بسم الله الرحمن الرحيم
باب
الرواية على المؤمن
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل بن عمر قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه
باب الرواية على المؤمن
أي ينقل منه شيئا للإضرار عليه
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« من روى على مؤمن » بأن ينقل عنه كلاما يدل على ضعف عقله وسخافة رأيه على ما ذكره الأكثر ، ويحتمل شموله لرواية الفعل أيضا « يريد بها شينه » أي عيبه ، في القاموس : شانه يشينه ضد زانه يزينه ، وقال الجوهري : المروءة الإنسانية ولك أن تشدد ، قال أبو زيد : مرأى الرجل صار ذا مروءة انتهى.
وقيل : هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف على محاسن الأخلاق وجميل العادات ، وقد يتحقق بمجانبة ما يؤذن بخسة النفس من المباحات كالأكل في الأسواق ، حيث يمتهن فاعله ، قال الشهيدرحمهالله : المروة تنزيه النفس عن الدنائة التي لا يليق بأمثاله كالسخرية وكشف العورة التي يتأكد استحباب سترها في الصلاة ، والأكل في الأسواق غالبا ، ولبس الفقيه لباس الجندي بحيث يسخر منه.
وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان.
« أخرجه الله من ولايته » في النهاية وغيره : الولاية بالفتح المحبة والنصرة ، وبالكسر التولية والسلطان ، فقيل : المراد هنا المحبة ، وإنما لا يقبله الشيطان لعدم الاعتناء به ، لأن الشيطان إنما يحب من كان فسقه في العبادات ، ويصيره وسيلة لإضلال الناس ، وقيل : السر في عدم قبول الشيطان له أن فعله أقبح من فعل الشيطان لأن سبب خروج الشيطان من ولاية الله هو مخالفة أمره مستندا بأن أصله أشرف من أصل آدمعليهالسلام ولم يذكر من فعل آدم ما يسوؤه ويسقطه عن نظر الملائكة ، وسبب خروج هذا الرجل من ولايته تعالى هو مخالفة أمره عز وجل من غير أن يسندها إلى شبهة إذ الأصل واحد ، وذكره من فعل المؤمن ما يؤذيه ويحقره وادعاء الكمال لنفسه ضمنا ، وهذا إدلال وتفاخر وتكبر ، فلذا لا يقبله الشيطان لكونه أقبح فعالا منه ، على أن الشيطان لا يعتمد على ولايته له ، لأن شأنه نقض الولاية لا عن شيء فلذلك لا يقبله ، انتهى.
ولا يخفى ما في هذه الوجوه لا سيما في الأخيرين على من له أدنى مسكة ، بل المراد إما المحبة والنصرة ، فيقطع الله عنه محبته ونصرته ويكله إلى الشيطان الذي اختار تسويله ، وخالف أمر ربه ، وعدم قبول الشيطان له لأنه ليس غرضه من إضلال بني آدم كثيرة الاتباع والمحبين ، فيودهم وينصرهم إذا تابعوه ، بل مقصوده إهلاكهم وجعلهم مستوجبين للعذاب للعداوة القديمة بينه وبين أبيهم ، فإذا حصل غرضه منهم يتركهم ويشمت بهم ولا يعينهم في شيء ، لا في الدنيا كما قال سبحانه : «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ »(١) وكما هو المشهور من قصة برصيصا وغيره ، ولا في الآخرة لقوله : «فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ »(٢)
__________________
(١) سورة الحشر : ١٦.
(٢) سورة إبراهيم : ٢٢.
٢ ـ عنه ، عن أحمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان قال قلت له عورة المؤمن على المؤمن حرام قال نعم قلت تعني سفليه قال ليس حيث تذهب إنما هي إذاعة سره.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن الحسين بن مختار ، عن زيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام فيما جاء في الحديث عورة المؤمن على المؤمن حرام قال ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا إنما هو أن تروي عليه أو تعيبه.
والمراد التولي والسلطنة ، أي يخرجه الله من حزبه وعداد أوليائه ويعده من أحزاب الشيطان ، وهو لا يقبله لأنه يتبرأ منه كما عرفت.
ويحتمل أن يكون عدم قبول الشيطان كناية عن عدم الرضا بذلك منه ، بل يريد أن يكفره ويجعله مستوجبا للخلود في النار.
الحديث الثاني : صحيح.
والضمير في له للصادقعليهالسلام ، وفي النهاية العورة كل ما يستحيي منه إذا ظهر ، انتهى.
وغرضهعليهالسلام أن المراد بهذا الخبر إفشاء السر لا أن النظر إلى عورته ليس بحرام ، والمراد بحرمة العورة حرمة ذكرها وإفشائها والسفلين العورتين ، وكنى عنها لقبح التصريح بهما.
الحديث الثالث : موثق.
« ما هو » ما نافية ، والضمير للحرام أو للعورة بتأويل العضو أو النظر المقدر منه « شيئا » أي من عورتيه « أن تروي عليه » أي قولا يتضرر به « أو تعيبه » بالعين المهملة أي تذكر عيبه ، وربما يقرأ بالغين المعجمة من الغيبة.
باب الشماتة
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن إبراهيم بن محمد الأشعري ، عن أبان بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال لا تبدي الشماتة لأخيك فيرحمهالله ويصيرها بك وقال من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن.
باب السباب
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله
باب الشماتة
الحديث الأول : حسن موثق.
وقال الجوهري : الشماتة الفرح ببلية العدو يقال : شمت به بالكسر يشمت شماتة ، وقال : كل شيء أبديته وبديته أظهرته ، وقال : افتتن الرجل وفتن فهو مفتون ، إذا أصابته فتنة فيذهب ماله أو عقله ، وكذلك إذا اختبر ، وإنما نهىعليهالسلام عن الإيذاء لأنه قد يوجد ذلك في قلب العدو بغير اختياره ، وتكليف عامة الخلق به حرج ينافي الشريعة السمحة.
والإيذاء يكون بالفعل كإظهار السرور والبشاشة والضحك عند المصاب وفي غيبته ، وبالقول مثل الهزء والسخرية به ، وعقوبته في الدنيا أن الله تعالى يبتليه بمثله غيرة للمؤمن ، وانتصارا له ، وأيضا هو نوع بغي وعقوبة البغي عاجلة سريعة.
باب السباب
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
والسباب إما بكسر السين وتخفيف الباء مصدر أو بفتح السين وتشديد الباء
عليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال :
صيغة مبالغة ، وعلى الأول كان في المشرف مضاف أي كفعل المشرف ، وربما يقرأ المشرف بفتح الراء مصدرا ميميا ، وفي بعض النسخ كالشرف ، والسب الشتم وهو بحسب اللغة يشمل القذف أيضا ولا يبعد شمول أكثر هذه الأخبار أيضا له.
وفي اصطلاح الفقهاء هو السب الذي لم يكن قذفا بالزنا ونحوه كقولك : يا شارب الخمر أو يا آكل الربا ، أو يا ملعون ، أو يا خائن ، أو يا حمار ، أو يا كلب ، أو يا خنزير ، أو يا فاسق ، أو يا فاجر ، وأمثال ذلك مما يتضمن استخفافا أو إهانة ، وفي المصباح : سبه سبا فهو سباب ، ومنه يقال للإصبع التي تلي الإبهام سبابة لأنه يشاربها عند السب ، والسبة العار وسابه مسابة وسبابا أي بالكسر ، واسم الفاعل منه سب.
وقال : الهلكة مثال القصبة الهلاك ، ولعل المراد بها هنا الكفر والخروج من الدين ، وبالمشرف عليها من قرب وقوعه فيها بفعل الكبائر العظيمة ، والساب شبيه بالمشرف وقريب منه ، ويحتمل أن تكون الكاف زائدة.
الحديث الثاني : موثق كالصحيح.
والسباب هنا بالكسر مصدر باب المفاعلة وإما بمعنى السب أو المبالغة في السب أو على بابه من الطرفين والإضافة إلى المفعول أو الفاعل ، والأول أظهر ، فيدل على أنه لا بأس بسب غير المؤمن إذا لم يكن قذفا بل يمكن أن يكون المراد بالمؤمن من لا يتظاهر بارتكاب الكبائر ولا يكون مبتدعا مستحقا للاستخفاف ، قال المحقق في الشرائع : كل تعريض بما يكرهه المواجه ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفا يثبت به التعزير ، إلى قوله : ولو كان المقول له مستحقا للاستخفاف فلا حد ولا تعزير ، وكذا كل ما يوجب أذى كقوله : يا أجذم أو يا أبرص.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة
وقال الشهيد الثاني في شرحه : لما كان أذى المسلم الغير المستحق للاستخفاف محرما فكل كلمة يقال له ويحصل له بها الأذى ولم تكن موضوعة للقذف بالزنا وما في حكمه لغة ولا عرفا يجب بها التعزير بفعل المحرم كغيره من المحرمات ، ومنه التعيير بالأمراض.
وفي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال : عليه التعزير.
والمراد بكون المقول له مستحقا للاستخفاف أن يكون فاسقا متظاهرا بفسقه فإنه لا حرمة له حينئذ ، لما روي عن الصادقعليهالسلام : إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة ، وفي بعض الأخبار عن تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب ، وفي الصحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم لئلا يطغوا في الفساد في الإسلام ، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.
والفسق في اللغة الخروج عن الطاعة مطلقا لكن يطلق غالبا في الكتاب والسنة.على الكفر أو ارتكاب الكبائر العظيمة ، قال في المصباح : فسق فسوقا من باب قعد : خرج عن الطاعة والاسم الفسق ، ويفسق بالكسر لغة ، ويقال : أصله خروج الشيء على وجه الفساد ، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ، وقال الراغب : فسق فلان خرج عن حد الشرع وهو أعم من الكفر والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير ، لكن تعورف فيما كان كثيرا وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه ، قال عز وجل : «فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ »(١)
__________________
(١) سورة الكهف : ٥٠.
ماله كحرمة دمه.
«فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ »(١) «وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ »(٢) «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً »(٣) فقابل بها الإيمان «وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٤) «وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ »(٥) «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ »(٦) «وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ »(٧) و «كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »(٨) انتهى.
فالفسق هنا ما قارب الكفر لأنه ترقى عنه إلى الكفر ، ويظهر منه أن السباب أعظم من الغيبة مع أن الإيذاء فيه أشد إلا أن يكون الغيبة بالسباب فهي داخلة فيه.
« وقتاله كفر » المراد به الكفر الذي يطلق على أرباب الكبائر أو إذا قاتله مستحلا أو لإيمانه ، وقيل : كان القتال لما كان من أسباب الكفر أطلق الكفر عليه مجازا أو أريد بالكفر كفر نعمة التآلف ، فإن الله ألف بين المؤمنين أو إنكار حق الإخوة فإن من حقها عدم المقاتلة « وأكل لحمه » المراد به الغيبة كما قال عز وجل : «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً »(٩) شبه صاحب الغيبة بأكل لحم أخيه الميت زيادة في التنفير والزجر عنها ، وقيل : المراد بالمعصية الكبيرة.
« وحرمة ماله كحرمة دمه » جمع بين المال والدم في الاحترام ولا شك في أن إهراق دمه كبيرة مهلكة ، فكذا آكل ماله ، ومثل هذا الحديث مروي من طرق العامة ، وقال في النهاية : قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما من غير تأويل ،
__________________
(١) سورة الإسراء : ١٦.
(٢) سورة آل عمران : ١١٠.
(٣) سورة السجدة : ١٨.
(٤) سورة النور : ٥٥.
(٥) سورة السجدة : ٢٠.
(٦) سورة الأنعام : ٤٠.
(٧) سورة المائدة : ١٠٨.
(٨) سورة يونس : ٣٣.
(٩) سورة الحجرات : ١٢.
٣ ـ عنه ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن رجلا من بني تميم أتى النبيصلىاللهعليهوآله فقال أوصني فكان فيما أوصاه أن قال لا تسبوا الناس فتكتسبوا العداوة بينهم.
٤ ـ ابن محبوب ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام في رجلين يتسابان قال البادي منهما أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم.
٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ما شهد رجل على رجل بكفر قط إلا
وقيل : إنما قال على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسق والكفر ، وقال الكرماني في شرح البخاري : هو بكسر مهملة وخفة موحدة أي شتمه أو تشاتمهما و « قتاله » أي مقاتلته « كفر » فكيف يحكم بتصويب المرجئة في أن مرتكب الكبيرة غير فاسق.
الحديث الثالث : صحيح.
وكسب العداوة بالسب معلوم ، وهذه من مفاسده الدنيوية.
الحديث الرابع : صحيح.
وقد مر في باب السفه باختلاف في صدر السند ، وكان فيه ما لم يتعد المظلوم ، وقد مر الكلام فيه ، وما هنا يدل على أنه إذا اعتذر إلى صاحبه وعفا عنه سقط عنه الوزر بالأصالة وبالسببية ، والتعزير أو الحد أيضا ولا اعتراض للحاكم ، لأنه حق آدمي تتوقف إقامته على مطالبته ، ويسقط بعفوه.
الحديث الخامس : ضعيف.
« ما شهد رجل » بأن شهد به عند الحاكم أو أتى بصيغة الخبر نحو أنت كافر ، أو بصيغة النداء نحو : يا كافر ، وقال الجوهري : قال الأخفش «وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ »(١) أي رجعوا به أي صار عليهم ، انتهى.
__________________
(١) سورة البقرة : ٦١.
باء به أحدهما إن كان شهد [ به ] على كافر صدق وإن كان مؤمنا رجع الكفر عليه فإياكم والطعن على المؤمنين.
وفي قوله : فإياكم ، إشارة إلى أن مطلق الطعن حكمه حكم الكفر في الرجوع إلى أحدهما ، و قوله : إن كان ، استئناف بياني.
وكفر الساب مع أن محض السب وإن كان كبيرة لا يوجب الكفر ، يحتمل وجوها أشرنا إلى بعضها مرارا : « الأول » أن يكون المراد به الكفر الذي يطلق على مرتكبي الكبائر في مصطلح الآيات والأخبار.
الثاني : أن يعود الضمير إلى الذنب أو الخطإ المفهوم من السياق لا إلى الكفر.
الثالث : عود الضمير إلى التكفير لا إلى الكفر ، يعني تكفيره لأخيه تكفير لنفسه ، لأنه لما كفر مؤمنا فكأنه كفر نفسه ، وأورد عليه أن التكفير حينئذ غير مختص بأحدهما لتعلقه بهما جميعا ، ولا يخفى ما فيه وفي الثاني من التكلف.
الرابع : ما قيل : أن الضمير يعود إلى الكفر الحقيقي لأن القاتل اعتقد أن ما عليه المقول له من الإيمان كفر « فقد كفر » لقوله تعالى : «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ »(١) ويرد عليه أن القائل بكفر أخيه لم يجعل الإيمان كفرا بل أثبت له بدل الإيمان كفرا توبيخا وتغيرا له بترك الإيمان ، وأخذ الكفر بدلا منه ، وبينهما بون بعيد ، نعم يمكن تخصيصه بما إذا كان سبب التكفير اعتقاده بشيء من أصول الدين ، الذي يصير إنكاره سببا للكفر باعتقاد القائل كما إذا كفر عالم قائل بالاختيار عالما آخر قائلا بالجبر ، أو كفر قائل بالحدوث قائلا بالقدم ، أو قائل بالمعاد الجسماني منكرا له ، وأمثال ذلك ، وهذا وجه وجيه وإن كان في التخصيص بعد.
__________________
(١) سورة المائدة : ٥٠.
وقال الجزري في النهاية : فيه : من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما ، لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب ، فإن صدق فهو كافر وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم ، والكفر صنفان أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده ، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإيمان ، وقيل : الكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به ، وكفر جحود ككفر إبليس يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ، وكفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه ، وكفر نفاق وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه.
قال الهروي : سئل الأزهري عمن يقول بخلق القرآن أتسميه كافرا؟ فقال : الذي يقوله كفر ، فأعيد عليه السؤال ثلاثا ويقول مثل ما قال ، ثم قال في الآخر : قد يقول المسلم كفرا ، وعنه حديث ابن عباس قيل له : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »(١) قال : هم كفرة ، وليسوا كمن كفر بالله واليوم الآخر ، ومنه الحديث الآخر : أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض السيوف ، فأنزل الله تعالى : «وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ »(٢) ولم يكن ذلك على الكفر بالله ، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الألفة والمودة.
ومنه حديث ابن مسعود : إذا قال الرجل للرجل أنت لي عدو فقد كفر أحدهما بالإسلام ، أراد كفر نعمته لأن الله ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا ، فمن لم يعرفها فقد كفرها.
وكذلك الحديث : من أتى حائضا فقد كفر ، وحديث الأنواء إن الله ينزل الغيث فيصبح به قوم كافرين ، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا أي كافرين بذلك دون
__________________
(١) سورة المائدة : ٤٤.
(٢) سورة آل عمران : ١٠١.
٦ ـ الحسن بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أحدهماعليهماالسلام قال سمعته يقول إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت فإن وجدت مساغا وإلا رجعت على صاحبها.
٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي ، عن علي
غيره حيث ينسبون المطر إلى النوء دون الله ، ومنه الحديث : فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن قيل : أيكفرن بالله؟ قال : لا ولكن يكفرن الإحسان ، ويكفرن العشير ، أي يجحدون إحسان أزواجهن ، والحديث الآخر : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، والأحاديث من هذا النوع كثيرة وأصل الكفر تغطية الشيء تستهلكه.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور.
وقال في النهاية : في حديث أبي أيوب إذا شئت فاركب ، ثم سغ في الأرض ما وجدت مساغا ، أي ادخل فيها ما وجدت مدخلا وروي في المصابيح عن رسول الله أنه قال : إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء ، فتغلق أبواب السماء دونها ، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ، ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن ، فإن كان لذلك أهلا وإلا رجعت إلى قائلها.
وفي النهاية : اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى ، ومن الخلق السب والدعاء.
وأقول : كان هذا محمول على الغالب ، وقد يمكن أن يكون اللاعن والملعون كلاهما من أهل الجنة كما إذا ثبت عند اللاعن كفر الملعون واستحقاقه اللعن ، وإن لم يكن كذلك ، فإنه لا تقصير للاعن في اللعن ، وقد يمكن أن يجري أكثر من اللعن بسبب ذلك كالحد والقتل والقطع بشهادة الزور ، ويحتمل أن يكون المراد بالمساغ محل الجواز والغدر في اللعن ، أو يكون المساغ بالمعنى المتقدم كناية عن ذلك ، فإن اللاعن إذا كان معذورا كان مثابا عليه فيصعد لعنه إلى السماء ويثاب عليه.
الحديث السابع : موثق كالصحيح.
ابن عقبة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت بينهما فإن وجدت مساغا وإلا رجعت على صاحبها.
٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي حمزة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إذا قال الرجل لأخيه المؤمن أف خرج من ولايته وإذا قال أنت عدوي كفر أحدهما ولا يقبل الله من مؤمن عملا وهو مضمر على أخيه المؤمن سوءا.
ويمكن إجراء بعض التأويلات السابقة فيه بل كلها وإن كان أبعد.
الحديث الثامن : ضعيف على المشهور.
ولعل في السند تصحيفا أو تقديما وتأخيرا فإن محمد بن سنان ليس هنا موضعه وتقديم محمد بن علي عليه أظهر « خرج عن ولايته » أي محبته ونصرته الواجبتين عليه ، ويحتمل أن يكون كناية عن الخروج عن الإيمان لقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ » ثم قال : «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ »(١) وقال سبحانه «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ »(٢) « وإذا قال : أنت عدوي كفر أحدهما » لما مر من أنه إن كان صادقا كفر المخاطب ، وإن كان كاذبا كفر القائل ، وقد مر معنى الكفر.
« وهو مضمر على أخيه المؤمن سوءا » أي يريد به شرا أو يظن به ما هو بريء عنه ، أو لم يثبت عنده وليس المراد به الخطرات التي تخطر في القلب لأن دفعه غير مقدور ، بل الحكم به وإن لم يتكلم ، وأما مجرد الظن فيشكل التكليف بعدمه مع حصول بواعثه ، وأما الظن الذي حصل من جهة شرعيته فالظاهر أنه خارج عن ذلك لترتب كثير من الأحكام الشرعية عليه كما مر ، ولا ينافي ما ورد أن الحزم
__________________
(١) سورة الأنفال : ٧٢.
(٢) سورة التوبة : ٧١.
٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن حماد بن عثمان ، عن ربعي ، عن الفضيل ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات بشر ميتة وكان قمنا أن لا يرجع إلى خير.
باب
التهمة وسوء الظن
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه
مساءة الظن لأن المراد به التحفظ والاحتياط في المعاملات دون الظن بالسوء.
الحديث التاسع : ضعيف على المشهور.
« يطعن في عين مؤمن » أي يواجهه بالطعن والعيب ويذكره بمحضره ، قال في المصباح : طعنت عليه من باب قتل ومن باب نفع لغة : قدحت وعبت ، طعنا وطعانا فهو طاعن وطعان في الأعراض ، وفي القاموس عين فلانا أخبره بمساويه في وجهه ، انتهى.
والظاهر أنه أعم من أن يكون متصفا بها أم لا ، والميتة بالكسر للهيئة والحالة ، قال الجوهري : الميتة بالكسر كالجلسة والركبة يقال : مات فلان ميتة حسنة ، والمراد بشر الميتة إما بحسب الدنيا كالغرق والحرق والهدم وأكل السبع وسائر ميتات السوء ، أو بحسب الآخرة كالموت على الكفر أو على المعاصي بلا توبة وفي الصحاح أنت قمن أن تفعل كذا ، بالتحريك أي خليق وجدير ، لا يثني ولا يجمع ولا يؤنث ، فإن كسرت الميم أو قلت قمين ثنيت وجمعت.
« إلى خير » أي إلى التوبة وصالح الأعمال أو إلى الإيمان.
باب التهمة وسوء الظن
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
في القاموس : الوهم من خطرات القلب وهو مرجوح طرفي المتردد فيه ، ووهم في الشيء كوعد ذهب وهمه إليه ، وتوهم ظن واتهمه كافتعله وأوهمه أدخل
كما ينماث الملح في الماء.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابه ، عن الحسين بن حازم ، عن حسين بن عمر بن يزيد ، عن أبيه قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من اتهم أخاه في دينه فلاحرمة بينهما ومن عامل أخاه بمثل ما عامل به
عليه التهمة كهمزة أي ما يتهم عليه ، فاتهم هو فهو متهم وتهيم ، وفي المصباح : اتهمت بكذا ظننته به فهو تهيم ، واتهمته في قوله شككت في صدقه ، والاسم التهمة وزان رطبة والسكون لغة حكاها الفارابي ، وأصل التاء واو ، وقال : ماث الشيء موثا من باب قال ويميث ميتا من باب باع لغة : ذاب في الماء ، وماثه غيره من باب قال ، يتعدى ولا يتعدى ، وماثت الأرض لأنت وسهلت ، وفي القاموس : ماث موثا وموثانا محركة خلطه ودافه فانماث انمياثا ، انتهى.
وكان المراد هنا بالتهمة أن يقول فيه ما ليس فيه مما يوجب شينه ، ويحتمل أن يشمل سوء الظن أيضا ، ومن في قوله « من قلبه » إما بمعنى في كما في قوله تعالى : «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ »(١) أو ضمن فيه معنى الذهاب أو الزوال ونحوه ، ويحتمل التعليل لأن ذلك بسبب فساد قلبه ، وقيل : إنما قال كذلك للتنبيه على فساد قلبه حتى أنه ينافي الإيمان ويوجب فساده.
الحديث الثاني : مرسل مجهول.
وقوله : في دينه ، يحتمل تعلقه بالأخوة أو بالتهمة والأول أظهر كما مر ، وعلى الثاني التهمة بترك شيء من الفرائض أو ارتكاب شيء من المحارم ، لأن الإتيان بالفرائض والاجتناب عن المحارم من الدين كما أن القول الحق والتصديق به من الدين « فلا حرمة بينهما » أي حرمة الإيمان ، كناية عن سلبه ، والحاصل أنه انقطعت علاقة الأخوة وزالت الرابطة الدينية بينهما ، في القاموس : الحرمة بالضم وبضمتين وكهمزة ما لا يحل انتهاكه ، والذمة والمهابة والنصيب «وَمَنْ يُعَظِّمْ
__________________
(١) سورة الجمعة : ٩.
الناس فهو بريء مما ينتحل.
٣ ـ عنه ، عن أبيه عمن حدثه ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام في كلام له ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في
حُرُماتِ اللهِ » أي ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه.
« بمثل ما عامل به الناس » أي المخالفين أو الأعم منهم ومن فساق الشيعة ، وممن لا صداقة وأخوة بينهما « والتسوية في المعاملة » بأن يربح عليهما على حد سواء ، ولا يخص أخاه بالرعاية والمسامحة وترك الربح أو تقليله ، وشدة النصيحة وحفظ حرمته في الحضور والغيبة والمواساة معه ، وأمثال ذلك مما هو مقتضى الأخوة كما فصل في الأخبار الكثيرة.
« فهو بريء ممن ينتحل » أي من يجعل هو أو أخوه ولايتهم نحلة ومذهبا وهم الرب سبحانه ورسوله والأئمةعليهمالسلام ، والظاهر أن المستتر في ينتحل راجع إلى العامل لا إلى الأخ تعريضا بأنه خارج من الدين فإن الانتحال ادعاء ما ليس له ولم يتصف به ، في القاموس : انتحله وتنحله ادعاه لنفسه وهو لغيره ، وفي أكثر النسخ مما ينتحل وهو أظهر ، فالمراد بما ينتحل التشيع أو الأخوة.
الحديث الثالث : مرسل.
« ضع أمر أخيك » أي احمل ما صدر من أخيك من قول أو فعل على أحسن محتملاته وإن كان مرجوحا من غير تجسس حتى يأتيك منه أمر لا يمكنك تأويله فإن الظن قد يخطئ والتجسس منهي عنه كما قال تعالى : «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »(١) وقال : «وَلا تَجَسَّسُوا »(٢) .
وقوله : وما يغلبك ، في بعض النسخ بالغين فقوله منه متعلق بيأتيك ، أي حتى يأتيك من قبله ما يعجزك ولم يمكنك التأويل ، وفي بعض النسخ بالقاف من باب
__________________
(١) سورة الحجرات : ١٢.
(٢) سورة الحجرات : ١٢.
الخير محملا.
ضرب كالسابق ، أو من باب الأفعال فالظرف متعلق بيقلبك والضمير للأحسن ، و قولهعليهالسلام : ولا تظنن ، تأكيد لبعض أفراد الكلام أو السابق محمول على الفعل.
وهذه الجملة مروية في نهج البلاغة وفيه : من أحد ، ومحتملا ، والحاصل أنه إذا صدرت منه كلمة ذات وجهين وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير وإن كان معنى مجازيا بدون قرينة أو كناية أو تورية أو نحوها ، لا سيما إذا ادعاه القائل ومن هذا القبيل ما سماه علماء العربية أسلوب الحكيم ، كما قال الحجاج للقبعثري متوعدا له بالقيد : لأحملنك على الأدهم! فقال القبعثرى : مثل الأمير يحمل على الأشهب والأدهم فأبرز وعيده في معرض الوعد ، ثم قال الحجاج للتصريح بمقصوده أنه حديد ، فقال القبعثرى : لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا.
وقال الشهيد الثاني روح الله روحه وغيره ممن سبقه : اعلم أنه كما يحرم على الإنسان سوء القول في المؤمن وأن يحدث غيره بلسانه بمساوئ الغير ، كذلك يحرم عليه سوء الظن وأن يحدث نفسه بذلك ، والمراد من سوء الظن المحرم عقد القلب وحكمه عليه بالسوء من غير يقين ، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه كما أن الشك أيضا معفو عنه ، قال الله تعالى : «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل ، وما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقيه ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق ، وقد قال الله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ »(١) فلا يجوز تصديق إبليس ، ومن هنا جاء في الشرع أن من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن تحكم عليه بشربها ولا يحده عليه لإمكان
__________________
(١) سورةالحجرات : ٦.
أن يكون تمضمض به ومجه ، أو حمل عليه قهرا وذلك أمر ممكن ، فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم ، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء ، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم أو المال ، وهو بعين مشاهدة أو ببينة عادلة ، فأما إذا لم يكن ذلك وخطر ذلك سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن نفسك وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان ، فإن ما رأيته فيه يحتمل الخير والشر.
فإن قلت : فبما ذا يعرف عقد سوء الظن والشكوك تختلج والنفس تحدث؟
فأقول : أمارة عقد سوء الظن أن تتغير القلب معه عما كان فينفر عنه نفورا لم يعهده ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاهتمام بسببه ، فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه ، وقد قالعليهالسلام : ثلاث في المؤمن لا يستحسن وله منهن مخرج فمخرجه من سوء الظن أن لا يحققه أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا فعل لا في القلب ولا في الجوارح ، أما في القلب فبتغيره إلى النفرة والكراهة ، وفي الجوارح بالعمل بموجبه والشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس ، ويلقى إليه أن هذا من فطنتك وسرعة تنبهك وذكائك ، وأن المؤمن ينظر بنور الله وهو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان وظلمته.
فأما إذا أخبرك به عدل فمال ظنك إلى تصديقه كنت معذورا لأنك لو كذبته لكنت جافيا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب ، وذلك أيضا من سوء الظن ، فلا ينبغي أن تحسن الظن بالواحد وتسيء بالآخر ، نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة ومحاسدة ومقت فيتطرق التهمة بسببه؟ وقد رد الشرع شهادة العدو على عدوه للتهمة ، فلك عند ذلك أن تتوقف في إخباره وإن كان عدلا ولا تصدقه ولا تكذبه ولكن تقول المستور حاله كان في ستر الله عني ، وكان أمره محجوبا وقد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره.
وقد يكون الرجل ظاهر العدالة ولا محاسدة بينه وبين المذكور ، ولكن يكون من عادته التعرض للناس وذكر مساويهم ، فهذا قد يظن أنه عدل وليس بعدل ، فإن المغتاب فاسق وإذا كان ذلك من عادته ردت شهادته إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة ولم يكترثوا بتناول أعراض الخلق ، ومهما خطر ذلك خاطر سوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير ، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك ، فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة.
ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه ، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين التعظيم وتنظر إليه بعين الاستصغار ، وترتفع عليه بدلالة الوعظ وليكن قصدك تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان ، وينبغي أن يكون تركه ذلك من غير نصيحتك أحب إليك من تركه بالنصيحة ، وإذا أنت فعلت ذلك لكنت جمعت بين أجر الواعظ وأجر الغم بمصيبته وأجر الإعانة له على دينه.
ومن ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن وبطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وهو أيضا منهي عنه ، قال الله : «وَلا تَجَسَّسُوا » فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنها في آية واحدة ، ومعنى التجسس أنه لا تترك عباد الله تحت ستر الله فتتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف لك ما لو كان مستورا عنك لكان أسلم لقلبك ودينك ، انتهى.
باب
من لم يناصح أخاه المؤمن
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن النعمان ، عن أبي حفص الأعشى ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من سعى في حاجة لأخيه فلم ينصحه فقد خان الله ورسوله.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول أيما مؤمن مشى في حاجة أخيه فلم يناصحه فقد خان الله ورسوله.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد وأبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان جميعا ، عن إدريس بن الحسن ، عن مصبح بن هلقام قال أخبرنا أبو بصير قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول أيما رجل من أصحابنا استعان به رجل من إخوانه في حاجة فلم يبالغ فيها بكل جهد فقد خان الله ورسوله والمؤمنين
باب من لم يناصح أخاه المؤمن
الحديث الأول : مجهول.
« فلم يناصحه » وفي بعض النسخ فلم ينصحه أي لم يبذل الجهد في قضاء حاجته ولم يهتم بذلك ولم يكن غرضه حصول ذلك المطلوب ، قال الراغب : النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح صاحبه ، انتهى.
وأصله الخلوص وهو خلاف الغش وقد مر تحقيقه مرارا ، ويدل على أن خيانة المؤمن خيانة لله والرسول.
الحديث الثاني : موثق.
الحديث الثالث : مجهول.
وفي القاموس : الجهد الطاقة ، ويضم والمشقة ، وأجهد جهدك أي أبلغ غايتك
قال أبو بصير قلت : لأبي عبد اللهعليهالسلام ما تعني بقولك والمؤمنين قال من لدن أمير المؤمنين إلى آخرهم.
٤ ـ عنهما جميعا ، عن محمد بن علي ، عن أبي جميلة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من مشى في حاجة أخيه ثم لم يناصحه فيها كان كمن خان الله ورسوله وكان الله خصمه.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن بعض أصحابه ، عن حسين بن حازم ، عن حسين بن عمر بن يزيد ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من استشار
وجهد كمنع جد كاجتهد ، قوله : من لدن أمير المؤمنين ، يحتمل أن يكون المراد بهم الأئمةعليهمالسلام كما مر في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بهمعليهمالسلام فإنهم المؤمنون حقا الذين يؤمنون على الله فيجيز أمانهم ، وأن يكون المراد ما يشمل سائر المؤمنين ، وأما خيانة الله فلأنه خالف أمره وادعى الإيمان ولم يعمل بمقتضاه وخيانة الرسول والأئمةعليهمالسلام لأنه لم يعمل بقولهم ، وخيانة سائر المؤمنين لأنهم كنفس واحدة ولأنه إذا لم يكن الإيمان سببا لنصحه فقد خان الإيمان واستحقره ولم يراعه وهو مشترك بين الجميع فكأنه خانهم جميعا.
الحديث الرابع : ضعيف.
« وكان الله خصمه » أي يخاصمه من قبل المؤمن في الآخرة أو في الدنيا أيضا فينتقم له فيهما.
الحديث الخامس : مجهول.
وفي المصباح شرت العسل أشوره شورا من باب قال جنيته ، وشرت الدابة شورا عرضته للبيع ، وشاورته في كذا واستشرته راجعته لأرى فيه رأيه ، فأشار علي بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة ، فكانت إشارته حسنة والاسم المشورة ، وفيه لغتان سكون الشين وفتح الواو ، والثانية ضم الشين وسكون الواو وزان معونة ، ويقال هي من شار إذا عرضه في المشوار ، ويقال : من أشرت العسل ، فشبه حسن النصيحة
أخاه فلم يمحضه محض الرأي سلبه الله عز وجل رأيه.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، عن سماعة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول أيما مؤمن مشى مع أخيه المؤمن في حاجة فلم يناصحه فقد خان الله ورسوله.
باب خلف الوعد
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له فمن أخلف فبخلف
بشري العسل ، وتشاور القوم واشتوروا والشورى اسم منه.
« فلم يمحضه » من باب منع أو من باب الأفعال ، في القاموس : المحض اللبن الخالص ، ومحضه كمنعه سقاه المحض كأمحضه ، وأمحضه الود أخلصه كمحضه والحديث صدقه والأمحوضة النصيحة الخالصة ، و قوله : محض الرأي ، إما مفعول مطلق أو مفعول به ، وفي المصباح الرأي العقل والتدبير ، ورجل ذو رأي أي بصيرة.
الحديث السادس : موثق وقد مر باختلاف في أول السند.
باب خلف الوعد
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
قال الراغب : الوعد يكون في الخير والشر ، يقال : وعدته بنفع وضر وعدا وموعدا وميعادا ، والوعيد في الشر خاصة يقال منه : أوعدته ، ويقال واعدته وتواعدنا وقال : النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب يقال : نذرت لله نذرا ، وقال الجوهري : الوعد يستعمل في الخير والشر قال الفراء : يقال وعدته خيرا ووعدته شرا ، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير الوعد والعدة ، وفي الشر الإيعاد والوعيد ، قال الشاعر :
الله بدأ ولمقته تعرض وذلك قوله : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ »(١) .
وإني وإن أوعدته أو وعدته |
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي |
فإن أدخلوا الباء في الشر جاءوا بالألف ، يقال : أوعدني بالسجن ، والعدة الوعد والهاء عوض عن الواو ، ويجمع على عدات ، ولا يجمع الوعد ، انتهى.
فقولهعليهالسلام : نذر أي كالنذر في جعله على نفسه أو في لزوم الوفاء به وهو أظهر ، وعدم الكفارة الظاهر أنه للتغليظ كاليمين الغموس أو للتخفيف وهو بعيد.
« فيخلف الله بدءا » لأن الله أخذ على العباد العهد بأن يعملوا بأوامره وينتهوا عما نهى عنه ، ولما أمر بالوفاء بالعهد ونهى عن الخلف عنه فمن أراد خلف العهد خالف الله فيما عاهده عليه ، وإن كان معفوا مع عدم الفعل « ولمقته » أي غضبه سبحانه « تعرض ».
وأما الآية فقال الطبرسي (ره) : قيل إن الخطاب للمنافقين وهو تقريع لهم بأنهم يظهرون الإيمان ولا يبطنونه ، وقيل : إن الخطاب للمؤمنين وتعيير لهم أن يقولوا شيئا ولا يفعلونه ، قال الجبائي : هذا على ضربين : أحدهما أن يقول سأفعله ومن عزمه أن لا يفعل وهو قبيح مذموم ، والآخر أن يقول سأفعل ومن عزمه أن يفعله والمعلوم أن لا يفعله فهذا قبيح لأنه لا يدري أيفعله أم لا ، وينبغي في مثل هذا أن يقرن بلفظ إنشاء الله «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ ». أي كبر هذا القول وعظم مقتا عند الله وهو أن تقولوا ما لا تفعلونه وقيل : معناه كبر أن تقولوا ما لا تفعلونه وتعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتا عند الله.
وقال البيضاوي : روي أن المسلمين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا ، فأنزل «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ »(٢) قولوا يوم أحد فنزلت : «كَبُرَ مَقْتاً » المقت أشد الغضب ونصبه على التميز للدلالة على أن قولهم
__________________
( ١ و٢ ) سورة الصفّ : ٢ ـ ٤.
هذا مقت خالص كبير عند من يحقر عنده كل عظيم ، مبالغة في المنع عنه.
وقال الرازي : منهم من قال هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله تعالى ، فأنزل الله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ »(١) الآية ، و «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ » فأحبوا الجهاد وتولوا يوم أحد ، فأنزل الله تعالى : «لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ » وقيل : في حق من يقول قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وفعلت ولم يفعل ، وقيل : أنها في حق أهل النفاق في القتال لأنهم تمنوا القتال ، فلما أمر الله تعالى به «قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ » وقيل : أنها في حق كل مؤمن لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما وعدهم الله من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع ، فإذا لم يوجد الوفاء بما وعدهم الله خيف عليهم ، انتهى.
وأقول : الآية تحتمل وجوها بحسب ظاهر اللفظ :
الأول : ما يظهر من هذا الخبر من أنها في التعيير على خلف الوعد من الناس ، ويؤيده ما روي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليهالسلام حيث قال : والخلف يوجب المقت عند الله والناس ، قال الله سبحانه : «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » فيكون على سبيل القلب ، ويكون المعنى لم لا تفعلون ما تقولون ، أو يقال : النهي المفهوم من الآية يتوجه إلى القيد ، وهو عدم الفعل كما إذا قال : لا تأتني راكبا فإن النهي يتوجه إلى الركوب ، أو يكون محمولا على وعد لا يكون صاحبه عند الوعد عازما على الفعل ، فيكون مشتملا على نوع من التدليس والكذب ، والأول أظهر وهذا النوع من الكلام شائع.
الثاني : أن يكون المراد بها ذم مخالفة عهود الله ومواثيقه ، كما هو ظاهر
__________________
(١) سورة الصفّ : ١٠.
٢ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن شعيب العقرقوفي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » فليف إذا وعد.
بعض ما تقدم من قول المفسرين ، ويحتمل أيضا الوجهين السابقين بأن يكون الذم على عدم الفعل أو على القول مع عدم إرادة الفعل ، ويؤيده ما ذكر علي بن إبراهيم (ره) حيث قال : مخاطبة لأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين وعدوه أن ينصروه ولا يخالفوا أمره ، ولا ينقضوا عهده في أمير المؤمنينعليهالسلام ، فعلم الله أنهم لا يفون بما يقولون ، فقال : «لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ » الآية ، فقد سماهم الله مؤمنين بإقرارهم وإن لم يصدقوا.
الثالث : أن يكون المراد أعم من عهود الله وعهود الخلق فلا ينافي هذا الخبر ، وبه يجمع بين الأخبار ، وخصوص أخبار النزول لا ينافي عموم الحكم.
الرابع : أن يكون المعنى لم تقولون للناس وتأمرونهم بما لا تعملون به فيكون نظير قوله سبحانه : «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ »(١) وهذا المعنى ليس ببعيد من الآية ، وإن لم يذكره المفسرون وهو أيضا يرجع إلى ذم عدم الفعل لا القول ، فإن بذل العلم واجب والعمل به أيضا واجب ، فمن تركهما ترك واجبين ، ومن أتى بأحدهما فقد فعل واجبا ، لكن ترك العمل مع القول أقبح وأشنع وقد مر بعض القول فيه.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
« من كان يؤمن بالله » يحتمل أن يكون على وفق سائر الأوامر والنواهي المتوجهة إلى المؤمنين لكونهم المنتفعين بها ، ويمكن أن يكون إشارة إلى أن ذلك مقتضى الإيمان ومن لوازمه ، فمن لم يفعل ذلك فليس بمؤمن ، وقيل : أن إدخال كان على المضارع لإفادة استمراره في الماضي ، فيدل على أن خلف الوعد يوجب
__________________
(١) سورة البقرة : ٤٤.
إبطال الإيمان وكماله فيما سبق.
ثم اعلم أن هذين الحديثين مع قوة سندهما يدلان على وجوب الوفاء بالوعد ، والخبر الأول فيه تهديد شديد ، ويدل على نزول. الآية في خلف الوعد وهي مشتملة على تأكيدات ومبالغات ، فالآية بتوسط الخبر المعتبر تدل أيضا على وجوب الوفاء به.
فإن قيل : الآية لما كانت محتملة لوجوه شتى فالاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الخبر مشكل لا سيما وقد ورد في الأخبار الخاصية والعامية أنها في المنافقين والمخالفين ، فالاستدلال إنما هو بالخبر؟
قلت : لا يبعد ادعاء ظهور الآية بإطلاقها أو بعمومها لا سيما مع كون « ما » موصوفة فيما يشمل خلف الوعد أيضا ، وقد عرفت أن خصوص سبب النزول لا يصير سببا لخصوص الحكم ، فظهر أنه يمكن الاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الخبر أيضا ، وظاهر أكثر أصحابنا استحباب الوفاء به إن لم يكن في ضمن عقد لازم ، ويدل على الوجوب أيضا ما مر في كثير من الأخبار أنه من صفات الإيمان ، وإن خلفه من صفات النفاق.
وقد مر في باب أصول الكفر أنه سئل الصادقعليهالسلام : رجل على هذا الأمر إن حدث كذب وإن وعد أخلف وإن ائتمن خان ما منزلته؟ قال : هي أدنى المنازل من الكفر وليس بكافر ، وفي الباب المذكور عنهعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ، من إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وقد روي أيضا في الموثق وغيره عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، كان ممن حرمت غيبته وكملت مروته ، وظهر عدله ووجبت إخوته.
فيدل على أن من أخلف الوعد تجوز غيبته ، ومعلوم أنه ليس تجويز
الغيبة هنا إلا من جهة الفسق.
فإن قيل : المترتب على هذه الصفات أربعة أمور مفهومه أن مع عدم كل من تلك الخصال لا تجتمع تلك الأربعة ، فلعل ذلك بانتفاء أمر آخر سوى حرمة الغيبة.
قلت : الظاهر من العطف استقلال كل في الحكم ، كما إذا قلت جاء زيد وعمرو ، كان بمنزلة قولك جاء زيد وجاء عمرو ، وكون الواو بمعنى مع نادر.
ثم اعلم أنه لا بد من تقييد الخبر بما إذا لم يرتكب سائر الكبائر ، بل المقصود في الخبر إفادة المفهوم لا المنطوق فافهم ، والأخبار في ذلك كثيرة ويستفاد من عموم كثير من الآيات أيضا ذلك نحو قوله سبحانه : «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً »(١) ويشمل بعمومه أو إطلاقه عهود الخلق أيضا ، والعهد والوعد متقاربان ، وقوله : «وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا »(٢) .
وروى الصدوق في الخصال بإسناده عن عنبسة بن مصعب قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : ثلاثة لم يجعل الله تعالى لأحد فيه رخصة : بر الوالدين برين كانا أو فاجرين ، والوفاء بالعهد للبر والفاجر ، وأداء الأمانة للبر والفاجر.
ويؤيدها أيضا أخبار كثيرة كما روى الكليني عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : إذا قال الرجل للرجل هلم أحسن بيعك يحرم عليه الربح ، وقد ورد في أخبار صحيحة وغير صحيحة : المسلمون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله ، وليس فيها التقييد بكونها في ضمن العقد ، وكذا ما روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي جعفر عن أبيهعليهماالسلام أن علياعليهالسلام كان يقول : من شرط لامرأته شرطا فليف به ، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا ، أو أحل حراما.
__________________
(١) سورة الإسراء : ٣٤.
(٢) سورة البقرة : ١٧٧.
وقد يستدل على الجواز بما رواه الكليني (ره) بإسناده عن الحسين بن المنذر قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يجيئني الرجل فيطلب العينة فأشتري له المتاع مرابحة ثم أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني؟ قال : إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع ، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس.
وبإسناده عن خالد بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يجيء فيقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا ، قال : أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت : بلى قال : لا بأس به ، إنما يحل الكلام ويحرم الكلام.
وبإسناده أيضا عن معاوية بن عمار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يجيئني الرجل فيطلب مني بيع الحرير وليس عندي منه شيء فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شيء ، ثم أذهب فأشتري له الحرير فأدعوه إليه؟ فقال : أرأيت إن وجد بيعا هو أحب إليه مما عندك أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه؟ قلت : نعم قال : لا بأس.
وروي مثله باختلاف يسير بأسانيد كثيرة.
ووجه الاستدلال بها أنها تدل على أن محض المواعدة بينهما لا يوجب الوفاء من الجانبين ما لم يكن بيعه وكالة عنه.
والجواب أنه يحتمل أن يكون المعنى أنها ليست مواعدة حتمية بل يقول اشتر لنفسك إن شئت اشتريته منك وإلا فلا ، لكنه بعيد.
وأقول : يمكن أن يستدل بما ورد في الأيمان والنذور من أنه مع عدم التلفظ. بالصيغة بشرائطها لا يلزمه الوفاء بها ، وظاهره شمولها لما إذا وقعت المواعدة بينهما ويمكن أن يستدل عليه بما رواه الكليني (ره) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن
إسماعيل بن مرار عن يونس في المدبر والمدبرة يباعان يبيعهما صاحبهما في حياته فإذا مات فقد عتقا ، لأن التدبير عدة وليس بشيء واجب ، فإذا مات كان المدبر من ثلثه الذي يتركه ، وفرجها حلال لمولاها الذي دبرها ، وللمشتري الذي اشتراها حلال بشرائه قبل موته ، فإن الظاهر أنه فرع كون عدم الوجوب على كونه عدة فيدل على أنه لا يجب الوفاء بها.
ويرد عليه وجوه من الإيراد : الأول : إن الخبر مجهول بابن مرار فلا يمكن إثبات نفي الوجوب به.
الثاني : أنه موقوف لم يسنده إلى إمام ويشبه أن يكون من اجتهادات يونس وتلفيقاته كما هو دأبه في أكثر المواضع ، ولذا كان المحدثون يقدحون فيه مع جلالته بالاجتهاد والرأي ، وتشويش الكلام يدل عليه أيضا.
الثالث : إن ما تضمنه من حكم التدبير خلاف المشهور بين الأصحاب لا سيما المتأخرين.
الرابع : أن قوله : عدة معلوم أنه ليس بمحمول على الحقيقة ، بل هو على التشبيه والمجاز ، فإن التدبير إما عتق بشرط أو وصية بالعتق باتفاق الخاصة والعامة وليس شيء منهما وعدا ، بل الوعد ما يعده الرجل أن يفعله بنفسه ، فيمكن أن يكون التشبيه من جهة أنه لا يترتب عليه حكمه الآن ، بل يتوقف على حلول الأجل.
الخامس : سلمنا أن الحمل على الحقيقة لا نسلم كون عدم الوجوب تفريعا بل يمكن أن يكون تقييدا له.
السادس : أنه لو سلمنا أنه تفريع فالتفريع من جهة أنه لا يترتب عليه حكم العتق قبل الأجل وإلا لكان الكلام متناقضا ، ونحن لا نقول في الوعد أنه يجب الوفاء به قبل محله بل نرجع ونستدل به على وجوب الوفاء بالوعد لأنه فرع وجوب التدبير ولزومه بعد الموت ، على كونه عدة فالوفاء بالوعد بعد حلول الأجل واجب ،
فظهر أن مفاد كلامه أن التدبير ليس عتقا منجزا لا يمكن التصرف في المدبر ، قبل حلول الأجل الذي هو الموت ، بل هو عدة أي معلق على شرط وليس بشيء واجب أي لازم منجز يترتب عليه حكمه عند إيقاعه ، بل يتوقف على حصول شرطه فلا دلالة له على عدم وجوب الوفاء بالوعد ، بل دلالته على الوجوب أقرب ، وبقي في زوايا المقام خبايا أحلناها على فهم المتأمل.
وقد يستدل على عدم الجواز بأنه كذب وهو قبيح وحرام ، وعندي فيه نظر لا لما قيل أن الكذب لا يكون إلا في الماضي أو الحال ولا يكون في المستقبل ، فإنه سخيف فإن المنكر للمعاد لا ريب أنه كاذب ، والمنجم إذا أخبر بوقوع أمر في المستقبل ولم يقع يقال : أنه كاذب ، ويصدق عليه تعريف الكذب ، بل لأن الوعد ليس من هذا القبيل بل هو معاملة تجري بين المتواعدين ، فإن المولى إذا قال لعبده إذا فعلت الفعل الفلاني أعطيتك درهما وإذا فعلت الفعل الفلاني ضربتك سوطا ليس المراد به الإخبار من وقوع أحد الأمرين بل هو إلزام أمر عليه أو على نفسه ، وإن علم أنه لا يوقعه كالبيع والشراء والبيعة ، فإنها إنشاء أمر يوجب عليه متابعة من بايعه لا محض الإخبار عن ذلك ، فإنا نجد الفرق بين أن يعد زيد عمروا أن يعطيه درهما أو بأن يخبر بأن سيعطيه درهما لكن ليس من إنشاء إلا ويلزمه خبر يجري فيه الصدق والكذب ، فما ورد من نسبة الصدق إلى الوعد من هذا القبيل ، كقوله تعالى : «إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ »(١) فإذا خالف الوعد فليس هذا من الكذب المصطلح في شيء ، نعم إذا وعده وكان عازما على عدم الوفاء كان كذبه في لازم الإنشاء ، فإن الوعد يدل ضمنا على أنه عازم على عدم الوفاء كان كذبه في لازم الإنشاء ، فإن الوعد يدل ضمنا على أن عازم على الوفاء ، كما أن أضرب يدل على أنه يريد إيقاع الضرب وليس مدلول الوعد الإخبار عن أنه عازم على أن يفعل ذلك ، وحرمة هذا الكذب الضمني في محل المنع ، وكذا شمول الآيات والأخبار الدالة على حرمة الكذب له ممنوع.
__________________
(١) سورة مريم : ٥٣.
ولو سلم فلا يدل على حرمة الخلف مطلقا قال الراغب : الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا ، وعدا كان أو غيره ، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول ، ولا يكون من القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام ، ولذلك قال : «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً »(١) «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً »(٢) «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ »(٣) وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام الاستفهام والأمر والدعاء وذلك ، نحو قول القائل : أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه أخبارا بكونه جاهلا بحال زيد ، وكذا إذا قال. واسني ، في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة ، وإذا قال : لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه ، وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد ، نحو صدق ظني وكذب ، ويستعملان في أعمال الجوارح فيقال : صدق في القتال إذا وفي حقه ، وفعل على ما يجب وكما يجب ، وكذب في القتال إذا كان على خلاف ذلك ، قال الله تعالى : «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ »(٤) أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم ، انتهى.
فقد تبين أن للصدق والكذب معاني غير المعنى المصطلح ، فنسبة الصدق والكذب إلى الوعد محمول على بعض تلك المعاني المجازية ، فظهر أن حسن الوفاء بالوعد أو وجوبه ليس من جهة أن مخالفته تستلزم الكذب حتى يقال : أن ذلك يجري في الوعيد أيضا ، ويجاب بأن الكذب في المصلحة حسن ، بل من جهة أن العقل يحكم بحسن الوفاء بالعهد أو بقبح خلفه ، ويحكم في الوعيد بخلاف ذلك ، وكذلك
__________________
(١) سورة النساء : ١٢٢ ، ٧٨.
(٢) سورة النساء : ١٢٢ ، ٧٨.
(٣) سورة مريم : ٥٤.
(٤) سورة الأحزاب : ٢٣.
الكلام في وعده سبحانه ووعيده ، لكن مخالفة الوعد فيه تعالى محال لأخباره بأنه لا يخلف الميعاد ، بخلاف الوعيد فإنه لم يقل أنه لا يخلف الوعيد بل وعد عباده بالعفو والصفح والمغفرة ، وليس ذلك من الكذب في شيء ، هذا ما تبين لي في هذا المقام لكن ظاهر المحققين من أصحابنا والمخالفين أن الوعد من نوع الخبر وهو محتمل للصدق والكذب وكذا الوعيد ، مع أن ظاهر أكثر أصحابنا أن الوفاء بالوعد مستحب كما قالوا في كثير من الشروط إذا لم يكن في ضمن العقد اللازم هو وعد يستحب الوفاء به ، ولنذكر بعض كلماتهم :
قال السيد الشريف في حاشية شرح التخليص : الخبر إذا قيد حكمه بزمان أو قيد آخر كان صدقه بتحقق حكمه في ذلك الزمان أو مع ذلك القيد ، وكذبه بعدمه فيه أو معه ، وإذا لم يقيد فصدقه بتحققه في الجملة ، وكذبه بمقابله ، فإذا قلت أضرب زيدا وأردت الاستقبال فإن تحقق ضربك إياه في وقت من الأوقات المستقبلة كان صادقا وإلا فكاذبا ، وكذلك إذا قلت أضربه يوم الجمعة أو قائما فلا بد في صدقه من تحقق ضربك إياه وتحقق ذلك القيد معه ، فإن لم يضربه أو ضربه في غير حالة القيام كان كاذبا ، وكذلك إذا كان القيد ممتنعا كقولك اضربه في زمان لا يكون ماضيا ولا حالا ولا مستقبلا ، فالخبر يكون كاذبا.
وبالجملة انتفاء القيد سواء كان ممتنعا أو غير ممتنع يوجب انتفاء المقيد من حيث هو مقيد فيكذب الخبر الذي يدل عليه ، وكيف لا وقولك أضربه يوم الجمعة أو قائما مشتمل على وقوع الضرب منك عليه ، وعلى كون ذلك الضرب واقعا يوم الجمعة أو مقارنا للقيام ، فلو فرض انتفاء القيام مثلا لم يكن الضرب المقارن له موجودا فينتفى مدلول الخبر ، فيكون كاذبا سواء وجد منك ضرب في حال غير القيام أو لم يوجد ، انتهى.
وهذا لا دلالة فيه على كون الوعد خبرا بل إنما يدل على أنه يمكن تعلق الخبر بالمستقبل ولا ريب فيه ، وإن زعم بعضهم اختصاصه بالماضي والحال كما عرفت والخبر عن الآتي لا ينحصر في الوعيد والوعد ، بل يمكن أن يكون الغرض فيه محض الإخبار.
وإنما أوردت ذلك لئلا يتوهم متوهم أنه يمكن الاستدلال به وإن كان لا حجة في قوله ، ولتستعين به على فهم بعض ما سيأتي من الوجوه في بعض الآيات.
وقال في شرح المقاصد : تمسك القائلون بجوار العفو عقلا وامتناعه سمعا بالنصوص الواردة في وعيد الفساق وأصحاب الكبائر ، فلو تحقق العفو وترك العقوبة بالنار لزم الخلف في الوعيد والكذب في الإخبار ، واللازم باطل فكذا الملزوم ، وأجيب : بأنهم داخلون في عمومات الوعد بالثواب ودخول الجنة على ما مر ، والخلف في الوعد لؤم لا يليق بالكريم وفاقا ، بخلاف الخلف في الوعيد فإنه ربما يعد كرما.
ثم ساق الكلام إلى أن قال : نعم لزوم الكذب بإخبار الله تعالى مع الإجماع على بطلانه ولزوم تبديل القول مع النص الدال على انتفائه مشكل ، فالجواب الحق أن من تحقق العفو في حقه يكون خارجا عن عموم اللفظ بمنزلة التائبين.
فإن قيل : صيغة العموم المعرية عن دليل الخصوص يدل على إرادة كل فرد مما يتناوله التنصيص عليه باسم الخاص ، فإخراج البعض بدليل متراخ يكون نسخا وهو لا يجري في الخبر للزوم الكذب ، وإنما التخصيص هو الدلالة على أن المخصوص غير داخل في العموم ولا يكون ذلك إلا بدليل متصل؟
قلنا : ممنوع بل إرادة الخصوص من العام والتقييد من المطلق شائع من غير دليل متصل ، ثم دليل التخصيص والتقييد بعد ذلك وإن كان متراخيا بيان لا نسخ
وهذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية والقدماء من الحنفية ، وكانوا ينسبون القول بخلاف ذلك إلى المعتزلة ، إلا أن المتأخرين منهم تعدون ذلك نسخا ويخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا ويجوزون الخلف في الوعيد ، ويقولون الكذب يكون في الماضي دون المستقبل ، وهذا ظاهر الفساد فإن الأخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب ، سواء كان في الماضي أو في المستقبل ، قال الله تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً »(١) ثم قال : «وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ » على أن المذهب عندنا أن أخبار الله تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان ولا يتغير المخبر به ، على ما سبق في بحث الكلام.
