تجويز الأشاعرة بعث الموصوف بالرذائل والخسائس؟!
وقال العلّامة: « إنه لو كان الحسن والقبح شرعييّن، لحسن من الله أنْ يأمر
بالكفر، وتكذيب الأنبياء، وتعظيم الأصنام، والمواظبة على الزنا، والسرقة، والنهي عن العبادة والصدق، لأنها غير قبيحةٍ في أنفسها، فإذا أمر الله تعالى بها صارت حسنة، إذا لا فرق بينها وبين الأمر بالطّاعة، وأنّ شكر المنعم، وردّ الوديعة، والصدق، ليست حسنةً في أنفسها، ولو نهى الله تعالى عنها كانت قبيحة، لكنْ لمـّا اتفق أنه تعالى أمر بهذه مجّاناً لغير غرض ولا حكمة صارت حسنة، واتّفق أنه نهى عن تلك فصارت فبيحةً، وقبل الأمر والنهي لا فرق بينهما.
ومن أدّاه عقله إلى تقليد يعتقد ذلك فهو أجهل الجهّال وأحمق الحمقى، إذا علم أنّ معتقد رئيسه ذلك، وإن لم يعلم ووقف عليه ثم استمرّ على تقليده فكذلك، فلهذا وجب علينا كشف معتقدهم، لئلّا يضل غيرهم ولا تستوعب البليّة جميع الناس أو أكثرهم ».
فأجاب ابن روزبهان: « أقول: جوابه: إنّه لا يلزم من كون الحسن والقبح شرعيين بمعنى أن الشرع حاكم بالحسن والقبح، أن يحسن من الله الأمر بالكفر والمعاصي، لأن المراد بهذا الحسن إن كان استحسان هذه الأشياء فعدم هذه الملازمة ظاهر، لأنّ من الأشياء ما يكون مخالفاً للمصلحة لا يستحسنه الحكيم، وقد ذكرنا أن المصلحة والمفسدة حاصلتان للأفعال بحسب ذواتها، وإن كان المراد بهذا الحسن عدم الإمتناع عليه، فقد ذكرنا أنه لا يمتنع عليه شيء عقلاً، لكن جرى عادة الله تعالى على الأمر بما اشتمل على مصلحة من الأفعال، والنهى عمّا اشتمل على مفسدةٍ من الأفعال.
فالعلم العادي حاكم بأنّ الله لم يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء قط، ولم ينه عن شكر المنعم وردّ الوديعة ».
أقول:
فإذا لم تكن تلك الاُمور ممتنعةً عقلاً، لم يكن بعث الموصوف بالرذائل ممتنعاً كذلك عندهم
وأيضاً، يقول ابن روزبهان:
« ثمّ استدل على بطلان كونه خالقاً للقبائح بلزوم عدم امتناع إظهار المعجز على يد الكاذب، وقد استدل قبل هذا بهذا مراراً، وأجبناه في محالّه. وجواب هذا وما ذكر بعده من ترتّب الاُمور المنكرة على خلق القبائح مثل ارتفاع الثقة من الشريعة والوعد والوعيد وغيرها:
إنا نجزم بالعلم العادي وبما جرى من عادة الله تعالى، أنه لم يظهر المعجزة على يد الكاذب، فهو محال عادةً كسائر المحالات العادية، وإنْ كان ممكناً بالذات، لأنه لايجب على الله تعالى شيء على قاعدتنا، فكلّ ما ذكروه من لزوم جواز تزيين الكفر في القلوب عوض الإسلام، وأن ما عليه الأشاعرة من اعتقاد الحقيّة يمكن أن يكون كفراً وباطلاً، فلا يستحقّون الجواب. فجوابه: إن جميع هؤلاء لا يقع عادةً كسائر العاديّات، ونحن نجزم بعدم وقوع وإنْ جاز عقلاً، حيث لم يجب عليه تعالى شيء، ولا قبيح بالنسبة إليه ».
فظهر أنّ جميع ما ذكره من الطعن والسبّ للعلامة الحلّي متوجّه إلى الفخر الرازي، بل إلى نفسه وإلى جميع الأشاعرة.
وأمّا دعوى الفخر الرازي بأنّ عدم جواز المنفّر على الأنبياء - مبتني على القول بالتحسين والتقبيح، وإذ أنهم يقولون بذلك، فلا مانع من المنفّر على
الأنبياءعليهمالسلام . فيردّها:
أولاً : لقد نصّ عبد العلي الأنصاري في كلامه المنقول آنفاً عن ( شرح مسلّم الثبوت ) على أنّ مذهب أهل السنّة عصمة الأنبياء عن الأمور الخسيسة بالسّمع، وإن كانت تلك الاُمور مباحةً فإذن، لا يتوقف القول بعدم جواز الاُمور المنفّرة على الأنبياء على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين.
ثانياً : لقد ذكر ابن روزبهان أن امتناع الرذائل الخسيسة على الأنبياء لا يبتني على ثبوت الحسن والقبح العقليين بمعناهما المتنازع فيه، بل إنّ ثبوتهما، بمعنى وصف الكمال والنقص - الذي تقول الأشاعرة به أيضاً - كافٍ لامتناع الرذائل عليهم، وبما أنّ الرازي أيضاً يصرّح في ( نهاية العقول ) بثبوت الحسن والقبح بالمعنى المذكور، فلا ينافي منع الحسن والقبح العقليين بالمعنى المتنازع فيه القول بامتناع الرذائل والاُمور المنفّرة على الأنبياء، لأنّه بناءً على ثبوتهما بهذا المعنى يكون اتّصاف النبيّ بصفة عين اتّصافه بصفة القبح.
ثالثاً : إنه وإن نفى جمهور الأشاعرة التحسين والتقبيح العقليين بالمعنى المتنازع فيه، لكنّ فيهم جمعاً كثيراً من النحارير المشاهير يصرّحون بإثباتهما وإليك نصوص عبارات طائفة منهم:
قال عبد العزيز بن أحمد البخاري:
« قوله: ومن قضية الشرع. أي: ومن حكم الشريعة في هذا الباب - أي باب الأمر - أن حكم الآمر إلى المأمور به يوصف بالحسن، والمعنى: إن ثبوت الحسن للمأمور به من قضايا الشرع لا من قضايا اللغة، لأن هذه الصفة تتحقق في قبيح كالكفر والسّفه والعبث، كما تتحقق في الحسن ألاترى أنّ السلطان
الجائر إذا أمر إنساناً بالزنا والسرقة والقتل بغير حق كان آمراً حقيقة، حتى إذا خالفه المأمور ولم يأت بما أمر به يقال خالف أمر السلطان.
ثم اختلف أن الحسن من موجبات الأمر أم من مدلولاته؟ فعندنا هو من مدلولات الأمر. وعند الأشعرية وأصحاب الحديث هو من موجباته، وهو بناء على أن الحسن والقبح في الأفعال الخارجة عن الإضطرار هل يعرف بالعقل أم لا؟ فَعندهم لا حظّ له في ذلك، وإنما يعرف بالأمر والنهي، فيكون الحسن ثابتاً بنفس الأمر، لا أنّ الأمر دليل ومعرف على حسنٍ سبق ثبوته بالعقل. وعندنا: لمـّا كان للعقل حظ إلى معرفة حسن بعض المشروعات، كالإيمان وأصل العبادات والعدل الإحسان، كان الأمر دليلاً ومعرّفاً لما يثبت حسنه بالعقل وموجباً لما يعرف به. كذا في الميزان.
وذكر في القواطع: ذهب أكثر أصحاب الشافعيرحمهالله إلى أن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا يعرف حسن الشيء وقبحه، حتى يرد السّمع بذلك، وإنما العقل آلة يدرك به ما حسن وما قبح، بعد أن يثبت ذلك بالسمع، وذهب إلى هذا كثير من المتكلّمين. وذهب إليه جماعة من أصحاب أبي حنيفةرحمهالله . قال: وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن الحسن والقبح ضربان، ضرب علم بالعقل كحسن العدل والصدق النافع وشكر النعمة، وقبح الظلم هوالكذب الضار وشرب الخمر. قالوا: وفائدة السمع إذا ورد بموجب العقل أن يكون وروده مؤكداً لما في العقل. وإليه ذهب من أصحابنا: أبو بكر القفّال الشاشي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، والحليمي وغيرهم. وإليه ذهب كثير من أصحاب أبي حنيفةرحمهالله ، خصوصاً العراقيون منهم. وهو مذهب المعتزلة بأسرهم »(١) .
___________________
(١). كشف الاسرار في شرح الاُصول البزودي ١ / ٣٨٩.
أقول:
المراد من « الميزان » هو كتاب ( ميزان الاُصول في نتائج العقول ) ومؤلفه: علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي. قال كاشف الظنون: « ميزان الاصول في نتائج العقول في اُصول الفقه، للشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي الاُصولي »(١) .
والمراد من « القواطع » هو كتاب ( القواطع في اُصول الفقه ) ومؤلفه: أبو المظفر السّمعاني. قال كاشف الظنون: « القواطع في اُصول الفقه، لأبي المظفر منصور بن محمّد السمعاني الشافعي المتوفى سنة ٤٨٩ »(٢) .
وقال البخاري المذكور:
« فأمّا المتقدّمون من أصحابنا فقالوا: سبب وجوب العبادات نعم الله على كلّ واحد من عباده، فإنه تعالى أسدى إلى كل واحدٍ منّا من أنواع النعم ما يقصر العقول عن الوقوف على كنهها، فضلاً عن القيام بشكرها، وأوجب هذه العبادات علينا بإزالها ورضي بها، شكراً لسوابق نعمه بفضله وكرمه، وإنْ قلّت مدة عمره أو طالت، وهذا لأن شكر النعمة واجب لا شك عقلاً ونصّاً، على ما قال الله تعالى( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ) وقال عليه الصلاة والسلام: من اُنزلت عليه نعمة فليشكرها، في نصوص كثيرة وردت فيه، وكلّ عبادة صالحة لكونها شكر النعمة ومن النعم، وقد ورد النص الدال على كون العبادة شكراً، وهو ما روي أنهعليهالسلام صلّى حتى تورّمت قدماه، قيل له: إن الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما
___________________
(١). كشف الظنون ٢ / ١٩١٦.
(٢). كشف الظنون ٢ / ١٣٥٧.
تأخّر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ أخبر أنه يصلّي لله تعالى شكراً على ما أنعم عليه.
ثم نعم الله على عباده أجناس مختلفة، منها إيجاده من العدم، وتكرمته بالعقل والحواس الباطنة، ومنها الأعضاء السليمة وما يحصل له بها من التقلّب والإنتقال من حالة إلى ما يخالفها من نحو القيام والقعود والإنحناء. ومنها ما يصل إليه من منافع الأطعمة الشهيّة والإستمتاع بصنوف المأكولات، ومنها صنوف الأموال التي يتوصّل بها إلى تحصيل منافع النفس ودفع المضار عنها، فعلى حسب اختلافها وجبت العبادات.
فأمّا الإيمان وجب شكراً لنعمة الوجود وقوّة النطق وكمال العقل، الذي هو أنفس المواهب التي اختصّ الإنسان بها من سائر الحيوانات وغيرها من النعم، فالوجوب بإيجاب الله، لكنه بالعقل يعرف أن شكر المنعم واجب، فكان النعم معرّفاً له، ووجوب شكر لمنعم بواسطة المعرفة وهو العقل. وهذا معنى قول الناس: العقل موجب أي دليل ومعرف لوجوب الإيمان بالنظر في سببه، وهو النعم »(١) .
وقال أبو شكور الكشي:
« القول في مستحسنات العقل. قالت المعتزلة: الحسن ما يستحسنه العقل والقبيح ما يستقبحه العقل. وقالت عامة الفقهاء: الحسن ما يستحسنه الشرع والقبيح ما يستقبحه الشرع. والتفصيل في هذا حسن، لأنّ الحسن والقبيح في الأشياء على مراتب، منها ما يكون حسناً بعينه، كالإيمان بالله تعالى، والعبادة، وشكر النعمة. ومنها ما هو حسن بمعنى في غيره كبناء الرباطات والمساجد وإماطة الأذى عن الطريق. وكذلك في القبيح منها ما هو قبيح بعينه كالإشراك
___________________
(١). كشف الأسرار في شرح اُصول البزودي ٢ / ٦٤٩ - ٦٥٠.
بالله تعالى والزنا والسرقة وأشباه ذلك. ومنها ما هو قبيح بمعنى في غيره.
فنقول: كلّ ما هو حسن أو قبيح بمعنى في غيره، فإن الحسن ما يكون حسناً باستحسان الشرع، والقبيح ما يكون قبيحاً باستقباح الشرع، ولا مجال للعقل في هذا.
وكلّ منها هو حسن بعينه أو قبيح بعينه فنقول: الحسن حسن والشرع يستحسنه. والقبيح قبيح والشرع يستقبحه.
هكذا روي عن أبي حنيفةرحمهالله أنه قال في كتاب العالم والمتعلّم: إن الظلم قبيح بعينه، ولا نقول قبيح أو حسن بالعقل، بل نقول نعرف هذا الحسن والقبيح بدلالة العقل، كما نعرف بدلالة الشرع، حتى لو لم يكن الشرع، فالإسلام والعبادات وما يشاكله يكون حسناً بعينه، والكفر والظلم يكونان قبيحين بعينهما »(١) .
وقال الغزالي:
بعد أنْ نفى الحسن والقبح العقليين تبعاً للأشاعرة: بأن هذا لا يشفي العليل ولا يزيل الغموض، وهذا نص كلامه:
« فإنْ قيل: فإنْ لم يكن مدرك الوجوب مقتضى العقول، أوى ذلك إلى إفحام الرسول، فإنه إذا جاء بالمعجزة وقال: اُنظر فيها، فللمخاطب أن يقول: إن لم يكن النظر واجباً فلا اقدم عليه، وإنْ كان واجباً، فيستحيل أن يكون مدركه العقل، والعقل لا يوجب، ويستحيل أن يكون مدركه الشرع، والشرع لا يثبت إلّابالنظر في المعجزة، ولا يجب النظر قبل ثبوت الشرع، فيؤدي إلى أن لا يظهر صحة النبوة أصلاً.
والجواب: إن هذا السؤال مصدره الجهل بحقيقة الوجوب، وقد بيّنا أن
___________________
(١). التمهيد في بيان التوحيد، الباب الأول في العقل: ١٦.
معنى الوجوب ترجيح جانب الفعل على الترك، لدفع ضرر موهوم في الترك أو معلوم، وإذا كان هذا هو الوجوب، فالموجب هو المرجّح وهو الله تعالى، فإنه إذا ناط العقاب بترك النظر ترجّح فعله على تركه، ومعنى قول النبي - صلّى الله عليه وسلّم - إنه واجب: أنه مرجح بترجيح الله تعالى في ربطه العقاب بأحدهما. وأما المدرك فهو عبارة عن جهة معرفة الوجوب لا عن نفس الوجوب، وليس شرط الواجب أن يكون وجوبه معلوماً، بل أن يكون عمله ممكناً لمن أراده، فيقول النبيّ: إن الكفر سمّ مهلك والإيمان شفاء مسعد، بان جعل الله تعالى أحدهما مسعداً والآخر مهلكاً، ولست أوجب عليك شيئاً، فإن الإيجاب هو الترجيح والمرجّح هو الله تعالى، وإنما أنا مخبر عن كونه سمّاً ومرشد لك إلى طريقٍ تعرف به صوتي وهو النظر في المعجزة، فإن سلكت الطريق عرفت ونجوت، وإن تركت هلكت.
ومثاله مثال طبيب إنتهى إلى مريض وهو مترود بين دوائين موضوعين بين يديه فقال له: أمّا هذا فلا تناوله، فإنه مهلك للحيوان وأنت قادر على معرفته بأن تطعمه هذا السنّور فيموت على الفور، فيظهر لك ما قلت. وأمّا هذا ففيه شفاؤك وأنت قادر على معرفته بالتجربة، وهو أن تشرب فتشفى، ولا فرق في حقّي ولا في حق استاذي بين أن يهلك أو يشفى، فإن اُستاذي غني عن بقائك وأنا أيضاً كذلك.
فعند هذا لو قال المريض: هذا يجب عليّ بالعقل أو بقولك، وما لم يظهر لي هذا لم أشتغل بالتجربة، كان مهلكاً نفسه ولم يكن عليه ضرر.
فكذلك النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قد أخبره عن الله تعالى بأن الطاعة شفاء والمعصية داء، وأن الإيمان مسعد والكفر مهلك، واخبره أنه غني عن العالمين، سعدوا أم شقوا، إنما شأن الرسول أنْ يبلّغ ويرشد إلى طريق المعرفة، فمن نظر فلنفسه ومن قصّر فعليها، وهذا واضح.
فإنْ قيل: فقد رجع الأمر إلى أنّ العقل هو الموجب، من حيث أنّه بسماع كلامه ودعواه يتوقّع عقاباً، فيحمله العقل على الحذر ولا يحصل إلّا بالنظر، فوجب عليه النظر.
قلت: الحق - الذي يكشف الغطاء في هذا من غير أتباع وهم وتقليد أمر - هو أن الوجوب لما كان عبارةً عن نوع رجحان في الفعل، فالموجب هو الله تعالى، لأنه هو المرجح، والرسول مخبر عن الترجيح، والمعجزة دليل على صدقه في الخبر، والنظر سبب في معرفة الصدق، والعقل آلة النظر والفهم معنى الخبر، والطبع مستحث على الحذر بعد فهم المحذور بالعقل، فلابدّ من طبع يخالفه العقوبة الموعودة، ويوافقه الثواب الموعود ليكون مستحثّاً. لكن لا يستحثُّ ما لم يفهم المحذور ولم يقدّره ظناً أو علماً، ولا يفهم إلا بالعقل، والعقل لا يفهم الترجيح بنفسه، بل الله هو المرجع والرسول مخبر، وصدق الرسول لا يظهر بنفسه بل المعجزة، والمعجزة لا تدل ما لم ينظر فيها، والنظر بالعقل.
فإذا قد انكشفت المعاني، فالصحيح في الألفاظ أنْ يقال: الوجوب هو الرجحان، والموجب هو الله تعالى، والمخبر هو الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - المعرّف للمحذور، ومصدّق الرسول هو العقل، والمستحث على سلوك سبيل الخلاص هو الطبع.
هكذا ينبغي أنْ يفهم الحق في هذه المسألة، ولا يلتفت إلى الكلام المعتاد الذي لا يشفي العليل ولا يزيل الغموض »(١) .
___________________
(١). الاقتصاد في الاعتقاد: ١١٩ - ١٢١.
وقال عبيد الله بن تاج الشريعة:
« على أنّ الأشعري سلّم حسن والقبح عقلاً. بمعنى الكمال والنقصان، فلا شك أن كل كمال محمود، وكل نقصان مذموم، وأن أصحابنا الكمالات محمودون بكمالاتهم، وأصحاب النقئص مذمومون بنقائصهم، فإنكاره الحسن والقبح بمعنى أنهما صفتان لأجلهما يحمد أو يذم الموصوف بهما، في غاية التناقض، وإنْ أنكرهما بمعنى أنه لا يوجد في الفعل شيء يثاب به الفاعل أو يعاقب لأجله فنقول:
إنْ عنى أنّه لا يجب على الله تعالى الاثابة أو العقاب لأجله، فنحن نساعد في هذا، وإنْ عنى أنه لا يكون في معرض ذلك، فهذا بعيد عن الحق، وذلك لأنّ الثواب والعقاب آجلاً وإن كان لا يستقل العقل بمعرفة كيفيّتهما، لكن كل من علم أن الله تعالى عالم بالكليّات والجزئيّات، فاعل بالإختيار، قادر على كلّ شيء، وعلم أنه غريق نعمة الله تعالى في كلّ لمحة ولحظة، ثم مع ذلك كلّه، ينسب من الصّفات والأفعال ما يعتقد أنه في غاية القبح والشناعة إليه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. فلم ير باعتقاده أنه يستحق بذلك مذمّة، ولم يتقيّن أنه في معرض سخطٍ عظيم وعذاب أليم، فقد سجّل على غباوته ولجاجه، وبرهن على سخافة عقله واعوجاجه، واستخفّ بفكره ورأيه، حيث لم يعلم بالشرّ الذي من ورائه، عصمنا الله تعالى عن الغباوة والغواية، وأهدانا هدايا الهداية.
فلمـّا أبطلنا دليل الأشعري، رجعنا إلى إقامة الدليل على مذهبنا، وإلى الخلاف الذي بيننا وبين المعتزلة:
م: وعند بعض أصحابنا والمعتزلة حسن بَعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفةٍ له، ويعرفان عقلاً أيضاً.
ش: أي يكون ذات الفعل بحيث يحمد فاعله عاجلاً ويثاب آجلاً لأجله،
أو يذم فاعله عاجلاً ويعاقب آجلاً لأجله. أو يكون للفعل صفة يحمد فاعل الفعل ويثاب لأجلها أو يذم فاعله ويعاقب لأجله. وإنما قال « أيضاً » لأنه لا خلاف في أنهما يعرفان شرعاً.
م: لأن وجوب تصديق النبيعليهالسلام إنْ توقَّف على الشرع يلزم الدور.
ش: واعلم أن النبيعليهالسلام ادّعى النبوّة وأظهر المعجزة وعلم السامع أنه النبي، فأخبر بأمورٍ مثل: إن الصّلاة واجبة عليكم، وأمثال ذلك، فإنْ لم يجب على السامع تصديق شيء من ذلك تبطل فائدة النبوّة، وإنْ وجب فلا يخلو من أن يكون وجوب تصديق كلّ إخباراته شرعياً. والثاني باطل، لأنه لو كان وجوب تصديق الكلّ شرعيّاً لكان وجوبه بقول النبيعليهالسلام ، فأوّل الإخبارات الواجبة التصديق لابدّ أن يجب تصديقه بقول النبيعليهالسلام ، فأوّل الإخبارات الواجبة التصديق لابدّ أن يجب تصديقه بقول النبيعليهالسلام ، لأن تصديق الإخبار الأول واجب، فنتكلَّم في هذا القول، فإنْ لم يجب تصديقه لا يجب تصديق الأول، وإنْ وجب فإما أن يجب بالإخبار الأول فيلزم الدور، أو بقولٍ آخر فنتكلَّم فيه، فيلزم التسلسل. وإذا ثبت ذلك تعيّن الأول، وهو كون وجوب تصديق شيء من إخباراته عقليّاً. فقوله:
م: وإلّا.
ش: أي، وإنْ لم يتوقّف على الشرع.
م: كان واجباً عقلاً، فيكون حسناً عقلاً.
ش: لأن الواجب العقلي ما يحمد على فعله ويذمّ على تركه عقلاً، والحسن العقلي ما يحمد على فعله عقلاً، فالواجب العقلي أخص من الحسن العقلي، وكذلك تقول في امتثال أوامره: إنه إمّا واجب عقلاً إلى آخره. وهذا
الدليل لإثبات الحسن العقلي صريحاً. وقوله:
م: وأيضاً: وجوب تصديق النبيعليهالسلام موقوف على حرمة الكذب، فهي إنْ ثبتت مشرعاً يلزم الدور، وإنْ ثبتت عقلاً يلزم قبحه عقلاً.
ش: وهذا يدل على القبح العقلي صريحاً، وكلٌّ منهما - أي الحسن والقبح - يدل على الآخر التزاماً، لأنه إذا كان الشيء واجباً عقلاً يكون تركه قبيحاً عقلاً، وإن كان الشيء حراماً عقلاً فتركه يكون واجباً عقلاً، فيكون حسناً عقلاً »(١) .
وقال الشاشي:
« الأمر في اللغة قول القائل لغيره: إفعل. وفي الشرع: تصرّف إلزام العقل على الغير. وذكر بعض الأئمة -رحمهمالله - أن المراد بالأمر يختص بهذه الصّيغة، واستحال أن يكون معناه أن حقيقة الأمر تختص بهذه الصيغة، فإن الله تعالى متكلّم في الأزل عندنا، وكلامه أمر ونهي وإخبار وإستخبار، واستحال وجود هذه الصيغة في الأزل، واستحال أيضاً أنْ يكون معناه أن المراد بالأمر للشارع يختص بهذه الصيغة، فإن المراد للشارع بالأمر وجوب الفعل على العبد، وهو معنى الإبتلاء عندنا، وقد ثبت الوجود بدون هذه الصيغة، أليس أنه وجب الإيمان على من لم تبلغه الدعوة بدون ورود السمع.
قال أبو حنيفة -رضياللهعنه -: لو لم يبعث الله تعالى رسولاً لوجب على العقلاء معرفته بعقولهم.
فيحمل ذلك على أن المراد يختص بهذه الصيغة في حق العبد في الشرعيات، حتى لا يكون فعل الرسول بمنزلة قوله: إفعلوا »(٢) .
___________________
(١). التوضيح في حل غوامض التنقيح.
(٢). الاصول، فصل في الأمر، من البحث الأول، في كتاب الله: ١٠١.
وقال القاري:
« إنّ العقل آلة للمعرفة، والموجب هو الله تعالى في الحقيقة، ووجوب الإيمان بالعقل مروي عن أبي حنيفة، فقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى: إن أبا حنيفة قال: لا عذر لأحدٍ في الجهل بخالقه، لما يرى من خلق السماوات والأرض وخلق نفسه وغيره. ويؤيده قوله تعالى:( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وقوله تعالى:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) وحديث: كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه. قال: وعليه مشاخينا من أهل السنّة والجماعة.
حتى قال الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي في الصبي العاقل: إنه يجب عليه معرفة الله تعالى، وهو قول كثير من مشايخ العراق، خلافاً لكثيرٍ من مشايخنا، لعموم قولهعليهالسلام : رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يبلغ أي يحتلم. الحديث. وحمل الشيخ أبو منصور الحديث على الشرائع، مع اتّفاقهم أن إسلام هذا الصبي صحيح ويدعى هو إلى الإسلام كما يدعى البالغ إليه. وقال الأشعرري: لا يجب، لقوله تعالى( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) واجيب: بأن الرسول أعم من العقل والنبي »(١) .
وقال البزودي:
« قال أهل السنّة والجماعة: لا يجب أداء شيءٍ مّا إلّا بالخطاب من الله تعالى على لسان واحدٍ من عباده، وكذا لا يجب عليه الإمتناع عن شيء مّا إلّابه، وبه قال الأشعري. وعند المعتزلة: يجب الإيمان بالله تعالى والشكر له قبل بلوغ الخطاب. وهل يجب عندهم الإقرار بالرسل؟ عند بعضهم لا يجب.
وقد قال الشيخ أبو منصور الماتريدي -رحمهالله - بمثل ما قال المعتزلة
___________________
(١). شرح الفقه الاكبر، الوسائل الملحقات: ١٦٦.
وهو قول عامّة علماء سمرقند، وقول بعض علمائنا من أهل العراق، وقد ذكر الكرخي في مختصره عن أبي حنيفة -رضياللهعنه - أنّه قال: لا عذر لأحدٍ في معرفة الخالق، لِما يرى في العالم من أمارات الحدوث. وأئمّة بخارى الذين شاهدناهم كانوا على القول الأول.
والمسألة تعرف بأنّ العقل هل هو موجب؟ عند الفريق الأول: غير موجب. وعند الفريق الثاني: موجب. وهذا مجاز من الكلام، فإنّ العقل لا يكون موجباً شيئاً، ولكن عند المعتزلة وأبي منصور الماتريدي -رحمهالله - وعند من يقول بقولهم: الله تعالى هو الموجب ولكن بسبب العقل، فيكون العقل عندهم سبب الوجوب.
وفائدة الإختلاف: إن من لم تبلغ دعوة رسولٍ مّا، ولا دعوة رسولٍ من رسله، ولم يؤمن، هل يخلد في النار؟ عند الفريق الأول: لا يخلد، ويكون حكمه حكم المجانين والأطفال. وعند الفريق الآخر: يخلد. ولكن عند الفريق الأول: لو أسلم مع هذا يصح إسلامه ويصير من أهل الجنة.
وكذا الصبي العاقل عند الفريق الأول لا يخاطب بأداء الإسلام، ولكن إذا أسلم يصح إسلامه في أحكام الدنيا والآخرة جميعاً »(١) .
وقال السعد التفتازاني:
« ولقوّة هاتين الشبهتين ذهب بعض أهل السنّة - وهم الحنفيّة - إلى أنّ حسن بعض الأشياء وقبحهها مما يدرك بالعقل، كما هو رأي المعتزلة، كوجوب أول الواجبات، ووجوب تصديق النبي عليه الصلاة والسلام، وحرمة تكذيبه، دفعاً للتسلسل، وكحرمة الإشراك بالله تعالى، ونسبة ما هو في غاية الشناعة إليه، على من هو عارف به وبصفاته وكمالاته، ووجوب ترك ذلك.
___________________
(١). اصول العقائد: ٦١.
ولا نزاع في أن كلّ واجب حسن وكل حرام قبيح، إلّا أنهم لم يقولوا بالوجوب أو الحرمة على الله تعالى، وجعلوا الحاكم بالحسن والقبح والخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، والعقل آلة لمعرفة بعض ذلك، من غير إيجاب ولا توليد، بل بإيجاد الله تعالى، من غير كسبٍ في البعض، ومع الكسب بالنظر الصّحيح في البعض »(١) .
وقال ابن الهمام:
« لا نزاع في استقلال العقل بإدراك الحسن والقبح، بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل، وَرَدَ به الشرع أم لا، وبمعنى ملائمة الغرض وعدمها، كقتل زيد بالنسبة إلى أعدائه وإلى أوليائه. إنما النزاع في استقلاله بدركه في حكم الله تعالى:
فقال المعتزلة: نعم، يجزم العقل بثبوت حكم الله في الفعل بالمنع، على وجهٍ ينتهض معه سبباً للعقاب، إذا أدرك قبحه، وبثبوت حكمه جل ذكره فيه بالإيجاب والثواب بفعله، والعقاب بتركه إذا أدرك حسنه، على وجهٍ يستلزم تركه قبحاً، كشكر المنعم. وهذا بناء على أن للفعل في نفسه حسناً وقبحاً ذاتيين أو لصفةٍ فيه، قد يستقل بدركها فيعلم حكم الله تعالى باعتبارهما فيه، وقد لا يستقل فلا يحكم بشيء حتى يرد الشرع، كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أول يوم من شوّال.
وقالت الأشاعرة قاطبةً: ليس للفعل نفسه حسن ولا قبح، وإنّما حسّنه ورود الشرع بإطلاقه وقبّحه وروده بحظره. وإذا ورد الشرع بذلك فحسنّاه أو قبّحناه بهذا المعنى، فحاله بعد ورود الشرع بالنسبة إلى الوصفين كحاله قبل وروده، فلا يجب قبل البعثة شيء، لا إيمان ولا غيره، ولا يحرم كفر.
___________________
(١). شرح المقاصد ٤ / ٢٩٣.
وقالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للفعل على الوجه الذي قالته المعتزلة ».
وقال أيضاً:
« ولا أعلم أحداً منهم - يعني الحنفيّة - جوّز عقلاً تكليف ما لا يطاق. واختلفوا هل يعلم باعتبار العلم بثبوتها في فعل حكم في ذلك الفعل تكليفي؟ فقال الاستاذ أبو منصور وعامّة مشايخ سمرقند: نعم يعلم وجوب الإيمان بالله وتعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه تعالى، ووجوب تصديق النّبي، وهو معنى شكر المنعم. روى في المنتقى عن أبي حنيفة -رضياللهعنه -: لا عذر لأحدٍ في الجهل بخالقه، لما يرى من خلق السماوات والأرض. وعنه أنه قال: لو لم يبعث الله رسولاً لوجب على الخلق معرفته بعقولهم ».
قال:
« وقال أئمة بخارى منهم: لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة، كقول الأشاعرة، وحملوا المروي عن أبي حنيفة على ما بعد البعثة.
وهو ممكن في العبارة الأولى دون الثانية »(١) .
« قال المتعلّم: هو كما وصفت، ولكن أخبرني عن الرسولعليهالسلام من قبل الله نعرفه أو نعرف الله من قبل الرسول؟ فإنْ زعمت أنك إنما تعرف الرسول من قبل الله فكيف يكون ذلك؟ الرسول هو الذي يدعوك إلى الله تعالى.
قال العالم: نعم نعرف الرسول من قبل الله، لأن الرسول وإنْ كان يدعو إلى الله فلم يكن أحد يعلم الذي يقول الرسول حق، حتى يقذف الله في قلبه
___________________
(١). المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، الأصل الخامس، من الركن الثالث.
التصديق والعلم بالرسول، ولذلك قال الله تعالى( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) ولو كان معرفة الله من قبل الرسول لا من قبل الله، لكانت المنّة في معرفة الله من قبل الرسول على الناس، ولكن المنّة لله على الرسول في معرفة الربّ عزّ وجل، والمنّة لله على الناس بما عرّفهم من التصديق بالرسول، ولذلك لا ينبغي لأحدٍ أن يقول إن الله يُعرف من قبل الرسول، بل ينبغي أن يقول العبد لا يعرف شيئاً من الخير إلّامن قبل الله تعالى ».
وقال ابن الهمام:
« واعلم أن الحنفيّة لمـّا استحالوا عليه تكليف ما لا يطاق كما مرّ، فهم لتعذيب المحسن الذي استغرق عمره في الطّاعة مخالفاً لهوى نفسه في رضا مولاه أمنع، بمعنى أنه يتعالى عن ذلك، فهو من باب التنزيهات، إذ التسوية بين المسيء والمحسن أمر غير لائق بالحكمة في نظر سائر العقول. وقد نصّ تعالى على قبحه حيث قال:( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) ، فجعله حكماً سيّئاً»(١) .
وقال:
« وقد تقدّم أن محلّ الإتّفاق إدراك العقل القبح الفعل، بمعنى صفة النقص وحسنه بمعنى صفة الكمال، وكثيراً مّا يذهل أكابر الأشاعرة عن محل النزاع في مسألتي التحسين والتقبيح العقليين، لكثرة ما يُشعرون النفس أنْ لا حكم للعقل بحسنٍ ولا قبح، فذهب لذلك عن خاطرهم محل الإتفاق، حتى تحيّر كثير منهم في الحكم باستحالة الكذب عليه تعالى لأنه نقص، لمـّا ألزم القائلون بنفي الكلام
___________________
(١). المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، الأصل الخامس من الركن الثالث.
النفسي القديم الكذب على تقدير قدمه في الإخبارات، وهو مستحيل عليه لأنه نقص.
حتى قال بعضهم - ونعوذ بالله مما قال -: لا يتم استحالة النقص عليه تعالى إلّا على رأي المعتزلة القائلين بالقبح العقلي.
وقال إمام الحرمين: لا يمكن التمسّك في تنزيه الربّ جلّ جلاله عن الكذب بكونه نقصاً، لأن الكذب عندنا لا يقبح بعينه.
وقال صاحب التلخيص: الحكم بأن الكذب نقص أن كان عقليّاً كان قولاً بحسن الأشياء وقبحها عقلاً، وإنْ كان سمعيّاً لزم الدور.
وقال صاحب المواقف: لم يظهر لي فرق بين النقص العقلي والقبح، بل هو هو بعينه.
وكلّ هذا منهم للغفلة عن محلّ النزاع، حتى قال بعض محققي المتأخرين منهم - بعد ما حكى كلامهم هذا - وأنا أتجّب من كلام هؤلاء المحققين الواقفين على محلّ النزاع في مسألتي الحسن والقبح العقليين »(١) .
أقول:
حمل كلامهم على الغفلة عن محلّ النزاع لا يخلّص القوم عن الورطة، لأنّهم على كل حالٍ يصرحون بجواز الكذب على الله تعالى.
ثم إنه وإنْ كان الحسن والقبح العقليّان بمعنى النقص والكمال ممّا يعترف به الأشاعرة، إلّا أنه بناءً على امتناع صفة النقص عليه تعالى، ووجوب اتّصافه بصفات الكمال عقلاً، يمتنع عليه سائر القبائح، مثل تعذيب المحسن والتكليف بما لا يطاق، لأن جواز صدور القبائح أيضاً صفة نقص عليه وعلى هذا ينهدم
___________________
(١). المسايرة في العقائد النمجية في الآخرة، الأصل الخامس من الركن الثالث.
أساس مذهب الأشاعرة.
ولمـّا كانت الملازمة بين الحسن والقبح العقليين بالمعنى المتنازع فيه، مع الحسن والقبح العقليين بمعنى النقص والكمال، في غاية الوضوح والظهور، فلهذا منع الفخر الرازي في ( المحصّل ) امتناع النقص عليه تعالى، وإنْ أثبت في ( نهاية العقول ) الحسن والقبح بمعنى صفة الكمال والنقص: وهذا كلامه في ( المحصّل ).
« مسألة: إتّفق المسلمون على أنه تعالى سميع بصير، لكنهم اختلفوا في معناه: فقالت الفلاسفة والكعبي وأبو حسين البصري: ذلك عبارة عن علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات، وقال الجمهور منّا ومن المعتزلة والكراميّة: إنهما صفتان زائدتان على العلم.
قلنا: إنه تعالى حي، والحيّ يصح اتّصافه بالسمع والبصر، وكلّ من يصح اتّصافه بصفة، فلو لم يتّصف بها لاتّصف بضدّها، فلو لم يكن الله سبحانه سميعاً بصيراً كان موصوفاً بضدّها، وضدّها نقص، والنّقص على الله تعالى محال.
فلقائل أن يقول: حياة الله تعالى يخالف لحياتنا، والمختلفات لا يجب اشتراكها في جميع الأحكام، فلا من كون حياتنا مصححة للسمع والبصر كون حياته تعالى كذلك.
سلّمنا ذلك.
لكن لِمَ لا يجوز أن يقال: حياته تعالى وإنْ صحّحت السمع والبصر، لكن ماهيّته تعالى غير قابلة لهما، كما أن الحياة وإنْ صححت الشهوة والنفرة، لكن ماهيّته تعالى غير قابلة لهما: فكذلك ههنا.
سلّمنا أنّ ذاته تعالى قابلة لهما.
لكنْ لِمَ لا يجوز أنْ يكون حصولهما موقوفاً على شرط ممتنع التحقق في
ذات الله تعالى؟ وهذا هو قول الفلاسفة، فإن عندهم أيضاً ابصار الشيء مشروط بانطباع صورة صغيرة مشابهة للذلك المرئي في الرطوبة الجليدية، وإذا كان ذلك في حق الله تعالى محالاً لاجرم لم تثبت الصحة.
سلّمنا حصول الصحة، لكن لِمَ تسلّمتم أن القابل للصفة يستحيل خلوه عنها وعن ضدها معاً، وقد تقدم تقريره.
سلّمنا ذلك: لكن ما المعنيّ بالنقص؟
ثم لم تسلّمتم أن النقص محال؟
فإنْ رجعوا فيه إلى الإجماع صارت الدلالة فيه سمعيّة، وإذا كان الدليل على حقيّة الإجماع هو الآية، والآيات الدالّة على السمعية والبصرية أظهر دلالةً من الآيات الدالة على صحة الإجماع، فكان الرجوع في هذه المسألة إلى التمسّك بالآيات أولى: فالمعتمد التمسّك بالآيات، ولا شك أن لفظ السمع والبصر ليس حقيقةً في العلم بل مجازاً فيه، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلّاعند المعارض، وحينئذٍ يصير الخصم محتاجاً إلى إقامة الدليل على امتناع اتّصافه تعالى بالسمع والبصر.
ومن الأصحاب من قال: السميع والبصير أكمل ممّن ليس بسميع ولا بصير، والواحد منا سميع وبصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال.
لكن هذا ضعيف، لأن للقائل أن يقول: الماشي أكمل ممّن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منّا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفاً به لزم أن يكون الواحد منّا أكمل من الله تعالى.
فإن قلت: هذا صفة كمال في الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يتصور ثبوته في حقه.
قلت: فَلِمَ قلت: إن السمع والبصر ليسا من صفات الأجسام، وحينئذٍ يعود البحث المذكورر»(١) .
وقال ابن القيّم:
« ومن ظنّ به تعالى - أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصاً لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبهُ بما لا صنع فيه ولا اختيار لهُ، ولا قدرة، ولا ارادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظنّ به أنه يجوز عليه أن يؤيّد أعدائه الكاذبين عليه، بالمعجزات التي يؤيّد بها أنبيائه ورسله ويجريها على أيديهم يضلّون بها عباده، وأنه يحسن منه كلّ شيء، حتى يعذب من أفنى عرمه في طاعته فيخلده في الجحيم أسفل السافلين، وينعم من استنفذ عمره في عدواته وعداوة رسله ودينه فيرفعهُ إلى أعلى علّيين، وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلّابخبر صادق، وإلّا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر - فقد ظنّ به ظنّ السوء »(٢) .
وقال كمال الدين السهالي(٣) :
« إن حسن الأفعال وقبحها عقلي، على المذهب المنصور، وهو مذهب أبي منصور الماتريدي، بناءً على بطلان الترجيح بلا مرجّح، وإن جعل بعض الأفعال مناطاً للثواب والمدح والبعض الآخر مناطاً للعقاب والذم بلا موجب مرجّح من ذاتها مستحيل قطعاً، والصانع الحكيم لا يرجّح المرجوح بل المساوي: وبالجملة: حكمة الأمر قاضية بأنّ تخصيصات الأفعال بثمراتها لابدّ لها من مرجح من ذواتها، وقد بيّن في موضعه.
___________________
(١). المحصل: ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢). زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ٩٩.
(٣). من علماء الهند، له مصنّفات: توفي سنة ١١٧٥.
وما أحسن ما قال الشيخ الأكبر محيي الدين بن علي العربي -قدسسره - في بعض مصنفاته: لو لم يكن للأفعال خصوصية داعية إلى ثمرتها المخصوصة بها، يكون الأفعال التي على هوى النفس والتي على خلاف هواها سواسيةً في تعلّق ثمراتها بها، ويلزم نسبة الظلم إلى الله تعالى الله عن ذلك، فإن الطاعات الواجبة كلها على خلاف هوى النفس، ولذا قالعليهالسلام : أفضل العبادات أحمزها، بل الفعل على خلاف الهوى عين الطاعة، والمعاصي كلها على وفاق هواها، بل وفاق الهوى عن المعصية: وإذا كانت الطاعات متساوية النسبة في الواقع بجعلها مناطاً للثواب والعقاب، وكذا المعاصي بجعلها مناطاً لهما، فتحريم المعاصي بكفّ النفس عن الشهوات في الدنيا وإيجاب الطاعات بقهر النفس فيها بلا ضرورة باعثة، ظلم، لأنه حبس النفس عن الشهوات وإقحامها في القهر في الدنيا بلا فائدة، ولو عكس الله الأمر لفاز العبد بالراحتين في الأولى والآخرة »(١) .
وقال عبد العالي الأنصاري:
« مسألة: قال الأشعرية على التنزّل: شكر المنعم ليس بواجب عقلاً، خلافاً للمعتزلة ومعظم مشايخنا، وقد نصّ صدر الشريعة على أن شكر المنعم واجب عقلاً عندنا، وفي الكشف نقلاً عن القواطع: وذهب طائف من أصحابنا إلى أن الحسن والقبح ضربان، ضرب يعلم بالعقلل كحسن العدل والصدق النافع وقبح الظلم والكذب الضار. ثم قال: وإليه ذهب كثير من أصحاب الامام أبي حنيفة، خصوصاً العراقيين منهم، وهو مذهب المعتزلة بأسرهم، ومعرفة الحسن هو الوجوب أو لازمه، إذ الغرض أن المؤاخذة في ترك الشكر عقليّة تعرف
___________________
(١). كتاب العروة الوثقى، مسألة الجبر والإختيار.
بالعقل: والمراد بالشكر ههنا صرف العبد جميع ما أعطى [ له ] إلى ما خلق لأجله، كالعين لمشاهدة ما يحلّ مشاهدته، ليستدل به على عجب صنعة الحق تعالى ويعلمهم أرادوا بالصرف الصّرف الذي يدرك بالعقل، لا الصرف مطلقاً، وإلا فلا معنى لدعوى العقلية »(١) .
وقال المقبلي:
« مسألة التحسين والتقبيح جميع العقلاء يعلمون تحقق ماهيّة الإحسان والإسائة ونحوهما وخاصّة كلًّ منهما والفرق بينهما، وأن الإحسان يقبل العقول الرفع من شأن المتّصف به ولا تأباه، وتأبى الحطّ من شأنه ولا تقبله، والعكس في الإساءة. هذا تحرير محل النزاع، فمن أنكر القدر الذي ذكرناه فقد كابر فلا يستحق المناظرة، وما زاد على هذا، فليس من محل النزاع، بل بعضه تفريع غير صحيح
فإنْ قلت: كيف تقول: جميع العقلاء؟ والقول بنفي ما ذكرت نار على شاهق، والمدّعون لذلك يدّعون الأكثرية، وكيف يمكن إطباق الجم الغفير على إنكار الضرورة؟
قلت: إنما أنكر الإحسان والإساءة ونحوهما نزر من النظّار في معركة الجدال، وهم مع سائر العقلاء في جميع تصرّفاتهم الدينية والدنياوية عاملون عليها.
ولنضرب لك مثلاً ملكين متّصلي المملكة، أمّا أحدهما ففي غاية العدل والإنصاف، وأمّا الآخر ففي غاية الجور، قد اغتصب أموالهم وعمّ فجوره فمن لم يقر أن عقله يقبل الرفع من شأن العادل بالمدح وما هو من قبيله، ويأبى
___________________
(١). فواتح الرحموت شرح مسلّم الثبوت ١ / ٤٧: هامش المستصفى.
الوضع من شأنه، والعكس في الجائر وقال: لا فرق بينهما، أمدح أيَّهما شئت وأذمُّه، فلو صدّقناه لقلنا بهيمة عجماء، ولكنّا علمنا أن الله تعالى كلّفه فهو عاقل مكابر
هذا بيان إطباق جميع العقلاء على ما ذكرنا: فصحّ قولنا: جميع العقلاء، وإنكار أفراد النظّار في حال الجدال لا يقدح في علمهم، بل كثيراً مّا يقرّ تلك الطائفة بألسنتهم مرةً وإنْ أنكروا اخرى، وإنما يعبّرون بالنقص والكمال، ثم هم يقرّون في جميع تصرفاتهم الحالية والمقالية سوى ما ذكر، فصحّ أنه لا يخالف إلّا نزر من النظّار
وأما المقلّدون أو الغافلون فالغافل لا يحلّ لنا رميه بهذه الداهية التي تهدم الدين والدنيا كما سنذكره: وأيضاً، فهو كذب عليه أو تخمين: وأما المقلد، فلم يلّم على الأول إلّالحسن الظن بمسقط رأسه وأوّل أرضٍ مسّ جلده ترابها، وسمع الناس يقولون شيئاً فقاله
وأما النظّار الذين يعرفون هذه الحقائق ويقبلونها علماً:
أمّا في زماننا فلا تكاد تجد منهم أحداً، لم أر وأسمع في اليمن ولا في الحرمين ممن يعتزى إلى الأشعري ويعرف هذا الشأ، غير ثلاثة هم: إبراهيم الكردي، وتلميذه البرزنجي، ويحيى الساوي المصري العربي: وثلاثتهم معترف بتعليل أفعال الباري تعالى، ومسألة تعليل أفعاله تعالى ملازمة لهذه المسألة، والمفرّق بينهما مخطىء كما نذكره، لأن المراد أنه تعالى لا يفعل إلّا الأولى لأنه أولى، كما مرّ في العبادات.
وأمّا في الماضين، فلا تحكم على أحدٍ بهذه المقالة التي لا يصح معها سمع - كما ذكرناه إن شاء الله تعالى - وهي مكابرة في العقل كما بيّناه، فلا تحكم إلّاعلى من أعرب عن نفسه: وأكثر المصنّفين أو كثير منهم إنما يحكي
المقالات، وقلّما يصرّحون بأنّي أدين الله تعالى بهذا، أو اُقرّ به، أو نحو ذلك
إذا حقّقت هذا، ظهر لك أنهم أفراد في النظّار يقولون ذلك في معركة الجدال، ولسان النظّار لعارض حماية حمى الآباء والأسلاف، ورعاية اُمور قام بها شرّ الخلاف
فإنْ قلت: لا يسمع عقلي نسبة جماعة عرفوا بالخير إلى إنكار الضرورة، فما عذرك في ذلك؟
قلت: إنهم لم يقعوا في إنكار الضرورة بادىء بدء، إنما شأنهم شأني وشأنك، وقعوا في حجور أقوامٍ وربّوهم، وحسن ظنّهم بهم، ثم نظروا صور أدلّتهم، ثم أصابهم ما أصاب جميع العقلاء اليهود والنصارى وسائر الفرق، فإن العقل يجمعهم: وقد علمت أن ناساً جاز عندهم أن يكون الآلة حجراً، وامتنع أن يكون البشر رسولاً، واستحسن أحسن الناس رعاية لمكارم الأخلاق أن يطوفوا مكشّفي السوءة رجالهم ونساؤهم، ولا تجد فرقاً إلاّقولك هؤلاء المسلمون وأولئك كفار، وهو دور، إذ لا يعرف المحق حتى يعرف الحق، ولو عرفت الحق لبيّنته لي، واسترحت من التعلّق بأذيال من لا يفصل بينه وبين سائر المدّعين، إلّابمثل ما يدلي به سائر خصومك من المسملمين والكفرة.
على أن الخبر المدعى مترتب على صحة هذه المسألة، لأن الصدق والكذب سواء عندك، فتصديق الكاذب كتصديق الصادق، فيجوز أن جميع الشرائع كذب، ولم يجيءسلفك بفرقٍ يتلعثم عنده الأبله فضلاً عن العقلاء، وأكثر اعتذارهم أن العادة قاضية بصدق من ظهرت عليه المعجزة، وهذا الكلام مع سماجته من عدّة جهات - كما قد أوضحناه في كتابنا العلم الشامخ - لم يقع على محلّ النزاع، لأن منكر النبوّة لم يعلّق إنكاره بآخر النبي، إنما أنكر النبوّة مطلقاً، فأوّل النبي يورد عليه جوّز أنه كاذب، ولا يلزم من المعجزة الصدق بل
التصديق ولا تجدي، فهل يتكلّم ويعتذر بها من فيه مِرعة من الحياء! سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلّا أنت!
واعلم أن هذه المسألة متّصلة بمسألة تعليل أفعال الباري تعالى، لأنا لا نريد بتعليل أفعاله إلّا أنه لا يفعل إلّاناظراً إلى كون الشيء حكمةً وأولى، ولا يجوز خلوّ فعله عن ذلك، لأنه عبث، وفاعل العبث ليس بحكيم، وفاعل القبيح أي الفاعل لأجل القبح كذلك، والحكيم من كان فعله لحكمةٍ ليس إلّا، فمن فرّق فمن فرّق بين المسألتين كسعد الدين فقد أخطأ.
وقد ذيّلوا هذا القول بعذرٍ أقبح منه، قالوا: جميع أفعال الله تعالى لا تخلو عن فائدةٍ وعاقبة محمودة، لكنّها غير مقصودة، فلزمهم سدّ باب إثبات الصانع، لأن عجائب الملكوت ومحاسن الشرائع إتّفاقية، وحينئذٍ فلا دليل لهم على إثبات الصانع، لتجويزهم تخصيصها، مع أنها تفوت الحصر كثرةً بلا تخصيص، وحصول نفس العالم فرد واحد، فيجوز حصوله بلا مرجح، على أن من جعل ابتناء البيت اتّفاقياً لم يتلعثم أحد في تكذيبه، فكيف نظام العالم!
وأيضاً، أنكروا نعمة الله تعالى، لأن ما لم يقصد ليس بنعمة.
وأيضاً، فهو مناقضة محضة مع قولهم أن كل واقع بفعله، وفي الواقع ما ليس بمحمود: وخذ ما شئت من هذا القبيل.
ومن أقبح تفريعاتهم قولهم: يجوز أن يبدّل الله تعالى الشّرائع بنقائضها، فيحرم الصدق ويوجب الكذب، ويحرّم عبادة الرحمن وشكره، ويوجب عبادة الشيطان: وعلى الجملة: يوجب كلّ قبيح ويحرّم كلّ حسن. وهو تفريع صحيح على أصلٍ خبيث.
وقد فرّع عليهما البيضاوي في منهاجه جواز التكليف بالمحال لذاته، قال: لأن حكمته تعالى لا تستدعي غرضاً، فلا يستدعي التكليف إلا الإتيان به.
وهذا منه تعطيل لمعنى الطلب، فيتعطّل جميع التكاليف، ولم أر غيره اجترأ على ذلك، وهو من المخلصين لاُصول الأشعري، وحاصلها التعطيل كماترى »(١) .
وقال المقبلي.
« المثال الثامن: قال الله تعالى:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) لا أوضح من هذا النص، وقد أكده بآلة الحصر من النفي والإستثناء، فهو صراط المستقيم: فمالت عنه الأشاعرة إلى أقصى مرمى: وقالت بلسان المقال ولسان اُصولهم: ليس الأمر كذلك، بل لا لغرضٍ أصلاً فضلاً عن الحصر، وزادت على ذلك، فنفت الغرض على العموم، فلا يوجد منه تعالى فعل لغرض.
وتزايد شرّهم من وقتٍ إلى وقت، حتى صرّح البيضاوي في منهاجه في الاصول بناءً على هذه القاعدة الفلسفيّة: إن مدلول الأوامر والنواهي غير مطلوب حصوله، وإلّا كان غرضاً وهو مستحيل، صحّح بذلك التكليف بغير الممكن، فاستنتج من الحيّة عقرباً
ولم أر من تجاسر على هذا التفريع، فهو إذاً رئيس متخلّعة المتكلّمين، وفي كلماته في تفسيره شيء من هذه الرائحة الخبيثة، فهو في الكلام في الجبرية كابن عربي وأهل نحلته في متخلّعة المتصوّفة، وكلّهم ذريّة بعضها من بعض »(٢) .
وقال: « بحث التحسين والتقبيح: اختلف الناس هل للأفعال في نفس الأمر، حقائق متقرّرة في نفسها هي أهل لأن تراعي وتؤثّر على نقائضها وتستتبع الرفع من شأن المتّصف بها كالصدق والإنصاف وإرشاد الضالّ مثلاً، وحقائق هي [ متقرّرة ] في نفسها أهل لأنْ يعدل عنها وتستتبع الوضع من شأن من اتّصف بها من تلك الحيثيّة كالكذب والظلم؟
___________________
(١). المسائل الملحقة بالابحاث المسددة.
(٢). المسائل الملحقة بالابحاث المسددة.
قالت المعتزلة وأكثر العقلاء الحنفية: نعم: والمراد بالحنفيّة هم المعروفون بالماتريدية، نسبة إلى أبي المنصور الماتريدي: وكذلك أفرد من غيرهم، كالإمام المحقق الشهير ابن تيمية، حتى عدّها عليه السبكي مما خالف فيه الإجماع أو الأكثر: وقد دلّ ذلك على نزول درجة السبكي! فإن دعوى الإجماع كاذبة، وكذلك الكثرة، مع أنّ مخالفة الأكثر غير ضائرة( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) ولم ينفرد ابن تيمية، فكم من الحنابلة من صنّف في الحطّ على الأشعري وأتباعه، كما تجده في التراجم للذهبي وغيره ومن جملة ما ينقم عليه هذه المسألة، فيقلّ القائلون بها، لأن المذاهب المشهورة بين مطبقة على خلاف الأشعري أو مختلفة مع تهجين المخالف لهذه المقالة، فلا يغرّنك شيوعها في هذه المقلدة كالسبكي وولده، فلهم حوامل قد كرّرنا أسبابها إن كانت موفّقاً، ومن عدل بالله غيره فقد شابه الكفار »(١) .
ترجمة المقبلي
قال الشوكاني بترجمة المقبلي ما ملخصه: « صالح بن مهدي، أخذ العلم عن جماعة من أكابر علماء اليمن ...، ثم دخل بعد ذلك صنعاء، وجرت بينه وبين علمائهم مناظرات أوجبت المنافرة، لما فيه من الحدّة والتصميم على ما تقضيه الأدلّة وعدم الإلتفات إلى التقليد: ثم ارتحل إلى مكّة واستقرّ بها، حتى مات في سنة ١١٠٨.
وهو ممن برغ في جميع علوم الكتاب والسنّة، وحقق الاصول والعربية والمعاني والبيان والحديث والتفسير، وفاق في جميع ذلك، وله مؤلَّفات كلّها مقبولة عند العلماء، محبوبة إليهم، يتنافسون فيها ويحتجّون بترجيحاته، وهو حقيق بذلك.
___________________
(١). العلم الشامخ: ٣٢.
وفي عباراته قوّة وفصَاحة وسلاسة، تعشقها الأسماع وتلتذّ بها القلوب: ولكلامه وقع في الأذهان، قلّ أنْ يمعن في مطالعته من له فهم، فيبقى على التقليد بعد ذلك.
وقد أكثر الحط على المعتزلة في بعض المسائل الكلاميّة، وعلى الأشعرية في بعضٍ آخر، وعلى الصوفية في غالب مسائلهم، وعلى الفقهاء في كثير من تفريعاتهم، وعلى المحدّثين في بعض غلوّهم.
وقد كان قد ألزم نفسه سلوك مسلك الصحابة، وعدم التعويل على التقليد لأهل العلم في جميع الفنون »(١) .
___________________
(١). البدر الطالع ١ / ٢٨٨ - ٢٨٩.
وجوه الجواب عن:
الإستدلال بموت هارون قبل موسى
على نفي خلافة الأمير بعد النبي
قوله.
وأيضاً، فالأمير مشبَّه بهارون، ومعلوم أن هارون كان خليفة موسى في حياته وعَند غيبته، والخليفة بعد وفاة موسى يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، فعلي خليفة النبي في حياته وعند غيبته، لا بعد وفاته، بل الخليفة بعد وفاته غيره: وهذا مقتضيى تمام التشبيه.
أقول:
هذا الإستدلال باطل بوجوه.
لقد اعترف ( الدهلوي ) في أول كلامه على هذا الحديث بدلالته على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام حيث قال: « أصل هذا الحديث أيضاً دليل لأهل السنّة على إثبات فضيلة الأمير وصحة إمامته في وقتها ».
إذن، يدل هذا الحديث عند أهل السنّة باعترافه - على إمامة أمير المؤمنين بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : فما ذكره هنا من سلب دلالته على إمامته بعده مطلقاً يناقض ما تقدم منه: أللهم إلّا أنْ يقال بأنّه يعترف بدلالته عليه عند أهل السنّة، وهو ليس منهم بل هو من رؤساء فرق النواصب!
وأيضاً:
صريح كلامه - بعد عبارته السابقة حيث قال: « لأنه يستفاد من هذا
الحديث استحقاقه الإمامة » - دلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام فما ذكره هنا تقوّل يبطله هذا الكلام السابق منه كذلك.
وأيضاً:
نسبته القدح في دلالة الحديث على إمامة الامير وخلافته إلى النواصب، وزعمه أن أهل السنّة يردّون على قدح النواصب بأجوبةٍ قاطعة صريح في أنّ القدح في دلالته على الإمامة غير مرضي عند أهل السنّة، وهو ليس إلّامن النّواصب لكنه في هذا المقام يقيم الدليل على صحة قدح النواصب وهذا من أعجب العجائب!
وهذا بعض الوجوه التي يُردّ بها كلام ( الدهلوي ) في هذا المقام، استناداً إلى كلماته السابقة في الجواب عن الحديث.
وحاصل ذلك: أنه إنْ كان ( الدهلوي ) من أهل السنّة، فقد اعترف بقولهم بدلالة الحديث على الإمامة ردّاً على النواصب، وإنْ أصرّ على نفي دلالته على ذلك، فهو خارج عن أهل السنّة ومعدود من النواصب بل رؤسائهم
وكما اعترف بدلالة الحديث على الإمامة في غير موضع من بحثه حول الحديث، ونسب ذلك إلى أهل السنّة خلافاً للنواصب فقد اعترف به في الباب الحادي عشر من كتابه، في بيان الأوهام، حيث قال: « النوع التاسع: أخذ القوة مكان الفعل: كقولهم: إنّ الأمير كان إماماً في حال حياة النبي، لقول: أنت بمنزلة هارون من موسى: فلو لم يكن إماماً بعده لزم عزله وعزل الإمام غير جائز.
والحال أن الأمير كان لدى حضور النبي إماماً بالقوّة لا إماماً بالفعل »(١) .
___________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٣٥٠.
فهو - إذاً - يعترف بدلالة الحديث على الإمامة: وأين هذا الكلام ممّا ذكره في هذا المقام؟ وهل هذا إلّا تناقض يا أولية الأحلام!
وكما اعترف ( الدهلوي ) بدلالة الحديث على الإمامة والخلافة، كذلك تلميذه رشيد الدين الدّهلوي إعترف في غير موضع بدلالة الحديث على ذلك، من ذلك قوله في ( إيضاح لطافة المقال ): « إن هذا الحديث بنظر أهل من جملة الأحاديث الدالّة على فضائل باهرة لأمير المؤمنين، بل هو دليل على صحة خلافة ذاك الإمام، لكنْ من غير أن يدل على نفي الخلافة عن الغير، كما صرّح به صاحب التحفة حيث قال ».
وحاصل الوجوه المستخرجة من كلام الرشيد الدهلوي هو الإعتراف بدلالة الحديث على الإمامة والخلافة، وأن هذا هو مذهب السنّة، وقد نقل كلمات الدهلوي في ( التحفة ) شاهداً على ما ذكره واعترف به قال: « ومعاذ الله من إنكار دلالة هذا الخبر على أصل الخلافة ».
هذا، ولا يخفى أن دلالة الحديث على الإمامة، هذه الدلالة التي اعترفوا بها، مطلقة غير مقيدة بقيد، فتقييدهم إمامتهعليهالسلام بالمرتبة الرابعة جاءت بدليل منفصل مزعوم من قِبل القوم، وذاك بحث آخر
واعترف - بحمد الله وفضله - والد ( الدهلوي ) أيضاً بدلالة الحديث على الإمامة والخلافة لأمير المؤمنينعليهالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتابيه ( إزالة الخفا ) و ( قرّة العينين ).
قال: « حاصل الحديث: إن موسى إستخلف هارون على بني إسرائيل لدى غيبته بخروجه إلى الطور، فكان هارون قد جمع بين ثلاثة خصال: كان خليفة موسى من بين أهل بيته، وكان خليفته بعد غيبته، وكان نبياً: ولمـّا استخلف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المرتضى في غزوة تبوك شابه المرتضى هارون في دون الثالثة وهي النبوّة: وهذا المعنى لا علاقة له بالخلافة الكبرى التي تكون بعد وفاته صلّى الله عليه وسلّم »(١) .
إذاً، فقد شابه الأمير هارونعليهماالسلام في الخلافة، ولا دلالة للتشبيه المذكور في الحديث على سلب الخلافة عنهعليهالسلام .
والكابلي أيضاً - وهو الذي انتحل ( الدهلوي ) كتابه وتبعه في أباطيله وتعصّباته - معترف بدلالة الحديث وهذا نص كلامه في ( الصواقع ).
« ولأن منزلة هارون من موسى كانت منحصرة في أمرين: الإستخلاف مدّة غيبته، وشركته في النبوّة: ولما استثنى منهما الثانية بقيت الاُولى ».
وتلخص.
إن ( الدهلوي ) ووالده، وكذا شيخ ( الدهلوي ) وتلميذه كلّهم يعترفون مرةً بعد اُخرى بدلالة الحديث على الإمامة للأميرعليهالسلام
فدعوى أنه لا يدل إلّاعلى نفي خلافته، كذب صريح وافتراء فضيح
___________________
(١). ازالة الخفا، قرة العينين: مبحث حديث المنزلة.
وكلمات المحققين من شرّاح الحديث، شواهد أخرى على كذب دعوى دلالة الحديث على نفي الخلافة والإمامة عن الأميرعليهالسلام فإنهم بين مصرّح بدلالته على الإمامة والخلافة، وبين مصرّح بدلالته على فضيلةٍ لمولانا الأمير وإليك نصوص عبارات جملةٍ منهم.
« فقال يا رسول الله، زعم المنافقون كذا: فقال: كذبوا إنّما خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى - يا علي - أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى: يأوّل قول الله سبحانه:( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) »(١) .
وقال أيضاً.
« وإنما يستدل بهذا الحديث على قرب منزلته واختصاصه بالمؤاخاة من قبل الرسول »(٢) .
ونقله القاري ايضاً(٣) .
إذن، ليس مدلول الحديث نفي الخلافة
___________________
(*) ولا يخفى أنّ كلّ كلمةٍ من هذه الكلمات تعد وجهاً مستقلاًّ على بطلان ما ادعاه الدهلوي، إلّا أنّا وضعناها تحت عنوان واحد.
(١). أنظر: المرقاة في شرح المشكاة: ١٠ / ٤٥٤.
(٢). شرح المصابيح - مخطوط.
(٣). المرقاة ١٠ / ٤٥٤.
« إنما يدل على قربه واختصاصه بما لا يباشر إلّا بنفسه في أهله، وإنما اختص بذلك، لأنه يكون بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفان: القرابة والصحبة: فلهذا اختاره دون غيره»(١) .
« وإنما يستدل به على قربه واختصاصه بما لا يباشر إلّابنفسه صلّى الله عليه وسلّم: وإنما اختص بذلك لأنه بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفان: القرابة والصحبة، فلهذا اختاره لذلك دون غيره »(٢) .
« ولا إشعار في ذلك بما بعد الوفاة، لا بنفي ولا بإثبات »(٣) .
فعنده لا إشعار في الحديث بالخلافة بعد الوفاة، لا بنفي ولا بإثبات، فدعوى دلالته على النفي باطلة قطعاً
قال: « لا يقال: عدم استخلاف موسى هارون بعد وفاته إنما كان لفقد هارونعليهالسلام حينئذٍ ولو كان حيّاً ما استخلف - والله أعلم - غيره، بخلاف علي مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإنما يتم وليكم ان لو كان هارون حيّاً عند وفاته واستخلف غيره.
لأنّا نقول: الكلام معكم في تبيين أن المراد بهذا القول الإستخلاف في
___________________
(١). شرح المصابيح - مخطوط.
(٢). المفاتيح - شرح المصابيح - مخطوط.
(٣). الرياض النضرة ١ / ٢٢٤.
حال الحياة، فكان التنزيل بمنزلة هارون من موسى، ومنزلة هارون من موسى في الإستخلاف لم تتحقّق إلّافي حال الحياة، فثبت أن المراد به ما تحقق، لا أمر آخر وراء ذلك، وإنما يتمّ متعلّقكم منه لو حصل استخلاف هارون بعد وفاة موسى »(١) .
وصريح هذه العبارة: أن المراد من الحديث هو الإستخلاف حال الحياة، فما ادّعاه ( الدهلوي) يكون من الأمر الآخر الذي نفاه الطبري.
« وأما قوله: أما ترضي أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، أراد به القرابة والخلافة غير النبوّة»(٢) .
إذن، لم يرد به نفي الخلافة.
« علي منّي بمنزلة هارون من أخيه موسى: يعني: متّصل بي ونازل منزلة هارون من أخيه حين خلّفه في قومه: إلّا أنّه لا نبي بعدي، ينزل بشرع ناسخ، نفى الإتّصال به من جهة النبوّة، فبقى من جهة الخلافة، لأنها تليها في الرتبة »(٣) .
فالحديث مثبت للخلافة لا ناف لها كما زعم ( الدهلوي ) وادّعى.
___________________
(١). الرياض النضرة ١ / ٢٢٤.
(٢). التمهيد في بيان التوحيد.
(٣). التيسير في شرح الجامع الصغير.
« وكذلك هنا، إنما هو بمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه، كما استخلف موسى هارون »(١) .
إذاً لا يدل الحديث إلّاعلى ما يدل عليه سياقه وهو الإستخلاف فكيف يدّعى دلالته على نفيها؟!
قال: « وقول القائل: هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء، وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق، ولا يقتضي المساواة في كل شيء »(٢) .
« وعلى التنزل، فلا عموم له في المنازل، بل المراد ما دلّ عليه ظاهر الحديث: إن عليّاً خليفة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مدة غيبة بتبوك، كما كان هارون خليفةً عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة »(٣) .
فأين هذا الذي يقوله ابن حجر ممّا يدّعيه ( الدهلوي )؟
وقال: « فعلم مما تقرّر: إنه ليس المراد من الحديث، مع كونه أحاداً لا يقاوم الإجماع، إلّا إثبات بعض المنازل الكائنة لهارون من موسى، وسياق الحديث وسببه يبيّنان ذلك البعض، لما مرّ أنّه إنما قاله لعلي حين استخلفه، فقال علي - كما في الصحيح -: أخلفني في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه: فقال له: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى: يعني حيث
___________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٣١.
(٢). منهاج السنة ٧ / ٣٣٠.
(٣). الصواعق المحرقة: ٢٩.
استخلفه عند توجّهه إلى الطور إذ قال له( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) (١) .
« إعلم بصّرك الله تعالى بخفايا الأسرار وغوامض الحكم: إنّ رسول الله لمـّا وصف عليّاً بكونه منه بمنزلة هارون من موسى، فلابدّ في كشف سرّه من بيان المنزلة التي كانت لهارون من موسىعليهماالسلام ، فأقول: قد نطق القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأنّ موسى دعا ربّه عزّ وجلّ:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) وإنّ الله أجابه إلى مسئوله، وأجناه من شجرة ثمرة سؤله، فقال عزّ وجلّ:( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) وقال في سورة أخرى:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ) وقال في سورة أخرى:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) .
فظهر أنّ منزلة هارون من موسى كونه وزيراً له، والوزير مشتق من أحد معانٍ ثلاثة: أحدها الوزر بكسر الواو وإسكان الزاي وهو الثقل لكونه وزيراً له يحمل عنه أثقاله ويخفّفها عنه: والمعنى الثاني من الوزر بفتح الواو والزاء وهو المرجع والملجأ ومنه قوله تعالى( كَلّا لا وَزَرَ ) فكأن الوزير مرجوع إلى رأيه ومعرفته وإسعاده ويلجأ إليه في الإستعانة به. والمعنى الثالث: من الازر وهو الظهر، ومنه قوله تعالى عن موسى( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) فيحصل بالوزير قوّة الأمر واشتداد الظهر، كما يقوى البدن ويشتد به، فكان من منزلة هارون من موسى أنّه يشدّ أزره ويعاضده ويحمل عنه من أثقال بني إسرائيل بقدر ما تصل إليه يد مكنته واستطاعته هذه من كونه وزيره: وأمّا من كونه شريكه في أمره، فكان شريكه في النبوّة على ما نطق به القرآن الكريم، وكان قد استخلفه على بني إسرائيل عند
___________________
(١). الصواعق المحرقة: ٢٩.
توجّهه وسفره إلى المناجاة على ما نطق به القرآن: فتلخيص منزلة هارون من موسى أنّه كان أخاه ووزيره وعضده وشريكه في النبوّة وخليفته على قومه عند سفره.
وقد جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام منه بهذه المنزلة وأثبتها له إلّا النبوّة، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم استثناها في آخر الحديث بقوله: غير إنّه لا نبي بعدي، فبقي ما عد النبوّة المستثناة ثابتاً لعليعليهالسلام من كونه أخاه ووزيره وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك »(١) .
« فتخلص: أن منزلة هارون من موسى صلوات الله عليهما، أنه كان أخاه، ووزيره، وعضده في النبوّة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً منه بهذه المنزلة، إلّا النبوّة »(٢) .
إذن، ليس مفاد الحديث نفي الخلافة عن أمير المؤمنينعليهالسلام .
« ولا يخفى: أن هذه منزلة شريفة ورُتبة عالية منيفة، فإنه قد كان هارون عضد موسى الذي شدّ الله به أزره، ووزيره وخليفته على قومه حين ذهب لمناجاة به »(٣) .
___________________
(١). مطالب السئول: ٥٣ - ٥٤.
(٢). الفصول المهمة: ٤٤.
(٣). الروضة الندية - شرح التحفة العلوية.
« بل المراد استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك، كما استخلف موسى هارون عند ذهابه إلى الطّور، بقوله تعالى: و( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) : وأيضاً، ثبت به لأمير المؤمنين فضيلة الاُخوة والمؤازرة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تبليغ الرسالة، وغيرهما من الفضائل، وهي مثبتة يقيناً لا شك فيه »(١) .
« وتحريره من جهة علم المعاني: إن قوله: منّي خبر للمبتدأ، ومِنْ إتّصاليّة، ومتعلّق الخبر خاص، والباء زائدة: كما في قوله تعالى:( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ) : أي فإنْ آمنوا إيماناً مثل إيمانكم: يعني: أنت متّصل بي ونازل منزلة هارون من موسى ».
أقول.
وهل يوجد بين الإتّصال وشدّة القرب منه، وبين سلب الخلافة عنه، مناسبة، حتى يكون سلبها من المنازل المثبتة؟
قال: « وفيه تشبيه، ووجه التشبيه مبهم لم يفهم أنهرضياللهعنه فيما شبّهه به صلّى الله عليه وسلّم، فبيّن بقوله: إلّا أنّه لا نبي بعدي، أن اتّصاله به ليس من جهة النبوّة، قبقي الإتّصال من جهة الخلافة، لأنها تلي النبوّة في المرتبة »(٢) .
فدعوى دلالة الحديث على سلب الخلافة ونفيها عنه كذب.
___________________
(١). ابطال نهج العاطل، انظر: دلائل الصدق لنهج الحق ٢ / ٣٨٩.
(٢). الكاشف - مخطوط.
« قال الطيّبي: وتحريره
وفيه تشبيه، ووجه الشبه منه لم يفهم »(١) .
« وقال الطيّبي: معنى الحديث أنه متّصل بي، نازل منّي منزلة هارون من موسى وفيه تشبيه مبهم بيّنه بقوله: إلّا أنه »(٢) .
« علي منّي بمنزلة هارون من أخيه موسى: يعني: متصل بي ونازل منزلة هارون من أخيه موسى، حين خلّفه في قومه ».
قال: « إلّا أنه لا نبي بعدي ينزل بشرع ناسخ: نفي الإتّصال من جهة النبوّة، فبقي الإتّصال من جهة الخلافة، لأنها تلي النبوّة في المرتبة »(٣) .
« ووجه التشبيه مبهم لم يفهم لأنها تلي النبوّة في المرتبة »(٤) .
___________________
(١). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٦٤.
(٢). فتح الباري ٧ / ٦٠.
(٣). السراج المنير - شرح الجامع الصغير: مخطوط.
(٤). الكوكب المنير - شرح الجامع الصغير: مخطوط.
« وبيّن بقوله: إلّا أنه ليس نبي بعدي: وفي نسخة: لا نبي بعدي: إذ اتّصاله به ليس من جهة النبوّة، فبقي الإتّصال من جهة الخلافة »(١) .
أقول
وبما ذكرنا - من أنّ شدة القرب والإتّصال، كما يدل عليه الحديث - واعترفوا به - لا يتناسب مع نفي الخلافة وسلبها، لمنافاته للقرب والإتّصال - يندفع توهّم بعضهم اختصاص الخلافة بحال الحياة.
كما أنّ بالوجوه والكلمات التي ذكرنا - ونذكرها - يندفع دعوى يوسف الأعور دلالة الحديث على نفي إمامة الأمير، وكذا ما زعمه الرازي
أما كلام الأعور، فقد تقدّم سابقاً: وأمّا كلام الرازي فسنذكره فيما بعد في الوجوه الآتية.
« لا نقول إنه يفيد منزلةً واحدة، بل نتوقّف فيه ونحمل الحديث على السبب، لأنه المتحقّق، فإنّ السبب لا يجوز خروجه من الخطاب، وما عداه يلزمكم أنْ تقفوا فيه ».
