تذكرة الفقهاء
الجزءالتّاسع
تأليف
العلامة الحلي
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الجهاد
وفيه فصول :
الأوّل :
فيمن يجب عليه
مسألة ١ : الجهاد واجب بالنصّ والإجماع.
قال الله تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) (١) وقال تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (٢) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها »(٣) .
وفيه فضل كثير.
قال ابن مسعود : سألت النبيصلىاللهعليهوآله : أيّ الأعمال أفضل؟ قال : « الصلاة لوقتها » قلت : ثمّ أيّ؟ قال : « برّ الوالدين » قلت : ثمّ أيّ؟ قال : « الجهاد في سبيل الله »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « إنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال : فوق كلّ ذي برّ برٌّ حتى يقتل في سبيل الله ، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ ، وفوق كلّ ذي عقوق عقوق حتى يقتل أحد والديه [ فإذا قتل أحد والديه ] فليس فوقه عقوق »(٥) .
ولا خلاف بين المسلمين في وجوبه ، ووجوبه على الكفاية عند عامّة
____________________
(١) البقرة : ٢١٦.
(٢) التوبة : ٥.
(٣) صحيح البخاري ٤ : ٢٠.
(٤) المصنّف - لابن أبي شيبة - ٥ : ٢٨٥ - ٢٨٦ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ١١٨ / ٢٣٠٢.
(٥) التهذيب ٦ : ١٢٢ / ٢٠٩ ، وما بين المعقوفين من المصدر.
أهل العلم(١) ، لقوله تعالى :( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى ) (٢) وهو يدلّ على سقوط الذنب بتركه.
وحكي عن سعيد بن المسيّب أنّه واجب على الأعيان ؛ لقوله تعالى :( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً ) (٣) (٤) .
وهي محمولة على ما إذا استنفرهم الإمام ؛ لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إذا استُنْفرتم فانفروا »(٥) .
ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه.
ومعنى وجوبه على الكفاية أنّ الخطاب به عامٌّ على جميع الناس ، فإذا قام به قوم تحصل الكفاية بجهادهم ، سقط عن الباقين.
وفروض الكفايات كثيرة مذكورة في مواضع ، وهو كلّ مهمّ ديني يريد الشرع حصوله ، ولا يقصد به عين مَنْ يتولّاه ، ومن جملته إقامة الحجج العلميّة ، والجواب عن الشبهات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على خلاف يأتي ، والصناعات المهمّة ، كالخياطة والنساجة والبناء
____________________
(١) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٣٥٩.
(٢) النساء : ٩٥.
(٣) التوبة : ٤١.
(٤) الحاوي الكبير ١٤ : ١٤٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٤٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٥٩ - ٣٦٠ ، تفسير القرطبي ٣ : ٣٨.
(٥) صحيح البخاري ٤ : ١٨ و ٢٨ و ٩٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٤٨٧ / ١٣٥٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣ - ٤ / ٢٤٨٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٢٦ / ٢٧٧٣ ، سنن الترمذي ٤ : ١٤٨ - ١٤٩ / ١٥٩٠ ، سنن البيهقي ٩ : ١٦ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٠ : ٤١٣ / ١٠٨٤٤ و ١١ : ٣٠ - ٣١ / ١٠٩٤٤.
وأشباهها ، ودفع الضرر عن المسلمين ، والقضاء ، وتحمّل الشهادة ، وتجهيز الموتى ، وإنقاذ الغرقى ، وردّ السلام.
مسألة ٢ : يتعيّن الجهاد في مواضع ثلاثة :
أ - إذا التقى الزحفان وتقابل الصفّان ، حرم على مَنْ حضر الانصرافُ ، وتعيّن عليه الثبات ؛ لقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) (١) الآية.
ب - إذا نزل بالبلد الكفّارُ ، تعيّن على أهله قتالهم ودفعهم.
ج - إذا استنفر الإمام قوماً ، وجب النفير معه ؛ لقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مالَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ) (٢) .
مسألة ٣ : والجهاد واجب في زمان دون زمان وفي مكان دون مكان.
فأمّا الزمان : فجميع أيّام السنة ما عدا الأشهر الحُرُم ؛ لقوله تعالى :( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (٣) وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرَّم ورجب ، فلا يبدأ المسلمون فيها بالقتال لمن يرى لها حرمة.
وأمّا المكان : فجميع البقاع إلّا الحرم ؛ لقوله تعالى :( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) (٤) .
____________________
(١) الأنفال : ١٥.
(٢) التوبة : ٣٨.
(٣) التوبة : ٥.
(٤) البقرة : ١٩١.
وقال بعض الناس من العامّة : إنّ ذلك منسوخ بجواز القتال في كلّ وقت ومكان ؛ لقوله تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (١) (٢) وبعث النبيصلىاللهعليهوآله خالد بن الوليد إلى الطائف في ذي القعدة(٣) .
وأصحابنا قالوا : إنّ حكم ذلك باقٍ فيمن يرى لهذه الأشهر وللحرم حرمةً ، والعامّ قد يُخصّ بغيره.
مسألة ٤ : أوجب الله تعالى في كتابه الهجرة عن بلاد الشرك وبقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) (٤) .
والناس في الهجرة على أقسام ثلاثة :
الأوّل : مَنْ تجب عليه ، وهو مَنْ كان مستضعفاً من المسلمين بين الكفّار لا يمكنه إظهار دينه ولا عذر لهم من وجود عجز عن نفقة وراحلة.
الثاني : مَنْ لا تجب عليه الهجرة من بلاد الكفّار لكن تُستحبّ لهم ، وهو كلّ مَنْ كان من المسلمين ذا عشيرة ورهط تحميه عن المشركين ، ويمكنه إظهار دينه والقيام بواجبه ، ويكون آمناً على نفسه ، كالعبّاس وإنّما استحبّ له المهاجرة لئلّا يكثر سواد المشركين.
الثالث : مَنْ تسقط عنه الهجرة لأجل عذر من مرضٍ أو ضعفٍ أو
____________________
(١) التوبة : ٥.
(٢) أحكام القرآن - للكياهراسي - ١ : ٨٣ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ١ : ٢٥٨ ، أحكام القرآن - لابن العربي - ١ : ١٠٧ ، الجامع لأحكام القرآن ٢ : ٣٥١.
(٣) اُنظر : المغازي - للواقدي - ٣ : ٩٢٣ ، وتفسير الطبري ٤ : ٣١٤ ، وتاريخ الطبري ٢ : ١٧٧ ، والطبقات الكبرى - لابن سعد - ٢ : ١٥٨.
(٤) النساء : ٩٧.
عدم نفقةٍ ، فلا جناح عليه ؛ لقوله تعالى :( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) (١) لأنّهم بمنزلة المكرهين.
والهجرة باقية أبداً مادام الشرك باقياً ؛ لما روي عنهعليهالسلام أنّه قال : « لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها »(٢) .
وقولهعليهالسلام : « لا هجرة بعد الفتح »(٣) محمول على الهجرة من مكة ؛ لأنّها صارت دار الإسلام أبداً ، ولا هجرة بعد الفتح فاضلة كفضلها قبل الفتح ؛ لقوله تعالى :( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ) (٤) الآية.
مسألة ٥ : يشترط في وجوب الجهاد اُمور ستّة : البلوغ والعقل والحُرّيّة والذكورة والسلامة من الضرر ووجود النفقة ، وليس الإسلام عندنا شرطاً لوجوب شيء من فروع العبادات وإن كان شرطاً في صحّتها ، خلافاً لأبي حنيفة(٥) .
والبلوغ والعقل شرطان لوجوب سائر الفروع.
قال ابن عمر : عرضت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم أُحد وأنا ابن أربع
____________________
(١) النساء : ٩٨.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٣ / ٢٤٧٩ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٤٠ ، مسند أحمد ٥ : ٦٥ - ٦٦ / ١٦٤٦٣.
(٣) صحيح البخاري ٤ : ١٨ و ٢٨ ، سنن الترمذي ٤ : ١٤٨ - ١٤٩ / ١٥٩٠ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٣٩ ، مسند أحمد ١ : ٣٧٤ / ١٩٩٢ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٣ : ٣٠٩ / ٣٣٩٠.
(٤) الحديد : ١٠.
(٥) اُنظر : المستصفى ١ : ٩١ ، واُصول السرخسي ١ : ٧٤.
عشرة ، فلم يجزني في المقاتلة(١) .
والعبد لا يملك نفسه ومشغول بخدمة مولاه.
وقد روي أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يبايع الحُرّ على الإسلام والجهاد ، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد(٢) .
ولافتقار المجاهد إلى مال يملكه بحيث يصرفه في نفقته وزاده وحمله وسلاحه ، والعبد لا يملك شيئاً ، فهو أسوأ حالاً من الفقير.
والنساء لا يجب عليهنّ الجهاد ؛ لضعفهنّ عن القيام ، ولهذا لا يُسهم لهنّ. ولا يجب على الخنثى المشكل ؛ لعدم العلم بذكوريّته ، فلا يجب مع الشكّ في شرطه.
والمراد من السلامة من الضررِ السلامةُ من المرض والعمى والعرج ، قال الله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) (٣) .
ولا يسقط عن الأعور ولا عمّن عرجه يسير يتمكّن معه من الركوب والمشي من غير مشقّة ، ولا عمّن مرضه يسير لا يمنعه عنهما ، كوجع الضرس والصداع اليسير ، وإنّما يسقط عن ذي العرج الفاحش والمرض الكثير.
وأمّا وجود النفقة : فهو شرط ؛ لقوله تعالى :( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ) (٤) .
____________________
(١) سنن ابن ماجة ٢ : ٨٥٠ / ٢٥٤٣ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٣٦١.
(٢) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٣٦١.
(٣) الفتح : ١٧.
(٤) التوبة : ٩١.
ويشترط في النفقة الكفاية له ولعائلته مدّة غيبته ، ووجود سلاح يقاتل به ، وراحلة إن احتاج إليها ؛ لقوله تعالى :( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) (١) .
ولو أخرج الإمام معه العبيدَ بإذن ساداتهم ، والنساءَ والصبيانَ ، جاز الانتفاع بهم في سقي الماء والطبخ ومداواة الجرحى ، وكان النبيصلىاللهعليهوآله يُخرج معه اُمّ سليم وغيرها من نساء الأنصار(٢) .
ولا يخرج المجنون ؛ لعدم النفع به.
مسألة ٦ : وأقلّ ما يفعل الجهاد في كلّ عام مرّة واحدة.
قال الله تعالى :( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (٣) أوجب بعد انسلاخ الأشهر الحُرُم الجهادَ. والأصل عدم التكرار.
ولأنّ الجزية تجب على أهل الذمّة في كلّ عام ، وهي بدل عن النصرة ، فكذلك مُبْدلها ، وهو الجهاد.
ولأنّ تركهم أكثر من ذلك يوجب تقويتهم وتسلّطهم ، فيجب في كلّ عام إلّا من عذر ، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عددٍ أو عُدّةٍ أو ينتظر الإمام مدداً يستعين به أو يكون في الطريق مانع أو عدم علف يحتاجون إليه أو عدم ماء أو يحسن رأي العدوّ في الإسلام ويطمع في إسلامهم إن أخّر قتالهم ونحو ذلك ممّا يرى المصلحة معه بترك القتال ، فيجوز تركه بهدنة
____________________
(١) التوبة : ٩٢.
(٢) صحيح البخاري ٤ : ٤٠ و ٤١ ، صحيح مسلم ٣ : ١٤٤٣ / ١٨١٠ ، سنن أبي داوُد ٣ : ١٨ / ٢٥٣١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٢ / ٢٨٥٦ ، سنن الترمذي ٤ : ١٣٩ / ١٥٧٥.
(٣) التوبة : ٥.
وغير هدنة ، فقد صالح النبيصلىاللهعليهوآله قريشاً عشر سنين وأخّر قتالهم حتى نقضوا عهده ، وأخّر قتال قبائل من العرب بغير هدنة(١) .
ولو احتاج الإمام إلى القتال في عام أكثر من مرّة ، وجب ذلك ؛ لأنّه فرض كفاية ، فوجب منه ما دعت الحاجة إليه.
مسألة ٧ : الغزو في البحر أفضل من غزو البرّ ؛ لما فيه من عظم المشقّة وكثرة الخطر ، فإنّه بين خطر العدوّ وخطر الغرق ، ولا يتمكّن من الفرار إلّا مع أصحابه ، وقد روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « شهيد البحر مثل شهيدَي البرّ »(٢) .
وقتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم وقد روى العامّة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال لأمّ خلاد : « إنّ ابنكِ له أجر شهيدين » قالت : ولِمَ ذاك يا رسول الله؟ قال : « لأنّه قتله أهل الكتاب »(٣) .
والأولى أن يبدأ بقتال مَنْ يلي دار الإسلام ؛ لقوله تعالى :( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ ) (٤) إلّا أن يكون الخوف من الأبعد أكثر فيبدأ بهم.
والجهاد في ابتداء الإسلام لم يكن واجباً ، بل منعهم الله تعالى منه وأمر المسلمين بالصبر على أذى الكفّار والاحتمال منهم على ما قال تعالى :( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ - إلى قوله تعالى -وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٨ ، المغني ١٠ : ٣٦٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٦٣.
(٢) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٢٨ / ٢٧٧٨ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٨ : ٢٠٠ - ٢٠١ - ٧٧١٦.
(٣) سنن أبي داود ٣ : ٥ - ٦ / ٢٤٨٨ ، سنن البيهقي ٩ : ١٧٥.
(٤) التوبة : ١٢٣.
ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (١) ثمّ لمـّا قويت شوكة الإسلام أذن الله تعالى في قتال مَنْ يقاتل ، فقال( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ) (٢) ثمّ أباح ابتداء القتال في غير الأشهر الحُرُم ثمّ أمر به من غير شرط في حقّ مَنْ لا يرى حرمةً للحرم والأشهر الحُرُم بقوله تعالى :( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) (٣) .
وكان فرض الجهاد في المدينة على الكفاية في ابتداء الوجوب عندنا ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : أنّه كان فرض عين(٤) .
وأمّا بعد النبيصلىاللهعليهوآله فالكفّار إن كانوا قاطنين في بلادهم غير قاصدين لقتال المسلمين ، فالجهاد لهم فرض كفاية لا فرض عين ، وإلّا لتعطّلت المعايش.
والكفاية تحصل بشيئين :
أحدهما : أن يبعث الإمام في كلّ ثغر جماعة يقومون بحرب من بإزائهم من الكفّار ويحصل بهم القصد من امتناع دخولهم إلينا ، وينبغي أن يحتاط بأحكام الحصون وحفر الخنادق ونحوها ويرتّب في كلّ ناحية أميرا قيّما بأمور الجهاد وحراسة المسلمين.
والثاني : أن يدخل(٥) دار الكفّار غازياً بنفسه أو يبعث جيشاً يؤمّر عليهم مَنْ فيه كفاية ؛ اقتداءً برسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ حيث كان يبعث السرايا
____________________
(١) آل عمران : ١٨٦.
(٢) البقرة : ١٩٠.
(٣) البقرة : ١٩١.
(٤) الحاوي الكبير ١٤ : ١١٠ و ١١١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٤٤ ، منهاج الطالبين : ٣٠٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٠.
(٥) أي الإمام.
والجيوش(١) .
وأقلّه في كلّ سنة مرّة ، وما زاد فهو أفضل.
وقال بعض الشافعيّة : تجب إدامته بحسب الإمكان بحيث لا يبقى إلّا مسلم أو مسالم(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ الغالب أنّ الأموال والعدد لا توفّي تجهيز الجيوش أكثر من مرّة واحدة في السنة.
ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله فَعَل ذلك ، فإنّ غزاة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة ، وغزاة أُحد في الثالثة ، وغزاة ذات الرقاع في الرابعة ، وغزاة الخندق في الخامسة ، وغزاة بني المصطلق في السادسة ، وفتح خيبر في السابعة ، وفتح مكة في الثامنة ، وغزاة تبوك في التاسعة(٣) .
وإن لم يستقرّ الكفّار في بلادهم بل قصدوا بلدةً من بلاد المسلمين(٤) . قاصدين لها ، فالوجه أنّ الوجوب لا يتعيّن(٥) وصفه ، بل يكون فرضَ كفاية - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٦) - فإن قام به البعض ، وإلّا وجب على الأعيان. ويستوي في ذلك الغني والفقير والحُرّ والعبد ، ولا يحتاج إلى إذن سيّده. والثاني : أنّه فرض عين(٧) .
____________________
(١) اُنظر على سبيل المثال : سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ / ٢٦١٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٣ / ٢٨٥٧ و ٢٨٥٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١١.
(٣) اُنظر على سبيل المثال : تاريخ الطبري ٢ : ١٣١ و ١٨٧ و ٢٢٦ - ٢٢٧ و ٢٣٣ و ٢٦٠ و ٢٩٨ و ٣٦٦.
(٤) في « ق ، ك » : بلاد الإسلام. وفي الطبعة الحجريّة : بلد المسلمين.
(٥) أي : أنّ الوجوب لا يصير عينيّاً. وفي « ك » : « لا يتغيّر » بدل « لا يتعيّن ».
(٦ و ٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٥ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤١٦ ، منهاج الطالبين : ٣٠٧.
فإن حصلت المقاومة من غير مرافقة العبيد ، فللشافعيّة وجهان ، أحدهما : أنّ الحكم كذلك ؛ لتقوى القلوب وتعظم الشوكة وتشتدّ النكاية في الكفّار. والثاني : أنّه لا ينحلّ الحجر عنه ؛ لأنّ في الأحرار غنيةً عنهم(١) .
ولو أحوج الحال إلى الاستعانة بالنساء ، وجب.
ولو لم يتمكّن أهل البلد من التأهّب والتجمّع ، فمَنْ وقف عليه كافر أو كفّار وعلم أنّه يُقتل ، وجب عليه المدافعة عن نفسه بقدر ما يمكنه ، سواء الذكر والاُنثى ، والحُرّ والعبد ، السليم والأعمى والأعرج ، ولو لم يعلم القتل بل جوّز السلامة وأن يؤسر إن استسلم وإن امتنع قُتل ، وجب عليه الاستسلام ؛ فإنّ الأسر يحتمل معه الخلاص.
ولو امتدّت الأيدي إلى المرأة ، وجب عليها الدفع وإن قُتلت ؛ لأنّ المكره(٢) على الزنا لا تحلّ له المطاوعة(٣) .
والبلاد القريبة من تلك البلدة يجب عليهم النفور إليها مع عجز أهلها لا مع عدم العجز ، وهو أحد وجهي الشافعيّة ، والثاني : أنّه يجب(٤) .
وأمّا البلاد البعيدة : فإن احتيج إلى مساعدتهم ، وجب عليهم النفور ، وإلّا فلا.
وللشافعيّة وجهان ، أحدهما ، عدم الوجوب على مَنْ بعد عن مسافة القصر. و [ الثاني : ](٥) يجب على الأقربين فالأقربين إلى أن يكفّوا ويأمن أهل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٥ - ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٦.
(٢) كذا ، والأنسب بسياق العبارة : لأنّ مَنْ اُكره.
(٣) أي : لا تحلّ له المطاوعة لدفع القتل.
(٤) الوجيز ٢ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٧.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
البلدة(١) .
وينبغي للأقربين التثبّت إلى لحوق الآخرين مع احتمال الحال ذلك.
ولا يشترط وجدان الركوب فيمن يكون بلده دون مسافة القصر مع قدرته.
وأمّا مَنْ بعد إلى مسافة القصر : فللشافعيّة وجهان : عدم الاشتراط ؛ لشدّة الخطب ، وثبوته كالحجّ(٢) . وكذا الوجهان في اشتراط الزاد(٣) .
مسألة ٨ : لو نزل الكفّار في خراب أو على جبل في دار الإسلام بعيد عن البلدان ، احتمل مساواته لنزولهم في البلد ، لأنّه من دار الإسلام ، وعدمه ، لأنّ الديار تشرف بسكون المسلمين.
وللشافعيّة وجهان(٤) .
ولو أسروا مسلماً أو جماعةً من المسلمين ، فالوجه : أنّه كدخول دار الإسلام ؛ لأنّ سبب حرمة دار الإسلام حرمة المسلمين ، فالاستيلاء على المسلمين أعظم من الاستيلاء على دارهم.
ويحتمل المنع ؛ لأنّ إعداد الجيش وتجهيز الجند لواحد يقع في الأسر بعيد.
وللشافعيّة وجهان(٥) .
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٦ - ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٧.
(٢) الوجيز ٢ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٧.
(٤) الوجيز ٢ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٧ - ٤١٨.
(٥) الوجيز ٢ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٨.
ولو كانوا على القرب من دار الإسلام وتوقّعنا استخلاص الاُسراء لو مشينا إليهم ، وجب. ولو توغّلوا في دار الكفر ولم يمكن التسارع إليهم ، انتظرنا الإمكان.
مسألة ٩ : الجهاد قسمان :
أحدهما : أن يكون للدعاء إلى الإسلام ، ولا يجوز إلّا بإذن الإمام العادل أو مَنْ نصبه لذلك ، عند علمائنا أجمع ؛ لأنّه أعرف بشرائط الدعاء وما يدعوهم إليه من التكاليف دون غيره.
قال بشير : قلت للصادقعليهالسلام : رأيتُ في المنام أنّي قلتُ لك : إنّ القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ، فقلتَ : نعم ، هو كذلك ، فقال الصادقعليهالسلام : « هو كذلك هو كذلك »(١) .
وقال أحمد : يجب مع كلّ إمام برّ وفاجر ؛ لرواية أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « الجهاد واجب عليكم مع كلّ إمام(٢) برّاً كان أو فاجراً »(٣) (٤) .
وهو محمول على القسم الثاني من نوعي الجهاد ، مع أنّ أبا هريرة طُعن في حديثه ، ولهذا أدّبه عمر(٥) على كثرة حديثه ، ولو لا التهمة في حديثه لما فعل عمر به ذلك ، خصوصاً مع معارضته للكتاب العزيز حيث
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٧ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٣٤ / ٢٢٦.
(٢) في المصادر : أمير.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ١٨ / ٢٥٣٣ ، سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٦ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢١ و ٨ : ١٨٥.
(٤) المغني ١٠ : ٣٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٦٦.
(٥) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ٤ : ٦٧ - ٦٨.
يقول :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ) (١) والفاجر ظالم.
ووجوب هذا القسم على الكفاية على ما تقدّم ، فينبغي للإمام أو نائبه اعتماد النصفة بينهم ، فلا يكرّر الغزو على قوم دون قوم.
والثاني : أن يدهم المسلمين العدوُّ ، فيجب على الأعيان عند قوم وعلى الكفاية عند آخرين ، وقد سبق(٢) .
مسألة ١٠ : قد عرفت أن ردّ السلام واجب على الكفاية على الجماعة ، وهو فرض عين على الواحد ، فابتداؤه مستحبّ. ولا يستحبّ على المصلّي عند بعض الشافعيّة ولا على مَنْ يقضي حاجته ولا في الحمّام(٣) .
ولو أجاب الجميع دفعةً واحدة ، كانوا مؤدّين فرض كفاية ، كما يلحقهم الذمّ بأجمعهم لو تركوا.
ولو تعاقبوا ، فالوجه : أن الفرض يسقط بالأوّل.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ المتأخّر يكون مؤدّياً لفرض كفاية(٤) . وليس بجيّد.
ولو سلّم على شخص أو جماعة فردّ عليه غيرهم ، لم يسقط الفرض عمّن سلّم عليه. وابتداء السلام سنّة على الكفاية.
ولو سلّم واحد من جماعة على واحد من جماعة اُخرى ، كفى ذلك
____________________
(١) هود : ١١٣.
(٢) سبق في المسألة ١.
(٣) الوجيز ٢ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٣٣.
(٤) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر. وقال الرافعي والنووي - واللفظ للأوّل - : وإن أجاب الجميع ، كانوا مؤدّين للفرض سواء أجابوا معاً أو على التعاقب.
اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧٠ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٢٨.
لإقامة السنّة.
ولو سلّم في بعض الأحوال التي لا يستحبّ فيها السلام ، فالوجه : وجوب الردّ ؛ عملاً بالعموم ، خلافاً للشافعيّة(١) .
وإذا سلّم على المصلّي ، وجب عليه الجواب.
وقالت الشافعيّة : لا يجيب حتى يفرغ من الصلاة ، ويجوز أن يجيب في الصلاة بالإشارة(٢) .
وعندنا يجيب بمثل ما سلّم عليه ، فيقول في الجواب : السلام عليكم ، ولا يقول : وعليكم السلام.
وأمّا مَنْ يقضي الحاجة ، فالقرب منه ومكالمته بعيد عن الأدب والمروءة.
وأمّا الحمّام : فإنّه موضع التنظيف والدلك ، فلا تليق التحيّة بحالهم.
والمشغول بالأكل إن كانت اللقمة في فيه واحتاج في المضغ والبلع إلى زمان يمنعه عن الجواب ، لم يسنّ التسليم عليه ، وأمّا بعد الابتلاع وقبل وضع لقمة اُخرى في فيه(٣) فلا منع.
وبعض الشافعيّة منع مطلقاً(٤) . وبعضهم سوّغه مطلقاً(٥) .
ولا يمنع المعامل وقت المعاملة والمساومة من التسليم عليه ؛ لأنّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٣٣ ، المغني ١ : ٧٤٧ ، التفسير الكبير ١٠ : ٢١٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧١ و ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٣٣ ، المجموع ٤ : ١٠٣ ، المغني ١ : ٧٤٧ و ٧٤٨.
(٣) في « ق » : فمه.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٣٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧١ - ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٣٣.
أغلب أحوال الناس ذلك.
ولا بدّ في السلام وجوابه من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع.
وصيغته : السلام عليكم. ويقوم مقامه : سلام عليكم. ولو قال : عليكم السلام ، لم يكن مسلماً ، إنّما هي صيغة جواب. ويراعى صيغة الجمع وإن كان السلام على واحد خطاباً له. ولو أخلّ بصيغة الجمع ، حصل أصل السنّة.
وصيغة الجواب : وعليكم السلام. ولو قال : وعليك السلام ، للواحد ، جاز. ولو ترك حرف العطف وقال : عليكم السلام ، فهو جواب ، خلافاً لبعض الشافعيّة(١) .
ولو تلاقى اثنان فسلّم كلّ واحد منهما على الآخر ، وجب على كلّ واحد منهما جواب الآخر ، ولا يحصل الجواب بالسلام وإن ترتّب السلامان.
ولو قال المجيب : وعليك ، ففي كونه جواباً نظر من حيث إنّه لا تعرّض للسلام فيه ، ومن حيث إنّه يكون جواباً للعطف ورجوعاً إلى قول : السلام. ولو قال : عليكم ، لم يكن جواباً.
وكمال السلام أن يقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكمال الجواب أن يقول : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وينبغي أن يكون الجواب متّصلاً بالسلام ليعدّ جواباً له ، كما في قبول الإيجاب في العقود.
ولو ناداه من وراء ستر أو حائط وقال : السلام عليكم يا فلان ، أو
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٢٩.
كتب كتاباً وسلّم فيه عليه ، أو أرسل رسولاً فقال : سلِّم على فلان ، فبلغه الكتاب والرسالة ، قال بعض الشافعية : يجب عليه الجواب ؛ لأنّ تحيّة الغائب إنّما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة ، وقد قال تعالى :( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ) (١) الآية(٢) .
والوجه أنّه إن سمع النداء ، وجب الجواب ، وإلّا فلا.
وما يعتاده الناس من السلام عند القيام ومفارقة الجماعة دعاء لا تحيّة يستحبّ الجواب عنه ولا يجب.
ويكره أن يخصّ طائفة من الجمع بالسلام. ولو سلّم عليه جماعةٌ فقال : وعليكم السلام ، وقصد الردّ عليهم جميعاً ، جاز ، وسقط الفرض في حقّ الجميع.
ويستحبّ أن يسلّم الراكب على الماشي ، والقائم على الجالس ، والطائفة القليلة على الكثيرة. ولا يكره أن يبتدئ الماشي والجالس.
ولو سلّم على الأصمّ ، أتى باللفظ ؛ لقدرته عليه ، وأشار باليد ليحصل الإفهام. ولو لم يضمّ الإشارة ، لم يستحقّ الجواب. وكذا في جواب الأصمّ ينبغي أن يجمع بين اللفظ والإشارة.
وسلام الأخرس بالإشارة معتدّ به ، وكذا ردّه السلام.
ولا يجب على الصبي ردّ السلام ؛ لأنّه ليس مكلّفاً. ولو سلّم على جماعة فيهم صبي فردّ الصبي ، لم يسقط الفرض بجوابه. ولو سلّم الصبي ،
____________________
(١) النساء : ٨٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٢٨ ، الأذكار - للنووي - : ٢٦١ ، التفسير الكبير ١٠ : ٢١٥.
فالأقرب وجوب الردّ عليه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) .
وسلام النساء على النساء كسلام الرجال على الرجال. ولو سلّم رجل على امرأة أو بالعكس ، فإن كان بينهما زوجيّة أو محرميّة أو كانت عجوزاً خارجةً عن مظنّة الفتنة ، ثبت استحقاق الجواب ، وإلّا فلا.
ويستحبّ لمن دخل دار نفسه أن يسلّم على أهله. وكذا مَنْ دخل مسجداً أو بيتاً لا أحد فيه يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ولا يسلّم على أهل الذمّة ابتداء. ولو سلّم عليه ذمّيّ أو من لم يعرفه فبان ذمّيّا ، ردّ بغير السلام بأن يقول : هداك الله ، أو : أنعم الله صباحك ، أو : أطال الله بقاءك. ولو ردّ بالسلام ، لم يزد في الجواب على قوله : وعليك.
والتحيّة بتقبيل اليد وانحناء الظهر لا أصل له في الشرع ، لكن لا يمنع الذمّيّ من تعظيم المسلّم بهما. ولا يكره التعظيم بهما لزهد وعلم وكبر سنٍّ. وروي أنّ أعرابيّاً قعد عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فاستحسن كلامه ، فاستأذنه في أن يقبّل وجهه ، فأذن له ، ثمّ استأذن في أنّ(٢) يقبّل يده ، فأذن له ، ثمّ استأذنه في أن يسجد له ، فلم يأذن له(٣) .
وتستحبّ المصافحة.
ويكره للداخل أن يطمع في قيام القوم لكن يستحبّ لهم أن يكرموه.
والأقرب : جواز السلام بالفارسيّة.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٣١.
(٢) في الطبعة الحجرية : ثم استأذنه إن.
(٣) أورده - كما في المتن - الرافعي في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٧٥ ، ورواه الحاكم في المستدرك ٤ : ١٧٢ ، وأبو نعيم في دلائل النبوّة ٢ : ٥٠٢ - ٥٠٣ / ٢٩١ نحوه.
مسألة ١١ : روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « حقّ المؤمن على المؤمن ستّ : أن يسلّم عليه إذا لقيه ، وأن يجيبه إذا دعاه ، وأن يسمّته إذا عطس ، وأن يعوده إذا مرض ، وأن يشيّع جنازته إذا مات ، وأن لا يظنّ فيه إلّا خيراً »(١) .
واستحباب التسميت على الكفاية. وإنّما يستحبّ إذا قال العاطس : الحمد لله ، فيقول المسمّت له : يرحمك الله ، أو ما شابهه. ويكرّر التسميت إذا تكرّر العطس إلّا أن يكون لمرض ، فيقول : عافاك الله.
ويستحبّ للعاطس أن يجيبه ، فيقول : يغفر الله لك ، وشبهه. ولا يجب الجواب هنا ، بخلاف ردّ السلام ؛ لأنّ التسميت إنّما هو للعاطس ولا عطاس بالمسمّت ، والتحيّة تشمل الطرفين.
وتستحبّ زيارة القادم ومعانقته ؛ فإنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله عانق جعفراً -رحمهالله - لمـّا قدم من الحبشة(٢) .
مسألة ١٢ : يسقط فرض الجهاد بالعجز ، وهو قسمان : حسّيٌّ ، كالمرض والفقر والصبا والجنون والاُنوثة والعرج المانع من المشي سواء قدر على الركوب أو لا ؛ لأنّ الدابّة قد تهلك.
وللشافعيّة وجه : أنّ العرج لا يؤثّر في حقّ الراكب مع قدرته على الركوب(٣) . وليس بشيء.
ولا فرق بين أن يكون العرج في رِجْل واحدة أو في الرِّجْلين معاً.
____________________
(١) مسند أحمد ٢ : ٦١٦ - ٦١٧ / ٨٠٧٢ ، شعب الإيمان - للبيهقي - ٦ : ٤٢٥ / ٨٧٥٣ بتفاوت.
(٢) أُسد الغابة ١ : ٢٨٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٢.
وقال أبو حنيفة : لا أثر للعرج في رِجْل واحدة(١) .
ولا جهاد على الأقطع والأشلّ ؛ لعدم تمكّنهما من الضرب والاتّقاء. ومفقود معظم الأصابع كالأقطع
ولا يسقط عن الأعشى وضعيف البصر إذا كان يدرك الشخص ويمكنه أن يتّقي السلاح.
ويسقط عن الفقير ، وهو الذي لا يجد ما ينفق في طريقه ذهاباً وعوداً ولا ما يركب عليه.
ويشترط نفقة أهله وعياله ذهاباً وعوداً. ومَنْ لا أهل له ولا عشيرة يشترط في حقّه نفقة الإياب أيضاً.
وقال بعض الشافعيّة : لا يشترط ؛ لأنّ سفر الغزو سفر الموت(٢) .
وهو غلط ؛ لأنّ الغالب في الظنّ الإياب ، ولأنّ وجود ذلك معه يوجب له نشاطا وقوّة.
ولو كان القتال على رأس البلد أو قريباً منه ، لم يشترط نفقة الطريق.
ويجب اشتراط الراحلة مع الحاجة. ويجب أن يكون جميع ذلك فاضلاً عن نفقة مَنْ تلزمه نفقته.
ولا يشترط أمن الطريق من طلائع الكفّار ؛ لأنّا مأمورون بقتالهم.
ولو كان(٣) من متلصّصي المسلمين ، فللشافعيّة وجهان ، أحدهما : أنّه يمنع الوجوب ، كما في الحجّ ، وأصحّهما : أنّه لا يمنع ، لأنّ قتال المتلصّص أهمّ وأولى(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٢.
(٣) أي الخوف.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٢.
ولو بُذل للفقير ما يحتاج إليه ، لم يجب القبول إلّا أن يكون الباذل الإمامَ ، فعليه أن يقبل ويجاهد ؛ لأنّ ما يأخذه من الإمام حقّه.
والذمّي لا يكلّف الخروج إلّا مع الحاجة ؛ لأنّه بذل الجزية لنذبَّ عنه لا ليذبّ عنّا.
القسم الثاني : المانع الشرعي مع القدرة. وأقسامه ثلاثة :
الأوّل : الرقّ ، فلا يجب على العبد وإن أمره سيّده بذلك ؛ لأنّه ليس من أهل الجهاد ، والملك لا يقتضي التعرّض للهلاك ، وليس القتال من الاستخدام المستحقّ للسيّد على العبد ، ولا يلزمه الذبّ عن سيّده عند الخوف على روحه إذا لم يجب الدفع عن الغير ، بل السيّد في ذلك كالأجانب. نعم ، للسيّد استصحابه في سفر الجهاد وغيره ليخدمه ويسوس دوابَّه ويحفظ متاعه.
والمدبَّر والمكاتب والمتحرّر بعضه كالقِنّ.
الثاني : الدَّيْنُ ، فلا يجب على مَنْ عليه دَيْنٌ حالّ لمسلم أو ذمّي الخروجُ إلى الجهاد مع قدرته على الدَّيْن إلّا بإذن ربّ الدَّيْن. وله منعه منه ؛ لأنّ مطالبته تتوجّه عليه ، والحبسُ إن امتنع من أدائه ، ولأنّ الدَّيْن فرض متعيَّن عليه ، فلا يترك بفرض الكفاية.
ولو كان معسراً ، فالوجه : أنّه ليس له منعه من الجهاد ؛ لأنّه لا مطالبة له عليه في الحال ، وهو أحد قولي الشافعيّة ، ومذهب مالك. والثاني : المنع ؛ لأنّه يرجو اليسار فيؤدّي وفي الجهاد خطر الهلاك(١) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٨ - ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣ ، المغني ١٠ : ٣٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٧٦.
ولو استناب المديون مَنْ يقضي الدَّيْن من مال حاضرٍ ، فله الخروج ؛ لأنّ صاحب الدَّيْن يصل إلى حقّه في الحال ، أمّا لو أمره بالقضاء من مال غائبٍ ، فإنّه لا يجوز له الخروج بغير إذنه ؛ لأنّه قد لا يصل إليه.
وإذا أذن ربّ المال في الخروج ، جاز له ، ولحق بأصحاب فرض الكفاية ، وهو أحد قولي الشافعيّة(١) .
ولو كان الدَّيْن مؤجّلاً ، فليس لصاحبه منعه من الخروج ، كما ليس له منعه من الأسفار ، وهو أحد قولي الشافعيّة وقول مالك. والثاني : أنّ له منعه - وبه قال أحمد - لأنّ الجهاد يقصد فيه الشهادة التي تفوت بها النفس ، فيفوت الحقّ بفواتها(٢) .
وروي أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا رسول الله إن قُتلت في سبيل الله صابراً محتسباً يكفَّر عنّي خطاياي؟ قال : « نعم ، إلّا الدّيْن ، فإنّ جبرئيل قال لي ذلك »(٣) .
وفوات النفس غير معلوم ، ولا دلالة في الحديث على المطلوب.
وللشافعيّة طريقة اُخرى هي أنّه إن لم يخلِّف وفاءً ، فليس له الخروج إلّا بإذن ربّ الدِّيْن ، وإن خلَّف ، فوجهان ؛ لأنّه قد يتلف ولا يصل إلى ربّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٤٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣ ، المغني ٤ : ٥٤٩ ، و ١٠ : ٣٧٨ ، الشرح الكبير ٤ : ٤٩٤ - ٤٩٥ و ١٠ : ٣٧٦.
(٣) الموطأ ٢ : ٤٦١ / ٣١ ، صحيح مسلم ٣ : ١٥٠١ / ١٨٨٥ ، سنن الترمذي ٤ : ٢١٢ / ١٧١٢ ، سنن النسائي ٦ : ٣٥٠ ، سنن البيهقي ٥ : ٢٥ ، مسند أحمد ٦ : ٤٠٣ / ٢٢٠٣٦ و ٤١٢ / ٢٢٠٧٩ و ٤١٩ - ٤٢٠ / ٢٢١٢٠ بتفاوت.
الدَّيْن(١) .
ولبعضهم وجه آخر : إن كان الأجل يدوم إلى أن يرجع ، فلا منع ، وإن كان يحلّ قبل أن يرجع ، فوجهان(٢) .
وهل ركوب البحر كسفر الجهاد؟ قال بعض الشافعيّة : نعم ؛ لخطره(٣) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ راكب البحر يغلب السلامة ويطلب الغنيمة ، والغازي يعرّض نفسه للشهادة.
الثالث : الاُبوّة ، فمَنْ كان له أبوان مسلمان أو أحدهما ليس له الجهاد إلّا بإذنهما أو بإذن الحيّ منهما ، سواء الأب والاُمّ في ذلك ، وهو قول عامّة أهل العلم(٤) ؛ لما رواه ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله ، أنّه قال : جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا رسول الله أجاهد؟ فقال : « ألك أبوان؟ » قال : نعم ، قال : « ففيهما فجاهد »(٥) .
وفي رواية : جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبويّ يبكيان ، قال :
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٥٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣.
(٤) الوجيز ٢ : ١٨٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣ ، بداية المجتهد ١ : ٣٨١ ، بدائع الصنائع ٧ : ٩٨ ، المغني ١٠ : ٣٧٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٧٧.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ١٧ / ٢٥٢٩ ، المغني ١٠ : ٣٧٦ ، الشرح الكبير ١٠ - ٣٧٧ ، ونحوه في سنن الترمذي ٤ : ١٩١ - ١٩٢ / ١٦٧١ ، وفيها عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال صاحب المغني بعد نقل هذا الحديث : وعن ابن عباس عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) مثله. وقال صاحب الشرح الكبير : وروى ابن عباس نحوه.
وكذا قال الترمذي في ذيل الحديث المزبور : وفي الباب عن ابن عباس.
« ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما »(١) .
وهاجر رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « هل لك باليمن أحد؟ » قال : نعم ، أبواي ، قال : « أذنا لك؟ » قال : لا ، قال : « فارجع فاستأذنهما ، فإن أذنا لك فجاهد ، وإلّا فبرّهما »(٢) .
ولأنّ الجهاد فرض كفاية وبرّ الوالدين فرض عين ، فيقدّم وهو بشرط الإسلام.
ولو كانا مشركين أو الحيّ منهما ، لم يفتقر إلى إذنهما - وبه قال الشافعي وأحمد(٣) - للتهمة الظاهرة بالميل إلى ملّته في الكفر ، وكان ولد عبد الله بن أبيّ بن سلول يغزو مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومعلومٌ أنّ أباه كان يكره ذلك ، فإنّه كان يخذل الأجانب ويمنعهم عن الجهاد(٤) ، وكذا أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله كانوا يجاهدون وفيهم مَنْ له أبوان كافران من غير استئذانهما ، منهم أبو بكر ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبيصلىاللهعليهوآله يوم بَدْر وأبوه رئيس المشركين يومئذٍ قُتل ببَدْر ، وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد فأنزل الله تعالى :( لا تَجِدُ قَوْماً ) (٥) (٦) الآية.
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ١٧ / ٢٥٢٨ ، سنن النسائي ٧ : ١٤٣ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٦ ، مسند أحمد ٢ : ٣٤٢ / ٦٤٥٤ و ٤٠٠ / ٦٧٩٤.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ١٧ - ١٨ / ٢٥٣٠ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ١٣١ / ٢٣٣٤ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣ ، المغني ١٠ : ٣٧٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٧٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٢٣.
(٥) المجادلة : ٢٢.
(٦) أسباب النزول - للنيسابوري - : ٢٣٦ ، التفسير الكبير ٢٩ : ٢٧٦ ، الجامع لأحكام القرآن ١٧ : ٣٠٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٢٣ ، المغني ١٠ : ٣٧٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٧٨.
وقال الثوري : ولا يغزو إلّا بإذنهما ؛ لعموم الأخبار(١) . وهو مخصوص بما قلناه.
أ - لو كان أبواه رقيقين ، فعموم كلام الشيخ(٢) يقتضي اعتبار إذنهما ؛ للعموم ، ولأنّهما مسلمان فأشبها الحُرّين.
ويحتمل عدم اعتبار إذنهما ؛ لانتفاء ولايتهما.
ب - لو كانا مجنونين ، فلا عبرة بإذنهما.
ج - هل الجدّان كالأبوين؟ الأقرب ذلك. وللشافعيّة وجهان(٣) .
ولو كانا مع الأبوين ، ففي اشتراط إذن الجدّ مع الأب والجدّة مع الاُمّ إشكال ينشأ من أنّ القريب يحجب البعيد ، ومن أنّ البرّ إلى البعيد لا يخصّ بحالة فقدان القريب.
د - لو تعيّن الجهاد عليه ، لم يعتبر إذن الأبوين ولا غيرهما من أصحاب الدَّيْن والسيّد ، وكذلك كلّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها ، كالصلاة والحجّ ؛ لأنّه عبادة تعيّنت عليه ، فلا يعتبر إذن الأبوين فيها ، وقال تعالى :( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (٤) ولم يشترط إذن الأبوين.
ه - لو أذن أبواه في الغزو وشرطا عليه ترك القتال فحضر ، تعيّن عليه وسقط شرطهما - وبه قال الأوزاعي وأحمد وابن المنذر(٥) - لأنّه صار
____________________
(١) المغني ١٠ : ٣٧٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٧٨.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٣.
(٤) آل عمران : ٩٧.
(٥) المغني ١٠ : ٣٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٧٩.
واجباً ، فلم يبق لهما في تركه طاعة.
ولو خرج بغير إذنهما فحضر القتال ثمّ بدا له الرجوع ، لم يجز له ذلك.
و - ليس للأبوين المنع من سفر الحجّ الواجب ؛ لأنّه على الفور ، وليس الخوف فيه كالخوف في الغزو.
وللشافعي قولٌ إنّ لهما المنع ؛ لأنّ الحجّ على التراخي وبرّ الوالدين على الفور(١) . والصغرى ممنوعة.
وكذا ليس لهما المنع من سفره في طلب العلم الواجب عليه ، ولا يجب عليه استئذانهما كالحجّ.
ولو كان فرضَ كفاية بأن خرج طالباً لدرجة الفتوى وفي بلده مَنْ يشتغل بالفتوى ، احتمل أنّ لهما المنع ؛ لتعيّن البرّ عليه ، وعدمه ؛ لبُعْد الحَجْر على المكلّف وحبسه.
ولو لم يكن هناك مَنْ يشتغل بالفتوى لكن خرج مع جماعة لذلك ، فالأقرب عدم الاحتياج إلى الإذن ؛ لأنّه لم يوجد في الحال من يقوم بالغرض ، والخارجون معه قد لا يحصل لهم المقصود. ولو لم يخرج معه أحد ، لم يفتقر إلى الإذن ؛ لأنّه يؤدّي فرضاً ، كما لو خرج لغزو تعيّن عليه.
ولو أمكنه التعلّم في بلده ، فإن توقّع في سفره زيادة فراغٍ أو إرشاد اُستاذٍ ، احتمل عدم افتقاره إلى الإذن.
وأمّا سفر التجارة : فإن كان قصيراً ، لم يمنع منه ، وإن كان طويلاً وفيه خوف ، اشترط إذنهما ، وإلّا احتمل ذلك تحرّزاً من تأذّيهما. ولأنّ لهما منعه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٠ ، المجموع ٨ : ٣٤٩.
من حجّة التطوّع مع أنّه عبادة فيكون منعهما من المباح أولى ، وعدمه ؛ لأنّه بامتناعه ينقطع عن معاشه ويضطرب أمره.
والأقرب : أنّ الأب الكافر كالمسلم في هذه الأسفار ، بخلاف سفر الجهاد [ ولا فرق بين الحرّ](١) والرقيق ، لشمول معنى البرّ والشفقة.
ز - لو خرج للجهاد بإذن صاحب الدَّيْن أو الأبوين ثمّ رجعوا أو كان الأبوان كافرين فأسلما بعد خروجه من غير إذنٍ وعلم بالحال ، فإن لم يشرع في القتال ولم يحضر الرفقة(٢) بَعْدُ ، فإنّه ينصرف إلّا إذا خاف على نفسه أو ماله أو خاف من انصرافه كسر المسلمين.
ولو لم يمكنه الانصراف ؛ للخوف وأمكنه الإقامة في قرية في الطريق إلى أن يرجع جيش المسلمين ، لزمه أن يقيم ؛ لأنّ غرض الراجعين عن الإذن أن لا يقاتل ، وهو أحد وجهي الشافعيّة، والثاني : عدم الوجوب ؛ لما يناله من وحشة مفارقة الرفقة وإبطال أُهبة الجهاد عليه(٣) .
ولو كان الرجوع بعد الشروع في القتال ، احتمل وجوب الرجوع ؛ لأنّ حقّ الراجعين عن الإذن أولى بالرعاية ؛ لأنّه فرض عين والجهاد فرض كفاية ، ولأنّ حقّهم أسبق ، ولأنّ حقّ الآدمي مبني على المضايقة ، فهو أولى بالمحافظة ، وعدمه ، لوجوب الثبات على مَنْ حضر القتال ؛ لقوله تعالى:( إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ) (٤) ولأنّه ربما يكسر قلوب المسلمين ويشوّش الجهاد.
____________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) كذا ، ولعلّها : ولم يحضر الوقعة. كما يأتي نظيرها.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٥.
(٤) الأنفال : ٤٥.
وللشافعي قولان(١) . ولبعض أصحابه فرقُ بين رجوع الأبوين وصاحب الدَّيْن ؛ لعظم شأن الدَّين والاحتياط للمظالم(٢) .
ح - مَنْ شُرط عليه الاستئذان إذا خرج بغير إذنٍ ، لزمه الانصراف ما لم يشرع في القتال ؛ لأنّ سفره معصية ، إلّا أن يخاف على نفسه أو ماله ، فإن شرع في القتال ، فللشافعية وجهان(٣) . وهذه الصورة أولى بوجوب الانصراف ؛ لأنّ ابتداء الخروج كان معصيةً.
ولو خرج العبد بغير إذن سيّده ، لزمه الرجوع ما لم يحضر الواقعة ، فإن حضر ، فللشافعية قولان(٤) .
ولو مرض الحُرّ بعد خروجه أو عرج أو فني زادهُ أو هلكت دابّته ، تخيّر بين الانصراف والمضيّ ما لم يحضر الوقعة.
ولو حضر الوقعة ، لزمه الثبات ؛ للآية(٥) ، وهو أحد قولي الشافعي ، والثاني : أنّه يجوز الرجوع ؛ لعدم تمكّنه من القتال(٦) .
والوجه أن يقال : إن كان الانصراف لا يورث إعلالاً وتخاذلاً في الجند ، جاز ، وإلّا فلا.
ولو أمكنه القتال راجلاً بعد موت الدابّة في الوقعة ، وجب ، وإلّا فلا. وكذا إذا انقطع سلاحه وانكسر في الواقعة وأمكنه القتال بالحجارة ، وجب ، وإلّا فلا.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٤٥ - ٦٤٦.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٥.
(٥) الأنفال : ٤٥.
(٦) حلية العلماء ٧ : ٦٤٥ ، العزى شرح الوجيز ١١ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٥.
وحيث سوّغنا الانصراف لرجوع ربّ الدَّيْن أو الأبوين عن الإذن أو لمرض ونحوه ، ليس للسلطان منعه منه إلّا أن يتّفق ذلك لجماعة وكان يخاف من انصرافهم الخلل في المسلمين.
ولو انصراف لذهاب نفقة أو هلاك دابة ثمّ قدر على النفقة والدابّة في بلاد الكفر ، فعليه أن يرجع إلى المجاهدين. وإن كان قد فارق بلاد الكفر ، قال الشافعي : لم يلزمه الرجوع إليهم(١) .
ولو خرج للجهاد وبه عذر من مرض وغيره ثمّ زال عذره وصار من أهل فرض الجهاد ، لم يجز له الرجوع عن الغزو. وكذا لو حدث العذر وزال قبل أن ينصرف.
ط - مَنْ شرع في القتال ولا عذر له تلزمه المصابرة ، ويحرم الانصراف ؛ لما فيه من التخذيل وكسر قلوب المجاهدين.
وطالب العلم إذا اشتغل بالتعلّم وآنس الرشد من نفسه ، هل يحرم عليه الرجوع؟ يحتمل ذلك ؛ لأنّه فرض كفاية شرع فيه فيلزمه بالشروع.
والأقرب : المنع ؛ لأنّ الشروع لا يغيّر حكم المشروع فيه ، بخلاف الجهاد ؛ لأنّ في الرجوع تخذيلَ المجاهدين وكسْرَ قلوبهم ، وترك التعلّم ليس فيه ذلك. ولأنّ كلّ مسألة مطلوبة برأسها منقطعة عن غيرها ، وليست العلوم كالخصلة الواحدة ، بخلاف الجهاد.
وفي وجوب إتمام صلاة الجنازة بالشروع وجهان(٢) ، أحدهما :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤١٥.
(٢) هذان الوجهانأيضاً للشافعيّة . اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٤ - ٣٦٥ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤١٦.
عدمه ، كالشروع في التطوّع لا يلزم به إتمامه و [ ثانيهما ] : وجوبه ؛ لأنّ الصلاة كالخصلة الواحدة ، ولما في الرجوع من هتك حرمة الميّت.
مسألة ١٣ : العلم إمّا فرض عين أو فرض كفاية أو مستحبّ أو حرام.
فالأوّل : العلم بإثبات الصانع تعالى وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه ، ونبوّة نبيّنا محمدصلىاللهعليهوآله وثبوت عصمته وإمامة مَنْ تجب إمامته وما يجب له ويمتنع عليه ، والمعاد. ولا يكفي في ذلك التقليد ، بل لا بدّ من العلم المستند إلى الأدلّة والبراهين.
ولا يجب على الأعيان دفع الشبهات فيها ، وذلك إنّما يتمّ بعلم الكلام.
وقالت الشافعية : العلم المترجم بعلم الكلام ليس بفرض عين ، وما كان الصحابة يشتغلون به(١) .
والثاني : العلم بالفقه وفروع الأحكام ، وعلم اُصول الفقه وكيفيّة الاستدلال والبراهين(٢) ، والنحو واللغة والتصريف ، والتعمّق في اُصول الدين بحيث يقتدر على دفع شبه المـُبْطلين والقيام بجواب الشبه وردّ العقائد الفاسدة ، وعلم اُصول الفقه(٣) ، وعلم الحديث ومعرفة الرجال بالعدالة وضدّها ، والانتهاء في معرفة الأحكام إلى أن يصلح للإفتاء والقضاء. ولا يكفي المفتي الواحد في البلد ؛ لعسر مراجعته على جميع الناس. وعلم الطبّ ؛ للحاجة إليه في المعالجة ، وعلم الحساب ؛ للاحتياج إليه في المعاملات وقسم الوصايا والمواريث. ومَنْ حصل له شبهة ، وجب عليه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٦٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٢٥.
(٢) كذا ، ولعلّها : كيفيّة الاستدلال بالبراهين.
(٣) كذا ، حيث ذكره آنفاً.
السعي في حلّها.
والمستحب : الزيادة على ما يجب على الكفاية في كلّ علم.
والحرام : ما اشتمل على وجه قبحٍ ، كعلم الفلسفة لغير النقض ، وعلم الموسيقى وغير ذلك ممّا نهى الشرع عن تعلّمه ، كالسحر ، وعلم القيافة والكهانة وغيرها.
مسألة ١٤ : قد عرفت أنّ من شرط الجهاد دعاء الإمام العادل إليه.
ولو كان الجهاد للدفع ، وجب مطلقاً ، سواء كان هناك إمام أو لا.
ولو كان الإمام جائراً ، جاز القيام معه إذا قصد الدفع عن نفسه وعن المؤمنين ، كما لو كان المسلم في دار الكفّار بأمان ودَهَمهم عدوٌّ خشي على نفسه ، وجب عليه مساعدتهم في دفعه ؛ لما رواه طلحة بن زيد عن الصادقعليهالسلام ، قال : سألته عن رجل دخل أرض الحرب بأمان فغزا القوم الذين دخل عليهم قومٌ آخرون ، قال : « على المسلم أن يمنع عن نفسه وماله ويقاتل على حكم الله وحكم رسوله ، وأمّا أن يقاتل الكفّار على حكم الجور وسنّتهم(١) فلا يحلّ له ذلك »(٢) .
وكذا كلّ مَنْ خاف على نفسه يجب عليه الجهاد.
ومَنْ خاف على ماله يجوز له الجهاد إذا غلب السلامة.
مسألة ١٥ : لا يجب على مَنْ وجب عليه الجهاد إيقاعه مباشرةً إلّا أن يعيّنه الإمام للخروج ، فتحرم عليه الاستنابة باُجرة وغيرها ، ولا يجوز له حينئذٍ أن يغزو بجُعْلٍ ، فإن أخذ جُعْلاً ، ردّه على صاحبه. ولو لم يعيّنه ، لم تجب المباشرة بل يجوز أن يستنيب غيره بإجارة أو غيرها ، وتكون
____________________
(١) في « ق ، ك » : سبيهم.
(٢) التهذيب ٦ : ١٣٥ - ١٣٦ / ٢٢٩ بتفاوت يسير.
الاجارة صحيحةً ، ولا يلزم المستأجر ردّ الاُجرة ، عند علمائنا ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ جهّز غازياً كان له كمثل أجره »(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « إنّ عليّاًعليهالسلام سُئل عن الاجعال للغزو ، فقال : لا بأس به أن يغزو الرجل عن الرجل ويأخذ منه الجُعْل »(٢) .
ولأنّ الضرورة قد تدعو إليه ، فكان سائغاً كغيره.
وقال الشافعي : لا تنعقد الإجارة ، ويجب عليه ردّ الاُجرة إلى صاحبها ؛ لتعيّن الجهاد عليه بحضوره الصف ، فلا يجوز أخذ الاُجرة عليه(٣) .
وينتقض بالحجّ ؛ فإنّه إذا حضر مكة ، تعيّن عليه الإحرام ، ومع هذا جاز أن يقع الإحرام المتعيّن عليه عن غيره ، فكذا هنا.
وقال عطاء ومجاهد وسعيد بن المسيّب : مَنْ اُعطي شيئاً من المال يستعين به في الغزو ، فإن اُعطي لغزوة بعينها فما فضل بعد الغزو فهو له ؛ لأنّه أعطاه على سبيل الإعانة والنفقة لا على سبيل الإجارة ، فكان الفاضل له(٤) .
وإن أعطاه شيئاً لينفقه في الجهاد مطلقاً ففضل منه فضل ، أنفقه في جهاد آخر ؛ لأنّه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة ، فلزمه إنفاق الجميع فيها.
____________________
(١) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٢٢ / ٢٧٥٩.
(٢) التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٣٨.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٨ ، الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٢ ، المغني ١٠ : ٥١٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٢.
(٤) المغني ١٠ : ٣٩٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٥.
وإذا اُعطي شيئاً ليستعين به في الغزو ، لا يترك لأهله منه شيئاً.
قال أحمد : لأنّه ليس يملكه إلّا أن يصير إلى رأس مغزاة فيكون كهيئة ماله فيبعث إلى عياله منه ، ولا يتصرّف فيه قبل الخروج لئلّا يتخلّف عن الغزو فلا يكون مستحقّاً لما أنفقه إلّا أن يشتري منه سلاحاً أو آلة غزو(١) .
وإذا حمل رجلاً على دابّة غازية ، فإذا رجع من الغزو ، فهي له ، إلّا أن يقول : هي حبس ، فلا يجوز بيعها إلّا مع عدم صلاحيتها للغزو ، فتباع وتجعل في حبس آخر.
قال أحمد : وكذلك المسجد إذا ضاق بأهله أو كان في مكان لا ينتفع به ، جاز بيعه وجعل ثمنه في مكان ينتفع به ، وكذا الاُضحية إذا أبدلها بخير منها(٢) .
ولو أعطاه إيّاها ليغزو عليها ، فإذا غزا عليها ، قال أحمد : ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه ، ويصنع بثمنها ما شاء(٣) .
وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنها في غير الغزو(٤) .
وليس للغازي أن يركب دوابّ السبيل في حوائجه ، بل يركبها ويستعملها في الغزو.
وسهم الفرس الحبيس لمن غزا عليه.
وكره بعضهم إنزاء الفرس الحبيس(٥) .
ولا يباع الفرس الحبيس إلّا من علّة ، إذا عطب يصير للطحن ،
____________________
(١) المغني ١٠ : ٣٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٥.
(٢) المغني : ١٠ : ٣٩١.
(٣) المغني ١٠ : ٣٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٦.
(٤) المغني ١٠ : ٣٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٦.
(٥) المغني ١٠ : ٣٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٧.
ويصرف ثمنه في مثله أو ينفق ثمنه على الدوابّ الحبيس.
ولا يجوز لمن وجب عليه الجهاد بتعيين الإمام أو بنذر المباشرة أن يجاهد عن غيره بجُعْلٍ ، فإن فعل وقع عنه ووجب عليه ردّ الجُعْل إلى صاحبه.
قال الشيخرحمهالله : للنائب ثواب الجهاد وللمستأجر ثواب النفقة ، وأمّا ما يأخذه أهل الديوان من الأرزاق فليس اُجرةً ، بل يجاهدون لأنفسهم ويأخذون حقّاً جعله الله لهم ، فإن كانوا أرصدوا أنفسهم للقتال وأقاموا في الثغور ، فهم أهل الفيء لهم سهم من الفيء يدفع إليهم ، وإن كانوا مقيمين في بلادهم يغزون إذا خيفوا(١) ، فهُمْ أهل الصدقات يدفع إليهم سهم منها(٢) .
وتستحبّ إعانة المجاهدين ، وفي مساعدتهم فضلٌ عظيم من السلطان والعوام وكلّ أحد.
روى الباقرعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال : « مَنْ بلّغ رسالة غازٍ كان كمن أعتق رقبةً وهو شريكه »(٣) .
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : إذا خفوا. وما أثبتناه من المصدر.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧.
(٣) التهذيب ٦ : ١٢٣ / ٢١٤.
الفصل الثاني
فيمن يجب جهاده ، وكيفية الجهاد
وفيه مباحث :
مسألة ١٦ : الذين يجب جهادهم قسمان : مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام وبغوا عليه ، وكفّار ، وهُمْ قسمان : أهل كتاب أو شبهة كتاب ، كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أصناف الكفّار ، كالدهرية وعُبّاد الأوثان والنيران ، ومنكري ما يُعلم ثبوته من الدين ضرورةً ، كالفلاسفة وغيرهم.
قال الله تعالى :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (١) وقال تعالى :( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) (٢) وقال تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (٣) وقال :( فَضَرْبَ الرِّقابِ ) (٤) . دلّت هذه الآيات على وجوب جهاد الأصناف السابقة.
____________________
(١) الحجرات : ٩.
(٢) التوبة : ٢٩.
(٣) التوبة : ٥.
(٤) محمد : ٤.
وروى العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ أعطى إماماً صفقة(١) يده وثمرة قلبه فليطعه(٢) ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر »(٣) .
وكانعليهالسلام يقول لمن يبعثه على جيش أو سريّة : « إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيّتهم(٤) أجابوك إليها فاقبل منهم وكفّ عنهم : ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ، فإن هُمْ أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ، فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم »(٥) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « بعث الله محمّداًصلىاللهعليهوآله بخمسة أسياف ، ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها ) ، ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها ، فيومئذٍ( لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ) (٦) ، وسيف منها مكفوف ، وسيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا وحكمه إلينا ، فأمّا السيوف الثلاثة الشاهرة : فسيف على مشركي العرب ، قال الله تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
____________________
(١) في المصادر : ( مَنْ بايع إماماً فأعطاه صفقة ).
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : فليعطه. وهو تصحيف. وما أثبتناه كما في المصادر.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٤٧٣ / ١٨٤٤ ، سنن النسائي ٧ : ١٥٣ - ١٥٤ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٠٧ / ٣٩٥٦ ، مسند أحمد ٢ : ٣٤٤ / ٦٤٦٧.
(٤) كذا ، وفي صحيح مسلم : « فأيّتهنّ ما » وكذا في المغني - لابن قدامة - إلّا أنّه ليس فيه كلمة « ما » ، وفي سنن أبي داوُد : « فأيّتها ».
(٥) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٧ / ٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ / ٢٦١٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٤٩ ، والخبر فيها ورد مفصّلاً ، وفي المغني ١٠ : ٣٨٠ كما في المتن.
(٦) الأنعام : ١٥٨.
وَجَدْتُمُوهُمْ ) (١) فهؤلاء لا يُقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام ، والسيف الثاني على أهل الذمّة ، قال الله تعالى :( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (٢) الآية ، فهؤلاء لا يُقبل منهم إلّا الجزية أو القتل ، والسيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني الترك والخزر والديلم ، قال الله تعالى :( فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ) (٣) فهؤلاء لا يُقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام ، ولا يحلّ لنا نكاحهم ما داموا في الحرب ، وأمّا السيف المكفوف على أهل البغي والتأويل ، قال الله تعالى :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما - إلى قوله -حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (٤) فلمـّا نزلت هذه الآية قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ منكم مَنْ يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل ، فسئل النبيصلىاللهعليهوآله من هو؟ قال : هو خاصف النعل - يعني أمير المؤمنينعليهالسلام - قال عمّار بن ياسر : قاتلت بهذه(٥) الراية مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاثاً وهذه الرابعة ، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا(٦) السعفات من هَجَر(٧) لعلمنا أنّا على الحقّ وأنّهم على الباطل »(٨) الحديث.
مسألة ١٧ : كلّ مَنْ يجب جهاده فالواجب على المسلمين النفور إليهم
____________________
(١) التوبة : ٥.
(٢) التوبة : ٢٩.
(٣) سورة محمّد : ٤.
(٤) الحجرات : ٩.
(٥) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : هذه. وما أثبتناه من المصدر.
(٦) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : يبلغونا. وما أثبتناه من المصدر.
(٧) هَجَر : بلدة باليمن ، واسم لجميع أرض البحرين. القاموس المحيط ٢ : ١٥٨ « هجر ».
(٨) التهذيب ٦ : ١٣٦ - ١٣٧ / ٢٣٠.
إمّا لكفّهم أو لنقلهم إلى الإسلام ، فإن بدأوا بالقتال ، وجب جهادهم.
وإنّما يجب قتال مَنْ يُطلب إسلامه بعد دعائهم إلى محاسن الإسلام والتزامهم بشرائعه ، فإن فَعَلوا وإلّا قُوتلوا.
والداعي إنّما هو الإمام أو مَنْ نصبه.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « بعثني رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى اليمن ، فقال : يا علي لا تقاتل أحداً حتى تدعوه ، وأيْمُ الله لأن يهدي الله على يديك رجلاً خيرٌ لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ، ولك ولاؤه يا علي »(١) .
وإنّما يشترط تقدّم الدعاء في حقّ مَنْ لم تبلغه الدعوة ولا عرف بعثة الرسول ، فيدعوهم إلى الإسلام ومحاسنه ، وإظهار الشهادتين ، والإقرار بالتوحيد والعدل والنبوّة والإمامة واُصول العبادات وجميع شرائع الإسلام ، فإن أجابوا وإلّا قُتلوا ؛ لقولهعليهالسلام : « يا على لا تقاتل أحداً حتى تدعوه»(٢) .
أمّا مَنْ بلغته الدعوة وعرف البعثة ولم يُقرّ بالإسلام فيجوز قتالهم ابتداءً من غير دعاء ؛ لأنّه معلوم عندهم حيث بلغتهم دعوة النبيصلىاللهعليهوآله ، وعلموا أنّه يدعوهم إلى الإيمان وأنّ مَنْ لم يقبل منه قاتَلَه ومَنْ قبل منه آمنه ، فهؤلاء حربٌ للمسلمين يجوز قتالهم ابتداءً ، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله أغار على بني المصطلق وهُمْ غارّون آمنون ، وإبلهم تسقى على الماء(٣) .
وقال سلمة بن الأكوع : أمرنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فغزونا ناساً من المشركين فبيّتناهم(٤) .
____________________
(١ و ٢) الكافي ٥ : ٢٨ / ٤ ، التهذيب ٦ : ١٤١ / ٢٤٠.
(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٩٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٦ / ١٧٣٠ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٤٢ / ٢٦٣٣ ، مسند أحمد ٢ : ١١٢ / ٤٨٤٢ ، المغني ١٠ : ٣٨٠.
(٤) سنن أبي داوُد ٣ : ٤٣ / ٢٦٣٨ ، المغني ١٠ : ٣٨٠.
والدعاء أفضل ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر عليّاًعليهالسلام حين أعطاه الراية يوم خيبر وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم(١) ، وقد بلغتهم الدعوة(٢) ، ودعا سلمان أهل فارس(٣) ، ودعا عليعليهالسلام عمرو بن [ عبد ] ودّ العامري فلم يسلم مع بلوغه الدعوة(٤) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « لمـّا بعث النبيصلىاللهعليهوآله عليّاًعليهالسلام إلى اليمن قال : يا علي لا تقاتل أحداً حتى تدعوه »(٥) وهو عامّ.
ولو بدر إنسان فقتل واحداً من الكفّار قبل بلوغ الدعوة إليه ، أساء ، ولا قود عليه ولا دية ؛ للأصل ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٦) ، وهو قياس قول مالك(٧) .
وقال الشافعي : يجب ضمانه ؛ لأنه كافر أصلي محقون الدم ؛ لحرمته ، فوجب ضمانه ، كالذمّي(٨) .
والفرق أنّ الذمّي التزم قبول الجزية فحرم قتله ، أمّا هنا فلم يعلم
____________________
(١) صحيح البخاري ٤ : ٥٧ - ٥٨ ، و ٥ : ١٧١ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ١٧٨ / ٢٤٧٢ ، المغني ١٠ : ٣٨١.
(٢) في « ق » : « الحجّة » بدل « الدعوة ».
(٣) سنن الترمذي ٤ : ١١٩ / ١٥٤٨ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ١٧٧ / ٢٤٧٠ ، المغني ١٠ : ٣٨١.
(٤) المغازي - للواقدي - ٢ : ٤٧١ ، الكامل في التاريخ ٢ : ١٨١ ، تاريخ الطبري ٢ : ٢٣٩.
(٥) الكافي ٥ : ٢٨ / ٤ ، التهذيب ٦ : ١٤١ / ٢٤٠.
(٦) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٣٠ ، المغني ١٠ : ٣٨١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٤ وفيه قول أبي حنيفة.
(٧) انظر : المنتقى - للباجي - ٣ : ١٦٨.
(٨) مختصر المزني : ٢٧٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٤ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٣٠ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٦٨.
ذلك منه ، فلا يجب له الضمان ؛ لأنّه كافر لا عهد له ، كالحربي.
مسألة ١٨ : أصناف الكفّار ثلاثة : أهل الكتاب ، وهُم اليهود والنصارى لهم التوراة والإنجيل، فهؤلاء يُطلب منهم إمّا الاسلام أو الجزية ، فإن لم يسلموا وبذلوا الجزية ، حرم قتالهم إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( قاتِلُوا - إلى قوله -حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) (١) .
ومَنْ له شبهة كتاب ، وهم المجوس كان لهم نبي قتلوه وكتاب حرقوه ، وحكمهم حكم أهل الذمّة إجماعاً إن أسلموا ، وإلّا طُلب منهم الجزية ، فإن بذلوها ، كُفّ عنهم وأُقرّوا على دينهم ، وإلّا قتلوا. قالعليهالسلام : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب »(٢) .
ومَنْ لا كتاب له ولا شبهة ، كعُبّاد الأوثان وغيرهم ممّن عدا أهل الكتاب والمجوس ، فإنّه لا يُقبل منهم إلّا الإسلام خاصّة ، ولو بذلوا الجزية ، لم تُقبل منهم ، عند علمائنا كافّة - وبه قال الشافعي(٣) وأحمد في إحدى الروايتين(٤) - لقوله تعالى :( قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) (٥) .
وقولهعليهالسلام : « اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله »(٦)
____________________
(١) التوبة : ٢٩.
(٢) الموطّأ ١ : ٢٧٨ / ٤٢ ، سنن البيهقي ٩ : ١٨٩ - ١٩٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٣ : ٢٢٤ ، و ١٢ : ٢٤٣ ، المصنّف - لعبد الرزاق - ٦ : ٦٩ / ١٠٠٢٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٤ ، المغني ١٠ : ٣٨١ - ٣٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٤) المغني ١٠ : ٣٨١ - ٣٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٥) التوبة : ٣٦.
(٦) صحيح مسلم ١ : ٥٢ / ٢١ و ٥٣ / ٣٥ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٩٥ / ٣٩٢٧ و ٣٩٢٨ ، سنن النسائي ٥ : ١٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٤٤ / ٢٦٤٠ ، سنن البيهقي ٩ : ٤٩ و ١٨٢.
خرج منه القسمان الأوّلان ، فيبقى الباقي على أصله.
ولأنّ قولهعليهالسلام في(١) المجوس : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب »(٢) يقتضي تخصيص أهل الكتاب بأخذ الجزية ، إذ لو شاركهم غيرهم لم تختصّ الإضافة بهم.
ولأنّ كفر مَنْ عدا الثلاثة أشدّ ؛ لإنكارهم الصانع تعالى وجميع الرسل ولم تكن لهم شبهة كتاب ، فلا يساوون مَنْ له كتاب واعتراف بالله تعالى ، كالمرتدّ.
وقال أبو حنيفة : يُقبل من عبدة الأوثان من العجم الجزيةُ ، ولا تُقبل من العرب إلّا الإسلام - وهو رواية عن أحمد(٣) - لأنّهم يقرّون على دينهم بالاسترقاق فأقرّوا بالجزية ، كأهل الكتاب والمجوس(٤) .
وقال مالك : الجزية تُقبل من جميع الكفّار إلّا كفّار قريش ؛ لأنّ النبيعليهالسلام كان يوصي مَنْ يبعث من الاُمراء بالدعاء إلى ثلاث خصال من جملتها الجزية(٥) ، وهو عامّ في جميع الكفّار(٦) .
____________________
(١) في « ق ، ك » : « عن » بدل « في ».
(٢) الموطّأ ١ : ٢٧٨ / ٤٢ ، سنن البيهقي ٩ : ١٨٩ - ١٩٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٣ : ٢٢٤ ، و ١٢ : ٢٤٣ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٦ : ٦٩ / ١٠٠٢٥.
(٣) المغني ١٠ : ٣٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٤) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٨٤ ، المغني ١٠ : ٣٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٥) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٧ / ٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ / ٢٦١٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٤٩ ، المغني ١٠ : ٣٨٠.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٨٤ ، المغني ١٠ : ٣٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
ونمنع إقرارهم على دينهم بالاسترقاق ، والأمر بقبول الجزية مخصوص بأهل الذمّة.
إذا عرفت هذا ، فإن كان الكفّار ممّن لا يؤخذ منهم الجزية ، عرض الأمير عليهم الإسلام ، فإن أسلموا ، حقنوا دماءهم وأموالهم ، وإن أبوا ، قاتلهم وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم وقسّمها ، على ما يأتي ، وإن كانوا ممّن يؤخذ منهم الجزية ، دعاهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا ، كفّ عنهم ، وإن أبوا ، دعاهم إلى إعطاء الجزية ، فإن بذلوها ، قبل منهم الجزية ، وإن امتنعوا ، قاتلهم وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم وقسّمها على المستحقّين.
مسألة ١٩ : إذا عيّن الإمام شخصاً للجهاد معه ، وجب عليه طاعته ، وحرم عليه التخلّف عنه ، سواء وجب عليه أوّلاً الدعاء أو لا ، ولو لم يعيّن ، لم يجب عليه إلّا على الكفاية ، إلّا أن يدهم المسلمين عدوُّ يخشى منه على النفس والمال ويخاف على بيضة الإسلام ، فيجب على كلّ متمكّنٍ الجهادُ ، سواء أذن له الإمام أو لا ، وسواء كان مقلّاً أو مكثراً ، ولا يجوز لأحدٍ التخلّف إلّا مع الحاجة إلى تخلّفه ، كحفظ المكان والأهل والمال أو منع الإمام له من الخروج.
فإن أمكن استخراج إذن الإمام في جهاد فرض العين ، وجب ؛ لأنّه أعرف ، وأمر الحرب موكول إليه ؛ لعلمه بكثرة العدوّ وقلّته ، ولو لم يمكن استئذانه ؛ لغيبته ومفاجأة العدوّ ، وجب الخروج بغير إذن.
وإذا نادى الإمام بالنفير والصلاة ، فإن كان العدوّ بعيداً ، صلّوا ثمّ
خرجوا ، وإن كان قريباً يخشى من التأخّر بالصلاة ، خرجوا وصلّوا على ظهور دوابّهم ، ولو كانوا في الصلاة ، أتمّوها ، وكذا يتمّون خطبة الجمعة.
وإذا نادى بالصلاة جامعهً لحدوث أمر يحتاج إلى المشورة ، لم يتخلّف أحد إلّا لعذر. ولا ينبغي أن تنفر الخيل إلّا عن حقيقة الأمر.
مسألة ٢٠ : إذا بعث الإمام سريّةً ، استحبّ له أن يؤمّر عليهم أميراً ثقةً جلداً ، ويأمرهم بطاعته ويوصيه بهم ، وأن يأخذ البيعة على الجند حتى لا يفرّوا ، وأن يبعث الطلائع ويتجسّس أخبار الكفّار ، ويكون الأمير له شفقة ونظر على المسلمين.
ولو كان القائد معروفاً بشرب الخمر أو غيره من المعاصي ، لم ينفروا معه ، ولو كان شجاعاً ذا رأي ، جاز النفور معه ؛ لقولهعليهالسلام : « إنّ الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر »(١)
هذا كلّه مع الحاجة إلى النفير من غير إذن الإمام العادل ، أمّا مع عدم الحاجة فلا يجوز بحال.
وإذا احتاج إلى إخراج النساء لمداراة المرضى وشبهها ، استحبّ له أن يُخرج العجائز ، ويكره إخراج الشوابّ منهنّ حذراً من ظفر الكفّار بهم فينالوا منهنّ الفاحشة ، فإن احتاج إلى إخراجهنّ ، جاز ، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج بعائشة في غزواتٍ(٢) .
مسألة ٢١ : تجوز الاستعانة بأهل الذمّة وبالمشرك المأمون غائلته إذا
____________________
(١) صحيح البخاري ٤ : ٨٨ و ٥ : ١٦٩ و ٨ : ١٥٥ ، صحيح مسلم ١ : ١٠٥ - ١٠٦ / ١١١ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٤١ ، مسند أحمد ٢ : ٥٩٦ / ٨٠٢٩ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٣٦٦.
(٢) المغازي - للواقدي - ١ : ٢٤٩ و ٤٠٧ و ٢ : ٧٩١ ، صحيح البخاري ٤ : ٤٠.
كان في المسلمين قلّة ؛ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله استعان بصفوان بن اُميّة على حرب هوازن قبل إسلامه(١) ، واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم(٢) .
ولو لم يكن مأموناً أو كان بالمسلمين كثرة ، لم يستعن بهم.
قال الله تعالى :( وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) (٣) .
وقالعليهالسلام : « إنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين »(٤) وأرادعليهالسلام مع فقد أحد الشرطين.
ولأنّهم مغضوب عليهم ، فلا تحصل النصرة بهم ، ومع عدم الأمن منهم لا يجوز استصحابهم. وهذا كلّه مذهب الشافعي(٥) .
وله قول آخر : جواز الاستعانة بشرط كثرة المسلمين بحيث لو خان المستعان بهم وانضمّوا إلى الكفّار ، تمكّن المسلمون من مقاومتهم جميعاً(٦) .
ومنع ابن المنذر من الاستعانة بالمشركين مطلقاً(٧) . وعن أحمد روايتان(٨) .
ويجوز أن يستعين بالعبيد مع إذن السادة ، وبالمراهقين ، والذمّيُّ إذا
____________________
(١) المغازي - للواقدي - ٢ : ٨٥٤ - ٨٥٥ سنن البيهقي ٩ : ٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨١.
(٢) سنن البيهقي ٩ : ٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٠ - ٣٨١.
(٣) الكهف : ٥١.
(٤) سنن البيهقي ٩ : ٣٧.
(٥) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٠ - ٣٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٣١ و ١٣٢ ، المغني ١٠ : ٤٤٧.
(٦) روضة الطالبين ٧ : ٤٤١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨١.
(٧ و ٨) المغني ١٠ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢١.
حضر بإذنٍ ، رُضخ له ، وبغير إذن لا يُرضخ.
وللشافعي في استحقاقه الرضخ مع عدم الإذن قولان ، ولو نهي لم يستحق(١) .
مسألة ٢٢ : لا يجوز للإمام ولا للأمير من قِبَله أن يخرج معه مَنْ يُخذّل الناس ويُثبّطهم(٢) عن الغزو ويُدَهْدِهُهم(٣) في الخروج ، كمن يقول : الحَرّ شديد أو البرد ، والمشقّة عظيمة ، والمسافة بعيدة ، والكفّار كثيرون والمسلمون أقلّ ولا يؤمن هزيمتهم. ولا المرجف ، وهو الذي يقول : هلكت سريّة المسلمين ولا طاقة لكم بهم ولهم قوّة وشوكة ومدد وصبر ، ولا يثبت لهم مقاتل. ونحوه ، ولا مَنْ يعين على المسلمين بالتجسّس للكفّار ومكاتبتهم بأخبار المسلمين ، واطّلاعهم على عوراتهم وإيواء جاسوسهم ، ولا مَنْ يوقع العداوة بين المسلمين ويمشي بينهم بالنميمة ويسعى بالفساد ؛ لقوله تعالى :( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلّا خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ) (٤) .
فإن خرج واحد منهم ، لم يُسهم له ولا يُرضخ ، ولو قتل كافراً ، لم يستحق سَلَبه وإن أظهر إعانة المسلمين ؛ لأنّه نفاق.
ولو كان الأمير أحدَ هؤلاء ، لم يخرج الناس معه ؛ لأنّ التابع يُمنع منه فالمتبوع أولى(٥) ؛ لأنّه أكثر ضرراً.
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤١.
(٢) ثبّطه عن الشيء تثبيطاً : إذا شغله عنه. لسان العرب ٧ : ٢٦٧ « ثبط ».
(٣) الدهدهة : قذفك الحجارة من أعلى إلى أسفل دحرجةً. لسان العرب ١٣ : ٤٨٩ « دهده ».
(٤) التوبة : ٤٧.
(٥) ورد في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : لأنّ المتبوع يُمنع منه فالتابع أولى. وما أثبتناه هو الصحيح.
مسألة ٢٣ : إذا خرج الإمام بالنفير ، عقد الرايات ، فجَعَل كلّ فريق تحت راية ، وجَعَل لكلّ مَنْ تابعه شعاراً يتميّز به عندهم حتى لا يقتل بعضهم بعضاً بياناً ، ويدخل دار الحرب بجماعته ؛ لأنّه أحوط وأهيب ، وأن ينتظر الضعفاء فيسير على مسيرهم إلّا مع الحاجة إلى قوّة السير ، ويدعو عند التقاء الصفّين ، ويكبّر من غير إسراف من رفع الصوت ، وأن يحرّض الناس على القتال وعلى الصبر والثبات.
ولو تجدّد عذر أحد معه ، فإن كان لمرض في نفسه ، كان له الانصراف وإن كان بعد التقاء الصفّين ؛ لعدم تمكّنه من القتال ، وإن كان لغير مرض ، كرجوع صاحب الدَّيْن أو أحد الأبوين ، فإن كان بعد التقاء الصفّين ، لم يجز الانصراف ، وإن كان قبله ، جاز.
ولا ينبغي له أن يقتل أباه الكافر بل يتوقّاه ؛ لقوله تعالى :( وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ) (١) إلّا أن يسبّ النبيصلىاللهعليهوآله ، فإنّ أبا عبيدة قتل أباه حين سبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمـّا قال له النبيصلىاللهعليهوآله : « لِمَ قتلته؟ » قال : سمعته يسبّك. فسكت عنه(٢) .
ولا يميل الأمير مع موافقة في المذهب والنسب على مخالفه فيهما ؛ لئلّا يكسر قلوب غيرهم فيخذلونه عند الحاجة.
وينبغي أن يستشير بأصحاب الرأي من أصحابه ؛ للآية(٣) .
ويتخيّر لأصحابه المنازل الجيّدة وموارد المياه ومواضع العشب.
____________________
(١) لقمان : ١٥.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ١٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٣) آل عمران : ١٥٩.
ويحمل مَنْ نفقت(١) دابّته إذا كان فضل معه أو مع أتباعه.
ولو خاف رجل تلف آخر لموت دابّته ، احتمل وجوب بذل فاضل مركوبه ليحيى به صاحبه ، كما يجب بذل فاضل الطعام للمضطرّ ، وتخليصه من عدوّه.
ويجوز العقبة بأن يكون الفرس الواحد لاثنين ، لما فيه من الإرفاق.
مسألة ٢٤ : قد بيّنّا أنّه لا يخرج المـُخذِّل وشبهه ، فإن نهاه الإمام عن الخروج فخرج ، لم يستحق اُجرةً ولا رضخاً ؛ لأنّه متّهم بموالاة أهل دينه(٢) ، وللإمام أن يعزّره إذا رآه.
ولو لم يأمره ولا نهاه ، لم يستحق رضخاً عندنا - وهو أصحّ وجهي الشافعية(٣) - لأنّه ليس من أهل الذبّ عن الدين ، بل هو متّهم بالخيانة.
والثاني : أنّه يستحقّ ؛ لأنّه بالعهد المؤبّد صار من أهل الدار وأهل نصرتها(٤) .
وليس بشيء ؛ لأنّ المخذِّل أقوى منه في دفع التهمة عنه.
وليس له إخراج نساء أهل الذمّة ولا ذراريهم ، لأنّه لا قتال فيهم ولا رأي ولا يتبرّك(٥) بدعائهم.
وللشافعي قولان(٦) .
فعلى الجواز هل له أن يرضخ لهنّ؟ وجهان ، أحدهما : المنع(٧) .
____________________
(١) نفقت الدابّة : إذا ماتت. لسان العرب ١٠ : ٣٥٧ « نفق ».
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجرية : أهل ذمّته. والظاهر أنّ ما أثبتناه هو الصحيح.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٤ و ٣٨٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٢.
(٥) ورد في « ق ، ك » : ولا يترك. وهو ظاهر الطبعة الحجريّة. والصحيح ما أثبتناه.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤١.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٣ و ١١ : ٣٨٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٠.
وأخرج(١) النبيصلىاللهعليهوآله معه عبد الله بن اُبيّ(٢) مع ظهور التخذيل منه ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يطّلع بالوحي على أفعاله فلا يتضرّر بكيده.
ولو قهر الإمام جماعةً من المسلمين على الخروج والجهاد معه ، لم يستحقّوا اُجرةً ، قاله بعض الشافعيّة(٣) .
والوجه : أنّه إن كان الجهاد تعيّن عليهم(٤) ، فلا اُجرة لهم(٥) ، وإلّا فلهم الاُجرة من حين إخراجهم إلى أن يحضروا الوقعة ، والأقرب : إلى فراغ القتال.
وللإمام استئجار عبيد المسلمين بإذن ساداتهم ، كالأحرار.
وللشافعيّة قولان ، هذا أحدهما(٦) . والثاني : أن يقال : إن جوّزنا استئجار الأحرار ، جاز استئجار العبيد ، وإلّا فوجهان مخرّجان مبنيّان على أنّه إذا وطئ الكفّار طرفا من بلاد الإسلام هل يتعيّن الجهاد على العبيد؟ إن قلنا : نعم ، فهم من أهل فرض الجهاد ، فإذا وقفوا في الصفّ ، وقع عنهم ، وإلّا جاز استئجارهم(٧) .
____________________
(١) الظاهر أنّ موضع قوله : « وأخرج بكيده » في صدر المسألة بعد قوله : « قد بيّنّا وشبهه ».
(٢) اُنظر : سنن البيهقي ٩ : ٣١.
(٣) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٢.
(٤) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : « عليه » بدل « عليهم » وما أثبتناه لأجل سياق العبارة.
(٥) في « ق » والطبعة الحجريّة : « له » بدل « لهم » ولم يرد لفظ « له » في « ك » وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٦) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٤ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٤١ وفيهما : يجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة.
(٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٢ - ٤٤٣.
ولو أخرج العبيد قهراً ، فإن كان مع الحاجة ، فلا اُجرة ، وإلّا لزمته الاُجرة من يوم الإخراج إلى العود إلى ساداتهم.
وللإمام أن يستعمل الذمّي للجهاد بمال يبذله إمّا على وجه الإجارة أو الجُعالة.
وللشافعيّة وجهان ، أحدهما : أنّه جُعالة ؛ لجهالة أعمال القتال. وأصحّهما عندهم : الإجارة، ولا يضرّ جهالة الأعمال ، فإن المقصود القتال على ما يتّفق والمقاصد هي المرغّبة(١) (٢) .
إذا عرفت هذا. فلا حجر في قدر الاُجرة ، بل يجوز بما يتراضيان عليه - وهو أصحّ وجهي الشافعيّة(٣) - كغيرها من الإجارات.
والثاني : أنّه لا يجوز أن يبلغ به سهم راجل ، لأنّه ليس من أهل فرض الجهاد ، فلا يعطى سهم راجل ، كالمرأة.
وعلى هذا الوجه يحكم بفسخ العقد والردّ إلى أجرة المثل إذا ظهر أنّ الأجرة أزيد من سهم من الغنيمة ، وإلاّ ففي الابتداء لا ندري قدر الغنيمة وسهم الراجل(٤) .
والأقرب : أنّ لآحاد المسلمين استيجار الذمّي للجهاد.
وأصحّ وجهي الشافعيّة : المنع ، لأنّ الآحاد لا يتولّون المصالح العامّة خصوصاً والذميّ مخالف في الدين وقد يخون إذا حضر ، فليفوّض أمره إلى الإمام(٥) .
____________________
(١) في العزيز شرح الوجيز : والمقاصد هي المرعيّة.
(٢) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٣.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٣.
(٥) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٣.
مسألة ٢٥ : لو أخرج الإمام أهل الذمّة ، فالأولى أن يعيّن لهم اُجرةً ، فإن ذكر شيئاً مجهولاً ، مثل : نرضيكم ونعطيكم ما تستعينون(١) به ، وجب اُجرة المثل.
وإن أخرجهم قهراً ، وجب اُجرة المثل كالاستئجار في سائر الأعمال. ولو خرجوا باختيارهم ولم يسمّ لهم شيئاً ، فهو موضع الرضخ ، وسيأتي بيان محلّه.
وأما الاُجرة الواجبة سواء كانت مسمّاةً أو اُجرة المثل : فالأقرب خروجها من رأس مال الغنيمة؛ إذ لحضورهم أثر في تحصيل الغنيمة ، فيخرج منها ما يدفع إليهم ، كسائر المؤن ، وهو أحد وجوه الشافعيّة(٢) .
والثاني : أنّه من خُمس الخُمس سهم المصالح ؛ لأنهم يحضرون للمصلحة لا أنّهم من أهل الجهاد(٣) .
والثالث : أنّها تؤدّى من أربعة أخماس الغنيمة ؛ لأنها تؤدّى بالقتال ، كسهام الغانمين(٤) .
ولو أخرجهم الإمام قهراً ثمّ خلّى سبيلهم قبل أن يقفوا في الصف ، أو فرّوا ولم يقفوا ، فلا اُجرة لهم عن الذهاب وإن تعطّلت منافعهم في الرجوع ؛ لأنّه لا حبس هناك ولا استئجار.
____________________
(١) لعلّها : تستغنون.
(٢) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١ - ٦٨٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١ - ٦٨٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١ - ٦٨٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٣.
ولو وقف المقهورون على الخروج ولم يقاتلوا ، فالأقرب أنّ لهم اُجرةَ الوقوف والحضور ؛ لأنّه كالقتال في استحقاق سهم الغنيمة ، وكذا في استحقاق اُجرة الجهاد ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(١) .
وأظهرهما عندهم : المنع ؛ لأنّ الاُجرة في مقابلة العمل ، والفائدة المقصودة لم تحصل(٢) .
ويحتمل أن يقال : إن استؤجروا للقتال ، فلا اُجرة ، وإلّا فلهم.
مسألة ٢٦ : الجهاد أمر كلّي من أعظم أركان الإسلام يحتاج فيه إلى المساعدة والاعتضاد والاستعداد والفكر في الحيل وغيرها ، فيجب أن يكون أمره موكولاً إلى نظر الإمام واجتهاده ، ويجب على الرعايا طاعته والانقياد لقوله فيما يراه ، فيبدأ بترتيب قوم على أطراف البلاد رجالاً كفايا ليقوموا بإزاء مَنْ يليهم من المشركين ، وبعمل الحصون والخنادق وجميع ما فيه حراسة المسلمين ، ويجعل في كلّ ناحية أميراً يقلّده أمر الحروب وتدبير الجهاد ، ويكون ثقةً مأموناً على المسلمين ذا رأي وتدبير في الحرب ، وله شجاعة وقوّة وعقل ومكايدة.
ولو احتاجوا إلى مدد ، استحبّ للإمام ترغيب الناس في المقام عندهم والتردّد إليهم كلّ وقت؛ ليأمنوا فساد الكفّار ويستغنوا عن طلب الجيوش.
فإن رأى الإمام بالمسلمين قلّةً يحتاج معها إلى المهادنة ، هادنهم ،
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٣.
وإلّا جاهدهم مع القدرة في كلّ سنة مرّةً ، وإن كان أكثر منه ، كان أفضل. ويبدأ بقتال الأقرب إلّا أن يكون الأبعد أشدّ خطراً فيبدأ به.
مسألة ٢٧ : إذا التقى الصفّان ، وجب الثبات وحرم الهرب.
قال الله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) (١) وقال تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ) (٢) .
وعدَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الفرار من الزحف من الكبائر(٣) .
ويجوز الهرب في أحوال ثلاثة :
الاُولى : أن يزيد عدد الكفّار على ضعف عدد المسلمين ؛ لقوله تعالى :( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (٤) .
وما رواه العامّة عن ابن عباس ، قال : مَنْ فرّ من اثنين فقد فرّ ، ومَنْ فرّ من ثلاثة فما فرّ(٥) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « مَنْ فرّ من رجلين في القتال من الزحف فقد فرّ ، ومَنْ فرّ من ثلاثة في القتال من الزحف فلم يفرّ »(٦) .
____________________
(١) الأنفال : ١٥.
(٢) الأنفال : ٤٥.
(٣) المعجم الكبير - للطبراني - ٦ : ١٠٣ / ٥٦٣٦.
(٤) الأنفال : ٦٦.
(٥) سنن البيهقي ٩ : ٧٦ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٨٢ ، المغني ١٠ : ٥٤٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥.
(٦) الكافي ٥ : ٣٤ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٧٤ / ٣٤٢.
ولو لم يزد عدد المشركين على الضِعْف لكن غلب على ظنّ المسلمين الهلاك إن ثبتوا ، قيل : يجب الثبات ؛ لقوله تعالى :( إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) (١) (٢) .
وقيل : يجوز ؛ لقوله تعالى :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٣) (٤) .
ولو غلب على ظنّه الأسر ، فالأولى أن يقاتل حتى يُقتل ، ولا يسلّم نفسه للأسر ؛ لئلّا يعذّبه الكفّار بالاستخدام.
ولو زاد المشركون على ضِعْف المسلمين ، لم يجب الثبات إجماعاً.
ولو غلب على ظنّ المسلمين الظفر بهم ، استحب الثبات ولا يجب ، لأنهم لا يأمنون التلف.
ولو غلب على ظنّ المسلمين العطب ، قيل : يجب الانصراف ، لقوله تعالى :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٥) (٦) .
وقيل : لا يجب ؛ تحصيلاً للشهادة(٧) .
وقيل : إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية فيهم ، لزم
____________________
(١) الأنفال : ١٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٩.
(٣) البقرة : ١٩٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٩.
(٥) البقرة : ١٩٥.
(٦ و ٧) نفس المصادر في الهامش (٤)
الفرار ، وإن كان في الثبات نكاية فيهم ، فوجهان(١) .
ولو قصده رجل وظنّ أنّه إن ثبت قَتَله ، وجب الهرب. ولو ظنّ الهلاك مع الثبات والانصراف ، فالأولى الثبات ؛ تحصيلاً لثواب الصبر ، ولجواز الظفر ؛ لقوله تعالى :( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ) (٢) .
ولو انفرد اثنان بواحد من المسلمين ، قيل : يجب الثبات(٣) .
وقيل : لا يجب ؛ لأنّ وجوب الثبات مع تعدّد المسلمين ، فيقوى قلب كلّ واحد منهم بصاحبه(٤) .
وقيل : إن طلباه ، كان له الفرار ؛ لأنّه غير متأهّب للقتال ، وإن طلبهما ولم يطلباه ، لم يجز ؛ لأنّ طلبهما والحمل عليهما شروع في الجهاد فلا يجوز الإعراض(٥) .
وفي جواز فرار مائة بطل من المسلمين من مائتي بطل وواحد من ضعفاء الكفّار إشكال ينشأ : من مراعاة العدد ، ومن المقاومة لو ثبتوا ، والعدد مراعى مع تقارب الأوصاف.
وللشافعيّة وجهان(٦) .
وكذا الإشكال في عكسه ، وهو : فرار مائة من ضعفاء المسلمين من
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٩.
(٢) البقرة : ٢٤٩.
(٣) كما في شرائع الإسلام ١ : ٣١١ ، وانظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٤) قال به أيضاً المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ١ : ٣١١ ، وانظر أيضاً : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ - ٤٠٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٩.
(٦) الوجيز ٢ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٩.
مائة وتسعة وتسعين من أبطال الكفّار ، فإن راعينا صورة العدد ، لم يجز ، وإلّا جاز.
ويجوز للنساء الفرار ؛ لأنّهنّ لسن من أهل فرض الجهاد ، وكذا الصبي والمجنون. ويأثم السكران.
ولو قصد الكفّار بلداً فتحصّن أهله إلى تحصيل نجدة وقوّة ، لم يأثموا ، إنّما الإثم على مَنْ ولّى بعد اللقاء.
الحالة الثانية : أن يترك لا بنيّة الهرب ، بل يتحرّف للقتال.
قال الله تعالى :( إِلّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ) (١) .
والمتحرّف للقتال هو الذي ينصرف ليكمن في موضع ثمّ يهجم ، أو يكون في مضيق فيتحرّف حتى يتبعه العدوّ إلى موضع واسع ليسهل القتال فيه ، أو يرى الصواب في التحوّل من الواسع إلى الضيق ، أو لينحرف عن مقابلة الشمس أو الريح ، أو يرتفع عن هابط ، أو يمضي إلى موارد المياه من المواضع المعطشة ، أو ليستند إلى جبلٍ ، أو شبهه.
الحالة الثالثة : أن يتحيّز إلى فئة ، وهو الذي ينصرف على قصد أن يذهب إلى طائفة ليستنجد بها في القتال.
ولا فرق بين أن تكون الطائفة قليلةً أو كثيرة ، للعموم ، ولا بين أن تكون المسافة قصيرةً أو طويلةً ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : أنّه يجب أن تكون المسافة قصيرة ليتصور الاستنجاد بها في هذا القتال وإتمامه(٢) .
وهل يجب عليه تحقيق(٣) ما عزم عليه بالقتال مع الفئة التي تحيَّز
____________________
(١) الأنفال : ١٦.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٨.
(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : تحقّق. والصحيح ما أثبتناه.
إليها؟ للشافعيّة وجهان :
أصحّهما عندهم : لا ؛ لأنّ العزم عليه رخّص له [ في ](١) الانصراف ، فلا حجر عليه بعد ذلك ، والجهاد لا يجب قضاؤه ، ولا فرق بين أن يخاف عجز المسلمين أو لا.
والثاني : نعم ؛ لدلالة الآية على العزم على القتال ، والرخصة منوطة بالعزم ، ولا يمكن مخادعة الله تعالى في العزم(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّما يجوز التحيّز إلى فئة إذا استشعر المتحرّف عجزاً محوجاً إلى الاستنجاد لضعف جند الإسلام ، فإن لم يكن كذلك ، فلا(٣) . والعموم يخالفه.
وقال بعضهم : لا يجوز الانصراف من صفّ القتال إن كان فيه انكسار المسلمين ، فإن لم يكن ، جاز التحيّز للمتحرّف للقتال والمتحيّز إلى فئة(٤) .
إذا عرفت هذا ، فالاستثناء إنّما هو حالة القدرة والتمكّن من القتال ، فينحصر الاستثناء فيهما ، أمّا العاجز بمرض أو عدم سلاح فله أن ينصرف بكلّ حال.
ولو أمكنه الرمي بالحجارة ، احتمل وجوب الثبات.
وللشافعيّة وجهان(٥) .
والمتحيّز إلى فئة بعيدة لا يشارك الغانمين في غنيمة فارق قبل
____________________
(١) أثبتناها من العزيز شرح الوجيز.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٨.
(٤) الوجيز ٢ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٨.
اغتنامها ، ولو فارق بعد غنيمة البعض ، شارك فيه دون الباقي.
أمّا لو تحيّز إلى فئةٍ قريبة ، فإنّه يشارك الغانمين في المغنوم بعد مفارقته - وهو أحد وجهي الشافعي(١) - لأنّه لا يفوّت نصرته والاستنجاد به ، فهو كالسريّة يشارك جند الإمام فيما يغنمون ، وإنّما يُسقط الانهزام الحقَّ إذا اتّفق قبل القسمة ، أمّا إذا غنموا شيئاً واقتسموه ثمّ انهزم بعضهم ، لم يسترد منه ما أخذ.
مسألة ٢٨ : ينبغي للإمام أن يوصي الأمير المنفذ مع الجيش بتقوى الله تعالى والرفق بالمسلمين.
قال الصادقعليهالسلام : « كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا أراد أن يبعث سريّةً دعاهم فأجلسهم بين يديه ، ثمّ يقول : سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا تغلّوا ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأةً ، ولا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها ، وأيّما رجل من أدنى المسلمين وأفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله ، فإن تبعكم فأخوكم في دينكم ، وإن أبى فأبلغوه مأمنه ، ثمّ استعينوا بالله عليه »(٢) .
وينبغي أن يوصيه بأن لا يحملهم على مهلكة ولا يكلّفهم نقب حصن يخاف من سقوطه عليهم ولا دخول مطمورة يخشى من موتهم تحتها ، فإن فَعَل شيئاً من ذلك ، فقد أساء ، وليستغفر الله تعالى.
ولا يجب عليه عقل ولا دية ولا كفّارة إذا أصيب واحد منهم بطاعته ، لأنّه فَعَله باختياره ومعرفته ، فلا يكون ضامناً.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٩.
(٢) الكافي ٥ : ٢٧ - ٢٨ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣١.
مسألة ٢٩ : لا يجوز قتل صبيان الكفّار ونسائهم إذا لم يقاتلوا ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن قتل النساء والصبيان(١) .
والمجنون كالصبي ، والخنثى المشكل كالمرأة. فإن قاتلوا ، جاز قتلهم مع الضرورة لا بدونها.
ولو اُسر منهم مراهق وجهل بلوغه ، كشف عن مُؤتزره ، فإن لم ينبت ، فحكمه حكم الصبيان ، وإن أنبت ، حُكم ببلوغه ، وبه قال الشافعي(٢) ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) .
وهل هو بلوغ أو دليل؟ الأقرب : الثاني. وللشافعي وجهان(٤) .
ولو قال الأسير : استعجلت الشعر بالدواء ، بُني على القولين ، فإن قلنا : إنّه عين البلوغ ، فلا عبرة بما يقوله ، وهو بالغ ، وإن قلنا : إنّه دليل - وهو الأظهر - صُدّق بيمينه ويحكم بالصّغر.
وفي اليمين إشكال ؛ لأنّ تحليف مَنْ يدّعي الصّغر بعيد.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ اليمين استظهار واحتياط لا أنّها واجبة(٥) .
وقال الباقون : لا بدّ من اليمين ؛ لأنّ الدليل الظاهر قائم ، فلا يترك بمجرّد قول المأسور(٦) .
والاعتماد من شعر العانة على الخشن دون الضعيف الذي لا يحوج
____________________
(١) صحيح البخاري ٤ : ٧٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٦٤ / ٢٥ ، سنن البيهقي ٩ : ٧٧ ، الموطأ ٢ : ٤٤٧ / ٩.
(٢) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٤.
(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٢٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٤.
(٥ و ٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٤.
إلى الحلق.
ويحتمل عندي أنّ شعر الإبط الخشن والوجه يُلحقان بشعر العانة.
ونبات الشارب كاللحية ، ولا أثر لاخضرار الشارب.
مسألة ٣٠ : الشيخ من المحاربين إن كان ذا رأي وقتال ، جاز قتله إجماعاً. وكذا إن كان فيه قتال ولا رأي له ، أو كان له رأي ولا قتال فيه ، لأن دُرَيْد [ بن ](١) الصمّة قُتل يوم حُنين(٢) ، وكان له مائة وخمسون سنة ، وكان له معرفة بالحرب ، وكان المشركون يحملونه معهم في قفص حديد ليعرّفهم كيفيّة القتال ، فقَتَله المسلمون ، ولم ينكر عليهم النبيصلىاللهعليهوآله (٣) .
وإن لم يكن له رأي ولا قتال ، لم يجز قتله عندنا - وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري والليث والأوزاعي وأبو ثور(٤) - لما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله ، قال : « لا تقتلوا شيخاً فانياً »(٥) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة »(٦) .
ولأنّه لا ضرر فيه من حيث المخاصمة ومن حيث المشورة ، فأشبه
____________________
(١) أضفناها من المصادر.
(٢) في « ك » والطبعة الحجريّة : بَدْر. وفي « ق » : خيبر. وما أثبتناه من المصادر.
(٣) المغازي - للواقدي - ٣ : ٨٨٦ - ٨٨٩ و ٩١٤ - ٩١٥ ، صحيح البخاري ٥ : ١٩٧ ، صحيح مسلم ٤ : ١٩٤٣ / ٢٤٩٨ ، الاُمّ ٤ : ٢٤٠ و ٢٨٤ ، مختصر المزني : ٢٧٢ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٢٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٢٩٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٤ ، المغني ١٠ : ٥٣٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٤.
(٤) بدائع الصنائع ٧ : ١٠١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٨٤ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٦٩ ، المغني ١٠ : ٥٣٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٢ ، معالم السنن - للخطّابي - ٤ : ١٣.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ - ٣٨ / ٢٦١٤ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ : ٣٨٣ / ١٤٠٦٤ ، المغني ١٠ : ٥٣٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٢.
(٦) الكافي ٥ : ٢٧ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣١.
المرأة وقد أشار النبيصلىاللهعليهوآله إلى هذه العلّة فقال : « ما بالها قُتلت وهي لا تقاتل »(١) .
وقال أحمد : يُقتل. وبه قال المزني - وللشافعي قولان(٢) - لعموم قوله تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (٣) (٤) .
وهو مخصوص بالصبي والمرأة إجماعاً فكذا بالفاني.
