تذكرة الفقهاء- الجزء 8
التجميع فقه مقارن
الکاتب العلامة الحلي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

تَذْكِرَةُ الْفُقَهاءِ

الجُزْء الثامِنْ

تَأليفُ

العَلّامَةِ الحِلّي



بسم الله الرحمن الرحيم



الباب الثاني

فيما يجب في باقي المحظورات‌

وفيه مباحث :

الأوّل : فيما يجب باللُّبْس‌

مسألة ٣٨٢ : مَنْ لبس ثوباً لا يحلّ له لُبْسه وجب عليه دم شاة ، وهو قول العلماء.

سأل سليمان بن العيص(١) الصادقَعليه‌السلام : عن المـُحْرم يلبس القميص متعمّداً ، قال : «عليه دم »(٢) .

ولأنّه ترفّه بمحظور في إحرامه ، فلزمه الفدية ، كما لو ترفّه بحلق شعره.

ولا فرق في وجوب الدم بين قليل اللُّبْس وكثيره ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأحمد(٣) - لأنّ صدق اللُّبْس المطلق على القليل والكثير‌

____________________

(١) في النسخ الخطية والطبعة الحجرية : محمد بن مسلم. وما أثبتناه من المصدر ، علماً بأنّ « محمد بن مسلم » في المصدر واقع في سند الحديث اللاحق.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٣٩.

(٣) الاُم ٢ : ١٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤٠ - ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٥٩ ، المغني ٣ : ٥٣٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٣.


واحد ، فلا يتخصّص الحكم المتعلّق عليه بأحد جزئيّاته.

وقال أبو حنيفة : إنّما يجب الدم بلباس يوم وليلة ، ولا يجب فيما دون ذلك ؛ لأنّه لم يلبس لُبْساً معتاداً ، فأشبه ما لو اتّزر بالقميص(١) .

ونمنع عدم اعتياده. ولأنّ ما ذكره تقدير ، والتقديرات إنّما تثبت بالنصّ. والتقدير بيوم وليلة تحكّم محض.

مسألة ٣٨٣ : استدامة اللُّبْس كابتدائه ، فلو لبس المـُحْرم قميصاً ناسياً ثم ذكر ، وجب عليه خلعه إجماعاً ؛ لأنّه فعل محظور ، فلزمه إزالته وقطع استدامته ، كسائر المحظورات.

وينزعه من أسفل ، ولو لم ينزعه ، وجب الفداء ؛ لأنّه ترفّه بمحظور في إحرامه ، فوجبت الفدية.

وقال الشافعي : ينزعه من رأسه(٢) .

وهو غلط ؛ لاشتماله على تغطية الرأس ، المـُحرَّمة. ولأنّه قول بعض التابعين(٣) .

ويجب به الفدية إن قلنا : إنّه تغطية.

ولو لبس ذاكراً ، وجبت الفدية بنفس اللُّبْس ، سواء استدامة أو لم يستدمه ، وبه قال الشافعي(٤) .

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤١ ، المغني ٣ : ٥٣٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٣.

(٢) المجموع ٧ : ٣٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠١.

(٣) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠١ ، المسألة ٨٥ ، وانظر : المجموع ٧ : ٣٤٠ ، وحلية العلماء ٣ : ٣٠١.

(٤) الاُم ٢ : ١٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤٠ - ٤٤١ ، المجموع ٧ : ٢٥٤ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠١ ، المسألة ٨٦.


وقال أبو حنيفة أوّلاً : إن استدام اللُّبْس أكثر النهار ، وجبت الفدية ، وإن كان أقلّ ، فلا.

وقال أخيراً : إن استدامة طول النهار ، وجبت الفدية ، وإلّا فلا ، لكن فيه صدقة(١) .

وعن أبي يوسف روايتان(٢) ، كقولي أبي حنيفة.

والحقّ ما قلناه ؛ لقوله تعالى :( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (٣) معناه : فمَنْ كان منكم مريضاً فلبس أو تطيّب أو حلق بلا خلاف ، فعلّق الفدية بنفس الفعل دون الاستدامة.

مسألة ٣٨٤ : لو لبس عامداً ، وجبت الفدية على ما تقدّم ، سواء كان مختاراً أو مضطرّاً ؛ لأنّه ترفّه بمحظور لحاجته ، فكان عليه الفداء ، كما لو حلق لأذى.

أمّا لو اضطرّ إلى لُبْس الخُفّين والجور بين ، فليلبسهما ، ولا شي‌ء عليه ، لقول الصادقعليه‌السلام : « وأيّ مُحْرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخُفّين إذا اضطرّ إلى ذلك ، والجوربين يلبسهما إذا اضطرّ إلى لُبْسهما »(٤) .

____________________

(١) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٥ - ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٦ - ١٨٧ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠١ ، المسألة ٨٦.

(٢) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦١ ، وحكاهما عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠١ ، المسألة ٨٦.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٤١.


ولو لبس قميصاً وعمامةً وخُفّين وسراويل ، وجب عليه لكلّ واحد فدية ؛ لأنّ الأصل عدم التداخل ، خلافاً لأحمد(١) .

ولو لبس ثم صبر ساعةً ، ثم لبس شيئاً آخر ، ثم لبس بعد ساعة اُخرى ، وجب عليه عن كلّ لِبْسةٍ كفّارة ، سواء كفّر عن المتقدّم أو لم يكفّر ، قاله الشيخ(٢) رحمه‌الله ؛ لأنّ كلّ لبسةٍ تستلزم كفّارةً إجماعاً ، والتداخل يحتاج إلى دليل.

وقال الشافعي : إن كفّر عن الأول لزمه كفّارة ثانية قولاً واحداً ، وإن لم يكفّر ، فقولان : في القديم : تتداخل ، وبه قال محمّد ، والجديد : تتعدّد ، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف(٣) .

تذنيب : لو لبس ثياباً كثيرةً دفعةً واحدة ، وجب عليه فداء واحد. ولو كان في مرّات متعدّدة ، وجب عليه لكلّ ثوب دم ؛ لأنّ لُبْس كلّ ثوب يغاير لُبْس الثوب الآخر ، فيقتضي كلّ واحد مقتضاه من غير تداخل.

ولأنّ محمد بن مسلم سأل الباقرَعليه‌السلام : عن المـُحْرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب فلبسها ، قال : « عليه لكلّ صنف منها فداء »(٤) .

مسألة ٣٨٥ : لو لبس ناسياً أو جاهلاً ثم ذكر أو علم فنزع ، لم يكن عليه شي‌ء ، قاله علماؤنا ، وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٣.

(٢) الخلاف ٢ : ٢٩٩ ، المسألة ٨٣.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٠٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢١ ، المجموع ٧ : ٣٧٩ ، الوجيز ١ : ١٢٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٩ ، وحكى الأقوال الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٩٩ - ٣٠٠ ، المسألة ٨٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٤٠.

(٥) المغني ٣ : ٥٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٣ ، الاُم ٢ : ٢٠٣ ، المجموع ٧ : ٣٣٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٠.


لما رواه العامّة عن يعلى بن اُميّة أنّ رجلاً أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو بالجعرانة وعليه جبّة وعليه أثر خلوق ، أو قال : أثر صُفْرة ، فقال : يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال : ( اخلع عنك هذه الجُبّة ، واغسل عنك أثر الخلوق - أو قال : أثر الصفرة - وأصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك )(١) .

وفي رواية اُخرى : يا رسول الله أحرمتُ بالعمرة وعليَّ هذه الجُبّة(٢) ، فلم يأمره بالفدية.

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « مَنْ نتف إبطه أو قلّم ظُفْره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له لُبْسه أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو مُحْرم ، ففَعَل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شي‌ء ، ومَنْ فَعَله متعمّداً فعليه دم شاة »(٣) .

ولأنّ الحجّ عبادة تجب بإفسادها الكفّارة ، فكان من محظوراته ما يُفرّق بين عمده وسهوه ، كالصوم.

ولأنّ الكفّارة عقوبة تستدعي ذنباً ، ولا ذنب مع النسيان.

وقال أبو حنيفة والليث والثوري ومالك وأحمد في رواية : عليه الفدية ؛ لأنّه هتك حرمة الإحرام ، فاستوى عمده وسهوه ، كحلق الشعر وتقليم الأظفار وقتل الصيد(٤) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٣٦ / ١١٨٠ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٤ / ١٨١٩ ، وأورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٥٣٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٥٤.

(٢) أوردها ابنا قدامة في المغني ٣ : ٥٣٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٥٤ ، وفي صحيح مسلم ٢ : ٨٣٦ - ٨٣٧ / ٧ بتفاوت.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٦٩ - ٣٧٠ / ١٢٨٧.

(٤) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٨ ، المغني ٣ : ٥٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٠.


ونمنع الهتك ووجود الحكم في غير الصيد.

والفرق : بأنّ الأصل يُضمن ؛ للإتلاف ، بخلاف صورة النزاع ، فإنّه ترفّه يمكن إزالته.

والمكره حكمه حكم الناسي والجاهل ؛ لأنّه غير مكلّف ، فلا يحصل منه ذنب ، فلا يستحقّ عقوبةً.

ولقولهعليه‌السلام : ( رُفع عن اُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )(١) ولو علم الجاهل ، كان حكمه حكم الناسي إذا ذكر.

ولو اضطرّ المـُحْرم إلى لُبْس المخيط لاتّقاء الحَرّ أو البرد ، لبس ، وعليه شاة ، للضرورة الداعية إليه ، فلو لا إباحته ، لزم الحرج ، وأمّا الكفّارة : فللترفّه بالمحظور ، فكان كحلق الرأس لأذى.

ولقول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : في المـُحْرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب فلبسها ، قال : « عليه لكلّ صنف منها فداء »(٢) .

مسألة ٣٨٦ : مَنْ غطّى رأسه وجب عليه دم شاة إجماعاً‌ ، وكذا لو ظلّل على نفسه حال سيره - خلافاً لبعض العامّة ، وقد تقدّم(٣) - لأنّه ترفّه بمحظور ، فلزمه الفداء ، كما لو حلق رأسه.

ولأنّ محمد بن إسماعيل روى - في الصحيح - قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام : عن الظلّ للمُحْرم من أذى مطر أو شمس ، فقال : « أرى أن يفديه بشاة يذبحها بمنى »(٤) .

____________________

(١) كنز العمّال ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ نقلاً عن الطبراني في المعجم الكبير.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٨٤ / ١٣٤٠.

(٣) تقدّم في ج ٧ ص ٣٤١ ذيل المسألة ٢٥٩.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٣٤ / ١١٥١.


ولو فَعل ذلك للحاجة أو للضرورة ، وجب عليه الفداء ؛ لأنّه ترفّه بمحظور ، فأشبه حلق الرأس لأذى.

ولا فرق بين أن يغطّي رأسه بمخيط ، كالقلنسوة ، أو غيره ، كالعمامة والخرقة ولو بطين ، أو يستره بستر وغيره.

ولو فَعَل ذلك ناسياً ، أزاله إذا ذكر ، ولا شي‌ء عليه ، لأنّ حريزاً سأل الصادقَعليه‌السلام : عن مُحرم غطّى رأسه ناسياً ، قال : « يلقي القناع عن رأسه ، ويلبّي ، ولا شي‌ء عليه »(١) .

ولا فرق بين أن تمسّ المظلّة رأسه أو لا.

ولو توسّد بوسادة أو بعمامة مكورة ، فلا بأس.

البحث الثاني : فيما يجب بالطيب والادّهان.

مسألة ٣٨٧ : أجمع العلماء على أنّ المحرم إذا تطيّب عامداً ، وجب عليه دم ؛ لأنّه ترفّه بمحظور ، فلزمه الدم ، كما لو ترفّه بالحلق.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « مَنْ أكل زعفراناً متعمّداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم ، وإن كان ناسياً فلا شي‌ء عليه ، ويستغفر الله ويتوب إليه »(٢) .

ولا فرق بين أن يستعمل الطيب أكلاً أو إطلاءً أو صبغاً أو بخوراً ، أو في طعام إجماعاً.

ولا بأس بخلوق الكعبة وإن كان فيه زعفران ؛ لأنّ يعقوب بن شعيب سأل - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : الـمُحْرم يصيب ثيابه الزعفران من‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٠٧ / ١٠٥٠ ، الاستبصار ٢ : ١٨٤ / ٦١٣.

(٢) الكافي ٤ : ٣٥٤ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٢٣ / ١٠٤٦.


الكعبة ، قال : « لا يضرّه ولا يغسله »(١) .

مسألة ٣٨٨ : لا فرق بين الابتداء والاستدامة في وجوب الكفّارة ، فلو تطيّب ناسياً ثم ذكر ، وجب عليه إزالة الطيب ، فإن لم يفعل مع القدرة ، وجب عليه الدم ؛ لأنّ الترفّه يحصل بالاستدامة كالابتداء.

والكفّارة تجب بنفس الفعل ، فلو تطيّب عامداً ثم أزاله بسرعة ، وجبت الكفّارة وإن لم يستدم الطيب ، ولا نعلم فيه خلافاً ، ووافقنا هنا(٢) أبو حنيفة وإن كان قد نازعنا في اللُّبْس(٣) .

ولا فرق في وجوب الكفّارة بين الطعام الذي فيه طيب مسّته النار أو لم تمسّه.

وقال مالك : إن مسّته النار ، فلا فدية(٤) .

وسواء بقي الطعام على وصفه من طعم أو لون أو ريح أو لم يبق.

وقال الشافعي : إن كانت أوصافه باقيةً من طعم أو لون أو رائحة ، فعليه الفدية ، وإن بقي له وصف ومعه رائحة ، ففيه الفدية قولاً واحداً ، وإن لم يبق غير لونه ولم يبق ريح ولا طعم ، قولان : أحدهما كما قلناه ، والثاني : لا فدية فيه(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٦٩ / ٢٢٦.

(٢) في « ف » والطبعة الحجرية : فيه ، بدل هنا.

(٣) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٠ و ١٦١ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٧ و ١٨٩ ، الاختيار ١ : ٢١٢ و ٢١٣ ، المغني ٣ : ٥٣٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٣.

(٤) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠٤ ، المسألة ٩١ ، وانظر : الموطأ ١ : ٣٣٠ ، والمدوّنة الكبرى ١ : ٤٥٧ ، والمنتقى ٣ : ٣٠٤ ، والتفريع ١ : ٣٢٧ ، والمغني ٣ : ٣٠٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٨٩ ، وحلية العلماء ٣ : ٢٨٩.

(٥) حكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠٤ - ٣٠٥ ، المسألة ٩١ ، وانظر : المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٦ ، وفتح العزيز ٧ : ٤٥٨ ، وحلية العلماء ٣ : ٢٨٨ - ٢٨٩ ، والمغني ٣ : ٣٠٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٨٩.


وإذا تطيّب عامداً أو ناسياً وذكر ، وجب عليه غسله ، ويستحب له أن يستعين في غسله بحلال ، ولو غسله بيده ، جاز ؛ لأنّه ليس بمتطيّب ، بل تارك للطيب ، كالغاصب إذا خرج من الدار المغصوبة على عزم الترك للغصب.

ولأنّ النبيعليه‌السلام قال للذي رأى عليه طيباً : ( اغسل عنك الطيب )(١) ولو لم يجد ماءً يغسله به ووجد تراباً ، مسَحَه به أو بشي‌ء من الحشيش أو ورق الشجر ؛ لأنّ الواجب إزالته بقدر الإمكان.

ويقدّم غسل الطيب على الطهارة لو قصر عنهما وتيمّم ؛ لأنّ للطهارة بدلاً.

ولو أمكنه قطع رائحة الطيب بشي‌ء غير الماء ، فَعَله وتوضّأ بالماء.

ويجوز له شراء الطيب وبيعه إذا لم يشمّه ، ولا يلمسه ، كما يجوز له شراء المخيط والإِماء.

مسألة ٣٨٩ : إنّما تجب الفدية باستعمال الطيب عمداً ، فلو استعمله ناسياً أو جاهلاً بالتحريم ، لم يكن عليه فدية ، ذهب إليه علماؤنا ، وبه قال الشافعي(٢) ؛ لما رواه العامّة : أنّ أعرابيّاً جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجعرانة وعليه مقطّعة(٣) له وهو متضمّخ بالخلوق ، فقال : يا رسول الله أحرمت وعليَّ هذه ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( انزع الجُبّة واغسل الصفرة )(٤) ولم يأمره بالفدية.

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٥٣٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٥٣.

(٢) الاُم ٢ : ١٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ و ٣٤٣.

(٣) مقطعة : أي ثوب قصير ، النهاية - لابن الأثير - ٤ : ٨١.

(٤) سنن النسائي ٥ : ١٤٢ - ١٤٣ ، مسند أحمد ٤ : ٢٢٤ ، المغني ٣ : ٥٣٦ بتفاوت في اللفظ.


ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام : « مَنْ أكل زعفراناً متعمّداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم ، وإن كان ناسياً فلا شي‌ء عليه ، ويستغفر الله ، ويتوب إليه »(١) .

مسألة ٣٩٠ : لو استعمل دهناً طيّباً ، وجب عليه دم شاة ، ولا شي‌ء على الناسي ؛ لأنّ معاوية بن عمّار روى - في الصحيح - في مُحْرم كانت به قرحة ، فداواها بدهن بنفسج ، قال : « إن كان فَعَله بجهالة فعليه طعام مسكين ، وإن كان تعمَّد فعليه دم شاة يهريقه »(٢) ومعاوية ثقة لا يقول ذلك إلّا تلقيناً.

البحث الثالث : فيما يجب بالحلق وقصّ الظفر.

مسألة ٣٩١ : أجمع العلماء على وجوب الفدية بحلق المـُحْرم رأسه متعمّداً.

قال الله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (٣) .

وروى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لكعب بن عجرة : ( لعلّك آذاك هوامّك ) قال : نعم يا رسول الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( احلق رأسك ، وصُمْ ثلاثة أيام ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو أنسك شاةً )(٤) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٢٣ / ١٠٤٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٠٤ / ١٠٣٨.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٢ - ١٣ ، الموطّأ ١ : ٤١٧ / ٢٣٨ ، المغني ٣ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦٩.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « مرَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على كعب بن عجرة الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه ، فقال : أتؤذيك هوامّك؟ فقال : نعم ، قال : فاُنزلت هذه الآية( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (١) فأمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فحلق رأسه ، وجعل عليه الصيام ثلاثة أيّام ، والصدقة على ستة مساكين لكلّ مسكين مُدّان ، والنسك شاة »(٢) .

مسألة ٣٩٢ : الفدية تتعلّق بحلق الرأس ، سواء كان لأذى أو غيره ؛ لدلالة الآية(٣) على وجوبها في الأذى ، ففي غيره أولى.

هذا إذا كان عالماً عامداً ، وإن كان جاهلاً أو ناسياً ، فلا شي‌ء عندنا - وبه قال إسحاق وابن المنذر(٤) - لقولهعليه‌السلام : ( رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « مَنْ نتف إبطه أو قلّم ظُفْره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له لُبْسه أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو مُحْرم ، ففَعَل ذلك ناسياً أو جاهلاً ، فليس عليه شي‌ء ، وَمنْ فَعَله متعمّداً فعليه دم شاة »(٦) .

وقال الشافعي : تجب عليه الفدية ؛ لأنّه إتلاف ، فاستوى عمده‌

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٣٣ / ١١٤٧ ، الاستبصار ٢ : ١٩٥ / ٦٥٦.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) المغني ٣ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٠.

(٥) كنز العمّال ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ نقلاً عن الطبراني في المعجم الكبير.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٦٩ - ٣٧٠ / ١٢٨٧.


وخطؤه ، كقتل الصيد(١) .

والفرق : أنّ قتل الصيد مشتمل - مع التحريم المشترك - على إضاعة المال وإتلاف الحيوان لغير فائدة.

إذا عرفت هذا ، فقد قال الشيخرحمه‌الله : الجاهل يجب عليه الفداء(٢) .

والمعتمد : ما قلناه ؛ لحديث الباقرعليه‌السلام (٣) .

وأمّا النائم فهو كالساهي ، فلو قلع النائم شعره ، أو قرّبه من النار فأحرقه ، فلا شي‌ء عليه ، خلافاً للشافعي(٤) .

مسألة ٣٩٣ : الكفّارة إمّا صيام ثلاثة أيّام ، أو صدقة على ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع ، وإمّا نسك ، وهو : شاة يذبحها ، ويتصدّق بلحمها على المساكين.

وهي مخيّرة عند علمائنا - وبه قال مالك والشافعي(٥) - للآية(٦) .

وقال أبو حنيفة : إنّها مخيّرة إن كان الحلق لأذى ، وإن كان لغيره ، وجب الدم عينا - وعن أحمد روايتان - لأنّ الله تعالى خيّر بشرط العذر ، فإذا عدم الشرط ، وجب زوال التخيير(٧) .

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٠ ، المجموع ٧ : ٣٤٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٠٥ و ١١٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٨ ، المغني ٣ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٠.

(٢) الخلاف ٢ : ٣١١ ، المسألة ١٠٢.

(٣) تقدّم في ص ١٥.

(٤) لم نعثر عليه ، والقول موجود في المغني ٣ : ٥٢٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٧٠ من دون نسبة.

(٥) المغني ٣ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢١ ، المجموع ٧ : ٣٦٧ - ٣٦٨ و ٣٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٦.

(٦) البقرة : ١٩٦.

(٧) المغني ٣ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٢ ، المجموع ٧ : ٣٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٦.


والجواب : الشرط لجواز الحلق لا للتخيير.

ولأنّ الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعاً له ، والتبع لا يخالف أصله.

ولا تجب الزيادة في الصيام على ثلاثة أيّام عند عامّة أهل العلم(١) ؛ لما رواه العامّة في حديث كعب بن عُجْرة : ( احلق رأسك وصُمْ ثلاثة أيّام )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « فالصيام ثلاثة أيّام »(٣) .

وقال الحسن البصري وعكرمة : الصيام عشرة أيّام. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي(٤) .

وأمّا الصدقة : فهو إطعام البُرّ أو الشعير أو الزبيب أو التمر على ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع في المشهور - وبه قال مجاهد والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي(٥) - لما رواه العامّة في حديث كعب بن عجرة ( أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع )(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « أو يتصدّق على ستّة مساكين ، والصدقة نصف صاع لكلّ مسكين »(٧) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٨١ ، زاد المسير في علم التفسير ١ : ٢٠٦ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٨٣.

(٢) الموطأ ١ : ٤١٧ / ٢٣٨ ، صحيح البخاري ٣ : ١٢ - ١٣ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٩ : ١٠٩ / ٢٢٠.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٣٤ / ١٥٤٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٩ / ٦٥٧.

(٤) المغني ٣ : ٥٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧ - ٣٣٨ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٨١ ، زاد المسير في علم التفسير ١ : ٢٠٦ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٨٣ ، المحلّى ٧ : ٢١٢.

(٥) المغني ٣ : ٥٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧.

(٦) صحيح البخاري ٣ : ١٣ ، المغني ٣ : ٥٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧.

(٧) التهذيب ٥ : ٣٣٤ / ١١٤٩ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ / ٦٥٨.


وفي رواية اُخرى لنا - وهو قول بعض علمائنا(١) ، والحسن وعكرمة والثوري وأصحاب الرأي(٢) - أنّ الصدقة على عشرة مساكين ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام »(٣) .

والرواية مرسلة(٤) .

ولا فرق بين شعر الرأس وبين شعر سائر البدن في وجوب الفدية وإن اختلف مقدارها على ما يأتي ، وبه قال الشافعي(٥) .

وقالت الظاهرية : لا فدية في شعر غير الرأس(٦) ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ) (٧) .

وهو يدلّ بمفهوم اللقب ولا حجّة فيه ، والقياس يدلّ عليه ، وهو من اُصول الأدلّة عندهم ، فإنّ إزالة شعر الرأس وشعر غيره اشتركا في الترفّه.

مسألة ٣٩٤ : لو نتف إبطيه جميعاً ، وجب عليه دم شاة ، وفي نتف الواحد إطعام ثلاثة مساكين ؛ لأنّ الدم في الرأس إنّما يجب بحلقه أو بما يسمّى حلق الرأس ، وهو غالباً مساوٍ للإبطين.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « مَنْ حلق رأسه أو نتف إبطه ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً فلا شي‌ء عليه ، ومَنْ فَعَله متعمّداً فعليه دم »(٨) .

____________________

(١) المحقّق في شرائع الإسلام ١ : ٢٩٦.

(٢) المغني ٣ : ٥٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٧ - ٣٣٨ ، المحلّى ٧ : ٢١٢ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٨٣.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٣٣ - ٣٣٤ / ١١٤٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ / ٦٥٧.

(٤) كذا ، والحديث مسند ، وانظر منتهى المطلب ٢ : ٨١٥.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٤ ، المجموع ٧ : ٢٤٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٣.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ١١٥ ، المجموع ٧ : ٢٤٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٨٣.

(٧) البقرة : ١٩٦.

(٨) الكافي ٤ : ٣٦١ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٣٣٩ / ١١٧٤ ، الاستبصار ٢ : ١٩٩ / ٦٧٢.


وقال الصادقعليه‌السلام : في مُحْرم نتف إبطه : « يطعم ثلاثة مساكين »(١) .

قال الشيخرحمه‌الله : إنّه محمول على مَنْ نتف إبطاً واحداً ، والأوّل على مَنْ نتف إبطيه جميعاً(٢) .

ولو مسّ رأسه أو لحيته فسقط منهما شي‌ء من الشعر ، أطعم كفّاً من طعام ، ولو فَعَل ذلك في وضوء الصلاة ، فلا شي‌ء عليه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : في المـُحْرم إذا مسّ لحيته ، فوقع منها شعر : « يطعم كفّاً من طعام أو كفّين »(٣) .

وسأل رجلٌ الصادقَعليه‌السلام : إنّ المـُحْرم يريد إسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة والشعرتان ، فقال : « ليس عليه شي‌ء( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٤) »(٥) .

مسألة ٣٩٥ : لو حلق لأذى ، اُبيح له ذلك ، ويتخيّر بين التكفير قبل الحلق وبعده ؛ لما رواه العامّة عن الحسين بن عليعليهما‌السلام : اشتكى رأسه فأتى عليعليه‌السلام ، فقيل له : هذا الحسين يشير إلى رأسه ، فدعا بجزور فنحرها ثم حلقه وهو بالسعيا(٦) (٧) .

ولأنّها كفّارة ، فجاز تقديمها ، كالظهار.

ولو خلّل شعره فسقطت شعرة ، فإن كانت ميتةً ، فالوجه : عدم الفدية ، ولو كانت ثابتة ، وجبت الفدية ، ولو شكّ ، فالأصل عدم الضمان.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٤٠ / ١١٧٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٠٠ / ٦٧٦.

(٢) الاستبصار ٢ : ٢٠٠ ذيل الحديث ٦٧٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٣٨ / ١١٦٩ ، الاستبصار ٢ : ١٩٨ / ٦٦٧.

(٤) الحج : ٧٨.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٣٩ / ١١٧٢ ، الاستبصار ٢ : ١٩٨ / ٦٧٠.

(٦) السعيا - بوزن يحيى - : وادٍ بتهامة قرب مكة. معجم البلدان ٣ : ٢٢١.

(٧) المغني ٣ : ٥٣١.


ولو قلع جلدة عليها شعر ، لم يكن عليه ضمان ؛ لأنّ زوال الشعر بالتبعية ، فلا يكون مضموناً ، كما لو قطع أشفار عيني غيره ، فإنّه لا يضمن أهدابهما.

مسألة ٣٩٦ : اختلف قول الشيخ -رحمه‌الله - في المحرم هل له أن يحلق رأس المـُحِلّ؟ فجوّزه في الخلاف‌ ولا ضمان - وبه قال الشافعي وعطاء ومجاهد وإسحاق وأبو ثور(١) - لأصالة براءة الذمّة(٢) .

وقال في التهذيب : لا يجوز - وبه قال مالك وأبو حنيفة ، وأوجبا عليه الضمان ، وهو عند أبي حنيفة صدقة(٣) - لقول الصادقعليه‌السلام : « لا يأخذ الحرام من شعر الحلال »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فالشاة تصرف إلى المساكين ، ولا يجوز له أن يأكل من اللحم شيئاً ؛ لأنّها كفّارة ، فيجب دفعها إلى المساكين ، كغيرها من الكفّارات.

ولما رواه ابن بابويه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث كعب ( والنسك شاة لا يطعم منها أحد إلّا المساكين )(٥) .

مسألة ٣٩٧ : أجمع علماء الأمصار على أنّ المـُحْرم ممنوع من قصّ أظفاره‌ ، وتجب فيه الفدية عند عامّة أهل العلم(٦) - وبه قال حمّاد ومالك‌

____________________

(١) الاُم ٢ : ٢٠٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٩ ، المجموع ٧ : ٢٤٨ و ٣٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٤ ، المغني ٣ : ٥٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٢.

(٢) الخلاف ٢ : ٣١١ - ٣١٢ ، المسألة ١٠٣.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٢٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٩ ، المجموع ٧ : ٢٤٨ و ٣٥٠ ، المغني ٣ : ٥٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٤٠ - ٣٤١ ذيل الحديث ١١٧٨ والحديث ١١٧٩.

(٥) الفقيه ٢ : ٢٢٨ - ٢٢٩ ذيل الحديث ١٠٨٤.

(٦) المغني ٣ : ٥٣١ - ٥٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٢.


والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وعطاء في إحدى الروايتين(١) - لأنّه أزال ما منع من إزالته لأجل التنظيف والترفّه ، فوجبت الفدية ، كحلق الشعر.

وفي الرواية الاُخرى عن عطاء : أنّه لا كفّارة ؛ لأنّ الشرع لم يرد فيه بفدية(٢) .

ونمنع عدم ورود الشرع على ما يأتي ، والقياس يدلّ عليه.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب في الظفر الواحد مُدٌّ من طعام عند علمائنا أجمع - وبه قال أحمد والشافعي في أحد أقواله(٣) - لأنّ أبا بصير سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - : عن رجل قلّم ظفراً من أظافيره وهو مُحْرم ، قال : « عليه في كلّ ظفر قيمة مُدَّ من طعام حتى يبلغ عشرة »(٤) .

والثاني للشافعي : عليه درهم.

والثالث : ثُلْث دم ؛ لأنّ الدم عنده يجب في ثلاثة أظفار(٥) .

إذا ثبت هذا ، ففي الظفرين مُدّان ، وفي الثلاثة ثلاثة أمداد ، وهكذا يزيد في كلّ ظُفْر مُدٌّ إلى أن يستوعب القصّ أظفار يديه معاً ، فيجب عليه دم شاة عند علمائنا ؛ لأصالة البراءة من الدم ، فلا يثبت إلّا بدليل.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « فإن قلّم أصابع يديه كلّها فعليه دم شاة »(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٣١ - ٥٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٢ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١٧ ، المجموع ٧ : ٢٤٨ و ٣٧٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٧.

(٢) المغني ٣ : ٥٣٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٧.

(٣) المغني ٣ : ٥٣٢ ، الاُم ٢ : ٢٠٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٦٧ ، المجموع ٧ : ٣٧١ و ٣٧٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٣٢ / ١١٤١ ، الاستبصار ٢ : ١٩٤ / ٦٥١ ، والفقيه ٢ : ٢٢٧ / ١٠٧٥.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٤٦٧ ، المجموع ٧ : ٣٧١ و ٣٧٦.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٣٢ / ١١٤١ ، الاستبصار ٢ : ١٩٤ / ٦٥١ ، والفقيه ٢ : ٢٢٧ / ١٠٧٥.


وفي حديث الحلبي عنهعليه‌السلام « مدّ في كلّ إصبع ، فإن هو قلّم أظافيره عشرتها فإنّ عليه دم شاة »(١) .

وقال أبو حنيفة : إن : قلّم خمس أصابع من يد واحدة ، لزمه الدم ، ولو قلّم من كلّ يد أربعة أظفار ، لم يجب عليه دم ، بل الصدقة. وكذا لو قلّم يداً واحدة إلّا بعض الظفر لم يجب الدم.

وبالجملة : فالدم عنده إنّما يجب بتقليم أظفار يد واحدة كاملة - وهو رواية لنا(٢) - لأنّه لم يستكمل منفعة اليد من التزيين والإرفاق الكامل ، بل تحصل بالشين في أعين الناس ، بخلاف اليد الواحدة(٣) .

وهو حجّة لنا ؛ فإنّ الإرفاق والتزيين إنّما يحصلان بتقليم اليدين معاً أو الرِّجْلين معاً ، لا بإحدى اليدين أو إحدى الرِّجلين.

وقال الشافعي : إن قلّم ثلاثة أظافير في مجلس واحد ، وجب الدم ، ولو كانت في ثلاثة أوقات متفرّقة ، ففي كلّ ظفر الأقوال الثلاثة. ولا يقول : إنّه يجب الدم عند التكامل ، وفي أصحابه من قال : عليه دم. وليس هو المذهب عندهم ؛ لأنّ الثلاثة جمع يقع عليها اسمه ، فأشبه ما لو قلّم خمساً من كلّ واحدة أو العشرة(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٣٢ / ١١٤٢ ، الاستبصار ٢ : ١٩٤ / ٦٥٢.

(٢) كما في الخلاف - للشيخ الطوسي - ٢ : ٣٠٩ ، المسألة ١٠٠.

(٣) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٤ ، المغني ٣ : ٥٣٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٧٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١١٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٨ ، المجموع ٧ : ٣٧٦ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠٩ ، المسألة ١٠٠.

(٤) انظر : المغني ٣ : ٥٣٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٧٢ ، والحاوي الكبير ٤ : ١١٧ ، والمجموع ٧ : ٣٦٩ و ٣٧٦ ، و ٣٨٠ - ٣٨١ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٠٩ و ٣١٠ ، المسألتان ١٠٠ و ١٠١.


ونمنع تعلّق الدم بما يقع عليه اسم الجمع ، ولا عبرة به مع النصّ.

وقال محمّد : إذا قصّ خمسة أظفار من يدين أو رجلين أو منهما أو من واحدة منهما ، وجب الدم ؛ لأنّه ربع وزيادة ، فأشبه قصّ يد واحدة أو رِجْل واحدة(١) .

ونمنع ثبوت الحكم في الأصل.

فروع :

أ - الكفّارة تجب على كلّ مَنْ قلّم متعمّداً‌ ، ولا شي‌ء على الناسي ولا الجاهل عند علمائنا - وبه قال إسحاق وابن المنذر وأحمد(٢) - لما تقدّم.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « وليس عليك فداء شي‌ء أتيته وأنت مُحْرمٌ جاهلاً به إذا كنت مُحْرماً في حجّك ولا عمرتك إلّا الصيد عليك الفداء بجهل كان أو عمد »(٣) الحديث.

ب - لو قصّ بعض الظفر ، وجب عليه ما يجب في جميعه.

ج - لو قصّ أظفار يديه ورجليه معاً ، فإن اتّحد المجلس ، وجب دم واحد ، وإن كان في مجلسين ، وجب دمان.

روى أبو بصير - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قلت له : فإن قلّم أظافير رجليه ويديه جميعاً ، قال : « إن كان فَعَل ذلك في مجلس واحد ، فعليه دم ، وإن كان فَعَله متفرّقاً في مجلسين ، فعليه دمان »(٤) .

____________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ١٩٤ ، المجموع ٧ : ٣٧٦.

(٢) الشرح الكبير ٣ : ٣٥٢.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٧٠ / ١٢٨٨.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٣٢ / ١١٤١ ، الاستبصار ٢ : ١٩٤ / ٦٥١.


د - مَنْ أفتى غيره بتقليم ظفره ، فقلّمه فأدماه ، وجب على المفتي دم شاة‌ ، لأنّه الأصل في إراقة الدم.

ولأنّ إسحاق الصيرفي سأل الكاظمَعليه‌السلام : أنّ رجلاً أحرم فقلّم أظفاره ، وكانت إصبع له عليلة فترك ظفرها لم يقصّه ، فأفتاه رجل بعد ما أحرم ، فقصّه فأدماه ، قال : « على الذي أفتاه شاة »(١) .

البحث الرابع : في جزاء قتل هوامّ الجسد وقطع الشجر.

مسألة ٣٩٨ : يجب برمي القملة عن جسد المـُحْرم أو قتلها كفٌّ من طعام‌ - وبه قال عطاء(٢) - لأنّه حصل به الترفّه والتنظّف ، فوجب عليه الفداء ، كحلق الرأس.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « المـُحْرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمّداً ، وإن فعل(٣) شيئاً من ذلك خطأً فليطعم مكانها طعاماً قبضةً بيده »(٤) .

وقال أصحاب الرأي : يتصدّق بمهما كان(٥) .

وقال إسحاق : يتصدّق بتمرة(٦) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٣٣ / ١١٤٦.

(٢) المغني ٣ : ٢٧٤ ، المجموع ٧ : ٣٣٤.

(٣) في المصدر : « وإن قتل ».

(٤) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٦٠ ، الإستبصار ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ / ٦٦١.

(٥) بدائع الصنائع ٢ : ١٩٦ ، المغني ٣ : ٢٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٢ ، المجموع ٧ : ٣٣٤.

(٦) المغني ٣ : ٢٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٢ ، المجموع ٧ : ٣٣٤.


وقال مالك : حفنة من طعام(١) .

وقال طاوُس وسعيد بن جبير وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين : لا شي‌ء عليه ؛ لأنّ ابن عباس سُئل : عن مُحْرم ألقى قملة ثم طلبها فلم يجدها ، فقال : تلك ضالّة لا تبتغى(٢) .

ولا دلالة فيه على عدم الفدية.

إذا عرفت هذا ، فإنّ الكفّارة تجب في العمد والسهو والخطأ ، كالصيد. وللرواية(٣) .

مسألة ٣٩٩ : يحرم قطع شجرة الحرم في قول العلماء كافّة ، وتجب في الكبيرة بقرة ، وفي الصغيرة شاة ، وفي أبعاضها قيمة ، قاله الشيخ(٤) .

وأوجب الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي الضمان ، وهو مروي عن ابن عباس وعطاء(٥) .

لقولهعليه‌السلام : ( ولا يعضد شجرها )(٦) .

ولقول ابن عباس : في الدوحة بقرة ، وفي الجزلة شاة(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول أحدهماعليهما‌السلام : « إذا كان في دار الرجل‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٧٣ - ٢٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٢ ، المجموع ٧ : ٣٣٤.

(٢) المغني ٣ : ٢٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣١٢ ، المجموع ٧ : ٣٣٤.

(٣) تقدّمت في صدر المسألة.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٤.

(٥) الاُم ٢ : ٢٠٨ ، مختصر المزني : ٧١ ، المجموع ٧ : ٤٩٤ و ٤٩٦ ، فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٢ ، فتح الباري ٤ : ٣٥ ، المغني ٣ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٥.

(٦) صحيح البخاري ٣ : ١٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٩ / ٤٤٨ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٢ / ٢٠١٧ ، سنن النسائي ٥ : ٢١١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٩٥.

(٧) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٦ ، المغني ٣ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠.


شجرة من شجر الحرم ولم تنزع ، فإن أراد نَزْعها ، نَزَعها ، وكفّر بذبح بقرة يتصدّق بلحمها على المساكين »(١) .

والرواية مرسلة.

وقال مالك : لا ضمان فيه ؛ لأنّ قطع شجر الحلّ لا يوجب الجزاء على المـُحْرم ، فكذا قطع شجر الحرم ؛ لأنّ ما حرم بالإِحرام لا يتفاوت ، كالصيد(٢) .

والجواب : أنّ هتك حرمة الحرم يحصل في الفرع(٣) دون الأصل ، فافترقا.

إذا عرفت هذا ، فالضمان ما قلناه عندنا وعند مَنْ أوجبه من العامّة ، إلّا أصحاب الرأي ؛ فإنّهم أوجبوا القيمة في الجميع ؛ لأنّه لا مقدّر فيه ، فأشبه الحشيش(٤) .

ونمنع الصغرى.

البحث الخامس : فيما يجب بالفسوق والجدال.

مسألة ٤٠٠ : المـُحْرم إذا جادل صادقاً مرّةً أو مرّتين ، لم يكن عليه شي‌ء من الكفّارة‌ ؛ للأصل ، ويتوب ، فإن جادل ثلاثاً صادقاً ، وجب عليه دم شاة ؛ لارتكابه المحظور والمنهي عنه في قوله تعالى :( وَلا جِدالَ ) (٥) وهو يتناول الصادق والكاذب ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا جادل فوق مرّتين‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٨١ / ١٣٣١.

(٢) بداية المجتهد ١ : ٣٦٥ ، المغني ٣ : ٣٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠ ، فتح العزيز ٧ : ٥١١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٢ ، فتح الباري ٤ : ٣٥.

(٣) الفرع هنا شجر الحرم باعتبار أنّه جُعل مقيساً على الأصل وهو شجر الحِلّ.

(٤) بدائع الصنائع ٢ : ٢١٠ ، المغني ٣ : ٣٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٠ ، المجموع ٧ : ٤٩٦.

(٥) البقرة : ١٩٧.


فعلى المصيب دم يهريقه وعلى المخطئ بقرة »(١) .

ولو جادل مرّةً كاذباً ، وجب عليه دم شاة ، فإن جادل مرّتين ، كان عليه بقرة ، فإن جادل ثلاثاً كاذباً ، كان عليه جزور ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا جادل الرجل وهو مُحْرم وكذب متعمّداً فعليه جزور »(٢) .

هذا كلّه إذا فَعَله متعمّداً ، فإن فَعَله ساهياً ، لم يكن عليه شي‌ء.

مسألة ٤٠١ : الجدال : قول الرجل : لا والله وبلى والله ؛ لأنّ معاوية بن عمّار روى - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يقول : لا لعمري ، وهو مُحْرم ، قال : « ليس بالجدال ، إنّما الجدال قول الرجل : لا والله وبلى والله ، وأمّا قوله : لاها ، فإنّما طلب الاسم ، وقوله : يا هناه ، فلا بأس به ، وأمّا قوله : لا بل شانيك ، فإنّه من قول الجاهلية »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فهل الجدال مجموع اللفظتين ، أعني « لا والله » و « بلى والله » أو إحداهما؟ الأقرب : الثاني.

وأمّا الفسوق : فهو الكذب ، ولا شي‌ء فيه ؛ للأصل.

ولأنّ محمّد بن مسلم والحلبي قالا للصادقعليه‌السلام : أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال : « لم يجعل الله له حدّاً ، يستغفر الله ويلبّي »(٤) .

البحث السادس : فيما يجب بالاستمتاع.

مسألة ٤٠٢ : مَنْ وطئ امرأته وهو مُحْرم عالماً بالتحريم‌ عامداً قبل‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٣٧ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢١٢ / ٩٦٨.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٣٥ / ١١٥٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٣٦ / ١١٥٧.

(٤) الفقيه ٢ : ٢١٢ / ٩٦٨.


الوقوف بالموقفين فسد حجّه بإجماع العلماء كافّة ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس : أنّ رجلاً سأله ، فقال : إنّي واقعت بامرأتي ونحن مُحْرمان ، فقال : أفسدت حجّك ، انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون ، وحلِّ إذا أحلّوا ، فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك ، واهديا هدياً ، فإن لم تجدا ، فصُوما ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم(١) .

[ وفي حديث ابن عباس ](٢) : ويتفرّقان من حيث يُحْرمان حتى يقضيا حجّهما(٣) .

قال ابن المنذر : قول ابن عباس أعلى شي‌ء روي فيمن وطئ في حجّه(٤) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه زرارة ، قال : سألته عن مُحْرم غشي امرأته وهي مُحْرمة ، فقال : « جاهلين أو عالمين؟ » قلت : أجبني عن الوجهين جميعاً ، فقال : « إن كانا جاهلين ، استغفرا ربّهما ، ومضيا على حجّهما ، وليس عليهما شي‌ء ، وإن كانا عالمين ، فُرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه ، وعليهما بدنة ، وعليهما الحجّ من قابل ، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه ، فُرّق بينهما حتى يقضيا مناسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا » قلت : فأيّ الحجّتين لهما؟ قال : « الاُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا ، والاُخرى عليهما عقوبة »(٥) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب عليه إتمام الحجّ الفاسد ، والحجّ من قابل ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) المغني ٣ : ٣٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١.

(٤) المغني ٣ : ٣٢٣ - ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١.

(٥) الكافي ٤ : ٣٧٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣١٧ / ١٠٩٢.


ويكفّر ببدنة ، وإذا انتهيا إلى المكان الذي أحدثا فيه ما أحدثا ، فُرّق بينهما بأن لا يخلوا بأنفسهما إلّا ومعهما ثالث محترم حتى يقضيا مناسك القضاء إن حجّا على ذلك الطريق - وممّن قال بوجوب الفدية : ابن عباس وطاوُس وعطاء ومجاهد ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور(١) لأنّه وطئ في إحرامٍ تامّ عامداً ، فوجب به عليه بدنة ، كما لو وطئ بعد الوقوف بالموقفين.

ولرواية معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل محرم وقع على أهله ، فقال : « إن كان جاهلاً فليس عليه شي‌ء ، وإن لم يكن جاهلاً فإنّ عليه أن يسوق بدنة ، ويُفرّق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ، وعليهما الحجّ من قابل »(٢) .

وقال أبو حنيفة : تجب عليه شاة - وقال الثوري وإسحاق : تجب عليه بدنة ، فإن لم يجد ، فشاة(٣) - لأنّه معنى يتعلّق به وجوب القضاء ، فلا يتعلّق به وجوب البدنة ، كالفوات(٤) .

وهو باطل ؛ للفرق ، فإنّ الفوات لا تجب فيه الشاة بالإجماع ، بخلاف الإفساد ، وإذا ثبت الفرق ، بطل الإلحاق.

مسألة ٤٠٣ : يجب عليه إتمام الحجّ الفاسد‌ عند علمائنا - وهو قول‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٢٤ - ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، المجموع ٧ : ٣٨٧ و ٤١٤ و ٤١٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٥ - ٢١٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٧.

(٢) التهذيب ٥ : ٣١٨ / ١٠٩٥.

(٣) المغني ٣ : ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، المجموع ٧ : ٤١٦.

(٤) المغني ٣ : ٣٢٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٠ ، المجموع ٧ : ٤١٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٥ - ٢١٦.


عامّة العلماء(١) - لقوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٢) وهو يتناول الفاسد.

ولما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، وعمر وابن عباس وأبي هريرة أنّهم قالوا : مَنْ أفسد حجّه يمضي في فاسدة ، ويقضي من قابل(٣) . ولم يعرف لهم مخالف ، فكان إجماعاً.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ويفرّق بينهما حتى يقضيا المناسك »(٤) .

وقالت الظاهرية : يخرج من إحرامه ، ولا يجب عليه الإتمام ؛ لقولهعليه‌السلام : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو مردود )(٥) (٦) .

والجواب : المضيّ في الفاسد مأمور به.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب عليه القضاء في السنة المـُقْبلة على الفور وجوباً عند علمائنا - وبه قال الشافعي(٧) - لما رواه العامّة : أنّ رجلاً أفسد حجّه ، فسأل عمر ، فقال : يقضي من قابل ، وسأل ابن عباس ، فقال كذلك ،

____________________

(١) الشرح الكبير ٣ : ٣٢٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٥ - ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٣٨٨ و ٤١٤.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٢ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٣٢٣ ، المحلّى ٧ : ١٩٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٦٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٣١٨ / ١٠٩٥.

(٥) كتاب السّنة - لابن أبي عاصم - ١ : ٢٨ / ٥٢ ، وبتفاوت في صحيح البخاري ٣ : ٩١ ، وصحيح مسلم ٣ : ١٣٤٣ - ١٣٤٤ / ١٨ ، ومسند أحمد ٦ : ١٤٦ و ١٨٠ و ٢٥٦.

(٦) المحلّى ٧ : ١٨٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٦ ، المجموع ٧ : ٣٨٨ و ٤١٤.

(٧) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٣ - ٤٧٤ ، المجموع ٧ : ٣٨٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٠.


وسأل ابن عمر ، فقال كذلك(١) ، ولم يوجد لهم مخالف ، فكان إجماعاً.

ومن طريق الخاصّة : ما تقدّم في المسألة السابقة(٢) .

ولأنّه لمـّا دخل في الإحرام تعيّن عليه ، فيجب أن يكون قضاؤه متعيّناً.

ولأنّ الحجّ واجب على الفور ، والتقدير أنّه لم يقع ؛ إذ الفاسد لا يُخرج المكلّف عن عهدة التكليف.

واختلف أصحاب الشافعي على قولين : أحدهما كما قلناه.

والثاني أنّه على التراخي ؛ لأنّ الأداء واجب على التراخي ، فالقضاء أولى ، فإنّ الصوم يجب على الفور ، وقضاؤه على التراخي(٣) .

ونمنع التراخي في الأداء ، وقد سبق(٤) .

مسألة ٤٠٤ : المرأة الموطوءة إذا كانت مُحْرمةً ، فإن طاوعت الزوج ، فسد حجّها ، ووجب إتمامه وبدنة والحجّ من قابل ، وإن أكرهها ، لم يكن عليها شي‌ء ، وتحمّل عنها البدنة خاصّةً - وبه قال ابن عباس وسعيد بن المسيّب والنخعي والضحّاك ومالك والحكم وأحمد(٥) - لوجود المقتضي - وهو الإِفساد - في حقّها ، كوجوده في حقّه ، فتساويه في العقوبة.

ولما رواه علي بن أبي حمزة ، قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام : عن‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٦ ، المغني ٣ : ٣٢٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١.

(٢) من رواية زرارة.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٢ ، المجموع ٧ : ٣٨٩.

(٤) سبق في ج ٧ ص ١٧ ، المسألة ٨.

(٥) المغني ٣ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١.


رجل مُحْرم واقع أهله ، فقال : « قد أتى عظيماً » قلت : أفتني ، قال : « استكرهها أو لم يستكرهها؟ » قلت : أفتني فيهما جميعاً ، فقال : « إن كان استكرهها ، فعليه بدنتان ، وإن لم يكن استكرهها ، فعليه بدنة ، وعليها بدنة ، ويفترقا من المكان الذي كان فيه ما كان حتّى ينتهيا إلى مكّة ، وعليهما الحجّ من قابل لا بُدّ منه »(١) .

وقال الشافعي : يجزئهما هدي واحد - وبه قال عطاء وأحمد في إحدى الروايتين - لأنّه جماع واحد ، فلم يوجب أكثر من بدنة ، كرمضان(٢) .

ونمنع الحكم في الأصل ؛ لقول ابن عباس : أهد ناقةً ، ولْتُهْدِ ناقةً(٣) .

ولأنّها أحد المجامعين من غير إكراه ، فلزمها بدنة ، كالرجل.

فروع :

أ - لو كانت المرأة مُحلّةً ، لم يتعلّق بها شي‌ء ، ولا يجب عليها كفّارة ولا حجّ ، ولا على الرجل بسببها ؛ لأنّه لم تحصل منها جناية في إحرام ، فلا عقوبة عليها.

ب - لو أكرهها - وهي مُحْرمة - على الجماع ، وجب عليه بدنتان : إحداهما عن نفسه ، والاُخرى عنها ؛ لأنّ البدنتين عقوبة هذا الذنب ، وقد صدر بالحقيقة عنه ، فكانت العقوبة عليه ، وبه قال عطاء ومالك وأحمد في إحدى الروايتين(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٤ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣١٧ - ٣١٨ / ١٠٩٣.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٥ ، المجموع ٧ : ٣٩٥ ، المغني ٣ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٧.

(٣) المغني ٣ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٧.

(٤) المغني ٣ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١.


وقال في الاُخرى : لا شي‌ء عليه عنها. وبه قال إسحاق وأبو ثور وابن المنذر(١) .

وعنه ثالثة : أنّ البدنة عليها(٢) .

وهو خطأ ؛ لما مرّ.

ولا يجب عليها حجّ ثانٍ ولا عليه عنها ، بل يحجّ عن نفسه في القابل ، لبقاء حجّتها على الصحّة.

ج - إذا كانت مطاوعةً ، وجب عليها قضاء الحجّ ؛ لما قلناه.

ونفقة الحجّ عليها لا على الزوج.

وللشافعية وجهان : هذا أحدهما ، والثاني : أنّ عليه غرامة الحجّ لها(٣) .

وهو غلط ؛ فإنّ نفقة الأداء لم تكن عليه ، فكذا القضاء.

احتجّوا : بأنها غرامة تعلّقت بالوطء ، فكانت على الزوج كالمهر(٤) .

والجواب : أنّ المهر عوض بُضْعها ، أمّا الكفّارة فإنّها عقوبة.

وعلى هذا فثمن ماء غسلها عليها خاصّة ، خلافاً لهم(٥) .

مسألة ٤٠٥ : يجب عليهما أن يفترقا في القضاء إذا بلغا المكان الذي وطئها فيه إلى أن يقضيا المناسك‌ إن حجّا على ذلك الطريق - وبه قال الشافعي في القديم ، وأحمد(٦) - لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، وعمر‌

____________________

(١ و ٢ ) المغني ٣ : ٣٢٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٧.

(٣ و ٤ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢١.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٢ ، المجموع ٧ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣١١.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ ، المجموع ٧ : ٣٩٩ ، المغني ٣ : ٣٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٨.


وعثمان وابن عباس(١) ، ولا مخالف لهم ، فكان إجماعاً.

ومن طريق الخاصّة : ما تقدّم(٢) في حديث زرارة : « وإن كانا عالمين فُرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه حتى يقضيا مناسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ».

واختلف أصحاب الشافعي على وجهين : أحدهما كما قلنا ، والثاني : أنّه مستحب(٣) .

وقال مالك : يفترقان من حيث يُحْرمان - ونقله في الموطّأ(٤) عن عليعليه‌السلام - لأنّ التفريق إنّما يكون لخوف مواقعة الوطء ، وذلك يوجد بإحرامهما(٥) .

والجواب : أنّ التفريق في جميع المسافة مشقّة عظيمة ، فاقتصر على موضع مواقعة المحظور ؛ لأنّه الذي به يحصل الداعي إلى الوطء.

وقال أبو حنيفة : لا أعرف هذه التفرقة ؛ لأنّه لو وطئها في رمضان ، لم يجب التفريق بينهما في قضائه ، فكذا هنا(٦) .

والجواب : التفريق في الصوم مشقّة ؛ لأنّ السكنى يجمعهما.

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٦٧.

(٢) تقدّم في المسألة ٤٠٢.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٣ ، المجموع ٧ : ٣٩٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣١١.

(٤) الموطّأ ١ : ٣٨١ - ٣٨٢ / ١٥١.

(٥) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٥٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣١١ ، المغني ٣ : ٣٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤.

(٦) بدائع الصنائع ٢ : ٢١٨ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢١٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣١١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٢.


ولأنّ القضاء في رمضان لا يتعيّن ، وهنا متعيّن.

ولأنّ مشقّة إفساد قضاء رمضان أقلّ كثيراً من المشقّة هنا ، فكان الاحتراز هنا عمّا يفسده أشدّ من الاحتراز هناك.

إذا عرفت هذا ، فإنّ التفريق ينبغي أن يكون في القضاء من المكان الذي أحدثا فيه ما أحدثا حتى يقضيا المناسك.

والروايات تعطي التفريق أيضاً في الحجّة الاُولى من ذلك المكان حتى يأتيها بها فاسدة أيضاً.

وهو جيّد ؛ لأنّ التحريم في الفاسد ثابت كالصحيح ، فوجبت التفرقة.

وحدّ الافتراق أن لا يخلوا بأنفسهما ، بل متى اجتمعا كان معهما ثالث مُحترم ؛ لأنّ وجود الثالث يمنع من الإقدام على المواقعة ، كمنع التفريق.

ولقول الصادقعليه‌السلام : في المـُحْرم يقع على أهله ، قال : « يفرّق بينهما ، ولا يجتمعان في خباء إلّا أن يكون معهما غيرهما حتى يبلغ الهدي محلّه »(١) .

مسألة ٤٠٦ : لو وطئ ناسياً أو جاهلاً بالتحريم ، لم يفسد حجّه ، ولا شي‌ء عليه - وبه قال الشافعي في الجديد(٢) - لقولهعليه‌السلام : ( رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إن كانا جاهلين استغفرا ربّهما ، ومضيا على حجّهما ، وليس عليهما شي‌ء »(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣١٩ / ١١٠٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٧٨ ، المجموع ٧ : ٣٤١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٩ ، المغني ٣ : ٣٣٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢١.

(٣) كنز العمّال ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ نقلاً عن الطبراني في المعجم الكبير.

(٤) الكافي ٤ : ٣٧٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣١٧ / ١٠٩٢.


ولأنّها عبادة تجب بإفسادها الكفّارة ، فافترق وطء العامد والناسي فيها ، كالصوم.

وقال الشافعي في القديم : يفسد حجّه ، وتجب الفدية كالعامد - وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي - لأنّه سبب يتعلّق به وجوب القضاء ، فاستوى عمده وسهوه كالفوات.

ولأنّه من محظورات الإحرام ، فاستوى عمده وسهوه ، كقتل الصيد(١) .

والفرق : أنّ الفوات ترك ركن ، فاستوى عمده وسهوه ، كغيره من الاُصول.

وجزاء الصيد ضمان الإتلاف ، وذلك يستوي في الاُصول عمده وسهوه.

تذنيب : لو اُكره على الجماع ، لم يفسد حجّه ، ولا كفّارة عليه عندنا - وللشافعي قولان كالناسي(٢) - لقولهعليه‌السلام : ( وما استكرهوا عليه )(٣) .

ولأنّ الإكراه يرفع الفساد في حقّ المرأة ، فكذا في حقّ الرجل ، لعدم الفرق بينهما.

مسألة ٤٠٧ : لا فرق بين الوطء في القُبُل والدُّبُر من المرأة والغلام في وجوب الكفّارة وإفساد الحجّ‌ - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٩ ، المجموع ٧ : ٣٤١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١ ، المغني ٣ : ٣٣٨ - ٣٣٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢١.

(٢) المجموع ٧ : ٣٤١ - ٣٤٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٨.

(٣) كنز العمّال ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ نقلاً عن الطبراني في المعجم الكبير.


ومحمّد(١) - لأنّه وطء في فرج يوجب الغسل ، فيوجب الإفساد ، كالقُبُل.

وللروايات الدّالة على إيجاب ما ذكرنا على مَنْ واقع أو غشي امرأته ، وهو صادق في المتنازع.

وقال أبو حنيفة : لا يفسد بالوطء في الدُّبُر - رواه عنه أبو ثور - لأنّه وطء لا يتعلّق به الإحصان والإحلال ، فأشبه الوطء فيما دون الفرج(٢) .

والفرق : أنّ وطء ما دون الفرج لا يوجب الغسل ، وليس كبيرةً في حقّ الأجنبية ، ولا يوجب مهراً ولا حدّاً ولا عدّة ، بخلاف المتنازع.

قال الشيخرحمه‌الله : من أصحابنا مَنْ قال : إتيان البهيمة واللواط بالرجال والنساء بإتيانها في دُبُرها كلّ ذلك يتعلّق به فساد الحجّ. وبه قال الشافعي(٣) .

ومنهم مَنْ قال : لا يتعلّق الفساد إلّا بالوطء في قُبُل المرأة.

وقال أبو حنيفة : إتيان البهيمة لا يفسده ، والوطء في الدُّبُر على روايتين : المعروف : أنّه يفسده.

واستدلّ على الأوّل : بطريقة الاحتياط ، وعلى الثاني : ببراءة الذمّة(٤) .

وهو يدلّ على تردّد الشيخ في تعلّق الإفساد بوطء دُبُر المرأة والغلام.

وجزم في المبسوط بتعلّق الفساد بوطء دُبُر المرأة(٥) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٤ ، المجموع ٧ : ٤٠٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٤ ، المغني ٣ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢.

(٢) بدائع الصنائع ٢ : ٢١٧ ، المغني ٣ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٤.

(٣) في الطبعة الحجرية زيادة : ومنهم من قال : لا يتعلّق به فساد الحجّ. وفي النسخ « ف ، ط ، ن » مضافا إلى ذلك زيادة : وبه قال الشافعي. ولم ترد في المصدر.

(٤) الخلاف ٢ : ٣٧٠ - ٣٧١ ، المسألة ٢١٠.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٦.


وأمّا إتيان البهائم : فقال مالك وأبو حنيفة : لا يفسد به الحجّ ؛ لأنّه انعقد صحيحاً ، فلا يفسده إلّا دليل شرعي ، ولم يثبت(١) .

وقال الشافعي : يفسد الحجّ(٢) .

مسألة ٤٠٨ : لو استمنى بيده ، قال الشيخرحمه‌الله : حكمه حكم المجامع ، إن كان قبل الوقوف بالموقفين ، فسد حجّه ، ووجب عليه بدنة(٣) ؛ لأنّ إسحاق بن عمّار سأل أبا الحسنعليه‌السلام : ما تقول في مُحْرم عبث بذكره فأمنى ، قال : « أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو مُحْرم : بدنة والحجّ من قابل »(٤) .

ولأنّه هتك حرمة الإحرام بالإنزال على وجه أبلغ من الوطء ؛ لاقترانه(٥) في القبح ، فكان مساوياً له في العقوبة.

وقال ابن إدريس : لا يفسد الحجّ ، وتجب البدنة ؛ للأصل الدالّ على براءة الذمّة ، خرج وجوب الكفّارة ، للإجماع ، فيبقى الباقي على أصله(٦) .

مسألة ٤٠٩ : لو وطئ فيما دون الفرج وأنزل ، وجب عليه بدنة ، ولا يفسد حجّه وإن كان قبل الموقفين - وبه قال أحمد في إحدى الروايتين(٧) - لأنّه جماع ، فوجبت الفدية ، كالفرج.

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، المجموع ٧ : ٤٢١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٠٩ و ٤٢١ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٤ ، المغني ٣ : ٣٢٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٢.

(٣) النهاية : ٢٣١ ، التهذيب ٥ : ٣٢٤ ذيل الحديث ١١١٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٢٤ / ١١١٣.

(٥) الظاهر - كما في هامش الطبعة الحجرية - : لمشابهته إيّاه.

(٦) السرائر : ١٢٩.

(٧) المغني ٣ : ٣٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨.


ولأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل وقع على أهله فيما دون الفرج ، قال : « عليه بدنة ، وليس عليه الحجّ من قابل »(١) .

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام : في المـُحْرم يقع على أهله ، قال : « إن كان أفضى إليها ، فعليه بدنة ، والحجّ من قابل ، وإن لم يكن أفضى إليها ، فعليه بدنة ، وليس عليه الحجّ من قابل »(٢) .

ولأنّه استمتاع لا يجب بنوعه الحجّ ، فلم يفسد الحج ، كالتقبيل.

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : تجب عليه بدنة ، ويفسد حجّه - وبه قال الحسن وعطاء ومالك وإسحاق - لأنّها عبادة يفسدها الوطء ، فأفسدها الإنزال عن مباشرة ، كالصيام(٣) .

والفرق : أنّ الصوم يخالف الحجّ في المفسدات.

وقال الشافعي وأصحاب الرأي : عليه شاة ؛ لأنّه مباشرة فيما دون الفرج ، فأشبه القُبْلة(٤) .

والفرق : أنّه أفحش ذنباً من القبلة ، فالعقوبة فيه أشدّ.

ولو لم ينزل ، قال العامّة : تجب الشاة(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣١٨ - ٣١٩ / ١٠٩٧ ، الاستبصار ٢ : ١٩٢ / ٦٤٤.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٣ - ٣٧٤ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣١٩ / ١٠٩٨ ، الاستبصار ٢ : ١٩٢ / ٦٤٥.

(٣) المغني ٣ : ٣٣٠ - ٣٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٠.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥ ، المجموع ٧ : ٢٩١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٢٠ ، المغني ٣ : ٣٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨.

(٥) المغني ٣ : ٣٣٠.


مسألة ٤١٠ : لو وطئ قبل التلبية أو الإشعار أو التقليد ، لم يكن عليه شي‌ء‌ وإن تلبّس بالإحرام ؛ لأنّ انعقاد الإحرام بأحد الثلاثة ، فإذا وطئ قبلها ، لم يصادف إحراما منعقدا ، لأنّ حريزا روى - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام : « في الرجل إذا تهيّأ للإحرام فله أن يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلبّي »(١) .

مسألة ٤١١ : لو جامع بعد الوقوف بالموقفين ، لم يفسد حجّه ، وعليه بدنة لا غير ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( مَنْ أدرك عرفة فقد تمّ حجّه )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا واقع الرجل دون المزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة ، فعليه الحجّ من قابل »(٤) دلّ بمفهومه على عدم وجوب الحجّ لو جامع بعد الوقوف بالمزدلفة.

وقال الشافعي : لا فرق بين الجماع قبل الوقوف وبعده في الإفساد إذا كان قبل التحلّل الأوّل ، ولو كان بعد التحلّل الأوّل بالرمي والحلق ، لم يفسد إحرامه الماضي ، ويأتي بالطواف ، وعليه الكفّارة ؛ لأنّه وطء عمد صادف إحراماً تامّاً ، فأفسده ، كما لو كان قبل الوقوف(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٣٠ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٣١٦ - ٣١٧ / ١٠٩٠ ، الاستبصار ٢ : ١٩٠ / ٦٣٧.

(٢) النتف ١ : ٢١٣ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢١٨ ، المغني ٣ : ٣٢٤ و ٣٢٥ و ٥١٦ و ٥١٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١ ، المجموع ٧ : ٤١٤.

(٣) المغني ٣ : ٥١٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٣١٩ / ١٠٩٩.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، المجموع ٧ : ٣٨٧ - ٣٨٨ و ٤١٤ ، المغني ٣ : ٥١٦.


والفرق : أنّ الوطء قبل الوقوف يكون أكثر أفعال الحجّ لم يقع بعد ، بخلاف ما بعده.

وقال مالك وأحمد : يفسد حجّه إن كان قبل التحلّل الأوّل ، وإن كان بعد التحلّل الأوّل بالرمي والحلق ، لم يفسد إحرامه الماضي ، ويفسد ما بقي من إحرامه ، ويجب عليه أن يُحرم بعمرة ويأتي بالطواف في إحرام صحيح ، وتلزمه شاة(١) .

مسألة ٤١٢ : لو كان الوطء بعد الوقوف بعرفة قبل الوقوف بمزدلفة ، فسد حجّه‌ أيضاً ، قاله أكثر العلماء(٢) ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّه قال : مَنْ وطئ بعد التحلّل فقد تمّ حجّه ، وعليه بدنه(٣) .

والظاهر أنّه قاله نقلاً عن الرسولعليه‌السلام ، وهو يدلّ بمفهومه على عدم التمام لو وطئ قبل التحلّل.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا وقع الرجل بامرأته دون المزدلفة ، أو قبل أن يأتي مزدلفة ، فعليه الحجّ من قابل »(٤) .

وقال أبو حنيفة : لا يفسد ، ويجب عليه بدنة ؛ لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( الحجّ عرفة مَنْ وقف بعرفة فقد تمّ حجّه )(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥١٦ و ٥١٩ - ٥٢٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١ و ٣٢٦ - ٣٢٨ ، المجموع ٧ : ٤٠٧ - ٤٠٨ ، و ٤١٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٩.

(٢) المغني ٣ : ٥١٦ و ٣٢٣ - ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٧ ، الاستذكار ١٢ : ٢٩٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، المجموع ٧ : ٤١٤.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٩.

(٤) التهذيب ٥ : ٣١٩ / ١٠٩٩.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١١٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٧ ، النتف ١ : ٢١٣ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢١٨ ، المغني ٣ : ٣٢٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢١ ، =


وهو لا يدلّ على المطلوب إلّا بالمفهوم ، وهو لا يقول به.

مسألة ٤١٣ : لو كرّر الوطء وهو مُحْرم ، وجب(١) عليه بكلّ وطء كفّارة ، وهي بدنة ، سواء كفّر عن الأوّل أو لا - وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٢) - لأنّه وطء صادف إحراماً لم يتحلّل منه ، فوجب به البدنة ، كما لو كان الإحرام صحيحاً.

ولأنّ الإحرام الفاسد كالصحيح في سائر الكفّارات.

وقال الشافعي : إن وطئ بعد أن كفّر عن الأوّل ، وجب عليه الكفّارة.

وهل الكفّارة الثانية شاة أو بدنة؟ قولان.

وإن وطئ قبل أن يكفّر ، فأقوال ثلاثة : أحدها : لا شي‌ء عليه. والثاني : شاة. والثالث : بدنة(٣) .

وقال أبو حنيفة : تجب عليه شاة ، سواء كفّر عن الأوّل أو لا ، إلّا أن يتكرّر الوطء في مجلس واحد على وجه الرفض للإحرام ، بأن ينوي به رفض الإحرام ؛ لأنّه وطء صادف إحراماً نقضت حرمته ، فلم تجب به الفدية ، كما لو وطئ بعد التحلّل(٤) .

والفرق : أنّ الوطء بعد التحلّل لم يصادف الإحرام ، أو قد تحلّل من‌

____________________

= الحاوي الكبير ٤ : ٢١٧ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، المجموع ٧ : ٤١٤ ، الاستذكار ١٢ : ٢٩٤ ، والرواية في الاختيار والبدائع.

(١) في « ن » والطبعة الحجرية : كان.

(٢) المغني ٣ : ٣٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٠.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٢ - ٤٧٣ ، المجموع ٧ : ٤٠٧ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٦٦ ، المسألة ٢٠٤.

(٤) المغني ٣ : ٣٢٨ - ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥١ ، وانظر : فتح العزيز ٧ : ٤٧٣ ، والمجموع ٧ : ٤٢٠ ، وبداية المجتهد ١ : ٣٧١.


معظم محظوراته ، بخلاف الوطء في الإِحرام الكامل.

وقال مالك : لا يجب عليه بالوطء الثاني شي‌ء ؛ لأنّه وطء لا يتعلّق به إفساد الحج ، فلا تجب به الكفّارة ، كما لو كان في مجلس واحد(١) .

والجواب : أنّ عدم تعلّق الإفساد به لا يمنع وجوب الكفّارة ، كقتل الصيد ولُبس الثوب وغيرهما من أنواع المحظورات.

وقال أحمد في الرواية الثانية : إن كفّر عن الأوّل ، وجب عليه عن الثاني بدنة ؛ لأنّه وطئ في إحرام لم يتحلّل منه ، ولا أمكن تداخل كفّارته في غيره ، فأشبه الوطء الأوّل(٢) .

والشيخ -رحمه‌الله - تردّد في الخلاف في تكرّر الكفّارة مع عدم التكفير في الأوّل(٣) ، وجزم في المبسوط بالتكرّر مطلقاً(٤) .

مسألة ٤١٤ : لو جامع بعد الموقفين قبل طواف الزيارة ، وجب عليه جزور‌ إن كان موسراً ، فإن عجز ، وجب عليه بقرة ، فإن عجز ، فشاة ؛ لما تقدّم من أنّ من جامع بعد التحلّل الأوّل وجب عليه بدنة ، وقد سبق(٥) الخلاف فيه.

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه سأله : عن متمتّع وقع على أهله ولم يزر ، قال : « ينحر جزورا »(٦) .

____________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٣٧١ ، المغني ٣ : ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٣.

(٢) المغني ٣ : ٣٢٨ - ٣٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٠.

(٣) الخلاف ٢ : ٣٦٦ - ٣٦٧ ، المسألة ٢٠٤.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٧.

(٥) سبق في المسألة ٤١١.

(٦) الكافي ٤ : ٣٧٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٢١ / ١١٠٤.


وسأله عيص بن القاسم : عن رجل واقع أهله حين ضحّى قبل أن يزور البيت ، قال : «يُهريق دماً »(١) .

ولو جامع بعد أن طاف من طواف الزيارة شيئاً ، وجب عليه الكفّارة : بدنة. وكذا لو أتمّ طوافه ثم جامع بعد أن سعى شيئاً من سعيه ، وجبت البدنة. وكذا لو كان بعد تمام السعي قبل طواف النساء ، وجب عليه البدنة ، وحجّه صحيح ، لأنّه وطئ في إحرام ، فكان عليه بدنة ، كما لو جامع بعد الموقفين قبل طواف الزيارة.

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل وقع [ على ](٢) امرأته قبل أن يطوف طواف النساء ، قال : « عليه جزور سمينة ، وإن كان جاهلاً ، فليس عليه شي‌ء »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو جامع قبل طواف الزيارة أو بعده قبل طواف النساء جاهلاً بالتحريم أو ناسياً ، لم تجب عليه كفّارة ؛ لأنّهما عذران يسقطان الكفّارة في الوطء قبل الموقفين ، فهنا أولى.

مسألة ٤١٥ : لو جامع بعد أن طاف شيئاً من طواف النساء ، قال الشيخرحمه‌الله : إن كان قد طاف أكثر من النصف ، بنى عليه بعد الغسل ، ولا شي‌ء عليه ، وإن كان أقلّ من النصف ، وجب عليه الكفّارة وإعادة الطواف(٤) ؛ لموافقته الأصل ، وهو : براءة الذمّة.

ولأنّ معظم الشي‌ء يعطي حكم ذلك الشي‌ء غالباً.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٩ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٢١ / ١١٠٥.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) الكافي ٤ : ٣٧٨ ذيل الحديث ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٢٣ / ١١٠٩.

(٤) النهاية : ٢٣١ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٧.


ولأنّ حمران بن أعين سأل الباقرَعليه‌السلام : عن رجل كان عليه طواف النساء وحده ، فطاف منه خمسة أشواط ثم غمزه بطنه فخاف أن يبدره فخرج إلى منزله فنقض ثم غشي جاريته ، قال : « يغتسل ثم يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان بقي عليه من طوافه ، ويستغفر ربّه ولا يعود ، وإن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثم خرج فغشي فقد أفسد حجّه ، وعليه بدنة ، ويغتسل ثم يعود فيطوف اُسبوعاً »(١) .

مسألة ٤١٦ : ولا فرق في الوطء بين أن يطأ في إحرام حجّ واجب أو مندوب‌؛ لأنّه بعد التلبّس بالإحرام يصير المندوب واجبا ، ويجب عليه إتمامه ، كما يجب عليه إتمام الحجّ الواجب.

ولأنّ الحجّ الفاسد يجب عليه إتمامه ، فالمندوب أولى.

إذا عرفت هذا ، فكلّ موضع قلنا : إنّه يفسد الحجّ الواجب فيه ، كالوطء قبل الموقفين ، فإنّه يفسد الحجّ المندوب فيه أيضاً ، فلو وطئ قبل الوقوف بالموقفين في الحجّ المندوب ، فسد حجّه ، ووجب عليه إتمامه وبدنة والحجّ من قابل ، ولو كان بعد الموقفين ، وجب عليه بدنة لا غير.

وكذا لا فرق بين أن يطأ امرأته الحُرّة أو جاريته المـُحْرمة أو المـُحِلّة إذا كان مُحْرماً ، فإنّ الحكم في الجميع واحد.

فإن كانت أمته مُحْرمةً بغير إذنه ، أو مُحِلّةً ، فإنّه لا تتعلّق بها كفّارة ولا به عنها.

ولو كانت مُحْرمةً بإذنه ، فطاوعته ، فالأقرب : وجوب الكفّارة ، كما في العبد المأذون إذا أفسد.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٩ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٣٢٣ / ١١١٠.


ولو أكرهها ، فإن قلنا في المطاوعة بوجوب الكفّارة عنها ، تحمّلها السيّد ، وإلّا فلا.

مسألة ٤١٧ : لو وطئ أمته وهو مُحِلٌّ وهي مُحْرمة ، فإن كان إحرامها بغير إذنه ، فلا عبرة به ، ولا كفّارة عليه ، وإن كان بإذنه ، وجب عليه بدنة أو بقرة أو شاة ، فإن لم يجد ، فشاة أو صيام ثلاثة أيّام ؛ لأنّه هتك إحراماً صحيحاً.

ولرواية إسحاق بن عمّار عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل مُحِلّ وقع على أمة مُحْرمة ، قال : « موسراً أو معسراً؟ » قلت : أجبني عنهما ، قال : « هو أمرها بالإحرام أو لم يأمرها أو أحرمت من قِبَل نفسها؟ » قلت : أجبني عنها ، قال : « إن كان موسراً وكان عالماً أنّه لا ينبغي له وكان هو الذي أمرها بالإِحرام ، فعليه بدنة ، وإن شاء بقرة ، وإن شاء شاة ، وإن لم يكن أمرها بالإحرام ، فلا شي‌ء عليه موسراً كان أو معسراً ، وإن كان أمرها وهو معسر ، فعليه دم شاة أو صيام »(١) .

إذا ثبت هذا ، فلو كانا مُحْرمين أو كان هو مُحْرماً ، وجبت عليه الكفّارة.

ولو كان هو مُحِلّاً وهي مُحْرمة بإذنه ، وجبت عليه البدنة لا غير ، سواء كان قبل الوقوف بالموقفين أو بعده ، وسواء طاوعته أو أكرهها ، لكن لو طاوعته ، فسد حجّها ، ووجب عليه أن يأذن لها في القضاء ؛ لأنّه أذن لها في الابتداء وأحرمت إحراماً صحيحاً ، وكان الفساد منه ، فوجب عليه الإذن في القضاء ، كالصيام.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٤ - ٣٧٥ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٣٢٠ / ١١٠٢ ، الاستبصار ٢ : ١٩٠ / ٦٣٩.


ولو زنى بامرأة ، تعلّق به من الأحكام ما يتعلّق بالوطء الصحيح ؛ لأنّه أبلغ في هتك الإحرام ، فكانت العقوبة واجبةً عليه.

مسألة ٤١٨ : مَنْ وجب عليه بدنة في إفساد الحجّ فلم يجد ، كان عليه بقرة ، فإن لم يجد ، فسبع شياه على الترتيب ، فإن لم يجد ، فقيمة البدنة دراهم أو ثمنها طعاماً يتصدّق به ، فإن لم يجد ، صام عن كلّ مدّ يوماً ، وبه قال الشافعي(١) .

وفي [ أصحابه ] من قال : هو مخيّر(٢) .

واستدلّ عليه الشيخ -رحمه‌الله - بإجماع الفرقة وأخبارهم وطريقة الاحتياط(٣) .

وابن بابويه قال : مَنْ وجبت عليه بدنة في كفّارة فلم يجد ، فعليه سبع شياه ، فإن لم يقدر ، صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في منزله(٤) .

وعن أحمد روايتان ، إحداهما : أنّها على التخيير إن شاء أخرج أيّ هذه الخمسة(٥) ، التي ذكرناها ، أعني : البدنة والبقرة وسبع شياه وقيمة البدنة والصيام.

لنا : أنّ الصحابة والأئمّةعليهم‌السلام : أوجبوا البدنة في الإفساد ، وذلك‌

____________________

(١) الاُم ٢ : ٢١٨ ، فتح العزيز ٨ : ٧٥ - ٧٦ ، المجموع ٧ : ٤٠١ و ٤١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣١١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢٤.

(٢) الكلام من بداية المسألة إلى هنا من كلام الشيخ الطوسي في الخلاف ، ونقله المصنّف في المنتهى ٢ : ٨٤١ مصدّراً بقوله : قال الشيخ. وما بين المعقوفين أثبتناه من الخلاف ، وفي « ف » والطبعة الحجرية : ( وفي أصحابنا ) أمّا في « ط ، ن » فلم يتبيّن لنا اللفظ ، لسقوطه.

(٣) الخلاف ٢ : ٣٧٢ ، المسألة ٢١٣.

(٤) المقنع : ٧٨.

(٥) حلية العلماء ٣ : ٣١٢ ، المجموع ٧ : ٤١٦.


يقتضي تعيّنها ، والبقرة دونها جنساً وقيمةً.

ولقولهعليه‌السلام : ( مَنْ راح في الساعة الاُولى فكأنّما قرّب بدنةً ، ومَنْ راح في الثانية فكأنّما قرّب بقرةً )(١) يعني إلى الجمعة.

ولأنّ ذلك سبب يجب به القضاء ، فكانت كفّارته على الترتيب ، كالفوات.

وأحمد قاس على قتل النعامة.

والفرق : أنّ الانتقال في قتل النعامة إلى القيمة ، فكان مخيّراً فيها ، وهنا ينتقل إلى ما هو دونها.

مسألة ٤١٩ : لو وطئ في العمرة قبل السعي ، فسدت عمرته ، ووجب عليه بدنة وقضاؤها - وبه قال الشافعي(٢) - لأنّها عبادة تشتمل على طواف وسعي ، فوجب بالوطء فيها بدنة ، كالحجّ.

ولرواية مسمع عن الصادقعليه‌السلام : في الرجل يعتمر عمرة مفردة فيطوف بالبيت طواف الفريضة ثم يغشى أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة ، قال : « قد أفسد عمرته ، وعليه بدنة ، ويقيم بمكّة مُحلّاً حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه ثم يخرج إلى الوقت الذي وقّته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل بلاده ، فيُحْرم منه ويعتمر »(٣) .

وقال أبو حنيفة : إذا وطئ قبل أن يطوف أربعة أشواط ، فسدت‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٥٨٢ / ٨٥٠ ، الموطّأ ١ : ١٠١ / ١ ، سنن أبي داود ١ : ٩٦ / ٣٥١ ، سنن النسائي ٣ : ٩٩ ، سنن الترمذي ٢ : ٣٧٢ / ٤٩٩.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٢ - ٢٣٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧١ ، المجموع ٧ : ٤٢٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٥.

(٣) الكافي ٤ : ٥٣٨ - ٥٣٩ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٧٥ / ١٣٤٤ ، التهذيب ٥ : ٣٢٣ - ٣٢٤ / ١١١١.


عمرته ، ووجب عليه القضاء وشاة ؛ لأنّها عبادة لا تتضمّن الوقوف ، ولا يجب عليه بالوطء فيها بدنة ، كما لو قرنها بحجّه(١) .

ونمنع حكم الأصل.

وقال أحمد : يجب بالوطء القضاء وشاة إذا وجد في الإحرام(٢) .

إذا عرفت هذا ، فالبدنة والإفساد يتعلّقان بالوطء في إحرام العمرة قبل السعي ولو كان بعد الطواف - وبه قال الشافعي(٣) - لرواية مسمع عن الصادقعليه‌السلام (٤) .

وقال أبو حنيفة : إذا وطئ بعد أربعة أشواط ، لم تفسد عمرته ، ووجبت الشاة ؛ لأنّه وطئ بعد ما أتى بركن العبادة ، فأشبه ما إذا وطئ بعد الوقوف في الحج ، وإنّما وجبت الشاة ؛ لأنّ الشاة تقوم مقام الطواف والسعي في حقّ المحصر ، فقامت مقام بعض ذلك هنا(٥) .

والجواب : أنّ محظورات الإحرام سواء مثل الطيب واللباس والصيد تستوي قبل الإتيان بأكثر الطواف وبعده ، كذلك الوطء.

مسألة ٤٢٠ : القارن عندنا هو الذي يسوق إلى إحرامه هدياً ، وعندهم هو مَنْ يقرن الإحرامين على ما مضى(٦) الخلاف فيه ، فلو أفسد القارن‌

____________________

(١) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٥ ، المغني ٣ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥.

(٢) المغني ٣ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٢ - ٢٣٣ ، المجموع ٧ : ٤٢٢.

(٤) تقدّمت الرواية في صدر المسألة.

(٥) بدائع الصنائع ٢ : ٢١٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٨ ، المغني ٣ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥ ، المجموع ٧ : ٤٢٢.

(٦) مضى في ج ٧ ص ١٢٥ ، المسألة ٩٥.


حجّه ، وجب عليه بدنة ، وليس عليه دم القرآن ، ويجب عليه القضاء ؛ لأنّه أفسد حجّاً ، فكان عليه بدنة ، كالمتمتّع والمفرد.

وقال الشافعي : إذا وطئ القارن - على تفسيرهم - لزمه بدنة بالوطء ودم القران ، ويقضي قارنا ، ويلزمه دم القران في القضاء أيضا ، فإن قضى مفردا ، جاز ، ولا يسقط عنه دم القران الذي يلزمه في القضاء(١) . وبه قال أحمد إلّا أنّه قال : إذا قضى مفرداً ، لم يجب دم القران(٢) .

وقال أبو حنيفة : يفسد إحرامه ، وتجب عليه شاة لإفساد الحجّ ، وشاة لإفساد العمرة ، وشاة القران ، إلّا أن يكون قد وطئ بعد ما طاف في العمرة أربعة أشواط(٣) .

مسألة ٤٢١ : إذا قضى الحاجّ والمعتمر ، فعليه في قضاء الحجّ الإحرامُ من الميقات ، وعليه في إحرام العمرة الإحرامُ من أدنى الحِلّ - وبه قال أبو حنيفة ومالك(٤) - لأنّه لا يجوز الإحرام قبل الميقات على ما تقدّم(٥) ، فلا يجوز في القضاء ؛ لأنّه تابع.

وأمّا في العمرة : فلأنّ الإحرام من أدنى الحلّ هو الواجب في الأداء ، فكذا في القضاء.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ - ٤٧٧ ، المجموع ٧ : ٤١٦ ، المغني ٣ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٦.

(٢) المغني ٣ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٦.

(٣) انظر : بدائع الصنائع ٢ : ٢١٩ ، والمبسوط - للسرخسي - ٤ : ١١٩ ، وفتح العزيز ٧ : ٤٧٧ ، والمجموع ٧ : ٤١٦ ، والمغني ٣ : ٤٩٩ و ٥١٨ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٢٥ و ٣٢٦.

(٤) المجموع ٧ : ٤١٥ - ٤١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٣.

(٥) تقدّم في ج ٧ ص ١٩٥ ، المسألة ١٤٩.


ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر عائشة أن تقضي عمرتها من التنعيم(١) .

وقال الشافعي : إذا أفسد الحجّ والعمرة ، لزمه القضاء من حيث أحرم بالأداء - وبه قال أحمد - لأنّ كلّ مسافة وجب عليه قطعها مُحْرِماً في الأداء وجب عليه في القضاء ، كما لو أحرم قبل الميقات(٢) .

ونحن نقول بموجبه ؛ لأنّه لا يجب عليه قطع المسافة مُحْرماً إلّا من الميقات.

وينتقض : بأنّه لا يجب عليه في القضاء سلوك طريق الأداء إجماعا ، لكنّ الشافعي أوجب الإحرام من المحاذي للأوّل(٣) .

مسألة ٤٢٢ : إذا أفسد في القضاء ، وجب عليه بدنة اُخرى ، وإتمام القضاء ، والقضاء من قابل‌ ؛ للعمومات ، ويلزمه أن يأتي بالقضاء ، ولا يتكرّر عليه ، بل إذا أتى بحجّة واحدة ، كفاه.

وكذلك إن تكرّر إفساد القضاء ، كفاه قضاء واحد ، لأنّ الحجّ الواجب واحد ؛ فإذا لم يأت به على وجهه ، وجب عليه الإتيان به على وجهه.

ولا يجب عليه أن يأتي بقضاء آخر عوضاً عن إفساد القضاء بمفرده ، بل إذا أتى في السنة الثالثة بحجّة صحيحة ، كفاه عن الفاسد ابتداءً وقضاءً.

ولو أفسد الثالث ، كفاه في الرابعة إتيان حجّة صحيحة عن جميع ما تقدّمه ؛ لأنّ الفاسد إذا انضمّ إليه القضاء ، أجزأ عمّا كان يجزئ عنه الأداء لو لم يفسده ، فهذا القضاء الذي أفسده إذا أتى بعده بالقضاء ، أجزأ عمّا كان‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ٤ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٨٠ / ١٣٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٩٧ /٩٩٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٧٣ / ٩٢٤.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٤ ، المجموع ٧ : ٣٨٩ - ٣٩٠ و ٤١٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٠ ، المغني ٣ : ٣٨٤ - ٣٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤.

(٣) المجموع ٧ : ٣٩٠.


يجزئ عنه الفاسد لو كان صحيحاً ، ولو كان صحيحاً ، سقط به قضاء الأوّل ، كذلك إذا قضاه ، وهذا يقتضي أن يكون هذا القضاء عن القضاء الفاسد.

مسألة ٤٢٣ : لو عقد المـُحْرم لمـُحْرمٍ على امرأة ودخل المـُحْرم ، وجبت على العاقد الكفّارة‌ ، كما تجب على الواطئ. وكذا لو كان العاقد مُحِلّاً ، لرواية سماعة عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا ينبغي للرجل الحلال أن يُزوّج مُحْرماً يعلم أنّه لا يحلّ له » قلت : فإن فعل فدخل بها الـمُحْرم ، قال : « إن كانا عالمين فإنّ على كلّ واحد منهما بدنة ، وعلى المرأة إن كانت محرمة ، وإن لم تكن مُحْرمةً ، فلا شي‌ء عليها إلّا أن تكون قد علمت أنّ الذي تزوّجها مُحْرم ، فإن كانت علمت ثم تزوّجته فعليها بدنة »(١) .

مسألة ٤٢٤ : لو نظر إلى غير أهله فأمنى ، لم يفسد حجّه‌ ، ووجب عليه بدنة ، فإن عجز ، فبقرة ، فإن عجز ، فشاة ، عند علمائنا - وبعدم الإفساد قال ابن عباس وأبو حنيفة والشافعي وأحمد(٢) - لأنّه إنزال عن غير مباشرة ، فأشبه الإنزال عن الفكر والاحتلام.

وقال مالك : إن ردّد النظر حتى أمنى ، وجب عليه الحجّ من قابل - وبه قال الحسن البصري وعطاء - لأنّه إنزال بفعل محظور ، فأشبه الإنزال بالمباشرة(٣) .

والفرق : أنّ المباشرة أبلغ في اللذّة ، وآكد في استدعاء الشهوة ، والفاحشة فيها أعظم.

ولو نظر إلى غير أهله ولم يكرّر النظر أو كرّره حتى أمنى ، وجب عليه البدنة عندنا ؛ لأنّه إنزال بفعل محظور ، فأوجب البدنة ، كالجماع فيما‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٢ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٣٠ - ٣٣١ / ١١٣٨.

(٢و٣) المغني ٣ : ٣٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٩ ، المجموع ٧ : ٤١٣.


دون الفرج.

ولقول الباقرعليه‌السلام في رجل مُحْرم نظر إلى غير أهله فأنزل : « عليه جزور أو بقرة ، فإن لم يجد فشاة »(١) .

وقال ابن عباس وأحمد في إحدى الروايتين : إن كرّر النظر ، وجبت بدنة ، وإن لم يكرّر ، فشاة(٢) .

وقال في الاُخرى : تجب شاة مطلقاً. وهو قول سعيد بن جبير وإسحاق(٣) .

وقال أبو ثور : لا شي‌ء عليه مطلقاً(٤) . وبه قال أبو حنيفة - حكايةً(٥) عنه - [ و ](٦) الشافعي(٧) .

ولو كرّر النظر حتى أمذى ، لم يجب عليه شي‌ء ، لأصالة براءة الذمّة.

وقال أحمد : يجب به دم ، لأنّه جزء من المني(٨) . وليس بشي‌ء.

ولو كرّر النظر ولم يقترن به مني ولا مذي ، لم يكن عليه شي‌ء ، ولا نعلم فيه خلافا ، إلاّ رواية عن أحمد أنّه من جرّد امرأته ولم يكن منه غير التجريد : أنّ عليه شاة(٩) . وليس بشي‌ء.

ولو فكّر فأنزل ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأنّ الفكر يعرض الإنسان من‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٢٥ / ١١١٦.

(٤-٢) المغني ٣ : ٣٣٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٩ ، المجموع ٧ : ٤١٣.

(٥) « حكاية » : صحّفت في « ف ، ط » والطبعة الحجرية إلى « حكاه » وسقطت في « ن » والصحيح ما أثبتناه اعتماداً على منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٨٤٢ والمغني ٣ : ٣٣٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٤٩.

(٦) أضفناها لأجل السياق.

(٧) المغني ٣ : ٣٣٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٩ ، المجموع ٧ : ٤١٣.

(٨) المغني ٣ : ٣٣٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٩.

(٩) المغني ٣ : ٣٣٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٩ - ٣٥٠.


غير اختيار ، فلا تتعلّق به عقوبة.

مسألة ٤٢٥ : لو نظر إلى أهله من غير شهوة ، لم يكن عليه شي‌ء ، سواء أمنى أو لا ، لأنّ النظر إلى الزوجة سائغ ، بخلاف الأجنبية.

ولأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم ، قال : « لا شي‌ء عليه »(١) .

وإن نظر إليها بشهوة فأمنى ، كان عليه بدنة ، عند علمائنا - ولم يفرّق العامّة بين الزوجة والأجنبية ، بل حكموا بما قلناه عنهم أوّلا(٢) مطلقا - لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ومن نظر إلى امرأته نظرة بشهوة فأمنى فعليه جزور »(٣) .

مسألة ٤٢٦ : لو مسّ امرأته بشهوة ، فعليه شاة ، سواء أمنى أو لم يُمْن ، وإن كان بغير شهوة ، لم يكن عليه شي‌ء ، سواء أمنى أو لم يُمْن ، ويكون حجّه صحيحاً على كلّ تقدير ، سواء كان ذلك قبل الوقوف بالموقفين أو بعده ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٤) - لأنّه استمتاع لا يجب بنوعه الحدّ ، فلا يفسد الحجّ ، كما لو أنزل. وإنّما وجبت الشاة ؛ لأنّه فَعَل مُحرَّماً في إحرامه ، فوجبت الفدية.

ولأنّ محمّد بن مسلم سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل حمل امرأته وهو محرم فأمنى أو أمذى ، فقال : « إن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو لم يُمْن ، أمذى أو لم يُمْذ ، فعليه دم يهريقه ، فإن حملها أو مسّها‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٥ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٢٥ / ١١١٧ ، الإستبصار ٢ : ١٩١ / ٦٤٢.

(٢) في المسألة السابقة.

(٣) الكافي ٤ : ٣٧٦ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ١١٢١ ، الاستبصار ٢ : ١٩١ / ٦٤١.

(٤) المجموع ٧ : ٤١١ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٥ ، المغني ٣ : ٣٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨.


بغير شهوة فأمنى أو لم يُمْن ، فليس عليه شي‌ء »(١) .

وقال مالك : إذا أنزل مع المسّ ، فسد حجّه - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - لأنّها عبادة يفسدها الوطء ، فأفسدها الإنزال عن المباشرة ، كالصوم(٢) .

والفرق : أنّ الصوم يفسد بفعل جميع ما وجب الإمساك عنه لأجله ، بخلاف الحجّ.

مسألة ٤٢٧ : لو قبَّل امرأته ، فإن كان بشهوة ، كان عليه جزور ، وإن كان بغير شهوة ، كان عليه شاة ، ولا يفسد حجّه على كلّ تقدير ، وسواء كان قبل الوقوف بالموقفين أو بعده - ووافقنا على عدم الإفساد سعيد بن المسيّب وعطاء وابن سيرين والزهري وقتادة والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي(٣) - لأنّه إنزال بغير وطء ، فلم يفسد به الحجّ ، كالإنزال عن نظر.

وقال مالك : إن أنزل ، فسد حجّه - وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، ورواية عن سعيد بن جبير - لأنّه إنزال عن سبب محرّم ، فأفسد الحجّ ، كالإنزال عن الجماع(٤) .

والفرق ظاهر ؛ فإنّ الجماع أبلغ أنواع الاستمتاع ، ولهذا أفسد الحجّ مع الإنزال وعدمه.

إذا عرفت هذا ، فالشيخرحمه‌الله أوجب الشاة في التقبيل بغير شهوة‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ١١٢٠.

(٢) المغني ٣ : ٣٣١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٠.

(٣) المغني ٣ : ٣٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥ ، المجموع ٧ : ٤٢١ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢١٦.

(٤) المغني ٣ : ٣٣٢ و ٣٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٥.


مطلقاً ، والبدنة فيه مع الشهوة مطلقاً(١) ، ولم يعتبر الإنزال ؛ لأنّ علي بن أبي حمزة سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن رجل قبَّل امرأته وهو مُحْرم ، قال : « عليه بدنة وإن لم ينزل ، وليس له أن يأكل منه»(٢) .

وقال ابن إدريس : إن قبَّل بشهوة وأنزل ، وجبت البدنة ، وإن لم ينزل ، وجبت الشاة(٣) ؛ للأصل.

ولما رواه مسمع - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : « إنّ حال الـمُحْرم ضيّقة ، إن قبَّل امرأته على غير شهوة وهو مُحْرم ، فعليه دم شاة ، ومَنْ قبَّل امرأته على شهوة ، فعليه جزور ، ويستغفر الله »(٤) .

وهو الأقرب.

ويجوز للمُحْرم أن يُقبِّل اُمّه حال الإحرام ؛ لأنّ الحسين بن حمّاد سأل الصادقَعليه‌السلام : عن المحرم يُقبِّل اُمّه ، قال : « لا بأس به ، هذه قُبْلة رحمة ، إنّما تكره قُبْلة الشهوة »(٥) .

ولو لاعب امرأته وهو مُحْرمٌ فأمنى ، كان عليه بدنة ؛ لأنّه إنزال عن سبب مُحرَّم ، فوجبت البدنة ، كما لو أنزل عن نظر.

وهل يجب عليها الكفّارة؟ نصّ الشيخ في التهذيب والمبسوط عليه(٦) ؛ لأنّه أنزل بملاعبة منها لَه ، فوجب عليها بدنة ، كالجماع.

ولأنّ عبد الرحمن بن الحجّاج سأل الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يعبث‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٨.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٦ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٢٧ / ١١٢٣.

(٣) السرائر : ١٣٠.

(٤) الكافي ٤ : ٣٧٦ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٣٢٦ / ١١٢١ ، الاستبصار ٢ : ١٩١ / ٦٤١.

(٥) الكافي ٤ : ٣٧٧ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٣٢٨ / ١١٢٧.

(٦) التهذيب ٥ : ٣٢٧ ذيل الحديث ١١٢٣ ، المبسوط ١ : ٣٣٨.


بامرأته حتى يمني وهو مُحْرم من غير جماع ، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ، ما ذا عليهما؟ فقال : « عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الذي يجامع »(١) .

ولو سمع كلام امرأة أو استمع على مَنْ يجامع من غير رؤية لهما فتشاهى فأمنى ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لتعذّر التحرّز عن مثل ذلك ، فلو وجبت العقوبة لزمه الحرج.

أمّا لو كان برؤية ، فإنّه تجب عليه الكفّارة على ما تقدّم ؛ لأنّ أبا بصير سأل الصادقَعليه‌السلام - في الحسن - عن رجل سمع كلام امرأة من خلف حائط وهو مُحْرم فتشاهى حتى أنزل ، قال : « ليس عليه شي‌ء »(٢) .

وسأله سماعة بن مهران في مُحْرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى ، قال : « ليس عليه شي‌ء»(٣) .

قال المفيدرحمه‌الله : لو قبَّل امرأته وهو مُحْرم ، فعليه بدنة ، أنزل أو لم ينزل ، فإن هوت المرأة ذلك ، كان عليها مثل ما عليه(٤) .

مسألة ٤٢٨ : قد بيّنّا أنّه إذا أفسد حجّه ، وجب عليه إتمامه ، خلافاً لجماعة الظاهرية(٥) .

وقال مالك : يجعل الحجّة عمرة ، ولا يقيم على الحجّ الفاسد(٦) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٧٦ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٣٢٧ / ١١٢٤.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٧ - ١٠ ، التهذيب ٥ : ٣٢٧ - ٣٢٨ / ١١٢٥.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٢٨ / ١١٢٦.

(٤) المقنعة : ٦٨.

(٥) المحلّى ٧ : ١٨٩ - ١٩٠ ، المجموع ٧ : ٤١٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٣.

(٦) الشرح الكبير ٣ : ٣٢٣.


وليس بجيّد ؛ لما تقدّم.

ولا يحلّ من الفاسد ، بل يجب عليه أن يفعل بعد الفساد كلّ ما يفعله لو كان صحيحاً ، ولا يسقط عنه توابع الوقوف من المبيت بالمزدلفة والرمي وغيرهما.

ويحرم عليه بعد الفساد كلّ ما كان مُحرَّماً عليه قبله من الوطء ثانياً وغيره من المـُحرّمات.

ولو جنى في الإحرام الفاسد ، وجب عليه ما يجب في الإحرام الصحيح.

ويجب عليه القضاء من قابل ، سواء كانت الفاسدة واجبةً بأصل الشرع أو النذر ، أو كانت تطوّعاً ، ولا نعلم فيه خلافاً. ويجب على الفور.

ولو أفسد القضاء ، لم يجب قضاؤه ، وإنّما يقضي عن الحجّ الأوّل.

ولو اُحصر في حجّ فاسد ، فله التحلّل إجماعاً ؛ لأنّه يباح له في الصحيح ففي الفاسد أولى.

فلو أحلّ فزال الحصر وفي الوقت سعة ، فله أن يقضي في ذلك العام ، ولا يتصوّر القضاء في عام الإفساد في غير هذه الصورة.

ولو حجّ تطوّعاً فأفسده ثم اُحصر ، كان عليه بدنة للإفساد ودم للإحصار ، ويكفيه قضاء واحد في القابل ؛ لأنّ المقضي واحد.

ويجب القضاء على الفور - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّه لزم وتضيّق بالشروع.

ولقول الصحابة والأئمّةعليهم‌السلام : : إنّه يقضي من قابل.

وللشافعي قول آخر : إنّه على التراخي ، كالأصل.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٧٣ - ٤٧٤.


ولأنّ الوقت قد فات ، واستوت بعده الأوقات(١) .

وقد بيّنّا فساده.

وله ثالث : إنّه إن وجبت الكفّارة بعُدْوان فعل ، فعلى الفور ؛ لأنّ التراخي نوع [ ترفيه ](٢) وإن لم يكن بعُدوان ، فعلى التراخي(٣) .

وأجرى الجويني الخلاف في التعدّي بترك الصوم هل هو على الفور أو على التراخي؟ وكذا الصلاة.

أمّا ما يجب فيه القتل ، كترك الصلاة عمداً مع تخلّل التعزير ثلاث مرّات ، فإنّه يجب فيه الفور(٤) و أمّا ما لا عدوان فيه ، فللشافعي وجهان تقدّما :

أحدهما : الفور ، لقولهعليه‌السلام : ( فليصلّها إذا ذكرها ).

والثاني : جواز التأخير ؛ لما رووه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه فاتته صلاة الصبح ، فلم يصلّها حتى خرج من الوادي(٥) .

وقد عرفت أنّه يحرم في القضاء من الميقات.

وقال الشافعي : إن أحرم قبل الميقات ، أحرم في القضاء من ذلك المكان. وقد سبق(٦) .

ولو جاوزه ، أراق دماً ، كما لو جاوز الميقات الشرعي.

وإن كان قد أحرم من الميقات ، فعليه في القضاء مثله.

وإن كان قد أحرم بعد مجاوزة الميقات ، فإن كان مُسيئاً بتجاوزه ،

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٧٣.

(٢) « ترفيه » : صحّفت في « ف » والطبعة الحجرية بـ « تفرقة » ولم يتبيّن لنا اللفظ في « ط ، ن » لسقوطه فيهما ، وما أثبتناه من المصدر.

(٣ و ٤ ) فتح العزيز ٧ : ٤٧٤.

(٦) سبق في المسألة ٤٢١.


لزمه في القضاء أن يُحْرم من الميقات ، وليس له أن يُسي‌ء ثانياً ، وإن جاوزه غير مُسي‌ء بأن لم يرد النسك ثم بدا له فأحرم ثم أفسد ، فوجهان : أحدهما : أنّه يحرم في القضاء من الميقات الشرعي ، لأنّه الواجب في الأصل.

وأصحّهما عندهم : أنّه يُحْرم من ذلك الموضع ، ولا يلزمه الميقات الشرعي ؛ سلوكاً بالقضاء مسلك الأداء.

ولهذا لو اعتمر المتمتّع من الميقات ثم أحرم بالحجّ من مكّة وأفسده ، لا يلزمه في القضاء أن يُحْرم من الميقات ، بل يكفيه أن يُحْرم من جوف مكّة(١) .

ولو أفرد الحج ثم أحرم بالعمرة من أدنى الحلّ ثم أفسدها ، يكفيه أن يحرم في قضائها من أدنى الحلّ.

والوجهان(٢) مفروضان فيما إذا لم يرجع إلى الميقات فما فوقه ، أمّا إذا رجع ثم عاد ، فلا بُدّ من الإحرام من الميقات.

وإذا خرجت المرأة للقضاء ، ففي وجوب ما زاد من النفقة بسبب السفر على الزوج وجهان(٣) .

وإذا خرجا معاً للقضاء ، فليفترقا في الموضع الذي اتّفقت الإصابة فيه.