إذن، لابدّ من التوقّف عن دعوى دلالة الحديث على سلب الإمامة ونفيها عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، لأن هذا المعنى يدخل تحت « ما عداه » حسب زعم الرّازي.
قال: « ثم إن سلّمنا أن هارونعليهالسلام لو عاش بعد موسى عليهما
___________________
(١). ارشاد الساري - شرح صحيح البخاري ٦/١١٨.
السلام لكان منفّذاً للأحكام، ولكنْ لا شك في أنّه ما باشر تنفيذ الأحكام، لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، فإنْ لزم من الأول كون عليرضياللهعنه إماماً، لزم من الثاني أنْ لا يكون إماماً، وإذا تعارضا تساقطا »(١) .
إذن، فدعوى دلالة الحديث على سلب الإمامة ساقطة بالتعارض - حسب زعم الرازي -، فتكون دلالته على الخلافة بوجه ثبوت خلافة هارون من قول موسى:( اخْلُفْنِي ) سالمةً عن المعارض.
لكنْ لا يخفى سقوط دعوى المعارضة، لأنّها فرع دلالة الحديث على نفي الخلافة، وهي أوّل الكلام مضافاً إلى أن الرازي نفسه يأمر بالتوقّف في ما عدا حمل الحديث على السّبب، والدلالة على نفي الخلافة من جملة ذلك، فكيف يكون ما يجب فيه التوقف معارضاً؟
إنه لو كان تشبيه الأمير بهارونعليهالسلام - يقتضي نفي خلافة أمير المؤمنين، من جهة وفاة هارون قبل موسى -عليهماالسلام - لزم أن لا يكون الأمير خليفةً بعد النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - أصلاً ولو بعد عثمان، لأن هارون لم يكن خليفةً عن موسى ولا آنامّاً
فهذا الإستدلال لا يتفوّه به إلّا النواصب والخوارج ومن كان على شاكلتهم وإذا كان مذهب أهل السنّة في الواقع والحقيقة نفي إمامته مطلقاً، فليستدلّوا بهذا الوجه وأمثاله، وليبوحوا بما يضمرون ويعلنوا عمّا يخفون!
وأمّا ما ذكره الرازي للتفصّي عن هذا الاشكال، فسيأتي بيان بطلانه
___________________
(١). نهاية العقول - مخطوط.
وقد نصّ عبد الكريم البلجرامي على أن هذا الاستدلال يخالف معتَقَد الشيعة والسنّة معاً فقال في كتابه الموسوم: ( إلجام الرافضة ) « فيلزم أن يكون خلافة علي موقتةً إلى رجوع النبيّ من الغزوة المذكورة، كما كانت خلافة هارون موقتةً إلى رجوع موسى من الطور.
وأيضاً: لم تصل الخلافة إلى هارون بعد موسى، فكذا ينبغي أن لا تصل إلى علي بعد فوت المصطفى: وهو خلاف مرادنا ومرادكم ».
ومقتضى هذا الكلام أن يخرج ( الدهلوي ) ومن سبقه في هذه الدعوى الباطلة، عن ملّة الإسلام لأنه قال بما لا يرتضيه الشيعة ولا السنّة في هذا المقام.
وذكر أبو القاسم الحسين بن محمّد المعروف بالراغب الأصبهاني أنه.
« كان بعض الشيعة يستدل بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: علي منّي كهارون من موسى.
فقال بعض النواصب: ما تلك المنازل؟ فإنّ هارون كان أخا موسى من أبيه واُمّه، وكان شريكه في النبوّة، ومات قبله، وليس شيء من هذه المنازل لعلي: فلم يبق إلّا أنْ يأخذ بلحيته وبرأسه: يعني قوله( لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ) (١) .
فهذا الناصبي - مع شدّة نصبه وبغضه لأمير المؤمنينعليهالسلام - لم يتفوّه بما تفوّه به ( الدهلوي)!!
___________________
(١). المحاضرات ٢ / ٤٨١.
وأمّا الشبهة هذه - حيث حمل أخذ موسى لحية ورأس هارون على معنىً غير صحيح - فيردّها كلمات أهل السنّة أيضاً، فقد ذكر الرازي ضمن الكلام على هذه الآية.
« وثانيها: إن موسىعليهالسلام أقبل وهو غضبان على قومه، فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب، فإن الغضبان المتفكّر قد يعضّ على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض على لحيته، فأجرى موسىعليهالسلام أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب.
فأمّا قوله:( لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ) فلا يمتنع أن يكون هارونعليهالسلام خاف من أنْ يتوهّم بنو إسرائيل من سوء ظنّهم أنه منكر عليهم غير معاون له: ثم أخذ في الشرح القصة فقال:( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) .
وثالثها: إن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظنّ بموسىعليهالسلام ، حتى أن هارون غاب عنهم غيبة، فقالوا لموسىعليهالسلام : أنت قتلته، فلما واعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة وأتمّها بعشر، وكتب له في الألواح كلّ شيء، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى، فأخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحّص عن كيفية الواقعة، فخاف هارونعليهالسلام أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقاً على موسى:( لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ) لئلّا يظنّ القوم ما لا يليق بك »(١) .
___________________
(١). تفسير الرازي ٢٢ / ١٠٨.
قد عرفت أن دعوى دلالة الحديث الشريف على سلب الخلافة والإمامة عن أمير المؤمنين -عليهالسلام - مخالفة لإجماع المسلمين من الشيعة والسنّة، ولقد اعترف به الفخر الرازي فإنه ذكر ذلك بعنوان الدخل المقدّر، ثم عجز عن الجواب، فتشبّت بخرافات الجاحظ المعروف بالبغض لأمير المؤمنينعليهالسلام والزندقة وهذه عبارات الرازي:
« وعذرهم عن ذلك: إن هارونعليهالسلام إنما لم يباشر عمل الإمامة لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، وأمّا علي -رضياللهعنه - فإنه لم يمت قبل النبي -عليهالسلام - فظهر الفرق.
فجوابنا عنه أنْ نقول: إمّا أنْ يلزم من انتفاء المسبب أو لا يلزم: فإن لزم، فكون هارون منفّذاً للأحكام إنما كان سبب كونه نبيّاً، والنبوّة ما كانت حاصلة لعلي -رضياللهعنه - فيلزم من انتفاءها إنتفاء كونه متولّياً للأحكام: وإمّا أن لا يلزم فنقول: عدم إمامة هارون -عليهالسلام - إنما كانت لموته قبل موت موسى -عليهالسلام -، فوجب أنْ لا يلزم من عدم موت علي -رضياللهعنه - قبل رسول الله -عليهالسلام - أن لا يحصل له المسبب، وهو نفي الخلافة.
لا يقال: إنه لا يجوز الإستدلال بأن هارونعليهالسلام لم يعمل عمل الإمامة، لأن فقد الخلافة نفي، والنفي لا يكون منزلة، وإنّما الإثبات هو المنزلة، فلا يتناول الحديث ذلك النفي: وإنْ سلّمنا أن النفي منزلة ولكن الكلام خرج مخرج الفضيلة لعلي -رضياللهعنه - فلا يجوز أنْ يدخل فيه إلّا ما يكون فضيلة، ونفي الخلافة غير فضيلة، وإنْ سلّمنا صحة اندراج هذا النفي تحت الحديث، ولكن الإجماع منعقد على أنه غير داخل فيه، لأن الامة إمّا قائل بدلالة هذا الحديث على إمامته، وإمّا قائل بأنه لا دلالة فيه على إمامته: أما
القول بدلالته على أنه ما كان إماماً فذلك لم يقله أحد بَعد من الاُمّة: وإنْ سلّمنا عدم الإجماع ولكنْ لو حكمنا بدلالته على عدم إمامته لزم أنْ لا يكون إماماً بعد عثمان وهو باطل.
لأنا نقول: أمّا الأول فجوابه: أن معنى قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى: أن حالك معي أو عندي كحال هارون من موسى، وهذا القول يدخل تحته أحوال هارون نفياً وإثباتاً: وأمّا الثاني فجوابه: إن إفادة الكلام لهذا النفي لا يمنع من دلالته على الفضل: بيانه: إن إماماً لو ولّى ابنه إمارة بلدةِ معيّنة فقط، ثم ولّى إمام آخر بعده إنساناً آخر تلك البلدة فقط، فطلب ذلك الإنسان من الإمام الثاني تولية بلدة اخرى، فإنه يحسن من الإمام الثاني أن يقول له: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة ابن الإمام الأول منه، فهذا الكلام مع ما يفيد من فضيلة ذلك الإنسان فإنه يفيد نفي توليته عن سائر البلاد، فكذلك هنا: وأما الثالث: فجوابه: إنا لا نسلّم إجماع الامّة على عدم دلالة هذا الحديث على نفي إمامته، فإن الجاحظ احتج به عليه: وإنْ سلّمنا إنعقاد الإجماع ولكنْ نحن لم نذكر ما قلنا للإستدلال، بل لنجعله معارضاً لما ذكرتموه حتى يبطل به ذلك: وبهذا يظهر الجواب عمّا ذكروه رابعاً »(١) .
فترى الرازي يقول: « لا نسلّم إجماع الاُمة على عدم دلالة هذا الحديث على نفي إمامته » أي مطلقاً، ثم يعلّل عدم التسليم لهذا الإجماع بقوله: « فإن الجاحظ احتجّ به عليه ».
___________________
(١). نهاية العقول - مخطوط.
فالعجب من الرازي كيف يقدح في هذا الإجماع المحقَّق المعتَرف به من أعلامهم بكلامٍ سخيف من الجاحظ، الذي نصّوا على إلحاده وتزندقه، وأنّه كان من أئمة البدع؟!
قال الذهبي: « قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون »(١) .
قال الذهبي: « كان من أئمة البدع »(٢) .
وقال: « يظهر من شمائل الجاحظ أنه يختلق »(٣) .
وإليك نصّ كلام الحافظ ابن حجر المشتمل على كثير من الكلمات بترجمته.
« عمرو بن بحر الجاحظ: صاحب التصانيف: روى عنه أبو بكر بن أبي داود فيما قيل: قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون: قلت: ولكن من أئمة البدع.
قال الجاحظ في كتاب البيان: لمـّا قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أخبروا به، وصرت إليه وقد أمر البريدي بالنظر فيها ليخبره عنها قال لي: قد كان بعض من يرتضى ويصدَّق خبره خبّرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة: فقلنا: قد يربى الصفة على العيان، فما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلمـّا فَلَيتها أربى الفلى على العيان، وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه ولا يفتقر إلى المحتجّين، وقد جمع استقصاء المعاني واستيفاء جميع الحقوق، مع اللفظ الجزل والمخرج السّهل، فهو سوقي ملوكي وعامّي خاصّي.
قلت: وهذه - والله - صفة كتب الجاحظ كلّها، فسبحان من أضلّه على
___________________
(١). ميزان الاعتدال ٣/٢٤٧ رقم ٦٣٣٣.
(٢). ميزان الاعتدال ٣ / ٢٤٧ رقم ٦٣٣٣.
(٣). سير أعلام النبلاء ١١ / ٥٢٨.
علم.
قال المسعودي: وفي سنة خمس وخمسين وقيل سنة ستٍ وخمسين مات الجاحظ بالبصرة، ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه، وحكى يموت بن المزرع عن الجاحظ - وقال حالة - أنه دخل إليه ناس وهو عليل فسألوه عن حاله؟ فقال: عليل من مكانين، من الإفلاس والدين، ثم قال: أنا في عللٍ متناقضة يتخوّف من بعضها التلف، وأعظمها عليَّ نيف وتسعون - يعني عمره - قال أبو العيناء: قال الجاحظ: كان الأصعمي منّانياً: فقال له العباس بن رستم: لا والله ما كان منّانيّاً ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده - وهي مخصوفة عن يده ويقول - نعم متاع القدري، [ نعم متاع القدري ] فعلمت أنّه يعنيك، فقمت وتركته.
وحكى الخطيب بسندٍ له أنه كان لا يصلّي.
وقال الخطابي: هو مغموص في دينه.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني: إنه كان يرمى بالزندقة، وأنشد في ذلك أشعاراً.
قال ابن قتيبة في اختلاف الحديث: ثم نصير إلى الجاحظ وهو أحسنهم للحجّة استثارةً وأشدّهم تلطّفاً، لتعظيم حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويكمل الشيء وينقصه، فتجده مرةً يحتجّ للعثمانية على الرافضة، ومرةً للزندقة على أهل السنّة، ومرةً يفضّل عليّاً ومرةً يؤخّره، ويقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كذا ويتبعه أقوال المجّان، ويذكر من الفواحش ما يجلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ يذكر في كتاب ذكر أحد منهم فيه، فكيف في ورقةٍس أو بعد سطر أو سطرين! ويعمل كتاباً يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرد عليهم يجوز للحجة كأنّه إنما تنبيههم على ما لا يعرفون،
وتشكيك الضعفة، ويستهزء بالحديث استهزاءاً لا يخفى على أهل العلم، وذكر الحجر الأسود وأنّه كان أبيض فسوّده المشركون، قال: وقد كان يجب أن يبيّضه المسلمون حين استلموه: وأشياء من أحاديث الكتاب: وهو مع هذا أكذب الاُمة، وأوضعهم للحديث، وأنصرهم للباطل.
وقال ابن حزم في الملل والنحل: كان أحد المجّان الضلّال، غلب عليه قول الهزل، ومع ذلك، فإنّا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبةٍ يوردها مثبتاً لها، وإنْ كان كثير الإيراد لكذب غيره.
وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة تهذيب اللغة: وممّن تكلّم في اللغات بما حصده لسانه، وروى عن الثقات ماليس من كلاهم: الجاحظ، وكان اُوتي بسطةً في القول وبياناً عذباً في الخطاب ومجالاً في الفنون، غير أنّ أهل العلم ذمّوه وعن الصدق دفعوه.
وقال ثعلب: كان كذّاباً على الله وعلى رسوله وعلى الناس »(١) .
أقول:
فهل من الجائز تمسك الرازي بكلام جاحظ حول هذا الحديث، وبكلامه حول حديث الغدير؟!
ومن هنا يظهر أنّ ( الدهلوي ) مقلّد ( للجاحظ ) الملحد الزنديق عندهم فيما ذكره في هذا المقام
هذا، وكأنّ الرازي ملتفت إلى شناعة استدلاله بخرافة الجاحظ في مقابلة إجماع المسلمين فقال: « وإن سلّمنا انعقاد الإجماع، ولكن نحن لم نذكر ما قلنا للإستدلال »: لكنْ إذا لم يكن ما تفّوه به الجاحظ صالحاً للإستدلال فما معنى
___________________
(١). لسان الميزان ٥ / ٢٨٦ – ٢٩١ رقم ٦٣٠٠.
قوله: « بل لنجعله معارضاً لما ذكرتموه حتى يبطل به ذلك »؟ وهل يجوز أنْ يجعل ما لا يصلح للإستدلال معارضاً لما ذكره الإمامية؟ وإذا كان الرازي يسلّم الإجماع، فقد ثبت قول الإمامية، فأي معارضة تحصل بقول الجاحظ؟ وكيف يظهر مما ذكره « الجواب عما ذكروه رابعاً »؟
لقد أوقع الرازي نفسه في ورطةٍ لم يتخلّص منها، فناقض نفسه وتهافتت كلماته وهكذا يفتضح المبطلون!!
أقول:
ثم إنّ الرازي ذكر جوابين عن إشكال سلب الإمامة عن أمير المؤمنينعليهالسلام بعد عثمان حيث قال.
« وأيضاً، فلو استدللنا بالخبر، فإمامة علي بعد عثمان إنما تثبتُ بالإختيار، وليس الأمر كذلك في حق هارونعليهالسلام ، فلا يتناوله الحديث.
وأيضاً، فلو تناوله لكان لنا أن نخرج هذه الحالة عن عموم النص بدليلٍ، ويبقى ما قبل وفاة عثمانرضياللهعنه على ظاهره ».
وهذا كلام ظاهر البطلان لأن مقتضى تمام المماثلة والمشابهة بين هارون وأمير المؤمنين -عليهماالسلام - أن يكون إمامة الأمير النص عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما كانت إمامة هارون بالنص عن موسىعليهالسلام ، لا بالإختيار
على أنّ الإشكال هو: أنّه إذا كنتم تنفون إمامة علي - لأن هارون مات قبل موسى ولم يصر إماماً - فاللازم نفيها حتى بعد عثمان وهذا الإشكال يتوجّه سواء كانت الإمامة بالنص أو بالإختيار فما ذكره في الجواب لا ربط له بالإشكال أصلاً
وأما ما ذكره ثانياً، فبطلانه أوضح، إذ للخصم أن يعيد عليه نفس الكلام فيقول: إن الحديث يتناول جميع منازل هارون نفياً وإثباتاً، لكن عدم مباشرة عمل الإمامة قد خرج بدليلٍ مخرج فالمعارضة ساقطة
تذييل:
إنّ للجاحظ كلماتٍ في تفضيل أهل البيتعليهمالسلام على سائر الناس مطلقاً، فقد ذكر أبو إسحاق القيرواني ما نصّه:
« فصل - لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في ذكر قريش وبني هاشم:
قد علم الناس كيف كرم قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهاؤها، وكيف رأيها وذكاؤها، وكيف سياستها وتدبيرها، وكيف إيجازها وتحيرها، وكيف رجاحة أحلامها إذا خف الحليم، وحدّة أذهانها إذا كلَّ الحديد، وكيف صبرها عند اللقاء وثباتها في اللأواء، وكيف وفاؤها إذا استحسن الغدر، وكيف جودها إذا حب المال، وكيف ذكرها لأحاديث غد وقلّة صدودها عن جهة القصد، وكيف إقرارها بالحق وصبرها عليه، وكيف وصفها له، ودعاؤها إليه، وكيف سماحة أخلاقها وصونها لأعراقها، وكيف وصلوا قديمهم بحديثهم وطريفهم بتليدهم، وكيف أشبه علانيتهم سرّهم، وقولهم فعلهم، وهل سلامة صدر أحدهم إلّاعلى قدر بُعد غوره؟ وهل غفلته إلّا في وزن صدق ظنّه؟ وهل ظنّه إلّا كيقين غيره؟ وقال عمر: إنك لا تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنّه. قال أوس بن حجر:
الألمعي الذي يظن بك الظن |
كأنْ قد رأى وقد سمعا |
وقال آخر:
مليح نجيح أخو مازن |
فصيح يحدّث بالغائب |
وقال بلعاء بن قيس:
وأبغي صواب الرأي أعلم أنه |
إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره |
بل قد علم الناس كيف جمالها وقوامها، وكيف نماؤها وبهاؤها، وكيف سرورها ونجابتها، وكيف بيانها وجهارتها، وكيف تفكيرها وبداهتها.
فالعرب كالبدن وقريش روحها، وقريش روح وبنو هاشم سرّها ولبّها، وموضع غاية الدين والدنيا منهما.
وهاشم ملح الأرض وزينة الدنيا، وجنى العالم، والسنام الأضخم، والكاهل الأعظم، ولباب كل جوهر كريم، وسرّ كلّ عنصر شريف، والطّينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن الفهم وينبوع العلم، وشهلان ذو الهضاب في الحلم، والسيف الحسام في العزم، مع الأناة والحزم، والصفح عن الجرم، والقصد بعد المعرفة، والصفح بعد المقدرة.
وهم الأنف والسنام الأكرام، وكالماء الذي لا ينجّسه شيء، وكالشمس التي لا تخفى بكل مكان، وكالذهب لا يعرف بالنقصان، وكالنجم للحيران والبارد للظمآن.
ومنهم الثقلان، والأطبيان، والسبطان، والشهيدان، وأسد الله، وذو الجناحين، وذو قرنيها، وسيد الوادي، وساقي الحجيج، وحليم البطحاء، والبحر، والحبر.
والأنصار أنصارهم، والمهاجرون من هاجر إليهم، أو معهم، والصدّيق من صدّقهم، والفاروق من فرّق بين الحق والباطل فيهم، والحواري حواريّهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم، ولا خير إلّا لهم، أو فيهم، أو معهم، أو يضاف إليهم.
وكيف لا يكونون كذلك؟
ومنهم رسول رب العالمين، وإمام الأوّلين والآخرين، ونجيب المرسلين، وخاتم النبيّين، الذي لم يتم لنبيّ نبوة إلّا بعد التصديق به، والبشارة بمجيئه، الذي عمّ برسالته مابين الخافقين، وأظهره الله على الدين كلّه ولو كره المشركون »(١) .
قال القاضي عبد الجبار في ( المغني ): « قوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، لا يتناول إلّا منزلةً ثابتةً منه، ولا يدخل تحته منزلة مقدّرة، لأنّ المقدّر ليس بحاصل، ولا يجوز أن يكون منزلة، لأن وصفة بأنّه منزلة يقتضي حصوله على وجه مخصوص، ولا فرق في المقدّر بين أنْ يكون من الباب الذي كان يجب لا محالة على الوجه الذي قرّر أو لا يجب في أنّه لا يدخل تحت الكلام.
ويبيّن صحة ذلك أن قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، يقتضي منزلةً لهارون من موسى معروفة ليست بها منزلته، فكيف يصحّ أن يدخل في ذلك المقدَّر، وكقول القائل: حقّك عليَّ مثل حقّ فلان على فلان، ودينك عندي مثل دين فلان، إلى ما شاكل ذلك، في أنّه لا يتناول إلّا أمراً معروفاً حاصلاً.
وإذا ثبت ذلك، فلنا أنْ ننظر، فإنْ كانت منزلة هارون من موسى معروفة حملنا الكلام عليها، وإلّا وجب التوقّف، كما يجب مثله فيما مثّلناه من الحق والدين، ويجب أنْ ننظر، إنْ كان الكلام يقتضي الشمول حملناه عليه، وإلّا وجب التوقّف عليه، ولا يجوز أنْ يدخل تحت الكلام ما لم يحصل لهارون من المنزلة ألبتة.
وقد علمنا أنه لم يحصل له الخلافة بعده، فيجب أنْ لا يدخل ذلك تحت
___________________
(١). زهر الآداب وثمر الألباب ١ / ٩٥ - ٩٧.
الخبر، ولا يمكنهم أنْ يقولوا بوجوب دخوله تحت الخبر على التقدير الذي ذكروه، لأنا قد بيّنا أنّ الخبر لا يتناول المقدر الذي لم يكن، وإنما يتناوله المنزلة الكائنة الحاصلة.
فإن قيل: المنزلة التي نقدّر لهارون هي كأنّما ثابتة، لأنها واجبة بالإستخلاف في حال الغيبة، وإنما حصل فيها منع وهو موته قبل موسىعليهالسلام ، ولو لا هذا المنع لكانت ثابتة.
قيل له: إنّ الذي ذكرته إذا سلّمناه، لم يخرج هذه المنزلة من كونها غير ثابتة في الحقيقة، وإنْ كانت في الحكم كأنّها ثابتة، وقد ثبت أنّ الخبر لم يتناول المقدَّر، صحّ وجوبه أو لم يصح، فيجب أنْ نتكلَّم في صحة ما أوردته ووجوبه قد صحّ كلامنا، فلا حاجة بنا إلى منازعتك في هذه المنزلة: هل كانت تجب لو مات موسى قبله أو كانت لا تجب.
يبيّن ذلك أنهعليهالسلام لو ألزمنا صلاةً سادسةً في المكتوبات، أو صوم شوال، لكان ذلك شرعاً ولوجب ذلك لمكان المعجز، وليس بواجب أن يكون من شرعه الآن، وإنْ كان لو أمر به للزم، وكذلك القول فيما ذكروه، وليس كلّ مقدَّر سبب وجوبه وكان يجب حصوله لو لا المانع يصح أنْ يقال إنه حاصل، وإذا تعذّر ذلك فكيف يقال إنه منزلة ».
أقول:
ومحلّ الإستشهاد ما ذكره غير مرّة وأكّده من أن هذا الحديث لا يتناول إلّامنزلةً ثابتة، ولا يدخل تحته منزلة مقدرة، لأن المقدر ليس بحاصل، وعليه، فإن نفي الإمامة الذي ليس منزلةً ثابتةً بلا كلام، ليس بداخلٍ في مدلول الحديث فيبطل ما ادّعاه الرازي والأعور و ( الدهلوي )، والحمد لله على ذلك.
ثم إنّه قد أجاب علم الهدى السيد المرتضىرحمهالله عن شبهة القاضي عبد الجبار هذه، فقال:
« لم قلت إنّ ما يقدَّر لا يصح وصفه بأنه منزلة؟ فما نراك ذكرت إلّا ما يجري مجرى الدعوى! وما أنكرت من أنْ يوصف المقدر مقدراً، من أنْ يكون معروفاً يصح أنْ يشار إليه ويشبّه به غيره، لأنه إذا صحَّ وكان مع كونه مقدّراً معلوماً حصوله ووجوبه عند وجود شرطه فالإشارة إليه صحيحة والتعريف به حاصل، وقد رضينا بما ذكرته في الدِّين، لأنه لو كان لأحدنا على غيره دين مشروط يجب في وقتٍ منتظر، يصح قبل ثبوته وحصوله أن تقع الإشارة إليه ويحمل غيره عليه، ولا يمتنع من جميع ذلك فيه كونه منتظراً متوقَّعاً، ويوصف أيضاً بأنّه دين وحق، وإنْ لم يكن في الحال ثابتاً.
ومما يكشف عن بطلان قولك: إن المقدر وإنْ كان مما يعلم حصوله لا يوصف بأنه منزلة: أنَّ أحدنا لو قال: فلان مني بمنزلة زيد من عمرو في جميع أحواله، وعلمنا أن زيداً قد بلغ من الإختصاص بعمرو والقرب منه والزلفة عنده إلى حدٍ لا يسأله معه شيئاً من أمواله إلّا أجابه إليه وبذله، ثم إن المشبّه حاله بحاله لو سأل صاحبه درهماً من ماله أو ثوباً لوجب عليه - إذا كان قد حكم بأن منزلته منه منزلة من ذكرناه - أنْ يبذله له، وإنْ لم يكن وقع ممن شبّه حاله به مثل تلك المسألة بعينها، ولم يكن للقائل الذي حكينا قوله أنْ يمنعه من الدرهم والثوب، بأنْ يقول: إنّي جعلت لك منازل فلان من فلان، وليس في منازله أنّه سأله درهماً أو ثبواً فأعطاه في كل واحدة منهما، بل يوجب عليه جميعُ من سمع كلامه العطيةَ من حيث كان المعلوم من حال من جعل له مثل منزلته أنه لو سأله في ذلك كما سأل هذا اجيب إليه، وليس يلزم على هذا أن تكون الصلاة السادسة وما أشبهها من العبادات التي لو أوجبها الرسولعليهالسلام علينا لوجب مما يجري عليها الوصف الآن
بأنها من شرعه، لأنها لم يحصل لها سبب وجوب واستحقاق، بل سبب وجوبها مقدر، بما أنها مقدرة، وليس كذلك ما أوجبناه، لأنّا لانصف بالمنزلة إلّاما حصل استحقاقه وسبب وجوبه، ولو قالعليهالسلام صلّوا بعد سنة صلاة مخصوصة خارجة عمّا نعرف من الصلوات، لجاز أنْ يقال بل وجب أن يكون تلك الصلاة من شرعه قبل حصول الوقت، من حيث ثبت سبب وجوبها.
وبمثل ما ذكرناه سقط قول من يقول: فيجب على كلامكم أن يكون كل أحدٍ منّا إماماً على سائر الأحوال التي يجوز على طريق التقدير أنْ يحصل عليها، مثل أن يكون وصيّاً لغيره وشريكاً له ، إلى غير ذلك، لأنه على طريق التقدير يصح أنْ يكون على جميع هذه الأحوال، لوجود أسبابها وشروطها. وإنما لم يلزم جميع ما عددناه، لما قدّمنا ذكره من اعتبار ثبوت سبب المنزلة واستحقاقها، وجميع ما ذكرتم لم يثبت له سبب استحقاق ولا وجوب، ولا يصح أن يقال إنه منزلة.
ثم يقال له: ما نحتاج إلى مضايقتك في وصف المقدّر بأنه منزلة، وكلامنا يتم وينتظم من دونه، لأن ما عليه هارونعليهالسلام من استحقاق منزلة الخلافة بعد وفاة موسىعليهالسلام إذا كان ثابتاً في أحوال حياته، صح أنْ يوصف بأنه منزلة، وإنْ لم يصح وصف الخلافة بعد الوفاة بأنها منزلة في حال الحياة، لأن التصرف في الأمر المتعلّق بحالٍ مخصوصةٍ غير استحقاقه، وأحد الأمرين منفصل عن الآخر، وإذا ثبت أنّ استحقاقه للخلافة بعد الوفاة يجري عليه الوصف بالمنزلة، ووجب حصوله لأمير المؤمنينعليهالسلام كما تحصل لهارونعليهالسلام ، ثبت له الإمامة بعد النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - لتمام شرطها فيه، ألاترى أن من أوصى إلى غيره وجعل إليه التصرف في أمواله بعد وفاته يجب له ذلك بشرط الوفاة، وكذلك من استخلف غيره بشرط غيبته عن
بلده ليكون نائباً عنه بعد الغيبة، تجب له هذه المنزلة عند حصوله شرطها، فحال التصرف والقيام بالأمر المفوّض غير حال استحقاقه، ولو أنّ غير الموصى أو المستخلف قال: فلان مني بمنزلة فلان من فلان، واشار إلى الموصي والموصى إليه، لوجب أن يثبت له من الإستحقاق في الحال والتصرف بعدها ما أوجبناه للأول، ولم يكن لأحدٍ أنْ يتطرّق إلى منع هذا المتصرف من التصرف إذا بقي إلى حال وفاة صاحبه، من حيث لا يوصف التصرف المستقبل بأنه منزلته قبل حضور وقته، ولا من حيث كان من شبهت حاله به لم يبق بعد الوفاة لو قدّرنا أنه لم يبق.
فإنْ قال صاحب الكتاب: إنّما صحّ ما ذكرتموه، لأن التصرف في مال الموصي والخلافة لمن استخلف في حال الغيبة، وإن لم يكونا حاصلين في حال الخطاب، ولم يوصفا بأنهما منزلتان فيما يقتضيهما من الوصيّة والإستخلاف الموجبين لاستحقاقهما، يثبت في الحال ويوصف بأنه منزلة.
قلنا: وهكذا نقول لك فيما أوجبناه من منازل هارون من موسىعليهماالسلام لأمير المؤمنينعليهالسلام حرفاً بحرف.
وليس له أن يخالف في أن استحقاق هارون لخلافة موسى بعد الوفاة كان حاصلاً في الحال، لأن كلامه في هذا الفصل مبني على تسليمه، وإنْ كان قد خالف في ذلك في فصلٍ استأنفه يأتي مع الكلام عليه فيما بعد.
وقد صرّح في مواضع من كلامه الذي حكيناه بتسليم هذا الموضع، لأنه بنى الفصل على أن الخلافة لو وجبت بعد الوفاة حسبما يذهب إليه لم يصح وصفها قبل حصولها بأنها منزلة، ولو كان مخالفاً في أنها مما يجب أن يحصل لاستغنى بالمنازعة عن جميع ما تكلّفه.
فقد بان من جملة ما أوردناه أن الذي اقترحه من أن الخبر لم يتناول
المقدَّر، لم يغن عنه شيئاً، لأنا - مع تسليمة - قد بيّنا صحة مذهبنا في تأويله، وأنّ كلامه إذا صحّ لم يكن له من التأثير أكثر من منع الوصف بالمنزلة ما كان مقدراً.
وليس يضر من ذهب في هذا الخبر إلى النص الإمتناع من وصف الخلافة بعد الوفاة بأنها منزلة قبل حصولها، إذا ثبت له أنها واجبة مستحقة، وأن ما يقتضيها يجب وصفه بأنه منزلة »(١) .
أقول:
ولقوة ومتانة ما ذكره السيّد في تقرير أنّ استحقاق هارونعليهالسلام الخلافة عن موسىعليهالسلام منزلة ثابتة لا مقدّرة
فقد عجز الفخر الرازي عن الجواب عنه بعد إيراده له وهذا نصّ عبارته:
« الثاني: أن لا ندعي خلافة هارون لموسىعليهماالسلام في الرسالة، فلا شك أنّه لو بقي بعد وفاته لقام مقامه في كونه مفترض الطاعة. وذلك القدر كاف في المقصود، لأنه لمـّا دلّ الحديث على أنّ حال علي كحال هارون في جميع المنازل، وكان من منازل هارون استحقاقه القيام مقام في وجوب الطاعة، وجب أنْ يكون علي كذلك، ولا معنى للإمامة إلّا ذلك.
لا يقال: الحديث لا يتناول إلّا المنازل الثابتة دون المقدّرة، وإمامة هارون بعد موسىعليهماالسلام ما كانت حاصلة، بل كانت مقدرة، فلا يتناولها الحديث.
____________________
(١). الشافي في الامامة ٣/٢٠ - ٢٣.
لأنا نقول: إستحقاق هارون القيام مقام موسىعليهالسلام بعد وفاته منزلة ثابتة في الحال، لأن استحقاق الشيء قد يكون حاصلاً وإنْ كان المستحق متأخراً »(١) .
فهو لم يجب على قول السيد: « لأنّا نقول: استحقاق هارون » بشيء - كما لا يخفى على من راجعه - وأمّا شبهاته على المواضع الأخرى من الكلام، فسيأتي ذكرها وبيان وهنها.
ويظهر من كلام القاضي أنّ دعوى دلالة الحديث على نفي الإمامة إنما هي على سبيل الفرض والتقدير، وأنّه ليست هذه الدلالة ثابتة حقيقة فإنه قال: « على أنّه لو جعل ذلك دلالة على ضدّ ما قالوه - بأنْ يقال: لم يكن لهارون من موسىعليهالسلام منزلة الإمامة بعده ألبتة، فيجب إذا كان حال علي من النبي حال هارون من موسى أن لا يكون إماماً بعده - لكان أقرب ممّا تعلّقوا به، لأنهم راموا إثبات منزلة مقدّرة ليست حاصلة بهذا الخبر.
فإنْ ساغ لهم ذلك، ساغ لمن خالفهم أنْ يدّعي أنْ الخبر يتناول نفي الإمامة بعد الرسولعليهالسلام ، من حيث لم يكن ذلك لهارونعليهالسلام من موسى بعده.
ومتى قالوا: ليس ذلك مما يعدّ من المنازل فيتناوله الخبر.
قلنا بمثله في المقدَّر الذي ذكروه ».
فصريح كلامه أنّ هذه الدعوى إنما تذكر على سبيل الفرض والتقدير من جانب المخالفين إلزاماً للإمامية فلا حقيقة لهذه الدعوى وهذا ما نريد
___________________
(١). نهاية المعقول - مخطوط.
إثباته ردّاً على ( الدهلوي ).
لكنَّ الإلزام المذكور خيال محض وتوهّم باطل كما ستعرف من كلمات السيد المرتضىرحمهالله .
فلقد قال السيد في رد كلام القاضي المذكور: « فأما ادّعاؤه اقتضاء الخبر لنفي الإمامة من حيث لم يكن هارون بعد وفاة موسى إماماً، وقوله أنه لم يكن بهذه الصفة منزلة، فبعيد من الصواب.
لأن هارون وإنْ لم يكن خليفةً لموسى بعد وفاته، فقد دلّلنا على أنه لو بقي لخلفه في اُمّته، وإن هذه المنزلة وإنْ كانت مقدرةً تصح أن تعدّ في منازله، وأن المقدّر لو تسامحنا بأنّه لا يوصف بالمنزلة، لكان لا بد من أن يوصف ما هو عليه من استحقاق الخلافة بعده بأنه منزلة، لأنّ التقدير وإنْ كان في نفس الخلافة بعده، فليس هو في استحقاقها، وما يقتضي وجوبها، وإذا ثبت ذلك فالواجب فيمن شبّهت حاله بحاله، وجعل له مثل منزلته إذا بقي إلى بعد الوفاة أنْ تجب له الخلافة، ولا يقدح في ثبوتها له أنّها لم تثبت لهارون بعد الوفاة »(١) .
وقالرحمهالله في جوابه: « ولو كان ما ذكره صحيحاً لوجب فيمن قال لوكيله: أعط فلاناً في كلّ شهر إذا حضرك ديناراً. ثم قال في الحال أو بعدها بمدّةٍ: وأنزل فلاناً منزلته. ثم قدّرنا أن المذكور الأول لم يحضر المأمور لعطيته ولم يقبض ما جعله له من الدينار أنْ يجعل الوكيل - إنْ كان الأمر على ما ادّعاه
___________________
(١). الشافي في الإمامة ٣: ٣٤.
صاحب الكتاب - تأخّر المذكور الأول طريقاً إلى حرمان الثاني العطيّة، وأنْ يقول له: إذا كنت إنما أنزلت منزلة فلان، وفلان لم يحصل له عطية، فيجب أن لا يحصل لك أيضاً. وفي علمنا بأنه ليس للوكيل ولا غيره منع من ذكرنا حاله، ولا أنْ يعتلَّ في حرمانه بمثل علة صاحب الكتاب.
دليل آخر على بطلان هذه الشبهة:
على أن النفي وما جرى مجراه لا يصح وصفه بأنه منزلة، وإنْ صحّ وصف المقدّر الجاري مجرى الإثبات بذلك، إذا كان سبب استحقاقه ووقوعه ثابتاً. ألاترى أنه لا يصح أن يقول أحدنا: فلان منّي بمنزلة فلان من فلان في أنّه ليس بأخيه ولا شريكه ولا وكيله ولا فيما جرى مجراه من النفي، وإنْ صحّ هذا القول فيما يجري مجرى المقدر من أنه إذا شفع إليه شفّعه، وإذا سأله أعطاه، ولا يجعل أحد أنه لم يشفع إذا كان ممّن لو شفع يشفع منزلةً يقتضي فيمن جعل له مثل منزلته لإيجاب شفاعته »(١) .
ثم إن ( الدهلوي ) جهل - على إمامته المزعومة في العلوم المختلفة! - معنى « المنزلة » فلو علم معنى هذه الكلمة ولو بالرجوع إلى كتب اللغة لم يتطرّق إلى هذه الشبهة، ولم يتفوّه بتلك الدعوى
قال الجوهري: « المنزلة: المرتبة، لا تجمع، واستنزل فلان أي حطَّ عن مرتبته »(٢) .
وقال: « الرتبة المنزلة، وكذلك المرتبة، قال الأصمعي: المرتبة المرقبة،
___________________
(١). الشافي في الامامة ٣: ٣٤ - ٣٥.
(٢). الصحاح في اللغة - نزل ٥: ١٨٢٨ - ١٨٢٩.
وهي أعلى الجبل. وقال الخليل: المراتب في الجبل والصحاري هي الأعلام التي ترتب فيها العيون والرقباء، وتقول: رتّبت الشيء ترتيباً. ورتّب الشيء يرتّب رتوباً. أي ثبت، يقال: رتّب رتوب الكعب أي انتصب انتصابه، وأمر راتب أي دارٌّ ثابت »(١) .
وقال الفيروزابادي: « رتب رتوباً: ثبت ولم يتحرك، كترتب، ورتّبته أنا ترتيباً، والترتب كقنفذ وجندب: الشيء المقيم الثابت، وكجندب الأبد والعبد السوء والتراب، ويضم، وكذا جاؤا ترتّباً جميعاً، واتّخذ ترتّبةً كطرطّبة، أي شبه طريق يطؤه، والرتبة بالضم والمرتبة: المنزلة »(٢) .
وقال ابن الأثير: « وفيه: من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها. المرتبة: المنزلة الرفيعة. أراد بها الغزو والحج ونحوهما من العبادات الشاقّة، وهي مفعلة من رتب إذا انتصب قائماً. والمراتب جمعها »(٣) .
إذن، « المرتبة » مشتقة من « رتب » بمعنى « ثبت » فالأمر غير الثابت لا يدخل في مدلول « المرتبة »، و « المنزلة » لكونها هي بمعنى « المرتبة » لا يدخل في مدلولها الأمر غير الثابت.
وعليه، فإنّ الحديث بنفسه ينفي أن يكون دالّاً على نفي الخلافة.
وأيضاً: في كلام ابن الأثير وغيره تفسير « المرتبة » بـ « المنزلة الرفعية » فمنه ومن تفسير الجوهري « المنزلة » بـ « المرتبة » يظهر أخذ « الرفعة » في مفهوم « المنزلة » وهل في نفي الخلافة رفعة كي يدل عليه الحديث؟!
وأيضاً، قد فسّر الفيروزابادي « المنزلة » بـ « الدرجة » حيث قال:
___________________
(١). الصحاح: رتب ١ / ١٣٣.
(٢). القاموس: رتب ١ / ٧١.
(٣). النهاية في غريب الحديث: رتب ٢ / ١٩٣.
« والمنزلة موضع النزول والدرجة »(١) .
والمراد من « الدرجة » هو « المنزلة الرفيعة » كما قال الراغب: « الدرجة المنزلة، لكن يقال للمنزلة درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الإمتداد على البسيط كدرجة السطح والسلّم، ويعبّر بها عن المنزلة الرفيعة. قال الله تعالى:( وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) بيّنها لرفعة منزلة الرجال عليهنّ في العقل والسياسة ونحو ذلك من المشار إليه بقوله:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (٢) ».
وبالجمع بين العبارتين، يظهر أن « الرفعة » مأخوذة في « المنزلة »، فلا يكون الحديث دالّاً على نفي الخلافة، لعدم وجود الرفعة في هذا النفي بل بالعكس، كما هو واضح.
هذا، ومن غرائب الاُمور: أن الرازي في كتبه الحكمية يشنّع على القائلين بثبوت الأمر المعدوم، حتى أنه يخرجهم عن زمرة العقلاء وفي هذا المقام يقع في تلك البليّة ويجعل نفي الخلافة مصداقاً للمنزلة التي هي بمعنى الأمر الثابت!!
يقول الرازي: « الفصل التاسع في أن المعدوم ليس بثابت. فإنَّ قوماً ممّن عمشت بصائرهم في حقائق الأبحاث المتعلّقة بالوجود والعدم، زعموا أن ما ليس بموجود ينفسم إلى ما يكون ممتنع الوجود، وإلى ما لا يكون، فإنْ كان ممتنع الوجود فهو النفي الصرف، وإنْ كان ممكن الوجود فإنه يكون عند كونه معدوماً ثابتاً. وزعموا أنّه موصوف بصفاتٍ ثابتة حالة العدم، وتلك الصّفات لا موجودة ولا معدومة ».
وإذا كان المعدوم لا يتّصف بالثبوت، فإن نفي الخلافة لا يتّصف بذلك
___________________
(١). القاموس المحيط: نزل ٤ / ٥٦.
(٢). المفردات في غريب القرآن: درج ٣١٠. الطبعة المحققة.
فنفي الخلافة لا يكون منزلةً بمعنى المرتبة، إذا المرتبة تدل على الثبوت كما عرفت.
قال: « على أن كلّ ذلك براهين أوردناها في الموضع البديهيّ الأوّلي الفساد، فإنّا قد بيّنا أن الوجود هو نفس الحصول في الأعيان، ومن جعل هذا الحصول مجامعاً للّاحصول، فقد خرج من غَريزة العقل »(١) .
فيكون الرازي ومن تبعه في دعوى دلالة الحديث على نفي الخلافة خارجين عن غريزة العقل.
ثم إنّ دعوى دلالة الحديث المنزلة على سلب الخلافة عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، يبطل خلافة خلفاء القوم وهذا ما يجعلهم بين أمرين، فإمّا رفع اليد عن الدعوى المذكورة، وإمّا الإلتزام بسلب الخلافة عن الشيخين وثالثهما وذلك، لأنه إذا كان تشبيه أمير المؤمنينعليهالسلام بهارون وكونه بمنزلته موجباً لسلب الخلافة عنه بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنها أيضاً تسلبهما عن الشيخين والثالث لأنهم وضعوا حديث المنزلة في حق الشيخين ونزّلوهما منزلة هارونعليهالسلام فقد روى المنّاوي عن الخطيب البغدادي أنه روى:
« أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
___________________
(١). المباحث المشرقية. الباب الأول من الكتاب الأول ١ / ١٣٤ - ١٣٦.
(٢). كنوز الحقائق ط هامش الجامع الصغير.
وفي حديثٍ آخر - موضوع كسابقه - شبّه عثمان بهارونعليهالسلام فقد روى الحافظ المحب الطبري:
« عن أنس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من نبي إلّا وله نظير في اُمتي، فأبو بكر نظير إبراهيم، وعمر نظير موسى، وعثمان نظير هارون، وعلي بن أبي طالب نظيري.
خرّجه الخلقعي والملّاء في سيرته »(١) .
ورواه السيوطي عن ابن عساكر عن أنس(٢) .
ولو كان الحديث دليلاً على نفي الخلافة وسلبها عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، لما خفي ذلك على الإمامعليهالسلام وأهل بيته وأتباعه، لكنْ قد ثبت بالقطع واليقين أنهعليهالسلام طلب الخلافة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم منذ أن قبض وقال ابن عبد البر: « روينا من وجوه: أن الحسن بن علي -رضياللهعنه - لمـّا حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: يا أخي، إن ابانرحمهالله تعالى لما قبض رسول الله صلّى عليه وسلّم منذ أن قبض وقال ابن عبد البر.
« روينا من وجوه: أن الحسن بن علي -رضياللهعنه - لمـّا حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: يا أخي، إن أباك حين قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استشرف لهذا الأمر، ورجا أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر، فلمـّا حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضاً فصرفت عنه إلى عمر، فلمـّا قبض عمر، جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما هلك عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرّد السيف وطلبها، فما
___________________
(١). الرياض النضرة ١ / ٥٠ - باب ذكر النظير.
(٢). الخصائص الكبرى ٢ / ٢٦٧.
صفا شيء منها »(١) .
فهذا الإستشراف أدل دليل عند أهل الإنصاف على بطلان دعاوي أهل الإعتساف
وروى أهل السنّة: أن العباس قال لأمير المؤمنينعليهالسلام قبيل وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اُدخل بنا عليه نسأله عن هذا الأمر، فإن كان لنا بيَّنه، وإنْ كان لغيرنا وصّى الناس ».
واستدلّ به الرازي - فيما استدل بزعمه - على عدم النصّ على أمير المؤمنين بالخلافة قائلاً: « إنه لمـّا مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال العباس لعلي: أنا أعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، وقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأدخل بنا عليه نسأله عن هذا الأمر، فإنْ كان لنا بيّنه، وإنْ كان لغيرنا وصّى الناس.
ومعلوم أن عليّاً لو كان منصوصاً عليه، لكان العباس أعرف الناس بذلك، فكان لا يقول مثل هذا الكلام.
لا يقال: مراد العباس منه أن الإمارة التي جعلها النبيعليهالسلام هل تسلم لهم أم لا.
لأنّا نقول: لفظة لنا أو لغيرنا يقتضي الملك والإستحقاق، ولم يقل العباس سله هل يسلم هذا الأمر إلينا أم لا، حتى يصح ما قاله السائل.
وأيضاً: فقد روي أنّ علياً -رضياللهعنه - قال له فيما بعد: خفت أن يقول النبيعليهالسلام : إنه لغيركم فلا يعطيناه الناس أبداً. ومعلوم أن ذلك إنما
___________________
(١). الاستيعاب ١ / ٣٩١. الطبعة المحققة.
يلزم إذا قال هو مستحق لغيركم، لا إذا قال: لا يسلّمه الناس إليكم ».
أقول:
إن كلّ هذا الذي رووه غير ثابت عندنا.
لكنّا نستدل به - من باب الإلزام - فنقول للرازي: لو كان حديث المنزلة يدل على نفي خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام ، لكان العباس أعرف الناس بذلك، فكان لا يقول مثل هذا الكلام لعليعليهالسلام
فرضنا أن العباس قاله، وفرضنا جهله بحديث المنزلة ومعناه، ولكنْ، لو كان حديث المنزلة يدل على ما زعم الرازي، لأجاب أمير المؤمنينعليهالسلام عن كلام العباس وردّه بما دلّ عليه حديث المنزلة من عدم استحقاقه الخلافة كما يزعمون لا أنْ يقول له مثل الكلام الذي رووه.
ويدل على عدم دلالة حديث المنزلة على نفي الخلافة: قول العباس - لما قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - لأمير المؤمنينعليهالسلام : « اُمدد يدك اُبايعك، يقول الناس: هذا عمّ رسول الله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان ». إذ لو كان مدلول الحديث ما زعمه الرازي ومن تبعه، لما قال العباس ذلك وعلى فرضه لردّه أمير المؤمنينعليهالسلام .
وقد استدل الرازي بهذا الكلام أيضاً على عدم النص على أمير المؤمنين بما يظهر منه ثبوته - أي الكلام - عنده.
واستدل الرازي على عدم النص على أمير المؤمنينعليهالسلام بزعمه بقضيّة الشورى فقال: « إن عمر -رضياللهعنه - نص على الستة، وكان يوصي لكلّ واحدٍ منهم أنه لو صار إماماً فإنه لا يجلس أقاربه على رقاب الناس. مع علمه بأنه يعلمون تركه الدين، وإعراضه عن نصّ الرسول، فما كان فيهم من يقول: كيف تنهانا عن ذلك مع أنك أنت التارك لنص الله ونصّ رسوله ».
وأقول:
إنّ لهذا النص ولتلك الوصية ظهوراً تامّاً في تجويز عمر خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام
فلو كان حديث المنزلة دالّاً على نفي خلافته لكان عمر بنصه ووصيّته تاركاً لنصّ الله ونصّ رسوله.
وأيضاً، سكوت الستّة - وفيهم الأميرعليهالسلام - دليل قاطع على عدم دلالة حديث المنزلة على نفي الخلافة وإلّا لردّوا على عمر نصّه ووصيّته
وأخرج البخاري في الأدب عن عبد الرحمن بن عبد القادر:
« إنّ عمر بن الخطاب -رضياللهعنه - ورجلاً من الأنصار كانا جالسين، فجئت فجلست إليهما.
فقال عمر: إنّا لا نحبّ من يرفع حديثاً.
فقلت: لست اُجالس اولئك يا أمير المؤمنين.
قال عمر: بل تجالس هؤلاء وهؤلاء ولا ترفع حديثنا.
ثم قال للأنصاري:
من ترى الناس يقولون يكون الخليفة بعدي؟
قعدّ الأنصاري رجالاً من المهاجرين، ولم يسمّ عليّاً.
فقال عمر: فما لهم عن أبي الحسن، فوالله إنه لأحراهم، إن كان عليهم لأقامهم على طريقةٍ من الحق ».
رواه عنه الشيخ محمد صدر العالم(١) .
وهذا خبر آخر يدل دلالةً واضحة على بطلان ما زعمه الرازي ومن تبعه في مدلول حديث المنزلة.
واستدل الرازي - لنفي النص - بقصة الشورى وما فعله عبد الرحمن بن عرف قال: « إن عبد الرحمن لمـّا رام مبايعة علي شَرَطَ أنْ يستنَ فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، وكان يعلم أن عليّاً وغيره يعلمون أنه مع الشيخين مخالفون لكتاب الله وسنة رسوله.
أفما كان في الجماعة من كانت له نفس وحميّة فيقول لعبد الرحمن: نراك لا تحافظ على كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فلو اتّبعتَهما في تقرير الأمر على المنصوص عليه من قبلهما، لما احتجت إلى هذا القول، فلم لا تكلّف نفسك أوّلاً بمتابعة السنّة؟ وكيف صبرت نفوسهم - وهم أصحاب الحميّة والأنفة والشجاعة وطلاقة اللسان - على السكوت على ذلك؟ فإن كان كذلك فقد كانوا شرّ اُمّة اُخرجت للناس، منسلخين عن كلّ حميّة ومروّة، وكان عبد الرحمن في غاية الوقاحة ».
___________________
(١). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.
أقول:
ونحن نعيد على الرازي ما قاله فنقول: لو كان حديث المنزلة يدل على نفي الخلافة وسلبها عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، لما رام عبد الرحمن مبايعه علي، ولردَّ عليه علي بما دلّ عليه حديث المنزلة، ولقال له القوم: لِم لا تكلّف نفسك أوّلاً بمتابعة السنّة؟ وكيف صبرت نفوسهم عن هذا القول، وسكتوا على ما فعل عبد الرحمن وقال وهم هم ...؟
ومن كلّ ذلك يظهر كذب ما ادّعاه الرازي وأتباعه في باب حديث المنزلة
وقد روى أبو الفداء في تاريخه جواب الإمامعليهالسلام وموقفه ممّا فعله عبد الرحمن بن عوف في الشورى الذي هو نصّ صريح في اعتراضهعليهالسلام على ما كان، وأنّه كان يرى الخلافة لنفسه من أوّل يوم قال أبو الفداء:
« ثم جمع عبد الرحمن الناس بعد أن أخرج نفسه عن الخلافة، فدعا عليّاً فقال: عليك عهد الله وميثاقه، لتعملنّ بكتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.
فقال: أرجو أنْ أفعل وأعمل مبلغ علمي وطاقني.
ودعا بعثمان وقال له مثل ما قال لعلي.
فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال اللهم اسمع واشهد، اللهم اني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان وبايعه.
فقال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم علينا فيه، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما ولَّيت عثمان إلّا ليردَّ الأمر إليك، والله كلّ يومٍ
في شأن.
فقال عبد الرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك حجةً وسبيلاً.
فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.
فقال المقداد بن الأسود لعبد الرحمن: والله لقد تركته - يعني عليّاً - وإنّه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.
فقال: يا مقداد، لقد أجهدت للمسلمين.
فقال المقداد: إني لأعجب من قريش، إنهم تركوا رجلاًما أقول ولا أعلم ان رجلاً أقضى بالحق ولا أعلم منه.
فقال عبد الرحمن: يا مقداد، إتّق الله، فإني أخاف عليك الفتنة.
ثم لمـّا أحدث عثمان -رضياللهعنه - ما أحدث، من توليته الأمصار للأحداث من أقاربه، روي أنّه قيل لعبد الرحمن بن عوف:
هذا كلّه فعلك.
فقال: لم أظنّ هذا به، لكن لله عليَّ أنْ لا اُكلّمه أبداً.
ومات عبد الرحمن وهو مهاجر عثمان رضي الله عنهما.
ودخل عليه عثمان عائداً في مرضه فتحوّل إلى الحائط ولم يكلّمه »(١) .
وفي هذه القصة دلالة من جهات، على بطلان ما ادّعاه الرازي وأتباعه، في مدلول حديث المنزلة كما يدلّ على بطلان خلافة الثلاثة وتولّيهم امور المسلمين، من جهاتٍ كذلك
___________________
(١). المختصر في أخبار البشر ١/١٦٥ - ١٦٦.
قوله:
وحمل التشبيه الواقع في كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم على التشبيه الناقص، خروج كامل عن الديانة. والعياذ بالله.
أقول:
قد عرفت - حسب كلمات أئمة الحديث وغيرهم من أهل السنّة - دلالة حديث المنزلة على الإتّصال والقرب
وعرفت - حسب كلمات أئمة اللغة - أن « المنزلة » بمعنى « المرتبة » وهي الأمر الثابت.
فلا يكون « نفي الخلافة » داخلاً في مدلول « المنزلة » أبداً.
فالتشبيه تام، ولا مدخل للنقصان فيه
بل حمله على نفي الخلافة حمل للتشبيه على الأمر الناقص، ومخالف لكلمات أئمة الحديث وتصريحات أئمة اللغة وذلك خروج كامل عن الديانة. والعياذ بالله.
أضف إلى ذلك كلّه:
إنه إذا كان أمير المؤمنين قد شبّه في الحديث بهارون وأنه يجل حمل التشبيه على المشابهة التّامة، وأن حمله على المتشابهة الناقصة خروج عن الدين المبين فلا ريب في ثبوت العصمة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، لكون هارونعليهالسلام معصوماً، ونفي العصمة عن الأمير حمل للتشبيه على المشابهة الناقصة، وهو خروج عن الدين.
وأيضاً:
لا ريب في أفضليّة هارون من جميع اُمّة موسى ومقتضى التشبيه الكامل هو كون أمير المؤمنينعليهالسلام أفضل اُمة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلّا لزم حمل التشبيه على التشبيه الناقص وهو خروج عن الدين ومن هنا يظهر أنّ تفضيل غيره عليه خروج عن الدين وكفر بالله العظيم نعوذ بالله من ذلك.
وأيضاً:
مقتضى التشبيه الكامل هو أن يكون أمير المؤمنينعليهالسلام مفترض الطاعة وواجب الإمتثال على الإطلاق، بالنسبة إلى جميع أفراد الاُمة، في حياة النبي وبعد وفاته لأن هارون كان كذلك بالنسبة إلى اُمة موسى وإلّا كان التشبيه ناقصاً، والعياذ بالله.
دلالة
حديث المنزلة
من وجوه دلالته على نفي خلافة الثلاثة
قوله:
ومع غضّ النظر عن كلّ ذلك، فأين دلالة الحديث على نفي إمامة الخلفاء الثلاثة، حتى يتمّ المدّعى؟
أقول:
إذا رفع القوم اليد عن المكابرة وتركوا العناد، ونظروا إلى وجه إستدلال الإمامية بحديث المنزلة، بعين الإنصاف لم يبق أيّ ريبٍ في دلالة الحديث على خلافة الأمير عليه الصلاة والسلام وبطلان خلافة المتقدّمين عليه لأنه يدل من عدّة جهات وبكلّ وضوح على إمامته بلا فصل، وخلافته المتّصلة بوفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإن كلام ( الدهلوي ) في هذا المقام نظير ما إذا تكلّم بعض أتباع مسيلمة الكذاب مثلاً في دلالئل نبوّة نبينا -صلىاللهعليهوآلهوسلم - بذكر بعض الشبهات الواهية المخالفة للعرف واللغة وكلمات أئمتهم ثم يقولوا: ولو صرفنا النظر عن كل ذلك، فأين دلالة تلك الأدلة على نفي نبوّة مسيلمة ...!! فالجواب الجواب.
وأمّا تلك الجهات التي أشرنا إليها:
فإنّ الخلافة التي رياها الإمامية لهارونعليهالسلام هي الخلافة العامّة
على جميع اُمة موسىعليهالسلام فكذلك خلافة الأميرعليهالسلام المشبّه بهارون فيكون الثلاثة من جملة رعاياه.
والحديث يدل على افتراض طاعة أمير المؤمنين على جميع الاُمّة، كما كانت طاعة هارون مفترضة على جميع اُمّة موسى، فالثلاثة ممّن وجبت عليهم طاعته وامتثال أوامره ونواهيه.
ويدل الحديث على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام ممّن عد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا مما اعترف به شعبة بن الحجّاج كما سيجيء، ويفيده كلام ( الدهلوي ) أيضاً والأفضلية تفيد الخلافة بلا فصل.
وثبوت عصمتهعليهالسلام من هذا الحديث، يثبت حصر الخلافة فيه من بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وينفي خلافة غيره، لعدم كونهم معصومين بالقطع واليقين.
وستعلم دلالته على الأعلمية حتى باعتراف عثمان، والأعلمية تثبت الأفضلية، والأفضلية يفيد تعيّن الخلافة له وتعيّنه لها، وذلك دليل متين على سلب الخلافة عمّن سواه
قوله:
غاية ما في الباب ثبوت إستحقاق الإمامة له ولو في وقتٍ من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنّة.
أقول:
إنه بعد رفع اليد عن المكابرة، والإصغاء إلى تقرير إستدلال الإماميّة بالحديث لا يبقى مجال لهذه الهفوة العجيبة إذ الحديث يدل على إمامة الأمير بلا فضل، لا في وقتٍ من الأوقات، لأن خلافة هارون - على تقدير بقاءه بعد موسى - كانت كذلك، وحمل التشبيه على غير ذلك حمل على التشبيه الناقص الذي قال بأنه خروج عن الدين
على أنّه بعد ثبوت الإستحقاق تكون الخلافة متّصلة، لأن من المتفق عليه الذي لا ريب فيه عدم وجود نصٍّ على خلافة الثلاثة.
وإلى هنا تمّ الرد على أباطيل ( الدهلوي ) وشبهاته حول حديث المنزلة. والحمد لله رب العالمين.
فلنشرع في شرح وتوضيح بعض الدلائل، الموضحة دلالة حديث المنزلة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بلا فصل ردّاً على أضاليل وأباطيل الأعور الواسطي، وبياناً لبطلان وهوان خرافات ابن تيميّة، وإيضاحاً لسقوط وفساد توهّمات الفخر الرازي وبالله التوفيق.
الدلائل على دلالة حديث المنزلة
(١)
إفتراض طاعة هارون
إنه بالإضافة إلى خلافة هارون عن موسى، وعدم جواز زوال وانقطاع خلافته عنه كما عرفت فإنّ من منازل هارون الثابتة له بالقطع واليقين: افتراض طاعته ولزوم الإنقياد له ووجوب اتّباعه هذه المنزلة التي لم يأت أحد - حتى من المكابرين المعاندين - باحتمال انقطاعها وزوالها، ولم يتمكن المنهمكون في إنكار الواضحات والحقائق البيّنات من رفضها ومنعها، بل لم يجدوا بُدّاً من تأكيدها وتشييدها
قال شمس الدين الإصفهاني: « قوله: إنه كان خليفةً له على قومه في حال حياته. قلنا: لا نسلّم ذلك، بل كان شريكاً له في النبوّة، والشريك غير خليفة، وليس جعل أحد الشريكين خليفةً عن الآخر أولى من العكس.
وقوله تعالى - حكاية عنه -:( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) فالمراد به المبالغة والتأكيد في القيام بأمر قومه، على نحو قيام موسى، أمّا أنْ يكون مستخلفاً عنه بقوله فلا، فإنّ المستخلف عن الشخص بقوله لو لم يقدر استخلافه، لما كان له القيام مقامه في التصرف، وهارون من حيث هو شريك في النبوة فله ذلك ولو لم
يستخلفه موسى »(١) .
وقال التفتازاني: « ولو سلّم العموم، فليس من منازل هارون الخلافة والتصرف بطريق النيابة على ما هو مقتضى الإمامة، لأنه شريك له في النبوّة، وقوله( اُخْلُفْنِي ) ليس إستخلافاً، بل مبالغة وتأكيداً في القيام بأمر القوم »(٢) .
وقال القوشجي: « ولو سلّم [ العموم ]، فليس من منازل هراون الخلافة والتصرف بطريق النيابة، على ما هو مقتضى الإمامة، لأنه شريك له في النبوّة. وقوله( اُخْلُفْنِي ) ليس إستخلافاً، بل مبالغة وتأكيداً في القيام بأمر القوم »(٣) .
وقال الهروي في كتابه الموسوم ( السهام الثاقبة ): « وقوله لهارون:
( اُخْلُفْنِي ) ليس إستخلافاً بالمعنى المشهور، بل تأكيداً بالقيام لأمر الجمهور أيّام غيبة موسىعليهالسلام ، وإلّا فهو كان نبياً في زمن موسىعليهالسلام ومأموراً بالتبليغ ».
ومتى كان هارونعليهالسلام مفترض الطاعة وواجب الإتباع على حياة موسىعليهالسلام ، فكذلك أمير المؤمنينعليهالسلام مفترض الطاعة وواجب الإتّباع في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لثبوت عموم المنازل بالوجوه المتقدمة.
وعلى فرض حمل المنزلة على المنازل المشهورة - الذي ذهب إليه شاه ولي الله الدهلوي، في ( ازلة الخفا ) - فالنتيجة حاصلة حاصلة كذلك.
___________________
(١). تشييد القواعد - مبحث الإمامة.
(٢). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
(٣). شرح التجريد: ٣٧٠.
وثبوت افتراض طاعة أمير المؤمنينعليهالسلام في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يكفي لثبوت خلافته عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لوجوه عديدة:
الأوّل : إن القول بوجوب إطاعته في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم صرف الخلافة عنه ودخوله في زمرة الرعايا والمتبوعين بعد وفاته، خلاف الإجماع المركب.
الثاني : إنه لا يجوّز عقل عاقل أنْ يكون أمير المؤمنينعليهالسلام في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل هارونعليهالسلام في وجوب الإتّباع والإطاعة له، ثم تسلب منه هذة المرتبة بعد وفاته، ويكون من جملة التابعين والمطيعين.
الثالث : إنه إذا كان أمير المؤمنين - مثل هارونعليهماالسلام - واجب الإطاعة على الإطلاق بالنسبة إلى جميع أمة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتى كان الثلاثة ممن تجب عليهم طاعته واتّباعه، كان القول بعدم إمامته وخلافته بعد النبي، وجعل الثلاثة أئمّةً وخلفاء، مستلزماً لقلب الموضوع وعكس المشروع، فيكون التابعون المطيعون أئمةً مطاعين، ومن كان واجب الإطاعة والإتّباع يكون من الرعايا والأتباع!! سبحانك هذا بهتان عظيم!!
و ( الدهلوي ) نفسه يقول في مقام الإستدلال بقوله تعالى:( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) الآية، على خلافة أبي بكر: « ومن كان واجب الإطعاعة فهو إمام »(١) .
___________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ١٨٦.
فثبوت إطاعة أمير المؤمنين من حديث المنزلة، يثبت امامته حسب اعتراف ( الدهلوي ) ولله الحمد على ذلك.
ومما يؤكّد قوة هذا الوجه ومتانته: أنّ ( الدهلوي ) سكت عن الإجابة عنه في متن كتابه ( التحفة )، وفي الحاشية لم يقل إلّا « ولا يخفى ما فيه »!!
وغاية تخديع أسلاف ( الدهولي )، ونهاية تأويلهم هو: دعوى أن افتراض طاعة هارونعليهالسلام كان مسبَّباً عن نبوّته، لا عن خلافته عن موسىعليهالسلام ، وإذْ لم يكن أمير المؤمنين نبيّاً فلا تجب إطاعته وهذا ما تشبَّث به القاضي العضد، والشريف الجرجاني، التفتازاني، والقوشچي، وابن حجر المكّي، وغيرهم
قال العضد: « ونفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى، لنبوّته لا للخلافة عن موسى، كما اعترفتم به في هذا الوجه، وقد نفى النبوّة ههنا، لاستحالة كون علي نبيّاً، فيلزم نفي مسببه الذي هو افتراض الطّاعة ونفاذ الأمر »(١) .
وقال التفتازاني - بعد منع كون الخلافة من منازل هارون ومنع بقائها بعد الموت -: « ولو سلّم، فتصرّف هارون ونفاذ أمره لو بقي بعد موسى إنما يكون لنبوّته، وقد انتفت النبوّة في حق علي - رضي الله تعالى عنه - فينتفي ما يبتني عليها ويتسبّب عنها »(٢) .
وقال القوشجي: « ولو سلّم فتصرف هارون ونفاذ أمره لو بقي بعد موت موسى، إنما يكون لنبوته، وقد انتفت النبوّة في حق علي -رضياللهعنه -
___________________
(١). شرح المواقف ٨ / ٣٦٣.
(٢). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥.
فينتفي ما يبتني عليها ويتسّبب عنها »(١) .
وقال ابن حجر: « ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لو فرض، إنما هو للنبوّة لا للخلافة عنه، وقد نفيت النبوّة هنا، لاستحالة كون علي نبيّاً، فيلزم نفي مسبّبها الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الأمر »(٢) .
أقول:
لكنه توهّم باطل لوجوه:
الأول : إن لازم ما ذكوره أن لا يكون أمير المؤمنينعليهالسلام خليفةً في المرتبة الرابعة أيضاً، لأنّ النبوّة منتفية عنه في هذه المرتبة كذلك، فلا يكون مفترض الطاعة فيها.
الثاني : إنه لو كان انتفاء النبوّة مستلزماً لانتفاء وجوب الطاعة ونفاذ الأمر، لما أوجب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأحاديث الكثيرة - المعتبرة عند الفريقين - طاعة أمير المؤمنينعليهالسلام ، لكنّ طاعته واجبة بنصّ الأحاديث، وسنذكر بعضها.
الثالث : إذا كان إفتراض الطاعة ونفاذ الأمر مسبباً عن النبوّة لا الخلافة، بطلت خلافة الثلاثة، لانتفاء النبوّة عنهم أيضاً.
الرابع : إنّه لا ريب في أن العصمة من منازل هارونعليهالسلام ، فعليعليهالسلام المشبّه به معصوم، لعموم التنزيل، والعصمة مستلزمة للإمامة والخلافة، لقبح تقديم غير المعصوم على المعصوم. ولا يلزم انتفاؤها من انتفاء النبوّة، وإلّا لزم انتفاء العصمة عن الملائكة.
___________________
(١). شرح التجريد: ٣٧٠.
(٢). الصواعق المحرقة: ٧٤.
الخامس : لو جعلت النبوة السبب الوحيد في إفتراض الطاعة، فلا يبقى خصوصيّة لافتراض الطاعة، بل لهم أن ينفوا سائر الفضائل عن أمير المؤمنين، بزعم أن جميع فضائل هارون مسببة عن نبوّته لا خلافته.
السادس : إنه ليس إفتراض الطاعة مسبباً عن النبوة فحسب، بل قد تجب الطاعة ولا نبوّة، كوجوب طاعة الله وطاعة الخلفاء. فإذا كان لشيءٍ سببان أو أكثر لم ينتف المسبب بانتفاء أحد الأسباب، وتعدّد الأسباب للشيء الواحد شائع؛ قال ابن هشام في معاني « لو »:
« الثالث: إنها تفيد الإمتناع خاصة، ولا دلالة لها على امتناع الجواب ولا على ثبوته، ولكنه إن كان مساوياً للشرط في العموم - كما في قولك: لو كانت الشمس طالعةً كان النهار موجوداً - لزم إنتفاؤه، لأنه يلزم من انتفاء السبب المساوي إنتفاء مسبّبه، وإنْ كان أعم - كما في قولك: لو كانت الشمس طالعةً كان الضوء موجوداً - فلا يلزم انتفاؤه، وإنما يلزم إنتفاء القدر المساوي منه للشرط. وهذا قول المحققين »(١) .
والعجب من التفتازاني، يتشبّث بالشبهة المذكورة، مع أنّه يحكي عن ابن الحاجب نفس القول المتقدم في معنى « لو » ويرتضيه في شرحيه ( المطوّل ) و ( المختصر ) على ( التلخيص ) حيث يقول:
« ولو للشرط. أي لتعليق حصول مضمون الجزاء لحصول مضمون الشرط فرضاً في الماضي، مع القطع بانتفاء الشرط، فيلزم انتفاء الجزاء، كما تقول: لو جئتني لأكرمتك. معلّقاً للإكرام بالمجيء مع القطع بانتفائه، فيلزم إنتفاء الإكرام، فهي لامتناع الثاني - أعني الجزاء - لامتناع الأول - أعني الشرط. يعني: إن الجزاء منتف بسبب انتفاء الشرط. هذا هو المشهور بين الجمهور.
___________________
(١). مغني اللبيب ١/ ٣٤٠.
واعترض عليه ابن الحاجب: بأن الأول سبب والثاني مسبّب، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب، لجواز أن يكون للشيء أسباب متعددة، بل الأمر بالعكس، لأن انتفاء المسبب يدل على انتفاء جميع أسبابه، فهي لامتناع الأول لامتناع الثاني. ألا ترى أنّ قوله تعالى( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ) إنما سيق ليستدل بامتناع الفساد على امتناع تعدّد آلهة، دون العكس.
واستحسن المتأخرون رأي ابن الحاجب، حتى كادوا يجمعون على أنها لامتناع الأول لا متناع الثاني، إمّا لما ذكروه، وإمّا لأن الأول ملزوم والثاني لازم، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم من غير عكس، لجواز أن يكون اللازم أعم.
وأنا أقول: منشأ هذا الإعتراض قلّة التأمّل، لأنه ليس معنى قولهم: لو لا متناع الثاني لامتناع الأول، أنه يستدل بامتناع الأول على امتناع الثاني، حتى يرد عليه أن انتفاء السبب أو الملزوم يوجب انتفاء المسبب أو اللازم، بل معناه إنها للدلالة على أن انتفاء الثاني في الخارج إنما هو بسبب إنتفاء الأول، فمعنى:( لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ ) أن انتفاء الهداية إنما هو بسبب انتفاء المشيّة، يعني إنها تستعمل للدلالة على أن علة إنتفاء مضمون الجزاء في الخارج هي إنتفاء مضمون الشرط، من غير إلتفات إلى أن علّة العلم بانتفاء الجزاء ما هي »(١) .
ثم إنّ القوم لقصر باعهم في علم الكلام، لم يقفوا على كلام السيد المرتضى علم الهدىرضياللهعنه في جواب هذه الشبهة فإنهرحمهالله قال
___________________
(١). المختصر في شرح التلخيص: ٩٤. وانظر المطوّل: ١٦٦ - ١٦٧.
بعد إثبات عموم المنزلة:
« وقد يمكن مع ثبوت هذه الجملة أنْ ترتّب الدليل في الأصل على وجهٍ يجب معه كون هارون مفترض الطاعة على اُمّة موسى لو بقي إلى بعد وفاته، وثبوت مثل هذه المنزلة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وإنْ لم يرجع إلى كونه خليفة له في حال حياته، ووجوب إستمرار ذلك إلى بعد الوفاة، فإنّ في المخالفين من يحمل نفسه على دفع خلافة هارون لموسىعليهماالسلام في حياته، وإنكار كونه منزلة تنفصل عن نبوّته، وإن كان فيما حمل عليه نفسه ظاهره المكابرة.
ونقول: قد ثبت أنّ هارونعليهالسلام كان مفترض الطاعة على اُمّة موسىعليهالسلام ، لمكان شركته له في النبوّة التي لا يتمكن من دفعها، وثبت أنه لو بقي بعده لكان ما يجب من طاعته على جميع اُمّة موسىعليهالسلام يجب له، لأنه لا يجوز خروجه عن النبوّة وهو حي، وإذا وجب ما ذكرناه - وكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أوجب بالخبر لأمير المؤمنين جميع منازل هارون من موسى ونفى أن يكون نبيّاً، وكان من جملة منازله أنه لو بقي بعده لكان طاعته المفترضة على اُمّته، وإن كانت تجب لمكان نبوّته - وجب أن يكون أمير المؤمنينعليهالسلام المفترض الطاعة على سائر الامّة بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنْ لم يكن نبياً، لأن نفي النبوّة لا يقتضي نفي ما يجب لمكانها، على ما بيّناه.
وإنما كان يجب لنفي النبوّة نفي فرض الطاعة، لو لم يصح حصول فرض الطاعة إلّا للنبي، وإذا جاز أنْ يحصل لغير النبي كالإمام والأمير، علم انفصاله من النبوّة، وأنّه ليس من شرائطها وحقائقها التي تثبت بثبوتها وتنتفي بانتفائها.
والمثال الذي تقدم يكشف عن صحة قولنا، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
لو صرّح أيضاً بما ذكرناه، حتى يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى في فرض الطاعة على اُمتي وإنْ لم تكن شريكي في النبوة وتبليغ الرسالة، لكان كلامه مستقيماً بعيداً عن التنافي »(١) .
نعم، قد وقف الفخر الرازي على ما ذكره السيد المرتضى، ولعلّه لذلك ذكر تلك الشبهة بطريق التشكيك لا على وجه الجزم. قال:
« قوله: إن هارون لو عاش بعد موسىعليهماالسلام ، لقام مقامه في كونه مفترض الطاعة.
قلنا: يجب على الناس طاعته فيما يؤدّيه من الله، أو فيما يؤدّيه عن موسى، أو في تصرّفه في إقامة الحدود؟
الأول مسلّم، ولكن ذلك نفس كونه نبيّاً، فلا يمكن ثبوته في حق عليرضياللهعنه .