مسألة ٣١ : الرهبان وأصحاب الصوامع يُقتلون إن كان لهم قوّة أو رأي أو كانوا شبّاناً.
وللشافعي قولان - وفي معناهم العميان والزمنى ومقطوعي الأيدي والأرجل - أحدهما : الجواز ، كما قلناه - وبه قال أحمد والمزني وأبو إسحاق(٥) - للعموم(٦) .
والثاني : أنّه لا يجوز قتلهم - وبه قال أبو حنيفة ومالك(٧) - لما روي أنّهعليهالسلام قال : « لا تقتلوا النساء ولا أصحاب الصوامع »(٨) (٩) .
____________________
(١) أورده ابنا قدامة في المغني ١٠ : ٥٣٣ و ٥٣٥ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٩٢.
(٢) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٤ - ٢٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٣ ، المغني ١٠ : ٥٣٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٢.
(٣) التوبة : ٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٣ ، مختصر المزني : ٢٧٢.
(٦) التوبة : ٥.
(٧) بدائع الصنائع ٧ : ١٠١ ، المدوّنة الكبرى ٢ : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٣.
(٨) أورده الرافعي في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١.
(٩) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٥.
ولا فرق بين أن يحضر ذو الرأي من الشيوخ والرهبان في صفّ القتال أو لا يحضر في جواز قتله ، ولا بين أن نجده في بلاده وغازياً في جواز قتله.
وللشافعي قولان في أرباب الحِرَف والصناعات ، أقواهما : جواز قتلهم ، لأنّ أكثر الناس أصحاب حِرَف وصناعات(١) .
وأمّا الزمنى والعميان والمعرضون عن القتال كالرهبان : فالأقوى عنده ترك قتله(٢) .
وفي السوقة للشافعيّة طريقان :
أحدهما : أنّ فيهم قولين ؛ لأنّهم لا يمارسون القتال ، ولا يتعاطون الأسلحة.
والثاني : أنّهم يُقتلون ؛ لقدرتهم على القتال.
وفرّعوا على القولين : فإن جوّزوا قتلهم ، جوّزوا استرقاقهم وسبي نسائهم وذراريهم واغتنام أموالهم ، وإن منعوه ، ففي استرقاقهم طُرُق ، أظهرها : أنّهم يُرقّون بنفس الأسر ، كالنساء والصبيان.
والثاني : أنّ فيهم قولين كالأسير إذا أسلم قبل الاسترقاق ، ففي قولٍ : لا يسترقّ(٣) . وفي آخر: يتخيّر الإمام بين الاسترقاق والمنّ والفداء.
والثالث : أنّه لا يجوز استرقاقهم بل يتركون ولا يتعرّض لهم(٤) .
ولو ترهّبت المرأة ، ففي جواز سبيها عندهم وجهان بناءً على القولين
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٢.
(٢) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٢.
(٣) كذا في النسخ الخطّيّة والحجريّة ، وفي المصدر : يتعيّن رقّه. بدل لا يسترقّ.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٤.
في جواز قتل الراهب(١) .
ولا يُقتل رسول الكافر.
روى العامّة عن ابن مسعود : أنّ رجلين أتيا النبيصلىاللهعليهوآله رسولين لمسيلمة ، فقال لهما :« اشهدا أنّي رسول الله » فقالا : نشهد أنّ مسيلمة رسول الله ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت عنقكما »(٢) .
والفلّاح يُقتل ، عندنا ؛ للعموم ؛ لأنّه يطلب منه الإسلام ، وبه قال الشافعي(٣) ، خلافاً لأحمد(٤) .
مسألة ٣٢ : إذا نزل الإمام على بلد ، جاز له محاصرته بمنع السابلة دخولاً وخروجاً ومحاصرتهم في القلاع والحصون وتشديد الأمر عليهم ؛ لقوله تعالى :( وَاحْصُرُوهُمْ ) (٥) .
وحاصر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أهلَ الطائف شهراً(٦) .
ولأنّهم ربما رغبوا في الإسلام وعرفوا محاسنه.
وكذا يجوز نصب المناجيق على قلاعهم ورمي الأحجار وهدم الحيطان وإن كان فيهم النساء والصبيان ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نصب على أهل الطائف منجنيقاً وكان فيهم نساء وصبيان. رواه العامّة(٧) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٥.
(٢) مسند أحمد ١ : ٦٤٥ / ٣٧٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٤ ، بتفاوت في اللفظ.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٥٣٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٤.
(٥) التوبة : ٥.
(٦) سنن البيهقي ٩ : ٨٤ ، المراسيل - لأبي داوُد - : ١٨٣ - ٣١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٦.
(٧) المغازي - للواقدي - ٣ : ٩٢٧ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٢٦٦ ، سنن البيهقي ٩ : ٨٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٥.
ومن طريق الخاصّة : رواية حفص بن غياث ، قال : كتب إليّ بعض إخواني أن أسأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن مدينة من مدائن الحرب هل يجوز أن يرسل عليهم الماء أو يحرقون بالنيران أو يرمون بالمنجنيق حتى يقتلوا وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والاُسارى من المسلمين والتجّار؟ فقال : « يفعل ذلك ، ولا يمسك عنهم لهؤلاء ، ولا دية عليهم ولا كفّارة »(١) .
ولأنّه في محلّ الضرورة فكان سائغاً.
ونهيُ النبيصلىاللهعليهوآله عن قتل النساء والصبيان(٢) مصروف إلى قتلهم صبراً ؛ لأنّهعليهالسلام رماهم بالمنجنيق في الطائف(٣) .
ويجوز تخريب حصونهم وبيوتهم ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله خرّب حصون بني النضير وخيبر وهَدَم ديارهم(٤) .
مسألة ٣٣ : يجوز قتل المشركين كيف اتّفق ، كإلقاء النار إليهم وقذفهم بها ورميهم بالنفط مع الحاجة ، عند أكثر العلماء(٥) - خلافاً لبعضهم - لأنّ أبا بكر أمر بتحريق أهل الردّة ، وفَعَله خالد بن الوليد بأمره(٦) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « يفعل ذلك » لمـّا سُئل عن
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٤٢ / ٢٤٢.
(٢) صحيح البخاري ٤ : ٧٤ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٦٤ / ٢٥ ، سنن البيهقي ٩ : ٧٧ ، الموطأ ٢ : ٤٤٧ / ٩.
(٣) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٦٨ ، الهامش (٧)
(٤) كما في المبسوط - للطوسي - ٢ : ١١.
(٥) المغني ١٠ : ٤٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٥.
(٦) المغني ١٠ : ٤٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٩.
إحراقهم بالنار(١) .
وهل يجوز مع عدم الحاجة؟ ظاهر كلام الشيخ(٢) -رحمهالله - يقتضيه ؛ لأنّه سبب في هلاكهم ، كالقتل بالسيف.
ومَنَع بعض(٣) العامّة منه ؛ لما رواه حمزة الأسلمي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمَّره على سريّة ، قال : فخرجت فيها ، فقال : « إن أخذتم فلاناً فأحرقوه بالنار » فوليت ، فناداني ، فرجعت ، فقال : « إن أخذتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه ، فإنّه لا يعذّب بالنار إلّا ربّ النار »(٤) .
وهو غير محلّ النزاع ؛ لأنّه لا يجوز قتل الأسير بغير السيف.
وكذا يجوز تغريقهم بإرسال الماء إليهم(٥) وفتح البثوق عليهم لكن يكره مع القدرة عليهم بغيره.
وهل يجوز إلقاء السمّ في بلادهم؟ منع الشيخ منه(٦) ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى أن يلقى السمّ في بلاد المشركين(٧) .
والأقوى : الجواز : ويُحمل النهي على الكراهة.
وبالجملة ، يجوز قتالهم بجميع أسباب القتل ، كرمي الحيّات القواتل والعقارب وكلّ ما فيه ضرر.
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٤٢ / ١٤٢.
(٢) اُنظر : النهاية : ٢٩٣.
(٣) المغني ١٠ : ٤٩٣ و ٤٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٩ و ٣٩٠.
(٤) سنن أبي داوُد ٣ : ٥٤ - ٥٥ / ٢٦٧٣ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٤٣ / ٢٦٤٣ ، المغني ١٠ : ٤٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٩.
(٥) كلمة « إليهم » لم ترد في « ق ، ك».
(٦) النهاية : ٢٩٣ ، الجمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) : ٢٤٣.
(٧) الكافي ٥ : ٢٨ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٤٣ / ٢٤٤.
مسألة ٣٤ : يكره تبييت العدوّ غارّين ليلاً ، وإنّما يلاقون بالنهار ، ولو احتيج إليه فعل ؛ لما روى العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله كان إذا طرق العدوّ ليلاً لم يُغِرْ حتى يصبح(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « ما بيّت رسول اللهصلىاللهعليهوآله عدوّاً قطّ ليلاً »(٢) .
إذا عرفت هذا ، فيستحبّ أن يكون القتال بعد الزوال ؛ لأنّه ربما يحضر وقت صلاة الظهر فلا يمكنهم أداؤها ، بخلاف العشاءين ؛ لأنّهم يمتنعون عن القتال بدخول الليل.
قال الصادقعليهالسلام : « كان عليعليهالسلام لا يقاتل حتى تزول الشمس »(٣) .
ويكره قطع الشجر والنخل. ولو احتاج إليه ، جاز في قول عامّة العلماء(٤) - خلافاً لأحمد(٥) - لقوله تعالى :( ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ ) (٦) قال ابن عباس : اللينة : النخلة غير الجعرور(٧) .
وما رواه العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قطع الشجر بالطائف ونَخْلَهم ، وقَطَع
____________________
(١) سنن البيهقي ٩ : ٧٩ ، مسند أحمد ٤ : ٦٦ / ١٢٧٢٧.
(٢) التهذيب ٦ : ١٧٤ / ٣٤٣.
(٣) الكافي ٥ : ٢٨ / ٥ ، التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٤١.
(٤) المغني ١٠ : ٥٠١ - ٥٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٨ ، بداية المجتهد ١ : ٣٨٦ ، التفريع ١ : ٣٥٧ ، النتف ٢ : ٧١٠ ، معالم السنن - للخطّابي - ٣ : ٤٢٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦.
(٥) اُنظر : المغني ١٠ : ٥٠١ - ٥٠٢ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٨٨.
(٦) الحشر : ٥.
(٧) أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٤٢٩ ، تفسير الطبري ٢٨ : ٢٢ ، وفيهما : « العجوة » بدل « الجعرور ».
النخل بخيبر ، وقطع شجر بني المصطلق وأحرق(١) .
وأمّا الكراهة : فلقول الصادقعليهالسلام - في الحسن - : « كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : لا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها »(٢) .
ولو غلب على الظنّ حصوله للمسلمين ، كره قطعه. وللشافعي قولان(٣) .
ولو فتحها قهراً ، لم يجز القطع والتخريب ؛ لأنّها صارت غنيمةً للمسلمين. وكذا لا يجوز لو فُتحت صلحاً على أن يكون لنا أو لهم.
ولو غنمنا أموالهم وخفنا لحوقهم واستردادهم ، جاز هلاكها.
ويجوز قتل دوابّهم حالة الحرب ؛ لما فيه من التوصّل إلى قتلهم وهربهم ، ولأنّه يجوز قتل الصبيان والنساء واُسارى المسلمين لو تترّسوا بهم فالدوابّ أولى ، أمّا في غير حال الحرب فلا ينبغي - وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور(٤) - لما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه نهى عن قتل شيء من الدوابّ صبراً(٥) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام في وصيّة النبيصلىاللهعليهوآله : « ولا تعقروا البهائم ما يؤكل لحمه إلّا ما لا بدّ لكم من أكله »(٦) .
____________________
(١) اُنظر : سنن البيهقي ٩ : ٨٤ والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٢ وفيهما بعض المقصود.
(٢) الكافي ٥ : ٣٠ / ٩ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣١.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥١.
(٤) المغني ١٠ : ٤٩٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣.
(٥) صحيح مسلم ٣ : ١٥٤٩ / ١٩٥٦ ، و ١٥٥٠ / ١٩٥٩ ، سنن البيهقي ٩ : ٨٦ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٤٦ / ١٢٤٣٠ ، المغني ١٠ : ٤٩٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣.
(٦) الكافي ٥ : ٢٩ / ٨ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣٢.
ولأنّه حيوان ذو حرمة ، فلا يجوز قتله لمغايظة الكفّار ، كالنساء والصبيان.
ويجوز عقر(١) الدوابّ للأكل مع الحاجة إن كان لا يتّخذ إلّا للأكل ، كالدجاج والحمام إجماعاً. ولو كان يحتاج إليه للقتال كالخيل ، فكذا مع الحاجة ، خلافاً لبعض العامّة(٢) .
ولو أذن الإمام في ذبحها ، جاز إجماعاً.
ولو عجز المسلمون عن سوقه وأخذه ، جاز ذبحه للانتفاع به مع الحاجة وعدمها.
ولو غنم المسلمون خيل الكفّار ثمّ لحقوا بهم وخافوا استرجاعها ، لم يجز قتلها ولا عقرها ؛ لما تقدّم ، أمّا لو خافوا حصول قوّة لهم علينا ، جاز عقرها.
وقال أبو حنيفة ومالك : يجوز إتلاف الخيول بكلّ حال مغايظةً للكفّار(٣) .
مسألة ٣٥ : لو تترّس الكفّار بنسائهم وصبيانهم ، فإن دعت الضرورة إلى الرمي بأن كانت الحرب ملتحمةً وخِيف لو تركوا لغلبوا ، جاز قتالهم ، ولا يقصد قتل التُّرْس ولا يكفّ عنهم لأجل التُّرْس.
ولقول الصادقعليهالسلام : « ولا يمسك عنهم لهؤلاء » لمـّا سُئل عن قتلهم وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين(٤) .
____________________
(١) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « غير » بدل « عقر ». وما أثبتناه هو الصحيح.
(٢) المغني ١٠ : ٤٩٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣ ، المغني ١٠ : ٤٩٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٨٥.
(٤) التهذيب ٦ : ١٤٢ / ٢٤٢.
ولأنّ ترك التُّرْس يؤدّي إلى تعطيل الجهاد ، ولئلّا يتّخذوا ذلك ذريعةً إليه.
وإن لم تكن الضرورة داعيةً إلى قتلهم بأن كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم ولم تكن الحرب ملتحمةً وكان المشركون في حصن متحصّنين أو كانوا من وراء خندق كافّين عن القتال ، فالأقرب: كراهية قتلهم ؛ للنهي عن قتل النساء والصبيان ، ونحن في غنية عن قتلهم ، وهو أحد قولي الشافعي(١) .
والثاني : المنع ؛ للنهي(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّه يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم.
ولو تترّسوا بهم وهُمْ في القلعة ، فكذلك. وللشافعي قولان(٣) .
أمّا لو تترّسوا بمسلم ، فإن لم تكن الحرب قائمة ، لم يجز الرمي ، وكذا لو أمكنت القدرة عليهم بدون الرمي أو أمن شرّهم ، فلو خالفوا ورموا ، كان الحكم فيه كالحكم في غير هذا المكان : إن كان القتل عمداً ، وجب القود والكفّارة على قاتله ، وإن كان خطأ ، فالدية على عاقلته والكفّارة عليه.
ولو كان حال التحام الحرب ، جاز رميهم ، ويقصد بالرمي المشركينَ لا المسلمين ، للضرورة إلى ذلك بأن يخاف منهم لو تركوا. ولو لم يخف
____________________
(١ و ٢) الوجيز ٢ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٧ - ٣٩٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٦.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٦.
منهم لكن لا يقدر عليهم إلّا بالرمي ، فالأولى الجواز أيضاً - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ تركهم يفضي إلى تعطيل الجهاد.
وللشافعي قول آخر : إنّه لا يجوز قتلهم إذا لم يمكن ضرب الكفّار إلّا بضرب المسلم ، سواء خفنا منهم أو لم نخف ؛ لأنّ غاية ما فيه أنّا نخاف على أنفسنا ، ودم المسلم لا يباح بالخوف ، كما في صورة الإكراه(٢) .
وقال الليث والأوزاعي : لا يجوز رميهم مع عدم الخوف ؛ لقوله تعالى :( وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ) (٣) (٤) .
قال الليث : ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حقّ(٥) .
وفرَّق بعض الشافعيّة بين التترّس بمسلم واحد وبين التترّس بطائفة من المسلمين ؛ لأنه يتساهل في أشخاص من الأسارى ، بخلاف الكلّيّات(٦) .
أ - لو رمى فأصاب مسلماً ولم يعلم أنّه مسلم والحرب قائمة ، فلا دية ؛ لأنّه مأمور بالرمي ، فلا يجامع العقوبة. ولأنّه يؤدّي إلى بطلان الجهاد ؛
____________________
(١) مختصر المزني : ٢٧١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
(٣) الفتح : ٢٥.
(٤) المغني ١٠ : ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٥) المغني ١٠ : ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٦.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٥.
لجواز أن يكون كلّ واحد يقصده مسلماً فيمتنع من الرمي.
ب - لو علمه مسلماً ورمى قاصداً للمشركين ولم يمكنه التوقّي فأصابه وقتله ، فلا قود عليه إجماعاً ؛ لأنّ القصاص مع تجويز الرمي متنافيان. ولأنّه لم يقصده ، ولا تجب الدية أيضاً عندنا - وهو أحد قولي الشافعي وقول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد(١) - لقوله تعالى :( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) (٢) ولم يذكر الدية ، فلا تكون واجبةً.
والثاني للشافعي وأحمد : تجب الدية ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ ) (٣) (٤) .
وآيتنا أخصّ فتقدَّم.
وأمّا الكفّارة : فالحقّ وجوبها ؛ لقوله تعالى :( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) (٥) وهو قول الشافعي وأحمد(٦) .
وقال أبو حنيفة : لا تجب الكفّارة ؛ لأنّه كمباح الدم(٧) .
ونمنع القياس خصوصاً مع معارضة الكتاب.
وللشافعي قول آخر : إنّه إن علمه مسلماً ، لزمته الدية وإلّا فلا ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٨٩ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٠١ ، المغني ١٠ : ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٦.
(٢ و ٣) النساء : ٩٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٨٩ ، المغني ١٠ : ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٦.
(٥) النساء : ٩٢.
(٦) مختصر المزني : ٢٧١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٩٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٠١ ، المغني ١٠ : ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٦.
(٧) بدائع الصنائع ٧ : ١٠١ ، المغني ١٠ : ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٦.
والفرق أنّه إذا علم إسلامه ، أمكنه التوقّي عنه والرمي إلى غيره فغلظ عليه(١) .
وقال بعض أصحابه : إن قصده بعينه ، لزمته الدية ، سواء علمه مسلماً أو لا ، وإن لم يقصده بعينه بل رمى إلى الصفّ ، لم تلزم(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إن علم أنّ هناك مسلماً ، وجبت الدية ، سواء قصده بعينه أو لم يقصده ، وإن لم يعلم ، فقولان(٣) .
وعن أبي حنيفة : لا دية ولا كفّارة(٤) .
ج - قالت الشافعيّة : إن قلنا : لا يجوز الرمي فرمى فقُتل ، ففي وجوب القصاص طريقان :
أحدهما : أنّه على قولين ، كالمكره إذا قتل.
والثاني : القطع بالوجوب ، كالمضطرّ إذا قتل إنسانا وأكله. ويفارق المكره بأنّه ملجأ إلى القتل ، وهنا بخلافه ، ولأنّ هناك من يحال عليه وهو المكره ، وليس ها هنا غيره(٥) .
د - لو تترّس الكفّار بذمّي أو مستأمن أو عبد ، فالحكم في جواز الرمي والدية والكفّارة على ما تقدّم ، لكنّ الواجب في العبد القيمة لا الدية.
وقال بعض الشافعيّة : لو تترّس كافر بتُرس مسلم أو ركب فرسه
____________________
(١) مختصر المزني : ٢٧١ ، الوجيز ٢ : ١٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
(٢) الوجيز ٢ : ١٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
(٤) بدائع الصنائع ٧ : ١٠١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٠ ، المغني ١٠ ، ٤٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٦.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
فرمى إليه مسلمٌ فأتلفه ، فإن كان في غير التحام القتال ، فعليه الضمان ، وإن كان في حال الالتحام ، فإن أمكنه أن لا يصيب التُّرْس والفرس فأصابه ، ضمن ، وإن لم يمكنه الدفع إلّا بإصابته ، فإن جعلناه كالمكره ، لم يضمن ؛ لأنّ المكره في المال يكون طريقاً في الضمان ، وهنا لا ضمان على الحربي حتى يجعل المسلم طريقاً ، وإن جعلناه مختاراً ، لزمه الضمان(١) .
مسألة ٣٦ : إذا حاصر الإمام حصناً ، لم يكن له الانصراف إلّا بأحد اُمور خمسة :
الأوّل : أن يسلموا فيحرزوا بالإسلام دماءهم وأموالهم.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله ، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها »(٢) .
الثاني : أن يبذلوا مالاً على الترك ، فإن كان جزيةً وهُمْ من أهلها ، قُبلت منهم ، وإن لم تكن جزيةً بل كانوا حربيّين ، قُبل مع المصلحة ، وإلّا فلا.
الثالث : أن يفتحه ويملكه ويقهرهم عليه.
الرابع : أن يرى من المصلحة الانصراف إمّا بتضرّر المسلمين بالإقامة أو بحصول اليأس منه ، كما روي أنّ النبيعليهالسلام حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئاً ، فقالعليهالسلام : « إنّا قافلون إن شاء الله غداً » فقال المسلمون : أنرجع ولم نفتحه؟ فقالعليهالسلام : « اغدوا على القتال » فغدوا عليه فأصابهم الجراح ، فقال
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤٧.
(٢) صحيح البخاري ٩ : ١٣٨ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٢٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٩٥ / ٣٩٢٧ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ٣٣٢ - ٣٣٣ / ٢٩٣٣ ، مسند أحمد ١ : ٢٠ / ٦٨.
لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّا قافلون غداً » فأعجبهم ، فقفل(١) رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) .
الخامس : أن ينزلوا على حكم حاكم فيجوز ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأجابهمعليهالسلام إلى ذلك(٣) .
مسألة ٣٧ : لا يجوز التمثيل بالكفّار ولا الغدر بهم ولا الغلول منهم ؛ لقول النبيصلىاللهعليهوآله في حديث الصادقعليهالسلام : « لا تغلّوا ولا تمثلوا ولا تغدروا »(٤) .
مسألة ٣٨ : المبارزة مشروعة غير مكروهة ، عند عامّة العلماء(٥) - إلّا الحسن البصري ، فإنّه لم يعرفها وكرهها(٦) - لأنّ العامّة رووا أنّ عليّاًعليهالسلام بارز يوم خيبر فقتل مرحباً ، وبارز عمرو بن عبد ودّ يوم الخندق فقتله ، وبارز عليّعليهالسلام وحمزة وعبيدة بن الحارث يوم بَدْر بإذن النبيعليهالسلام (٧) ، ولم يزل أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبارزون في عصر النبيعليهالسلام وبعده ولم ينكره أحد ، فكان إجماعاً.
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « دعا رجلٌ بعضَ بني هاشم إلى البراز ، فأبى أن يبارزه ، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : ما منعك أن تبارزه؟ فقال : كان فارس العرب وخشيت أن يقتلني ، فقال له أمير
____________________
(١) فيما عدا المغني : « فضحك » بدل « فقفل ».
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٤٠٣ / ١٧٧٨ ، مسند أحمد ٢ : ٧٧ / ٤٥٧٤ ، المغني ١٠ : ٥٣٦.
(٣) صحيح البخاري ٥ : ١٤٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٨٨ - ١٣٨٩ / ١٧٦٨ ، مسند أحمد ٣ : ٤٠١ / ١٠٧٨٤ و ٤٨٤ / ١١٢٨٣ ، و ٧ : ٢٠٤ - ٢٠٥ / ٢٤٥٧٣ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٤ : ٤٢٥ / ١٨٦٧٧ ، المغني ١٠ : ٥٣٧.
(٤) الكافي ٥ : ٢٧ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣١.
(٥ - ٧) المغني ١٠ : ٣٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٧.
المؤمنينعليهالسلام : فإنّه بغى عليك ولو بارزته لقتلته ، ولو بغى جبل على جبل لهُدّ الباغي »(١) .
مسألة ٣٩ : ينبغي للمسلم أن لا يطلب المبارزة إلّا بإذن الإمام إذا أمكن - وبه قال الثوري وإسحاق وأحمد(٢) - لأنّ الامام أعرف بفرسانه وفرسان المشركين ومَنْ يصلح للمبارزة ومَنْ لا يصلح ومَنْ يكون قرناً للكافر ومَنْ لا يكون ، فربما تضرّر المسلمون. بكسر قلوبهم عند عجز صاحبهم ، فينبغي تفويضه إلى الإمام ليختار للمبارزة مَنْ يرتضيه لها ، فيكون أحفظ لقلوب المسلمين وكسر قلوب الكفّار.
ولأنّ عليّاًعليهالسلام وحمزة وعبيدة استأذنوا النبيعليهالسلام يوم بَدْر ، رواه العامّة(٣) .
ومن طريق الخاصّة : أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام سُئل عن المبارزة بين الصفّين بغير إذن الإمام ، قال: « لا بأس بذلك ، ولكن لا يطلب ذلك إلّا بإذن الإمام »(٤) .
ورخّص فيها مطلقاً من غير إذن الإمامِ مالك والشافعي وابن المنذر ؛ لأنّ أبا قتادة قال : بارزت رجلاً يوم خيبر(٥) فقتلته. ولم يُعلم أنّه استأذن النبيعليهالسلام (٦) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٦٩ / ٣٢٤ ، وفي الكافي ٥ : ٣٤ - ٣٥ / ٢ بتفاوت يسير.
(٢ و ٣) المغني ١٠ : ٣٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٧.
(٤) التهذيب ٦ : ١٦٩ / ٣٢٣.
(٥) في الشرح الكبير : « حنين » بدل « خيبر ».
(٦) المغني ١٠ : ٣٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٨ ، الوجيز ٢ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٦ و ٤٠٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٨ ، معالم السنن - للخطّابي - ٤ : ١١ ، الجامع لأحكام القرآن ٣ : ٢٥٨.
وهي حكاية حال لا عموم لها. ولاحتمال أن يكون المشرك سأل المبارزة ، لا أنّ أبا قتادة طلبها.
ويؤيّده : قول الصادقعليهالسلام : « إنّ الحسن بن عليعليهماالسلام دعا رجلاً إلى المبارزة ، فعلم أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقال له : لئن عدت إلى مثلها لاُعاقبنّك ، ولئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لأعاقبنّك ، أما علمت أنّه بغى »(١) .
وقد ظهر من هذا أنّ طلب المبارزة ممنوع منه بغير إذن الإمام ، وفعلها سائغ من دون إذنه.
مسألة ٤٠ : إذا خرج عِلْجٌ(٢) يطلب البراز ، استحبّ لمن فيه قوّة ( أن يبارزه )(٣) بإذن الإمام ، وينبغي للإمام أن يأذن له في ذلك ؛ لأنّ في تركه ضعف قلوب المسلمين واجتراء المشركين ، وفي الخروج ردّ عن المسلمين وإظهار قوّتهم وشجاعتهم.
فانقسمت(٤) أربعة أقسام :
الأوّل : أن تكون واجبةً ، وهي ما إذا ألزم الإمام بها.
الثاني : أن تكون مستحبّةً ، وهي أن يخرج ( رجل من المشركين )(٥) فيطلب المبارزة ، فيستحبّ ( لمن فيه قوّة )(٦) من المسلمين الخروج إليه.
الثالث : أن تكون مكروهةً ، وهي أن يخرج الضعيف من المسلمين
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٦٩ / ٣٢٤ ، وفي الكافي ٥ : ٣٤ - ٣٥ / ٢ : « الحسين بن عليعليهماالسلام ».
(٢) العِلْج : الرجل القويّ الضخم من الكفّار. لسان العرب ٢ : ٣٢٦ « علج ».
(٣) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : مبارزته.
(٤) أي : المبارزة.
(٥) بدل ما بين القوسين في « ك» : المشرك.
(٦) بدل ما بين القوسين في « ق » : لذي القوّة.
الذي لا يعلم من نفسه المقاومة.
الرابع : أن تكون مباحةً ، وهي أن يخرج ابتداءً فيبارز.
مسألة ٤١ : إذا خرج المشرك وطلب المبارزة ، جاز لكلّ أحد رميه وقتله ؛ لأنّه مشرك لا أمان له ولا عهد إلّا أن تكون العادة بينهم جارية أنّ مَنْ خرج يطلب المبارزة لا يتعرّض له ، فيجري مجرى الشرط ، فإن خرج إليه أحد يبارزه بشرط أن لا يعينه عليه سواه ، وجب الوفاء له بالشرط ، لقولهعليهالسلام : « المؤمنون عند شروطهم »(١) .
فإن انهزم المسلم تاركاً للقتال أو مثخناً بالجراح ، جاز قتاله ؛ لأنّ المسلم إذا صار إلى هذه الحالة فقد انقضى القتال ، والمشرك شرط الأمان ما دام في القتال وقد زال.
ولو شرط المشرك أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفّه ، وجب الوفاء له إلّا أن يترك المسلم قتاله أو يثخنه بالجراح فيرجع فيتبعه فيقتله ، أو يخشى عليه منه فيمنع ويدفع عن المسلم ويقاتل إن امتنع من الكفّ عنه إلّا بالقتال ؛ لأنّه نقض الشرط وأبطل أمانه بمنعهم من تخليصه.
ولو أعان المشركون صاحبَهم ، كان على المسلمين إعانةُ صاحبهم ، ويقاتلون مَنْ أعان عليه ، ولا يقاتلونه ؛ لأنّ النقض ليس من جهته.
وإن كان قد شرط أن لا يقاتله غير مبارزه ، وجب الوفاء له. فإن استنجد أصحابَه فأعانوه ، فقد نقض أمانه ، ويقاتل معهم. ولو منعهم فلم يمتنعوا ، فأمانُه باقٍ ، فلا يجوز قتاله ولكن يقاتل أصحابه.
هذا إذا أعانوه بغير قوله ، ولو سكت ولم ينههم عن إعانته ، فقد
____________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٩ ، التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥.
نقض أمانه ؛ لأنّ سكوته يدلّ على الرضى بذلك ، أمّا لو استنجدهم ، فإنّه يجوز قتاله مطلقاً.
ولو طلب المشرك المبارزة ولم يشترط(١) ، جاز معونة قرنه. ولو شرط أن لا يقاتله غيره ، وجب الوفاء له. فإن فرّ المسلم وطلبه(٢) الحربي ، جاز دفعه ، سواء فرّ المسلم مختاراً أو لإثخانه بالجراح.
ويجوز لهم معاونة المسلم مع إثخانه.
وقال الأوزاعي : ليس لهم ذلك(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّ عليّاًعليهالسلام وحمزة أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أثخن عبيدة(٤) .
ولو لم يطلبه المشرك ، لم تجز محاربته ؛ لأنّه لم ينقض شرطاً.
وقيل : يجوز قتاله ما لم يشترط(٥) الأمان حتى يعود إلى فئته(٦) .
مسألة ٤٢ : تجوز المخادعة في الحرب وأن يخدع المبارز قرنه ليتوصّل بذلك إلى قتله إجماعاً.
روى العامّة أنّ عمرو بن عبد وُدّ بارز عليّاًعليهالسلام ، فقال : ما اُحبّ ذلك يا بن أخي ، فقال عليعليهالسلام : « لكنّي أحبّ أن أقتلك » فغضب عمرو وأقبل إليه ، فقال عليعليهالسلام : « ما برزت لأقاتل اثنين » فالتفت عمرو ، فوثب عليعليهالسلام فضربه ، فقال عمرو : خدعتني ، فقال عليعليهالسلام : « الحرب خدعة »(٧) .
____________________
(١) في « ق » : ولم يشرط.
(٢) في « ق » : فطلبه.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٣٨٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٠.
(٥) في « ق » : لم يشرط.
(٦) كما في شرائع الإسلام ١ : ٣١٣.
(٧) تاريخ الطبري ٢ : ٢٣٩ ، المغني ١٠ : ٣٩٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٠.
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « إنّ عليّاًعليهالسلام كان يقول : لئن تخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أقول على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما لم يقل ، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : الحرب خدعة»(١) .
مسألة ٤٣ : يكره تبييت العدوّ ليلاً ، وإنّما يلاقون بالنهار ، إلّا مع الحاجة إلى التبييت فيبيّتهم.
ويستحبّ أن يلاقوا بالنهار ، ويبدأ بالقتال بعد الزوال ، ويكره قبله إلّا مع الحاجة.
ويكره أن يعرقب الدابّة ، وإن وقفت به ، ذبحها ولا يعرقبها.
وأمّا نقل رؤوس المشركين إلى بلاد الإسلام : فإن اشتمل على نكاية في الكفّار ، لم يكن مكروها. وكذا إن اُريد معرفة المسلمين بموته ؛ فإنّ أبا جهل لمـّا قتل حمل رأسه(٢) . وإن لم يكن كذلك ، كان مكروهاً ؛ لأنّه لم ينقل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأس كافر قطّ.
وللشافعي وجهان : الكراهة وعدمها(٣) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٦٢ - ١٦٣ / ٢٩٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٠٨ - ٤٠٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٠.
الفصل الثالث
في الأمان
وفيه مباحث :
عقد الأمان ترك القتال إجابةً لسؤال الكفّار بالإمهال ، وهو جائز إجماعاً.
قال الله تعالى :( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) (١) .
وروى العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمَّن المشركين يوم الحديبيّة ، وعقد معهم الصلح(٢) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه السكوني عن الصادقعليهالسلام ، قال : قلت : ما معنى قول النبيصلىاللهعليهوآله : « يسعى بذمّتهم أدناهم »؟ قال « لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا(٣) قوماً من المشركين فأشرب رجل فقال : أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم فاُناظره(٤) ، فأعطاه الأمان أدناهم ، وجب على أفضلهم الوفاء به »(٥) .
____________________
(١) التوبة : ٦.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٤٠٩ / ١٧٨٣ ، مسند أحمد ١ : ١٣٨ - ١٣٩ / ٦٥٨ و ٥٦٣ - ٥٦٤ / ٣١٧٧.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « حاصر ». وما أثبتناه من المصدر.
(٤) في النسخ الخطّية والحجريّة : « فأنظره ». وما أثبتناه من المصدر.
(٥) الكافي ٥ : ٣٠ - ٣١ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٤٠ / ٢٣٤.
ولا خلاف بين المسلمين في ذلك.
مسألة ٤٤ : إنّما يجوز عقد الأمان مع اعتبار المصلحة ، فلو اقتضت المصلحة ترك الأمان وأن لا يجابوا إليه ، لم يفعل ؛ لأنّه مصلحة في بعض الأحوال ومكيدة من مكايد القتال في المبارزة ، فإذا لم تكن مصلحة ، لم يجز فعله ، وسواء في ذلك عقد الأمان لمشرك واحد أو لجماعة كثيرة ، فإنّه جائز مع المصلحة إجماعاً.
ومَنْ طلب الأمان من الكفّار ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام ، وجب أن يعطى أماناً ثم يردّ إلى مأمنه ؛ للآية(١) .
ويجوز أن يعقد الأمان لرسول المشركين وللمستأمن ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يؤمن رُسُل المشركين(٢) . ولأنّ الحاجة تدعو إلى المراسلة ، ولو قَتَلوا رسلهم لقتلوا رُسُلَنا فتفوت المصلحة.
ولا تقدّر مدّة العقد لهما بقدر ، بل يجوز مطلقاً ومقيّداً بزمان طويل أو قصير نظراً إلى المصلحة.
مسألة ٤٥ : يجوز للإمام عقد الصلح إجماعاً ؛ لأنّ أمور الحرب موكولة إليه كما كانت موكولة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإن رأى المصلحة في عقده لواحد ، فَعَل ، وكذا لأهل حصن أو قرية أو بلد أو إقليم ولجميع الكفّار بحسب المصلحة ؛ لعموم ولايته ، ولا نعلم فيه خلافا.
____________________
(١) التوبة : ٦.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٨٣ - ٨٤ / ٢٧٦١ و ٢٧٦٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٢١١ ، المغني ١٠ : ٤٢٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٣.
وأمّا نائبه : فإن كانت ولايته عامّة ، كان له ذلك أيضا ، وإن لم تكن عامّة ، جاز عقد أمانه لجميع من في ولايته ولآحادهم ، وأمّا غير ولايته : فحكمه حكم آحاد الرعايا.
وأمّا آحاد الرعية : فيصحّ أمان الواحد منهم للواحد من المشركين وللعدد اليسير ، كالعشرة والقافلة القليلة والحصن الصغير ؛ لعموم قولهعليهالسلام : « ويسعى بذمّتهم أدناهم »(١) .
ولقول الصادقعليهالسلام : « إنّ عليّاًعليهالسلام أجاز أمان عبدٍ مملوك لأهل حصن ، وقال : هو من المؤمنين »(٢) .
ولأنّ علّة تسويغه للواحد - وهو استمالته إلى الإسلام مع الأمن منه - موجود في العدد اليسير.
أمّا العدد الكثير من المشركين فإنّه موكول إلى الإمام خاصّة ؛ لأنّ في تسويغه للواحد من المسلمين تعطيلاً للجهاد على الإمام وتقويةً للكفّار.
مسألة ٤٦ : يصحّ عقد الأمان من الحُرّ والعبد المأذون له في الجهاد وغير المأذون ، عند علمائنا أجمع - وبه قال أكثر العلماء والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ، وهو مروي عن عليعليهالسلام ، وعن عمر(٣) - لما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٤ : ١٨٠ - ١٨١ / ٤٥٣٠ ، سنن النسائي ٨ : ١٩ - ٢٠ و ٢٤ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٣١ / ١٥٥ ، سنن البيهقي ٨ : ٢٩ ، و ٣٠ ، و ٩ : ٩٤ ، مسند أحمد ١ : ١٩١ / ٩٦٢ ، الكافي ٥ : ٣٠ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٤٠ / ٢٣٥.
(٢) الكافي ٥ : ٣١ / ٢ ، التهذيب : ١٤٠ / ٢٣٥.
(٣) المغني ١٠ : ٤٢٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٦ ، الاُمّ ٤ : ٢٨٤ ، الوجيز ٢ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٦ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٠.
فمَنْ أخفر(١) مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يُقبل منه صرف ولا عدل »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « إنّ عليّاًعليهالسلام أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن وقال : هو من المؤمنين »(٣) .
ولأنّه مسلم مكلّف غير متّهم في حقّ المسلمين ، فصحّ أمانه ، كالحُرّ.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يصحّ أمان العبد إلّا أن يكون مأذوناً له في القتال ، لأنّه لا يجب عليه الجهاد ، فلا يصحّ أمانه ، كالصبي(٤) .
وينتقض بالمرأة والمأذون له.
مسألة ٤٧ : يصحّ أمان المرأة إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أجاز أمان اُمّ هاني ، وقال : « إنّما يجير على المسلمين أدناهم »(٥) .
وأمّا المجنون فلا ينعقد أمانه ؛ لرفع القلم عنه.
وكذا الصبي لا ينعقد أمانه وإن كان مميّزاً مراهقاً - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٦) - لرفع القلم عنه.
____________________
(١) الخُفارة : الذمام. وأخفرت الرجل : إذا نقضت عهده وذمامه. النهاية - لابن الأثير - ٢ : ٥٢ « خفر ».
(٢) صحيح البخاري ٤ : ١٢٥ ، صحيح مسلم ٢ : ٩٩٩ / ٤٧٠ ، سنن البيهقي ٩ : ٩٤ ، المغني ١٠ : ٤٢٤.
(٣) الكافي ٥ : ٣١ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٤٠ / ٢٣٥.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٠ ، المغني ١٠ : ٤٢٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٦ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٣.
(٥) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٣٤ / ٢٦١٢ ، المغني ١٠ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٦.
(٦) الاُمّ ٤ : ٢٨٤ ، الوجيز ٢ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٩٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٠٦ ، المغني ١٠ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٧ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٣.
وقال مالك وأحمد : يصحّ أمان المراهق(١) ؛ لقولهعليهالسلام : « إنّما يجير على المسلمين أدناهم»(٢) .
وليس حجّةً ؛ لعدم إسلامه حقيقةً وإنّما هو تمرين.
وأمّا المكره فلا ينعقد أمانه إجماعاً ، وكذا مَنْ زال عقله بنوم أو سكر أو إغماء أو غير ذلك ؛ لعدم معرفته بمصلحة المسلمين ، فأشبه المجنون.
وأمّا الكافر فلا ينعقد أمانه وإن كان ذمّيّاً ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال : « ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم »(٣) فجَعَل الذمّة للمسلمين. ولأنّه متّهم على المسلمين.
وأمّا الأسير من المسلمين فإذا عقد أماناً باختياره ، نفذ ، وبه قال الشافعي وأحمد(٤) . وكذا يجوز أمان التاجر والأجير في دار الحرب.
وقال الثوري : لا يصحّ أمان أحد منهم(٥) . والعموم يُبطله.
والشيخ الهِمّ والسفيه ينعقد أمانهما - وبه قال الشافعي(٦) - للعموم.
مسألة ٤٨ : إذا انعقد الأمان ، وجب الوفاء به على حسب ما شرط فيه من وقت وغيره ما لم يخالف المشروع بالإجماع.
قال الباقرعليهالسلام : « ما من رجل آمَن رجلاً على ذمّة(٧) ثمّ قتله إلّا جاء يوم القيامة يحمل لواء الغدر »(٨) .
____________________
(١) المنتقي - للباجي - ٣ : ١٧٣ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٨٠ ، المغني ١٠ : ٤٢٥ - ٤٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٦ و ٥٤٧.
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٨٨ ، الهامش (٥)
(٣) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص ٨٨ ، الهامش (٢)
(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٧.
(٦) الوجيز ٢ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٢.
(٧) في « ق ، ك» : دمه.
(٨) الكافي ٥ : ٣١ / ٣ ، التهذيب ٦ : ١٤٠ / ٢٣٦.
ولو انعقد فاسداً ، لم يجب الوفاء به إجماعاً ، كأمان الصبي والمجنون ، وكما إذا تضمّن الذمام شرطاً لا يسوغ الوفاء به.
وفي هذه الحالات كلّها يجب ردّ الحربي إلى مأمنه ، ولا يجوز قتله ؛ لأنّه اعتقد صحّة الأمان ، وهو معذور ، لعدم علمه بأحكام الإسلام.
وكذا كلّ حربي دخل دار الإسلام بشبهة الأمان ، كمن سمع لفظاً فاعتقده أمانا ، أو صحب رفقة فتوهّمها أمانا ، أو طلبوا أمانا فقال المسلمون : لا نذمّكم ، فاعتقدوا أنّهم أذمّوهم ، فلا يجوز قتلهم ، بل يردّون إلى مأمنهم ، لقول الصادق و(١) الكاظمعليهماالسلام : « لو أنّ قوما حاصروا مدينة فسألوهم الأمان ، فقالوا : لا ، فظنّوا أنّهم قالوا : نعم ، فنزلوا إليهم ، كانوا آمنين »(٢) .
مسألة ٤٩ : الأمان ينعقد بالعبارة والمراسلة والإشارة المفهمة والمكاتبة.
وقد ورد في الشرع للعبارة صيغتان : أجرتك ، وأمَّنتك.
قال الله تعالى :( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ ) (٣) .
وقال النبيصلىاللهعليهوآله : « مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومَنْ أغلق بابه فهو آمن »(٤) .
____________________
(١) في المصدر : أو.
(٢) الكافي ٥ : ٣١ / ٤ ، التهذيب ٦ : ١٤٠ / ٢٣٧.
(٣) التوبة : ٦.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١٤٠٨ / ٨٦ ، سنن أبي داود ٣ : ١٦٢ / ٣٠٢١.
وينعقد الأمان بأي اللفظين وقع ، وبما يؤدّي معناهما ، مثل : أذممتك ، أو : أنت في ذمّة الإسلام ، سواء أدّى بالصريح أو بالكناية مع القصد بلغة العرب أو غيرها ، فلو قال بالفارسيّة : « مَتَرس » - أي : لا تخف(١) - فهو آمن.
أمّا قوله : لا بأس عليك ، أو : لا تخف ، أو : لا تذهل ، أو : لا تحزن ، وما شاكله : فإن علم من قصده الأمان ، فهو أمان(٢) ؛ لأنّ المراعي القصد لا اللفظ ، وإن لم يقصد ، لم يكن أماناً إلّا أنّهم لو سكنوا إلى ذلك ودخلوا ، لم يتعرّض لهم ويردّون إلى مأمنهم.
وكذا لو أومأ مسلم إلى مشرك بما توهّمه أماناً فأخلد إليه ودخل دار الإسلام.
ولو أشار المسلم إليهم بما يرونه أماناً وقال : أردت به الأمان ، فهو أمان ، وإن قال : لم أرد به(٣) الأمان ، فالقول قوله ؛ لأنّه أبصر بنيّته ، فيرجع إليه.
ولو دخل بسفارة أو لسماع كلام الله ، لم يفتقر إلى عقد أمان ، بل ذلك القصد يؤمّنه. وقصد التجارة لا يؤمّنه وإن ظنّه أماناً.
ولو قال الوالي : أمّنت مَنْ قصد التجارة ، صحّ.
ولو خرج الكفّار من حصنهم بناءً على هذه الإشارة وتوهّمهم أنّها أمان ، لم يجز قتلهم.
ولو مات المسلم ولم يبيَّن أو غاب ، كانوا آمنين ورُدّوا إلى مأمنهم ثمّ يصيرون حَرْباً.
____________________
(١) جملة : « أي لا تخف » لم ترد في « ق ، ك».
(٢) في « ك» والطبعة الحجرية : آمن.
(٣) في « ق ، ك» : « منه » بدل « به ».
ولو قال للكافر : قِفْ ، أو : قُمْ ، أو : ألق سلاحك ، فليس أماناً ، خلافاً لبعض العامّة(١) .
وقال الأوزاعي : إن(٢) ادّعى الكافر أنّه أمان ، أو قال : إنّما وقفت لندائك ، فهو آمن ، وإن لم يدّع ذلك ، فليس أماناً(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّه لفظ لا يشعر منه الأمان ولا يستعمل فيه دائماً ، فإنّه إنّما يستعمل غالباً للإرهاب والتخويف ، فيصدَّق المسلم ، فإن قال : قصدت الأمان ، فهو أمان ، وإن قال : لم اُرده ، سُئل الكافر فإن قال : اعتقدته أماناً ، رُدّ إلى مأمنه ، ولم يجز قتله ، وإن لم يعتقده ، فليس بأمان ، ولو ردّ الكافر الأمان ، ارتدّ الأمان ، وإن قَبِل صحّ ، ولا يكفي سكوته ، بل لا بدّ من قبوله ولو بالفعل.
ولو أشار عليهم مسلم في صفّ الكفّار فانحاز إلى صفّ المسلمين وتفاهما الأمان ، فهو أمان ، وإن ظنّ الكافر أنّه أراد الأمان والمسلم لم يُرده ، فلا يغتال بل يلحق بمأمنه ، ولو قال : ما فهمت الأمان ، اغتيل.
مسألة ٥٠ : يجوز الأمان بالمراسلة.
وينبغي لأمير العسكر أن يتخيّر للرسالة رجلاً مسلماً أميناً عدلاً ، ولا يكون خائناً ولا ذميّاً ولا حربيّاً مستأمناً ؛ لقوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٤) .
وأنكر عمر على أبي موسى الأشعري لمـّا اتّخذ كاتباً نصرانيّاً ، وقال :
____________________
(١) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٤٩.
(٢) في « ك» والطبعة الحجرية : « لو » بدل « أن ».
(٣) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٤٩.
(٤) هود : ١١٣.
اتّخذت بطانةً من دون المؤمنين وقد قال الله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً ) (١) (٢) أي : لا يقصّرون في فساد اُموركم.
وينبغي أن يكون بصيراً بالاُمور عارفاً بمواقع أداء الرسالة.
وإذا أرسل الأمير رسولاً مسلماً فذهب الرسول إلى أمير المشركين فبلّغه الرسالة ، ثمّ قال له : إنّي اُرسل على لساني إليك الأمان ولأهل ملّتك فافتح الباب ، ثمّ ناوله كتاباً صنعه على لسان الأمير وقرأه بمحضر من المسلمين ، فلمـّا فتحوا ودخل المسلمون وشرعوا في السبي ، فقال لهم أمير المشركين : إنّ رسولكم أخبرنا(٣) أنّ أميركم أمَّننا ، وشهد اُولئك المسلمون على مقالته ، كانوا آمنين ، ولم يجز سبيهم ؛ لعسر التمييز بين الحقّ والاحتيال في حقّ المبعوث إليه ؛ إذا الاعتماد على خبره ، فيجعل كأنّه صدق بعد ما تثبت رسالته ؛ لئلّا يؤدّي إلى الغرور في حقّهم وهو حرام.
مسألة ٥١ : لو أرسل الأمير إليهم مَنْ يُخبرهم بأمانة ثمّ رجع الرسول فأخبره بأداء الرسالة ، فهُمْ آمنون وإن لم يعلم المسلمون التبليغ ؛ لأنّ البناء إنّما هو على الظاهر فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته ، ولأنّ قول الرسول يحتمل الصدق ، فتثبت شبهة التبليغ.
ولو كتب مَنْ ليس برسول كتاباً فيه أمانهم وقرأه عليهم وقال : إنّي رسول الأمير إليكم ، لم يكن أماناً من جهته ؛ لأنّه ليس للواحد من
____________________
(١) آل عمران : ١١٨.
(٢) اُنظر : أحكام القرآن - للجصّاص - ٢ : ٣٧ ، وأحكام القرآن - للكيا الهراسي - ٢ : ٣٠٤ ، والجامع لأحكام القرآن ٤ : ١٧٩.
(٣) في « ق » : خبّرنا.
المسلمين أن يؤمّن حصناً كبيراً ، ولا من جهة الإمام ؛ لأنّه ليس برسوله ، ولا غرور هنا ؛ لأنّ التقصير من جهتهم حيث عوّلوا على قول مجهول لم يعتضد بشهادة أحد من المسلمين.
ولو ناداهم من صفّ المسلمين مسلمٌ - وهُمْ قليلون يصحّ أمان الواحد لهم - إنّي رسول الأمير إليكم وإنّه أمَّنكم ، كان أماناً من جهته ؛ لأنّ مَنْ يملك الأمان إذا أخبر عمّن يملك الأمان ، كان أماناً صحيحاً ؛ لأنّه على تقدير صدقه يكون أماناً من جهة المخبر عنه ، وعلى تقدير كذبه يكون أماناً من جهته.
مسألة ٥٢ : إذا أمّن الإمام أو نائبه المشركين ثمّ بعث ( إليهم رسولاً )(١) لينبذ إليهم ويُخبرهم نقض العهد ، فجاء الرسول وأخبر بإعلامهم ، لم يعرّض لهم حتى يعلموا ذلك بشاهدين ؛ لأنّ خبره دائر بين الصدق والكذب ، وليس بحجّة في نقض العهد ؛ لتعلّقه باستباحة السبي واستحلال الأموال والفروج والدماء ، وهو لا يثبت مع الشبهة ، بخلاف الأمان ؛ فإنّ قوله حجّة فيه ، لتعلّقه بحفظ الأموال وحراسة الأنفس وحقن الدماء ، وهو يثبت مع الشبهة.
فلو أغار المسلمون فقالوا : لم يبلغنا خبر رسولكم ، فالقول قولهم ؛ لأنّهم أنكروا نبذ الأمان ، والأصل معهم ، فيصار إلى قولهم ؛ لأنّ في وسع الإمام أن ينفذ إليهم مع الرسول شاهدين.
أمّا لو كتب الإمام إليهم نقض العهد وسيّره مع رسوله وشاهدين ، فقرأه عليهم بالعربيّة واحتاجوا إلى ترجمان يُترجم بلسانهم ، وشهد الآخران
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : رجلاً.
عليهم ، فادّعوا أنّ الترجمان لم يُخبرهم بنقض العهد بل أخبرهم(١) بأنّ الإمام زاد في مدّة الأمان ، لم يلتفت إليهم ؛ لأنّ الإمام أتى بما في وسعه من الإخبار بالنقض والشهادة ، وإنّما التقصير من جهتهم حيث اختاروا للترجمة خائناً ، إلّا أن يعلم مَنْ حضر من المسلمين أنّ الترجمان خان فيُقبل قولهم.
ولو خاف الإمام أن يكون الرسول قد رأى عورةً للمسلمين يدلّ عليها العدوّ ، جاز له منعه من الرجوع ، وكذا يمنع التاجر لو انكشف على عورة ينبغي إخفاؤها عن المشركين ، ويجعل عليهما حرساً يحرسونهما نظراً للمسلمين ودفعاً للفتنة عنهم.
ولو خاف هربهما مع احتياجه إلى حفظهما ، جاز له أن يقيّدهما حتى تنقضي الحاجة.
ولو لم يخف الإمام منهما ، أنفذهما ، فإن خافا من اللصوص ، سيَّر معهما مَنْ يبلغهما مأمنهما ؛ لقوله تعالى :( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) (٢) .
ويجوز الاستئجار عليه من بيت المال ، وكذا مؤونتهما من بيت المال حال(٣) منعهما.
مسألة ٥٣ : وقت الأمان قبل الأسر ، فيجوز عقده لآحاد المشركين قبل الأسر إجماعاً.
وهل يجوز لآحاد المسلمين عقد الأمان بعد الأسر؟ منعه علماؤنا
____________________
(١) في « ق » : « أخبر » بدل « أخبرهم ».
(٢) التوبة : ٦.
(٣) في « ك» والطبعة الحجريّة : حالة.
وأكثر أهل العلم(١) ؛ لأنّه قد ثبت للمسلمين حقّ استرقاقه ، فلا يجوز إبطاله. ولأنّ المشرك إذا وقع في الأسر ، يتخيّر الإمام فيه بين أشياء تأتي ، ومع الأمن يبطل التخيير ، فلا يجوز إبطال ذلك عليه.
وقال الأوزاعي : يصحّ عقده بعد الأسر ؛ لأنّ زينب بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع ، فأجاز النبيصلىاللهعليهوآله أمانها(٢) (٣) .
وليس حجّةً ؛ لأنّ للإمام ذلك فكيف النبيصلىاللهعليهوآله ، والنزاع في آحاد المسلمين.
مسألة ٥٤ : يجوز للإمام أن يؤمّن الأسير بعد الاستيلاء عليه والأسر ؛ لأن النبيصلىاللهعليهوآله أجاز أمان زينب لزوجها(٤) . ولأنّ للإمام أن يمنّ عليه فيطلقه والأمان دون ذلك(٥) ، بخلاف آحاد المسلمين.
ولو حصل الكافر في مضيق أو في حصن فلحقه المسلمون ، صحّ الأمان ؛ لأنّه بعدُ على الامتناع.
ولو أقرّ المسلم بأمان المشرك ، فإن كان في وقت يصحّ منه إنشاء الأمان ، صحّ إقراره وقُبِل منه إجماعاً ، وإن كان في وقت لا يصحّ منه إنشاؤه - كما لو أقرّ بعد الأسر - لم يُقبل قوله إلّا أن تقوم بيّنة بأمانه قبل الأسر.
ولو شهد جماعة من المسلمين أنّهم أمّنوه ، لم يقبل ؛ لأنّهم يشهدون
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٢.
(٢) سنن البيهقي ٩ : ٩٥.
(٣) المغني ١٠ : ٤٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٢.
(٤) سنن البيهقي ٩ : ٩٥ ، المغني ١٠ : ٤٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٨.
(٥) في « ق ، ك» : والأمان دليل ذلك. وفي الطبعة الحجريّة : والأمان دليل على ذلك. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
على فعلهم. وبه قال الشافعي(١) .
وقال بعض العامّة : يُقبل ؛ لأنّهم عدول من المسلمين غير متّهمين شهدوا بأمانه ، فوجب أن يُقبل ، كما لو شهدوا على غيرهم أنّه أمّنه(٢) .
أمّا لو شهد بعضهم أنّ البعض الآخر أمّنه ، قُبل.
مسألة ٥٥ : لو جاء مسلم بمشرك فادّعى أنّه أسره وادّعى الكافر أنّه أمّنه ، قدّم قول المسلم؛ لاعتضاده بأصالة إباحة دمه وعدم الأمان.
وقيل : يُقبل قول الأسير ؛ لاحتمال صدقه ، فيكون شبهةً في حقن دمه(٣) .
وقيل : يرجع إلى شاهد الحال ، فإن كان الكافر ذا قوّة ومعه سلاحه ، فالظاهر صدقه ، وإلّا فالظاهر كذبه(٤) .
ولو صدّقه المسلم ، لم يُقبل ؛ لأنّه لا يقدر على أمانه ولا يملكه ، فلا يُقبل إقراره به.
وقيل : يُقبل ؛ لأنّه كافر لم يثبت أسره ولا نازَعه فيه مُنازع ، فقُبل قوله في الأمان(٥) . ولا بأس به.
ولو أشرف جيش الإسلام على الظهور فاستذمّ الخصم ، جاز مع نظر المصلحة. ولو استذمّوا بعد حصولهم في الأسر فأذمّ ، لم يصح على ما قلنا. ولو ادّعى الحربيّ الأمان فأنكر المسلم ، فالقول قول المسلم ؛ لأصالة
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٢ ، المغني ١٠ : ٤٢٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٨.
(٢) المغني ١٠ : ٤٢٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٤٨.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٤٢٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥١.
(٥) المغني ١٠ : ٤٢٧ - ٤٢٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥١ - ٥٥٢.
عدم الأمان وإباحة دم المشرك. ولو حِيل بينه وبين الجواب بموت أو إغماء ، لم تسمع دعوى الحربيّ. وفي الحالين يردّ إلى مأمنه ثم هو حَرْبٌ.
مسألة ٥٦ : شرط الأمان أن لا يزيد على سنة إلّا مع الحاجة ، ويصحّ على أربعة أشهر وفوق ذلك إلى السنة.
وللشافعي فيما بين السنة وأربعة أشهر قولان(١) .
ولو أمّن جاسوساً أو من فيه مضرّة ، لم يصح. ولا تُشترط المصلحة في عقد الأمان ، بل يكفي عدم المضرّة في الصحّة.
ويصحّ الأمان بجُعْل وغيره(١) ، فلو حصر المسلمون حصناً فقال لهم رجل : أمِّنوني أفتح لكم الحصن ، جاز أن يعطوه أماناً إجماعاً. فإن أمّنوه ، لم يجز لهم نقض أمانه ، فإن أشكل القائل وادّعاه كلّ واحد من أهل الحصن ، فإن عُرف صاحب الأمان ، عُمل على ما عرف ، وإن لم يُعرف ، لم يُقتل واحد منهم ؛ لاحتمال صدق كلّ واحد وقد حصل اشتباه المحرَّم بالمحلَّل فيما لا ضرورة إليه ، فكان الكلّ حراماً ، كالأجنبيّة المشتبهة بالاُخت.
قال الشافعي : ويحرم استرقاقهم ؛ لما قلنا في القتل ؛ فإنّ استرقاق مَنْ لا يحلّ استرقاقه محرَّم(٣) .
وقال بعض العامّة : يقرع فيخرج صاحب الأمان ويسترقّ الباقي ؛ لأنّ الحقّ لواحد وقد اشتبه ، كما لو أعتق عبداً من عشرة ثمّ اشتبه ، بخلاف
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٠.
(٢) في « ق ، ك» : وبغيره.
(٣) المغني ١٠ : ٤٣٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٣.
القتل ؛ فإنّ الاحتياط فيه أبلغ من الاحتياط في الاسترقاق(١) .
قال الأوزاعي : لو أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه وكانوا عشرةً فاسترقّ(٢) علينا ثمّ أشكل فادّعى كلّ واحد منهم أنّه الذي أسلم ، سعى كلّ واحد منهم في قيمة نفسه ، وتُرك له عُشْر قيمته(٣) .
مسألة ٥٧ : إذا نادى المشركون بالأمان ، وكانت المصلحة تقتضيه ، أمَّنهم ، وإلّا فلا. فإذا طلبوا الأمان(٤) لأنفسهم ، كانوا مأمونين على أنفسهم.
وللشافعي في السراية إلى ما معه من أهلٍ ومالٍ لو قال : أمَّنتك ، قولان(٥) .
ولو طلبوا أماناً(٦) لأهليهم فقالوا : أمِّنوا أهلينا ، فقال لهم(٧) المسلمون : أمّنّاهم ، فهُمْ فيءٌ وأهلهم آمنون ؛ لأنّهم لم يذكروا أنفسهم صريحاً ولا كنايةً ، فلا يتناولهم الأمان.
أمّا لو قالوا : نخرج على أن نراوضكم(٨) في الأمان على أهلنا فقالوا(٩) لهم : اخرجوا ، فهُمْ آمنون وأهلهم ؛ لأنّهم بأمرهم بالخروج
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٣٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٣.
(٢) أي : خفي علينا. وبدلها في المصدر : أشرف.
(٣) المغني ١٠ : ٤٣٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٣.
(٤) في « ق » : أماناً.
(٥) الوجيز ٢ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٥.
(٦) في « ق » : الأمان.
(٧) كلمة « لهم » لم ترد في « ق ».
(٨) فلان يراوض فلاناً على أمر كذا : أي يداريه ليدخله فيه. لسان العرب ٧ : ١٦٤ « روض ».
(٩) في « ق » : فقال.
للمراوضة على الأمان أمّنوهم ، ولهذا لو لم يتّفق بينهم أمر ، كان عليهم أن يردّوهم إلى مأمنهم.
مسألة ٥٨ : لو قالوا : أمِّنوا على ذرّيّتنا ، فأمّنوهم على ذلك ، فهم آمنون وأولادهم وأولاد أبنائهم وإن سفلوا ؛ لعموم اسم الذرّيّة جميع هؤلاء.
والأقرب : دخول أولاد البنات ؛ لقوله تعالى :( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ - إلى قوله -وَعِيسى ) (١) .
ولأنّ الذرّيّة اسم للفرع المتولّد من الأصل ، والأب والاُمّ أصلان في إيجاد الولد ، بل التولّد والتفرّع في جانب الاُمّ أرجح ؛ لأنّ ماء الفحل يصير مستهلكاً في الرحم وإنّما يتولّد منها بواسطة ماء الفحل.
ولو قالوا(٢) : أمِّنونا على أولادنا ، ففي دخول أولاد البنات إشكال.
مسألة ٥٩ : لو قالوا : أمِّنونا على إخوتنا ولهم إخوة وأخوات ، فهم آمنون ، لتناول اسم الإخوة الذكر والاُنثى عند الاجتماع.
قال الله تعالى :( وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً ) (٣) .
ولا تدخل الأخوات بانفرادهنّ ؛ لأنّ اسم الذكور لا يتناولهنّ منفردات.
وكذا لو قالوا : أمِّنونا على أبنائنا ، دخل فيه الذكور والإناث ولا يتناول الإناث بانفرادهنّ إلّا إذا كان المضاف إليه أبا القبيلة ، والمراد به النسبة إلى القبيلة.
ولو تقدّم من المستأمن لفظ يدلّ على طلب الأمان(٤) لهنّ ، انصراف
____________________
(١) الأنعام : ٨٤ و ٨٥.
(٢) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « قال ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣) النساء : ١٧٦.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « الإناث » بدل « الأمان ». وما أثبتناه هو الصحيح.
الأمان إليهنّ وإن كان بلفظ الذكور ، مثل : ليس لي إلّا هؤلاء البنات والأخوات وأمّنوني على بنيّ و(١) إخوتي.
ولو قالوا(٢) : أمّنونا على آبائنا ، ولهم آباء واُمّهات ، دخلوا جميعاً في الأمان ؛ لتناول اسم الآباء لهما.
قال الله تعالى :( وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ) (٣) .
وكذا لو كان لهم(٤) أب واحد واُمّهات شتّى ؛ لتناول الاسم للجميع من حيث الاستعمال.
وهل يدخل الأجداد في الآباء؟ الأولى ذلك ؛ لأنّ الأب يطلق عليه من حيث إنّه أب الأب ، ويكفي في الإضافة أدنى ملابسة.
وقال أبو حنيفة : لا يدخلون(٥) ؛ لأنّ اسم الأب لا يتناول الأجداد حقيقةً ولا بطريق التبعيّة؛ لأنّهم اُصول الآباء يختصّون باسم خاصّ ، فلا يتناولهم اسم الآباء على وجه التبعيّة لفروعهم.
ولو قالوا : أمّنونا على أبنائنا ، دخل فيه أبناء الأبناء أيضاً ؛ لأنّ اسم الابن يتناول ابن الابن ؛ لأنّه طلب الأمان لمن يضاف إليه بالنبوّة ، إلّا أنّه ناقص في الإضافة والنسبة إليه ؛ لأنّه يضاف إليه بواسطة الابن ، لأنّه متفرّع عنه ومتولّد بواسطة الابن ؛ والإضافة الناقصة كافية في إثبات الأمان ؛ لأنّه يحتاط في إثباته ؛ لأنّ موجبه حرمة الاسترقاق ، والشبهة ملحقة بالحقيقة في موضع الاحتياط ، بخلاف الوصيّة ؛ فإنّ الشبهة فيها غير كافية في
____________________
(١) في « ق » : « أو » بدل « و ».
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : قال. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣) النساء : ١١.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « له » بدل « لهم ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٥) الفتاوى الهنديّة ٢ : ١٩٩ - ٢٠٠
الاستحقاق ؛ لثبوت مزاحمة الوارث(١) .
وهذا كلّه إنّما هو بلسان العرب ، فالحكم متعلّق به مع استعماله ، لكنّا قد بيّنّا أنّ صيغة الأمان يكفي فيها أيّ لغة كانت ، فلو كان بعض اللغات يتناول ما أخرجناه في بعض هذه الصور وطلب الأمان بتلك اللغة ، دخل فيه ما أخرجناه.
وكذا لو اعتقد المشرك دخول مَنْ أخرجناه في الأمان حتى خرج بهم ، لم يجز التعرّض لهم ؛ لأنّهم دخلوا إلينا بشبهة الأمان ، فيردّون إلى مأمنهم ثمّ يصيرون حَرْباً.
مسألة ٦٠ : يصحّ عقد الأمان للمرأة على قصد العصمة عن الاسترقاق - وهو أحد وجهي الشافعي(٢) - للأصل ، ولأنّه غرض مقصود ، ويصحّ على سبيل التبعيّة فجاز على سبيل الاستقلال.
والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّه تابع(٣) .
وإذا أمَّن الأسير مَنْ أسره ، فهو فاسد ؛ لأنّه كالمكرَه ، إلّا أن يعلم اختياره في ذلك.
ولو أمّن غيره ، جاز - وللشافعيّة وجهان(٤) - ويلزمه حكمه وإن لم يلزم غيره ، فلو أمّنهم وأمّنوه بشرط أن لا يخرج من دارهم ، لزمه الخروج مهما قدر ، قالت الشافعيّة : و(٥) إن حلف بالطلاق والعتاق والأيمان المغلّظة ، لكن يكفّر عن يمينه ودعه يقع طلاقه وعتاقه ، فلا رخصة في المـُقام حيث
____________________
(١) في « ق » : الورّاث.
(٢ و ٣) الوجيز ٢ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٢.
(٤) الوجيز ٢ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٤.
(٥) الواو وصليّة.
يذلّ(١) المسلم ولكن عند الخروج لا يغتالهم إن أمّنهم(٢) .
ولو اتبعه قوم ، فله دفعهم وقتالهم دون غيرهم. ولو شرطوا عليه الرجوع ، لم يلزمه. ولو شرط إنفاذ مال ، لم يلزمه. وإن كان قد اشترى منهم شيئاً ولزمه الثمن ، وجب إنفاذه.
وإن أكره على الشراء ، فعليه ردّ العين ، قاله الشافعي في الجديد.
وقال في القديم : يتخيّر بين ردّ العين أو الثمن ؛ إذ يقف العقد على إجازته(٣) .
مسألة ٦١ : لو قال : اعقدوا الأمان على أهل حصني على أن أفتحه لكم ، فأمّنوه على ذلك ، فهو آمن وأهل الحصن آمنون.
وقال الحنفيّة : أموالهم كلّها فيءٌ ؛ لأنّ الأمان بشرط فتح الباب لا تدخل فيه الأموال لا بالتنصيص ولا التبعيّة للنفوس ؛ لأنّه لم تبق للمسلمين حينئذٍ فائدة في فتح الباب ، وإنّما قصدوا بذلك التوسل(٤) إلى استغنام أموالهم(٥) .
ولو قال : اعقدوا لي الأمان على أهل حصني على أن أدلّكم على طريق موضع كذا ، ففَعَلوا ففتحوا الباب ، فجميع النفوس والأموال تدخل في الأمان ؛ لأنّ شرط الأمان هنا جرى على الدلالة لا على فتح الباب ، فيكون كلامه بياناً أنّه يدلّهم ليتمكّنوا في الدار في حصنه مع أهل الحصن ، فتدخل الأموال تبعاً للنفوس ؛ لأنّه لا يمكنهم المقام فيه إلّا بالمال ، بخلاف الصورة
____________________
(١) في المصدر : يبذل. وفي « ق » : بذل.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٥.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٦.
(٤) كذا ، ولعلّها : التوصّل.
(٥) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفرة لدينا.
الاُولى ؛ لأنّ في اشتراط فتح الباب دلالةً على أنّ الذين يتناولهم(١) الأمان غير مقرّين بالسكنى في الحصن ، وإنّما تدخل الأموال في الأمان ؛ لأنّ التمكّن من المقام يكون بالأموال ، وإذا انعدم السكنى لم تدخل الأموال في الأمان.
ولو قال : اعقدوا لي الأمان على أن تدخلوا فيه فتصلّوا ، دخل الأموال في الأمان ؛ لأنّ فيه تصريحاً بفائدة فتح الباب ، وهو الصلاة فيه دون إزعاج أهله ، وقد يرغب المسلمون في الصلاة في ذلك المكان إمّا لينتقل الخبر بأنّ المسلمين صلّوا جماعةً في الحصن الفلاني فيدخل الرعب في قلوب باقي المشركين ، أو ليكونوا قد عبدوا الله في مكان لم يعبده في ذلك المكان أهله ، ومكان العبادة شاهدة للمؤمن يوم القيامة.
ولو قال : أمِّنوني على قلعتي أو مدينتي ، فأمَّنوه ، دخل المال والأنفس فيه وإن كان تنصيص الأمان إنّما هو عليهما لا غير ؛ لأنّ المقصود من هذا الأمان بقاء القلعة والمدينة على ما كانتا عليه عرفاً ويكون هو المتصرّف والمتغلّب ، وليس غرضه إبقاء عين القلعة أو المدينة مع إفناء أهلهما ونهب الأموال.
ولو قال : أمِّنوني على ألف درهم من مالي على أن أفتح لكم الحصن ، فهو آمن على ما طلب ، ويكون الباقي فيئاً. ولو لم يف ماله بالألف ، لم يكن له زيادة على ماله. ولو لم يكن له دراهم ولكنّه كان له عروض ، أعطى من ذلك ما يساوي ألفاً ؛ لأنّه شرط في الأمان جزءاً من ماله والأموال كلّها جنس واحد في صفة الماليّة.
أمّا لو قال : أمِّنوني على ألف درهم من مالي على أن أفتح لكم الحصن ، فهو آمن على ما طلب ، ويكون الباقي فيئاً. ولو لم يف ما له بالألف ، لم يكن له زيادة على ما له. ولو لم يكن له دراهم ولكنّه كان له عروض ، أعطى من ذلك ما يساوي ألفاً ، لأنّه شرط في الأمان جزءاً من ماله والأموال كلّها جنس واحد في صفة الماليّة.
أمّا لو قال : عليّ ألف درهم من دراهمي ، ولا دراهم له ، كان لغواً ؛ لأنّه شرط جزءاً من دراهمه ولا دراهم له ، فلا يصادف الأمان محلّاً ، فيكون لغواً.
____________________
(١) في « ق ، ك» : تناولهم.
مسألة ٦٢ : قد بيّنا أنّ مَنْ عقد أماناً لكافرٍ ، وجب عليه الوفاء به ، ولا يجوز له الغدر ، فإن نقضه ، كان غادراً آثماً ، ويجب على الإمام منعه عن النقض إن عرف بالأمان.
إذا عرفت هذا فلو عقد لحربيّ(١) الأمان ليسكن دار الإسلام ، وجب الوفاء له ، ودخل مالُه تبعاً له في الأمان وإن لم يذكره ؛ لأن الأمان يقتضي الكفّ عنه ، وأخذ ماله يوجب دخول الضرر عليه ، فيكون نقضاً للأمان ، وهو حرام. ولو شرط الأمان لماله ، كان ذلك تأكيداً.
ولو دخل الحربيّ دار الإسلام بغير أمان ومعه متاع ، فهو حَرْبٌ لا أمان له في نفسه ولا في ماله ، إلّا أن يعتقد أنّ دخوله بمتاعه على سبيل التجارة أمان له ، فإنّه لا يكون أماناً ، ويردّ إلى مأمنه.
ولو ركب المسلمون في البحر فاستقبلهم فيه تجّار كفّار من أرض العدوّ يريدون بلاد الإسلام ، قال بعض العامّة : لم يقاتلوا ولم يعرّضوا(٢) . وفيه نظر.
مسألة ٦٣ : لو دخل الحربيّ دار الإسلام بتجارة معتقداً أنّه أمان ، فهو آمن حتى يرجع إلى مأمنه ، ويُعامل بالبيع والشراء ، ولا يُسأل عن شيء ، وإن لم تكن معه تجارة وقال : جئت مستأمنا ، لم يقبل منه ، ويكون الإمام مخيّراً فيه. وبه قال الأوزاعي والشافعي(٣) .
ولو كان ممّن ضلّ الطريق أو حَمَلته الريح في المـَرْكب إلينا ، كان فيئاً.
وقيل : يكون لآخذه(٤) .
ولو دخل دار الإسلام بأمان ، دخل أمان ماله ، فلو عاد إلى دار الحرب
____________________
(١) في « ق ، ك» : الحربيّ.
(٢ - ٤) المغني ١٠ : ٤٣٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٥.
بنيّة الرجوع إلى دار الإسلام ، فالأمان باقٍ ؛ لأنّه على نيّة الإقامة في دار الإسلام ، وإن كان للاستيطان في دار الحرب ، بطل في نفسه دون ماله ؛ لأنّه بدخوله دار الإسلام وأخذ الأمان ثبت الأمان في ماله الذي معه ، فإذا بطل في نفسه بمعنى لم يوجد في المال - وهو الدخول في دار الحرب - بقي الأمان في ماله ، لاختصاص المقتضي بالنفس. أمّا لو أخذه معه إلى دار الحرب ، فإنّه ينتقض الأمان فيه كما ينتقض في نفسه. ولو لم يأخذه فأنفذ في طلبه ، بعث به إليه تحقيقاً للأمان فيه. ويصحّ تصرّفه فيه ببيع وهبة وغيرهما.
ولو مات في دار الحرب أو قُتل ، انتقل إلى وارثه ، فإن كان مسلماً ، ملكه مستقرّاً ، وإن كان حربيّاً ، انتقل إليه وانتقض فيه الأمان - وبه قال أبو حنيفة(١) - لأنّه مال لكافر لا أمان بيننا وبينه في نفسه ولا في ماله ، فيكون كسائر أموال أهل الحرب.
وقال أحمد : لا يبطل الأمان ، بل يكون باقياً - وبه قال المزني ، وللشافعيّة قولان - لأنّ الأمان حقٌّ لازم متعلّق بالمال ، فإذا انتقل إلى الوارث ، انتقل بحقّه ، كسائر الحقوق من الرهن والضمان والشفعة(٢) .
ونمنع ملازمته للمال ؛ لأنّ الأمان تعلّق بصاحبه وقد مات ، فيزول الأمان المتعلّق به.
مسألة ٦٤ : إذا مات الحربيّ في دار الحرب وقد أخذ الأمان لإقامته
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٣٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٧.
(٢) المغني ١٠ : ٤٣٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٥٧ ، مختصر المزني : ٢٧٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٩ - ٢٢٠ ، الوجيز ٢ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٦ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨١.
في دار الإسلام وأقام بها ، تبعه ماله ، وزوال الأمان عنه بموته كما قلناه ، فينتقل إلى الإمام خاصّة من الفيء ؛ لأنّه لم يوجف عليه بخَيْلٍ ولا ركاب ، ولا اُخذ بالسيف ، فهو بمنزلة ميراث مَنْ لا وارث له.
ونقل المزني عن الشافعي أنّه يكون غنيمةً(١) .
وهو ممنوع ؛ لأنّه لم يؤخذ بالقهر والغلبة.
وينتقل المال إلى وارث الحربيّ ، سواء كان الوارث في دار الإسلام أو في دار الحرب ، فإن كان الوارث حربيّاً في الدارين ، صار فيئاً للإمام على ما قلناه.
وقال الشافعي في أحد الوجهين : لا ينتقل إلى وارثه في دار الإسلام ؛ لأنّه مع اختلاف الدارين يسقط الميراث(٢) . وليس بجيّد.
وكذا الذمّي إذا مات وله ولد في دار الإسلام وولد في دار الحرب ، كان ميراثه لهما.
ولو كان له ولد في دار الإسلام ، صار ماله له ، ولو كان في دار الحرب ، انتقل ماله إليه ، وصار فيئاً.
ولو دخل دار الإسلام فعقد أماناً لنفسه ثمّ مات في دار الإسلام وله مال ، فإن كان وارثه مسلماً ، ملكه ، وإن كان كافراً في دار الحرب ، انتقل المال إليه ، وصار فيئاً ؛ لأنّه مال لكافرٍ لا أمان بيننا وبينه ، فيكون فيئاً.
وقال بعض الشافعيّة : يردّ إلى وارثه. واختلفوا على طريقين ، منهم
____________________
(١) مختصر المزني : ٢٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٦.
(٢) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٦ - ٤٧٧ ، والمهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٥ ، وحلية العلماء ٧ : ٧٢٤.
مَنْ قال : فيه للشافعي قولان ، كما لو مات في دار الحرب. ومنهم مَنْ قال هنا : يردّ قولاً واحداً؛ لأنّه إذا رجع إلى دار الحرب فقد بطل أمانه ، وهنا مات وأمانه باقٍ ، وحينئذٍ ينتقل إلى الإمام ؛ لأنّه لم يوجف عليه بِخَيْلِ ولا ركاب. وكذا لو لم يكن له وارث(١) .
مسألة ٦٥ : لو كان للحربيّ أمان فترك ماله ونقض الأمان ولحق بدار الحرب ، فإنّ الأمان باقٍ في ماله ، فإن رجع ليأخذ ماله ، جاز سبيه.
وقال بعض الشافعيّة : لا يجوز ، ويكون الأمان ثابتاً ؛ لأنّا لو سبيناه أبطلنا ملكه ، وأسقطنا حكم الأمان في ماله(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ ثبوت الأمان لمالِه لا يثبت له الأمان ، كما لو دخل إلى دار الإسلام بأمان ثم خرج إلى دار الحرب ، فإنّ الأمان باقٍ في المال دونه ، وكما لو أدخل مالَه بأمانٍ وهو في دار الحرب ، فإنّ الأمان لا يثبت له لو دخل دار الإسلام ويثبت لمالِه.
ولو اُسر الحربي الذي لمالِه أمان ، لم يزل الأمان عن ماله.
ثمّ لا يخلو إمّا أن يمنّ عليه الإمام أو يسترقّه أو يفاديه أو يقتله ، فإن قتله ، انتقل إلى وارثه المسلم إن كان ، وإلّا فإلى الحربي وصار فيئاً ، فإن فاداه أو منّ عليه ، ردّ ماله إليه ، وإن استرقّه ، زال ملكه عنه ؛ لأنّ المملوك لا يملك شيئاً وصار فيئاً ، وإن اُعتق بعد ذلك ، لم يردّ إليه ، وكذا لو مات لم يردّ على ورثته ، سواء كانوا مسلمين أو كفّار ؛ لأنّه لم يترك شيئاً.
مسألة ٦٦ : إذا دخل المسلم أرض العدوّ بأمان فسرق شيئاً ، وجب
____________________
(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٦ - ٤٧٧ ، والمهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٥ ، وحلية العلماء ٧ : ٧٢٤.
(٢) لم نعثر عليه في المصادر المتوفّرة لدينا.
عليه ردّه على(١) أربابه ؛ لأنّهم أعطوه الأمان بشرط أن يترك خيانتهم وإن لم يكن ذلك مذكوراً صريحاً ، فإنّه معلوم من حيث المعنى.
ولو أسر المشركون مسلماً ثمّ أطلقوه بأمانٍ على أن يقيم في دارهم ويسلمون من خيانته ، حرمت عليه أموالهم بالشرط ، ولا يجوز عليه المـُقام مع القدرة على الهجرة.
ولو لم يؤمّنوه ولكن استرقّوه واستخدموه ، فله الهرب وأخذ ما أمكنه من مالهم ؛ لأنّهم قهروه على نفسه ولم يملكوه بذلك ، فجاز له قهرهم.
ولو أطلقوه على مال ، لم يجب الوفاء به ، لأنّ الحرّ لا قيمة له.
ولو دخل المسلم دار الحرب بأمان فاقترض من حربيّ مالاً وعاد إلينا ودخل صاحب المال بأمانٍ ، كان عليه ردّه إليه ؛ لأنّ مقتضى الأمان الكفّ عن أموالهم.
ولو اقترض حربيّ من حربيّ مالاً ثمّ دخل المقترض إلينا بأمان ، كان عليه ردّه إليه ، لأنّ الأصل وجوب الردّ ، ولا دليل على براءة الذمّة منه.
ولو تزوّج الحربيّ بحربيّة وأمهرها مهراً ، وجب عليه ردّه عليها.
وكذا لو أسلما معاً وترافعا إلينا ، فإنّا نُلزم الزوج المهر إن كان ممّا يصحّ للمسلمين تملّكه ، وإلّا وجب عليه قيمته خاصّة(٢) .
ولو تزوّج الحربيّ بحربيّة ثمّ أسلم الحربيّ خاصّة والمهر في ذمّته ، لم يكن للزوجة مطالبته به ، لأنّها أهل حرب ولا أمان لها على هذا المهر.
وكذا لو ماتت ولها ورثة كفّار ، لم يكن لهم أيضاً المطالبة به ؛ لما مرّ في الزوجة. ولو كان الورثة مسلمين ، كان لهم المطالبة به.
ولو ماتت الحربيّة ثمّ أسلم الزوج بعد موتها ، كان لوارثها المسلم
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « إلى » بدل « على ».
(٢) كلمة « خاصّة » لم ترد في « ق ، ك». وعليها في الطبعة الحجريّة علامة نسخة بدل.
مطالبة الزوج بالمهر ، وليس للحربيّ(١) مطالبته به. وكذا لو أسلمت قبله ثمّ ماتت ، طالَبَه وارثها المسلم دون الحربيّ.
ولو دخل المسلم أو الحربيّ دار الحرب مستأمناً فخرج بمالٍ من مالهم اشترى به شيئاً ، لم يتعرّض له ، سواء كان مع المسلم أو الذميّ ؛ لأنّه أمانة معهم ، وللحربيّ أمان.
ولو دفع الحربيّ إلى الذمي في دار الإسلام شيئاً وديعةً ، كان في أمانٍ إجماعاً.
مسألة ٦٧ : إذا خلّى المشركون أسيراً مسلماً من أيديهم واستحلفوه على أن يبعث إليهم فداءً عنه ، أو يعود إليهم ، فإن كان كرهاً ، لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فدية إجماعاً ؛ لأنّه مكره ، وإن ( لم يكن مكرهاً )(٢) لم يجب الوفاء بالمال - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه حُرُّ لا يستحقّون بدله ، فلا يجب الوفاء بشرطه.
وقال عطاء والحسن والزهري والنخعي والثوري والأوزاعي وأحمد : يجب الوفاء به ؛ لقوله تعالى :( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ ) (٤) (٥) .
وليس حجّةً ؛ لأنّه ليس على إطلاقه إجماعاً ، بل المعتبر فيه المصلحة الدينيّة.
ولو عجز عن المال ، لم يجز له الرجوع إليهم ، سواء كان رجلاً أو امرأةً.
أمّا المرأة : فأجمعوا على تحريم رجوعها إليهم.
____________________
(١) أي : الوارث الحربيّ.
(٢) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : لم يكره.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٤ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٣ ، المغني ١٠ : ٥٣٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٠.
(٤) النحل : ٩١.
(٥) المغني ١٠ : ٥٣٩ - ٥٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٠ - ٥٦١.
وأمّا الرجل : فعندنا كذلك - وبه قال الحسن البصري والنخعي والثوري والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّ الرجوع إليهم معصية ، فلا يلزمه بالشرط ، كما لو كان امرأةً.
وقال الزهري والأوزاعي وأحمد في رواية(٢) : يلزمه الرجوع ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله عاهد قريشاً على ردّ مَنْ جاءه مسلماً(٣) (٤) . وهو ممنوع.
مسألة ٦٨ : المستأمن إذا نقض العهد ورجع إلى داره ، فما خلّفه عندنا من وديعة ودَيْنٍ فهو باقٍ في عهدة الأمان إلى أن يموت.
وللشافعي أربعة أوجه : أحدها : أنّه فيءٌ. والثاني : أنّه في أمانه إلى أن يموت ، فإن مات فهو فيءٌ. والثالث : أنّه في أمانه ، فإن مات فهو لوارثه. الرابع : أنّه في أمانه ؛ لأنّ عقد الأمان للمال مقصود ، وإلّا فينتقض أيضاً تابعاً لنفسه(٥) .
والرقّ كالموت في الرقيق ، فإن قلنا : يبقى أمانه بعد الرقّ ، فلو عتق ردّ عليه ، ولو مات رقيقاً ، فهو فيءٌ ؛ إذا لا إرث من الرقيق.
وفيه قول آخر لهم مخرَّجٌ : إنّه لورثته(٦) .
ومهما جعلناه للوارث فله أن يدخل بلادنا لطلبه من غير عقد أمان ، وهذا(٧) العذر يُؤمّنه ، كقصد(٨) السفارة.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦١ ، الوجيز ٢ : ١٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٦٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٦ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٣.
(٢) في الطبعة الحجريّة : في إحدى الروايتين.
(٣) سنن البيهقي ٩ : ١٤٤.
(٤) المغني ١٠ : ٥٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦١.
(٥ و ٦) الوجيز ٢ : ١٩٦.
(٧) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : ولهذا. وما أثبتناه هو الصحيح.
(٨) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : لقصد. وما أثبتناه هو الصحيح.
مسألة ٦٩ : إذا حصر الإمام بلداً ، جاز أن يعقد عليهم أن ينزلوا على حكمه ، فيحكم فيهم بما يراه هو أو بعض أصحابه إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا حاصر بني قريظة رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأجابهم النبيصلىاللهعليهوآله إلى ذلك(١) .
وهل يجوز للإمام إنزالهم على حكم الله تعالى؟ قال علماؤنا بالمنع - وبه قال محمد بن الحسن(٢) - لما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله ، قال : « إذا حاصرتم حصنا أو مدينة فأرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم ، فإنّكم لا تدرون ما حكم الله تعالى فيهم ، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم ما رأيتم »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام في وصيّة النبيصلىاللهعليهوآله : « وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم ولكن انزلهم على حكمي ثمّ اقض بينهم بعدُ بما شئتم فإنّكم إن أنزلتموهم على حكم الله لم تدروا تصيبوا حكم الله فيهم أم لا »(٤) .
ولأنّ حكم الله تعالى في الرجال : القتل أو المنّ أو المنّ أو الاسترقاق أو المفاداة ، وفي النساء : الاسترقاق أو المنّ ، فيكون مجهولاً ، فكان الإنزال
____________________
(١) المغازي - للواقدي - ٢ : ٥١٢ ، صحيح البخاري ٥ : ١٤٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٨٨ - ١٣٨٩ / ١٧٦٨ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٤ : ٤٢٥ / ١٨٦٧٧ ، مسند أحمد ٣ : ٤٠١ / ١٠٧٨٤ و ٤٨٤ - ١١٢٨٣ و ٧ : ٢٠٤ - ٢٠٥ / ٢٤٥٧٣ ، المغني ١٠ : ٥٣٧.
(٢) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٧ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٠٧.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٨ / ٣ ، سنن أبي داود ٣ : ٣٧ - ٢٦١٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٤ / ٢٨٥٨ ، مسند أحمد ٦ : ٤٩٢ / ٢٢٥٢١ نحوه.
(٤) الكافي ٥ : ٢٩ - ٣٠ / ٨ ، التهذيب ٦ : ١٣٩ / ٢٣٢.
على حكم الله مجهولاً ، فكان باطلاً.
وقال أبو يوسف : يجوز ذلك ؛ لأنّ حكم الله تعالى معلوم ، لأنّه في حقّ الكفرة : القتل في المقاتلين ، والاسترقاق في ذراريهم ، والاستغنام في أموالهم(١) .
ونحن نقول : حكم الله تعالى معلوم في حقّ قوم ممتنعين ومع الظهور عليهم ، أمّا في حقّ قوم ممتنعين تركوا منعتهم باختيارهم فمجهول.
مسألة ٧٠ : يجوز أن ينزلوا على حكم الإمام أو بعض أصحابه فيحكم فيهم بما يرى بلا خلاف ، فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله أجاب بني قريظة لمـّا رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فحكم بقتل الرجال وسبي الذراري ، فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : « لقد حكم بما حكم الله تعالى به فوق سبعة أرقعة »(٢) .
قال الخليل : الرقيع اسم سماء هذه الدنيا ، ويقال : كلّ واحدة رقيع للاُخرى ، فهي أرقعة(٣) .
مسألة ٧١ : يشترط في الحاكم سبعة : الحُرّيّة والإسلام والبلوغ والعقل والذكوريّة والفقه والعدالة. فالعبد ليس مظنّةً للفراغ في نظر اُمور الناس وكيفيّة القتال وما يتعلّق به من المصالح ؛ لاشتغال وقته بخدمة مولاه. والكافر لا شفقة له في حقّ المسلمين ولا يؤمن عليهم. والصبي جاهل بالاُمور الخفيّة المنوطة بالحرب ، وكذا المجنون. والمرأة قاصرة النظر قليلة المعرفة بمواقع الحروب ومصالحها(٤) . والجاهل قد يحكم بما لا يجوز شرعاً. والفاسق ظالم فيدخل تحت قوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٥) .
____________________
(١) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٧ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٠٧.
(٢) المغازي - للواقدي - ٢ : ٥١٢ ، المغني ١٠ : ٥٣٨.
(٣) العين ١ : ١٥٧.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : مصالحه. والصحيح ما أثبتناه.
(٥) هود : ١١٣.
ولا يشترط الفقه بجميع المسائل ، بل بما يتعلّق بالجهاد.
ويجوز أن يكون أعمى - وبه قال الشافعي وأحمد(١) - لأنّ المقصود رأيه دون بصره ، والرأي لا يفتقر إلى البصر.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز(٢) ؛ لأنّه لا يصلح للقضاء.
والفرق : احتياج القاضي إلى معرفة المتداعين بالبصر ، مع أنّا نمنع الحكم في الأصل.
وكذا يجوز أن يكون محدوداً في القذف مع التوبة ؛ لاجتماعه الشرائط ، خلافاً لأبي حنيفة(٣) .
ويجوز على حكم أسير معهم مسلم ؛ لارتفاع القهر بالردّ إليه.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز(٤) ؛ لأنّه مقهور. وهو ممنوع.
ولو كان المسلم عندهم أو عندنا حَسَن الرأي فيهم ، احتمل الجواز على كراهيّة ؛ لأنّه جامع للصفات ، والمنع ؛ للتهمة.
ولو نزلوا على حكم رجل غير معيّن ويتعيّن باختيارهم ، جاز ، فإن اختاروا مَنْ يجوز حكمه ، قبل ، وإلّا فلا ، وبه قال أبو حنيفة(٥) .
وقال الشافعي : لا يجوز إسناد الاختيار إليهم ، لأنّهم قد يختارون من لا يصلح للتحكيم ، أمّا لو جعلوا اختيار التعيين إلى الإمام ، جاز إجماعا ، لأنّه لا يختار إلاّ من يصلح للتحكيم(٦) .
ويجوز أن يكون الحاكم اثنين إجماعاً ، فإن اتّفقا ، جاز. ولو مات أحدهما ، لم يحكم الآخر إلّا بعد الاتّفاق عليه أو تعيين غيره. ولو اختلفا ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٢ ، المغني ١٠ : ٥٣٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٦.
(٢ - ٤) الفتاوى الهندية ٢ : ٢٠٢.
(٥) بدائع الصنائع ٧ : ١٠٨.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٢.
لم ينفذ حكم أحدهما إلّا أن يتّفقا.
ويجوز أن يكون الحاكم أكثر من اثنين إجماعاً.
ولو كان أحدهما كافراً ، لم يجز ؛ لأنّ الكافر لا يُركن إليه لا حالة الجمع ولا الانفراد.
ولو مات الحاكم الواحد قبل الحكم ، لم يحكم غيره إلّا أن يتّفقوا على مَنْ يقوم مقامه ، فإن اتّفقوا ، ردّوا إلى مأمنهم.
ولو رضوا بتحكيم فاقد أحد الشرائط ورضي به الجيش ونزلوا على ذلك إلينا ثمّ ظهر عدم صلاحيته ، لم يحكم ، وردّوا إلى مأمنهم ، ويكونون على الحصار كما كانوا.
مسألة ٧٢ : وينفذ ما يحكم به الحاكم(١) ما لم يخالف مشروعاً ، ويشترط أن يكون الحظّ للمسلمين. فإن حكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرّيّة وغنيمة المال ، نفذ إجماعاً ، كقضيّة سعد(٢) ، وإن حكم باسترقاق الرجال وسبي النساء والولدان وأخذ الأموال ، جاز أيضاً ، وإن حكم بالمنّ وترك السبي بكلّ حال ، جاز أيضاً إذا رآه حظّاً ؛ لأنّه قد يكون مصلحة للمسلمين ، وكما يجوز للإمام أن يمنّ على الاُسارى مع المصلحة جاز للحاكم.
وإن حكم بعقد الذمّة وأداء الجزية ، جاز ؛ لأنّهم رضوا به ، فينفذ كغيره من الأحكام ، وهو أحد قولي الشافعي(٣) .
وفي الآخر : لا يلزم ؛ لأنّ عقد الذمّة عقد معاوضة ، فلا يثبت إلّا بالتراضي ، ولهذا لا يسوغ للإمام إجبار الأسير على إعطاء الجزية(٤) .
____________________
(١) في « ق » : الحَكَم.
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص ١١٣ ، الهامش (٢)
(٣ و ٤) الوجيز ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٣.
والفرق : أنّ الأسير لم يرض بفعل الإمام وهؤلاء قد رضوا.
وإن حكم عليهم بالفداء ، جاز كما جاز للإمام.
ولو حكم بالمنّ على الذرّيّة ، قال بعض العامّة : لا يجوز ؛ لأنّ الإمام لا يملك المنّ على الذرّيّة إذا سبوا فكذا الحاكم(١) .
وقال بعضهم : يجوز ؛ لأنّهم لم يتعيّنوا للسبي ، بخلاف من سبي ، فإنّه يصير رقيقاً بنفس السبي(٢) .
وإن حكم على مَنْ أسلم بالاسترقاق ومَنْ أقام على الكفر بالقتل ، جاز. ولو أراد أن يسترقّ بعد ذلك مَنْ أقام على الكفر ، لم يكن له ذلك ؛ لأنّه لم يدخل على هذا الشرط. وإن أراد أن يمنّ عليه ، جاز ؛ لأنّه ليس فيه إبطال شيء شرطهُ ، بل فيه إسقاط ما كان شرطاً من القتل.
ولو حكم بالقتل وأخذ الأموال وسبي الذرّيّة ورأى الإمام أن يمنّ على الرجال أو على بعضهم ، جاز ؛ لأنّ سعداً حكم على بني قريظة بقتل الرجال ، ثمّ إنّ ثابت بن قيس الأنصاري سأل النبيصلىاللهعليهوآله أن يهب له الزبير ابن باطا اليهودي من بني قريظة ففَعَل(٣) ، بخلاف مال الغنيمة إذا حازه المسلمون ؛ فإنّ ملكهم قد استقرّ عليه.
مسألة ٧٣ : إذا نزلوا على حكم الحاكم فأسلموا قبل حكمه ، عصموا أموالهم ودماءهم وذراريهم من الاستغنام والقتل والسبي ؛ لأنّهم أسلموا وهُمْ أحرار لم يسترقّوا وأموالهم لم تغنم.
ولو أسلموا بعد الحكم عليهم ، فإن حكم بقتل الرجال وسبي الذراري ونهب الأموال ، نفذ الحكم إلّا القتل ؛ فإنّهم لا يُقتلون ؛ لقولهعليهالسلام :
____________________
(١ - ٣) المغني ١٠ : ٥٣٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٧.
« أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم »(١) .
ولو أراد الإمام استرقاقهم بعد الإسلام ، لم يجز ؛ لأنّهم ما نزلوا على هذا الحكم ، بل وجب القتل بالحكم وسقط بالإسلام.
وقال بعض العامّة : يجوز استرقاقهم كما لو أسلموا بعد الأسر(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ الأسير قد ثبت للإمام استرقاقه.
ويكون المال على ما حكم به من الاستغنام ، وتسترقّ الذرّيّة.
وإذا حكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرّيّة وأخذ المال ، كان المال غنيمةً ، ويجب فيه الخُمْس ؛ لأنّه اُخذ بالقهر والسيف.
مسألة ٧٤ : لو دخل حربيٌّ إلينا بأمانٍ فقال له الإمام : إن رجعت إلى دار الحرب ، وإلّا حكمت عليك حكم أهل الذمّة ، فأقام سنة ، جاز أن يأخذ منه الجزية.
وإن قال له : اخرج إلى دار الحرب ، فإن أقمت عندنا صيّرت نفسك ذميّاً ، فأقام سنة ، ثمّ قال : أقمت لحاجة ، قُبِل قوله ، ولم يجز أخذ الجزية منه ، بل يردّ إلى مأمنه ، لأصالة براءة الذمّة.
قال الشيخ : وإن قلنا : إنّه يصير ذمّيّاً ، كان قويّاً ؛ لأنّه خالف الإمام(٣) .
ولو حكم الحاكم بالردّ ، لم يجز ؛ لأنّه غير مشروع وقد قلنا : إنّ حكم الحاكم يشترط فيه المشروعيّة.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٣٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٢ ، ونحوه في صحيح البخاري ٢ : ١٣١ ، وسنن أبي داوُد ٣ : ٤٤ / ٢٦٤٠ ، وسنن النسائي ٥ : ١٤ ، وسنن الدارمي ٢ : ٢١٨.
(٢) المغني ١٠ : ٥٣٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٧.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ١٦.
ولو اتّفقوا على حاكم جامع للشرائط ، جاز أن يحكم إجماعا ، كما تقدّم ، ولا يجب عليه الحكم سواء قبل التحكيم أو لم يقبله ، بل يجوز له أن يخرج نفسه من الحكومة ، لأنّه دخل باختياره ، فجاز أن يخرج باختياره.
ولو حكم الحاكم بغير السائغ ، لم ينفذ ، فإن رجع وحكم بالسائغ ، فالوجه نفوذه ، لأنّ الأوّل لا اعتبار به في نظر الشرع ، فلا يخرجه عن الحكومة ، كما لو وكّله المالك في بيع سلعة بألف فباعها بخمسمائة ثمّ باعها بألف.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز حكمه استحساناً(١) .
وينفذ حكم الحاكم على الإمام ، فليس للإمام أن يقضي بما فوقه ، وله أن يقضي بما دونه ، فإنه قضى بغير القتل ، فليس للإمام القتل ، وإن قضى بالقتل ، فهل له الاسترقاق وفيه ذلّ مؤبّد؟ للشافعيّة وجهان(٢) .
وكذا الوجهان لو حكم بقبول الجزية فهل يجبرون وهو عقد مراضاة؟ فإن قلنا : يلزمهم ، فمنعهم كمنع أهل الذمّة الجزية(٣) .
ولو حكم بالإرقاق فأسلم واحد منهم قبل الإرقاق ، ففي جواز إرقاقه للشافعيّة وجهان(٤) .
وكذا الخلاف في كلّ كافر لا يرقّ بنفس الأسر إذا أسلم قبل الإرقاق(٥) .
ولو شرط أن يسلّم إليه مائة نفر فعدّ مائةً ، قتلناه ؛ لأنّه وفّى المائة.
____________________
(١) الفتاوى الهندية ٢ : ٢٠١ - ٢٠٢.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٣.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٦ - ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨١.
(٤) الوجيز ٢ : ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٣.
(٥) الوجيز ٢ : ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨٣ - ٤٨٤.
الفصل الرابع
في الغنائم
وفيه بابانَ :
الغنيمة هي الفائدة المكتسبة سواء اكتسبت برأس مال وشبهه ، كأرباح التجارات والزراعات والصناعات وغيرها ، أو اكتسبت بالقتال والمحاربة ، وقد مضى(١) حكم الأوّل ، والبحث هنا في القسم الثاني.
وأقسامه ثلاثة : ما يُنقل ويُحوّل ، كالأمتعة والأقمشة والدوابّ والنقدين وغيرها ، وما لا يُنقل ولا يُحوّل ، كالأراضي ، وما هو سبي ، كالنساء والأطفال.
مسألة ٧٥ : الغنيمة من دار الحرب ما اُخذت بالغلبة والحرب وإيجاف الخيل والركاب.
وأمّا الفيء فهو مشتقّ من « فاء يفيء » إذا رجع ، والمراد به في قوله تعالى :( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ) (٢) ما حصل ورجع عليه من غير قتالٍ ولا إيجافٍ بخيل ولا ركاب ، وما هذا حكمه فهو للرسولعليهالسلام خاصّةً ولمن قام بعده من الأئمّةعليهالسلام دون غيرهم.
وما يؤخذ بالفزع ، مثل أن ينزل المسلمون على حصنٍ أو قلعةٍ
____________________
(١) مضى في ج ٥ ص ٤٢٠.
(٢) الحشر : ٦.
فيهرب أهله ويتركون أموالهم فيه فزعاً ، فإنّه يكون من جملة الغنائم التي تُخمّس ، وأربعة الأخماس للمقاتلة ، كالغنائم.
وقال الشافعي : إنّ ذلك من جملة الفيء ؛ لأنّ القتال ما حصل فيه(١) .
قال الشيخرحمهالله : وهو الأقوى(٢) .
وقد كانت الغنيمة محرّمةً فيما تقدّم من الشرائع ، وكانوا يجمعون الغنيمة فتنزل النار من السماء فتأكلها ، فلمـّا أرسل الله محمّداًصلىاللهعليهوآله أنعم بها عليه ، فجعلها له خاصّةً.
قال الله تعالى :( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ) (٣) .
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « اُحلّ لي الخَمْس ولم يحل لأحد قبلي وجُعلت لي الغنائم»(٤) .
وقالعليهالسلام : « اُعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد قبلي » وذكر من جملتها « اُحلّت لي الغنائم»(٥) فاُعطيعليهالسلام الغنائم بقوله :( قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) (٦) نزلت يوم بَدْر لمـّا تنازعوا في الغنائم ، فقسّمها رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأدخل معهم جماعةً لم يحضروا الوقعة ؛ لأنّها كانت لهعليهالسلام يصنع بها ما شاء ، ثمّ نسخ ذلك وجُعلت للغانمين أربعة
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٨ ، منهاج الطالبين : ١٩٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٠.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٤.
(٣) الأنفال : ١.
(٤) أورده الشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ٦٤.
(٥) صحيح البخاري ١ : ١١٩ ، صحيح مسلم ١ : ٣٧٠ - ٣٧١ / ٥٢١ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٢٤ ، مسند أحمد ١ : ٤٩٥ / ٢٧٣٧ ، و ٤ : ٢٣٧ / ١٣٨٥٢.
(٦) الأنفال : ١.
أخماسها ، والخُمْس الباقي لمستحقّه(١) ، ولا نعلم فيه خلافاً.
مسألة ٧٦ : ما يحويه العسكر ممّا يُنقل ويُحوّل إن لم يصح تملّكه للمسلمين كالخمور والخنازير ، فليس غنيمةً ، وما يصحّ تملّكه غنيمة إن أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة دون ما يُختلس ويُسرق ؛ فإنّه خاصّ للمختلس ، ودون ما ينجلي عنه الكفّار من غير قتال ؛ فإنّه فيء ، ودون اللقطة ؛ فإنّها لآخذها.
أمّا الغنيمة : فهي للغانمين خاصّة يخرج منها الخُمْس لأربابه ، والباقي للغانمين.
وأمّا الأشياء المباحة في الأصل - كالصيود والأحجار والأشجار - فإن لم يكن عليها(٢) أثر لهم ، فهي(٣) لواجدها(٤) ، وليست(٥) غنيمة ، وبه قال الشافعي ومكحول والأوزاعي(٦) ، خلافا لأبي حنيفة والثوري حيث جعلاها(٧) للمسلمين(٨) .
ولو كان عليها(٩) أثر - كالطير المقصوص والأشجار المقطوعة والأحجار المنحوتة - فهي(١٠) غنيمة.
____________________
(١) المغازي - للواقدي - ١ : ١٣١ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٤٥ ، التفسير الكبير ١٥ : ١١٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٧ : ٣٦٠ ، أسباب النزول - للنيسابوري - : ١٣٢.