وللشافعي قولان في وجوبه :

ففي القديم : نعم - وبه قال أحمد(٤) - لقول ابن عباس : فإذا أتيا المكان الذي أصابا فيه ما أصابا تفرّقا(٥) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٧٤.

(٢ و ٣ ) الوجهان في فتح العزيز ٧ : ٤٧٥ و ٤٧٦.

(٤) المغني ٣ : ٣٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤.

(٥) سنن البيهقي ٥ : ١٦٥ ، المغني ٣ : ٣٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤ ، فتح العزيز ٧ : ٤٧٦.


والجديد : لا - وبه قال أبو حنيفة(١) - كما لا يجب في سائر المنازل.

ويستحب أن يفترقا من حين الإحرام.

وقال مالك بوجوبه(٢) .

مسألة ٤٢٩ : لو عرضت الردّة في خلال الحجّ والعمرة ، فالوجه : فساد النسك‌ إن كان قبل فعل ما يبطل الحجّ تركه عمداً.

وللشافعية وجهان :

أحدهما : أنّه لا تُفسدهما ، لكن لا يعتدّ بالمأتي به في زمان الردّة على ما مرّ نظيره في الوضوء والأذان.

وأصحّهما عندهم : الفساد ، كما تُفسد الصوم والصلاة.

ولا فرق على الوجهين بين أن يطول زمانها أو يقصر.

وعلى القول بالفساد فوجهان :

أظهرهما : أنّه يبطل النسك بالكلّية حتى لا يمضي فيه لا في الردّة ولا إذا عاد إلى الإسلام ؛ [لأنّ الردّة محبطة للعبادة.

والثاني : أنّ سبيل الفساد هاهنا كسبيله عند الجماع ، فيمضي فيه لو عاد إلى الإسلام ](٣) لكن لا تجب الكفّارة ، كما أنّ فساد الصوم بالردّة لا تتعلّق به الكفّارة.

ومَنْ قال بالأوّل فرّق [ بينها وبين الجماع بمعنى الإحباط.

وأيضاً فإنّ ابتداء الإحرام لا ينعقد مع الردّة بحال.

وفي انعقاده مع الجماع ](٤) ثلاثة أوجه :

____________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ٢١٨.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٧٦ ، المجموع ٧ : ٣٩٩ ، المغني ٣ : ٣٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٢٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣١١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧١.

(٣ و ٤ ) ما بين المعقوفين من فتح العزيز.


أحدها : أنّه ينعقد على الصحة ، فإن نزع في الحال ، فذاك ، وإلّا فسد نسكه ، وعليه البدنة ، والقضاء ، والمضيّ في الفاسد.

والثاني : أنّه ينعقد فاسداً ، وعليه القضاء ، والمضيّ فيه ، مكث أو نزع [ ولا تجب الفدية إن نزع ](١) في الحال ، وإن مكث ، وجبت الكفّارة.

وهل هي بدنة أو شاة؟ يخرّج على القولين في نظائر هذه الصورة.

الثالث : لا ينعقد أصلاً ، كما لا تنعقد الصلاة مع الحدث(٢) .

البحث السابع : في اللواحق.

مسألة ٤٣٠ : يجوز لُبْس السلاح للمُحْرم إذا خاف العدوّ ، ولا كفّارة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - أيحمل المـُحْرم السلاح؟ فقال : « إذا خاف المـُحْرم عدوّاً أو سرقاً فليلبس السلاح »(٣) .

ويجوز للمُحْرم أن يؤدّب غلامه وهو مُحْرمٌ عند الحاجة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح : « لا بأس أن يؤدّب المـُحْرم عبده ما بينه وبين عشرة أسواط »(٤) .

ولو اقتتل اثنان في الحرم ، لزم كلّ واحد منهما دم ؛ لقول الصادقعليه‌السلام ، في رجلين اقتتلا وهُما مُحْرمان : « سبحان الله بئس ما صنعا » قلت : قد فعلا ، ما الذي يلزمهما؟ قال : « على كلّ واحد منهما دم »(٥) .

مسألة ٤٣١ : إذا اجتمعت أسباب مختلفة ، كاللُّبْس والقَلْم والطيب ،

____________________

(١) ما بين المعقوفين من فتح العزيز.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٧٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٨٧ / ١٣٥٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨٧ / ١٣٥٣.

(٥) الكافي ٤ : ٣٦٧ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٤٦٣ - ٤٦٤ / ١٦١٨.


لزمه عن كلّ واحد كفّارة ، سواء اتّحد الوقت أو تعدّد ، كفّر عن الأوّل أو لا ؛ لأنّ كلّ واحد منها سبب مستقلّ في إيجاب الكفّارة ، والحقيقة باقية عند الاجتماع ، فيوجد أثرها.

ولو اتّحد نوع الفعل ، فأقسامه ثلاثة :

الأوّل : إتلاف على وجه التعديل ، كقتل الصيد ، فإنّه يعدل به ، ويجب فيه مثله ، ويختلف بالصغر والكبر ، فعلى أيّ وجه فَعَله وجب عليه الجزاء.

ولو تكرّر تكرّرت إجماعاً ؛ لأنّ المثل واجب ، وهو إنّما يتحقّق بالتعدّد لو تعدّدت الجناية.

الثاني : إتلاف مضمون لا على وجه التعديل ، كحلق الشعر وتقليم الأظفار ، فهُما جنسان ، فإن حلق أو قلّم دفعةً واحدة ، كان عليه فدية واحدة ، وإن فعل ذلك في أوقات ، كأن يحلق بعض رأسه غدوةً وبعضه عشيّةً ، تعدّدت الكفّارة عليه ، وإن كان في دفعة واحدة ووقت واحد ، وجبت فدية واحدة.

الثالث : الاستمتاع باللُّبْس والطيب والقُبْلة ، فإن فَعَله دفعةً بأن لبس كلّ ما يحتاج إليه دفعةً ، أو تطيّب بأنواع الطيب دفعةً واحدة ، أو قبّل وأكثر منه ، لزمه كفّارة واحدة ، وإن فعل ذلك في أوقات متفرّقة ، لزمه عن كلّ فعل كفّارة ، سواء كفَّر عن الأوّل أو لم يكفّر - وبه قال أبو حنيفة(١) - لأنّه مع تعدّد الوقت يتعدّد الفعل ، وقد كان كلّ واحد سبباً تامّاً في إيجاب الكفّارة ، فكذا مع الاجتماع.

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٨٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٠٩.


وقال الشافعي : إن كفّر عن الأوّل ، لزمه كفّارة اُخرى عن الثاني ، وإن لم يكفّر ، لم يكن عليه سوى كفّارة واحدة(١) .

وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وفي الاُخرى : إن كان السبب واحداً ، اتّحدت الكفّارة ، كمن لبس ثوبين للحَرِّ ، وإن تعدّد ، تعدّدت ، كمن لبس ثوباً للحَرِّ وثوباً للمرض(٢) .

وقال مالك : تتداخل كفّارة الوطء دون غيره(٣) .

مسألة ٤٣٢ : لو جنّ بعد إحرامه ففَعَل ما يفسد به الحجّ من الوطء قبل الوقوف بالموقفين ، لم يفسد حجّة‌ ؛ لأنّ العاقل لو فعل ذلك ناسياً ، لم يبطل حجّه ، فهنا أولى.

ولقولهعليه‌السلام : ( رفع القلم عن المجنون حتى يفيق )(٤) .

وأمّا الصيد فيضمنه بإتلافه ؛ لأنّ حكم العمد والسهو فيه واحد.

وأمّا الصبي فإذا قتل صيداً ، ضمنه ، كالبالغ.

وإن تطيّب أو لبس ، فإن كان ناسياً ، لم يكن عليه شي‌ء ، وإن كان عامداً ، فإن قلنا : إنّ عمده وخطأه واحد ، فلا شي‌ء عليه أيضاً ، وإن قلنا : إنّ عمده في غير القصاص عمد ، وجبت الكفّارة

قال الشيخرحمه‌الله : الظاهر أنّ الكفّارة تتعلّق به على وليّه وإن قلنا : إنّه لا يتعلّق به شي‌ء ؛ لما روي عنهمعليهم‌السلام : من أنّ عمد الصبي‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٨٤ ، المجموع ٧ : ٣٧٨ ، المغني ٣ : ٥٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥١.

(٢) المغني ٣ : ٥٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٠ - ٣٥١.

(٣) المغني ٣ : ٥٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥١.

(٤) سنن أبي داود ٤ : ١٤٠ / ٤٤٠٠ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٥٨ / ٢٠٤١ ، سنن النسائي ٦ : ١٥٦ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٢٥ و ١٠ : ٣١٧.


وخطأه سواء ، والخطأ في هذه الأشياء لا تتعلّق به الكفّارة من البالغين ، كان قويّاً(١) .

وأمّا قتل الصيد : فإنّه يضمنه على كلّ حال.

وأمّا الحلق وتقليم الأظفار ، فإنّ حكمهما عندنا كحكم اللُّبْس والطيب من أنّ عمده مخالف لخطئه.

وأمّا إذا وطئ بشهوة ، فإنّه قد يحصل من الصبي قبل بلوغه فإنّما يبلغ بالإنزال لا بالوطء وشهوته ، فإذا فَعَل ، فإن كان ناسياً أو جاهلاً ، لم يكن عليه شي‌ء ، كالبالغ.

وإن كان عامداً واعتبرنا عمده ، فسد حجّه إن وطئ قبل الوقوف بالموقفين ، ووجبت البدنة.

وإن كان خطأً ، لم يكن عليه شي‌ء.

وإذا وجبت البدنة على تقدير العمد ، ففي محلّ وجوبها وجهان :

أحدهما : عليه.

والثاني : على وليّه.

وإذا قلنا بفساد الحجّ ، فهل يجب عليه القضاء؟ وجهان :

أحدهما : الوجوب ؛ لأنّه وطئ عمداً قبل الوقوف بالموقفين ، فوجب القضاء ؛ عملاً بالعموم.

ولأنّ كلّ مَنْ وجبت البدنة في حقّه للإفساد وجب عليه القضاء ، كالبالغ.

والثاني : عدم الوجوب ؛ لأنّه غير مكلّف ، فلا يتوجّه عليه الأمر‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٩.


بالوجوب في القضاء ، كما لا يتوجّه في الأداء. وهو الأقوى.

وإذا أوجبنا عليه القضاء ، هل يجزئه أن يقضيه في حال صغره أم لا؟ فيه تردّد.

قال مالك وأحمد : لا يجزئه ؛ لأنّها حجّة واجبة ، فلم تقع منه في صغره ، كحجة الاسلام(١) .

وقال الشافعي في أحد القولين : يجزئه ؛ لأنّ أداء هذه العبادة يصحّ منه في حال الصغر ، كذلك قضاؤها ، بخلاف حجّة الإسلام(٢) .

وإذا أوجبنا على الصبي القضاء فقضى في حال بلوغه ، فهل يجزئه عن حجّة الاسلام؟ الوجه : التفصيل ، وهو أن يقال : إن كانت الحجّة التي أفسدها لو صحّت أجزأته - بأن يكون قد بلغ قبل مضيّ وقت الوقوف - أجزأه القضاء ، وإن كان لو بلغ فيها بعد الوقوف ، لم يجزئه القضاء ، ووجب عليه حجّة اُخرى للإسلام.

تذنيب : لو خرجت قافلة إلى الحج فاُغمي على واحد منهم ، لم يصر مُحْرماً بإحرام غيره عنه‌ - وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد(٣) - لأنّه بالغ ، فلا يصير مُحْرماً بإحرام غيره عنه ، كالنائم.

ولأنّه لو أذن في ذلك وأجازه لم يصح.

وقال أبو حنيفة : يصير مُحْرماً بإحرام بعض الرفقة ؛ لأنّه علم ذلك من‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٢٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٢٦ ، المجموع ٧ : ٣٥.

(٣) المجموع ٧ : ٣٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٠ ، المغني ٣ : ٢١١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣.


قصده ، وتلحقه المشقّة في ترك ذلك ، فأجزأ عنه إحرام غيره(١) .

والجواب : أنّا قد بيّنّا أنّه لو أذن له فيه لم يصح ، فكيف مع علم القصد المجرّد عن الإذن!؟

مسألة ٤٣٣ : لو قبّل امرأته بعد طواف النساء ، فإن كانت هي قد طافت ، لم يكن عليهما شي‌ء‌ ؛ لأنّه بعد طواف النساء تحلّ له النساء ، وإن كانت لم تطف ، فقد روي أنّ عليه دماً يهريقه ، لأنّ القُبْلة بالنسبة إليها حرام ، وقد فَعَلها هو ، فكانت عليه العقوبة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - عن رجل قبَّل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي : « عليه دم يهريقه من عنده »(٢) .

ولو قلع ضرسه مع الحاجة إليه ، لم يكن عليه شي‌ء ، وإن كان لا مع الحاجة ، وجب عليه دم شاة ، قاله الشيخ(٣) رحمه‌الله ؛ لرواية(٤) مرسلة.

مسألة ٤٣٤ : لو اُحصر فبعث بهديه ثم احتاج إلى حلق رأسه لأذى قبل أن يبلغ الهدي محلّه ، جاز له أن يحلقه ، ويتصدّق‌ بالنسك أو الإطعام أو الصيام على ما قلناه ؛ لأنّ غير المحصر كذلك ، فكذا المحصر.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا اُحصر الرجل فبعث بهديه فأذاه رأسه قبل أن ينحر هديه فإنّه يذبح شاة مكان الذي اُحصر فيه أو يصوم أو يتصدّق على ستة مساكين ، والصوم ثلاثة أيّام والصدقة نصف صاع لكلّ مسكين »(٥) .

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٠ ، المجموع ٧ : ٣٨ ، المغني ٣ : ٢١١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٣.

(٢) الكافي ٤ : ٣٧٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٢٣ / ١١٠٩.

(٣) النهاية : ٢٣٥ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٠ ، التهذيب ٥ : ٣٨٥ ذيل الحديث ١٣٤٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٨٥ / ١٣٤٤.

(٥) التهذيب ٥ : ٣٣٤ / ١١٤٩ ، الاستبصار ٢ : ١٩٦ / ٦٥٨.


المطلب الرابع

في أحكام الإحرام‌

مسألة ٤٣٥ : الإحرام ركن في الحجّ إذا أخلّ به عامداً ، بطل الحجّ ، وإن كان ناسياً حتى أكمل المناسك ، قال الشيخرحمه‌الله : يصحّ حجّه إذا كان قد عزم على فعله أوّلاً(١) ، كما لو نسي الطواف أو السعي.

وقولهعليه‌السلام : ( رُفع عن اُمّتي الخطأ والنسيان )(٢) .

ولأنّ علي بن جعفر سأل أخاه الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل نسي الإحرام بالحجّ ، فذكره وهو بعرفات ، ما حاله؟ قال : « يقول : اللّهم على كتابك وسنّة نبيّك ، فقد تمّ إحرامه»(٣) .

فإن جهل أن يُحْرم يوم التروية بالحجّ حتى يرجع إلى بلده ، فإن كان قد قضى مناسكه كلّها ، فقد تمّ حجّه.

وروى جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهماعليهما‌السلام : في رجل نسي أن يُحْرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى ، قال : « يجزئه إذا كان قد نوى ذلك فقد تمّ حجّه وإن لم يُهلّ »(٤) .

وقال ابن إدريس من علمائنا : تجب عليه الإعادة ؛ لقولهعليه‌السلام : ( لا عمل إلّا بنيّة )(٥) وهذا عمل بغير نيّة(٦) . وليس بشي‌ء.

____________________

(١) النهاية : ٢١١ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣١٤.

(٢) كنز العمّال ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ نقلاً عن الطبراني في المعجم الكبير.

(٣) التهذيب ٥ : ١٧٥ / ٥٨٦ و ٤٧٦ / ١٦٧٨.

(٤) الكافي ٤ : ٣٢٥ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٦١ / ١٩٢.

(٥) أمالي الطوسي ٢ : ٣٠٣.

(٦) السرائر : ١٢٤.


مسألة ٤٣٦ : لا يقع الإحرام إلّا من مُحِلٌّ ، فلو كان مُحْرماً بالحجّ ، لم يجز له أن يُحْرم بالعمرة ، وهو أصحّ قولي الشافعي [ والثاني : جواز إدخال العمرة على الحج ](١) (٢) وبه قال أبو حنيفة(٣) .

وكذا لا يجوز إدخال الحجّ على العمرة.

وقال جميع العامّة بجوازه(٤) .

ويبطله قوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٥) ومع الإدخال لا يتحقّق الإتمام.

وقد جوّز علماؤنا للمُفْرد فسخ حجّه إلى التمتّع وبالعكس لمن ضاق عليه الوقت ، أو مَنَعه عذر الحيض والمرض وشبهه ، كما أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه بالأوّل(٦) ، وعائشة بالثاني(٧) .

وليس للقارن نقل حجّه إلى التمتّع ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه بأنّ‌

____________________

(١) أضفناها اعتماداً على المصادر التالية وعلى حكاية المصنّف لقولي الشافعي في ج ٧ ص ١٧٩ ، المسألة ١٣٢ ، ومنتهى المطلب ٢ : ٦٨٥.

(٢) فتح العزيز ٧ : ١٢٥ ، والمجموع ٧ : ١٧٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٨ ، وكما في الخلاف ٢ : ٢٦٢ ، المسألة ٢٧ ، والمعتبر : ٣٣٨ و ٤٤١.

(٣) تحفة الفقهاء ١ : ٤١٣ ، فتح العزيز ٧ : ١٢٥ ، المغني ٣ : ٥١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٥ ، وكما في الخلاف ٢ : ٢٦٢ ، المسألة ٢٧ ، والمعتبر : ٣٣٨ و ٤٤١.

(٤) كما في الخلاف ٢ : ٢٦٢ ، المسألة ٢٧ ، والمعتبر : ٣٣٨ ، وانظر : الحاوي الكبير ٤ : ٣٨ ، وفتح العزيز ٧ : ١٢١ - ١٢٢ ، والمجموع ٧ : ١٢٧ ، والمغني ٣ : ٥١٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٢٤٥.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ١٧٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٨٥ / ١٤٣ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٦ و ٥ : ٣ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ١٤٥ / ٦٥٧١.

(٧) صحيح البخاري ٢ : ١٧٢ و ٣ : ٤ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٠ / ١٢١١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥٣ / ١٧٨١ ، سنن النسائي ٥ : ١٦٦ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٣.


مَنْ لم يكن معه هدي فليحلّ ، وتأسّف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على فوات المتعة(١) ، ولو جاز العدول كالمفرد ، لفَعَلهاعليه‌السلام ؛ لأنّها الأفضل.

ولا يجوز أن يُقرن إحراماً واحداً للنسكين ، فلو قرن بين الحجّ والعمرة في إحرامه ، لم ينعقد إحرامه إلّا بالحجّ ، قاله الشيخ في الخلاف(٢) ، فإن أتي بأفعال الحجّ ، لم يلزمه دم.

وإن أراد أن يأتي بأفعال العمرة ويُحِلّ ويجعلها متعةً ، جاز ذلك ، ويلزمه الدم - وبه قال الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وطاوُس وأبو حنيفة وأصحابه(٣) - لأصالة براءة الذمّة من الدم لو أتى بأفعال الحجّ بانفراده ، فيقف شغلها على دليل ، ولم يثبت.

وقال الشعبي : عليه بدنة(٤) .

وقال داوُد : لا شي‌ء عليه(٥) .

واستُفتي محمد - ابْنُه - عن هذا بمكّة ، فأفتى بمذهب أبيه ، فجرّوا برِجْله(٦) .

مسألة ٤٣٧ : يجوز للقارن والمـُفْرد إذا قدما مكّة الطوافُ ، لكنّهما يجدّدان التلبية ؛ ليبقيا على إحرامهما.

ولو لم يجدّد التلبية ، قال الشيخرحمه‌الله : أحلّا وصارت حجّتهما مفردةً(٧) .

وقال في التهذيب : إنّما يحلّ المـُفْرد لا القارن(٨) .

وأنكر ابن إدريس ذلك ، وقال : إنّما يحلّان بالنيّة لا بمجرّد الطواف‌

____________________

(١) المصادر في الهامش (٦) من ص ٦٩.

(٢) الخلاف ٢ : ٢٦٤ ، المسألة ٣٠ ، وتقدّم في ج ٧ ص ١٧٩ ، المسألة ١٣٣.

(٣ - ٦ ) كما في الخلاف ٢ : ٢٦٤ - ٢٦٥ ، المسألة ٣٠.

(٧) النهاية : ٢٠٨ و ٢٠٩.

(٨) التهذيب ٥ : ٤٤ ذيل الحديث ١٣١.


والسعي(١) .

والشيخ -رحمه‌الله - استدلّ : بما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا أهلّ الرجل بالحجّ ثم قدم مكّة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حلّ وهي عمرة)(٢) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن المفرد للحجّ هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال : « نعم ما شاء ، ويجدّد التلبية بعد الركعتين ، والقارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلاّ من الطواف بالتلبية »(٣) .

قال الشيخ : فقه هذا الحديث : أنّه قد رخص للقارن والمفرد أن يقدّما طواف الزيارة قبل الوقوف بالموقفين ، فمتى فَعَلا ذلك فإن لم يجدّدا التلبية ، يصيرا مُحلّين ، ولا يجوز ذلك ، فلأجله أمر المفرد والسائق بتجديد التلبية مع أنّ السائق لا يحلّ وإن كان قد طاف ؛ لسياقه الهدي(٤) .

مسألة ٤٣٨ : إذا أتمّ المتمتّع أفعال عمرته وقصّر ، فقد أحلّ ، وإن كان قد ساق هدياً ، لم يجز له التحلّل ، وكان قارناً - قاله الشيخ في الخلاف(٥) ، وبه قال ابن أبي عقيل(٦) - لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ لم يكن ساق الهدي فليتحلّل )(٧)

____________________

(١) السرائر : ١٢٣.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٥٦ / ١٧٩١ ، جامع الاُصول ٣ : ٣١٥ / ١٦٢٢.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٤ / ١٣١.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٤ ذيل الحديث ١٣١.

(٥) الخلاف ٢ : ٢٨٢ ، المسألة ٥٧.

(٦) حكاه عنه المحقّق في المعتبر : ٣٣٩.

(٧) أورده المحقّق في المعتبر : ٣٣٩ بتفاوت يسير في اللفظ ، ونحوه في صحيح مسلم ٢ : ٩٠٧ / ١٢٣٦ ، وسنن النسائي ٥ : ٢٤٦ وسنن البيهقي ٥ : ١٨ ، ومسند أحمد ٣ : ٢٩٢.


شرط في التحلّل عدم السياق.

وقال الشافعي : يتحلّل ، سواء ساق هديه أو لم يسق(١) .

وقال أبو حنيفة : إن لم يكن ساق ، تحلّل ، وإن كان ساق ، لم يتحلّل ، واستأنف إحراماً للحجّ ، ولا يحلّ حتى يفرغ من مناسكه(٢) .

وهو باطل ؛ لأنّ تجديد الإحرام إنّما يمكن مع الإحلال ، أمّا المـُحْرم فهو باقٍ على إحرامه ، فلا وجه لتجديد الإحرام.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يتحلّل ، وعلّل بأنّه ساق الهدي(٣) ، وقالعليه‌السلام : ( لا يتحلّل سائق الهدي حتى يبلغ الهدي محلّه )(٤) .

مسألة ٤٣٩ : إذا فرغ المتمتّع من عمرته وأحلّ ثم أحرم بالحجّ ، فقد استقرّ دم التمتّع بإحرام الحجّ عليه‌ - وبه قال أبو حنيفة والشافعي(٥) - لقوله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٦) فجعل الحجّ غايةً لوجوب الهدي ، والغاية وجود أوّل الحجّ دون إكماله ، كما في قوله تعالى :( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (٧) .

____________________

(١ و ٢ ) فتح العزيز ٧ : ١٢٧ ، المجموع ٧ : ١٨٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٦ ، وحكى قولهما المحقّق في المعتبر : ٣٣٩.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦ ، المحرّر في الحديث ١ : ٣٩٧ / ٦٨٥ ، وكما في المعتبر : ٣٣٩.

(٤) أورده المحقّق في المعتبر : ٣٣٩ بتفاوت يسير في اللفظ.

(٥) المغني ٣ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٢ ، فتح العزيز ٧ : ١٦٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المجموع ٧ : ١٨٤ ، وحكاه عنهما الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٧٣ ، المسألة ٤٤.

(٦) البقرة : ١٩٦.

(٧) البقرة : ١٨٧.


وما رواه العامّة عن ابن عمر قال : تمتّع الناس على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( مَنْ كان معه هدي فإذا أهلّ بالحجّ فليهد ، ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ تمتّع في أشهر الحجّ ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة ، ومَنْ تمتّع في غير أشهر الحجّ ثم جاوز حتى يحضر الحج فليس عليه دم ، إنّما هي حجّة مفردة ، وإنّما الأضحى على أهل الأمصار »(٢) .

مسألة ٤٤٠ : المتمتّع إذا طاف وسعى للعمرة ثم أحرم بالحجّ قبل أن يقصّر ، قال الشيخ : بطلت متعته‌ وكانت حجّته مبتولةً ، وإن فعل ذلك ناسياً فليمض فيما أخذ فيه ، وقد تمّت متعته ، وليس عليه شي‌ء(٣) .

لرواية العلاء بن الفضيل ، قال : سألته عن رجل تمتّع فطاف ثم أهلّ بالحجّ قبل أن يقصّر ، قال : « بطلت متعته ، وهي حجّة مبتولة »(٤) .

ودلّ على حال النسيان : ما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : عن رجل متمتّع نسي أن يقصّر حتى أحرم بالحجّ ، قال : « يستغفر الله »(٥) .

____________________

(١) أورده كما في المتن الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٧٣ ، المسألة ٤٤ ، وفي صحيح مسلم ٢ : ٩٠١ / ١٢٢٧ وسنن أبي داود ٢ : ١٦٠ / ١٨٠٥ ، وسنن النسائي ٥ : ١٥١ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٧ بتفاوت يسير.

(٢) الكافي ٤ : ٤٨٧ ( باب من يجب عليه الهدي ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٩ / ٦٦٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٩ / ٩١٣.

(٣) النهاية : ٢١٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٩٠ / ٢٩٦ ، الاستبصار ٢ : ١٧٥ - ١٧٦ / ٥٨٠.

(٥) الكافي ٤ : ٤٤٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٩٠ / ٢٩٧ ، الاستبصار ٢ : ١٧٥ / ٥٧٧.


وقال بعض علمائنا في الناسي : عليه دم(١) .

وقال بعضهم : يبطل الإحرام الثاني ، سواء وقع عمداً أو سهواً ، ويبقى على إحرامه الأوّل(٢) .

مسألة ٤٤١ : قد تقدّم(٣) أنّ إحرام المتمتّع والمـُفْرد ينعقد بالتلبية ، وأنّ إحرام القارن ينعقد بها أو بالإشعار أو التقليد ، فإن عقد بالتلبية ، استحبّ له الإشعار أو التقليد - وبه قال الشافعي ومالك(٤) ، إلّا أنّ الشافعي قال : الإحرام ينعقد بمجرّد النيّة وإن لم يُلبِّ ولا أشعر ولا قلّد(٥) - لما رواه العامّة عن ابن عباس : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ثم سلت الدم(٦) عنها(٧) .

وعن عروة [ عن المِسْوَر ](٨) بن مخرمة ومروان ، قالا : خرج‌

____________________

(١) كالشيخ الطوسي في الجُمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٣٢ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٢٢٣ - ٢٢٥ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١٦٨.

(٢) ابن إدريس في السرائر : ١٣٦.

(٣) تقدّم في ج ٧ ص ٢٤٨ ، المسألة ١٨٦.

(٤) الاُم ٢ : ٢١٦ ، مختصر المزني : ٧٣ - ٧٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٣ ، المجموع ٨ : ٣٥٨ ، المغني ٣ : ٥٩١ ، المحلّى ٧ : ١١٢ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٧ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٢ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٣١٢ ، التفريع ١ : ٣٣٢ ، وحكاه عنهما الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣٩ ، المسألة ٣٣٧ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٣٩.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢١٢ ، المجموع ٧ : ٢٢٤ و ٢٢٥ ، الوجيز ١ : ١١٦ ، فتح العزيز ٧ : ٢٠١ - ٢٠٢ ، المغني ٣ : ٢٤٦ - ٢٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٧.

(٦) سلت الدم : أي إماطة. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٣٨٧ « سلت ».

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٩١٢ / ١٢٤٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٦ / ١٧٥٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٦٦.

(٨) أضفناها من المصادر.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمـّا كان بذي الحليفة قلّد الهدي وأشعره(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلّم بقليل ولا كثير »(٢) .

وقال أبو حنيفة : الإشعار مُثْلة وبدعة وتعذيب للحيوان ، ولم يعرف تقليد الغنم(٣) .

وهو مدفوع بما تقدّم(٤) .

وبما رواه العامّة عن جابر الأنصاري قال : كان هدايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غنماً مقلّدة(٥) .

وعن عائشة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أهدى غنماً مقلّدة(٦) .

مسألة ٤٤٢ : إذا قصّر المتمتّع من عمرته ، أحرم للحجّ من مكّة ، وفَعَل حالة الإحرام يوم التروية كما فَعَله أوّلاً عند الميقات من أخذ الشارب وقَلْم الأظفار والاغتسال وغير ذلك ؛ لأنّه أحد الإحرامين ، فاستحبّ فيه ما استحبّ في الآخر.

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٦ / ١٧٥٤ ، سنن النسائي ٥ : ١٧٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣١.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٤ / ١٣٠.

(٣) المجموع ٨ : ٣٥٨ ، صحيح مسلم بشرح النووي هامش إرشاد الساري ٥ : ٣٦٤ ، معالم السنن - للخطابي - ٢ : ٢٩١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٤ ، المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٩ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣٩ ، المسألة ٣٣٧ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٣٩.

(٤) تقدّم آنفاً.

(٥) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٤٠ ذيل المسألة ٣٣٨ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٣٩.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ١٤٦ / ١٧٥٥ ، وأورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٤٠ ذيل المسألة ٣٣٨ ، والمحقّق في المعتبر : ٣٣٩.


ولقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت أن تُحْرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت أن تُحْرم »(١) الحديث ، إلّا أنّه هنا يلبّي بالحجّ.

مسألة ٤٤٣ : إحرام المرأة كإحرام الرجل إلّا في أمرين : رفع الصوت بالتلبية ، وقد تقدّم(٢) ، ولُبْس المخيط ، فإنّه جائز لهنّ ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه نهى النساء في إحرامهنّ عن القُفّازين والنقاب وما مسّه الوَرْس من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّته من ألوان الثياب(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « المرأة المـُحْرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقُفّازين » وكره النقاب وقال : « تسدل الثوب على وجهها » قال : حدّ ذلك إلى أين؟ قال : « إلى طرف الأنف قدر ما تبصر »(٤) .

مسألة ٤٤٤ : إحرام المرأة في وجهها‌ ، فلا تخمره ، ولا يجوز لها أن تغطّيه بمخيط ولا بغيره بإجماع العلماء ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( لا تتنقّب المرأة ولا تلبس القُفّازين )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام : « المـُحْرمة لا تتنقّب لأنّ إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه »(٦) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز لها أن تسدل الثوب على رأسها إلى طرف‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٥٤ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٦٨ / ٥٥٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٥١ / ٨٨١.

(٢) تقدّم في ج ٧ ص ٢٥٠ - ٢٥١ ، المسألة ١٨٨.

(٣) سنن أبي داود ٢ : ١٦٦ / ١٨٢٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٥٢.

(٤) الكافي ٤ : ٣٤٤ / ١ ، التهذيب ٥ : ٧٣ - ٧٤ / ٢٤٣.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٩ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٥ / ١٨٢٥ ، سنن الترمذي ٣ : ١٩٤ - ١٩٥ / ٨٣٣ ، سنن النسائي ٥ : ١٣٥ - ١٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٤٦.

(٦) الكافي ٤ : ٣٤٦ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠٠٩.


أنفها ، وتستر المـُحْرمة سائر جسدها إلّا وجهها ، ولها سدل الثوب على وجهها بحيث لا يمسّه ؛ لأنّه ليس بستر حقيقة ، ولهذا جاز للمُحْرم أن يظلّل على نفسه حالة النزول.

ولو أصاب الثوب وجهها ، قال بعض العامّة : إن إزالته في الحال ، فلا شي‌ء عليها ، وإلّا وجب عليها دم(١) .

ولا يجوز لها لُبْس البُرْقع ؛ للرواية(٢) .

ويجوز لها لُبْس السراويل ؛ لأنّ الحلبي سأل الصادقعليه‌السلام : عن المرأة إذا أحرمت أتلبس السراويل؟ قال : « نعم إنّما تريد بذلك الستر »(٣) .

ويجوز لها أن تلبس الغلالة إذا كانت حائضاً لتحفظ ثيابها من الدم ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام قال : « تلبس المرأة المـُحْرمة الحائض تحت ثيابها غلالة »(٤) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٣١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٣٠.

(٢) الكافي ٤ : ٣٤٥ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٧٥ / ٢٤٧ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٩ / ١١٠١.

(٣) الكافي ٤ : ٣٤٦ / ١١ ، الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠١٣ ، التهذيب ٥ : ٧٦ / ٢٥٢.

(٤) الفقيه ٢ : ٢١٩ / ١٠١١ ، التهذيب ٥ : ٧٦ / ٢٥١.



الفصل الثاني

في دخول مكّة‌

إذا فرغ المتمتّع من إحرام العمرة من الميقات ثم صار إلى مكّة فقارب الحرم ، استحبّ له أن يغتسل قبل دخوله ؛ لأنّ أبان بن تغلب كان مع الصادقعليه‌السلام ، لمـّا انتهى إلى الحرم نزل واغتسل وأخذ نعليه بيديه ثم دخل الحرم حافياً ، فصنعتُ مثل ما صنع ، فقال : « يا أبان مَنْ صنع مثل ما رأيتني صنعتُ تواضعاً لله عزّ وجلّ محى الله عنه مائة ألف سيّئة ، وكتب له مائة ألف حسنة ، وبنى له مائة ألف درجة ، وقضى له مائة ألف حاجة »(١) .

ولو لم يتمكّن من الغسل عند دخول الحرم ، جاز له أن يؤخّره إلى قبل دخول مكة ، اُ فروة بذلك(٣) .

ويستحب له الدعاء عند دخول الحرم بالمنقول ، فإذا نظر إلى بيوت مكة ، قطع التلبية ، وحدّها عقبة المدينين. ولو أخذ على طريق المدينة ، قطع التلبية إذا نظر إلى عريش مكة ، وهي عقبة ذي طُوى - وهو من سواد‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٩٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ٩٧ / ٣١٧.

(٢) الكافي ٤ : ٣٩٨ / ٥ ، و ٤٠٠ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٩٧ - ٩٨ / ٣١٨ و ٣١٩.

(٣) الكافي ٤ : ٣٩٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٩٨ / ٣٢٠.


مكة قريب منها - بضم الطاء ، وقد تُفتح وتُكسر.

ويستحب له أن يدخل مكة من أعلاها إذا كان داخلاً من طريق المدينة ، ويخرج من أسفلها ؛ لأنّ يونس بن يعقوب سأل الصادقَعليه‌السلام : من أين أدخل مكة وقد جئت من المدينة؟ قال : « ادخل من أعلى مكة ، وإذا خرجت تريد المدينة فاخرج من أسفل مكة »(١) .

وروى العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يدخل من الثنيّة العُلْيا ويخرج من الثنيّة السُفْلى(٢) .

وهذا في حقّ مَنْ يجي‌ء من المدينة والشام ، فأمّا الذين يجيئون من سائر الأقطار فلا يؤمرون بأن يدوروا ليدخلوا من تلك الثنيّة. وكذا في الاغتسال بذي طُوى.

وقيل : بل هو عام ، ليحصل التأسّي بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويستحب له أن يغتسل لدخول مكّة من بئر ميمون أو فخّ ؛ لما روى العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فَعَله(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه( طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (٤) وينبغي للعبد أن لا يدخل مكة إلّا وهو طاهر قد غسل عرقه والأذى وتطهّر »(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٣٩٩ ( باب دخول مكة ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٩٨ / ٣٢١.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٧٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩١٨ / ١٢٥٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨١ / ٢٩٤٠ ، سنن أبي داود ٢ : ١٧٤ / ١٨٦٦ ، سنن النسائي ٥ : ٢٠٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٠٩ / ٨٥٣.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩١٩ / ٢٢٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٠٨ / ٨٥٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٧١.

(٤) البقرة : ١٢٥.

(٥) الكافي ٤ : ٤٠٠ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٩٨ - ٩٩ / ٣٢٢.


ولو اغتسل ثم نام قبل دخولها ، استحب إعادته ؛ لأنّ عبد الرحمن بن الحجّاج سأل الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام [ فيتوضّأ ](١) قبل أن يدخل الحرم ، قال : « لا يجزئه ، لأنّه إنّما دخل بوضوء »(٢) .

ويستحب له أن يدخل مكة بسكينة ووقار حافياً ؛ لأنّه أبلغ في الطاعة.

ولأنّ الصادقعليه‌السلام فَعَله(٣) .

مسألة ٤٤٦ : دخول مكة واجب للمتمتّع ، أوّلاً يطوف بالبيت ويسعى ويقصّر ثم يُنشئ إحرام الحجّ ، أمّا القارن والمفرد فلا يجب عليهما ذلك ؛ لأنّ الطواف والسعي إنّما يجب عليهما بعد الموقفين ونزول منى وقضاء بعض مناسكها ، لكن يجوز لهما أيضاً دخول مكة والمقام بها على إحرامهما حتى يخرجا إلى عرفات ، فإن أرادا الطواف بالبيت استحباباً ، جاز ، غير أنّهما يجدّدان التلبية عقيب كلّ طواف وسعي حتى يخرجا إلى عرفات.

وقد بيّنّا أنّ كلّ مَنْ دخل مكة يجب أن يكون مُحْرماً ، إلّا المتكرّر ، كالحطّاب والمرضى والرُّعاة والمقاتل شرعاً ، والعبد ؛ لأنّ السيّد لم يأذن له بالتشاغل عن خدمته.

ومَنْ يجب عليه دخول مكة بإحرام لو دخلها بغير إحرام ، لم يجب عليه القضاء - وبه قال الشافعي(٤) - لأصالة البراءة.

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) الكافي ٤ : ٤٠٠ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٩٩ / ٣٢٥.

(٣) الكافي ٤ : ٣٩٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ٩٧ / ٣١٧.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٢ ، المجموع ٧ : ١٣ و ١٦ ، المغني ٣ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٤.


وقال أبو حنيفة : عليه أن يأتي بحجّة أو عمرة ، فإن فعل في سنته لحجّة الاسلام أو منذورة أو عمرة منذورة ، أجزأه ذلك عن عمرة الدخول [ استحساناً ](١) ، وإن لم يحجّ من سنته ، استقرّ القضاء(٢) .

مسألة ٤٤٧ : الحائض والنفساء يستحب لهما الاغتسال لدخول مكّة ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر عائشة لمـّا حاضت : ( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )(٣) .

ويجوز دخول مكّة ليلاً ونهاراً إجماعاً ؛ للأصل.

وحكي عن عطاء أنّه كره دخولها ليلاً(٤) .

وقال إسحاق : دخولها نهاراً أولى(٥) . وحكي ذلك عن النخعي(٦) .

والأصل أنّهعليه‌السلام دخلها تارةً ليلاً وتارةً نهاراً(٧) .

مسألة ٤٤٨ : إذا أراد دخول المسجد الحرام ، استحبّ له أن يغتسل ؛ لما تقدّم(٨) . وأن يدخله على سكينة ووقار حافياً بخشوع وخضوع من باب بني شيبة ؛ لأنّ هبل الصنم مدفون تحت عتبة باب بني شيبة ، فاستحبّ الدخول منها ليطأه الداخل برجله. ويدعو بالمنقول.

____________________

(١) في « ف ، ط ، ن » والطبعة الحجرية : استحباباً. والصحيح ما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.

(٢) المغني ٣ : ٢٢٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٤.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٨٤ و ٢ : ١٩٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٣ - ٨٧٤ / ١٢٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٣ و ٨٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٤.

(٤) كما في الخلاف ٢ : ٣١٩ ، المسألة ١٢١ ، وفي المجموع ٨ : ٧ : وممّن استحب دخولها نهاراً : عطاء.

(٥ و ٦ ) الحاوي الكبير ٤ : ١٣١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٥ ، المجموع ٨ : ٧.

(٧) اُنظر : صحيح مسلم ٢ : ٩١٩ / ٢٢٦ و ٢٢٧ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٧٤ / ١٨٦٥ ، وسنن النسائي ٥ : ١٩٩ ، وسنن الدارمي ٢ : ٧٠ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٢.

(٨) تقدّم في المسألة ٤٤٥.


الفصل الثالث

في الطواف‌

وفيه مباحث :

الأوّل : في مقدّماته.

مسألة ٤٤٩ : الطهارة شرط في الطواف الواجب ، فلا يصحّ طواف المحدث عند علمائنا - وبه قال مالك والشافعي(١) - لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( الطواف بالبيت صلاة إلّا أنّكم تتكلّمون فيه )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا بأس أن تقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف بالبيت ، والوضوء أفضل »(٣) .

ولو شرع في الطواف الواجب على غير طهارة فذَكَر ، إعادة ؛ لأنّ زرارة سأل الباقرَعليه‌السلام : عن الرجل يطوف بغير وضوء أيعتدّ بذلك الطواف؟ قال : « لا »(٤) وهو يتناول العامد والساهي.

ولو ذكر في الأثناء أنّه محدث ، أعاد الطواف من أوّله ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل الكاظم - في الصحيح - : عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر‌

____________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٣٤٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤٤ ، الوجيز ١ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٢٨٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٨ ، المجموع ٧ : ١٥ و ١٧ ، المغني ٣ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٩.

(٢) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٩٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٠٩ ، وبتفاوت يسير في سنن الترمذي ٣ : ٢٩٣ / ٩٦٠ ، وسنن البيهقي ٥ : ٨٧.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٥٠ / ١٢٠١.

(٤) الكافي ٤ : ٤٢٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ١١٦ / ٣٧٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٢١ / ٧٦٢‌


وهو في الطواف ، فقال : « يقطع طوافه ولا يعتدّ به »(١) .

وقال أبو حنيفة : ليست الطهارة شرطاً(٢) . واختلف أصحابه ، فقال بعضهم بالأوّل(٣) ، وبعضهم بالثاني(٤) .

وعن أحمد روايتان : إحداهما كقولنا ، والثاني : أنّ الطهارة ليست شرطاً. فمتى طاف للزيارة غير متطهّر ، أعاد ما دام مقيماً بمكّة ، فإن خرج إلى بلده ، جبره بدم(٥) .

مسألة ٤٥٠ : لا تُشترط الطهارة في طواف النافلة وإن كانت أفضل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : في رجل طاف على غير وضوء : « إن كان تطوّعاً فليتوضّأ وليصلّ »(٦) .

وسأل عبيدُ بن زرارة الصادقَعليه‌السلام : إنّي أطوف طواف النافلة وإنّي على غير وضوء ، فقال : « توضّأ وصلّ وإن كنت(٧) متعمّداً »(٨) .

مسألة ٤٥١ : يشترط خُلوّ البدن والثوب من النجاسة‌ في صحّة‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٢٠ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١١٧ / ٣٨١ ، وفيهما : « ولا يعتدّ بشي‌ء ممّا طاف ».

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٣٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٩ ، المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤٤ ، المجموع ٨ : ١٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٦.

(٣) أي : اشتراط الطهارة.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٣٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٩ ، المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٦ - ٣٢٧.

(٥) المغني ٣ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٦ ، المجموع ٨ : ١٧.

(٦) التهذيب ٥ : ١١٧ / ٣٨٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٢ / ٧٦٦.

(٧) في النسخ الخطّية « ط ، ف ، ن » والطبعة الحجرية : « كان » بدل « كنت » وما أثبتناه من المصدر.

(٨) التهذيب ٥ : ١١٧ / ٣٨٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٢ / ٧٦٧.


الطواف ، سواء كانت النجاسة دماً أو غيره ، قلّت أو كثرت ؛ لقولهعليه‌السلام : ( الطواف بالبيت صلاة )(١) .

ولأنّها شرط في الصلاة ، فتكون شرطاً في الطواف.

[ والستر شرط في الطواف ](٢) - والخلاف فيه كما تقدّم - لقولهعليه‌السلام : ( الطواف بالبيت صلاة )(٣) .

وقولهعليه‌السلام : ( لا يحجّ بعد العام مشرك ولا عريان )(٤) .

ولأنّها عبادة متعلّقة بالبدن ، فكانت الستارة شرطاً فيها ، كالصلاة.

والختان شرط في الطواف للرجل مع القدرة دون المرأة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « الأغلف لا يطوف بالبيت ولا بأس أن تطوف المرأة »(٥) .

مسألة ٤٥٢ : يستحب أن يغتسل لدخول المسجد‌ ويدخل من باب بني شيبة بعد أن يقف عندها ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل منها(٦) .

ويسلّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويدعو بالمأثور.

ويكون دخوله بخضوع وخشوع ، وعليه سكينة ووقار ، ويقول إذا نظر إلى الكعبة : الحمد لله الذي عظّمك وشرّفك وكرّمك وجعلك مثابة للناس وآمناً مباركاً وهدى للعالمين.

____________________

(١) سنن النسائي ٥ : ٢٢٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٨٥ و ٨٧ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٥٩ و ٢ : ٢٦٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ٣٤ / ١٠٩٥٥.

(٢) أضفناها من منتهى المطلب ٢ : ٦٩٠ - للمصنّف - لأجل السياق.

(٣) المصادر في الهامش (١).

(٤) صحيح البخاري ٢ : ١٨٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٢ / ١٣٤٧ ، سنن النسائي ٥ : ٢٣٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٨٧ - ٨٨ ، وفيها ( ولا يطوف بالبيت عريان ).

(٥) التهذيب ٥ : ١٢٦ / ٤١٣.

(٦) سنن البيهقي ٥ : ٧٢.


البحث الثاني : في كيفية الطواف.

مسألة ٤٥٣ : يجب في الطواف : النيّة ، وهي شرط ، لقولهعليه‌السلام : ( لا عمل إلّا بالنيّة )(١) .

وهو أن ينوي الطواف للحجّ أو العمرة واجباً أو ندباً قربةً إلى الله تعالى.

ويجب أن يبتدئ في الطواف من الحجر الأسود الذي في الركن العراقي ؛ فإنّ البيت له أربعة أركان : ركنان يمانيّان ، وركنان شاميّان ، وكان لاصقاً بالأرض ، وله بابان : شرقيّ وغربيّ ، فهدمه السيل قبل مبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعشر سنين ، وأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم ، وقصرت الأموال الطيّبة والهدايا والنذور عن عمارته ، فتركوا من جانب الحجر بعض البيت.

روت عائشة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( ستّة أذرع من الحِجْر من البيت )(٢) فتركوا بعض البيت من جانب الحجر خارجاً ؛ لأنّ النفقة كانت تضيق عن العمارة ، وخلّفوا الركنين الشاميّين عن قواعد إبراهيمعليه‌السلام ، وضيّقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الذي يليه ، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً ، وهو الذي يسمّى : الشاذروان.

وروي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعائشة : ( لو لا حدثان قومك بالشرك‌

____________________

(١) أمالي الطوسي ٢ : ٢٠٣.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٩٦٩ - ٩٧٠ / ٤٠١ وفيه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعائشة ( وزِدْتُ فيها ستة أذرعٍ من الحِجْر ) وكذا في سنن البيهقي ٥ : ٨٩.


لهدمت البيت وبنيته على قواعد إبراهيمعليه‌السلام ، فألصقته بالأرض ، وجعلتُ له بابين شرقيّاً وغربيّاً)(١) .

ثم هدمه ابن الزبير أيّام ولايته ، وبناه على قواعد إبراهيمعليه‌السلام ، كما تمنّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم لـمّا استولى عليه الحجّاج ، هدمه ، وأعاده على الصورة التي عليه اليوم ، وهي بناء قريش والركن الأسود ، والباب في صوب الشرق والأسود ، وهو أحد الركنين اليمانيّين ، والباب بينه وبين أحد الشاميّين ، وهو الذي يسمّى عراقيّاً أيضاً ، والباب إلى الأسود أقرب منه إليه ، ويليه الركن الآخر الشامي ، والحجر بينهما ، والميزاب بينهما ، ويلي هذا الركن اليماني الآخر الذي عن يمين الأسود.

مسألة ٤٥٤ : ويجب أن يحاذي بجميع بدنه الحجر الأسود‌ في مروره(٢) حين الابتداء به في الطواف ، فلو ابتدأ الطائف من غير الحجر الأسود ، لم يعتد بما فَعَله حتى ينتهي إلى الحجر الأسود ، فيكون منه ابتداء طوافه إن جدّد النيّة عنده أو استصحبها فعلاً.

ولو نسيها واستمرّ على نيّته الاُولى ، لم يعتد بذلك الشوط ، فإن جدّد النيّة في ابتداء الشوط الثاني ، وإلّا بطل طوافه.

وينبغي أن يمرّ عند الابتداء بجميع بدنه على الحجر الأسود بأن لا يقدّم جزءاً من الحجر ، فلو حاذاه ببعض البدن ، لم يعتد بذلك الطواف ،

____________________

(١) أورده نصّاً الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٢٩٠ ، وبتفاوت يسير في صحيح مسلم ٢ : ٩٦٩ - ٩٧٠ / ٤٠١ ، وسنن النسائي ٥ : ٢١٦ ، وسنن البيهقي ٥ : ٨٩.

(٢) في « ف ، ن » والطبعة الحجرية : بروزه. والأنسب ما أثبتناه ، علماً بأنّ الكلمة على اختلافها لم ترد في « ط » لسقوطها.


وهو الجديد للشافعي(١) - وقال في القديم : يعتد به(٢) - لما رواه العامّة عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بدأ بالحجر ، فاستلمه ، وفاضت عيناه من البكاء(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « من اختصر في الحِجْر الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود »(٤) والأمر للوجوب ، ولا نعلم فيه خلافاً.

مسألة ٤٥٥ : وكما يجب الابتداء بالحجر الأسود يجب الختم به‌ هكذا سبعة أشواط ، فلو ترك ولو خطوة منها ، لم يجزئه ، ولا تحلّ له النساء حتى يعود إليها ، فيأتي بها ؛ لأنّ رعاية العدد شرط في صحة الطواف عندنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٥) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله طاف بالبيت سبعاً(٦) .

وقالعليه‌السلام : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٧) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : رجل طاف بالبيت فاختصر شوطاً واحداً في الحجر ، قال : « يعيد ذلك الشوط »(٨) .

____________________

(١و٢) الوجيز ١ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٢٩٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٩ ، المجموع ٨ : ٣٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٣٤ - ١٣٥.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ٧٤.

(٤) الكافي ٤ : ٤١٩ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٤٩ / ١١٩٨.

(٥) الوجيز ١ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٨ ، المجموع ٨ : ٢١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، المغني ٣ : ٤٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥١١.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ١٨٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٦ / ٢٩٥٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٢٥ و ٢٣٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٧٣ - ٧٤.

(٧) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٨) التهذيب ٥ : ١٠٩ / ٣٥٣.


ولأنّها عبادة واجبة ذات عدد فلا يقوم أكثر عددها مقام كلّها ، كالصلاة.

ولأنّه مأمور بعدد ، فلا يخرج عن العهدة ببعضه ، إذ الفائت لا بدل له مطلقاً.

وقال أبو حنيفة : إذا طاف أربعة أشواط ، فإن كان بمكة ، لزمه إتمام الطواف ، وإن خرج ، لزمه جبرها بدم ، لأنّ أكثر الشي‌ء يقوم مقام الجميع ، فإنّ مَنْ أدرك ركوع الإمام أدرك ركعته ؛ لأنّه أدرك أكثرها(١) .

وهو خطأ ؛ فإنّ الفائت هو القراءة والإمام ينوب فيها ، بخلاف صورة النزاع.

مسألة ٤٥٦ : ويجب أن يطوف على يساره‌ بأن يجعل البيت عن يساره ، ويطوف على يمين نفسه ، فلو نكس وجعل البيت عن يمينه ومرّ على وجهه نحو الركن اليماني وطاف ، لم يجزئه ، ووجب عليه الإعادة عند علمائنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٢) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ترك البيت في طوافه على جانبه اليسار(٣) .

وقالعليه‌السلام : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٤) فيجب اتّباعه.

____________________

(١) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠٣ - ٣٠٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥١ ، المجموع ٨ : ٢٢ ، المغني ٣ : ٤٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥١١.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٥٠ ، فتح العزيز ٧ : ٢٩٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٩ ، المجموع ٨ : ٣٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٧ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٣٩ ، المغني ٣ : ٤٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٤.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٣ / ١٥٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٣١١ / ٨٥٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٩٠.

(٤) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.


وقال أبو حنيفة : يعيد الطواف ما دام بمكة ، فإن فارقها ، أجزأه دم شاة ؛ لأنّه أتى بالطواف ، وإنّما ترك هيئةً من هيئاته ، فلا يمنع إجزاءه كما لو ترك الرمل(١) .

والفرق ندبية الرمل.

مسألة ٤٥٧ : ويجب أن يجعل البيت على جانبه الأيسر‌ ويطوف كذلك الأشواط السبعة ، فلو استقبل البيت بوجهه وطاف معترضاً ، لم يصح - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) - لأنّه لم يُولّ الكعبة شقّه الأيسر ، كما أنّ المصلّي لمـّا أمر بأن يولّي الكعبة صدره ووجهه ، لم يجز له أن يولّيها شقّه.

والوجه الثاني للشافعية : الجواز ؛ لحصول الطواف في يسار البيت(٣) .

وكذا يجري الخلاف فيما لو ولّاها(٤) بشقّه الأيمن ومرّ القهقرى نحو الباب أو استدبر ومرّ معترضاً.

ومن صحّح الطواف فالمعتبر عنده أن يكون تحرّك الطائف ودورانه في يسار البيت.

مسألة ٤٥٨ : ويجب أن يكون بجميع بدنه خارجاً من البيت ، فلا يجوز أن يمشي على شاذروان البيت ؛ لأنّه من البيت ، والطواف المأمور به هو الطواف بالبيت.

قال الله تعالى :( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (٥) وإنّما يكون طائفاً به لو كان خارجاً عنه ، وإلّا كان طائفاً فيه.

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٤ ، فتح العزيز ٧ : ٢٩٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٧ ، المغني ٣ : ٤٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٧.

(٢و٣) فتح العزيز ٧ : ٢٩٢ ، المجموع ٨ : ٣٢.

(٤) في « ط ، ف ، ن » والطبعة الحجرية : لو لاقاها. والصحيح ما أثبتناه.

(٥) الحج : ٢٩.


ويجب أن يدخل الحِجْر في طوافه ، وهو الذي بين الركنين الشاميّين ، وهو موضع محوّط عليه بجدار قصير بينه وبين كلّ واحد من الركنين فتحة ، والميزاب منصوب عليه ، فلو مشى على حائطه أو دخل من إحدى الفتحتين وخرج من الاُخرى وسلك الحِجْر ، لم يجزئ ؛ لأنّه يكون ماشياً في البيت ، بل يجب أن يطوف حول الحجر - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا طاف(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « من اختصر في الحِجْر الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود »(٣) .

وكتب إبراهيم بن سفيان إلى الرضاعليه‌السلام : امرأة طافت طواف الحج ، فلمـّا كانت في الشوط السابع اختصرت ، فطافت في الحِجْر ، وصلّت ركعتي الفريضة ، وسعت وطافت طواف النساء ، ثم أتت منى ، فكتب : « تعيد »(٤) .

والقول الثاني للشافعي : إنّ الذي هو من البيت من الحِجْر قدر ستّة أذرع تتّصل بالبيت ؛ لأنّ عائشة قالت : نذرتُ أن اُصلّي ركعتين في البيت ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( صلّي في الحِجْر ، فإنّ ستّة أذرع منه من البيت )(٥) (٦) .

ومنهم من يقول : ستّة أو سبعة أذرع ، بنوا الأمر فيه على التقريب(٧) .

وقال أبو حنيفة : إذا سلك الحِجْر ، أجزأه(٨) . وليس بجيّد.

____________________

(١) الوجيز ١ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٢٩٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٨ ، المجموع ٨ : ٢٥ و ٢٦.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ٩٠.

(٣) الكافي ٤ : ٤١٩ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٤٩ / ١١٩٨.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٤٩ / ١١٩٩.

(٥) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٢٩٦.

(٦و٧) فتح العزيز ٧ : ٢٩٦ ، المجموع ٨ : ٢٥.

(٨) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٢٤ ، المسألة ١٣٢.


ولو دخل إحدى الفتحتين وخرج من الاُخرى ، لم يحسب له - وبه قال الشافعي في أحد قوليه(١) - ولا طوافه بعده حتى ينتهي إلى الفتحة التي دخل منها.

ولو خلّف القدر الذي هو من البيت ثم اقتحم الجدار وتخطّى الحِجْر ، ففي صحّة طوافه للشافعية وجهان(٢) ، وعندنا لا يصحّ ؛ لما تقدّم.

مسألة ٤٥٩ : لو كان يطوف ويمسّ الجدار بيده في موازاة الشاذروان أو أدخل يده في موازاة ما هو من البيت من الحِجْر ، فالأقرب عدم الصحّة‌ - وهو أحد وجهي الشافعية(٣) - لأنّ بعض بدنه في البيت ، ونحن شرطنا خروج بدنه بأسره من البيت.

والثاني للشافعية : الجواز ، لأنّ معظم بدنه خارج ، وحينئذ يصدق أن يقال : إنّه طائف بالبيت(٤) .

وهو ممنوع ؛ لأنّ بعض بدنه في البيت ، كما لو كان يضع إحدى رجليه أحياناً على الشاذروان ويقف بالاُخرى.

مسألة ٤٦٠ : ويجب أن يكون الطواف(٥) داخل المسجد ، فلا يجوز الطواف خارج المسجد ، كما يجب أن لا يكون خارج مكّة والحرم.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب عندنا أن يكون الطواف بين البيت والمقام ويدخل الحِجْر في طوافه ، فلو طاف في المسجد خلف المقام ، لم يصح طوافه ؛ لأنّه خرج بالتباعد عن القدر الواجب ، فلم يكن مجزئاً.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٢٩٦ - ٢٩٧ ، المجموع ٨ : ٢٥.

(٢) الموجود في فتح العزيز ٧ : ٢٩٧ ، والمجموع ٨ : ٢٥ صحّة طوافه.

(٣و٤) فتح العزيز ٧ : ٢٩٧ - ٢٩٨ ، المجموع ٨ : ٢٤.

(٥) في « ط ، ف ، ن » : أن يطوف.


روى محمد بن مسلم ، قال : سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي مَنْ خرج منه لم يكن طائفاً بالبيت ، قال : « كان [ الناس ](١) على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يطوفون بالبيت والمقام ، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت ، فكان الحدّ من موضع المقام اليوم ، فمن جازه فليس بطائف ، فالحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت ومن نواحي البيت كلّها ، فمن طاف فتباعد من نواحيه أكثر من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد ، لأنّه طاف في غير حدّ ، ولا طواف له »(٢) .

وقد روى الصدوق عن أبان عن محمد الحلبي عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الطواف خلف المقام ، قال : « ما أحبّ ذلك وما أرى به بأساً فلا تفعله إلّا أن لا تجد منه بُدّاً »(٣) .

وهو يُعطي الجواز مع الحاجة كالزحام.

وقال الشافعي : لا بأس بالحائل بين الطائف والبيت ، كالسقاية والسواري ، ولا بكونه في آخر باب المسجد وتحت السقف وعلى الأروقة والسطوح إذا كان البيت أرفع بناءً على ما هو اليوم ، فإن جعل سقف المسجد أعلى ، لم يجز الطواف على سطحه ، ويستلزم أنّه لو انهدمت الكعبة - والعياذ بالله - لم يصح الطواف حول عرصتها ، وهو بعيد.

ولو اتّسعت خطّة المسجد ، اتّسع المطاف ، وقد جعلته العبّاسية أوسع ممّا كان في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) الكافي ٤ : ٤١٣ ( باب حدّ موضع الطواف ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ١٠٨ / ٣٥١.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٤٩ / ٢٥٠ - ١٢٠.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٠١ - ٣٠٢ ، المجموع ٨ : ٣٩.


وهذا كلّه عندنا باطل.

مسألة ٤٦١ : إذا فرغ من طواف سبعة أشواط تامّة ، صلّى ركعتي الطواف في مقام إبراهيمعليه‌السلام حيث هو الآن - وهو سنة ثمان عشرة وسبعمائة - لأنّ إبراهيم بن أبي محمود قال للرضاعليه‌السلام : اُصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة أو حيث كان على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قال : « حيث هو الساعة »(١) .

فإن كان الطواف مستحبّاً ، كانت هاتان الركعتان مستحبّتين ، وإن كان الطواف فرضاً ، كانت الركعتان فرضاً عند أكثر علمائنا(٢) - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه(٣) - لقوله تعالى :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) (٤) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّاهما ، وتلا قوله تعالى :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) (٥) فأفهم الناس أنّ هذه الآية أمر بهذه الصلاة ، والأمر للوجوب.

ولأنّهعليه‌السلام فَعَلَهما وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٦) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٢٣ - ٤٢٤ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٣٧ / ٤٥٣.

(٢) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٤٢ ، والمبسوط ١ : ٣٦٠ ، والخلاف ٢ : ٣٢٧ ، المسألة ١٣٨ ، وابن إدريس في السرائر : ١٣٥ ، والمحقّق في شرائع الإسلام ١ : ٢٦٧.

(٣) بدائع الصنائع ٢ : ١٤٨ ، الوجيز ١ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٠ ، المجموع ٨ : ٥١ ، المغني ٣ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٤.

(٤) البقرة : ١٢٥.

(٥) سنن الترمذي ٣ : ٢١١ / ٨٥٦ ، سنن النسائي ٥ : ٢٣٥.

(٦) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيمعليه‌السلام ، فصلّ ركعتين ، واجعله أمامك ، واقرأ فيهما سورة التوحيد ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ). وفي الثانية قل يا أيّها الكافرون ، تم تشهّد واحمد الله وأثن عليه وصلّ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسَلْه أن يتقبّل منك ، وهاتان الركعتان هُما الفريضة ليس يكره أن تصلّيهما أيّ الساعات شئْتَ : عند طلوع الشمس وعند غروبها ، ولا تؤخّرها ساعة تطوف وتفرغ فصلّهما »(١) .

وقال مالك والشافعي في القول الثاني ، وأحمد : أنّهما مستحبّتان - وهو قول شاذّ من علمائنا(٢) - لأنّها صلاة لم يشرع لها أذان ولا إقامة ، فلا تكون واجبةً(٣) .

قلنا : تكون واجبة ، ولا يسنّ لها الأذان ، وكذا العيد الواجب والكسوف.

مسألة ٤٦٢ : يجب أن يصلّي هاتين الركعتين في المقام‌ - عند أكثر علمائنا(٤) - في طواف الفريضة ، وفي النفل يصلّيهما حيث كان من المسجد ؛ لقول أحدهماعليهما‌السلام : « لا ينبغي أن تصلّي ركعتي طواف الفريضة إلّا عند مقام إبراهيم ، فأمّا التطوّع فحيثما شئت من المسجد »(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٢٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٣٦ / ٤٥٠.

(٢) كما في السرائر : ١٣٥.

(٣) بداية المجتهد ١ : ٣٤١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٣ ، الوجيز ١ : ١١٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٠ ، المجموع ٨ : ٥١ و ٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٤ ، المغني ٣ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٤ - ٤١٥.

(٤) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٤٢ ، والمبسوط ١ : ٣٦٠ ، وابن إدريس في السرائر : ١٣٥ ، والمحقّق في شرائع الإسلام ١ : ٢٦٨.

(٥) الكافي ٤ : ٤٢٤ / ٨ ، التهذيب ٥ : ١٣٧ / ٤٥٢.


وبه قال الثوري ومالك(١) ؛ لما تقدّم(٢) من الآية والأحاديث.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلّا خلف المقام ، لقول الله تعالى( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) (٣) فإن صلّيتهما في غيره فعليك إعادة الصلاة»(٤) .

وقال الشيخ في الخلاف : يستحب فعلهما خلف المقام ، فإن لم يفعل وفَعَل في غيره ، أجزأه(٥) . وبه قال الشافعي ؛ لأنّها صلاة ، فلا تختص بمكان كغيرها من الصلوات(٦) .

والقياس لا يعارض القرآن والسنّة.

إذا عرفت هذا ، فلو كان هناك زحام ، صلّى خلف المقام ، فإن لم يتمكّن ، صلّى حياله على أحد جانبيه ؛ لأنّ الحسين بن عثمان قال : رأيت أبا الحسنعليه‌السلام يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريباً من الظلال لكثرة الناس(٧) .

وقال الشافعي : يستحب أن يصلّيهما خلف المقام ، فإن لم يفعل ، ففي الحجر ، فإن لم يفعل ، ففي المسجد ، فإن لم يفعل ، ففي أيّ موضع‌

____________________

(١) المجموع ٨ : ٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٤ ، وانظر : الحاوي الكبير ٤ : ١٥٤ ، والخلاف - للشيخ الطوسي - ٢ : ٣٢٧ ، المسألة ١٣٩.

(٢) تقدّم في المسألة السابقة.

(٣) البقرة : ١٢٥.

(٤) التهذيب ٥ : ١٣٧ / ٤٥١.

(٥) الخلاف ٢ : ٣٢٧ ، المسألة ١٣٩.

(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٠ ، المجموع ٨ : ٥٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠٩.

(٧) التهذيب ٥ : ١٤٠ / ٤٦٤.


شاء من الحرم وغيره(١) .

والقرآن(٢) يُبطله.

ولا تجزئ الفريضة عن هاتين الركعتين.

وقال الشافعي : إن قلنا بعدم وجوبهما ، فلو صلّى فريضةً بعد الطواف ، حُسبت عن ركعتي الطواف اعتباراً بتحيّة المسجد ، ذكره في القديم(٣) ، واستبعده الجويني(٤) .

مسألة ٤٦٣ : قد بيّنّا أنّ ركعتي طواف المندوب مندوبتان.

وللشافعية طريقان : أحدهما : القطع بعدم الوجوب ؛ لأنّ أصل الطواف ليس بواجب فكيف يكون تابعه واجباً!؟ والثاني : طرد القولين.

ولا يبعد اشتراك الفرض والنفل في الشرائط كاشتراك صلاة الفرض والتطوّع في الطهارة وستر العورة ، وكذا يشتركان في الأركان كالركوع والسجود(٥) .

مسألة ٤٦٤ : لو نسي ركعتي طواف الفريضة ، رجع إلى المقام ، وصلاّهما فيه‌مع القدرة ، فإن شقّ عليه الرجوع ، صلّى حيث ذكر ؛ لأنّ محمد بن مسلم روى - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سُئل عن رجل طاف طواف النساء ولم يصلّ لذلك الطواف حتى ذكر وهو بالأبطح ،

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٠ ، المجموع ٨ : ٥٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٤.

(٢) البقرة : ١٢٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣١٠ ، المجموع ٨ : ٥٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣١٠.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٣١١ ، المجموع ٨ : ٥١.


قال : « يرجع إلى المقام فيصلّي الركعتين »(١) .

وسأل أبو بصير - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام وقد قال الله تعالى :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) (٢) قال : « فإن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه ولا آمره أن يرجع ولكن يصلّي حيث ذكر »(٣) .

ولو صلّى في غير المقام ناسياً ثم ذكر ، تداركه ، ورجع إلى المقام ، وأعاد الصلاة ؛ لأنّ المأمور به لم يقع ، فيبقى في العهدة.

ولأنّ عبد الله الأبزاري سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحِجْر ، قال : « يعيدهما خلف المقام ، لأنّ الله تعالى يقول :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) يعني بذلك ركعتي [ طواف ](٤) الفريضة »(٥) .

ولو لم يتمكّن من الرجوع ، استناب مَنْ يصلّي عنه في المقام ؛ لأنّ ابن مسكان قال : حدّثني مَنْ سأله عن الرجل ينسى ركعتي طواف الفريضة حتى يخرج ، فقال : « يوكّل »(٦) .

وقد اختصّت هذه الصلاة عن غيرها من الصلوات بجريان النيابة فيها ، فإنّ الأجير يؤدّيها عن المستأجر.

مسألة ٤٦٥ : وقت ركعتي الطواف وقت فراغه منه‌ وإن كان أحد‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٢٦ / ٦ ، التهذيب ٥ : ١٣٨ / ٤٥٥ ، وليس فيهما « الركعتين ».

(٢) البقرة : ١٢٥.

(٣) التهذيب ٥ : ١٤٠ / ٤٦١ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٥ - ٢٣٦ / ٨١٨.

(٤) أضفناها من المصدر.

(٥) التهذيب ٥ : ١٣٨ / ٤٥٤.

(٦) التهذيب ٥ : ١٤٠ / ٤٦٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٤ / ٨١٣.


الأوقات المكروهة إن كان الطواف فرضاً ، وإن كان ندباً ، أخّرهما إلى بعد طلوع الشمس أو بعد المغرب ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « صلّ ركعتي طواف الفريضة بعد الفجر كان أو بعد العصر »(١) .

وأمّا التأخير في النفل : فلما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام : عن الرجل يدخل مكة بعد الغداة أو بعد العصر ، قال : « يطوف ويصلّي الركعتين ما لم يكن عند طلوع الشمس أو عند احمرارها »(٢) .

ولو طاف في وقت فريضة ، قال الشيخرحمه‌الله : قدّم الفريضة على صلاة الطواف(٣) .

ولو صلّى المكتوبة بعد الطواف ، لم تُجزئه عن الركعتين - وبه قال الزهري ومالك وأصحاب الرأي(٤) - لأنّها فريضة ، فلا يجزئ غيرها عنها ، كغيرها من الفرائض المتعدّدة. وطواف النافلة(٥) سنّة ، فلا تجزئ الفريضة عنه ، كركعتي الفجر.

وروي عن ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير وإسحاق : أنّ الفريضة تُجزئه - وعن أحمد روايتان(٦) - لأنّهما ركعتان شُرّعتا للنسك ، فأجزأت عنهما المكتوبة ، كركعتي الإحرام(٧) .

والجواب : النافلة(٨) في الإحرام بدل عن الإحرام عقيب الفريضة ،

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٤١ / ٤٦٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٦ / ٨١٩.

(٢) التهذيب ٥ : ١٤١ / ٤٦٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٧ / ٨٢٣.

(٣) الاستبصار ٢ : ٢٣٧ - ٢٣٨ ذيل الحديث ٨٢٦.

(٤) المغني ٣ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٥ ، المجموع ٨ : ٦٣.

(٥) قوله : « وطواف النافلة » كذا في النسخ الخطية والحجرية.

(٦) المغني ٣ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٥.

(٧) المجموع ٨ : ٦٣ ، المغني ٣ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٥.

(٨) قوله : « النافلة » كذا في النسخ الخطية والحجرية.


بخلاف صورة النزاع.

مسألة ٤٦٦ : يستحب أن يقرأ في الاُولى بعد الحمد : التوحيد ، وفي الثانية : الجحد‌ - وروي العكس(١) - رواه العامّة عن النبي(٢) صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والخاصّة عن الصادق(٣) عليه‌السلام .

وأن يدعو عقيب الركعتين بالمنقول.

ولو نسي الركعتين حتى مات ، قضى عنه وليّه واجباً إن كان الطواف واجباً ، وإلّا ندباً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة حتى يخرج من مكة فعليه أن يقضي ، أو يقضي عنه وليّه ، أو رجل من المسلمين »(٤) .

ولو نسيهما حتى شرع في السعي ، قطع السعي ، وعاد إلى المقام ، فصلّى الركعتين ، ثم عاد فتمّم السعي ؛ لما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن رجل يطوف بالبيت ثم ينسى أن يصلّي الركعتين حتى يسعى بين الصفا والمروة خمسة أشواط أو أقلّ من ذلك ، قال : « ينصرف حتى يصلّي الركعتين ثم يأتي مكانه الذي كان فيه فيتمّ سعيه»(٥) .

ويستحب أن يدعو عقيب الركعتين بالمنقول.

مسألة ٤٦٧ : يستحب للحاج والمعتمر إذا دخل المسجد للطواف‌ أن‌

____________________

(١) سنن الترمذي ٣ : ٢٢١ / ٨٦٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٩١.

(٢) سنن الترمذي ٣ : ٢٢١ / ٨٧٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٩١.

(٣) الكافي ٤ : ٤٢٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٣٦ / ٤٥٠ ، و ٢٨٦ / ٩٧٣.

(٤) التهذيب ٥ : ١٤٣ / ٤٧٣.

(٥) التهذيب ٥ : ١٤٣ / ٤٧٤.


لا يتشاغل بشي‌ء حتى يطوف ؛ لقوله تعالى :( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) (١) .

ولأنّ الطواف تحيّة المسجد ، فاستحبّ التبادر إليه.

وروى جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل مكة ارتفاع الضحى ، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ، ودخل إلى المسجد ، واستلم الحجر وطاف(٢) .

ولو دخل المسجد والإمام مشتغل بالفريضة ، صلّى معه المكتوبة ، ولا يشتغل بالطواف ، فإذا فرغ من الصلاة ، طاف حينئذٍ ، تحصيلاً لفضيلة الجماعة ، وتقديماً للفائت وقته ، وهو الجماعة ، دون ما لا يفوت ، وهو الطواف ، وكذا لو قربت إقامة الصلاة.

مسألة ٤٦٨ : ولا يستحب رفع اليدين عند مشاهدة البيت.

قال الشيخ : إنّه لا يعرفه أصحابنا(٣) .

وأنكر مالك استحبابه(٤) .

وقال الشافعي : لا أكرهه ولا أستحبّه(٥) .

وقال أحمد : إنّه مستحب. وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر والثوري وابن المبارك(٦) .

لما رواه العامّة عن المهاجر المكّي ، قال : سُئل جابر بن عبد الله : عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ قال : ما كنت أظنّ أنّ أحداً يفعل هذا‌

____________________

(١) البقرة : ١٤٨ ، المائدة : ٤٨.

(٢) المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٥٤ - ٤٥٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٧٤.

(٣) الخلاف ٢ : ٣٢٠ ، المسألة ١٢٣.

(٤) حلية العلماء ٣ : ٣٢٥ ، المجموع ٨ : ٩ ، المغني ٣ : ٣٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٩.

(٥) المجموع ٨ : ٨.

(٦) المغني ٣ : ٣٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٨٩ ، المجموع ٨ : ٩.


إلّا اليهود ، حججنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يكن يفعله(١) .

احتجّ : بما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( لا ترفع الأيدي إلّا في سبع مواطن : افتتاح الصلاة واستقبال البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وعلى الموقفين والجمرتين )(٢) .

وهو محمول على الرفع عند الدعاء.

مسألة ٤٦٩ : يستحب أن يقف عند الحجر الأسود ويدعو ويكبّر عند محاذاة الحجر‌ ويرفع يديه ويحمد الله ويثني عليه ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، استقبل الحجر واستلمه وكبَّر(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا دنوت من الحجر الأسود فارفع يديك واحمد الله وأثن عليه »(٤) الحديث.

ويستحب له أن يستلم الحجر ويُقبّله إجماعاً ؛ لما رواه العامّة : أنّ عمر بن الخطّاب انكبّ على الحجر وقال : أما إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولو لا أنّي رأيت رسول الله يُقبّلك لما قبّلتك(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : استلموا الركن ، فإنّه يمين الله في خلقه يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدخيل ، ويشهد لمن استلمه بالموافاة »(٦) .

إذا عرفت هذا ، فإن لم يتمكّن من الاستلام ، استلمه بيده وقبّل يده ،

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٧٥ / ١٨٧٠ ، وسنن النسائي ٥ : ٢١٢ ، وفيه : فلم نكن نفعله.

(٢) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٨٨ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٨٩.

(٣) المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٥٤ ، وليس فيه تكبير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٤) الكافي ٤ : ٤٠٢ - ٤٠٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٠١ / ٣٢٩.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٩٢٥ / ٢٥٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨١ / ٢٩٤٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٧٤.

(٦) التهذيب ٥ : ١٠٢ / ٣٣١ ، وبتفاوت يسير في الكافي ٤ : ٤٠٦ / ٩.


فإن لم يتمكّن من ذلك ، أشار إليه بيده - وبه قال الشافعي(١) - لقول الصادقعليه‌السلام : « فإن وجدته خالياً وإلّا فسلّم من بعيد »(٢) .

وسُئل الرضاعليه‌السلام : عن الحجر الأسود أيقاتل عليه الناس إذا كثروا؟ قال : « إذا كان كذلك فأوم بيدك »(٣) .

وليس الاستلام واجباً ؛ لأصالة البراءة.

ولأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل حجّ فلم يستلم الحجر ولم يدخل الكعبة ، قال : « هو من السنّة ، فإن لم يقدر فالله أولى بالعذر »(٤) .

ومقطوع اليد يستلم الحجر بموضع القطع ، ولو قُطعت من المرفق ، استلم بشماله ؛ لقول عليعليه‌السلام وقد سُئل عن الأقطع كيف يستلم؟ : « يستلم الحجر من حيث القطع ، فإن كانت مقطوعةً من المرفق استلم الحجر بشماله »(٥) .

مسألة ٤٧٠ : ويستحب أن يستلم الركن اليماني‌ ويُقبّله ، فإن لم يتمكّن ، استلمه بيده وقبّل يده - وبه قال أحمد(٦) - لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا استلم الركن ، قبَّله ، ووضع خدّه الأيمن عليه(٧) .

وقال ابن عمر : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان لا يستلم إلّا الحجر والركن‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣١٨ - ٣١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٩ ، المجموع ٨ : ٣٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٩.

(٢) الكافي ٤ : ٤٠٥ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٠٣ / ٣٣٣.

(٣) التهذيب ٥ : ١٠٣ / ٣٣٦.

(٤) الكافي ٤ : ٤٠٥ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٠٣ / ٣٣٤.

(٥) الكافي ٤ : ٤١٠ / ١٨ ، التهذيب ٥ : ١٠٦ - ١٠٧ / ٣٤٥.

(٦) المغني ٣ : ٣٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٠.

(٧) المغني ٣ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٥ ، وبتفاوت يسير في المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٥٦ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٦.


اليماني(١) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه الشيخ عن غياث بن إبراهيم [ عن جعفر ](٢) عن أبيه [عليهما‌السلام ](٣) قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يستلم الركن إلّا الركن الأسود واليماني ، ويُقبّلهما ، ويضع خدّه عليهما »(٤) .

وقال الشافعي : يستحب أن يستلمه بيده ويُقبّل يده ولا يُقبّله(٥) .

وقال أبو حنيفة : لا يستلمه(٦) .

وقال مالك : يستلمه ولا يُقبّل يده ، وإنّما يضعها على فيه(٧) .

قال ابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على استلام الركنين ، وإنّما اختلفوا في التقبيل ، فشرّكه قوم بينهما وخصّ قوم الحجر به(٨) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحب استلام الأركان كلّها ، وآكدها ركن الحجر واليماني ، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال ابن عباس وجابر وابن الزبير(٩) - لما رواه العامّة أنّه لمـّا قدم معاوية مكة وابن عباس بها ، فاستلم‌

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٢٤ / ٢٤٤ ، سنن النسائي ٥ : ٢٣١ ، سنن البيهقي ٥ : ٧٦ ، المغني ٣ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٥.

(٢ و ٣ ) أضفناها من المصدر.

(٤) التهذيب ٥ : ١٠٥ - ١٠٦ / ٣٤١ ، الاستبصار ٢ : ٢١٦ - ٢١٧ / ٧٧٤.

(٥) الاُم ٢ : ١٧٠ ، المجموع ٨ : ٣٥ و ٥٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣١٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٠ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٩.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٣١٩ ، المجموع ٨ : ٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٠ ، المغني ٣ : ٣٩٩ - ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٤ - ٣٩٥.

(٧) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٣ - ٣٦٤ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٨٧ - ٢٨٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٢٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٠ ، المجموع ٨ : ٥٨.

(٨) المغني ٣ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٥.

(٩) المغني ٣ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٥ ، المجموع ٨ : ٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٠ - ٣٣١.


ابن عباس الأركان كلّها ، فقال معاوية : ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يستلم إلّا الركنين اليمانيّين ، فقال ابن عباس : ليس من البيت شي‌ء مهجور(١) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه إبراهيم بن أبي محمود ، قال : قلت للرضاعليه‌السلام : أستلم اليماني والشامي والغربي؟ قال : « نعم »(٢) .

ولأنّهما ركنان ، فاستحبّ استلامهما ، كاليمانيّين.

وأنكر الفقهاء الأربعة ذلك(٣) ؛ لقول ابن عمر : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يستلم الركن اليماني والأسود في كلّ طوفة ، ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر(٤) .

قال ابن عمر : ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلّا لأنّ البيت لم يتمّ على قواعد إبراهيمعليه‌السلام (٥) .

والجواب : رواية الإثبات مقدَّمة.

ويحتمل : أنّه كان يقف عند اليمانيّين أكثر.

تنبيه : في الاستلام لغتان : الهمز وعدمه.

____________________

(١) مسند أحمد ٤ : ٩٤ - ٩٥ بتفاوت ، وفي ذيله ما يشعر باختلاف الناس في هذه الرواية ، فمنهم من قال بأنّ المجيب هو معاوية. وانظر : صحيح البخاري ٢ : ١٨٦ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢١٣ / ٨٥٨ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٧ ، ومسند أحمد ١ : ٢١٧.

(٢) التهذيب ٥ : ١٠٦ / ٣٤٣ ، الاستبصار ٢ : ٢١٦ / ٧٤٣.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٦٣ ، المجموع ٨ : ٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٤٨ ، المغني ٣ : ٣٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣١٩ ، وبتفاوت في صحيح البخاري ٢ : ١٨٦ ، وصحيح مسلم ٢ : ٩٢٤ - ٢٤٤ ، ومسند أحمد ٢ : ١٨.

(٥) المغني ٣ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٥ ، وبتفاوت في صحيح مسلم ٢ : ٩٦٩ / ٣٩٩ ، وصحيح البخاري ٢ : ١٧٩ ، وسنن البيهقي ٥ : ٧٧.


فعلى الثاني قال السيّد المرتضى : إنّه افتعال من السِّلام ، وهي الحجارة(١) .

فإذا مسّ الحجر بيده ومسحه بها ، قيل : استلم ، أي مسّ السِّلام بيده.

وقيل : إنّه مأخوذ من السَّلام(٢) ، أي أنّه يُحيّي نفسه عن الحجر ؛ إذ ليس الحجر ممّن يحيّيه ، وهذا كما يقال : اختدم : إذا لم يكن له خادم سوى نفسه.

وحكى ثعلب : الهمز ، وفسّره بأنّه اتّخذه جُنّةً وسلاحاً من اللأمة(٣) ، وهي الدرع(٤) . وهو حسن.

مسألة ٤٧١ : يستحب الاستلام في كلّ شوط‌ ، لأنّ النبيعليه‌السلام كان يستلم الركن اليماني والأسود في كلّ طوفة(٥) .

ويستحب الدعاء في الطواف بالمنقول ، والوقوف عند اليماني والدعاء عنده.

ويستحب له أن يلتزم المستجار في الشوط السابع ، ويبسط يديه على حائطه ، ويلصق به بطنه وخدّه ، ويدعو بالمأثور ، ويعترف بذنوبه.

قال الصادقعليه‌السلام : « ثم أقرّ لربّك بما عملت من الذنوب فإنّه ليس عبد مؤمن يقرّ لربّه بذنوبه في هذا المكان إلّا غفر له »(٦) .

ولو نسي الالتزام حتى جاز موضعه في مؤخّر الكعبة مقابل الباب‌

____________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٢٧٥.

(٢) تهذيب اللغة ١٢ : ٤٥١.

(٣) اللامة : الهول. لسان العرب ١٢ : ٥٥٧ « لوم ».

(٤) كما في رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٢٧٥.

(٥) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٠٥ ، الهامش (٤).

(٦) الكافي ٤ : ٤١١ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٠٧ - ١٠٨ / ٣٤٩.


دون الركن اليماني بقليل ، فلا إعادة عليه.

ولو ترك الاستلام ، لم يكن عليه شي‌ء ، وبه قال عامّة الفقهاء ؛ لأنّه مستحب ، فلا يتعقّب بتركه جناية.

وحكي عن الحسن البصري والثوري وعبد الملك بن الماجشون أنّ عليه دماً(١) ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ ترك نسكاً فعليه دم )(٢) .

وليس حجّةً ؛ لأنّه مخصوص بالواجب.

قال الشيخ في المبسوط : قد روي أنّه يستحب الاضطباع ، وهو أن يدخل إزاره تحت منكبه الأيمن ويجعله على منكبه الأيسر(٣) .

وهو مأخوذ من الضَّبْع ، وهو عضد الإنسان ، وأصله التاء قلبوها طاءً ؛ لأنّ التاء متى وقعت بعد صاد أو ضاد أو طاء ساكنة قلبت طاء.

إذا ثبت هذا ، فأكثر العلماء على استحبابه(٤) ، لقول ابن عباس : لمـّا دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على قريش ، فاجتمعت نحو الحجر ، اضطبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) .

قال الشافعي : ويبقى مضطبعاً حتى يتمّ السعي بين الصفا والمروة ويتركه عند الصلاة للطواف(٦) .

____________________

(١) اُنظر : المجموع ٨ : ٥٩ ، وفي حلية العلماء ٣ : ٣٣١ ، والمغني ٣ : ٣٩٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٩٨ حكاية القول بذلك عنهم في ترك الرمل لا ترك الاستلام ، فلاحظ.

(٢) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ ، والشيرازي في المهذّب ١ : ٢٣٣ ، والماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ وابنا قدامه في المغني ٣ : ٣٩٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٩٨.

(٣) المبسوط ١ : ٣٥٦.

(٤) المغني ٣ : ٣٩١ - ٣٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩١.

(٥) مسند أحمد ١ : ٣٠٥.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٣٣٨ - ٣٣٩ ، المجموع ٨ : ٢٠.


وقال أحمد : لا يضطبع في السعي(١) .

وقال مالك : إنّه ليس بمستحب. قال : ولم أسمع أحداً من أهل العلم ببلدنا يذكر أنّ الاضطباع سنّة(٢) .

مسألة ٤٧٢ : يستحب له أن يقصد في مشيه بأن يمشي مستوياً بين السَّرَع والإبطاء ، قاله الشيخ –رحمه‌الله - في بعض كتبه(٣) .

وقال في المبسوط : يستحب أن يرمل ثلاثاً ، ويمشي أربعاً في طواف القدوم خاصّة ؛ اقتداءً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

واتّفقت العامّة على استحباب الرمل في الأشواط الثلاثة الأُوَل ، والمشي في الأربعة في طواف القدوم ؛ لما رواه الصادقعليه‌السلام عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رمل ثلاثاً ومشى أربعاً(٥) .

والسبب فيه قول ابن عباس : قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكة ، فقال المشركون : إنّه يقدم عليكم قوم تنهكهم(٦) الحمّى ولقوا منها شرّاً ، فأمرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا بين الركنين ، فلمـّا رأوهم قالوا : ما نراهم إلّا كالغزلان(٧) .

ولو ترك الرمل ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأنّه مستحب ، وهو قول عامّة‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٣٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٢.

(٢) المغني ٣ : ٣٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣١ ، المجموع ٨ : ٢١.

(٣) النهاية : ٢٣٧.

(٤) المبسوط ١ : ٣٥٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٧ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٣ / ١٩٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٢١٢ / ٨٥٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٣ / ٢٩٥١ و ١٠٢٣ / ٣٠٧٤.

(٦) نهكته الحُمّى : جهدته وأضْنَتْه ونقصت لحمه. لسان العرب ١٠ : ٤٩٩ « نهك ».

(٧) اُنظر : سنن أبي داود ٢ : ١٧٨ / ١٨٨٦ و ١٧٩ / ١٨٨٩.


الفقهاء(١) .

وقال الحسن البصري : إنّ عليه دماً. وهو محكي عن الثوري وعبد الملك بن الماجشون(٢) ؛ لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ ترك نسكاً فعليه دم )(٣) .

وجوابه : المراد من النسك الواجبُ.

ويعارضه ما رواه العامّة عن ابن عباس أنّه قال : ليس على من ترك الرمل شي‌ء(٤) .

ومن طريق الخاصّة : رواية سعيد الأعرج ، أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام عن المسرع والمبطئ في الطواف ، فقال : « كُلٌّ واسع ما لم يؤذ أحداً »(٥) .

ولو تركه في الثلاثة الأُول ، لم يقض في الأربع الباقية ؛ لأنّها هيئة في الأُول ، فإذا فات موضعها ، سقطت ، ولزم سقوط هيئة البواقي.

وإذا قلنا باستحباب الرمل في الثلاثة الأُول ، استحبّ من الحِجْر إليه - وهو قول أكثر العلماء(٦) - لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رمل من الحِجْر إلى الحِجْر(٧) .

وقال طاوُس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير : يمشي ما بين الركنين ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه بأن يرملوا الأشواط الثلاثة ويمشوا ما‌

____________________

(١ و ٢ ) المغني ٣ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٨ ، المجموع ٨ : ٥٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣١.

(٣) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ ، والشيرازي في المهذّب ١ : ٢٣٣ ، والماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ وابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٩٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٩٨.

(٤) المغني ٣ : ٣٩٦ - ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٨.

(٥) الفقيه ٢ : ٢٥٥ / ١٢٣٨.

(٦) المغني ٣ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٦ - ٣٩٧ ، المجموع ٨ : ٩٨.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٩٢١ / ٢٣٣ - ٢٣٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٢١٢ / ٨٥٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١٧٩ / ١٨٩١.


بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهُمْ(١) لمـّا وَهَنَتْهم(٢) الحُمّى حتى قال المشركون : هؤلاء أجلد منّا(٣) .

ولو ترك الرمل في أوّل شوط ، رمل في الاثنين ، وإن تركه في الاثنين ، رمل في الثالث خاصّةً.

ولو تركه في طواف القدوم ، لم يستحب قضاؤه في طواف الحجّ ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما رمل في طواف القدوم(٤) ، خلافاً لبعض العامّة(٥) .

وقال بعض العامّة : ليس على أهل مكّة رمل - وقاله ابن عباس وابن عمر - لأنّه شُرّع في الأصل لإظهار الجلد والقوّة لأهل البلد(٦) .

ولا يستحب للنساء الرمل ولا الاضطباع.

ويرمل الحامل للمريض والصبي ، والراكب يحثّ دابّته.

وللشافعي قول آخر في أنّ الحامل للمريض لا يرمل به(٧) .

مسألة ٤٧٣ : يستحب التداني من البيت في الطواف ؛ لأنّه المقصود ، فالدنوّ منه أولى ولو كان بالقرب زحام لا يمكنه أن يرمل فيه ، فإن كان يعلم أنّه إن وقف وجد فرجةً ، وقف ، فإذا وجد فرجةً ، رمل ، وإن كان يعلم أنّه لا يجد فرجةً لكثرة الزحام وعلم أنّه إن خرج إلى حاشية الناس‌

____________________

(١) الجَلَد : القوّة والصبر. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٢٨٤ « جلد ».

(٢) أي : أضعفتهم. النهاية - لابن الأثير - ٥ : ٢٣٤ « وهن ».

(٣) المغني ٣ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٩٧ ، المجموع ٨ : ٥٨.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٧ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٣ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦.

(٥) المغني ٣ : ٣٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٣.

(٦) المغني ٣ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٢.

(٧) المجموع ٨ : ٤٤.


يمكن الرمل ، خرج ورمل ، وكان أفضل من التداني ، وإن لم يتمكّن من الخروج ، طاف من غير رمل ، ولو تباعد حتى طاف بالسقاية وزمزم ، لم يجزئ - خلافاً للشافعي(١) - لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا فَعل ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٢) .

مسألة ٤٧٤ : يستحب أن يطوف ماشياً مع القدرة ، ولو ركب معها ، أجزأه ، ولا يلزمه دم - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ جابراً قال : طاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرفَ عليهم ليسألوه ، فإنّ الناس غشوه(٤) .

وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : إن طاف راكباً لعذر ، فلا شي‌ء عليه ، وإن كان لغير عذر ، فعليه دم ؛ لأنّها عبادة واجبة تتعلّق بالبيت ، فلا يجوز فعلها لغير عذر راكباً ، كالصلاة(٥) .

والفرق : أنّ الصلاة لا تصحّ راكباً وهنا تصحّ.

مسألة ٤٧٥ : يستحب طواف ثلاثمائة وستّين طوافاً‌ ، فإن لم يتمكّن فثلاثمائة وستّين شوطاً ، ويلحق الزيادة بالطواف الأخير بأن يطوف اُسبوعاً ، ثم يصلّي ركعتين ، وهكذا.

ويجوز القرآن في النوافل على ما يأتي ، فيؤخّر الصلاة فيها إلى حين‌

____________________

(١) الاُم ٢ : ١٧٧ ، فتح العزيز ٧ : ٣٠١ ، المجموع ٨ : ٣٩.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣١٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، المجموع ٨ : ٢٧ ، المغني ٣ : ٤٢٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٤.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩٢٧ / ٢٥٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٠٠.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٤ - ٤٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٣٠ ، المغني ٣ : ٤٢٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، المجموع ٨ : ٢٧.


الفراغ.

وإن لم يستطع ، طاف ما يمكن منه.

قال الصادقعليه‌السلام : « يستحب أن تطوف ثلاثمائة وستّين اُسبوعاً عدد أيّام السنة ، فإن لم تستطع فثلاثمائة وستّين شوطاً ، فإن لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف »(١) .

البحث الثالث : في الأحكام.

مسألة ٤٧٦ : قد بيّنّا وجوب الطهارة من الحدث والخبث في الثوب والبدن ، ووجوب الستر ، فلو طاف جنباً أو محدثاً أو عارياً ، أو طافت المرأة حائضاً أو نفساء ، أو طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة عالماً أو ناسياً في طواف الفريضة ، لم يعتد بذلك الطواف ، وكذا لو كان يطأ في مطافه النجاسات المتعدّية إلى بدنه أو ثوبه.

ولو أحدث في خلال الطواف ، فإن كان بعد طواف أربعة أشواط ، تطهّر وأتمّ طوافه ، وإن كان قبل ذلك ، تطهّر واستأنف الطواف من أوّله ؛ لقول أحدهماعليهما‌السلام : في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه ، قال : « يخرج ويتوضّأ ، فإن كان جاز النصف بنى على طوافه ، وإن كان أقلّ من النصف أعاد الطواف »(٢) .

ولم يفصّل العامّة ذلك ، بل قالوا : إن تعمّد الحدث ، فللشافعي قولان : أحدهما : أنّه يستأنف ، كالصلاة. وأصحّهما : البناء. ويحتمل فيه ما لا يحتمل في الصلاة ، كالفعل الكثير والكلام.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٢٩ / ١٤ ، الفقيه ٢ : ٢٥٥ / ١٢٣٦ ، التهذيب ٥ : ١٣٥ / ٤٤٥.

(٢) الكافي ٤ : ٤١٤ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١١٨ / ٣٨٤.


وإن سبقه الحدث ، فإن قلنا : يبني في العمد ، فهنا أولى ، وإن قلنا : يستأنف ، فقولان : أصحّهما : البناء.

هذا إذا لم يَطُل الفصل ، وإن طال ، بنى(١) .

ولو كان الطواف نفلاً ، لم يجب عليه الاستئناف ولا إتمامه بطهارة.

ولو ذكر أنّه طاف محدثاً ، فإن كان طواف فريضة ، استأنف الطواف والصلاة إن كان قد صلّى بحدثه.

ولو كان الطواف نفلاً وصلّى ، أعاد الصلاة خاصّةً بعد الطهارة ؛ لرواية حريز - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : في رجل طاف تطوّعاً وصلّى ركعتين وهو على غير وضوء ، فقال : « يُعيد الركعتين ولا يعيد الطواف »(٢) .

ولو شكّ في الطهارة ، فإن كان في أثناء الطواف ، تطهّر واستأنف ؛ لأنّه شكّ في العبادة قبل فراغها ، فيعيد ، كالصلاة ، ولو شكّ بعد الفراغ ، لم يستأنف.

مسألة ٤٧٧ : لو طاف ستّة أشواط ناسياً وانصرف ثم ذكر ، فليضف إليها شوطاً آخر ، ولا شي‌ء عليه ، وإن لم يذكر حتى يرجع إلى أهله ، أَمَر مَنْ يطوف عنه.

وقال أبو حنيفة : يجبره بدم(٣) .

لنا : أصالة البراءة من الدم ، وبقاء عهدة التكليف في الشوط المنسي إلى أن يأتي به.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٢٨٧ ، المجموع ٨ : ٤٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٣.

(٢) التهذيب ٥ : ١١٨ / ٣٨٥.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٦ ، المغني ٣ : ٤٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥١١ ، المجموع ٨ : ٢٢.


ولرواية الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت : رجل طاف بالبيت فاختصر شوطاً واحداً في الحِجْر ، قال : « يعيد ذلك الشوط »(١) .

وسأل سليمانُ بن خالد الصادقَعليه‌السلام : عمّن فاته شوط واحد حتى أتى أهله ، قال : « يأمر مَنْ يطوف عنه »(٢) .

ولو ذكر أنّه طاف أقلّ من سبعة أشواط وهو في السعي ، قطع السعي ، وتمّم الطواف ، ثم رجع فتمّم السعي ؛ لأنّ السعي تابع ، فلا يُفعل قبل تحقّق متبوعه ، وإنّما يتحقّق بأجزائه.

ولأنّ إسحاق بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف بين الصفا والمروة ، فبينا هو يطوف إذ ذكر أنّه قد نقص من طوافه بالبيت ، قال : « يرجع إلى البيت فيُتمّ طوافه ثم يرجع إلى الصفا والمروة فيُتمّ ما بقي »(٣) .

مسألة ٤٧٨ : لو قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره في الفريضة ، فإن كان قد جاز النصف ، بنى ، وإن لم يكن جازه ، أعاد.

وإن كان طواف نافلة ، بنى عليه مطلقاً ؛ لأنّه مع تجاوز النصف يكون قد فَعَل الأكثر ، فيبني عليه ، كالجميع.

ولرواية الحلبي - في الصحيح - قال : سألتُ الصادقَعليه‌السلام : عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثم وجد من البيت خلوةً فدخله ، كيف يصنع؟ قال : « يعيد طوافه ، وخالف السنّة »(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٠٩ / ٣٥٣.

(٢) الكافي ٤ : ٤١٨ / ٩ ، الفقيه ٢ : ٢٤٨ - ٢٤٩ / ١١٩٤ ، التهذيب ٥ : ١٠٩ / ٣٥٤.

(٣) الكافي ٤ : ٤١٨ / ٨ ، الفقيه ٢ : ٢٤٨ / ١١٩٠ ، التهذيب ٥ : ١٠٩ - ١١٠ / ٣٥٥.

(٤) التهذيب ٥ : ١١٨ / ٣٨٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٣ / ٧٦٨.


وعن أبي الفرج قال : طفت مع الصادقعليه‌السلام خمسة أشواط ثم قلت : إنّي اُريد أن أعود مريضاً ، فقال : « احفظ مكانك ثم اذهب فعُدْه ثم ارجع فأتمّ طوافك »(١) .

ولأنّ الصادقعليه‌السلام أمر أبان بن تغلب ، فقال : « اقطع طوافك وانطلق معه في حاجته » فقلت : وإن كان فريضةً؟ قال : « نعم وإن كان فريضةً »(٢) .

وفي حديث آخر : جواز القعود والاستراحة ثم يبني(٣) .

ولو دخل عليه وقت فريضة ، قطع الطواف ، وصلّى الفريضة ، ثم عاد فتمّم طوافه من حيث قطع ، وهو قول العامّة ، إلّا مالكاً ؛ فإنّه قال : يمضي في طوافه إلّا أن يخاف فوات الفريضة(٤) .

وهو باطل ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( إذا اُقيمت الصلاة فلا صلاة إلّا المكتوبة)(٥) والطواف صلاة.

ولأنّ وقت الحاضرة أضيق من وقت الطواف ، فكانت أولى.

ولأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل كان في طواف النساء واُقيمت الصلاة ، قال : « يصلّي - يعني الفريضة - فإذا فرغ بنى من حيث قطع »(٦) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١١٩ / ٣٩٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٣ - ٢٢٤ / ٧٧٢.

(٢) التهذيب ٥ : ١٢٠ / ٣٩٢.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٤٧ / ١١٨٥ ، التهذيب ٥ : ١٢٠ - ١٢١ / ٣٩٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٤ - ٢٢٥ / ٧٧٤.

(٤) المغني ٣ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٣.

(٥) صحيح مسلم ١ : ٤٩٣ / ٧١٠ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٢ / ١٢٦٦ ، سنن الترمذي ٢ : ٢٨٢ / ٤٢١ ، سنن النسائي ٢ : ١١٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٦٤ / ١١٥١ ، سنن البيهقي ٢ : ٤٨٢ ، مسند أحمد ٢ : ٤٥٥.

(٦) التهذيب ٥ : ١٢١ / ٣٩٦.


إذا عرفت هذا ، فإنّه يبني بعد فراغه من الفريضة ، ويُتمّ طوافه ، وهو قول العلماء إلّا الحسن البصري ؛ فإنّه قال : يستأنف(١) .

والأصل خلافه.

وكذا البحث في صلاة الجنازة ، فإنّها تُقدّم.

وهل يبني من حيث قطع أو من الحجر؟ دلالة ظاهر الحديث على الأوّل.

ولو خاف فوات الوتر ، قطع الطواف وأوتر ثم بنى على ما مضى من طوافه ؛ لأنّها نافلة متعلّقة بوقت ، فتكون أولى من فعل ما لا يفوت وقته.

ولقول الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - : « ابدأ بالوتر واقطع الطواف »(٢) .

مسألة ٤٧٩ : لو حاضت المرأة وقد طافت أربعة أشواط ، قطعت الطواف وسعت ، فإذا فرغت من المناسك ، أتمّت الطواف بعد طُهْرها ، ولو كان دون أربعة ، أبطلت الطواف وانتظرت عرفة ، فإن طهرت وتمكّنت من باقي أفعال العمرة والخروج إلى الموقف ، فَعَلت ، وإلّا صارت حجّتها مفردةً ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام سُئل عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثم طمثت ، قال : « تُتمّ طوافها ، وليس عليها غيره ، ومتعتها تامّة ، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة ، لأنّها زادت على النصف وقد قضت متعتها ، ولتستأنف بعدُ الحجَّ ، وإن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحجَّ ، فإن أقام بها جمّالها بعد الحجّ لتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر »(٣) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٣.

(٢) الكافي ٤ : ٤١٥ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٤٧ / ١١٨٦ ، التهذيب ٥ : ١٢٢ / ٣٩٧.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٤١ - ٢٤٢ / ١١٥٥ ، وفي التهذيب ٥ : ٣٩٣ / ١٣٧١ ، والاستبصار ٢ : ٣١٣ / ١١١٢ إلى قولهعليه‌السلام : « ولتستأنف بعدُ الحجَّ ».


مسألة ٤٨٠ : الطواف ركن مَنْ تركه عامداً بطل حجّه ، ولو تركه ناسياً ، قضاه ولو بعد المناسك ، فإن تعذّر العود ، استناب فيه.

روى علي بن جعفر - في الصحيح - عن أخيه الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده وواقع النساء كيف يصنع؟ قال : « يبعث بهدي إن كان تركه في حجّ بعثه في حجّ ، وإن تركه في عمرة بعثه في عمرة ، ووكّل مَنْ يطوف عنه ما ترك من طوافه »(١) .

قال الشيخ : هذا محمول على طواف النساء ؛ لأنّ مَنْ ترك طواف النساء ناسياً جاز له أن يستنيب غيره مقامه في طوافه ، ولا يجوز له ذلك في طواف الحجّ ، بل يجب عليه إعادة الحجّ وبدنة(٢) ؛ لما رواه علي بن جعفر - في الصحيح - أنّه سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة ، قال : « إن كان على وجه جهالة في الحجّ أعاد وعليه بدنة »(٣) .

واستدلّ الشيخ على الجميع برواية معاوية بن عمّار ، قال : قلت للصادقعليه‌السلام : رجل نسي طواف النساء حتى دخل أهله ، قال : « لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت ». وقال : « يأمر أن يقضى عنه إن لم يحج ، فإن توفّي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليّه »(٤) .