أما الثاني والثالث فممنوع. وتقريره: إن من الجائر أنْ يكون النبيّ مؤدّياً للأحكام عن الله تعالى، ويكون المتولّي لتنفيذ تلك الأحكام غيره.
ألاترى أن من مذهب الإمامية أن موسىعليهالسلام إستخلف هارونعليهالسلام على قومه، ولو كان هارون متمكّناً من تنفيذ الأحكام قبل ذلك الإستخلاف لم يكن للإستخلاف فائدة. فثبت أن هارونعليهالسلام قبل الإستخلاف كان مؤدّياً للأحكام عن الله تعالى، وإنْ لم يكن منفّذاً لها »(٢) .
___________________
(١). الشافي في الامامة ٣ / ١٠ - ١١.
(٢). نهاية العقول - مخطوط.
أقول:
لم يُجب الرازي عن الإحتمال الثاني، وإنْ أوهم بقوله « وتقريره » أن ما ذكره تقرير لمنع كلا الإحتمالين، لكن هذا التقرير لمنع الثالث. ومن الواضح أنْ لا إشكال في افتراض طاعة هارون فيما يؤدّيه عن موسى، وهو الإحتمال الثاني، لأن هارون - وإن كان شريكاً لموسى في النبوّة - فقد كان تابعاً لموسى، وكان موسى هو الأصل في النبوة، كما صرّح به الرازي نفسه(١) والنيسابوري(٢) فأيّ مانعٍ عن بقائه مؤدّياً للأحكام عن موسى لو بقي حيّاً بعده؟
وأما ما ذكره في تقرير منع الإحتمال الثالث، ففي غاية الركة والسخافة، لأنه مع كون هارون أفضل الناس بعد موسىعليهماالسلام ، فمع فرض وجوده من بعده لا يجوز تولّي غيره تنفيذ الأحكام، لعدم جواز رئاسة المفضول مع وجود الأفضل، بخلاف حال حياة موسى، فإنّ موسى كان أفضل من هارون، فلا قبح في عدم استقلال هارون وانفراده في تنفيذ الأحكام.
فبطل احتمال عدم افتراض طاعة هارون في تنفيذ الأحكام لو بقي حيّاً بعد موسىعليهالسلام ، وأمّا في حياة موسى، فإنّ وجود الأفضل منه - وهو موسى - منع من انفراده في تنفيذ الأحكام.
وأمّا أمير المؤمنينعليهالسلام المفترض الطاعة بعد النبي، فلم يكن أفضل منه في الاُمّة، فلا مانع من انفراده في تنفيذ الأحكام، فكان حاله بعد النبي حال هارون بعد موسى عليهم الصلاة والسلام.
___________________
(١). تفسير الرازي ٢٢ / ١٠٧.
(٢). تفسير النيسابوري ٤ / ٥٦٧.
وتحقيق المقام على وجه يزيل جميع الأوهام هو: أنّه لا تنافي بين وجوب الإنقياد والإطاعة لهارون، وعدم حصول مرتبة تنفيذ الأحكام على سبيل الإنفراد والإستقلال لأن حال هارونعليهالسلام في تلك الصورة حال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل البعثة، فإنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان موصوفاً بالنبوة ووجوب الطاعة قبل البعثة بل قبل الخلقة، لكن حصول وصف تنفيذ الأحكام له كان موقوفاً على خلقه في هذا العالم وحصول بعثته:
قال الحافظ السيوطي: « قال الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه ( التعظيم والمنّة في( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) ) في هذه الآية من التنويه بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم، فتكون نبوّته ورسالته عامّةً لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء واُممهم كلّهم من اُمّته، ويكون قوله: بعثت إلى الناس كافّة، لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول مَن قبلهم أيضاً. ويتبيَّن بذلك معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: كنت نبيّاً وآدم بين الروح والجسد
فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإنْ تأخّر جسده الشريف المتّصف بها، واتّصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهيّة، وإنما يتأخّر البعث والتبليغ وكلّ ما له جهة الله، ومن تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخير فيه، وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنّما المتأخر تكوّنه وتنقّله، إلى أنْ ظهر صلّى الله عليه وسلّم وغيره من أهل الكرامة
فعرفنا بالخبر الصحيح، حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم من ربّه سبحانه، وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت فالنبي هو نبي الأنبياء. ولهذا أظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلّى بهم فلو وجد في عصرهم لزمهم اتّباعه بلا شك
فنبوّته ورسالته أعم وأشمل وأعظم، ومتفقه مع شرائعهم في الاُصول، لأنها لا تختلف، وتقدّم شريعته فيما يقع الإختلاف فيه من الفروع، إمّا على سبيل التخصيص وإمّا على سبيل النسخ
وإنما يختلف الحال بين ما بعد وجود جده صلّى الله عليه وسلم وبلوغه الأربعين، وما قبل ذلك، بالنسبة إلى المبعوث إليهم وتأهّلهم لسماع كلامه، لا بالنسبة إليه ولا إليهم لو تأهّلوا قبل ذلك »(١) .
وقال الشيخ عبد القادر العيدروس: « إعلم أنّ الله سبحانه لمـّا أراد إيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره الصمدية في حضرته في المصدر الأحمدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها، على ما اقتضاه كمال حكمته وسبق في إرادته وعلمه، ثم أعلمه تعالى بكماله ونبوّته، وبشّره بعموم دعوته ورسالته، وبأنه نبي الأنبياء وواسطة جميع الأصفياء وأبوه آدم بين الروح والجسد.
ثم انبجست منه عيون الأرواح، فظهر ممدّاً لها في عالمها المتقدم على عالم الأشباح، وكان هو الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس. فهو - وإنْ تأخّر وجود جسمه - متميّز على العوالم كلّها برفعته وتقدمه، إذ هو خزانة السر الصمداني ومحتد تفرّد الإمداد الرحماني.
وصحّ في مسلم أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: إن الله تعالى كتب مقادير الخلق قبل أنْ يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء،
___________________
(١). الخصائص الكبرى ١ / ٤.
ومن جملة ما كتب في الذكر - وهو اُمّ الكتاب - أن محمّداً خاتم النبيين.
وصحّ أيضاً: إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته أي: لطريح ملقى قبل نفخ الروح فيه.
وصحّ أيضاً [ إنه قيل له ]: يا رسول الله متى كنت نبيّاً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. ويروى: كتبت. من الكتابة.
وخبر: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين. قال بعض الحفاظ: لم نقف عليه بهذا اللفظ. وحسَّن الترمذي خبر: يا رسول الله متى وجبت لك النبوّة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.
ومعنى وجوب النبوّة وكتابتها: ثبوتها وظهورها في الخارج، نحو:( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَ ) ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) والمراد ظهورها للملائكة وروحه صلّى الله عليه وسلّم في عالم الأرواح، إعلاماً بعظيم شرفه وتميّزه على بقيّة الأنبياء. وخصَّ الإظهار بحالة كون آدم بين الروح والجسد، لأنه أو ان دخول الأرواح إلى عالم الأجساد، والتمايز حينئذٍ أتم وأظهر. فاختص صلّى الله عليه وسلّم بزيادة إطهار شرفه حينئذٍ، ليتميَّز على غيره تميّزاً أعظم وأتم.
وأجاب الغزالي عن وصفه نفسه بالنبوة قبل وجود ذاته، وعن خبر:
أنا أوّل الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً: بأنّ المراد بالخلق هنا التقدير لا الإيجاد، فإنه قبل أنْ تحمل به اُمّه لم يكن مخلوقاً موجوداً، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود، فقوله: كنت نبياً، أي في التقدير قبل تمام خلقة آدم، إذ لم ينشأ إلّا لينتزع من ذريّته محمد، وتحقيقه أن للدار في ذهن المهندس وجوداً ذهنيّاً سبباً للوجود الخارجي وسابقاً عليه، فالله تعالى يقدّر ثم يوجد على وفق تقدير بانيها. انتهى ملخصاً.
وذهب السبكي إلى ما هو أحسن وأبين، وهو: إنه جاء: أن الأرواح
خلقت قبل الأجساد، فالإشارة بكنت نبيّاً إلى روحه الشريفة أو حقيقة من حقائقها، ولا يعلمها إلّا الله ومن حباه بالإطلاع عليها »(١) .
وقد ذكر ابن حجر المكي في ( الفتاوي الحديثية ) كلام السبكي في أدلّة بعثة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الملائكة كذلك.
وقال محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي: « ويستدل بخبر الشعبي وغيره مما تقدم في الباب السابق: على أنه صلّى الله عليه وسلّم ولد نبيّاً، فإنّ نبوّته وجبت له حين أخذ منه الميثاق، حيث استخرج من صلب آدم، فكان نبيّاً من حينئذٍ، لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرةً عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبياً، كمن يولّي ولايةً ويؤمر بالتصرّف فيها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تصرفه يتأخر إلى حين مجيء الوقت، والأحاديث السابقة في باب تقدّم نبوّته صريحة في ذلك »(٢) .
أقول:
حديث الشعبي هو: ما أخرجه ابن سعد عنه مرسلاً: قال رجل: يا رسول الله متى استنبئت؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: وآدم بين الروح والجسد حين أخذ منّي الميثاق »(٣) .
وقال نور الدين الحلبي: « وفي الوفاء عن ميسرة قلت: يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال: لمـّا خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسوّاهنَّ سبع سماوات وخلق العرش، كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق
___________________
(١). النور السافر عن أخبار القرن العاشر ٦ - ٧.
(٢). سبل الهدى والرشاد ١ / ٨٣.
(٣). طبقات ابن سعد١/ ١٤٨.
الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء، وكتب اسمي، أي موصوفاً بالنبوّة أو بما خصَّ منها وهو الرسالة على ما هو المشهور على الأبواب والأرواق والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، أي قبل أن تدخل الروح جسده، فلما أحياه الله نظر إلى العرش، فرأي اسمي، فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك، فلمـّا غرّهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه.
أي: فقد وصف صلّى الله عليه وسلّم بالنبوة قبل وجود آدم »(١) .
والحاصل: إن نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم كان متّصفاً بالنبوة قبل مجيئه إلى هذا العالم، فحال هارون قبل وفاة موسى -عليهماالسلام - كذلك، وكذا حال أمير المؤمنين في حياة رسول الله، صلّى الله عليهما وآلهما وسلّم.
والمراد من الإمامة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المختصة بأمير المؤمنينعليهالسلام هو تنفيذ الأحكام الشرعيّة، والتصرّف في شئون المسلمين وغيرهم، ومن الواضح أنْ لا وجه لثبوتها له بهذا المعنى في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمّا إمامته في حياته فهو وجوب انقياد الناس له واتّباعه في أوامره ونواهيه، ونفوذ تصرّفه نيابةً عن النبي، وهذه الإمامة بهذا المعنى ثابتة له في حياته، بل في الزمان السابق عليها، كما يدل عليه ( حديث النّور ) وغيره من الأحاديث الدالّة على كونه إماماً منذ كون محمدٍصلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّاً.
وبالجملة، لا إشكال في كونهعليهالسلام إماماً في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنْ تأخّر تصرّفه الكلّي المستقل عن حياته الكريمة، كما ذكر محمد بن يوسف الصالحي في نفس نبوة نبيّنا
وعلى ما ذكرنا في معنى الإمامة الثابتة لهعليهالسلام في حياة النبي، لا
___________________
(١). السيرةالحلبية ١ / ٢٩٨.
يرد إشكال امتناع اجتماع النبوة لنبي والإمامة للإمامعليهالسلام في زمنٍ واحد.
فمن الغرائب قول ( الدهلوي ) في الباب الحادي عشر من كتابه: « النوع التاسع أخذ القوّة مكان الفعل، كقولهم: إنّ الأمير كان إماماً في حضور النبي، لقوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، فلو لم يكن بعده إماماً لزم عزله، وعزل الإمام غير جائز. والحال أنه في حضور النبيّ لم يكن إماماً بالفعل بل بالقوّة، وعزل الإمام بالقوة، بمعنى عدم نصب جائز، لوجود الأرجح منه»(١) .
وهو كلام واضح البطلان جدّاً، لأن ثبوت الإمامة بالقوّة من حديث المنزلة لأمير المؤمنينعليهالسلام يكفي لثبوت مرام الإمامية، لأنه حينئذٍ يكون نصّاً على إمامته، فيتعيّنعليهالسلام لها، وتكون الخلافة حقّه، ولا حقّ لمن لا نصَّ عليه أصلاً.
وهذه الإمامة نظير نبوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل وجوده الظاهري وبعثته إلى الناس وكما لا يجوز تقدّم أحد عليه في النبوة بعد وجوده في هذا العالم، كذلك لا يجوز تقدم أحد على الإمامعليهالسلام في الإمامة
ثمّ إن في كلامه المذكور تجويز « عزل » الوصي بالحق، وهو يناقض ما نصَّ عليه - في بحث حديث المنزلة وقد تقدم كلامه - من أن العزل يوجب الإهانة حيث قال: « وانقطاع هذا الإستخلاف ليس بعزل حتى يكون إهانةً ». وأيضاً، يردّه قول ابن القيم - المذكور سابقاً - بأنَّ العزل يدل على النقص.
وما زعمه من وجود « الأرجح » من أمير المؤمنينعليهالسلام ، مندفع بالأدلّة الكثيرة، وباعتراف ( الدهلوي ) نفسه وغيره بعدم النص على الخلفاء الثلاثة والمفروض دلالة حديث المنزلة على النص عليه باعترافه كذلك.
___________________
(١). التحفة الإثنا عشرية: ٣٥٠.
وما ذكره الرازي: « أن من مذهب الإمامية أن موسىعليهالسلام استخلف هارونعليهالسلام على قومه، ولو كان هارون متمكّناً من تنفيذ الأحكام قبل ذلك الإستخلاف لم يكن للإستخلاف فائدة، فثبت أن هارونعليهالسلام قبل الإستخلاف كان مؤدّياً للأحكام عن الله تعالى وإنْ لم يكن منفّذاً لها» فيردّه:
أوّلاً : إنّ إستخلاف هارون لم يكن من مذهب الإمامية فحسب، بل هو مذهب أساطين أهل السنّة كما عرفت، وبه قال الرازي نفسه في تفسيره، فنسبة ذلك إلى الإمامية هنا تناقض ظاهر.
وثانياً : إن هذا الكلام مبطل لكلامه السّابق حيث قال « إنْ سلّمنا دلالة الحديث على العموم، ولكنْ لا نسلّم أن من منازل هارون كونه قائماً مقام موسىعليهالسلام لو عاش بعد وفاته. قوله: إنه كان خليفةً له حال حياته فوجب بقاء تلك الحالة بعد موته. قلنا: لا نسلّم كونه خليفةً له. أما قوله تعالى:( اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) قلنا: لم لا يجوز أنْ يقال إن ذلك كان على طريق الإستظهار كما قال( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) لأن هارون كان شريك موسى في النبوّة، فلو لم يستخلفه موسى كان هو لا محالة يقوم بأمر الاُمّة، وهذا لا يكون استخلافاً على التحقيق، لأن قيامه بذلك إنما كان لكونه نبيّاً » لأنّه صريحٌ في عدم ترتّب فائدة على الإستخلاف، وكلامه هنا يفيد لزوم ترتب فائدةٍ عليه، وأنه لا يكفي النبوة لنفوذ الأحكام والأوامر، بل لا بدّ من الإستخلاف.
لكنّك عرفت أن إنكار الإستخلاف - مع الإعتراف بحصول افتراض الطاعة لهارون بغير الإستخلاف - لا يضرّ باستدلال الإماميّة، فإنّ مقصودهم
حاصل في هذه الصورة أيضاً.
وأيضاً، قال الرازي بعد عبارته السّابقة:
« وأيضاً: من مذهبهم أن يوشع بن نون كان نبيّاً بعد موسىعليهالسلام ، مؤدّياً عن الله تعالى، ولم يكن خليفةً لموسىعليهالسلام في معنى الإمامة، لأن الخلافة في ولد هارونعليهالسلام .
وأيضاً: فداود كان مبيّناً للأحكام والمتولّي لتنفيذها طالوت.
فإذا جاز ذلك لم يلزم من تقدير بقاء هراونعليهالسلام بعد موسىعليهالسلام كونه متولّياً لتنفيذ الأحكام، وإذا لم يجب ذلك لم يجب كون علي -رضياللهعنه - أيضاً كذلك ».
ولا يخفى ما فيه فإنّ نفي الإمامية خلافة يوشع عن موسى غير ثابت، بل الأحاديث الواردة من طرق الشيعة والسنّة تدل على وصايته. نعم ظاهر كلام الشهرستاني أن وصايته كانت مستودعةً حتى يبلّغها إلى شبّر وشبير - ولدي هارونعليهالسلام - وهذا لا ينفي الخلافة عنه، بل يثبتها لكن بطريق الإستيداع، ولا شابة فيه
وأمّا أنّ داود كان مبيّناً للأحكام والمتولّي لتنفيذها طالوت فالجواب عنه: أنّ تولّي طالوت ذلك كان باستخلافٍ من شموئيلعليهالسلام ، ولا ضير في استخلاف النبيّ غير النبي في تنفيذ الأحكام، قال وليّ الله الدهلوي في ( إزالة الخفا ): « لو أقام معصوم مفترض الطاعة ملكاً بأمر السلطنة صحّت سلطنته، وكان هو الإمام والملك خليفة له، كما فعل شموئيل حيث استخلف طالوت، فكان النبيّ وطالوت الملك ».
فاندفعت شبهات الرازي.
وتلّخص: إنه لو بقي هارون بعد موسى كان هو المنفّذ للأحكام، وأنّه لم
يقم بذلك غيره إلّا على وجه النيابة عنه، ولا ضير فيه. فكذلك أمير المؤمنينعليهالسلام النازل منزلة هارون
وليتأمّل العاقل اليلمعي في تهافتات الرازي وتناقضاته كيف ينكر تارةً ترتّب الفائدة على استخلاف هارون، وأخرى يوجب ترتّبها وإلّا فلا استخلاف؟
لكنّ مقصود الإمامية هو دلالة استخلاف هارونعليهالسلام على ثبوت ثمرة الخلافة له، وسواء كانت هذه الثمرة حاصلةً له قبل الإستخلاف، وكان الإستخلاف مؤكّداً، أو كانت حاصلةً من حين الإستخلاف فإنّ استدلال الإمامية تام بلا كلام بل إنّ ثبوتها له من قبل أنفع وأبلغ للإستدلال، فلا ترد شبهة انقطاع الخلافة أبداً.
وأيضاً، قد عرفت المشابهة بين حال هارون قبل استخلاف موسى إيّاه، وبين حال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل بعثته بالرسالة، فالفائدة المترتّبة على بعثته بعد الأربعين - مع ثبوت نبوّته قبل خلقه - مترتّبة على استخلاف هارون، مع ثبوت افتراض طاعته قبله.
وأيضاً، فإنّ نفس الإستخلاف شرف عظيم وفضل جليل كما عرفت سابقاً
ثم قال الرازي:
« ثم إنْ سلّمنا أن هارون لو عاش بعد موسىعليهماالسلام ، لكان منفّذاً للأحكام. ولكنْ لا شك في أنه ما باشر تنفيذ الأحكام » إلى آخر ما سبق.
وحاصل هذا الكلام: دلالة وفاة هارون قبل موسى على سلب الخلافة عن أمير المؤمنينعليهالسلام وقد عرفت جوابه بوجوه عديدةٍ وطرقٍ سديدة.
فدعوى الرازي التعارض والتساقط ساقطة عن الإعتبار.
وأما قوله:
« وعندهم عن ذلك أن هارونعليهالسلام إنما لم يباشر عمل الإمامة لأنه مات قبل موسىعليهالسلام ، وأمّا علي -رضياللهعنه - فإنه لم يمت قبل النبيعليهالسلام ، فظهر الفرق. فجوابنا عنه: أنْ نقول » إلى آخر ما سبق.
فالغرض منه الردّ على كلام السيد المرتضى علم الهدى في ( الشافي )، والحال أنّ كلامه في غاية القوّة والمتانة، وإيراده بالإختصار والإجمال ليتيسّر نقضه، بعيد عن دأب أهل العلم والفضل
هذا مضافاً إلى الوجه الآخر الذي ذكره السيد بقوله: « لأن هارون وإنْ لم يكن خليفةً » فإنّ السيّدرحمهالله عارض القاضي عبد الجبار بقوله: « ولو كان ما ذكره صحيحاً لوجب » وكان على الرازي أن يجيب عن هذا الوجه الجواب الشاف لو أمكنه لا أن يورده ملخّصاً على وجهٍ غير مرضي، فيجيب عنه بزعمه جواباً لا يغني
ونقول للرازي: إنه إنما يلزم انتفاء المسبَّب من انتفاء السّبب، لو كان السبب واحداً لا متعدّداً، ومع تعدّده فإنّه غير لازم كما بيّنا آنفاً ومن هنا لم يدّع الرازي - جازماً - انتفاء المسبب بانتفاء السبب، وإنما قال مردّداً: « إما أن يلزم من انتفاء السبب انتفاء المسبب أو لا يلزم » فعبارته تدل بوضوح على عدم جزمه بالإنتفاء، لكنّ المقلّدين له تجاسروا على الدعو، وزعموا أن انتفاء النبوة يستلزم انتفاء فرض الطاعة.
وأمّا قوله في فرض عدم لزوم انتفاء المسبّب من انتفاء السبب: « عدم إمامة هارونعليهالسلام إنما كان لموته قبل موسىعليهالسلام ، فوجب أنْ لا يلزم من عدم موت علي -رضياللهعنه - قبل رسول اللهعليهالسلام أنْ لا يحصل له المسبب وهو نفي الخلافة » فغريب جداً.
وذلك للبون الشّاسع بين تمسّك الإماميّة بقضيّة عدم انتفاء المسبب بانتفاء السبب، وبين تمسّك الرازي بها، ولا أظنّ خفاء ذلك الفرق على أدنى المحصّلين، فضلاً عن إمام المناظرين في العلوم العقلية والنقليّة؟! لكنّ التعصّب واللّجاج يغلب على الفهم ويعمي العين
وبالجملة، إنّ تمسّك الإمامية بتلك القضيّة هو في مقام ردّ إستدلال أهل السنّة، ومن الواضح كفاية الإحتمال لإبطال الإستدلال، وتمسّك الرازي بها هو مقام الإستدلال، ولا يكفي للمستدل مجرّد الإحتمال.
وبيان كيفية إستدلال الإماميّة هو: أنهم يستدلّون بحديث المنزلة - بعد إثبات عموم المنزلة - قائلين بأنّ من منازل هارون كونه مفترض الطّاعة، فيجب أن يكون أمير المؤمنينعليهالسلام مفترض الطّاعة كذلك فهذا منهم إستدلال وهم في مقام الإدّعاء.
فإن قال قائل من أهل السنّة في الجواب: بأن افتراض الطاعة كان مسبّباً عن النبوّة، وحيث هي منتفية عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، فافتراض الطّاعة منتفٍ كذلك، لانتفاء المسبَّب بانتفاء سببه فقد خالف الأدلّة المتفق عليها، ثمّ إنّه يكون المدّعي وعليه إثبات أنّه إذا انتفت النبوّة انتفى وجوب الطّاعة، وهذا أوّل الكلام، وللإماميّة منعه مع قولهم بافتراض الطّاعة، وحينئذٍ يكفي للمنع مجرد إبداء احتمال عدم الإنتفاء، وعلى أهل السنّة إثبات الملازمة، حتى تقع المعارضة ويكون التساقط.
هذا واقع المطلب، وهو ما يقتضيه قواعد المناظرة وإنْ كنت في شكٍ ممّا ذكرناه، فلنورد كلام بعض المحققين في فن المناظرة:
قال الشيخ عبد الرشيد الجونفوري في ( شرح الرسالة الرشيدية ): « فإذا أقام المدّعي الدليل ويسمّى حينئذٍ معللاً تمنع مقدمة معينة منه مع السند، كما إذا منع الحكيم كبرى دليل المتكلّم بأنْ يقول لا نسلّم أن كل متغيّر حادث، مستنداً بأنه لِمَ لا يجوز أنْ يكون بعض المتغيّر قديماً، أو مجرداً عنه، أي عارياً عن السند، فيجاب بإبطال السند إذا مع مع السند بعد إثبات التساوي، أي بعد بيان كون السند مساوياً لعدم المقدمة الممنوعة، بأنْ يكون كلّما صدق السند صدق عدم المقدمة الممنوعة وبالعكس، ليفيد إبطاله بطلان المنع، كأن يثبت المتكلّم كون قوله يجوز أنْ يكون بعض المتغيّر قديماً مساوياً لعدم كون كل متغيّر حادثاً، ثم يبطل بالدليل ذلك الجواز أو يجاب بإثبات المقدمة الممنوعة، أعم من أن لم يكن المانع مستنداً بشيء، أو يكون مستنداً بالسند المساوي أو غيره، مع التعرّض بما تمسّك به، إنْ كان متمسّكاً بشيء، والتعرض مستحسن وليس بواجب
وينقض الدليل إذا كان قابلاً للنقض بأحد الوجهين المذكورين من التخلف ولزوم المحال ويعارض إنْ كان قابلاً للمعارضة بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة، من المعارضة بالقلب أو المعارضة بالمثل أو المعارضة بالغير كما مر.
فيجاب في صورتي النقض والمعارضة بالمنع إذا كان قابلاً له، أو النقض إن كان صالحاً له، أو المعارضة إن كان قابلاً لها، لأن المعلّل الأول بعد النقض والمعارضة يصير سائلاً، فيكون له ثلاث مناصب كما كانت للسائل الأول، وقد يورد الأسؤلة الثلاثة على كلّ واحدٍ منهما، فكلمة أو لمنع الخلوّد دون الجمع ».
قال: « والمعارضة إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم، والمراد بالخلاف ما ينافي مدّعي الخصم، سواء كان نقيضه أو مساوي نقيضه أو أخصّ منه، لا ما يغايره مطلقاً، كما يشعر به لفظ الخصم، لأنه إنما يتحقق
المخاصمة لو كان مدلول دليل أحدهما ينافي مدلول دليل الآخر، فإنْ اتّحد دليلاهما بأنْ اتّحدا في المادة والصروة جميعاً، كما في المغالطات العامة الورود أو صورتهما فقط، بأنْ اتّحدا في الصورة فقط، بأن يكونا على الضرب الأول من الشكل الأول ومثلاً مع اختلافهما في المادة، فمعارضة بالقلب، إنْ اتحد دليلاهما، ومعارضة بالمثل إن اتّحد صورتهما، وإلّا أي وإنْ لم يتّحدا لا صورةً ولا مادّةً فمعارضة بالغير ».
وبالجملة، فإنّ المعارضة إقامة الدليل، فالمعارض مستدل على خلاف ما أقام الخصم الدليل عليه، فيكفي لدفع المعارضة مجرّد إبداء الإحتمال، لأنه إذا جاز الإحتمال بطل الإستدلال.
لكنّ الرازي - بتمسّكه بعدم مباشرة هارونعليهالسلام تنفيذ الأحكام، بسبب موته قبل موسىعليهالسلام - يستدل على عدم إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، والإستدلال دليل الدعوى، فالرازي مدّع، ومن هنا يجعل دليله معارضاً لدليل الإمامية ويقول « إذا تعارضا تساقطا ».
فهذه دعواه، وذاك دليله.
فإنْ قال الإماميّة بأنّه لا يلزم من عدم إمامة هارون - بسبب موته قبل موسى - عدم إمامة أمير المؤمنين، لعدم حصول سبب النفي وهو موته في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كان الإمامية في مقام المنع لا الإستدلال، وللمانع يكفي مجرّد الإحتمال.
أمّا أهل السنّة، فلكونهم في مقام الإستدلال، فلا يكفي لهم احتمال أنْ يقوم سبب آخر - لنفي إمامة الأمير - مقام الموت في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعلى أساس ما ذكرناه نقول بأنَّ مجرّد عدم موت أمير المؤمنين عليه
السلام كاف لعدم انتفاء الخلافة عنه، ومن الواضح عدم تحقّق سببٍ آخر موجب لانتفائها، فالخلافة ثابتة لسيّدنا أمير المؤمنينعليهالسلام ، فالتقرير المذكور من الرازي لا يفي بغرضه، حتى لو لم يكن في مقام الإستدلال، لأن تقرير إثبات افتراض الطاعة هو بَعد إثبات عموم المنازل الثابت بحديث المنزلة، فيكون افتراض طاعته في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ثابتاً، كافتراض طاعة هارون في حياة موسىعليهماالسلام ، أمّا عدم حصول افتراض الطاعة لهارون بعد موسى فهو لأجل موته قبله، وهذا السبب في حق الأمير منتف، واحتمال سنوح سبب آخر يمنع افتراض طاعته بعد النبي باطل، لأنه بعد ثبوت فرض طاعته في حياة النبي يثبت فرضها بعده بالإجماع المركّب، وهذا الإجماع دليل قاطع على عدم حصول سببٍ آخر يوجب نفي خلافته ويقوم مقام الموت في السببيّة لنفيها.
وأيضاً، إفتراض طاعة هارون كان على جميع اُمّة موسى على العموم والشمول، فكذلك افتراض طاعة أمير المؤمنين، فهو على جميع اُمّة نبيّنا على العموم والشمول، فيكون أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم ممّن تجب عليهم طاعته في حياة النبي، ولا يجوّز عقل عاقلٍ زوال هذا الفرض بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضلاً عن انقلابه، بأنْ تكون طاعة كلّ واحدٍ منهم على الترتيب واجبةً على أمير المؤمنينعليهالسلام وهذا وجه آخر لعدم حصول سببٍ آخر - غير الموت - لنفي خلافة الأميرعليهالسلام .
وأيضاً، لمـّا ثبت فرض طاعته، كان هذا الحكم متسصحباً حتى مجيء الرافع اليقيني، وليس في البين رافع يقيني بل ولا ظنّي، ومن ادّعاه فهو مكابر.
وفي ( عماد الإسلام ) في جواب هذا القول:
« ويرد عليه: أنا لا نمنع هذا التجويز في نفسه، نظراً إلى إمكان أن يكون
لعدم الخلافة أسباب أخر غير الموت، لكنا نمنع نظراً إلى أن من قال السّلطان في حقه أنه ابني بمنزلة زيد ابني، وأنه أميري ومن أركان دولتي بمنزلة زيد أميري، وأنه وليّ عهدي كما كان الرضاعليهالسلام ولي عهد المأمون، وهارون ولي عهد موسىعليهالسلام ، ونحو ذلك، وفرضنا في كلّ من تلك الصور أنّ المشبّه به والمنزّل عليه فات وحلّه الموت، وبقي الذي اثبت له تلك المناصب، لم يخطر ببال أحدٍ من وكلائه وكتب ذلك المالك إليه أن أعط زيداً الصديق لي ألف دينار من مالي، وأحسن إلى عمرو بتلك المنزلة، فإنه أيضاً صديق لي بمنزلة زيد، وفرضنا أنه قبل أنْ يصل كتابه إلى وكيله مات زيد، لم يحكم أحد من العلماء والعقلاء أنّ فوت ذلك الإعطاء بالنسبة إلى زيد بسبب موته، أوجب فوت الإعطاء بالنسبة إلى عمرو الذي هو موجود حي، وهذا كله ظاهر لا يخفى ».
وأمّا قول الرازي - لإثبات دخول نفي الخلافة في عموم « المنزلة » -:
« لأنّا نقول: أمّا الأول فجوابه: ان معنى قوله: أنت مني ».
فنقول:
أوّلاً : لا يخفى أن هذا الكلام مبطل لكلّ ما ذكره الرازي من قبل في ردّ عموم المنازل، لأنه إذا كان معنى الحديث - كما قال -: « إن حالك معي أو عندي كحال هارون من موسى، وهذا القول يدخل تحته أحوال هارون نفياً وإثباتاً » كان الحديث دالّاً على عمومٍ يزيد على العموم المطلوب للإماميّة، لأنّهم يقولون بعموم الأحوال إثباتاً، والرازي يثبت العموم بالنسبة إلى أحواله نفياً أيضاً.
وثانياً : قد عرفت سابقاً - حسب كلمات المحقّقين من علماء الحديث -
أن لفظ « المنزلة » لا يتناول نفي الخلافة التي معناها - كما نصّوا - مراتب القرب والإتّصال، فلا يدخل نفي الفضل والكمال تحت الحديث أبداً.
وثالثاً : إنه يَبطُلُ إدخالُ الأحوال المنفيّة بما ذكره الرازي نفسه من حمل الحديث على السبب، ولزوم التوقّف فيما عدا ذلك.
ورابعاً : إنه باطل بكلمات ( الدهلوي ) ووالده، وبتحقيقات تلميذه الرشيد والكابلي وغيرهم وقد تقدّمت نصوص تلك الكلمات.
وخامساً : إن مَدلول لفظ « المنزلة » لا يدخل فيه « النفي » كما عرفت من نصوص كبار علماء اللغة.
وسادساً : لو سلّمنا شمول مدلول لفظ « المنزلة » للأحوال المنفيّة، لكن المتبادر من الحديث إثبات الفضائل والمناقب، فلا يتناول نفي الخلافة، ويشهد بما ذكرنا: أنّ علماء أهل السنّة - قديماً وحديثاً - يصرّحون بأنّ هذا الحديث إنما صدر من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تسليةً لأمير المؤمنينعليهالسلام ، ودفعاً لطعن المنافقين والمرجفين، فلو كان مدلوله نفي الخلافة والإمامة لم يكن لإيراده في مقام التسلية وجه، بل يكون حينئذٍ تأييداً لإرجاف المرجفين وطعن المنافقين!
هذا، وكأنّ الرازي إلتفت إلى سخافة ما ذكره وما يترتب عليه من الفساد فقال: « إن إفادة الكلام لهذا النفي لا يمنع من دلالته على الفضل » ثم قرّر ذلك بكلامٍ ظاهر الإختلال غير مرتبط بالبحث لأن عدم استقباح الكلام الذي ذكره عن الإمام الثاني إنّما هو لطلب الإنسان الآخر منه تولية بلدةٍ أخرى. وليس فيما نحن فيه عن أمير المؤمنينعليهالسلام طلب ولاية، حتّى يقاس أحدهما على الآخر، وكلّ ما فيه - كما يظهر من روايات أئمة أهل السنّة - أنّ المنافقين زعموا أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنما خلّفهعليهالسلام إستثقالاً
وتخفّفاً منه، فخرجعليهالسلام حتى لحق به فأخبره بما قالوا، فقال: كذبوا فهل يعقل أنْ يخبره في هذه الحالة بنفي الخلافة التي هي أعظم المنازل وأجلّ الفضائل؟!
وبالجملة، في المثال الذي ذكره يوجد طلب وافتراح من الإنسان الآخر، ولا يوجد طعنٌ عليه من أحد، فلم يقبح من الإمام الثاني عدم توليته البلدة الأخرى فالمثال لا علاقة له بما نحن فيه.
ولو فرضنا أنّ الإنسان الآخر لم يطلب من الإمام الثاني تولية بلدةٍ أخرى، بل طعن أعداؤه فيه بسبب توليته البلدة المعيّنة فقط، وقالوا: بأن الإمام الثاني إنما ولّاه أمارة تلك البلدة لأجل إبعاده وطرده عن مركز الخلافة والإمامة، لشدّة كراهيّته له فتألّم هذا الإنسان ممّا قالوا في حقّه وانكسر خاطره، حتى حضر عند الإمام الثاني فأبلغه مقالتهم ففي هذه الحالة لو قال الإمام الثاني: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة من تولّى هذه البلدة في حال حياة الإمام الأول ولم يكن خليفةً عنه من بعده، فلا تنال ولاية هذه البلدة وغيرها من البلاد من بعدي؟! كان هذا الكلام مستقبحاً مستنكراً جدّاً، لا يسلّيه ولا يطيّب خاطره أصلاً، بل كان بالعكس مؤيّداً ومؤكّداً لما قاله الأعداء فيه لا سيّما وأنه إذا كان هذا الإنسان الآخر من أخص خواص هذا الإمام الثاني، وكان متّصفاً من أوّل يومٍ بعوالي الفضائل السامية، وجلائل المناقب الراقية، باذلاً في امتثال أوامره ونواهيه من مهجته، مدافعاً عنه في جميع المواقف أعدائه وكان الإمام الثاني مشيداً دائماً بخدمات هذا الإنسان الآخر - وهو صهره وابن عمه أيضاً - معلناً مكارمه ومناقبه حتى نزّله منزلة نفسه،
(٢)
إمامة هارون ووصياته
لقد فوّض موسى إلى هارون -عليهماالسلام - الإمامة والخلافة المطلقة الدائمة من بعده، وكذا جميع الأعمال الموقوفة على الإمامة، وفرض على بني إسرائيل جميعهم طاعته، وحرَّم عليهم مخالفته ومخالفة أولاده وهذا ما رواه وأكّد عليه المؤرّخون وأرباب السّير:
قال المؤرّخ مير خواند شاه: « إن موسى فوّض الإمامة والخلافة إلى هارون، وقرّر بقاء ذلك بحسب الوصاية في نسله وذريّته بطناً بعد بطن، وأشهد على ذلك جميع بني إسرائيل، وحرّم عليهم مخالفته ومخالفة أولاده، وأباح قتل المخالفين لهم »(١) .
وذكر كاشف الظنون كتاب ( روضة الصفا ) بقوله: « روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفا. فارسي، لمير خواند المؤرّخ محمد بن خاوند شاه بن محمود، المتوفى سنة ٩٠٣. ذكر في ديباجته: إن جمعاً من إخوانه التمسوا تأليف كتابٍ منقّح محتوٍ على معظم وقائع الأنبياء والملوك والخلفاء، ثم دخل صحبة الوزير مير علي شير وأشار إليه أيضاً، فباشر مشتملاً على مقدمةٍ وسبعة
___________________
(١). روضة الصفا - في أخبار موسى وهارون -.
أقسامٍ وخاتمة »(١) .
واعتمد العلماء والمؤلّفون على كتاب ( روضة الصفا ) ومنهم ( الدهلوي ) نفسه وأضاف بأنْ وصفه بكونه من التواريخ المعتبرة(٢) فيكون النصّ الذي ذكرناه حجةً معتبرة على ( الدهلوي ) وغيره.
وقال بدر الدين العيني: « إعلم أن التوراة اُنزلت على اليهود على يد موسى بن عمرانعليهالسلام ، لقوله تعالى:( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً ) الآية. وهو أول كتاب نزل من السماء، لأن الذي نزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء -عليهمالسلام - ما كان يسمّى كتاباً، بل صحفاً
قالوا: وكان موسىعليهالسلام قد أفضى أسرار التوراة والألواح إلى يوشع بن نون وصيّه من بعده، ليفضي إلى أولاد هارون، لأنّ الأمر كان مشتركاً بينه وبين أخيه هارونعليهالسلام ، إذ قال:( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) وهو كان الوصي، فلمـّا مات هارون في حال حياة موسىعليهالسلام انتقلت الوصاية إلى يوشع بن نون، وكانوا يحكمون بها وهم متمسّكون بها برهةً من الزمان »(٣) .
والعيني من أعيان علماء القوم، كما في كلماتهم في حقّه:
قال شمس الدين السخاوي: « محمود بن أحمد، القاضي الحنفي، أحد الأعيان، ويعرف بابن العيني.
اشتغل بالعلوم من سائر الفنون على العلماء والكبار، وكان إماماً عالماً علّامةً عارفاً بالتصريف والعربية وغيرهما، حافظاً للتاريخ واللغة، كثير
___________________
(١). كشف الظنون ١ / ٩٢٦.
(٢). التحفة الاثنا عشرية: ٢٦٤.
(٣). عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، فصل في تحريف أهل الكتاب - مخطوط.
الإستعمال لها، مشاركاً في الفنون، لا يملّ من المطالعة والكتابة، كتب بخطّه جملةً وصنّف الكثير، وكان نادرةً بحيث لا أعلم بعد شيخنا أكثر تصانيف منه، وقلمه أجود من تقريره، وكتابته طريفة حسنة مع السرعة.
وحدّث وأفتى ودرّس، مع لطف العشرة والتواضع، واشتهر اسمه وبعد صيته، وأخذ عنه الفضلاء من كلّ مذهب، وممّن وسمع عليه من القدماء الكمال الشمنّي، وعلّق شيخنا من فوائده بل سمع عليه.
وذكره العلاء ابن خطيب الناصرية في تاريخه فقال: وهو إمام عالم فاضل مشارك في علوم، وعنده حشمة ومروّة وعصبيّة وديانة.
وقد قرأت عليه الأربعين التي انتقاها شيخيرحمهالله من صحيح مسلم، في خامس صفر سنة ٥١، وعرضت عليه قبل ذلك محافيظي، وسمعت عدّةً من دروسه »(١) .
وقال السيوطي: « العيني، قاضي القضاة بدر الدين، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود. ولد في رمضان سنة ٧٦٢ وتفقّه واشتغل بالفنون، وبرع ومهر، ودخل القاهرة، وولي الحسبة مراراً، وقضاء الحنفيّة. وله تصانيف مات في ذي الحجة سنة ٨٥٥ »(٢) .
قال: « وكان إماماً عالماً علّامة »(٣) .
وقال الأزنيقي: « ومن التواريخ: تاريخ قاضي القضاة العيني وكان إماماً عالماً علّامة بالعربية والتصريف وغيرهما »(٤) .
وقال أبو الفتح الشّهرستاني: « اليهود خاصّة هاد الرجل أي رجع وتاب،
___________________
(١). الذيل الطاهر. وانظر: الضوء اللامع ١٠ / ١٣١.
(٢). حسن المحاضرة ١ / ٤٧٣.
(٣). بغية الوعاة ٢ / ٢٧٥.
(٤). مدينة العلوم في ذكر علم التواريخ.
وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسىعليهالسلام ( إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ) أي: رجعنا وتضرّعنا، وهم اُمّة موسىعليهالسلام وكتابهم التوراة، وهو أوّل كتاب نزل من السّماء، أعني أن ما كان ينزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء -عليهمالسلام - ما كان يسمّى كتاباً بل صحفاً، وقد ورد في الخبر عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أنه قال: إنّ الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنّة عدنٍ بيده، وكتب التوراة بيده. فأثبت لها اختصاصاً آخر سوى سائر الكتب.
وقد اشتمل ذلك على أسفار
وأنزل علي الألواح
قالو: كان موسى -عليهالسلام - قد أفضى بأسرار التوراة والألواح إلى يوشع بن نون وصيّه من بعده، ليفضي إلى أولاد هارون، لأن الأمر كان مشتركاً بينه وبين أخيه هارون -عليهماالسلام - إذ قال:( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) طه ٢٠: ٣٢ وكان هو الوصي، فلمـّا مات هارون في حال حياته انتقلت الوصاية إلى يوشع بن نون وديعةً ليوصلها إلى شبر وشبير ابني هارون قراراً، وذلك أنّ الوصية والإمامة بعضها مستقر وبعضها مستودع، واليهود تدّعي أنّ الشريعة لا تكون إلّاواحدة، وهي ابتدأت بموسىعليهالسلام وتمّت به، فلم يكن قبله شريعة إلّاحدود عقليّة وأحكام مصلحيّة، ولم يجيزوا النسخ أصلاً »(١) .
والثناء على أبي الفتح الشهرستاني في كلمات المترجمين له كثير، لا بأس بذكر طرفٍ منه في هذا المقام:
قال ابن خلّكان: « أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر
___________________
(١). الملل والنحل ١ / ٢١٠ - ٢١١.
أحمد الشهرستاني، المتكلّم على مذهب الأشعري. كان إماماً مبرّزاً فقيهاً متكلّماً، تفقّه على أحمد الخوافي وعلى أبي نصر القشيري، وغيرهما. وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري، وتفرّد فيه، وصنّف كتباً منها كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام، والبينات والملل والنحل، والمناهج والبينات، وكتاب المضارعة توفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة تسع وأربعين. والأول أصح »(١) .
وقال اليافعي: « كان إماماً مبرّزاً، فقيهاً، متكلّماً »(٢) .
وقال الأسنوي: « قال ابن خلكان: كان إماماً مبرّزاً فقيهاً متكلّماً، واعظاً، تفقّه على الخوافي تلميذ إمام الحرمين، وعلى أبي نصر القشيري وغيرهما، وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري، وتفرَّد فيه في عصره، صنّف كتباً كثيرةً مشهورة »(٣) .
وقال أبو الفداء: « كان إماماً في علم الكلام والفقه، وله عدّة مصنّفات »(٤) .
وقال الأزنيقي: « وممّن أورد فرق المذاهب في العالم كلّها محمّد الشهرستاني في كتاب الملل والنحل كان إماماً مبرّزاً فقيهاً متكلّماً »(٥) .
وقال كاشف الظنون بعد ذكر الملل والنحل لابن حزم: « قال التاج السبكي في الطبقات: كتابه هذا من أشد الكتب، وما برح المحققون من أصحابنا ينهون عن النظر فيه، لما فيه من الإزراء بأهل السنّة، وقد أفرط فيه في التعصّب على أبي الحسن الأشعري، حتى صرح بنسبته إلى البدعة. وأمّا أبو الفتح الإمام محمّد بن
___________________
(١). وفيات الأعيان ٤ / ٢٧٣.
(٢). مرآة الجنان ٣ / ٢٨٩.
(٣). طبقات الشافعية ٢/١٠٦.
(٤). المختصر في أحوال البشر ٣ / ٢٧.
(٥). مدينة العلوم - في كتب الفرق.
عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة ٥٤٨ فقد قال فيه أيضاً: هو عندي خير كتابٍ صنّف في هذا الباب، ومصنّف ابن حزم - وإنْ كان أبسط منه إلّا أنّه مبدّد ليس له نظام »(١) .
كانت العبارات المنقولة عن الكتب المذكورة صريحةً في إمامة هارون ووصياته عن موسى، وأنّه قد أفضى موسى علم التوراة والألواح وأسرارها إلى هارون، فكذلك أمير المؤمنينعليهالسلام المنزّل منزلة هارون يكون هو الإمام والوصي بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والعارف بأسرار الكتاب الإلهي دون غيره، وأنّ هذه المنازل مختصّة به وبأولاده.
لكن في عبارة الشّهرستاني فوائد:
١ - إن موسى عليه السلام أفضى بأسرار التوراة والألواح إلى يوشع ليفضي إلى أولاد هارون، فيظهر أنّ إفضاء الأسرار كان أمراً مقصوداً لموسى، وأنّ هارون هو الذي كان يختص بتلك الأسرار، ولأجل ذلك اختص أولاده بها.
٢ - وأنّ السبب في الإختصاص المذكور اشتراك هارون مع موسى في أمر الرسالة والهداية كما قال:( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) .
٣ - وأنّ هارون كان هو الوصيّ لموسى، ومن الواضح لدى كلّ مسلم أن وصاية النبي المعصوم لا تقبل الزوال والإنقطاع.
٤ - لكنّه لـمّا مات في حياة موسى انتقلت الوصاية إلى يوشع وديعةً، وأما الوصاية الأصليّة فكانت لهارون.
___________________
(١). كشف الظنون: ٥٧ ، ٢٩١.
٥ - وأن وصاية يوشع إنّما كانت لأجل إيصالها إلى ابني هارون، فهذا وجه آخر لكون الوصاية الأصليّة لهارون.
٦ - وأن الوصاية والإمامة تنقسم إلى مستودع ومستقر، وكانت وصاية أولاد هارون وإمامتهم مستقرّة.
وعلى ضوء هذه الاُمور نقول:
إنّ الوصاية والإمامة العامّة ثابتة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، بمقتضى عموم المنزلة، ولا أقل من حمل التشبيه على الأوصاف الظاهرة المشهورة، كما ظهر من إفادة ولي الله الدهلوي أمّا ( الدهلوي ) نفسه فيرى ضرورة الحمل على المشابهة الكاملة.
وأيضاً، إنّ ثبوت افتراض طاعة شبر وشبير، وثبوت إمامتهما ووصياتهما، يقتضي أن يكون الحسنان -عليهماالسلام - مثلهما في جميع ذلك، وهو مقتضي تسميتهما باسم ابني هارون، كما في الحديث وستعرفه وإذا ثبت ذلك لهما ثبت لوالدهما الإمامة العامة بلا فصل، بالإجماع المركّب.
ولا يتوهّم: أنّ المراد من « قالوا » في عبارة الشهرستاني وغيره هم اليهود، فلا يتم الإستدلال.
لأنّ المراد قطعاً علماء الإسلام، لوجود الإستدلال في الكلام بالقرآن الكريم، وأيضاً قوله بعد ذلك: « واليهود تدّعي » يشهد بأنّ فاعل « قالوا » ليس اليهود. وأيضاً سكوت الشهرستاني وغيره عن مقول « قالوا » وعدم ردّهم عليه دليل على قبولهم له، فلو فرض كون القائل هم اليهود لم يسقط الإستدلال بالمقول.
وكما سكت الشهرستاني والعيني عمّا قالوا وسكوتهم دليل القبول، فإنّ بعض علماء أهل السنّة نقلوا الكلام من دون نسبةٍ إلى قائل، ممّا يدلُّ على القبول
له والإذعان به أيضاً ومنهم عَبد الوهاب الروداوري في ( نقاوة الملل وطراوة النحل ) ومصطفى بن خالقداد الهاشمي العبّاسي في ( توضيح الملل ).
وإمامة هارون وأولاده صريح التوراة في مقامات كثيرة:
ففي الفصل الأول من السفر الرّابع:
« فكلّم الله موسى قائلاً: قدّم لسبط ليوي، فقفهم بين يدي هارون الإمام، فيخدموه ويحفظوا محفظه ومحفظ الجماعة بين بدي خباء المحضر، ويخدموا خدمة المسكن، ويحفظوا جميع آنية خباء المحضر، ومحفظ بني إسرائيل، ويخدموا خدمة المسكن، وادفع الليوانيين إلى هارون وبنيه مسلمون معطون هم له من بني إسرائيل، ووكّل هارون وينيه على أنْ يحفظوا إمامتهم، وأيّ أجنبي تقدم إليها فليقتل ».
أقول:
وكذلك أمير المؤمنين وأولاده -عليهمالسلام - بحكم حديث المنزلة، وأنّ أي أجنبي عن الإمامة تقدّم إليها فليقتل
وفي السفر الرابع:
« الفصل الثامن عشر: فقال الله لهارون: أنت وابناك وآل أبيك معك تحملون وزر المقدس؛ وأنت وابناك معك يحملان وزر إمامتكم، وأيضاً إخوتك سبط ليوي سبط أبيك، قدّمه إلينا فينضافوا إليك ويخدموك، وأنت وابناك معك فقط بين يدي خباء الشهادة، ويحفظوا محفظك ومحفظ كل المضرب، لكن لا يتقدموا إلى آلة القدس والمذبح لئلّا يموتوا هم وأنتم والمنضافون إليك يحفظون
حفظ خباء المضحر وجميع خدمته، وأجنبي لا يتقدم إليكم، وليحفظوا حفظ المقدس وحفظ المذبح، ولا يكون زيادة سخط على بني اسرائيل، فإني إنما أخذت إخوتكم الليوانيين من بين بني إسرائيل، وجعلتهم هبة لكم الله، ليخدموا خدمة خباء المحضر، وأنت وبنوك معك تحفظون إمامتكم لجميع أمور المذبح وداخل السِجف فتخدمونه، فقد جعلت إمامتكم خدمة موهونة، وأيّ أجنبي تقدم إليها فليقتل، ثم وكّل الله هارون فقال: إني قد أعطيتك حفظ رفائعي من جميع أقداس بني إسرائيل، أعطيتك إيّاها مسحاً وبنيك رسم الدهر، هذا يكون لك من خواص الأقداس من بعد المحرق، من جميع قرابينهم وبرّهم وذكاتهم وقربان الاثم الذي يأتوني به، فهو من خواص الأقداس لك ولبنيك ».
وفي السّفر الرابع:
« الفصل السادس عشر: وتقدّم قورح بين يِصهار بن قهاث بن ليوي، وداثان وأبيرام ابنا الياب واون بن فالث بنوراوبين، فقاموا أمام موسى وأناس من بني إسرائيل خمسون ومائتان اشراف الجماعة دعاة محضر وذوو أسماء، فتجوَّقوا على موسى وهارون وقالوا لهما: ما حسبكما رياسة، إذ الجماعة كلهم مقدسون، وفيما بينهم نور الله، فما بالكما تتشرفان على جوق الله؟ فسمع ذلك موسى ووقع على وجهه، فكلّم قورح، وكلّ جموعه وقال لهم: غداً يعرف الله من هوله ومن المقدس فيقرّ به إليه، ومن يختاره يقرّبه إليه، إصنعوا خلّة خذوا مجامر ياقورج وكلّ جموعه، واجعلوا عليها ناراً وألقوا فيها بين يدي الله غداً فاي رجل اختاره الله، فهو المقدس، حسبكم ذلك يا بني ليوي، ثم قال لهم موسى: اسمعوا يا بني ليوي، أقليل عندكم أنْ أفرزكم إله اسرائيل من جماعتكم، فقرّبكم إليه لتخدموا خدمة مسكنة، وتقفوا بين يدي الجماعة تخدمونهم، فكذاك قرّبك وسائر إخوتك بني ليوي معك، حتى طلبتم الإمامة أيضاً
فكلّم الله موسى قائلاً: مر الجماعة وقل لهم: ارتفقوا من حوالي مسكن قورح وداثان وابيرام. فقام موسى ومضى إلى داثان وابيرام، ومضى معه شيوخ بني إسرائيل، فكلّم الجماعة وقال لهم: اجتنبوا أخبية هؤلاء اقوم الظالمين، ولا تدقوا بشيء ممّا هو لهم، كيلا تتساقوا بجميع خطاياهم، فارتفعوا عن حوالي مسكن قورح وداثان وابيرام، وهما خرجا أيضاً وانتصبا على ابواب خيمهما ونساؤهما وبنوهما وأطفالهما. فقال موسى: بهذه تعلمون أن الله بعث بي لأعمل جميع هذه الأعمال، وليس ذلك من تلقاء نفسي، إنْ مات هؤلاء كموت كلّ الناس، وطولبوا كمطالبتهم، فليس الله بعث بي، وإنْ خلق الله خلقاً بأنْ تفتح الأرض فاهاً فتبلعهم وجميع مالهم، فينزلون أحياء إلى الثرى، علمتم أن هؤلاء قد عصوا الله.
فكان عند فراغه من قول هذا الكلام أنْ انشقّت الأرض التي تحتهم، وفتحت فاهاً فابتلعتهم وبيوتهم، وكل إنسان لقودح وجميع السرح، فنزلوا هم وجميع ما لهم أحياء إلى الثرى وتعطّعت عليهم الأرض وبادوا من جميع الجوق وجميع بني إسرائيل الذين حواليهم هربوا من شدة صوتهم، قالوا: كيلا تبتلعنا الأرض، ونار أخرجت من عند الله وأحرقت المائتين وخمسين رجلاً مقربي البخور.
وكلّم الله موسى قائلاً: مر العازار بن هارون الإمام بأنْ يرفع المجامر من بين يدي المحرقين ويذر النار هناك، لأنها قد تقدست، وأما مجامر أولئك المخطئين على نفوسهم فيصنعونها صفائح رقاقاً غشاء للمذبح، فإنهم لما قدّموها بين يدي الله قد تقدست وتصير علامةً لبني إسرائيل.
وأخذ العارزار الإمام مجامر النحاس التي قدّمها المحرقون فارقوها صفائح للمذبح ذكراً لبني إسرائيل، كي لا يتقدم رجل أجنبي ممّن ليس هو من
نسل هارون، ليبخّر بخوراً بين يدي الله ولا يكون كقورح وكجموعه كما نزّل الله على يد موسى فيه».
وفي الفصل الثلاثون من السفر الثاني:
« والمائدة وجميع آنيتها والمنارة وآنيتها ومذبح البخور ومذبح الصعيدة وجميع آنيته والحوض ومقعده وقدس جميعها تكن من خواص الأقداس، كل من دنا بها تقدس وتمسح هارون وبنيه وقدسهم، ليؤمّوا لي، ومر بني إسرائيل قائلاً: يكون هذا دهن مسح القدس لي لأجيالكم لا يدهن به بدن إنسان، ولا تصنعو مثله على هيئته، وكما هو قدس كذاك فليكن قدساً لكم، أي إنسانٍ تعطّر بمثله أو جعل منه على أجنبي ينقطع من قومه ».
وفي السفر الثاني:
« الفصل الخامس والثلاثون وثياب القدس لهارون الإمام وثياب بنيه للإمانة ».
وفي السفر الثاني:
« الفصل التاسع والثلاثون صنعوا ثياب القدس التي لهان كما أمر الله موسى به
الفصل الأربعون: ثم كلّم الله موسى قائلاً وقدّم هارون وبنيه إلى باب خباء المحضر، فاغسلهم بالماء، وألبس لهارون ثياب القدس وامسحه وقدّسه، ليؤمَّ لي، وقدّم بنيه وألبسهم تونيات وأمسحهم كما مسحت أباهم، ليؤموا لي، ويكون مسحهم لهم إمامة الدهر لأجيالهم.
وعمل موسى بجميع ما أمره الله به ».
وفي السفر الثالث:
« الفصل الأول: ودعا الله موسى فخاطبه من خباء المحضر قائلاً: خاطب
بني إسرائيل قائلاً: أي إنسان منكم قرّب قرباناً من البهائم فليقرّبه وليقدم بنو هارون الأئمة الدم، ويرشح الإمام عند المذبح الذي عند باب خباء المحضر مستديراً، ويسلخ الصعيدة وبعّضها أعضاء، ويشعل بنو هارون الإمام ناراً على المذبح، وينضدوا عليها حَطباً وينضدوا بنو هارون الإمام الأعضاء والرأس والقصبة على الحطب الذي على النار ».
وفي السفر الرابع:
« الفصل الرابع: ثم كلّم الله موسى وهارون قائلاً: ارفعوا جملة بني قهّاث من بني ليوي بعشائرهم وبيوت آبائهم ».
أقول:
فقد جاء في هذه النصوص وغيرها أنّ الله كلّم موسى عن هارون ووصف هارون وبنيه بالإمامة، وأمرهم بالقيام بشئون الإمامة ووظائفها وهذه الإمامة لم تكن مؤقتةً بوقتٍ بل كانت دائمةً غير منقطعة أبداً.
ولـمّا كان أمير المؤمنين -عليهالسلام - نازلاً منزلة هارونعليهالسلام ، فإنّ رتبة الإمامة ثابتة له في حياة الرسول وبعد وفاته -صلىاللهعليهوآلهوسلم - وكذا الحسنان من بعده، وأن على الاُمة مراجتهم في جميع الاُمور والإنصياع لأوامرهم، وأن تقدّم الأجنبي عليهم في أمر الإمامة حرام.
فإنْ قيل: إنّ الإستدلال بعبارت التوراة لإثبات إمامة الأميرعليهالسلام ليس في محله، لوجود التحريف والتّبديل في التوراة، وسقوطها عن درجة الإعتبار لدى العلماء الكبار.
قلنا:
أولاً : إنّ ( الدهلوي ) إحتج بالتوراة في العقيدة التاسعة، من باب النبوة، من كتابه ( التحفة )، وكذا بالإنجيل والزّبور(١) لإثبات أن نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم مبعوث إلى الخلق كافّة فكما أن عبارات هذه الكتب في إثبات مطلبه حجة، كذلك هي حجة في إثبات مطلبنا.
وثانياً : إنّ السبب الوحيد لعدم قبول القوم تلك العبارات الدالّة على الامامة، هو كونها مؤيّدةً مذهب الإمامية، وإلّا ففي التوراة وغيرها من الكتب السابقة عبارات أخرى تؤيّد مذهب الإمامية، نقلها الأعلام أهل السنّة ووافقوا عليها واستشهدوا بها فكما تلك مقبولة عندهم فكذا ما ذكرنا من العبارات
ومن العبارات المؤيّدة لمذهب الإمامية الموجودة في التوراة كما نقل أعلام السنّة.
ما ذكره الرازي ( في تفسيره ) - في تعداد البشارات بنبوّة نبيّنا الأكرم:
« الخامس - روى السّمان في تفسيره، عن السفر الأول من التوراة: إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه وقال: قد أجَبتُ دعاءك في إسماعيل وباركت عليه فكبّرته وعظّمته جدّاً جدّاً، واجعله لاُمة عظيمة، وسيلد اثني عشر عظيماً، والإستدلال به: إنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لاُمّة عظيمة غير نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ».
وقال شهاب الدين القرافي المالكي(٢) : « الباب الرابع - فيما يدل من كتب
___________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ١٦٩.
(٢). شهاب الدين أحمد بن إدريس، المتوفّى سنة ٦٨٤.
القوم على صحة ديننا ونبوّة نبيّناعليهالسلام ، وأنهم لمخالفته كافرون، ولمعاندة الله تعالى مبعدون عن رحمته، معارضةً لاستدلالاتهم بكتابنا على صحة دينهم وأنا أذكر من البشائر الدالّة على صحة ديننا خمسين بشارة:
البشارة الأولى - في السفر الأول من التوراة، في الفصل العاشر: قال الله تعالى لإبراهيمعليهالسلام : في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: لست إسماعيل، هذا يحيى بين يديك بمجدك. فقال الله تعالى: قد استجيب لك في اسماعيل، إني اُباركه واُعظّمه جدّاً جدّاً بما قد استجبت فيه، وأصيّره لاُمة كثيرة، اُعطيه شعباً جليلاً، وسيلد اثني عشر عظيماً »(١) .
وقال رحمة الله الهندي: « البشارة الرابعة » في الآية العشرين، من الباب السابع عشر، سفر التكوين: وعد الله في حق إسماعيلعليهالسلام لأبراهيمعليهالسلام في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا: وعلى إسماعيل استجيب لك هو ذا اُباركه واُكبره واُكثّره جدّاً، فسيلد اثني عشر رئيساً، وأجعله لشعبٍ كبير »(٢) .
ولا يخفى، أنّ ما جاء في نقلهم عن التوراة من أنه سيلد إسماعيل اثني عشر عظيماً، إنّما هو بشارة بالأئمة الاثني عشر من أهل بيت النبي والعترة الطاهرة وهذا وإنْ لم يعترف ويصرّح به كلّهم، فقد جاء في اعتراف بعضٍ منهم:
فقد قال العلامة جواد بن إبراهيم ساباط الحنفي: « وترجمته بالعربية: وأمّا إسماعيل فإني قد سمعت دعاءك له، وها أنا ذا قد باركت فيه وجعلته
___________________
(١). الاجوبة الفاخرة عن الاسئلة الفاجرة - الباب الرابع.
(٢). اظهار الحق: ٢١٣.
مثمراً، وساُكثّره تكثيراً، وسيلد اثني عشر ملكاً، وساُصيّرهم اُمّةً عظيمة.
أقول: ذهب اليهود والنصارى إلى أن المراد بالملاك الاثني عشْر أولاد إسماعيل الاثنا عشر، وهو باطل، لأنهم لم يتملّكوا، ولم يدّعوا الملكيّة.
والحق: إنه في شأن الأئمة الاثني عشر، التي تعتقد الشيعة عصمتها، وسيأتي بيان ذلك في ذكر المهدي، عجل الله بظهوره »(١) .
وممّا جاء في الكتب السابقة مؤيّداً لمذهب الإمامية: ما ذكره الشيخ جواد ساباط في كتابه تحت عنوان « فيما يخص بمحمد وأولاده على الإجمال وما يخص مكة شرّفها الله ». فإنه أورد عبارةً من سفر رؤيا يوحنا وترجمها إلى العربية فقال:
« أقول: هذه سبعة براهين متواترة مترادفة، في الإصحاح - ٢ و ٣ - من رؤيا يوحنا بن زيدي، تدل دلالةً صريحةً على بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وعلى نبوّته العامة، وقبلته الجديدة، وعلوّ درجته، تغافل النصارى عنها، وأوّلوها تأويلاتٍ ركيكة لا تستقيم على شيء منها حجة، ولا يثبت برهان ».
ثم ذكر رؤيا يوحنا ثم قال:
« فاعلم: أن هذه الرّؤيا على ما يعتقده النصارى رؤيا رآها يوحناعليهالسلام ، تشتمل على الأخبار التي حدثت في العالم، من ارتفاع المسيحعليهالسلام إلى بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومن وفاته إلى ظهور المهديرضياللهعنه ، ومن وفاته إلى قيام الساعة. ولا شك في أنها تدل على جميع ذلك، وأنها كلام الله تعالى، لكني لست بمطمئن الخاطر من تحريفها، ومع ذلك لا شك أن أماكن الإستدلال فيها قائمة على دعائمها الأصلية، فمن جملة ذلك الموتة الثانية.
___________________
(١). البراهين الساباطية فيما تستقيم به الملة المحمدية.
وهي عند النصارى عبارة من موت الإنسان في الذنب، أي انهماكه فيه لا غير. وأما البعث فإنهم يعترفون بقيام جميع الناس عند ظهور المسيح، وبخلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ولم يتعرّضوا للبحث في هذا المقام.
وعند اليهود عبارة عن الموتة التي لا تكون بعدها موتة وفيه ما فيه
وعند المسلمين، أما أهل السنّة والجماعة، فالظاهر أنهم لا يعترفون بموتةٍ ثانية، ولم يذكروا إلّا الموتة الاُولى والحياة الثانية، وبعدها يساق الذين آمنوا إلى الجنة والذين كفروا إلى النار، وقالوا: إن الاستثناء في مثل( لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ) منقطع.
وأمّا الاماميّة فيقولون: إنه إذا ظهر المهدي -رضياللهعنه - ونزل عيسىعليهالسلام ، يرجع حينئذٍ محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلي وفاطمة والحسنان - رضي الله عنهم -، ويرجع معهم الأبرار والفجار، وتستقلّ لهم المملكة. واستدلّوا بآيات كثيرة منها قوله تعالى:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) وقالوا: إنّ علي بن إبراهيم وسهل بن عبدالله، قد رويا عن الصادقرضياللهعنه : إن يوم يقوم الأشهاد يوم رجعة محمد صلّى الله عليه وسلّم. وبقوله تعالى:( رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) وفيه بحث »(١) .
فالموتة الثانية التي ذكرها يوحنا لا تنطبق إلّاعلى مذهب الإمامية وأما قوله: « وفيه بحث » فكلام مجمل، فإنْ أراد الإشكال في مذهب الإمامية، ففي كلماته الآتية الخالية من هذا التشكيك كفاية
وذكر جواد ساباط في بيان الاُمور المستفادة من رؤيا يوحنا:
« ومنها - الحصاة البيضاء، وهي يدفعها عيسى أو روح القدسعليهاالسلام إلى المظفّر، وهو الذي يكون بعده، ولا يفهم ما كتب عليها إلّا من
___________________
(١). البراهين الساباطية. البرهان الأول من المقالة الثالثة من التبصرة الثالثة.
يأخذها، ولا شيء يشابه ذلك في مذاهب أهل السنّة والجماعة. وذهب الإمامية إلى أنّ جبرئيلعليهالسلام قد أعطى ذلك محمداً صلّى الله عليه وسلّم، وهو دفعه إلى علي -رضياللهعنه - وهلمّ جرّاً إلى الحسن بن عليرضياللهعنه - وهو دفعها إلى المهدي ».
وقال في ( البراهين الساباطيّة ):
« قوله: المظفّر لا تضرّه الموتة الثانية، يريد به محمداً صلّى الله عليه وسلّم، والموتة الثانية مرّ ذكرها في مقدمة البحث ».
وقال في ( البراهين الساباطية ):
« قوله: واكتب إلى ملك كنيسة بيرغاموس، وهي بلد في عرض ٣٩ درجة و ٢٠ دقيقة من الشمال، وطول ٤٠ درجة من الطول الجديد. قوله: هذا ما يقول ذو السيف الحاد إني قد عرفت الخ. إشارة إلى حسن اعتقادهم وعدم انحرافهم عن دينه في أوان الشبهات، إلّا أن بعضهم كانوا يستعملون الرياضات والطلاسم، مثل بلعام باعور، فمنع عن ذلك وجرحهم به، وبعضهم ببدع النيقود يمسيين، وهي إضافة إلى نيقود يمس وهو شماس دهري، فمنعهمعليهالسلام عن اتّباع شبهاته، ونيقوديمس هذا ليس بنيقوديمس الذي ذكر في ٣ - ١ - من يوحنا، فإن ذلك كان من مقدسي النصارىرحمهالله . ثم قال:
إن تركت هذين الأمرين، وسلكت في سبيل الرشاد الذي أمرتك بسلوكه، وإلّا جئت وحاربتك بسيف فمي. قال بعض النصارى: إنه يريد بسيف فمه سيف الله أبيه، فعلى هذا التقرير يكون المراد به عليّاً -رضياللهعنه - لأنه هو سيف الله الذي قاتل مشركي اليهود والنصارى ».
وقال في ( البراهين الساباطية ):
« قوله: إنّي ساُطعم المظفّر من المن المكتوم. يريد به محمداً صلّى الله
عليه وسلّم. والمن المكتوم هو علم النبوّة، والمن هو ما كان ينزل من الطلّ على الأشجار لبني إسرائيل في بريّة فار.
واُعطيه حصاة بيضاء، اختلف النصارى في تأويلها والحق ما ذهب إليه الإمامية في مقدمة هذا البحث ».
وقال في ( البراهين الساباطيّة ):
« وقال بعض أهل التحقيق: هذه حصاة نزل بها آدمعليهالسلام ، وأعطاها عند وفاته شيئاً -عليهالسلام -، ولم تزل تنتقل من يد إلى يد، حتى أتت إلى عيسى -عليهالسلام -، ومنه إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا شك أنّ محمداً إمّا أن يكون قد دفعها إلى علي -رضياللهعنه - أو سيدفعها إلى المهدي، لا سبيل إلى الثاني، لأن علمائنا لم يعترفوا بالرجعة، وإنما هي من خصائص مذهب الإمامية، فيكون قد فوّضها إلى علي -رضياللهعنه - وهذا ممّا يؤيّد مذهبهم ».
وقال في ( البراهين الساباطية ):
« قوله: واكتب إلى ملك منيسة لاذية وساُجلس المظفر معي على كرسيّ، تأكيد لرجعة محمد صلّى الله عليه وسلّم زمان ظهور المهدي -رضياللهعنه - وتأييد لما يزعمه الإماميّة ».
وقال في ( البراهين الساباطية ) بعد نقل عبارة من الفصل الحادي عشر من سفر أشعيا:
« وترجمته بالعربيّة: وستخرج من قبل الآسى عصى، وينبت من عروفه غصن، وستسقرّ عليه روح الرب، أعني روح الحكمة والمعرفة، وروح الشورى والعدل وروح العلم وخشية الله، ونجعله ذا فكرةٍ وقّادة، مستقيماً في خشية الرب، فلا يقضي بمحاباة الوجوه، ولا يدين بمجرّد السمع.
أقول: أوّل اليهود هذا في شأن مسيحهم، والنصارى في حق إلههم، فقال اليهود: إن آسى اسم أبي داود، والمسيح لا يكون إلّامن أولاد داود، فيكون هو المنصوص عليه، وقد ذكرت منع صغرى هذا القياس فيما قبل فتذكّره.
وقال النّصارى: إن المراد به عيسى بن مريم -عليهالسلام -، لأنه هو المسيح الذي يجب أن يكون من أولاد داود.
واُجيب: بأنّ صفاته أعم من صفات النبي، ولا قرينة لقيام الخاص مقام العام.
فيكون المنصوص عليه هو المهدي - رضي الله عنه - بعينه، لصريح قوله: ولا يدين بمجرّد السمع، لأن المسلمين أجمعوا على أنه -رضياللهعنه - لا يحكم بمجرد السمع والظاهر، بل لا يلاحظ إلا الباطن، ولم يتّفق ذلك لأحدٍ من الأنبياء والأوصياء، أفلاترى قوله صلّى الله عليه وسلّم: من قال لا إله إلّا الله حقن ماله ودمه.
إذا علمت ذلك فاعلم: أن لفظة أسى في العبراني مرادفة للوجود، فيكون من قبيل استعمال العلة في مقام المعلول، إذ لا يمكن أن يكون للوجود الحقيقي أصل، فيكون المراد محمداً، لقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك.
وقد اختلف المسلمون في المهدي، فقال أصحابنا من أهل السنّة والجماعة: إنه رجل من أولاد فاطمة، يكون اسمه محمداً واسم أبيه عبدالله، واسم اُمه آمنة. وقال الإماميّون: بل إنه م ح م د بن الحسن العسكري -رضياللهعنه - وكان قد تولّد سنة ٢٥٥ من فتاةٍ للحسن العسكري، اسمها نرجس، في سرّ من رآى، زمن المعتمد، ثم غاب سنة، ثم ظهر ثم غاب، وهي الغيبة الكبرى، ولا يؤوب بعدها إلا إذا شاء الله تعالى.
ولمـّا كان قولهم أقرب لتناول هذا النص، وكان غرضي الذب عن ملّة
محمد - صلّى الله عليه وسلّم - مع قطع النظر عن التعصب في المذهب - ذكرت لك مطابقة ما يدّعيه الإماميون مع هذا النص
وقال في ( البراهين الساباطية ) في البرهان الخامس، من المقالة الثالثة، بعد عبارةٍ عن سفر رؤيا يوحنا:
« وترجمته بالعربية: فأخذتني الروح إلى جبلٍ عظيم شامخ، وأريتني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة، نازلةً من السماء من عند الله، وفيها مجد الله، وضوءها كالحجر الكريم كحجر اليشم والبلّور، وكان لها سور عظيم عال، واثنا عشر باباً، وعلى الأبواب اثنا عشر ملكاً، وكان قد كتب عليها أسماء أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.
أقول: لا تأويل لهذا النص بحيث أن يدل على غير مكة شرّفها الله تعالى، والمراد بمجد الله بعثته محمداً صلّى الله عليه وسلّم فيها، والضوء عبارة عن الحجر الأسود، وتشبيهه باليشم والبلّور إشارة إلى صحيح الروايات التي وردت في أنه لما نزل كان أبيض، والمراد بالسور هو رب الجنود صلّى الله عليه وسلّم.
والأبواب الاثنا عشر أولاده الأحد عشر وابن عمه علي، وهم: علي والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والقائم المهدي م ح م د - رضي الله عنهم - ».
وقال في ( البراهين الساباطية ) بعد عبارة عن سفر الرؤيا:
« وترجمته بالعربية: والأبواب الاثنا عشر اثنا عشرة لؤلؤة، كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة، وساحة المدينة من الذهب الإبريز كالزجاج الشفاف.
أقول: هذا بيان لما قبله وصفة للأبواب، وكون كلّ باب من لؤلؤة واحدة، فيه إشارة إلى ما يدّعيه الإماميّون من عصمة أئمّتهم، لأن اللؤلؤة كرويّة،
ولا شك أنّ الشكل الكروي لا يمكن انثلابه، لأنه لا يباشر الأجاسم إلّا على ملتقى نقطةٍ واحدة...
قوله: وساحة المدينة من الذهب الإبريز كالزجاج الشفّاف، يريد بذلك أهل ملّته صلّى الله عليه وسلّم، لأنهم لا ينحرفون عن اعتقادهم، ولا ينصرفون عن مذهبهم في حالة العسرة. وأما الذين أغواهم قسوس الإنكتاريين فمن الجهّال الذين لا معرفة لهم باُصول دينهم، وهذا هو مصداق قوله صلّى الله عليه وسلّم: أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
وثالثاً : إن إمامة هارون وأولاده من قبيل الفضائل والمناقب، والإستدلال بمناقب الأنبياء حسب نقل أهل الكتاب مثل الإستدلال بفضائل أهل البيت حسب نقل النواصب، ولا ريب في أنّه لا وجه لأنْ يقدح في الفضائل والمناقب التي يرويها النواصب لأهل البيت، بدعوى عدم جواز الإعتماد على نقلهم وروايتهم في سائر الاُمور.