(٢ - ٥) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : عليه فهو لواجده ليس. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٦) روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، المغني ١٠ : ٤٧٧ - ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.
(٧) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : جعلاه. وما أثبتناه لأجل السياق.
(٨) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.
(٩ و ١٠) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : عليه فهو. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
ولو وُجد في دار الحرب شيء يحتمل أن يكون للمسلمين والكفّار - كالخيمة والسلاح - فالوجه : أنّه لقطة.
وقال الشيخ : يعرّف سنة ثمَّ يلحق بالغنيمة(١) . وبه قال أحمد(٢) .
فإن وُجد قدح منحوت في الصحراء فعرفه المسلمون ، فهو لهم ، وإلّا فغنيمة ؛ لأنّه في دارهم.
ولو وجد صيداً في أرضهم لا مالك له واحتاج إلى أكله ، فإنّه له ، ولا يردّه إجماعاً ؛ لأنّه لو وجد طعاماً مملوكاً للكفّار ، كان له أكله إذا احتاج إليه ، فالصيد المباح أولى.
ولو أخذ من بيوتهم أو خارجها ما لا قيمة له في أرضهم كالمِسَنّ(٣) ، فهو أحقّ به إجماعاً. ولو صار له قيمة بنقله أو معالجته ، فكذلك ، وبه قال أحمد ومكحول والأوزاعي والشافعي(٤) .
وقال الثوري : إذا دخل به دار الإسلام ، دفعه في المغنم(٥) ، وإن عالجه فصار له ثمن ، اُعطي بقدر عمله فيه ، ودفع في المغنم(٦) (٧) .
وليس شيئاً ؛ لأنّ القيمة صارت له بعلمه ونقله ، فلم يكن غنيمةً حال أخذه.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٠.
(٢) المغني ١٠ : ٤٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٦.
(٣) ورد في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : كالمن. وذلك تصحيف. والصحيح ما أثبتناه. والمِسَنُّ : حجر يحدَّد به. الصحاح ٥ : ٢١٤٠ « سنن ».
(٤) المغني ١٠ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.
(٥) في « ق ، ك » المقسم. وكذا في المصدر.
(٦) في المصدر : المقسم.
(٧) المغني ١٠ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.
ولو ترك صاحب المغنم(١) شيئاً من الغنيمة عجزاً عن حمله فقال : مَنْ حمله فهو له ، جاز ، وصار لآخذه. وبه قال مالك(٢) ، خلافاً لبعض العامّة(٣) .
ولو وجد في أرضهم ركازاً ، فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه ، فهو له ، كما لو وجده في دار الإسلام ، يخرج خمسه ، والباقي له.
وإن لم يقدر عليه إلّا بجماعة المسلمين ، فإن كان في مواتهم ، قال الشافعي : يكون كما لو وجده في دار الإسلام ، وإلّا فهو غنيمة(٤) .
وقال مالك والأوزاعي والليث وأحمد : هو غنيمة ، سواء كان في مواتهم أو غير مواتهم ؛ لأنّه مال مشترك ظهر عليه بقوّة جيش المسلمين ، فكان غنيمةً ، كالأموال الظاهرة(٥) .
مسألة ٧٧ : لا يجوز التصرّف في شيء من الغنيمة قبل القسمة إلّا ما لابدّ للغانمين منه ، كالطعام ، وضابطه : القوت وما يصلح به القوت ، كاللحم والشحم ، وكلّ طعام يعتاد أكله ، وعلف الدوابّ : التبن والشعير وما في معناهما ، إجماعاً ، إلّا مَنْ شذّ(٦) - وبه قال سعيد بن المسيّب وعطاء والحسن البصري والشعبي والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(٧) - لما رواه العامّة عن ابن عمر ، قال : كُنّا نصيب العسل
____________________
(١) في « ق ، ك » : المقسم.
(٢) المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٧ ، المغني ١٠ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.
(٣) المغني ١٠ : ٤٧٨ - ٤٧٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.
(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٤٧٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٦.
(٦) كما في المغني ١٠ : ٤٨٠ ، والشرح الكبير ١٠ : ٤٦٠.
(٧) المغني ١٠ : ٤٨٠ - ٤٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٠ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٧ - ١٧٨ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧.
والفواكه في مغازينا فنأكله ولا نرفعه(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام في وصيّة النبيصلىاللهعليهوآله :
« ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه ، ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه إلّا ما لا بدّ لكم من أكله »(٢) .
ولأنّ الحاجة تشتدّ إلى ذلك ، فإنّ نقل الميرة(٣) عسر جدّاً ، وقسمته تستلزم عدم الانتفاع بما يحصل منه.
وقال الزهري : لا يؤخذ إلّا بإذن الإمام ؛ لأنّه غنيمة ، فهو لأربابه(٤) .
وهو ممنوع ، لاشتداد الحاجة.
وهل يجوز أخذ الطعام أو العلف مع عدم الحاجة؟ الوجه : المنع ؛ لأنّه مغنوم لجماعة الغانمين غير محتاج إليه ، فأشبه سائر الأموال. نعم ، لهم التزوّد لقطع المسافة بين أيديهم.
وقال بعض العامّة : يجوز مع عدم الحاجة أيضاً(٥) ؛ لأن عمر سوّغ الأكل(٦) ، ولم يقيّد بالحاجة.
والحيوان المأكول يجوز ذبحه والأكل منه مع الحاجة ، ولا تجب القيمة ؛ لأصالة البراءة.
____________________
(١) صحيح البخاري ٤ : ١١٦.
(٢) الكافي ٥ : ٢٩ / ٨ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣٢.
(٣) الميرة : الطعام. الصحاح ٢ : ٨٢١ « مير ».
(٤) المغني ١٠ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ - ٤٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٧.
(٦) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٧٤ - ٢٧٥ / ٢٧٥٠ ، المغني ١٠ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦١.
ولا فرق بين الغنم وغيرها.
وقال بعض الشافعيّة : ما يمكن سوقه يُساق ، وأمّا الغنم فتُذبح ؛ لأنّها كالأطعمة ، ولهذا قالعليهالسلام حين سُئل عن ضالّتها : « هي لك أو لأخيك أو للذئب »(١) (٢) .
وقال بعض العامّة : تجب القيمة ؛ لندور الحاجة إليه ، بخلاف الطعام(٣) .
وليس بشيء ؛ لأنّا فرضنا الحاجة.
وإذا ذبح الحيوان للأكل ، ردّ الجلود إلى المغنم ، ولا يجوز استعمالها ؛ لعدم الحاجة إليها. ولو استعمل الجلد في سقاء أو نعل أو شراك ، ردّه إلى المغنم مع اُجرة المثل لمدّة استعماله وأرش نقص أجزائه بالاستعمال. ولو زادت قيمته بالصنعة ، فلا شيء له ؛ لأنّه متعدُّ.
وأمّا ما عدا الطعام والعلف واللحم فلا يجوز تناوله ولا استعماله ولا الانفراد به ؛ لقولهعليهالسلام : « أدّوا الخيط والمخيط فإنّ الغلول عارٌ ونارٌ وشنارٌ يوم القيامة »(٤) .
وللشافعيّة في الفواكه وجهان(٥) .
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١٦٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٤٦ - ١٣٤٧ / ١٧٢٢ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٧ / ١٧١٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٥٥ - ٦٥٦ / ١٣٧٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٣٦ - ٨٣٧ / ٢٥٠٤ ، الموطّأ ٢ : ٧٥٧ / ٤٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧.
(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٠ - ٩٥١ / ٢٨٥٠.
(٥) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩.
ويمكن الفرق بين ما يسرع إليه الفساد ويشقّ نقله وبين غيره.
وأمّا الدهن المأكول فيجوز استعماله في الطعام مع الحاجة ؛ لأنّه نوع من الطعام. ولو كان غير مأكول ، فإن احتاج إلى أن يدهن به أو دابّته ، لم يكن له ذلك إلّا بالقيمة ، قاله الشافعي ؛ لأنّه ممّا لا تعمّ الحاجة إليه ، ولا هو طعام ولا علف(١) .
وقال بعض العامّة : يجوز ؛ لأنّ الحاجة إليه في إصلاح بدنه ودابّته كالحاجة إلى الطعام والعلف(٢) .
ويجوز أن يأكل ما يتداوى به أو يشربه - كالجُلاب والسكنجبين وغيرهما - عند الحاجة ؛ لأنّه من الطعام.
وقال أصحاب الشافعي : ليس له تناوله ؛ لأنّه ليس قوتاً ولا يُصلح به القوت(٣) .
والوجه : الجواز ؛ لأنّه يحتاج إليه ، فأشبه الفواكه.
وليس له غسل ثوبه بالصابون ؛ لأنّه ليس طعاماً ولا علفاً ، وإنّما يراد للتحسين والتزيين لا للضرورة.
ولا يجوز الانتفاع بجلودهم ولا اتّخاذ النعال منها ولا الجُرُب(٤) ولا الخيوط ولا الحبال - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّه مال غنيمة لا تعمّ الحاجة
____________________
(١) الاُمّ ٤ : ٢٦٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، المغني ١٠ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٣.
(٢) المغني ١٠ : ٤٨٢ - ٤٨٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٣.
(٣) المغني ١٠ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٣.
(٤) الجُرُب جمع ، واحدها : الجِراب. وهو وعاء من إهاب الشاء. لسان العرب ١ : ٢٦١ « جرب ».
(٥) الاُمّ ٤ : ٢٦٣ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، المغني ١٠ : ٤٨٤.
إليه ، فلا يختصّ به البعض.
ورخّص مالك في الحبل يتّخذ من الشعر ، والنعل والخُفّ يتّخذ من جلود البقر(١) .
مسألة ٧٨ : الكتب التي لهم : فإن كان الانتفاع بها حلالاً - كالطبّ والأدب والحساب والتواريخ - فهي غنيمة ، وإن حرم الانتفاع بها - مثل كتب الكفر والهجو والفحش المحض - فلا يترك(٢) بحاله ، بل يغسل إن كان على رقٌّ(٣) أو كاغذ ثخين يمكن غسله ، ثمّ هو كسائر أموال الغنيمة ، وإن لم يكن ، اُبطلت منفعته بالتمزيق ، ثم الممزَّق كسائر الأموال ؛ فإنّ للممزَّق قيمةً وإن قلَّت.
وكذا كُتب التوراة والإنجيل ؛ لأنّها مبدَّلة محرَّفة ، فلا يجوز الانتفاع بها ، وإنّما تُقرّ في أيدي أهل الذمّة ؛ لاعتقادهم ، كما يُقرّون على الخمر.
والأولى أنّها لا تُحرق ؛ لما فيها من أسماء الله تعالى.
وأمّا جوارح الصيد - كالفهد والبازي وكلب الصيد - فغنيمة. ولو لم يرغب فيها أحد من الغانمين ، جاز إرسالها وإعطاؤها غير الغانمين. ولو رغب فيها بعض الغانمين ، دُفعت إليه ، ولا تُحسب عليه من نصيبه ؛ لأنّه لا قيمة لها. وإن رغب فيها الجميع ، قُسّمت ، ولو تعذّرت القسمة أو تنازعوا في الجيّد منها ، اُقرع بينهم.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ الإمام يخصّ بالكلاب مَنْ شاء(٤) .
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٦ ، المغني ١٠ : ٤٨٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٤.
(٢) أي المكتوب.
(٣) الرَّقُّ : ما يكتب فيه وهو جلد رقيق. لسان العرب ١٠ : ١٢٣ « رقق ».
(٤) الوجيز ٢ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣.
قالوا : وللإمام أن يسلّمها إلى واحد من المسلمين لعلمه باحتياجه إليه(١) ، ولا يكون محسوباً عليه(٢) .
واعترض عليه : بأنّ الكلب منتفع به ، فليكن حقّ اليد فيه لجميعهم ، كما أنّ مَنْ مات وله كلب ، لا يستبدّ به بعض الورثة(٣) .
وقال بعضهم : إن أراده بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس ولم ينازع فيه ، سُلّم إليه ، وإن تنازعوا ، فإن وجدنا كلاباً وأمكنت القسمة عدداً ، قُسّمت وإلّا اُقرع بينهم ، وقد تعتبر قيمتها عند مَنْ يرى لها قيمة أو ينظر إلى منافعها(٤) .
ولو وجدوا خنازير ، قتلوها ؛ لحصول الأذى منها.
ولو وجدوا خمراً ، أراقوه ، ولو كان لظروفه قيمة ، أخذوها غنيمةً ، إلّا أن تزيد مؤونة الحمل على قيمتها أو تساويها فيتلفها عليهم.
ولا يجوز لُبْس ثياب الغنيمة ولا ركوب دوابّها ؛ لأنّه مال مغنوم ، فلا يختصّ به أحد.
ولو كان للغازي دوابّ أو رقيق ، جاز له أن يُطعمهم ممّا يجوز له أكله ، سواء كانوا للقُنْية أو للتجارة ؛ للحاجة ، بخلاف ما لو كان معه بُزاة أو صُقور ؛ لعدم الحاجة إليها ، بخلاف الخيل.
ولا يجوز استعمال أسلحة الكفّار إلّا أن يضطرّ إليه في القتال ، فإذا انقضى الحرب ، ردّه إلى المغنم ، وبه قال الشافعي(٥) .
____________________
(١) تذكير الضمير باعتبار الكلب.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.
(٣) كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣ - ٤٢٤ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩.
وقال أبو حنيفة : يجوز استعمال أسلحتهم(١) .
ولو جُمعت الغنائم وثبتت يد المسلمين عليها وفيها طعام أو(٢) علف ، لم يجز لأحد أخذه إلّا لضرورة ؛ لأنّا أبحنا له الأخذ قبل استيلاء يد المسلمين عليها مع الضرورة ، فبعد الاستيلاء أولى. ولأنّ الغانمين ملكوها بالحيازة ، فخرجت عن المباحات ، فلا يجوز الأكل منها إلّا أن لا يجد غيره؛ لأنّ حفظ النفس واجب ، سواء حِيزت في دار الحرب أو دار الإسلام.
وقال بعض العامّة : إن حِيزت في دار الحرب ، جاز الأكل ، كما جاز قبل الحيازة ؛ لأنّ دار الحرب مظنّة الحاجة(٣) .
وهو غلط ؛ لأنّ المسلمين ملكوه ، فلا يباح أخذه إلّا بإذنٍ. ولأنّ الحيازة في دار الحرب تُثبت الملك ، كالحيازة في دار الإسلام ، ولهذا جاز قسمته ، وتثبت فيه أحكام الملك.
مسألة ٧٩ : لو فضل معه من الطعام فضلة فأدخله دار الإسلام ، ردّه إلى المغنم وإن قلّ ، فإن كانت الغنيمة لم تقسّم ، ردّ في المغنم ، وإن قُسّمت ، ردّه إلى الإمام ، فإن أمكن تفريقه كالغنيمة ، فرّق ، وإن لم يمكن ؛ لتفرّق الغانمين وقلّة ذلك ، احتمل جعله في المصالح.
ولا خلاف في وجوب ردّ الكثير ؛ لأنّ المباح أخذ ما يحتاج إليه في دار الحرب ، فالفاضل غير محتاج إليه ، فيردّ.
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٤ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٤ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٢٥١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجرية : « و » بدل « أو ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣) المغني ١٠ : ٤٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٦ - ٤٦٧.
وأمّا القليل فكذلك - وهو أحد قولي الشافعي وقول أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لقولهعليهالسلام : « أدّوا(٢) الخيط والمخيط »(٣) .
ولأنّه مال لم يقسّم ، فأشبه الكثير.
وقال مالك : يكون مباحاً لا يجب ردّه إلى المغنم - وبه قال الأوزاعي وعطاء الخراساني ومكحول والشافعي في القول الآخر ، وأحمد في الرواية الاُخرى - لأنّه اُبيح إمساكه عن القسمة ، فاُبيح في دار الإسلام ، كمباحات دار الحرب(٤) .
والفرق ظاهر.
وعن أبي حنيفة أنّه إن كان ذلك قبل قسمة الغنيمة ، ردّه إلى المغنم ، وإن كان بعدها ، باعه وتصدّق بثمنه(٥) .
مسألة ٨٠ : ما يؤخذ من أموال المشركين حال الحرب بالقهر ، فهو
____________________
(١) الاُمّ ٤ : ٢٦٢ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٩ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٢٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠ ، المغني ١٠ : ٤٨٦ - ٤٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٦.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجرية : « ردّوا » وما أثبتناه من المصدر ، وكما سبق في ص ١٢٥.
(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٠ / ٢٨٥٠.
(٤) المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٩ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٠ - ٤٣١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٨ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٢٣٤ - ٢٣٥ ، المغني ١٠ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٦.
(٥) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٨.
للمقاتلة يؤخذ منه الخُمْس ، والباقي للغانمين. وما تأخذه سريّة بغير إذن الإمام ، فهو للإمام خاصّة عندنا. وما يتركه المشركون فزعاً ويفارقونه من غير حرب ، فهو للإمام أيضاً. وما يؤخذ صلحاً أو جزيةً ، فهو للمجاهدين ، ومع عدمهم يقسّم في فقراء المسلمين ، وما يؤخذ غيلةً من أهل الحرب إن كان في زمان الهدنة ، اُعيد إليهم ، فإن لم يكن كان لآخذه ، وفيه الخُمْس. ومَنْ مات من أهل الحرب وخلّف مالاً فمالُه للإمام إذا لم يكن له وارث.
وقال بعض الشافعيّة : لو دخل واحدٌ أو شِرْذِمةٌ دارَ الحرب مستخفين وأخذوا مالاً على صورة السرقة ، كان ملكاً لآخذه خاصّة ؛ لأنّ السارق يقصد تملك المال وإثبات اليد عليه ، ومال الحربي غير معصوم ، فكأنّه غير مملوك ، وصار سبيله سبيل الاستيلاء على المباحات ، بخلاف مال الغنيمة ؛ فإنّه وإن حصل في يد الغانمين فليس مقصودهم التملّك ؛ إذ لا يجوز التغرّر بالمهج لاكتساب الأموال ، وإنّما الغرض الأعظم رفع كلمة الله تعالى ، وقمع أعداء الدين ، وللقصد أثر ظاهر فيما يملك بالاستيلاء(١) .
وقال بعضهم : إنّه غنيمة مخمّسة ، كأنّهم جعلوا دخوله دارَ الحرب وتغريره بنفسه قائماً مقام القتال ، ولهذا قالوا : لو غزت طائفة بغير إذن الإمام متلصّصين وأخذت مالاً ، فهو غنيمة مخمّسة(٢) .
وروي عن أبي حنيفة أنّه لا يُخمّس ، بل ينفردون به إذا لم يكن لهم قوّة وامتناع(٣) .
وفي رواية اُخرى : يؤخذ الجميع منهم ، ويجعل في بيت المال(٤) .
وقال بعض الشافعيّة : إذا دخل الرجل الواحد دار الحرب وأخذ من
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥.
حربيّ مالاً بالقتال ، اُخذ منه الخُمْس ، والباقي له ، وإن أخذه على جهة السوم ثمّ جحد أو هرب ، فهو له خاصّة ولا خُمْس(١) .
وقال بعضهم : ما يؤخذ بالاختلاس يملك المختلسون أربعة أخماسه ؛ لأنّهم ما وصلوا إليها إلّا بتغرير أنفسهم ، كما لو قاتلوا(٢) .
وعن أبي إسحاق أنّ المختلَس يكون فيئاً ؛ لأنّه حصل بغير إيجاف خيلٍ ولا ركاب(٣) ، كما هو مذهبنا.
وقال بعضهم : هذا إذا دخل الواحد أو النفر اليسير دارَ الحرب وأخذوا ، فأمّا إذا أخذ بعضُ الجند الداخلين بسرقةٍ واختلاسٍ ، فهو غلول ؛ لأنّهم قالوا : ما يهديه الكافر إلى الإمام أو إلى واحد من المسلمين والحرب قائمة لا ينفرد به المهدى إليه ، بل يكون غنيمةً ، بخلاف ما إذا أهدى من دار الحرب إلى دار الإسلام(٤) .
وقال أبو حنيفة : إنّه ينفرد المهدى إليه بالهديّة بكلّ حال(٥) .
والمال الضائع الذي يؤخذ على هيئة اللقطة إن عُلم أنّه للكفّار ، قال بعض الشافعيّة : إنّه يكون لواجده ؛ لأنّه ليس مأخوذاً بقوّة الجند أو قوّة الإسلام حتى يكون فيئاً ، ولا بالقتال حتى يكون غنيمةً(٦) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧ - ٤٥٨.
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٦ - ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨ ، وانظر : الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، وانظر : مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٩٨ / ١٦٥٠.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.
وقال بعضهم : يكون غنيمةً لا يختصّ به الآخذ(١) .
ولو أمكن أن يكون للمسلمين ، وجب تعريفه يوماً أو يومين ؛ لأنّه يكفي إنهاء التعريف إلى الأجناد إذا لم يكن مسلم سواهم ، ولا ينظر إلى الاحتمال ( بطروق التجّار )(٢) .
وقال بعضهم : إنّه يعرَّف سنة على ما هو قاعدة التعريف(٣) .
وقال بعضهم : لو وجد ضالّةً في دار الحرب ، فهو غنيمة ، فالخُمس لأهله ، والباقي له ولمن معه. ولو وجد ضالّةً لحربيّ في دار الإسلام ، لا يختصّ هو به ، بل يكون فيئاً. وكذا لو دخل صبي أو امرأة بلادنا فأخذه رجل ، يكون فيئاً. ولو دخل منهم رجل فأخذه مسلم ، يكون غنيمةً ؛ لأنّ لآخذه مؤونةً ، ويرى الإمام فيه رأيه ، فإن رأى استرقاقه ، كان الخُمْس لأهله ، والباقي لمن أخذه، بخلاف الضالّة ؛ لأنّها مال الكفّار حصل في أيدينا من غير قتال(٤) .
مسألة ٨١ : لو أتلف بعض الغانمين من طعام الغنيمة شيئاً ، ضمن ؛ لأنّه لم يستعمله في الوجه السائغ شرعاً ، وما يأخذه لا يملكه بالأخذ ولكن اُبيح له الأخذ والأكل.
ولو أخذ بعض الغانمين فوق ما يحتاج إليه وأضاف به غانماً أو غانمين ، جاز ، وليس فيه إلّا إتعاب نفسه بالطبخ وإصلاح الطعام.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.
(٢) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : بطرف التجاوز. وذلك تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.
وليس له أن يضيف غير الغانمين ، فإن فَعَل ، فعلى الآكل الضمان إن كان عالماً ، وإن كان جاهلاً ، استقرّ الضمان على المضيف.
ولو لحق الجندَ مددٌ بعد انقضاء القتال وحيازة الغنيمة ، فالوجه : أنّ لهم الأكل في موضع يشاركون في القسمة. وللشافعيّة وجهان ، أحدهما : الجواز ؛ لحصوله في دار الحرب التي هي مظنّة عزّة الطعام. وأصحّهما عندهم : المنع ؛ لأنّه معهم كغير الضيف(١) .
مسألة ٨٢ : إنّما يسوغ للغانمين أكل ما سوّغناه إذا كانوا في دار الحرب التي تعزّ فيها الأطعمة على المسلمين ، فإذا انتهوا إلى عمران دار الإسلام وتمكنوا من الشراء ، أمسكوا.
ولو خرجوا عن دار الحرب ولم ينتهوا إلى عمران دار الإسلام ، فالأقرب جواز الأكل ؛ لبقاء الحاجة الداعية إليه ، فإنّهم لا يجدون مَنْ يبيعهم ولا يصادفون سوقاً. وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) .
والثاني : المنع ؛ لأنّ مظنّة الحاجة دارُ الحرب ، فيناط الحكم بها(٣) .
ولو وجدوا سوقاً في دار الحرب وتمكّنوا من الشراء ، احتمل جواز الأكل ؛ للعموم.
وهو أظهر وجهي الشافعيّة ؛ لأنّهم جعلوا دارَ الحرب في إباحة الطعام بمنزلة السفر في الرخص؛ فإنّ الرخص(٤) وإن ثبتت(٥) لمشقّة السفر
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠.
(٢ و ٣) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠ - ٤٦١.
(٤) وردت العبارة في الطبعة الحجريّة و « ق ، ك» هكذا : في الترخّص ؛ فإنّ الترخّص. والصحيح ما أثبتناه لأجل السياق.
(٥) في « ق ، ك» : اُثبتت. وفي الطبعة الحجريّة : ثبت. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
فالمترفّه الذي لا مشقّة عليه يشارك فيها مَنْ حصلت له المشقّة(١) .
وليس للغانم أن يُقرض ما أخذه من الطعام أو العلف من غير الغانمين أو يبيعه ، فإن فَعَل ، فعلى مَنْ أخذه ردّه إلى المغنم. فإن أقرضه غانماً آخر ، فليس ذلك قرضاً حقيقيّاً ؛ لأنّ الآخذ لا يملك ما يأخذه حتى يملّكه غيره. وحينئذٍ فالأقرب أنّه ليس للمُقرض مطالبة المقترض بالعين أو المثل ماداما في دار الحرب ، ولا يلزم الآخذ الردّ ؛ لأنّ المستقرض من أهل الاستحقاق أيضاً ، فإذا حصل في يده ، فكأنّه أخذه بنفسه. وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) .
والثاني : أنّ له مطالبته بالعين أو المثل ما داما في دار الحرب ؛ لأنّه إذا أخذه صار أحقَّ به ، ولم تزل يده عنه إلّا ببدل.
وعلى هذا الوجه له مطالبته بردّ مثله من المغنم لا من خالص ملكه ، فلو ردّ عليه من خالص ملكه ، لم يأخذه المقرض ؛ لأنّ غير المملوك لا يقابل بالمملوك حتى لو لم يكن في المغنم طعام آخر سقطت المطالبة. وإذا ردّ من المغنم ، صار الأوّل أحقَّ به ، لحصوله في يده.
وعلى هذا الوجه إذا دخلوا دار الإسلام انقطعت حقوق الغانمين عن أطعمة المغنم ، فيردّ المستقرض على الإمام.
وإذا دخلوا دار الإسلام وقد بقي عين القرض في يد المستقرض ، بُني على أنّ الباقي من طعام المغنم هل يجب ردّه إلى المغنم؟ إن قلنا : نعم ، ردّه إلى المغنم ، وإن قلنا : لا ، فإن جعلنا للقرض اعتباراً ، فيردّه إلى المـُقرض ، وإن قلنا : لا اعتبار له ، فلا يلزمه شيء(٣) .
مسألة ٨٣ : لو باع الغانم ما أخذه من غانم آخر بمال آخر أخذه من
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦١.
(٢ و ٣) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦١.
الغنيمة ، فهو إبدال مباح بمباح ، كإبدال الضيوف(١) لقمةً بلقمة ، وكلُّ منهما أولى بما تناوله من يد الآخر.
ولو تبايعا صاعاً بصاعين ، لم يكن ذلك ربا ؛ لأنّه ليس معاوضةً حقيقيّة ، بل هو كما لو كان في يد عبده طعامُ فتقابضا صاعاً بصاعين.
قال بعض الشافعيّة : مَنْ جعل للقرض اعتباراً يلزمه أن يجعل للبيع(٢) اعتباراً حتى يجب على الآخذ تسليم صاع إلى بائعه. وإن تبايعا صاعاً بصاعين ، فإن سلّم بائع الصاع الصاعَ ، لم يملك إلّا طلب صاع تشبيهاً بالقرض ، وإن سلّم المشتري الصاعين ، لم يطلب إلّا صاعاً ، وملك الزائد على البذل(٣) .
إذا عرفت هذا ، فالمأخوذ حيث قلنا : إنّه مباح للغانم غير مملوك فليس له أن يأكل طعامه ويصرف المأخوذ إلى حاجة أخرى بدلا عن طعامه ، كما لا يتصرّف الضيف فيما قُدّم إليه إلّا بالأكل.
ولو قلّ الطعام وخاف قائد الجيش الازدحام والتنازع عليه ، جَعَله تحت يده وقسّمه على المحتاجين على إقدار الحاجات.
مسألة ٨٤ : الأقرب أنّ حقّ الغانم من الغنيمة يسقط بالإعراض عن الغنيمة وتركها قبل القسمة ؛ لأنّ المقصود الأعظم من الجهاد إعلاء الدين والذبّ عن الملّة ، والغنيمة تابعة ، فمن أعرض عنها فقد أخلص عمله بعض الإخلاص ، وجرّد قصده للمقصد الأعظم. ولأنّ الغنيمة لا تُملك قبل القسمة ، بل تُملك إن تملّك على قول(٤) ، فالحقّ فيه كحقّ الشفعة.
____________________
(١) كذا ، والظاهر : كإبدال الضيفين.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : للبائع. وما أثبتناه من المصدر.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٣.
وبالجملة ، إن قلنا : تُملك إن تملّك فهو كحقّ الشفعة ، وإن قلنا : تُملك ، فلا ينبغي أن يكون مستقرّاً ، ليتمكّن من تمحيض الجهاد ليحصل المقصد الأعظم ، فلو قال أحد الغانمين : وهبت نصيبي من الغانمين ، صحّ ، وكان إسقاطاً لحقّه الثابت له ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : إنّه إن أراد الإسقاط ، صحّ ، وإن أراد التمليك ، لم يصح ؛ لأنّه مجهول(٢) .
مسألة ٨٥ : إذا حاز المسلمون الغنائم وجمعوها ، ثبت حقّهم فيها ، وملكوها ، سواء جمعوها في دار الحرب أو في دار الإسلام - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه يجوز القسمة في دار الحرب.
وقال أبو حنيفة : إذا حازوها في دار الحرب ، لا تُملك ، وإنّما تُملك بعد إحرازها في دار الإسلام(٤) . وليس بجيّد.
ومع الحيازة يثبت لكلّ واحد منهم حقّ الملك.
وقيل : لا يملك إلّا باختيار التملّك ؛ لأنّه لو قال واحد : أسقطت حقّي ، سقط ، ولو كان ملكاً له ، لم يزل بذلك ، كما لو قال الوارث : أسقطت حقّي في الميراث ، لم يسقط ؛ لثبوت الملك له واستقراره(٥) .
وفيه نظر ؛ لأنّه بالحيازة قد زال ملك الكفّار عنها ، ولا يزول إلّا إلى المسلمين. نعم ، ملك كلّ واحد منهم غير مستقرّ في شيء بعينه ، أو جزء
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٩٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٢.
(٤) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٢ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٩٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، المغني ١٠ : ٤٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٩.
(٥) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٦ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.
مشاع ، بل للإمام أن يعيّن نصيب كلّ واحد بغير اختياره ، بل هو ملك ضعيف.
مسألة ٨٦ : مَنْ غلّ من الغنيمة شيئاً ، ردّه إلى المغنم ، ولا يُحرق رحله - وبه قال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي(١) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يحرق رحل الغالّ(٢) . ولأنّ فيه إضاعة المال ، ولم يثبت لها نظير في الشرع.
وقال الحسن البصري وفقهاء الشام منهم ، مكحول والأوزاعي : إنّه يُحرق رحله ، إلّا المصحف وما فيه روح ؛ لما رواه عمر عن النبيصلىاللهعليهوآله قال : « إذا وجدتم الرجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه »(٣) (٤) .
ونمنع صحّة السند.
قال أحمد : ولا تُحرق آلة الدابّة ، كالسرج وغيره ؛ لأنّه يحتاج إليه للانتفاع(٥) .
وقال الأوزاعي : يُحرق سرجه(٦) .
____________________
(١) شرح السنّة ٦ : ٣٦٨ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٠٤ ، الجامع لأحكام القرآن ٤ : ٢٦٠ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٤.
(٢) سنن أبي داود ٣ : ٦٨ - ٦٩ - ٢٧١٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٢ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٤ ، شرح السنّة ٦ : ٣٦٨.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٦٩ / ٢٧١٣ ، سنن البيهقي ٩ : ١٠٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٢٨.
(٤) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٤ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٣٩ ، شرح السنّة ٦ : ٣٦٨.
(٥) المغني ١٠ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٦.
(٦) المغني ١٠ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٦ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٤٠ ، شرح السنّة ٦ : ٣٦٨.
ولا تُحرق ثياب الغالّ التي عليه إجماعاً ؛ لأنّه لا يجوز تركه عرياناً ، ولا ما غلّ من الغنيمة إجماعاً؛ لأنّه مال المسلمين ، ولا يُحرق سلاحه ؛ لأنّه يحتاج إليه للقتال ، وهو منفعة للمسلمين عامّة ، ولا نفقته. ولو أبقت النار شيئاً - كالحديد - فهو لمالكه ؛ للاستصحاب.
ولا تُحرق كتُبُ العلم والأحاديث ؛ لأنّه نفع يرجع إلى الدين ، وليس القصد بالإحراق إضراره في دينه.
ولو لم يُحرق متاعه حتى تجدّد له آخر ، لم يُحرق المتجدّد إجماعاً.
وكذا لو مات لم يُحرق رحله إجماعاً ؛ لأنّها عقوبة ، فتسقط بالموت.
قال أحمد : ولو باعه أو وهبه ، نقض البيع والهبة واُحرق(١) .
ولو كان الغالّ صبيّاً ، لم يُحرق إجماعاً.
وكذا لو كان عبداً ؛ لأنّ المتاع لسيّده ، فلا يُعاقب بجناية عبده.
ولو غلّت امرأةٌ أو ذميُّ ، قال أحمد : يُحرق متاعهما(٢) .
ولو أنكر الغلول وادّعى ابتياعه ، لم يُحرق متاعه إجماعاً ، إلّا أن يثبت بالإقرار أو البيّنة ، فيُحرق عند أحمد(٣) .
ولا يحرم الغالّ سهمه من الغنيمة ، سواء كان صبيّاً أو بالغاً ؛ لأنّ سبب الاستحقاق - وهو حضور الحرب - ثابت ، والغلول لا يصلح مانعاً ، كغيره من أنواع الفسوق ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٤) .
وفي الثانية : يحرم سهمه(٥) .
وقال الأوزاعي : إن كان صبيّاً ، حُرم سهمه(٦) .
وإذا أخذ سهمه ، لم يُحرق إجماعاً.
____________________
(١ - ٦) المغني ١٠ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٧.
مسألة ٨٧ : إذا تاب الغالّ قبل القسمة ، وجب ردّ ما غلّة في المغنم إجماعاً ؛ لأنّه حقُّ لغيره، فيجب عليه ردّه إلى أربابه.
ولو تاب بعد القسمة ، فكذلك - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه مالٌ لغيره ، فيجب ردّه إلى أربابه ، كما لو تاب قبل القسمة.
وقال مالك : إذا تاب بعد القسمة ، أدّى خُمْسه إلى الإمام ، وتصدّق بالباقي - وبه قال الحسن البصري - بناءً على فعل معاوية(٢) (٣) . وليس حجّةً.
فإن تمكّن الإمام من قسمته ، فَعَل ، وإلّا تصدّق به بعد الخُمْس ؛ لأنّ تركه تضييع له وتعطيل لمنفعته التي خلق لها ، ولا يتخفّف به شيء من إثم الغالّ ، وفي الصدقة به نفع لمن يصل إليه من المساكين ، وما يحصل من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه ، فيذهب به الإثم عن الغالّ ، فيكون أولى.
مسألة ٨٨ : لو سرق من الغنيمة شيئاً ، فإن كان له نصيب من الغنيمة بقدره أو أزيد بما لا يبلغ نصاب القطع ، لم يجب عليه القطع ؛ لأنّه وإن لم يملكه لكن شبهة الشركة درأت عنه الحدّ ، وإن زاد على نصيبه بمقدار النصاب الذي يجب فيه القطع ، وجب عليه القطع ؛ لأنّه سارق.
هذا إذا لم يعزل منه الخُمْس ، ولو عزل الإمام الخُمْس ثمّ سرق ولم يكن من أهل الخُمْس ، فإن كان من الخُمْس ، قُطع ، وإن كان من أربعة الأخماس ، قُطع إن زاد على نصيبه بقدر النصاب.
____________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي - هامش إرشاد الساري - ٨ : ٢٤ ، وانظر : المغني ١٠ : ٥٢٧ ، والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٨.
(٢) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٧٠ / ٢٧٣٢.
(٣) المغني ١٠ : ٥٢٦ - ٥٢٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٧ - ٥٢٨ ، الجامع لأحكام القرآن ٤ : ٢٦١ ، صحيح مسلم بشرح النووي - هامش إرشاد الساري - ٨ : ٢٤.
وللشافعي وجهان :
أحدهما : إذا سرق من أربعة الأخماس ما يزيد على نصيبه بقدر النصاب ، وجب القطع.
والثاني : لا يُقطع ؛ لأنّ حقّه لم يتعيّن ، فكلّ جزء مشترك بينه وبينهم ، فكان كالمال المشترك - وهو رواية(١) عندنا - ولأنّا لو قلنا : إنّه يُقطع في المشترك ، فإنه لا يُقطع هنا ؛ لأنّ حقّ كلّ واحد من الغانمين متعلّق بجميع المغنم ؛ لأنّه يجوز أن يُعرض الباقون ، فيكون الكلّ له. وعلى كلّ حال فيُستردّ المسروقُ إن كان [ باقياً ، وبدلُه إن كان ](٢) تالفاً ، ويُجعل في المغنم(٣) .
ولو كان السارق عبداً ، فهو كالحُرّ ؛ لأنّه يُرضخ له ، فإن كان ما سرقه أزيد ممّا يُرضخ له بقدر النصاب ، وجب القطع ، وإلّا فلا. وكذا المرأة.
ولو سرق عبد الغنيمة منها ، لم يُقطع ؛ لئلّا يزيد ضرر الغانمين. نعم ، يؤدّب حسماً للجرأة.
ولو كان السارق ممّن لم يحضر الوقعة ، فلا نصيب له منها ، فيُقطع.
ولو كان أحد الغانمين ابناً للسارق ، لم يُقطع إلّا إذا زاد ما سرقه عن نصيب ولده بمقدار النصاب ؛ لأنّ مال الولد في حكم ماله.
ولو كان السارق سيّد عبدٍ [ له نصيب ](٤) في الغنيمة ، كان حكمه حكم
____________________
(١) الكافي ٧ : ٢٢٣ / ٧ ، التهذيب ١٠ : ١٠٤ - ١٠٥ / ٤٠٦ ، الاستبصار ٤ : ٢٤١ / ٩١٠.
(٢) أضفناها من العزيز شرح الوجيز.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٤) ما بين المعقوفين لم يرد في « ق ، ك» ومتن الطبعة الحجريّة ، وورد في هامشها وعليه علامة « ظ ».
مَنْ له نصيب ؛ لأنّ مال العبد لسيّده. وبذلك كلّه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) . وزاد الشافعي : الابن إذا سرق وللأب سهم في الغنيمة أو أحد الزوجين(٢) . وزاد أبو حنيفة : إذا كان لذي رحم محرم منه فيها حقّ ، لم يُقطع(٣) .
والغالّ هو الذي يكتم ما أخذه من الغنيمة ولا يطّلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة. ولا ينزّل منزلة السارق في القطع ، إلّا أن يغلّ على وجه السرقة ؛ فإنّ الغلول أخْذُ مالٍ لا حافظ له ولا يُطّلع عليه غالباً ، والسرقة أخْذُ مالٍ محفوظ.
والسارق عندنا لا يُحرق رحله.
وقال بعض العامّة : يُحرق(٤) .
مسألة ٨٩ : ليس لأحد الغانمين أن يبيع غانماً آخرَ شيئاً من الغنيمة ، فإن باعه ، لم يصح؛ لأنّ نصيبه مجهول ، وكذا وقوعه في نصيبه. وكذا لا يصحّ لو كان طعاماً ؛ لأنّ إباحة التناول لا تقتضي إباحة البيع ، فيُقرّ في يد المشتري ، وليس للمشتري ردّه إلى البائع ولا للبائع قهره عليه ؛ لأنّه أمانة في يدهما لجميع المسلمين. ولو لم يكن من الغانمين. لم تقرّ يده عليه.
ولو أقرضه الغانم لمن لا سهم له ، لم يصح ، واستُعيد من القابض. وكذا لو باعه منه. وكذا لو جاء رجل من غير الغانمين فأخذ من طعام الغنيمة ، لم تقرّ يده عليه ؛ إذ لا نصيب له ، وعليه ضمانه.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٢٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٨ - ٤٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤.
(٢) الاُمّ ٧ : ٣٦٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٨ - ٤٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، وانظر : المغني ١٠ : ٥٥١ ، والشرح الكبير ١٠ : ٢٧٥.
(٣) المغني ١٠ : ٥٥١ ، الاُم ٧ : ٣٦٥.
(٤) المغني ١٠ : ٥٥١.
ولو باعه من غير الغانمين ، بطل البيع ، واستُعيد.
ويجوز للإمام أن يبيع من الغنيمة شيئاً قبل القسمة لمصلحةٍ ، فلو عاد الكفّار وأخذوا المبيع من المشتري في دار الحرب ، فضمانه على المشتري ، وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
وفي الاُخرى : ينفسخ البيع ، ويكون من ضمان أهل الغنيمة ، فإن كان المشتري قد وزن الثمن ، استعاده ، وإلّا سقط إن كان [ لا ](١) لتفريطٍ منه ، وإن كان لتفريطٍ منه ، مثل أن خرج به من العسكر وحده ، فكقولنا(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ التلف في يد المشتري ، فلا يرجع بالضمان على غيره ، كغيره من المبيعات.
وإذا قُسّمت الغنائم في دار الحرب ، جاز لكلّ مَنْ أخذ منهم التصرّفُ فيه كيف شاء بالبيع وغيره ، فلو باع بعضهم شيئاً فغُلب المشتري عليه ، لم يضمنه البائع.
ولأحمد روايتان(٣) .
ويجوز لأمير الجيش أن يشتري من مال الغنيمة شيئاً قبل القسمة وبعدها.
وقال أحمد : ليس له ذلك ؛ لأنّه يحابي(٤) .
ويندفع الخيال بأخذه بالقيمة العدل.
مسألة ٩٠ : لا يسقط حقّ الغانم من الغنيمة بالإعراض بعد القسمة ،
____________________
(١) أثبتناها لأجل السياق.
(٢) المغني ١٠ : ٤٩١ - ٤٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٨.
(٣) المغني ١٠ : ٤٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٨ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٩ - ١٥٠ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٣.
(٤) المغني ١٠ : ٤٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٥٠.
كسائر الأملاك ، وأمّا قبلها فالأقرب سقوطه.
ولو اُفرز الخُمْس ولم تقسّم الأخماس الأربعة بعدُ ، فالأقرب أنّ الإعراض مُسقط ؛ لأنّ إفراز الخُمْس لا يعيّن حقوق الواحد فالواحد من الغانمين ، فلا يلزمهم في حقوقهم عكس ما كانوا عليه من قبل ، وهو أصحّ قولي الشافعي(١) .
والثاني : أنّه لا يسقط ؛ لأنّ بإفراز الخُمْس تتميّز حقوقهم عن الجهات العامّة ، ويصير الباقي لهم ، كسائر الأملاك المشتركة(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إذا استقسم الغانمون الإمامَ ، لم يسقط حقّ أحدهم بالإعراض ؛ لأنّه يشعر باختيار التملّك وتأكيد الحق ، دون ما إذا استبدّ الإمام بإفراز الخمس ، فإنّهم لم يحدثوا ما يشعر بقصد التملّك(٣) (٤) .
ولو قال : اخترت الغنيمة ، ففي منعه من الإعراض للشافعيّة وجهان :
أحدهما : لا ، فقد يتغيّر الرأي في الشيء المقدور(٥) عليه ، والاستقرار لا يحصل قبل القسمة.
والثاني : نعم ، كما أنّ ذا الخيار في العقود إذا اختيار أحد الطرفين لا يعدل إلى الآخر(٦) .
ولو أعرض الغانمون بأجمعهم ففي صحّة إعراضهم لهم وجهان :
أحدهما : لا يصحّ ، وإلّا لاستحقها أرباب الخُمْس ، فيزيد حقّهم والله تعالى قد عيّن لهم الخُمْس.
وأصحّهما : الصحّة ، وتُصرف الأخماس الأربعة إلى مصارف
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.
(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الملك. وما أثبتناه من المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤.
(٥) في المصدر : « المعزوم » بدل « المقدور ».
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.
الخُمْس ؛ لأنّ المعنى المصحّح للإعراض يشمل الواحد والجمع(١) .
وأمّا الخُمْس : فسهم الله تعالى وسهم رسوله وسهم ذوي القُربى للإمام عندنا خاصّة ، فيصحّ إعراضه ، كما يصحّ إعراض الغانم.
وعند العامّة أنّ سهم ذوي القُربى لكلّ مَنْ يستحقّ الخُمْس.
وفي صحّة إعراضهم وجهان :
أحدهما : يصحّ ، كما يصحّ إعراض الغانمين.
والثاني : المنع ؛ لأنّ سهمهم منحة أثبتها الله تعالى لهم من غير معاناة وشهود وَقْعةٍ ، فليسوا كالغانمين الذين يُحمل حضورهم على إعلاء الكلمة(٢) .
والمفلس الذي حَجَر عليه القاضي لإحاطة الديون به يصحّ إعراضه ؛ لأنّ اختيار التملّك بمنزلة ابتداء الاكتساب ، وليس على المفلس الاكتساب.
وفي صحّة إعراض السفيه المحجور عليه نظر ، أقربه : أنّه ليس له إسقاط الملك ولا إسقاط حقّ الملك ، فلو صار رشيداً قبل القسمة وانفكّ عنه الحَجْر ، صحّ إعراضه.
ولا يصحّ إعراض الصبي عن الرضخ ولا إعراض الوليّ عنه ، فإن بلغ قبل القسمة ، صحّ إعراضه.
ولا يصحّ إعراض العبد عن الرضخ ، ويصحّ إعراض السيّد ؛ فإنّه حقّه.
والأقرب : صحّة إعراض السالب عن السَّلَب - وهو أصحّ وجهي الشافعي(٣) - كإعراض الغانمين.
والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّه متعيّن له ، فأشبه الوارث(٤) .
مسألة ٩١ : مَنْ أعرض من الغانمين يُقدّر كأنّه لم يحضر الوقعة ،
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.
(٣ و ٤) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.
ويقسّم المال أخماساً : خُمسه لمستحقّيه ، وأربعة أخماسٍ لباقي الغانمين ، وهو أصحّ قولي الشافعي(١) .
والثاني : أنّ نصيب المـُعْرض يُضمّ إلى الخُمْس ؛ لأنّ الغنائم في الأصل لله تعالى ؛ لقوله تعالى :( قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ ) (٢) فمن أعرض رجعت حصّته إلى أصلها(٣) .
ولو مات واحد من الغانمين ولم يُعرض ، انتقل حقّه إلى الورثة ؛ لأنّه ثبت له ملك أو حقّ ملك ، وكلاهما موروث ، فإن شاؤا أعرضوا ، وإن شاؤا طلبوا.
وللشافعيّة ثلاثة أوجه في أنّه هل يملك الغانمون قبل القسمة؟
أظهرها : أنّهم لا يملكون بل يملكون إن تملّكوا ؛ بدليل صحّة الإعراض ، ولو ملكوا بالاستيلاء ، لما سقط عنهم بالإعراض. ولأنّ للإمام أن يخصّ كلّ طائفة بنوعٍ من المال ، ولو ملكوا لم يجز إبطال حقّهم عن بعض الأنواع بغير اختيارهم.
والثاني : يملكون بالحيازة والاستيلاء ؛ لأنّ الاستيلاء على ما ليس بمعصوم من الأموال سببٌ للملك(٤) . ولأنّ ملك الكفّار زال بالاستيلاء ، فلو لم يملكه الغانمون ، بقي الملك(٥) لا مالك له. نعم ، هو مِلْكٌ ضعيف يسقط بالإعراض ، ولا تجب الزكاة فيه قبل اختيار التملّك على الأظهر.
والثالث : أنّ ملكهم موقوف ، إن سلمت الغنيمة إلى أن اقتسموا ، ظهر
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.
(٢) الأنفال : ١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.
(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الملك. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(٥) في « ق ، ك» : ملك.
أنّهم ملكوها بالاستيلاء ، وإلّا بانّ بالموت أو الإعراض عدم الملك ؛ لأنّ قصد الاستيلاء على المال لا يتحقّق إلّا بالقسمة ؛ لما تقدّم من أنّ الغرض إعلاء كلمة الله تعالى ، فإذا اقتسموا تبيّنّا قصد التملّك بالاستيلاء.
وإذا قلنا بالوقف ، قال الجويني : لا نقول : نتبيّن بالقسمة أنّ حصّة كلّ واحد من الغانمين على التعيين صارت ملكاً بالاستيلاء ، بل نقول : إذا اقتسموا ، تبيّنّا أنّهم ملكوا الغنائم أوّلاً ملكاً مشاعاً ثمّ تتميّز الحصص بالقسمة(١) .
مسألة ٩٢ : لو وقع في المغنم مَنْ يُعتق على بعض الغانمين ، لم يُعتق حصّته ما لم يقع في حصّته ، ولم يمنعه ذلك عن الإعراض ، قاله بعض الشافعيّة(٢) .
وقال الشيخرحمهالله : الذي يقتضيه المذهب أن نقول : ينعتق منه نصيبه منه ، ويكون الباقي للغانمين(٣) . وبه قال أحمد(٤) .
وقال الشافعي : إنّه لا ينعتق عليه لا كلّه ولا بعضه(٥) . وهو مقتضى قول أبي حنيفة(٦) .
لنا : ما تقدّم من أنّ الملك يثبت للغانمين بالاستيلاء التامّ وقد وُجد ،
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٣.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢ - ٣٣.
(٤) المغني ١٠ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٩.
(٥) مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٨ ، المغني ١٠ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣.
(٦) المغني ١٠ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣.
ولأنّ ملك الكفّار قد زال ولا يزول إلّا إلى المسلمين ، وهو أحدهم ، فيكون له نصيب مشاع في الغنيمة ، فينعتق عليه ذلك النصيب.
احتجّ الشافعي : بأنّه لم يحصل تملّك تام ؛ إذ للإمام أن يعطيه حصّته من غيره ، فنصيبه غير متميّز من الغنيمة.
قال الشيخرحمهالله : والأوّل أقوى(١) .
ثمّ قال الشيخ(٢) : ينعتق نصيبه ، ولا يلزمه قيمة ما يبقى للغانمين ؛ لأصالة البراءة ، ولا دليل على شغلها(٣) . والقياس على المعتق باطل ؛ لأنّ هناك إنّما وجب عليه التقويم ؛ لأنّ العتق صدر عنه.
أمّا لو جعله الإمام في نصيبه أو نصيب جماعة هو أحدهم ، فإنّه ينعتق نصيبه قولاً واحد.
ولو رضي بالقسمة ، فالأقرب التقويم عليه ؛ لأنّ ملكه برضاه.
هذا إذا كان موسراً ، ولو كان معسراً ، عُتق قدر نصيبه ، ولم يقوّم عليه الباقي.
ولو أسر أباه منفرداً به ، لم ينعتق عليه ؛ لأنّ الأسير لا يصير رقيقاً بالأسر ، بل باختيار الإمام؛ لأنّ للإمام حقّ الاختيار إن شاء قَتَله ، وإن شاء استرقّه ، وان شاء منَّ عليه ، وإن شاء فاداه ، فإن اختار الإمام استرقاقه ، عُتق على السبابي أربعة أخماسه ، وقوّم الخُمْس عليه إن كان موسراً ، قاله بعض الشافعيّة(٤) .
قال : ولو أسر اُمّه ، أو ابنه الصغير ، فإنّه يصير رقيقاً بالأسر ، فإن
____________________
(١ و ٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢ - ٣٣.
(٣) أي : شغل الذمّة.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩.
اختار تملّكهما ، عُتق عليه أربعة أخماسهما ، وقوّم الباقي عليه إن كان موسراً ، وإن كان معسراً ، رقّ الباقي ، وإن لم يختر(١) التملّك ، كان أربعة الأخماس لمصالح المسلمين وخُمْسه لأهل الخُمْس(٢) .
قال : ولو أنّ حربيّاً باع من المسلمين امرأته وقد قهرها ، جاز. ولو باع أباه أو ابنه بعد قهرهما ، لم يجز ؛ لأنّه إذا قهر زوجته ، ملكها ، فيصحّ بيعها ، وإذا قهر أباه أو ابنه ، ملكه فعُتق عليه فلا يجوز بيعه(٣) .
ولو أعتق بعض الغانمين عبداً من الغنيمة قبل القسمة ، فإن كان ممّن لم يثبت فيه الرقّ ، كالرجل قبل استرقاقه ، لم يُعتق ؛ لأنّهعليهالسلام قال : « لا عتق إلّا في ملك »(٤) وإن كان ممّن يملك، كالصبي والمرأة ، فالوجه عندنا أنّه يُعتق عليه قدر حصّته ويسري إلى الباقي ، فيقوّم عليه ، ويطرح باقي القيمة في المغنم.
هذا إذا كان موسراً ، وإن كان معسراً ، عُتق عليه قدر نصيبه ؛ لأنّه موسر بقدر حصّته من الغنيمة ، فإن كان بقدر حصّته من الغنيمة ، عُتق ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً ، وإن كان دون حصّته(٥) ، أخذ باقي نصيبه ، وإن كان أكثر ، عُتق قدر نصيبه.
ولو أعتق عبداً آخر وفضل من حقّه عن الأوّل شيء ، عُتق بقدره من
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : لم يتخيّر.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٦ - ٤٤٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩.
(٣) لم نعثر عليه في المصادر المتوفّرة لدينا.
(٤) سنن أبي داوُد ٢ : ٢٥٨ / ٢١٩٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٨٦ / ١١٨١ ، سنن البيهقي ٧ : ٣٢٠ ، سنن سعيد بن منصور ١ : ٢٥٣ / ١٠٢٧ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤١٩ بتفاوت يسير.
(٥) في « ق ، ك» : « حقّه » بدل « حصّته ».
الثاني ، وإن لم يفضل شيء ، كان عتق الثاني باطلاً.
مسألة ٩٣ : ليس للغانم وطء جارية المغنم قبل القسمة ، فإن وطئ عالماً بالتحريم ، حُدّ بقدر نصيب غيره من الغانمين قلّوا أو كثروا ، وبه قال مالك وأبو ثور والشافعي في القديم(١) .
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد : لا حدّ ؛ للشبهة(٢) .
قال الشافعي : بل يعزّر ، ولا ينفذ الاستيلاد في نصيبه. وإن قلنا : يملك ، ففي نفوذه للشافعيّة وجهان ؛ لضعف الملك(٣) .
وقيل : إن قلنا : يملك ، نفذ ، وإن قلنا : لا يملك ، فوجهان ، كاستيلاد الأب جارية الابن ، فإن نفذ في نصيبه وهو موسر بما يخصّه من الغنيمة أو بغيره ، سرى ، والولد جميعه حُرُّ ، وفي وجوب قيمة حصّة غيره من الولد إشكال ينشأ من أنّه ينتقل الملك إليه قبل العلوق أو بعده؟
وأمّا الحدّ : فلا يجب ، والمهر يجب جميعه إن قلنا : لا ملك له ، ويوضع في المغنم ، وإن قلنا : يملك ، حُطّ عنه قدر حصّته(٤) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤.
(٢) الاُمّ ٤ : ٢٦٩ - ٢٧٠ ، مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ ، الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٠ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٢ ، المغني ١٠ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١.
(٣ و ٤) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، وانظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ وما بعدها ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ وما بعدها ، والحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ وما بعدها.
ولو وطئها جاهلاً بالتحريم ، فلا حدّ إجماعاً ؛ لأنّ الشركة شبهة ، وهو غير عالم.
وأمّا المهر : فقال الشيخ : لا يجب عليه المهر ، لعدم الدلالة على شغل الذمّة به(١) .
وقال الشافعي : يجب عليه ؛ لأنّه وطئ(٢) في غير ملكٍ سقط فيه الحدّ عن الواطئ ، فيجب المهر ، كوطىء الأب جارية ابنه(٣) .
ولو أوجبنا المهر ثمّ قسّمت الغنيمة فحصلت الجارية في نصيبه ، لم يسقط ؛ لأنّه وجب بالوطىء السابق.
ولو أحبلها ، قال الشيخرحمهالله : يكون حكم ولدها حكمها ، فيكون له منه بقدر نصيبه من الغنيمة ، ويقوّم بقيّة سهم الغانمين عليه ، ويلزمه سهم الغانمين ، وينظر فإن كانت القيمة قدر حقّه ، فقد استوفى حقّه ، وإن كان أقلّ ، اُعطي تمام حقّه ، وإن كان أكثر ، ردّ الفضل ، ويلحق به الولد لحوقاً صحيحاً ؛ لأنّه شبهة ، وتكون الجارية اُمَّ ولده(٤) . وبه قال الشافعي وأحمد(٥) .
وقال أبو حنيفة : يكون الولد رقيقاً ولا يلحق نسبه ؛ لأنّ وطئه لم يصادف
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.
(٢) في « ق » : وطؤٌ.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧١ ، المغني ١٠ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.
(٥) مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٦ و ٢٣٧ ، الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٦ ، المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١.
ملكاً ؛ لأنّ الغانم يملك بالقسمة(١) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ ملكهم(٢) يتحقّق بالاستيلاء ، فلهُمْ نصيبٌ.
قال الشيخرحمهالله : هذه الجارية تصير اُمّ ولده في الحال(٣) . وبه قال أحمد(٤) .
وقال الشافعي : لا تصير اُمّ ولد في الحال ، لأنّها ليست ملكاً له ، فإذا ملكها بعد ذلك ، ففي صيرورتها اُمّ ولد قولان(٥) .
فعلى قول الشيخرحمهالله تُقوّم الجارية عليه ، ويغرم سهم الغانمين(٦) . وبه قال أحمد(٧) . وللشافعي قولان(٨) .
قال الشيخرحمهالله : إذا وضعت ، نُظر فإن كانت قُوّمت عليه قبل الوضع ، فلا يُقوّم عليه الولد ؛ لأنّ الولد إنّما يُقوّم إذا وَضَعَتْ وفي هذه الحال وَضَعَتْه في ملكه ، وإن كانت بعدُ لم تُقوّم عليه ، قُوّمت هي والولد معاً بعد الوضع ، واُسقط منه نصيبه ، واُغرم الباقي للغانمين(٩) ؛ لأنّه منع من رقّه ؛ لشبهةٍ بالوطىء.
____________________
(١) بدائع الصنائع ٧ : ١٢٢ ، المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٦ و ٢٣٧.
(٢) أي : ملك الغانمين.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.
(٤) المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٠ و ٤٤١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.
(٦) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.
(٧) المغني ١٠ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.
(٨) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٧ و ٢٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ و ٤٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٦.
(٩) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.
وعن أحمد روايتان :
إحداهما : أنّه تلزمه قيمته حين الوضع تُطرح في المغنم ؛ لأنّه فوّت رقّه ، فأشبه ولد المغرور.
والثانية : لا ضمان عليه بقيمته ؛ لأنّه ملكها حين علِقَتْ ، ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال ، فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئها ، ولأنّه يُعتق حين علوقه ولا قيمة له حينئذٍ(١) .
والحقّ ما قاله الشيخ ؛ لأنّها قبل التقويم ملك الغانمين. ونمنع عتقه من حين علوقه ، وبعد التقويم ولدت على ملكه ، فكان الولد له ، ولا قيمة عليه للغانمين.
ولو وطئها وهو معسر ، قال الشيخرحمهالله : تُقوّم عليه مع ولدها ، ويستسعى في نصيب الباقين ، فإن لم يسع في ذلك ، كان له من الجارية مقدار نصيبه والباقي للغانمين ، ويكون الولد حُرّاً بمقدار نصيبه ، والباقي يكون مملوكاً لهم ، والجارية اُمّ ولد وإن ملكها فيما بعدُ(٢) .
وقال بعض العامّة : إذا وطئها وهو معسر ، كان في ذمّته قيمتها وتصير اُمَّ ولد ؛ لأنّه استيلاد جعل بعضها اُمّ ولد ، فجعل جميعها اُمّ ولد ، كاستيلاد جارية الابن(٣) .
وقال آخرون : يحسب عليه قدر حصّته من الغنيمة ، ويصير ذلك المقدار اُمَّ ولد ، والباقي رقيق للغانمين(٤) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.
ولو وطئ الأب جاريةً من المغنم وليس له نصيب فيها بل لولده ، كان الحكم فيه كما لو وطىء الابن.
مسألة ٩٤ : الاُسارى ضربان : ذكور وإناث ، والذكور إمّا بالغون أو أطفال ، وهُمْ مَنْ لم يبلغ خمس عشرة سنة.
فالنساء والأطفال يُملكون بالسبي ، ولا يجوز قتلهم إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن قتل النساء والولدان(١) . ويكون حكمهم مع السبي حكم سائر أموال الغنيمة : الخُمْس لأهله ، والباقي للغانمين.
ولو أشكل أمر الصبي في البلوغ وعدمه ، اعتبر بالإنبات ، فإن أنبت الشعر الخشن على عانته ، حُكم ببلوغه ، وإن لم ينبت ذلك ، جُعل من جملة الذرّيّة ؛ لأنّ سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بهذا ، وأجازه النبيصلىاللهعليهوآله (٢) .
ومن طريق الخاصّة : رواية الباقرعليهالسلام ، قال : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله عرضهم يومئذٍ على العانات ، فمَنْ وجده أنبت قَتَله ، ومَنْ لم يجده أنبت ألحقَه بالذراري »(٣) .
وأمّا البالغون الأحرار : فإن اُسروا قبل تقضّي الحرب وانقضاء القتال ، لم يجز إبقاؤهم بفداء ولا بغيره ، ولا استرقاقهم ، بل يتخيّر الإمام بين قتلهم
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٥٤ / ٢٦٧٢ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٣٩ / ٢٦٢٦ و ٢٦٢٧ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٥ : ٢٠٢ / ٩٣٨٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٩ : ٧٥ / ١٥٠.
(٢) شرح معاني الآثار ٣ : ٢١٦ ، المغني ٤ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٥٧ ، وانظر : سنن البيهقي ٦ : ٥٨.
(٣) التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٣٩.
وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فيتركهم حتى ينزفوا بالدم ويموتوا.
وإن اُسروا بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقضى القتال ، لم يجز قتلهم ، ويتخيّر الإمام بين أن يمنّ عليهم فيطلقهم ، وبين أن يفاديهم على مالٍ ويدفعونه إليه ، ويخلص به رقابهم من العبوديّة ، وبين أن يسترقّهم ويستعبدهم. ذهب إليه علماؤنا أجمع.
وقال الشافعي : يتخيّر الإمام بين أربعة أشياء : أن يقتلهم صبراً بضرب الرقبة ، لا بالتحريق ولا بالتغريق ، ولا يمثّل بهم ، أو يمنّ عليهم بتخلية سبيلهم ، أو يفاديهم بالرجال أو بالمال على ما يراه من المصلحة لا على اختيار الشهوة ، أو يسترقّهم ، ويكون مال الفداء ورقابُهم إذا استُرقّوا كسائر أموال الغنيمة(١) . وهو رواية عن أحمد(٢) ، ولم يفرّقوا بين أن يستأسروا قبل انقضاء القتال أو بعده.
وقال أبو حنيفة : ليس له المنّ والفداء ، بل يتخيّر بين القتل والاسترقاق لا غير(٣) .
وقال أبو يوسف : لا يجوز المنّ ، ويجوز الفداء بالرجال دون الأموال(٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٠ - ٤٥١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٣ ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : ١٣١ ، المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.
(٢) المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٢٧ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٢.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠١ - ٣٠٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٩ - ١٢٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤١ - ١٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٤ ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : ١٣١ ، المغني ١٠ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.
(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٩ - ١٢٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤١ - ١٤٢.
وقال مالك : يتخيّر بين القتل والاسترقاق والفداء بالرجال دون المال(١) . وهو رواية عن أحمد(٢) ، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور(٣) .
وفي رواية عن مالك : لا يجوز المنّ بغير فداء(٤) .
وحكي عن الحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الاُسارى(٥) .
لنا : قوله تعالى :( فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ) (٦) .
وقتل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم بَدْر عقبة بن أبي مُعيط والنضر بن الحارث(٧) .
وروى العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قَتَل عقبة صبراً(٨) . وقَتَل أبا عزّة يوم اُحد(٩) . ومَنَّ على ثمامة بن أثال(١٠) . وقال في اُسارى بَدْر : « لو كان مُطعم ابن عَدي حيّاً ثمّ سألني في هؤلاء النتنى(١١) لأطلقتهم له »(١٢) وفادى اُسارى
____________________
(١) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٣١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠.
(٢ - ٥) المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.
(٦) سورة محمد : ٤.
(٧) الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المغني ١٠ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٠.
(٨) المغني ١٠ : ٣٩٤.
(٩) سنن البيهقي ٩ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المغني ١٠ : ٣٩٤.
(١٠) سنن البيهقي ٦ : ٣١٩ ، و ٩ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المغني ١٠ : ٣٩٤.
(١١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « السبي » بدل « النَتْنى ». وما أثبتناه من المصادر. وفي النهاية - لابن الأثير - ٥ : ١٤ « نتن » : النَتْنى يعني اُسارى بَدْر ، واحدهم نَتِنُ ، كزَمِنٍ وزَمْنى ، سمّاهم نَتْنى ؛ لكفرهم. انتهى.
(١٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٦١ / ٢٦٨٩ ، سنن البيهقي ٦ : ٣١٩ ، مسند أحمد ٥ : ٣٥ / ١٦٢٩١ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٢ : ١١٧ / ١٥٠٥ ، المغني ١٠ : ٣٩٤.
بَدْر - وكانوا ثلاثةً وسبعين رجلاً - كلّ واحد بأربعمائة(١) . وفادى رجلاً أسره أصحابه برجلين أسرتهما ثقيف من أصحابه(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « لم يقتل رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجلاً صبراً قطّ غير رجل واحد عقبة بن أبي معيط ، وطعن ابن أبي خلف فمات بعد ذلك »(٣) .
ولأنّ كلّ خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح من غيرها في بعض الأسرى ، فإنّ ذا القوّة والنكاية في المسلمين قتله أنفع وبقاؤه أضرّ ، والضعيف ذا المال لا قدرة له على الحرب ، ففداؤه أصلح للمسلمين ، ومنهم مَنْ هو حسن الرأي في الإسلام ويرجى إسلامه ، فالمنّ عليه أولى أو يرجى بالمنّ عليه المنّ على الاُسارى من المسلمين(٤) ، أو يحصل بخدمته نفع ويؤمن ضرره ، كالصبيان والنساء ، فاسترقاقه أولى ، والإمام أعرف بهذه المصالح ، فكان النظر إليه في ذلك كلّه.
وأمّا الذي يدلّ على التفصيل : قول الصادقعليهالسلام : « كان أبي يقول : إنّ للحرب حكمين : إذا كانت الحرب قائمةً لم تضع أوزارها ولم تضجر أهلها ، فكلّ أسير اُخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه ، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحّط في دمه حتى يموت » إلى أن قال : « والحكم الآخر : إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكلّ أسير اُخذ على تلك الحال وكان في أيديهم فالإمام فيه
____________________
(١) المغني ١٠ : ٣٩٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠.
(٣) التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٤٠.
(٤) في « ق ، ك» : على اُسارى المسلمين.
بالخيار إن شاء مَنَّ عليهم(١) ، وإن شاء فاداهم أنفسهم ، وإن شاء استعبدهم ، فصاروا عبيداً»(٢) .
احتجّ مالك بأنّه لا مصلحة في المنّ بغير عوض(٣) . وهو ممنوع.
واحتجّ عطاء بقوله تعالى :( فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ) (٤) فخيّره بعد الأسر بين هذين لا غير(٥) .
وهو تخيير في الأسير بعد انقضاء الحرب.
واحتجّ أبو حنيفة : بقوله تعالى :( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(٦) بعد قوله (فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ) (٧) لأنّ آية المنّ نزلت بمكة وآية القتل نزلت بالمدينة في آخر سورة نزلت ، وهي براءة ، فيكون ناسخاً(٨) .
ونمنع النسخ ؛ فإنّ العامّ والخاصّ إذا تعارضاً ، عُمل بالعامّ في غير صورة الخاصّ.
وهذا التخيير ثابت في كلّ أصناف الكفّار ، سواء كانوا ممّن يُقّر على دينه بالجزية ، كأهل الكتاب ، أو لا ، كأهل الحرب - وبه قال الشافعي(٩) - لأنّ الحربيّ كافر أصلي ، فجاز استرقاقه كالكتابيّ ، ولأنّ حديث الصادق(١٠) عليهالسلام
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « عليه » بدل « عليهم ». وما أثبتناه من المصادر.
(٢) الكافي ٥ : ٣٢ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٤٣ / ٢٤٥ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.
(٣) المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.
(٤) سورة محمد : ٤.
(٥) المغني ١٠ : ٣٩٣ - ٣٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.
(٦) التوبة : ٥.
(٧) سورة محمّد : ٤.
(٨) اُنظر : بدائع الصنائع ٧ : ١٢٠ ، والمغني ١٠ : ٣٩٤ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.
(٩) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، روضة الطالبين. ٧ : ٤٥١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٦ ، المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨.
(١٠) اُنظر الهامش (٢)
عامّ في كلّ أسير.
وقال الشيخرحمهالله : إن اُسر رجل بالغ ، فإن كان من أهل الكتاب أو ممّن له شبهة كتاب ، فالإمام مخيّر فيه على ما مضى بين الأشياء الثلاثة ، وإن كان من عَبَدة الأوثان ، تخيّر الإمام فيه بين المفادة والمنّ ، ويسقط الاسترقاق(١) . وبه قال أبو سعيد الاصطخري(٢) . وعن أحمد روايتان(٣) .
وقال أبو حنيفة : يجوز في العجم دون العرب(٤) . وهو قول الشافعي في القديم(٥) .
واحتجّ الشيخرحمهالله بأنّه لا يجوز له إقرارهم بالجزية ، فلا يجوز له إقرارهم بالاسترقاق.
ونمنع الملازمة ، ويبطل بالنساء والصبيان ، فإنّهم يسترقّون ولا يُقرّون بالجزية.
وهذا التخيير تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة ، فمتى رأى الإمام المصلحة في خصلة من هذه الخصال ، تعيّنت عليه ، ولم يجز العدول عنها ، ولو تساوت المصالح ، تخيّر تخيير شهوة.
وقال مالك : القتل أولى(٦) .
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٠.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠.
(٣) المغني ١٠ : ٣٩٣ و ٣٩٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨.
(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١١٧ - ١١٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٦ ، المغني ١٠ : ٣٩٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١.
(٦) المغني ١٠ : ٣٩٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٠.
مسألة ٩٥ : الأقرب جواز استرقاق بعض الشخص ، والفداء والمنّ في الباقي.
وللشافعيّة وجهان بناءً على القولين في أنّ أحد الشريكين إذا أولد الجارية المشتركة وهو معسر ، يكون الولد كلّه حُرّاً ، أو يكون بقدر نصيب الشريك رقيقاً؟ فعلى تقدير عدم الجواز قالوا : إذا ضُرب الرقّ على بعضه ، رُقّ الكلّ. وقال بعضهم : يجوز أن يقال : لا يُرقّ شيء(١) .
وإن اختار الفداء ، جاز الفداء بالمال سلاحاً كان أو غيره. ويجوز أن يفدي باُسارى المسلمين. ويجوز أن يفديهم بأسلحتنا في أيديهم ، ولا يجوز ردّ أسلحتهم في أيدينا بمالٍ يبذلونه ، كما لا يجوز بيع السلاح منهم. وفي جواز ردّها باُسارى المسلمين وجهان ، والأقرب عندي : الجواز.
وأمّا العبيد إذا وقعوا في الأسر ، كانوا كسائر الأموال المغنومة لا يتخيّر الإمام فيهم ؛ لأنّ عبد الحربيّ ماله ، لأنّه لو أسلم في دار الحرب ولم يخرج ولا قهر سيّده ، لم يزل ملك الحربيّ عنه ، وإذا سباه المسلمون ، كان عبداً مسلماً لا يجوز المنّ عليه ، ويجوز استرقاقه ، ولو لا أنّه مال ، لجاز تخلية سبيله كالحُرّ ، ولما جاز استرقاقه ؛ لأنّه مسلم. وهذا قول أكثر الشافعيّة(٢) .
وقال بعضهم : لو رأى الإمام قَتْلَه ؛ لشرّه وقوّته ، قَتَله وضمن قيمته للغانمين(٣) .
والأولى عندي جواز قتله من غير ضمان ؛ دفعاً لشرّه.
مسألة ٩٦ : لو أسلم الأسير بعد الأسر ، سقط عنه القتل إجماعاً ؛ لما
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٠.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٠.
رواه العامّة من قولهعليهالسلام : « اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم »(١) الحديث.
ومن طريق الخاصّة : قول زين العابدينعليهالسلام : « الأسير إذا أسلم فقد حقن دمه وصار قنّاً(٢) »(٣) .
وهل بسقوط القتل يصير رقّاً أو يتخيّر الإمام في باقي الجهات؟ للشافعيّة قولان :
أحدهما : يسترقّ بنفس الإسلام - وبه قال أحمد(٤) - لأنّه أسير يحرم قتله ، فيجب استرقاقه ، كالمرأة.
والثاني : التخيير بين المنّ والفداء والاسترقاق - وهو قول الشيخ(٥) رحمهالله - لأنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أسروا رجلاً من بني عُقَيْل فأوثقوه وطرحوه في الحرّة ، فمرّ به النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا محمّد على مَ اُخِذْتُ واُخِذَتْ سابقة(٦) الحاج؟ فقال : « اُخِذْتَ بجريرة حلفائك من ثقيف » وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من المسلمين ، ومضى النبيصلىاللهعليهوآله ، فناداه يا محمّد يا محمّد ، فقال له : « ما شأنك؟ » فقال : إنّي مسلم ، فقال : « لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كلّ الفلاح » وفادى به النبيصلىاللهعليهوآله الرجلين(٧) ، ولو صار رقيقاً ، لم يفاد به(٨) .
____________________
(١) صحيح البخاري ٩ : ١٣٨ ، صحيح مسلم ١ : ٥٣ / ٣٥ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٢٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٩٥ / ٣٩٢٧ و ٣٩٢٨ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ٣٣٢ - ٣٣٣ / ٢٩٣٣.
(٢) في المصدر : « فيئاً » بدل « قنّاً ».
(٣) الكافي ٥ : ٣٥ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٥٣ / ٢٦٧.
(٤) المغني ١٠ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٣.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٠.
(٦) أراد بها العضباء - وهي ناقة كانت لرجل من بني عقيل - فإنّها كانت لا تُسبق.
(٧) صحيح مسلم ٣ : ١٢٦٢ / ١٦٤١ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٢٠ و ٩ : ٦٧.
(٨) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٩ ، حلية العلماء ٧ : =
وعند الشافعي يسترقّ بنفس الإسلام ، ولا يمنّ عليه ولا يفادي به إلّا بإذن الغانمين ؛ لأنّه صار مالاً لهم(١) .
وإذا فادى به مالاً أو رجالاً ، جاز ليخلص من الرقّ ، فإن فاداه بالرجال ، جاز بشرط أن تكون له عشيرة تحميه من المشركين حيث صار مسلماً ، وإلّا لم يجز له(٢) ردّه. والمال الذي يفادي به يكون غنيمة للغانمين.
مسألة ٩٧ : لو أسلم الأسير قبل الظفر به ووقوعه في الأسر ، لم يجز قتله إجماعاً ، ولا استرقاقه ولا المفاداة به(٣) ؛ لأنّه أسلم قبل أن يقهر بالسبي ، فلا يثبت فيه التخيير.
ولا فرق بين أن يسلم وهو محصور في حصن أو مصبور أو رمى نفسه في بئر وقد قرب الفتح ، وبين أن يسلم في حال أمنه - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّه لم يحصل في أيدي المسلمين بعدُ ، ويكون دمه محقوناً لا سبيل لأحد عليه ، ويحقن ماله من الاستغنام وذرّيّته من الأسر ، ويحكم بإسلامهم تبعاً له.
وقال أبو حنيفة : إسلامه بعد المحاصرة ودُنوّ الفتح لا يعصم نفسه
____________________
= ٦٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١ - ٤٥٢ ، المغني ١٠ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٣.
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢ ، المغني ١٠ : ٣٩٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٣.
(٢) كلمة « له » لم ترد في « ق ، ك».
(٣) في الطبعة الحجريّة : « ولا مفاداته ».
(٤) الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٨ - ١٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢.
عن الاسترقاق ولا ماله عن الاغتنام(١) .
ولا فرق بين مالٍ ومالٍ.
وقال أبو حنيفة : إسلامه يُحرز ما في يده من الأموال دون العقارات. وهو الذي(٢) يذهب إليه؛ لأنّها بقعة من دار الحرب ، فجاز اغتنامها ، كما لو كانت لحربيُّ(٣) .
ولا فرق بين أن يكون في دار الإسلام أو دار الحرب ، وبه قال الشافعي(٤) .
وقال مالك : إذا أسلم في دار الإسلام ، عصم ماله الذي معه في دار الإسلام دون ما معه في دار الحرب(٥) .
وليس بجيّد ؛ لعموم الخبر(٦) .
وقال أبو حنيفة : الحربيّ إذا دخل دار الإسلام وله أولاد صغار في دار الحرب ، يجوز سبيهم(٧) .
والحمل كالمنفصل ، وبه قال الشافعي(٨) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٢.
(٢) أي : أنّ أبا حنيفة هو الذي يذهب إلى اغتنام العقارات.
(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٦٦. الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٤ - ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٢ ، المغني ١٠ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٤.
(٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٢.
(٦) تقدّم الخبر وكذا الإشارة إلى مصادره في ص ١٦١ ، الهامش (١)
(٧) بدائع الصنائع ٧ : ١٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٢ ، المغني ١٠ : ٤٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٣.
(٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢ ، المغني ١٠ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٣.
وجوّز أبو حنيفة استرقاقَ الحمل تبعاً للاُم(١) .
وليس بجيّد ؛ لأنّه مسلم بإسلام أبيه ، فأشبه المنفصل.
ولو سُبيت الزوجة وهي حامل وقد أسلم أبوه ، حُكم بإسلام الحمل وحُرّيّته - وبه قال الشافعي وأحمد(٢) - كالمولود.
وقال أبو حنيفة : يحكم برقّه مع اُمّه ؛ لأنّ الاُم سرى إليها الرقّ بالسبي فيسري إلى الحمل ؛ لأنّ ما سرى إليه العتق سرى إليه الرقّ ، كسائر أعضائها(٣) .
والفرق : عدم انفراد الأعضاء بحكم عن الأصل ، بخلاف الحمل.
وهل يُحرز ولد ابنه الصغير؟ إشكال ينشأ من مشابهة الجدّ للأب ، ومن مفارقته إيّاه ، كالميراث. وللشافعيّة وجهان(٤) .
ولهم ثالث : أنّ الوجهين فيما إذا كان الأب ميّتاً ، فأمّا إذا كان الأب حيّاً ، لم يحرز الجدّ(٥) .
وقيل : الوجهان في الصغير الذي أبوه حيّ ، فإن كان ميّتاً ، أحرز الجدّ ، وجهاً واحداً(٦) .
والمجانين من الأولاد كالصغار. ولو بلغ عاقلاً ثمّ جُنّ ، فالأقرب أنّه
____________________
(١) بدائع الصنائع ٧ : ١٠٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٠ - ٢٢١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣ ، المغني ١٠ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٣.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، المغني ١٠ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٣.
(٣) بدائع الصنائع ٧ : ١٠٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٠ - ٢٢١ ، المغني ١٠ : ٤٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٣.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣.
يحرز.
وللشافعيّة وجهان(١) .
ولو أسلمت المرأة قبل الظفر ، أحرزت نفسها ومالها وأولادها الصغار ، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني : لا تحرزهم ، وبه قال مالك(٢) .
وأمّا الأولاد البالغون العاقلون فلا يُحرزهم إسلام أحدٍ من الأبوين ؛ لاستقلالهم بالإسلام.
مسألة ٩٨ : لو استأجر مسلم من حربيّ أرضه في دار الحرب ، صحّت الإجارة ، فلو غنمها المسلمون ، كانت غنيمةً ، وكانت المنافع للمستأجر ؛ لأنّه ملكها بالعقد ، فلا يبطل بتجديد الملك بالاستغنام ، كالبيع.
ولو أسلم وزوجته حامل ، عصم الحمل على ما تقدّم. ويجوز استرقاق الزوجة - وهو أحد وجهي الشافعي(٣) - كما لو لم تكن زوجةَ مسلم. والثاني : لا تُسترقّ ؛ لما فيه من إبطال حقّه(٤) .
ولو أعتق المسلم عبده الذمّي مطلقاً إن جوّزنا بغير نذرٍ فلحق بدار الحرب ثمّ اُسر ، احتمل جوازُ استرقاقه ؛ لإطلاق إذن الاسترقاق ، وعدمه ؛ لأنّ للمسلم عليه ولاءً ، واسترقاقه يقتضي إبطاله عنه ، فلا يجوز استرقاقه ، كما لو أبق وهو مملوك.
ولو كان لذمّي في دار الإسلام عبدٌ ذمّي فأعتقه ، صحّ عتقه ، فإن لحق بدار الحرب فاُسر ، جاز استرقاقه عندنا إجماعاً ، وهو أحد وجهي
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢.
(٣ و ٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٣ - ٤١٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٢.
الشافعي(١) .
والثاني : المنع ؛ لتعلّق ولاء الذمّي به(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ سيّده لو لحق بدار الحرب ، جاز استرقاقه فهو أولى ، وسقط حقّه بلحوق مُعتقه.
مسألة ٩٩ : لو أسلم عبدُ الذمّي أو أمته في دار الحرب ثمّ أسلم مولاه ، فإن خرج إلينا قبل مولاه ، فهو حرّ ، وإن خرج بعده ، فهو على الرقّيّة ؛ لما رواه العامّة عن أبي سعيد الأعسم ، قال : قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في العبد وسيّده قضيّتين : قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيّده أنّه حُرُّ ، فإن خرج سيّده بعدُ ، لم يُردّ عليه ، وقضى أنّ السيّد إذا خرج قبل العبد ثمّ خرج العبد ، رُدّ على سيّده(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول الباقرعليهالسلام : « إنّ النبيصلىاللهعليهوآله حيث حاصر أهل الطائف قال : أيّما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حُرٌّ ، وأيّما عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد »(٤) .
ولأنّه بخروجه إلينا قبل مولاه يكون قد قهره على نفسه فيكون قد ملكها ؛ لأنّ القهر يقتضي التملّك ، فكان حُرّاً ، أمّا لو خرج مولاه أوّلاً ، فإنّ العبد يكون قد رضي ببقائه في العبوديّة حيث لم يقهره على نفسه بالخروج ، فكان باقياً على الرقّيّة.
____________________
(١ و ٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٣.
(٣) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٩٠ / ٢٨٠٦ ، المغني ١٠ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٥.
(٤) التهذيب ٦ : ١٥٢ / ٢٦٤.
قال الشيخرحمهالله : وإن قلنا : إنّه يصير حُرّاً على كلّ حال ، كان قويّاً(١) .
ولو خرج إلينا قبل مولاه مسلماً ، ملك نفسه ؛ لما قلناه.
ولو كان سيّده صبيّاً أو امرأةً ولم يسلم حتى غُنمت وقد حارب معنا ، جاز أن يملك مولاه. وكذا لو اُسر سيّده وأولاده واُخذ ماله وخرج إلينا ، فهو حُرٌّ ، والمال له والسبي رقيقه.
ولو لم يخرج قبل مولاه ، فإن أسلم مولاه ، كان باقياً على الرقّيّة له ، وإن لم يسلم حتى غنم المسلمون العبد ، كان غنيمةً للمسلمين كافّة.
ولو أسلمت اُمّ ولد الحربيّ وخرجت إلينا ، عُتقت ؛ لأنّها بالقهر ملكت نفسها ، وتستبرئ نفسها ، وهو قول أكثر العلماء(٢) .
وقال أبو حنيفة : تتزوّج إن شاءت من غير استبراء(٣) .
وليس بجيّد ؛ لأنّها اُمّ ولد منكوحة للمولى عتقت ، فلا يجوز لها أن تتزوّج من غير استبراء ، كما لو كانت لذمّيُّ.
ولو أسلم العبد ولم يخرج إلينا ، فإن بقي مولاه على الكفر حتى غُنم ، انتقل إلى المسلمين ، وزال ملك مولاه عنه ، وإن أسلم مولاه ، كان باقياً على ملكيّته.
ولو عقد لنفسه أماناً ، لم يقرّ المسلم على ملكه ؛ لقوله تعالى :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (٤) .
وكذا حكم المدبَّر والمكاتب المشروط والمطلق واُمّ الولد في ذلك كلّه على السواء.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٧.
(٢ و ٣) المغني ١٠ : ٤٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٥.
(٤) النساء : ١٤١.
مسألة ١٠٠ : لا يجوز لغير الإمام قتل الأسير بغير قول الإمام قبل أن يرى الإمام رأيه فيه ، فإن قَتَله مسلمٌ أو ذمّيٌّ ، فلا قصاص ولا دية ولا كفّارة ؛ لأنّه لا أمان له ، وهو حُرٌّ إلّا أن يسترقّ ، وبه قال الشافعي(١) .
وقال الأوزاعي ، تجب عليه الدية(٢) ؛ لتعلّق حقّ الغانمين به ، ولهذا يجوز للإمام أن يفاديه بالمال ويكون لهم.
وليس بجيّد ؛ لأنّ الحق إنّما يتعلّق بالبدل لا به ؛ فإنّه حُرٌّ لا ملك لهم فيه ، نعم ، يعزّر قاتله.
ويجب أن يُطعم الأسير ويُسقى وإن اُريد قتله بعدُ بلحظةٍ ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « الأسير يطعم وإن كان يقدّم للقتل »(٣) .
ولو عجز الأسير عن المشي ولم يكن مع المسلم ما يركبه ، لم يجب قتله ؛ لأنّه لا يدري ما حكم الإمام فيه ؛ لقول زين العابدينعليهالسلام : « إذا أخذْتَ أسيراً فعجز عن المشي ولم يكن معك محمل فأرسله ولا تقتله فإنّك لا تدري ما حكم الإمام فيه »(٤) .
ويكره قتل مَنْ يجب قتله صبراً من الاُسراء(٥) وغيرهم ، ومعناه أنّه يُحبس للقتل ، فإن اُريد قتله ، قتل على غير ذلك الوجه ؛ لقول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - : « لم يقتل رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجلاً صبراً قطّ غير رجل واحد
____________________
(١) الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١ ، المغني ١٠ : ٤٠٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٧.
(٢) حلية العلماء ٧ : ٦٥٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٨.
(٣) التهذيب ٦ : ١٥٣ / ٢٦٨.
(٤) التهذيب ٦ : ١٥٣ / ٢٦٧.
(٥) في الطبعة الحجريّة : « الأسرى » بدل « الاُسراء ».
عقبة بن أبي مُعيط »(١) .
ولو وقع في الأسر(٢) امرأة أو صبي فقُتل ، وجبت قيمته على القاتل ؛ لأنّه صار مالاً بنفس الأسر.
مسألة ١٠١ : الحميل هو الذي يُجلب من بلاد الشرك ، فإن جُلب منهم قوم تعارفوا بينهم بما يوجب التوارث ، قُبل قولهم بذلك ، سواء كان ذلك قبل العتق أو بعده ، ويورثون على ذلك ؛ لتعذّر إقامة البيّنة عليه من المسلمين ، وقولهعليهالسلام : « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز »(٣) .
وسواء كان النسب نسب الوالدين والولد أو مَنْ يتقرّب بهما إلّا أنّه لا يتعدّى ذلك إلى غيرهم ، ولا يُقبل إقرارهم به.
فإذا اُخذ الطفل من بلاد الشرك ، كان رقيقاً ، فإذا أعتقه السابي ، نفذ عتقه ، قاله الشافعي. [ قال ](٤) : وثبت(٥) له الولاء عليه. فإن أقرّ هذا المعتق بنسب ، نظرت فإن اعترف بنسب أبٍ أو جدٍّ أو أخٍ أو ابن عمّ ، لم يُقبل منه إلّا ببيّنة ؛ لأنّه يبطل حقّ المولى من الولاء(٦) . وهو حسن.
قال : ولو أقرّ بولد ، ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : لا يُقبل إقراره ؛ لما تقدّم. والثاني : يقبل ، لأنّه يملك أن يستولد فملك الإقرار بالولد. والثالث : إن أمكن أن يكون ولد له بعد عتقه ، قبل ، لأنّه يملك الاستيلاد بعد عتقه ولا يملكه قبل ذلك(٧) .
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٤٠.
(٢) في الطبعة الحجريّة : « الأسرى » بدل « الأسر ».
(٣) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا.
(٤) إضافة يقتضيها السياق.
(٥) في الطبعة الحجريّة : « يثبت » بدل « ثبت ».
(٦) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٧) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٨.
مسألة ١٠٢ : إذا سُبي مَنْ لم يبلغ ، صار رقيقاً في الحال ، فإن سُبي مع أبويه الكافرين ، كان على دينهما - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي(١) - لقولهعليهالسلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجسانه »(٢) وهما معه.
وقال الأوزاعي : يكون مسلماً ؛ لأنّ السابي يكون أحقّ به ، فإنّه يملكه بالسبي ، وتزول ولاية أبويه عنه ، وينقطع ميراثه منهما وميراثهما منه ، فيكون تابعاً له في الإسلام ، كما لو انفرد السابي به(٣) .
ونمنع من الأصل ، وملك السابي لا يمنعه اتّباعه لأبويه ؛ فإنّه لو كان لمسلمٍ عبدٌ وأمةٌ كافران ، فزوّجه منها ، فإنّ الولد يكون كافراً وإن كان المالك مسلماً.
وإن سُبي منفرداً عن أبويه ، قال الشيخ : يتبع السابي في الإسلام(٤) . وهو قول العامّة(٥) كافّة ؛ لأنّ الكفر إنّما يثبت له تبعاً لأبويه وقد انقطعت تبعيّته لهما ؛ لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام تبعاً لسابيه المسلم ، فكان تابعاً له في دينه.
قال الشيخرحمهالله : وحينئذٍ لا يباع إلّا من مسلم ، فإن بِيع من كافر ، بطل البيع(٦) .
____________________
(١) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٢ ، المغني ١٠ : ٤٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢٠٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠.
(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٢٥ ، مسند أحمد ٢ : ٤٦٤ - ٧١٤١ و ٥٣٧ - ٧٦٥٥.
(٣) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٣ ، المحلّى ٧ : ٣٢٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٦ ، المغني ١٠ : ٤٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٥.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٣.
(٥) المغني ١٠ : ٤٦٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٦ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٣٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١.
(٦) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٣.
وإن سُبي مع أحد أبويه ، قال الشيخرحمهالله : يتبع أحد أبويه في الكفر(١) . وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية ؛ لأنّه لم ينفرد عن أحد أبويه ، فلم يحكم بإسلامه ، كما لو سُبي معهما(٢) .
وقال الأوزاعي وأحمد في الرواية الاُخرى : يحكم بإسلامه ؛ لقولهعليهالسلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة »(٣) الحديث ، وهو يدلّ من حيث المفهوم على أنّه لا يتبع أحدهما ، لأنّ الحكم متى علّق على شيئين لا يثبت بأحدهما ، والتهويد قد ثبت بهما ، فإذا كان معه أحدهما ، لم يهوّده. ولأنّه يتبع سابيه منفرداً فيتبعه مع أحد أبويه ، كما لو أسلم أحد الأبوين(٤) .
ودلالة المفهوم ضعيفة ، ونمنع قوله : إنّه يتبع السابي.
قال الشيخرحمهالله : لو مات أبو الطفل المسبيّ معهما ، لم يحكم بإسلامه ، وجاز بيعه على المسلمين ، ويكره بيعه على الكافر ، لأنّه بحكم الكافر فجاز بيعه على الكافر(٥) .
وقال أحمد : لو مات أبواه أو أحدهما ، حُكم بإسلامه ، لقولهعليهالسلام : « كلّ مولود »(٦) الحديث ، وهو يدلّ على أنّه إذا ماتا أو مات أحدهما ، حُكم بإسلامه ؛ لأنّ العلّة إذا عدمت عدم المعلول(٧) .
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٢.
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٢ ، المغني ١٠ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٣٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٦.
(٣) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٧٠ ، الهامش (٢)
(٤) المحلّى ٧ : ٣٢٤ ، المغني ١٠ : ٤٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٣٢.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٢ - ٢٣.
(٦) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ١٧٠ ، الهامش (٢)
(٧) الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٣١.
احتجّ الشيخ : بأنّه مولود بين كافرين ، فإذا ماتا أو مات أحدهما ، لم يُحكم بإسلامه ، كما لو كانا في دار الحرب ، ولأنّه كافر أصلي ، فلم يحكم بإسلامه بموت أبويه ، كالبالغ.
مسألة ١٠٣ : إذا سُبيت المرأة وولدها الصغير ، كره التفرقة بينهما ، بل ينبغي للإمام أن يدفعهما إلى واحد ، فإن لم يبلغ سهمه قيمتَهما ، دفعهما إليه واستعاد الفاضل ، أو يجعلهما في الخُمْس ، فإن لم يفعل ، باعهما وردّ قيمتهما في المغنم.
وقال بعض علمائنا : لا تجوز التفرقة(١) .
وأطبق العامّة على المنع من التفرقة(٢) ؛ لقول النبيعليهالسلام : « مَنْ فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة »(٣) .
ولو رضيت الاُمّ بالتفرقة ، كره ذلك أيضاً ؛ لما فيه من الإضرار بالولد. وحكم البيع كذلك.
وتجوز التفرقة بين الولد والوالد ، قاله الشيخ(٤) رحمهالله - وبه قال بعض
____________________
(١) كالشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ٢١ ، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب ١ : ٣١٨.
(٢) مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٣ ، الوجيز ٢ : ١٩١ ، الوسيط في المذهب ٧ : ٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٢ و ١١ : ٤٢٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٢ و ٧ : ٤٥٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٢ و ٧ : ٦٦٥ ، المغني ١٠ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٨ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٣٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٣٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤١.
(٣) سنن الترمذي ٣ : ٥٨٠ / ١٢٨٣ و ٤ : ١٣٤ / ١٥٦٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٢٧ - ٢٢٨ ، سنن البيهقي ٩ : ١٢٦ ، مسند أحمد ٦ : ٥٧٣ / ٢٢٩٨٨ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٥.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢١.
الشافعيّة(١) - لأنّه ليس من أهل الحضانة بنفسه ، ولأصالة الجواز ، ولم يرد فيه نصّ بالمنع ولا معنى النصٌّ ؛ لأنّ الاُمّ أشفق من الأب وأقلّ صبراً ، ولهذا قُدّمت في الحضانة ، فافترقا.
ومنع أبو حنيفة والشافعي منه ؛ لأنّه أحد الأبوين ، فأشبه الاُمّ(٢) .
والفرق ما تقدّم.
وإنّما تكره التفرقة بين الاُمّ والولد الصغير ، فإذا بلغ سبع سنين ، جازت التفرقة ، قاله الشيخ(٣) رحمهالله - وبه قال مالك والشافعي في قولٍ(٤) - لأنّه في تلك الحال يستغني عن الاُمّ.
وقال بعض علمائنا : إذا استغنى الولد عن الاُمّ ، جازت التفرقة(٥) . وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد(٦) .
وقال أبو ثور : إذا كان يلبس ثيابه وحده ويتوضّأ وحده ؛ لأنّه حينئذٍ يستغني عن الاُمّ(٧) .
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩١ ، الوسيط ٧ : ٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٠ - ٤٢١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٣ ، المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩.
(٢) المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩.
(٣) الخلاف ٥ : ٥٣١ ، المسألة ١٨.
(٤) المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩ ، الوسيط ٣ : ٦٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ و ١١ : ٤٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣ و ٧ : ٤٥٦ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٢ - ١٢٣ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٦٣ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥.
(٥) اُنظر : شرائع الإسلام ٢ : ٥٩.
(٦) المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٦٣.
(٧) المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩.
وقال الشافعي في القول الآخر : لا يجوز التفريق بينهما إلى أن يبلغ - وبه قال أحمد وأصحاب الرأي - لقول النبيعليهالسلام : « لا يفرّق بين الوالدة وولدها » فقيل : إلى متى؟ قال : « حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية »(١) .
ولأنّ ما دون البلوغ مولّى عليه ، فأشبه الطفل(٢) .
وتجوز التفرقة بين البالغ واُمّه إجماعاً.
وعن أحمد روايتان ، إحداهما : المنع(٣) .
ولو فرّق بينهما بالبيع ، قال الشيخ : إنّه محرّم ويصحّ البيع(٤) . وبه قال أبو حنيفة(٥) ؛ لقوله تعالى :( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٦) وأصالة الصحّة ، وعدم اقتضاء النهي الفساد في المعاملات ، ولأنّ النهي في هذا العقد لا لمعنى في المعقود عليه ، فأشبه البيع وقت النداء.
وقال الشافعي : لا ينعقد البيع. وبه قال أحمد(٧) .
____________________
(١) المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٥.
(٢) المغني ١٠ : ٤٦٠ - ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩ - ٤١٠ ، الوسيط ٣ : ٦٩ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، المجموع ٩ : ٣٦١ ، روضة الطالبين ٣ : ٨٣ و ٧ : ٤٥٦ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، و ١١ : ٤٢١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٢ - ١٢٣ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٣٩.
(٣) المغني ١٠ : ٤٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٢ : ١٣ و ٤ : ١٣٢.
(٤) الخلاف ٥ : ٥٣١ و ٥٣٢ ، المسألتان ١٨ و ١٩.
(٥) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٤٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ ، تحفة الفقهاء ٢ : ١١٥ ، الاختيار لتعليل المختار ٢ : ٤١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٣ ، المجموع ٩ : ٣٦١ ، المغني ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠.
(٦) المائدة : ١.
(٧) حلية العلماء ٤ : ١٢٣ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٥ ، تحفة الفقهاء ٢ : =
مسألة ١٠٤ : قال الشيخرحمهالله : لا يفرّق بين الولد والجدّة اُمّ الاُمّ ؛ لأنّها بمنزلة الاُمّ في الحضانة(١) .
وقال أكثر العامّة : لا يفرّق بين الولد والجدّ للأب أيضاً ، وكذا الجدّة له أو الجدّ للاُمّ ؛ لأنّهما بمنزلة الأبوين ؛ فإنّ الجدّ أب والجدّة أُمٌّ ، ولهذا يقومان مقامهما في استحقاق الحضانة والميراث فقاما مقامهما في تحريم التفريق(٢) .
قال الشيخرحمهالله : تجوز التفرقة بين الأخوين والاُختين(٣) . وبه قال مالك والليث بن سعد والشافعي وابن المنذر ؛ للأصل ، ولأنّها قرابة لا تمنع الشهادة ، فلم يحرم التفريق ، كقرابة ابن العمّ(٤) .
وقال أحمد : لا تجوز - وبه قال أصحاب الرأي - لأنّه ذو رحم محرم ، فلم يجز التفريق بينهما ، كالولد والوالد(٥) .
والفرق : قوّة الشفقة وضعفها.
____________________
= ١١٥ ، المغني ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠. وفي الوجيز ١ : ١٣٩ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ١٣٣ ، والوسيط ٣ : ٦٩ ، وروضة الطالبين ٣ : ٨٣ ، والحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٤ - ٢٤٥ ، وحلية العلماء ٧ : ٦٦٦ قولان أو وجهان.
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢١.
(٢) المغني ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠.
(٣) لم نعثر عليه في مظانّه من كتب الشيخ الطوسيرحمهالله وانظر : المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢١ ، والخلاف ٥ : ٥٣٣ ، المسألة ٢٠.
(٤) المغني ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٤ ، الوسيط ٣ : ٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢١ ، المجموع ٩ : ٣٦١ و ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦.
(٥) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٣٩ ، حلية العلماء ٤ : ١٢٤ ، المغني ١٠ : ٤٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١٠.
قال الشيخرحمهالله : تجوز التفرقة بين مَنْ خرج من عمود الوالدين من فوق وأسفل ، كالإخوة وأولادهم ، والأعمام وأولادهم وسائر الأقارب(١) . وهو قول أكثر العلماء(٢) ؛ للأصل.
وقال أبو حنيفة : لا تجوز التفرقة بينه وبين كلّ ذي رحم محرم ، كالعمّة ( مع ) ابن أخيها والخالة مع ابن اُختها بالقياس على الأبوين(٣) . وهو باطل.
وتجوز التفرقة بين الرحم غير المحرم إجماعاً ، وكذا بين الاُمّ وولدها من الرضاع أو اُخته منه ؛ لأنّ القرابة به لا توجب نفقةً ولا ميراثاً ، فلا تمنع التفريق ، كالصداقة.
وتجوز التفرقة بينهما في العتق ، فتعتق الامّ دون الولد ، وبالعكس.
وكذا تجوز التفرقة في الفداء إجماعاً ، لأنّ العتق لا تفرقة فيه في المكان ، والفداء تخليص ، كالعتق.
ولو اشترى من المغنم اثنين أو أكثر وحُسبوا عليه بنصيبه بناءً على أنّهم أقارب تحرم التفرقة بينهم فظهر عدم النسب بينهم ، وجب عليه ردّ الفضل الذي فيهم على المغنم ؛ لأنّ قيمتهم تزيد بذلك ، فإنّ من اشترى اثنين على أنّ أحدهما اُمٌّ ، يحرم الجمع في الوطء والتفرقة بينهما ، فتقلّ قيمتها لذلك ، فإذا ظهر أنّ إحداهما أجنبيّة ، اُبيح له وطؤها والتفريق ، فتكثر القيمة ، فيردّ الفضل ، كما لو اشتراهما فوجد معهما حُليّاً.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢١.
(٢) المغني ١٠ : ٤٦٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤١١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٥.
(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ١٣٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٣ : ٥٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٥.
ولو جنت جارية وتعلّق الأرش برقبتها ولها ولد صغير لم يتعلّق به أرش ، فإن فداها السيّد ، فلا كلام ، وإن امتنع ، قال الشيخ : لم يجز بيعها دون ولدها ؛ لاشتماله على التفرقة ، لكن يباعان معاً ، ويعطى المجنيّ عليه ما يقابل قيمة جارية ذات ولد ، والباقي للسيّد ، فلو كانت قيمة الجارية - ولها ولد - دون ولدها مائة وقيمة ولدها خمسون ، خُصّ الجارية ثلثا الثمن ، فإن وفي بالأرش ، وإلّا فلا شيء غيره ، وإن زاد ، ردّ الفضل على السيّد(١) .
قال : ولو كانت الجارية حاملاً بحُرٍّ وامتنع سيّدها من الفداء ، لم يجز بيعها ، وتصبر حتى تضع ، ويكون الحكم كما لو كان منفصلاً ، وإن كانت حاملاً بمملوك ، جاز بيعهما معاً ، كالمنفصل(٢) .
قالرحمهالله : لو باع جاريةً حاملاً إلى أجل ففلس المشتري وقد وضعت ولداً مملوكاً من زنا أو زوج ، فهل له الرجوع فيها دون ولدها؟ وجهان :
أحدهما : ليس له ؛ لأنّه تفريق بينها وبين ولدها ، ويتخيّر بين أن يعطي قيمة ولدها ويأخذهما ، وبين أن يدع ويضرب مع الغرماء بالثمن.
والثاني : له الرجوع فيها ؛ لأنّه ليس تفرقةً ، فإنّهما يباعان معاً وينفرد هو بحصّتها(٣) .
قال : ولو ابتاع جاريةً فأتت بولد مملوك في يد المشتري وعلم بعيبها ، لم يكن له ردّها بالعيب ؛ لأنّه تفريق ، ولا يلزمه ردّ الولد ؛ لأنّه ملكه وسقط الردّ ، ويكون له الأرش ، فإن علم بالعيب وهي حامل ، تخيّر بين الردّ والأرش(٤) .
مسألة ١٠٥ : لو سُبيت امرأة وولدها ، لم يفرّق بينهما ، فإن وفي
____________________
(١ - ٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٢.
نصيب أحدٍ بهما ، دُفعا إليه ، وإلّا اشترك مع الإمام فيهما ، أو باعهما وجعل ثمنهما في المغنم.
فإن فرّق بينهما في القسمة ، لم يصح.
وللشافعي قولان كما في البيع(١) .
وعلى القول بصحّته قال بعض أصحابه : لا يُقرّان على التفريق ولكن يقال لهما : إن رضيتما ببيع الآخر ليجتمعا في الملك فذاك ، وإلّا فسخنا البيع(٢) .
وقال بعضهم : يقال للبائع : إمّا أن تتطوّع بتسليم الآخر ، أو فُسخ البيع ، فإن تطوّع بالتسليم فامتنع المشتري من القبول ، فُسخ البيع(٣) .
ولو كان له أُمٌّ وجدّة فبِيع مع الاُمّ ، اندفع المحذور ، وإن بِيع مع الجدّة وقطع عن الاُمّ ، فللشافعي قولان(٤) .
وله قولان في تعدّي التحريم إلى سائر المحارم ، كالأخ والعمّ(٥) .
ولو ألجأت الضرورة إلى التفرقة ، جاز ، كما لو كانت الاُمّ حُرّةً ، جاز بيع الولد. ولو كانت الاُمّ لواحد والولد لآخر ، فله أن ينفرد ببيع ما يملكه.
مسألة ١٠٦ : إذا اُسر المشرك وله زوجة لم تؤسر ، فالزوجيّة باقية ؛
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥ - ٤٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٦١.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٦١.