ثم قال : وللإمام الرازي هنا جواب إلزامي وهو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا امتنع كذبه ، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وأما عندكم فإنما امتنع كذبه لكونه قبيحا ، ولم قلتم أن هذا الكذب قبيح وقد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم ، وهذا كمن أخبر أنه يقتل زيدا غدا ظلما ، ففي الغد إما أن يكون الحسن قتله وهو باطل ، وأما ترك قتله وهو الحق لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب ، وما لا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا فهذا الكذب حسن قطعا.
ويمكن دفعه بأن الكذب في إخبار الله تعالى قبيح وإن تضمن وجوها من المصلحة ، وتوقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى ، ومطاعن في الإسلام لا تخفى ، منها مقال الفلاسفة في المعاد ، ومجال الملاحدة في العناد ، ومنها بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بوجود الكفار في النار ، فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك وإذا جاز الخلف لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا
__________________
(١) سورة الحشر : ١١.
يجوزون العفو عنهم في الحكمة ، على ما يشعر به قوله تعالى : «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ »(١) وغير ذلك من الآيات.
ووجه التفرقة أن المعاصي قلما تخلو عن خوف عقاب ورجاء رحمة وغير ذلك من خيرات تقابل ما ارتكب من المعصية اتباعا للهوى ، بخلاف الكافر ، وأيضا الكفر مذهب والمذهب يعتقد للأبد وحرمته لا تحتمل الارتفاع أصلا ، فكذلك عقوبته بخلاف المعصية فإنها لوقت الهوى والشهوة ، وأما من جوز العفو عقلا والكذب في الوعيد إما قولا بجواز الكذب المتضمن لفعل الحسن ، أو بأنه لا كذب بالنسبة إلى المستقبل ، فمع صريح إخبار الله تعالى بأنه لا يعفو عن الكافر ، ويخلده في النار ، فجواز الخلف وعدم وقوع مضمون هذا الخبر محتمل ، ولما كان هذا باطلا علم أن القول بجواز الكذب في إخبار الله تعالى باطل قطعا.
وقال المحقق الدواني في شرح العقائد : لا يجب الثواب عليه تعالى في الطاعة ولا العقاب على المعصية خلافا للمعتزلة والخوارج ، فإنهم أوجبوا عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة على الله تعالى ، وحرموا عليه العفو ، واستدلوا عليه بأن الله تعالى أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب ، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره ، وهما محالان على الله تعالى.
وأجيب عنه : بأن غايته عدم وقوعه ولا يلزم منه الوجوب على الله تعالى ، واعترض عليه الشريف العلامة بأنه حينئذ يلزم جوازهما وهو محال ، لأن إمكان المحال محال ، وأجاب عنه بأن استحالتهما ممنوعة كيف وهما من الممكنات يشملهما قدرة الله تعالى عليهما.
قلت : الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال ، فلا يكون من الممكنات ولا يشملهما القدرة كسائر وجوه النقص عليه كالجهل والعجز ونفي صفة الكلام وغيرها
__________________
(١) سورة القلم : ٣٥.
من صفات الكمال ، بل الوجه في الجواب ما أشرنا إليه سابقا من أن الوعد والوعيد مشروطتان بقيود وشروط معلومة من النصوص فيجوز التخلف بسبب انتفاء بعض تلك الشروط ، وأن الغرض منهما إنشاء الترغيب والترهيب.
على أنه بعد التسليم إنما يدل علي أن استحالة وقوع التخلف لا على الوجوب عليه ، إذ فرق بين استحالة الوقوع وبين الوجوب عليه كما أن إيجاد المحال محال على الله تعالى ، ولا يقال : أنه حرام عليه بل الوجوب والحرمة ونحوهما فرع القدرة على الواجب والحرام.
واعلم أن بعض العلماء ذهب إلى أن الخلف في الوعيد جائز على الله تعالى ، وممن صرح به الواحدي في تفسير الوسيط في قوله تعالى في سورة النساء : «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها »(١) حيث قال : والأصل في هذا أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد وبهذا وردت السنة ، ثم ذكر في ذلك أخبارا.
ثم قال : وقيل : إن المحققين على خلافه كيف وهو تبديل للقول وقد قال الله تعالى : «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ »(٢) قلت : إن حمل آيات الوعيد على إنشاء التهديد ، فلا خلاف لأنه حينئذ ليس خبرا بحسب المعنى وإن حمل على الإخبار كما هو الظاهر ، فيمكن أن يقال بتخصيص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد بالدلائل المفصلة ولا خلف على هذا التقدير أيضا فلا يلزم تبدل القول ، وأما إذا لم نقل بأحد هذين الوجهين فيشكل التفصي عن لزوم التبدل والكذب ، إلا أن تحمل آيات الوعيد على استحقاق ما أوعد به لا على وقوعه بالفعل ، وفي الآية المذكورة إشارة إلى ذلك حيث قيل «فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها » انتهى.
__________________
(١) سورة النساء : ٩٣.
(٢) سورة ق : ٢٩.
وقال الرازي في تفسير قوله تعالى : «بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ »(١) اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان ، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج ، ومنهم من أثبت وعيدا منقطعا ، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ، والقول الثالث إنا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العصاة وعن بعض المعاصي ، لكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه إذا عذب أحدا منهم فإنه لا يعذبه أبدا بل يقطع عذابه وهو قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية ، وبسط الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه ولا يناسب ذكرها في هذا المقام ، ويرجع حاصل أجوبته عن دلائل الخصم إلى أن آيات العفو مخصصة ومقيدة لآيات العقاب.
وقال في قوله تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ »(٢) كلاما طويلا في ذلك ثم قال في آخر كلامه : فأما قولك إنه لو لم يفعل لصار كاذبا أو مكذبا نفسه ، فجوابه أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من غير شرط ، وعندي جميع الوعيدات مشروط بعدم العفو ، فلا يلزم من تكره دخول الكذب في كلام الله ، انتهى.
ومما يدل على أنهم يعدونه خبرا أنهم يحكمون بوجوب الاستثناء فيما يعده الإنسان أو يخبر بإيقاعه ، إما بالقول أو بالضمير ، قال السيد المرتضىرضياللهعنه عند تأويل قوله تعالى : «وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ »(٣) الآية ، فأما قول بعضهم أن ذنبه من حيث لم يستشهد بمشية الله لما قال : تلد كل واحدة منهن غلاما فهذا غلط ، لأنهعليهالسلام وإن لم يستثن ذلك فقد استثناه ضميرا واعتقادا ، إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول
__________________
(١) سورة البقرة : ٨١.
(٢) سورة آل عمران : ٩.
(٣) سورة ص : ٣٤.
لكان كاذبا ، أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا ، وذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على الأنبياء.
ونحوه قال الشيخ الطبرسيقدسسره في تأويل تلك الآية ، وهذا الكلام وإن كان فيما ظاهره الخبر لكن سيأتي منهما رضي الله عنهما ما يدل على أنهم لا يفرقون في ذلك بين الوعد والخبر.
وأقول : كلام كثير من أصحابنا جار هذا المجرى ، وسلموا كون الوعد أو الوعيد خبرا فعلى هذا يشكل القول بجواز مخالفة الوعد من غير عذر ومصلحة ، وأما الوعيد فتكون مخالفته من قبيل الكذب المجوز للمصلحة إذ لا خلاف في أن خلف الوعيد ليس بحرام بل هو حسن ، فيكون جوازه مشروطا بمصلحة مجوزة للكذب ، والقول بهذا أيضا مشكل فإن العبد إذا استحق من المولى تأديبا وأوعده ذلك من غير مصلحة في ذلك الوعيد ، ثم عفا عنه يكون كذبا بغير مصلحة وحراما ، ولا أظن أحدا قال بذلك إلا أن يقال العفو من الصفات الحسنة والأفعال الجميلة ، فإذا صادف الكذب يصير به حسنا ، وفيه بعد.
وأيضا لو كان قبح خلف الوعد من جهة الكذب لزم إذا قال رجل أركب غدا مخبرا بذلك من غير أن يعد أحدا ثم بدا له ولم يركب أن يكون عاصيا ، ولعله مما لم يقل به أحد ، فالأولى جعلهما من قبيل الإنشاء لا الخبر ، فلا يوصفان بالصدق والكذب ، وإطلاقهما عليهما على التوسع والمجاز.
ومما ينبه على ذلك أن الصدق والمكذب إنما يطلقان على ما يتصف بهما حين القول ، لا ما يكون تصديقه وتكذيبه باختيار القائل ، وليس هذا دليلا ولكنه منبه ويمكن المناقشة فيه.
فإن قيل : لم لم يعد أهل العربية الوعد من أقسام الإنشاء؟ قلت : مدارهم على ذكر الإطلاقات اللغوية ومصطلحاتهم ، ولذا لم يعدوا بعت واشتريت وأنكحت
وآجرت وأمثالها من أنواع الإنشاء ، لأنها من الحقائق الشرعية لا من الحقائق اللغوية.
قال الشهيدقدسسره : الإنشاء أقسام القسم والأمر والنهي والترجي والعرض والنداء قيل : وهذه تبنى على كونها إنشاء في الإسلام والجاهلية ، وأما صيغ العقود فالصحيح أنها إنشاء ، وقال بعض العامة : هي أخبار على الوضع اللغوي والشرع قدم مدلولاتها قبل النطق بها لضرورة تصديق المتكلم بها والإضمار أولى من النقل ، وهو تكلف.
ثم اعلم أنه على تقدير القول بالوجوب ، فالظاهر أنه يستثنى منه أمور : الأول : الاستثناء بالمشية ، وقول إن شاء الله فإنه يحل النذور والأيمان المؤكدة كما صرح به في الأخبار ويدل عليه قوله تعالى : «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ »(١) .
قال الطبرسيقدسسره قد ذكر في معناه وجوه : أحدها أنه نهي من الله لنبيه عليه وآله السلام أن يقول أفعل شيئا في الغد إلا أن يقيد ذلك بمشية الله تعالى ، فيقول : إن شاء الله ، قال الأخفش : وفيه إضمار القول ، فتقديره إلا أن تقول إن شاء الله ، فلما حذف تقول فقل إن شاء الله إلى لفظ الاستقبال ، فيكون هذا تأديبا من الله لعباده وتعليما لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع ، فلا يلزمهم كذب أو حنث إذا لم يفعلوا ذلك لمانع ، وهذا معنى قول ابن عباس.
وثانيها : أن قوله أن يشاء الله بمعنى المصدر وتعلق بما تعلق به على ظاهره ، وتقديره ولا تقولن إني فاعل شيئا غدا إلا بمشية الله ، عن الفراء وهذا وجه حسن يطابق الظاهر ، ولا يحتاج فيه إلى بناء الكلام على محذوف ، ومعناه لا تقل إني
__________________
(١) سورة الكهف : ٢٤.
أفعل إلا ما يشاء الله ويريده ، وإذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال لا تقل إني أفعل إلا الطاعات ، ولا يطعن على هذا بجواز الإخبار عما يفعل من المباحات التي لا يشاءها الله تعالى ، لأن هذا النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم ، بدلالة أنه لو لم يقل ذلك لم يأثم بلا خلاف.
وثالثها : أنه نهي عن أن يقول الإنسان سأفعل غدا وهو يجوز الاخترام قبل أن يفعل ما أخبر به فلا يوجد مخبره على ما أخبر به فهو كذب ، ولا يأمن أيضا أن لا يوجد مخبره بحدوث شيء من فعل الله تعالى نحو المرض والعجز ، أو بأن يبدو له هو في ذلك فلا يسلم خبره من الكذب إلا بالاستثناء الذي ذكره الله تعالى ، فإذا قال إني صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله أمن من أن يكون خبره هذا كذبا لأن الله إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا حصل المصير إليه منه لا محالة ، فلا يكون خبره هذا كذبا وإن لم يوجد المصير منه إلى المسجد لأنه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشية الله تعالى عن الجبائي ، وقد ذكرنا فيما قبل ما جاء في الرواية أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين فقال : أخبركم عنه غدا ولم يستثن فاحتبس عنه الوحي أياما حتى شق عليه ، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشية الله.
وقوله : «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ »(١) فيه وجهان أحدهما أنه كلام متصل بما قبله ثم اختلف في ذلك فقيل : معناه «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » الاستثناء ثم تذكرت فقل إنشاء الله ، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة عن ابن عباس ، وقد روي ذلك عن أئمتناعليهمالسلام ، ويمكن أن يكون الوجه فيه أنه إذا استثني بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثنى من غير أن يؤثر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام ،
__________________
(١) سورة الكهف : ٢٤.
وفي إبطال الحنث وسقوط الكفارة في اليمين وهو الأشبه بمراد ابن عباس في قوله ، وقيل : فاذكر الاستثناء ما لم تقم من المجلس عن الحسن ومجاهد ، وقيل : فاذكر الاستثناء إذا تذكرت ما لم ينقطع الكلام وهو الأوجه ، وقيل : معناه «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » الاستثناء بأن تندم على ما قطعت عليه من الخبر عن الأصم ، والآخر أنه كلام مستأنف.
ثم قال (ره) : قال السيد الأجل المرتضى قدس الله روحه : اعلم أن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل في الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الإخبار ، فإذا دخل في ذلك اقتضى التوقف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ، ولذلك يصير ما يتكلم به كأنه لا حكم له ، وكذلك يصح على هذا الوجه أن يستثني الإنسان في الماضي فيقول : قد دخلت الدار إن شاء الله ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزم به حكما ، وإنما لم يصح دخوله في المعاصي على هذا الوجه ، لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصح ذلك فيها.
وهذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية ، وقد يدخل الاستثناء في الكلام ويراد به اللطف والتسهيل وهذا الوجه يختص بالطاعات ، ولهذا جرى في قول القائل لأقضين غدا ما علي من الدين أو لأصلين غدا إنشاء الله مجرى أن يقول إني فاعل إن لطف الله فيه وسهلة ، ومتى قصد الحالف هذا الوجه لم يحنث إذا لم يقع منه الفعل أن يكون حانثا أو كاذبا لأنه إذا لم يقع منه الفعل علمنا أنه لم يلطف فيه لأنه لا لطف له.
وهذا الوجه لا يصح أن يقال في الآية لأنه يختص الطاعات والآية تتناول كلما لم يكن قبيحا بدلالة إجماع المسلمين على حسن ما تضمنته في كل فعل لم يكن قبيحا.
وقد تدخل الاستثناء في الكلام ويراد به التسهيل والأقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال ، وهذا هو المراد إذا دخل في المباحات.
وهذا الوجه يمكن في الآية ، وقد يدخل استثناء المشية في الكلام وإن لم يرد به شيء من المتقدم ذكره ، بل يكون الغرض الانقطاع إلى الله من غير أن يقصد به إلى شيء من هذه الوجوه ، ويكون هذا الاستثناء أيضا غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا لأنه في الحكم كأنه قال : لا فعلن كذا إن وصلت إلى مرادي مع انقطاعي إلى الله وإظهاري الحاجة إليه.
وهذا الوجه أيضا يمكن في الآية ومتى تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف به الجواب عن المسألة التي يسأل عنها من يذهب إلى خلاف العدل من قولهم : لو كان الله تعالى إنما يريد الطاعات من الأعمال دون المعاصي لوجب إذا قال الذي عليه الدين وطالبه به : والله لأعطينك حقك غدا إن شاء الله ، أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل لأن الله قد شاء ذلك منه عندكم وإن كان لم يقع ، ولكان يجب أن تلزمه به الكفارة وأن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه ، ولا يخرجه من كونه حانثا كما أنه لو قال : والله لأعطينك حقك إن قام زيد فقام ولم يعطه فيكون حانثا ، وفي التزام هذا الحنث خروج عن الإجماع « انتهى » وسيأتي تمام الكلام فيه في الاستثناء بالمشية إن شاء الله.
وأقول : قد أطبق الأصحاب على أنه يجوز للحالف الاستثناء في يمينه بمشية الله ، والمشهور أنه يقتضي عدم انعقاد اليمين ، وفصل العلامة في القواعد فحكم بانعقاد اليمين مع الاستثناء إن كان المحلوف عليه واجبا أو مندوبا وإلا فلا ، ومستند المشهور وإن كان ضعيفا لكنه منجبر بالشهرة بين الأمة ، وأيضا ظاهرا لأكثر عدم الفرق بين قصد التعليق والتبرك ، وربما يقصر الحكم على التعليق ، وأيضا المشهور أن الاستثناء إنما يكون باللفظ واستوجه في المختلف الاكتفاء بالنية وفيه نظر ،
وورد في الأخبار جواز الاستثناء إلى أربعين يوما ، ولعله في العمل بالسنة لا التأثير في اليمين كما ذكره الطبرسي وسيأتي الكلام في جميع ذلك إن شاء الله.
ولا يبعد جريان جميع تلك الأحكام هنا بتقريب ما مر وكما يظهر من كلام السيدرضياللهعنه ، وكما يومئ إليه الخبر : الأول : من تشبيهه بالنذر ، الثاني : ما إذا كان الأمر الموعود حراما ، فإنه لا ريب في عدم جواز الوفاء به ووجوب الخلف. الثالث : إذا كان الأمر الموعود مرجوحا دينا أو دنيا فإنه لا يبعد جواز الخلف فيه ، فإن اليمين والنذر والعهد مع كونها عدة مؤكدة مع الله وعهدا موثقا مقرونا باسمه سبحانه يجوز مخالفته فهذا يجوز الخلف فيه بطريق أولى ، وأيضا يشمل تلك الأخبار ما يتضمن عدة لمؤمن أو مؤمنة ، وقد ورد في أخبار كثيرة إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها ، وفي بعضها إذا حلف الرجل على شيء والذي حلف عليه إتيانه خيرا من يمينك فدعها ، وفي بعضها إذا حلف الرجل على شيء والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه ، وفي خبر آخر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فأتى ذلك فهو كفارة يمينه وله حسنة ، فعلى هذا لو وعده فيما فعله مكروه أو خلافه مستحب يجوز له الخلف ، وأما إذا كان خلافه راجحا بحسب الدنيا ، فإن تضمن ضررا بدنيا بالنسبة إلى الواعد أو غيره من المؤمنين أو هتك عرض له بينا بالنسبة إلى الواعد فيجوز الخلف فيه ، بل يجب في بعض الصور وإن تضمن ضررا ماليا قليلا لا يضر بحال الواعد ، فالظاهر عدم جواز الخلف على تقدير الوجوب وإلا يلزم أن لا يجب الوفاء في الوعد بالمال أصلا.
نعم إذا تضمن تفويت مال بغير جهة شرعية كالسرقة والغصب وفوت الغريم ونحو ذلك ، فلا يبعد القول بالجواز كما جوزوا قطع الصلاة الواجبة له ، بل جوز بعض الأصحاب ترك الحج أيضا لذلك ، وجوزوا لذلك التيمم وترك طلب الماء للطهارة.
الرابع : ما كان فعله راجحا دينا بحيث لا يصل إلى حد الوجوب ومرجوحا دنيا هل يجوز الخلف فيه؟ ظاهرا لأصحاب عدم جواز الخلف في اليمين ، ويظهر من كثير من الأخبار الجواز كقول أبي عبد اللهعليهالسلام في صحيحة زرارة : كلما كان لك منفعة في أمر دين أو دنيا فلا حنث عليك ، وقول أبي جعفرعليهالسلام في موثقة زرارة : كل يمين حلفت عليها لك فيها منفعة في أمر دين أو دنيا فلا شيء عليك فيها ، وإنما تقع عليك الكفارة فيما حلفت عليه فيما لله فيه معصية أن لا تفعله ثم تفعله ، وفي الحسن كالصحيح عن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أي شيء لا نذر في معصية؟ قال : فقال : كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه ، فإذا كان في اليمين والنذر كذلك ففي الوعد كذلك ، بتقريب ما مر مع ما ورد في الخبر من تشبيهه بالنذر.
الخامس : ما كان مباحا متساوي الطرفين فالمشهور في اليمين الانعقاد ، وفي النذر عدمه ، وظاهر كثير من الأخبار أن اليمين أيضا لا ينعقد كما روي عن زرارة أنه سأل أبا عبد اللهعليهالسلام : أي شيء الذي فيه الكفارة من الأيمان؟ فقال : ما حلفت عليه مما فيه البر فعليك الكفارة إذا لم تف به ، وما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا لم تف به ، وما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا رجعت عنه ، وما كان سوى ذلك مما ليس فيه بر ولا معصية فليس بشيء ، وقد ورد مثله بأسانيد جمة فالظاهر بتقريب ما مر عدم الوجوب في الوعد ، ويدل عليه أيضا تسميته نذرا في الخبر الأول ، إذ قولهعليهالسلام : نذر ، الظاهر أن المراد به النذر الشرعي لا اللغوي لقوله : لا كفارة ، فلما لم يكن نذرا شرعيا فالغرض التشبيه به في الاشتراك في الأحكام ، وقوله : لا كفارة له ، بمنزلة الاستثناء إذ هو بقوة إلا أنه لا كفارة له ، كما هو الظاهر من السياق ، والاستثناء دليل العموم ، فالكلام في قوة أنه بحكم النذر ، ومشترك معه في الأحكام إلا في
الكفارة ، فيجري فيه أحكام النذر.
السادس : أنه لا حكم له مع عدم القصد كالنذر واليمين.
السابع : أنه لا حكم له مع الجبر والإكراه والتقية ، وحفظ عرض مؤمن أو ماله أو دمه ، وكلما يجوز فيه اليمين ، وينحل به النذر كل ذلك بتقريب ما مر ، ووجوه أخرى لا تخفى.
الثامن : أن النية فيه على قصد الحق والعبرة به كاليمين.
التاسع : وعد الأهل كما مر في باب الكذب عن عيسى بن حسان عن أبي عبد اللهعليهالسلام حيث قال : كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة ، إلى أن قال : أو رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم ، ويمكن أن يستدل به على السادس والثامن ، وقد مر الكلام في تسميته كذبا ، ولو حمل على الحقيقة ، وقيل : بأن قبحه للكذب فأخبار جواز الكذب للمصلحة كثيرة ، وقد سبق بعضها ، والخبر يومئ إلى جواز الخلف لقليل من المصالح الدنيوية ، فكيف الدينية.
ثم اعلم أن كلما ذكرنا فإنما هو في الوعد ، وأما الوعيد فلا ريب في حسن الخلف فيه عقلا ونقلا كما مر بعض الكلام فيه في وعيد الله سبحانه ، والأخبار الدالة على الوجوب أو الرجحان إنما هي في الوعد لا الوعيد ، والخبر الأول أيضا ورد بلفظ العدة وقد مر في كلام الجوهري أنها في الوعد بالخير ، والخبر الثاني ظاهر والأخبار الواردة بحسن العفو عن الوعيد قولا وفعلا عن أئمة الهدىعليهمالسلام أكثر من أن تحصى.
واعلم أيضا أن الوعد على تقدير القول بوجوب الوفاء به الظاهر أنه لا يوجب شغل ذمة للواعد ولا حقا لازما للموعود له يمكنه الاستعداء به والأخذ منه قهرا ، بل الأظهر عندي في اليمين أيضا كذلك ، بل حق لله عليه يلزمه الوفاء به ، وبهذا يظهر الفرق بين ما إذا كان في ضمن عقد لازم أو لم يكن ، ويمكن حمل كلام بعض
باب
من حجب أخاه المؤمن
١ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن سنان ، عن المفضل بن عمر قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أيما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب ضرب الله عز وجل
الأصحاب حيث حكموا بالفرق على هذا الوجه أيضا وإن كان بعيدا ، والله تعالى يعلم حقائق الأحكام وحججه الكرام عليهم الصلاة والسلام.
وقد أطنبنا الكلام في هذا المقام لأنه مما يعم به البلوى ، ولم أر من الأصحاب من تصدى لتحقيقه ، وفي بالي إن وفقني الله تعالى أن أكتب فيه رسالة مفردة والله الموفق.
باب من حجب أخاه المؤمن
الحديث الأول : ضعيف.
« كان بينه وبين مؤمن حجاب » أي مانع من الدخول عليه إما بإغلاق الباب دونه أو إقامة بواب على بابه يمنعه من الدخول عليه ، وقال الراغب : الضرب إيقاع شيء على شيء ، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد والعصا ونحوهما ، وضرب الأرض بالمطر ، وضرب الدراهم اعتبارا بضربه بالمطرقة ، وقيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه ، وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة وتشبيها بضرب الخيمة قال : «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ »(١) أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة لمن ضربت عليه ومنه أستعير : «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ »(٢) وقال : «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ »(٣) إلى آخر ما قال في ذلك.
__________________
(١) سورة آل عمران : ١١٢.
(٢) سورة الكهف : ١١.
(٣) سورة الحديد : ١٣.
بينه وبين الجنة سبعين ألف سور ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام.
٢ ـ علي بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن أحمد بن الحسين ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن محمد ، عن محمد بن سنان قال كنت عند الرضا صلوات الله عليه فقال لي يا محمد إنه كان في زمن بني إسرائيل أربعة نفر من المؤمنين فأتى واحد منهم الثلاثة وهم مجتمعون في منزل أحدهم في مناظرة بينهم فقرع الباب فخرج إليه الغلام فقال أين مولاك فقال ليس هو في البيت فرجع الرجل ودخل الغلام إلى مولاه فقال له من كان الذي قرع الباب قال كان فلان فقلت له لست في المنزل فسكت ولم يكترث
« مسيرة ألف عام » أي من أعوام الدنيا ، ويحتمل عام الآخرة ، ثم الظاهر منه إرادة هذا العدد حقيقة ، ويمكن حمله على المجاز والمبالغة في بعده عن الرحمة والجنة ، أو على أنه لا يدخلها إلا بعد زمان طويل تقطع فيه تلك المسافة البعيدة ، وعلى التقادير لعله محمول على ما إذا كان الاحتجاب للتكبر والاستهانة بالمؤمن وتحقيره ، وعدم الاعتناء بشأنه لأنه معلوم أنه لا بد للمرء من ساعات في اليوم والليلة يشتغل فيها الإنسان بإصلاح أمور نفسه ومعاشه ومعاده ، لا سيما العلماء لاضطرارهم إلى المطالعة والتفكر في المسائل الدينية وجمعها وتأليفها وتنقيحها ، وجمع الأخبار وشرحها وتصحيحها وغير ذلك من الأمور التي لا بد لهم من الخوض فيها والاعتزال عن الناس والتخلي في مكان لا يشغله عنها أحد ، والأدلة في مدح العزلة والمعاشرة متعارضة وسيأتي تحقيقها إنشاء الله ، وقد يقال المراد بالجنة جنة معينة يدخل فيها من لم يحجب المؤمن.
الحديث الثاني : ضعيف.
« كان فلان » قيل : كان تامة أو فلان كناية عن اسم غير منصرف كأحمد ، وأقول : يحتمل تقدير الخبر أي كان فلان قارع الباب ، وفي القاموس : ما اكترث له ما أبالي به.
ولم يلم غلامه ولا اغتم أحد منهم لرجوعه عن الباب وأقبلوا في حديثهم فلما كان من الغد بكر إليهم الرجل فأصابهم وقد خرجوا يريدون ضيعة لبعضهم فسلم عليهم وقال أنا معكم فقالوا له نعم ولم يعتذروا إليه وكان الرجل محتاجا ضعيف الحال فلما كانوا في بعض الطريق إذا غمامة قد أظلتهم فظنوا أنه مطر فبادروا فلما استوت الغمامة على رءوسهم إذا مناد ينادي من جوف الغمامة أيتها النار خذيهم وأنا جبرئيل رسول الله فإذا نار من جوف الغمامة قد اختطفت الثلاثة النفر وبقي الرجل مرعوبا يعجب مما نزل بالقوم ولا يدري ما السبب فرجع إلى المدينة فلقي يوشع بن نونعليهالسلام فأخبره الخبر وما رأى وما سمع فقال يوشع بن نونعليهالسلام أما علمت أن الله سخط عليهم بعد أن كان عنهم راضيا وذلك بفعلهم بك فقال وما فعلهم بي فحدثه يوشع فقال الرجل فأنا أجعلهم في حل وأعفو عنهم قال لو كان هذا قبل لنفعهم
« فلما كان من الغد » قيل : كان تامة والمستتر راجع إلى أمر الدهر ومن بمعنى في ، وفي القاموس : بكر عليه وإليه وفيه بكورا وبكر وابتكر وأبكر وباكره أتاه بكرة ، وكل من بادر إلى شيء فقد أبكر إليه في أي وقت كان ، وقال : الضيعة العقار والأرض المغلة.
« ولم يعتذروا إليه » ربما يفهم منه أنه عرف أنهم كانوا في البيت ولم يأذنوا له ، وفيه نظر بل الظاهر من آخر الخبر خلافه ، ويدل على أنه لو صدر عن أحد مثل هذه البادرة كان عليه أن يبادر إلى الاعتذار وأنه مع رضاه يسقط عنهم الوزر.
« ضعيف الحال » أي قليل المال « قد أظلتهم » أي قربت منهم ، أو الشمس لما كانت في جانب المشرق وقعت ظلها عليهم قبل أن تحاذي رؤوسهم « فظنوا أنه » أي سبب حدوث الغمامة « مطر ، فبادروا » ليصلوا إلى الضيعة قبل نزول المطر ، و النفر لما كان في معنى الجمع جعل تميزا للثلاثة « وأما الساعة فلا » أي لا ينفعهم ليردوا إلى الدنيا « وعسى أن ينفعهم » أي في البرزخ والقيامة.
فأما الساعة فلا وعسى أن ينفعهم من بعد.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن بكر بن صالح ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أيما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب ضرب الله بينه وبين الجنة سبعين ألف سور غلظ كل سور مسيرة ألف عام ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قلت له جعلت فداك ما تقول في مسلم أتى مسلما زائرا [ أو طالب حاجة ] وهو في منزله فاستأذن عليه فلم يأذن له ولم يخرج إليه قال يا أبا حمزة أيما مسلم أتى مسلما زائرا أو طالب حاجة وهو في منزله فاستأذن له ولم يخرج إليه لم يزل في لعنة الله حتى يلتقيا فقلت جعلت فداك في لعنة الله حتى يلتقيا قال نعم يا أبا حمزة.
الحديث الثالث : ضعيف ، وقد مر مثله إلا أنه لم يكن فيه « غلظ السور ».
الحديث الرابع : مجهول.
« أيما مسلم » قيل : أي مبتدأ وما زائدة بين المضاف والمضاف إليه ، وأتى مسلما خبره ، والجملة شرطية وجملة لم يزل جزائية ، والضمير راجع إلى المسلم الثاني ، ولو كان أتي صفة ولم يزل خبرا لم يكن للمبتدإ عائدا ، ولعل المراد بالالتقاء الاعتذار أو معه وهو محمول على ما مر من عدم العذر أو الاستخفاف.
باب
من استعان به أخوه فلم يعنه
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد وأبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان ، عن محمد بن علي ، عن سعدان ، عن حسين بن أمين ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام له في حاجته [ إلا ] ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أيما رجل من شيعتنا أتى رجلا من إخوانه
باب من استعان به أخوه فلم يعنه
الحديث الأول : ضعيف.
وقوله : والقيام إما عطف تفسير للمعونة ، أو المراد بالمعونة ما كان من عند نفسه ، وبالقيام ما كان من غيره « إلا ابتلي » كذا في أكثر النسخ ، فكلمة إلا إما زائدة أو المستثنى منه مقدر أي ما فعل ذلك إلا ابتلي ، وقيل : من للاستفهام الإنكاري ، وفي بعض النسخ ابتلي بدون كلمة إلا موافقا لما في المحاسن وثواب الأعمال وهو أظهر ، وضمير عليه راجع إلى من بتقدير مضاف أي على معونته ، وفاعل يأثم راجع إلى من بخل ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى من في من يأثم ، وضمير عليه للباخل ، والتعدية بعلى لتضمين معنى القهر ، أو على بمعنى في أي بمعونة ظالم يأخذ منه قهرا وظلما ، ويعاقب على ذلك الظلم و قوله : ولا يؤجر أي الباخل على ذلك الظلم لأنه عقوبة ، وعلى الأول قوله : ولا يؤجر إما تأكيد أو لدفع توهم أن يكون آثما من جهة ومأجورا من أخرى.
الحديث الثاني : صحيح.
فاستعان به في حاجته فلم يعنه وهو يقدر إلا ابتلاه الله بأن يقضي حوائج غيره من أعدائنا يعذبه الله عليها يوم القيامة.
٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان ، عن محمد بن أسلم ، عن الخطاب بن مصعب ، عن سدير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لم يدع رجل معونة أخيه المسلم حتى يسعى فيها ويواسيه إلا ابتلي بمعونة من يأثم ولا يؤجر.
٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن عبد الله ، عن علي بن جعفر ، عن [ أخيه ] أبي الحسنعليهالسلام قال سمعته يقول من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيرا به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر عليه فقد قطع ولاية الله عز وجل.
والاستثناء يحتمل الوجوه الثلاثة المتقدمة ، و قوله : يعذبه الله صفة حوائج وضمير عليها راجع إلى الحوائج ، والمضاف محذوف ، أي علي قضائها ، ويدل على تحريم قضاء حوائج المخالفين ، ويمكن حمله على النواصب أو على غير المستضعفين جمعا بين الأخبار وحمله على الإعانة في المحرم بأن يكون يعذبه الله قيدا احترازيا بعيد.
الحديث الثالث : ضعيف.
« حتى يسعى » متعلق بالمعونة فهو من تتمة مفعول يدع ، والضمير في يأثم راجع إلى الرجل ، والعائد إلى من محذوف ، أي على معونته.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
« مستجيرا به » أي لدفع ظلم أو لقضاء حاجة ضرورية « فقد قطع ولاية الله » أي محبته لله أو محبة الله له أو نصرة الله له أو نصرته لله ، أو كناية عن سلب إيمانه فإن الله ولي الذين آمنوا ، والحاصل أنه لا يتولى الله أموره ولا يهديه بالهدايات الخاصة ولا يعينه ولا ينصره.
باب
من منع مؤمنا شيئا من عنده أو من عند غيره
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد وأبو علي الأشعري ، عن محمد بن حسان جميعا ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن سنان ، عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أيما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره أقامه الله يوم القيامة مسودا وجهه مزرقة عيناه مغلولة يداه
باب من منع مؤمنا شيئا من عنده أو من عند غيره
الحديث الأول : ضعيف.
« مزرقة عيناه » بضم الميم وسكون الزاي وتشديد القاف من باب الأفعال من الزرقة ، وكأنه إشارة إلى قوله تعالى : «وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً »(١) وقال البيضاوي : أي زرق العيون وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب ، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق ، ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين أو عمياء ، فإن حدقة الأعمى تزرق ، انتهى.
وقال في غريب القرآن : «يَوْمَئِذٍ زُرْقاً » لأن أعينهم تزرق من شدة العطش ، وقال الطيبي فيه : أسودان أزرقان ، أراد سوء منظرهما وزرقه أعينهما والزرقة أبغض الألوان إلى العرب ، لأنها لون أعدائهم الروم ، ويحتمل إرادة قبح المنظر وفظاعة الصورة ، انتهى.
وقيل : لشدة الدهشة والخوف تنقلب عينه ولا يرى شيئا ، وإلى في قوله إلى عنقه بمعنى مع ، أو ضمن معنى الانضمام ، ويدل على وجوب قضاء حاجة المؤمن
__________________
(١) سورة طه : ١٠٢.
إلى عنقه فيقال هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ثم يؤمر به إلى النار.
٢ ـ ابن سنان ، عن يونس بن ظبيان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام يا يونس من حبس حق المؤمن أقامه الله عز وجل يوم القيامة خمسمائة عام على رجليه حتى يسيل عرقه أو دمه وينادي مناد من عند الله هذا الظالم الذي حبس عن الله حقه قال فيوبخ أربعين يوما ثم يؤمر به إلى النار.
٣ ـ محمد بن سنان ، عن مفضل بن عمر قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من كانت له دار فاحتاج مؤمن إلى سكناها فمنعه إياها قال الله عز وجل يا ملائكتي أبخل عبدي على عبدي بسكنى الدار الدنيا وعزتي وجلالي لا يسكن جناني أبدا.
مع القدرة ، وربما يحمل على ما إذا منعه لإيمانه أو استخفافا به وكان المراد بالمؤمن المؤمن الكامل.
الحديث الثاني : كالأول.
والمراد بحق المؤمن الديون والحقوق اللازمة أو الأعم منها ومما يلزمه أداؤه من جهة الإيمان على سياق سائر الأخبار « خمسمائة عام » أي مقدارها من أعوام الدنيا « أودية » في بعض النسخ أو دمه فالترديد من الراوي ، وقيل أو للتقسيم أي إن كان ظلمه قليلا يسيل عرقه وإن كان كثيرا يسيل دمه والموبخ المؤمنون أو الملائكة أو الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام أو الأعم ، وفيه دلالة على أن حق المؤمن حق الله عز وجل لكمال قربه منه أو لأمره تعالى به.
الحديث الثالث : كالسابق.
وظاهر هذه الأخبار وجوب إعانة المؤمنين بكل ما يقدر عليه وإسكانهم وغير ذلك مما لم يقل بوجوبه أحد من الأصحاب ، بل ظاهرها كون تركها من الكبائر وهو حرج عظيم ينافي الشريعة السمحة ، وقد يأول بكون المنع من أجل الإيمان فيكون كافرا ، أو على ما إذا وصل اضطرارا المؤمن حدا خيف عليه التلف
٤ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن عبد الله ، عن علي بن جعفر قال سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فإنما هي رحمة من الله عز وجل ساقها إليه فإن قبل ذلك فقد وصله بولايتنا وهو موصول بولاية الله عز وجل وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها سلط الله عليه شجاعا من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة مغفور له أو معذب فإن عذره الطالب كان أسوأ حالا قال وسمعته يقول من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيرا به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر عليه فقد قطع ولاية الله تبارك وتعالى.
أو الضرر العظيم الذي تجب إعانته عنده ، أو يراد بالجنان جنات معينة لا يدخلها إلا المقربون.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
وقد مر سندا ومتنا في باب قضاء حاجة المؤمن إلى قوله : كان أسوأ حالا إلا أن فيه : مغفورا له أو معذبا ، ومضى ما بعده في الباب السابق ، نقول زائدا على ما مضى أن قوله : فقد وصله بولايتنا ، يحتمل أن يكون المراد أنه وصل ذلك الفعل بولايتنا ، أي جعله سببا لولايتنا وحبنا له ، وهو أي الفعل أو الولاية بتأويل سبب لولاية الله ، ويمكن أن يكون ضمير الفاعل في وصل راجعا إلى الفعل ، والمفعول إلى الرجل أي وصل ذلك الفعل الرجل الفاعل له بولايتنا « كان أسوأ حالا » أي المطلوب أو الطالب كما مر والأول أظهر ، فالمراد بقوله عذره ، قبل عذره الذي اعتذر به ، ولا أصل له.
وكون حال المطلوب حينئذ أسوأ ظاهر ، لأنه صدقة فيما ادعى كذبا ولم يقابله بتكذيب وإنكار يستخف وزره ، وأما على الثاني فقيل كونه أسوأ لتصديق الكاذب ولتركه النهي عن المنكر ، والأولى أن يحمل على ما إذا فعل ذلك للطمع وذلة النفس لا للقربة وفضل العفو.
باب
من أخاف مؤمنا
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن عيسى ، عن الأنصاري ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق الخفاف ، عن بعض الكوفيين ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار ومن روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل
باب من أخاف مؤمنا
الحديث الأول : مجهول ، ولو كان عبد الغفار بن القاسم الثقة فالحديث صحيح.
« يوم لا ظل إلا ظله » أي إلا ظل عرشه والمراد بالظل الكنف أي لا ملجأ ولا مفزع إلا إليه ، قال الراغب : الظل ضد الضح وهو أعم من الفيء ، ويعبر بالظل عن العزة والمناعة وعن الرفاهة ، قال تعالى : «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ »(١) أي في عزة ومناعة ، وأظلني فلان أي حرسني ، وجعلني في ظله أي في عزه ومناعته «وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً »(٢) كناية عن غضارة العيش.
الحديث الثاني : مجهول.
« ليصيبه منه » أي من السلطان « مكروه » أي ضرر يكرهه « فلم يصبه » « فهو في النار » أي يستحقها أي لم يعف عنه ، و الروع : الفزع ، والترويع : التخويف
__________________
(١) سورة المرسلات : ٤١.
(٢) سورة النساء : ٥٧.
فرعون في النار.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أعان على مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمتي.
باب النميمة
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ألا أنبئكم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله ـ قال المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون
« في النار » قيل أي في نار البرزخ ، حيث قال : «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ »(١) .
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
وقال في النهاية : الشطر النصف ، ومنه الحديث : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة ، قيل هو أن يقول : اق في اقتل ، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : كفى بالسيف شا ، يريد شاهدا وفي القاموس : الشطر نصف الشيء وجزؤه ، وأقول : يحتمل أن يكون كناية عن قلة الكلام أو كان يقول نعم مثلا في جواب من قال أقتل زيدا؟ وكان بين العينين كناية عن الجبهة.
باب النميمة
الحديث الأول : صحيح.
« المشاؤون بالنميمة » إشارة إلى قوله تعالى : «وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ »(٢) قال البيضاوي
__________________
(١) سورة غافر : ٤٦.
(٢) سورة القلم : ١٠ ـ ١٣.
للبرآء المعايب.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن محمد بن عيسى ، عن يوسف بن عقيل ، عن محمد بن قيس ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال محرمة الجنة على القتاتين المشاءين بالنميمة.
«هَمَّازٍ » أي عياب ، «مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ » أي نقال للحديث على وجه السعاية ، «عُتُلٍ » : جاف غليظ «بَعْدَ ذلِكَ » أي بعد ما عد من مثاليه ، «زَنِيمٍ » دعي ، وفي المصباح نم الرجل الحديث نما من بابي قتل وضرب سعى به ليوقع فتنة أو وحشة ، والرجل نم تسمية بالمصدر ومبالغة والاسم النميمة والنميم أيضا ، وفي النهاية النميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر.
« المفرقون بين الأحبة » بالنميمة وغيرها ، و البغي الطلب والبراء ككرام وكفقهاء جمع البريء ، وهنا يحتملهما ، وأكثر النسخ على الأول ، ويقال أنا براء منه بالفتح لا يثني ولا يجمع ولا يؤنث أي بريء ، كل ذلك ذكره الفيروزآبادي والأخير هنا بعيد ، والظاهر أن المراد به من يثبت لمن لا عيب له عيبا ليسقطه من أعين الناس ، ويحتمل شموله لمن لا يتجسس عيوب المستورين ليفشيها عند الناس وإن كانت فيهم فالمراد البراء عند الناس.
الحديث الثاني : صحيح.
وفي القاموس : القت نم الحديث والكذب واتباعك الرجل سرا لتعلم ما يريد ، وفي النهاية فيه لا يدخل الجنة قتات وهو النمام ، يقال : وقت الحديث يفته إذا زوره وهيأه وسواه ، وقيل : النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم ، والقتات الذي يتسمع مع القوم وهم لا يعلمون ثم ينم ، والقساس الذي يسأل عن الأخبار ثم ينمها ، انتهى.
وربما يأول الحديث بالحمل على المستحل أو على أن الجنة محرمة عليه
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الحسن الأصبهاني عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام شراركم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة المبتغون للبرآء المعايب.
ابتداء ولا يدخلها إلا بعد انقضاء مدة العقوبة ، أو على أن المراد بالجنة جنة معينة لا يدخلها القتات أبدا(١) .
الحديث الثالث : مجهول.
وقال الشهيد الثاني قدس الله روحه في رسالة الغيبة : في عد ما يلحق بالغيبة أحدها النميمة ، وهي نقل قول الغير إلى المقول فيه ، كما تقول فلان تكلم فيك بكذا وكذا ، سواء نقل ذلك بالقول أم بالكتابة أم بالإشارة والرمز ، فإن تضمن ذلك نقصا أو عيبا في المحكي عنه كان ذلك راجعا إلى الغيبة أيضا ، فجمع بين معصية الغيبة والنميمة ، والنميمة إحدى المعاصي الكبائر ، قال الله تعالى : «هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ »(٢) ثم قال : «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ».
قال بعض العلماء : دلت هذه الآية على أن من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة ولد زناء ، لأن الزنيم هو الدعي ، وقال تعالى : «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ »(٣) قيل : الهمزة النمام وقال تعالى عن امرأة نوح وامرأة لوط «فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ »(٤) قيل : كانت امرأة لوط تخبر بالضيفان ،
__________________
(١) ونظير هذه التأويلات قد مرّ في باب البداء أيضا في حديث « ان الله حرم الجنة على كل فحاش بذىء اه » ونقل هنا عن الشيخ البهائي روّح الله روحه أنّه قال : لعلّه (ع) أراد أنّها محرمة عليهم زمانا طويلا لا محرّمة تحريما مؤبّدأ أو المراد جنبة خاصّة معدّة لغير الفحّاش ، وإلاّ فظاهره مشكل فإن العصاة من هذه الأمّة مآلهم إلى الجنّة وإن طال مكثهم في النار.
(٢) سورة القلم : ١١.
(٣) سورة الهمزة : ١.
(٤) سورة التحريم : ١٠.
وامرأة نوح تخبر بأنه مجنون.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يدخل الجنة نمام ، وفي حديث آخر : لا يدخل الجنة قتات ، والقتات هو النمام ، وروي أن موسى استسقى لبني إسرائيل حين أصابهم قحط فأوحى الله تعالى إليه : أني لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد أصر على النميمة ، فقال موسىعليهالسلام : يا رب من هو حتى نخرجه من بيننا؟ فقال : يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما! فتابوا بأجمعهم فسقوا.
أقول : وذكر رفع الله درجته أخبارا كثيرة من طريق الخاصة والعامة ، ثم قال : واعلم أن النميمة تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كما يقال فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا ، وليست مخصوصة بالقول فيه ، بل يطلق على ما هو أعلم من القول كما مر في الغيبة ، وحدها بالمعنى الأعم كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول منه أو المنقول إليه ، أم كرهه ثالث ، وسواء كان الكشف بالقول أم بالكتابة أم الرمز أم الإيماء ، وسواء كان المنقول من الأعمال أم من الأقوال ، وسواء كان ذلك عيبا ونقصانا على المنقول عنه أم لم يكن ، بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه ، بل كل ما رآه الإنسان عن أحوال الناس ، فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود عليه ، فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره نميمة وإفشاء للسر ، فإن كان ما ينم به نقصانا أو عيبا في المحكي عنه كان جمع بين الغيبة والنميمة.
والسبب الباعث على النميمة إما إرادة السوء بالمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرج بالحديث أو الخوض في المفضول.
وكل من حملت إليه النميمة ، وقيل له : إن فلانا قال فيك كذا وكذا
وفعل فيك كذا وكذا وهو يدبر فيها فساد أمرك أو في ممالاة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجري مجراه ، فعليه ستة أمور :
الأول : أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة ، قال الله تعالى : «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ »(١) .
الثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح له فعله ، قال الله تعالى : «وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ »(٢) .
الثالث : أن يبغضه في الله تعالى ، فإنه بغيض عند الله ويحب بغض من يبغضه الله.
الرابع : أن لا تظن بأخيك السوء بمجرد قوله ، لقوله تعالى : «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ »(٣) بل تثبت حتى تتحقق الحال.
الخامس : أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث لتحقق ، لقوله تعالى : «وَلا تَجَسَّسُوا »(٤) .
السادس : أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه فلا تحكي نميمته فتقول : فلان قد حكى لي كذا وكذا ، فتكون به نماما ومغتابا فتكون قد أتيت بما نهيت عنه ، وقد روي عن عليعليهالسلام : أن رجلا أتاه يسعى إليه برجل ، فقال : يا هذا نحن نسأل عما قلت فإن كنت صادقا مقتناك وإن كنت كاذبا عاقبناك ، وإن شئت أن نقيلك أقلناك ، قال : أقلني يا أمير المؤمنين ، وقال الحسن : من نم إليك نم عليك ، وهذه إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بصداقته ، وكيف لا يبغض وهو لا ينفك من الكذب والغيبة والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والإفساد بين الناس
__________________
(١) سورة الحجرات : ٦.
(٢) سورة لقمان : ١٧.
(٣ ـ ٤) سورة الحجرات : ١٢.
باب الإذاعة
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمد بن عجلان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن الله عز وجل عير أقواما بالإذاعة في قوله عز وجل : «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ »(١) فإياكم
والخديعة ، وهو ممن سعى في قطع ما أمر الله تعالى به أن يوصل ، قال الله تعالى : «وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (٢) » وقال تعالى : «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ »(٣) والنمام منهم.
وبالجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى ، قيل : باع بعضهم عبدا للمشتري ما فيه عيب إلا النميمة ، قال : رضيت به فاشتراه فمكث الغلام أياما ثم قال لزوجة مولاه : إن زوجك لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك ، فخذي الموسى(٤) واحلقي من قفاه شعيرات حتى أسحر عليها فيحبك ، ثم قال للزوج : إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ، فتناوم فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تقتله ، فقام وقتلها ، فجاء أهل المرأة وقتلوا الزوج ، فوقع القتال بين القبيلتين وطال الأمر.
باب الإذاعة
الحديث الأول : مجهول.
ويقال : ذاع الخبر يذيع ذيعا أي انتشر ، وأذاعه غيره أي أفشاه «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ » قال البيضاوي : أي مما يوجب الأمن أو الخوف «أَذاعُوا بِهِ »
__________________
(١) سورة النساء : ٨٢.
(٢) سورة الرعد : ٢٥.
(٣) سورة الشورى : ٤٢.
(٤) الموسي. آلة الحلق.
والإذاعة.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن محمد الخزاز ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا.
أي أفشوه كان يفعله قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو أخبرهم الرسول بما أوحى إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة أذاعوا لعدم حزمهم ، وكانت إذاعتهم مفسدة ، والباء مزيدة ، أو لتضمن الإذاعة معنى التحدث «وَلَوْ رَدُّوهُ » أي ردوا ذلك الخبر «إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ » أي إلى رأيه ورأي كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الأمراء «لَعَلِمَهُ » أي لعلمه على أي وجه يذكر «الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » أي يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم.
وقيل : كانوا يسمعون أراجيف المنافقين فيذيعونها فيعود وبالا على المسلمين ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتى سمعوه منهم ويعرفوا أنه هل يذاع لعلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يستخرجون علمه من جهتهم ، انتهى.
وفي الأخبار أن أولي الأمر الأئمةعليهالسلام ، وعلى أي حال تدل الآية على ذم إذاعة ما في إفشائه مفسدة ، والغرض التحذير عن إفشاء أسرار الأئمةعليهمالسلام عند المخالفين ، فيصير مفسدة وضررا على الأئمة وعلى المؤمنين ، ويمكن شموله لإفشاء بعض غوامض العلوم التي لا تدركها عقول عامة الخلق كما مر في باب الكتمان.
الحديث الثاني : مجهول.
ويدل على أن المذيع والجاحد متشاركون في عدم الإيمان ، وبراءة الإمام منهم ، وفعل ما يوجب لحوق الضرر بل ضرر الإذاعة أقوى ، لأن ضرر الجحد يعود إلى الجاحد وضرر الإذاعة يعود إلى المذيع وإلى المعصوم وإلى المؤمنين ، ولعل
قال وقال لمعلى بن خنيس المذيع حديثنا كالجاحد له.
٣ ـ يونس ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي يعفور قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان.
٤ ـ يونس بن يعقوب ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطإ ولكن قتلنا قتل عمد.
٥ ـ يونس ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول يحشر العبد يوم القيامة وما ندي دما فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال له :
مخاطبة المعلى بذلك لأنه كان قليل التحمل لأسرارهم ، وصار ذلك سببا لقتله ، وروى الكشي بإسناده عن المفضل قال : دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام يوم قتل فيه المعلى بن خنيس فقلت له : يا بن رسول الله ألا ترى إلى هذا الخطب الجليل الذي نزل بالشيعة في هذا اليوم؟ قال : وما هو! قلت : قتل المعلى بن خنيس! قال : رحم الله المعلى قد كنت أتوقع ذلك أنه أذاع سرنا ، وليس الناصب لنا حربا بأعظم مؤنة علينا من المذيع علينا سرنا ، فمن أذاع سرنا إلى غير أهله لم يفارق الدنيا حتى يعضه السلاح أو يموت بخيل.
الحديث الثالث : صحيح.
« سلبه الله الإيمان » أي يمنع منه لطفه فلا يبقى علي الإيمان.
الحديث الرابع : مرسل.
وكان المعنى أنه مثل قتل العمد في الوزر ، كما سيأتي خبر آخر كمن قتلنا لا أن حكمه حكم العمد في القصاص وغيره.
الحديث الخامس : ضعيف.
« وما ندي دما » في بعض النسخ مكتوب بالياء ، وفي بعضها بالألف وكان الثاني تصحيف ، ولعله ندي بكسر الدال مخففا ، ودما إما تميز أو منصوب بنزع
هذا سهمك من دم فلان فيقول يا رب إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دما فيقول بلى سمعت من فلان رواية كذا وكذا فرويتها عليه فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها وهذا سهمك من دمه.
٦ ـ يونس ، عن ابن سنان ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وتلا هذه الآية : «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ »(١) قال والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم
الخافض أي ما ابتل بدم وهو مجاز شائع بين العرب والعجم ، قال في النهاية : فيه من لقي الله ولم يتند من الدم الحرام بشيء دخل الجنة ، أي لم يصب منه شيئا ولم ينله منه شيء ، كأنه نالته نداوة الدم وبلله ، يقال : ما نداني من فلان شيء أكرهه ، ولا نديت كفى له بشيء ، وقال الجوهري : المنديات المخزيات فقال : ما نديت بشيء نكرهه ، وقال الراغب : ما نديت بشيء من فلان ، أي ما نلت منه ندي ، ومنديات الكلم المخزيات التي تعرف.
وأقول : يمكن أن يقرأ على بناء التفعيل فيكون دما منصوبا بنزع الخافض ، أي ما بل أحدا بدم أخرجه منه ، ويحتمل إسناد التندية إلى الدم على المجاز ، وما ذكرنا أولا أظهر ، وقرأ بعض الفضلاء بدا بالباء الموحدة أي ما أظهر دما وأخرجه وهو تصحيف.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور.
قوله : وتلا ، الواو للاستئناف أو حال عن فاعل قال المذكور بعدها ، أو عن فاعل روى المقدر ، أو للعطف على جملة أخرى تركها الراوي «ذلِكَ » إشارة إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة ، والبوء بالغضب «بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ » أي بالمعجزات أو بآيات الكتب المنزلة «وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ » كشعيبا ويحيى وزكريا وغيرهم.
«ذلِكَ بِما عَصَوْا » قيل أي جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر
__________________
(١) سورة البقرة : ٦١.
ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلا واعتداء ومعصية.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ »(١) فقال أما والله ما قتلوهم بأسيافهم ولكن أذاعوا سرهم وأفشوا عليهم فقتلوا.
بالآيات وقتل النبيين ، فإن صغار المعاصي سبب يؤدي إلى ارتكاب كبارها.
قال : والله ما قتلوهم ، هذا يحتمل وجوها : الأول : أن قتل الأنبياء لم يصدر من اليهود بل من غيرهم من الفراعنة ، ولكن اليهود لما تسببوا إلى ذلك بإفشاء أسرارهم نسب ذلك إليهم.
الثاني : أنه تعالى نسب إلى جميع اليهود أو آباء المخاطبين القتل ولم يصدر ذلك من جميعهم ، وإنما صدر من بعضهم ، وإنما نسب إلى الجميع لذلك ، فقوله : ما قتلوهم ، أي جميعا.
الثالث : أن يكون المراد في هذه الآية غير المقاتلين ، وعلى التقادير يمكن أن يكون المراد بغير الحق أي بسبب أمر غير حق ، وهو ذكرهم الأحاديث في غير موضعها ، فالباء للآلة ، وقوله تعالى : «ذلِكَ بِما عَصَوْا » يمكن أن يراد به أن ذلك القتل أو نسبته إليهم بسبب أنهم عصوا واعتدوا في ترك التقية كما قالعليهالسلام ، فصار أي الإذاعة قتلا واعتداء ومعصية ، وهذا التفسير أشد انطباقا على الآية من تفسير سائر المفسرين.
الحديث السابع : موثق.
ومضمونه موافق للخبر السابق وهذه الآية في آل عمران ، والسابقة في البقرة.
__________________
(١) سورة آل عمران : ١١٢.
٨ ـ عنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي عبد الله قال قال إن الله عز وجل عير قوما بالإذاعة فقال : «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ »(١) فإياكم والإذاعة.
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين بن عثمان عمن أخبره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أذاع علينا شيئا من أمرنا فهو كمن قتلنا عمدا ولم يقتلنا خطأ.
١٠ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن نصر بن صاعد مولى أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن أبيه قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول مذيع السر شاك وقائله عند غير أهله كافر ومن تمسك بالعروة الوثقى فهو ناج قلت ما هو؟
الحديث الثامن : مجهول.
وقد مضى بعينه متنا وسندا في أول الباب ، وكأنه من النساخ.
الحديث التاسع : مرسل.
وقوله : ولم يقتلنا خطاء ، إما تأكيد أو لإخراج شبه العمد ، فإنه عمد من جهة ، وخطاء من أخرى.
الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.
« مذيع السر شاك » كان المعنى مذيع السر عند من لا يعتمد عليه من الشيعة شاك ، أي غير موقن فإن صاحب اليقين لا يخالف الإمام في شيء ويحتاط في عدم إيصال الضرر إليه ، أو أنه إنما يذكره له غالبا لتزلزله فيه وعدم التسليم التام ، ويمكن حمله على الأسرار التي لا تقبلها عقول عامة الخلق ، وما سيأتي على ما يخالف أقوال المخالفين ، وقيل : الأول مذيع السر عند مجهول الحال ، والثاني عند من يعلم أنه مخالف.
« قلت ما هو » أي ما المراد بالتمسك بالعروة الوثقى؟ قال : التسليم للإمام
__________________
(١) سورة النساء : ٨٢.
قال : التسليم.