ورابعاً : إن مذهب أساطين أهل السنّة وأئمتهم: أن التحريف الواقع في الكتب السابقة تحريف معنوي وليس بلفظي ومن غرائب الاُمور أنّ هذا هو مذهب البخاري ومختاره، فيكون إحتجاج الإمامية بعبارات التوراة من باب الإلزام قويّاً جدّاً وتامّاً بلا اشكال:
قال البخاري: « باب قول الله:( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) ( وَ طُورِ * الْکِتَابِ مَسْطُوراً ) قال قتادة: مكتوب يسطرون يخطّون في اُم الكتاب جملة الكتاب، وأصله ما يلفظ ما يتكلّم من شيء إلّا كتب عليه. وقال
ابن عباس: يكتب الخير والشرّ. يحرّفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتابٍ من كتب الله عزّ وجل، ولكنهم يحرّفون يتأوّلونه على غير تأويله »(١) .
قال ابن حجر بشرحه: « قوله: وليس أحد يزيل لفظ كتابٍ من كتب الله تعالى، ولكنّهم يحرفونه يتأوّلونه من غير تأويله. في رواية الكشميهني: على غير تأويله.
قال شيخنا ابن الملقّن في شرحه: هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية، وهو مختاره أي البخاري، وقد صرّح كثير من أصحابنا بأنّ اليهود والنصارى بدّلوا التوراة والإنجيل، وفرّعوا على ذلك جواز امتهان أوراقهما، وهو يخالف ما قاله البخاري هنا. انتهى وهو كالصريح في أن قوله: وليس احد إلى آخره، من كلام البخاري، ذيّل به تفسير ابن عباس، وهو يحتمل أنْ يكون بقيّة كلام ابن عباس في تفسير الآية »(٢) .
وقال العيني: « ثم شرعوا في تحريفها وتبديلها كما قال الله تعالى:( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ ) الآية، فقد أخبر الله تعالى أنّه يغيّرونها، ويأوّلونها، ويضعونها على غير مواضعها، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.
وأما تبديل ألفاظها فقال قائلون: إنها جميعاً بدّلت، وقال الآخرون: لم تبدّل، واحتجّوا بقوله تعالى:( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ) ولكن هذا مشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم: إنّ التوراة انقطع تواترها في زمان بخت نصر، ولم يبق من يحفظها إلّا العزيزعليهالسلام ، ثم العزيز كان نبيّاً فهو معصوم، والرواية إلى المعصوم تكفي، اللهم إلّا أن يقال: لم تتواتر إليه، لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى -عليهمالسلام - كلّهم كانوا
___________________
(١). صحيح البخاري ٩/١٩٥.
(٢). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣ / ١٠٢.
متمسّكين بالتوراة، فلو لم تكن صحيحة معمولة لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون.
والقول بأنّ التبديل وقع في معانيها لا في ألفاظها، حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه الصحيح، وحكاه فخر الدين الرازي عن أكثر المفسرين والمتكلّمين »(١) .
وقال الرازي بتفسير:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ) « المسألة الثالثة: إختلفوا في كيفية الكتمان، فالمروي عن ابن عباس أنهم كانوا يحرّفون ظاهر التوراة والإنجيل، وعند المتكلمين هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذّر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل »(٢) .
وقال بتفسير:( مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ) : « فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟
قلنا: لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلّة فقدروا على هذا التحريف.
والثاني: إن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذهبهم. وهذا هو الأصح »(٣) .
وقال السيوطي: « أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه قال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله، لم يغيَّر منهما حرف، ولكنهم يضلّون
___________________
(١). عقد الجمان - فصل في تحريف أهل الكتاب.
(٢). تفسير الرازي ٥ / ٢٨.
(٣). تفسير الرازي ١٠ / ١١٧ - ١١٨.
بالتحريف والتأويل، والكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ فأمّا كتب الله فإنها محفوظة لا تحوّل »(١) .
وقال المقبلي - في ( الأبحاث المسددة ) -: « قوله:( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) في الكشاف: إنه ردّ لاستهزائهم بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ) أي نزل به جبرئيلعليهالسلام محفوظاً عن الشياطين، حتى بلغ إليك.
ثم إن صاحب الكشاف أدخل في الحفظ حفظه عن التحريف. وقال صاحب الإنتصاف: يحتمل أن المراد حفظه من الإختلاف، كقوله تعالى:( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) .
واعلم أن هذا مطلق يصدق على كلّ وجه، وعلى أقل ما يحصل به معنى الحافظ، فالعدول إلى تعيين التعميم أو التخصيص بلا دليل، تحكم.
ثم قد فرّعوا على صيانته من التحريف اختصاصه، وأنه قد دخل ذلك في سائر كتب الله تعالى، وليس لهم على ذلك دليل قطعي، بل ولا ظنّي، والصيانة من التحريف تحصل بتوفّر الدواعي على نقله، وسائر كتب الله تعالى مساوية له في ذلك، بل هي أولى، لوجود الأشياء المتكاثرة في كل عصر، بخلافها اليوم. هذا إنْ اُريد الجملة وعمدة التفاصيل.
وإنْ اُريد أدقّ دقيق، كرفعه وخفضه ونصبه وزيادة حرف مدٍّ مثلاً ونقصه، فلا تتم الحراسة عن ذلك، وكيف، وهذه القراآت قد كثرت كثرةً كثرةً، لا سيّما على من يقبل ما يسمّونه الشاذ، ولا نسلّم أن العادة تقضي بحفظه عن ذلك.
وأمّا دعواهم على سائر كتب الله تعالى أنها محرّفة عموماً، اجترأ عليها كثير من مفرّعة الشافعية، بأنّه لا يجوز الإستنجاء بالتوراة والإنجيل، أو كثيراً كما يزعم كثير، فلا دليل لهم عليه.
___________________
(١). الدر المنثور ٢ / ٢٤٩.
وكلّما ورد في تحريف أهل الكتاب، فهو إمّا عائد إلى المعنى كما هو واقع في القرآن، يحرّفه الآن كل مبتدع على هواه، وإمّا أنْ يكتبو كتاباً ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. وسواء أفردوها أو أدخلها أحدهم في الأسفار تلبيساً بلا شيوع، لأن شيوع ذلك محال، لما ذكرنا من توفّر الدواعي على الحفظ.
وعلى كل تقدير، فأصل كتب الله تعالى معروفة محفوظة، كما صرح به خبر ابن عباس وغيره ».
وقال محمد بن إسماعيل الأمير - في ذيله - تبعاً للمقبلي -: « الذي يظهر لنا أن تحريف نسخ التوراة والإنجيل بتبديل ألفاظها ونقوش كتابتها بعيد جدّاً، كما قررناه وقرّره المؤلّف بل التوارة والإنجيل - أي نسخها - سالمة عن التغيير لألفاظها، كيف؟ وقد أمر الله بالحكم بما فيهما ...».
وخامساً : إنّه قد صرّح كبار أئمآة أهل السنّة ومحققيهم بإمامة هارون وأولاده ووصايتهم وممّن صرّح بذلك ونصّ عليه بالإضافة إلى من تقدّم منهم:
البغوي: « فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت الحبورة لهارون وهي رياسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكله.
فوجد قارون من ذلك في نفسه، وأتى موسى فقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في شيء من ذلك وأنا أقرأ التوراة؟ لا صبر لي على هذا.
فقال له موسى: ما أنا جعلتها في هارون بل الله جعلها له.
فقال قارون: والله لا اُصدّقك حتى تريني بيانه.
فجمع موسى رؤوس بني إسرائيل فقال: هاتوا عصيّكم، فحزمها وألقها في قبته التي كان يعبد الله فيها، فجعلوا يحرسون عصيّهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتزّ لها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز.
فقال موسى: يا قارون، ترى هذا؟
فقال : والله ما هذا بأعجب ممّا تصنع من السحر.
واعتزل قارون موسى بأتباعه ».
ذكر ذلك بتفسير قوله تعالى:( إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ) (١) .
وكذا ذكر بتفسير الآية كلّ من الزمخشري في ( الكشاف ) وأبي السعود في ( إرشاد العقل السليم )، والخطيب الشربيني في ( السراج المنير ).
وكذا ذكره كلّ من الثعلبي والعيني في قصص موسىعليهالسلام من كتابيهما ( العرائس ) و ( وعقد الجمان ).
وفي تاريخ أبي الفدا وابن الوردي: « وبعد يوشع قام بتدبيرهم فينحاس ابن العيزار بن هارون بن عمران، وكالب بن يوفنا. وكان فينحاس هو الإمام وكان كالب يحكم بينهم »(٢) .
وفيهما أيضاً ولاية عالي الكاهن، وكان رجلاً صالحاً من أحفاد هارون. والكاهن معناه الإمام(٣) .
___________________
(١). تفسير البغوي ٤/٣٥٩، والآية في سورة القصص ٢٨: ٧٦.
(٢). المختصر في أخبار البشر، تتمّة المختصر في أخبار البشر. ذكر يوشع ١ / ٢١.
(٣). المختصر في أخبار البشر ١ / ٢٣.
والخلاصة:
لقد ثبت إمامة هارن وأولاده وإذا ثبتت، ثبتت إمامة الأمير والحسنينعليهمالسلام لأدلّة عموم المنزلة
ولا أقل من حمل الحديث على المنازل المشهورة، ومن أبرزها الإمامة بلا كلام وإلّا لزم حمل الحديث على التشبيه الناقص، وهو خلاف الدين كما ذكر ( الدهلوي )
لكنْ لا بد من حمل الحديث على عموم المنزلة، كما ستعرف في الدليل الثالث
(٣)
حديث المنزلة من الأحاديث القدسيّة
وقد نزل على النبي عند ولادة الحسنين
إنّ حديث المنزلة من الأحاديث القدسيّة، نزل به جبرئيلعليهالسلام على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عند ولادة الإمام الحسنعليهالسلام ، وعند ولادة الإمام الحسينعليهالسلام
وقد روى خبر ذلك جماعة من أكابر أهل السنّة ومنهم:
١ - عبد الملك بن محمّد الواعظ الخركوشي.
٢ - أحمد بن عبدالله المحبّ الطبري.
٣ - شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي.
٤ - الحسين بن محمّد الدياربكري.
قال ملك العلماء شهاب الدين الدولت آبادي الهندي:
« الجولة السادسة عشر - في عزّة أولاد فاطمة -عليهاالسلام - بأسمائهم من الله تعالى:
وفي شرف النبوّة: روى جابر بن عبدالله: لمـّا ولدت فاطمة الحسن قالت لعلي: سمّه.
قال: ما لي أنْ أسبق من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ثم قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم ما قاله عليرضياللهعنه .
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: مالي أن أسبق من الله عز وجل.
فأوحى الله تعالى إلى جبرئيلعليهالسلام : إنه ولد لمحمدٍ ابنٌ، فاهبط إليه وهنّئه وقل له:
إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون.
فهبط جبرئيل، وهنّأ عن الله الله تعالى ثم قال: إن الله يأمرك أنْ تسمّيه باسم ابن هارون.
قال: وما كان اسمه؟
قال: شبر.
قال: لساني عربي.
قال: فسمّه الحسن.
فلما ولد الحسينعليهالسلام أوحى الله تعالى إلى جبرئيل: أنه ولد لمحمد ابن. فاهبط إليه وهنّئه وقل له:
إن عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون.
فهبط جبرئيل وهنّأ من الله تعالى ثم قال: إن الله يأمرك أنْ تسميه باسم ابن هارون.
قال: وما كان اسمه؟
قال: شبير.
فقال: لساني عربي.
قال: فسمّه الحسين.
فسمّاه الحسين »(١) .
___________________
(١). هداية السعداء، الهداية (٩) الجلوة(٦) .
فهذا الخبر رواه الدولت آبادي، عن شرف النبوة، ثم ترجمه إلى الفارسية. وستأتي ترجمة الدولت آبادي.
والخركوشي صاحب كتاب ( شرف النبوة ) - الذي ذكره كاشف الظنون بعنوان ( شرف المصطفى ) ووصف مؤلفه بالحافظ، وذكره مرةً أخرى بعنوان ( شرف النبوّة ) - من مشاهير حفّاظ القوم:
قال السمعاني: « الخركوشي سكة بنيسابور كبيرة، كان بها جماعة من الشماهير، مثل أبي سعد عبد الملك بن ابي عثمان بن محمّد بن إبراهيم الخركوشي الزاهد الواعظ، أحد المشهورين بأعمال البر والخبر، وكان علماً زاهداً فاضلاً، رحل إلى العراق والحجاز وديار مصر، وادرك العلماء والشيوخ وصنّف التصانيف المفيدة
روى عنه: أبو محمّد الحسن بن محمد الخلّال، والحاكم أبو عبدالله الحافظ، وأبو القاسم الأزهري، وعبد العزيز بن علي الأزجي، وأبو القاسم التنوخي، وجماعة سواهم، آخرهم أبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي.
تفقّه في حداثة السن، وتزهّد وجالس الزهاد المجرّدين، إلى أن جعله الله خلفاً لجماعة من تقدّمه من العبّاد المجتهدين، والزهّاد الفائقين، وتفقّه للشافعي على أبي الحسن الماسرجسي، وسمع بالعراق بعد السبعين والثلاثمائة، ثم خرج إلى الحجاز، وجاور حرم الله وأمنه مكة، صحب به العبّاد الصالحين، وسمع الحديث من أهلها والواردين، وانصرف إلى نيسابور، ولزم منزله وبذل النفس والمال للمستورين من الغرباء، والفقراء المنقطع بهم وكانت وفاته في سنة
٤٠٦ بنيسابور، وزرت قبره غير مرة »(١) .
وقال الذهبي: « الواعظ القدوة المعروف بالخركوشي. قال الحاكم: لو أر أجمع منه علماً وزهداً وتواضعاً وإرشاداً غلى الله، زاده الله توفيقاً وأسعدنا بأيّامه »(٢) .
وقال ابن الأثير: « وكان صالحاً خيّراً، وكان إذا دخل على محمود بن سبكتكين يقوم ويلتقيه،وكان محمود قد قسط على نيسابور مالاً يأخذه منهم، فقال له الخركوشي: بلغني أنك تكدّي الناس وضاق صدري! فقال: وكيف؟ قال: بلغني أنك تأخذ أموال الضعفاء، وهذه كدية. فترك القسط وأطلقه »(٣) .
وقال الأسنوي: « الاستاذ الكامل، الزاهد ابن الزاهد، الواعظ، من أفراد خراسان، تفقّه على أبي الحسن السرخسي، وسمع بخراسان والعراق، ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة ثم رجع إلى خراسان، وترك الجاه ولزم الزهد والعمل، وكان يعمل القلانس ويأمر ببيعها بحيث لا يدرى أنها من صنعته، ويأكل من كسب يده، وبنى مدرسة وبيمارستان، وصنف كتباً كثيرة سائرة في البلاد. قال الحاكم: لم أر أجمع منه ...»(٤) .
ورواه الحافظ عمر بن محمد بنخضر الملّا الأردبيلي - الذي أكثر النقل عنه المحب الطبري في كتبه، واعتمد عليه (الدهلوي) وغيره في كتابه: « عن جابر بن عبد الله قال: لما ولدت فاطمة الحسن قالت لعلي: سمّه.
___________________
(١). الأنساب - الخركوشي ٥ / ٩٣-٩٤.
(٢). العبر - حوادث ٤٠٧ ملخصاً ٢ / ٢١٤.
(٣). الكامل - حوادث ٩٤٠٧ / ٣٥٠ - حوادث سنة ست عشرة.
(٤). طبقات الشافعية ١ / ٢٢٨ رقم ٤٢٨.
فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ثم أخبر النبي فقال: ما كنت لأسبق باسمه ربي عزوجل.
فأوحى الله جلّ جلاله إلى جبرائيل إنه قد ولد ».
إلى آخر الحديث كما تقدم(١) .
ورواه أحمد بن عبدالله المحب الطبري - وهو من مشاهير حفّاظهم - حيث قال: « عن أسماء بنت عميس قالت: قبلت فاطمة بالحسن -رضياللهعنه - فجاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: يا أسماء، هلمّي ابني، فدفعته إليه في خرقةٍ صفراء، فألقاها عنه قائلاً: ألم أعهد إليكنَّ أنْ لا تلفّوا مولود بخرقة صفراء! فلفته بخرقة بيضاء، فأخذه وأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لعلي -رضياللهعنه -:
أيّ شيء سمّيت ابني؟
قال: ما كنت لأسبقك بذلك.
فقال: ولا أنا سابق ربي به.
فهبط جبرئيل -عليهالسلام - وقال: يا محمّد، إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى
خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا »(٢) .
___________________
(١). وسيلة المتعبدين إلى متابعة سيد المرسلين ٥ / ٢٢٥.
(٢). ذخائر العقبى بمناقب ذوي القربى: ١٢٠.
ورواه القاضي حسين بن محمّد الدياربكري المالكي في تاريخه الذي ذكره كاشف الظنون بقوله: « خميس في أحوال النفس النفيس في السير، للقاضي حسين بن محمّد الدياربكري المالكي نزيل مكة المكرمة، المتوفى بها في حدود سنة ٩٦٦. وهو كتاب مشهور ».
رواه عن أسماء بنت عميس باللفظ المتقدم وقال في آخره: « خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا »(١) .
وقد عرفت من رواية المحبّ الطبري، والقاضي الدياربكري: أن هذا الخبر خرّجه سيّدنا الإمام الرضاعليهالسلام ولا يخفى كفاية رواية هذا الإمام المعصوم بنص النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم كما في ( فصل الخطاب ) و ( الإيضاح ) وغيرهما.
إذن، لا ينكر هذا الحديث إلّاناصب معاند.
ولا بأس بإيراده من نفس الصحيفة المباركة، برواية أبي القاسم عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الإمام الرضاعليهالسلام ، بإسناده عن علي ابن الحسين -عليهماالسلام - قال:
« حدثتني أسماء بنت عميس قالت: قبلت جدّتك فاطمةعليهاالسلام بالحسن والحسين، فلمـّا ولد الحسن جاء النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها النبي - صلى
___________________
(١). الخميس ١ / ٤١٧ - ٤١٨.
الله عليه وآله وسلم -وقال: يا أسماء ألم أعهد إليكم أنْ لا تلفّوا المولود في خرقة صفراء، فلففته في خرقة بيضاء ودفعه إليه، فأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى.
ثم قال لعليعليهالسلام : بأيّ شيء سمّيت ابني هذا؟
قال عليعليهالسلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت اُحبّ أنْ أسمّيه حرباً.
فقال النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم -: وأنا لا أسبق باسمه ربّي عزوجل.
فهبط جبرئيلعليهالسلام فقال: يا محمّد، العليُّ الأعلى يقرؤك السلام ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك، فسمّ ابنك هذا باسم ابن هارون.
فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : وما اسم ابن هارون يا جبرئيل؟
فقال: شبّر.
فقال النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم -: لساني عربي.
قال: سمّه الحسن.
قالت أسماء: فسمّاه الحسن.
فلما كان يوم سابعة عقّ عنه النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - بكبشين أملحين، فأعطى القابلة فخذ كبش، وحلق رأسه وتصدّق بوزن الشعر ورقاً، وطلى رأسه بالخلوق. ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية.
قالت أسماء: فلما كان بعد حولٍ من مولد الحسن -عليهالسلام - ولد الحسينعليهالسلام فجاء النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - فقال: يا أسماء هلمّي هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في
اُذنه اليسرى، ووضعه في حجره وبكى.
قالت أسماء قلت: فداك أبي واُمّي، ممّ بكاؤك؟
قال: من ابني هذا.
قلت: إنه ولد الساعة.
قال -صلىاللهعليهوآلهوسلم -: يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي. ثم قال: يا أسماء لا تخبرنّ فاطمة، فإنها حديثه عهد بولادة.
ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: بأيّ شيء سمّيت ابني هذا؟
قالعليهالسلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت اُحبّ أن اُسمّيه حرباً.
فقال رسول الله: ما كنت لأسبق باسمه ربي عزّوجل.
فأتاه جبرئيلعليهالسلام فقال: الجبّار يقرأ عليك السلام ويقول: سمّه باسم ابن هارون.
قالعليهالسلام : وما اسم ابن هارون؟
قال: شبير.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لساني عربي.
قال: سمّه حسين.
فسمّاه الحسين.
ثم عقّ عنه يوم سابعه بكبشين أملحين، وحلق رأسه وتصدّق بوزن شعره ورقاً، وطلى رأسه بالخلوق وقال: الدم فعل الجاهلية، وأعطى القابلة فخذ كبش »(١) .
أقول:
فلو أنَّ أحداً نظراً في هذا الخبر - المتّفق عليه - بعين الإنصاف، لم يتردّد في أنَّ المراد من حديث المنزلة إثبات جميع منازل هارون لأمير المؤمنينعليهماالسلام ، بحيث أنّ المشابهة الكاملة بينهما اقتضت تساويهما في جميع الاُمور حتى في تسمية الأبناء إذن، فهو مثله في الأعلمية والأكرمية، وفي العصمة، وفي وجوب الطّاعة والإنقياد له
فالحديث يدل على أفضليّة الإمامعليهالسلام ، والمكابرات كلها باطلة، فكيف بزعم بعض النواصب اللئام من أنه يدل على نقصٍ فيه - والعياذ بالله من هذا الكلام
هذا، وكما روى الخبر عن الصحيفة الرضوية باللفظ الكامل في بعض مصادر القوم كما عرفت، فهو مرويّ عنها في جملة من الكتب الاُخرى بصورةٍ مختصرة:
ففي ( الرياض النصرة ): « ذكر إخبار جبرئيل عن الله تعالى بأنَّ عليّاً من النبي بمنزلة هارون من موسى: عن أسماء بنت عميس قالت:
هبط جبرئيلعليهالسلام على النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - فقال: يا محمّد إن ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكنْ لا نبي بعدك. خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا »(١) .
وفي ( ذخائر العقبى ): « وعنها قالت: هبط جبرئيل -عليهالسلام - على النبي
___________________
(١). الرياض النضرة في مناقب العشرة ٣ / ١١٩.
وقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى، لكن لا نبي بعدك. خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا »(١) .
وفي ( توضيح الدلائل ): « وعنها، قالت: هبط جبرئيل على النبي عليهما الصلاة والسلام وقال: يا محمّد، إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكنْ لا نبي بعدك. رواه الطبري وقال: أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا »(٢) .
وفي (الإكتفاء): « عن أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - قالت: هبط جبرئيلعليهالسلام فقال: يا محمّد، إن ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكنْ لا نبي بعدك. أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا في مسنده »(٣) .
وعلى كلّ حال، فليس في الحديث أيّ شيء يدّعى قرينيتّه لصرف لفظه عن الدلالة على عموم المنزلة. والحمد لله.
___________________
(١). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ١٢٠.
(٢). توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - مخطوط.
(٣). الإكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء - مخطوط.
(٤)
دلالة الحديث على عصمة الإمام
بسبب عصمة هارون عليهماالسلام
إنه لا ريب في عصمة هارونعليهالسلام ، وحينئذ فلا ريب في عصمة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومن الواضح عدم انعقاد الإمامة والخلافة لغير المعصوم مع وجود المعصوم، فأمير المؤمنين هو الخليفة بعد الرسول، بحكم حديث المنزلة والمشابهة بينه وبين هارون.
أمّا عصمة هارونعليهالسلام ، فلا ريب فيها كما أشرنا، وإليها أشار المفسّرون بتفسير الآية:( واخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) .
ففي تفسير الرازي: « فإنْ قيل: لمـّا كان هارون نبيّاً، والنبي لا يفعل إلاّ فالنبي لا يفعل إلاّ الإصلاح، فكيف وصّاه بالإصلاح؟ قلنا: المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله:( ولكنْ ليطمئن قلبي ) ولله أعلم(١) .
وفي تفسير النيسابوري: « وإنما وصّاه بالإصلاح تأكيداً وإطميناناً وإلّا فالنبي لا يفعل إلّا الإصلاح »(٢) .
وكذا في تفسير الخطيب الشربيني(٣) وغيره.
وسواء حملنا الحديث على المنازل المشهورة، كما قال ولي الله
___________________
(١). تفسير الرازي ١٤ / ٢٢٥.
(٢). تفسير النيسابوري ٩ / ٣٥.
(٣). السراج المنير في تفسير القرآن ١ / ٥١٢.
الدهلوي، أو حملناه على المشابهة التامة الكاملة، كما قال بوجوب هذا الحمل ولده ( الدهلوي )، فإنّ العصمة من اُولى مداليل هذا الحديث الشريف
فتحصّل دلالة الحديث على عصمة الأمير
بل لقد استدل المولوي نظام الدين بهذا الحديث على عصمة الأمير عليه الصّلاة والسلام، ممّا يدل أنّ دلالته عليها أمر مسلّم مفروغ عنه.
فقد قال ما نصّه: « إفاضة - قال الشيخ ابن همام في فتح القدير بعد ما أثبت عتق ام الولد وانعدام جواز بيعها، عن عدةٍ من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وبالأحاديث المرفوعة استنتج ثبوت الإجماع على بطلان البيع:
ومما يدل على ثبوت ذلك الإجماع: ما أسنده عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليّاً يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في اُمّهات الأولاد أنْ لا يبعن، ثم رأيت بعدُ أنْ يبعن، فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبّ إليّ من رأيك وحدك في الفرقة، فضحك علي - رضي الله تعالى عنه -.
واعلم أن رجوع علي - رضي الله تعالى عنه - يقتضي أنّه يرى اشتراط انقراض العصر في تقرر الإجماع، والمرجّح خلافه، وليس يعجبني أن لأمير المؤمنين شأناً يبعد أتباعه أنْ يميلوا إلى دليل مرجوح ورأي مغسول ومذهب مرذول، فلو كان عدم الإشتراط أوضح لا كوضوح شمس النهار كيف يميل هو إليه؟ وقد قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. رواه الصحيحان. وقال رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - أنا دار الحكمة وعلي بابها. رواه الترمذي.
فالإنقراض هو الحق.
لا يقال: إن الخلفاء الثلاثة أبواب العلم، وقد حكم عمر بامتناع البيع، لأن غاية ما في الباب أنهما تعارضا، ثم المذهب أن أمير المؤمنين عمر أفضل، وهو لا يقتضي أنْ يكون الأفضلية في العلم أيضاً، وقد ثبت أنه دار الحكمة فالحكمة حكمه »(١) .
في هذا الكلام دلالة على العصمة من وجوه:
منها: إستدلاله بحديث المنزلة على أنَّ الإمامعليهالسلام لا يكون منه الميل إلى رأي باطل ودليل مرجوح ومذهب مرذول وهذا هو العصمة، إذ يدل امتناع الميل إلى ذلك على امتناع اختياره بالأولويّة القطعيّة.
ومنها: إنّ استدلاله بحديث دار الحكمة في المقام دليلٌ على أن هذا الحديث يدل على عصمتهعليهالسلام .
ومنها: قوله « فالإنقراض هو الحق » فإنه صريح في دوران الحق مدار ميل الإمامعليهالسلام وهذا هو العصمة.
ومنها: قوله: « الحكمة حكمه » لأنّ معناه أنّ كل ما حكم به الإمامعليهالسلام فهو الحكمة وعين الحق والصّواب وهذا هو العصمة.
وهذا طرف من ترجمة المولوي نظام الدين وفضائله:
١ - قال السيد آزاد البلجرامي: « الملّا نظام الدين بن الملا قطب الدين الشهيد السهالوي المتقدم ذكره، هو عالم خبير وفاضل نحرير، سار في قصبات الفورب، واكتسب الفنون الدرسية من علماء الزمان، وختم تحصيله في حوزة
___________________
(١). الصبح الصادق في شرح المنار - مبحث الإجماع.
درس الشيخ غلام نقشبند الكهنوي المذكور في الأعلى، وأخذ عنه بقيّة الكتب، وقرأ على يده فاتحة الفراغ، وأقام بلكهنو، وطوى مسافة عمره في شغل التدريس والتصنيف، وانتهت إليه رياسة العلم في الفورب، ولبس الخرقة عن الشيخ عبدالرزاق الهانسوي المتوفى سنة ١١٣٦، وأخذ الفيوض الكثيرة عن السيد إسماعيل البلكرامي المتوفى سنة ١١٦٤، وهو من أجلّ خلفاء الشيخ عبد الرزاق المذكور.
وأنا دخلت لكهنو في التاسع عشر من ذي الحجة سنة ١١٤٨، واجتمعت بالملّا نظام الدين، فوجدته على طريقة السلف الصّالحين، وكان يلمع من جبينه نور التقديس.
توفي في التاسع من جمادى الاُولى سنة ١١٦١.
ومن تواليفه: حاشية على شرح هداية الحكمة لصدر الدين الشيرازي، وشرح على مسلّم الثبوت في اُصول الفقه للملّا محبّ الله البهاري المتقدم ذكره »(١) .
٢ - وقال القنوجي - في ( أبجد العلوم ) -: « ملا نظام الدين بن ملا قطب الدين السهالوي، كان فاضلاً جيّداً، عارفاً بالفنون الدرسية والعلوم العقلية والنقلية، وانتهت إليه رياسة العلم في بورب. قال السيد آزاد: اجتمعت به فوجدته ».
٣ - وقال عبد الحي الكهنوي: « الشيخ الإمام العالم الكبير، العلّامة الشهير، صاحب العلوم والفنون، وغيث الإفادة الهتون، العالم بالربع المسكون، أستاذ الأساتذة، وإمام الجهابذة، الشيخ نظام الدين، الذي تفرَّد بعلومه وأخذ لواءها بيده، لم يكن له نظير في زمانه في الأصول والمنطق والكلام.
___________________
(١). سبحة المرجان: ٩٤.
وكان مع تبحّره في العلوم وسعة نظره على أقاويل القدماء، عارفاً كبيراً زاهداً مجاهداً شديد التعبّد عميم الأخلاق حسن التواضع، كثير المواساة بالناس.
ومن مصنّفاته شرحان على مسلّم الثبوت للقاضي محبّ الله الأطول والطويل، وشرح له على منار الأصول.
وأمّا تلامذته فهم كثيرون.
توفي يوم الأربعاء، لثمان خلون من جمادى الاُولى، سنة ١١٦١ »(١) .
___________________
(١). نزهة النواظر ٦ / ٣٨٣ - ٣٨٥.
(٥)
حديث: « أمر موسى أنْ لا يسكن مسجده إلّا هارون
وإنّ علياً مني بمنزلة هارون من موسى
ولا يحلُّ مسجدي لأحدٍ إلّا علي »
هذا في حديث طويلٍ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يتضمّن أمره بسدّ أبواب أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وقوله لأمير المؤمنينعليهالسلام : « اُسكن طاهراً مطهّراً »، فَنَفَس ذلك رجالُ على علي، فقامصلىاللهعليهوآلهوسلم خطيباً فقال
رواه الفقيه المحدّث أبو الحسن علي بن محمّد ابن المغازلي الواسطي الشافعي بطوله وفي آخره:
« ونفس ذلك رجال على علي، فوجدوا في أنفسهم، وتبيَّن فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم -، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم، فقام خطيباً فقال:
إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم فيّ أني أسكنت عليّاً في المسجد.
والله ما أخرجتهم ولا أسكنته.
إن الله عزّوجلّ أوحى إلى موسى وأخيه أنْ( تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ )
وأمر موسى أنْ لا يسكن مسجده، ولا ينكح فيه، ولا يدخله، إلّا هارون وذريّته.
وإنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحلّ مسجدي لأحدٍ ينكح فيه النساء إلّا علي وذريّته.
فمن ساءه فههنا، وأومى بيده إلى الشام »(١) .
وهذا الحديث نص قاطع على أن حديث المنزلة يقتضي حصول جميع ما حصل لهارون من المزايا والمناقب والأوصاف لسيّدنا ومولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويوجب تقدّمه وترجيحه وتفضيله على من سواه من أصحاب رسول الله.
وأيضاً: حصول جميع ما كان حاصلاً لذريّة هارون، لذرية مولانا أمير المؤمنين عليهم وعليه الصلاة والسلام.
فهل يجوز حمل حديث المنزلة على ما يتنافى مع مقصود من( ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى؟ ) .
وواضح: أنه لو كان المراد من التشبيه في الحديث بين هارون والأمير هو الخلافة الموقّتة المنقطعة، لم يكن هذا الحديث دليلاً لتخصيصهعليهالسلام بالإسكان في المسجد وغير ذلك، وتقديمه على غيره من الصّحابة؟
وبالجملة، فإنّ دلالة هذا الحديث على عموم المنزلة تامّة، وإنْ كان دلالته على العصمة أبلغ وأوكد، لصريح قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اُسكن طاهراً ومطهّراً » ولا ريب في أنّ هذه الصفة فيه هي السبب في اختصاصه بالسكن في المسجد، وإذا اختصَّ به السكن فالصّفة مختصّة به وتكون دلالة هذه الصّفة على العصمة واضحة.
وأيضاً: يثبت بهذا الحديث - صدراً وذيلاً - أفضليّتهعليهالسلام من الخلفاء الثلاثة وهذا صدر الحديث:
___________________
(١). المناقب لابن المغازلي ٢٥٥.
« عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - لمـّا قدم أصحاب النبي المدينة، لم يكن لهم بيوت بيبتون فيها، فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي: - لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا.
ثم إنّ القوم بنوا بيوتاً حول المسجد، وجعلوا أبوابها إلى المسجد.
وإنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث إليهم معاذ بن جبل، فنادى أبا بكر فقال: إن رسول الله يأمرك أنْ تخرج من المسجد. فقال: سمعاً وطاعةً. وسدّ بابنه وخرج من المسجد. ثم أرسل إلى عمر فقال: إنّ رسول الله يأمرك أنْ تسدّ بابك الذي في المسجد وتخرج منه. فقال: سمعاً وطاعة، فسدّ بابه وخرج من مسجد الله ورسوله، غير أنْ رغب إلى الله في خوخة في المسجد، فأبلغه معاذ ما قال عمر، ثم أرسل إلى عثمان - وعنده رقية - فقال: سمعاً وطاعةً، فسدّ بابه وخرج من المسجد ».
وأيضاً: ما جاء في الحديث من قوله: « وتبيّن فضله عليهم وعلى غيرهم » صريح في الأفضلية.
وبالجملة، دلالته على أفضليّتهعليهالسلام منهم من وجوه حتى أنّهم لمـّا وجدوا في أنفسهم، أنكر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عليهم ما أبدوه، وردّ عليهم الردّ القاطع، وبيّن لهم أن الذي فعله لم يكن إلّا أمراً من الله سبحانه، كما كان من أمر موسى بالنسبة إلى هارون وذريّته حتى قال في آخر كلامه: « فمن شاء فههنا » وأومى بيده إلى الشام أي الخروج من بلد الإسلام إلى مسكن الكفّار
(٦)
حديث
يا علي يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي،
ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى
وفي حديثٍ آخر إنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنينعليهالسلام .
« تعال يا علي، إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحل لي، ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة »، وإليك نصّ الحديث مسنداً، يرويه الموفق بن أحمد المعروف بأخطب خوارزم، حيث يقول:
« أخبرنا صمصام الأئمة أبو عفّان عثمان بن أحمد الصرّام الخوارزمي بخوارزم، أخبرنا عماد الدين أبو بكر محمّد بن الحسن النسفي، حدّثنا أبو القاسم ميمون بن علي الميموني، حدّثنا الشيخ أبو محمّد إسماعيل بن الحسين بن علي، حدّثني أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه، حدّثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن عبدة، حدّثنا إبراهيم بن سلام المكي حدّثنا عبد العزيز بن محمّد، عن حزام بن عثمان، عن ابن جابر، عن جابر بن عبداللهرضياللهعنه أنه قال:
جاءنا رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - ونحن مضطجعون في المسجد، وفي يده عسيب رطب، قال: ترقدون في المسجد!! فأجفلنا وأجفل علي معنا. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
تعال يا علي، إنه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أنْ تكون
منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة؟ والذي نفسي بيده، إنك لذائد عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الضالّ عن الماء، بعصىَّ لك من عوسج، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي »(١) .
أقول:
قوله -صلىاللهعليهوآلهوسلم -: « ألا ترضى » بعد قوله: « إنه يحلّ لك » بمنزلة التعليل للحكم المذكور، وإنّه لم يحل له ذلك إلّا لكونه منه بمنزلة هارون من موسى فالحديث - حديث المنزلة - يدل على مقامٍ شامخ اختص به دون سائر الأصحاب، فكان الأفضل والمقدّم على جميعهم.
كما يدل على عصمتهعليهالسلام ، كما كان هارونعليهالسلام معصوماً.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الحديث « والذي نفسي بيده » دليل آخر على أفضلية علي عليه الصلاة والسلام وذكر هذه الفضيلة في سياق الفضيلة السّابقة شاهد على المماثلة بينهما في الدّلالة على الأفضليّة.
___________________
(١). المناقب للخوارزمي: ١٠٩ رقم ١١٦.
(٧)
حديث
« إن الله أوحى إلى موسى أنْ أتخذ مسجداً طاهراً »
« لا يسكنه إلّا هو وابنا هارون »
« وإنّ الله أوحى إليّ أنْ أتّخذ مسجداً طاهراً »
« لا يسكنه إلّا أنا وعلي وابنا علي »
قال الحافظ السمهودي:
« أسند ابن زبالة. ويحيى من طريقه:
عن رجل من أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: بينما الناس جلوس في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ خرج مناد فنادى: يا أيّها الناس؛ سدّوا أبوابكم. فتحسحس الناس لذلك، ولم يقم أحد! ثم خرج الثانية فقال: يا أيها الناس، سدّوا أبوابكم. فلم يقم أحد! فقال الناس: ما أراد بهذا؟! فخرج فقال: أيها الناس سدّوا أبوابكم قبل أنْ ينزل العذاب. فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلّب يجرّ كساءه حين نادى سدّوا أبوابكم - قال: ولكلّ رجلٍ منهم باب إلى المسجد، أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم - وجاء علي حتى قام على رأس رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فقال رسول الله: ما يعمّك، إرجع إلى رحلك. ولم يأمره بالسدّ.
فقالوا: سدّ أبوابنا وترك باب علي وهو أحدّثنا. فقال بعضهم: تركه
لقرابته. فقالوا: حمزة أقرب منه وأخوه من الرضاعة وعمّه. وقال بعضهم: تركه من أجل ابنته.
فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج إليهم - بعد ثالثة - فحمد الله وأثنى عليه محمّراً وجهه، وكان إذا غضب احمرّ - عرف في وجهه - ثم قال:
أما بعد ذلكم، فإنّ الله أوحى إلى موسى أنْ اتّخذ مسجداً طاهراً، لا يسكنه إلّاهو وهارون وابنا هارون شبر وشبيراً. وإنّ الله أوحى إليّ أنْ أتّخذ مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا أنا وعلي وابنا علي حسن وحسين، وقد قدمت المدينة واتّخذت بها مسجداً، وما أردت التحوّل إليه حتى اُمرت، وما أعلم إلّا ما علّمت، وما أصنع إلّاما اُمرت، فخرجت على ناقتي، فلقّيني الأنصار يقولون: يا رسول الله إنزل علينا، فقلت: خلّوا الناقة فإنها مأمورة، حتى نزلت حيث بركت. والله ما أنا سددت الأبواب، وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنت عليّاً، ولكن الله أسكنه »(١) .
ورواه الشيخ إبراهيم الوصّابي باللّفظ المتقدم عن تاريخ محمّد بن الحسن بن زبالة في كتابه ( الإكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء ) الذي نص في خطبته على كون أخبار كتابه معتبرةً بقوله: « سألني بعض إخوان الصّفا من أهل الصدق والوفا أنْ أجمع له تأليفاً من الأحاديث النبويّة، التي هي عن الثقات الأثبات مروية، في فضل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - سيّما الأربعة الخلفاء، ثم من سواهم من الصحابة، على ما ورد في فضلهم خصوصاً وعموماً، وفضل محبّيهم وذمّ مبغضيهم، ليتّضح به أنّ محبّتهم واقتفاء آثارهم من أزكى القرب وأفضل الأعمال، وأن المقتدين بهم على هدى من ربهم ومبغضيهم في غمرات الضلال، فيظهر الحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فيحصل بذلك
___________________
(١). وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (١ -٢) : ٤٧٨ - ٤٧٩.
لقلوب الستّة والجماعة حائدون، ولنص الكتاب والسنّة معاندون همّاً وحزناً وغيظاً وأسفاً
فجمعت هذا الكتاب في شرف مناقبهم وعظيم قدرهم علوّ مراتبهم وتدوين بعض ما روي في فضلهم، ولبيان ما ذكر من عميم مفاخرهم من كتب عديدة على وجه الإختصار وحذف السند ».
أقول:
وفي الحديث المذكور تشبيه أمير المؤمنين وولديه بهارون وولديه، في الإختصاص بسكنى المسجد الطاهر، وأن هذا من الله سبحانه وبوحي منه، فالتشبيه الذي في حديث المنزلة منزّل على هذا الإختصاص، لأنّ الحديث يفسّر بعضه بعضاً - كما في ( فتح الباري ) وغيره - وإذا كان حديث المنزلة يفيد هذا الإختصاص، فهو من أدلّة الأفضلية المطلقة لأمير المؤمنين، والأفضلية تدل على الأحقية بالخلافة والإمامة بلا فصل كما في ( منهاج السنّة ) و ( إزالة الخفاء ) و ( قرة العينين ) وغيرها من كتب أهل السنّة والجماعة.
وأيضاً، يدل الحديث على اختصاص الطهارة بعلي وفاطمة والحسنين، وما هذه الطهارة إلّا العصمة.
(٨)
حديث
« إن موسى سأل ربه أنْ يطهّر مسجده بهارون »
« وأنا سألت ربي أنْ يطهّر مسجدي بك »
روى الحافظ أبو نعيم في كتاب ( فضائل الصحابة ) قائلاً:
« حدّثنا يحيى بن الفرج، أنا أبو منصور محمّد بن محمّد بن عبد العزيز العكبري، أنا أبو أحمد بن عبدالله بن محمّد الفوزي، ثنا جعفر بن محمّد الخواص، ثنا الحسن بن عبدالله الأبزازي، ثنا إبراهيم بن سعيد، عن المأمون، عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن أبيه عن ابن عباس قال:
قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - لعلي: إنّ موسى سأل ربّه أنْ يطهّر مسجده لهارون وذريّته، وإنّي سألت الله أن يطهّر مسجدي لك ولذريّتك من بعدك.
ثم أرسل إلى أبي بكر أنْ سدّ بابك، فاسترجع وقال: سمعاً وطاعة. فسدّ بابه ثم إلى عمر كذلك، ثم صعد المنبر فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت باب علي، ولكن الله سدّ أبوابكم وفتح باب علي ».
وروى إبراهيم بن عبدالله اليمني الوصابي في ( الإكتفاء ):
« عن علي بن أبي طالب -رضياللهعنه - قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيدي فقال: إن موسى سأل ربّه أن يطهّر مسجده بهارون، وأنا سألت ربي أن يطهّر مسجدي بك.
ثم أرسل إلى أبي بكر أنْ سدّ بابك، فاسترجع ثم قال: سمعاً وطاعةً، فسدّ بابه. ثم أرسل إلى عمر بمثل ذلك، ثم أرسل إلى عبّاس بمثل ذلك. ثم قال رسول الله ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي، ولكنّ الله فتح باب علي وسدّ أبوابكم.
أخرجه الإمام الحافظ أبو حامد أحمد البزار في مسنده ».
أقول:
فإنّ هذه المشابهة دخيلة في المراد من حديث المنزلة، وليس حديث المنزلة لإفادة النيابة المنقطعة الموقّتة كما زعم المتأوّلون، كما أن الحديث دليل على مقام منيع وفضل عظيم، لا على منقصةٍ وعيب كما زعم الأعور وابن تيمية.
وعلى الجملة، فالحديث يدل على الأفضلية والطهارة والعصمة بكلّ وضوح وظهور، وبذلك تسقط مزاعم المعاندين الذين لم يجعل الله لهم من نور
(٩)
حديث
« إن الله أوحى إلى موسى وإنّ الله أوحى إليَّ »
« أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا أنا وعلي وابنا علي »
وهذا حديث آخر وقعت فيه المشابهة بين هارون وابنيه وبين أمير المؤمنين وابنيه، في حصر سكنى المسجد بهم رواه ابن المغازلي بقوله:
« قولهعليهالسلام : إنّ الله أوحى إلى موسى أنْ ابن لي مسجداً الحديث. أخبرنا أحمد بن محمّد إجازة، قال حدّثنا عمر بن شوذب، حدّثنا أحمد بن عيسى بن الهيثم، حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن ميمون، حدّثنا علي بن عيّاش، عن الحارث بن حصيرة، عن عدي بن ثابت، قال:
خرج رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - إلى المسجد فقال: إنّ الله أوحى إلى نبيّه موسى أن ابن لي مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا موسى وهارون وابنا هارون، وإن الله أوحى إليّ أنْ أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا أنا وعلي وابنا علي »(١) .
قال: « قوله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله عزّوجلّ أوحى إلى موسىعليهالسلام الحديث.
وبإسناده قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله عزّوجلّ أوحى
___________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٢٢٥ رقم ٣٠١.
إلى موسىعليهالسلام أن ابن مسجداً طاهراً لا يكون فيه غير موسى وهارون وابني هارون شبر وشبير، وإنّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يكون فيه غيري وغير أخي علي وغير ابنيَّ الحسن والحسين علهيم السلام »(١) .
أقول:
وهذا حديث آخر ويستفاد منه دخل هذا التشبيه في المراد من حديث المنزلة، ودلالته على الأفضلية ومساواته مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الطهارة والعصمة والأفضلية واضحة كما يدل على عصمة الحسنين وطهارتهما كالنبي الطاهر.
وقد رواه أبو سعد الخركوشي أيضاً كما في ( توضيح الدلائل ):
« عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في حديث طويل، وكان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد، فنودي فينا: ألا ليخرج مَن في المسجد إلّارسول الله وإلّا علي، فخرجنا بأجمعنا، فلمـّا أصحبنا أتاه عمّه فقال: يا رسول الله! أخرجت أعمامك وأصحابك، وأسكنت هذا الغلام! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وما أنا أمرت بإخراجكم وإسكان هذا الغلام. وروي أنّ رسول الله قال: إنّ الله عزّوجلّ أمر موسى بن عمران صلوات الله عليه أنْ يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلاّ هو وهارون وابنا هارون شبر وشبير. وإنّ الله جلَّ جلاله قد أمرني أنْ ابني مسجداً لا يسكنه إلاّ أنا وعلي والحسن والحسين، سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي.
وفي خبر آخر: ان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: سدّوا هذه الأبواب إلّاباب علي. ثم قال: سدّوا قبل أن ينزل العذاب. فخرج الناس مبادرين وخرج
___________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٢٩٩ رقم ٣٤٣.
حمزة - رضي الله تعالى عنه - يجرّ قطيفةً له حمراء وعيناه تذرقان ويبكي ويقول: يا رسول الله أخرجت عمّك وأسكنت ابن عمّك! فقال صلّى الله عليه وسلّم: ما أنا أخرجتك ولا أنا أسكنته، ولكنّ الله عزّوجلّ أسكنه.
وروي أن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - قال لرسول الله: يا رسول الله، دع كوّة حتى أنظر إليك منها حين تغدو وحى تروح. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا والله ولا مثل ثقب الإبرة.
روى الثلاثة أبو سعد في شرف النبوّة ».
(١٠)
حديث
« إن الله أمر موسى وهارون أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب »
« ولا يقربوا فيه النساء إلّا هارون وذريّته »
« ولا يحلّ لأحدٍ إلّاعليّ وذريّته »
وهذا الحديث رواه الحافظ السيوطي بقوله:
« أخرج ابن عساكر عن أبي رافعرضياللهعنه : إن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطب فقال: إن الله أمر موسى وهارون أنْ يتبوّءا لقومهما بيوتاً، وأمرهما أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقربوا فيه النساء، إلّاهارون وذريّته، ولا يحلّ لأحدٍ أنْ يقرب النساء في مسجدي هذا ولا يبيت فيه جنب إلّا علي وذريّته »(١) .
أقول:
وهذا نصّ في اختصاص هذا الحكم الدالّ على العصمة والطهارة في هذه الاُمة بعلي وذريّته، كما كان لهارون وذريّته في اُمّة موسى فلمـّا يقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « علي منّي بمنزلة هارون من موسى » يريد إثبات هذه الفضائل العالية والمناقب الكريمة لعليعليهالسلام ، كما كانت ثابتة لهارونعليهالسلام ، ويريد أن يُعلمه بأنّ شأنه في هذه الاُمّة شأن هارون في اُمه موسى من جميع الجهات، وبالنظر إلى كلّ الكمالات والفضائل والخصائص.
___________________
(١). الدر المنثور ٤ / ٣٨٣ سورة يونس آية ٨٧.
(١١)
حديث
صياح النخلة لمـّا مرّ بها المصطفى والمرتضى
« هذا موسى وأخوه هارون »
روى الخطيب الخوارزمي المكّي الحنفي قائلاً:
« أخبرني شهردار هذه إجازة: أخبرنا أبي شيرويه بن شهردار الديلمي، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الباقلاني الأمين فيما أجاز لي، أخبرنا أبو علي الحسن بن الحسين بن دوما ببغداد، أخبرنا أحمد بن نصر بن عبدالله بن الفتح الذارع بالنهروان، حدثنا صدقة بن موسى بن تميم بن ربيعة أبو العباس، حدّثنا أبي، حدّثنا الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عليعليهالسلام قال:
خرجت مع رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - ذات يوم نمشي في طرقات المدينة، إذ مررنا بنخلٍ من نخلها، فصاحت نخلة، فصاحت نخلة باُخرى: هذا النبي المصطفى وعلي المرتضى. ثم جزناها فصاحت ثانية بثالثة: هذا موسى وأخوه هارون، ثم جزناها فَصاحت ثالثة برابعة: هذا نوح وإبراهيم، ثم جزناها فصاحت رابعة بخامسة: هذا محمد سيد النبيين وهذا علي سيد الوصيين. فتبسّم النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - ثم قال: يا علي إنّما سمّي نخل المدينة صيحانيّاً
لأنه صاح بفضلي وفضلك »(١) .
ورواه أسعد بن إبراهيم الإربلي في ( أربعينه ) الذي هو بطريق شيخه الحافظ عمر بن الحسين المعروف بابن دحية عن الثقات كما صرّح في خطبة كتابه قال:
« الحديث السادس - يرفعه إلى جابر قال: سمعت عليّاً يقول لجماعةٍ من الصحابة: أتدرون لم سمّي الصّيحاني صيحانيّاً؟ قلنا: اللهم لا. قال: خرجت أنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمـّا وصلنا إلى الحدائق صاحت نخلة بنخلةٍ: هذا النبي المصطفى وذاك علي المرتضى، ثم صاحت ثالثة برابعة: هذا كموسى وهذا كهارون »(٢) .
ورواه محمّد بن يوسف الكنجي بسنده إلى أبي الحسن بن دوما بسنده كما تقدم قال: « أخبرنا الحافظ أبو محمد عبدالرحمن بن أبي الفهم البلداني بدمشق، أخبرنا عبد المنعم الحرّاني ببغداد، أخبرنا أبو علي بن نبهان، أخبرنا أبو الحسن بن الحسين بن العباس بن الفضل بن دوما، أخبرنا أبو بكر أحمد بن نصر بن عبدالله الذارع بنهروان
قلت: هكذا ذكره الذارع في مسنده »(٣) .
أقول:
في هذا الحديث دلالة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بلا فصل من وجوه، كما في تشبيهه بهارون - مع تشبيه النبيّ بموسى بصورةٍ مطلقة - دلالة
___________________
(١). المناقب للخوارزمي: ٣١٢ رقم ٣١٣.
(٢). الأربعين للاربلي: ٣٢٤. مصورة ضمن المجموع الرائق.
(٣). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٥٥.
على أنّ التنزيل في حديث المنزلة هو بالنسبة إلى عموم منازل هارونعليهالسلام .
وبالجملة، ففي هذا الحديث تشبيه أمير المؤمنينعليهالسلام بإبراهيم وبهارون، ووصف له بـ « سيد الوصيين » بعد وصف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بـ « سيّد النبيين ».
وقد روى الحديث جماعة من أعلام السنة وفيه وصفه بـ « سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين » وبـ « سيف الله » وممّن رواه الحافظ السمهودي قال:
« وأنواع تمر المدينة كثيرة استقصيناها في الأصل الأول، فبلغت مائة وبضعاً وثلاثين نوعاً. منها: الصيحاني. وفي ( فضل أهل البيت ) لابن المؤيد الحموي، عن جابررضياللهعنه قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يوماً في بعض حيطان المدينة، ويد علي في يده، قال: فمررنا بنخلٍ، فصاح النخل: هذا محمّد سيد الأنبياء وهذا علي سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين. ثم مررنا بنخلٍ فصاح النخل: هذا محمّد رسول الله وهذا علي سيف الله. فالتفت النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى علي فقال له: سمّه الصيحاني، فسمّي من ذلك اليوم الصيحاني. فكان هذا سبب تسمية هذا النوع بذلك، إذ المراد نخل ذلك الحائط »(١) .
ورواه الشيخ عبد الحق الدهلوي في ( جذب القلوب )، وحسام الدين السهارنفوي في ( المرافض ) عن ( جذب القلوب ).
وهو بهذا اللفظ دليل آخر على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام .
___________________
(١). خلاصة الوفا، الفصل الخامس، في ترابها وثمرها.
(١٢)
كلمة « إلّا أنّه لا نبيَّ بَعدي »
إنّ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث المنزلة: « إلّا أنّه لا نبي بعدي » يدل دلالة واضحة على أنّه لو كان بعده نبي لكان عليّاًعليهالسلام فيكون مفاد الحديث دليلاً على العصمة والأفضلية، ضرورة اشتراط العصمة والأفضلية في النبي.
وممّن صرّح بدلالة هذه الكلمة على المعنى المذكور هو الشيخ علي القاري، حيث قال في شرحه:
« فيه إيماء إلى أنّه لو كان بعده نبي لكان عليّاً »(١) .
والشيخ علي القاري من كبار العلماء المحقّقين في الحديث عندهم، مشهور بالتحقيق والتنقيح بينهم كما لا يخفى على من راجع ترجمته في ( خلاصة الأثر ) وغيرها، وقد اعتمد المتأخّرون عنه على كلماته في شرحه على المشكاة، وفي غيره من كتبه، وقد نصّ غير واحدٍ منهم على اعتبار خصوص كتابه ( المرقاة )، أنّ كاشف الظنون قد وصفه بالعظمة.
___________________
(١). المرقاة في شرح المشكاة ٥ / ٥٦٥.
(١٣)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم
« ولو كان لكنته »
وبالإضافة إلى دلالة « إلّا أنه لا نبي بعدي » على أنه لو كان بعده نبي لكان عليّاً نجد التّنصيص منهصلىاللهعليهوآلهوسلم على هذا المعنى في بعض ألفاظ حديث المنزلة
وهذا اللفظ رواه الحافظ الخطيب البغدادي بسنده عن جابر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال الحافظ ابن عساكر: « وأمّا ما روي عن جابر بن عبدالله، فأخبرناه أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الحسن علي بن أحمد، قالا: نا أبو منصور بن زريق، أنا أبوبكر الخطيب، أخبرني أبو القاسم الأزهري، نا يوسف بن عمر القواس، والمعافى بن زكريا الجريري، قالا: نا ابن أبي الأزهر.
ح قال: وأنا الحسن بن علي الجوهري، أنا أحمد بن إبراهيم، نا أبو بكر بن أبي الأزهر، نا أبو كريب محمّد بن العلاء، نا إسماعيل بن صبيح، نا أبو أويس، نا محمّد بن المنكدر، نا جابر، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي ولو كان لكنته.
قال الخطيب: قوله: ولو كان لكنته، زيادة لا نعلم رواها إلّا ابن أبي
الأزهر »(١) .
وقال الحافظ السيوطي في خاتمة كتابه ( بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ):
« هذا باب في أحاديث منتقاة من الطبقات الكبرى، عنَّ لنا أن نختم بها هذا المختصر، ليكون المسك ختامه والكلم الطيب تمامه ».
وقد جاء فيه:
« وبه إليه ( أي بالإسناد إلى الخطيب البغدادي ):
أنبأنا أبو القاسم الأزهري، حدثنا المعافى بن زكريّا، حدّثنا ابن أبي الأزهر، حدّثنا أبو كريب محمّد بن العلاء، حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن صبيح، حدّثنا أبو أويس، حدّثنا محمّد بن المنكدر، حدّثنا جابر قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبي بعدي ولو كان لكنته »(٢) .
أقول:
هذا الحديث الذي أورده السّيوطي الحافظ المعروف، عن الخطيب البغدادي، الحافظ المشهور، الغني عن الوصف والثناء والتعريف، المترجم له بآيات المدح والإطراء الفائقة عن الحصر والحد في ( الأنساب ) و ( وفيات الأعيان ) و ( تذكرة الحفاظ ) و ( سير أعلام النبلاء ) و ( طبقات الشافعية ) و ( الكامل في التاريخ ) و ( المختصر في أخبار البشر ) و ( مرآة الجنان ) وغيرها
هذا الحديث نصٌّ صريح في عصمة أمير المؤمنينعليهالسلام وأفضليّته
___________________
(١). تاريخ دمشق ٤٢ / ١٧٦.
(٢). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ٢ / ٤١٤ رقم ٤٧.
وفي غير ذلك مما يشترط ويعتبر في كلّ نبي من الأنبياء، وإنّما المانع عن نيله تلك المرتبة ختم النبوّة بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس عن ذلك مانع آخر، وإلّا كان الكلام مستهجناً منكراً، ولم يكن فرق بين أمير المؤمنين وبين أدنى الناس والعياذ بالله فلا يتوهمنّ أحد أن هذا الكلام من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبيل تعليق المحال بالمحال، وأنّه لا يدل على استحقاق الإمام للنوبة كي يثبت به عصمته وأفضليته عمّن سواه
هذا، ولو جاز ذلك وصحّ لما وضعوا في حق عمر أنه قال: « لو كان بعدي نبي لكان عمر » وللزم تجويز: لو كان بعده نبي لكان أبا جهل أو أبا لهب! وهل يصدر هذا إلّا ممن سيصلى ناراً ذات لهب؟! وعلى الجملة، فلا ريب في أنّه كما أنّ موانع النبوة مثل سبق الكفر وعدم العصمة وفقدان الأفضلية من الكل غير مفقودة في عمر، كذلك هي موجودة في أبي جهل وأبي لهب، فلو جاز إثبات النبوة لعمر على تقدير عدم اختتام النبوة جاز إثباتها لأبي لهب وأبي جهل وأمثالهما
وأيضاً، لو كان قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ولو كان لكنته » غير دالٍ على جواز النبوّة للأمير على تقدير عدم اختتامها، بل كان من قبيل تعليق المحال بالمحال، لَما دلَّ إلّا على استحالة النبوة له لكن بيان استحالة النبوة له لا يفيد فضيلةً له، والحال أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في مقام بيان فضله عليه الصلاة والسلام فالقرينة المقامية مانعاً قطعياً عن التوهّم المذكور.
وأيضاً، يبطل التوهّم المذكور باستدلال القوم بالحديث الموضوع في حق عمر: « لو كان بعدي نبي لكان عمر » واحتجاجهم على الأفضلية لعمر بن
الخطاب كالتفتازاني القائل في ( تهذيب الكلام ):
« والأفضلية بترتيب الخلافة، أمّا إجمالاً، فلأنّ اتّفاق أكثر العلماء على ذلك يشغر بوجود دليل لهم عليه، وأمّا تفصيلاً، فلقوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ) وهو أبوبكر. ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيّين والمرسلين على أحدٍ أفضل من أبي بكر. ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: خير امتي أبو بكر ثم عمر. وقال: لو كان بعدي نبي لكان عمر ».
فهذا الحديث - عند التفتازاني - يدل على الأفضلية، ولو كان من باب تعليق المحال بالمحال، فمن أين الدلالة على ذلك؟
و ( كالدهلوي ) الذي احتج بهذا الحديث وعارض به حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها » حيث جعله دالّاً على وجدان عمر شرطاً من شروط الخلافة - وهو العلم - على الوجه الأتم(١) فإنّ هذه الدلالة إنّما تكون إذا لم يكن المراد منه من تعليق المحال بالمحال.
وكالشريفي صاحب ( النواقض ) حيث قال: « ولو أنصف المسلمون علموا أنّ إسلام جلّهم كان ببركة عمر، وهو تلك النعمة الجليلة العظيمة التي تفوق النعم. ولهذا قال النبي - صلّى الله عليه وسلّم - في شأنه: لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب نبيّاً ».
هذا، وممّا يدل على صدور حديث المنزلة لإفادة استجماع أمير المؤمنينعليهالسلام لكلّ شرائط النبوة، وعلى سقوط التوهّم المذكور:
كلام الحافظ ابن حجر فيما قاله عمر في حق معاذ بن جبل وهذا نصه:
« قال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيّاً مذهب العلماء كافة، وقد عدّوها
___________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٢١٢.
في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحدٍ من السلف فيها خلافه، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار. قال: ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة، لما فيه من مخالفة المسلمين.
قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر في ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسندٍ رجاله ثقات أنه قال: إنْ أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته. فذكر الحديث وفيه: فإنْ أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل. الحديث ومعاذ بن جبل أنصَاري، ولا نسب له في قريش.
فيحتمل أنْ يقال: لعلّ الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أنْ يكون الخليفة قرشياً، أو تغيّر اجتهاد عمر في ذلك. والله أعلم »(١) .
فإنّ ما قاله عمر في حق معاذ يدلّ دلالةً واضحةً على استجماع معاذ لشرائط الخلافة ولولا هذه الدلالة لما احتاج هذا القول إلى التأويل، من جهة عدم كونه قرشيّاً
فتلخص: أن الحديث الشريف الذي رواه الحافظ الخطيب البغدادي يدل دلالةً تامةً واضحةً على استجماع الأمير لشرائط النبوة، وأنه لولا اختتامها بالنبي الأكرم لكان نبيّاً ولا مجال لتأويله بما يخرجه عن هذه الدلالة.
ثم إنّه لا غرابة في أنْ يضع القوم حديثاً في فضل عمر مفاده استحقاقه النبوة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعارضوا به الأحاديث الثابتة في الأمير وأهل البيتعليهمالسلام بعد أن قالوا مثل هذا الكلام في حق عالمٍ من علمائهم ...!!
___________________
(١). فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣ / ١٠٢.
لقد قالوه في حق أبي محمّد بن عبدالله بن يوسف الجويني كما جاء في ترجمته:
قال اليافعي: « سنة ٤٣٨. فيها الشيخ الإمام الجليل القدر، مفتي الأنام، قدوة المسلمين وركن الإسلام، ذو المحاسن والمناقب العظام، والفضائل المشهورة عند العلماء والعوام، الفقيه الاُصولي، الأديب النحوي المفسّر، الشيخ أبو محمد الجويني، عبدالله بن يوسف، شيخ الشافعية، وولد إمام الحرمين.
قال أهل التواريخ: كان إماماً في التفسير والفقه والاصول والعربية والأدب وكان مهيباً لا يجري بين يديه إلّا الجد والبحث والتحريض على التحصيل.
له في الفقه تصانيف كثيرة الفضائل مثل وله التفسير المذكور المشتمل على عشرة أنواع في كلّ آية.
وقال الامام عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري: كان أئمتنا في عصره والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة، ما أنّه لو جاز أنْ يبعث الله تعالى نبيّاً في عصره لما كان إلّا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته وكمال فضله. رضي الله تعالى عنه »(١) .
وذكر السبكي بترجمته كلام القشيري وأضاف: « وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: لو كان الشيخ أبو محمّد في بني إسرائيل لنقل إلينا شمائله ولافتخروا به »(٢) .
___________________
(١). مرآة الجنان. حوادث ٤٣٨ ٣ / ٥٨- ٥٩.
(٢). طبقات الشافعية ٥ / ٧٤.
وعن بعض أكابرهم الجامعين بين علوم الظاهر والباطن! أنه قال نظير الكلمة المذكورة في حق أبي حامد الغزالي، وأضاف بأن بعض مصنفاته معجزات فقد ذكر الحافظ السيوطي في ( التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة ) بترجمة الغزالي:
« قال الشيخ عفيف الدين اليافعي في الإرشاد: قد قال جماعة من العلماء - منهم الحافظ ابن عساكر - في الحديث الوارد عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - إن الله يبعث لهذه الاُمّة من يجدّد لها دينها على رأس كلّ مائة، إنه كان على رأس المائة الاُولى: عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس الثانية: الإمام الشافعي، وعلى رأس الثالثة: الإمام أبو الحسن الأشعري، وعلى رأس الرابعة: أبو بكر الباقلاني، وعلى رأس الخامسة: الإمام أبو حامد الغزالي. وذلك لتميّزه بكثرة المصنّفات البديعات، وغوصه في بحور العلوم، والجمع بين علوم الشريعة والحقيقة والفروع والاُصول والمعقول والمنقول والتدقيق والتحقيق والعلم والعمل.
حتى قال بعض العلماء الأكابر الجامعين بين العلم الظاهر والباطن:
لو كان بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم نبي لكان الغزالي، وأنه يحصل ثبوت معجزاته ببعض مصنفاته ».
والأطرف من كلّ ذلك: رؤيا والدة شاه ولي الله الدهلوي في استحقاق زوجها النبوّة، لكن ولدها - ولي الله - يعبّر الرؤيا بما حاصله استحقاقه هو النبوة
دون والده وإليك نصّ صورة الرؤيا كما حكاها ولي الله في كتابه ( التفهيمات الإلهيّة »:
« تفهيم - رأت والدتي بارك الله في عمرها في المنام: كأنّ طائراً عجيب الشكل، جاء إلى أبي -قدسسره - يحمل في منقاره كاغذة عليها اسم الله بالذهب، ثم جاء طائر آخر يحمل في منقاره كاغذة اُخرى فيها: بسم الله الرحمن الرحيم لو كان النبوة بعد محمد - صلّى الله عليه وسلّم - ممكناً لجعلتك نبيّاً ولكنها انقطعت به. هذه الألفاظ أو بمعناها. والطائر الأول كان منقاره أحمر وسائر جسده أغبر مثل الحمام، والثاني: سائر جسده أخضر كالطوطي.
فقال أبي -قدسسره -: أبشري بولدك - أشار إلىّ - أما كنّا أعلمناك أنه سيكون وليّاً؟!
قالت والدتي: وكان علمي في ذلك المنام أن البشارة في حق أبيك وقوله -قدسسره - يشعر بأنها فيك. وكان الأمر مشتبهاً عليها.
أقول: وحق التعبير - كما تقتضيه قوانين الحكمة - أنْ يقال: الكاغذة الاُولى إشارة إلى كمال أبيقدسسره ، فإنه كان فانياً في الله مستغرقاً فيه. أما غبرة حاملها، فلأنه كان غير مشغول بذكر المعارف. وكذلك الحمام والفاختة حسن الصوت غير فصيحها. وأما الكاغذة الاُخرى فإشارة إلى الكمال الذي اُوتيته من تلقاء تشريح كمالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأمّا الخضرة حاملها فلإيضاحي بالمعارف، كما أنّ الطوطي تفصح وتقطع صوتها. وكان هذا حين فطمت عن اللبن. والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ».
(١٤)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في علي عليهالسلام :
« شدّ به عضدي كماشدّ عضد موسى بأخيه هارون وهو خليفتي »
« ووزيري ولو كان بعدي النبوة لكان نبيّاً »
وجاء في حديثٍ تشبيه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنينعليهالسلام بهارون، مع التنصيص على وصايته وخلافته، ثم قال: « ولو كان بعدي النبوة لكان نبيّاً ».
وهذا نصّه: « عن أنسرضياللهعنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّ الله اصطفاني على الأنبياء، واختار لي وصيّاً، واخترت ابن عمّي وشدّ به عضدي كما شدّ عضد موسى بأخيه هارون، وهو خليفتي ووزيري، ولو كان بعدي النبوة لكان نبياً »(١) .
و هذا الحديث الذي رواه السيد علي الهمداني في كتابه الذي ضمّنه - كما قال - « جواهر الأخبار ولآلي الآثار في فضائل أهل البيت ». نصّ صريح في خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام ووصايته، وأنه إنّما كان كذلك لأنّه لا نبي بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلّا لكان نبيّاً وبالجملة، فإنّ له كلّ ما لهارون، إلّا النبوة، لكون رسول الإسلام خاتم النبيّين.
___________________
(١). مودة القربى - المودة السادسة، ينابيع المودة ٢ / ٢٨٨. الطبعة الحديثة.
(١٥)
ما قاله عمار في حقّ الامير
واستدلاله بحديث المنزلة
وروى الشيخ علي المتقي:
« عن يحيى بن عبدالله بن الحسن، عن أبيه قال: كان علي يخطب، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني من أهل الجماعة؟ ومن أهل الفرقة؟ ومن أهل السنّة؟ ومن أهل البدعة؟ فقال: ويحك! أمّا إذا سألتني فافهم عنّي، ولا عليك أنْ لا تسأل عنها أحداً بعدي.
فأمّا أهل الجماعة فأنا ومن اتّبعني وإنْ قلّوا، وذلك عن أمر الله وأمر رسوله.
فأمّا أهل الفرقة فالمخالفون لي ومن اتّبعني وإنْ كثروا.
وأمّا أهل السنّة فالمتمسّكون بما سنّه الله لهم ورسوله، وإنْ قلّوا.
وأمّا أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ورسله، العاملون برأيهم وأهوائهم وإنْ كثروا. وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج، وعلى الله قصمها واستيصالها عن جديد الأرض.
فقام إليه عمّار فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس يذكرون الفيء ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وأهله فيء لنا وولده.
فقام رجل من بكر بن وائل - يدعى عبّاد بن قيس - وكان ذا عارضة ولسان شديد، فقال: يا أمير المؤمنين! والله ما قسمت بالسويّة، ولا عدلت في الرعيّة!
فقال علي: ولِمَ ويحك؟
قال: لأنك قسّمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذريّة.
فقال علي: أيها الناس من كان به جراحة فليداوها بالسمن.
فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترّهات!
فقال له علي: إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف.
فقال رجل من القوم: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟
فقال: رجل لا يدع لله حرمةً إلّا انتهكها.
قال: فيموت أو يقتل؟
قال: بل يقصمه قاصم الجبّارين، قتله بموت فاحش يحترف منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه.
يا أخا بكر، أنت امرؤ ضعيف الرأس! أو ما علمت أنّا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وإنّ الأموال كانت لهم قبل الفرقة، وتزوّجوا على رشده، وولدوا على الفطرة، وإنما لكم ما حوى عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريّتهم، فإنْ عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه، وإنْ كفَّ عنّا لم نحمل عليه ذنب غيره. يا أخا بكر: لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في أهل مكة، قسّم ما حوى العسكر ولم يعرض لما سوى ذلك، وإنما اتّبعت أثره حذو النعل بالنعل. يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحلّ ما فيها وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلّا بحق. فمهلاً يرحمكم الله.
فإنْ أنتم لم تصدّقوني وأكثرتم عليَّ، وذلك أن تكلّم في هذا غير واحد، فأيّكم يأخذ اُمّه عائشة بسهمه؟
قالوا: لا أيّنا يا أمير المؤمنين، بل أصبت وأخطأ، وعلمت وجهلنا. ونحن نستغفر الله.
وتنادى الناس من كل جانب: أصبت يا أمير المؤمنين، أصاب الله بك الرشاد.
فقام عمار وقال:
يا أيها الناس، إنكم - والله - إنْ اتّبعتموه وأطعتموه لم يضل بكم عن منهاج نبيّكم قيس شعرة، وكيف يكون ذلك؟ وقد استودعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران، إذ قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، فضلاً خصّه الله به إكراماً منه لنبيّه حيث أعطاه ما لم يعط أحداً من خلقه.
ثم قال علي: اُنظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له، فإنّ العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الأخس، فإني حاملكم - إن شاء الله تعالى، إن أطعتموني - على سبيل الجنّة وإنْ كان ذا مشقة شديدة ومرارة عتيدة و الدنيا حلوة الحلاوة لمن اغترّ بها من الشقوة والندامة عمّا قليل. ثم إنّي مخبركم أنّ خيلاً من بني إسرائيل أمرهم نبيّهم أنْ لا يشربوا من النهر، فلجّوا في ترك أمره، فشربوا منه إلّا قليلاً منهم، فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيّهم ولم يعصوا ربّهم »(١) .
فقد جعل الصحابي الجليل عمار بن ياسر -رضياللهعنه - حديث المنزلة دليلاً على أن النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - قد استودع الإمام عليّاًعليهالسلام علم المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون، وهو المعصوم عن الخطأ والمصون عن النقائص فاستفاد من حديث المنزلة الدلالة على عصمة الإمامعليهالسلام و وجوب إطاعته واتّباعه، كما يجب إطاعة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لكونه على منهاجه تماماً
___________________
(١). كنز العمال ١٦ / ١٨٣ رقم ٤٤٢١٦.
فلا ريب إذَنْ في دلالة الحديث على افتراض طاعة الأمير وعصمته وأفضليّته وأعلميّته، وبذلك يكون هو المتعيَّن للخلافة، ويظهر أنْ لا حق لغيره فيها ويتبيّن سقوط الترّهات التي فاه بها المكابرون، وتذهب أضاليل الأعور وابن تيمية أدراج الرّياح
مضافاً إلى الفوائد الأخرى المشتمل عليها هذا الحديث:
منها: قوله الإمامعليهالسلام : « فأما أهل الجماعة فأنا ومن اتّبعني وإنْ قلّوا » فإنّه يفيد أنّ كلّما ورد من الأمر باتّباع الجماعة والكون مع الجماعة ونحو ذلك، فهو أمر باتّباعه واتباع من اتّبعه
ويفيد أيضاً أنه مفترض الطاعة وواجب الاتّباع، وذاك يفيد عصمته وتعيّنه للإمامة والخلافة.
وقد أكّد ذلك بقوله: « وذلك عن أمر الله وأمر رسوله ».
ومنها: قولهعليهالسلام : « فأمّا أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتّبعني » فإنّه أيضاً يفيد وجوب اتّباعه وذم مخالفتهْ. وهذه هي العصمة كذلك.
ومنها: قولهعليهالسلام : « فأما أهل السنّة » فانّه بعد تعريفه « أهل الجماعة » بما عرفت، يدلّ على أن أهل السنّة هم المتابعون له لا المنقادون لغيره وإنْ تسمّوا بهذا الاسم.
ومنها: قولهعليهالسلام : « فأمّا أهل البدعة » فإنّ المراد منهم - بعد معرفة أهل السنّة والجماعة - هم المخالفون له ولأتباعه وإنْ كثروا
ومنها: قولهعليهالسلام : « وقد مضى منهم الفوج الأول » فإنّه إنْ أراد الثلاثة وأتباعهم - كما هو الظاهر - فالأمر واضح، وإنْ أراد أصحاب الجمل، فيكون قد وصفعليهالسلام طلحة والزبير وأتباعهما بأهل البدعة.