مسألة ٤٨١ : لو شكّ في عدد الطواف ، فإن كان بعد فراغه ، لم يلتفت ، وإن كان في أثنائه ، فإن كان شكّه في الزيادة ، قطع ولا شي‌ء‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٢٨ / ٤٢١ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٨ / ٧٨٨.

(٢) التهذيب ٥ : ١٢٨ ذيل الحديث ٤٢١ ، والاستبصار ٢ : ٢٢٨ ذيل الحديث ٧٨٨.

(٣) التهذيب ٥ : ١٢٧ - ١٢٨ / ٤٢٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٨ / ٧٨٧ وفيه عن علي بن يقطين.

(٤) التهذيب ٥ : ١٢٨ / ٤٢٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٨ / ٧٨٩.


عليه ، وإن كان في النقصان ، مثل : أن يشكّ بين الستّة والسبعة أو الخمسة والستّة ، فان كان طواف الفريضة ، أعاده من أوّله ؛ لأنّ الزيادة والنقصان محظوران.

ولرواية معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : في رجل لم يدر ستّة طاف أم سبعة ، قال : « يستقبل »(١) .

وسأل حنّان بن سدير الصادقَعليه‌السلام : في رجل طاف فأوهم قال : طفت أربعة وقال : طفت ثلاثة ، فقال الصادقعليه‌السلام : « أيّ الطوافين : طواف نافلة أو طواف فريضة؟ » ثم قال : « إن كان طواف فريضة فليلق ما في يديه وليستأنف ، وإن كان طواف نافلة واستيقن الثلاث وهو في شكّ من الرابع أنّه طاف فليبن على الثالث فإنّه يجوز له »(٢) .

ويجوز البناء على الأكثر في النافلة ، لما رواه رفاعة عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال في رجل لا يدري ثلاثة طاف أو أربعة ، قال : « طواف نافلة أو فريضة؟ » قال : أجبني فيهما ، قال : « إن كان طواف نافلة فابن على ما شئت ، وإن كان طواف فريضة فأعد الطواف »(٣) .

ويجوز التعويل على غيره في عدد الطواف ، كالصلاة ؛ لأنّ سعيد الأعرج سأل الصادقعليه‌السلام : عن الطواف أيكتفي الرجل بإحصاء صاحبه؟ قال : « نعم »(٤) .

مسألة ٤٨٢ : لا يجوز الزيادة على سبعة أشواط في طواف الفريضة ، فلو طاف ثمانية ، أعاد ، ولو كان سهواً ، استحبّ له أن يُتمّم أربعة عشر‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤١٧ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١١٠ / ٣٥٧.

(٢) الكافي ٤ : ٤١٧ - ٤١٨ - ٧ ، التهذيب ٥ : ١١١ - ٣٦٠.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٤٩ / ١١٩٦.

(٤) الكافي ٤ : ٤٢٧ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٥٥ / ١٢٣٤ ، التهذيب ٥ : ١٣٤ / ٤٤٠.


شوطا ؛ لأنّها فريضة ذات عدد فتبطلها الزيادة مع العمد كالصلاة.

ولقول الصادقعليه‌السلام وقد سأله أبو بصير : عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض ، قال : « يعيد حتى يستتمّه »(١) .

وفي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « مَنْ طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فليتمّ أربعة عشر شوطا ثم ليصلّ ركعتين »(٢) .

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن رجل طاف طواف الفريضة ثمانية ، قال : « يضيف اليها ستّة »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإذا كمّل أربعة عشر شوطاً ، صلّى ركعتي طواف الفريضة وسعى ثم عاد إلى المقام وصلّى ركعتي النفل.

ولو ذكر في الشوط الثامن قبل أن يبلغ الركن أنّه قد طاف سبعاً ، فليقطع الطواف ، ولا شي‌ء عليه ؛ لأنّه أتى بالواجب ، وإن لم يذكر حتى يجوزه ، تمّم أربعة عشر شوطاً ، لأنّ أبا كهمس سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط ، قال : « إن كان ذكر قبل أن يأتي الركن فليقطعه وقد أجزأ عنه ، وإن لم يذكر حتى يبلغه فليتمّ أربعة عشر شوطا وليصلّ أربع ركعات »(٤) .

مسألة ٤٨٣ : لا يجوز القرآن في طواف الفريضة عند أكثر علمائنا(٥)

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١١١ / ٣٦١ ، الاستبصار ٢ : ٢١٧ / ٧٤٦.

(٢) التهذيب ٥ : ١١٢ / ٣٦٤ ، الاستبصار ٢ : ٢١٨ / ٧٥٠.

(٣) التهذيب ٥ : ١١١ - ١١٢ / ٣٦٢ ، الاستبصار ٢ : ٢١٨ / ٧٤٨.

(٤) التهذيب ٥ : ١١٣ / ٣٦٧ ، الاستبصار ٢ : ٢١٩ / ٧٥٣ وفيه وفي نسخة « ن » : أبا كهمش.

(٥) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٣٨ ، والمبسوط ١ : ٣٥٧ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٢٣٢ ، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٣٧٣.


- وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك وأبو حنيفة(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يفعله ، فلا يجوز فعله ؛ لقولهعليه‌السلام : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٢) .

ولأنّها فريضة ذات عدد ، فلا تجوز الزيادة عليه ، كالصلاة.

ولأنّ الكاظمعليه‌السلام سُئل عن الرجل يطوف يُقرن بين اُسبوعين ، فقال : « لا تقرن بين اُسبوعين ، كلّما طَفْتَ أسبوعاً فصلّ ركعتين »(٣) .

وقال عطاء وطاوُس وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق : لا بأس به ؛ لأنّ عائشة فَعَلته(٤) .

ولا حجّة فيه. ويحتمل أن يكون قد فَعَلَتْه في الندب.

إذا عرفت هذا ، فيجوز القران بين الطوافين في النافلة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إنّما يكره أن يجمع الرجل بين السبوعين والطوافين في الفريضة ، فأمّا في النافلة فلا »(٥) .

وإذا جمع بين طوافين ، استحبّ أن ينصرف على وتر ، فلا ينصرف على اُسبوعين ولا على أربعة ولا على ستّة وهكذا ، بل على خمسة أو ثلاثة(٦) وهكذا ؛ لأنّ الباقرعليه‌السلام كان يكره أن ينصرف في الطواف إلّا على‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٥ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٠٧ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٨٩ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٥٠.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٣) الكافي ٤ : ٤١٨ - ٤١٩ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١١٥ / ٣٧٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٠ - ٢٢١ / ٧٥٩.

(٤) المغني ٣ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٥.

(٥) الكافي ٤ : ٤١٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ١١٥ / ٣٧٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٠ / ٧٥٧ ، وفيها : « فلا بأس».

(٦) كذا ، والأنسب : بل على ثلاثة أو خمسة.


وتر من طوافه(١) .

مسألة ٤٨٤ : لو شكّ هل طاف سبعة أو ثمانية ، قطع ولا شي‌ء عليه ؛ لأنّه يتيقّن حصول السبع.

ولأنّ الحلبي سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر سبعة طاف أو ثمانية ، فقال : « أمّا السبع فقد استيقن ، وإنّما وقع وهمه على الثامن فليصلّ ركعتين »(٢) .

ولو شكّ فلم يدر ستّة طاف أو سبعة أو ثمانية ، فإن كان طواف الفريضة ، أعاد ؛ لأنّه لم يتيقّن حصول السبعة.

ولو طاف أقلّ من سبعة ناسياً ، عاد ، وتمّم طوافه إن كان قد طاف أربعة أشواط ، وإن كان قد طاف دونها ، أعاد من أوّله.

ولو لم يذكر حتى رجع إلى أهله ، أمر مَنْ يطوف عنه سبعة أشواط إن كان قد طاف أقلّ من أربعة ، وإن كان قد طاف أربعة ، تمّمه.

وكذا لو أحدث في طواف الفريضة ، فإن كان قد جاوز النصف ، تطهّر وبنى ، وإن لم يبلغه ، استأنف.

ولو طاف وعلى ثوبه نجاسة عامداً ، أعاد ، ولو كان ناسياً وذكر في أثناء الطواف ، قَطَعه وأزال النجاسة أو نزع الثوب وتمّم طوافه ، ولو لم يذكر حتى فرغ منه ، نزع الثوب أو غسله وصلّى الركعتين ؛ لأنّ يونس بن يعقوب سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف ، قال : « ينظر الموضع الذي يرى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتمّ طوافه »(٣) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١١٦ / ٣٧٧.

(٢) التهذيب ٥ : ١١٤ / ٣٧٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٠ / ٧٥٦.

(٣) التهذيب ٥ : ١٢٦ / ٤١٥.


تذنيب : ولو تحلّل من إحرام العمرة ثم أحرم بالحجّ وطاف وسعى له‌ ثم ذكر أنّه طاف مُحدثاً أحد الطوافين ولم يعلم هل هو طواف عمرة التمتّع أو طواف الحجّ ، قيل : يطوف للحجّ ويسعى له ثم يعتمر بعد ذلك عمرةً مفردة ، ويصير حجّة مفردة ؛ لاحتمال أن يكون في طواف العمرة فيبطل وقد فات وقتها ، وأن يكون للحجّ ، فيعيد ، فلهذا أوجبنا عليه إعادة طواف الحجّ وسعيه والإتيان بعمرة مفردة بعد الحجّ ؛ لبطلان متعته ، قاله بعض العامّة.

والوجه : أنّه يعيد الطوافين ؛ لأنّ العمرة لا تبطل بفوات الطواف.

مسألة ٤٨٥ : المريض لا يسقط عنه الطواف ، فإن تمكّن من الطواف بطهارة ، طيف به إذا لم يتمكّن من المشي أو الركوب ، وإن لم يتمكّن ، انتظر به يوم أو يومان وأزيد مع السعة ، فإن برأ ، طاف بنفسه ، وإلّا طيف عنه ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام طيف به في محمل وهو شديد المرض(١) .

وسأل إسحاقُ بن عمّار - في الصحيح - الكاظمعليه‌السلام : عن المريض يطاف عنه بالكعبة ، قال : « لا ، ولكن يطاف به »(٢) .

وفي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « المريض المغلوب والمغمى عليه يُرمى عنه ويُطاف به»(٣) .

ولقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « المبطون والكسير يطاف عنهما ويرمى عنهما»(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٢٢ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٢٢ / ٣٩٨.

(٢) التهذيب ٥ : ١٢٣ / ٣٩٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٥ / ٧٧٥.

(٣) التهذيب ٥ : ١٢٣ / ٤٠٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٥ / ٧٧٦.

(٤) الكافي ٤ : ٤٢٢ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٢٤ / ٤٠٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٦ / ٧٨٠.


وهذا محمول على أنّ الكسير لا يستمسك الطهارة ، ولو كان يستمسك ، طيف به ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « الكسير يُحمل فيطاف به ، والمبطون يُرمى ويُطاف عنه ويُصلّى عنه »(١) .

ولو مرض في الأثناء ، فإن تمكّن من الإتمام ، أتمّه ، وإلّا انتظر إلى البرء ثم يُتمّه إن كان قد تجاوز النصف ، وإلّا استأنف. هذا مع سعة الوقت ، فإن ضاق ، طيف به.

مسألة ٤٨٦ : لو حمل مُحرمٌ مُحْرماً وطاف به ونوى كلّ واحد منهما الطواف ، أجزأ عنهما‌ - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لحصول الطواف من كلّ واحد منهما.

ولأنّ حفص بن البختري سأل الصادقَعليه‌السلام : في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به هل يجزئ ذلك عنها وعن الصبي؟ فقال : « نعم »(٣) .

وللشافعي قولان : أحدهما : أنّه يجزئ عن المحمول. والثاني : أنّه يجزئ عن الحامل دون المحمول؛ لأنّه فعل واحد ، فإذا وقع عن الحامل لم يقع عن المحمول ؛ لأنّ الفعل الواحد لا يقع عن اثنين(٤) .

ونمنع اتّحاد الفعل ؛ لأنّ اختلاف السبب وتغاير الأمكنة ثابت في حقّ كلّ واحد منهما ، لكن لأحدهما بالذات وليس شرطاً ؛ لأنّه وافقنا على جواز‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٢٥ / ٤٠٩.

(٢) المغني ٣ : ٢١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، المجموع ٨ : ٢٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٢.

(٣) الكافي ٤ : ٤٢٩ / ١٣ ، التهذيب ٥ : ١٢٥ / ٤١١.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٩ ، المجموع ٨ : ٢٨ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٦٤ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٢ - ١٥٣ ، المغني ٣ : ٢١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٦.


الركوب(١) .

وينتقض بالواقف بعرفة إذا حمل غيره ؛ فإنّه وافقنا على تجويزه(٢) .

مسألة ٤٨٧ : يجوز الكلام بالمباح في الطواف إجماعاً ؛ لما رواه العامّة من قولهعليه‌السلام : (الطواف بالبيت صلاة إلّا أنّكم تتكلّمون فيه )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية علي بن يقطين - في الصحيح - عن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن الكلام في الطواف وإنشاد الشعر والضحك في الفريضة أو غير الفريضة أيستقيم ذلك؟ قال : « لا بأس به »(٤) .

ويستحب قراءة القرآن في الطواف ولا يكره عند علمائنا - وبه قال عطاء ومجاهد والثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي(٥) - لما رواه العامّة أنّ عائشة روت أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول في طوافه :( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ ) (٦) (٧) وهو من القرآن.

ومن طريق الخاصّة : قول الجوادعليه‌السلام : « وطواف الفريضة لا ينبغي أن تتكلّم فيه إلّا بالدعاء وذكر الله وقراءة القرآن »(٨) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٥١ ، فتح العزيز ٧ : ٣١٥ ، المجموع ٨ : ٢٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٨ ، المغني ٣ : ٤٢٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠٤.

(٢) لم نجده في مظانّه.

(٣) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٩٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٠٩ نقلاً عن الترمذي والأثرم ، وفي سنن الترمذي ٣ : ٢٩٣ / ٩٦٠ بتفاوت.

(٤) التهذيب ٥ : ١٢٧ / ٤١٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٧ / ٧٨٤.

(٥) المغني ٣ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣٢٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٢ ، المجموع ٨ : ٤٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٣١.

(٦) البقرة : ٢٠١.

(٧) المغني ٣ : ٣٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠١.

(٨) التهذيب ٥ : ١٢٧ / ٤١٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٧ / ٧٨٥.


وقال مالك : إنّها مكروهة. وهو مروي عن عروة والحسن(١) .

وعن أحمد روايتان(٢) .

ويستحب الدعاء في أثناء الطواف والإكثار من ذكر الله تعالى.

ويجوز له الشرب في الطواف ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شرب في الطواف(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية يونس بن يعقوب عن الصادقعليه‌السلام : هل نشرب ونحن في الطواف؟ قال : « نعم »(٤) .

تذنيب : قال الشيخ في الخلاف : الأفضل أن يقال : طواف وطوافان وثلاثة أطواف ، وإن قال : شوطاً وشوطين وثلاثة أشواط ، جاز. وقال الشافعي : أكره ذكر الشوط. وبه قال مجاهد(٥) .

مسألة ٤٨٨ : لا يجوز الطواف وعلى الطائف بُرْطُلَّة(٦) في طواف العمرة ؛ لاشتماله على تغطية الرأس وهو مُحْرم ، أمّا في طواف الحجّ فإنّه مكروه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا تطوفنّ بالبيت وعليك بُرْطُلَّة »(٧) .

وقال الصادقعليه‌السلام ليزيد بن خليفة : « قد رأيتك تطوف حول الكعبة‌

____________________

(١) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٤٣ ، المغني ٣ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠١.

(٢) المغني ٣ : ٣٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٠١.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٤٤ ، سنن البيهقي ٥ : ٨٥.

(٤) الكافي ٤ : ٤٢٩ / ١٥ ، التهذيب ٥ : ١٣٥ / ٤٤٤.

(٥) الخلاف ٢ : ٣٢٢ ، المسألة ١٢٨ ، وانظر : الاُم ٢ : ١٧٦ ، والمجموع ٨ : ٤١ و ٥٥ ، والمنتقى - للباجي - ٢ : ٢٨٥.

(٦) البُرْطُلَّة : قلنسوة. لسان العرب ١١ : ٥١. « برطل ».

(٧) الكافي ٤ : ٤٢٧ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٣٤ / ٤٤٢.


وعليك بُرْطُلَّة ، لا تلبسها حول الكعبة فإنّها من زيّ اليهود »(١) .

والشيخ -رحمه‌الله - أطلق المنع(٢) ، والتفصيل الذي ذكرناه أجود.

مسألة ٤٨٩ : مَنْ نذر أن يطوف على أربع ، قال : الشيخرحمه‌الله : يجب عليه طوافان : اُسبوع ليديه ، واُسبوع لرجليه(٣) ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في امرأة نذرت أن تطوف على أربع ، قال : تطوف اُسبوعاً ليديها واُسبوعاً لرجليها »(٤) .

وفي الطريق ضعف.

وقال ابن إدريس : يبطل النذر ؛ لأنّه غير مشروع ، فلا ينعقد(٥) . وهو حسن.

مسألة ٤٩٠ : طواف الحجّ ركن فيه ، وهو واجب بالإجماع.

قال الله تعالى :( وَلْيَطَّوَّفُوا ) (٦) .

قال ابن عبد البرّ : أجمع العلماء على أنّ هذه الآية فيه(٧) .

وما رواه العامّة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عن صفيّة لمـّا حاضت : ( أحابستنا هي؟ ) قالوا : يا رسول الله إنّها قد أفاضت يوم النحر ، قال : ( اخرجوا )(٨) فدلّ على وجوب الطواف ، وأنّه حابس لمن لم يأت به.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « على المتمتّع بالعمرة إلى‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٣٤ / ٤٤٣.

(٢) النهاية : ٢٤٢ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٩.

(٣) النهاية : ٢٤٢ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٠ ، التهذيب ٥ : ١٣٥ ذيل الحديث ٤٤٥.

(٤) التهذيب ٥ : ١٣٥ / ٤٤٦ ، والكافي ٤ : ٤٣٠ / ١٨.

(٥) السرائر : ١٣٥.

(٦) الحجّ : ٢٩.

(٧ و ٨ ) المغني ٣ : ٤٧٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٥.


الحجّ ثلاثة أطواف بالبيت وسعيان بين الصفا والمروة »(١) .

ولأنّه أحد النسكين ، فكان الطواف فيه ركناً ، كالعمرة.

إذا عرفت هذا ، فإن أخلّ به عامداً ، بطل حجّه ، وإن أخلّ به ناسياً ، وجب عليه أن يعود ويقضيه ، فإن لم يتمكّن ، استناب فيه.

وقال الشافعي : إن كان قد طاف طواف الوداع ، أجزأ عنه ، وإلّا وجب عليه الرجوع ، ولا تحلّ له النساء حتى يطوفه وإن طال زمانه وخرج وقته(٢) .

إذا ثبت هذا ، فلو نسي طواف النساء ، لم تحلّ له النساء حتى يزور البيت ويأتي به ، ويجوز له أن يستنيب فيه ؛ لما رواه معاوية بن عمّار - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : رجل نسي طواف النساء حتى دخل أهله ، قال : « لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت » وقال : « يأمر أن يقضى عنه إن لم يحجّ ، فإن توفّي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليّه أو غيره »(٣) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٩٥ ( باب ما على المتمتّع من الطواف ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٣٥ / ١٠٤.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٨١ - ٣٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٢ ، المجموع ٨ : ٢٢٠.

(٣) الكافي ٤ : ٥١٣ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٢٨ / ٤٢٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٨ / ٧٨٩.



الفصل الرابع

في السعي والتقصير‌

وفيه مباحث :

الأوّل : في مقدّماته ، وهي عشرة(١) كلّها مندوبة :

الأوّل : الطهارة ، وهي مستحبّة في السعي غير واجبة ، عند علمائنا - وهو قول عامّة العلماء(٢) - للأصل.

ولما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعائشة حين حاضت : ( اقضي ما يقضي الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت )(٣) .

وعن عائشة واُمّ سلمة قالتا : إذا طافت المرأة بالبيت وصلّت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا بأس أن تقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف ، فإنّ فيه صلاة ، والوضوء أفضل »(٥) .

الثاني : استلام الحجر الأسود قبل السعي‌ إذا صلّى ركعتي الطواف‌

____________________

(١) عدّد المصنّف –قدس‌سره - منها هنا ستّة اُمور.

(٢) المغني ٣ : ٤١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٠ - ٤٢١.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٨١ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٣ / ١١٩ ، سنن النسائي ١ : ١٨٠ ، مسند أحمد ٦ : ٣٩ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢٠١ ، المغني ٣ : ٤١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢١.

(٤) المغني ٣ : ٤١٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢١ نقلاً عن الأثرم.

(٥) التهذيب ٥ : ١٥٤ / ٥٠٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٤١ / ٨٤١.


إجماعاً ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فَعَل ذلك(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « فإذا فرغت من الركعتين فائت الحجر الأسود فقبِّلْه واستلمه أو(٢) أشر إليه فإنّه لا بدّ من ذلك »(٣) .

الثالث : الشرب من ماء زمزم وصبّ الماء على الجسد من الدلو المقابل للحجر الأسود ، والدعاء ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا فرغ الرجل من طوافه وصلّى ركعتين فليأت زمزم فيستقي منه ذَنُوباً أو ذنوبين فليشرب منه وليصبّ على رأسه وظهره وبطنه ، ويقول حين يشرب : اللهم اجعله علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كلّ داء وسقم ، ثم يعود إلى الحجر الأسود »(٤) .

وعن الصادق والكاظمعليهما‌السلام - في الصحيح - : « وليكن ذلك من الدلو الذي بحذاء الحجر »(٥) .

الرابع : الخروج إلى الصفا من الباب المقابل للحجر الأسود بالسكينة والوقار‌ ، ولا نعلم فيه خلافاً.

روى الشيخ - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : « ثم اخرج إلى الصفا من الباب الذي خرج منه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الباب الذي يقابل الحجر الأسود حتى تقطع الوادي ، وعليك السكينة والوقار »(٦) .

الخامس : الصعود على الصفا إجماعاً ، إلّا مَنْ شذّ ذهب إلى وجوبه ؛

____________________

(١) سنن النسائي ٥ : ٢٢٨ - ٢٢٩.

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : و. وما أثبتناه من المصدر.

(٣) الكافي ٤ : ٤٣٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٤٤ / ٤٧٦.

(٤) الكافي ٤ : ٤٣٠ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٤٤ / ٤٧٧.

(٥) التهذيب ٥ : ١٤٥ / ٤٧٨.

(٦) التهذيب ٥ : ١٤٦ / ٤٨١.


فإنّه لا يصحّ السعي حتى يصعد إلى الصفا والمروة بقدر ما يستوفي السعي بينهما ؛ لأنّه لا يمكنه استيفاء ما بينهما إلّا بذلك ، فيجب كوجوب غسل جزء من الرأس وصيام جزء من الليل(١) .

وهو خطأ ؛ لأنّه يمكنه الاستيفاء بأن يجعل عقبه ملاصقاً للصفا وأصابع رجليه ملاصقةً للمروة وبالعكس في الرجوع.

واستحبابه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « فاصعد الصفا حتى تنظر إلى البيت ، وتستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود ، فاحمد الله وأثن عليه »(٢) الحديث.

السادس : حمد الله على الصفا والثناء عليه واستقبال الكعبة ورفع يديه والدعاء وإطالة الوقوف على الصفا‌ ، لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « واحمد الله وأثن عليه واذكر من آلائه وبلائه وحسن ما صنع إليك »(٣) الحديث.

قال الصادقعليه‌السلام : « وإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقف على الصفا بقدر ما يقرأ سورة البقرة مترسّلاً »(٤) .

وعن علي بن النعمان - رفعه - قال : « كان أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثم يرفع يديه ثم يقول »(٥) وذكر الدعاء.

وقال الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت أن يكثر مالك فأكثر الوقوف على الصفا »(٦) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٥٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤٥ ، المجموع ٨ : ٦٤ - ٦٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٦.

(٢ و ٣ ) الكافي ٤ : ٤٣١ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٤٦ / ٤٨١.

(٤) الكافي ٤ : ٤٣٢ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٤٦ / ٤٨١.

(٥) الكافي ٤ : ٤٣٢ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٤٧ / ٤٨٢.

(٦) التهذيب ٥ : ١٤٧ / ٤٨٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٨ / ٨٢٧.


ولو لم يتمكّن من إطالة الوقوف والدعاء بالمنقول ، دعا بما تيسّر.

قال بعض أصحابنا : كنت في قفاء الكاظمعليه‌السلام على الصفا أو على المروة وهو لا يزيد على حرفين : « اللّهم إنّي أسألك حسن الظنّ بك على كلّ حال ، وصدق النيّة في التوكّل عليك »(١) .

البحث الثاني : في الكيفية.

مسألة ٤٩١ : يجب في السعي النيّة ؛ لأنّه عبادة‌ وقد قال الله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (٢) .

ولقولهعليه‌السلام : ( لا عمل إلّا بنيّة )(٣) .

وهي شرط فيه يبطل السعي بالإخلال بها عمداً وسهواً.

ويجب فيها تعيين الفعل وأنّه سعي عمرة متمتّع بها أو مفردة أو سعي الحجّ الواجب أو الندب ، حجّة الإسلام أو غيرها ، والتقرّب إلى الله تعالى.

مسألة ٤٩٢ : يجب فيه الترتيب بأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة‌ إجماعاً - إلّا من أبي حنيفة(٤) - لما رواه العامّة عن جعفر الصادقعليه‌السلام عن جابر في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : وبدأ بالصفا ، وقال : ( ابدؤوا بما بدأ الله تعالى به )(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٣٣ / ٩ ، التهذيب ٥ : ١٤٨ / ٤٨٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٨ / ٨٢٨.

(٢) البيّنة : ٥.

(٣) أمالي الطوسي ٢ : ٢٠٣.

(٤) بدائع الصنائع ٢ : ١٣٤ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤٧ ، المجموع ٨ : ٧٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٦.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ١٥٨ ، وبتفاوت يسير في صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢١٦ / ٨٦٢ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، وسنن الدار قطني ٣ : ٢٥٤ / ٨١ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٠٧٤ ، وسنن البيهقي ٥ : ٩٣.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين فرغ من طوافه وركعتيه قال : ابدؤوا بما بدأ الله به ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول :( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) (١) »(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « تبدأ بالصفا وتختم بالمروة »(٣) .

مسألة ٤٩٣ : يجب أن يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط‌ يحتسب ذهابه من الصفا إلى المروة شوطاً وعوده من المروة إلى الصفا آخر ، هكذا سبع مرّات ، عند علمائنا أجمع - وهو قول عامّة العلماء(٤) - لما رواه العامّة عن الصادق عن الباقرعليهما‌السلام عن جابر في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبّت(٥) قدماه رمل في بان الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ، فلمـّا كان آخر طوافه على المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ، فلمـّا كان آخر طوافه على المروة قال : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة )(٦) وهذا يقتضي أنّه آخر طوافه.

ومن طريق الخاصّة : ما رواه الشيخ : « طُفْ بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة»(٧) .

وقال أبو بكر الصيرفي من الشافعية : يحتسب سعيه من الصفا إلى‌

____________________

(١) البقرة : ١٥٨.

(٢) التهذيب ٥ : ١٤٥ / ٤٨١.

(٣) الكافي ٤ : ٤٣٤ - ٤٣٥ / ٦ ، التهذيب ٥ : ١٤٨ / ٤٨٧.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٥٩ ، المجموع ٨ : ٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤١٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤٧.

(٥) أي : انحدرت. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٣ « نصب ».

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦.

(٧) التهذيب ٥ : ١٤٨ / ٤٨٧.


المروة ومنها إلى الصفا شوطاً واحداً(١) .

مسألة ٤٩٤ : يجب السعي بين الصفا والمروة في المسافة التي بينهما ، فلا يجوز الإخلال بشي‌ء منها ، بل يلصق عقبه بالصفا في الابتداء وأصابع رجليه به في العود وبالعكس في المروة. ولا تحلّ له النساء حتى يكمله.

ولا يجب الصعود على الصفا ولا المروة - خلافاً لبعض الشافعية ، وقد تقدّم(٢) - لقوله تعالى :( فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) (٣) .

قال المفسّرون : أراد بينهما. وهو يصدق وإن لم يصعد عليهما.

ويستحب له أن يسعى ماشياً ، ويجوز الركوب إجماعاً.

ولما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله طاف راكباً بالبيت وبالصفا والمروة(٤) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الحلبي - الحسنة - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن السعي بين الصفا والمروة على الدابّة ، قال : « نعم وعلى المحمل »(٥) .

وقال معاوية بن عمّار : سألت الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة راكباً ، قال : « لا بأس والمشي أفضل »(٦) .

مسألة ٤٩٥ : يستحب أن يمشي من الصفا إلى المنارة ، وأن يُهرول ما بين المنارة وزقاق العطّارين ثم يمشي من زقاق العطّارين إلى المروة ، ولو‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٥٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤٧ ، المجموع ٨ : ٧١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٦.

(٢) تقدّم في الأمر الخامس من مندوبات السعي في ص ١٣٠.

(٣) البقرة : ١٥٨.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ١٧٦ - ١٧٧ / ١٨٧٩ و ١٨٨٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٠٠.

(٥) الكافي ٤ : ٤٣٧ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٥٥ / ٥١١.

(٦) الكافي ٤ : ٤٣٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٥٥ / ٥١٢.


كان راكباً ، حرّك دابّته في موضع الهرولة إجماعاً.

روى العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سعى بين الصفا والمروة(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ثم انحدر ماشياً وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المنارة ، وهي طرف المسعى ، واسع ملأ فروجك وقُلْ : بسم الله الله أكبر وصلّى الله على محمد وآله ، وقُلْ : اللّهم اغفر وارحم واعْفُ عمّا تعلم وأنت الأعزّ الأكرم ، حتى تبلغ المنارة الاُخرى ، وكان المسعى أوسع ممّا هو اليوم ، ولكنّ الناس ضيّقوه ، ثم امش وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المروة »(٢) الحديث.

ولأنّ موضع الرمل من وادي محسّر ، فاستحبّ قطعه بالهرولة ، كما يستحب قطع وادي محسّر. ويستحب الدعاء حالة السعي.

ولو ترك الرمل ، لم يكن عليه شي‌ء إجماعاً.

روى العامّة عن ابن عمر ، قال : إن أسْعَ بين الصفا والمروة فقد رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يسعى ، وإن أمْشِ فقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمشي وأنا شيخ كبير(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول سعيد الأعرج : سألتُ الصادقَعليه‌السلام : عن رجل ترك شيئاً من الرمل في سعيه بين الصفا والمروة ، قال : « لا شي‌ء عليه »(٤) .

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ١٩٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٢١٧ / ٨٦٣ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٥ / ٨٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٩٨.

(٢) التهذيب ٥ : ١٤٨ / ٤٨٧.

(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٩٥ / ٢٩٨٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٩٩ ، وفي سنن أبي داود ٢ : ١٨٢ / ١٩٠٤ بتقديم وتأخير.

(٤) الكافي ٤ : ٤٣٦ / ٩ ، التهذيب ٥ : ١٥٠ - ١٥١ / ٤٩٤.


وليس على النساء رمل ولا صعود على الصفا والمروة ؛ لأنّ ترك ذلك أستر.

ولو نسي الرجل الرمل حتى يجوز موضعه ثم ذكر ، فليرجع القهقرى إلى المكان الذي يرمل فيه.

البحث الثالث : في الأحكام.

مسألة ٤٩٦ : السعي واجب وركن من أركان الحجّ والعمرة‌ يبطلان بالإخلال به عمداً ، عند علمائنا أجمع - وبه قال عروة ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لما رواه العامّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السعي )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الحسن(٣) بن علي الصيرفي عن بعض أصحابنا قال : سُئل أبو عبد اللهعليه‌السلام : عن السعي بين الصفا والمروة فريضة أو سنّة؟ فقال : « فريضة »(٤) .

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام : في رجل ترك السعي متعمّداً ، قال : « لا حجّ له »(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤١٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٥ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ٤٨ ، تفسير القرطبي ٢ : ١٨٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٠.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٥ / ٨٦.

(٣) في التهذيب : الحسين.

(٤) الكافي ٤ : ٤٣٥ / ٨ ، التهذيب ٥ : ١٤٩ / ٤٩٠.

(٥) الكافي ٤ : ٤٣٦ / ١٠ ، التهذيب ٥ : ١٥٠ / ٤٩١ ، وفيهما : « عليه الحجّ من قابل » بدل « لا حجّ له ».


وقال أحمد في الرواية الاُخرى : إنّه مستحب لا يجب بتركه دم. وهو مروي عن ابن الزبير وابن سيرين(١) .

وقال أبو حنيفة : هو واجب وليس بركن إذا تركه وجب عليه دم - وهو مذهب الحسن البصري والثوري - لقوله تعالى :( فَلا جُناحَ ) (٢) ورفع الجناح دليل عدم وجوبه(٣) .

وهو غلط ؛ فإنّ رفع الجناح لا يستلزم عدم الوجوب.

ولو ترك السعي ناسياً ، أعاده لا غير ، ولا شي‌ء عليه ، فإن كان قد خرج من مكّة ، عاد للسعي ، فإن لم يتمكّن ، أمر مَنْ يسعى عنه ؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام : رجل نسي السعي بين الصفا والمروة ، قال : « يعيد السعي » قلت : فإنّه خرج ، قال : « يرجع فيعيد السعي إنّ هذا ليس كرمي الجمار ، الرمي سنّة والسعي بين الصفا والمروة فريضة »(٤) .

وسأل زيد الشحّام الصادقعليه‌السلام : عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا والمروة حتى يرجع إلى أهله ، فقال : « يطاف عنه »(٥) .

مسألة ٤٩٧ : قد سبق(٦) وجوب ترتيب السعي بأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة‌ ، فلو عكس فبدأ بالمروة وختم بالصفا ، أعاد السعي ؛ لأنّه لم يأت بالمأمور به على وجهه ، فيبقى في عهدة التكليف.

____________________

(١) المغني ٣ : ٤١٠ ، المجموع ٨ : ٧٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٥.

(٢) البقرة : ١٥٨.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٠ ، المغني ٣ : ٤١٠ و ٤١١ ، المجموع ٨ : ٧٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٥ ، تفسير القرطبي ٢ : ١٨٣.

(٤) التهذيب ٥ : ١٥٠ / ٤٩٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٨ / ٨٢٩.

(٥) التهذيب ٥ : ١٥٠ / ٤٩٣.

(٦) سبق في المسألة : ٤٩٢.


وما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى ويبدأ بالصفا قبل المروة »(١) .

إذا عرفت هذا ، فلو طاف سبعة أشواط وشكّ فيما بدأ به ، فإن كان في آخر السابع على الصفا ، أعاد السعي من أوّله ؛ لأنّه يكون قد بدأ من المروة.

وقالت العامّة : يسقط الشوط الأوّل ، ويبني على أنّه بدأ من الصفا ، فيضيف إليه آخر(٢) .

وهو غلط ؛ لما بيّنّا من الأخبار الدالّة على وجوب البدأة بالصفا ، والإعادة على مَنْ بدأ بالمروة.

وكذا لو تيقّن عدد الأشواط فيما دون السبعة وشكّ في المبدأ ، فإن كان في المزدوج على الصفا ، صحّ سعيه ؛ لأنّه يكون قد بدأ به ، وإن كان على المروة ، أعاد ، وينعكس الحكم مع انعكاس الفرض.

مسألة ٤٩٨ : لو سعى أقلّ من سبعة أشواط ولو خطوةً ، وجب عليه الإتيان بها ، ولا يحلّ له ما يحرم على المـُحْرم قبل الإتيان به ، فإن رجع إلى بلده ، وجب عليه العود مع المكنة وإتمام السعي ؛ لأنّ الموالاة لا تجب فيه إجماعاً.

ولو لم يذكر حتى واقع أهله أو قصّر أو قلّم ، كان عليه دم بقرة وإتمام السعي ؛ لما رواه سعيد بن يسار ، قال : سألت الصادقَعليه‌السلام : رجل متمتّع سعى بين الصفا والمروة ستّة أشواط ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنّه‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٥١ / ٤٩٥.

(٢) المغني ٣ : ٤٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٠ ، المجموع ٨ : ٧٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٠.


قد فرغ منه وقلّم أظافيره وأحلّ ثم ذكر أنّه سعى ستّة أشواط ، فقال لي : « يحفظ أنّه قد سعى ستّة أشواط؟ فإن كان يحفظ أنّه قد سعى ستّة أشواط فليعد وليُتمّ شوطاً وليُرق دماً » فقلت : دم ما ذا؟ قال : « بقرة » قال : « وإن لم يكن حفظ أنّه سعى ستّة أشواط فليبتدئ السعي حتى يُكمله سبعة أشواط ثم ليُرق [ دم ](١) بقرة »(٢) .

ولو لم يُحصّل عدد الأشواط ، استأنف السعي.

مسألة ٤٩٩ : لا يجوز الزيادة على سبعة أشواط ، فإن زاد عمداً ، استأنف السعي ، وإن كان سهواً ، طرح الزيادة واعتدّ بالسبعة ، وإن شاء أكمل أربعة عشر شوطاً ؛ لأنّها عبادة ذات عدد ، فأبطلتها الزيادة عمداً ، كالصلاة والطواف.

ولقول الكاظمعليه‌السلام : « الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة ، فإذا زدت عليها فعليك الإعادة وكذلك السعي »(٣) .

ويدلّ على طرح الزيادة مع السهو : قول الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال : « إن كان خطأً طرح واحداً واعتدّ بسبعة »(٤) .

وعلى جواز إتمام أربعة عشر شوطاً : قول أحدهماعليهما‌السلام - في الصحيح - : « وكذلك إذا استيقن أنّه سعى ثمانية أضاف إليها ستّة »(٥) .

مسألة ٥٠٠ : يجوز أن يجلس الإنسان في أثناء السعي للاستراحة‌

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ١٥٣ / ٥٠٤.

(٣) التهذيب ٥ : ١٥١ / ٤٩٨ ، الإستبصار ٢ : ٢٣٩ / ٨٣١.

(٤) الكافي ٤ : ٤٣٦ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٥٢ / ٤٩٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٩ / ٨٣٢.

(٥) التهذيب ٥ : ١٥٢ - ١٥٣ / ٥٠٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٠ / ٨٣٥.


- وهو قول أحمد في إحدى الروايتين(١) - لما رواه العامّة : أنّ سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير(٢) سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها في ثلاثة أيّام وكانت ضخمةً(٣) (٤) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يطوف بين الصفا والمروة ، يستريح؟ قال : « نعم إن شاء جلس على الصفا والمروة وبينهما فيجلس »(٥) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : لا يجوز. ويجعل الموالاة شرطاً في السعي ؛ قياساً على الطواف(٦) .

والفرق : أنّ الطواف يتعلّق بالبيت وهو صلاة ، ويشترط له الطهارة والستر ، فيشترط له الموالاة ، كالصلاة ، بخلاف السعي.

وكذا يجوز أن يقطع السعي لقضاء حاجة له أو لبعض إخوانه ثم يعود فيتمّ ما قطع عليه ؛ لأنّ أبا الحسنعليه‌السلام سُئل عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثم يلقاه الصديق فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام ، قال : « إن أجابه فلا بأس »(٧) .

وعن أحمد روايتان(٨) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢١.

(٢) في النسخ الخطية والحجرية : عبد الله بن الزبير. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير وطبقات ابن سعد ٥ : ١٧٨ ، وسير أعلام النبلاء ٤ : ٤٣٢.

(٣) في النسخ الخطّية والحجرية : صحيحةً. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.

(٤) أورده ابنا قدامة عن الأثرم في المغني ٣ : ٤١٨ والشرح الكبير ٣ : ٤٢١ - ٤٢٢.

(٥) الكافي ٤ : ٤٣٧ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٥٦ / ٥١٦.

(٦) المغني ٣ : ٤١٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢١.

(٧) التهذيب ٥ : ١٥٧ / ٥٢٠.

(٨) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.


ولو دخل وقت فريضة وهو في أثناء السعي ، قَطَعه ، وابتدأ بالصلاة ، فإذا فرغ منها تمّم سعيه ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيدخل وقت الصلاة ، أيخفّف أو يقطع ويصلّي ثم يعود أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ؟ قال : « لا ، بل يصلّي ثم يعود أو ليس عليهما مسجد؟ »(١) .

مسألة ٥٠١ : إذا طاف ، جاز له أن يؤخّر السعي إلى بعد ساعة ، ولا يجوز إلى غد يومه - وبه قال أحمد وعطاء والحسن وسعيد بن جبير(٢) - لأنّ الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي ففيما بينه وبين الطواف أولى.

ولأنّ عبد الله بن سنان سأل - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يقدم مكّة وقد اشتدّ عليه الحَرّ ، فيطوف بالكعبة فيؤخّر السعي إلى أن يبرد ، فقال : « لا بأس به ، وربما فَعَلْتُه » قال : وربما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل(٣) .

وسأل محمد بن مسلم - في الصحيح - أحدَهماعليهما‌السلام : عن رجل طاف بالبيت فأعى ، أيؤخّر الطواف بين الصفا والمروة إلى غد؟ قال : « لا »(٤) .

مسألة ٥٠٢ : السعي تبع للطواف لا يصحّ تقديمه عليه‌ - وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لما رواه العامّة :

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٥٦ / ٥١٩.

(٢) المغني ٣ : ٤١١ - ٤١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٢.

(٣) التهذيب ٥ : ١٢٨ - ١٢٩ / ٤٢٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٢٩ / ٧٩٠.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٥٣ / ١٢٢٠.

(٥) بداية المجتهد ١ : ٣٤٦ ، فتح العزيز ٧ : ٣٤٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٥٧ ، المجموع ٨ : ٧٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥١ ، المغني ٣ : ٤١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٢.


أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سعى بعد طوافه(١) ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : رواية منصور بن حازم - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت ، فقال : « يطوف بالبيت ثم يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما »(٣) .

ولو طاف بعض الطواف ثم مضى إلى السعي ناسياً ، فذكر في أثناء السعي نقص الطواف ، رجع فأتمّ طوافه ثم عاد إلى السعي فأتمّ سعيه ؛ لأنّ إسحاق بن عمّار سأل الصادقعليه‌السلام : عن رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف به ثم ذكر أنّه قد بقي عليه من طوافه شي‌ء ، فأمره أن يرجع إلى البيت فيتمّ ما بقي من طوافه ثم يرجع إلى الصفا فيتمّ ما بقي فقلت له : فإنّه طاف بالصفا وترك البيت ، قال : « يرجع إلى البيت ، قال : « يرجع إلى البيت فيطوف به ثم يستقبل طواف الصفا » فقلت : ما فرق بين هذين؟ قال : « لأنّه قد دخل في شي‌ء من الطواف ، وهذا لم يدخل في شي‌ء منه »(٤) .

تذنيب : لو سعى بعد طوافه ثم ذكر أنّه طاف بغير طهارة ، لم يعتد بطوافه ولا بسعيه‌ ؛ لأنّه تبع له.

مسألة ٥٠٣ : السعي واجب في الحجّ والعمرة ، ولا يجزئ السعي في أحدهما عن الآخر ، عند علمائنا ؛ لأنّ كلّ واحد منهما نسك يشترط فيه الطواف ، فيشترط فيه السعي ، كالآخر.

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٧ - ٨٨٨ - ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٣ - ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦ ، المغني ٣ : ٤١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٢.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٣) الكافي ٤ : ٤٢١ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٢٩ / ٤٢٦.

(٤) التهذيب ٥ : ١٣٠ / ٤٢٨.


ولقول الصادقعليه‌السلام : « على المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ ثلاثة أطواف بالبيت ، ويصلّي لكلّ طواف ركعتين ، وسعيان بين الصفا والمروة »(١) .

وقال بعض العامّة : لو سعى القارن والمفرد بعد طواف القدوم ، لم يلزمهما بعد ذلك سعي ، وإن لم يسعيا معه ، لزمهما السعي مع طواف الزيارة(٢) .

مسألة ٥٠٤ : لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي ، فإن فَعَله متعمّداً ، أعاد طواف النساء‌ ، وإن كان ناسياً ، فلا شي‌ء عليه ؛ لأنّ أحمد بن محمد روى عمّن ذكره ، قال : قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : جُعلت فداك متمتّع زار البيت فطاف طواف الحجّ ثم طاف طواف النساء ثم سعى ، فقال : « لا يكون السعي إلّا قبل طواف النساء » فقلت : عليه شي‌ء؟ فقال : « لا يكون سعي إلاّ قبل طواف النساء »(٣) .

ولا يجوز للمتمتّع أن يقدّم طواف الحجّ وسعيه على المضيّ إلى عرفات اختياراً ، قاله العلماء كافّة.

روى أبو بصير ، قال : قلت : رجل كان متمتّعاً فأهلّ بالحجّ ، قال : « لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات ، فإن هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علّة فلا يعتدّ بذلك الطواف »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ التقديم للضرورة - كالشيخ الكبير والمريض وخائفة الحيض - جائز ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس أن يعجّل الشيخ‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٩٥ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٦ / ١٠٦.

(٢) المغني ٣ : ٤١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٢.

(٣) الكافي ٤ : ٥١٢ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٣٣ / ٤٣٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٣١ / ٧٩٩.

(٤) الاستبصار ٢ : ٢٢٩ / ٧٩٣.


الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحجّ قبل أن يخرج(١) إلى منى »(٢) .

وكذا يجوز تقديم طواف النساء على الموقفين مع العذر لا مع الاختيار ؛ لأنّ الحسن بن علي روى عن أبيه عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : « لا بأس بتعجيل طواف الحجّ وطواف النساء قبل الحجّ يوم التروية قبل خروجه إلى منى ، وكذلك لمن خاف أن لا يتهيّأ(٣) له الانصراف إلى مكّة أن يطوف ويودّع البيت ثم يمرّ كما هو(٤) من منى إذا كان خائفاً »(٥) .

وسيأتي تمام ذلك إن شاء الله تعالى.

قال الشيخرحمه‌الله : يجوز للقارن والمفرد تقديم طوافهما وسعيهما على المضيّ إلى عرفات لضرورة وغيرها(٦) ، لأنّ حماد بن عثمان روى - في الصحيح - قال : سألت الصادقعليه‌السلام عن مفرد الحجّ أيعجّل طوافه أو يؤخّره؟ قال : « هو والله سواء عجّله أو أخّره »(٧) .

وسأل إسحاقُ بن عمّار الكاظمَعليه‌السلام : عن رجل يُحْرم بالحجّ من مكّة ثم يرى البيت خالياً فيطوف قبل أن يخرج ، عليه شي‌ء؟ قال : « لا »(٨) .

قال الشيخ(٩) : ويجدّدان التلبية لو قدّما الطواف ؛ ليبقيا على إحرامهما ، ولو لم يجدّداها ، انقلبت الحجّة عمرة.

____________________

(١) في التهذيبين : يخرجوا.

(٢) الكافي ٤ : ٤٥٨ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٣١ / ٤٣١ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٠ / ٧٩٥.

(٣) في المصدر : « لمن خاف أمراً لا يتهيّأ ».

(٤) في النسخ الخطية والحجرية : « كما مرّ » وما أثبتناه من المصدر.

(٥) التهذيب ٥ : ١٣٣ / ٤٣٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٠ - ٢٣١ / ٧٩٨.

(٦) النهاية : ٢٤١ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٥٩.

(٧) الكافي ٤ : ٤٥٩ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٤٥ / ١٣٥ ، و ١٣٢ / ٤٣٤.

(٨) الفقيه ٢ : ٢٤٤ / ١١٦٩.

(٩) اُنظر : التهذيب ٥ : ٤٤ ذيل الحديث ١٣١.


وأنكر ابن إدريس(١) وكافّة العامّة ذلك.

البحث الرابع : في التقصير.

مسألة ٥٠٥ : إذا فرغ المتمتّع من السعي ، قصّر من شعره‌ وقد أحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا الصيد ؛ لكونه في الحرم ، فلو خرج منه ، كان مباحاً له ، ويحلّ له أكل ما ذبح في الحلّ في الحرم إجماعاً.

روى العامّة عن ابن عمر قال : تمتّع الناس مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالعمرة إلى الحجّ ، فلمـّا قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكة قال للناس : ( مَنْ كان معه هدي فإنّه لا يحلّ من شي‌ء أحرم منه حتى يقضي حجّته ، ومَنْ لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصّر وليحلل )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا فرغت من سعيك وأنت متمتّع فقصّر من شعرك من جوانبه ولحيتك وخُذْ من شاربك وقلّم من أظفارك وأبق منها لحجّك ، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شي‌ء يحلّ منه الـمُحْرم وأحرمت منه ، وطُفْ بالبيت تطوّعاً ما شئت »(٣) .

مسألة ٥٠٦ : التقصير نسك في العمرة ، فلا يقع الإحلال إلّا به أو بالحلق ، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد القولين(٤) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( رحم الله‌

____________________

(١) السرائر : ١٣٥.

(٢) المغني ٣ : ٤١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٠١ / ١٢٢٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٠ / ١٨٠٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٥١ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣.

(٣) الكافي ٤ : ٤٣٨ - ٤٣٩ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٥٧ / ٥٢١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٧٤ - ٣٧٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦١ ، المجموع ٨ : ٢٣٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٤٠ ، المغني ٣ : ٤١٤ و ٤٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٧.


المحلّقين ) قيل : يا رسول الله والمقصّرين ، فقال : ( رحم الله المحلّقين ) إلى أن قال في الثالثة أو الرابعة : ( رحم الله المقصّرين )(١) وهو يدلّ على أنّه نسك.

ومن طريق الخاصّة : الأحاديث الدالّة على الأمر بالتقصير(٢) ، فيكون واجباً.

وقال الشافعي في الآخر : إنّه إطلاق محظور ، بأنّ كلّ ما كان محرّماً في الإحرام فإذا جاز له ، كان إطلاقَ محظور(٣) .

ونمنع الكلّيّة.

ولا يستحب له تأخير التقصير ، فإن أخّره ، لم تتعلّق به كفّارة.

مسألة ٥٠٧ : لو أخلّ بالتقصير عامداً حتى أهلّ بالحجّ ، بطلت عمرته ، وكانت حجّته مفردةً.

ولا تدخل أفعال الحجّ في أفعال العمرة - وبه قال عليعليه‌السلام وابن مسعود والشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه(٤) - لقوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٥) .

وقال الشافعي : إذا قرن ، تدخل أفعال العمرة في أفعال الحجّ ، واقتصر على أفعال الحجّ فقط ، يجزئه طواف واحد وسعي واحد عنهما.

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٤٦ / ٣١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٢ / ٣٠٤٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٥٦ / ٩١٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٠٣ ، سنن الدارمي ٢ : ٦٤.

(٢) منها ما تقدّم عن الإمام الصادقعليه‌السلام في المسألة السابقة.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٦١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٤ - ٣٧٥.

(٤) المجموع ٨ : ٦١ ، صحيح مسلم بشرح النووي ٨ : ١٤١ ، المغني ٣ : ٤٩٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٤.

(٥) البقرة : ١٩٦.


وبه قال جابر وابن عمر وعطاء وطاوُس والحسن البصري ومجاهد وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق(١) .

ويبطل بما رواه العامّة عن عمران بن الحصين : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( مَنْ جمع الحجّ إلى العمرة فعليه طوافان )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا طاف وسعى ثم لبّى قبل أن يقصّر فليس له أن يقصّر ، وليس له متعة »(٣) .

ولو أخلّ بالتقصير ناسياً ، صحّت متعته ، ووجب عليه دم - قاله الشيخ(٤) رحمه‌الله - لأنّ إسحاق بن عمّار روى - في الصحيح - عن الكاظمعليه‌السلام : الرجل يتمتّع وينسى أن يقصّر حتى يهلّ بالحجّ ، فقال : « عليه دم يهريقه »(٥) .

وحمله الصدوق على الاستحباب(٦) ؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل أهلّ بالعمرة ونسي أن يقصّر حتى دخل الحجّ ، قال : « يستغفر الله ولا شي‌ء عليه وتمّت عمرته»(٧) .

مسألة ٥٠٨ : لو جامع امرأته قبل التقصير ، وجب عليه جزور‌ إن كان‌

____________________

(١) المجموع ٨ : ٦١ ، صحيح مسلم بشرح النووي ٨ : ١٤١ ، المغني ٣ : ٤٩٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٤.

(٢) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٣٣ ذيل المسألة ١٤٨ ، ونقله الماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ١٦٤ بلفظ : ( مَنْ جمع بين الحجّ والعمرة ).

(٣) التهذيب ٥ : ١٥٩ / ٥٢٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٣ / ٨٤٦.

(٤) التهذيب ٥ : ١٥٨ ذيل الحديث ٥٢٦.

(٥) التهذيب ٥ : ١٥٨ - ١٥٩ / ٥٢٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٢ / ٨٤٤ ، والفقيه ٢ : ٢٣٧ / ١١٢٨.

(٦) الفقيه ٢ : ٢٣٧ ذيل الحديث ١١٢٩.

(٧) التهذيب ٥ : ١٥٩ / ٥٢٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٢ - ٢٤٣ / ٨٤٥.


موسراً ، وإن كان متوسّطاً ، فبقرة ، وإن كان فقيراً ، فشاة إن كان عامداً عالماً ، وإن كان جاهلاً أو ناسياً ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأنّ الحلبي سأل الصادقًعليه‌السلام - في الصحيح - : عن متمتّع وقع على امرأته قبل أن يقصّر ، قال : « ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه »(١) .

وفي الحسن عن معاوية بن عمّار أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن متمتّع وقع على امرأته ولم يقصّر ، فقال : « ينحر جزوراً وقد خفت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً ، وإن كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه »(٢) .

أمّا لو واقعها بعد التقصير ، فلا شي‌ء عليه إجماعاً.

ولو قبّل امرأته قبل التقصير ، وجب عليه دم شاة - قاله الشيخ(٣) - لرواية الحلبي - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن متمتّع طاف بالبيت وبين الصفا والمروة فقبّل امرأته قبل أن يقصّر من رأسه ، قال : « عليه دم يهريقه ، وإن كان الجماع فعليه جزور أو بقرة »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ عمرته لا تبطل - وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي(٥) - لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّه سُئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصّر ، قال : مَنْ ترك من مناسكه شيئاً أو نسيه فليرق دماً ،

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٦١ / ٥٣٦ ، وفيه إلى قوله : « جزوراً ». وقوله : « وقد خشيت حجّه » من تتمّة رواية معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق ٧ ، التي وردت بعد رواية الحلبي ، وفيها : « وقد خفت ».

(٢) الكافي ٤ : ٤٤٠ - ٤٤١ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٦١ / ٥٣٩.

(٣) التهذيب ٥ : ١٦٠ ذيل الحديث ٥٣٤.

(٤) التهذيب ٥ : ١٦٠ - ١٦١ / ٥٣٥.

(٥) الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٠ ، المغني ٣ : ٤١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٥ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٦٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٢٨.


قيل : إنّها موسرة ، قال : فلتنحر ناقة(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وقد خفت أن يكون قد ثلم حجّه »(٢) وهو يدلّ على الصحّة.

وقال الشافعي : تفسد عمرته(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإن طاوعته ، كفّرت أيضاً ، وإن أكرهها ، تحمّل عنها.

مسألة ٥٠٩ : التقصير في إحرام العمرة أولى من الحلق ، قاله الشيخ في الخلاف(٤) .

ومنع في غيره من الحلق ، وأوجب به دم شاة مع العمد(٥) .

وقال أحمد : التقصير أفضل(٦) ؛ لما رواه العامّة عن جعفر بن محمد عن أبيهعليهما‌السلام عن جابر لـمّا وصف حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال لأصحابه : ( حلّوا من إحرامكم بطواف بين الصفا والمروة وقصّروا )(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : عن المتمتّع أراد أن يقصّر فحلق رأسه ، قال : « عليه دم يهريقه »(٨) .

وسأل جميلُ بن درّاج الصادقَعليه‌السلام : عن متمتّع حلق رأسه بمكة ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٤١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٥.

(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص ١٤٨ ، الهامش (٢).

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٧٦ ، المجموع ٧ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣١٠ ، المغني ٣ : ٤١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٥.

(٤) الخلاف ٢ : ٣٣٠ ، المسألة ١٤٤.

(٥) النهاية : ٢٤٦ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٣ ، الجُمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٣٢.

(٦) المغني ٣ : ٤١٣ - ٤١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٢٤.

(٧) أورده ابنا قدامة عن جابر فقط في المغني ٣ : ٤١٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٢٤.

(٨) التهذيب ٥ : ١٥٨ / ٥٢٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٢ / ٨٤٢.


قال : « إن كان جاهلاً فليس عليه شي‌ء »(١) .

وقال الشافعي : الحلق أفضل(٢) ؛ لقوله تعالى :( مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) (٣) . بدأ بالأهمّ.

وهو لا يعارض ما تقدّم.

مسألة ٥١٠ : أدنى التقصير أن يقصّر شيئاً من شعر رأسه‌ ولو كان يسيراً ، وأقلّه ثلاث شعرات ؛ لحصول الامتثال به ، هذا قول علمائنا ، وبه قال الشافعي(٤) .

وقال أبو حنيفة : الربع(٥) .

وقال مالك : يقصّر من جميع رأسه أو يحلقه أجمع. وبه قال أحمد في إحدى الروايتين - وفي الاُخرى كقولنا(٦) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حلق جميع رأسه(٧) . ولأنّه نسك يتعلّق بالرأس ، فيجب استيعابه ، كالمسح(٨) .

وفعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بيان للحلق في الحجّ ، ونمنع حكم أصل قياسهم.

إذا عرفت هذا ، فلو قصّر الشعر بأيّ شي‌ء كان ، أجزأه ، وكذا لو نتفه‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٤١ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٥٨ / ٥٢٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٢ / ٨٤٣.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٦٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٥ و ٣٧٧ ، المجموع ٨ : ٢٠٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٤.

(٣) الفتح : ٢٧.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٦٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٨ ، المجموع ٨ : ٢١٤ ، المغني ٣ : ٤١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٣.

(٥) بدائع الصنائع ٢ : ١٤١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٨ ، المجموع ٨ : ٢١٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٤.

(٦) المغني ٣ : ٤١٤ - ٤١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٣.

(٧) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٣ / ١٩٨١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٤.

(٨) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٢٥ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٩ ، المغني ٣ : ٤١٤ - ٤١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٣.


أو أزاله بالنورة.

ولو قصّر من الشعر النازل عن حدّ الرأس أو ما يحاذيه ، أجزأه.

ولو قصّر من أظفاره ، أجزأه ، وكذا لو أخذ من شاربه أو حاجبيه أو لحيته ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام سأله حفص وجميل وغيرهما : عن مُحْرم يُقصّر من بعض ولا يقصّر من بعض ، قال : « يجزئه»(١) .

مسألة ٥١١ : ليس في إحرام عمرة التمتّع طواف النساء ، بل في إحرام العمرة المبتولة ؛ لأنّ أبا القاسم مخلد بن موسى الرازي كتب [ إلى الرجل ](٢) يسأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النساء؟ وعن العمرة التي يتمتّع بها إلى الحجّ ، فكتب « أمّا العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء ، وأمّا التي يتمتّع بها إلى الحجّ فليس على صاحبها طواف النساء »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فينبغي للمتمتّع بعد التقصير أن يتشبّه بالـمُحْرمين في ترك لُبْس المخيط ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ينبغي للمتمتّع بالعمرة إلى الحجّ إذا أحلّ أن لا يلبس قميصاً وليتشبّه بالـمُحْرمين »(٤) .

مسألة ٥١٢ : يكره له أن يخرج من مكة قبل قضاء مناسكه كلّها‌ ، إلّا لضرورة ، فإن اضطرّ إلى الخروج ، خرج إلى حيث لا يفوته الحجّ ، ويخرج مُحْرماً بالحجّ ، فإن أمكنه الرجوع إلى مكة ، وإلّا مضى على إحرامه إلى عرفات.

ولو خرج بغير إحرام ثم عاد ، فإن كان في الشهر الذي خرج فيه ،

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٣٩ / ٤ ، الفقيه ٢ : ٢٣٨ / ١١٣٦.

(٢) أضفناها من المصادر.

(٣) الكافي ٤ : ٥٣٨ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٢٥٤ / ٨٦١ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٢ / ٨٠٤.

(٤) الكافي ٤ : ٤٤١ / ٨ ، التهذيب ٥ : ١٦٠ / ٥٣٢.


لم يضرّه أن يدخل مكة بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر الذي خرج فيه ، دخلها مُحْرماً بالعمرة إلى الحجّ ، وتكون عمرته الأخيرة هي التي يتمتّع بها إلى الحجّ ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ دخل مكة متمتّعاً في أشهر الحجّ لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحجّ ، فإن عرضت له الحاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق ، خرج مُحْرماً ، ودخل ملبّياً بالحجّ ، فلا يزال على إحرامه ، فإن رجع إلى مكة رجع مُحْرماً ، ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى » قلت : فإن جهل فخرج إلى المدينة وإلى نحوها بغير إحرام ثم رجع في إبّان الحجّ في أشهر الحجّ يريد الحجّ أيدخلها مُحْرماً أو بغير إحرام؟ فقال : « إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر دخل مُحْرماً » قلت : فأيّ الإحرامين والمتعتين متعته؟ الأولى أو الأخيرة؟ قال : « الأخيرة هي عمرته ، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجّه »(١) .

إذا عرفت هذا ، فلو خرج من مكة بغير إحرام وعاد في الشهر الذي خرج فيه ، استحبّ له أن يدخلها مُحْرماً بالحجّ ، ويجوز له أن يدخلها بغير إحرام على ما تقدّم.

مسألة ٥١٣ : لو دخل المـُحْرم مكة وقدر على إنشاء الإحرام للحجّ بعد طوافه وسعيه وتقصيره ، وإدراك عرفات والمشعر ، جاز له ذلك‌ وإن كان بعد زوال الشمس من يوم التروية أو ليلة عرفة أو يومها قبل الزوال أو بعده إذا علم إدراك الموقفين - اختاره الشيخ(٢) رحمه‌الله - لأنّ هشام بن سالم [ روى ](٣) - في الصحيح - [ عن ](٤) الصادقعليه‌السلام : في الرجل المتمتّع يدخل‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٤١ - ٤٤٢ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٦٣ - ١٦٤ / ٥٤٦.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٤.

(٣ و ٤ ) ما بين المعقوفين لأجل السياق.


ليلة عرفة فيطوف ويسعى ثم يحرم فيأتي منى ، فقال : « لا بأس »(١) .

وقال المفيدرحمه‌الله : إذا زالت الشمس من يوم التروية ولم يكن أحلّ من عمرته ، فقد فاتته المتعة ، ولا يجوز له التحلّل منها ، بل يبقى على إحرامه ، وتكون حجّته مفردة(٢) .

وليس بجيّد.

قال موسى بن القاسم : روى لنا الثقة من أهل البيت عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، أنّه قال : « أهلّ بالمتعة بالحجّ » يريد يوم التروية زوال الشمس وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء ، ما بين ذلك كلّه واسع(٣) .

احتجّ المفيد -رحمه‌الله - بقول الصادقعليه‌السلام : « إذا قدمت مكة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة ، وامض كما أنت بحجّك »(٤) .

وهو محمول على خائف فوات الموقف ؛ لأنّ الحلبي سأل - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن رجل أهلّ بالحجّ والعمرة جميعاً ثم قدم مكة والناس بعرفات ، فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف ، فقال : « يدع العمرة ، فإذا أتمّ حجّه صنع كما صنعت عائشة ، ولا هدي عليه »(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٤٣ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٤٢ / ١١٥٦ ، التهذيب ٥ : ١٧١ - ١٧٢ / ٥٧١ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٧ / ٨٦٦.

(٢) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ١٣٧. والذي في مقنعته ٦٧ : من دخل مكة يوم التروية فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فأدرك ذلك قبل مغيب الشمس أدرك المتعة ، فإن غربت الشمس قبل أن يفعل ذلك ، فلا متعة له ، فليقم على إحرامه ويجعلها حجّة مفردة.

ولا يخفى أنّ الاحتجاج الآتي يناسب ما قاله في المقنعة.

(٣) التهذيب ٥ : ١٧٢ - ١٧٣ / ٥٧٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٨ / ٨٧٣.

(٤) التهذيب ٥ : ١٧٣ / ٥٨٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٤٩ / ٨٧٨.

(٥) التهذيب ٥ : ١٧٤ / ٥٨٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٠ / ٨٧٩.


والتقييد بخوف الفوات هنا يقتضي تقييده في الأحاديث المطلقة ؛ حملاً للمطلق على المقيّد.

تمّ الجزء الخامس(١) من كتاب تذكرة الفقهاء في سادس شهر رمضان المبارك من سنة ثمان عشرة وسبعمائة بالحلّة على يد مصنّف الكتاب حسن ابن يوسف بن المطهّر الحلّي أعانه الله تعالى على طاعته.

ويتلوه في الجزء السادس بعون الله تعالى : المقصد الثالث في أفعال الحجّ ، وفيه فصول : الأوّل : في إحرام الحجّ.

والحمد لله وحده ، وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله الطاهرين(٢) .

____________________

(١) حسب تجزئة المصنّف قدّس الله نفسه الزكية.

(٢) جاء في آخر نسخة « ن » : إلى هنا صورة ما كتبه المصنّف قدّس الله سرّه وأفاض على تربته الرحمة والرضوان في نسخة أصله.

وكان الفراغ منه على يد كاتبه لنفسه الفقير إلى الله تعالى بن شمروخ يوم الخميس سادس عشري شهر الله الأعظم ذي الحجّة الحرام خاتمة سنة أربع وستّين وسبعمائة (٧٦٤) والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته على خير خلقه أجمعين محمد ابن عبد الله الصادق الأمين ، وعلى عترته الطاهرين وذرّيّته الأكرمين صلاة متتابعة مترادفة إلى يوم الدين.


بسم الله الرحمن الرحيم

وفّق اللّهم لإكماله بمحمد وكرام آله‌



المقصد الثالث

في أفعال الحجّ‌

وفيه فصول‌ :



الأوّل

في إحرام الحجّ‌

مسألة ٥١٤ : إذا فرغ المتمتّع من عمرته وأحلّ من إحرامها ، وجب عليه الإتيان بالحجّ مبتدئاً بالإحرام للحجّ من مكة‌. ويستحب أن يكون يوم التروية ، وهو ثامن ذي الحجّة ، إجماعاً.

روى العامّة عن جابر في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فلمـّا كان يوم التروية توجّهوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافياً وعليك السكينة والوقار ، ثم صلّ ركعتين عند مقام إبراهيمعليه‌السلام أو في الحجر ، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصلّ المكتوبة ، ثم قُلْ في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة ، فأحرم بالحجّ ثم امض وعليك السكينة والوقار ، فإذا انتهيت إلى الرقطاء دون الرَّدْم فلبِّ ، فإذا انتهيت إلى الرَّدْم وأشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى»(٢) .

أمّا المكّي : فذهب مالك إلى أنّه يستحب أن يهلّ بالحجّ من المسجد لهلال ذي الحجّة(٣) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٩ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥.

(٢) التهذيب ٥ : ١٦٧ / ٥٥٧.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٠١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٠.


وروي عن ابن عمر وابن عباس وطاوُس وسعيد بن جبير استحباب إحرامه يوم التروية أيضاً ، وهو قول أحمد ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بالإهلال يوم التروية(١) .

ولأنّه ميقات للإحرام ، فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم ، كميقات المكان ، ولأنّه لو أحرم المتمتّع بحجّة أو المكّي قبل ذلك في أيّام الحجّ فإنّه يجزئه(٢) .

مسألة ٥١٥ : ويُحرم من مكة ، والأفضل أن يكون من تحت الميزاب‌ أو من مقام إبراهيمعليه‌السلام ، ويجوز أن يُحْرم من أيّ موضع شاء من مكة إجماعاً.

روى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( حتى أهل مكة يُهلّون منها )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه عمرو بن حريث الصيرفي أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : من أين اُهلّ بالحجّ؟ فقال : « إن شئت من رحلك وإن شئت من الكعبة وإن شئت من الطريق »(٤) .

ويستحب أن يفعل هنا كما فَعَل في إحرام العمرة من الإطلاء والاغتسال والتنظيف بإزالة الشعر والدعاء والاشتراط ؛ لما تقدّم(٥) من الأخبار.

ويستحب أن يكون إحرامه عند الزوال يوم التروية بعد أن يصلّي‌

____________________

(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٥٩ ، الهامش (١).

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٠.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٣٩ / ١١٨١ ، صحيح البخاري ٢ : ١٦٥ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٣ / ١٧٣٨ ، سنن النسائي ٥ : ١٢٦.

(٤) الكافي ٤ : ٤٥٥ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٦٦ / ٥٥٥.

(٥) تقدّم في ج ٧ ص ٢٢٢ و ٢٢٣ و ٢٥٩ ، المسائل ١٦٦ و ١٦٧ و ١٩٧.


الفرضين ؛ لما تقدّم في المسألة الاُولى(١) من كلام الصادقعليه‌السلام .

ويجوز أن يُحرم أيّ وقت شاء من أيّام الحجّ بعد فراغ عمرته بعد أن يعلم أنّه يلحق عرفات ، ثم يفعل ما فَعَل عند الإحرام الأوّل من الغسل والتنظيف وأخذ الشارب وتقليم الأظفار وغير ذلك ، ثم يلبس ثوبي إحرامه ويدخل المسجد حافياً ، عليه السكينة والوقار ، ويصلّي ركعتين عند المقام أو في الحجر ، وإن صلّى ست ركعات ، كان أفضل. وإن صلّى فريضة الظهر وأحرم عقيبها ، كان أفضل ، فإذا صلّى ركعتي الإحرام ، أحرم بالحجّ مفرداً ؛ ويدعو بما دعا به عند الإحرام الأوّل ، غير أنّه يذكر الحجّ مفرداً ؛ لأنّ عمرته قد مضت.

ويلبّي إن كان ماشياً من موضعه الذي صلّى فيه ، وإن كان راكباً ، فإذا نهض به بعيره ، فإذا انتهى إلى الردْم وأشرف على الأبطح ، رفع صوته بالتلبية ، لما تقدّم(٢) .

مسألة ٥١٦ : ولا يسنّ له الطواف بعد إحرامه ، وبه قال ابن عباس وعطاء ومالك وإسحاق وأحمد(٣) . ولو فعل ذلك لغير عذر ، لم يجزئه عن طواف الحجّ وكذا السعي ، أمّا لو حصل عذر ، مثل مرض أو خوف حيض ، فإنّه يجوز الطواف قبل المضيّ إلى عرفات ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه أن يهلّوا بالحجّ إذا خرجوا إلى منى(٤) .

____________________

(١) أي : المسألة ٥١٤.

(٢) تقدّم في المسألة السابقة من كلام الإمام الصادقعليه‌السلام .

(٣) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣١.

(٤) كما في المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣١ ، وراجع : صحيح مسلم ٢ : ٨٨٩ / ١٢١٨ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، وسنن البيهقي ٥ : ١١٢.


وقال الشافعي : يجوز مطلقاً(١) .

مسألة ٥١٧ : قد بيّنّا أنّه يجب أن يحرم بالحجّ ، فإن أحرم بالعمرة سهواً وهو يُريد الحجّ ، أجزأه ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل أخاه الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل دخل قبل التروية بيوم فأراد الإحرام بالحجّ فأخطأ ، فقال : العمرة ، قال : « ليس عليه شي‌ء ، فليعد الإحرام بالحجّ»(٢) .

ولو نسي الإحرام يوم التروية بالحجّ حتى حصل بعرفات ، فليحرم من هناك ، فإن لم يذكر حتى يرجع إلى بلده فقد تمّ حجّه ، ولا شي‌ء عليه ، قاله الشيخ(٣) رحمه‌الله ؛ لما رواه علي بن جعفر - في الصحيح - عن أخيه الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل نسي الإحرام بالحجّ فذكره وهو بعرفات ما حاله؟ قال : « يقول : اللهم على كتابك وسنّة نبيّك ، فقد تمّ إحرامه ، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحجّ حتى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلّها فقد تمّ حجّه »(٤) .

____________________

(١) المجموع ٨ : ٨٤ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣١.

(٢) التهذيب ٥ : ١٦٩ / ٥٦٢.

(٣) التهذيب ٥ : ١٧٤ ذيل الحديث ٥٨٥.

(٤) التهذيب ٥ : ١٧٥ / ٥٨٦.


الفصل الثاني

في الوقوف بعرفات‌

وفيه مباحث :

الأوّل : في الخروج إلى منى.

يستحب لمن أراد الخروج إلى منى أن لا يخرج من مكة حتى يصلّي الظهرين يوم التروية بها ثم يخرج إلى منى إلّا الإمام خاصّة ، فإنّه يستحب له أن يصلّي الظهر والعصر بمنى يوم التروية ، ويُقيم بها إلى طلوع الشمس.

وأطلق العامّة على استحباب الخروج للإمام وغيره من مكة قبل الظهر وأن يصلّوا بمنى يوم التروية(١) .

لنا : ما رواه العامّة عن ابن الزبير أنّه صلّى بمكة(٢) .

وعن عائشة أنّها تخلّفت ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية معاوية بن عمّار - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه يصلّي الظهر بمكة(٤) .

وأمّا الإمام : فإنّه يستحب له الخروج قبل الزوال ليصلّي الظهرين يوم التروية بمنى ؛ لما رواه جميل بن درّاج - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا ينبغي للإمام أن يصلّي الظهر إلّا بمنى يوم التروية ويبيت بها‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣١ - ٤٣٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٧ ، المجموع ٨ : ٨٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٦ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٢.

(٢ و ٣ ) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٢ ، المجموع ٨ : ٩٢.

(٤) الكافي ٤ : ٤٥٤ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٦٧ / ٥٥٧ نقلاً بالمعنى.


ويصبح حتى تطلع الشمس ويخرج »(١) .

مسألة ٥١٨ : يجوز للشيخ الكبير والمريض والمرأة وخائف الزحام المبادرة إلى الخروج قبل الظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة‌ ، للضرورة.

ولرواية إسحاق بن عمّار - الصحيحة - قال : سألت الكاظمعليه‌السلام : عن الرجل يكون شيخاً كبيراً أو مريضاً يخاف ضغاط الناس وزحامهم يُحرم بالحجّ ويخرج إلى منى قبل يوم التروية؟ قال : « نعم » قلت : فيخرج الرجل الصحيح يلتمس مكاناً أو يتروّح بذلك؟ قال : « لا » قلت : يتعجّل بيوم؟ قال : « نعم » قلت : يتعجّل بيومين؟ قال : « نعم » قلت : ثلاثةً؟ قال : « نعم» قلت : أكثر من ذلك ، قال : « لا »(٢) .

مسألة ٥١٩ : يستحب له عند التوجّه إلى منى الدعاء بالمنقول ، وإذا نزل منى ، دعا بالمأثور.

قال الصادقعليه‌السلام له(٣) - في الصحيح - : « إذا انتهيت إلى منى فقُلْ : اللهم هذه منى ، وهي ممّا مننت به علينا من المناسك ، فأسألك أن تمنّ عليَّ بما مننت به على أنبيائك ، فإنّما أنا عبدك وفي قبضتك ، ثم تصلّي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر والإمام يصلّي بها الظهر الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر والإمام يصلّي بها الظهر لا يسعه إلّا ذلك وموسّع أن تصلّي بغيرها إن لم تقدر ثم تدركهم بعرفات » قال : « وحدّ منى من العقبة إلى وادي محسّر »(٤) .

____________________

(١) الاستبصار ٢ : ٢٥٤ / ٨٩٢ ، التهذيب ٥ : ١٧٧ / ٥٩٢ بتفاوت يسير في اللفظ في الأخير.

(٢) التهذيب ٥ : ١٧٦ / ٥٨٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٣ / ٨٨٩.

(٣) أي : للسائل.

(٤) الكافي ٤ : ٤٦١ ( باب نزول منى وحدودها ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ١٧٧ - ١٧٨ / ٥٩٦.


ولو صادف يومُ التروية يومَ الجمعة ، فمن أقام بمكة حتى تزول الشمس ممّن تجب عليه الجمعة ، لم يجز له الخروج حتى يصلّي الجمعة ، لأنّها فرض ، والخروج في هذا الوقت ندب.

أمّا قبل الزوال فإنّه يجوز له الخروج - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّ الجمعة الآن غير واجبة. والثاني للشافعي : لا يجوز(٢) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ الشيخ -رحمه‌الله - قال : يستحب للإمام أن يخطب أربعة أيّام من ذي الحجّة : يوم السابع منه ويوم عرفة ويوم النحر بمنى ويوم النفر الأوّل ، يعلم الناس ما يجب عليهم فعله من مناسكهم(٣) ؛ لما روى جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الظهر بمكة يوم السابع وخطب(٤) .

ويأمر الناس في خطبته بالغدوّ إلى منى ويُعلمهم ما بين أيديهم من المناسك ، وبه قال الشافعي(٥) .

وقال أحمد : لا يخطب يوم السابع(٦) .

ولو وافق يومَ الجمعة ، خطب للجمعة وصلّاها ثم خطب هذه الخطبة ثم يخرج بهم يوم الثامن - وهو يوم التروية - إلى منى.

مسألة ٥٢٠ : يستحب المبيت ليلة عرفة بمنى للاستراحة ، وليس بنسك ، فلا يجب بتركه شي‌ء ، ويبيت إلى طلوع الفجر من يوم عرفة ،

____________________

(١ و ٢ ) فتح العزيز ٧ : ٣٥٣ ، المجموع ٨ : ٨٤.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٥.

(٤) الذي عثرنا عليه من رواية ابن عمر في سنن البيهقي ٥ : ١١١ هكذا : قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا كان قبل التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم. ولم نجده عن جابر.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٣٥١ - ٣٥٢ ، المجموع ٨ : ٨١ - ٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٧.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٣٥٢ ، المجموع ٨ : ٨٩.


ويكره الخروج قبل الفجر إلّا لضرورة ، كالمريض والخائف ، لما رواه الشيخ - في الصحيح - عن معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام من قوله : « ثم تصلّي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة »(١) .

إذا ثبت هذا ، فالأفضل له أن يصبر حتى تطلع الشمس ، فلو خرج قبل طلوعها بعد طلوع الفجر ، جاز ذلك ، لكن ينبغي له أن لا يجوز وادي محسّر إلّا بعد طلوع الشمس ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا تجوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس »(٢) .

أمّا الإمام فلا يخرج من منى إلّا بعد طلوع الشمس ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « من السنّة أن لا يخرج الإمام من منى إلى عرفة حتى تطلع الشمس »(٣) .

ويجوز للمعذور - كالمريض وخائف الزحام والماشي - الخروج قبل أن يطلع الفجر ويصلّي الفجر في الطريق للضرورة ، رواه الشيخ عن عبد الحميد الطائي أنّه قال للصادقعليه‌السلام : إنّا مشاة فكيف نصنع؟ قال : « أمّا أصحاب الرحال فكانوا يصلّون الغداة بمنى ، وأمّا أنتم فامضوا حيث تصلّوا في الطريق »(٤) .

وللشافعي قولان : أحدهما : أنّهم يخرجون إلى عرفات بعد الفجر ، والثاني : بعد الظهر في غير الجمعة.

وأمّا إذا كان يومُ التروية يومَ الجمعة ، فالمستحب عنده الخروج قبل طلوع الفجر ؛ لأنّ الخروج إلى السفر يوم الجمعة إلى حيث لا تُصلّى‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٧٧ - ١٧٨ / ٥٩٦.

(٢) التهذيب ٥ : ١٧٨ / ٥٩٧.

(٣) الكافي ٤ : ١٦١ ( باب الغدوّ إلى عرفات ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ١٧٨ / ٥٩٨.

(٤) التهذيب ٥ : ١٧٩ / ٥٩٩.


الجمعة حرام أو مكروه ، وهُمْ لا يصلّون الجمعة بمنى ، وكذا لا يصلّونها بعرفة لو كان يومُ عرفة يومَ الجمعة ؛ لأنّ الجمعة إنّما تقام في دار الإقامة(١) .

إذا عرفت هذا ، فيستحب الدعاء عند الخروج إلى عرفة بالمنقول ، ويضرب خباءه بنمرة وهي بطن عُرنة دون الموقف ودون عرفة ؛ لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبّة من شعر أن تُضرب له بنمرة فنزل بها(٢) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : «إذا غدوت إلى عرفة فقُلْ وأنت متوجّه إليها : اللّهم إليك صمدت وإيّاك اعتمدت ووجهك أردت ، أسألك أن تبارك لي في رحلتي وأن تقضي لي حاجتي وأن تجعلني ممّن تباهي به اليوم من هو أفضل منّي ، ثم تلبّي وأنت غاد إلى عرفات ، فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة ، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصلّ الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين وإنّما تعجّل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنّه يوم دعاء ومسألة » قال : « وحدّ عرفة من بطن عُرنة وثويّة ونمرة إلى ذي المجاز ، وخلف الجبل موقف »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحب أن يجمع الإمام بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ، عند علمائنا ؛ لهذه الرواية ، وبه قال الشافعي ؛ لأنّ‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٥٢ - ٣٥٣.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٩ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥.

(٣) التهذيب ٥ : ١٧٩ / ٦٠٠.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا فعل في حجّة الوداع(١) (٢) .

وعند أبي حنيفة لا إقامة للعصر(٣) .

مسألة ٥٢١ : إذا زالت الشمس يوم عرفة ، خطب الإمام بالناس‌ ، وبيَّن لهم ما بين أيديهم من المناسك ، ويُحرّضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف ، ثم يصلّي بالناس الظهر بأذان وإقامة ، ثم يقيمون فيصلّي بهم العصر.

وإذا كان الإمام مسافراً ، وجب عليه التقصير.

وقال الشافعي : السنّة له التقصير(٤) .

وأمّا أهل مكة ومَنْ حولها فلا يقصّرون ، وبه قال الشافعي(٥) ، خلافاً لمالك(٦) .

وليقل الإمام إذا سلّم : أتمّوا يا أهل مكة فإنّا قوم سفر ، كما قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٧) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ نمرة ليست من عرفة ، بل هي حدّ لها.

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٠ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٥ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٤.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٤ ، المجموع ٨ : ٨٧ و ٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٥٤.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٥٤ ، المجموع ٨ : ٨٧.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٣٥٤ - ٣٥٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩ ، المجموع ٨ : ٩١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٨.

(٦) بداية المجتهد ١ : ٣٤٧ - ٣٤٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٥ ، المجموع ٨ : ٩١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩.

(٧) سنن البيهقي ٣ : ١٣٥ - ١٣٦.


وللشافعية قولان : هذا أحدهما ، والثاني : أنّها منها(١) .

البحث الثاني : في الكيفية.

مسألة ٥٢٢ : يستحب الاغتسال للوقوف بعرفة ؛ لأنّها عبادة ، فشُرّع لها الاغتسال ، كالإحرام - ورواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد وابن المنذر(٢) - لأنّها مجمع الناس ، فاستحبّ الاغتسال لها ، كالجمعة والعيدين.

ومن طريق الحاصّة : ما تقدّم(٣) في حديث معاوية بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام .

ثم يقف مستقبل القبلة ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف واستقبل القبلة(٤) .

وهل الوقوف راكباً أفضل أو ماشياً؟ للشافعي قولان : أحدهما : أنّهما سواء [ قاله ](٥) في الاُم ، وأظهرهما - وبه قال أحمد(٦) - أنّ الوقوف راكباً أفضل ؛ اقتداءً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليكون أقوى على الدعاء(٧) .

وعندنا أنّ الركوب والقعود مكروهان ، بل يستحب قائماً داعياً‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٥٥.

(٢) المغني ٣ : ٤٣٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٣٥ ، فتح العزيز ٧ : ٢٤٣ ، المجموع ٨ : ١١٠.

(٣) تقدّم في المسألة ٥٢٠.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٠ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٥ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٤ - ١١٥.

(٥) أضفناها من المصادر.

(٦) المغني ٣ : ٤٣٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٣٦ - ٤٣٧ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.

(٧) فتح العزيز ٧ : ٣٥٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٣ ، المجموع ٨ : ١١١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.


بالمأثور.

مسألة ٥٢٣ : يجب في الوقوف النيّة ، عند علمائنا - خلافاً للعامّة(١) - لأنّ الوقوف عبادة ، وكلّ عبادة بنيّة ؛ لقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (٢) .

ولأنّه عمل ، فيفتقر إلى النيّة ، لقولهعليه‌السلام : ( الأعمال بالنيّات وإنّما لكل امرئ ما نوى )(٣) .

وقالعليه‌السلام : ( لا عمل إلّا بنيّة )(٤) .

ولأنّ الواجب إيقاعها على جهة الطاعة ، وهو إنّما يتحقّق بالنيّة.

ويجب في النيّة اشتمالها على نيّة الوجوب والوقوف لحجّ التمتّع حجّة الإسلام أو غيرها ، والتقرّب إلى الله تعالى.

مسألة ٥٢٤ : يجب الكون بعرفة إلى غروب الشمس من يوم عرفة‌ إجماعاً.

روى العامّة عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف بعرفة حتى غابت الشمس(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إنّ المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس ، فخالفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٢ ، المجموع ٨ : ١٠٣.

(٢) البيّنة : ٥.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤١٣ / ٤٢٢٧ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١ ، سنن البيهقي ٧ : ٣٤١ ، مسند أحمد ١ : ٢٥.

(٤) أمالي الطوسي ٢ : ٢٠٣ ، بصائر الدرجات : ٣١ / ٤.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٠ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٥ - ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥.


فأفاض بعد غروب الشمس »(١) .

وسأل يونس بن يعقوب ، الصادقَعليه‌السلام : متى نفيض من عرفات؟ فقال : « إذا ذهبت الحمرة من هاهنا » وأشار بيده إلى المشرق وإلى مطلع الشمس(٢) .

إذا عرفت هذا ، فكيفما حصل بعرفة أجزأه ، قائماً وجالساً وراكباً ومجتازاً.

وبالجملة لا فرق في الإجزاء بين أن يحضرها ويقف ، وبين أن يمرّ بها ؛ لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الحجّ عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ )(٣) إلّا أنّ الأفضل القيام ؛ لأنّه أشقّ ، فيكون أفضل ؛ لقولهعليه‌السلام : ( أفضل الأعمال أحمزها )(٤) .

ولأنّه أخفّ على الراحلة.

مسألة ٥٢٥ : لا بدّ من قصد الوقوف بعرفة ، وهو يستلزم معرفة أنّها عرفة ، فلو مرّ بها مجتازاً وهو لا يعلم أنّها عرفة ، لم يجزئه - وبه قال أبو ثور(٥) - لأنّ الوقوف إنّما يتحقّق استناده إليه بالقصد والإرادة ، وهي غير متحقّقة هنا. ولأنّا شرطنا النيّة ، وهي متوقّفة على الشعور.

وقال الفقهاء الأربعة بالإجزاء(٦) ؛ لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ أدرك صلاتنا هذه‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٦٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ١٨٦ / ٦١٩.

(٢) التهذيب ٥ : ١٨٦ / ٦١٨.

(٣) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٣٦١ ، وبتفاوت في سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٠ - ٢٤١ / ١٩ ، وسنن النسائي ٥ : ٢٥٦.

(٤) النهاية - لابن الأثير - ١ : ٤٤٠.

(٥) المغني ٣ : ٤٤٣ - ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤١.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٣٦١ ، المجموع ٨ : ١٠٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٥ ، المغني ٣ : ٤٤٣ - ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤١.


- يعني صلاة الصبح يوم النحر - وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه وقضى تفثه)(١) ولم يفصّل بين الشاعر وغيره.

ولا حجّة فيه ؛ لأنّ قولهعليه‌السلام : ( وأتى عرفات ) إنّما يتحقّق مع القصد.

مسألة ٥٢٦ : النائم يصحّ وقوفه - إذا سبقت منه النيّة للوقوف - بعد الزوال‌ وإن استمرّ نومه إلى الليل ، أمّا لو لم تسبق منه النيّة واتّفق نومه قبل الدخول إلى عرفة واستمرّ إلى خروجه منها ، فإنّه لا يجزئه ، خلافاً للعامّة ؛ فإنّهم قالوا بإجزائه(٢) . إلاّ عند بعض الشافعية(٣) .

والأصل في الخلاف بينهم البناء على أنّ كلّ ركن من أركان الحجّ هل يجب إفراده بنيّة ، لانفصال بعضها عن بعض ، أو تكفيها النيّة السابقة(٤) ؟ والصحيح ما قلناه من أنّ النيّة معتبرة ولا تصحّ من النائم.

واحتجّوا بالقياس على النائم طول النهار ؛ فإنّه يجزئه الصوم(٥) .

وهو ممنوع إن لم تسبق منه النيّة في ابتدائه.

ولو حصل بعرفات وهو مغمى عليه ولم تسبق منه النيّة في وقتها وخرج بعد الغروب وهو مغمى عليه ، لم يصح وقوفه ؛ لفوات أهليّته للعبادة ، ولهذا لا يجزئه الصوم لو كان مغمى عليه طول نهاره ، وهو قول‌

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ / ١٩٥٠ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٣٩ - ٢٤٠ / ١٧ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٦ بتفاوت يسير.

(٢) المغني ٣ : ٤٤٣ - ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦١ ، المجموع ٨ : ١٠٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٦١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩ ، المجموع ٨ : ١٠٣.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٦١ ، المجموع ٨ : ١٠٣ - ١٠٤.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٣٦١.


الشافعي(١) .

ولأصحابه وجه : أنّه يجزئه اكتفاءً منه بالحضور(٢) .

والسكران الذي لا يحصّل شيئاً كالمغمى عليه.

ولو حضر وهو مجنون قبل النيّة واستوعب الوقت ، لم يجزئه.

قال بعض الشافعية : إنّه يقع نفلاً كحجّ الصبي غير المميّز(٣) .

ولهم وجه بالإجزاء ، كما في المغمى عليه(٤) ، وقد سبق.

وبما اخترناه في المغمى عليه والمجنون قال الحسن البصري والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر(٥) .

وقال عطاء : المغمى عليه يجزئه - وبه قال مالك وأصحاب الرأي(٦) ، وتوقّف أحمد(٧) - لأنّه لا يشترط فيه الطهارة ، فلا يشترط فيه النيّة ، فصحّ من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة(٨) .

ونمنع حكم الأصل.

وحكم من غلب على عقله بمرض أو غيره حكم المغمى عليه.

ولو كان السكران يُحصّل ما يقع منه ، صحّ طوافه.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٨ ، المجموع ٨ : ١٠٤ ، المغني ٣ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٢ ، الاستذكار ١٣ : ٣٩ - ٤٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩ ، المجموع ٨ : ١٠٤.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩ ، المجموع ٨ : ١٠٤.

(٥) المغني ٣ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٢ ، المجموع ٨ : ١١٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٨.

(٦) المدوّنة الكبرى ١ : ٤١٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٦ ، المجموع ٨ : ١١٨ ، المغني ٣ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٢.

(٧ و ٨ ) المغني ٣ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٢.


ولا يشترط الطهارة ولا الستر ولا الستر ولا الاستقبال إجماعاً ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعائشة : ( إفعلي ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت )(١) وكانت حائضاً.

نعم تستحب الطهارة إجماعاً.

ولو حضر بعرفة في طلب غريم له أو دابّة ، فإن نوى النسك في الأثناء ، صحّ وقوفه ، وإلّا فلا، وللشافعيّة مع عدم النيّة وجهان(٢) ، بخلاف ما لو صرف الطواف إلى غير النسك ، فإنّه لا يجزئه إجماعاً. والفرق عندهم أنّ الطواف قربة برأسها ، بخلاف الوقوف ، على أنّ بعضهم طرّد الخلاف هنا(٣) .

مسألة ٥٢٧ : عرفة كلّها موقف‌ في أيّ موضع منها وقف أجزأه ، وهو قول علماء الإسلام.

روى العامّة عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف بعرفة وقد أردف اُسامة بن زيد ، فقال : ( هذا الموقف ، وكلّ عرفة موقف )(٤) .

وقالعليه‌السلام : ( عرفة كلّها موقف ، وارتفعوا عن وادي عُرنة ، والمزدلفة كلّها موقف ، وارتفعوا عن بطن محسّر )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف بعرفات ، فجعل النّاس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها ، فنحّاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففعلوا مثل ذلك فقال : أيّها الناس إنّه ليس موضع أخفاف‌

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٤٤٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٤٢ ، وبتفاوت يسير في صحيح مسلم ٢ : ٨٧٤ / ١٢٠ وصحيح البخاري ١ : ٨٤ و ٢ : ١٩٥ ، وسنن البيهقي ٥ : ٣ ، وسنن الدارمي ٢ : ٤٤ ، ومشكل الآثار ٣ : ١٥٧.

(٢ و ٣ ) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢.

(٤) سنن الترمذي ٣ : ٢٣٢ / ٨٨٥.

(٥) الموطّأ ١ : ٣٨٨ / ١٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٥.


ناقتي بالموقف ، ولكن هذا كلّه موقف ، وأشار بيده إلى الموقف ، فتفرّق الناس ، وفَعَل ذلك بالمزدلفة »(١) .

وقالعليه‌السلام : ( عرفة كلّها موقف ، ولو لم يكن إلّا ما تحت خفّ ناقتي لم يسع الناس ذلك)(٢) .

مسألة ٥٢٨ : وحدّ عرفة من بطن عُرنة وثويّة ونمرة إلى ذي المجاز ، فلا يجوز الوقوف في هذه الحدود ولا تحت الأراك ، فإنّ هذه المواضع ليست من عرفات ، فلو وقف بها ، بطل حجّه ، وبه قال الجمهور كافّة(٣) ، إلّا ما حُكي عن مالك أنّه لو وقف ببطن عرنة أجزأه ، ولزمه الدم(٤) .

وقال ابن عبد البر : أجمع الفقهاء على أنّه لو وقف ببطن عرنة ، لم يجزئه(٥) .

وحدّ الشافعي عرفة ، فقال : هي ما جاوز وادي عرنة إلى الجبال المقابلة ممّا يلي بساتين بني عامر ، وليس وادي عُرنة من عرفة ، وهو على منقطع عرفة ممّا يلي منى وصوب مكة(٦) .

وقول مالك باطل ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( عرفة كلّها‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٨٠ / ٦٠٤.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٨١ / ١٣٧٧.

(٣) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٦ ، المجموع ٨ : ١٠٩ و ١٢٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٢.

(٤) الاستذكار ١٣ : ١٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٢ ، المجموع ٨ : ١٠٩ و ١٢٠ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣٢١.

(٥) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٦.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٣٦٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧١ ، المجموع ٨ : ١٠٥ - ١٠٦ ، الاستذكار ١٣ : ١١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧.


موقف ، وارتفعوا عن بطن عُرنة )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « وحدّ عرفة من بطن عُرنة وثويّة ونمرة إلى ذي المجاز ، وخلف الجبل موقف »(٢) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال : « واتّق الأراك ونمرة ، وهي بطن عُرنة ، وثويّة وذا المجاز ، فإنّه ليس من عرفة فلا تقف فيه »(٣) .

مسألة ٥٢٩ : يستحب أن يضرب خباءه بنمرة‌ - وهي بطن عرنة - اقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

وقال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « فاضرب خباءك بنمرة ، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة »(٥) .

ويجوز النزول تحت الأراك إلى أن تزول الشمس ثم يمضي إلى الموقف فيقف فيه ، لقول الصادقعليه‌السلام : « لا ينبغي الوقوف تحت الأراك ، فأمّا النزول تحته حتى تزول الشمس وتنهض إلى الموقف فلا بأس »(٦) .

وينبغي أن يقف على السهل.

ويستحب أن يقف على ميسرة الجبل ولا يرتفع إلى الجبل ، إلّا عند الضرورة إلى ذلك ؛ لأنّ إسحاق بن عمّار سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحبّ إليك أم على الأرض؟ فقال : « على الأرض »(٧) .

____________________

(١) الموطّأ ١ : ٣٨٨ / ١٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٥.

(٢) الكافي ٤ : ٤٦١ - ٤٦٢ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٧٩ / ٦٠٠.

(٣) التهذيب ٥ : ١٨٠ - ١٨١ / ٦٠٤.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٩ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٧.

(٥) الكافي ٤ : ٤٦١ - ٤٦٢ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٧٩ / ٦٠٠.

(٦) التهذيب ٥ : ١٨١ / ٦٠٥.

(٧) التهذيب ٥ : ١٨٠ / ٦٠٣.


ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف بعرفة في ميسرة الجبل(١) .

وروى سماعة بن مهران ، قال : سألت الصادقَعليه‌السلام : إذا أكثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ قال : « يرتفعون إلى وادي محسّر » قلت : فإذا كثروا بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ قال : « يرتفعون إلى المأزمين » قلت : فإذا كانوا بالموقف وكثروا كيف يصنعون؟ فقال : « يرتفعون إلى الجبل »(٢) .

ويستحب له إن وجد خللاً أن يسدّه بنفسه ورحله.

قال الله تعالى :( كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) (٣) فوصفهم بالاجتماع.

وقال الصادقعليه‌السلام : « وإذا رأيت خللاً فتقدّم فسدّه بنفسك وراحلتك ، فإنّ الله يحبّ أن تُسدَّ تلك الخلال »(٤) .

ويستحب أن يقرب إلى الجبل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « وما قرب من الجبل فهو أفضل »(٥) .

مسألة ٥٣٠ : يستحب للإمام أن يخطب بعرفة قبل الأذان‌ على ما تقدّم(٦) ، فإذا أذّن المؤذّن وأقام ، صلّى بالناس الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين يجمع بينهما على هذه الصفة.

وباستحباب الأذان في الاُولى قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين(٧) ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خطب إلى أن‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٨١ / ١٣٧٧.

(٢) التهذيب ٥ : ١٨٠ / ٦٠٤.

(٣) الصف : ٤.

(٤) التهذيب ٥ : ١٨٠ - ١٨١ / ٦٠٤.

(٥) التهذيب ٥ : ١٨٤ / ٦١٣.

(٦) تقدّم في المسألة ٥٢١.

(٧) الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٤ ، المجموع ٨ : ٨٧ و ٩٢ ، حلية =


أذّن المؤذّن ، فنزل وصلّى بالناس(١) .

وفي الرواية الثانية لأحمد : يتخيّر بين الأذان لها وعدمه(٢) .

وقال مالك : أذان العصر مستحب كغيرها من الصلوات(٣) .

ويبطل بما رواه العامّة في حديث جابر : ثم أذّن بلال ثم أقام فصلّى الظهر ثم أقام فصلّى العصر(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصلّ الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين »(٥) .

والفرق : أنّ التعجيل هنا لأجل الدعاء.

مسألة ٥٣١ : إذا صلّى مع الإمام ، جمع معه كما يجمع الإمام‌ إجماعاً.

ولو كان منفرداً ، جمع أيضاً بأذان واحد وإقامتين ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وعطاء ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمّد(٦) - لما رواه العامّة عن ابن عمر أنّه كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة جمع بينهما منفرداً(٧) .

____________________

= العلماء ٣ : ٣٣٧ ، الاستذكار ١٣ : ١٣٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٧ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٣.

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٥ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٤.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٣.

(٣) المدوّنة الكبرى ١ : ٤١٢ ، الاستذكار ١٣ : ١٣٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٧ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩ ، المجموع ٨ : ٩٢.

(٤) المصادر في الهامش (١).

(٥) الكافي ٤ : ٤٦١ - ٤٦٢ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٧٩ / ٦٠٠.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٠ ، المجموع ٨ : ٨٨ و ٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧ ، المغني ٣ : ٤٣٣ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥ ، الاستذكار ١٣ : ١٣٧ و ١٣٨.

(٧) سنن البيهقي ٥ : ١١٤ ، المغني ٣ : ٤٣٣.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وصلّ الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين »(١) .

ولأنّ الغرض التفرّغ للدعاء ، وهو مشترك بين المنفرد وغيره.

وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة : لا يجوز له أن يجمع إلّا مع الإمام ؛ لأنّ لكلّ صلاة وقتاً محدوداً ، وإنّما ترك في الجمع مع الإمام ، فإذا لم يكن إمام ، رجعنا إلى الأصل(٢) .

وقد بيّنّا أنّ الوقت مشترك ، والعلّة مع الإمام موجودة مع المنفرد.

ويجوز الجمع لكلّ مَنْ بعرفة من مكّيّ وغيره ، وقد أجمع علماء الإسلام على أنّ الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة ، وكذا من صلّى معه.

وقال أحمد : لا يجوز الجمع إلّا لمن بينه وبين وطنه ستّة عشر فرسخاً إلحاقاً له بالقصر(٣) .

ويبطل بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع فجمع معه مَنْ حضر من أهل مكة وغيرها ، ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال : ( أتمّوا فإنّا سفر )(٤) ولو كان حراماً لبيّنه.

ولو كان الإمام مقيماً ، أتمّ وقصّر مَنْ خلفه من المسافرين وأتمّ المقيمون ، عند علمائنا أجمع.

وقال الشافعي : يتمّ المسافرون(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٦١ - ٤٦٢ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٧٩ / ٦٠٠.

(٢) المغني ٣ : ٤٣٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٠ ، المجموع ٨ : ٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥ ، الاستذكار ١٣ : ١٣٧ - ١٣٨.

(٣) المغني ٣ : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٣٤.

(٤) سنن البيهقي ٥ : ١٣٥ - ١٣٦.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩.


وهو غلط ؛ لأنّ القصر عزيمة ، فلا يجوز خلافه.

ولقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا أهل مكّة لا تقصروا في أقلّ من أربعة برد )(١) .

ولو كان الإمام مسافراً قصّر وقصّر مَنْ خلفه من المسافرين وأتمّ المقيمون خلفه ، عند علمائنا ، وكذا أهل مكة يتمّون ؛ لنقص المسافة عن مسافة القصر - وبه قال عطاء ومجاهد والزهري والثوري والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي وابن المنذر(٢) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى أهل مكة عن القصر(٣) .

وقال مالك والأوزاعي : لهم القصر ؛ لأنّ لهم الجمع ، فكان لهم القصر كغيرهم(٤) .

والفرق : السفر.

ويستحب تعجيل الصلاة حين تزول الشمس ، وأن يقصّر الخطبة ثم يتروّح إلى الموقف ؛ لأنّ التطويل يمنع من التعجيل إلى الموقف.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله غدا من منى حين صلّى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مهجراً ، فجمع بين الظهر والعصر ، ثم خطب الناس ، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة(٥) .

____________________

(١) سنن الدار قطني ١ : ٣٨٧ / ١ ، سنن البيهقي ٣ : ١٣٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ٩٦ - ٩٧ / ١١٦٢.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٤ - ٣٥٥ ، المجموع ٨ : ٩١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٨.

(٣) المصادر في الهامش (١).

(٤) بداية المجتهد ١ : ٣٤٧ - ٣٤٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٥ ، المجموع ٨ : ٩١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٣٥.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ١٨٨ / ١٩١٣.


ولا خلاف في هذا بين علماء الإسلام.

مسألة ٥٣٢ : إذا فرغ من الصلاتين ، جاء إلى الموقف فوقف ، ويستحب له الاغتسال للموقف.

قال الصادقعليه‌السلام : « الغسل يوم عرفة إذا زالت الشمس »(١) .

ويقطع التلبية عند زوال الشمس من يوم عرفة ؛ لأنّ عبد الله بن سنان(٢) سأل - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن تلبية المتمتّع متى يقطعها؟ قال : « إذا رأيت بيوت مكة ، ويقطع تلبية الحج عند زوال الشمس يوم عرفة »(٣) .

ويقطع تلبية العمرة المبتولة حين تقع أخفاف الإبل في الحرم.

فإذا جاء إلى الموقف بسكينة ووقار ، حمد الله وأثنى عليه وكبّره وهلّله ودعا واجتهد.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « وإنّما تعجّل الصلاة وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء ، فإنّه يوم دعاء ومسألة ، ثم تأتي الموقف بالسكينة والوقار ، فاحمد الله وهلّله ومجّده واثن عليه وكبّره مائة مرّة واحمد الله مائة مرّة وسبّح مائة مرّة واقرأ قل هو الله أحد مائة مرّة ، وتخيّر لنفسك من الدعاء ما أحببت فإنّه يوم دعاء ، وتعوّذ بالله من الشيطان فإنّ الشيطان لن يذهلك في موطن قطّ أحبّ إليه من أن يذهلك في ذلك الموطن ، وإيّاك أن تشتغل بالنظر إلى الناس وأقبل قِبَل نفسك »(٤) الحديث.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٦٢ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٨١ / ٦٠٧.