(٤) الوسيط ٧ : ٣٠ ، الوجيز ٢ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٦١.
(٥) الوسيط ٧ : ٣٠ ، الوجيز ٢ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٦ ، المجموع ٩ : ٣٦١ ، و ٣٦٢.
للاستصحاب. ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله سبى يوم بدر سبعين رجلاً من الكفّار ، فمَنَّ على بعضهم وفادى بعضاً(١) ، فلم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم ، وبه قال أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة : ينفسخ النكاح ؛ لافتراق الزوجين في الدار ، وطروّ الملك على أحدهما ، فانفسخ النكاح ، كما لو سُبيت المرأة وحدها(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ الملك لا يحصل بنفس الأسر بل باختيار الإمام له.
إذا ثبت هذا ، فإن مَنَّ الإمام عليه أو فأداه ، فالزوجيّة باقية ، وإن استرقّه ، انفسخت.
ولو اُسر الزوجان معاً ، انفسخ النكاح عندنا - وبه قال مالك والثوري والليث والشافعي وأبو ثور(٣) - لقوله تعالى :( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) (٤) ( وَالْمُحْصَناتُ ) : المزوّجات( إِلّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) بالسبي.
قال أبو سعيد الخدري : نزلت هذه الآية في سبي أو طاس(٥) .
وقال ابن عباس : إلّا ذوات الأزواج من المسبيّات(٦) .
ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال في سبي أو طاس : « لا توطأ حامل حتى تضع ،
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٦.
(٢) حلية العلماء ٧ : ٦٦٦ ، المغني ١٠ : ٤٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٧ ، وانظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٦.
(٣) الكافي في فقه أهل المدينة : ٢٠٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٥ ، الوجيز ٢ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٣.
(٤) النساء : ٢٤.
(٥) المغني ١٠ : ٤٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٦.
(٦) المغني ١٠ : ٤٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٥.
ولا حائل حتى تحيض »(١) وأباح الوطء بعد وضع الحامل واستبراء الحائل ، ولو كان النكاح باقياً ، حرم الوطء.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد : لا ينفسخ ؛ لأنّ الرقّ لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته ، كالعتق(٢) .
والجواب : البحث في استجداد الملك ، وهو عندنا موجب لفسخ النكاح ، والفرق واقع بين الابتداء والاستدامة.
ولو اُسرت الزوجة وحدها ، انفسخ النكاح إجماعاً ، ولا فرق بين أن يُسبى الزوج بعدها بيوم أو أزيد أو أنقص.
وقال أبو حنيفة : إن سبي بعدها بيوم ، لم ينفسخ النكاح(٣) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ المقتضي للفسخ موجود وهو السبي ، فانفسخ النكاح ، كما لو حصل السبي بعد شهر.
ولا فرق بين أن يسبيهما واحد أو اثنان.
والوجه : أنّه إذا سباهما واحد وملكهما معاً ، لا ينفسخ النكاح إلّا بفسخه ، وكذا لو بِيعا من واحد.
ولو كان الأسير طفلاً ، انفسخ النكاح في الحال ، كالمرأة ؛ لتجدّد الملك بالأسر ، بخلاف البالغ.
____________________
(١) ورد نصّه في سنن البيهقي ٩ : ١٢٤ نقلاً عن الشافعي ، وكذا في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٦ ، والمهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١. وبتفاوت في سنن أبي داوُد ٢ : ٢٤٨ / ٢١٥٧ ، وسنن الدارمي ٢ : ١٧١ ، ومسند أحمد ٣ : ٥٠٩ / ١١٤١٤ ، والمستدرك - للحاكم - ٢ : ١٩٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٦ ، المغني ١٠ : ٤٦٥ - ٤٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٣) المغني ١٠ : ٤٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٦.
ولو كان الزوجان مملوكين ، قيل : لا ينفسخ النكاح ؛ لعدم حدوث رقٌّ فيهما ؛ لأنّه كان ثابتاً قبل السبي(١) .
والوجه : أنّ الغانم يتخيّر ، كما لو بِيعا عليه.
مسألة ١٠٧ : قد ذكرنا فيما تقدّم(٢) أنّ الغانم الموسر إذا وطئ جارية المغنم ، تكون اُمّ ولد في الحال عند الشيخرحمهالله
وللشافعيّة طريقان : إن قلنا : إنّ الغانمين لا يملكون قبل القسمة ، فلا ينفذ الاستيلاد في نصيبه ؛ لأنّ نفوذه لم يصادف الملك. وإن قلنا : يملكون ، ففي نفوذ الاستيلاد وجهان ؛ لأنّه ملك ضعيف. ويقرب الوجهان لضعف الملك من الوجهين في نفوذ الاستيلاد للمشتري في زمن الخيار إذا حكمنا بثبوت الملك.
الطريق الثاني : إن قلنا بثبوت الملك ، قطعنا بنفوذ الاستيلاد ، وإلّا فقولان كالقولين في استيلاد الأب جارية الابن. وقد تُجعل هذه الصورة أولى بنفوذ الاستيلاد ؛ لأنّ حقّ الابن(٣) أقوى من حقّ سائر الغانمين ، وحقّ الأب أضعف من حقّ الغانم الواطئ.
ويخرج من الطريقين قولان في نفوذ الاستيلاد في نصيبه.
وإذا قيل به ، فلو ملك الجارية بالوقوع في سهمه أو بسبب آخر يوماً ، ففي نفوذ الاستيلاد حينئذٍ قولان(٤) .
____________________
(١) اُنظر : الوجيز ٢ : ١٩١ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٦ ، والوسيط ٧ : ٢٨ ، والمهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٥٤.
(٢) تقدّم في ص ١٥٢.
(٣) كذا ، وفي المصدر : « الاُم » بدل « الابن ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٠ - ٤٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٥.
وقال بعض(١) الشافعيّة : ان كانوا محصورين ولم يغنموا غير تلك الجارية ، قُطع بنفوذ الاستيلاد في حصّته منها ، بخلاف ما إذا كان في الغنيمة غيرها ؛ فإنّه يحتمل جعل الجارية لغيره.
وإذا نفذ الاستيلاد في نصيبه سرى مع يساره إلى الباقي ، وتحصل السراية بنفس العلوق أو بأداء قيمة نصيب الشريك؟ قولان.
ويحصل يسار الواطئ بحصّته في المغنم إذا غنموا غيرها ، فإن لم تف حصّته من غير الجارية بالقيمة ، حصلت السراية بمقدار حصّته.
ويمكن أن يخرج على أنّ الملك في الغنيمة هل يحصل قبل القسمة؟ إن قلنا : لا يملك ، لم يكن موسراً بالحصّة ؛ فإنّ الحكم بغناه موقوف على أن لا يُعرض ويستقرّ ملكه ، فإن أعرض ، تبيّنّا أنّه لم يكن غنيّاً ، ولا نقول : إنّ حقّ السراية يلزمه اختيار التملّك ؛ فإنّ الاختيار بمثابة ابتداء الاكتساب.
وإن لم يُحكم بالاستيلاد ، فإن تأخّرت القسمة حتى وضعت ، قال بعضهم : تُجعل الجارية في المغنم وتدخل في القسمة ، فإن دخلها نقص بالولادة ، لزمه الأرش ، وقبل الوضع الجاريةُ حاملٌ بحُرٍّ. وبيع هذه الجارية لا يصحّ ، والقسمة عندهم بيع ، فكيف يمكن دخول القسمة فيها!؟(٢) وقال بعضهم : تُسلّم هذه الجارية بحصّته [ إليه ](٣) إذا كانت حصّته تفي بقيمتها أو أزيد(٤) .
____________________
(١) هو صاحب الحاوي كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٦٥ ، وانظر : الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٨.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٣) أضفناها من المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٦.
وقيل : تؤخذ قيمتها وتلقى في المغنم ؛ لأنّه بالإحبال فرّق بينها وبين الغانمين(١) .
وأمّا إذا كان الواطئ معسراً ، فقد سبق(٢) قول الشيخرحمهالله فيه.
وقالت الشافعيّة : يثبت الاستيلاد في حصّته ولا يسري ، ويخلق الولد كلّه حُرّاً في قولٍ ؛ لأنّ الشبهة تعمّ الجارية ، وحُرّيّة الولد تثبت بالشبهة. وإن لم يثبت الاستيلاد ، كما لو وطئ جاريةَ الغير بظنّ أنّها جاريته أو زوجته ، ينعقد الولد حُرّاً ، ولا يثبت الاستيلاد.
وفي قولٍ آخر : الحُرّيّة في قدر حصّته ، كالاستيلاد في قدرها ، وليس كالوطء بالشبهة ؛ فإنّ الشبهة حصلت من الظنّ ، وهو لا يتبعّض ، والشبهة هنا حصلت من جهة استحقاق المستولد ملكاً أو ولاية ملك ، وهو متبعّض.
فإن قلنا : لا يعتق من الولد إلّا قدر حصّته من الاُمّ ، فلو ملك باقي الجارية من بعدُ ، بقي الرقُّ فيه ؛ لأنّها علقت برقيق في غير الملك. وإن قلنا : جميعه حُرٌّ ففي ثبوت الاستيلاد في باقيها إذا ملكه قولان ؛ لأنّه أولدها حُرّاً في غير الملك(٣) .
مسألة ١٠٨ : الأرضون على أربعة أقسام :
الأوّل : ما يُملك بالاستغنام من الكفّار ويؤخذ قهراً بالسيف ، وهي تُملك بالاستيلاء كما تُملك المنقولات ، وتكون للمسلمين قاطبةً لا تختصّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٦.
(٢) سبق في ص ١٥٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٧.
بها المقاتلة ، بل يشاركهم غيرهم من المسلمين ، ولا يُفضّل الغانمون على غيرهم أيضاً ، بل هي للمسلمين قاطبة ، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال مالك(١) - لما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه فتح هوازن ولم يقسّمها(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الكاظمعليهالسلام في حديثٍ طويل : « والأرض التي فُتحت عَنْوةً - إلى قوله - ويأخذ الباقي ، فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك ممّا فيه مصلحة العامّة ، وليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير »(٣) يعني الإمام.
وقال الشافعي : يقسّم بين الغانمين كسائر الأموال. وبه قال أنس بن مالك والزبير وبلال(٤) .
وقال الثوري : يتخيّر الإمام بين القسمة والوقف على المسلمين(٥) . ورواه العامّة عن عليعليهالسلام (٦) .
وقال أبو حنيفة : يتخيّر الإمام بين قسمتها ووقفها وأن يقرّ أهلها عليها ويضرب عليهم الخراج يصير حقّا على رقبة الأرض لا يسقط بالإسلام(٧) .
____________________
(١) بداية المجتهد ١ : ٤٠١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٩ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٢٣ ، الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٣٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٨.
(٢) لم نعثر عليه في حدود المصادر المتوفّرة لدينا.
(٣) الكافي ١ : ٤٥٤ - ٤٥٥ / ٤ ، التهذيب ٤ : ١٢٨ - ١٣٠ / ٣٦٦.
(٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٦٠ ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : ١٣٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٧ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٢٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٣٧ ، وانظر : الشرح الكبير ١٠ : ٥٣١ - ٥٣٢.
(٥ و ٦) حلية العلماء ٧ : ٦٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٣١ - ٥٣٢.
(٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٧ و ٤٤٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٨.
الثاني : أرض مَنْ أسلم أهلها عليها طوعاً من غير قتال ، فتُترك في أيديهم ملكاً لهم يصحّ لهم التصرّف فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر أنواع التصرّف إذا عمروها وقاموا بعمارتها. ويؤخذ منهم العُشر أو نصف العُشْر زكاةً إذا بلغ النصاب ، فإن تركوا عمارتها وتركوها خراباً ، كانت للمسلمين قاطبة ، وجاز للإمام أن يقبّلها ممّن يعمرها بالنصف أو الثلث أو الربع ، وكان على المتقبّل بعد إخراج حقّ القبالة مؤونة الأرض إذا بقي معه النصاب العُشْرُ أو نصفُ العُشْر ، ثمّ على الإمام أن يعطي أربابها حقّ الرقبة ؛ لرواية الرضا(١) عليهالسلام .
الثالث : أرض الصلح ، وهي كلّ أرض صالح أهلها عليها ، وهي أرض الجزية يلزمهم ما يصالحهم الإمام عليه من نصفٍ أو ثلثٍ أو غيره ، وليس عليهم غيره. فإذا أسلم أربابها ، كان حكم أرضيهم حكم أرض مَنْ أسلم أهلها عليها طوعاً ، ويسقط عنهم مال الصلح ؛ لأنّه جزية وقد سقطت بالإسلام ، فلأربابها التصرّف فيها بالبيع وغيره.
وللإمام أن يزيد وينقص بعد انقضاء مدّة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها.
ولو باعها المالك من مسلم ، صحّ ، وانتقل ما عليها إلى رقبة البائع.
هذا إذا صُولحوا على أنّ الأرض لهم ، أمّا لو صُولحوا على أنّ الأرض للمسلمين وعلى أعناقهم الجزية ، كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوةً عامرها للمسلمين ومواتها للإمام.
الرابع : أرض الأنفال ، وهي أرض انجلى أهلها عنها طوعاً وتركوها ،
____________________
(١) التهذيب ٤ : ١١٩ / ٣٤٢.
أو كانت مواتاً لغير المالك فاُحييت ، أو كانت آجاماً وغيرها ممّا لا تزرع فاستحدثت مزارع ، فإنّها كلّها للإمام خاصّة ليس لأحد معه فيها نصيب ، فكان له التصرّف فيها بالبيع وغيره حسب ما يراه ، وكان له أن يُقبّلها بما يراه من نصفٍ أو ثُلْثٍ أو ربع.
ويجوز له نزعها من يد متقبّلها إذا انقضت مدّة الضمان ، إلّا ما اُحييت بعد موتها ؛ فإنّ مَنْ أحياها أولى بالتصرّف فيها إذا تقبّلها بما يتقبّلها غيره ، فإن أبي ، كان للإمام نزعها من يده ، وتقبيلها لمن يراه ، وعلى المتقبّل بعد إخراج مال القبالة فيما يحصل في حصّته العُشرُ أو نصفُ العُشْر.
قال الشيخرحمهالله : وكلّ موضع أوجبنا فيه العُشْرَ أو نصفَ العُشْر من أقسام الأرضين إذا أخرج الإنسان مؤونته ومؤونة عياله لسنته ، وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لأهله(١) .
مسألة ١٠٩ : الأرض المأخوذة بالسيف عَنْوةً يُقبّلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف وغيره ، وعلى المتقبّل إخراج مال القبالة وحقّ الرقبة ، وفيما يفضل في يده إذا كان نصاباً العشر أو نصفه ، فلا يصحّ التصرّف في هذه الأرض بالبيع والشراء والوقف وغير ذلك.
وللإمام أن ينقله من متقبّلٍ إلى غيره إذا انقضت مدّة قبالته ، وله التصرّف فيه بما يراه من مصلحة المسلمين ، وارتفاع هذه الأرض ينصرف إلى المسلمين بأجمعهم وفي مصالحهم ؛ لقول الرضاعليهالسلام : « وما اُخذ بالسيف فذلك للإمام يُقبّله بالذي يرى ، كما صنع رسول اللهصلىاللهعليهوآله بخيبر ، قبَّل أرضها ونخلها ، والناس يقولون : لا تصلح قبالة الأرض والنخل إذا كان
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ١ : ٢٣٦.
البياض أكثر من السواد وقد قبّل رسول اللهصلىاللهعليهوآله خيبر ، وعليهم في حِصَصهم العُشْر أو(١) نصف العشر »(٢) .
إذا عرفت هذا ، فإنّ هذه الأرض للمسلمين قاطبة إن كانت محياةً وقت الفتح ، لا يصحّ بيعها ولا هبتها ولا وقفها ، بل يصرف الإمام حاصلها في المصالح ، كسدّ الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر وأرزاق القضاة والوُلاة وصاحب الديوان وغير ذلك من المصالح.
وأمّا الموات منها وقت الفتح فهي للإمام خاصّة ، ولا يجوز لأحد إحياؤه إلّا بإذنه إن كان ظاهراً. ولو تصرّف فيها أحد من غير إذنه ، كان عليه طسقها ، وحال الغيبة يملكها المتصرّف من غير إذن ؛ لأنّ عمر بن يزيد روى - في الصحيح - أنّه سمع رجلاً يسأل الصادقَعليهالسلام عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها فعمّرها وأكرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً ، قال : فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : « كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول :
مَنْ أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له ، وعليه طسقها يؤديّه إلى الإمام في حال الهدنة ، فإذا ظهر القائمعليهالسلام فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه »(٣) إذا عرفت هذا ، فإذا زرع فيها أحد أو بنى أو غرس ، صحّ له بيع مالَه فيها من الآثار وحقّ الاختصاص بالتصرّف ، لا بيع الرقبة ؛ لأنّها ملك المسلمين قاطبةً.
روى أبو بردة بن رجا أنّه سأل الصادقَعليهالسلام : كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال : « ومَنْ يبيع ذلك!؟ هي أرض المسلمين » قلت :
____________________
(١) في المصدر : « و » بدل « أو ».
(٢) التهذيب ٤ : ١١٩ / ٣٤٢.
(٣) التهذيب ٤ : ١٤٥ / ٤٠٤.
يبيعها الذي هي في يده ، قال : « ويصنع بخراج المسلمين ما ذا؟ » ثمّ قال : « لا بأس اشتر حقّه منها ويحوّل حقّ المسلمين عليه ، ولعلّه يكون أقوى عليها وأملأ بخراجها(١) منه »(٢) .
مسألة ١١٠ : الأرض الخربة والموات ورؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام من الأنفال يختصّ بها الإمام ليس لأحدٍ التصرّف فيها إلّا بإذنه حال ظهورهعليهالسلام ، ويجوز للشيعة حال الغيبة التصرّف فيها ؛ لأنّهمعليهمالسلام أباحوا شيعتهم ذلك.
وأمّا أرض مكّة : فالظاهر من المذهب أنّ النبيصلىاللهعليهوآله فتحها بالسيف ثمّ آمنهم بعد ذلك - وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي(٣) - لأنّ العامّة رووا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال لأهل مكّة : «ما تروني صانعاً بكم؟ » فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : « أقول كما قال أخي يوسف( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ ) (٤) أنتم الطلقاء »(٥) .
ومن طريق الخاصّة : رواية صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر قالا : ذكرنا له الكوفة، إلى أن قال : « إنّ أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العُشْر ونصف العُشْر ، وإنّ أهل مكّة دخلها رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) في المصدر : بخراجهم.
(٢) التهذيب ٤ : ١٤٦ / ٤٠٦ ، الاستبصار ٣ : ١٠٩ / ٣٨٧.
(٣) شرح معاني الآثار ٣ : ٣١١ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٢٠ ، معالم السنن - للخطّابي - ٤ : ٢٤٠ ، مختصر المزني : ٢٧٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٤ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٥ و ٤٥٦.
(٤) يوسف : ٩٢.
(٥) السيرة النبويّة - لابن هشام - ٤ : ٥٥ ، سنن البيهقي ٩ : ١١٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٥.
عنوةً وكانوا اُسراء في يده فأعتقهم وقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء »(١) .
وقال الشافعي : إنّهعليهالسلام فتحها صلحاً بأمانٍ قدّمه لهم قبل دخوله(٢) . وهو منقول عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومجاهد(٣) .
وأمّا أرض السواد - وهي الأرض المغنومة من الفرس ، التي فتحها عمر بن الخطّاب ، وهي سواد العراق ، وحدّه في العرض من منقطع الجبال بـ « حلوان » إلى طرف القادسيّة ، المتّصل بـ « عُذيب » من أرض العرب ، ومن تخوم الموصل طولاً إلى ساحل البحر ببلاد عبّادان من شرقي دجلة ، فأمّا الغربي الذي تليه البصرة إنّما هو إسلامي ، مثل [ شط ](٤) عثمان بن أبي العاص وما والاها كانت سباخاً ومواتاً ، فأحياها عثمان بن أبي العاص. وسمّيت سواداً ؛ لأنّ الجيش لمـّا خرجوا من البادية رأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سمّوها السواد لذلك. ولمـّا فتحها عمر بعث عمّار بن ياسر على صلاتهم أميراً ، وابن مسعود قاضياً ، والياً على بيت المال ، وعثمان بن حُنيف على مساحة الأرض ، وفرض للثلاثة في كلّ يوم شاةً ، شطرها مع السواقط(٥) لعمّارٍ ، وشطرها للآخَرَيْن ، وقال : ما أرى قرية تؤخذ منها كلّ يوم شاة إلّا سريع في خرابها(٦) - قال الشيخرحمهالله : الذي يقتضيه المذهب أنّ
____________________
(١) الكافي ٣ : ٥١٢ - ٥١٣ / ٢ ، التهذيب ٤ : ١١٨ - ١١٩ / ٣٤١.
(٢) مختصر المزني : ٢٧٣ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩ ، معالم السنن - للخطّابي - ٤ : ٢٤١ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٢٠.
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٤.
(٤) أضفناها من منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٩٣٧.
(٥) المراد منها هو مثل الكبد والكرش والأمعاء.
(٦) الخراج - للقاضي أبي يوسف - : ٣٦ ، الأموال - لأبي عُبيد - : ٧٤ ذيل الرقم ١٧٢.
الأرض التي فتحت عنوةً يخرج خُمْسها لأرباب الخُمْس ، والأربعة الأخماس الباقية للمسلمين قاطبةً الغانمين وغيرهم ، ويُقبّلها الإمام لمن شاء ، ويأخذ ارتفاعها يصرفه في مصالح المسلمين.
ولا يصحّ بيع شيء من هذه الأرض ولا هبته ولا معاوضته ولا تملّكه(١) ولا وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه. ولا يصحّ أن يُبنى دوراً ومساجد وسقايات ولا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي يتبع الملك ، ومتى فُعل شيء من ذلك كان التصرّف باطلاً ، وهو باقٍ على الأصل.
ثمّ قالرحمهالله : وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الإمام فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصّة ، تكون هذه الأرضون [ وغيرها ممّا فُتحت ](٢) بعد الرسولصلىاللهعليهوآله إلّا ما فُتح في أيّام أمير المؤمنينعليهالسلام إن صحّ شيء من ذلك يكون للإمام خاصّة ، ويكون من جملة الأنفال التي له خاصّة لا يشركه فيها غيره(٣) .
قال الشيخرحمهالله - ووافقه الشافعي(٤) - : إنّ عثمان بن حُنيف مسح أرض الخراج ، واختلفوا ، فقال الساجي : اثنان وثلاثون ألف ألف جريب. وقال أبو عبيدة : ستّة وثلاثون ألف ألف جريب. ثمّ ضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم ، وعلى الكَرْم ثمانية دراهم ، وعلى جريب الشجر والرطبة ستّة دراهم ، وعلى الحنطة أربعة دراهم ، وعلى الشعير درهمين. ثم كتب بذلك إلى عمر ، فأمضاه(٥) .
____________________
(١) في المصدر : تمليكه.
(٢) أضفناها من المصدر.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٤.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٦ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٤.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٣ - ٣٤.
وأبو حنيفة وافقهما إلّا في الحنطة والشعير ؛ فإنّه قال : يؤخذ من الحنطة قفيز ودرهمان ، ومن الشعير قفيز ودرهم(١) .
وقال أحمد : يؤخذ من كلّ واحد منهما قفيز ودرهم(٢) ، لقولهعليهالسلام :
« منعت العراق قفيزها ودرهمها »(٣) معناه : ستمنع.
وقال بعض الشافعيّة : إنّ سواد العراق فتح صُلحاً(٤) . وهو محكي عن أبي حنيفة(٥) .
وقال بعضهم : اشتبه الأمر عليَّ فلا أدري أفُتِحَ عَنْوةً أو صُلْحاً(٦) .
ثمّ اختلفت الشافعيّة ، فقال بعضهم : إنّ عمر جعل الأربعة الأخماس الباقية من الأرض لأهل الخُمْس عوضاً عن نصيبهم من المنقولات من الغنيمة ، فصارت الأرض لأهل الخُمْس والمنقولات للغانمين(٧) .
وقال بعضهم : إنّه قسّمها بين الغانمين ولم يخصّها بأهل الخُمْس ثمّ استطاب قلوبهم عنها واستردّها(٨) .
[ ثمّ اختلفوا ](٩) فقال الأكثرون : إنّه بعد ردّها وَقَفها على المسلمين وآجرها(١٠) من أهلها ، والخراج المضروب عليها اُجرة منجّمة تؤدّي في كلّ سنة. وهو نصّ الشافعي في كتاب الرهن(١١) .
____________________
(١) حلية العلماء ٧ : ٧٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٤.
(٢) حلية العلماء ٧ : ٧٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٥.
(٣) صحيح مسلم ٤ : ٢٢٢ / ٨٩٦ ، سنن أبي داود ٣ : ١٦٦ / ٣٠٣٥ ، مسند أحمد ٢ : ٥١٦ / ٧٥١١.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩.
(٥ - ٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٩.
(٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩.
(٩) أضفناها لأجل السياق.
(١٠) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « أخذها » بدل « آجرها » وما أثبتناه كما في المصدر.
(١١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٠.
قال سفيان الثوري : جَعَل عمر السواد وقفاً على المسلمين ما تناسلوا(١) .
وقال بعضهم : إنّه باعها من أهلها والخراج ثمن منجّم ؛ لأنّه لم يزل الناس يبيعون أرض السواد ويشترون من غير إنكار(٢) .
وقال آخرون من الشافعيّة : ما فعله عمر عدول عن الأصل الممهّد ، فإنّه يشترط في الإجارة ضبط المدّة ، وفي البيع ضبط جملة الثمن ، لكن قالوا : إنّها بالاسترداد رجعت إلى حكم أموال الكفّار ، والإمام يفعل للمصلحة الكلّيّة في أموال الكفّار ما لا يجوز مثله في أموال المسلمين ، فرأى عمر(٣) المصلحة لئلّا يشتغلوا بالعمارة والزراعة عن الجهاد(٤) .
وقال بعضهم : إنّه وَقَفها وَقْفاً لا مؤبَّداً محرّماً ، بل جَعَلها موقوفةً على مصالح المسلمين ليؤدّي مُلاّكها على تداول الأيدي وتبدّلها بالبيع والشراء خراجاً ينتفع به المسلمون ، فيجوز بيعها وهبتها ورهنها على الثاني لا الأوّل ، ويجوز على الوجهين لأربابها إجارتُها مدّة معلومة(٥) .
وهل لهم الإجارة المؤبّدة بمال يتراضيان عليه؟ جوَّزه بعضهم تبعاً لفعل عمر ، وقال : من استحلّ منفعةً على جهة لم يبعد أن يملك إخراج نفسه من البين وإحْلال غيره محلّه(٦) .
ومَنَع بعضهم(٧) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٠.
(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « غير » بدل « عمر » وذلك تصحيف ، وما أثبتناه من المصدر.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥٠ - ٤٥١.
(٥ - ٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٧٠.
والفاسد في إجارة عمر احتمل لمصلحة كلّيّة ، والجزئيّات ليست كالكلّيّات ، فلا يجوز لغير سُكّانها أن يزعج واحداً من السُكّان ويقول : أنا أستغلّها(١) واُعطي الخراج ؛ لأنّه مالكٌ رقبتُها إرثاً على أحد الوجهين ، ومالكٌ منفعتَها على الآخر ؛ لعقد بعض أجداده مع عمر ، والإجارة لازمة لا تنفسخ بالموت.
هذا فيما يُزرع ويُغرس من الأراضي ، وأمّا المساكن والدور : فإن قلنا : إنّ تلك الأراضي مبيعة من أربابها ، فكذا المساكن والدور ، وإن قلنا : موقوفة ، فوجهان(٢) .
مسألة ١١١ : إذا نزل الإمام على بلد فحاصره وأرادوا الصلح على أن يكون البلد لهم وكانوا من أهل الكتاب ، جاز له أن يصالحهم بشروط ثلاثة : بذل الجزية ، وأن يجري عليهم أحكام المسلمين ، وأن لا يجتمعوا مع مشرك على قتال المسلمين.
وتكون أرضهم ملكاً لهم [ يصحّ لهم ](٣) التصرّف فيها بجميع الأنواع.
ويجوز للمسلمين استئجارها منهم ؛ لأنّها ملك له(٤) وتكون الاُجرة له(٥) والخراج عليه(٦) .
ولو باعها من مسلم ، صحّ البيع ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي(٧) .
وقال مالك : لا يصحّ ؛ لأنّه يؤدّي إلى إسقاط الخراج ، وهو غير
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : أشغلها. والظاهر ما أثبتناه.
(٢) الوجهان للشافعيّة ، اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٥١ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٧٠.
(٣) أضفناها لأجل السياق.
(٤ - ٦) قوله : له له عليه : أي : للمؤجر وعلى المؤجر.
(٧) حلية العلماء ٧ : ٧٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٨.
جائز ؛ لأنّه حقّ للمسلمين(١) .
وليس بجيّد ؛ لأنّه لا يسقط بل ينتقل ما كان على الأرض إلى رقبته.
فحينئذٍ إذا اشتراها المسلم ، انتقل ما كان عليها من الخراج إلى رقبة الذّميّ ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال أبو حنيفة : يكون متعلّقاً بالأرض ؛ لأنّ عنده لا يسقط بالإسلام(٣) .
تذنيب : كلّ أرض ترك أهلها عمارتها ، كان للإمام تقبيلها ممّن يقوم بها ، وعليه طسقها لأربابها ؛ لأنّه مصلحة لهم ، فكان سائغاً.
وكلّ أرض موات سبق إليها سابق فعمرها وأحياها ، كان أحقّ بها إذا لم يكن لها مالك معروف ، فإن كان لها مالك معروف ، وجب عليه طسقها لمالكها.
وإذا استأجر مسلم داراً من حربيّ ثمّ فُتحت تلك الأرض ، لم تبطل الإجارة ؛ لأنّ حقّ المسلم تعلّق بها ، وتملّكها المسلمون ؛ لأنّها من الغنائم.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤ ، حلية العلماء ٧ : ٧٣٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤.
الباب الثاني : في كيفية قسمة الغنيمة
وفيه مباحث :
والنظر في هذا البحث مختصّ بالأوّل ، فنقول : إذا كان لمسلم على حربيّ دين فاستُرقّ الحربيّ، لم يسقط الدّيْن عنه - وبه قال الشافعي(١) - عملاً باستصحاب البقاء ، وعدم سقوط ما ثبت في الذمّة شرعاً.
وقال أبو حنيفة : يسقط ؛ لأنّ المسترَقّ انقلب عمّا كان عليه وكأنّه قد عُدم ثمّ وُجد(٢) .
نعم ، لو كان الدَّيْن للسابي وملكه ، فالأقوى سقوطه ؛ إذ لا يتحقّق للمولى شيء على عبده، كما لو كان له على عبد غيره دَيْنٌ فملكه ، وهو أحد وجهي الشافعيّة(٣) .
والثاني : لا يسقط في صورة السبي ولا في المشتري ، وإذا لم يسقط ، فيقضى من المال المغنوم بعد استرقاقه ، ويُقدّم الدَّيْن على الغنيمة كما يُقدّم على الوصيّة وإن زال ملكه بالرقّ ، كما أنّ دَيْن المرتدّ يقضى من ماله وإن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٤.
(٢) المبسوط - للسرخسي - ٥ : ٥٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٤.
حكمنا بزوال ملكه ، ولأنّ الرقّ بمثابة الحَجْر أو الموت ، فيوجب تعلّق الديون بالمال(١) .
وإن غنم المال قبل استرقاقه ، ملكه الغانمون ، ولم ينعكس الدَّيْنُ عليه ، كما لو انتقل بوجه آخر.
وإن غنم مع استرقاقه ، احتُمل تقديمُ الدَّيْن على حقّ الغانمين ، كما يُقدّم في التركة على حقوق الورثة. وتقديمُ الغنيمة ؛ لأنّ ملك الغانمين يتعلّق بعين المال ، والدَّيْن في الذمّة ، والمتعلّق بالعين متقدّم على المتعلّق بالذمّة ، كما إذا جنى العبد المرهون ، يُقدَّم حقّ المجنيّ عليه على حقّ المرتهن.
ولا تتحقّق الجمعيّة بين الاغتنام والأسر في حقّ الرجال في هذا الحكم ؛ فإنّ المال يُملك بنفس الأخذ ، والرقَّ لا يحصل بنفس الأسر للرجال الكاملين ، ولكن يظهر ذلك في حقّ النسوة وفيما إذا فرض الاغتنام مع إرقاق الإمام بعد الأسر.
وإذا لم يوجد مال يقضى منه ، فهو في ذمّته إلى أن يعتق.
وهل يحلّ الدَّيْن المؤجَّل بالرقّ؟ وجهان(٢) ، كالوجهين في الحلول بالفلس ، والرقّ أولى بالحلول؛ لأنّه أشبه بالموت ، فإنّه يزيل الملك ويقطع النكاح.
هذا إذا كان الدَّيْن لمسلم ، وإن كان لذمّيّ ، فكذلك ؛ لأنّه محترم كأعيان أموال الذمّي ، وهو قول بعض الشافعيّة(٣) .
وقال بعضهم بسقوطه(٤) .
وإن كان لحربيّ واستُرقّ المديون ، فالأقرب : سقوط الدَّيْن ؛ لأنّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٤.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٤.
ملتزم الدَّيْن انتقل من كونه حربيّاً لا يجري عليه حكم إلى كونه رقيقاً ليس له على نفسه حكمٌ ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : لا يسقط ، كما لو أسلم مَنْ عليه الدَّيْن أو قبل الأمان ، ويُجعل الرقّ كأمان يحدث(٢) .
هذا إذا استُرقّ مَنْ عليه الدَّيْن ، أمّا لو استرقّ مَنْ له الدَّيْن ، فلا تبرأ ذمّة مَنْ عليه الدَّيْن ، بل هو كودائع الحربيّ المسبيّ ، وكما لو استقرض مسلم من حربيّ مالاً ، أو اشترى منه سهماً(٣) والتزم الثمن ثمّ استُرقّ مستحقّ الدَّيْن ؛ فإنّ الدَّيْن لا يسقط عن ذمّة المسلم عند بعض الشافعيّة(٤) .
وقال بعضهم : لو كان لحربيّ على حربيّ دَيْنٌ فاستُرقّ أحدهما ، يسقط ؛ لزوال ملكه(٥) .
ولو قهر المديون ربّ المال ، سقط ؛ لأنّ الدار دارُ حرب حتى إذا قهر العبد سيّدَه ، يصير حُرّاً ، ويصير السيّد عبداً. ولو قهرت الزوجة زوجها ، انفسخ النكاح.
وقال بعض الشافعيّة : إن كان دَيْنُ المسترقّ على مسلم ، يطالب به ، كما يطالب بودائعه ؛ لأنّه ملتزم ، وإن كان على حربيّ ، يسقط ؛ لأنّ المستحقّ قد زال ملكه ، والحربيّ غير ملتزم حتى يطالب(٦) .
ولو استقرض حربيّ من حربيّ أو التزم بالشراء ثمناً ثمّ أسلما أو قبلا الجزية أو الأمان معاً أو على الترتيب ، استمرّ الاستحقاق عند بعض
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٤.
(٣) كذا ، والظاهر : « شيئاً » بدل « سهماً ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٥ و ٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥.
الشافعيّة(١) .
ونصّ الشافعي على أنّه لو ماتت زوجة الحربيّ فجاءنا مسلماً أو مستأمناً فجاء ورثتها يطلبون مَهْرها ، لم يكن لهم فيه شيء(٢) .
ولأصحابه طريقان : أحدهما : أنّ فيهما قولين نقلاً وتخريجاً.
أصحّهما : أنّه يبقى الاستحقاق ، فيستدام حكم العقد بعد الإسلام.
والثاني : المنع ؛ لبُعْد أن يمكَّن الحربيّ من مطالبة المسلم أو الذمي في دارنا.
والطريق الثاني : القطع بالقول الأوّل ، وبه قال ابن سريج من الشافعيّة. وحمل نصّه الثاني على ما إذا سمّى لها خمراً أو خنزيراً وقَبَضَتْه في الكفر(٣) .
ولو أتلف حربيّ مالاً على حربيّ أو غصبه ثمّ أسلما أو أسلم المـُتلف ، فوجهان :
أصحّهما : أنّه لا يطالب بالضمان ؛ لأنّه لم يلتزم شيئاً ، والإسلام يجبّ ما قبله ، والإتلاف ليس عقداً يستدام ، بخلاف الملتزم بها ، ولأنّ الحربيّ إذا قهر حربيّاً على ماله ، ملكه ، والإتلاف نوع من القهر.
والثاني : يطالب ؛ لأنّه لازم في شرعهم ، فكأنّهم تراضوا عليه(٤) .
ولو جنى الحربيّ على مسلمٍ فاستُرقّ ، فأرش الجناية في ذمّته
____________________
(١) المهذب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥ ، منهاج الطالبين : ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) المهذب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٨ - ٤١٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٥.
لا يتحوّل إلى رقبته ، بخلاف المكاتب إذا جنى يكون الأرش في ذمّته يؤدّيه من الكسب ، فإن عجز وعاد قِنّاً ، تحوّل الأرش إلى رقبته.
والفرق : أنّ الرقّ - الذي هو محلّ تعلّق الأرش - كان موجوداً في حال الكتابة إلّا أنّ الكتابة المانعة من البيع منعَتْ من التعلّق ، فإذا عجز ، ارتفع المانع وثبت التعلّق ، وفي الحربيّ لم يكن عند الإتلاف رقّ وإنّما حدث بعده.
مسألة ١١٢ : يجوز للإمام أن يجعل جُعْلاً لمن يدلّه على مصلحة من مصالح المسلمين ، كسهولة طريق أو ماء في مفازة أو موضع فتح القلعة أو مال يأخذه أو عدوّ يُغير عليه أو ثَغْر يدخل منه بلا خلاف ، وقد استأجر النبيصلىاللهعليهوآله في الهجرة مَنْ دلّهم على الطريق(١) .
ويستحقّ المجعول له الجُعْل بنفس الفعل الذي جُعل له الجُعْل مسلماً كان أو كافراً.
فإن كانت الجُعالة عيناً ممّا في يده ، وجب أن تكون معلومةً بالمشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة ، وإن كانت دَيْنا ، وجب أن تكون معلومةً الوصف والقدر ، وإلاّ لزم الغرر وأفضى إلى التنازع.
وإن كانت من مال المشركين ، جاز أن يكون معلوماً ومجهولاً جهالةً لا تمنع التسليم ، ولا يفضي إلى التنازع ، مثل : مَنْ دلّ على القلعة الفلانية فله جارية منها ، أو جارية فلان ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله جَعَل للسريّة الثُلْث أو الربع ممّا غنموا(٢) . ولا نعلم فيه خلافاً ، وصحّت هذه المشارطة مع جهلها ؛
____________________
(١) صحيح البخاري ٣ : ١١٦ ، سنن البيهقي ٦ : ١١٨.
(٢) سنن أبي داود ٣ : ٨٠ / ٢٧٤٨ - ٢٧٥٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥١ / ٢٨٥١ =
للحاجة ، بل الجُعْل نفسه غير مملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه.
وإنّما تثبت الجُعالة بحسب الحاجة ؛ لأنّ الغنيمة يستحقّها الغانمون ، فلا تُصرف إلى غيرهم إلّا مع الحاجة. فإن كان المال منه ، مثل : مَنْ دلّنا على ثَغْر القلعة فله دينار ، وجب دفع الجُعْل بنفس الدلالة ، ولا يتوقّف على فتح القلعة ، خلافاً لبعض الشافعيّة(١) . وإن قال : من الغنيمةُ ، استحقّ بالدلالة والفتح معاً ، لأنّ جعالة شيء منها يقتضي اشتراط فتحها حكماً.
مسألة ١١٣ : لو شرط جارية معيّنة من القلعة ثمّ فُتحت على أمان وكانت من الجملة ، فإن اتّفق المجعول له وأربابها على بذلها أو إمساكها بعوض ، جاز ، وإن تعاسرا ، قال الشيخرحمهالله : تفسخ الهدنة ، ويردّون إلى مأمنهم(٢) . وهو قول بعض الشافعيّة(٣) . وعندي فيه نظر.
ولو لم يستثن المـُصالح في الصلح الجاريةَ ، اُخذت منه وسُلّمت إلى الدالّ.
وإن كان المـُصالح قد استثنى جماعةً من أهله يختارهم فاختار الجاريةَ منهم ، فالصلح صحيح ، خلافاً لبعض الشافعيّة ؛ فإنّه قال : يبطل ؛ لأنّ الجارية مستحقّة للدالّ(٤) .
وليس بجيّد ؛ لإمكان إمضائه بالتراضي.
____________________
= و ٢٨٥٢ ، المغني ١٠ : ٤٠٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٥.
(١) ما نُسب في المتن إلى بعض الشافعيّة لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر. نعم ، ذلك رأي بعض الحنابلة ، اُنظر : المغني ١٠ : ٤٠٧ ، والشرح الكبير ١٠ : ٤٢٦.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٨.
(٣) المهذب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، المغني ١٠ : ٤٠٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٧.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٥ - ٦٧٦.
فإن اختار الدالّ قيمتها ، مضى الصلح ، وسُلّم إليه القيمة ؛ لتعذّر تسليم العين إليه. وإن امتنع ، فإن اختار صاحب القلعة دَفْعَها إلى الدالّ وأخْذَ قيمتها ، دُفعت الجارية إلى الدالّ ، وسُلّم إلى صاحب القلعة قيمتها ، ويكون جارياً مجرى الرضخ ، وكان الصلح ماضياً. وإن امتنع كلٌّ منهما ، فُسخ الصلح عند الشيخ(١) ؛ لتعذّر إمضائه ؛ لأنّ حقّ الدالّ سابق ، ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح ، ولصاحب القلعة أن يحصن قلعته كما كانت من غير زيادة ، وهو مذهب الشافعي(٢) .
والوجه : دفع القيمة ، كما لو أسلمت الجارية قبل دَفْعها إليه ؛ لما في فسخ الصلح من تضرّر المسلمين. ورعايةُ حكمة دَفْع ضررٍ يسير عن صاحب العين في مقابلة ثبوت ضرر عظيم في حقّ المسلمين كافّةً ، فإنّه ربما لا يمكن فتح القلعة بها منافٍ لحكمة الشارع.
مسألة ١١٤ : لو فُتحت القلعة عَنْوةً أو صُلْحاً ولم تكن الجارية داخلةً في الهدنة ، فإن كانت الجارية باقيةً على الكفر ، سُلّمت إليه ؛ عملاً بالشرط.
وإن أسلمت قبل الصلح والأسر ، دُفع إلى الدالّ قيمتها ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله صالح أهل مكة عام الحديبيّة على أنّ مَنْ جاء منهم مسلماً ردّه إليهم ، فلمـّا جاءت مسلمات منعه الله تعالى من ردّهنّ ( إلى الكفّار )(٣) وأمره بردّ مهورهنّ على أزواجهنّ ، وفسخ ما كان عقدهعليهالسلام من الهدنة(٤) .
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٨.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، المغني ١٠ : ٤٠٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٧.
(٣) ما بين القوسين لم يرد في « ق ، ك».
(٤) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦٣١ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٤٠ ، صحيح البخاري ٣ : ٢٥٧ - ٢٥٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٢٨ ، دلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٧١ ، مصابيح السنّة - للبغوي - ٣ : ١١٢ / ٣٠٨٣.
ولو أسلمت بعد الأسر ، فإن كان المجعول له مسلماً ، سُلّمت إليه بالشرط ؛ فإنّها رقٌّ ، وإن كان كافراً ، لم تُسلّم إليه بل قيمتها ، وهو أحد قولي الشافعي.
وفي الآخر : تُسلّم إليه ، ويطالب بإزالة الملك ؛ لأنّ الكافر لا يستديم ملك المسلم(١) .
ولو ماتت الجارية قبل الظفر أو بعده ، قال الشيخ : لا تدفع إليه قيمتها ؛ لأنّ الشرط اقتضى إمكان تسليمها ، وهو غير ممكن ، فلا يجب له العوض ، كما لو لم تفتح القلعة(٢) . وهو أحد وجهي الشافعي(٣) .
وفي الآخر : تُدفع إليه القيمة ، كما لو أسلمت(٤) .
وليس بجيّد ؛ لأنّه علّق حقّه على شيء معيّن وتلف من غير تفريط ، فسقط حقّه ، بخلاف المسلمة ؛ لإمكان تسليمها لكنّ الشرع منع منه.
ولو كان الدليل جماعةً ، كانت الجارية بينهم.
إذا عرفت هذا ، فإنّ الجارية تُسلّم إلى الكافر إن ظفرنا بها ، فإن لم تفتح القلعة ؛ لعجز ، أو تجاوزناها مع القدرة ، فلا شيء له علينا وإن أتمّ الدلالة ، إلّا إذا رجعنا إلى الفتح بعلامته.
ولو فتحها طائفة اُخرى سمعوا العلامة ، فلا شيء عليهم ؛ إذ لم يجر معهم الشرط.
وإن لم تكن فيها جارية ، فلا شيء له ، وكذا إن كانت قد ماتت قبل
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٣.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٨.
(٣ و ٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٥.
المعاقدة.
وإن ماتت بعد الظفر وقبل التسليم ، فعلينا البدل إمّا اُجرة المثل أو قيمة الجارية.
وللشافعيّة فيه وجهان بناءً على أنّ الجُعْل المعيّن يُضمن ضمانَ العقد أو ضمانَ اليد ، كالصداق(١) .
وإن ماتت قبل الظفر وبعد العقد ، ففي وجوب البدل للشافعي قولان(٢) .
ولو لم يحصل من القلعة شيء إلّا تلك الجارية ، ففي وجوب التسليم للشافعيّة وجهان(٣) .
مسألة ١١٥ : يجوز للإمام ونائبه أن يبعث سريّةً تُغير على العدوّ وقت دخوله دار الحرب ، ويجعل لهم الربع بعد الخُمْس ، فما قدمت به يخرج خُمْسه والباقي يعطي السريّة منه ربع الباقي ثمّ يقسّم الباقي بين الجيش والسريّة أيضاً.
وكذا إذا قفل(٤) من دار الحرب مع الجيش فأنفذ سريّةً تُغير ، وجعل لهم الثلث بعد الخُمْس ، جاز ، فإذا قدمت السريّة بشيء ، أخرج خُمْسه ثمّ أعطى السريّة ثلث الباقي ثمّ قسّم الباقي بين الجيش والسريّة معه - وبه قال الحسن البصري والأوزاعي وأحمد(٥) - لما رواه العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان
____________________
(١ و ٢) الوجيز ٢ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧١ ، الوسيط ٧ : ٤٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٥.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٧٤ ، الوسيط ٧ : ٤٨.
(٤) في الطبعة الحجريّة و « ق ، ك» : نقل. وذلك تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه.
(٥) المغني ١٠ : ٤٠١ - ٤٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٨ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٦.
ينفلهم إذا خرجوا بادين بالربع وينفلهم إذا قفلوا بالثلث(١) .
وقال حبيب بن مسلمة الفهري : شهدت رسول اللهصلىاللهعليهوآله نفل الربع في البداءة والثلث في الرجعة(٢) .
ولأنّ فيه مصلحةً للمسلمين ، فكان سائغاً ، كالسَّلَب.
وقال عمرو بن شعيب : لا نفل بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لأنّ الله تعالى خصّه بالأنفال ، فقال :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ) (٣) فخصّه بها(٤) .
وهو باطل ؛ لأنّ ما ثبت للنبيصلىاللهعليهوآله ثبت للأئمّة بعده ما لم يقم دليل على التخصيص.
وقال مالك وسعيد بن المسيّب : لا نفل إلّا من الخمس(٥) .
وقال الشافعي : يخرج من خُمْس الخُمْس(٦) .
مسألة ١١٦ : وإنّما يستحقّ هذا البدل بالشرط السابق ، فإن لم يشترطه الإمام ولا نائبه ، فلا نفل ؛ لأنّ الأصل تسوية الغانمين ، وإنّما يثبت النفل مع قلّة المسلمين وكثرة المشركين ، فيشترط الإمام التنفيل لمن يعمل مصلحة ، تحريضاً لهم على القتال ، ولو كانوا مستظهرين عليهم ، فلا حاجة
____________________
(١) سنن الترمذي ٤ : ١٣٠ / ١٥٦١ ، المغني ١٠ : ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٨٠ / ٢٧٥٠ ، سنن البيهقي ٦ : ٣١٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٣٣ ، مسند أحمد ٥ : ١٦٣ - ١٧٠١٥ ، المغني ١٠ : ٤٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٩.
(٣) الأنفال : ١.
(٤) المغني ١٠ : ٤٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٨.
(٥) بداية المجتهد ١ : ٣٩٦ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٥ ، المغني ١٠ : ٤٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٩.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٤ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٤٩.
إليه ؛ فإنّ أكثر مغازي رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم تكن فيها أنفال.
ولو رأى التنفيل بدون الربع أو الثلث ، فَعَل.
وهل تجوز الزيادة عليهما(١) ؟ مَنَع منه الأوزاعي ومكحول وأكثر العامّة ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله انتهى إلى الثلث(٢) ، فلا ينبغي تجاوزه(٣) .
وقال الشافعي : يجوز ؛ لأنّه نفل مرّةً الربعَ ومرّةً الثلثَ ومرّةً نصفَ السدس ، فعُلم انتفاء الضابط ، وأنّه موكول إلى نظر الإمام(٤) .
وليس حجّةً ، لاتّفاق الوقائع على عدم الزيادة ، فكان ضابطاً فيه ، ومع ذلك فإنّه يناقض قوله : إنّه يخرج من خُمْس الخُمْس(٥) ، فلو شرط نائب الإمام زيادة على الثلث ، ردّ إليه على الأوّل ، ولزم الوفاء على الثاني.
وقد اختلف في تأويل البداءة والرجعة ، فقيل : البداءة أوّل سريّة ، والرجعة : الثانية(٦) .
وقيل : البداءة : السريّة عند دخول الجيش إلى دار الحرب ، والرجعة : عند قفول الجيش(٧) .
وإنّما زادهم في الرجعة ؛ للمشقّة ، فإنّ الجيش في البداءة رِدْءٌ(٨) للسريّة تابع لها ، والجيش مستريح والعدوّ خائف ، وربّما كان غارّاً ، وفي
____________________
(١) « عليهما » لم ترد في « ك».
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢٠٤ ، الهامش (٢)
(٣) المغني ١٠ : ٤٠٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٠.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٤٩ - ٣٥٠ ، المغني ١٠ : ٤٠٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٠.
(٥) تقدّمت الإشارة الى مصادره في ص ٢٠٤ ، الهامش (٦)
(٦ و ٧) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٠.
(٨) الرِّدْءُ : المعين والناصر. لسان العرب ١ : ٨٥ « ردأ ».
الرجعة لا رِدْءَ للسريّة ؛ لانصراف الجيش ، والعدوّ مستيقظ على حذر.
وكما يجوز التنفيل للسريّة يجوز لبعض الجيش ؛ لبلائه أو لمكروه تحمَّله ، دون سائر الجيش ، فلو نفذ الإمام سريّةً فأتى بعضهم بشيء وبعضهم لم يأت ، كان للوالي أن يخصّ الذين جاءوا بشيء دون الآخرين مع الشرط.
وقال أحمد : يجوز من غير شرط(١) .
مسألة ١١٧ : لو قال الأمير : مَنْ طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا البيت أو فَعَل كذا فله كذا ، أو مَنْ جاء بأسير فله كذا ، جاز في قول عامّة العلماء(٢) ؛ لقولهعليهالسلام : « مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبه »(٣) .
ولاشتماله على المصلحة والتحريض على القتال ، فجاز ، كزيادة السهم للفارس والسَّلَب لقاتله.
وكره مالك ذلك ولم يره ، وقال : لا نفل إلّا بعد إحراز الغنيمة ؛ لأنّ القتال على هذا الوجه إنّما هو للدنيا(٤) .
وهو منقوض بالسَّلَب ، واستحقاق السهم من الغنيمة ، وزيادة سهم الفارس.
وإنّما يجوز التنفيل مع المصلحة للمسلمين ، فلو انتفت لم يجز.
والنفل لا يختصّ بنوعٍ من المال ؛ لأنّ النبيعليهالسلام جعل الثلث أو
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٠٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣١.
(٢) المغني ١٠ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣١.
(٣) سنن البيهقي ٦ : ٣٠٧ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ - ٣٦٩ / ١٤٠٣٠ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ٢٩٦ - ٢٩٧ / ٦٩٩٥ - ٦٩٩٧ و ٧٠٠٠.
(٤) المدوّنة الكبرى ٢ : ٣١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٩٦ ، المغني ١٠ : ٤٠٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٢.
الربع(١) ، وهو عامٌّ في كلّ مغنوم.
وقال الأوزاعي : لا نفل في الدراهم والدنانير ؛ لأنّ القاتل لا يستحقّ النفل فيهما ، فكذا غيره(٢) .
وليس بشيء ؛ لأنّ القاتل إنّما نفل السَّلَب ، وليس الدراهم والدنانير من السَّلَب.
ولو قال : مَنْ رجع إلى الساقة فله دينار ، جاز ؛ لأنّ في الرجوع إليهم منفعةً.
ويستوي في النفل الفارس والراجل إلّا أن يفضّل بعضهم في القسم ، فيستحقّ قدر المسمّى ؛ لأنّ النفل شيء رضخ للفعل فكيف صدر عن الفاعل استحقّ.
ولو بعث الإمام سريّةً ونَفَلهم بالثلث بعد الخُمْس ثمّ إنّ أمير السريّة نفل قوماً منهم لفتح الحصن أو للمبارزة بغير إذن الإمام ، فإن نَفَلهم من حصّة السريّة أو من سهامهم بعد النفل ، جاز ، ولو نَفَلهم من سهم العسكر ، لم يجز ؛ لأنّه أمير على السريّة لا على العسكر.
هذا إذا خرج الجيش مع السريّة ، أمّا لو لم يخرج ، جاز تنفيله ؛ لأنّ الغنيمة كلّها للسريّة ، ولا يشاركهم الجيش ؛ لاختصاص السريّة بالجهاد.
ولو بعث أمير السريّة سريّة من السريّة ونَفَل لهم أقلّ من النفل الأوّل أو أكثر ، جاز من حصّة أصحاب(٣) السريّة لا من حصّة العسكر ، إلّا أن يكون أمير العسكر أذن له في التنفيل ، فحينئذٍ يكون نائباً عن الأمير.
____________________
(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢٠٤ ، الهامش (١)
(٢) المغني ١٠ : ٤٠٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٣٢.
(٣) في « ق » : « أرباب » بدل « أصحاب ».
ولو فُقد رجلٌ من السريّة فقام هناك بعضهم لطلبه وبعضهم ذهب حتى أصاب الغنائم ثمّ رجعوا إلى أصحابهم ووجدوا المفقود ، فكلّهم شركاء في النفل ؛ لأنهم فارقوا العسكر جملةً وأحرزوا المصاب بالعسكر جملةً ، فكانوا بمنزلة ما لو باشر القتالَ بعضُهم ، وبعضُهم كان رِدْءاً لهم.
ولو أصاب الرجل المفقود غنيمةً والذين أقاموا لانتظاره غنيمةً والسريّة غنيمةً ثمّ التقوا ، فالنفل من جميع ذلك بينهم بالسويّة ، كما لو لم يفترقوا ؛ لأنّهم اشتركوا في الإحراز.
ولو تفرّقت السريّة سريّتين وبَعُدت إحداهما عن الاُخرى بحيث لا تقدر إحداهما على عون الاُخرى ثمّ أصابت كلّ سريّة غنيمةً أو أصابت إحداهما دون الاُخرى ثمّ التقتا ، فالنفل من جميع ذلك بينهم بالسويّة ، ولو لم يلتقوا إلّا عند العسكر ، فلكلّ فريق النفل ممّا أصابوا خاصّةً.
ولو أصابت السريّة الغنائم ثمّ لم يقدروا على الرجوع إلى العسكر فخرجوا إلى دار الإسلام من موضع آخر ، قيل(١) : تكون الغنيمة كلّها لهم تقسّم على سهام الغنيمة ؛ لأنّهم تفرّدوا بالإحراز إلى دار الإسلام ، وهو سبب في التملّك ، وإذا صارت الغنيمة كلّها لهم ، بطل التنفيل.
ولو قال الإمام : مَنْ أخذ شيئاً فهو له ، احتمل الجواز - وهو قول أبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي(٢) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال يوم بدر : « مَنْ أخذ شيئاً فهو له »(٣) .
____________________
(١) لم نعثر على القائل.
(٢) بدائع الصنائع ٧ : ١١٥ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٤٧ ، الاُمّ ٤ : ١٤٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥١ ، المغني ١٠ : ٤٥٤.
(٣) سنن البيهقي ٦ : ٣١٥.
واحتمل المنع - وهو الثاني للشافعي(١) - لأنّ مَنْ أجاز ذلك أسقط حقّ أهل الخُمْس من خُمْسه ، ومَنْ يستحقّ جزءاً من الغنيمة لم يجز للإمام ( أن يشترط )(٢) إسقاطه ، كما لو شرط الغنيمة لغير الغانمين.
مسألة ١١٨ : لو بعث سريّتين يمنةً ويسرةً(٣) ونَفَل إحداهما بالثلث والاُخرى بالربع ، جاز(٤) ؛ لاختلاف المصلحة باختلاف البعد والقرب ، وسهولة أحد الطريقين وصعوبة الآخر ، والأمن والخوف ، واختلاف المبعوث إليهم في القوّة والضعف.
فلو بعث واحداً مع سريّة الربع فخرج مع سريّة الثلث ، فلا شيء له في السريّة التي خرج إليها بغير إذن الإمام ، والتي أذن له بالخروج إليها لم يخرج.
واستحسن أبو حنيفة أن يجعل له مع سريّة الثلث مقدار ما سمّى له ، وهو الربع(٥) .
أمّا لو ضلّ رجل من إحدى السريّتين فوقع في الاُخرى فأصاب الغنيمة ، فالوجه أنّه يشاركهم ، فيأخذ من السريّة التي وقع فيها ، لا من التي(٦) خرج معها.
ولو بعث سريّةً ونفلهم بالربع ثمّ أرسل اُخرى وقال لهم : الحقوا
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥١ ، المغني ١٠ : ٤٥٤.
(٢) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : اشتراط.
(٣) في « ق ، ك» : يمنة ويمنة.
(٤) في الطبعة الحجريّة : جاز له.
(٥) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفّرة عندنا.
(٦) في الطبعة الحجريّة : لا من السريّة التي.
بأصحابكم فما أصبتم فأنتم شركاؤهم ، فلحقوا السريّة الاُولى وقد كانوا غنموا غنيمةً ثمّ غنموا معهم غنيمةً اُخرى جميعاً ، فنفل الغنيمة الثانية لهم جميعاً ، ونفل الغنيمة الاُولى للسريّة الاُولى ؛ لأنّ حقّ النفلين يتأكّد في المصاب بالإصابة ، فلا يثبت حقٌّ للسريّة في الغنيمة الاُولى ، فلا يملك الإمام إشراك الثانية فيما أصابت الاُولى ؛ لأنّه يتضمّن إبطال حقّ التأكّد ، وحقّ السريّة الاُولى لم يثبت على وجه الخصوص في الغنيمة الثانية حين لحق بها الثانية ، بل يثبت حقّ السريّتين بإصابتهما ، فصحّ الاشتراك.
هذا إذا أخبرت السريّة الثانية الاُولى بالتنفيل أو أخبروا بعضهم(١) ولو أميرهم ، ولو لم يُخبروهم ، قال أبو حنيفة : تكون الغنيمتان للاُولى ؛ لأنّ الشركة تشتمل على الضرر والغرور بالاُولى ، فلا تصحّ إلّا بعد العلم(٢) .
قال ابن الجنيد : لو غنمت السريّة المنفلة فأحاط بها العدوّ ، فأنجدهم المسلمون ، شركوهم في النفل ما لم يحرزوه في العسكر.
مسألة ١١٩ : يصحّ التنفيل بالشيء(٣) المجهول ، فلو قال : مَنْ جاء بشيء فله منه طائفة ، فجاء رجل بمتاع ، نَفَله الإمام بما يراه مصلحة.
ولو قال : مَنْ جاء بشيء فله منه قليل أو يسير أو شيء منه ، فله أن يعطيه أقلّ من النصف؛ لأنّ القليل واليسير يتناول ما دون النصف ؛ لأنّ مثله لا يكون يسيراً ، وكذا « الشيء » يفهم منه في الغالب القلّة ، فصار كما لو قال : قليلاً.
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : معظمهم. وذلك تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه لأجل السياق.
(٢) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(٣) كلمة « بالشيء » لم ترد في « ق ، ك».
ولو قال : مَنْ جاء بشيء فله جزؤه ، فله أن ينفله بالنصف وما دونه دون ما فوقه ؛ لأنّ الجزء اسم للبعض منه إلى النصف ، يقال : جزء من جزءين ، ويقال لأكثر من النصف : جزءان من ثُلثه ، فدلّ على أنّ ما زاد على النصف لا يكون جزءاً.
ولو قال : مَنْ جاء بشيء فله سهم رجل ، كان له أن يعطيه سهم راجل لا فارس ؛ لأنه المتيقّن.
قال محمّد بن الحسن الشيباني : لو قال : مَنْ جاء بألف درهم فله ألفا درهم ، فجاء بالألف، لم يكن له أكثر من ألف.
ولو قال : مَنْ جاء بالأسير فله الأسير وألف ، لزمه دفعهما ؛ لأنّه في الأوّل قصد تحصيل المال لا غير ، فلا يعطيه إلّا ما أصابه من المال ، وفي الثاني مقصوده كسر شوكتهم بأخذ الأسير(١) .
قال ابن الجنيد : لو قال : مَنْ جاء بأسير فله مائة درهم ، كان ذلك من الغنيمة أو في رقبة الأسير أو بيت مال المسلمين.
مسألة ١٢٠ : لو قال : مَنْ أصاب ذهباً أو فضّةً فهو له ، فأصاب سيفاً محلّىً بأحدهما ، كان له الحلية دون السيف والجفن ؛ لأنّهما متغايران ، والجُعْل إنّما وقع بأحدهما.
ولو أصاب خاتماً ، نزع فُصّه للغنيمة ، وكان الخاتم له.
ولو أصاب أبواباً فيها مسامير فضّة لو نُزعت لهلكت الأبواب ، قال محمد : لا شيء له ؛ لأنّ المسمار مغيب في الباب ، فصار كالمستهلك(٢) .
ولو قال : مَنْ أصاب قزّاً فهو له ، فأصاب جُبّةً محشوّةً بقزّ ، فلا شيء له ؛ لأنّ الحشو مغيب في الجبّة ، والمغيب لا عبرة به.
____________________
(١ و ٢) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
أمّا لو قال : مَنْ أصاب ثوب قزّ فهو له ، فأصاب رجل جبّةً بطانتها ثوب قزّ أو ظهارتها ، فله الثوب القزّ ، والآخر غنيمة.
ولو قال : مَنْ أصاب جبّة حرير فهو له ، فأصاب جبّةً ظهارتها وبطانتها حرير ، فهي له. وكذا لو كانت الظهارة حريراً ، أمّا لو كانت البطانة حريراً ، فلا شيء له.
ولو صعد رجل السور يقاتل المسلمين ، فقال الإمام : مَنْ صعد السطح فأخذه فهو له وخمسمائة ، فصعد رجل فأخذه ، لزمه دفعه ودفع خمسمائة. ولو سقط الرجل من السور فقَتَله رجل خارج الحصن ، فلا شيء له ؛ لأنّ قصد الجُعالة إظهار الجلادة والجرأة.
ولو رماه رجل فطرحه من السور ، قال محمّد : يستحقّ ذلك ؛ لأنّ القصد ليس هو الصعود بل فعل يؤثّر في السقوط لإظهار كسر قلوبهم(١) .
ولو صعد إليه فسقط داخل الحصن فقَتَله ، فله النفل ، لأنّه أتى بالمطلوب وزيادة.
ولو التقى الصفّان ، فقال الأمير : مَنْ جاء برأسٍ فله كذا ، انصرف إلى رؤوس الرجال دون الصبيان ، أمّا لو انهزم الكفّار فقال : مَنْ جاء برأسٍ فله كذا ، فجاء رجل بسبي أو برأس فله النفل.
ولو ادّعى قَتْله فقيل : بل كان ميّتاً ، حلف واُعطي النفل.
ولو جاء برأسٍ لا يعلم كفره وإسلامه ، لم يعط حتى يُعلم كفره. ولو ادّعى آخر أنّه قَتَله ، فالقول قول الآتي به مع اليمين ، فلو نكل فلا نفل.
وفي استحقاق المدّعي إشكال ينشأ من أنّ نكوله إقرار بأنّ المدّعي
____________________
(١) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
قَتَله ، وهو إقرار بإبطال حقّ نفسه وإثبات الحقّ للمدّعي ، وإقراره حجّة عليه لا على غيره ، ومن أنّ الحقّ ثابت له يكون الرأس في يده ، فإذا نكل عن اليمين ، فقد جعل ماله من الحقّ إلى المدّعي ، وله هذه الولاية ، فصار ذلك للمدّعي.
مسألة ١٢١ : لو قال : مَنْ دخل باب هذه المدينة فله ألف ، فاقتحم ( جماعة من المسلمين)(١) فدخلوها ، استحقّ كلّ واحد منهم ألفاً ؛ لأنّه شرط لكلّ داخل ، بخلاف : من دخل فله الربع ، فدخل عشرة ، فلهم الربع الواحد ؛ لأنّ الربع اسم لجزء واحد من المال. ولو دخل واحد ثمّ آخر ، اشتركوا في النفل ، لتعلّق الاستحقاق بالدخول حالة الخوف.
ولو قال : مَنْ دخل فله جارية ، فدخلوا فإذا هناك جارية واحدة ، فلكلّ واحد قيمة جارية وسط ، أمّا لو قال : جارية من جواريهم ، فليس لهم إلّا ما وُجد ؛ فرقاً بين المضاف والمطلق.
ولو قال : مَنْ دخل أوّلاً فله ثلاثة ، ومَنْ دخل ثانياً فله اثنان ، ومَنْ دخل ثالثاً فله واحد ، فدخلوا على التعاقب ، فلكلُّ منهم ما سمّاه ؛ لأنّ التفاوت في النفل مع التفاوت في الخوف جائز.
ولو دخلوا دفعةً ، بطل نفل الأوّل والثاني ، وكان لهم جميعاً نفل الثالث ؛ لأنّ الأوّل هو المتقدّم، والثاني مَنْ تقدّمه واحد ولم يوجد ، والثالث إذا سبقه اثنان أو قارناه ، كان ثالثاً ؛ لأنّ خوف الثالث إذا قارنه اثنان فوق خوفه إذا تقدّمه اثنان ، فيكون فعله أشقّ ، فاستحقاقه أولى.
فلو دخل اثنان أوّل مرّة ، بطل نفل الأوّل ، ونفل الثاني يكون لهما ؛
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : جماعة مسلمون.
لانعدام الأوّليّة بالمقارنة ، بخلاف الثاني ؛ فإنّه يصدق مع المسبوقيّة والمقارنة.
ولو قال : مَنْ دخل أوّلاً من المسلمين فله كذا ، فدخله ذمّيٌّ ثمّ مسلم ؛ استحقّ المسلم ؛ لأنّ أوّليّة الذمّي لا تمنع هذه الصفة ، كالدابّة ، أمّا لو قال : مَنْ دخل من المسلمين أوّلاً من الناس ، لم يستحقّ.
مسألة ١٢٢ : يجوز للإمام أن يجعل للقاتل سَلَب المقتول إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال يوم حُنين(١) : « مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبه » فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين فأخذ سلبهم(٢) ، رواه العامّة(٣) .
ومن طريق الخاصّة : رواية عبد الله بن ميمون ، قال : اُتي عليعليهالسلام بأسير يوم صفّين فبايعه ، فقال عليعليهالسلام : « لا أقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين » فخلّى سبيله ، وأعطى سلبه الذي جاء به(٤) . وإذا أخذ الآتي السَّلَب فالقاتل أولى.
ولأنّ فيه مصلحةً عظيمة تنشأ من التحريض على القتال.
مسألة ١٢٣ : وإنّما يستحقّ القاتل السَّلَب بشروط :
الأوّل : أن يخصّه الإمام به ويشرطه له - وبه قال أبو حنيفة والثوري
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجرية : خيبر. وما أثبتناه من المصادر.
(٢) في المصادر : أسلابهم.
(٣) المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ : ٣٦٩ - ٣٧٠ / ١٤٠٣٠ ، و ١٤ : ٥٢٤ / ١٨٨٣٤ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٢٢٧ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٧١ / ٢٧١٨ ، وفيه : « مَنْ قتل كافراً » المغني ١٠ : ٤١٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤١.
(٤) التهذيب ٦ : ١٥٣ / ٢٦٩.
ومالك وأحمد في رواية(١) - لأنّ السَّلَب جُعل تحريضاً على القتال ، فلا يستحقّه إلّا بشرط الإمام ، كالنفل.
وقال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن الجنيد من علمائنا ، وأحمد في الرواية الاُخرى : يخصّ به القاتل ، سواء قال الإمام أو لم يقل(٢) ؛ لما تقدّم من الرواية(٣) .
وليس فيها دلالة على عدم الشرط قبل ابتداء القتال ، فجاز أن يكون الرسولصلىاللهعليهوآله شرط له ذلك أوّلاً ، وإذا شرط له السَّلَب ، جاز له أخذه وإن لم يأذن له الإمام.
وقال الأوزاعي : يشترط إذن الإمام. وإن لم يشرطه(٤) . في الاستحقاق. قال : لأنّه مجتهد فيه ، فلا ينفذ أمره فيه إلّا بإذن الإمام(٥) .
الثاني : أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم ، فلو قتل امرأةً أو صبيّاً أو شيخاً فانياً لا رأي له ونحوهم ممّن لم يقاتل ، لم يستحقّ سَلَبه إجماعاً ؛ لأنّ قتل هؤلاء منهيٌّ عنه ، فلا يستحقّ به نفل. ولو قتل
____________________
(١) تحفة الفقهاء ٣ : ٢٩٧ ، النتف ٢ : ٧٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٩ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٥٦ / ١٦١١ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٩٧ ، المغني ١٠ : ٤١٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٣ و ١٤ : ١٥٥.
(٢) المغني ١٠ : ٤١٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٦ - ٤٤٧ ، الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٥ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٣ و ١٤ : ١٥٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٨ ، المهذب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣١ ، بداية المجتهد ١ : ٣٩٧ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٩٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٩ ، النتف ٢ : ٧٢١.
(٣) تقدّمت الرواية وكذا الإشارة إلى مصادرها في ص ٢١٤ والهامش (٣)
(٤) في الطبعة الحجريّة : وإن لم يكن شرطه.
(٥) المغني ١٠ : ٤٢٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٨.
أحدهم وهو مُقاتل ، استحقّ سَلَبه ؛ لأنّه يجوز قتله إذا كان يقاتل ، فيدخل تحت عموم الخبر.
الثالث : أن يكون المقتول ممتنعاً ، فلو قتل أسيراً له أو لغيره ، أو مَنْ اُثخن بالجراح وعجز عن المقاومة ، لم يستحقّ سَلَبه - وبه قال الشافعي وأحمد ومكحول(١) - لأنّ ابني عفراء أثخنا أبا جهل يوم بَدْر فأجاز عليه عبد الله بن مسعود فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله سَلَبه لابني عفراء ، ولم يُعط ابن مسعود شيئاً(٢) .
ولأنّه لم يغرّر بنفسه في دفع شرّه.
وقال أبو ثور وداوُد : يستحقّ سَلَبه على أيّ وجه قَتَله ؛ لعموم الخبر(٣) .
والخبر محمول على القاتل حالة الامتناع.
ولو قطع يدي رجل ورِجْليه وقَتَله آخر ، فالسَّلَب للقاطع دون القاتل ؛ لأنّه الذي منع شرّه عن المسلمين.
ولو قطع يديه أو رِجْليه وقَتَله آخر ، قال الشيخرحمهالله : السَّلَب للقاتل ؛ لأنّه لم يصيّره بالقطع ممتنعاً ؛ فإنّ مقطوع اليدين يمتنع بالعَدْو ، ومقطوع الرِّجْلين يمتنع برمي يديه(٤) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٥٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣١ ، المغني ١٠ : ٤١٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٤.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، المغني ١٠ : ٤١٤ و ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٤ ، وانظر : صحيح البخاري ٥ : ٩٥ ، وصحيح مسلم ٣ : ١٤٢٤ / ١٨٠٠ ، وسنن البيهقي ٩ : ٩٢ ، ومسند أحمد ٣ : ٥٦٠ / ١١٧٣٣ ، و ٥٨٣ / ١١٨٩٥ ، و ٤ : ١١٧ - ١١٨ / ١٣٠٦٥.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، المغني ١٠ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٤.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٧.
وقال بعض العامّة : يخصّ القاطع ؛ لأنّه عطّله(١) .
وليس جيّداً ؛ لما قاله الشيخرحمهالله
وقال بعضهم : يكون غنيمةً ؛ لأنّ القاطع لم يكف شرّه كلّه ، والقاتل قتل مثخناً(٢) .
أمّا لو قطع يده ورِجْله من خلاف ثمّ قَتَله آخر ، فإن كان القاطع يمنع شرّه أجمع بقطع العوضين ، فالسَّلَب له ، وإلّا فللقاتل.
ولو عانق رجل رجلاً فقَتَله آخر ، فالسَّلَب للقاتل - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّ المعانق ليس قاتلاً ، والقاتل كفى المسلمين شرّه.
وقال الأوزاعي : للمعانق(٤) .
الرابع : القتل أو الإثخان بالجراح بحيث يجعله معطّلاً في حكم المقتول ، فلو أسر رجلاً ، لم يستحق سلبه وإن قتله الإمام أو لم يقتله ؛ لأنّهصلىاللهعليهوآله جَعَل السَّلَب للقاتل(٥) .
وقال مكحول : مَنْ أسر مشركاً ، استحقّ سَلَبه(٦) .
وقال بعض العامّة : إن استبقاه الإمام ، كان له فداؤه أو رقبته وسَلَبه ؛ لأنّه كفى المسلمين شرّه ، لأنّ الأسر أصعب من القتل ، وقد كفى المسلمين شرّه(٧) .
____________________
(١ و ٢) المغني ١٠ : ٤١٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٩.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٤١٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٥) المعجم الكبير - للطبراني - ٧ : ٢٩٥ - ٢٩٧ / ٦٩٩٥ - ٦٩٩٧ - ٦٩٩٧ و ٧٠٠٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ : ٣٦٩ / ١٤٠٣٠ ، و ٣٧٢ / ١٤٠٣٦ ، و ١٤ : ٥٢٤ / ١٨٨٣٤ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٢٢٧ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٠٧ و ٣٠٩.
(٦) المغني ١٠ : ٤١٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٩.
(٧) المغني ١٠ : ٤١٥ - ٤١٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٩.
وليس جيّداً ؛ لأنّ الجُعْل للقتل لا للأسر. نعم ، لو شرط الإمام السَّلَب لمن استأسر ، استحقّ سلبه(١) .
الخامس : أن يغرّر القاتل بنفسه في قتله بأن يبارز إلى صفّ المشركين أو إلى مبارزة مَنْ يبارزهم ، فيكون له السَّلَب ، فلو لم يغرّر بنفسه ، مثل أن يرمي سهماً في صفّ المشركين من صفّ المسلمين فيقتل مشركاً ، لم يكن له سَلَبه ؛ لأنّ القصد التحريض على القتال ومبارزة الرجال ولا يحصل إلّا بالتغرير.
ولو حمل جماعة من المسلمين على مشرك فقتلوه. فالسَّلَب في الغنيمة ؛ لأنّهم باجتماعهم لم يغرّروا بأنفسهم في قتله.
ولو اشترك اثنان في قتله بأن ضرباه فقتلاه أو جرحاه فمات من جرحهما ، فالسَّلَب لهما - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية(٢) - لأنّ قولهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبه »(٣) يتناول الاثنين والواحد على حدُّ واحد ، فلا وجه للتخصيص.
وقال أحمد في رواية : يكون غنيمةً ؛ لأنّ سبب استحقاق السَّلَب التغريرُ ، ولا يحصل بقتل الاثنين(٤) .
وهو ممنوع ؛ فقد يحصل التغرير بالاثنين.
ولو اشترك اثنان في ضربه وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر ، قال
____________________
(١) كلمة « سلبه » لم ترد في « ق ، ك».
(٢) الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٥ ، المغني ١٠ : ٤١٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٣) اُنظر : المصادر في الهامش (٥) من ص ٢١٧.
(٤) المغني ١٠ : ٤١٦ - ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٨ - ٤٤٩.
بعض العامّة : يكون السَّلَب له ؛ لأنّ أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وأتيا النبيصلىاللهعليهوآله فأخبراه ، فقال : « كلاكُما قَتَله » وقضى بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح(١) (٢) .
السادس : أن يقتله والحرب قائمة ، سواء قَتَله مُقبلاً أو مُدبراً ، أمّا لو انهزم المشركون فقَتَله ، لم يستحقّ السَّلَب ، بل كان غنيمةً ؛ إذ لا تغرير حينئذٍ ، بخلاف ما لو قَتَله مُدبراً والحرب قائمة ؛ لأنّ التغرير موجود ، فإنّ الحرب كَرٌّ وفَرٌّ. وبه قال الشافعي(٣) .
وقال أبو ثور وداوُد : لا يشترط قيام الحرب بل يستحقّ القاتل السَّلَب مطلقاً(٤) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ ابن مسعود ذفّف(٥) على أبي جهل فلم يُعطه النبيصلىاللهعليهوآله سَلَبه(٦) .
وإن شرطنا في المبارزة إذن الإمام ، لم يستحقّ القاتل السَّلَب إلّا مع إذنه في المبارزة ، وإلّا استحقّ.
السابع : أن يكون القاتل له نصيب من الغنيمة إمّا سهم أو رضخ ، ولو لم يكن له نصيب ولا رَضَخ له الإمام شيئاً بأن يكون مخذّلاً كعبد الله بن
____________________
(١) صحيح البخاري ٤ : ١١٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٧٢ / ١٧٥٢.
(٢) المغني ١٠ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٩.
(٣) الاُمّ ٤ : ١٤٢ ، الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٧ و ١٤ : ١٥٦ ، المغني ١٠ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٤.
(٤) المغني ١٠ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٨.
(٥) الذفّ : الإجهاز على الجريح. لسان العرب ٩ : ١١٠ « ذفف ».
(٦) المغني ١٠ : ٤١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٤.
اُبيّ ، أو يكون معيناً على المسلمين أو مرجفاً ، لم يستحقّ سَلَباً ؛ لأنّ ترك السهم من حيث إنّه عاون على المسلمين ، فلا يستحقّ السَّلَب ، أو يكون لنقصٍ فيه ، كالمرأة والمجنون ، فالذي قوّاه الشيخرحمهالله استحقاق السَّلَب ؛ لعموم الخبر(١) . وهو أحد قولي الشافعي ، وفي الآخر : لا يستحقّ ؛ لأنّ السهم آكد من السَّلَب ؛ للإجماع على استحقاق السهم دون السَّلَب ، فإذا انتفى السهم انتفى السَّلب(٢) .
والصبي عندنا يُسهم له ، فيستحقّ السَّلَب.
وللشافعي قولان(٣) .
ومَنْ يستحقّ الرضخ - كالمرأة والعبد والكافر - فالأقوى استحقاقه للسَّلَب ؛ للعموم ، ولأنّه من أهل الغنيمة.
وللشافعي قولان(٤) .
والعاصي بالقتال - كالداخل بغير إذن الإمام أو بنهي أبويه عنه مع عدم تعيينه - لا يستحقّ السَّلَب.
ولو قتل العبد ، استحقّ مولاه سَلَبه. ولو خرج بغير إذن مولاه ، قال بعض الجمهور : لا سَلَب له ؛ لأنّه عاصٍ(٥) .
مسألة ١٢٤ : اختلف علماؤنا في السَّلَب هل يُخمَّس أم لا؟ على قولين :
أحدهما : يجب فيه الخمس ، وبه قال ابن عباس والأوزاعي
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٦ ، وتقدّم الخبر وكذا الإشارة إلى مصادره في ص ٢١٧ والهامش (٥)
(٢ - ٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٩ ، و ١٤ : ١٥٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٢ ، المغني ١٠ : ٤١٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤١ - ٤٤٢.
(٥) المغني ١٠ : ٤١٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٢.
ومكحول(١) .
والثاني : لا يجب ، وهو قويّ ؛ لأنّهعليهالسلام قضى بالسَّلَب للقاتل(٢) ، ولم يخمّس السَّلَب ، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير وأحمد ؛ للعموم(٣) .
وقال إسحاق : إن كان السَّلَب كثيراً ، خمّس ، وإلّا فلا. وهو قول عمر(٤) .
ونمنع أنّه غنيمة ، فلا يدخل تحت عموم الآية(٥) ، ولو سُلّم فالعامّ يُخصّ بالسُّنّة.
إذا عرفت هذا ، فالسَّلَب يستحقّه القاتل من أصل الغنيمة - وبه قال الشافعي ومالك في إحدى الروايتين(٦) - لأن النبيصلىاللهعليهوآله جَعَل السَّلَب للقاتل(٧) مطلقاً ، ولم ينقل أنّه جَعَله من خُمْس الخُمْس.
وفي الرواية الثانية عن مالك أنّه يُحسب من خُمّس الخُمْس الذي هو سهم المصالح ؛ لأنّه استحقّه القاتل للتحريض على القتال ، فكان من سهم
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤١٨ ، الشرح الكبير : ٤٤٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٨.
(٢) تقدّمت الإشارة الى مصادره في ص ٢١٧ ، الهامش ٥.
(٣) الاُمّ ٤ : ١٤٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٨ ، المغني ١٠ : ٤١٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٥.
(٤) المغني ١٠ : ٤١٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٥ - ٤٤٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣٩٨.
(٥) الأنفال : ٤١.
(٦) الاُمّ ٤ : ١٤٢ ، مختصر المزني : ١٤٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٠١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٤.
(٧) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢١٧ ، الهامش (٥)
المصالح ، كالنفل(١) .
ونمنع ثبوت الحكم في الأصل ، مع أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يقدّره ولم يستعلم قيمته ، ولو وجب احتسابه من خُمْس الخُمْس ، لوجب العلم بقدره وقيمته.
وأمّا النفل : فيستحقّه مَنْ قُوطع عليه بعد الفعل ويُخمَّس عليه ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال : « لا نفل إلّا بعد الخُمْس »(٢) .
ولقوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (٣) .
ويستحقّه المجعول له زائداً عن سهمه الراتب له ، ولا يتقدّر بقدر ، بل هو موكول إلى الإمام ، قلّ أو كثر.
والنفل يكون إمّا بأن يبذل الإمام من سهم نفسه الذي هو الأنفال ، أو يجعله من الغنيمة.
ولو جعل الإمام نفلاً على فعل مصلحة فتبرّع مَنْ يقوم بها مجّاناً ، لم يكن له أن ينفل. وكذا لو وجد مَنْ ينتدب بنفلٍ اُقلّ ، لم يكن له أن ينفل الأكثر ، إلّا أن يعلم الإمام أنّ طالب النفل الأكثر أنكى للعدوّ وأبلغ في مقصوده.
مسألة ١٢٥ : السَّلَب كلّ مال متّصل بالمقتول ممّا يحتاج إليه في القتال ، كالثياب والعمامة والقلنسوة والدرع والمغفر والبيضة والجوشن والسلاح ، كالسيف والرمح والسكّين ، فهذا كلّه سَلَب يستحقّه القاتل إجماعاً.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤١٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٤٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٢.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٨٢ / ٢٧٥٣ ، سنن البيهقي ٦ : ٣١٤ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٢٤٢ ، مسند أحمد ٤ : ٥١٣ / ١٥٤٣٥.
(٣) الأنفال : ٤١.
وأمّا ما لا يحتاج إليه في القتال ممّا هو متّصل به وإنّما يتّخذ للزينة أو غيرها ، كالتاج والسوار والطرق والهميان الذي للنفقة ، والمنطقة ، فهل يكون سَلَباً أم لا؟ تردّد الشيخ فيه ، وقوّى كونه سَلَباً(١) - وهو قول أحمد وأحد قولي الشافعي(٢) - لأنّه لابِسٌ له ، فهو سَلَب في الحقيقة ، فيدخل تحت عموم الخبر(٣) .
وقال الشافعي في الآخر : إنّه لا يكون سَلَباً ؛ لأنّه لا يحتاج إليه في القتال ، فأشبه المنفصل(٤) .
والحكم معلّق على الاسم الذي يندرج فيه صورة النزاع دون صورة النقص ، فافترقا.
والدابّة التي يركبها من السَّلب وإن لم يكن راكباً لها إذا كانت بيده - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(٥) - لأنّه يستعان بها في الحرب ، فأشبهت السلاح.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٧.
(٢) المغني ١٠ : ٤٢١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٠ - ٤٥١ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٤٣ ، الاُمّ ٤ : ١٤٢ - ١٤٣ ، الوجيز ١ : ٢٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٠٠ ، و ١٤ : ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) تقدّمت الإشارة الى مصادره في ص ٢١٧ ، الهامش (٥)
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٤٠٠ ، و ١٤ : ١٥٧ - ١٥٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٣ ، المغني ١٠ : ٤٢١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٠ - ٤٥١ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٤٣.
(٥) مختصر المزني : ١٤٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٣ ، المغني ١٠ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥١ - ٤٥٢ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٥.
وفي رواية عن أحمد أنّها ليست سَلَباً ؛ لأنّ السَّلَب ما كان على بدنه(١) .
وينتقض بالسيف والرمح.
وكذا ما على الدابّة من سرج ولجام وجميع آلاتها وحلية تلك الآلات من السَّلَب ؛ لأنّه تابع لها ، ويستعان به في القتال.
ولو كانت الدابة في منزله أو مع غيره أو منفلتة(٢) ، لم تكن سَلَباً ، كالسلاح الذي ليس معه.
ولو كان راكباً عليها فصرعه عنها ثمّ قتله بعد نزوله عنها ، فهي من السَّلَب.
ولو كان ماسكاً بعنانها غير راكب ، قال ابن الجنيد : تكون من السَّلَب - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية(٣) - لأنّه يتمكّن من القتال عليها ، فأشبهت ما في يده من السيف والرمح.
وفي رواية عن أحمد : أنّها ليست سَلَباً ؛ لأنّه ليس راكباً عليها ، فأشبه ما لو كانت في يد غلامه(٤) .
وأمّا الجنيب(٥) الذي يساق خلفه : فليس من السَّلَب ؛ لأنّ يده ليست عليه.
ولو كان راكباً دابّةً وفي يده جنيب له ، قال ابن الجنيد : يكون من
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥١ - ٤٥٢ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٥.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : منفصلة. وذلك تصحيف. والصحيح ما أثبتناه.
(٣) اُنظر : المصادر في الهامش (٥) من ص ٢٢٣.
(٤) المغني ١٠ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥١ - ٤٥٢.
(٥) أي : الدابّة تقاد. الصحاح ١ : ١٠٢ « جنب ».
السَّلَب ؛ لأنّه ممّا يستعان به على القتال ويده عليه ، فكان سَلَباً ، كالفرس المركوب. وهو أحد قولي الشافعي(١) .
والثاني : لا يكون سَلَباً ؛ لأنّه لا يمكن ركوبهما معاً ، فلا يكون سَلَباً(٢) .
ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال في قتيل سلمة ابن الأكوع : « له سَلَبه أجمع »(٣) .
قال ابن الجنيد : ولا أختار أن يجرّد الكافر في السَّلَب.
وكرهه الثوري(٤) ، ولم يكرهه الأوزاعي(٥) .
ولم يكن أمير المؤمنينعليهالسلام يأخذ سَلَب أحد عند مباشرته للحروب.
مسألة ١٢٦ : الأقرب افتقار مدّعي السَّلَب إلى بيّنة بالقتل - خلافاً للأوزاعي(٦) - لقولهعليهالسلام : « مَنْ قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سَلَبه »(٧) .
ولأنّه مُدّعٍ ، فافتقر الى البيّنة.
احتجّ : بأنّ النبيعليهالسلام قَبِل قول أبي قتادة(٨) .
وليس حجّةً ؛ لأنّ خصمه أقرّ له فاكتفى بإقراره.
وهل يفتقر الى شاهدين؟ قال به أحمد ؛ لأنّ النبيعليهالسلام اعتبر البيّنة(٩) ، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين ، ولأنّها دعوى قتل ، فاعتبر شاهدان ، كقتل
____________________
(١ و ٢) الوجيز ١ : ٢٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٠ - ٣٦١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٣.
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٣٧٥ ذيل الحديث ١٧٥٤ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٤٩ / ٢٦٥٤ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٠٧.
(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٤٢٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٢.
(٦) المغني ١٠ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٠.
(٧ - ٩) صحيح مسلم ٣ : ١٣٧١ / ١٧٥١ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٧٠ / ٢٧١٧ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٠٦ ، الموطّأ ٢ : ٤٥٤ / ١٨.
العمد(١) .
وقال بعض العامّة : يُقبل شاهد ويمين ؛ لأنّها دعوى مال. ويحتمل قبول شاهد من غير يمين ، لأنّ النبيعليهالسلام قَبِل قول الذي شهد لأبي قتادة من غير يمين(٢) (٣) .
مسألة ١٢٧ : لو قال الإمام : مَنْ أخذ شيئاً فهو له ، جاز - وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال أبو حنيفة(٤) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال يوم بدر : « مَنْ أخذ شيئاً فهو له »(٥) .
والثاني : المنع ، وإلّا سقط حقّ أهل الخُمْس من خُمْسه ، ومَنْ يستحقّ جزءاً من الغنيمة لم يجز للإمام أن يشترط إسقاطه ، كما لو شرط الغنيمة لغير الغانمين. وتأوّل الخبر بأنّ غنائم بَدْر لم تكن للغانمين ؛ لأنّ الآية(٦) نزلت بعدها ، ولهذا قسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمن لم يحضرها(٧) .
قال الشيخرحمهالله : لو قال الإمام قبل لقاء العدوّ : مَنْ أخذ شيئاً من الغنيمة فهو له بعد الخُمْس ، كان جائزاً ؛ لأنّه معصوم وفِعْلُه حجّة(٨) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٠.
(٢) المصادر في الهامش ( ٧ - ٩ ) من ص ٢٢٥.
(٣) المغني ١٠ : ٤٢٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٠.
(٤) المهذّب - الشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٦ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٥ ، المغني ١٠ : ٤٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١١.
(٥) سنن البيهقي ٦ : ٣١٥.
(٦) الأنفال : ٤١.
(٧) المصادر في الهامش (٤)
(٨) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٨ - ٦٩.
مسألة ١٢٨ : لا سهم للنساء في الغنيمة ، بل يرضخ لهنّ الإمام ما يراه ؛ للحاجة إليهنّ في معالجة الطبخ ومداواة المرضى وغير ذلك ، فيدفع إليهنّ الإمام من الغنيمة شيئاً دون السهم ، وله أن يسوّي بين النساء في الرضخ ، وأن يفضّل مع المصلحة ، عند علمائنا أجمع ، وأكثر العلماء(١) ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيعليهالسلام كان يغزو بالنساء فيُداوين الجرحى ، ويُحْذَيْنَ(٢) من الغنيمة ، وأمّا السهم فلم يضرب لهنّ(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول أحدهماعليهماالسلام : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج بالنساء في الحرب يداوين الجرحى ، ولم يقسّم لهنّ من الفيء شيئاً ولكن نفلهنّ »(٤) .
ولأنّهنّ لسن من أهل القتال ، ولهذا لم يجب عليهنّ فرضه.
وقال الأوزاعي : يُسهم للنساء ؛ لأنّ النبيعليهالسلام ضرب لسهلة بنت عاصم يوم حُنين بسهم ، فقال رجل من القوم : أعطيتَ سهلة مثل سهمي(٥) (٦) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٥ ، سنن الترمذي ٤ : ١٢٦ ذيل الحديث ١٥٥٦ ، الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥١ - ٣٥٣ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٢٩ و ٣٣٠.
(٢) أي : يُعْطَيْنَ. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٣٥٨ « حذا ».
(٣) صحيح مسلم ٣ : ١٤٤٤ / ١٨١٢ ، سنن الترمذي ٤ : ١٢٥ - ١٢٦ / ١٥٥٦ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٣٢ ، مسند أحمد ١ : ٥٠٧ / ٢٨٠٧ ، المغني ١٠ : ٤٤٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٦.
(٤) الكافي ٥ : ٤٥ / ٨ ، التهذيب ٦ : ١٤٨ - ٢٦٠.
(٥) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٨٣ / ٢٧٨٤.
(٦) المغني ١٠ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٥ ، سنن الترمذي ٤ : ١٢٦ ، ذيل =
وليس حجّةً ؛ لأنّ في الحديث : أنّها ولدت ، فأعطاها النبيصلىاللهعليهوآله لها ولولدها ، وعندنا يسهم للمولود كالرجل.
مسألة ١٢٩ : لا سهم للعبيد ، بل يرضخ لهم الإمام ما يراه مصلحة وإن جاهدوا ، وبه قال أكثر العلماء(١) ؛ لما رواه العامّة عن ابن عباس في المرأة والمملوك يحضران الفتح ليس لهما سهم ، وقد يرضخ لهما(٢) .
ولأنّه ليس من أهل القتال ، فلا يجب عليه الجهاد ، فأشبه المرأة.
وقال أبو ثور : يُسهم للعبد - وهو مرويّ عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والنخعي - لأنّ حرمة العبد في الدين كحرمة الحُرّ ، وفيه من العناء ما فيه ، فاُسهم له كالحُرّ(٣) .
والفرق : أنّ الحُرّ يجب عليه الجهاد ، والحُرّية مظنّة الفراغ(٤) للنظر والفكر في مصالح المسلمين ، بخلافه.
ولا فرق بين العبد المأذون له وغيره في عدم الإسهام ، بل يرضخ لهما.
وقال ابن الجنيد : يُسهم للعبد المأذون - وبه قال الأوزاعي وأبو ثور(٥) -
____________________
= الحديث ١٥٥٦ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٤٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١.
(١) المغني ١٠ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٥ ، سنن الترمذي ٤ : ١٢٧ ذيل الحديث ١٥٥٧ ، الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥١ - ٣٥٣ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٤٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٢٩.
(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٤٤٦ ذيل الحديث ١٤٠ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٣٢ ، المغني ١٠ : ٤٤٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٦.
(٣) المغني ١٠ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٥.
(٤) في « ق ، ك» : « النزاع » بدل « الفراغ ».
(٥) معالم السنن - للخطّابي - ٤ : ٤٩ ، المغني ١٠ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٥.
وغير المأذون لا يُسهم له إجماعاً.
ثمّ إن كره مولاه الغزو ، لم يُرضخ له ؛ لعصيانه ، وإن عرف منه الإباحة ، استحقّ الرضخ كالمأذون.
ولو اُعتق العبد قبل انقضاء الحرب ، اُسهم له.
ولو قُتل سيّد المدبَّر قبل تقضّي الحرب وهو يخرج من الثلث ، عُتق واُسهم له مع حضوره.
ومَنْ نصفه حُرُّ قيل : يُرضخ له بقدر ما فيه من الرقّ ، ويُسهم له بقدر ما فيه من الحُرّيّة ، لأنّه ممّا يمكن تنصيفه فينصف كالميراث(١) .
وقيل : يُرضخ له ؛ لأنّه ليس من أهل وجوب القتال ، فأشبه الرقيق(٢) .
والخنثى المشكل يُرضخ له ؛ لعدم علم الذكوريّة ، ولعدم وجوب الجهاد عليه(٣) .
وقيل : له نصف سهم ونصف الرضخ ، كالميراث(٤) .
ولو ظهر حاله وعُلم أنّه رجل ، اُتمّ له سهم الرجل ، سواء انكشف قبل تقضّي الحرب أو بعده ، أو قبل القسمة أو بعدها ؛ لأنّه قد ظهر لنا استحقاقه للسهم واُعطي دون حقّه.
مسألة ١٣٠ : يُسهم للصبي إذا حضر الحرب وإن وُلد بعد الحيازة قبل القسمة ، كالرجل المقاتل ، عند علمائنا أجمع - وبه قال الأوزاعي(٥) -
____________________
(١ و ٢) المغني ١٠ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٦.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٧.
(٥) المغني ١٠ : ٤٤٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤١٣.
لما رواه العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أسهم للصبيان بخيبر(١) . وأسهم أئمّة المسلمين كلَّ مولود وُلد في دار الحرب.
ومن طريق الخاصّة : قول أمير المؤمنينعليهالسلام : « إذا وُلد المولود في أرض الحرب قسّم له ممّا أفاء الله عليه(٢) »(٣) .
ولأنّه حُرٌّ ذَكَر(٤) حضر القتال ، وله حكم المسلمين ، فيُسهم له كالرجل. ولأنّ في إسهامه بعثاً له بعد البلوغ على الجهاد ، فيكون لطفاً له فيجب. ولأنّه معرَّض للتلف ، فأشبه المـُحارب.
وقال مالك : يُسهم له إذا قاتل وقدر عليه ومثله قد بلغ القتال(٥) .
وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والليث وأحمد وأبو ثور : لا يُسهم له ، بل يرضخ(٦) .
وعن القاسم وسالم ليس شيء ؛ لأنّه ليس من أهل القتال ، فلم يُسهم له ، كالعبد(٧) .
والفرق : أنّ المظنّة للاستحقاق - وهي الحُرّيّة والذكورة - تثبت له ،
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٤٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٧.
(٢) في المصدر : عليهم.
(٣) التهذيب ٦ : ١٤٧ - ١٤٨ / ٢٥٩.
(٤) في الطبعة الحجريّة : ذكر حُرّ.
(٥) بداية المجتهد ١ : ٣٩٢ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٩ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٤ ، المغني ١٠ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٧.
(٦) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٤٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٧ ، الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥١ - ٣٥٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ و ٢٤٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٢٩ ، المغني ١٠ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٧.
(٧) المغني ١٠ : ٤٤٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٧.
فيثبت الحكم.
مسألة ١٣١ : الكافر لا يُسهم له ، بل يرضخ له الإمام ما يراه ، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية(١) - لأنّه ليس من أهل الجهاد ؛ لأنّه لا يخلص نيّته للمسلمين ، فلا يساويهم في الاستحقاق.
وقال الثوري والزهري وإسحاق : يُسهم له ، كالمسلم - وهو رواية عن أحمد - لما رواه الزهري أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله استعان بناسٍ من اليهود في حربه فأسهم لهم(٢) .
ولأنّ الكفر نقص في الدين ، فلم يمنع استحقاق السهم ، كالفسق(٣) .
ويحتمل أن يكون الراوي سمّى الرضخ إسهاماً. والفرق بين الكفر والفسق ظاهر.
وإنّما يستحقّ الكافر الرضخ عندنا أو السهم عند آخرين لو خرج إلى القتال بإذن الإمام. ولو خرج بغير إذنه ، لم يُسهم له ولم يُرضخ إجماعاً ؛ لأنّه غير مأمون على الدين.
ولو غزا جماعة من الكفّار بانفرادهم فغنموا ، فغنيمتهم للإمام ؛ لما يأتي من أنّ الغنيمة بغير إذن الإمام له.
وقال بعض العامّة : غنيمتهم لهم ولا خُمس فيها ؛ لأنّه اكتساب مباح لم يؤخذ على وجه الجهاد ، فكان كالاحتطاب(٤) .
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٩ و ٢٤٦ ، المغني ١٠ : ٤٤٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٩.
(٢) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٨٤ / ٢٧٩٠.
(٣) المغني ١٠ : ٤٤٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٩.
(٤) المغني ١٠ : ٤٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٨.
وقال بعضهم : فيه الخُمْس ؛ لأنّه غنيمة قومٍ من أهل دار الإسلام ، فأشبه غنيمة المسلمين(١) .
ويجوز أن يستعين الإمام بالمشركين في الجهاد - وبه قال الشافعي(٢) وجماعة من العلماء(٣) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله استعان بناسٍ من اليهود في حربه(٤) .
وقال ابن المنذر : لا يستعان بهم(٥) . وعن أحمد روايتان(٦) .
ويشترط أن يكون المستعان به من المشركين في الحرب حَسَن الرأي في المسلمين مأمون الضرر.
مسألة ١٣٢ : لا حدّ معيّن للرضخ ، بل هو موكول إلى نظر الإمام لكن لا يبلغ للفارس سهم فارس ولا للراجل سهم راجل ، كما لا يبلغ بالتعزير الحدّ.
وينبغي أن يفضّل بعضهم على بعض بحسب مراتبهم وكثرة النفع به وضدّ ذلك ، ولا يسوّى بينهم في السهام ؛ لأنّ السهم منصوص عليه غير موكول إلى الاجتهاد فلم يختلف ، كالحدّ والدية ، والرضخ مجتهد فيه ،
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٧.
(٢) الوجيز ٢ : ١٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٤١ ، المغني ١٠ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢١.
(٣) في المغني ١٠ : ٤٤٧ ، هكذا : ولا يستعان بمشرك ، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم. وفي الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٠ - ٤٢١ : وهذا اختيار ابن المنذر والجوزجاني في جماعة من أهل العلم.
(٤) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٨٤ / ٢٧٩٠.
(٥) المغني ١٠ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢١.
(٦) المغني ١٠ : ٤٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٢٠ - ٤٢١.
فاختلف ، كالتعزير.
قال الشيخرحمهالله : الرضخ ، يكون من أصل الغنيمة(١) - وهو أحد أقوال الشافعي(٢) - لأنّهم يستحقّون ذلك لمعاونة الغانمين في تحصيل الغنيمة ، فكانوا كالحُفّاظ والناقلين تكون اُجرتهم من الأصل. ولو أعطاهم الإمام ذلك من ماله من الأنفال وحصّته من الخُمْس ، جاز.
والثاني للشافعي : يكون من أربعة الأخماس ؛ لأنّهم يستحقّون ذلك بحضورهم الوقعة ، فأشبهوا الغانمين(٣) .
والثالث : أنّه يدفع من سهم المصالح ؛ لأنّ مستحقّ الرضخ ليس من أصحاب السهم ولا من أصحاب الخُمْس ، فلم يكن الدفع إليه إلّا على وجه المصلحة ، فكان من سهم المصالح(٤) .
ولو استأجر الإمام أهل الذمّة للقتال ، جاز ، ولا يبيّن المدّة ؛ لأنّ ذكر المدّة غرر ، فربما زادت مدّة الحرب أو نقصت ، وعفي عن الجهالة هنا ؛ لموضع الحاجة. فإن لم يكن قتال ، لم يستحقّوا شيئاً ، وإن كان قتال ، فإن قاتلوا ، استحقّوا الاُجرة ، وإلّا فإشكال ينشأ من أنّه منوط بالعمل ولم يوجد ، ومن أنّه يستحقّ(٥) بالحضور ؛ لأنّه بمنزلة القتال في حقّ المسلم يستحقّ به السهم ، فكذا هنا. والأوّل أقوى.
ولو زادت الاُجرة على سهم الراجل أو الفارس ، احتمل أن يعطى ما
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٠.
(٢ - ٤) الوجيز ١ : ٢٩٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥٣ - ٣٥٤ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨١ - ٦٨٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٠٢ ، وحكى ابن قدامة في المغني ١٠ : ٤٤٩ عن الشافعي قولين.
(٥) في « ك» والطبعة الحجريّة : استحقّ.
يكون رضخا من الغنيمة ، وما زاد يكون من سهم المصالح ، وأن يدفع ذلك كلّه من الغنيمة ، لجريانه مجرى المؤونة التي لا يعتبر فيها النقصان عن السهم.
ولو غزا الرجل بغير إذن الإمام ، أخطأ. ولو غنم مع العسكر ، فسهمه للإمام. ولو غزا بغير إذن أبويه أو بغير إذن صاحب الدّين ، استحقّ السهم ، لتعيّن الجهاد عليه بالحضور.
مسألة ١٣٣ : قال الشيخرحمهالله : ليس للأعراب من الغنيمة شيء وإن قاتلوا مع المهاجرين، بل يرضخ لهم الإمام بحسب ما يراه مصلحة(١) .
ونعني بالأعراب مَنْ أظهر الإسلام ولم يصفه ، وصُولح على إعفائه عن المهاجرة وترك النصيب.
ويجوز أن يعطيهم الإمام من سهم ابن السبيل من الصدقة ؛ لأنّ الاسم يتناولهم.
ومَنَعه ابن إدريس ، وأوجب لهم النصيب كغيرهم من المقاتلة(٢) .
والشيخرحمهالله استدلّ بقول الصادقعليهالسلام : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنّما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على إن دَهَمه من عدوّه دَهْمٌ أن يستنفرهم فيقاتل بهم وليس لهم في الغنيمة(٣) نصيب »(٤) .
ولا نعلم صحّة سند هذه الرواية.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٤ ، النهاية : ٢٩٩.
(٢) السرائر : ١٦٠.
(٣) في النسخ الخطّيّة والحجريّة : « القسمة ». وما أثبتناه من المصدر.
(٤) التهذيب ٦ : ١٥٠ / ٢٦١.