ومنها: قوله: « إنّا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير » فصريح في أن أصحاب
الجمل مرتكبون للذنب، فلا فائدة لما يقال من أنهم اجتهدوا وأخطأوا، فهم مأجورون أجراً واحداً!!
كما أنّهعليهالسلام وصفهم بأهل الفرقة.
وأنّه أجرى فيهم حكم الكفار من أهل مكة.
ومنها: قوله: « فانظروا رحمكم الله ما تؤمرون فامضوا له » نصّ في عصمته ووجوب طاعته وأنه الأعلم، الحامل للاُمّة على سبيل الجنة.
ومنها: قوله: « فكونوا رحمكم الله من أولئك » حيث أفاد أن طاعته بعينها طاعة النبيّ المعصوم، وعدم عصيانه إطاعة الحيّ القيوم، وفيه ما يدل على كمال العصمة، وأن حكمه عين حكم ربّ العزة.
(١٦)
الأعلميّة من منازل هارون
إنه لا ريب في أن هارون كان الأعلم في الاُمّة بعد موسىعليهالسلام فيكون أمير المؤمنينعليهالسلام الأعلم في الاُمة بعد نبيّنا -صلىاللهعليهوآلهوسلم -. والأعلميّة تفيد الأفضليّة، والأفضلية سبب انحصار الخلافة فيه.
أمّا أعلميّة هارون بعد موسى، فقد ذكرنا عدم الريب فيها، وإليك جملةً من عباراتهم الصريحة بها:
قال البغوي: « قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون -عليهماالسلام - وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم، وكان حسن الصورة فبغى وطغى »(١) .
وفي الجلالين: «( قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ ) أي المال( عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) . أي في مقابله. وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون »(٢) .
وقال الخطيب الشربيني: « وروى أهل العلم بالأخبار: أن قارون كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون »(٣) .
وقال العيني: « وكان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأفضلهم وأجملهم، قال قتادة: وكما يسمى المنور لحسن صورته، ولم يكن في
___________________
(١). معالم التنزيل ٤ / ٣٥٩.
(٢). تفسير الجلالين ٢ / ٢٠١.
(٣). السراج المنير في تفسير القرآن ٣ / ١١٦.
بني إسرائيل أقرء للتوراة منه »(١) .
وعلى الجملة، فإنّ هارون كان أعلم بني إسرئيل بعد موسى، فلا يبقى ريب في أعلمية أمير المؤمنينعليهالسلام ، لما دلَّ على عموم المنزلة ممّا تقدم ويأتي، ولخصوص ما أوردناه عن عمار بن ياسر ونحوه.
وعلى فرض قبول ما ذكره ولي الله الدهلوي من حمل الحديث على المنازل المشهورة، فإنّ الأعملية منها قطعاً، فالدلالة تامّة.
هذا، وقد نصّ العلامة سعيد الدين الفرغاني بشرح قول ابن الفارض في ( التائيّة ):
« وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا |
علي بعلمٍ ناله بالوصية » |
نصّ على أنّ حديث المنزلة - كحديث الثقلين وكحديث أنا مدينة العلم - يدلّ على حصول العلم لأمير المؤمنين بوصيةٍ من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكان بذلك أعلم من سائر الصّحابة، لا سيّما من عمر الذي أفصح عن ذلك بقوله غير مرة: لولا علي لهلك عمر.
ووجه الإستدلال بحديث المنزلة على الأعلميّة لا يكون إلاّبأنْ يقال: كما أنّ هارون كان متمكّناً من حلّ المشكلات والمعضلات بعلمٍ ناله بالوصية من موسى، فعلي مثل هارون، حصلت له تلك المرتبة بوصيةٍ من النبي.
كما أفاد كلامه دلالة حديث الثقلين على المرام. والحمد لله.
ولو كابر متعصّب عنود فيما قاله الفرغاني وغيره، فإليك المطلب من رئيس الفرقة الباغية:
___________________
(١). عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - النوع الثامن والثلاثون، قصة هارون.
(١٧)
دلالة الحديث على
الأعلميّة على لسان معاوية
ففي خبرٍ رواه أعاظم القوم وأكبار أئمّتهم أمثال:
١ - أحمد بن حنبل
٢ - أبي الحسن علي بن عمر بن شاذان
٣ - الفقيه الشافعي ابن المغازلي الواسطي
٤ - الفقيه أبي الليث السمرقندي
٥ - محبّ الدين الطبري
٦ - إبراهيم بن محمد الحمويني الجويني
٧ - محمد بن يوسف الزرندي
٨ - نور الدين السّمهودي
٩ - إبراهيم بن عبدالله اليمني الوصابي
١٠ - أحمد بن حجر المكّي
١١ - أحمد بن فضل بن باكثير المكي
١٢ - أحمد بن عبد القادر العجيلي
١٣ - المولوي مبين الكهنوي
يستدل رئيس بالفرقة الباغية وقائد النواصب معاوية بن أبي سفيان بحديث المنزلة على أعلميّة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام والفضل ما شهدت به الأعداء
قال ابن عساكر:
وأمّا ما رُوي عن معاوية:
فأخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الجَنْزَرودي، أنا السيّد أبو الحسن محمّد بن علي بن الحسين، نا حمزة بن محمّد الدهقان، نا محمّد بن يونس، نا وهب بن عثمان البصري، نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
سأل رجل معاوية عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب، فهو أعلم مني، قال: قولك يا أمير المؤمنين أحبّ إليي من قول علي، قال: بئس ما قلت ولؤم ما جئت به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَغرّه بالعلم غرّاً، ولقد قال له: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي ».
وكان عمر بن الخطاب يسأله ويأخذ عنه، ولقد شهدتُ عمر إذا أشكل عليه أمر قال: ها هنا علي بن أبي طالب؟ ثمّ قال للرجل: قُمْ لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان.
أخبرناه عالياً أبو نصر بن رضوان، وأبو علي ابن السبط، وأبو غالب بن البنّا، قالوا: أنا أبو محمّد الجوهري، أنا أبو بكر بن مالك، نا وهب بن عمرو بن عثمان النمري البصري، حدّثني أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فهو أعلم، فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي، فقال: بئس ما قلت، ولؤم ما جئتَ به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَغرّه بالعلم غراً، ولقد قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « أنت
منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي ».
وكان عمر إذا أشكل عليه شيء، يأخذ منه، ولقد سمعت عمر وقد أشكل عليه فقال: هاهنا علي؟ قُمْ لا أقام الله رجليك »(١) .
وقال ابن المغازلي: « أخبرنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن العباس البزاز، رفعه إلى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: سأل رجل معاوية عن مسألةٍ. فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فإنّه أعلم. قال: يا أمير المؤمنين قولك فيها أحب إليَّ من قول علي. فقال: بئسما قلت ولؤمت ما جئت به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يغرّه بالعلم غرّاً، ولقد قال رسول الله له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه، ولقد شهدت عمر إذا أشكل عليه شيء قال: ههنا علي. قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان »(٢) .
وقال ابن حجر: « أخرج أحمد: إن رجلاً سأل معاوية عن مسألةٍ وأخرجه آخرون بنحوه »(٣) .
وقال السمهودي: « أخرج الإمام أحمد في المناقب عن أبي حازم قال: جاء رجل إلى معاوية وأخرج جماعة آخرون منهم ابن شاذان عن قيس بن أبي حازم بنحوه »(٤) .
وقال الحمويني: « أخبرنا الشيخ جمال الدين أحمد بن محمد القزويني المعروف بمدكويه مناولةً قال: أنبأنا الشيخ ضياء الدين عبد الوهاب بن علي بن علي البغدادي إجازةً، بروايته عن شيخ الإسلام جمال السنّة أبي عبدالله محمد
___________________
(١). تاريخ دمشق ٤٢ / ٩٧.
(٢). المناقب لابن المغازلي: ٣٤ رقم ٥٢.
(٣). الصواعق المحرقة: ١١٠.
(٤). جواهر العقدين ٢/٣٢٨.
ابن حمويه بن محمد الجويني قال: أنبأنا الشيخ أبو محمد الحسن بن احمد ، أنبأنا الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم البخاري الكلابادي، نبّأنا محمد بن عبدالله بن يوسف العماني.
ح محمد بن محمد بن الأزهري الأشعري قال: نبّأنا الكديمي. قال العماني: نبّأنا عمر بن عثمان النمري. وقال الأزهري نبّأنا وهب بن عمر بن عثمان - وهو الصواب - قال: حدّثنا أبي عن أبي إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألةٍ ...»(١) .
فهذا مدلول ومفاد حديث المنزلة عند معاوية الباغية، لكنّ الأعور وابن تيميّة وأمثالهما يخالفون إمامهم في هذا المقام، حتى أنّ الأعور يتّخذ هذا الحديث دليلاً على تنقيصه عليه الصلاة والسلام!!
ولا يتوهّم دلالة الحديث على أعلميّة الإمام من معاوية فقط، لأنّ معاوية إنما فهم أعلميّة الإمام من تنزيل النبي إيّاه منزلة هارون، وقد كان هارون أعلم اُمّة موسى قاطبةً، فعليعليهالسلام أعلم الاُمّة الإسلاميّة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويشهد بما ذكرنا استشهاد معاوية بأعلمية الإمام من عمر بن الخطاب.
___________________
(١). فرائد السمطين ١ / ٣٧١ رقم ٣٠٢.
(١٨)
قول معاوية بعد سماع الحديث
« لو سمعت من رسول الله في علي لكنت له خادماً »
قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزي:
« وأمّا السنّة فأخبار فنبدء منها بما ثبت في الصحيح والمشاهير من الآثار.
حديث في إخاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي كرّم الله وجهه:
قال أحمد في المسند - وقد تقدم إسناده - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقّاص قال:
خلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً في غزاة تبوك. فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصّبيان! فقال: ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي؟
أخرجاه في الصحيحين.
ولمسلمٍ عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً وقال له: ما منعك أنْ تسبّ أبا تراب؟
فقال سعد: أمّا ما ذكرت ثلاثاً سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالهنّ له فلنْ أسبّه أبداً، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم. وذكر منها حديث الراية كما سيجيء. الثانية: لـمّا نزلت( قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) الآية. دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً
وحسيناً، وقال - صلّى الله عليه وسلّم - اللّهم هؤلاء أهلي. والثالثة: سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وقد خلّفه في بعض مغازيه - فقال يا رسول الله تركتني مع النساء والصّبيان. فقال صلّى الله عليه وسلّم: ألا ترضى. وذكر الحديث.
وقد ذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب ومعان الجوهر: إنّ سعداً لـمّا قال لمعاوية هذه المقالة قال له معاوية:
ما كنت عندي ألأم منك الآن، فألّا نصرته؟ ولم قعدت عن بيعته؟ وكان سعد قد تخلّف عن بيعة علي.
ثم قال معاوية: أما إني لو سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما سمعت في علي بن أبي طالب لكنت له خادماً »(١) .
أقول:
وهذا ما جاء في ( مروج الذهب ):
« حدّث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حُميد الرازي، عن أبي مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح قال:
لـمّا حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة، فأجلسه معه إلى سريره، ووقع معاوية في علي وشرع في سبّه، فزحف سعد. ثم قال: أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سبّ علي! والله لأنْ يكون فيَّ خصلة واحدة من خصالٍ كانت لعلي أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس:
والله لأن أكون صهراً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لي من الولد ما لعلي
___________________
(١). تذكرة خواص الامة: ١٨-١٩.
أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
والله لأن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لي ما قال له يوم خيبر: لاُعطيّن الرّاية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله ليس بفرّار يفتح الله على يديه، أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
والله لأنْ يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لي ما قال له في غزوة تبوك: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.
وأيم الله لا دخلت لك داراً ما بقيت. و نهض.
ووجدت في آخر من الروايات وذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة وغيره:
إن سعداً لما قال هذه المقالة لمعاوية نهض يقوم، ضرط له معاوية وقال له: أقعد لما تسمع جواب ما قلت: ما كنت عندي قط ألأم منك الآن، فهلّا نصرته؟ ولم قعدت عن بيعته؟
فإني لو سمعت من النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعلي ما عشت.
فقال سعد: والله إني لأحقّ بموضعك.
فقال معاوية: يأبى عليك بنو عذرة. وكان سعد - فيما يقال - لرجل من بني عذرة »(١) .
___________________
(١). مروج الذهب ٣ / ١٤.
(١٩)
كلام أروى بنت الحارث
مع معاوية
وممّا يستدل به على دلالة حديث المنزلة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وخلافته العامة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل:
كلام الصحابيّة الجليلة أروى بنت الحارث بن عبد المطلب الهاشميّة - المذكورة في ( الإصابة ) للحافظ ابن حجر بقوله: « أروى بنت الحارث بن عبد المطلب الهاشمية والدة المطلب بن أبي وداعة السهمي، ذكرها ابن سعد في الصحابيّات في بنات عم النبي - صلّى الله عليه وسلّم - وقال: اُمها غزية بنت قيس بن طريف، عن بني الحارث بن فهر بن مالك. قال: وولدت لأبي وداعة المطلب وأبا سفيان واُم جميل واُم حكيم والربعة »(١) .
لقد قالت أروى لمعاوية عندما وفدت عليه ودار بينها وبينه حديث طويل رواه غير واحدٍ من مشاهير المؤرّخين وأهل الأدب كلاماً هو من أحسن ما يستدل به في المقام.
فمن رواة خبرها مع معاوية: أبو عمر أحمد بن عبد ربّه الأندلسي حيث قال:
___________________
(١). الاصابة في معرفة الصحابة ٨/٧. الطبعة الحديثة.
« وفود أروى بنت عبد المطلب على معاويةرحمهالله .
العباس بن بكّار قال: حدّثني عبدالله بن سليمان المدني وأبو بكر الهذلي: أنّ أروى بنت الحارث بنت عبد المطّلب دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة، فلمـّا رآها معاوية قال: مرحباً بك وأهلاً يا خالة، فكيف كنت بعدنا؟
فقالت: يا ابن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمّك الصحبة، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقّك، من غير دينٍ كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، بعد أنْ كفرتم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأتعس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، وردّ الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبيّنا - صلّى الله عليه وسلّم - هو المنصور.
فولّيتم علينا من بعده، تحتجّون بقرابتكم من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر.
فكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى.
فغايتنا الجنّة وغايتكم النار.
فقال لها عمرو بن العاص: كُفّي أيّتها العجوز الضالّة، واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك، إذ لا تجوز شهادتك وحدك.
فقالت له: وأنت يا ابن النابغة، تتكلّم واُمك كانت أشهر بغيّ بمكة، وآخذهنّ للاُجرة! إدّعاك خمسة نفر من قريش، فسئلت اُمّك عنهم، فقالت: كلّهم أتاني، فانظروا أشبههم به، فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل، فلحقت به.
فقال مروان: كفّي أيّتها العجوز واقصدي لما جئت به.
فقالت: وأنت أيضاً يا ابن الزرقاء تتكلّم!
ثمّ التفتت إلى معاوية فقالت: والله ما جرّأ عليَّ هؤلاء غيرك، فإنّ اُمك القائلة في قتل حمزة:
نحن جزيناكم بيوم بدر |
والحرب بعد الحرب ذات سعر |
|
ما كان لي في عتبة من صبر |
وشكر وحشي عليَّ دهري |
حتى ترمَّ أعظمي في قبري
فأجابتها بنت عمّي وهي تقول:
خزيت في بدر وبعد بدر |
يا ابنة جبّار عظيم الكفر |
فقال معاوية:
عفا الله عمّا سلف، يا خالة، هاتي حاجتك.
فقالت:
ما لي إليك حاجة.
وخرجت عنه »(١) .
وتوجد ترجمة ابن عبد ربّه في كثير من التراجم والتواريخ المعتبرة، مثل:
١ - معجم الاُدباء ٤ / ٢١١.
٢ - وفيات الأعيان، لابن خلكان ١ / ١١٠.
٣ - العبر في خبر من غبر، للذهبي ٢ / ٢١١.
٤ - البداية والنهاية ١١ / ١٩٣.
٥ - الوافي بالوفيات ٨ / ١٠.
___________________
(١). العقد الفريد ١ / ٣٥٧.
٦ - مرآة الجنان، لليافعي ٢ / ٢٩٥.
٧ - بغية الوعاة: ١٦١.
٨ - نفح الطيب لأبي العباس المقري، حيث جاء فيه: « الفقيه العالم أبي عمر أحمد بن عبد ربه، عالم ساد العلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره، واستطار بشرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم وثقة، ورواية له متّسقة، وأمّا الأدب فهو حجّته وبه غمرت الأفهام لجّته، مع صيانةٍ وورع، وديانةٍ ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور سمّاه بالعقد، وحماه عن عثرات النقد، لأنه أبرزه مثقف القناة مرهف الشباة، تقصر عنه ثواقب الألباب وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسماه ».
كما أن كتابه ( العقد ) من الكتب المعترة عندهم، فقد سمعت وصفه بأنه محمّي عن النقد، وفي وفيات الأعيان وغيره وصفه بأنه من الكتب الممتعة، وفي بعض الكتب وصفه بأنّه من الكتب النفيسة كما نقل عنه واعتمد عليه ابن خلكان في ( تاريخه ) والبلوي في ( ألف با ) وأبو الفضل جعفر بن ثعلب في ( الإمتاع بأحكام السماع ) ابن خلدون في ( تاريخه ) وعبد العزيز ابن فهد المكي في ( غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ) وغيرهم.
وقد قال ابن عبد ربّه في وصفه: « وقد ألّفت هذا الكتاب وتخيّرت جواهره من متخيّر جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وإنما لي فيه تأليف الإختيار وحسن الإختصار وفرش لدور كل كتاب، وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء ومأثور عن الحكماء والادباء، واختيار الكلام أصعب من تأليفه، وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله ».
ومن رواته: إسماعيل بن علي المشتهر بأبي الفداء، حيث قال في ( تاريخه ) في أخبار معاوية: « ومما يحكى عن حلمه: من تاريخ القاضي جمال الدين ابن واصل: أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة، فقال لها معاوية: مرحباً بك يا خالة، كيف أنت؟
فقالت: بخير يا ابن اُختي، لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمّك الصّحبة، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقّك، وكنّا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاءً، حتى قبض الله نبيّه، مشكوراً سعيه مرفوعاً منزلته، فوثبت علينا بعده بنو تيم وعدي واُميّة، فابتزّونا حقنا، ووليتم علينا، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى.
فقال لها عمرو بن العاص: كفّي أيّتها العجوز الضالّة، واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك.
فقالت: وأنت يا ابن النابغة تتكلّم، واُمّك كانت أشهر بغي بمكّة، وأرخصهنّ اُجرة، وادّعاك خمسة من قريش، فسُئلت اُمك عنهم فقالت: كلّهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به. فغلب عليك شبه العاص بن وائل فألحقوك به.
فقال لها معاوية: عفا الله عما سلف، هاتي حاجتك.
فقالت: اُريد ألفي دينار لأشتري بها عيناً فوّارةً في أرضٍ خرّارة، تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب. وألفي دينار اُخرى اُزوّج بها فقراء بني الحارث. وألفي دينار اُخرى أستعين بها على شدّة الزّمان.
فأمر لها معاوية بستّة آلاف دينار. فقبضتها. وانصرفت »(١) .
وقد ذكروا أبا الفداء بكل مدح وثناء في كتبهم مثل:
١ - طبقات الشافعية للسبكي ٦ / ٨٤.
٢ - تتمة المختصر، لابن الوردي ٢ / ٢٩٧.
٣ - النجوم الزاهرة ٩ / ٢٩٢.
٤ - فوات الوفيات، لابن شاكر ١ / ١٦.
٥ - البداية والنهاية لابن كثير ١٤ / ١٥٨.
٦ - الدرر الكامنة، لابن حجر العسقلاني ١ / ٣٧١.
وكتابه ( المختصر في أخبار البشر ) من التواريخ المعروفة، ذكر مؤلفه أنه « تذكرة تغنيني عن مراجعة الكتب المطوّلة » وقال ( كاشف الظنون ):
« أورد فيه أشياء من التواريخ القديمة والإسلامية، لتكون تذكرةً ومغنية عن مراجعة الكتب المطوّلة ». وفي ( التتمة لابن الوردي ): « من الكتب التي لا يقع مثلها ولا يسع جهلها، فإنّه اختاره من التواريخ التي لا تجتمع إلّا للملوك وضمّنه كنوزاً، وهل يعجز عن الكنوز من هو ملك مؤيّد؟ ».
ومن رواته: القاضي محبّ الدين أبو الوليد الحلبي المعروف بابن الشحنة حيث قال: « وفي سنة ٦٠ مات معاوية، وكان عمره ٧٥ سنة، وكان يغلب حلمه على ظلمه، وكان ذا هيبة يحسن سياسة الملك.
___________________
(١). المختصر في أحوال البشر ١ / ١٨٨.
دخلت عليه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، فقال لها: مرحباً بك يا خالة، كيف حالك؟ فقالت:
بخير يا ابن اُختي، لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسمّيت بغير اسمك وأخذت غير حقّك، وكنّا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاءً، حتى قبض الله نبيّه، مشكوراً سعيه مرفوعاً منزلته، فوثبت علينا بعده بنو تيم وعدي واُميّة، فابتزّونا حقّنا وولّيتم علينا، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبينا صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة هارون من موسى.
فقال لها عمرو بن العاص ».
إلى آخر الخبر(١) .
وقد ترجم الحافظ السخاوي لابن شحنة بقوله:
« ولد سنة ٧٤٩ بحلب ونشأ بها في كنف أبيه، فحظ القرآن وكتباً، وأخذ عن شيوخ بلده والقادمين إليها فاشتهرت فضائله، بحيث عيّنه أكمل الدين وسراج الدين لقضاء بلده وأثنيا عليه، فولّاه إيّاه الأشرف شعبان، وذلك في سنة ٧٨ عوضاً عن الجمال إبراهيم بن العديم.
وذكره ابن خطيب الناصرية فقال: شيخنا وشيخ الإسلام، كان إنساناً حسناً عاقلاً، دمث الأخلاق، حلو النادرة، عالي الهمّة، إماماً عالماً فاضلاً ذكيّاً، له الأدب الجيد والنظم والنثر الفائقان واليد الطولى في جميع العلوم، قرأت عليه
___________________
(١). روضة المناظر. حوادث سنة ٦٠.
وقال البرهان الحلبي: من بيوت الحلبيين، مهر في الفقه والأدب والفرائض، مع جودة الكتابة ولطف المحاضرة وحسن الشكالة، يتوقّد ذكاءً، وله تصانيف لطاف.
وقال المقريزي في عقوده: إنه أفتى ودرّس بحلب ودمشق والقاهرة، وكان يحب الحديث وأهله، ولقد قام مقاماً عجز أقرانه عنه وتعجب أهل زمانه منه.
وحاصل الأمر فيه: إنّه كان منفرداً بالرياسة علماً وعملاً في بلده وعصره، وغرةً في جبهة دهره، وانتهى أمره إلى ترك التقليد، بل كان يجتهد في مذهب إمامه ويخرّج على اُصوله وقواعده ويختار أقوالاً يعمل بها.
أخذ عنه: العز الحاضري والبدر ابن سلامة بحلب، وابن قاضي شهبة وابن الأذرعي بالشام، وابن الهمام وابن التنيسي والسفطي وابن عبيدالله بمصر.
وقد أوردت في ترجمته من ذيل قضاة مصر فوائد كثيرة، من نظمه ونثره ومطارحات وحكايات»(١) .
وكتابه الذي وصفه بكونه « كتاباً في التاريخ وجيز الألفاظ والمباني، أنيق الفحاوي والمعاني » ذكره ( كاشف الظنون ) بقوله: روض المناظر في علم الأوائل والأواخر. وهو تاريخ مشهور لأبي الوليد قاضي القضاة »(٢) .
لقد شبّهت أروى بنت الحارث حال بني هاشم بحال بني إسرائيل وحال المتولّين للأمر ظلماً بحال فرعون، وأيضاً شبّهت حال أمير المؤمنين بعد النبيّ
___________________
(١). الضوء اللامع المجلد ٥ - الجزء العاشر ص ٣ - ٦ رقم ٥.
(٢). كشف الظنون ١ / ٩٢٠.
صلىاللهعليهوآلهوسلم بحال هارون بعد موسىعليهماالسلام فصرّحت إستناداً إلى حديث المنزلة بكون الإمامة والخلافة بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حقّاً ثابتاً لأمير المؤمنينعليهالسلام ، لكن الثلاثة ثم معاوية قد ابتزّوا هذا الحق وغصبوه، فكان هو وأهل البيت مظلومين مستضعفين مقهورين كما كان هارون
فكان هذا الحديث الشريف مثبتاً تعيّن الأمير للخلافة وتعيّنها له، ومبطلاً لتقدّم الأغيار عليه، ومصدّقاً لقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم - كما في الأحاديث الكثيرة - مخاطباً لأهل بيته: « أنتم المستضعفون بعدي ». منها:
ما أخرجه أحمد: « عن أم الفضل بنت الحارث - وهي أم ولد العباس، اُخت ميمونة - قالت: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم في مرضه، فجعلت أبكي، فرفع رأسه فقال: ما يبكيك؟ قلت: خِفنا عليك وما ندري مانلقى من الناس بعدك يا رسول الله؟
قال: أنتم المستضعفون بعدي »(١) .
فهذا خوف أم الفضل بنت الحارث، وكلام النبي معها.
وذاك كلام أروى بنت الحارث مع معاوية!
وكلّ ذلك مثبت أن الاُمة ظلمت العترة وغصبت حقّها، فكان في هذه الاُمة ما كان في اُمة موسى من متابعة القوم للسامري، واستضعافهم هارون!
___________________
(١). المسند ٦ / ٣٣٩.
ومن طرائف الاُمور تفسير الرازي الآية في قصة هارون، بالمقارنة بين حال هارون وحال أمير المؤمنين على ضوء حديث المنزلة، ثم استنتاجه أن ما فعلته الاُمة بعد النبي صلّى عليه وآله وسلّم كان صواباً وهذا نصّ كلامه بتفسير( وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ ) :
« وههنا دقيقة وهي: إنّ الرافضة تمسّكوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم لعلي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، ثم إن هارون ما منعه التقيّة في مثل هذا الجمع، بل صعد المنبر وصرّح بالحق ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره، فلو كانت اُمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم على الخطأ لكان يجب على عليعليهالسلام مثل ما فعل هارون ، وأنْ يصعد على المنبر من غير تقيّة وخوف، وأنْ يقول: فاتّبعوني وأطيعوني و لمـّا لم يفعل ذلك علمنا أنّ الاُمة كانوا على الصواب »(١) .
وهذا الذي ذكره الرازي وإنْ كان واضح البطلان لدى الناقد البصير، لكن علوّ الحق ألجأ بعض أكابر القوم إلى التصريح ببطلانه، فقد ذكر نظام الدين النيسابوري كلام الرازي وعقّبه بما يبطله، وهذا نص كلامه:
« قال أهل السنّة ههنا: إن الشيعة تمسّكوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم:
أنت مني بمنزلة هارون من موسى، ثم إن هارون ما منعه التقيّة في مثل ذلك الجمع، بل صعد المنبر وصرّح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت اُمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم على الخطأ لكان يجب على علي كرم الله وجهه أنْ يفعل ما فعل
___________________
(١). تفسير الرازي ٢٢ / ١٠٦.
هارون من غير تقية وخوف.
وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرّح بالحق وخاف فسكت، ولهذا عاتبه موسى بما عاتب، فاعتذر بأنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، وهكذا عليرضياللهعنه امتنع أولاً من البيعة، فلمـّا آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا. وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب »(١) .
وتراه - في آخر كلامه - يخاف من عناد المتعصّبين وتعنّت العاذلين فيقول: « إنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب » ليوضّح أن ما قاله ليس إلّا إحقاقاً للحق وإجهاراً بالإنصاف، ومخالفةً للتعصّب والإعتساف.
فللّه الحمد الذي يحمل بعض القوم على التصريح بالحق دفعاً للتعصّبات الباردة من البعض الآخر منهم.
وعلى الجملة، فلا ريب في أنّ بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام كانت عن خوف واضطرار وتقيّة، كما كان سكوت هارون كذلك، والأخبار والروايات الكثيرة تدل على ذلك، وليس ما ذكره النيسابوري إلّاشاهداً من شواهده وسنذكر طرفاً من تلك الأخبار، ونكتفي في هذا المقام بما روي من أن أمير المؤمنينعليهالسلام خاطب النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - قائلاً « يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » تماماً كالذي قاله هارون
ومن رواة هذا الخبر: ابن قتيبة الدينوري.
وتوجد ترجمته وثقته واعتبار رواياته وأخباره في:
تاريخ بغداد ١٠ / ١٧٠.
___________________
(١). تفسير النيسابوري ٤ / ٥٦٧.
والأنساب - القتبي ٤ / ٤٣١.
ووفيات الأعيان ١ / ٣١٤.
وسير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٩٦.
ومرآة الجنان ٢ / ١٩١.
وبغية الوعاة ٢ / ٦٣.
وغيرها من الكتب.
رواه في كتابه المعروف ( الإمامة والسياسة ) حيث قال:
« كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب:
وإنّ أبا بكر أخبر تفقد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي ، فبعث إليهم عمر بن الخطاب ، فجاء فناداهم في دار علي، فأبوا أنْ يخرجوا، فدعا عمر بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لاُحرقّنها عليكم على ما فيها.
فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة.
فقال: وإنْ.
فخرجوا فبايعوا، إلّاعليّاً، فإنه زعم أنه قال: حلفت أنْ لا أخرج، ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن.
فوقفت فاطمة على بابها فقالت: لا عهد لي بقومٍ حضروا أسوء محضر منكم! تركتم جنازة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم! لم تستأمروا ولم تردوا لنا حقّاً!
فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟
فقال أبو بكر: يا قنفذ - وهو مولى له - إذهب فادع لي عليّاً.
قال: فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك؟
قال: يدعوك خليفة رسول الله.
قال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم.
فرجع فأبلغ الرسالة.
ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقّوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها [ باكيةً ]: يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة!
فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدّع وأكبادهم تنفطّر، وبقي عمر معه قوم.
فأخرجوا عليّاً ومضوا به إلى أبي بكر.
فقال له: بايع.
فقال: إنْ أنا لم أفعل فمه؟
قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك.
قال: إذاً تقتلون عبدالله وأخا رسوله.
قال عمر: أمّا عبدالله فنعم، وأما أخو رسوله، فلا.
وأبو بكر ساكت لا يتكلّم.
فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك!
فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق علي بقبر رسول الله يصيح ويبكي وينادي:
يا ابن اُم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني »(١) .
ففي هذا الخبر دلالة من وجوه عديدة على تعين الخلافة لهعليهالسلام ومقهوريته بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعدوان المتغلبين وفي
___________________
(١). الإمامة والسياسة ١ / ٣١.
خطابه الرسول بما خاطب به هارون أخاه موسى دلالة صريحة على أنّ حاله تشبه حال هارون
فلا يخفى بعد هذا سقوط ما ذكره الرازي، وتمامية الإستدلال بحديث المنزلة على المطلوب.
وإني لأثبت صحة نسبة كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة - بعون الله وتأييدات الأئمة الأطهار - كي أختم على أفواه المتعصبين، فلا ينبري أحد منهم لإنكار الخبر عن طريق التشكيك في صحة انتساب هذا الكتاب إلى مؤلّفه الثقة المعتمد عندهم فأقول:
(١) لقد نقل العلّامة عمر بن محمّد بن فهد المكي - وهو من مشايخ شاه ولي الله، وتوجد ترجمته في الضوء اللّامع - عن كتاب ( الإمامة والسّياسة ) مع نسبته إلى ابن قتيبة بالقطع واليقين، في كتابه المشهور ( إتحاف الورى بأخبار اُمّ القرى ) وهذه عبارته:
« سنة ٩٣. فيها كتب الوليد بن عبد الملك إلى أمير مكة عمر بن عبد العزيز يأمره بضرب حبيب بن عبدالله بن الزبير، ويصبّ على رأسه ماءً بارداً، فضربه خمسين سوطاً وصبّ عليه ماءً بارداً في يوم شائت، ووقّفه على باب المسجد، فمات من يومه.
وفيها: في شعبان عزل الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز عن الحجاز فكتب الوليد إلى الحجاج يستشيره فيمن يولّيه مكّة والمدينة، فأشار عليه بخالد بن عبدالله القسري وعثمان بن حيان، فولّى خالداً مكة وولّى عثمان ابن حيان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز عنهما
قال أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة: كان مسلمة بن مروان والياً على أهل مكّة، فبينا هو يخطب على المنبر إذ أقبل خالد ابن عبدالله القسري من الشام والياً عليها، فدخل المسجد، فلما قضى مسلمة خطبته صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة تحت مسلمة أخرج طوماراً ففضّه ثم قرأه على الناس وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك ابن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة: أما بعد، فإني ولّيت عليكم خالد بن عبدالله القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلنّ أحد على نفسه سبيلاً، فإنما هو القتل لا غيره، وقد برئت الذمّة من رجلٍ آوى سعيد بن جبير. والسلام.
ثم التفت إليهم خالد فقال: والذي يحلف به ويحج إليه، لا أجده في دار أحدٍ إلّا قتلته، وهدمت داره ودار كلّ من جاوره، واستبحت حرمه، وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام. ثم نزل.
ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام.
فأتى رجل إلى خالد وقال له: إن سعيد بن جبير بوادي كذا من أودية مكّة مختفياً بمكان كذا. فأرسل خالد في طلبه، فأتاه الرسول، فلمـّا نظر إليه قال: إني اُمرت بأخذك، وأتيت لأذهب بك، وأعوذ بالله من ذلك، فالحق بأيّ بلدٍ شئت، وأنا معك. فقال سعيد بن جبير: ألك ههنا أهل وولد؟ قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون بعدك، وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني. قال: فإني أكلهم إلى الله عزّوجلّ. قال سعيد: لا يكون هذا. فأتى به إلى خالد، فشدّه وثاقاً، ثم بعث به إلى الحجّاج.
فقال رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر به وأشعر به قبلك فما عرض له، فلو جعلته بينك وبين الله لكان أزكى من كل عملٍ يتقرّب به إلى الله تعالى.
قال خالد - وظهره إلى الكعبة قد استند إليها - والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عنّي إلّا بنقض هذا البيت حجراً حجراً لنقضته في مرضاته ».
وهذه العبارة التي نقلها ابن فهد عن ( الإمامة والسياسة ) موجودة في نسخ هذا الكتاب. قال ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ):
« ذكر قتل سعيد بن جبير: وذكروا أنّ مسلمة بن عبد الملك كان والياً على أهل مكة، فبينا هو يخطب على المنبر إذ أقبل خالد بن عبدالله القسري من الشام والياً عليها فدخل المسجد، فلما قضى مسلمة خطبته صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة تحت مسلمة أخرج طوماراً ففضّه ثم قرأه على الناس: بسم الله الرحمن الرحيم »(١) .
فثبت كون الكتاب لابن قتيبة. ولله الحمد على ذلك.
(٢) ونسب صاحب ( غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ) وهو الشيخ العلّامة عز الدين عبد العزيز بن عمر بن فهد كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة، بلا أي شكٍ وترديد وهذه عبارته:
« وروى العتبي عن رجلٍ قال: خطب خالد بن عبدالله القسري بواسط فقال: إن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفواً من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل عن قطعيةٍ.
وبنى خالد لاُمّه كنيسةً وكانت نصرانية، وهجي بأبيات. إنتهى.
وقال الوالد: لخالد القسري حديث في ثالث المخلص الكبير.
وفي المنتقى من سبعته.
وفي مسند عبد بن حميد وهو من سماع الحجاز، حدّثني عمرو بن عون، حدثنا هشيم، عن سيار أبي الحكم، عن خالد بن عبدالله القسري، عن أبيه، عن جدّه: إن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال له: يا يزيد أحب الناس ما تحبُّ لنفسك. انتهى.
___________________
(١). الامامة والسياسة ٢ / ٥١.
قلت: وذكر ما تقدم في ترجمة مسلمة بن عبد الملك عن ابن قتيبة في الإمامة والسّياسة »(١) .
ولا يخفى أن الشيخ عبد العزيز المذكور هو شيخ قطب الدين النهرواني صاحب ( الإعلام بأعلام بيت الله الحرام )، والمترجم له في ( ريحانة الألباء ) للعلامة الشهاب الخفاجي.
(٣) والشاهد الثالث هو: العلّامة تقي الدين محمّد بن أحمد الفاسي صاحب ( العقد الثمين ) - والمترجم له في الضوء اللامع وغيره - فإنه نقل عن ( الإمامة والسياسة ) واعتمد عليه كذلك من غير تشكيك في نسبته إلى ابن قتيبة حيث قال بترجمة مسلمة بن عبد الملك بن مروان:
« أمير مكة، ذكر ولايته عليها ابن قتيبة في الإمامة والسياسة »(٢) .
(٤) وهناك شاهد رابع - وهو متقدم على الشهود الثلاثة - وهو الشيخ أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي صاحب كتاب ( الف باء ) المذكور في ( كشف الظنون ) بقوله: « ألف باء في المحاضرات. للشيخ أبي الحجاج يوسف بن محمّد البلوي الأندلسي المعروف بابن الشيخ، وهو مجلد ضخم أوّله: إنّ أفصح كلام سمع وأعجز حمد الله تعالى بنفسه ذكر فيه أنّه جمع فوائد بدائع العلوم لابنه عبد الرحيم بعد موته، إذ لم يلحق بعد لصغره إلى درجة النبلاء، وسمّى ما جمعه لهذا الطفل المربّى بكتاب ألف با » - حيث قال:
« فصل - وأما ابن جبير ففضله أيضاً مشهور، وفي الدواوين مذكور: ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: إنّه لمـّا قدم على الحجاج سعيد بن جبير قال له:
ما اسمك؟ قال: أنا سعيد بن جبير. فقال الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.
___________________
(١). غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام. ترجمة خالد بن عبدالله بن يزيد القسري.
(٢). العقد الثمين بأخبار البلد الأمين ٧ / ١٩٤.
قال سعيد: اُمّي أعلم باسمي واسم أبي. قال الحجاج: شقيت وشقيت اُمّك. قال سعيد: العلم يعلمه غيرك. قال: لاُوردنّك حياض الموت. قال سعيد: أصابت اُمّي إذاً اسمي ».
(٥) وممن ينقل عن ( الإمامة والسياسة ) كثيراً: أبو المجد محمد محبوب عالم في تفسيره المعروف بـ ( تفسير شاهي ) الذي نصّ على اعتباره واعتمد عليه ( الدهلوي ) في الباب الثالث من ( تحفته )(١) ، وكذا تلميذه الرشيد في ( إيضاحه ) فإنّه ينقل عنه في موضع منه، منها: بتفسير قوله تعالى:( وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ) (٢) حيث يقول:
« في كتاب الإمامة والسياسة: قام علي كرم الله تعالى وجهه خطيباً فقال: أيها الناس، إن القوم إنّما فرّوا من كتاب الله ثم بدا لهم أن دعونا إليه، وإني أكره أن أكون من الفريق المتولّي عن كتاب الله. إن الله عزّوجلّ يقول:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا ) .
ومنها: بتفسير قوله تعالى:( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ) (٣) قال: « وفي كتاب الإمامة والسياسة: لما قتل علي بن أبي طالب - كرّم الله تعالى وجهه - ثار الناس إلى الحسن بن علي - رضي الله تعالى عنهما - فلمـّا بايعوه قال لهم: تبايعون لي على السمع والطّاعة، وتحاربون ما حاربت وتسالمون من سالمت »(٤) .
___________________
(١). التحفة الاثنا عشرية: ٩٧.
(٢). سورة النور: ٤٩.
(٣). سورة الأنبياء: ١١١.
(٤). انظر: الامامة والسياسة ١ / ١٦٣.
(٢٠)
الأفضليّة من منازل هارون
إنه لا ريب لأحدٍ في أنّ من منازل هارون هو أفضليته من جميع الاُمة الموسويّة، فلا ريب أيضاً في أفضلية أمير المؤمنين من جميع الاُمة المحمدية
لقد نصّ شاه ولي الله الدهلوي - في ( إزالة الخفا ) - على أنّه لم يكن في زمن موسى من يناله مقام الوزارة لموسى إلّا هارون، وأنّه إنما طلب موسى من الله أن يجعل أخاه هارون وزيراً ورداءاً له لا لكونه أخاه، بل لعدم وجود أحد غيره يصلح لهذا المقام.
ودلالة ذلك على الأفضلية واضحة
كما نصّ القاضي عياض على أنّه لم يكن في زمن موسى نبي غيره، إلّا أخاه هارون حيث قال بعد حديث يتعلّق بقصة موسى والخضر: « وهذا الحديث إحدى حجج القائلين بنبوّة الخضر، لقوله فيه: أنا أعلم من موسى، ولا يكون الولي أعلم من النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأمّا الأنبياء فيتفاضلون في المعارف، وبقوله: ما فعلته عن أمري، فدلَّ أنّه بوحي. ومن قال إنّه ليس بنبيّ قال: يحتمل أنْ يكون فعله بأمر نبيّ آخر. وهذا يضعَّف، لأنّه ما علمنا أنّه كان في زمن موسىعليهالسلام نبي غيره إلّا أخاه هارون، وما نقل أحد من أهل الأخبار في ذلك شيئاً يعوَّل عليه »(١) .
___________________
(١). الشفا بتعريف حقوق المصطفى. وانظر ٢ / ٢٨٣.
ودلالة ذلك على الأفضلية واضحة كذلك، إذ النبي أفضل من غيره بلا كلام ولا خلاف.
وعلى الجملة، فإنّ حديث المنزلة يدل على أن أمير المؤمنينعليهالسلام عند النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - أفضل وأشرف من كلّ أحدٍ سواه، إذ من الواضح جدّاً أنّه لو قيل: زيد عند بكر بمنزلة فلان الوزير عند السلطان فلان - وكان الوزير أفضل الناس عند السلطان - فُهم أفضلية زيد عند بكر من جميع الناس وهذا من الوضوح بمكانٍ بحيث يعدّ منكره معانداً مكابراً ولا يجوّز عاقل كون عليعليهالسلام عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلة هارون عند موسى -عليهماالسلام -، مع فرض كونه في المرتبة الرابعة في الأفضلية - والعياذ بالله.
على أن شاه ولي الله الدهلوي جعل المعتبر في المشابهة هو الأوصاف المشهورة المذكورة على الألسنة، وهو يعترف بكون هارون هو أفضل القوم في اُمّة موسى، ومن الواضح جدّاً أن الأفضلية من أجلى تلك الأوصاف، ولعلّ لوضوح ذلك وثبوته لم يعدها ولي الله منها.
بل إنّ ولي الله نفسه يصرّح بدلالة حديث المنزلة على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام حيث يقول في مبحث فضائله: « وكان خليفته في غزوة تبوك على المدينة المنورة، وهناك ظهرت فضيلته العظمى بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى »(١) لأنّه وصف الفضيلة بـ « العظمى » وهذه الكلمة تأنيث « الأعظم » بلحاظ لفظ « الفضيلة » ولو قال « الفضل » لقال « الأعظم ». فأمير المؤمنين صاحب « الفضل الأعظم » بحديث المنزلة، فهو « الأفضل ».
وبما ذكره شاء ولي الله يبطل ما لفّقه بعضهم لإنكار دلالة الحديث الشريف
___________________
(١). قرة العينين. مبحث فضائل علي.
على أفضليّة الإمامعليهالسلام من غيره.
وكما يثبت دلالته على الأفضلية من كلام ولي الله الدهلوي، كذلك يثبت من كلام نجله ( الدهلوي )، لأنه قد حرّم حمل الحديث الشريف على التشبيه الناقص، ومن المعلوم أنّه لو أنكرت أفضليته بل ادعي كونه مفضولاً للثلاثة، فقد حمل الحديث على التشبيه الناقص
هذا كلّه، مضافاً إلى ما تقدم من أدلة عموم المنزلة فإنها تقضي أن يكون أمير المؤمنين أفضل الاُمة، كما كان المشبَّه به أعني هارون أفضل الاُمة
وعلى الجملة، فمقتضى أدلة عموم التنزيل، وكذا ما ذكره ( الدهلوي ) ووالده، هو دلالة حديث المنزلة على أفضلية الأمير في الاُمة، كما كان هارون هو الأفضل في اُمة موسى.
ومما يؤكّد ما ذكرنا كلام القاضي عياض، في باب بيان ما هو في حقّ النبيعليهالسلام سب أو نقص:
« فصل. الوجه الخامس - أنْ لا يقصد نقصاً ولا يذكر عيباً ولا سبّاً، ولكنه ينزع بذكر بعض أوصافه، و يستشهد ببعض أحواله صلّى الله عليه وسلّم الجائزة في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة، لنفسه أو لغيره، أو على التشبيه به أو عند هضيمةٍ نالته أو غضاضة لحقته، ليس على طريق التأسّي وطريق التحقيق، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، أو قصد الهزل والنذير بقوله، كقول القائل: إنْ قيل فيَّ السوءُ فقد قيل في النبي، أو إنْ كُذّبت فقد كُذّب الأنبياء، أو إنْ أذنبت فقد أذنبوا، أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء الله ورسله؟ أو قد صبرت كما صبر أولوا العزم
من الرسل، أو كصبر أيوب، أو قد صبر نبي الله عن عداه وحلم على أكثر ممّا صبرت.
وكقول المتنبّي:
أنا في اُمة تداركها الله |
غريب كصالح في ثمود |
ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول، المتساهلين في الكلام، كقول المعرّي:
كنت موسى وافته بنت شعيب |
غير أن ليس فيكما من فقير |
على أن آخر البيت شديد عند تدبّره، وداخل في الإزراء والتحقير بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وتفضيل حال غيره عليه. وكذلك قوله:
لولا انقطاع الوحي بعد محمّد |
فلنا محمّد عن أبيه بديل |
|
هو مثله في الفضل إلّا أنه |
لم يأته بسرسالةٍ جبريل |
فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد، لتشبيهه غير النبي صلّى الله عليه وسلّم في فضله بالنبي، والعجز محتمل لوجهين: أحدهما: إن هذه الفضيلة نقصت الممدوح، والآخر: استغناؤه عنها، وهذه أشد. ونحو منه قول الآخر:
وإذا ما رفعت راياته |
خفقت بين جناحي جبرين |
وقول الآخر من أهل العصر:
فرّ من الخلد واستجار بنا |
فصبّر الله قلب رضوان |
وكقول حسّان المصيصي من شعراء الأندلس، في محمّد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر بن زيدون:
كأنّ أبا بكر أبو بكر الرضا |
وحسان حسان وأنت محمّد |
إلى أمثال هذا. وإنما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها، لتعريف أمثلتها، ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك واستخفافهم فادح
هذا العبء، وقلّة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر، وكلامهم منه بما ليس لهم به علم، وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم.
لا سيّما الشعراء، وأشدّهم فيه تصريحاً وللسانه تسريحاً ابن هاني الأندلسي، وابن سليمان المعرّي، بل قد خرج كثير من كلامهما عن هذا إلى حدّ الإستخفاف والنقص وصريح الكفر، وقد اجتنبنا عنه.
وغرضنا الآن الكلام في هذا الفصل الذي سقنا أمثلته، فإنّ هذه كلّها وإنْ لم تتضمّن سبّاً ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصاً، ولست أعني عجزي بيتي المعري، ولا قصد قائلها إزراء وغصّاً، فما وقّر النبوة ولا عظّم الرسالة، ولا غزّر حرمة الإصطفاء، ولا غزز حظوة الكرامة، حتى شبّه من شبّه في كرامةٍ نالها أو معرّة قصد الإنتفاء منها، أو ضرب مثل لتطييب مجلسه أو إغلاء في وصفه لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره، وألزم توقيره وبرّه ونهى عن جهر القول له ورفع الصوت عنده.
فحق هذا - إنْ درء عنه القتل - الأدب والسجن، وقوة تعزيره، بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح ما نطق به، ومألوف عادته لمثله أو ندوره أو قرينة كلامه أو ندمه على ما سبق منه.
ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممّن جاء، وقد أنكر الرشيد على أبي نؤاس قوله:
فإن يك باقى سحر فرعون فيكم |
فإنّ عصى موسى بكف خَصيب |
وقال له: يا ابن اللخناء، أنت المستهزىء بعصا موسى، وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته.
وذكر القاضي القتيبي: أن ممّا اُخذ عليه أيضاً وكُفّر فيه أو قارب، قوله في محمد الأمين وتشبيهه إيّاه بالنبي صلّى الله عليه وسلّم:
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها |
خلقاً وخلقاً كما قدّ الشراكان |
وقد أنكروا أيضاً عليه قوله:
كيف لا يدنيك من أملٍ |
من رسول الله من نفره |
لأن حق الرسول وموجب تعظيمه وإنافة منزلته أن يضاف إليه ولا يضاف هو لغيره
فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا، على هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله وأصحابه »(١) .
وحاصل هذا الكلام تحريم تشبيه غير النبي بالنبي، بل تحريم تشبيه بعض أحوال غير النبي ببعض أحوال نبي من الأنبياء، وأن فعل ذلك يستوجب التعزيز إنْ لم يستوجب القتل
فلو لم يكن عليعليهالسلام معصوماً عن الخطأ، ولم يكن الأفضل في الامة بعد النبيّ، بل كان كغيره من الأصحاب كان تشبيهه بهارونعليهالسلام محرماً، واللازم باطل فالملزوم مثله
إذاً، فتشبيه أمير المؤمنينعليهالسلام بهارونعليهالسلام دليل العصمة والأفضلية والحمد لله رب العالمين.
لكن التعصّب يحمل القاضي عياض على أنْ ينفي دلالة حديث المنزلة على الأفضلية، ويسعى وراء إنكار مدلوله الذي كان مقتضى عبارته المذكورة الإذعان به؟
___________________
(١). الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٥٢١ - ٥٢٦.
وقد صرّح إمام جليل من أئمتهم واعترف بما ذكرناه من دلالة حديث المنزلة على الأفضلية المطلقة لأمير المؤمنينعليهالسلام ألا وهو شعبة بن الحجّاج فقد نقل الحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في ( كفاية الطالب ) بعد حديث المنزلة قال:
« قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث دخل في حدّ التواتر. وقد نقل عن شعبة بن الحجاج أنه قال في قوله - صلّى الله عليه وسلّم - لعليعليهالسلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى: وكان هارون أفضل اُمة موسى، فوجب أن يكون عليعليهالسلام أفضل من كلّ اُمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، صيانةً لهذا النص الصريح »(١) .
وقد ذكر كاشف الظنون كتاب ( كفاية الطالب ) في موضعين: ففي حرف الكاف: « كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب. للشيخ الحافظ أبي عبدالله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي المتوفى سنة ٦٥٨ » وفي حرف الميم: « مناقب علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - للإمام أحمد بن حنبل ذكرها في فضائل العشرة، ولأبي المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨، ولأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ المتوفى سنة ٣٠٣. وفيه كفاية الطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب، لأبي عبدالله محمّد بن يوسف الكنجي ».
___________________
(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٨٣.
وهل بعد كلام شعبة بن الحجاج الإمام، مجال لهفوات المنكرين دلالة هذا الحديث، أو أباطيل من يدّعي دلالته على نقصٍ في الإمامعليهالسلام ؟
ومن المناسب جدّاً ذكر طرفٍ من كلمات بعض أعلام القوم في بيان مناقب شعبة بن الحجاج:
١ - السمعاني: « أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي روى عنه: عبدالله بن المبارك، وأبو الوليد الطيالسي، ومحمّد بن اسماعيل البخاري وسليمان بن حرب، وغندر ومسلم بن الحجاج، وحميد بن زنجويه، وعلي بن الجعد، وعبدالله بن إدريس، والثوري، وحماد بن سلمة والبصريون. وكان مولده سنة ٨٣ بنهرناب قرية أسفل من واسط، ومات سنة ١٦٠ في أولّها، وله يوم مات ٧٧ سنة، وكان أكبر من سفيان بعشر سنين.
وكان من سادات أهل زمانه حفظاً وإتقاناً وورعاً وفضلاً، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدّثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، حتى صار علماً يقتدى به، ثم تبعه عليه بعده أهل العراق.
وكان جمع بين العلم والزهادة والجد والصّلابة والصدق والقناعة، وعبد الله تعالى حتى جفّ جلده على عظمه ليس بينهما لحم »(١) .
٢ - النووي: « شعبة بن الحجاج الإمام المشهور من تابعي التابعين وأعلام المحدّثين، وكبار المحققين أجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته وتحرّيه واحتياطه وإتقانه.
قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث ولا أحسن حديثاً منه، روى عن ثلاثين رجلاً من الكوفة لم يرو عنهم سفيان.
___________________
(١). الأنساب ٨ / ٣٨٨.
وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. قال: وكان يجيء الرجل يعني الذي ليس أهلاً للحديث فيقول: لا تحدّث وإلّا أستكتب عليك السلطان.
وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط يقال له شعبة، هو فارس بالحديث، فحدّثوا عنه.
وقال أبو الوليد الطيالسي: إختلفت إلى حماد بن سلمة فقال: إذا أردت الحديث فالزم شعبة.
وقال حماد بن زيد: لا اُبالي من يخالفني إذا وافقني شعبة، لأنّ شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرّة، وإذا خالفني شعبة في شيء تركته.
وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة اُمةً وحده في هذا الشأن، يعني علم الحديث وأحوال الرواة.
وروّينا عن ابن مهدي: كان سفيان - يعني الثوري - يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث ...»(١) .
٣ - الذهبي: « شعبة بن الحجاج بن الورد - الحجة الحافظ شيخ الإسلام
كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث.
وقال الشّافعي: لو لا شعبة لما عرف الحديث في العراق »(٢) .
٤ - اليافعي: « الإمام أبو بسطام العتكي مولاهم الواسطي. شعبة بن الحجاج بن الورد، شيخ البصرة وأمير المؤمنين في الحديث أثنى جماعة من كبار الأئمة عليه ووصفوه بالعلم والزهد والقناعة والرحمة والخير، وكان رأساً
___________________
(١). تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٢٤٥ رقم ٢٥٣.
(٢). تذكرة الحفاظ ١ / ١٩٣.
في العربية والشعر سوى الحديث »(١) .
٥ - ابن حجر: « ثقة حافظ متقن. كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتّش بالعراق عن الرجال وذبّ عن السنّة، وكان عابداً. من السابعة. مات سنة ستين»(٢) .
وصرّح قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد المعتزلي أيضاً بدلالة حديث المنزلة على الأفضلية كما ذكر أبو محمّد الحسن بن أحمد بن متويه في كتاب ( المجموع المحيط بالتكليف ) الذي هو في الأصل تصنيف القاضي، غير أن ابن متويه جمعة، فقد جاء فيه عنه:
« وذكر أنه قد يستعمل لفظ الفضل فيما لا يتعلق بفعل العبد اختياره، كنحو تفضيل العاقل على غيره، وتفضيل الشجاع على غيره، وتفضيل من له نسب مخصوص على من ليس له ذلك النسب، وليس هذا هو المقصود بهذه المسألة، فإنا نتكلّم في الفضل الذي يقتضي مدحاً وتعظيماً في الدين، فهذا لابدّ من تعلّقه باختيار الفاضل ووقوفه على فعله، وفي هذا الباب خاصّةً يجوز وقوع الخلاف بين العلماء دون الأول، وإذا كان كذلك وقف العلم بالقطع على الأفضل على سمعٍ وارد به، لأنه لا مجال للعقل فيه، وعلى هذا لا يصح الرجوع في إثباته إلى عدّ الفضائل، لأنّ تلك الأفعال يختلف مواقعها بحسب ما ينضاف إليها من النيّات والقصود، وذلك مما هو عنّا مغيّب، فلا يمكن القضاء بفضل أحد والقطع على ثوابه، فضلاً عن تفضيله على غيره، فيجب الإعتماد في ذلك على السمع.
___________________
(١). مرآة الجنان - حوادث ١٦٠ - ١ / ٣٤٠ -٣٤١.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٣٥١ رقم ٦٧.
فلهذا رجع الشيخ أبو عبدالله إلى خبر الطير، لأنه قد دلّ بظاهره على ثبوته أفضل في الحال، وكلّ من أثبته في تلك الحال أفضل قضى باستمرار هذه الصفة فيه.
وهكذا خبر المنزلة، لأنها إذا لم يُرد بها ما يتّصل بالإمامة، فيجب أنْ يريد به الفضل الذي يلي هارون فيه موسى -عليهماالسلام -.
فإن أراد بعضهم إثبات أنه أفضل في غالب الظن، بالرجوع إلى أمارات مخصوصة من نحو ما انتشر عنه من الزهد والعبادة والعناء في الحرب والسبق إلى الإسلام وغير ذلك، فهذا غير ممنوع منه، وإليه ذهب بعض الشيوخ الذي آثروا الموازنة.
وقد أحال في الكتاب على الكتاب المغني، لأنّه حكى هناك عمدة ما كان الشيخ أبو عبدالله يذكره في هذا الباب، وبالله التوفيق ».
أقول:
فخبر المنزلة مثل خبر الطير في الدلالة على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وثبوت الأفضليّة له من حديث المنزلة كافٍ لدلالته على الخلافة، لوجوب تقديم الأفضل على المفضول، وهو واضح جدّاً، حتى اعترف به والد ( الدهلوي ).
وقال القاضي عبد الجبّار في ( المغني ) في البحث عن حديث المنزلة:
« فإنْ قيل: فما المراد عندكم بهذا الخبر. قيل له: إنه -عليهالسلام - لمـّا استخلفه على المدينة وتكلّم المنافقون فيه، قال هذا القول دالّاً على لطف محلّه منه و [ قوّة ] سكونه إليه واشتداد ظهره به، ليزيل ما خامر القلوب من الشبهة في أمره، وليعلم أنهعليهالسلام إنما استخلفه لهذه الأحوال التي تقتضي نهاية الإختصاص ».
والقاضي عبد الجبّار ذكروه في كبار علماء الشّافعية وأثنوا عليه:
١ - قال ابن قاضي شهبة: « عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل، القاضي أبو الحسن الهمداني، قاضي الري وأعمالها، وكان شافعي المذهب، وهو مع ذلك شيخ الإعتزال، وله المصنّفات الكثيرة في طريقتهم وفي أصول الفقه. قال ابن كثير في طبقاته: ومن أجلّ مصنّفاته وأعظمها دلائل النبوة في مجلّدين، أبان فيه عن علمٍ وبصيرة حميدة، وقد طال عمره، ورحل الناس إليه من الأقطار واستفادوا به. مات في ذي القعدة سنة ٤١٥ »(١) .
٢ - السبكي: « عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن عبدالله القاضي أبو الحسن الهمداني الإسترابادي، وهو الذي تلقّبه المعتزلة قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على سواه، ولا يعنون به عند الإطلاق غيره، كان إمام أهل الإعتزال في زمانه، وكان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع، وله التصانيف السائرة والذكر الشائع بين الاصوليّين، عمّر دهراً طويلاً حتى ظهر له الأصحاب وبعد صيته، ورحلت إليه الطلّاب »(٢) .
ووصفه في موضع آخر بقوله: « وكان رجلاً محقّقاً واسع النظر »(٣) .
٣ - الداودي: « شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف منها التفسير، عاش دهراً طويلاً وسار ذكره، وكان فقيهاً شافعي المذهب »(٤) .
٤ - الأسنوي: « القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار
___________________
(١). طبقات الشافعية ١ / ١٨٣ رقم ١٤٥.
(٢). طبقات الشافعية ٣ / ٢١٩-٢٢٠.
(٣). طبقات الشافعية ٥ / ٩٧.
(٤). طبقات المفسرين ١/٢٦٢ رقم ٢٤٨.
الإسترابادي، إمام المعتزلة، كان مقلّداً للشافعي في الفروع، وعلى رأي المعتزلة في الاصول ذكره ابن الصّلاح »(١) .
وقال علاء الدولة أحمد بن محمّد السمناني في كتابه ( العروة الوثقى ) الذي قال في مفتتحه: « أمّا بعد، فقد سنح في خاطري بغتةً يوم الأحد بعد صلاة الصبح الثاني من الإعتكاف في مسجد صوفيا باد خدا داد العشر الآخر من شهر الله المبارك رمضان سنة ٧٢٠: أنْ ابوّب واهذّب على وفق الإشارة بعض القدسيات الواردة على قلبي في الأوقات المعيّنة في علم ربي المخصوصة بها فيما يجب الإعتقاد به، وما سمح بتقييده الوقت المصفّى عن المقت في أثناء الكتابة ستة أبواب، ليسهل على الشارع في أبواب المعارف خاصّة في مشارع أرباب القدس ومرابع أصحاب الاُنس الإطّلاع على ما فيه والظفر لمطلوبه عند مطالعته، تيمّناً بقوله تعالى:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) واُسمّيه: العروة الوثقى لأهل الخلوة والجلوة » قال ما نصّه:
« وقال لعلي - عليه السلام وسلام الملائكة الكرام - أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي. وقال في غدير خم بعد حجة الوداع، على ملأٍ من المهاجرين والأنصار، آخذاً بكتفه: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وهذا حديث متفق على صحته.
فصار سيد الأولياء، وكان قلبه على قلب محمّد - عليه التحية والسلام -.
وإلى هذا السرّ أشار سيّد الصدّيقين صاحب غار النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أبو بكر، حيث بعث أبا عبيدة بن جرّاح إلى علي لاستحضاره: يا أبا
___________________
(١). طبقات الشافعية ١ / ١٧٣ رقم ٣١٩.
عبيدة، أنت أمين هذه الاُمة، أبعثك إلى من هو في مرتبة من فقدناه بالأمس، ينبغي أنْ تتكلّم عنده بحسن الأدب، إلى آخر مقالته بطولها ».
ففي هذه العبارة: دلالة حديث المنزلة على أنّ عليّاً سيد الأولياء، وفيها عن أبي بكر: إن عليّاً في مرتبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وذكر الشيخ عبد الرحيم الأسنوي ترجمة الشيخ السّمناني في ( طبقات الشافعية ) بقوله:
« علاء الدين أبو المكارم أحمد بن محمد بن أحمد الملقّب بعلاء الدولة وعلاء الدين، المعروف بالسمناني كان عالماً مرشداً، له كرامات وتصانيف كثيرة في التفسير والتصوّف وغيرهما. توفي قبل الأربعين وسبعمائة »(١) .
وقال السيّد محمّد بن يوسف الحسيني الدهلوي المعروف ب « گيسو دراز » ما تعريبه:
« وكان الغالب في حضور جبرئيل عند الرسول كونه بصورة دحية الكلبي، لا بمعنى خروجه عن صورته الأصليّة، ولا أنّ هذه الصّورة مغايرة لتلك، وإنّما كان الإختلاف في الإعتبار، إذ لا يوجد المطلق في الخارج مطلقاً، ويقال أيضاً بأنّ جبرئيل عقل محمّد قد تمثّل بصورةٍ، فكان وضع الأشياء مواضعها: إنه وإنْ قالوا الجهار خلاف العقل لكنه عقل مخفي وهناك العقل الكل،
___________________
(١). طبقات الشافعية ١ / ٣٤٩ رقم ٦٦٤.
فلو ظفرت به ونظرت إليه حصلت على كثيرٍ من الأسرار، ومن هنا كان: خلقت أنا وعلي من نور واحد، إذ كان علي أخاً للنبي، آخى بين كلّ نوعين وشكلين ففيّ النبوّة وفيه الخلافة، وأنت منّي كهارون من موسى، يحكي عن تلك الواقعية فإنّ كلامنا إشارة وعند من فهم عبارة. والسلام»(١) .
ففي هذا الكلام تصريح بأنّ حديث المنزلة - كحديث النور - دليل على تقديم وترجيح أمير المؤمنينعليهالسلام على سائر الخلائق، وأنه برهان على المساواة والإتّحاد بينه وبين الرسول الأمين،صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فيتمّ بهذا الكلام أيضاً مرام الإمامية، وتسقط التأويلات الواهية لبعض علماء السنيّة.
والسيّد محمّد الدهلوي « كيسو دراز » من أعاظم علماء أهل السنّة الحائزين للفضائل والمقامات السنيّة، ترجم له الشيخ عبد الحق الدهلوي في ( أخبار الأخيار ) وقال:
« جمع بين العلم والسيادة، وله في الولاية شأن رفيع ومرتبة منيعة وكلام عال، وكان له من بين علماء چشت مشرب خاص، وفي بيان أسرار الحقيقة طريق مخصوص، قدم في أوائل أمره إلى قدم، وخرج منها بعد وفاة الشيخ إلى ديار دكن، وحصل له في أهلها القبول العظيم وانقادوا له وأطاعوه حتى توفي هناك ومن تصانيفه المشهورة كتاب الأسمار الذي ذكر فيه الحقائق والمعارف بلسان الرمز والإيماء والإيقاظ والإشارة ».
___________________
(١). الاسمار. السّمر ٧٧.
وقال محمّد بن إسماعيل الأمير - في ( الروضة الندية ) -:
« وكهارون غدا في شأنه |
منه إلّا أنّه ليس نبيّا |
البيت واضح الألفاظ، والإشارة إلى حديث المنزلة الشهير، الذي رواه من الصّحابة الجم الغفير، وإنّ من رزق اطّلاعاً على كتب الأحاديث الحافلة علم تواتر ذلك، ولنتشرّف بسرد ما ورد من تلك ممّا عرفناه
وقوله - صلّى الله عليه وسلّم -: أنت منّي. قال بعضهم: إن « من » فيه لبيان الجنس. أي: أنت من جنسي في تبليغ والأداء ووجوب الطاعة ونحو ذلك. قلت: ويصح أن تكون تبعيضيّة مثل في قوله تعالى عن خليله:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) أي فإنه بعض مني، لفرط اختصاصه بي واتّصاله وتبعيّته لي وتعبّده لأمري، ويكون قوله: بمنزلة هارون من موسى. بمنزلة بيان لهذه البعضيّة والخصوصيّة، و « الباء » للمقابلة. أي: أنت بعض مني يقابل منزلك منزلة هارون من موسى، فكما أن هارون بعض من موسى فأنت تقابل منزلته وتساويها، ويحتمل تخريجات اُخر هذا أقربها في ذلك.
ولا يخفى أن هذه منزلة شريفة ورتبة عليّة منيفة، فإنه قد كان هارون عضد موسى الذي شدّ الله به أزره، ووزيره، وخليفته على قومه حين ذهب لمناجاة ربّه.
وبالجملة، لم يكن أحد من موسىعليهالسلام بمنزلة هارونعليهالسلام ، وهو الذي سأل الله تعالى أنْ يشدّ به أزره ويشركه في أمره، كما سأل ذلك رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - كما في حديث أسماء بنت عميس، وأجاب الله نبيهعليهالسلام بقوله:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) الآية. كما أجاب
نبيّنا - صلّى الله عليه وسلّم - بإرساله جبرئيل -عليهالسلام - بإجابته - كما في حديث أسماء بنت عميس -.
فقد شابه الوصيعليهالسلام هارون في سؤال النبيّين الكريمينعليهماالسلام ، وفي إجابة الرب سبحانه وتعالى، وتمّ التشبيه بتنزيله منه - صلّى الله عليه وسلّم - منزلة هارون من الكليم، ولم يستثن شيئاً سوى النبوّة، لختم الله بابها برسوله - صلّى الله عليه وسلّم - خاتم الأنبياء.
وهذه فضيلة اختصّ الله تعالى بها ورسوله الوصيّعليهالسلام ، لما يشاركه فيها أحد غيره، وقد نزّله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نفسه منزلة رأسه من جسده، كما أخرجه الخطيب عن البراء بن عازب، والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: علي منّي بمنزلة رأسي من جسدي ».
أقول:
وفي هذا الكلام دلالة حديث المنزلة على الأفضلية بصراحة، كما في دلالة على أفضليّته من غير هذه الناحية، كما لا يخفى على من تدبّر فيه.
وقد ترجم القاضي الشوكاني محمّد بن إسماعيل الأمير ترجمةً ضافية نذكر منا الجمل الآتية:
« السيد محمّد بن إسماعيل بن صلاح ابن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهم، الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف بالأمير: الإمام الكبير، المجتهد المطلق، صاحب التصانيف، ولد ليلة الجمعة نصف جمادى
الآخرة سنة ١٠٩٩، ورحل إلى مكة، وقرأ الحديث على أكابر علمائنا وعلماء المدينة، وبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرّد برياسة العلم في صنعاء، وتظهر بالإجتهاد، وعمل بالأدلّة، ونفر عن التقليد، وزيّف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهيّة وله مصنفات جليلة حافلة، وقد أفرد كثيراً من المسائل بالتصنيف بما يكون جميعه في مجلدات
وبالجملة، فهو من الأئمة المجدّدين لمعالم الدين
وتوفي رحمه الله في يوم الثلاثاء ثالث شهر شعبان سنة ١٨٢ »(١) .
وقال الفضل ابن روزبهان في مبحث حديث المنزلة من كتابه ( الباطل ):
« وأيضاً: يثبت به لأمير المؤمنين فضيلة الاُخوة والمؤازرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في تبليغ الرسالة وغيرهما من الفضائل، وهي مثبتة يقيناً لا شك فيه ».
وكلمة « الفضائل » في هذا الكلام ظاهرة في العموم كما لا يخفى، ودلالتها على ذلك واضحة ومن المعلوم أن هذا غير حاصل لغيرهعليهالسلام ، فهو الأفضل والمقدم على الجميع.
___________________
(١). البدر الطالع ٢ / ١٣٣ - ١٣٨ رقم ٤١٧.
والسيّد المحقّق الجرجاني صرح في ( حاشية المشكاة ) بدلالة حديث المنزلة على شدة الإتصال بين النبي - صلّى الله عليه وسلّم - وبين أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، في جميع الفضائل، إلّا النبوّة وقد تقدمت عبارته سابقاً. ومن الواضح إفادة هذا الكلام أفضلية الإمام، وأعلميّته، وتقدّمه من جميع الجهات، على من عدا الرسول الكريم - صلّى الله عليه وسلّم
فما توهّمه بعض المتوهّمين من دلالة الحديث على الإستخلاف الموقّت فقط، واضح السّقوط، لأنّ مقتضى شدة الإتصال في الفضائل هو حصول جيمع الفضائل الثابتة لهارون، ومن البيّن أنّ عمدتها الأفضلية والأرجحيّة والأعلمية بعد موسى، فهذه الصفات تكون ثابتة للإمام كذلك بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
والمولوي محمد إسماعيل - وهو ابن أخ ( الدهلوي ) - يصرّح في كتابه ( منصب امامت ) بأنّ مدلول حديث المنزلة عدم الفرق بين النبي وأمير المؤمنينعليهماالسلام في شيء من الكمالات إلّافي النبوة، بحيث لو كان بعد خاتم الأنبياء نبي لفاز بهذه المرتبة أيضاً.
ونظام الدين أحمد بن علي الأكبر الكهنوي يقول بعد نقل حديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أن علياً نفس الرسول:
« يعني: إن عليّاً المرتضى ذات الرسول، وأيّ مدح يفوق هذا المدح ويزيد عليه! فإنّه قد أفاد عينيّته له، وعليه، فبكلّ صفةٍ اتّصف بها محمّد المصطفى اتصف بها علي المرتضى، عدا النبوّة، فإنها خاصّة مختصّة بالرسول، كما قال في حديثٍ آخر: لا نبي بعدي »(١) .
___________________
(١). تحفة المحبين - مخطوط.
(٢١)
ورود الحديث
في غزوة تبوك في مقام التّسلية
والروايات الكثيرة دلّت على أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما قال لأمير المؤمنينعليهالسلام : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون » لغرض التسلية له، في مقابلة ما أرجف به المرجفون وتكلّم به المنافقون وورود الحديث في هذا المقام يدل دلالةً صريحة على أن مراد النبي إثبات الخلافة الكبرى والإمامة العامّة، ولا أقل من أنّ المراد بإثبات الأفضلية، وهي أيضاً مستلزمة للخلافة العامة بلا فصل
ولو كان المراد من الحديث تلك الخلافة الجزئية المنقطعة برجوعه من الغزوة، أو كان المراد ما تفوّه به الأعور وأمثاله لم يثبت له به شرف عظيم ومقام جليل، إذ لا شرف خاص في النيابة الجزئية، وقد حصلت لغيره من آحاد الصّحابة مرةً بعد مرةٍ فأين التسلية المسوق لأجلها هذا الكلام؟! بل لو كان لما ذكره الأعور وغيره أدنى حظ من الواقعيّة، لكان هذا الحديث منافياً للتسلية ومخالفاً للتّرضية!
ولقد بيّن العلامة سبحان علي خان رحمه الله تعالى هذا المطلب، بحيث لم يجد رشيد الدين خان تلميذ ( الدهلوي ) بدّاً من الإعتراف بأنّ هذه الخلافة الحاصلة للإمامعليهالسلام لا يُماثلها الخلافة الحاصلة لغيرة كابن اُم مكتوم وغيره بل إنّ هذه تدل على شرفٍ عظيم للإمامعليهالسلام لم ينل الآخرين
الذين استخلفهم على المدينة المنورة في كل مرة خرج منها.
وفي هذا الذي أثبته الرشيد الدهلوي تكذيب وتجهيل لابن تيميّة وأمثاله، الذين زعموا عدم الفرق بين خلافته هذه المرّة وخلافة غيره في المناسبات الاُخرى كما تكذّبه كلمات غيره كابن طلحة الشافعي، وولي الله الدهلوي وغيرهما
هذه خلاصة ما ذكره العلامة سبحان علي خان، وما ذكره رشيد الدين الدهلوي في بحثه معه في كتابه ( إيضاح لطافة المقال ). وإن شئت تفصيل ذلك فارجع إلى الكتاب المذكور.
(٢٢)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث
« إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك »
لقد قال صلّى الله وآله وسلّم لعليعليهالسلام - لدى استخلافه على المدينة المنورة، وفي ذيل قوله: « أما ترضى أنْ تكون » -: « إنّ المدينة لا تصلح إلّابي أو بك ».
وفي هذه الجملة دلالة على حصول مقام جليل وشرفٍ عظيم لأمير المؤمنينعليهالسلام ، ما حصل ولن يحصل لغيره أبداً فاستخلافه على المدينة كان بسبب تلك المنزلة التي اختص بها الإمام دون غيره، وفي ذلك دلالة تامة على أفضليته المستلزمه للخلافة العامة بعد الرسول بلا فصل فليتب النواصب ممّا تقوّلوا في تنقيص شأن الإمام وتحقير رتبة استخلافه، وليعودوا عمّا فاهوا به وسطرته أقلامهم لتوهين المقام الخاص بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والإمام عليه السلام ، وحطّه إلى حدٍّ يكون مشتركاً بين الإمامعليهالسلام وآحاد الصحابة! بل جعله أضعف وأوهن من الخلافة الحاصلة لغيره، باستختلاف النبي إيّاهم على المدينة! بل جعله دليلاً على نقصٍ وعيب في الإمام عليه الصلاة والسلام!!.