١١ ـ علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد ، عن رجل من الكوفيين ، عن أبي خالد الكابلي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال إن الله عز وجل جعل الدين دولتين دولة آدم وهي دولة الله ودولة إبليس فإذا أراد الله أن يعبد علانية كانت دولة آدم وإذا أراد الله أن يعبد في السر كانت دولة إبليس والمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين.
عليهالسلام في كل ما يصدر عنه مما تقبله ظواهر العقول أو لا تقبله ، ومما كان موافقا للعامة أو مخالفا لهم ، وإطاعتهم في التقية وحفظ الأسرار وغيرها.
الحديث الحادي عشر : ضعيف.
« جعل الدين دولتين » قيل : المراد بالدين العبادة ودولتين منصوب بنيابة ظرف الزمان ، والظرف مفعول ثان لجعل ، والدولة نوبة ظهور حكومة حاكم عادلا كان أو جائرا ، والمراد بدولة آدم دولة الحق الظاهر الغالب ، كما كان لآدمعليهالسلام في زمانه ، فإنه غلب على الشيطان وأظهر الحق علانية ، فكل دولة حق غالب ظاهر فهو دولة آدم ، وهي دولة الحكومة التي رضي الله لعباده.
« وكانت » في الموضعين تامة ، فإذا علم الله صلاح العباد في أن يعبدوه ظاهرا سبب أسباب ظهور دولة الحق فكانت كدولة آدمعليهالسلام ، وإذا علم صلاحهم في أن يعبدوه سرا وتقية وكلهم إلى أنفسهم فاختاروا الدنيا وغلب الباطل على الحق ، فمن أظهر الحق وترك التقية في دولة الباطل لم يرض بقضاء الله ، وخالف أمر الله ، وضيع مصلحة الله التي اختارها لعباده.
« فهو مارق » أي خارج عن الدين غير عامل بمقتضاه ، أو خارج عن العبادة غير عامل بها ، قال في القاموس : مرق السهم من الرمية مروقا خرج من الجانب الآخر ، والخوارج مارقة لخروجهم من الدين.
١٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المحابس.
الحديث الثاني عشر : صحيح.
وكان استفتاح النهار على المثال أو لكونه أشد أو كناية عن كون هذا منه على العمد والقصد لا على الغفلة والسهو ، ويحتمل أن يكون الاستفتاح بمعنى الاستنصار وطلب النصرة ، كما قال تعالى : «وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا »(١) وقال : «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ »(٢) أي يظهر الفتح ، ويهدد المخالفين بذكر الأسرار التي ذكرها الأئمةعليهالسلام تسلية للشيعة كانقراض دولة بني أمية أو بني العباس في وقت كذا ، فقوله : نهاره ، أي في جميع نهاره لبيان المداومة عليه « حر الحديد » أي ألمه وشدته من سيف أو شبهه ، والعرب تعبر عن الراحة بالبرد وعن الشدة والألم بالحر ، قال في النهاية : في حديث عليعليهالسلام أنه قال لفاطمة : لو أتيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فسألته خادما يقيك حرما أنت فيه من العمل ، وفي رواية : حار ما أنت فيه ، يعني التعب والمشقة من خدمة البيت ، لأن الحرارة مقرونة بهما كما أن البرد مقرون بالراحة والسكون ، والحار الشاق المتعب ، ومنه حديث عيينة بن حصن : حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي ، يريد حرقة القلب من الوجع والغيظ والمشقة ، و ضيق المحابس أي السجون ، وفي بعض النسخ المجالس والمعنى واحد.
__________________
(١) سورة البقرة : ٨٩.
(٢) سورة الأنفال : ١٩.
باب
من أطاع المخلوق في معصية الخالق
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من طلب رضا الناس بسخط الله جعل الله حامده من الناس ذاما.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله كان حامده من الناس ذاما ومن آثر طاعة الله بغضب الناس كفاه الله عداوة كل عدو وحسد كل حاسد وبغي
باب من أطاع المخلوق في معصية الخالق
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« من طلب رضا الناس بسخط الله » هذا النوع في الخلق كثير بل أكثرهم كذلك ، كالذين تركوا متابعة أئمة الحق لرضاء أئمة الجور وطلب ما عندهم ، وكأعوان السلاطين الجائرين وعمالهم والمتقربين إليهم بالباطل ، والمادحين لهم على قبائح أعمالهم ، وكالذين يتعصبون للأهل والعشائر بالباطل ، وكشاهد الزور والحاكم بالجور بين المتخاصمين طلبا لرضاء أهل العزة والغلبة ، والذين يساعدون المغتابين ولا يزجرونهم عنها طلبا لرضاء أهل العزة والغلبة ، والذين يساعدون المغتابين ولا يزجرونهم عنها طلبا لرضاهم ، ولئلا يتنفروا من صحبته وأمثال ذلك كثيرة « وجعل حامده من الناس ذاما » أي بعد ذلك الحمد أو يحمدونه بحضرته ويذمونه في غيبته ، أو يكون المراد بالحامد من يتوقع منهم المدح.
الحديث الثاني : ضعيف.
والمرضاة مصدر ميمي « ومن آثر طاعة الله » أي في غير موضع التقية فإنها
كل باغ وكان الله عز وجل له ناصرا وظهيرا.
٣ ـ عنه ، عن شريف بن سابق ، عن الفضل بن أبي قرة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كتب رجل إلى الحسين صلوات الله عليه : عظني بحرفين فكتب إليه من حاول أمرا بمعصية الله كان أفوت لما يرجو وأسرع لمجيء ما يحذر.
٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال قال أبو جعفرعليهالسلام لا دين لمن دان بطاعة من عصى الله ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله ولا دين لمن دان بجحود شيء من آيات الله.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهماالسلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من
طاعة الله في هذا الموضع ، و الظهير المعين.
الحديث الثالث : ضعيف.
« بحرفين » أي بجملتين وما ذكرهعليهالسلام مع العطف في حكم جملتين ، ويحتمل أن يكون الحرفان كناية عن الاختصار في الكلام « من حاول » أي رام وقصد ، واللام في قوله « لما يرجو » و « لمجيء » للتعدية.
الحديث الرابع : صحيح.
« لا دين » أي لا إيمان أو لا عبادة « لمن دان » أي عبد الله « بطاعة من عصى الله » أي غير المعصوم ، فإنه لا يجوز طاعة غير المعصوم في جميع الأمور ، وقيل : من عصى الله من يكون حكمه معصية ولم يكن أهلا للفتوى « لمن دان » أي اعتقد أي عبد الله « بافتراء الباطل على الله » أي جعل هذا الافتراء عبادة أو جعل عبادته مبنية على الافتراء « بجحود شيء من آيات الله » أي أنكر شيئا من محكمات القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد بالآيات الأئمةعليهمالسلام كما مر في الأخبار.
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.
أرضى سلطانا بسخط الله خرج من دين الله.
باب
في عقوبات المعاصي العاجلة
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبان ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله خمس إن أدركتموهن فتعوذوا بالله منهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة
ويمكن حمله على من أرضى خلفاء الجور بإنكار أئمة الحق أو شيء من ضروريات ، وقد مر تأويل مثله مرارا.
باب في عقوبات المعاصي العاجلة
وفي بعض النسخ المناكير التي تظهر في عقوبات ، إلخ.
الحديث الأول : مرسل.
وخمس مبتدأ مع تنكيره مثل : كوكب أنقض الساعة ، والجملة الشرطية خبره ، أو خمس فاعل فعل محذوف أي تكون خمس ، و الفاحشة الزنا ، وفي القاموس السنة الجدب والقحط ، والأرض المجدبة والجمع سنون ، وفي النهاية : السنة الجدب يقال : أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا والمئونة القوت ، و شدة المئونة ضيقها وعسر تحصيلها.
وقيل : يترتب على كل واحد منهما عقوبة تناسبه ، فإن الأول لما كان فيه
وجور السلطان ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ولو لا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم وأخذوا بعض ما في أيديهم ولم يحكموا بغير ما أنزل الله [ عز وجل ] إلا جعل الله عز وجل بأسهم بينهم.
تضييع آلة النسل ناسبه الطاعون الموجب لانقطاعه ، والثاني لما كان القصد فيه زيادة المعيشة ناسبه القحط وشدة المئونة وجور السلطان بأخذ المال وغيره ، والثالث لما كان فيه منع ما أعطاه الله بتوسط الماء ناسبه منع نزول المطر من السماء ، والرابع لما كان فيه ترك العدل والحاكم العادل ناسبه تسلط العدو وأخذ الأموال ، والخامس لما كان فيه رفض الشريعة وترك القوانين العدلية ناسبه وقوع الظلم بينهم وغلبة بعضهم على بعض.
وأقول : يمكن أن يقال لما كان في الأول مظنة تكثير النسل عاملهم الله بخلافه ، وفي الثالث لما كان غرضهم توفير المال منع الله القطر ليضيق عليهم ، وأشار بقوله : ولو لا البهائم لم يمطروا ، إلى أن البهائم لعدم صدور المعصية منهم وعدم تكليفهم ، استحقاقهم للرحمة أكثر من الكفرة وأرباب الذنوب والمعاصي ، كما دلت عليه قصة النملة واستسقائها ، وقولها : اللهم لا تؤاخذنا بذنوب بني آدم ، ويومئ إليه قوله تعالى. «بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً »(١) والمراد بنقض عهد الله وعهد رسوله نقض الأمان والذمة التي أمر الله برعايتها والوفاء بها كما سيأتي في باب تفسير الذنوب : وإذا خفرت الذمة أديل لأهل الشرك من أهل الإسلام ، وهو الظاهر من الخبر الآتي أيضا ، وقيل : هو نقض العهد بنصرة الإمام الحق واتباعه في جميع الأمور ، والأول أظهر.
ولما كان هذا الغدر للغلبة على الخصم بالحيلة والمكر ، يعاملهم بما يخالف
__________________
(١) سورة الفرقان : ٤٤.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن مالك بن عطية ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال وجدنا في كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة وإذا طفف المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض
غرضهم فيجعل بأسهم بينهم ، في القاموس : البأس العذاب والشدة في الحرب ، أي جعل عذابهم وحربهم بينهم بتسلط بعضهم على بعض ، ويتغالبون ويتحاربون ولا ينتصف بعضهم من بعض ، وترتب هذا على الجور في الحكم ظاهر ، ويحتمل أن يكون السبب أنهم إذا جاروا في الحكم وحكموا للظالم على المظلوم يسلط الله على الظالم ظالما آخر يغلبه الله ، فيصير بأسهم وحربهم بينهم وهذا أيضا مجرب.
الحديث الثالث : صحيح.
« في كتاب رسول الله » سيأتي صدر هذا الحديث في كتاب النكاح ، وفيه في كتاب عليعليهالسلام وهو أظهر ، ولا تنافي بينهما لأن مملي الكتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والكاتب عليعليهالسلام فيجوز نسبته إلى كل منهما ، وعلى تقدير المغايرة يمكن وجدانه فيهما ، وفي المصباح فجأت الرجل أفجؤه مهموز من باب تعب ، وفي لغة بفتحتين جئته بغتة ، والاسم الفجاءة بالضم والمد ، وفي لغة وزان تمرة وفجأة الأمر مهموز من بابي تعب ونفع أيضا وفاجأه مفاجاة أي عاجلة ، وقال : الطفيف مثل القليل وزنا ومعنى ، ومنه قيل : تطفيف المكيال والميزان ، وقد طففه فهو مطفف إذا كال أو وزن ولم يوف ، انتهى.
وأقول : قال تعالى : «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ »(١) قال البيضاوي : التطفيف البخس في الكيل والوزن ، لأن ما يبخس طفيف أي حقير.
__________________
(١) سورة المطفّفين : ١.
بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم
وفي الحديث : خمس بخمس ، ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهر فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر.
وقال «عَلَى النَّاسِ » أي منهم «يَسْتَوْفُونَ » أي يأخذون حقوقهم وافية «وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ » أي كالوا للناس ووزنوا لهم ، والمراد بالنقص نقص ريع الأرض من الثمرات والحبوب ، كما قال سبحانه : «وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ »(١) .
« منعت الأرض » على بناء المعلوم ، فيكون المفعول الأول محذوفا أي منعت الأرض الناس « بركتها » أو المجهول فيكون الفاعل هو الله تعالى ، و الجور نقيض العدل.
وهذه الفقرة تحتمل وجهين : الأول أن الجور في الحكم وترك العدل هو معاونة للظالم على المظلوم ، فلا يكون على سياق سائر الفقرات ، وكان النكتة فيه أن سوء أثره وهو الاختلال في نظام العالم لما كان ظاهرا اكتفي بتوضيح أصل الفعل وإظهار قبحه.
الثاني : أن يكون المراد أنه تعالى بسبب هذا الفعل يمنع اللطف عنهم ، فيتعاونون على الظلم والعدوان حتى يصل ضرره إلى الحاكم والظالم أيضا كما قالعليهالسلام في الخبر السابق : جعل الله بأسهم بينهم ، والظاهر أن المراد بالعهد المعاهدة مع الكفار كما عرفت.
ويحتمل التعميم ، وكون قطع الأرحام سببا لجعل الأموال في أيدي الأشرار مجرب ، وله أسباب باطنة وظاهرة ، فعمدة الباطنة قطع لطف الله تعالى
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٣٠.
والعدوان وإذا نقضوا العهد سلط الله عليهم عدوهم وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلط الله عليهم شرارهم فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم.
عنهم ، ومن الظاهرة أنهم لا يتعاونون في دفع الظلم فيتسلط عليهم الأشرار ويأخذون الأموال منهم ، ومنها أنهم يدلون بأموالهم إلى الحكام الجائرين لغلبة بعضهم على بعض ، فينتقل أموالهم إليهم.
« وإذا لم يأمروا بالمعروف » قيل : يحتمل ترتب التسليط على ترك كل واحد منهما أو تركهما معا ، وأقول : الثاني أظهر مع أن كلا منهما يستلزم الآخر فإن ترك كل معروف منكر وترك كل منكر معروف ، والمراد بالخيار الفاعلون للمعروف الآمرون به ، والتاركون للمنكر الناهون عنه ، وعدم استجابة دعائهم لاستحكام الغضب وبلوغه حد الحتم والإبرام ، ألا يرى أنه لم يقبل شفاعة خليل الرحمنعليهالسلام لقوم لوط ، ويحتمل أن يكون المراد بالخيار الذين لم يتركوا المعروف ولم يرتكبوا المنكر ، لكنهم لم يأمروا ولم ينهوا ، فعدم استجابة دعائهم لذلك كأصحاب السبت ، فإن العذاب نزل على المعتدين والذين لم ينهوا معا وعدم استجابة دعاء المؤمنين لظهور القائمعليهالسلام يحتمل الوجهين.
واعلم أن عمدة ترك النهي عن المنكر في هذه الأمة ما صدر عنهم بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في مداهنة خلفاء الجور ، وعدم اتباع أئمة الحق عليهم ، فتسلط عليهم خلفاء الجور من التيمي والعدوي وبني أمية وبني العباس ، وسائر الملوك الجائرين فكانوا يدعون ويتضرعون فلا يستجاب لهم ، وربما يخص الخبر بذلك لقوله ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي ، والتعميم أولى.
باب
مجالسة أهل المعاصي
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي زياد النهدي ، عن عبد الله بن صالح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن بكر بن محمد ، عن الجعفري قال :
باب مجالسة أهل المعاصي
الحديث الأول : مجهول.
والمراد بمعصية الله ترك أوامره وفعل نواهيه كبيرة كانت أو صغيرة ، حق الله كان أو حق الناس ، ومن ذلك اغتياب المؤمن ، فإن فعل أحد شيئا من ذلك وقدرت على تغييره ومنعه منه فغيره أشد تغيير حتى يسكت عنه وينزجر منه ، ولك ثواب المجاهدين ، وإن خفت منه فاقطعه وأنقله بالحكمة مما هو مرتكبه إلى أمر آخر جائز ، ولا بد من أن يكون الإنكار بالقلب واللسان وحده ، والقلب مائل إليه ،
فإن ذلك نفاق وفاحشة أخرى ، وإن لم تقدر عليه فقم ولا تجلس معه ، فإن لم تقدر على القيام أيضا فأنكره بقلبك وامقته في نفسك وكن كأنك على الرضف ، فإن الله تعالى مطلع على سرائر القلوب وأنت عنده من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وإن تنكر ولم تقم مع القدرة على الإنكار والقيام فقد رضيت بالمعصية فأنت وهو حينئذ سواء في الإثم ، وقد مر الكلام في ذلك في باب الغيبة.
الحديث الثاني : صحيح.
والجعفري هو أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري وهو من أجلة أصحابنا ، ويقال إنه لقي الرضا إلى آخر الأئمةعليهمالسلام ، وأبو الحسن يحتمل الرضا والهاديعليهماالسلام
سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول ما لي رأيتك عند عبد الرحمن بن يعقوب فقال ـ إنه خالي فقال إنه يقول في الله قولا عظيما يصف الله ولا يوصف فإما جلست معه وتركتنا وإما جلست معنا وتركته فقلت هو يقول ما شاء أي شيء علي منه إذا لم أقل ما يقول فقال أبو الحسنعليهالسلام أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا أما علمت بالذي كان من أصحاب موسىعليهالسلام وكان أبوه من أصحاب فرعون فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه وهو
ويحتمل أن يكون سليمان بن جعفر الجعفري كما صرح به في مجالس المفيد.
« يقول » أي الرجل « فقال » أي ذلك الرجل ، وكونه كلام بكر والضمير للجعفري بعيد ، وفي المجالس بقول لأبي وهو أظهر ، ويؤيد الأول « فقال إنه خالي » الظاهر تخفيف اللام ، وتشديده من الخلة كأنه تصحيف « يصف الله » أي بصفات الأجسام كالقول بالجسم والصورة أو بالصفات الزائدة كالأشاعرة ، وفي المجالس : يصف الله تعالى ويحده وهو يؤيد الأول ، والواو في قولهعليهالسلام : ولا يوصف للحال ، أي والحال أنه لا يجوز وصفه بالمعنيين « فأما جلست معه » أي لا يمكن الجمع بين الجلوس معه والجلوس معنا ، فإن جالسته كنت فاسقا ونحن لا نجالس الفساق ، مع أن الجمع بينهما مما يوهم تصويب قوله ، وظاهره مرجوحية الجلوس مع من يجالس أهل العقائد الفاسدة ، وتحريم الجلوس معهم.
« فيلحقه بموسى » أي يدخله في دينه أو يلحقه بعسكره ومالهما واحد « فمضى أبوه » أي في الطريق الباطل الذي اختاره أي استمر على الكفر ولم يقبل الرجوع أو مضى في البحر « وهو يراغمه » أي يبالغ في ذكر ما يبطل مذهبه ، ويذكر ما يغضبه ، في القاموس : المراغمة الهجران والتباعد والمغاضبة وراغمهم نابذهم وهجرهم وعاداهم ، وترغم تغضب ، وفي المجالس تخلف عنه ليعظه وأدركه موسى وأبوه يراغمه « حتى بلغا طرفا من البحر » أي أحد طرفي البحر ، وهو الطرف الذي يخرج منه قوم
يراغمه حتى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا فأتى موسىعليهالسلام الخبر فقال هو في رحمة الله ولكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع.
٣ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله المرء على دين خليله وقرينه.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن داود بن سرحان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا رأيتم أهل الريب
موسى من البحر.
وأقول : كان المعنى هنا قريبا من طرف البحر ، وفي المجالس طرف البحر فغرقا جميعا فأتى موسى الخبر ، فسأل جبرئيل عن حاله فقال له : غرقرحمهالله ولم يكن على رأي أبيه ، ولكن النقمة « إلخ ».
الحديث الثالث : صحيح.
« فتصيروا عند الناس كواحد منهم » يدل على وجوب الاحتراز عن مواضع التهمة ، وإن فعل ما يوجب حسن ظن الناس مطلوب إذا لم يكن للرياء والسمعة وقد يمكن أن ينفعه ذلك في الآخرة لما ورد أن الله يقبل شهادة المؤمنين وإن علم خلافه « المرء على دين خليله » أي عند الناس فيكون استشهادا لما ذكرهعليهالسلام أو يصير واقعا كذلك فيكون بيانا لمفسدة أخرى كما ورد أن صاحب الشر يعدي وقرين السوء يغوى ، وهذا أظهر.
الحديث الرابع : صحيح.
وكان المراد بأهل الريب الذين يشكون في الدين ويشككون الناس فيه بإلقاء الشبهات ، وقيل : المراد بهم الذين بناء دينهم على الظنون والأوهام الفاسدة
كعلماء أهل الخلاف ، ويحتمل أن يراد بهم الفساق والمتظاهرين بالفسوق ، فإن ذلك مما يريب الناس في دينهم ، وهو علامة ضعف يقينهم ، في القاموس : الريب صرف الدهر والحاجة والمظنة والتهمة ، وفي النهاية : الريب الشك ، وقيل : هو الشك مع التهمة ، والبدعة اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع ، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة ، كذا ذكره في المصباح.
وأقول : البدعة في عرف الشرع ما حدث بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يرد فيه نص على الخصوص ، ولا يكون داخلا في بعض العمومات ، أو ورد نهي عنه خصوصا أو عموما ، فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات مثل بناء المدارس وأمثالها الداخلة في عمومات إيواء المؤمنين وإسكانهم وإعانتهم ، وكإنشاء بعض الكتب العلمية والتصانيف التي لها مدخل في المعلومات الشرعية ، وكالألبسة التي لم تكن في عهد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والأطعمة المحدثة فإنها داخلة في عمومات الحلية ولم يرد فيها نهي ، وما يفعل منها على وجه العموم إذا قصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة ، كما أن الصلاة خير موضوع ويستحب فعلها في كل وقت ، ولما عين عمر ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معين صارت بدعة ، وكما إذا عين أحد سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نص ورد فيها كانت بدعة ، وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيها نص بدعة ، سواء كانت أصلها مبتدعا أو خصوصيتها مبتدعة ، فما ذكره المخالفون أن البدعة منقسمة بانقسام الأحكام الخمسة تصحيحا لقول عمر في التراويح : نعمة البدعة ، باطل ، إذ لا تطلق البدعة إلا على ما كان محرما كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار ، وما فعله عمر كان من البدعة المحرمة ، لنهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الجماعة في النافلة فلم ينفعهم هذا التقسيم « ولن يصلح العطار ما أفسد
الدهر ».
وقد أشبعنا القول في ذلك في كتاب الفتن في باب مطاعن عمر.
قال الشهيد قدس الله روحه في قواعده : محدثات الأمور بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تنقسم أقساما لا تطلق اسم البدعة عندنا إلا على ما هو محرم منها :
أولها : الواجب كتدوين الكتاب والسنة إذا خيف عليهما التفلت من الصدور فإن التبليغ للقرون الآتية واجب إجماعا وللآية ، ولا يتم إلا بالحفظ وهذا في زمان الغيبة واجب. أما في زمن ظهور الإمام فلا لأنه الحافظ لهما حفظا لا يتطرق إليه خلل.
وثانيها : المحرم وهو بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة كتقديم غير الأئمة المعصومين عليهم ، وأخذهم مناصبهم واستيثار ولاة الجور بالأموال ، ومنعها مستحقها ، وقتال أهل الحق وتشريدهم وإبعادهم ، والقتل على الظنة والإلزام ببيعة الفساق والمقام عليها وتحريم مخالفتها ، والغسل في المسح ، والمسح على غير القدم وشرب كثير من الأشربة ، والجماعة في النوافل والأذان الثاني يوم الجمعة ، وتحريم المتعتين ، والبغي على الإمام وتوريث الأباعد ومنع الأقارب ، ومنع الخمس أهله والإفطار في غير وقته ، إلى غير ذلك من المحدثات المشهورات ، ومنها بالإجماع من الفريقين المكس وتولية المناصب غير الصالح لها ببذل أو إرث أو غير ذلك.
وثالثها : المستحب وهو ما تناولته أدلة الندب كبناء المدارس والربط ، وليس منه اتخاذ الملوك الأهبة ليعظموا في النفوس ، اللهم إلا أن يكون مرهبا للعدو.
ورابعها : المكروه وهو ما شملته أدلة الكراهة كالزيادة في تسبيح الزهراء سلام الله عليها وسائر الموظفات ، أو النقيصة منها ، والتنعم في الملابس والمأكل
والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلموا من بدعهم
بحيث لا يبلغ الإسراف بالنسبة إلى الفاعل ، وربما أدى إلى التحريم إذا استضر به وعياله.
وخامسها : المباح وهو الداخل تحت أدلة الإباحة كنخل الدقيق فقد ورد : أول شيء أحدثه الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اتخاذ المناخل ، لأن العيش والرفاهية من المباحات فوسيلته مباحة ، انتهى.
وقال في النهاية : البدعة بدعتان ، بدعة هدى وبدعة ضلال ، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار ، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه ، وحض عليه أو رسوله فهو في حيز المدح ، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة ، ولا يجوز أن يكون ذلك على خلاف ما ورد به الشرع ، لأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد جعل له في ذلك ثوابا ، فقال : من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ، وقال في ضده : من سن سنة سيئة كان عليه وزره ووزر من عمل بها ، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ثم قال : وأكثر ما يستعمل به المبتدع في الذم ، انتهى.
والمراد بسبهم الإتيان بكلام يوجب الاستخفاف بهم ، قال الشهيد الثاني رفع الله درجته : يصح مواجهتهم بما يكون نسبته إليهم حقا لا بالكذب ، وهل يشترط جعله على طريق النهي فيشترط شروطه أم يجوز الاستخفاف بهم مطلقا؟ ظاهر النص والفتاوى الثاني ، والأول أحوط ، ودل على جواز مواجهتهم بذلك وعلى رجحانها رواية البرقي عن أبي عبد اللهعليهالسلام إذا ظاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة ، ومرفوعة محمد بن بزيع : من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب ، انتهى.
« والقول فيهم » أي قول الشر والذم فيهم ، وفي القاموس : الوقيعة القتال
يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمد بن يوسف ، عن ميسر ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا ينبغي للمسلم أن يواخي الفاجر ولا الأحمق ولا الكذاب.
وغيبة الناس ، وفي الصحاح الوقيعة في الناس الغيبة ، والظاهر أن المراد بالمباهتة إلزامهم بالحجج القاطعة وجعلهم متحيرين لا يحيرون جوابا كما قال تعالى : «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ »(١) ويحتمل أن يكون من البهتان للمصلحة فإن كثيرا من المساوي يعدها أكثر الناس محاسن خصوصا العقائد الباطلة ، والأول أظهر ، قال الجوهري : بهته بهتا أخذه بغتة ، وبهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير ، وفي المصباح بهت وبهت من بابي قرب وتعب دهش وتحير ، ويعدى بالحرف وبغيره ، فيقال : بهته يبهته بفتحتين ، فبهت بالبناء للمفعول « ولا يتعلموا » في أكثر النسخ ولا يتعلمون وهو تصحيف.
الحديث الخامس : مجهول.
لكن الظاهر أن ميسرا هو ابن عبد العزيز الثقة فهو موثق ، و المؤاخاة المصاحبة والصداقة بحيث يلازمه ويراعى حقوقه ، ويكون محل إسراره ويواسيه بماله وجاهه والفجور التوسع في الشر ، قال الراغب : الفجر شق الشيء شقا واسعا قال تعالى : «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً »(٢) والفجور شق ستر الديانة يقال : فجر فجورا فهو فاجر وجمعه فجار وفجرة ، انتهى.
وتخصيص الكذاب مع أنه داخل في الفاجر لأنه أشد ضررا من سائر الفجار.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٥٨.
(٢) سورة القمر : ١٢.
٦ ـ عنه ، عن عمرو بن عثمان ، عن محمد بن سالم الكندي عمن حدثه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذا صعد المنبر قال ينبغي للمسلم أن يجتنب مواخاة ثلاثة الماجن والأحمق والكذاب فأما الماجن فيزين لك فعله ويحب أن تكون مثله ولا يعينك على أمر دينك ومعادك ومقارنته جفاء وقسوة ومدخله ومخرجه عليك عار وأما الأحمق فإنه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه وربما أراد منفعتك فضرك فموته خير من حياته وسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه وأما الكذاب فإنه لا يهنئك معه عيش
الحديث السادس : ضعيف.
وفي القاموس : مجن مجونا صلب وغلظ ، ومنه الماجن لمن لا يبالي قولا وفعلا كأنه صلب الوجه ، وقال الجوهري : المجون أن لا يبالي الإنسان ما صنع وكان المراد بالجفاء البعد عن الآداب الحسنة ، ويطلق في الأخبار على هذا المعنى كثيرا وهو الأنسب هنا ، ويمكن أن يكون المراد به أنه يوجب غلظ الطبع ، وترك الصلة والبر ، ومنه الحديث : من بدا جفا أي من سكن البادية غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس ، والجفاء غلظ الطبع.
« وقسوة » أي توجب القسوة ، و المدخل مصدر ميمي وكذا المخرج ، ويحتملان الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول أي دخولك عليه أو دخوله عليك ، وكذا المخرج « فإنه لا يشير عليك بخير » أي إذا شاورته « ولا يرجى لصرف السوء عنك » أي إذا ابتليت ببلية « ولو أجهد » أي أتعب نفسه فإن كل ذلك فرع العقل.
« وربما أراد منفعتك فضرك » لحمقه من حيث لا يشعر « فموته خير » لك « من حياته » في كل حال « وسكوته » عند المشورة وغيرها « خير » لك « من نطقه » « وبعده » عنك أو بعدك عنه « خير لك من قربه » فإن احتمال الضرر أكثر من النفع « لا يهنئك » بالهمز والقلب أيضا ، في المصباح هنؤ الشيء بالضم مع الهمز هناءة
ينقل حديثك وينقل إليك الحديث كلما أفنى أحدوثة مطها بأخرى حتى إنه
بالفتح والمد تيسر من غير مشقة ولا عناء فهو هنيء ، ويجوز الإبدال والإدغام ، وهنا في الولد يهنؤني مهموز من بابي نفع وضرب ، أي سرني ويقول العرب في الدعاء ليهنئك الولد بهمزة ساكنة وبإبدالها ياءا وحذفها عامي ، ومعناه سرني فهو هاني وهنأني الطعام يهنؤني ساغ.
« ينقل حديثك وينقل إليك الحديث » أي يكذب عليك عند الناس ويكذب على الناس عندك ، فيفسد بينك وبينهم ، فقوله : كلما أفنى بيان مفسدة أخرى ، وهي عدم الاعتماد على كلامه ويحتمل أن يكون الجميع لبيان مفسدة واحدة وهو أن العمدة في منفعة الصديق أن يأتيك بكلام غيرك أو فعله وأن يبلغ رسالتك إلى غيره ، ولما كانت عادته الكذب لا تعتمد أنت على كلامه ولا غيرك فتنتفي الفائدتان هذا إذا لم يأت بما يوجب الإفساد والإغراء ، وإلا فمفسدته أشد فيكون قوله ويغري تأسيسا لا تأكيدا.
وفي القاموس : الحديث الخبر ، والجمع أحاديث شاذ ، و الأحدوثة ما يتحدث به ، وفي الصحاح الحديث الخبر يأتي على القليل والكثير ، ويجمع على أحاديث على غير قياس ، قال الفراء : نرى أن واحد الأحاديث أحدوثة ، ثم جعلوه جمعا للحديث والأحدوثة ما يتحدث به ، وقال : مطه يمطه أي مده ، وفي القاموس مطه مده والدلو جذبه ، وحاجبيه وخده تكبر ، وأصابعه مدها مخاطبا بها ، وتمطط تمدد ، وفي الكلام لون فيه ، انتهى.
وسيأتي هذا الخبر بعينه في كتاب العشرة ، وفيه مطرها وفي القاموس : مطر بي وما مطر منه خيرا وبخير أي ما أصابه منه خير ، وتمطرت الطير أسرعت في هويتها كمطرت ، وعلى الأول الباء في قوله بأخرى للآلة ، وعلى الثاني للتعدية إلى المفعول الثاني « فما يصدق » على بناء المجهول من التفعيل ، وربما يقرأ على بناء المعلوم
يحدث بالصدق فما يصدق ويغري بين الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن عمرو بن عثمان ، عن محمد بن عذافر ، عن بعض أصحابه ، عن محمد بن مسلم أو أبي حمزة ، عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهماالسلام قال قال لي علي بن الحسين صلوات الله عليهما : يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم
كينصر أي أصل الحديث صادق ، فيمطها بكذب من عنده فلا يكون صادقا لذلك والأول أظهر ، وفي القاموس : أغرى بينهم العداوة ألقاها كأنه ألزقها بهم وقال الجوهري : أغريت الكلب بالصيد وأغريت بينهم.
وأقول : كان المعنى هنا يغري بينهم المخاصمات بسبب العداوة ، أو الباء زائدة وقد قال تعالى : «فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ »(١) ويظهر من بعضهم كالجوهري أن الإغراء بمعنى الإفساد ، فلا يحتاج إلى مفعول ، وفي بعض النسخ فيما سيأتي ويفرق بين الناس بالعداوة ، فلا يحتاج إلى تكلف ، وقال : السخيمة والسخمة بالضم الحقد.
« وانظروا لأنفسكم » أي اختاروا للمؤاخاة والمصاحبة غير هؤلاء حيث عرفتم ضرر مصاحبتهم ، أو لما نبهتكم على ضرر مصاحبة صاحب السوء فاتقوا عواقب السوء واختاروا للإخوة من لم تتضرروا بمصاحبتهم في الدين والدنيا وإن كان غير هؤلاء كما سيأتي أفراد أخر ، وقيل : المعنى فانظروا لأنفسكم ولا تقبلوا قول الكذاب ولا تعادوا الناس بقولهم ، وقد قال تعالى : «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا »(٢) ولا يخلو من بعد.
الحديث السابع : ضعيف.
__________________
(١) سورة المائدة : ١٤.
(٢) سورة الحجرات : ٦.
ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق فقلت يا أبه من هم قال إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويباعد لك القريب وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة أو أقل من ذلك وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه وإياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.
« فإنه » أي الكذاب « بمنزلة السراب » قال الراغب : السراب اللامع في المفازة كالماء ، وذلك لانسرابه في رأي العين ، ويستعمل السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة ، قال تعالى : «كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً »(١) وقال تعالى : «وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً »(٢) انتهى.
وقد يقال : المراد بالكذاب هنا من يكذب على الله ورسوله بالفتاوى الباطلة ويمكن أن يكون إشارة إلى قوله تعالى : «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ » إلخ.
و قولهعليهالسلام : يقرب ، استيناف لبيان وجه الشبه ، والمستتر فيه راجع إلى الكذاب والمعنى أنه بكذبه يقرب إليك البعيد عن الحق والواقع أو عن العقل ، وكذا العكس.
« فإنه بائعك » على صيغة اسم الفاعل أو فعل ماض من المبايعة بمعنى البيعة ، والأول أظهر ، والأكلة إما بالفتح أي بأكلة واحدة أو بالضم أي لقمة ، قال الجوهري : أكلت الطعام أكلا ومأكلا ، و الأكلة المرة الواحدة حتى تشبع ، والأكلة بالضم اللقمة ، تقول : أكلت أكلة واحدة ، أي لقمة ، وهي القرصة أيضا ، وهذا الشيء أكلة لك أي طعمة ، انتهى.
وقد يقرأ بأكله بالإضافة إلى الضمير الراجع إلى الفاسق ، كناية عن مال الدنيا ،
__________________
(١) سورة النور : ٣٩.
(٢) سورة النبأ : ٢٠.
وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعونا في كتاب الله عز وجل في ثلاثة مواضع قال الله عز وجل : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
فقوله : وأقل من ذلك ، الصيت والذكر عند الناس وهو بعيد ، والأول أصوب كما روي في النهج عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال لابنه الحسن : يا بني إياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه وإياك مصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه ، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عنك القريب ، والتافه : اليسير الحقير ، وذلك لأنه لا يخاف الله ويسهل عليه خلاف الديانة فلا يحفظ حق المصادقة « فإنه يخذلك في ماله » أي يترك نصرتك بسبب ماله « أحوج ما تكون إليه » قيل : أحوج منصوب بنيابة ظرف الزمان لإضافته إلى المصدر ، لكون ما مصدرية ، وكما أن المصدر يكون نائبا لظرف الزمان مثل رأيته قدوم الحاج كذلك يكون المضاف إليه أيضا نائبا وتكون تامة ، ونسبة الحاجة إلى المصدر مجاز ، والمقصود نسبته إلى الفاعل ، وإليه متعلق بالأحوج والضمير راجع إلى البخيل أو إلى ماله وقيل : أحوج منصوب على الحال من الكاف.
« في ثلاث مواضع » كذا في أكثر النسخ وكان تأنيثه بتأويل المواضع بالآيات ، وفي بعضها في ثلاثة وهو أظهر «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ » قال البيضاوي : أي توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم ، أو أعرضتم وتوليتم عن الإسلام » «أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ » « تناجزا عن الولاية وتجاذبا لها أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور والمقاتلة مع الأقارب ، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم : هل عسيتم » أولئك المذكورون الذين لعنهم الله لإفسادهم وقطعهم الأرحام فأصمهم عن استماع الحق وقبوله وأعمى أبصارهم فلا يهتدون إلى سبيله.
وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ »(١) وقال «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
«الَّذِينَ يَنْقُضُونَ » في الرعد « والذين » وحذف العاطف سهل ، لكن ليس في بعض النسخ «وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ » وكأنه من النساخ لوجوده في أكثر النسخ.
وفي كتاب الاختصاص وغيره « عهد الله » قيل : لله تعالى عهود ، عهد أخذه بالعقل على عباده بإراءة آياته في الآفاق والأنفس ، وبما ذكر من إقامة الحجة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وحكمته وتوحيده ، وعهد أخذه عليهم بأن يقروا بربوبيته فأقروا ، وقالوا بلى حين قال : ألست بربكم ، وعهد أخذه على أهل الكتاب في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعهد أخذه على الأمم أن يصدقوا نبيا بعث إليهم بالمعجزات ويتبعوه ولا يخالفوا حكمه ، وعهد أخذه عليهم بالولاية للأوصياء ، وعهد أخذه على العلماء بأن يعلموا الجهال ويبينوا ما في الكتاب ولا يكتموه ، وعهد أخذه على النبيين بأن يبلغوا الرسالة ويقيموا الذين ولا يتفرقوا فيه ، وقد وقع النقض في جميع ذلك إلا في الأخير.
والضمير في ميثاقه للعهد ، وقال المفسرون : هو اسم لما تقع به الوثاقة وهي الاستحكام والمراد به ما وثق الله به عهده من الآيات والكتب ، أو ما وثقوه به من الالتزام والقبول وأن يوصل في محل الخفض على أنه بدل الاشتمال من ضمير به ، وفي تفسير الإمامعليهالسلام في تفسير آية البقرة «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ » المأخوذ عليهم لله بالربوبية ولمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم بالنبوة ، ولعلي بالإمامة ولشيعتهما بالمحبة والكرامة «مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ » أي إحكامه وتغليظه «وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ » من الأرحام والقرابات أن يتعاهدهم وأفضل رحم وأوجبهم حقا رحم محمد فإن حقهم محمد كما أن قرابات الإنسان بأبيه وأمه ، ومحمد أعظم حقا من أبويه ، كذلك حق رحمه أعظم وقطيعته أفظع وأفضح؟.
«وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ » بالبراءة فمن فرض الله إمامته ، واعتقاد إمامة من قد
__________________
(١) سورة محمّد : ٢٣.
أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ »(١) وقال في البقرة «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٢).
فرض الله مخالفته «أُولئِكَ » أهل هذه الصفة «هُمُ الْخاسِرُونَ » خسروا أنفسهم لما صاروا إليه من النيران ، وحرموا الجنان ، فيا لها من خسارة ألزمتهم عذاب الأبد ، وحرمتهم نعيم الأبد.
وقيل في «يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ » : يدخل فيه التفريق بين الأنبياء والكتب في التصديق وترك موالاة المؤمنين ، وترك الجمعة والجماعات المفروضة ، وسائر ما فيه رفض خيرا وتعاطى شر فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل ، وقولهعليهالسلام : وجدته ملعونا في ثلاثة مواضع اللعن في الآية الأولى والثانية ظاهر ، وأما الثالثة فلاستلزام الخسران لا سيما على ما فسره الإمامعليهالسلام اللعن والبعد من رحمة الله ، والله سبحانه في أكثر القرآن وصف الكفار بالخسران ، فقد قال تعالى : «أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٣) . وقال : «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ »(٤) وقال بعد ذكر الكفار : «لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٥) وقال : «فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٦) وقال : «وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٧) وقال : «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٨) وقال : «وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٩) وقال : «قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ
__________________
(١) سورة الرعد : ٢٤.
(٢) سورة البقرة : ٢٧.
(٣) سورة التوبة : ٦٩.
(٤) سورة الأعراف : ٩٩.
(٥) سورة النحل : ١٠٩.
(٦) سورة الأنفال : ٣٧.
(٧) سورة الأعراف : ١٧٨.
(٨) سورة العنكبوت : ٥٩.
(٩) سورة البقرة : ١٢١.
٨ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن شعيب العقرقوفي قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل : «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ
يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ »(١) وقال : «وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ »(٢) وقال : «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »(٣) وقال : «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ »(٤) وقال «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ »(٥) وقال : «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ »(٦) .
الحديث الثامن : صحيح.
«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ » يعني في القرآن وكأنه إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنعام : «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »(٧) فإن الأنعام مكية ، وهذه الآية في سورة النساء وهي مدنية وكأنهعليهالسلام لذلك اختار هذه الآية لإشارتها إلى الآية الأخرى أيضا ، وتتمة الآية «فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً » ، «أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ » قيل : « أن » مفسرة ، وقال البيضاوي : محففة ، والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله ، وقد ورد في الأخبار الكثيرة أن آيات الله الأئمةعليهمالسلام أو الآيات النازلة فيهم وقال علي بن إبراهيم هنا : آيات الله هم الأئمةعليهمالسلام .
__________________
(١) سورة الزمر : ١٥.
(٢) سورة يونس : ٩٥.
(٣) سورة الزمر ٦٣.
(٤) سورة الزمر ٦٥.
(٥) سورة آل عمران : ٨٥.
(٦) سورة المائدة : ٥.
(٧) الآية ٦٨.
أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها » إلى آخر الآية(١) فقال إنما عنى بهذا [ إذا سمعتم ] الرجل [ الذي ] يجحد الحق ويكذب به ويقع في الأئمة فقم من عنده ولا تقاعده كائنا من كان.
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الأعلى بن أعين ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن.
«يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها » قال البيضاوي : حالان من الآيات جيء بهما لتقييد النهي عن المجالسة في قوله : «فَلا تَقْعُدُوا » إلخ ، الذي هو جزاء الشرط بما إذا كان من يجالسه هازئا معاندا غير مرجو ، ويؤيده الغاية ، والضمير في معهم للكفرة المدلول عليهم بقوله : يكفر بها ويستهزئ بها «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ » في الإثم لأنكم قادرون على الإعراض عنهم والإنكار عليهم أو الكفر إن رضيتم بذلك أو لأن الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأخبار كانوا منافقين ، ويدل عليه «إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً » يعني القاعدين والمقعود معهم ، انتهى.
وفي الآية إيماء إلى أن من يجالسهم ولا ينهاهم هو من المنافقين كائنا من كان ، أي سواء كان من أقاربك أم من الأجانب ، وسواء كان ظاهرا من أهل ملتك أم لا ، وسواء كان معدودا ظاهرا من أهل العلم أم لا ، وسواء كان من الحكام أو غيرهم إذا لم تخف ضررا.
الحديث التاسع : مجهول بعبد الأعلى ، وقد يعد حسنا لمدح فيه رواه نفسه.
« فلا يجلس » بالجزم أو الرفع ، وكأنه إشارة إلى قوله تعالى : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ »(٢) وفيه زجر عظيم عن
__________________
(١) سورة النساء : ١٣٧.
(٢) سورة المجادلة : ٢٢.
١٠ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » فلا يقوم مكان ريبة.
استماع غيبة المؤمن حيث عادلة بانتقاص الإمام ، يقال : فلان ينتقص فلانا أي يقع فيه ويذمه.
الحديث العاشر : ضعيف.
« مكان ريبة » أي مقام تهمة وشك ، وكان المراد النهي عن حضور موضع يوجب التهمة بالفسق أو الكفر أو بذمائم الأخلاق أعم من أن يكون بالقيام أو المشي أو القعود أو غيرها ، فإنه يتهم بتلك الصفات ظاهرا عند الناس وقد يتلوث به باطنا أيضا كما مر ، قال في المغرب : رابه ريبا شككه ، والريبة الشك والتهمة ، ومنها الحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الكذب ريبة ، وإن الصدق طمأنينة أي ما يشك ويحصل فيك الريبة ، وهي في الأصل قلق النفس واضطرابها ، ألا ترى كيف قابلها بالطمأنينة وهي السكون ، وذلك أن النفس لا تستقر متى شكت في أمر ، وإذا أيقنته سكنت واطمأنت ، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد به المنع عن مجالسة أرباب الشكوك والشبهات الذين يوقعون الشبهة في الدين ، ويعدونها كياسة ودقة فيضلون الناس عن مسالك أصحاب اليقين كأكثر الفلاسفة والمتكلمين ، فمن جالسهم وفاوضهم لا يؤمن بشيء بل يحصل في قلبه مرض الشك والنفاق ، ولا يمكنه تحصيل اليقين في شيء من أمور الدين ، بل يعرضه إلحاد عقلي لا يتمسك عقله بشيء ، ولا يطمئن في شيء ، كما أن الملحد الديني لا يؤمن بملة ، فهم كما قال تعالى : «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً »(١) وأكثر أهل زماننا سلكوا هذه الطريقة ، وقلما يوجد مؤمن على الحقيقة أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين من ذلك ، وحفظنا عن جميع المهالك.
__________________
(١) سورة البقرة : ١٠.
١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الأعلى قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن في مجلس يعاب فيه إمام أو ينتقص فيه مؤمن.
١٢ ـ الحسين بن محمد ، عن علي بن محمد بن سعد ، عن محمد بن مسلم ، عن إسحاق بن موسى قال حدثني أخي وعمي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ثلاثة مجالس
الحديث الحادي عشر : مجهول أو حسن وقد تقدم مثله بتغيير ما في المتن والسند.
الحديث الثاني عشر : مجهول.
وكان المراد بالأخ الرضاعليهالسلام ، لأن الشيخ عد إسحاق من أصحابهعليهالسلام وبالعم علي بن جعفر ، وكأنه كان عن أبي عبد اللهعليهالسلام فظن الرواة أنه زائد فأسقطوه وإن أمكن رواية علي بن جعفر عن أبيه ، والرضاعليهالسلام لا يحتاج إلى الواسطة في الرواية ، والمراد بالنقمة أما العقوبة الدنيوية أو اللعنة والحكم باستحقاق العقوبة الأخروية ، و قوله : ولا تجالسوهم إما تأكيد لقوله فلا تقاعدوهم ، أو المراد بالمقاعدة مطلق القعود مع المرء وبالمجالسة الجلوس معه على وجه الموادة والمصاحبة والمؤانسة كما يقال فلان أنيسه وجليسه ، فيكون ترقيا من الأدون إلى الأعلى كما هو عادة العرب ، وعليه جرى قوله تعالى : «وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ »(١) وقوله سبحانه : «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »(٢) .
ويحتمل العكس أيضا بأن يكون المراد بالمقاعدة من يلازم القعود كقوله تعالى : «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ »(٣) أو يكون المراد بأحدهما حقيقة المقاعدة وبالأخرى مطلق المصاحبة.
__________________
(١) سورة يونس : ٦١.
(٢) سورة البقرة : ٢٥٥.
(٣) سورة ق : ١٧.
يمقتها الله ويرسل نقمته على أهلها فلا تقاعدوهم ولا تجالسوهم مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه ومجلسا ذكر أعدائنا فيه جديد وذكرنا فيه رث ومجلسا فيه من يصد عنا وأنت تعلم قال ثم تلا أبو عبد اللهعليهالسلام ثلاث آيات من كتاب الله كأنما كن في فيه أو قال [ في ] كفه : «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
وقد ذكروا وجوها من الفرق بين القعود والجلوس لكن مناسبته لهذا المقام محل تأمل ، وإن أمكن تحصيلها بتكلف ، قال في المصباح : الجلوس غير القعود ، فالجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو والقعود هو الانتقال من علو إلى سفل ، فعلى الأول يقال لمن هو نائم أو ساجد اجلس ، وعلى الثاني لمن هو قائم أقعد وقد يكون جلس بمعنى قعد متربعا ، وقد يفارقه ، ومنه جلس بين شعبها أي حصل وتمكن ، إذ لا يسمى هذا قعودا فإن الرجل حينئذ يكون معتمدا على أعضائه الأربع ، ويقال : جلس متكئا ولا يقال قعد متكئا بمعنى الاعتماد على أحد الجانبين.
وقال الفارابي وجماعة : الجلوس نقيض القيام فهو أعم من القعود ، وقد يستعملان بمعنى الكون والحصول فيكونان بمعنى واحد ، ومنه يقال : جلس متربعا ، وقعد متربعا ، والجليس من يجالسك ، فعيل بمعنى فاعل.
« في فتياه » قيل : في للتعليل ، ونحو قوله : «فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ »(١) وقال الجوهري : الرث الشيء البالي ، وقال : صد عنه صدودا أعرض ، وصده عن الأمر صدا منعه وصرفه عنه ، والمراد بمن يصد عنهم أعم من ذلك المجلس وغيره ، لقوله : وأنت تعلم ، أي وأنت تعلم أنه ممن يصد عنا ، فإن لم تعلم فلا حرج عليك في مجالسته.
« قال ثم تلا » الضمير في قال هنا وفيما سيأتي راجع إلى كل من الأخ والعم ، ولذلك تكلف بعضهم وقال : الأخ والعم واحد ، والمراد الأخ الرضاعي ولا يخفى بعده ، « أو قال كفه » الترديد من الراوي أي أو قال مكان في فيه في كفه ،
__________________
(١) سورة يوسف : ٣٢.
وعلى التقديرين الغرض التعجب من سرعة الاستشهاد بالآيات بلا تفكر وتأمل.
وترتيب الآيات على خلاف ترتيب المطالب ، فالآية الثالثة للكذب في الفتيا ، والأولى للثاني ، إذ قد ورد في الأخبار أن المراد بسب الله سب أولياء الله ، وإذا جلس مجلسا يذكر فيه أعداء الله فإما أن يسكت فيكون مداهنا أو يتعرض لهم فيدخل تحت الآية ، وسيأتي في الروضة في حديث طويل عن الصادقعليهالسلام : وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم ، وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم ، وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله ، كيف هو أنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله ، ومن أظلم عند الله ممن استسب لله ولأوليائه ، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وروى العياشي عنهعليهالسلام أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال : أرأيت أحدا يسب الله؟ فقال : لا وكيف؟ قال : من سب ولي الله فقد سب الله؟
وفي الاعتقادات عنهعليهالسلام أنه قيل له : إنا نرى في المسجد رجلا يعلن بسب أعدائكم ويسبهم؟ فقال : ما له لعنه الله ، تعرض بنا ، قال الله : «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ » الآية ، قال : وقال الصادقعليهالسلام في تفسير هذه الآية : لا تسبوهم فإنهم يسبوا عليكم ، وقال : من سب ولي الله فقد سب الله ، قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام : من سبك فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله ، ومن سب الله فقد كبه الله على منخريه في النار.
والآية الثانية للمطلب الثالث إذ قد ورد في الأخبار أن المراد بالآيات الأئمةعليهمالسلام ، وروى علي بن إبراهيم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم ، إن الله تعالى يقول
فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ »(١) «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ »(٢) «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ »(٣) .
في كتابه : «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا » الآية ، وقيل : الأولى للثالث ، والثانية للثاني ، وقال : الخوض في شيء الطعن فيه كما قال تعالى : «وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ »(٤) ولنرجع إلى تفسير الآيات على قول المفسرين : «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ » ، قالوا أي لا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها فيها من القبائح «فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً » أي تجاوزا عن الحق إلى الباطل «بِغَيْرِ عِلْمٍ » أي على جهالة بالله وما يجب أن يذكربه.
وأقول : على تأويلهمعليهمالسلام يحتمل أن يكون المعنى بغير علم أن سب أولياء الله سب لله «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا » قالوا » أي بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ » أي فلا تجالسهم وقم عنهم «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » قيل : أعاد الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن ، وقيل في قوله «فِي آياتِنا » حذف مضاف ، أي حديث آياتنا بقرينة قوله في حديث غيره ، وقال بعد ذلك : «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ » بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي «فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى » أي بعد أن تذكره «مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » أي معهم بوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام.
«وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ » قيل : اللام للتعليل ومتعلق بالنهي عنه في لا تقولوا ، وما مصدرية ، قال البيضاوي : انتصاب الكذب بلا تقولوا و «هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ » بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي لا تقولوا الكذب لما تصف
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٠٨.
(٢) سورة الأنعام : ٦٨.
(٣) سورة النحل : ١١٦.
(٤) سورة المدّثّر : ٤٥.
١٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن محمد بن مسلم ، عن داود بن فرقد قال حدثني محمد بن سعيد الجمحي قال حدثني هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا ابتليت بأهل النصب ومجالستهم فكن كأنك على الرضف حتى تقوم فإن الله يمقتهم ويلعنهم فإذا رأيتهم يخوضون في ذكر إمام من الأئمة فقم فإن سخط الله ينزل هناك عليهم.
١٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن عبد
ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام ، أو مفعول لا تقولوا ، أو الكذب منتصب بتصف وما مصدرية أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي لا تحرموا ولا تحلوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل.
ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب ، كان حقيقة الكذب كانت مجهولة ، وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم ، هذا ولذلك عد من من فصيح الكلام كقولهم وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر «لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ » تعليل لا يتضمن الغرض كما في قوله «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً »(١) .
الحديث الثالث عشر : مجهول.
وفي النهاية في حديث الصلاة كان في التشهد الأول « كأنه على الرضف » الرضف الحجارة المحماة علي النار ، واحدتها رضفة ، انتهى.
وسخط الله لعنهم والحكم بعذابهم وخذلانهم ، ومنع الألطاف عنهم ، فإذا نزل يمكن أن يشمل من قارنهم وقاربهم فيجب الاحتراز عن مجالستهم إذا لم تكن تقية.
الحديث الرابع عشر : صحيح.
ويدل على تحريم الجلوس مع النواصب وإن لم يسبوا في ذلك المجلس وهو أيضا محمول على غير التقية.
__________________
(١) سورة القصص : ٨.
الرحمن بن الحجاج ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من قعد عند سباب لأولياء الله فقد عصى الله تعالى.
١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن القاسم بن عروة ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الأئمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل ألبسه الله الذل في الدنيا وعذبه في الآخرة وسلبه صالح ما من به عليه من معرفتنا.
١٦ ـ الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى ، عن علي بن محمد بن سعد ، عن محمد بن مسلم ، عن الحسن بن علي بن النعمان قال حدثني أبي علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن اليمان بن عبيد الله قال رأيت يحيى ابن أم الطويل وقف
الحديث الخامس عشر : مجهول.
والانتصاف الانتقام ، وفي القاموس : انتصف منه استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء ، وتناصفوا أنصف بعضهم بعضا ، انتهى.
والانتصاف أن يقتله إذا لم يخف على نفسه أو عرضه أو ماله أو على مؤمن آخر ، وإضافة صالح إلى الموصول بيانية فيفيد سلب أصل المعرفة بناء على أن من للبيان ، ويحتمل التبعيض أي من أنواع معرفتنا فيفيد سلب الكمال ، ويحتمل التعليل أي الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة التي أعطاه يسبب المعرفة ، ويحتمل أن تكون الإضافة لامية فيرجع إلى الأخير والأول أظهر.
الحديث السادس عشر : مجهول.
ويحيى بن أم الطويل من أصحاب الحسين ، وقال الفضل بن شاذان : لم يكن في زمن علي بن الحسينعليهالسلام في أول أمره إلا خمسة أنفس ، وذكر من جملتهم يحيى بن أم الطويل ، وروي عن الصادقعليهالسلام أنه قال : ارتد الناس بعد الحسينعليهالسلام إلا ثلاثة ، أبو خالد الكابلي ويحيى بن أم الطويل وجبير بن مطعم ، ثم إن
بالكناسة ثم نادى بأعلى صوته معشر أولياء الله إنا برآء مما تسمعون من سب علياعليهالسلام فعليه لعنة الله ونحن برآء من آل مروان وما يعبدون من دون الله ثم يخفض صوته فيقول من سب أولياء الله فلا تقاعدوه ومن شك فيما نحن عليه فلا تفاتحوه ومن احتاج إلى مسألتكم من إخوانكم فقد خنتموه ثم يقرأ : «إِنَّا
الناس لحقوا وكثروا ، وفي رواية أخرى مثله ، وزاد فيها وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وروي عن أبي جعفرعليهالسلام أن الحجاج طلبه وقال : تلعن أبا تراب وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله.
وأقول : كان هؤلاء الأجلاء من خواص أصحاب الأئمةعليهمالسلام كانوا مأذونين من قبل الأئمةعليهمالسلام بترك التقية لمصلحة خاصة خفية ، أو أنهم كانوا يعلمون أنه لا ينفعهم التقية وأنهم يقتلون على كل حال بأخبار المعصوم أو غيره ، والتقية إنما تجب إذا نفعت مع أنه يظهر من بعض الأخبار أن التقية إنما تجب إبقاء للدين وأهله ، فإذا بلغت الضلالة حدا توجب اضمحلال الدين بالكلية فلا تقية حينئذ وإن أوجب القتل كما أن الحسينعليهالسلام لما رأى انطماس آثار الحق رأسا ترك التقية والمسالمة.
وقال الفيروزآبادي : الكناسة بالضم موضع بالكوفة ، و البراء إما بالفتح مصدر ، والحمل للمبالغة ، أو بالضم أو الكسر جمع بريء ، أو كعلماء جمعه أيضا كما مر.
« مما تسمعون » أي من سب أمير المؤمنينعليهالسلام ومدح أئمة الجور « وما يعبدون من دون الله » إشارة إلى أنهم على كفرهم الأصلي يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، أو إلى أن تركهم الطاعة لأئمة المنصوبين من قبل الله وطاعتهم خلفاء الجور بمنزلة الشرك ، فالمراد بمن يعبدون من دون الله الطواغيت.