(٢) في المصدر : عبد الله بن مسكان.

(٣) التهذيب ٥ : ١٨٢ / ٦٠٩.

(٤) التهذيب ٥ : ١٨٢ / ٦١١ بتفاوت يسير.


ويستحب فيه الدعاء الذي دعا به زين العابدينعليه‌السلام في الموقف(١) ، وأن يكثر من الدعاء لإخوانه المؤمنين ويؤثرهم على نفسه.

قال إبراهيم بن هاشم : رأيت عبد الله بن جندب بالموقف فلم أر موقفاً كان أحسن من موقفه ، ما زال مادّاً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خدّيه حتى تبلغ الأرض ، فلمـّا صرف الناس قلت : يا أبا محمد ما رأيت موقفاً قطّ أحسن من موقفك ، قال : والله ما دعوت فيه إلّا لإخواني ، وذلك لأنّ أبا الحسن موسىعليه‌السلام أخبرني أنّه « مَنْ دعا لأخيه بظهر الغيب نُودي من العرش ولك مائة ألف ضعف مثله » فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحد لا أدري يستجاب أم لا(٢) .

إذا عرفت هذا ، فهذه الأدعية وغيرها ليست واجبةً ، وإنّما الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازاً مع النيّة.

مسألة ٥٣٣ : أوّل وقت الوقوف بعرفة زوال الشمس من يوم عرفة ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك(٣) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف بعد الزوال(٤) ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٥) ووقف الصحابة كذلك ، وأهل الأعصار من زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى زماننا هذا مطبقون على الابتداء في‌

____________________

(١) اُنظر : مصباح المتهجّد : ٦٣٠ - ٦٤٠.

(٢) الكافي ٤ : ٤٦٥ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٨٤ / ٦١٥.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣١٩ و ٤٠٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٣ ، المجموع ٨ : ١٠١ و ١٢٠ ، المغني ٣ : ٤٤٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٣.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٠ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٥ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٨.

(٥) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.


الوقوف بعد زوال الشمس ، ولو كان جائزاً قبل ذلك لفَعَله بعضهم.

قال ابن عبد البرّ : أجمع العلماء على أنّ أوّل الوقوف بعرفة بعد زوال الشمس(١) .

وقال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ثم تأتي الموقف » بعد الصلاتين(٢) ، والأمر للوجوب.

وقال أحمد : أوّله طلوع الفجر من يوم عرفة ؛ لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ صلّى معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الصبح يوم النحر - وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه وقضى تفثه )(٣) ولم يفصّل قبل الزوال وبعده(٤) .

وهو محمول على ما بعد الزوال استناداً إلى فعلهعليه‌السلام .

مسألة ٥٣٤ : آخر الوقت الاختياري غروب الشمس من يوم عرفة.

روى العامّة عن عليّعليه‌السلام واُسامة بن زيد أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دفع حين غربت الشمس(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « فأفاض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد غروب الشمس »(٦) .

وسأل يونس بن يعقوب الصادقَعليه‌السلام : متى نفيض من عرفات؟

____________________

(١) الاستذكار ١٣ : ٢٨ - ٢٩ ، المغني ٣ : ٤٤٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤١.

(٢) التهذيب ٥ : ١٨٢ / ٦١١.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٢٣٩ / ٨٩١ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٣ و ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٦ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٦٣ بتفاوت يسير.

(٤) المغني ٣ : ٤٤٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٢ ، المجموع ٨ : ١٢٠.

(٥) المغني ٣ : ٤٤١ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٣٢ / ٨٨٥ ، سنن أبي داود ٢ : ١٩١ / ١٩٢٤.

(٦) التهذيب ٥ : ١٨٦ / ٦١٩.


قال : « إذا ذهبت الحمرة من هاهنا » وأشار بيده إلى المشرق وإلى مطلع الشمس(١) .

مسألة ٥٣٥ : لو لم يتمكّن من الوقوف بعرفة نهاراً وأمكنه أن يقف بها ليلاً ولو قليلاً إلى أن يطلع الفجر أو قبله ، وجب عليه ، وأجزأه إذا أدرك المشعر قبل طلوع الشمس يوم النحر ، ولا نعلم في ذلك خلافاً ، لما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه وقضى تفثه )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الحلبي - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات ، فقال : « إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتمّ حجّه حتى يأتي عرفات ، وإن قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام ، فإنّ الله تعالى أعذر لعبده ، وقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس ، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحجّ فليجعلها عمرة [ مفردة ] ، وعليه الحجّ من قابل »(٣) .

البحث الثالث : في الأحكام.

مسألة ٥٣٦ : الوقوف بعرفة ركن في الحجّ يبطل الحجّ بتركه عمداً ، عند علماء الإسلام.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٨٦ / ٦١٨.

(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٨٣ ، الهامش (٣).

(٣) التهذيب ٥ : ٢٨٩ / ٩٨١ ، الاستبصار ٢ : ٣٠١ / ١٠٧٦ ، وما بين المعقوفين من المصدر.


روى العامّة عن عبد الرحمن بن يعمر الدئلي(١) ، قال : أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعرفة ، فجاءه نفر من أهل نجد ، فقالوا : يا رسول الله كيف الحجّ؟ قال : ( الحجّ عرفة ، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع(٢) فقد تمّ حجّه ) وأمر رجلاً ينادي : الحجّ عرفة(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أصحاب الأراك لا حجّ لهم »(٤) وإذا انتفى الحجّ مع الوقوف بحدّ عرفة فمع عدم الوقوف أولى.

ولو ترك وقوف عرفة سهواً أو لعذر ، تداركه ولو قبل الفجر من يوم النحر إذا علم أنّه يلحق المشعر قبل طلوع الشمس ، فإن لم يلحق عرفات إلّا ليلاً ولم يلحق المشعر إلّا بعد طلوع الشمس ، فقد فاته الحجّ.

روى الحلبي - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات ، فقال : « إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتمّ حجّه حتى يأتي عرفات ، وإن قدم وقد فاتته عرفات فليقف‌

____________________

(١) في الطبعة الحجرية : عبد الرحمن بن نعيم الديلمي. وفي نسخة بدل منها وأيضاً في « ق ، ك‍ » : عبد الرحمن بن نعم الديلمي ، وكذا في المغني لابن قدامة ، إلّا أنّ فيه : الديلي. وما أثبتناه من الطبقات - لابن سعد - ٧ : ٣٦٧ ، واُسد الغابة ٣ : ٣٢٨ ، وتهذيب التهذيب ٦ : ٢٧٠ / ٥٨٩ ، والإصابة ٢ : ٢٤٥ ، والمصادر الحديثية.

(٢) في « ق ، ك‍ » والطبعة الحجرية : ليلة الحج. والصحيح ما أثبتناه من المصادر.

(٣) سنن أبي داود ٢ : ١٩٦ / ١٩٤٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٣ / ٣٠١٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٣٧ / ٨٨٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٣ ، المغني ٣ : ٤٣٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٨٧ / ٩٧٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٢ / ١٠٧٩.


بالمشعر الحرام فإنّ الله تعالى أعذر لعبده وقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس ، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحجّ فليجعلها عمرة مفردة ، وعليه الحجّ من قابل »(١) .

مسألة ٥٣٧ : لعرفة وقتان : اختياري من زوال الشمس يوم عرفة إلى غروبها ، واضطراري من الغروب إلى طلوع الفجر من يوم النحر ، عند علمائنا.

ووافقنا الشافعي في المبدأ وأنّه يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ، وخالفنا في آخره ، فجعله طلوع الفجر يوم النحر(٢) .

فلو اقتصر على الوقوف ليلاً ، كان مدركاً للحجّ على المذهب المشهور عندهم(٣) .

ولهم ثلاثة أوجه ، أحدها - وهو الصحيح عندهم - : أنّ المقتصر على الوقوف ليلا مدرك ، سواء أنشأ الإحرام قبل ليلة العيد أو فيها. والثاني : أنّه ليس بمدرك على التقديرين. والثالث : أنّه يدرك بشرط تقديم الإحرام عليها(٤) .

ولو اقتصر على الوقوف نهاراً ، صحّ وقوفه بالإجماع.

مسألة ٥٣٨ : يجب أن يقف إلى غروب الشمس بعرفة ، فإن أفاض قبله عامداً ، وجب عليه بدنة ، فإن عجز عن البدنة ، صام ثمانية عشر يوماً‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٨٩ / ٩٨١ ، الاستبصار ٢ : ٣٠١ / ١٠٧٦.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٧ ، المهذب - للشيرازي - ١ : ٢٣٣ ، المجموع ٨ : ١٠١ و ١٢٠ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣١٩ و ٤٠٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٦٣.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٦٣.


بمكّة أو في الطريق أو في أهله ، وصحّ حجّه ، عند علمائنا ، وبه قال ابن جُريج والحسن البصري(١) .

وقال باقي العامّة - إلّا مالكاً - : يجب عليه دم(٢) .

وللشافعي قول باستحباب الدم(٣) .

وقال مالك : يبطل حجّه(٤) .

لنا على صحّة الحجّ : ما رواه العامّة عن عروة بن مضرّس بن أوس ابن حارثة بن لامٍ الطائي ، قال : أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمزدلفة حين خرج إلى الصلاة ، فقلت : يا رسول الله إنّي جئت من جبلي طيِّ‌ء ، أكللت راحلتي ، وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلّا وقفت عليه ، فهل لي حجّ؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه وقضى تفثه )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه محمد بن سنان عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن الذي إن أدركه الإنسان فقد أدرك الحجّ ، فقال : « إذا أتى جَمْعاً والناس في المشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ ولا عمرة له ،

____________________

(١) الاستذكار ١٣ : ٣٠ ، المغني ٣ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٤.

(٢) الاُمّ ٢ : ٢١٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٣ ، المجموع ٨ : ١٠٢ و ١١٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ ، الاستذكار ١٣ : ٢٩ - ٣٠ ، المغني ٣ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٥٥ - ٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٣ ، المجموع ٨ : ١٠٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.

(٤) بداية المجتهد ١ : ٣٤٨ ، الاستذكار ١٣ : ٢٩ ، المغني ٣ : ٤٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٤.

(٥) سنن الترمذي ٣ : ٢٣٨ - ٢٣٩ / ٨٩١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٩٦ / ١٩٥٠ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٣.


وإن أدرك جَمْعاً بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حجّ له ، فإن شاء أن يقيم بمكّة أقام ، وإن شاء أن يرجع إلى أهله رجع ، وعليه الحجّ من قابل »(١) .

احتجّ مالك : بما رواه ابن عمر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( مَنْ أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحجّ ، ومَنْ فاته عرفات بليل فقد فاته الحجّ ، فليحلّ بعمرة ، وعليه الحجّ من قابل )(٢) .

والجواب : إنّما خصّ الليل لأنّ الفوات يتعلّق به إذا كان يوجد بعد النهار فهو آخر وقت الوقوف ، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها )(٣) .

وعلى وجوب البدنة : ما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( مَنْ ترك نسكاً فعليه دم )(٤) . والأحوط البدنة ؛ لحصول يقين البراءة معها.

ومن طريق الخاصّة : ما رواه ضريس عن الباقرعليه‌السلام ، قال : سألته عمّن أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس ، قال : « عليه بدنة ينحرها يوم النحر ، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في الطريق أو في أهله »(٥) .

ولو أفاض قبل الغروب ساهياً ، لم يكن عليه شي‌ء ، وكذا الجاهل ؛ لأصالة البراءة.

____________________

(١) الاستبصار ٢ : ٣٠٣ / ١٠٨٢ ، والتهذيب ٥ : ٢٩٠ / ٩٨٤.

(٢) المغني ٣ : ٤٤١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٣.

(٣) المغني ٣ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٤.

(٤) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ ، والشيرازي في المهذّب ١ : ٢٣٣ ، والماوردي في الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ ، وابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٩٦ والشرح الكبير ٣ : ٣٩٨.

(٥) الكافي ٤ : ٤٦٧ - ٦٨ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٨٦ / ٦٢٠.


ولقول الصادقعليه‌السلام في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس ، قال : « إذا كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه ، وإن كان متعمّداً فعليه بدنة »(١) .

مسألة ٥٣٩ : لو أفاض قبل الغروب عامداً عالماً ثم عاد إلى الموقف نهاراً فوقف حتى غربت الشمس ، فلا دم عليه‌ - وبه قال مالك والشافعي تفريعاً على الوجوب عنده ، وأحمد(٢) - لأنّه أتى بالواجب ، وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار ، فلم يجب عليه دم ، كمن تجاوز الميقات وهو [ غير ](٣) مُحْرم ثم رجع فأحرم منه.

ولأنّ الواجب عليه الوقوف حالة الغروب وقد فعله.

ولأنّه لو لم يقف أوّلاً ثم أتى قبل غروب الشمس ووقف حتى تغرب الشمس ، لم يجب عليه شي‌ء ، كذا هنا.

وقال الكوفيّون وأبو ثور : عليه دم(٤) .

ولو كان عوده بعد الغروب ، لم يسقط عنه الدم - وبه قال أحمد(٥) - لأنّ الواجب عليه الوقوف حالة الغروب وقد فاته.

وقال الشافعي : يسقط الدم(٦) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٨٧ / ٦٢١.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٦٣ - ٣٦٤ ، المجموع ٨ : ١٠٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ ، الاستذكار ١٣ : ٢٩ ، المغني ٣ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٤.

(٣) أضفناها لأجل السياق.

(٤) المغني ٣ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٤ ، الاستذكار ١٣ : ٣٠ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣٢١.

(٥) المغني ٣ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٤ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.

(٦) الاُم ٢ : ٢١٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٤ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ و ٣٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٣ ، المجموع ٨ : ١٠٢ و ١١٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.


ولو فاته الوقوف بعرفة نهاراً وجاء بعد غروب الشمس ووقف بها ، صحّ حجّه ، ولا شي‌ء عليه إجماعاً ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحجّ )(١) .

ويجوز له أن يدفع من عرفات أيّ وقت شاء ، ولا دم عليه إجماعاً.

لا يقال : إنّه وقف أحد الزمانين ، فوجب الدم ، كما قلتم إذا وقف نهاراً وأفاض قبل الليل.

لأنّا نقول : الفرق : أنّ مَنْ أدرك النهار أمكنه الوقوف إلى الليل والجمع بين الليل والنهار ، فتعيّن ذلك عليه ، فإذا تركه ، لزمه الدم ، ومَنْ أتاها ليلاً لا يمكنه الوقوف نهاراً ، فلم يتعيّن عليه ، فلا يجب الدم بتركه.

مسألة ٥٤٠ : لو غمّ الهلال ليلة الثلاثين من ذي القعدة ، فوقف الناس تاسع ذي الحجة ، ثم قامت البيّنة أنّه العاشر ، فالوجه : فوات الحجّ‌ إذا لم يتّفق له الحضور بعرفة ولا المشعر قبل طلوع الشمس ، لقولهعليه‌السلام : ( الحجّ عرفة )(٢) ولم يدركها.

وقال الشافعي : يجزئهم ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( حجّكم يوم تحجّون ).

ولأنّ ذلك لا يؤمن مثله في القضاء مع اشتماله على المشقّة العظيمة الحاصلة من السفر الطويل وإنفاق المال الكثير(٣) .

قال : ولو وقفوا يوم التروية ، لم يجزئهم ؛ لأنّه لا يقع فيه الخطأ ؛ لأنّ نسيان العدد لا يتصوّر من العدد الكثير - والعدد القليل يعذرون في ذلك -

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٤٤٢ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٤٤.

(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٣ / ٣٠١٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٣٧ / ٨٨٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٥٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٣ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٠ - ٢٤١ / ١٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ - ٣٦٥ ، المجموع ٨ : ٢٩٢.


لأنّهم مفرطون ، ويأمنون ذلك في القضاء(١) .

ولو شهد اثنان عشيّة عرفة برؤية الهلال ولم يبق من النهار والليل ما يمكن الإتيان إلى عرفة ، اجتزأ بالمزدلفة.

وقال الشافعي : يقفون من الغد(٢) .

ولو أخطأ الناس أجمع في العدد فوقفوا غير يوم(٣) عرفة ، لم يجزئهم.

وقال بعض العامّة : يجزئهم ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه )(٤)(٥) .

وإن اختلفوا فأصاب بعضهم وأخطأ بعض ، لم يجزئهم ؛ لأنّهم غير معذورين في هذا.

ولو شهد واحد أو اثنان برؤية هلال ذي الحجّة وردّ الحاكم شهادتهما ، وقفوا يوم التاسع على وفق رؤيتهم وإن وقف الناس يوم العاشر عندهما ، وبه قال الشافعي(٦) .

وقال محمد بن الحسن : لا يجزئه حتى يقف مع الناس يوم العاشر(٧) ؛ لأنّ الوقوف لا يكون في يومين ، وقد ثبت في حقّ الجماعة يوم العاشر.

____________________

(١) اُنظر : فتح العزيز ٧ : ٣٦٦ ، المجموع ٨ : ٢٩٣.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٦٥ ، المجموع ٨ : ٢٩٢.

(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : ليلة. والصحيح ما أثبتناه.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٢٢٣ - ٢٢٤ - ٣٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٦.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٣٦٤ - ٣٦٥.

(٦) فتح العزيز ٧ : ٣٦٦ ، المجموع ٨ : ٢٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.

(٧) المجموع ٨ : ٢٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٣٩.


ونمنع كونه لا يقع في يومين مطلقاً ؛ لإمكانه بالنسبة إلى شخصين ؛ لاختلاف سبب الوجوب في حقّهما ، والأصل فيه أنّ الوقوف في نفس الأمر واحد وتعدّد بالاشتباه ، كالصلاة المنسيّة.

تذنيب : لو غلطوا في المكان فوقفوا بغير عرفة ، لم يصحّ حجّهم.

* * *


الفصل الثالث

في الوقوف بالمشعر الحرام‌

وفيه مباحث :

الأوّل : في مقدّماته‌

مسألة ٥٤١ : إذا غربت الشمس في عرفات ، فليفض منها قبل الصلاة إلى المشعر ويدعو بالمنقول‌ ، ويستحب أن يقتصد في السير ، فيسير سيراً جميلاً بسكينة ووقار ، ويستغفر الله تعالى ويكثر منه ؛ لما رواه العامّة عن جعفر الصادقعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام عن جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - في حديث طويل - : حتى دفع وقد شنق القصواء(١) بالزِّمام حتى أنّ رأسها ليُصيب مَوْرِك رحله(٢) ويقول بيده اليمنى : ( أيّها الناس السكينة السكينة )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا غربت الشمس فأفض مع الناس وعليك السكينة والوقار ، وأفض من حيث أفاض الناس واستغفر الله إنّ الله غفور رحيم ، فإذا انتهيت إلى الكثيب الأحمر عن‌

____________________

(١) يقال : شنقت البعير : إذا كففته بزمامه وأنت راكب. والقصواء لقب ناقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٥٠٦ و ٤ : ٧٥ « شنق » « قصا ».

(٢) المـُوْرِك : المرفقة التي تكون عند قادمة الرَّحْل يضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله في الركاب. أراد أنّه كان قد بلغ في جذب رأسها إليه ليكفّها عن السير. النهاية - لابن الأثير - ٥ : ١٧٦ - ١٧٧ « ورك ».

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٠ - ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٥ - ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ - ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٨.


يمين الطريق فقُل(١) : اللّهم ارحم موقفي »(٢) الحديث.

مسألة ٥٤٢ : لا ينبغي أن يلبّي في سيره‌ ؛ لما تقدّم(٣) من أنّ الحاج يقطع التلبية يوم عرفة ، خلافاً لأحمد ؛ فإنّه استحبّها(٤) .

ويستحب أن يمضي على طريق المأزمين ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سلكها(٥) .

ويستحب له الإكثار من ذكر الله تعالى.

قال عزّ وجلّ :( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) (٦) .

ويستحب له أن يصلّي المغرب والعشاء بالمزدلفة وإن ذهب ربع الليل أو ثلثه ، بإجماع العلماء.

ورواه العامّة عن جعفر الصادقعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بمزدلفة(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول أحدهماعليهما‌السلام - في الصحيح - : « لا تصلّ المغرب حتى تأتي جَمْعاً وإن ذهب ثلث الليل »(٨) .

مسألة ٥٤٣ : يستحب أن يؤذّن للمغرب ويُقيم‌ ويصلّيها ثم يُقيم للعشاء من غير أذان ويصلّيها ، عند علمائنا - وهو أحد أقوال الشافعي ،

____________________

(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : « فإذا انتهى فليقل » وما أثبتناه من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ١٨٧ / ٦٢٣.

(٣) تقدّم في المسألة ٥٣٢.

(٤) المغني ٣ : ٤٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٥.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٦ ، المغني ٣ : ٤٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٥.

(٦) البقرة : ١٩٨.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢١.

(٨) التهذيب ٥ : ١٨٨ / ٦٢٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٤ / ٨٩٥.


واختاره أبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايات(١) - لما رواه العامّة عن الصادق جعفر بن محمدعليهما‌السلام عن جابر في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّه جمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « صلاة المغرب والعشاء بجَمْع بأذان واحد وإقامتين ، ولا تصلّ بينهما شيئاً » وقال : « هكذا صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٣) .

وقال الشافعي : يقيم لكلّ صلاة إقامة(٤) . وهو رواية عن أحمد(٥) ، وبه قال إسحاق وسالم والقاسم بن محمد ، وهو قول ابن عمر(٦) .

وقال الثوري : يُقيم للاُولى من غير أذان ، ويصلّي الاُخرى بغير أذان ولا إقامة(٧) . وهو مروي عن ابن عمر أيضاً وأحمد(٨) .

وقال مالك : يجمع بينهما بأذانين وإقامتين(٩) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٦ ، المجموع ٨ : ١٣٤ و ١٤٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩ ، الاستذكار ٣ : ١٥٠ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٤٧.

(٢) اُنظر المصادر في ص ١٩٤ ، الهامش (٧).

(٣) التهذيب ٥ : ١٩٠ / ٦٣٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٥ / ٨٩٩.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٦ ، المجموع ٨ : ١٣٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣٢٩ ، المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦ ، الاستذكار ١٣ : ١٥٠.

(٥) المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦ ، المجموع ٨ : ١٤٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٣٩.

(٦) المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦ ، المجموع ٨ : ١٤٩ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣٢٩.

(٧) شرح معاني الآثار ٢ : ٢١٤ ، المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦ ، الاستذكار ١٣ : ١٥٠.

(٨) المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦.

(٩) الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٣ ، الاستذكار ٣ : ١٥٠ ، المجموع ٨ : ١٤٩ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣٢٩.


احتجّ أحمد : بما رواه اُسامة بن زيد ، قال : دفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ، ثم توضّأ ، فقلت له : الصلاة يا رسول الله ، فقال : ( الصلاة أمامك ) فركب فلمـّا جاء مزدلفة نزل فتوضّأ فأسبغ الوضوء ثم اُقيمت الصلاة فصلّى المغرب ثم أناخ كلّ إنسان بعيره في مبركه(١) ثم اُقيمت الصلاة فصلّى ولم يصلّ بينهما(٢) (٣) .

واحتجّ الثوري : بما رواه ابن عمر ، قال : جمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين المغرب والعشاء بجَمْع ، صلّى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة(٤) .

واحتجّ مالك : بأنّ عمر وابن مسعود أذّنا أذانين وإقامتين(٥) .

والجواب : أنّ روايتنا تضمّنت الزيادة ، فكانت أولى ، وقول مالك مخالف للإجماع.

قال ابن عبد البرّ : لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا بوجه من الوجوه(٦) .

وأمّا عمر فإنّما أمر بالتأذين للثانية ؛ لأنّ الناس كانوا قد تفرّقوا لعشائهم ، فأذّن لجمعهم(٧) .

____________________

(١) في المصادر : منزله.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٩٣٩ / ١٢٨٠ ، صحيح البخاري ١ : ٤٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١٩١ / ١٩٢٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٢ ، الموطّأ ١ : ٤٠٠ - ٤٠١ / ١٩٧ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢١٤.

(٣) المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩٣٨ / ٢٩٠ ، المغني ٣ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٦.

(٥) المغني ٣ : ٤٤٧ - ٤٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٧.

(٦) المغني ٣ : ٤٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٧.

(٧) شرح معاني الآثار ٢ : ٢١١ ، الاستذكار ١٣ : ١٥٩ ، المغني ٣ : ٤٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٧.


ولا ينبغي أن يصلّي بينهما شيئاً من النوافل إجماعاً ؛ لحديث جابر(١) واُسامة(٢) من طريق العامّة.

ومن طريق الخاصّة : قول عنبسة بن مصعب : قلت للصادقعليه‌السلام : إذا صلّيت المغرب بجَمْع اُصلّي الركعات بعد المغرب؟ قال : « لا ، صلّ المغرب والعشاء ثم تصلّي الركعات بَعْدُ »(٣) .

ولو صلّى بينهما شيئاً من النوافل ، لم يكن مأثوماً ؛ لأنّ الجمع مستحبّ ، فلا يترتّب على تركه إثم.

وما رواه العامّة عن ابن مسعود أنّه كان يتطوّع بينهما ، ورواه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول أبان بن تغلب - في الصحيح - : صلّيت خلف الصادقعليه‌السلام المغرب بالمزدلفة ، فقام فصلّى المغرب ثم صلّى العشاء الآخرة ولم يركع فيما بينهما ، ثم صلّيت خلفه بعد ذلك بسنة فلمـّا صلّى المغرب قام فتنفّل بأربع ركعات(٥) .

مسألة ٥٤٤ : لو ترك الجمع فصلّى المغرب في وقتها ، والعشاء في وقتها ، صحّت صلاته‌ ، ولا إثم عليه ، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال عطاء وعروة والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد وأبو يوسف وابن المنذر(٦) - لأنّ كلّ صلاتين جاز الجمع‌

____________________

(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٩٤ ، الهامش (٧).

(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٩٦ ، الهامش (٢).

(٣) التهذيب ٥ : ١٩٠ / ٦٣١ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٥ / ٩٠٠.

(٤) المغني ٣ : ٤٤٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٧.

(٥) التهذيب ٥ : ١٩٠ / ٦٣٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٦ / ٩٠١.

(٦) المغني ٣ : ٤٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٣ - ٢٣٤ ، المجموع ٨ : ١٣٤.


بينهما جاز التفريق بينهما ، كالظهر والعصر بعرفة.

وما تقدّم من الأخبار.

احتجّوا(١) بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بين الصلاتين ، فكان نسكاً ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم)(٢) .

ولأنّه قالعليه‌السلام لاُسامة : ( الصلاة أمامك )(٣) .

وهو محمول على الاستحباب ؛ لئلّا يقطع سيره.

ولو فاته مع الإمام الجمع ، جمع منفرداً إجماعاً ؛ لأنّ الثانية منهما تصلّى في وقتها ، بخلاف الظهر مع العصر(٤) عند العامّة(٥) .

ولو عاقه في الطريق عائق وخاف أن يذهب أكثر الليل ، صلّى في الطريق ؛ لئلّا يفوت الوقت؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا بأس أن يصلّي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة »(٦) .

وينبغي أن يصلّي نوافل المغرب بعد العشاء ، ولا يفصل بين الصلاتين ، ولو فَعَل ، جاز ، لكنّ الأوّل أولى ؛ لرواية أبان(٧) .

وينبغي أن يصلّي قبل حطّ الرحال ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا فَعَل(٨) .

____________________

(١) كذا من غير سبق لذكر قول المخالف ، وفي المغني ٣ : ٤٤٩ والشرح الكبير ٣ : ٤٤٧ ورد هكذا : وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجزئه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بين الصلاتين ، إلى آخر ما جاء في المتن.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٣) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٩٦ ، الهامش (٢).

(٤) كذا ، والأنسب : بخلاف العصر مع الظهر.

(٥) المغني ٣ : ٤٤٨.

(٦) التهذيب ٥ : ١٨٩ / ٦٢٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٥ / ٨٩٨.

(٧) تقدّمت الرواية مع الإشارة إلى مصدرها في ص ١٩٧ الهامش (٥).

(٨) صحيح البخاري ١ : ٤٧ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٣٩ / ١٢٨٠ ، سنن أبي داود ٢ : =


ويبيت تلك الليلة بمزدلفة ، ويكثر فيها من ذكر الله تعالى والدعاء والتضرّع والابتهال إلى الله تعالى.

قال الصادقعليه‌السلام - في الحسن - : « لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة وتقول : اللّهم هذه جَمْع» إلى آخره ، قالعليه‌السلام : « وإن استطعت أن تحيي تلك الليلة فافعل ، فإنّه بلغنا أنّ أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة لأصوات المؤمنين ، لهم دويّ كدويّ النحل ، يقول الله عزّ وجلّ ثناؤه : أنا ربّكم وأنتم عبادي أدّيتم حقّي ، وحقّ عليّ أن أستجيب لكم ، فيحطّ تلك الليلة عمّن أراد أن يحطّ عنه ذنوبه ، ويغفر لمن أراد أن يغفر له »(١) .

والمبيت بمزدلفة ليس ركناً وإن كان الوقوف بها ركناً ؛ لما رواه العامّة عن عروة بن مضرّس ، قال : أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بجَمْع ، فقال : ( مَنْ صلّى معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه )(٢) .

ولأنّه مبيت في مكان ، فلا يكون ركناً ، كالمبيت بمنى.

وحكي عن الشعبي والنخعي أنّهما قالا : المبيت بمزدلفة ركن(٣) ، لقولهعليه‌السلام : ( من ترك المبيت بالمزدلفة فلا حجّ له )(٤) .

وجوابه - بعد تسليمه - أنّ المراد مَنْ لم يبت بها ولم يقف وقت‌

____________________

= ١٩١ / ١٩٢٥ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢١٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٢ ، الموطّأ ١ : ٤٠٠ - ٤٠١ - ١٩٧.

(١) الكافي ٤ : ٤٦٨ - ٤٦٩ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٨٨ - ١٨٩ / ٦٢٦.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ / ١٩٥٠ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٣ - ٢٦٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٣٨ - ٢٣٩ - ٨٩١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٣.

(٣) المجموع ٨ : ١٥٠ ، المغني ٣ : ٤٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٩.

(٤) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٣٦٧.


الوقوف ؛ جمعاً بين الأدلّة.

البحث الثاني : في الكيفيّة.

مسألة ٥٤٥ : يجب في الوقوف بالمشعر شيئان : النيّة ، لأنّه عبادة ، فلا يصحّ بدونها. وللآية(١) والأخبار(٢) .

ويشترط فيها التقرّب إلى الله تعالى ، ونيّة الوجوب ، وأنّ وقوفه لحجّة الإسلام أو غيرها.

الثاني : الوقوف بعد طلوع الفجر الثاني ، لما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى الصبح حين تبيّن له الصبح(٣) .

قال جابر : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « أصبح على طهر بعد ما تصلّي الفجر فقف إن شئت قريباً من الجبل وإن شئت حيث تبيت(٥) »(٦) .

ولأنّ الكفّارة تجب لو أفاض قبل الفجر على ما يأتي ، وهي مرتّبة على الذنب.

وقال الشافعي : يجوز أن يدفع بعد نصف الليل ولو بجزء قليل(٧) .

____________________

(١) البيّنة : ٥.

(٢) صحيح البخاري ١ : ٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤١٣ / ٤٢٢٧ ، سنن البيهقي ٧ : ٣٤١ ، أمالي الطوسي ٢ : ٢٠٣.

(٣ و ٤ ) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٤.

(٥) في الكافي : « حيث شئت ».

(٦) التهذيب ٥ : ١٩١ / ٦٣٥ ، الكافي ٤ : ٤٦٩ / ٤.

(٧) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٤ ، المجموع ٨ : ١٣٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، الاستذكار ١٣ : ٣٧ ، المغني ٣ : ٤٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٩.


فأوجب الوقوف في النصف الثاني من الليل ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر اُمّ سلمة ، فأفاضت في النصف الأخير من المزدلفة(١) .

ونحن نقول بموجبه ، فإنَّ المعذورين - كالنساء والصبيان والخائف - يجوز لهم الإفاضة قبل طلوع الفجر.

مسألة ٥٤٦ : يستحب أن يقف بعد أن يصلّي الفجر ، ولو وقف قبل الصلاة بعد طلوع الفجر ، أجزأه‌ ؛ لأنّه وقت مضيّق ، فاستحبّ البدأة بالصلاة.

ويستحب الدعاء بالمنقول ، ثم يفيض حين يشرق ثبير(٢) ، وترى الإبل مواضع أخفافها في الحرم ، رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام (٣) .

ويستحب أن يكون متطهّراً.

قال الصادقعليه‌السلام : « أصبح على طهر بعد ما تصلّي الفجر فقف إن شئت قريباً من الجبل ، وإن شئت حيث تبيت »(٤) الحديث.

ولو وقف جنباً أو مُحْدثاً ، أجزأه إجماعاً.

ويستحبّ له أن يصلّي الفجر في أوّل وقته ؛ لازدحام الناس طلباً للوقوف والدعاء ، بخلاف الحصر.

مسألة ٥٤٧ : يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام.

قال الشيخرحمه‌الله : المشعر الحرام جبل هناك يسمّى قُزّح(٥) .

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٩٤ / ١٩٤٢.

(٢) ثبير : جبل بمكة. معجم البلدان ٢ : ٧٣.

(٣ و ٤ ) الكافي ٤ : ٤٦٩ / ٤ ، التهذيب ٥ : ١٩١ / ٦٣٥.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٨ ، وفيه : فراخ ، وهي تصحيف.


ويستحب الصعود عليه وذكر الله تعالى عنده.

قال الله تعالى :( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) (١) .

وأردف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الفضل بن العباس ووقف على قزح ، وقال : ( هذا قُزح ، وهو الموقف ، وجَمْع كلّها موقف )(٢) .

وروى العامّة عن جعفر بن محمدعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ركب القَصْواء حتى أتى المشعر الحرام ، فرَقِيَ عليه واستقبل القبلة فحمد الله وهلّله وكبّره ووحّده ، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً(٣) .

قال الصادقعليه‌السلام : « يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام ، وأن يدخل البيت »(٤) .

البحث الثالث : في الأحكام.

مسألة ٥٤٨ : الوقوف بالمشعر الحرام ركن من أركان الحجّ يبطل الحجّ بتركه عمداً ، عند علمائنا ، وهو أعظم من الوقوف بعرفة ، عند علمائنا - وبه‌

____________________

(١) البقرة : ١٩٨.

(٢) كذا ، وفي سنن الترمذي ٣ : ٢٣٢ / ٨٨٥ ورد هكذا : وأردف اُسامة بن زيد - إلى أن قال - وقال : ( هذا قُزَح ) - إلى آخره ، إلى أن قال - : وأردف الفضل ثم أتى الجمرة انتهى ، وكذا في سنن البيهقي ٥ : ١٢٢ إلى قوله ٦ : ( وجَمْع كلّها موقف ). ونحوه في صحيح مسلم ٢ : ٨٩٠ - ٨٩١ / ١٢١٨ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٤.

(٤) الكافي ٤ : ٤٦٩ / ٣ ، التهذيب ٥ : ١٩١ / ٦٣٦.


قال علقمة والشعبي والنخعي(١) - لقوله تعالى:( فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) (٢) .

وما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( مَنْ ترك المبيت بالمزدلفة فلا حجّ له )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام « وإن قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام ، فإنّ الله تعالى أعذر لعبده ، وقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس ، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحجّ ، فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحجّ من قابل »(٤) .

وقال باقي العامّة : إنّه نسك وليس بركن(٥) ؛ لقولهعليه‌السلام بجَمْع : ( مَنْ صلّى معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمّ حجّه )(٦) .

ولأنّه مبيت في مكان ، فلا يكون ركنا ، كالمبيت بمنى.

والحديث حجّة لنا ؛ لأنّها كانت صلاة الفجر في جَمْع ، وإذا علّق تمام الحجّ على وقوف المشعر ، انتفى عند عدمه ، وهو المطلوب.

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٧ ، الاستذكار ١٣ : ٣٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٠ ، المجموع ٨ : ١٥٠ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ١٣٨ ، المغني ٣ : ٤٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٩.

(٢) البقرة : ١٩٨.

(٣) أورده الرافعي في فتح العزيز ٧ : ٣٦٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٨٩ / ٩٨١ ، الاستبصار ٢ : ٣٠١ / ١٠٧٦.

(٥) المغني ٣ : ٤٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٧ ، الاستذكار ١٣ : ٣٦ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٧ ، المجموع ٨ : ١٥٠ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٠.

(٦) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٨٣ ، الهامش (٣).


والقياس باطل ، ومعارض بقياسنا ، فيبقى دليلنا سالماً.

على أنّا لا نوجب المبيت ولا نجعله ركناً كما تقدّم ، بل الوقوف الاختياري.

مسألة ٥٤٩ : يجب الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر ‌، فلو أفاض قبل طلوعه مختاراً عامداً بعد أن وقف به ليلاً ، جبره بشاة.

وقال أبو حنيفة : يجب الوقوف بعد طلوع الفجر(١) ، كقولنا.

وقال باقي العامّة : يجوز الدفع بعد نصف الليل(٢) .

وهو غلط ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أفاض قبل طلوع الشمس(٣) ، وكانت الجاهلية تفيض بعد طلوعها(٤) ، فدلّ على أنّ ذلك هو الواجب.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : في رجل وقف مع الناس بجَمْع ثم أفاض قبل أن يفيض الناس ، قال : « إن كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه ، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة »(٥) .

ولأنّه أحد الموقفين ، فيجب فيه الجمع بين الليل والنهار ، كعرفة.

احتجّوا : بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر اُمّ سلمة ، فأفاضت في النصف الأخير من المزدلفة(٦) .

____________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ١٣٦ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٤٦ ، تحفة الفقهاء ١ : ٤٠٧.

(٢) المغني ٣ : ٤٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٤٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٤ ، المجموع ٨ : ١٣٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٣٦ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٢٥.

(٣و٤) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٤ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٦ / ٣٠٢٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٤١ / ٨٩٥ و ٢٤٢ / ٨٩٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٤ - ١٢٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٢.

(٥) التهذيب ٥ : ١٩٣ / ٦٤٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٦ / ٩٠٢.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ١٩٤ / ١٩٤٢ ، المغني ٣ : ٤٥١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٠.


ونحن نقول بموجبه ؛ لجوازه للمعذورين.

وإن كان ناسياً ، فلا شي‌ء عليه ، قاله الشيخرحمه‌الله (١) ، وبه قال أبو حنيفة(٢) .

وقال ابن إدريس : لو أفاض قبل الفجر عامداً ، بطل حجّه(٣) .

مسألة ٥٥٠ : يجوز للخائف والنساء وغيرهم من أصحاب الأعذار والضرورات الإفاضة قبل طلوع الفجر من مزدلفة‌ إجماعاً ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقدّم ضَعَفة أهله في النصف الأخير من المزدلفة(٤) .

وقال : قدمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اُغَيْلمة(٥) بني عبد المطّلب(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « رخّص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للنساء والصبيان أن يفيضوا بليل ، ويرموا الجمار بليل ، وأن يصلّوا الغداة في منازلهم ، فإن خفن الحيض مضين إلى مكة ، ووكّلن مَنْ يضحّي عنهنّ »(٧) .

____________________

(١) النهاية : ٢٥٣ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٨.

(٢) لم نعثر في المصادر المتوفّرة لدينا على قول أبي حنيفة بالنسبة إلى من أفاض قبل طلوع الفجر ناسياً ، ويظهر من سياق العبارة هنا وما في منتهى المطلب ٢ : ٧٢٥ : أنّ الضمير في « وبه قال أبو حنيفة » راجع إلى الجبر بشاة عند عدم وقوفه بعد طلوع الفجر. وانظر : تحفة الفقهاء ١ : ٤٠٧ ، وبدائع الصنائع ٢ : ١٣٦ ، والهداية - للمرغيناني - ١ : ١٤٦ ، والمبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٣ ، وفتح العزيز ٧ : ٣٦٨ ، والحاوي الكبير ٤ : ١٧٧.

(٣) السرائر : ١٣٨ - ١٣٩.

(٤) اُنظر : صحيح البخاري ٢ : ٢٠٢ ، وصحيح مسلم ٢ : ٩٤١ / ١٢٩٣ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢٤٠ / ٨٩٣ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٢٣.

(٥) اُغيلمة تصغير أغلمة. والمراد الصبيان.

(٦) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٧ / ٣٠٢٥.

(٧) الاستبصار ٢ : ٢٥٧ / ٩٠٦ ، والتهذيب ٥ : ١٩٤ / ٦٤٦.


وعن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : « أيّ امرأة ورجل خائف أفاض من المشعر الحرام ليلاً فلا بأس »(١) الحديث.

مسألة ٥٥١ : يستحب لغير الإمام أن يكون طلوعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس بقليل ، وللإمام بعد طلوعها ؛ لما رواه العامّة : أنّ المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، وأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس(٢) .

ومن طريق الخاصّة : أنّ الكاظمعليه‌السلام سُئل أيّ ساعة أحبّ إليك أن نفيض من جَمْع؟ فقال : « قبل أن تطلع الشمس بقليل هي أحبّ الساعات إليّ » قلت : فإن مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال : « ليس به بأس »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه تستحبّ الإفاضة بعد الإسفار قبل طلوع الشمس بقليل - وبه قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(٤) - لما رواه العامّة في حديث جابر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً ، فدفع قبل أن تطلع الشمس(٥) .

____________________

(١) الاستبصار ٢ : ٢٥٦ - ٢٥٧ / ٩٠٤ ، والتهذيب ٥ : ١٩٤ / ٦٤٤.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٤ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٦ / ٣٠٢٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٤١ - ٢٤٢ / ٨٩٥ و ٨٩٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٤ - ١٢٥ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٢.

(٣) الاستبصار ٢ : ٢٥٧ / ٩٠٨ ، وبتفاوت يسير في بعض الألفاظ في الكافي ٤ : ٤٧٠ / ٥ ، والتهذيب ٥ : ١٩٢ - ١٩٣ / ٦٣٩.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٤ ، المجموع ٨ : ١٢٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٣٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٨ - ٤٩ ، المغني ٣ : ٤٥٢.


ومن طريق الخاصّة : ما تقدّم(١) في حديث الكاظمعليه‌السلام .

ولو دفع قبل الإسفار بعد الفجر أو بعد طلوع الشمس ، لم يكن مأثوماً إجماعاً.

مسألة ٥٥٢ : حدّ المزدلفة : ما بين مأزمي(٢) عرفة إلى الحياض إلى وادي محسّر‌ يجوز الوقوف في أيّ موضع شاء منه إجماعاً ؛ لما رواه العامّة عن الصادقعليه‌السلام عن أبيه الباقرعليه‌السلام عن جابر : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( وقفت هاهنا بجَمْع ، وجَمْع كلّها موقف )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول زرارة - في الصحيح - : إنّ الباقرعليه‌السلام قال للحكم بن عُيينة : « ما حدّ المزدلفة؟ » فسكت ، فقال الباقرعليه‌السلام : « حدّها ما بين المأزمين إلى الجبل إلى حياض وادي محسّر »(٤) .

وفي الصحيح عن معاوية بن عمّار ، قال : « حدّ المشعر الحرام من المأزمَين إلى الحياض وإلى وادي محسّر »(٥) .

إذا عرفت هذا ، فلو ضاق عليه الموقف ، جاز له أن يرتفع إلى الجبل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : فإذا كثروا بجَمْع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال : « يرتفعون إلى المأزمين »(٦) .

مسألة ٥٥٣ : للوقوف بالمشعر وقتان : اختياريّ من طلوع الفجر إلى‌

____________________

(١) تقدّم في ص ٢٠٦.

(٢) المأزم : الطريق الضيق ، ويقال للموضع الذي بين عرفة والمشعر : مأزمان.

مجمع البحرين ٦ : ٧ « أزم ».

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٣ - ١٤٩ ، سنن أبي داود ٢ : ١٩٣ - ١٩٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١١٥ ، المغني ٣ : ٤٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥١.

(٤) التهذيب ٥ : ١٩٠ - ١٩١ / ٦٣٤ ، وفيه الحكم بن عتيبة.

(٥) التهذيب ٥ : ١٩٠ / ٦٣٣.

(٦) التهذيب ٥ : ١٨٠ / ٦٠٤.


طلوع الشمس يوم النحر ، واضطراريّ بعد طلوع الشمس إلى زوالها ، فإذا أدرك الحاج الاختياريّ من وقت عرفة - وهو من زوال الشمس إلى غروبها من يوم عرفة - واضطراريّ المشعر ، أو أدرك اضطراريّ عرفة واختياريّ المشعر ، صحّ حجّه إجماعاً.

وكذا لو أدرك اختياريّ أحدهما وفاته الآخر اضطراريّاً واختياريّاً على إشكال لو كان الفائت هو المشعر.

أمّا لو أدرك الاضطراريّين معاً ولم يدرك اختياريّ أحدهما ، فقد قيل : يبطل حجّه(١) . وقيل : يصحّ(٢) .

ولو ورد الحاجّ ليلاً وعلم أنّه إذا مضى إلى عرفات وقف بها قليلاً ثم عاد إلى المشعر قبل طلوع الشمس ، وجب عليه المضيّ إلى عرفات ، والوقوف بها ، ثم يجي‌ء إلى المشعر.

ولو غلب على ظنّه أنّه إن مضى إلى عرفات ، لم يلحق المشعر قبل طلوع الشمس ، اقتصر على الوقوف بالمشعر ، وقد تمّ حجّه ، وليس عليه شي‌ء.

ولو وقف بعرفات ليلا ثم أفاض إلى المشعر فأدركه ليلاً أيضاً ولم يتّفق له الوقوف إلى طلوع الفجر بل أفاض منه قبل طلوعه ، ففي إلحاقه بإدراك الاضطراريّين نظر ، فإن قلنا به ، جاء فيه الخلاف.

وأمّا العامّة فقالوا : إذا فاته الوقوف بعرفات ، فقد فاته الحجّ مطلقاً ، سواء وقف بالمشعر أو لا(٣) .

____________________

(١و٢) اُنظر : شرائع الإسلام ١ : ٢٥٤.

(٣) الشرح الكبير ٣ : ٤٤٣ ، المجموع ٨ : ١٠٢ ، بداية المجتهد ١ : ٣٤٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢٧.


ويدلّ على إدراك الحجّ بإدراك الاضطراريّين : ما رواه الحسن العطّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا أدرك الحاجّ عرفات قبل طلوع الفجر فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجَمْع ووجدهم قد أفاضوا فليقف قليلاً بالمشعر وليلحق الناس بمنى ولا شي‌ء عليه »(١) .

مسألة ٥٥٤ : يستحب أخذ حصى الجمار من المزدلفة ، وهو سبعون حصاة ، عند علمائنا - وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير والشافعي(٢) - لأنّ الرمي تحيّة لموضعه ، فينبغي له أن يلتقطه من المشعر ، لئلّا يشتغل عند قدومه بغيره ، كما أنّ الطواف تحيّة المسجد ، فلا يبدأ بشي‌ء قبله.

وما رواه العامّة عن ابن عمر أنّه كان يأخذ الحصى من جَمْع ، وفَعَله سعيد بن جبير ، وقال : كانوا يتزوّدون الحصى من جَمْع(٣) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه معاوية بن عمّار - في الحسن - قال : « خُذْ حصى الجمار من جَمْع ، وإن أخذته من رحلك بمنى أجزأك »(٤) .

ويجوز أخذ حصى الجمار من الطريق في الحرم ومن بقيّة مواضع الحرم عدا المسجد الحرام ومسجد الخيف ، ومن حصى الجمار إجماعاً ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غداة العقبة وهو على ناقته : ( القط لي حصى الجمار ) فلقطت له سبع حصيات هي حصى الخذف ، فجعل يقبضهنّ(٥) في كفّه ويقول : ( أمثال هؤلاء فارموا ) ثم قال :

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٩٢ / ٩٩٠ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٥ / ١٠٨٨.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٤ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٩ ، المجموع ٨ : ١٣٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٨.

(٣) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٤ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٢٨.

(٤) الكافي ٤ : ٤٧٧ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٥ - ١٩٦ / ٦٥٠.

(٥) كذا في « ق ، ك ‍» والطبعة الحجرية والمغني والشرح الكبير ، وفي سنن ابن ماجة : ينفضهنّ ، وفي سنن البيهقي : فوضعتهنّ في يده.


( أيّها الناس إيّاكم والغلوّ في الدين ، فإنّما أهلك مَنْ كان قبلكم الغلوُّ في الدين )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلّا من المسجد الحرام ومسجد الخيف »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فلا يجوز أخذ الحصى من حصى الجمار ولا من غير الحرم ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - : « حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك ، وإن أخذته من غير الحرم لم يجزئك » قال : وقال : « ولا ترم الجمار إلّا بالحصى »(٣) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « ولا يأخذ من حصى الجمار »(٤) .

وقال بعض علمائنا : لا يؤخذ الحصى من جميع المساجد(٥) .

ولا بأس به ؛ لما ورد من تحريم إخراج الحصى من المساجد(٦) .

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٤ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٢٩ ، وسنن البيهقي ٧ : ١٢٧.

(٢) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ٨ ، التهذيب ٥ : ١٩٦ / ٦٥٢.

(٣) الكافي ٤ : ٤٧٧ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٩٦ / ٦٥٤.

(٤) الكافي ٤ : ٤٨٣ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٦٦ / ٩٠٦.

(٥) المحقّق في شرائع الإسلام ١ : ٢٥٧.

(٦) اُنظر : الكافي ٤ : ٢٢٩ / ٤ ، والفقيه ١ : ١٥٤ / ٧١٨ ، و ٢ : ١٦٥ / ٧١٣ ، وعلل الشرائع : ٣٢٠ ، الباب ٩ ، الحديث ١ ، والتهذيب ٣ : ٢٥٦ / ٧١١ ، و ٥ : ٤٤٩ / ١٥٦٨.


الفصل الرابع

في نزول منى وقضاء مناسكها‌

وفيه أبواب :

الأوّل : في الرمي ومقدّمته.

وفيه مباحث :

الأوّل : في الإفاضة إلى منى.

مسألة ٥٥٥ : يستحب له الدفع من مزدلفة إلى منى إذا أسفر الصبح‌ قبل طلوع الشمس تأسّيا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

ويستحب أن يفيض بالسكينة والوقار ذاكراً لله تعالى مستغفراً داعياً ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : ثم أردف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الفضل بن عباس وقال : ( أيّها الناس إنّ البرّ ليس بإيجاف الخيل والإبل ، فعليكم بالسكينة ) فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « فأفاض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلاف ذلك بالسكينة والوقار والدعة ، فأفض بذكر الله والاستغفار ، وحرّك‌

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.

(٢) المغني ٣ : ٤٥٣ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٩٠ / ١٩٢٠ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٢٦.


به لسانك »(١) .

مسألة ٥٥٦ : فإذا بلغ وادي محسّر - وهو وادٍ عظيم بين جَمْع ومنى ، وهو إلى منى أقرب - أسرع في مشيه‌ إن كان ماشياً ، وإن كان راكباً حرّك دابّته ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لما رواه العامّة عن الصادقعليه‌السلام : في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لـمّا أتى وادي محسّر حرّك قليلاً ، وسلك الطريق الوسطى(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « فإذا مررت بوادي محسّر - وهو واد عظيم بين جمع ومنى ، وهو إلى منى أقرب - فاسع فيه حتى تجاوزه ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حرّك ناقته »(٣) .

ولا نعلم خلافاً في استحباب الإسراع فيه.

ولو ترك الهرولة فيه ، استحبّ له أن يرجع ويهرول ؛ لأنّها كيفية مستحبّة ، ولا يمكن فعلها إلّا بإعادة الفعل ، فاستحبّ له تداركها ، كناسي الأذان.

وقول ابن بابويه : ترك رجل السعي في وادي محسّر ، فأمره الصادقعليه‌السلام بعد الانصراف إلى مكة فرجع فسعى(٤) .

وقد قيل : إنّ النصارى كانت تقف ثَمَّ ، فرأوا مخالفتهم(٥) .

ويستحبّ له الدعاء حالة السعي في وادي محسّر ؛ لقول الصادقعليه‌السلام

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٩٢ / ٦٣٧.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٧ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.

(٣) الكافي ٤ : ٤٧٠ - ٤٧١ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٨٢ / ١٣٨٤ ، التهذيب ٥ : ١٩٢ / ٦٣٧.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٨٢ / ١٣٨٧ ، وفيه : أن يرجع ويسعى.

(٥) كما في فتح العزيز ٧ : ٣٧٠.


- في الصحيح - : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : اللّهم سلّم عهدي ، واقبل توبتي ، وأجب دعوتي ، واخلفني بخير فيمن تركت بعدي »(١) .

وفي رواية عن الكاظمعليه‌السلام : « الحركة في وادي محسّر مائة خطوة »(٢) .

وفي حديث آخر « مائة ذراع »(٣) .

وأمّا الجمهور : فاستحبّوا الإسراع قدر رمية حجر(٤) .

وإذا أفاض من المشعر قبل طلوع الشمس ، فلا يجوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس مستحبّاً.

وروي عن الباقرعليه‌السلام أنّه يكره(٥) أن يقيم عند المشعر بعد الإفاضة(٦) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب يوم النحر بمنى ثلاثة مناسك : رمي جمرة العقبة ، والذبح ، والحلق أو التقصير ، ويجب عليه بعد عوده من مكّة إلى منى يوم النحر أو ثانيه رمي الجمار الثلاث والمبيت بمنى.

البحث الثاني : في رمي جمرة العقبة.

مسألة ٥٥٧ : إذا ورد منى يوم النحر ، وجب عليه فيه رمي جمرة العقبة ، وهي آخر الجمار ممّا يلي منى ، وأوّلها ممّا يلي مكّة ، وهي عند‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٨٢ / ١٣٨٤.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٨٢ / ١٣٨٥.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٨٢ / ١٣٨٦.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٤ ، المجموع ٨ : ١٤٣ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٠.

(٥) في المصدر : كره.

(٦) الفقيه ٢ : ٢٨٢ / ١٣٨٣.


العقبة ، ولذلك سُمّيت جمرة العقبة [ وهي ](١) في حضيض الجبل مترقّية عن الجادّة.

ولا نعلم خلافاً في وجوب رمي جمرة العقبة ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رماها(٢) ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « خُذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة ، فارمها من قِبَل وجهها ، ولا ترمها من أعلاها »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحب له إذا دخل منى بعد طلوع الشمس رمي جمرة العقبة حالة وصوله.

مسألة ٥٥٨ : لا يجوز الرمي في هذا اليوم ولا باقي الأيّام إلّا بالحجارة ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٥) - لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رمى بالأحجار ، وقال : ( بمثل هذا فارموا )(٦) .

وقالعليه‌السلام : ( عليكم بحصى الخذف )(٧) .

____________________

(١) أضفناها لأجل السياق.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٧ - ٢٦٨ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٤) الكافي ٤ : ٤٧٨ - ٤٧٩ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٨ / ٦٦١.

(٥) المغني ٣ : ٤٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٩ ، الاُم ٢ : ٢١٣ ، مختصر المزني : ٦٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٩ ، الوجيز ١ : ١٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٨ : ١٧٠ و ١٨٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٠ ، شرح السنّة - للبغوي - ٤ : ٣٣٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٥٨.

(٦) سنن البيهقي ٥ : ١٢٨.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٩٣١ - ٩٣٢ / ١٢٨٢ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٧ و ٢٦٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٧.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « خُذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قِبَل وجهها »(١) والأمر للوجوب.

وقال أبو حنيفة : يجوز بكلّ ما كان من جنس الأرض ، كالكحل والزرنيخ والمدر ، فأمّا ما لم يكن من جنس الأرض فلا يجوز(٢) .

وقال داود : يجوز الرمي بكلّ شي‌ء حتى حُكي عنه أنّه قال : لو رمى بعصفور ميّت ، أجزأه ؛ لقولهعليه‌السلام : ( إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم كلّ شي‌ء )(٣) (٤) ولم يفصّل.

وعن سكينة بنت الحسين أنّها رمت الجمرة ورجل يُناولها الحصى تُكبّر مع كلّ حصاة ، فسقطت حصاة فرمت بخاتمها(٥) .

ولأنّه رمى بما هو من جنس الأرض فأجزأه ، كالحجارة.

والجواب : لم يذكر في الحديث كيفية المرميّ به ، وبيَّنه بفعله ، فيصرف ما ذكره إلى المعهود من فعله ، كغيره من العبادات.

وفعل سكينةعليها‌السلام نقول به ؛ لجواز أن يكون فصّ الخاتم حجراً.

وينتقض قياس أبي حنيفة بالدراهم.

مسألة ٥٥٩ : واختلف قول الشيخرحمه‌الله .

____________________

(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢١٤ ، الهامش (٤).

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٥٧ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٤٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٩ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٨ ، المغني ٣ : ٤٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٠ ، المجموع ٨ : ١٨٦.

(٣) مسند أحمد ٦ : ١٤٣.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٠.

(٥) المغني ٣ : ٤٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٩.


فقال في أكثر كتبه : لا يجوز الرمي إلّا بالحصى(١) . واختاره ابن إدريس(٢) وأكثر علمائنا(٣) .

وقال في الخلاف : لا يجوز الرمي إلّا بالحجر وما كان من جنسه من البرام والجوهر وأنواع الحجارة ، ولا يجوز بغيره ، كالمدر والآجر والكحل والزرنيخ والملح وغير ذلك من الذهب والفضة ، وبه قال الشافعي(٤) .

والوجه : الأوّل ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لـمّا لقط له الفضل بن العباس حصى الخذف قال : ( بمثلها فارموا )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : رواية زرارة - الحسنة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا ترم الجمار إلّا بالحصى »(٦) .

ولحصول يقين البراءة بالرمي بالحصى دون غيره ، فيكون أولى.

مسألة ٥٦٠ : ويجب أن يكون الحصى أبكاراً‌ ، فلو رمى بحصاة رمى بها هو أو غيره ، لم يجزئه عند علمائنا - وبه قال أحمد(٧) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لـمّا أخذ الحجارة قال : ( بأمثال هؤلاء فارموا )(٨) وإنّما تتحقّق المماثلة بما‌

____________________

(١) النهاية : ٢٥٣ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٩ ، الجمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٣٤.

(٢) السرائر : ١٣٩.

(٣) منهم : القاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٢٥٤ ، وابن زهرة في الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : ٥١٩ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١٨٨ ، والكيدري في إصباح الشيعة : ١٦٠.

(٤) الخلاف ٢ : ٣٤٢ ، المسألة ١٦٣.

(٥) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٧ بتفاوت يسير.

(٦) الكافي ٤ : ٤٧٧ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٩٦ / ٦٥٤.

(٧) المغني ٣ : ٤٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٩.

(٨) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٢٩.


ذكرناه.

ولأنّهعليه‌السلام أخذ الحصى من غير المرمى ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ولا يأخذ من حصى الجمار »(٢) .

وقال الشافعي : إنّه مكروه ويجزئه(٣) .

وقال المزني : إن رمى بما رمى به هو ، لم يجزئه ، وإن رمى بما رمى به غيره ، أجزأه ، لأنّه رمى بما يقع عليه اسم الحجارة فأجزأه ؛ كما لو لم يرم به قبل ذلك(٤) .

والجواب : ليس المطلق كافياً ، وإلّا لما احتاج الناس إلى نقل الحصى إلى الجمار ، وقد أجمعنا على خلافه.

ولا فرق في عدم الإجزاء بين جميع العدد وبعضه ، فلو رمى بواحدة قد رُمي بها وأكمل العدد بالأبكار ، لم يجزئه.

ولو رمى بخاتم فصّه حجر ، فالأقرب الإجزاء ، خلافاً لبعض العامّة ، فإنّه منع منه ؛ لأنّ الحجر هنا تبع(٥) .

مسألة ٥٦١ : يجب أن يكون الحصى من الحرم‌ ، فلا يجزئه لو أخذه من غيره ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إن أخذته من الحرم أجزأك ، وإن أخذته‌

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥ ، المغني ٣ : ٤٥٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٦ / ٩٠٦.

(٣) الاُم ٢ : ٢١٣ ، مختصر المزني : ٦٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٩ - ١٨٠ ، فتح العزيز ٧ : ٣٦٩ ، المجموع ٨ : ١٧٢ و ١٨٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤١ ، المغني ٣ : ٤٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٩.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٨٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤١ ، المجموع ٨ : ١٧٢ و ١٨٥.

(٥) المغني ٣ : ٤٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٠.


من غير الحرم لم يجزئك »(١) وهذا نصُّ في الباب.

ويكره أن تكون صمّاً(٢) بل تكون رخوةً ، ويستحب أن تكون برشاً(٣) منقّطة كحليّة بقدر الأنملة ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام كره الصمّ منها ، وقال : « خُذ البرش »(٤) .

وقال الرضاعليه‌السلام : « حصى الجمار تكون مثل الأنملة ، ولا تأخذها سوداً ولا بيضاً ولا حمراً ، خُذها كحليّة منقّطة تخذفهنّ خذفاً وتضعها [ على الإبهام ](٥) وتدفعها بظفر السبّابة » قال : « وارمها من بطن الوادي ، واجعلهنّ على يمينك كلّهنّ ، ولا ترم على(٦) الجمرة ، وتقف عند الجمرتين الأوّلتين ، ولا تقف عند جمرة العقبة »(٧) .

ويكره أن تكون نجسةً ، وتجزئه ؛ للامتثال.

مسألة ٥٦٢ : يستحب أن تكون الحصى ملتقطةً ، ويكره أن تكون مكسّرةً - وبه قال الشافعي وأحمد(٨) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر الفضل ، فلقط له حصى الخذف ، وقال : ( بمثلها فارموا )(٩) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٧٧ / ٥ ، التهذيب ٥ : ١٩٦ / ٦٥٤.

(٢) أي صلباً ، اُنظر لسان العرب ١٢ : ٣٤٣ « صمم ».

(٣) البَرشَ والبُرْشَةُ : لون مختلف ، نقطة حمراء واُخرى سوداء أو غبراء أو نحو ذلك.

لسان العرب ٦ : ٢٦٤ « برش ».

(٤) الكافي ٤ : ٤٧٧ / ٦ ، التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٥.

(٥) أضفناها من المصدر.

(٦) في التهذيب : أعلى.

(٧) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٦.

(٨) الحاوي الكبير ٤ : ١٧٨ ، المجموع ٨ : ١٣٩ و ١٥٣ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٥٤.

(٩) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٧ بتفاوت يسير.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « التقط الحصى ، ولا تكسر منها شيئاً »(١) .

ويستحب أن تكون صغاراً قدر كلّ واحدة منها مثل الأنملة ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بحصى الخذف(٢) ، والخذف إنّما يكون بأحجار صغار.

ومن طريق الخاصّة : قول الرضاعليه‌السلام : « حصى الجمار تكون مثل الأنملة »(٣) .

وقال الشافعي : أصغر من الأنملة طولاً وعرضاً. ومنهم مَنْ قال : كقدر النواة. ومنهم من قال : مثل الباقلاء(٤) . وهذه المقادير متقاربة.

ولو رمى بأكبر ، أجزأه ؛ للامتثال.

وفي إحدى الروايتين عن أحمد أنّه لا يجزئه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بهذا القدر(٥) (٦) .

البحث الثالث : في رمي الجمار وكيفيّته.

مسألة ٥٦٣ : يجب في الرمي النيّة ، لأنّه عبادة وعمل.

ويجب أن يقصد وجوب الرمي إمّا لجمرة العقبة أو لغيرها ، لوجوبه قربة إلى الله تعالى ، إمّا لحجّ الإسلام أو لغيره.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٧.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٩٣١ - ٩٣٢ / ١٢٨٢ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٧ و ٢٦٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٧.

(٣) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٦.

(٤) الاُم ٢ : ٢١٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٨ : ١٧١.

(٥) المصادر في الهامش (٢).

(٦) المغني ٣ : ٤٥٤ - ٤٥٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٥.


ويجب فيه العدد ، وهو سبع حصيات في يوم النحر لرمي جمرة العقبة ، فلا يجزئه لو أخلّ ولو بحصاة ، بل يجب عليه الإكمال ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة : كذا فعلوا.

ويجب إيصال كلّ حصاة إلى الجمرة بما يسمّى رمياً بفعله ، فلو وضعها بكفّه في المرمى ، لم يجزئه إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بالرمي(١) ، وهذا لا يسمّى رمياً ، فلا يكون مجزئاً.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « خُذْ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها »(٢) .

ولو طرحها طرحا ، قال بعض العامّة : لا يجزئه(٣) .

وقال أصحاب الرأي : يجزئه ؛ لصدق الاسم(٤) .

والضابط تبعية الاسم ، فإن سمّي رميا ، أجزأه ، وإلاّ فلا.

ويجب أن يقع الحصى في المرمى ، فلو وقع دونه ، لم يجزئه إجماعاً.

قال الصادقعليه‌السلام : « فإن رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها »(٥) .

مسألة ٥٦٤ : يجب أن تكون إصابة الجمرة بفعله ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا‌

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٠ / ١٩٦٦ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٦ / ٣٠٢٣ و ١٠٠٨ / ٣٠٢٨ و ٣٠٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٧٢ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٧.

(٢) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٨ / ٦٦١.

(٣) المغني ٣ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٨.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٧ ، المغني ٣ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٧ - ٤٥٨.

(٥) الكافي ٤ : ٤٨٣ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢٨٥ / ١٣٩٩ ، التهذيب ٥ : ٢٦٦ - ٢٦٧ / ٩٠٧.


فعل ، وقال : « خُذوا عنّي مناسككم »(١) .

ولقولهعليه‌السلام : ( بمثلها فارموا )(٢) أوجب استناد الرمي إلينا.

ولو رمى بحصاة فوقعت على الأرض ثم مرّت على سننها أو أصابت شيئاً صلباً كالمحمل وشبهه ثم وقعت في المرمى بعد ذلك ، أجزأه ؛ لأنّ وقوعها في المرمى بفعله ورميه ، بخلاف المزدلف في المسابقة ، فإنّه لا يعتدّ به في الإصابة ، لأنّ القصد إبانة الحذق ، فإذا ازدلف السهم فقد عدل عن السنن ، فلم تدلّ الإصابة على حذقه ، فلهذا لم يعتد به ، بخلاف الحصاة ، فإنّ الغرض إصابة الجمرة بفعله كيف كان.

أمّا لو وقعت الحصاة على ثوب إنسان فنفضها فوقعت في المرمى ، فإنّه لا يجزئه - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه لم يمتثل أمر الإصابة بفعله.

وقال أحمد : يجزئه ؛ لأنّ ابتداء الرمي من فعله ، فأشبه ما لو أصاب موضعاً صلباً ثم وقعت في المرمى(٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ المأخوذ عليه الإصابة بفعله ولم تحصل ، فأشبه ما لو وقعت في غير المرمى فأخذها غيره فرمى بها في المرمى.

وكذا لو وقعت على ثوب إنسان فتحرّك فوقعت في المرمى ، أو على عنق بعير فتحرّك فوقعت في المرمى ؛ لإمكان استناد الإصابة إلى حركة‌

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٦٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٧ ، بتفاوت يسير.

(٣) الاُم ٢ : ٢١٣ ، مختصر المزني : ٦٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٠ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٨ : ١٧٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤١.

(٤) المغني ٣ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤١.


البعير والإنسان.

ولو رماها نحو المرمى ولم يعلم هل حصلت في المرمى أم لا ، فالوجه أنّه لا يجزئه - وهو قول الشافعي في الجديد(١) - لأصالة البقاء ، وعدم يقين البراءة.

وقال في القديم : يجزئه ؛ بناءً على الظاهر(٢) .

ولو رمى حصاة فوقعت على حصاة فطفرت الثانية في المرمى ، لم يجزئه ؛ لأنّ التي رماها لم تحصل في المرمى ، والتي حصلت لم يرمها ابتداءً.

ولو رمى إلى غير المرمى فوقع في المرمى ، لم يجزئه ؛ لأنّه لم يقصده ، بخلاف ما لو رمى إلى صيد فوقع في غيره ، صحّت تذكيته ؛ لعدم القصد في الذكاة ، والرمي يعتبر فيه القصد.

ولو وقعت على مكان أعلى من الجمرة فتدحرجت في المرمى ، فالأقرب الإجزاء ؛ لحصولها في المرمى بفعله ، خلافاً لبعض الشافعيّة(٣) .

ولو رمى بحصاة فالتقمها طائر قبل وصولها ، لم يجزئه ، سواء رماها الطائر في المرمى أو لا ؛ لأنّ حصولها في المرمى لم يكن بفعله.

ولو رمى بحصاة كان قد رماها فأصابت غير المرمى فأصاب المرمى ثانياً ، صحّ.

ولو أصابت الحصاة إنساناً أو غيره ثم وقعت على المرمى ، أجزأه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « وإن أصابت إنساناً أو جَمَلا ثم وقعت‌

____________________

(١) الاُمّ ٢ : ٢١٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤١ ، المجموع ٨ : ١٧٥.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٨١ ، المجموع ٨ : ١٧٥.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٢.


على الجمار أجزأك »(١) .

مسألة ٥٦٥ : ويرمي كلّ حصاة بانفرادها‌ ، فلو رمى الحصيات دفعةً واحدة ، لم يجزئه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رمى متفرّقاً(٢) ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٣) وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(٤) .

وقال عطاء : يجزئه(٥) .

وهو مخالف لما فَعَله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي من قِبَل وجهها مستحبّاً إجماعاً ؛ لما روى العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رمى الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبّر مع كلّ حصاة(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الرضاعليه‌السلام : « وارمها من بطن الوادي ، واجعلهنّ على يمينك كلّهنّ »(٧) .

ويستحب أن يرميها مستقبلاً لها مستدبراً للكعبة ، بخلاف غيرها من الجمار ، وهو قول أكثر العلماء ؛ لما روى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه رمى جمرة العقبة مستدبراً للقبلة(٨) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٨٣ - ٤٨٤ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢٨٥ / ١٣٩٩ ، التهذيب ٥ : ٢٦٦ - ٢٦٧ / ٩٠٧.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٣١ و ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٩.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٤) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٢١ ، الاُم ٢ : ٢١٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٩ ، المجموع ٨ : ١٨٥ ، المغني ٣ : ٤٦٠ - ٤٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٧.

(٥) المغني ٣ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٧ ، المجموع ٨ : ١٨٥.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٠ / ١٩٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٠.

(٧) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٦.

(٨) الكامل في الضعفاء - لابن عدي - ٥ : ١٨٧٨ ، وأورده الشيخ الطوسي في المبسوط ١ : ٣٦٩.


وينبغي أن يرميها من قِبَل وجهها ، ولا يرميها من أعلاها ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - : « ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قِبَل وجهها ولا ترمها من أعلاها »(١) .

قال الشيخرحمه‌الله : جميع أفعال الحجّ يستحب أن تكون مستقبل القبلة من الوقوف بالموقفين ورمي الجمار إلّا جمرة العقبة يوم النحر ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رماها مستقبلها مستدبراً للكعبة(٢) .

إذا عرفت هذا ، فلا ينبغي أن يرميها من أعلاها.

وروى العامّة أنّ عمر جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها(٣) .

وهو ممنوع ؛ لما رووه عن عبد الرحمن بن يزيد(٤) أنّه مشى مع عبد الله بن مسعود وهو يرمي الجمرة ، فلمـّا كان في بطن الوادي اعترضها فرماها ، فقيل له : إنّ ناساً يرمونها من فوقها ، فقال : من هاهنا - والذي لا إله غيره - رأيت الذي نزلت عليه سورة البقرة رماها(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الرضاعليه‌السلام : « ولا ترم أعلى الجمرة »(٦) .

وقول الصادقعليه‌السلام : « ولا ترمها من أعلاها »(٧) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٧٨ - ٤٧٩ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٨ / ٦٦١.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٦٩.

(٣) المغني ٣ : ٤٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٤.

(٤) في « ق ، ك ‍» والطبعة الحجرية : عبد الله بن سويد ، بدل عبد الرحمن بن يزيد ، وما أثبتناه من المصادر.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٢١٧ - ٢١٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٤٣ - ٩٤٤ / ٣٠٥ - ٣٠٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٤٥ - ٢٤٦ / ٩٠١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٩ ، المغني ٣ : ٤٥٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٦.

(٦) التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٦.

(٧) المصدر في الهامش (١).


مسألة ٥٦٦ : ويستحب له أن يرميها خذفاً‌ بأن يضع كلّ حصاة على بطن إبهامه ويدفعها بظفر السبّابة ؛ لقول الرضاعليه‌السلام : قال : « تخذفهنّ خذفاً وتضعها [ على الإبهام ](١) وتدفعها بظفر السبّابة »(٢) .

ولو رماها على غير هذه الصفة أجزأ.

ويستحب أن يكون بينه وبين الجمرة قدر عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعاً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « وليكن فيما بينك وبين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعاً »(٣) .

ويستحبّ أن يكبّر مع كلّ حصاة ، ويدعو بالمنقول.

قال الشافعي : ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالرمي ؛ لأنّ التلبية شعار الإحرام ، والرمي أخذ في التحليل(٤) .

وقال القفّال : إذا رحلوا من مزدلفة ، مزجوا التلبية بالتكبير في ممرّهم ، فإذا انتهوا إلى الجمرة وافتتحوا الرمي ، محضوا التكبير(٥) .

البحث الرابع : في الأحكام.

مسألة ٥٦٧ : يجب الإتيان إلى منى لقضاء المناسك بها‌ من الرمي والذبح والحلق أو التقصير.

وينبغي أن يأخذ على الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة‌

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٦.

(٣) الكافي ٤ : ٤٧٨ - ٤٧٩ / ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٨ / ٦٦١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٧٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٨ : ١٦٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٠ ، المغني ٣ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٨.

(٥) فتح العزيز ٧ : ٣٧٠ - ٣٧١ ، المجموع ٨ : ١٦٩.


الكبرى ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سلكها(١) .

وحدّ منى من العقبة إلى وادي محسّر ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « حدّ منى من العقبة إلى وادي محسّر »(٢) .

وهو قول عطاء والشافعي(٣) .

مسألة ٥٦٨ : لا يشترط في الرمي الطهارة‌ وإن كانت أفضل ، فيجوز للمحدث والجنب والحائض وغيرهم الرمي إجماعاً ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أمر عائشة بالإتيان بأفعال الحجّ سوى الطواف ، وكانت حائضاً(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - : « ويستحب أن يرمي الجمار على طهر »(٥) .

ويجوز الرمي راجلاً وراكباً ، والأوّل أفضل ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان لا يأتيها - يعني جمرة العقبة - إلّا ماشياً ذاهباً وراجعاً(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - عن آبائه : ، قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرمي الجمار ماشياً »(٧) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٨٩١ - ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٩.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٨٠ / ١٣٧٥.

(٣) المغني ٣ : ٤٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٥ ، الاُم ٢ : ٢١٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٣ ، المجموع ٨ : ١٣٠.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٨٤ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٣ - ٨٧٤ / ١١٩ - ١٢١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٨ / ٢٩٦٣ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٨١ / ٩٤٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٤.

(٥) الكافي ٤ : ٤٧٨ - ٤٧٩ - ١ ، التهذيب ٥ : ١٩٨ - ٦٦١.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٠ - ٢٠١ / ١٩٦٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٤٤ - ٢٤٥ / ٩٠٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣١.

(٧) التهذيب ٥ : ٢٦٧ / ٩١٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٨ / ١٠٦.


وقد روى العامّة عن جعفر الصادقعليه‌السلام عن أبيه الباقرعليه‌السلام عن جابر ، قال : رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يرمي على راحلته يوم النحر ، ويقول : ( لتأخذوا عنّي مناسككم فإنّي لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجّتي هذه )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - وقد سأله معاوية بن عمّار عن رجل رمى الجمار وهو راكب ، فقال : « لا بأس به »(٢) .

ويستحب أن يرفع يده في الرمي حتى يرى بياض إبطه ، قاله بعض العامّة(٣) ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فَعَله(٤) .

وأنكر ذلك مالك(٥) .

ويستحب أن لا يقف عند جمرة العقبة ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ ابن عباس وابن عمر رويا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الرضاعليه‌السلام : « ولا تقف عند جمرة العقبة »(٧) .

مسألة ٥٦٩ : يجوز الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها.

قال ابن عبد البرّ : أجمع علماء المسلمين على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رماها ضحى ذلك اليوم(٨) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٣٤ / ١٢٩٧ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٠١ / ١٩٧٠ ، سنن النسائي ٥ : ٢٧٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٧ / ٩١١ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٨ / ١٠٦٥.

(٣) المغني ٣ : ٤٦١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٥ ، المجموع ٨ : ١٧٠.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٢١٩.

(٥) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٢٣.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٩ / ٣٠٣٢ و ٣٠٣٣.

(٧) الكافي ٤ : ٤٧٨ / ٧ ، التهذيب ٥ : ١٩٧ / ٦٥٦.

(٨) المغني ٣ : ٤٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٠.


وقال جابر : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده(١) .

وقال ابن عباس : قدمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اُغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرات لنا من جَمْع فجَعَل يلطح(٢) أفخاذنا [ ويقول : ](٣) ( اُبينيَّ(٤) لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « الرمي(٦) ما بين طلوع الشمس إلى غروبها »(٧) .

وقد رُخّص للمعذور - كالخائف والعاجز والمرأة والراعي والعبد - في الرمي ليلاً من نصفه ؛ للعذر ، أمّا غيرهم فليس لهم الرمي إلّا بعد طلوع الشمس - وبه قال مجاهد والثوري والنخعي(٨) - لما رواه العامّة : أنّ‌

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٤٥٨ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٦٠ ، وفي صحيح مسلم ٢ : ٩٤٥ / ٣١٤ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٤ / ٣٠٥٣ ، وسنن النسائي ٥ : ٢٧٠ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢٤١ / ٨٩٤ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٣١ بتفاوت يسير.

(٢) اللَّطْحُ : الضرب بالكفّ ، وليس بالشديد. النهاية - لابن الأثير - ٤ : ٢٥٠ « لطح ».

(٣) أضفناها من المصادر.

(٤) اُبيني ، قال ابن الأثير في النهاية ١ : ١٧ « أبن » : وقد اختُلف في صيغتها ومعناها ، فقيل : إنّه تصغير ابني ، كأعمى واُعيمى ، وهو اسم مفرد يدلّ على الجمع. وقيل : إنّ ابناً يُجمع على أبناء مقصوراً وممدوداً. وقيل : هو تصغير ابن.

وفيه نظر. وقال أبو عبيدة : هو تصغير بنيَّ جمع ابن مضافاً إلى النفس.

(٥) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٧ / ٣٠٢٥ ، سنن النسائي ٥ : ٢٧١ - ٢٧٢ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٢ ، المغني ٣ : ٤٥٩.

(٦) في المصدر : « رمي الجمار ».

(٧) التهذيب ٥ : ٢٦٢ / ٨٩٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٦ / ١٠٥٤.

(٨) المغني ٣ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٥.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر اُمّ سلمة ليلة النحر ، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل ويضحّي ويفيض بالليل »(٢) .

وجوّز الشافعي وعطاء وابن أبي ليلى وعكرمة بن خالد الرميَ ليلاً من نصفه الأخير للمعذور وغيره(٣) .

وعن أحمد أنّه لا يجوز الرمي إلّا بعد طلوع الفجر ، وهو قول مالك وأصحاب الرأي وإسحاق وابن المنذر(٤) .

مسألة ٥٧٠ : يجوز تأخير الرمي إلى قبل الغروب بمقدار أداء المناسك.

قال ابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على أنّ مَنْ رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحبّاً(٥) ؛ لأنّ ابن عباس قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يسأل يوم النحر بمنى ، قال رجل : رميت بعد ما أمسيت ، فقال : ( لا حرج )(٦) .

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٩٤ / ١٩٤٢ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٣ / ٨٩٥.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ١٨٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٨١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٢ ، المجموع ٨ : ١٨٠ ، المغني ٣ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٠.

(٤) المغني ٣ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٠ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤١٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٨١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٢.

(٥) المغني ٣ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦١.

(٦) صحيح البخاري ٢ : ٢١٤ - ٢١٥ ، سنن النسائي ٥ : ٢٧٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٣ - ٢٥٤ / ٧٧ ، سنن البيهقي ٥ : ١٥٠.


إذا عرفت هذا ، فلو غابت الشمس فقد فات الرمي ، فليرم من غده - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(١) - لما رواه العامّة عن ابن عمر ، قال : مَنْ فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد(٢) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه عبد الله بن سنان - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى منى ، فعرض له [ عارض ](٣) فلم يرم حتى غابت الشمس ، قال : « يرمي إذا أصبح مرّتين : مرّة لما فاته ، والاُخرى ليومه الذي يصبح فيه ، وليفرّق بينهما تكون إحداهما بكرة وهو للأمس والاُخرى عند زوال الشمس »(٤) .

وقال الشافعي ومحمد وابن المنذر ويعقوب : يرمي ليلاً(٥) ؛ لقولهعليه‌السلام : ( إرم ولا حرج )(٦) .

وجوابه : أنّه إنّما كان في النهار ؛ لأنّه سأله في يوم النحر ، ولا يكون اليوم إلّا قبل الغروب.

وقال مالك : يرمي ليلاً. ثم اضطرب قوله ، فتارةً أوجب الدم حينئذٍ ، وتارةً أسقطه(٧) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٥٩ - ٤٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦١.

(٢) المغني ٣ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦١ وفي سنن البيهقي ٥ : ١٥٠ بتفاوت يسير.

(٣) أضفناها من المصدر.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٦٢ / ٨٩٣.

(٥) الاُم ٢ : ٢١٤ ، المغني ٣ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦١.

(٦) صحيح البخاري ١ : ٣١ و ٤٣ و ٢ : ٢١٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٤٨ / ١٣٠٦ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٣٣ / ٨٨٥ و ٢٥٨ / ٩١٦ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١١ / ٢٠١٤ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٤ / ٧٨.

(٧) المنتقى - للباجي - ٣ : ٥٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٦٧ ، المغني ٣ : ٥٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦١.


مسألة ٥٧١ : يستحب الرمي عند زوال الشمس ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ارم في كلّ يوم عند زوال الشمس »(١) .

ويستحب أن لا يقف عند جمرة العقبة إجماعاً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ثم تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار ولا تقف عندها »(٢) .

ولأنّ يعقوب بن شعيب سأل - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن الجمار ، فقال : « قُمْ عند الجمرتين ولا تقم عند جمرة العقبة » فقلت : هذا من السنّة؟ قال : « نعم » قلت : ما ذا أقول إذا رميت؟ قال : « كبّر مع كلّ حصاة »(٣) .

قال الشيخرحمه‌الله : وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف ، ووقت الإجزاء من طلوع الفجر اختياراً ، فإن رمى قبل ذلك ، لم يجزئه ، ولصاحب العذر الرمي ليلاً.

وبمثل ما قلناه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق.

وقال الشافعي : أوّل وقت الإجزاء إذا انتصفت ليلة النحر. وبه قال عطاء وعكرمة(٤) .

مسألة ٥٧٢ : قدر حصى الجمار سبعون حصاة : سبع منها لجمرة العقبة ترمى يوم النحر خاصّة ، ويرمى كلّ يوم من أيّام التشريق الجمار الثلاث كلّ جمرة بسبع حصيات يبدأ بالاُولى - وهي العظمى - ثم الوسطى ثم جمرة‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٨٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٦١ / ٨٨٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٦ / ١٠٥٧.

(٢) الكافي ٤ : ٤٨٠ - ٤٨١ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٦١ / ٨٨٨.

(٣) الكافي ٤ : ٤٨١ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٦١ - ٢٦٢ / ٨٨٩.

(٤) الخلاف ٢ : ٣٤٤ - ٣٤٥ ، المسألة ١٦٧.


العقبة إجماعاً.

ويستحب غسل الحصى - وبه قال ابن عمر وطاوُس(١) - لأنّ ابن عمر غسله(٢) ، والظاهر أنّه توقيف.

ولاحتمال ملاقاته لنجاسة ، فمع الغسل يزول الاحتمال وإن لم يكن معتبراً شرعاً.

ولو كان الحجر نجساً ، استُحبّ له غسله ، فإن لم يغسله ورمى به ، أجزأه ؛ لحصول الامتثال.

وقال عطاء ومالك : لا يستحب(٣) . وعن أحمد روايتان(٤) .

وسيأتي باقي مباحث الرمي إن شاء الله تعالى.

الباب الثاني : في الذبح.

وفيه مباحث :

الأوّل : الهدي.

مسألة ٥٧٣ : إذا فرغ من جمرة العقبة ، ذبح هديه أو نَحَره‌ إن كان من الإبل ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستّين بدنة بيده ثم أعطى عليّاًعليه‌السلام فنحر ما غبر(٥) وأشركه في هديه(٦) .

____________________

(١ - ٤ ) المغني ٣ : ٤٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٥٥.

(٥) أي : ما بقي. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٣٣٧ « غبر ».

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ - ١٠٢٧ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فلمـّا أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى ، فرمى جمرة العقبة ، وكان الهدي الذي جاء به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعاً وستّين أو ستّاً وستّين ، وجاء عليعليه‌السلام بأربع وثلاثين أو ستّ وثلاثين ، فنحر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ستّا وستّين ، ونحر عليعليه‌السلام أربعاً وثلاثين بدنة »(١) .

مسألة ٥٧٤ : هدي التمتّع واجب بإجماع العلماء.

قال الله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٢) .

وروى العامّة عن ابن عمر ، قال : تمتّع الناس مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالعمرة إلى الحجّ ، فلمـّا قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال للناس : ( مَنْ لم يسق الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصّر ثم ليهلّ بالحجّ ويهدي ، فمَنْ لم يجد الهدي فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - في المتمتّع « وعليه الهدي » فقلت : وما الهدي؟ فقال : « أفضله بدنة ، وأوسطه بقرة وأخسّه شاة »(٤) .

ولا فرق بين المكّي وغيره ، فلو تمتّع المكّي ، وجب عليه الهدي ؛ للعموم.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٥٤ - ٤٥٧ / ١٥٨٨.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٠١ / ١٢٢٧ ، سنن أبي داود ٢ : ١٦٠ / ١٨٠٥ ، سنن النسائي ٥ : ١٥١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧ و ٢٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٣٦ / ١٠٧ ، وفيه : « وأخفضه شاة ».


مسألة ٥٧٥ : وإنّما يجب الهدي على غير أهل مكّة وحاضريها‌ ؛ لأنّ فرضهم التمتّع ، أمّا أهل مكّة وحاضروها : فليس لهم أن يتمتّعوا ؛ لأنّ فرضهم القِران أو الإفراد ، فلا يجب عليهم الهدي إجماعاً ؛ لأنّ الله تعالى قال( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (١) .

وقال الصادقعليه‌السلام - في الحسن - عن المفرد ، قال : « ليس عليه هدي ولا اُضحية »(٢) .

وأمّا القارن : فإنّه يكفيه ما ساقه إجماعاً ، وتستحب له الاُضحية ؛ لأصالة براءة الذمّة.

وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة : إذا قرن بين الحجّ والعمرة ، لزمه دم(٣) .

وقال الشعبي : تلزمه بدنة(٤) .

وقال داود : لا يلزمه شي‌ء(٥) .

مسألة ٥٧٦ : قد بيّنّا أنّ فرض المكّي القِران أو الإفراد‌ ، فلو تمتّع قال الشيخ : يسقط عنه الفرض ، ولا يلزمه دم. وقال الشافعي : يصحّ تمتّعه وقرانه ، وليس عليه دم. وقال أبو حنيفة : يكره له التمتّع والقران ، فإن خالف وتمتّع ، فعليه دم المخالفة دون التمتّع والقران.

واستدلّ الشيخ بقوله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ - إلى قوله -ذلِكَ لِمَنْ

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٤١ - ٤٢ / ١٢٢.

(٣) الاُمّ ٢ : ١٣٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٩ ، المجموع ٧ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٣٧٨ ، النتف ١ : ٢١٢.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٣٩ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠.

(٥) حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ ، المجموع ٧ : ١٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٢.


لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (١) .

قال : معناه أنّ الهدي لا يلزم إلّا مَنْ لم يكن من حاضري المسجد ، ويجب أن يكون قوله :( ذلِكَ ) راجعاً إلى الهدي لا إلى التمتّع ؛ لأنّ مَنْ قال : مَنْ دخل داري فله درهم ذلك لمن لم يكن غاصباً ، فُهم منه الرجوع إلى الجزاء لا إلى الشرط.

ثم قال : ولو قلنا : إنّه راجع إليهما ، وقلنا : إنّه لا يصحّ منهم التمتّع أصلاً ، كان قويّاً(٢) .

مسألة ٥٧٧ : دم التمتّع نسك عند علمائنا‌ - وبه قال أصحاب الرأي(٣) - لقوله تعالى :( وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها ) (٤) أخبر بأنّه جعلها من الشعائر ، وأمر بالأكل منها ، فلو كان جبراناً ، لما أمرنا بالأكل منها.

وقال الشافعي : إنّه جبران ؛ لإخلاله بالإحرام من الميقات ؛ لأنّه مرّ به وهو مُريد للحجّ والعمرة وحَجَّ من سنته(٥) .

وهو ممنوع ؛ فإنّ ميقات حجّ التمتّع عندنا مكّة وقد أحرم منه.

والمتمتّع إذا أحرم بالحجّ من مكّة لزمه الدم إجماعاً ، أمّا عندنا : فلأنّه نسك ، وأمّا عند المخالف : فلأنّه أخلّ بالإحرام من المواقيت.

فلو أتى الميقات وأحرم منه ، لم يسقط عنه الدم عندنا.

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) الخلاف ٢ : ٢٧٢ ، المسألة ٤٢.

(٣) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٨٦ ، التفسير الكبير ٥ : ١٦٨ ، المجموع ٧ : ١٧٦.

(٤) الحجّ : ٣٦.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ٤٥ - ٤٦ ، المجموع ٧ : ١٧٦ ، التفسير الكبير ٥ : ١٦٨.


وقالت العامّة بسقوطه(١) .

ويبطل بقوله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٢) .

ولو أحرم المفرِد بالحجّ ودخل مكّة ، جاز له أن يفسخه ، ويجعله عمرةً يتمتّع بها ، قاله علماؤنا ، خلافاً لأكثر العامّة ، وادّعوا أنّه منسوخ(٣) .

وليس بجيّد ؛ لثبوت مشروعيّته ؛ فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه بذلك(٤) ، ولم يثبت النسخ.

ويجب عليه الدم ، لثبوت التمتّع المقتضي له.

مسألة ٥٧٨ : إذا أحرم بالعمرة وأتى بأفعالها في غير أشهر الحجّ ثم أحرم بالحجّ في أشهره ، لم يكن متمتّعاً ، ولا يجب عليه الدم ؛ لأنّه لم يأت بالعمرة في زمان الحجّ ، فكان كالمفرد ، فإنّ المفرد إذا أتى بالعمرة بعد أشهر الحجّ ، لم يجب عليه الدم إجماعاً.

ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجّ وأتى بأفعالها في أشهره من الطواف وغيره وحجّ من سنته ، لم يكن متمتّعاً ، قاله الشيخ(٥) ، ولا يلزمه دم - وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال أحمد(٦) - لأنّه أتى بركن من أركان‌

____________________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٢٥.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) الشرح الكبير ٣ : ٢٥٤ ، المجموع ٧ : ١٦٦ - ١٦٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٨ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩١.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ - ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦.

(٥) الخلاف ٢ : ٢٧٠ ، المسألة ٣٨ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٧.

(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٦ ، فتح العزيز ٧ : ١٣٨ - ١٤٠ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ - ٢٦١ ، المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٦.


العمرة في غير أشهر الحجّ ، وهو يستلزم إيقاع أركانها فيه.

وقال الشافعي في القول الثاني : يجب به الدم ، ويكون متمتّعاً ؛ لأنّه أتى بأفعال العمرة في أشهر الحجّ ، واستدامة الإحرام بمنزلة ابتدائه ، فهو كما لو ابتدأ بالإحرام في أشهر الحجّ(١) .

وقال مالك : إذا لم يتحلّل من إحرام العمرة حتى دخلت أشهر الحجّ ، صار متمتّعاً(٢) .

وقال أبو حنيفة : إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في أشهر الحجّ ، صار متمتّعاً(٣) .

مسألة ٥٧٩ : إذا أحرم المتمتّع من مكّة بالحجّ ومضى إلى الميقات ثم منه إلى عرفات ، لم يسقط عنه الدم‌ ؛ للآية(٤) ، وقد بيّنّا أنّ الدم نسك لا جبران.

وقال الشافعي : إن مضى من مكّة إلى عرفات ، لزمه الدم قولاً واحداً ، وإن مضى إلى الميقات ثم منه إلى عرفات ، فقولان : أحدهما : لا دم عليه ؛ لأنّه لو أحرم من الميقات ، لم يجب الدم ، فإذا عاد إليه مُحْرماً قبل التلبّس بأفعال الحجّ ، صار كأنّه أحرم منه. والثاني : لا يسقط ، كما قلناه - وبه قال مالك(٥) - لأنّ له ميقاتين يجب مع الإحرام من أحدهما الدم ، فإذا أحرم منه ، وجب الدم ، ولم يسقط بعد ذلك ، كما لو عاد بعد التلبّس بشي‌ء من المناسك(٦) .

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٣٨ - ١٣٩ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٠ - ٢٦١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٦.

(٢) حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٢٨.

(٣) الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٥٨ ، فتح العزيز ٧ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) حلية العلماء ٣ : ٢٦١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٣.

(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٧ و ٢٠٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦١.


وقال أبو حنيفة : لا يسقط الدم حتى يعود إلى بلده(١) ؛ لأنّه لم يُلمّ(٢) بأهله ، فلم يسقط دم التمتّع ، كما لو رجع إلى ما دون الميقات. وليس بجيّد ؛ لأنّ بلده موضع لا يجب عليه الإحرام منه بابتداء الشرع ، فلا يتعلّق سقوط دم التمتّع بالعود إليه ، كسائر البلاد ، ودون الميقات ليس ميقات بلده.

مسألة ٥٨٠ : قد بيّنّا أنّ ميقات حجّ التمتّع مكّة ، فإذا فرغ المتمتّع من أفعال العمرة ، أنشأ الإحرام بالحجّ من مكّة ، فإن خالف وأحرم من غيرها ، وجب عليه أن يرجع إلى مكّة ، ويُحْرم منها ، سواء أحرم من الحِلّ أو من الحرم إذا أمكنه ، فإن لم يمكنه ، مضى على إحرامه ، وتمّم أفعال الحجّ ، ولا يلزمه دم لهذه المخالفة ؛ لأنّ الدم يجب للتمتّع ، فإيجاب غيره منفيّ بالأصل.

وقال الشافعي : إن أحرم من خارج مكّة وعاد إليها ، فلا شي‌ء عليه ، وإن لم يَعُدْ إليها ومضى على وجهه إلى عرفات ، فإن كان أنشأ الإحرام من الحِلّ ، فعليه دم قولاً واحداً ، وإن أنشأ من الحرم ، ففي وجوب الدم قولان :

أحدهما : لا يجب ؛ لأنّ الحكم إذا تعلّق بالحرم ولم يختص ببقعة منه ، كان الجميع فيه سواءً ، كذبح الهدي.

والثاني : يجب ؛ لأنّ ميقاته البلد الذي هو مقيم فيه ، فإذا ترك ميقاته ، وجب عليه الدم وإن كان ذلك كلّه من حاضري المسجد الحرام(٣) .

مسألة ٥٨١ : يشترط في التمتّع : النيّة ، على ما سبق ، فلو لم يَنْوه ، لم يكن متمتّعاً ولم يجب الدم ، وهو أحد قولي الشافعي.

وفي الآخر : يكون متمتّعاً ويجب الدم ؛ لأنّه إذا أحرم بالعمرة من‌

____________________

(١) حلية العلماء ٣ : ٢٦١.

(٢) لمّ به وألمَّ والتمَّ : نزل. لسان العرب ١٢ : ٥٥٠ « لمم ».

(٣) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٦٥ ، المسألة ٣١.


الميقات وحجّ من سنته ، فقد صار جامعاً بينهما فيجب الدم(١) .

والحقّ خلافه.

والقارن والمفرد إذا أكملا حجّهما ، وجب عليهما الإتيان بعمرة مفردة بعد الحجّ يُحرمان بها من أدنى الحِلّ ، فلو أحرما من الحرم ، لم يصح ، ولو طافا وسَعَيا ، لم يكونا معتمرين ، ولا يلزمهما دم.

وللشافعي قولان : أحدهما كما قلناه ، لكن خلاف الشافعي في المفرد خاصّةً ، والثاني : تكون عمرةً صحيحةً ، ويجب الدم(٢) .

لنا : أنّه يجب أن يقدّم الخروج إلى الحلّ قبل الطواف والسعي ثم يعود ويطوف ويسعى ؛ ليكون جامعاً في نسكه بين الحِلّ والحرم ، بخلاف المتمتّع حيث كان له أن يُحْرم من مكّة ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا فسخ على أصحابه الحجّ إلى العمرة ، أَمَرهم أن يُحْرموا بالحجّ من جوف مكّة(٣) .

ولأنّ الحاجّ لا بدّ له من الخروج إلى الحِلّ للوقوف ، فيكون جامعاً في إحرامه بين الحِلّ والحرم ، بخلاف المتمتّع.

احتجّ : بأنّه ترك قطع مسافة لزمه قطعها بإحرام ، وذلك لا يمنع من الاحتساب بأفعال العبادة.

والجواب : أنّه لم يأت بالعبادة على وجهها ، فلا تكون مجزئةً.

ولو أفرد الحجّ عن نفسه فلمـّا فرغ من الحجّ خرج إلى أدنى الحرم فاعتمر لنفسه ولم يعد إلى الميقات ، لا دم عليه. وكذا مَنْ تمتّع ثم اعتمر‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ١٦١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٨ - ١٧٩.

(٢) حكاهما عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٦٦ ، المسألة ٣٢.

(٣) اُنظر : صحيح البخاري ٢ : ٢٠٥ - ٢٠٦ ، وسنن أبي داود ٢ : ١٦٠ / ١٨٠٥ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٧.


بعد ذلك من أدنى الحرم. وكذا لو أفرد عن غيره أو تمتّع أو قرن ثم اعتمر من أدنى الحِلّ ، كلّ هذا لا دم عليه ؛ لتركه الإحرام من الميقات بلا خلاف.

وأمّا إن أفرد عن غيره ثم اعتمر لنفسه من خارج الحرم دون الحِلّ ، قال الشافعي في القديم : عليه دم(١) .

وقال أصحابه : على هذا لو اعتمر عن غيره ثم حجّ عن نفسه فأحرم بالحجّ من جوف مكّة ، فعليه دم ؛ لتركه الإحرام من الميقات(٢) .

وعندنا أنّه لا دم عليه ؛ للأصل.

ولو اعتمر في أشهر الحجّ ولم يحج في ذلك العام بل حجَّ من العام المقبل مفرداً له عن العمرة ، لم يجب الدم ؛ لأنّه لا يكون متمتّعاً ، وهو قول عامّة العلماء ، إلّا قولاً شاذّاً عن الحسن البصري فيمن اعتمر في أشهر الحجّ فهو متمتّع حجَّ أو لم يحجّ(٣) .

وأهل العلم كافّة على خلافه ؛ لقوله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) (٤) وهو يقتضي الموالاة بينهما.

ولأنّ الإجماع واقع على أنّ من اعتمر في غير أشهر الحجّ ثم حجَّ من عامه ذلك ، فليس بمتمتّع ، فهذا أولى ؛ لكثرة التباعد بينهما.

مسألة ٥٨٢ : قد بيّنّا أنّ المتمتّع بعد فراغه من العمرة لا ينبغي له أن يخرج من مكّة حتى يأتي بالحجّ ؛ لأنّه صار مرتبطاً به ؛ لدخولها فيه ؛ لقولهعليه‌السلام : ( دخلت العمرة في الحجّ هكذا ) وشبّك بين أصابعه(٥) .

____________________

(١ و ٢ ) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٢٨١ ، المسألة ٥٦.

(٣) المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦ - ٤٧.


وقال الله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (١) .

فلو خرج من مكّة بعد إحلاله ثم عاد في الشهر الذي خرج منه ، صحّ له أن يتمتّع ، ولا يجب عليه تجديد عمرة ، وإن عاد(٢) في غير الشهر ، اعتمر اُخرى ، وتمتّع بالأخيرة ، ووجب عليه الدم بالأخيرة.

ولا يسقط عنه الدم ؛ لقوله تعالى :( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٣) وما تقدّم من الأحاديث الدالّة على صحّة العمرة إن رجع في الشهر الذي خرج فيه ، ووجوب إعادتها إن رجع في غيره ، وعلى التقديرين يجب الدم.

وقال عطاء والمغيرة وأحمد وإسحاق : إذا خرج إلى سفر بعيد تقصر الصلاة في مثله ، سقط عنه الدم ؛ لقول عمر : إذا اعتمر في أشهر الحجّ ثم أقام ، فهو متمتّع ، فإن خرج ورجع ، فليس بمتمتّع(٤) .

وهو محمول على مَنْ رجع في غير الشهر الذي خرج فيه ؛ جمعاً بين الأدلّة.

وقال الشافعي : إن رجع إلى الميقات ، فلا دم عليه(٥) .

وقال أصحاب الرأي : إن رجع إلى مصره ، بطلت متعته ، وإلّا فلا(٦) .

وقال مالك : إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره ، بطلت متعته ، وإلّا فلا(٧) .

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) في « ق ، ك ‍» : وإن دخل.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) المغني ٣ : ٥٠٢ و ٥٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٨ ، المجموع ٧ : ١٧٧ ، فتح العزيز ٧ : ١٤٧ ، المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨.

(٦) المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨.

(٧) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣٢ ، المغني ٣ : ٥٠٢ - ٥٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨.


وقال الحسن : هو متمتّع وإن رجع إلى بلده. واختاره ابن المنذر(١) .

مسألة ٥٨٣ : إنّما يجب الدم على مَنْ أحلّ من إحرام العمرة ، فلو لم يحلّ وأدخل إحرام الحجّ عليها ، بطلت المتعة ، وسقط الدم ، وبه قال أحمد(٢) .

قالت عائشة : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عام حجّة الوداع ، فأهللنا بعمرة ، فقدمت مكّة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( انقضى رأسك وامتشطي وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة ) قالت : ففعلت فلمـّا قضينا الحجّ أرسلنا مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه ، فقال : هذا مكان عمرتك(٣) .

قال عروة : فقضى الله حجّها وعمرتها ولم يكن في شي‌ء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة(٤) .

ولأنّ الهدي إنّما يجب على المتمتّع ، والتقدير بطلان متعته.

أمّا المكّي لو تمتّع وجوّزناه فإنّه يجب عليه الهدي.

ولو دخل الآفاقي متمتّعاً إلى مكّة ناوياً للإقامة بها بعد تمتّعه ، فعليه دم المتعة ، أجمع عليه العلماء ؛ للآية(٥) ، وبالعزم على الإقامة لا يثبت له حكمها.

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣٢.

(٢) المغني ٣ : ٥٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨.

(٣) صحيح البخاري ٥ : ٢٢١ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٧٠ / ١٢١١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٥٣ / ١٧٨١ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٦ - ٣٤٧ ، المغني ٣ : ٥٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨.

(٤) المغني ٣ : ٥٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٨ ، وانظر صحيح مسلم ٢ : ٨٧٢ ذيل الحديثين ١١٥ و ١١٧.

(٥) البقرة : ١٩٦.


ولو كان مولده ومنشؤه بمكّة ، فخرج منتقلاً مقيماً بغيرها ثم عاد إليها متمتّعاً ناوياً للإقامة أو غير ناوٍ لها ، فعليه دم المتعة - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق(١) - لأنّ حضور المسجد الحرام إنّما يحصل بنيّة الإقامة وفعلها ، وهذا إنّما نوى الإقامة إذا فرغ من أفعال الحجّ ؛ لأنّه إذا فرغ من عمرته فهو ناوٍ للخروج إلى الحجّ ، فكأنّه إنّما نوى أن يقيم بعد أن يجب الدم.

مسألة ٥٨٤ : الآفاقي إذا ترك الإحرام من الميقات ، وجب عليه الرجوع إليه والإحرام منه‌ مع القدرة ، فإن عجز ، أحرم من دونه لعمرته ، فإذا أحلّ ، أحرم بالحجّ من عامه وهو متمتّع ، وعليه دم المتعة ، ولا دم عليه لإحرامه من دون الميقات ؛ لأنّه تركه للضرورة.

قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع العلماء على أنّ مَنْ أحرم في أشهر الحجّ بعمرة وأحلّ منها ولم يكن من حاضري المسجد الحرام ثم أقام بمكة حلالاً ثم حجّ من عامه أنّه متمتّع عليه دم المتعة(٢) .

وقال بعض العامّة : إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكّة أقلّ من مسافة القصر فأحرم منه ، فلا دم عليه للمتعة ؛ لأنّه من حاضري المسجد الحرام(٣) .

وليس بجيّد ، فإنّ حضور المسجد إنّما يحصل بالإقامة به ونيّة الإقامة ، وهذا لم تحصل منه الإقامة ولا نيّتها.

____________________

(١) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٣١ ، فتح العزيز ٧ : ١٢٨ و ١٣٠ - ١٣١ ، المجموع ٧ : ١٧٥ ، المغني ٣ : ٥٠٤ - ٥٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٠.

(٢) المغني ٣ : ٥٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٠.

(٣) المغني ٣ : ٥٠٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٠ - ٢٥١.


ولقوله تعالى :( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (١) وهو يقتضي أن يكون المانع من الدم السكنى به ، وهذا ليس بساكن.

مسألة ٥٨٥ : الهدي إنّما يجب على المتمتّع‌ ، وهو المـُحْرم بالعمرة في أشهر الحجّ ، فإن أحرم بها في غيرها ، فليس بمتمتّع ، ولا دم عليه إجماعاً لا نعلم فيه خلافاً إلّا قولين نادرين :

أحدهما : قول طاوُس : إذا اعتمر في غير أشهر الحجّ ثم أقام حتى يحضر الحجّ ، فهو متمتّع(٢) .

والثاني : قول الحسن : من اعتمر بعد النحر فهي عمرة تمتّع(٣) .

قال ابن المنذر : لا نعلم أحداً قال بواحد من هذين القولين(٤) .

أمّا لو أحرم في غير أشهر الحجّ ثم أحلّ منها في أشهره ، فلذلك لا يصحّ له التمتّع بتلك العمرة ، وبه قال أحمد وجابر وإسحاق والشافعي في أحد القولين(٥) .

وقال في الآخر : عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. وبه قال الحسن والحكم وابن شبرمة والثوري(٦) .

وقال طاوُس : عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم(٧) .

وقال عطاء : عمرته في الشهر الذي يحلّ فيه. وبه قال مالك(٨) .

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢ و٣ ) المغني ٣ : ٥٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧.

(٤) المغني ٣ : ٥٠١ - ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧.

(٥ - ٧ ) المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧.

(٨) المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٣٤ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٢٨.


وقال أبو حنيفة : إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحجّ ، فليس بمتمتّع ، وإن طاف الأربعة في أشهر الحجّ ، فهو متمتّع(١) .

والحقّ ما قلناه ؛ لأنّه أتى بنسك لا تتمّ العمرة إلّا به في غير أشهر الحجّ ، فلا يكون متمتّعاً ، كما لو طاف في غير أشهر الحجّ أو طاف دون الأربعة فيها.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ تمتّع في أشهر الحجّ ثم أقام بمكّة حتى يحضر الحجّ فعليه شاة ، ومَنْ تمتّع في غير أشهر الحجّ ثم جاور حتى يحضر الحجّ فليس عليه دم ، إنّما هي حجّة مفردة »(٢) .

مسألة ٥٨٦ : المملوك إذا حجّ بإذن مولاه متمتّعاً ، لم يجب عليه الهدي‌ ولا على مولاه إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (٣) .

وفي قول شاذّ للشافعي : يجب على مولاه أن يهدي عنه ؛ لتضمّن إذنه لذلك(٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ فرض غير الواجد الصومُ ، ولا فاقد كالعبد.

ولأنّ الحسن العطّار سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل أمر مملوكه أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ أعليه أن يذبح عنه؟ قال : « لا ، لأنّ الله تعالى يقول :( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (٥) »(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٤٧.

(٢) الكافي ٤ : ٤٨٧ ( باب من يجب عليه الهدي ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٢٨٨ / ٩٨٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٥٩ / ٩١٣.

(٣) النحل : ٧٥.

(٤) المجموع ٧ : ٥٤.

(٥) النحل : ٧٥.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٠٠ / ٦٦٥ ، و ٤٨٢ / ١٧١٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٢ / ٩٢٣.


إذا ثبت هذا ، فإنّ المولى يتخيّر بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم ، عند علمائنا - وهو إحدى الروايتين عن أحمد(١) - لقوله تعالى :( فَمَا اسْتَيْسَرَ ) (٢) وبتقدير تمليك المولى يصير موسراً.

ولأنّ جميل بن دراج قال - في الصحيح - : سأل رجلٌ الصادقعليه‌السلام : عن رجل أمر مملوكه أن يتمتّع ، قال : « فمُرْه فليصم وإن شئت فاذبح عنه »(٣) .

وفي الرواية الاُخرى عن أحمد : لا يجزئه الذبح عنه ، ويلزمه الصوم عيناً - [ وبه ](٤) قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي - لأنّه غير مالك ، ولا سبيل له إلى التملّك ، لأنّه لا يملك بالتمليك ، فصار كالعاجز الذي يتعذّر عليه الهدي ، فيلزمه الصوم(٥) .

مسألة ٥٨٧ : الواجب على المملوك من الصوم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله‌ ، كالحُرّ - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٦) - لعموم قوله تعالى :( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) (٧) ولأنّه صوم وجب لحلّه من إحرامه قبل إتمامه ، فكان عشرة أيّام ، كصوم الحُرّ.

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : يصوم عن كلّ مدّ من قيمة الشاة‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٧٠ - ٥٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٩.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٠٠ - ٢٠١ / ٦٦٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٢ / ٩٢٥.

(٤) أضفناها لأجل السياق.

(٥) المغني ٣ : ٥٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٨ - ٥٢٩ ، مختصر المزني : ٧٠ ، المجموع ٧ : ٥٤.

(٦) المغني ٣ : ٥٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٩.

(٧) البقرة : ١٩٦.


يوماً ، والمعسر في الصوم كالعبد يجب عليه ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجع(١) .

وقال بعض العامّة : يجب لكل مدّ من قيمة الشاة يوم(٢) .

ويبطل بالآية(٣) . وبقول عمر لهبّار بن الأسود : فإن وجدت سعةً فاهد ، وإن لم تجد سعةً فصُمْ ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجعت(٤) .

ولو لم يذبح مولى المملوك عنه ، تعيّن عليه الصوم ، ولا يجوز لمولاه منعه عن الصوم ؛ لأنّه صوم واجب ، فلا يحلّ له منعه عنه ، كرمضان.

ولو اُعتق المملوك قبل الوقوف بالموقفين ، أجزأ عن حجّة الإسلام ، ووجب عليه الهدي إن تمكّن ، وإلّا الصوم.

ولو لم يصم العبد إلى أن تمضي أيّام التشريق ، فالأفضل لمولاه أن يهدي عنه ، ولا يأمره بالصوم ، ولو أمره به ، لم يكن به بأس.

مسألة ٥٨٨ : إنّما يجب الهدي على المتمكّن منه أو من ثمنه‌ إذا وجده بالشراء ، ولا يجب بيع ثياب التجمّل في الهدي على المتمكّن منه أو من ثمنه إذا وجده بالشراء ، ولا يجب بيع ثياب التجمّل في الهدي ، بل ينتقل إلى الصوم ؛ لأنّ رجلاً سأل الرضاعليه‌السلام : عن رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ وفي عيبته ثياب ، له أن يبيع من ثيابه شيئاً ويشتري بدنة؟ قال : « لا ، هذا يتزيّن به المؤمن ، يصوم ولا يأخذ من ثيابه شيئاً »(٥) .

إذا عرفت هذا ، فإنّ القدرة تعتبر في موضعه ، فمتى عدمه في‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٩.

(٢) الشرح الكبير ٣ : ٥٢٩.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) المغني ٣ : ٥٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٩.

(٥) الكافي ٤ : ٥٠٨ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٢٣٨ / ٨٠٢ بتفاوت يسير.


موضعه ، جاز له الانتقال إلى الصيام وإن كان قادراً عليه في بلده ، ولا نعلم فيه خلافاً ، لأنّ وجوبه موقّت ، وما كان وجوبه موقّتاً اعتبرت القدرة عليه في موضعه ، كالماء في الطهارة إذا عدم في مكانه انتقل إلى التراب.

ولو تمتّع الصبي ، وجب على وليّه أن يذبح عنه ؛ للعموم ، فإن لم يجد ، فليصم عنه عشرة أيّام ؛ للآية(١) .

ولقول أبي نعيم : تمتّعنا فأحرمنا ومعنا صبيان ، فأحرموا ولبّوا كما لبّينا ولم يقدروا(٢) على الغنم، قال : « فليصم عن كلّ صبي وليُّه »(٣) .

البحث الثاني : في كيفية الذبح.

مسألة ٥٨٩ : يجب في الذبح والنحر النيّة ؛ لأنّه عبادة ، وكلّ عبادة بنيّة ، لقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ ) (٤) .

ولأنّ جهات إراقة الدم متعدّدة ، فلا يتخلّص المذبوح هدياً إلّا بالقصد.

ويجب اشتمالها على جنس الفعل وجهته من كونه هدياً أو كفّارة أو غير ذلك ، وصفته من وجوب أو ندب ، والتقرّب إلى الله تعالى.

ويجوز أن يتولّاها عنه الذابح ؛ لأنّه فعل تدخله النيابة ، فيدخل في شرطه كغيره من الأفعال.

مسألة ٥٩٠ : وتختصّ الإبل بالنحر ، فلا يجوز ذبحها ، والبقر والغنم بالذبح ، فلا يجوز نحرها‌؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « كلّ منحور مذبوح حرام ،

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) في المصدر : ولم نقدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٣٧ - ٢٣٨ / ٨٠١ وفيه : عن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن أعين قال : تمتّعنا ، إلى آخره.

(٤) البيّنة : ٥.


وكلّ مذبوح منحور حرام »(١) .

ويستحب أن يتولّى الحاجّ بنفسه الذبح أو النحر ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نحر هديه بنفسه(٢) .

ولما رواه العامّة عن غرفة بن الحارث الكندي ، قال : شهدت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع واُتي بالبُدْن ، فقال : ( ادع لي أبا حسن ) فدُعي له عليعليه‌السلام ، فقال : ( خُذْ بأسفل الحربة ) وأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأعلاها ، ثم طعنا بها البُدْن(٣) . وإنّما فعلا ذلك ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أشرك عليّاًعليه‌السلام في هديه(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : « وكان الهدي الذي جاء به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعاً وستّين أو ستّاً وستّين ، وجاء عليعليه‌السلام بأربع وثلاثين أو ستّ وثلاثين ، فنحر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منها ستّاً وستّين ، ونحر عليعليه‌السلام أربعاً وثلاثين »(٥) .

وفي رواية : « ساق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مائة بدنة ، فجعل لعليُّعليه‌السلام منها أربعاً وثلاثين ولنفسه ستّاً وستّين ، ونحرها كلّها بيده ، ثم أخذ من كلّ بدنة جذوةً طبخها في قدر ، وأكلا منها وتحسّيا من المرق ، وافتخر عليعليه‌السلام على أصحابه وقال : مَنْ فيكم مثلي وأنا شريك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هديه؟ مَنْ فيكم مثلي وأنا الذي ذبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هديي بيده؟ »(٦) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٩٩ / ١٤٨٥.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ - ١٠٢٧ / ٣٠٧٤ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.

(٣) سنن أبي داود ٢ : ١٤٩ / ١٧٦٦.

(٤) المصادر في الهامش (٢).

(٥) التهذيب ٥ : ٤٥٧ / ١٥٨٨ ، وفي الكافي ٤ : ٢٤٧ / ٤ بتفاوت يسير.

(٦) الفقيه ٢ : ١٥٣ - ١٥٤ / ٦٦٥.


ولو لم يُحسن الذباحة ، ولّاها غيره ، واستحبّ له أن يجعل يده مع يد الذابح ، وينوي الذابح عن صاحبها ؛ لأنّه فعل تدخله النيابة ، فيدخل في شرطه. ويستحب له أن يذكره بلسانه ، فيقول بلسانه : أذبح عن فلان بن فلان ، عند الذبح ، والواجب القصد بالنيّة.

ولو نوى بقلبه عن صاحبها وأخطأ فتلفّظ بغيره ، كان الاعتبار بالنيّة ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل أخاه الكاظمعليه‌السلام - في الصحيح - عن الضحيّة يخطئ الذي يذبحها فيسمّي غير صاحبها ، أتجزئ عن صاحب الضحيّة؟ فقال : « نعم إنّما له ما نوى »(١) .

مسألة ٥٩١ : يستحب نحر الإبل قائمة من الجانب الأيمن‌ قد رُبطت يدها ما بين الخفّ إلى الركبة ثم يطعن في لبَّتها ، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر(٢) - لقوله تعالى :( فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها ) (٣) .

وقال المفسّرون في قوله تعالى :( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ ) (٤) : أي قياماً(٥) .

وما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها(٦) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٩٦ / ١٤٦٩ ، التهذيب ٥ : ٢٢٢ / ٧٤٨ بتفاوت يسير.

(٢) أحكام القرآن - لابن العربي - ٣ : ١٢٨٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٥٩ ، المجموع ٩ : ٨٥ ، المغني ٣ : ٤٦٢ و ١١ : ٤٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥١ و ١١ : ٥٤.

(٣ و ٤ ) الحجّ : ٣٦.

(٥) تفسير الطبري ١٧ : ١١٨ ، مجمع البيان ٤ : ٨٦ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٦١.

(٦) سنن أبي داود ٢ : ١٤٩ / ١٧٦٧.


ومن طريق الخاصّة : قول أبي الصباح الكناني : سألت الصادقعليه‌السلام : كيف تُنحر البدنة؟ قال : « تُنحر وهي قائمة من قِبَل اليمين »(١) .

وعن أبي خديجة قال : رأيت الصادقعليه‌السلام وهو ينحر بدنة معقولة يدها اليسرى ، ثم يقوم من جانب يدها اليمنى ويقول : « بسم الله والله أكبر ، هذا منك ولك ، اللّهم تقبّل منّي » ثم يطعن في لبَّتها ثم يخرج السكّين بيده ، فإذا وجبت جنوبها قطع موضع الذبح بيده(٢) .

وهذا القيام مستحب لا واجب إجماعاً.

ولو خاف نفورها ، أناخها ونحرها باركةً.

مسألة ٥٩٢ : يجب توجيه الذبيحة إلى القبلة ، خلافاً للعامّة(٣) ، وسيأتي في موضعه. ويستحب الدعاء بالمنقول. ويمرّ السكّين ، ولا ينخعها حتى تموت.

وتجب التسمية عند علمائنا ؛ لقوله تعالى :( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ ) (٤) وقوله تعالى :( وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ) (٥) .

ولو نسي التسمية ، حلّ أكله ؛ لرواية ابن سنان - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سمعته يقول : « إذا ذبح المسلم ولم يسمّ ونسي فكُلْ من ذبيحته وسمّ الله على ما تأكل »(٦) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٩٧ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٩٩ / ١٤٨٨ ، وفي التهذيب ٥ : ٢٢١ / ٧٤٤ بتفاوت يسير.

(٢) الكافي ٤ : ٤٩٨ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٢٢١ / ٧٤٥ بتفاوت يسير.

(٣) المغني ٣ : ٤٦٣ ، المجموع ٨ : ٤٠٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٨٠.

(٤) الحجّ : ٣٦.

(٥) الأنعام : ١٢١.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٢٢ / ٧٤٧.


مسألة ٥٩٣ : يجب النحر أو الذبح في هدي التمتّع بمنى‌ ، عند علمائنا ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( منى كلّها منحر )(١) والتخصيص بالذكر يدلّ على التخصيص في الحكم.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في رجل قدم بهديه مكّة في العشر ، فقال : « إن كان هدياً واجباً فلا ينحره إلّا بمنى ، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكّة إن شاء ، وإن كان قد أشعره أو قلّده فلا ينحره إلّا يوم الأضحى »(٢) .

وقال أكثر العامّة : إنّه مستحب ، وإنّ الواجب نحره بالحرم - وقال بعض العامّة : لو ذبحه في الحِلّ وفرّقه في الحرم ، أجزأه(٣) - لقولهعليه‌السلام : ( كلّ منى منحر ، وكلّ فجاج مكّة منحر وطريق)(٤) (٥) .

ونحن نقول بموجبه ؛ لأنّ بعض الدماء ينحر بمكّة ، وبعضها ينحر بمنى.

ولو ساق هدياً في الحجّ ، نحره أو ذبحه بمنى ، وإن كان قد ساقه في العمرة ، نحره أو ذبحه بمكّة قبالة الكعبة بالموضع المعروف بالحزورة ؛ لأنّ‌

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٩٣ / ١٩٣٥ و ١٩٣٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٣ / ٣٠٤٨ ، مسند أحمد ٣ : ٣٢٦.

(٢) الكافي ٤ : ٤٨٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٠١ - ٢٠٢ / ٦٧٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٣ / ٩٢٨.

(٣) فتح العزيز ٨ : ٨٦.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ١٩٣ - ١٩٤ / ١٩٣٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٣ / ٣٠٤٨ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٩ ، مسند أحمد ٣ : ٣٢٦ بتفاوت يسير ، ونصّه في المغني والشرح الكبير. اُنظر الهامش التالي.

(٥) المغني ٣ : ٤٦٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٢ ، فتح العزيز ٨ : ٨٦ ، المجموع ٨ : ١٩٠.


شعيب العقرقوفي سأل الصادقَعليه‌السلام : سُقْتُ في العمرة بدنةً فأين أنحرها؟ قال : « بمكّة » قلت: فأيّ شي‌ء اُعطي منها؟ قال : « كُلْ ثلثاً واهد ثلثاً وتصدّق بثلث »(١) .

وأمّا ما يلزم المـُحْرم من فداءٍ عن صيدٍ أو غيره ، يذبحه أو ينحره بمكّة إن كان معتمراً ، وبمنى إن كان حاجّاً ؛ لقوله تعالى :( ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (٢) وقال تعالى :( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (٣) في جزاء الصيد.

وقال أحمد : يجوز في موضع السبب - وقال الشافعي : لا يجوز إلّا في الحرم(٤) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبيّة(٥) ، ولم يأمره ببعثه إلى الحرم(٦) .

وروى الأثرم وأبو إسحاق الجوزجاني في كتابيهما عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر ، قال : كنت مع عليّ والحسين بن عليّعليهما‌السلام ، فاشتكى حسين بن عليّعليهما‌السلام بالسقيا ، فأومأ بيده إلى رأسه ، فحلقه عليعليه‌السلام ، ونحر عنه جزوراً بالسقيا(٧) .

وأمْرُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديبيّة لا يستلزم الذبح بها. ونمنع الرواية الثانية.

وما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به ، وبه قال الشافعي‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٨٨ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٢٠٢ / ٦٧٢.

(٢) الحجّ : ٣٣.

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) فتح العزيز ٨ : ٨٧ - ٨٨ ، المغني ٣ : ٥٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٧.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٧٢ / ١٨٥٦.

(٦) المغني ٣ : ٥٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٧.

(٧) المغني ٣ : ٥٨٧ - ٥٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٧.


وأحمد(١) .

وقال مالك وأبو حنيفة : إذا ذبحها في الحرم ، جاز تفرقة لحمها في الحِلّ(٢) .

وهو ممنوع ؛ لأنّه أحد مقصودي النسك ، فلم يجز في الحِلّ ، كالذبح. ولأنّ المقصود من ذبحه بالحرم التوسعةُ على مساكينه ، وهذا لا يحصل بإعطاء غيرهم. ولأنّه نسك يختصّ بالحرم ، فكان جميعه مختصّاً به ، كالطواف وسائر المناسك.

مسألة ٥٩٤ : وقت استقرار وجوب الهدي إحرام المتمتّع بالحجّ‌ - وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٣) - لقوله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٤) .

ولأنّ المجعول غاية يكفي وجود أوّله ؛ لقوله تعالى :( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (٥) .

وقال مالك : يجب إذا وقف بعرفة - وهو قول أحمد في الرواية الاُخرى - لأنّ التمتّع بالعمرة إلى الحجّ إنّما يحصل بعد وجود الحجّ منه ، ولا يحصل ذلك إلّا بالوقوف ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الحجّ عرفة )(٦) .

____________________

(١) فتح العزيز ٨ : ٨٦ ، المغني ٣ : ٥٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٦.

(٢) المغني ٣ : ٥٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٥٦ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٥.

(٣) المغني ٣ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥١ ، فتح العزيز ٧ : ١٦٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المجموع ٧ : ١٨٣.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) البقرة : ١٨٧.

(٦) سنن الترمذي ٣ : ٢٣٧ / ٨٨٩ ، سنن النسائي ٥ : ٢٥٦ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٠ - ٢٤١ / ١٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٣ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٦٤ و ٢ : ٢٧٨.


ولأنّه قبل ذلك معرَّض للفوات ، فلا يحصل التمتّع(١) .

وقال عطاء : يجب إذا رمى جمرة العقبة - وهو مروي عن مالك - لأنّه وقت ذبحه فكان وقت وجوبه(٢) .

ونمنع كون التمتّع إنّما يحصل بالوقوف ، بل بالإحرام يتلبّس بالحجّ.

على أنّ قولهعليه‌السلام : ( دخلت العمرة في الحجّ هكذا ) وشبّك بين أصابعه(٣) ، يُعطي التلبّس به من أوّل أفعال العمرة.

والتعريض للفوات لا يقتضي عدم الإيجاب. وكون وقت الذبح بعد رمي جمرة العقبة لا يستلزم كون وقت وجوبه ذلك.

إذا عرفت هذا ، فوقت ذبحه أو نحره يوم النحر - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية(٤) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نحر يوم النحر وكذا أصحابه(٥) ، وقالعليه‌السلام : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٦) .

ولأنّ ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه الاُضحية ، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتّع كقبل التحلّل من العمرة.

أمّا مَنْ ساق هدياً في العشر ، فإن كان قد أشعره أو قلّده ، فلا ينحره‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥١.

(٢) المغني ٣ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٢ ، فتح العزيز ٧ : ١٦٨ ، المجموع ٧ : ١٨٤.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٤ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٦ - ٤٧.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٤٦ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٨ ، المغني ٣ : ٥٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٢.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٩ ، صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٦ - ١٠٢٧ / ٣٠٧٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.

(٦) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.


إلّا بمنى يوم النحر ، وإن لم يكن قد أشعره ولا قلّده ، فإنّه ينحره بمكّة إذا قدم في العشر ؛ لما رواه مسمع - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إذا دخل بهديه في العشر ، فإن كان أشعره وقلّده فلا ينحره إلّا يوم النحر بمنى ، وإن لم يقلّده ولم يشعره فينحره بمكّة إذا قدم في العشر »(١) .

وكذا لو كان تطوّعاً ، فإنّه ينحره بمكّة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إن كان واجباً نحره بمنى ، وإن كان تطوّعاً نحره بمكّة ، وإن كان قد أشعره وقلّده فلا ينحره إلّا يوم الأضحى »(٢) .

ولأنّا قد بيّنّا أنّ الذبح إنّما يجب بمنى ، وهو إنّما يكون يوم النحر.

وقال عطاء وأحمد في رواية : يجوز له نحره في شوّال ، وإن قدم في العشر ، لم ينحره إلّا بمنى يوم النحر(٣) .

وقال الشافعي : يجوز نحره بعد الإحرام قولاً واحداً ، وفيما قبل ذلك بعد حلّه من العمرة قولان:

أحدهما : المنع ؛ لأنّ الهدي يتعلّق به عمل البدن ، وهو تفرقة اللحم ، والعبادات البدنية لا تُقدّم على وقت وجوبها.

وأصحّهما عندهم : الجواز ؛ لأنّه حقٌّ ماليّ تعلّق بشيئين : الفراغ من العمرة والشروع في الحجّ ، فإذا وجد أحدهما ، جاز إخراجه ، كالزكاة.

ولا خلاف بين الشافعية في أنّه لا يجوز تقديمه على العمرة(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٣٧ / ٧٩٩ بتفاوت يسير وتقديم وتأخير في بعض الألفاظ.

(٢) الكافي ٤ : ٤٨٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٠١ - ٢٠٢ / ٦٧٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٣ / ٩٢٨ بتفاوت.

(٣) المغني ٣ : ٥٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٦٨ - ١٦٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المجموع ٧ : ١٨٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٥١ - ٥٢ ، المغني ٣ : ٥٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٢.


مسألة ٥٩٥ : أيّام النحر بمنى أربعة أيّام : يوم النحر وثلاثة بعده ، وفي غيرها من الأمصار ثلاثة أيام : يوم النحر ويومان بعده - وبه قال عليعليه‌السلام ، والحسن وعطاء والأوزاعي والشافعي وابن المنذر(١) - لما رواه العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( أيّام [ التشريق ](٢) كلّها منحر )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية علي بن جعفر - في الصحيح - عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن الأضحى كم هو بمنى؟ فقال : « أربعة أيّام » وسألته عن الأضحى في غير منى؟ فقال : « ثلاثة أيّام » فقلت : ما تقول في رجل مسافر قدم بعد الأضحى بيومين ، إله أن يضحّي في اليوم الثالث؟ قال : « نعم »(٤) .

وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد : في الأمصار يوم واحد ، وبمنى ثلاثة(٥) .

وقال أحمد : يوم النحر ويومان بعده - وبه قال مالك والثوري ، وروي عن ابن عباس وابن عمر - لأنّ اليوم الرابع لا يصلح للرمي ، فلا يصلح للذبح(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٨ : ٣٩٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، بداية المجتهد ١ : ٤٣٦ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٩٩.

(٢) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : « العشر » وما أثبتناه من المصدر ، وكما في منتهى المطلب - للمصنّفرحمه‌الله - ٢ : ٧٣٩.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ٢٣٩ و ٩ : ٢٩٦ ، وفي الموضعين منه : « ذبح » بدل « منحر ».

(٤) التهذيب ٥ : ٢٠٢ - ٢٠٣ / ٦٧٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٤ / ٩٣٠.

(٥) المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، المجموع ٨ : ٣٩٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠.

(٦) المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، المجموع ٨ : ٣٩٠ ، بداية المجتهد ١ : ٤٣٦ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٩٩.


والملازمة ممنوعة.

فرعان :

أ : يجب تقديم الذبح على الحلق بمنى‌ ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « يبدأ بمنى بالذبح قبل الحلق ، وفي العقيقة بالحلق قبل الذبح »(١) .

ولو أخّره ناسياً ، فلا شي‌ء عليه ، ولو كان عامداً ، أثم وأجزأ ، وكذا لو ذبحه في بقية ذي الحجّة جاز.

ب : قال أكثر فقهاء العامّة : يجزئ ذبح الهدي في الليالي المتخلّلة‌ لأيّام النحر(٢) .

البحث الثالث : في صفات الهدي.

مسألة ٥٩٦ : يجب أن يكون الهدي من بهيمة الأنعام : الإبل أو البقر أو الغنم ، إجماعاً.

قال تعالى :( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) (٣) .

وأفضله البُدْن ثم البقر ثم الغنم ؛ لما رواه العامّة عن أبي هريرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنّما قرّب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما قرّب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنّما قرّب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة )(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٩٨ / ٧ ، وفيه : « تبدأ » التهذيب ٥ : ٢٢٢ / ٧٤٩.

(٢) المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٧ - ٥٥٨ ، المجموع ٨ : ٣٩١.

(٣) الحجّ : ٢٨.

(٤) صحيح البخاري ٢ : ٣ - ٤ ، صحيح مسلم ٢ : ٥٨٢ / ٨٥٠ ، الموطّأ ١ : ١٠١ / ١.


ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - في المتمتّع : « وعليه الهدي » فقلت : وما الهدي؟ فقال : « أفضله بدنة ، وأوسطه بقرة وأخسّه شاة »(١) .

ولأنّ الأكثر لحما أكثر نفعا ، ولهذا أجزأت البدنة عن سبع شياه.

مسألة ٥٩٧ : ولا يجزئ في الهدي إلّا الجذع من الضأن والثنيّ من غيره‌. والجذع من الضأن هو الذي له ستة أشهر ، وثنيّ المعز والبقر ما لَه سنة ودخل في الثانية ، وثنيّ الإبل ما لَه خمس ودخل في السادسة - وبه قال مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي(٢) - لما رواه العامّة عن اُم بلال بنت هلال عن أبيها أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( يجوز الجذع من الضأن أضحية )(٣) .

وعن أبي بردة بن نيار(٤) ، قال : يا رسول الله إنّ عندي عناقاً جذعاً هي خيرٌ من شاتَيْ لحم؟ فقال : ( تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك )(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « يجزئ من الضأن الجذع ، ولا يجزئ من المعز إلّا الثنيّ »(٦) .

وسأل حمّادُ بن عثمان الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن أدنى ما‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٦ / ١٠٧ ، وفيه : « وأخفضه شاة ».

(٢) المغني ٣ : ٥٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٢ ، بداية المجتهد ١ : ٤٣٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٥ ، المجموع ٨ : ٣٩٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٢.

(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٤٩ / ٣١٣٩ ، مسند أحمد ٦ : ٣٦٨.

(٤) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : أبي بردة بن يسار. وما أثبتناه هو الصحيح وكما في المصادر.

(٥) المغني ٣ : ٥٩٥ ، سنن أبي داود ٣ : ٩٦ / ٢٨٠٠ ، سنن النسائي ٧ : ٢٢٣ بتفاوت في اللفظ فيهما.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٠٦ / ٦٨٩.


يجزئ من أسنان الغنم في الهدي ، فقال : « الجذع من الضأن » قلت : فالمعز؟ قال : « لا يجوز الجذع من المعز » قلت : ولِمَ؟ قال : « لأنّ الجذع من الضأن يلقح ، والجذع من المعز لا يلقح»(١) .

مسألة ٥٩٨ : ويجب أن يكون تامّاً‌ ، فلا تجزئ العوراء ، ولا العرجاء البيّن عرجها ، ولا المريضة البيّن مرضها ، ولا الكسيرة(٢) التي لا تُنقي(٣) ، وقد وقع الاتّفاق بين العلماء على اعتبار هذه الصفات الأربع في المنع.

روى العامّة عن البراء بن عازب ، قال : قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( أربع لا تجوز في الأضاحي : العوراء البيّن عورها ، والمريضة البيّن مرضها ، والعرجاء البيّن عرجها ، والكسيرة التي لا تنقي )(٤) أي التي لا مخّ لها لهزالها.

وأمّا المريضة فقيل : هي الجرباء ؛ لأنّ الجرب يفسد اللحم(٥) .

والوجه : اعتبار كلّ مرض يؤثّر في هزالها وفساد لحمها ، ومعنى البيّن عورها : أي التي انخسفت عينها وذهبت ، فإنّ ذلك ينقصها ؛ لأنّ شحمة العين عضو يستطاب أكله(٦) . والبيّن عرجها : لا تتمكّن من السير مع الغنم ولا تشاركها في العلف والرعي فتهزل.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٠٦ / ٦٩٠.

(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : الكبيرة ، وكذا في نظيرها الآتي في رواية البراء ابن عازب. وما أثبتناه من المصدر.

(٣) أي : التي لا مخّ لها لضعفها وهزالها ، كما سيأتي ، والنقي : المخّ. النهاية - لابن الأثير - ٥ : ١١٠ « نقا ».

(٤) سنن أبي داود ٣ : ٩٧ / ٢٨٠٢.

(٥) القائل هو الخرقي من الحنابلة. اُنظر الشرح الكبير ٣ : ٥٤٨.

(٦) في الطبعة الحجريّة : أكلها.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن آبائهعليهم‌السلام : ، قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يضحّى بالعرجاء البيّن عرجها ، ولا بالعوراء البيّن عورها ، ولا بالعجفاء ، ولا بالجرباء(١) ، ولا بالجذّاء ، وهي المقطوعة الاُذن ، ولا بالعضباء ، وهي المكسورة القرن »(٢) .

ولو كانت العوراء غير مخسوفة العين ، احتمل المنع ، لعموم الخبر ، وكما وقع الاتّفاق على منع ما اتّصف بواحدة من الأربع فكذا ينبغي على ما فيه نقص أكثر ، كالعمياء.

ولا يعتبر مع العمى انخساف العين إجماعاً ، لأنّه يخلّ بالمشي مع الغنم(٣) والمشاركة في العلف أكثر من إخلال العور.

مسألة ٥٩٩ : العضباء - وهي مكسورة القرن - لا تجزئ‌ إلّا إذا كان القرن الداخل صحيحاً ، فإنّه يجوز التضحية به - وبه قال عليعليه‌السلام ، وعمّار وسعيد بن المسيّب والحسن(٤) - لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام وعمّار(٥) ، ولم يظهر لهما مخالف من الصحابة.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في المقطوعة القرن أو المكسورة القرن : « إذا كان القرن الداخل صحيحاً فلا بأس وإن كان القرن الظاهر الخارج مقطوعاً »(٦) .

ولأنّ ذلك لا يؤثّر في اللحم ، فأجزأت ، كالجمّاء.

وقال باقي العامّة : لا تجزئ - وقال مالك : إن كان يدمي ، لم يجز ،

____________________

(١) في المصدر : ولا بالخرماء.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١٣ / ٧١٦.

(٣) في « ق ، ك » : النعم.

(٤ و ٥ ) المغني ٣ : ٥٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٨.

(٦) التهذيب ٥ : ٢١٣ / ٧١٧.


وإلّا جاز(١) - لما رووه عن عليعليه‌السلام ، قال : « نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يضحّى بأعضب الاُذن والقرن »(٢) (٣) .

وهو محمول على ما كسر داخله.

وأمّا العضباء - وهي التي ذهب نصف اُذنها أو قرنها - فلا تجزئ ، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد في إحدى الروايتين(٤) .

وكذا لا تجزئ عندنا ما قُطع ثلث اُذنها - وبه قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الاُخرى(٥) - لأنّ ما قطع بعض اُذنها يصدق عليها أنّها مقطوعة الاُذن ، فتدخل تحت النهي.

مسألة ٦٠٠ : لا بأس بمشقوقة الاُذن أو مثقوبتها‌ إذا لم يكن قد قطع من الاُذن شي‌ء ؛ لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، قال : « اُمرنا أن نستشرف العين والاُذن(٦) ولا نضحّي بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء ».

قال زهير : قلت لأبي إسحاق : ما المقابلة؟ قال : يقطع طرف الاُذن ، قلت : فما المدابرة؟ قال : يقطع من مؤخّر الاُذن ، قلت : فما الخرقاء؟ قال : تشقّ الاُذن ، قلت : فما الشرقاء؟ قال : تشقّ اُذنها للسمة(٧) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٨.

(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٥١ / ٣١٤٥ ، سنن الترمذي ٤ : ٩٠ / ١٥٠٤ ، سنن أبي داود ٣ : ٩٨ / ٢٨٠٥ ، المستدرك - للحاكم - ٤ : ٢٢٤ ، مسند أحمد ١ : ٨٣.

(٣) المغني ٣ : ٥٩٦ و ٥٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٨.

(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٨٥ ، المغني ٣ : ٥٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٨.

(٥) النتف ١ : ٢٤٠ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٨٥ ، المغني ٣ : ٥٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٨.

(٦) أي : نتأمّل سلامتهما من آفةٍ تكون بهما. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٤٦٢ « شرف ».

(٧) المغني ٣ : ٥٩٧ - ٥٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٩ ، سنن أبي داود ٣ : ٩٧ - ٩٨ / ٢٨٠٤ ، وفي سنن النسائي ٧ : ٢١٦ و ٢١٧ بدون الذيل.


ومن طريق الخاصّة : قول عليعليه‌السلام : « أَمَرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الأضاحي أن نستشرف العين والاُذن ، ونهانا عن الخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة »(١) .

يقال : استشرفت الشي‌ء : إذا رَفَعْتَ بصرَك تنظر إليه ، وبَسَطْتَ كفَّك فُويق حاجبك كأنّك تستظلّ من الشمس.

وسُئل أحدهماعليهما‌السلام عن الأضاحي إذا كانت الاُذن مشقوقةً أو مثقوبةً بسمة ، فقال : « ما لم يكن مقطوعاً فلا بأس »(٢) .

مسألة ٦٠١ : لا يجزئ الخصيّ عند علمائنا‌ ؛ لما رواه العامّة عن أبي بردة أنّه قال : يا رسول الله عندي جذعة من المعز ، فقال : ( تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك )(٣) .

قال أبو عبيد : قال إبراهيم الحربي : إنّما يجزئ الجذع من الضأن في الأضاحي دون الجذع من المعز ؛ لأنّ جذع الضأن يلقح ، بخلاف جذع المعز(٤) وهذا المقتضي موجود في الخصي.

ومن طريق الخاصّة : رواية محمد بن مسلم - الصحيحة - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن الاُضحية بالخصي ، قال : « لا »(٥) .

ولأنّه ناقص ، فلا يكون مجزئاً.

وقال بعض العامّة : إنّه يجزئه(٦) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٩٣ / ١٤٤٩ ، والتهذيب ٥ : ٢١٢ / ٧١٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١٣ / ٧١٨.

(٣) سنن أبي داود ٣ : ٩٦ - ٩٧ / ٢٨٠٠ و ٢٨٠١ ، المغني ٣ : ٥٩٥ نقلاً بالمعنى.

(٤) المغني ٣ : ٥٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٢١٠ - ٢١١ / ٧٠٧.

(٦) المغني ٣ : ٥٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٠ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ١١ ، المجموع ٨ : ٤٠١.


قال الشيخ : لو ضحّى بالخصيّ ، وجب عليه الإعادة إذا قدر عليه(١) ؛ لأنّه غير المأمور به ، فلا يخرج به عن العهدة.

ولأنّ عبد الرحمن بن الحجّاج سأل - في الصحيح - الكاظمعليه‌السلام عن الرجل يشتري الهدي ، فلمـّا ذبحه إذا هو خصيّ مجبوب ولم يكن يعلم أنّ الخصيّ لا يجوز في الهدي هل يجزئه أم يعيد؟ قال : « لا يجزئه إلّا أن يكون لا قوّة به عليه »(٢) .

ويكره الموجوء - وهو مرضوض الخصيتين - لما روي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ضحّى بكبشين أملحين موجوءين ، رواه العامّة(٣) .

وأمّا مسلول البيضتين : فالأقوى أنّه كالخصيّ.

وأمّا الجمّاء - وهي التي لم يخلق لها قرن - تجزئ.

قال بعض العامّة : لا تجزئ ؛ لأنّ عدم القرن أكثر من ذهاب بعضه(٤) .

ونمنع الحكم في الأصل.

والأقرب : إجزاء البتراء ، وهي مقطوعة الذنب ، وكذا الصمعاء ، وهي التي لم يخلق لها اُذن ، أو كان لها اُذن صغيرة ؛ لأنّ فقد هذه الأعضاء لا يوجب نقصاً في قيمة الشاة ولا في لحمها.

مسألة ٦٠٢ : المهزولة - وهي التي ليس على كليتها شي‌ء من الشحم - لا تجزئ‌ ، لأنّه قد منع من العرجاء لأجل الهزال فالمهزولة أولى بالمنع.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « وإن اشتراه وهو يعلم أنّه مهزول لم يجزئ‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢١١ ، النهاية : ٢٥٨ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٧٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١١ / ٧٠٨.

(٣) المغني ٣ : ٥٩٧ ، سنن أبي داود ٣ : ٩٥ / ٢٧٩٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٤٣ - ١٠٤٤ / ٣١٢٢.

(٤) المغني ٣ : ٥٩٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٠.


عنه »(١) .

وروى الفضيل ، قال : حججت بأهلي سنة ، فعزّت الأضاحي ، فانطلقت فاشتريت شاتين بالغلاء ، فلمـّا ألقيت إهابهما ندمت ندامة شديدة لما رأيت بهما من الهزال ، فأتيته فأخبرته ذلك ، فقال : « إن كان على كليتيها شي‌ء من الشحم أجزأت »(٢) .

ويستحب أن تكون سمينةً تنظر في سواد وتمشي في سواد وتبرك في سواد - قيل : أن تكون هذه المواضع منها سوداً ، وقيل : يكون سميناً له ظلّ يمشي فيه ويأكل فيه وينظر فيه - لأنّ محمد بن مسلم روى - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يضحّي بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في سواد وينظر في سواد »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو اشترى هدياً على أنّه سمين فوجده مهزولاً ، أجزأ عنه ، وكذا لو اشتراه على أنّه مهزول فخرج سميناً ، أجزأه أيضاً ؛ للامتثال.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « وإن اشترى الرجل هدياً وهو يرى أنّه سمين ، أجزأ عنه وإن لم يجده سميناً ، وإن اشترى وهو يرى أنّه مهزول فوجده سميناً ، أجزأ عنه ، وإن اشتراه وهو يعلم أنّه مهزول ، لم يجزئ عنه »(٤) .

ولو اشترى هدياً ثم أراد(٥) أن يشتري أسمن منه ، فليشتره وليبع الأوّل إن أراد ؛ لأنّه لم يتعيّن للذبح.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢١١ - ٢١٢ / ٧١٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١٢ / ٧١٤ بتفاوت يسير.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٠٥ / ٦٨٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٢١١ - ٢١٢ / ٧١٢.

(٥) في الطبعة الحجرية : ثم عنّ له ، بدل ثم أراد.


ولقول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - في رجل اشترى شاةً ثم أراد أن يشتري أسمن منها ، قال : « يشتريها ، فإذا اشترى باع الاُولى » ولا أدري شاةً قال أو بقرة(١) .

ولو اشترى هدياً ثم وجد به عيباً ، لم يجزئ عنه(٢) ، قاله الشيخ في التهذيب(٣) ؛ لأنّ علي بن جعفر سأل أخاه الكاظمَعليه‌السلام - في الصحيح - عن الرجل يشتري الاُضحية عوراء فلا يعلم إلّا بعد شرائها هل يجزئ عنه؟ قال : « نعم إلّا أن يكون هدياً واجباً فإنّه لا يجوز ناقصاً »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فلو اشتراه على أنّه تامٌّ فوجده ناقصاً ، لم يجزئ عنه.

مسألة ٦٠٣ : الإناث من الإبل والبقر أفضل من الذكران ، والذكران من الضأن والمعز أولى ، ولا خلاف في جواز العكس في البابين ، إلّا ما روي عن ابن عمر أنّه قال : ما رأيت أحداً فاعلاً ذلك ، وإن أنحر اُنثى أحبّ إليَّ(٥) .

ولا تصريح فيه بالمنع ، والآية عامّة في قوله تعالى :( وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) (٦) .

وروى العامّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أهدى جملاً لأبي جهل في أنفه بُرَة(٧) من فضّة(٨) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢١٢ / ٧١٣.

(٢) في « ق ، ك » : لم يجزئه.

(٣) التهذيب ٥ : ٢١٣ ذيل الحديث ٧١٨.

(٤) التهذيب ٥ : ٢١٣ - ٢١٤ / ٧١٩.

(٥) المغني ٣ : ٥٩٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤١.

(٦) الحجّ : ٣٦.

(٧) البُرَة : حلقة تجعل في لحم الأنف. النهاية - لابن الأثير - ١ : ١٢٢ « بره ».

(٨) سنن أبي داود ٢ : ١٤٥ / ١٧٤٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٠.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « أفضل البُدْن ذوات الأرحام من الإبل والبقر »(١) .

وقد تجزئ الذكورة من البُدْن والضحايا من الغنم الفحولة.

ويكره التضحية بالجاموس وبالثور ؛ لقول لأبي بصير : سألته عن الأضاحي ، فقال : « أفضل الأضاحي في الحجّ الإبل والبقر ذوو الأرحام ، ولا يضحّى بثور ولا جمل »(٢) .

ويستحب أن يكون الهدي ممّا عُرّف به - وهو الذي اُحضر عرفة عشيّة عرفة - إجماعاً ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « لا يضحّى إلّا بما قد عرّف به »(٣) .

ومنع ابن عمر وسعيد بن جبير من التضحية بما لم يعرَّف به(٤) .

والأصل عدم الوجوب ، وسأل سعيدُ بن يسار الصادقَعليه‌السلام : عمّن اشترى شاة لم يعرَّف بها ، قال : « لا بأس عُرّف بها أو لم يُعرّف »(٥) .

ولو أخبر البائع بالتعريف ، قُبل منه ؛ لأنّ سعيد بن يسار سأل الصادقَعليه‌السلام : إنّا نشتري الغنم بمنى ولسنا ندري هل عُرّف بها أم لا؟ فقال : « إنّهم لا يكذبون ، لا عليك ضحّ بها »(٦) .

تذنيب : قال مالك في هدي المجامع : إن لم يكن ساقه ، فليشتره من مكّة ثم ليخرجه إلى الحِلّ ، وليسقه إلى مكّة(٧) .

فاشترط فيه الجمع بين‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٠٤ / ٦٨٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٠٤ / ٦٨٢.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٠٦ - ٢٠٧ / ٦٩١ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٥ / ٩٣٦.

(٤) اُنظر : الشرح الكبير ٣ : ٥٧٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٠٧ / ٦٩٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٥ / ٩٣٦.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٠٧ / ٦٩٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٥ / ٩٣٩.

(٧) الشرح الكبير ٣ : ٥٧٩.


الحِلّ والحرم ، ولم يوافقه أحد.

لنا : الأصل براءة الذمّة ، ولأنّ القصد اللحم ونفع المساكين به ، وهو لا يقف على ما ذكره ، ولا دليل على قوله.

البحث الرابع : في البدل.

مسألة ٦٠٤ : إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه ، انتقل إلى البدل عنه ، وهو صوم عشرة أيّام : ثلاثة أيّام في الحجّ متتابعات ، وسبعة إذا رجع إلى أهله ، بالنصّ والإجماع.

قال الله تعالى :( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ) (١) .

وتعتبر القدرة على الهدي في مكانه ، فمتى عدمه في موضعه ، انتقل إلى الصوم وإن كان قادراً عليه في بلده ؛ لأنّ وجوبه موقّت ، وما كان ذلك اعتبرت القدرة عليه في موضعه ، كالماء في الطهارة إذا عدمه في موضعه ، ولا نعلم فيه خلافاً.

مسألة ٦٠٥ : ولو لم يجد الهدي ووجد ثمنه ، فأكثر علمائنا(٢) على أنّه يضع الثمن عند مَنْ يثق به‌ من أهل مكّة ليشتري له به هدياً ويذبحه عنه في بقية ذي الحجّة ، فإن خرج ذو الحجّة ولم يجد ، اشترى له في ذي الحجّة في العام المقبل ؛ لأنّ وجدان الثمن بمنزلة وجدان العين ، كواجد ثمن الماء ، مع أنّ النصّ ورد :فإن لم تجدوا ماء (٣)

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) منهم ابنا بابويه كما في الفقيه ٢ : ٣٠٤ ، والشيخ المفيد في المقنعة : ٦١ ، والسيّد المرتضى في الانتصار : ٩٣ ، والشيخ الطوسي في النهاية : ٢٥٤ ، والمبسوط ١ : ٣٧٠.

(٣) الآية في سورتي النساء : ٤٣ والمائدة : ٦:( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) .


وكذا وجدان ثمن الرقبة في العتق ؛ لأنّ التمكّن يحصل باعتبار الثمن هناك ، ويصدق عليه أنّه واجد للثمن ، فكذا هنا.

ولقول الصادقعليه‌السلام في متمتّع يجد الثمن ولا يجد الغنم ، قال : « يخلّف الثمن عند بعض أهل مكّة ويأمر مَنْ يشتري له ويذبح عنه وهو يجزئ عنه ، فإن مضى ذو الحجّة أخّر ذلك إلى قابل [ من ] ذي الحجّة »(١) .

مسألة ٦٠٦ : لو فقد الهدي والثمن ، انتقل إلى الصوم ، ويستحب أن تكون الثلاثة في الحجّ يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة ، عند علمائنا - وبه قال عطاء وطاوُس والشعبي ومجاهد والحسن والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي(٢) - لأنّ هذه الأيّام أشرف من غيرها ، ويوم عرفة أفضل من غيره من أيّام ذي الحجّة ، فكان صومه أولى.

ولقول الصادقعليه‌السلام في متمتّع لا يجد الهدي : « فليصم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة»(٣) ولرواية محمد بن مسلم - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « صوم الثلاثة الأيّام إن صامها فآخرها يوم عرفة »(٤) .

وقال الشافعي : آخرها يوم التروية - وهو محكي عن ابن عمر‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٠٨ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٣٧ / ١٠٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٠ / ٩١٦ ، وما بين المعقوفين من المصدر.

(٢) المغني ٣ : ٥٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤١ - ٣٤٢ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٩٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٨ - ٣٩ / ١١٤.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٣٤ / ٧٩١ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٣ / ١٠٠٣ ، وفيهما عن محمد بن مسلم عن أحدهماعليهما‌السلام .


وعائشة ، ومرويّ عن أحمد - لأنّ صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحب(١) .

وجوابه : أنّ ذلك لموضع الحاجة.

مسألة ٦٠٧ : لو فاته هذه الثلاثة ، صامها بعد أيّام منى‌ ، ولا يسقط عنه الصوم لفواته في العشر - وبه قال عليعليه‌السلام ، وابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والحسن وعطاء والزهري ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(٢) - لأنّه صوم واجب ، فلا يسقط بفوات وقته ، كرمضان.

ولرواية رفاعة ، قال : سألت الصادقعليه‌السلام : فإنّه قدم يوم التروية ، قال : « يصوم ثلاثة أيّام بعد أيّام التشريق » قلت : لم يقم عليه جمّالُه ، قال : « يصوم يوم الحصبة وبعده يومين » قال : قلت : وما الحصبة؟ قال : « يوم نفره » قلت : يصوم وهو مسافر!؟ قال : « نعم أفليس هو يوم عرفة مسافراً؟ إنّا أهل البيت نقول ذلك ، لقول الله عزّ وجلّ :( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ ) (٣) يقول : في ذي الحجّة »(٤) .

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوُس ومجاهد : إذا فاته الصوم في العشر ، لم يصمه بعده ، واستقرّ الهدي في ذمّته ، لقوله تعالى :( فِي الْحَجِّ ) (٥) .

ولأنّه بدل موقّت ، فيسقط بخروج وقته ، كالجمعة(٦) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٥٣ ، المجموع ٧ : ١٨٦ ، المغني ٣ : ٥٠٧ - ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٣ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٩٩.

(٢) المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٣ ، المجموع ٧ : ١٨٦ و ١٩٣ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٠ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٥.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) الكافي ٤ : ٥٠٦ - ٥٠٧ / ١ ، التهذيب ٥ : ٣٨ - ٣٩ / ١١٤.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٥ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠١.


والآية تدلّ على وجوبه في الحجّ ، أي في أشهر الحجّ ، وذو الحجّة كلّه من أشهر الحجّ.

وقياسهم باطل ؛ لأنّ الجمعة ليست بدلاً ، وسقطت ؛ لأنّ الوقت جعل شرطاً لها كالجماعة.

مسألة ٦٠٨ : ويجوز صوم الثلاثة قبل الإحرام بالحجّ ، وقد وردت رخصة في جواز صومها من أوّل العشر إذا تلبّس بالمتعة - وبه قال الثوري والأوزاعي(١) - لأنّ إحرام العمرة أحد إحرامي التمتّع ، فجاز الصوم بعده وبعد الإحلال منه ، كإحرام الحجّ.

وقد روى زرارة عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « مَنْ لم يجد الهدي وأحبَّ أن يصوم الثلاثة الأيّام في أوّل العشر فلا بأس بذلك »(٢) .

وقال أبو حنيفة : يجوز صومها إذا أحرم بالعمرة. وهو رواية عن أحمد(٣) .

وعنه رواية اُخرى : إذا أحلّ من العمرة(٤) .

وقال مالك والشافعي : لا يجوز إلّا بعد الإحرام بالحجّ - وبه قال إسحاق وابن المنذر ، وهو مروي عن ابن عمر - لقوله تعالى :( ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ ) (٥) .

ولأنّه صوم واجب ، فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه ،

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٩٩.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٣٥ / ٧٩٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٣ / ١٠٠٥.

(٣) المغني ٣ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ ، المجموع ٧ : ١٩٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٥ ، التفسير الكبير ٥ : ١٦٩ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٩٩.

(٤) المغني ٣ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢.

(٥) البقرة : ١٩٦.


كرمضان(١) .

والآية لا بدّ فيها من تقدير ؛ فإنّ الحجّ أفعال لا يصام فيها ، إنّما يصام في وقتها أو في أشهرها ؛ لقوله تعالى :( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (٢) .

والتقديم جائز إذا وجد السبب ، كتقديم التكفير على الحنث عنده.

إذا عرفت هذا ، فلا يجوز تقديم صومها على إحرام العمرة إجماعاً ، إلّا ما روي عن أحمد أنّه يجوز تقديم صومها على إحرام العمرة(٣) .

وهو خطأ ؛ لأنّه تقديم للواجب على وقته وسببه ، ومع ذلك فهو خلاف الإجماع.

مسألة ٦٠٩ : ولا يجوز أن يصوم أيّام التشريق بمنى في بدل الهدي وغيره ، عند علمائنا‌ - وبه قال عليعليه‌السلام ، والحسن وعطاء وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين ، والشافعي في الجديد(٤) - لما رواه العامّة عن أبي هريرة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن صيام ستّة أيّام : يوم الفطر والأضحى وأيّام التشريق واليوم الذي يشكّ فيه من رمضان(٥) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه الصدوق عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه بعث بديل ابن ورقاء الخزاعي على جمل أورق ، وأمره أن يتخلّل الفساطيط وينادي‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ ، المجموع ٧ : ١٩٣ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٩٩ ، التفسير الكبير ٥ : ١٦٩.

(٢) البقرة : ١٩٧.

(٣) المغني ٣ : ٥٠٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢.

(٤) المغني ٣ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٣ ، الوجيز ١ : ١٠٣ ، فتح العزيز ٦ : ٤١٠ - ٤١١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ١٩٦ ، المجموع ٦ : ٤٤٣ و ٤٤٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٥٤ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٠.

(٥) سنن الدار قطني ٢ : ١٥٧ / ٦.


في الناس أيّام منى : « ألا لا تصوموا ، إنّها أيّام أكل وشرب وبعال »(١) .

وسأل معاويةُ بن عمّار الصادقَعليه‌السلام عن الصيام أيّام التشريق ، فقال : « أمّا بالأمصار فلا بأس به ، وأمّا بمنى فلا »(٢) .

وقال الشافعي في القديم : يجوز صيامها. وهو رواية عن أحمد ، وبه قال ابن عمر وعائشة ومالك وإسحاق(٣) ؛ لما رواه ابن عمر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رخّص للمتمتّع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيّام التشريق(٤) .

وهو ضعيف السند.

مسألة ٦١٠ : لو لم يصمها بعد أيّام التشريق ، جاز صيامها طول ذي الحجّة أداءً لا قضاءً‌ - وبه قال الشافعي ومالك(٥) - لأنّه صوم واجب ، فلا يسقط بفوات وقته كرمضان.

ولرواية زرارة - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « مَنْ لم يجد ثمن الهدي فأحبّ أن يصوم الثلاثة الأيّام في العشر الأواخر فلا بأس بذلك »(٦) .

وقال أبو حنيفة : إذا فاته الصوم بخروج يوم عرفة ، سقط الصوم واستقرّ الهدي في ذمّته ؛ لقوله تعالى :( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ ) (٧) (٨) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٣٠٢ - ٣٠٣ / ١٥٠٤.

(٢) التهذيب ٤ : ٢٩٧ / ٨٩٧ ، الاستبصار ٢ : ١٣٢ / ٤٢٩.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٥٣ ، فتح العزيز ٦ : ٤١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ١٩٦ ، المجموع ٦ : ٤٤٣ و ٤٤٥ ، المغني ٣ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٣.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ١٨٦ / ٢٩.

(٥) فتح العزيز ٧ : ١٧٣ - ١٧٤ ، المجموع ٧ : ١٩٣ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠٠.

(٦) الفقيه ٢ : ٣٠٣ / ١٥٠٨.

(٧) البقرة : ١٩٦.

(٨) أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٥ ، فتح العزيز ٧ : ١٧٤.


وليس حجّةً ؛ لدلالتها على الوجوب في أشهر الحجّ ، لا على السقوط بعد انقضاء عرفة.

ولا يجوز صوم هذه الأيّام الثلاثة إلّا في ذي الحجّة بعد التلبّس بالمتعة.

ولو خرج ذو الحجّة وأهلّ الـمُحرَّم ، سقط فرض الصوم ، واستقرّ الهدي في ذمّته - وبه قال أبو حنيفة(١) - لأنّه صوم فات وقته ، فيسقط إلى مُبْدله ، كالجمعة.

ولما رواه منصور - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « مَنْ لم يصم في ذي الحجّة حتّى يهلّ هلال الـمُحرَّم فعليه دم شاة ، وليس له صوم ، ويذبح بمنى »(٢) .

وقال الشافعي : لا يسقط الصوم ، ولا تجب الشاة ، لأنّه صوم يجب بفواته القضاء ، فلم تجب به كفّارة ، كصوم رمضان(٣) .

ونمنع وجوب القضاء.

وقال أحمد : يجوز الصوم ، ولا يسقط بفوات وقته ، لكن يجب عليه دم شاة(٤) .

مسألة ٦١١ : يجب صوم الثلاثة متتابعاً إلّا في صورة واحدة ، وهي أنّه إذا فاته قبل يوم التروية ، فإنّه يصوم يوم التروية وعرفة ويفطر يوم العيد ثم‌

____________________

(١) اُنظر أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٥ ، وفتح العزيز ٧ : ١٧٤.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٩ / ١١٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٨ / ٩٨٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٧٣ - ١٧٤ ، المجموع ٧ : ١٩٣ ، المغني ٣ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٤.

(٤) المغني ٣ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٣ - ٣٤٤ ، فتح العزيز ٧ : ١٧٤ ، المجموع ٧ : ١٩٣.


يصوم يوماً آخر بعد انقضاء أيّام التشريق.

ولو صام غير هذه الأيّام ، وجب فيها تتابع الثلاثة ، ولا يجوز تخلّل الإفطار بين اليومين والثالث إلّا في الصورة التي ذكرناها.

ولم يوجب العامّة(١) التتابع.

والاحتياط ينافيه ؛ لأنّ الأمر ينبغي المسارعة إليه بقدر الإمكان ، وهو إنّما يتحقّق بالتتابع.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا يصوم الثلاثة الأيّام متفرّقة »(٢) .

وقالعليه‌السلام فيمن صام يوم التروية ويوم عرفة : « يجزئه أن يصوم يوماً آخر »(٣) .

وأمّا السبعة : فلا خلاف في جواز تفريقها ؛ لأنّ إسحاق بن عمّار سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن صوم السبعة اُفرّقها؟ قال : « نعم »(٤) .

مسألة ٦١٢ : أوجب علماؤنا التفريق بين الثلاثة والسبعة ؛ لأنّهم أوجبوا صوم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة في بلده - وبه قال الشافعي في حرملة ، ونقله المزني عنه(٥) - لقوله تعالى :( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) (٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٤ ، فتح العزيز ٧ : ١٩٠ ، المجموع ٧ : ١٩٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ٧٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٣٢ / ٧٨٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٠ / ٩٩٤.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٣١ / ٧٨٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٩ / ٩٩١.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٣٣ / ٧٨٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٨١ / ٩٩٨.

(٥) فتح العزيز ٧ : ١٧٤ - ١٧٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المجموع ٧ : ١٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٥ ، تحفة الفقهاء ١ : ٤١٢ ، مختصر المزني : ٦٤.

(٦) البقرة : ١٩٦.


وما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث طويل : ( فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله )(١) .

ومن طريق الخاصّة : رواية علي بن جعفر - في الصحيح - عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : « ولا يجمع الثلاثة والسبعة جميعاً »(٢) .

والقول الثاني للشافعي : يصوم إذا فرغ من أيّام الحجّ. وبه قال أبو حنيفة وأحمد - وحكي عن الشافعي أنّه يصوم إذا خرج من مكّة سائراً في الطريق ، وبه قال مالك - لأنّ كلّ مَنْ لزمه صوم وجاز له أن يؤدّيه إذا رجع إلى وطنه جاز قبل ذلك ، كقضاء رمضان(٣) .

والقياس لا يعارض الكتاب والحديث.

مسألة ٦١٣ : هذه السبعة تصام إذا رجع إلى أهله ، وإن أقام بمكّة ، انتظر وصول الناس إلى بلده ، أو مضيّ شهر ثم يصومها ؛ لما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ كان متمتّعاً فلم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله ، فإن فاته ذلك وكان له مقام بمكّة وأراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهراً ثم صام »(٤) .

وقال مالك وأبو حنيفة : يصوم بعد مضيّ أيّام التشريق(٥) .

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٥ - ٢٠٦ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٠١ / ١٢٢٧ ، سنن النسائي ٥ : ١٥١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧ و ٢٣.

(٢) التهذيب ٤ : ٣١٥ / ٩٥٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٨١ / ٩٩٩.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٧٦ - ١٧٧ ، المجموع ٧ : ١٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٥ ، المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ - ٣٤٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٣٤ / ٧٩٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٢ - ٢٨٣ / ١٠٠٢.

(٥) المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ١٣١ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٨ - ٢٩٩ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠١.


وقال عطاء ومجاهد : يصومها في الطريق. وهو قول إسحاق(١) .

وقال ابن المنذر : يصومها إذا رجع إلى أهله(٢) . وللشافعي ثلاثة أقوال تقدّمت في المسألة السابقة.

إذا عرفت هذا ، فإنّ التفريق بين صوم الثلاثة والسبعة واجب ، لما تقدّم.

ولو لم يصم الثلاثة وأقام بمكة حتى مضى شهر ، أو وصل أصحابه إلى بلده ، لم يجب عليه التفريق ، وهو أحد قولي الشافعي ، وفي الثاني : يجب عليه التفريق.

وفي كيفيّته أربعة أقوال : أحدها : يفصل بقدر المسافة وأربعة أيّام ، وثانيها : بأربعة أيّام ، وثالثها : قدر المسافة ، ورابعها : يفصل بيوم(٣) .

مسألة ٦١٤ : لو مات مَنْ وجب عليه الصوم ولم يصم ، فإن لم يكن قد تمكّن من صيام شي‌ء من العشرة ، سقط الصوم‌ ، ولا يجب على وليّه القضاء عنه ، ولا الصدقة عنه - وهو قول أكثر العامّة والشافعي في أحد القولين(٤) - لأنّه غير واجد للهدي ، فلا يجب عليه ، ولا قادر على الصوم ، فلا يجب أيضاً عليه. نعم يستحب للوليّ القضاء عنه.

ولو تمكّن من صيام العشرة وأهمل ، قال الشيخ : يقضي الوليّ عنه ثلاثة أيّام وجوباً ، ولا يجب قضاء السبعة(٥) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٢ - ٣٤٣.

(٢) المغني ٣ : ٥٠٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٨ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠١.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٨٣ - ١٨٥ ، المجموع ٧ : ١٨٨ - ١٨٩.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٩٣ ، المجموع ٧ : ١٩٢ ، المغني ٣ : ٥١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٥.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٧٠.


وقال ابن إدريس : يجب قضاء السبعة أيضاً(١) . وهو المعتمد - وهو أحد قولي الشافعي(٢) - لأنّه صوم واجب لم يفعله ، فوجب على وليّه القضاء عنه ، كرمضان.

ولرواية معاوية بن عمّار ، قال : « مَنْ مات ولم يكن له هدي لمتعته فليصم عنه وليّه »(٣) .

ولو لم يتمكّن من صيام السبعة ، لم يجب على الوليّ قضاؤها.

وفي القول الثاني للشافعي : يتصدّق الوليّ عنه(٤) ، وهو قول العامّة.

إذا عرفت هذا ، فلو تمكّن الحاجّ من صوم السبعة بعد رجوعه إلى أهله ، وجب عليه صيامها ، ولا تجزئ الصدقة عنها ؛ لأنّ الصدقة بدل ، فلا تجزئ مع التمكّن من فعل الـمُبْدل عنه ، كالتيمّم.

مسألة ٦١٥ : لو تلبّس بالصوم ثم أيسر أو وجد الهدي ، لم يجب عليه الهدي ، بل استحبّ له - وبه قال الحسن وقتادة ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لقوله تعالى( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ) (٦) مقتضاه وجوب الصوم على غير الواجد ، وهذا غير واجد ، والانتقال إلى الهدي يحتاج إلى دليل.

____________________

(١) السرائر : ١٣٩.

(٢) فتح العزيز ٧ : ١٩٣ - ١٩٤ ، المجموع ٧ : ١٩٢.

(٣) الكافي ٤ : ٥٠٩ / ١٢ ، التهذيب ٥ : ٤٠ / ١١٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٦١ / ٩٢١.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٩٣ - ١٩٤ ، المجموع ٧ : ١٩٢.

(٥) المغني ٣ : ٥١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٩ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٥ ، الوجيز ١ : ١١٦ ، فتح العزيز ٧ : ١٩١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المجموع ٧ : ١٩٠ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٧ ، المحلّى ٧ : ١٤٥.

(٦) البقرة : ١٩٦.


وظاهر كلام الشيخ : اشتراط صيام ثلاثة أيّام(١) ، وبه قال حمّاد والثوري(٢) .

وقال أبو حنيفة : يجب عليه الانتقال إلى الهدي ، وكذا إذا وجد الهدي بعد أن صام ثلاثة أيّام قبل يوم النحر [ و ](٣) إن وجده بعد أن مضت أيّام النحر ، أجزأه الصوم وإن لم يتحلّل ؛ لأنّه قد مضى زمان التحلّل ، لأنّه وجد الـمُبْدل قبل فراغه من البدل ، فأشبه المتيمّم إذا وجد الماء في أثناء تيمّمه ، وإذا وجد الهدي قبل يوم النحر فقد وجد الـمُبْدل قبل حصول المقصود بالبدل ، وهو التحلّل(٤) .

والفرق : أنّ المقصود من التيمّم الصلاة ، وليس مقصوداً في نفسه ، والصوم عبادة مقصودة يجب ابتداءً بالشرع لا كغيرها.

مسألة ٦١٦ : لو أحرم بالحجّ ولم يصم ثم وجد الهدي ، تعيّن عليه الذبح ، ولا يجزئه الصوم - وبه قال أحمد في إحدى الروايتين ، والشافعي في بعض أقواله(٥) - لأنّه قدر على الـمُبْدل قبل شروعه في البدل ، فلزمه الانتقال إليه ، كالمتيمّم إذا وجد الماء ، ولحصول يقين البراءة مع الذبح ، بخلاف الصوم.

وقال الشافعي في بعض أقواله : فرضه الصوم ، وإن أهدى كان‌

____________________

(١) النهاية : ٢٥٦ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٧١.

(٢) المغني ٣ : ٥١١ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٥ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠١.

(٣) أضفناها لأجل السياق.

(٤) أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٩٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢٦٥ ، المحلّى ٧ : ١٤٥ ، فتح العزيز ٧ : ١٩١ ، تفسير القرطبي ٢ : ٤٠١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٦٩.

(٥) المغني ٣ : ٥١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٥ ، فتح العزيز ٧ : ١٩١ - ١٩٢ ، المجموع ٧ : ١٩٠ ، المحلّى ٧ : ١٤٥.


أفضل(١) .

وله قول ثالث : إنّ عليه الهدي لا غير ، ولا يجزئه الصيام ، وهو الرواية الثانية لأحمد(٢) .

والشافعي بنى أقواله على أقواله في الكفّارات هل الاعتبار بحال الوجوب أو الأداء؟ فإن قلنا بحال الوجوب ، أجزأه الصيام ، وإن قلنا بحال الأداء أو بأغلظ الحالين ، لزمه الهدي(٣) .

مسألة ٦١٧ : لو تعيّن عليه الصوم وخاف الضعف عن المناسك يوم عرفة ، أخّر الصوم إلى بعد انقضاء أيّام التشريق‌ ، ولو خرج عقيب أيّام التشريق ولم يصم الثلاثة ، صامها في الطريق أو إذا رجع إلى أهله ؛ للرواية(٤) الصحيحة عن الصادقعليه‌السلام . والأفضل المبادرة إلى صومها في الطريق ؛ إذ ليس السفر مانعاً.

هذا إذا لم يهلّ المحرّم ، فإذا أهلّ قبل صومها ، تعيّن عليه الهدي.

قال الشيخ : ولو لم يصم الثلاثة لا بمكّة ولا في الطريق ورجع إلى بلده وكان متمكّناً من الهدي ، بعث به ، فإنّه أفضل من الصوم.

قال : والصوم بعد أيّام التشريق يكون أداءً لا قضاءً ، فلو أحرم بالحجّ ولم يكن صام ثم وجد الهدي ، لم يجز له الصوم ، وتعيّن عليه الهدي ، فلو مات ، اشتُري الهدي من صلب ماله ؛ لأنّه دَيْنٌ(٥) .

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، فتح العزيز ٧ : ١٩١ - ١٩٢.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المغني ٣ : ٥١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٣٤٥.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٩ ، المجموع ٧ : ١٩٠ ، فتح العزيز ٧ : ١٩١ - ١٩٢.

(٤) الكافي ٤ : ٥٠٧ - ٥٠٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٣٩ / ١١٥.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٧١.


ولو مات مَنْ وجب عليه الهدي ، اُخرج من صلب التركة ؛ لأنّه دَيْنٌ.

مسألة ٦١٨ : مَنْ وجب عليه بدنة في كفّارة أو نذر ولم يجد ، كان عليه سبع شياه على الترتيب عندنا‌ - وهو إحدى الروايتين عن أحمد(١) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أتاه رجل فقال : إنّ عليّ بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها؟ فأمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يبتاع سبع شياه فيذبحهنّ(٢) (٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : في الرجل يكون عليه بدنة واجبة في فداء ، قال : « إذا لم يجد بدنة فسبع شياه ، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في منزله »(٤) والترتيب على عدم الوجدان يدلّ على الترتيب.

وقال أحمد في الرواية الأخرى : إنّها على التخيير ، لأنّ الشاة معدولة بسبع بدنة وهي أطيب لحماً ، فكانت أولى(٥) .

ونمنع المعادلة.

إذا عرفت هذا ، فلو لم يتمكّن من سبع شياه ، صام ثمانية عشر يوماً ؛ للرواية(٦) عن الصادقعليه‌السلام . ولو وجب عليه سبع شياه ، لم تجزئه بدنة.

وفرّق أحمد بين وجوب السبع من(٧) جزاء الصيد وبين وجوبها في كفّارة محظورٍ ، فذهب إلى الجواز في الثاني ؛ لأنّ الواجب ما استيسر من‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٩٣.

(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : فذبحهنّ. وما أثبتناه من المصدر.

(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٤٨ / ٣١٣٦ ، مسند أحمد ١ : ٣١١.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٣٧ / ٨٠٠ و ٤٨١ / ١٧١١.

(٥) المغني ٣ : ٥٩٣ - ٥٩٤.

(٦) المصدر في الهامش (٤).

(٧) كذا ، والظاهر : في ، بدل من.


الهدي ، وهو شاة أو سُبع بدنة ، وقد كان أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يشترك السبعة منهم في البقرة أو البدنة(١) . وذهب إلى المنع في الأوّل ؛ لأنّ سبعاً من الغنم أطيب لحماً من البدنة ، فلا يعدل إلى الأدنى(٢) .

ولو وجب عليه بقرة ، فالأقرب إجزاء بدنة ؛ لأنّها أكثر لحماً وأوفر.

ولو لزمه بدنة في غير النذر وجزاء الصيد ، قال أحمد : تجزئه بقرة ؛ لأنّ جابراً قال : كنّا ننحر البدنة عن سبعة ، فقيل له : والبقرة؟ فقال : وهل هي إلّا من البُدْن؟(٣) (٤) .

والحقّ خلافه.

أمّا النذر : فإن عيّن شيئاً ، انصرف إليه ، وإن أطلق في النيّة واللفظ ، أجزأه أيّهما كان ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وفي الثانية : تتعيّن البدنة ، وهو قول الشافعي(٥) .

البحث الخامس : في الأحكام.

مسألة ٦١٩ : [ قال الشيخ : ](٦) الهدي إن كان واجباً ، لم يجزئ الواحد إلّا عن واحد‌ حالة الاختيار(٧) . وكذا مع الضرورة على الأقوى ، وبه قال مالك(٨) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩٥٥ / ٣٥١ و ٩٥٦ / ٣٥٥.

(٢) المغني ٣ : ٥٩٤.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٥٥ / ٣٥٣ نحوه.

(٤و٥) المغني ٣ : ٥٩٤.

(٦) زيادة يقتضيها السياق وكما في منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٧٤٨.

(٧) الخلاف ، كتاب الضحايا ، المسألة ٢٧.

(٨) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٦٩ ، المجموع ٨ : ٣٩٨ ، المغني ٣ : ٥٩٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٤.


ويتعيّن الصوم على الفاقد منهم ؛ للاحتياط ، ولقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « تجزئ البقرة والبدنة في الأمصار عن سبعة ، ولا تجزئ بمنى إلّا عن واحد »(١) .

وللشيخرحمه‌الله قول آخر : إنّه تجزئ مع الضرورة عن سبعة وعن سبعين(٢) ؛ لما رواه العامّة عن جابر ، قال : كنّا نتمتّع مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها(٣) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه حمران - في الحسن - قال : عزّت البُدْنُ سنة بمنى حتى بلغت البدنة مائة دينار ، فسُئل الباقرعليه‌السلام عن ذلك ، فقال : « اشتركوا فيها » قال : قلت : كم؟ قال: « ما خفّ فهو أفضل » فقال : قلت : عن كم تجزئ؟ فقال : « عن سبعين »(٤) .

ويحتمل أن يقال : إن ملك واحد الثمن ، وجب عليه أن يهدي عن نفسه ويأمر العاجز عن الثمن وبعضه بالصوم. ولو تمكّن كلّ واحد منهم على بعض الثمن بحيث يحصل الهدي ، جاز الاشتراك ؛ لأنّه أنفع للفقراء من الصوم.

وقال سوادة القطان للصادقعليه‌السلام : إنّ الأضاحي قد عزّت علينا ، قال : « فاجتمعوا فاشتروا جزوراً فانحروها فيما بينكم » قلنا : فلا تبلغ نفقتنا ذلك ، قال : « فاجتمعوا فاشتروا بقرةً فيما بينكم » قلنا : فلا تبلغ نفقتنا ذلك ، قال : « فاجتمعوا فاشتروا شاةً فاذبحوها فيما بينكم » قلنا : تجزئ عن سبعة؟ قال :

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٠٧ - ٢٠٨ / ٦٩٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٦ / ٩٤٠.

(٢) النهاية : ٢٥٨ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٧٢ ، الجُمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٣٥.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٥٦ / ٣٥٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٤.

(٤) الكافي ٤ : ٤٩٦ - ٤٩٧ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٢٠٩ / ٧٠٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٧ / ٩٤٨.


« نعم وعن سبعين »(١) .

وقال الشافعي : يجوز للسبعة أن يشتركوا في بدنة أو بقرة ، سواء كان واجباً أو تطوّعاً ، وسواء أراد جميعهم القربة ، أو بعضهم وأراد الباقون اللحم(٢) .

وقال أبو حنيفة : يجوز اشتراك السبعة في البدنة والبقرة إذا كانوا متقرّبين كلّهم ، تطوّعاً كان أو فرضاً ، ولا يجوز إذا لم يُردْ بعضهم القربة(٣) .

والشيخ –رحمه‌الله - اشترط في الخلاف اجتماعهم على قصد التقرّب ، سواء كانوا متطوّعين أو مفترضين أو بالتفريق ، وسواء اتّفقت مناسكهم بأن كانوا متمتّعين أو قارنين أو افترقوا(٤) .

إذا عرفت هذا ، فقد شرط علماؤنا في المشتركين أن يكونوا أهل خوان واحد ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « تجزئ البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد »(٥) .

وأمّا التطوّع : فيجزئ الواحد عن سبعة وعن سبعين حال الاختيار ، سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم إجماعاً.

مسألة ٦٢٠ : الهدي إمّا تطوّع ، كالحاجّ أو المعتمر إذا ساق معه هدياً

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٠٩ / ٧٠٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٧ / ٩٤٧.

(٢) الأُمّ ٢ : ٢٢٢ ، مختصر المزني : ٧٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٤ - ٣٧٥ ، فتح العزيز ٨ : ٦٥ - ٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، المجموع ٨ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٣١ - ١٣٢ و ١٤٤ ، المغني ٣ : ٥٩٤ - ٥٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٤ ، فتح العزيز ٨ : ٦٦ ، المجموع ٨ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩.

(٤) الخلاف ٢ : ٤٤١ - ٤٤٢ ، المسألة ٣٤١.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٠٨ / ٦٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٦ / ٩٤٢.


بنيّة أنّه ينحره بمنى أو بمكّة من غير أن يشعره أو يقلّده ، فهذا لم يخرج عن ملك صاحبه ، بل له التصرّف فيه كيف شاء من بيع أو غيره. ولو تلف ، لم يكن عليه شي‌ء.

وإمّا واجب ، وهو قسمان : أحدهما : واجب بنذر أو عهد أو يمين ، والثاني واجب ، وهو قسمان : أحدهما : واجب بنذر أو عهد أو يمين ، والثاني واجب بغيرها ، كهدي التمتّع وما وجب بترك واجبٍ أو فعل محظور.

والواجب بالنذر وشبهه قسمان :

أحدهما : أن يطلق النذر ، فيقول : لله عليَّ أن اُهدى بدنة ، مثلاً ، ويكون حكمه حكم ما وجب بغير النذر.

والثاني : أن يعيّنه ، مثل : لله عليَّ أن اُهدى هذه البدنة ، فيزول ملكه عنها ، وينقطع تصرّفه عنها ، وهي أمانة للمساكين في يده ، وعليه أن يسوقها إلى المنحر.

ويتعلّق الوجوب بعين المنذور دون ذمّة الناذر ، بل يجب عليه حفظه وإيصاله إلى المحلّ ، فإن تلف بغير تفريط أو سُرق ، أو ضلّ كذلك ، فلا ضمان.

وأمّا الواجب المطلق - كهدي التمتّع وجزاء الصيد والنذر غير المعيّن - فإمّا أن يسوقه وينوي به الواجب من غير أن يعيّنه بالقول ، فهذا لا يزول ملكه عنه إلّا بذبحه ودفعه إلى أهله ، وله التصرّف فيه بما شاء من أنواع التصرّف ، كالبيع والهبة والأكل وغير ذلك ؛ لعدم تعلّق حقّ الغير به.

فإن عطب ، تلف من ماله ، وإن عاب ، لم يجزئه ذبحه ، وعليه الهدي الذي كان واجباً عليه؛ لشغل ذمّته ، فلا تبرأ إلّا بإيصاله إلى مستحقّه ،


كالمديون إذا حمل الدَّيْن إلى صاحبه فتلف قبل وصوله إليه.

وإمّا أن يعيّن الواجب عليه بالقول ، فيقول : هذا الواجب عليَّ ، فإنّه يتعيّن الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمّة منه ، ويكون مضموناً عليه ، فإن عطب أو سُرق أو ضلّ ، عاد الواجب إلى ذمّته ، كالمديون إذا باع صاحب الدَّيْن سلعة به فتلفت قبل التسليم ، فإنّ الدَّيْن يعود إلى ذمّته.

وإذا ثبت أنّه يتعيّن بالقول فإنّه يزول ملكه عنه وينقطع تصرّفه ، وعليه أن يسوقه إلى المنحر ، ولا يجوز له بيعه ولا إخراج بدله ، فإن وَصَل نَحَره ، وإلّا سقط التعيين ، ووجب(١) عليه إخراج الذي في ذمّته ، ولا نعلم خلافاً في ذلك كلّه ، إلّا من أبي حنيفة : فإنّه قال : يجوز له إخراج بدله(٢) ؛ لأنّ القصد نفع المساكين.

ويبطل بأنّه يرجع إلى أصله بالإبطال.

وسأل محمد بن مسلم - في الصحيح - أحدهماعليهما‌السلام : عن الهدي الذي يقلّد أو يشعر ثم يعطب ، قال : « إن كان تطوّعاً فليس عليه غيره ، وإن كان جزاءً أو نذراً فعليه بدله »(٣) .

مسألة ٦٢١ : لو ذبح الواجب غير المعيّن فسُرق أو غُصب بعد الذبح ، فالأقرب : الإجزاء‌ - وبه قال أحمد والثوري وبعض أصحاب مالك ، وأصحاب الرأي(٤) - لأنّه أدّى الواجب عليه ، فبرئ منه ، كما لو فرّقه ؛ لأنّ‌

____________________

(١) في الطبعة الحجرية : ويجب.

(٢) المغني ٣ : ٥٨٠ ، المجموع ٨ : ٣٦٧ - ٣٦٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٢١٥ / ٧٢٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٩ / ٩٥٥.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٧٥.


الواجب هو الذبح ، والتفرقة ليست واجبةً ، لأنّه لو خُلّي بينه وبين الفقراء أجزأه وإن لم يفرّقه عليهم ، ولهذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا نحر : ( مَنْ شاء فليقتطع )(١) .

وقال الشافعي : عليه الإعادة ؛ لأنّه لم يوصل الحقّ إلى مستحقّه ، فأشبه ما لو لم يذبحه(٢) .

والفرق ظاهر ؛ فإنّه مع الذبح والتخلية يحصل فعل الواجب ، بخلاف المقيس عليه.

ولو عيّن بالقول الواجبَ غير المعيَّن ، تعيّن ، فإن عطب أو عاب ، لم يجزئه ؛ لأنّ الواجب في الذمّة هدي سليم ولم يوجد ، فيرجع الهدي إلى ملكه يصنع به ما شاء من بيع وهبة وأكل وغيرها - وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي(٣) - لما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : وإذا أهديت هدياً واجباً فعطب فانحره بمكانه إن شئت ، واهده إن شئت ، وبِعْه إن شئت وتقوَّ به في هدي آخر(٤) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الحلبي - الحسنة - قال : سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هدي‌

____________________

(١) المستدرك - للحاكم - ٤ : ٢٢١ ، مسند أحمد ٤ : ٣٥٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٤١ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٥٠ ، مشكل الآثار ٢ : ١٣٢ ، المغني ٣ : ٥٧٥ - ٥٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٥ وفيها : ( اقتطع ) بدل ( فليقتطع ).

(٢) المجموع ٧ : ٥٠١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٧٥.

(٣) المجموع ٨ : ٣٧٧ - ٣٧٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٨ ، المغني ٣ : ٥٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٥ - ٥٧٦ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٨٨ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢٣٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٤٥.

(٤) المغني ٣ : ٥٧٦.


آخر؟ قال : « يبيعه ويتصدّق بثمنه ويهدي هدياً آخر »(١) .

وقال مالك : يأكل ويُطْعم مَنْ أحبَّ من الأغنياء والفقراء ، ولا يبيع منه شيئاً(٢) .

والأولى ذبحه وذبح ما وجب في ذمّته معاً ، فإن باعه ، تصدّق بثمنه ؛ لرواية محمد بن مسلم - الصحيحة - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هديه؟ قال : « لا يبيعه ، وإن باعه تصدّق بثمنه وليهد آخر»(٣) .

وأوجب أحمد في رواية ذبحه(٤) .

والأقرب : حمل الرواية على الاستحباب.

ولو عيّن معيباً عمّا في ذمّته عيباً لا يجزئه ، لم يجزئه ؛ لأنّ الواجبَ السليمُ ، فلا يخرج عن العهدة بدونه ، ولا يلزمه ذبحه ، بخلاف ما لو عيّن السليم.

إذا عرفت هذا ، فإنّ تعيين الهدي يحصل بقوله : هذا هدي ، أو بإشعاره وتقليده مع نيّة الهدي ، وبه قال الثوري وإسحاق(٥) . ولا يحصل بالشراء مع النيّة ولا بالنيّة المجرّدة في قول أكثر العلماء(٦) .

وقال أبو حنيفة : يجب الهدي ويتعيّن بالشراء مع النيّة(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢١٧ / ٧٣٠.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٧٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٢١٧ / ٧٣١ بتفاوت يسير.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٧٦.

(٥ و ٦ ) المغني ٣ : ٥٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٠.

(٧) المغني ٣ : ٥٧٧.


وليس بجيّد ؛ لأصالة عدم التعيين.

مسألة ٦٢٢ : لو سُرق الهدي من حرز ، أجزأ عن صاحبه‌ ، وإن أقام بدله فهو أفضل ؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن رجل اشترى اُضحية فماتت أو سُرقت قبل أن يذبحها ، قال : « لا بأس وإن أبدلها فهو أفضل ، وإن لم يشتر فليس عليه شي‌ء»(١) .

ولو عطب الهدي في مكان لا يجد مَنْ يتصدّق عليه فيه ، فلينحره ، وليكتب كتاباً ويضعه عليه ليعلم المارّ به أنّه صدقة ؛ لأنّ عمر بن حفص الكلبي سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على مَنْ يتصدّق به عليه ولا مَن يُعْلمه أنّه هدي ، قال : « ينحره ويكتب كتاباً ويضعه عليه ليعلم مَنْ يمرّ به أنّه صدقة »(٢) .

ولأنّ تخليته بغير ذبح تضييع له.

ولو ضلّ الهدي فاشترى مكانه غيره ثم وجد الأوّل ، تخيّر بين ذبح أيّهما شاء ، فإن ذبح الأوّل ، جاز له بيع الأخير ، وإن ذبح الأخير ، لزمه ذبح الأوّل أيضاً إن كان قد أشعره ، وإن لم يكن أشعره ، جاز له بيعه - وبه قال عمر وابنه وابن عباس ومالك والشافعي وإسحاق(٣) - لما رواه العامّة عن عائشة أنّها أهدت هديين فأضلّتهما ، فبعث إليها ابن الزبير هديين ، فنحَرَتْهما ، ثم عاد الضالّان فنحرتهما ، وقالت : هذه سنّة الهدي(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٩٣ - ٤٩٤ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢١٧ - ٢١٨ / ٧٣٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١٨ / ٧٣٦.

(٣) المغني ٣ : ٥٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٧ ، المجموع ٨ : ٣٧٨.

(٤) المغني ٣ : ٥٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٧ ، وبتفاوت في اللفظ في سنن الدار قطني ٢ : ٢٤٢ / ٢٩ وسنن البيهقي ٥ : ٢٤٤.


ومن طريق الخاصّة : رواية أبي بصير أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل اشترى كبشاً فهلك منه ، قال : « يشتري مكانه آخر » قلت : [ فإن اشترى مكانه آخر ](١) ثم وجد الأوّل؟ قال : « إن كانا جميعاً قائمين فليذبح الأوّل وليبع الأخير ، وإن شاء ذَبَحه ، وإن كان قد ذبح الأخير ذبح الأوّل معه »(٢) .

وقال أصحاب الرأي : يصنع بالأوّل ما شاء(٣) .

وأمّا نحر الأوّل مع الإشعار : فلرواية الحلبي - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام : في الرجل يشتري البدنة ثم تضلّ قبل أن يشعرها أو يقلّدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر ويجد هديه ، قال : « إن لم يكن أشعرها فهي من ماله إن شاء نحرها وإن شاء باعها وإن كان أشعرها نحرها »(٤) .

مسألة ٦٢٣ : لو غصب شاةً فذبحها عن الواجب عليه ، لم يجزئه ، سواء رضي المالك أو لم يرض ، وسواء عوّضه عنها أو لم يعوّضه ؛ لأنّه لم يكن ذبحه قربة ، بل كان منهيّاً عنه ، فلا يكون خارجاً عن العهدة به.

وقال أبو حنيفة : يجزئه مع رضى المالك(٥) .

ولو ضلّ الهدي فوجده غيره ، فإن ذَبَحه عن نفسه ، لم يجزئ عن واحد منهما ؛ لعدم النيّة من صاحبه ، ولا يجزئ عنه ولا عن الذابح ؛ لأنّه منهيّ عنه.

____________________

(١) ما بين المعقوفين من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١٨ - ٢١٩ / ٧٣٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٧١ / ٩٦١.

(٣) المغني ٣ : ٥٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٧.

(٤) التهذيب ٥ : ٢١٩ / ٧٣٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٧١ - ٢٧٢ / ٩٦٢.

(٥) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٧٧.


وإن ذَبَحه عن صاحبه ، فإن ذَبَحه بمنى ، أجزأ عنه ، وبغيرها لا يجزئ ؛ لرواية منصور بن حازم - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام : في رجل يضلّ هديه فيجده رجل آخر فينحره ، قال : « إن كان نحره بمنى ، فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضلّ عنه ، وإن كان نحره في غير منى ، لم يجزئ عن صاحبه »(١) .

وينبغي لواجد الضالّ أن يعرّفه ثلاثة أيّام ، فإن عرفه صاحبه ، وإلّا ذَبَحه عنه ؛ لرواية محمد بن مسلم - الصحيحة - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : « إذا وجد الرجل هدياً فليعرّفه يوم النحر واليوم الثاني والثالث ثم ليذبحها عن صاحبها عشيّة الثالث »(٢) .

ولو اشترى هدياً وذبحه فعرفه غيره وذكر أنّه هديه ضلّ عنه ، وأقام بيّنةً بذلك ، كان له لحمه ، ولا يجزئ عن واحد منهما ، أمّا عن صاحبه : فلعدم النيّة منه ومن الذابح ، وأمّا عن المشتري : فلانتفاء ملكه ، ولصاحبه الأرش ؛ للرواية(٣) .

وإذا عيّن هدياً صحيحاً عمّا في ذمّته فهلك ، أو عاب عيباً يمنع الإجزاء بغير تفريط ، لم يلزمه أكثر ممّا كان واجباً في ذمّته ؛ لأنّ الزائد لم يجب في الذمّة ، وإنّما تعلّق بالعين ، فسقط بتلفها.

ولو أتلفه أو فرّط فتلف ، قال قوم : يجب مثل المعيّن ؛ لأنّ الزائد تعلّق به حقّ الله تعالى ، فإذا فوّته ، لزمه ضمانه ، كالهدي المعيّن ابتداءً(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٩٥ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٢١٩ / ٧٣٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٢ / ٩٦٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٢١٧ / ٧٣١.

(٣) الكافي ٤ : ٤٩٥ / ٩ ، التهذيب ٥ : ٢٢٠ / ٧٤٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٢ / ٩٦٤.

(٤) المغني ٣ : ٥٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٦ - ٥٧٧.


وفيه نظر.

مسألة ٦٢٤ : إذا ولدت الهدية ، وجب نحر ولدها أو ذبحه ، سواء عيّنه ابتداءً أو عيّنه بدلاً عن الواجب في ذمّته ؛ لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام أنّه أتاه رجل ببقرة قد أولدها ، فقال : « لا تشرب من لبنها إلّا ما فضل عن ولدها ، فإذا كان يوم الأضحى ضحّيت بها وولدها عن سبعة»(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضرّ بولدها ثم انحرهما جميعاً » قلت : أشرب من لبنها وأسقي ، قال : « نعم »(٢) .

ولو تلفت المعيّنة ابتداء أو بتعيينه ، وجب إقامة بدلها ، ووجب ذبح الولد ؛ لأنّه تبعها في الوجوب حالة اتّصاله بها ، ولم يتبعها في زواله ؛ لأنّه منفصل عنها ، فكان كولد المعيبة إذا ردّها المشتري بالعيب ، لم يبطل البيع في الولد.

مسألة ٦٢٥ : يجوز ركوب الهدي بحيث لا يتضرّر به‌ - وبه قال الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين(٣) - لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( اركبها بالمعروف إذا ألجِئْت إليها حتى تجد ظهراً )(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في قول الله عزّ وجلّ :( لَكُمْ

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٨١ نقلاً عن سعيد والأثرم ، ونحوه في سنن البيهقي ٥ : ٢٣٧.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٢٠ / ٧٤١.

(٣) الاُم ٢ : ٢١٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٦ - ٣٧٧ ، المجموع ٨ : ٣٦٨ ، المغني ٣ : ٥٨١ - ٥٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٣.

(٤) صحيح مسلم ٢ : ٩٦١ / ٣٧٥ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٧ / ١٧٦١ ، سنن النسائي ٥ : ١٧٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٦.


فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (١) قال : « إن احتاج إلى ظهرها(٢) ركبها من غير أن يعنف بها ، وإن كان لها لبن حلبها حلاباً لا ينهكها »(٣) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : لا يجوز ؛ لتعلّق حقّ الفقراء بها(٤) .

ونمنع عموم التعلّق.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز له شرب لبنها ما لم يضرّ بها ولا بولدها ؛ لرواية العامّة عن عليعليه‌السلام : « ولا تشرب [ من ] لبنها إلّا ما فضل عن ولدها »(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وإن كان لها لبن حلبها حلاباً لا ينهكها »(٦) .

ولأنّ بقاء اللبن في الضرع مضرّ له.

ولو شرب ما يضرّ بالاُم أو بالولد ، ضمن.

ولو كان بقاء الصوف على ظهرها يضرّ بها ، أزاله ، وتصدّق به على الفقراء ، وليس له التصرّف فيه ، بخلاف اللبن ؛ لأنّ اللبن لم يكن موجوداً وقت التعيين ، فلا يدخل فيه ، كالركوب وغيره من المنافع.

مسألة ٦٢٦ : هدي التمتّع من السنّة أن يأكل صاحبه منه‌ - وبه قال ابن عمر وعطاء والحسن وإسحاق ومالك وأحمد وأصحاب الرأي(٧) - لقوله‌

____________________

(١) الحجّ : ٣٣.

(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : ظهورها. وما أثبتناه من المصدر.

(٣) الكافي ٤ : ٤٩٢ - ٤٩٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٢٠ / ٧٤٢.

(٤) المغني ٣ : ٥٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٣.

(٥) المغني ٣ : ٥٨١ نقلاً عن سعيد والأثرم ، ونحوه في سنن البيهقي ٥ : ٢٣٧.

(٦) الكافي ٤ : ٤٩٢ - ٤٩٣ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٢٠ / ٧٤٢.

(٧) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٢٦.


تعالى :( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (١) .

وما رواه العامّة عن مسلم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر من كلّ بدنة ببضعة ، فجعلت في قِدْرٍ فأكل هو وعليعليه‌السلام من لحمها وشربا من مرقها(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا ذبحت أو نحرت فكُلْ وأطعم كما قال الله تعالى :( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (٣) »(٤) .

وقال الشافعي : لا يأكل منه ؛ لأنّه هدي وجب بالإحرام ، فلم يجز الأكل منه ، كدم الكفّارة(٥) .

وهو قياس فلا يعارض القرآن ، مع الفرق ؛ فإنّ دم التمتّع دم نسك ، بخلاف الكفّارة.

وينبغي أن يقسّم أثلاثاً : يأكل ثُلثه ، ويهدي ثُلثه ، ويتصدّق على الفقراء بثُلثه ، ولو أكل دون الثلث جاز.

وقد روى سيف التمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : « إنّ سعد ابن عبد الملك قدم حاجّاً فلقي أبي ، فقال : إنّي سُقْتُ [ هدياً ](٦) فكيف أصنع؟ فقال له أبي : أطعم أهلك ثلثاً ، وأطعم القانع والمعترّ ثُلثاً ، وأطعم المساكين ثُلثاً »(٧) الحديث.

واختلف علماؤنا في وجوب الأكل واستحبابه ، وعلى الوجوب‌

____________________

(١) الحجّ : ٣٦.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٤ ، وصحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨.

(٣) الحجّ : ٣٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٢٣ / ٧٥١.

(٥) الاُم ٢ : ٢١٧ ، المجموع ٨ : ٤١٧ ، المغني ٣ : ٥٨٣ - ٥٨٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٩ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ٣ : ١٢٩٠.

(٦) أضفناها من المصدر.

(٧) التهذيب ٥ : ٢٢٣ / ٧٥٣.


لا يضمن بتركه ، بل بترك الصدقة ؛ لأنّه المطلوب الأصلي من الهدي.

ولو أخلّ بالإهداء ، فإن كان بسبب أكله ، ضمن ، وإن كان بسبب الصدقة ، فلا.

مسألة ٦٢٧ : لا يجوز له الأكل من كلّ هدي واجب غير هدي التمتّع ، بإجماع علمائنا - وبه قال الشافعي(١) . لأنّ جزاء الصيد بدل ، والنذر جعل لله تعالى ، والكفّارة عقوبة ، وكلّ هذه لا تناسب جواز التناول.

وللرواية : قال الصادقعليه‌السلام : « كلّ هدي من نقصان الحجّ فلا تأكل [ منه ](٢) وكلّ هدي من تمام الحجّ فكُلْ »(٣) .

وعن أحمد رواية تناسب مذهبنا ؛ لأنّه جوّز الأكل من دم المتعة والقران(٤) .

ودم القران عندنا غير واجب ، فيجوز الأكل منه ، وهو قول أصحاب الرأي(٥) .

وعن أحمد رواية ثالثة : أنّه لا يأكل من النذر وجزاء الصيد ، ويأكل ممّا سواهما ، وبه قال ابن عمر وعطاء والحسن البصري وإسحاق(٦) .

وقال ابن أبي موسى : لا يأكل أيضاً من الكفّارة ، ويأكل ممّا سوى هذه الثلاثة(٧) . وهو قول مالك(٨) .

____________________

(١) الاُمّ ٢ : ٢١٧ ، المجموع ٨ : ٤١٧ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٩ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ٣ : ١٢٩٠.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٢٤ - ٢٢٥ / ٧٥٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٣ / ٩٦٧.

(٤) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٣.

(٥) بدائع الصنائع ٢ : ٢٢٦ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ٣ : ١٢٩٠ ، المحلّى ٧ : ٢٧١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٩ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٣.

(٦) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٣ ، المحلّى ٧ : ٢٧١.

(٧) المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٣.

(٨) بداية المجتهد ١ : ٣٧٩ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ٣ : ١٢٩٠ ، المحلّى ٧ : ٢٧١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٥٨٣.


وأمّا هدي التطوّع : فيستحب الأكل منه إجماعاً ؛ للآية(١) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أكل هو وعليعليه‌السلام من هديهما(٢) .

ولقول الباقرعليه‌السلام : « إذا أكل الرجل من الهدي تطوّعاً فلا شي‌ء عليه »(٣) .

وينبغي أن يأكل ثلثه ويهدي ثلثه ويتصدّق بثلثه ، كهدي التمتّع ، وهو القديم للشافعي ، وله آخر : أنّه يأكل النصف ويتصدّق بالنصف(٤) .

والآية(٥) تقتضي الأكل وإطعام صنفين ، فاستحبّت التسوية.

ولو أكل الجميع في التطوّع ، لم يضمن ، وهو قول بعض الشافعيّة(٦) .

وقال باقيهم : يضمن. واختلفوا ، فقال بعضهم : يضمن القدر الذي لو تصدّق به أجزأه. وقال بعضهم : يضمن قدر النصف أو الثلث على الخلاف(٧) .

ولو لم يأكل من التطوّع ، لم يكن به بأس إجماعاً.

ولو أكل ما مُنع من الأكل منه ، ضمنه بمثله لحماً ؛ لأنّ الجملة مضمونة بمثلها من الحيوانات فكذا أبعاضها.

____________________

(١) الحجّ : ٣٦.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٧ / ٣٠٧٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٢٥ - ٧٦١ ، الإستبصار ٢ : ٢٧٣ - ٩٧٠.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٣٨٠ ، وانظر : حلية العلماء ٣ : ٣٧٦ ، والمهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٦ ، والمجموع ٨ : ٤١٥ ، والمغني ١١ : ١٠٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٨٧.

(٥) الحجّ : ٣٦.

(٦) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، المجموع ٨ : ٤١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٦.

(٧) الحاوي الكبير ٤ : ٣٨٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، المجموع ٨ : ٤١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٦.


ولو أطعم غنيّاً ممّا له الأكل منه ، كان جائزاً ؛ لأنّه يسوغ له أكله ، فيسوغ له إهداؤه.

ولو باع منه شيئاً أو أتلفه ، ضمنه بمثله ؛ لأنّه ممنوع من ذلك ، كما مُنع من عطيّة الجزّار.

ولو أتلف أجنبي منه شيئاً ، ضمنه بقيمته ؛ لأنّ المتلف من غير ذوات الأمثال ، فلزمته قيمته.

مسألة ٦٢٨ : الدماء الواجبة بنصّ القرآن أربعة : دم التمتّع ، قال الله تعالى :( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (١) ودم الحلق ، وهو مخيّر ، قال الله تعالى :( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (٢) وهدي الجزاء على التخيير ، قال الله تعالى :( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (٣) وهدي الإحصار ، قال الله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٤) ولا بدل له ، للأصل.

مسألة ٦٢٩ : قد سلف أنّ ما يُساق في إحرام الحجّ يُذبح أو يُنحر بمنى ، وما يُساق في إحرام العمرة يُنحر أو يُذبح بمكّة ، وما يلزم من فداء يُنحر بمكّة إن كان معتمراً ، وبمنى إن كان حاجّاً.

وتجب تفرقته على مساكين الحرم ، وهو مَنْ كان في الحرم من أهله أو من غيره من الحاجّ وغيرهم ممّن يجوز دفع الزكاة إليه. وكذا الصدقة‌

____________________

(١ و ٢ ) البقرة : ١٩٦.

(٣) المائدة : ٩٥.

(٤) البقرة : ١٩٦.


مصرفها مساكين الحرم. أمّا الصوم فلا يختصّ بمكان دون غيره إجماعاً.

ولو دفع إلى مَنْ ظاهره الفقر فبان غنيّاً ، فالوجه : الإجزاء ، وهو أحد قولي الشافعي(١) .

وما يجوز تفريقه في غير الحرم لا يجوز دفعه إلى فقراء أهل الذمّة - وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور(٢) - لأنّه كافر فيمنع من الدفع إليه ، كالحربي.

وقال أصحاب الرأي : يجوز(٣) .

ولو نذر هدياً مطلقاً أو معيّناً وأطلق مكانه ، وجب صرفه في فقراء الحرم.

وجوّز أبو حنيفة ذبحه حيث شاء ، كما لو نذر الصدقة بشاة(٤) .

وهو باطل ؛ لقوله تعالى :( ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (٥) .

ولأنّ إطلاق النذر ينصرف إلى المعهود شرعاً ، وهو الحرم.

ولو عيّن موضعه غير الحرم ممّا ليس فيه صنم أو شي‌ء من أنواع الكفر ، كبيوت البِيَع والكنائس ، جاز ؛ لما رواه العامّة أنّ رجلاً جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : إنّي نذرت أن أنحر ببوانة(٦) ، قال : ( أبِها صنمٌ؟ ) قال : لا ، قال : ( أوفِ بنذرك )(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول الكاظمعليه‌السلام في رجل جعل لله عليه بدنة‌

____________________

(١ - ٣ ) المغني ٣ : ٥٨٩.

(٤) بدائع الصنائع ٢ : ٢٢٥ ، المغني ٣ : ٥٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨١.

(٥) الحجّ : ٣٣.

(٦) بُوانة : هضبة وراء يَنبُع ، قريبة من ساحل البحر. معجم البلدان ١ : ٥٠٥.

(٧) المغني ٣ : ٥٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٢ ، وبتفاوت في اللفظ في سنن أبي داود ٣ : ٢٣٨ / ٣٣١٣ ، وسنن ابن ماجة ١ : ٦٨٨ / ٢١٣١ ، ومسند أحمد ٦ : ٣٦٦.


ينحرها بالكوفة في شكره ، فقال : « عليه أن ينحرها حيث جعل الله عليه وإن لم يكن سمّى موضعاً نحرها في فناء الكعبة »(١) .

ولو كان إلى موضع منهيّ عنه ، لم يجب عليه ؛ لأنّه نذر في معصية.

ولو لم يتمكّن من إيصاله إلى المساكين بالحرم ، لم يلزمه إيصاله إليهم. ولو تمكّن من إنفاذه ، وجب.

مسألة ٦٣٠ : يستحب إشعار الإبل‌ بأن يشقّ صفحة سنامها من الجانب الأيمن ويلطخه بالدم ليعلم أنّه صدقة ، ذهب إليه علماؤنا أجمع.

وقال عامّة أهل العلم بمشروعية إشعار الإبل والبقر(٢) أيضاً.

لما رواه العامّة عن عائشة ، قالت : فتلت قلائد هدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم أشعرها وقلّدها(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في كيفية إشعار البُدْن : « تُشعر وهي باركة يشقّ سنامها الأيمن »(٤) .

وقال أبو حنيفة : لا يجوز الإشعار ؛ لأنّه مُثْلة ، ولاشتماله على إيلام الحيوان(٥) .

ولا حجّة فيه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فَعَله لغرض صحيح ، فأشبه الكي‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٣٩ / ٨٠٦ بتفاوت في اللفظ.