فلننقل نصّ الحديث ليعضّ النواصب على أيديهم خجلاً وحسرةً:
أخرج الحاكم في كتاب التفسير قائلاً: « حدّثني الحسن بن محمّد بن إسحاق الإسفرايني، ثنا عمير بن مرداس، ثنا
عبدالله بن بكير الغنوي، ثنا حكيم بن جبير، عن الحسن بن سعد مولى علي، عن عليرضياللهعنه :
إن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أراد أن يغزو غزاة له، قال: فدعا جعفراً(*) وأمره أنْ يتخلّف على المدينة.
فقال: لا أتخلَّف بعدك أبداً.
فدعاني رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -، فعزم علي لمـّا تخلّفت قبل أن أتكلّم.
قال: فبكيت.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما يبكيك يا علي؟
قلت: يا رسول الله يبكيني خصال غير واحدة، تقول قريش غداً: ما أسرع ما تخلّف عن ابن عمه وخذله. ويبكيني خصلة اُخرى: كنت اُريد أنْ أتعرّض للجهاد في سبيل الله، لأن الله يقول:( وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ) إلى آخر الآية، فكنت اُريد أنْ أتعرض لفضل الله.
فقال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -: أمّا قولك تقول قريش ما أسرع ما تخلّف عن ابن عمه وخذله، فإن لك بي اُسوة، قد قالوا ساحر وكاهن وكذّاب. أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وأما قولك: أتعرّض لفضل الله. هذا بهار من فلفل جاءنا من اليمن، فبعه واستمتع به أنت وفاطمة حتى يأتيكم الله من فضله، فإنّ المدينة لا تصلح إلّابي أو بك.
___________________
(*). الظاهر انه جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فما في بعض الروايات من أنّه ابن أبي طالب فليس في المستدرك.
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه »(١) .
وقال محمّد صدر العالم:
« أخرج البزار، وأبو بكر العاقولي في فوائده، والحاكم - وقال صحيح الإسناد - وابن مردويه، عن عبدالله بن بكير الغنوي، عن حكيم بن جبير، عن الحسن بن سعد مولى علي، عن علي: إن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أراد أنْ يغزو غزاةً، فدعا جعفراً(٢) .
وقال البدخشاني:
« أخرج الحاكم عن علي: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - قال له:
أمّا قولك: تقول قريش: ما أسرع تخلّفه عن ابن عمّه »(٣) .
ورواه إبراهيم الوصابي اليمني:
« عن علي بن أبي طالب -رضياللهعنه - قال: لما أراد رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أنْ يغزو بتبوك دعا جعفر بن أبي طالب، فأمره أنْ يتخلّف على المدينة »(٤) .
ورواه صاحب ( تفسير شاهي ) عن الإكتفاء، بتفسير قوله تعالى:( وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ) (٥) .
وقال محمّد بن إسماعيل الأمير:
« واعلم أنه لم يخلّفه رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - إلّا في غزاة تبوك، وهي آخر غزوةٍ غزاها رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - بعد الفتح واتّساع نطاق الإسلام وكثرة جيوش الإيمان، فإنها كانت في رجب سنة تسع
___________________
(١). المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٦٧ ح ٣٢٩٤.
(٢). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.
(٣). مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.
(٤). الاكتفاء في فضل الأربعة الخلفا - مخطوط.
(٥). سورة ص: ٤.
من الهجرة، وكانت أبعد الغزوات، وسافر فيها - صلّى الله عليه وسلّم - إلى بلاد الشام وجهته، فلم يطمئن قلبه في الإستخلاف إلى غير وصيّه - صلّى الله عليه وسلّم -، أمّا في غيرها من الغزوات فقد كان فيها سيفه الذي يفلق به الهام ويسيل تحته مهج الطغام، وهذه الغزاة قد كثر فيها جند الإسلام، فكان تخليفه على أهله أهم، لبعد السفرة وخروجه - صلّى الله عليه وسلّم - عن بلاد العرب، وأنها لا تصلح المدينة إلّابه أو بعليعليهالسلام . كما في بعض طرق الحديث: إنّ المدينة لا تصلح إلّابي أو بك، فكان استخلافه أرجح من خروجه »(١) .
فقد عرفت أنّ رواة هذا اللفظ هم كبار الأئمّة الأعلام، كالبزّار، والحاكم - وصحّحه - والعاقولي، وابن مردويه الإصبهاني
هذا ولكن ابن تيميّة يقول:
« وأما قوله: ولأنه الخليفة مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فعند موته بطول الغيبة يكون أولى بأنْ يكون خليفة.
فالجواب: إنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير علي، استخلافاً أعظم من استخلاف علي، واستخلف أولئك على أفضل من الذين استخلف عليهم عليّاً، وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير علي في حجة الوداع، فليس جعل علي هو الخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة، بأولى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان على المدينة كان عام حجة الوداع، وكان علي باليمن وشهد معه الموسم، لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير علي. فإنّ كان أصل بقاء الإستخلاف فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك. وبالجملة، فالإستخلافات على المدينة ليس من
___________________
(١). الروضة الندية في شرح التحفة العلوية.
خصائصه، ولا تدل على الأفضلية، ولا على الإمامة، بل قد استخلف عدداً غيره.
ولكن هؤلاء جهّال، يجعلون الفضائل العامّة المشتركة بين علي وغيره خاصةً بعلي وإنْ كان غيره أكمل منه فيها، كما فعلوا في النصوص والوقائع، وهكذا فعلت النصارى، جعلوا ما أتى به المسيح من الآيات دالّاً على شيء يختص به من الحلول والإتحاد. وقد شاركه غيره من الأنبياء فيما أتى به، وكان ما أتى به موسى من الآيات أعظم ممّا جاء به المسيح »(١) .
وهذا الكلام كفر صريح، لكونه ردّاً على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي ينصّ على اختصاص هذه الفضيلة الجليلة بأمير المؤمنينعليهالسلام !! إنّهم لا مناص لهم من الحكم بضلالته وتكفيره، وإنه لا يبقى ريب - بعدئذٍ - في أنّ جميع مساعي هذا الرجل وأمثاله في توهين هذا الإستخلاف ليست إلّاعناداً ومخالفةً للرسول الأكرم نفسه، لأنّه هو الذي نصّ على اختصاص هذه المرتبة به وبعليعليهالسلام ، فانظر إلى أين ينتهي دعوى ضعف هذا الإستخلاف كونه نقصاً له!!
ولكن ابن تيميّة لا يتحرّج من إساءة الأدب بالنسبة إلى رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - وكذا أمير المؤمنينعليهالسلام وعمّار بن ياسر وغيرهما.
بل إنّ كلامه المذكور إساءة أدب بالنسبة إلى عمر بن الخطاب ومعاوية وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من أئمّته، الذين طالما حاول الذبّ والدفاع عنهم بالأكاذيب والأباطيل، وذلك، لأنّ حديث المنزلة يدل في نظر هؤلاء أيضاً على شأنٍ عظيم ومقام جليل، حق أنّهم قد تمنّوا حصول ذلك لهم في مقابل الدنيا وما فيها، فلولا دلالة الحديث على الأفضليّة، لم يكن لما قالوه وتمنّوه معنى! وهل يصفهم ابن تيمية حينئذٍ بالجهل؟! وهل يشبّه حالهم بحال النصارى فيما ذكر؟
___________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٣٧.
(٢٣)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الحديث
« لابُدّ من أنْ أقيم أو تقيم »
وفي بعض طرق حديث المنزلة: إنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأمير المؤمنينعليهالسلام لمـّا أراد أن يخلّفه على المدينة: « لابُدّ أنْ أقيم أو تقيم »
وممّن روى هذا اللفظ:
ابن سعد: « أخبرنا روح بن عبادة، قال أخبرنا عون، عن ميمون، عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: لمـّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك، قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - لعلي بن أبي طالب: إنّه لابُدّ من أنْ أقيم أو تقيم. فخلّفه، فلمـّا فصل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - غازياً، قال ناس: ما خلف علياً إلّا لشيء كرهه منه، فبلغ ذلك عليّاً، فأتبع رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - حتى انتهى إليه فقال له: ما جاء بك يا علي؟ قال: يا رسول الله، إني سمعت ناساً يزعمون أنك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي، فتضاحك رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وقال: يا علي، أما ترضى أنْ تكون مني كهارون من موسى غير أنّك لست بنبيّ! قال: بلى يا رسول الله فإنه كذلك »(١) .
وقال ابن حجر بشرح الحديث: « قوله: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى. أي نازلاً مني منزلة هارون من موسى. والباء زائدة. وفي رواية سعيد بن المسيب عن سعد: فقال علي: رضيت رضيت. أخرجه أحمد.
___________________
(١). الطبقات الكبرى ٣ / ٢٤.
ولابن سعد من حديث البراء وزيد بن أرقم نحو هذه القصة: قال بلى يا رسول الله، قال فإنه كذلك. وفي أوّل حديثهما إنهعليهالسلام قال لعلي: لابدّ من أنْ اُقيم أو تقيم، فأقام علي، فسمع ناساً يقولون: إنّما خلّفه لشيء كرهه منه. فأتبعهُ فذكر له ذلك. فقال له. الحديث. وإسناده قوي »(١) .
والحديث - كالحديث السابق عن الحاكم - صريح في اختصاص أمير المؤمنينعليهالسلام بمقام لا يشاركه فيه غير النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو إذن أفضل وأرجح أقدم ممن سواه، والحمدلله. فما تقول لابن تيميّة وأمثاله من أصحاب الخرافات والتّرهات في هذا المقام؟
وابن سعد الراوي لهذا الحديث القوي، يعتبر من أكابر علمائهم المعتمدين وأئمتهم المتبحّرين.
١ - قال ابن خلكان: « أبو عبدالله محمّد بن سعد بن منيع الزهري البصري كاتب الواقدي. كان أحد الفضلاء النبلاء الأجلّاء، صحب الواقدي المذكور قبله زماناً، وكتب له فعرف به، وسمع من سفيان بن عيينة وأنظاره، وروى عنه أبو بكر ابن أبي الدنيا، وأبو محمّد الحارث بن أبي اُسامة التميمي وغيرهما، وصنّف كتاباً كبيراً في طبقات الصحابة والتابعين والخلفاء إلى وقته، فأجاد فيه وأحسن، وهو يدخل في خمس عشر مجلدة، وله طبقات اُخرى صغرى. وكان صدوقاً ثقةً، ويقال: اجتمعت كتب الواقدي عند أربعة أنفس أوّلهم كاتبه محمّد بن سعد المذكور، وكان كثير العلم غزير الحديث والرواية، كثير الكتبة لكتب الحديث والفقه وغيرهما.
___________________
(١). فتح الباري - شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٠.
وقال الحافظ أبو بكر صاحب تاريخ بغداد في حقه: ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرّى في كثير من رواياته، وهو من موالي الحسين بن عبدالله بن عبيدالله بن العباس بن عبد المطلب.
وتوفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٣٠ ببغداد، ودفن في مقبرة باب الشام وهو ابن ٦٢ سنة. رحمه الله تعالى »(١) .
٢ - الذهبي: « الإمام الحبر أبو عبدالله محمد بن سعد الحافظ قال أبو حاتم: صدوق»(٢) .
٣ - ابن حجر: « صدوق فاضل »(٣) .
أقول:
وكتابه ( الطبقات ) ذكره ( كاشف الظنون ) وقال: « أعظم ما صنّف فيه، جمع من الصحابة والتابعين والخلفاء »(٤) .
___________________
(١). وفيات الاعيان ٤ / ٣١٥ رقم ٦٤٥.
(٢). العبر - حوادث ١٢٣٠ / ٣٢٠.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ١٦٣ رقم ٢٤٤.
(٤). كشف الظنون ٢ / ١١٠٣.
(٢٤)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الإستخلاف
« لك من الأجر مثل مالي ومالك من المغنم مثل مالي »
وممّا يبطل هفوات النواصب ومقلّديهم، المنكرين دلالة حديث المنزلة والإستخلاف يوم غزوة تبوك، على الفضل المبين لأمير المؤمنين، بل يجعلونه من الفضائل العامّة المشتركة، بل يدّعونه عيباً ونقصاً في حقّ سيّد الموحّدين هذا الحديث الذي اشتمل على قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم له لدى استخلافه في ذلك الوقت:
« أما ترضى أن يكون لك من الأجر مثل مالي ومالك من المغنم مثل مالي ».
وهذا الحديث أخرجه الحافظ المحبّ الطبري، وجعل له عنواناً خاصّاً به، حيث قال: « ذكر إختصاصه بأن له من الأجر ومن المغنم مثل ما للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
في غزوة تبوك - ولم يحضرها - عن أنس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي يوم غزوة تبوك: أما ترضى أن يكون لك من الأجر مثل مالي ومالك من المغنم مثل مالي.
خرّجه الخلعي »(١) .
وفي هذا الحديث من كمال الشرف ونهاية العلوّ والإختصاص وسموّ
___________________
(١). الرياض النضرة ( ٣ - ٤ ): ١١٩.
المقام ما لا يخفى، فمن الذي يوازي أجره أجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى يقال بأنها فضائل عامّة مشتركة؟ وكيف يكون الإستخلاف في تلك الواقعة دليلاً على النقص والعيب والفساد العظيم والحال أنّ أجره مثل أجر رسول الله؟ وهل بعد هذا الحديث قيمة لهفوات النواصب وسخافات المعاندين؟
وعلى الجملة، فهذا الحديث وجه آخر من وجوه دلالة حديث المنزلة على الأفضليّة وتعيّن الخلافة لأمير المؤمنينعليهالسلام لأن مقتضى المماثلة مع رسول الله في الأجر أنْ يكون أجره -عليهالسلام - أكثر من أجر جميع الخلائق، والأكثرية في الأجر والثواب عين الأفضلية، كما لا يخفى على اولي الألباب.
فالعجب من هؤلاء النواصب يقول الرسول له: إنْ أقام يكون له من الأجر مثل أجره ويقولون: إقامته في المدينة واستخلاف النبيّ إيّاه أضعف وأوهن من سائر الإستخلافات، وأنه يدل على نقصٍ وعيبٍ فيه، وعلى حصول فتنة عظيمة وفسادٍ كبير بسببه!!
والخلعي الراوي لهذا الحديث، من كبار الفقهاء والمحدّثين، فقد وصفه الذهبي بـ « الإمام الفقيه القدوة مسند الديار المصرية »(١) ووصفه بالدين والعبادة وعلوّ الإسناد(٢) . والأسنوي قال: « فقيه صالح، له كرامات، وكان أعلى أهل مصر إسناداً »(٣) . وذكره ابن خلكان بقوله:
___________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٧٤.
(٢). العبر ٢ / ٣٦٦.
(٣). طبقات الشافعية ١ / ٢٣٠ رقم ٤٣٠.
« أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي، المعروف بالخلعي، الموصلي الأصل، المصري الشافعي، صاحب الخلعيّات المنسوبة إليه، سمع أبا الحسن الحوفي، وأبا محمّد ابن النحاس، وأبا الفتح العداس، وأبا سعد الماليني، وأبا القاسم الأهوازي، وغيرهم.
قال القاضي عياض اليحصبي: سألت أبا علي الصدفي عنه - وكان قد لقيه لـمّا رحل إلى البلاد الشرقيّة - فقال: فقيه وله تواليف، ولّي القضاء وقضى يوماً واحداً استعفى وانزوى بالقرافة ، وكان مسند مصر بعد الحبّال.
وذكره القاضي أبو بكر ابن العربي فقال: شيخ معتزل في القرافة، له علوّ في الرواية، وعنده فوائد.
وقد حدّث عنه الحميدي وكنّى عنه بالقرافي »(١) .
وترجم له اليافعي حيث قال:
« الخلعي القاضي أبو الحسين المصري الفقيه الشافعي. سمع طائفة وانتهى إليه علوّ الإسناد بمصر. قال ابن سكرة: فقيه له تصانيف، ولي القضاء وحكم يوماً واستعفى وانزوى في القرافة »(٢) .
___________________
(١). وفيات الاعيان ٣ / ٣١٧ رقم ٤٤٤.
(٢). مرآة الجنان - حوادث ٣٤٩٢ / ١٥٥.
(٢٥)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث
« إنّه لا ينبغي أنْ أذْهب إلّا وأنت خليفتي »
ومن الدلائل: أنّه لـمّا استخلفه على المدينة في غزوة تبوك وقال له:
« أما ترضى أنْ تكون » علّل ذلك بقوله: « إنّه لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي » وقد روى حديث المنزلة السياقة جمع كبير من أئمتهم وأعلام علمائهم، منهم:
١ - أحمد بن حنبل.
٢ - أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي.
٣ - أبو عبدالله الحاكم النيسابوري.
٤ - الموفّق بن أحمد المكي الخوارزمي.
٥ - علي بن الحسن المعروف بابن عساكر.
٦ - أبو حامد محمود بن محمد الصالحاني.
٧ - محمد بن يوسف الكنجي الشافعي.
٨ - محبّ الدين أحمد بن عبدالله الطبري.
٩ - إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بابن كثير.
١٠ - شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني.
١١ - جلال الدين عبد الرحمن السيوطي.
١٢ - عبد الوهاب بن محمد بن رفيع الدين.
١٣ - علي بن حسام الدين المتّقي الهندي.
١٤ - شهاب الدين أحمد صاحب توضيح الدلائل.
١٥ - أحمد بن الفضل بن باكثير المكي.
١٦ - ميرزا محمد بن معتمد خان البدخشاني.
١٧ - وليّ الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي.
١٨ - محمد بن إسماعيل الأمير.
١٩ - أحمد بن عبد القادر الحفظي العجيلي.
٢٠ - المولوي محمد مبين الكهنوي.
أخرجه أحمد في مسنده حيث قال: «حدّثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، حدّثنا أبو بلج، ثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس، إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا أبا عباس إمّا أن تقوم معنا وإمّا أنْ تخلونا هؤلاء.قال فقال ابن عباس: بل أقوم معكم. قال - وهو يومئذٍ صحيح قبل أنْ يعمى - قال: فأنتدوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا. قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف، وقعوا في رجلٍ له عشر، وقعوا في رجلٍ:
قال له النبي - صلّى الله عليه وسلّم -: لأبعثنّ رجلاً لا يخزيه الله أبداً، يحبّ الله ورسوله، قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: أين علي؟ قال: هو في الرحى يطحن. قال: وما كان أحدكم يطحن! قال: فجاء - وهو أرمد لا يكاد يبصر - قال: فنفث في عينيه ثم هزّ الراية ثلاثاً. فأتاها إياه، فجاء بصفيّة بنت حيي.
قال: ثم بعت فلاناً بسورة التوبة، فبعث عليّاً خلفه، فأخذها منه، قال: لا
يذهب بها إلّا رجل منّي وأنا منه.
قال: وقال لبني عمّه: أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ قال - وعلي جالس - فأبوا. فقال علي: أنا اُواليك في الدنيا والآخرة. فقال: أنت وليّي في الدنيا والآخرة.
قال: وكان أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة.
قال: وأخذ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - ثوبه فوضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين فقال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
قال: وشرى علي نفسه، لبس ثوب النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم نام مكانه. قال: وكان المشركون يرمون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء أبو بكر وعلي نائم قال وأبو بكر يحسب أنّه نبي الله قال فقال: يا نبي الله. قال: فقال له علي: إنّ نبي الله صلّى الله عليه وسلّم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه. قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار. قال: وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يتضوّر، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.
قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك. قال فقال له علي: أخرج معك؟ قال فقال له نبي الله صلّى الله عليه وسلّم - لا. فبكى علي. فقال له: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبي؟ إنّه لا ينبغي أنْ أذهب إلّاوأنت خليفتي.
قال: وقال له رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -: أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي.
وقال سدّوا أبواب المسجد غير باب علي، فقال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه وليس له طريق غيره.
قال وقال: من كنت مولاه فإنّ مولاه علي.
قال: وأخبرنا الله عزّوجلّ في القرآن أنّه قد رضي عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم، هل حدّثنا أنه سخط عليهم بعد.
قال: وقال نبيّ الله - صلّى الله عليه وسلّم - لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه - قال: و كنت فاعلاً؟ وما يدريك، لعلّ الله قد اطّلع إلى أهل بدرٍ فقال: إعلموا ما شئتم »(١) .
وأخرجه أحمد في المناقب بنفس السند حيث قال: « حدّثنا يحيى بن حماد قال: حدّثنا أبو عوانة قال: حدّثنا أبو بلج قال: حدّثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس، إذ أتاه تسعة رهط
قال: وخرج بالناس في غزاة تبوك. فقال علي: أخرج معك؟ فقال نبي الله: لا. فبكى علي. فقال:
أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنك لست بنبي، لا ينبغي أنْ أذهب إلّا و أنت خليفتي »(٢) .
وأمّا رواية أبي يعلى الموصلي فتعلم من ( تاريخ ابن كثير ).
وأمّا راوية الحاكم فقد قال: « أخبرنا أبو بكر أحمد بن جفعر بن حمدان القطيعي ببغداد من أصل كتابه، ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا
___________________
(١). مسند أحمد ١ / ٥٤٤ رقم ٣٠٥٢ الطبعة الجديدة. و ١ / ٣٣١ الطبعة القديمة.
(٢). مناقب أمير المؤمنين: ٣١١ رقم ٢٩١.
يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، ثنا أبو بلج، ثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس، إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس، إمّا أنْ تقوم معنا وإمّا أن تخلو بنا من بين هؤلاء. قال: فقال ابن عباس: بل أنا أقوم معكم. قال - وهو يومئذ صحيح قبل أنْ يعمى - قال فابنتدوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا. قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: اُف وتُف، وقعوا في رجل له بضع عشر فضائل
قال ابن عباس: فخرج رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في غزوة تبوك وخرج الناس. فقال له علي: أخرج معك. قال فقال النبي: لا، فبكى علي فقال له: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي، إنه لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.
وقد حدّثنا السيد الأوحد أبو يعلى حمزة بن محمّد الزيديرضياللهعنه ، ثنا أبو الحسن علي بن محمّد بن مهرويه القزويني القطّان قال: سمعت أبا حاتم الرازي يقول: كان يعجبهم أن يجدوا الفضائل من رواية أحمد بن حنبلرضياللهعنه »(١) .
ورواه الموفّق بن أحمد بقوله:
« أخبرنا أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، حدّثنا أحمد ابن جعفر القطيعي، حدّثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى ابن حمّاد، أخبرنا أبو عوانه، أخبرنا أبو بلج، حدّثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس
قال ابن عباس: فخرج رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في غزوة تبوك وخرج الناس معه، فقال له علي: أخرج معك؟ فقال النبي: لا، فبكى علي فقال
___________________
(١). المستدرك ٣ / ١٣٢ - ١٣٣.
له: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبي، إنه لا ينبغي أنْ أذهب إلّاوأنت خليفتي »(١) .
أمّا رواية ابن عساكر فتعلم من عبارة ( كفاية الطالب ) و ( وسيلة المآل ) و ( الرياض النضرة ) وغيرها:
ورواه الكنجي عن طريق ابن عساكر، فقال:
« روى إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده قصة نوم عليعليهالسلام على فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في حديث طويل، وتابعه الحافظ محدّث الشام في كتابه المسمى بالأربعين الطوال.
فأمّا حديث الإمام أحمد، فأخبرنا قاضي القضاة حجة الإسلام أبو الفضل يحيى ابن قاضي القضاة أبي المعالي محمّد بن علي القرشي قال:
أخبرنا حنبل ابن عبدالله المكبّر، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحصين، أخبرنا أبو علي الحسن بن المذهب، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، حدّثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا أبي.
وأمّا الحديث الذي في الأربعين الطوال، فأخبرنا به القاضي العلامة مفتي الشام أبو نصر محمد بن هبة الله ابن قاضي القضاة شرقاً وغرباً أبي نصر محمّد بن هبة الله بن محمّد بن جميل الشيرازي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، أخبرنا الشيخ أبو القاسم هبة الله بن محمّد بن عبد الواحد الشيباني، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد التميمي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدّثنا عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل، حدثني أبي،
___________________
(١). المناقب: ١٢٥ رقم ١٤٠.
حدّثنا أبو عوانة، حدّثنا أبو بلج، حدّثنا عمرو بن ميمون قال:
إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط
وخرج بالناس في غروة تبوك قال فقال لهُ علي: أخرج معك؟ قال فقال له النبي: لا. فبكى علي. فقال له: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بنبي، إنّه لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي »(١) .
ورواه محبّ الدين الطبري حيث قال:
« ذكر اختصاصه بعشر: عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عبّاس، إذْ أتاه سبعة رهط وخرج بالناس في غزوة تبوك. قال: فقال له علي: أخرج معك؟ فقال النبي: لا. فبكى علي. قال فقال له نبي الله صلّى الله عليه وسلّم: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بنبي، إنّه لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي
أخرجه بتمامه أحمد، والحافظ أبو القاسم في الموافقات وفي الأربعين الطوال، وأخرج النسائي بعضه »(٢) .
ورواه الحافظ ابن كثير الدمشقي بعد رواية أبي يعلى حديث خيبر عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس: « وهذا غريب من هذا الوجه، وهو مختصر من حديثٍ طويل، رواه أحمد عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس. فذكره بتمامه فقال أحمد وخرج
___________________
(١). كفاية الطالب: ٢٤١.
(٢). الرياض النضرة ( ٣ - ٤ ): ١٧٤.
بالناس في غزوة تبوك »(١) .
ورواه ابن حجر العسقلاني بقوله: « أخرج أحمد والنسائي من طريق عمرو بن ميمون: إني لجالس عند ابن عباس، إذْ أتاه سبعة رهط. فذكر قصةً فيها: فجاء ينفض ثوبه فقال: وقعوا في رجلٍ له عشر
وقال له في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بنبي، لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي »(٢) .
ورواه جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي في كتابه ( جمع الجوامع ) بلفظ: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بنبي، ألا إنّه لا ينبغي لي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي. حم ك. عن ابن عباس ».
وتجده عند المتقي الهندي بنفس هذا اللفظ(٣) .
ورواه عبد الوهاب بن محمد بن رفيع في ( تفسيره ) كذلك عن ابن المغازلي بسنده عن ابن عباس.
ورواه شهاب الدين أحمد صاحب ( توضيح الدلائل ):
« عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عباس رضي الله تعالى
___________________
(١). تاريخ ابن كثير ٧ / ٣٣٨.
(٢). الاصابة ٤ / ٢٧٠. الطبعة الجديدة.
(٣). كنز العمال ١١ / ٦٠٦ رقم ٣٢٩٣١.
عنهم إذ أتاه سبعة رهط وخرج رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في غزوة تبوك فقال له علي: أخرج معك. فقال - صلّى الله عليه وسلّم -: لا. فبكى علي رضوان الله تعالى عليه، فقال النبي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبي، لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي من بعدي
رواه الصالحاني بإسناده إلى الحافظ أبي يعلى الموصلي بإسناده.
وهذا حديث حسن متين. ورواه الطبري وقال: أخرجه أحمد بتمامه، وأبو القاسم الدمشقي في الموافقات وفي الأربعين الطوال. وأخرج النسائي بعضه ».
ورواه ابن باكثير المكي أيضاً:
عن عمرو بن ميمون - رضي الله عنهما - قال: أنا جالس إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خرج النبي - صلّى الله عليه وسلّم - في الناس للغزوة فقال له علي: أخرج معك؟ فقال له النبي - صلّى الله عليه وسلّم -: لا. قال: فبكى علي -رضياللهعنه - فقال له النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي
أخرج هذا الحديث بتمامه: أحمد بن حنبل، وأبو القاسم الدمشقي في الموافقات وفي الأربعين الطوال، وأخرج النّسائي بعضه. وهذه القصّة مشهورة، ذكرها ابن اسحاق وغيره »(١) .
ورواه الميرزا البدخشاني بقوله:
« أخرج أحمد والحاكم عن ابن عباس -رضياللهعنه - إن النبي صلّى الله عليه وسلّم - قال لعلي - حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك - أما ترضى
___________________
(١). وسيلة المآل - مخطوط.
أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي لي أنْ أذهب إلّاوأنت خليفتي »(١) .
ورواه والد الدهلوي أيضاً حيث قال - في ( إزالة الخفا ) -:
« أخرج الحاكم والنسائي عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقال ابن عباس: وخرج رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في غزوة تبوك، وخرج الناس معه، فقال له علي: أخرج معك؟ قال فقال النبي - صلّى الله عليه وسلّم -: لا. فبكى علي. فقال له: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلّا و أنت خليفتي ».
ورواه محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في ( الروضة الندية ) حيث قال:
« وقد اختصّه الله تعالى ورسوله بخصائص لا تدخل تحت ضبط الأقلام، ولا تفنى بفناء الليالي والأيام، مثل اختصاصه بأربع ليست في أحدٍ غيره، كما أخرجه العلّامة أبو عمر ابن عبد البر من حديث بحر الاُمة ابن عباس - رضي الله عنهما وكاختصاصه بعشر، كما أخرجه أحمد بتمامه، وأبو القاسم الدمشقي في الموافقات وفي الأربعين الطوال، وأخرج النسائي بعضه، من حديث عمرو ابن ميمون ».
___________________
(١). مفتاح النجا - مخطوط.
وقال أحمد بن عبد القادر العجيلي:
« وأما الولاية الهارونية فإنّه خلّفه - صلّى الله عليه وسلّم - في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله، تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، لا ينبغي أنْ أذهب إلّاوأنت خليفتي. رواه ابن عباس. وفي ذلك إشارات وسيأتي بعضها»(١) .
أقول:
أليست هذه منقبة جليلة ومرتبة رفيعة خاصّة بأمير المؤمنين ولا يشاركه فيها إلّا النبي صلّى الله عليهما وآلهما؟
إنّ هذه السياقة دليل آخر على بطلان مزاعم النّواصب، وخرافات الذين تبعوهم، في مقام ردّ الإستدلال بهذا الحديث الشريف
ولا يخفى دلالته على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وخلافته عن رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأن « أن أذهب » في قوة « ذهابي » وهو اسم جنس مضاف، وقد عرفت أنّ اسم الجنس الجائز منه الإستثناء قطعاً من ألفاظ العموم و « الذهاب إلى الربّ » فرد من الأفراد، فأمير المؤمنينعليهالسلام هو الخليفة بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعلى فرض تقييد هذا « الذهاب » بزمن الخروج إلى غزوة تبوك، فلا كلام في دلالته حينئذٍ على الأفضلية، والأفضلية مستلزمة للإمامة والخلافة العامة(٢) .
___________________
(١). ذخيرة المآل - شرح عقد جواهر اللآل - مخطوط.
(٢). وقد بحثنا عن هذا الحديث بشيء من التفصيل في محلق حديث الولاية، في الجزء ١٦ من كتابنا، فراجعه.
وكأنّ المحبّ الطبري قد التفت إلى ما يدلّ عليه هذا الحديث - مطابقةً أو بالإستلزام - من بطلان خلافة المتقدّمين على أمير المؤمنينعليهالسلام ، فحاول توجيه الحديث بما لا يتنافى ومذهبهم وهذه عبارته:
« قوله: إنه لا ينبغي أن أذهب إلّاوأنت خليفتي.
المراد به - والله أعلم - خليفتي على أهلي، فانه - صلّى الله عليه وسلّم - لم يستخلفه إلاّعليهم، والقرابة مناسبة لذلك، واستخلف - صلّى الله عليه وسلّم - على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل: سباع بن عرفطة. ذكره ابن إسحاق وقال: خلّف رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في غزوة تبوك عليّاً على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف المنافقون على علي وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً. قال: فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وهو نازل بالجرف فقال: يا نبيّ الله، زعم المنافقون أنك إنّما خلّفتني لأنك استثقلتني وتخفّفت منّي. فقال: كذبوا، ولكنّي خلّفتك لِما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى - يا علي - أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي.
أو يكون المعنى: إلّا وأنت خليفتي في هذه القضية، على تقدير عموم استخلافه في المدينة - إنْ صح ذلك - ويكون ذلك لمعنىً اقتضاه في تلك المرّة، علمه رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وجهله غيره. يدل عليه: أنه - صلّى الله عليه وسلّم - استخلف غيره في قضايا كثيرة ومرّات عديدة.
أو يكون المعنى: الذي يقتضيه حالك وأمرك أنْ لا أذهب في جهةٍ إلّا وأنت خليفتي، لأنك منّي بمنزلة هارون من موسى، لمكان قربك مني وأخذك
عني، لكن قد يكون شخوصك معي في وقتٍ أنفع من استخلافك، أو يكون الحال تقتضي أن المصلحة في استخلاف غيرك، فيتخلّف حكم الإستخلاف عن مقتضاه لعارضٍ أقوى منه يقتضي خلافه.
وليس في شيء من ذلك كلّه ما يدل على أنّه الخليفة بعد موته صلّى الله عليه وسلّم »(١) .
أقول:
لا يخفى على أصحاب الألباب السليمة وأرباب العقول غير السقيمة، أنّ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا ينبغي أنْ أذهب إلّا وأنت خليفتي » مطلق غير مقيّد، فحمل لفظ « خليفتي » على خلافة خاصة بالأهل أو بهذه القضية، حمل بلا دليل وتقييد بلا مقيد، وما أشبه هذا التقييد بتقييد أهل الكتاب بنوّة النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - ورسالته بأنها إلى العرب خاصّة دون سائر الخلق، فإنّهم لمـّا عجزوا عن انكار أصل نبوّته ورسالته عمدوا إلى تقييدها بالعرب.
أمّا دعوى حصر استخلافه على الأهل، فبطلانها يظهر من تصريحات أئمّتهم بأنّ الإستخلاف كان على المدينة.
أمّا أن القرابة مناسبة لذلك، فإنْ كان المراد حصر خلافته بهم، فظاهر البطلان، وإنْ كان المراد أنّ بين القرابة والخلافة مناسبة، فهذا لا ينفي الخلافة على غير الأهل.
وأمّا قوله: « أو يكون المعنى إلّا وأنت خليفتي في هذه القضية على تقدير عموم استخلافه في المدينة إنْ صحّ ذلك ».
فتوجيه مبطل لخرافات أئمة مذهبه القائلين بأنّ هذا الإستخلاف من
___________________
(١). الرياض النضرة ( ١ - ٢ ): ٢٥٥ - ٢٢٦.
الأوصاف العامّة المشتركة، بل جعلوا استخلافه أضعف وأوهن من سائر الإستخلافات، لأنّه إذا كانعليهالسلام هو المستحق للخلافة - دون غيره - ولو لمعنى اقتضاه في هذه المرة، علمه الرسول وجهله النواصب، فقد ثبت اختصاصهعليهالسلام بالشرف التام غير الحاصل لسواه، وسقط توهّم اشتراك الآخرين معه في تلك الفضيلة وعليه، فتكون الخلافة بعد الوفاة - بالأولويّة القطعيّة - منحصرة فيهعليهالسلام ، وهذا بديهي ظاهر لا ينكره إلّا معاند مكابر. وأمّا قوله: « أو يكون المعنى: الذي يقتضيه حالك وأمرك ».
فتقرير أولى من سابقه في الدلالة على مطلوب الإمامية، لأنّ قوله: « لا أذهب في جهةٍ » يدل على العموم، للنكرة الواقعة في سياق النفي، ومن ذلك « الذهاب إلى ربّ الأرباب » فإذاً، يكون الحديث - على هذا التقرير - دالّاً على أفضليّته وإمامته وخلافته والإمامة، كما اعترف هو بذلك حيث قال في الفصل الثالث في خلافة أبي بكر من الباب الأول من مناقب القسم الثاني: « وأحاديث أفضليّته كلّها دليل على تعيّنه، على قولنا: لا ينعقد ولاية المفضول عند وجود الأفضل».
وأمّا أنّه قد يكون شخوصه معه في وقت أنفع من استخلافه، فمن الواضح:
أولاً: إن هذا المعنى غير متحقق عند ذهابه إلى ربّه، إذ لم يذهب معه حينئذٍ فحكم استخلافه باق على حاله.
وثانياً: تخلّف حكم الإستخلاف بسبب كون الشخوص أنفع، غير قادحٍ في دلالة الحديث على الأفضلية، لأن المعنى حينئذٍ أنه حيث لا مانع من شخوصه مع النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - تكون الخلافة منحصرة فيه، وهذه مرتبة غير حاصلة لغيره، فيكون هو الأفضل.
وأما قوله: « أو يكون الحال تقتضي أن المصلحة في استخلاف غيرك ».
فإن كان المراد أن المصلحة في استخلاف غيره متفرعة على كون شخوصه أنفع، فقد عرفت حال ذلك. وإنْ كان المراد قلب الموضوع، بمعنى أن المصلحة أوّلاً وبالذات متعلقة باستخلاف غيره، لا أنها متعلّقة أوّلاً وبالذات بشخوصه، فهذا معاندة صريحة ومخالفة واضحة مع كلامهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ أنه يدل على اختصاص الإستخلاف به. على أنا نقول - بناءً عليه - أنه عند ذهابهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ربّه هل تعلّقت المصلحة باستخلاف غيرهعليهالسلام أو لا؟ فعلى الثاني تنحصر الخلافة فيه، وعلى الأول: يجب استخلاف غيره، لكنّ استخلاف أبي بكر غير متحقق عند أهل السنّة - كما اعترف به ( الدهلوي ) وغيره - فإذاً، لا مصلحة في استخلاف غير أمير المؤمنينعليهالسلام ، فالخلافة منحصرة فيه وكيف يدّعى استخلافه أبا بكر وهم يروون عن ابن مسعود أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يرض باستخلاف أبي بكر وعمر؟!
(٢٦)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم له بعد الحديث
« أنت خليفتي في كلّ مؤمنٍ من بعدي »
وروى الحافظ النسائي في كتاب ( الخصائص )، الذي صنّفه رجاءً لهداية المنحرفين عن أمير المؤمنين، كما ذكر ابن حجر بترجمته، عن أبي بكر المأموني أنه سأله عن تصنيفه هذا الكتاب فقال: « دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنّفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله »(١) وقد جعل ( الدهلوي ) هذا الكتاب من الأدلة الدالة على براءة أهل السنّة من بغض أمير المؤمنينعليهالسلام (٢) .
روى النسائي في كتابه المذكور قائلاً: « ذكر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في علي -رضياللهعنه - إنّ الله عزّوجلّ لا يخزيه أبداً:
أخبرنا محمّد بن المثنى حدّثنا يحيى بن حماد، حدّثنا الوضاح - وهو أبو عوانة - قال: حدّثنا أبو بلج بن أبي سليم، حدّثنا عمرو بن ميمون قال قال : إني لجالس إلى ابن عباس رضي الله عنهما، إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: إمّا أنْ تقوم معنا وإمّا أن تخلونا بهؤلاء - وهو يومئذٍ صحيح قبل أن يعمى - قال: أنا أقوم معكم، فتحدّثوا فلا أدري ما قالوا، فجاء وهو ينفض ثوبه وهو يقول: اُف وتُف، وقعوا في رجل له عشر:
وقعوا في رجلٍ قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - لأبعثنّ رجلاً
___________________
(١). تهذيب التهذيب ١ / ٣٣.
(٢). التحفة الاثنا عشرية: ٦٣.
يحبّ الله ورسوله يحبّه الله ورسوله لا يخزيه الله أبداً، وأشرف من استشرف. فقال: أين علي ؟ قيل: هو في الرحى يطحن. قال: وما كان أحدكم ليطحن من قبله ! فدعاه وهو أرمد وما كان أن يبصر، فنفث في عينيه، ثمّ هزّ الرّاية ثلاثاً فدفعها إليه، فجاء بصفيّة بنت حيي.
وبعث أبا بكر بسورة التوبة، وبعث عليّاً خلفه، فأخذها منه، فقال: لا يذهب بها إلّارجل من أهل بيتي هو مني وأنا منه.
ودعا رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة، فمدَّ عليهم ثوباً فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وكان أوّل من أسلم من الناس معه بعد خديجة.
ولبس ثوب النبي وهم يحسبون أنه نبي الله، فجاء أبو بكر فقال علي: إنّ نبي الله - صلّى الله عليه وسلّم - قد ذهب نحو بئر ميمون، فأتبعه فدخل معه الغار، فكان المشركون يرمون عليّاً حتى أصبح.
وخرج بالناس في غزوة تبوك فقال علي: أخرج معك؟ فقال: لا، فبكى، فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنك لست بني. ثم قال: أنت خليفتي - يعني في كلّ مؤمن بعدي.
قال: وسدّ أبواب المسجد »(١) .
أقول:
وهذا الحديث نص صريح في مطلوب الإمامية، وهو أن حديث المنزلة
___________________
(١). الخصائص: ٤٧ رقم ٢٤.
ليس استخلافاً جزئيّاً، وإنما يدل على الخلافة والولاية العامة على كلّ مؤمن بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فذهبت خرافات النواصب والمشككين أدراج الرياح، ولم يعد لها أيّ قيمةٍ في سوق الإعتبار.
وكتاب ( الخصائص ) قد عرفت السبب في تصنيفه، فلابدّ وأنْ تكون أخباره معتبرة عندهم، ليتمكن من هداية النواصب بها.
على أن في كلمات الأكابر أن النسائي صنّف كتابه ( الخصائص ) للإستدلال والإحتجاج، فقد ذكر ابن حجر العسقلاني عند بيان الرموز الموضوعة في كتاب ( تهذيب الكمال للمزي ) الذي هذّبه، بقوله: « للستة: ع، وللاربعة: ع، وللبخاري: خ، ولمسلم: م وللنسائي في اليوم والليلة: سي، وفي مسند مالك: كز، وفي خصائص علي: ص. وفي مسند علي: عس، ولابن ماجة في التفسير فق.
هذا الذي ذكره المؤلّف من تآليفهم، وذكر أنه ترك تصانيفهم في التواريخ عمداً، لأن الأحاديث التي تورد فيها غير مقصودة بالإحتجاج
وأفرد: ( عمل يوم وليلة ) للنسائي عن السنن، وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الأحمر وابن سيّار، وكذلك أفرد ( خصائص علي ) وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيّار، ولم يفرد التفسير وهو من رواية حمزة وحده، ولا كتاب الملائكة، والإستعاذة، والطب، وغير ذلك، وقد تفرّد بذلك راوٍ دون راوٍ، عن النسائي، فما تبيّن لي وجه إفراده الخصائص، وعمل اليوم والليلة، والله
الموفق »(١) .
فكتاب ( الخصائص ) من الكتب المصنفة للإحتجاج، مضافاً إلى إنّه من كتاب ( السنن ) الذي هو أحد الصّحاح عندهم.
وعلى هذا، فالحديث المذكور معتبر صالح للإحتجاج والإستدلال.
هذا، على أنا إذا لاحظنا رجال الحديث المزبور بخصوصه، وجدناهم ثقاتٍ معتبرين، ومن رجال الصحيح:
أمّا « محمد بن المثنى » فمن الحفّاظ الثقات الكبار. قال الذهبي: « محمّد ابن المثنى، أبو موسى العنزي، الحافظ، عن ابن عيينة وعبدالعزيز. وعنه ع وأبو عروبة والمحاملى. ثقة ورع، مات ٢٥٢ »(٢) .
وقال ابن حجر: « ثقة ثبت »(٣) .
وأمّا « أبو عوانة وضاح » و « أبو بلج يجبى بن أبي مسلم » و « عمرو بن ميمون » فكلّهم من الثقات المعتمدين والمعتبرين وقد عرفت إخراج الحاكم الحديث من طريقهم وتصحيحه إيّاه كما روى الحافظ ابن عبد البر - الذي وصفه ( الدهلوي ) بالأعلمية من الخطيب والبيهقي وابن حزم - حديث السبق إلى الإسلام عن هذا الطريق، ونصّ على أنْ لا مطعن لأحد في صحته وهذا نص كلامه:
« حدّثنا عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغ، قال حدّثنا أحمد بن
___________________
(١). تهذيب التهذيب ١ /٥ -٦.
(٢). الكاشف ٣ / ٨٢ رقم ٥٢١٩.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٢٠٤ رقم ٦٦٦.
زهير بن حرب قال: ثنا الحسن بن حماد، قال : ثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس قال: كان علي أول من آمن بالله من الناس بعد خديجة رضي عنها.
قال أبو عمرو: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحد، لصحّته وثقة نقلته »(١) .
وكيف يسوغ لهم الطعن في سنده، و « وضّاح » و « عمرو بن ميمون » من رجال كلّ الصحاح، و « أبو بلج » من رجال الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي داود؟
___________________
(١). الاستيعاب ٣ / ١٠٩١ - ١٠٩٢.
(٢٧)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد الحديث
« وأنت خليفتي »
وروى الحافظ سبط ابن الجوزي بعد حديث المنزلة:
« وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث فية كتاب الفضائل الذي صنفّه لأمير المؤمنين: أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود البزار قال: أنبأ أبو الفضل محمّد بن ناصر السلمي، أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، أخبرنا أبو طاهر محمّد بن علي بن محمّد بن يوسف، أخبرنا أبو بكر حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيد، عن أبي بردة قال:
خرج علي مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى ثنيّة الوداع - وهو يبكي - ويقول: خلّفتني مع الخوالف، ما أحب أن تخرج في وجهٍ إلّا وأنا معك. فقال صلّى الله عليه وسلّم:
ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة وأنت خليفتي »(١) .
وهذا - هو الآخر - نص صريح على الخلافة العامة والولاية الكبرى.
___________________
(١). تذكرة خواص الامة: ١٩.
(٢٨)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث
« خلّفتك أنْ تكون خليفتي »
وقد روي حديث المنزلة باللّفظ الآتي:
« عن علي: إن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: خلّفتك أنْ تكون خليفتي. قلت: أتخلّف عنك يا رسول الله؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. طس » أي: الطبراني في المعجم الأوسط(١) .
أقول:
فهذا إستخلاف على المدينة، وبه نصّ الأئمة، وإذا ثبتت هذه الخلافة، فإنها تستصحب قطعاً حتى يتحقق الرافع لها، ومن الواضح عدم الرّافع الصريح التام. ودعوى انقطاعها - لكونها مقيّدةً بمدة الغيبة - من البطلان بمكان، كدعوى العزل برجوعهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الغزوة.
وإذا استصحبت هذه الخلافة واُبقيت، فإنّها تكون باقية بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتقدّم غيره عليه فيها باطل، وذلك:
أولاً: لأنّ خلافة غيرهعليهالسلام خلاف الإجماع المركب، لأنّ الخلافة على من بالمدينة المنورة - ومنهم الأزواج - ثبتت لأمير المؤمنينعليهالسلام ،
___________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٥٨ رقم ٣٦٤٨٨.
فهي ثابتة له بعد رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم -.
وثانياً: إثبات الخلافة المطلقة لغيرهعليهالسلام ، يستلزم أن يكون على أهل المدينة خليفتان في وقت واحد، أحدهما أمير المؤمنينعليهالسلام ، والآخر أحد الأفراد الآخرين المدّعى لهم الخلافة، وهذا واضح البطلان، لحصول الإجماع على عدم جوازه.
قال السيّد المرتضى: « فإنْ قيل: فقد ذكرتم أن التعلّق بالإستخلاف على المدينة طريقة معتمدة لأصحابكم، فبيّنوا وجه الإستدلال بها.
قلنا: الوجه في دلالتها أنه قد ثبت استخلاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنينعليهالسلام لمـّا توجّه إلى غزاة تبوك، ولم يثبت عزله عن هذه الولاية بقولٍ من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا دليل، فوجب أن يكون الإمام، لانّ حاله لا تتغيّر.
فإنْ قيل: ما أنكرتم أن يكون رجوع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المدينة يقتضي عزله وإنْ لم يقع العزل بالقول.
قلنا: إنّ الرجوع ليس بعزل عن الولاية في عادةٍ ولا عرف، وكيف يكون العود من الغيبة عزلاً أو مقتضياً للعزل؟ وقد يجتمع الخليفة والمستخلف في البلد الواحد، ولا ينفي حضوره الخلافة له، وإنما يثبت في بعض الأحوال العزل بعود المستخلف إذ كنّا قد علمنا أنّ الإستخلاف تعلّق بحال الغيبة دون غيرها، فيكون الغيبة كالشرط فيه، ولم يعلم مثل ذلك في استخلاف أمير المؤمنين.
فإنْ عارض معارض بمن روى أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلفه كمعاذ وابن ام مكتوم وغيرهما.
فالجواب عنه قد تقدم وهو: إن الإجماع على أنّه لاحظَّ لهؤلاء بعد النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - في إمامة ولا فرض طاعة، يدل ذلك على ثبوت عزلهم.
فإن تعلّق باختصاص هذه الولاية، وأنها كانت مقصورةً على المدينة، فلا يجوز أن تقتضي الإمامة التي تعم.
فقد مضى الكلام على الإختصاص في هذا الفصل مستقصىً »(١) .
أقول:
وهذه عبارته الماضية التي أشار إليها طاب ثراه:
« فأمّا قوله: إنه -صلىاللهعليهوآلهوسلم - لمـّا خلّفه بالمدينة، لم يكن له أن يقيم الحدود في غيرها، وأن مثل ذلك لا يعدّ إمامة، فهو كلامه على من تعلّق بالإستخلاف، لا في تأويل الخبر. وقد بينا ما هو جواب عنه فيما تقدم، وقلنا: إنه إذا ثبت لهعليهالسلام بعد وفاة الرسول -صلىاللهعليهوآلهوسلم - فرض الطاعة واستحقاق التصرف، بالأمر والنهي في بعض الاُمة، وجب أن يكون إماماً على الكلّ، لأنه لا أحد من الاُمة ذهب إلى اختصاص ما يجب له في هذه الحال، فكل من أثبت له هذه المنزلة أثبتها عامّةً على وجه الإمامة لا الإمارة، فكان الإجماع مانعاً من قوله، فيجب أن يكون بعد وفاته -صلىاللهعليهوآلهوسلم - إماماً لا أميراً ، لما بيّناه من أن وجوب فرض الطاعة إذا ثبت، وبطل أن يكون أميراً مختص الولاية بالإجماع، فلابدّ من أن يكون إماماً، لأن الإمارة أو ما يجرى مجراها من الولايات المختصّة إذا انتفت مع ثبوت وجود الطاعة، فلابدّ من ثبوت الإمامة »(٢) .
وعلى الجملة، فإن خلافة الإمامعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - باستخلافه على المدينة، بعد عدم ثبوت عزله، ولزوم خرق
___________________
(١). الشافي في الإمامة ٣ / ٥٢ - ٥٣.
(٢). الشافي في الامامة ٣ / ٥١.
الإجماع المركّب في صورة بقاء هذه الخلافة وانتفاء الخلافة العامّة عنه - ثابتة بالقطع واليقين، ولا يتمكن أهل السنّة من الجواب عنها، مهما حاولوا وتمحّلوا
بل لقد تمسك أهل السنة بمثل هذا الدليل لإثبات خلافة أبي بكر، بزعم استخلاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إيّاه في الصلاة:
قال الفخر الرازي في الحجج على خلافته: « الحجة التاسعة: إنهعليهالسلام استخلفه على الصلاة أيام مرض موته وما عزله عن ذلك، فوجب أن يبقى بعد موته خليفةً له في الصلاة، وإذا ثبتت خلافته في الصلاة ثبتت خلافته في سائر الاُمور، ضرورة أنّه لا قائل بالفرق »(١) .
وقال الإصفهاني: « الثالث: النبي - صلّى الله عليه وسلّم - استخلف أبا بكر في الصلاة أيام مرضه، فثبت الإستخلاف في الصلاة بالنقل الصحيح، وما عزل النبي أبا بكر عن خلافته في الصلاة، فبقي كون أبي بكر خليفة في الصلاة بعد وفاته، وإذا ثبت خلافة أبي بكررضياللهعنه بعد وفاته في الصلاة، ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في الصلاة، لعدم القائل بالفصل »(٢) .
أقول:
هذا الإستخلاف متوقّف على تماميّة المقدمة الاُولى، والإمامة لا يوافقون على أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلف أبا بكر في الصلاة
___________________
(١). كتاب الاربعين في أصول الدين: ٢٩٢.
(٢). شرح الطوالع - مخطوط.
أبداً بل إن عدمه هو الثابت، لوجوه كثيرة منها كون ذلك منافياً لدخوله في جيش اُسامة الثابت بإفادات الأكابر وروايات الثقات كما في ( فتح الباري )(١) وغيره(٢) .
ولكنْ قد تحقّق بالأدلّة القاطعة استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام ، واعترف بذلك أعاظم القوم، وحتى النواصب لم يتمكّنوا من إنكاره، وإنْ زعموا كونه مقصوراً على الأهل، لأن ثبوت الخلافة على بعض الاُمة كافٍ لثبوتها مطلقاً لعدم القول بالفصل وهذا الإستدلال من القوّة والمتانة بمثابة ألجأ التفتازاني إلى ذكره في هذا المقام فقال:
« وأما الجواب بأنّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - لمـّا خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليّاً - رضي الله تعالى عنه - على المدينة، فأكثر أهل النفاق في ذلك. فقال علي -رضياللهعنه -: يا رسول الله أتتركني مع الأخلاف؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي. وهذا لا يدل على خلافته، كابن اُم مكتوم - رضي الله تعالى عنه - استخلفه على المدينة في كثير من غزواته.
فربما يدفع بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
بل ربما يحتج بأنّ استخلافه على المدينة وعدم عزله عنها، مع أنّه لا قائل بالفصل، وأنّ الإحتياج إلى الخليفة بعد الوفاة أشدّ وأوكد منه حال الغيبة، يدل على كونه خليفة »(٣) .
لقد ذكر التفتازاني هذا الإحتجاج وسكت عنه، والسكوت بعد نقل الكلام
___________________
(١). فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ / ١٩٢.
(٢). لنا رسالة في صلاة أبي بكر في مرض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مطبوعة ضمن ( الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة ) فعلى الباحثين مراجعتها.
(٣). شرح المقاصد ٥ / ٢٧٥ - ٢٧٦.
- كما في مثل هذا المقام - دليل على الرضا والتسليم عند ( الدهلوي ) وتلميذه الرّشيد، بل عند الكلّ.
ومن الغرائب: معارضتهم - كما في إنسان العيون وغيره - استدلال أصحابنا بالإستخلاف على المدينة في غزوة تبوك، بخلافة ابن اُم مكتوم وغيره، ولا يعارضون استدلالهم بإمامة أبي بكر في الصلاة - مع أنها لا أصل لها - بإمامة ابن اُم مكتوم وغيره في الصّلاة، مع أنهم يجوّزون الصلاة خلف كلّ برٍ وفاجر!!
وأمّا المعارضة - التي أوردها التفتازاني - باستخلاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ابن اُم مكتوم على المدينة فمردوه بوجوه:
الأول: إنه لم يثبت عند الإمامية إطلاق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لفظ « الخليفة » على ابن ام مكتوم وأمثاله، غاية الأمر أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نصب ابن ام مكتوم أو غيره لحراسة المدينة في بعض الأوقات، أمّا في حق أمير المؤمنين فقد ورد لفظ الخليفة في كثير من النصوص.
الثاني: إن النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - فرض طاعة أمير المؤمنين في استخلافه على المدينة على أزواجه إطاعة مطلقةً، فإطاعته فرض على غيرهنّ أيضاً، لعدم القول بالفصل، وهذا المعنى غير ثابت لابن اُم مكتوم وغيره، وهذا فرق كبير جدّاً، يمنع من قياس استخلافه الإمامعليهالسلام على حال الآخرين.
أمّا إيجابه طاعته على أزواجه فقد رواه السيد جمال الدين المحدّث - وهو من كبار المحدثين، ومن مشايخ ( الدهلوي )، وقد أثنى عليه الشيخ علي
القاري وغيره بما لا مزيد عليه - في كتابه ( روضة الأحباب ) كما رواه أبو عبدالله الحاكم في كتابه ( الإكليل ) عن عطاء بن أبي رباح، أنه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد حديث المنزلة:
« يا علي، اُخلفني في أهلي، واضرب، وحدّ، وعِظ. ثم دعا نساءه فقال: إسمعن لعلي وأطعن».
وإذا وجبت الطاعة فقط وجبت الإمامة، وكذلك صرّح ( الدهلوي ) في مقام الإستدلال بقوله تعالى:( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ ) .
الثالث: إن هذه الخلافة مقرونة بجملٍ أمثال: « لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي » و « إن المدينة لا تصلح إلّابي أو بك » و « لابد أن أقيم أو تقيم » فهي شرف عظيم ومقام جليل، لا يقاس به أيّ استخلاف آخر.
الرابع: إنه قام الإجماع على عدم خلافة ابن اُم مكتوم وغيره بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكيف يعارض بحكومة من قام الإجماع على عدم خلافته، خلافة أمير المؤمينعليهالسلام المطلقة العامة؟
الخامس: إن ابن اُم مكتوم وغيره من الصحابة، غير صالحين للخلافة الكبرى، فذكرهم في مقابلة أمير المؤمنينعليهالسلام ليس إلّا تعصّباً فاحشاً قال ابن تيمية: « وأيضاً - فالإستخلاف في الحياة نوع نيابة، لابُدّ لكلّ ولي أمرٍ، وليس كلّ من يصلح للإستخلاف في الحياة على بعض الامّة يصلح أن يستخلف بعد الموت، فإنّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - استخلف في حياته غير واحدٍ، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته، كما استعمل ابن اُم مكتوم الأعمى في حياته وهو لا يصلح للخلافة بعد موته، وكذلك بشير بن عبد المنذر وغيره »(١) .
___________________
(١). منهاج السنة ٧ / ٣٣٩.
ومن بدائع العثرات قول الفخر الرازي:
« الشبهة الرابعة عشر، وهي: إنهعليهالسلام استخلفه في غزاة تبوك.
فنقول: لِما لا يجوز أن يقال: ذلك الإستخلاف كان مقدّراً بمدة ذلك السفر، فلا جرم انتهى ذلك الإستخلاف بانقضاء تلك المدّة.
وأيضاً، فإنه معارض باستخلاف النبيعليهالسلام أبا بكر حال مرضه في الصلاة.
فإن أنكروا ذلك أنكرنا ذلك »(١) .
وذلك: لأنّ دعوى التقدير قد عرفت سقوطها، لعدم الدليل عليها، مع إطلاق وعموم اللّفظ. ودعوى المعارضة بالصّلاة المذكورة مكابرة غريبة، لأنّ استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام متفق عليه بين الفريقين ومسلّم به حتى من النواصب، فلا يجوز معارضته بما لا يرويه سواهم.
وقوله: « فإنْ أنكروا ذلك أنكرنا ذلك » ليس إلّاتعصّباً.
ولا يخفى أن النيسابوري يستدل بآية الغار على خلافة أبي بكر ووصايته لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذه خرافة أخرى، وإليك عبارته: بتفسير( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٢) :
« إستدل أهل السنّة بالآية على أفضليّة أبي بكر، وغاية اتّحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه وظاهره، وإلّا لم يعتمد عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الغار،
___________________
(١). كتاب الاربعين في اصول الدين : ٣٠٠.
(٢). سورة التوبة ٩ / ٤٠.
وفي العلم لقوله - صلّى الله عليه وسلّم - ما صبّ في صدري شيء إلّاوصببته في صدر أبي بكر، وفي الدعوة إلى الله، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم عرض الإيمان أوّلاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان ابن عفان وجماعة اُخرى من أجلّة الصحابة، وكان لا يفارق رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وكان ثاني اثنين من أوّل أمره إلى آخره.
ولو قدّرنا أنه توفّي رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في ذلك السفر، لزم أنْ لا يقوم بأمره ولا يكون وصيّه إلّا أبو بكر، وأنْ لا يبلّغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلّا أبو بكر »(١)
أقول:
نفس هذا التقرير جارٍ بالنسبة إلى استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام حرفاً بحرف، فإنه لو قدّر وفاة النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - في تلك السفرة لكان أمير المؤمنينعليهالسلام هو القائم بأمره والخليفة من بعده
مع أنّه فرق واضح بين الموردين، إذْ لا دليل على ما ذكره النيسابوري بالنسبة إلى أبي بكر، لأن مجرد الإستصحاب في الغار لا يستلزم المعنى الذي ذكره، مضافاً إلى وجود عامر بن فهر وعبدالله بن الأريقط مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخروج إلى المدينة، بخلاف استخلاف أمير المؤمنينعليهالسلام ، ففيه إطلاق لفظ « الخلافة » وغير ذلك ممّا تقدم، وفيه أمر الأزواج بالإطاعة والسّماع لأمير المؤمنينعليهالسلام
هذا فيما يتعلّق بموضوع البحث.
___________________
(١). تفسير النيسابوري ٣ / ٤٧١.
وأمّا تفصيل الكلام حول دلالة آية الغار على فضيلة لأبي بكر، فله مجال آخر.
وأمّا حديث صلاته في مرض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد أشرنا إلى حقيقة الحال فيه، وخلاصة الكلام أن خروجه لتلك الصّلاة لم تكن بأمرٍ من رسول الله، بل إنه كان قد أمره بالخروج في جيش اُسامة مع سائر الرجالات، ويؤكّد ذلك خروجهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الصلاة، وأنه صلّى تلك الصلاة بنفسه.
وأمّا حديث « ما صبّ الله » فهو موضوع، وقد تعرّضنا له في مجلّد ( حديث أنا مدينة العلم ) من كتابنا.
(٢٩)
دلالة الحديث على أنّه عليهالسلام
رابع آدم وداود وهارون عليهمالسلام
وذكر الحكيم داود بن عمر الأنطاكي بشرح القصيدة العينيّة لابن سينا:
« لا سيف إلّا ذو الفقار. ولا قام الحصر دليلاً على القصر، كان قصر قلب فصار كشف كرب، إلّا أنه لا نبي بعدي، إلّاعلي. فلا خلاف في الخلافة إثباتاً والنبوة محواً.
وقال لعمار: إلى كم تأكل الخبز وتشرب الماء؟ فقال: أهو اليوم؟ فقال: أي والذي نفس على بيده، فبرز فكان ما كان.
وكذلك خرج ليلة ابن ملجم في السحر ينظر إلى السماء، تلذذاً بما خصّص به وطاعةً وإجابةً، فأكثر من ذلك، ثمّ نهى عن ردع الأوز وقال: هي صوائح يتلوهنّ النوائح. كيف يزداد يقيناً من جمع المسألة والجواب وأحاط بكلّ شيء علماً؟ فهو - والله - الكتاب وتعيها اُذن واعية، فآمن معه وصلّى لا ثالث لهما، فجاءت الخلافة عن ثلاث، فكان هو الرابع.
أخرج الخطيب عن عبد بن حميد: يا علي من لم يقل إنك رابع الخلفاء فعليه لعنة الله، فإنّ الله قال لآدم( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) وقال:( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً ) «( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) ثم قال له يوم تبوك: كن على ما أنا عليه حتى أرجع، فقال له: أعلى الصبيان والنساء؟ فقال: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى. الحديث ».
فحديث المنزلة يدل دلالة قطعيةً على خلافتهعليهالسلام ، وأنه خليفة كخلافة آدم وداود وهارون، ولا ريب في كون خلافتهم عامةً، فخلافته كذلك.
وداود بن عمر الأنطاكي صاحب شرح قصيدة ابن سينا، الذي جاء فيه الكلام المذكور، من أكابر النّحارير والعلماء المشاهير أثنى عليه البديعي في كتابه ( ذكرى حبيب ):
« ضرير ما له في العلوم الحكمية نظير، وطبيب ما له في الأزمنة الغابرة ضريب، حكيم صفت من قذى الخطأ موارد أنظاره، وصَحَت عن غمام الأوهام آفاق أفكاره، حلّ عقد المشكلات بما قيّده، وبيَّض وجه العلوم الرياضية بما سوّده، بآثار تقتضي إثبات محاسنه بالتخليد، وتقييد مآثره للتأبيد، وكان ملازماً لكتاب إخوان الصفا وخلّان الوفا للمجريطي، ولكتابيه رتبة الحكيم وغاية الحليم، ومن كتب الشيخ: القانون، والشفا، والنجاة، والحكمة المشرقية، والتعليقات، ورسالة الأجرام السماوية، والإشارات، مع شرحه لنصير الدين الطوسي وللإمام فخر الدين الرازي والمحاكمات بينهما لقطب الدين الرازي، وحوائيه للسيد، من كتب السهروردي: المشارق، والمطارحات، وكتاب التلويحات، وشرحه لهبة الله البغدادي.
وكان شريف مكة يلهج بِتذكاره، ويستهدي من الحجاج تفاريق أخباره، وهزّه الشوق على أنْ استقدمه عليه، واستحضره إليه، ليجعل السماع عياناً والخبر برهاناً، فلمـّا مثل بساحته طامعاً في تقبيل راحته، أمر أنْ يعرض عليه أحد حاضري مجلس أنسه، ليختبر بذلك قوة حدسه، فمذ صافحت يده يد ذلك الجليس قال: هذه يد دعي خسيس، لا يضوع منها أرج النبوة ولا يستنشق
عرف الفتوة، ثم أمر بعرضه على القوم واحداً واحداً، حتى وصل إلى الشريف فقبّل يده تقبيل المحب الواجد »
والبديعي المذكور ترجم له المحبّي وأثنى عليه بقوله:
« يوسف المعروف بالبديعي الدمشقي الأديب بلغ الشهرة الطنّانة في الفضل والأدب، وألّف المؤلفات الفائقة ولي قضاء الموصل ثم توفي بالروم سنة ١٠٧٣ »(١) .
وأثنى على الحيكم الأنطاكي المذكور: درويش محمّد الطالوي في كتاب ( سانحات دمى القصر):
« وقد سألته عن مسقط رأسه ومشتعل رأسه، فأخبر أنّه ولد بأنطاكية بهذا العارض، ولم يكن له بعد الولادة بعارض، ثم قال فخرجت عن الوطن في رفقة كرام، نؤم بعض المدن من سواحل الشام، حتى إذا سرت في بعض ثغورها المحميّة، دعتني همّة عليه أو علوية أنْ أصعد منه جبل عامله، فصعدته منصوباً على المدح وكنت عامله، وأخذت عن مشايخها ما أخذت، وبحثت مع فضلائها فيما بحثت.
ثم ساقني العناية الإلهية إلى أني دخلت حمى دمشق المحمية، فاجتمعت ببعض علمائها من مشايخ الاسلام، كأبي الفتح محمّد بن محمّد بن عبد السلام، وكشمس علومها البدر الغزي العمري ذلك الإمام، والشيخ علاء الدين العمادي وكان فيه دعابة يؤنس بها وأما فرقه من المعاد وخشيته من ربّ العباد، فلم ير لغيره من أهل هذا الطريق وأصحاب أولئك الفريق
وكان إذا سئل عن شيء من الفنون الحكمية والطبيعية والرياضيّة، أملى على السائل في ذلك ما يبلغ الكراسة والكراستين، كما هو المشهور مثل ذلك
___________________
(١). خلاصة الأثر ٤ / ٥١٠.
عن الشيخ الرئيس
وشرح قصيدة النفس المشهورة للشيخ الرئيس ابن سينا، وهو شرح فصل فيه حقيقة النفس وجوهرها النفيس، يرضي السائل وإن كان هو الشيخ الرئيس ».
وقد ترجم للشيخ درويش المذكور: الشهاب الخفاجي - في ( ريحانة الألبّا ) - بقوله:
« أبو المعالي درويش بن محمّد الطالوي، وحيد له الحزم ترب واللطف قرين، وماجد ما له في قصب السبق رهين، وريق قضب المروة، فاتح حصون الملمـّات عنوة، سليل المعالي والكرم، رقيق الحواشي الطباع والشيم، فكم في علاه مسرح للمقال ومجال لمضمرات الأماني والآمال ».
والمحبي بقوله:
« درويش محمّد بن أحمد وقيل محمد. أبو المعالي. الطالوي، الأرتقي الدمشقي الحنفي. أحد أفراد ومحاسن العصر، وكان ماهراً في كلّ فن من الفنون، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، منشئاً بليغاً حسن التصرّف في النظم والنثر.
وله كتاب سانحات دمى القصر »(١) .
وتوجد ترجمة داود الأنطاكي المتوفى سنة ١٠٠٨ - وقيل غير ذلك - في المصادر التالية أيضاً:
١ - البدر الطالع ١ / ٢٤٦.
٢ - خلاصة الأثر ٢ / ١٤٠.
٣ - شذرات الذهب ٨ / ٤١٥.
٤ - ريحانة الألبّاء: ٢٧١.
___________________
(١). خلاصة الأثر ٢ / ١٤٩.
(٣٠)
حديث المنزلة في سياق وصفه عليهالسلام
« سيدالمسلمين وأميرالمؤمنين وخيرالوصيين وأولى الناس بالنبيين »
جاء ذلك في روايةٍ رواها الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتابه ( المناقب ) على ما نقل عنه في كتاب ( اليقين ) وهي هذه:
« حدّثنا عبدالله بن محمّد بن جعفر قال: حدّثنا جعفر بن محمّد العلوي قال: حدّثنا محمّد بن الحسين العلكي قال: حدّثنا أحمد بن موسى الخزاز الدورقي قال: حدّثنا تليد بن سليمان، عن جابر الجعفي عن محمّد بن علي عن أنس بن مالك قال: بينما أنا عند النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - إذ قال: يطلع الآن. قلت: فداك أبي وأمي من ذا؟
قال: سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وأولى الناس بالنبيين.
قال: فطلع علي.
ثم قال لعلي: أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى »(١) .
وروي بلفظٍ أبسط:
« عن أنس بن مالك قال: بينما أنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - الآن يدخل سيد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وأولى الناس بالنبيين، إذ طلع علي بن أبي طالب. فقال
___________________
(١). كتاب اليقين في مناقب أمير المؤمنين: ١٤١.
رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -: وإليّ وإليّ.
قال: فجلس بين يدي رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فأخذ رسول الله يمسح العرق من جبهته ووجهه ويمسح به وجه علي بن أبي طالب، ويمسح العرق من وجه علي بن أبي طالب ويمسح به وجهه فقال له علي: يا رسول الله نزل فيَّ شيء؟
قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي؟ أنت أخي ووزيري وخير من اُخلّف بعدي، تقضي ديني، وتنجز وعدي وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي، وتعلّمهم من تأويل القرآن ما لم يعلموا، وتجاهدهم على التأويل كما جاهدتهم على التنزيل »(١) .
فحديث المنزلة - إذاً - مثل الجُمل الاُخرى - التي هي من أجلى فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ومناقبه المختصّة - من جلائل مناقب الإمامعليهالسلام التي لا يشاركها فيها أحد من الصحابة، والدالة على أفضليته وأقربيته من رسول الله والمستلزمة للإمامة والخلافة العامة بلا فصل
___________________
(١). كشف الغمة فية معرفة الأئمة ١ / ٣٤٣.
(٣١)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « هذا علي بن أبي طالب
لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو منّي بمنزلة هارون »
وجاء حديث المنزلة في سياقة ورد قبله « علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي » وبعده: « هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين »
روى هذ الحديث جماعة منهم:
١ - أبو نعيم الإصفهاني: « حدّثنا أبو الفرج أحمد بن جعفر النسائي قال: حدّثنا محمّد بن جرير قال: حدّثنا عبدالله بن داهر الرازي قال: حدّثني داهر بن يحيى الأحمري المقري قال: حدّثنا الأعمش، عن عباية، عن ابن عبّاس قال:
قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -: هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي.
وقال: يا اُم سلمة إشهدي واسمعي! هذا علي أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي اُوتى منه، والوصي على الأموات من أهل بيتي، أخي في الدنيا وخَدَني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى »(١) .
٢ - الموفق بن أحمد الخوارزمي المكّي: « أنبأني أبو العلاء - هذا - أخبرنا الحسن بن أحمد المقري، أخبرنا أحمد بن عبدالله الحافظ، أخبرنا أبو الفرج أحمد بن جعفر الشيباني، حدّثنا محمّد بن جرير، حدّثنا عبدالله بن داهر بن يحيى الرازي، حدّثنا أبو داهر بن يحيى المقري، حدّثنا الأعمش، عن عباية،
___________________
(١). منقبة المطهرين أهل بيت سيد الأولين والآخرين - مخطوط.
عن ابن عباس، قال قال رسول الله »(١) .
٣ - صدر الدين الحموئي الجويني: « عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - لاُم سلمة: هذا علي بن أبي طالب لحمه [ من ] لحمي ودمه [ من ] دمي وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. يا اُم سلمة! هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين، ووصيّي وعيبة علمي، وبابي الذي اُوتى منه، أخي في الدنيا والآخرة، ومعي في السنام الأعلى، يقتل القاسطين والمارقين والناكثين »(٢) .
٤ - السيد شهاب الدين أحمد: « عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلّى الله عليه وعلى آله وبارك وسلّم - إنه قال - وهو في بيت اُم سلمة رضي الله تعالى عنهما -: هذا علي بن أبي طالب، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي من بعدي. ثم قال - صلّى الله عليه وسلّم - يا اُم سلمة اشهدي واسمعي، هذا علي أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وعيبة علمي، وبابي الذي اُوتى منه، أخي في الدنيا وخدني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى »(٣) .
٥ - محمّد بن إسماعيل الأمير: « ذكر الفقيه العلّامة حميد -رحمهالله - في شرحه بعضاً من الروايات في الخوارج، ولم يستوف كما سقناه، إلّا أنه ذكر ما لم نذكره فيما مضى، وذكر بسنده إلى ابن عباس قال:
كان ابن عباس جالساً بمكّة يحدّث الناس على شفير زمزم، فلمـّا انقضى حديثه، نهض إليه رجل من القوم فقال: يا ابن عبّاس، إني رجل من أهل الشام،
___________________
(١). المناقب للخوارزمي: ١٤٢ رقم ١٦٣.
(٢). فرائد السمطين ١ / ١٥٠.
(٣). توضيح الدلائل - مخطوط.
قال: أعوان كلّ ظالم إلّا من عصم الله منكم، سل عمّا بدا لك، قال: يا ابن عباس: إني جئت أسالك عن علي بن أبي طالب وقتله أهل لا إله إلّا الله، لم يكفروا بقبلةٍ ولا حج ولا صيام رمضان، فقال له: ثكلتك اُمك، سل عمّا يعنيك.
قال: يا عبدالله، ما جئتك أضرب من حمص لحجٍ ولا عمرة، ولكنْ أتيتك لتخرج لي أمر علي وفعاله.
فقال: ويحك، إن علم العالم صعب لا يحتمل ولا تقربه القلوب فاجلس حتى اُخبرك الذي سمعته من رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وعاينته:
إنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - تزوّج زينب بنت جحش، فأولم وكانت وليمته الجيش، وكان يدعو عشرة عشرة من المؤمنين، فكانوا إذا أصابوا من طعام نبي الله - صلّى الله عليه وسلّم - استأنسوا إلى حديثه واشتهوا النظر في وجهه، وكان رسول الله يشتهي أن يخفّفوا عنه ويخلو له المنزل، لأنه كان قريب عهد بعرس زينب بنت جحش، وكان يكره أذى المؤمنين، فأنزل الله سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ )
ثم تحوّل إلى بيت اُم سلمة بنت اُمية، وكانت ليلتها وصبحها ويومها من رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -. فلما تعالى النهار وانتهى علي إلى الباب، فدقّه دقاً خفيفاً، فعرف رسول الله دقّة وأنكرته اُم سلمة.
فقال: يا اُم سلمة قومي وافتحي الباب.