« ثم يخفض » ذكر المضارع مكان الماضي للإشعار بتكرر وقوع ذلك منه « فيما نحن عليه » أي مذهب الإمامية.
أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً »(١) .
وقال في النهاية : الفتح الحكم ، ومنه حديث ابن عباس : ما كنت أدري ما قوله عز وجل «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا »(٢) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك ، أي أحاكمك ، ومنه الحديث : لا تفاتحوا أهل القدر ، أي لا تحاكموهم ، وقيل : لا تبتدئوهم بالمجادلة والمناظرة ، وفي القاموس : فاتح جامع وقاضي ، وتفاتحا كلاما بينهما تحافتا دون الناس « فقد خنتموه » الغرض الحث على الإعطاء قبل سؤالهم حتى لا يحتاجوا إلى المسألة ، فإن العطية بعد السؤال جزاؤه كما قاله الحكماء ، ووردت به الأخبار وقيل : المعنى إن لم تعطوه فقد خنتموه وهو بعيد.
«أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها » في القاموس : السرادق كلما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء ، وقال البيضاوي : أي فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار ، وقيل : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط ، وقيل : سرادقها دخانها وقيل : حائط من نار «وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا » من العطش «كَالْمُهْلِ » أي كالجسد المذاب وقيل : كدردي الزيت «يَشْوِي الْوُجُوهَ » إذا قدم ليشرب من فرط حرارته «بِئْسَ الشَّرابُ » المهل «وَساءَتْ » النار «مُرْتَفَقاً » أي متكئا ، وأصل الاتفاق نصب المرفق تحت الخد ، وهو لمقابلة قوله : وحسنت مرتفقا ، وإلا فلا ارتفاق لأهل النار.
__________________
(١) سورة التوبة : ١٨.
(٢) سورة الأعراف : ٨٩.
باب
أصناف الناس
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن سليم مولى طربال قال حدثني هشام ، عن حمزة بن الطيار قال قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام الناس على ستة أصناف قال قلت أتأذن لي أن أكتبها قال نعم قلت ما أكتب؟
باب أصناف الناس
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« الناس ستة أصناف » قيل : لعل وجه الحصر أن الناس إما مؤمن أو كافر أو لا هذا ولا ذاك ، والأخير هم المستضعفون الذين لا يقرون بالحق ولا ينكرونه ، والثاني هم أهل النار قطعا ، والأول إما مؤمن كامل سابق بالخيرات لم يصدر منه ذنب أصلا أولا ، والأول هم أهل الجنة قطعا ، والثاني إما أن يتوب عن ذنبه أو لا والأول هم «آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » أي يقبل توبتهم ، والثاني إما أن تغلب حسناته على سيئاته أو لا ، والأول هم «آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ » والثاني هم أصحاب الأعراف ، انتهى.
وأقول : قد عرفت أن مصطلح الآيات والأخبار في الإيمان والكفر غير مصطلح المتكلمين ، وأن المؤمن غالبا يطلق على من صحت عقائده وعمل بفرائض الله واجتنب الكبائر ، فهو من أهل الوعد بالجنة ، ويدخلها البتة ويقابله أقسام كثيرة ، فلذا تنقسم الفرق ستة أقسام ، فالأول والثاني أهل الوعد والوعيد ، اكتفي بأحدهما تغليبا ، وفي بعض النسخ الوعد لذلك ، وفي بعضها الوعدين وهو أظهر ، أي الذين
قال : اكتب أهل الوعيد من أهل الجنة وأهل النار واكتب «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا
يتحقق فيهم وعد الثواب ووعيد العقاب قطعا إذا ماتوا على إحدى الحالتين.
وقوله : من أهل الجنة والنار بيان لأهل الوعيد ، أي جزما ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم في سورة التوبة : «وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »(١) وقال في تلك السورة أيضا «وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ »(٢) فهاتان الفرقتان أهل الوعدين وقال أيضا في تلك السورة : «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ »(٣) .
قال الطبرسي : يعني من أهل المدينة أو من الأعراب آخرون أقروا بذنوبهم وليس براجع إلى المنافقين ، والاعتراف والإقرار بالشيء عن معرفة «خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً » يعني أنهم يفعلون أفعالا جميلة وأفعالا سيئة قبيحة ، والتقدير وعملا آخرا سيئا «عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » ، قال المفسرون : عسى من الله واجبة وإنما قال عسى حتى يكونوا بين طمع وإشفاق ، فيكون ذلك أبعد من الاتكال على العفو وإهمال التوبة «إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » هذا تعليل لقبول التوبة من العصاة.
ثم قال (ره) : قال أبو حمزة : بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار : أبو لبابة بن عبد المنذر ، وثعلبة بن وديعة ، وأوس بن حذام ، تخلفوا عن رسول الله عند مخرجه إلى تبوك ، فلما بلغهم ما أنزل فيمن تخلف عن نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيقنوا بالهلاك فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد ، فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسأل عنهم فذكروا أنهم أقسموا لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله محلهم ، فقال رسول الله
__________________
(١) الآية : ٧٢.
(٢) الآية : ٦٨.
(٣) الآية : ١٠٢.
بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً »(١) قال قلت من هؤلاء قال وحشي منهم قال واكتب «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ »(٢) قال :
صلىاللهعليهوآلهوسلم : وأنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أو مر فيهم بأمر ، فلما نزل «عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » عمد رسول الله إليهم فحلهم فانطلقوا فجاءوا بأموالهم إلى رسول الله فقالوا : هذه أموالنا التي خلفتنا عنده فخذها وتصدق بها عنا ، فقالعليهالسلام : ما أمرت فيها بأمر ، فنزل : «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ »(٣) الآيات.
وقيل : إنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة عن ابن عباس ، وروي عن أبي جعفرعليهالسلام أنها نزلت في أبي لبابة ولم يذكر معه غيره ، وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح ، وبه قال مجاهد.
وقيل : نزلت فيه خاصة حين تأخر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في غزوة تبوك ، فربط نفسه بسارية كما تقدم.
« قال : وحشي منهم » قال في القاموس : وحشي بن حرب صحابي وهو قاتل حمزةرضياللهعنه في الجاهلية ، ومسيلمة الكذاب في الإسلام.
وأقول : أدرجهعليهالسلام في هذا الصنف وأدرجه أبوهعليهالسلام فيما سيأتي في المرجون لأمر الله ، ولعله قد يطلق المرجون على المعنى الشامل للصنفين جميعا ، ويمكن أن يكون بين الصنفين عموم وخصوص وإنما أوردهما للاستشهاد بالآيتين ، «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ » أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله فيهم.
وقال قال الأزهري : إلا رجاء تهمز ولا تهمز أرجأت الأمر وأرجيته أخرته «إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ » وإما لوقوع أحد الشيئين والله سبحانه عالم بما يصير إليه أمرهم ، ولكنه
__________________
(١) سورة البقرة : ١٠٢.
(٢) سورة النساء : ١٠٦.
(٣) سورة التوبة : ١٠٣.
واكتب «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً » لا يستطيعون حيلة إلى الكفر ولا يهتدون سبيلا إلى الإيمان
سبحانه خاطب العباد بما عندهم ، «وَاللهُ عَلِيمٌ » بما يؤول إليه حالهم «حَكِيمٌ » فيما يفعله بهم.
وقال (ره) : قال مجاهد وقتادة : نزلت الآية في هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك ، وهم من الأوس والخزرج ، وكان كعب بن مالك رجل صدق غير مطعون عليه ، وإنما تخلف توانيا عن الاستعداد حتى فإنه المسير ، وانصرف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : والله ما لي من عذر ولم يعتذر إليه بالكذب ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : صدقت قم حتى يقضي الله فيك ، وجاء الآخران فقالا مثل ذلك وصدقا ، فنهى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من مكالمتهم وأمر نساءهم باعتزالهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فأقاموا على ذلك خمسين ليلة ، وبني كعب خيمة على سلع(١) فيكون فيها وحده ، ثم نزلت التوبة عليهم بعد الخمسين في الليل ، وهي قوله : «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا »(٢) الآية ، فأصبح المسلمون يبتدرونهم ويبشرونهم ، انتهى.
أقول : يظهر مما ذكروه أن هؤلاء أيضا كانوا تائبين فالفرق بينهم وبين الفرقة السابقة مشكل إلا أن يكون الفرق باختلاف مراتب ذنوبهم ومراتب توبتهم وسيأتي في الأخبار الآتية وجوه أخرى من الفرق بحسب ضعف الإيمان وقوته وكمال إتمام الحجة عليهم وعدمه.
«إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ » أقول : سابقه هذه الآية : «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ » أي يقبض أرواحهم «ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ » أي في حال هم فيها ظالمو أنفسهم «قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ » أي قالت لهم الملائكة في أي شيء كنتم من دينكم؟ على وجه التقرير والتوبيخ «قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ » فيستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا «قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها » أي فتخرجوا من أرضكم ودوركم وتفارقوا من يمنعكم من الإيمان بالله ورسوله «فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ » أي
__________________
(١) اسم جبل بالمدينة.
(٢) سورة التوبة : ١١٨.
«فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ »(١) قال واكتب أصحاب الأعراف قال قلت وما «أَصْحابُ الْأَعْرافِ » قال قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فإن أدخلهم النار فبذنوبهم وإن أدخلهم الجنة فبرحمته.
الذين استضعفهم المشركون «مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً » أي يعجزون عن الهجرة لإعسارهم وقلة حيلتهم «وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً » في الخلاص من مكة «فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ » لعذرهم في ترك الهجرة «وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً ».
هذا على تفسير المفسرين ، وعلى تأويلهعليهالسلام لا يستطيعون حيلة إلى الكفر أي لا يقدرون على إلقاء الشبه القوية في الكفر ، ولا على الرسوخ فيه «وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً » إلى الإيمان أي لبلاهتهم وقلة عقلهم ومعرفتهم لا يستولون على معرفة الحق والثبات فيه ، فلهم في ذلك عذر يمكن أن يعفو الله عنهم ، ولعله من بطون الآية ، ويمكن تطبيقه على ظاهر الآية أيضا بأن يكونوا في مكة غير عارفين بالإسلام وشرائعه ودلائله ، وكانوا بين المشركين ولم يمكنهم تحصيل ذلك هناك ، ولما سمعوا بعثة الرسول كان يجب عليهم الهجرة ليتم عليهم الحجة ويستقروا في الدين ، فمنهم من كان يمكنه ذلك ولم يفعل فهو غير معذور ولذا تقول لهم الملائكة : «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً »؟ ومنهم من لم يمكنهم ذلك فعسى أن يقبل الله عذرهم.
وأما الأعراف فقد مر تفسيرها ، وقال بعض المفسرين : هو سور بين الجنة والنار ، وهو السور المذكور في قوله تعالى : «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ »(٢) وقيل : أي حاجة إلى ضرب هذا السور ، والجنة فوق السماوات والجحيم في أسفل سافلين؟ وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب وله أسفل وأعلى ، وعلى أعلاه رجال يعرفون كلا بسيماهم ، أجلسهم الله تعالى في ذلك المكان العالي إظهارا لشرفهم ، وليكونوا مشرفين مطلعين على أحوال الخلائق ، وهم كما كانوا في الدنيا شهداء على أهل الإيمان وأهل الكفر وأهل الطاعة وأهل المعصية
__________________
(١) سورة النساء : ٩٨.
(٢) سورة الحديد : ١٣.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، عن حماد ، عن حمزة بن الطيار قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام الناس على ست فرق يئولون كلهم إلى ثلاث فرق الإيمان والكفر والضلال وهم أهل الوعدين الذين وعدهم الله
كذلك يكونون شهداء في ذلك اليوم عليهم ، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى أعلى درجات الجنة وعلى أسفله قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، أوقفهم الله تعالى عليه لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار ، ويمكن أن ينتقل بعضهم أو كلهم بعد ذلك إلى الجنة بفضله تعالى.
وأقول : يحتمل أن يكون الغرض من التقسيم بيان الواسطة بين المؤمن والكافر بذكر آيات تدل على ذلك وإن كان بعض الأقسام متداخلة أو متساوية ، وسيأتي وجوه أخر إنشاء الله تعالى.
الحديث الثاني : حسن.
« الناس على ست فرق » أقول : مضمونه قريب من مفاد الخبر السابق ، والضمير في قوله : وهم ، راجع إلى الست فرق ، و الوعد أعم من الوعيد ، والنسخ هنا أيضا مختلفة كالسابق ، وهو إشارة إلى فريقين إحداهما أهل وعد الجنة ، و قوله : المؤمنون بيان له ، والأخرى أهل وعيد النار ، و قوله : والكافرون بيان له ، وقيل : هم راجع إلى أهل الضلال والواو في قوله : والنار بمعنى مع ، أي وعدهم الله الجنة والنار معا ، وقوله : المؤمنون ، وما بعده خبر مبتدإ محذوف ، والتقدير الست فرق المؤمنون « إلخ » ولا يخفى بعده.
وقيل : يعني إن الناس ينقسمون أولا إلى ثلاث فرق بحسب الإيمان والكفر والضلال ، ثم إن أهل الضلال ينقسمون إلى أربع فيصير المجموع ست فرق : الأولى أهل الوعد بالجنة ، وهم المؤمنون وأريد بهم من آمن بالله وبالرسول وبجميع ما جاء به الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إما بقلبه أو بلسانه أو خالف الله في شيء من كبائر الفرائض استخفافا.
الجنة والنار المؤمنون والكافرون والمستضعفون والمرجون «لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ » والمعترفون «بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً » وأهل الأعراف.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن زرارة قال دخلت أنا وحمران أو أنا وبكير على أبي جعفرعليهالسلام قال قلت له :
والثالثة : المستضعفون وهم الذين لا يهتدون إلى الإيمان سبيلا ، لعدم استطاعتهم كالصبيان والمجانين والبله ، ومن لم تصل الدعوة إليه.
والرابعة : المرجون لأمر الله وهم المؤخر حكمهم إلى يوم القيامة من الإرجاء بمعنى التأخير يعني لم يأت لهم وعد ولا وعيد في الدنيا ، وإنما أخر أمرهم إلى مشية الله فيهم إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، وهم الذين تابوا من الكفر ودخلوا في الإسلام إلا أن الإسلام لم يتقرر في قلوبهم ولم يطمئنوا إليه بعد ، ومنهم المؤلفة قلوبهم ومن يعبد الله على حرف ، قبل أن يستقرا على الإيمان أو الكفر ، وهذا التفسير للمرجين بحسب هذا التقسيم الذي في هذا الحديث.
والخامسة : فساق المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ثم اعترفوا بذنوبهم فعسى الله أن يتوب عليهم.
والسادسة : أصحاب الأعراف وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم لا يرجح إحداهما على الأخرى ليدخلوا به الجنة والنار ، فيكونون في الأعراف حتى يرجح أحد الأمرين بمشية الله سبحانه.
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
« أو أنا وبكير » الترديد إما من زرارة أو من راويه وفي القاموس : المطمار خيط للبناء يقدر به كالمطمر ، وقال : التر بالضم الأصل والخيط يقدر به البناء ، وسؤالهعليهالسلام عن المطمار إما مبني على الإنكار أي لم تقرر لك مطمارا فمن أين أخذت المطمار فلم يفهم السائل وفسره بالتر أو سأل عن غرضه من المطمار وأنه استعارة لأي شيء؟
إنا نمد المطمار قال وما المطمار قلت التر فمن وافقنا من علوي أو غيره توليناه ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه فقال لي يا زرارة قول الله أصدق من قولك فأين الذين قال الله عز وجل : «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً » أين المرجون «لِأَمْرِ اللهِ » أين الذين «خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً » أين «أَصْحابُ الْأَعْرافِ » أين «الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ »؟.
ليتضح للحاضرين مراده فيجيبه علي حسبه ، فأجابهعليهالسلام بأن غرضي من المطمار الأصل والقاعدة الكلية التي بها يعرف المؤمن والكافر ، كما أن البناء يعرف بالمطمار ما تقدم من اللبنات وما تأخر منها ، فالمراد بالتر هنا الأصل.
والظاهر أن غرض زرارة أنه لا يدخل الجنة غير من صحت عقائده من الفرقة المحقة الإمامية ، وغرضهعليهالسلام أنه يمكن أن يدخل بعض المستضعفين من المخالفين ومن لم يتم عليهم الحجة لضعف عقولهم أو لبعدهم عن بلاد الإسلام والإيمان وغير ذلك الجنة.
ويحتمل أن يكون مراده بالموافق من وافق قولا وفعلا فيخرج منه أصحاب الكبائر من الشيعة أيضا كما هو رأي الخوارج ، و قول الله هو وعد المستضعفين ومن بعدهم من الأصناف المذكورة بالجنة والعفو والمغفرة ، فلا يجوز إدخالهم في المخالف والتبري منهم ، قوله : وزاد حماد ، الظاهر أنه كلام ابن أبي عمير ، وروى الحديث عن حماد وجميل أيضا عن زرارة ، وكان في رواية حماد زيادة لم تكن في رواية هشام فتعرض لها ، وكان في رواية جميل أيضا زيادة على رواية حماد فأشار إليها أيضا.
ويحتمل أن يكون كلام إبراهيم بن هاشم أو كلام الكليني والأول أظهر ، كما أن الأخير أبعد « فارتفع صوت أبي جعفرعليهالسلام » هذا مما يقدح به في زرارة ويدل على سوء أدبه ، ولما كانت جلالته وعظمته ورفعة شأنه وعلو مكانه مما أجمعت عليه الطائفة وقد دلت عليه الأخبار المستفيضة ، فلا يعبأ بما يوهم خلاف ذلك.
وزاد حماد في الحديث قال فارتفع صوت أبي جعفرعليهالسلام وصوتي حتى كان يسمعه من على باب الدار.
وزاد فيه جميل ، عن زرارة فلما كثر الكلام بيني وبينه قال لي يا زرارة حقا على الله أن [ لا ] يدخل الضلال الجنة.
باب الكفر
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن داود بن كثير الرقي قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كفرائض الله عز وجل فقال إن الله عز وجل فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة
ويمكن أن يكون هذه الأمور هو في بدو أمره قبل كمال معرفته ، أو كان هذا من طبعه وسجيته ولم يمكنه ضبط نفسه ، ولم يكن ذلك لشكه وقلة اعتنائه ، أو كان قصده معرفة كيفية المناظرة في هذا المطلب مع المخالفين ، أو كان لشدة تصلبه في الدين وحبه لأئمة المؤمنين ، حيث كان لا يجوز دخول مخالفيهم في الجنة ، مع أنه كان يحتمل ويجوز أن يكون تجويزهعليهالسلام تقية أن يدخل الضلال الجنة أي بعضهم ، والمراد بالضلال المستضعفون وغيرهم من الأصناف المذكورة ، فهم ليسوا بكفار لدلالة الروايات الكثيرة وإجماع الفرق على أن الكفار لا يدخلون الجنة ، وفي بعض النسخ : أن لا يدخل ، فهو استفهام إنكاري.
باب الكفر
الحديث الأول : مختلف فيه ، وصحته أرجح عندي.
« سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم » أي ما لم يظهر من ظاهر القرآن وبينه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أعم من الواجب والندب « كفرائض الله » أي في الشرف والاحترام أو في لزوم الوفاء أو في كفر التارك « إن الله عز وجل فرض فرائض » أي في القرآن أو الأعم والأول أظهر ، إذ فرائض القرآن أكثرها من ضروريات الدين فمن جحدها كان كافرا
من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافرا وأمر [ رسول ] الله بأمور كلها حسنة فليس من ترك بعض ما أمر الله عز وجل به عباده من الطاعة بكافر ولكنه تارك للفضل منقوص من الخير.
بخلاف ما ظهر من السنة ، فإن أكثرها ليست من الضروريات فالترك أعم من أن يكون مع الجحود أو بدونه ، فلا يظهر حكم ترك الفرائض بدون الجحد ، ويمكن أن يكون عدم الذكر لئلا يجترئ الناس على تركها ، ويمكن أن يكون المراد بالأول إنكار ما فرض في القرآن وبالثاني ما سوى ذلك ، سواء كان ترك الفرائض بدون الإنكار أو ترك ما علم بالسنة مع الإنكار وبدونها.
وجملة القول فيه أنه يحتمل أن يكون المراد بالفرائض مطلق الواجبات ، وبما ذكره بعد مطلق المندوبات ، ويكون المراد بالجحد الترك متهاونا فيحسن التقابل ويظهر الفرق ، فالمراد بالكفر غير المعنى المصطلح ، ويحتمل أن يكون الجحد بمعناه والواو بمعنى أو ، فالفرق في أن تارك الفرائض كافر ببعض المعاني دون السنن ويحتمل أن يكون المراد بالفرائض ما ظهر وجوبه من ظاهر القرآن ، وبالسن أعم من الواجبات وجميع المندوبات ، أو يكون المراد بالفرائض ما ثبت وجوبه من الدين ضرورة ، وبالسنن غيرها أو المندوبات ، ويكون الغرض أن في الواجبات يكون مثل ذلك وليس في السنن ما يكفر الإنسان بتركه ، أو بإنكاره مطلقا وعلى أي حال تطبيقه على ما يوافق آراء المتكلمين أو سائر الأخبار لا يخلو من إشكال.
وقد يقال : المراد أن الكل بأمر الله سبحانه وتعالى على لسان نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضه فرائض موجبات تركها مع الجحود يوجب الكفر ، وبعضه فضل تركه يوجب نقص الخير ، وقيل : الفريضة تشمل الواجبات الأصولية والفروعية ، فلا يبعد أن يكون قوله فلم يعمل بها ناظرا إلى الثانية ، وقوله : وجحدها ناظرا إلى الأول ، وحينئذ يكون الكفر أعم من كفر الجحود وكفر ترك ما أمر الله تعالى به ،
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال والله إن الكفر لأقدم من الشرك وأخبث وأعظم قال :
وإن كان تركه مقرونا بالجحود كان كفره أيضا كفر جحود ، وأما من ترك الأولى من غير جحود ولا إقرار فهو مستضعف وقد مر ، وسيجيء أن المستضعف ليس بمؤمن ولا كافر وأنه في المشية ، وقوله : وأمر الله بأمور ، لعل المراد به الفروعية مطلقا فإن ترك بعضها وهو المندوبات ليس بكفر بشرط عدم الاستخفاف والإنكار ، انتهى.
وفي بعض النسخ : وأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمور ، فيؤيد بعض الوجوه.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
والذي يظهر لي من هذه الأخبار أن الغرض بيان كفر من أنكر إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وتقدم عليه وحاربه ، وأنهم أخبث من المشركين ، ويظهر منها أن الكفر هو ترك طاعة الله معاندة واستكبارا ، والشرك هو أن يثبت لله في الخلق أو العبادة أو الطاعة شريكا أعم من أن يكون ذلك على المعاندة أو على الجهل والضلال فبينعليهالسلام أولا أن ترك طاعته تعالى مع العلم معاندة واستكبارا أخبث وأقدم من الشرك ، لأن أول معصية وقعت من العباد وأشدها معصية إبليس ، وهي كانت من هذا القبيل ، لأنه لم يشرك بل ترك السجود والطاعة معاندة واستكبارا ، وهذا أشد من شرك لم ينضم إليه ذلك ، وكان من الجهل والضلالة ، فأما الشرك الذي كان على وجه الاستكبار والمعاندة فهو أشد لتلك الجهة لا لجهة الشرك.
ثم إنهعليهالسلام بعد ذلك أثبت لهم الشرك أيضا بأن إثبات دين غير دين المؤمنين يتضمن الشرك أيضا حيث أشرك مع الله تعالى غيره في وجوب الطاعة ، فهؤلاء الأخابث مع اتصافهم بالكفر الذي هو أقدم وأخبث متصفون بالشرك أيضا.
ويحتمل أن يكون الاستدلال بالأقدمية على كونه أعظم وأخبث من
ثم ذكر كفر إبليس حين قال الله له اسجد لآدم فأبى أن يسجد فالكفر أعظم من الشرك فمن اختار على الله عز وجل وأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر ومن نصب دينا غير دين المؤمنين فهو مشرك.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ذكر عنده سالم بن أبي حفصة وأصحابه
جهة أنه صار سببا لحدوث الشرك ، فإن الكفر أولا حدث من إبليس ثم صار كفره سببا لشرك من أشرك بعده ، وإذا تأملت في جميع أخبار الباب يتضح لك ما ذكرنا.
قولهعليهالسلام حين قال الله له اسجد لآدم أي أمره بالسجود ، في قوله : «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ »(١) وشمول خطاب الملائكة له لكونه داخلا فيهم ومعدودا من جملتهم « فمن اختار على الله عز وجل » أي اختار مراده على مراده تعالى أو أمر إبليس على أمره تعالى ، أو عارض الله تعالى فيما علم صلاح العباد فيه ، كما قال إبليس : «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ».
« وأبي الطاعة » أي أنكرها وهو الكفر صريحا ، أو ترك العمل بها ، فلو كان الواو بمعنى أو يكون الكفر شاملا لكفر النعمة وكفر ترك المأمور به ، وكذا الكلام في قوله : وأقام على الكبائر ، والظاهر أن الواو بمعناه إشارة إلى قوله تعالى : «وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ »(٢) .
الحديث الثالث : موثق كالصحيح وسالم بن أبي حفصة روى عن السجاد والباقر والصادقعليهماالسلام وكان زيديا بتريا من رؤسائهم ، ولعنه الصادقعليهالسلام وكذبه وكفره ، وروي في ذمه روايات كثيرة ، واسم أبي حفصة زياد.
« قال ذكر » على بناء المعلوم ، والمرفوع في قال وذكر راجعان إلى زرارة ،
__________________
(١) سورة طه : ١١٦.
(٢) سورة البقرة : ٣٤.
فقال إنهم ينكرون أن يكون من حارب علياعليهالسلام مشركين فقال أبو جعفرعليهالسلام فإنهم يزعمون أنهم كفار ثم قال لي إن الكفر أقدم من الشرك ثم ذكر كفر إبليس حين قال له اسجد فأبى أن يسجد وقال الكفر أقدم من الشرك فمن اجترى على الله فأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر يعني مستخف كافر.
٤ ـ عنه ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن حمران بن أعين قال سألت
وكذا المرفوع في فقال ، ويمكن أن يقرأ ذكر على بناء المجهول ، ويحتمل أن يكون فاعل قال أولا ابن بكير ، وعلى الأول قائل قال ابن بكير « فإنهم يزعمون أنهم كفار » أي إن لم يقولوا بشركهم فلا محيص لهم عن القول بكفرهم ، فإن محاربة الإمام كبيرة البتة ، والمصر على الكبيرة عندهم كافر ، والكفر أخبث وأقدم من الشرك كما مر.
ويحتمل أن يكونوا قائلين بكفرهم صريحا ، وإنما نفوا الشرك وعلى التقديرين ليس فيه تصديق لقولهم بنفي الشرك ، وإن احتمل ذلك بناء على أن الشرك عبارة عن عبادة غير الله حقيقة ، أو القول بالشريك في الخلق ، لا في الطاعة والأمر ، وهو لم يتحقق فيهم والكفر يتحقق بترك الطاعة ، ويؤيد الأول إطلاق الشرك على الحروري والناصب في سائر الأخبار.
« يعني مستخف كافر » الظاهر أنه كلام بعض الرواة ابن بكير أو غيره ، وقيل : يحتمل كونه من كلامهعليهالسلام وعلى التقديرين يحتمل أن يكون تقييدا للحكم بالكفر بالاستخفاف ، أي إنما يحكم بكفره إذا كان مستخفا لا لغلبة الشهوة كما سيأتي ، ويمكن أن يكون علة للحكم بالكفر أي لا ينفك الإباء عن الطاعة عمدا والإصرار على الكبائر عن الاستخفاف وهو موجب للكفر.
الحديث الرابع : حسن موثق.
أباعبد اللهعليهالسلام عن قوله عز وجل : «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً »(١) قال إما آخذ فهو شاكر وإما تارك فهو كافر.
٥ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن حماد بن عثمان ، عن عبيد ، عن زرارة قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل : «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ »(٢) قال ترك العمل الذي أقر به من ذلك أن يترك
«إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ » قال البيضاوي : أي بنصف الدلائل وإنزال الآيات «إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » حالان من الهاء ، وإما للتفصيل أو التقسيم ، أي هديناه في حالية جميعا أو مقسوما إليهما ، بعضهم شاكر بالاهتداء والأخذ فيه ، وبعضهم كفور بالإعراض عنه أو من السبيل ، ووصفه بالشكر والكفر مجاز ، ولعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا وإنما المأخوذ به المتوغل فيه ، انتهى.
والخبر يدل على أن المراد بالكفور الكافر ، فيدل على أن من لم يأخذ السبيل هداه الله إليه من الإقرار به وبرسوله ، وبما جاء الرسول به من المعاد وولاية أئمة الدين فهو كافر ، ويحتمل شموله لترك العمل أيضا فيأول الكفر بما مر مرارا وسيأتي ، وفيها دلالة على كمال لطفه تعالى بأن الإقرار والعمل وإن كانا شكرين لنعمة الهداية والخلق وإعطاء العقل وسائر الآلات والألطاف والهدايات يجازيهم عليها نعيم الأبد.
الحديث الخامس : ضعيف على المشهور.
«وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ » قيل الياء للعوض كقوله تعالى : «اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى »(٣) أو للمصاحبة نحو «اهْبِطْ بِسَلامٍ »(٤) فعلى الأول المعنى الكفر بعد
__________________
(١) سورة الدهر : ٣.
(٢) سورة المائدة : ٦.
(٣) سورة البقرة : ١٦.
(٤) سورة هود : ٤٨.
الصلاة من غير سقم ولا شغل.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن موسى بن بكير قال سألت أبا الحسنعليهالسلام عن الكفر والشرك أيهما أقدم قال فقال لي ما عهدي بك تخاصم الناس قلت أمرني هشام بن سالم أن أسألك عن ذلك فقال لي الكفر أقدم وهو الجحود قال الله عز وجل : «إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ »(١) .
الإيمان وعلى الثاني المراد به الإنكار قلبا ، والإقرار ظاهرا ، وقال البيضاوي : يريد بالإيمان شرائع الإسلام ، وبالكفر به إنكاره والامتناع منه ، وقال الطبرسي : أي من يجحد ما أمر الله بالإقرار به والتصديق له من توحيد الله وعدله ونبوة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم «فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ » الذي عمله واعتقده قربة إلى الله تعالى «وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ » أي الهالكين ، وقيل : أي ومن بكفر بالإيمان من أهل الكتاب أي يمتنع عن الإيمان ولم يؤمن.
قولهعليهالسلام : ترك العمل الذي أقر به فالمراد بالكفر هنا ارتكاب مطلق الكبائر أو الكبائر التي تؤذن فعلها بعدم اليقين والاستخفاف بالدين كما يرشد إليه التمثيل بترك الصلاة من غير سقم ولا شغل وقد يحمل على إنكار والاستخفاف فيوافق الاصطلاح المشهور ، وقيل : فسرعليهالسلام الكفر هنا بترك العمل وهو كفر المخالفة ، وفسر الإيمان بالإقرار بوجوب العمل ، ثم ذكر لذلك مثالا.
الحديث السادس : كالسابق.
« ما عهدي بك تخاصم الناس » أي ما كنت أظن أنك تخاصم الناس أو لم تكن قبل هذا ممن يخاصم المخالفين وتتفكر في هذه المسائل التي هي محل المخاصمة بين المتكلمين؟ وهذا السؤال يشعر بأنك شرعت في ذلك؟ ويحتمل أن يكون ما استفهامية أي ألم أعهد إليك أن لا تخاصم الناس فهل تخاصمهم بعد عهدي إليك؟ ومضمون الخبر قد مر.
__________________
(١) سورة البقرة : ٣٤.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن زرارة قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام يدخل النار مؤمن قال لا والله قلت فما يدخلها إلا كافر قال لا إلا من شاء الله فلما رددت عليه مرارا قال لي أي زرارة إني أقول لا وأقول إلا من شاء الله وأنت تقول لا ولا تقول إلا من شاء الله.
قال فحدثني هشام بن الحكم وحماد عن زرارة قال قلت في نفسي شيخ
الحديث السابع : حسن كالصحيح بسنديه.
« يدخل النار مؤمن » المراد بالمؤمن هنا الإمامي المجتنب للكبائر الغير المصر على الصغائر ، وبالكافر من اختل بعض عقائده إما في التوحيد أو في النبوة أو في الإمامة ، أو في المعاد أو في غيرها من أصول الدين ، مع تعصبه في ذلك وإتمام الحجة عليه لكمال عقله وبلوغ الدعوة إليه ، فحصلت هنا واسطة هي أصحاب الكبائر من الإمامية والمستضعفون من العامة ، ومن لم تتم عليهم الحجة من سائر الفرق ، فهم يحتمل دخولهم النار وعدمه ، فهم وسائط بين المؤمن والكافر.
أو المراد بالمؤمن الإمامي الصحيح العقيدة ، وبالكافر ما مر بناء على ما ورد في كثير من الأخبار أن الشيعة لا تدخل النار ، وإنما عذابهم عند الموت وفي البرزخ وفي القيامة ، فالواسطة من تقدم ذكره سوى أصحاب الكبائر ، وزرارة كان ينكر الواسطة بإدخال الوسائط في الكافر أو بعضهم في المؤمن ، وبعضهم في الكافر وكان لا يجوز دخول المؤمن النار وغير المؤمن الجنة ، ولذا لم يتزوج بعد تشيعه لأنه كان يعتقد أن المخالفين كفار لا يجوز التزوج منهم.
وكأنه تمسك بقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ »(١) وبقوله تعالى : «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ »(٢) والمنع عليهما ظاهر.
« قال : فحدثني » فاعل قال إما ابن أبي عمير أو إبراهيم بن هاشم ، وقوله : شيخ لا علم له بالخصومة ، الظاهر أن غرضه الإمام صلوات الله عليه ، يعني لا يعلم طريق المجادلة ، وحمله على أنه أراد نفسه بعيد.
__________________
(١) سورة التغابن : ٢.
(٢) سورة الشورى : ٧.
لا علم له بالخصومة قال فقال لي يا زرارة ما تقول فيمن أقر لك بالحكم أتقتله ما تقول في خدمكم وأهليكم أتقتلهم قال فقلت أنا والله الذي لا علم لي بالخصومة.
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة قال :
فأقول زائدا على ما مر : إنه يمكن أن يكون ذلك بمحض خطور بال لا يؤاخذ الإنسان به ، وحاصل كلامهعليهالسلام الرد عليه بإثبات الواسطة ، لأن المخالفين في بعض الأحكام في حكم المسلمين وإن كان غير من ذكرنا من الواسطة مخلدين في النار ، وأيضا يمكن دخول بعض المخالفين كالمستضعفين الجنة ، فلما لم يفهم زرارة غرضهعليهالسلام وكان يزعم أن الواسطة غير معقولة نبههعليهالسلام بأحوال من أقر له بالحكم ، أي خدمه وبأحوال خدمه أي عبيده وسائر أهاليه ، فقالعليهالسلام : أتجوز قتلهم ولم لا تقتلهم إن كانوا كفارا مشركين؟ فتفطن من ذلك بالفرق بينهم وبين سائر الكفار ، وعلم أنه إذا جاز الفرق في القتل بينهم وبين سائر الكفار ، فيجوز في غير ذلك من الأمور فاعترف بأن نفسه لا علم له بالخصومة.
ويحتمل أن يكون المراد بالخدم والأهالي المستضعفين من الشيعة ، للتنبيه على حال المستضعفين من العامة ، وقيل : في قولهعليهالسلام : فيمن أقر لك بالحكم ، يعني قال لك أنا على مذهبك ، كلما حكمت ، علي أن أعتقده وأدين الله به.
« أتقبله » بالباء الموحدة كما في بعض النسخ ، يعني تحكم عليه بالإيمان بمجرد تقليده إياك ، وكذا القول في الخدم والأهلين فعجز زرارة عن الجواب ، فعلم أنه الذي لا علم له بالخصومة دون الإمامعليهالسلام ، وإنما عجز عن الجواب لأنه كيف يحكم عليهم بالإيمان بمجرد التقليد المحض من دون بصيرة ، وكيف يحكم عليهم بالكفر وهم يقولون إنا ندين بدينك ونقر لك بكل ما تحكم علينا ، فثبت المنزلة بين المنزلتين قطعا.
الحديث الثامن : ضعيف.
سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام وسئل عن الكفر والشرك أيهما أقدم فقال الكفر أقدم وذلك أن إبليس أول من كفر وكان كفره غير شرك لأنه لم يدع إلى عبادة غير الله وإنما دعا إلى ذلك بعد فأشرك.
٩ ـ هارون ، عن مسعدة بن صدقة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام وسئل ما بال الزاني لا تسميه كافرا وتارك الصلاة قد سميته كافرا وما الحجة في ذلك فقال لأن الزاني وما أشبهه إنما يفعل ذلك لمكان الشهوة لأنها تغلبه وتارك الصلاة لا يتركها إلا استخفافا بها وذلك لأنك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلا وهو مستلذ
ومفعول سمعت محذوف ، يدل عليه قوله : فقال الكفر أقدم ، وحاصل الجواب أن الشيطان لعنه الله أول الكافرين والمشركين ، وكان كفره أسبق لأنه أولا خالف أمر الله تعالى معاندة ، فصار كافرا ولم يكن حينئذ مشركا ، ثم لما أمر الناس بعبادة غير الله حصل الشرك ، وصار هو أيضا مشركا ، فيدل على أن الأمر بالشرك وحث الناس عليه شرك أيضا.
الحديث التاسع : كالسابق.
وقيل : المراد بالحجة هنا المعيار لا الدليل ، وأقول : الدليل أيضا مناسب « قاصدا إليها » أي إلى اللذة أو إلى المرأة ، فالقصد في مقابله السهو والغفلة ، وهو المراد بقوله : قاصدا ثانيا ، وقاصدا في الأول حال عن البارز في قوله لإتيانه ، والظاهر أن المراد بالكفر هنا ارتكاب ما يؤذن بقلة الاكتراث بالدين ، وضعف اليقين لعدم غلبة داع قوي على مخالفة أمر الله ، وهذا مما يستوجب به العذاب العظيم والعقاب الطويل ، وليس هو الكفر الذي يوجب الخلود في النار مع الكفار ، ولا ينفعهم شفاعة الشافعين ، ويجري عليهم في الدنيا أحكام الكافرين من نجاستهم وعدم جواز المناكحة والموارثة.
وحمله على الاستحلال والجحود بعيد ، فإن الزاني أيضا مع الاستحلال كافر ، فهذا أحد معاني الكفر ودرجة من درجاته في مقابل درجات الإيمان.
لإتيانه إياها قاصدا إليها وكل من ترك الصلاة قاصدا إليها فليس يكون قصده لتركها اللذة فإذا نفيت اللذة وقع الاستخفاف وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر.
قال : وسئل أبو عبد اللهعليهالسلام وقيل له ما الفرق بين من نظر إلى امرأة فزنى بها أو خمر فشربها وبين من ترك الصلاة حتى لا يكون الزاني وشارب الخمر مستخفا كما يستخف تارك الصلاة وما الحجة في ذلك وما العلة التي تفرق بينهما قال الحجة أن كلما أدخلت أنت نفسك فيه لم يدعك إليه داع ولم يغلبك غالب شهوة مثل الزنى وشرب الخمر وأنت دعوت نفسك إلى ترك الصلاة وليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه وهذا فرق ما بينهما.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من شك في الله وفي رسولهصلىاللهعليهوآله فهوكافر.
قولهعليهالسلام : ما فرق(١) ، يمكن أن يقرأ على صيغة الفعل والاسم ، وعلى التقديرين هو خبر ما الاستفهامية ، وعلى الأول بين منصوب بالمفعولية ، وعلى الثاني مجرور بالإضافة ، كقوله تعالى : «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما »(٢) وتكرار بين للتصريح بدفع احتمال طلب الفرق بين الزنا وشرب الخمر « كما يستخف » على بناء المعلوم ، والظرف نائب المفعول المطلق للفعل المنفي في لا يكون ، و لم يدعك خبر إن و مثل منصوب بنيابة المفعول المطلق للفعل المنفي في لم يدعك ولم يغلبك ، و « فرق » يحتمل الوجهين السابقين ، وثالثا وهو أن يقرأ فرق بالتنوين فتكون ما للإبهام.
الحديث العاشر : صحيح.
والواو للتقسيم بمعنى أو ، ويدل على أن الشك في أصول الدين أيضا يوجب الكفر ، وقد مر في أبواب الإيمان والإسلام وسيأتي إنشاء الله وكأنه محمول على الشك بعد إتمام الحجة ، أو المراد بالكفر ما يقابل الإيمان فيشمل المستضعفين أيضا ، والكفر بهذا المعنى لا يستلزم الخلود في النار.
__________________
(١) وفي المتن « ما الفرق ».
(٢) سورة النساء : ٣٥.
١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صفوان ، عن منصور بن حازم قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام من شك في رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال كافر قلت فمن شك في كفر الشاك فهو كافر فأمسك عني فرددت عليه ثلاث مرات فاستبنت في وجهه الغضب.
١٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل : «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ »(١) فقال من ترك العمل الذي أقر به قلت فما موضع ترك
الحديث الحادي عشر : حسن كالصحيح.
وفيه إشعار بأن كفر الشاك ليس من ضروريات الدين حتى يكون إنكاره كفرا ، وإنما أمسك عن الجواب لئلا يجتروا على الشك ولا يستصغروه ، أو لئلا يتوهموا لسوء فهمهم التنافي بين الكلامين ، أو لافتقار بيان الحكم على تفصيل لا تقتضي المصلحة ذكره ، أو يكون كافرا وعدم الذكر للتقية.
وقيل : إنما أمسكعليهالسلام عن جوابه وغضب منه لأن هذا ليس مما ينبغي أن يسأل عنه ، وظاهر أن هذا الشك ليس مما يوجب الكفر ، كيف والسائل نفسه كان شاكا فيه ، جاهلا به ، ولهذا سأل عنه إلا أن يقال بإيجابه للكفر بعد سماعه عنه مشافهة والكفر من هذه الجهة ، فيرجع إلى تكذيبهعليهالسلام وهذا حديث آخر.
الحديث الثاني عشر : موثق كالصحيح.
وقد مر شرح صدر الخبر ، و قوله : فما موضع ترك العمل ، يحتمل وجهين : الأول أن يكون الغرض استعلام أن المراد جميع الأعمال أو الأعم منه ومن البعض ، فأجابعليهالسلام بأن المراد به الثاني ، الثاني : أن يكون الغرض أن كل عمل تاركه كافر أو بعض الأعمال كذلك ، فأومأعليهالسلام إلى أن المراد به الثاني ، وعلى التقديرين
__________________
(١) سورة المائدة : ٦.
العمل حتى يدعه أجمع قال منه الذي يدع الصلاة متعمدا لا من سكر ولا من علة.
١٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حكيم وحماد ، عن أبي مسروق قال سألني أبو عبد اللهعليهالسلام عن أهل البصرة فقال لي ما هم قلت مرجئة وقدرية وحرورية فقال لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي
كلمة ما استفهامية ، و الموضع بمعنى المرتبة ، واللام في « العمل » للعهد أي العمل الذي أقر به ، والاستفهام في « حتى يدعه » مقدر ، وقيل : لعل المراد من السؤال استعلام مطلق العمل الذي تركه يوجب الكفر ، ويكون قوله حتى يدعه أجمع استفهاما آخر ، يعني أهو ترك الأعمال أجمع؟ فأجابعليهالسلام بأنه قد يكون ترك بعض الأعمال كالصلاة.
الحديث الثالث عشر : حسن.
« مرجئة » أقول : قد مر الكلام في بيان مذاهب هؤلاء مرارا ، وأن المرجئة بالهمز اسم فاعل من أرجأته إذا أخرته ، وهم فرقة من المخالفين يزعمون أن الإيمان محض العلم بما جاء به الرسول ، وأنه لا يضر مع الأيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة ، سموا بذلك لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى أخر تعذيبهم على المعاصي وأخره عنهم ، قال في المصباح : أرجأته بالهمز أخرته ، والمرجئة اسم فاعل من هذا لأنهم لا يحكمون على أحد بشيء في الدنيا ، بل يؤخرون الحكم إلى يوم القيامة ، وتخفف فتقلب الهمزة ياءا مع الضمير المتصل ، فيقال : أرجيته.
وأقول : قد مضى الكلام في بيان مذاهبهم في باب أن الإيمان مبثوث بجوارح البدن ، وقال الشيخ البهائيقدسسره : لعل المراد بالقدرية الجبرية ، وأقول : يحتمل أن يكون المراد بهم التفويضية القائلين باستقلال العبد في أفعاله ، وأن لا مدخل لله فيها أصلا ، النافين لقضاء الله وقدره رأسا ، وقد عرفت إطلاقه عليهما ، وأنهما خارجان عن الحق وأن الحق الأمر بين الأمرين ، وفي النهاية : الحرورية من الخوارج نسبوا إلى
لا تعبد الله على شيء.
١٤ ـ عنه ، عن الخطاب بن مسلمة وأبان ، عن الفضيل قال دخلت على أبي جعفرعليهالسلام وعنده رجل فلما قعدت قام الرجل فخرج فقال لي يا فضيل ما هذا عندك قلت وما هو قال حروري قلت كافر قال إي والله مشرك.
١٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول كل شيء يجره الإقرار والتسليم فهو الإيمان وكل شيء يجره الإنكار والجحود فهو الكفر.
حروراء بالمد والقصر ، وهو موضع قريب من الكوفة ، كان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيه وهم أحد الخوارج الذين قاتلهم عليعليهالسلام « الكافرة المشركة » قد عرفت الفرق بين الكفر والشرك ، وأن الكفر أعم أي هم جمعوا بينهما فإنهم كفروا حيث تركوا ما أمر الله به من طاعة الأئمةعليهالسلام عنادا أو بغيا ، وأشركوا حيث اتخذوا طواغيته أئمة من غير نصب الله لهم التي لا تعبد الله على شيء من الدين ، فإنه لا دين لهم ، أو من العبادة فإن عباداتهم باطلة.
الحديث الرابع عشر : حسن موثق.
والضمير في عنه لابن أبي عمير « ما هذا عندك » يعني أهو كافر باعتقادك أم مسلم؟ « قلت : وما هو؟ » أي لا أعلم مذهبه حتى أحكم عليه بالإسلام أو الكفر « أي والله مشرك » أي كفره مجامع للشرك ، وفي بعض النسخ ومشرك وهو أظهر.
الحديث الخامس عشر : صحيح.
« كل شيء يجره الإقرار » أي هو من لوازمه وتوابعه كالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة ، والورع عن المعاصي ، فهو داخل في الإيمان على وجه ومكمل له على وجه آخر. « وكل شيء يجره الإنكار والجحود » أي هو من لوازمهما وتوابعهما وآثارهما ، فهو داخل في الكفر ومن مكملاته أو من طرقه المؤدية إليه ،
١٦ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي حمزة قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول إن عليا صلوات الله عليه باب فتحه الله من دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا.
١٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن إسحاق بن عمار وابن سنان وسماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله طاعة عليعليهالسلام ذل ومعصيته كفر بالله قيل يا رسول الله وكيف يكون طاعة عليعليهالسلام ذلا ومعصيته كفرا بالله قال إن عليا
فإن المعاصي طرق إلى الكفر.
الحديث السادس عشر : ضعيف على المشهور ومعتبر عندي.
والمراد بالداخل العارف بحقه ، و بالخارج المنكر له ، سواء أنكره مطلقا أو أنكره في مرتبته ، فيبقى قسم ثالث وهو الذي لم يدخل ولم يخرج ويسمى ضالا ومستضعفا كما مر وسيأتي.
الحديث السابع عشر : ضعيف.
والظاهر أن المراد به الذل في الدنيا وعند الناس ، لأن طاعته توجب ترك الدنيا وزينتها ، والحكم للضعفاء على الأقوياء والرضا بتسوية القسمة بين الشريف والوضيع ، والقناعة بالقليل من الحلال ، والتواضع وترك التكبر والترفع ، وكل ذلك مما يوجب الذل عند الناس ، كما روي أنه لما قسم بيت المال بين أكابر الصحابة والضعفاء بالسوية غضب لذلك طلحة والزبير ، وأسسا أساس الفتنة والبغي والجور ، وقيل : المراد بالذل التذلل لله تعالى والانقياد له والتواضع عنده بقبول أوامره والانتهاء عند نواهيه ، وترك التكبر والترفع من الذل بالكسر ، والأول أظهر كما ينادي به سياق الخبر.
ويؤيده ما سيأتي في نوادر الحدود عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : بعث أمير المؤمنينعليهالسلام إلى بشر بن عطارد التميمي في كلام بلغه فمر به رسول أمير المؤمنينعليهالسلام في
عليهالسلام يحملكم على الحق فإن أطعتموه ذللتم وإن عصيتموه كفرتم بالله عز وجل.
١٨ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء قال حدثني إبراهيم بن أبي بكر قال سمعت أبا الحسن موسىعليهالسلام يقول إن علياعليهالسلام باب من أبواب الهدى فمن دخل من باب علي كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين لله فيهم المشيئة.
١٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا.
بني أسد وأخذه فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فأفلته فبعث إليه أمير المؤمنين فأتوه به وأمر به أن يضرب ، فقال له نعيم : أما والله إن المقام معك لذل وإن فراقك لكفر ، قال : فلما سمع ذلك منه قال له : قد عفونا عنك إن الله عز وجل يقول : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ »(١) أما قولك : إن المقام معك لذل فسيئة اكتسبتها ، وأما قولك : إن فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها ، فهذه بهذه ، ثم أمر أن يخلي عنه.
ولا ينافيه عده سيئة فإن مواجهتهعليهالسلام بهذا الكلام كان سوء أدب وإن كان حقا فتأمل.
الحديث الثامن عشر : ضعيف على المشهور.
وكان فساق الشيعة والمستضعفين وأشباههم داخلون في القسم الثالث ، وأما من بلغته الدعوة وتمت عليه الحجة فعدم الدخول فيه كفر وهو غير معذور.
الحديث التاسع عشر : كالسابق.
وهو باب رحمة فتحه الله للعباد ، ويدل على أن الجاهل معذور في أكثر الموارد ، كمن جهل إمامة عليعليهالسلام ولم تقم عليه حجة إذا وقف ولم ينكره لم يكفر ودخل
__________________
(١) سورة المؤمنون : ٩٦.
٢٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الله عز وجل نصب علياعليهالسلام علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا ومن جهله كان ضالا ومن نصب معه شيئا كان مشركا ومن جاء بولايته دخل الجنة ومن جاء بعداوته دخل النار.
٢١ ـ يونس ، عن موسى بن بكر ، عن أبي إبراهيمعليهالسلام قال إن علياعليهالسلام باب من أبواب الجنة فمن دخل بابه كان مؤمنا ومن خرج من بابه كان كافرا ومن لم يدخل فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة التي لله فيهم المشيئة.
باب وجوه الكفر
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بكر بن صالح ، عن القاسم بن يزيد ، عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له أخبرني عن وجوه الكفر
في المستضعفين ، وهو في مشية الله فعسى أن تدركه الرحمة ، وكذا الجاهل في سائر الأمور من أصول الدين وفروعه.
الحديث العشرون : كالسابق.
« ومن جهله » أي توقف ولم ينكر « ومن نصب معه شيئا » أي إماما آخر وأخره عن مرتبته فهو مشرك لأنه وضع دينا غير دين الله ، وأشرك مع الله غيره في نصب الإمام.
الحديث الحادي والعشرون : ضعيف كالموثق وقد مر مضمونه.
باب وجوه الكفر
الحديث الأول : ضعيف على المشهور ببكر بن صالح وإنما ضعفه ابن الغضائري وأبو عمرو الزبيري وإن كان مجهولا لكن يظهر من أخباره أنه من محققي الرواة وأصحاب أسرار الأئمةعليهمالسلام ، وهذا الخبر جزء خبر طويل فرقه المصنف وغيره على الأبواب كما يظهر من هذا الكتاب ، وتفسير العياشي وغيرها ، وقد مر
في كتاب الله عزوجل قال الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه.
فمنها كفر الجحود والجحود على وجهين والكفر بترك ما أمر الله وكفر البراءة وكفر النعم.
فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول لا رب ولا جنة ولا نار وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية وهم الذين يقولون
جزء آخر في باب السبق إلى الإيمان ولما سألهعليهالسلام عن أجزاء الإيمان وزيادته ونقصانه ومنازله ودرجاته سأله عن معاني الكفر ووجوهه ، فبينعليهالسلام أن الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه وجهان منها يرجع إلى الجحود ، و قوله : فهو الجحود بالربوبية لما كان الجحود في اللغة مطلق الإنكار ، وكان المراد به هيهنا إنكار ما يتعلق بالربوبية أعني ما جاء من قبل الرب تعالى فسرهعليهالسلام بذلك وخصه به كما قيل.
وأقول : إنما كان هذا جحدا للربوبية لأن ربيته سبحانه يقتضي التكليف والثواب والعقاب ، فهؤلاء إما ينكرون وجوده سبحانه أو ربيته ، وكان المراد بالصنفين صنف أنكروا المبدأ والمعاد معا ، وهم الملاحدة ، وصنف أثبتوا المبدأ وأنكروا المعاد كبعض الفلاسفة حيث أنكروا المعاد وقالوا بقدم العالم وأبديته ، وكفار مكة الذين ذكرهم الله في تلك الآية ، وهم الذين يقولون «وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ » زعموا أن تولد الأشخاص وتكون الممتزجات وفسادها وحياتها وموتها مستندة إلى الدهر ، وحركات الأفلاك وتأثيرات الكواكب ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى القائلين بالتناسخ والقائلين ببطلان الجسد والروح بالكلية ، أو القائلين بالطبيعة والقائلين بالدهر ، وقيل : صنف طلبوا لهذا العالم سببا فأحالوه على الطبع الذي هو صفة جسمانية خالية عن العلم والإدراك ، وصنف لم يطلبوا له سببا بل اشتغلوا بأنفسهم وعاشوا عيش البهائم.
قال الله تعالى : «إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ » ، أن ذلك بفتح الهمزة وتشديد النون متعلق بيظنون.
«وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ » وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون قال الله عز وجل : «إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ »(١) أن ذلك كما يقولون وقال : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »(٢) يعني بتوحيد الله تعالى فهذا أحد وجوه الكفر.
وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم
والحاصل أنه استشهد لقوله إنهم وضعوا الدين بمحض الاستحسان من غير حجة وبرهان بأنه تعالى قال بعد قولهم : «وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ».
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ » سواء اسم من الاستواء وخبر لأن ، وما بعده فاعله أي مستو عليهم إنذارهم وعدمه ، أو خبر لما بعده ، والجملة خبر لأن أي إنذاره وعدمه سيان عليهم ، و قوله : بتوحيد الله متعلق بلا يؤمنون ، ويحتمل تعلقه بكفروا أو بهما على التنازع ، والظاهر أن هذه الآية والآية السابقة موردهما واحد.
وقد يقال : إن الآية الأولى في صنف من الزنادقة لا سبيل لهم إلى شبهة قوية والثانية لقوم من الفلاسفة لهم شبه قوية على إنكار حدوث العالم والمعاد وفناء العالم فهو أشد رسوخا في باطلهم من الفرقة الأولى ، ولذلك لا ينفعهم الإنذار وليس ببعيد. وإنما خص نفي الإيمان في الآية بتوحيد الله لأن سائر ما يكفرون به من توابع التوحيد « وأما الوجه الآخر من الجحود » قيل : الصواب وأما الوجه الآخر من الجحود فهو الجحود على معرفة ، ولعله سقط من قلم النساخ ، انتهى.
وكان الفرق بين هذا وما تقدم أن الفرقة المتقدمة عرضت لهم شبهة ضعيفة اتبعوها ، وهؤلاء أنكروا مع العلم عتوا واستكبارا وعنادا وحسدا كالفرق الذي ذكرنا سابقا بين الكفر والشرك.
ويحتمل وجها آخر من الفرق بأن يكون الأول ما يكون في التوحيد وما يتبعه من أمر المعاد ، والثاني ما يكون بعد الإقرار بالتوحيد من الإقرار بالنبوة
__________________
(١) سورة الجائية : ٢٣.
(٢) سورة البقرة : ٦.
أنه حق قد استقر عنده وقد قال الله عز وجل : «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا »(١) وقال الله عز وجل : «وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ »(٢) فهذا تفسير وجهي الجحود
والإمامة وغيرهما ، ولكل من الوجهين شواهد لا يخفى على المتأمل.
قوله : على معرفة ، أي للحق « قد استقر عنده » أي استقرارا لا شك فيه «وَجَحَدُوا بِها » أي أنكروا آيات الله وكذبوها ، والحال أن أنفسهم مستيقنة بها عالمة إياها ، وإنما أنكروها ظلما لأنفسهم وعلوا أي ترفعا على الرسول والانقياد له والإيمان به ، واستدلوا بها على أن الإيمان هو التصديق مع العمل دون التصديق وحده ، واعترض عليه بأنه يمكن أن يكون مشروطا بالإقرار باللسان مع القدرة كما ذهب إليه طائفة من العامة ، كما قال الدواني في شرح العقائد : التلفظ بكلمتي الشهادتين مع القدرة عليه شرط ، فمن أخل به فهو كافر مخلد في النار ، انتهى.
وقيل : مشروط بعدم الإنكار فينتفى الإيمان بالإنكار وقد مر القول فيه مفصلا وقال الله عز وجل : «وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا » أي وكان أهل الكتاب من قبل البعثة يطلبون الغلبة على المشركين ويستنصرون عليهم بخاتم الأنبياء ، ويقولون اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة ، أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيا يبعث منهم وقرب زمانه «فَلَمَّا جاءَهُمْ » النبي الذي عرفوه كفروا به وجحدوه حسدا أو خوفا من الرئاسة أو لغير ذلك «فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ » أي عليهم فوضع الظاهر موضع الضمير للتنصيص على أن لعنهم بسبب كفرهم وإنكارهم الحق المعروف عندهم.