مسألة ١٣٤ : أوّل ما يبدأ الإمام بعد إحراز الغنيمة بدفع ما تقدّم من السَّلَب ؛ لأنّ حقّه متعلّق بالعين ، ثمّ اُجرة الحمّال والحافظ والناقل والراعي ؛ لأنّ ذلك من مُؤنها يؤخذ من أصلها ، ثمّ الرضخ إن قلنا : إنّه يخرج من أصل الغنيمة ، ثمّ يفرز خُمْس الباقي لأهله ، وتُقسّم أربعة الأخماس الباقية بين الغانمين.
وتُقدّم قسمة الغنيمة على قسمة الخُمْس ؛ لأنّ مستحقّ الغنيمة حاضرون ، ويقف رجوعهم وانصرافهم إلى مواطنهم على قسمة الغنيمة ، وأهل الخُمْس غُيّاب في مواطنهم. ولأنّ الغنيمة حصلت باجتهاد الغانمين فكأنّها بعوض ، فكانت آكد من الخُمْس.
مسألة ١٣٥ : للإمام أن يصطفي لنفسه من الغنيمة ما يختاره ، كفرسٍ جواد وثوبٍ مرتفع وجاريةٍ حسناء وسيف قاطع وغير ذلك ممّا لا يضرّ بالعسكر ، عند علمائنا أجمع ؛ لما رواه العامّة : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يصطفي من الغنائم الجارية والفرس وما أشبههما في غزاة خيبر وغيرها(١) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « نحن قوم فرض الله طاعتنا ، لنا الأنفال ، ولنا صفو الأموال »(٢) .
وسأله أبو بصير عن صفو المال ، فقال : « الإمام يأخذ الجارية الحسناء والمركب الفاره والسيف القاطع والدّرع قبل أن تُقسّم الغنيمة ، هذا صفو
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ١٥٢ / ٢٩٩١ - ٢٩٩٥ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٠٤.
(٢) التهذيب ٤ : ١٣٢ / ٣٦٧.
المال »(١) .
وهذا الحقّ عندنا ثابت للإمام بعد النبيصلىاللهعليهوآله ؛ لمشاركته إيّاه في تحمّل الأثقال وإتمام ذوي الحقوق مؤونتهم مع قصور حقّهم.
وقالت العامّة : إنّه مختصّ بالنبيعليهالسلام يبطل بموته(٢) .
وهل الاصطفاء قبل الخُمْس أو بعده؟ فُهم ممّا تقدّم في الرضخ.
مسألة ١٣٦ : إذا أخرج الإمام من الغنيمة الرضخَ والجعائلَ واُجرة الحافظ وغيره وما تحتاج الغنيمة إليه من النفقة مدّة بقائها ، يقسّم الباقي بين الغانمين خاصّة ممّا يُنقل ويُحوّل من الأموال الحاضرة ، للراجل سهمٌ وللفارس سهمان.
ولا خلاف بين العلماء في أنّ الراجل له سهم ، واختلفوا في الفارس.
فقال أكثر علمائنا : إنّه يستحقّ سهمين : سهم له ، وسهم لفرسه(٣) . وبه قال أبو حنيفة(٤) .
وقال ابن الجنيد من علمائنا : للفارس ثلاثة أسهم : سهمان لفرسه ، وسهم له. وهو قول أكثر العامّة ، ونقله العامّة عن عليعليهالسلام ، وبه قال عمر
____________________
(١) التهذيب ٤ : ١٣٤ / ٣٧٥.
(٢) المغني ٧ : ٣٠٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٠.
(٣) منهم : الشيخ الطوسي في النهاية : ٢٩٥ ، والمبسوط ٢ : ٧٠ - ٧١ ، والقاضي ابن البراج في المهذّب ١ : ١٨٦ ، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ٢٥٨ - ٢٥٩ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٠٤ ، وابن إدريس في السرائر : ١٥٧ ، والمحقّق الحلّي في شرائع الإسلام ١ : ٣٢٤.
(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٠ - ٣٠١ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٦ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤١٥ ، بداية المجتهد ١ : ٣٩٤.
ابن عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت ومالك ومَنْ تبعه من أهل المدينة ، والثوري والليث ومَنْ تبعه من أهل مصر ، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمّد(١) .
لنا : ما رواه العامّة عن المقدادرحمهالله ، قال : أعطاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله سهمين : سهم لي وسهم لفرسي(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « للفارس سهمان ، وللراجل سهم »(٣) .
ولأنّه حيوان ذو سهم ، فلا يزاد على الواحد ، كالآدمي.
وما رواه العامّة عن ابن عبّاس أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أعطى للفارس ثلاثة أسهم(٤) .
وما رواه الخاصّة : أنّ عليّاًعليهالسلام كان يجعل للفارس ثلاثة أسهم(٥) ، فمحمول على صاحب الأفراس الكثيرة ؛ لما رواه الباقرعليهالسلام : « أنّ علياًعليهالسلام كان يُسهم للفارس ثلاثة أسهم : سهمين لفرسيه(٦) ، وسهماً له ، ويجعل للراجل سهماً »(٧) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٢ - ٥٠٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٣ ، الموطأ ٢ : ٤٥٦ / ٢١ ، المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٤ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٩٦ ، مختصر المزني : ١٤٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤١٥ ، الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤٠.
(٢) المعجم الكبير - للطبراني - ٢٠ : ٢٦١ / ٦١٤.
(٣) الكافي ٥ : ٤٤ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٤٦ / ٢٥٣ ، الاستبصار ٣ : ٣ / ٣.
(٤) المغني ١٠ : ٤٣٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٣.
(٥) التهذيب ٦ : ١٤٧ / ٢٥٧ ، الاستبصار ٣ : ٤ / ٤.
(٦) في « ك» وظاهر الطبعة الحجريّة ، والتهذيب : لفرسه.
(٧) الاستبصار ٣ : ٤ / ٥ ، التهذيب ٦ : ١٤٧ / ٢٥٨.
إذا عرفت هذا ، فإنّه يعطى ذو الفرسين فما زاد ثلاثة أسهم : سهماً له وسهمين لأفراسه ، ولا يزاد على السهمين وإن كثرت الأفراس - وبه قال أحمد(١) - لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يُسهم للخيل ، وكان لا يُسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس(٢) .
ومن طريق الخاصّة : رواية الحسين بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال : « إذا كان مع الرجل أفراس في غزوٍ لم يسهم إلّا لفرسين منها »(٣) .
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : لا يُسهم لأكثر من فرس واحد ؛ لأنّ النبيعليهالسلام لم يُسهم لأفراس الزبير إلّا لواحد(٤) (٥) .
وهو معارض بما روي عن الزبير أنّهعليهالسلام أسهم له عن فرسين(٦) .
مسألة ١٣٧ : ويسهم للفرس سواء كان عتيقاً - وهو الذي أبواه
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٣٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٦ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٤ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٩٦ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٣.
(٢) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٨١ / ٢٧٧٤.
(٣) التهذيب ٦ : ١٧٤ / ٢٥٦ ، الاستبصار ٣ : ٤ / ٦.
(٤) سنن البيهقي ٦ : ٣٢٩.
(٥) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠١ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٦ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٤٥ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٦ ، الموطّأ ٢ : ٤٥٦ - ٤٥٧ ذيل الحديث ٢١ ، المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٢ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٤ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٩٦ ، الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٢.
(٦) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦٨٨ ، سنن البيهقي ٦ : ٣٢٩.
عتيقان عربيّان كريمان - أو برذوناً - وهو الذي أبواه أعجميّان - أو مقرفاً - وهو الذي أبوه برذون واُمّه عتيقة - أو هجيناً ، وهو عكس البرذون - وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة(١) - لصدق اسم الفرس في الجميع. ولأنّه حيوان ذو سهم ، فاستوى الفارهُ وغيره ، كالآدمي.
وقال الأوزاعي : لا يُسهم للبرذون ، ويُسهم للمقرف والهجين سهم واحد(٢) .
وعن أحمد روايات :
إحداها : يُسهم لما عدا العربي سهم واحد. وهو قول الحسن البصري.
الثانية : أنّه يُسهم له مثل سهم العربي. وبه قال عمر بن عبد العزيز والثوري.
الثالثة : أنّها إن أدركت إدراك العراب ، اُسهم لها ، مثل الفرس العربي ، وإلّا فلا.
الرابعة : أنّه لا يُسهم لها(٣) .
____________________
(١) الاُمّ ٧ : ٣٣٧ ، الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ - ٢٤٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤٠ - ٣٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٩ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤١٨ ، و ١٤ : ١٦١ ، الموطّأ ٢ : ٤٥٧ ، ذيل الحديث ٢١ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٩٧ ، المغني ١٠ : ٤٣٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٤.
(٢) الحاوي الكبير ٨ : ٤١٨ ، و ١٤ : ١٦٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٩.
(٣) المغني ١٠ : ٤٣٦ - ٤٣٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٤ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٦ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٩.
وعن أبي يوسف روايتان(١) :
إحداهما : أنّه يُسهم له ، كالعربي.
الثانية : أنّه يُسهم له سهم واحد ؛ لأنّ البرذون لا كرَّ له ولا فرّ ، فأشبه البعير.
وقد بيّنّا عدم اعتبار التفاضل في السهام بشدّة البلاء في الحرب.
مسألة ١٣٨ : لا يُسهم لغير الخيل من الإبل والبغال والحمير والفيلة وغيرها ، عند علمائنا - وهو قول عامّة العلماء ، ومذهب الفقهاء في القديم والحديث(٢) - لأنّه لم ينقل عن النبيصلىاللهعليهوآله إسهام غير الخيل مع أنّه كان معه يوم بَدْر سبعون بعيراً(٣) . ولأنّ الفرس له كرُّ وفرُّ وطلب وهرب ، بخلاف غيرها.
وحكي عن الحسن البصري أنّه قال : يُسهم للإبل خاصّة(٤) .
وعن أحمد روايتان :
إحداهما : أنّه يُسهم للبعير سهم واحد ، ولصاحبه سهم آخر.
والثانية : أنّه إن عجز عن ركوب الخيل فركب البعير ، اُسهم له ثلاثة أسهم : سهمان لبعيره. وسهم له ، وإن أمكنه الغزو على الفرس ، لم يُسهم لبعيره ؛ لقوله تعالى :( فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ) (٥) وهي
____________________
(١) اُنظر : حلية العلماء ٧ : ٦٧٩ - ٦٨٠.
(٢) المغني ١٠ : ٤٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤١٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٢ ، المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٩.
(٣) المغني ١٠ : ٤٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٧.
(٤) المغني ١٠ : ٤٣٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٧.
(٥) الحشر : ٦.
الإبل. ولأنّه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض ، فيسهم له ، كالفرس(١) .
ولا دلالة ( في الآية )(٢) على إسهام الركاب ، والجامع لا يصلح للعلّيّة ؛ لنقضه بالبغال والحمير ، ولا فرق بين أن تقوم الإبل مقام الخيل أو تزيد في العمل.
ويُسهم للخيل مع حضورها الوَقْعة وإن لم يقاتل عليها ولا احتِيج إليها في القتال ؛ لأنّه أحضرها للقتال ولزم عليها مؤونة.
ولو كانت الغنيمة من فتح حصن أو مدينة ، فالقسمة فيها كالقسمة في(٣) غنائم دار الحرب - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قسّم غنائم خيبر(٥) للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهمين ، وهي حصون(٦) .
ولأنّ الحاجة قد تدعو إلى الخيل بأن ينزل أهل الحصن فيقاتلوا خارجه ، فيسهم(٧) له.
ولو حاربوا في السفن وفيهم الرجّالة وأصحاب الخيل ، قُسّمت الغنيمة كما تُقسّم في البرّ ، للراجل سهم ، وللفارس سهمان ، سواء احتاجوا إلى الخيل أو لا ؛ للرواية عن الصادقعليهالسلام لمـّا سأله حفص بن غياث عن سريّة في سفينة قاتلوا ولم يركبوا الفرس كيف تقسّم؟ فقالعليهالسلام : «للفارس سهمان ، وللراجل سهم »(٨) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٣٨ - ٤٣٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٧.
(٢) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : للآية.
(٣) في « ق ، ك» : « من » بدل « في ».
(٤) المغني ١٠ : ٤٤١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٦.
(٥) في الطبعة الحجريّة ، و « ق ، ك» : « حنين » بدل « خيبر ». وما أثبتناه من المصدر.
(٦) المغني ١٠ : ٤٤٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٣.
(٧) في « ق ، ك» بدل « فيسهم » : « فيقسم ».
(٨) التهذيب ٦ : ١٤٦ / ٢٥٣ ، الاستبصار ٣ : ٣ / ٣.
مسألة ١٣٩ : يُسهم للفرس المستعار للغزو ، والسهم للمستعير - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لأنّه متمكّن من الغزو عليه شرعاً وعقلاً ، فأشبه المستأجر. ولأنّ سهم الفرس لمنفعته ، وهي مملوكة للمستعير.
وقال بعض الحنفيّة : السهم للمالك. وهو رواية عن أحمد(٢) . وقال بعضهم : لا يُسهم للفرس(٣) ؛ لأنّ السهم نماء الفرس ، فأشبه الولد(٤) . ولأنّ مالكه لا يستحقّ شيئاً فكذا فرسه ، كالمـُخذّل(٥) .
والفرق : أنّ النماء والولد غير مأذون له فيه ، بخلاف الغزو. والمـُخذّل لا يستحقّ سهماً بالحضور ؛ للخذلان ، بخلاف المستعير ؛ فإنّ صاحب الفرس لو حضر لاستحقّ سهماً ، وإنّما مُنع ؛ للغيبة ، فلا قياس ؛ للاختلاف في العلّة.
ولا نعلم خلافاً في استحقاق المستأجر لسهم الفرس إذا استأجره للغزو.
ولو استعار فرساً لغير الغزو فغزا عليه ، استحقّ السهم الذي له ، وأمّا ( سهم الفرس )(٦) فكالفرس المغصوب.
ولو استأجره لغير الغزو فغزا عليه ، سقط سهم الفرس ؛ لأنّه
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤١ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤١٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٤ ، المغني ١٠ : ٤٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠١.
(٢ و ٣) المغني ١٠ : ٤٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠١.
(٤) قوله : « لأنّ السهم الولد » دليل لقول أحمد وبعض الحنفيّة.
(٥) قوله : « ولأنّ مالكه كالمخذّل » دليل لقول بعض الحنفيّة الآخر.
(٦) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : « السهم الذي للفرس ».
كالغاصب.
ولو كان المستأجر أو المستعير ممّن لا سهم له ، كالمرجف والمـُخذّل ، أو له رضخ ، كالمرأة والعبد ، كان حكمه حكم فرسه المملوكة ، وقد تقدّم(١) .
مسألة ١٤٠ : لو غصب فرساً فقاتل عليه ، استحقّ الغاصبُ سهمَ راجلٍ.
وأمّا سهم الفرس : فإن كان صاحبه حاضراً في الحرب ، فالسهم له ، وإلّا فلا شيء له ؛ لأنّه مع الحضور قاتَل على فرسه مَنْ يستحقّ السهم ، فاستحقّ السهم ، كما لو كان مع صاحبه ، وإذا ثبت أنّ للفرس سهما ، ثبت لمالكه ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله جعل للفرس سهماً(٢) ولصاحبه سهماً(٣) ، وما كان للفرس كان لمالكه.
وأمّا مع الغيبة : فإنّ الغاصب لا يملك منفعة الفرس ، والمالك لم يحضر ، فلا يستحقّ سهماً ، فلا يستحقّ فرسُه.
وقال بعض الشافعيّة : يُسهم للغاصب ، وعليه اُجرة الفرس لمالكه ؛ لأنّ الفرس كالآلة ، فكان حاصلها لمستعملها ، كما لو غصب سيفاً فقاتل به ، أو قدوماً(٤) فاحتطب به(٥) .
والفرق : أنّ السيف والقدوم لا شيء لهما ، والفرس جعل لها النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) تقدّم في ص ٢٢٧ و ٢٢٨.
(٢) كذا ، وفي المصدر : « سهمين ».
(٣) صحيح البخاري ٤ : ٣٧ ، المغني ١٠ : ٤٥٣.
(٤) القدوم : التي ينحت بها. لسان العرب ١٢ : ٤٧١ « قدم ».
(٥) المغني ١٠ : ٤٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٩ - ٥١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤١.
سهماً ، ولمـّا لم تكن الفرس أهلاً للتملّك كان السهم لمالكها.
وقال بعض الحنفيّة : لا سهم للفرس. وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب على الغاصب اُجرة المثل ، سواء كان صاحبه حاضراً أو غائباً.
ولو كان الغاصب ممّن لا سهم له كالمرجف ، فسهم الفرس لمالكه إن كان حاضراً ، وإلّا فلا شيء له.
وقال بعض العامّة : حكم المغصوب حكم فرسه ؛ لأنّ الفرس يتبع الفارس في حكمه ، فيتبعه إذا كان مغصوباً ؛ قياساً على فرسه(٢) .
وليس بجيّد ، لأنّ النقص في الفارس والجناية منه ، فاختصّ المنع به وبتوابعه ، كفرسه التابعة له ، بخلاف المغصوب.
وكذا البحث لو غزا العبد بغير إذن مولاه على فرس مولاه.
ولو غزا جماعة على فرس واحدة بالتناوب ، قال ابن الجنيد : يعطى كلّ واحد سهم راجل ثمّ يقسّم بينهم سهم فرس واحدة. وهو حسن.
مسألة ١٤١ : لو غزا العبد بإذن مولاه على فرس مولاه ، رضخ للعبد ، واُسهم للفرس. والسهم والرضخ لسيّده(٣) . ولو كان معه فرسان ، رضخ له ، واُسهم لفرسيه - وبه قال أحمد(٤) - لأنّه فرس حضر الوقعة وخُوصم عليه ، فاستحقّ مالكه السهم ، كما لو كان الراكب هو السيّد.
وقال أبو حنيفة والشافعي : لا سهم للفرس ؛ لأنّه تحت مَنْ لا سهم
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٠ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤١.
(٢) المغني ١٠ : ٤٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٠.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « للسيّد ».
(٤) المغني ١٠ : ٤٥١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٠.
له ، فلم يُسهم له ، كما لو كان تحت مُخذّلٍ(١) .
والفرق : أنّ المـُخذّل لا يستحقّ شيئاً بالحضور ، ففرسه أولى بعدم الاستحقاق.
ولو غزا الصبي على فرس ، اُسهم له ولفرسه على خلافٍ بيننا وبين العامّة في استحقاق الصبي السهم.
ولو غزت المرأة أو الكافر على فرسٍ لهما ، فالأقرب أنّهما يرضخان أزيد من رضخ الراجل من صنفهما وأقلّ من سهم الفارس ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّه لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس. ولأنّ سهم الفرس له ، فإذا لم يستحقّ هو بحضوره سهماً ففرسه أولى ، بخلاف العبد ؛ فإنّ الفرس هناك لغيره وهو السيّد.
ولو غزا المرجف أو(٢) المـُخذّل على فرسٍ ، فلا شيء له ولا لفرسه.
ولو غزا العبد بغير إذن مولاه ، لم يرضخ(٣) له ؛ لأنّه عاصٍ.
مسألة ١٤٢ : ينبغي للإمام أن يتعاهد خيل المجاهدين - التي تدخل دار الحرب - ويعتبرها ، فيأذن في استصحاب ما يصلح للقتال ، ويمنع من استصحاب ما لا يصلح له ؛ لأنّه كَلٌّ وضَرَرٌ ، كالحطم - وهو الذي يتكسّر من الهزال ، والقحم - بفتح القاف وسكون الحاء - وهو الكبير السنّ الهرم الفاني ، والضرع - بفتح الضاد والراء - وهو الصغير الضعيف الذي لا يمكن القتال عليه ، والأعجف ، وهو المهزول ، والرازح ، وهو الذي لا حراك به من الهزال.
فلو اُدخل فرس من هذه ، قال الشيخرحمهالله : يُسهم له(٤) - وبه قال
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٥١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٠.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « و » بدل « أو ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣) في « ق ، ك» : « فلا رضخ ».
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧١ ، الخلاف ٤ : ٢٠٣ ، المسألة ٢٨.
الشافعي(١) - لعموم الأخبار ، ولأنّ كلّ جنس يُسهم له فإنّه يستوي فيه القويّ والضعيف ، كالآدمي.
وقال ابن الجنيد منّا : لا يُسهم له - وبه قال مالك وأحمد ، وقولٌ للشافعي(٢) - لأنّه لا ينتفع به ، فأشبه المـُخذّل.
والمريض يُسهم له إذا لم يخرج بمرضه عن كونه من أهل الجهاد ، كالمحموم وصاحب الصداع ؛ لأنّه من أهل الجهاد ، ويعين عليه برأيه وتكبيره(٣) ودعائه.
وإن خرج(٤) ، كالزمن والأشلّ والمفلوج ، فهل يُسهم له؟ قال الشيخرحمهالله : يُسهم له ، عندنا ، سواء منع مرضه من الجهاد أولا ، كالطفل(٥) .
ولو نكس الفرس بصاحبه في حملته أو مبارزته ، اُسهم له ، ولم يمنع بذلك من الإسهام.
ولو استأجر أجيراً للحرب ثمّ دخلا معاً دار الحرب ، اُسهم لهما معاً ، سواء كانت الاُجرة(٦) في الذمّة أو معيّنة ، ويستحقّ مع ذلك الاُجرة. ولو لم يحضر المستأجر ، استحقّ المؤجر السهم والاُجرة ؛ لأنّ الإسهام يستحقّ
____________________
(١) الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٨ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤١ ، المغني ١٠ : ٤٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٨١.
(٢) المغني ١٠ : ٤٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٨١ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٣ ، الاُمّ ٤ : ١٤٥ ، الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٣ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤١.
(٣) في « ق » : تكثيره.
(٤) أي : خرج بمرضه عن كونه من أهل الجهاد.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧١ - ٧٢ ، الخلاف ٤ : ٢٠٥ ، المسألة ٣٠.
(٦) في « ق ، ك» : الإجارة.
بالحضور.
مسألة ١٤٣ : الاعتبار بكونه فارساً وقت الحيازة للغنيمة ، لا بدخوله المعركة. فلو دخل دار(١) الحرب فارساً ثمّ ذهب(٢) فرسه قبل حيازة الغنيمة ، فلا سهم لفرسه. ولو دخل راجلاً فاُحرزت الغنيمة وهو فارس ، فله سهم فارس(٣) - وبه قال الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن عمر(٤) - لأنّه حيوان يُسهم له ، فاعتبر وجوده حال القتال ، كالآدمي.
وقال أبو حنيفة : الاعتبار بدخول دار الحرب ، فإن دخل فارساً ، فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال ، وإن دخل راجلاً ، فله سهم راجل وإن استفاد فرساً فقاتل عليه(٥) .
وعنه رواية اُخرى كقولنا ؛ لأنّه دخل الحرب بنيّة القتال ، فلا يتغيّر سهمه بذهاب دابّته أو حصول دابّة اُخرى له ، كما لو كان ذلك بعد القتال(٦) .
والفرق تقدّم.
ولو دخل الحرب فارساً فمات فرسه بعد تقضّي الحرب قبل حيازة الغنائم ، للشافعي قولان(٧) مبنيّان على أنّ ملك الغنيمة هل يتحقّق بانقضاء
____________________
(١) كلمة « دار » لم ترد في « ق ، ك».
(٢) في الطبعة الحجريّة : ذهبت.
(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة ، فرس. وما أثبتناه هو المناسب لسياق العبارة.
(٤) الحاوي الكبير ٨ : ٤٢١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤٢ ، المغني ١٠ : ٤٣٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٨ - ٥٠٩.
(٥) المبسوط - للسرخسي - ٤ : ٤٢ - ٤٣ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٦ و ١٢٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢١ ، المغني ١٠ : ٤٣٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٩.
(٦) المغني ١٠ : ٤٣٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٠٩.
(٧) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٥ - ٣٦٦ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٦.
الحرب أو الحيازة؟
وكذا لو وهب فرسه أو أعاره أو باعه ، البحث في ذلك كلّه واحد.
قال الشيخرحمهالله : هذا إذا كان الحرب في دار الكفر ، فأمّا إذا كان في دار الإسلام ، فلا خلاف في أنّه لا يُسهم إلّا للفرس الذي يحضر القتال(١) .
مسألة ١٤٤ : مَنْ مات من الغزاة أو قُتل قبل حيازة الغنيمة وتقضّي القتال ، فلا سهم له. وإن مات بعد ذلك ، فسهمه لورثته - وبه قال أحمد(٢) - لأنّه إذا مات قبل حيازة الغنيمة ، فقد مات قبل ملكها وثبوت اليد عليها ، فلم يستحقّ شيئاً ، وإن مات بعده ، فقد مات بعد الاستيلاء عليها في حالٍ لو قُسّمت صحّت قسمتها وملك سهمه ، فاستحقّ السهم ، كما لو مات بعد إحرازها في دار الإسلام ، وإذا استحقّ السهم ، انتقل إلى ورثته ، كغيره من الحقوق.
وقال أبو حنيفة : إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام أو قسمتها في دار الحرب ، فلا سهم له ؛ لأنّ ملك المسلمين لا يتمّ إلّا بذلك(٣) .
ونمنع ذلك ، بل يملك بالاستيلاء والحيازة.
وقال الشافعي وأبو ثور ، إن حضر القتال ، اُسهم له ، سواء مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها ، وإن لم يحضر ، فلا سهم له(٤) - ونحوه قال مالك
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧١.
(٢) المغني ١٠ : ٤٤٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٥ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٨.
(٣) بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، المغني ١٠ : ٤٤٠ - ٤٤١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٦.
(٤) روضة الطالبين ٥ : ٣٣٦ ، المغني ١٠ : ٤٤١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٥.
والليث بن سعد(١) - لقولهعليهالسلام : « الغنيمة لمن شهد الوقعة »(٢) .
( ونحن نقول )(٣) بموجبه ؛ فإنّ مَنْ قُتل قبل تقضّي الحرب لم يشهد الوقعة بكمالها.
مسألة ١٤٥ : لا يجوز تفضيل بعض الغانمين في القسمة(٤) على بعض ، بل يقسّم للفارس سهمان ، وللراجل سهم ، ولذي(٥) الأفراس ثلاثة ، سواء حاربوا أو لا إذا حضروا للحرب لا للتخذيل وشبهه ، ولا يفضّل أحد لشدّة بلائه وحربه ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأحمد(٦) - لقوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ) (٧) أضاف الباقي إلى الغانمين فاستووا فيه ؛ عملاً بالظاهر.
ولأنّهعليهالسلام قسّم للفارس سهمين وثلاثة على تفاوتهم في عدد الخيل ، وللراجل سهماً(٨) .
من طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام وقد سُئل عن قسم بيت المال : « أهل الإسلام هم أبناء الإسلام اُسوّي بينهم في العطاء وفضائلهم بينهم وبين
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٣ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٨٠ ، المغني ١٠ : ٤٤١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٥ - ٥١٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١٦.
(٣) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : ونقول.
(٤) في « ق ، ك» بدل « القسمة » : « الغنيمة ».
(٥) في « ك» والطبعة الحجريّة : لذوي.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٢ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤٠ ، المغني ١٠ : ٤٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١١ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٨.
(٧) الأنفال : ٤١.
(٨) سنن أبي داوُد ٣ : ٧٥ - ٧٦ / ٢٧٣٣ - ٢٧٣٦ ، المغني ١٠ : ٤٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١١.
الله ، أجملهم كبني رجل واحد لا يفضّل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص »(١) .
وقال مالك : يجوز أن يفضّل بعض الغانمين على بعض ، ويُعطى مَنْ لم يحضر الوقعة(٢) ؛ لأنّ النبيعليهالسلام أعطى من غنيمة بَدْر مَنْ لم يشهدها(٣) .
وقال أبو حنيفة : يجوز أن يفضّل ، ولا يعطى مَنْ لم يحضر الوقعة(٤) ؛ لقولهعليهالسلام : « مَنْ أخذ شيئاً فهو له »(٥) .
والجواب : أنّه ورد في قضيّة بَدْر ، وغنائمها لم تكن للغانمين.
قال الشيخرحمهالله : إذا قال الإمام : مَنْ أخذ شيئاً فهو له ، جاز ؛ لأنّه معصوم وفعله حجّة(٦) .
ونحن لا ننازعه ، بل هل لنائبه ذلك؟ للشافعي قولان :
أحدهما : الجواز ؛ لأنّ النبيعليهالسلام قاله في غزاة بَدْر.
والثاني : المنع ؛ لأنّهعليهالسلام قسّم الغنائم للفارس سهمين وللراجل سهماً. وقضيّة بَدْر منسوخة(٧) .
مسألة ١٤٦ : الغنيمة تُستحقّ بالحضور قبل القسمة ، فلو غنم المسلمون ثمّ لحقهم مدد قبل تقضي الحرب ، اُسهم له إجماعاً ، وإن كان بعده وبعد
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٤٦ / ٢٥٥ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.
(٢) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٤.
(٣) المغازي - للواقدي - ١ : ١٥٣ ، و ٢ : ٦٨٣ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٢ : ٣٣٤ و ٣٣٨ و ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٤٤٠ ، المنتظم ٣ : ١٣٤.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٤.
(٥) سنن البيهقي ٦ : ٣١٥ ، المغني ١٠ : ٤٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١١.
(٦) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٨ - ٦٩ ، الخلاف ٤ : ١٨٩ ، المسألة ١٤.
(٧) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٥١ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٢٩ ، وانظر : المغني ١٠ : ٤٥٤ ، والشرح الكبير ١٠ : ٥١١.
القسمة ، فلا شيء له إجماعاً.
وإن كان بعد انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة قبل القسمة ، اُسهم له ، عندنا - وبه قال أبو حنيفة(١) - لرواية حفص بن غياث أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن الجيش إذا غزوا أرض الحرب فغنموا غنيمةً ثمّ لحقهم جيش آخر قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام ولم يلقوا عدوّاً حتى يخرجوا إلى دار الإسلام. فهل يشاركونهم فيها؟ قال : « نعم »(٢) .
ولأنّهم اجتمعوا على الغنيمة في دار الحرب ، فاُسهم لهم ، كما لو حضروا القتال.
وقال الشافعي : لا يُسهم له - وبه قال أحمد - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يقسّم لأبان بن سعيد بن العاص وأصحابه لمـّا قدموا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بخَيْبر بعد أن فَتَحها(٣) (٤) .
وهي حكاية حال ، فجاز أن يكونوا قد حضروا بعد القسمة.
مسألة ١٤٧ : إذا لحق الأسير بالمسلمين ، فإن كان بعد تقضّي الحرب وقسمة الغنيمة ، لم يُسهم له إجماعاً ؛ لأنّ المدد لو لحقهم بعد القسمة لم يُسهم له فكذا الأسير.
وإن لحق بهم بعد انقضاء الحرب فقاتل مع المسلمين ، استحقّ السهم
____________________
(١) بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٤ ، المغني ١٠ : ٤٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٨١.
(٢) التهذيب ٦ : ١٤٥ - ١٤٦ / ٢٥٣ ، الاستبصار ٣ : ٢ / ١.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٧٣ / ٢٧٢٣ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٨٥ / ٢٧٩٣.
(٤) المغني ١٠ : ٤٥٥ و ٤٥٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٨١ و ٤٨٢ ، الاُمّ ٤ : ١٤٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٥.
عندنا ، وهو قول العلماء لا نعلم فيه خلافاً.
وإن لم يقاتل ، اُسهم له - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّه لو قاتل استحقّ السهم إجماعاً ، وكلّ من يستحقّ مع القتال يستحقّ مع عدمه إذا حضر الوقعة ، كغير الأسير.
وقال أبو حنيفة : لا يُسهم له - وهو ثاني الشافعي - لأنّه حضر ليتخلّص من القتل والأسر لا للقتال ، فأشبه المرأة(٢) .
وينتقض بما لو قاتَل ، ولأنّ الاعتبار بالحضور مع كونه من أهل القتال ، لا بالقتال.
ولو دخل(٣) التجّار أو الصنّاع مع المجاهدين دارَ الحرب كالبقّال والبيطار والخيّاط وغيرهم من أتباع العسكر ، فإن قصدوا الجهاد مع التجارة أو الصناعة ، استحقّوا ، وإن لم يقصدوا ، فإن جاهدوا ، استحقّوا ، وإن لم يجاهدوا ، قال الشيخرحمهالله : لا يُسهم لهم بحال(٤) ؛ لأنّهم لم يدخلوا للجهاد والنبيصلىاللهعليهوآله قال : « الأعمال بالنيّات »(٥) .
ولو اشتبه الحال ، قال الشيخرحمهالله : الظاهر أنّه يُسهم لهم(٦) ؛ لأنّهم
____________________
(١) الاُمّ ٤ : ١٤٦ ، مختصر المزني : ١٥٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٥ ، الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٤٠.
(٢) المبسوط - للسرخسي ١٠ : ٤٦ ، الاُمّ ٤ : ١٤٦ ، الوجيز ١ : ٢٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧١ ، مختصر المزني : ١٥٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٤.
(٣) في متن الطبعة الحجريّة : حضر.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٢.
(٥) صحيح البخاري ١ : ٢ ، سنن أبي داوُد ٢ : ٢٦٢ / ٢٢٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٤١٣ / ٤٢٢٧ ، سنن البيهقي ١ : ٢١٥ و ٧ : ٣٤١.
(٦) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « له » بدل ما أثبتناه ، وذلك من المصدر.
حضروا ، والسهم يستحقّ بالحضور(١) .
وللشافعي قولان : الإسهام وعدمه.
واختلف أصحابه ، فقال بعضهم : القولان فيما إذا لم يقاتلوا ، ولو قاتلوا ، استحقّوا قولاً واحداً ، كالأسير. ومنهم مَنْ قال : القولان فيما إذا قاتلوا ، وإن لم يقاتلوا لم يستحقّوا قولاً واحداً. ومنهم مَنْ قال : القولان في الصورتين(٢) .
وقال أبو حنيفة : إن قاتلوا ، استحقّوا ، وإن لم يقاتلوا ، لم يستحقّوا(٣) .
مسألة ١٤٨ : الجيش إذا خرج غازياً من بلد فبعث الإمام منه سريّةً فغنمت السريّةً ، شاركهم الجيش ، ولو غنم الجيش ، شاركتهم السريّة في غنيمته ، وهو قول العلماء(٤) كافّة إلّا الحسن البصري ؛ فإنّه حكي فيه أنّه قال : تنفرد السريّة بما غنمت(٥) .
وفِعْلُ النبيعليهالسلام حيث أشرك بين السريّة - التي بعثها قِبَل أوطاس فغنمت - وبين الجيش(٦) يُبْطل قولَه.
ولأنّهعليهالسلام كان ينفل في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث(٧) . وهو يدلّ
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٢.
(٢) الاُمّ ٤ : ١٤٦ ، مختصر المزني : ١٥٠ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٧٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٤ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٩.
(٣) بدائع الصنائع ٧ : ١٢٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٨٠.
(٤) المغني ١٠ : ٤٨٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٦.
(٥) الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٧.
(٦) الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٧ ، المغني ١٠ : ٤٨٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٦.
(٧) المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٣٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٨٠ / ٢٧٥٠ ، سنن البيهقي ٦ : ٣١٣ ، مسند أحمد ٥: ١٦٣ / ١٧٠١٥.
على اشتراكهم فيما سواه.
وقولهعليهالسلام : « الغنيمة لمن شهد الوقعة »(١) مسلّم ، فإنّ المراد الحضور حقيقةً أو حكماً ، كالمدد(٢) .
ولو بعث الإمام من الجيش سريّتين إلى جهة واحدة فغنمتا ، اشترك الجيش والسريّتان إجماعاً.
ولو اختلفت الجهة ، قال الشيخ : اشترك الجميع(٣) - وهو قول بعض الشافعيّة(٤) - كما لو اتّفقت الجهة ، وهُما من جيش واحد ، فاشتركوا.
وقال بعض الشافعيّة : لا تتشارك السريّتان ، وكلّ واحدة منهما مع الجيش كالجيش الواحد ، فأمّا إحداهما مع الاُخرى فكالمنفردتين لا تقاسم إحداهما الاُخرى(٥) .
ولو بعث الإمام سريّةً وهو مقيم ببلد الإسلام ، فغنمت ، اختصّت بالغنيمة إجماعاً ، ولا يشاركهم الإمام ولا جيشه. وكذا لو بعث جيشاً وهو مقيم بالبلد ، لم يشاركه ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يبعث السرايا وهو مقيم بالمدينة ولا يشاركهم(٦) في الغنيمة(٧) .
____________________
(١) أورده الماوردي في الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٧ ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١٦.
(٢) كلمة « كالمدد » لم ترد في « ق ، ك ».
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٣.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٥ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٨.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٧ - ٣٦٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٨.
(٦) في « ق » : لا يشركهم.
(٧) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٢٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٧.
ولو بعث سريّتين وهو مقيم ببلد أو بعث جيشين ، فكلّ واحد منهما مختصّ بما غنمه ؛ لأنّ كلّ سريّة انفردت بالغزو والغنيمة ، بخلاف ما لو بعث بالسريّتين(١) من الجيش الواحد ؛ لأنّه رِدْءٌ لكلّ واحدة منهما. ولو اجتمعت السريّتان فغنمتا ، كانتا جيشاً واحداً.
ولو بعث لمصلحة الجيش رسولاً أو دليلاً أو طليعةً أو جاسوساً فغنم الجيش قبل رجوعه إليهم ثمّ رجع إليهم ، فالذي يقتضيه مذهبنا أنّه يسهم له ؛ لأنّ القتال ليس شرطاً - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) (٣) - لأنّه كان في مصلحتهم ، وخاطَرَ بنفسه بما هو أكثر من الثبات في الصفّ ، فشارك.
والثاني : لا يُسهم له ؛ لأنّه لم يحضر الاغتنام(٤) .
ولو غنم أهل الكتاب ، نُظر ، فإن كان الإمام أذن لهم في الدخول إلى دار الحرب ، فالحكم على ما شرطه ، وإن لم يأذن ، فغنيمتهم للإمام ، عندنا.
وقال الشافعي : ينزعه(٥) منهم ويرضخ لهم. وله قول آخر : إنّه يُقرّهم عليه ، كما لو غلب بعض المشركين على بعض(٦) .
قال ابن الجنيد : إذا وقع النفير فخرج أهل المدينة متقاطرون فانهزم العدوّ وغنم أوائل المسلمين ، كان كلّ مَنْ خرج أو تهيّأ للخروج وأقام في المدينة من المقاتلة لحراستها من مكيدة العدوّ شركاءَ في الغنيمة.
____________________
(١) في « ق » : السريّتين.
(٢) في « ق ، ك » : الشافعي.
(٣ و ٤) حلية العلماء ٧ : ٦٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٨.
(٥) في الطبعة الحجريّة : ينتزعه.
(٦) حلية العلماء ٧ : ٦٨٣.
وكذا لو حاصرهم العدوّ فباشر حربه بعض أهل المدينة إلى أن ظفروا وغنموه إذا كانوا مشتركين في المعونة لهم والحفظ للمدينة وأهلها ، فإن كان الذين هزموا العدوّ قد لقوه(١) على ثمان فراسخ من المدينة فقاتلوه وغنموه ، كانت الغنيمة لهم دون مَنْ كان في المدينة ، الذين لم يعاونوهم خارجها.
مسألة ١٤٩ : اختلف علماؤنا في أولويّة موضع القسمة ، فقال الشيخرحمهالله : تستحبّ القسمة في أرض العدوّ ، ويكره تأخيرها إلّا لعذر من خوف المشركين أو الكمين(٢) في الطريق أو قلّة علف أو انقطاع ميرة(٣) .
وقال ابن الجنيد : الاختيار إلينا أن لا نقسّم إلّا بعد الخروج من دار الحرب.
وبجواز القسمة في دار الحرب قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر(٤) ؛ لما رواه العامّة عن أبي إسحاق الفزاري(٥) ، قال : قلت للأوزاعي : هل قسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله شيئاً من الغنائم بالمدينة؟ قال : لا أعلمه إنّما كان الناس يبيعون(٦) غنائمهم ويقسّمونها في أرض عدوّهم،
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : قد لحقوه.
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : التمكن. وهو تصحيف. وما أثبتناه من المصدر.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٥.
(٤) المدوّنة الكبرى ٢ : ١٢ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٦ ، الاُمّ ٤ : ١٤٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٦ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٣.
(٥) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : الرازي. وهو تصحيف. وما أثبتناه هو الموافق لما في المصادر الفقهيّة والرجاليّة. اُنظر : المغني ١٠ : ٤٥٩ ، والشرح الكبير ١٠ :
٤٧٩ ، وتاريخ مدينة دمشق ٧ : ١١٩ / ٤٩١ ، وتهذيب الكمال ٢ : ٢٠٩ / ٢٦ ، و ٣٣ : ٣١ ، وسير أعلام النبلاء ٨ : ٥٣٩ / ١٤٢ ، ومعجم الاُدباء ١ : ٢٠٩.
(٦) كذا ، وفي المغني : يتبعون. وفي الشرح الكبير : يبتغون.
ولم يقفل(١) رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن غزاة قطّ أصاب فيها غنيمة إلّا خمّسه وقسّمه من قبل أن يقفل ، من ذلك غزاة بني المصطلق وهوازن وخيبر(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الشيخرحمهالله : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قسّم غنائم بَدْر بشعْب من شعاب الصفراء قريب من بَدْر ، وكان ذلك دار حرب(٣) .
ولأنّ كلّ موضع جاز فيه الاغتنام جازت فيه القسمة ، كدار الإسلام.
وقال أصحاب الرأي : لا يقسّم إلّا في دار الإسلام ، لأنّ الملك لا يتمّ عليها إلّا بالاستيلاء التامّ ، ولا يحصل ذلك إلّا بإحرازها في دار الإسلام(٤) . ونمنع الكبرى.
ولو قُسّمت ، قال : أساء القاسم وجازت قسمته ؛ لأنّها مسألة اجتهاديّة ينفذ(٥) حكم الحاكم فيها إذا وافق قول بعض المجتهدين(٦) .
واحتجاج ابن الجنيد من علمائنا - بأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنّما قسّم غنائم حنين(٧) والطائف بعد خروجه من ديارهم(٨) إلى الجعرانة(٩) - لا يدلّ على مطلوبه ، لأنّها حكاية حال ، فجاز وقوعها لعذر.
____________________
(١) في « ق ، ك » : لم ينفل. وفي الطبعة الحجريّة : لم ينقل. وكلاهما تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح من أجل سياق العبارة وكما هو في المصدر.
(٢) المغني ١٠ : ٤٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٩.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٥.
(٤ و ٦) بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، المغني ١٠ : ٤٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٨٦.
(٥) في « ق » : وينفذ.
(٧) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : خيبر. وما أثبتناه من المصادر.
(٨) في الطبعة الحجريّة : بلادهم.
(٩) المغازي - للواقدي - ٣ : ٩٤٤ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٤ : ١٣٥ ، المنتظم ٣ : ٣٣٨.
قال ابن الجنيد : ولو صارت دارُ أهل الحرب دارَ ذمّة تجري فيها أحكام المسلمين فأراد الوالي قسمتها مكانه ، فَعَل ، كما قسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعض غنائم خيبر قبل أن يرحل عنهم(١) .
قال : ولو غزا المشركون المسلمين فهزمهم المسلمون وغنموهم ، قسّموا غنائمهم مكانهم إن اختاروا ذلك قبل إدخالها المدن. ولو كان المشركون بادية أو متنقّلة ولا دار لهم فغزاهم المسلمون فغنموهم ، كان قسمتها إلى الوالي إن شاء قسّمها مكانه ، وإن شاء قسّم بعضها وأخّر بعضها(٢) ، كما قسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله المغنم بخيبر(٣) .
مسألة ١٥٠ : يكره للإمام أن يُقيم الحدَّ في أرض العدوّ ، بل يؤخّره حتى يعود إلى دار الإسلام ثمّ يُقيم عليه الحدّ - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٤) - لئلّا تحمل المحدودَ الغيرةُ فيدخل إلى دار الحرب.
وقال الشافعي ومالك : لا يؤخّره ، ولا يسقط عنه الحدّ ، سواء كان الإمام مع العسكر أو لا(٥) .
وإن رأى الوالي في تقديم الحدّ مصلحةً ، قدّمه سواء كان مستحقّ الحدّ أسيراً ، أو أسلم فيهم ولم يخرج إلينا ، أو خرج من عندنا لتجارة وغيرها.
أمّا لو قتل مسلماً فإنّه يُقتصّ منه في دار الحرب - وبه قال الشافعي
____________________
(١) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦٨٩ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٦٣ ، المنتظم ٣ : ٢٩٤.
(٢) في الطبعة الحجريّة : بعضاً.
(٣) نفس المصادر في الهامش (١)
(٤ و ٥) الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٠ ، المغني ١٠ : ٥٢٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧١ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٧٣ / ١٦٢٧.
ومالك(١) وأحمد(٢) - لعموم الأمر بالحدّ والقصاص. ولأنّ المقتضي لإيجاب القصاص موجود ، والمانع من التقديم - وهو خوف اللحاق بالعدوّ - مفقود. ولأنّ كلّ موضع حرم فيه الزنا وجب فيه حدّ الزنا ، كدار الإسلام.
وقال أبو حنيفة : لا يجب عليه القصاص ولا الحدّ إلّا أن يكون معه إمام أو نائب عن الإمام ؛ لأنّه مع غيبة الإمام ونائبه لا يد للإمام عليه ، فلا يجب عليه الحدّ بالزنا ، كالحربيّ(٣) .
ونمنع من ثبوت حكم الأصل ، ويفرق بأنّ الحربيّ غير ملتزم بأحكام الإسلام ، بخلاف المسلم.
مسألة ١٥١ : المشركون لا يملكون أموال المسلمين بالاستغنام ، فلو غنموا ثمّ ظفر بهم المسلمون فأخذوا منهم ما كانوا أخذوا منهم ، فإنّ الأولاد تُردّ إليهم بعد إقامة البيّنة ، ولا يُسترقّون إجماعاً.
وأمّا العبيد والأموال : فإن أقام أربابها البيّنة بها قبل القسمة ، رُدّت عليهم بأعيانها ، ولا يغرم الإمام للمقاتلة شيئاً في قول عامّة أهل العلم(٤) ، خلافاً للزهري وعمرو بن دينار ؛ فإنّهما احتجّا : بأنّ الكفّار ملكوه باستيلائهم فصار غنيمةً ، كسائر أموالهم(٥) .
وهو خطأ ؛ فإنّا بيّنّا أن الكفّار لا يملكون مال المسلم بالاستغنام.
وإن جاؤا بالبيّنة بعد القسمة ، فلعلمائنا قولان :
أحدهما : أنّه يردّ على أربابه ، ويرد الإمام قيمة ذلك للمقاتلة من
____________________
(١) في « ق ، ك » : وبه قال مالك والشافعي.
(٢) مختصر المزني : ٢٧٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧١.
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧١.
(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٤٧١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٩.
بيت المال. اختاره الشيخ(١) - وبه قال أبو بكر وابن عمر وسعد بن أبي وقّاص وربيعة والشافعي وابن المنذر(٢) - لما رواه العامّة عن ابن عمر أنّه ذهب فرس له فأخذها العدوّ فظهر عليه المسلمون ، فردّ عليه في زمن النبيصلىاللهعليهوآله (٣) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه هشام بن سالم - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن الترك يغيرون على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم أيُردّ عليهم؟ قال : « نعم ، والمسلم أخو المسلم ، والمسلم أحقّ بمالِه أينما وجده »(٤) .
الثاني : أنّه يكون للمقاتلة ، ويُعطي الإمام أربابها أثمانها من بيت مال المسلمين. وهو قولٌ للشيخ(٥) أيضاً ، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية. وفي اُخرى : لا حقّ لصاحبه فيه بحال. ونقله العامّة عن عليعليهالسلام وعمر والليث وعطاء والنخعي(٦) .
احتجّ الشيخ بما رواه هشام بن سالم عن بعض أصحاب الصادقعليهالسلام
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٦ ، الخلاف ٥ : ٥٢٣ ، المسألة ١٠.
(٢) المغني ١٠ : ٤٧٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٠ ، مختصر المزني : ٢٧٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٨٥ ، وانظر : الخلاف ٥ : ٥٢٣ ، المسألة ١٠.
(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٦٤ - ٦٥ / ٢٦٩٨ ، وعنه في المغني ١٠ : ٤٧١ ، والشرح الكبير ١٠ : ٤٦٩.
(٤) التهذيب ٦ : ١٥٩ - ١٦٠ / ٢٨٨ ، الاستبصار ٣ : ٤ / ٧.
(٥) النهاية : ٢٩٥.
(٦) المغني ١٠ : ٤٧١ - ٤٧٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٩ - ٤٧٠ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٥٤ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٢ ، المدوّنة الكبرى ٢ : ١٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣٩٨ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ١٨٥.
في السبي يأخذ العدوّ من المسلمين في القتل من أولاد المسلمين [ أو من مماليكهم ] فيحوزونه ، ثمّ إنّ المسلمين بعدُ قاتلوهم فظفروا بهم فسبوهم وأخذوا منهم ما أخذوا من مماليك المسلمين وأولادهم الذين أخذوهم من المسلمين فكيف يصنع فيما كانوا أخذوه من أولاد المسلمين ومماليكهم؟ قال : فقال : « أمّا أولاد المسلمين فلا يقام في سهام المسلمين ولكن يردّ إلى أبيه أو إلى أخيه أو إلى اُمّه بشهود ، وأمّا المماليك فإنّهم يقامون في سهام المسلمين فيباعون ، ويعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت المال »(١) .
وهو مرسل(٢) ، وروايتنا أصحّ طريقاً.
واحتجّ أبو حنيفة بما رواه ابن عباس أنّ رجلاً- وجد بعيراً [ له ](٣) كان المشركون أصابوه ، فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : « إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك ، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة »(٤) .
وهو معارض بما رويناه من طريق(٥) العامّة(٦) .
ولو أخذ المال أحد الرعيّة نهبةً(٧) أو سرقة أو بغير شيء ، فصاحبه أحقّ به بغير شيء - وبه قال الشافعي وأحمد(٨) - لما رواه العامّة : أنّ قوماً أغاروا على سرح النبيصلىاللهعليهوآله ، فأخذوا ناقته وجاريةً من الأنصار ، فأقامت
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٥٩ / ٢٨٧ ، الاستبصار ٣ : ٤ - ٥ / ٨ بتفاوت في بعض الألفاظ. وما بين المعقوفين من المصدر.
(٢) في « ق ، ك » : وهي مرسلة.
(٣) أضفناها من المصدر.
(٤) المغني ١٠ : ٤٧١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٩ - ٤٧٠.
(٥) في « ق ، ك » : طُرُق.
(٦) تقدّم في ص ٢٦٠ ، وكذا الإشارة إلى مصادره في الهامش (٣)
(٧) في « ق ، ك » وكذا في المغني والشرح الكبير : بهبة.
(٨) الحاوي الكبير ١٤ : ٢١٦ ، المغني ١٠ : ٤٧٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧١.
عندهم أيّاماً ثمّ خرجت في بعض الليل ، قالت : فما وضعت يدي على ناقة إلّا رَغَتْ(١) حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثمّ توجّهت إلى المدينة ونذرت إن نجّاني الله عليها أن أذبحها ، فلمـّا قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأخذها ، فقلت : يا رسول الله إنّي نذرت أن أنحرها ، فقال : « بئس ما جازيتيها(٢) ، لا نذر في معصية الله »(٣) .
وقال أبو حنيفة : لا يأخذه إلّا بالقيمة ؛ لأنّه صار ملك الواحد بعينه ، فأشبه ما لم قسم(٤) . ونمنع الصغرى.
ولو اشتراه المسلم من العدوّ ، بطل الشراء ، وكان لصاحبه أخذه بغير شيء ؛ لأنّ المشرك لا يملك مال المسلم بالاستغنام.
وقال أحمد : ليس لصاحبه أخذه إلّا بثمنه ؛ لروايةٍ عن عمر(٥) .وليست حجّةً.
ولو أبق عبدٌ لمسلم(٦) إلى دار الحرب فأخذوه ، لم يملكوه بأخذه - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة(٧) - لما تقدّم(٨) .
____________________
(١) رغا البعير والناقة ترغو : صوّتت فضجّت. والرغاء : صوت ذوات الخُفّ. لسان العرب ١٤ : ٣٢٩ « رغا ».
(٢) في الطبعة الحجريّة : جازيتها.
(٣) المغني ١٠ : ٤٧٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧١ نقلاً عن صحيح مسلم ٣ : ١٢٦٢ - ١٢٦٣ ذيل الحديث ١٦٤١ ، ومسند أحمد ٥ : ٥٩٤ و ٥٩٩ - ٦٠٠ ، ذيل الحديث ١٩٣٦٢ و ١٩٣٩٣.
(٤) المغني ١٠ : ٤٧٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧١.
(٥) المغني ١٠ : ٤٧٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧١ - ٤٧٢.
(٦) في « ك » : المسلم.
(٧) الاُمّ ٤ : ٢٥٤ ، النتف ٢ : ٧٢٧ - ٧٢٨ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٥٥ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٨ ، المغني ١٠ : ٤٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٥.
(٨) في صدر المسألة.
وقال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد : يملكونه(١) .
ولو أسلم المشرك الذي في يده مال المسلم ، اُخذ منه بغير قيمةٍ.
ولو دخل مسلمٌ دارَ الحرب فسرقه أو نهبه أو اشتراه ثمّ أخرجه إلى دار الإسلام ، فصاحبه أحقّ به ، ولا تلزمه قيمة ، ولو(٢) أعتقه مَنْ هو في يده أو تصرّف فيه ببيعٍ أو غيره ، كان باطلاً.
ولو غنم المسلمون من المشركين شيئاً عليه علامة المسلمين فلم يُعلم صاحبه ، فهو غنيمة بناءً على ظاهر الحكم باليد ، وبه قال الثوري والأوزاعي(٣) .
وقال الشافعي : يوقف حتى يجيء صاحبه(٤) .
ولو وُجد شيء موسوم عليه : حَبْسٌ في سبيل الله ، قال الثوري : يقسم ما لم يأت صاحبه(٥) .
وقال الشافعي : يردّ كما كان ؛ لأنّه قد عرف مصرفه - وهو الحبس - فهو بمنزلة ما لو عرف صاحبه(٦) .
ولو اُصيب غلام في بلاد الشرك فقال : أنا لفلان من بلاد المسلمين(٧) ، ففي قبول قوله من غير بيّنة نظرٌ. وكذا البحث لو اعترف المشرك بما في يده لمسلم. لكنّ الوجه هنا القبول قبل الاستغنام.
ولو كان في يد مسلمٍ مالٌ مستأجر أو مستعار من مسلمٍ ثمّ وجده المستأجر أو المستعير ، كان له المطالبة به قبل القسمة وبعدها ؛ لأنّ ملك
____________________
(١) المدوّنة الكبرى ٢ : ١٥ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٨ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٥٥ ، المغني ١٠ : ٤٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٥.
(٢) في « ق ، ك » بدل « ولو » : « فإن ».
(٣ - ٦) المغني ١٠ : ٤٧٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٢.
(٧) في « ق » : الإسلام.
المسلم لا يزول بالاستغنام ، فلا تزول توابعه.
وقال أبو حنيفة : ليس له الأخذ ؛ لأنّه لا حقّ له في العين لا ملكاً ولا يداً ، بل حقّه في الحفظ وقد بطل بخروجه(١) عن ملك صاحبه(٢) . وهو ممنوع.
ولو دخل حربيٌّ دارَ الإسلام بأمانٍ فاشترى عبداً مسلماً ثمّ لحق بدار الحرب فغنمه(٣) المسلمون ، كان باقياً على ملك البائع ؛ لفساد البيع ، فيردّ على المالك ، ويردّ المسلم عليه الثمن الذي أخذه ؛ لأنّه في أمان. ولو تلف العبد ، كان للسيّد القيمة ، وعليه ردّ ثمنه ، ويترادّان الفضل.
ولو أسلم الحربيّ في دار الحرب وله مال وعقار ، أو دخل مسلمٌ دارَ الحرب واشترى بها عقاراً أو مالاً ثمّ غزاهم المسلمون فظهروا على ماله وعقاره ، لم يملكوه ، وكان باقياً عليه إن كان المال ممّا يُنقل ويُحوّل ، وأمّا العقار فإنّه غنيمة ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في غير العقار ، وقالوا في العقار : إنّه كغيره ؛ لأنّه مالُ مسلمٍ ، فلا يجوز اغتنامه ، كما لو كان في دار الإسلام(٤) .
وقال أبو حنيفة : العقار يُغنم ، وأمّا غيره فإن كان في يده أو يد مسلمٍ أو ذمّيّ ، لم يُغنم ، وإن كان في يد حربيِّ ، غُنم(٥) .
مسألة ١٥٢ : لو فرّ المسلمون(٦) من الزحف قبل القسمة ، لم يكن لهم(٧)
____________________
(١) في « ق » : لخروجه.
(٢) اُنظر : الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٥.
(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : فغنموه ، والأنسب ما أثبتناه.
(٤) الاُم ٤ : ٢٧٨ ، المغني ١٠ : ٤٦٩ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٥ ، النتف ٢ : ٧٢٩.
(٥) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٤ - ١٤٥ ، المغني ١٠ : ٤٦٩.
(٦) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : المسلم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٧) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : له. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
نصيب في الغنيمة ما لم يعودوا قبل القسمة ؛ لأنّهم عصوا بالفرار ، وتركوا الدفع عنها.
ولو فروا بعد القسمة ، لم يؤثر في ملكهم الحاصل بالقسمة ، لأنهم ملكوا ما حازوا بالقسمة ، فلا يزول ملكهم بالهرب.
ولو هربوا قبل القسمة فذكروا أنّهم ولّوا متحرّفين لقتالٍ أو متحيّزين إلى فئةٍ ، فالوجه : أنّ لهم سهامَهم فيما غُنم قبل الفرار ولا شيء لهم فيما غُنم بعده ما لم يلحقوا القسمة.
والأجير على القتال يستحقّ الاُجرةَ بالعقد والسهمَ بالحضور. ولو حضر المستأجر أيضاً ، استحقّ هو أيضاً.
وعن أحمد روايتان : إحداهما هذا ، والاُخرى : أنّه لا يُسهم للأجير ؛ لأنّ غَزْوة بعوضٍ ، فكأنّه واقع من غيره ، فلا يستحقّ شيئاً(١) .
وينتقض بالمرصد للقتال.
والأجير على العمل إن كان في الذمّة كأن يستأجره لخياطة ثوب أو غيره في ذمّته ، فإذا حضر الأجير الوقعةَ ، استحقّ السهم إجماعاً ؛ لأنّه حضر الوقعة وهو من أهل القتال ، وإنّما في ذمّته حقٌّ لغيره ، فلا يمنعه من استحقاق السهم ، كما لو كان عليه دَيْنٌ.
وإن كان قد استأجره مدّةً معلومة لخدمة أو لغيرها ، فإن خرج بإذن المستأجر ، استحقّ السهم بالحضور ، وإلّا فلا ؛ لأنّه عاصٍ بالجهاد ، فلا يستحقّ سهماً ، اللّهم إلّا أن يتعيّن عليه فإنّه يستحق السهم.
إذا ثبت هذا ، فإنّ السهم يملكه في الصورة التي قلنا باستحقاقه لها ، ليس للمؤجر عليه سبيل.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٢٠ - ٥٢١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٣ - ٥١٤.
وللشافعي في الثاني(١) ثلاثة أقوال :
أحدها : أنّه يستحقّ السهم ؛ لقول النبيعليهالسلام : « الغنيمة لمن شهد الوقعة »(٢) .
ولأنّ الاُجرة تستحقّ بالمنفعة والسهمَ بحضور الوقعة وقد وُجد.
الثاني : أنّه يُرضخ له ولا يُسهم ؛ لأنّه قد حضر الوقعة مستحقّ المنفعة ، فلا يُسهم له ، كالعبد.
الثالث : يُخيّر الأجير بين ترك الاُجرة والإسهام وبين العكس ؛ لأنّ كلّ واحد من الاُجرة والسهم يستحقّ بمنافعه ، ولا يجوز أن يستحقّهما لمعنى واحد ، فأيّهما طلب استحقّه(٣) .
قال : وتكون الاُجرة - التي يُخيَّر بينها وبين السهم - الاُجرةَ التي تقابل مدّة القتال ، ويخيّر قبل القتال وبعده ، أمّا قبل القتال فيقال له : إن أردت الجهاد فاقصده واطرح الاُجرة ، وإن أردت الاُجرة فاطرح الجهاد ، ويقال بعد القتال : إن قصدت الجهاد ، اُسهم لك وتركت الاُجرة ، وإن كنت قصدت الخدمة ، اُعطيت الاُجرة دون الغنيمة(٤) .
ولو استؤجر للخدمة في الغزو أو أكرى دوابّه له وخرج معها وشهد الوقعة ، استحقّ السهم - وبه قال الليث ومالك وابن المنذر(٥) - لقولهعليهالسلام : « الغنيمة لمن شهد الوقعة »(٦) .
____________________
(١) أي فيما إذا استأجره مدّة معلومة.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١٦.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٧ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٨ ، الوجيز ١ : ٢٩١ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٤) العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٦٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣٩.
(٥) المغني ١٠ : ٥٢١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٤.
(٦) الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١٦.
وقال الأوزاعي وإسحاق : لا يُسهم له(١) .
وعن أحمد روايتان(٢) .
ولو آجر نفسه لحفظ الغنيمة أو سوق الدوابّ التي من المغنم ، أو رعيها ، جاز ، وحلّت له الاُجرة ، ولا يجوز له ركوب دوابّ الغنيمة إلّا أن يشرطه في الإجارة.
ولو دفع إلى المؤجر فرساً ليغزو عليها ، لم يملكها بذلك ؛ لأصالة بقاء الملك على صاحبه.
وقال أحمد : يملكها به(٣) . وليس جيّداً.
مسألة ١٥٣ : لو اشترى المسلم أسيراً من يد(٤) العدوّ ، فإن كان بإذنه ، دفع ما أدّاه المشتري إلى البائع إجماعاً ؛ لأنّه أدّاه بإذنه ، فصار نائباً عنه في الشراء ، ووكيلاً في ابتياع نفسه.
وإن اشتراه بغير إذنه ، لم يجب على الأسير دفع الثمن إلى المشتري - وبه قال الثوري والشافعي وابن المنذر(٥) - لأنّه متبرّع.
وقال مالك : يجب دفع الثمن كالأوّل - وبه قال الحسن البصري والنخعي والزهري وأحمد - لأنّ عمر قال في حديثٍ : وأيّما حُرّ اشتراه التجّار فإنّه تُردّ إليهم رؤوس أموالهم ، فإنّ الحُرّ لا يُباع ولا يُشترى. فحَكَم للتجّار برؤوس أموالهم(٦) .
وهو محمول على إذنهم.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٢٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٣.
(٢) المغني ١٠ : ٥٢٠ - ٥٢١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٣ - ٥١٤.
(٣) المغني ١٠ : ٣٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٥٦.
(٤) في « ق ، ك» : يدي.
(٥ و ٦) المغني ١٠ : ٤٨٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٢.
فلو أذن له في الشراء وأداء الثمن ثمّ اختلفا في قدره ، فالقول قول الأسير - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه منكر.
وقال الأوزاعي : يُقدَّم قول المشتري ؛ لأنّهما اختلفا في فعله وهو أعلم به(٢) .
وهو ممنوع ، وإنّما اختلفا في القدر المأذون فيه ، وهو فعل الأسير ، فهو أعلم به.
مسألة ١٥٤ : إذا استولى أهل الحرب على أهل الذمّة فسبوهم وأخذوا أموالهم ثمّ قدر عليهم المسلمون ، وجب ردّهم إلى ذمّتهم ، ولا يجوز استرقاقهم إجماعاً ؛ لأنّهم لم ينقضوا ذمّتهم ، فكانوا على أصل الحُرّيّة ، وأموالهم كأموال المسلمين.
قال عليعليهالسلام : « إنّما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا »(٣) .
فمتى علم صاحبها قبل القسمة وجب ردّها إليه ، وإن علم بعدها ، فعلى ما تقدّم من الخلاف في أموال المسلمين.
وهل يجب فداؤهم؟ قال بعض العامّة : نعم يجب مطلقاً ، سواء كانوا في معونتنا أو لم يكونوا - وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث - لأنّا التزمنا حفظهم لمعاهدتهم وأخذ الجزية منهم ، فلزمنا القتال عنهم ، فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم بالفدية ، وجب ، كمَنْ يحرم عليه إتلاف شيء فيتلفه فإنّه يغرمه(٤) .
____________________
(١ و ٢) المغني ١٠ : ٤٨٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٢.
(٣) أورده ابن قدامة في المغني ١٠ : ٤٨٩.
(٤) المغني ١٠ : ٤٨٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٣.
وقال قوم منهم : لا يجب فداؤهم إلّا أن يكون الإمام قد استعان بهم في قتاله فسبوا ؛ لأنّه سبب في أسرهم(١) .
وإنّما يثبت ما ذكرناه لو كانوا على شرائط الذمّة ، ولو لم يكونوا ، استرقّوا بالسبي ، كالحربيّ.
ويجب فداء الاُسارى من المسلمين مع المكنة.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أطعموا الجائع ، وعودوا المريض ، وفكّوا العاني »(٢) .
وفادى رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجلين من المسلمين برجل أخذه من بني عقيل(٣) .
الغزاة ضربان :
مطوّعة ، وهُم الذين إذا نشطوا غزوا ، وإن لم ينشطوا قعدوا لمعايشهم ، فهؤلاء لهم سهم الصدقات ، إذا غنموا في دار الحرب شاركوا الغانمين واُسهم لهم.
والثاني : مَنْ أرصد نفسه للجهاد ، فهؤلاء لهم من الغنيمة أربعة الأخماس ، ويجوز عندنا أن يُعطوا أيضاً من الصدقة من سهم ابن السبيل.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٨٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٣.
(٢) صحيح البخاري ٧ : ٨٧ ، سنن أبي داوُد ٣ : ١٨٧ / ٣١٠٥ ، سنن البيهقي ٣ : ٣٧٩ و ١٠ : ٣ ، المغني ١٠ : ٤٩٠.
(٣) المغني ١٠ : ٤٩٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٣.
مسألة ١٥٥ : ينبغي للإمام أن يتّخذ الديوان - وهو الدفتر الذي فيه أسماء القبائل قبيلة قبيلة - ويكتب عطاياهم ، ويجعل لكلّ قبيلة عريفاً ، ويجعل لهم علامة بينهم ويعقد لهم ألوية ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله عرّف عام خيبر على كلّ عشرة عريفاً(١) ، وجَعَل يوم فتح مكّة للمهاجرين شعاراً ، وللأوس شعاراً ، وللخزرج شعاراً(٢) ، امتثالاً لقوله تعالى :( وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ) (٣) .
فإذا أراد الإمام القسمة ، قدّم الأقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فالأقرب ، فيقدّم بني هاشم على بني المطّلب ، وبني عبد شمس على بني نوفل ؛ لأنّ عبد شمس أخو هاشم من الأبوين ، ونوفل أخوه من الأب ، ثمّ يسوّي بين عبد العُزّى وعبد الدار ؛ لأنّهما أخوا عبد مناف ، فإن استووا في القرب ، قدّم أقدمهم هجرةً ، فإن تساووا ، قدّم الأسنَّ.
فإذا فرغ من عطايا أقارب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بدأ بالأنصار ، وقدّمهم على جميع العرب ، فإذا فرغ من الأنصار ، بدأ بالعرب ، فإذا فرغ من العرب ، قسّم على العجم ، وليس ذلك فرضاً.
مسألة ١٥٦ : قال الشيخرحمهالله : ذرّيّة المجاهدين إذا كانوا أحياءً يُعطون على ما تقدّم ، فإذا مات المجاهد أو قُتل وترك ذرّيّةً أو امرأةً ، فإنّهم يُعطون كفايتهم من بيت المال من الغنيمة ، فإذا بلغوا ، فإن أرصدوا نفوسهم للجهاد ، كانوا بحكمهم ، وإن اختاروا غيره ، خيّروا ما يختارونه ، وتسقط مراعاتهم ، وهكذا حكم المرأة لا شيء لها(٤) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٩ ، الاُمّ ٤ : ١٥٨ ، وفيه : عام حنين.
(٢) المغازي - للواقدي - ٢ : ٨١٩ - ٨٢١ ، الاُمّ ٤ : ١٥٨.
(٣) الحجرات : ١٣.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٣.
وللشافعي في إعطاء الذرّيّة والنساء بعد موته قولان :
أحدهما : أنّهم يُعطون ؛ لأنّه إذا لم يُعط ذرّيّتة بعده لم يجرّد نفسه للقتال ، فإنّه يخاف على ذرّيّته الضياع ؛ لأنّا لا نعطيه إلّا ما يكفيه ، لا ما يدّخره لهم.
والثاني : أنّهم لا يُعطون ؛ لأنّا إنّما نعطيهم تبعاً للمجاهدين ، لا أنّهم من أهل الجهاد ، فإذا مات ، انتفت تبعيّتهم للمجاهدين ، فلم يستحقّوا شيئاً من الفيء(١) .
مسألة ١٥٧ : ويُحصي الإمام المقاتلة وهُمْ بالغوا الحلم ، فيحصي فرسانهم ورجالهم ليوفّر عليهم على قدر كفايتهم ، ويُحصي الذرّيّة وهُمْ مَنْ لم يبلغ الحلم ، ويُحصي النساء ؛ ليعلم قدر كفايتهم.
قال ابن عمر : عرضت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة ، فأجازني(٢) .
ويقسّم عليهم في السنة مرّة واحدة ؛ لأنّ الجزية والخراج ومستغلّ الأراضي التي انجلى عنها المشركون إنّما تكون في السنة مرّة واحدة ، فكذلك القسمة.
ويُعطي المولودَ ، وتُحسب مؤونته من كفاية أبيه إلّا أنّه يُفرده بالعطاء ، وكلّما زادت سنّة زاد في عطاء أبيه.
ويُعطي كلّ قوم منهم قدر كفايتهم بالنسبة إلى بلدهم ؛ لاختلاف
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٠ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٢٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٥٠ ، الوجيز ١ : ٢٨٩ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٤١.
(٢) الاُمّ ٤ : ١٥٦ ، المغني ١٠ : ٤٤٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩٨.
الأسعار في البُلْدان. ويجوز أن يفضّل بعضهم على بعضٍ في العطاء من سهم سبيل الله وابن السبيل لا من الغنيمة.
ونقل العامّة عن عليّعليهالسلام أنّه سوّى بينهم في العطاء ، وأخرج العبيد فلم يُعطهم شيئاً ؛ لأنّهم استووا في سبب الاستحقاق - وهو نصب أنفسهم للجهاد - فصاروا بمنزلة الغانمين(١) .
قال الشيخرحمهالله : وليس للأعراب من الغنيمة شيء(٢) ، على ما تقدّم(٣) . واختاره الشافعي(٤) أيضاً.
ويجب على من استنهضه الإمام للجهاد النفور معه على ما تقدّم(٥) .
مسألة ١٥٨ : إذا مرض واحدٌ من أهل الجهاد ، فإن لم يخرج به عن كونه من أهل الجهاد - كالحمّى والصداع - لا يسقط عطاؤه ؛ لأنّه كالصحيح. وإن كان مرضاً لا يُرجى زواله - كالزمن والفلج - خرج به عن المقاتلة ، وكان حكمه حكم الذرّيّة في العطاء وسقوطه ، وقد تقدّم(٦) .
ولو مات المجاهد بعد حؤول الحول واستحقاق السهم ، كان لوارثه المطالبة بسهمه ، قاله الشيخ(٧) رحمهالله ؛ لأنّه استحقّه بحؤول الحول ، والمجاهدون معيّنون ، بخلاف الفقراء ؛ فإنّهم غير معيّنين ، فلا يستحقّون بحؤول الحول ، وللإمام أن يصرف إلى مَنْ شاء منهم ، بخلاف المجاهدين.
____________________
(١) الاُمّ ٤ : ١٥٥ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٧٧.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٤ ، النهاية : ٢٩٩.
(٣) تقدّم في ص ٢٣٤ ، المسألة ١٣٣.
(٤) الاُمّ ٤ : ١٥٤ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٧٧.
(٥) تقدّم في ص ٩.
(٦) تقدّم في ص ٢٤٦.
(٧) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٣ - ٧٤.
وللشافعي قول آخر : إنّه إنّما يستحقّ بعد موته إذا صار المال إلى يد الوالي ؛ لأنّ الاستحقاق إنّما هو بحصول المال لا بمضيّ الزمان(١) .
مسألة ١٥٩ : قال الشيخرحمهالله : ما يحتاج الكراع وآلات الحرب إليه يُؤخذ من بيت المال من مال(٢) المصالح ، وكذا رزق الحُكّام ووُلاة الأحداث والصلاة وغيره من وجوه الولايات والمصالح يخرج من ارتفاع الأراضي المفتوحة عنوةً ومن سهم سبيل الله ، ومن جملة ذلك ما يلزمه فيما يخصّه من الأنفال والفيء ، وهي جنايات مَنْ لا عَقْل له ، ودية مَنْ لا يُعرف قاتلُه وغير ذلك ممّا نقول: إنّه يلزم بيت المال(٣) .
ولو أهدى المشرك إلى الإمام أو إلى رجل من المسلمين هديّةً والحرب قائمة ، قال الشافعي : تكون غنيمةً ؛ لأنّه إنّما أهدى ذلك من خوف الجيش ، وإن أهدى إليه قبل أن يرتحلوا من دار الإسلام ، لم تكن غنيمةً وانفرد بها(٤) .
وقال أبو حنيفة : تكون للمهدي إليه على كلّ حال. وهو رواية عن أحمد(٥) .
____________________
(١) الاُمّ ٤ : ١٥٦ ، مختصر المزني : ١٥٢ ، الحاوي الكبير ٨ : ٤٥٤.
(٢) في المصدر : أموال.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٧٥.
(٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ و ٤٨٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨ و ٤٨٥ ، المغني ١٠ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٩.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ و ٤٨٨ ، المغني ١٠ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٩.
الفصل الخامس : في أحكام أهل الذمّة
وفيه مباحث :
مسألة ١٦٠ : الجزية هي المال المأخوذ من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام ، في كلّ عام.
وهي واجبة بالنصّ والإجماع.
قال الله تعالى :( حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) (١) .
وما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله في وصيّة مَنْ يبعثه أميراً على سريّة أو جيش : « فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « فإن أبوا هاتين فادعهم إلى إعطاء الجزية »(٣) .
ولا خلاف بين المسلمين في ذلك.
إذا عرفت هذا ، فعقد الجزية أن يقول الإمام أو نائبه : أقررتكم بشرط الجزية والاستسلام. ويذكر مقدار الجزية ، فيقول الذمّيّ : قبلت ، أو : رضيت ، وشبهه.
____________________
(١) التوبة : ٢٩.
(٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ / ٢٦١٢ ، مسند أحمد ٦ : ٤٨٣ / ٢٢٤٦٩ ، المغني ١٠ : ٥٥٧ - ٥٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٦.
(٣) الكافي ٥ : ٢٩ / ٨ ، التهذيب ٦ : ١٣٩ / ٢٣٢.
وقال بعض الشافعيّة : لا يجب ذكر مقدار الجزية لكن ينزل على الأقلّ(١) .
وقيل : لا يجب ذكر الاستسلام ، نعم يجب ذكر كفّ اللسان عن الله تعالى ورسوله(٢) .
وفي صحّته مؤقّتاً قولان(٣) .
ولو قال : أقررتكم ما شئت أنا ، فقولان قريبان(٤) ، وأولى بالجواز.
ولو قال : ما شئتم ، صحّ ؛ لأنّ عقد الجزية غير لازم من جانب الكفّار ؛ فإنّ لهم الالتحاق بدارهم متى شاءوا.
مسألة ١٦١ : ويعقد الجزية لكلّ كتابيّ عاقل بالغ ذَكَرٍ.
ونعني بالكتابي مَنْ له كتاب حقيقةً ، وهُم اليهود والنصارى ، ومَنْ له شبهة كتاب ، وهُم المجوس ، فتؤخذ الجزية من هؤلاء الأصناف الثلاثة بإجماع علماء الإسلام قديماً وحديثاً.
والكتاب إمّا التوراة أو الإنجيل ، فأهل التوراة اليهود ، وأهل الإنجيل النصارى. وقد كانت النصرانيّة في الجاهليّة في ربيعة وغسّان وبعض قضاعة ، واليهوديّة في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكِنْدَة ،
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٢ - ٤٩٣ ، الوسيط ٧ : ٥٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٨.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٧ ، وانظر العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٣ ، والوسيط ٧ : ٥٦ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٨٨.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٣ ، الوسيط ٧ : ٥٦ - ٥٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٨.
(٤) كذا ، وفي الوجيز والوسيط : فقولان مرتّبان. وهما للشافعيّة ، اُنظر : الوجيز ٢ : ١٩٧ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٣ ، والوسيط ٧ : ٥٧ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٨٨.
والمجوسيّة في تميم ، وعبادة الأوثان ، والزندقة كانت في قريش وبني حنيفة.
وتؤخذ الجزية من جميع اليهود وجميع النصارى على الشرائط الآتية ، سواء كانوا من المبدّلين أو غير المبدّلين ، وسواء كانوا عرباً أو عجماً في قول علمائنا أجمع - وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر(١) - لعموم الآية(٢) .
ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أخذ من اُكَيْدِرِ دُومة(٣) ، وهو رجل من غسّان أو كِنْدَة من العرب(٤) ، وأخذ من نصارى نجران(٥) ، وهُمْ عرب ، وأمر معاذاً أن يأخذ الجزية من أهل اليمن(٦) ، وهُمْ كانوا عرباً.
وقال أبو يوسف : لا تُؤخذ الجزية من العرب(٧) .
والإجماع يُبطله ؛ فإنّ اليهود والنصارى من العرب سكنوا في زمن الصحابة والتابعين في بلاد الإسلام ولا يجوز إقرارهم فيها بغير جزية.
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٨ ، الاُمّ ٤ : ١٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٨٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٤ / ١٦٣٥.
(٢) التوبة : ٢٩.
(٣) دومة : قلعة من بلاد الشام. وأُكَيْدرها مَلِكها ، واسمه اُكيدر بن عبد الملك الكندي. معجم البلدان ٢ : ٤٨٧.
(٤) سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ / ٣٠٤١ ، سنن البيهقي ٩ : ١٨٦ و ١٨٧.
(٥) سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ / ٣٠٤١ ، السيرية النبويّة - لابن هشام - ٢ : ٢٣٣ ، الدلائل - لأبي نعيم - ٢ : ٤٥٧ / ٢٤٥ ، الدلائل - للبيهقي - ٥ : ٣٨٩ ، المغني ١٠ : ٥٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٨.
(٦) سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ / ٣٠٣٨ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٠ / ٦٢٣ ، سنن النسائي ٥ : ٢٥ - ٢٦ ، سنن البيهقي ٩ : ١٨٧ ، المستدرك - للحاكم - ١ : ٣٩٨.
(٧) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٨٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٦ ، المغني ١٠ : ٥٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٨.
مسألة ١٦٢ : تُؤخذ الجزية ممّن دخل في دينهم من الكفّار إن كانوا قد دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل ، ومن نسله وذراريه ، ويُقرّون بالجزية ولو وُلد بعد النسخ.
ولو دخلوا في دينهم بعد النسخ ، لم يُقبل منهم إلّا الإسلام ، ولا تُؤخذ منهم الجزية ، عند علمائنا - وبه قال الشافعي(١) - لقولهعليهالسلام : « مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه »(٢) .
ولأنّه ابتغى ديناً غير الإسلام ، فلا يُقبل منه ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (٣) .
وقال المزني : يُقرّ على دينه ، وتُقبل منه الجزية مطلقاً(٤) ؛ لقوله تعالى :( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (٥) .
والمراد المشاركة في الإثم والكفر دون إقراره على عقيدته.
ولا فرق بين أن يكون المنتقل إلى دينهم ابن كتابيّين أو ابن وثنيّين أو ابن كتابيّ ووثنيّ في التفصيل الذي فصّلناه.
ولو وُلد بين أبوين أحدهما تُقبل منه الجزية والآخر لا تُقبل ، ففي
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧.
(٢) سنن الترمذي ٤ : ٥٩ / ١٤٥٨ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٤٨ / ٢٥٣٥ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٠٨ / ٩٠ ، و ١١٣ / ١٠٨ ، سنن البيهقي ٨ : ١٩٥ و ٢٠٢ و ٢٠٥ ، و ٩ : ٧١ ، المستدرك - للحاكم - ٣ : ٥٣٨ - ٥٣٩ ، مسند أحمد ١ : ٣٥٨ / ١٨٧٤ ، و ٤٦٥ - ٤٦٦ / ٢٥٤٨ ، و ٥٣٠ - ٥٣١ / ٢٩٦٠ ، و ٦ : ٣٠٤ - ٣٠٥ / ٢١٥١٠.
(٣) آل عمران : ٨٥.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧.
(٥) المائدة : ٥١.
قبول الجزية منه تردّد.
مسألة ١٦٣ : المجوس تؤخذ منهم الجزية كاليهود والنصارى إجماعاً ؛ لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « سُنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب »(١) .
ومن طريق الخاصّة : ما رواه علماؤنا أنّ الصادقعليهالسلام سُئل عن المجوس أكان لهم نبي؟ قال : « نعم ، أما بلغك كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أهل مكة أسلموا وإلّا نابذتكم بحرب ، فكتبوا إليه أن خُذْ منّا الجزية ودَعْنا على عبادة الأوثان ، فكتب إليهم إنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب ، فكتبوا إليه زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب ثمّ أخذتَ الجزية من مجوس هَجَر ، فكتب إليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنّ المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب أحرقوه ، أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور »(٢) .
فالروايات متظافرة(٣) بأنّهم أهل كتاب - وبه قال الشافعي(٤) - لقول عليّعليهالسلام : « أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلّمونه وكتاب يدرسونه » الحديث ، رواه العامّة(٥) .
____________________
(١) الموطّأ ١ : ٢٧٨ / ٤٢ ، سنن البيهقي ٩ : ١٨٩ - ١٩٠ ، الأموال - لأبي عبيد - : ٣٧ / ٧٨ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٣ : ٢٢٤ ، و ١٢ : ٢٤٣ - ٢٤٤ / ١٢٦٩٦ و ١٢٦٩٧ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٦ : ٦٩ / ١٠٠٢٥ ، و ١٠ : ٣٢٥ / ١٩٢٥٣ ، ترتيب مسند الشافعي ٢ : ١٣٠ / ٤٣٠ ، المغني ١٠ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٧.
(٢) الكافي ٣ : ٥٦٧ - ٥٦٨ / ٤ ، التهذيب ٦ : ١٥٨ / ٢٨٥.
(٣) في « ق ، ك» : متظاهرة.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٦.
(٥) سنن البيهقي ٩ : ١٨٩ ، المغني ١٠ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٧.
ومن طرق الخاصّة : ما تقدّم(١) .
وقال أبو حنيفة وأحمد : لا كتاب لهم ؛ لقولهعليهالسلام : « سُنُّوا بهم سنّة أهل الكتاب »(٢) (٣) .
ويحتمل أن يكون المراد مَنْ له كتابٌ باقٍ ، أو لأنّهم كانوا يعرفون التوراة والإنجيل.
مسألة ١٦٤ : لا يُقبل من غير الأصناف الثلاثة من الكفّار إلّا الإسلام ، فلو بذل عُبّاد الأصنام والنيران والشمس الجزيةَ ، لم تُقبل ، سواء العرب والعجم - وبه قال الشافعي(٤) - لقوله تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (٥) خرج منهم الثلاثة ؛ لنصٌّ خاصّ ، فبقي الباقي على عمومه.
وما رواه العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله : « أمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلّا الله »(٦) الحديث.
____________________
(١) تقدّم آنفاً.
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (١) من ص ٢٧٩.
(٣) المغني ١٠ : ٥٥٩ - ٥٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٦ - ٥٧٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٥ ، المغني ١٠ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٥) التوبة : ٥.
(٦) صحيح مسلم ١ : ٥١ و ٥٢ / ٣٢ و ٣٣ ، و ٥٣ / ٣٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٤٤ / ٢٦٤٠ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٩٥ / ٣٩٢٧ - ٣٩٢٩ ، سنن النسائي ٥ : ١٤ ، سنن الترمذي ٥ : ٣ - ٤ / ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ ، سنن الدار قطني ٢ : ٩ / ٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٢١٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٤٩ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٥٢٢ ، مسند أحمد ٤ : ٥٧٦ - ٥٧٧ / ١٥٧٢٧ ، المغني ١٠ : ٥٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩ - ٥٨٠.
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام في حديثٍ : « سيفٌ على مشركي العرب ، قال الله تعالى :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (١) »(٢) الحديث.
وقال أبو حنيفة : تُقبل من جميع الكفّار إلّا العرب ؛ لأنّهم يُقرّون على دينهم بالاسترقاق فاُقرّوا بالجزية ، كأهل الكتاب ، وأمّا العرب فلا تُقبل منهم ؛ لأنّهم رهط النبيعليهالسلام ، فلا يُقرّون على غير دينه(٣) .
والفرق : أنّ أهل الكتاب لهم حرمة بكتابهم ؛ بخلاف غيرهم من الكفّار ، والعرب قد بيّنّا أنّهم إن كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً ، قُبلت منهم الجزية ، وإلّا فلا ، ولا فرق بين العرب والعجم ؛ لأنّ الجزية تُؤخذ بالدين لا بالنسب.
وقال أحمد : تُقبل من جميع الكفّار إلّا عَبَدة الأوثان من العرب(٤) .
وقال مالك : تُقبل من جميعهم إلّا مشركي قريش ؛ لأنّهم ارتدّوا(٥) .
وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز : إنّها تُقبل من جميعهم ؛ لأنّ النبيعليهالسلام كان يبعث السريّة ويُوصيهم بالدعاء إلى الإسلام أو الجزية(٦) .
____________________
(١) التوبة : ٥.
(٢) الكافي ٥ : ١٠ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٣٦ / ٢٣٠.
(٣) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٤ / ١٦٣٥ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٧ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٧ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٠ ، المغني ١٠ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧.
(٤) المغني ١٠ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٨٢ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٠.
(٥) المغني ١٠ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٧.
(٦) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٧ / ٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ / ٢٦١٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : =
وهو عامّ في كلّ كافر(١) .
ونمنع العموم ، بل الوصيّة في أهل الذمّة.
مسألة ١٦٥ : مَنْ عدا اليهود والنصارى والمجوس لا يُقرّون بالجزية بل لا يُقبل منهم إلّا الإسلام وإن كان لهم كتاب ، كصُحُف إبراهيم وصُحف آدم وإدريس ( وشيث )(٢) وزبور داوُد - وهو أحد قولي الشافعي(٣) - لأنّها ليست كُتباً منزلة على ما قيل ، بل هي وحي يُوحى ، ولأنّها مشتملة على مواعظ لا على أحكام مشروعة.
والقول الثاني للشافعي : يُقرّون بالجزية ؛ لقوله تعالى :( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) (٤) (٥) .
وليس حجّةً ؛ لأنّه للعهد.
قال ابن الجنيد من علمائنا : الصابئون تُؤخذ منهم الجزية ويُقرّون عليها ، كاليهود والنصارى - وهو أحد قولي الشافعي(٦) - بناءً على أنّهم من أهل الكتاب وإنّما يخالفونهم في فروع المسائل لا في اُصولها.
وقال أحمد : إنّهم جنس من النصارى. وقال أيضاً : إنّهم يسبتون ،
____________________
= ٩٥٣ / ٢٨٥٨ ، سنن الدارمي ٢ : ٢١٦ - ٢١٧.
(١) المغني ١٠ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٢) ما بين القوسين لم يرد في « ق ، ك».
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٦ ، الوسيط ٧ : ٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٤ ، المغني ١٠ : ٥٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٩.
(٤) التوبة : ٢٩.
(٥) المصادر في الهامش (٣)
(٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٨ ، الوسيط ٧ : ٦١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٥.
فهُمْ من اليهود(١) .
وقال مجاهد : إنّهم من [ اليهود و ](٢) النصارى(٣) .
وقال السدي : إنّهم من أهل الكتاب(٤) .
وكذا السامرة ، ومتى كانوا كذلك قُبلت منهم الجزية.
وقد قيل عنهم : إنّهم يقولون : إنّ الفلك حيّ ناطق ، وإنّ الكواكب السبعة السيّارة آلِهة(٥) . ومتى كان الحال كذلك لم يُقرّوا على دينهم بالجزية.
وقال المفيدرحمهالله : وقد اختلف فقهاء العامّة في الصابئين ومَنْ ضارعهم في الكفر سوى مَنْ ذكرناه من الثالثة الأصناف.
فقال مالك بن أنس والأوزاعي : كلّ دين بعد الإسلام سوى اليهوديّة والنصرانيّة فهو مجوسيّة ، وحكم أهله حكم المجوس. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال : الصابئون مجوس. وقال الشافعي وجماعة من أهل العراق : حكمهم حكم المجوس. وقال بعض أهل العراق : حكمهم حكم النصارى.
قال : فأمّا نحن فلا نجاوز بإيجاب الجزية إلى غير مَنْ عدّدناه ؛ لسنّة
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٠ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٨٣.
(٢) ما بين المعقوفين من المصادر ، وفيها هكذا : إنّهم بين اليهود والنصارى.
(٣ و ٤) النكت والعيون ( تفسير الماوردي ) ١ : ١٣٣ ، المغني ١٠ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٠.
(٥) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٩٤ ، المغني ١٠ : ٥٥٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٠ ، وانظر الوسيط ٧ : ٦١.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيهم ، والتوقيف الوارد عنه في أحكامهم.
قال : وقد روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال : « المجوس إنّما اُلحقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات ، لأنّه كان لهم فيما مضى كتابٌ » ولو خُلّينا والقياس ، لكانت المانويّة والمزدقيّة والديصانيّة عندي بالمجوس أولى من الصابئين ؛ لأنّهم يذهبون في اُصولهم مذاهب تُقارب المجوسيّة وتكاد تختلط بها.
وأمّا المرقونيّة والماهانيّة : فإنّهم إلى النصرانيّة أقرب من المجوسيّة ؛ لقولهم في الروح والكلمة والابن بقول النصارى وإن كانوا يوافقون الثنويّة في اُصول اُخر.
وأمّا الكينونيّة(١) : فقولهم يقرب من النصرانيّة لأصلهم(٢) في التثليث وإن كان أكثره لأهل الدهر.
وأمّا السمنيّة : فتدخل في حكم مشركي العرب وتضارع مذاهبها قولَها(٣) في التوحيد للبارئ وعبادتهم سواه تقرّباً إليه وتعظيماً فيما زعموا من عبادة الخلق لهم. وقد حكي عنهم ما يُدخلهم في جملة الثنويّة.
ثمّ قال : فأمّا الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممّن عددناه ؛ لأنّ جمهورهم يُوحّد الصانع في الأزل ، ومنهم مَنْ يجعل معه هيولى في القِدَم صنع منها العالَم ، فكانت عندهم الأصل ، ويعتقدون في الفلك وما فيه : الحياة والنطق وأنّه المدبِّر لما في العالَم والدالّ عليه ، وعظّموا الكواكب
____________________
(١) في متن المقنعة : الكيثونية. وفي نسخة منها كما في المتن.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : لا مثلهم. وما أثبتناه من المصدر ، وكما في المختلف - للمصنّفقدسسره - ٤ : ٤٤٥ ، المسألة ٥٨.
(٣) في الطبعة الحجريّة : في قولها.
وعَبَدوها من دون الله تعالى ، وسمّاها بعضهم ملائكةً ، وجعلها بعضهم آلهةً ، وبَنَوا لها بيوتاً للعبادات ، وهؤلاء على طريق القياس إلى مشركي العرب وعُبّاد الأوثان أقرب من المجوس ؛ لأنّهم وجّهوا عبادتهم إلى غير الله تعالى في التحقيق وعلى القصد والضمير ، وسمّوا مَنْ عداه من خلقه بأسمائه ، جلّ عمّا يقول المـُبْطلون.
والمجوس قصدت بالعبادة الله تعالى على نيّاتهم في ذلك وضمائرهم وعقودهم وإن كانت عبادة الجميع على اُصولنا غير متوجّهة في الحقيقة إلى القديم ، ولم يسمّوا مَنْ أشركوا بينه وبين الله تعالى في القدم(١) باسم في معنى الإلهيّة ومقتضى العبادة ، بل مَنْ ألحقهم بالنصارى أقرب في التشبيه(٢) ؛ لمشاركتهم إيّاهم في اعتقاد الإلهيّة في غير القديم ، وتسميتهم له بذلك ، وهُما : الروح عندهم ، والنطق الذي اعتقدوه [ في ](٣) المسيح ، وليس هذا موضع الردّ على متفقّهة العامّة فيما اجتنبوه من خلافنا فلنشرحه(٤) ، وإنّما ذكرنا منه طرفاً ؛ لتعلّقه بما تقدّم من وصف مذهبنا في الأصناف وبيّنّاه في التفصيل(٥) . هذا آخر كلام شيخنا المفيدرحمهالله
وللشافعي في الصابئين والسامرة - وهم عنده مبتدعة النصارى
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : القديم. وما أثبتناه من المصدر ، وكما في المختلف ٤ : ٤٤٦ ، المسألة ٥٨.
(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : النسبة. وما أثبتناه من المصدر ، وكما في المختلف ٤ : ٤٤٦ ، المسألة ٥٨.
(٣) أضفناها من بعض نسخ المصدر كما في هامشه ، وكما في المختلف ٤ : ٤٤٦ ، المسألة ٥٨.
(٤) في الطبعة الحجريّة : فلنسترجع. وفي المصدر : فنشرحه.
(٥) المقنعة : ٢٧٠ - ٢٧٢.
واليهود - قولان(١) .
وقال بعض أصحابه : إن كانوا كَفَرةَ دينهم ، فلا يُقرّون ، وإن كانوا مبتدعةً ، اُقرّوا ، فلو عقدنا له وأسلم منهم عَدْلان وشهدا بكفره ، تبيّن بطلان العقد ، ويُغتال ؛ لتلبيسه(٢) .
والمتولّد بين الكتابيّ والوثنيّ في مناكحته قولان للشافعي ، والصحيح عنده أنّه يُقرّر(٣) .
ولو توثّن نصرانيّ وله ولد صغير اُمّه نصرانيّة ، فله حكم التنصّر ، وإن كانت وثنيّةً ، فهو تابع للتوثّن أو يبقى عليه حكم التنصّر؟ للشافعي وجهان(٤) .
ولا يغتال إذا بلغ وإن كان يُغتال أبوه على الأصحّ عندهم(٥) .
ولا يحلّ وطء سبايا غَوْرٍ ؛ لأنّهم ارتدّوا بعد الإسلام.
وفي استرقاقهم خلاف بينهم ، والظاهر عندهم جواز استرقاق الوثنيّ وسبايا غَوْر أولاد المرتدّين(٦) .
وأمّا عندنا فإنّ ذبائح أهل الكتاب لا تحلّ إجماعاً منّا. فأمّا مناكحتهم ففيه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
مسألة ١٦٦ : بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار ، انتقلوا في الجاهليّة إلى النصرانيّة. وانتقل أيضاً من العرب قبيلتان اُخريان ، وهُمْ
____________________
(١) تقدّمت الإشارة إلى مصادرهما في الهامش (٣) من ص ٢٨٢.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٨ - ٥٠٩.
(٣) الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٩ ، الحاوي الكبير ٩ : ٣٠٥ ، روضة الطالبين ٥ : ٤٧٩ ، و ٧ : ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٤ و ٥) الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٦.
(٦) الوجيز ٢ : ١٩٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١١.
تنوخ وبَهْراء ، فصارت القبائل الثلاثة من أهل الكتاب ، تُؤخذ منهم الجزية كافّة(١) ، كما تُؤخذ من غيرهم - وبه قال عليعليهالسلام وعمر بن عبد العزيز(٢) - لأنّهم أهل كتاب ، فيدخلون تحت عموم الأمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب.
وقال أبو حنيفة : لا تُؤخذ منهم الجزية ، بل تُؤخذ منهم الصدقة مضاعفةً ، فيُؤخذ من كلّ خَمْسٍ من الإبل شاتان ، ويُؤخذ من كلّ عشرين ديناراً دينارٌ ، ومن كلّ مائتي درهم عشرة دراهم ، ومن كلّ ما يجب فيه نصف العُشْرُ العُشْرُ وما يجب فيه العُشر الخُمْس - وبه قال الشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حيّ وأحمد بن حنبل - لأنّ عمر ضَعَّف الصدقة عليهم(٣) .
وهي حكاية حال لا عموم لها ، فجاز أن تكون المصلحة للمسلمين في كفّ أذاهم بذلك. ولأنّه كان يأخذ جزيةً لا صدقةً وزكاةً. ولأنّه يؤدّي إلى أن يأخذ أقلّ من دينار بأن تكون صدقته أقلّ من ذلك. ولأنّه يلزم أن يقيم بعض أهل الكتاب في بلد الإسلام مؤبّداً بغير عوض بأن لا يكون له زرع ولا ماشية.
وروى العامّة عن عليّعليهالسلام أنّه قال : « لئن تفرّغت لبني تغلب ليكوننّ لي فيهم رأي ، لأقتلنّ مقاتلتهم ، ولأسبيّن ذراريهم ، فقد نقضوا العهد ، وبرئت منهم الذمّة حين نصّروا أولادهم »(٤) .
____________________
(١) كلمة « كافّة » لم ترد في « ق ، ك».
(٢) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٢.
(٣) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٢ - ٥٨٢ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٥ وما بعدها ، سنن البيهقي ٩ : ٢١٦.
(٤) الأموال - لأبي عبيد - : ٣٤ ذيل رقم ٧١ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٢.
إذا ثبت أنّ المأخوذ جزية ، فلا تُؤخذ من الصبيان والمجانين والنساء - وبه قال الشافعي(١) - لما تقدّم ، ولأنّ عمر قال : هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى دون الاسم(٢) .
وقال عمر بن عبد العزيز حيث لم يقبل من نصارى بني تغلب إلّا الجزية : لا والله إلّا الجزية ، وإلّا فقد أذنتكم بالحرب(٣) .
وقال أبو حنيفة : إنّها صدقة تُؤخذ مضاعفةً من مال مَنْ يُؤخذ منه الزكاة لو كان مسلماً. وبه قال أحمد(٤) .
وعلى ما قلناه يكون مصرفه مصرف الجزية.
ولو بذل التغلبيّ الجزيةَ وتحطّ عنه الصدقة ، قُبل منه ؛ لأنّ المأخوذ منه عندنا جزية.
ومَنْ قال : إنّه صدقة قال : ليس لهم ذلك ؛ لئلّا يغيّر الصلح(٥) .
أمّا الحربيّ من التغلبيّين فإنّه إذا بذل الجزيةَ ، قيل : قُبلت منه ؛ لقولهعليهالسلام : « ادعهم إلى إعطاء الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم »(٦) (٧) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٣ ، الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٨ و ٤٩٩ و ٥٠١ و ٥٢٩ ، الوسيط ٧ : ٦٢ - ٦٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٠ و ٤٩٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٧ ، المغني ١٠ : ٥٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٣.
(٢) المغني ١٠ : ٥٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٩.
(٣ و ٤) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٢.
(٥) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٤.
(٦) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٦ - ١٣٥٧ / ٣ ، سنن أبي داود ٣ : ٣٧ / ٣٦١٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٣ - ٩٥٤ / ٢٨٥٨ ، سنن الدارمي ٢ : ٢١٦ - ٢١٧.
(٧) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٤.
ولو أراد الإمام نقض صلحهم وتجديد الجزية عليهم ، جاز ، خلافاً لبعض العامّة(١) .
مسألة ١٦٧ : لا تحلّ ذبائح بني تغلب ولا مناكحتهم كغيرهم من أهل الذمّة - أمّا مَنْ أباح أكل ذبائح أهل الذمّة فقال الشافعي : لا يباح أكل ذبائح أهل الذمّة من العرب كافّة(٢) - ونقله العامّة عن عليعليهالسلام وعطاء وسعيد ابن جبير والنخعي(٣) ؛ لأنّهم أهل كتابٍ(٤) ، فلا تحلّ ذبائحهم على ما يأتي.
ولما رواه العامّة عن عليعليهالسلام من التحريم(٥) .
ومن طريق الخاصّة : رواية الحلبي - في الصحيح - أنّه سأل الصادقَعليهالسلام عن ذبائح نصارى العرب هل تؤكل؟ فقال : « كان عليعليهالسلام ينهى عن أكل ذبائحهم وصيدهم ، وقال : لا يذبح لك يهودي ولا نصراني اُضحيتك »(٦) .
وقال الباقرعليهالسلام : « لا تأكل ذبيحة نصارى العرب »(٧) .
وقال أبو حنيفة : تحلّ ذبائحهم. وبه قال الحسن البصري والشعبي والزهري والحكم وحمّاد وإسحاق(٨) .
وعن أحمد روايتان(٩) .
____________________
(١) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٤.
(٢) الاُمّ ٢ : ٢٣٢ ، مختصر المزني : ٢٨٤ ، الحاوي الكبير ١٥ : ٩٣ - ٩٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٥٨ ، المغني ١٠ : ٥٨٧ ، وانظر مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٢٠٥ / ١٣٠٤.
(٣) المغني ١٠ : ٥٨٧.
(٤) في « ك» والطبعة الحجريّة : الكتاب.
(٥) سنن البيهقي ٩ : ٢١٧ ، الاُمّ ٢ : ٢٣٢ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٥٨ ، المغني ١٠ : ٥٨٧.
(٦) التهذيب ٩ : ٦٤ / ٢٧١ ، الاستبصار ٤ : ٨١ - ٨٢ / ٣٠٤.
(٧) التهذيب ٩ : ٦٨ / ٢٨٨ ، الإستبصار ٤ : ٨٥ / ٣٢٠.
(٨) المغني ١٠ : ٥٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ٤٢١.
(٩) المغني ١٠ : ٥٨٧.
مسألة ١٦٨ : وتُؤخذ الجزية من أهل خيبر.
وما ذكره بعض أهل الذمّة منهم أنّ معهم كتاباً من النبيصلىاللهعليهوآله بإسقاطها(١) ، لا يلتفت إليهم؛ لأنّه لم ينقله أحدٌ من المسلمين.
قال ابن سريج : ذُكر أنّهم طُولبوا بذلك ، فأخرجوا كتاباً ذكروا أنّه بخطّ عليعليهالسلام كتبه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية. وتاريخه بعد موت سعد وقبل إسلام معاوية ، فاستدلّ بذلك على بطلانه(٢) .
ولو غزا الإمام قوماً فادّعوا أنّهم أهل كتاب ، سألهم ، فإن قالوا : دخلنا أو دخل آباؤنا قبل نزول القرآن في دينهم ، أخذ منهم الجزية ، وشرط عليهم نَبْذ العهد ، والمقاتلة لهم إن بانَ كِذْبُهم ، ولا يكلّفون البيّنة على ذلك ، ويقرّون بأخذ الجزية. فإن بانَ كِذْبُهم ، انتقض عهدهم ، ووجب قتالهم.
ويظهر كذبهم باعترافهم بأجمعهم أنّهم(٣) عُبّاد وثنٍ. فإن اعترف بعضهم وأنكر الآخرون ، انتقض عهد المعترف خاصّة دون غيره. ولا تُقبل شهادتهم على الآخرين.
فإن أسلم منهم اثنان وعُدّلا ثمّ شهدا(٤) أنّهم ليسوا أهل ذمّةٍ ، انتقض العهد.
ولو دخل عابد وثن في دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن وله ابنان صغير وكبير ، فأقاما على عبادة الأوثان ثمّ جاء الإسلام ونسخ كتابهم ، فإنّ الصغير إذا بلغ وقال : إنّني على دين أبي وأبذل الجزيةَ ، اُقرّ عليه واُخذ منه
____________________
(١) الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١١.
(٣) في « ك» والطبعة الحجريّة : بأنّهم.
(٤) في « ق ، ك» : وعُدّلوا ثمّ شهدوا.
الجزية ؛ لأنّه تبع أبيه في الدين ؛ لصِغَره. وأمّا الكبير فإن أراد أن يقيم على دين أبيه ويبذل الجزية ، لم يُقبل ؛ لأنّ له حكمَ نفسه ، ولا يصحّ له الدخول في الدين بعد نسخه.
ولو دخل أبوهما في دين أهل الكتاب ثمّ مات ثمّ جاء الإسلام وبلغ الصبي واختار دين أبيه ببذل الجزية ، اُقرّ عليه ؛ لأنّه تبعه في الدين ، فلا يسقط بموته. وأمّا الكبير فلا يُقرّ بحالٍ ، لأنّ حكمه منفرد.
مسألة ١٦٩ : اختلف علماؤنا في الفقير.
فقال الشيخرحمهالله : لا تسقط عنه الجزية ، بل يُنظر بها إلى وقت يساره ، ويُؤخذ منه حينئذٍ ما يقرّر عليه في كلّ عام حال فقره(١) - وبه قال المزني والشافعي في قولٍ(٢) - لعموم( حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) (٣) .
ولقولهعليهالسلام : « خُذْ من كلّ حالمٍ ديناراً »(٤) وهو عامّ.
ولأنّ عليّاًعليهالسلام وظف على الفقير ديناراً(٥) .
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٨.