قالت: يا رسول الله، من هذا الذي بلغ من خطره أنْ ينظر إلى محاسني؟
فقال لها نبي الله - كهيئة المغضب -: من يطع الرسول فقد أطاع الله، قومي وافتحي الباب، فإنّ بالباب رجلاً ليس بالخرق ولا بالنزق ولا بالعجل، يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يا اُم سلمة، إنه آخذ بعضادتي الباب، فليس بفاتح
الباب ولا داخل الدار حتى يغيب عنه الوطء.
فقامت اُم سلمة - وهي لا تدري من بالباب، غير أنها قد حفظت النعت والمدح - فمشت نحن الباب وهي تقول: بخ بخ لرجلٍ يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ففتحت، وأمسك علي بعضادتي الباب، فلم يزل قائماً حتى خفي عليه الوطء، فدخلت اُم سلمة خدرها وفتح علي الباب.
فدخل، فسلّم على النبي صلّى الله عليه وسلّم.
فقال النبيّ لاُم سلمة: هل تعرفينه؟
قالت: نعم، وهنيئاً له. هذا علي.
قال: صدقتِ يا اُم سلمة. هذا علي بن أبي طالب، لحمه لحمي ودمه دمي، وهذا منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، يا اُم سلمة إسمعي وافهمي، هذا علي أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي أوتى منه، والوصي على أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي أوتى منه، والوصي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأوصياء من اُمتي، أخي في الدنيا وقريني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى، فاشهدي يا اُم سلمة، إنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
فقال الشامي: فرّجت عنّي يا ابن عباس، أشهد أن عليّاً مولاي ومولى كلّ مسلم »(١) .
٦ - ومن رواة هذا الخبر: الحسن بن بدر كتاب ( ما رواه الخلفاء )، وأبو بكر الشيرازي في ( كتاب الألقاب ) لكن باختصار في اللفظ. قال الوصابي اليمني: « وعنه: قال رسول الله صلّى عليه وسلّم لاُم سلمة: إن عليّاً لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى، وكذب من زعم أنه يحبّني ويبغضه. أخرجه الحسن بن بدر في: ما رواه الخلفاء، والشيرازي في
___________________
(١). الروضة الندية في شرح التحفة العلويّة.
الألقاب »(١) .
٧ - وروى أبو محمّد العاصمي حديثاً هذا سنده: « حدّثني الحسين بن علي المدني، عن يونس بن بكير، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب. رضوان الله عليهم ». جاء فيه:
« ثم قال: يا سلمان أتدري من الداخل علينا؟ قال: نعم يا رسول الله، ولكنْ زدني علماً إلى علمي. قال: يا سلمان هذا علي أخي، لحمه من لحمي ودمه من دمي، منزلته منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، يا سلمان، هذا وصيي ووارثي، والذي بعثني بالنبوة لآخذنّ يوم القيامة بحجزة جبرئيل، وعلي آخذ بججزتي، وفاطمة آخذه بحدزته، والحسن آخذ بحجزة فاطمة، والحسين آخذ بحجزة الحسن، وشيعتهم آخذه بحجزتهم، فأين ترى الله ذاهباً برسول الله؟ وأين ترى رسول الله ذاهباً بأخيه؟ وأين ترى أخا رسول الله ذاهباً بزوجته؟ وأين ترى فاطمة ذاهبةً بولدها؟ وأين ترى ولدي رسول الله ذاهبين بشيعتهم؟ إلى الجنّة وربّ الكعبة. يا سلمان إلى الجنة وربّ الكعبة، يا سلمان إلى الجنة وربّ الكعبة. يا سلمان عهدٌ عهد به جبرئيل من عند رب العالمين»(٢) .
أقول:
فكما أنّ كلّ فقرةٍ الفقر السّابقة على حديث المنزلة واللاحقة له - في هذا الحديث - خصيصة من خصائص أمير المؤمنين تدل على أفضليته، كذلك حديث المنزلة والأفضلية تستلزم الإمامة والخلافة العامّة.
___________________
(١). الاكتفاء في فضل أربعة الخلفاء - مخطوط.
(٢). زين الفتى - تفسير سورة هل أتى - مخطوط.
(٣٢)
حديث المنزلة عند المؤاخاة
ومن موارد حديث المنزلة: أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قاله لأمير المؤمنينعليهالسلام في وقت المؤاخاة، ممّن روى ذلك:
١ - أحمد بن حنبل.
٢ - عبدالله بن أحمد.
٣ - أبو محمّد عبدالله بن عبدالله بن جعفر بن حيان - أبو الشيخ.
٤ - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني.
٥ - أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي.
٦ - علي بن محمد الجلابي، ابن المغازلي.
٧ - الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي.
٨ - أبو محمّد حامد بن محمود الصالحاني.
٩ - محمّد بن يوسف الزرندي.
١٠ - نور الدين علي بن محمّد - ابن الصباغ المالكي.
١١ - جلال الدين السيوطي.
١٢ - إبراهيم بن عبدالله الوصّابي اليمني.
١٣ - عطاء الله بن فضل الله الشيرازي المعروف بجمال الدين المحدّث.
١٤ - علي بن حسام الدين المتّقي الهندي.
١٥ - شهاب الدين أحمد صاحب توضيح الدلائل.
١٦ - محمود بن محمّد بن علي الشيخاني القادري.
١٧ - المولوي محمّد مبين الكهنوي.
١٨ - حسن علي المحدّث الكهنوي.
قال المتقي الهندي: « مسند زيد بن أبي أوفى: لمـّا آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه قال علي: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإنْ كل من سخطٍ عَلَيَّ فلك العتبى والكرامة، فقال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - والذي بعثني بالحقّ ما أخّرتك إلّا لنفسي وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، قال: وما أرث منك يا رسول الله؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي. قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنّة مع فاطمة ابنتي وأنت أخي ورفيقي.
حم. في كتاب مناقب علي »(١) .
ورواه عبدالله بن أحمد، فقد جاء في المناقب لوالده: « حدّنا الحسن قال: حدّثنا أبو عبدالله الحسين بن راشد الطّفاوي والصبّاح بن عبدالله بن بشر - والخبران متقاربان في اللّفظ يزيد أحدهما على صاحبه - قال: حدّثنا قيس بن الربيع قال: حدّثنا سعد الخفاف، عن عطية، عن محدوج ابن يزيد الهذلي:
إن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - آخى بين المسلمين ثم قال: يا علي أنت أخي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، أما علمت - يا علي -
___________________
(١). كنز العمال ٩ / ١٦٧ رقم ٢٥٥٥٤ و ١٣ / ١٠٥ رقم ٣٦٣٤٥.
أن أول من يدعى يوم القيامة بي وأقوم عين يمين العرش، فاُكسى حلّة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعضهم، فيقومون سماطين على يمين العرش، يكسون حللاً خضراً من حلل الجنة، ألا وإني اخبرك - يا علي - أن امتي أول الاُمم يحاسبون يوم القيامة.
ثم أنت أول من يدعى بك، لقرابتك ومنزلتك عندي، ويدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد، تسير به بين السماطين، آدم وجميع خلق الله يستظلّون بظلّ لوائي، وطوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، له ثلاثة ذوائب من نور، ذؤابة في المشرق وذؤابة في المغرب والثالثة وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر: الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلّا الله ومحمد رسول الله، طول كل سطر ألف سنة وعرضة ألف سنة، وتسير باللواء، والحسن عن يمنك والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظلّ العرش، ثمّ تكسى حلة خضراء من الجنة، ثم ينادى منادٍ من تحت العرش، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي، إنك تكسى إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحيى إذا حييت »(١) .
ورواية أبي الشيخ تعلم من رواية شهاب الدين في توضيح الدلائل.
ورواية أبي القاسم الطبراني أوردها المتقي الهندي، وهي هذه:
« قم، فما صلحت أنْ تكون إلاّ أبا تراب، أغضبت عَلَيَّ حين وآخيت بين
___________________
(١). مناقب أمير المؤمين لأحمد بن حنبل: ١٧٩ رقم ٢٥٢.
المهاجرين والأنصار ولم أواخ بينك وبين أحدٍ منهم؟ أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي؟ ألا من أحبّك حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية وحوسب بعمله في الإسلام.
طب. عن ابن عبّاس »(١) .
ورواية الخطيب البغدادي أوردها السيد شهاب الدين في توضيح الدلائل كما ستعلم.
وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلي الواسطي هذا الحديث بقوله:
« أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفر العطار قال: أخبرنا أبو محمد ابن السقّا، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبدالله بن القصاب البيّع الواسطي - فيما أذن لي في روايته عنه - أنه قال: حدّثني أبو بكر محمّد بن الحسن بن محمّد البياسري قال: حدّثني أبو الحسن علي بن محمّد بن الحسن الجوهري، قال: حدّثني محمّد بن زكريا بن دريد العبدي قال: حدّثني حميد الطويل، عن أنس قال:
لمـّا كان يوم المباهلة، وآخى النبي - صلّى الله عليه وسلّم - بين المهاجرين والأنصار، وعلي واقف يراه ويعرف مكانه، لم يواخ بينه وبين أحد، فانصرف علي باكي العين، فافتقده النبي - صلّى الله وسلّم - فقال: ما فعل أبو الحسن؟ قالوا: إنصرف باكي العين يا رسول الله. قال: يا بلال إذهب فأْتني
___________________
(١). كنز العمال ١١ / ٦٠٧ رقم ٣٢٩٣٥.
به، فمضى بلال إلى علي - وقد دخل منزله باكي العين، وقالت فاطمة: ما يبكيك لا أبكى عينيك؟ قال: يا فاطمة، آخى النبي بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني، ولم يواخ بيني وبين أحدٍ. قالت: لا يحزنك الله، لعلّه إنّما ادّخرك لنفسه -.
فقال بلال: يا علي أجب النبي - صلّى الله عليه وسلّم -.
فأتى علي النبيّ.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما يبكيك يا أبا الحسن؟
قال: آخيت بين المهاجرين والأنصار يا رسول الله وأنا واقف تراني وتعرف مكاني ولم تواخ بيني وبين أحدٍ.
قال: إنما ادخرتك لنفسي، ألا يسرّك أن تكون أخا نبيك؟
قال: بلى يا رسول الله، أنّى لي بذلك، فأخذ بيده وأرقاه المنبر فقال:
اللهم هذا منّي وأنا منه، ألا إنه منّي بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
قال: فانصرف علي قرير العين، فاتبعه عمر بن الخطاب، فقال: بخ بخ يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم »(١) .
ورواه الخطيب الخوارزمي قائلاً: « أنبأني سيد القرّاء أبو العلاء الحسن بن أحمد العطّار الهمداني قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المقري: أخبرنا أحمد بن عبدالله الحافظ: حدّثنا سليمان بن أحمد الطبراني: حدّثنا محمود بن
___________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٤٢.
محمّد المروزي قال : حدّثنا حامد بن آدم المروزي: حدّثنا حريز، عن ليث، عن مجاهد.
عن ابن عباس قال: لمـّا آخى النبيّ -صلىاللهعليهوآلهوسلم - بين أصحابه وبين المهاجرين والأنصار، ولم يواخ بين علي بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج علي مغضباً، حتى أتى جدولاً من الأرض، فتوسّد ذراعه [ واتّكى ] وسفت عليه الريح، فطلبه النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - حتى وجده، فوكزه برجله وقال له: قم، فما صلحت أنْ تكون إلّا أبا تراب، أغضبت عَلَيَّ حين وآخيت بين المهاجرين والأنصار، ولم أواخ بينك وبين أحدٍ منهم؟
أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس بعدي نبي؟، ألا من أحبّط حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام »(١) .
ورواه مرةً اخرى باللّفظ المتقدّم، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل(٢) .
ورواية أبي محمّد حامد بن محمود الصالحاني تعرف من عبارة الشهاب أحمد.
وقال محمّد بن يوسف الزرندي: « روي عن عمر -رضياللهعنه - أنّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - آخى بين أصحابه ولم يؤاخ بين علي وبين أحدٍ، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا نبي الله مالك لم تؤاخ بيني وبين أحد؟ فقال: أنت أخي في الدنيا والآخرة، وفي روايةٍ: إنه قال: يا رسول الله ذهب روحي
___________________
(١). المناقب للخوارزمى: ٣٩.
(٢). المصدر: ٣٩.
وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، غيري، فإنْ كان من سخطك عَلَي فلك العتبى والكرامة.
فقال النبي - صلّى الله عليه وسلّم - والذي بعثني بالحق ما أخّرتك إلّا لنفسي، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي. فقال: يا رسول الله: ما أرث منك؟ فقال: ما ورّث الأنبياء قبلي. قال: ما ورّث الأنبياء قبلك؟ قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي. ثم تلا رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - هذه الآية:( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) أخلّاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض»(١) .
وروى نور الدين ابن الصبّاغ المالكي: « عن مناقب ضياء الدين الخوارزمي عن ابن عباس قال: لمـّا آخى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وهو أنه ( ص ) آخى بين أبي بكر وعمر، وآخى بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين طلحة والزبير، وآخى بين أبي ذر الغفاري والمقداد، ولم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحد منهم. خرج علي مغضباً حتى أتى جدولاً من الأرض وتوسّد ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه التراب، فطلبه النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فوجده على تلك الصفة، فوكزه برجله وقال له: قم، فما صلحت أنْ تكون إلّا أبا تراب، غضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أواخ بينك وبين أحدٍ منهم!
أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، ألا
___________________
(١). نظم درر السمطين: ٩٤ - ٩٥.
من أحبّك فقد خفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهلية »(١) .
وتعلم رواية جلال الدين السّيوطي من رواية المتقي في ( كنز العمال )، لأن هذا الكتاب تبويت لكتاب ( جمع الجوامع ) للسيوطي كما هو معلوم.
ورواه إبراهيم الوصّابي اليمني عن الطبراني في الكبير، باللفظ المتقدم عن ابن عباس(٢) .
ورواه جمال الدين المحدّثن الشيرازي في ( أربعينه ): « عن يعلى بن مرة قال: آخرى رسول الله بين المسلمين، وجعل يخلّف عليّاً حتى بقي في آخرهم، وليس مع أخ له، فقال له علي: آخيت بين المسلمين وتركتني! إنما تركتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنا أخوك. وفي رواية: ما أخّرتك إلّا لنفسي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - هذه الآية:( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) الأخلاّء في الله ينظر بعضهم إلى بعض. ثم قال له النبي: إنْ ذاكرك أحد فقل: أنا عبدالله وأخو رسوله ولا يدّعيها بعدي إلّا كذاب مفتر »(٣) .
___________________
(١). الفصول المهمة: ٣٨.
(٢). الاكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء - مخطوط.
(٣). الأربعين - الحديث ١٤.
وهذه عبارة رواية السيد شهاب الدين أحمد عن الخطيب والصالحاني:
« عن زيد بن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنه - قال: دخلت على رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم وبارك وسلّم - فذكر المؤاخاة بين أصحابه، قال فقام علي كرم الله تعالى وجهه للنبي فقال: لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت ما فعلت بغيري، فإنْ كان هذا من سخطةٍ عليَّ فلك العتبى والكرامة!
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : والذي بعثني ما أخّرتك إلّا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، وأنت وارثي. قال: ما أرث منك يا نبي الله؟ قال: ما ورث الأنبياء من قبلي. قال: وما ورث الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب الله وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي. ثم قال رسول الله( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) المتحابين في الله ينظر بعضهم إلى بعض.
رواه الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب، والصالحاني باسناده إلى أبي الشيخ بإسناده مرفوعاً، والزرندي، باختلاف يسير وقال: الأخلاء بدل المتحابّين »(١) .
أقول:
في هذا الحديث دلالة على أنّ حديث المنزلة يثبت تقديم وترجيح أمير المؤمنينعليهالسلام على سائر الأصحاب، ويوجب نهاية قربه واختصاصه وجلالة قدره عند رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم -. لأنّه ذكر هذا الحديث
___________________
(١). توضيح الدلائل - مخطوط.
بعد قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما أخّرتك إلّا لنفسي » وإلّا لم يكن لذكره في هذا المقام مناسبة.
ويوجد في بعض ألفاظ الحديث حرف « الفاء » الدالّ على التعليل، حيث ذكر فيه: « فقال صلّى الله عيله وسلّم: والذي بعثني بالحق ما أخّرتك إلّا لنفسي فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى » ويدلّ ذلك على أنّ السبب في اختصاصه بالأخوة كونه منه بمنزلة هارون من موسى.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم - في بعض الألفاظ - « أنت أول من يدعى بك، لقرابتك ومنزلتك عندي » - حيث قال بأنّ الإمامعليهالسلام أول من يدعى للحساب، وعلّل ذلك بقرابته منه ومنزلته عنده - دليل قاطع على أفضليتهعليهالسلام .
وكذلك اختصاصهعليهالسلام بلواء الحمد الدال على تقدّمه وأرجحيّته على غيره مطلقاً، ووقوفه بين النبي وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - إلى غير ذلك من الخصوصيات المذكورة في الخبر كل ذلك من أدلّة أفضليته وأكرميّته من غيره عند الله ورسوله.
فحديث المنزلة المذكور في تلك السياقات من أوضح البراهين على أفضليته وأقربيته واختصاصه بما يستلزم تعيّنه للإمامة والخلافة العامة بلا فصل.
فأيّ تشكيك في دلالة الحديث يستحق الإصغاء؟!
(٣٣)
حديث المنزلة يوم خيبر
ومن موارد قول رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم -: أما ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون هو يوم خيبر في سياق فضائل ومناقب خاصة بأمير المؤمنينعليهالسلام ، لا يشاركه فيها أحد من الصحابة، تستلزم الإمامة والخلافة العامة بلا فصل
وممّن روى ذلك:
١ - عبد الملك بن محمد الخركوشي.
٢ - علي بن محمّد الجلّابي - ابن المغازلي.
٣ - الموفق بن أحمد المكي - أخطب خوارزم.
٤ - عمر بن محمّد بن خضر الأردبيلي - الملّا.
٥ - سليمان بن موسى البلنسي - ابن سبع.
٦ - محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي.
٧ - إبراهيم بن عبدالله اليمني.
٨ - شهاب الدين أحمد.
٩ - محمّد بن إسماعيل الأمير
قال الفقيه ابن المغازلي: « قولهعليهالسلام لما قدم بفتح خيبر:
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبيدالله بن القصاب البيّع رحمه الله تعالى، ثنا
أبو بكر محمّد بن أحمد بن يعقوب المفيد الجرجرائي، حدّثنا أبو الحسن علي بن سلمان بن يحيى، حدّثنا عبد الكريم بن علي، حدّثنا جعفر بن محمّد بن ربيعة البجلي، حدّثنا الحسن بن الحسين العرني، حدّثنا كادح بن جعفر، [ عن عبدالله بن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد ] عن مسلم بن يسار.
عن جابر بن عبدالله قال: لمـّا قدم علي بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبي - صلّى لله عليه وآله -: يا علي، لولا أنْ تقول طائفة من اُمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك مقالاً لا تمرّ ملأ من المسلمين إلّا أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك يستشفون بهما.
ولكن حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت تبرء ذمّتي وتستر عورتي وتقاتل على سنّتي، وأنت غداً في الآخرة أقرب الخلق مني، وأنت على الحوض خليفتي، وأنّ شيعتك على منابر من نورٍ مبيضّةً وجوههم حولي، أشفع لهم، ويكونون في الجنّة جيراني، وإنّ حربك حربي وسلمك سلمي وسريرتك سريرتي، [ وعلانيتك علانيتي ] وأنّ ولدك ولدي، وأنت تقضي ديني وأنت تنجز وعدي، وأنّ الحق على لسانك وفي قلبك ومعك وبين يديك ونصب عينيك، الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، لا يرد على الحوض مبغض لك ولا يغيب عنه محب لك.
فخرّ عليعليهالسلام ساجداً وقال: الحمد لله الذي منّ عَلَيّ بالإسلام، وعلّمني القرآن، وحبّبني إلى خير البرية، وأعزّ الخليفة، وأكرم أهل السماوات والأرض على ربّه، وخاتم النبيين، وسيد المرسلين، وصفوة الله في جميع العالمين، إحساناً من الله وتفضّلاً منه عَلَيّ.
فقال النبي - صلّى الله عليه وسلّم -: لولا أنت يا علي ما عرف المؤمنون بعدي، لقد جعل الله جلّ وعزّ نسل كل نبي من صلبه وجعل نسلي من صلبك، يا علي، فأنت أعزّ الخلق وأكرمهم عَلَيّ وأعزهم عندي، ومحبّك أكرم من يرد عَلَيّ
من اُمتي »(١) .
وقال الموفق بن أحمد المكي: « حدثنا سيد الحفاظ أبو منصور شهردار ابن شهرويه بن شهردار الديلمي - فيما كتب إليّ من همدان - أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبدالله بن عبدوس الهمداني كتابةً، حدّثنا الشيخ أبو طاهر الحسين بن علي بن سلمة -رضياللهعنه - من مسند زيد بن علي ، حدّثنا الفضل بن الفضل بن العباس، حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن سهل، حدّثنا محمّد بن عبدالله البلوي، حدثني إبراهيم بن عبيدالله بن العلاء، حدّثني أبي، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، عن أبيه عن جده.
عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - يوم فتحت خيبر: لولا أن تقول فيك طوائف من اُمتي ما قالت النصارى في عيس بن مريم، لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ على ملأ من المسسلمين إلّا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به.
ولكن حسبك أن تكون منّي وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، وأنت تؤدّي ديني وتقاتل على سنّتي، وأنت في الآخرة أقرب الناس مني، وأنك غداً على الحوض خليفتي، تذود عنه المنافقين، وأنت أول من يرد عَلَيّ الحوض، وأنت أول داخل الجنة من اُمتي، وشيعتك على منابر من نور، مروّون، مبيضّة وجوههم حولي، أشفع لهم فيكونون غداً في الجنة جيراني، وأن عدوّك غداً ظماء مظمئين مسودّة وجوههم مقمحين.
___________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٢٣٧ ح ٢٨٥.
حربك حربي وسلمك سلمي، وسرّك سرّي وعلانيتك علانيتي، وسريرة صدرك كسريرة صدري، وأنت باب علمي، وأن ولدك ولدي، ولحمك لحمي ودمك دمي، وأن الحق معك والحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأنّ الله عزّوجلّ أمرني أنْ اُبشّرك أنك وعترتك [ وعترتي ] في الجنّة، وأن عدوك في النار، لا يرد الحوض عَلَيّ مبغض لك ولا يغيب عنه محب لك.
قال: فخررت له سبحانه وتعالى ساجداً، وحمدته على ما أنعم به عَلَيّ من الإسلام والقرآن، وحبّبني إلى خاتم النبيّين وسيد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم »(١) .
قال الخوارزمي: « روى الناصر للحق بإسناده في حديثٍ طويل قال: لمـّا قدم علي على رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم - بفتح خير قال رسول الله -صلىاللهعليهوآلهوسلم -: لولا أنْ تقول فيك طائفة من اُمتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ بملأ إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك ومن فضل ظهورك يستشفون به.
لكن حسبك أن تكون منّي وأنا منك، وترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، وأنك تبرىء ذمّتي، وتقاتل على سنتي، وأنك غداً في الآخرة أقرب الناس مني، وأنك أول من يرد عَلَيّ الحوض، وأول من يكسى معي، وأول داخل في الجنة من اُمتي، وأن شيعتك على منابر من نور، وأن الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك »(٢) .
___________________
(١). المناقب للخوارزمي: ١٢٨ رقم ١٤٣.
(٢). المناقب للخوارزمي: ١٥٨ رقم ١٨٨.
وقال عمر بن محمّد الملّا: « إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي لمـّا قدم عليه يوم فتح خيبر: يا علي لولا أخاف أن يقول فيك طوائف من اُمتي ولكن حسبك أن تكون مني كهارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، وأنك تبرىء ذمّتي وتقاتل على سنّتي، وأنك في الآخرة معي ...»(١) .
وقال محمّد بن يوسف الكنجي: « أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف ابن بركة الكتبي، أخبرنا الحافظ أبو العلاء الهمداني، أخبرنا أبو الفتح عبدالله بن عبدوس بن عبدالله الهمداني، حدّثنا أبو طاهر الحسين بن سلمة بن علي -رضياللهعنه -، عن مسند زيد بن عليعليهالسلام ، حدّثنا الفضل بن الفضل بن العباس، حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن سهل، حدّثنا محمّد بن عبدالله البلوي، حدّثني إبراهيم بن عبدالله بن العلاء قال: حدّثني أبي، عن زيد بن علي عن أبيه عن جدّه.
عن علي بن أبي طالبعليهالسلام قال قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يوم فتحت خيبر: لولا أن تقول فيك طوائف من اُمتي ما قالت النصارى: ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، أنت تؤدّي ديني وتقاتل على سنتي، وأنت في الآخرة أقرب الناس منّي، وأنك غداً على الحوض »(٢) .
___________________
(١). وسيلة المتعبدين ٥ / ١٦٨.
(٢). كفاية الطالب: ٢٦٤.
ورواه إبراهيم بن عبدالله اليمني الوصابي الشافعي، عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، كما تقدم. وقال: « أخرجه ابن سبع الأندلسي في كتاب الشفاء »(١) .
وكتاب ( الشفاء ) ذكره ( كاشف الظنون ) بقوله: « شفاء الصدور لابن السبع الإمام الخطيب أبي الربيع سليمان البلنسي »(٢) .
ومؤلفه أبو الربيع من كبار الحفاظ الأثبات:
قال الشامي في بيان رموز كتابه ( سبل الهدى والرشاد ): « أو أبا الربيع. فالثقة الثبت سليمان بن سالم الكلاعي ».
وترجم له الذهبي بقوله « أبو الربيع الكلاعي سليمان بن موسى بن سالم البلنسي الحافظ الكبير صاحب التصانيف وبقيّة أعلام الأثر بالأندلس. ولد سنة ٥٦٥ سمع أبا بكر بن الجد، وأبا عبدالله بن زرقون وطبقتهما. قال الأبار: كان بصيراً بالحديث حافظاً حافلاً عارفاً بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، يتقدم أهل زمانه في ذلك، خصوصاً من تأخّر زمانه، ولا نظر له في الإتقان والضبط مع الإستبحار في الأدب والبلاغة، كان فرداً في إنشاء الرسائل، مجيداً في النظم، خطيباً مفوهاً مدركاً، حسن السّرد والمساق، مع الشارة الأنيقة، وهو كان المتكلّم عن الملوك في مجالسهم، والمبين لما يريدون على المنبر في المحافل، ولي خطابة بلنسة، وله تصانيف في عدة فنون. استشهد
___________________
(١). الاكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء - مخوط.
(٢). كشف الظنون ٢ / ١٠٥٠.
بكائنة أنيشة بقرب بلنسة مقبلاً غير مدبر، في ذي الحجة »(١) .
وذكره في ( تذكرة الحفاظ ): « الكلاعي، الإمام العالم الحافظ البارع، محدث الأندلس وبليغها قال أبو عبدالله الابار عني أتم عناية بالتقييد والرواية، وكان إماماً في صناعة الحديث، بصيراً به، حافظ حافلاً، عارفاً بالجرح والتعديل، وقال ابن مسدي: لم ألقَ مثله جلالةً ونبلاً ورياسة وفضلاً، وكان إماماً مبرّزاً في فنون قال الحافظ المنذري: توفي شهيداً بيد العدو ...»(٢) .
وترجم له اليافعي أيضاً ونقل كلام الأبار(٣) .
وكذلك صاحب ( نفح الطيب ) ترجم له ترجمةً حافلة، ذكر مقلته وبعض ما قيل في رثائه، ثمّ أسماء مصنّفاته ووصفه بالحافظ(٤) .
ورواه السيد شهاب الدين أحمد، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عن أمير المؤمنين كما تقدم، ثم قال:
« رواه الإمام الحافظ الصالحاني وقال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي نصر يعرف بدانكفاد بقراءتي عليه قال: حدّثنا الحسن بن أحمد قال: أخبرنا الإمام الحافظ العالم الرباني أبو نعيم أحمد بن عبدالله الإصفهاني بسنده إلى زيد ابن علي. فذكر سنده.
ورواه أيضاً الإمام أبو سعد في شرف النبوة، بتغيير يسير في اللفظ
___________________
(١). العبر - حوادث ٦٣٤، ٣ / ٢١٩.
(٢). تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤١٧ - ١٤١٨.
(٣). مرآة الجنان حوادث ٦٣٤، ٤ / ٨٥-٨٦.
(٤). نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ٢ / ٥٨٦.
أقول: هذا حديث جامع، يدخل فيه أشتات أبواب المناقب، ويشتمل أسباب خصائص الفضائل وعلو المراتب، قد رواه أجلّة الثقات من أهل السنّة وعناة الأدلّة التقات، ولله الفضل والمنة»(١) .
ورواه محمد بن إسماعيل الأمير في ( الروضة الندية ) عن المنصور بالله بسنده من طريق الفقيه ابن المغازلي الشافعي من حديث جابر ثم قال: « قلت: وفصول هذا الحديث لها شواهد من كتب الحديث تأتي مفرّقة إن شاء الله تعالى ».
أقول:
لا يخفى على المنصف الخبير أنّ كلّ فصلٍ من فصول هذا الحديث الشريف يدل على شرفٍ ومقام جليل، لا يشاركه بل لا يدانيه في شيءٍ منها أحد من الصّحابة.
وقد جاء فيه عن رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام أنه خاطب أمير المؤمنين بأنْ « حسبك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى » بعد أن ذكر أنّه يخاف أن تقول فيه طوائف من الاُمة ما قالته النصارى في عيسى، وإلّا لقال فيه ومعنى ذلك أنه جعل حديث المنزلة قائماً مقام ذلك القول الذي لم يقله وهل يبقى بعد هذا مجال لتشكيك مشكّك في دلالة الحديث على الأفضلية المطلقة؟ وهل يخامر الناظر شك في شناعة تأويلات المتأوّلين وبطلان خرافات المعاندين؟
___________________
(١). توضيح الدلائل - مخطوط.
(٣٤)
حديث المنزلة في احتجاج المأمون على الفقهاء
وقد احتجّ المأمون العباسي، وهو من اُمراء المؤمنين وخلفاء المسلمين - في اعتقاد القوم - بحديث المنزلة فيما احتجّ به على الفقهاء في مجلسه، تلك الإحتجاجات التي لم يجد يحيى بن أكثم وغيره من الأعلام الحاضرين بدّاً من الإعتراف بصحّتها، والموافقة على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام كما استدل المأمون
وقد أورد خبر هذا المجلس العلّامة ابن عبد ربّه في كتاب ( العقد الفريد )
ونحن نذكر مقدّمة الخبر، ثم القدر المتعلّق بحديث المنزلة.
قال ابن عبد ربه: « احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي.
إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، عن حماد بن زيد قال: بعث إليّ يحيى ابن أكثم وإلى عدةٍ من أصحابي، وهو يومئد قاضي القضاة، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن احضر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً، كلّهم فقيه يفقه ما يقال له ويحسن الجواب، فسمّوا من تظنّونه يصلح لما يطلب أمير المؤمنين، فسمّينا له عدةً وذكر هو عدّةً حتى تم العدد الذي أراد، وكتب تسمية القوم، وأمر بالبكور في السّحر، وبعث إلى من لم يحضر فأمره بذلك، فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فوجدناه قد لبس ثيابه وهو جالس ينتظرنا، فركب وركبنا معه حتى صار إلى الباب، فإذا بخادم واقف، فلما نظر إلينا قال: يا أبا محمّد، أمير المؤمنين ينتظرك
فأدخلنا فوقفنا وسلّمنا فردّ السلام أمر لنا بالجلوس ».
« ثم قال إن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه ودينهُ يدين الله به، قلنا: فليفعل أمير المؤمنين وفّقه الله. فقال: إنّ أمير المؤمنين يدين الله على أن علي بن أبي طالب خير خلف الله بعد رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأولى الناس بالخلافة.
قال إسحاق: قلت: يا أمير المؤمنين، إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في علي، وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة من أين قال أمير المؤمنين: إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالخلافة ؟ ».
قال: « يا إسحاق أتروي حديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى؟
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قد سمعته وسمعت من صحّحه وجحده.
فقال: فمن أوثق عندك؟ من سمعت منه فصحّحه أو من جحده؟
قلت: من صحّحه.
قال: فهل يمكن أن يكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم مزج بهذا القول؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: فقال قولاً لا معنى له، فلا يوقف عليه.
قلت: أعوذ بالله.
قال: أفما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وامّه؟
قلت: بلى.
قال: فعلي أخو رسول الله لأبيه واُمه؟
قلت: لا.
قال: أوليس هارون كان نبيّاً وعلي غير نبي؟
قلت: بلى.
قال: فهذان الحالان معدومان في علي وقد كانا في هارون، فما معنى قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى؟
قلت له: إنما أراد أن يطيّب بذلك نفس علي لمـّا قال المنافقون: إنه خلّفه استثقالاً له.
قال: فأراد أن يطيب نفسه بقولٍ لا معنى له؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق، له معنىً في كتاب الله بيّن.
قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟
قال: قوله عزّوجلّ حكايةً عن موسى إنه قال لأخيه هارون:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) .
قلت: يا أمير المؤمنين، إن موسى خلّف هارون في قومه وهو حي ومضى إلى ربه، وإن رسول الله خلّف عليّاً كذلك حين خرج إلى غزاته.
قال: كلّا ليس كما قلت، أخبرني عن موسى حين خلّف هارون هل كان معه حين ذهب إليه ربّه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟
قلت: لا.
قال: أوليس استخلفه على جماعتهم؟
قال: فأخبرني عن رسول الله حين خرج إلى غزاته هل خلّف إلّا الضعفاء والنساء والصبيان؟ فأنّى يكون مثل ذلك؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب الله، يدل على استخلافه إيّاه، لا يقدر أحد أن يحتجّ فيه، ولا أعلم أحداً احتجّ به، وأرجو أن يكون توفيقاً من الله.
قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟
قال: قوله عزّوجلّ حين حكى عن موسى قوله:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ
أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) فأنت منّي يا علي بمنزلة هارون من موسى، وزيري من أهلي وأخي، شدّ الله به أزري وأشركه في أمري، كي نسبح الله كثيراً ونذكره كثيراً. فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئاً غير هذا، ولم يكن ليبطل قول النبي وأن يكون لا معنى له؟
قال: فطال المجلس وارتفع النهار.
فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين، قد أوضحت الحق لمن أراد به الخير، وأثبتَّ ما لا يقدر أحد أنْ يدفعه.
قال إسحاق: فأقبل علينا وقال: ما تقولون؟
فقلنا: كلنا نقول بقول أمير المؤمنين أعزّه الله.
فقال: والله لولا أن رسول الله قال: إقبلوا القول من الناس، ما كنت لأقبل منكم القول، اللهم قد نصحت لهم القول. اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي. اللهم: إني أدينك بالتقرب إليك بحبّ علي وولايته »(١) .
أقول:
فهذه دلالة حديث المنزلة التي وافق عليها واعترف بها القاضي يحيى بن أكثم وكبار الفقهاء في ذلك العصر والحمد لله رب العالمين.
___________________
(١). العقد الفريد ٥ / ٣٤٩ - ٣٥٩.
(٣٥)
قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « اللهم اني أسألك بما سألك أخي موسى:
... واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي أشدد به أزري »
ولقد ورد في الحديث سؤال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ربّه نفس السؤالات التي سألها موسى هذا الحديث الذي رواه أكابر القوم ومنهم:
١ - أحمد بن حنبل.
٢ - أبو الليث السمرقندي.
٣ - إبن مردويه الإصفهاني.
٤ - أحمد بن محمد الثعلبي.
٥ - أبو نعيم الإصفهاني.
٦ - أبو بكر الخطيب البغدادي.
٧ - علي بن محمّد الجلابي - ابن المغازلي.
٨ - ابن عساكر الدمشقي.
٩ - الفخر الرازي.
١٠ - محمّد بن طلحة الشافعي.
١١ - يوسف سبط ابن الجوزي.
١٢ - نظام الدين الأعرج النيسابوري.
١٣ - محمّد بن يوسف الزرندي.
١٤ - نور الدين ابن الصبّاغ المالكي
١٥ - السيد شهاب الدين أحمد.
١٦ - جلال الدين السيوطي.
١٧ - الملّا علي المتقي الهندي.
١٨ - شيخ بن علي الجفري.
١٩ - ميرزا محمّد البدخشاني.
٢٠ - محمّد صدر العالم.
٢١ - محمّد بن إسماعيل الأمير.
٢٢ - المولوي ولي الله الكهنوي.
وإليك نصوص روايات بعضهم، وقد تقدّمت نصوص عبارات بعض آخر منهم:
قال محمد صدر العالم: « أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر، عن أسماء بنت عميس قالت: رأيت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - بإزاء ثبير وهو يقول: أشرق ثبير أشرق ثبير. اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى: أنْ تشرح لي صدري، وأنْ تيسّر لي أمري، وأنْ تحلّ عقدةً من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، اُشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبّحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً »(١) .
___________________
(١). معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط.
وقال محمّد بن إسماعيل الأمير: « وأما الرابع وهو أنّ الله جعل لهعليهالسلام في القلوب ودّاً، فما أخرجه الفقيه العلّامة ابن المغازلي بسنده إلى ابن عباس قال: أخذ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - بيدي وأخذ بيد علي، فصلّى أربع ركعات، ثم رفع يده إلى السماء فقال: اللهم سألك موسى بن عمران، وأنا محمّد أسألك، أنْ تشرح لي صدري وتيسّر لي أمري وتحلّ عقدةً من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري.
قال ابن عباس: فسمعت منادياً ينادي: يا أحمد قد أوتيت ما سألت.
فقال النبي: يا أبا الحسن، إرفع يديك إلى السماء وادع ربّك واسأله يعطك.
فرفع يده إلى السماء وهو يقول: اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً. فأنزل الله على نبيه:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) (١) .
وقال الفقيه أبو الليث السمرقندي: « قوله تعالى( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ ) الآية. عن أبي ذر الغفاري قال: صلّيت مع رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في
___________________
(١). الروضة الندية في شرح التحفة الإثنا عشرية.
مسجد رسولك فلم يعطني أحد شيئاً، فكان علي راكعاً، فأومأ بيده إليه بخنصره اليمنى وكان يتختّم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فلمـّا فرع النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء فقال:
اللهم إنّ أخي موسى سألك فقال:( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً ) اللهم وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهم اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي من أهلي علياً وزيراً، اشدد به أزري كي نسبحّك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً.
قال أبو ذر: فوالله ما استتمّ رسول الله هذه الكلمة، حتى نزل جبرئيل عليه وقال:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية »(١) .
وقال أبو إسحاق الثعلبي: « أخبرنا أبو الحسن محمّد بن القاسم بن أحمد الفقيه قال: حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن أحمد الشعراني أخبرنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا المظفر بن الحسن الأنصاري، حدّثنا السري بن علي الوراق، حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية بن الربعي قال:
بينا عبدالله بن عباس جالس على شفير زمزم [ يقول قال رسول الله ]، إذْ أقبل رجل معتم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله إلّا و الرجل
___________________
(١). المجالس. المجلس الثامن من الركن الثالث من الكتاب.
يقول قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني، فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - بهاتين وإلّا فصمّتا، ورأيت بهاتين وإلّا فعميتا يقول:
علي قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره ومخذول من خذله.
أما إني صلّيت مع رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد »(١) .
وذكر الفخر الرازي والأعرج النيسابوري رواية أبي ذر الغفاري المذكورة بتفسير الآية( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٢) ».
ورواه ابن طلحة الشافعي وسبط ابن الجوزي الحنفي. وابن الصباغ المالكي عن الثعلبي. ثم قال ابن طلحة:
« وقال الإمام الثعلبي عقيب ما أورده بهذه القصة بصورتها: سمعت أبا منصور الجمشادي يقول: سمعت محمد بن عبدالله الحافظ يقول: سمعت أبا الحسن علي بن الحسين يقول: سمعت أبا محمّد هارون الخضرمي يقول: سمعت محمّد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء
___________________
(١). الكشف والبيان - تفسير الثعلبي - مخطوط.
(٢). سورة المائدة ٥ / ٥٥.
لأحدٍ من أصحاب رسول الله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب. و إيراده قول الإمام أحمد عقيب هذه القصة إشارة إلى أن هذه المنقبة العلية وهي الجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين البدنية والمالية في وقت واحد، حتى نزل القرآن الكريم بمدح القائم بهما، المسارع إليهما، قد اختصّ بها عليعليهالسلام ولم تحصل لغيره »(١) .
ورواه محمّد بن يوسف الزرندي قائلاً:
« روى الأعمش عن عباية قال: بينا ابن عبّاس جالس على شفير زمزم يحدّث عن رسول الله »(٢) .
وقال شهاب الدين أحمد: « روى الزرندي عن الأعمش عن عباية الربعي، قال: بينا ابن عباس -رضياللهعنه - جالس على شفير زمزم يحدّث عن رسول الله »(٣) .
___________________
(١). مطالب السئول: ٢١، تذكرة الخواص: ١٥، الفصول المهمة: ١٢٤.
(٢). نظم درر السمطين - مخطوط.
(٣). توضيح الدلائل.
(٣٦)
دلالة الحديث على نيابة علي عن النبي عليهماالسلام
واستدل ملك العلماء شهاب الدين الدولت آبادي بحديث المنزلة على حصول مقام النيابة لأمير المؤمنينعليهالسلام عن النبي الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث قال ما تعريبه:
« لقد كانت شمس الرسالة مشرقةً في خير القرون، وفي حال غروبها كان في مقابلها على الولي، فكان نائباً له كالبدر المنير بعد الشمس، وقوله: يا علي إنك منّي بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدي. وكذا من كنت مولاه فعلي مولاه، يوجب علينا الإيمان بذلك إلى انقراض الدنيا »(١) .
أقول:
وهذا أيضاً ممّا يقطع ألسنة المكابرين والجاحدين. والحمد لله رب العالمين.
___________________
(١). هداية السعداء - مخطوط.
(٣٧)
تصريح الجلال المحلّي بدلالة الحديث
على خلافة الامام علي عليهالسلام
وقال جلال الدين محمّد بن أحمد المحلي في ( شرح جمع الجوامع ) ما نصه:
« والصحيح من الأقول أن الاجماع على وفق خبرٍ لا يدل على صدقه في نفس الأمر مطلقاً. وثالثها: يدل إنْ تلقّوه أي المجمعون بالقبول، بأنْ صرّحوا بالإستناد إليه، فإنْ لم يتلقّوه بالقبول بأنْ لم يتعرّضوا بالإستناد إليه فلا يدل، لجواز إستنادهم إلى غيره مما استنبطوه من القرآن. وثانيها يدل مطلقاً، لأنّ الظاهر إستنادهم إليه، حيث لم يصرّحوا بذلك، لعدم ظهور مستندٍ غيره. ووجه دلالة استنادهم إليه على صدقه. إنه لو لم يكن حينئذٍ صدقاً بأنْ كان كذباً لكان إستنادهم إليه خطأً وهو معصومون منه. قلنا: لا نسلّم الخطأ حينئذٍ، لأنهم ظنّوا صدقة، وهم إنما امروا بالإستناد إلى ما ظنّوا صدقه، فإستنادهم إليه إنما يدل على ظنّهم صدقه، ولا يلزم من ظنّهم صدقه صدقه في نفس الأمر، وإنْ قيل إن ظنّهم معصوم عن الخطأ.
وكذلك بقاء خبر تتوفّر الدواعي على إبطاله، بأنْ يبطله ذوو الدواعي مع سماعهم له أحاداً، لا يدل على صدقه، خلافاً الزيدية في قولهم يدل عليه، قالوا: للإتفاق على قبوله حينئذٍ. قلنا: الإتفاق على قبوله، إنما يدل على ظنّهم صدقه ولا يلزم من ذلك صدقه في نفس الأمر. مثاله قوله - صلّى الله عليه
وسلّم - لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. رواه الشيخان، فإنّ دواعي بني مروان وقد سمعوه متوفّرة على إبطاله، لدلالته على خلافة عليرضياللهعنه كما قيل كخلافة هارون عن موسى بقوله( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) وإن مات قبله. ولم يبطلوه »(١) .
أقول:
خلافة هارون كانت عامّة، فكذا خلافة علي.
وأيضاً، لو كانت خلافة أمير المؤمنين - الدال عليها هذا الحديث - جزئيّة منقطعة لم تتوفر الدواعي على إنكارها، بل النواصب لا ينكرونها
وقد ترجم العلماء لجلال الدين المحلّي المتوفى سنة ٨٦٤ وأثنوا عليه وعلى مصنّفاته الثناء الجيمل، فراجع مثلاً:
١ - الضوء اللامع ٧ / ٣٩.
٢ - البدر الطالع ٢ / ١١٥.
٣ - حسن المحاضرة ١ / ٢٥٢.
___________________
(١). شرح جمع الجوامع. فصل الكلام على الاخبار.
(٣٨)
دلالة الحديث على الخلافة
لدى مشايخ القوم
وقد حكى الشيخ عبدالله المعروف بـ « غلام علي » في رسالة له اختصرها من كتاب « المولوي نعيم الله » في أحوال الشيخ « شمس الدين حبيب الله » المشهور بـ « ميزا جان جانان » حكى عن « المولوي سناء الله » أنه رأى في عالم المنام أمير المؤمنينعليهالسلام وقد خاطبه بحديث المنزلة، ففسّرها « ميرزا جان جانان » بالخلافة في الطريقة.
أقول:
فلولا دلالة الحديث على خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام لم يكن للتعبير المذكور وجه!
ولا يتوهّم دلالته على خلافته في الباطن فقط، فإنّ هذا التوهّم فاسد، كما بيّنا في مجلّد (حديث الغدير ).
(٣٩)
عمر يتمنّى ورود الحديث في حقّه
وكان عمر بن الخطّاب يتمنى ورود حديث المنزلة في حقّه.
كما حديثٍ رواه:
١ - الحسن بن بدر.
٢ - الحاكم النيسابوري.
٣ - أبو بكر الشيرازي صاحب الألقاب.
٤ - جار الله الزمخشري.
٥ - أبو سعد ابن السمّان.
٦ - الموفّق بن أحمد المكّي الخوارزمي.
٧ - إبن النجار البغدادي.
٨ - ابن الصبّاغ المالكي.
٩ - محبّ الدين الطبري.
١٠ - جلال الدين السيوطي.
١١ - علي المتقي الهندي.
وغيرهم
قال المتقي:
« عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يقول في علي ثلاث خصال، لأن
يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس:
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - والنبي صلّى الله عليه وسلّم متكىء على علي بن أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبه، ثم قال: أنت يا علي: أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ثم قال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وكذب عَلَيّ من زعم أنه يحبّني ويبغضك.
الحسن بن بدر في ( ما رواه الخلفاء ) والحاكم في ( الكنى ) والشيرازي في ( الألقاب ) وابن النجار »(١) .
وقال الموفق المكي الخوارزمي:
« أخبرنا الإمام العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي: أخبرنا الاستاذ الأمين أبو الحسن علي بن الحسين ابن مردك الرازي قال : أخبرنا الحافظ أبو سعد إسماعيل بن الحسن السمّان: حدثنا محمّد بن عبد الواحد الخزاعي - لفظاً -، أخبرني أبو محمّد عبدالله بن سعيد الأنصاري: حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن أدران الخياط الشيرازي: حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري وصي المأمون حدّثني أمير المؤمنين الرشيد، عن أبيه عن جده عن عبدالله بن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة، فتذاكروا السابقين إلى الإسلام، فقال عمر: أمّا علي فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول فيه ثلاث خصال لوددت أن لي واحد منهن، فكان أحب إليّ ممّا طلعت عليه الشمس:
كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه، إذ ضرب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده على منكب عليعليهالسلام فقال لهُ: يا علي أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّل المسلمين إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
___________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٢٢ رقم ٣٦٣٩٢.
(٢). المناقب للخوارزمي: ٥٤ رقم ١٩.
وقال المحب الطبري:
«عن عمر وقد سمع رجلاً سبّ علياً فقال : إني لأظنّك من المنافقين :
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعلي ثلاث خصال، لوددت أن لي واحدةً منهنّ، بينا أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، إذ ضرب النبي - صلّى الله عليه وسلّم - منكب علي فقال: يا علي، أنت أول المؤمنين إيماناً، وأول المسلمين إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى. خرّجه ابن السّمان »(١) .
وقال ابن الصباغ:
« ومن كتاب الخصائص عن العباس بن عبد المطلب قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول: كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب إلّا بخير، فإني سمعت رسول الله يقول »(٢) .
أقول:
فالعجب من أهل السنّة ينكرون فضيلةً يعترف بها إمامهم!
بل يدّعي بعضهم دلالة الحديث على منقصة، وإمامهم يتمنّى ورود الحديث في حقّه!
بل يقول الأعور: « إن عمر لو عقل ما تمنّى هذا التمنّي ورود هذا الحديث في حقّه، وما ظنّه من فضائل علي، لأنه شبّهه بهارون في الإستخلاف »!
فلو كان هذا الحديث دالّاً على منقصةٍ كان عمر أدنى مرتبةً من ابن اُم مكتوم وأمثاله، لأنه قد تمنى مرتبةً هي أدنى من مرتبة ابن اُم مكتوم وأمثاله
___________________
(١). الرياض النضرة ( ٣ - ٤ ): ١١٨.
(٢). الفصول المهمة: ١٢٦.
بزعم هؤلاء! لكنّ هذا ممّا لا يلتزمون به قطعاً، فما قالوه هو في الحقيقة تنقيص وتعيير لخليفتهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
وعلى الجملة، فإنّ هذا الحديث الذي يروونه عن إمامهم دليل ساطع على أنّ حديث المنزلة يدل على مقامٍ جليلٍ ومرتبة رفيعةٍ من خصائص أمير المؤمنين يتمنّاها عمر وغيره من الصحابة فهو يدل على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام منهم جميعاً لكنّ المتعصّبين منهم يخالفون - في هكذا الموارد - حتى إمامهم الذي يقتدون به، وخليفتهم الذي يقولون به فيأتون بترّهات عجيبة وخرافات غريبة إنهم يحاولون استصغار كلّ فضليةٍ ومنقبةٍ خاصة بمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، دالّة على أفضليّته ممّن سواه وكذلك يفعلون
اُنظر مثلاً إلى تقوّلاتهم في باب إبلاغ سورة براءة هذا الحديث الذي اتفق الكلّ على روايته، ويعدّ من أجلى أدلّة أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام كيف يستصغرون هذه الواقعة ويقلّلون من قدرها، مع أن أبا بكر نفسه يشعر بدلالة الواقعة بأمر الله ورسوله على تقدم عليعليهالسلام ، ففي رواية النسائي: « فوجد أبو بكر في نفسه »(١) . وفي رواية المتقي عن أحمد وابن خزيمة وأبي عوانة والدارقطني: « فلما قدم أبو بكر بكى فقال: يا رسول الله أحدث فيَّ شيء ...؟ » إلى غير ذلك ممّا هو صريح في أنّ ما فعله النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - بأمرٍ من الله عزّوجلّ، أمر جليل وله شأن عظيم
فإذا كان أهل السنّة يقلّلون من شأن واقعة إبلاغ سورة البراءة، فإنهم في الحقيقة يحقّرون إمامهم...
وأنظر مثلاً إلى تقوّلاتهم وأباطيلهم في توهين قضية الطائر المشويّ مع
___________________
(١). الخصائص: ٩٣ رقم ٧٧.
أنهم يروون في كتبهم أنّ النبي -صلىاللهعليهوآلهوسلم - ردّ الشيخين ولم يأذن لهما بالدخول عليه والأكل معه من ذلك الطير، فلم يكونا مصداق « مَن هو مِن أحب الخلق » فضلاً عن أن يكونا « أحبّ الخلق »!!
وكما تمنى عمر ورود حديث المنزلة في حقه كذلك تمنى سعد بن أبي وقاص وهذا ممّا رووه كذلك:
قال المتقي: « عن سعد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لعلي ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها:
سمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي. وسمعته يقول: لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرار. وسمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. ابن جرير »(١) .
ورواه الوصّابي اليمني عن سعد كذلك ثم قال: « أخرجه ابن جرير في تهذب الآثار، والإمام أبو عبدالله محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه »(٢) .
أقول:
فإذا كان حديث المنزلة يدلّ على منقصة، فما معنى تمنّى سعد - وهو أحد العشرة المبشرة عندهم - وروده في حقّه؟ إنّ تهوين أمر هذا الحديث - هو في الحقيقة - تحميق لهذا الصحابي الكبير!!
___________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٦٢ رقم ٣٦٤٩٥.
(٢). الاكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء - مخطوط.
(٤٠)
استدلال الامام بالحديث
بالشورى
واستدل أمير المؤمنين واحتجاجه بحديث المنزلة يوم الشورى، دليل صريح على دلالة هذا الحديث على أفضليته وأحقيّته بالخلافة والإمامة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل.
فلو كان هذا الحديث غير دال على فضيلة، بل يدل - والعياذ بالله - على منقصة، لم يعقل احتجاج الإمام به أمام القوم في ذلك اليوم، وسكوتهم أمام احتجاجاته واستدلالاته
ولو كانت هذه الفضيلة من الفضائل المشتركة، لما كان لافتخار الإمام بها وجه، ولقال له القوم: كيف تحتجّ بما يشاركك فيه غيرك على الإمامة دون غيرك؟
ولقد روى احتجاجهعليهالسلام جماعة من أعلام القوم ومنهم: الفقيه ابن المغازلي، والخطيب الخوارزمي وعباراتهما مذكورة في مجلّد ( حديث الطير ).
وقال أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي النحوي في ( الإيضاح - شرح مقامات الحريري):
« اللهم - كلمة تستعمل في الدعاء. بمعنى يا الله. والميم فيها عوض من
حرف النداء. ولذلك لا تجتمع بينهما. وإنما فتحت من قبل أن الحروف مبنية، والأصل في البناء السكون، فلمـّا زيدت الميمان - وهما ساكنتان - حرّكت الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين، وأخطروا الفتحة لخفّتها. هذا أصلها.
ثم يؤتى بها قل « إلّا » إذا كان المستثنى عزيزراً نادراً، وكان قصدهم بذلك الإستظهار بمشيّة الله في إثبات كونه ووجوده، إيذاناً بأنه بلغ من الندرة حدّ الشذوذ.
هذا كثير في كلام الفصحاء، وعلى ذلك قوله في المقامة الخامسة: « اللهم إلّا أن تقد نار الجوع ». ألا ترى كيف يقطر منه ماء الندرة ويلوح عليه سيماء الشذوذ؟ لأن الغالب في ذلك الوقت الذي ذكر الشبع فضلاً أنْ يشتد الجوع فيه تتّقد ناره ويحول دون النوم أواره.
وقد تجيء فية جواب الإستفهام قبل لا ونعم كثيراً، من ذلك: ما قرأتُ في حديث عمير بن سعد - وقد أتاه رسول عمر بن سعد - قال: كيف تركت أمير المؤمنين؟ فقال: صالحاً وهو يقرؤك السلام. فقال له: ويحك لعله استأثر نفسه. قال: اللهم لا. فقال: لعله فعل كذا، قال: اللهم لا. في حديثٍ طويل.
وقال عامر بن واثلة: سمعت عليّاً -رضياللهعنه - يوم الشورى يقول: نشدتكم بالله أيها النفر، هل فيكم أحد وحّد الله قبلي؟ قالوا: اللهم الا. قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي غيري. قالوا: اللهم لا
وعلى هذا قول صاحب المقامات في الثالثة والأربعين: وناشدتك الله، هل رأيت أسحر منك؟ قال: اللهم نعم.
قلت: وكان المتكلم يقصد إثبات الجواب متفرعاً بذكر الله تعالى، ليكون أبلغ وأوقع، وفي نفس الشاك أنجع، ويعلم أنه على يقين من إيراده وبصيرة في
إثباته، قد جعل نفسه في معرض من أقبل على الله ليجيب عمّا سأله مثلاً، ولا شك أن من كان هذه حاله لا يتكلّم إلّا بما هو صدق يقين وحق ».
وكذلك الزهراء الصدّيقة -عليهاالسلام - استدلّت واحتجّت بحديث المنزلة قال ابن الجزري - في طرق حديث الغدير:
« وألطف طريق وقع لهذا الحديث وأغربه ما حدّثنا به:
شيخنا خاتمه الحفاظ أبو بكر محمد بن عبدالله بن الحبّ المقدسي مشافهةً، أخبرتنا الشيخة اُم زينب ابنة أحمد بن عبدالرحيم المقدسية، عن أبي المظفر محمّد بن فينان بن المثنى، أخبرنا أبو موسى محمّد بن أبي بكر الحافظ، أخبرنا ابن عم والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمّد بن عبد الواحد المديني بقراءتي عليه، أخبرنا ظفر بن راعي العلوي باستراباد، أخبرنا والدي وأبو أحمد بن مطرف المطرفي قالا: حدّثنا أبو سعد الإدريسي إجازة، فيما أخرجه في تاريخ استراباد، حدّثني محمّد بن محمّد بن الحسن أبو العباس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند وما كتبناه إلّاعنه، حدّثنا أبو الحسن محمّد بن جعفر الحلواني، حدّثنا علي بن محمّد جعفر الأهوازي مولى الرشيد، حدّثنا بكر بن أحمد البصري، حدّثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضا، حدّثني فاطمة وزينب واُم كلثوم بنات موسى بن جعفر قلنا: حدّثنا فاطمة بنت جعفر بن محمّد الصادق، حدّثني فاطمة بن محمّد بن علي، حدّثتني فاطمة بنت علي بن الحسين، حدّثني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي، عن اُم كلثوم بنت فاطمة بن النبي صلى الله عليه وسلّم.
عن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [ ورضي عنها ] قالت:
أنسيتم قول رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه. وقولهعليهالسلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسىعليهماالسلام ؟
هكذا أخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء وقال: هذا الحديث مسلسل من وجه، وهو أنّ كلّ واحدة من الفواطم تروي عن عمّةٍ لها، فهو رواية خمس بنات أخ، كل واحدة منهنّ عن عمتها »(١) .
___________________
(١). أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٥٠ - ٥١.
ملحق حديث المنزلة
رسالةُ في
حديث المنزلة في غير تبوك
تأليف
السيّد علي الحسيني الميلاني
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
وبعد
فقد كان لنا في كلّ حديثٍ من أحاديث هذه الموسوعة ملحقٌ في قسم السند، إستدركنا فيه طائفةً من الأعلام الرواة للحديث، أو ذكرنا بعض أسانيده الصحيحة بتصحيحٍ منّا أو من غيرنا.
لكنْ لمـّا كان ( حديث المنزلة ) من أحاديث كتابي البخاري ومسلم، المعروفين بالصحيحين، وكذا غيرهما من الكتب المشهورة، فقد رأينا أنْ لا حاجة إلى الإستدراك على رواته الذي ذكرهم السيّد مؤلّف ( عبقات الأنوار ).
ومن جهةٍ أخرى. فقد وجدنا أنّ أهمّ ما يتذرّع به المخالفون، دعوى ورود هذا الحديث في غزوة تبوك، ليكون قرينةً على اختصاص الإستخلاف بمدّة خروج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى تلك الغزوة، فلا يدلّ الحديث على العموم، حتى يستدلّ به على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد رسول الله مباشرة.
وقد اهتمّ السيّد صاحب ( عبقات الأنوار ) طاب ثراه بهذه الشبهة، وأثبت أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال هذا الكلام في مواطن عديدة.
ونحن اقتفينا أثره، فوضعنا هذه الرسالة على أساس ما ذكره، مع إضافة موارد ورواياتٍ أخرى، مع الإقتصار على الموارد المتيقّنة التي قامت عليها
الروايات المشتهرة، ثمّ تصحيح كثير من أسانيد الأحاديث وإيراد فوائد شتّى.
والله أسأل أنْ يتقبّل منّا جميعاً، ويوفّقنا لما يحبُّ ويرضى، بمحمّد وآله الطارهين.
المورد ( ١ - ٢ )
في يوم المؤاخاة
رواه جماعة من الأعلام بأسانيدهم، وإليك روايات أشهرهم:
قال المتقي الهندي:
« مسند زيد بن أبي أوفى: لمـّا آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه قال علي: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، غيري، فإنْ كل من سخطٍ عَلَيَّ فلك العتبى والكرامة.
فقال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - والذي بعثني بالحقّ ما أخّرتك إلّا لنفسي وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي.
قال: وما أرث منك يا رسول الله؟
قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي.
قال وما ورثت الأنبياء من قبلك؟
قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم.
وأنت معي في قصري في الجنّة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي.
حم. في كتاب مناقب علي »(١) .
ورواه القطيعي تلميذ عبدالله بن أحمد، فقد جاء في المناقب:
« حدّثنا الحسن قال: حدّثنا أبو عبدالله الحسين بن راشد الطّفاوي والصبّاح بن عبدالله بن بشر - والخبران متقاربان في اللّفظ يزيد أحدهما على صاحبه - قالا: حدّثنا قيس بن الربيع قال: حدّثنا سعد الإسكاف، عن عطية، عن محدوج بن زيد الذهلي:
إنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - آخى بين المسلمين.
ثمّ قال: يا علي أنت أخي، وأنت بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي.
أما علمت - يا علي - أنّ أوّل من يدعى يوم القيامة بي وأقوم عن يمين العرش، فاكسى خضراء من حلل الجنّة، ثمّ يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعضهم، فيقومون سماطين على يمين العرش، يكسون حللاً خضراً من حلل الجنّة، ألا وإنّي اُخبرك - يا علي - أنّ اُمّتي أوّل الاُمم يحاسبون يوم القيامة.
ثمّ أنت أوّل من يدعى بك، لقرابتك ومنزلتك عندي، ويدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد، تسير به بين السماطين، آدم وجميع خلق الله يستظلّون بظلّ لوائي، وطوله مسيرة ألف سنة، نسانه ياقوته حمراء، له ثلاثة ذوائب من نور، ذؤابة في المشرق وذؤابة في المغرب والثالثة وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر: الأوّل: بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، طول كلّ سطر ألف سنة وعرضه ألف سنة،
___________________
(١). كنز العمال ٩ / ١٦٧ رقم ٢٥٥٥٤ و ١٣ / ١٠٥ رقم ٣٦٣٤٥.
وتسير باللواء، والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك، حتّى تقف بيني وبين إبراهيم في ظلّ العرش، ثمّ تكسى حلّة خضراء من الجنّة، ثمّ ينادي منادٍ من تحت العرش، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي، إنّك تسكى إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحبى إذا حببت »(١) .
« حدّثنا محمود بن محمّد المروزي، ثنا حامد بن آدم، ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لمـّا آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه المهاجرين والأنصار، فلم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج عليرضياللهعنه مغضباً، حتّى أتى جدولاً من الأرض، فتوسّد ذراعه، فتسفى عليه الريح، فطلبه النبي صلّى الله عليه وسلّم حتّى وجده، فوكزه برجله، فقال له:
قم، فما صلحت أن تكون إلّا أبا تراب، أغضبت عليَّ حين آخيت بين المهاجرين والأنصار، ولم أُؤاخ بينك وبين أحدٍ منهم؟ أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبي؟
ألا من أحبّك حفَّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتةً الجاهليةً وحوسب بعمله في الإسلام »(٢) .
وتظهر روايته ممّا سننقله عن ابن عساكر، فإنّه قد رواه عن طريق الحافظ أبي نعيم.
___________________
(١). مناقب أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل: ١٧٩ رقم ٢٥٢.
(٢). المعجم الكبير ١١ / ٦٢ رقم ١١٠٩٢.
وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلي الواسطي هذا الحديث بقوله:
« أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفر العطار قال: أخبرنا أبو محمّد ابن السقّا، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبدالله بن القصاب البيّع الواسطي - فيما أذن لي في روايته عنه - أنّه قال: حدّثني أبو بكر محمّد بن الحسن بن محمّد البياسري قال: حدّثني أبو الحسن علي بن محمّد بن الحسن الجوهري، قال: حدّثني محمّد بن زكريا بن دريد العبدي قال: حدّثني حميد الطويل، عن أنس قال:
لمـّا كان يوم المباهلة، وآخى النبي - صلّى الله عليه وسلّم - بين المهاجرين والأنصار، وعلي واقف يراه ويعرف مكانه، لم يواخ بينه وبين أحد، فانصرف علي باكي العين، فافتقده النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: ما فعل أبو الحسن؟ قالوا: إنصرف باكي العين يا رسول الله. قال: يا بلال إذهب فأْتنيٍ به، فمضى بلال إلى علي - وقد دخل منزله باكي العين، وقالت فاطمة: ما بيكيك لا أبكى عينيك؟ قال: يا فاطمة، آخى النبي بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني، ولم يواخ بيني وبين أحدٍ. قالت: لا يحزنك الله، لعلّه إنّما ادّخرك لنفسه -.
فقال بلال: علي أجب النبي - صلّى الله عليه وسلّم -.
فأتى علي النبيّ.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما يبكيك يا أبا الحسن؟
قال: آخيت بين المهاجرين والأنصار يا رسول الله وأنا واقف تراني وتعرف مكاني ولم تواخ بيني وبين أحدٍ.
قال: إنّما ادّخرتك لنفسي، ألا يسرّك أن تكون أخا نبيّك؟
قال: بلى يا رسول الله، أنّى لي بذلك، فأخذ بيده وأرقاه المنبر فقال:
اللهمّ هذا منّي وأنا منه، ألا إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
قال: فانصرف علي قرير العين، فأتبعه عمر بن الخطاب، فقال: بخ بخ يا أبا الحسن، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم »(١) .
ورواه الخطيب الخوارزمي قائلاً:
« أنبأني سيّد القرّاء أبو العلاء الحسن بن أحمد العطّار الهمداني قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد المقري: أخبرنا أحمد بن عبدالله الحافظ: حدّثنا سليمان بن أحمد الطبراني: حدّثنا محمود بن محمّد المروزي: حدّثنا حامد بن آدم المروزي: حدّثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
لمـّا آخى النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - بين أصحابه وبين المهاجرين والأنصار، ولم يواخ بين علي بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج علي مغضباً، حتّ أتى جدولاً من الأرض، فتوسّد ذراعه واتّكى، وسفت عليه الريح، فطلبه رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - حتى وجده، فوكزه برجله وقال له: قم، فما صلحت أن تكون إلّا أبا تراب، أغضبت عليَّ حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم اواخ بينك وبين أحدٍ منهم؟
أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبى؟
___________________
(١). المناقب لابن المغازلي: ٤٢.
ألا من أحبّك حفّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهليّة وحوسب بعمله في الإسلام »(١) .
« وأخبرناه أبو علي الحداد، وحدّثني أبو مسعود، أنا أبو نعيم الحافظ، نا أحمد بن إبراهيم بن يوسف، نا سهل بن عبدالله أبو طاهر، نا ابن أبي السري، نا رواد، عن نهشل بن سعيد، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال:
رأيت عليّاً أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فاحتضنه من خلفه فقال: بلغني أنّك سمّيت أبا بكر وعمر وضريب أمثالهما ولم تذكرني. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
أنت منّي بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
« أخبرنا أبا القاسم ابن السمرقندي، أنا أبو الحسن بن النقور، أنا عيسى بن علي، أنا عبدالله بن محمّد، أنبأنا الحسين بن محمّد الذارع البصري، أنبأنا عبد المؤمن بن عباد العبدي، نا يزيد بن معن، عن عبدالله بن شرحبيل، عن رجلٍ من قريش، عن زيد ابن أبي أوفى قال:
دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسجده، فقال: أين فلان بن فلان؟ فجعل ينظر في وجوه أصحابه، فذكر الحديث في المؤاخاة، وفيه:
فقال علي: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، غيري، فإن كان هذا من سخط عليَّ فلك العتبى والكرامة.
فقال رسول الله: والذي بعثني بالحقّ، ما أخّرتك إلّا لنفسي. وأنت منّي
___________________
(١). المناقب للخوارزمي ٣٩.
(٢). تاريخ دمشق ٤٢ / ١٦٩.
بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي.
قال: وما أرث منك يا رسول الله؟
قال: ما ورّثت الأنبياء من قبلي.
قال: وما ورّثت الأنبياء من قبلك؟
قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم. وأنت معي في قصري في الجنّة، مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي. ثمّ تلا رسول الله:( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) المحابّين في الله ينظر بعضهم إلى بعض »(١) .
وهنا مطالب:
الأول : في الصحابة الرواة لخبر المؤاخاة: فلقد روي خبر المؤاخاة عن عدّةٍ من الصحابة، منهم:
١ - ابن أبي أوفى. رواه أحمد بن حنبل وغيره.
٢ - محدوج بن زيد الذهلي. رواه القطيعي وأبو نعيم وأبو موسى المديني وغيرهم.
٣ - عبدالله بن العباس. رواه الطبراني وغيره.
٤ - أنس بن مالك. رواه ابن المغازلي وغيره.
٥ - عمر بن الخطاب. رواه الزرندي وغيره.
٦ - يعلى بن مرة. رواه جمال الدين المحدث الشيرازي وغيره.
الثاني : في أنّ المؤاخاة كانت مرّتين: فإنّ المؤاخاة وقعت مرّتين، مرةً في مكة قبل الهجرة، بين المهاجرين، ومرةً في المدينة بعد الهجرة، بين المهاجرين والانصار، وقد آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلتا
___________________
(١). تاريخ دمشق ٤٢ / ٥٢ - ٥٣.
المرّتين بين نفسه وبين علي، وذكر حديث المنزلة في كلّ مرة، كما تقدّم في الروايات، فإن بعضها عن المرّة الاولى وبعضها عن المرّة الثانية.
وأمّا أنّها كانت مرّتين، فذاك صريح المحدّثين وأصحاب السّير:
قال ابن عبد البرّ، بترجمة الإمامعليهالسلام : « وروينا من وجوهٍ عن علي أنّه كان يقول: أنا عبدالله وأخو رسول الله لا يقولها أحد غيري إلّا كذّاب.
قال أبو عمر: أخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين بمكة، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال في كلّ واحدةٍ منهما لعلي: أنت أخي في الدنيا والآخرة، وآخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان هذا القول وما أشبه من علي »(١) .
وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن ذكر من أخبار المؤاخاة عن: الواقدي، وابن سعد، وابن إسحاق، وابن عبد البر، والسهيلي، وابن كثير - وغيرهم قال -:
« وأنكر ابن تيميّة في كتاب الردّ على ابن المطهّر الرافضي المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصاً مؤاخاة النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي، قال: لأنّ المؤاخاة شرّعت لإرفاق بعضهم، ولتأليف قلوب بعضهم، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحدٍ منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري.
وهذا ردّ للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى
قلت: وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني، وابن تيمّة يصرّح بأنّ أحاديث المختارة أصحّ وأقوى من أحاديث المستدرك »(٢) .
___________________
(١). الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ / ١٠٩٨.
(٢). فتح الباري في شرح البخاري ٧ / ٢١٧.
وقال الزرقاني المالكي تحت عنوان: « ذكر المؤاخاة بين الصّحابة رضوان الله عليهم أجمعين »:
« وكانت - كما قال ابن عبد البر وغيره - مرّتين، الاُولى بمكّة قبل الهجرة، بين المهاجرين بعضهم بعضاً على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر، و وهكذا بين كلّ اثنين منهم إلى أنْ بقي علي فقال: آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال: أنا أخوك.
وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبي صلّى الله عليه وسلّم لعلي، وقد روى الترمذي وحسّنه والحاكم وصحّحه عن ابن عمر أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى؟ قال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
وأنكر ابن تيميّة هذه المؤاخاة بين المهاجرين، خصوصاً بين المصطفى وعلي، وزعم أنّ ذلك من الأكاذيب، وأنّه لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري. قال: لأنّها شُرِّعت لإرفاق بعضهم بعضاً
وردّه الحافظ بأنّه ردّ للنص بالقياس »(١) .
الثالث : في أنّ غير واحدٍ من روايات المؤاخاة في كتب القوم صحيح سنداً: فمن ذلك:
رواية الطبراني، فقد أخرجه:
عن « محمود بن محمّد المروزي »، وهو: محمود بن محمّد بن عبدالعزيز، أبو محمّد، قال الخطيب: « قدم بغداد، وحدّث بها عن داود بن رشيد، والحسين بن علي بن الأسود، وعلي بن حجر وحامد بن آدم المروزيين، وسهل بن العباس الترمذي.
___________________
(١). شرح المواهب اللدنيّة ١ / ٢٧٣.
روى عنه: محمّد بن مخلّد، وعبد الصمد بن علي الطستي، وأبو سهل بن زياد، وإسماعيل بن علي الخطبي، وأبو علي بن الصواف أحاديث مستقيمة ».
ثمّ روى عن طريقه حديثاً، وأرّخ وفاته بسنة سبع وتسعين »(١) .
عن « حامد بن آدم »، وقد أخرج عنه الحاكم في ( المستدرك )(٢) وذكره ابن حبّان في ( الثقات )(٣) وقال ابن عدي: « لم أر في حديثه إذا روى عن ثقةٍ شيئاً منكراً، وإنّما يؤتى ذلك إذا حدَّث عن ضعيف »(٤) .
نعم، قد تكلّم فيه السعدي، لكن السعدي نفسه مجروح، فلا يعارَض بكلامه توثيق الحاكم وابن حبان وغيرهما.
عن « جرير ».
عن « ليث ».
عن « مجاهد ».
وهؤلاء أمّة أعلام، لا حاجة إلى توثيقهم.
الرابع : في أنّ بعضهم روى صدر الحديث فقط، إمّاللإختصار، وإمّا لغرضٍ!: قال ابن الأثير: ع س - محدوج بن زيد الهذلي، مختلف في صحبته. حديثه: إنّ النبي قال: إنّ أوّل من يدعى يوم القيامة بي » أخرجه أبو نعيم وأبو موسى »(٥) .
وقال ابن حجر: « محدوج - بمهملة ساكنة وآخره جيم - بن زيد الهذلي، ذكره قيس بن الربيع الكوفي في مسنده وروى عن سعد الإسكاف: سمعت عطية
___________________
(١). تاريخ بغداد ١٣ / ٩٤.
(٢). لسان الميزان ٢ / ١٩٩.الطبعة الحديثة.
(٣). كتاب الثقات ٨ / ٢١٨.
(٤). الكامل ٣ / ٤٠٩.
(٥). أسد الغابة في معرفة الصحابة ٥ / ٦٥.الطبعة الحديثة.
عنه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أوّل من يدعى به يوم القيامة يدعى بي » أخرجه أبو نعيم وقال: مختلف في صحبته »(١) .
المورد (٣)
عند ولادة الحسن وولادة الحسين عليهماالسلام
وفي رواية غير واحدٍ من الأعلام، أنّه لمـّا ولد الحسن السبطعليهالسلام ، هبط جبريلعليهالسلام وقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكنْ لا نبي بعدك، فسمّ ابنك هذا باسم هارون
وكذا لمـّا ولد الحسين السبطعليهالسلام .
فسمّاهما بالحسن والحسين، باسم ولدي هارون: شبرّ وشبير.
ومن رواة هذا الخبر:
أبو سعيد الخركوشي، صاحب ( شرف المصطفى )، المتوفى سنة ٤٠٧.
وعمر بن محمّد بن خضر، المعروف بالملّا، صاحب ( السيرة )، المتوفى سنة ٥٧٠.
الموفّق بن أحمد الخوارزمي المكي، المتوفى سنة ٥٦٨.