أقول : روى علي بن إبراهيم هذا الخبر عن أبيه عن بكر بن صالح عن الزبيري عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : الكفر في كتاب الله على خمسة وجوه ، فمنه كفر الجحود وهو على وجهين كفر جحود بعلم ، وجحود بغير علم ، فأما الذين جحدوا بغير علم
__________________
(١) سورة النمل : ١٤.
(٢) سورة البقرة : ٨٩.
والوجه الثالث من الكفر كفر النعم وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان ع : «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ »(١) وقال «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ »(٢) وقال «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ »(٣) .
فهم الذين حكى الله عنهم في قوله : «وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ » وقوله : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » فهؤلاء كفروا وجحدوا بغير علم ، وأما الذين كفروا وجحدوا بعلم فهم الذين قال الله عز وجل : «وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » فهؤلاء كفروا وجحدوا بعلم.
وفي تفسير النعماني عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال : وأما الكفر المذكور في كتاب الله تعالى فخمسة وجوه ، منها كفر الجحود ، ومنها كفر فقط ، والجحود ينقسم على وجهين ، ومنها كفر الترك لما أمر الله تعالى به ، ومنها كفر البراءة ، ومنها كفر النعم فأما كفر الجحود فأحد الوجهين منه جحود الوحدانية وهو قول من يقول لا رب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور ، وهؤلاء صنف من الزنادقة ، وصنف من الدهرية الذين يقولون ما يهلكنا إلا الدهر ، وذلك رأي وضعوه لأنفسهم استحسنوه بغير حجة فقال الله تعالى «إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ » وقال : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا » إلى قوله «لا يُؤْمِنُونَ » أي لا يؤمنون بتوحيد الله.
والوجه الآخر من الجحود هو الجحود مع المعرفة بحقيته قال تعالى «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا »(٤) .
وقال سبحانه : «وَكانُوا مِنْ قَبْلُ » إلى قوله «عَلَى الْكافِرِينَ » أي جحدوه
__________________
(١) سورة النمل : ٤٠.
(٢) سورة إبراهيم : ٧.
(٣) سورة البقرة : ١٥٢.
(٤) سورة النمل : ١٤.
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز وجل به وهو قول الله عز وجل :
بعد أن عرفوه.
أقول : إنما أوردنا الروايتين لتأييد كل منهما لبعض الوجوه السابقة « يحكي قول سليمان » لما عرف سليمانعليهالسلام نعمة الله عليه ، وعلم أنها للابتلاء قال هذا من فضل ربي ، أي الاقتدار من إحضار العرش في مدة يسيرة من مسافة بعيدة وهي ما بين سبأ والشام بلا حركات جسمانية من فضل نعم ربي «لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ » بالإقرار بأن ذلك الفضل له ومنه لا لي ومني ، والإتيان بالثناء الجزيل والذكر الجميل «أَمْ أَكْفُرُ » بترك ذلك الإقرار وعدم ذلك الإتيان.
«وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ » لأنه يديم العتيد ويجلب المزيد ، ويستحق به الثواب ، ومن كفر بما مر فلا يضر الله شيئا فإن ربي غني عن عبادة العابدين وشكر الشاكرين ، كريم بالإفضال والإحسان وترك مؤاخذة العبد بالإساءة والكفران لعله يتوب ويصلح حاله في مستقبل الأزمان ، ومن هاهنا ظهر أن ترك الشكر على النعمة كفر.
وقال : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » قيل : الشكر هو الاعتراف بالنعمة ظاهرة كانت أو باطنة ، جلية كانت أم خفية والإقرار بها للمنعم ، والإتيان بالأعمال الصالحة المطلوبة له والامتثال لأوامره والاجتناب عن معاصيه ، وكفر النعم ضد ذلك ، وهو سبب لزوال النعمة وعدم الزيادة وتحقق العقوبة في الدنيا والآخرة ، ولذلك قال الله عز وجل مؤكدا بوجوه شتى : «وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ».
وقال : «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » قيل : أي فاذكروني ظاهرا باللسان وباطنا بالجنان لاسيما عند الأوامر والنواهي ، أذكركم في ملإ المقربين بالخير والصلاح أو بالجزاء الجميل ، أو في القيامة إذا بلغت القلوب الحناجر من شدائدها ، أو في حال الموت أو في البرزخ أو في جميع الأحوال ، كما دلت عليه صيغة الاستقبال.
«وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ
«وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ » قيل : أخذ العهد منهم بأن لا يقتلوا أنفسهم كما يفعله من يصعب عليه الزمان للتخلص من الصعوبة ، وكما يفعله أهل الهند للتخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور ، وقيل : بأن لا يفعلوا ما يوجب قتلهم وإخراجهم من ديارهم ، وقيل : بأن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من وطنه ، وإنما جعل قتل الرجل وإخراجه غيره قتل نفسه وإخراجها لاتصاله به نسبا أو دينا ، أو لأنه يقتص منه فكأنه قتل نفسه وقيل : بأن لا يفعلوا ما يصرفهم في الحياة الأبدية التي هي الحياة الحقيقية وما يمنعهم من الجنة التي هي دار القرار ، فإنه الجلاء الحقيقي.
«ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ » أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه «وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ » عليها ، وهذا تأكيد كقولك أقر فلان على نفسه بكذا شاهدا عليها أو اعترفتم على قبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك ، أو أنتم تشهدون يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق فيكون إسناد الإقرار إلى المخاطبين مجازيا.
«ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ » قيل : ثم استبعاد لما أسند إليهم من القتل والأجلاء والعدوان بعد الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم ، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون الشاهدون يعني أنتم قوم آخرون غير هؤلاء الشاهدين ، كقولك رجعت بغير الوجه الذي خرجت ، أي ما أنت الذي كنت من قبل نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات ، وتقتلون حينئذ بيان لهذه الجملة.
وقيل : أنتم مبتدأ وتقتلون خبره ، وهؤلاء إما منصوب بتقدير أعني أو منادي بحذف حرف النداء عند من جوز حذف حرف النداء في المبهمات كسيبويه وأتباعه وقيل : أنتم مبتدأ وهؤلاء بمعنى الذين وتقتلون صلته ، أي ثم أنتم الذين تقتلون ،
دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ
وهذا عند الكوفيين ، وأما البصريون فلا يجوزون أن يكون هؤلاء وأولاء وهذا بمعنى الموصول.
وقيل : أنتم مبتدأ وهؤلاء خبره بحذف المضاف ، أي مثل هؤلاء «تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » قيل : هو حال عن فاعل تخرجون أو عن مفعوله أو كليهما ، والتظاهر التعاون من الظهر أي تتعاونون عليهم ، وقيل : ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضا مما تعظم به الفتنة ، واحتيج فيه إلى زيادة اقتدار عليه ، بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان ، وفيه دلالة على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، ولا يشكل هذا بتمكين الله تعالى الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره بخلاف معين الظالم ، فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه عنده.
«وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ » قال المفسرون : قريظة وهم قبيلة من يهود خيبر كانوا حلفاء الأوس والنضير ، وهم قبيلة أخرى كانوا حلفاء الخزرج ، فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل وتخريب الديار وإخراج أهلها ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب وقالت : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم ، فيقولون أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، ولكنا نستحيي أن نذل حلفاءنا فذمهم الله على ذلك إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض ، وقيل : معناه إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم ، كقوله : «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ »(١) .
وأسارى جمع أسرى كسكارى وسكرى ، وأسرى جمع أسير كمرضي ومريض ، وقيل : أسارى أيضا جمع أسير ، وقيل : هو من الجموع التي تركوا مفردها كأنه جمع أسران كعجالي وعجلان.
__________________
(١) سورة البقرة : ٤٤.
عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ »(١) فكفرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم
«وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ » متعلق بقوله : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، وما بينهما اعتراض ، والضمير للشأن أو مبهم ، ويفسره إخراجهم أو راجع إلى ما دل عليه يخرجون من المصدر ، وإخراجهم تأكيد أو بيان له «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ » يعني الفداء «وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ » يعني حرمة المقاتلة والأجلاء.
وأقول : ويظهر من الخبر أن المراد بالكفر هنا ترك ما أمر الله تعالى به من الكف عن قتلهم وإخراجهم ، وكان التعبير عنه بترك ما أمر الله به دون فعل ما نهى الله عنه ليشمل ترك الطاعات أيضا وهو أهم وأعظم ، أو لأن المقصود في النهي عن المعاصي حصول أضدادها ، فإن النهي عن شرب الخمر الغرض منه حفظ العقل والغرض من النهي عن الزنا حفظ الأنساب ، وعن القتل حفظ النفوس ، وهكذا ويظهر مما سيأتي في تأويل الآية بروايات أهل البيتعليهمالسلام أنها نزلت في ترك القول بإمامة أهل البيتعليهمالسلام ، وما تفرع على ذلك من قتلهم وإخراجهم عن الإمامة وإخراج أصحابهم كأبي ذررضياللهعنه عن ديارهم نكتة أخرى أظهر مما ذكرنا كما لا يخفى على المتأمل.
« ونسبهم إلى الإيمان » أي الإيمان الظاهري حيث ورد في تفسير النعماني في سياق هذا الخبر ، فكانوا كفارا لتركهم ما أمر الله به فنسبهم إلى الإيمان بإقرارهم بألسنتهم على الظاهر دون الباطن ، فلم ينفعهم ذلك لقوله «فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ » الآية.
قال الطبرسي (ره) : ومما يسأل في هذه الآية أن ظاهرها يقتضي صحة اجتماع الإيمان والكفر ، وذلك مناف للصحيح من المذهب؟ والقول فيه : أن المعنى أنهم أظهروا التصديق ببعض الكتاب والإنكار للبعض ، ويحتمل أن يكون المراد بذلك
__________________
(١) سورة البقرة : ٨٤.
ينفعهم عنده فقال «فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ »(١) .
أنكم إذا اعتقدتم جميع ذلك ثم عملتم ببعضه دون بعض فكأنكم آمنتم ببعضه دون بعض ، وهذا يدل على أنه لا ينفعهم الإيمان بالبعض مع الكفر بالبعض الآخر ، انتهى.
«فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ » أي الكفر أو الجمع بين الأمرين «إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » كقتل بني قريظة وسبي نسائهم وذراريهم ، وأجلاء بني النضير لنقض عهدهم وضرب الجزية على غيرهم ، والخزي ذل يستحيي منه ، يقال : أخزاه الله أي إهانة وأوقعه موقعا يستحيي منه ، وتنكير خزي يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغا لا يعرف كنهه.
«إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ » قيل : عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد فكيف وصف عذاب اليهود بأنه أشد؟ وأجيب أولا بأن كفر العناد أشد فعذابهم أشد ، وثانيا بأن المراد أن عذابهم أشد من الخزي لا مطلقا «وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » قيل : هذا وعيد شديد للعاصين ، وبشارة عظيمة للمطيعين ، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة يقتضي وصول الحقوق إلى مستحقيها.
وأقول : قال الإمامعليهالسلام في تفسيره : قوله عز وجل : «إِخْراجُهُمْ » ولم يقتصر على أن يقول وهو محرم عليكم لأنه لو قال ذلك لرأي أن المحرم إنما هو مفاداتهم ثم قال عزوجل : «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ » وهو الذي أوجب عليكم المفاداة «وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ » وهو الذي حرم قتلهم وإخراجهم ، فقال فإذا كان قد حرم الكتاب قتل النفوس والإخراج من الديار كما فرض فداء الأسراء فما بالكم تطيعون في بعض وتعصون في بعض؟ كأنكم ببعض كافرون وببعض مؤمنون ، ثم قال عزوجل : «فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ » يا معشر اليهود «إِلاَّ خِزْيٌ » ذل «فِي
__________________
(١) سورة البقرة : ٨٥.
والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة وذلك قوله عز وجل يحكي قول إبراهيمعليهالسلام «كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ »(١) يعني تبرأنا منكم وقال يذكر إبليس وتبرئته من أوليائه من الإنس
الْحَياةِ الدُّنْيا » « جزية تضرب عليه يذل بها » «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ » إلى جنس أشد العذاب ، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم «وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » أي يعمل هؤلاء اليهود.
ثم قالعليهالسلام : فقال رسول الله : لما نزلت هذه الآية في اليهود ، هؤلاء اليهود نقضوا عهد الله وكذبوا رسول الله ، وقتلوا أولياء الله أفلا أنبؤكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الأمة؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملتي يقتلون أفاضل ذريتي وأطايب أمتي ويبدلون شريعتي وسنتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريا ويحيى ، ألا وإن الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديا من ولد الحسينعليهالسلام المظلوم يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنم ، إلى آخر الخبر.
وقال علي بن إبراهيم : أنها نزلت في أبي ذررضياللهعنه وفيما فعل به عثمان من إخراجه إلى الربذة وغير ذلك مما أجرى من الظلم عليه ، واعترف بأنه لو وجده أسيرا في أيدي المشركين فداه بجميع ماله ، فصار مصداق هذه الآية ، والقصة طويلة وسيأتي في المحل المناسب لها إن شاء الله.
« يعني تبرأنا منكم » وقد يفرق بين العداوة والبغض بأن العداوة يظهر أثرها بخلاف البغض ، أو بأن البغض أشد من العداوة ، وفي المصباح البغضة بالكسر والبغضاء شدة البغض «مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً » قد دلت الأخبار الكثيرة على أن أئمة الكفر والضلالة داخلة فيهم ، والآيات المذكورة صريحة في أن الكفر يطلق على البراءة ، وأن كفر البراءة كما يكون بين المؤمن والكافر كذلك يكون بين الكافرين
__________________
(١) سورة الممتحنة : ٤.
يوم القيامة : «إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ »(١) وقال «إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً »(٢) يعني يتبرأ بعضكم من بعض.
وقيل : لعلهعليهالسلام إنما لم يذكر كفر النفاق في هذا الحديث لأنه جعل النفاق قسيما للكفر لا قسما منه لأن فيه إذعانا ، ويؤيده قوله سبحانه : «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ » حيث عطف أحدهما على الآخر.
تأييد
قال الراغب في مفرداته : الكفر في اللغة ستر الشيء ، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص ، والزارع لستره البذر في الأرض ، وليس ذلك باسم لهما ، والكافور اسم أكمام الثمرة التي تكفرها ، وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها قال عز وجل : «فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ »(٣) وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو النبوة أو الشريعة ، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا ، والكفر في الدين أكثر ، والكفور فيهما جميعا ، قال تعالى : «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً »(٤) «فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً »(٥) ويقال منهما كفر فهو كافر ، قال في الكفران : «لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ »(٦) وقال تعالى : «وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ »(٧) وقوله : «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ »(٨) أي تحريت كفران نعمتي ، وقال : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ »(٩) .
ولماكان الكفران يقتضي جحود النعمة صار يستعمل في الجحود ، قال تعالى
__________________
(١) سورة إبراهيم : ٢٢.
(٢) سورة العنكبوت : ٢٥.
(٣) سورة الأنبياء : ٩٤.
(٤) سورة الفرقان : ٥٠.
(٥) سورة الإسراء : ٩٩.
(٦) سورة النمل : ٤٠.
(٧) سورة البقرة : ١٥٢.
(٨) سورة الشعراء : ١٩.
(٩) سورة إبراهيم : ٧.
«وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ »(١) أي جاحد له وساتر.
والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثها وقد يقال كفر لمن أخل بالشريعة وترك ما لزمه من شكر الله عليه قال «مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ »(٢) ويدل على ذلك مقابلته بقوله : «وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ » وقال : «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ »(٣) وقوله : «وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ »(٤) أي لا تكونوا أئمة في الكفر فيقتدي بكم ، وقوله : «وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »(٥) وعنى بالكافر الساتر للحق فلذلك جعله فاسقا ، ومعلوم أن الكفر المطلق هو أعظم من الفسق ، ومعناه من جحد حق الله فقد فسق عن ربه ، ولما رأي جعل كل فعل محمود من الإيمان جعل كل فعل مذموم من الكفر.
وقال في السحر : «وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا »(٦) وقال : «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ » إلى قوله «وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ »(٧) وقال : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » إلى قوله : «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »(٨) .
والكفور المبالغ في كفران النعمة ، وقوله : «إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ »(٩) وقال «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ » إن قيل : كيف وصف
__________________
( ١ ـ ٤ ) سورة البقرة : ٤١.
(٢) سورة الروم : ٤٤.
(٣) سورة النحل : ٨٣.
(٥) سورة النور : ٥٥.
(٦) سورة البقرة : ١٠٢.
(٧) سورة البقرة : ٢٨٦.
(٨) سورة آل عمران : ٩٧.
(٩) سورة الزخرف : ١٥.
________________________________________________________
الإنسان هيهنا بالكفور ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إن واللام كل ذلك تأكيدا وقال في موضع آخر : وكره إليكم الكفر(١) وقوله عزوجل : «إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ »(٢) فتنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النعمة وقلة ما يقوم بأداء الشكر ، وعلى هذا قوله : «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ »(٣) ولذلك قال : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »(٤) وقوله : «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً »(٥) تنبيها أنه عرفه الطريقين كما قال : «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ »(٦) فمن سالك سبيل الشكر ومن سالك سبيل الكفر وقال : «وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً »(٧) فمن الكفر ونبه بقوله « كان » أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر.
والكفار أبلغ من الكفور ، لقوله : «كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ »(٨) وقال : «وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ »(٩) وقال : «إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ »(١٠) وقال : «وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً »(١١) وقد أجرى الكفار مجرى الكفور في قوله : «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ »(١٢) .
والكفار في جمع الكافر المضاد للإيمان أكثر استعمالا لقوله تعالى : «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ »(١٣) وقوله : «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ »(١٤) والكفرة في جمع كافر النعمة أكثر استعمالا ، وقوله عز وجل : «أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ »(١٥) ألا ترى أنه
__________________
(١) سورة الجحرات : ٧.
(٢) سورة الزخرف : ١٥.
(٣) سورة عبس : ١٧.
(٤) سورة سبأ : ١٣.
(٥) سورة الإنسان : ٣.
(٦) سورة البلد : ١٠.
(٧) سورة الإسراء : ٢٧.
(٨) سورة ق : ٢٤.
(٩) سورة البقرة : ٢٧٦.
(١٠) سورة زمر : ٣.
(١١) سورة نوح : ٢٧.
(١٢) سورة إبراهيم : ٣٤.
(١٤و١٣) سورة الفتح : ٢٩.
(١٥) سورة عبس : ٤٢.
وصف الكفرة بالفجرة ، والفجرة قد يقال للفساق من المسلمين.
وقوله «جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ »(١) أي الأنبياء ومن يجري مجراهم ممن بذلوا النصح في أمر الله فلم يقبل منهم ، وقوله عز وجل : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا »(٢) قيل : عنى بقوله إنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بمن بعده ، وقيل : آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره.
وقيل : هو ما قال : «وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »(٣) ولم يرد أنهم آمنوا مرتين وكفروا مرتين ، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة وقيل : كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات يتسكع في الرذائل في ثلاث درجات والآية إشارة إلى ذلك ، ويقال : كفر فلان إذا اعتقد الكفر ، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد ، ولذلك قال «مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(٤) ويقال : كفر فلان بالشيطان إذا كفر بسببه ، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشيطان كقوله : «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ »(٥) .
وأكفره إكفارا حكم بكفره ، وقد يعبر عن التبري بالكفر ، نحو : «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ »(٦) الآية ، وقوله عز وجل : «إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ »(٧) وقوله : «كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا »(٨) .
وقيل : كنى بالكفار الزراع لأنهم يغطون البذر في التراب ستر الكافر
__________________
(١) سورة القمر : ١٤.
(٢) سورة النساء : ١٣٧.
(٣) سورة آل عمران : ٧٢.
(٤) سورة النحل : ١٠٦.
(٥) سورةالبقرة : ٢٥٦.
(٦) سورة العنكبوت : ٢٥.
(٧) سورة إبراهيم : ٢٢.
(٨) سورة الحديد : ٢٠.
باب
دعائم الكفر وشعبه
١_ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن عمر بن أذينة ، عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس الهلالي
حق الله ، بدلالة قوله : يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، ولأن الكفار لا اختصاص لهم بذلك ، وقيل : بل عنى الكفار وخصهم لكونهم معجبين بالدنيا وزخارفها ، وراكنين إليها.
والكفارة ما يغطي الإثم والتكفير ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل ، ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر ، والكفران نحو التمريض في كونه إزالة للمرض ، انتهى.
وأقول : قد مر بعض الكلام في حقيقة الكفر في أبواب الأيمان.
باب دعائم الكفر وشعبه
الحديث الأول : مختلف فيه.
وهو جزء من خطبة مشهورة مر بعضها بسند آخر في باب صفة الإيمان ، والباب الذي قبله ، ورواها الصدوق في الخصال بإسناده عن ابن نباتةرضياللهعنه في النهج قليلا منه قد ذكرنا بعضه هنا ونذكر تتمته هيهنا قال.
والكفر على أربع دعائم على التعمق والتنازع والزيغ والشقاق ، فمن تعمق لم ينب إلى الحق ، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق ، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة ، وحسنت عنده السيئة وسكر سكر الضلالة ، ومن شاق وعرت عليه طرقه وأعضل عليه أمره ، وضاق مخرجه.
عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال : بني الكفر على أربع دعائم : الفسق والغلو والشك والشبهة.
والشك على أربع شعب على التماري والهول والتردد والاستسلام ، فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله ، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ، ومن تردد في الريب وطئته سنابك الشياطين ، ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيهما.
ثم قالقدسسره : وبعد هكذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب.
وقال ابن ميثم في شرحه : وأما الكفر فرسمه أنه جحد الصانع أو إنكار أحد رسلهعليهمالسلام أو ما علم مجيئهم به بالضرورة ، وله أصل وهو ما ذكرناه ، وكمالات ومتممات هي الرذائل الأربع التي جعلها دعائم له ، وهي الرذائل من الأصول الأربعة للفضائل الخلقية.
فأحدها التعمق وهو الغلو في طلب الحق ، والتعسف فيه بالجهل والخروج إلى حد الإفراط ، وهو رذيلة الجور من فضيلة الحكمة ، ويعتمد الجهل بمظان طلب الحق ونفر عن هذه الرذيلة بذكر ثمرتها ، وهو عدم الإنابة إلى الحق والرجوع إليه لكون تلك الرذيلة صارت ملكة.
والثانية التنازع وهو رذيلة الإفراط من فضيلة العلم ويسمى جربزة ويعتمد الجهل المركب ، ولذلك نفر عنه بما يلزمه عند كثرته وصيرورته ملكة من دوام العمى عن الحق.
الثالثة : الزيغ ويشبه أن يكون رذيلة الإفراط عن فضيلة العفة وهو الميل عن حاق الوسط منها إلى رذيلة الفجور ، ويعتمد الجهل ، ولذلك لزمه قبح الحسنة وحسن السيئة وسكر الضلالة ، واستعار لفظ السكر لغفلة الجهل باعتبار ما يلزمها من سوء التصرف ، وعدم وضع الأشياء مواضعها ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى رذيلة التفريط من فضيلة الحكمة المسماة غباوة.
الرابعة : الشقاق وهو رذيلة الإفراط من فضيلة الشجاعة ، المسمى تهورا أو مستلزم له ، ويلزمها توعر المسالك على صاحبها ، وضيق مخرجه من الأمور ، لأن مبدء سهولة المسالك واتساع المداخل والمخارج في الأمور هو مسالمة الناس والتجاوز عما يقع منهم ، والحلم عنهم ، واحتمال مكروههم.
وأما الشك فعبارة عن التردد في اعتقاد أحد طرفي النقيض ويقابل اليقين ، وذكر له أربع شعب : أحدهما التماري وظاهر أن مبدء المراء الشك ، ونفر من اتخذه ملكة بكونه لا يصبح ليله ، وذلك كناية عن عدم وضوح الحق له من ظلمة ليل الشك والجهل.
الثاني : الهول لأن الشك في الأمور يستلزم عدم العلم بما فيها من صلاح أو فساد ، وذلك يستلزم الفزع منها والخوف من الإقدام عليها وثمرتها النكوص والرجوع على الأعقاب.
الثالث : التردد في الشك إلى الانتقال من حال إلى حال ، ومن شك في أمر إلى شك في آخر من غير ثقة بشيء ، وذلك دأب من تعود التشكك في الأمور ، ونفر عن ذلك بما يلزمه مما كنى عنه بوطئ سنابك الشياطين ، وهو ملك الوهم والخيال لأرض قلبه ، حتى يكون سلطان العقل بمعزل عن الجزم بما من شأنه الجزم به.
الرابع : الاستسلام لهلكة الدنيا والآخرة ، ولزومه عن الشك لأن الشاك في الأمور الدنيوية والأخروية المتعود لذلك غير عامل لشيء منها ، ولايتهم لأسبابها ، وبحسب ذلك يكون استسلامه لما يرد منها عليه ، ولزوم هلاكه فيها لاستسلامه ظاهر ، وبالله التوفيق ، انتهى.
ولنرجع إلى شرح ما في الكتاب : « الدعائم » جمع الدعامة بالكسر ، وهي عماد البيت ، والمراد هنا أصوله وبواعثه ، و الفسق الخروج عن الطاعة ، ويقال : أصله
خروج الشيء من الشيء على وجه الفساد ، وقال الراغب : أكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه.
والغلو هو مجاوزة الحد في الدين ، وفي التنزيل : «لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ »(١) ويقال : أصله الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء ، وفي الخصال : والعتو ، قال في المصباح : عتا يعتو عتوا من باب قعد استكبر ، وقال الراغب : العتو النبو عن الطاعة قال تعالى : «وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً »(٢) «فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ »(٣) «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها »(٤) وقال : «بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ »(٥) وقوله تعالى : «أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا »(٦) قيل : المعنى هيهنا مصدر ، وقيل : هو جمع عاتي ، وقيل : العاتي الجاني ، انتهى.
وما في المتن أظهر لذكر العتو بعد ذلك إلا أن يكون بمعنى آخر ، و الشك في الاصطلاح وهو تساوي الطرفين عند العقل ، وقال في المصباح : الشك الارتياب ويستعمل الفعل لازما ومتعديا بالحرف ، فيقال : شك في الأمر قال أئمة اللغة : الشك خلاف اليقين فقولهم خلاف اليقين هو التردد بين الشيئين ، سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر ، قال تعالى : «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ »(٧) قال المفسرون : أي غير مستيقن وهو يعم الحالتين ، انتهى.
وكان المراد به هنا الشك في أصول الدين وضرورياته ، وهو أعظم أصول الكفر.
والشبهة ما يشبه الحق وليس به ، وقال الراغب : الشبهة هو أن لا يتميز أحد
__________________
(١) سورة النساء : ١٧١.
(٢) سورة الفرقان : ٢١.
(٣) سورة الذاريات : ٤٤.
(٤) سورة الملك : ٢١.
(٥) سورة الطلاق : ٨.
(٦) سورة مريم : ٦٩.
(٧) سورة يونس : ٩٤.
والفسق على أربع شعب على الجفاء والعمى والغفلة والعتو فمن جفا
الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عينا كان أو معنى ، انتهى.
وقيل : هي ترجيح الباطل بالباطل ، وتصوير غير الواقع بصورة الواقع ، وجلها بل كلها يحصل بمزج الباطل بالحق ولما فرغ من دعائم الكفر وأصوله وكان لكل واحدة منها أربع شعب وكانت لتلك الشعب ثمرات وآثار مهلكة أشار إلى تلك الشعب وثمراتها للتحذير منها ، والتنفير عنها ، بقوله : والفسق على أربع شعب.
والشعبة من الشجرة بالضم الغصن المتفرع منها ، وقيل : الشعبة ما بين الغصنين والقرنين ، والطائفة من الشيء أو طرف الغصن والمراد هنا الفروع ، و الجفاء الغلظة في الطبع ، والخرق في المعاملة ، والفظاظة في القلب ، ورفض الصلة والبر والرفق والبعد عن الآداب الحسنة ، قال في المصباح : جفا السرج عن ظهر الفرس يجفو جفاء ارتفع ، وجافيته فتجافى ، وجفوت الرجل أجفوه أعرضت عنه أو طردته ، وهو مأخوذ من جفاء السيل وهو ما نفاه السيل ، وقد يكون مع بغض ، وجفا الثوب يجفو إذا غلظ فهو جاف ، ومنه جفاء البدو وهو غلظتهم وفظاظتهم.
والعمى ذهاب بصر القلب وترك التفكر في الأمور النافعة في الآخرة ، وعدم إدراك الحق والتميز بينه وبين الباطل.
وفي المصباح : الغفلة غيبة الشيء عن بال الإنسان ، وعدم تذكره له ، وقد استعمل فيمن ترك إهمالا وإعراضا كما في قوله تعالى : «وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ »(١) يقال منه غفلت عن الشيء غفولا من باب قعد ، وله ثلاثة مصادر غفول وهو أعمها وغفلة وزان تمرة ، وغفل وزان سبب ، وأغفلت الشيء إغفالا تركته إهمالا من غير نسيان ، وقال الراغب : الغفلة سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ ، قال عز وجل : «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا »(٢) «وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ »(٣) «وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ »(٤)
__________________
( ١ و٣ ) سورة الأنبياء : ١.
(٢) سورة ق : ٢٢.
(٤) سورة الروم : ٧.
احتقر الحق ومقت الفقهاء وأصر «عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ » ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وبارز خالقه وألح عليه الشيطان وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة.
«وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ »(١) «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ »(٢) .
« احتقر الحق » وفي بعض النسخ الخلق أي أهل الحق « ومقت الفقهاء أي » أهل البيتعليهمالسلام . أو الأعم منهم ومن علماء شيعتهم وهو أظهر ، « وأصر على الحنث العظيم » وهو الإثم بالاحتقار والمقت ، أو بالأعم منهما ومن سائر الكبائر وهو إشارة إلى قوله تعالى : «وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ »(٣) في وصف أصحاب الشمال بعد ذكر شدة عذابهم وأنهم كانوا قبل ذلك مترفين ، قال الطبرسي : الحنث نقض العهد المؤكد بالحلف.
وقال : أي الذنب العظيم ، وقال : الإصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه ولا يتوب منه ، وقيل : الحنث العظيم الشرك أي لا يتوبون عنه ، وقيل : كانوا يحلفون لا يبعث الله من يموت وأن الأصنام أنداد الله ، وقال الراغب : أي الذنب المؤثم ، وسمي اليمين الغموس حنثا لذلك « ومن عمي نسي الذكر » أي ذكر الله أو الآخرة أو القرآن أو القرآن أو أهل البيتعليهمالسلام ، وذكر الله يعم الجميع إشارة إلى قوله تعالى : «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ »(٤) وقد مر وسيأتي أنهمعليهالسلام ذكر الله.
« واتبع الظن » أي في أصول الدين التي لا يجوز فيها اتباعه ، أو المراد به الظنون التي لا يجوز اتباعها كالظن الحاصل بالرأي والقياسات والاستحسانات العقلية كما هو شأن المخالفين ، وليست هذه الفقرة في « ل ».
« وبارز خالقه » أي حاربه مطلقا أو في اتباع الظن حيث ارتكب ما نهاه
__________________
(١) سورة الأعراف : ٢٠٥.
(٢) سورة يس : ٦.
(٣) سورة الواقعة : ٤٦.
(٤) سورة المجادلة : ١٩.
ولا غفلة ومن غفل جنى على نفسه وانقلب على ظهره وحسب غيه رشدا وغرته
عنه بقوله عز وجل : «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »(١) وبقوله : «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً »(٢) .
« وألح عليه الشيطان » إشارة إلى قوله : «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ » « وطلب المغفرة » هذا أيضا ليست في « ل ».
« بلا توبة » أي ندامة عما فعل ولا استكانة وتضرع في طلب المغفرة.
« ولا غفلة » عن الذنوب ، وشبهة عرضت له فيها « ومن غفل » أي عن الآخرة وعقوباتها ومضرة الشيطان واتباع شهوات الدنيا ولذاتها « جنى على نفسه » أي أهلكها « وانقلب » عن الدين « على ظهره ».
« وحسب غيه » وضلاله « رشدا » وصلاحا وذلك لغفلته عن تسويلات الشيطان ووساوسه « وغرته الأماني » أي المواعيد الكاذبة من الشيطان حيث قال اللعين : «وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ »(٣) قال الراغب : الأمنية الصورة الحاصلة في النفس من تمنى الشيء ، ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمني كالمبدء للكذب ، فصح أن يعبر عن الكذب بالتمني ، وقال : التمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها ، وذلك قد يكون عن تخمين وظن ، وقد يكون عن رؤية وبناء على أصل لكن لما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك.
قال بعض الأفاضل : من المغرورين من ينكر الحشر والنشر ، ومنهم من يزعم أن وعيد الأنبياء من باب التخويف ولا عقاب في الآخرة ، ومنهم من يقول أن لذات الدنيا متيقنة ، وعقوبة الآخرة مشكوكة والمتيقن لا يترك بالمشكوك ، ومنهم من يفعل المعاصي ويقول إن الله غفور رحيم ، ومنهم من يزعم أن الدنيا نقد والآخرة
__________________
(١) سورة الإسراء : ١٣٦.
(٢) سورة النجم : ٢٨.
(٣) سورة النساء : ١١٩.
الأماني وأخذته الحسرة والندامة إذا قضي الأمر وانكشف عنه الغطاء وبدا له ما لم يكن يحتسب ومن عتا عن أمر الله شك ومن شك تعالى الله عليه فأذله بسلطانه
نسيئة والنقد أحسن من النسيئة ، ومنهم من اغتر بنفسه وبعلمه وغفل عن آفاته ، ومنهم من اغتر بعلمه وظن أنه بلغ حد الكمال وليس مثله أحد وكأنه لم يسمع ما ورد في ذم العلماء المغرورين بعلومهم ، ومنهم من علم وعمل وغفل عن طهارة الباطن عن الأخلاق الرذيلة وظن أنه منزه عنها مستحق للثواب الجزيل بسببه ، ومنهم من اغتر بأصل العلم وطلب علوما نافعة في الدنيا وغفل عن علم الآخرة ، ومنهم من اغتر بأصل الطهارة والنيات واتبع وسواس الشيطان وظن أنه يحسن شيئا وأنه مستحق للأجر به ، ومنهم من اغتر بالعبادة وظن أنه فاق العابدين ، ومنهم من اغتر بالزهد وظن أنه أزهد الناس وأنه شفيع للخلق يوم القيامة ، ومنهم من اغتر بالمال والمغرورون به كثير ، ومنهم من اغتر بالأولاد والأنصار ، ومنهم من اغتر بالجاه والرئاسة ، إلى غير ذلك من أسباب الغرة التي لا تحصى كثرة.
« وأخذته الحسرة » مما لحقه من الفضائح « والندامة » مما فعله من القبائح « إذا قضى الأمر » بين الخلائق في القيامة أو أمر الدنيا بالموت « وانكشف عنه الغطاء » المانع من مشاهدة سوء عاقبته أو في وقت الموت فرأى ما سمعه عيانا.
هذا بالنظر إلى أصحاب الغفلة فأما من رأى أمور الآخرة بعين اليقين فقد قامت قيامته في الدنيا كما قال سيد أصحاب اليقين : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.
« وبدا له » أي من الله ومن أمور الآخرة وفي « ل » : وأخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء وبدا له من الله « ما لم يكن يحتسب » أي يظن ويتوقع إشارة إلى قوله سبحانه : «وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »(١) .
« ومن عتا من أمر الله » أي تركه استكبارا « شك » أي في الله أو في أمره ، فإن
__________________
(١) سورة الزمر : ٤٧.
وصغره بجلاله كما اغتر بربه الكريم وفرط في أمره.
والغلو على أربع شعب على التعمق بالرأي والتنازع فيه والزيغ
المعصية طريق إلى الكفر ويستلزمه « تعالى الله عليه » أي غضب عليه « فأذله » في الدنيا والآخرة « بسلطانه » أي بقدرته وعزته « وصغره » عند الخلائق « بجلاله » وعظمته فيفعل به نقيض مقصوده.
« كما اغتر بربه الكريم » الذي أحسن إليه وأنعم عليه ، إشارة إلى قوله تعالى : «ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ »(١) قال البيضاوي : أي أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه ، وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار ، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي ، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام ، والإشعار بما يغره به الشيطان ، فإنه يقول له : افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدا ، أو لا يعاجل بالعقوبة والدلالة على أن كثرة كرمه يستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه.
« وفرط في أمره » أي قصر في طاعته ، وجعل المفعول في أذله وصغره راجعين إلى الله تعالى بعيد جدا ، وفي « ل » ثم أذله بسلطانه وصغره لجلالة كما فرط في جنبه وعتا عن أمر ربه الكريم « على التعمق بالرأي » أي التعمق والغور في الأمور بالآراء والمقاييس الباطلة ، وليس قوله بالرأي في « ل » يقال تعمق في الأمر أي بالغ في النظر فيه ، والمراد به المبالغة المفضية إلى حد الإفراط ، وبعد ظهور الحق ، كمن وصل في البئر إلى الماء وقضى الوطر ثم غاص في البئر فغرق ، وقيل : المراد بالتعمق تدقيق النظر في طلب الباطل ، لأن طلب الحق يشبه الصعود والعروج ، وطلب الباطل يشبه النزول إلى القعر ، وعلى الأول يدل على ذم كثرة التفكر والتعمق في أمور الدين.
« والتنازع فيه » أي في الرأي وليس في « ل » والزيغ الميل عن الاستقامة على
__________________
(١) سورة الإنفطار : ٦.
والشقاق فمن تعمق لم ينب إلى الحق ولم يزدد إلا غرقا في الغمرات ولم تنحسر عنه فتنة إلا غشيته أخرى وانخرق دينه فهو يهوي «فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ » ومن نازع في الرأي وخاصم شهر بالعثل من طول اللجاج ومن زاغ قبحت عنده الحسنة وحسنت عنده
الحق إلى الباطل ، كما قال تعالى : «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا »(١) وقال : «بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ »(٢) وقال تعالى : «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ »(٣) أي لما فارقوا الاستقامة عاملهم بذلك « والشقاق » أي المخالفة الشديدة مع أهل الحق « لم ينب » على صيغة الأفعال أي لم يرجع إلى الحق وإن ظهر له ، لأن من خاض في الباطل وتمكن في قلبه لم يرجع إلى الحق الواضح إلا من شذ « ولم يزدد » أي في تعمقه « إلا غرقا في الغمرات » أي الشبه القوية والآراء الفاسدة التي لم يمكنه التخلص منها.
في القاموس : الغمر الماء الكثير ، ومعظم البحر وغمرة الشيء شدته ومزدحمة ، والجمع غمرات وغمار « ولم تنحسر » أي لم تنكشف « عنه فتنة » مضلة « إلا غشيته أخرى » لأن الشرور بعضها يجر إلى بعض فيتعسر عليه الخروج عنها والتخلص منها « وانخرق دينه » بمقراض الفتنة « فهو يهوي في أمر مريج » أي في أمر مختلط بالأباطيل المختلفة أو بالحق وبالباطل ، قال الراغب : أصل المرج الخلط ، والمرج الاختلاف يقال : أمرهم مريج أي مختلط وقال البيضاوي في قوله تعالى : «بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ »(٤) أي مضطرب من مرج الخاتم من إصبعه إذا خرج ، وذلك قولهم تارة أنه شاعر ، وتارة أنه ساحر ، وتارة أنه كاهن.
« شهر بالعثل » في بعض النسخ بالعين المهملة والثاء المثلثة أي الحمق ، في القاموس العثل ككتف الغليظ الضخم ، وكصبور الأحمق ، والنخلة الجافية الغليظة ، وقد يقرأ
__________________
(١) سورة آل عمران : ٨.
(٢) سورة التوبة : ١١٧.
(٣) سورة الصفّ : ٥.
(٤) سورة ق : ٥.
السيئة ومن شاق اعورت عليه طرقه واعترض عليه أمره فضاق عليه مخرجه إذا لم
بالتاء المثناة ، في القاموس عتل إلى الشر كفرح فهو عتل أسرع ، وفي أكثر النسخ بالفشل ، بالفاء والشين المعجمة ، وهو الضعف والجبن ، قيل : وإنما شهر بالفشل لأن خصمه المبطل لا ينقاد للحق ، بل لا يزال يجادل بالباطل ليدحض به الحق ، فيظهر ضعف هذا المحق فيشهر به.
« ومن زاغ » أي مال عن منهج الحق إلى الباطل زين له الشيطان سوء أعماله فقبحت عنده الحسنة ، وحسنت عنده السيئة. « ومن شاق » أي عارض ونازع أهل الدين والإمام المبين « أعورت عليه طرقه » على بناء الأفعال أو الافعلال أي صار أي طريق سلك فيه أعور أي بلا علم يهتدى به فيتحير فيها ، في القاموس الأعور من الطرق الذي لا علم فيه ، وفي بعض النسخ أوعرت أي صعبت. في القاموس الوعر ضد السهل ، وقد وعر المكان ككرم ووعد وولع وتوعر صار وعرا ، وأوعر به الطريق وعر عليه وأفضى به إلى وعر ، والرجل وقع في وعر واستوعروا طريقهم رأوه وعرا كأعوره ، انتهى.
وجمع الطرق إشارة إلى كثرة طرق الباطل « واعترض عليه أمره » أي يحول بينه وبين الوصول إلى مقصوده أو يصعب عليه ولا يتأتى له بسهولة ، أو على بناء المجهول أي تعترض له الشبهات فتحول بينه وبين الوصول إلى أمره الذي يريده ، وفي القاموس الاعتراض المنع والأصل فيه أن الطريق إذا اعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه ، واعترض صار وقت العرض راكبا. وصار كالخشبة المعترضة في النهر ، والشيء دون الشيء حال ، والفرس في رسنه لم يستقم لقائده ، وزيد البعير ركبه ، وهو صعب بعد ، انتهى.
وقيل : أي أمره معترض عليه مستول كالفرس الحرون يمشي نشاطا في عرض الطريق ، وهو كناية عن عدم استقامته أو عن قوته ونشاطه في الباطل ، أو يعترض عليه مانع له عن قبول الحق من عرض له عارض أي مانع ومنه اعتراضات العلماء لأنها تمنع من التمسك بالدليل ، وتعارض البينات لأن كل واحدة تعترض الأخرى
يتبع سبيل المؤمنين.
والشك على أربع شعب على المرية والهوى والتردد والاستسلام ـ وهو قول الله عز وجل : «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى »(١)
وتمنع نفوذها ، وفي بعض النسخ أعورت عليه طرفه ، بالفاء ، أي صار عين قلبه أعور لا يبصر الحق.
وأقول : الظاهر أنه إشارة إلى قوله تعالى : «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً »(٢) .
« على المرية » قال الجوهري : المرية الشك والجدل ، وقد يضم ، وقرئ قوله تعالى : «فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ »(٣) بهما ، وقال : هاله الشيء يهوله هولا أي أفزعه ، وقال : استسلم أي انقاد وقال : نكص على عقبيه ينكص وينكص أي رجع ، وقيل :
المراد بالشك الشك في أصول الدين أو خلاف اليقين ، وبالمرية الشك في فروعه ، أو بمعنى تساوي الطرفين الحق والباطل ، والأخيران من شعب الأولين والهوى ، إذ الشك يوجب متابعة الهوى « والتردد » أي بين الحق والباطل ، لأن الشاك متردد بينهما ، قد يختار هذا وقد يختار ذاك ، والاستسلام الانقياد لأن الشاك واقف على الجهل مستسلم له أو لما يوجب هلاك الدنيا والآخرة.
« وهو قول الله عز وجل » أي الشك الذي ذكرنا شعبه هو الذي زجر الله عنه في قوله «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى » إذ المماراة مجادلة على طريقة الشك ، قال البيضاوي : أي تتشكك ، والخطاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو لكل أحد.
أقول : الظاهر أن المراد بالشك هنا الشك في أصول الدين لا سيما في الإمامة
__________________
(١) سورة النجم : ٥٥.
(٢) سورة النساء : ١١٥.
(٣) سورة هود : ١٧.
وفي رواية أخرى على المرية والهول من الحق والتردد والاستسلام للجهل وأهله.
كمايومئ إليه الاستشهاد بآية سورة النجم ، لأنه تعالى قال فيها : «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى » وقد روي عن ابن عباس أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : سينقض كوكب من السماء مع طلوع الفجر فيسقط في دار أحدكم ، فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيي وخليفتي والإمام بعدي ، فسقط في دار عليعليهالسلام فقال المنافقون : لقد ضل محمد في محبة ابن عمه وغوى ، وما ينطق في شأنه إلا بالهوى ، فأنزل الله تعالى : «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى » يقول : وخالق النجم إذا هوى «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ » يعني في محبة علي «وَما غَوى ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى » يعني في شأنه «إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى ».
وروى علي بن إبراهيم عن الباقرعليهالسلام يقول : ما ضل في علي وما غوى ، وما ينطق فيه عن الهوى ، وما كان ما قاله فيه إلا بالوحي الذي أوحى إليه ومثله كثير وقد ورد في الأخبار الكثيرة أنه لما عرج بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فكان قاب قوسين أو أدنى أوحى الله إليه في ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام وقال بعد ذلك : فأوحى إلى عبده ما أوحى ، يعني في عليعليهالسلام ثم قال : «أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » أي أفتجادلونه من المراء. وقال علي ابن إبراهيم سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك الوحي ، فقال : أوحى إلى أن عليا سيد المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وأول خليفة يستخلفه خاتم النبيين فدخل القوم في الكلام ، فقالوا : أمن الله أو من رسوله؟ فقال الله جل ذكره لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قل لهم «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى » ثم رد عليهم فقال : «أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قد أمرت فيه بغير هذا ، أمرت أن أنصبه للناس. فأقول : هذا وليكم من بعدي. ثم قال : «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ».
إلى أن قال : «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ » ثم قال : «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى » وقد ورد في الأخبار الكثيرة
فمن هاله ما بين يديه «نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ » ومن امترى في الدين تردد في الريب وسبقه الأولون من المؤمنين وأدركه الآخرون ووطئته سنابك الشيطان ومن
أنهمعليهمالسلام آلاء الله ، فإذا تأملت في آيات تلك السورة عرفت ما ذكرهعليهالسلام من الشك. وشعبه حق المعرفة.
« فمن هاله من بين يديه » من الحق والرغبة إلى الآخرة «نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ » إلى الباطل والدنيا كما قال سبحانه : «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى » الآية.
« ومن امترى في الدين » في القاموس المرية بالكسر والضم الشك والجدل ، وماراه مماراة ومراء وامترى فيه وتمارى شك « تردد في الريب » بالفتح أو بكسر الراء وفتح الباء جمع ريبة كسدرة وسدر ، وهو أظهر أي انتقل من حال إلى حال ومن شك إلى شك آخر من غير ثقة بشيء أو استمرار على أمر كما هو دأب المعتادين بالتشكيك في الأمور « وسبقه الأولون من المؤمنين » أي الذين كانوا في مرتبته من الإيمان ، ولعدم الشك والمرية صعدوا إلى درجات اليقين « وأدركه الآخرون » أي الذين كانوا أخفض مرتبة منه فترقوا إلى مرتبته وهو واقف متحير لا يبرح من درجته الخسيسة لابتلائه بالشك والشبهة.
« ووطئته سنابك الشيطان » السنابك جمع سنبك كقنفذ ، وهو طرف الحافر وهو كناية عن استيلاء الشيطان وجنوده من الجن والإنس عليه وفي « ل » الشياطين « ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيما بينهما » فلم تكن له الدنيا خالصة لزوالها مع ما عليه من العقوبات فيها ، ولم تكن له الآخرة لعدم إتيانه بما ينفعه فيها.
قال بعض المحققين : فيه إشارة إلى أن الطالب للدنيا المستسلم لها هالك ، وأن الطالب للعقبى ونعيمها أيضا هالك ، وللإنسان الموقن شأن وراء ذلك يليق به ، وهو نبذ الدنيا والعقبى وراء ظهره ، والترقي إلى ساحة الوصول أمام دهره ، وروي أن الله تعالى أوحى إلى داودعليهالسلام يا داود أحب الإحياء إلى من عبدني بغير نوال
استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيما بينهما ومن نجا من ذلك فمن فضل اليقين ولم يخلق الله خلقا أقل من اليقين.
والشبهة على أربع شعب إعجاب بالزينة وتسويل النفس وتأول العوج
ولكن عبدني ليعطي الربوبية حقها ، ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار ، ألم أكن أهلا أن أطاع وأعبد خالصة.
« ومن نجا من ذلك فمن فضل اليقين » قيل : اليقين ليس محض الاعتقاد ، بل هو كيفية نفسانية تبعث على متابعة من أقر بهم من الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام من جميع الوجوه وتمنع عن مخالفتهم ، ولذا قالعليهالسلام : ولم يخلق الله خلقا أقل من اليقين ، لأن اليقين بالمعنى المذكور لا يكون إلا لمن اصطفاه الله تعالى من عباده ، ولمن تابعهم حق المتابعة ، وقد مر الكلام في اليقين ، وكان المراد بالخلق هنا التقدير.
« والشبهة على أربع شعب : إعجاب بالزينة » أي إعجاب المرء بالزينة الدنيوية أو القلبية من الأمور التي اخترعتها النفس بالرأي والاستحسان ، مع استعانة الوهم والخيال فأعجبت بها.
« وتسويل النفس » أي تزيينها للأمور الباطلة بحسب المادة والصورة ، مع شوب الحق وعدمه ، فإن النفس باستعانة الوهم قد تزين الأمور الباطلة الصرفة ، كما تزين الباطل الممتزج بالحق ، والظاهر أن الإضافة إلى الفاعل كما قال تعالى «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً »(١) والإضافة إلى المفعول بعيد ، قال الراغب : التسويل تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح منه بصورة الحسن ، قال تعالى : «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً » «الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ »(٢) .
« وتأول العوج » أي تأويل الأمر المعوج والباطل بما يظن أنه حق ومستقيم
__________________
(١) سورة يوسف : ١٨.
(٢) سورة محمّد : ٢٥.
ولبس الحق بالباطل وذلك بأن الزينة تصدف عن البينة وأن تسويل النفس
وقيل : أي التأويل الغير المستقيم قال في القاموس : أول الكلام تأويلا وتأوله دبره وقدره وفسره ، وقال : عوج كفرح والاسم كعنب ، أو يقال في كل منتصب كالحائط والعصا فيه عوج محركة ، وفي نحو الأرض والدين كعنب ، وقال في النهاية : هو بفتح العين مختص بكل شيء مرئي كالأجسام وبالكسر فيما ليس بمرئي كالرأي والقول.
« وليس الحق بالباطل » أي خلط الحق والواقع بما هو ليس بواقع كالجمع بين خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام وخلافة الثلاثة أو إخفاء الحق بتأويله بالباطل كتأويل حدوث العالم بالحدوث الذاتي ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »(١) وقال البيضاوي : اللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبها بغيره ، والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما ، أو لا تجعلوا الحق ملتبسا بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله أو تذكرونه في تأويله.
« وذلك بأن الزينة تصدف عن البينة » أي تصرف النفس عن البينة الشرعية والعقلية التي يحكم بصحتها النص الصحيح ، والعقل الصريح ، في القاموس صدف عنه يصدف أعرض وفلانا صرفه كأصدقه ، انتهى.
وقال سبحانه : «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ »(٢) « تقحم على الشهوة » أي يوجب دخول الإنسان في المشتهيات النفسانية من غير روية ، قال في القاموس : قحم في الأمر كنصر قحوما رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية وقحمه تقحيما وأقحمته فانقحم وقحمه الفرس تقحيما رمته على وجهه « وإن العوج يميل بصاحبه » أي إلى الباطل «مَيْلاً عَظِيماً » يتعسر معه الرجوع إلى الحق ، وإنما لم يقل تأول العوج لأن
__________________
(١) سورة البقرة : ٤٢.
(٢) سورة الأنعام : ١٥٧.
يقحم على الشهوة وأن العوج يميل بصاحبه ميلا عظيما وأن اللبس «ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » فذلك الكفر ودعائمه وشعبه.
باب
صفة النفاق والمنافق
١ ـ قال والنفاق على أربع دعائم على الهوى والهوينا والحفيظة والطمع
تأول العوج لاختياره ، فإذا اختاره فهو يميل به ، وقيل : هو إما للاختصار اكتفاء بما سبق ، أو للتنبيه على أن تأول العوج أيضا عوج.
« وإن اللبس » أي لبس الحق بالباطل وإن كان واحدا «ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » ظلمة الباطل وظلمة القلب ، وظلمة الأعمال المترتبة عليه كذا قيل ، أو المعنى أن سلوك هذه الطريقة يوجب تراكم الظلمات الكثيرة لكثرة موارده.
باب صفة النفاق والمنافق
الحديث الأول : كالسابق وهو تتمته ، أفرده المصنف عنه وجعله جزء هذا الباب كما أنه جعل سائر أجزائه أجزاء لأبواب أخر ، مرت في أول الكتاب ، والنفاق بالكسر فعل المنافق ومحله القلب واشتقاقه إما من نفقت الدابة تفوقا من باب قعد إذا ماتت ، لأن المنافق بنفاقه بمنزلة الميت الهالك ، أو من نفق البيع نفاقا بالفتح إذا راج ، لأن المنافق يروج إيمانه ظاهرا ويخفى باطله باطنا أو من النفق بفتحتين وهو ضرب من الأرض يكون له مخرج من موضع آخر. لأن المنافق يستر نفاقه كما يستر السائر في الأرض نفاقه أي دراهمه وغيرها ، أو من النافقاء وهي إحدى جحرتي اليربوع ، لأن له جحرتين يقال لإحديهما النافقاء وللأخرى القاصعاء ، فإذا دخل عن إحداهما وهي القاصعاء أخرج من الأخرى وهي النافقاء ، وفيه تشبيه له باليربوع فإن اليربوع يخرق الأرض من أسفل حتى إذا قارب وجهها أرق التراب ،
فالهوى على أربع شعب على البغي والعدوان والشهوة والطغيان ـ فمن بغى كثرت غوائله وتخلي منه وقصر عليه ومن اعتدى لم يؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه ولم يملك نفسه عن الشهوات ومن لم يعذل نفسه في الشهوات خاض في الخبيثات ومن طغى
فإذا رابه شيء دفع التراب برأسه وخرج ، فظاهر جحرة تراب وباطنه خفر ، وكذا المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر ، ويخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه.
« على الهوى والهوينا » قد مر تفسير الهوى وقيل : إنه ميل النفس إلى مقتضى طباعها وخروجها عن حدود الله عز وجل ، وهو أشد جاذب عن قصد الحق وأعظم ساد عن سلوك سبيله وأقوى باعث على سلوك سبيل النفاق ، وقال في النهاية : الهوينا تصغير الهونى تأنيث الأهون ، وهو من الهون الرفق واللين والتثبت ، انتهى.
والمراد هنا التهاون في أمر الدين وترك الاهتمام فيه كما هو طريقة المتقين ، وقيل : هي الفتنة الصغرى التي تجر إلى الكبرى ، والفتن تترتب كبراها على صغراها ، والمؤمن يترك الصغرى فضلا عن الكبرى ، وقال الجوهري : الحفيظة الغضب والحمية ، وقال : بغى عليه بغيا علا وظلم واستطال وكذب وفي مشيه اختال ، وقال : العدوان الظلم الصراح ، وقد عدا عليه وتعدى عليه واعتدى كله بمعنى ، والتعدي مجاوزة الشيء إلى غيره ، وقال : طغا يطغى ويطغو طغيانا : جاوز الحد ، وقال : فلان قليل الغائلة والمغالة أي الشر ، والغوائل الدواهي « وتخلي » على بناء المجهول ، « ومنه » نائب مناب الفاعل ، وكذا « قصر » و « عليه » يقال : تخلى منه وعنه تركه ، أي يخليه الله مع الشيطان وغلب عليه ، لسلب توفيق الله منه ، و البوائق الدواهي والشرور « ولم يسلم قلبه » على بناء المجرد ، أي من الآفات والأمراض النفسانية.
« ومن لم يعذل نفسه » في المصباح عذلته عذلا من بابي ضرب وقتل لمته ، فاعتذل ، أي لام نفسه ورجع ، انتهى.
ضل على عمد بلا حجة.
والهوينا على أربع شعب على الغرة والأمل والهيبة والمماطلة وذلك
وفي بعض النسخ بالدال المهملة ، فهو على بناء التفعيل ، وتعديله هو أن تقتصر على الحلال ولم تتجاوز إلى الحرام ، والأول أكثر وأظهر ، وفي « ل » ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات بالزاي ، وله وجه خاص أي دخل في الخبيثات أي الخصال الدنية والأفعال الرديئة. « ومن طغى » أي جاوز حده وادعى ما لم يكن له ولم يتصف به ، وقيل : ارتكب الكبائر وأصر عليها ، والأول أظهر « ضل على عمد » لأنه عارف بنفسه بلا حجة له عند الله و الغرة بالكسر الغفلة ، وهي هنا الغفلة عن ربه وعن عدوه الأكبر ، وعما خلق لأجله ، وعما يؤول إليه أمره ، أو الاغترار بالأماني والآمال ، وبرحمة الله وشفاعة الشفعاء ، أو بكثرة الأعمال مع غفلته عن شرائطها.
والأمل الرجاء ، قال في المصباح : أملته أملا من باب طلب وهو ضد اليأس ، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله قال زهير : « أرجو وآمل أن تدنو مودتها » ومن عزم إلى بلد بعيد يقول أملت الوصول ولا يقول طمعت إلا إذا قرب منها ، والرجاء بين الأمل والطمع فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأمولة ، انتهى.
وتطويل الأمل هو أن يأمل أمورا يتوقف حصوله على عمر طويل ، وهو إنما يكون بأن يعد الموت منه بعيدا وهذا يصير سببا لأن يجترئ على المعاصي ويسوف التوبة ويتوغل في الدنيا ويبني ما لا يسكنه ، ويحصل ما لا ينتفع به ، ولذا ورد : من أطال الأمل أساء العمل ، وقد قال سبحانه : «رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »(١) وقد روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال : أن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان اتباع الهوى وطول الأمل فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ، وطول الأمل ينسى الآخرة.