(٢) المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ - ٢٤٣ ، المجموع ٨ : ٣٥٨ ، فتح العزيز ٨ : ٩٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٢.

(٣) المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٠ ، وصحيح البخاري ٢ : ٢٠٧.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٠٩ / ٩٥٥ بتفاوت يسير.

(٥) المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٢ ، فتح العزيز ٨ : ٩٣ ، المجموع ٨ : ٣٥٨ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٣١٢ ، الاستذكار ١٢ : ٢٦٩ / ١٧٥٨٦.


والوسم والفصد ، والغرض عدم اختلاطها بغيرها ، وإباحة المساكين إذا ضلّت ، وامتناع اللصوص منها.

وقال مالك : إن كانت البقرة ذات سنام ، فلا بأس بإشعارها ، وإلّا فلا(١) .

ويستحب تقليد الهدي بأن يجعل في رقبته نعل قد صلّى فيه ، وهو مشترك بين الإبل والبقر والغنم - وبه قال أحمد(٢) - لما رواه العامّة عن عائشة ، قالت : كنت أفتل القلائد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيقلّد الغنم ، ويقيم في أهله حلالاً(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « كان الناس يقلّدون الغنم والبقر ، وإنّما تركه الناس حديثاً »(٤) .

وقال أبو حنيفة ومالك : لا يسنّ تقليد الغنم ، وإلّا لنُقل(٥) . وقد بيّنّا النقل.

إذا عرفت هذا ، فإنّ الإشعار يكون في صفحة السنام من الجانب الأيمن ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور(٦) - لما رواه العامّة‌

____________________

(١) المنتقى - للباجي - ٢ : ٣١٣ ، المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٩.

(٢) المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٧ ، الاستذكار ١٢ : ٢٦٦ / ١٧٥٦٣ و ١٧٥٦٤.

(٣) المغني ٣ : ٥٩١ ، وصحيح البخاري ٢ : ٢٠٨.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٠٩ / ٩٥٢.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٣٧ ، المغني ٣ : ٥٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٠ ، فتح العزيز ٨ : ٩٤ - ٩٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٧ ، المجموع ٨ : ٣٦٠ ، الاستذكار ١٢ : ٢٦٥ / ١٧٥٦٣.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٣ ، فتح العزيز ٨ : ٩٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ - ٢٤٣ ، المجموع ٨ : ٣٥٨ و ٣٦٠ ، بداية المجتهد ١ : ٣٧٧ ، الاستذكار ١٢ : ٢٦٩ / ١٧٦٨١ ، المغني ٣ : ٥٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٠.


أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى بذي الحليفة ثم دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم عنها بيده(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ويشقّ سنامها الأيمن »(٢) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يحبّ التيامن في شأنه كلّه(٣) .

وقال مالك وأبو يوسف : تشعر في صفحتها اليسرى - وهو رواية عن أحمد - لأنّ ابن عمر فَعَله(٤) .

وفِعْلُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أولى.

ولو كانت البُدْنُ كثيرةً ، دخل بينها وشقّ سنام إحداهما من الأيمن والاُخرى الأيسر.

مسألة ٦٣١ : لا ينبغي أن يأخذ من جلود الهدايا شيئاً ، بل يتصدّق بها ، ولا يُعطيها الجزّار؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ذبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن اُمّهات المؤمنين بقرةً بقرةً ، ونحر هو ستّاً وستّين بدنة ، ونحر عليعليه‌السلام أربعاً وثلاثين بدنة ، ولم يُعط الجزّارين من جلالها ولا قلائدها ولا جلودها ولكن تصدّق به »(٥) .

وفي رواية صحيحة عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يعطى جلالها وجلودها وقلائدها الجزّارين ، وأمر أن يتصدّق بها »(٦) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٩١٢ / ١٢٤٣ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٦ / ١٧٥٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٦٦ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٢ ، ومسند أحمد ١ : ٢٥٤ و ٢٨٠ و ٣٣٩ و ٣٤٧ بتفاوت يسير.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٠٩ / ٩٥٥ بتفاوت يسير.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٢٢٦ / ٦٧ وفيه التيمّن

(٤) بداية المجتهد ١ : ٣٧٧ ، الاستذكار ١٢ : ٢٦٩ / ١٧٥٨٢ ، المغني ٣ : ٥٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٠ ، فتح العزيز ٨ : ٩٣ - ٩٤ ، المجموع ٨ : ٣٦٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٧٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٢٧ / ٧٧٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٥ - ٢٧٦ / ٩٧٩.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٢٨ / ٧٧١ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٦ / ٩٨٠.


مسألة ٦٣٢ : روى جميل بن دراج - في الحسن - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق ، قال : « لا ينبغي إلّا أن يكون ناسياً » ثم قال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتاه اُناس يوم النحر ، فقال بعضهم : يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح ، وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخّر إلّا قدّموه ، فقال : لا حرج »(١) .

إذا عرفت هذا ، فلا يجوز أن يحلق ولا أن يزور البيت إلّا بعد الذبح أو أن يبلغ الهدي محلّه وهو منى يوم النحر بأن يشتريه ويجعله في رحله بمنى ، لأنّ وجوده في رحله في ذلك الموضع بمنزلة الذبح.

وقال الشيخ : مَنْ تمتّع عن اُمّه وأهلّ بحجّة عن أبيه فهو بالخيار في الذبح إن فعل فهو أفضل ، وإن لم يفعل فليس عليه شي‌ء(٢) ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في رجل تمتّع عن اُمّه وأهلّ بحجّة عن أبيه ، قال : « إن كان ذبح فهو خير له ، وإن لم يذبح فليس عليه شي‌ء ، لأنّه إنّما تمتّع عن اُمّه وأهلّ بحجّة عن أبيه »(٣) .

مسألة ٦٣٣ : المتمتّع الواجد للهدي إذا مات قبل الفراغ من الحجّ ، لم يسقط عنه الدم‌ ، بل يخرج من تركته - وهو أصحّ قولي الشافعي(٤) - لأنّه وجب بالإحرام بالحجّ والتمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، وأنّه موجود.

والثاني : لا يجب ؛ لأنّ الكفّارة إنّما تجب عند تمام النسكين على سبيل الرفاهية وربح أحد النفرين ، وإذا مات قبل الفراغ لم يحصل هذا الغرض(٥) .

وأمّا الصوم : فإن مات قبل التمكّن منه ، سقط عنه ، وقد سبق - وهو‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٠٤ / ١ ، الفقيه ٢ : ٣٠١ / ١٤٩٦ ، التهذيب ٥ : ٢٣٦ / ٧٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٥ / ١٠٠٩.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٣٩ ذيل الحديث ٨٠٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٣٩ / ٨٠٧.

(٤ و ٥ ) الوجيز ١ : ١١٦ ، فتح العزيز ٧ : ١٩٢ ، المجموع ٧ : ١٩١.


أصحّ قولي الشافعي(١) - لأنّه صوم لم يتمكّن من الإتيان به ، فأشبه رمضان.

والثاني : يهدي عنه ؛ لأنّ الصوم قد وجب بالشروع في الحجّ ، فلا يسقط من غير بدل(٢) .

وأمّا إن تمكّن من الصوم ولم يصم حتى مات ، وجب على وليّه القضاء - وهو القديم للشافعي(٣) - لأنّه صوم مفروض فاته بعد القدرة عليه.

وفي الجديد : يطعم عنه وليّه من تركته لكلّ مسكين مدّ ، فإن تمكّن من جميع العشرة ، فعشرة أمداد ، وإلّا فبالقسط.

وهل يجب صرفه إلى فقراء الحرم أم يجوز صرفه إلى غيرهم؟ قولان.

وله قول آخر : إنّه يجب في فوات ثلاثة أيّام إلى العشرة شاة ، وفي يوم ثلث شاة ، وفي يومين ثلثا شاة(٤) .

البحث السادس : في الضحايا.

مسألة ٦٣٤ : الضحيّة مستحبّة ، قال الله تعالى :( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (٥) قيل في التفسير : إنّه الاُضحية بعد صلاة العيد(٦) .

وروى أنس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه ضحّى بكبشين أقرنين أملحين(٧) .

____________________

(١ و ٢ ) فتح العزيز ٧ : ١٩٣ ، المجموع ٧ : ١٩١.

(٣) فتح العزيز ٧ : ١٩٤ ، المجموع ٧ : ١٩٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ١٩٤ - ١٩٥ ، المجموع ٧ : ١٩٢.

(٥) الكوثر : ٢ و ٣.

(٦) كما في المغني ١١ : ٩٥ ، وانظر الحاوي الكبير ١٥ : ٧٠.

(٧) سنن أبي داود ٣ : ٩٥ / ٢٧٩٤ ، وفي صحيح مسلم ٣ : ١٥٥٦ و ١٥٥٧ / ١٧ و ١٨ ، وسنن الترمذي ٤ : ٨٤ / ١٤٩٤ ، وسنن النسائي ٧ : ٢٢٠ ، وسنن الدارمي ٢ : ٧٥ بتقديم وتأخير.


والأقرن : ما لَه قرنان ، والأملح : ما فيه سواد وبياض والبياض أغلب.

وفي رواية : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد ، فاُتي به فضحّى به ، فأضجعه وذبحه ، وقال : ( بسم الله ، اللّهم اقبل من محمد وآل محمد ومن اُمّة محمد )(١) .

ومن طريق الخاصّة : ما رواه ابن بابويه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه ضحّى بكبشين ذبح واحداً بيده ، فقال : ( اللّهم هذا عنّي وعن مَنْ لم يضحّ من أهل بيتي ) وذبح الآخر وقال : ( اللّهم هذا عنّي وعن مَن لم يضحّ من أُمّتي ) وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام يضحّي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ سنة بكبش ويذبح كبشاً آخر عن نفسه(٢) .

مسألة ٦٣٥ : الاُضحيّة مستحبّة وسنّة مؤكّدة ليست واجبةً - وبه قال أبو بكر وعمر وابن مسعود البدري وابن عباس وابن عمر وبلال وسويد بن غفلة وسعيد بن جبير(٣) وعطاء وعلقمة والأسود وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي والمزني وابن المنذر(٤) - لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( كتب عليَّ النحر ولم يكتب عليكم )(٥) .

____________________

(١) صحيح مسلم ٣ : ١٥٥٧ / ١٩٦٧ ، سنن أبي داود ٣ : ٩٤ / ٢٧٩٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٦٧ ، مسند أحمد ٦ : ٧٨ ، شرح معاني الآثار ٤ : ١٧٦ - ١٧٧.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٩٣ / ١٤٤٨.

(٣) في المجموع والمغني والشرح الكبير والاستذكار : « سعيد بن المسيّب » بدل « سعيد بن جبير ». ولم يرد كلّ منهما في بقية المصادر في الهامش التالي.

(٤) المغني ١١ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٥ ، المهذّبَ - للشيرازي - ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٨ : ٣٨٣ و ٣٨٥ ، بداية المجتهد ١ : ٤٢٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٨ ، الوجيز ٢ : ٢١١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٧١ ، الاستذكار ١٥ : ١٥٦ - ١٥٧ / ٢١٣٧٩ - ٢١٣٨١ و ٢١٣٨٣ و ٢١٣٨٤.

(٥) سنن الدار قطني ٤ : ٢٨٢ / ٤٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٦٤ ، مسند أحمد ١ : ٣١٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ٣٠١ / ١١٨٠٣.


وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأصحاب الرأي : إنّها واجبة ؛ لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( على أهل كلّ بيت في كلّ عام اُضحية وعتيرة )(١) (٢) .

وقد ضعّفه المحدّثون(٣) ، ويظهر ضعفه بإيجاب العتيرة ، وهي ذبيحة كانت الجاهلية تذبحها في رجب.

والهدي يجزئ عن الاُضحية. والجمع بينهما أفضل ؛ لأنّه دم ذبح للنسك في وقت الاُضحية ، فكان مجزئاً عنها.

ولقول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « يجزئك من الاُضحية هديك »(٤) .

مسألة ٦٣٦ : أيّام الأضاحي بمنى أربعة : يوم النحر وثلاثة أيّام بعده ، وفي غيرها من الأمصار ثلاثة : يوم النحر ويومان بعده ، عند علمائنا أجمع - وبه قال سعيد بن جبير(٥) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( عرفة كلّها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة ، وأيّام منى كلّها منحر )(٦) .

____________________

(١) سنن أبي داود ٣ : ٩٣ / ٢٧٨٨ ، سنن الترمذي ٤ : ٩٩ - ١٥١٨.

(٢) المغني ١١ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٥ ، بداية المجتهد ١ : ٤٢٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٧١ ، المجموع ٨ : ٣٨٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٨ ، الاستذكار ١٥ : ١٥٥ - ١٥٦ / ٢١٣٧٧ و ٢١٣٧٨ و ٢١٣٨٢.

(٣) اُنظر على سبيل المثال : معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٩٤ ، وكما في المغني ١١ : ٩٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٨٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٣٨ / ٨٠٣ ، وفيه : « يجزئه هديه ».

(٥) ما نسب إليه في المغني ٣ : ٤٦٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، والاستذكار ١٥ : ٢٠١ / ٢١٥٨٠ ، وتفسير القرطبي ١٢ : ٤٣ هو أنّه قال : النحر في الأمصار يوم واحد ، وفي منى ثلاثة أيّام. وما هو موجود في حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ أنّه قال : يجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصّة ، ولأهل السواد فيه وفي أيّام التشريق. وكذلك في المجموع ٨ : ٣٩٠.

(٦) سنن البيهقي ٥ : ١١٥ بتفاوت.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام لمـّا سأله عمّار الساباطي عن الأضحى بمنى ، قال : « أربعة أيّام » وعن الأضحى في سائر البلدان ، قال : « ثلاثة أيّام »(١) .

وقال الحسن وعطاء : إنّها أربعة أيّام مطلقاً. وبه قال الشافعي(٢) .

وقال أبو حنيفة ومالك والثوري : ثلاثة أيّام : يوم النحر ويومان بعده مطلقاً(٣) .

وقال محمد بن سيرين : لا تجوز الاُضحية إلّا في يوم الأضحى خاصّة ؛ لأنّ يوم الأضحى اختصّ بتسمية الأضحى دون غيره ، فاختصّ بها(٤) .

والاختصاص بالتسمية لا يوجب ذلك.

ولو فاتت هذه الأيّام ، فإن كانت الاُضحية واجبةً بالنذر وشبهه ، لم تسقط ، ووجب قضاؤها؛ لأنّ لحمها مستحقّ للمساكين ، فلا يسقط حقّهم بفوات الوقت ، وإن كانت تطوّعاً ، فات ذبحها ، فإن ذبحها ، لم تكن اُضحيةً ، فإن فرّق لحمها على المساكين ، استحقّ الثواب على التفرقة دون الذبح.

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٩١ / ١٤٣٩ ، التهذيب ٥ : ٢٠٣ / ٦٧٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٦٤ / ٩٣١.

(٢) المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٤ ، المجموع ٨ : ٣٩٠ ، بداية المجتهد ١ : ٤٣٦ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٩ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٤٣ ، الاستذكار ١٥ : ٢٠٢ / ٢١٥٨٦ و ٢١٥٨٧.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٩ ، المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٤ ، المجموع ٨ : ٣٩٠ ، بداية المجتهد ١ : ٤٣٦ ، الاستذكار ١٥ : ٢٠١ / ٢١٥٨١ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٤٣.

(٤) المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، المجموع ٨ : ٣٩٠ ، الاستذكار ١٥ : ٢٠٠ / ٢١٥٧٩ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٤٣.


مسألة ٦٣٧ : وقت الاُضحية إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين ، سواء صلّى الإمام أو لم يصلّ.

وقال الشافعي : يعتبر قدر صلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانعليه‌السلام يصلّي في الاُولى بـ( ق ) وفي الثانية بـ( اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ) (١) .

وقال عطاء : وقتها إذا طلعت الشمس(٢) .

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : من شرط الاُضحية أن يصلّي الإمام ويخطب ، إلّا أنّ أبا حنيفة يقول : أهل السواد يجوز لهم الاُضحية إذا طلع الفجر ؛ لأنّ عنده لا عيد لهم(٣) .

مسألة ٦٣٨ : الأيّام المعدودات أيّام التشريق‌ إجماعاً ، والأيّام المعلومات عشرة أيّام من ذي الحجّة آخرها غروب الشمس من يوم النحر ، عند علمائنا ، وبه قال عليعليه‌السلام وابن عباس وابن عمر والشافعي(٤) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٥ : ٨٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٤ ، المجموع ٨ : ٣٨٧ و ٣٨٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، الاستذكار ١٥ : ١٥٤ - ١٥٥ ، وانظر : صحيح مسلم ٢ : ٦٠٧ / ٨٩١ ، وسنن الترمذي ٢ : ٤١٤ / ٥٣٣ ، وسنن أبي داود ١ : ٣٠٠ / ١١٥٤.

(٢) المغني ١١ : ١١٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٥ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٨٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ١٠ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٨٥ ، الاستذكار ١٥ : ١٥٤ - ١٥٥ ، المجموع ٨ : ٣٨٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، المغني ١١ : ١٤٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٤ - ٥٥٥ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٤٢ - ٤٣ ، بداية المجتهد ١ : ٤٢٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٧٦.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٦ ، الاستذكار ١٥ : ١٩٩ / ٢١٥٦٦ - ٢١٥٦٩ ، مختصر المزني : ٧٣ ، الوجيز ١ : ١٣٢ ، فتح العزيز ٨ : ٨٩ ، المجموع ٨ : ٣٨١ ، تفسير القرطبي ٣ : ٢ و ٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٢٣٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢٨ ، وحكاه عنهم الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣٥ - ٤٣٦ ، المسألة ٣٣٢.


وقال مالك : ثلاثة أيّام أوّلها يوم النحر(١) . فجَعَل أوّل أيّام التشريق وثانيها من المعدودات والمعلومات.

وقال أبو حنيفة : ثلاثة أيّام أوّلها يوم عرفة وآخرها أوّل أيّام التشريق(٢) . فجعل أوّل التشريق من المعدودات والمعلومات.

وقال سعيد بن جبير : المعدودات : هي المعلومات(٣) .

والحقّ المغايرة ؛ لدلالة اختلاف الاسمين على تغاير معنييهما ، إلّا أنّ الترادف على خلاف الأصل.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز الذبح عندنا في اليوم الثالث من أيّام التشريق ، وبه قال الشافعي(٤) .

وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجوز ؛ لأنّه ليس من المعلومات(٥) .

وليس بمعتمد ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن صيام أيّام التشريق ، وقال :

____________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٤٣٦ ، الاستذكار ١٥ : ٢٠٠ / ٢١٥٧٣ و ٢١٥٧٥ و ٢١٥٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٦ ، فتح العزيز ٨ : ٨٩ ، المجموع ٨ : ٣٨١ وعنه في الخلاف ٢ : ٤٣٦ ، المسألة ٣٣٢.

(٢) فتح العزيز ٨ : ٨٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٦ ، المجموع ٨ : ٣٨١ ، وعنه في الخلاف ٢ : ٤٣٦ ، المسألة ٣٣٢.

(٣) اُنظر : الاستذكار ١٥ : ١٩٨ / ٢١٥٦٣ ، وعنه في الخلاف ٢ : ٤٣٦ ، المسألة ٣٣٢.

(٤) المجموع ٨ : ٣٨١ و ٣٨٧ - ٣٨٨ و ٣٩٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٠ ، المغني ٣ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٦ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٨٣ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ٧٣ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٤٣ ، وعنه في الخلاف ٢ : ٤٣٧ ، المسألة ٣٣٣.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٩ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٨٣ - ٨٤ ، المجموع ٨ : ٣٨١ و ٣٩٠ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٧٦ ، وعنهما في الخلاف ٢ : ٤٣٧ ، المسألة ٣٣٣.


( إنّها أيّام أكل وشرب وبعال )(١) .

وفي رواية : ( أنّها أيّام أكل وشرب )(٢) .

وفي اُخرى : ( إنّها أيّام أكل وشرب [ وذكر ](٣) وذبح )(٤) .

فثبت بذلك أنّ الثالث من أيّام الذكر والذبح معاً.

وعند أبي حنيفة : أنّه ليس من أيّام الذكر ولا الذبح(٥) .

مسألة ٦٣٩ : يجوز لمن دخل عليه عشر ذي الحجّة وأراد أن يضحّي أن يحلق رأسه أو يقلّم أظفاره‌ من غير كراهة ولا تحريم ، لأنّه لا يحرم عليه الوطء ولا الطيب ولا اللباس فكذا حلق الشعر وقلم الأظفار ، وبه قال أبو حنيفة(٦) .

وقال الشافعي : يكره(٧) .

وقال أحمد وإسحاق : يحرم عليه ؛ لما روته اُمّ سلمة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمسّ من شعره ولا من بشره شيئاً )(٨) والنهي يقتضي التحريم(٩) .

وهو ممنوع ومعارض بقول عائشة : كنت أفتل قلائد هدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم يقلّدها هو بيده ثم يبعث بها مع أبي بكر ، فلا يحرم‌

____________________

(١) شرح معاني الآثار ٢ : ٢٤٤ و ٢٤٦.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٢١٢ / ٣٣ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢٤٤ - ٢٤٦.

(٣) أضفناها لأجل السياق من كتاب الخلاف للشيخ الطوسيرحمه‌الله .

(٤) أوردها الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٣٧ ذيل المسألة ٣٣٣.

(٥) كما في كتاب الخلاف - للشيخ الطوسي - ٢ : ٤٣٧ ، المسألة ٣٣٣.

(٦) المغني ١١ : ٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٩١ ، المجموع ٨ : ٣٩٢.

(٧) المجموع ٨ : ٣٩٢ ، المغني ١١ : ٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٩١.

(٨) صحيح مسلم ٣ : ١٥٦٥ / ١٩٧٧ ، سنن النسائي ٧ : ٢١٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٦٦.

(٩) المغني ١١ : ٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٩١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٢ ، المجموع ٨ : ٣٩٢.


عليه شي‌ء أحلّه الله له حتى ينحر الهدي(١) .

وقد روى علماؤنا أنّ مَنْ أنفذ هدياً من اُفق من الآفاق يواعد أصحابه يوماً يقلّدونه فيه أو يشعرونه ويجتنب هو ما يجتنبه المـُحْرم ، فإذا كان يوم الميعاد ، حلّ ما يحرم منه(٢) . وهو مروي عن ابن عباس(٣) . وخالفت العامّة ذلك(٤) .

وقد رواه ابن بابويه - في الصحيح - عن معاوية بن عمّار ، قال : سألت الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يبعث بالهدي تطوّعاً وليس بواجب ، فقال : « يواعد أصحابه يوماً يقلّدونه ، فإذا كان تلك الساعة اجتنب ما يجتنبه المـُحْرم إلى يوم النحر ، فإذا كان يوم النحر أجزأ عنه ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين صدّه المشركون يوم الحديبية نحر وأحلّ ورجع إلى المدينة »(٥) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « ما يمنع أحدكم من أن يحجّ كلّ سنة » فقيل : لا يبلغ ذلك أموالنا ، فقال : « أما يقدر أحدكم إذا خرج أخوه أن يبعث معه بثمن أضحية ويأمره أن يطوف عنه أسبوعا بالبيت ويذبح عنه ، فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه وأتى المسجد فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس »(٦) .

مسألة ٦٤٠ : لا تختصّ الاُضحية بمكان ، بل يجوز أن يضحّي حيث‌

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٧ - ٢٠٨ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٥٩ / ٣٦٩ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٣٤ و ٩ : ٢٦٧ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢٦٤ - ٢٦٥ بتفاوت.

(٢) النهاية - للطوسي - : ٢٨٣ ، الخلاف ٢ : ٤٤١ ، المسألةَ ٣٤٠.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٢٠٧ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٥٩ / ٣٦٩ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢٦٤ ، المجموع ٨ : ٣٦٠ ، وكما في الخلاف ٢ : ٤٤١ ، المسألة ٣٤٠.

(٤) كما في الخلاف ٢ : ٤٤١ ، المسألة ٣٤٠ ، وانظر : المجموع ٨ : ٣٦٠.

(٥) الفقيه ٢ : ٣٠٦ / ١٥١٧.

(٦) الفقيه ٢ : ٣٠٦ / ١٥١٨.


شاء من الأمصار ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ضحّى بالمدينة بكبشين أملحين(١) .

والفرق بينه وبين الهدي : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث بُدْنه إلى الحرم وضحّى بالمدينة(٢) ، ولأنّ الهدي له تعلّق بالإحرام ، بخلاف الاُضحية.

مسألة ٦٤١ : وتختصّ الاُضحية بالنَّعَم : الإبل والبقر والغنم ، بإجماع علماء الإسلام.

قال الله تعالى :( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) (٣) قال المفسّرون : هي الإبل والبقر والغنم(٤) .

ولا يجزئ إلّا الثنيّ من الإبل والبقر والمعز ، ويجزئ من الضأن الجذع ، وهو قول أكثر العلماء(٥) .

وقال الزهري : لا يجزئ الجذع من الضأن أيضاً(٦) .

ويبطل بما رواه العامّة عن عقبة بن عامر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قسّم ضحايا بين أصحابنا ، فأعطاني جذعاً فرجعت إليه ، فقلت : يا رسول الله إنّه جذع ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ضحّ به )(٧) .

____________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢١٠.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٩٥٧ / ١٣٢١ ، سنن أبي داود ٢ : ١٤٧ / ١٧٥٧.

(٣) الحج : ٣٤.

(٤) اُنظر تفسير القرطبي ١٢ : ٤٤ ، والتبيان ٧ : ٣١٤ ، ومجمع البيان ٤ : ٨١.

(٥) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٥ ، المجموع ٨ : ٣٩٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٢ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٧٦ ، المغني ١١ : ١٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٢.

(٦) الحاوي الكبير ٥ : ٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٢ ، المجموع ٨ : ٣٩٤ ، المغني ١١ : ١٠٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٢.

(٧) صحيح مسلم ٣ : ١٥٥٦ / ١٦ ، سنن الترمذي ٤ : ٨٨ / ١٥٠٠ ، سنن النسائي ٧ : ٢١٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٦٩ بتفاوت يسير.


وقال الأوزاعي : يجزئ الجذع من جميع الأجناس(١) .

ويبطل بما رواه العامّة عن البراء بن عازب أنّ رجلاً يقال له : أبو بردة ابن نيار ، ذبح قبل الصلاة ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( شاتك شاة لحم ) فقال : يا رسول الله عندي جذعة من المعز ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ضحّ بها ولا تصلح لغيرك )(٢) .

وفي رواية : ( تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك )(٣) .

وهو نصٌّ في عدم إجزاء المعز لغير أبي بردة ، فلا يجزئ من غير المعز ؛ لعدم القائل بالفرق.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن عليعليه‌السلام ، أنّه كان يقول : « الثنيّة من الإبل والثنيّة من البقر ومن المعز ، والجذعة من الضأن »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فالثنيّ من البقر والمعز ما لَه سنة ، ودَخَل في الثانية ، ومن الإبل ما لَه خمس سنين ، ودخل في السادسة ، وجذع الضأن هو الذي له ستّة أشهر.

مسألة ٦٤٢ : الأفضل الثنيّ من الإبل ثم الثنيّ من البقر ثم الجذع من الضأن‌ - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد(٥) - لما رواه العامّة عن‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٥ : ٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٢ - ٥٤٣.

(٢) صحيح البخاري ٧ : ١٣١ ، سنن أبي داود ٣ : ٩٦ - ٩٧ / ٢٨٠١ بتفاوت يسير.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٢١ - ٢٢ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٨٣ - ٢٨٤ بتفاوت يسير.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٠٦ / ٦٨٨.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٥ ، المجموع ٨ : ٣٩٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٢ ، المغني ١١ : ٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٠.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال في الجمعة : ( مَنْ راح في الساعة الاُولى فكأنّما قرَّب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما فكأنّما قرَّب بقرة ، ومَنْ راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرَّب كبشاً »(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام في الهدي : « أفضله بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسّه شاة»(٢) .

وقال مالك : الأفضل الجذع من الضأن ثم الثنيّ من البقر ثم الثنيّ من الإبل(٣) ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أفضل الذبح الجذع من الضأن ، ولو علم الله خيراً منه لفدى به إسحاقعليه‌السلام )(٤) .

وهو محمول على أنّه أفضل من باقي أسنان الغنم.

والجذعة من الغنم أفضل من إخراج سُبع بدنة ؛ لأنّ إراقة الدم مقصودة في الاُضحية ، وإذا ضحّى بالشاة ، حصلت إراقة الدم جميعه.

مسألة ٦٤٣ : يستحب أن يكون أملح سميناً.

قال ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (٥) قال : تعظيمها استسمان الهدي واستحسانه(٦) .

وينبغي أن يكون تامّاً ، فلا تجزئ في الضحايا العوراء البيّن عورها ،

____________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٥٨٢ / ٨٥٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٣٧٢ / ٤٩٩ ، سنن النسائي ٣ : ٩٩ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٢٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٣٦ / ١٠٧ وفيه : « وأخفضه شاة ».

(٣) التفريع ١ : ٣٩٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٣ ، المغني ١١ : ٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٠.

(٤) لم نجده في المصادر الحديثية ، وانظر : المغني ١١ : ٩٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٤٠.

(٥) الحج : ٣٢.

(٦) تفسير الطبري ١٧ : ١١٣ ، المغني ١١ : ٩٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٤٢.


ولا العرجاء البيّن عرجها ، ولا المريضة البيّن مرضها ، ولا العجفاء التي لا تنقى.

ونهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يضحّى بالمصفرة والبخقاء والمستأصلة والمشيّعة والكسراء(١) .

فالمصفرة : مقطوعة الاُذنين من أصلهما حتى بدا صماخهما ، والأذن عضو مستطاب ، والبخقاء : العمياء ، والمستأصلة : التي استؤصل قرناها ، والمشيّعة : التي تتأخّر عن الغنم لهزالها ، والكسراء كالعرجاء.

وتكره الجلحاء ، وهي المخلوقة بغير قرن ، وهي الجمّاء ، والعضباء لا تجزئ.

وقال عليعليه‌السلام : « أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باستشراف العين والاُذن ، ولا نضحّي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء »(٢) .

فالمقابلة : أن تُقطع من مقدّم الاُذن أو يبقى معلّقاً فيها ، كالزنمة ، والمدابرة : أن تُقطع من مؤخّر الاُذن ، والخرقاء : أن تكون مثقوبةً من السمة ، فإنّ الغنم توسم في آذانها ، فتنثقب بذلك ، والشرقاء : أن تشقّ اُذنها ، فتصير كالشاختين(٣) .

____________________

(١) سنن أبي داود ٣ : ٩٧ / ٢٨٠٣ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٧٥ ، مسند أحمد ٤ : ١٨٥ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٤٦٩.

(٢) سنن أبي داود ٣ : ٩٧ - ٩٨ / ٢٨٠٤ ، سنن الدارمي ٢ : ٧٧ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٧٥.

(٣) كذا في الطبعة الحجرية ، وفي « ق ، ك » بالسين المهملة ، وليس لكلا اللفظين أصل لغوي ، والصواب بالسين والدال ، أو الشين والدال بلا فرق ، من سدخ الغرّة أو شدخها ، كما في لسان العرب ٣ : ٢٨. والمراد : تدلّي الاُذن عند شدخها على الوجه.


مسألة ٦٤٤ : يستحب التضحية بذوات الأرحام من الإبل والبقر والفحولة من الغنم‌ ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « أفضل البُدْن ذوات الأرحام من الإبل والبقر ، وقد يجزئ الذكورة من البُدْن والضحايا من الغنم الفحولة »(١) .

ولا يجوز التضحية بالثور ولا بالجمل بمنى ، ويجوز ذلك في الأمصار.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « يجوز ذكورة الإبل والبقر في البلدان إذا لم يجد(٢) الإناث ، والإناث أفضل »(٣) .

ولا يجوز التضحية بالخصي ؛ لنقصانه ؛ لرواية محمد بن مسلم - في الصحيح - عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته أيضحّى بالخصي؟ قال : « لا »(٤) .

مسألة ٦٤٥ : يجب ذبح البقر والغنم ، فلا يجوز نحرهما‌ ، ويجب نحر الإبل ، فلا يجوز ذبحها ، فإن خالف ، حرم الحيوان ، عند علمائنا ، وبه قال مالك(٥) .

وجوّز الشافعي الذبحَ والنحرَ في جميع الحيوان(٦) .

وتجب التذكية بإزهاق الروح ، وإنّما يكون بقطع الأعضاء الأربعة : الحلقوم - وهو مجرى النفس - والمري - وهو مجرى الطعام والشراب - والودجان - وهُما عِرْقان يحيطان بالحلقوم - عند علمائنا أجمع ، وبه قال‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٠٤ / ٦٨٠.

(٢) في المصدر : « لم يجدوا ».

(٣) التهذيب ٥ : ٢٠٥ / ٦٨٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٠٥ / ٦٨٦.

(٥) بداية المجتهد ١ : ٤٤٤ ، حلية العلماء ٣ : ٤٢٤.

(٦) روضة الطالبين ٢ : ٤٧٥ ، حلية العلماء ٣ : ٤٢٤ ، بداية المجتهد ١ : ٤٤٤ ، المغني ١١ : ٤٨ ، الشرح الكبير ١١ : ٥٤.


مالك وأبو يوسف(١) ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما أنهر الدم وفرى الأوداج فكُلْ )(٢) .

وقال أبو حنيفة : يجب قطع ثلاثة من الأربع أيّها قطع(٣) .

وقال محمد بن الحسن : يجب قطع أكثر كلّ واحد من الأربعة(٤) .

وقال الشافعي : الواجب قطع الحلقوم والمري ، واستحبّ قطع الودجين(٥) .

مسألة ٦٤٦ : يستحب أن يتولّى ذبح اُضحيته بنفسه ؛ اقتداءً بالنبي(٦) صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن لم يُحسن الذباحة ، جعل يده مع يد الذابح.

ويجوز استنابة المسلم ، ولو استناب كافراً ، لم يجزئ ، عند علمائنا ، وبه قال الشافعي إلّا أن يكون ذمّيّاً عنده(٧) .

ومالك وإن جوّزه إلّا أنّه قال : يكون لحم شاة لا اُضحية(٨) .

____________________

(١) بداية المجتهد ١ : ٤٤٥ ، حلية العلماء ٣ : ٤٢٣ ، المغني ١١ : ٤٦ ، الشرح الكبير ١١ : ٥٣ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٨٨.

(٢) أورده السرخسي في المبسوط ١٢ : ٢ ، والكاساني في بدائع الصنائع ٥ : ٤١.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٢ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٦٨ ، بدائع الصنائع ٥ : ٤١ ، النتف ١ : ٢٢٦ - ٢٢٧ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٨٨.

(٤) الاختيار لتعليل المختار ٥ : ١٥ ، بدائع الصنائع ٥ : ٤١ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٢ - ٣.

(٥) الاُم ٢ : ٢٣٦ - ٢٣٧ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٧٠ و ٤٧١ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٨٧ - ٨٨ ، الوجيز ٢ : ٢١٢ ، المغني ١١ : ٤٦ ، الشرح الكبير ١١ : ٥٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ٣ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٦٩.

(٦) اُنظر : صحيح مسلم ٣ : ١٥٥٦ / ١٩٦٦ ، وسنن البيهقي ٩ : ٢٥٩ و ٢٨٥ ، وسنن الدارمي ٢ : ٧٥.

(٧) الحاوي الكبير ١٥ : ٩١ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٦٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٦ ، المغني ١١ : ١١٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٣.

(٨) المنتقى - للباجي - ٣ : ٨٩ ، المجموع ٨ : ٤٠٤ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٩١.


والحقّ ما قلناه ؛ لقولهعليه‌السلام : ( لا يذبح ضحاياكم إلّا طاهر )(١) .

ولأنّ عليّاًعليه‌السلام وعمر منعا من أكل ذبائح نصارى العرب(٢) .

ويجوز ذبيحة الصبيان مع معرفتهم بشرائط الذبح ، ويجوز ذباحة الأخرس وإن لم ينطق ، نعم يجب تحريك لسانه بالتسمية.

ويجوز ذباحة النساء إجماعاً ؛ لما رواه ابن عمر أنّ جاريةً لآل كعب كانت ترعى غنماً فرأت بشاة منها رَبْواً(٣) ، فأخذت حجراً فكسرته وذبحتها به ، فذكر ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : (تؤكل )(٤) .

وهو يدلّ على جواز ذبح المرأة وإن كانت حائضاً ؛ لأنّ ترك الاستفصال يُشعر به ، وصحّة(٥) ذكاة شاة الغير بغير إذنه ، وجواز الذبح بالحجر ، وذبح الحيوان إذا خيف موته.

ويجوز ذبح السكران والمجنون ؛ للحكم بإسلامهما ، لكن يكره ؛ لعدم معرفتهما بمحلّ الذكاة ، فربما قطعا غير المشترط.

ويستحب أن يتولّى الذبيحة المسلمُ البالغ العاقل الفقيه ؛ لأنّه أعرف بشرائط الذبح ووقته ، فإن فُقد الرجل ، فالمرأة ، فإن فُقدت ، فالصبي ، فإن فُقد ، فالسكران والمجنون.

مسألة ٦٤٧ : يجب استقبال القبلة عند الذبح وتوجيه الذبيحة إليها ؛

____________________

(١) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ١٥ : ٩١ ، وابن قدامة في المغني ١١ : ١١٧ ، وفي الفردوس ٥ : ١٤٨ / ٧٧٧٩ بتفاوت يسير.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٥٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٨٤.

(٣) الرَّبْوُ : النَّفَس العالي. لسان العرب ١٤ : ٣٠٥ « ربا » والمراد : ما أشفى على الموت.

(٤) صحيح البخاري ٧ : ١١٩ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٨١ نحوه.

(٥) « وصحّة » عطف على مدخول حرف الجرّ. وكذا ما بعدها.


لأنّهعليه‌السلام ضحّى بكبشين ، فلمـّا وجّههما قرأ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ) (١) (٢) .

وتجب فيها التسمية ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ) (٣) .

ولا تكره الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عند الذبيحة مع التسمية ، بل هي مستحبّة - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّه شُرّع فيه ذكر الله تعالى فشُرّع فيه ذكر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كالأذان.

وقال أحمد : ليس بمشروع(٥) .

وقال أبو حنيفة ومالك : إنّه مكروه(٦) ؛ لما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( موطنان لا اُذكر فيهما : عند الذبيحة وعند العطاس )(٧) .

ومراده لا اُذكر فيهما مع الله تعالى على الوجه الذي يذكر معه في غيرهما ، فإنّ في الأذان يشهد لله بالتوحيد ، ويشهد للنبي بالرسالة ، وكذا في شهادة الإسلام والصلاة ، وهنا يسمّي الله تعالى ، ويصلّي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصلاة ليست من جنس التسمية وكذا العطاس ؛ فإنّ المروي فيه أنّه يسمّي‌

____________________

(١) الأنعام : ٧٩.

(٢) سنن أبي داود ٣ : ٩٥ / ٢٧٩٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٤٣ / ٣١٢١ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٨٥.

(٣) الأنعام : ١٢١.

(٤) الاُم ٢ : ٢٣٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٩٥ - ٩٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٥ ، المجموع ٨ : ٤١٠ ، المغني ١١ : ٦.

(٥) المغني ١١ : ٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٥.

(٦) الحاوي الكبير ١٥ : ٩٦ ، المجموع ٨ : ٤١٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٥ ، المدوّنة الكبرى ٢ : ٦٦.

(٧) أورده ابن قدامة في المغني ١١ : ٦ ، والماوردي في الحاوي الكبير ١٥ : ٩٦.


الله تعالى ويصلّي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

ويستحب الدعاء بالمنقول.

ولو نسي التسمية ، لم تحرم ، ويستحب أن يسمّي عند أكله.

قال ابن سنان - في الصحيح - : سمعت الصادقعليه‌السلام يقول : « إذا ذبح المسلم ولم يسمّ ونسي فكُلْ من ذبيحته ، وسمِّ الله على ما تأكل »(٢) .

مسألة ٦٤٨ : إذا ذبحها ، قطع الأعضاء الأربعة السابقة ، ولا يقطع رأسها‌ إلى أن تموت ، فإن قطعه ، فقولان :

أحدهما : التحريم - وبه قال سعيد بن المسيّب(٣) - لأنّها ماتت من جرحين : أحدهما مبيح ، والآخر مُحرِّم ، فلا تحلّ.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « ولا تنخعها حتى تموت »(٤) .

والآخر : الحِلّ ؛ لأنّها بقطع الأعضاء الأربعة تكون مذكّاةً ، فلا أثر للزائدة ؛ لحصوله والحياة غير مستقرّة.

ولو ذبحها من قفاها ، سُمّيت القفية ، فإن بقيت حياتها مستقرّةً بعد قطع قفاها ثم قُطعت الأعضاء ، حلّت ، وإلّا فلا ، وبه قال الشافعي(٥) .

وقال مالك وأحمد : لا تحلّ(٦) .

____________________

(١) الكافي ٢ : ٤٧٩ / ٩ ، و ٤٨٠ / ١٧ و ٢٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٢٢ / ٧٤٧.

(٣) الحاوي الكبير ١٥ : ٩٨ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٦ : ٥٣ ، المسألة ١٣.

(٤) الكافي ٤ : ٤٩٨ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٩٩ - ٣٠٠ / ١٤٨٩ ، التهذيب ٥ : ٢٢١ / ٧٤٦.

(٥) الحاوي الكبير ١٥ : ٩٩ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٧١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٥٩ ، المجموع ٩ : ٨٧ و ٩١ ، حلية العلماء ٣ : ٤٢٤ ، المغني ١١ : ٥١ ، الشرح الكبير ١١ : ٥٦.

(٦) الحاوي الكبير ١٥ : ٩٩ ، حلية العلماء ٣ : ٤٢٤ ، المغني ١١ : ٥١ ، الشرح الكبير ١١ : ٥٦.


وروى العامّة عن عليعليه‌السلام أنّه إن كان سهواً حلّت ، وإلّا فلا(١) .

ويعرف استقرار الحياة بوجود الحركة القويّة بعد قطع العنق قبل قطع المري والودجين والحلقوم ، ولو كانت ضعيفةً أو لم تتحرّك ، لم تحلّ ؛ لاجتماع فعل يدلّ على الإباحة وآخر يدلّ على التحريم ، ولأنّ الظاهر من حال الحيوان إذا قُطع رأسه من قفاه لا تبقى فيه حياة مستقرّة قبل قطع الأعضاء الأربعة.

وتكره الذباحة ليلاً في الاُضحية وغيرها ؛ لنهيهعليه‌السلام عنها(٢) ، ولا نعلم فيه خلافاً ، فلو ذبحها ليلاً ، أجزأه ؛ لأنّ الليل محلّ الرمي ، فكان محلّ الذبح ، كالنهار.

وقال مالك : لا تجزئه ويكون لحم شاة(٣) ؛ لقوله تعالى :( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) (٤) والأيّام تُطلق على بياض النهار دون الليل.

وهو ممنوع ، فإنّ الأيّام إذا اجتمعت ، دخلت الليالي فيها ، ولهذا تدخل في الاعتكاف لو نذر ثلاثة أيّام.

مسألة ٦٤٩ : يستحب الأكل من الاُضحية‌ إجماعاً.

وقال بعضهم بوجوبه(٥) ؛ للآية(٦) ، فإنّه قرن الأكل بالإطعام.

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٥ : ٩٩.

(٢) كما في المغني ١١ : ١١٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٥٧.

(٣) المدوّنة الكبرى ٢ : ٧٣ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٤ ، المجموع ٨ : ٣٩١ ، المغني ١١ : ١١٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٥٧.

(٤) وردت في نسختي « ق ، ك » والطبعة الحجرية الآية ٣٤ من سورة الحج ، وهي( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) وأثبتنا في المتن الآية ٢٨ من نفس السورة ؛ لأجل السياق.

(٥) المغني ١١ : ١١٠ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٧ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩٢ ، المجموع ٨ : ٤١٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٥.

(٦) الحج : ٢٨.


وهو غير دالّ على الوجوب كما في قوله تعالى :( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ) (١) فالإيتاء واجب دون الأكل.

ويجوز أن يأكل الأكثر ، ويتصدّق بالأقلّ.

قال الشيخ : فإن أكل الجميع ، ضمن الفقراء قدر المجزئ(٢) . وبه قال الشافعي(٣) ؛ للآية(٤) .

وقال بعض الشافعية : لا يضمن ، وتكون القربة في الذبح خاصّة(٥) .

ويستحب أن يأكل الثلث ، ويتصدّق بالثلث ، ويهدي الثلث - وهو الجديد للشافعي(٦) - لقوله تعالى :( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (٧) القانع : السائل ، والمعترّ : غير السائل.

وفي القديم : يأكل النصف ، ويتصدّق بالنصف(٨) ، لقوله تعالى :( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) (٩) .

____________________

(١) الأنعام : ١٤١.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٩٣.

(٣) الحاوي الكبير ١٥ : ١١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩١ ، المجموع ٨ : ٤١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٦.

(٤) الحج : ٢٨.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، المجموع ٨ : ٤١٦ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩١ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٦.

(٦) الاُم ٢ : ٢١٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٦ ، المجموع ٨ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩٢ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٧.

(٧) الحج : ٣٦.

(٨) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٦ ، المجموع ٨ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩٢ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٨٧.

(٩) الحج : ٢٨.


ولا ينافي الإهداء الثابت بالآية الاُخرى.

مسألة ٦٥٠ : لا يجوز بيع لحم الأضاحي‌ - وبه قال الشافعي وأكثر العامّة(١) - لأنّه بذبحه خرجت عن ملكه ، واستحقّها المساكين.

وقال أبو حنيفة : يجوز بيعه وشراؤه(٢) .

ويكره بيع جلودها وإعطاؤها الجزّارين ، فإن باعها ، تصدّق بثمنه.

ومنع الشافعي من بيعه(٣) ، وبه قال أبو هريرة(٤) .

وقال عطاء : لا بأس ببيع اُهب الأضاحي(٥) .

وقال الأوزاعي : يجوز بيعها بآلة البيت التي تصلح للعارية ، كالقِدْر والقدوم(٦) والمنخل والميزان(٧) .

لنا : ما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، قال : « أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أقوم على بُدْنه واُقسّم جلودها وجلالها ولا اعطي الجزّارين منها شيئاً »(٨) .

ومن طريق الخاصّة : قول معاوية بن عمّار - في الصحيح - أنّه سأل‌

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، المجموع ٨ : ٤١٩ - ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩٠ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٩ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٨ ، المغني ١١ : ١١٢.

(٢) تحفة الفقهاء ٣ : ٨٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩ ، المجموع ٨ : ٤٢٠ ، المغني ١١ : ١١٢.

(٣) المجموع ٨ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩٣ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٨ ، المغني ١١ : ١١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٧.

(٤) المغني ١١ : ١١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٧.

(٥) الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩.

(٦) القدوم : التي ينحت بها. لسان العرب ١٢ : ٤٧١ « قدم ».

(٧) المجموع ٨ : ٤٢٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٠ ، المغني ١١ : ١١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٧.

(٨) صحيح البخاري ٢ : ٢١٠ - ٢١١ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٥٤ / ١٣١٧ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٤١ بتفاوت يسير.


الصادقَعليه‌السلام : عن الإهاب ، فقال : « تصدّق به أو تجعله مصلّى ينتفع به في البيت ولا يعطى الجزّارين »(١) .

وروى علي بن جعفر - في الصحيح - عن الكاظمعليه‌السلام ، قال : سألته عن جلود الأضاحي هل يصلح لمن ضحّى بها أن يجعلها جراباً؟ قال : « لا يصلح أن يجعلها جراباً إلّا أن يتصدّق بثمنها »(٢) .

ولا يجوز أن يعطى الجزّار لجزارته ، لأنّ التضحية واجبة عليه مع وجوبها ، فكانت الأجرة عليه ، ويوصل ذلك إلى الفقراء ، ولو كان الجزّار فقيراً ، جاز أن يأخذ منها شيئاً لفقره ؛ لأنّه من المستحقّين.

مسألة ٦٥١ : يجوز أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيّام وادّخارها‌ ، وقد نسخ بذلك النهي عنها.

روى العامّة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن لا نأكل لحم الأضاحي بعد ثلاث ، ثم أذن لنا أن نأكل ونقدّد ونهدي إلى أهالينا(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الباقر والصادقعليهما‌السلام : « نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيّام ثم أذن فيها ، قال : كُلوا من لحوم الأضاحي بعد ذلك وادّخروا »(٤) .

ويكره أن يُخرج شيئاً ممّا يضحّيه عن منى ، بل يفرّق بها ؛ لقول أحدهماعليهما‌السلام - في الصحيح - : « لا يخرج منه شي‌ء إلّا السنام بعد ثلاثة أيّام »(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٢٨ / ٧٧١ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٦ / ٩٨٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٢٨ / ٧٧٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٦ / ٩٨٢.

(٣) الموطّأ ٢ : ٤٨٤ / ٦ ، صحيح مسلم ٣ : ١٥٦٢ / ٢٩ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٩١ نحوه.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٢٦ / ٧٦٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٤ / ٩٧٢ بتفاوت يسير.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٢٦ / ٧٦٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٤ / ٩٧٤.


وقال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا تخرجنّ شيئاً من لحم الهدي »(١) .

ولا بأس بإخراج لحم ما ضحّاه غيره إذا اشتراه منه أو أهداه إليه.

ويكره أن يضحّي بما يربّيه.

مسألة ٦٥٢ : إذا تعذّرت الاُضحية ، تصدّق بثمنها‌ ، فإن اختلفت أثمانها جمع الأعلى والأوسط والأدون ، وتصدّق بثلث الجميع ؛ لأنّ أبا الحسنعليه‌السلام وقّع إلى هشام المكاري : « انظروا إلى الثمن الأوّل والثاني والثالث فأجمعوا ثم تصدّقوا بمثل ثلثه »(٢) .

وإذا اشترى شاةً تجزئ في الاُضحية بنيّة أنّها اُضحية ، قال الشيخ : تصير أضحية بذلك ، ولا يحتاج إلى قوله : إنّها أضحية ، ولا إلى نيّة مجدّدة ، ولا إلى إشعار ولا تقليد(٣) - وبه قال أبو حنيفة ومالك(٤) - لأنّه مأمور بشراء الاُضحية ، فإذا اشتراها بالنيّة ، وقعت عنها ، كالوكيل إذا اشترى لموكّله بأمره.

وقال الشافعي في الجديد : لا تصير اُضحية إلّا بقوله : قد جعلتها اُضحية ، أو : هي اُضحية ، وما أشبهه - وفي القديم : تصير اُضحية بالنيّة مع الإشعار أو التقليد - لأنّها إزالة ملك على وجه القربة ، فلا تؤثّر فيها النيّة المقارنة للشراء ، كما لو اشترى عبداً بنيّة العتق(٥) .

إذا ثبت هذا ، فإذا عيّن الاُضحية بما يصحّ به التعيين ، زال ملكه عنها.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٢٦ / ٧٦٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٧٥ / ٩٧٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٣٨ - ٢٣٩ / ٨٠٥.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٩٠.

(٤) حلية العلماء ٣ : ٣٧٤ ، المجموع ٨ : ٤٢٦ ، المغني ١١ : ١٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٠.

(٥) روضة الطالبين ٢ : ٤٧٧ ، المجموع ٨ : ٤٢٣ و ٤٢٥ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٠ - ١٠١ ، المغني ١١ : ١٠٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٠.


وهل له إبدالها؟ قال أبو حنيفة ومحمد : نعم له ذلك ، ولا يزول ملكه عنها(١) .

وقال الشافعي : لا يجوز له إبدالها ، وقد زال ملكه عنها(٢) . وبه قال أبو يوسف وأبو ثور(٣) ، وهو ظاهر كلام الشيخ(٤) ؛ لما روي عن عليعليه‌السلام أنّه قال : « مَنْ عيّن اُضحيةً فلا يستبدل بها»(٥) .

واحتجّ أبو حنيفة : بأنّ النبيعليه‌السلام أهدى هدايا فأشرك عليّاًعليه‌السلام فيها(٦) ، وهو إنّما يكون بنقلها إليه.

ويجوز أن يكونعليه‌السلام وقت السياق نوى أنّها عنه وعن عليعليه‌السلام .

فعلى قول التعيين يزول ملكها عن المالك ، ويفسد بيعها ، ويجب ردّها مع بقائها ، وإن تلفت ، فعلى المشتري قيمتها أكثر ما كانت من حين قبضها إلى حين التلف ، وعلى البائع أكثر الأمرين من قيمتها إلى حين التلف أو مثلها يوم التضحية. وكذا لو أتلفها أو فرّط في حفظها فتلفت ، أو ذبحها قبل وقت الاُضحية. هذا اختيار الشافعي(٧) .

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ١٣ ، المغني ١١ : ١١٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦١ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٠١.

(٢) روضة الطالبين ٢ : ٤٧٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٠١ ، المغني ١١ : ١١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٢.

(٣) الحاوي الكبير ١٥ : ١٠١ ، المغني ١١ : ١١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٢.

(٤) الخلاف ٦ : ٥٥ ، المسألة ١٦ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٩١.

(٥) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف ، كتاب الضحايا ، ذيل المسألة ١٦ ، والماوردي في الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٢.

(٦) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٧ / ٣٠٧٤.

(٧) الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٥ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٨١ ، المجموع ٨ : ٣٧١ ، المغني ١١ : ١٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٠.


وقال الشيخرحمه‌الله : قيمتها يوم التلف(١) . وبه قال أبو حنيفة(٢) ، لأنّه أتلف الأضحية ، فلزمه قيمتها ، كالأجنبي.

واحتجّ الشافعي : بأنّها اُضحية مضمونة عليه لحقّ الله تعالى وحقّ المساكين ، لوجوب نحرها وتفرقة لحمها ، ولا يجزئه دفعها إليهم قبل ذلك ، فلو كانت قيمتها يوم التلف عشرة ثم زادت قيمة الأضاحي فصارت عشرين ، وجب شراء أضحية لعشرين ليوفي حقّ الله تعالى وهو نحرها ، بخلاف الأجنبي ، فإنّه لا يلزمه حقّ الله تعالى فيها. وفيه قوّة.

فإن أمكنه أن يشتري بها أضحيتين ، كان عليه إخراجهما معا.

ولو فضل جزء حيوان يجزئ في الأضحية - كالسّبع - فعليه شراؤه ، لإمكان صرفه في الأضحية ، فلزمه ، كما لو أمكنه أن يشتري به جميعا. ولو تصدّق بالفاضل ، جاز ، لكنّ الأوّل أفضل. ولو قصر الفاضل عن السّبع ، تصدّق به.

ولو كان المتلف أجنبيّا ، فعليه القيمة يوم الإتلاف ، فإن أمكن أن يشتري بها أضحية أو أكثر ، فعلى ما تقدّم ، وإلاّ جاز شراء جزء حيوان الأضحية ، فإن قصر ، تصدّق به ، ولا شي‌ء على المضحّي ، لأنه غير مفرّط.

ولو تلفت الاُضحية في يده أو سُرقت من غير تفريط ، لم يضمن ، وقد سأل معاويةُ بن عمّار الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل اشترى اُضحية فماتت أو سُرقت قبل أن يذبحها ، قال : « لا بأس وإن أبدلها فهو أفضل ، وإن لم يشتر فليس عليه شي‌ء »(٣) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٩١.

(٢) المغني ١١ : ١٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٠ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٥ ، المجموع ٨ : ٣٧١.

(٣) الكافي ٤ : ٤٩٣ - ٤٩٤ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢١٧ - ٢١٨ / ٧٣٣.


والفرق بينه وبين منذور العتق لو أتلفه أو تلف بتفريطه ، فإنّه ظاهر لا يضمنه ؛ لأنّ الحقّ في الاُضحية للفقراء وهم باقون بعد تلفها ، والحقّ في عتق العبد له ، فإذا تلف ، لم يبق مستحقّ لذلك ، فسقط الضمان ، فافترقا.

ولو اشترى شاةً وعيّنها للاُضحية ثم وجد بها عيباً ، لم يكن له ردّها ؛ لزوال ملكه عنها ، ويرجع بالأرش ، فيصرفه في المساكين ، ولو أمكنه أن يشتري به حيواناً أو جزءاً منه مجزئاً في الاُضحية ، كان أولى.

مسألة ٦٥٣ : إذا عيّن اُضحيّةً ، ذبح معها ولدها‌ ، سواء كان حملاً حال التعيين أو حدث بعد ذلك ؛ لأنّ التعيين معنى يزيل الملك عنها ، فاستتبع الولد ، كالعتق.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لا يضرّ بولدها ثم انحرهما جميعاً »(١) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجوز له شرب لبنها ما لم يضرّ بولدها ، عند علمائنا ، وبه قال الشافعي(٢) ، لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام لـمّا رأى رجلاً يسوق بدنةً معها ولدها ، فقال : « لا تشرب من لبنها إلّا ما فضل عن ولدها »(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « فاحلبها ما لا يضرّ بولدها »(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٩٣ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٢٠ / ٧٤١.

(٢) حلية العلماء ٣ : ٣٦٤ - ٣٦٥ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٨ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٩٤ ، المجموع ٨ : ٣٦٧ ، المغني ١١ : ١٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٥.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٣ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٨٨.

(٤) الكافي ٤ : ٤٩٣ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٢٠ / ٧٤١.


وقال أبو حنيفة : لا يحلبها ، ويرشّ على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن ؛ لأنّ اللبن متولّد من الاُضحية ، فلم يجز للمضحّي الانتفاع به ، كالولد(١) .

والفرق : إمكان حمل الولد إلى محلّه ، بخلاف اللبن.

والأفضل أن يتصدّق به.

ويجوز له ركوب الأضحية ؛ لقوله تعالى :( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (٢) .

مسألة ٦٥٤ : إذا أوجب اُضحيةً بعينها وهي سليمة فعابت عيباً يمنع الإجزاء من غير تفريط ، لم يجب إبدالها‌ ، وأجزأه ذبحها ، وكذا حكم الهدايا ؛ لأصالة براءة الذمّة. ولأنّها لو تلفت لم يضمنها فكذا أبعاضها.

وقال أبو حنيفة : لا تجزئه(٣) .

ولو كانت واجبة عليه على التعيين ثم حدث بها عيب لمعالجة الذبح ، أجزأه أيضاً ، وبه قال أبو حنيفة استحسانا(٤) .

وقال الشافعي : لا يجزئه(٥) .

أمّا لو نذر اُضحيةً مطلقة فإنّه تلزمه سليمة من العيوب ، فإن عيّنها في شاة بعينها ، تعيّنت ، فإن عابت قبل أن ينحرها عيباً يمنع الإجزاء - كالعور - لم تجزئه عن التي في ذمّته ، وعليه إخراج ما في ذمّته سليماً من العيوب.

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٥ : ١٠٨ ، المغني ١١ : ١٠٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٦٥.

(٢) الحجّ : ٣٣.

(٣) المغني ١١ : ١٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٨٠.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ١٢ : ١٧ ، المجموع ٨ : ٤٠٤ ، المغني ١١ : ١٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٤.

(٥) المجموع ٨ : ٤٠٤ ، المغني ١١ : ١٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٧٤.


ولو عيّن اُضحيةً ابتداءً وبها ما يمنع من الاُضحية الشرعية - كالعور - أخرجها على عيبها ، لزوال ملكه عنها بالنذر ولم تكن اُضحيةً ، بل صدقة واجبة ، فيجب ذبحها ، ويتصدّق بلحمها ، ويثاب على الصدقة لا على الاُضحية.

ولو عيّنها معيبةً ثم زال عيبها بأن سمنت بعد العجاف ، فإنّها لا تقع موقع الاُضحية ؛ لأنّه أوجب ما لا يجزئ عن الاُضحية ، فزال ملكه عنها ، وانقطع تصرّفه حال كونها غير اُضحية ، فلا تجزئ ؛ لأنّ الاعتبار حالة الإيجاب ، لزوال الملك به ، ولهذا لو عابت بعد التعيين ، لم يضرّه ذلك ، وأجزأ عنه. وكذا لو كانت معيبةً فزال عيبها ، لم تجزئه.

مسألة ٦٥٥ : لو ضلّت الاُضحية المعيّنة من غير تفريط ، لم يضمن ؛ لأنّها أمانة ، فإن عادت قبل فوات أيّام التشريق ، ذبحها ، وكانت أداءً ، وبعد فواتها يذبحها قضاءً ، قاله الشيخ(١) ، وبه قال الشافعي(٢) .

وقال أبو حنيفة : لا يذبحها بل يسلّمها إلى الفقراء ، فإن ذبحها ، فرّق لحمها ، وعليه أرش النقصان بالذبح(٣) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ الذبح أحد مقصودي الهدي ، ولهذا لا يكفي شراء اللحم ، فلا يسقط بفوات وقته ، كتفرقة اللحم ، وذلك بأن يذبحها في أيّام التشريق ثم يخرج قبل تفريقها ، فإنّه يفرّقها بعد ذلك.

احتجّ : بأنّ الذبح موقّت ، فسقط بفوات وقته ، كالرمي والوقوف(٤) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٩٢ ، وانظر : الخلاف ٦ : ٥٩ ، المسألة ٢٠.

(٢) الحاوي الكبير ١٥ : ١١٠ - ١١١ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٨٧ ، المجموع ٨ : ٣٩٧.

(٣) المغني ١١ : ١١٦ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١١.

(٤) اُنظر : المغني ١١ : ١١٦.


والفرق : أنّ الاُضحية لا تسقط بفوات الوقت ، بخلاف الرمي والوقوف.

ولو أوجب اُضحيةً في عام فأخّرها إلى قابل ، كان عاصياً ، وأخرجها قضاءً.

ولو ذبح اُضحية غيره ، المعيّنة ، أجزأت عن صاحبها ، وضمن الأرش - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الذبح أحد مقصودي الهدي ، فإذا فَعَله شخصٌ بغير إذن المضحّي ، ضمن ، كتفرقة اللحم.

وقال أبو حنيفة : لا يجب عليه شي‌ء ؛ لأنّ الاُضحية أجزأت عنه ووقعت موقعها ، فلم يجب على الذابح ضمان الذبح ، كما لو أذن له(٢) .

والفرق : أنّ مع عدم الإذن يعصي فيضمن.

وقال مالك : لا تقع موقعها ، وتكون شاة لحم يلزم صاحبها بدلها ، ويكون له أرشها ؛ لأنّ الذبح عبادة ، فإذا فَعَلها غيرُه بغير إذنه ، لم تصح ، كالزكاة(٣) .

ونمنع احتياجها إلى نيّة كإزالة النجاسة ، بخلاف الزكاة ، ولأنّ القدر المخرج في الزكاة لم يتعيّن إلّا بإخراج المالك ، بخلاف المعيّنة.

وإذا أخذ الأرش ، صَرَفَه إلى الفقراء ؛ لأنّه وجب لنقص في الاُضحية المتعيّنة لهم ، ويتخيّر بين الصدقة به وشراء حيوان أو جزء للاُضحية.

مسألة ٦٥٦ : تجزئ الاُضحية عن سبعة ، وكذا الهدي المتطوّع به ، سواء كان الجميع متقرّبين أو بعضهم يريد اللحم ، وسواء كانوا أهل بيت‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٥ : ١١٢ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٨٢ - ٤٨٣ ، المغني ١١ : ١١٨.

(٢) المغني ١١ : ١١٨ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٢.

(٣) المغني ١١ : ١١٨ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١١٢ - ١١٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٦٧.


واحد أو لم يكونوا ، وبه قال الشافعي ومالك ، إلّا أنّ مالكاً اشترط كونهم أهل بيت واحد(١) .

وقال أبو حنيفة : يجوز إذا كانوا كلّهم متقرّبين(٢) . وقد سلف(٣) .

والعبد القنّ والمدبَّر واُمّ الولد والمكاتب المشروط لا يملكون شيئاً ، فإن ملّكهم مولاهم شيئاً ، ففي ثبوت ذلك قولان : الأقوى : العدم ، فلا تجوز لهم اُضحية.

وعلى قول ثبوته يجوز لهم أن يضحّوا ، ولو ضحّوا من غير إذن سيّدهم ، لم يجز.

ولو انعتق بعضه وملك بجزء الحُرّيّة اُضحية ، جاز له أن يضحّي بها من غير إذن.

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٧ ، المجموع ٨ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٦٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٣ ، المغني ١١ : ١١٩.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٤٤ ، المغني ١١ : ١١٩ - ١٢٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٧٩ ، الحاوي الكبير ١٥ : ١٢٣.

(٣) تقدّم في ص ٢٨٢ ، المسألة ٦١٩.



الفصل السادس

في الحلق والتقصير‌

مسألة ٦٥٧ : إذا ذبح الحاجّ هديه ، وجب عليه الحلق أو التقصير بمنى يوم النحر‌ ، عند علمائنا ، وهو نسك عندنا - وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد القولين ، وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لقوله تعالى :( مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) (٢) ولو لم يكن نسكاً ، لم يصفهم الله تعالى به ، كالطيب واللُّبْس.

ولما رواه العامّة عن جابر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( أحلّوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصّروا )(٣) والأمر للوجوب.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا ذبحت اُضحيتك فاحلق رأسك »(٤) والأمر للوجوب أو للقدر الدالّ على استحقاق الثواب ، فيكون عبادةً لا مباحاً صرفاً.

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله داوم عليه هو وأصحابه وفعلوه في حجّهم وعمرتهم ، ولو لم يكن نسكاً لم يداوموا عليه ولا خلوا به في أكثر الأوقات‌

____________________

(١) المنتقى - للباجي - ٣ : ٣١ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٤٠ ، الوجيز ١ : ١٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٨ : ٢٠٥ و ٢٠٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦١ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٦٧.

(٢) الفتح : ٢٧.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ١٧٦ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٥٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٨.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٤٠ / ٨٠٨.


ولم يفعلوه إلّا نادراً ، لأنّه لم يكن عبادة لهم فيداوموا عليه ، ولا فيه فضل فيفعلوه.

وقال الشافعي وأحمد [ في الرواية الاُخرى ](١) : أنّه إطلاق محظور لا نسك ؛ لقولهعليه‌السلام لمـّا سعى بين الصفا والمروة : ( مَنْ كان منكم ليس معه هدي فليحلّ وليجعلها عمرة )(٢) وأمره بالحلّ عقيب السعي يقتضي عدم وجوب الحلق والتقصير(٣) .

وهو ممنوع ؛ لأنّ المعنى : فليحلّ بالتقصير أو الحلق.

مسألة ٦٥٨ : يتخيّر الحاجّ بين الحلق والتقصير أيّهما فَعَل أجزأه ، عند أكثر علمائنا(٤) - وبه قال أبو حنيفة(٥) - لقوله تعالى :( مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) (٦) والجمع غير مراد ، فيتعيّن التخيير.

وما رواه العامّة من أنّه كان مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مَنْ قصّر ولم ينكرعليه‌السلام عليه(٧) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الحديبية : اللّهم اغفر للمحلّقين ، مرّتين ، قيل : وللمقصّرين‌

____________________

(١) أضفناها لأجل السياق.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٨٨ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٤ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٣ - ١٠٢٤ / ٣٠٧٤.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٥ ، المجموع ٨ : ٢٠٥ و ٢٠٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦١ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨١ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٦٧.

(٤) منهم ابن إدريس في السرائر : ١٤١ ، والمحقّق في المختصر النافع : ٩٢.

(٥) المغني ٣ : ٤٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٤.

(٦) الفتح : ٢٧.

(٧) صحيح البخاري ٢ : ٢١٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٤٥ / ١٣٠١ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٥٦ / ٩١٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٠٣.


يا رسول الله؟ قال : وللمقصّرين »(١) .

وقال الشيخان رحمهما الله : إن كان الحاجّ صرورة ، وجب الحلق ، وكذا مَنْ لبّد شعره في الإحرام وإن لم يكن صرورةً(٢) . وبه قال الحسن البصري ومالك والشافعي والنخعي وأحمد وإسحاق(٣) ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( مَنْ لبّد فليحلق )(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصّر ، إنّما التقصير لمن حجّ حجّة الإسلام »(٥) .

وهو محمول على الندب.

وقال ابن عباس : من لبّد أو ضفر أو عقّد أو فتل أو عقص فهو على ما نوى ، يعني أنّه إن نوى الحلق فليحلق ، وإلّا فلا يلزمه(٦) .

وتلبيد الشعر في الإحرام : أن يأخذ عسلاً أو صمغاً ، ويجعله في رأسه لئلّا يقمل أو يتّسخ.

إذا عرفت هذا ، فالحلق أفضل إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ( رحم الله المحلّقين ) ثلاثاً ، ثم قال : ( والمقصّرين ) مرّةً(٧) . وزيادة الترحّم تدلّ على الأولويّة.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٤٣ / ٨٢٢.

(٢) المقنعة : ٦٦ ، النهاية : ٢٦٢ - ٢٦٣.

(٣) المغني ٣ : ٤٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٤ ، المدوّنة الكبرى ١ : ٤٠٢ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٣٤ ، المجموع ٨ : ٢٠٦ و ٢١٨.

(٤) المغني ٣ : ٤٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٥ ، الكامل - لابن عدي - ٥ : ١٨٧٠.

(٥) الكافي ٤ : ٥٠٣ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٢٤٣ / ٨١٩.

(٦) المغني ٣ : ٤٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٤.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٩٤٦ / ٣١٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٢ / ٣٠٤٤.


والحلق للملبّد والصرورة آكد فضلاً من غيرهما.

والمرأة لا حلق عليها ، ويجزئها من التقصير قدر الأنملة ؛ لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام ، قال : « نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تحلق المرأة رأسها »(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « تقصّر المرأة من شعرها لمتعتها(٢) مقدار الأنملة»(٣) .

ويجزئ من التقصير ما يقع عليه اسمه ؛ لأصالة براءة الذمة ، وسواء قصّر من شعر رأسه أو من لحيته أو من شاربه.

مسألة ٦٥٩ : يجب في الحلق والتقصير : النيّة ؛ لأنّه نسك عندنا لا إطلاق محظور.

ويستحب لمن يحلق أن يبدأ بالناصية من القرن الأيمن ويحلق إلى العظمين إجماعاً ؛ لما رواه العامّة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا بالحلاّق ، فأخذ شقّ رأسه الأيمن فحلقه ، فجعل يقسم بين مَنْ يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ شقّ رأسه الأيسر فحلقه ، ثم قال : ( هاهنا أبو طلحة؟ ) فدفعه إلى أبي طلحة(٤) .

ومن طريق الخاصّة : عن الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : أنّه أمر الحلّاق أن يدع الموسى على قرنه الأيمن ثم أمره أن يحلق وسمّى هو وقال : « اللّهم أعطني بكلّ شعرة نوراً يوم القيامة »(٥) .

____________________

(١) سنن الترمذي ٣ : ٢٥٧ / ٩١٤ ، سنن النسائي ٨ : ١٣٠.

(٢) في المصدر : لعمرتها.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٤٤ / ٨٢٤.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٣ / ١٩٨١.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٤٤ / ٨٢٦.


مسألة ٦٦٠ : مَنْ لا شعر على رأسه لا حلق عليه إجماعاً ، بل يمرّ الموسى على رأسه إجماعاً.

ولأنّ رجلاً من خراسان قدم حاجّاً وكان أقرع الرأس لا يحسن أن يلبّي ، فاستفتي له الصادقعليه‌السلام ، فأمر أن يلبّى عنه ويمرّ الموسى على رأسه فإنّ ذلك يجزئ عنه(١) .

إذا عرفت هذا ، فقال أبو حنيفة : إنّ هذا الإمرار واجب ؛ لقولهعليه‌السلام : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )(٢) وهذا لو كان له شعر ، لوجب عليه إزالته وإمرار الموسى على رأسه ، فلا يسقط الأخير بفوات الأوّل(٣) .

وقول الصادقعليه‌السلام يدلّ عليه ، فإنّ الإجزاء إنّما يستعمل في الواجب.

وقال أكثر العامّة : إنّه للاستحباب ؛ لأنّ محلّ الحلق الشعر ، فيسقط بفوات محلّه(٤) .

مسألة ٦٦١ : لو ترك الحلق والتقصير معاً حتى زار البيت ، فإن كان عامداً ، وجب عليه دم شاة ، وإن كان ناسياً ، فلا شي‌ء عليه ، وعليه إعادة الطواف والسعي ؛ لأنّه نسك أخّره عمداً عن محلّه ، فلزمه الدم.

ولأنّ محمد بن مسلم سأل الباقرعليه‌السلام : في رجل زار البيت قبل أن يحلق ، فقال : « إن كان زار البيت قبل أن يحلق وهو عالم أنّ ذلك لا ينبغي فإنّ عليه دم شاة »(٥) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٠٤ / ١٣ ، التهذيب ٥ : ٢٤٤ / ٨٢٨.

(٢) صحيح البخاري ٩ : ١١٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٨١ / ٢٠٤ ، مسند أحمد ٢ : ٥٠٨.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٧٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٤٠ ، المغني ٣ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٩ ، المجموع ٨ : ٢١٢.

(٤) المغني ٣ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٨ ، المجموع ٨ : ٢١٢.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٤٠ / ٨٠٩.


وسأل محمّدُ بن حمران الصادقعليه‌السلام : عن رجل زار البيت قبل أن يحلق ، قال : « لا ينبغي إلّا أن يكون ناسياً »(١) .

وسأل علي بن يقطين - في الصحيح - الكاظمَعليه‌السلام : عن المرأة رمت وذبحت ولم تقصّر حتى زارت البيت وطافت وسعت من الليل ما حالها؟ وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال : « لا بأس يقصّر ويطوف للحجّ ثم يطوف للزيارة ثم قد حلّ من كلّ شي‌ء »(٢) .

مسألة ٦٦٢ : لو رحل من منى قبل الحلق ، رجع وحلق بها أو قصّر‌ واجباً مع الاختيار ، ولو لم يتمكّن من الرجوع ، حلق مكانه ، وردّ شعره إلى منى ليدفن هناك ، ولو لم يتمكّن ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأنّه قد ترك نسكاً واجباً ، فيجب عليه الإتيان به وتداركه مع المكنة.

وسأل الحلبي - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن رجل نسي أن يقصّر من شعره أو يحلقه حتى ارتحل من منى ، قال : « يرجع إلى منى حتى يلقي شعره بها حلقاً كان أو تقصيراً »(٣) .

[ وعن أبي بصير ، قال : سألته عن رجل جهل أن يقصّر من رأسه أو يحلق حتى ارتحل من منى ، قال : « فليرجع إلى منى حتى يحلق شعره بها أو يقصّر ، ](٤) وعلى الصرورة أن يحلق »(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٤٠ / ٨١٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٤١ / ٨١١.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٤١ / ٨١٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٥ / ١٠١١.

(٤) حيث إنّ قولهعليه‌السلام الآتي : « وعلى الصرورة أن يحلق » ليس من تتمّة رواية الحلبي ، السابقة ، وإنّما من تتمّة رواية أبي بصير ، فلذلك أثبتنا صدرها في المتن من التهذيب والاستبصار.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٤١ / ٨١٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٥ / ١٠١٢.


وقال الصادقعليه‌السلام في رجل زار ولم يحلق رأسه ، قال : « يحلقه بمكّة ، ويحمل شعره إلى منى ، وليس عليه شي‌ء »(١) .

إذا عرفت هذا ، فإذا حلق رأسه بمنى ، استحبّ له أن يدفن شعره بها ، لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « كان علي بن الحسينعليهما‌السلام يدفن شعره في فسطاطه بمنى ويقول : كانوا يستحبّون ذلك » ، قال : وكان الصادقعليه‌السلام يكره أن يخرج الشعر من منى ويقول : « مَنْ أخرجه فعليه أن يردّه »(٢) .

مسألة ٦٦٣ : يستحب لمن حلق رأسه أو قصّر أن يقلّم أظفاره ويأخذ من شاربه‌ ، ولا نعلم فيه خلافاً.

قال ابن المنذر : ثبت أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا حلق رأسه قلّم أظفاره(٣) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إذا ذبحت اُضحيتك فاحلق رأسك واغتسل وقلّم أظفارك وخُذْ من شاربك »(٤) .

ووقت الحلق يوم النحر إجماعاً ، فلا يجوز قبله.

قال الله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (٥) .

ويجب أن يؤخّره عن الذبح والرمي ، فيبدأ بالرمي ثم الذبح ثم الحلق واجباً ، عند أكثر علمائنا(٦) - وبه قال مالك والشافعي في أحد القولين ، وأبو حنيفة وأحمد(٧) - لقوله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٤٢ / ٨١٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٦ / ١٠١٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٤٢ / ٨١٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٦ / ١٠١٤.

(٣) المغني ٣ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٦ ، المجموع ٨ : ٢١٨.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٤٠ - ٨٠٨.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) منهم : ابن حمزة في الوسيلة : ١٨٠ ، والمحقّق في المختصر النافع : ٩٢.

(٧) اُنظر حلية العلماء ٣ : ٣٤٣ ، والمجموع ٨ : ٢٠٧ ، وفتح العزيز ٧ : ٣٨١ ، والمغني ٣ : ٤٧٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٧٠.


الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (١) .

وما رواه العامّة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رتّب هذه المناسك(٢) ، وقال : ( خذوا عنّي مناسككم)(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية موسى بن القاسم عن علي قال : « لا يحلق رأسه ولا يزور حتى يضحّي فيحلق رأسه ويزور متى شاء »(٤) .

وللشيخ –رحمه‌الله - قول آخر في الخلاف : ترتيب هذه المناسك مستحب وليس بفرض(٥) ، وبه قال أبو الصلاح(٦) ، وهو القول الثاني للشافعي(٧) ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنى يوم النحر ، فقال له : زرت قبل أن أرمي ، فقال له : ( إرم ولا حرج ) فقال : ذبحت قبل أن أرمي ، فقال : ( إرم ولا حرج ) فما سُئل يومئذٍ عن شي‌ء قدّمه رجل ولا أخّره إلّا قال له : ( افعل ولا حرج )(٨) ولم يفصّل بين العالم والجاهل ، فدلّ على عدم الوجوب.

ومن طريق الخاصّة : رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الجوادعليه‌السلام ، قال له : جُعلت فداك إنّ رجلاً من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر وحلق قبل أن يذبح ، فقال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتاه طوائف من المسلمين ،

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٣ / ١٩٨١ ، المغني ٣ : ٤٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٠.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٣٦ / ٧٩٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٤ / ١٠٠٦.

(٥) الخلاف ٢ : ٣٤٥ ، المسألة ١٦٨.

(٦) الكافي في الفقه : ٢٠٠ - ٢٠١.

(٧) الاُمّ ٢ : ٢١٥ ، مختصر المزني : ٦٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٦ ، فتح العزيز ٧ : ٣٧٩ - ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٣ ، المجموع ٨ : ٢٠٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٣.

(٨) صحيح البخاري ٢ : ٢١٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٤ / ٧٨ ، سنن البيهقي ٥ : ١٤٢ و ١٤٣ ، شرح معاني الآثار ٢ : ٢٣٨ بتفاوت ونقيصة.


فقالوا : يا رسول الله ذبحنا من قبل أن نرمي وحلقنا من قبل أن نذبح ، فلم يبق شي‌ء ممّا ينبغي أن يقدّموه إلّا أخّروه ، ولا شي‌ء ممّا ينبغي أن يؤخّروه إلّا قدّموه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا حرج»(١) .

وهو محمول على الناسي.

وعلى القول بوجوب الترتيب فإنّه ليس شرطاً ولا تجب بالإخلال به كفّارة ؛ لأصالة البراءة ، ولما تقدّم في الأحاديث السابقة.

وقال الشافعي : إن قدّم الحلق على الذبح ، جاز ، وإن قدّم الحلق على الرمي ، وجب الدم إن قلنا : إنّه إطلاق محظور ؛ لأنّه حلق قبل أن يتحلّل ، وإن قلنا : إنّه نسك ، فلا شي‌ء عليه ، لأنّه أحد ما يتحلّل به(٢) .

وقال أبو حنيفة : إن قدّم الحلق على الذبح ، لزمه دم إن كان قارناً أو متمتّعاً ، ولا شي‌ء عليه إن كان مفرداً(٣) .

وقال مالك : إن قدّم الحلق على الذبح ، فلا شي‌ء عليه ، وإن قدّمه على الرمي ، وجب الدم(٤) .

مسألة ٦٦٤ : لو بلغ الهدي محلّه ولم يذبح ، قال الشيخ : يجوز له أن يحلق(٥) ‌، لقوله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (٦)

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٠٤ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٣٦ / ٧٩٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٤ / ١٠٠٨ ، وفيها بزيادة « لا حرج» مكرّراً.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٨٠ - ٣٨١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٦ و ١٨٧ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٣ ، المجموع ٨ : ٢٠٧ و ٢١٦.

(٣) حلية العلماء ٣ : ٣٤٣ ، المجموع ٨ : ٢١٦.

(٤) المدوّنة الكبرى ١ : ٤١٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٣ ، المجموع ٨ : ٢١٦ ، المغني ٣ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٢.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٧٤.

(٦) البقرة : ١٩٦.


وقال تعالى :( ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (١) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إذا اشتريت اُضحيتك وقمطتها(٢) وصارت في جانب رحلك فقد بلغ الهدي محلّه ، فإن أحببت أن تحلق فاحلق »(٣) .

قال أبو الصلاح : يجوز له تأخير الحلق إلى آخر أيّام التشريق(٤) - وهو حسن ، لكن لا يجوز له أن يقدّم زيارة البيت عليه - وبه قال عطاء وأبو ثور وأبو يوسف(٥) ؛ لأنّ الله تعالى بيّن أوّله بقوله :( حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (٦) ولم يبيّن آخره ، فمتى فَعَله أجزأه ، كالطواف للزيارة والسعي.

مسألة ٦٦٥ : يوم الأكبر هو يوم النحر.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في خطبته يوم النحر : ( هذا يوم الحجّ الأكبر )(٧) .

وسأل معاويةُ بن عمّار الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن يوم الحجّ الأكبر ) ، قال : « هو يوم النحر ، والأصغر العمرة »(٨) .

وسُمّي بالأكبر ؛ لكثرة أفعال الحجّ فيه من الوقوف بالمشعر والدفع منه إلى منى والرمي والنحر والحلق وطواف الإفاضة والرجوع إلى منى للمبيت بها ، وليس في غيره من الأيّام مثل ذلك ، وهو مع ذلك يوم عيد‌

____________________

(١) الحج : ٣٣.

(٢) قمطتها : أي شددتها بالقماط ، وهو : حبل يشدّ به قوائم الشاة للذبح. مجمع البحرين ٤ : ٢٧٠ « قمط ».

(٣) التهذيب ٥ : ٢٣٥ - ٢٣٦ / ٧٩٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٤ / ١٠٠٧.

(٤) الكافي في الفقه : ٢٠١.

(٥) المغني ٣ : ٤٦٩ ، المجموع ٨ : ٢٠٩.

(٦) البقرة : ١٩٦.

(٧) صحيح البخاري ٢ : ٢١٧ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٣٣١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٦ / ٣٠٥٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٩٥ / ١٩٤٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٩.

(٨) الكافي ٤ : ٢٩٠ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٩٢ / ١٤٤٣ ، التهذيب ٥ : ٤٥٠ / ١٥٧١.


ويوم الإحلال من إحرام الحجّ.

إذا عرفت هذا ، فإنّه يستحب للإمام أن يخطب فيه ، ويعلّم الناس ما فيه من المناسك من النحر والإفاضة والرمي - وبه قال الشافعي وابن المنذر وأحمد(١) - لما رواه العامّة عن ابن عباس : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خطب الناس يوم النحر بمنى(٢) .

ومن طريق الخاصّة : خطبة عليعليه‌السلام يوم الأضحى(٣) .

مسألة ٦٦٦ : قد عرفت فيما سبق محظورات الإحرام ، فإذا حلق أو قصّر ، حلّ له كلّ شي‌ء‌ إن كان الإحرام للعمرة ، وإن كان للحجّ ، حلّ له كلّ شي‌ء إلّا الطيب والنساء والصيد ، عند علمائنا - وبه قال مالك(٤) - لأنّ النساء محرّمة عليه إجماعاً ، فيحرم عليه الطيب ؛ لأنّه من دواعي الجماع ، فكان حراماً ، كالقُبْلة ، فيحرم عليه الصيد ؛ لقوله تعالى :( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) (٥) والإحرام متحقّق بتحريم هذين.

وما رواه العامّة عن عمر ، قال : إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حلّ لكم كلّ شي‌ء إلّا الطيب والنساء(٦) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « اعلم أنّك إذا حلقت رأسك‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٥٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٦ ، المجموع ٨ : ٨٢ و ٢١٨ - ٢١٩ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٥٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩١ ، المغني ٣ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٣.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ٢١٥ ، المغني ٣ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٣.

(٣) نهج البلاغة - بشرح محمد عبده - ١ : ٩٨ ، مصباح المتهجّد : ٦٠٧.

(٤) المنتقى - للباجي - ٣ : ٣٠ ، الاستذكار ١٣ : ٢٢٧ / ١٨٦٧١ ، المغني ٣ : ٤٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٨٩.

(٥) المائدة : ٩٥.

(٦) سنن البيهقي ٥ : ١٣٥ ، المغني ٣ : ٤٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٧.


فقد حلّ لك كلّ شي‌ء إلاّ النساء والطيب »(١) .

وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد : يحلّ له كلّ شي‌ء إلّا النساء. وبه قال ابن الزبير وعلقمة وسالم وطاوس والنخعي وأبو ثور(٢) .

وقال ابن عمر وعروة بن الزبير : يحلّ له كلّ شي‌ء إلّا النساء والطيب(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإذا طاف طواف الزيارة ، حلّ له الطيب ، وإذا طاف طواف النساء ، حلّت له النساء ، فثبت أنّ مواطن التحلّل ثلاثة :

الأوّل : إذا حلق أو قصّر ، حلّ له كلّ شي‌ء أحرم منه ، إلّا النساء والطيب وأكل الصيد.

الثاني : إذا طاف طواف الزيارة ، حلّ له الطيب.

الثالث : إذا طاف طواف النساء ، حللن له.

مسألة ٦٦٧ : يستحب لمن حلق رأسه أن يتشبّه بالمـُحْرمين قبل طواف الزيارة‌ في ترك لُبْس المخيط إلى أن يطوف طواف الزيارة ؛ لأنّ محمد بن مسلم سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل تمتّع بالعمرة فوقف بعرفات ووقف بالمشعر ورمى الجمرة وذبح وحلق أيغطّي رأسه؟ قال : « لا ، حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة » قيل له : فإن كان قد فعل؟ قال : « ما أرى عليه شيئاً »(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٤٥ / ٨٣١ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٧ / ١٠٢٠.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ١٨٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٨ : ٢٣٣ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٤ - ٣٨٥ ، فتح العزيز ٧ : ٣٨٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٦ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٢٢ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٩٥ ، المغني ٣ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٦ ، الاستذكار ١٣ : ٢٢٨ / ١٨٦٧٤.

(٣) المغني ٣ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٦.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٤٧ / ٨٣٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٩ / ١٠٢٦.


والنهي هنا للكراهة ؛ لأنّ العلاء سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - إنّي حلقت رأسي وذبحت وأنا متمتّع اُطلي رأسي بالحنّاء؟ فقال : « نعم من غير أن تمسّ شيئاً من الطيب » قلت : وألبس القميص وأتقنّع؟ قال : « نعم » قلت : قبل أن أطوف بالبيت؟ قال : « نعم »(١) .

ويستحب لمن طاف طواف الزيارة أن لا يمسّ شيئاً من الطيب حتى يطوف طواف النساء ؛ لئلّا يشتغل به عن أداء المناسك. ولأنّه من دواعي شهوة النساء.

ولأنّ محمد بن إسماعيل - في الصحيح - قال : كتبت إلى الرضاعليه‌السلام : هل يجوز للمُحْرم المتمتّع أن يمسّ الطيب قبل أن يطوف طواف النساء؟ فقال : « لا »(٢) وهذا النهي للكراهة ، كما تقدّم.

تذنيب : إنّما يحصل التحلّل بالرمي والحلق.

وقال بعض الشافعية : يتحلّل بدخول وقت الرمي وإن لم يرم ، كما لو فاته الوقت فإنّه يتحلّل(٣) .

وليس بجيّد ؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم كلّ شي‌ء إلّا النساء )(٤) علّق ذلك بالرمي دون وقته.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٤٧ / ٨٣٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٨٩ / ١٠٢٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٤٨ / ٨٤٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٠ / ١٠٢٩.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٨ : ٢٣٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٦.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٢٧٦ / ١٨٦ و ١٨٧ ، سنن البيهقي ٥ : ١٣٦ ، مسند أحمد ٦ : ١٤٣ ، الفردوس ١ : ٢٧٠ / ١٠٥٠ ، المغني ٣ : ٤٧١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٦٦ - ٤٦٧.



الفصل السابع

في بقايا أفعال الحجّ‌

وفيه مباحث :

البحث الأوّل : في زيارة البيت‌

مسألة ٦٦٨ : إذا قضى الحاجّ مناسكه بمنى من رمي جمرة العقبة وذبح الهدي والحلق أو التقصير ، رجع إلى مكّة‌ لطواف الزيارة ، وسُمّي بذلك ؛ لأنّه يرجع من منى لزيارة البيت ، ولا يقيم بمكّة ، بل يرجع منها إلى منى ، وهو ركن في الحجّ ، ويسمّى طواف الحجّ ، ولا يتمّ إلّا به إجماعاً.

قال الله تعالى :( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (١) .

وروى العامّة عن عائشة قالت : حججنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأفضنا يوم النحر فحاضت صفيّة ، فأراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يريد الرجل من أهله ، فقلت : يا رسول الله إنّها حائض ، قال : ( أحابستنا هي؟ ) قالوا : يا رسول الله إنّها قد أفاضت يوم النحر ، قال : ( اخرجوا )(٢) فدلّ على وجوب هذا الطواف وأنّه حابس لمن لم يأت به.

ويسمّى أيضاً طواف الإفاضة ؛ لقولهم : إنّها قد أفاضت يوم النحر ، يعني طافت طواف الزيارة. وسُمّي بذلك ؛ لأنّه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة.

____________________

(١) الحجّ : ٢٩.

(٢) أوردها كما في المتن ابنا قدامة في المغني ٣ : ٤٧٣ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٧٥ ، وبتفاوت في اللفظ في صحيح البخاري ٢ : ٢٢٠ ، وسنن أبي داود ٢ : ٢٠٨ / ٣٠٠٣ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٦٢ ، والموطّأ ١ : ٤١٢ / ٢٢٥.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « وزُر البيت وطُفْ به اُسبوعاً تفعل كما صنعت يوم قدمت مكة »(١) .

ولأنّ الحجّ أحد النسكين ، فوجب فيه طواف ، كالعمرة.

مسألة ٦٦٩ : وهذا الطواف - كالأوّل - تجب فيه الطهارة ، والنيّة شرط فيه‌ ، كما هي شرط في طواف القدوم وفي كلّ عبادة - وبه قال إسحاق وابن المنذر(٢) - لأنّه عبادة وعمل وقد قال الله تعالى :( مُخْلِصِينَ ) (٣) .

وقالعليه‌السلام : ( الأعمال بالنيّات وإنّما لامرئ ما نوى )(٤) .

وقالعليه‌السلام : ( الطواف بالبيت صلاة )(٥) .

وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي : يجزئه وإن لم ينو الفرض الذي عليه(٦) .

ويستحبّ الإتيان به يوم النحر بعد قضاء مناسك منى ؛ لما رواه العامّة عن جابر في صفة حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم النحر : فأفاض إلى البيت فصلّى بمكة الظهر(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٥٠ / ٨٤٨.

(٢) المغني ٣ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٤ - ٤٧٥.

(٣) البيّنة : ٥.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٢ ، و ٩ : ٢٩ ، صحيح مسلم ٣ : ١٥١٥ - ١٥١٦ / ١٩٠٧ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤١٣ / ٤٢٢٧ ، سنن النسائي ١ : ٥٨ - ٥٩ ، و ٧ : ١٣ ، مسند أحمد ١ : ٢٥ ، بتفاوت يسير.

(٥) سنن النسائي ٥ : ٢٢٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٨٧ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ٣٤ / ١٠٩٥٥.

(٦) المغني ٣ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٥.

(٧) صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ / ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٧ / ٣٠٧٤.


ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - وقد سأله محمد ابن مسلم عن المتمتّع متى يزور؟ قال : « يوم النحر »(١) .

وفي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « لا يبيت المتمتّع يوم النحر حتى يزور »(٢) .

ولو أخّره إلى الليل ، جاز ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أخّر طواف الزيارة إلى الليل(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ينبغي للمتمتّع أن يزور البيت يوم النحر ومن ليلته لا يؤخّر ذلك اليوم »(٤) .

مسألة ٦٧٠ : أوّل وقت هذا الطواف : طلوع الفجر من يوم النحر‌ - وبه قال أبو حنيفة(٥) - لوجوب فعله بعد أداء المناسك المتعلّقة بيوم النحر ، فلا يتحقّق له وقت قبله.

وآخر وقته : اليوم الثاني من أيّام النحر للمتمتّع ، عند علمائنا ، ولا يجوز له التأخير عن ذلك.

وقال أبو حنيفة : آخر وقته آخر أيّام النحر(٦) .

وقال باقي العامّة : لا تحديد لآخره(٧) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٤٩ / ٨٤١ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٠ / ١٠٣٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٤٩ / ٨٤٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٠ - ٢٩١ / ١٠٣١.

(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٧ / ٣٠٥٩ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٦٢ / ٩٢٠.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٤٩ / ٨٤٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٩١ / ١٠٣٢.

(٥) بدائع الصنائع ٢ : ١٣٢ ، المغني ٣ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٥ ، المجموع ٨ : ٢٨٢.

(٦) بدائع الصنائع ٢ : ١٣٢ ، المغني ٣ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٦.

(٧) المغني ٣ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٥ ، المجموع ٨ : ٢٢٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٣٢.


وقال الشافعي : أوّل وقته من نصف ليلة النحر(١) .

ولنا : أنّه نسك في الحجّ ، فكان آخره محدوداً ، كالوقوف والرمي.

وسأل معاويةُ بن عمّار - في الصحيح - الصادقَعليه‌السلام : عن المتمتّع متى يزور البيت؟ قال : « يوم النحر أو من الغد ، ولا يؤخّر ، والمفرد والقارن ليسا سواء موسّع عليهما »(٢) .

ولو أخّر المتمتّع زيارة البيت عن اليوم الثاني من يوم النحر ، أثم ولا كفّارة عليه ، وكان طوافه صحيحاً.

أمّا القارن والمفرد : فيجوز لهما تأخير طواف الزيارة والسعي إلى آخر ذي الحجّة ؛ لأنّ إسحاق بن عمّار سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن زيارة البيت تؤخّر إلى اليوم الثالث ، قال : « تعجيلها أحبّ إليّ ، وليس به بأس إن أخّره »(٣) .

وفي رواية اُخرى : « موسّع للمفرد أن يؤخّره »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فقد وردت رخصة في جواز تقديم الطواف والسعي على الخروج إلى منى وعرفات - وبه قال الشافعي(٥) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( مَنْ قدّم شيئاً قبل شي‌ء فلا حرج )(٦) .

ومن طريق الخاصّة : رواية يحيى الأزرق(٧) أنّه سأل أبا الحسنعليه‌السلام :

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٩٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٨ : ٢٢٠ و ٢٨٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٥ ، المغني ٣ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٣٢.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٤٩ - ٨٤٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٩١ - ١٠٣٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٥٠ / ٨٤٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٩١ - ١٠٣٣.

(٤) الكافي ٤ : ٥١١ - ٤ ، التهذيب ٥ : ٢٥١ - ٢٥٢ / ٨٥٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٢ / ١٠٣٧.

(٥) المغني ٣ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٢.

(٦) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٤٨١ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٧٢ نقلاً عن سعيد في سننه.

(٧) في المصدر : صفوان بن يحيى الأزرق.


عن امرأة تمتّعت بالعمرة إلى الحجّ ففرغت من طواف العمرة وخافت الطمث قبل يوم النحر ، أيصلح لها أن تُعجّل طوافها طواف الحجّ قبل أن تأتي منى؟ قال : « إذا خافت أن تضطرّ إلى ذلك فعلت »(١) .

إذا ثبت هذا ، فالأولى التقييد للجواز بالعذر.

مسألة ٦٧١ : يستحب أن يغتسل ويُقلّم أظفاره ويأخذ من شاربه ويدعو إذا وقف على باب المسجد‌ ، كطواف القدوم ، وغير ذلك من المستحبّات ، لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك واغتسل وقلّم أظفارك وخُذْ من شاربك وزُر البيت وطُفْ به اُسبوعاً تفعل كما صنعت يوم قدمت مكّة »(٢) .

ويجوز أن يغتسل من منى ويأتي مكّة ، فيطوف بذلك الغسل ؛ للرواية(٣) ، وأن يغتسل نهاراً ويطوف ليلاً ما لم ينقضه بحدث أو نوم ، فإن نقضه ، أعاده مستحبّاً ليطوف على غسل ، للرواية(٤) .

ويستحبّ الغسل للمرأة ، كالرجل ؛ لأنّ الحلبي سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - أتغتسل النساء إذا أتين البيت؟ فقال : « نعم إنّ الله تعالى يقول :( طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (٥) فينبغي للعبد أن لا يدخل إلّا وهو طاهر قد غسل عنه العرق والأذى وتطهّر »(٦) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٩٨ / ١٣٨٤.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٤٠ و ٢٥٠ / ٨٠٨ و ٨٤٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٥٠ - ٢٥١ / ٨٤٩.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٥١ / ٨٥٠.

(٥) إنّ الآية في سورة البقرة : ١٢٥ هكذا( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ) إلى آخر ما في المتن ، وفي سورة الحج : ٢٦ هكذا( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) .

(٦) التهذيب ٥ : ٢٥١ / ٨٥٢.


ثم يقف على باب المسجد ويدعو بالمنقول ويدخل المسجد ويأتي الحجر الأسود فيستلمه ويقبّله ، فإن لم يستطع ، استلمه بيده وقبَّل يده ، فإن لم يتمكّن ، استقبله وكبّر ودعا كما تقدّم في طواف القدوم ، كلّ ذلك مستحبٌّ ، ثم يطوف واجباً سبعة أشواط طواف الزيارة يبدأ بالحجر ويختم به ، فإذا أكمله ، صلّى ركعتي الطواف واجباً في مقام إبراهيمعليه‌السلام ، ثم يرجع إلى الحجر الأسود ، فيستلمه إن استطاع ، وإلّا استقبله وكبّر مستحبّاً ، ثم يخرج إلى الصفا واجباً ، ويسعى بينه وبين المروة كما صنع في وقت قدومه في الكيفية ، فإذا فرغ من السعي ، أحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا النساء ، ثم يرجع إلى البيت فيطوف طواف النساء اُسبوعاً - كما تقدّم - واجباً ، ويصلّي ركعتيه في مقام إبراهيمعليه‌السلام واجباً ، فإذا أكمله ، حلّت له النساء ، ولهذا سُمّي طواف النساء.

مسألة ٦٧٢ : السعي عقيب طواف الحجّ ركن في الحجّ عندنا‌ واجباً فيه ؛ لما تقدّم.

ولقول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - قلت : فرجل نسي السعي بين الصفا والمروة ، قال : « يعيد السعي » قلت : فاته ذلك حتى خرج(١) ، قال : « يرجع فيعيد السعي ، إنّ هذا ليس كرمي الجمار ، إنّ الرمي سنّة ، والسعي بين الصفا والمروة فريضة »(٢) .

وبين العامّة خلاف في وجوبه واستحبابه(٣) .

وهل يشترط في التحلّل الثاني السعي؟ أو يحصل عقيب طواف‌

____________________

(١) في الاستبصار والموضع الأوّل من التهذيب : قلت : فإنّه يخرج ( خرج ).

(٢) التهذيب ٥ : ١٥٠ / ٤٩٢ ، و ٢٨٦ / ٩٧٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٨ / ٨٢٩.

(٣) اُنظر : المغني ٣ : ٤١٠.


الزيارة قبله؟ الأقرب : عدم الاشتراط ؛ لأنّهم : علّلوا التحلّل بطواف الزيارة(١) ، وليس السعي جزءاً من مسمّاه.

وبين العامّة خلاف ، فمَنْ قال : إنه فرض ، لم يحصل التحلّل إلّا به ، ومَنْ قال : إنه سنّة ، ففي التحلّل قبله وجّهان : أحدهما : التحلّل ؛ لأنه لم يبق شي‌ء من واجّبات الحجّ عندهم ، والثاني : عدمه ؛ لأنه من أفعال الحجّ ، فيأتي به في إحرام الحجّ ، كالسعي في العمرة(٢) .

مسألة ٦٧٣ : طواف النساء واجب - عند علمائنا‌ أجمع - على الرجال والنساء والخصيان من البالغين وغيرهم - وأطبقت العامّة على عدم وجوبه(٣) - لما رواه العامّة عن عائشة قالت : فطاف الذين أهلّوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلّوا ثم طافوا طوافا آخر(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الرضاعليه‌السلام في قول الله عزّ وجلّ :( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (٥) قال : « هو طواف النساء »(٦) .

وهذا الطواف واجب في الحجّ والعمرة المبتولة ، عند علمائنا أجمع ؛ لأنّ إسماعيل بن رباح سأل أبا الحسنعليه‌السلام : عن مفرد العمرة عليه طواف النساء؟ قال « نعم »(٧) .

____________________

(١) اُنظر على سبيل المثال : التهذيب ٥ : ٢٥٢ / ٨٥٣.

(٢) المغني ٣ : ٤٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٧.

(٣) كما في الخلاف ٢ : ٣٦٣ ، المسألة ١٩٩.

(٤) سنن أبي داود ٢ : ١٥٣ ، ذيل الحديث ١٧٨١ ، سنن البيهقي ٥ : ١٠٥ ، المغني ٣ : ٤٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٧٨.

(٥) الحجّ : ٢٩.

(٦) ورد الحديث كما في المتن عن الإمام الصادقعليه‌السلام في التهذيب ٥ : ٢٥٣ / ٨٥٥ ، وبتفاوت عن الإمام أبي الحسنعليه‌السلام في التهذيب ٥ : ٢٥٢ - ٢٥٣ / ٨٥٤.

(٧) الكافي ٤ : ٥٣٨ / ٨ ، التهذيب ٥ : ٢٥٣ / ٨٥٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٣١ / ٨٠١.


ولا فرق بين الخصيّ والمرأة والرجل في وجوب طواف النساء ؛ لأنّ الحسين بن يقطين(١) سأل الكاظمَعليه‌السلام عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء؟ قال : « نعم عليهم الطواف كلّهم »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فكلّ إحرام يجب فيه طواف النساء إلّا إحرام العمرة غير المفردة ، وكلّ طواف لا بدّ له من سعي يتعقّبه إلّا طواف النساء.

مسألة ٦٧٤ : ولو ترك الحاجّ أو المعتمر مفرداً طواف النساء ، لم يحللن له ، ويجب عليه العود مع المكنة ليطوفه ، فإن لم يتمكّن ، أَمَرَ مَنْ يطوف عنه طواف النساء ، فإذا طاف النائب عنه ، حلّت له النساء.

ولو مات قبل طوافه ، طاف عنه وليّه بعد موته ؛ لأنّه أحد المناسك الواجبة ، فيأتي به.

ولأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله ، قال : « يرسل فيُطاف عنه فإن توفّي قبل أن يُطاف عنه فليطف عنه وليّه»(٣) .

وإنّما قلنا بالاستنابة مع تعذّر إمكان الرجوع ؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - : عن رجل نسي طواف النساء حتى أتى الكوفة ، قال : « لا تحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت » قلت : فإن لم يقدر؟ قال : « يأمر مَنْ يطوف عنه »(٤) .

وعلى تحريم النساء قبل فعله رواية معاوية بن عمّار - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى‌

____________________

(١) في المصدر : الحسين بن علي بن يقطين.

(٢) الكافي ٤ : ٥١٣ - ٤ ، التهذيب ٥ : ٢٥٥ - ٨٦٤.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٥٥ - ٢٥٦ / ٨٦٦ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٣ / ٨٠٨.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٥٦ / ٨٦٧ ، الإستبصار ٢ : ٢٣٣ / ٨٠٩.


إهله ، قال : « لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت ، فإن هو مات فليقض عنه وليّه أو غيره ، فأمّا ما دام حيّاً فلا يصحّ أن يقضى عنه ، وإن نسي الجمار فليسا سواءً ، لأنّ الرمي سنّة والطواف فريضة »(١) .