(٢) الاُمّ ٤ : ١٧٩ ، مختصر المزني : ٢٧٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٠ - ٣٠١ ، الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٨ ، المغني ١٠ : ٥٧٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٩.
(٣) التوبة : ٢٩.
(٤) أورد نصّه الماوردي في الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٩ ، والرافعي في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، وابن قدامة في المغني ١٠ : ٥٧٦ ، والكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٣ ، وفي المصادر الحديثيّة هكذا : عن معاذ أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا وجّهه إلى اليمن أمره أن يأخذه من كلّ حالمٍ ديناراً. اُنظر سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ / ٣٠٣٨ ، وسنن الترمذي ٣ : ٢٠ / ٦٢٣ ، وسنن البيهقي ٤ : ٩٨ و ٩ : ١٩٣ ، ومسند أحمد ٦ : ٣٠٤ / ٢١٥٠٨ ، و ٣٠٩ / ٢١٥٣٢ ، و ٣٢٨ / ٢١٦٢٤ ، والأموال - لأبي عبيد - : ٣١ - ٣٢ / ٦٤.
(٥) اُنظر : المقنعة : ٢٧٢ ، والتهذيب ٤ : ١١٩ - ١٢٠ / ٣٤٣ ، والاستبصار ٢ : ٥٣ - ٥٤ / ١٧٨.
وقال المفيد وابن الجنيد منّا : لا جزية عليه(١) - وهو قول آخر للشافعي(٢) - لأنّ الجزية حقٌّ يجب بحؤول الحول ، فلا تجب على الفقير ، كالزكاة والعَقْل(٣) .
والجواب : أنّ الزكاة والعَقْل وجبا بطريق المواساة ، والجزية لحقن الدم والسكنى ، ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك.
وللشافعي قولٌ ثالث : إنّه يخرج من الدار(٤) .
إذا ثبت هذا ، فالإمام يعقد لهم الذمّة على الجزية ، وتكون في ذمّته ، فإذا أيسر ، طُولب بها.
مسألة ١٧٠ : وتسقط الجزية عن الصبي إجماعاً ؛ لقولهعليهالسلام لمعاذ : « خُذْ من كلّ حالمٍ ديناراً »(٥) دلّ بمفهومه على سقوط الجزية عن غير البالغ.
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام في حديثٍ : « والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض(٦) الحرب من أجل ذلك رُفعت عنهم الجزية »(٧) .
وإذا بلغ بالإنبات أو الاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة وكان من
____________________
(١) قال المصنّف في مختلف الشيعة ٤ : ٤٥٠ ، المسألة ٦٣ : والظا هر من كلام المفيد الأوّل. يعني وجوب الجزية على الفقيرة وانظر : المقنعة : ٢٧٢.
(٢) مختصر المزني : ٢٧٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٠ - ٣٠١ ، الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٨.
(٣) أي : في جناية الخطأ.
(٤) الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٧.
(٥) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢٩١ ، الهامش (٤)
(٦) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « أهل » بدل « أرض » وما أثبتناه من المصادر.
(٧) الكافي ٥ : ٢٩ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ١٠٢ ، التهذيب ٦ : ١٥٦ / ٢٧٧.
أهل الذمّة ، طُولب بالإسلام أو بذل الجزية ، فإن امتنع منهما ، صار حَرْباً ، فإن اختار الجزية ، عقد معه الإمام ما يراه ، ولا عبرة بجزية أبيه ، فإذا حال الحول من حين العقد عليه ، أخذ ما شرط.
ولو كان الصبي ابن وثنيّ وبلغ ، طُولب بالإسلام خاصّةً.
ولو بلغ مبذّراً ، لم يزل الحَجْر عنه ، ويكون مالُه في يد وليّه.
ولو أراد عقد الأمان بالجزية أو المصير إلى دار الحرب ، اُجيب ، وليس لوليّه منعه ؛ لأنّ الحَجْر لا يتعلّق بحقن دمه وإباحته بل بمالِه ، كما لو أسلم أو ارتدّ.
ولو أراد أن يعقد أماناً ببذل جزية كثيرة ، احتمل أن يكون للوليّ منعه ؛ لأنّ حقن دمه يمكن بالأقلّ.
ولو صالح الإمام قوماً على أن يؤدّوا الجزية عن أبنائهم غير ما يدفعون عن أنفسهم ، فإن كانوا يؤدون الزائد من أموالهم ، جاز ، ويكون زيادةً في جزيتهم ، وإن كان من مال أولادهم ، لم يجز ؛ لأنّه تضييع لمالِهم فيما ليس واجباً عليهم.
ولو بلغ سفيهاً ، لم تسقط عنه الجزية ، ولا يُقرّ في دار الإسلام بغير عوض ؛ للعموم(١) .
ولو منعه وليُّه ، لم يُقبل منه ؛ لأنّ مصلحته بقاء نفسه.
وإن لم يعقد أماناً ، نبذناه إلى دار الحرب وصار حَرْباً.
مسألة ١٧١ : إذا عقد الإمام الجزية لرجلٍ ، دخل هو وأولاده الصغار وأمواله في الأمان ، فإذا بلغ أولاده ، لم يدخلوا في ذمّة(٢) أبيهم وجزيته إلّا
____________________
(١) التوبة : ٢٩.
(٢) في الطبعة الحجريّة : أمان ، بدل ذمّة.
بعقدٍ مستأنف - وبه قال الشافعي(١) - لأنّ الأب عقد الذمّة لنفسه ، وإنّما دخل أولاده الصغار لمعنى الصغر ، فإذا بلغوا ، زال المقتضي للدخول.
وقال أحمد : يدخلون بغير عقدٍ متجدّد ؛ لأنّه عقد دخول فيه الصغير(٢) ، فإذا بلغ ، لزمه ، كالإسلام(٣) .
والفرق : علوّ الإسلام على غيره من الأديان ، فاُلزم به ، بخلاف الكفر.
إذا ثبت هذا ، فإنّه يعقد له الأمان من حين البلوغ ، ولا اعتبار بجزية أبيه ، فإن كان أوّل حول أقاربه ، استوفى منه معهم في آخر الحول ، وإن كان في أثناء الحول ، عقد له الذمّة ، فإذا جاء أصحابه وجاء الساعي ، فإن أعطى بقدر ما مضى من حوله ، اُخذ منه ، وإن امتنع حتى يحول الحول ، لم يُجبر على الدفع.
ولو كان أحد أبوي الطفل وثنيّاً ، فإن كان الأبَ ، لَحِق به ، ولم تُقبل منه الجزية بعد البلوغ ، بل يُقهر على الإسلام ، فإن امتنع ، رُدّ إلى مأمنه في دار الحرب ، وصار حَرْباً. وإن كانت الاُمَّ ، لحق بالأب ، واُقرّ في دار الإسلام بالجزية.
مسألة ١٧٢ : الجزية تسقط عن المجنون المطبق إجماعاً ؛ لقولهعليهالسلام : « رُفع القلم عن ثلاثة - وعدَّ - المجنون حتى يُفيق »(٤) .
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٣ ، المغني ١٠ : ٥٧٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٠.
(٢) في الطبعة الحجريّة زيادة : لمعنى الصغر.
(٣) المغني ١٠ : ٥٧٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٠ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٣.
(٤) سنن أبي داوُد ٤ : ١٤٠ / ٤٤٠١ ، و ١٤١ / ٤٤٠٣ ، سنن ابن ماجة ١ : =
ولقول الصادقعليهالسلام : « جرت السنّة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب على عقله»(١) .
ولأنّه محقون الدم ، ولا مقتضى لوجوب الجزية.
ولو كان الجنون غير مطبقٍ ، فإن لم يكن مضبوطاً بأن تكون ساعة من أيّام أو من يومٍ ، اعتبر الأغلب ؛ لعدم القدرة على ضبط الإفاقة. وإن كان مضبوطاً بأن يجنّ يوماً ويُفيق يومين أو أقلّ أو أكثر ، احتمل اعتبار الأغلب كالأوّل - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّ اعتبار الاُصول بالأغلب. وأن تُلفّق أيّام إفاقته ، فإذا كملت حولاً ، أخذت منه(٣) ، ويحتمل أن تؤخذ في آخر كل حولٍ بقدر ما أفاق فيه.
وكذا الاحتمالان لو كان يجنّ ثُلْث الحول ويُفيق ثُلْثيه أو بالعكس.
ولو تساوت أيّام إفاقته وجنونه بأن يجنّ يوماً ويُفيق يوماً ، أو يجنّ نصف الحول ويُفيق نصفه(٤) ، فإنّ إفاقته تُلفَّق ؛ لتعذّر الأغلب ؛ لعدمه هنا.
ولو كان يجنّ نصف الحول ثمّ يُفيق مستمرّاً ، أو يُفيق نصفه ثمّ يجنّ مستمرّاً ، فعليه في الأوّل من الجزية بقدر ما أفاق من الحول إذا استمرّت الإفاقة بعد الحول. وفي الثاني لا جزية عليه ؛ لأنّه لم تتمّ الإفاقة حولاً.
مسألة ١٧٣ : لا تؤخذ الجزية من النساء إجماعاً ؛ لقولهعليهالسلام : « خُذْ من كلّ حالمٍ »(٥) خصّ الذَّكَر به.
____________________
= ٦٥٨ / ٢٠٤١ ، سنن الدارمي ٢ : ١٧١ ، مسند أحمد ١ : ٢٢٦ / ١١٨٧ ، و ٧ : ١٤٦ / ٢٤١٧٣ بتفاوت يسير.
(١) الكافي ٣ : ٥٦٧ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ١٠١ ، التهذيب ٤ : ١١٤ / ٣٣٤.
(٢) المغني ١٠ : ٥٧٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩١.
(٣) في الطبعة الحجريّة زيادة : جزية.
(٤) في الطبعة الحجريّة : نصف الحول.
(٥) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٢٩١ ، الهامش (٤)
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن قتل النساء »(١) .
ولو بذلَتْ امرأةٌ الجزيةَ ، عُرّفت أنّه لا جزية عليها ، فإن ذكرتْ أنّها تعلم ذلك وطلبتْ دفعه إلينا ، جاز أخذه هبةً لا جزيةً ، وتلزم على شرط لزوم الهبة. ولو شرطت ذلك على نفسها ، لم تلزم ، بخلاف ما لو قدر الرجل أكثر ممّا قدّره الإمام عليه من الجزية ؛ لأنّه لا حدّ للجزية قلّةً ولا كثرةً ، فلزمه ما التزم به.
ولو بعثت امرأةٌ من دار الحرب تطلب عقد الذمّة وتصير إلى دار الإسلام ، مُكّنت منه ، وعُقد لها بشرط التزام أحكام الإسلام ، ولا يؤخذ منها شيء إلّا أن تتبرّع به بعد معرفتها أنّه لا شيء عليها. وإن اُخذ منها شيء على غير ذلك ، يُردّ عليها ؛ لأنّها بَذَلَتْه معتقدةً أنّه عليها.
ولو كان في حِصْنٍ رجالٌ ونساءٌ وصبيانٌ فامتنع الرجال من أداء الجزية وبذلوا أن يصالحوا على أنّ الجزية على النساء والولدان ، لم يجز ، لأنّ النساء والصبيان مال والمال لا يؤخذ منه الجزية ، ولا يجوز أخذ الجزية ممّن لا تجب عليه ويترك من تجب عليه. فإن صالَحهم على ذلك ، بطل الصلح ، ولا يلزم النساء شيء. ولو طلب النساء ذلك ويكون الرجال في أمانٍ ، لم يصحّ.
ولو قُتل الرجال أو لم يكن في الحصن سوى النساء ، فطلبوا عقد الذمّة بالجزية ، لم يجز ، ويتوصّل إلى فتح الحِصْن ويسبين ؛ لأنّهنّ أموال للمسلمين.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٢٨ - ٢٩ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ١٠٢ ، التهذيب ٦ : ١٥٦ / ٢٧٧.
وقال الشيخرحمهالله : يلزمه عقد الذمّة لهنّ على أن تُجري عليهنّ أحكام الإسلام ، ولا يأخذ منهنّ شيئاً ، فإن أخذ منهنّ شيئاً ، ردّه عليهنّ(١) .
ولو دَخَلَت الحربيّة دار الإسلام بأمانٍ للتجارة ، لم يكن عليها أن تؤدّي شيئاً وإن أقامت دائماً بغير عوضٍ ، بخلاف الرجل. ولو طلبتْ دخول الحجاز على أن تؤدّي شيئاً ، جاز ؛ لأنّه ليس لها دخول الحجاز.
مسألة ١٧٤ : تؤخذ الجزية من الشيخ الفاني والزمن - وهو أحد قولي الشافعي(٢) - للعموم(٣) .
والثاني للشافعي : لا تؤخذ(٤) .
وفي رواية حفص عن الصادقعليهالسلام أنّها تسقط عن المـُقعد والشيخ الفاني والمرأة والولدان(٥) .
قال الشيخرحمهالله : ولو وقعوا في الأسر ، جاز للإمام قتلهم(٦) .
والأعمى مساوٍ لهما على الأقرب.
وتؤخذ من أهل الصوامع والرهبان - وهو أحد قولي الشافعي(٧) -
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٠.
(٢) الاُمّ ٤ : ١٧٦ ، مختصر المزني : ٢٧٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، المغني ١٠ : ٥٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٧.
(٣) التوبة : ٢٩.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٦ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٠ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، المغني ١٠ : ٥٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٧.
(٥) الكافي ٥ : ٢٩ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ١٠٢ ، التهذيب ٦ : ١٥٦ / ٢٧٧.
(٦) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٢.
(٧) الاُمّ ٤ : ١٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٦ ، =
للعموم(١) . وقد فرض عمر بن عبد العزيز على رهبان الديّارات الجزية على كلّ راهبٍ دينارين(٢) . ولأنّه كافر صحيح قادر على الجزية ، فوجبت عليه ، كالشمّاس(٣) .
والثاني للشافعي : لا جزية عليهم ؛ لأنّهم محقونون بدون الجزية ، فلا تجب ، كالنساء(٤) .
ونمنع الصغرى.
مسألة ١٧٥ : اختلف علماؤنا في إيجاب الجزية على المملوك ، فالمشهور : عدم وجوبها عليهم ، وهو قول العامّة بأسرهم ؛ لقولهعليهالسلام : « لا جزية على العبد »(٥) .
ولأنّه مالٌ ، فلا تؤخذ منه الجزية ، كغيره من الحيوانات(٦) .
وقال قوم : لا تسقط ؛ لقول الباقرعليهالسلام وقد سُئل عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية؟ قال : « نعم » قلت : فيؤدّي عنه مولاه المسلم الجزية؟ قال : « نعم ، إنّما هو مالُه يفديه إذا اُخذ يؤدّي عنه »(٧) .
____________________
= الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، المغني ١٠ : ٥٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٩.
(١) التوبة : ٢٩.
(٢) الأموال - لأبي عبيد - : ٤٧ / ١٠٩ ، المغني ١٠ : ٥٧٨.
(٣) الشمّاس من رؤوس النصارى : الذي يحلق وسط رأسه ويلزم البِيعَة. لسان العرب ٦ : ١١٤ « شمس ».
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٦ ، الوسيط ٧ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٠ ، المغني ١٠ : ٥٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٩.
(٥) المغني ١٠ : ٥٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٧.
(٦) في « ق ، ك» : الحيوان.
(٧) الفقيه ٢ : ٢٩ / ١٠٦.
ولأنّه مشرك ، فلا يجوز أن يستوطن دار الإسلام بغير عوضٍ ، كالحُرّ.
ولا فرق بين أن يكون العبد لمسلمٍ أو ذمّي إن قلنا بوجوب الجزية عليه ، ويؤدّيها مولاه عنه.
ومَنَع بعضُ الجمهور أخْذَ الجزية من عبد المسلم ، وإلّا لزم أن يؤدّي المسلم الجزية(١) .
وهو ضعيف ؛ لأنّه يؤدّيها عن حقن دم العبد.
ولو كان نصفه حُرّاً ، وجب عليه عن نصفه الحُرّ ، وفي نصفه الرقيق قولان ، فإن أوجبناه ، اُخذ النصيب من مولاه.
ولو اُعتق العبد ، فإن كان حربيّاً ، قُهر على الإسلام أو يُردّ إلى دار الحرب ، قاله الشافعي(٢) .
وقال ابن الجنيد منّا : لا يُمكَّن من اللحقوق بدار الحرب ، بل يسلم أو يُحبس ؛ لأنّ في لحوقه بدار الحرب معونةً على المسلمين.
وإن كان ذمّيّاً ، لم يُقرّ في دار الإسلام إلّا بالجزية ، فإن لم يفعل ، ردّ إلى مأمنه بدار الحرب ، عند الشافعي(٣) ، وحُبس ، عند ابن الجنيد.
ولا خلاف بين العلماء أنّه بعد العتق تلزمه الجزية لما يستقبل ، إلّا ما روي عن أحمد أنّه يُقرّ بغير جزية ، سواء أعتقه المسلم أو الكافر(٤) ، وما رُوي عن مالك أنّه قال : لا جزية عليه إن كان المـُعتق مسلماً(٥) .
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٧٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٧.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩١.
(٤) المغني ١٠ : ٥٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠١ ، المغني ١٠ : ٥٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٨.
مسألة ١٧٦ : يجوز للرجل أن يستتبع في عقد الجزية مَنْ شاء من الأقارب وإن لم يكن محارم ، دون الأجانب ، بأن يشترط ، فإن أطلق ، لم يتبعه إلّا صغار أولاده وزوجاته وعبيده ؛ لأنّهم أموال ، ولا تتبعه نسوة الأقارب.
وأمّا الأصهار فالأقرب : عدم إلحاقهم بالأجانب.
وللشافعي وجهان(١) .
وإذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو اُعتق العبد فاستقلّوا(٢) ، فإمّا أن يؤدّوا الجزية أو يُقتلوا بعد الردّ إلى مأمنهم.
والأقارب(٣) : أنّه يجب على الصبي استئناف عقدٍ لنفسه.
وللشافعيّة وجهان(٤) .
وإن اكتفي بعقد أبيه ، لزمه مثل ما لزم الأب وإن كان فيه زيادة.
وإذا بلغ سفيهاً ، عقد لنفسه بزيادة الدينار لحقن الدم ، ويصحّ من الوليّ بذل الدينار الزائد لحقن دمه.
ومَنْ يجنّ يوماً ويُفيق يوماً سبق(٥) حكمه.
وللشافعي أقوال :
____________________
(١) الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٠٣ ، الوسيط ٧ : ٦٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٣.
(٢) في « ق » : واستقلّوا.
(٣) في الطبعة الحجريّة : والأقوى.
(٤) الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٩ - ٥٠٠ ، الوسيط ٧ : ٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٠.
(٥) سبق في المسألة ١٧٢.
أحدها : تُلتقط أيّام [ إفاقته ](١) وتكمل سنة ، ويؤخذ منه دينار.
والثاني : لا شيء.
والثالث : كالعاقل.
والرابع : يُنظر إلى الأغلب.
والخامس : يُنظر إلى آخر السنة ، كما في تحمّل العَقْل. وإذا وقع مثله في الأسر ، نُظر إلى وقت الأسر(٢) .
مسألة ١٧٧ : اختلف علماؤنا في أنّ للجزية قدراً معيّناً لا يجوز تغييره على أقوال ثلاثة :
أحدها : أنّ فيها مقدّراً ، وهو ما قدّره عليّعليهالسلام : على الفقير اثنا عشر درهماً ، وعلى المتوسّط أربعة وعشرون ، وعلى الغني ثمانية وأربعون في كلّ سنة(٣) - وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية(٤) - لما رواه العامّة : أنّ
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : جنونه. وما أثبتناه من المصادر.
(٢) الوجيز ٢ : ١٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٨ ، الوسيط ٧ : ٦٢ - ٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٠.
(٣) الفقيه ٢ : ٢٦ / ٩٥ ، التهذيب ٤ : ١٢٠ / ٣٤٣ ، الاستبصار ٢ : ٥٣ - ٥٤ / ١٧٨.
(٤) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٧٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٩٥ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٦ / ١٦٣٦ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٩٦ ، الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١١٢ ، المغني ١٠ : ٥٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٩٩ ، =
النبيعليهالسلام أمر معاذاً أن يأخذ من كلّ حالمٍ ديناراً(١) .
وما تقدّم(٢) من وضع عليعليهالسلام ، وكذا وضع عمر(٣) ، ولم يخالفهما أحد ، فكان إجماعاً.
الثاني : أنّه ليس فيها قدر موظّف لا قلّةً ولا كثرةً ، بل بحسب ما يراه الإمام من قلّة وكثرة بحسب المصلحة ، ذهب إليه أكثر علمائنا(٤) ، والثوري وأحمد في رواية(٥) ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر معاذاً أن يأخذ من كلّ حالم ديناراً(٦) . وصالح أهلَ نجران على ألفي حلّة ، النصف في صفر ، والنصف في رجب(٧) . وما وضعه عليّعليهالسلام وعمر(٨) . وصالَح عمر بني تغلب على مثلَيْ ما على المسلمين من الصدقة(٩) . وهو يدلّ على عدم التقدير فيه.
____________________
= حلية العلماء ٧ : ٦٩٧ - ٦٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٠ ، بداية المجتهد ١ : ٤٠٤.
(١) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٤) من ص ٢٩١.
(٢) تقدّم في ص ٢٩١ وكذا الإشارة إلى مصادره في الهامش (٥)
(٣) الأموال - لأبي عبيد - : ٤٤ - ٤٥ / ١٠٤ ، سنن البيهقي ٩ : ١٩٦ ، المغني ١٠ : ٥٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٢.
(٤) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ٥ : ٥٤٥ ، المسألة ٩ ، وسلّار في المراسم : ١٤١ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٠٥ ، وابن إدريس في السرائر : ١١٠ ، والمحقّق في شرائع الإسلام ١ : ٣٢٨.
(٥) المغني ١٠ : ٥٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٢ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٩٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٠ ، بداية المجتهد ١ : ٤٠٤.
(٦) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٤) من ص ٢٩١.
(٧) سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ / ٣٠٤١ ، سنن البيهقي ٩ : ١٩٥.
(٨) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٥) من ص ٢٩١ ، والهامش (٣) من هذه الصفحة.
(٩) الأموال - لأبي عبيد - : ٣٣ - ٣٤ / ٧٠ و ٧١ ، المغني ١٠ : ٥٦٦ ، الشرح الكبير =
ومن طريق الخاصّة : رواية زرارة - الصحيحة - أنّه سأل الصادقَعليهالسلام ما حدّ الجزية على أهل الكتاب؟ وهل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجاوز إلى غيره؟ فقال : « ذلك إلى الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ما يطيق »(١) الحديث.
الثالث : أنّها لا تتقدّر في طرف الزيادة ، وتتقدّر في طرف القلّة ، فلا يؤخذ من كلّ كتابيّ أقلّ من دينار - وهو قول ابن الجنيد ، وأحمد في رواية(٢) - لأنّ عليّاًعليهالسلام زاد على ما قرّره رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم ينقص منه(٣) ، فدلّ على أنّ الزيادة موكولة إلى نظره دون النقصان.
وقال الشافعي : إنّها مقدّرة بدينار على الغني والفقير لا يجوز النقصان منه ، وتجوز الزيادة عليه إن بذلها الذمّيّ(٤) .
وقال مالك : هي مقدّرة في حقّ الغني بأربعين درهماً ، وفي حقّ المتوسّط بعشرين درهماً ، وفي حقّ الفقير بعشرة دراهم(٥) .
____________________
= ١٠ : ٥٩٢ - ٥٩٣.
(١) الفقيه ٢ : ٢٧ / ٩٨ ، التهذيب ٤ : ١١٧ / ٣٣٧ ، الاستبصار ٢ : ٥٣ / ١٧٦ بتفاوت وزيادة.
(٢) المغني ١٠ : ٥٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٢.
(٣) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٣) من ص ٣٠١.
(٤) الاُمّ ٤ : ١٧٩ ، مختصر المزني : ٢٧٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٩٩ ، الوجيز ٢ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٩ و ٥٢٠ ، الوسيط ٧ : ٦٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٠ ، المغني ١٠ : ٥٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٣ ، بداية المجتهد ١ : ٤٠٤ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٦ / ١٦٣٦ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٩٦ ، الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١١١ و ١١٢.
(٥) بداية المجتهد ١ : ٤٠٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٧ ، الجامع لأحكام القرآن ٨ : ١١٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٦ / ١٦٣٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٨ ، المغني ١٠ : ٥٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٣ ، وفيها بعض المقصود.
مسألة ١٧٨ : تجب الجزية بآخر الحول ، ويجوز أخذها سَلَفاً - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه مال يتكرّر بتكرّر الحول ، وتؤخذ في آخر كلّ حول ، فلا تجب بأوّله ، كالزكاة والدية.
وقال أبو حنيفة : تجب بأوّله ، ويُطالب بها عقيب العقد ، وتجب الثانية في أوّل الحول الثاني وهكذا ؛ لقوله تعالى :( حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) (٢) (٣) .
والمراد التزام إعطائها ، لا نفس الأخذ والإعطاء حقيقةً ، ولهذا يحرم قتالهم بمجرّد بذل الجزية قبل أخذها إجماعاً.
إذا عرفت هذا ، فالجزية تؤخذ ممّا تيسّر من أموالهم من الأثمان والعروض على حسب قدرتهم ، ولا يلزمهم شيء معيّن ، كذهبٍ أو فضّة - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ ديناراً أو عِدْله معافري(٥) (٦) .
وأخذ النبيصلىاللهعليهوآله من نصارى نَجْران ألفي حلّة(٧) .
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٢ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٢ ، المغني ١٠ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٤.
(٢) التوبة : ٢٩.
(٣) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٢ ، المغني ١٠ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٤ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٥.
(٤) المغني ١٠ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٥.
(٥) المعافري : برود باليمن منسوبة إلى معافر ، وهي قبيلة باليمن. النهاية - لابن الأثير - ٣ : ٢٦٢.
(٦) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (٤) من ص ٢٩١.
(٧) سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ / ٣٠٤١ ، سنن البيهقي ٩ : ١٩٥ ، المغني ١٠ : ٥٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٥.
وكان عليّعليهالسلام يأخذ الجنس ، فيأخذ الحبالَ من صانعها ، والمسالَّ(١) من صانعها ، والإبرَ من صانعها ، ثمّ يدعو الناس فيُعطيهم الذهب والفضّة ، فيقتسمونه ، ثمّ يقول : « خذوا هذا(٢) فاقتسموا » فيقولون : لا حاجة لنا فيه ، فيقول : « أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنّه »(٣) .
ولا تتداخل الجزية ، بل إذا اجتمعت عليه جزية سنتين أو أكثر ، استُوفيت منه أجمع - وبه قال الشافعي وأحمد(٤) - لأنّه حقُّ ماليّ يجب في آخر كلّ حولٍ ، فلا تتداخل ، كالدية والزكاة.
وقال أبو حنيفة : تتداخل ؛ لأنّها عقوبة ، فتتداخل ، كالحدود(٥) .
والفرق : ما تقدّم.
مسألة ١٧٩ : يتخيّر الإمام في وضع الجزية إن شاء على رؤوسهم ، وإن شاء على أرضيهم.
وهل له أن يجمع بينهما فيأخذ عن رؤوسهم شيئاً وعن أرضيهم شيئاً آخر؟ منع منه الشيخان وابن إدريس(٦) ؛ لأنّ محمد بن مسلم سأل الصادقعليهالسلام :
____________________
(١) المِسَلَّة واحدة المسالّ ، وهي الإبر العظام. لسان العرب ١١ : ٣٤٢ « سلل ».
وفي الأموال - لأبي عبيد - : المسان ، بدل المسالّ.
(٢) كلمة « هذا » لم ترد في « ق ، ك».
(٣) الأموال - لأبي عبيد - : ٤٩ / ١١٧ ، المغني ١٠ : ٥٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٥.
(٤) الوجيز ٢ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ ، الوسيط ٧ : ٧٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠١ ، المغني ١٠ : ٥٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٤ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٨٤.
(٥) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦١ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٨٧ / ١٦٣٧ ، الوسيط ٧ : ٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ ، المغني ١٠ : ٥٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٦.
(٦) المقنعة : ٢٧٣ ، النهاية : ١٩٣ ، المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٨ ، السرائر : ١١٠.
أرأيت ما يأخذ هؤلاء من الخُمْس من أرض الجزية ويأخذون من الدهاقين جزية رؤوسهم ، أما عليهم في ذلك شيء موظّف؟ فقال : « كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم ، وليس للإمام أكثر من الجزية ، إن شاء الإمام وضع على رؤوسهم ، وليس على أموالهم شيء ، وإن شاء فعلى أموالهم ، وليس على رؤوسهم شيء »(١) .
وفي حديث آخر قال : « فإن أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أراضيهم ، وإن أخذ من أراضيهم فلا سبيل على رؤوسهم »(٢) .
وقال أبو الصلاح : يجوز الجمع بينهما(٣) ؛ لعدم تقدّر الجزية قلّةً وكثرةً ، فجاز أن يأخذ من أرضيهم(٤) و رؤوسهم ، كما يجوز أن يُضعفها(٥) على رؤوسهم. ولأنّه أنسب بالصَّغار.
ونقول بموجَب الحديثين ، ونحملهما على ما إذا صالحهم على قدر معيّن ، فإن شاء أخذه من رؤوسهم ، ولا شيء حينئذٍ على أرضيهم(٦) ، وبالعكس.
مسألة ١٨٠ : يجوز أن يشترط عليهم في عقد الذمّة ضيافة مَنْ يمرّ بهم من المسلمين إجماعاً ، بل تُستحبّ ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار - وكانوا ثلاثمائة نفر - في كلّ سنة ، وأن يضيفوا مَنْ
____________________
(١) الكافي ٣ : ٥٦٦ - ٥٦٧ / ١ ، الفقيه ٢ : ٢٧ / ٩٨ ، التهذيب ٤ : ١١٧ / ٣٣٧ ، الاستبصار ٢ : ٥٣ / ١٧٦.
(٢) التهذيب ٤ : ١١٨ / ٣٣٨ ، الاستبصار ٢ : ٥٣ / ١٧٧.
(٣) اُنظر : الكافي في الفقه : ٣٤٩.
(٤) في الطبعة الحجريّة : أراضيهم.
(٥) في الطبعة الحجريّة : يضعها.
(٦) في « ك » والطبعة الحجريّة : أراضيهم.
يمرّ(١) بهم من المسلمين ثلاثة أيّام ، ولا يغشوا مسلماً(٢) .
وشرط على نصارى نجران إقراء رُسُله عشرين ليلة فما دونها ، وعارية ثلاثين فرساً وثلاثين بعيراً وثلاثين دِرْعاً مضمونة إذا كان حدث باليمن(٣) .
ولأنّ الحاجة تدعو إليه ، وربّما امتنعوا من مبايعة المسلمين معاندةً وإضراراً.
ولو لم يشترط الضيافة ، لم تكن واجبةً - وبه قال الشافعي(٤) - للأصل. ولأنّ أصل الجزية إنّما تثبت بالتراضي ، فالضيافة أولى.
وقال بعض العامّة : تجب بغير شرط(٥) .
وتجوز لجميع الطارقين ، ولا تختصّ بأهل الفيء ، خلافاً لبعض الشافعيّة أنّه لا تجوز لغير المجاهدين(٦) .
ويجب أن تكون الضيافة زائدةً على أقلّ ما يجب عليهم من الجزية - وهو أحد قولي الشافعي(٧) - فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله شرط زيادةً على الدينار الضيافة(٨) . والدينار عنده مقدار(٩) الجزية(١٠) . ولأنّه لو شرط الضيافة من
____________________
(١) في « ق ، ك » : مرّ.
(٢) سنن البيهقي ٩ : ١٩٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٣ ، المغني ١٠ : ٥٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٩.
(٣) الأموال - لأبي عبيد - : ٢٠١ / ٥٠٣.
(٤و٥) المغني ١٠ : ٥٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٩.
(٦) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٢.
(٧) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٣ - ٣٠٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٩ - ٧٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٢.
(٨) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٢)
(٩) في الطبعة الحجريّة : بمقدار.
(١٠) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٤) من ص ٣٠٣.
الجزية ولم يمرّ بهم أحد ، خرج الحول بغير جزية.
والثاني للشافعي : تُحتسب من الدينار الذي هو قدر الجزية عنده(١) (٢) .
ويجب أن تكون الضيافة المشترطة معلومةً بأن يكون عدد مَنْ يطعمونه من المسلمين في كلّ سنة معلوماً. ويكون أكثر الضيافة لكلّ أحد ثلاثة أيّام.
والأقرب عندي : جواز الزيادة مع الشرط.
ويجب أن يعيّن القوت قدراً وجنساً ، وعطف الدوابّ كذلك. ولا يكلّفوا الذبيحة ، ولا الضيافة بأرفع من طعامهم ، إلّا مع الشرط.
وينبغي أن تكون الضيافة على قدر الجزية ، فيُكثرها على الغني ، ويُقلّلها على الفقير ، ويُوسّطها على المتوسّط.
وينبغي أن يكون نزول المسلمين في فواضل منازلهم وفي بِيَعهم وكنائسهم. ويؤمرون بأن يُوسّعوا أبواب البيع والكنائس ، وأن يعلوها ليدخلها المسلمون ركبانا ، فإن لم تسعهم بيوت الأغنياء ، نزلوا في بيوت الفقراء ولا ضيافة عليهم. وإن لم تسعهم ، لم يكن لهم إخراج أهلها منها. ومَنْ سبق إلى منزلٍ ، كان أحقّ به ، ولو اجتمعوا ، فالقرعة.
وإذا شُرطت الضيافة وامتنع بعضُهم منها ، اُجبر عليها(٣) . ولو امتنع الجميع(٤) ، قُهروا وقُوتلوا مع الحاجة ، فإن قاتلوا ، نقضوا العهد وخرقوا
____________________
(١) راجع المصادر المذكورة في الهامش (٤) من ص ٣٠٣.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٠٤ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٢.
(٣) في « ك » والطبعة الحجريّة : عليهم. وفي « ق » : عليه. والأنسب بالعبارة ما أثبتناه.
(٤) في الطبعة الحجريّة : جميعهم.
الذمّة ، فإن طلبوا منه بعد ذلك العقد على أقلّ ما يراه الإمام أن يكون جزيةً لهم ، لزمه إجابتهم ، ولا يتعيّن الدينار.
مسألة ١٨١ : مع أداء الجزية لا يؤخذ سواها ، سواء اتّجروا في بلاد الإسلام أو لم يتّجروا ، إلّا في أرض الحجاز على ما يأتي - وبه قال الشافعي(١) - لقوله تعالى :( حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) (٢) جَعَل إباحة الدم ممتدّاً إلى إعطاء الجزية ، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وما رواه العامّة من قولهعليهالسلام : « فادعهم إلى الجزية ( فإن أطاعوك فاقبل منهم )(٣) وكُفّ عنهم »(٤) .
ومن طريق الخاصّة : رواية محمد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقرعليهالسلام في أهل الجزية أيؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية؟ قال : « لا »(٥) .
وقال أحمد : إذا خرج من بلده إلى أيّ بلد كان من بلاد الإسلام تاجراً ، اُخذ منه نصف العُشْر ؛ لقولهعليهالسلام : « ليس على المسلمين عشور ، إنّما العشور على اليهود والنصارى »(٦) (٧) .
____________________
(١) الوجيز ٢ : ٢٠١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٧ ، المغني ١٠ : ٥٨٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٥.
(٢) التوبة : ٢٩.
(٣) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : فإن أجابوك فدعهم.
(٤) صحيح مسلم ٣ : ١٣٥٧ / ٣ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٣٧ / ٢٦١٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٣ - ٩٥٤ / ٢٨٥٨ ، مسند أحمد ٦ : ٤٨٣ / ٢٢٤٦٩ ، و ٤٩٢ / ٢٢٥٢١ بتفاوت يسير.
(٥) الكافي ٣ : ٥٦٨ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ٩٩ ، التهذيب ٤ : ١١٨ - ٣٣٩.
(٦) سنن البيهقي ٩ : ١٩٩ و ٢١١ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٣ : ١٩٧ ، مسند أحمد ٦ : ٥٦٩ - ٢٢٩٧٢.
(٧) المغني ١٠ : ٥٨٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٥ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٨٢.
ويحتمل أن يطلق لفظ العشور على الجزية ، أو يُحمل على المتّجرين بأرض الحجاز.
تذنيب : مصرف الجزية هو مصرف الغنيمة سواء ؛ لأنّه مال اُخذ بالقهر والغلبة ، فكان مصرفه المجاهدين ، كغنيمة دار الحرب.
مسألة ١٨٢ : اختُلف(١) في الصَّغار. فقال ابن الجنيد : إنّه عبارة عن أن يشترط عليهم وقت العقد إجراء أحكام المسلمين عليهم إذا كانت الخصومات بينهم وبين المسلمين أو تحاكموا(٢) إلينا في خصوماتهم ، وأن تؤخذ منهم وهُمْ قيام على الأرض.
[ و ](٣) قال الشيخرحمهالله : الصَّغار التزام أحكامنا وإجراؤها(٤) عليهم(٥) .
وقال الشافعي : هو أن يطأطئ رأسه عند التسليم ، فيأخذ المستوفي بلحيته ويضربه في لَهازِمه(٦) ، وهو واجب في أحد قولَيْه حتى لو وكَّل مسلماً بالأداء لم يَجُزْ. وإن ضمن المسلم الجزية ، لم يصحّ. لكن يجوز إسقاط هذه الإهانة مع اسم الجزية عند المصلحة بتضعيف الصدقة. ويجوز ذلك مع العرب والعجم. فيقول الإمام : أبْدَلْتُ الجزيةَ بضِعْف الصدقة ، فيكون ما يأخذه جزيةً باسم الصدقة. فيأخذ من خَمْسٍ من الإبل شاتين ، ومن خَمْسٍ وعشرين بنتي مخاض ، وممّا سقت السماء الخُمْس ، ومن مائتي درهم
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : اختلف علماؤنا.
(٢) في الطبعة الحجريّة : يتحاكموا.
(٣) إضافة يقتضيها السياق.
(٤) في « ق ، ك » : وجريانها.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٣.
(٦) اللهازم : اُصول الحَنَكيْن. النهاية - لابن الأثير - ٤ : ٢٨١ « لهزم ».
عشرة دراهم ، ومن عشرين ديناراً ديناراً ، ويأخذ من ستّ وثلاثين بنتي لبون ، فإن لم تكن ، فبنتي مخاض ، ومع كلّ واحدة شاتان أو عشرون درهماً. ولا يُضعّف الجبران ثانياً. والإمام أيضاً يعطي الجبران.
وهل يحطّ عنهم الوَقْصَ؟ فيه ثلاثة أوجه له : أحدها : لا يحطّ فيأخذ من عشرين شاةً شاةً ، ومن مائة درهمٍ خمسةً. والثاني : يحطّ. والثالث : لا يحطّ إلّا إذا أدّى إلى التجزئة ، فيأخذ من سبع(١) من الإبل ونصف ثلاث شياه.
ثمّ على الإمام أن ينظر فيما يحصل من الصدقة ، فإن لم يف بمال الجزية إذا قُوبل بعدد رؤوسهم ، زاد إلى ثلاثة أضعاف وزيادة ، وله أن يقنع بنصف الصدقة [ و ](٢) إن كان وافياً.
قال الشافعي : ويجوز أخذ العُشْر من بضاعة تُجّار أهل الحرب وتجوز الزيادةُ إن رأى ، والنقصانُ إلى نصف العُشْر عن الميرة ترغيباً لهم في التكثير من كلّ ما يحتاج إليه المسلمون. وهل يجوز حطّ أصله؟ خلاف.
وأمّا الذمّيّ فلا يؤخذ من تجارته شيء إلّا أن يتّجر في الحجاز ، ففيه خلاف.
ولا يؤخذ العُشْر في السنة أكثر من مرّة ، وإنّما يؤخذ هذا من الحربيّ إذا دخل بهذا الشرط ، فلو دخل بأمانٍ من غير شرط ، فأصحّ الوجهين أنّه لا شيء عليهم.
____________________
(١) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : سبعة. وما أثبتناه - كما هو الصحيح - من المصدر.
(٢) أضفناها من المصدر.
وأمّا الخراج فإنّما يكون إذا قُرّرت أملاكهم عليهم بشرط الخراج ، ويسقط بالإسلام ، فإن ملّكناها عليهم ورددناها بخَراجٍ ، فذلك اُجرة لا تسقط بالإسلام كأراضي العراق(١) .
مسألة ١٨٣ : إذا مات الذمّي بعد الحول ، لم تسقط عنه الجزية ، واُخذت من تركته - وبه قال الشافعي ومالك(٢) - لأنّه مال استقرّ وجوبه عليه في حال حياته ، فلا يسقط بالموت ، كسائر الديون.
وقال أبو حنيفة : تسقط - وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وعن أحمد روايتان - لأنّها عقوبة ، فسقطت بالموت(٣) .
ونمنع أنّها عقوبة وإن استلزمتها ، بل معاوضة ؛ لأنّها وجبت لحقن الدماء والمساكنة ، والحدّ يسقط بالموت ؛ لفوات محلّه وتعذّر استيفائه ، بخلاف الجزية.
ولو مات في أثناء الحول ، ففي مطالبته بالقسط نظرٌ أقربه : المطالبة - وبه قال ابن الجنيد - لأنّ الجزية معاوضة عن المساكنة ، وإنّما أخّرنا المطالبة إرفاقاً ، ولو لم يمت لم يُطالَب في أثناء السنة مع عقد العهد على أخذها في آخر السنة ؛ عملاً بالشرط.
____________________
(١) الوجيز ٢ : ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٢ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٢ - ٧٠٣ ، الوجيز ٢ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ و ٥٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠١ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٢ ، المغني ١٠ : ٥٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٧.
(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٢ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ ، المغني ١٠ : ٥٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٤.
وتُقدّم الجزية على وصاياه. والوجه : مساواتها للدَّيْن ، فتقسَّط التركة عليهما مع القصور.
ولو لم يخلّف شيئاً ، لم يطالب ورثته بشيء.
ولو مات قبل الحول ، لم يؤخذ من تركته شيء أيضا.
ولو أفلس ، ضرب الإمام مع الغرماء بقدر الجزية.
ولو مات الذمّيّ وقد استسلف منه عن السنة المقبلة ، ردّ على ورثته بقدر ما بقي من السنة.
مسألة ١٨٤ : لو أسلم الذميّ في أثناء الحول ، سقطت الجزية إجماعاً منّا.
وإن أسلم بعد الحول ، قال الشيخان وابن إدريس : تسقط(١) - وبه قال مالك والثوري وأبو عبيد وأحمد وأصحاب الرأي(٢) - لقوله تعالى :( حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) (٣) أوجب الأخذ حالة الصّغار ، ولا يتحقّق في حقّ المسلم ، فلا تثبت الجزية أيضاً.
ولقوله تعالى :( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) (٤) وهو عامٌّ.
____________________
(١) المقنعة : ٢٧٩ ، النهاية : ١٩٣ ، المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٢ ، السرائر : ١١٠.
(٢) مقدّمات - لابن رشد - : ٢٨٤ ، التفريع ١ : ٣٦٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٤ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ٢١٧ ، المغني ١٠ : ٥٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٦ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٨٤ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦١ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١.
(٣) التوبة : ٢٩.
(٤) الأنفال : ٣٨.
وقولهعليهالسلام : « ليس على المسلم جزية »(١) .
وأسلم ذمّيٌّ فطُولب بالجزية وقيل له : إنّما أسلمت تعوّذاً ، قال : إنّ في الإسلام معاذاً ، فرُفع إلى عمر ، فقال عمر : إنّ في الإسلام معاذاً ، وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية(٢) .
ولأن الجزية صَغارٌ ، فلا تؤخذ ، كما لو أسلم قبل الحول.
وللشيخرحمهالله قول آخر : لا تسقط(٣) ، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ، لأنّها دين مستحقّ واستحقّت المطالبة به ، فلا يسقط بالإسلام ، كالخراج والدَّيْن(٤) .
والفرق : أنّها عقوبة بسبب الكفر وصَغار ، بخلاف الدَّيْن.
ولا فرق بين أن يسلم لتسقط عنه الجزية أو لا لذلك.
وفرَّق الشيخرحمهالله ، فأوجب الجزية على التقدير الأوّل دون الثاني ، كما لو زنى ذمّيٌّ بمسلمة ، لا يسقط عنه القتل بإسلامه(٥) .
ولو أسلم في أثناء الحول ، سقطت عنه الجزية ، وهو أحد قولي
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ١٧١ / ٣٠٥٣ ، سنن الدار قطني ٤ : ١٥٦ و ١٥٧ / ٦ و ٧ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٣ : ١٩٧ ، مسند أحمد ١ : ٣٦٨ / ١٩٥٠.
(٢) الأموال - لأبي عبيد - : ٥٢ / ١٢٢ ، المغني ١٠ : ٥٧٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٧.
(٣) الخلاف ٥ : ٥٤٧ ، المسألة ١١.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٢ ، التنبيه : ٢٣٨ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٥ ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : ١٤٥ ، الوجيز ٢ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠١ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٢ ، المغني ١٠ : ٥٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٦.
(٥) التهذيب ٤ : ١٣٥.
الشافعي(١) . والثاني : يؤخذ منه القسط(٢) .
ولو استسلف منه [ الجزية ](٣) ثمّ أسلم في أثناء الحول ، ردّ عليه قسط باقي الحول.
وهل يردّ لما مضى؟ الأقرب : عدمه.
والفرق بين أن يأخذ منه وأن لا يأخذ ظاهرٌ ؛ لتحقّق الصَّغار للمسلم في الثاني دون الأوّل.
مسألة ١٨٥ : لا يجوز عقد الذمّة المؤبّدة إلّا بشرطين : التزام إعطاء الجزية في كلّ حول ، والتزام أحكام الإسلام بمعنى وجوب قبولهم لما يحكم به المسلمون من أداء حقٍّ أو ترك محرَّم.
وعقد الذمّة والهدنة لا يصحّ إلاّ من الإمام أو نائبه إجماعاً.
ولو شرط عليهم في الذمّة [ شرطاً ](٤) فاسداً ، مثل أن لا جزية عليهم ، وأن يُظهروا المناكير ، أو أن يسكنوا الحجاز ، أو يدخلوا الحرم أو المساجد ، أو
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٢ ، التنبيه : ٢٣٨ ، الوجيز ٢ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠١ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٢٥٥.
(٢) مختصر المزني : ٢٧٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٣ و ٣١٥ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٢ ، التنبيه : ٢٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠١ ، المغني ١٠ : ٥٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩٦.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : الحربي. وذلك تصحيف.
وما أثبتناه - كما في منتهى المطلب ٢ : ٩٦٨ - هو الصحيح.
(٤) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : عقداً. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
عدم الالتزام بأحكام الإسلام ، لم يصحّ الشرط إجماعاً. والأقرب : فساد العقد أيضاً.
وينبغي للإمام أن يشترط عليهم كلّ ما فيه نفع المسلمين ورفعتهم.
قال ابن الجنيد : اختار أن يشترط عليهم أن لا يُظهروا سبّاً لنبيّناعليهالسلام ، ولا لأحد من الأنبياء والملائكة ، ولا سبّ أحد من المسلمين ، ولا يطعنوا في شيء من الشرائع ، ولا يُظهروا شركهم في عيسى والعُزَيْر ، ولا يرعون خنزيراً في شيء من أمصار الإسلام ، ولا يمثلوا ببهيمة ولا يذبحوها إلّا من حيث نُصّ لهم في كتبهم على مذبحها ، ولا يقرّبوها لصنم ولا لشيء من المخلوقات ، ولا يربوا(١) مسلماً ، ولا يعاملوه في بيع ولا إجارة ولا مساقاة ولا مزارعة معاملة لا يجوز للمسلمين ، ولا يسقوا مسلماً خمراً ، ولا يعطوه مُحرَّماً ، ولا يقاتلوا مسلماً ، ولا يعاونوا باغياً ، ولا ينقلوا أخبار المسلمين إلى أعدائهم ، ولا يدلّوا على عوراتهم ، ولا يحيوا من بلاد المسلمين(٢) شيئاً إلّا بإذن وإليهم ، فإن فعلوا ، كان للوالي إخراجه من أيديهم ، ولا ينكحوا مسلمة بعقد ولا غيره ، ويشترط عليهم أيضا كلّ ما قلنا إنّه ليس بجائز لهم فعله ، كدخول الحرم ، وسكنى الحجاز ، وغيرهما ، يقال(٣) : فمن فعل شيئاً من ذلك فقد نقض عهده ، واُحلّ دمه وماله ، وبرئت منه ذمّة الله وذمّة رسوله(٤) والمؤمنين.
مسألة ١٨٦ : جملة ما يشترط على أهل الذمّة ينقسم ستّة :
____________________
(١) في متن الطبعة الحجريّة : ولا يرثوا. وما أثبتناه هو الموافق لما في هامشها بعنوان نسخة بدل ، وما في منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٩٦٩.
(٢) في الطبعة الحجريّة : بلاد الإسلام.
(٣) كذا ، وفي منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٩٦٩ : ثمّ يقال.
(٤) في الطبعة الحجريّة : ذمّة الله ورسوله.
الأوّل : ما يجب شرطه ، ولا يجوز تركه ، وهو أمران : أحدهما : شرط الجزية عليهم ، وثانيهما : التزام أحكام الإسلام ، ولا بدّ منهما معا لفظا ونطقا ، ولا يجوز الإخلال بهما ولا بأحدهما ، فإن أغفل أحدهما ، لم تنعقد الجزية ، لقوله تعالى : (حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ )(١) والصّغار هو التزام أحكام الإسلام.
ولقول الصادقعليهالسلام : « ولو منع(٢) الرجال وأبوا أن يؤدّوا الجزية ، كانوا ناقضين للعهد ، وحلّت دماؤهم وقتلهم »(٣) .
الثاني : ما لا يجب شرطه لكنّ الإطلاق يقتضيه ، وهو : أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان من العزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين بالإعانة على حرب المسلمين ، لأنّهم إذا قاتلونا ، وجب علينا قتالهم ، وهو ضدّ الأمان.
وهذان القسمان ينتقض العهد بمخالفتهما ، سواء شرط ذلك في العقد أو لا.
الثالث : ما ينبغي اشتراطه فيما يجب عليهم الكفّ ، وهو سبعة : ترك الزنا بالمسلمة وعدم إصابتها باسم النكاح ، وأن لا يفتنوا مسلماً عن دينه ، ولا يقطع عليه الطريق ، ولا يؤوي عين المشركين ، ولا يعين على المسلمين بدلالةٍ أو بكتابة كتابٍ إلى أهل الحرب بأخبار المسلمين ويطلعهم على عوراتهم ، ولا يقتلوا مسلماً ولا مسلمةً ، فإن فعلوا شيئاً من ذلك وكان تركه شرطاً في العقد ، نقضوا العهد ، وإلّا فلا.
____________________
(١) التوبة : ٢٩.
(٢) في الكافي والتهذيب : امتنع.
(٣) الكافي ٥ : ٢٩ / ٦ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ١٠٢ ، التهذيب ٦ : ١٥٦ / ٢٧٧.
ثمّ إن أوجب ما فعلوه حدّاً ، حدّهم الإمام ، وإن لم يوجبه ، عزَّرهم بحسب ما يراه.
وللشافعي قول آخر : إنّه لا يكون نقضاً للعهد مع الشرط ؛ لأنّ كلّ ما لا يكون فعله نقضاً للعهد(١) إذا لم يُشترط(٢) لم يكن نقضاً وإن اشتُرط(٣) ، كإظهار الخمر والخنزير(٤) .
ونمنع الكلّيّة وثبوت الحكم في الأصل.
وقال أبو حنيفة : لا ينتقض العهد إلّا بالامتناع من الإمام على وجه يتعذّر معه أخذ الجزية منهم(٥) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ الأمان وقع على هذا الشرط ، فيبطل ببطلانه.
ولأنّ عمر رُفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا ، فقال : ما على هذا صالحناكم. ثمّ أمر به فصلب في بيت المقدس(٦) .
الرابع : ما فيه غضاضة على المسلمين ، وهو ذكر ربّهم أو كتابهم أو نبيّهم أو دينهم بسوء.
فإن نالوا بالسبّ لله تعالى أو رسوله ، وجب قتلهم ، وكان نقضاً للعهد.
وإن نالوا بدون السبّ أو ذكروا دين الإسلام أو كتاب الله تعالى بما
____________________
(١) كلمة « للعهد » لم ترد في « ق ، ك ».
(٢ و ٣) في « ق ، ك » : لم يشرط شرط.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٨ ، التنبيه : ٢٣٩ ، الوسيط ٧ : ٨٥ ، حلية العلماء ٧ : ٧١١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٧ - ٣١٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٦.
(٥) المغني ١٠ : ٥٩٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢٣.
(٦) المغني ١٠ : ٥٩٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢٣.
لا ينبغي ، فإن كان قد شرط عليهم الكفّ عن ذلك ، كان نقضاً للعهد ، وإلّا فلا.
وقال بعض الشافعيّة : يجب شرط ذلك ، فإن أهمل ، فسد عقد الذمّة ؛ لأنّه ممّا يقتضيه الصَّغار(١) .
الخامس : ما يتضمّن المنكَر ولا ضرر فيه على المسلمين ، وهو : أن لا يحدثوا كنيسةً ولا بِيعةً في دار الإسلام ، ولا يرفعوا أصواتهم بكُتًبهم ، ولا يضربوا الناقوس ، ولا يطيلوا أبنيتهم على بناء المسلمين ، ولا يُظهروا خمراً ولا خنزيراً في دار الإسلام. فهذا كلّه يجب عليهم الكفّ عنه ، سواء شرط عليهم أو لا ، فإن خالفوا وكان مشروطاً عليهم ، انتقض أمانهم ، وإلّا فلا ، بل يجب الحدّ أو التعزير ؛ لما رواه العامّة عن عمر ، قال : مَنْ ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قَبِل الجزية من أهل الجزية(٣) على أن لا يأكلوا الربا ، ولا يأكلوا لحم الخنزير ، ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ، فمَنْ فَعَل ذلك منهم برئت منه ذمّة الله وذمّة رسوله(٤) صلىاللهعليهوآله ، وقال : ليست لهم اليوم ذمّة »(٥) .
ولأنّه عقد منوط بشرط ، فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد ، كما لو امتنع من التزام قبول الجزية.
____________________
(١) اُنظر : المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٨ ، وحلية العلماء ٧ : ٧١٢.
(٢) المغني ١٠ : ٥٩٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢٣.
(٣) في المصدر : أهل الذمّة.
(٤) في التهذيب والطبعة الحجريّة : رسول الله.
(٥) الفقيه ٢ : ٢٧ / ٩٧ ، التهذيب ٦ : ١٥٨ / ٢٨٤.
وقال الشيخرحمهالله : لا يكون نقضاً للعهد وإن شرط عليهم(١) . وبه قال الشافعي(٢) .
قال بعض أصحابه : إنّما لا يكون نقضاً ؛ لأنّه لا ضرر على المسلمين فيه(٣) .
وقال آخرون : لا يكون نقضاً ؛ لأنّهم يتديّنون به(٤) .
إذا عرفت هذا ، فكلّ موضع قلنا : إنّه ينتقض عهدهم فأوّل ما يعمل أنّه يستوفي منهم موجب الجرم ، ثمّ بعد ذلك يتخيّر الإمام بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء.
ويجوز له أن يردّهم إلى مأمنهم في دار الحرب ويكونوا حَرْباً لنا يفعل ذلك ما يراه صلاحاً للمسلمين ، قاله الشيخ(٥) رحمهالله
وللشافعي قولان :
أحدهما : أنّه يُردّ إلى مأمنه ؛ لأنّه دخل دار الإسلام بأمانٍ ، فوجب ردّه ، كما لو دخل بأمان صبي.
والثاني : يكون للإمام قتله واسترقاقه ؛ لأنّه كافر لا أمان له ، فأشبه الحربيّ المتلصّص(٦) . وهو الأقرب عندي ؛ لأنّه فَعَل ما ينافي الأمان ، بخلاف مَنْ أمّنه صبي ، فإنّه يعتقده أماناً.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٤.
(٢) المهذب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٥ ، منهاج الطالبين : ٣١٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٥.
(٣ و ٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٥.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٤.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٨ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٢ - ٧١٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٩ - ٥٥٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٧.
السادس : التميز عن المسلمين.
وينبغي للإمام أن يشترط عليهم في عقد الذمّة التميز عن المسلمين في أربعة أشياء : في لباسهم ، وشعورهم ، وركوبهم ، وكُناهم.
أمّا اللباس : فيلبسوا ما يخالف لونه سائر ألوان الثياب ، فعادة اليهود : العسلي ، وعادة النصارى : الأدكن ، والمجوس : الأسود. ويكون هذا في ثوب واحد لا في الجميع. ويأخذهم بشدّ الزنّار في وسط النصراني فوق الثياب ، واليهودي بوضع(١) خرقة فوق عمامته أو قلنسوته تخالف في اللون. ويجوز أن يلبسوا العمائم والطيلسان ، فإن لبسوا قلانس(٢) ، شدّوا في رأسها عَلَماً ليخالف قلانس القضاة ، ويختم في رقبته خاتم رصاص أو نحاس أو حديد لا من ذهب وفضّة ، أو يضع فيه جلجلاً أو جرساً ليمتاز به عن المسلمين في الحمّام. وكذا يأمر نساءهم بلُبْس شيء يفرق بينهنّ وبين المسلمات من شدّ الزنّار تحت الإزار. ويختم في رقبتهنّ. ويُغيّروا أحد الخُفّين ، فيكون أحدهما أحمر والآخر أبيض. ولا يُمنعون من لُبْس فاخر الثياب.
وأمّا الشعور : فلا يفرّقون شعورهم ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله فرّق شعره(٣) . ويحذفون مقاديم رؤوسهم ، ويجزّون شعورهم.
وأمّا الركوب : فلا يركبون الخيل ؛ لأنّه عزّ. ويركبون ما عداها بغير
____________________
(١) في « ق ، ك» : بجعل ، بدل بوضع.
(٢) في الطبعة الحجريّة : القلانس.
(٣) صحيح مسلم ٤ : ١٨١٧ - ١٨١٨ / ٢٣٣٦ ، سنن النسائي ٨ : ١٨٤ ، الموطأ ٢ : ٩٤٨ / ٣.
سرج. ويركبون عرضاً ، رجلاه إلى جانبٍ وظهره إلى آخرَ. ويُمنعون تقليد السيوف وحمل السلاح واتّخاذه.
وأمّا الكنى : فلا يتكنّوا بكنى المسلمين ، كأبي القاسم ، وأبي عبد الله ، وأبي محمد ، وأبي الحسن ، وشبهها. ولا يُمنعون من جميع الكنى ؛ فإنّ(١) النبيصلىاللهعليهوآله قال لأسقف نجران : « أسلم أبا الحارث »(٢) .
مسألة ١٨٧ : من انتقض أمانه ، يتخيّر الإمام فيه بين المنّ والقتل والاسترقاق والفداء على ما بيّنّاه. فإن أسلم قبل اختيار الإمام ، سقط ذلك كلّه إلّا ما يوجب حدّاً أو قوداً أو استعادة مال.
قال الشيخرحمهالله : فإنّ أصحابنا رووا أنّ إسلامه لا يُسقط عنه الحدّ(٣) ؛ لأنّه حقّ ثبت في ذمّته فلا يسقط بإسلامه ، كالدَّيْن.
ولو أسلم بعد استرقاقه ، لم ينفعه في ترك الاسترقاق ، وكذا المفاداة.
وأمّا المستأمن - وهو المعاهد في عرف الفقهاء - فهو الذي له أمان بغير ذمّة ، فللإمام أن يؤمّنه دون الحول بعوضٍ وغيره. ولو أراد إقامة حول ، وجب العوض.
فإذا عقد له الأمان ، فإن خاف منه الإمام الخيانة بإيواء عين المشركين وشبهه ، نبذ الإمام إليه الأمان ، ويردّه إلى دار الحرب ؛ لقوله تعالى :( وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ) (٤) بخلاف أهل الذمّة ؛ فإنّه لا تنقض ذمّتهم بخوف الخيانة ؛ لالتزامهم بأحكام الإسلام من الحدود
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : لأنّ.
(٢) المصنّف - لعبد الرزّاق - ١٠ : ٣١٦ / ١٩٢٢٠ ، المغني ١٠ : ٦١٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠٦.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٤.
(٤) الأنفال : ٥٨.
وغيرها ، فيكون ذلك مانعاً لهم عن الخيانة.
والمعاهدون لا يلزمهم حدّ ولا عقوبة ، فلا زاجر لهم عن الخيانة ، فجاز لنا نبذ عهدهم مع خوف الخيانة.
وينبغي للإمام إذا عقد الذمّة أن يكتب أسماءهم وأسماء آبائهم وعددهم وحليتهم ، ويعرّف على كلّ عشرة منهم عريفاً ليحفظ مَنْ يدخل فيهم ويخرج عنهم كأن يبلغ صغير أو يفيق مجنون أو يقدم غائب أو يسلم واحد أو يموت ، ويُجبي جزيتهم. وإن تولّاه بنفسه ، جاز.
مسألة ١٨٨ : لا يجوز أخذ الجزية ممّا لا يسوغ للمسلمين تملّكه ، كالخمر والخنزير إجماعاً. نعم ، يجوز أخذها من ثمن ذلك ، فلو باع ذمّيُّ خمراً أو خنزيراً(١) على ذمّيّ وقبض الثمن ، جاز أخذه من الجزية ؛ لأنّا عقدنا الذمّة على تديّنهم بدينهم.
ولأنّ محمد بن مسلم سأل الصادقَعليهالسلام - في الصحيح - عن صدقات أهل الذمّة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم ولحم خنازيرهم وميتتهم ، قال : « عليهم الجزية في أموالهم تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو الخمر ، وكلّما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم ، وثمنه للمسلمين حلال يأخذونه في جزيتهم »(٢) .
وإذا عقد لهم الذمّة ، عصموا أنفسهم وأموالهم وأولادهم الأصاغر من القتل والصبي والنهب ما داموا على الذمّة ، ولا يتعرّض لكنائسهم وخمورهم وخنازيرهم ما لم يُظهروها.
____________________
(١) في « ق » : خمرة أو خنزيره.
(٢) الكافي ٣ : ٥٦٨ / ٥ ، الفقيه ٢ : ٢٨ / ١٠٠ ، التهذيب ٤ : ١١٣ - ١١٤ / ٣٣٣ بتفاوت يسير.
ولو ترافعوا إلينا في خصوماتهم ، تخيّر الحاكم بين الحكم عليهم بمقتضى شرع الإسلام وبين ردّهم إلى حاكمهم.
ومَنْ أراق من المسلمين لهم خمراً أو قتل خنزيراً ، فإن كان مع تظاهرهم ، فلا شيء عليه ، وإلّا وجب عليه قيمته عند مستحليه.
وإذا مات الإمام وقد ضرب لما قرّره من الجزية أمداً معيّناً أو اشترط الدوام ، وجب على القائم بعده إمضاء ذلك إجماعاً ؛ لأنّ الإمام معصوم. أمّا نائبه : فلو قرّرهم ثمّ مات المنوب فإن كان ما قرّره صواباً ، وجب اتّباعه ، وإلّا فسخ.
إذا ثبت هذا ، فإنّ الثاني ينظر في عقدهم ، فإن كان صحيحاً ، أقرَّهم عليه ؛ لأنّه مؤبّد. وإن كان فاسداً ، غيَّره إلى الصحّة ؛ لأنّه منصوب لمصالح المسلمين.
ثمّ إن كان ما عقده الأوّل ظاهراً معلوماً ، اتُّبع ، وإن لم يكن معلوماً وشهد عدلان به ، عمل عليه ، ولا تُقبل شهادة بعضهم على بعض.
فإن اعترفوا بالجزية وكانت دون الواجب ، لم يلتفت إليهم ، وطالَبَهم بالواجب ، فإن بذلوه ، وإلّا ردَّهم إلى مأمنهم. وإن اعترفوا بالواجب ، أقرّهم عليه. وإن اتّهمهم في الزائد ، حلّفهم.
ولو قيل باستئناف العقد معهم ؛ لأنّ عقد الأوّل لم يثبت عنده ، كان حسناً.
مسألة ١٨٩ : قد بيّنّا أنّ أقلّ الجزية دينار عند بعض علمائنا قدره اثنا عشر درهماً نقرة مسكوكة أو مثقال. والدينار في غير الجزية يقابل بعشرة دراهم.
وللإمام أن يماكس بالزيادة ما شاء. ولو لم يبذل إلّا الدينار ، وجب
القبول. ولو بذل الزيادة ثمّ علم عدم الوجوب ، لم ينفعه ، كالشراء بالعين ، إلّا أن ينبذ العهد ثمّ يرجع إلى بذل دينار.
وقيل : ينفع ، كما يجوز ابتداء العقد به(١) .
وقال بعض الشافعية : الأصل في الجزية الدينار ، ولا يُقبل الدراهم إلّا بالسعر والقيمة ، كما يجعل أصل نصاب الفضّة ربع دينار ، وتُقوَّم النقرة بالذهب كالسِّلَع ، ولا يجب على الإمام أن يُخبرهم عن أقلّ ما يجب عليهم(٢) .
وعلى القول بعدم قبول الدينار لو التزموا بالزيادة أوّلاً مع جهلهم بعدم اللزوم يكونون ناقضين للعهد عند بعض الشافعيّة(٣) ، كما لو امتنعوا من أداء أصل الجزية. وحينئذٍ يُبلغون المأمن أو يُقتلون؟ للشافعي قولان(٤) .
فإن قلنا : يُبلغون ، فعادوا فطلبوا العهد(٥) بدينارٍ ، اُجيبوا إليه.
ثمّ إن كان النبذ بعد مضيّ سنة ، لزمه ما التزمه بتمامه. وإن كان في أثناء السنة ، لزمه لما مضى قسطه ممّا التزم.
وإذا ضرب على الفقير ديناراً ، وعلى المتوسّط دينارين ، وعلى الغني أربعةً ، كان الاعتبار في هذه الأحوال بوقت الأخذ لا بوقت العقد.
ولو قال بعضهم : أنا فقير أو متوسّط ، قُبل قوله إلّا أن تكذّبه البيّنة.
مسألة ١٩٠ : إذا شُرطت الضيافة عليهم ثمّ رأى الإمام نقلها إلى
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٠.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٠.
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٠.
(٥) في « ق ، ك» : العقد ، بدل العهد.
الدنانير ، لم يجز إلّا برضاهم ؛ لأنّ الضيافة قد تكون أهون عليهم. وهو أحد قولي الشافعي(١) .
والثاني : يجوز ؛ لأنّ الأصل الدنانير(٢) .
فعليه إذا رُدّت إلى الدنانير ، فهل تكون في المصالح العامّة أو تختصّ بأهل الفيء؟ للشافعيّة وجهان ، أظهرهما : الثاني ؛ لأنّ القياس في الضيافة الاختصاص أيضاً إلّا أنّ الحاجة اقتضت التعميم ، فإذا رُدّت إلى الأصل ، ثبت الاختصاص ، كما في الدينار المضروب ابتداءً(٣) .
وإنّما تشترط الضيافة على الغني والمتوسّط ، دون الفقير - وهو أحد وجهي الشافعيّة(٤) - لأنّه قد يتعسّر القيام بها. والثاني : يجوز كالجزية(٥) .
وعلى القول بأنّ الضيافة من الجزية يجوز اشتراطها عليه لكن لا يزاد على دينار.
ولو أراد الضيف أن يأخذ منهم ثمن الطعام ، لم يلزم. نعم ، له أن يأخذ الطعام ويذهب به ولا يأكل عندهم ، بخلاف طعام الوليمة ؛ فإنّه لا يجوز إخراجه ؛ لأنّ تلك معاوضة والوليمة تكرمة.
ولا يطالبهم بطعام الثلاثة في اليوم الأوّل. ولو لم يأتوا بطعام اليوم فللضيف المطالبة به من الغد إن جعلنا الضيافة محسوبةً من الدينار.
ولا يلزمهم اُجرة الطبيب والحمّام وثمن الدواء.
ولو تنازعوا في إنزال الضيف ، فالخيار له. ولو تزاحم الضيفان على واحد
____________________
(١ و ٢) الوجيز ٢ : ٢٠٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٢.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٢.
من أهل الذمّة ، فالخيار للذمّي. وليكن للضيفان عريف(١) يُرتّب اُمورهم.
وإذا دفع الذمّيُّ الجزيةَ ، أخرج يده من جيبه وحنى ظهره وطأطأ رأسه وصبّ ما معه في كفّة الميزان ، ويأخذ المستوفي بلحيته ، ويضرب في لَهْزَمَتَيْه. واللَّهْزَمتان في اللَّحْيَيْن : مجتمع اللحم بين الماضغ والاُذن. ويكفي الضرب في أحد الجانبين ولا يراعى الجمع بينهما بالهيئة المذكورة.
وهل هي واجبة أو مستحبّة؟ وجهان(٢) . وينبني عليهما جواز أن يوكّل الذمّي مسلماً بأداء الجزية ، وأن يضمن مسلمٌ عن ذمّي ، وأن يُحيل الذمّيّ على مسلم.
ولو وكّل الذمّيُّ ذمّيّاً بالأداء ، قال الجُويني : الوجه طرد الخلاف ؛ لأنّ كلّ واحد منهم يثبت معنى الصَّغار في نفسه(٣) .
ولو وكّل مسلماً بعقد الذمّة ، جاز ؛ فإنّ الصَّغار يثبت عند الأداء دون العقد.
مسألة ١٩١ : قد بيّنّا الخلاف فيما لو امتنع قوم من أهل ذمّة الكتاب من أداء الجزية باسمها وبدّلوا أداءها باسم الصدقة ، فقال الشافعي وأبو حنيفة : يجوز(٤) . وقال مالك : لا يجوز(٥) .
وهل تسقط عنهم الإهانة حينئذٍ؟ منع بعضهم منه(٦) .
____________________
(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : عريفاً. وما أثبتناه هو الصحيح.
(٢) الوجهان للشافعيّة ، اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٧ ، وروضة الطالبين ٧ : ٥٠٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٤.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٥ ، المغني ١٠ : ٥٨١ - ٥٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٢.
(٥ و ٦) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٨.
ولا فرق في جواز التبديل بين العرب والعجم ؛ فإنّ الحاجة واقتضاء الصدقة(١) لا يختلف.
وعند الشافعي لا تؤخذ من مال الصبيان والمجانين والنساء ؛ لأنّها جزية في الحقيقة(٢)
وقال أبو حنيفة : يجوز أخذها من النساء(٣) .
وينظر الإمام في تضعيف الصدقة ، فإن نقص عن الجزية ، زاد إلى ثلاثة أضعاف وأكثر.
ولو كثروا وعسر العدد ليعلم الوفاء ، ففي جواز الأخذ بغالب الظنّ وجهان ، والظاهر عند الشافعي المنع ، وأنّه لا بدّ وأن يتحقّق أخذ دينار من كلّ رأس(٤) .
ويجوز الاقتصار على تضعيف الصدقة إذا حصل الوفاء.
ولو شرط(٥) ضِعْف الصدقة وزاد على دينار عن كلّ واحد ثمّ سألوا إسقاط الزيادة وإعادة اسم الجزية ، اُجيبوا إليه ؛ لأنّ الزيادة اُثبتت لتغيّر. الاسم.
وللشافعيّة وجه آخر : أنّهم لا يجابون إليه(٦) .
____________________
(١) كذا ، والظاهر : واقتضاء المصلحة.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٥ ، المغني ١٠ : ٥٨٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨٣.
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٩ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٨٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٥.
(٥) في الطبعة الحجريّة : اشترط.
(٦) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٢٩ ، وانظر : روضة الطالبين ٧ : ٥٠٦.
ومَنْ ملك مائتين من الإبل ، اُخذ منه(١) ثمان حِقاقٍ أو عشر بنات لبون.
ولا يفرق بأخذ أربع حِقاقٍ وخمس بنات لبون ، كما لا يفرق في الصدقة عند الشافعي(٢) .
ويأخذ من ستّين من البقر أربع تبيعات لا ثلاث مُسنّات ، ولا يجعل كأنّه ملك مائة وعشرين من البقر ، كما لا يجعل في مائتين من الإبل كأنّه ملك أربعمائة حتى يجوز التفريق بأخذ أربع حِقاق وخمس بنات لبون.
وفي تضعيف الجبران عنده وجهان :
أحدهما : يضعَّف ، فيؤخذ مع [ كلّ بنت مخاض أربع شياه أو أربعون ](٣) درهماً ؛ لأنّه بعض الصدقة الموجودة.
وأصحّهما : المنع ؛ لما في تضعيف الجبران من تضعيف الضِّعْف ، فيُؤخذ مع [ كلّ ](٤) بنت مخاض شاتان أو عشرون درهماً(٥) .
ولو لم يوجد في مال صاحب ستّ وثلاثين بنتُ لبون ، أخذ الإمام حِقّتين ويردّ جبرانين.
ولا خلاف بينهم في أنّ الجبران لا يضعّف هنا ، ويُخرج الإمام الجبران
____________________
(١) في « ق ، ك» : منها.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٦.
(٣) ورد بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة هكذا : بنت مخاض أربع شياه أو عشرين. وما أثبتناه من المصدر كما يقتضيه السياق.
(٤) أضفناها من المصدر.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٠.
من الفيء ، كما إذا أخذه ، ردّه إلى الفيء(١) .
وهل يؤخذ من بعض النصاب قسطُهُ من واجب تمام النصاب ، كشاة من عشرين شاةً ونصفِ شاة من عَشْر؟ فيه للشافعي قولان :
أحدهما : نعم ؛ قضيّةً للتضعيف.
وأصحّهما عندهم : المنع ؛ لأنّ الأثر عن عُمر ورد في تضعيف ما يجب على المسلم لا في إيجاب ما لا يجب فيه شيء على المسلم(٢) .
مسألة ١٩٢ : إذا استأذن الحربيّ في دخول دار الإسلام ، أذن له الإمام إن كان يدخل للرسالة أو حمل مِيرَة أو متاع تشتدّ حاجة المسلمين إليه.
ولا يجوز توظيف مالٍ على الرسول والمستجير لسماع كلام الله تعالى ؛ فإنّ لهما الدخولَ من غير إذن.
وإن كان يدخل لتجارة لا تشتدّ الحاجة إليها ، فيجوز أن يأذن له ، ويشترط عليه عُشْر ما معه من مال التجارة ؛ لأنّه لمـّا ارتفق بالتجارة جُعل عليه في مقابلة إرفاقه شيء.
وإنّما يؤخذ العُشْر من مال التجارة ، ولا يُعشّر ما معه من ثوبٍ ومركوبٍ.
وللشافعيّة وجهان في أنّه هل يجوز للإمام أن يزيد المشروط على العُشْر؟ أصحّهما عندهم : الجواز.
وكذا يجوز نقصها ، فيردّ العُشْر إلى نصف العُشْر فما دون خصوصاً فيما تكثر حاجة المسلمين إليه ، كالمـِيرَة(٣) .
ولو رأى أن يأذن لهم ويرفع الضريبة أصلاً ، ففي جوازه وجهان :
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٦.
(٣) الوسيط ٧ : ٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٧.
أحدهما : المنع ؛ لئلا يتردّدوا ويرتفقوا بدار الإسلام من غير مالٍ.
وأظهرهما : الجواز ؛ لدعاء الحاجة إليه(١) .
ثمّ إن شرط الأخذ من تجارة الكافر ، أخذ ، سواء باع مالَه أو لا. وإن شرط الأخذ من الثمن ، فلا يؤخذ ما لم يَبعْ.
وأمّا الذمّيّ فله أن يتّجر فيما سوى الحجاز من بلاد الإسلام ، ولا يؤخذ من تجارته شيء إلّا أن يشترط عليه مع الجزية.
ثمّ الذمّيّ في بلد الحجاز كالحربيّ في بلد الإسلام - ولا يؤخذ منهما في كلّ حول إلّا مرّة واحدة - إذا كان يدور في بلاد الإسلام تاجراً. ويكتب له وللذمّيّ براءة حتى لا يطالب في بلد آخر قبل مُضيّ الحول.
ولو رجع الحربيّ إلى دار الحرب ثمّ عاد في الحول ، فوجهان :
أحدهما : أنّه يؤخذ في كلّ مرّة ؛ لئلّا يرتفق بدار الإسلام بلا عوض ، بخلاف الذمّيّ ؛ فإنّه في قبضة الإمام.
والثاني : أنّه لا يؤخذ إلّا مرّة ؛ لأنّ الضريبة كالجزية(٢) .
ويتخيّر الإمام فيما يضرب بين أن يستوفيها دفعة واحدة وبين أن يستوفيها في دفعات.
وما ذكرناه من أخذ المال من تجارة الحربيّ أو الذمّيّ [ فيما ](٣) إذا شُرط عليه ذلك ، فأمّا إذا اُذن للحربيّ في دخول دار الإسلام أو الذمّيّ في دخول الحجاز بلا شرط ، فوجهان :
أحدهما : يؤخذ ، حملاً للمطلق على المعهود.
____________________
(١) الوسيط ٧ : ٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٧.
(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : كما ، بدل فيما. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
والثاني : المنع ؛ لأنّهم لم يلتزموا(١) .
وقال أبو حنيفة : إن كانوا يأخذون من المسلمين إذا دخلوا دارهم تجّاراً ، اُخذ منهم مثل ما يأخذون وإن لم يشترط ، وإلّا فلا يؤخذ منهم(٢) .
واعتُرض عليه بأنّه مجازاة غير الظالم. ولأنّه لو وجب أن نتابعهم في فعلهم ، لوجب أن نقتل مَنْ أمّنّاه إذا قتلوا مَنْ أمّنوه(٣) .
مسألة ١٩٣ : إذا صالحنا طائفة من الكفّار على أن تكون أراضيهم لهم ويؤدّون خراجاً عن كلّ جريب في كلّ سنة شيئاً ، جاز ، ويُطّرد ملكهم.
قال الشافعي : والمأخوذ جزيةً مصرفه مصرف الفيء ، والتوكيل بإعطائه كالتوكيل بإعطاء الجزية(٤) .
ويشترط أن يكون ما يخصّ كلّ واحد من أهل الجزية قدر دينار إذا وزّع على عدد رؤوسهم ، ويلزمهم ذلك ، زرعوا أو لا.
ولا يؤخذ من أراضي الصبيان والمجانين والنساء.
ولهم بيع تلك الأراضي وهبتها وإجارتها.
ولو استأجر مسلم ، فالاُجرة للكافر ، والخراج عليه.
ولو باعها من مسلمٍ ، انتقل الواجب إلى رقبة البائع ، ولا خراج على المشتري.
____________________
(١) الوسيط ٧ : ٧٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٧ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٣ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٦ ، المغني ١٠ : ٥٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٦.
(٣) حكى الرافعي الاعتراض عن الشافعيّة في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٣.
(٤) الوسيط ٧ : ٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٠٨.
وعند أبي حنيفة يلزمه الخراج(١) .
وقال مالك : لا يصحّ بيعها من مسلمٍ(٢) .
ولو أسلموا بعد الصلح ، سقط عنهم الخراج - خلافاً لأبي حنيفة(٣) - وعليهم أن يؤدّوا عن الموات الذي يمنعوننا عنه دون ما لا يمنعون عنه.
ولو أحيوا منه شيئاً بعد الصلح ، لم يلزمهم شيء لما أحيوا إلّا إذا شرط عليهم أن يؤدّوا عمّا يحيونه.
ولو صالحناهم على أن تكون الأراضي لنا وهُمْ يسكنونها ويؤدّون عن كلّ جريب كذا ، فهذا عقد إجارة ، والمأخوذ اُجرة ، فتجب معها الجزية ، ولا يشترط أن تبلغ ديناراً عن كلّ رأس. وتؤخذ من أراضي النساء والصبيان والمجانين. ويُوكَّل المسلم في أدائها. وليس لهم بيع تلك الأراضي وهبتها ، ولهم إجارتها ، فإنّ المستأجر يؤجر.
مسألة ١٩٤ : قد بيّنّا أنّه لا يجوز للحربيّ دخول دار الإسلام إلّا بإذن الإمام خوفاً من تضرّر المسلمين بالتجسيس وشراء سلاح وغير ذلك ، فإذا أذن لمصلحةٍ كأداء رسالةٍ وتجارةٍ ، جاز بعوضٍ وغيره.
فإن دخل بغير أمانٍ ، فقال : أتيت لرسالةٍ ، قُبل قوله ؛ لتعذّر إقامة البيّنة عليه.
____________________
(١) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤.
(٢) حلية العلماء ٧ : ٧٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤.
(٣) الوسيط ٧ : ٧٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٤.
ولو قال : أمَّنني مسلم ، قال الشيخرحمهالله : لا يُقبل إلّا ببيّنة ؛ لإمكان إقامتها(١) .
وقال بعض الشافعيّة : يُقبل ، كما لو قال : لرسالةٍ(٢) .
والفرق : إمكان إقامة البيّنة على الثاني دون الأوّل.
ولو دخل ولم يدّع شيئاً ، كان للإمام قَتْلُه واسترقاقهُ وأخذُ مالِه ؛ لأنّه حربيّ دخل دارنا بغير أمان ولا عهد ، بخلاف الذمّيّ إذا دخل الحجاز بغير إذنٍ ، لأنّ الذمّيّ محقون الدم ، فيستصحب الحكم فيه ، بخلاف الحربيّ.
مسألة ١٩٥ : لا يجوز لكافرٍ حربيُّ أو ذمّيًّ سكنى الحجاز إجماعاً ؛ لقول ابن عباس : أوصى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بثلاثة أشياء ، قال : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ أجيزهم » ( قال : وسكت عن الثالث )(٣) .
وقالعليهالسلام : « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب »(٤) .
والمراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار الحجازُ خاصّة ، ونعني بالحجاز مكّة والمدينة وخيبر واليمامة وينبع وفدك ومَخاليفها(٥) .
وسُمّي حجازاً ؛ لأنّه حجز بين نَجْد وتهامة.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٨.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٤٠ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٩٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٨٩.
(٣) صحيح البخاري ٦ : ١١ ، صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٧ - ١٢٥٨ / ١٦٣٧ ، سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٥ / ٣٠٢٩ ، المغني ١٠ : ٦٠٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٢ ، وبدل ما بين القوسين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : وقال السبب الثالث. وذلك تصحيف ، وما أثبتناه من المصادر.
(٤) الموطّأ ٢ : ٨٩٢ / ١٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٠٨ ، المغني ١٠ : ٦٠٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٢.
(٥) المخلاف واحد المخاليف : الكورة. القاموس المحيط ٣ : ١٣٧ « خلف ».
وجزيرة العرب ما بين عدن إلى ريف العراق طولاً ، ومن جدّة والسواحل إلى أطراف الشام عرضاً ، قاله الأصمعي وأبو عبيد(١) .
وقال أبو عبيدة : هي من حَفَر أبي موسى(٢) إلى اليمن طولاً ، ومن رمل « يَبْرِين »(٣) إلى منقطع السماوة عرضاً(٤) .
قال(٥) الخليل : إنّما قيل لها جزيرة العرب ؛ لأنّ بحر الحبش وبحر فارس والفرات أحاطت بها ، ونُسبت إلى العرب ؛ لأنّها أرضها ومسكنها ومعدنها(٦) .
وإنّما قلنا : إنّ المراد بجزيرة العرب الحجازُ خاصّة ؛ لأنّه لولاه لوجب إخراج أهل الذمّة من اليمن ، وليس واجباً ، ولم يخرجهم عمر من اليمن وهي من جزيرة العرب ، وإنّما أوصى النبيعليهالسلام بإخراج أهل نَجْران من جزيرة العرب(٧) ؛ لأنّهعليهالسلام صالحهم على ترك الربا ، فنقضوا العهد(٨) .
____________________
(١) غريب الحديث - للهروي - ٦ : ٦٧ « جزر » ، سنن البيهقي ٩ : ٢٠٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٢ ، المغني ١٠ : ٦٠٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٣.
(٢) حَفَر أبي موسى : ركايا احتفرها على جادّة البصرة إلى مكة. النهاية - لابن الأثير - ١ : ٤٠٧ ، لسان العرب ٤ : ٢٠٧ « حفر ». وأبو موسى هو الأشعري كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٢.
(٣) يَبْرين : اسم قرية كثيرة النخل والعيون العذبة بحذاء الأحساء من بني سعد بالبحرين. معجم البلدان ١ : ٧١ « أبرين » و ٥ : ٤٢٧ « يبرين ».
(٤) غريب الحديث - للهروي - ٢ : ٦٧ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٠٨ - ٢٠٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٣٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٢ ، المغني ١٠ : ٦٠٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٣.
(٥) في الطبعة الحجريّة : وقال.
(٦) العين ٦ : ٦٢ « جزر » ، المغني ١٠ : ٦٠٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٣.
(٧) سنن البيهقي ٩ : ٢٠٨ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ : ٣٤٥ / ١٣٠٣٧ ، مسند أحمد ١ : ٣٢٢ / ١٧٠١.
(٨) سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٧ - ١٦٨ ، الحديث ٣٠٤١ وذيله ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٤.
ويجوز لهم دخول الحجاز بإذن الإمام ، وأن يقيموا ثلاثة أيّام ، فيجوز ( حينئذٍ أن ينتقل )(١) إلى غيره من بعض مواضع الحجاز ؛ لأنّه لا مانع منه.
ولو مرض بالحجاز ، جازت له الإقامة ؛ لمشقّة الانتقال عليه. ولو مات ، دُفن فيه.
قال الشيخرحمهالله : يجوز له الاجتياز في أرض الحجاز بإذنٍ وغيره(٢) .
ولو كان له دَيْنٌ ، لم يكن له المقام أكثر من ثلاثة أيّام لاقتضائه ، بل يُوكّل في قبضه.
قال الشيخرحمهالله : ولا يمنعه من ركوب بحر الحجاز ؛ لأنّه ليس بموضع إقامة ، ولا له حُرمة ببعثة النبيصلىاللهعليهوآله منه. ولو كان فيه جزائر وجبال ، مُنعوا من سكناها ، وكذا حكم سواحل بحر الحجاز ، لأنّها في حكم البلاد(٣) .
مسألة ١٩٦ : لا يجوز لهم دخول الحرم لا اجتيازاً ولا استيطاناً ، قاله الشيخ(٤) رحمهالله - وبه قال الشافعي وأحمد(٥) - لقوله تعالى :( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (٦) والمراد به الحرم ؛ لقوله تعالى :( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) (٧) يريد ضرراً بتأخّر الجلب عن الحرم ، ولقوله تعالى :( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (٨) .
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : أن ينتقل حينئذٍ.
(٢ و ٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٨.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٧.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٩ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٨ ، المغني ١٠ : ٦٠٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١١.
(٦ و ٧) التوبة : ٢٨.
(٨) الإسراء : ١.
وقال أبو حنيفة : يجوز [ لهم ](١) دخول الحرم والإقامة فيه مقام المسافر ، ولا يستوطنوه ، ويجوز لهم دخول الكعبة ؛ لأنّ المنع من الاستيطان لا يمنع الدخول والتصرّف ، كالحجاز(٢) .
ولم نستدلّ نحن بمنع استيطان الحجاز على المنع من دخول الحرم ، بل استدللنا بالآية على وقوع الفرق ، فيبطل القياس.
إذا عرفت هذا ، فإن قدم بمِيرَةٍ لأهل الحرم ، مُنع من الدخول ، فإن أراد أهل الحرم الشراءَ منه ، خرجوا إلى الحِلّ واشتروا منه.
ولو جاء رسولاً ، بعث الإمام ثقةً يسمع كلامه ، ولو امتنع من أداء الرسالة إلّا مشافهةً ، خرج إليه الإمام من الحرم لسماع كلامه ، فإن دخل بغير إذنٍ عالماً ، عُزّر ، لا جاهلاً.
فلو(٣) مرض في الحرم ، نقله منه ، ولو مات ، لم يدفنه(٤) فيه ، بخلاف الحجاز.
فإن دفن في الحرم ، قال الشيخرحمهالله : لا يُنبش ، ويُترك مكانه ؛ لعموم ورود منع النبش(٥) .
وقال الشافعي : يُنبش ويُخرج إلى الحِلّ إلّا أن يتقطّع(٦) .
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : له. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٢) حلية العلماء ٧ : ٧١٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٧ ، المغني ١٠ : ٦٠٥ - ٦٠٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١١.
(٣) في « ق » : فإن.
(٤) في « ق » : لم ندفنه.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٨.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٩ ، منهاج الطالبين : ٣١٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٨ ، التفسير الكبير ١٦ : ٢٦.
ولو صالَحهم الإمام على دخول الحرم بعوضٍ ، قال الشيخ : جاز ، ووجب عليه دفع العوض. وإن كان خليفةً للإمام ووافَقه على عوضٍ فاسدٍ ، بطل المسمّى ، وله اُجرة المثل(١) .
ومَنَع الشافعي من ذلك كلّه وأبطل الصلح.
قال : فإن دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه ، لم يردّ العوض ؛ لأنّه حصل لهم ما صالحهم عليه ، وإنّما أوجب ما صالحهم عليه ؛ لأنّه لا يمكنهم الرجوع إلى عوض المثل ، فلزمهم المسمّى وإن كان الصلح فاسداً. ولو وصلوا إلى بعض ما صالحهم على دخوله ، أخرجهم ، وكان عليهم العوض بقدره(٢) .
ولو صالح الإمام الرجلَ أو المرأة على الدخول إلى الحجاز بعوضٍ ، جاز ؛ لأنّ المرأة كالرجل في المنع.
ولو صالح المرأة على سكنى دار الإسلام غير الحجاز بعوضٍ ، لم يلزمها ذلك ؛ لأنّ لها المقام فيها بغير عوضٍ ، بخلاف الحجاز.
مسألة ١٩٧ : المسجد الحرام لا يجوز لمشركٍ ذمّيٍّ أو حربيُّ دخوله إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (٣) .
وأمّا مساجد الحجاز غير الحرم وسائر المساجد بالبلدان فحكمها واحد ، فذهبت الإماميّة إلى منعهم من الدخول فيها بإذن مسلمٍ وبغير إذنه ، ولا يحلّ للمسلم الإذن فيه - وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٤) - لأنّه
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٨.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٣٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٩٨.
(٣) التوبة : ٢٨.
(٤) المغني ١٠ : ٦٠٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٨٠.
مسجد ، فلا يجوز لهم الدخول إليه ، كالحرم.
ولقولهعليهالسلام : « جنّبوا مساجدكم النجاسة »(١) .
ولأنّ منعهم كان مشهوراً.
دخل أبو موسى على عمر ومعه كتاب حساب عمله ، فقال عمر : ادع الذي كتبه ليقرأه ، قال : إنّه لا يدخل المسجد ، قال : ولِمَ لا يدخل؟ قال : لأنّه نصرانيّ ، فسكت(٢) . وهو يدلّ على شهرته بينهم.
ولعدم انفكاكهم من حدث الجنابة والحيض والنفاس ، وهذه الأحداث تمنع من المقام في المسجد فحدثُ الشرك أولى. ولأنّهم ليسوا من أهل المساجد. ولأنّ منعهم من الدخول فيه إذلالٌ لهم وقد اُمرنا به.
وقال أكثر العامّة : يجوز لهم الدخول بإذن المسلم(٣) ، لأنّ النبيعليهالسلام أنزل وَفْد ثقيف في المسجد(٤) . وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي في ساريةٍ من المسجد(٥) .
ولو سُلّم ، لكان في صدر الإسلام.
____________________
(١) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٨٠ ، المغني ١٠ : ٦٠٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٤.
(٣) أحكام القرآن - لابن العربي - ٢ : ٢١٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥١٨ ، المغني ١٠ : ٦٠٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٨٠ ، المجموع ٢ : ١٧٤.
(٤) المغازي - للواقدي - ٣ : ٩٦٤ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٤ : ١٨٤ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٢٨٤ ، تاريخ الإسلام - للذهبي - ٢ : ٦٦٨ ، سنن أبي داوُد ٣ : ١٦٣ / ٣٠٢٦ ، سنن البيهقي ٢ : ٤٤٤ ، مسند أحمد ٥ : ٢٥٣ / ١٧٤٥٤.
(٥) صحيح البخاري ١ : ١٢٥ ، و ٥ : ٢١٥ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٨٦ / ١٧٦٤ ، سنن النسائي ٢ : ٤٦ ، سنن البيهقي ٢ : ٤٤٤ ، مسند أحمد ٣ : ٢٠٥ / ٩٥٢٣.
ولو وفد قوم من المشركين إلى الإمام ، أنزلهم في فضول منازل المسلمين ، فإن لم يكن ، جاز أن ينزلهم في دار ضيافةٍ إن كانت ، وإن لم تكن ، أسكنهم في أفنية الدور والطرقات ، ولا يُمكّنهم من الدخول في المساجد بحالٍ.
مسألة ١٩٨ : البلاد التي ينفذ فيها حكم الإسلام على أقسام ثلاثة :
أحدها : ما أنشأه المسلمون وأحدثوه واختطّوه ، كالبصرة وبغداد والكوفة ، فلا يجوز إحداث كنيسة فيها ولا بِيعة ولا بيت صلاة للكفّار ، ولا صومعة راهبٍ إجماعاً ، لقول ابن عباس : أيّما مِصْر مَصَّره العرب فليس لأحد من أهل الذمّة أن يبني فيه بِيعة ، وما كان قبل ذلك فحقُّ على المسلمين أن يُقرّ لهم(١) .
وفي حديث آخر : أيّما مصر مصَّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ، ولا يضربوا فيه ناقوساً ، ولا يشربوا فيه خمراً ، ولا يتّخذوا فيه خنزيراً(٢) .
ولأنّه بلد المسلمين وملكهم ، فلا يجوز لهم أن يبنوا فيه مجامع الكفر.
ولو صالحهم على التمكّن من إحداثها ، بطل العقد.
فأمّا ما وُجد من البِيَع والكنائس في هذه البلاد ، مثل كنيسة الروم في بغداد ، فإنّها كانت في قرى لأهل الذمّة فاُقرّت على حالها ، أو كانت في برّيّة فاتّصل بها عمارة المسلمين. فإن عُرف إحداث شيء بعد بناء المسلمين وعمارتهم ، نُقض.
____________________
(١) سنن البيهقي ١ : ٢٠١ نحوه.
(٢) سنن البيهقي ١ : ٢٠٢ ، المغني ١٠ : ٥٩٩ - ٦٠٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠٩.
الثاني : ما فتحه المسلمون عنوةً ، وهو ملك المسلمين قاطبة ، فلا يجوز أيضاً إحداث كنيسة ولا بِيعة ولا صومعة راهبٍ ولا بيت صلاةٍ للمشركين ؛ لأنّها صارت ملكاً للمسلمين.
وأمّا ما كان موجوداً قبل الفتح : فإن هدمه المسلمون وقت الفتح ، لم يجز استجداده أيضاً ؛ لأنّه بمنزلة الإحداث في ملك المسلمين.
وإن لم يهدموه ، قال الشيخرحمهالله : لا يجوز إبقاؤه(١) . وهو أحد قولي الشافعي(٢) ؛ لأنّ هذه البلاد ملك المسلمين ، فلا يجوز أن تكون فيها بِيعة ، كالبلاد التي أنشأها المسلمون.
والثاني : يجوز إبقاؤها(٣) ؛ لقول ابن عباس : أيّما مصر مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه ، فإنّ للعجم ما في عهدهم.
ولأنّ الصحابة فتحوا كثيراً من البلاد عَنْوةً ، فلو يهدموا شيئاً من الكنائس.
ولحصول الإجماع عليه ؛ فإنّها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير(٤) .
الثالث : ما فُتح صلحاً ، فإن صالحهم على أنّ الأرض لهم ويأخذ منهم الخراج عليها ، فهنا يجوز إقرارهم على بِيَعهم وكنائسهم وبيوت نيرانهم ومجتمع عباداتهم وإحداث ما شاؤا من ذلك فيها وإنشائه وإظهار الخمور فيها والخنازير وضرب الناقوس والجهر بقراءة التوراة والإنجيل ؛
____________________
(١) اُنظر : المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٦.
(٢ و ٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٦ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٢١ - ٣٢٢ ، الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٠.
(٤) الأدلّة المذكورة هنا وردت في المغني ١٠ : ٦٠٠ ، والشرح الكبير ١٠ : ٦٠٩ - ٦١٠ لأحد الوجهين للحنابلة في المقام ، وليس فيهما التعرّض لقولي الشافعي.
لأنّ ذلك لهم ، وإنّما يُمنعون من الأشياء الستّة السابقة من الزنا واللواط بالمسلمين وافتتان المسلم عن دينه وقطع الطريق وإيواء عين المشركين وإعانتهم على المسلمين.
وإن صالحهم على أن تكون الأرض للمسلمين ويؤدّون الجزية إلينا بسكناهم فيها ، فالحكم في البِيَع والكنائس على ما يقع عليه الصلح.
فإن شرطنا لهم إقرارهم على البِيَع والكنائس أو على إحداث ذلك وإنشائه ، جاز ؛ لأنّه إذا جاز أن يصالحهم على أن تكون الأرض بأجمعها لهم ، جاز أن يكون بعض الأرض لهم بطريق الأولى.
وإن شرطنا عليهم أن لا يُحدثوا شيئاً أو يخربوها ، جاز ذلك أيضاً.
ولو لم نشترط شيئاً ، لم يجز لهم تجديد شيء ؛ لأنّ الأرض للمسلمين.
وإذا شرط عليهم التجديد والإحداث ، فينبغي أن يبيّن مواضع البِيَع والكنائس.
وأمّا البلاد التي أحدثها الكفّار وحصلت تحت يدهم ، فإن أسلم أهلها ، كالمدينة واليمن ، فحكمها حكم القسم الأوّل. وإن فُتحت عَنْوةً أو صلحاً ، فقد تقدّم.
إذا عرفت هذا ، فكلّ موضع لا يجوز لهم إحداث شيء فيه إذا أحدثوا فيه ، جاز نقضه وتخريبه ، وكلّ موضع لهم إقراره لا يجوز هدمه.
فلو انهدم هل يجوز إعادته؟ تردّد الشيخ(١) فيه.
وقال الشافعي : يجوز لهم إعادته - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّهم
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٦.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٢ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٩٧ / ١٦٤٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٩ ، المغني ١٠ : ٦٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٠.
يُقرّون عليها ، وبناؤها كاستدامتها ، ولهذا يجوز تشييد حيطانها ورمّ ما تشعّث منها. ولأنّا أقررناهم على التبقية ، فلو منعناهم من العمارة لخربت(١) .
وقال بعض الشافعيّة : لا يجوز لهم ذلك - وعن أحمد روايتان(٢) - لأنّه إحداث للبِيَع والكنائس في دار الإسلام ، فلم يجز ، كما لو ابتُدئ بناؤها ، ولقول النبيصلىاللهعليهوآله : « لا تبنى الكنيسة في دار(٣) الإسلام ، ولا يجدّد ما خرب منها »(٤) بخلاف رمّ ما تشعّث ؛ لأنّه إبقاء واستدامة وهذا إحداث(٥) .
مسألة ١٩٩ : ظهر من هذا الاتّفاقُ على جواز رمّ ما تشعّث ممّا لهم إبقاؤه وإصلاحه.
وهل يجب إخفاء العمارة؟ للشافعيّة وجهان ، أصحّهما عندهم : العدم ، كما يجوز إبقاء الكنيسة ، فحينئذٍ يجوز تطيينها من داخلٍ وخارجٍ وإعادة الجدار الساقط ، وعلى الأوّل يُمنعون من التطيين من خارج. وإذا أشرف الجدار على السقوط ، بنوا جداراً داخل الكنيسة ، وقد تمسّ الحاجة
____________________
(١) الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٦ ، الوسيط ٧ : ٨١ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٦ - ٧٠٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٠ ، المغني ١٠ : ٦٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٠.
(٢) الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٧٩ ، المغني ١٠ : ٦٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٠.
(٣) كلمة « دار » لم ترد في الكامل - لابن عدي - والمغني والشرح الكبير.
(٤) الكامل - لابن عدي - ٣ : ١١٩٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٦ ، المغني ١٠ : ٦٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٠.
(٥) المغني ١٠ : ٦٠٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٦ ، الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٩ ، الوسيط ٧ : ٨١ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٦ - ٧٠٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٠.
إلى بناءٍ ثانٍ وثالثٍ ، فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الكنيسة شيء. ويمكن الجواب(١) بإيقاع العمارة ليلاً(٢) .
ولو انهدمت الكنيسة ، فللشافعي في جواز إعادتها وجهان :
أحدهما : المنع ؛ لأنّ الإعادة ابتداءً.
وأصحّهما عندهم(٣) : الجواز - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأنّ الكنيسة مبقاة لهم ، فلهم التصرّف في مكانها(٤) .
وإذا جوّزنا إعادتها ، لم يكن لهم توسيع خطّتها ؛ لأنّ الزيادة كنيسة جديدة متّصلة بالاُولى ، وهو أصحّ وجهي الشافعي. والثاني : الجواز(٥) .
مسألة ٢٠٠ : دور أهل الذمّة على أقسام ثلاثة :
أحدها : دار محدثة ، وهو أن يشتري عرصةً ويستأنف فيها بناءً ، فليس له أن يعلو على بناء المسلمين إجماعاً ؛ لقولهعليهالسلام : « الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه »(٦) .
ولأنّه يشتمل على اطّلاعهم على عورات المسلمين ، وعلى استكثارهم وازديادهم عليهم.
وللشافعيّة قول بجوازه(٧) .
____________________
(١) أي : الجواب عن الموجبين للإخفاء.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٠.
(٣) أي : عند الشافعيّة.
(٤) راجع المصادر المذكورة في الهوامش (٢) من ص ٣٤٢ و ( ١ و ٢ ) من ص ٣٤٣.
(٥) الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٣٩ ، الوسيط ٧ : ٨١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٠.
(٦) الفقيه ٤ : ٢٤٣ / ٧٧٨. وفي صحيح البخاري ٢ : ١١٧ ، وسنن الدار قطني ٣ : ٢٥٢ / ٣٠ ، وسنن البيهقي ٦ : ٢٠٥ وغيرها بدون « عليه ».
(٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٠ - ٥٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١١.
والمراد أن لا يعلو على بناء جيرانه دون غيرهم.
وللشافعيّة قول : إنّه لا يجوز أن يُطيل بناءه على بناء أحد من المسلمين في ذلك البلد(١) .
ولا فرق بين أن يكون [ بناء ] الجار(٢) معتدلاً أو في غاية الانخفاض.
ثمّ المنع لحقّ الدِّيْن لا لمحض حقّ الجار حتى [ يُمنع ](٣) وإن رضي الجار.
وهل يجوز أن يساوي بناء المسلمين؟ قال الشيخرحمهالله : ليس له ذلك ، بل يجب أن يقصر عنه(٤) ؛ لقولهعليهالسلام : « الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه »(٥) ولا يتحقّق علوّ الإسلام بالمساواة. ولأنّا منعنا من مساواتهم للمسلمين في اللباس والركوب فكذا هنا. وهو أحد وجهي الشافعي.
والثاني : الجواز ؛ لعدم الاستطالة على المسلمين(٦) .
وليس بجيّد ؛ لأنّا منعناه المساواة في اللباس والركوب ، وأوجبنا التمييز(٧) ، فكذا هنا. ولأنّ عُلُوّ الإسلام لا يتحقّق معها.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٦ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٢٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١١.
(٢) في « ك» والطبعة الحجريّة : يكون في الجدار. وفي « ق » : فيء الجار. والأنسب بسياق العبارة ما أثبتناه.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : يمضي. والظاهر أنّ ذلك تصحيف ما أثبتناه.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٤٦.
(٥) راجع المصادر في الهامش (٦) من ص ٣٤٤.
(٦) الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٥ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٢٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١١.
(٧) في « ك» : التميز.
ولو كان أهل الذمّة في موضع منفرد ، كطرف بلدة ، منقطع عن العمارات ، فلا منع من رفع البناء. وهو أحد وجهي الشافعيّة. والثاني : المنع ، كما يُمنعون من ركوب الخيل(١) .
الثاني : دار مبتاعة لها بناء رفيع ، فإنّها تُترك على حالها من العلوّ إن كانت أعلى من المسلمين ؛ لأنّه هكذا ملكها ، ولا يجب هدمها ؛ لأنّه لم يبْنها وإنّما بناها المسلمون ، فلم يعْلُ على المسلمين شيئاً.
وكذا لو كان للذمّيّ دار عالية فاشترى المسلم داراً إلى جانبها اقصر منها ، أو بنى المسلم داراً إلى جانبها أقصر منها ، فإنّه لا يجب على الذمّيّ هدم عُلُوّه.
أمّا لو انهدمت دار الذمّيّ ، العالية فأراد تجديدها ، لم يجز له العُلُوّ على المسلم إجماعاً ، ولا المساواة على الخلاف.
وكذا لو انهدم ما علا منها وارتفع ، فإنّه لا يكون له إعادته.
ولو تشعّث منه شيء ولم ينهدم ، جاز له رمّه وإصلاحه ؛ لأنّه استدامة وإبقاء لا تجديد.
الثالث : دار مجدّدة ، وحكمها حكم المحدثة سواء ، وقد تقدّم(٢) .
مسألة ٢٠١ : قد بيّنّا أنّهم يُمنعون من ركوب الخيل ؛ لأنّه عزّ وقد ضُربت عليهم الذلّة.