والمطل والمماطلة : التسويف بالعدة والدين « وذلك بأن الهيبة » أي المهابة
__________________
(١) سورة الحجر : ٣.
بأن الهيبة ترد عن الحق والمماطلة تفرط في العمل حتى يقدم عليه الأجل ولو لا الأمل علم الإنسان حسب ما هو فيه ولو علم حسب ما هو فيه مات خفاتا من الهول
والمخافة من غير الله « والمماطلة » أي صاحبها والإسناد مجازي « حتى يقدم عليه » أي على المماطل بقرينة المقام ، وقيل : الضمير للعمل ، والأجل آخر العمر.
« حسب ما هو فيه » بالتحريك أي حسابه وقدره وعدده ، وما هو فيه عمره وعمله إشارة إلى قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، ويحتمل التدبير لكنه بعيد ، وفي القاموس : حسبه حسبا وحسبانا بالضم وحسبانا وحسابا وحسابة وحسبة بكسرهن عده والمعدود محسوب ، وحسب محركة ومنه هذا بحسب ذا ، أي بعدده وقدره وقد يسكن وفي الصحاح : حسبته أحسبه بالضم حسبا وحسابا وحسبانا وحسابة إذا عددته ، والمعدود محسوب ، وحسب وهو فعل بمعنى مفعول ، ومنه قولهم : ليكن عملك بحسب ذلك أي على قدره وعدده ، واحتسبت عليه كذا إذا أنكرت عليه ، واحتسبت بكذا أجرا عند الله ، والاسم الحسبة بالكسر وهي الأجر والجمع الحسب.
وفي المصباح قال الأصمعي : فلان حسن الحسبة في الأمر أي حسن التدبير والنظر ، وجمع الحسبة حسب كعنب ، وقيل : هو حسب جمع الحسبة بمعنى الاحتساب وهو إنكار المنكر بجزاء العمل السيء وهو بعيد.
والحاصل على ما ذكرنا أنه لو لا الأمل والغفلة التي يستلزمها توجه إلى حساب عمره وما صرفه فيه وما اكتسبه من المعاصي فيه وتفكر في أنه يمكن أن يأتيه الموت قريبا فيذهب إلى الآخرة بلا عمل ولا زاد ، وتفكر في سكرات الموت وأهوال ما بعده وعقبات القيامة وأفزاعها وشدائد العقوبات التي استحقها فكرا صحيحا كان حقه أن يموت فجأة من الهول والوجل ، كما مات همام لما سمع صفات المؤمن ، وأما الأمل فيلهيه عن جميع ذلك حتى يأتيه الأجل ، ويظهر منه أن في قدر من الأمل والغفلة حكمة لنظام النوع وبقاء الدنيا ، والإكثار منهما يوجب الشقاوة في العقبى.
وفي القاموس : خفت خفوتا سكن وسكت وخفاتا أي بالضم مات فجاءة ، و الهول
والوجل والغرة تقصر بالمرء عن العمل.
والحفيظة على أربع شعب على الكبر والفخر والحمية والعصبية فمن استكبر
الخوف ، و الوجل بالتحريك الفزع وهو من آثار الخوف وتوابعه.
« والغرة » بالمعاني المتقدمة « تقصر بالمرء عن العمل » أي تجعله قاصرا عن كمال العمل مقصرا فيه ، وهو ظاهر وقيل : الفرق بين الغرة والمماطلة أن مع المماطلة شعورا بالعمل ومعرفة بثبوته وحقيته ، بخلاف الغرة ولذلك ذكر التفريط مع المماطلة ، والقصر مع الغرة إذ الشائع في التفريط هو التقصير في الشيء مع العلم به ، انتهى.
وأقول : على ما ذكرنا من معاني الغرة يظهر الفرق بوجوه أخرى كمالا يخفى على المتدبر.
« والحفيظة على أربع شعب على الكبر » وقد مر أنه ترفع الإنسان وتعظمه بادعاء الشرف والعلو على غيره ، أو هو بطر الحق كما مر في الأخبار ، قال في النهاية : هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده وعبادته باطلا ، وقيل : هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا ، وقيل : هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله « والفخر » وهو إظهار الفرح والكمال بالحسب والنسب والمال ونحوها ، وادعاء العظمة والشرف بذلك ، وأما ذكر آلائه تعالى ونعمائه فليس من الفخر كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، أي لا أقوله تبجحا وفخرا ولكن شكر الله تعالى وتحدثا بنعمته. و « الحمية » الأنفة والغيرة قال الراغب : عبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحمية فقيل : حميت على فلان ، أي غضبت عليه ، قال تعالى : «حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ »(١) والعصبة الأقارب من جهة الأب والعصبية حمايتهم والدفع عنهم ، و التعصب المحاماة والمدافعة وهي والحمية من توابع الكبر ، وكان الفرق بينهما أن الحمية للنفس والعصبية للأقارب ، أو الحمية للأهل والعصبية للقبيلة.
__________________
(١) سورة الفتح : ٢٦.
أدبر عن الحق ومن فخر فجر ومن حمي أصر على الذنوب ومن أخذته العصبية جار فبئس الأمر أمر بين إدبار وفجور وإصرار وجور على الصراط.
والطمع على أربع شعب الفرح والمرح واللجاجة والتكاثر فالفرح مكروه عند الله والمرح خيلاء واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمل الآثام والتكاثر
« فمن استكبر أدبر عن الحق » لتكبره عن طاعة أئمة الحق والتذلل عند ظهوره « ومن فخر فجر » أي كذب أو أذنب بوقوعه في المحارم. « ومن حمى أصر » أي على الذنوب التي توجبها الحمية من الشتم والضرب والقتل وإنكار الحق وتقوية الباطل « جار » أي مال عن الحق وظلم وتعدى لرعاية العشيرة والقبيلة.
« فبئس الأمر » الحفيظة لتردده بين الأدبار عن الحق والفجور والتوسع في الشر والإصرار علي الباطل والذنوب « والجور على الصراط » وكان على بمعنى عن أي ميل عن الصراط المستقيم.
« الفرح » أي السرور بما يحصل من الدنيا « والمرح » هو بالتحريك أشد الفرح وكان المراد هنا إظهاره بالتبختر ، وهو التمادي في الفعل المزجور عنه ، والتكاثر وهو التباهي بالكثرة في الأموال والأولاد والأنصار ونحوها ، « فالفرح مكروه عند الله » كما قال سبحانه : «إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ »(١) « والمرح خيلاء » هو بالضم والكسر والمد العجب والتبختر في المشي ، وقيل : هو التكبر في كل شيء ، وقال ابن دريد : هو التكبر مع جر الإزار ، وأنه من كمال التكبر عند العرب.
« واللجاجة بلاء » أي فتنة ومحنة « لمن اضطرته » أي اللجاجة « إلى حمل الآثام » الناشئة منها ، لأن اللجاجة سبب للمعاصي والآثام ، ولذلك قيل : اللجاجة متولدة من الكبر وغيره من الأمور الفاسدة ، ويتولد منها أمور فاسدة أخرى « والتكاثر لهو ولعب » شبه التقلب في أمر الدنيا باللهو واللعب في الإتعاب بلا منفعة وفي المنع عما يوجب منفعة أبدية من أمر الآخرة وشغل القلب عن الله تعالى وعما أراد
__________________
(١) سورة القصص : ٧٦.
لهو ولعب وشغل واستبدال «الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ».
فذلك النفاق ودعائمه وشعبه والله قاهر «فَوْقَ عِبادِهِ » تعالى ذكره وجل وجهه
من نوع الإنسان من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة النافعة في الآخرة « واستبدال الذي هو أدنى » وهو الدنيا وزهراتها الفانية « بالذي هو خير » وهو الآخرة ونعمها الباقية.
« فذلك النفاق ودعائمه وشعبة » أي أصوله وفروعه المنتجة للبعد من الله ومن دينه ، فمن تخلص من الجميع فهو مؤمن كامل ، ومن اتصف بالجميع فهو منافق كامل ومن اتصف ببعض دون بعض فهو مذبذب بينهما شبيه بالمنافق إلى أن يستقر أمره فيما شاء الله تعالى.
قيل : أحاديث هذا الباب تدل على أن المؤمن أقل وجودا من الكبريت الأحمر إذ لا يخلو أحد من العلماء والصالحين عن بعض الخصال المذكورة فضلا عن غيرهم. ويمكن أن يقال : هذه الخصال إن كانت لأجل التهاون بالدين أو عدم اعتقاد حقيته كان صاحبها منافقا خارجا عن الإيمان ، مشاركا لمنافقي عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الاسم والمعنى ، وإن لم يكن لأجل ذلك بل حصلت بمجرد اقتضاء الطبيعة وهوى النفس الأمارة كان مشابها بهم ومشاركا لهم في الاسم دون المعنى ، ولا يكون بذلك خارجا عن الإيمان وإن خرج عن كماله ، قال المازري : من المخالفين من غلب عليه خصال النفاق وأصر فيها وجعلها طبيعة وعادة له لا من وجدت فيه ندرة ، وقال : لا بد من هذا التأويل لأن تلك الخصال قد تجتمع في واحد ولا تخرجه من الإسلام كما اجتمعت في بعض السلف وبعض العلماء ، وفي إخوة يوسف وأنهم حدثوا فكذبوا ووعدوا وأخلفوا وائتمنوا فخانوا ، مع أنهم لم يكونوا منافقين خارجين عن الإسلام لأن ذلك كان ندرة منهم ، ولم يصروا على ما فعلوا ، وقال محيي الدين البغوي : هذه ذنوب لا تكفر بها فتحمل على أن من فعلها عادة وتهاونا بالدين يكون منافقا خارجا عن الإسلام ، أو على أن المراد بالنفاق معناه اللغوي لأنه لغة إظهار خلاف
و «أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » وانبسطت يداه ووسعت كل شيء رحمته وظهر أمره وأشرق
ما في الضمير ، ومن فيه هذه الخصال كذلك فإن الكاذب يظهر أنه صادق ومخلف الوعد يظهر أنه يفي بوعده وكذا في بقيتها « والله قاهر فوق عباده » إشارة إلى قوله تعالى : «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ »(١) أي غالب على جميعهم فوقهم بالاستيلاء والقدرة على إيجادهم وإبقائهم وإفنائهم « تعالى ذكره » أي عن النقائص أو عن أن يشبه ذكر المخلوقين أو عين أن يأتي به أحدكما هو حقه.
ويؤيد الثاني ما ورد في الدعاء : تعالى ذكرك عن المذكورين.
« وجل وجهه » أي ذاته أجل من أن يوصل إلى كنهه أو أنبيائه وحججهعليهمالسلام أو دينه و «أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » قوله : خلقه بدل اشتمال لكل شيء أي أحسن خلق كل شيء أو هو بفتح اللام على صيغة الفعل وعلى التقديرين ناظر إلى قوله سبحانه : «ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » وقد قرئ على الوجهين.
قال البيضاوي «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » موفرا عليه ما يستعده ويليق به على وجه الحكمة والمصلحة ، وخلقه بدل من كل شيء بدل الاشتمال ، وقيل : علم كيف يخلقه عن قوله : قيمة المرء ما يحسنه ، أي يحسن معرفته وخلقه مفعول ثان ، وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف ، انتهى.
ويرد عليه أن الإحسان بمعنى العلم لا يتعدى إلى مفعولين.
في القاموس : هو يحسن الشيء إحسانا يعلمه ، فالظاهر أن يكون على هذا التقدير أيضا بدل اشتمال « وانبسطت يداه » إشارة إلى قوله تعالى : «وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »(٢) وقيل : ثنى اليد مبالغة في الرد ونفي البخل عنه وإثباتا لغاية الجود ، فإن غاية ما يبذله السخي
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٨.
(٢) سورة المائدة : ٦٤.
من ماله أن يعطيه بيديه ، وتنبيها على منح الدنيا والآخرة وعلى ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام.
وقال الطبرسي (ره) : اليد تذكر في اللغة على خمسة أوجه : الجارحة والنعمة ، والقوة والملك ، وتحقيق إضافة الفعل ، ثم قال : ولما كان الجواد ينفق باليد والجواد بمسك اليد عن الإنفاق ، أضافوا الجود والبخل إلى اليد ، فقالوا للجواد : مبسوط اليد ، وللبخيل مقبوض الكف ، وأنكر الزجاج كون اليد هنا بمعنى النعمة لأنه يكون معناه نعمتاه مبسوطتان ، ونعم الله أكثر من أن تحصى ، وأجيب بأن المراد مطلق التكرار نحو لبيك وسعديك ، ثم قال : ولك أن تحمل المثنى على أنه تثنية جنس ، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا ، والآخرة نعمة الآخرة والنعم الظاهرة والباطنة كما قال سبحانه : «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً »(١) وقيل : المراد باليد القوة أي قوتاه بالثواب والعقاب مبسوطتان ، انتهى.
وأقول : يحتمل أن يكون اليدان كناية عن النعمة والبلاء ، فإن منحه تعالى منح لعباده كما قيل في الدعاء : والخير في يديك ، وقيل : كناية عن قبول توبة المذنبين ، وإنما كني بذلك لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لأخذه ، وإذا كرهه قبضها.
« ووسعت كل شيء رحمته » من المؤمن والكافر ، والمكلف وغيره في الدنيا ، وأما في الآخرة فهو للمؤمن خاصة كما قال جل شأنه : «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ »(٢) .
« وظهر أمره » أي وجوده وعلمه وقدرته وحكمته بما أظهر في الآفاق والأنفس ، أو دينه وشرائعه في العباد ليقروا له بالعبودية ، أو أمره التكويني الدال على كمال
__________________
(١) سورة لقمان : ٢٠.
(٢) سورة الأعراف : ١٥٦.
نوره وفاضت بركته واستضاءت حكمته وهيمن كتابه وفلجت حجته وخلص دينه
قدرته « وأشرق نوره » أي أفاض نور الوجود والعلم والكمالات على جميع المواد القابلة بحسب قابلياتها ، واستعداداتها ، وقيل : أي علمه في قلوب العارفين أو حجته الدالة على وحدانيته وعلو ذاته وصفاته ، أو نبوة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أو نور الولاية المشار إليه بقوله تعالى : «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ »(١) والأظهر أنه إشارة إلى قوله سبحانه : «لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ »(٢) قيل : لقد ابتغوا الفتنة ، أي تشتت أمرك وتفريق أصحابك «مِنْ قَبْلُ » يعني يوم أحد «وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ » أي دبروا لك المكائد والحيل ودوروا لآراء في إبطال أمرك «حَتَّى جاءَ الْحَقُ » أي النصر والتأييد الإلهي «وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ » أي علانية «وَهُمْ كارِهُونَ » أي على زعم منهم.
« وفاضت بركته » أي كثرت من فاض الماء يفيض فيضا إذا كثر ، ومن أسمائه تعالى : الفياض لسعة عطائه وكثرته ، وتطلق البركة غالبا على النعم الدنيوية كالرحمة على الأخروية ، قال الراغب : أصل البرك صدر البعير ، وإن استعمل في غيره يقال له : بركة ، وبرك البعير ألقى بركة ، واعتبر منه معنى اللزوم وسمي محبس الماء بركة ، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء قال تعالى : «لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ »(٣) وسمي بذلك لثبوت الخير ثبوت الماء في البركة ، والمبارك ما فيه ذلك الخير.
« واستضاءت حكمته » أي شريعته أو مصلحته أو علمه بالأشياء وإيجادها على غاية الإتقان ، أو ما علمه العباد من الحكم كما قال تعالى : «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ »(٤) .
« وهيمن كتابه » أي صار كتابه حافظا وشاهدا ورقيبا على كل شيء ، لأن
__________________
(١) سورة الصفّ : ٨.
(٢) سورة التوبة : ٤٨.
(٣) سورة الأعراف : ٩٦.
(٤) سورة الجمعة : ٢.
فيه تبيان كل شيء أو هو قائم على سائر الكتب رقيب عليها لأنه يشهد لها بالصحة والأخير أظهر ، لأنه ناظر إلى قوله تعالى : «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ »(١) .
قال البيضاوي : من الكتاب ، أي من جنس الكتب المنزلة ومهيمنا عليه ورقيبا على سائر الكتب يحفظها عن التغيير ويشهد لها بالصحة والثبات ، وقرئ على بنية المفعول ، أي هو من عليه وحوفظ من التحريف والحافظ له هو الله تعالى ، والحفاظ في كل عصر ، وفي القاموس : هيمن الطائر على فراخه رفرف ، وعلى كذا صار رقيبا عليه وحافظا ، والمهيمن وتفتح الميم الثانية من أسماء الله تعالى في معنى المؤمن من أمن غيره من الخوف فهو ماء من بهمزتين ، قلبت الثانية ياءا ثم الأولى هاء ، أو بمعنى الأمين أو المؤتمن أو الشاهد.
« وفلجت حجته » أي غلبت حجته الدالة على ربوبيته وتوحيده وقدرته وحكمته وظهرت ظهورا تاما حتى فرقت بين الحق والباطل أو تمت حجته على العباد ، كما قال سبحانه : «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ »(٢) أو المراد بالحجة الرسل والأوصياءعليهمالسلام « وخلص دينه » أي الدين الذي شرع للعباد خالص عن الكذب والباطل والغش ، وقيل : الدين الطاعة وفيه تنبيه على أن الطاعة المختلطة بغير وجه الله تعالى ليست طاعة.
أقول : هذا إشارة إلى قوله تعالى في الزمر : «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ »(٣) قال البيضاوي : أي محضا له الدين من الشرك والرياء ، ثم قال : ألا لله الدين الخالص ، قال : هو أي ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة ، فإنه المتفرد بصفات الألوهية والاطلاع على السرائر والضمائر ثم قال :
__________________
(١) سورة المائدة : ٤٥.
(٢) سورة الأنعام : ١٤٩.
(٣) سورة الزمر : ٢.
واستظهر سلطانه وحقت كلمته وأقسطت موازينه وبلغت رسله فجعل السيئة ذنبا
تعالى : «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » ثم قال سبحانه : «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ » إلى أن قال : «قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ».
قال الطبرسي : مخلصا له الدين من شرك الأوثان والأصنام ، والإخلاص له أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه لا جعل ذلك لغرض الدنيا ، والخالص ما لا يشوبه الرياء والسمعة ، ولا وجه من وجوه الدنيا ، والدين الخالص الإسلام ، وقيل : معناه ألا لله الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون لغيره ، وقيل : هو الاعتقاد الواجب في التوحيد والعدل والنبوة والإقرار بها والعمل بموجبها ، والبراءة من كل دين سواها ، وقال : العبادة الخالصة هي التي لا يشوبها شيء من المعاصي ، انتهى.
فظهر أن خلوص دينه عبارة عن نفي الشرك الظاهر والباطن والجلي والخفي ، كما هو مفاد الآيات البينات « واستظهر سلطانه » الاستظهار بمعنى الظهور والعلو والغلبة ، يقال : ظهر على الحائط إذا علاه ، وظهر علي العدو إذا غلبه ، والسلطان يطلق على الحجة والبرهان والولاية والسلطنة والزيادات للتأكيد والمبالغة.
« وحقت كلمته » أي مواعيده في الثواب والعقاب للمؤمنين والكفار ، وقيل : أي كلامه مطلقا أو القرآن الكريم ، وفي الأخبار أن كلمات الله هم الحججعليهمالسلام وكأنه إشارة إلى قوله سبحانه : «وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ »(١) وقوله : «كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »(٢) وقوله : «وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ »(٣) وقوله : «وَتَمَّتْ
__________________
(١) سورة غافر : ٦.
(٢) سورة يونس : ٣٣.
(٣) سورة الزمر : ٧١.
كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ »(١) .
« وأقسطت موازينه » أي صارت ذا قسط وعدل ، والإسناد مجازي وهو إشارة إلى قوله تعالى : «وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً »(٢) وقال البيضاوي : القسط العدل يوزن بها صحائف الأعمال ، وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة ، وفي المصباح : قسط قسطا من باب ضرب وقسوطا جار وعدل أيضا فهو من الأضداد ، قال ابن القطاع ، وأقسط بالألف عدل والاسم القسط.
وقال الراغب : القسط هو النصيب بالعدل ، قال تعالى : «وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ »(٣) والقسط بالفتح هو أن يأخذ قسط غيره وذلك جور ، والأقساط أن يعطي قسط غيره وذلك إنصاف ، ولذلك قيل : قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل ، قال تعالى : «وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً »(٤) وقال : «وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ »(٥) .
« فجعل السيئة » الفاء لبيان تبليغ الرسل ، والسيئة الفعلة القبيحة ضد الحسنة ، سواء كان من القول أو الفعل أو العقد ، والذنب ما يوجب العقوبة أي جعل الأفعال التي يستقبحها العقول السليمة موجبة للعقوبة حيث نهى عنها وحرمها وأوعد عليها ، « والذنب فتنة » أي ضلالة عن الحق أو افتتانا وامتحانا ، فإن التكاليف كلها ابتلاء أو سبب للافتتان بالدنيا واستيلاء الشيطان عليه ، أو عذابا وعقوبة ، وفي القاموس : الفتنة بالكسر الخبرة وإعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب ، وإذابة الذهب والفضة والإضلال والجنون والمحنة والمال والأولاد ، واختلاف الناس في الآراء.
وأقول : أكثر المعاني هنا مناسبة.
__________________
(١) سورة الأنعام : ١١٥.
(٢) سورة الأنبياء : ٤٧.
(٣) سورة الرحمن : ٩.
(٤) سورة الجنّ : ١٥.
(٥) سورة الحجرات : ٩.
والذنب فتنة والفتنة دنسا وجعل الحسنى عتبى والعتبى توبة والتوبة طهورا فمن
« والفتنة دنسا » أي وسخا تتوسخ به النفس والقلب فتذهب نورهما وصفائهما كما قال تعالى : «كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »(١) « وجعل الحسنى » أي الفعلة الحسنى وهي الأعمال الحسنة مقابل السيئة أو الكلمة الحسني وهي العقائد الحقة والعتبي الرضا أي سببا لرضا الخالق أو الرجوع من الذنب والإساءة والعصيان إلى الطاعة والتوبة والإحسان ، وقيل : أي جعل الأعمال الحسنة بمنزلة التوبة ما حية للذنوب ، فهو ناظر إلى قوله تعالى : «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ »(٢) ويحتمل أن يكون المعنى أن العاقبة الحسنى إنما تحصل بالعتبى والتوبة كما قال : «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ »(٣) وقال تعالى : «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى » ، و «كَذَّبَ بِالْحُسْنى »(٤) » وقال : «وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى »(٥) «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى »(٦) «وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى »(٧) ومثله كثير.
وقال الراغب : الفرق بين الحسن والحسنة والحسنى أن الحسن يقال في الأعيان والأحداث ، وكذلك إذا كانت وصفا ، وإذا كانت اسما فمتعارف في الأحداث ، والحسنى لا يقال إلا في الأحداث دون الأعيان.
« والعتبي توبة » أي اكتفي بترك الذنب والندامة عليها مع العزم على الترك توبة ماحية للذنب.
« والتوبة طهورا » أي مطهرا من دنس العصيان ولوث الخطايا « فمن تاب اهتدى » إلى الحق وسبيل النجاة « ومن افتتن » بالأدناس أي الذنوب الموجبة للدنس « غوى » عن سبيل الحق والنجاة وضل.
__________________
(١) سورة المطفّفين : ١٤.
(٢) سورة هود : ١١٤.
(٣) سورة يونس : ٢٦.
(٤) سورة الليل : ٦ و٩.
(٥) سورة النجم : ٣١.
(٦) سورة الأنبياء : ١٠١.
(٧) سورة النحل : ٦٢.
تاب اهتدى ومن افتتن غوى ما لم يتب إلى الله ويعترف بذنبه ولا يهلك على الله إلا هالك.
الله الله فما أوسع ما لديه من التوبة والرحمة والبشرى والحلم العظيم وما أنكل ما عنده من الأنكال والجحيم والبطش الشديد فمن ظفر بطاعته اجتلب كرامته
« ولا يهلك على الله » ضمن معنى الاجتراء فعدي بعلى ، ويحتمل أن يكون على بمعنى في كما في قوله تعالى : «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها »(١) أو بمعنى من كما قيل في قوله تعالى : «إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ »(٢) فالهلاك بمعنى الخيبة ، أو بمعنى مع كما قيل في قوله تعالى : «وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ »(٣) أي مع رحمته الكاملة « إلا هالك » بلغ الغاية في استحقاق العقوبة والهلاك.
« الله الله » منصوبان بفعل محذوف أي اتقوا الله واحذروا الله ، والتكرير للمبالغة والتأكيد ، وقد يراد به التعجب « فما أوسع » للتعجب « ما لديه من التوبة » أي قبولها « وما أنكل ما عنده من الأنكال » إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً »(٤) والنكل بالتحريك منع الرجل وتبعيده عما يريد ، والنكال بالفتح العقوبة التي ينكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء ، والنكل بالكسر القيد لأنه ينكل به أي يمنع ، وجمعه أنكال ، و الجحيم من أسماء جهنم وأصله ما اشتد لهبه من النيران ، والبطش الشديد ناظر إلى قوله تعالى : «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ »(٥) والبطش : الأخذ القوي الشديد ، والوصف للتأكيد « اجتلب كرامته » أي تحفه وهداياه الخاصة لأوليائه في الدنيا والآخرة « ذاق وبال نقمته » الوبال في الأصل الثقل والمكروه وقد يراد به العذاب في الآخرة ، والنقمة السخط والغضب والعقوبة ، ومن أسمائه سبحانه المنتقم ، وهو المبالغ في العقوبة ، وكما أن رحمته عظيمة كذلك نقمته شديدة ، فإن
__________________
(١) سورة القصص : ١٥.
(٢) سورة المطفّفين : ٢.
(٣) سورة البقرة : ١٧٧.
(٤) سورة المزّمّل : ١٢.
(٥) سورة البروج : ١٢.
ومن دخل في معصيته ذاق وبال نقمته و «عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ».
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن محمد بن عبد الحميد والحسين بن سعيد جميعا ، عن محمد بن الفضيل قال كتبت إلى أبي الحسنعليهالسلام أسأله عن مسألة فكتب إلي : «إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً
كل ما اتصف به فهو على حد الكمال « وعما قليل » ما زائدة للمبالغة في القلة أي عن زمان قليل أو نكرة موصوفة «لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ » عما فعلوا من المعاصي ، ولا ينفعهم الندم لفوت زمان التكليف.
الحديث الثاني : مجهول.
«يُخادِعُونَ اللهَ » أي يظهرون الإيمان والصلاح ويخفون الكفر والفساد للنجاة من قتلهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم ودفع ضرر المؤمنين عن أنفسهم «وَهُوَ خادِعُهُمْ » بإدخالهم في المسلمين ظاهرا وإجراء أحكامهم عليهم وتعذيبهم أشد من تعذيب الكفار ، وجعلهم في الدرك الأسفل من النار وخداعهم مع الله ليس على ظاهره ، لأنه لا يخفى عليه شيء بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف ، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله ، وإما صورة صنيعهم مع الله وصورة صنيعه معهم صورة المتخادعين «قامُوا كُسالى » أي متثاقلين عنها كالمكره على الفعل «يُراؤُنَ النَّاسَ » إظهارا لإيمانهم.
«وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً » لأن المرائي لا يفعل إلا بحضور من يراه وهو أقل أحواله ، أو لأن المراد بالذكر الذكر القلبي «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ » حال من واو يراؤون مثل ولا يذكرون ، أو من واو يذكرون أو منصوب على الذم والمعنى مرددين بين الإيمان والكفر ، ومتحيرين بينهما من ذبذبه تركه حيران مترددا ، والمذبذب المتردد بين أمرين «لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ » أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين ، لعدم الإقرار بالجنان وعدم الإنكار باللسان ، «وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ » بسلب
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً »(١) ليسوا من الكافرين وليسوا من المؤمنين وليسوا من المسلمين يظهرون الإيمان ويصيرون إلى الكفر والتكذيب لعنهم الله.
٣ ـ الحسين بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن الهيثم بن واقد ، عن محمد بن سليمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال قال : إن المنافق ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي وإذا قام إلى الصلاة اعترض قلت يا ابن رسول الله وما الاعتراض قال الالتفات وإذا ركع ربض يمسي وهمه العشاء وهو مفطر ويصبح وهمه النوم ولم يسهر إن
اللطف والتوفيق «فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً » إلى الحق والإيمان ، وقيل : لعله لم يذكر المسألة تقية.
وكان السؤال عن حال المأمون لأنه كان من أعداء أهل البيتعليهمالسلام ، ويظهر التشيع للمصلحة نفاقا فقوله : ليسوا من الكافرين ، المراد هو وأضرابه كذي الرئاستين ومثله.
الحديث الثالث : ضعيف.
وقيل : لعل المراد بالمنافق هنا ناقص الإيمان ، وهو شبيه بالمنافق الحقيقي لما بينهما من الملائكة في عدم الإتيان بما ينبغي الإتيان به وإن كان هذا معتقدا للحق كما مر عن يزيد الصائغ : هي أدنى منازل الكفر وليس بكافر ، ولا دلالة فيه على أن من شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العمل بما يقول ، لأن الواجب في طرف الآمر أمران أحدهما أن يأمر غيره ، والثاني أن يمتثل في نفسه ، وكذا في طرف النهي والنفاق والعقوبة من جهة المخالفة ، وهي أنه لم يمتثل لا للأمر والنهي ، والاعتراض أن يمشي في عرض الطريق يمينا وشمالا أستعير هنا للالتفات يمينا وشمالا.
« وإذا ركع ربض » في المصباح : الربض بفتحتين والمريض مثال مجلس للغنم
__________________
(١) سورة النساء : ١٤٢.
حدثك كذبك وإن ائتمنته خانك وإن غبت اغتابك وإن وعدك أخلفك.
٤ ـ عنه ، عن ابن جمهور ، عن سليمان بن سماعة ، عن عبد الملك بن بحر رفعه مثل ذلك وزاد فيه إذا ركع ربض وإذا سجد نقر وإذا جلس شغر.
٥ ـ أبو علي الأشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عثمان بن عيسى ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله مثل المنافق مثل جذع النخل أراد صاحبه أن ينتفع به في بعض بنائه فلم يستقم له في الموضع الذي أراد فحوله في موضع آخر فلم يستقم له فكان آخر ذلك أن أحرقه بالنار.
مأواها ليلا ، وربضت الدابة ربضا من باب ضرب وربوضا وهو مثل بروك الإبل.
وأقول : هنا إما كناية عن إدلاء رأسه وعدم استواء ظهره ، أو عن أنه يسقط نفسه على الأرض قبل أن يرفع رأسه من الركوع كإسقاط الغنم نفسه عند ربوضه ، و العشاء كسماء طعام العشي ، وظاهره وجوب الوفاء بالوعد وإن أمكن المناقشة فيه.
الحديث الرابع : كالسابق.
« وإذا سجد نقر » أي خفف السجود ، في النهاية : فيه أنه نهى عن نقرة الغراب يريد تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله « وإذا جلس شغر » قيل : أي أقعى كإقعاء الكلب ، وقيل : أي رفع ساقيه من الأرض ، وقعد على عقبيه من شغر الكلب كمنع رفع أحد رجليه بال أو لم يبل ، والأظهر عندي أنه إشارة إلى ما يستحبه أكثر المخالفين في التشهد فإنهم يجلسون على الورك الأيسر ، ويجعلون الرجل اليمنى فوق اليسرى ، ويقيمون القدم اليمنى بحيث يكون رؤوس الأصابع إلى القبلة ، وفي بعض النسخ شفر بالفاء ، وقيل : هو من التشفير بمعنى النقص ، في القاموس : شفر كفرح نقص والأول أظهر.
الحديث الخامس : موثق.
وهو تشبيه حسن للمنافق وإنه لعدم استقامته لا يصلح لشيء إلا للإحراق
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن مسمع بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق.
باب الشرك
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن بريد العجلي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سألته عن أدنى ما يكون العبد به مشركا قال فقال من قال للنواة إنها حصاة وللحصاة إنها نواة ثم دان به.
الحديث السادس : ضعيف.
وكلمة « ما » شرطية زمانية ، نحو : «فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ »(١) ولذا لم يحتج إلى العائد ، ويدل على أن زيادة خشوع البدن علي خشوع القلب من الرياء ، وهو من النفاق ، وفي قوله : عندنا إيماء إلى أنه ليس بنفاق حقيقي بل هو خصلة مذمومة شبيهة بالنفاق.
باب الشرك
الحديث الأول : صحيح.
ويظهر من أخبار الباب أن للشرك معاني ومنازل كالتوحيد الذي يقابله « من قال للنواة إنها حصاة » قال الشيخ البهائي : لعل مرادهعليهالسلام من اعتقد شيئا من الدين ولم يكن كذلك في الواقع فهو أدنى الشرك ، ولو كان مثل اعتقاد أن النواة حصاة وأن الحصاة نواة ، ثم دان به ، انتهى.
والمضاف هنا مقدر أي حال من قال ، والواو في قوله وللحصاة بمعنى أو ، و قوله : ثم دان به ، إشارة إلى أنه إنما يكون شركا إذا دان به أي عبد الله واعتقد أو أظهر أنه من عند الله ، بخلاف ما إذا قال زيد ابن عمرو ولم يكن كذلك ، لكن لم ينسبه إلى
__________________
(١) سورة التوبة : ٧.
٢ ـ عنه ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي العباس قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن أدنى ما يكون به الإنسان مشركا قال فقال من ابتدع رأيا فأحب عليه أو أبغض عليه.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله بن جبلة ، عن سماعة ، عن أبي بصير وإسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ »(١) قال يطيع الشيطان
الله ، ويمكن أن يقال في التشبيه بالنواة والحصاة إشعار بأنه إنما يكون شركا إذا كان من ضروريات الدين فإن كون الحصاة حصاة والنواة نواة ضروري يعرفه كل أحد ، لكن سائر أخبار الباب يدل على ما هو أعم من ذلك فكل من ابتدع شيئا في الدين فهو مشرك ، لأنه افترى على الله وأشرك به حيث اتبع في ذلك الشيطان أو سائر الطواغيت ، أو النفس والهوى ، وهذا هو الشرك بالمعنى الأعم.
وقيل : دان به يعني اعتقده بقلبه وجعله دينا ، والوجه في كونه شركا أنه يرجع إلى متابعة الهوى أو تقليد من يهوي فصاحبه وإن عبد الله وأطاعه فقد أطاع هواه ، أو من يهواه مع الله وأشركه معه « انتهى » ويرجع إلى ما ذكرنا.
الحديث الثاني : صحيح.
والرأي المبتدع ما ليس له مستند شرعي ، وصاحبه مشرك لأنه اتخذ مع الرب عز وجل ربا آخر ، وهو نفسه وهواه ، أو غيرهما كما مر وإن لم يشعر به ، سواء كان ذلك الرأي متعلقا بالأصول أم بالفروع « فأحب عليه » أي من تابعه فيه « وأبغض عليه » أي من خالفه ، وأما الذي أخطأ في فهم الكتاب والسنة وبذل الجهد في ذلك ولم يقصر فيه وكان أهلا لذلك فالظاهر أنه ليس بداخل فيه.
الحديث الثالث : ضعيف.
«وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ » قال في المجمع : اختلف في معناه على أقوال : أحدها أنهم
__________________
(١) سورة يوسف : ١٠٦.
من حيث لا يعلم فيشرك.
مشركو قريش كانوا يقرون بالله خالقا ومحييا ومميتا ويعبدون الأصنام ويدعونها آلهة مع أنهم كانوا يقولون الله ربنا وإلهنا يرزقنا فكانوا مشركين بذلك عن ابن عباس والجبائي ، وثانيها : أنها نزلت في مشركي العرب إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض وينزل القطر؟ قالوا : الله ، ثم هم يشركون وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، عن الضحاك ، وثالثها : أنهم أهل الكتاب آمنوا بالله واليوم الآخر والتوراة والإنجيل ثم أشركوا بإنكار القرآن وإنكار نبوة نبينا عن الحسن ، وهذا القول مع ما تقدمه رواه دارم بن قبيصة عن الرضا عن جده أبي عبد اللهعليهماالسلام ورابعها : أنهم المنافقون يظهرون الإيمان ويشركون في السر عن البلخي ، وخامسها : أنهم المشبهة آمنوا في الجملة وأشركوا في التفصيل عن ابن عباس أيضا ، وسادسها : أن المراد بالإشراك شرك الطاعة لا شرك العبادة أطاعوا الشيطان في المعاصي التي يرتكبونها مما أوجب الله عليها النار فأشركوا بالله في طاعته ولم يشركوا بالله في عبادته فيعبدون معه غيره عن أبي جعفرعليهالسلام .
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنه قال : قول الرجل لو لا فلان لضاع عيالي ، جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه ، فقيل له : لو قال : لو لا أن من الله علي بفلان لهلك؟ قال : لا بأس بهذا.
وفي رواية زرارة ومحمد بن مسلم وحمران عنهماعليهماالسلام أنه شرك النعم.
وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : إنه شرك لا يبلغ به الكفر ، انتهى.
وأقول : روى علي بن إبراهيم والعياشي عن الباقرعليهالسلام : هي المعاصي التي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعها فيها الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة لغيره وليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير الله ، وروى العياشي عن الباقرعليهالسلام هو قول الرجل لا وحياتك ، وفي التوحيد عن الصادقعليهالسلام قال : هم الذين يلحدون في أسمائه بغير
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن بكير ، عن ضريس ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ » قال شرك طاعة وليس شرك عبادة وعن قوله عز وجل : «وَمِنَ
علم فيضعونها غير مواضعها ، وأما هذا الخبر فلعل المراد به أنه يطيع الشيطان ويتوهم أنه يطيع الله كاتباع البدع والاستبداد بالآراء في الأمور الشرعية وسوء الفهم لها ونحو ذلك إذا لم يتعمد المعصية فإن ذلك كله إطاعة للشيطان من حيث لا يعلم وهو شرك طاعة ليس بشرك عبادة لأنه تعالى نسبهم إلى الإيمان ، ولذا قيدناه بعدم التعمد فإنه مع التعمد كفر وخروج عن الإيمان وشرك عبادة ، وقد يقال « من حيث لا يعلم » متعلق بقوله فيشرك وهو بعيد لفظا وإن كان قريبا معنى.
الحديث الرابع : مجهول.
« شرك طاعة » أي المراد بالشرك شرك طاعة لغير الله لا شرك عبادة له فمن أطاع غير الله سواء كان شيطانا أو نفسا أمارة بالسوء أو إنسانا ضالا مضلا فقد أشرك بالله غيره وإن لم يسجد له.
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » قال الطبرسي : أي على ضعف من العبادة كضعف القائم على حرف أي على طرف جبل ونحوه عن علي بن عيسى ، قال : وذلك من اضطرابه في طريق العلم إذا لم يتمكن من الدلائل المؤدية إلى الحق فينقاد لأدنى شبهة لا يمكنه حلها ، وقيل : على حرف : على شك عن مجاهد ، وقيل : معناه أن يعبد الله بلسانه دون قلبه عن الحسن ، قال : الدين حرفان أحدهما اللسان والثاني القلب ، فمن اعترف بلسانه ولم يساعده قلبه فهو على حرف ، وقال البيضاوي : أي على طرف من الدين لا ثبات له فيه كالذي يكون على طرف الجيش فإن أحس بظفر قر وإلا فر ، روي أنها نزلت في أعاريب قدموا إلى المدينة فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا(١) سويا وولدت امرأته غلاما سويا وكثر ماله وماشيته قال :
__________________
(١) المهر : ولد الفرس.
النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ »(١) قال إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون في أتباعه ثم قلت كل من نصب دونكم شيئا فهو ممن «يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » فقال نعم وقد يكون محضا.
٥ ـ يونس ، عن داود بن فرقد ، عن حسان الجمال ، عن عميرة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول أمر الناس بمعرفتنا والرد إلينا والتسليم لنا ثم قال وإن صاموا وصلوا وشهدوا أن لا إله إلا الله وجعلوا في أنفسهم أن لا يردوا إلينا كانوا بذلك مشركين.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن عبد الله بن
ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن ، وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلا شرا وانقلب ، انتهى.
« ثم يكون في أتباعه » أي نزلت الآية في قوم شكوا في النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وما جاء به من الولاية وغيرها ثم جرت فيمن تبعهم على ذلك بعدهم كالمستضعفين من المخالفين والجهال الذين يتبعونهم بغير علم ، أو نزلت في الذين شكوا في النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم جرت في الذين شكوا في الإمام « و » قد يكون محضا أي مشركا محضا كعلماء المخالفين والمتعصبين منهم حيث تركوا الحق ، مع وضوح البرهان عنادا.
والحاصل أنه سأل السائل عن المخالفين أهم من أهل هذه الآية؟ فقالعليهالسلام : بعضهم من أهل هذه الآية ، وبعضهم مشرك محض ، ويحتمل أن يكون تتمة كلامه سابقا أي وقد يكون في الرجل محضا ولا يكون في أتباعه ، وفي بعض النسخ وقد يكون مختصا فهو صريح في المعنى الأخير.
الحديث الخامس : مجهول.
ويدل على أن المخالفين مشركون.
الحديث السادس : حسن ، ويدل على أن عدم الرضا بما صنعه الله وترك
__________________
(١) سورة الحجّ : ١١.
يحيى الكاهلي قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه النبيصلىاللهعليهوآله ألا صنع خلاف الذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ثم تلا هذه الآية : «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »(١) ثم قال أبو عبد اللهعليهالسلام فعليكم بالتسليم.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن يحيى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ »(٢) فقال أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة
التسليم لما ورد عنهمعليهمالسلام شرك ، وقد مضى في باب التسليم أن الخطاب في هذه الآية إلى أمير المؤمنينعليهالسلام « وألا » بالفتح والتشديد حرف تحضيض ، قال النحاة : دخوله على المستقبل حث على الفعل وطلب له ، وعلى الماضي توبيخ على ترك الفعل نحو : ألا تنزل عندنا ، وألا نزلت.
الحديث السابع : حسن.
«اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ » في المجمع أي علماءهم «وَرُهْبانَهُمْ » أي عبادهم «أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ » روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أنهما قالا : أما والله ما صاموا لهم ولا صلوا ، ولكنهم أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا ، فاتبعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون ، وروى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك ، قال : فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ » حتى فرغ منها ، فقلت له : إنا لسنا نعبدهم فقال : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ قال : فقلت :
__________________
(١) سورة النساء : ٦٤.
(٢) سورة التوبة : ٣٢.
أنفسهم لما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون.
٨ ـ علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من أطاع رجلا في معصية فقد عبده.
بلى ، قال : فتلك عبادتهم.
وقال البيضاوي : بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمة ، أو بالسجود لهم «وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ » بأن جعلوه ابنا الله «وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا » أي ليطيعوا «إِلهاً واحِداً » وهو الله تعالى ، وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة طاعة الله.
الحديث الثامن : حسن كالصحيح.
« في معصية » متعلق بأطاع ، وقيل : إما وصف لرجل أو حال عنه ، أو متعلق بأطاع فعلى الأولين يفيد أن العاصي معبود لمن أطاعه مطلقا ، وعلى الأخيران العاصي معبود لمن أطاعه في المعصية ، وسر ذلك أن العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل ، والطاعة والانقياد ، ولذلك جعل الله سبحانه اتباع الهوى وطاعة الشيطان عبادة لهما ، فقال : «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »(١) وقال : «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »(٢) وإذا كان اتباع الغير بغير أمر الله عبادة له فأكثر الخلق مقيمون على عبادة غير الله تعالى. وهو النفس والشيطان ، وأهل المعصية والكفران ، وهذا هو الشرك الخفي نعوذ بالله منه.
__________________
(١) سورة الجاثية : ٢٣.
(٢) سورة يس : ٦٠.
باب الشك
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن الحسين بن الحكم قال كتبت إلى العبد الصالحعليهالسلام أخبره أني شاك وقد قال إبراهيمعليهالسلام : «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى »(١) وأني أحب أن تريني شيئا فكتبعليهالسلام إن إبراهيم كان مؤمنا وأحب أن يزداد إيمانا وأنت شاك والشاك لا خير فيه وكتب إنما الشك
باب الشك
الحديث الأول : مجهول.
« وقد قال إبراهيم » كان غرض السائل إبداء العذر لشكه بأن إبراهيمعليهالسلام مع رتبة النبوة كان شاكا في الموتى فسأل ربه ما يزيل شكه وما سأله إما معجزة ليزول شكه ، أو دليل على الإمامة ، وعلى الأول إما أظهر له معجزة ولم يذكره الراوي أو لم يرعليهالسلام المصلحة في ذلك ، أو علم أنه تمت عليه الحجة وظهر له الحق وإنما يظهر الشك للوسواس أو للعناد ، وعلى الثاني أيضا يحتمل الوجوه الثلاثة والأخير أظهر.
وأما العذر الذي أبداه فقد أبطلهعليهالسلام بأن إبراهيمعليهالسلام لم يكن شاكا ولم يسأل ذلك ليزيل الشك عن نفسه ، لأنه كان مؤمنا بالرب تعالى وصفاته الكمالية وقدرته على إحياء الموتى ، وبالبعث والنشور ، ولم يشك قط بل سأله ليزداد يقينا بأن يرى بالعيان ما علمه بالدليل والوحي والبرهان ، والحاصل أنه كان له علم اليقين فطلب عين اليقين « وأنت شاك » كما اعترفت به « والشاك لا خير فيه » لأن الخير كله في الإيمان ، وهو لا يحصل إلا باليقين.
« وكتبعليهالسلام إنما الشك ما لم يأت اليقين » وهذا يحتمل وجهين : الأول أن يكون تأكيدا لقولهعليهالسلام : إن إبراهيم كان مؤمنا ، وحاصله أنه كان له يقين بقدرته
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٦.
مالم يأت اليقين فإذا جاء اليقين لم يجز الشك وكتب إن الله عز وجل يقول : «وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »(١) قال نزلت في الشاك.
تعالى على إحياء الموتى والشك لا يجامع اليقين ، فعدم الجواز بمعنى الامتناع ، الثاني : أن يكون المراد باليقين ما يوجب اليقين ، فالشك بعد ذلك يكون تكلفا للشك وحملا للنفس عليه عنادا ، فالمراد بعدم الجواز عدم كونه معذورا في ذلك الشك ، وهذا يؤيد الوجه الأخير من الوجوه الثلاثة المتقدمة ، وقيل : في الآية وجوه أخر ، منها : أنه إنما سأله ليعلم قدره ومنزلته عند الله تعالى ، لأن الإسعاف بالمطلب الجليل يدل على رفعة شأن السائل ، وحينئذ فمعنى «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ » أو لم تؤمن بمنزلتك عندي. ومنها : ما رواه الصدوق في العيون عن الرضاعليهالسلام أن الله كان أوحى إلى إبراهيمعليهالسلام إني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أجبته ، فوقع في نفس إبراهيمعليهالسلام أنه ذلك الخليل ، فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى ، قال : أو لم تؤمن قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي على الخلة.
ومنها : أنه أراد أن يكون له ذلك معجزة كما كانت للرسل.
ومنها : أنه كان له علم اليقين بالإحياء وإنما سأل ليعلم كيفية الإحياء كما يشعر به قوله : كيف؟.
ومنها : أنه إنما سأله أن يقدره على إحياء الموتى وتأدب في السؤال فقال : أرني كيف تحيي الموتى.
وقال بعض أهل الإشارة : رأى من نفسه الشك وما شك ، وإنما سأل ليجاب فيزداد قربا.
«وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ » هذه الآية بعد ذكر قصص الأنبياءعليهمالسلام وهلاك أممهم بمخالفتهم ، قال في المجمع : أي ما وجدنا لأكثر المهلكين من عهد ، أي من وفاء بعهد كما يقال فلان لا عهد له ، أي لا وفاء له بالعهد ، ويجوز أن يكون
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٠١.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن أسباط ، عن أبي إسحاق الخراساني قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول في خطبته لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفروا.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن خلف بن حماد ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن محمد بن مسلم قال كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام
المراد بهذا العهد ما أودع الله العقول من وجوب شكر المنعم وطاعة المالك المحسن واجتناب القبائح ، ويجوز أن يراد به ما أخذ على المكلفين على ألسنة الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا «وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ » اللام وإن للتأكيد ، والمعنى وإنا وجدنا أكثرهم ناقضين للعهد ، مخلفين للوعد ، انتهى.
ولعل تأويلهعليهالسلام يرجع إلى أن الله تعالى أخذ عليهم العهد بما أعطاهم من العقل أن يستعملوا العقل فيما أتاهم مما يوجب اليقين فتركوا ذلك وشكوا بعد مشاهدة المعجزات الباهرة والحجج الظاهرة الواضحة ، فصاروا فاسقين خارجين عن الإيمان ، وقيل : أشارعليهالسلام بذلك إلى أن الأكثر تقضوا عهد الله وعهد رسوله في الولاية وشكوا فيها وأن الآية نزلت في شكهم وأن كل شاك فاسق.
الحديث الثاني : ضعيف.
وكأنه مرسل لأن أبا إسحاق من أصحاب الرضاعليهالسلام أو الصادقعليهالسلام ويحتمل أن يكون مضمرا بأن يكون ضمير قال راجعا إلى أحد الإمامينعليهماالسلام ، والارتياب الشك والتهمة ، ولعل المراد هنا الخوض في الشبهات التي توجب الشك أو عدم الرضا بقضاء الله واتهامه في قضائه أو التردد الذي هو مبدء الريب والشك ، أو المعنى لا ترخصوا لأنفسكم في الريب في بعض الأمور ، ولا تعتادوها ، فإنه ينتهي إلى الشك في الدين.
الحديث الثالث : صحيح.
ويدل على أن الشك في الله وفي الرسول كفر ، و قولهعليهالسلام لزرارة « إنما
جالسا عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال يا أبا عبد الله ما تقول فيمن شك في الله فقال كافر يا أبا محمد قال فشك في رسول الله فقال كافر قال ثم التفت إلى زرارة فقال إنما يكفر إذا جحد.
٤ ـ عنه ، عن أبيه ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل : «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »(١) قال بشك.
يكفر إذا جحد » يحتمل وجوها :
الأول : أن غرضهعليهالسلام الرد على زرارة فيما كان بينه وبينهعليهالسلام من الواسطة بين الإيمان والكفر ، لئلا يتوهم زرارة من حكمهعليهالسلام بكفر الشاك في الله والرسول كفر الشاك في الإمام أيضا ، بل ما لم يجحد الإمام لا يكفر ، ويؤيده الخبر الأول من الباب الآتي.
الثاني : أن يكون المراد أن الشك في أصول الدين مطلقا إنما يصير سببا للكفر بعد البيان وإقامة الدليل ، ومن لم تتم عليه الحجة ليس كذلك فالمستضعف الذي لا يمكنه التمييز بين الحق والباطل ولم تتم عليه الحجة ليس بكافر كما زعمه زرارة ، وقيل : إنما ذلك في الشك في الرسول وأما الشاك في الله فهو كافر ، لأن الدلائل الدالة على وجوده أوضح من أن يشك فيها ولا ينكره إلا معاند مباهت.
الثالث : ما قيل : المراد بالشاك المقر تارة والجاحد أخرى ، وأنه كلما أقر فهو مؤمن ، وكلما جحد فهو كافر.
الرابع : أن المعنى أن الشك إنما يصير سببا للكفر إذا كان مقرونا لجحود الظاهري وإلا فهو منافق يجري عليه أحكام الإسلام ظاهرا.
الحديث الرابع : صحيح.
«الَّذِينَ آمَنُوا » في المجمع معناه الذين عرفوا الله تعالى وصدقوا به وبما أوجبه
__________________
(١) سورة الأنعام : ٨٢.
عليهم ولم يخلطوا ذلك بظلم ، والظلم هو الشرك عن أكثر المفسرين لقوله تعالى : «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ »(١) وروي عن ابن مسعود لما نزلت هذه الآية شق على الناس وقالوا : يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقالعليهالسلام : إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح : «يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » وقال الجبائي : والبلخي يدخل في الظلم كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة ، وتتمة الآية : «أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ».
وأقول : روى العياشي عن الصادقعليهالسلام في هذه الآية قال : الظلم الضلال فما فوقه ، وفي رواية قال : أولئك الخوارج وأصحابهم وفي رواية أخرى قال : آمنوا بما جاء به محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم من الولاية ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان ، وأقول : لا تنافي بين هذه الأخبار والأقوال ، لأن الظلم وضع الشيء في غير محله ، فالعاصي ظالم لأنه وضع المعصية موضع الطاعة وأيضا ظلم نفسه بارتكابها ، والمشرك ظالم لأنه وضع الكفر موضع الإيمان ، والشاك ظالم لأنه وضع الشك موضع اليقين ، وأيضا في جميع ذلك ظلم نفسه ونقص حظه.
قيل : كان السائل سأل عن العام هل هو باق بعمومه أو مختص ببعض أفراده؟ فأجابعليهالسلام بأن المراد به ظلم الشك والكفر ، وقيل : فيه دلالة على أنهم كانوا يقولون بالعموم وعلى جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، واعترض بأنه لا دلالة فيه على شيء منهما أما الأول فلان السائل حمل الظلم على ظلم المخالفة ، وشق عليه ذلك لما ترتب عليه من عدم الأمن وعدم الاهتداء فسأل عن ذلك فأجابعليهالسلام بحمله على ظلم الشك ، وأما الثاني فلان الآية ليس فيها تكليف بعمل وإنما فيها تكليف باعتقاد صدق الخبر بأن للمؤمنين الأمن والاهتداء فأين الحاجة التي تأخر البيان إليها.
وأجيب عن الأول بأن ظلم المخالفة يتنوع إلى كبائر وصغائر لا تنحصر ، وإنما
__________________
(١) سورة لقمان : ١٣.
٥ ـ الحسين بن محمد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن بكر بن محمد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الشك والمعصية في النار ليسا منا ولا إلينا.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من شك في الله بعد مولده على الفطرة لم يفئ إلى خير أبدا.
٧ ـ عنه ، عن أبيه رفعه إلى أبي جعفرعليهالسلام قال لا ينفع مع الشك والجحود عمل.
شق. عليه حمله على ظلم المخالفة إذا عم جميع صورها فأخذ العموم لازم ، سواء جعل من تعميم الجنس في أنواعه ، أو من تعميم النوع في أفراده. وعن الثاني بأن الآية وإن كانت خبرا فهو في معنى النهي عن ليس الإيمان بالظلم ، فهي عملية من هذا الوجه على أن الفرق في تأخير البيان بين المسائل العلمية والعملية غير ظاهر ، والدليل في المسألة مشترك.
الحديث الخامس : صحيح.
الحديث السادس : مرسل.
« لم يفيء إلى خير » هو من الفيء بمعنى الرجوع أما بإثبات الهمزة أو بالقلب والحذف تخفيفا ، وظاهره عدم قبول توبة المرتد الفطري كما هو المشهور ، قال الشهيد الثاني قدس الله روحه : لا تقبل توبته ظاهرا وفي قبولها باطنا قول قوي حذرا من تكليف ما لا يطاق لو كان مكلفا بالإسلام أو خروجه عن التكليف ما دام حيا كامل العقل وهو باطل بالإجماع ، وقال في المهذب : لو تاب المرتد عن فطرة لم تقبل بالنسبة إلى إسقاط الحد وملك المال وبقاء النكاح وابتداء النكاح مطلقا ، وتقبل بالنسبة إلى الطهارة وصحة العبادات وإسقاط عقوبة الآخرة واستحقاق الثواب ، ولا ينافي ذلك وجوب قتله كما لو تاب المحصن بعد قيام البينة.
الحديث السابع : مرفوع.
« لا ينفع مع الشك والجحود عمل » يدل على أن قبول الأعمال مشروط باليقين
٨ ـ وفي وصية المفضل قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول من شك أو ظن وأقام على أحدهما أحبط الله عمله إن حجة الله هي الحجة الواضحة.
٩ ـ عنه ، عن علي بن أسباط ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهماالسلام قال قلت إنا لنرى الرجل له عبادة واجتهاد وخشوع ولا يقول بالحق فهل ينفعه ذلك شيئا فقال يا أبا محمد إنما مثل أهل البيت مثل أهل
في جميع أصول الدين التي منها الإمامة.
الحديث الثامن : مرسل أيضا.
« أو ظن » أي في خلاف الحق أو في الحق فإنه لا بد في الأصول من العلم واليقين « أحبط الله عمله » أي إذا طرأ أحدهما بعد اليقين بناء على إمكانه ، وسيأتي القول فيه إنشاء الله أو المراد بالإحباط الرد وعدم القبول.
« إن حجة الله هي الحجة الواضحة » أي حجة الله في أصول الدين واضحة توجب اليقين فليس الشك والظن مما يعذر المرء فيه ، وإنما نشأ ذلك من تقصيره ، أو الأعم من الأصول والفروع ، فإن الظن المعتبر شرعا في قوة اليقين فإن ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم.
ثم اعلم أن هذه الأخبار مما يدل على اعتبار العلم اليقيني في الإيمان ، وأن الشاك في العقائد الإيمانية كافر ، بل الظان أيضا فإن الشك يطلق في الأخبار على مطلق التردد وتجويز النقيض وإن كان أحد الطرفين راجحا ، بل في اللغة أيضا كذلك ، وقد قال تعالى : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا »(١) والآيات الناهية عن الظن كثيرة وغاية ما يمكن أن يقال فيها أن تخص بأصول الدين وقد مر بعض القول في ذلك في صدر هذا المجلد.
الحديث التاسع : موثق.