البحث الثاني : في الرجوع إلى منى‌

مسألة ٦٧٥ : إذا قضى الحاجّ مناسكه بمكّة من طواف الزيارة وصلاة ركعتيه والسعي وطواف النساء وصلاة ركعتيه ، وجب أن يرجع إلى منى‌ للمبيت بها ليالي التشريق ، وهي ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، عند علمائنا - وبه قال عطاء وعروة وإبراهيم ومجاهد ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٢) - لما رواه العامّة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رخّص للعباس بن عبد المطّلب أن يبيت بمكّة ليالي منى من أجل سقايته(٣) .

قال ابن عباس : لم يرخّص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأحد يبيت بمكّة إلاّ للعباس من أجل سقايته(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا فرغت من طوافك للحجّ وطواف النساء فلا تبيت إلّا بمنى إلّا أن يكون شغلك في‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٥٥ / ٨٦٥ ، الاستبصار ٢ : ٢٣٣ / ٨٠٧.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٨٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٥ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤٧ ، الوجيز ١ : ١٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٣٨٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٤٥.

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٢١٧ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٥٣ / ١٣١٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٩ / ٣٠٦٥ ، سنن أبي داود ٢ : ١٩٩ / ١٩٥٩ ، سنن الدارمي ٢ : ٧٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٥٣ ، المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٨٢.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٩ / ٣٠٦٦ ، المغني ٣ : ٤٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٢ - ٤٨٣.


نسكك ، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرّك أن تبيت في غير منى »(١) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : إنّه مستحب لا واجب - وبه قال الحسن البصري(٢) - لقول ابن عباس : إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت(٣) .

ولأنّه قد حلّ من حجّه ، فلم يجب عليه المبيت بموضع معيّن ، كليلة الحصبة(٤) .

ولا حجّة في قول ابن عباس خصوصاً وقد نقل عنه : لا يبيتنّ أحد من وراء العقبة من منى ليلاً(٥) .

والفرق بين ليلة الحصبة وغيرها ؛ لبقاء بعض المناسك عليه في غيرها.

مسألة ٦٧٦ : لو ترك المبيت بمنى ، وجب عليه عن كلّ ليلة شاة‌ إلّا أن يخرج من منى بعد نصف الليل أو يبيت بمكّة مشتغلاً بالعبادة ، فلو ترك المبيت ليلةً ، وجب عليه شاة ، فإن ترك ليلتين ، وجب شاتان ، فإن ترك الثالثة وكان ممّن اتّقى ، لم يكن عليه شي‌ء ؛ لأنّ له النفر في الأوّل ، إلّا أن تغرب الشمس يوم الثاني عشر وهو بمنى.

ولو لم يكن قد اتّقى أو نفر بعد الغروب ، وجب عليه شاة اُخرى ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( مَنْ ترك نسكاً فعليه دم )(٦) وقد بيّنّا أنّ المبيت بمنى نسك.

ومن طريق الخاصّة : رواية جعفر بن ناجية ، قال : سألت الصادقَعليه‌السلام :

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٥٦ / ٨٦٨.

(٢ - ٤ ) المغني والشرح الكبير ٣ : ٤٨٢.

(٥) المغني ٣ : ٤٨٢.

(٦) أورده أبو إسحاق الشيرازي في المهذّب ١ : ٢٣٣ ، وابنا قدامة في المغني ٣ : ٣٩٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٣٩٨.


عمّن بات ليالي منى بمكّة ، فقال : « عليه ثلاثة من الغنم يذبحهنّ »(١) .

وقال أبو حنيفة : لا شي‌ء عليه إذا ترك المبيت(٢) .

وقال الشافعي : إذا ترك المبيت ليلة واحدة ، وجب عليه مُدٌّ. وفيه قولان : أحدهما : يجب عليه درهم ، والآخر : ثلث دم. وهل الدم واجب أو مستحبٌّ؟ قولان(٣) .

ويجوز النفر في اليوم الثاني من أيّام التشريق لمن اتّقى ، فلا يجب المبيت الليلة الثالثة.

والاتّقاء : اجتناب النساء والصيد في إحرامه.

إذا عرفت هذا ، فلو أراد المتّقي في الأوّل ، جاز له ما لم تغرب الشمس وهو بمنى - وبه قال الشافعي(٤) - لقوله تعالى :( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) (٥) .

أمّا لو غربت الشمس ، وجب عليه المبيت والرمي في الثالث ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد(٦) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٨٦ / ١٤٠٦ ، التهذيب ٥ : ٢٥٧ / ٨٧٢ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٢ / ١٠٣٩.

(٢) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٦ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩١ ، المغني ٣ : ٤٨٢.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٥ و ٢٠٦ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤٧ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٥.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٩٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤٨ و ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٩.

(٥) البقرة : ٢٠٣.

(٦) الوجيز ١ : ١٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤٨ و ٢٨٢ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٧ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٤٧ ، المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٠.


وقال أبو حنيفة : يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر(١) .

إذا ثبت هذا ، فالواجب الكون ليالي التشريق ، ولا عبادة عليه زائدةً على غيرها من الليالي إجماعاً.

والأفضل أن لا يخرج من منى إلّا بعد طلوع الفجر. ويجوز له أن يأتي مكة أيّام منى لزيارة البيت تطوّعاً.

والأفضل المقام بمنى إلى انقضاء أيّام التشريق ؛ لأنّ ليث المرادي سأل الصادقَعليه‌السلام : عن الرجل يأتي مكّة أيّام منى بعد فراغه من زيارة البيت ، فيطوف بالبيت تطوّعاً ، فقال : « المقام بمنى أفضل وأحبّ إليَّ »(٢) .

مسألة ٦٧٧ : رُخّص للرعاة المبيت في منازلهم وترك المبيت بمنى‌ ما لم تغرب الشمس عليهم في منى ، فإنّه يلزمهم المبيت بها إجماعاً

روى العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رخّص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى ويرموا يوم النحر جمرة العقبة ثم يرموا يوم النفر(٣) .

وكذلك أهل سقاية العباس ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رخّص لأهل سقاية العباس أن يدعوا المبيت بمنى.

وقد قيل : إنّه إذا غربت الشمس على أهل سقاية العباس بمنى أن يَدَعوا المبيت بمنى ، بخلاف الرعاة ؛ لأنّ شغل أهل السقاية ثابت ليلاً ونهاراً ، وشغل الرعاة بالنهار(٤) .

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٦٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٠٠ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٦ ، المجموع ٨ : ٢٨٢ ، المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٧.

(٢) الكافي ٤ : ٥١٥ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٦١ / ٨٨٧ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٥ / ١٠٥٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٩٣ ، وفي سنن أبي داوُد ٢ : ٢٠٢ / ١٩٧٥ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢٨٩ - ٢٩٠ / ٩٥٥ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٠ / ٣٠٣٧ ، وسنن البيهقي ٥ : ١٥٠ نحوه.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٩٤ ، المجموع ٨ : ٢٤٨.


والأقرب : أنّ مَنْ شاركهم في العذر - كمن له مريض بمكّة يحتاج أن يعلّله ، أو مال بها يخاف ضياعه - يترخّص كترخّصهم.

وللشافعي وجهان(١) .

[ و ](٢) الأقرب : أنّه لا تختصّ رخصة أهل السقاية بالعبّاسيّة - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ المعنى يعمّهم وغيرهم.

وقال مالك وأبو حنيفة : إنّها تختصّ بأولاد العباس(٤) .

البحث الثالث : في الرمي.

مسألة ٦٧٨ : يجب على الحاجّ الرمي في كلّ يوم من أيّام التشريق الجمار الثلاث‌ كلّ جمرة بسبع حصيات من الجمار الملتقط من المشعر.

فأوّل وقت الرمي يوم النحر ، وهو مختصّ بجمرة العقبة خاصّة قبل الذبح ، كما تقدّم.

وأمّا الجمار الثلاث : فأوّل وقت رميها الحادي عشر من شهر ذي الحجّة ، وهو أوّل أيّام التشريق ، ثم في الثاني عشر ، ثم في الثالث عشر ، وهو ثالث أيّام التشريق ، فيرمي في كلّ يوم بإحدى وعشرين حصاة. ويبدأ بالاُولى من الجمرات ، وهي أبعد الجمرات من مكّة.

ويستحب أن يرميها عن يسارها من بطن المسيل بسبع حصيات يرميهنّ خذفاً ، ويكبّر مع كلّ حصاة ، ويدعو ، ثم يقوم عن يسار الطريق ويستقبل القبلة ويحمد الله ويثني عليه ويصلّي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم يتقدّم‌

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٣٩٤ ، المجموع ٨ : ٢٤٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٠.

(٢) أضفناها لأجل السياق.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٩٤ ، المجموع ٨ : ٢٤٨ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٨٦.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٣٩٤.


قليلاً ويدعو ، ثم يقوم عن يسار الطريق ويستقبل القبلة ويحمد الله ويُثني عليه ويُصلّي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم يتقدّم قليلاً ويدعو ، ثم يرمي الجمرة الثانية الوسطى ، ويصنع عندها كما صنع عند الاُولى ، ويقف ويدعو بعد الحصاة السابعة ، ثم يمضي إلى الثالثة - وهي جمرة العقبة - يختم بها الرمي ، فيرميها كالأوّلتين ، إلّا أنّه لا يقف عندها ، ولا نعلم فيه خلافاً.

روى العامّة عن عائشة ، قالت : أفاض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من آخر يومه حين صلّى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كلّ جمرة بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة ، ويقف عند الاُولى والثانية ، فيطيل القيام ويتضرّع ، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ارم في كلّ يوم عند زوال الشمس وقُلْ كما قلت حين رميت جمرة العقبة ، وابدأ بالجمرة الاُولى ، وارمها عن يسارها في بطن المسيل وقُلْ كما قلت يوم النحر ثم قُمْ عن يسار الطريق ، فاستقبل القبلة واحمد الله وأثن عليه وصلّ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم تقدّم قليلاً ، فتدعو وتسأله أن يتقبّل منك ، ثم تقدّم أيضاً وافعل ذلك عند الثانية واصنع كما صنعت بالاُولى وتقف وتدعو الله كما دعوت ، ثم تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار ولا تقف عندها »(٢) .

مسألة ٦٧٩ : أوّل وقت الرمي في هذه الأيّام كلّها من طلوع الشمس إلى غروبها‌ ، قاله أكثر علمائنا(٣) - وبه قال طاوُس وعكرمة(٤) - لما رواه‌

____________________

(١) سنن أبي داوُد ٢ : ٢٠١ / ١٩٧٣ ، سنن البيهقي ٥ : ١٤٨.

(٢) الكافي ٤ : ٤٨٠ - ٤٨١ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٦١ / ٨٨٨.

(٣) منهم : الشيخ المفيد في المقنعة : ٦٦ ، والشيخ الطوسي في النهاية : ٢٦٦ ، والمبسوط ١ : ٣٧٨ ، والمحقّق في شرائع الإسلام ١ : ٢٧٥.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ١٩٤.


العامّة : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلّى الظهر(١) ، ومعلومٌ أنّهعليه‌السلام كان يبادر إلى فعل الفريضة في أوّل وقتها ، فدلّ على أنّ الرمي قبل الزوال.

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها »(٢) .

وللشيخ -رحمه‌الله - قول آخر في الخلاف : لا يجوز الرمي إلّا بعد الزوال(٣) ، وهو قول الفقهاء الأربعة(٤) ، إلّا أنّ أبا حنيفة جوّز الرمي يوم النفر قبل الزوال استحساناً(٥) .

إذا ثبت هذا ، فالرمي عند الزوال أفضل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ارم في كلّ يوم عند الزوال»(٦) وبعد الزوال في الأداء أفضل.

ورُخّص للعليل والخائف والرعاة والعبيد الرمي ليلاً لحاجتهم.

وقال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا بأس أن يرمي الخائف بالليل ويضحّي ويفيض بالليل »(٧) .

وفي الموثّق عنهعليه‌السلام « رُخّص للعبد والخائف والراعي في الرمي ليلاً »(٨) .

____________________

(١) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠١٤ / ٣٠٥٤.

(٢) الاستبصار ٢ : ٢٩٦ / ١٠٥٤ ، والتهذيب ٥ : ٢٦٢ / ٨٩١ ، وفيه : « رمي الجمار » بدل « الرمي ...».

(٣) الخلاف ٢ : ٣٥١ ، المسألة ١٧٦.

(٤) المدوّنة الكبرى ١ : ٤٢٣ ، الوجيز ١ : ١٢٢ ، فتح العزيز ٧ : ٣٩٦ - ٣٩٧ ، المجموع ٨ : ٢٣٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٤.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ١٩٤.

(٦) الكافي ٤ : ٤٨٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٦١ / ٨٨٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٦ / ١٠٥٧.

(٧) التهذيب ٥ : ٢٦٣ / ٨٩٥.

(٨) التهذيب ٥ : ٢٦٣ / ٨٩٦.


مسألة ٦٨٠ : يجب الترتيب بين الجمار الثلاث ، فلو نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الاُولى ، أعاد على الوسطى وجمرة العقبة. وكذا لو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث ، لم يجزئه إلّا الاُولى. ولو رمى جمرة العقبة ثم الاُولى ثم الوسطى ، أعاد على جمرة العقبة خاصّةً. وبالجملة يعيد على ما يحصل به الترتيب عند علمائنا - وبه قال مالك والشافعي وأحمد(١) - لأنّ النبيعليه‌السلام رتّبها في الرمي ، وقال : ( خُذوا عنّي مناسككم )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - في رجل رمى الجمار منكوسة : « يعيد على الوسطى وجمرة العقبة »(٣) .

ولأنّه نسك متكرّر ، فيشترط فيه الترتيب ، كالسعي.

وقال الحسن البصري وعطاء وأبو حنيفة : لا يجب الترتيب ؛ لأنّها مناسك متكرّرة في أمكنة متفرّقة في وقت واحد ليس بعضها تابعاً لبعض ، فلا يشترط فيها الترتيب ، كالرمي والذبح(٤) .

ونمنع حكم الأصل ، ويبطل بالطواف والسعي.

مسألة ٦٨١ : يجب أن يرمي كلّ جمرة بسبع حصيات كملاً‌ ، فلا يجوز له الإخلال بواحدة منها - وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رمى بسبع حصيات(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٤.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥ ، وانظر : المغني ٣ : ٤٨٥ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٨٨.

(٣) الكافي ٤ : ٤٨٣ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٦٥ / ٩٠٣.

(٤) المغني ٣ : ٤٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٤.

(٥) الحاوي الكبير ٤ : ١٩٤ ، المجموع ٨ : ٢٣٩ ، المغني ٣ : ٤٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٨.

(٦) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٨ / ٣٠٣٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٢٩ ، المغني ٣ : ٤٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٨.


ومن طريق الخاصّة : رواية عبد الأعلى عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : رجل رمى الجمرة بست حصيات ووقعت واحدة ، قال : « يعيدها إن شاء من ساعته وإن شاء من الغد إذا أراد الرمي ، ولا يأخذ من حصى الجمار »(١) .

وقال أحمد في الرواية الثانية : يجوز أن ينقص حصاة أو حصاتين لا أزيد(٢) - وبه قال مجاهد وإسحاق(٣) - لما رواه ابن أبي نجيح ، قال : سُئل طاوُس عن رجل ترك حصاة ، قال : يتصدّق بتمرة أو لقمة ، فذكرت ذلك لمجاهد ، فقال : إنّ أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد ، قال سعد : رجعنا من الحجّة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعضنا يقول : رميت بست ، وبعضنا يقول : رميت بسبع ، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض(٤) .

ولا حجّة فيه ؛ لجواز أن يكون الترك لسهو ، وحكاية الحال لا عموم لها.

مسألة ٦٨٢ : قد بيّنّا وجوب الترتيب في رمي الجمار‌ ، فلو رمى الاُولى بأقلّ من أربع حصيات ثم رمي الثانية والثالثة ، لم يحصل الترتيب ، سواء كان عمدا أو سهواً.

وكذا لو رمى الاُولى بسبع ثم رمى الثانية بثلاث ثم أكمل الثالثة ، فيجب أن يكمل الناقصة ثم يعيد على الاُخرى.

ولو رمى السابقة بأربع فما زاد ثم رمى ما بعدها سهواً ، حصل له الترتيب ، ووجب عليه إكمال ما نسيه في السابقة.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٨٣ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٦٦ / ٩٠٦.

(٢ و ٣ ) المغني ٣ : ٤٨٥ - ٤٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٨.

(٤) المغني ٣ : ٤٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٩ ، وانظر سنن النسائي ٥ : ٢٧٥.


ولو كان النقص عمداً ، بطل الترتيب وإن كان قد رمى أربعاً فما زاد ؛ لأنّ الأكثر يقوم مقام الشي‌ء مع النسيان.

وقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - في رجل رمى الجمرة الاُولى بثلاث والثانية بسبع والثالثة بسبع ، قال : « يعيد رميهنّ جميعاً بسبع سبع » [ قلت : ](١) فإن رمى الاُولى بأربع والثانية بثلاث والثالثة بسبع ، قال : « يرمي الجمرة الاُولى بثلاث والثانية بسبع ، ويرمي جمرة العقبة بسبع» قلت : فإنّه رمى الجمرة الاُولى بأربع والثانية بأربع والثالثة بسبع ، قال : « يعيد فيرمي الاُولى بثلاث والثانية بثلاث ، ولا يعيد على الثالثة »(٢) .

إذا ثبت هذا ، فلو رمى بستّ وضاعت واحدة ، فليُعدْها وإن كان من الغد ، ولا يسقط وجوبها ؛ للرواية(٣) .

ولو علم أنّه قد أخلّ بحصاة ولم يعلم من أيّ الجمار هي ، فليرم الثلاث بثلاث حصيات ؛ ليحصل يقين البراءة.

ولقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - في رجل أخذ إحدى وعشرين حصاة فرمى بها فزاد واحدة فلم يدر من أيّهنّ نقص ، قال : « فليرجع فليرم كلّ واحدة بحصاة » وإن سقطت من رجل حصاة فلم يدر أيّتهنّ هي ، قال : « يأخذ من تحت قدميه حصاة يرمي بها » قال : « فإن رميت بحصاة فوقعت في محمل ، فأعد مكانها ، وإن هي أصابت إنساناً أو جملاً ثم وقعت في الجمار أجزأك »(٤) .

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٥ - ٢٦٦ / ٩٠٤.

(٣) الكافي ٤ : ٤٨٣ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٦٦ / ٩٠٦.

(٤) الكافي ٤ : ٤٨٣ - ٤٨٤ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٢٦٦ - ٢٦٧ / ٩٠٧.


ويجب أن يرمي السبع في سبع مرّات ، فإن رماها دفعةً أو أقلّ من سبعة ، لم يجزئه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رمى بسبع حصيات في سبع مرّات وقال : ( خذوا عنّي مناسككم )(١) .

مسألة ٦٨٣ : يجوز الرمي راكباً والمشي أفضل‌ ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رمى الجمار راكباً(٢) ، وكذا أبو جعفر الثاني الجوادعليه‌السلام (٣) .

وقال الشافعي : يرمي في اليوم الأخير راكباً ، وفي الأوّلين ماشياً(٤) ؛ لأنّ النفر يتعقّب الرمي في الثالث ، فإذا كان راكباً ، مضى عقيب الرمي وفي الأوّلين يكون مقيماً.

ويستحب أن يأخذ الحصى في كفّه ويأخذ منها ويرمي ، ويكبّر عند رمي كلّ حصاة ، والمقام بمنى أيّام التشريق ، وأن يرمي الجمرة الاُولى عن يمينه ، ويقف ويدعو ، وكذا الثانية ، ويرمي الثالثة مستدبراً للقبلة مقابلاً لها ، ولا يقف عندها ، فلو أخلّ بشي‌ء من ذلك ، لم يكن عليه شي‌ء ، لا نعلم فيه خلافاً إلّا ما نقل عن الثوري : أنّه لو ترك الوقوف والدعاء ، أطعم شيئاً ، وإن أراق دماً، كان أحبّ(٥) .

مسألة ٦٨٤ : يجوز الرمي عن كلّ ذي عذر‌ ، كالعليل والمبطون والمغمى عليه والصبي ومَنْ أشبههم ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الحسن - :

____________________

(١) سنن البيهقي ٥ : ١٢٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٧ / ٩٠٩ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٨ / ١٠٦٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٤٣ / ١٢٩٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٤٤ / ٨٩٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٦٧ / ٩٠٨ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٨ / ١٠٦٢.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٠٦ ، المجموع ٨ : ١٨٣ ، صحيح مسلم بشرح النووي هامش إرشاد الساري ٥ : ٤٢١.

(٥) المجموع ٨ : ٢٨٣ ، المغني ٣ : ٤٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٨٦.


« الكسير والمبطون يُرمى عنهما » قال : « والصبيان يُرمى عنهم »(١) .

وفي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام : في رجل اُغمي عليه ، فقال : « يُرمى عنه الجمار »(٢) .

وقال الكاظمعليه‌السلام في المريض لا يستطيع أن يرمي الجمار : « يرمى عنه »(٣) .

وسأل إسحاقُ بن عمّار الكاظمَعليه‌السلام : عن المريض يُرمى عنه الجمار؟ قال : « نعم يحمل إلى الجمرة ويُرمى عنه »(٤) .

مسألة ٦٨٥ : لو نسي رمي يوم بعض الجمرات أو جميعها ، أعاده من الغد ؛ لأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس ، قال : « يرمي إذا أصبح مرّتين مرّة لما فاته ، والاُخرى ليومه الذي يصبح فيه ، وليفرّق بينهما تكون إحداهما بكرة ، وهي للأمس ، والاُخرى عند زوال الشمس »(٥) .

وللشافعي قولان : أحدهما : أنّ رمي كلّ يوم محدود الأوّل والآخر ، ففي السقوط بفوات وقته وجهان : أحدهما : السقوط ؛ لأنّ فوات الوقت المحدود يسقط الفعل المتعلّق به.

والثاني : أنّ الجميع كاليوم الواحد ، فيعيد في اليوم الثاني والثالث ما‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٤٨٥ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٨٦ / ١٤٠٤ ، التهذيب ٥ : ٢٨٦ / ٩١٤.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٨ / ٩١٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٦٨ / ٩١٧.

(٤) الكافي ٤ : ٤٨٥ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٨٦ / ١٤٠٥ ، التهذيب ٥ : ٢٦٨ / ٩١٩.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٦٢ / ٨٩٣.


فاته قبله(١) .

ونمنع التحديد أوّلاً ؛ لأنّهم رووا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه رخّص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى ، ويرموا يوم النحر جمرة العقبة ثم يرموا يوم النفر(٢) ، ولو كان محدوداً ، لما سوّغ التأخير حتى يصير قضاءً.

وأمّا إذا فاته رمي يوم كملاً ، فقد قلنا بوجوب قضائه في غده.

وللشافعي ثلاثة أقوال : أحدها : السقوط إلى الدم. والثاني : القضاء والدم ، كقضاء رمضان إذا أخّره إلى رمضان آخر. والثالث : القضاء ولا شي‌ء عليه ، كالوقوف إذا أخّره إلى الليل(٣) .

والأصل براءة الذمّة من الدم.

ويستحب أن يرمي ما فاته بالأمس بكرةً ؛ للمبادرة إلى القضاء ، والذي ليومه عند الزوال ؛ لأنّه وقت الفضيلة.

ويجب الترتيب يبدأ بقضاء الفائت ثم يعقب بالحاضر ، فلو بدأ برمي يومه ، لم يقع الذي لأمسه ؛ لعدم إرادته ، ولا الذي ليومه ؛ لوجوب الترتيب ، وهو أحد قولي الشافعي ، والثاني : سقوط الترتيب(٤) .

ولو رمى جمرة واحدة بأربع عشرة حصاة : سبعاً ليومه ، وسبعاً لأمسه ، بطلت الاُولى.

ولو فاته رمي يومين ، قضاه يوم الثالث مرتّباً. ولو فاته حصاة أو‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٩٦ ، فتح العزيز ٧ : ٤٠٢ - ٤٠٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٨ : ٢٤٠.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٩٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٠٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٧ ، المجموع ٨ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٩.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٠٣ ، المجموع ٨ : ٢٤٠.


حصاتان أو ثلاث حتى خرجت أيّام التشريق ، لم يكن عليه شي‌ء ، وإن رماها في القابل ، كان أحوط.

وقال الشافعي : إن ترك واحدة ، فعليه مُدٌّ ، وإن ترك اثنتين ، فمُدّان ، وإن ترك ثلاثاً ، فدمٌ إن كان ذلك من الجمرة الأخيرة ، وإن كان من الأوّلتين ، بطل الرمي(١) .

والأصل براءة الذمّة.

مسألة ٦٨٦ : لو نسي الجمار كلّها في الأيّام بأجمعها حتى جاء مكّة ، وجب عليه الرجوع إلى منى وإعادة الرمي‌ إن كانت أيّام التشريق لم تخرج ، وإن خرجت ، قضاه من قابل في أيّام التشريق ، أو يأمر مَنْ يقضي عنه الرمي ، ولا دم عليه ، لأنّه مكلّف بالرمي ، فلا يخرج عن العهدة إلّا به ، ولا كفّارة ؛ لأصالة البراءة.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيّام التشريق فعليه أن يرميها من قابل ، فإن لم يحجّ رمى عنه وليّه ، فإن لم يكن له وليّ ، استعان رجلاً من المسلمين يرمي عنه ، فإنّه لا يكون رمي الجمار إلّا أيّام التشريق »(٢) .

ولو أخّر رمي جمرة العقبة يوم النحر ، أعادها في ثاني أيّام النحر - وهو أحد قولي الشافعي(٣) - لأنّه رمي فات وقته ، فكان عليه قضاؤه ، كرمي أيّام التشريق.

____________________

(١) فتح العزيز ٧ : ٤٠٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٤٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤١.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٤ / ٩٠٠ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٧ / ١٠٦٠.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٠٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٧.


ولأنّ عبد الله بن سنان سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن رجل أفاض من جَمْع حتى انتهى إلى منى ، فعرض له [ عارض ](١) فلم يرم حتى غابت الشمس ، قال : « يرمي إذا أصبح مرّتين : مرّة لما فاته ، والاُخرى ليومه الذي يصبح فيه »(٢) .

والثاني : السقوط ، ولا تكون أيّام التشريق وقتاً له ؛ لأنّه يخالفها ، فلا يتعلّق رمي يوم النحر إلّا بجمرة العقبة ، فهو كجنس آخر ، بخلاف بعض الأيّام مع بعض(٣) .

ويستحب للنائب في الرمي عن المريض والصبي وشبهه أن يضع الحصى في كفّ المنوب.

والمغمى عليه إن كان قد أذن لغيره في الرمي قبل إغمائه ، لم يبطل إذنه ، ولو زال عقله قبل الإذن ، جاز له أن يرمي عنه أيضاً ؛ للعموم. فإن زال العذر والوقت باقٍ ، فالأقرب عدم وجوب الإعادة.

ووقت الرمي في الأداء والقضاء للمختار بعد طلوع الشمس إلى غروبها.

مسألة ٦٨٧ : يستحب التكبير بمنى أيّام التشريق عقيب خمس عشرة صلاة وفي غيرها عقيب عشر‌ أوّلها ظهر يوم النحر ؛ لاشتغاله قبل ذلك بالتلبية ، ويستوي هو والحلال في ابتداء المدّة ، إلّا أنّ الـمُحْرم يكبّر عقيب خمس عشرة صلاة ، والـمُحلّ عقيب عشر على ما قلناه.

قال الله تعالى :( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) (٤) .

____________________

(١) أضفناها من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٦٢ / ٨٩٣.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٠٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٧.

(٤) البقرة : ١٨٥.


واختلف علماؤنا في وجوبه ، فقال به السيّد المرتضى(١) ؛ للأمر ( به ، والأمر للوجوب )(٢) .

ولقول الصادقعليه‌السلام : « التكبير واجب في دُبُر كلّ صلاة فريضة أو نافلة أيّام التشريق »(٣) .

وقال الشيخرحمه‌الله : إنّه مستحب(٤) ؛ للأصل.

ولقول الصادقعليه‌السلام في الرجل ينسى أن يكبّر أيّام التشريق ، قال : « إن نسي حتى قام من موضعه فليس عليه شي‌ء »(٥) .

إذا ثبت هذا ، فلا تكبير عقيب النوافل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « التكبير في كلّ فريضة ، وليس في النافلة تكبير أيّام التشريق »(٦) .

والرواية الاُولى ضعيفة السند.

وصورة التكبير هنا أن يقول : « الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلّا الله والله أكبر على ما هدانا ، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام » رواه زرارة في الصحيح عن الباقر(٧) عليه‌السلام .

وفي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام : « الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلّا الله والله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر على ما هدانا ، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد لله على ما أبلانا »(٨) .

____________________

(١) جُمل العلم والعمل ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) ٣ : ٤٥.

(٢) ما بين القوسين من الطبعة الحجرية.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٧٠ / ٩٢٣ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٩ / ١٠٧٠.

(٤) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٨٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٧٠ / ٩٢٤ ، الاستبصار ٢ : ٢٩٩ / ١٠٧١.

(٦) التهذيب ٥ : ٢٧٠ / ٩٢٥ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٠ / ١٠٧٢.

(٧) التهذيب ٥ : ٢٦٩ / ٩٢١.

(٨) الكافي ٤ : ٥١٧ / ٤ ، التهذيب ٥ : ٢٧٠ / ٩٢٢.


مسألة ٦٨٨ : يستحب للإمام أن يخطب بعد الظهر يوم الثالث من أيّام النحر ، وهو الثاني من أيّام التشريق ، وهو النفر الأوّل ، فيودّع الحاج ويُعلمهم أنّ مَنْ أراد التعجيل ممّن اتّقى فله ذلك - وبه قال الشافعي وأحمد وابن المنذر(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خطب وسط أيّام التشريق(٢) ، يعني يوم النفر الأوّل.

وقال أبو حنيفة : لا يستحب ذلك ؛ لأنّه من أيّام التشريق ، فلا يستحب فيه كغيره من اليومين(٣) .

والفرق : حاجة الناس إلى معرفة التعجيل ، وأنّ مَنْ تأخّر حتى تغيب الشمس يلزمه المبيت والوداع وكيفيّته ، بخلاف اليومين.

البحث الرابع : في النفر من منى.

مسألة ٦٨٩ : إذا رمى الحاجّ الجمار الثلاث في اليوم الأوّل من أيّام التشريق وفي الثاني ، جاز له النفر من منى ، ويسقط عنه رمي الثالث إن كان قد اتّقى النساء والصيد في إحرامه ، بإجماع العلماء.

ولا فرق في جواز النفر الأوّل بين أهل مكّة وغيرهم ممّن يريد المقام بمكّة أو لا يريد ، وهو قول عامّة العلماء(٤) ؛ لعموم الآية(٥) .

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ١٩٨ ، فتح العزيز ٧ : ٣٥٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٣٨ ، المجموع ٨ : ٢٤٩ ، روضة الطالبين ٢ : ٣٧٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥١ ، المغني ٣ : ٤٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٦.

(٢) سنن أبي داود ٢ : ١٩٧ / ١٩٥٢ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٢٧ / ٤٩ ، سنن البيهقي ٥ : ١٥١.

(٣) المغني ٣ : ٤٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥١ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٩٨.

(٤) المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٧ ، المجموع ٨ : ٢٨٤ ، تفسير القرطبي ٣ : ١٣.

(٥) البقرة : ٢٠٣.


ولما رواه العامّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : ( أيّام منى ثلاثة ، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ، ومَنْ تأخّر فلا إثم عليه )(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس ، فإن تأخّرت إلى آخر أيّام التشريق وهو يوم النفر الأخير فلا عليك أيّ ساعة نفرت ورميت قبل الزوال أو بعده »(٢) .

ولأنّه دفع من مكان ، فاستوى فيه أهل مكّة وغيرهم ، كالدفع من عرفة ومزدلفة.

وقال أحمد : لا ينبغي لمن أراد المقام بمكة أن يتعجّل(٣) .

وقال مالك : مَنْ كان من أهل مكّة وله عذر ، فله أن يتعجّل في يومين ، فإذا أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحجّ ، فلا ؛ لقول عمر : مَنْ شاء من الناس كلّهم أن ينفر في النفر الأوّل إلّا آل خزيمة فلا ينفروا إلّا في النفر الأخير(٤) .

وقول عمر ليس حجّةً ، ويُحمل على أنّهم لم يتّقوا ، لا على أنّهم من أهل مكّة.

مسألة ٦٩٠ : إنّما يجوز النفير في النفر الأوّل لمن اتّقى النساء والصيد في إحرامه‌ ، فلو جامع في إحرامه أو قتل صيداً فيه ، لم يجز له أن ينفر في الأوّل ، ووجب عليه المقام بمنى والنفر في الثالث من أيّام التشريق ؛ لأنّه تعالى شرط الاتّقاء(٥) .

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ١٩٦ / ١٩٤٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٠٣ / ٣٠١٥ ، سنن البيهقي ٥ : ١٥٢ ، مسند أحمد ٤ : ٣٠٩ - ٣١٠ ، المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٧.

(٢) الكافي ٤ : ٥٢٠ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٨٧ - ٢٨٨ / ١٤١٤ ، التهذيب ٥ : ٢٧١ / ٩٢٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٠ / ١٠٧٣.

(٣) المغني ٣ : ٤٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٦ ، تفسير القرطبي ٣ : ١٣.

(٤) المغني ٣ : ٤٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٦ ، تفسير القرطبي ٣ : ١٣.

(٥) البقرة : ٢٠٣.


ولقول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ أتى النساء في إحرامه لم يكن له أن ينفر في النفر الأوّل »(١) .

وفي الصحيح عن الصادقعليه‌السلام ، في قوله تعالى :( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) (٢) قال : « يتّقي الصيد حتى ينفر أهل منى في النفر الأخير»(٣) .

وفي رواية عن الباقرعليه‌السلام أنّه : « لمن اتّقى الرفث والفسوق والجدال وما حرّم الله عليه في إحرامه »(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإذا نفر في الأوّل نفر بعد الزوال ، ولا ينفر قبله ، إلّا لضرورة أو حاجة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس ، وإن تأخّرت إلى آخر أيّام التشريق وهو يوم النفر الأخير فلا عليك أيّ ساعة نفرت ورميت قبل الزوال أو بعده »(٥) .

والأقرب أنّه على الاستحباب.

أمّا النفر الثاني : فيجوز قبل الزوال إجماعاً.

وإنّما يجوز النفر في الأوّل إذا لم تغرب الشمس وهو بمنى ، فإن غربت يوم النفر الأوّل وهو بمنى ، وجب عليه المبيت تلك الليلة بمنى ، عند علمائنا - وبه قال ابن عمر وجابر بن زيد وعطاء وطاوُس ومجاهد وأبان بن عثمان‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٢٣ / ١١ ، التهذيب ٥ : ٢٧٣ / ٩٣٢.

(٢) البقرة : ٢٠٣.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٨٨ / ١٤١٥.

(٤) الفقيه ٢ : ٢٨٨ / ١٤١٦.

(٥) الكافي ٤ : ٥٢٠ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٨٧ - ٢٨٨ / ١٤١٤ ، التهذيب ٥ : ٢٧١ / ٩٢٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٠ / ١٠٧٣.


ومالك والشافعي والثوري وإسحاق وأحمد وابن المنذر(١) - لقوله تعالى :( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ) (٢) واليوم اسم النهار ، فمن أدركه الليل لم يتعجّل في يومين.

وما رواه العامّة عن عمر : من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر الناس(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا جاء الليل بعد النفر الأوّل فبتّ [ بمنى ](٤) فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح »(٥) .

وقال أبو حنيفة : له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث ؛ لأنّه لم يدخل وقت رمي اليوم الأخير ، فجاز له النفر ، كما قبل الغروب(٦) .

والفرق أنّه قبل الغروب يتعجّل في اليومين ، وهاهنا بعد خروجهما.

ولو دخل عليه وقت العصر ، جاز له أن ينفر في الأوّل.

ومنع الحسن البصري منه(٧) . وليس بجيّد.

ولو رحل من منى فغربت الشمس وهو راحل قبل انفصاله منها ، فالأقرب : عدم وجوب المبيت ؛ لمشقّة الرفع والحطّ. ولو كان مشغولاً

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٧ ، المجموع ٨ : ٢٤٩.

(٢) البقرة : ٢٠٣.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٣٩٦ ، المجموع ٨ : ٢٨٤ ، المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٨ وفيها : حتى ينفر مع الناس.

(٤) أضفناها من المصدر.

(٥) الكافي ٤ : ٥٢١ / ٧ ، التهذيب ٥ : ٢٧٢ / ٩٣٠.

(٦) المغني ٣ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٤٩٧.

(٧) المجموع ٨ : ٢٨٤.


بالتأهّب فغربت الشمس ، فالأقرب : لزوم المقام.

ولو رحل قبل الغروب ثم عاد لأخذ متاع ، أو اجتياز ، أو زيارة ، لم يلزمه المقام ، فلو بات بمنى ، احتمل لزوم الرمي ؛ لدخوله عليه فيها.

ويجوز لمن نفر في الأوّل إتيان مكّة والإقامة بها ؛ لعموم الترخّص.

وقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا بأس أن ينفر الرجل في النفر الأوّل ثم يقيم بمكّة»(١) .

وينبغي للإمام أن ينفر قبل الزوال في النفر الأخير ، ويصلّي الظهر بمكّة ليُعلم الناس كيفية الوداع ، ولا بأس أن يقيم الإنسان بمنى بعد النفر ؛ لأنّه فرغ من أداء مناسكه ، ولا يلزمه إتيان مكّة ، لكن يستحب ليطوف للوداع. وإذا نفر في الأوّل ، سقط عنه رمي الثالث إجماعاً.

ويستحب له دفن الحصى المختصّ بذلك اليوم بمنى.

وأنكره الشافعي(٢) .

مسألة ٦٩١ : يستحب للحاج أن يصلّي في مسجد الخيف بمنى ، وسفح كلّ جبل يسمّى خيفاً ، وكان مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند المنارة التي في وسط المسجد ، وفوقها إلى القبلة نحواً من ثلاثين ذراعاً ، وعن يمينها ويسارها كذلك ، فمن استطاع أن يكون مصلّاه فيه فليفعل.

ويستحب أن يصلّي فيه ست ركعات.

قال الصادقعليه‌السلام : « صلّ ستّ ركعات في مسجد منى في أصل الصومعة »(٣) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٢١ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٨٩ / ١٤٢٥ ، التهذيب ٥ : ٢٧٤ / ٩٣٨.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣٩٦ ، المجموع ٨ : ٢٤٩.

(٣) الكافي ٤ : ٥١٩ / ٦ ، التهذيب ٥ : ٢٧٤ / ٩٤٠.


ويستحب لمن ينفر في النفر الثاني أن يأتي المحصّب ، وينزل به ، ويصلّي في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه ، ويستريح فيه قليلاً ، ويستلقي على قفاه ، وليس للمسجد اليوم أثر ، فيستحب نزول المحصّب والاستراحة فيه قليلاً ؛ لأنّ العامّة رووا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه نزل فيه وصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « كان أبي ينزلها ثم يرتحل »(٢) .

واختلفوا في أنّه نسك(٣) ، والنزاع لفظي ؛ للإجماع على أنّه يثاب عليه ، وأنّه لا يعاقب بتركه.

البحث الخامس : في الرجوع إلى مكّة.

مسألة ٦٩٢ : إذا قضى الحاجّ مناسكه بمنى ، استحبّ له العود إلى مكّة لطواف الوداع ، ويستحب له دخول الكعبة.

قال الباقرعليه‌السلام : « الدخول فيها دخول في رحمة الله ، والخروج منها خروج من الذنوب ، معصوم فيما بقي من عمره ، مغفور ما سلف من ذنوبه »(٤) .

ويستحب لمريد دخول الكعبة الاغتسال والدعاء والتحفّي.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا أردت دخول الكعبة فاغتسل قبل أن تدخلها ولا تدخلها بحذاء ، وتقول » إلى آخر الدعاء(٥) .

____________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ٢١٠ / ٢٠١٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٧٥ / ٩٤١.

(٣) اُنظر : المجموع ٨ : ٢٥٢ - ٢٥٣ ، والمغني ٣ : ٤٨٩ ، والشرح الكبير ٣ : ٤٩٨ - ٤٩٩.

(٤) الكافي ٤ : ٥٢٧ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٧٥ - ٢٧٦ / ٩٤٤.

(٥) الكافي ٤ : ٥٢٨ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٢٧٦ / ٩٤٥.


ثم يصلّي بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء ركعتين يقرأ في الاُولى حم ، وفي الثانية عدد آياتها من القرآن ، ويصلّي في زوايا البيت ويدعو بالمنقول قائماً مستقبل الحائط بين الركن اليماني والغربي يرفع يديه ويلتصق به ، ثم يتحوّل إلى الركن اليماني فيفعل مثل ذلك ثم يفعل ذلك بباقي الأركان ثم ليخرج.

ويتأكّد استحباب دخولها للصرورة ، فلا ينبغي له تركه ، ويدخله بسكينة ووقار.

وتكره الفريضة جوف الكعبة.

روى معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام قال : « لا تصلّ المكتوبة في الكعبة ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يدخل الكعبة في حجّ ولا عمرة ولكنّه دخلها في الفتح فتح مكة ، وصلّى ركعتين بين العمودين ومعه اُسامة بن زيد »(١) .

ويستحب الدعاء عند الخروج من الكعبة بالمنقول.

مسألة ٦٩٣ : يستحب وداع البيت إجماعاً.

روى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت أن تخرج من مكّة وتأتي أهلك فودّع البيت »(٣) .

هذا إذا أراد الخروج من مكّة ، ولو نوى الإقامة ، فلا وداع عليه.

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٢٧٩ / ٩٥٣ ، الاستبصار ١ : ٢٩٨ / ١١٠١.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٩٦٣ / ١٣٢٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٠ / ٣٠٧٠ ، سنن أبي داود : ٢ : ٢٠٨ / ٢٠٠٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٧٢ ، مسند أحمد ١ : ٢٢٢.

(٣) الكافي ٤ : ٥٣٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٨٠ / ٩٥٧.


واختلفت العامّة ، فقال الشافعي وأحمد : لا وداع عليه ، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده ؛ لأنّه غير مفارق(١) .

وقال أبو حنيفة : إن نوى الإقامة بعد أن حلّ له النفر ، لم يسقط عنه طواف الوداع(٢) .

والوجه : الأوّل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « إذا أردت أن تخرج من مكّة وتأتي أهلك فودّع البيت»(٣) .

مسألة ٦٩٤ : يستحب الوداع بطواف سبعة أشواط ، وليس هذا الطواف واجباً ، ولا يجب بتركه دم ، عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأصالة البراءة ، ولسقوطه عن الحائض ، فلا يكون واجباً.

ولأنّ هشام بن سالم سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عمّن نسي زيارة البيت حتى رجع إلى أهله ، فقال : « لا يضرّه إذا كان قد قضى مناسكه »(٥) .

والقول الثاني للشافعي : أنّه نسك واجب يجب بتركه الدم(٦) - وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري وإسحاق وأحمد وأبو ثور(٧) - لقول ابن عباس : اُمر الناس أن يكون آخر عهدهم البيت إلّا أنّه خُفّف عن المرأة الحائض(٨) .

____________________

(١) المجموع ٨ : ٢٥٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٢ ، المغني ٣ : ٤٨٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠٠.

(٢) المغني ٣ : ٤٨٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠٠.

(٣) الكافي ٤ : ٥٣٠ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٨٠ / ٩٥٧.

(٤) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٢ ، المجموع ٨ : ٢٥٤ ، المغني ٣ : ٤٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠١.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٨٢ / ٩٦١.

(٦) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٢ - ٢١٣ ، المجموع ٨ : ٢٥٤ ، تفسير القرطبي ١٢ : ٥٢.

(٧) المغني ٣ : ٤٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠١.

(٨) صحيح مسلم ٢ : ٩٦٣ / ١٣٢٨ ، المغني ٣ : ٤٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠١.


والأمر هنا للاستحباب ؛ جمعاً بين الأدلّة.

ولا خلاف في أنّه ليس بركن في الحجّ ، ولهذا سقط عن الحائض ، بخلاف طواف الزيارة.

ووقته بعد فراغ المرء من جميع إشغاله ليكون البيت آخر عهده.

وإذا طاف للوداع وصلّى ركعتيه ، فإن انصرف ، فلا بحث ، وإن أقام بعد ذلك على زيارة صديق أو شراء متاع أو شبه ذلك ، قال الشافعي : لا يجزئه الأوّل ، ويعيد طوافاً آخر ، وإن قضى حاجةً في طريقه من أخذ الزاد وشبهه ، لم يؤثّر ذلك في وداعه - وبه قال أحمد وعطاء ومالك والثوري وأبو ثور - لأنّه بالإقامة يخرج عن كون فعله وداعاً(١) .

وقال أبو حنيفة : لا يعيد الوداع وإن أقام شهرين وأكثر ؛ لأنّه طاف للوداع بعد ما حلّ له النفر ، فأجزأه ، كما لو نفر عقيبه(٢) .

وهذا البحث عندنا ساقط ؛ لأنّه مستحبّ عندنا.

ولو كان منزله في الحرم ، قال أبو ثور : عليه الوداع(٣) . وهو قياس قول مالك(٤) وظاهر مذهبنا ؛ لأنّهم ينفرون ويخرجون من مكة ، فاستحبّ لهم الوداع كغيرهم.

وقال أصحاب الرأي : لا وداع عليهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٥) .

ولو أخّر طواف الزيارة حتى يخرج ، لم يسقط استحباب طواف‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٤ : ٢١٢ ، فتح العزيز ٧ : ٤١٣ ، المجموع ٨ : ٢٥٥ ، المغني ٣ : ٤٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠٢.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٣١٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢١٢ ، المغني ٣ : ٤٩١ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠٢.

(٥-٣) المغني ٣ : ٤٩٠.


الوداع ؛ لأنّهما عبادتان ، فلا يتداخلان. ومَنْ أوجب الدم بترك طواف الوداع من العامّة اختلفوا ، فالأكثر أنّ القريب - وهو ما نقص عن مسافة التقصير - يرجع ويطوف للوداع ، والبعيد يبعث بالدم.

ولو رجع البعيد وطاف للوداع ، قال بعضهم : لا يسقط الدم ؛ لاستقراره ببلوغ مسافة القصر. وقال بعضهم : يسقط ؛ لأنّه واجب أُتي به ، فلا يجب بدله(١) .

ولو خرج من مكّة ولم يودّع ، يكون قد ترك الأفضل عندنا ، فلو رجع لطواف الوداع ، كان له ذلك إجماعاً ، فإن رجع وهو قريب لم يخرج من الحرم ، فلا بحث ، وإن خرج وقد بَعُد عن الحرم ، لم يجز له أن يتجاوز الميقات إلّا مُحْرماً ؛ لأنّه ليس من أهل الأعذار ، فحينئذٍ يطوف للعمرة لإحرامه ويسعى ، ولا يجب عليه طواف الوداع عندنا. ولو رجع من دون الميقات ، أحرم من موضعه.

مسألة ٦٩٥ : وطواف الوداع سبعة أشواط كغيره ، ويستلم الحجر الأسود واليماني في كلّ شوط ، فإن تعذّر ، افتتح به وختم به ، ويأتي المستجار ، ويصنع عنده كما صنع يوم قدوم مكّة ، ويدعو ويلصق بطنه بالبيت ، ويحمد الله ويثني عليه ، ويدعو بالمنقول ، ثم يصلّي ركعتي الطواف.

وقال الصادقعليه‌السلام : « ليكن آخر عهدك بالبيت أن تضع يدك على الباب وتقول : المسكين على بابك فتصدّق عليه بالجنّة »(٢) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٤٩١ - ٤٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠٤ - ٥٠٥.

(٢) الكافي ٤ : ٥٣٣ / ٥ ، التهذيب ٥ : ٢٨٢ / ٩٦٢.


ويستحب له أن يشرب من زمزم إجماعاً ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لـمّا أفاض نزع(١) هو لنفسه بدلو من بئر زمزم ولم ينزع معه أحد ، فشرب ثم أفرغ باقي الدلو في البئر(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « ثم ائت زمزم فاشرب منها ثم اخرج »(٣) .

مسألة ٦٩٦ : الحائض لا طواف عليها للوداع ولا فدية عليها‌ بإجماع فقهاء الأمصار. ويستحب لها أن تودّع من أدنى باب من أبواب المسجد ، ولا تدخله إجماعاً.

وروي عن عمر وابنه أنّهما قالا : تقيم الحائض لطواف الوداع(٤) .

وليس بمعتمد ؛ لما رواه العامّة : أنّ اُم سليم بنت ملحان استفتت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد حاضت أو ولدت بعد ما أفاضت يوم النحر ، فأذن لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرجت(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « إذا أرادت الحائض أن تودّع البيت فلتقف على أدنى باب من أبواب المسجد فلتودّع البيت »(٦) .

____________________

(١) نزعت الدلو : إذا أخرجتها. النهاية - لابن الأثير - ٥ : ٤١ « نزع ».

(٢) لم نعثر عليه في مظانّه ، والموجود في المصادر التالية في صفة حجّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا : ثم

أفاض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى البيت فصلّى بمكّة الظهر ، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال : ( انزعوا بني عبد المطلب ، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ) فناولوه دلواً فشرب منه. صحيح مسلم ٢ : ٨٩٢ ذيل الحديث ١٢١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ١٨٦ / ١٩٠٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٧ / ٤٠٧٤ ، سنن البيهقي ٥ : ١٤٦ - ١٤٧.

(٣) الكافي ٤ : ٥٣٠ - ٥٣١ / ١ ، التهذيب ٥ : ٢٨٠ - ٢٨١ / ٩٥٧.

(٤) المغني ٣ : ٤٩٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٠٥.

(٥) الموطّأ ١ : ٤١٣ / ٢٢٩.

(٦) الكافي ٤ : ٤٥٠ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٣٩٨ / ١٣٨٣.


ولأنّ إلزامها بالمقام مشقّة عظيمة.

والمستحاضة تودّع بطواف ، ولو فقدت الماء تيمّمت وطافت.

ولو طهرت الحائض قبل مفارقة بنيان مكّة ، استحبّ لها العود والاغتسال والطواف. وأوجبه الموجبون ، وإن كان بعد مفارقة البنيان ، لم تعد إجماعاً ؛ للمشقّة ، بخلاف مَنْ خرج متعمّداً ، فإنّه يعود ما لم يبلغ مسافة القصر ؛ لأنه ترك واجباً ، فلا يسقط بمفارقة البنيان ، وها هنا لم يجب ، فلا يجب بعد الانفصال إذا أمكن ، كما يجب على المسافر إتمام الصلاة في البنيان ، ولا يجب بعد الانفصال.

مسألة ٦٩٧ : يستحبّ لمن أراد الخروج من مكّة أن يشتري بدرهم تمراً يتصدّق به‌ ليكون كفّارة لما دخل عليه حال الإحرام من فعل حرام أو مكروه.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « يستحبّ للرجل والمرأة أن لا يخرجا من مكّة حتى يشتريا بدرهم تمراً يتصدّقان به لما كان منهما في إحرامهما ، ولما كان في حرم الله عزّ وجلّ »(١) .

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٩٠ / ١٤٣٠.


المقصد الرابع

في اللواحق‌

وفيه فصول:‌



الأول

في الحصر والصدّ‌

وفيه مباحث :

الأوّل : في الصدّ.

مسألة ٦٩٨ : الحصر عندنا هو المنع من تتمّة أفعال الحجّ بالمرض خاصّة ، والصدّ بالعدوّ ، وعند العامّة هما واحد من جهة العدوّ(١) . والأصل عدم الترادف.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « المحصور غير المصدود ، فإنّ المحصور هو المريض ، والمصدود هو الذي يردّه المشركون كما ردّوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ليس من مرض ، والمصدود تحلّ له النساء ، والمحصور لا تحلّ له »(٢) .

والقارن إذا اُحصر ، فليس له أن يتمتّع في القابل ، بل يفعل مثل ما دخل فيه.

مسألة ٦٩٩ : إذا أحرم الحاجّ ، وجب عليه إكمال ما أحرم له من حجّ أو عمرة‌ ، فإذا صدّه المشركون أو غيرهم عن الوصول إلى مكّة بعد إحرامه ، ولا طريق له سوى موضع الصدّ ، أو كان له طريق لا تفي نفقته بسلوكه ، تحلّل بالإجماع.

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٧١.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٢٣ / ١٤٦٧.


قال الله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (١) أي : إذا اُحصرتم فتحلّلتم أو أردتم التحلّل فما استيسر من الهدي ؛ لأنّ نفس الإحصار لا يوجب هدياً.

وروى العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أصحابه يوم حُصروا في الحديبية - وهي اسم بئر خارج الحرم - أن ينحروا ويحلقوا ويحلّوا(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « المصدود تحلّ له النساء »(٣) .

وسواء كان الإحرام للحجّ أو العمرة وبأيّ أنواع الحجّ أحرم جاز له التحلّل مع الصدّ ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد(٤) - لعموم الآية(٥) .

ولأنّها نزلت في صدّ الحديبيّة ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه مُحْرمين بعمرة فتحلّلوا جميعاً.

وقال مالك : المعتمر لا يتحلّل ؛ لأنّه لا يخاف الفوات(٦) .

ولو كان له طريق غير موضع الصدّ ، فإن كان معه نفقة تكفيه ، لم يكن له التحلّل ، واستمرّ على إحرامه ، ووجب عليه سلوكها وإن بعدت ، سواء خاف الفوات أو لا.

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٢ ، المغني ٣ : ٣٧٤.

(٣) الكافي ٤ : ٣٦٩ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٣٠٤ - ٣٠٥ / ١٥١٢ ، التهذيب ٥ : ٤٢٣ / ١٤٦٧.

(٤) المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠ ، الاُمّ ٢ : ١٦٢ ، مختصر المزني : ٧٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤٥ - ٣٤٦ ، المجموع ٨ : ٢٩٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٧٧.

(٥) البقرة : ١٩٦.

(٦) المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠ ، فتح العزيز ٨ : ٤ ، المجموع ٨ : ٣٥٥.


فإن كان مُحرماً بعمرة لم تفت ، فلا يجوز له التحلّل ، وإن كان بحجٍّ ، صبر حتى يتحقّق الفوات ثم يتحلّل بعمرة ، وليس له قبله التحلّل والإتيان بالعمرة بمجرّد خوف الفوات ، لأنّ التحلّل إنّما يجوز بالحصر لا بخوف الفوات ، وهذا غير مقصود هنا ، فإنّه يجب أن يمضي على إحرامه في ذلك الطريق ، فإذا أدرك الحجّ ، أتمّه ، وإن فاته ، تحلّل بعمرة وقضاه.

ولو قصرت نفقته ، جاز له التحلّل ؛ لأنّه ممنوع مصدود ولا طريق له سوى موضع المنع لعجزه عن الباقي ، فيتحلّل ويرجع إلى بلده.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث صدّه المشركون يوم الحديبيّة نحر بدنة ورجع إلى المدينة »(١) .

مسألة ٧٠٠ : المصدود يتحلّل بالهدي ونيّة التحلّل خاصّةً.

أمّا الهدي : فعليه فتوى أكثر العلماء(٢) ، للآية(٣) .

قال الشافعي : لا خلاف بين المفسّرين في أنّ قوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) (٤) نزلت في حصر الحديبيّة(٥) .

ولأنّهعليه‌السلام حيث صدّه المشركون يوم الحديبيّة نحر بدنة ، ورجع إلى المدينة(٦) ، وفِعْلُه بيان للواجب.

ولأنّه اُبيح له التحلّل قبل أداء نسكه ، فكان عليه الهدي ، كالفوات.

وقال ابن إدريس من علمائنا : الهدي مختصّ بالمحصور لا بالصدّ(٧) ؛

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٢٤ / ١٤٧٢.

(٢) المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠.

(٣و٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠.

(٦) التهذيب ٥ : ٤٢٤ / ١٤٧٢.

(٧) كذا ، والظاهر : المصدود.


لأصالة البراءة ، ولقوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) (١) أراد : بالمرض ؛ لأنّه يقال : أحصره المرض وحصره العدوّ(٢) . وبه قال مالك ؛ لأنّه تحلّل اُبيح له من غير تفريط فأشبه مَنْ أتمّ حجّه(٣) .

والفرق : أنّ مَنْ أتمّ حجّه لم يبق عليه شي‌ء من النسك ، فتحلّله لأداء مناسكه ، بخلاف المصدود الذي لم يتم نسكه.

وأمّا النيّة : فلأنّه خروج من إحرام ، فيفتقر إليها ، كالداخل فيه. ولأنّ الذبح إنّما يختصّ بالتحلّل بالنيّة. ولأنّه عمل فيفتقر إلى النيّة ، وبه قال الشافعي(٤) .

ولو نوى التحلّل قبل الهدي ، لم يتحلّل ، وكان على إحرامه حتى ينحر الهدي ؛ لأنّه اُقيم مقام أفعال الحجّ ، فلا يحلّ له ، كما لا يتحلّل القادر على أفعال الحجّ قبل فعلها ، ولا فدية عليه في نيّة التحلّل ؛ لعدم تأثيرها في العبادة ، فإن فَعَل شيئاً من محظورات الإحرام قبل الهدي ، فعليه الفداء ؛ لأنّه مُحْرم فَعَل محظوراً في إحرام صحيح ، فكان عليه فديته ، كالقادر.

مسألة ٧٠١ : لا بدل لهدي التحلّل‌ ، فلو عجز عنه وعن ثمنه ، لم ينتقل إلى غيره ، ويبقى على إحرامه ، ولو تحلّل لم يحلّ - وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد القولين(٥) - لقوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) السرائر : ١٥١.

(٣) بداية المجتهد ١ : ٣٥٥ و ٣٥٧ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٣ ، المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٠.

(٤) فتح العزيز ٨ : ١٦ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤١ ، المجموع ٨ : ٣٠٤.

(٥) تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٣ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٠ ، المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٤ ، فتح العزيز ٨ : ٨٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤١ ، المجموع ٨ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٦ - ٣٥٧.


اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (١) ولو كان الصوم أو الإطعام بدلاً ، لجاز الحلق قبل الهدي.

ولأنّ الهدي اُقيم مقام الأعمال ولو قدر على الأعمال لم يتحلّل إلّا بها ، فإذا عجز لا يتحلّل إلّا ببدلها.

والقول الثاني للشافعي - وهو الصحيح عندهم - : إنّه يتحلّل في الحال ، فينتقل إلى صوم التعديل في قول ، وفي آخر : إلى الإطعام ، وفي ثالث : إلى الصوم ، ويحلّ به ، وهو أن يقوّم شاة وسط بالطعام ، فيصوم بإزاء كلّ مُدٌّ يوماً ، وفي رابع : يتخيّر بين الإطعام والصيام(٢) .

وعلى قوله الأوّل بعدم الانتقال يكون في ذمّته ، ففي جواز التحلّل حينئذٍ له قولان : أحدهما : أنّه يبقى مُحْرماً إلى أن يهدي ، والثاني - وهو الأشبه - أنّه يحلّ ثم يهدي إذا وجد(٣) .

وقال أحمد : إنّه ينتقل إلى صيام عشرة أيّام(٤) .

إذا عرفت هذا ، فإذا ذبح هل يجب عليه الحلق أو التقصير أم لا؟ قال أحمد في إحدى الروايتين : لا بدّ من أحدهما ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حلق يوم الحديبيّة(٥) (٦) .

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) فتح العزيز ٨ : ٨٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٤ - ٣٥٥ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤١ ، المجموع ٨ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٧.

(٣) الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٤ - ٣٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤١ ، المجموع ٨ : ٣٠٤.

(٤) المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٤ ، فتح العزيز ٨ : ٨٠.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢١٤.

(٦) المغني ٣ : ٣٨٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٥.


ويحتمل العدم ؛ لأنّه تعالى ذكر الهدي وحده ، ولم يشرط سواه.

إذا ثبت هذا ، فلو كان المصدود قد ساق هدياً في إحرامه قبل الصدّ ثم صُدّ ، ففي الاكتفاء بهدي السياق عن هدي التحلّل قولان : أحدهما : الاكتفاء ؛ لقوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ ) (١) .

وقيل : لا بدّ من هدي آخر للسياق كما لو لم يسق.

مسألة ٧٠٢ : لا يختصّ مكان ولا زمان لنحر هدي التحلّل‌ وذبحه في المصدود ، بل يجوز نحره في موضع الصدّ ، سواء الحلّ والحرم ، ومتى صدّ جاز له الذبح في الحال ، والإحلال ؛ لقوله تعالى :( فَمَا اسْتَيْسَرَ ) (٢) ولم يعيّن زماناً خصوصاً مع الإتيان بالفاء - وبه قال مالك والشافعي(٣) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نحر بالحديبيّة(٤) ، وهي خارج الحرم.

ولأنّه يؤدّي إلى تعذّر الحلّ ؛ لتعذّر وصول الهدي محلّه مع مقاومة العدوّ.

وقال الصادقعليه‌السلام : « المحصور والمضطرّ ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطرّان فيه »(٥) .

وقال الحسن وابن مسعود والشعبي والنخعي وعطاء وأبو حنيفة : لا ينحر إلّا بالحرم يبعث به ويواطئ مَنْ بعثه معه على نحره في وقت يتحلّل فيه ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (٦) ثمّ‌

____________________

(١ و ٢ ) البقرة : ١٩٦.

(٣) بداية المجتهد ١ : ٣٥٥ ، التمهيد ١٢ : ١٥٠ و ١٥ : ٢١٤ ، فتح العزيز ٨ : ١٧ ، المجموع ٨ : ٣٥٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٠.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢١٤ و ٢١٧.

(٥) الفقيه ٢ : ٣٠٥ / ١٥١٣.

(٦) البقرة : ١٩٦.


قال :( ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (١) (٢) .

والآية في حقّ غير المصدود ، ولا يمكن قياس المصدود عليه ؛ لأنّ تحلّله في الحِلّ ، وتحلّل غيره في الحرم.

مسألة ٧٠٣ : لو صُدّ عن مكّة قبل الموقفين ، فهو مصدود‌ إجماعاً ، يجوز له التحلّل. ولو صُدّ عن الموقفين ، فكذلك عندنا - وبه قال الشافعي(٣) - لعموم الآية(٤) .

وقال أبو حنيفة ومالك : ليس له أن يتحلّل ، وليس بمصدود ، بل إن قدر على الأداء ، أدّى، وإن دام العجز حتى مضى الوقت ، فحكمه حكم مَنْ فاته الحجّ يتحلّل بأفعال العمرة ؛ لأنّ العجز في الحرم ليس مثل العجز خارج الحرم(٥) .

ويبطل بقوله [ تعالى ] :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) (٦) وهو عامّ.

ولو مُنع عن أحد الموقفين ، قال الشيخرحمه‌الله : إنّه مصدود(٧) أيضاً.

ولو مُنع بعد الوقوف بالموقفين عن العود إلى منى لرمي الجمار والمبيت بها فلا صدّ ، وقد تمّ حجّه فيتحلّل ويستنيب مَنْ يرمي عنه.

____________________

(١) الحج : ٣٣.

(٢) المغني ٣ : ٣٧٦ - ٣٧٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٥ ، التمهيد ١٢ : ١٥٠ و ١٥ : ٢١٤ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٠ - ٣٥١ ، المجموع ٨ : ٣٥٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٧٩ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٧٢.

(٣) فتح العزيز ٨ : ٦٠ ، المجموع ٨ : ٣٠١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤٩.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) فتح العزيز ٨ : ٦٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤٩.

(٦) البقرة : ١٩٦.

(٧) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٣.


ولو صُدّ بعد الوقوف بالموقفين قبل طواف الزيارة والسعي ، تحلّل أيضاً ؛ لأنّ الصدّ يفيد التحلّل من جميعه فمن بعضه أولى. وله أن يبقى على إحرامه ، فإن لحق أيّام منى ، رمى وحلق وذبح ، وإن لم يلحق ، أمر مَنْ ينوب عنه في ذلك ، فإذا تمكّن ، أتى مكة فطاف طواف الحجّ وسعى وتمّ حجّه أيضاً ، ولا قضاء عليه ، وإن لم يُقم على إحرامه حتى يطوف ويسعى وتحلّل ، كان عليه الحجّ من قابل ليأتي بأركان الحجّ من الطواف والسعي ، أمّا لو طاف وسعى ومُنع من المبيت بمنى والرمي ، فإنّ حجّه تامّ ؛ لما تقدّم.

ولو تمكّن من المبيت(١) وصُدّ عن الموقفين أو عن أحدهما ، جاز له التحلّل ؛ للعموم(٢) ، فإن لم يتحلّل وأقام على إحرامه حتى فاته الوقوف ، فقد فاته الحجّ ، وعليه التحلّل(٣) بعمرة ، ولا دم عليه لفوات الحجّ.

وهل يجوز له فسخ نيّة الحجّ إلى العمرة قبل الفوات؟ إشكال ، قال به بعض الجمهور(٤) ؛ لأنّا أبحنا له ذلك من غير صدّ ، فمعه أولى. ولا دم عليه.

ولو طاف وسعى للقدوم ثم صُدّ حتى فاته الحجّ ، طاف وسعى ثانياً لعمرة اُخرى ، ولا يجتزئ بالأوّل ؛ لأنّه لم يقصد به طواف العمرة ولا سعيها بل يجتزئ بالإحرام الأوّل ، ولا يجدّد إحراماً آخر ، وبه قال أحمد والشافعي وأبو ثور(٥) .

____________________

(١) أي : المبيت بمنى. والظاهر أنّها تصحيف البيت.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) في الطبعة الحجرية : وعليه أن يتحلّل.

(٤) المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٦.

(٥) المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٦.


وقال مالك : يخرج إلى الحِلّ ، فيفعل ما يفعله المعتمر(١) .

وقال الزهري : لا بدّ أن يقف بعرفة(٢) .

وقال محمد بن الحسن : لا يكون محصراً بمكّة(٣) .

مسألة ٧٠٤ : إذا تحلّل وفاته الحجّ ، وجب عليه القضاء في القابل‌ إن كان الحجّ الفائت واجباً ، كحجّة الإسلام والنذر وغيره ، ولا يجب قضاء النفل عند علمائنا. وكذا العمرة يجب قضاء الواجب منها ، كعمرة الإسلام والنذر وغيره ، ولو كانت نفلاً ، لم يجب القضاء ؛ لأصالة براءة الذمّة.

وقال الشافعي : لا قضاء عليه بالتحلّل ، فإن كانت حجّة تطوّع أو عمرة تطوّع ، لم يلزمه قضاؤها بالتحلّل ، وإن كانت حجّة الإسلام أو عمرته وكانت قد استقرّت في ذمّته قبل هذه السنة ، فإذا خرج منها بالتحلّل ، فكأنّه لم يفعلها ، وكان باقياً في ذمّته على ما كان عليه ، وإن وجبت في هذه السنة ، سقط وجوبها ولم يستقرّ ؛ لفقدان بعض شرائط الحجّ ، فحينئذٍ التحلّل بالصدّ لا يوجب القضاء بحال(٤) . وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين(٥) .

وقال أبو حنيفة : إذا تحلّل ، لزمه القضاء ، ثم إن كان إحرامه بعمرة مندوبة ، قضاها واجباً ، وإن كان بحجّة مندوبة فاُحصر ، تحلّل ، وعليه أن يأتي بحجّة وعمرة ، وإن كان قرن بينهما فاُحصر وتحلّل ، لزمه حجّة‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٧.

(٢ و ٣ ) المغني ٣ : ٣٧٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٦.

(٤) فتح العزيز ٨ : ٥٦ - ٥٧ ، المجموع ٨ : ٣٠٦ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٠ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٨ ، المغني ٣ : ٣٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٦ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٢٦ ، المسألة ٣١٩.

(٥) المغني ٣ : ٣٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٦ ، فتح العزيز ٨ : ٥٦ ، المجموع ٨ : ٣٥٥.


وعمرتان : عمرة لأجل العمرة ، وحجّة وعمرة لأجل الحجّ(١) .

ويجي‌ء على مذهبه : إذا أحرم بحجّتين ، فإنّه ينعقد بهما ، وإنّما ينتقص عن أحدهما إذا أخذ في السير ، فإن اُحصر قبل أن يسير ، تحلّل منهما ، ولزمه حجّتان وعمرتان(٢) .

مسألة ٧٠٥ : لا فرق بين الصدّ العامّ - وهو الذي يصدّه المشركون وأصحابَه - وبين الصدّ الخاصّ ، كالمحبوس بغير حقّ ومأخوذ اللصوص وحده ؛ لعموم النّص(٣) ، ووجود المقتضي لجواز التحلّل ، وكذا يجب القضاء في كلّ موضع يجب فيه الصدّ العامّ ، وما لا يجب هناك لا يجب هنا - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأصالة البراءة ، والعمومات. وفي الثاني : يجب القضاء(٥) .

والمحبوس بدَيْنٍ إن كان قادراً على أدائه ، فليس بمصدود ، وليس له التحلّل ، وإن كان عاجزاً ، تحلّل. وكذا يتحلّل لو حُبس ظلماً.

ولو كان عليه دَيْنٌ مؤجّل يحلّ قبل قدوم الحاجّ فمنعه صاحبه من الحجّ ، كان له التحلّل ؛ لأنّه معذور ؛ لعجزه.

ولو أحرم العبد مطلقاً أو الزوجة تطوّعاً بغير إذن السيّد والزوج ، كان لهما منعهما من الإتمام ، وتحلّلا من غير دم.

____________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ١٨٢ - ١٨٣ ، فتح العزيز ٨ : ٥٦ ، المجموع ٨ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٢ ، المغني ٣ : ٣٧٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٦ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٤٢٦ ، المسألة ٣١٩.

(٢) كما في الخلاف ٢ : ٤٢٦ ، المسألة ٣١٩.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤ و ٥ ) الوجيز ١ : ١٣٠ ، فتح العزيز ٨ : ٥٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤١ ، المجموع ٨ : ٣٠٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٨.


وكلّ موضع جوّزنا فيه التحلّل من إحرام الحجّ يجوز التحلّل من إحرام العمرة ، وهو قول أكثر العلماء(١) ، خلافاً لمالك ؛ فإنّه قال : لا يحلّ من إحرام العمرة ؛ لأنّها لا تفوت(٢) .

مسألة ٧٠٦ : يستحب له تأخير الإحلال ؛ لجواز زوال العذر ، فإذا أخّر وزال العذر قبل تحلّله ، وجب عليه إتمام نسكه‌ إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (٣) .

ولو خشي الفوات ، لم يتحلّل ، وصبر حتى يتحقّق ثم يتحلّل بعمرة.

فلو صابر ففات الحجّ ، لم يكن له التحلّل بالهدي بل بعمرة ، ويقضي واجباً إن كان واجباً ، وإلّا فلا.

ولو فات الحجّ ثم زال الصدّ بعده ، قال بعض العامّة : يتحلّل بالهدي ، وعليه هدي آخر للفوات(٤) .

وقال الشيخرحمه‌الله : يتحلّل بعمرة ، ولا يلزمه دم لفوات الحجّ(٥) .

ولو غلب على ظنّه انكشاف العدوّ قبل الفوات ، جاز له أن يتحلّل ؛ للعموم(٦) ، لكنّ الأفضل البقاء على إحرامه ، فإن فات الوقوف ، أحلّ بعمرة.

ولو أفسد حجّه فصُدّ ، كان عليه بدنة ، ودم التحلّل ، والحجّ من قابل.

ولو انكشف العدوّ في وقت يتّسع لاستئناف القضاء ، وجب ، وهو‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٩ ، فتح العزيز ٨ : ٤ ، المجموع ٨ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٤٥ ، المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٩ ، فتح العزيز ٨ : ٤ ، المجموع ٨ : ٣٥٥ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٦ ، المغني ٣ : ٣٧٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٠.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) المغني ٣ : ٣٧٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٤.

(٥) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٣.

(٦) البقرة : ١٩٦.


حجّ يقضي لسنته ، ولو ضاق الوقت ، قضى من قابل.

وإن لم يتحلّل من الفاسد ، فإن زال الصدّ والحجّ لم يفت ، مضى في الفاسد ، وتحلّل ، كالصحيح ، وإن فاته ، تحلّل بعمرة ، وتلزمه بدنة للإفساد ، ولا شي‌ء عليه للفوات. والقضاء من قابل واجب ، سواء كان الحجّ واجباً أو ندباً.

ولو كان العدوّ باقياً ، فله التحلّل ، فإذا تحلّل ، لزمه دم التحلّل وبدنة الإفساد ، والقضاء من قابل ، وليس عليه أكثر من قضاء واحد.

ولو صُدّ فأفسد حجّه ، جاز له التحلّل ؛ للعموم(١) ، وعليه دم التحلّل ، وبدنة للإفساد ، والحجّ ، ويكفيه قضاء واحد.

مسألة ٧٠٧ : ينبغي للمُحْرم أن يشترط على ربّه حالة الإحرام‌ - خلافاً لمالك(٢) - فإذا شرط في ابتداء إحرامه أن يحلّ متى مرض ، أو ضاعت نفقته أو نفدت ، أو منعه ظالم ، أو غير ذلك من الموانع ، فإنّه يحلّ متى وجد ذلك المانع.

وفي سقوط هدي التحلّل قولان.

والشرط لا يؤثّر في سقوط القضاء إن كان الحجّ واجباً ، خلافاً لبعض العامّة(٣) .

وينبغي أن يشترط ما لَه فائدة. ولو قال : أن تحلّني حيث شئت ، فليس له ذلك.

ولو قال : أنا أرفض إحرامي واُحلّ ، فلبس وذبح الصيد [ وعمل‌

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٥ ، المغني ٣ : ٢٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٨.

(٣) المغني ٣ : ٣٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٩.


غيرهما ](١) من تروك الإحرام من غير صدّ أو حصر ، لم يحلّ ، ووجبت الكفّارة ؛ لأنّ الإحرام لا يفسد برفضه ؛ لأنّه عبادة لا يخرج منها بالفساد ، فلا يخرج منها برفضها ، بخلاف سائر العبادات التي يخرج منها بإفسادها ، كالصلاة.

وإن وطئ قبل الموقفين ، أفسد حجّه ، ووجب إتمامه ، وبدنة ، والحجّ من قابل ، سواء كان الوطء قبل ما فَعَله من الجنايات أو بعده ، فإنّ الجناية على الإحرام الفاسد توجب الجزاء ، كالجناية على الإحرام الصحيح ، وليس عليه لرفضه شي‌ء ، لأنّه مجرّد نيّة لم تؤثّر شيئاً.

مسألة ٧٠٨ : العدوّ الصادّ إن كان مسلماً ، فالأولى الانصراف عنه‌ ؛ لأنّ في قتاله مخاطرةً بالنفس والمال ، إلّا أن يدعوهم الإمام أو نائبه إلى قتالهم ، ويجوز قتالهم ؛ لأنّهم تعدّوا على المسلمين بمنعهم الطريق. وإن كانوا مشركين ، لم يجب على الحاجّ قتالهم.

قال الشيخرحمه‌الله : وإذا لم يجب قتالهم ، لم يجز ، سواء كانوا قليلين أو كثيرين(٢) .

وللشافعي قول بوجوب القتال(٣) إذا لم يزد عدد الكفّار على الضّعف(٤) .

والوجه : أنّه إذا(٥) غلب ظنّ المسلمين بالغلبة ، جاز قتالهم ، ويجوز‌

____________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : وغيره. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٢) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٤.

(٣) في الطبعة الحجرية : قتالهم.

(٤) فتح العزيز ٨ : ٥ ، المجموع ٨ : ٢٩٥.

(٥) في « ق ، ك » : إن.


تركه ، فيتحلّل الحاجّ.

ولو ظنّ المسلمون الانقهار ، لم يجز قتالهم ؛ لئلّا يغزوا بالمسلمين ، فلو احتاج الحاجّ إلى لُبْس السلاح وما تجب فيه الفدية لأجل الحرب ، جاز ، وعليهم الفدية ، كما لو لبسوا(١) لدفع الحرّ والبرد. ولو قتلوا أنفساً(٢) وأتلفوا مالاً ، لم يضمنوا.

ولو قتل المسلمون صيد الكفّار ، كان عليهم الجزاء لله ، ولا قيمة للكفّار ؛ إذ لا حرمة لهم.

ولو بذل العدوّ الطريق وكانوا معروفين بالغدر ، جاز التحلّل والرجوع ، وإلّا فلا. ولو طلب العدوّ مالاً لتخلية الطريق ، فإن لم يوثق بهم ، لم يجب بذله إجماعاً ، لبقاء الخوف ، وإن كانوا مأمونين ، فإن كثر ، لم يجب ، بل يكره إن كان العدوّ كافراً ؛ لما فيه من الصغار وتقوية الكفّار ، وإن قلّ ، قال الشيخ : لا يجب بذله(٣) ، كما لا يجب في ابتداء الحجّ بذل مال ، بل يتحلّل.

مسألة ٧٠٩ : إذا تحلّل المصدود بالهدي ، فإن كان الحجّ واجباً ، قضى ما تحلّل منه ، إن كان حجّاً ، وجب عليه حجّ لا غير - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّه اُحصر عن الحجّ ، فلا يلزمه غيره ، كمن اُحصر عن العمرة لا يلزمه غيرها.

وقال أبو حنيفة : يجب عليه حجّ وعمرة معاً ؛ لأنّ المصدود فائت‌

____________________

(١) في الطبعة الحجرية : لبس.

(٢) كذا ، والظاهر : نفساً.

(٣) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٣٤.

(٤) مختصر المزني : ٧٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٢ ، فتح العزيز ٨ : ٥٧ ، المجموع ٨ : ٣٠٦.


الحجّ ، وفائت الحجّ يتحلّل بأفعال العمرة ، فإذا لم يأت بأفعال العمرة في الحال ، يجب عليه قضاؤها(١) .

ونمنع مساواة الصدّ لفائت الحجّ.

والصدّ قد يتحقّق في العمرة - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لقوله تعالى :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) (٣) ذكر ذلك عقيبهما ، فينصرف إلى كلّ منهما.

وسُئل ابن مسعود عن معتمر لُدغ ، فقال : ابعثوا عنه هدياً ، فإذا ذُبح عنه فقد حلّ(٤) .

ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا صُدّ كان معتمراً(٥) .

وقال مالك : لا يتحقّق ؛ لأنّه ليس للعمرة وقت معلوم ، فيمكنه اللبث إلى أن يزول الإحصار ثم يؤدّي(٦) .

وهو يستلزم الحرج ؛ لعدم العلم بالغاية.

مسألة ٧١٠ : إذا صُدّ عن المضيّ إلى مكّة أو الموقفين ، كان له التحلّل بالهدي‌ على ما تقدّم(٧) .

هذا إذا منع من المضيّ ، دون الرجوع والسير في صوب آخر ، وأمّا إذا أحاط العدوّ بهم من جميع الجهات كلّها ، فكذلك عندنا - وهو أصحّ‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨٢ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢٢٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٥٥ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٦.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٧٧.

(٣) البقرة : ١٩٦.

(٤) شرح معاني الآثار ٢ : ٢٥١ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢١.

(٥) فتح العزيز ٨ : ٤ ، وسنن البيهقي ٥ : ٢١٦.

(٦) اُنظر : فتح العزيز ٨ : ٤ ، والمغني ٣ : ٣٧٤ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٣٠.

(٧) تقدّم في المسألة ٧٠٣.


قولي الشافعي(١) - لأنّهم يستفيدون به الأمن من العدوّ الذي بين أيديهم.

والثاني : ليس لهم التحلّل ؛ لأنّهم لا يستفيدون به أمناً ، فأشبه المريض ليس له التحلّل(٢) .

والأصل ممنوع.

ولا بدل لهدي التحلّل على ما تقدّم(٣) ، خلافاً للشافعي في أحد قوليه(٤) ، وعلى القولين لا بدّ من نيّة التحلّل(٥) .

وهل يجب الحلق؟ للشافعي قولان : إن قلنا : إنّه نسك ، فنعم ، وإلّا فلا ، فخرج من هذا أنّا إذا اعتبرنا الذبح والحلق مع النيّة ، فالتحلّل يحصل بثلاثتها ، وإن أخرجنا الذبح عن الاعتبار ، فالتحلّل يحصل بالحلق مع النيّة أو بمجرّد النيّة؟ فيه وجهان(٦) .

مسألة ٧١١ : إحرام العبد منعقد ، سواء كان بإذن السيّد أو بدونه.

ثمّ إن أحرم بإذنه ، لم يكن له تحليله ، سواء بقي نسكه صحيحاً أو أفسده. ولو باعه والحال هذه ، لم يكن للمشتري تحليله ، لكن له الخيار مع جهله بإحرامه.

وإن أحرم بغير إذنه ، يستحب له الإذن في الإتمام ، وله تحليله ، لأنّ‌

____________________

(١ و ٢ ) فتح العزيز ٨ : ٧ - ٨ ، المجموع ٨ : ٢٩٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٨.

(٣) تقدّم في المسألة ٧٠١.

(٤) فتح العزيز ٨ : ٨٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٥٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤١ ، المجموع ٨ : ٣٠٣ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٧.

(٥ و ٦ ) فتح العزيز ٨ : ١٦ ، المجموع ٨ : ٣٠٤.


تقريره على الحجّ إبطال لمنافعه عليه ، وبه قال الشافعي(١) .

وقال أبو حنيفة : له تحليله ، سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه(٢) .

ولو أذن له في الإحرام ، فله الرجوع قبل أن يُحْرم ، فإن رجع ولم يعلم به العبد فأحرم ، فله تحليله.

وللشافعي وجهان(٣) .

ولو أذن له في العمرة فأحرم بالحجّ ، فله تحليله ، ولو كان بالعكس ، لم يكن له تحليله ؛ لأنّ العمرة دون الحجّ ، قاله الشافعي(٤) . وفيه نظر.

ولو أذن له في التمتّع ، فله منعه من الحجّ بعد ما تحلّل عن العمرة ، قاله الشافعي(٥) . وفيه إشكال. وليس له تحليله من العمرة ولا من الحجّ بعد تلبّسه به.

ولو أذن له في الحجّ أو في التمتّع ، فقرن ، قال الشافعي : ليس له تحليله(٦) .

ولو أذن له أن يُحْرم في ذي القعدة فأحرم في شوّال ، فله تحليله قبل ذي القعدة لا بعده.

البحث الثاني : في المحصور‌

مسألة ٧١٢ : إذا تلبّس الحاجّ بالإحرام ثم مرض بحيث لا يتمكّن معه‌

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٢ ، المجموع ٧ : ٤٣ - ٤٤ ، فتح العزيز ٨ : ٢٢ - ٢٣ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٦٢.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٦٥ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٨١ ، فتح العزيز ٨ : ٢٣.

(٣) فتح العزيز ٨ : ٢٣ ، المجموع ٧ : ٤٤.

(٤) فتح العزيز ٨ : ٢٣ - ٢٤ ، المجموع ٧ : ٤٥.

(٥ و ٦ ) فتح العزيز ٨ : ٢٤ ، المجموع ٧ : ٤٦.


من المضي إلى مكّة أو إلى الموقفين ، بعث بهديه مع أصحابه ليذبحوه عنه في موضع الذبح ، فإن كان قد ساق هدياً ، بعث ما ساقه ، وإن لم يكن ساق ، بعث هدياً أو ثمنه.

ولا يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه ، وهو منى إن كان حاجّاً ، ومكّة إن كان معتمراً. فإذا بلغ الهدي محلّه ، أحلّ من كلّ شي‌ء إلّا من النساء إلى أن يطوف في القابل أو يأمر مَنْ يطوف عنه ، فتحلّ له النساء حينئذٍ - هذا مذهب علمائنا ، وبه قال ابن مسعود وعطاء والثوري والنخعي وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين ، إلّا أنّ أصحاب الرأي لم يعتبروا طواف النساء ، بل قالوا : يحلّ بالبلوغ إلى المحلّ(١) - لقوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٢) .

وما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( مَنْ كُسِر أو عرج فقد حلّ وعليه حجّة اُخرى )(٣) .

وفي رواية ( وعليه الحجّ من قابل )(٤) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في رجل اُحصر [ فبعث بالهدي ](٥) قال : « يواعد أصحابه ميعاداً ، فإن كان في حجّ فمحلّ الهدي [ يوم ](٦)

____________________

(١) المغني ٣ : ٣٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٨ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٨ : ٨ - ٩ ، المجموع ٨ : ٣٥٥ ، تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٥ ، وانظر أيضاً : الخلاف - للطوسي - ٢ : ٤٢٨ ، المسألة ٣٢٢.

(٢) البقرة : ١٩٦.

(٣) سنن النسائي ٥ : ١٩٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٨ / ٣٠٧٧ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٧٧ / ٩٤٠.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ١٠٢٨ / ٣٠٧٨ ، سنن النسائي ٥ : ١٩٩ ، سنن أبي داود ٢ : ١٧٣ / ١٨٦٢ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٢٠.

(٥ و ٦ ) أضفناها من المصدر.


النحر »(١) الحديث.

وقال الشافعي : لا يجوز له التحلّل أبداً إلى أن يأتي به ، فإن فاته الحجّ ، تحلّل بعمرة - وبه قال ابن عمر وابن عباس ومالك وأحمد في الرواية الاُخرى - لأنّه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله ولا التخلّص من الأذى الذي به ، بخلاف حصر العدوّ(٢) .

ونمنع عدم الانتقال ، وعدم المخلص من الأذى لا يمنع من التحلّل.

مسألة ٧١٣ : إذا بعث الهدي ، انتظر وصوله إلى المحلّ ، فإذا كان يوم المواعدة ، قصّر من شعر رأسه ، وأحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا النساء ، فإنّهنّ لا يحللن له حتى يحجّ من قابل ، ويطوف طواف النساء إن كان الحجّ واجباً ، أو يطاف عنه في القابل إن كان تطوّعاً ، قاله علماؤنا ، ولم يعتبر الجمهور ذلك ، بل حكم بعضهم بجواز الإحلال مطلقاً ، وآخرون بالمنع مطلقاً(٣) ، وقد قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « المحصور لا تحلّ له النساء »(٤) .

ولو وجد من نفسه خفّةً بعد بعث هديه وأمكنه اللحوق بأصحابه ، لحق ؛ لأنّه مُحْرم بأحد النسكين ، فيجب عليه إتمامه ؛ للآية(٥) ، فإن أدرك أحد الموقفين ، أدرك الحجّ ، وإن فأتاه معاً ، فاته الحجّ ، وكان عليه الحجّ من قابل ؛ للرواية الصحيحة عن الباقرعليه‌السلام ، قال : « إذا اُحصر الرجل بعث‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٢١ - ٤٢٢ / ١٤٦٥.

(٢) فتح العزيز ٨ : ٨ ، المجموع ٨ : ٣١٠ ، المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٧٦ ، المغني ٣ : ٣٨٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٣٨.

(٣) اُنظر : ما تقدّم في المسألة السابقة (٧١٢).

(٤) الكافي ٤ : ٣٦٩ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٣٠٤ - ٣٠٥ / ١٥١٢ ، التهذيب ٥ : ٤٢٣ / ١٤٦٧.

(٥) البقرة : ١٩٦.


هديه ، فإن أفاق ووجد من نفسه خفّةً فليمض إن ظنّ أن يدرك هديه قبل أن ينحر ، فإن قدم مكّة قبل أن ينحر هديه فليقم على إحرامه حتى يقضي المناسك وينحر هديه ولا شي‌ء عليه ، وإن قدم مكّة وقد نحر هديه ، فإنّ عليه الحجّ من قابل والعمرة » قلت : فإن مات قبل أن ينتهي إلى مكّة؟ قال : « إن كانت حجّة الإسلام يحجّ عنه ويعتمر فإنّما هو شي‌ء عليه »(١) .

مسألة ٧١٤ : لو تحلّل يوم الميعاد ثم ظهر أنّ أصحابه لم يذبحوا عنه ، لم يبطل تحلّله‌ ، ووجب عليه أن يبعث به في القابل ليذبح عنه في موضع الذبح ؛ لأنّ تحلّله وقع مشروعاً.

وقال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « فإن ردّوا عليه الدراهم ولم يجدوا هدياً ينحرونه وقد أحلّ لم يكن عليه شي‌ء ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضاً »(٢) .

قال الشيخرحمه‌الله : إذا بعث في العام المقبل ، وجب عليه أن يمسك ممّا يمسك عنه المـُحْرم إلى أن يذبح عنه(٣) ؛ لهذه الرواية.

ومنعه ابن إدريس(٤) ؛ للأصل ، ولأنّه ليس بمُحْرم فكيف يحرم عليه شي‌ء وهو غير مُحْرم ولا في الحرم!؟

وكذا مَنْ بعث هدياً تطوّعاً من اُفق من الآفاق ، قال الشيخرحمه‌الله : يواعد أصحابه يوماً بعينه ، ثم يجتنب ما يجتنبه المـُحْرم من الثياب والنساء والطيب وغير ذلك ، إلّا أنّه لا يلبّي ، فإن فَعَل ما يحرم على المـُحْرم ، كان عليه‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٢٢ - ٤٢٣ / ١٤٦٦.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٢١ - ٤٢٢ / ١٤٦٥.

(٣) النهاية : ٢٨٢.

(٤) السرائر : ١٥١.


الكفّارة ، كما تجب على المـُحْرم سواء ، فإذا كان اليوم الذي واعدهم ، أحلّ ، وإن بعث بالهدي من اُفق من الآفاق يواعدهم يوماً بعينه بإشعاره وتقليده ، فإذا كان ذلك اليوم ، اجتنب ما يجتنبه المـُحْرم إلى أن يبلغ الهدي محلّه ، ثم إنّه أحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه(١) .

لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - في الرجل يرسل بالهدي تطوّعاً ، قال : « يواعد أصحابه يوماً يقلّدون فيه ، فإذا كان تلك الساعة من ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم ، فإذا كان يوم النحر أجزأ عنه ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث صدّه المشركون يوم الحديبيّة نحر بدنته ورجع إلى المدينة »(٢) وغيرها من الروايات.

ومنع ابن إدريس(٣) من ذلك.

مسألة ٧١٥ : الحاجّ والمعتمر في ذلك سواء ، إذا أحصر المعتمر ، فَعَل ما ذكرناه ، وكانت عليه العمرة في الشهر الداخل واجبةً إن كانت العمرة واجبةً ، وإلّا نفلاً.

ولو احتاج المحصر إلى حلق رأسه لأذى ، ساغ له ذلك ويفدي ؛ لقول الباقرعليه‌السلام : « إذا اُحصر الرجل فبعث بهديه وأذاه رأسه قبل أن ينحر فحلق رأسه فإنّه يذبح في المكان الذي أحصر فيه أو يصوم أو يطعم ستّة مساكين »(٤) .

ولو كان المحصر قد أحرم بالحجّ قارناً ، قال الشيخ : لم يجز له أن‌

____________________

(١) النهاية : ٢٨٣.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٢٤ / ١٤٧٣.

(٣) السرائر : ١٥٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٢٣ / ١٤٦٩.


يحجّ في القابل إلّا قارناً ، وليس له التمتّع بل يدخل في مثل ما خرج منه(١) ؛ لقول الباقر والصادقعليهما‌السلام : « القارن يحصر وقد قال واشترط فحلّني حيث حبستني يبعث بهديه » قلنا : هل يستمتع(٢) من قابل؟ قال : « لا ، ولكن يدخل بمثل ما خرج منه »(٣) .

والوجه : أنّه إن كان القران واجباً ، وجب عليه القران ، وإلّا فلا.

مسألة ٧١٦ : قال ابن بابويه وأبوه : إذا قرن الرجل الحجَّ والعمرةَ واُحصر ، بعث هدياً مع هديه‌ ، ولا يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه(٤) . فأوجبا هدياً مع هدي السياق. وقوّاه ابن إدريس(٥) ؛ لقوله تعالى :( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (٦) فأوجب هدياً للإحصار.

وأصحابنا قالوا : يبعث بهديه الذي ساقه(٧) ، ولم يوجبوا بعث هدي آخر.

وقال ابن إدريس : معنى قولهما : إذا قرن الحجّ والعمرة أن يقرن مع كلّ واحد منهما على الانفراد هدياً يشعره أو يقلّده ، فيخرج من ملكه بذلك وإن لم يكن ذلك واجباً عليه بنذر ، ولم يقصد أن يحرم بهما جميعاً ويقرن بينهما في الإحرام ؛ لأنّ ذلك مذهب مَنْ خالفنا في حدّ القران(٨) .

مسألة ٧١٧ : إذا اشترط في إحرامه ، فله التحلّل من دون إنفاذ هدي‌ إلّا

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٣٥.

(٢) كذا ، وفي المصدر : يتمتّع.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٢٣ / ١٤٦٨.

(٤) الفقيه ٢ : ٣٠٥ ذيل الحديث ١٥١٢ ، وحكاه عن علي بن بابويه ابن إدريس في السرائر : ١٥١.

(٥) السرائر : ١٥١.

(٦) البقرة : ١٩٦.

(٧) كما في السرائر : ١٥١.

(٨) السرائر : ١٥١.


أن يكون ساقه وأشعره أو قلّده ، فإن كان فلينفذه ، وإن لم يكن ساق بل اشترط ، فله التحلّل إذا بلغ الهدي محلّه ، وهو يوم النحر ، فإذا كان يوم النحر فليتحلّل من جميع ما أحرم منه إلّا النساء.

وروى المفيد عن الصادقعليه‌السلام : « المحصور بالمرض إن كان ساق هدياً أقام على إحرامه حتى يبلغ الهدي محلّه ثم يحلّ ، ولا يقرب النساء حتى يقضي المناسك من قابل ، هذا إذا كان في حجّة السلام ، فأمّا حجّة التطوّع فإنّه ينحر هديه وقد حلّ ممّا كان أحرم منه ، فإن شاء حجَّ من قابل ، وإن لم يشأ لم يجب عليه الحجّ »(١) .

قال ابن إدريس : المحصور يفتقر إلى نيّة التحلّل كما دخل في الإحرام بنيّة(٢) . وهو حسن.

البحث الثالث : في حكم الفوات.

مسألة ٧١٨ : مَنْ لم يقف بالموقفين في وقتهما فاته الحجّ إجماعاً ، فيتحلّل بطواف وسعي وحلاق ، ويسقط عنه بقية أفعال الحجّ من الرمي والمبيت ، عند علمائنا - وبه قال عمر وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير ومالك والثوري والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وأصحاب الرأي(٣) - لأنّ باقي أفعال الحجّ تترتّب على الوقوف وقد فاته(٤) ، فتفوت‌

____________________

(١) المقنعة : ٧٠.

(٢) السرائر : ١٥٢.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٣ ، فتح العزيز ٨ : ٤٨ - ٤٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٠ ، المجموع ٨ : ٢٨٦ و ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٦.

(٤) في « ق ، ك » : فات.


هي بفواته.

وما رواه العامّة عن عمر ، أنّه قال لأبي أيّوب حين فاته الحجّ : اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت ، فإن أدركت الحجّ قابلاً فحجّ وأهد ما استيسر من الهدي(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في رجل جاء حاجّاً ففاته الحجّ ولم يكن طاف ، قال : « يقيم مع الناس حراماً أيّام التشريق ولا عمرة فيها ، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ ، وعليه الحجّ من قابل يحرم من حيث أحرم »(٢) .

وقال أحمد في الرواية الاُخرى : يمضي في حجّ فاسد. وبه قال المزني ، قال : يلزمه جميع أفعال الحجّ إلّا الوقوف(٣) .

وقال مالك في رواية اُخرى عنه : لا يحلّ ، بل يقيم على إحرامه حتى إذا كان من قابل أتى بالحجّ ، فوقف وأكمل الحجّ(٤) .

وفي رواية ثالثة عنه : أنّه يحلّ بعمرة مفردة ، ولا يجب عليه القضاء(٥) .

وقول المزني باطل ؛ لأنّ الإتيان بالأفعال الباقية لا يخرجه عن‌

____________________

(١) ترتيب مسند الشافعي ١ : ٣٨٤ / ٩٩٠ ، سنن البيهقي ٥ : ١٧٤.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٩٥ / ٩٩٩.

(٣) المغني ٣ : ٥٦٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٥ ، مختصر المزني : ٦٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٦ ، الخلاف - للشيخ الطوسي - ٢ : ٣٧٥ ذيل المسألة ٢١٩.

(٤) حلية العلماء ٣ : ٣٥٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٦ ، الخلاف - للشيخ الطوسي - ٢ : ٣٧٥ ، ذيل المسألة ٢١٩.

(٥) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٧٥ ذيل المسألة ٢١٩ ، وانظر : المغني ٣ : ٥٦٨ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٢٥ ، والحاوي الكبير ٤ : ٢٣٨.


العهدة ، فلا فائدة فيها. وقياسه على المفسد باطل ؛ لأنّ الجناية وقعت هناك من المفسد ، فكان التفريط من قِبَله ، بخلاف الفوات.

وقول مالك يشتمل على ضرر عظيم ، فيكون منفيّاً.

مسألة ٧١٩ : إذا فاته الحجّ جعل حجّه عمرةً مفردة‌ ، فيطوف ويسعى ويحلق ، عند علمائنا أجمع - وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعطاء وأحمد وأصحاب الرأي(١) - لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( مَنْ فاته الحجّ فعليه دم ، وليجعلها عمرة ، وليحجّ من قابل )(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الرضاعليه‌السلام في الذي إذا ( أدركه الإنسان فقد أدرك الحجّ )(٣) فقال: « إذا أتى جَمْعاً والناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ ولا عمرة له ، وإن أدرك جَمْعاً بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حجّ له ، وإن شاء أن يقيم بمكّة أقام ، وإن شاء أن يرجع إلى أهله رجع ، وعليه الحجّ من قابل »(٤) .

وقال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « أيّما حاجّ سائق للهدي أو مفرد للحجّ أو متمتّع بالعمرة إلى الحجّ قدم وقد فاته الحجّ فليجعلها عمرة وعليه الحجّ من قابل »(٥) .

وقال مالك والشافعي : لا يصير إحرامه بعمرة ، بل يتحلّل بطواف‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٦٦ - ٥٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٣ - ٥٢٤ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٧٤ ، فتح العزيز ٨ : ٥٢ ، المجموع ٨ : ٢٩٠.

(٢) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٥٦٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٢٤.

(٣) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجرية و « ق ، ك » : أدرك الناس ، وما أثبتناه هو الموافق للمصدر.

(٤) التهذيب ٥ : ٢٩٤ / ٩٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٦ - ٣٠٧ / ١٠٩٤.

(٥) التهذيب ٥ : ٢٩٤ / ٩٩٨ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٧ / ١٠٩٥.


وسعي وحلاق ؛ لأنّه أحرم بأحد النسكين لا ينقلب إلى الآخر ، كما لو أحرم بالعمرة(١) .

والفرق : فوات الحجّ ، وإمكان الإتيان بالعمرة من غير فوات فيها ، فلا حاجة إلى انقلاب إحرامها.

ولا بدّ من نيّة الاعتمار ، خلافاً لبعض العامّة ، وأوجبوا الإتيان بأفعالها(٢) .

مسألة ٧٢٠ : إذا فاته الحجّ ، استحبّ له المقام بمنى إلى انقضاء أيّام التشريق ، وليس عليه شي‌ء من أفعال الحجّ ولا حلق ولا تقصير ، بل يقصّر إذا تحلّل بعمرة بعد طوافها وسعيها.

وهل يجب على مَنْ فاته الحجّ الهدي؟ الأقرب : المنع - وهو قول أصحاب الرأي(٣) - لأصالة براءة الذمّة ، ولأنّه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي ، لوجب على المحصر هديان : واحد للفوات ، وآخر للإحصار.

ونقل الشيخ -رحمه‌الله - عن بعض علمائنا وجوبَ الهدي(٤) - وبه قال الشافعي وأكثر الفقهاء(٥) . وعن أحمد روايتان(٦) - لقول الصادقعليه‌السلام في‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٤ ، فتح العزيز ٨ : ٥٢ ، المجموع ٨ : ٢٨٧ و ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٦.

(٢) المغني ٣ : ٥٦٧ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٤.

(٣) الكتاب بشرح اللباب ١ : ٢٢١ ، المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٦ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٤ ، فتح العزيز ٨ : ٥٤ ، المجموع ٨ : ٢٩٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٩.

(٤) الخلاف ٢ : ٣٧٤ ، المسألة ٢١٩.

(٥) الوجيز ١ : ١٣١ ، فتح العزيز ٨ : ٥٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٩ ، المجموع ٨ : ٢٨٧ و ٢٩٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٤ ، المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٦.

(٦) المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٦.


نفر فاتهم الحجُّ : « عليهم أن يهريق كلّ واحد(١) منهم دم شاة »(٢) .

ولأنّه حلّ من إحرامه قبل إتمامه ، فلزمه الهدي ، كالمحصر.

والخبر محمول على الاستحباب. ونمنع الحلّ قبل إتمامه ، وإنّما نقله إلى العمرة ، والنقل جائز.

ولو كان قد ساق هدياً ، نحره بمكّة ؛ لأنّه تعيّن للإهداء ، فلا يسقط بالفوات ، فإن قلنا بوجوب الهدي ، ذبحه في ذلك العام ، ولا يجوز له تأخيره إلى القابل - [ وهو أحد قولي الشافعي](٣) (٤) - كالمدرك لأفعال الحجّ ، ولأنّ الهدي واجب على الفور ؛ لأنّه جزء من الحجّ.

والثاني للشافعي : يجوز(٥) .

وعلى الأوّل لو أخّره ، عصى ، ووجب عليه ذبحه ، ولا يجزئه عن هدي القضاء ؛ لأنّ القضاء إحرام ، فيجب فيه الهدي ؛ للآية(٦) .

مسألة ٧٢١ : إذا كان الفائت واجباً ، كحجّة الإسلام والمنذورة وغيرهما ، وجب القضاء ، ولا تجزئه العمرة التي فَعَلها للتحلّل ، وإن لم يكن الحجّ واجباً ، لم يجب عليه القضاء - وبه قال عطاء وأحمد في‌

____________________

(١) في « ق ، ك » والفقيه : رجل ، بدل واحد.

(٢) الكافي ٤ : ٤٧٥ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٨٤ / ١٣٩٥ ، التهذيب ٥ : ٢٩٥ / ١٠٠٠ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٧ / ١٠٩٧.

(٣) أضفناها لأجل السياق.

(٤ و ٥ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٤٠ ، المجموع ٨ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٥ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٩.

(٦) البقرة : ١٩٦.


إحدى الروايتين ، ومالك في أحد القولين(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا سُئل عن الحجّ أكثر من مرّة ، قال : ( بل مرّة واحدة )(٢) ولو أوجبنا القضاء ، كان أكثر من مرّة.

وعن الصادقعليه‌السلام في القوم الذين فاتهم الحجّ قال : « ليس عليهم من قابل »(٣) ولا يمكن ذلك في الواجب فيحمل على النفل.

ولأنّه معذور في ترك إتمام حجّه ، فلا يلزمه القضاء ، كالمحصر.

ولأنّها عبادة غير واجبة ، فلا يجب قضاؤها بالفوات ، كسائر العبادات.

وقال الشافعي : يجب القضاء وإن كان الحجّ تطوّعاً - وبه قال ابن عباس وابن الزبير وأصحاب الرأي ومالك في القول الثاني وأحمد في الرواية الثانية - لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَنْ فاته عرفات فقد فاته الحجّ فليتحلّل(٤) بعمرة وعليه الحجّ من قابل )(٥) .

ولأنّه يجب بالشروع فيه(٦) .

وتُحمل الرواية على الحجّ الواجب ، وإنّما يجب بالشروع مع إمكانه.

وإن كان الفائتُ حجّة الإسلام ، وجب قضاؤها إجماعاً على الفور‌

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٥ ، فتح العزيز ٨ : ٥٣ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٨.

(٢) المستدرك - للحاكم - ٢ : ٢٩٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٦٣ / ٢٨٨٦ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٤ : ٨٥ ، المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٥.

(٣) الكافي ٤ : ٤٧٥ - ٤٧٦ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٨٤ / ١٣٩٥ ، التهذيب ٥ : ٢٩٥ - ١٠٠٠ ، الإستبصار ٢ : ٣٠٧ / ١٠٩٧.

(٤) في المصادر : فليحلّ.

(٥) سنن الدار قطني ٢ : ٢٤١ / ٢٢ ، المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٥.

(٦) فتح العزيز ٨ : ٥٣ ، المجموع ٨ : ٢٨٧ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٥٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٣٨ ، المغني ٣ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٥.


عندنا - وهو ظاهر مذهب الشافعي(١) - لأنّ القضاء كالأداء ، وقد بيّنّا وجوب الأداء على الفور وكذا قضاؤه.

ومن الشافعية مَنْ قال : إنّها على التراخي(٢) .