محبّ الدين الطبري الشافعي، المتوفى سنة ٦٩٤.
والحسين بن محمّد الدياربكري صاحب ( تاريخ الخميس ) المتوفى سنة
وأحمد بن الفضل بن باكثير المكي المتوفى سنة ١٠٤٧.
___________________
(١). الإصابة في معرفة الصحابة ٥ / ٥٨٠. الطبعة الحديثة.
وإليك لفظ الخبر عن بعضهم:
قال الملّاء في ( سيرته ):
« وعن جابر بن عبداللهرضياللهعنه قال: لمـّا ولدت فاطمة الحسنرضياللهعنه قالت لعلي - كرّم الله وجهه -: سمّه؟ فقال: ما كنت أسبق باسمه رسول الله. ثم أخبر النبيعليهالسلام فقال: ما كنت لأسبق باسمه ربي عزّوجلّ، فأوحى الله جلّ جلاله إلى جبريلعليهالسلام أنّه قد ولد لمحمّد ولد، فأهبط إليه وهنّه وقل له: إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم هارون. فهبط جبريلعليهالسلام فهنّاه من الله جلّ جلاله، ثمّ قال: إنّ الله تعالى أمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون، قال: وما كان اسم ابن هارون؟ قال: شبير. فقال صلّى الله عليه وسلّم: لساني عربي، فقال: سمّه الحسن »(١) .
وقال الحافظ محبّ الدين الطبري:
« وعن أسماء بنت عميس قالت: قبلت فاطمة بالحسن، فجاء النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا أسماء هلمّي ابني، فدفعته إليه في خرقةٍ صفراء، فألقاها عنه قائلاً: ألم أعهد إليكنَّ أنْ لا تلفّوا مولوداً بخرقةٍ صفراء! فلففتهُ بخرقةٍ بيضاء، فأخذه، وأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ قال لعلي:
أيّ شيء سمّيت ابني؟
قال: ما كنت لأسبقك بذلك.
فقال: ولا أنا اُسابق ربّي.
فهبط جبريلعليهالسلام فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: علي منّي بمنزلة هارون من موسى لكنْ لا نبي بعدك. فسمّ ابنك هذا باسم ابن هارون.
___________________
(١). وسيلة المتعبّدين إلى متابعة سيّد المرسلين ٥ / ٢٢٥.
فقال: وما كان اسم ابن هارون ياجبرئيل؟
قال: شبّر.
فقال صلّى الله عليه وسلّم: إنّ لسانبي عربي.
فقال: سمّه الحسن.
ففعل صلّى الله عليه وسلّم.
فلمـّا كان بعد حول ولد الحسين. فجاء نبي الله. وذكرت مثل الأوّل، وساقت قصة التسمية مثل الأوّل، وأنّ جبريلعليهالسلام أمره أنْ يسمّيه باسم ولد هارون شبير. فقال النبي مثل الأوّل، فقال:
سمّه حسيناً.
خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا »(١) .
وذكره الحافظ الخوارزمي بالإسناد في كتابه ( مقتل الحسين ) بعد خبر رواه عن: الحافظ أبي الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرنا والدي أحمد بن الحسين قال:
« وبهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمّد المفسّر، أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبدالله الحفيد، حدّثنا أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، حدّثني أبي، حدّثني علي بن موسى، حدّثني أبي موسى بن جعفر، حدّثني أبي جفعر بن محمّد، حدّثني أبي محمّد بن علي، حدّثني أبي علي بن الحسين، قال: حدّثني أسماء بنت عميس »(٢) .
___________________
(١). ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ٢١٠.
(٢). مقتل الحسين: ٨٧ - ٨٨.
وهذا الخبر صحيح:
فأمّا ( إسماعيل بن أحمد البيهقي ) وهو ابن البيهقي، أثنى عليه كلّ من ترجم له من الأعلام، فراجع.
١ - تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٣٣.
٢ - الكامل في التاريخ ١٠ / ٤٩٩.
٣ - التحبير للسمعاني ١ / ٨٣.
٤ - طبقات السبكي ٧ / ٤٤.
٥ - النجوم الزاهرة ٥ / ٢٠٥.
٦ - البداية والنهاية ١٢ / ١٧٦.
٧ - تتمة المختصر ٢ / ٣٧.
وتوفي سنة ٥٠٧.
وأمّا ( أبو بكر البيهقي )، فإليك نبذة من كلماتهم في حقّه مع التلخيص:
فقد قال ياقوت في ( بيهق ): « قد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والاُدباء، ومن أشهر أئمّتهم الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين، صاحب التصانيف المشهورة، وهو الإمام الحافظ الفقيه الأصولي الديّن الورع، أوحد الدهر في الحفظ والإتقان، مع الدين المتين، من أجلّ أصحاب أبي عبدالله الحاكم والمكثرين عنه، ثمّ فاقه في فنونٍ من العلم تفرّد بها. مات سنة ٤٥٤ »(١) .
وقال السمعاني: « كان إماماً فقيهاً حافظاً، جمع بين معرفة الحديث
___________________
(١). معجم البلدان - بيهق.
والفقه، وكان يتتبّع نصوص الشافعي »(١) .
وقال ابن خلكان: « الفقيه الشافعي الحافظ الكبير المشهور، وأحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، وهو أوّل من جمع نصوص الإمام الشافعي، وكان قانعاً من الدنيا بالقليل. وقال إمام الحرمين في حقّه: ما من شافعي المذهب إلّاوللشافعي عليه مِنّة إلّا أحمد البيهقي فإنّ له على الشافعي منّة، أخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان »(٢) .
وقال الذهبي: « هو الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر، بورك له في علمه وصنّف التصانيف النافعة. قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في تاريخ: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعاً باليسير متجمّلاً في زهده وورعه.
قال شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن البيهقي قال أبي : حين ابتدأت بتصنيف هذا الكتاب - يعني كتاب المعرفة من السنن والآثار - وفرغت من تهذيب أجزاء منه، سمعت الفقيه محمّد بن أحمد - وهو من صالحي أصحابي وأكثرهم تلاوةً وأصدقهم لهجة - يقول: رأيت الشافعي في النوم وبيده أجزاء هذا الكتاب وهو يقول: كتبت اليوم من كتاب الفقيه سبعة أجزاء. أو قال: قرأتها، ورآه يعتدّ بذلك. قال: وفي صباح ذلك اليوم رأى فقيه آخر من إخواني الشافعيّ قاعداً في الجامع على السرير وهو يقول: قد استفدت اليوم من كتاب الفقيه حديث كذا وكذا. وأخبرنا أبي قال: سمعت الفقيه أبا محمّد الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ يقول: سمعت الفقيه محمّد بن عبد العزيز المروزي يقول: رأيت في المنام كأنّ تابوتاً علا في السماء يعلوه نور. فقلت: ما هذا؟
___________________
(١). الأنساب - البيهقي.
(٢). وفيات الأعيان ١ / ٧٥.
فقال: تصنيفات أحمد البيهقي. ثمّ قال شيخ القضاة: سمعت الحكايات الثلاث من الثلاثة المذكورين.
قلت: هذه الرؤيا حق، فتصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلَّ من جوّد تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أن يعتني بها ولا سيّما سننه الكبير »(١) .
وقال الذهبي أيضاً: « الإمام الحافظ العلاّمة شيخ خراسان أبو بكر. بورك له في عمله لحسن مقصده وقوّة فهمه وحفظه، وعمل كتباً لم سيبق إلى تحريرها »(٢) .
وهكذا تجد الثناء عليه في غير هذه الكتب، حيث يذكرونه بالأوصاف الجليلة والألقاب العظيمة، ويذكرون الكلمات في حقّه والحكايات في كتبه ومصنّفاته، فراجع تراجمه في ( مرآة الجنان ) و ( العبر ) و ( طبقات السبكي ) و ( الكامل في التاريخ ) و ( المختصر في أخبار البشر ) و ( طبقات الحفاظ ) وغيرها.
وأمّا ( أبو القاسم المفسّر ) فهو: الحسن بن محمّد بن الحسن بن حبيب الواعظ:
ترجم له عبد الغافر، ووصفه بالاُستاذ، الإمام، الواعظ، المفسّر، الكامل، قال: « سمع وجمع، وحدّث عن الأصم، وأبي عبد الصفّار، وأبي الحسن الكارزي، وأبي محمّد المزني، وأبي سعيد عمرو بن محمّد بن منصور الضرير، وأبي جعفر محمّد بن صالح بن هاني، وأبي زكريّا العنبري وغيرهم. وتوفي ليلة الثلاثاء، في ذي القعدة، سنة ٤٠٦ »(٣) .
___________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٦٣.
(٢). تذكرة الحفّاظ ٣ / ١١٣٢.
(٣). السياق في تاريخ نيسابور: ٢٦٨.
وترجم له الصفدي وقال: « قال ياقوت: ذكره عبد الغفار فقال: إمام عصره في معاني القراءات وعلومها.
وقد صنّف التفسير المشهور به، وكان أديباً نحوياً، عارفاً بالمغازي والقصص والسير. مات في ذي القعدة سنة ٤٠٦. وصنّف في القراءات والأدب وعقلاء المجانين.
وكان يدرّس لأهل التحقيق ويعظ العوام، وانتشر عنه بنيسابور العلم الكثير، وسارت تصانيفه في الآفاق.
حدّث عن الأصم وعبدالله بن الصفّار وأبي الحسن الكارزي، وكان أبو إسحاق الثعلبي من خواص تلاميذه، وكان كراميَّ المذهب ثمّ تحوّل شافعيّاً.
وكان في داره بستان وبئر، وكان إذا قصده إنسان من الغرباء إن كان ذا ثروةٍ طمع في ماله وأخذ منه حتّى يقرئه، وإنْ كان فقيراً، أمره بنزع الماء من البئر للبستان بقدر طاقته. وكان لا يفعل هذا بأهل بلده.
ومن شعره »(١) .
وأمّا ( أبو بكر الحفيد ) فمن مشاهير المحدّثين، ونكتفي بترجمته في ( الأنساب ):
قال: « كان محدّث أصحاب الرأي في عصره، كثير الرحلة والسماع والطلب، خرج إلى العراق والبحرين وغاب عن بلده أربعين سنة، سمع
سمع منه الحاكم أبو عبدالله الحافظ وذكره في التاريخ وقال: كان محدّث أصحاب الرأي، كثير الرحلة والسماع والطلب، لولا مجون كان فيه، وذلك أنّه خرج من نيسابرو سنة ٢٩٠ وانصرف إليها سنة ٣٣٠، وأكثر مقامه كان بالعراقين ومن الناس من يجرحه ويتوهم أنّه في الرواية، فليس كذلك، فإنّ
___________________
(١). الوافي بالوفيات ١٢ / ٢٣٩.
جرحه كان بشرب المسكر، فإنّه على مذهبه كان يشرب ولا يستره حدّث بنيسابور تسع سنين، وقد أكثرنا عنه وتوفي بهراة، في شهر رمضان، من سنة ٣٤٤ »(١) .
وأمّا ( أبو القاسم الطائي ) فقد ترجم له الخطيب في تاريخه فقال:
« عبدالله بن أحمد بن عامر بن سليمان بن صالح، أبو القاسم الطائي. روى عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه، نسخةً. حَدّث عنه: أبو بكر الجعابي، وأبو بكر ابن شاذان، وابن شاهين، وإسماعيل بن ممّد بن زنجي، وأبو الحسن ابن الجنيد.
وأخبرنا محمّد بن عبدالملك القرشي، أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا عبدالله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، حدّثني أبي - في سنة ٢٦٠ - حدّثنا علي بن موسى - سنة ٢٩٤ - حدّثني أبي موسى بن جعفر، حدّثني أبي جعفر بن محمّد، حدّثني أبي محمّد بن علي، حدّثني أبي علي بن الحسين، حدّثني أبي الحسين بن علي، حدّثني أبي علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله: الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالأركان.
حدّثني علي بن محمّد بن نصر قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول: سمعت أبا محمّد بن علي - هو البصري - يقول: عبدالله بن أحمد بن عامر بن سليمان بن صالح، أبو القاسم الطائي كان اُميّاً، لم يكن بالمرضي، روى عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا.
قال لي الحسن بن محمّد الخلال: توفي عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي في سنة ٣٢٤. وقرأت في كتاب محمّد بن علي بن عمر بن الفياض: توفي عبدالله بن أحمد بن عامر الطائي يوم الجمعة لأربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع
___________________
(١). الأنساب - الحفيد ٢ / ٢٨٢.الطبعة الحديثة.
الآخر من سنة ٣٢٤ »(١) .
أقول:
لم أجد ذكراً لعبدالله بن أحمد بن عامر الطائي، ولا لأبيه، في كتاب ( الكامل ) لابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥، ولا في كتاب ( الضعفاء الكبير ) لأبي جعفر العقيلي، المتوفى سنة ٣٢٢، ولا في كتاب ( الجرح والتعديل ) لابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٧، مع أنهم معاصرون له، فهما غير مذكورين في هذه الكتب، ولا في غيرها من كتب الجرح والتعديل، ممّا يدلٌّ على أنْ لا موضع للطعن فيهما، وإلاّ لذكروهما، وخاصّةً ابن عدي صاحب ( الكامل ) فإنّه قد بنى على أنْ يذكر في كتابه المذكور من تكلّم فيه ولو بأدنى لين وبأقلّ تجريح.
وأمّا ما حكاه الخطيب عن حمزة بن يوسف أنّه سمع أبا محمّد بن علي - هو البصري، من قوله في عبدالله: « كان اميّاً لم يكن بالمرضي » فلا يجوز الإعتماد عليه بوجهٍ، لكونه جرجاً مبهماً، ثمّ من هو: أبو محمّد بن علي البصري؟ فراجعت ( ميزان الإعتدال ) فوجدت القائل هو: الحسن بن علي الزهري، وكذا في ( لسان الميزان )(٢) ، فهو: أبو محمّد الحسن بن علي الزهري البصري، ولكنْ من هو؟ يقول الذهبي: لم أظفر له بترجمة(٣) .
ومن جهةٍ اُخرى، فإنّ الذهبي وابن حجر لم ينقلا في الرجل شيئاً عن أساطين الرجاليين، مع أنّ الذهبي يذكر في مقدّمة كتابه قائلاً: « وفيه من تُكلّم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين، وبأقل تجريح، فلولا أن ابن عدي أو غيره من
___________________
(١). تاريخ بغداد ٩ / ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٢). ميزان الإعتدال ٤ / ٥٩ لسان الميزان ٣ / ٣٠٥.
(٣). تذكرة الحفّاظ ٣ / ١٠٢١، سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٣٦.
مؤلفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته، لثقته » فما باله، لم يتبع القوم في هذا المورد، وأخذ المطلب من الخطيب مع عدم ذكر اسمه؟!
وأمّا ( أبوه ) فلم يعنونه أحدٌ، حتّى الذهبي - الذي عنون ابنه بما ذكرناه، وقد عرفت الكلام فيه - ولذا قال المتقي: قال السيوطي: إنّ الذهبي لم يتّهم إلّا الابن، والأب موثّق(١) .
وعلى الجملة، فالرواية معتبرة، ويؤكّد ذلك ما ذكروه بترجمة البيهقي من أنّه كان لا يروي شيئاً يراه موضوعاً.
وبهذه المناسبة، فقد عثرنا على سندٍ معتبر من طرق القوم إلى ( صحيفة الرضا )عليهالسلام .
ويقوّيه أيضاً الطريق الصحيح الآخر، فقد عرفنا من عبارة ( تاريخ بغداد ) أنّ الخطيب يروي ( الصحيفة ) عن شيخه محمّد بن عبد الملك القرشي، عن عمر بن أحمد الواعظ، عن عبدالله بن أحمد
فأمّا ( الخطيب ) فغني عن التوثيق.
وأمّا ( محمّد بن عبد الملك القرشي ) فقد ترجم له الخطيب قال: « سمع محمّد بن المظفر الحافظ وخلقاً من هذه الطبقة. كتبنا عنه وكان صدوقاً، وسألته عن مولده فقال: في جمادى الآخرة من سنة ٣٧٣. ومات في ليلة الجمعة، ودفن في مقبرة باب حرب، يوم الجمعة ٢٩ جمادى الاُولى سنة ٤٤٨، وصلّيت عليه في جامع المدينة »(٢) .
___________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٥٣.
(٢). تاريخ بغداد ٢ / ٣٤٨.
وأمّا ( عمر بن أحمد الواعظ ) فهو الحافظ ابن شاهين، الغني عن الترجمة والتوثيق.
المورد (٤)
يوم خيبر
ورواه جمعٌ من الحفّاظ بأسانيدهم:
قال الفقيه ابن المغازلي الشافعي: « أخبرنا أبو الحسن علي بن عبدالله بن القصّاب البيّعرحمهالله ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن يعقوب المفيد الجرجرائي، حدّثنا أبو الحسن علي بن سليمان بن يحيى، حدّثنا عبد الكريم بن علي، حدّثنا جعفر بن محمّد بن ربيعة البجلي، حدّثنا الحسن بن الحسين العرني، حدّثنا كادح بن جعفر، [ عن عبدالله بن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد ] عن مسلم بن يسار، عن جابر بن عبدالله قال:
لمـّا قدم علي بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: يا علي، لولا أنْ تقول طائفة من أُمّتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالاً لا تمرّ بملأ من المسلمين إلّا أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك يستشفون بهما.
ولكنّ حسبك أنْ تكون منّي [ وأنا منك، ترثني وأرثك. وأنت منّي ] بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت تبرىء ذمّتي وتستر عورتي وتقاتل على سنّتي، وأنت غداً في الآخرة أقرب الخلق منّي، وأنت على الحوض خليفتي، وإنّ شيعتك على منابر من نورٍ مبيضّةً وجوههم حولي، أشفع لهم، ويكونون في الجنّة جيراني.
وإنّ حربك حربي وسلمك سلمي وسريرتك سريرتي [ وعلانيتك
علانيتي ] وإنّ ولدك ولدي، وأنت تقضي ديني، وأنت تنجز وعدي، وإنّ الحقّ على لسانك وفي قلبك ومعك وبين يديك ونصب عينيك، الإيمان مخالط لحمك ودمك، كما خالط لحمي ودمي، لا يرد عليّ الحوض مبغض لك، ولا يغيب عنه محبّ لك.
فخرّ عليّ ساجداً وقال: الحمد لله »(١) .
وقال الحافظ الموفق بن أحمد الخوارزمي: « أخبرني سيّد الحفّاظ [ أبو منصور ] شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي - فيما كتب إليّ من همدان - أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبدالله بن عبدوس الهمداني كتابةً، حدّثنا الشيخ أبو طاهر الحسين بن علي بن سلمة، عن مسند زيد بن علي، حدّثنا الفضل بن الفضل بن عباس، حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن سهل، حدّثنا محمّد بن عبدالله البلوي، حدّثنا إبراهيم بن عبيدالله بن العلاء، حدّثني أبي، عن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب قال:
قال لي رسول الله يوم فتحت خيبر: لولا أنْ تقول فيك طوائف من أُمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ على ملأ من المسلمين إلّاوأخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به.
ولكنْ حسبك أن تون منّي وأنا منك، ترثني وأرثك. وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، أنت تؤدّي ديني وتقاتل على سنّتي، وأنت »(٢) .
وقال الحافظ أبو عبدالله الكنجي: « أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن بركة الكتبي، أخبرنا الحافظ أبو العلاء الهمداني، أخبرنا أبو الفتح عبدالله بن
___________________
(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٢٣٧- ٢٣٨.
(٢). مناقب علي بن أبي طالب: ٧٥.
عبدوس بن عبدالله الهمداني، حدّثنا أبو طاهر الحسين بن سلمة بن علي، عن مسند زيد بن علي » إلى آخر ما تقدّم(١) .
ثمّ إنّ هذا الحديث يشتمل على عدّة مناقب لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وقد روى بعض أعلام القوم بأسانيدهم بعض تلك المناقب:
أخرج ابن أبي حاتم: « روى أحمد بن عثمان بن حكيم، عن حسن بن حسين، عن كادح بن جعفر، عن عبدالله بن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يسار، عن جابر، قال:
لمـّا قدم علي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بفتح خبير، قال رسول الله: لولا أنْ تقول فيك طوائف من أُمّتي ما قالت النصارى في المسيح بن مريم، لقلت فيك اليوم قولاً »(٢) .
وأخرج الطبراني بسنده: « إنّ رسول الله قال لعلي: والذي نفسي بيده لولا أنْ يقول فيك طوائف من أُمّتي بما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بأحدٍ من المسلمين إلّا أخذ التراب من أثر قدميك يطلب به البركة »(٣) .
وأخرجه الخوارزمي بسنده إلى الطبراني قال: « أخبرنا سيّد الحفّاظ أبو منصور فيما كتب إليَّ من همدان، أخبرنا محمود بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن فادشاه، أخبرنا الطبراني، عن أحمد بن محمّد القنطري، عن حرب بن الحسن،
___________________
(١). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٦٤.
(٢). علل الحديث ١ / ٣١٣.
(٣). مجمع الزوائد ٩/١٣١.
عن يحيى بن يعلى، عن محمّد بن عبيدالله بن أبي رافع، قال قال رسول الله »(١) .
وهذا الحديث على رواية ابن أبي حاتم صحيح على اُصولهم:
فأمّا « ابن أبي حاتم » فغني عن التعريف.
وأما « أحمد بن عثمان بن حكيم » فمن رجال البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة(٢) .
وأمّا « حسن بن حسين » وهو العرني، فقد حقّقنا حاله في بعض بحوثنا، وأثبتنا أن لا أساس للقدح فيه والجرح له، ومن تكلّم فيه فإنّما هو لشيّعه، بل لقد نصّ بعضهم على أنّه كان من رؤساء الشيعة وسيأتي مزيد من الكلام حوله.
وأمّا « كادح بن جفعر »:
فقد قال أبو حاتم: صدوق.
وقال عبدالله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ليس به بأس.
وقال أحمد أيضاً: رجل صالح فاضل خيّر.
وفي روايةٍ: كان صاحب سنّة وعبادة، يعنى بالحديث.
وذكره ابن شاهين في الثقات »(٣) .
قلت: لم ينقل فيه قدحٌ إلّا عن أبي الفتح الأزدي، قال: ضعيف زائغ(٤) .
___________________
(١). مقتل الحسين: ٤٥.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٢١.
(٣). لسان الميزان ٤ / ٥٧٤.
(٤). لسان الميزان ٤ / ٥٧٤.
لكنّ الأزدي نفسه ضعيف، فقد نصَّ الذهبي والحافظ ابن حجر عقب تضعيفه بعض الرجال على ذلك، وقالا: ليته عرف ضعف نفسه(١) !
وأمّا « عبدالله بن لهيعة » فهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة(٢) .
وأمّا « عبد الرحمن بن يسار » فهو أبو مزرّد، من رجال البخاري في الأدب المفرد. قال الحافظ « مقبول »(٣) .
وأمّا « مسلم بن يسار » فهو من رجال البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجة، وأبي داود، والترمذي(٤) .
* وأمّا الحديث بسند الطبراني، فقد تكلّم الهيثمي في اثنين من رجاله، وهما:
١ - حرب بن الحسن.
٢ - يحيى بن يعلى.
قلت: لكنّه في موضعٍ آخر نصَّ في « حرب بن الحسن » أنّه قد « وُثق »(٥) وقد وثّقه ابن حِبّان إذ ذكره في كتاب ( الثقات ) وقال ابن أبي حاتم: « سألت أبي عنه فقال: شيخ »(٦) .
نعم، نقل الحافظ عن الأزدي قوله فيه: « ليس بذاك »(٧) . وقد عرفت حال الأزدي!
___________________
(١). ميزان الإعتدال ١ / ٦١، مقدمة فتح الباري: ٤٣٠.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٤٤٤.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٤٧٢.
(٤). تقريب التهذيب ٢ / ٢٤٧.
(٥). مجمع الزوائد ٧ / ١٠٣، ٩ / ١٦٨.
(٦). الجرح والتعديل ٣ / ٢٥٢.
(٧). لسان الميزان ٢ / ١٨٤.
وأمّا « يحيى بن يعلى » - وهو الأسلمي القطواني - فهو من رجال البخاري في الأدب المفرد، ومن رجال الترمذي، وابن حبان في صحيحه.
ومع ذلك، فقد تكلّم فيه غير واحدٍ، لكنّ السّبب هو التشيّع كما نصّ عليه بعضهم(١) .
على أنّه متابَع في رواية هذا الحديث.
المورد (٥)
عند النهي عن الرّقاد في المسجد
لقد كان الأصحاب يرقدون في مسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان هذا دأب كثيرٍ منهم، حتّى جاء النهي عن ذلك، فظنّ عليعليهالسلام شمول النهي له أيضاً، فأعلمه رسول الله بأنّه لغيره لا يشمله، وذكر أنّ منزلته منه منزلة هارون من موسى.
ومن الأخبار بهذا ما أخرجه ابن عساكر:
« أخبرنا أبو الحسن السُّلَمي، نا عبد العزيز التميمي، أنا علي بن موسى بن الحسين، أنا أبو سليمان بن زبر، نا محمّد بن يوسف الهروي، نا محمّد بن النعمان بن بشير، نا أحمد بن الحسين بن جعفر الهاشمي اللّهبي، حدّثني عبد العزيز بن محمّد، عن حزام بن عثمان، عن عبد الرحمن ومحمّد ابني جابر بن عبدالله، عن أبيهما جابر بن عبدالله الأنصاري قال:
جاءنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن مضطجعون في المسجد وفي يده عسيب رطب فضربنا وقال: « أترقدون في المسجد، إنّه لا يرقد فيه أحدٌ »، فأجفلنا وأجفل معنا علي بن أبي طالب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « تعال يا عليّ إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، يا علي ألا ترضى أن تكون
___________________
(١). تهذيب الكمال ٣٢/٥٠.
منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة، والذي نفسي بيده إنّك لتذودنّ عن حوضي يوم القيامة رجالاً كما يذاد البعير الضالّ عن الماء بعصاً معك من عَوسجِ، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي».
أخبرناه عالياً أبو المظفر بن القُشيري، وأبو القاسم الشّحّاني، قالا: أنا محمّد بن عبد الرحمن، أنا أبو سعيد محمّد بن بشر، نا محمّد بن إدريس، نا سويد بن سعيد، نا حفص بن مَيْسَرة، عن حزام بن عثمان، عن ابن جابر - أراه عن جابر - قال: جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن مضطجعون في المسجد، فضربنا بعسيب في يده فقال: « أترقدون في المسجد، إنّه لا يرقد فيه »، فأجفلنا، وأجفل علي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « تعالَ يا علي، إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة، والذي نفسي بيده إنّك لذوّاد عن حوضي يوم القيامة، تذود كما يذاد البعير الضال عن الماء بعصاً لك من عوسج، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي »(١) .
قال: « وأمّا ما روي عن زيد بن أبي أوفى:
فأخبرناه أبو محمّد عبد الكريم بن حمزة، أنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدّي أبو بكر أنا محمّد بن يوسف الهروي، أنا محمّد بن عبدالله بن عبد الحكم، أنّ محمّد بن إسماعيل بن مرزوق حدّثهم عنه أبيه، عن شرحبيل بن سعد، عن زيد بن أبي أوفى قال:
دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد، فقام علي فقال: إنّك منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي »(٢) .
___________________
(١). تاريخ دمشق ٤٢ / ١٣٩.
(٢). تاريخ دمشق ٤٢ /
أقول:
اختصر لفظ الحديث، كما اختصره الحافظ ابن أبي عاصم، حديث رواه فقال:
« ثنا نصر بن علي، ثنا عبد المؤمن بن عباد العبدي، ثنا يزيد بن معن، ثنا عبدالله بن شرحبيل، عن رجلٍ من قريش، عن زيد بن أبي أوفى قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت عندي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي »(١) .
ولا يخفى أنّ رجال الأسانيد المذكوة أكثرهم من الأئمّة الأعلام عند أهل السنّة، ونحن نتكلّم على واحدٍ منها بشيء من التفصيل وهو السّند الثاني، فنقول:
« أبو القاسم الشحامي » هو: زاهر بن طاهر، وتجد ترجمته في كثير من المصادر، وقد وصفه الذهبي - « الشيخ العالم، المحدّث المفيد المعمر، مسند خراسان »(٢) . وتوفي سنة ٥٣٣.
و « محمّد بن عبد الرحمن » هو: الكنجروذي، وتوجد ترجمته في كثيرٍ من المصادر، ووصفه الذهبي بـ « الشيخ الفقيه، الإمام الأديب، النحوي، الطبيب، مسند خراسان »(٣) . وتوفي سنة ٤٥٣.
___________________
(١). كتاب السنّة: ٥٩٥.
(٢). سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٩.
(٣). سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٠١.
و « أبو سعيد محمّد بن بشر » هو الكرابيسي، وتوجد ترجمته في كثيرٍ من المصادر، وقد وصفه الذهبي بـ « الشيخ الصالح المسند »(١) . وتوفي سنة ٣٧٨.
و « محمّد بن إدريس » هو: أبو حاتم الرازي، وهو كما وصفه الذهبي وغيره: « الإمام الحافظ، الناقد، شيخ المحدّثين » وقالوا: « هو من أقران البخاري ومسلم » وذكروا أنّه كان متعنّتاً في الرجال! وتوفي سنة ٢٧٧(٢) .
و « سويد بن سعيد » من رجال مسلم وابن ماجة، ووصفه الذهبي بـ « الإمام المحدّث الصدوق شيخ المحدّثين »، لكنْ ذكروا بترجمته أنّه قدّم في كتابه في الفضائل عليّاً وأخّر أبا بكر وعمر، فتكلّم فيه بعضهم لهذا!! وأيضاً تكلّم فيه لروايته: « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة » حتّى زعم ابن الجوزي أنّ أحمد بن حنبل قال: هو متروك الحديث. فقال الذهبي: هذا النقل مردود، لم يقله أحمد ثمّ ذكروا من مناكيره بزعمهم « المهدي من ولد فاطمة » وتوفي سنة ٢٤٠(٣) .
و « حفص بن ميسرة » من رجال البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة، وروى عنه الثوري، وابن وهب، وآدم، وجماعة من الأئمّة. ووثّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والذهبي وغيرهم. وتوفّي سنة ١٨١ »(٤) .
و « حرام بن عثمان » الأنصاري المديني، روى عنه معمر بن راشد وغيره من الأئمّة، وقد تكلّموا فيه، وذكروا حديثنا من جملة مناكيره!! ووصفه بعضهم - كما في التاريخ الكبير للبخاري - بالتشيّع، بل في كلام ابن حبّان: كان عالياً!! فإنْ كان هذا هو السّبب في جرحه وتضعيفه، فقد تقرّر عندهم أنّ التشيّع لا يضرّ
___________________
(١). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤١٥.
(٢). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٤٧.
(٣). سير أعلام النبلاء ١١ / ٤١٠.
(٤). سير أعلام النبلاء ٨ / ٢٣١.
بالوثاقة، وهذا ما نصّ عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في غير موضعٍ من مقدمة ( فتح الباري في شرح صحيح البخاري ).
المورد (٦)
عند سدّ الأبواب
قال الفقيه ابن المغازلي الشافعي:
« أخبرنا محمّد بن أحمد بن عثمان، حدّثنا أبو الحسين محمّد بن المظفّر ابن موسى بن عيسى الحافظ، حدّثنا محمّد بن الحسين بن حُمَيد بن الرَّبيع، حدّثنا جعفر بن عبدالله بن محمّد أبو عبدالله، حدّثنا إسماعيل بن أبان، حدّثنا سلّام بن أبي عمرة عن معروف بن خَرَّبوذ عن أبي الطُّفيل عن حُذيفة بن أسيد الغفاريّ قال: لمـّا قدم أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله المدينة لم يكن لهم بيوت بيبتون فيها، فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبيّ صلىاللهعليهوآله : لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا.
ثمّ إنّ القوم بنوا بيوتاً حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله بعث إليهم مُعاذ بن جبل فنادى أبا بكر فقال: إنّ رسول الله يأمرك أن تخرج من المسجد فقال: سمعاً وطاعةً فسدَّ بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى عمر، فقال: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله يأمرك أن تسدَّ بابك الّذي في المسجد وتخرج منه، فقال: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله غير أنّي أرغب إلى الله في خوخة في المسجد فأبلغه معاذ ما قال عمر، ثمّ أرسل إلى عثمان وعنده رقيّة فقال: سمعاً وطاعةً فسدَّ بابه وخرج من المسجد، ثمّ أرسل إلى حمزة فسدَّ بابه وقال: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله، وعليٌّ على ذلك يتردّد لا يدري أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج، وكان النبيّ صلىاللهعليهوآله قد بنا له
بيتاً في المسجد بين أبياته فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآله : أسكن طاهراً مطهّراً! فبلغ حمزة قول النبي صلىاللهعليهوآله لعليّ فقال: يا محمّد تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطّلب؟ فقال له نبيّ الله: لا، لو كان الأمر لي، ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما أعطاه إيّاه إلّا الله، وإنّك لعلى خير من الله ورسوله أبشر! فبشّره النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقتل يوم اُحد شهيداً.
ونفس ذلك رجال على عليّ، فوجدوا في أنفسهم وتبيّن فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبلغ ذلك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقام خطيباً فقال: إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم أنّي أسكنت عليّاً في المسجد. والله ما أخرجتهم ولا أسكنته: إنّ الله عزّوجلّ أوحى إلى موسى وأخيه( أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه لا يدخله إلّا هارون وذريّته، وإنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحلّ مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلّا عليّ وذرّيّته، فمن ساءه فهاهُنا - وأومأ بيده نحو الشام.
ولا بأس بالنظر في أحوال رجال هذا السند، فنقول:
أمّا « محمّد بن أحمد بن عثمان » فهو: محمّد بن أحمد بن عثمان بن الفرج ابن الأزهر، أبو طالب السوادي، المتوفى سنة ٤٤٥.
قال الخطيب: « سمع محمّد بن المظفّر كتبنا عنه وكان صدوقاً »(١) .
___________________
(١). تاريخ بغداد ١ / ٣١٩.
وأمّا « محمّد بن المظفر » فقد ترجم له الخطيب والذهبي وغيرهما من الأعيان:
قال الخطيب: « كان حافظاً فهماً صادقاً مكثراً أخبرني أحمد بن علي المحتسب: حدّثنا محمّد بن أبي الفوارس قال: كان محمّد بن المظفّر ثقة أميناً مأموناً حسن الحفظ، وانتهى إليه الحديث وحفظه وعلمه قال العقيقي: وكان ثقة مأموناً حسن الخط »(١) .
وقال الذهبي: « الشيخ الحافظ المجود، محدّث العراق تقدّم في معرفة الرجال، وجمع وصنف، وعمّر دهراً، وبعد صيته وأكثر الحفّاظ عنه، مع الصدق والإتقان، وله شهرة ظاهرة وإنْ كان ليس في حفظ الدارقطني »(٢) . وتوفي سنة ٣٧٩.
وأمّا « محمّد بن الحسين بن حميد بن الربيع » فهو أبو الطيّب اللخمي، المتوفى سنة ٣١٨.
قال الخطيب: « كان ثقة صاحب مذهب حسنٍ وجماعة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر »(٣) .
وأمّا « جعفر بن عبدالله بن محمّد » فلم أعثر عليه الآن، وأظنّه خطأً من النسخة.
وأمّا « إسماعيل بن أبان » فهو - بقرينة روايته عن « سلام بن أبي عمرة » كما في ( تهذيب الكمال ) - إسماعيل بن أبان الورّاق الكوفي، وهو من رجال البخاري في صحيحه، والترمذي، ومن مشايخ ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل
___________________
(١). تاريخ بغداد ٣ / ٢٦٢.
(٢). سير أعلام النبلاء ١٦ / ٤١٨.
(٣). تاريخ بغداد ٢ / ٢٣٦.
وأبي زرعة وأمثالهم من الأئمّة(١) .
وأمّا « سلام بن أبي عمرة » فهو من رجال الترمذي.
وأمّا « معروف بن خرّبوذ » فهو من رجال البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجة.
وأمّا « أبو الطفيل » و « حذيفة » فهما الصحابيّان الجليلان.
المورد (٧)
يوم خرج على أصحابه متّكئاً على علي
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« يا علي، أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى » أخرجه جماعة من الأئمّة:
قال المتقي الهندي: « مسند عمر. عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب، كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في علي ثلاث خصالٍ، لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح، ونفر من أصحاب رسول الله، والنبي متّكىء على علي بن أبي طالب، حتّى ضرب بيده على منكبه ثمّ قال:
أنت يا علي أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ثمّ قال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وكذب عليَّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك.
الحسن بن بدر في ( ما رواه الخلفاء ) والحاكم في ( الكنى ) والشيرازي في
___________________
(١). تهذيب الكمال ٣ / ٥.
( الألقاب ) وابن النجّار »(١) .
وقال ابن عساكر تحت عنوان: فأمّا ما روي عن عمر بن الخطاب من خبر المنزلة:
« وأخبرنا أبو غالب ابن البناء، أنبأنا أبو الحسين بن الآبنوسي، أنبأنا أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن سعيد بن محارب بن عمرو الأنصاري الأوسي الاصطخري، أنبأنا أبو محمّد عبدالله بن أدران الخيّاط بشيراز سنة ٣٠٤، أنبأنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، وصي المأمون، حدّثني أمير المؤمنين المأمون، حدّثني أمير المؤمنين الرشيد، حدّثني أمير المؤمنين المهدي، حدّثني أمير المؤمنين المنصور عن أبيه عن جدّه:
عن عبدالله بن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر: أمّا عليّ، فسمعت رسول الله يقول فيه ثلاث خصال، لوددت أنّ لي واحدةً منهنّ، فكان أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة، إذ ضرب النبي بيده على منكب علي فقال له: يا علي، أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّل المسلمين إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
وقال الخوارزمي: « أخبرنا الإمام العلّامة فخر خوارزم أبوالقاسم محمود ابن عمر الزمخشري الخوارزمي، أخبرني الأستاذ الأمين أبوالحسن علي بن الحسين بن مروك الرازي، أخبرني الحافظ أبو سعيد بن إسماعيل بن الحسن السمان، حدّثنا محمّد بن عبد الواحد الخزاعي لفظاً، حدّثني أبو محمّد عبدالله ابن سعد الأنصاري، حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن أدران الخياط الشيرازي،
___________________
(١). كنز العمال ١٣ / ١٢٢ رقم ٣٦٣٩٢.
(٢). تاريخ دمشق ٤٢ / ١٦٦.
حدّثني إبراهيم بن سعيد الجوهري وصي المأمون، حدّثني أمير المؤمنين »(١) .
وهذا الحديث بسند ابن عساكر لا بأس به:
فأمّا « ابن البنّا » فهو: أبو غالب أحمد بن أبي علي الحسن بن أحمد البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ٥٢٧.
ترجم له الذهبي قال: « الشيخ الصالح الثقة حدّث عنه: السلفي وابن عساكر وأبو موسى المديني وخلق. وكان من بقايا الثقات. مات في صفر وقيل مات في ربيع الأوّل، سنة ٥٢٧ »(٢) .
وأمّا « ابن الآبنوسي » فهو: أبو الحسين محمّد بن أحمد بن محمآد البغدادي، المتوفّى سنة ٤٥٧.
قال الخطيب: « كتبت عنه وكان سماعه صحيحاً »(٣) .
وقال الذهبي حيث عنونه: « الشيخ الثقة »(٤) .
وأمّا « عبدالله بن محمّد بن سعيد » فقد ترجم له الخطيب في تاريخه، فقال: « سكن بغداد وحدّث بها عن أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وزكريا بن يحيى الساجي، وعبدالله بن أدران الشيرازي، وخلق كثير من الغرباء. حدّثنا عنه: أحمد بن محمّد العتيقي، والقاضيان أبو عبدالله الصيمري، وأبو القاسم التنوخي، وأبو الفتح محمّد بن الحسين العطار قطيط، وأبو منصور
___________________
(١). مناقب على بن أبى طالب: ١٩.
(٢). سير أعلام النبلاء ١٩ / ٦٠٥.
(٣). تاريخ بغداد ١ / ٣٥٦.
(٤). سير أعلام النبلاء ١٨ / ٨٥.
محمّد بن عيسى الهمداني وغيرهم. وأكثر من يروي عنهم مجهولون لا يعرفون، وأحاديثه عن أبي خليفة مقلوبة، وهي بروايات ابن دريد أشبه
سألت الصيمري عن حال هذا الشيخ فقال: أظنّهم تكلّموا فيه »(١) .
أقول: لم أجد أحداً تكلّم فيه. وهل يكفي لإسقاط رجلٍ قول القائل:
أظنّهم! تكلّموا فيه!؟
وأمّا « عبدالله بن آدران الشيرازي » فلم أعرفه، لكنْ تابعه « أبو الحسن علي بن المبارك المسروري » - كما في تعليقة العلّامة المحمودي، عن كتاب ( الكنى ) لأبي أحمد الحاكم - فقد ترجم له الخطيب، وذكر روايته عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، ولم يتكلّم عليه بشيء.
وأمّا « إبراهيم بن سعيد الجوهري » فهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ابن ماجة(٢) .
المورد (٨)
في بيت اُمّ سلمة
وجاء قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا، في حديثٍ رواه القوم، عن ام سلمة وابن عبّاس، يتضمّن عدّة مناقب وفضائل لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:
وقد روي بطريقين:
١ - أخرج أبو نعيم: « حدّثنا أبو الفرج أحمد بن جعفر النسائي، قال: حدّثنا محمّد بن جرير، قال: حدّثنا عبدالله بن داهر الرازي، قال: حدّثني داهر
___________________
(١). تاريخ بغداد ١٠ / ١٣٣.
(٢). تقريب التهذيب ١ / ٣٥.
ابن يحيى الأحمري المقري، قال: حدّثنا الأعمش، عن عباية، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هذا علي بن أبي طالب، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي. يا اُم سلمة: اشهدي واسمعي، هذا علي أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي اُوتى منه، والوصي عن الأموات من أهل بيتي، أخي في الدنيا وخدني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى »(١) .
وأخرج الخطيب الخوارزمي، قال: « أنبأني أبو العلاء - هذا - أخبرنا الحسن بن أحمد المقري، حدّثنا أحمد بن عبدالله الحافظ، حدّثنا أبو الفرج أحمد بن جعفر النسائي، حدّثنا محمّد بن جرير » إلى آخر ما تقدّم(٢) .
وأخرج الحافظ ابن عساكر: « أخبرنا أبوالبركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، أنبأنا أبو بكر محمّد بن المظفر بن بكران الشامي، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد العتيقي، أنبأنا أبو يعقوب محمّد بن يوسف بن أحمد بن الدجيل، أنبأنا أبو جعفر محمّد بن عمرو العقيلي، حدّثني علي بن سعيد، أنبأنا عبدالله بن داهر بن يحيى الرازي، حدّثني أبي، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عباس
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال لاُم سلمة: يا اُم سلمة إنّ عليّاً لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي »(٣) .
___________________
(١). منقبة المطهرين - مخطوط.
(٢). مناقب علي بن أبي طالب: ١٤٢ الطبعة الحديثة.
(٣). تاريخ دمشق ٤٢ / ٤٢ وعنه: كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ١٦٧.
٢ - أخرج الطبراني: « حدّثنا علي بن العبّاس البجلي الكوفي، ثنا محمّد ابن تسنيم، ثنا حسن بن حسين العرني، ثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لاُم سلمة: هذا علي بن أبي طالب، لحمه لحمي ودمه دمي، هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي »(١) .
وأخرجه شيخ الإسلام الحمويني، بإسناده عن: « يعقوب بن سفيان الفسوي، أنبأنا أبو طاهر محمّد بن تسنيم الحضرمي، حدّثنا حسن بن حسين العرني » وبذيله: « يا اُمّ سلمة، هذا علي أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، ووصيّي، ووعاء علمي، وبابي الذي اوتى منه، أخي في الدنيا والآخرة، ومعي في السنام الأعلى، يقتل القاسطين والناكثين والمارقين »(٢) .
والذي يظهر من كلمات القوم أنْ لا كلام في سند الرواية عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عباس، عن رسول الله، إلّامن جهة « داهر بن يحيى ».
ففي ( تاريخ دمشق ) بعد أن أخرجه عن طريق أبي جعفر العقيلي كما تقدّم: « قال أبو جعفر: داهر بن يحيى الرازي كان يغلو في الرفض، لا يتابع على حديثه ».
وقد ذكر العقيلي الحديث كذلك مع القول المذكور بترجمة داهر من كتابه.
وذكر بعده الحديث التالي: « عن ابن عباس قال: ستكون فتنة، فإن
___________________
(١). المعجم الكبير ١١ / ١٤ رقم ١٢٣٤١.
(٢). فرائد السمطين ١ / ١٤٩ - ١٥٠.
أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول الله يقول - وهو آخذ بيد علي - هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو فاروق هذه الاُمّة يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي اُوتى منه، وهو خليفتي من بعدي »(١) .
وبما أنّ العقيلي تكلّم في « داهر » فقد ذكره الذهبي في ( ميزانه ) - لأنّ دأبه في هذا الكتاب أن يذكر كلَّ من تُكُلّم فيه - فنقل عنه الحديث وذكر كلامه في الرّجل، ثمّ صرّح بالتالي قائلاً: « ولم أَرَ أحداً ذكر داهراً حتّى ولا ابن أبي حاتم بلديّه »(٢) .
فإذن، لا متكلِّم في الرجل إلّا العقيلي!
وكلامه ليس إلّا « رافضي بغيض »!!
وأنت تعلم أنّ هذا ليس بجرحٍ!! وابن حجر الحافظ ينصُّ على أنّ الرفض لا يضرّ بالوثاقة، في عدّة مواضع من كتابه ( مقدّمة فتح الباري )، في مقام الدفاع عن ( صحيح البخاري ) في روايته عن جماعةٍ اتّهموا بالرفض!
ولعلّ هذا هو السّبب في اضطراب ابن حجر في هذا المقام، فإنّه قال عقيب كلام الذهبي: « ولم أر أحداً ذكر داهراً هذا » قال: « وإنّما لم يذكروه، لأنّ البلاء من ابنه عبدالله، وقد ذكروه واكتفوا به، وقد ذكره العقيلي كما مضى، وقال: كان يغلو في الرفض. ثمّ ساق الحديث المذكور »(٣) .
___________________
(١). الضعفاء الكبير ٢ / ٤٦.
(٢). ميزان الإعتدال ٢ / ٣.
(٣). لسان الميزان ٢ / ٤٨٠.
قلت:
أوّلاً: إنّ هذا الكلام منه اعتراف ببراءة داهر عن الطعن، بل ذكر بترجمة ولده أنّ ابن الجوزي اتّهم الولد بهذا الحديث. فبرىء الأب، وبطل تكلّم العقيلي فيه.
وثانياً: إنْ كان البلاء من ابنه « عبدالله » فلماذا لم يذكر العقيلي الحديث بترجمة « عبدالله » بل ذكره بترجمة أبيه وجَعَله من بلاياه في زعمه؟
وثانياً: إنّ تكلّم العقيلي في « عبدالله بن داهر » ليس إلّا بأنْ قال: « كان ممّن يغلو في الرفض »، لا يتابع على حديثه »(١) . وذكر ابن حجر بترجمته عن ابن عدي: « عامّة ما يرويه في فضائل علي، وهو متّهم في ذلك »(٢) .
لكن ابن حجر نفسه لا يرى الرّفض موجباً للسقوط عن الوثاقة كما ذكرنا.
ورابعاً: قد ذكر الخطيب بترجمة « عبدالله » بسنده عن صالح بن محمّد الأسدي قال: عبدالله بن داهر بن يحيى الأحمري الرازي شيخ صدوق »(٣) .
فقال ابن حجر بعد نقله: « قلت: فلعلّ الآفة من غيره ». قلت: من ذلك الغير؟ إن كان أبوه فقد ذكرتَ: « البلاء من ابنه عبدالله »، وإنْ كان غيره، فقد ظهر من كلام العقيلي وغيره أنْ لا متّهم فيه سواه!!
فالحق: إنّها محاولات يائسة لردّ مناقب أمير المؤمنين وأهل البيت( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) .
___________________
(١). الضعفاء الكبير ٢ / ٤٦.
(٢). لسان الميزان ٣ / ٣٣٦.
(٣). تاريخ بغداد ٩ / ٤٥٣.
كما أنّه يظهر من كلامهم أنْ لا موضع للتكلّم في الطريق الثاني إلّا من جهة « الحسن بن الحسين العرني » وذلك لأنّ الهيثمي روى هذا الحديث في كتابه حيث قال:
« وعن ابن عباس، قال قال رسول الله صلّى عليه وسلّم لاُم سلمة: هذا علي بن أبي طالب لحمه لحمي ودمه دمي فهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي.
رواه الطبراني، وفيه الحسن بن الحسين العرني، وهو ضعيف »(١) .
إذن، لا إشكال في سند الحديث هذا إلّا من ناحية هذا الرّجل.
أقول:
أوّلاً: إنّما تكلّم فيه من تكلّم لأجل تشيّعه، بل ذكروا بترجمته: « كان من رؤساء الشيعة » ثمّ ذكروا بترجمته أحاديث كلّها في المناقب وصفوها بالمناكير(٢) .
وقد عرفت مراراً أنّ التشيع بل الرفض غير مضر.
وثانياً: ذكر الحافظ بترجمته حديثاً من المناقب رواه محمّد بن جرير الطبري في تفسيره وجَعَل الآفة فيه من غيره، ممّا يدلّ على عدم كونه مجروحاً عنده.
وثالثاً: هذا الرجل لم يذكره البخاري ولا النسائي، ولا الدارقطني، ولا العقيلي، في كتبهم في ( الضعفاء ).
___________________
(١). مجمع الزوائد ٩ / ١١١.
(٢). ميزان الإعتدال. ولسان الميزان ٢ / ٢٤١.
ورابعاً: هذا الرجل أسند عنه في الأحاديث الفقهيّة بلا تكلّم فيه، فقد أخرج عنه الدارقطني في ( سننه ) والبيهقي في ( سننه ) ولم يتكلّما فيه، وكذا غيرهما من أئمّة الحديث والفقه، وقد ذكر الذهبي بترجمة البيهقي أنّه « قل من جوآد تواليفه مثل الإمام أبي بكر البيهقي، فينبغي للعالم أنْ يعتني بها ولا سيّما سننه الكبير ».
المورد (٩)
في قضيّةٍ يرويها أنس
وخاطب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام ، بجملةٍ من مناقبه ومنها حديث المنزلة، في قضيّةٍ اُخرى، رواها القوم عن أنس بن مالك:
فقد اُخرج عن الحافظ الجليل أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه أنّه قال:
« حدّثنا عبدالله بن محمّد بن جعفر قال: حدّثنا جعفر بن محمّد العلوي، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين العلكي، قال: حدّثنا أحمد بن موسى الخزاز الدورقي، قال: حدّثنا تليد بن سليمان، عن جابر الجعفي، عن محمّد بن علي، عن أنس بن مالك قال:
بينما أنا عند النبي صلّى الله عليه وسلّم، إذْ قال: يطلع الآن.
قلت: فداك أبي واُمّي، من ذا؟
قال: سيّد المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيّين وأولى النّاس بالنبيّين.
قال: فطلع علي.
ثمّ قال لعلي: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى »(١) .
وعن الحافظ ابن مردويه أيضاً:
« عن أنس بن مالك قال: بينما أنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
فقال رسول الله: الآن يدخل سيّد المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيّين وأولى الناس بالنبيّين.
إذ طلع علي بن أبي طالب.
فقال رسول الله: وإليَّ وإليَّ.
قال: فجلس بين يدي رسول الله ( ص ). فأخذ رسول الله صلّى الله وسلّم يمسح العرق من جبهته ووجهه ويمسح به وجه علي بن أبي طالب، ويمسح العرق من وجه علي ويمسح به وجهه.
فقال له علي: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟
فقال: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟
أنت أخي ووزيري وخير من اُخلّف بعدي، تقضي ديني، وتنجز وعدي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي، وتعلّمهم من تأويل القرآن ما لم يعلموا، وتجاهدهم على التأويل كما جاهدتهم على التنزيل »(٢) .
المورد (١٠)
قضيّة بنت حمزة رضياللهعنه
أخر النّسائي في خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام :
« أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدّثنا عبدالله قال: حدّثنا إسرائيل، عن
___________________
(١). مناقب علي بن أبي طالب. عنه: اليقين في إمامة أمير المؤمنين لابن طاوس.
(٢). مناقب علي بن أبي طالب. عنه: كشف الغمة في معرفة الأئمة ١ / ٣٤٣.
أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: أنت منّي وأنا منك.
رواه القاسم بن يزيد الجرمي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم وهانىء بن هانىء عن علي قال:
لمـّا صدرنا من مكة، إذا ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها عليرضياللهعنه وأخذها، فقال لصاحبته: دونك ابنة عمّك، فحملتها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا آخذها وهي بنت عمّي. وقال جعفر: ابنة عمّي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي.
فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الاُم، ثمّ قال لعلي:
أنت منّي بمنزلة هارون وأنا منك.
وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي.
وقال لزيد: يا زيد أنت أخونا ومولانا »(١) .
وأخرجه ابن عساكر بسندٍ آخر، قال:
« وأمّا ما روي عن عبدالله بن جعفر، فأخبرناه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا أبو محمّد الصريفيني وأبو الحسين بن النقور.
وأخبرنا أبو البركات الأنماطي، أنا أبو محمّد الصيريفيني.
قالا: أنبأنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن عبدالله الصيرفي، أنبأنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، أنبأنا عبدالله بن شوذب، حدّثني ابن أبي أوس، حدّثني محمّد بن إسماعيل، حدّثني عبد الرحمن بن أبي بكر، عن إسماعيل بن عبدالله
___________________
(١). خصائص علي: ٨٨ ط النجف الأشرف.
ابن جعفر عن أبيه قال:
لمـّا قدمت ابنة حمزة المدينة، اختصم فيها علي وجعفر وزيد
فقال زيد: هي ابنة أخي وأنا أحق بها.
وقال علي: ابنة عمّي وأنا جئت بها.
وقال جعفر: ابنة عمّي وخالتها عندي.
قال: خذها يا جعفر، أنت أحقّهم بها.
فقال رسول الله:
أمّا أنت يا زيد، فمولاي وأنا مولاك.
وأمّا أنت يا جعفر، فأشبهت خلقي وخلقي.
وأمّا أنت يا علي، فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة.
وقال الأنماطي: إلّا أن لا نبوّة »(١) .
وهذا الحديث برواية أحمد والنسائي وكذا غيرهما وإنْ اُسقط حديث المنزلة من رواية بعضهم صحيح قطعاً، فقد أخرجه أحمد قال: « ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانىء بن هانىء وهبيرة بن يريم عن عليرضياللهعنه قال:
لمـّا خرجنا من مكّة »(٢) .
أمّا « يحيى بن آدم » فمن رجال الصحاح الستّة(٣) .
___________________
(١). تاريخ دمشق ٤٢ / ١٦٩ - ١٧٠.
(٢). مسند أحمد ١ / ٩٨.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٣٤١.
وأمّا « إسرائيل » وهو ابن يونس، فكذلك(١) .
وأمّا « أبو إسحاق » وهو السبيعي، فكذلك(٢) .
وأمّا « هانىء بن هاني » فمن رجال البخاري في الأدب المفرد، وأبي داود، والترمذي، والنسائي في الخصائص، وابن ماجة(٣) .
وأمّا « هبيرة بن يريم » فمن رجال أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة(٤) .
وهؤلاء هم رجال سند النسائي، حيث روى هذا الحديث عنهم بواسطة:
« القاسم بن يزيد الجرمي » وهو من رجال النسائي. قال الحافظ: ثقة عابد(٥) .
المورد (١١)
يوم غدير خم
قال ابن خلّكان في تاريخه، بترجمة أبي تميم المستنصر بالله الفاطمي، في آخرها:
« وتوفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ٤٨٧ رحمه الله تعالى.
قلت: وهذه الليلة هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجة، وهو غدير خم - بضم الخاء وتشديد الميم - ورأيت جماعةً كثيرةً
___________________
(١). تقريب التهذيب ١ / ٦٤.
(٢). تقريب التهذيب ٢ / ٧٣.
(٣). تقريب التهذيب ٢ / ٣١٥.
(٤). تقريب التهذيب ٢ / ٣١٥.
(٥). تقريب التهذيب ٢ / ١٢١.
يسألون عن هذه الليلة، متى كانت من ذي الحجة؟
وهذا المكان بين مكة والمدينة، وفيه غدير ماء، ويقال: إنّه غيضة هناك.
ولمـّا رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم من مكة - شرّفها الله تعالى - عام حجة الوداع، ووصل إلى هذا المكان، وآخى علي بن أبي طالبرضياللهعنه ، قال:
علي منّي كهارون من موسى، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
وللشيعة به تعلّق كبير.
وقال الحازمي: هو واد بين مكة والمدينة، عند الجحفة ، غدير، عنده خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدّة الحر »(١) .
المورد (١٢)
في كلامٍ له مع عقيل
أخرج ابن عساكر قال:
« أخبرنا أبو علي محمّد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان في كتابه، أنبأ أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان، أنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبدالله الدقاق، نا الحسين بن حميد بن الربيع، نا مخول بن إبراهيم أبو عبدالله النهدي، نا موسى بن مطير، عن ابن عقيل، عن أبيه، عن جدّه عقيل بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال:
« يا عقيل، اُحبّك لخصلتين، لقرابتك ولحبّ أبي طالب إيّاك. وأمّا أنت يا
___________________
(١). وفيات الأعيان ٤ / ٣١٨.
جعفر، فإنّك خلقك يشبه خلقي، وأنت يا علي فمنّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي»(١) .
قال الميلاني:
فقد ثبت - والحمد لله - أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تكرّر منه القول: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » ونحوه، كما تكرّر منه صدور « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » و « إنّي تارك فيكم الثقلين » وأمثالهما، وقد كانت موارده من أهم الوقائع وأعظم الأيام في تاريخ الإسلام، كيوم ( خيبر ) ويوم ( المؤاخاة ) ويوم ( الغدير ) ونحوها، غير أنّه قد اشتهر من بينها يوم ( تبوك ) كما اشتهر ( يوم الغدير ) من بين موارد حديث: « من كنت مولاه فعلي مولاه ».
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
___________________
(١). تاريخ دمشق ٤١ / ١٧.
الفهرس
هل العزل منقصة منفّرة ؟ ٥
تجويز انقطاع الخلافة باطل لانه نقص منفر ٧
التمثيل بعادة السّلاطين لا يرفع الإشكال ١١
إثبات النبوة الإستقلالية لهارون لا يرفع الإشكال ١٢
إضطرابهم في معني النبوّة ووقت حصولها ١٨
خلاصة الكلام في هذا المقام ٢٢
هل يجوز المنفّر على الأنبياء؟ ٢٥
كلام شنيع للفخر الرازي كلماتٌ في وجوب نزاهة الأنبياء عن المنفّرات ٢٧
مع ابن روزبهان ٣١
جواب دعوى الرازي ابتناء المسألة على الحسن والقبح ٣٤
من الأشاعرة مَن يقول بالتحسين والتقبيح العقليّين ٣٥
كلام أبي حنيفة في كتاب العالم والمتعلّم: ٤٨
وجوه الجواب عن: الإستدلال بموت هارون قبل موسى على نفي خلافة الأمير بعد النبي ٦٣
١ - إعترافه سابقاً بدلالة الحديث على الإمامة ٦٥
٢ - إعترافه لاحقاً بدلالة الحديث على الإمامة ٦٦
٣ - إعترافات تلميذه الرشيد بدلالة الحديث ٤ - إعترافات والده بدلالة الحديث على الإمامة ٦٧
٥ - اعتراف الكابلي بدلالة الحديث على الإمامة ٦٨
٦ - كلام شرّاح الحديث وعلماء الكلام(*) فضل الله التوربشتي ٦٩
شمس الدين الخلخالي: مظهر الدين الزيداني: محب الدين الطبري ٧٠
أبو شكور الحنفي: عبد الرؤف المناوي: ٧١
ابن تيميّة: ابن حجر المكي: ٧٢
ابن طلحة الشافعي: ٧٣
ابن الصبّاغ المالكي: محمّد الأمير الصنعاني: ٧٤
ابن روزبهان: الطيّبي: ٧٥
علي القاري: ابن الحجر العسقلاني: علي العزيزي: شمس الدين العلقمي: ٧٦
القسطلاني الفخر الرازي: ٧٧
٧ - لو تمّ الإستدلال لدلّ على نفي خلافته مطلقاً ٧٨
٨ - إنّه ينافي مراد الشيعة والسنّة معاً ٩ - كلام بعض النواصب كما نقله الراغب ٧٩
١٠ - تشبّث الرازي بخرافات الجاحظ ٨١
من فضائح الجاحظ ٨٣
١١ - الحديث لا يتناول إلّا منزلة ثابتة: قاله عبد الجبار ٨٩
١٢ - دعوى الدلالة على نفي الخلافة فرض وتقدير ٩٥
١٣ - إستحقاق الخلافة منزلة ثابتة لهارون ١٤ - عدم صحّة القول بأن فلاناً بمنزلة فلان في أنه ليس كذا ٩٦
١٥ - المنزلة هي المرتبة وهي الأمر الثابت ٩٧
١٦ - حديث المنزلة في حق الشيخين ١٠٠
١٧ - تشبيه عثمان بهارون ١٨ - طلب الأمير الخلافة منذ قبض النبي ١٠١
١٩ - كلام العباس لأمير المؤمنين حول الخلافة ١٠٢
٢٠ - قول العباس له: أمدد يدك أبايعك ١٠٣
٢١ - نصّ عمر على الستة ووصيّته لكلٍ منهم ٢٢ - قول عمر: فمالهم عن أبي الحسن، فوالله إنّه لأحراهم ١٠٤
٢٣ - ما فعله عبد الرحمن في الشورى ١٠٥
٢٤ - ممّا قال الأمير في الشورى: ليس هذا أول يوم ١٠٦
ممّا نقتضيه المشابهة التامة بين علي وهارون ١٠٨
دلالة حديث المنزلة ١١١
من وجوه دلالته على نفي خلافة الثلاثة دلالته على الخلافة العامة ١١٣
دلالته على افتراض الطّاعة دلالته على الأفضلية دلالته على العصمة دلالته على الأعلمية ١١٤
(١) إفتراض طاعة هارون ١١٧
ثبوت خلافة الأمير بثبوت فرض طاعته في حياة النّبي ١١٩
جواب شبهة أن افتراض الطاعة مسبب عن النبوة لا الخلافة ١٢٠
كلام المرتضى في جواب الشبهة ١٢٣
إيراد الرازي الشبهة على وجه الترديد ١٢٥
حال هارون في حياة موسى حال النبي قبل البعثة ١٢٧
من تناقضات الرازي ١٣٣
من قواعد فن المناظرة ١٣٧
(٢) إمامة هارون ووصياته ١ - من التواريخ كتاب « روضة الصفا » واعتباره ١٤٤
العيني وتاريخه ١٤٥
الثناء على الشهرستاني ١٤٧
فوائد في كلام الشهرستاني ١٤٩
٢ - من التّوراة ١٥١
احتجاج الدهلوي بالعهدين ١٥٥
مؤيّدات الإمامية في التوراة كما نقل السنّة ١٥٦
البشارة بالأئمة الاثنى عشر كما نقل السنة واعترفوا ١٥٧
بعض أئمة أهل السنّة على أن التحريف في الكتب السابقة معنوي لا لفظي ١٦٤
تصريحات ائمّتهم بإمامة هارون وأولاده ١٦٨
(٣) حديث المنزلة من الأحاديث القدسيّة وقد نزل على النبي عند ولادة الحسنين رواية الخركوشي في شرف النبوة ١٧١
ترجمة أبي سعد الخركوشي ١٧٣
رواية عمر الملّا ١٧٤
رواية المحبّ الطبري ١٧٥
رواية القاضي الدياربكري الخبر في صحيفة الإمام الرضا عليهالسلام ١٧٦
الخبر عن الصحيفة في عدّة من الكتب بلفظٍ مختصر ١٧٩
(٤) دلالة الحديث على عصمة الإمام بسبب عصمة هارون عليهماالسلام ١٨١
إستدلال بعضهم بالحديث على عصمة الأمير ١٨٢
ترجمة نظام الدين السّهالوي ١٨٣
(٥) حديث: « أمر موسى أنْ لا يسكن مسجده إلّا هارون وإنّ علياً مني بمنزلة هارون من موسى ولا يحلُّ مسجدي لأحدٍ إلّا علي » ١٨٦
(٦) حديث يا علي يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ١٨٩
(٧) حديث « إن الله أوحى إلى موسى أنْ أتخذ مسجداً طاهراً » « لا يسكنه إلّا هو وابنا هارون » « وإنّ الله أوحى إليّ أنْ أتّخذ مسجداً طاهراً » « لا يسكنه إلّا أنا وعلي وابنا علي » ١٩١
(٨) حديث « إن موسى سأل ربه أنْ يطهّر مسجده بهارون » « وأنا سألت ربي أنْ يطهّر مسجدي بك » ١٩٤
(٩) حديث « إن الله أوحى إلى موسى وإنّ الله أوحى إليَّ » « أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا أنا وعلي وابنا علي » ١٩٦
(١٠) حديث « إن الله أمر موسى وهارون أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب » « ولا يقربوا فيه النساء إلّا هارون وذريّته » « ولا يحلّ لأحدٍ إلّاعليّ وذريّته » ١٩٩
(١١) حديث صياح النخلة لمـّا مرّ بها المصطفى والمرتضى « هذا موسى وأخوه هارون » ٢٠٠
(١٢) كلمة « إلّا أنّه لا نبيَّ بَعدي » ٢٠٣
(١٣) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم « ولو كان لكنته » ٢٠٤
إحتجاجهم بالحديث الموضوع: لو كان بعدي نبي لكان عمر ٢٠٦
قولهم في حق الجويني: لو بعث الله نبياً لكان هو ٢٠٨
قولهم في حق الغزالي: لو كان بعد النبي نبي لكان الغزالي رؤيا والدة وليّ الله في استحقاق زوجها أو ولدها النبوّة ٢١٠
(١٤) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في علي عليهالسلام : « شدّ به عضدي كماشدّ عضد موسى بأخيه هارون وهو خليفتي » « ووزيري ولو كان بعدي النبوة لكان نبيّاً » ٢١٢
(١٥) ما قاله عمار في حقّ الامير واستدلاله بحديث المنزلة ٢١٣
(١٦) الأعلميّة من منازل هارون ٢١٨
(١٧) دلالة الحديث على الأعلميّة على لسان معاوية ٢٢٠
(١٨) قول معاوية بعد سماع الحديث « لو سمعت من رسول الله في علي لكنت له خادماً » ٢٢٤
(١٩) كلام أروى بنت الحارث مع معاوية رواية ابن عبد ربه ٢٢٧
ابن عبد ربه وكتابه العقد ٢٢٩
رواية أبي الفداء ٢٣١
أبو الفداء وتاريخه رواية ابن شحنة ٢٣٢
ابن شحنة وتاريخه ٢٣٣
المشابهة بين هارون وعلي في كلام أروى ٢٣٤
قول النبي: أنتم المستضعفون بعدي ٢٣٥
استنتاج باطل من الرازي ردّ النيسابوري على الرازي ٢٣٦
قول الأمير: يا ابن ام إنّ القوم استضعفوني ٢٣٧
نسبة كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة ٢٤٠
(٢٠) الأفضليّة من منازل هارون ٢٤٥
تحريم القاضي عياض وغيره تشبيه غير النبي بالنّبي ٢٤٧
تصريح شبعة بن الحجاج بدلالة الحديث على الأفضلية الكنجي الشافعي وكتابه ٢٥١
ترجمة شعبة بن الحجاج ٢٥٢
تصريح القاضي عبد الجبار بدلالة الحديث على الأفضليّة ٢٥٤
ترجمة القاضي عبد الجبّار ٢٥٦
تصريح السمناني بدلالة الحديث على أنّ عليّاً سيّد الأولياء ٢٥٧
ترجمة السمناني تصريح السيد محمّد الدّهلوي بأنَّ الحديث برهان الاتحاد بين النبيّ وعلي ٢٥٨
ترجمة السيد محمّد الدهلوي ٢٥٩
تصريح محمّد الأمير بدلالة الحديث على الأفضلية ٢٦٠
ترجمة محمّد بن إسماعيل الأمير ٢٦١
تصريح ابن روزبهان بحصول جميع الفضائل للإمام علي ٢٦٢
تصريح الشريف بدلالة الحديث على شدّة الاتصال بين النبي وعلي تصريح المولوي محمّد إسماعيل الدهلوي بدلالة الحديث على عدم الفرق بين النبي وعلي إلّافي النبوة ٢٦٣
تصريح نظام الدين الكهنوي بدلالة الحديث على اتصاف الإمام بكلّ ما اتّصف به النبيّ ٢٦٤
(٢١) ورود الحديث في غزوة تبوك في مقام التّسلية ٢٦٥
(٢٢) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث « إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك » ٢٦٧
(٢٣) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الحديث « لابُدّ من أنْ أقيم أو تقيم » ٢٧٢
ترجمة ابن سعد ٢٧٣
(٢٤) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الإستخلاف « لك من الأجر مثل مالي ومالك من المغنم مثل مالي » ٢٧٥
ترجمة أبي الحسين الخلعي ٢٧٦
(٢٥) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث « إنّه لا ينبغي أنْ أذْهب إلّا وأنت خليفتي » ٢٧٨
رواية أحمد بن حنبل ٢٧٩
رواية الحاكم ٢٨١
رواية ابن عساكر ٢٨٣
رواية المحبّ الطبري رواية ابن كثير ٢٨٤
رواية ابن حجر العسقلاني رواية جلال الدين السيوطي ٢٨٥
رواية شاه ولي الله رواية محمد بن إسماعيل الأمير ٢٨٧
الجواب عن مناقشة المحبّ الطبري في المقام ٢٨٩
(٢٦) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم له بعد الحديث « أنت خليفتي في كلّ مؤمنٍ من بعدي » ٢٩٣
اعتبار كتاب الخصائص ٢٩٥
صحة الحديث المزبور ٢٩٦
(٢٧) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد الحديث « وأنت خليفتي » ٢٩٨
(٢٨) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث « خلّفتك أنْ تكون خليفتي » ٢٩٩
استدلالهم باستخلاف أبي بكر في الصلاة ولا أصل له ٣٠٢
معارضتهم باستخلاف ابن ام مكتوم على المدينة ٣٠٤
الإستدلال بآية الغار على الإمامة والخلافة ٣٠٦
(٢٩) دلالة الحديث على أنّه عليهالسلام رابع آدم وداود وهارون عليهمالسلام ٣٠٩
ترجمة داود بن عمر الانطاكي ٣١٠
(٣٠) حديث المنزلة في سياق وصفه عليهالسلام « سيدالمسلمين وأميرالمؤمنين وخيرالوصيين وأولى الناس بالنبيين » ٣١٣
(٣١) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو منّي بمنزلة هارون » ٣١٥
(٣٢) حديث المنزلة عند المؤاخاة ٣٢٠
رواية أحمد بن حنبل رواية عبدالله بن أحمد ٣٢١
رواية أبي الشيخ الإصفهاني رواية الطبراني ٣٢٢
رواية الخطيب البغدادي رواية ابن المغازلي ٣٢٣
رواية الموفّق بن أحمد الخوارزمي ٣٢٤
رواية الزرندي ٣٢٥
رواية ابن الصبّاغ المالكي ٣٢٦
رواية الجلال السيوطي رواية الجمال المحدّث الشيرازي ٣٢٧
رواية السيد شهاب الدين أحمد ٣٢٨
(٣٣) حديث المنزلة يوم خيبر رواية ابن المغازلي ٣٣٠
رواية الخطيب الخوارزمي ٣٣٢
رواية عمر الملاّ رواية الكنجي ٣٣٤
رواية أبي الربيع ابن سبع الكلاعي ترجمة أبي الربيع الكلاعي ٣٣٥
رواية شهاب الدين أحمد ٣٣٦
رواية الأمير الصنعاني ٣٣٧
(٣٤) حديث المنزلة في احتجاج المأمون على الفقهاء ٣٣٨
(٣٥) قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « اللهم اني أسألك بما سألك أخي موسى: واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي أشدد به أزري » ٣٤٢
رواية ابن مردويه والخطيب وابن عساكر ٣٤٣
رواية ابن المغازلي والأمير الصنعاني رواية أبي الليث السمرقندي ٣٤٤
رواية الثعلبي ٣٤٥
رواية الرازي والنيسابوري رواية ابن طلحة وسبط ابن الجوزي وابن الصباغ ٣٤٦
رواية الزرندي وشهاب الدين أحمد ٣٤٧
(٣٦) دلالة الحديث على نيابة علي عن النبي عليهماالسلام ٣٤٨
(٣٧) تصريح الجلال المحلّي بدلالة الحديث على خلافة الامام علي عليهالسلام ٣٤٩
ترجمة الجلال المحلّي ٣٥٠
(٣٨) دلالة الحديث على الخلافة لدى مشايخ القوم ٣٥١
(٣٩) عمر يتمنّى ورود الحديث في حقّه ٣٥٢
وسعد بن أبي وقاص يتمنّى ٣٥٦
(٤٠) استدلال الامام بالحديث بالشورى ٣٥٧
إستدلال الزهراء عليهاالسلام بالحديث ٣٥٩
ملحق حديث المنزلة رسالةُ في حديث المنزلة في غير تبوك تأليف السيّد علي الحسيني الميلاني ٣٦١
المورد ( ١ - ٢ ) في يوم المؤاخاة ١ - رواية أحمد بن حنبل ٣٦٤
٢ - رواية القطيعي ٣٦٥
٣ - رواية الطبراني ٤ - رواية أبي نعيم الأصفهاني ٣٦٦
٥ - رواية ابن المغازلي ٣٦٧
٦ - رواية الموفّق بن أحمد الخوارزمي ٣٦٨
٧ - ابن عساكر ٣٦٩
المورد (٣) عند ولادة الحسن وولادة الحسين عليهماالسلام ٣٧٤
صحّة سند هذا الخبر ٣٧٧
صحّة السند إلى صحيفة الرضا عليهالسلام ٣٨٣
المورد (٤) يوم خيبر ٣٨٤
رواية الحديث باختصار ٣٨٦
الكلام على هذا السند ٣٨٧
المورد (٥) عند النهي عن الرّقاد في المسجد ٣٨٩
الكلام على أحد الأسانيد المذكورة ٣٩١
المورد (٦) عند سدّ الأبواب ٣٩٣
الكلام على هذا السند ٣٩٤
المورد (٧) يوم خرج على أصحابه متّكئاً على علي ٣٩٦
الكلام على سند هذا الحديث ٣٩٨
المورد (٨) في بيت اُمّ سلمة ٣٩٩
الكلام على الطريق الأول ٤٠١
الكلام على الطريق الثاني ٤٠٤
المورد (٩) في قضيّةٍ يرويها أنس ٤٠٥
المورد (١٠) قضيّة بنت حمزة رضياللهعنه ٤٠٦
الكلام على سند هذا الحديث ٤٠٨
المورد (١١) يوم غدير خم ٤٠٩
المورد (١٢) في كلامٍ له مع عقيل ٤١٠
الفهرس ٤١٢