« فهل ينفعه ذلك شيئا » قوله : شيئا قائم مقام المفعول المطلق أي نفعا قليلا كذا قيل ، « إن مثل أهل البيت » كان فيه تقدير مضاف أي مثل أصحاب أهل
__________________
(١) سورة الحجرات :
بيت كانوا في بني إسرائيل كان لا يجتهد أحد منهم أربعين ليلة إلا دعا فأجيب وإن رجلا منهم اجتهد أربعين ليلة ثم دعا فلم يستجب له فأتى عيسى ابن مريمعليهالسلام يشكوا إليه ما هو فيه ويسأله الدعاء قال فتطهر عيسى وصلى ثم دعا الله عز وجل فأوحى الله عز وجل إليه يا عيسى إن عبدي أتاني من غير الباب الذي أوتى منه إنه دعاني وفي قلبه شك منك فلو دعاني حتى ينقطع عنقه وتنتثر أنامله ما استجبت له قال فالتفت إليه عيسىعليهالسلام فقال تدعو ربك وأنت في شك من نبيه فقال يا روح الله وكلمته قد كان والله ما قلت فادع الله [ لي ] أن يذهب به عني قال فدعا له عيسىعليهالسلام فتاب الله عليه وقبل منه وصار في حد أهل بيته.
البيت أو المراد بأهل البيت الموالون لهم واقعا ، وقيل : مثل في الموضعين بكسر الميم وسكون المثلثة والأول خبر مبتدإ محذوف ، أي هو مثل ، والثاني بدل الأول كما في قوله تعالى : «بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ »(١) والأول أظهر ، و الاجتهاد المبالغة والاهتمام في الطاعات والاجتناب عن المنهيات ، والإخلاص في الأعمال كما ورد : من أخلص لله أربعين صباحا فتح الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، ويدل على أن لخصوص الأربعين في ذلك تأثيرا ، ويؤيده أن بعد الأربعين أنزل الله على موسى الكتاب المبين ، واستجاب دعاءه ، وفتح عليه أبواب علوم الدين ويدل على عدم قبول العمل مع الشك في النبي أو الإمامعليهماالسلام ، وأن التوبة بعده مقبولة ، ويمكن حمله على أنه من خصائص تلك الشريعة ، أو على أنه كان مليا أو مستضعفا ، أو على أن عدم قبول التوبة مع الجحد والإنكار.
__________________
(١) سورة العلق : ١٦.
باب الضلال
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن هاشم صاحب البريد قال كنت أنا ومحمد بن مسلم وأبو الخطاب مجتمعين فقال لنا أبو الخطاب ما تقولون فيمن لم يعرف هذا الأمر فقلت من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر فقال أبو الخطاب ليس بكافر حتى تقوم عليه الحجة فإذا قامت عليه الحجة فلم يعرف فهو كافر فقال له محمد بن مسلم سبحان الله ما له إذالم يعرف ولم
باب الضلال
الحديث الأول : مجهول.
وقال في النهاية : البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل ، وأصلها « بريدة دم » أي محذوف الذنب ، لأن بغال البريد كانت كالعلامة لها ، فأعربت وخففت ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا ، والمسافة التي بين السكتين بريدا ، والسكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط ، وكان يرتب في كل سكة بغال ، وبعد ما بين السكتين فرسخان وقيل : أربعة ، انتهى.
وكأنه لقب بذلك لأنه كان موكلا بتلك البغال أو الرجال « فقال : لنا » وفي بعض النسخ له فالضمير لمحمد « فقلت من لم يعرف » الفرق بين الأقوال الثلاثة أنه ذهب صاحب البريد إلى أن غير العارف كافر سواء قامت عليه الحجة أم لم تقم ، وسواء جحد أم لم يجحد ، وعلى هذا فلا واسطة بين المؤمن والكافر ، وذهب أبو الخطاب إلى أنه كافر إن قامت عليه الحجة جحد أم لم يجحد ، فبينهما واسطة وهي غير العارف قبل قيام الحجة ، وذهب محمد بن مسلم إلى أنه كافر إذا جحد وإذا لم يجحد فليس بكافر ، وعلى هذا أيضا بينهما واسطة وهي من لم يعرف ولم يجحد ويسمى مستضعفا وضالا وقيل : كان المراد بالضال في هذا الباب هذا المعنى وإن كان يطلق كثيرا على الأعم منه ، وهو
يجحد يكفر ليس بكافر إذا لم يجحد قال فلما حججت دخلت على أبي عبد الله فأخبرته بذلك فقال إنك قد حضرت وغابا ولكن موعدكم الليلة الجمرة الوسطى بمنى.
فلما كانت الليلة اجتمعنا عنده وأبو الخطاب ومحمد بن مسلم فتناول وسادة فوضعها في صدره ثم قال لنا ما تقولون في خدمكم ونسائكم وأهليكم أليس يشهدون أن لا إله إلا الله قلت بلى قال أليس يشهدون أن محمدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله قلت بلى قال أليس يصلون ويصومون ويحجون قلت بلى قال فيعرفون ما أنتم عليه قلت لا قال فما هم عندكم قلت من لم يعرف [ هذا الأمر ] فهو كافر.
قال سبحان الله أما رأيت أهل الطريق وأهل المياه قلت بلى قال أليس يصلون ويصومون ويحجون أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قلت بلى قال فيعرفون ما أنتم عليه قلت لا قال فما هم عندكم قلت من لم يعرف [ هذا الأمر ] فهو كافر.
قال : سبحان الله أما رأيت الكعبة والطواف وأهل اليمن وتعلقهم بأستار
من لم يتمسك بالحق من فرق المسلمين ، وكان المراد بالكافر هنا من يجري عليه أحكام الكفر في الدنيا مثل النجاسة وعدم جواز المباشرة والمناكحة وغيرها كما هو مذهب بعض الأصحاب وإلا فلا خلاف في استحقاق العقوبة وخلود بعضهم في النار ، ولو قيل بخلافه وتحقق القول به فهو نادر سخيف كما ستعرفه.
« فإنك قد حضرت وغابا » لعل تأخيرهعليهالسلام بيان الحكم لتبيين مرادهم أو ليعلموا أيضا الحكم ، قيل : ويدل على أنه ينبغي للحاكم أن يترك الحكومة والتكلم فيها حتى يحضر الخصوم جميعا ومن ثم قال بعض الأكابر : إذا جاءك الحكم وقد فقئت عينه فلا تحكم له ، فلعله يأتيك خصمه وقد فقئت عيناه.
قوله : وأبو الخطاب عطف على ضمير اجتمعنا ، وعدم الإتيان بالمنفصل للفاصلة
الكعبة قلت بلى قال أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويصلون ويصومون ويحجون قلت بلى قال فيعرفون ما أنتم عليه قلت لا قال فما تقولون فيهم قلت من لم يعرف فهو كافر.
قال سبحان الله هذا قول الخوارج ثم قال إن شئتم أخبرتكم فقلت أنا :
« وأهليكم » أي أولادكم « هذا قول الخوارج » فإنهم يقولون كل من فعل كبيرة أو صغيرة وأصر عليها فهو كافر خارج عن الإسلام ، مستحق للقتل ، ولذا حكموا بكفر أمير المؤمنينعليهالسلام للتحكيم مع أنهم جبروهعليهالسلام على التحكيم ، وعلى الحكم الجائر الأحمق الحائر البائر الذي كان من أعداء أمير المؤمنينعليهالسلام وأيضا أنهعليهالسلام لم يرض بحكمهما مطلقا بل بحكمهما إذا حكما بالكتاب والسنة ، وهما لعنة الله عليهما حكما على خلاف الكتاب والسنة ، وما فعلهعليهالسلام لم يكن معصية ، وبسط القول في ذلك موكول إلى كتابنا الكبير.
والحاصل أن للكفر معان شتى ، ولكل منها أحكام يترتب عليها كالإيمان ، والخوارج لما سمعوا إطلاق الكفر وسلب الإيمان على أصحاب الكبائر بل الصغائر أيضا ولم يفرقوا بين معانيه وأحكامه أجروا جميع أحكام الكفر في الدنيا والآخرة على الفساق وضيقوا الأمر على المسلمين وحكموا بأن أصحاب الكبائر بل الصغائر أيضا كفار بالمعنى الذي يطلق على من لم يشهد الشهادتين ، وليس كذلك بل الكفر ببعض معانيه يجتمع مع الإسلام ببعض معانيه ، وليس كل من أطلق عليه الكفر في الأخبار يستحق القتل وتحرم مناكحته ومعاشرته ، وليس كل من سلب عنه الإيمان في الآيات والأخبار يجب خلوده في النار ، فالكفر يطلق على من أنكر شيئا من ضروريات دين الإسلام ظاهرا وباطنا كالشهادتين أو المعاد ، فهو يجري عليه أحكام الكفار في الدنيا ويخلد في النار في الآخرة إلا أن أهل الكتاب اختلف الأصحاب في نجاستهم وعدم جواز مناكحتهم على التفصيل الذي سيأتي في محله إن شاء الله.
ويطلق على من أخل بشيء من العقائد الإيمانية وإن لم يكن ضروريا لدين
لا فقال أما إنه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا قال فظننت أنه
الإسلام كالإمامة ، والمشهور أنهم في الآخرة بحكم الكفار وهم مخلدون في النار كالمخالفين وسائر فرق الشيعة سوى الإمامية ، وقد دلت عليه أخبار كثيرة أوردناها في كتابنا الكبير ، لكن قد عرفت أنه يظهر من كثير من الأخبار أنه يمكن نجاة بعض المخالفين من النار كالمستضعفين والمرجون لأمر الله ، وقد ذكر العلامة وغيره قولا بعدم خلود المخالفين في النار ، وهو في غير المستضعفين وأشباههم في غاية الضعف لأن الإمامة عند الشيعة من أصول الدين ، وقد ورد متواترا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.
وأما الأحكام الدنيوية أيضا كالطهارة والتناكح والتوارث فالمشهور أنهم في جميع ذلك بحكم المسلمين ، وذهب السيد المرتضىرضياللهعنه وجماعة إلى أنهم في الأمور الدنيوية أيضا بحكم الكفار ، والذي يظهر من بعض الأخبار أنهم واقعا في جميع الأحكام بحكم الكفار لكن الله تعالى لما علم أن للمخالفين دولة وغلبة على الشيعة ولا بد لهم من معاشرتهم رخص لهم في جميع ذلك وأجرى على المخالفين في زمان الهدنة والتقية أحكام المسلمين وفي زمن القائمعليهالسلام لا فرق بينهم وبين الكفار ، وبه يمكن الجمع بين الأخبار.
وقد يطلق على مرتكبي الكبائر من غير توبة وأثره احتمال العقاب الطويل لا الخلود ، ولا جريان حكم الكفار عليهم في الدنيا ، بل يمكن سقوط بعض الحقوق التي تكون للمؤمنين ، وقد يطلق على مطلق مرتكبي المعاصي.
وبالجملة له معان كثيرة وأحكام متباينة كما يظهر بالتتبع قال الشهيد الثاني (ره) في رسالة حقائق الإيمان : اعلم أن جمعا من علماء الإمامية حكموا بكفر أهل الخلاف والأكثر علي الحكم بإسلامهم ، فإن أرادوا بذلك كونهم كافرين في نفس الأمر لا في الظاهر ، فالظاهر أن النزاع لفظي إذ القائلون بإسلامهم يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر ، لا أنهم مسلمون في
يديرنا على قول محمد بن مسلم.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قلت له فما تقول في مناكحة الناس فإني قد بلغت ما تراه وما تزوجت قط فقال وما يمنعك من ذلك فقلت ما يمنعني إلا أنني أخشى أن لا تحل لي مناكحتهم فما تأمرني فقال فكيف تصنع وأنت شاب أتصبر قلت أتخذ الجواري قال فهات الآن فبما تستحل الجواري قلت إن الأمة ليست بمنزلة الحرة إن رابتني بشيء بعتها واعتزلتها قال فحدثني بما استحللتها؟
نفس الأمر ، فلذا نقلوا الإجماع على دخولهم في النار ، وإن أرادوا بذلك كونهم كافرين باطنا وظاهرا فهو ممنوع ، ولا دليل عليه بل الدليل قائم على إسلامهم ظاهرا كقولهعليهالسلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
الحديث الثاني : مرسل.
« أخشى أن لا تحل لي مناكحتهم » منشأ الخشية ما عرفت من إصرار زرارة علي نفي الواسطة بين الإيمان والكفر ، وأن المخالفين كلهم ولو كانوا من فرق الشيعة غير الإمامية كفار عنده يجري عليهم جميع أحكام الكفار في الدنيا والآخرة. « قال : فهات الآن » هات اسم فعل بمعنى أعطني ، والحاصل أن وطي الكافرة حرام لا سيما من غير أهل الكتاب ، كما أن نكاح الكافرة حرام فبما تفرق بينهما « إن رابتني بشيء بعتها » يقال : رابه وأرابه أي شككه وأوهمه ، ولعله توهم الفرق بين الحرة والأمة ، بأن الحرة إذا لم توافقه وظهرت منه أمارات المخالفة وطلقها ذهبت بطلاقة ، وربما شهرته بالتشيع وفيه قباحة أيضا عرفا بخلاف الأمة ، فإنه يمكن بيعها ولا يقبل منها ما يقبل من الحرة وليس فيه عار.
وقولهعليهالسلام : بما استحللتها ، إثبات الألف مع حرف الجر شاذ ، أي أنك قبل أن تدخلها في دينك وتكلمها في ذلك كيف جاز لك وطيها على زعمك ، وقيل : لما لم يكن الجواب مطابقا للسؤال عادعليهالسلام السؤال بعينه للتنبيه على خطائه ، قوله :
قال : فلم يكن عندي جواب.
فقلت له : فما ترى أتزوج فقال ما أبالي أن تفعل قلت أرأيت قولك ما أبالي أن تفعل فإن ذلك على جهتين تقول لست أبالي أن تأثم من غير أن آمرك فما تأمرني أفعل ذلك بأمرك فقال لي قد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله تزوج وقد كان من أمر امرأة نوح وامرأة لوط ما قد كان إنهما قد «كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا
تقول لست أبالي ، لعله أحال الوجه الآخر على الظهور فأجابعليهالسلام باختيار الوجه المتروك ضمنا وكناية وكأنه سقط الشق الآخر من النساخ ، ويؤيده أنه ذكر هذا الحديث أبو عمرو الكشي في ترجمة زرارة بأدنى تغيير في اللفظ ، وقال فيه يعني زرارة فتأمرني أن أتزوج قال له ذاك إليك « قال : فقال زرارة » هذا الكلام ينصرف على ضربين إما أن لا تبالي أن أعصي الله إذا لم تأمرني بذلك ، والوجه الآخر أن يكون مطلقا لي قال فقال عليك بالبلهاء إلى آخر الخبر.
« تزوج » أي بعائشة وحفصة مع أنهما فعلتا ما فعلتا من إيذائهصلىاللهعليهوآلهوسلم والخيانة معه وإفشاء سره وما ظهر له من نفاقهما كما ذكره الله تعالى في القرآن ، ومثل حالهما بحال امرأة نوح وامرأة لوط في أنهما بالنفاق واستبطان الكفر وعدم الإخلاص كفرتا وخرجتا من الإيمان فلم يغن نوح ولوط عنهما من عذاب الله شيئا من الإغناء بحق الزواج حتى يقال لهما عند الموت أو في القيامة : أدخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء.
وذكر امرأة نوح وامرأة لوط يحتمل وجهين : أحدهما الاستدلال بفعل النبيين على الجواز ، وفيه أن شريعة من قبلنا ليست بحجة علينا ، والثاني الاستدلال على نفاق امرأتي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكفرهما بالتمثيل المذكور في الآية وهو أظهر ، فالمعنى أن الله مثل حالهما بحال المرأتين وخيانتهما بخيانتهما ، وخيانة امرأتي الرسولين لم تكن فجورا بل إنما كانت نفاقها وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين ولذا خلدتا في النار ولم ينفعهما شفاعة الرسولين على الله تعالى ، وقد قال المفسرون
صالِحَيْنِ » فقلت إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليس في ذلك بمنزلتي إنما هي تحت يده وهي مقرة بحكمه مقرة بدينه قال فقال لي ما ترى من الخيانة في قول الله عز وجل «فَخانَتاهُما »(١) ما يعني بذلك إلا الفاحشة وقد زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلانا قال قلت أصلحك الله ما تأمرني أنطلق فأتزوج بأمرك فقال لي إن كنت فاعلا فعليك بالبلهاء من النساء قلت وما البلهاء قال ذوات الخدور العفائف.
فقلت من هي على دين سالم بن أبي حفصة قال لا فقلت من هي على
امرأة نوح قالت لقومه إنه مجنون ، وامرأة لوط دلت قومه على ضيفانه ، ولما كانت المرأتان مع نفاقهما تحت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لإظهارهما الإسلام فيجوز نكاح المخالفات لذلك ، وقولهعليهالسلام : إنهما قد كانتا ، نقل للآية بالمعنى.
قولهعليهالسلام : ما يعني بذلك إلا الفاحشة ، يحتمل وجهين : الأول أن يكون استفهاما إنكاريا فالمراد بالفاحشة الزنا كما هو الشائع في استعمالها ، والثاني أن يكون نفيا ويكون المراد بالفاحشة الذنب العظيم وهو الشرك والكفر ، كما قال المفسرون في قوله تعالى : «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها »(٢) وهو أظهر وفيه رد لقول زرارة وهي مقرة بحكمه ودينه إذ علاقة الزوجية لا تستلزم ذلك ، لظهور الفاحشة منهما.
« وقد زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلانا » أي عثمان ، هذا أيضا رد لما توهمه فإن الأمر هناك كان بالعكس ، إذا لمرأة تحت يد الزوج ، وهو مسلط عليها ، وظاهره جواز تزويج المؤمنة بالمخالف كما ذهب إليه المفيد والمحقق والمشهور المنع لأخبار كثيرة حملاها على الكراهة جمعا والإجماع الذي ادعوه على المنع غير ثابت ، والأحوط الترك وسيأتي القول فيه وفي عكسه في محلهما إن شاء الله.
ثم لما استشعر زرارة من الكلام المذكور الرخصة في تزويجهن أراد أن
__________________
(١) سورة التحريم : ٩.
(٢) سورة الأعراف : ٢٨.
دين ربيعة الرأي فقال لا ولكن العواتق اللواتي لا ينصبن كفرا ولا يعرفن ما تعرفون قلت وهل تعدو أن تكون مؤمنة أو كافرة فقال تصوم وتصلي وتتقي الله
يصرح بذلك فقال : ما تأمرني؟ إلخ ، فقالعليهالسلام : إن كنت فاعلا فعليك بالبلهاء من النساء ، أي المستضعفة الكريمة الأخلاق القريبة من قبول الحق ، قال الجوهري : رجل أبله بين البله والبلاهة ، وهو الذي غلبت عليه سلامة الصدر ، وقد بله بالكسر وتبله والمرأة بلهاء ، وفي الحديث أكثر : أهل الجنة البله ، يعني البلة في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها وهم أكياس في أمر الآخرة ، وفي القاموس : رجل أبله أي غافل أو عن الشر أو أحمق لا تمييز له ، والميت الداء أي من شره ميت ، والحسن الخلق القليل الفطنة لمداق الأمور أو من غلبته سلامة الصدر ، والبلهاء المرأة الكريمة المريرة العزيزة المغفلة ، وفي المصباح : بله بلها من باب تعب ضعف عقله فهو أبله والأنثى بلهاء ، والجمع بله مثل أحمر وحمراء وحمر ، ومن كلام العرب خير أولادنا الأبله الغفول ، المعنى أنه لشدة حيائه كالأبله فيتغافل فيتجاوز ، فشبه ذلك بالبله ، انتهى.
وما فسرهعليهالسلام بيان لحاصل المعنى بذكر بعض صفاتها ، وفي النهاية : الخدر بالكسر ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر خدرت فهي مخدرة وجمع الخدر الخدور ، و العفائف جمع العفيفة وهي المرأة الممتنعة من القبائح حياءا من عف عن الشيء يعف من باب ضرب عفة بالكسر وعفافا بالفتح امتنع منه ، والجواري إذا كن كذلك لم يسمعن شبه المخالفين ، ولم تستقر في أنفسهن فهن أقرب إلى قبول الحق ودين الأزواج ، وهن من المستضعفات اللواتي لا ينصبن الحق وأهله ، وأبعد من سوء الأخلاق ونصب أهل البيتعليهمالسلام ولما كان نفي الواسطة مستقرا في نفس زرارة عاد في السؤال ، وقال : أيجوز لي أن أتزوج من كان على دين سالم بن أبي حفصة ، وهو كان من رؤساء الزيدية.
ولا تدري ما أمركم فقلت قد قال الله عز وجل : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ » لا والله لا يكون أحد من الناس ليس بمؤمن ولا كافر.
قال : فقال أبو جعفرعليهالسلام قول الله أصدق من قولك يا زرارة أرأيت قول الله
وروى الكشي روايات كثيرة تدل على أن الصادقعليهالسلام لعنه وكذبه وكفره ، و ربيعة الرأي من فقهاء العامة ، قال الشيخ في الرجال : ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المعروف بربيعة الرأي المدني الفقيه عامي روى عن السجاد والباقرعليهماالسلام .
وقال المطرزي في المغرب : الرأي ما ارتآه الإنسان واعتقده ، ومنه ربيعة الرأي بالإضافة فقيه أهل المدينة ، وفي القاموس : هو شيخ مالك وكأنه ٧ إنما نفي من كان على رأيهما لأنه علم أن مراده المتعصبات منهن لا المستضعفات لأن ظاهر سياق كلامه أنه قال ذلك على سبيل التشنيع والإلزام.
وفي النهاية : العاتق الشابة أول ما تدرك ، وقيل : هي التي لم تبن من والديها ولم تتزوج وقد أدركت وشبت ، ويجمع على العتق والعواتق.
( فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) استدل زرارة بهذه الآية على انحصار الناس في المؤمن والكافر وهي ليست صريحة في ذلك ، وليس فيها ما يدل على الحصر ، ولو كانت ظاهرة فيه فلا بد من تأويلها لوجود المعارض ، وأيضا قد عرفت أن للكفر إطلاقات كثيرة ، فيمكن أن يكون الكفر في هذه الآية بمعنى عدم الإيمان ، وفي الآيات الدالة على الخلود والنهي عن المناكحة وغيرها بمعنى الجحود فلا تنافي بينهما ، ولعله ٧ لم يتعرض لجوابه لظهوره ، وذكر ما يدل على أن المراد بالآية غير ما فهمه زرارة وإلا لزم التنافي بين الآيات ، وقد بينا ذلك في الأخبار السابقة.
وأشارعليهالسلام إلى هذا بقوله : قول الله أصدق من قولك ، فنسب ما فهمه من الآية إلى قوله إيذانا بأنه ليس ما فهمته مرادا من الآية.
عزوجل : «خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ »(١) فلما قال عسى فقلت ما هم إلا مؤمنين أو كافرين قال فقال ما تقول في قوله عز وجل : «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً »(٢) إلى الإيمان فقلت ما هم إلا مؤمنين أو كافرين فقال والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ثم أقبل علي فقال ما تقول في أصحاب الأعراف فقلت ما هم إلا مؤمنين أو كافرين إن دخلوا الجنة فهم مؤمنون وإن دخلوا النار فهم كافرون فقال والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ولو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنة كما دخلها المؤمنون ولو كانوا كافرين لدخلوا النار كما دخلها الكافرون ولكنهم قوم قد
« فلما قال عسى فقلت » الظاهر أن مراده أنه لم يصبر زرارة حتى يتمعليهالسلام الآية ، وبادر بالجواب بإعادة مطلوبه مرة أخرى ، وقيل : المراد أنه لما استدلعليهالسلام بقوله عسى على أنه ليس بمؤمن لأن المؤمن يدخل الجنة قطعا ، ولا بكافر لأنه معذب البتة قلت : إن يرحمهالله فهو في علم الله مؤمن ، وإن يعذبه فهو في علم الله كافر « إن دخلوا الجنة فهم مؤمنون » وذلك لما تقرر عنده أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن « وإن دخلوا النار فهم كافرون » لما تقرر عنده أن النار لا يدخلها إلا كافر ، والمقدمتان ممنوعتان لأن الجنة قد يدخلها غير المؤمن برحمة الله ، والنار قد يدخلها غير الكافر بذنب غير الكفر.
قولهعليهالسلام : لدخلوا الجنة ، أي ابتداء من غير توقف أو بسبب الإيمان كما دخلها المؤمنون كذلك ، وهذا لا ينافي دخولهم فيها بالرحمة « لدخلوا النار » أي ابتداء أو بسبب الكفر كما دخلها الكافرون كذلك ، وهذا لا ينافي دخولهم فيها بذنوب غير الكفر ، إما مع الخلود أو بدونها « استوت حسناتهم وسيئاتهم » قيل : كان المراد بهما الإقرار والإنكار وباستوائهما عدم رجحان أحدهما على الآخر أو الأعم
__________________
(١) سورة التوبة : ١٠٣.
(٢) سورة النساء : ٩٨.
استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم الأعمال وأنهم لكما قال الله عزوجل.
فقلت أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار فقال اتركهم حيث تركهم الله قلت أفترجئهم قال نعم أرجئهم كما أرجأهم الله إن شاء أدخلهم الجنة
منهما ومن الأعمال الصالحة والذنوب.
« فقصرت بهم الأعمال » أي لم تبلغ بهم الأعمال الحسنة إلى مقصدهم وهو الجنة ، قال في المصباح : قصرت بنا النفقة أي لم تبلغ بنا إلى مقصدنا ، فالباء للتعدية « لكما قال الله عز وجل » :
أقول : ظاهر الخبر أن أصحاب الأعراف يوقفون ابتداء فيها ثم يساقون إما إلى الجنة أو إلى النار ، ولا يبقون فيها كما قال بعض المفسرين إن في الدرجة الأدنى من الأعراف قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، أوقفهم الله عليها لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار ، ثم تؤول عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة الله وفضله ، كما قال عز وجل : «لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ »(١) أي لا يطمعون دخولها بعملهم ، بل بفضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة.
« فقلت : من أهل الجنة هم أم من أهل النار » كان غرضه الإلزام بأنهم إن كانوا من أهل الجنة فهم مؤمنون ، وإن كانوا من أهل النار فهم كافرون « فقال : اتركهم حيث تركهم الله » أي يحتمل فيهم الأمران ، ولا ينافي عدم كونهم مؤمنين ولا كافرين « قلت أفترجئهم » كان مراده أن هذا مذهب المرجئة وهو باطل ، لأن مذهب المرجئة عدم الحكم بإيمان أحد وكفر أحد مطلقا وهذا الإرجاء ليس في المذهب ، وإنما هو إرجاء في الثواب والعقاب ، وبالنسبة إلى جماعة مخصوصة ، وقيل : أي أفتوقعهم في الرجاء والطمع للمغفرة ولا تحكم بكفرهم « برحمته » أي لا بإيمانهم لعدمه « بذنوبهم » أي لا بكفرهم لعدمه « ولم يظلمهم » إذ لا ظلم في العقوبة مع الاستحقاق بالذنوب.
__________________
(١) سورة الأعراف : ٤٦.
برحمته وإن شاء ساقهم إلى النار بذنوبهم ولم يظلمهم فقلت هل يدخل الجنة كافر قال لا قلت [ فـ ] ـهل يدخل النار إلا كافر قال فقال لا إلا أن يشاء الله يا زرارة إنني أقول ما شاء الله وأنت لا تقول ما شاء الله أما إنك إن كبرت رجعت وتحللت عنك عقدك.
« هل يدخل الجنة كافر؟ قال : لا » إنما لم يستثنعليهالسلام فيه لأنه لا يحتاج إلى استثناء ، نعم لو قال مكان كافر غير مؤمن لاحتاج إلى الاستثناء ، وأما المقدمة الثانية فتحتاج إلى الاستثناء لأنه يمكن أن يدخل النار غير الكافر من الفساق والمستضعفين.
« رجعت وتحللت عنك عقدك » في القاموس : تحلل في يمينه استثنى ، وحل العقد نقضها فانحلت ، وقال : عقد الحبل والبيع والعهد يعقده شده ، والعقد الضمان ، والعهد والعقد بالكسر القلادة ، والعقدة بالضم الولاية على البلد ، والجمع كصرد والضيعة والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكا ، وموضع العقد وهو ما عقد عليه ، والبيعة المعقودة لهم ، وتحللت عقده سكن غضبه ، وفي المصباح : عقدت الحبل عقدا من باب ضرب فانعقد ، والعقدة ما يمسكه ويوثقه ، ومنه قيل : عقدت البيع واليمين ، وعقدة النكاح وغيره إحكامه وإبرامه.
فإذا عرفت هذا فهذا الكلام يحتمل وجوها « الأول » : أن يكون العقد بضم العين وفتح القاف جمع العقدة بالضم والمراد أنك إن كبر سنك رجعت عن هذا المذهب الباطل الذي استقر في نفسك وانحلت عنك العقد التي في قلبك من الشكوك والشبهات في ذلك ، استعار العقد للشبهات وهي شائعة في المحاورات بين الناس ، وهذا أظهر الوجوه ، ومن قرأ تحللت بصيغة المتكلم فهو تصحيف إذ لم أجده في اللغة متعديا.
الثاني : أن يكون المراد بتحلل العقد سكون غضبه على المخالفين كما مر في القاموس.
الثالث : ما ذكره الكشي بعد إيراد هذه الرواية ، حيث قال : وأصحاب زرارة يقولون رجعت عن هذا الكلام وتحللت عنك عقد الإيمان ، انتهى.
ولعل المراد بأصحاب زرارة القائلون بهذا القول الذي كان زرارة عليه أولا فإنهم لما لم يرجعوا عن هذا القول ظنوا أن الإمامعليهالسلام كان يصوب رأي زرارة باطنا ويتكلم معه ظاهرا للتقية ، فأخبر بأنه يرجع بعد كبره عن هذا القول ، ويرجع بذلك من الإيمان ، أو يضعف إيمانه ولا يخفى ركاكة هذا التأويل إلا أن يكون مرادهم تحلل العقد في مسألة الإيمان ، فيرجع إلى ما ذكرنا أولا.
الرابع : ما قيل : إن المعنى رجعت عن هذا القول الباطل وتحللت عنك هذه القلادة أو هذا الرأي.
الخامس : رجعت عن دين الحق وتحللت عنك هذا العهد والبيعة.
وأقول : لا يخفى اشتمال هذا الخبر على قدح عظيم لزرارة ، ولم يجعله وأمثاله الأصحاب قادحة فيه ، لإجماع العصابة على عدالته وجلالته وفضله وثقته ، وورد الأخبار الكثيرة في فضله وعلو شأنه ، والحق أن علو شأن هؤلاء الأجلاء وكثرة حاسديهم صار سببا للقدح فيهم ، وأيضا قدحوا في هذه الرواية بالإرسال ، وبمحمد ابن عيسى اليقطيني ، وإن كان له مدح وتوثيق من بعض الأصحاب ، فإنه جزم السيد الجليل ابن طاوس بضعفة ، والصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد ، وقال الشهيد الثانيقدسسره : فقد ظهر اشتراك جميع الأخبار القادحة في استنادها إلى محمد بن عيسى وهو قرينة عظيمة على ميل وانحراف منه على زرارة مضافا إلى ضعفه في نفسه ، وقال السيد جمال الدين بن طاوس ونعم ما قال : ولقد أكثر محمد بن عيسى من القول في زرارة حتى لو كان بمقام عدالة كادت الظنون تسرع إليه بالتهمة فكيف وهو مقدوح فيه.
باب المستضعف
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن بعض أصحابه ، عن زرارة قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن المستضعف فقال هو الذي لا يهتدي حيلة إلى
باب المستضعف
الحديث الأول : مرسل.
« عن المستضعف » كأنه سأل عن المستضعف الذي استثناه الله عز وجل في قوله : «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ، فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً »(١) وقد مر تفسير الآية مجملا ، وقال بعض المفسرين : توفيهم ، إما ماض فيكون إخبارا عن حال قوم انقرضوا ، وكانوا قوما من المسلمين فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم ، وإما مستقبل بحذف إحدى التائين فيكون الوعيد عاما في كل من كان بهذه الصفة «ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ » حال عن ضمير الموصول ، والظلم قد يراد به الشرك والنفاق ، فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة وقد يراد به المعصية ، فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.
وذكروا في خبر إن وجوها « الأول » قالوا فيم كنتم ، والعائد محذوف ، أي قالوا لهم فيم كنتم؟ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم والمراد التوبيخ بأنكم لم تكونوا مؤمنين من الدين في شيء.
__________________
(١) سورة النساء : ٩٧.
الكفر فيكفر ولا يهتدي سبيلا إلى الإيمان لا يستطيع أن يؤمن ولا يستطيع أن يكفر فهم الصبيان ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان مرفوع عنهم القلم.
والثاني : « فأولئك » ويكون قالوا حالا من الملائكة بتقدير قد.
والثالث : أن الخبر محذوف وهو هلكوا ، يفسره فيم كنتم وهم أجابوا اعتذارا بقولهم : كنا مستضعفين في الأرض غير قادرين على إظهار شعائر الدين والمهاجرة ، ثم الملائكة لم يقبلوا عنهم هذا العذر فبكتوهم بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة ، وأرادوا أنكم كنتم قادرين على المهاجرة ، ثم استثنى من الموصول المستضعفين في نفس الأمر والاستثناء منقطع ، وفي ذكر العفو وكلمة الأطماع وهي عسى تنبيه على أن أمر الهجرة خطير مضيق لا توسعة فيه ، حتى أن المضطر من حقه أن يترقب العفو ولا يأمن ، وينبغي أن يغلق قلبه بها.
ولعل المراد بالولدان الأطفال والصبيان ، كما في هذه الرواية وغيرها ، وإنما ذكرهم مع أنهم لم يبلغوا حد التكليف أصلا لأن السبب في سقوط التكليف هو العجز وأنه حاصل فيهم ، فحسن استثناؤهم بهذا الوجه ، وقيل : المراد بهم المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء ، حتى يتوجه التكليف فيما بينهم وبين الله ، وقيل : استثناؤهم للمبالغة في الأمر ، والإشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة فإنهم إذا بلغوا وقدروا عليها فلا محيص لهم منها ، وإن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت ، وقال أرباب التأويل : الموصول هم الذين رفضوا الحق واتبعوا الباطل ، فظلموا أنفسهم فيقول الملائكة : فيم كنتم أي في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري؟ وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون؟ فيقولون : كنا مستضعفين عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة ، وغلبة الهوى ، فيقول الملائكة : ألم تكن أرض الله ، أي أرض القلوب واسعة فتخرجوا عن مضيق ما كنتم فيه.
ثم استثنى ضعفاء العقول الذين رفع عنهم قلم التكليف بالمعارف وهم الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج عن الدنيا لضعف الرأي ولا يهتدون سبيلا إلى صاحب الولاية.
قيل : وقول الباقرعليهالسلام في تفسير المستضعف يمكن تطبيقه على تفسير الآية الكريمة ، وعلى تأويلها ، وإنما قالعليهالسلام في الكفر حيلة وفي الإيمان سبيلا للتنبيه على أنه لا سبيل إلى الكفر ، ولا دليل عليه ، ولو فرض شيء يفضي إليه فإنما هو حيلة نفسانية وشبهة شيطانية ، وقال في الخبر الآخر : لا يستطيع حيلة إلى الإيمان للإشعار بأن الحيلة كافية للخروج من الكفر إلى الإيمان ، أو لإرادة السبيل بها مجازا لاشتراكهما في الإفضاء والإيصال.
وأقول : الحاصل أنهم لضعف عقولهم وقلة فطانتهم لم تعرض لهم شبهة قوية فيستقروا في الكفر والجحود ، ولا داع قوي من الأغراض الدنيوية ٨ الحق لذلك ، واحتالوا في إبطال الدين وبراهين الأنبياء بإلقاء الشكوك والشبه ، وليس لهم قدرة على فهم الحق ودلائله فيرسخوا في الدين فهم لذلك معذورون في الجملة ، ويحتمل نجاتهم لذلك.
وأما ذكر الصبيان فقد عرفت في تفسير الآية توجيهه بوجوه ، وقيل : المراد بالصبيان الشباب في أوائل بلوغهم قبل الكمال المعرفة ، وأقول : يمكن تفريع هذا الكلام على الخلاف في وقت وجوب المعرفة ، وأن وجوبها عقلي أو سمعي فمن قال أن وجوب المعرفة عقلي وأنه يتعلق. بالمراهق قبل البلوغ ، فيمكن حمل الصبي في تلك الأخبار على معناه المصطلح ، ومن قال غير ذلك لا بد من حمله على أوائل البلوغ مجازا ، قال الشهيد الثاني رفع الله درجته : اعلم أن المتكلمين حددوا وقت التكليف بالمعرفة بالتمكن من العلم بالمسائل الأصولية حيث قالوا في باب التكليف أن المكلف يشترط كونه قادرا على ما كلف به ، إذ التكليف بدون ذلك محال ،
وظاهر أن هذا لا يتوقف على تحقق البلوغ الشرعي بإحدى العلامات المذكورة في كتب الفروع ، بل قد يكون قبل ذلك بسنين أو بعده ، كذلك بحسب مراتب الإدراك قوة وضعفا.
وذكر بعض فقهائنا أن وقت التكليف بالمعارف الإلهية هو وقت التكليف بالأعمال الشرعية إلا أنه يجب أولا بعد تحقق البلوغ والعقل المسارعة إلى تحصيل المعارف قبل الإتيان بالأعمال.
أقول : هذا غير جيد لأنه يلزم منه أن يكون الإناث أكمل من الذكور ، لأن الأنثى تخاطب بالعبادات عند كمال التسع ، إذا كانت عاقلة فتخاطب بالمعرفة أيضا عند ذلك ، والصبي لا يبلغ عند كمال التسع بالاحتلام ولا بالإنبات على ما جرت به العادة ، فلا يخاطب بالمعرفة وإن كان مميزا عاقلا ، لعدم خطابه بالعبادات ، فتكون أكمل منه استعدادا للمعارف وهو بعيد عن مدارك العقل والنقل ، ومن ثم ذهب بعض العلماء إلى وجوب المعرفة على من بلغ عشرا عاقلا ، ونسب ذلك إلى الشيخ أبي جعفر الطوسيقدسسره ، وأيضا هذا لا يوافق ما هو الحق من أن معرفة الله تعالى واجبة عقلا لا سمعا ، لأنا لو قلنا أن المعرفة لا تجب إلا بعد تحقق البلوغ الشرعي الذي هو مناط وجوب العبادات الشرعية لكنا قد أوجبنا المعرفة بالشرع لا بالعقل ، لأن البلوغ المذكور إنما علم من الشرع وليس في العقل ما يدل على أن وجوب المعرفة إنما يكون عند البلوغ المذكور ، فلو وجبت عنده لكان الوجوب معلوما من الشرع لا من العقل.
لا يقال : العقل إنما دل على وجوب المعرفة في الجملة دون تحديد وقته ، والشرع إنما دل على تحديد وقت الوجوب وهو غير الوجوب فلا يلزم كون الوجوب شرعيا.
لأنا نقول : لا نسلم أن في الشرع ما يدل على تحديد وقت وجوب المعرفة
أيضا بل إنما دل على تحديد وقت العبادات فقط ، نعم دل الشرع على تقدم المعرفة على العبادات في الجملة ، وهو أعم من تعيين وقت التقدم فلا يدل عليه وأيضا لا معنى لكون العقل يدل على وجوب المعرفة في الجملة من دون اطلاعه على وقت الوجوب ، إذ لا ريب أنه يلزم من الحكم بوجوبها كونها واجبة في وقت الحكم.
والحاصل أنه لا يمكن العلم بوجوبها إلا بعد العلم بوقت وجوبها ، والوقت كما أنه ظرف لها فهو ظرف للوجوب أيضا ، وتوضيحه أن العبد إذا لاحظ هذه النعم عليه ، وعلم أن هناك منعما أنعم بها عليه أوجب على نفسه شكره عليها في ذلك الوقت خوفا أن يسلبه إياها لو لم يشكره ، وحيث أنه لم يعرفه بعد ويوجب على نفسه النظر في معرفته في ذلك الوقت ليمكنه شكره ، فقد علم أنه يلزم من وجوب المعرفة بالعقل معرفة وقتها أيضا ، نعم ما ذكروه إنما يتم على مذهب الأشاعرة حيث أن وجوب المعرفة عندهم سمعي.
فإن قلت : قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ ، فيه دلالة على تحديد وقت وجوب المعرفة بالبلوغ الشرعي لأن رفع القلم كناية عن رفع التكليف ، وعدم جريانه عليه إلى الغاية المذكورة ، فقبلها لا يكون مكلفا بشيء سواء كان قد عقل أم لا.
قلت : لا نسلم دلالته على ذلك بل إن دل فإنما يدل على أن البلوغ الشرعي غاية لرفع التكليف مطلقا وإن كان عقليا فيبقى الدليل الدال على كون التكليف بالمعرفة عقليا سالما عن المعارض ، فإنه يستلزم تحديد وقت وجوب المعرفة بكمال العقل ، كما تقدمت الإشارة إليه.
والحاصل أن عموم رفع القلم مخصص بالدليل العقلي ، وقد عرف العقل الذي هو مناط التكاليف الشرعية بأنه قوة للنفس بها تستعد للمعلوم والإدراكات ، وهو المعنى بقولهم غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات ، وهذا
التفسير اختاره المحقق الطوسي (ره) وجماعة ، والغريزة هي الطبيعة التي جبل عليها الإنسان ، والآلات هي الحواس الظاهرة والباطنة وإنما اعتبر سلامتها لأن العلم إنما يتبع العقل عند سلامتها ، ألا ترى أن النائم عاقل ولا علم له لتعطل حواسه.
وقيل : إنه ما يعرف به حسن الحسن وقبح القبيح ، وهذا التفسير اختاره القائلون بأن الحسن والقبح ذاتيان للعقل ، وقيل : إنه العلم ببعض الضروريات المسمى بالعقل بالملكة واختاره العلامة التفتازاني ، وقريب من هذا التفسير ما قيل أنه العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات في مجاري العادات ، انتهى.
ثم اعلم أن إطلاق الصبيان يشمل صبيان الكفار أيضا ، ولا ريب في أن أطفال المؤمنين ملحقة بآبائهم في الجنة ، وأما أولاد الكفار فاختلف فيهم علماؤنا والمخالفون قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف العلماء فيمن مات من أولاد المشركين ، فمنهم من يقول : هم تبع لآبائهم في النار ، ومنهم من يتوقف فيهم ، والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ، وقال البغوي في شرح السنة : أطفال المشركين لا يحكم لهم بجنة ولا نار ، بل أمرهم موكول إلى علم الله فيهم ، كما أفتى به الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وجملة الأمر أن مرجع العباد في المعاد إلى ما سيق لهم في علم الله من السعادة والشقاوة.
وقيل : حكم أطفال المؤمنين والمشركين حكم آبائهم وهو المراد بقوله : الله أعلم بما كانوا عاملين ، يدل عليه ما روي مفسرا عن عائشة أنها قالت : قلت : يا رسول الله ذراري المؤمنين؟ قال : من آبائهم ، فقلت : يا رسول الله بلا عمل؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين ، قلت : فذراري المشركين؟ قال : من آبائهم ، قلت : بلا عمل؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين ، وقال معمر عن قتادة عن الحسن أن سلمان قال : أولاد المشركين خدم أهل الجنة ، قال الحسن : أتعجبون أكرمهم الله وأكرمهم
به ، وانتهى.
وذهب المتكلمون منا إلى أن أطفال الكفار لا يدخلون النار فهم إما يدخلون الجنة أو يسكنون الأعراف ، وذهب أكثر المحدثين منا إلى ما دلت عليه الأخبار الصحيحة من تكليفهم في القيامة بدخول النار المؤججة لهم ، قال المحقق الطوسيقدسسره في التجريد : وتعذيب غير المكلف قبيح وكلام نوحعليهالسلام مجاز ، والخدمة ليست عقوبة له ، والتبعية في بعض الأحكام جائزة.
وقال العلامة الحلي نور الله ضريحه في شرحه : ذهب بعض الحشوية إلى أن الله تعالى يعذب أطفال المشركين ، ويلزم الأشاعرة تجويزه والعدلية كافة على منعه ، والدليل عليه أنه قبيح عقلا فلا يصدر منه تعالى.
احتجوا بوجوه : « الأول » قول نوحعليهالسلام «وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً »(١) والجواب أنه مجاز ، والتقدير إنهم يصيرون كذلك لا بآجال طفوليتهم ، الثاني : قالوا إنا نستخدمه لأجل كفر أبيه فقد فعلنا فيه ألما وعقوبة ، فلا يكون قبيحا ، والجواب أن الخدمة ليست عقوبة للطفل وليس كل ألم عقوبة فإن الفصد والحجامة ألمان ، وليسا عقوبة ، نعم استخدامه عقوبة لأبيه وامتحان له يعوض عليه كما يعوض على أمراضه ، الثالث : قالوا إن حكم الطفل يتبع حكم أبيه في الدفن ومنع التوارث والصلاة عليه ومنع التزويج ، والجواب أن المنكر عقابه لأجل جرم أبيه ، وليس بمنكر أن يتبع حكم أبيه في بعض الأشياء إذا لم يجعل له بها ألم وعقوبة ، ولا ألم له في منعه من الدفن والتوارث وترك الصلاة عليه.
وأقول : رأيت في بعض كتب أصحابنا في تفسيرقوله تعالى : «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ »(٢) روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنه قال : الولدان أولاد أهل الدنيا
__________________
(١) سورة نوح : ٢٧.
(٢) سورة الواقعة : ١٧.
لم يكن لهم حسنات فيثابون عليها ، ولا سيئات فيعاقبون عليها ، فأنزلوا هذه المنزلة ، وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه سئل عن أطفال المشركين؟ فقال : خدم أهل الجنة على صورة الولدان ، خلقوا لخدمة أهل الجنة.
وروى الصدوقرضياللهعنه في كتاب الخصال بسند صحيح أو قريب منه عن أبي جعفرعليهالسلام قال : إذا كان يوم القيامة احتج الله عز وجل على خمسة : على الطفل والذي مات بين النبيين ، والذي أدرك النبي وهو لا يعقل ، والأصم والأبكم فكل واحد منهم يحتج على الله عز وجل ، قال : فيبعث الله إليهم رسولا فيؤجج لهم نارا فيقول لهم : ربكم يأمركم أن تثبوا فيها ، فمن وثب فيها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن عصى سيق إلى النار.
ثم قال الصدوق (ره) : إن قوما من أصحاب الكلام ينكرون ذلك ويقولون أنه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء التكليف ، ودار الجزاء للمؤمنين إنما هي الجنة ودار الجزاء للكافرين إنما هي النار ، وإنما يكون هذا التكليف من الله عز وجل في غير الجنة والنار ، فلا يكون كلفهم في دار الجزاء ، ثم يصيرهم إلى الدار التي يستحقونها بطاعتهم أو معصيتهم فلا وجه لإنكار ذلك ، ولا قوة إلا بالله.
وأقول : قد ورد في بعض الأخبار أنهم مع آبائهم في النار ، وكأنها محمولة على التقية ، وفي بعض الأخبار أن معنى قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الله أعلم بما كانوا عاملين أن كفوا عنهم ولا تقولوا فيهم شيئا ، وردوا علمهم إلى الله ، وهذا أحسن الأمور في هذا الباب ، ويكفينا القول بأن الله تعالى لا يظلمهم ولا يجور عليهم ولا يدخلهم النار بغير حجة ، وستأتي الأخبار في كتاب الجنائز وسنتكلم فيه هناك أيضا إنشاء الله تعالى. وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا الكبير في أبواب العدل.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال المستضعفون الذين «لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً » قال لا يستطيعون حيلة إلى الإيمان ولا يكفرون الصبيان وأشباه عقول الصبيان من الرجال والنساء.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن زرارة قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن المستضعف فقال هو الذي لا يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر ولا يهتدي بها إلى سبيل الإيمان لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر قال والصبيان ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن جندب ، عن سفيان بن السمط البجلي قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام ما تقول في المستضعفين فقال لي شبيها بالفزع فتركتم أحدا يكون مستضعفا وأين المستضعفون؟
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
وقد مر الكلام فيه « وأشباه عقول الصبيان » أي أشباه الصبيان في العقول.
الحديث الثالث : ضعيف على المشهور معتبر عندي.
« يدفع بها عنه الكفر » أي شبه الكفر أو احتماله فيصير شاكا « ولا يهتدى بها » الضمير للحيلة « ولا يكفر » بالنصب أي ولا أن يكفر.
الحديث الرابع : مجهول.
وبجيلة قبيلة من اليمن والنسبة إليها بفتحتين كالحنفي بالنسبة إلى بني حنيفة ، وبجلة مثال تمرة قبيلة أيضا والنسبة إليها على لفظها.
« شبيها بالفزع » بكسر الزاي أي الخائف المضطرب ، وكان ذلك غيظا وإنكارا على أهل الإذاعة من الشيعة ، فإنهم لتركهم التقية أفشوا هذا الأمر حتى عرف الناس كلهم مذهب الشيعة حتى الجواري الباكرات المخدرات مع عدم خروجهن من الخدور ، والنساء السقايات اللواتي ليس شأنهن تفحص المذاهب ،
فوالله لقد مشى بأمركم هذا العواتق إلى العواتق في خدورهن وتحدث به السقايات في طريق المدينة.
٥ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عمر بن أبان قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المستضعفين فقال هم أهل الولاية فقلت أي ولاية فقال أما إنها ليست بالولاية في الدين ولكنها الولاية في المناكحة
والسقايات بالياء جمع سقاءة بالهمزة ، وهذه الإذاعة صارت سببا للضرر على الأئمة وشيعتهم ولم ينفع لهداية الخلق ، وصارت سببا لصيرورة المستضعفين نواصب غير معذورين « وتركتم » استفهام للإنكار ، وكذا أين.
ثم اعلم أن المستضعف عند أكثر الأصحاب من لا يعرف الإمام ولا ينكره ، ولا يوالي أحدا بعينه كما ذكره الشهيدقدسسره في الذكرى ، وحكي عن المفيد في الغرية أنه عرفه بأنه الذي يعرف بالولاء ويتوقف عن البراءة ، وقال ابن إدريس : هو من لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب ، ولا يبغض أهل الحق على اعتقادهم ، وهذا أوفق بأخبار هذا الباب.
الحديث الخامس : صحيح.
« قال : هم أهل الولاية » لما كانت الولاية مجملة ، وكانت تحتمل ولاية أهلي البيتعليهمالسلام قال السائل : أي ولاية؟ فقالعليهالسلام أما إنها ليست بالولاية في الدين ، أي ولاية أئمة الحق ولو كانوا كذلك لكانوا مؤمنين ، أو المراد بالولاية في الدين الولاية التي تكون بين المؤمنين بسبب الاتحاد في الدين كما قال سبحانه : «الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ »(١) بل المراد أنهم قوم ليسوا بمتعصبين في مذهبهم ، ولا يبغضونكم بل يناكحونكم ويوارثونكم ويخالطونكم ، أو المعنى هم قوم يجوز لكم مناكحتهم ومعاشرتهم يرثون منكم وترثون منهم ، فيكون السؤال عن حكمهم
__________________
(١) سورة التوبة : ٧١.
والموارثة والمخالطة وهم ليسوابالمؤمنين ولا بالكفارومنهم المرجون «لِأَمْرِ اللهِ » عز وجل.
٦ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن مثنى ، عن إسماعيل الجعفي قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن الدين الذي لا يسع العباد جهله فقال الدين واسع ولكن الخوارج ضيقوا على أنفسهم من جهلهم قلت جعلت فداك فأحدثك بديني الذي أنا عليه فقال بلى فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والإقرار بما جاء من عند الله وأتولاكم وأبرأ من عدوكم ومن ركب رقابكم وتأمر عليكم وظلمكم حقكم فقال ما جهلت شيئا هو والله الذي نحن
لاعن وصفهم وتعيينهم ، أو بينعليهالسلام حكمهم ثم عرفهم بأنهم ليسوا بالمؤمنين إلى آخره ، والمرجون لأمر الله هنا أعم من المستضعفين ، وهذا معنى آخر غير ما مر.
الحديث السادس : ضعيف على المشهور معتبر.
« الدين واسع » أي لا يتحقق الخروج من دين الإسلام بقليل من العقائد والأعمال كما هو مذهب الخوارج ، حيث حكموا بكفر مرتكب المعاصي ، وخاضوا في المسائل الدقيقة فجعلوها من أجزاء الإيمان.
قوله : والإقرار ، كان الواو بمعنى مع ، أو أشهد بتأويل أن المصدرية.
« ومن ركب رقابكم » أي استولى عليكم وظلمكم « وتأمر عليكم » أي عد نفسه أميرا وحاكما عليكم يقال أمرته تأميرا فتأمر « ما جهلت شيئا » أي من الأصول الضرورية « فهل سلم أحد » أي من عذاب الله أو الخلود في النار ، وأم أيمن مولاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي من شهود فدك ، وروى الخاصة والعامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنها من أهل الجنة ، قال في المغرب : الأيمن خلاف الأيسر وهو جانب اليمنى أو من فيه ، وبه سمي أم أيمن حاضنة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أي حافظته ، وهو أخو
عليه قلت فهل سلم أحد لا يعرف هذا الأمر فقال لا إلا المستضعفين قلت من هم قال نساؤكم وأولادكم ثم قال أرأيت أم أيمن فإني أشهد أنها من أهل الجنة وما كانت تعرف ما أنتم عليه.
٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف.
٨ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن دراج قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام إني ربما ذكرت هؤلاء المستضعفين فأقول نحن وهم في منازل الجنة فقال أبو عبد اللهعليهالسلام لا يفعل الله ذلك بكم أبدا.
أسامة بن زيد لأمه ، انتهى.
« وما كانت تعرف ما أنتم عليه » أي إمامة سائر الأئمةعليهمالسلام سوى أمير المؤمنينعليهالسلام وكانت معذورة في ذلك لعدم سماعها ذلك وعدم تمام الحجة عليها ، فكذا المستضعف معذور لذلك أو صفات الأئمة وكمالهم ، أو لم تكن تعرف ذلك بالدليل بل بالتقليد ، وأما أصل معرفة إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام فعدم معرفتها ذلك بعيد جدا ، وكون أم أيمن امرأة أخرى معروفة للمخاطب سوى الحاضنة فأبعد.
الحديث السابع : صحيح.
« من عرف اختلاف الناس » أي أصل الاختلاف فإنه يجب حينئذ طلب الحق عقلا وشرعا ، أو المراد الفهم والإدراك لا مجرد السماع ، ولعله أظهر.
الحديث الثامن : صحيح أيضا.
« إني ربما ذكرت » أي نخاف أن يجعلنا الله بسبب ذنوبنا في درجة المستضعفين من المخالفين ، أو يشق علينا أنهم مع كونهم مخالفين يدخلون الجنة ويكونون معنا في منازلنا ، فقالعليهالسلام : إن دخلوا الجنة لم يكونوا في درجاتكم ومنازلكم ، والخبر الآتي يؤيد الأول.
٩ ـ عنه ، عن علي بن الحسن التيمي ، عن أخويه محمد وأحمد ابني الحسن ، عن علي بن يعقوب ، عن مروان بن مسلم ، عن أيوب بن الحر قال قال رجل لأبي عبد اللهعليهالسلام ونحن عنده جعلت فداك إنا نخاف أن ننزل بذنوبنا منازل المستضعفين قال فقال لا والله لا يفعل الله ذلك بكم أبدا.
علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي المغراء ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف.
١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن محمد بن منصور الخزاعي ، عن علي بن سويد ، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال سألته عن الضعفاء فكتب إلي الضعيف من لم ترفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بمستضعف.
١٢ ـ بعض أصحابنا ، عن علي بن الحسن ، عن علي بن حبيب الخثعمي ، عن أبي سارة إمام مسجد بني هلال ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ليس اليوم مستضعف أبلغ الرجال الرجال والنساء النساء.
الحديث التاسع : سنده الأول موثق والثاني حسن كالصحيح.
الحديث العاشر : حسن كالصحيح.
الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور.
الحديث الثاني عشر : مجهول :
باب
المرجون لأمر الله
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ »(١) قال قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ثم إنهم
باب المرجون لأمر الله
في القاموس : أرجأ الأمر أخره وترك الهمز لغة «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ » مؤخرون حتى ينزل الله فيهم ما يريد ، ومنه سميت المرجئة وإذا لم تهمز فرجل مرجي بالتشديد وإذا همزت رجل مرجىء كمرجع ، وهم المرجئة بالهمز والمرجئة بالياء مخففة لا مشددة.
الحديث الأول : ضعيف كالموثق.
« فقتلوا مثل حمزة وجعفر » لعل ذكر ذلك للإشعار بأن هذه الأعمال الشنيعة صارت أسبابا لعدم استقرار الإيمان في قلوبهم ، وعدم توفيقهم للإيمان الكامل ، أو هذا دليل على عدم رسوخ الإيمان فيهم إما لأن من كانت شقاوته وتعصبه بحيث اجترأ على قتل أمثال هؤلاء معلوم أنه لو آمن لم يكن إيمانه عن يقين كامل وإذعان قوي أو لأن من كان الله فيه لطف لا يتركه حتى يصدر منه مثل هذا العمل الشنيع ، ومن لم يكن لله معه لطف لا يوفقه للإيمان الكامل كما أنا لا نجوز صدور التوبة والإيمان عن قتلة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم ، وهذا قريب من الوجه الأول وفي غاية المتانة.
وقيل : لعل ذكر هذا القسم على سبيل التمثيل ويدل الحبر على أن قاتل حمزة لم تقبل توبته على الجزم والقطع ، والمشهور بين العامة أنه قبل توبته وأمره
__________________
(١) سورة التوبة : ١٠٧.
دخلوا في الإسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار فهم على تلك الحال «إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ».
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن حسان ، عن موسى بن بكر الواسطي ، عن رجل قال قال أبو جعفرعليهالسلام المرجون قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ثم إنهم بعد ذلك دخلوا في الإسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ولم يكونوا يؤمنون فيكونوا من المؤمنين ولم يؤمنوا فتجب لهم الجنة ولم يكفروا فتجب لهم النار فهم على تلك الحال «مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ ».
بالخروج عن المدينة ، وقال : لا أستطيع أن أرى قاتل عمي ، ثم بقي حتى قتل مسيلمة الكذاب.
الحديث الثاني : ضعيف ، وهو مثل الأول متنا.
وقيل : لعل المراد بالإيمان الإيمان المقتضي لدخول الجنة كما يشعر به التفريع ، وهو الإيمان الكامل المستقر الموجب للأمن ، و بالكفر الجحود الموجب لدخول النار ، وعلى هذا يصدق المرجون على جميع الأقسام المذكورة سابقا.