وإذا قضاه في العام المقبل ، أجزأه عن الحجّة الواجبة إجماعاً.

وإذا فاته الحجّ ، نقل إحرامه إلى العمرة ، ولا يحتاج إلى تجديد إحرام آخر للعمرة ، وهذه العمرة المأتي بها للتحلّل لا تُسقط وجوب العمرة التي للإسلام إن كانت الفائتةُ حجّةَ الإسلام ؛ لوجوب الإتيان بالحجّ والعمرة في سنة واحدة.

وهل يجب على فائت الحجّ التحلّل؟ الأقرب ذلك ، فلو أراد البقاء على إحرامه إلى القابل ليحجّ من قابل ، فالظاهر من الروايات المنع ؛ لأنّهمعليهم‌السلام : أوجبوا عليه الإتيان بطواف وسعي(٣) ، وحكموا بانقلاب الحجّ إلى العمرة(٤) ، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر(٥) ؛ لقولهعليه‌السلام : ( مَنْ فاته الحجّ فعليه دم وليجعلها عمرة )(٦) .

وقال مالك : يجوز ؛ لأنّ تطاول المدّة بين الإحرام وفعل النسك لا يمنع عن إتمامه ، كالعمرة(٧) .

____________________

(١ و ٢ ) فتح العزيز ٧ : ٤٧٣ و ٨ : ٥٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٢٢ و ٢٤٠ ، المجموع ٧ : ٣٨٩ و ٨ : ٢٨٧ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢١.

(٣) التهذيب ٥ : ٢٩٥ / ٩٩٩.

(٤) الكافي ٤ : ٤٧٦ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٢٩٤ / ٩٩٨ ، الاستبصار ٢ : ٣٠٧ / ١٠٩٥.

(٥) المغني ٣ : ٥٦٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٧.

(٦) أورده ابنا قدامة في المغني ٣ : ٥٦٧ ، والشرح الكبير ٣ : ٥٢٤.

(٧) المنتقى - للباجي - ٢ : ٢٧٨ ، التفريع ١ : ٣٥١ ، حلية العلماء ٣ : ٣٥٥ ، المغني ٣ : ٥٦٩ ، الشرح الكبير ٣ : ٥٢٧.


ولا فرق بين المكّي وغيره في وجوب الهدي بالفوات.

وأمّا العمرة المفردة : فلا يفوت وقتها ؛ لأنّ وقتها جميع السنة ، أمّا المتمتّع بها فيفوت بفوات الحجّ ؛ لتعيّن وقتها.

* * *


الفصل الثاني

في بقايا مسائل تتعلّق بالنساء والعبيد والصبيان والنائب في الحجّ‌

مسألة ٧٢٢ : قد بيّنّا وجوب الحجّ على النساء كوجوبه على الرجال ، وليس للزوج منعها عن حجّة الإسلام ولا ما وجب عليها ، فإن أحرمت في الواجب ، مضت فيه وإن كره الزوج ، وليس له منعها من إتمامه.

وله منعها عن حجّ التطوّع إجماعاً ؛ لما فيه من منع الزوج عن حقّه.

ولو أذن لها في التطوّع ، جاز له الرجوع فيه ما لم تتلبّس بالإحرام إجماعاً ، فإن أحرمت بعد رجوعه ، كان له أن يحلّلها.

والأقرب أنّه لا دم عليها ، خلافاً لبعض العامة(١) .

ولو أحرمت قبل رجوعه ، لم يكن له تحليلها ؛ لوجوب الإتمام عليها.

ولو كان إحرامها بغير إذنه في التطوّع ، كان له تحليلها ، خلافاً لبعض العامّة(٢) .

ولو خرجت لحجّة الإسلام ولم تكمل شرائطها ، كان له منعها. ولو أحرمت من غير إذنه ، كان له تحليلها.

ولو نذرت الحجّ بغير إذن زوجها ، لم ينعقد ، ولو أذن ، وجب النذر.

____________________

(١) المغني ٣ : ٥٧٣ - ٥٧٤.

(٢) فتح العزيز ٨ : ٣٩ ، المجموع ٨ : ٣٣٢ - ٣٣٣ ، المغني ٣ : ٥٧٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٥.


وكذا لو نذرت قبل التزويج. والمطلّقة رجعيّاً في العدّة كالزوجة.

مسألة ٧٢٣ : جميع ما يجب على الرجل من أفعال الحجّ وتروكه فهو واجب على المرأة ، إلّا تحريم لُبْس المخيط ، والحائض تُحْرم كالرجل إلّا أنّها تحتشي وتستثفر وتتوضّأ وضوء الصلاة ولا تصلّي ؛ للحيض ؛ لأنّ الإحرام عبادة لا يشترط فيها الطهارة ، فجاز وقوعه من الحائض.

قال الصادقعليه‌السلام عن الحائض تريد الإحرام : « تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوباً دون ثيابها لإحرامها وتستقبل القبلة ولا تدخل المسجد ثم تهلّ بالحجّ بغير صلاة »(١) .

والمستحاضة تفعل ما يلزمها من الأغسال إن وجبت ثم تُحْرم عند الميقات ، وكذا النفساء.

ولو تركت الإحرام ظنّاً منها أنّه لا يجوز فعله للحائض أو المستحاضة أو النفساء ، أو نسياناً ، وجب عليها الرجوع إلى الميقات والإحرام منه إن تمكّنت ، وان لم تتمكّن أو ضاق الوقت عليها ، خرجت إلى خارج الحرم وأحرمت منه ، فإن لم تتمكّن ، أحرمت من موضعها ؛ لرواية معاوية بن عمّار - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم ، فقالوا : ما ندري هل عليك إحرام أم لا وأنت حائض ، فتركوها حتى دخلت [ الحرم ](٢) قال : « إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه ، وإن لم يكن عليها مهلة فلترجع ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها الحجّ فتحرم »(٣) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٨٨ / ١٣٥٥.

(٢) ما بين المعقوفين من المصدر.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٨٩ - ٣٩٠ / ١٣٦٢.


مسألة ٧٢٤ : نفقة الحجّ الواجب إن زادت عن نفقة الحضر ، كان الزائد على المرأة‌ لا على الزوج ؛ لأنّ أداء الحجّ واجب عليها ، وأمّا قدر نفقة الحضر فيجب على الزوج ، كالحضر ، سواء حجّت بإذن الزوج أو بغير إذنه ، لأنّها غير ناشز بالحجّ الواجب ، فلا تسقط نفقتها في الحضر. ولو كان الحجّ تطوّعا بإذنه فكذلك ، أمّا لو كان بغير إذنه ، فهي ناشز ، فلا نفقة لها ، لنشوزها.

ولو أفسدت الحجّ الواجب بأن مكّنت زوجها من وطئها مختارةً قبل الموقفين ، لزمها القضاء ، وكانت قدر نفقتها في الحضر واجبةً على الزوج في القضاء ، والزائد عليها في مالها. وكذا ما يلزمها من الكفّارة يجب عليها في مالها خاصّة.

مسألة ٧٢٥ : إذا حاضت المرأة بعد الإحرام قبل الطواف ، لم يكن لها أن تطوف إجماعاً‌ ؛ لأنّها ممنوعة من الدخول في المسجد ، بل تنتظر إلى وقت الوقوف ، فإن طهرت وتمكّنت من الطواف والسعي والتقصير وإنشاء إحرام الحجّ وإدراك عرفة ، صحّ لها التمتّع ، وإن لم تدرك ذلك وضاق الوقت ، بطلت متعتها ، وصارت حجّتها مفردة ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة(١) - لما رواه العامّة عن عائشة ، قالت : أهللنا بعمرة ، فقدمت مكّة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ( انقضي رأسك وامتشطي وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة ) قالت : ففعلت ذلك ، فلمـّا قضينا الحجّ أرسلني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم ، فاعتمرت معه ، فقال : ( هذه عمرة مكان عمرتك )(٢) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٥١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٨.

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٨٧٠ / ١١١ ، سنن النسائي ٥ : ١٦٦ ، المغني ٣ : ٥١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٨.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية ، قال : « تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة »(١) .

وقال باقي العامّة : تحرم بالحجّ مع عمرتها ، وتصير قارنةً تجمع بين الحجّ والعمرة(٢) . وقد سلف بطلانه.

واعلم أنّ كلّ متمتّع خشي فوات الحجّ باشتغاله بالعمرة يرفض عمرته ويبطلها ، وتصير حجّةً مفردة.

ولا يجب عليها تجديد إحرام ، بل تخرج بإحرامها ذلك إلى عرفات ، ولا يجب عليها الدم.

ولو حاضت في أثناء طواف المتعة ، فإن كان الحيض بعد طواف أربعة أشواط ، قطعَتْه ، وسعَتْ وقصَّرتْ ثم أحرمتْ بالحجّ ، وقد تمّت متعتها ، فإذا فرغت من المناسك وطهرت ، تمّمت طوافها ، وصلّت ركعتيه.

وإن كانت قد طافت أقلّ من أربعة أشواط ، كان حكمها حكم مَنْ لم يطف ؛ لأنّها مع طواف أربعة أشواط تكون قد طافت أكثر الأشواط ، وحكم معظم الشي‌ء حكم الشي‌ء غالباً.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « المتمتّعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم حاضت فمتعتها تامّة ، وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وتخرج إلى منى قبل أن تطوف الطواف الآخر »(٣) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٩٠ / ١٣٦٣.

(٢) المغني ٣ : ٥١٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٥٧ - ٢٥٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٣٩٣ / ١٣٧٠ ، الاستبصار ٢ : ٣١٣ / ١١١١.


وإذا طافت أقلّ من أربعة ، تركت السعي ؛ لأنّه تبع الطواف.

ولقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - في الطامث ، قال : « تقضي المناسك كلّها غير أنّها لا تطوف بين الصفا والمروة »(١) .

ولو حاضت بعد الطواف قبل الركعتين ، تركتهما وسعت وقضتهما بعد الطهارة.

ولو حاضت في إحرام الحجّ ، فإن كان قبل طواف الزيارة ، وجب عليها المقام حتى تطهر ثم تطوف وتسعى ، وإن كان بعده قبل طواف النساء ، فكذلك.

وإن كانت قد طافت من طواف النساء أربعة أشواط ، جاز لها الخروج من مكّة ، فإنّ في تخلّفها عن الحاجّ ضررا عظيما ، وقد طافت معظمه ، فجاز لها الخروج قبل الإكمال.

ولو فرغت المتمتّعة من عمرتها وخافت الحيض ، جاز لها تقديم طواف الحجّ ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي(٢) - لما روى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه سأله رجل ، فقال : أفضت قبل أن أرمي ، قال : ( ارم ولا حرج )(٣) .

ومن طريق الخاصّة : رواية يحيى الأزرق(٤) عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته عن امرأة تمتّعت بالعمرة إلى الحجّ ففرغت من طواف العمرة وخافت الطمث قبل يوم النحر ، يصلح لها أن تعجّل طوافها طواف الحجّ قبل أن تأتي منى؟ قال : « إذا خافت أن تضطرّ إلى ذلك‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٩٣ / ١٣٧٢ ، الاستبصار ٢ : ٣١٣ / ١١١٣.

(٢) لم نجده في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٩٤٩ - ٩٥٠ / ٣٣٣ ، سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٢ / ٧٢.

(٤) في المصدر : صفوان بن يحيى الأزرق.


فعلَتْ »(١) .

مسألة ٧٢٦ : العليلة كالرجل العليل يطاف بها‌ ، وتستلم مستحبّاً إن تمكّنت منه ، ولو تعذّر الطواف بها ، طيف عنها.

والمستحاضة تطوف بالبيت وتفعل ما تفعله الطاهر من الصلاة فيه والسعي وغيره إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. ويكره لها دخول الكعبة.

وإذا كانت عليلة لا تعقل وقت الإحرام ، أحرم عنها وليّها ، وجنّبها ما يجتنب المحرم.

قال الشيخرحمه‌الله : إذا أحرمت بالحجّ ثم طلّقها زوجها ووجبت عليها العدّة ، فإن ضاق الوقت وخافت فوت الحجّ إن أقامت ، خرجت وقضت حجّتها ثم تعود فتقضي باقي العدّة إن بقي عليها شي‌ء ، وإن كان الوقت متّسعاً أو كانت محرمة بعمرة ، فإنّها تقيم وتقضي عدّتها ثم تحجّ وتعتمر(٢) .

أمّا المتوفّى عنها زوجها : فإنّه يجوز لها أن تخرج في الحجّ مطلقاً ، لوجوب الحجّ على الفور على عامّة المكلّفين.

ولقول الصادقعليه‌السلام في المتوفّى عنها زوجها ، قال : « تحجّ وإن كانت في عدّتها »(٣) .

وقال أحمد : ليس لها أن تخرج في حجّة الإسلام ؛ لأنّ العدّة تفوت ، بخلاف الحجّ(٤) .

ونمنع عدم الفوات ؛ فإنّ الفورية في الحجّ واجبة ، وهي تفوت‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٣٩٨ / ١٣٨٤.

(٢) المبسوط - للطوسي - ٥ : ٢٥٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٠٢ / ١٤٠٠.

(٤) المغني ٣ : ١٩٦ و ٩ : ١٨٤ و ١٨٦ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧٧ و ١٦٩.


بالعدّة.

مسألة ٧٢٧ : العبد لا يجب عليه الحجّ‌ وإن أذن له مولاه فيه ، ولا يجزئه لو حجّ بإذنه إلّا أن يدركه العتق قبل فوات الموقفين ، وسواء كان قِنّاً أو مدبَّراً أو مكاتباً ، انعتق بعضه أو لا.

ولو هاياه مولاه على أيّام معيّنة تكون بقدر ما انعتق منه وأمكنه وقوع الحجّ فيها ، قال الشيخرحمه‌الله : لا يمتنع أن نقول : ينعقد إحرامه فيها ، ويصحّ حجّة بغير إذن سيّده(١) .

والزوجة الأمة لا يصحّ حجّها إلّا بإذن سيّدها وزوجها ، ولا يكفي إذن أحدهما. ولو أذنا معاً ، صحّ حجّها ولا يجزئها عن حجّة الإسلام إلّا أن يدركها العتق قبل الموقفين. ولو حجّت بغير إذن زوجها ، لم يجزئها عن حجّة الإسلام وإن اُعتقت قبل الموقفين.

مسألة ٧٢٨ : لو أحرم الصبي أو العبد بإذن مولاه ، صحّ إحرامهما.

ثمّ إن بلغ الصبي أو اُعتق العبد بعد فوات الموقفين ، مضيا على الإحرام ، وكان الحجّ تطوّعاً ، ولا يجزئ عن حجّة الإسلام ، ولو كملا قبل الموقفين ، تعيّن إحرام كلّ منهما بالفرض ، وأجزأه عن حجّة الإسلام. وبه قال الشافعي(٢) .

وقال أبو حنيفة : الصبي يحتاج إلى تجديد إحرام ؛ لأنّ إحرامه عنده‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٢٧.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٣ ، المجموع ٧ : ٥٧ - ٥٨ و ٦١ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٠٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٧٨ - ٣٧٩ ، المسألة ٢٢٦.


لا يصحّ ، والعبد يمضي على إحرامه تطوّعاً ، ولا ينقلب فرضاً(١) .

وقال مالك : الصبي والعبد معاً يمضيان في الحجّ ، ويكون تطوّعاً(٢) .

وإن كان البلوغ والعتق بعد الوقوف وقبل فوات وقته بأن يكملا قبل طلوع فجر النحر ، رجعا إلى عرفات والمشعر إن أمكنهما ، فإن لم يمكنهما ، رجعا إلى المشعر ووقفا وقد أجزأهما ، ولو لم يعودا ، لم يجزئهما عن حجّة الإسلام.

وقال الشافعي : إن لم يعودا إلى عرفات ، لم يجزئهما عن حجّة الإسلام(٣) .

وكلّ موضع قلنا : إنّه يجزئهما عن حجّة الإسلام ، فإنّه يلزمهما فيه الدم إن كانا متمتّعين ، وإلّا فلا.

وقال الشافعي : عليه(٤) دم(٥) .

وقال في موضع آخر : لا يبيّن لي أنّ عليهما شيئاً(٦) .

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٧٤ ، بدائع الصنائع ٢ : ١٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ١ : ١٣٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، المجموع ٧ : ٥٨ و ٦١ ، المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٧٩ ، المسألة ٢٢٦.

(٢) المدوّنة الكبرى ١ : ٣٨٠ - ٣٨١ ، التفريع ١ : ٣٥٣ ، المغني ٣ : ٢٠٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٨ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٧٩ ، المسألة ٢٦٦.

(٣) فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، المجموع ٧ : ٥٨ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٠٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٦ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٧٩ ، المسألة ٢٢٧.

(٤) كذا ، والظاهر : عليهما.

(٥) مختصر المزني : ٧٠ ، فتح العزيز ٧ : ٤٢٩ ، المجموع ٧ : ٥٩ ، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٨٠ ، المسألة ٢٢٨.

(٦) مختصر المزني : ٧٠ ، وحكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف ٢ : ٣٨٠ ، المسألة ٢٢٨.


والآية(١) تدلّ على وجوبه على المتمتّع ، وأصالة البراءة تدلّ على عدمه في حقّ غيره.

مسألة ٧٢٩ : الكافر يجب عليه الحجّ لكن لا يصحّ منه‌ إلّا إذا قدّم الإسلام ، فإن مات بعد إحرامه كافراً ، فلا حكم له.

وإن أسلم بعد فوات الوقوف ، لم يجب عليه الحجّ ؛ لأنّه أسلم بعد فوات وقته ، وما مضى في حال كفره معفوٌّ عنه.

وإن أسلم قبل الوقوف ، وجب عليه الحجّ ؛ لإمكانه ، ويتعيّن عليه في تلك السنة ؛ لوجوب الفوريّة ، خلافاً للشافعي(٢) .

ويجدّد إحراماً غير الأوّل ؛ لعدم الاعتداد به ، فإن لم يجدّده ، فإن تمكّن من الرجوع إلى الميقات والإحرام منه ، وجب ، وإلّا أحرم حيث أمكن ، ولا دم عليه ؛ لعدم الاعتداد بالإحرام الأوّل ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٣) ، خلافاً للشافعي ؛ قياساً على المسلم حيث جاوز الميقات مريداً للنسك وأحرم من دونه ولم يعد إليه ، فوجب الدم كالمسلم(٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه مرّ على الميقات وليس من أهل النسك.

مسألة ٧٣٠ : المخالف إذا حجّ ثم استبصر فإن لم يخلّ بشي‌ء من أركان الحجّ ، صحّ حجّه‌ وأجزأ عنه ، واستحبّ له إعادته ، وإن كان قد أخلّ ،

____________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) فتح العزيز ٧ : ٤٣٠ ، المجموع ٧ : ٦١ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٠١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٦ - ٢٤٧.

(٣) المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣ ، فتح العزيز ٧ : ٤٣٠ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٧.

(٤) فتح العزيز ٧ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٢ : ٤٠١ ، المجموع ٧ : ٦١ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٤٧ ، المغني ٣ : ٢٢٨ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢٣.


وجب عليه إعادة الحجّ ؛ لأنّه مسلم أتى بالأركان فأجزأ عنه ، كغيره من المسلمين ، ومع الإخلال لم يأت بالمأمور به على وجهه ، فيبقى في عهدة التكليف.

ولرواية بريد بن معاوية - الصحيحة - أنّه سأل الصادقَعليه‌السلام : عن رجل حجّ وهو لا يعرف هذا الأمر ثم مَنّ الله عليه بمعرفته والدينونة به أيجب عليه حجّة الإسلام أو قد قضى فريضته؟ فقال : « قد قضى فريضته ، ولو حجّ كان أحبّ إليَّ »(١) .

إذا عرفت هذا ، فغير الحجّ من العبادات إذا أوقعها على وجهها ، لا يجب عليه إعادتها ؛ للأصل ، إلّا الزكاة ؛ فإنّه إذا سلّمها إلى غير المؤمن ، وجب عليه إعادتها.

قال بريد بن معاوية العجلي - في الصحيح - : سألتُ الصادقَعليه‌السلام : عن رجل حجّ وهو لا يعرف هذا الأمر ثم مَنَّ الله عليه بمعرفته والدينونة به يجب عليه حجّة الإسلام أو قد قضى فريضته؟ فقال : « قد قضى فريضته ولو حجّ لكان أحبّ إليّ » قال : وسألته عن رجل حجّ وهو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب مستتر(٢) ثم منّ الله عليه فعرف هذا الأمر ، يقضي حجّة الإسلام؟ قال : « يقضي أحبّ إليّ » وقال : « كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم منّ الله عليه وعرّفه الولاية ، فإنّه يؤجر عليه إلاّ الزكاة ، فإنّه يعيدها ، لأنّه وضعها في غير مواضعها ، لأنّها لأهل الولاية ، وأمّا الصلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء »(٣) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٩ / ٢٣ ، الإستبصار ٢ : ١٤٥ / ٤٧٢.

(٢) في المصدر : متديّن ، بدل مستتر.

(٣) نفس المصدر.


مسألة ٧٣١ : السكران إذا شهد المناسك في حال سكره ، فإن لم يحصّل شيئاً ، لم يُجزئه ما فَعَله‌ ، ووجب عليه إعادة الحجّ ، وإن حصّل ما يفعله وفَعَله على وجهه ، صحّ حجّه.

والشيخ –رحمه‌الله - أطلق فقال : مَنْ شهد المناسك كلّها ورتّبها في مواضعها إلّا أنّه كان سكران ، فلا حجّ له ، وكان عليه إعادة الحجّ من قابل(١) .

وقد روى أبو علي بن راشد ، قال : كتبت إليه أسأله عن رجل مُحْرم سكر وشهد المناسك وهو سكران أيتمّ حجّه على سكره؟ فكتب « لا يتمّ حجّه »(٢) .

مسألة ٧٣٢ : واجد الاستطاعة المتمكّن من مباشرة الحجّ لا يجوز له أن يستأجر غيره في حجّة الإسلام‌ إجماعاً ، وكذا المنذور وشبهه.

وبالجملة كلّ حجّ واجب عليه إذا تمكّن من الإتيان به مباشرةً لا يجوز له الاستئجار فيه.

وأمّا التطوّع : فإن كان المستأجر لم يحج حجّة الإسلام ، فالأقرب أنّه يجوز له أن يستأجر غيره ليحجّ عنه تطوّعاً ؛ للأصل.

ومنع أحمد من ذلك ؛ لأنّ هذا التطوّع لا يجوز له فعْلُه بنفسه ، فنائبه أولى بالمنع(٣) .

والفرق : أنّ فِعْلَه مباشرةً يمنع من أداء الواجب ، بخلاف فعل النائب.

ولو كان الاستئجار يمنع من أداء الواجب بأن تقصر نفقته باعتبار دفع‌

____________________

(١) النهاية : ٢٧٤.

(٢) التهذيب ٥ : ٢٩٦ / ١٠٠٢.

(٣) المغني ٣ : ١٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١١.


مال الإجارة ، لم يجز له الاستئجار.

ولو لم يكن السرب مخلّى ، جاز له أن يستأجر مَنْ يحجّ عنه تطوّعاً ، سواء قصرت نفقته بمال الإجازة أم لا.

ولو كان قد حجّ حجّة الإسلام ثم عجز عن مباشرة حجّ التطوّع ، فإنّه يجوز له الاستنابة إجماعاً.

ولو كان قد أدّى حجّة الإسلام وهو متمكّن من مباشرة حجّ التطوّع ، فإنّه يجوز له أن يستنيب غيره ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة(١) - لأنّه حجّ غير واجب عليه ، فجاز له أن يستنيب فيه ، كالمعضوب.

وقال الشافعي : لا يجوز - وعن أحمد روايتان(٢) - لأنّه يقدر عليه بنفسه ، فلا يجوز له النيابة فيه ، كالفرض(٣) .

والفرق ظاهر.

أمّا لو كان عاجزاً عن التطوّع في هذا العام عجزاً يرجى زواله ، كالمحبوس ، فإنّه يجوز له أن يستنيب عندنا وعند الشافعي(٤) .

وفرق في هذه الصورة بينها وبين الفرض ؛ لأنّ الفرض عبادة العمر ، فلا يفوت بتأخيره عن هذا العام ، والتطوّع مشروع في كلّ عام ، فيفوت حجّ هذا العام بتأخيره.

مسألة ٧٣٣ : الصرورة إذا فقد الاستطاعة وتمكّن من الحجّ تطوّعاً ، جاز‌

____________________

(١) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٥٢ ، المغني ٣ : ١٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١١.

(٢) المغني ٣ : ١٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١١.

(٣) المغني ٣ : ١٨٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١٢.

(٤) لم نعثر على قول الشافعي في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا ، والقول بجواز الاستنابة مذهب بعض الحنابلة أيضاً. اُنظر : المغني ٣ : ١٨٥ - ١٨٦ ، والشرح الكبير ٣ : ٢١٢.


له ذلك ، ويقع عن التطوّع ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر(١) - لأنّه نوى التطوّع ولم ينو الفرض ، فلا يقع عن الفرض ؛ لقولهعليه‌السلام : ( إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لا مرى‌ء ما نوى )(٢) .

ولأنّها عبادة تنقسم إلى فرض ونفل ، فجاز إيقاع نفلها قبل فرضها ، كالصلاة. ولأنّه زمان لا يجب عليه الحجّ فرضاً ، فجاز إيقاع نفله فيه ، كما بعد الحجّ.

وقال الشافعي : يقع عن حجّة الإسلام - وبه قال ابن عمر وأنس ، وعن أحمد روايتان - لأنّه أحرم بالحجّ وعليه فرضه ، فوجب أن يقع عن فرضه ، كما لو كان مطلقاً(٣) .

ونمنع أنّ عليه فرضه ، والفرق أنّ النفل والفرض متنافيان ، فنيّة أحدهما [ لا تجامع ](٤) نيّة الآخر ولا فعله ؛ لوقوع النفل بحسب النيّة ، بخلاف المطلق الذي هو جزء الفرض ، فنيّته لا تنافي نيّة الفرض.

مسألة ٧٣٤ : لو نوى فاقد الاستطاعة حجّاً منذوراً عليه ، أجزأه عن النذر‌ عندنا ؛ لقولهعليه‌السلام : ( الأعمال بالنيّات )(٥) .

وقال الشافعي : يقع عن حجّة الإسلام(٦) .

____________________

(١) المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢.

(٢) سنن البيهقي ١ : ٢١٥.

(٣) مختصر المزني : ٦٢ ، الحاوي الكبير ٤ : ٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٠٧ ، المغني ٣ : ٢٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠٩.

(٤) ورد بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك‍ » والطبعة الحجرية : تنافي. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٥) صحيح البخاري ١ : ٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤١٣ / ٤٢٢٧ ، سنن البيهقي ١ : ٢١٥ و ٧ : ٣٤١.

(٦) لم نعثر عليه في مظانّه.


وكذا الخلاف لو مات وعليه حجّة الإسلام واُخرى منذورة ، فاستؤجر رجل ليحجّ عنه المنذورة ، فأحرم بها ، وقع عن النذر عندنا إذا استؤجر آخر ليحجّ حجّة الإسلام أو لم يمكن ذلك.

وقال الشافعي : يقع عن حجّة الإسلام(١) .

ولو كان عليه منذورة ، فأحرم بحجّة التطوّع ، قال الشافعي : يقع عن المنذورة(٢) .

والوجه : أنّ النذر إن تعلّق بزمان معيّن ، لم يجز إيقاع التطوّع فيه ، فإن أوقعه بنيّة التطوّع ، بطل ، ولم يجزىء عن المنذورة ؛ لعدم القصد ، وإن لم يتعلّق بزمان معيّن ، لم يقع عن المنذورة أيضا ؛ لعدم القصد ، ولا عن التطوّع ؛ لوجوب تقديم النذر.

مسألة ٧٣٥ : مَنْ حجَّ عن غيره وصل ثواب ذلك إليه ، وحصل للحاجّ ثواب عظيم أيضاً.

روى العامّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( إذا حجّ الرجل عن والدية تقبّل الله منه ومنهما ، واستبشرت أرواحهما في السماء ، وكتب عند الله برّاً )(٣) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ( مَنْ حجَّ عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً بُعِث يوم القيامة مع الأبرار)(٤) .

ومن طريق الخاصّة : رواية معاوية بن عمّار - الصحيحة - عن الصادقعليه‌السلام . قال : قلت له : إنّ أبي قد حجّ وإنّ والدتي قد حجّت وإنّ‌

____________________

(١و٢) لم نعثر عليه في مظانّه.

(٣) سنن الدار قطني ٢ : ٢٥٩ - ٢٦٠ / ١٠٩.

(٤) سنن الدار قطني ٢ : ٢٦٠ / ١١٠.


أخويَّ قد حجّا وقد أردت أن اُدخلهم في حجّتي ، فإنّي قد أحببت أن يكونوا معي ، فقال : « اجعلهم معك ، فإنّ الله عزّ وجلّ جاعل لهم حجّاً ولك حجّاً ، ولك أجراً بصلتك إيّاهم » وقالعليه‌السلام : « يدخل على الميّت في قبره الصلاة والصوم والحجّ والصدقة والعتق »(١) .

والأخبار في ذلك كثيرة.

ولو كان الحجّ واجباً على أحدهما خاصّة ، كان الأفضل الإتيان بالواجب عمّن وجب عليه ؛ لأنّ فيه إبراءَ الذمّة ، وتخليصاً من العذاب. ولو لم يجب على أحدهما ، قيل : ينبغي أن يبدأ بالحجّ عن الاُمّ(٢) ؛ لما رواه أبو هريرة أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : مَنْ أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال : ( اُمّك ) قال : ثم مَنْ؟ قال : ( اُمّك ) قال : ثم مَنْ؟ قال : ( اُمّك ) قال : ثم مَنْ؟ قال : ( أبوك )(٣) .

مسألة ٧٣٦ : مَنْ وجب عليه الحجّ وفرّط في أدائه مع قدرته ثم عجز من أدائه بنفسه أو بنائبه إن قلنا بوجوب الاستنابة ، وجب عليه أن يوصي به‌ ؛ لأنّه حقّ واجب ودَيْنٌ ثابت ، فتجب الوصيّة به ، كغيره من الديون.

قال الله تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ) (٤) .

ولو لم يوص ، وجب على ورثته أن يُخْرجوا من صلب تركته ما يُحجّ به عنه - ولو كان له مال وديعة عند غيره وعلم المستودع وجوب الحجّ في‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٧٩ / ١٣٦٩.

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ : ٢٠٠.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ٢ ، صحيح مسلم ٤ : ١٩٧٤ / ٢٥٤٨.

(٤) البقرة : ١٨٠.


ذمّته وعدم قيام الورثة به ، وجب عليه إخراج ما يحجّ به عنه ، ويدفع الفاضل إلى الورثة - لأنّه دَيْنٌ عليه ، فلا يسقط عن ذمّته بموته ، ولا يترك الوصيّة به.

وما رواه العامّة من خبر الخثعميّة(١) .

ومن طريق الخاصّة : رواية سماعة بن مهران عن الصادقعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يموت ولم يحج حجّة الإسلام ولم يوص بها وهو موسر ، فقال : « يُحجّ عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك »(٢) .

وقال أبو حنيفة : يسقط الحجّ بوفاته ، بمعنى أنّه لا يفعل عنه بعد وفاته ، وحسابه على الله تعالى يلقاه والحجّ في ذمّته ، أمّا لو أوصى ، اُخرج من الثلث ، ويكون تطوّعاً لا يسقط به الفرض.

وكذا يقول في الزكوات والكفّارات وجزاء الصيد كلّ ذلك يسقط بوفاته ، فلا يفعل عنه بوجه(٣) .

إذا عرفت هذا ، فلو لم يُوص بحجّة الإسلام مع وجوبها عليه ، استؤجر من تركته على ما قلناه ، فإن لم يخلّف شيئاً ، استحبّ للورثة قضاؤها عنه.

وكذا لو خلّف مالاً وتبرّع بعض الورثة أو أجنبي بقضائها عنه ، برئت ذمّة الميّت.

ولو لم يكن عليه حجّ واجب ، فأوصى أن يحجّ عنه تطوّعاً ، صحّت‌

____________________

(١) سنن النسائي ٥ : ١١٨.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٠٤ / ١٤٠٦.

(٣) تحفة الفقهاء ١ : ٤٢٦ - ٤٢٧ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ٢٢٨ ، بدائع الصنائع ٢ : ٢٢١ ، فتح العزيز ٧ : ٤٤ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٦ ، المغني ٣ : ١٩٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩٦.


الوصيّة ، واُخرجت من الثلث ، عند علمائنا ؛ لأنّها عبادة تصحّ الوصيّة بواجبها فتصحّ بمندوبها.

وللشافعي قولان : هذا أحدهما ، والثاني : بطلان الوصيّة(١) .

مسألة ٧٣٧ : لو أوصى أن يحجّ عنه ولم يعيّن المرّات ، قال الشيخرحمه‌الله : وجب أن يحجّ عنه ما بقي من ثلثه شي‌ء(٢) .

والأقرب أن يقال : إن علم منه قصد التكرار ، فالحقّ ما قاله الشيخ ، وإلّا اكتفي بالمرّة الواحدة ؛ لأصالة براءة الذمّة ، ولعدم اقتضاء الأمر التكرارَ.

احتجّ الشيخ : بما رواه محمد بن الحسين بن أبي خالد ، قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام : عن رجل أوصى أن يحجّ عنه ، مبهماً ، قال : « يحجّ عنه ما بقي من ثلثه شي‌ء »(٣) .

وهو محمول على ما إذا عُلم منه قصد التكرار ، أو نقول : تقديره : يحجّ عنه بحسب الوصيّة إمّا مرّة واحدة أو أكثر إذا بقي من ثلثه شي‌ء يفي بالحجّة الواحدة أو الأزيد ؛ إذا الوصية تُحمل على الثلث.

مسألة ٧٣٨ : النذر واليمين والعهد أسباب في وجوب الحجّ والعمرة‌ إذا تعلّقت بهما مع الشرائط السابقة بلا خلاف.

قال الله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٤) وقال الله تعالى( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (٥) .

وإذا نذر الحجّ في سنة معيّنة فأهمل مع قدرته ، كفّر وقضى ، ومع‌

____________________

(١) الاُم ٢ : ١٢٢ ، الوجيز ١ : ٢٧٨ ، الحاوي الكبير ٤ : ١٧ ، حلية العلماء ٦ : ٨٧.

(٢) النهاية : ٢٨٤.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٠٨ / ١٤٢٠ ، الاستبصار ٢ : ٣١٩ / ١١٢٩.

(٤) المائدة : ١.

(٥) الإنسان : ٧.


عدم المكنة يقضي ولا كفّارة.

ولو نذر المشي فيها فأخلّ بالصفة مع القدرة ، كفّر وقضى ماشياً ، ومع العجز لا قضاء ولا كفّارة.

قال الشيخرحمه‌الله : إذا ركب مع العجز ، ساق بدنةً ؛ كفّارةً لركوبه(١) - وهو أحد قولي الشافعي ، وإحدى الروايتين عن أحمد(٢) - لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز أن يمشي ، قال : « فليركب وليسق بدنة ، فإنّ ذلك يجزىء عنه إذا عرف الله منه الجهد »(٣) .

وهو محمول على الاستحباب ؛ لقول الباقرعليه‌السلام : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر اُخت عقبة بن عامر بالركوب »(٤) ولم يوجب عليها شيئاً ، ولو كان واجباً لبيّنه.

مسألة ٧٣٩ : لو نذر الحجّ ، لم تجب العمرة. وكذا لو نذر العمرة ، لم يجب الحجّ ؛ لأصالة البراءة ، أمّا لو نذر حجّ التمتّع ، فإنّه يجب عليه الحجّ وعمرة التمتّع.

____________________

(١) النهاية : ٢٠٥ ، المبسوط - للطوسي - ١ : ٣٠٣.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٥٣ ، المجموع ٨ : ٤٩٢ ، حلية العلماء ٣ : ٣٩٨ ، المغني ١١ : ٣٤٦ - ٣٤٧ ، الشرح الكبير ١١ : ٣٦٠ - ٣٦١.

(٣) التهذيب ٥ : ١٣ / ٣٦ ، الاستبصار ٢ : ١٤٩ / ٤٨٩.

(٤) الاستبصار ٢ : ١٥٠ / ٤٩١ ، وفي التهذيب ٥ : ١٣ - ١٤ / ٣٧ عن الإمام الصادقعليه‌السلام .


الفصل الثالث

في العمرة‌

مسألة ٧٤٠ : العمرة واجبة - كالحجّ - على كلّ مكلّف حصل له شرائط الحجّ ، بأصل الشرع مرّة واحدة في العمر ، كما سبق(١) .

وتجزىء عمرة التمتّع عن المفردة إجماعاً.

قال الصادقعليه‌السلام : « إذا تمتّع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة »(٢) .

وسأل أحمدُ بن محمد بن أبي نصر ، الرضاعليه‌السلام : عن العمرة أواجبة هي؟ قال : « نعم » قلت : فمن تمتّع يجزئ عنه؟ قال : « نعم »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإذا أحرم الإنسان بعمرة مفردة في غير أشهر الحجّ ، لم يجز له أن يتمتّع بها إلى الحجّ ، فإن أراد التمتّع ، اعتمر عمرة اُخرى في أشهر الحجّ.

وإن دخل مكّة بعمرة مفردة في أشهر الحجّ ، جاز له أن ينقلها إلى عمرة التمتّع ، ويقيم حتى يحجّ ، بل هو الأفضل. وإن لم ينقلها إلى التمتّع وأتمّها مفردةً ، جاز له أن يخرج إلى أهله من غير حجّ إذا لم يكن الحجّ واجباً عليه ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا بأس بالعمرة المفردة‌

____________________

(١) سبق في ج ٧ ص ١٥ ، المسألة ٦.

(٢) الكافي ٤ : ٥٣٣ ( باب ما يجزىء من العمرة المفروضة ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٤٣٣ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٥ / ١١٥٠.

(٣) الكافي ٤ : ٥٣٣ ( باب ما يجزىء من ) الحديث ٢ ، التهذيب ٥ : ٤٣٤ / ١٥٠٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٥ - ٣٢٦ / ١١٥٣.


في أشهر الحجّ ثم يرجع إلى أهله »(١) .

أمّا لو اعتمر للتمتّع ، فإنّه يجب عليه الإتيان بالحجّ ؛ لدخولها فيه.

مسألة ٧٤١ : جميع أوقات السنة صالح للمفردة ، لكن أفضل أوقاتها رجب.

وهي تلي الحجّ في الفضل ؛ لأنّ معاوية بن عمّار روى - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام : أيّ العمرة أفضل؟ عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟ فقال : « لا ، بل عمرة في رجب أفضل »(٢) .

وتدرك فضيلة العمرة في رجب بإدراك إحرامها في آخر أيّامه ، لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا أحرمت وعليك من رجب يوم وليلة فعمرتك رجبيّة »(٣) .

ولا تكره العمرة في شي‌ء من أوقات السنة ؛ لما رواه العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ( عمرة في شهر رمضان تعدل حجّة )(٤) .

وروي عنه أنّه اعتمر في شوّال وفي ذي القعدة(٥) .

واعتمرت عائشة من التنعيم ليلة المحصّب(٦) ، وهي الليلة التي يرجعون فيها من منى إلى مكّة.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٣٤ ( باب العمرة المبتولة في ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٤٣٦ / ١٥١٥ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٧ / ١١٥٩.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٧٦ / ١٣٤٧.

(٣) الفقيه ٢ : ٢٧٦ / ١٣٤٩.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٩٦ / ٢٩٩١ - ٢٩٩٥ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٧٦ / ٩٣٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٤٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٥٢ ، مسند أحمد ٣ : ٣٥٢ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١١ : ١٤٢ / ١٢٩٩ و ١٧٦ / ١١٤١٠.

(٥) سنن أبي داود ٢ : ٢٠٥ / ١٩٩١ ، دلائل النبوّة - للبيهقي - ٥ : ٤٥٥.

(٦) كما في فتح العزيز ٧ : ٧٦.


ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « السنة اثنا عشر شهراً ، لكلّ شهر عمرة »(١) .

وبهذا قال الشافعي وأحمد(٢) .

وقال أبو حنيفة : تكره في خمسة أيّام : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيّام التشريق ؛ لقول عائشة : السنة كلّها وقت للعمرة إلّا خمسة أيّام : يوم عرفة ويوم النحر وأيّام التشريق(٣) .

ولأنّها عبادة غير موقّتة ، فانقسم وقتها إلى مكروه وغيره ، كصلاة التطوّع.

والحديث محمول على ما إذا كان متلبّساً بإحرام الحجّ.

والفرق : أنّ صلاة التطوّع كان فيها ما هو موقّت ، بخلاف العمرة ، على أنّ اعتبار العمرة بالطواف المجرّد أولى من اعتباره بالصلاة.

وقال أبو يوسف : تكره في أربعة أيّام : يوم النحر وأيّام التشريق(٤) .

مسألة ٧٤٢ : واختلف علماؤنا في أقلّ ما يكون بين العمرتين.

فقال بعضهم(٥) : لا قدر له ، بل يجوز في كلّ يوم ؛ لأنّها عبادة مكرّرة‌

____________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٧٨ / ١٣٦٢.

(٢) الوجيز ١ : ١١٣ ، فتح العزيز ٧ : ٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣٠ ، المجموع ٧ : ١٤٨ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٢ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٠ ، المحرّر في الفقه ١ : ٢٣٦ ، التمهيد ٢٠ : ٢٠.

(٣) بدائع الصنائع ٢ : ٢٢٧ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٩٢ ، المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٧٦ ، التمهيد ٢٠ : ١٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٣ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣٠.

(٤) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ١٧٨ ، فتاوى قاضيخان ١ : ٣٠١ ، حلية العلماء ٣ : ٢٥٣ ، التمهيد ٢٠ : ١٩ ، وعنه في الخلاف - للطوسي - ٢ : ٢٦٠ ، المسألة ٢٥.

(٥) كابن إدريس في السرائر : ١٢٧.


غير مختصّة بوقت ، فلا قدر لما بينهما ، كالصلاة.

ولما رواه العامّة عن عائشة أنّها اعتمرت في شهرٍ مرّتين بأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عمرةً مع قرانها ، وعمرة بعد حجّها(١) .

وقالعليه‌السلام : ( العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما )(٢) .

وقال بعضهم(٣) : يستحبّ في كلّ شهر عمرة واحدة. وبه قال عليعليه‌السلام وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاوُس وعكرمة والشافعي وأحمد(٤) ؛ لما رواه العامّة عن عليعليه‌السلام قال : « في كلّ شهر مرّة »(٥) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « كان عليعليه‌السلام يقول : لكلّ شهر عمرة »(٦) .

وكره العمرةَ في السنة مرّتين الحسنُ البصري وابنُ سيرين ومالك والنخعي ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يفعله(٧) .

ولقول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا تكون عمرتان في سنة »(٨) .

____________________

(١) الاُم ٢ : ١٣٥ ، المغني ٣ : ١٧٨.

(٢) الموطّأ ١ : ٣٤٦ / ٦٥ ، صحيح البخاري ٣ : ٢ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٨٣ / ١٣٤٩ ، سنن النسائي ٥ : ١١٥ ، المغني ٣ : ١٧٨.

(٣) كالقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٢١١.

(٤) المغني ٣ : ١٧٨ ، فتح العزيز ٧ : ٧٦ ، الحاوي الكبير ٤ : ٣١.

(٥) المغني ٣ : ١٧٨.

(٦) الكافي ٤ : ٥٣٤ ( باب العمرة المبتولة ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٤٣٥ / ١٥٠٩ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٦ / ١١٥٤.

(٧) المغني ٣ : ١٧٨ ، المجموع ٧ : ١٤٩ ، التفريع ١ : ٣٥٢ ، بداية المجتهد ١ : ٣٢٦ ، التمهيد ٢٠ : ١٩.

(٨) التهذيب ٥ : ٤٣٥ / ١٥١٢ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٦ / ١١٥٧.


وعدم الفعل لا يدلّ على الكراهة ، خصوصاً مع نقلهم عن عائشة أمرهعليه‌السلام به(١) .

وقد روى ابن بابويه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اعتمر ثلاث عُمَرٍ متفرّقات كلّها في ذي القعدة(٢) .

وحديث الباقرعليه‌السلام محمول على عمرة التمتّع.

إذا عرفت هذا ، فيستحبّ أن يعتمر في كلّ عشرة أيّام عمرة مع التمكّن - وبه قال عطاء وأحمد(٣) - لأنّها زيارة البيت ، فاستحبّ تكرارها في الشهر الواحد.

ولأنّ علي بن أبي حمزة سأل أبا الحسنعليه‌السلام : عن رجل يدخل مكّة في السنة المرّة والمرّتين والأربع كيف يصنع؟ قال : « إذا دخل فليدخل مُلبّياً ، وإذا خرج فليخرج مُحلّاً » قال : « ولكلّ شهر عمرة » فقلت : تكون أقلّ؟ فقال : « تكون لكلّ عشرة أيّام عمرة »(٤) .

مسألة ٧٤٣ : ميقات العمرة هو ميقات الحجّ‌ إن كان خارجاً من المواقيت إذا قصد مكّة ، أمّا أهل مكّة أو مَنْ فرغ من الحجّ ثم أراد الاعتمار ، فإنّه يخرج إلى أدنى الحِلّ.

وينبغي أن يكون من أحد المواقيت التي وقّتها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله للعمرة المبتولة ، وهي ثلاثة : التنعيم : والحديبيّة ، والجِعِرّانة.

روى ابن بابويه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اعتمر ثلاث عُمَرٍ متفرّقات كلّها في‌

____________________

(١) المغني ٣ : ١٧٨.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٧٥ / ١٣٤١.

(٣) المغني ٣ : ١٧٨ ،

(٤) الكافي ٤ : ٥٣٤ / ٣ ، التهذيب ٥ : ٤٣٤ - ٤٣٥ / ١٥٠٨ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٦ - ٣٢٧ / ١١٥٨.


ذي القعدة : عمرة أهلّ بها من عُسْفان ، وهي عمرة الحديبيّة ، وعمرة القضاء أحرم بها من الجُحْفة ، وعمرة أهلّ فيها من الجِعِرّانة ، وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين(١) (٢) .

مسألة ٧٤٤ : صورة العمرة المفردة أن يُحرم من الميقات‌ الذي يسوغ له الإحرام منه ثم يدخل مكّة فيطوف ثم يصلّي ركعتيه ثم يسعى بين الصفا والمروة ثم يقصّر أو يحلق ثم يطوف طواف النساء ثم يصلّي ركعتيه وقد أحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه.

وهكذا عمرة التمتّع إلّا أنّه لا يطوف للنساء فيها ولا يصلّي ركعتيه ، بل يحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه عند التقصير.

وشرائط وجوب العمرة المفردة هي شرائط وجوب الحجّ.

وتجب في العمر مرّةً بأصل الشرع ، وقد تجب باليمين والنذر والعهد والاستئجار والإفساد والفوات والدخول إلى مكّة مع انتفاء العذر وعدم تكرار الدخول. ويتكرّر وجوبها بتكرّر السبب.

والفرق بينها وبين المتمتّع بها : أنّ المتمتّع بها إنّما تجب على مَنْ ليس من حاضري المسجد الحرام ، ولا يصحّ فعلها ولا الإحرام بها إلّا في أشهر الحجّ ، ويلزم فيها التقصير ، ولا يجوز الحلق ، فإن حلق رأسه ، لزمه دم ، ولا يجب فيها طواف النساء. والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام ، وتصحّ في جميع أيّام السنة ، ويجب فيها طواف النساء ، ويجوز فيها الحلق ، وتسقط المفردة مع الإتيان بعمرة التمتّع.

____________________

(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : خيبر. والصحيح ما أثبتناه من المصدر. وانظر : المغازي - للواقدي - ٣ : ٩٥٨ - ٩٥٩.

(٢) الفقيه ٢ : ٢٧٥ / ١٣٤١.


ولو أحرم بالمفردة ودخل مكّة ، جاز أن ينوي التمتّع ، ويلزمه دمه إذا كان في أشهر الحجّ ، ولو كان في غير أشهره ، لم يجز.

ولو دخل مكّة متمتّعاً ، لم يجز له الخروج حتى يأتي بالحجّ ؛ لأنّه مرتبط به. نعم لو خرج بحيث لا يحتاج إلى استئناف إحرام ، جاز. ولو خرج فاستأنف عمرةً ، تمتّع بالأخيرة.

والحلق في المفردة أفضل من التقصير ، فإذا فعل أحدهما ، أحلّ من كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا النساء ، فإذا طاف طواف النساء ، حللن له.

وطواف النساء واجب في العمرة المفردة على كلّ حاجّ من ذكر أو اُنثى أو خنثى أو خصيّ أو صبيّ.

ولا يجب في المفردة هدي ، فلو ساق هدياً ، نحره - قبل أن يحلق - بفناء الكعبة بالموضع المعروف بالحزورة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « مَنْ ساق هدياً في عمرة فلينحره قبل أن يحلق » قال : « ومَنْ ساق هدياً وهو معتمر نحر هديه عند المنحر وهو بين الصفا والمروة ، وهي الحزورة »(١) .

ولو جامع قبل السعي ، فسدت عمرته ، ووجب عليه قضاؤها والكفّارة ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في الرجل يعتمر عمرة مفردة ثم يطوف بالبيت طواف الفريضة ثم يغشى امرأته قبل أن يسعى بين الصفا والمروة ، قال : « قد أفسد عمرته وعليه بدنة ، ويقيم بمكّة حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه ، ثم يخرج إلى الميقات الذي وقّته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهله فيُحْرم منه ويعتمر »(٢) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٣٩ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢٧٥ / ١٣٤٣.

(٢) الكافي ٤ : ٥٣٨ - ٥٣٩ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٢٧٥ / ١٣٤٤ ، التهذيب ٥ : ٣٢٣ - ٣٢٤ / ١١١١ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.


ولا يجوز لمن وجب عليه العمرة أن يعتمر عن غيره ، كالحجّ ، وينبغي إذا أحرم المعتمر أن يذكر في دعائه أنّه مُحْرمٌ بالعمرة المفردة ، فإذا دخل الحرم ، قطع التلبية.

* * *


الفصل الرابع

في التوابع والمزار‌

وفيه بحثان :

الأوّل : في التوابع.

مسألة ٧٤٥ : مَنْ أحدث حدثاً في غير الحرم فالتجأ إلى الحرم ، ضُيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج ، فيقام عليه الحدّ ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (١) .

ولو أحدث في الحرم ، قوبل بالجناية فيه ، لأنّه هتك حرمته ، فيقابل بفعله.

ولما رواه معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : قلت له : رجل قتل رجلاً في الحلّ ثم دخل الحرم ، قال : « لا يقتل ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يبايع ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم فيؤخذ فيقام عليه الحدّ » قال : قلت : فرجل قتل رجلاً في الحرم وسرق في الحرم ، فقال : « يقام عليه الحدّ وصغارٌ له ، لأنّه لم ير للحرم حرمةً ، وقد قال الله عزّ وجلّ :( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) (٢) يعني في الحرم ، وقال :( فَلا عُدْوانَ إِلّا عَلَى الظّالِمِينَ ) (٣) »(٤) .

____________________

(١) آل عمران : ٩٧.

(٢) البقرة : ١٩٤.

(٣) البقرة : ١٩٣.

(٤) التهذيب ٥ : ٤١٩ - ٤٢٠ / ١٤٥٦ ، وفي الكافي ٤ : ٢٢٧ - ٢٢٨ / ٤ بتفاوت.


وفي الصحيح عن الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام : عن قول الله عزّ وجلّ :( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) (١) فقال : « كلّ الظلم فيه إلحاد حتى لو ضربت خادمك ظلماً خشيتُ أن يكون إلحاداً ، فلذلك كان الفقهاء يكرهون سكنى مكّة »(٢) .

مسألة ٧٤٦ : يكره لأهل مكّة منع الحاجّ شيئاً من دُورها ومنازلها‌ ؛ لما رُوي عن الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - أنّه ذكر هذه الآية :( سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ) (٣) فقال : « كانت مكّة ليس على شي‌ء منها باب ، وكان أوّل مَنْ علق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان ، وليس ينبغي لأحد أن يمنع الحاجّ شيئاً من الدُّور ومنازلها »(٤) .

ويكره أن يرفع أحدٌ بناءً فوق الكعبة احتراماً للبيت.

قال الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة »(٥) .

مسألة ٧٤٧ : لا يجوز أخذ لقطة الحرم‌ ، فإن أخذها ، عرّفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، دفعها إليه ، وإلّا تخيّر بين الحفظ لصاحبها دائماً كما يحفظ الوديعة وبين الصدقة بها عن صاحبها بشرط الضمان إن لم يرض صاحبها بالصدقة ؛ لأنّ الفضيل بن يسار سأل الباقرَعليه‌السلام : عن لقطة الحرم ، فقال : « لا تمسّ أبداً حتى يجي‌ء صاحبها فيأخذها » قلت : فإن كان ( مالاً كثيراً؟)(٦)

____________________

(١) الحجّ : ٢٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٢٠ / ١٤٥٧.

(٣) الحجّ : ٢٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٢٠ / ١٤٥٨.

(٥) الكافي ٤ : ٢٣٠ ( باب كراهية المقام بمكّة ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٤٦٣ / ١٦١٦.

(٦) ورد بدل ما بين القوسين في « ق ، ك‍ » والطبعة الحجرية : له مال كثير. والمثبت من المصدر.


قال : « فإن لم يأخذها إلّا مثلك فليعرّفها »(١) .

وسأل عليُّ بن أبي حمزة العبدَ الصالحعليه‌السلام : عن رجل وجد ديناراً في الحرم فأخذه ، قال : « بئس ما صنع ، ما كان ينبغي له أن يأخذه » قلت : ابتلي بذلك ، قال : « يعرّفه » قلت : فإنّه قد عرّفه فلم يجد له باغياً ، قال : « يرجع به إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين ، فإن جاء طالبه فهو له ضامن »(٢) .

ولأنّ الصدقة تصرّفٌ في مال الغير بغير إذنه ، فيكون ضامناً له.

وللشيخ –رحمه‌الله - قول آخر(٣) : إنّه لا يضمن مع الصدقة(٤) .

وأمّا لقطة غير الحرم : فإنّها تُعرَّف سنة ، فإن جاء صاحبها ، أخذها ، وإلّا فهي كسبيل ماله؛ لأنّ يعقوب بن شعيب سأل الصادقَعليه‌السلام : عن اللقطة ونحن يومئذٍ بمنى ، فقال : « أمّا بأرضنا هذه فلا يصلح ، وأمّا عندكم فإنّ صاحبها الذي يجدها يعرّفها سنة في كلّ مجمع ثم هي كسبيل ماله »(٥) .

مسألة ٧٤٨ : يكره الحجّ والعمرة على الإبل الجلّالات ، وهي التي تغتذي بعذرة الإنسان خاصّةً ؛ لأنّها محرَّمة ، فكره الحجّ عليها.

ولقول الباقرعليه‌السلام : « إنّ عليّاًعليه‌السلام كان يكره الحجّ والعمرة على الإبل الجلّالات »(٦) .

وتكره الصلاة في أربعة مواطن في طريق مكّة : البيداء وذات‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٢١ / ١٤٦١.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٢١ / ١٤٦٢.

(٣) كذا ، حيث لم يُسبق للشيخ الطوسي -رحمه‌الله - قول.

(٤) النهاية : ٣٢٠.

(٥) التهذيب ٥ : ٤٢١ / ١٤٦٣.

(٦) التهذيب ٥ : ٤٣٩ / ١٥٢٥.


الصلاصل وضجنان ووادي الشقرة.

قال الصادقعليه‌السلام : « اعلم أنّه تكره الصلاة في ثلاثة أمكنة من الطريق : البيداء ، وهي : ذات الجيش ، وذات الصلاصل ، وضجنان » قال : « ولا بأس أن يصلّى بين الظواهر ، وهي الجوادّ جوادّ الطريق ، ويكره أن يصلّى في الجواد »(١) .

مسألة ٧٤٩ : يستحبّ أن يبدأ الحاجّ على طريق العراق بزيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ‌وسلمبالمدينة‌ حذرا من العائق.

وسأل العيصُ بن القاسم الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن الحاجّ من الكوفة يبدأ بالمدينة أفضل أو بمكّة؟ قال : « بالمدينة »(٢) .

إذا عرفت هذا ، فلو ترك الناسُ الحجَّ ، أجبرهم الإمام عليه ؛ لوجوبه.

ولو تركوا زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال الشيخرحمه‌الله : يُجبرهم الإمام عليها(٣) .

ومنعه بعض(٤) علمائنا ؛ لأنّها مستحبّة ، فلا يجب إجبارهم عليها.

والوجه : ما قاله الشيخ ، لما فيه من الجفاء المحرّم.

مسألة ٧٥٠ : يستحبّ للمسافر الإتمام في حرم مكّة وحرم المدينة وجامع الكوفة والحائر على ساكنه السلام‌ وإن لم يَنْو المقام عشرة أيّام ؛ لأنّ عبد الرحمن بن الحجّاج سأل الصادقَعليه‌السلام - في الصحيح - عن التمام بمكّة والمدينة ، قال : « أتمَّ وإن لم تصلّ فيهما إلّا صلاة واحدة »(٥) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن :

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٢٥ / ١٤٧٥.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٣٩ / ١٥٢٦ ، الاستبصار ٢ : ٣٢٨ / ١١٦٥.

(٣) النهاية : ٢٨٥.

(٤) ابن إدريس في السرائر : ١٥٣.

(٥) التهذيب ٥ : ٤٢٦ / ١٤٨١ ، الاستبصار ٢ : ٣٣١ / ١١٧٧.


حرم الله ، وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين وحرم الحسينعليهم‌السلام »(١) .

مسألة ٧٥١ : مَنْ جعل جاريته أو عبده هدياً لبيت الله تعالى ، بِيع وصُرف في الحاجّ والزائرين ؛ لأنّ عليَّ بن جعفر سأل الكاظمَعليه‌السلام : عن رجل جعل جاريته هدياً للكعبة ، قال « مُرْ منادياً يقوم على الحجر فينادي ألا مَنْ قصرتْ نفقته أو قُطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان ، وأمره أن يعطي أوّلاً فأوّلاً حتى ينفد ثمن الجارية »(٢) .

ويستحبّ لمن انصرف من الحجّ العزمُ على العود ، وسؤال الله تعالى ذلك ، لأنّه من الطاعات الجليلة ، فالعزم عليها طاعة.

ويكره ترك العزم.

روى محمد بن أبي حمزة رَفَعَه ، قال : « مَنْ خرج من مكّة وهو لا يريد العود إليها فقد قرب أجله ودنا عذابه »(٣) .

ويستحبّ الدعاء للقادم من مكّة بالمنقول.

وينبغي للحاجّ انتظار الحائض حتى تقضي مناسكها.

قال الكاظمعليه‌السلام : « أميران وليسا بأميرين : صاحب الجنازة ليس لمن يتبعها أن يرجع حتى يأذن له ، وامرأة حجّت مع قوم فاعتلّت بالحيض ، فليس لهم أن يرجعوا ويَدَعُوها حتى تأذن لهم»(٤) .

مسائل :

[ ٧٥٢ ] الاُولى : الطواف للمجاور بمكّة أفضل من الصلاة‌ ما لم يجاور‌

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٣٠ / ١٤٩٤ ، الاستبصار ٢ : ٣٣٤ - ٣٣٥ / ١١٩١.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٤٠ / ١٥٢٩.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٤٤ / ١٥٤٥.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٤٤ / ١٥٤٨.


ثلاث سنين ، فإن جاورها أو كان من أهل مكّة ، كانت الصلاة أفضل ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « إذا أقام الرجل بمكّة سنة فالطواف أفضل ، وإذا أقام سنتين خلط من هذا وهذا ، فإذا أقام ثلاث سنين فالصلاة أفضل »(١) .

[ ٧٥٣ ] الثانية : ينبغي لأهل مكّة أن يتشبّهوا بالمـُحْرمين‌ في ترك لُبْس المخيط ؛ لأنّه شعار المسلمين في ذلك الوقت والمكان.

ولقول الصادقعليه‌السلام : « لا ينبغي لأهل مكّة أن يلبسوا القميص وأن يتشبّهوا(٢) بالمـُحْرمين شَعَثاً غُبْراً » وقال : « ينبغي للسلطان أن يأخذهم بذلك »(٣) .

[ ٧٥٤ ] الثالثة : الأيّام المعدودات : عشر ذي الحجّة ، والمعلومات : أيّام التشريق.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « قال أبي : قال عليعليه‌السلام : اذكروا الله في أيّام معدودات ، قال : عشر ذي الحجّة ، وأيّام معلومات ، قال : أيّام التشريق »(٤) .

[ ٧٥٥ ] الرابعة : يستحبّ للنساء دخول الكعبة ، وليس متأكّداً ، كما في الرجال ؛ لأنّ الصادقعليه‌السلام سُئل - في الصحيح - عن دخول النساء الكعبة ، فقال : « ليس عليهنّ ، فإن فعلن فهو أفضل »(٥) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٤٧ / ١٥٥٦.

(٢) كذا ، وقال المجلسي -رحمه‌الله - في ملاذ الأخيار ٨ : ٤٧٩ - ٤٨٠ : قال الفاضل التستريرحمه‌الله : كأنّ المراد ينبغي أن يتشبّهوا. انتهى. ويمكن تقدير « عليهم » ، إذ ظاهر آخر الخبر الوجوب. انتهى.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٤٧ / ١٥٥٧.

(٤) في التهذيب ٥ : ٤٤٧ / ١٥٥٨ هكذا : « قال عليعليه‌السلام : اذكروا الله في أيّام معلومات وأيّام معدودات » وفي النهاية - للشيخ الطوسي - : ٢٨٦ كما في المتن ، فلاحظ.

(٥) التهذيب ٥ : ٤٤٨ / ١٥٦١.


[ ٧٥٦ ] الخامسة : يكره المجاورة بمكّة ، ويستحبّ الخروج منها بعد أداء المناسك ، لقول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « لا ينبغي للرجل أن يقيم بمكّة سنة » قلت : كيف يصنع؟ قال: « يتحوّل عنها »(١) .

[ ٧٥٧ ] السادسة : لا ينبغي للموسر المتمكّن أن يترك الحجّ أكثر من خمس سنين ؛ لأنّه طاعة عظيمة.

قال الصادقعليه‌السلام : « مَنْ مضت له خمس سنين فلم يفد إلى ربّه وهو موسر انّه لمحروم »(٢) .

وقال إسحاق بن عمّار للصادقعليه‌السلام : إنّ رجلاً استشارني في الحجّ وكان ضعيف الحال ، فأشرت عليه أن لا يحجّ ، قال : « ما أخلقك أن تمرض [ سنة ] » قال : فمرضت سنة(٣) .

[ ٧٥٨ ] السابعة : يكره الخروج من الحرمين بعد ارتفاع النهار‌ قبل أن يصلّي الظهرين بهما ؛ لأنّ إبراهيم بن عبد الحميد قال : سمعته يقول : « مَنْ خرج من الحرمين بعد ارتفاع النهار قبل أن يصلّي الظهر والعصر نودي من خلفه : لا صحبك الله »(٤) .

[ ٧٥٩ ] الثامنة : مَنْ أخرج شيئاً من حصى المسجد ، كان عليه ردّه ؛ لأنّ زيداً الشحّام سأل الصادقَعليه‌السلام : أخرج من المسجد في ثوبي حصاة ،

____________________

(١) الكافي ٤ : ٢٣٠ ( باب كراهة المقام بمكّة ) الحديث ١ ، الفقيه ٢ : ١٦٥ / ٧١٤ ، التهذيب ٥ : ٤٤٨ / ١٥٦٣.

(٢) الكافي ٤ : ٢٧٨ ( باب من لم يحجّ بين خمس سنين ) الحديث ١ ، التهذيب ٥ : ٤٥٠ / ١٥٧٠.

(٣) الكافي ٤ : ٢٧١ ( باب نادر ) الحديث ١ ، الفقيه ٢ : ١٤٣ / ٦٢٤ ، التهذيب ٥ : ٤٥٠ / ١٥٦٩ ، وما بين المعقوفين من المصادر.

(٤) الكافي ٤ : ٥٤٣ / ١٧ ، التهذيب ٥ : ٤٥٢ / ١٥٧٧.


قال : « تردّها أو(١) اطرحها في مسجد »(٢) .

ولقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « ليس ينبغي لأحد أن يأخذ من تربة ما حول البيت ، وإن أخذ من ذلك شيئاً ، ردّه »(٣) .

وأمّا ثياب الكعبة : فقد روى الشيخ - أنّه ينبغي لمن تصل إليه أن يتّخذها للمصاحف أو الصبيان أو المخدّة للبركة - عن عبد الملك بن عتبة ، قال : سألتُ الصادقَعليه‌السلام عن شي‌ء يصل إلينا من ثياب الكعبة هل يصلح لنا أن نلبس شيئاً منها؟ فقال : « يصلح للصبيان والمصاحف والمخدّة يبتغي بذلك البركة إن شاء الله »(٤) .

[ ٧٦٠ ] التاسعة : يستحبّ الطواف عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ‌ ، وعن الأئمةعليهم‌السلام : ، وعن فاطمةعليها‌السلام ؛ للرواية(٥) . وكذا يستحبّ عن المؤمنين : الأحياء والأموات.

[ ٧٦١ ] العاشرة : لو حجّ المؤمن ثم ارتدّ ، صحّ حجّه ، ولم تجب إعادته ؛ لقول الباقرعليه‌السلام - في الموثّق - : « مَنْ كان مؤمناً فحجّ وعمل في إيمانه ثم أصابته في إيمانه فتنة فكفر ثم تاب وآمن يحسب له كلّ عمل صالح عمله في إيمانه ، ولا يبطل منه شي‌ء »(٦) .

[ ٧٦٠ ] الحادية عشرة: يجب تقديم الاختتان - على البالغ - على الحجّ ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في الرجل الذي يسلم ويريد أن يختتن وقد حضر الحجّ أيحجّ أو يختتن؟ قال : « لا يحجّ حتى يختتن »(٧) .

____________________

(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : « و» بدل « أو » والمثبت من المصدر.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٤٩ / ١٥٦٨.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٥٣ / ١٥٨٢.

(٤) التهذيب ٥ : ٤٤٩ / ١٥٦٧.

(٥) الكافي ٤ : ٣١٤ / ٢ ، التهذيب ٥ : ٤٥٠ - ٤٥١ / ١٥٧٢.

(٦) التهذيب ٥ : ٤٥٩ - ٤٦٠ / ١٥٩٧.

(٧) الفقيه ٢ : ٢٥١ / ١٢٠٦ ، التهذيب ٥ : ٤٦٩ - ٤٧٠ / ١٦٤٦.


[ ٧٦٣ ] الثانية عشرة : يجوز القران في طواف النافلة.

روى زرارة - في الصحيح - قال : طفت مع أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ثلاثة عشر اُسبوعاً قرنها جميعاً وهو آخذ بيدي ثم خرج فتنحّى ناحية ، فصلّى ستّاً وعشرين ركعة وصلّيت معه(١) .

[ ٧٦٤ ] الثالث عشرة : يستحبّ طواف ثلاثمائة وستّين اُسبوعاً.

روى معاوية بن عمّار - في الصحيح - عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « يستحبّ أن تطوف ثلاثمائة وستّين اُسبوعاً عدد أيّام السنة ، وإن لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف »(٢) .

[ ٧٦٥ ] الرابع عشرة : يستحبّ الشرب من ماء زمزم وإهداؤه‌ ؛ لقول الباقرعليه‌السلام : « كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يستهدي من ماء زمزم وهو بالمدينة »(٣) .

البحث الثاني : في المزار.

مقدّمة : يشترط في الزيارات كلّها النيّة ؛ لأنّها عبادة. ويستحبّ الطهارة والغسل والتنظيف ولُبْس الثياب الطاهرة والخضوع والدعاء بالمنقول.

مسألة ٧٦٦ : تستحبّ زيارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ‌.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « مَنْ زار قبري بعد موتي [ كان ] كمن هاجر إليَّ في حياتي ، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليَّ بالسلام ، فإنّه يبلغني »(٤) .

____________________

(١) التهذيب ٥ : ٤٧٠ / ١٦٥٠.

(٢) التهذيب ٥ : ٤٧١ / ١٦٥٦.

(٣) التهذيب ٥ : ٤٧١ - ٤٧٢ / ١٦٥٧.

(٤) التهذيب ٦ : ٣ / ١ ، وما بين المعقوفين من المصدر.


ويستحبّ أن يزوره بالمنقول ، فإذا فرغ من زيارته ، أتى المنبر فمسحه ومسح رمّانتيه ، وأن يصلّي بين القبر والمنبر ركعتين ؛ للرواية(١) .

ويسأل الله حاجته ، ثم يأتي مقام جبرئيلعليه‌السلام ، وهو تحت الميزاب ، ويدعو بالمنقول.

ويستحبّ وداعه عند الخروج من المدينة بالمنقول.

ويستحبّ الإكثار من الصلاة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال الصادقعليه‌السلام : « صلّ ثمان ركعات عند زوال الشمس ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : الصلاة في مسجدي كألف في غيره ، إلّا المسجد الحرام فإنّ صلاةً في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي »(٢) .

ويستحبّ لمن أقام بالمدينة ثلاثة أيّام أن يصومها للحاجة ، ويكون معتكفاً فيها ، ويكون الأربعاء والخميس والجمعة ، ويصلّي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة ، وهي أسطوانة التوبة ، ويقيم عندها يوم الأربعاء ، ويأتي ليلة الخميس الأسطوانة التي تلي مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومصلّاه ، ويصلّي عندها ، ويصلّي ليلة الجمعة عند مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويستحبّ لمن جاء إلى المدينة النزول بالمعرَّس والاستراحة فيه والصلاة ، اقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويستحبّ إتيان المساجد كلّها بالمدينة ، مثل مسجد قبا ، ومشربة اُمّ إبراهيم ، ومسجد الأحزاب وهو مسجد الفتح ، ومسجد الفضيخ ، وقبور الشهداء كلّهم خصوصاً قبر حمزةعليه‌السلام باُحد.

قال الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « بلغنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا‌

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٥٣ / ١ ، التهذيب ٦ : ٧ / ١٢.

(٢) التهذيب ٦ : ١٤ - ١٥ / ٣٠.


أتى قبور الشهداء قال : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار »(١) .

وسأل عقبةُ بن خالد الصادقَعليه‌السلام : إنّا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيّها أبدأ؟ فقال : « ابدأ بقُبا ، فصلّ فيه وأكثر فإنّه أوّل مسجد صلّى فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه العرصة ، ثم ائت مشربة اُمّ إبراهيم ، فصلِّ فيه فهو مسكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومصلّاه ، ثم [ تأتي ](٢) مسجد الفضيخ فتصلّي فيه وقد صلّى فيه نبيّك ، فإذا قضيت هذا الجانب تأتي جانب اُحد ، فبدأت بالمسجد الذي دون الحرّة ، فصلّيت فيه ، ثم مررت بقبر حمزة بن عبد المطّلب ، فسلّمت عليه ، ثم مررت بقبور الشهداء فقمت عندهم فقلت : السلام عليكم يا أهل الديار ، أنتم لنا فرط وإنّا بكم لاحقون ، ثم تأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينك حين تدخل اُحداً ، فتصلّي فيه فعنده خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اُحد حيث لقي المشركين فلم يبرحوا حتى حضرت الصلاة فصلّى فيه ، ثم مرّ أيضاً حتى ترجع فتصلّي عند قبور الشهداء ما كتب الله لك ، ثم امض على وجهك حتى تأتي مسجد الأحزاب فتصلّي فيه وتدعو فيه ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا فيه يوم الأحزاب وقال : يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرّين ويا مُغيث المهمومين اكشف همّي وكربي وغمّي فقد ترى حالي وحال أصحابي »(٣) .

وتستحبّ الصلاة في مسجد غدير خمّ.

قال الصادقعليه‌السلام : « تستحبّ الصلاة في مسجد الغدير ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أقام فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو موضع أظهر الله فيه الحقّ »(٤) .

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٦٠ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٧ / ٣٨.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) الكافي ٤ : ٥٦٠ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٧ - ١٨ / ٣٩.

(٤) الكافي ٤ : ٥٦٧ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٣٣٥ / ١٥٥٦ ، التهذيب ٦ : ١٩ / ٤٢.


مسألة ٧٦٧ : تستحبّ زيارة فاطمةعليهما‌السلام ، فقد روى الشيخ -رحمه‌الله - بإسناده عنهاعليها‌السلام ، قالت : « أخبرني أبي وهو ذا ، هو أنّه مَنْ سلّم عليه وعليَّ ثلاثة أيّام أوجب الله له الجنّة» قلت لها : في حياته وحياتك ، قالت : « نعم وبعد موتنا »(١) .

واختُلف في موضع قبرهاعليها‌السلام .

فقيل : في الروضة بين القبر والمنبر(٢) .

وقيل : في بيتها ، فلمـّا زاد بنو اُمية في المسجد صار من جملة المسجد(٣) وقيل : إنّها مدفونة في البقيع(٤) .

قال الشيخرحمه‌الله : الروايتان الأوّلتان متقاربتان ، وأمّا مَنْ قال : إنّها دُفنت بالبقيع فبعيد من الصواب(٥) .

قال ابن بابويه : الصحيح عندي أنّها دُفنت في بيتها(٦) .

وتستحبّ الزيارة بالمنقول خصوصاً ما روى الشيخ -رحمه‌الله - أنّها مرويّة لفاطمةعليها‌السلام عن محمد العُريضي(٦) ، قال : حدّثني أبو جعفر [عليه‌السلام ] ذات يوم ، قال : « إذا صرت إلى قبر جدّتك فقل : يا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك ، فوجدك لما امتحنك به صابرةً ، وزعمنا أنّا لك أولياء ومصدّقون وصابرون لكلّ ما أتانا به أبوكصلى‌الله‌عليه‌وآله وأتى به وصيّهعليه‌السلام ، فإنّا نسألك إن كنّا صدّقناك إلّا ألحقتنا بتصديقنا لهما(٧) لنبشر أنفسنا بأنّا قد‌

____________________

(١) التهذيب ٦ : ٩ / ١٨.

(٢ - ٤ ) كما في التهذيب ٦ : ٩ ، والفقيه ٢ : ٣٤١ - ١٥٧٣ - ١٥٧٥.

(٥) التهذيب ٦ : ٩.

(٦) الفقيه ٢ : ٣٤١ ذيل الحديث ١٥٧٥.

(٧) جاء اسم الراوي الأخير في المصدر هكذا : قال : حدّثنا إبراهيم بن محمد بن عيسى بن محمد العريضي ، قال : حدّثنا أبو جعفرعليه‌السلام ، إلى آخر ما في المتن.

(٨) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : بهما. وما أثبتناه من المصدر ، وفيه زيادة : « بالبشرى ».


طهرنا بولايتك(١) »(٢) .

مسألة ٧٦٨ : تستحبّ زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لقول الصادقعليه‌السلام لعبد الله ابن طلحة : « أما تزور قبر أبي حسين؟ » قلت : بلى إنّا لنأتيه ، قال : « تأتونه كلّ جمعة؟ » قلت : لا ، قال : « فتأتونه في كلّ شهر؟ » قلت : لا ، قال : « ما أجفاكم إنّ زيارته تعدل حجّةً وعمرةً وزيارة أبي عليعليه‌السلام تعدل حجّتين وعمرتين »(٣) .

وتستحب الزيارة بالمنقول والوداع به.

مسألة ٧٦٩ : تستحبّ زيارة أبي محمد الحسنعليه‌السلام .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للحسينعليه‌السلام : « مَنْ زارني حيّاً أو ميّتاً أو زار أباك حيّاً أو ميّتاً أو زار أخاك حيّاً أو ميّتاً ، أو زارك حيّاً أو ميّتاً ، كان حقّاً عليَّ أن استنقذه يوم القيامة »(٤) .

وتستحب الزيارة بالمنقول والوداع به.

مسألة ٧٧٠ : تستحبّ زيارة الحسينعليه‌السلام ؛ لقول الباقرعليه‌السلام : « مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ويمدّ في العمر ويدفع مواقع السوء ، وإتيانه مفترض على كلّ مؤمن يقرّ [ له ] بالإمامة من الله »(٥) .

وعن الكاظمعليه‌السلام : « مَنْ أتى قبر الحسينعليه‌السلام في السنة ثلاث مرّات‌

____________________

(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : بولايتهم. وما أثبتناه من المصدر.

(٢) التهذيب ٦ : ٩ - ١٠ / ١٩.

(٣) التهذيب ٦ : ٢١ / ٤٧.

(٤) التهذيب ٦ : ٤٠ / ٨٣.

(٥) التهذيب ٦ : ٤٢ / ٨٦ ، وما بين المعقوفين من المصدر.


أمن من الفقر »(١) .

وتستحبّ زيارته في يوم عرفة وفي أوّل يوم من رجب ونصفه ونصف شعبان وليلة القدر وليلة الفطر وليلة الأضحى ويوم عاشوراء ويوم العشرين من صفر وفي كلّ شهر ؛ للروايات(٢) المتواترة فيه.

وتستحب الزيارة بالمنقول والوداع به.

مسألة ٧٧١ : تستحبّ زيارة الأئمّةعليهم‌السلام بالبقيع‌ وفي ضريح واحد ، أربعة منهم : الحسن بن عليعليه‌السلام وعلي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ومحمد بن علي الباقرعليه‌السلام وجعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام .

قال الصادقعليه‌السلام : « مَنْ زارني غُفرت له ذنوبه ولم يمت فقيراً »(٣) .

وتستحبّ زيارتهم بالمنقول والوداع به.

مسألة ٧٧٢ : تستحبّ زيارة الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام ببغداد في المقبرة المعروفة بمقابر قريش.

قال الحسن بن علي الوشّاء : سألتُ الرضاعليه‌السلام : عن زيارة قبر أبي الحسنعليه‌السلام مثل زيارة الحسينعليه‌السلام ، قال : « نعم »(٤) .

وكذا تستحبّ زيارة محمد بن علي الجوادعليه‌السلام ببغداد عند قبر جدّه الكاظمعليه‌السلام .

قال إبراهيم بن عقبة : كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليه‌السلام : أسأله عن زيارة أبي عبد اللهعليه‌السلام وزيارة أبي الحسن وأبي جعفرعليهما‌السلام ، فكتب إليَّ

____________________

(١) التهذيب ٦ : ٤٨ / ١٠٦.

(٢) اُنظر : التهذيب ٦ : ٤٩ / ١١٣ ، و ٤٨ / ١٠٧ ، ١٠٨ ، و ٤٩ / ١١١ ، ١١٢ ، و ٥١ / ١٢٠ ، ١٢١ ، و ٥٢ / ١٢٢ ، ١٢٣ ، والمزار - للمفيد - : ٤٨ - ٦٢.

(٣) التهذيب ٦ : ٧٨ / ١٥٣.

(٤) الكافي ٤ : ٥٨٣ / ٢ ، الفقيه ٢ : ٣٤٨ / ١٥٩٧ ، التهذيب ٦ : ٨١ / ١٥٨.


« أبو عبد الله المقدّم ، وهذا أجمع وأعظم أجراً »(١) .

وتستحبّ زيارتهماعليهما‌السلام بالمنقول والوداع لهما به.

مسألة ٧٧٣ : تستحبّ زيارة مولانا الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ؛ لأنّ علي بن مهزيار سأل - في الصحيح - أبا جعفرعليه‌السلام : جُعلت فداك زيارة الرضاعليه‌السلام أفضل أم زيارة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ؟ قال : « زيارة أبي أفضل ، وذلك أنّ أبا عبد الله يزوره كلّ الناس ، وأبي لا يزوره إلّا الخواصّ من الشيعة »(٢) .

وقال الرضاعليه‌السلام : « مَنْ زارني على بُعْد داري ومزاري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتّى أخلصه من أهوالها : إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً ، وعند الصراط والميزان »(٣) .

وتستحبّ زيارته بالمنقول والوداع به.

مسألة ٧٧٤ : تستحبّ زيارة الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهاديعليهما‌السلام وولده الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام .

قال أبو هاشم الجعفري : قال أبو محمد الحسن بن عليعليه‌السلام : « قبري بسُرّ مَنْ رأى أمان لأهل الجانبين »(٤) .

وتستحبّ زيارتهما بالمنقول والوداع به.

مسألة ٧٧٥ : تستحبّ زيارة مولانا الإمام المنتظر القائم محمد بن الحسنعليه‌السلام بسُرّ مَنْ رأى بالمنقول ووداعه به.

____________________

(١) الكافي ٤ : ٥٨٣ - ٥٨٤ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٩١ / ١٧٢.

(٢) الكافي ٤ : ٥٨٤ / ١ ، الفقيه ٢ : ٣٤٨ - ٣٤٩ / ١٥٩٨ ، التهذيب ٦ : ٨٤ / ١٦٥.

(٣) الفقيه ٢ : ٣٥٠ / ١٦٠٦ ، التهذيب ٦ : ٨٥ / ١٦٩.

(٤) التهذيب ٦ : ٩٣ / ١٧٦.


قال المفيدرحمه‌الله : إذا أردت زيارة الإمامين بسُرّ مَنْ رأى فقِفْ بظاهر الشباك(١) .

قال الشيخ الطوسيرحمه‌الله : هذا الذي ذكره من المنع من دخول الدار هو الأحوط ؛ فإنّ الدار ملك الغير ، فلا يجوز التصرّف فيها إلّا بإذنه ، ولو أنّ أحداً يدخلها لم يكن مأثوماً ، خصوصاً إذا تأوّل في ذلك ما روي عنهم : من أنّهم جعلوا شيعتهم في حلُّ ممّا لَهم ، وذلك على عمومه(٢) .

مسألة ٧٧٦ : تستحبّ زيارة سلمان الفارسي -رضي‌الله‌عنه - بالمنقول ، وزيارة أبواب الإمام المنتظرعليه‌السلام ، كعثمان بن سعيد والسمري.

وكذا تستحبّ زيارة المؤمنين.

روى محمد بن أحمد بن يحيى - في الصحيح - قال : مشيت مع ابن بلال إلى قبر محمد بن إسماعيل بن بزيع ، قال : فقال لي علي بن بلال : قال صاحب هذا القبر عن الرضاعليه‌السلام : « مَنْ أتى قبر أخيه المؤمن من أيّ ناحية يضع يده وقرأإِنّا أَنْزَلْناهُ سبع مرّات أمن من الفزع الأكبر »(٣) .

وقال أبو الحسنعليه‌السلام : « مَنْ لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي إخوانه يكتب له ثواب زيارتنا، ومَنْ لم يقدر أن يصلنا فليصل صالحي إخوانه يكتب له ثواب صلتنا »(٤) .

قال عمرو بن أبي المقدام عن أبيه ، قال : مررت مع أبي جعفرعليه‌السلام بالبقيع ، فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة ، فقلت لأبي‌

____________________

(١) المقنعة : ٧٥.

(٢) التهذيب ٦ : ٩٤.

(٣) التهذيب ٦ : ١٠٤ / ١٨٢.

(٤) التهذيب ٦ : ١٠٤ / ١٨١.


جعفرعليه‌السلام : جُعلت فداك هذا قبر رجل من الشيعة ، قال : فوقفعليه‌السلام عليه ثم قال : « اللّهم ارحم غربته ، وصِلْ وحدته ، وآنس وحشته ، وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة مَنْ سواك ، وألحقه بمن كان يتولّاه » ثم قرأإِنّا أَنْزَلْناهُ سبع مرّات(١) .

والزيارات وكيفيّاتها طويلة ، لها كتب منفردة نقلها علماؤنا رضي الله عنهم ، فلتطلب من هناك.

____________________

(١) التهذيب ٦ : ١٠٥ / ١٨٣.



الفهرس

الباب الثاني فيما يجب في باقي المحظورات‌ الأوّل : فيما يجب باللُّبْس‌ مسألة ٣٨٢ : ٦

مسألة ٣٨٣ : ٧

مسألة ٣٨٤ : ٨

تذنيب : مسألة ٣٨٥ : ٩

مسألة ٣٨٦ : ١١

البحث الثاني : فيما يجب بالطيب والادّهان مسألة ٣٨٧ : ١٢

مسألة ٣٨٨ : ١٣

مسألة ٣٨٩ : ١٤

مسألة ٣٩٠ : البحث الثالث : فيما يجب بالحلق وقصّ الظفر مسألة ٣٩١ : ١٥

مسألة ٣٩٢ : ١٦

مسألة ٣٩٣ : ١٧

مسألة ٣٩٤ : ١٩

مسألة ٣٩٥ : ٢٠

مسألة ٣٩٦ : مسألة ٣٩٧ : ٢١

فروع : ٢٤

البحث الرابع : في جزاء قتل هوامّ الجسد وقطع الشجر مسألة ٣٩٨ : ٢٥

مسألة ٣٩٩ : ٢٦

البحث الخامس : فيما يجب بالفسوق والجدال مسألة ٤٠٠ : ٢٧

مسألة ٤٠١ : البحث السادس : فيما يجب بالاستمتاع مسألة ٤٠٢ : ٢٨

مسألة ٤٠٣ : ٣٠

مسألة ٤٠٤ : ٣٢

فروع : ٣٣

مسألة ٤٠٥ : ٣٤

مسألة ٤٠٦ : ٣٦

تذنيب : مسألة ٤٠٧ : ٣٧

مسألة ٤٠٨ : مسألة ٤٠٩ : ٣٩

مسألة ٤١٠ : مسألة ٤١١ : ٤١

مسألة ٤١٢ : ٤٢

مسألة ٤١٣ : ٤٣

مسألة ٤١٤ : ٤٤

مسألة ٤١٥ : ٤٥

مسألة ٤١٦ : ٤٦

مسألة ٤١٧ : ٤٧

مسألة ٤١٨ : ٤٨

مسألة ٤١٩ : ٤٩

مسألة ٤٢٠ : ٥٠

مسألة ٤٢١ : ٥١

مسألة ٤٢٢ : ٥٢

مسألة ٤٢٣ : مسألة ٤٢٤ : ٥٣

مسألة ٤٢٥ : مسألة ٤٢٦ : ٥٥

مسألة ٤٢٧ : ٥٦

مسألة ٤٢٨ : ٥٨

مسألة ٤٢٩ : ٦٢

البحث السابع : في اللواحق مسألة ٤٣٠ : مسألة ٤٣١ : ٦٣

مسألة ٤٣٢ : ٦٥

تذنيب : ٦٧

مسألة ٤٣٣ : مسألة ٤٣٤ : ٦٨

المطلب الرابع ٦٩

في أحكام الإحرام‌ مسألة ٤٣٥ : ٦٩

مسألة ٤٣٦ : ٧٠

مسألة ٤٣٧ : ٧١

مسألة ٤٣٨ : ٧٢

مسألة ٤٣٩ : ٧٣

مسألة ٤٤٠ : ٧٤

مسألة ٤٤١ : ٧٥

مسألة ٤٤٢ : ٧٦

مسألة ٤٤٣ : مسألة ٤٤٤ : ٧٧

الفصل الثاني في دخول مكّة‌ ٨٠

مسألة ٤٤٦ : ٨٢

مسألة ٤٤٧ : مسألة ٤٤٨ : ٨٣

الفصل الثالث في الطواف الأوّل : في مقدّماته مسألة ٤٤٩ : ٨٤

مسألة ٤٥٠ : مسألة ٤٥١ : ٨٥

مسألة ٤٥٢ : ٨٦

البحث الثاني : في كيفية الطواف مسألة ٤٥٣ : ٨٧

مسألة ٤٥٤ : ٨٨

مسألة ٤٥٥ : ٨٩

مسألة ٤٥٦ : ٩٠

مسألة ٤٥٧ : مسألة ٤٥٨ : ٩١

مسألة ٤٥٩ : مسألة ٤٦٠ : ٩٣

مسألة ٤٦١ : ٩٥

مسألة ٤٦٢ : ٩٦

مسألة ٤٦٣ : مسألة ٤٦٤ : ٩٨

مسألة ٤٦٥ : ٩٩

مسألة ٤٦٦ : مسألة ٤٦٧ : ١٠١

مسألة ٤٦٨ : ١٠٢

مسألة ٤٦٩ : ١٠٣

مسألة ٤٧٠ : ١٠٤

مسألة ٤٧١ : ١٠٧

مسألة ٤٧٢ : ١٠٩

مسألة ٤٧٣ : ١١١

مسألة ٤٧٤ : مسألة ٤٧٥ : ١١٢

البحث الثالث : في الأحكام مسألة ٤٧٦ : ١١٣

مسألة ٤٧٧ : ١١٤

مسألة ٤٧٨ : ١١٥

مسألة ٤٧٩ : ١١٧

مسألة ٤٨٠ : مسألة ٤٨١ : ١١٨

مسألة ٤٨٢ : ١١٩

مسألة ٤٨٣ : ١٢٠

مسألة ٤٨٤ : ١٢٢

تذنيب : مسألة ٤٨٥ : ١٢٣

مسألة ٤٨٦ : ١٢٤

مسألة ٤٨٧ : ١٢٥

تذنيب : مسألة ٤٨٨ : ١٢٦

مسألة ٤٨٩ : مسألة ٤٩٠ : ١٢٧

الفصل الرابع في السعي والتقصير‌ ١٣٠

البحث الثاني : في الكيفية مسألة ٤٩١ : مسألة ٤٩٢ : ١٣٣

مسألة ٤٩٣ : ١٣٤

مسألة ٤٩٤ : مسألة ٤٩٥ : ١٣٥

البحث الثالث : في الأحكام مسألة ٤٩٦ : ١٣٧

مسألة ٤٩٧ : ١٣٨

مسألة ٤٩٨ : ١٣٩

مسألة ٤٩٩ : مسألة ٥٠٠ : ١٤٠

مسألة ٥٠١ : مسألة ٥٠٢ : ١٤٢

تذنيب : مسألة ٥٠٣ : ١٤٣

مسألة ٥٠٤ : ١٤٤

البحث الرابع : في التقصير مسألة ٥٠٥ : مسألة ٥٠٦ : ١٤٦

مسألة ٥٠٧ : ١٤٧

مسألة ٥٠٨ : ١٤٨

مسألة ٥٠٩ : ١٥٠

مسألة ٥١٠ : ١٥١

مسألة ٥١١ : مسألة ٥١٢ : ١٥٢

مسألة ٥١٣ : ١٥٣

وفّق اللّهم لإكماله بمحمد وكرام آله‌ ١٥٦

المقصد الثالث في أفعال الحجّ‌ ١٥٨

الأوّل في إحرام الحجّ‌ مسألة ٥١٤ : ١٦٠

مسألة ٥١٥ : ١٦١

مسألة ٥١٦ : ١٦٢

مسألة ٥١٧ : ١٦٣

الفصل الثاني في الوقوف بعرفات‌ الأوّل : في الخروج إلى منى ١٦٤

مسألة ٥١٨ : مسألة ٥١٩ : ١٦٥

مسألة ٥٢٠ : ١٦٦

مسألة ٥٢١ : ١٦٩

البحث الثاني : في الكيفية مسألة ٥٢٢ : ١٧٠

مسألة ٥٢٣ : مسألة ٥٢٤ : ١٧١

مسألة ٥٢٥ : ١٧٢

مسألة ٥٢٦ : ١٧٣

مسألة ٥٢٧ : ١٧٥

مسألة ٥٢٨ : ١٧٦

مسألة ٥٢٩ : ١٧٧

مسألة ٥٣٠ : ١٧٨

مسألة ٥٣١ : ١٧٩

مسألة ٥٣٢ : ١٨٢

مسألة ٥٣٣ : ١٨٣

مسألة ٥٣٤ : ١٨٤

مسألة ٥٣٥ : البحث الثالث : في الأحكام مسألة ٥٣٦ : ١٨٥

مسألة ٥٣٧ : مسألة ٥٣٨ : ١٨٧

مسألة ٥٣٩ : ١٩٠

مسألة ٥٤٠ : ١٩١

تذنيب : ١٩٣

الفصل الثالث في الوقوف بالمشعر الحرام‌ الأوّل : في مقدّماته‌ مسألة ٥٤١ : ١٩٤

مسألة ٥٤٢ : مسألة ٥٤٣ : ١٩٥

مسألة ٥٤٤ : ١٩٨

البحث الثاني : في الكيفيّة مسألة ٥٤٥ : ٢٠١

مسألة ٥٤٦ : مسألة ٥٤٧ : ٢٠٢

البحث الثالث : في الأحكام مسألة ٥٤٨ : ٢٠٣

مسألة ٥٤٩ : ٢٠٥

مسألة ٥٥٠ : ٢٠٦

مسألة ٥٥١ : ٢٠٧

مسألة ٥٥٢ : مسألة ٥٥٣ : ٢٠٨

مسألة ٥٥٤ : ٢١٠

الفصل الرابع في نزول منى وقضاء مناسكها‌ الأوّل : في الرمي ومقدّمته مسألة ٥٥٥ : ٢١٢

مسألة ٥٥٦ : ٢١٣

البحث الثاني : في رمي جمرة العقبة مسألة ٥٥٧ : ٢١٤

مسألة ٥٥٨ : ٢١٥

مسألة ٥٥٩ : ٢١٦

مسألة ٥٦٠ : ٢١٧

مسألة ٥٦١ : ٢١٨

مسألة ٥٦٢ : ٢١٩

البحث الثالث : في رمي الجمار وكيفيّته مسألة ٥٦٣ : ٢٢٠

مسألة ٥٦٤ : ٢٢١

مسألة ٥٦٥ : ٢٢٤

مسألة ٥٦٦ : البحث الرابع : في الأحكام مسألة ٥٦٧ : ٢٢٦

مسألة ٥٦٨ : ٢٢٧

مسألة ٥٦٩ : ٢٢٨

مسألة ٥٧٠ : ٢٣٠

مسألة ٥٧١ : مسألة ٥٧٢ : ٢٣٢

الباب الثاني : في الذبح الأوّل : الهدي مسألة ٥٧٣ : ٢٣٣

مسألة ٥٧٤ : ٢٣٤

مسألة ٥٧٥ : مسألة ٥٧٦ : ٢٣٥

مسألة ٥٧٧ : ٢٣٦

مسألة ٥٧٨ : ٢٣٧

مسألة ٥٧٩ : ٢٣٨

مسألة ٥٨٠ : مسألة ٥٨١ : ٢٣٩

مسألة ٥٨٢ : ٢٤١

مسألة ٥٨٣ : ٢٤٣

مسألة ٥٨٤ : ٢٤٤

مسألة ٥٨٥ : ٢٤٥

مسألة ٥٨٦ : ٢٤٦

مسألة ٥٨٧ : ٢٤٧

مسألة ٥٨٨ : ٢٤٨

البحث الثاني : في كيفية الذبح مسألة ٥٨٩ : مسألة ٥٩٠ : ٢٤٩

مسألة ٥٩١ : ٢٥١

مسألة ٥٩٢ : ٢٥٢

مسألة ٥٩٣ : ٢٥٣

مسألة ٥٩٤ : ٢٥٥

مسألة ٥٩٥ : ٢٥٨

البحث الثالث : في صفات الهدي ٢٥٩

مسألة ٥٩٦ : ٢٥٩

مسألة ٥٩٧ : ٢٦٠

مسألة ٥٩٨ : ٢٦١

مسألة ٥٩٩ : ٢٦٢

مسألة ٦٠٠ : ٢٦٣

مسألة ٦٠١ : ٢٦٤

مسألة ٦٠٢ : ٢٦٥

مسألة ٦٠٣ : ٢٦٧

تذنيب : ٢٦٨

البحث الرابع : في البدل مسألة ٦٠٤ : مسألة ٦٠٥ : ٢٦٩

مسألة ٦٠٦ : ٢٧٠

مسألة ٦٠٧ : ٢٧١

مسألة ٦٠٨ : ٢٧٢

مسألة ٦٠٩ : ٢٧٣

مسألة ٦١٠ : ٢٧٤

مسألة ٦١١ : ٢٧٥

مسألة ٦١٢ : ٢٧٦

مسألة ٦١٣ : ٢٧٧

مسألة ٦١٤ : ٢٧٨

مسألة ٦١٥ : ٢٧٩

مسألة ٦١٦ : ٢٨٠

مسألة ٦١٧ : ٢٨١

مسألة ٦١٨ : ٢٨٢

البحث الخامس : في الأحكام مسألة ٦١٩ : ٢٨٣

مسألة ٦٢٠ : ٢٨٥

مسألة ٦٢١ : ٢٨٧

مسألة ٦٢٢ : ٢٩٠

مسألة ٦٢٣ : ٢٩١

مسألة ٦٢٤ : مسألة ٦٢٥ : ٢٩٣

مسألة ٦٢٦ : ٢٩٤

مسألة ٦٢٧ : ٢٩٦

مسألة ٦٢٨ : مسألة ٦٢٩ : ٢٩٨

مسألة ٦٣٠ : ٣٠٠

مسألة ٦٣١ : ٣٠٢

مسألة ٦٣٢ : مسألة ٦٣٣ : ٣٠٣

البحث السادس : في الضحايا مسألة ٦٣٤ : ٣٠٤

مسألة ٦٣٥ : ٣٠٥

مسألة ٦٣٦ : ٣٠٦

مسألة ٦٣٧ : مسألة ٦٣٨ : ٣٠٨

مسألة ٦٣٩ : ٣١٠

مسألة ٦٤٠ : ٣١١

مسألة ٦٤١ : ٣١٢

مسألة ٦٤٢ : ٣١٣

مسألة ٦٤٣ : ٣١٤

مسألة ٦٤٤ : مسألة ٦٤٥ : ٣١٦

مسألة ٦٤٦ : ٣١٧

مسألة ٦٤٧ : ٣١٨

مسألة ٦٤٨ : ٣٢٠

مسألة ٦٤٩ : ٣٢١

مسألة ٦٥٠ : ٣٢٣

مسألة ٦٥١ : ٣٢٤

مسألة ٦٥٢ : ٣٢٥

مسألة ٦٥٣ : ٣٢٨

مسألة ٦٥٤ : ٣٢٩

مسألة ٦٥٥ : ٣٣٠

مسألة ٦٥٦ : ٣٣١

الفصل السادس في الحلق والتقصير مسألة ٦٥٧ : ٣٣٤

مسألة ٦٥٨ : ٣٣٥

مسألة ٦٥٩ : ٣٣٧

مسألة ٦٦٠ : مسألة ٦٦١ : ٣٣٨

مسألة ٦٦٢ : ٣٣٩

مسألة ٦٦٣ : ٣٤٠

مسألة ٦٦٤ : ٣٤٢

مسألة ٦٦٥ : ٣٤٣

مسألة ٦٦٦ : ٣٤٤

مسألة ٦٦٧ : ٣٤٥

تذنيب : ٣٤٦

الفصل السابع في بقايا أفعال الحجّ البحث الأوّل : في زيارة البيت مسألة ٦٦٨ : ٣٤٨

مسألة ٦٦٩ : ٣٤٩

مسألة ٦٧٠ : ٣٥٠

مسألة ٦٧١ : ٣٥٢

مسألة ٦٧٢ : ٣٥٣

مسألة ٦٧٣ : ٣٥٤

مسألة ٦٧٤ : ٣٥٥

البحث الثاني : في الرجوع إلى منى مسألة ٦٧٥ : ٣٥٦

مسألة ٦٧٦ : ٣٥٧

مسألة ٦٧٧ : ٣٥٩

البحث الثالث : في الرمي مسألة ٦٧٨ : ٣٦٠

مسألة ٦٧٩ : ٣٦١

مسألة ٦٨٠ : مسألة ٦٨١ : ٣٦٣

مسألة ٦٨٢ : ٣٦٤

مسألة ٦٨٣ : مسألة ٦٨٤ : ٣٦٦

مسألة ٦٨٥ : ٣٦٧

مسألة ٦٨٦ : ٣٦٩

مسألة ٦٨٧ : ٣٧٠

مسألة ٦٨٨ : البحث الرابع : في النفر من منى مسألة ٦٨٩ : ٣٧٢

مسألة ٦٩٠ : ٣٧٣

مسألة ٦٩١ : ٣٧٦

البحث الخامس : في الرجوع إلى مكّة مسألة ٦٩٢ : ٣٧٧

مسألة ٦٩٣ : ٣٧٨

مسألة ٦٩٤ : ٣٧٩

مسألة ٦٩٥ : ٣٨١

مسألة ٦٩٦ : ٣٨٢

مسألة ٦٩٧ : ٣٨٣

المقصد الرابع في اللواحق‌ ٣٨٤

الأول في الحصر والصدّ الأوّل : في الصدّ مسألة ٦٩٨ : مسألة ٦٩٩ : ٣٨٦

مسألة ٧٠٠ : ٣٨٨

مسألة ٧٠١ : ٣٨٩

مسألة ٧٠٢ : ٣٩١

مسألة ٧٠٣ : ٣٩٢

مسألة ٧٠٤ : ٣٩٤

مسألة ٧٠٥ : ٣٩٥

مسألة ٧٠٦ : ٣٩٦

مسألة ٧٠٧ : ٣٩٧

مسألة ٧٠٨ : ٣٩٨

مسألة ٧٠٩ : ٣٩٩

مسألة ٧١٠ : ٤٠٠

مسألة ٧١١ : ٤٠١

البحث الثاني : في المحصور مسألة ٧١٢ : ٤٠٢

مسألة ٧١٣ : ٤٠٤

مسألة ٧١٤ : ٤٠٥

مسألة ٧١٥ : ٤٠٦

مسألة ٧١٦ : مسألة ٧١٧ : ٤٠٧

البحث الثالث : في حكم الفوات مسألة ٧١٨ : ٤٠٨

مسألة ٧١٩ : ٤١٠

مسألة ٧٢٠ : ٤١١

مسألة ٧٢١ : ٤١٢

الفصل الثاني في بقايا مسائل تتعلّق بالنساء والعبيد والصبيان والنائب في الحجّ‌ مسألة ٧٢٢ : ٤١٦

مسألة ٧٢٣ : ٤١٧

مسألة ٧٢٤ : مسألة ٧٢٥ : ٤١٨

مسألة ٧٢٦ : ٤٢١

مسألة ٧٢٧ : مسألة ٧٢٨ : ٤٢٢

مسألة ٧٢٩ : مسألة ٧٣٠ : ٤٢٤

مسألة ٧٣١ : مسألة ٧٣٢ : ٤٢٦

مسألة ٧٣٣ : ٤٢٧

مسألة ٧٣٤ : ٤٢٨

مسألة ٧٣٥ : ٤٢٩

مسألة ٧٣٦ : ٤٣٠

مسألة ٧٣٧ : مسألة ٧٣٨ : ٤٣٢

مسألة ٧٣٩ : ٤٣٣

الفصل الثالث في العمرة‌ مسألة ٧٤٠ : ٤٣٤

مسألة ٧٤١ : ٤٣٥

مسألة ٧٤٢ : ٤٣٦

مسألة ٧٤٣ : ٤٣٨

مسألة ٧٤٤ : ٤٣٩

الفصل الرابع في التوابع والمزار الأوّل : في التوابع مسألة ٧٤٥ : ٤٤٢

مسألة ٧٤٦ : مسألة ٧٤٧ : ٤٤٣

مسألة ٧٤٨ : ٤٤٤

مسألة ٧٤٩ : مسألة ٧٥٠ : ٤٤٥

مسألة ٧٥١ : مسائل : [ ٧٥٢ ] الاُولى : ٤٤٦

[ ٧٥٣ ] الثانية : [ ٧٥٤ ] الثالثة : [ ٧٥٥ ] الرابعة : ٤٤٧

[ ٧٥٦ ] الخامسة : [ ٧٥٧ ] [ ٧٥٨ ] [ ٧٥٩ ] ٤٤٨

[ ٧٦٠ ] [ ٧٦١ ] [ ٧٦٠ ] ٤٤٩

[ ٧٦٣ ] الثانية عشرة : [ ٧٦٤ ] الثالث عشرة : [ ٧٦٥ ] الرابع عشرة : البحث الثاني : في المزار مسألة ٧٦٦ : ٤٥٠

مسألة ٧٦٧ : ٤٥٣

مسألة ٧٦٨ : مسألة ٧٦٩ : مسألة ٧٧٠ : ٤٥٤

مسألة ٧٧١ : مسألة ٧٧٢ : ٤٥٥

مسألة ٧٧٣ : مسألة ٧٧٤ : مسألة ٧٧٥ : ٤٥٦

مسألة ٧٧٦ : ٤٥٧

الفهرس ٤٦٠