وللشافعيّة وجه : أنّهم لا يُمنعون ، كما لا يُمنعون من الثياب النفيسة. والأظهر : المنع(٣) .
____________________
(١) الوسيط ٧ : ٨٢ ، الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٧٠٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١١.
(٢) تقدّم في القسم الأوّل.
(٣) حلية العلماء ٧ : ٧٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٢.
واستثنى بعضهم عن المنع البراذينَ الخسيسة(١) .
وألحق بعضهم البغالَ النفيسة بالخيل ؛ لما في ركوبها من التجمّل(٢) .
ولا يُمنعون من البهائم وإن كانت رفيعةَ القيمة.
ولا يركبون بالسرج. وتكون رُكُبهم من الخشب دون الحديد.
ويُمنعون من تقليد السيوف وحمل السلاح ، ومن لُجُم الذهب والفضّة.
وقال بعض الشافعيّة : هذا كلّه في الذكور البالغين ، فأمّا النساء والصغار فلا يلزمون الصَّغار ، كما لا تُضرب عليهم الجزية(٣) .
مسألة ٢٠٢ : لا ينبغي تصدير أهل الذمّة في المجالس ، ولا بدأتهم بالسلام ، ولا يترك لهم صدر الطريق ، بل يُلجؤون إلى أضيق الطريق إذا كان المسلمون يطرقون ، فإن خلت الطرق عن الزحمة ، فلا بأس.
قالعليهالسلام : « لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ(٤) فاضطرّوه إلى أضيقه »(٥) .
وليكن التضييق عليه بحيث لا يقع في وَهْدة ، ولا يصدم جداراً. ولا يُوقّرون.
ولا يجوز أن يبدأ مَنْ لقيه منهم بالسلام.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٢.
(٢) الوجيز ٢ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤١ - ٥٤٢ ، الوسيط ٧ : ٨٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٣.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٣.
(٤) في الطبعة الحجرية وسنن الترمذي : « الطريق ».
(٥) صحيح مسلم ٤ : ١٧٠٧ / ٢١٦٧ ، سنن الترمذي ٤ : ١٥٤ / ١٦٠٢ ، و ٥ : ٦٠ / ٢٧٠٠.
قالعليهالسلام : « إنّا غادون غداً فلا تبدؤوهم بالسلام ، وإن سلّموا عليكم فقولوا : وعليكم »(١) .
قالت عائشة : دخل رهط من اليهود على النبيصلىاللهعليهوآله وقالوا : السام عليك ، ففهمتها فقلت : وعليك السام واللعنة والسخط ، فقالعليهالسلام : « مَهْلاً يا عائشة ، فإنّ الله تعالى يُحبّ الرفق في الاُمور كلّها » فقلت : يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ فقال : « قُولي : وعليكم »(٢) . فعلى هذا لا ينبغي أن يردّ بأزيد من قوله : وعليكم.
ولا تجوز مودّتهم.
قال الله تعالى :( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) (٣) الآية.
ومَنَع بعض الشافعيّة من دخول نساء أهل الذمّة الحمّامَ مع نساء المسلمين ؛ لأنّه احتساب في الدين. وكذا مَنَع من لُبْس أهل الذمّة الديباج(٤) .
والأقرب : عدم المنع ، كما لا يُمنع من رفيع القطن والكتّان.
مسألة ٢٠٣ : يجب على أهل الذمّة الانقياد لحكمنا ، فإذا فعلوا ما يعتقدون تحريمه ، يجري عليهم حكم الله فيه ، ولا يُعتبر فيه رضاهم ، كالزنا والسرقة ؛ فإنّهما مُحرَّمان عندهم كما في شرعنا. وأمّا ما يستحلّونه
____________________
(١) مسند أحمد ٧ : ٥٤٦ / ٢٦٦٩٤ و ٢٦٦٩٥ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٨ : ٤٤٣ / ٥٨١٥ باختلاف يسير.
(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٤ ، و ٧٠ - ٧١ ، صحيح مسلم ٤ : ١٧٠٦ / ٢١٦٥ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٠ / ٢٧٠١ باختلاف في بعض الألفاظ.
(٣) المجادلة : ٢٢.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٤.
وهو محرَّم عندنا كالخمر ، فإن تظاهروا به ، حُدّوا عليه ، وإلّا فلا.
ولو نكح واحد من المجوس مَحْرماً له ، لم يُتعرّض له.
وتُنتقض الذمّة بقتال المسلمين سواء شرط عليهم الامتناع أو لا ؛ لأنّ عقد الذمّة الكفُّ عن القتال ، فالقتال يناقضه.
ولو منعوا الجزية والانقياد للأحكام ، انتقض العهد ؛ لأنّ عقد الذمّة بهما يتمّ ، ولذلك ( يشترط التعرّض للجزية )(١) والانقياد للأحكام في ابتداء العقد ، وهو محمول على منعها مع القدرة ، فأمّا العاجز المستمهل فلا ينتقض عهده.
ويحتمل أن يقال في القادر : تؤخذ منه الجزية قهراً ، ولا يجعل الامتناع ناقضاً ، كما لو امتنع عن دَيْنٍ.
وأمّا الامتناع من(٢) إجراء الأحكام : فإن امتنع هارباً ، احتمل أن لا يكون ناقضاً ، وان امتنع راكناً إلى عدوّ وقوّة ، دُعي إلى الاستسلام ، فإن نصب القتال ، انتقض عهده بالقتال.
وقال بعضهم : إنّ الامتناع من البذل نقْضُ العهد من الجماعة ومن الواحد ، والامتناع من الأداء مع الاستمرار نقضٌ من الجماعة دون الواحد ؛ لأنّه يسهل إجباره عليه(٣) .
وفي قطع الطريق أو القتل الموجب للقصاص للشافعيّة طريقان :
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجرية و « ق ، ك» : تشترط الجزية. وما أثبتناه يقتضيه سياق العبارة.
(٢) في هامش « ق ، ك» : « عن » بدل « من ».
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٣١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٥ - ٥١٦.
أحدهما : أنّهما(١) كالقتال ؛ لأنّ شهر السلاح وقصد النفوس والأموال مجاهرة تُناقض الأمان.
وأظهرهما : أنّهما(٢) كالزنا بالمسلمة ؛ لأنّه ليس فيهما منابذة للمسلمين(٣) . ولا يلتحق(٤) بالمنابذة التوثّب على رفقة أو شخص معيّن. ويجري الطريقان فيما إذا قذف مسلماً(٥) .
وسواء قلنا : ينتقض العهد بها أو لا ينتقض ، يقام عليهم بموجب ما فعلوه من حدَّ أو تعزير.
فإن قُتل الذمّيّ لقَتْله مسلماً أو لزناه وهو محصن ، فهل يصير مالُه فيئاً تفريعاً على الحكم بالانتقاض؟ للشافعيّة وجهان(٦) .
وأمّا ذِكْرُ الرسولصلىاللهعليهوآله بسوءٍ إذا جاهروا به فللشافعيّة فيه طريقان :
أحدهما : أنّه ينتقض العهد به بلا خلاف ، كالقتال ؛ لأنّ ما يجب شرطه عليهم إذا خالفوه انتقض العهد.
وأظهرهما عندهم : أنّه كالزنا بالمسلمة ، ويجيء فيه الخلاف.
وطَعْنُهم في الإسلام وفي القرآن كذِكْرهم الرسولعليهالسلام بالسوء(٧) .
وقال بعضهم : إن ذكر النبيعليهالسلام بسوء يعتقده أو يتديّن به بأن قال : إنّه ليس برسول ، وإنّه قَتَل اليهود بغير حقّ ، أو نسبه إلى الكذب ، ففيه الخلاف ، وأمّا ذكره بما لا يعتقده ولا يتديّن به ، كما لو نسبه إلى الزنا ، أو
____________________
(١ و ٢) في الطبعة الحجريّة : أنّه
(٣) في « ق ، ك» : المسلمين.
(٤) في « ك» والطبعة الحجريّة : ولا يلحق.
(٥) الوجيز ٢ : ٢٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٦.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٦.
(٧) الوجيز ٢ : ٢٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٦.
طعن في نسبه ، فإنّه ينتقض به العهد ، سواء شرط عليهم الكفّ عنه أو لا(١) .
وقال آخرون : إنّ الخلاف فيما إذا طعنوا بما لا يتديّنون به ، فأمّا ما هو من قضيّة دينهم ، فلا ينتقض العهد بإظهاره بلا خلاف ، ومن هذا القبيل قولهم في القرآن : إنّه ليس من عند الله(٢) .
وذِكْرُ الله تعالى بسوء كذِكْرِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بطريق الأولى لكنّهم(٣) جعلوا إظهار الشرك ، وقولهم : إنّه ثالث ثلاثة ، ومعتقدهم في المسيح بمثابة إظهار الخمر والخنزير ، وقالوا : لا ينتقض العهد بها(٤) ، مع أنّ جميع ذلك يتضمّن ذِكْرِ الله تعالى بالسوء ، ولا يستمرّ ذلك إلّا على أنّ السوء الذي يتديّنون به لا ينتقض العهد به.
مسألة ٢٠٤ : حيث حكمنا بانتقاض العهد فهل يبلغهم المأمن؟ للشافعي قولان :
أحدهما : نعم ؛ لأنّهم دخلوا دار الإسلام بأمانٍ ، فيبلغون المأمن ، كمن دخل بأمان صبيٍّ.
وأصحّهما عندهم : المنع ، بل يتخيّر الإمام فيمن انتقض عهده بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء ؛ لأنّه كافر لا أمان له ، كالحربيّ ، بخلاف مَنْ أمّنه صبيُّ ، فإنّه يعتقد لنفسه أماناً ، وهنا فَعَل باختياره ما يوجب الانتقاض.
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٧.
(٣) في الطبعة الحجريّة وهامش « ك» : لكن.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٧.
والقولان فيما إذا انتقض الأمان بغير القتال ، فأمّا إذا نصبوا القتال ، صاروا حَرْباً في دار الإسلام ، فلا بدّ من استئصالهم(١) .
مسألة ٢٠٥ : المهادنة والموادعة والمعاهدة ألفاظ مترادفة معناها : وضع القتال وترك الحرب مدّة بعوضٍ وغير عوضٍ.
وهي جائزة بالنص والإجماع.
قال الله تعالى :( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٢) وقال تعالى :( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) (٣) وقال تعالى :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) (٤) .
وصالَح رسول اللهصلىاللهعليهوآله سُهيل بن عمرو بالحديبيّة على وضع القتال عشر سنين(٥) .
والإجماع واقع عليه ؛ لاشتداد الحاجة إليه.
ويشترط في صحّة عقد الذمّة اُمور أربعة :
الأوّل : أن يتولّاه الإمام أو مَنْ يأذن له ؛ لأنّه من الاُمور العظام ؛ لما
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٨ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٢ - ٧١٣ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٤٩ - ٥٥٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥١٧.
(٢) التوبة : ١.
(٣) التوبة : ٤.
(٤) الأنفال : ٦١.
(٥) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦١١ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٣٢ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٢٠٤ ، دلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٤٥ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٨٦ / ٢٧٦٦.
فيه من ترك الجهاد على الإطلاق أو في جهة من الجهات. ولأنّه لا بدّ فيه من رعاية مصلحة المسلمين والنظر لهم ، والإمام هو الذي يتولّى الاُمور العامّة.
هذا إذا كانت المهادنة مع الكفّار مطلقاً أو مع أهل إقليمٍ ، كالهند والروم.
ويجوز لوالي الإقليم المهادنة مع أهل قريةٍ أو بلدة تلي ذلك الإقليم للحاجة ، وكأنّه مأذون فيه بتفويض مصلحة الإقليم إليه.
فإن عقد المهادنة واحدٌ من المسلمين ، لم يصحّ ، فإن دخل قومٌ ممّن هادنهم دار الإسلام بناءً على ذلك العقد ، لم يُقرّوا ولكن يلحقون مأمنهم ؛ لأنّهم دخلوا على اعتقاد أمانٍ.
الثاني : أن يكون للمسلمين إليه حاجة ومصلحة إمّا لضعفهم عن المقاومة فينتظر الإمام قوّتهم ، وإمّا لرجاء إسلام المشركين ، وإمّا لبذل الجزية منهم والتزام أحكام الإسلام.
ولو لم تكن هناك مصلحة للمسلمين بأن يكون في المسلمين قوّة وفي المشركين ضعف ويخشى قوّتهم واجتماعهم إن لم يبادرهم بالقتال ، لم تجز له مهادنتهم ، بل يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا أهل كتاب.
قال الله تعالى :( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) (١) .
وإذا طلب الكفّار الهدنةَ ، فإن كان فيها مضرّة على المسلمين ، لم تجز إجابتهم ، وإن لم تكن ، لم تجب الإجابة أيضاً. ويجتهد الإمام ويحافظ على
____________________
(١) سورة محمد : ٣٥.
الأصلح من الإجابة والترك فيفعله ، بخلاف الجزية ؛ فإنّ الإجابة فيها واجبة.
الثالث : أن يخلو العقد عن شرطٍ فاسدٍ ، وهو حقّ كلّ عقد ، فإن عقدها الإمام على شرطٍ فاسدٍ ، مثل : أن يشترط ردّ النساء أو مهورهنّ ، أو ردّ السلاح المأخوذ منهم ، أو دفع المال إليهم مع عدم الضرورة الداعية إلى ذلك ، أو أنّ لهم نقض الهدنة متى شاؤا ، أو يشترط ردّ الصبيان أو الرجال ، أو أن لا ينزع اُسراء المسلمين من أيديهم ، أو يردّ إليهم المسلم الذي أسروه وأفْلَت(١) منهم ، أو شرط تَرْك مال مسلمٍ في أيديهم ، فهذه الشروط كلّها فاسدة يفسد بها عقد الهدنة ، كما يفسد عقد الذمّة باقتران الشروط الفاسدة به ، مثل : أن يشترط عدم التزام أحكام المسلمين في أهل الذمّة ، أو إظهار الخمور والخنازير ، أو يأخذ الجزية بأقلّ ما يجب عليهم ، أو على أن يقيموا بالحجاز ، أو يدخلوا الحرم. ويجب على مَنْ عقد معهم الصلح إبطالُه ونقضُه.
الرابع : المدّة. ويجب ذكر المدّة التي يهادنهم عليها. ولا يجوز له مهادنتهم مطلقاً ؛ لأنه يقتضي التأبيد ، والتأبيد باطل ، إلّا أن يشترط الإمام الخيار لنفسه في النقض متى شاء. وكذا لا يجوز إلى مدّة مجهولة ، وهذا أحد قولي الشافعيّة(٢) .
والثاني : أنّه إذا هادن مطلقاً ، نزّل الإطلاق عند ضعف المسلمين على عشر سنين(٣) .
وأمّا عند القوّة فقولان.
أحدهما : أنّه يحمل على أربعة أشهر ؛ تنزيلاً على الأقلّ.
____________________
(١) الإفلاتُ : التخلّص من الشيء فجْأةً. لسان العرب ٢ : ٦٦ « فلت ».
(٢ و ٣) الوجيز ٢ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢١.
والثاني على سنة ؛ تنزيلاً على الأكثر(١) .
واعترضه بعضهم بأنّه لا تجوز الهدنة مع القوّة إلى سنة بل أقلّ من سنة(٢) .
مسألة ٢٠٦ : إذا كان بالمسلمين قوّة ورأى الإمام المصلحة في المهادنة ، هادن أربعة أشهر فما دون إجماعاً.
قال الله تعالى :( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) (٣) .
ولا يجوز أن يهادن سنةً ؛ لأنّها مدّة الجزية ، ولا يُقرّر الكافر سنةً بغير جزية.
وفيما بين الأربعة الأشهر والسنة للشافعي قولان :
الجواز ؛ لأنّها مدة تقصر عن مدّة الجزية كالأربعة.
وأصحّهما عندهم : المنع ؛ لأنّ الله تعالى أمر بقتل المشركين(٤) مطلقاً ، وأذن في الهدنة أربعة أشهر(٥) (٦) .
وأمّا إذا كان في المسلمين ضعف ، فإنّه تجوز الزيادة على السنة بحسب الحاجة إلى عشر سنين ؛ فإن رسول اللهصلىاللهعليهوآله هادن قريشاً بالحديبيّة عشر سنين(٧) ، وكانعليهالسلام قد خرج ليعتمر لا ليقاتل ، وكان بمكّة
____________________
(١) الوجيز ٢ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ / ٥٥٨ روضة الطالبين ٧ : ٥٢١.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢١.
(٣) التوبة : ٢.
(٤) التوبة : ٥.
(٥) التوبة : ٢.
(٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٧١٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٥١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢١.
(٧) السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٣٢ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٢٠٤ ، تاريخ الطبري ٢ : ٦٣٤ ، المغني ١٠ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٧.
مستضعفون ، فأراد أن يكثروا ويظهر المسلمون ، فهادنهم حتى كثروا وأظهر مَنْ بمكّة إسلامه.
قال الشعبي : لم يكن في الإسلام فتحٌ قبل صلح الحديبيّة(١) .
ولا تجوز الزيادة على عشر سنين عند الشيخ(٢) وابن الجنيد - وبه قال الشافعي(٣) - فإن اقتضت الحاجة الزيادة ، استأنف عقداً.
وقال أبو حنيفة وأحمد : لا تتقدّر الزيادة بعشر ، بل تجوز بحسب ما يراه الإمام ؛ لأنّه عقد يجوز في العشر فجاز في الزيادة عليها ، كعقد الإجارة(٤) ولا بأس به.
وعلى الأوّل لو صالح على أكثر من عشر سنين ، بطل الزائد خاصّة ، وصحّ في العشر ، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني : يبطل العقد بناءً على تفريق الصفقة(٥) .
مسألة ٢٠٧ : إذا كان في المسلمين قوّة ، لم يجز للإمام أن يهادنهم أكثر من سنة إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) (٦) ويجوز إلى أربعة أشهر فما دون
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٧.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥١.
(٣) مختصر المزني : ٢٧٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٥١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦١ ، الوجيز ٢ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٧ ، الوسيط ٧ : ٩٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢١.
(٤) الاختيار لتعليل المختار ٤ : ١٩٠ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٩ ، المغني ١٠ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٧ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٦٦.
(٥) الوجيز ٢ : ٢٠٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٩ ، الوسيط ٧ : ٩١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢١.
(٦) التوبة : ٥.
إجماعاً.
وتردّد الشيخ في أكثر من أربعة أشهر وأقلّ من سنة ، ثمّ قال : والظاهر أنّه لا يجوز(١) .
وللشافعي قولان(٢) .
وإذا شرط مدّة معلومة ، لم يجز أن يشترط نقضها لمن شاء منهما ؛ لأنّه يُفضي إلى ضدّ المقصود.
وهل يجوز أن يشترط الإمام لنفسه دونهم؟ قال الشيخ(٣) وابن الجنيد : يجوز - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا فتح خيبر عنوةً بقي حصن منها ، فصالحوه على أن يُقرّهم ما أقرّهم الله تعالى ، ففعل(٥) .
ولأنّه عقد شُرّع لمصلحة المسلمين فيتبع مظانّ المصلحة.
وقال بعض العامّة : لا يجوز ؛ لأنّه عقد لازم ، فلا يجوز اشتراط نقضه ، كالبيع(٦) .
ونمنع الملازمة والحكم في الأصل ؛ فإن العقود اللازمة عندنا يدخلها الخيار ، وهذا نوع خيار.
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥١.
(٢) راجع المصادر في الهامش (٦) من ص ٣٥٥.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥١.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٥٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢١ ، المغني ١٠ : ٥٠٩ - ٥١٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٨.
(٥) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦٦٩ - ٦٧٠ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٥٢ ، دلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ٢٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦١ ، المغني ١٠ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٨ ، وانظر : صحيح البخاري ٣ : ٢٥٢ ، وسنن البيهقي ٩ : ٢٢٤ ، ومصابيح السنّة - للبغوي - ٣ : ١١٦ / ٣٠٩١.
(٦) المغني ١٠ : ٥١٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٨.
إذا ثبت هذا ، فلو شرط الإمام لهم أن يُقرّهم ما أقرّهم الله ، لم يجز ؛ لانقطاع الوحي بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، ويجوز أن يشترط أن يُقرّهم ما شاء.
مسألة ٢٠٨ : الهدنة ليست واجبةً على كلّ تقدير ، لكنّها جائزة ؛ لقوله تعالى :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) (١) بل المسلم يتخيّر في فعل ذلك برخصة قوله( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) وبما تقدّم(٣) ، وإن شاء ، قاتل حتى يلقى الله تعالى شهيداً [ عملاً ](٤) بقوله تعالى :( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ) (٥) وكذلك فَعَل مولانا الحسينعليهالسلام ، والنفر الذين وجّههم رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى هُذَيْل وكانوا عشرةً فقاتلوا مائةً حتى قُتلوا ولم يفْلت منهم أحدٌ إلّا خُبَيْب ، فإنّه أسر وقُتل بمكة(٦) .
وتجوز مهادنتهم على غير مالٍ إجماعاً ، وكذا على مالٍ يأخذه منهم إجماعاً.
أمّا لو [ صالحهم ](٧) على مالٍ يدفعه إليهم ، فإن كان لضرورةٍ ، مثل : أن يكون في أيدي المشركين أسير مسلم يُستهان به ويُستخدم ويُضرب ،
____________________
(١) الأنفال : ٦١.
(٢) البقرة : ١٩٥.
(٣) تقدّم في صدر المسألة ٢٠٥.
(٤) إضافة يقتضيها السياق.
(٥) البقرة : ١٩٠.
(٦) السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ١٧٨ - ١٨٢ ، تاريخ الطبري ٢ : ٥٣٨ - ٥٣٩ ، الكامل في التاريخ ٢ : ١٦٧ - ١٦٨.
(٧) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : صالحه. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
جاز للإمام بذل المال واستنقاذه ؛ للمصلحة ، وكذا لو كان المسلمون في حصنٍ وقد أحاط بهم المشركون وأشرفوا على الظفر ، أو كانوا خارجين من المصر وقد أحاط بهم العدوّ أو كان مستظهراً ، جاز بذل المال.
وإن لم تكن هناك ضرورة ، لم يجز بذل المال ، بل وجب القتال.
وهل يجب مع الضرورة بذل المال؟ إشكال ، وإذا بذل المال ، لم يملكه الآخذ ؛ لأنّه أخذه بغير حقّ.
ويجوز أن يهادنهم عند الحاجة على وضع شيء من حقوق المسلمين في أموال المهادنين ، وكذا لو رأى الإمام مع قوّته على العدوّ أن يضع بعض ما يجوز تملّكه من أموال المشركين بالقدرة عليهم حفظاً لأصحابه وتحرّزاً من دوائر الحروب ، جاز.
مسألة ٢٠٩ : إذا عقد الهدنة ، وجب عليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمّة ؛ لأنّه أمّنهم ممّن هو في قبضته وتحت يده ، كما أمَّن مَنْ في يده منهم ، فإنّ هذا فائدة العقد.
ولو أتلف مسلمٌ أو ذمّيٌّ عليهم شيئاً ، وجبت قيمته.
ولا تجب حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعضٍ ؛ لأنّ الهدنة هي التزام الكفّ عنهم فقط لا مساعدتهم على عدوّهم.
ولو أغار عليهم قومٌ من أهل الحرب فسبوهم ، لم يجب عليه استنقاذهم.
قال الشافعي : ليس للمسلمين شراؤهم ؛ لأنّهم في عهدهم(١) .
وقال أبو حنيفة : يجوز ؛ لأنّه لا يجب أن يدفع عنهم ولا يحرم
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥١٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٣.
استرقاقهم(١) .
مسألة ٢١٠ : لو شرط الإمام ردّ مَنْ جاء مسلماً من الرجال ، فجاء مسلم فأرادوا أخذه ، فإن كان ذا عشيرة وقوّة تحميه وتمنعه عن الافتتان والدخول في دينهم ، جاز ردّه إليهم ولا يمنعهم منه ؛ عملاً بالشرط ، وعدم الضرر عليه متحقّق ؛ إذ التقدير ذلك بمعنى أنّه لا يمنعهم من أخذه إذا جاءوا في طلبه ، ولا يُجبره الإمام على المضيّ معهم ، وله أن يأمره في السرّ بالهرب منهم ومقاتلتهم.
وإن كان مستضعفاً لا يؤمن عليه الفتنة ، لم تجز إعادته عندنا ، وبه قال الشافعي(٢) .
وقال أحمد : تجوز(٣) .
وهو غلط ، ولهذا لم نوجب على مَنْ له قوّة على إظهار دينه وإظهار شعائر الإسلام المهاجرةَ عن بلاد الشرك ، وأوجبناها على المستضعف.
ولو شرط في الصلح ردّ الرجال مطلقاً ، لم يجز ؛ لأنّه يتناول مَنْ لا يُؤمن افتتانه ومَنْ يُؤمن.
ولو جاء صبي ووصف الإسلام ، لم يردّ ؛ لأنّه لا يُؤمن افتتانه عند بلوغه. وكذا لو قدم مجنون.
فإذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون ، فإن وصفا الإسلام ، كانا مع(٤) المسلمين ، وإن وصفا الكفر ، فإن كان كفراً لا يُقرّ أهله عليه ، اُلزما الإسلام
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥١٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٣.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٩ ، المغني ١٠ : ٥١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧١.
(٣) المغني ١٠ : ٥١٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧١.
(٤) في الطبعة الحجريّة : « من » بدل « مع ».
أو الردّ إلى مأمنهما. وإن كان ممّا يقرّ أهله عليه ، ألزمناهما بالإسلام أو الجزية أو الردّ إلى مأمنهما.
ولو جاء عَبْدٌ ، حكمنا بحُرّيّته ؛ لأنّه قَهَر مولاه على نفسه. ولو جاء سيّده ، لم يُردّ عليه ؛ لأنّه مستضعف لا يؤمن عليه الافتتان ، ولا يردّ عليه قيمته.
وللشافعي في ردّ القيمة قولان(١) .
مسألة ٢١١ : لا يجوز ردّ النساء المهاجرات إلينا عليهم مطلقاً إجماعاً ؛ لقوله تعالى :( إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ - إلى قوله -فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ ) (٢)
وسبب ذلك أنّ اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمةً ، فجاء أخواها يطلبانها ، فأنزل الله هذه الآية ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « إنّ الله منع الصلح »(٣) .
إذا عرفت هذا ، فلو صالحناهم على ردّ مَنْ جاء من النساء مسلمةً ، كان الصلح باطلاً. والفرق بينها وبين الرجل من وجوه :
الأوّل : لا يؤمن أن يزوّجها وليّها بكافر فينالها.
الثاني : لا تؤمن ؛ لضعف عقلها من الافتتان في دينها.
الثالث : عجزها عن الهرب والنجاة بنفسها لو طلبته.
وإذا طلبت امرأة أو صبيّة مسلمة الخروج من عند الكفّار ، جاز لكلّ
____________________
(١) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٦.
(٢) الممتحنة : ١٠.
(٣) المهذّب - : للشيرازي - ٢ : ٢٦١ ، المغني ١٠ : ٥١٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦٩ ، وانظر : المغازي - للواقدي - ٢ : ٦٣١ ، والسيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٤٠ ، ودلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٧١ ، والجامع لأحكام القرآن ١٨ : ٦١.
مسلم(١) إخراجها ، وتعيّن عليه ذلك مع المكنة ؛ لما فيه من استنقاذ المسلم.
مسألة ٢١٢ : إذا عقد الإمام الهدنة اليوم فإمّا أن يشترط فيه أن لا ردّ لمن جاء مسلماً ، أو يطلق ، أو يشترط الردّ.
فإن شرط عدم الردّ ، فلا ردّ ولا غُرْم. وكذا لو خصّص النساء بعدم الردّ.
وإن أطلق ولم يشترط الردّ ولا عدمه ثمّ جاءت امرأة مسلمة منهم أو جاءت كافرة ثمّ أسلمت ، لم يجز ردّها إجماعاً. ثمّ إن جاء أبوها أو جدّها أو أخوها أو أحد أقاربها يطلبها ، لم تدفع إليه ؛ لقوله تعالى :( فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ ) (٢) .
ولو طلب أحدهم مهرها ، لم يدفع إليه.
ولو جاء زوجها أو وكيله يطلبها ، لم تردّ إليه إجماعاً.
وإن طلب(٣) مهرها ولم يكن قد سلّمه إليها ، فلا شيء له إجماعاً.
وإن كان قد سلّمه ، ردّ عليه ما دفعه(٤) ، عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي(٥) - لقوله تعالى :( وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ) (٦) والمراد منه الصداق ،
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « مؤمن » بدل « مسلم ».
(٢) الممتحنة : ١٠.
(٣) في الطبعة الحجريّة : طالب.
(٤) في الطبعة الحجريّة : قد دفعه.
(٥) مختصر المزني : ٢٧٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦١ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤ ، المغني ١٠ : ٥١٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٠ ، الجامع لأحكام القرآن ١٨ : ٦٤.
(٦) الممتحنة : ١٠.
وأيضاً فإنّ البُضْع متقوّم وهو حقّه ، فإذا حُلْنا بينه وبين حقّه ، لزمنا بدله.
والثاني : لا يردّ عليه - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني - لأنّ بُضْع المرأة ليس بمالٍ ، فلا يدخل في الأمان ، ولهذا لو عقد الرجل الأمان لنفسه ، دخل فيه أمواله ، ولا يدخل فيه زوجته(١) .
وهو قياس ضعيف في مقابلة النصّ فلا يُسمع ، خصوصاً مع تأكّد النصّ بعملهعليهالسلام ، فإنّه ردّ مهر من جاءت مسلمة في صلح الحديبيّة(٢) .
وإن شرط الردّ لمن جاء منهم إليهم ، لم يجب(٣) الردّ ، ووجب الغُرْم لما أنفق من المهر.
وللشافعي قولان(٤) أيضاً.
مسألة ٢١٣ : إنّما يجب أن يردّ عليه ما دفعه من المهر لو قدمت المرأة إلى بلد الإمام أو بلد خليفته ومَنَع من ردّها ، فأمّا إذا قدمت إلى غير بلدهما ، وجب على المسلمين منعه من أخذها ؛ لأنّه من الأمر بالمعروف.
فإذا منع غير الإمام وغير خليفته من ردّها ، لم يلزم الإمام أن يعطيهم شيئاً ، سواء كان المانع من ردّها العامّة أو رجال الإمام ؛ لأنّ البدل يعطيه الإمام من المصالح ولا تصرّف لغير الإمام وخليفته فيه.
____________________
(١) مختصر المزني : ٢٧٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦١ و ٣٦٢ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٦٨ ، المغني ١٠ : ٥١٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٠ ، الجامع لأحكام القرآن ١٨ : ٦٤.
(٢) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦٣١ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٤١ ، صحيح البخاري ٣ : ٢٥٨ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٢٨.
(٣) في « ق ، ك» : لم يجز.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤.
ولو سمّى مهراً فاسداً وأقبضها إيّاه كخمرٍ أو خنزيرٍ ، لم تكن له المطالبة به ولا بقيمته ؛ لأنّه ليس بمالٍ ولا قيمة له في شرعنا.
والمغروم هو الذي دفعه الزوج من صداقها ، وهو قول أكثر الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : المغروم الأقلُّ من مَهْر مِثْلها و [ ما بَذَله ](٢) فإن كان مهر المثل أقلّ ، فالزيادة كالموهوب ، وإن كان المبذول أقلّ ، فهو الذي فات عليه(٣) .
ولو لم يدفع إلّا بعضه ، لم يستحقّ إلّا ذلك القدر.
ولو كان أعطاها أكثر ممّا أصدقها أو أهدى إليها هديّةً أو أنفق في العُرْس أو أكرمها بمتاع ، لم يجب ردّه ؛ لأنّه تطوّع به ، فلا يردّ عليه. ولأنّ هذا ليس ببدل عن البُضْع الذي حِيل بينه وبينه ، إنّما هو هبة محضة ، فلا يرجع بها ، كما لا يستحقّ ردّ ما أطعمها.
مسألة ٢١٤ : لو قدمت مسلمة إلى الإمام فجاء رجل وادّعى أنّها زوجته ، فإن اعترفت له بالنكاح ، ثبت ، وإن أنكرت ، كان عليه إقامة البيّنة : شاهدان مسلمان عدلان ، ولا يُقبل شاهد وامرأتان ، ولا شاهد ويمين ؛ لأنه نكاح ، فلا يثبت إلّا بذَكَرَيْن.
فإذا ثبت النكاح بالبيّنة أو باعترافها فادّعى أنّه سلّم إليها المهر ، فإن
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : بدله. وما أثبتناه يقتضيه السياق وكما في العزيز شرح الوجيز ، ويؤيّده عبارة الحاوي والروضة.
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٤ - ٣٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤.
صدّقته ، ثبت له ، وإن أنكرت ، كان عليه البيّنة ، ويُقبل فيه شاهد وامرأتان ، وشاهد ويمين ؛ لأنّه مال ، ولا يُقبل قول الكفّار في البابين وإن كثروا.
فإن لم تكن له بيّنة ، كان القول قولها مع اليمين.
ولا يثبت الغُرْم بمجرّد قوله : دفعت إليها صداقها أو كذا من صداقها ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .
وقال بعضهم : لا يمين عليها ؛ لأنّ الصداق على غيرها(٢) .
وقال بعضهم : يتفحّص الإمام عن مَهْر مِثْلها ، وقد يمكن معرفته من تجّار المسلمين الذين دخلوا دار الحرب ، و(٣) من الاُسارى ، ثمّ يحلف الرجل أنّه أصدقها ذلك القدر ، وسلّمه(٤) .
وقال بعض الشافعيّة : لو ادّعى الدفع وصدّقته ، لم يعتمد على قولها ولا يجعل حجّة علينا(٥) .
وقال بعضهم : إقرارها بمثابة البيّنة(٦) .
مسألة ٢١٥ : لو قدمت مجنونة ، فإن كانت قد أسلمت قبل جنونها وقدمت ، لم تُردّ ، ويردّ مهرها ؛ لأنّها بحكم العاقلة في تفويت بُضْعها.
وإن كانت قد وصفت الإسلام وأشكل علينا هل كان إسلامها حال عقلها أو جنونها؟ فإنّها لا تُردّ أيضاً ؛ لاحتمال أن تكون قد وصفت الإسلام وهي مجنونة ، فإن أفاقت فأقرّت بالإسلام ، ردّ مهرها عليه ، وإن أقرّت بالكفر ، رُدّت عليه.
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤.
(٣) في « ق ، ك » : « أو » بدل « و ».
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٤ - ٥٢٥.
(٥ و ٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٧ - ٥٦٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٥.
ولو جاءت مجنونة ولم يُخبر عنها بشيء ، لم تُردّ عليه ؛ لأنّ الظاهر أنّها إنّما جاءت إلى دار الإسلام لأنّها أسلمت ، ولا يُردّ مهرها ؛ للشكّ ، فيجوز أن تُفيق وتقول : إنّها لم تزل كافرة ، فتُردّ حينئذٍ ، فينبغي أن يُتوقّف عن ردّها حتى تُفيق ويتبيّن أمرها.
فإن أفاقت ، سُئلت ، فإن ذكرتْ أنّها أسلمت ، اُعطي المهر ومُنع منها ، وإن ذكرتْ أنّها لم تزل كافرة ، رُدّت عليه.
وينبغي أن يحال بينه وبينها حال جنونها ؛ لجواز أن تُفيق فيصدّها عن الإسلام في أوّل زمان إفاقتها.
ولو جاءت صغيرة ووصفت الإسلام ، لم تُردّ إليهم ؛ لئلّا تفتن عند بلوغها عن الإسلام. ولا يجب ردّ المهر بل يتوقّف عن ردّه حتى تبلغ ، فإن بلغت وأقامت على الإسلام ، ردّ المهر ، وان لم تقم ، ردّت هي وحدها - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّ إسلامها غير محكوم بصحّته. وإن قلنا بصحّة إسلام الصبي ، فظاهر ، فلا يجب ردّ مهرها ، كالمجنونة إذا لم يعلم إسلامها حال إفاقتها أو حال جنونها ، فيحافظ على حرمة الكلمة.
والثاني للشافعي : أنّه يجب ردّ مهرها ، لأنّ وصفها بالإسلام يمنع من ردّها ، فوجب ردّ مهرها ، كالبالغة.
ثمّ فرّق بينها وبين المجنونة : بأنّ المنع في المجنونة ، للشكّ في إسلامها ، وفي الصغيرة ، لوصف الإسلام(٢) .
ونمنع ذلك ؛ فإنّ وصف الإسلام لا يحكم به فيها ، وإنّما منعناه منها ؛ للشكّ في ثباتها عليه بعد بلوغها ، فإذا بلغَتْ فإن ثبتت على الإسلام ، رددنا
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٠.
مهرها ، وإن وصفَتْ الكفر ، رددناها.
مسألة ٢١٦ : لو قدمت أمة مسلمة إلى الإمام ، صارت حُرّةً ؛ لأنّها قهرَتْ مولاها على نفسها ، فزال ملكه عنها ، كما لو قهر عبدٌ حربيٌّ سيّدَه الحربيّ ، فإنّه يصير حُرّاً. والهدنة إنّما تمنع مَنْ في قبضة الإمام من المسلمين وأهل الذمّة.
فإن جاء سيّدها يطلبها ، لم تُدفع إليه ؛ لأنّها صارت حُرّةً ، ولأنّها مسلمة. ولا يجب أيضا ردّ قيمتها ، كالحرّة في الأصل ، وهو أحد قولي الشافعي(١) .
والثاني : تُردّ قيمتها عليه ؛ لأنّ الهدنة اقتضت ردّ أموالهم عليهم ، وهذه من أموالهم ، فعلى هذا تُردّ على السيّد قيمتها لا ما اشتراها به(٢) .
فإن جاء زوجها يطلبها ، لم تردّ عليه ؛ لما مضى. وإن طلب مهرها ، فإن كان حُرّاً ، رُدّ عليه ، وان كان عبداً ، لم يُدفع إليه المهر حتى يحضر مولاه فيطالب به ؛ لأنّ المال حقٌّ له.
ولو حضر السيّد دون العبد ، لم يدفع إليه شيء ؛ لأنّ المهر يجب للحيلولة بينها وبين الزوج ، فإذا حضر الزوج وطالَب ، ثبت المهر للمولى ، فيعتبر حضورهما معاً.
ولو أسلمَتْ ثمّ فارقَتْهم ، قال بعض الشافعيّة : لا تصير حُرّةً ؛ لأنّهم في أمانٍ [ منّا ](٣) فأموالهم محظورة علينا ، فلا يزول الملك عنها بالهجرة ،
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٧.
(٢) الوجيز ٢ : ٢٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٧.
(٣) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : منها ، وذلك تصحيف.
بخلاف ما إذا هاجرَتْ ثمّ أسلمَتْ ؛ فإنّ الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض ، فجاز أن تملك نفسها بالقهر(١) .
ولم يتعرّض أكثرهم لهذا التفصيل ، وأطلق الحكم بالعتق وإن أسلمَتْ ثمّ فارقَتْهم ؛ لأنّ الهدنة جرَتْ معنا ولم تَجْرِ معها(٢) .
إذا عرفت هذا ، فنقول : إن أوجبنا غرامة المهر والقيمة ، نُظر ، فإن حضر الزوج والسيّد معاً ، أخذ كلّ واحد منهما حقَّه ، وإن جاء أحدهما دون الآخر ، احتُمل أنّا لا نغرم شيئاً ؛ لأنّ حقّ الردّ مشترك بينهما ولم يتمّ الطلب ، وأنّه نغرم حقّ الطالب ؛ لأنّ كلّ واحد من الحقّين متميّز عن الآخر ، وأنّا نغرم للسيّد إن تفرّد بالطلب ، ولا نغرم للزوج. والفرق أنّ حقّ اليد في الأمة المزوّجة للسيّد ، فإنّه له أن يسافر بها ، وإذا لم ينفرد الزوج باليد ، لم يؤثّر طلبه على الانفراد.
وللشافعيّة ثلاثة أقوال(٣) كالاحتمالات.
ولو كان زوج الأمة عبداً ، فلها خيار الفسخ إذا [ عُتقت ](٤) فإن فسخت النكاح ، لم يغرم المهر ؛ لأنّ الحيلولة حصلت بالفسخ ، وإن لم تفسخ ، غرم المهر.
ولابدّ من حضور السيّد والزوج معاً وطلبِ الزوج المرأةَ والسيّد المهرَ ، فإن انفرد أحدهما ، لم يغرم ؛ لأنّ البُضْع ليس ملْكَ السيّد ، والمهر غير مملوك للعبد.
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٧.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٧.
(٤) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : عقدت. وهو تصحيف ما أثبتناه.
مسألة ٢١٧ : لو قدمت مسلمة ثمّ ارتدّت ، وجب عليها أن تتوب ، فإن لم تفعل ، حُبست دائماً ، وضُربت أوقات الصلوات ، عندنا ، وقُتلت ، عند العامّة على ما سيأتي.
فإن جاء زوجها وطلبها ، لم تردّ عليه ؛ لأنّه حكم لها بالإسلام أوّلاً ثمّ ارتدّت ، فوجب حبسها ، ويردّ عليه مهرها ، لأنّه حُلْنا بينه وبينها بالحبس.
وعند العامّة إن جاء قبل القتل ، ردّ عليه مهرها ؛ للحيلولة بينه وبينها بالقتل ، وإن جاء بعد قتلها ، لم يردّ عليه شيء ؛ لأنّا لم نَحُلْ بينه وبينها عند طلبه لها(١) .
ولو ماتت مسلمةً قبل الطلب ، فلا غرم ؛ لأنّه لا منع بعد الطلب. وكذا لو مات الزوج قبل طلبها ؛ لأنّ الحيلولة حصلت بالموت لا الإسلام.
ولو مات أحدهما بعد المطالبة ، وجب ردّ المهر عليه ؛ لأنّ الموت حصل بعد الحيلولة ، فإن كانت هي الميّتةَ ، ردّ المهر عليه ، وإن كان هو الميّتَ ، ردّ المهر على ورثته.
ولو قُتلت قبل الطلب ، فلا غرم ، كما لو ماتت ، وإن قُتلت بعده ، ثبت الغرم.
ثمّ قال الجُويني : إنّ الغرم على القاتل ، لأنّه المانع بالقتل(٢) .
وفصَّل بعضهم بأنّه إن قَتَلها على الاتّصال بالطلب ، فالحكم ما ذكره ، وإن تأخّر القتل ، فقد استقرّ الغُرم علينا بالمنع ، فلا أثر للقتل بعده ، وفي الحالين لا حقّ للزوج فيما على القاتل من القصاص أو الدية ، لأنّه
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٦.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٨.
لا يرثها(١) .
ولو جرحها جارحٌ قبل الطلب ثمّ طلبها الزوج وقد انتهت إلى حركة المذبوحين ، فهو كالطلب بعد الموت.
وإن بقيت فيها حياة مستقرّة ، فالغُرم على الجارح ؛ لأنّ فواتها يستند إلى الجرح ، أو في بيت المال ؛ لحصول المنع في الحياة؟ للشافعيّة وجهان ، أصحّهما : الثاني ، ولا يسقط الغُرم(٢) .
ولو طلّقها الزوج بعد قدومها مسلمةً ، فإن كان بائناً أو خُلْعاً قبل المطالبة ، لم يجب ردّ المهر إليه ؛ لأنّ الحيلولة منه بالطلاق لا بالإسلام ، فقد تركها باختياره ، وإن كان بعد المطالبة ، ردّ إليه ، لأنه قد استقرّ المهر له بالمطالبة والحيلولة.
وإن كان رجعيّاً ، لم يكن له المطالبة بالمهر ؛ لأنّه أجراها إلى البينونة ، أمّا لو راجعها ، فإنّه يردّ عليه المهر مع المطالبة ؛ لأنّ له الرجعة في الرجعي ، وإنّما حال بينهما الإسلام.
ولو ملكها بشرط أن تطلّق نفسها على الفور ، فكالطلاق البائن.
وقال بعض الشافعيّة : إنّه لو طلّقها رجعيّاً ، استحقّ المهر بمجرّد الطلب من غير رجعة ؛ لأنّ الرجعة فاسدة ، فلا معنى لاشتراطها(٣) .
وهو ممنوعٌ ؛ لتضمّن الرجعة قصد الإمساك وإن كانت رجعة الكافر للمسلمة باطلةً.
مسألة ٢١٨ : لو جاءت امرأة مسلمة ثمّ جاء زوجها وأسلم ، نُظر ، فإن أسلم قبل انقضاء عدّتها ، كان على النكاح ؛ لأنّ امرأةً مجوسيّة أسلمت قبل
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧١ - ٥٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٨.
(٢ و ٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٨.
زوجها ، فقال عليعليهالسلام : « أتسلم؟ » قال : لا ، ففرّق بينهما ، ثمّ قال : « إن أسلمْتَ قبل انقضاء عدّتها فهي امرأتك ، وإن انقضت عدّتها قبل أن تسلم ثمّ أسلمْتَ فأنت خاطب من الخطّاب »(١) .
إذا عرفت هذا ، فإن كان قد أخذ مهرها قبل إسلامه ثمّ أسلم في العدة ، رُدّت إليه ، ووجب عليه ردّ مهرها إليها ؛ لأنّ استحقاقه للمهر إنّما كان بسبب الحيلولة وقد زالت.
ولو أسلم بعد انقضاء عدّتها ، لم يجمع بينهما وبانت منه.
ثمّ إن كان قد طالَب بالمهر قبل انقضاء عدّتها ، كان له المطالبة ؛ لأنّ الحيلولة حصلت قبل إسلامه. فإن لم يكن طالَب قبل انقضاء العدّة ، لم يكن له المطالبة بالمهر ؛ لأنّه التزم حكم الإسلام ، وليس من حكم الإسلام المطالبة بالمهر بعد البينونة.
ولو كانت غيرَ مدخول بها وأسلمت ثمّ أسلم ، لم يكن له المطالبة بمهرها ؛ لأنّه أسلم بعد البينونة ، وحكم الإسلام يمنع من وجوب المطالبة في هذه الحالة.
مسألة ٢١٩ : كلّ موضع يجب فيه الردّ فإنّه يجب ردّ أقلّ الأمرين من المسمّى في العقد والمقبوض ، فإن كان المقبوض أقلَّ من المسمّى ، لم تجب الزيادة على ما دَفَعه ؛ لقوله تعالى :( وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ) (٢) وإن كان المقبوض أكثر ، كان الزائد هبةً ، فلا يجب ردّها.
فإن اختلفا في المقبوض ، كان القول قولها مع اليمين وعدم البيّنة.
قال الشيخرحمهالله : فإن أعطيناه المهر لما ذكرناه فقامت البيّنة بأنّ
____________________
(١) التهذيب ٧ : ٣٠١ / ١٢٥٧ ، الإستبصار ٣ : ١٨٢ / ٦٦١.
(٢) الممتحنة : ١٠.
المقبوض كان أكثر ، كان له الرجوع بالفضل(١) .
وفي هذا الإطلاق نظر ؛ فإنّا لو دفعنا ما اعترفت به المرأة مع اليمين ، لم يكن له الرجوع بشيء.
الأوّل : كلّ موضع حكمنا بوجوب ردّ المهر فإنّه يكون من بيت مال المسلمين الـمُعدّ للمصالح ؛ لأنّ ذلك من مصالح المسلمين.
وللشافعيّة قولان ، أحدهما : محلّ الغرم خُمْس الخُمْس الـمُعدّ للمصالح. والثاني : إن كان للمرأة مال ، اُخذ منها(٢) .
الثاني : لو شرطنا في الصلح ردّ مَنْ جاء مطلقاً ، لم يصحّ على ما تقدّم. فإذا بطل ، لم يردّ مَنْ جاءنا منهم ، رجلاً كان أو امرأةً ، ولا يردّ البدل عنها بحال ؛ لأنّ البدل استحقّ بشرط ، وهو مفقود هنا ، كما لو جاءنا من غير هدنة.
مسألة ٢٢٠ : لو قدم إلينا عبد فأسلم ، صار حُرّاً ، فإذا جاء سيّدُه يطلبه ، لم يجب ردّه ولا ردّ ثمنه ؛ لأنّه صار حُرّاً بالإسلام ، ولا دليل على وجوب ردّ ثمنه.
وإذا عقد الإمام الهدنة ثمّ مات ، وجب على مَنْ بعده من الأئمّة العملُ بموجب ما شرطه الأوّل إلى أن يخرج مدّة الهدنة ، ولا نعلم فيه خلافاً ، لأنّه معصوم فَعَل مصلحةً ، فوجب على القائم بعده تقريرها إلى وقت خروج
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥٥.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٥.
مدّتها.
وإذا نزل الإمام على بلدٍ وعقد معهم صلحاً على أن يكون البلد لهم ويضرب على أرضهم خراجاً يكون بقدر الجزية ويلتزمون أحكامنا ويُجريها عليهم ، كان ذلك جائزاً ، ويكون ذلك في الحقيقة جزيةً ، فإذا أسلم واحد منهم ، سقط عنه ما ضرب على أرضه من الصلح ، وصارت الأرض عُشريّة ؛ لأنّ الإسلام يُسقط الجزية.
ولو شرط عليهم أن يأخذ منهم العُشْر من زرعهم على أنّه متى(١) قصر ذلك عن أقلّ ما تقتضي المصلحة أن يكون جزيةً ، كان جائزاً ، فإن غلب في ظنّه أنّ العُشْر لا يفي بما توجبه المصلحة من الجزية ، لا يجوز أن يعقد عليه.
وإن أطلق ولا يغلب على ظنّه الزيادة والنقصان ، قال الشيخ : الظاهر من المذهب جوازه ؛ لأنّه من فروض الإمام ، فإذا فَعَله ، كان صحيحاً ؛ لأنّه معصوم(٢) .
مسألة ٢٢١ : إذا فسد عقد الهدنة إمّا لزيادة في المدّة أو التزام المال أو غيرهما ، لم يمض ، ووجب نقضه ، لكن لا يجوز اغتيالهم ، بل يجب إنذارهم وإعلامهم أوّلاً. وإذا وقع صحيحاً ، وجب الوفاء بالكفّ عنهم إلى انقضاء المدّة أو صدور خيانة(٣) منهم تقتضي الانتقاض.
ولو عقد نائب الإمام عقداً فاسداً ، كان على مَنْ بعده نقضه.
وقال بعض الشافعيّة : إن كان فساده من طريق الاجتهاد ، لم يفسخه ،
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : « إن » بدل « متى ».
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥٦.
(٣) في « ق ، ك » : جناية.
وإن كان بنصٌّ أو إجماعٍ ، فسخه(١) .
وينبغي للإمام إذا عاهد أن يكتب كتاباً يُشْهد عليه على عقد الهدنة ليعمل به مَنْ بعده. ولا بأس أن يقول فيه : لكم ذمّة الله وذمّة رسوله وذمّتي. ومهما صرحوا بنقض العهد وقاتلوا المسلمين أو آووا عيناً عليهم أو كاتبوا أهل الحرب بأخبارهم أو قتلوا مسلماً أو أخذوا مالاً ، فقد انتقض عهدهم.
مسألة ٢٢٢ : إذا انتقل ذمّيٌّ تُقبل منه الجزية - كاليهودي أو النصراني أو المجوسي - إلى دينٍ يُقرّ أهله عليه بالجزية ، كاليهودي يصير نصرانيّاً أو مجوسيّاً ، أو(٢) بالعكس ، لعلمائنا قولان :
أحدهما : أنّه يُقبل منه ذلك ، ولا يجب قتله ، بل يجوز إقراره بالجزية ؛ لأنّ الكفر كالملّة الواحدة.
والثاني : لا يُقرّ ؛ لقولهعليهالسلام : « مَنْ بدّل ديناً فاقتلوه »(٣) ولقوله تعالى :( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (٤) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٢.
(٢) في « ق » : « و » بدل « أو ».
(٣) صحيح البخاري ٤ : ٧٥ ، المستدرك - للحاكم - ٣ : ٥٣٨ - ٥٣٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٤٨ / ٢٥٣٥ ، سنن أبي داوُد ٤ : ١٢٦ / ٤٣٥١ ، سنن الترمذي ٤ : ٥٩ / ١٤٥٨ ، سنن النسائي ٧ : ١٠٤ ، سنن الدار قطني ٣ : ١٠٨ - ٩٠ ، مسند أبي داوُد الطيالسي : ٣٥٠ / ٢٦٨٩ ، مسند أحمد ١ : ٣٥٨ / ١٨٧٤ ، و ٤٦٥ - ٤٦٦ / ٢٥٤٧ و ٢٥٤٨. وفيها جميعا : « من بدّل دينه ».
(٤) آل عمران : ٨٥.
فعلى الأوّل قال الشيخ : لو انتقل إلى بعض المذاهب ، اُقرّ على جميع أحكامه. وإن انتقل إلى المجوسيّة ، فمثل ذلك غير أنّا على أصلنا لا نجوّز مناكحتهم بحال ولا أكل ذبائحهم. ومَنْ أجاز أكل ذبائحهم من أصحابنا ينبغي أن يقول : إن انتقل إلى اليهوديّة أو النصرانيّة(١) ، أكلت ذبيحته ، وإن انتقل إلى المجوسيّة ، لا تؤكل ولا يناكح.
قال : وإذا قلنا : لا يُقرّ على ذلك - وهو الأقوى عندي - فإنّه يصير مرتدّاً عن دينه(٢) .
تذنيب : إذا قلنا : لا يُقرّ عليه ، فبأيّ شيء يُطالب؟
منهم مَنْ يقول : إنّه يُطالب بالإسلام لا غير ؛ لاعترافه ببطلان ما كان عليه ، وما عدا دين الإسلام باطل ، فلا يُقرّ عليه(٣) .
ومنهم مَنْ يقول : إنّه يُطالب بالإسلام أو بدينه الأوّل(٤) .
وقوّى الشيخرحمهالله الأوّل(٥) . فعليه إن لم يرجع إلّا إلى دينه الأوّل ، قُتل ، ولم ينفذ إلى دار الحرب ، لما فيه من تقوية أهل الحرب.
ولو انتقل مَنْ لا يُقرّ على دينه إلى دين مَنْ يُقرّ أهله عليه ، كالوثني ينتقل إلى التهوّد أو التنصّر ، الأقوى : ثبوت الخلاف السابق فيه.
ولو انتقل الذمّيّ إلى دينٍ لا يُقرّ أهله عليه ، لم يُقرّ عليه إجماعاً.
وما الذي يقبل منه؟ قيل : لا يُقبل منه إلّا الإسلام(٦) - وقوّاه الشيخ(٧) -
____________________
(١) في « ق ، ك » والمصدر : والنصرانيّة.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥٧.
(٣ و ٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٥٥.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥٧.
(٦) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٧٧.
(٧) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥٧.
للآية(١) والخبر(٢) .
وقيل : يُقبل منه الإسلام أو الدين الذي كان عليه ؛ لأنّه انتقل من دينٍ يُقرّ أهله عليه إلى ما لا يُقرّ أهله عليه ، فيُقبل منه(٣) .
واستبعده ابن الجنيد وقال : لا يُقبل منه إلّا الإسلام ؛ لأنّه بدخوله فيما لا يجوز إقراره عليه قد أباح دمه ، وصار حكمه حكم المرتدّ.
وقيل : يُقبل منه الإسلام ، أو الرجوع إلى دينه الأوّل ، أو الانتقال إلى دينٍ يُقرّ أهله عليه ؛ لأنّ الأديان المخالفة لدين الإسلام ملّة واحدة ؛ لأنّ جميعها كفر. وهو الأظهر عند الشافعيّة(٤) .
قال الشيخرحمهالله : وأمّا أولاده : فإن كانوا كباراً ، اُقرّوا على دينهم ، ولهم حكم نفوسهم ، وإن كانوا صغاراً ، نُظر في الاُمّ ، فإن كانت على دينٍ يُقرّ أهله عليه ببذل الجزية ، أقرّ ولده الصغير في دار الإسلام ، سواء ماتت الأمّ أو لم تمت ، وإن كانت على دين لا يقرّ أهله عليه ، كالوثنيّة وغيرها ، فإنّهم يقرّون أيضاً ، لما سبق لهم من الذمّة ، والاُمّ لا يجب عليها القتل(٥) .
مسألة ٢٢٣ : إذا عقد الإمام الهدنة ، وجب عليه الوفاء بما عقده ما لم ينقضوها بلا خلافٍ نعلمه ؛ لقوله تعالى :( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (٦) وقال تعالى :( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) (٧) .
____________________
(١) آل عمران : ٨٥.
(٢) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٣٧٤ ، الهامش (٣)
(٣ و ٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٧٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٥٥ ، حلية العلماء ٦ : ٤٣٤ - ٤٣٥.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٥٧ - ٥٨.
(٦) المائدة : ١.
(٧) التوبة : ٤.
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « مَنْ كان بينه وبين قوم عهدٌ فلا يشدّ عقدة ولا يحلّها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء »(١) .
ولو شرع المشركون في نقض العهد ، فإن نقض الجميع ، وجب قتالهم ؛ لقوله تعالى :( فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) (٢) .
وإن نقض بعضٌ ، نُظر فإن أنكر عليهم الباقون بقولٍ أو فعلٍ ظاهر ، أو اعتزلوهم أو راسلوا الإمام بأنّا منكرون لفعلهم مقيمون على العهد ، كان العهد(٣) باقياً في حقّه.
وإن سكتوا على ما فعل الناقضون ولم يوجد إنكار ولا تبرٍّ من ذلك ، كانوا كلّهم ناقضين للعهد ؛ لأنّ سكوتهم دالٌّ على الرضا به ، كما لو عقد بعضهم الهدنة وسكت الباقون ، دلّ على رضاهم ، كذا هنا.
فإذا نقض الجميع ، غزاهم الإمام وبيَّتهم وأغار عليهم ، ويصيروا أهل حرب ليس لهم عقد هدنة. وإن كان من بعضٍ ، غزا الإمام الناقضين دون الباقين على العهد. ولو كانوا ممتزجين ، أمَرَهم الإمام بالتمييز ليأخذ مَنْ نقض. ولو لم يتميّزوا فمن اعترف بأنّه نَقَض ، قَتَله ، ومَنْ لم يعترف بذلك ، لم يقتله وقَبِل قوله ؛ لتعذّر معرفته إلّا منه.
ولو نقضوا العهد ثمّ تابوا عنه ، قال ابن الجنيد : أرى القبول منهم.
مسألة ٢٢٤ : لو خاف الإمام من خيانة المهادنين وغدرهم بسبب أو أمارة دلّته على ذلك ، جاز له نقض العهد.
____________________
(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٨٣ / ٢٧٥٩ ، سنن البيهقي ٩ : ٢٣١ ، مسند أحمد ٥ : ٥٢٢ / ١٨٩٤٣.
(٢) التوبة : ٧.
(٣) في « ق ، ك» : « العقد » بدل « العهد ».
قال الله تعالى :( وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ) (١) يعني أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهُمْ سواءً في العلم.
ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدلّ على ما خافه.
ولا تنتقض الهدنة بنفس الخوف ، بل للإمام نقضها ، وهذا بخلاف الذمّي إذا خيف منه الخيانة ، فإن عقد الذمّة لا ينتقض بذلك ؛ لأنّ عقد الذمّة يعقد لحقّ أهل الكتاب ، ولهذا يجب على الإمام إجابتهم عليه ، وعقد الهدنة والأمان لمصلحة المسلمين لا لحقّهم ، فافترقا.
ولأن عقد الذمّة آكد ؛ لأنّه عقد معاوضة ومؤبَّد ، بخلاف الهدنة والأمان ، ولهذا لو نقض بعض أهل الذمّة وسكت الباقون ، لم ينتقض عهدهم ، ولو كان في الهدنة ، انتقض.
ولأنّ أهل الذمّة في قبضة الإمام ولا يخشى الضرر كثيراً من نقضهم ، بخلاف أهل الهدنة ؛ فإنّ الإمام يخاف منهم الغارة على المسلمين والضرر الكثير.
مسألة ٢٢٥ : إذا انتقضت(٢) الهدنة لخوف الإمام ونبذ إليهم عهدهم ، ردَّهم إلى مأمنهم ، وصاروا حَرْباً. فإن لم يبرحوا عن حصنهم ، جاز قتالهم بعد النبذ إليهم ؛ لأنّهم في منعتهم(٣) كما كانوا قبل العقد. وإن كانوا قد نزلوا فصاروا في عسكر المسلمين ، ردّهم الإمام إلى مأمنهم ؛ لأنّهم دخلوا إليه
____________________
(١) الأنفال : ٥٨.
(٢) في « ق » : نقضت.
(٣) في الطبعة الحجريّة : « مأمنهم » بدل « منعتهم ».
من مأمنهم ، فعليه ( أن يردّهم )(١) إليه ، وإلّا لكان خيانةً من المسلمين ، والله لا يحبّ الخائنين.
فإذا زال عقد الهدنة ، نُظر فيما زال به ، فإن لم يتضمّن وجوب حقٌّ عليه ، مثل أن يأوي لهم عيناً أو يخبرهم بخبر المسلمين ويطلعهم على عوراتهم ، ردّه إلى مأمنه ، ولا شيء عليه. وإن كان يوجب حقّاً ، فإن كان لآدميَّ ، كقتل نفسٍ أو إتلاف مالٍ ، استوفي ذلك منه ، وإن كان لله تعالى محضاً ، كحدّ الزنا والشرب ، اُقيم عليه أيضاً ، عندنا ، خلافاً للعامّة(٢) ، وإن كان مشتركاً ، كالسرقة ، اُقيم عليه ، عندنا. وللعامّة قولان(٣) .
مسألة ٢٢٦ : إذا عقد الإمام الذمّة للمشركين ، كان عليه أن يذبّ عنهم كلَّ مَنْ لو قصد المسلمين لزمه أن يذبّ عنهم. ولو عقد الهدنة لقومٍ منهم ، كان عليه أن يكفّ عنهم كلّ(٤) مَنْ يجري عليه أحكامه من المسلمين وأهل الذمّة ، وليس عليه أن يدفع عنهم أهل الحرب ولا بعضهم عن بعض.
والفرق : أنّ عقد الذمّة يقتضي جري أحكامنا عليهم ، فكانوا كالمسلمين ، والهدنة عقد أمان لا يتضمّن جري الأحكام ، فاقتضى أن يأمن من جهته مَنْ يجري عليه حكم(٥) الإمام دون غيره.
فإن شرط الإمام في عقد الذمّة أن لا يدفع عنهم أهل الحرب ، فإن كانوا في وسط بلاد الإسلام - كالعراق - أو في طرف بلاد الإسلام ، كان
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» : ردّهم.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٤.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧٤ ، حلية العلماء ٧ : ٧٢٢ - ٧٢٣.
(٤) كلمة « كلّ » لم ترد في « ق ، ك».
(٥) في الطبعة الحجريّة : « أحكام » بدل « حكم ».
الشرط فاسداً ؛ لأنّه يجب عليه أن يمنع أهل الحرب من دخول دار الإسلام ، فلا يجوز أن يشترط خلافه. وإن كانوا في دار الحرب أو بين دار الإسلام ودار الحرب ، كان الشرط جائزاً ؛ لعدم تضمّنه تمكين أهل الحرب من دار الإسلام.
إذا ثبت هذا ، فمتى قصدهم أهل الحرب ولم يدفعهم عنهم حتى مضى حول ، فلا جزية عليهم ؛ لأنّ الجزية تُستحقّ بالدفع ، فإن سباهم أهل الحرب ، فعليه أن يردّ ما سبي منهم من الأموال ؛ لأنّ عليه حفظ أموالهم. فإن كان في جملته خمر أو خنزير ، لم تلزمه استعادته(١) ؛ لأنّه لا يحلّ إمساكه.
وإذا أغار أهل الحرب على أهل الهدنة وأخذوا أموالهم وظفر الإمام بأهل الحرب واستنقذ أموال أهل الهدنة ، قال الشافعي : يردّها الإمام عليهم(٢) .
وكذا إذا اشترى مسلم من أهل الحرب ما أخذوه من أهل الهدنة ، وجب ردّه عليهم ، لأنّه في عهدٍ منه ، فلا يجوز أن يتملّك ما سبي منهم ، كأهل الذمّة.
وقال أبو حنيفة : لا يجب ردّ ما أخذوه من أهل الحرب من أموالهم ؛ لأنّه لا يجب عليه أن يدفعهم عنهم ، فلا يلزمه ردّ ما استنقذه منهم ، كما لو أغار أهل الحرب على أهل الحرب(٣) .
____________________
(١) في « ق ، ك» : « استيفاؤه » بدل « استعادته ».
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣١.
(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٧.
وقول أبي حنيفة فيه قوّة.
مسألة ٢٢٧ : إذا انتقض العهد ، جاز قصد بلدهم وتبييتهم والإغارة عليهم في بلادهم إن علموا أنّ ما أتوا به ناقض للعهد. وإن لم يعلموا ، فكذلك الحكم ، أو لا يقاتلون إلّا بعد الإنذار للشافعيّة وجهان(١) .
والأولى أنّه إذا لم يعلموا أنّه خيانة ، لا ينتقض العهد إلّا إذا كان المأتيّ به ممّا لا يشكّ في مضادّته للهدنة ، كالقتال.
فأمّا مَنْ دخل داراً بأمانٍ أو مهادنة ، فلا يغتال وإن انتقض عهده ، بل يبلغ المأمن.
ولو(٢) نقض السوقةُ العهد ولم يعلم الرئيس والأشراف بذلك ، احتمل النقض في حقّ السوقة ، وعدمه ؛ لأنّه لا اعتبار بعقدهم فكذا بنقضهم.
وللشافعيّة وجهان(٣) .
ولو نقض الرئيس وامتنع الأتباع وأنكروا ، ففي الانتقاض في حقّهم للشافعي قولان ، أحدهما : الانتقاض ؛ لأنّه لم يبق العهد في حقّ المتبوع فلا يبقى في حقّ التابع(٤) .
هذا حكم نقض عهد(٥) الهدنة ، وأمّا نقض الذمّة : فنقضه من البعض ليس بنقضٍ من الباقين ، وقد سلف الفرق.
والمعتبر في إبلاغ الكافر المأمن أن يمنعه من المسلمين ويلحقه بأوّل بلاد الكفر(٦) ، ولا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك إلّا أن يكون بين
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٢.
(٢) في « ق » : « وإن » بدل « ولو ».
(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٣.
(٥) كلمة « عهد » لم ترد في « ق ، ك».
(٦) في « ق » : الكفّار.
أوّل بلاد الكفر وبلده الذي يسكنه بلدٌ للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه.
وإذا هادنه الإمام مدّةً لضعفٍ وخوف ثمّ زال الخوف وقوي المسلمون ، وجب البقاء عليه ؛ لقوله تعالى :( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) (١) وإن كانت المدّة عشر سنين.
ويجب على الذين هادنّاهم الكفّ عن قبيح القول والعمل في حقّ المسلمين وبذل الجميل منهما. ولو كانوا يُكرمون المسلمين فصاروا يُهينونهم ، أو يضيفون الرسل ويصلونهم فصاروا يقطعونهم ، أو يعظّمون كتاب الإمام فصاروا يستخفّون ، أو نقصوا عمّا كانوا يخاطبونه به ، سألَهم الإمام عن سبب فعلهم ، فإن اعتذروا بما يجوز قبول مثله ، قَبِله ، وإن لم يذكروا عذراً ، أمرهم بالرجوع إلى عادتهم ، فإن امتنعوا ، أعلمهم بنقض الهدنة ونقَضَها ، عند الشافعيّة(٢) .
وسبُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله تنتقض به الهدنة كالذمّة ، عند الشافعي(٣) ، خلافاً لأبي حنيفة فيهما(٤) .
مسألة ٢٢٨ : لو كان تحت كافرٍ عشرُ زوجات فأسلمن وهاجرن وجاء الزوج يطلبهنّ ، اُمر باختيار أربع منهنّ ، ويعطى مهورهنّ ، سواء اختار الأكثر مهراً أو الأقلّ ، وسواء اختار مَنْ دفع إليهنّ المهر أو بعضه أو مَنْ لم يدفع إليهنّ ، فإذا اختار مَنْ لم يدفع إليهنّ شيئاً ، لم يرجع بشيء.
ولو جاءت مستولدةً ، فهي كالأمة.
____________________
(١) التوبة : ٤.
(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٣ و ٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٣.
وأمّا المكاتبة : فإن اقتضى الحال عتقها ، فكذلك ، وتبطل الكتابة ، وإلّا فهي على كتابتها. فإن أدّت مالَ الكتابة ، عُتقت بالكتابة. قال الشافعي : وللسيّد الولاء(١) . فإن عجزت ورُقّتْ ، حُسب ما أخذ من مال الكتابة بعد إسلامها من ضمانها ، ولا يُحسب منه ما اُخذ قبل الإسلام.
مسألة ٢٢٩ : لو عقدنا الهدنة بشرط أن يردّوا مَنْ جاءهم منّا مرتدّاً ويُسلّموه إلينا ، وجب عليهم الوفاء بما التزموه ، فإن امتنعوا ، كانوا ناقضين للعهد.
وإن عقدنا بشرط أن لا يردّوا مَنْ جاءهم ، ففي الجواز إشكال.
وللشافعي قولان :
أشهرهما : الجواز ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله شرط ذلك في مهادنة قريش(٢) .
والثاني : المنع ؛ لإعلاء الإسلام ، وإقامة حكم المرتدّين [ عليه ](٣) (٤) .
وقال بعضهم : هذا الشرط يصحّ في حقّ الرجال دون النساء كما لو شرط ردّ مَنْ جاءنا مسلماً ؛ لأنّ الإبضاع يحتاط لها ، ويحرم على الكافر من المرتدّة ما يحرم على المسلم(٥) .
فإن أوجبنا الردّ ، فالذي عليهم التمكين والتخلية دون التسليم.
____________________
(١) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣٠.
(٢) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦١١ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٣٢ ، دلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٤٧ ، صحيح البخاري ٣ : ٢٤٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٤١١ / ١٧٨٤.
(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : حكمهم. وما أثبتناه من المصادر.
(٤ و ٥) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣٠.
وكذا الحكم لو جرت المهادنة مطلقاً من غير تعرّضٍ لردّ من ارتدّ بالنفي والإثبات.
وحيث لا يجب عليهم التمكين ولا التسليم فعليهم مهر مَنْ ارتدّ من نساء المسلمين ، وقيمة مَنْ ارتدّ من رقيقهم ، ولا يلزمهم غُرْم مَنْ ارتدّ من الرجال الأحرار.
ولو عاد المرتدّون إلينا ، لم نردّ المهر ، ورددنا القيمة ؛ لأنّ الرقيق بدفع القيمة يصير ملكاً لهم والنساء لا يصرن زوجاتٍ.
وحيث يجب التمكين دون التسليم فمكّنوا ، فلا غرم عليهم سواء وصلنا إلى المطلوبين أو لم نصل. وحيث يجب التسليم فنطالبهم به عند الإمكان.
فإن فات التسليم بالموت ، فعليهم الغرم.
وإن هربوا نُظر إن هربوا قبل القدرة على التسليم ، فلا يغرمون ، أو بعدها ، فيغرمون.
ولو هاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة وطلبها زوجها وجاءتهم امرأة منّا مرتدّة ، لا نغرم لزوج المسلمة المهر ، ولكن نقول له : واحدة بواحدة ، ونجعل المهرين قصاصاً ، ويدفع الإمامُ المهر إلى زوج المرتدّة ، ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلى زوج المهاجرة المسلمة.
هذا إن تساوى القدران ، ولو كان مهر المهاجرة أكثر ، صرفنا مقدار مهر المرتدّة منه إلى زوجها والباقي إلى زوج المهاجرة. وإن كان مهر المرتدّة أكثر ، صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها والباقي إلى زوج المرتدّة.
وبهذه المقاصّة فسّر أكثر الشافعيّة(١) قوله تعالى :( وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ) (٢) .
ولو قال زوج المسلمة : لا ذنب لي في التحاق المرتدّة بدار المهادنين فلِمَ منعتموني حقّي ، قلنا : ليس لك حقٌّ على قياس أعواض المتلفات ، وإنّما نغرم لك بحكم المهادنة ، وأهل المهادنة في موجب المهادنة كالشخص الواحد.
مسألة ٢٣٠ : إذا تحاكم إلينا أهل الذمّة بعضهم مع بعض ، تخيّر الحاكم بين الحكم بينهم على مقتضى حكم الإسلام وبين الإعراض عنهم - وبه قال مالك(٣) - لقوله تعالى :( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) (٤) .
ولقول الباقرعليهالسلام : « إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه ، كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم »(٥) .
ولأنّهما لا يعتقدان صحّة الحكم ، فأشبها المستأمنين.
وقال المزني : يجب الحكم - وللشافعي قولان - لقوله تعالى :( وَأَنِ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣١.
(٢) الممتحنة : ١١.
(٣) أحكام القرآن - لابن العربي - ٢ : ٦٢٠ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ١٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٨ : ١٠٣.
(٤) المائدة : ٤٢.
(٥) التهذيب ٦ : ٣٠٠ / ٨٣٩.
احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) (١) والأمر للوجوب.
ولأنّ دفع الظلم عنهم واجب على الإمام ، والحكم بينهم دفع لذلك عنهم ، فلزمهم(٢) كالمسلمين(٣) .
وآيتنا أخصّ ، والقياس باطل ؛ لأنّ المسلمين يعتقدون صحّة الحكم.
ولو تحاكم إلينا ذمّيُّ مع مسلم أو مستأمنٌ مع مسلم ، وجب على الحاكم أن يحكم بينهما على ما يقتضيه حكم الإسلام ؛ لأنّه يجب عليه حفظ المسلم من ظلم الذمّي ، وبالعكس.
ولو تحاكم إلينا مستأمنان حربيّان من غير أهل الذمّة ، لم يجب على الحاكم أن يحكم بينهما إجماعاً ؛ لأنّه لا يجب على الإمام دفع بعضهم عن بعض ، بخلاف أهل الذمّة. ولأنّ أهل الذمّة آكد حرمةً ؛ فإنّهم يسكنون دار الإسلام على التأبيد.
مسألة ٢٣١ : إذا استعدى أحد الخصمين إلى الإمام ، أعداه على الآخر في كلّ موضع يلزم الحاكم الحكم بينهما ، فإذا استدعى خصمه ، وجب عليه الحضور إلى مجلس الحكم ؛ لأنّ هارون بن حمزة سأل الصادقَعليهالسلام : رجلان من أهل الكتاب نصرانيّان أو يهوديّان كان بينهما خصومة ، فقضى بينهما حاكم من حُكّامهما بجَوْزٍ فأبى الذي قُضي عليه أن يقبل ، وسأل أن يردّ إلى حكم المسلمين ، قال : « يردّ إلى حكم المسلمين »(٤) .
____________________
(١) المائدة : ٤٩.
(٢) كذا ، والظاهر : فلزمه.
(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٨٥ - ٣٨٦ ، الوجيز ٢ : ١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٨ : ١٠٣ ، الوسيط ٥ : ١٣٨ - ١٣٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٤٩٠ - ٤٩١ ، المغني ١٠ : ١٩٠ ، التفسير الكبير ١١ : ٢٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ١٨٤.
(٤) التهذيب ٦ : ٣٠١ / ٨٤٢.
ويجب إذا حكم بينهم أن يحكم بحكم المسلمين ، لقوله تعالى :( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) (١) وقال تعالى :( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) (٢) .
ولو جاءت ذمّيّة تستعدي على زوجها الذمّيّ في طلاقٍ أو ظهارٍ أو إيلاءٍ ، تخيّر في الحكم بينهم والردّ إلى أهل نحلتهم ليحكموا بينهم بمذهبهم. فإن حَكَم بينهم ، حَكَم بحكم الإسلام ، ويمنعه في الظهار من أن يقربها حتى يكفّر. ولا يجوز له أن يكفّر بالصوم ؛ لافتقاره إلى نيّة القربة ، ولا بالعتق ؛ لتوقّفه على ملك المسلم ، وهو لا يتحقّق في طرفه إلّا أن يسلم في يده أو يرثها ، بل بالإطعام.
مسألة ٢٣٢ : يجوز للمسلم أخذ مالٍ من نصرانيّ مضاربةً ، ولا يكره ذلك ؛ لأنّ المسلم لا يتصرّف إلّا فيما يسوغ.
ويكره للمسلم أن يدفع إلى المشرك مالاً مضاربةً ؛ لأنّ الكافر قد يتصرّف بما لا يسوغ في الشرع ، فإن فَعَل ، صحّ القراض.
وينبغي له إذا دفع إليه المال أن يشترط عليه أن لا يتصرّف إلّا بما يسوغ في شرعنا ، فإن شرط عليه ذلك فابتاع خمراً أو خنزيراً ، فالشراء باطل ، سواء ابتاعه بعين المال أو في الذمّة ؛ لأنّه خالف الشرطَ. ولا يجوز له أن يقبض الثمن ، فإن قَبَض الثمنَ ، ضمنه.
وإن لم يشترط عليه ذلك بل دفع المال إليه مطلقاً فابتاع ما لا يجوز ابتياعه ، فالبيع باطل ، فإن دفع الثمن ، فعليه الضمان أيضاً ؛ لأنّه ابتاع ما ليس بمباح عندنا.
وإطلاق العقد يقتضي أن يبتاع لربّ المال ما يملكه ربّ المال ،
____________________
(١) المائدة : ٤٢.
(٢) المائدة : ٤٩.
فإذا(١) خالف ، ضمن.
فإن باع المضارب ونضّ المال ، فإن علم ربّ المال أنّه تصرّف في محظورٍ ، أو خالَط محظوراً ، لم يجز له قبضه ، كما لو اختلطت اُخته بأجنبيّاتٍ ، وإن علم أنّه عين المباح ، قَبَضه ، وإن شكّ ، جاز على كراهة.
ولو أكرى نفسه من ذمّيّ ، فإن كانت الإجارة في الذمّة ، صحّ ؛ لأنّ الحقّ ثابت في ذمّته. وإن كانت معيّنةً ، فإن استأجره ليخدمه شهراً أو يبني له شهراً ، صحّ أيضاً. وتكون أوقات العبادة مستثناةً منها.
مسألة ٢٣٣ : لو فَعَل الذمّيّ ما لا يجوز في شرع الإسلام ولا في شرعهم - كالزنا واللواط والسرقة والقتل والقطع - كان الحكم في ذلك كالحكم بين المسلمين في إقامة الحدود ؛ لأنّهم عقدوا الذمّة بشرط أن يجرى عليهم أحكام المسلمين.
وإن كان ما يجوز في شرعهم - كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ونكاح المحارم - لم يتعرّض لهم ما لم يُظهروه ؛ لأنّا نُقرّهم عليه ، وترك التعرّض لهم فيه ؛ لأنّهم عقدوا الذمّة وبذلوا الجزية على هذا. فإن أظهروا ذلك وأعلنوه ، مَنَعهم الإمام وأدَّبهم على إظهاره.
قال الشيخ : وقد روى أصحابنا أنّه يُقيم عليهم الحدّ بذلك ، وهو الصحيح(٢) .
ولو جاء نصرانيّ باع من مسلم خمراً أو اشترى منه خمراً ، أبطلناه بكلّ حال تقابضا أو لا ، ورددنا الثمن إلى المشتري. فإن كان مسلماً ، استرجع الثمن ، وأرقنا الخمر ؛ لأنّا لا نقضي على المسلم بردّ الخمر ، وجاز إراقتها ؛ لأنّ الذمّيّ عصى بإخراجها إلى المسلم ، فيعاقب بإراقتها عليه. وإن
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : فإن.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦١.
كان المشتري المشركَ ، رددنا إليه الثمن ، ولا نأمر الذمّيّ بردّ الخمر ، بل يُريقها ؛ لأنّها ليست كمال الذمّيّ.
ونمنع المشرك من شراء المصاحف إعزازاً للقرآن ، فإن اشترى ، لم يصح البيع.
وقال بعض الشافعيّة : يملكه ويلزم البيع(١) .
والأوّل أنسب بإعظام القرآن.
قال الشيخ : وكذا حكم الدفاتر التي فيها أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله وآثار السلف وأقاويلهم - والأقوى عندي الكراهة - أمّا كتب النحو واللغة والشعر وباقي الأدب : فإنّ شراءها جائز لهم ؛ إذ لا حرمة لها(٢) .
مسألة ٢٣٤ : لو أوصى مسلم لذمّيٍّ بعبدٍ مسلم ، لم تصحّ الوصيّة ؛ لأنّ المشرك لا يملك المسلم.
وقال بعض الناس(٣) : تصحّ الوصيّة ، وتلزم برفع اليد عنه ، كما لو ابتاعه.
فعلى هذا لو أسلم وقَبِل الوصيّة ، صحّ ، وملكه بعد موت الموصي.
وعلى الأوّل لا يملكه وإن أسلم في حياة الموصي ؛ لأنّ الوصيّة وقعت في الأصل باطلةً.
ولو كان العبد مشركاً فأسلم العبد قبل موت الموصي ثمّ مات ، فقَبِله الموصى له ، لم يملكه ؛ لأنّ الاعتبار في الوصيّة حال اللزوم ، وهي حالة الوفاة.
وعلى القول الثاني يملكه ويرفع يده عنه.
ولو أوصى الذمّيّ ببناء كنيسة أو بيعة أو موضع عبادة لهم ، لم تصحّ ؛
____________________
(١) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، حلية العلماء ٤ : ١١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١١.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٢.
(٣) كما في المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٢ ، وانظر : الحاوي الكبير ١٤ : ٣٩٣ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، وروضة الطالبين ٣ : ١١.
لأنّها في معصية.
وكذا لو أوصى أن يستأجر خدماً للبِيعة والكنيسة ، أو يعمل صلباناً ، أو يشتري مصباحاً أو يشتري أرضاً فيوقف عليها.
ولو أوصى الذمّيّ ببناء كنيسة تنزلها المارّة من أهل الذمّة أو من غيرهم ، أو وقفها على قومٍ يسكنونها ، أو جعل اُجرتها للنصارى ، جازت الوصيّة ؛ لأنّ نزولهم ليس بمعصية ، إلّا أن تبنى لصلواتهم.
وكذا لو أوصى للرهبان بشيء ، صحّت الوصيّة ؛ لجواز صدقة التطوّع عليهم.
ولو أوصى أن يكون لنزول المارّة للصلاة فيه ، قيل : تبطل الوصيّة في الصلاة ، وتصحّ ( في نزول )(١) المارّة ، فتبنى كنيسة بنصف الثلث لنزول المارّة خاصّةً ، فإن لم يمكن ذلك ، بطلت الوصيّة(٢) .
وقيل : تبنى الكنيسة بالثلث ، وتكون لنزول المارّة ، ويُمنعون من الاجتماع للصلاة فيها(٣) .
ولو أوصى بشيء تكتب به التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو غير ذلك من الكتب القديمة ، بطلت الوصيّة ؛ لأنّها كتب محرَّفة مبدَّلة منسوخة.
وخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوماً من داره فوجد في يد عمر صحيفةً ، فقال :
« ما هي؟ » فقال : من التوراة ، فغضب عليه ورماها من يده ، وقال : « لو كان موسى أو عيسى حيّين لما وسعهما إلّا اتّباعي »(٤) .
إذا ثبت(٥) هذا ، فإنّه يكره للمسلم اُجرة رمّ ما يستهدم من الكنائس والبِيَع من بناء ونجارة وغير ذلك ، وليس محرَّماً.
____________________
(١) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : لنزول.
(٢ و ٣) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٣ : ٣٥٥ باختصار.
(٥) في « ق » : « عرفت » بدل « ثبت ».
الفصل السادس : في قتال أهل البغي
الأصل في ذلك قول الله تعالى :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (١) .
قيل : وردت في طائفتين من الأنصار وقع بينهم [ قتال ](٢) فلمـّا نزلت ، قرأها عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأقلعوا. وليس فيها تعرّضٌ للخروج والبغي على الإمام ، ولكن إذا اُمرنا بقتال طائفة بغَتْ على طائفة اُخرى ، فلأن نقاتل الذين بغوا على الإمام إلى أن يفيئوا إلى أمر الله أولى(٣) .
والمراد بالباغي في عرف الفقهاء : المخالف للإمام العادل ، الخارج عن طاعته بالامتناع عن أداء ما وجب عليه بالشرائط الآتية. وسُمّي باغياً إمّا لتجاوزه الحدّ المرسوم له ، والبغي : مجاوزة الحدّ.
وقيل : لأنّه ظالم بذلك ، والبغي : الظلم. قال الله تعالى :( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ ) (٤) أي : ظُلم(٥) .
وقيل : لطلبه الاستعلاء على الإمام ، من قولهم : بغى الشيء ، أي : طلبه(٦) .
مسألة ٢٣٥ : قتال أهل البغي واجب بالنصّ والإجماع.
____________________
(١) الحجرات : ٩.
(٢) أضفناها من المصدر.
(٣) كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٦٩ - ٧٠.
(٤) الحجّ : ٦٠.
(٥ و ٦) كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٦٩.
قال الله تعالى :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) (١) .
وروى العامّة عن النبيصلىاللهعليهوآله قال : « مَنْ حمل علينا السلاح فليس منّا »(٢) .
ومن طريق الخاصّة : قول عليعليهالسلام : « القتال قتالان : قتال لأهل الشرك لا ينفر عنهم حتى يُسلموا أو يؤدّوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ، وقتال لأهل الزيغ لا ينفر عنهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو يُقتلوا »(٣) .
ولا خلاف بين المسلمين كافّة في وجوب جهاد البُغاة ، وقد قاتل عليٌّعليهالسلام ثلاثَ طوائف : أهل البصرة يوم الجمل : عائشة وطلحة والزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم ، وهُم الناكثون الذين بايعوه ونكثوا بيعته. وقاتل أهلَ الشام معاوية ومَنْ تابعه ، وهُم القاسطون ، أي : الجائرون. وقاتل أهلَ النهروان : الخوارج ، وهُم المارقون ، وقد أخبره رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال : « تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين »(٤) .
قال الشيخرحمهالله : وهؤلاء كلّهم عندنا محكوم بكفرهم ، لكن ظاهرهم الإسلام. وعند الفقهاء أنّهم مسلمون لكن قاتلوا الإمامَ العادل ، فإنّ الإمامة كانت لعليُّعليهالسلام بعد عثمان عندهم(٥) .
والأصل في ذلك : أنّ الإمامة عندنا من شرائط الإيمان ، فلا يستحقّ
____________________
(١) الحجرات : ٩.
(٢) صحيح البخاري ٩ : ٦٢ ، صحيح مسلم ١ : ٩٨ و ٩٩ / ٩٨ و ١٠٠ و ١٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٦٠ / ٢٥٧٥ ، مسند أحمد ٣ : ١٤٤ / ٩١٢٩.
(٣) التهذيب ٤ : ١١٤ / ٣٣٥ ، و ٦ : ١٤٤ / ٢٤٧.
(٤) المستدرك - للحاكم - ٣ : ١٤٠.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٤.
الثواب الدائم إلّا به.
مسألة ٢٣٦ : قد جرت العادة بين الفقهاء أن يذكروا الإمامة في هذا الموضع ليُعرف الإمام الذي يجب اتّباعه ، ويصير الإنسان باغياً بالخروج عليه ، وليست من علم الفقه ، بل هي من علم الكلام ، فلنذكر كلاماً مختصراً ، فنقول يشترط في الإمام اُمور :
الأوّل : أن يكون مكلّفاً ؛ فإنّ غيره مولّى عليه في خاصّة نفسه ، فكيف يلي أمر الاُمّة!
الثاني : أن يكون مسلماً ليراعي مصلحة المسلمين والإسلام ، وليحصل الوثوق بقوله ، ويصحّ الركون إليه ؛ فإنّ غير المسلم ظالم وقد قال الله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .
الثالث : أن يكون عدلا ؛ لما تقدّم ؛ فإنّ الفاسق ظالم ولا يجوز الركون إليه والمصير إلى قوله ؛ للنهي عنه في قوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٢) . ولأنّ الفاسق ظالم ، فلا ينال مرتبة الإمامة ، لقوله تعالى :( لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٣) .
الرابع : أن يكون حُرّاً ؛ فإنّ العبد مشغول بخدمة مولاه لا يتفرّغ للنظر في مصالح المسلمين. ولأنّ الإمامة رئاسة عامّة والعبد مرؤوس ، وهي من المناصب الجليلة ، فلا تليق به.
الخامس : أن يكون ذَكَراً ليُهاب ، وليتمكّن من مخالطة الرجال ،
____________________
(١ و ٢) هود : ١١٣.
(٣) البقرة : ١٢٤.
ويتفرّغ للنظر ؛ فإنّ المرأة ناقصة العقل.
السادس : أن يكون عالماً ، ليعرف الأحكام ويعلّم الناس ، فلا يفوت الأمر عليه بالاستفتاء والمراجعة.
السابع : أن يكون شجاعاً ، ليغزو بنفسه ، ويعالج الجيوش ، ويقوى على فتح البلاد ، ويحمي بيضة الإسلام.
الثامن : أن يكون ذا رأي وكفاية ؛ لافتقار قيام نظام النوع إليه.
التاسع : أن يكون صحيح السمع والبصر والنطق ، ليتمكّن من فصل الاُمور. وهذه الشرائط غير مختلف فيها.
العاشر : أن يكون صحيح الأعضاء ، كاليد والرِّجْل والاُذن. وبالجملة اشتراط سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض. وهو أولى قولي الشافعيّة(١) .
الحادي عشر : أن يكون من قريش ؛ لقولهعليهالسلام : « الأئمّة من قريش »(٢) وهو أظهر قولي الشافعيّة(٣) .
وخالف فيه الجويني(٤) ، مع أنّه لا خلاف في أنّ أبا بكر احتجّ على
____________________
(١) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.
(٢) المستدرك - للحاكم - ٤ : ٧٦ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ : ١٦٩ - ١٧٠ / ١٢٤٣٨ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١ : ٢٥٢ / ٧٢٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢١ ، و ٨ : ١٤٤ ، مسند أحمد ٤ : ٢٩ / ١٢٤٨٩ ، و ٥ : ٥٧٩ / ١٩٢٧٨.
(٣) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٢.
(٤) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١.
الأنصار يوم السقيفة به(١) ، وبذلك أخذت الصحابة بعده.
قالت الشافعيّة : فإن لم يُوجد في قريش مَنْ يستجمع الصفات المعتبرة ، نُصب كنانيٌّ ، فإن لم يُوجد ، فرجلٌ من ولد إسماعيلعليهالسلام (٢) .
وهو باطل عندنا ؛ لأنّ الإمامة عندنا محصورة في الاثني عشرعليهمالسلام على ما يأتي.
ثمّ إنّ قريشاً ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ، فعلى قولهم : « إذا لم يُوجد قرشي ، ينبغي نصب كنانيّ » ينبغي أنّه إذا لم يُوجد كنانيٌّ ، نُصب خزيميّ وهكذا يرتقي إلى أبٍ بعد أبٍ إلى أن ينتهي إلى إسماعيلعليهالسلام .
فإن لم يُوجد من ولد إسماعيل مَنْ يصلح لذلك ، قال بعضهم : يُولّى رجلٌ من العجم(٣) .
وقال بعضهم : يُولّى جُرْهُميٌّ ، وجُرْهُم أصل العرب ، وفيهم تزوّج إسماعيلعليهالسلام حين أنزله أبوهعليهالسلام أرضَ مكة. فإن لم يوجد جُرْهميُّ ، فرجلٌ من نسل إسحاق(٤) .
ولا يشترط أن يكون هاشميّاً عندهم(٥) .
الثاني عشر : يجب أن يكون الإمام معصوماً عند الشيعة ؛ لأنّ المقتضي لوجوب الإمامة ونصب الإمام جواز الخطأ على الاُمّة ، المستلزم لاختلال النظام ؛ فإنّ الضرورة قاضية بأنّ الاجتماع مظنّة التنازع والتغالب ، فإنّ كلّ
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١ ، وانظر : تاريخ الطبري ٣ : ٢٢٠ ، والكامل في التاريخ ٢ : ٣٢٥.
(٢ - ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.
واحد من بني النوع يشتهي ما يحتاج إليه ، ويغضب على مَنْ يزاحمه في ذلك ، وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره ، فيقع من ذلك الهرج والمرج ، ويختلّ أمر الاجتماع ، مع أنّ الاجتماع ضروريّ لنوع الإنسان ؛ فإنّ كلّ شخص لا يمكنه أن يعيش وحده ، لافتقاره إلى غذاء وملبوس ومسكن ، وكلّها صناعيّة لا يمكن أن تصدر عن صانعٍ واحد إلّا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدّة فاقداً لها ، أو يتعسّر إن أمكن ، وإنّما يتيسّر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها ، يفرغ كلّ واحد منهم لصاحبه عن بعض ذلك ، فيتمّ النظام بمعاوضة عملٍ بعمل ومعاوضة عملٍ باُجرة ، فلهذا قيل : الإنسان مدنيُّ بالطبع ، فلا بدّ حينئذٍ من سلطانٍ قاهر ، مُطاع ، نافذ الأمر ، متميّز عن غيره من بني النوع ، وليس نصبه مفوّضاً إليه ، وإلّا وقع المحذور ، ولا إلى العامّة ؛ لذلك أيضاً ، بل يكون من عند الله تعالى.
ولا يجوز وقوع الخطأ منه ، وإلّا لوجب أن يكون له إمام آخر ، ويتسلسل ، فلهذا وجب أن يكون معصوماً.
ولأنّه تعالى أوجب علينا طاعته وامتثال أوامره ؛ لقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) وذلك عامّ في كلّ شيء ، فلو لم يكن معصوماً ، لجاز أن يأمر بالخطإ ، فإن وجب علينا اتّباعه ، لزم الأمر بالضدّين ، وهو محال ، وإن لم يجب ، بطل العمل بالنصّ.
ويجب عندهم أن يكون معصوماً من أوّل عمره إلى آخره ؛ لسقوط محلّه
____________________
(١) النساء : ٥٩.
عند الناس لولاه.
الثالث عشر : أن يكون منصوصاً عليه من الله تعالى ، أو من النبيصلىاللهعليهوآله ، أو ممّن ثبتت إمامته بالنصّ فيهما ؛ لأنّ العصمة من الاُمور الخفيّة التي لا يمكن الاطّلاع عليها ، فلو لم يكن منصوصاً عليه ، لزم تكليف ما لا يطاق. والنصّ من الله تعالى يُعلم إمّا بالوحي على نبيّهعليهالسلام ، أو بخلق مُعجزٍ(١) على يده عقيب ادّعائه الإمامة.
الرابع عشر : أن يكون أفضلَ أهل زمانه ، ليتحقّق التميز عن غيره.
ولا يجوز عندنا تقديم المفضول على الفاضل - خلافاً لكثير من العامّة(٢) - للعقل والنقل.
أمّا العقل : فإنّ الضرورة قاضية بقبحه.
وأمّا النقل : فقوله تعالى :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٣) وهذه صيغة تعجّبٍ من الله تعالى ، دالّة على شدّة الإنكار ؛ لامتناعه في حقّه تعالى.
والأفضليّة تتحقّق بالعلم والزهد والورع وشرف النسب والكرم والشجاعة وغير ذلك من الأخلاق الحميدة(٤) .
الخامس عشر : أن يكون منزَّهاً عن القبائح ؛ لدلالة العصمة عليه. ولأنّه يكون مستحقّاً للإهانة والإنكار عليه ، فيسقط محلّه من قلوب العامّة ، فتبطل فائدة نصبه. وأن يكون منزَّهاً عن الدناءات والرذائل ، كاللعب
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : معجزة.
(٢) اُنظر : الأحكام السلطانيّة - للماوردي - ٨ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ ، وروضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.
(٣) يونس : ٣٥.
(٤) في متن الطبعة الحجريّة : « الجميلة » بدل « الحميدة ». وفي هامشها كما هنا.
والأكل في الأسواق وكشف الرأس بين الناس وغير ذلك ممّا يُسقط محلَّه ويوهن مرتبتَه. وأن يكون منزَّهاً عن دناءة الآباء وعهر الاُمّهات. وقد خالفت العامّة في ذلك كلّه.
مسألة ٢٣٧ : وإنّما تنعقد الإمامة بالنصّ عندنا على ما سبق. ولا تنعقد بالبيعة ، خلافاً للعامّة بأسرهم ؛ فإنّهم أثبتوا إمامة أبي بكر بالبيعة ، ووافقونا على صحّة الانعقاد بالنصّ ، لكنّهم جوّزوا انعقادها باُمور :
أحدها : البيعة(١) . واختلفوا في عدد الذين تنعقد الإمامة ببيعتهم.
فقال بعضهم : لا بدّ من أربعين ؛ لأنّ عهد الإمامة أعظم خطراً من عقد الجُمُعة ، وهذا العدد معتبر في الجُمُعة عند الشافعيّة ففي البيعة أولى(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : إنّه يكفي أربعة ؛ لأنّه أكمل نُصُب الشهادات(٣) .
وقال بعضهم : ثلاثة ؛ لأنّ الثلاثة مطلق الجمع ، فإذا اتّفقوا ، لم يجز مخالفة الجماعة(٤) .
وقال بعضهم : اثنان ؛ لأنّ أقلّ الجمع اثنان(٥) .
وقال بعضهم : واحد ؛ لأنّ عمر بن الخطّاب بايع أبا بكر أوّلاً ثمّ وافقه الصحابة(٦) .
وقال بعضهم : يعتبر بيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يسهل حضورهم ، ولا يشترط اتّفاق أهل الحلّ والعقد في سائر البلاد ، بل إذا وصل الخبر إلى أهل البلاد البعيدة ، فعليهم الموافقة والمتابعة(٧) . وعلى هذا فلا يتعيّن للاعتبار عدد ، بل لا يشترط العدد ، فلو تعلّق الحلّ والعقد بواحد مُطاع ، كفت بيعته لانعقاد الإمامة(٨) .
____________________
(١ - ٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ - ٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.
(٧) في « ق » : « المبايعة » بدل « المتابعة ».
(٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٤.
قالوا : ولا بدّ وأن يكون الذين يبايعون بصفات الشهود حتى لو كان واحداً ، شرط ذلك فيه.
وهل يشترط في البيعة حضور شاهدين؟ وجهان للشافعيّة.
ويشترط في انعقاد البيعة أن يُجيب الذين يبايعونه ، فإن امتنع ، لم تنعقد إمامته(١) .
الأمر الثاني : استخلاف الإمام قبله ، وعهده إليه ، كما عهد أبو بكر إلى عمر. وانعقد الإجماع بينهم على جوازه(٢) .
قالوا : والاستخلاف أن يجعله خليفةً في حياته ثمّ يخلفه بعد موته(٣) .
ولو أوصى له بالإمامة من بعده ، ففيه وجهان عندهم ؛ لأنّه بالموت يخرج عن الولاية ، فلا يصحّ منه تولية الغير(٤) .
ويشكل بأنّ مرادهم بجعله خليفةً في حياته إن كان استنابه ، فلا يكون عهداً إليه بالإمامة ، أو جعله إماماً في الحال ، فهذا إمّا خلعٌ لنفسه أو اجتماع إمامين في وقتٍ واحد ، أو جعله إماماً بعد موته ، وهذا معنى لفظ الوصيّة(٥) .
ولو جعل الأمر شورى بين اثنين فصاعداً بعده ، كان كالاستخلاف ، إلّا أنّ المستخلَف غير معيّن ، فيحتاج إلى تشاورهم اتّفاقهم على جعل واحد منهم خليفة ، كقضيّة عمر حيث جعل الأمر شورى في ستّة(٦) .
ثمّ اختلفوا في أنّه هل يشترط في المـُولّى شروط الإمامة من وقت العهد إليه حتى لو كان صغيراً أو فاسقاً عند العهد ، بالغاً عدلاً عند موت المـُولّي ، لم ينصب إماماً إلّا أن يبايعه أهل الحلّ والعقد؟(٧) وبعضهم لم يشترط ذلك(٨) .
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٤.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٣ - ٧٤.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٧ و ٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.
ولو عهد إلى غائبٍ مجهول الحياة ، لم يصحّ. ولو كان معلومَ الحياة ، صحّ.
فإن مات المستخلف وهو غائبٌ بعدُ ، [ استقدمه ](١) أهل الاختيار ، فإن بعدت غيبته واستضرّ المسلمون بتأخير النظر في اُمورهم ، اختار أهل الحلّ والعقد نائباً له يبايعونه بالنيابة دون الخلافة ، فإذا قدم ، انعزل النائب(٢) .
ولو خلع الخليفة نفسَه ، كان كما لو مات ، فتنتقل الخلافة إلى وليّ العهد على خلافٍ(٣) .
ويجوز أن يفرق بين أن يقول : الخلافة بعد موتي لفلان ، أو بعد خلافتي(٤) .
واختلفوا في أنّه هل يجوز العهد إلى الوالد والولد كما يجوز إلى غيرهما؟
فقال بعضهم بالمنع كالتزكية والحكم لهما عندهم(٥) .
وقال آخرون بالفرق بين الوالد والولد ، لأنّ الميل إلى الولد أشدّ(٦) .
واختلفوا في أنّ وليّ العهد لو أراد أن ينقل ما إليه من ولاية العهد إلى غيره ، لم يجز ، لأنّه إنّما يجوز له النظر وتثبت الولاية بعد موت المـُولّي.
ولو عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب ، فقال : الخليفة بعدي فلان ،
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : أن تقدمه. وهي كما ترى ، وما أثبتناه من المصدر.
(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.
(٥) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.
وبعد موته فلان ، جاز ، وانتقلت الخلافة إليهم على ما رتّب.
ولو مات الأوّل في حياة الخليفة ، فالخلافة بعده للثاني. ولو مات الأوّل والثاني في حياته ، [فهي ](١) للثالث على خلافٍ ؛ لأنّ المفهوم من اللفظ جَعْل الثاني خليفةً بعد خلافة الأوّل(٢) .
ولو مات الخليفة والثلاثة أحياء وصارت الخلافة إلى الأوّل فأراد أن يعهد بها إلى غير الآخَرَيْن ، فالظاهر من مذهب الشافعي جوازه ؛ لأنّه إذا انتهت الخلافة إليه ، صار أملك بها ويوصلها إلى مَنْ شاء ، بخلاف ما إذا مات ولم يعهد بها إلى أحدٍ ، ليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثاني ، ويقدّم عهد الأوّل على اختيارهم.
وليس لأهل الشورى أن يعيّنوا واحداً منهم في حياة الخليفة إلّا أن يأذن لهم في ذلك ، فإن خافوا انتشار الأمر بعده ، استأذنوه ، فإن أذن ، فَعَلوا.
وأنّه يجوز للخليفة أن ينصّ على مَنْ يختار الخليفة بعده ، كما يجوز له أن يعهد إلى غيره حتى لا يصحّ إلّا اختيار مَنْ نصّ عليه ، كما لا يصحّ إلّا تقليد مَنْ عهد إليه ؛ لأنّهما من حقوق خلافته.
وإذا عهد بالخلافة إلى غيره ، فالعهد موقوف على قبول المـُولّى(٣) . واختلفوا في وقت القبول.
فقيل : بعد موت المـُولّي ؛ لأنّه وقت نظره وقيامه بالاُمور(٤) .
والأصحّ عندهم : أنّ وقته ما بين عهد المـُولّي وموته(٥) .
____________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : فهو. وما أثبتناه أنسب بسياق العبارة.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.
(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ - ٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥ - ٢٦٦
وقيل : إذا امتنع المـُولّى من القبول فيبايع غيره ، فكأنّه لا تولية(١) .
وكذا إذا جعل الأمر شورى فترك القوم الاختيار ، لا يجبرون عليه ، فكأنّه ما جعل الأمر إليهم(٢) .
الأمر الثالث : القهر والاستيلاء. فإذا مات الإمام فتصدّى للإمامة مَنْ يستجمع شرائطها من غير استخلافٍ وبيعةٍ ، وقَهَر الناس بشوكته وجنوده ، انعقدت الخلافة ؛ لانتظام الشمل بما فَعَل(٣) .
ولو لم يكن مستجمعاً للشرائط بل كان فاسقاً أو جاهلاً ، فللشافعيّة وجهان ، أظهرهما : أنّ الحكم كذلك وإن كان عاصياً بما فَعَل(٤) .
وهذا من أغرب الأشياء إيجاب المعصية(٥) ، فهذا كلّه ساقط عندنا ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الإمامة لا تثبت إلّا بالنصّ ؛ لوجوب العصمة ، وأنّ البيعة لا تصلح للتعيين. قال الله تعالى :( ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (٦) والأمر الثالث أبلغ في المنع والبطلان.
مسألة ٢٣٨ : تجب طاعة الإمام عندنا وعند كلّ أحد أوجب نصب الإمام ما لم يخالف المشروع - وهذا القيد يفتقر إليه غيرنا حيث جوّزوا إمامة الفاسق - لقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٧) .
وقالعليهالسلام : « مَنْ نزع يده من طاعة إمامه فإنّه يأتي يوم القيامة ولا حجّة
____________________
(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٦.
(٥) كذا في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة.
(٦) القصص : ٦٨.
(٧) النساء : ٥٩.
له »(١) .
ولا فرق عندهم بين أن يكون عادلاً أو جائراً(٢) .
ولا يجوز عندهم نصب إمامين في وقتٍ واحد ؛ لما فيه من اختلاف الرأي وتفرّق الشمل(٣) .
وجوَّز أبو إسحاق من الشافعيّة نصبَ إمامين في إقليمين ؛ لأنّه قد يحدث في أحد الإقليمين ما يحتاج إلى نظر الإمام ويفوت المقصود بسبب البُعْد(٤) .
فإن عُقدت البيعة لرجلين معاً ، فالبيعتان باطلتان. وإن ترتّبتا ، فالثانية باطلة. ويُنظر إن جهل الثاني ومَنْ بايعه تقدُّمَ بيعةِ الأوّل ، لم يعزَّر ، وإلّا عُزّر(٥) .
ولما روي من قولهعليهالسلام : « إذا بُويع الخليفتان فاقتلوا الأخير منهما »(٦) .
وتأوَّله بعضُهم بما إذا أصرّ ولم يبايع الأوّل ، فإنّه يكون باغياً يُقاتَل(٧) .
وقال بعضهم : لا تطيعوه ولا تقبلوا قولَه ، فيكون كمن مات أو قُتل(٨) .
ولو عُرف سبقُ أحدهما ولم يتعيّن ، أو لم يُعلم أوَقعا معاً أو على التعاقب ، فالحكم كالجُمعتين.
____________________
(١) أورده الرافعي في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ ، وفي مسند أحمد ٢ : ٢٢٣ / ٥٦٤٣ ، و ٢٢٩ / ٥٦٨٥ نحوه.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.
(٣) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ - ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.
(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.
(٦) صحيح مسلم ٣ : ١٤٨٠ / ١٨٥٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٥٦ ، سنن البيهقي ٨ : ١٤٤ بتفاوت يسير.
(٧ و ٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦.
ولو سبق أحدهما على التعيين واشتبه السابق ، وقف الأمر إلى أن ينكشف الحال ، فإن طالت المدّة أو لم يمكن الانتظار ، قال بعض الشافعيّة : تبطل البيعتان ، وتستأنف بيعة أحدهما(١) . وفي جواز العدول إلى غيرهما خلاف(٢) .
وذكر أنّه لو ادّعى كلٌّ منهما أنّه الأسبق ، لم تسمع الدعوى ولم يحلف [ الآخر ](٣) لأنّ الحقّ يتعلّق بجميع المسلمين. وأنّه لو قطعا التنازع وسلّم أحدهما [ الأمر ](٤) إلى الآخر ، لم تستقرّ الإمامة له ، بل لا بدّ من بيّنة تشهد بتقدّم بيعته. وأنّه لو أقرّ أحدهما للآخر بتقدّم بيعته ، خرج منها المـُقرّ ، ولا بدّ من البيّنة ليستقرّ الأمر للآخر ، فإن شهد له المـُقرّ مع آخَرَ ، قُبلت شهادته إن كان يدّعي اشتباه الأمر قبل الإقرار ، وإن كان يدّعي التقدّم ، لم تُسمع ؛ لما في القولين من التكاذب(٥) .
وإذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره ، انعزل ، وصار القاهر إماماً.
ولا يجوز خلع الإمام بلا سبب ولو خلعوه ، لم ينفذ ؛ لأنّ الآراء تتغيّر ، فلا نأمن تكرّر التولية والعزل ، وفي ذلك سقوط الهيبة والوقْع من القلب.
ولو عزل الإمام نفسَه ، نُظر إن عزل للعجز عن القيام باُمور المسلمين من
____________________
(١) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.
(٣ و ٤) أضفناها من المصدر.
(٥) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.
هرمٍ أو مرضٍ ، انعزل عندهم. ثمّ إن ولّى غيره ، انعقدت الإمامة لمن ولّاه ، وإلّا بايع الناس غيره.
وإن عزل نفسَه من غير عذرٍ ، ففي انعزاله وجهان :
أحدهما : ينعزل ، ولا يكلّف أن يترك مصلحة نفسه محافظةً على مصلحة غيره ، وصار كما لو لم يُجبْ إلى المبايعة ابتداءً.
والثاني : المنع ؛ لما رُوي أنّ أبا بكر قال : أقيلوني(١) . ولو تمكّن من عزل نفسه ، لما طلب الإقالة(٢) .
وقال بعضهم : للإمام أن يعزل وليَّ العهد ؛، لأنّ الخلافة لم تنتقل إليه ، فلا يخشى من تبديله الفساد والفتنة(٣) .
وقال بعضهم : ليس له ذلك ما لم يتغيّر حاله وإن جاز له عزل من استنابه في إشغاله في الحال؛ لأنّه يستنيبه لنفسه ، واستخلاف وليّ العهد يتعلّق بالمسلمين عامّةً ، فصار كأهل البيعة يبايعون ، ولا يعزلون مَنْ بايعوه(٤) .
مسألة ٢٣٩ : الإمام عندنا لا يتحقّق منه صدور الفسق ؛ لأنّه واجب العصمة من أوّل عمره إلى آخره.
أمّا مَنْ لم يشترط عصمته : فالأظهر عند الشافعيّة منهم : أنّ الإمام لا ينعزل بالفسق ؛ لأنّهم يُجوزون إمامة الفاسق(٥) ، فإذا كان لا يمنع الفسق من الابتداء فأولى أن لا يمنع من الاستدامة. ولا ينعزل بالإغماء ؛ لأنّه
____________________
(١) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ١ : ١٦٩.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ - ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.
(٤) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.
متوقَّع الزوال.
قالوا : وينعزل بالمرض الذي يُنسيه العلوم ، وبالجنون(١) .
وقال بعضهم : لو كان الجنون منقطعاً وكان زمان الإفاقة أكثر وتمكّن معه من القيام بالاُمور ، لم ينعزل. وينعزل بالعمى والصمم والخرس ، ولا ينعزل بثقل السمْع وتمتمة اللسان(٢) .
وبينهم خلاف في أنّهم هل يمنعان ابتداء التولية؟ وفي أنّ قطع إحدى اليدين أو الرِّجْلين هل يؤثّر في الدوام(٣) .
مسألة ٢٤٠ : يثبت وصف البغي بشرائط ثلاثة :
أحدها : أن يكونوا في كثرةٍ ومنْعةٍ لا يمكن كفّهم وتفريق جمعهم إلّا بإنفاقٍ وتجهيز جيوشٍ وقتالٍ، فأمّا إن كانوا نفراً يسيراً كالواحد والاثنين والعشرة وكيدها كيد ضعيف. فليسوا أهل بغي(٤) ، وكانوا قُطّاع طريقٍ ، ذهب إليه الشيخ في المبسوط(٥) وابن إدريس(٦) ، وهو مذهب الشافعي(٧) ؛ لأنّ عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله لمـّا جرح عليّاًعليهالسلام ، قال لابنه الحسنعليهالسلام : « إن برئت رأيت رأيي ، وإن متُّ فلا تمثلوا به »(٨) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.
(٢) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.
(٣) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٨ - ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.
(٤) في « ق » : البغي.
(٥) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٤.
(٦) السرائر : ١٥٨.
(٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢ ، المغني ١٠ : ٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩.
(٨) الكامل في التاريخ ٣ : ٣٩١ ، المغني ١٠ : ٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩.
وقال بعض الجمهور : يثبت لهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام(١) . وفيه قوّة.
الثاني : أن يخرجوا عن قبضة الإمام منفردين عنه في بلدٍ أو بادية ، أمّا لو كانوا معه وفي قبضته ، فليسوا أهل بغي(٢) ؛ لأنّ عليّاًعليهالسلام كان يخطب ، فقال رجل بباب المسجد : لا حكم إلّا لله ، تعريضاً بعليّعليهالسلام أنّه حكم في دين الله ، فقال عليّعليهالسلام : « كلمة حقّ اُريد بها باطل ، لكم علينا ثلاث : أن لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا اسم الله فيها ، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا ، ولا نبدؤكم بقتال »(٣) فقولهعليهالسلام : « مادامت أيديكم معنا » يعني لستم منفردين.
الثالث : أن يكونوا على المباينة بتأويلٍ سائغ عندهم بأن تقع لهم شبهة تقتضي الخروج على الإمام ، فأمّا إذا لم يكن لهم تأويلٌ سائغ وباينوا ، فهم قُطّاع طريقٍ حكمهم حكم المحارب.
والشافعيّة اعتبروا في أهل البغي صفتين :
إحداهما : أن يكون لهم تأويلٌ يعتقدون بسببه جواز الخروج على الإمام ، أو منع الحقّ المتوجّه عليهم ؛ لأنّ مَنْ خالف الإمام(٤) من غير تأويلٍ ، كان معانداً ، ومَنْ يتمسّك بالتأويل ، يطلب الحقّ على اعتقاده ، ولا يكون معانداً ، فيثبت له نوع حرمةٍ ، كما في حقّ مَنْ خرج على عليّعليهالسلام حيث اعتقدوا أنّه يعرف قَتَلة عثمان ، ويقدر عليهم ولا يقتصّ منهم ؛ لرضاه
____________________
(١) المغني ١٠ : ٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩.
(٢) في « ق » : البغي.
(٣) تاريخ الطبري ٥ : ٧٣ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٣٣٥ ، سنن البيهقي ٨ : ١٨٤ ، الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩.
(٤) كلمة « الإمام » لم ترد في « ق ، ك» والعزيز شرح الوجيز.
بقتله ومواطأتهم إيّاه.
وكذا مانعو أبي بكر عن الزكاة ، حيث قالوا : اُمرنا بدفع الزكاة إلى مَنْ صلاته سَكَنٌ(١) لنا ، وهو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنت لسْتَ كذلك.
والتأويل المشروط في أهل البغي إذا كان بطلانه مظنوناً ، فهو معتبر. وإن كان بطلانه مقطوعاً به ، فوجهان :
أظهرهما : أنّه لا يعتبر ، كتأويل أهل الردّة.
والثاني : يعتبر ، ويكتفى بغلطهم فيه(٢) .
قالوا : ولهذا كان معاوية وأصحابه بغاةً. واستدلّوا عليه : بقولهعليهالسلام : « إنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية »(٣) .
ثمّ قالوا : إن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً ، كان معاوية [ مبطلاً ](٤) فيما ذهب إليه ظنّاً ، وإن شرطنا العلم ، قلنا : إنّ معاوية كان مبطلاً قطعاً(٥) .
وأمّا الخوارج : فهُمْ صنفٌ مشهور من المبتدعة يعتقدون تكفير أصحاب الكبائر واستحقاق الخلود في النار بها ، كشرب الخمر والزنا والقذف ، ويستحلّون دماء المسلمين وأموالهم ، إلّا مَنْ خرج معهم ، وطعنوا في
____________________
(١) إشارة إلى الآية ١٠٣ من سورة التوبة.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٨ - ٧٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧١ - ٢٧٢.
(٣) صحيح مسلم ٤ : ٢٢٣٦ / ٧٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٤٩ ، ١٥٥ ، ١٥٦ ، و ٣ : ٣٨٦ ، ٣٨٧ ، ٣٩٧ ، سنن البيهقي ٨ : ١٨٩ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٤ : ٨٥ / ٣٧٢٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٥ : ٢٩١ / ١٩٦٩١ ، الطبقات الكبرى - لابن سعد - ٣ : ٢٥٢ ، مسند أحمد ٢ : ٣٥٠ / ٦٥٠٢ ، و ٣ : ٤٠٠ / ١٠٧٨٢ ، و ٥ : ٢٢١ / ١٧٣١٢ ، و ٦ : ٢٨١ / ٢١٣٦٦.
(٤) أضفناها من المصدر.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩.
عليّعليهالسلام وعثمان ، ولا يجتمعون معهم في الجُمُعات والجماعات.
وللشافعيّة خلاف في تكفيرهم(١) .
وهل حكمهم إذا لم يكفّروهم حكم أهل البغي ، أو حكم أهل الردّة؟ الأصحّ عندهم : الثاني(٢) ، وعلى هذا تنفذ أحكامهم ، بخلاف أحكام البُغاة.
وأكثر الشافعيّة : [ على ](٣) أنّه إن أظهر قومٌ رأي الخوارج وتجنّبوا الجماعات وكفّروا الإمامَ ومَنْ معه ، فإن لم يقاتلوا وكانوا في قبضة الإمام ، فلا يُقتلون ولا يقاتلون(٤) ؛ لقول عليّعليهالسلام للخارجيّ : « لكم علينا ثلاث : أن لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا ، ولا نبدؤكم بقتال »(٥) .
ثمّ إنّهم إن صرّحوا بسبّ الإمام أو غيره من أهل العدل ، عُزّروا ، وإن عرّضوا ، فوجهان(٦) .
وعندنا : أنّ الخوارج كُفّار وأنّ مَنْ سبَّ الإمامَ وجب قتله.
ولو بعث الإمام إليهم والياً فقتلوه ، فعليهم القصاص.
وهل يتحتّم قَتْل قاتله ، كقاطع الطريق ؛ لأنّه شهر السلاح ، أو لا ؛ لأنّه لا يقصد إخافة الطريق؟ للشافعيّة أقوال ثلاثة(٧) ، أحدها : فيه وجهان(٨) .
____________________
(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.
(٣) أضفناها لأجل السياق.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.
(٥) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٤٠٦ ، الهامش (٣)
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩ - ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.
(٧) كلمة « ثلاثة » لم ترد في « ق ، ك».
(٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.
الصفة الثانية : أن يكون لهم شوكة وعدد بحيث يحتاج الإمام في ردّهم إلى الطاعة إلى كلفة ببذل مالٍ وإعداد رجالٍ ونصب قتالٍ(١) .
وشرط جماعة من الشافعيّة في الشوكة أن ينفردوا ببلدةٍ أو قريةٍ أو موضعٍ من الصحراء. وربما قالوا : ينبغي أن يكونوا بحيث لا يحيط بهم أجناد الإمام(٢) .
والمحقّقون لم يعتبروا ذلك ، بل اعتبروا استعصاءهم وخروجهم عن قبضة الإمام حتى لو تمكّنوا من المقاومة - مع كونهم محفوفين بجند الإمام - قاوَمُوهم(٣) .
وهل يشترط أن يكون بينهم إمام منصوب أو منتصب؟ قولان : الأكثر على المنع - وهو قول أكثر الشافعيّة(٤) - لأنّه ثبت لأهل الجمل وأهل النهروان حكم البغاة ولم يكن فيما بينهم إمام.
وقال بعضهم : يعتبر في أهل البغي وراء ما سبق أمران : أن يمتنعوا من حكم الإمام ، وأن يظهروا لأنفسهم حكماً. ولا يعتبر أن يكون عددهم عددَ أجناد الإمام ، بل يكفي أن يتوقّعوا الظفر(٥) .
مسألة ٢٤١ : كلّ مَنْ خرج على إمامٍ عادلٍ ثبتت إمامته بالنصّ عندنا ، والاختيار عند العامّة وجب قتاله إجماعاً ، وإنّما يجب قتاله بعد البعث إليه والسؤال عن سبب خروجه وإيضاح ما عرض له من الشبهة وحلّها له وكشف الصواب إلّا أن يخاف كَلَبهم ولا يمكنه ذلك في حقّهم ، أمّا
____________________
(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.
(٤) الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.
إذا أمكنه تعريفهم ، وجب عليه أن يُعرّفهم.
فإذا عرّفهم ، فإن رجعوا ، فلا بحث ، وإن لم يرجعوا ، قاتَلَهم ؛ لأنّ الله تعالى أمر بالصلح ، فقال( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) (١) قبل الأمر بالقتال.
ولأنّ الغرض كفّهم ودفع شرّهم ، فإذا أمكن بمجرّد القول ، لم يعدل إلى القتل ، وإذا أمكن بالإثخان ، لم يعدل إلى التذفيف ، فإن التحم القتال واشتدّ الحرب ، خرج الأمر عن الضبط.
ولمـّا أراد أمير المؤمنين عليّعليهالسلام قَتْلَ(٢) الخوارج ، بعث إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم فلبس حلّةً حسنة ومضى إليهم ، فقال : هذا عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وزوج ابنته فاطمةعليهاالسلام ، وقد عرفتم فضله ، فما تنقمون منه؟ قالوا : ثلاثاً : إنّه حَكّم في دين الله ، وقتل ولم يَسْب ، فإمّا أن يقتل ويسبي أو لا يقتل ولا يسبي ، إذا حرمت أموالهم حرمت دماؤهم ، والثالث : محا اسمه من الخلافة. فقال ابن عباس : إن خرج عنها رجعتم إليه؟ قالوا : نعم.
قال ابن عباس : أمّا قولكم : حكّم في دين الله تعنون الحَكَمين بينه وبين معاوية ، وقد حكّم الله في الدين ، فقال( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) (٣) وقال :( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (٤) فحكم في أرنب قيمته درهم ، فبأن يحكم في هذا الأمر العظيم أولى. فرجعوا عن هذا.
____________________
(١) الحجرات : ٩.
(٢) كذا ، والظاهر : قتال.
(٣) النساء : ٣٥.
(٤) المائدة : ٩٥.
قال : وأمّا قولكم : كيف قتل ولم يَسْب! فأيّكم لو كان معه فوقع في سهمه عائشة زوج النبيصلىاللهعليهوآله ، فكيف يصنع وقد قال الله تعالى :( وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) (١) ؟ قالوا : رجعنا عن هذا.
قال : وقولكم : محا اسمه من الخلافة ، تعنون أنّه لمـّا وقعت المواقفة بينه وبين معاوية كتب بينهم: هذا ما واقف عليه أمير المؤمنين عليّ معاوية ، قال له : لو كنت أمير المؤمنين ما نازعناك ، فمحا اسمه ، فقال ابن عباس : إن كان محا اسمه من الخلافة ، فقد محا رسول اللهصلىاللهعليهوآله اسمه من النبوّة لمـّا قاضى سهيل بن عمرو بالحديبيّة كتب الكتاب علي : هذا ما قاضى عليه رسول الله سهيل بن عمرو ، فقالوا له : لو كنت نبيّا ما خالفناك ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله لعليّ : « امحه » فلم يفعل فقال لعليّ : « أرنيه » فأراه إيّاه ، فمحاه النبيصلىاللهعليهوآله بإصبعه ، وقال : « ستدعى إلى مثلها » فرجع بعضهم ، وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ، فقاتلهم عليّعليهالسلام فقتلهم(٢) .
مسألة ٢٤٢ : ويجب قتال أهل البغي على كلّ من ندبه الإمام لقتالهم عموما أو خصوصا أو من نصبه الإمام. والتأخير عن قتالهم كبيرة.
ويجب على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ما لم يستنهضه الإمام على التعيين فيجب عليه ، ولا يكفيه قيام غيره ، كما قلنا في جهاد المشركين.
____________________
(١) الأحزاب : ٥٣.
(٢) الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٢ - ١٠٤ ، المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، وانظر : السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٣١ - ٣٣٢ ، وسنن البيهقي ٧ : ٤٢ ، ودلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٤٦ و ١٤٧ ، وصحيح البخاري ٣ : ٢٤٢ ، و ٤ : ١٢٦ ، ومسند أحمد ٥ : ٣٧٠ / ١٨٠٩٥.
والفرار في حربهم كالفرار في حرب المشركين ، تجب مصابرتهم حتى يفيئوا إلى الحقّ ويرجعوا إلى طاعة الامام أو يُقتلوا ، بغير خلافٍ في ذلك. فإذا رجعوا ، حرم قتالهم ؛ لقوله تعالى :( حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (١) وكذا إن ألقوا السلاح وتركوا القتال ، أمّا لو انهزموا ، فإنّه يجب قتالهم إن كان لهم فئة يرجعون إليها.
ولو استعان أهل البغي بنسائهم وصبيانهم وعبيدهم في القتال وقاتلوا معهم أهل العدل ، قُوتلوا مع الرجال وإن أتى القتل عليهم ؛ لأنّ العادل يقصد بقتاله الدفع عن نفسه وماله.
ولو أرادت امرأة أو صبي قَتْل إنسان ، كان له قتالهما ودفعهما عن نفسه وإن أتى على أنفسهما.
مسألة ٢٤٣ : لو استعان أهل البغي بأهل الحرب وعقدوا لهم ذمّةً أو أماناً على هذا ، كان باطلاً ، ولا ينعقد لهم أمان ولا ذمّة ؛ لأنّ من شرط عقد الذمّة والأمان أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين ، فحينئذٍ يقاتل الإمام وأهل العدل المشركين مُقبلين ومُدبرين ، كالمنفردين عن أهل البغي. وإذا وقعوا في الأسر ، تخيّر الإمام فيهم بين المنّ والفداء والاسترقاق والقتل.
وليس لأهل البغي أن يتعرّضوا لهم - قاله الشيخ(٢) رحمهالله - من حيث إنّهم بذلوا لهم الأمان وإن كان فاسداً ، فلزمهم الكفّ عنهم ؛ لاعتمادهم على قولهم ، لا من حيث صحّة أمانهم.
فإن استعانوا بأهل الذمّة فعاونوهم وقاتلوا معهم أهل العدل ، راسَلهم
____________________
(١) الحجرات : ٩.
(٢) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٢ - ٢٧٣.
الإمام وسألهم عن فعلهم ، فإن ادّعوا الشبهة المحتملة بأن يدّعوا الجهل واعتقاد أنّ الطائفة من المسلمين إذا طلبوا المعونة جازت معونتهم ، أو ادّعوا الإكراه على ذلك ، كانت ذمّتهم باقيةً ، وقبل قولهم ، ولم يكن ذلك نقضاً للعهد.
وإن لم يدّعوا شيئاً من ذلك ، انتقض عهدهم ، وخرقوا الذمّة - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّهم لو انفردوا وقاتلوا الإمام خرقوا الذمّة ، وانتقض عهدهم ، فكذا إذا قاتلوا مع أهل البغي.
والثاني للشافعي : لا يكون نقضاً ؛ لجهل أهل الذمّة بالمـُحقّ ، فيكون شبهةً(٢) .
وليس جيّداً ؛ لاعتقادهم بطلان الطائفتين.
إذا عرفت هذا ، فإنّه بمجرّد قتالهم مع أهل البغي من غير شبهة يجوز قتلهم مقبلين ومُدبرين. ولو أتلفوا أموالاً وأنفساً ، ضمنوها عندنا.
وأمّا الشافعي في أحد قوليه : فإنّه لا يجعل القتال نقضاً ، فيكون حكمهم حكم أهل البغي في قتالهم مُقبلين لا مُدبرين(٣) .
وأمّا ضمان الأموال : فإنّ أهل الذمّة يضمنونها عنده قولاً واحداً(٤) . وأمّا أهل البغي : فقولان ، وفرّق بأمرين :
أحدهما : أنّ لأهل البغي شبهةً دون أهل الذمّة.
الثاني : أنّا أسقطنا الضمان عن أهل البغي لئلّا تحصل لهم نفرة عن
____________________
(١ و ٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨٠.
(٣ و ٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨١.
الرجوع إلى الحقّ ، وأمّا أهل الذمّة فلا يتحقّق هذا المعنى فيهم(١) .
وأمّا نحن : فلا فرق بينهما في وجوب الضمان عليهما.
وإن استعانوا بالمستأمنين ، انتقض أمانهم ، وصاروا حَرْباً لا أمان لهم. فإن ادّعوا الإكراه ، قُبل بالبيّنة لا بمجرّد الدعوى ، بخلاف أهل الذمّة ؛ لأنّ الذمّة أقوى حكماً.
مسألة ٢٤٤ : يجوز للإمام أن يستعين بأهل الذمّة على حرب أهل البغي ، وبه قال أصحاب الرأي(٢) .
وقال الشيخرحمهالله في المبسوط : ليس له ذلك(٣) . وهو خلاف ما عليه الأصحاب.
والشافعي خرّج ذلك أيضا ، لأنّ أهل الذمّة يجوّزون قتل أهل البغي مقبلين ومدبرين وذلك لا يجوز(٤) .
وهو ممنوع على ما يأتي تفصيله.
أمّا لو استعان من المسلمين بمن يرى قَتْلَهم مُقبلين ومُدبرين في موضعٍ لا يجوز ذلك ، لم يجز إلّا بأمرين : أحدهما : فَقْدُ مَنْ يقوم مقامهم. الثاني : أن يكون مع الإمام قوّة متى علم منهم قَتْلهم مُدبرين كفَّهم عنه.
مسألة ٢٤٥ : إذا افترق أهل البغي طائفتين ثمّ اقتتلوا ، فإن كان للإمام قوّة على قهرهما ، فعل ، ولم يكن له معاونة إحداهما على الاُخرى ؛ لأنّ كلّ
____________________
(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨١ ، المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠.
(٢) المغني ١٠ : ٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٤.
(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٩ - ٢٨٠ ، المغني ١٠ : ٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦.
واحدة على خطأ ، والإعانة على الخطأ من غير حاجة خطأ ، بل يقاتلهما معاً حتى يعودوا إلى طاعته ، وإن لم يتمكّن من ذلك ، تَرَكهما ، فأيّهما قهرت الاُخرى دعاها إلى الطاعة ، فإن أبتْ ، قاتَلَهم.
وإن ضعف عنهما وخاف من اجتماعهما عليه ، جاز أن يضمّ إحداهما إليه ويقاتل الاُخرى ، ويقصد كسرها ومنعها عن البغي ، لا معاونة مَنْ يقاتل معها. وينبغي أن يعاون التي هي إلى الحقّ أقرب.
فإن انهزمت التي قاتَلَها أو رجعتْ إلى طاعته ، كفّ عنها ، ولم يجز له قتال الطائفة الاُخرى التي ضمّها إليه إلّا بعد دعائها إلى طاعته ؛ لأنّ ضمّها إليه يجري مجرى أمانه إيّاها.
مسألة ٢٤٦ : إذا لم يمكن دفع البُغاة إلّا بالقتل ، وجب ، ولا يقاتلون بما يعمّ إتلافه ، كالنار والمنجنيق والتغريق ؛ لأنّ القصد بقتالهم فلُّ(١) جَمْعهم ورجوعهم إلى الطاعة ، والنار تهلكهم وتقع على المقاتل وغيره ، ولا يجوز قَتْل مَنْ لا يقاتل.
ولو احتاج أهل العدل إلى ذلك واضطرّوا إليه بأن يكون قد أحاط بهم البُغاة من كلّ جانب وخافوا اصطدامهم ، ولا يمكنهم التخلّص إلّا برمي النار أو المنجنيق ، جاز ذلك. وكذا إن رماهم أهل البغي بالنار أو المنجنيق ، جاز لأهل العدل رميهم به.
إذا عرفت هذا ، فلا إثم على قاتلي أهل البغي إذا لم يندفعوا إلّا به ، ولا ضمان مال ولا كفّارة؛ لأنّه امتثل الأمر بقتل مباح الدم ؛ لقوله تعالى :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) (٢) وإذا لم يضمنوا النفوس فالأموال أولى بعدم الضمان.
____________________
(١) الفلّ : الكسر. وفلّ القوم : هزمهم. لسان العرب ١١ : ٥٣٠ « فلل ».
(٢) الحجرات : ٩.
والقتيل من أهل العدل شهيد ؛ لأنّه قُتل في قتالٍ أمَر الله تعالى به ، ولا يُغسَّل ولا يُكفَّن ، ويصلّى عليه ، عندنا ؛ لأنّه شهيد معركةٍ اُمر بالقتال فيها ، فأشبه معركة الكفّار.
وقال الأوزاعي وابن المنذر : يُغسَّل ويُصلّى عليه ؛ لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر بالصلاة على مَنْ قال : لا إله إلّا الله(١) (٢) .
ونحن نقول بموجَبه ؛ لأنّا نوجب الصلاة على الشهيد ، وليس في الخبر الأمر بالغسل والتكفين.
إذا ثبت هذا ، فإنّ ما يُتلفه أهل العدل من أموال أهل البغي حال الحرب غير مضمون ؛ لأنّه مأمور بالقتال ، فلا يضمن ما يتولّد منه. ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ أبا بكر قال للّذين قاتلهم بعد ما تابوا : تَدُونَ قَتْلانا ، ولا نَدِي قَتْلاكم(٣) .
ولأنّهما فرقتان من المسلمين : محقّة ومبطلة ، فلا تستويان في سقوط الغرم ، كقطّاع الطريق.
وأمّا ما يُتلفه أهل العدل من أموال أهل البغي قبل الشروع في القتال أو بعد تقضّي الحرب : فإنّه يكون مضموناً ؛ لأنّه ليس لأهل العدل ذلك ، فكان إتلافاً بغير حقّ ، فوجب عليهم الضمان.
ويحتمل أن يقال : إن احتاج أهل العدل إلى قَتْلٍ أو إتلافِ مالٍ في تفرّقهم وتبديل كلمتهم ، جاز لهم ذلك ، ولا ضمان.
____________________
(١) سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٣ و ٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٤٤٧ / ١٣٦٢٢ ، حلية الأولياء ١٠ : ٣٢٠.
(٢) المغني ١٠ : ٥٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩.
(٣) المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦.
ولو أتلف أهل البغي مالَ أهل العدل أو نفسَه قبل الشروع في القتال أو بعد تقضّيه ، فإنّه يضمنه إجماعاً.
وأمّا ما يُتلفه الباغي على العادل من مالٍ ونفسٍ حالةَ الحرب : فإنّه مضمون عليه عندنا بالغرامة والدية - وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي(١) - لقوله تعالى :( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) (٢) .
ولأنّها أموالٌ معصومة وأنفسٌ معصومة اُتلفت بغير حقٌّ ولا ضرورة ، فوجب ضمانها ، كالتالف في غير الحرب.
وقال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في الثاني : لا يكون مضموناً لا في المال ولا في النفس ؛ لأنّه لم يُنقل عن عليّعليهالسلام أنّه ضمّن أحداً من أهل البصرة ولا أهل الشام ما أتلفوه. ولأنّ فيه تنفيراً عن طاعة الإمام ، فأشبه أهل الحرب(٣) .
ونمنع أنّهعليهالسلام لم يضمّن فجاز [ أنّهعليهالسلام ضمّن ](٤) ولم يُنقل ، أو لم يحصل إتلافُ مالٍ ، أو جُهل المـُتلف. وعدم الغرم يُفضي إلى كثرة الفساد بإتلاف أموال أهل العدل ، مع أنّ الآية - وهي قوله تعالى :
____________________
(١) المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٦ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٤١.
(٢) الشورى : ٤٠.
(٣) بدائع الصنائع ٧ : ١٤١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٢ ، المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.
(٤) أضفناها لأجل السياق وكما في منتهى المطلب ٢ : ٨٩٦.
( النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (١) وقوله تعالى :( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ) (٢) - تدلّ على وجوب الضمان.
ولأنّ الضمان يتعلّق بأهل البغي قبل الحرب وبعده ، فكذا حالة الحرب ؛ لأنّها أكثر الحالات معصيةً ، فلا تتعقّب سقوط العقاب.
مسألة ٢٤٧ : لو قتل الباغي واحداً من أهل العدل ، وجب عليه القصاص ؛ لما تقدّم(٣) من الآيات. ولعموم قولهعليهالسلام : « لو قتله ربيعة ومُضر لأقدتهم به »(٤) .
وللشافعيّة طريقان ، أظهرهما : طرد القولين في وجوب المال. والثاني : القطع بالمنع ؛ لأنّ القصاص سقط بالشبهة ، وتأويلهم موجب للشبهة(٥) .
وعلى القول بوجوب القصاص لو آل الأمر إلى المال ، فهو في مال الباغي. وعلى القول بعدمه فهل سبيله سبيل دية العمد حتى تجب في مال القاتل ولا تتأجّل ، أو دية شبيه العمد حتى تكون على العاقلة وتتأجّل؟ لهم خلاف(٦) .
وتجب الكفّارة على الباغي عندنا وعند الشافعي(٧) على تقدير حكمه [ بوجوب ](٨) القصاص أو الدية ، وإلّا فوجهان ، أشبههما عندهم(٩) :
____________________
(١) المائدة : ٤٥.
(٢) الإسراء : ٣٣.
(٣) تقدّم آنفاً.
(٤) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا.
(٥) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥ ، المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠.
(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.
(٧) في « ك» والطبعة الحجريّة : الشافعيّة.
(٨) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : يوجب. وذلك تصحيف ما أثبتناه.
(٩) أي : الشافعيّة.
المنع ؛ لأنّ الكفّارة حقّ الله تعالى ، وهو أولى بالتساهل(١) .
ولو استولى باغٍ على أمة أو مستولدة لأهل العدل فوطئها ، فعليه الحدّ ، والولد رقيق بغير نسب.
وفي وجوب المهر مع إكراهها قولان للشافعي(٢) .
قال الشيخرحمهالله : لا خلاف في أنّ الحربيّ إذا أتلف شيئاً من أموال المسلمين ونفوسهم ثمّ أسلم ، فإنّه لا يضمن ولا يُقاد به(٣) .
وأمّا المرتدّ : فإنّه يضمن عندنا ما أتلفه حالة الحرب أو قبلها أو بعدها.
وأمّا الشافعي وأبو حنيفة : فأسقطا ضمان ما يُتلفه حالة الحرب من مالٍ ونفسٍ(٤) .
وأمّا الذين يخالفون الإمام بتأويلٍ يعتقدونه ولا شوكة لهم ولا امتناع ؛ لقلّة عددهم ، فإنّه يلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفسٍ ومالٍ إن كان على صورة القتال. وإن لم يكن قتال ، فكذلك عندنا ، خلافاً للشافعي في أحد القولين(٥) .
وهو غلط ؛ إذ لا تعجز كلّ شِرْذِمةٍ تُريد إتلاف نفسٍ أو مال أن تُبدي تأويلاً وتفعل من الفساد ما تشاء ، وذلك يُفضي إلى إبطال السياسات.
وأمّا الذين لهم كثرة وشوكة ولا تأويل لهم : ففي ضمان ما أتلفوا من المال طريقان للشافعيّة :
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٦.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٧.
(٤) اُنظر : الوجيز ٢ : ١٦٥ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٨ ، وروضة الطالبين ٧ : ٢٧٦ ، والهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٧ ، والمغني ١٠ : ٧٠.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٨.
أحدهما : القطع بوجوبه ؛ لأنّهم ليسوا بأهل البغي ، كالذين لهم التأويل دون الشوكة.
وأظهرهما عندهم : طرد القولين في الباغي(١) .
وعندنا يجب عليهم الضمان.
مسألة ٢٤٨ : قد بيّنّا أنّه ينبغي للإمام وعظ أهل البغي وأمرهم بالطاعة لتكون كلمة أهل الدين واحدةً ، فإن امتنعوا ، آذنهم بالقتال ، فإن طلبوا الإنظار ، بحث الإمام عن حالهم واجتهد ، فإن عرف عزمهم على الطاعة وطلبِ الإنظار لحلّ الشبهة ، أنظرهم. وإن ظهر له أنّهم يقصدون استلحاق مددٍ ، لم يُنظرهم. وإن سألوا ترك القتال أبداً ، لم يُجبهم.
وحيث لا يجوز الإنظار لو بذلوا مالاً أو رهنوا الأولاد والنساء ، لم يلتفت إليهم ؛ لأنّهم قد يقوون في المدّة ، ويتغلّبون على أهل العدل ، ويستردّون ما بذلوا.
ولو كان بأهل العدل ضعْفٌ ، أخّر الإمام القتال ، ولا يخطر بالناس.
مسألة ٢٤٩ : أهل البغي قسمان :
أحدهما : أن لا يكون لهم فئة يرجعون إليها ولا رئيس يلجؤون(٢) إليه ، كأهل البصرة ، وأصحاب الجَمَل.
والثاني : أن يكون لهم فئة يرجعون إليها ورئيس يعتضدون به ويجيش لهم الجيوش ، كأهل الشام ، وأصحاب معاوية بصفّين.
فالأوّل لا يُجاز على جريحهم ، ولا يُتبع مُدبرهم ، ولا يُقتل أسيرهم والثاني يُجاز على جريحهم ، ويُتبع مُدبرهم ، ويُقتل أسيرهم ، سواء
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٦.
(٢) في « ق ، ك» : يلتجؤون.
كانت الفئة حاضرةً أو غائبة ، قريبة أو بعيدة(١) ، ذهب إلى هذا التفصيل علماؤنا أجمع - وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة وأبو إسحاق من الشافعيّة(٢) - لأنّا لو لم نقتلهم لم نأمن عَوْدَهم(٣) وقتالَهم.
[ و ](٤) لأنّ حفص بن غياث سأله عن طائفتين ، إحداهما باغية ، والاُخرى عادلة ، فهزمت العادلة الباغيةَ ، قال : « ليس لأهل العدل أن يتبعوا مُدبراً ، ولا يقتلوا أسيراً ، ولا يُجيزوا(٥) على جريح »(٦) .
هذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها ، فإذا كانت لهم فئة يرجعون إليها ، فإنّ أسيرهم يُقتل ، ومُدبرهم يُتبع ، وجريحهم يُجاز عليه.
وقال الشافعي : لا يُجاز على جريح الفريقين معاً ، ولا يُتبع مُدبرهم ، ولا يُقتل أسيرهم(٧) ؛ لقول عليّعليهالسلام : « لا يُذفَّف على جريحٍ ، ولا يُتبع مُدبر »(٨) .
ونقول بموجبه ؛ لأنّه قاله في الفئة التي لا رئيس لها.
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : بعيدة أو قريبة.
(٢) المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٤٠ - ١٤١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١.
(٣) في الطبعة الحجريّة : لم نأمن من عودهم.
(٤) أضفناها لأجل السياق.
(٥) في الكافي : « ولا يجهزوا ».
(٦) التهذيب ٦ : ١٤٤ / ٢٤٦ ، الكافي ٥ : ٣٢ / ٢ وفيه عن الإمام الصادقعليهالسلام .
(٧) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ و ٢٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٦ و ٦١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٠ و ٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧١ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨.
(٨) سنن البيهقي ٨ : ١٨١.
مسألة ٢٥٠ : لو وقع أسير من أهل البغي في يد أهل العدل وكان شابّاً من أهل القتال ، جَلِداً ، حُبس وعرض عليه المبايعة ، فإن بايع على الطاعة والحرب قائمة ، قُبل منه واُطلق. وإن لم يبايع ، تُرك في الحبس.
فإذا انقضت الحرب فإن تابوا وطرحوا السلاح وتركوا القتال أو ولّوا مدبرين إلى غير فئةٍ ، اُطلق. وإن ولّوا مُدبرين إلى فئة ، لم يُطلق عندنا في الحال.
وقال بعضهم : يُطلق ؛ لأنّه لا يُتبع مُدبرهم(١) . وقد بيّنّا خلافه.
وهل يجوز قتله؟ الذي يقتضيه مذهبنا : التفصيل ، فإن كان ذا فئة ، جاز قتله ، وإلّا فلا - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّ في ذلك كسراً لهم.
وقال الشافعي : لا يجوز قتله(٣) ؛ لأنّ ابن مسعود قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « يا بن اُمّ عبد ما حكْمُ مَنْ بغى من اُمّتي؟ » قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : « لا يُتبع مُدبرهم ، ولا يُجاز على جريحهم ، ولا يُقتل أسيرهم ، ولا يُقسم فيئهم »(٤) .
وهو محمول على ما إذا لم تكن له فئة.
ولو كان الأسير صبيّاً أو عبداً أو امرأةً اُطلقوا ؛ لأنّهم لا يُطالبون بالبيعة ؛ لأنّهم ليسوا من أهل الجهاد ، وإنّما يُبايعون على الإسلام خاصّة.
وقال بعضهم : يُحبسون كالرجال ؛ لأنّ فيه كسْرَ قلوبهم(٥) .
____________________
(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١ ، وروضة الطالبين ٧ : ٢٧٨.
(٢) بدائع الصنائع ٧ : ١٤٠ - ١٤١ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧.
(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٨ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧.
(٤) سنن البيهقي ٨ : ١٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ ، المغني ١٠ : ٦٠ - ٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧ - ٥٨.
(٥) الحاوي الكبير ١٣ : ١٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٩.
وكذا الزَّمن والشيخ الفاني.
ولو أسر كلٌّ من الفريقين اُسارى من الآخر ، جاز فداء اُسارى أهل العدل باُسارى أهل البغي.
ولو امتنع أهل البغي من المفاداة وحبسوهم ، جاز لأهل العدل حبس مَنْ معهم ؛ توصّلاً إلى تخليص اُساراهم.
وقال بعض العامّة : لا يجوز ؛ لأنّ الذنب في حبس اُسارى أهل العدل لغيرهم(١) .
ولو قتل أهل البغي اُسارى أهل العدل ، لم يجز لأهل العدل قتل اُساراهم إذا لم تكن لهم فئة ؛ لأنّهم لا يُقتلون بجناية غيرهم.
مسألة ٢٥١ : أموال أهل البغي ، التي لم يحوها العسكر لا تخرج عن ملكهم ، ولا تجوز قسمتها(٢) بحالٍ.
أمّا ما حواه العسكر من السلاح والكراع والدوابّ والأثاث وغير ذلك : فللشيخ قولان :
أحدهما : أنّها تقسّم بين أهل العدل ، وتكون غنيمةً ، كأموال المشركين ، للفارس سهمان ، وللراجل سهم ، ولذي الأفراس ثلاثة(٣) . وبه قال ابن الجنيد.
والثاني : أنّه لا تحلّ قسمتها ، بل هي باقية على ملكهم لا تجوز قسمتها ولا استغنامها(٤) ، وبه قال السيّد المرتضى(٥) وابن إدريس(٦) وكافّة
____________________
(١) المغني ١٠ : ٦٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩.
(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : قسمته. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٣) النهاية : ٢٩٧.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٦.
(٥) مسائل الناصريّات : ٤٤٣ ، المسألة ٢٠٦.
(٦) السرائر : ١٥٩.
العلماء ؛ لما رواه العامّة عن أبي أمامة ، قال : شهدت صفّين وكانوا لا يجيزون(١) على جريح ، ولا يقتلون مُولّياً ، ولا يسلبون قتيلاً(٢) .
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « ولا يقسم فيئهم »(٣) .
ومن طريق الخاصّة : قول مروان بن الحكم : لـمّا هزمنا عليّ -عليهالسلام - بالبصرة ردّ على الناس أموالهم ، مَنْ أقام بيّنةً أعطاه ، ومَنْ لم يُقمْ بيّنةً أحلفه. قال : فقال له قائل : يا أمير المؤمنين اقسم الفيء بيننا والسبي. [ قال : ](٤) فلمـّا أكثروا عليه قال : « أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنين في سهمه؟ » فكفّوا(٥) .
وقول الصادقعليهالسلام : « كان في قتال عليّعليهالسلام على أهل القبلة بركة ، ولو لم يقاتلهم عليّ لم يَدْر أحدٌ بعده كيف يسير فيهم »(٦) .
احتجّ الشيخرحمهالله : بسيرة عليّعليهالسلام ، ولأنّهم أهل قتال فحلّت أموالهم ، كأهل الحرب.
والسيرة معارضة بمثلها ، والفرق ما تقدّم.
ولا استبعاد في الجمع بين القولين وتصديق نَقَلة السيرتين ، فيقال بالقسمة للأموال إذا كان لهم فئة يرجعون إليها إضعافاً لهم وحسماً لمادّة
____________________
(١) في « ك » والشرح الكبير : لا يجهزون.
(٢) سنن البيهقي ٨ : ١٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧.
(٣) سنن البيهقي ٨ : ١٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ ، المغني ١٠ : ٦٠ - ٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧ - ٥٨.
(٤) أضفناها من المصدر.
(٥) التهذيب ٦ : ١٥٥ / ٢٧٣.
(٦) التهذيب ٦ : ١٤٥ / ٢٥٠.
فسادهم ، وبعدمها فيما إذا لم تكن لهم فئة ؛ لحصول الغرض فيهم من تفريق كلمتهم وتبدّد شَمْلهم. وهذا هو الذي أعتمده.
إذا عرفت هذا ، فإنّه لا يجوز سبي ذراري الفريقين من أهل البغي ولا تملّك نسائهم بلا خلاف بين الاُمّة في ذلك.
ولا يجوز لأهل العدل الانتفاع بكراع أهل البغي ولا بسلاحهم بحالٍ ، إلّا في حال الضرورة ، كما لو خاف بعض أهل العدل على نفسه ، وذهب سلاحه ، فإنّه يجوز أن يدفع عن نفسه بسلاحهم. وكذا يركب دوابّهم مع الحاجة ، وهذا في الموضع الذي منعنا من قسمة أموالهم فيه ، أمّا في غيره فالجواز أظهر.
مسألة ٢٥٢ : لو غلب أهل البغي على بلدٍ فأخذوا الصدقات والجزية والخراج ، لم يقع ذلك موقعه ، لكن للإمام أن يجيز ذلك ؛ لأنّهم أخذوه ظلماً وعدواناً ، فلا يتعيّن في إبراء ذمّتهم ، كما لو غصبوهم مالاً غير الجزية والصدقات.
وقال الشافعي وأبو ثور من أصحاب الرأي(١) : يقع ذلك موقعه ، فإذا ظهر أهل العدل بعد ذلك عليه ، لم يكن لهم مطالبتهم بإعادة ذلك ؛ لأنّ عليّاًعليهالسلام لمـّا ظهر على البصرة ، لم يطالب بشيء ممّا جبوه(٢) .
ولا حجّة فيه ؛ لما بيّنّا من أنّ للإمام إجازة ذلك ؛ للمشقّة الحاصلة من تكليف إعادة ذلك من الناس خصوصاً إذا أقاموا في البلد سنين متطاولة.
____________________
(١) كذا ، وفي المغني والشرح الكبير : وأبو ثور وأصحاب الرأي.
(٢) مختصر المزني : ٢٥٨ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ - ٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٤ ، المغني ١٠ : ٦٦ - ٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧١.
وأمّا الحدود إذا أقاموها : قال الشيخ : لا تعاد عليهم مرّة اُخرى ؛ للمشقّة(١) .
مسألة ٢٥٣ : إذا زالت يد أهل البغي عن البلد وملكه أهل العدل فطالَبَهم العادلُ بالصدقات فذكروا أنّهم استوفوا منهم ، فإن لم يجز الإمام ذلك ، طالَبهم به مرّةً ثانية وإن أجازه ، فالأقرب : قبول قولهم بغير بيّنة ؛ لأنّ ربّ المال إذا ادّعى إخراج زكاته ، قُبلت دعواه بغير بيّنة.
وهل يحتاج إلى اليمين؟ قال بعض الشافعيّة : نعم(٢) ، لأنّه مدّع ، فلا تقبل دعواه بغير بيّنة ، لكن لمـّا تعسّر إثبات البيّنة ، افتقر إلى اليمين ، فإن نكل ، اُخذت الزكاة ، لا بمجرّد النكول ، بل بظاهر الوجوب عليه.
أمّا لو ادّعى أداء الخراج ، قال الشيخرحمهالله : لا يُقبل قوله ، بخلاف الزكاة ؛ لأنّها تجب على سبيل المواساة ، وأداؤها عبادة ، فلهذا قُبل قوله في أدائها ، بخلاف الخراج ؛ فإنّه معاوضة ؛ لأنّه ثمن أو اُجرة ، فلا يُقبل قوله في أدائه ، كغيره من المعاوضات(٣) .
ولو ادّعى أهل الذمّة أداء الجزية إلى أهل البغي ، لم تُقبل منهم ، لكفرهم ، ولأنّها معاوضة عن المساكنة وحقن الدماء ، فلا يقبل قولهم فيه.
مسألة ٢٥٤ : أهل البغي عندنا فُسّاق وبعضهم كفّار ، فلا تُقبل شهادتهم وإن كان عدلاً في مذهبه ، لقوله تعالى :( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا ) (٤)
____________________
(١) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٦.
(٢) الاُمّ ٤ : ٢٢٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ - ٢٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٧.
(٤) الحجرات : ٦.
ولقوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .
وسواء في ذلك أن يشهد لهم أو عليهم ، وسواء كان على طريق التديّن أو لا على وجه التديّن.
وقال أبو حنيفة : تُقبل شهادتهم ، وهُمْ فُسّاق ؛ لأنّ أهل البغي بخروجهم عن طاعة الإمام والبغي قد فسقوا ولكن تُقبل شهادتهم ؛ لأنّ فسقهم من جهة الدين ، فلا تُردّ به الشهادة ، وقد قبل شهادة الكفّار بعضهم على بعض(٢) .
وأطبق الجمهور كافّة على قبول شهادتهم(٣) .
وقال أكثر العامّة : أقبل شهادته إذا كان ممّن لا يرى أنّه يشهد لصاحبه بتصديقه كالخطّابيّة ؛ فإنّهم يعتقدون تحريم الكذب والإقدام على اليمين الكاذبة ، فإذا كان لبعضهم حقٌّ على مَنْ يجحده ولا شاهد له به فذكر ذلك لبعض أهل مذهبه وحلف له أنّه صادق فيما يدّعيه ، ساغ له في مذهبه أن يشهد له بدعواه(٤) .
وعندنا لا تُقبل شهادة مَنْ خالف الحقَّ من سائر الفِرَق على ما يأتي.
وأمّا الحكم والقضاء بين الناس : فإنّه لا يجوز عندنا إلّا بإذن الإمام أو مَنْ نصبه الإمام ، فإذا نصب أهل البغي قاضياً ، لم ينفذه قضاؤه مطلقاً ، سواء
____________________
(١) هود : ١١٣.
(٢) المغني ١٠ : ٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٦.
(٣) المغني ١٠ : ٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢ ، مختصر المزني : ٢٥٨ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.
(٤) اُنظر : الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٦ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢ ، و ١٣ : ١٣٠ - ١٣١.
حكم بحقٍّ أو باطل ؛ لأنّه فاسق بمجرّد التولية ، والعدالة عندنا شرط في القضاء.
وقال أبو حنيفة : إن كان قاضيهم - الذي نصبوه - من أهل العدل ، نفذ قضاؤه ، وإن كان من أهل البغي ، لم ينفذ(١) .
وقال الشافعي : ينفذ مطلقاً ، سواء كان من أهل البغي أو من أهل العدل إذا لم يستحلّ دماء أهل العدل ولا أموالهم. وإن استحلّ ذلك ، لم ينفذ حكمه إجماعاً(٢) .
وقال بعض الشافعيّة : ينفذ قضاء أهل البغي مطلقاً رعايةً لمصلحة الرعاياً(٣) .
وقال آخرون منهم : مَنْ ولّاه صاحب الشوكة نفذ قضاؤه وإن كان جاهلاً أو فاسقاً(٤) .
ولو كتب قاضي البُغاة كتاباً ، لم يجز لأحد من القُضاة إنفاذه عندنا ، خلافاً لبعض الشافعيّة(٥) .
وقال بعضهم : يستحبّ أن لا يقبل ؛ استخفافاً لهم وإهانة(٦) .
ولو كتب قاضيهم بسماع البيّنة دون الحكم المبرم ، لم يحكم به قاضينا.
____________________
(١) الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ ، المغني ١٠ : ٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٤.
(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٢٠ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣ ، المغني ١٠ : ٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٤.
(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.
(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢.
(٥ و ٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٤.
وللشافعي قولان :
أحدهما كما قلنا ؛ لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم.
وأصحّهما عنده : نعم ؛ لأنّ الكتاب الذي يرد يتعلّق برعايانا ، وإذا نفذ حكم قاضيهم لمصلحة رعاياهم فلأن تُراعى مصالح رعايانا أولى(١) .
مسألة ٢٥٥ : مَنْ قُتل من أهل العدل في المعركة لا يُغسَّل ولا يُكفَّن ، ويُصلى عليه ، عندنا.
ومَنْ قُتل من أهل البغي لا يغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلّى عليه ، عندنا ؛ لأنّه كافر.
وقال مالك والشافعي وأحمد : يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه ، لقولهعليهالسلام : « صلّوا على من قال : لا إله إلاّ الله »(٢) (٣) .
وليس عامّاً عندهم ؛ لخروج الشهيد عنه. ولأنّ مَنْ لم يعترف بالنبوّة مُخرَج عنه.
وقال أصحاب الرأي : إن لم تكن لهم فئة ، صُلّي عليهم. وإن كان لهم فئة ، لم يُصلّ عليهم ؛ لأنّه يجوز قتلهم في هذه الحالة ، فأشبهوا الكفّار(٤) .
وقال أحمد : لا يصلّى على الخوارج ، كالشهيد(٥) .
____________________
(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٤ ، منهاج الطالبين : ٢٩١.
(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٣ و ٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٤٤٧ / ١٣٦٢٢ ، حلية الأولياء ١٠ : ٣٢٠.
(٣) المغني ١٠ : ٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١ ، الوجيز ١ : ٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٢ : ٤٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ١٤٢ ، المجموع ٥ : ٢٦٧ ، روضة الطالبين ١ : ٦٣٤.
(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١.
وقال مالك : لا يصلّى على الأباضيّة ولا القدريّة وسائر [ أهل ](١) الأهواء(٢) .
مسألة ٢٥٦ : إذا فعل أهل البغي حال امتناعهم ما يوجب الحدّ ، اُقيم عليهم مع القدرة - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وابن المنذر(٣) - لعموم الآيات والأحاديث الدالّة على وجوب الحدّ مطلقاً.
وقال أصحاب الرأي : إذا امتنعوا بدار الحرب ، لم يجب الحدّ عليهم ولا على مَنْ عندهم من تاجر أو أسير ؛ لأنّهم خرجوا عن دار الإمام ، فأشبهوا أهل دار الحرب(٤) .
ونمنع ثبوت الحكم في الأصل إن كان مسلماً ، فإنّا نوجب عليه الحدّ لكن تكره إقامته في دار الحرب ، فإذا جاء إلى دار الإسلام ، اُقيم عليه.
ولأنّ كلّ موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها ، كدار العدل.
مسألة ٢٥٧ : يجوز للعادل قصد الباغي بالقتل ؛ لأنّه محكوم بكفره ، فجاز قصده بالقتل ، كالحربيّ ، خلافاً لبعض العامّة ؛ حيث منعوا منه ، بل يقصد دفعهم وتفريق جمعهم(٥) .
قال ابن الجنيد : لا يستحبّ أن يبدأ والي المسلمين أهل البغي بحربٍ وإن كان قد استحقّوا بفعلهم المتقدّم القتلَ ، إلّا أن يبدؤونا هُمْ بالقتال ؛
____________________
(١) أضفناها من الشرح الكبير ، وكما في منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٩٩٠ ، وفي المغني : أصحاب الأهواء.
(٢) المدوّنة الكبرى ١ : ١٨٢ ، المغني ١٠ : ٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١.
(٣) المغني ١٠ : ٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٨.
(٤) المغني ١٠ : ٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٥.
(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٩.
لجواز حدوث إرادة التوبة ، فإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يقول في كلّ موطن : « لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنّكم بحمد الله على حجّة وترككم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجّة اُخرى »(١) .
قال : ولا يستحبّ بيات أحد من أهل البغي ولا قتاله غيلة ولا على غرّة حتى يبدروا ، وقد وصّى أمير المؤمنينعليهالسلام الأشتر بذلك(٢) .
قال الشيخرحمهالله : يكره للعادل القصد إلى أبيه الباغي أو ذي رحمه(٣) . وهو قول أكثر العلماء(٤) ؛ لقوله تعالى :( وَإِنْ جاهَداكَ ) (٥) الآية.
ولأنّ أبا بكر أراد قَتْل ابنه(٦) يوم أحد ، فنهاه النبيصلىاللهعليهوآله عن ذلك ، وقال : « دعه ليلي قتله غيرك »(٧) .
وقال بعض العامّة : لا يكره :؛ لأنّه قتل بحقّ ، فأشبه إقامة الحدود(٨) .
والفرق : بإمكان الرجوع هنا ، بخلاف استيفاء الحدّ ، فإنّه يجب وإن تاب.
إذا عرفت هذا ، فإن خالف وقَتَله ، كان جائزاً ؛ لأنه مباح الدم ، فجاز
____________________
(١) الكافي ٥ : ٣٨ / ٣.
(٢) شرح نهج البلاغة - لابن ميثم البحراني - ٤ : ٣٨١ - ٣٨٢.
(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٨.
(٤) المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢ ، مختصر المزني : ٢٥٨ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨٢.
(٥) لقمان : ١٥.
(٦) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة وكذا في المبسوط للطوسي : أبيه. وذلك تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه من المغازي للواقدي ، والكامل في التاريخ ، والحاوي الكبير.
(٧) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٩ ، المغازي - للواقدي - ١ : ٢٥٧ ، الكامل في التاريخ ٢ : ١٥٦ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٨ ، وليس فيما عدا المبسوط مقالة الرسولصلىاللهعليهوآله .
(٨) المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢.
قَتْله ، كالكافر.
ولا يمنع العادل(١) من ميراثه - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّه قَتَله بحقٍّ ، فأشبه القصاص.
وقال الشافعي : لا يرثه - وعن أحمد روايتان - لعموم قولهعليهالسلام : « ليس لقاتل شيء »(٣) (٤) .
والمراد ظلماً ؛ لأنّ القاتل حدّاً أو قصاصاً يرث إجماعاً.
ولو قتل الباغي العادلَ ، مُنع من الميراث - وبه قال الشافعي وأحمد(٥) - لأنّه قَتَله بغير حقٍّ ، فلا يرثه ، كالعمد.
وقال أبو حنيفة : لا يُمنع من الميراث ؛ لأنّه قَتَله بتأويلٍ ، فأشبه قتل العادل الباغي(٦) .
والفرق : بأنّ العادل قتل الباغي بحقٍّ ، بخلاف العكس.
مسألة ٢٥٨ : مَنْ سبَّ الله تعالى أو أحداً من أنبيائه أو ملائكته أو الإمام ، وجب قَتْله ، عندنا ؛ لأنّه كافر بذلك. وقال الجمهور : يستتاب ويُعزَّر. وسيأتي البحث فيه.
____________________
(١) بهامش « ك » : القاتل. خ ل.
(٢) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٤٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٣١ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٩ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.
(٣) الموطّأ ٢ : ٨٦٧ / ١٠ ، سنن الدار قطني ٤ : ٩٥ - ٩٦ / ٨٤ ، سنن البيهقي ٨ : ٣٨ ، مسند أحمد ١ : ٨٠ / ٣٤٩ و ٣٥٠.
(٤) الحاوي الكبير ١٣ : ١٤٠ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.
(٥) مختصر المزني : ٢٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٥١٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.
(٦) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٣١ - ١٣٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٢ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.
وأمّا الردّة : فهي الخروج عن الملّة بالكفر ، فمانع الزكاة ليس بمرتدٍّ ، ويجب قتاله حتى يدفع الزكاة ، فإن دَفَعها ، وإلّا قُتل.
ولو منعها مستحلّاً للمنع ، كان مرتدّاً. وكذا كلّ مَن اعتقد عدم وجوب ما عُلم من الدين ثبوته بالضرورة.
وقال بعض العامّة : إنّ مانع الزكاة مرتدّ وإن كان مسلما(١) . وليس بمعتمد.
فإذا أتلف المرتدّ مالاً أو نفساً حال ردّته ، ضمن ، سواء تحيّز به وصار في منْعةٍ أو لا ؛ لقوله تعالى :( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) (٢) .
وما رواه العامّة عن أبي بكر أنّه قال لأهل الردّة حين رجعوا : تردّون علينا ما أخذتم منّا ، ولا نردّ عليكم ما أخذنا منكم ، وأن تدوا قَتْلانا ، ولا ندي قَتْلاكم ، قالوا : نعم(٣) .
وقال الشافعي : لا ضمان عليه - وبه قال أحمد في الأنفس ، وقال في الأموال بقولنا - لأنّ تضمينهم يؤدّي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الإسلام ، فأشبهوا أهل البغي(٤) .
ونمنع الحكم في الأصل ، ولأنّه يؤدّي إلى كثرة الفساد.
ولو قصد رجل رجلاً أو امرأةً ، يريد نفسه أو ماله أو حريمه أو الفساد به ، فله أن يقاتله ويدفعه عن نفسه بأقّل ما يمكنه دفعه به إجماعاً وإن أتى ذلك على نفسه ؛ لقولهعليهالسلام : « مَنْ قُتل دون ماله فهو شهيد »(٥) .
____________________
(١) اُنظر : المغني ٢ : ٤٣٥.
(٢) البقرة : ١٩٤.
(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠.
(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٧٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٦١ / ٢٥٨٠ ، سنن الترمذي ٤ : =
والأقوى عندي : أنّه إن ظنّ التلف ، وجب دفع المال والتوقّي به.
ولو قُتل القاصد ، لم يجب على القاتل قِوَدٌ ولا دية ولا كفّارة.
وهل يجب عليه أن يدفع عن نفسه؟ الحقّ عندنا ذلك ؛ لقوله تعالى :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (١) وهو أحد قولي الشافعي(٢) .
والثاني : لا يجب ؛ لأنّ عثمان بن عفّان استسلم للقتال مع القدرة على الدفع(٣) .
والثانية ممنوعة ، مع أنّ فعله ليس حجّةً.
أمّا المال فلا يجب الدفاع عنه.
والمرأة والصبي يجب عليهما الدفاع عن فرجهما ؛ لأنّ التمكين منهما محرَّم ، وفي ترك الدفع نوع تمكين.
ثمّ المدافع عن نفسه وماله وفرجه إن أمكنه التخلّص بالهرب ، وجب - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأنّه أسهل طريقٍ إلى الدفع.
والثاني : لا يلزمه ؛ لأنّ إقامته في مكانه مباح له ، فلا يلزمه أن ينصرف عنه لأجل غيره(٥) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ في الانصراف حفظَ النفس ، فوجب.
وكذا المضطرّ إلى أكل ميتة أو نجاسة أو شُرْب نجسٍ يجب عليه
____________________
= ٢٨ / ١٤١٨ ، و ٢٩ / ١٤١٩ ، سنن النسائي ٧ : ١١٥ - ١١٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، و ٨ : ١٨٧ ، ٣٣٥ ، مسند أحمد ١ : ١٢٧ / ٥٩١.
(١) البقرة : ١٩٥.
(٢ و ٣) الحاوي الكبير ١٣ : ٤٥٥ - ٤٥٦ ، الوجيز ٢ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣١٤ - ٣١٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٣٩٣.
(٤ و ٥) الوجيز ٢ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٣٩٣.
تناوله لحفظ الرمق. وهو أحد وجهي الشافعي(١) .
والثاني : لا يجب ؛ لأنّه يتوقّى النجاسة(٢) .
وليس بجيّد ؛ لأنّ النجاسة حكم شرعي وقد عُفي عنه ، فلا يتلف نفسه لذلك.
____________________
(١ و ٢) الوجيز ٢ : ٢١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١٢ : ١٥٨ - ١٥٩ ، روضة الطالبين ٢ : ٥٤٨ - ٥٤٩.
الفصل السابع : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مقدّمة : الأمر طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء ، والنهي نقيضه. ولا يشترط العلوّ. والمعروف هو الفعل الحسن المختصّ بوصف زائد على حسنه إذا عرف فاعله ذلك أو دلّ عليه. والمنكر هو الفعل القبيح إذا عرف فاعله ذلك أو دلّ عليه.
والحسن ما للقادر عليه المتمكّن منه ومن العلم بحُسْنه أن يفعله ، وأيضاً ما لم يكن على صفة تؤثّر في استحقاق الذمّ. والقبيح هو الذي ليس للمتمكّن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله ، أو الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذمّ.
والحسن شامل للمباح والمندوب والواجب والمكروه ، والقبيح هو الحرام ، وقد يُطلق في العرفِ الحسنُ على مالَه مدخلٌ في استحقاق المدح ، فيتناول الواجب والمندوب خاصّة.
مسألة ٢٥٩ : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضلٌ عظيم وثوابٌ جزيل.
قال الله تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (١) وقال تعالى :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ * كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) (٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ رجلاً من خَثْعم جاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال : يا رسول الله أخبرني ما أفضل الإسلام؟ قال : الإيمان بالله ، قال : ثمّ ما ذا؟ قال : صلة الرحم ، قال : ثمّ ما ذا؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : فقال الرجل : فأيّ الأعمال أبغض إلى الله عزّ وجلّ؟ قال : الشرك بالله ، قال : ثم ما ذا؟ قال : قطيعة الرحم ، قال : ثمّ ما ذا؟ قال : ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٣) »(٤) .
وقد حذّر الله تعالى في كتابه عن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٥) الآية ، وقوله تعالى :( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ) (٦) .
وقال أبو الحسنعليهالسلام : « لتأمرنّ(٧) بالمعروف ولتنهنّ(٨) عن المنكر أو
____________________
(١) آل عمران : ١١٠.
(٢) المائدة : ٧٨ و ٧٩.
(٣) في المصدر : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
(٤) الكافي ٥ : ٥٨ / ٩ ، التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٥.
(٥) المائدة : ٧٨.
(٦) النساء : ١١٤.
(٧ و ٨) في التهذيب : « لتأمرون ولتنهون ».
ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم »(١) .
وقال الباقرعليهالسلام : « ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « ما قدست اُمّة لم تأخذ(٣) لضعيفها من قويّها بحقّه غير مضيع(٤) »(٥) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء »(٦) .
وقال الصادقعليهالسلام لقوم من أصحابه : « إنّه قد حقّ لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم ، وكيف لا يحقّ لي ذلك!؟ وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه »(٧) .
مسألة ٢٦٠ : المعروف قسمان : واجب وندب ، فالأمر بالواجب واجبٌ ، وبالمندوب ندبٌ. وأمّا المنكر فكلّه حرام ، فالنهي عنه واجب ، ولا خلاف في ذلك.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٥٦ / ٣ ، التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٢.
(٢) الكافي ٥ : ٥٦ - ٥٧ / ٤ ، التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٣ ، وفيهما عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
(٣) في الكافي : لم يؤخذ.
(٤) كذا ، وفي الكافي : متعتع. وفي التهذيب : متضع.
(٥) الكافي ٥ : ٥٦ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٨٠ / ٣٧١.
(٦) التهذيب ٦ : ١٨١ / ٣٧٣ ، وفيه : « على البرّ والتقوى ».
(٧) التهذيب ٦ : ١٨١ - ١٨٢ / ٣٧٥.
قال الله تعالى :( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (١) وقال( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (٢) .
وقال الباقرعليهالسلام : « يكون في آخر الزمان قوم يتبع(٣) فيهم قوم مراؤن يتقرّؤون ويتنسّكون حدثاء سفهاء لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلّا إذا أمنوا الضرر ، يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير ، يتبعون زلّات العلماء وفساد علمهم(٤) ، يُقبلون على الصلاة والصيام وما لا يكْلِمُهم في نفسٍ ولا مال ، ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أتمّ الفرائض وأشرفها ، إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض ، هناك يتمّ غضب الله عليهم فيعمّهم بعقابه فيهلك الأبرار في دار الفجّار والصغار في دار الكبار، إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل لأنبياء ومنهاج الصالحين ، فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء ، ويستقيم الأمر ، فأنكروا بقلوبكم ، وألفظوا بألسنتكم ، وصكّوا بها جباههم ، ولا تخافوا في الله لومة لائم ، فإن اتّعظوا وإلى الحقّ رجعوا ، فلا سبيل عليهم( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٥) هنالك فجاهدوهم
____________________
(١) المائدة : ٢.
(٢) الأعراف : ١٩٩.
(٣) في « ق ، ك» : ينبغ.
(٤) في الكافي : عملهم.
(٥) الشورى : ٤٢.
بأبدانكم ، وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً ولا مريدين بالظلم ظفراً حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته ».
قال : « أوحى الله تعالى إلى شعيب النبيصلىاللهعليهوآله إنّي لمعذّب من قومك مائة ألف ، أربعين ألفاً من شرارهم ، وستّين ألفاً من خيارهم ، فقال : يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي »(١) .
مسألة ٢٦١ : اختلف علماؤنا في وجوبهما.
فقال بعضهم(٢) : إنّه عقليّ ؛ فإنّا كما نعلم وجوب ردّ الوديعة وقُبْح الظلم نعلم وجوب الأمر بالمعروف الواجب ، ووجوب النهي عن المنكر.
وقال بعضهم(٣) : إنّه سمعيّ ؛ لأنّه معلوم من دين النبيصلىاللهعليهوآله ، وقد دلّ السمع عليهما كما تقدّم ، ولو وجبا بالعقل ، لما ارتفع معروف ولما وقع منكر ، أو كان الله تعالى مُخلّاً بالواجب ، والتالي بقسميه باطل فالمقدّم مثله.
بيان الشرطيّة : أنّ الأمر بالمعروف هو الحمل على فعل المعروف ، والنهي عن المنكر هو المنع منه ، فلو كانا واجبين بالعقل ، لكانا واجبين على الله تعالى ؛ لأنّ كلّ واجب عقليّ فإنّه يجب على كلّ مَنْ حصل فيه وجه الوجوب ، ولو وجبا على الله تعالى ، لزم أحد الأمرين.
وأمّا بطلانهما فظاهر.
____________________
(١) الكافي ٥ : ٥٥ - ٥٦ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٨٠ - ١٨١ / ٣٧٢.
(٢) كالشيخ الطوسي في الاقتصاد : ١٤٦ - ١٤٧ وقوّى القول الثاني.
(٣) كالسيّد المرتضى وابن إدريس في السرائر : ١٦٠ ، والشيخ الطوسي في التبيان ٢ : ٥٤٩ ، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ٢٦٤.
أمّا الأوّل : فلأنّه يلزم منه الإلجاء.
وأمّا الثاني : فلأنّه تعالى حكيم يستحيل منه فعل القبيح والإخلال بالواجب.
لا يقال : الإلجاء وارد عليكم لو وجبا على المكلّف ؛ لأنّ الأمر هو الحمل ، والنهي هو المنع ، ولا فرق بين صدورهما من الله تعالى أو المكلّف في اقتضائهما الإلجاء ، وهو يُبطل التكليف.
لأنّا نقول : منع المكلّف لا يقتضي الإلجاء ؛ لأنّه لا يقتضي الامتناع ، بل هو مقرّب ، وهو يجري مجرى الحدود في اللطفيّة ، ولهذا تقع القبائح مع حصول الإنكار.
مسألة ٢٦٢ : اختلف علماؤنا في وجوبهما على الأعيان أو على الكفاية؟
فقال السيّد المرتضى : إنّهما على الكفاية(١) .
وقال الشيخ : إنّهما على الأعيان(٢) ؛ لقولهعليهالسلام : « لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر »(٣) وهو عامّ.
ونقول بموجَبه ؛ فإنّ الواجب على الكفاية يخاطب به الكلّ ، ويسقط بفعل البعض.
احتجّ السيّد : بأنّ الغرض وقوع المعروف وارتفاع المنكر ، فمتى حصلا صار التعاطي لهما عبثاً.
مسألة ٢٦٣ : شرائط وجوبه أربعة :
____________________
(١) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ١٦٠.
(٢) النهاية : ٢٩٩ ، الاقتصاد : ١٤٧.
(٣) الكافي ٥ : ٥٦ / ٣ ، وفي التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٢ بتفاوت يسير ، والحديث فيهما عن أبي الحسنعليهالسلام .
الأوّل : أن يعلم الآمر والناهي المعروف معروفاً والمنكر منكراً لئلّا يغلط فيأمر بالمنكر وينهى عن المعروف.
الثاني : أن يُجوّز تأثير إنكاره ، فلو غلب على ظنّه أو علم أنّه لا يؤثّر ، لا يجب الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. وهو شرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان واليد(١) دون القلب.
قال الصادقعليهالسلام لمـّا سُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الاُمّة جميعاً؟ فقال : « لا » فقيل : ولِمَ؟ قال : « إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضَّعَفة الذين لا يهتدون سبيلاً »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتّعظ أو جاهل فيتعلّم ، فأمّا صاحب سيف وسوط فلا »(٣) .
الثالث : أن يكون المأمور أو المنهي مُصرّاً على الاستمرار ، فلو ظهر منه الإقلاع ، سقط الوجوب ؛ لزوال علّته.
الرابع : أن لا يكون في الإنكار مفسدة على الآمر ولا على أحد من المؤمنين بسببه ، فلو ظنّ توجّه الضرر إليه أو إلى ماله أو إلى أحد من المسلمين ، سقط الوجوب.
مسألة ٢٦٤ : مراتب الإنكار ثلاثة :
الاُولى : بالقلب ، وهو يجب مطلقاً ، وهو أوّل المراتب ، فإنّه إذا علم أنّ فاعله ينزجر بإظهار الكراهة ، وجب عليه ذلك. وكذا لو عرف أنّه
____________________
(١) في الطبعة الحجريّة : باليد واللسان.
(٢) التهذيب ٦ : ١٧٧ / ٣٦٠ ، وفي الكافي ٥ : ٥٩ / ١٦ بتفاوت في بعض الألفاظ.
(٣) الكافي ٥ : ٦٠ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٧٨ / ٣٦٢ بتفاوت يسير.
لا يكفيه ذلك وعرف الاكتفاء بنوعٍ من الإعراض عنه والهجر ، وجب عليه ذلك ؛ لقول الصادقعليهالسلام في الحديث السابق(١) : « وكيف لا يحقّ لي ذلك!؟ وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه ».
الثانية : باللسان ، فإذا لم ينزجر بالقلب والإعراض والهجر ، أنكر باللسان بأن يعظه ويزجره ويخوّفه ، ويتدرّج في الإنكار بالأيسر من القول إلى الأصعب.
الثالثة : باليد ، فإذا لم ينجع(٢) القول والوعظ والشتم ، أمر ونهى باليد بأن يضرب عليهما ؛ لقول الصادقعليهالسلام : « ما جعل الله عزّ وجلّ بسط اللسان وكفّ اليد ولكن جعلهما يبسطان معاً ويكفّان معاً »(٣) .
ولو افتقر إلى الجراح والقتل ، قال السيّد المرتضى : يجوز ذلك بغير إذن الامام(٤) .
وقال الشيخرحمهالله : ظاهر مذهب شيوخنا الإماميّة أنّ هذا الجنس من الإنكار لا يكون إلّا للأئمّة أو لمن يأذن له الإمام فيه.
قالرحمهالله : وكان المرتضىرحمهالله يخالف في ذلك ويقول : يجوز فعل ذلك بغير إذنه ؛ لأنّ ما يفعل بإذنه يكون مقصوداً ، وهذا بخلاف ذلك ؛ لأنّه غير مقصود ، وإنّما قصده المدافعة والممانعة ، فإن وقع ضرر ، فهو غير
____________________
(١) سبق في ص ٤٣٩.
(٢) نجع فيه القول والخطاب والوعظ : عمل فيه ودخل وأثّر. لسان العرب ٨ : ٣٤٨ « نجع ».
(٣) الكافي ٥ : ٥٥ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٦٩ / ٣٢٥.
(٤) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الاقتصاد : ١٥٠.
مقصود(١) . وقد أفتى الشيخ بذلك أيضاً في كتاب التبيان(٢) .
مسألة ٢٦٥ : لا يجوز لأحدٍ إقامة الحدود إلّا الإمام(٣) أو مَنْ نصبه الإمام لإقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حالٍ.
وقد رُخص في حال غيبة الإمام أن يُقيم الإنسان الحدَّ على مملوكه إذا لم يخف ضرراً على نفسه وماله وغيره من المؤمنين ، وأمن بَوائق الظالمين.
قال الشيخ : وقد رُخص أيضاً في حال الغيبة إقامة الحدّ على ولده وزوجته إذا أمن الضرر(٤) .
ومَنَع ابن إدريس ذلك في الولد والزوجة ، وسلّمه في العبد(٥) .
وفي رواية حفص بن غياث أنّه سأل الصادقعليهالسلام : مَنْ يُقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟ فقال : « إقامة الحدود إلى مَنْ إليه الحكم »(٦) .
وهل يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال الغيبة؟ جزم به الشيخان(٧) ؛ عملاً بهذه الرواية ، كما يأتي(٨) أنّ للفقهاء الحكم بين الناس ، فكان إليهم إقامة الحدود ، ولما في تعطيل الحدود من الفساد.
وقد روي أنّ من استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل إليه إقامة
____________________
(١) الاقتصاد : ١٥٠.
(٢) التبيان ٢ : ٥٤٩ و ٥٦٦.
(٣) في « ق ، ك» : للإمام.
(٤) النهاية : ٣٠١.
(٥) السرائر : ١٦١.
(٦) الفقيه ٤ : ٥١ / ١٧٩ ، التهذيب ١٠ : ١٥٥ / ٦٢١.
(٧) المقنعة : ٨١٠ ، النهاية : ٣٠٢.
(٨) يأتي في المسألة التالية (٢٦٦).
الحدود ، جاز له أن يُقيمها عليهم على الكمال ، ويعتقد أنّه إنّما يفعل ذلك بإذن سلطان الحقّ لا بإذن سلطان الجور ، ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك ما لم يتعدّ الحقَّ في ذلك وما هو مشروع في شريعة الإسلام ، فإن تعدّى مَنْ جُعل إليه الحقّ ، لم يجز له القيام به ولا لأحدٍ معونته على ذلك(١) .
ومَنَع ابن إدريس(٢) ذلك(٣) .
نعم ، لو خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها ، جاز له ذلك ؛ للتقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس ، فإن بلغ الحال ذلك ، لم يجز فعله ، ولا تقيّة فيها على حالٍ.
مسألة ٢٦٦ : الحكم والفتيا بين الناس منوط بنظر الإمام ، فلا يجوز لأحدٍ التعرّض له إلّا بإذنه. وقد فوّض الأئمّةعليهمالسلام ذلك إلى فقهاء شيعتهم ، المأمونين المحصّلين(٤) العارفين بالأحكام ومداركها ، الباحثين عن مأخذ الشريعة ، القيّمين بنصب الأدلّة والأمارات ؛ لأنّ عمر بن حنظلة سأل الصادقَعليهالسلام عن رجلين من أصحابنا تكون بينهما منازعة في دَيْنٍ أو ميراث فتحاكما إلى الطاغوت أو إلى السلطان أيحلّ ذلك؟ فقال : « مَنْ تحاكم إلى الطاغوت(٥) فحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً ، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله تعالى أن يكفر به » قلت : كيف يصنعان؟ قال « انظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ونظر في
____________________
(١) النهاية - للطوسي - ٣٠١ ، والسرائر : ١٦١.
(٢) السرائر : ١٦١.
(٣) في الطبعة الحجريّة : من ذلك.
(٤) في « ك» والطبعة الحجريّة : المخلصين.
(٥) في « ق ، ك» طاغوت.
حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فلترضوا به حاكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم الله استخفّ وعلينا ردّ ، والرادّ علينا رادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله عزّ وجلّ »(١) .
وروى أبو خديجة عن الصادقعليهالسلام ، قال : « إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا(٢) فاجعلوه بينكم فإنّي جعلته قاضياً فتحاكموا إليه »(٣) .
إذا عرفت هذا ، فينبغي لمن عرف الأحكام ومأخذها من الشيعة الحكمُ والإفتاء وله بذلك أجر عظيم ما لم يخَفْ في ذلك على نفسه أو على أحدٍ من المؤمنين ، فإن خاف شيئاً من ذلك ، لم يجز له التعرّض بحالٍ.
مسألة ٢٦٧ : لو طلب أحد الخصمين المرافعة إلى قُضاة الجور ، كان متعدّياً للحقّ ، مرتكباً للإثم ، مخالفاً للإمام ؛ لقول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - : « أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاضٍ أو سلطانٍ جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم »(٤) .
ويجب على كلّ متمكّن منع الطالب لقُضاة الجور ، ومساعدة غريمه على المرافعة إلى قُضاة الحقّ بلا خلاف.
وإذا ترافع إلى الفقيه - العارف بالأحكام ، الجامع لشرائط الحكم - خصمان ، وجب عليه الحكم بينهما على مذهب أهل الحقّ ، ولا يجوز له أن يحكم بما يخالف الحقّ من المذاهب ، لقوله تعالى :( وَمَنْ
____________________
(١) الكافي ٧ : ٤١٢ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٢١٨ / ٥١٤ بتفاوت في بعض الألفاظ.
(٢) في التهذيب والطبعة الحجريّة : قضايانا.
(٣) الكافي ٧ : ٤١٢ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٢١٩ / ٥١٦.
(٤) الكافي ٧ : ٤١١ / ١ ، الفقيه ٣ : ٣ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٢١٨ - ٢١٩ / ٥١٥.
لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (١) .
وقول الصادقعليهالسلام - في الصحيح - : « مَنْ حَكَم في درهمين بغير ما أنزل الله عزّ وجلّ فهو كافر بالله العظيم »(٢) .
إذا ثبت هذا ، فلو اضطرّ إلى الحكم بمذهب أهل الخلاف بأن يكون قد اضطرّ إلى الولاية من قِبَلهم ولم يتمكّن من إنفاذ الحكم بالحقّ ، جاز له ذلك ما لم يبلغ إلى الدماء ؛ فإنّه لا تقيّة فيها ، ويجتهد في تنفيذ الأحكام على الوجه الحقّ ما أمكن ؛ للضرورة الداعية إليه.
ولقول زين العابدينعليهالسلام : « إذا كنتم في أئمّة جور فاقضوا في أحكامهم ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا ، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم »(٣) .
إذا ثبت هذا ، فلو تمكّن من إنفاذ الحكم بالحقّ وحَكَم بحكم أهل الخلاف ، كان آثماً ضامناً؛ لأنّ عليّاًعليهالسلام اشتكى عينه فعاده رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإذا عليّعليهالسلام يصيح ، فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : « أجزعاً أم وجعاً يا عليّ؟ » فقال : « يا رسول الله ما وجعت وجعاً أشدّ منه » قال : « يا عليّ إنّ ملك الموت إذا نزل ليقبض روح الفاجر أنزل معه سفّوداً(٤) من نار فيقبض روحه به ، فتصيح(٥) جهنّم » فاستوى عليّعليهالسلام جالساً فقال : « يا رسول الله أعد عليَّ حديثك فقد أنساني وجعي ما قلت ، فهل يصيب ذلك أحداً من اُمّتك؟ » فقال : « نعم ، حُكّاماً جائرين ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور »(٦) .
____________________
(١) المائدة : ٤٤.
(٢) الكافي ٧ : ٤٠٨ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٢٢١ / ٥٢٣.
(٣) الفقيه ٣ : ٣ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٢٢٥ / ٥٤٠.
(٤) السفّود : حديدة ذات شُعب يُشوى به اللحم. لسان العرب ٣ : ٢١٨ « سفد ».
(٥) في « ق ، ك» : فتضجّ.
(٦) التهذيب ٦ : ٢٢٤ / ٥٣٧ بتفاوت في بعض الألفاظ.
مسألة ٢٦٨ : يجوز لفقهاء الشيعة ، العارفين بمدارك الأحكام ، الجامعين لشرائط الحكم الافتاءُ بين الناس. ويجب عليهم ذلك حال غيبة الإمامعليهالسلام إذا أمنوا الضرر ولم يخافوا على أنفسهم ولا على أحدٍ من المؤمنين.
قال الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) (١) الآية ، وقال تعالى :( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (٢) .
وقال الباقرعليهالسلام : « لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله مَنْ نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له ، ورجلاً خان أخاه في امرأته ، ورجلاً احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة »(٣) .
إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب على المفتي الإفتاءُ عن معرفةٍ لا عن تقليدٍ. وإنّما يحلّ له الإفتاء بعد المعرفة بالأحكام ومداركها والاُصول والنحو الذي يحتاج إليه في ذلك ، واللغة المحتاج إليها فيه ، ولا يحلّ له الإفتاء بغير علمٍ ؛ لقول الباقرعليهالسلام - في الصحيح - : « مَنْ أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدى من الله لعنَتْه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وِزْرُ مَنْ عمل بفتياه »(٤) .
ولو خاف على نفسه من الإفتاء بالحقّ ، جاز له - مع الضرر وخوفه - الإفتاءُ بمذاهب أهل الخلاف والسكوت ؛ لأنّا جوّزنا الحكم بمذهب
____________________
(١) البقرة : ١٥٩.
(٢) التوبة : ١٢٢.
(٣) التهذيب ٦ : ٢٢٤ / ٥٣٤.
(٤) الكافي ٧ : ٤٠٩ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٢٢٣ / ٥٣١.
الخلاف للضرورة فالإفتاء أولى.
ويجوز لفقهاء الحقّ أن يُجمّعوا بين الناس في الصلوات ، ويستحبّ ذلك استحباباً مؤكّداً مع الأمن.
وقد اختلف علماؤنا في الجمعة حال الغيبة والأمن والتمكّن من الخطبتين على ما يسوغ ، فجوّزه بعض(١) علمائنا ، ومنعه آخرون(٢) .
ولا يجوز لأحدٍ أن يُعرّض نفسه للتولّي من قِبَل الظالمين ، إلّا أن يعلم أنّه لا يتعدّى الواجب ولا يرتكب القبيح ويتمكّن من وضع الأشياء مواضعها ، فإن علم أو ظنّ أنّه يُخلّ بشيء من ذلك، لم يجز له التعرّض لذلك مع الاختيار ، فإن اُكره ، جاز له ، ويجتهد في تنفيذ الأحكام على مذهب الحقّ ما أمكن.
____________________
(١) كالشيخ الطوسي في النهاية : ٣٠٢ ، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥١.
(٢) منهم سلّار في المراسم : ٢٦١ ، وابن إدريس في السرائر : ١٦١.
الفصل الثامن : في الرباط
الرباط فيه فضلٌ كثير وثوابٌ عظيم.
قال سلمان : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : « رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، واُجري عليه رزقه ، وأمن الفتّان »(١) .
ومعنى الرباط الإقامةُ عند الثغر لحفظ بيضة الإسلام. وأقلّه ثلاثة أيّام ، وأكثره أربعون يوماً ، فإن زاد ، كان جهاداً ثوابه ثواب المجاهدين.
وقال أحمد : لا طرف له في القلّة(٢) .
وليس جيّداً ؛ لأنّه لا يصدق على المجتاز في الثغر أنّه مرابط.
ولقول الباقر والصادقعليهماالسلام : « الرباط ثلاثة أيّام ، وأكثره أربعون يوماً ، فإذا جاز(٣) ذلك فهو جهاد »(٤) .
والرباط حال ظهور الإمام أشدّ استحباباً ، أمّا حال الغيبة فلا يتأكّد استحبابها وإن كانت مستحبّةً ؛ لأنّها لا تتضمّن قتالاً ، بل حفظاً وإعلاماً.
وأفضل الرباط المقام بأشدّ الثغور خوفاً ؛ لشدّة الحاجة هناك ، وكثرة النفع بمقامه به.
____________________
(١) أورده ابنا قدامة في المغني ١٠ : ٣٧٠ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٦٩. وفي صحيح مسلم ٣ : ١٥٢٠ / ١٩١٣ ، وسنن البيهقي ٩ : ٣٨ ، والمعجم الكبير - للطبراني - ٦ : ٢٦٦ / ٦١٧٧ ، و ٢٦٧ / ٦١٧٨ بتفاوت.
(٢) المغني ١٠ : ٣٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٦٩.
(٣) في المصدر : جاوز.
(٤) التهذيب ٦ : ١٢٥ / ٢١٨.
فإن رابط حال ظهور الإمام بإذنه وسوّغ له القتال ، جاز له ، وإن كان مستتراً أو لم يسوّغ له القتال ، لم يجز القتال ابتداءً ، بل يمنع الكفّار من الدخول إلى دار الإسلام ، ويُعلم المسلمين بأحوالهم ، فإن قاتلوه ، جاز له مقاتلتهم ، ويقصد بذلك الدفع عن نفسه وعن بيضة الإسلام.
مسألة ٢٦٩ : تستحبّ المرابطة بنفسه وغلامه وفرسه. ويكره له نقل الذرّيّة والأهل إلى الثغور المخوفة ؛ لجواز استيلاء الكفّار عليهم ، وظفر العدوّ بالذراري والنسوان مع ضعفهم عن الهرب.
ولو عجز عن المرابطة بنفسه ، رابط فرسه أو غلامه أو جاريته ، أو أعان المرابطين.
وينبغي لأهل الثغور أن يجتمعوا في المساجد للصلوات ؛ لأنّه ربما جاءهم الكفّار دفعةً فخافوا بسبب كثرتهم.
ويستحبّ الحرس في سبيل الله.
قال ابن عباس : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : « عينان لا تمسّهما النار : عين بكَتْ من خشية الله ، وعين باتَتْ تحرس في سبيل الله »(١) .
مسألة ٢٧٠ : لو نذر المرابطة ، وجب عليه الوفاء به ، سواء كان الإمام ظاهراً أو غائباً ؛ لأنّه نذر في طاعة ، فيجب الوفاء به ، كغيره من الطاعات ، إلّا أنّه لا يبدأ العدوَّ بالقتال ولا يجاهدهم إلّا دفعاً عن الإسلام والنفس ؛ لقول [ أبي الحسن ](٢) عليهالسلام : « يرابط ولا يقاتل ، فإن خاف على بيضة الإسلام
____________________
(١) سنن الترمذي ٤ : ١٧٥ / ١٦٣٩ ، وعنه في المغني ١٠ : ٣٧٥ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٧٣.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الصادق. وما أثبتناه من المصدر.
والمسلمين قاتَل ، فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان ، لأنّ في درس الإسلام درس ذكر محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(١) .
ولو نذر أن يصرف شيئاً من ماله إلى المرابطين ، وجب الوفاء به ، سواء كان الإمام ظاهراً أو مستتراً ؛ لأنّه نذر في طاعة ، فوجب الوفاء به ، كغيره من الطاعات.
وقال الشيخرحمهالله : إن كان في حال ظهور الإمام ، وجب الوفاء به ، وإلّا لم يجب ، إلّا أن يخاف الشنعة من تركه ، فيجب عليه حينئذٍ صرفه في المرابطة. وإذا لم يخف ، صرف في أبواب البرّ(٢) ؛ لرواية علي بن مهزيار(٣) .
مسألة ٢٧١ : لو آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة ، وجب عليه الوفاء ؛ لأنّها إجارة على فعل طاعة ، فلزمت ، كالجهاد. ولا فرق بين حال ظهور الإمام وغيبته.
وقال الشيخرحمهالله بذلك حال ظهور الإمام ، وأمّا حال غيبته فلا يلزمه الوفاء بالعقد ، ويردّ على المؤجر ما أخذه منه ، فإن لم يجده ، فعلى ورثته ، فإن لم يكن له ورثة ، لزمه الوفاء به(٤) .
والمعتمد : ما قلناه ، غير أنّه لا يقصد بالجهاد الدعاءَ إلى الإسلام ؛ لأنّه مخصوص بالإمام ونائبه ، بل يقصد الدفاع عن نفسه وعن الإسلام. ومتى قُتل المرابط ، كان شهيداً.
____________________
(١) التهذيب ٦ : ١٢٥ / ٢١٩ بتفاوت يسير.
(٢) النهاية : ٢٩١ ، المبسوط - للطوسي - ٢ : ٨ - ٩.
(٣) التهذيب ٦ : ١٢٦ / ٢٢١.
(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٩.
تمّ الجزء السادس(١) من كتاب تذكرة الفقهاء بحمد الله ومنّه على يد مصنّفه العبد الفقير إلى الله تعالى ، حسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي أعانه الله على طاعته.
وفرغ من تصنيفه وكتابته في ثاني عشري شهر ربيع الأوّل من سنة تسع عشرة وسبعمائة بالحلّة. ويتلوه في الجزء السابع(٢) بتوفيق الله تعالى :
القاعدة الثانية في العقود ، وفيه كُتب : كتاب البيع ، وفيه مقاصد : الأوّل : في أركانه ، وفيه فصول.
والحمد لله وحده ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين(٣) .
____________________
(١ و ٢) حسب تجزئة المصنّفقدسسره .
(٣) جاء في آخر نسخة « ق » هكذا : ووافق الفراغ منه على يد الفقير إلى الله الغني ، علي بن منصور بن حسين المزيدي آمنه الله يوم الفزع الأكبر ، وجعل أئمّته ذخيرته في المحشر ، يوم الاثنين رابع عشري شهر شعبان المبارك ، سنة أربع وسبعين وثمانمائة. والحمد لله وحده ، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
فهرس
كتاب الجهاد ٦
الأوّل : فيمن يجب عليه مسألة ١ : ٨
مسألة ٢ : مسألة ٣ : ١٠
مسألة ٤ : ١١
مسألة ٥ : ١٢
مسألة ٦ : ١٤
مسألة ٧ : ١٥
مسألة ٨ : ١٩
مسألة ٩ : ٢٠
مسألة ١٠ : ٢١
مسألة ١١ : مسألة ١٢ : ٢٦
فروع : ٣٢
مسألة ١٣ : ٣٧
مسألة ١٤ : مسألة ١٥ : ٣٨
الفصل الثاني فيمن يجب جهاده ، وكيفية الجهاد الأوّل : من يجب جهاده مسألة ١٦ : ٤٢
مسألة ١٧ : ٤٤
مسألة ١٨ : ٤٧
البحث الثاني : في الجند مسألة ١٩ : ٤٩
مسألة ٢٠ : مسألة ٢١ : ٥٠
مسألة ٢٢ : ٥٢
مسألة ٢٣ : ٥٣
مسألة ٢٤ : ٥٤
مسألة ٢٥ : ٥٧
البحث الثالث : في كيفيّة القتال مسألة ٢٦ : ٥٨
مسألة ٢٧ : ٥٩
مسألة ٢٨ : ٦٤
مسألة ٢٩ : ٦٥
مسألة ٣٠ : ٦٦
مسألة ٣١ : ٦٧
مسألة ٣٢ : ٦٩
مسألة ٣٣ : ٧٠
مسألة ٣٤ : ٧٢
مسألة ٣٥ : ٧٤
فروع : ٧٦
مسألة ٣٦ : ٧٩
مسألة ٣٧ : ٨٠
مسألة ٣٨ : ٨٠
مسألة ٣٩ : ٨١
مسألة ٤٠ : ٨٢
مسألة ٤١ : ٨٣
مسألة ٤٢ : ٨٤
مسألة ٤٣ : ٨٥
الفصل الثالث في الأمان الأوّل : في تعريفه وتسويغه ٨٦
مسألة ٤٤ : ٨٧
البحث الثاني : في العاقد مسألة ٤٥ : ٨٧
مسألة ٤٦ : ٨٨
مسألة ٤٧ : ٨٩
مسألة ٤٨ : ٩٠
البحث الثالث : فيما ينعقد به الأمان مسألة ٤٩ : ٩١
مسألة ٥٠ : ٩٣
مسألة ٥١ : ٩٤
مسألة ٥٢ : ٩٥
البحث الرابع : في وقت الأمان مسألة ٥٣ : ٩٦
مسألة ٥٤ : ٩٧
مسألة ٥٥ : ٩٨
مسألة ٥٦ : ٩٩
البحث الخامس : فيما يدخل في الأمان مسألة ٥٧ : ١٠٠
مسألة ٥٨ : مسألة ٥٩ : ١٠١
مسألة ٦٠ : ١٠٣
مسألة ٦١ : ١٠٤
البحث السادس : في الأحكام مسألة ٦٢ : مسألة ٦٣ : ١٠٦
مسألة ٦٤ : ١٠٧
مسألة ٦٥ : مسألة ٦٦ : ١٠٩
مسألة ٦٧ : ١١١
مسألة ٦٨ : ١١٢
البحث السابع : في التحكيم مسألة ٦٩ : ١١٣
مسألة ٧٠ : مسألة ٧١ : ١١٤
مسألة ٧٢ : ١١٦
مسألة ٧٣ : ١١٧
مسألة ٧٤ : ١١٨
الفصل الرابع في الغنائم الأوّل : في أقسامها البحث الأوّل : فيما يُنقل ويُحوّل مسألة ٧٥ : ١٢٠
مسألة ٧٦ : ١٢٢
مسألة ٧٧ : ١٢٤
مسألة ٧٨ : ١٢٨
مسألة ٧٩ : ١٣٠
مسألة ٨٠ : ١٣١
مسألة ٨١ : ١٣٤
مسألة ٨٢ : ١٣٥
مسألة ٨٣ : ١٣٦
مسألة ٨٤ : ١٣٧
مسألة ٨٥ : ١٣٨
مسألة ٨٦ : ١٣٩
مسألة ٨٧ : مسألة ٨٨ : ١٤١
مسألة ٨٩ : ١٤٣
مسألة ٩٠ : ١٤٤
مسألة ٩١ : ١٤٦
مسألة ٩٢ : ١٤٨
مسألة ٩٣ : ١٥١
البحث الثاني : في الاُسارى مسألة ٩٤ : ١٥٥
مسألة ٩٥ : مسألة ٩٦ : ١٦١
مسألة ٩٧ : ١٦٣
مسألة ٩٨ : ١٦٦
مسألة ٩٩ : ١٦٧
مسألة ١٠٠ : ١٦٩
مسألة ١٠١ : ١٧٠
مسألة ١٠٢ : ١٧١
مسألة ١٠٣ : ١٧٣
مسألة ١٠٤ : ١٧٦
مسألة ١٠٥ : ١٧٨
مسألة ١٠٦ : ١٧٩
مسألة ١٠٧ : ١٨٢
البحث الثالث : في أحكام الأرضين مسألة ١٠٨ : ١٨٤
مسألة ١٠٩ : ١٨٧
مسألة ١١٠ : ١٨٩
مسألة ١١١ : ١٩٤
تذنيب : ١٩٥
الباب الثاني : في كيفية قسمة الغنيمة الأوّل : ما ينبغي تقديمه ، وهي الديون والجعائل والسَّلب والرضخ والخُمْس ١٩٦
البحث الثاني : في الجعائل مسألة ١١٢ : ٢٠٠
مسألة ١١٣ : ٢٠١
مسألة ١١٤ : ٢٠٢
مسألة ١١٥ : ٢٠٤
مسألة ١١٦ : ٢٠٥
مسألة ١١٧ : ٢٠٧
مسألة ١١٨ : ٢١٠
مسألة ١١٩ : ٢١١
مسألة ١٢٠ : ٢١٢
مسألة ١٢١ : ٢١٤
البحث الثالث : في السَّلَب مسألة ١٢٢ : مسألة ١٢٣ : ٢١٥
مسألة ١٢٤ : ٢٢١
مسألة ١٢٥ : ٢٢٣
مسألة ١٢٦ : ٢٢٦
مسألة ١٢٧ : ٢٢٧
البحث الرابع : في الرضخ ٢٢٨
مسألة ١٢٨ : ٢٢٨
مسألة ١٢٩ : ٢٢٩
مسألة ١٣٠ : ٢٣٠
مسألة ١٣١ : ٢٣٢
مسألة ١٣٢ : ٢٣٣
مسألة ١٣٣ : ٢٣٥
البحث الخامس : في كيفية القسمة مسألة ١٣٤ : مسألة ١٣٥ : ٢٣٦
مسألة ١٣٦ : ٢٣٧
مسألة ١٣٧ : ٢٣٩
مسألة ١٣٨ : ٢٤١
مسألة ١٣٩ : ٢٤٣
مسألة ١٤٠ : ٢٤٤
مسألة ١٤١ : ٢٤٥
مسألة ١٤٢ : ٢٤٦
مسألة ١٤٣ : ٢٤٨
مسألة ١٤٤ : ٢٤٩
مسألة ١٤٥ : ٢٥٠
مسألة ١٤٦ : ٢٥١
مسألة ١٤٧ : ٢٥٢
مسألة ١٤٨ : ٢٥٤
مسألة ١٤٩ : ٢٥٧
مسألة ١٥٠ : ٢٥٩
مسألة ١٥١ : ٢٦٠
مسألة ١٥٢ : ٢٦٥
مسألة ١٥٣ : ٢٦٨
مسألة ١٥٤ : ٢٦٩
البحث السادس : في أقسام الغزاة مطوّعة ٢٧٠
مسألة ١٥٥ : مسألة ١٥٦ : ٢٧١
مسألة ١٥٧ : ٢٧٢
مسألة ١٥٨ : ٢٧٣
مسألة ١٥٩ : ٢٧٤
الفصل الخامس : في أحكام أهل الذمّة الأوّل : في وجوب الجزية ومَنْ تؤخذ منه مسألة ١٦٠ : ٢٧٦
مسألة ١٦١ : ٢٧٧
مسألة ١٦٢ : ٢٧٩
مسألة ١٦٣ : ٢٨٠
مسألة ١٦٤ : ٢٨١
مسألة ١٦٥ : ٢٨٣
مسألة ١٦٦ : ٢٨٧
مسألة ١٦٧ : ٢٩٠
مسألة ١٦٨ : ٢٩١
مسألة ١٦٩ : ٢٩٢
مسألة ١٧٠ : ٢٩٣
مسألة ١٧١ : ٢٩٤
مسألة ١٧٢ : ٢٩٥
مسألة ١٧٣ : ٢٩٦
مسألة ١٧٤ : ٢٩٨
مسألة ١٧٥ : ٢٩٩
مسألة ١٧٦ : ٣٠١
البحث الثاني : في مقدار الجزية مسألة ١٧٧ : ٣٠٢
مسألة ١٧٨ : ٣٠٥
مسألة ١٧٩ : ٣٠٦
مسألة ١٨٠ : ٣٠٧
مسألة ١٨١ : ٣١٠
تذنيب : مسألة ١٨٢ : ٣١١
مسألة ١٨٣ : ٣١٣
مسألة ١٨٤ : ٣١٤
البحث الثالث : فيما يشترط على أهل الذمّة مسألة ١٨٥ : ٣١٦
مسألة ١٨٦ : ٣١٧
مسألة ١٨٧ : ٣٢٣
مسألة ١٨٨ : ٣٢٤
مسألة ١٨٩ : ٣٢٥
مسألة ١٩٠ : ٣٢٦
مسألة ١٩١ : ٣٢٨
مسألة ١٩٢ : ٣٣١
مسألة ١٩٣ : ٣٣٣
البحث الرابع : في بقايا أحكام المساكن والأبنية والمساجد مسألة ١٩٤ : ٣٣٤
مسألة ١٩٥ : ٣٣٥
مسألة ١٩٦ : ٣٣٧
مسألة ١٩٧ : ٣٣٩
مسألة ١٩٨ : ٣٤١
مسألة ١٩٩ : ٣٤٤
مسألة ٢٠٠ : ٣٤٥
مسألة ٢٠١ : ٣٤٧
مسألة ٢٠٢ : ٣٤٨
مسألة ٢٠٣ : ٣٤٩
مسألة ٢٠٤ : ٣٥٢
البحث الخامس : في المهادنة مسألة ٢٠٥ : ٣٥٣
مسألة ٢٠٦ : ٣٥٦
مسألة ٢٠٧ : ٣٥٧
مسألة ٢٠٨ : ٣٥٩
مسألة ٢٠٩ : ٣٦٠
مسألة ٢١٠ : ٣٦١
مسألة ٢١١ : ٣٦٢
مسألة ٢١٢ : ٣٦٣
مسألة ٢١٣ : ٣٦٤
مسألة ٢١٤ : ٣٦٥
مسألة ٢١٥ : ٣٦٦
مسألة ٢١٦ : ٣٦٨
مسألة ٢١٧ : ٣٧٠
مسألة ٢١٨ : ٣٧١
مسألة ٢١٩ : ٣٧٢
تنبيهان : مسألة ٢٢٠ : ٣٧٣
مسألة ٢٢١ : ٣٧٤
البحث السادس : في تبديل أهل الذمّة دينهم ، ونقض العهد مسألة ٢٢٢ : ٣٧٥
تذنيب : ٣٧٦
مسألة ٢٢٣ : ٣٧٧
مسألة ٢٢٤ : ٣٧٨
مسألة ٢٢٥ : ٣٧٩
مسألة ٢٢٦ : ٣٨٠
مسألة ٢٢٧ : ٣٨٢
مسألة ٢٢٨ : ٣٨٣
مسألة ٢٢٩ : ٣٨٤
البحث السابع : في الحكم بين المعاهدين والمهادنين مسألة ٢٣٠ : ٣٨٦
مسألة ٢٣١ : ٣٨٧
مسألة ٢٣٢ : ٣٨٨
مسألة ٢٣٣ : ٣٨٩
مسألة ٢٣٤ : ٣٩٠
الفصل السادس : في قتال أهل البغي مسألة ٢٣٥ : ٣٩٢
مسألة ٢٣٦ : ٣٩٤
مسألة ٢٣٧ : ٣٩٩
مسألة ٢٣٨ : ٤٠٣
مسألة ٢٣٩ : ٤٠٦
مسألة ٢٤٠ : ٤٠٧
مسألة ٢٤١ : ٤١١
مسألة ٢٤٢ : ٤١٣
مسألة ٢٤٣ : ٤١٤
مسألة ٢٤٤ : مسألة ٢٤٥ : ٤١٦
مسألة ٢٤٦ : ٤١٧
مسألة ٢٤٧ : ٤٢٠
مسألة ٢٤٨ : مسألة ٢٤٩ : ٤٢٢
مسألة ٢٥٠ : ٤٢٤
مسألة ٢٥١ : ٤٢٥
مسألة ٢٥٢ : ٤٢٧
مسألة ٢٥٣ : مسألة ٢٥٤ : ٤٢٨
مسألة ٢٥٥ : ٤٣١
مسألة ٢٥٦ : مسألة ٢٥٧ : ٤٣٢
مسألة ٢٥٨ : ٤٣٤
الفصل السابع : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسألة ٢٥٩ : ٤٣٨
مسألة ٢٦٠ : ٤٤٠
مسألة ٢٦١ : ٤٤٢
مسألة ٢٦٢ : مسألة ٢٦٣ : ٤٤٣
مسألة ٢٦٤ : ٤٤٤
مسألة ٢٦٥ : ٤٤٦
مسألة ٢٦٦ : ٤٤٧
مسألة ٢٦٧ : ٤٤٨
مسألة ٢٦٨ : ٤٥٠
الفصل الثامن : في الرباط ٤٥٢
مسألة ٢٦٩ : مسألة ٢٧٠ : ٤٥٣
مسألة ٢٧١ : ٤٥٤
فهرس ٤٥٦