باب
أصحاب الأعراف
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير وعلي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل جميعا ، عن زرارة قال قال لي أبو جعفرعليهالسلام ما تقول في أصحاب الأعراف فقلت ما هم إلا مؤمنون أو كافرون إن دخلوا الجنة فهم مؤمنون وإن دخلوا النار فهم كافرون فقال والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ولو كانوا مؤمنين دخلوا الجنة كما دخلها المؤمنون ولو كانوا كافرين لدخلوا النار كما دخلها الكافرون ولكنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم الأعمال وإنهم لكما قال الله عز وجل فقلت أمن أهل الجنة هم أو من أهل النار فقال اتركهم حيث تركهم الله قلت أفترجئهم قال نعم أرجئهم كما أرجأهم الله إن شاء أدخلهم الجنة برحمته وإن شاء ساقهم إلى النار بذنوبهم ولم يظلمهم فقلت هل يدخل الجنة كافر قال لا قلت هل يدخل النار إلا كافر قال فقال لا إلا أن يشاء الله يا زرارة إنني أقول ما شاء الله وأنت لا تقول ما شاء الله أما إنك إن كبرت رجعت وتحللت [ عنك ] عقدك.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن حسان ، عن موسى بن بكر ، عن رجل قال قال أبو جعفرعليهالسلام الذين «خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً » فأولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها المؤمنون ويكرهونها فأولئك «عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ».
باب أصحاب الأعراف
الحديث الأول : موثق كالصحيح ، وهو جزء من الحديث الثاني من باب الضلال.
الحديث الثاني : ضعيف ، وهو تتمة الحديث الثاني من الباب السابق وذكره هنا يشعر بأن هذا الصنف عند المصنف من أهل الأعراف فهذه الأقسام عنده متداخلة.
باب
في صنوف أهل الخلاف وذكر القدرية والخوارج والمرجئة
وأهل البلدان
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن مروك بن عبيد ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لعن الله القدرية لعن الله الخوارج لعن الله المرجئة لعن الله المرجئة قال قلت لعنت هؤلاء مرة مرة ولعنت هؤلاء مرتين قال إن هؤلاء
باب في صنوف أهل الخلاف
الحديث الأول : مرسل.
وقد عرفت أن القدرية تطلق على الجبرية وعلى التفويضية وكان المراد هنا الثاني ، قال علي بن إبراهيم في تفسيره : القدرية المعتزلة ، والرد من القرآن عليهم كثير ، لأن المعتزلة قالوا : نحن نخلق أفعالنا وليس لله فيها صنع ولا مشية ولا إرادة ، فيكون ما شاء إبليس ولا يكون ما شاء الله ، انتهى.
والمراد بالمرجئة الذين يقولون الإيمان محض العقائد ، وليس للأعمال فيها مدخل أصلا ، ولا يضر مع الإيمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، ولا تفاوت في إيمان الناس ، قال صاحب الملل والنحل : الإرجاء على معنيين : أحدهما التأخير «قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ »(١) أي أمهله وأخره ، والثاني إعطاء الرجاء ، أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول صحيح ، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد ، وأما المعنى الثاني فظاهر فإنهم كانوا يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وقيل : الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى الآخرة فلا يقضي عليه بحكم في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار ، فعلى هذا المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان ، وقيل : الإرجاء تأخير عليعليهالسلام
__________________
(١) سورة الأعراف : ١١١.
يقولون إن قتلتنا مؤمنون فدماؤنا متلطخة بثيابهم إلى يوم القيامة إن الله حكى عن قوم في كتابه : «أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » قال كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا.
عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة ، فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان ، والمرجئة أربعة أصناف : مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ، ومرجئة الجبرية ، والمرجئة الخالصة ، انتهى.
وقد مر بعض القول فيهم سابقا. والمراد هنا ما ذكرنا أولا فإنهم يحكمون بإيمان من آمن بالله ورسوله وإن قتلوا الأئمة وخيار المؤمنين ، فهم راضون بذلك ولا يبالون به ، ويحكمون بأن الله لا يعذب هؤلاء بفعلهم ، ولذا سموا مرجئة لإرجاء تعذيبهم على المعاصي ، ويمكن أن يكون المراد هنا مطلق المخالفين ، فإنهم على أصولهم الفاسدة يصوبون قتل من خرج على خلفاء الجور ، ولو كانوا من أئمة الدين وذرية سيد المرسلين ، فهم راضون بذلك ، وذكر الآية استشهاد بأن الراضي بالقتل والمصوب له حكمه حكم القاتل في الشقاوة والعقوبة.
ثم اعلم أن ذكر الآية نقل بالمعنى ، والآية في آل عمران هكذا : «الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ »(١) وقال البيضاوي : هم كعب بن الأشرف ومالك وحيي وفنحاص ووهب بن يهودا ، قالوا : إن الله أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل ، وهو أن يقرب بقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار سماوية فتأكله ، وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم ، لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة وسائر المعجزات شرع في ذلك « قل قد جاءكم » تكذيب وإلزام بأن رسلا جاءوهم بمثله قبله كزكريا ويحيى بمعجزات أخر موجبة للتصديق ، وبما اقترحوه
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٨٣.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حكيم وحماد بن عثمان ، عن أبي مسروق قال سألني أبو عبد اللهعليهالسلام عن أهل البصرة ما هم فقلت مرجئة وقدرية وحرورية فقال لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن منصور بن يونس ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال أهل الشام شر من أهل
فقتلوهم ، فلو كان الموجب للتصديق هو الإتيان به وكان توقفهم وامتناعهم عن الإيمان لأجله ، فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر واجترءوا على قتله.
الحديث الثاني : حسن.
وقد مر في باب الكفر ، و الملل جمع الملة وهي الدين ، ووصفها بالكفر والشرك وعدم العبادة وصف مجازي لأن هذه الأوصاف لصاحب الملل حقيقة نسبت إلى الملل التي هي سبب لاتصاف صاحبها بها مبالغة في السببية ، كما أن لعن تلك الملل مبالغة في لعن صاحبها أيضا ، فالمراد بلعنها طردها عن طريق الحق وساحة القبول ونيل الرحمة ودخول الجنة.
الحديث الثالث : موثق.
ويحتمل أن يكون هذا الكلام في زمن بني أمية وأهل الشام من بني أمية وأتباعهم كانوا منافقين ، يظهرون الإسلام ، ويبطنون الكفر ، والمنافقون شر من الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار ، وهم كانوا يسبون أمير المؤمنينعليهالسلام وهو الكفر بالله العظيم ، والنصارى لم يكونوا يفعلون ذلك ، ويحتمل أن يكون هذا مبنيا على أن المخالفين غير المستضعفين مطلقا شر من سائر الكفار كما يظهر من كثير من الأخبار ، والتفاوت بين أهل تلك البلدان باعتبار اختلاف رسوخهم في مذهبهم الباطل ، أو على أن أكثر المخالفين في تلك الأزمنة كانوا نواصب منحرفين عن أهل البيتعليهمالسلام ، لا سيما أهل تلك البلدان الثلاثة ، واختلافهم في
الروم وأهل المدينة شر من أهل مكة وأهل مكة يكفرون بالله جهرة.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أحدهماعليهماالسلام قال إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة أخبث منهم سبعين ضعفا.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام أهل الشام شر أم [ أهل ] الروم فقال إن الروم كفروا ولم يعادونا وإن أهل الشام كفروا وعادونا.
٦ ـ عنه ، عن محمد بن الحسين ، عن النضر بن شعيب ، عن أبان بن عثمان ، عن
الشقاوة باعتبار اختلافهم في شدة النصب وضعفه ، ولا ريب في أن النواصب أخبث الكفار وكفر أهل مكة جهرة هو إظهارهم عداوة أهل البيتعليهمالسلام ، وقد بقي بينهم إلى الآن ، ويعدون يوم عاشوراء عيدا لهم بل من أعظم أعيادهم لعنة الله عليهم وعلى أسلافهم الذين أسسوا ذلك لهم.
وقيل : إنما نسب أهل مكة إلى الكفر لأنهم إذا عصوا أو عبدوا غير الله أو تولوا غير أولياء الله فقد ألحدوا وأشركوا ، لقوله تعالى : «وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ »(١) وروي في الصحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام في تفسير هذه الآية قال : من عبد فيه غير الله أو تولى فيه غير أولياء الله فهو ملحد بظلم ، وعلى الله أن يذيقه من عذاب أليم.
الحديث الرابع : كالسابق.
الحديث الخامس : حسن.
الحديث السادس : مجهول.
وكون المراد بالمرجئة هنا مطلق المخالفين أنسب لجمعية الملل ، فإنهم
__________________
(١) سورة الحجّ : ٢٥.
الفضيل بن يسار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لا تجالسوهم يعني المرجئة لعنهم الله ولعن [ الله ] مللهم المشركة الذين لا يعبدون الله على شيء من الأشياء.
باب
المؤلفة قلوبهم
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن موسى بن بكر وعلي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل جميعا ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال المؤلفة قلوبهم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة [ من يعبد ] من دون الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمدا رسول الله وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتألفهم ويعرفهم لكيما يعرفوا ويعلمهم.
الذين في مللهم كثرة « على شيء من الأشياء » أي على عبادة من العبادات أو على ملة من الملل.
باب المؤلفة قلوبهم
الحديث الأول : مرسل.
وقوله : أن محمدا ، متعلق بالمعرفة أي معرفة أن محمدا رسول الله ، ويمكن أن يكون هذا أحد أقسام المؤلفة ، والقسم الآخر أن يقروا بالرسالة ويشكوا في بعض ما جاء به كالولاية وقسمة الأموال وأمثال ذلك ، ويحتمل أن يكون هذا الخبر شاملا للقسمين ، أي لم يقروا بالرسالة كما هو حقها إما بنفيها رأسا أو بإثباتها مجملا ، والشك في بعض ما جاء به النبي من عند الله ، فلا تنافي بين الأخبار.
« ويعرفهم » أي رسالته بالبراهين والمعجزات « لكيما يعرفوا » ويعلمهم شرائع الدين ، أو يعرفهم أصل الرسالة ويعلمهم أن ما أتى به هو من عند الله أو هو تأكيد ، وقد يقرأ يعلمهم على بناء المعلوم أي والحال أنه يعلمهم ويعرفهم ، وقيل
الظاهر أن يعلمهم عطف على يعرفهم ، وأن الضمير فيهما راجع إلى المؤلفة ، وأن قوله لكيما يعرفوا على صيغة المجهول علة لهما ، والمقصود أن إعطاءهم لأمرين أحدهما تأليف قلوبهم بالمال ليثبت إسلامهم ويستقر في قلوبهم ، وثانيهما أن يعرفهم ويعلمهم بأعيانهم لأصحابه حتى يعرفوهم بأنهم من الذين لم يثبت إيمانهم في قلوبهم ، وأنهم مؤلفة ، ولا يخفى ما فيه.
واعلم أن المؤلفة قلوبهم صنف من أصناف مستحقي الزكاة قال تعالى : «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ »(١) ويظهر من هذه الأخبار أنهم قوم أظهروا الإسلام ولم يستقروا فيه ، فهم إما منافقون أو شكاك جعل الله لهم حصة من الزكاة والغنائم تأليفا لقلوبهم ليستقروا في الدين ويستعين بهم على جهاد المشركين ، قال ابن الأثير في النهاية : في حديث حنين : إني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم ، التآلف المداراة والإيناس ليثبتوا على الإسلام رغبة فيما يصل إليهم من المال ، انتهى.
والمشهور بين أصحابنا أنهم كفار يستمالون للجهاد ، وقال المفيد : المؤلفة قسمان مسلمون ومشركون ، وقال العلامة في القواعد : المؤلفة قسمان كفار يستمالون إلى الجهاد أو إلى الإسلام ، ومسلمون إما من ساداتهم لهم نظراء من المشركين إذا أعطوا رغب النظراء في الإسلام ، وإما سادات مطاعون ترجى بعطائهم قوة إيمانهم ، ومساعدة قومهم في الجهاد ، وإما مسلمون في الأطراف إذا أعطوا منعوا الكفار من الدخول ، وإما مسلمون إذا أعطوا أخذوا الزكاة من مانعيها ، وقيل : المؤلفة الكفار خاصة.
ونقل الشهيد في الدروس عن أبي الجنيد أنه قال : المؤلفة هم المنافقون ، وفي مؤلفة الإسلام قولان أقربها أنهم يأخذون من سهم سبيل الله ، وقال بعض
__________________
(١) سورة التوبة : ٦٠.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ »(١) قال هم قوم وحدوا الله عز وجل وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمدصلىاللهعليهوآله فأمر الله عز وجل نبيهصلىاللهعليهوآله أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقروابه.
وإن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش وسائر مضر منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزاري وأشباههم من الناس فغضبت الأنصار واجتمعت إلى سعد بن عبادة فانطلق بهم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالجعرانة
الأصحاب : للإمام أن يتألف هؤلاء إن شاء من سهم المؤلفة ، وإن شاء من سهم المصالح ، وسيأتي تمام القول فيه في كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
« وهم في ذلك » أي مع ذلك ، وقال في المصباح : حنين مصغرا واد بين مكة والطائف ، وهو مذكر منصرف ، وقد يؤنث على معنى البقعة ، وقصة حنين أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فتح مكة في رمضان سنة ثمان ، ثم خرج منها ـ وقد بقيت من شهر رمضان أيام لقتال هوازن وثقيف ، فسار إلى حنين ، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون ، ثم أمدهم الله بنصره فعطفوا وانهزم المشركون إلى أوطاس وغنم المسلمون ، أموالهم وأهليهم ثم منهم من سار على نخلة اليمامة ، ومنهم من سلك الثنايا ، وتبعت خيل رسول الله من سلك نخلة ويقال إنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقام عليها يوما وليلة ، ثم سار إلى أوطاس فاقتتلوا وانهزم المشركون إلى الطائف ، وغنم المسلمون منها أيضا أموالهم وأولادهم ، ثم سار إلى الطائف فقاتلهم بقية شوال ، فلما أهل ذو القعدة رحل عنها راجعا فنزل الجعرانة وقسم بها غنائم أوطاس وحنين ،
__________________
(١) سورة التوبة : ٦٠.
فقال : يا رسول الله أتأذن لي في الكلام فقال نعم فقال إن كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئا أنزله الله رضينا وإن كان غير ذلك لم نرض قال زرارة وسمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يا معشر الأنصار أكلكم على قول سيدكم سعد فقالوا سيدنا الله ورسوله ثم قالوا في الثالثة نحن على مثل قوله ورأيه قال زرارة فسمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول فحط الله نورهم وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن.
٣ ـ علي ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال المؤلفة قلوبهم لم يكونوا قط أكثر منهم اليوم.
وقيل : كانت ستة آلاف سبي ، انتهى.
ومضر كزفر أبو قبيلة عظيمة ، قريش شعبة منها ، وفي القاموس : الجعرانة وقد تكسر العين وتشدد الراء ، وقال الشافعي : التشديد خطأ موضع بين مكة والطائف ، وفي المصباح على سبعة أميال من مكة ، وكان سبب غضب الأنصار أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضل بعض قريش عليهم في العطاء تأليفا لقلوبهم « فحط الله نورهم » أي نور إيمانهم ، وجعل درجة إيمانهم نازلة ناقصة فصاروا بحيث قالوا في السقيفة منا أمير ومنكم أمير ، وفرض للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن رغما لهم أو دفعا لاعتراضهم.
الحديث الثالث : مرسل.
والمراد بكثرتهم أن أصناف المسلمين لما كثروا وتضاعف أطماعهم وقل الديانون منهم ، كان هذا الصنف الذين كان يتألفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر لا أن حكم التأليف جار في هذا الزمان ، ويحتمل أن يكون المراد أن إمام الحق أيضا بحسب قدرته وبسط يده يفعل ذلك بهم ، لأنهمعليهمالسلام كان يعطون بعض المخالفين والمستضعفين لتأليف قلوبهم ودفع الضرر عنهم وعن شيعتهم ، وأما أمير المؤمنينعليهالسلام فالمعروف من سيرته أنه لم يكن مأمورا بذلك ، بل كان يقسم
٤ ـ علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن إسحاق بن غالب قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام يا إسحاق كم ترى أهل هذه الآية : «فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ »(١) قال : ثم قال : هم
بالسوية ، نعم كان يعطي الولايات بعض المنافقين كزياد بن أبيه وأمثاله بظاهر الإسلام ، ويظهر من الأخبار أن القائمعليهالسلام يسير بسيرة أمير المؤمنينعليهالسلام ويعمل بمر الحق ، فما ذكرنا أولا أظهر.
واعلم أن الأصحاب اختلفوا في بقاء سهم المؤلفة في زمن الغيبة ، والمشهور بينهم سقوطه ، قال العلامة في النهاية : لو فرضت الحاجة إلى المؤلفة في يومنا بأن ينزل بالمسلمين نازلة واحتاجوا إلى الاستعانة بالكفار ، فالأقوى عندي جواز صرف السهم إليهم ، وفيه رد على بعض العامة ، حيث قال : سهم المؤلفة لتكثير سواد الإسلام فلما أعزه الله وكثر أهله سقط ، ولذلك لما تولى أبو بكر منع المؤلفة لكثرة المسلمين وعدم الحاجة إليهم ، ولم يعلم أن إعطاءهم ليس لمحض الجهاد بل قد يكون لرسوخهم في الإسلام ، أو لرغبة نظرائهم أو غير ذلك كما مر.
الحديث الرابع : حسن كالموثق.
«فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا » قيل : لما قسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غنائم حنين وألف قلوب المؤلفة بتوفير العطاء عليهم قال بعض المنافقين : اعدل يا رسول الله ، قال : ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ فنزل قوله تعالى «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا » الآية أي منهم من يعيبك وينسبك إلى الجور في تقسيمها ، وقد أشارعليهالسلام إلى أن المعترضين على الإمام لو ملك الأرض وقسم الغنائم على ما فرضه الله أكثر بكثير من المعترضين على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو المعنى أن هؤلاء لو كانوا في ذلك الزمان كانوا من المعترضين ، أو أن كل من تولى قسمة حق من الحقوق يرى ذلك فيهم ، سواء كان من أئمة الحق أو نوابهم من علماء الدين يجدون ذلك في أكثر الناس ،
__________________
(١) سورة التوبة : ٥٨.
أكثر من ثلثي الناس.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن حسان ، عن موسى بن بكر ، عن رجل قال قال أبو جعفرعليهالسلام ما كانت المؤلفة قلوبهم قط أكثر منهم اليوم وهم قوم وحدوا الله وخرجوا من الشرك ولم تدخل معرفة محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله قلوبهم وما جاء به فتألفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتألفهم المؤمنون بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله لكيما يعرفوا.
باب
في ذكر المنافقين والضلال وإبليس في الدعوة
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال كان الطيار يقول لي إبليس ليس من الملائكة وإنما أمرت الملائكة بالسجودلآدمعليهالسلام فقال إبليس لا أسجد فما لإبليس يعصي حين لم يسجد وليس هو من الملائكة؟ قال
ولا يخفى ذلك على من تصدى بشيء من ذلك.
الحديث الخامس : ضعيف.
وظاهره بقاء سهم المؤلفة في سائر الأزمنة ، وإن احتمل أن يكون المراد بالمؤمنين الأئمةعليهمالسلام ، ولا يبعد شموله لنوابهمعليهمالسلام في زمن الغيبة ، بناء على التعليل الوارد في تلك الأخبار ، فإنه غير ما ذكره الأصحاب والله يعلم.
باب في ذكر المنافقين والضلال وإبليس في الدعوة
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
« وإنما أمرت الملائكة » الحصر ممنوع وإنما يتم لو قال الله تعالى : يا ملائكتي اسجدوا أو نحو ذلك ، وذلك غير معلوم لجواز أن يكون الخطاب اسجدوا مخاطبا لهم مشافهة بدون ذكر الملائكة ، نعم في قوله تعالى : «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ » تجوز لما ذكرهعليهالسلام أو تغليب ، والمنافقون هم المقرون بالنبي ظاهرا والمنكرون
فدخلت أنا وهو على أبي عبد اللهعليهالسلام قال فأحسن والله في المسألة فقال جعلت فداك أرأيت ما ندب الله عز وجل إليه المؤمنين من قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » أدخل في ذلك المنافقون معهم قال نعم والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة وكان إبليس ممن أقر بالدعوة الظاهرة معهم.
له باطنا ، و الضلال هم المقرون به ظاهرا وباطنا إلا أنهم أخطأوا سبيل الحق ولم يعرفوا الحجة ، فضلوا.
إذا عرفت هذا فنقول : لما علم الطيار أن المنافقين غير مؤمنين حقيقة لعدم اتصافهم بالإيمان وهو الإقرار باطنا ، وكذا إبليس لم يكن من الملائكة وإن شاركهم في الصورة الظاهرة والمخالفة والكون معهم ، أحسن في المسألة واستفهم عن دخولهم في خطاب المؤمنين وعدمه ليجعله ذريعة إلى ما هو مقصوده ، ولم يكن موهما للاعتراض على الله تعالى ، أو إن أجابعليهالسلام بعدم الدخول كانت شبهته أقوى ، والأول أقرب إلى الأدب ، فأجابعليهالسلام بأنهم داخلون في خطاب المؤمنين باعتبار أن المراد بالمؤمنين المؤمنون بحسب الظاهر.
ثم إنهعليهالسلام لما علم بالإعجاز مقصوده من هذا السؤال صرح به وبين أن إبليس كان داخلا في خطاب الملائكة ، باعتبار أن المراد بالملائكة من هو بصورتهم الظاهرة ، فيشمل إبليس لأنه كان معهم وفي صورتهم بحسب الظاهر ، والحاصل أن الأمر بالسجود من الله تعالى إنما توجه إلى من كان ظاهرا من الملائكة ومخلوطا بهم ، وإن لم يكن منهم ، وكان إبليس لا طاعته ظاهرا وإقراره بالدعوة الظاهرة مخلوطا معهم ومعدودا منهم ، كما أن المنافقين وإن لم يكونوا مؤمنين واقعا شملهم خطاب المؤمنين لكونهم ظاهرا في عدادهم.
وأقول : إن المخالفين اختلفوا في كون إبليس من الملائكة أو الجن ، والمشهور بين أصحابنا الإمامية كونه من الجن ، وذهب الشيخ في التبيان إلى أنه كان من
باب
في قوله تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ »
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن الفضيل وزرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ »(١) قال زرارة سألت عنها أبا جعفرعليهالسلام فقال هؤلاء قوم عبدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله وشكوا في محمدصلىاللهعليهوآله وما جاء به فتكلموا
الملائكة وظاهر الآية والأخبار المعتبرة كهذا الخبر هو الأول ، وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا الكبير.
باب في قوله تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ »
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » في القاموس أي وجه واحد وهو أن يعبده على السراء والضراء أو على شك أو على غير طمأنينة على أمره ، أي لا يدخل في الدين متمكنا.
وقال البيضاوي : أي على طرف من الدين لإثبات له فيه ، كالذي يكون على طرف الجيش إن أحس بظفر قر وإلا فر ، روي أنها نزلت في أعاريب قدموا إلى المدينة فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت امرأته غلاما سويا وكثر ماله وماشيته ، قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن ، وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلا شرا وانقلب.
وعن أبي سعيد أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب فتشأم بالإسلام فأتى النبي
__________________
(١) سورة الحجّ : ١١.
بالإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقروا بالقرآن وهم في ذلك شاكون في محمدصلىاللهعليهوآله وما جاء به وليسوا شكاكا في الله قال الله عز وجل : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » يعني على شك في محمدصلىاللهعليهوآله وما جاء به «فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ » يعني عافية في نفسه وماله وولده «اطْمَأَنَّ بِهِ » ورضي به «وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ » يعني بلاء في جسده أو ماله تطير وكره المقام على الإقرار بالنبيصلىاللهعليهوآله فرجع إلى الوقوف والشك فنصب العداوة لله ولرسوله والجحود بالنبي وما جاء به.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » قال هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله فخرجوا من الشرك ولم يعرفوا أن محمداصلىاللهعليهوآله رسول الله فهم يعبدون الله على شك في محمدصلىاللهعليهوآله وما جاء به فأتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقالوا ننظر فإن كثرت
عليهالسلام فقال : أقلني. فقال : إن الإسلام لا يقال ، فنزلت.
قوله : « وشهدوا » أي باللسان لا بالجنان بقرينة نسبة الشك إليهم في موضعين ، وقال الجوهري : تطيرت من الشيء وبالشيء والاسم منه الطيرة كالغيبة ، وهو ما يتشأم به من الفال « إلى الوقوف » أي على الكفر أو التوقف في أمر الدين.
الحديث الثاني : ضعيف كالموثق وسنده الثاني مرسل.
والشكاك بضم الشين وتشديد الكاف جمع شاك(١) « وقالوا ننظر » جعلوا حصول المعافاة وكثرة الأموال والأولاد دليلا على صدق الرسول وحقيته لزعمهم أن كل ما يورث ذلك فهو مبارك وكل ما هو بخلافه فهو شؤم ، ولم يعلموا أن نزول البلايا والمصائب على المؤمنين من لدن آدمعليهالسلام إلى آخر الدهر كان أكثر من نزولها على غيرهم ، وأن بناءه كأصل التكليف على الاختيار والامتحان ، وقد
__________________
(١) كذا في النسخ والظاهر أنّ هذا من تتمة ما ذكره في شرح الحديث الأوّل لأنّ لفظ الشكاك موجود فيه دون الحديث الثاني.
أموالنا وعوفينا في أنفسنا وأولادنا علمنا أنه صادق وأنه رسول الله وإن كان غير ذلك نظرنا.
قال الله عز وجل : «فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ » يعني عافية في الدنيا : «وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ » يعني بلاء في نفسه [ وماله ] «انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ » انقلب على شكه إلى الشرك «خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ » قال ينقلب مشركا يدعو غير الله ويعبد غيره فمنهم من يعرف ويدخل الإيمان قلبه فيؤمن ويصدق ويزول عن منزلته من الشك إلى الإيمان ومنهم من يثبت على شكه ومنهم من ينقلب إلى الشرك.
علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن زرارة مثله.
أشار إليه عز وجل بقوله : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » إلى قوله : «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ »(١) .
« انقلب على وجهه » كأنهعليهالسلام فسر الوجه بالحالة التي هو عليها أي رجع من حالة الشك إلى الشرك ، أو بسبب تلك الحالة إلى الشرك ، أو يكون بيانا لحاصل المعنى أي رجع إلى الجهة التي أتى منه ، والحاصل أنه ينتقل من شكه في رسول الله بعد نزول البلايا إلى الشرك بالله.
«خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ » أما خسرانه في الدنيا فلورود البلايا عليه وذهاب عصمته ، وأما خسرانه في الآخرة فلحبوط عمله بالارتداد ، و ذلك هو الخسران المبين لخسرانه في منافع الدارين جميعا «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ » أي يعبد جمادا لا يضر بنفسه ولا ينفع « فمنهم من يعرف » قسمعليهالسلام من خرج عن الشرك وشك في محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وما جاء به على ثلاثة أقسام ، فمنهم من يعرف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقربه ظاهرا وباطنا ويزول عنه الشك بمشاهدة الآيات والمعجزات والهدايات الخاصة ، ومنهم من يثبت على شكه فيه ويقيم عليه ، ومنهم من ينتقل
__________________
(١) سورة البقرة : ١٥٥.
باب
أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أو كافرا أو ضالا
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن ابن أذينة ، عن أبان بن عياش ، عن سليم بن قيس قال سمعت عليا صلوات الله عليه يقول وأتاه رجل فقال له ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا وأدنى ما يكون به العبد كافرا وأدنى ما يكون به العبد ضالا فقال له قد سألت فافهم الجواب أما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرفه الله تبارك وتعالى نفسه فيقر له بالطاعة ويعرفه نبيهصلىاللهعليهوآله فيقر له بالطاعة ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة قلت له يا أمير المؤمنين وإن جهل
من الشك إلى الشرك.
باب نادر
وفي بعض النسخ : باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أو كافرا أو ضالا.
الحديث الأول : مختلف فيه معتبر عندي.
ومفعول يقول محذوف يدل عليه ، فقال له قد سألت ، إلى آخر الكلام.
« أن يعرفه الله تعالى نفسه » تعريف الرب يتحقق بما أظهر من آيات وجوده وقدرته وعلمه وحكمته وسائر صفاته الكمالية والفعلية في الآفاق والأنفس ، ويتحقق تعريف النبي بما خصه من المعجزات البينات والأفعال الخارقة للعادات ، ويتحقق تعريف الحجة بالنصوص النبوية والعلوم الدينية والمعجزات الجلية والكرامات العلية ، والمراد بالإقرار الإقرار بالجنان أو الأعم منه ومن الإقرار باللسان ، وظاهره أن الإيمان هو التصديق والإذعان مع الإقرار الظاهري وقد مر أنه يشترط فيه عدم فعل ما يتضمن الإنكار ، وأما اشتراط الأعمال الصالحة
جميع الأشياء إلا ما وصفت قال نعم إذا أمر أطاع وإذا نهي انتهى.
وأدنى ما يكون به العبد كافرا من زعم أن شيئا نهى الله عنه أن الله أمر به ونصبه دينا يتولى عليه ويزعم أنه يعبد الذي أمره به وإنما يعبد الشيطان.
وأدنى ما يكون به العبد ضالا أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى وشاهده على عباده الذي أمر الله عز وجل بطاعته وفرض ولايته قلت يا أمير المؤمنين صفهم لي فقال الذين قرنهم الله عز وجل بنفسه ونبيه فقال : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ »(١) قلت يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أوضح لي فقال الذين قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في آخر خطبته يوم قبضه الله
وترك المعاصي فالمشهور أنها شرط لكمال الإيمان وقد مر الكلام فيه مفصلا.
« من زعم » أي حال من زعم أن الله أمر به ، ظاهره أن الابتداع في الدين يوجب الكفر ، فلو كان في أصول الدين أو متضمنا لإنكار بعض ضرورياته فلا ريب فيه ، ومنه إنكار إمامة أحد من الأئمةعليهمالسلام ، وأما إذا كان في الفروع ولم يكن ضروريا للدين فالكفر بالمعنى الذي يطلق على أصحاب الكبائر « ويزعم أنه يعبد الذي أمره به » أي يزعمه وهو الرب تعالى وإلا فالآمر والمعبود واحد وهو الشيطان « أن لا يعرف حجة الله » عدم معرفة الحجة وإن كان أعم من الاعتقاد بعدم كونه حجة ومن عدم الاعتقاد مطلقا ، لكن المراد هنا هو الثاني لأن الأول كفر ، ومن قدم الطاغوت على الحجة فهو داخل في الأول ، وفي الكلام السابق إشعار به.
« أطيعوا الله » إلخ حذف مفعول الإطاعة للدلالة على التعميم ، فوجب إطاعة أولي الأمر في جميع الأمور كما وجب إطاعة الله وإطاعة رسوله فيها ، فلا يجوز أن يراد بأولى الأمر السلطان الجائر ، بل غير المعصوم مطلقا ، إذ لا يجوز إطاعته في أكثر الأمور ، وقد مر تفصيله في باب ما نص الله ورسوله على الأئمةعليهمالسلام .
__________________
(١) سورة المائدة : ٩٥.
عزوجل إليه إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهماكتاب الله وعترتي أهل بيتي فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين وجمع بين مسبحتيه ولا أقول كهاتين وجمع بين المسبحة والوسطى فتسبق إحداهما الأخرى فتمسكوا بهما لا تزلوا ولا تضلوا ولا تقدموهم فتضلوا.
« إني قد تركت فيكم أمرين » لو كان لهذه الأمة متمسك غيرهما لذكره ، والحديث متفق عليه بين الخاصة والعامة ، وعدم الافتراق باعتبار أن الكتاب يدل على إمامتهم ، وهم يشهدون بحقية الكتاب ويثبتونه ، أو أن تمام القرآن لفظا وتفسيره وتأويله معنى عندهم فهما لا يفترقان ، أو هما متساوقان في الشرف والفضل والحجية ، وكونهما وسيلة لنجاة الأمة ، أو أنهما متحدان حقيقة ، وقد قال أمير المؤمنينعليهالسلام أنا كلام الله الناطق وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب القرآن إنشاء الله.
وقيل : أي لن يفترقا في وجوب التمسك والحجية فلو كان عليعليهالسلام حجة بعد الثلاث وقد كان القرآن حجة بعد النبي بلا فصل لزم الافتراق وأنه باطل.
« ولا تقدموهم » أي لا تتقدموهم ، والضمير للعترة وقد يقال أنه من باب التفعيل والضمير للغاصبين الثلاثة ، ولا يخفى بعده.
باب
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن بني أمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان ولم يطلقوا تعليم الشرك لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه.
باب أي نادر
الحديث الأول : ضعيف.
« أطلقوا للناس » قال والد شيخنا البهائيقدسسره : قيل : في معناه أن المراد أطلقوهم ولم يكلفوهم تعليم الإيمان ، وجعلوهم فارغين من ذلك لأنهم لو حملوهم وكلفوهم تعليم الإيمان لما عرفوه ، وذلك إنما هو أهل البيتعليهمالسلام وهم أعداء أهل البيت ، فكيف يكلفون الناس تعليم شيء يكون سببا لزوال دولتهم وحكمهم وزيادتهم بخلاف الشرك ، ولا يخفى بعده ، بل الظاهر أن المراد أنهم لم يعلموهم ما يخرجهم من الإسلام من إنكار نص النبي والخروج على أمير المؤمنينعليهالسلام وسبه وإظهار عداوة النبي وأهل بيته وغير ذلك ، لئلا يأبوا عنها إذا حملوهم عليها ، ولم يعرفوا أنها شرك وكفر.
وبعبارة أخرى يعني أنهم لحرصهم على إطاعة الناس إياهم اقتصروا لهم على تعريف الإيمان ولا يعرفوهم معنى الشرك لكي إذا حملوهم على إطاعتهم إياهم لم يعرفوا أنها من الشرك فإنهم إذا عرفوا أن إطاعتهم شرك لم يطيعوهم.
باب
ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن حسين بن نعيم الصحاف قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام لم يكون الرجل عند الله مؤمنا قد ثبت له الإيمان عنده ثم ينقله الله بعد من الإيمان إلى الكفر قال فقال إن الله عز وجل هو العدل إنما دعا العباد إلى الإيمان به لا إلى الكفر ولا يدعو أحدا إلى الكفر به فمن آمن بالله ثم ثبت له الإيمان عند الله لم ينقله الله
باب ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله
الحديث الأول : صحيح.
« لم ينقله الله » لعل المراد أن الله لم ينقله بل ينتقل هو بنفسه ، أو المعنى أن ما ينقله الله يظهر أنه لم يكن مؤمنا باطنا عند الله وتفصيله أنه سأل عن سبب نقل ثابت الإيمان منه إلى الكفر إلا أنه نسب النقل إلى الله عز وجل مجازا باعتبار خذلانه له وسلب لطفه وتوفيقه منه ، أو عن سبب نقله عز وجل إياه حقيقة لزعمه أن الكفر والإيمان من فعله عزوجل.
والجواب على الأول أن الله عادل ومن عدله أنه دعا الناس إلى الإيمان لا إلى الكفر ، فمن آمن به وثبت إيمانه في علمه لم ينقله من الإيمان إلى الكفر ، ولم يسلب عنه لطفه وتوفيقه أبدا وهو يخرج من الدنيا مؤمنا ، وما قد يتفق من نقل المؤمن إلى الكفر فإنما هو إذا كان الإيمان مستودعا غير ثابت.
وعلى الثاني أنه تعالى عادل لا يجور ، ولو كان الإيمان والكفر والنقل من الأول إلى الثاني من فعله تعالى لزم الجور والظلم ، وإنما فعله دعاء الناس إلى الإيمان لا إلى الكفر وهدايتهم إلى منافع الأول ومضار الثاني ، فمن آمن به وثبت له
عز وجل [ بعد ذلك ] من الإيمان إلى الكفر قلت له فيكون الرجل كافرا قد ثبت له الكفر عند الله ثم ينقله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان قال فقال إن الله
الإيمان واستقر في قلبه لم ينقله إلى الكفر ، ولم يسلب عنه توفيقه.
« وقلت له : فيكون الرجل كافرا » يحتمل الخبر والاستفهام ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلان السائل لما علم بالجواب المذكور أن من ثبت إيمانه لم ينقله الله إلى الكفر بسلب التوفيق عنه ، سأل عن حال من ثبت كفره هل ينقله الله من الكفر إلى الإيمان بهذا التوفيق واللطف أم لا؟ وانطباق الجواب على الأول ظاهر ، لإشعاره بأنه ممن هداه لعدم إبطاله الفطرة الأصلية بالكلية ، فلذلك تداركته العناية الإلهية ، وأما انطباقه على الثاني ففيه خفاء إذ لم يصرحعليهالسلام بما سأله عنه إلا أنه أشار إلى تقرير قاعدة كلية للتنبيه على أن المقصود الأهم هو معرفتها والتصديق بها.
وهي أن الله تعالى خلق الناس على نحو من الفطرة ، وهي كونهم قابلين للخير والشر وهداهم إليها ببعث الرسل ، وهم يدعونها إلى الإيمان وإلى سبيل الخير ، وينهونهم عن سبيل الكفر والشر ، فمنهم من هداه الله عز وجل بالهدايات الخاصة لعدم إبطاله الفطرة الأصلية وتفكره في أنه من أين جاء وإلى أين نزل ، وأي شيء يطلب منه ، واستماعه إلى نداء الحق ، فإنه عند ذلك يتلقاه اللطف والتوفيق والرحمة ، كما قال عز وجل : «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »(١) .
ومنهم من لم يهده الله عز وجل لإبطاله فطرته وعدم تفكره فيما ذكر وإعراضه عن سماع نداء الحق ، فيسلب عنه الرحمة واللطف والتوفيق ، وهو المراد من عدم هدايته له.
وقد أشارعليهالسلام بتقرير هذه المقدمة إلى أن الواجب عليكم أن تعلموا وتصدقوا بأن كل من آمن به فإنما آمن لأجل هدايته الخاصة ، وكل من
__________________
(١) سورة العنكبوت : ٦٩.
عز وجل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة ولا كفرا بجحود ثم بعث الله الرسل تدعوا العباد إلى الإيمان به «فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ » ومنهم من لم يهده الله.
لم يؤمن به فلفقد استحقاقه تلك الهداية كذا قيل.
وأقول : الظاهر أن كلام السائل استفهام ، وحاصل الجواب أن الله تعالى خلق العباد على الفطرة قابلة للإيمان ، وأتم على جميعهم الحجة بإرسال الرسل وإقامة الحجج ، فليس لأحد منهم حجة على الله في القيامة ولم يكن أحد منهم مجبورا على الكفر لا بحسب الخلقة ولا من تقصير في الهداية ، وإقامة الحجة ، لكن بعضهم استحق الهدايات الخاصة منه تعالى ، فصارت مؤيدة لإيمانهم وبعضهم لم يستحق ذلك لسوء اختياره ، فمنعهم تلك الألطاف فكفروا ومع ذلك لم يكونوا مجبورين ولا مجبولين على الكفر ، وهذا معنى الأمر بين الأمرين كما عرفت مرارا.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : فمنهم من هدى الله ، منهم من اهتدى بتلك الهداية العامة ، ومنهم من لم يهده الله أي لم يهتد بتلك الهداية ، وهذا أوفق بمسلك المتكلمين ، والأول أنسب بسائر الأخبار والله أعلم بحقيقة الأسرار.
ثم اعلم أنه اختلف أصحابنا في أنه هل يمكن زوال الإيمان بعد تحققه حقيقة أم لا ، قال الشهيد الثانيقدسسره في رسالة حقائق الإيمان : المؤمن بعد اتصافه بالإيمان الحقيقي في نفس الأمر هل يمكن أن يكفر أم لا؟ ولا خلاف أنه لا يمكن ما دام الوصف ، وإنما النزاع في إمكان زواله بضد أو غيره ، فذهب أكثر الأصوليين إلى جواز ذلك بل إلى وقوعه ، وذلك لأن زوال الضد بطريان ضده أو مثله على القول بعدم اجتماع الأمثال أمر ممكن ، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال.
لا يقال : نمنع عدم لزوم المحال من فرض وقوعه وذلك لأن زوال الضد
بطريان الآخر يلزم منه الترجيح من غير مرجح ، بل ترجيح المرجوح لأن الضد الموجود راجح الوجود لوجوده ، والمعدوم مرجوح فكيف يترجح على الراجح وكلاهما محال؟ وكذا الحكم في الأمثال.
لأنا نقول : المرجح موجود وهو الفاعل المختار القادر على الإيجاد والإعدام ، حتى في الحقائق الوجودية فكيف بالحقائق الاعتبارية ولا ريب أن الإيمان والكفر حقيقتان اعتباريتان للشارع ، فاعتبر الاتصاف بالإيمان عند حصول عقائد مخصوصة ، وانتفائه عند انتفائها ، وكلاهما مقدوران للمعتقد ، وظاهر كثير من الآيات الكريمة دال عليه ، كقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً »(١) وقوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ »(٢) .
وذهب بعضهم إلى عدم جواز زوال الإيمان الحقيقي بضد أو غيره ، ونسب ذلك إلى السيد المرتضىرضياللهعنه مستدلا بأن ثواب الإيمان دائم والإحباط والموافاة عنده باطلان.
أما الإحباط فلاستلزام أن يكون الجامع بين الإحسان والإساءة بمنزلة من لم يفعلهما مع تساويهما ، أو بمنزلة من لم يحسن إن زادت الإساءة وبمنزلة من لم يفعلهما مع تساويهما ، أو بمنزلة من لم يحسن إن زادت الإساءة وبمنزلة من لم يسيء مع العكس ، واللازم بقسميه باطل قطعا فالملزوم مثله.
وأما الموافاة فليست عندنا شرطا في استحقاق الثواب بالإيمان لأن وجوه الأفعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق لا يجوز أن يكون منفصلة عنها ولا متأخرة عن وقت حدوثها ، والموافاة منفصلة عن وقت حدوث الإيمان ، فلا يكون
__________________
(١) سورة النساء : ١٣٧.
(٢) كذا في النسخ والآية في سورة آل عمران (١٠٠) هكذا : « ان تتبعوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ ».
وجها ولا شرطا في استحقاق الثواب ، لا يقال : الثواب إنما يستحقه العبد على الفعل كما هو مذهب العدلية ، والإيمان ليس فعلا للعبد وإلا لما صح الشكر عليه ، لكن التالي باطل إذ الأمة مجتمعة على وجوب شكر الله تعالى على نعمة الإيمان ، فيكون الإيمان من فعل الله تعالى إذ لا يشكر على فعل غيره ، وإذا لم يكن من فعل العبد فلا يستحق عليه ثوابا فلا يتم دليله على أنه لا يتعقبه كفر لأن مبناه على استحقاق الثواب على الإيمان ، لأنا نقول : هو من فعل العبد ونلتزم عدم صحة الشكر عليه ، ونمنع بطلانه.
قولك في إثباته : الأمة مجتمعة « إلخ » قلنا : الشكر إنما هو على مقدمات الإيمان وهي تمكين العبد من فعله وأقداره عليه ، وتوفيقه على تحصيل أسبابه ، وتوفيق ذلك له لا على نفس الإيمان الذي هو فعل العبد ، فإن ادعى الإجماع على ذلك سلمناه ولا يضرنا ، وإن ادعى الإجماع على غيره منعناه فلا ينفعهم.
والاعتراض عليهرحمهالله من وجوه : « أحدها » توجه المنع إلى المقدمة القائلة بأن الموافاة ليست شرطا في استحقاق الثواب وما ذكره في إثباتها من أن وجوه الأفعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق لا يجوز أن يكون منفصلة عنها ، والموافاة منفصلة عن وقت الحدوث فلا يكون وجها ، لا دلالة له على ذلك بل إن دل فإنما يدل على أن الموافاة ليست من وجوه الأفعال ، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون شرطا لاستحقاق الثواب ، فلم لا يجوز أن يكون استحقاق الثواب مشروطا بوجوه الأفعال مع الموافاة أيضا ، لا بد لنفي ذلك من دليل.
ثانيها : الآيات الكريمة التي مر بعضها فإنها تدل على إمكان عروض الكفر بعد الإيمان ، بل بعضها على وقوعه ، وأجاب السيد عن ذلك بأن المراد والله أعلم من وصفهم بالإيمان الإيمان اللساني دون القلبي ، وقد وقع مثله كثيرا في القرآن
العزيز ، كقوله تعالى : «آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ »(١) وحيث أمكن صحة هذا الإطلاق ولو مجازا سقط الاستدلال بها.
ثالثها : أن الشارع جعل للمرتد أحكاما خاصة به لا يشاركه فيها الكافر الأصلي كما هو مذكور في كتب الفروع وهذا أمر لا يمكن دفعه ، ولا مدخل للطعن فيه ، فإن الكتاب العزيز والسنة المطهرة ناطقان بذلك ، والإجماع واقع عليه كذلك ، ولا ريب أن الارتداد هو الكفر المتعقب للإيمان ، كما دل عليه قوله تعالى : «مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ »(٢) الآية ، فقد دل على ما ذكرناه من أن المؤمن يمكن أن يكفر.
أقول : وللسيدرحمهالله أن يجيب عن ذلك بأن ما ذكرناه إنما يدل على أن من اتصف في ظاهر الشرع بالارتداد فحكمه كذا وكذا ، ولا يدل على أنه صار مرتدا بذلك في نفس الأمر ، فلعله كان كافرا في الأصل ، وحكمنا بأنه ظاهرا للإقرار بما يوجب الإيمان مع بقائه على كفره عند الله تعالى ، وبفعله ما يوجب الارتداد ظاهرا حكمنا بارتداده ، أو كان مؤمنا في الأصل وهو باق على إيمانه عند الله تعالى ، لكن لاقتحامه حرمات الشارع وتعديه هذه الحدود العظيمة جعل الشارع الحكم بالارتداد عليه عقوبة له لتنحسم بذلك مادة الاقتحام والتعدي من المكلفين فيتم نظام النواميس الإلهية.
وأقول : الحق أن المعلومات التي يتحقق الإيمان بالعلم بها أمور متحققة ثابتة لا تقبل التغير والتبدل ، إذ لا يخفى أن وحدة الصانع تعالى ووجوده وأزليته وأبديته وعلمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات أمور تستحيل تغيرها ، وكذا كونه تعالى عدلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب ، وكذا النبوة والمعاد ،
__________________
(١) كذا في النسخ والآية في سورة المائدة (٤١) هكذا «قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ. ».
(٢) سورة المائدة : ٥٤.
فإذا علمها الشخص على وجه اليقين والثبات بحيث صار علمه بها كعلمه بوجود نفسه غير أن الأولى نظري والثاني بديهي لكن لما كان النظري إنما يصير يقينيا بانتهائه إلى البديهي ولم يبق فرق بين العلمين امتنع تغير ذلك العلم وتبدله كما يمتنع تغير علمه بوجود نفسه.
والحاصل أن العلم إذا انطبق على المعلوم الحقيقي الذي لا يتغير أصلا فمحال تغيره ، وإلا لما كان منطبقا ، فعلم أن ما يحصل لبعض الناس تغيير عقيدة الإيمان لم يكن بعد اتصاف أنفسهم بما ذكرناه من العلم ، بل كان الحاصل لهم ظنا غالبا بتلك المعلومات لا العلم بها ، والظن يمكن تبدله وتغيره وإن كان المظنون لا يمكن تبدله لأن الانطباق غير حاصل ، وإلا لصار علما.
إن قلت : يتصور زوال الإيمان بصدور بعض الأفعال الموجبة للكفر كما تقدم ، وإن بقي التصديق اليقيني بالمعارف المذكورة فقد صح أن المؤمن قد يكفر بعد اتصافه بالإيمان.
قلت : لا نسلم إمكان صدور فعل يوجب الكفر ممن اتصف بالعلم المذكور ، بل صار ذلك الفعل ممتنعا بالغير الذي هو العلم اليقيني وإن أمكن بالذات وحينئذ فصدور بعض الأفعال المذكورة إنما كان لعدم حصول العلم المذكور ، وبالجملة فكلام علم الهدى ومذهبه هنارضياللهعنه في غاية القوة والمتانة بعد تدقيق النظر. وقد ظهر مما حررناه أن القائلين بإمكان زوال الإيمان لعروض الكفر إن أرادوا به إمكان زوال العلم بالأمور المذكورة فظاهر أنه ممتنع بالذات ، كانقلاب الحقائق ، وإن أرادوا به إمكان انتفاء الإيمان لعروض شيء من الأفعال وإن بقي العلم فقد بينا أنه ممتنع بالغير ، فإن أرادوا بالإمكان على هذا التقدير الإمكان الذاتي فلا نزاع لأحد فيه ، وإن أرادوا به عدم الامتناع ولو بالغير فقد بينا منعه وامتناعه.
وبالجملة فظواهر كثير من الآيات الكريمة والسنة المطهرة تدل على
إمكان طرو الكفر على الإيمان ، وعلى هذا بناء أحكام المرتدين وهو مذهب أكثر المسلمين ، نعم في الاعتبار ما يدل على عدم جواز طروه عليه كما أشرنا إليه إن جعلنا الإيمان عبارة عن التصديق مع الإقرار أو حكمه ، لكن الأول هو الأرجح في النفس ، انتهى كلامه رفع الله مقامه.
وأقول : الحق أن الإيمان إذا بلغ حد اليقين فلا يمكن زواله ، ولكن بلوغه إلى هذا الحد نادر ، وتكليف عامة الخلق بها في حرج ، بل الظاهر أنه يكفي في أيمان أكثر الخلق الظن القوي الذي يطمئن به النفس ، وزوال مثل ذلك ممكن ، ودرجات الإيمان كثيرة كما عرفت ، ففي بعضها يمكن الزوال والعود إلى الشك ، بل إلى الإنكار ، وهو إيمان المعاد ، وفي بعضها لا يمكن الزوال لا بالقول ولا بالعقيدة ولا بالفعل ، وفي بعضها يمكن الزوال بالقول والفعل مع عدم زوال الاعتقاد كقوم من الكفرة كانوا يعتقدون صدق الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكانوا يعاندون وينكرون أشد الإنكار للأغراض الفاسدة والمطالب الدنيوية كأبي جهل وأضرابه ، وكثير من الصحابة رأوا نصب عليعليهالسلام في يوم الغدير ، وسمعوا النص عليه في سائر المواطن ، وغلبت عليهم الشقاوة وحب الدنيا ، وأنكروا ذلك.
فلو قيل باشتراط الجزم في الإيمان وعدم إمكان زوال اليقين فلا ريب في أنه مشروط بعدم الإنكار ظاهرا كما قال تعالى : «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ »(١) فيمكن حصول الارتداد وزوال الإيمان بالإنكار الظاهري أو فعل ما حكم الشارع بحصول الكفر عنده كسجود الصنم ، وقتل النبي أو الإمام وإلقاء المصحف في القاذورات والاستخفاف بالمصحف أو الكعبة ، وأمثال ذلك.
__________________
(١) سورة النمل : ١٤.
باب المعارين
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهماالسلام قال سمعته يقول إن الله عز وجل خلق خلقا للإيمان لا زوال له وخلق خلقا للكفر لا زوال له وخلق خلقا بين ذلك
باب المعارين
الحديث الأول : صحيح.
« خلق خلقا للإيمان » قيل : اللام لام العاقبة أي خلق خلقا عاقبتهم الإيمان في العلم الأزلي لا زوال لإيمانهم وهم الأنبياء والأوصياء والتابعون لهم من المؤمنين الثابتين على الإيمان ، وخلق خلقا عاقبتهم الكفر في علمه عز وجل ، وخلق خلقا مترددين بين الإيمان والكفر ، مستضعفين في علمه ، فمن آمن منهم كان إيمانه مستودعا فإن يشأ الله أن يتم لهم بحسن استعدادهم وإقبالهم إلى الله عز وجل أتمه بفضله وتوفيقه ، وجعله ثابتا مستقرا فيهم وإن يشأ أن يسلبهم إياه لزوال استعدادهم الفطري وفساد استعدادهم الكسبي سلبهم ورفع عنهم توفيقهم ، ويفهم بالمقايسة حال من كفر منهم.
وأقول : من علم أنهم يموتون على الإيمان كان ينبغي أن يدخلهم في القسم الأول على هذا الوجه ، ومن علم أنهم يموتون على الكفر في القسم الثاني ، بل الأحسن أن يقال : لما علم الله سبحانه استعدادتهم وقابلياتهم وما يؤول إليه أمرهم ومراتب إيمانهم وكفرهم ، فمن علم أنهم يكونون راسخين في الإيمان كاملين فيه وخلقهم فكأنه خلقهم للإيمان الكامل الراسخ ، وكذا الكفر ، ومن علم أنهم يكونون متزلزلين مترددين بين الإيمان والكفر ، فكأنه خلقهم كذلك فهم مستعدون لإيمان ضعيف ، فمنهم من يختم له بالإيمان ، ومنهم من يختم له بالكفر فهم المعارون ،
واستودع بعضهم الإيمان فإن يشأ أن يتمه لهم أتمه وإن يشأ أن يسلبهم إياه سلبهم وكان فلان منهم معارا.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب والقاسم بن محمد الجوهري ، عن كليب بن معاوية الأسدي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن العبد يصبح مؤمنا ويمسي كافرا ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا وقوم يعارون الإيمان ثم يسلبونه ويسمون المعارين ثم قال فلان منهم.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري
والظاهر أن المراد بفلان أبو الخطاب وكنى عنه بفلان لمصلحة ، فإن أصحابه كانوا جماعة كثيرة كان يحتمل ترتب مفسدة على التصريح باسمه.
ويحتمل أن يكون كناية عن ابن عباس فإنه قد انحرف عن أمير المؤمنينعليهالسلام وذهب بأموال البصرة إلى الحجاز ، ووقع بينهعليهالسلام وبينه مكاتبات تدل على شقاوته وارتداده كما ذكرته في الكتاب الكبير ، والتقية فيه أظهر ، لكن سيأتي التصريح بأبي الخطاب في خبر شلقان ، وعلى التقديرين « منهم » خبر كان ، وضمير الجمع للخلق بين ذلك ، و معارا خبر بعد خبر ، وقيل : فلان كناية عن عثمان ، والضمير للخلفاء الثلاثة ، والظرف حال عن فلان ، ومعارا خبر كان ، ولا يخفى بعده لفظا ومعنى ، فإن الثلاثة كانوا كفرة لم يؤمنوا قط.
الحديث الثاني : صحيح.
« ثم يسلبونه » يدل على أن السلب متعد إلى مفعولين بخلاف ما يظهر من كتب اللغة ، ويومئ إليه أيضا تمثيلهم لبدل الاشتمال بقولهم سلب زيد ثوبه ، إذ لو كان متعديا إلى مفعولين لما احتاج إلى البدلية لكن لا عبرة بقولهم بعد وروده في كلام أفصح الفصحاء.
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
وفي المصباح البهمة ولد الضأن ، يطلق على الذكر والأنثى والجمع بهم ، مثل
وغيره ، عن عيسى شلقان قال كنت قاعدا فمر أبو الحسن موسىعليهالسلام ومعه بهمة قال قلت يا غلام ما ترى ما يصنع أبوك يأمرنا بالشيء ثم ينهانا عنه أمرنا أن نتولى أبا الخطاب ثم أمرنا أن نلعنه ونتبرأ منه فقال أبو الحسنعليهالسلام وهو غلام :
تمرة وتمر ، وجمع البهم بهام مثل سهم وسهام ، وتطلق البهام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليبا ، فإذا انفردت قيل : لأولاد الضأن بهام ولأولاد المعز سخال ، وقال ابن فارس : البهم صغار الغنم ، وقال أبو زيد : يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها الضأن أو المعز ، ذكرا كان الولد أو أنثى سخلة ، ثم هي بهمة والجمع بهم ، وقال : الغلام الابن الصغير.
وأبو الخطاب هو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي وكان في أول الحال ظاهرا من أجلاء أصحاب الصادقعليهالسلام ثم ارتد وابتدع مذاهب باطلة ، ولعنه الصادقعليهالسلام وتبرأ منه.
وروى الكشي روايات كثيرة تدل على كفره ولعنه ، فمنها ما رواه عن الصادقعليهالسلام أنه قال : اللهم العن أبا الخطاب فإنه خوفني قائما وقاعدا وعلى فراشي ، اللهم أذقه حر الحديد.
وروى بإسناده عن حنان بن سدير قال : كنت جالسا عند أبي عبد اللهعليهالسلام وميسر عنده فقال له ميسر : جعلت فداك عجبت لقوم كانوا يأتون معنا إلى هذا الموضع فانقطعت آثارهم وفنيت آجالهم ، قال : ومن هم؟ قال : أبو الخطاب وأصحابه وكان متكئا فجلس فرفع إصبعيه إلى السماء ثم قال : على أبي الخطاب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، فأشهد بالله أنه كافر فاسق مشرك ، وأنه يحشر مع فرعون في أشد العذاب غدوا وعشيا ثم قال : أما والله إني لأنفس على أجساد أصبت معه.
وعنهعليهالسلام قال : تراءى والله إبليس لأبي الخطاب على سور المدينة والمسجد وكأني أنظر إليه وهو يقول : أيها تظفر الآن ، أيها تظفر الآن ، انتهى.
إن الله خلق خلقا للإيمان لا زوال له وخلق خلقا للكفر لا زوال له وخلق خلقا بين ذلك أعاره الإيمان يسمون المعارين إذا شاء سلبهم وكان أبو الخطاب ممن أعير الإيمان قال فدخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فأخبرته ما قلت لأبي الحسنعليهالسلام وما قال لي فقال أبو عبد اللهعليهالسلام إنه نبعة نبوة.
وروي أنه كان يدعي ألوهية الصادقعليهالسلام ويدعي أنه نبي من قبله على أهل الكوفة ، وبه يتأول قوله تعالى : «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ »(١) واختلف الأصحاب فيما رواه في حال استقامته والأكثر على جواز العمل بها ، وكأنه متفرع على المسألة السابقة فمن ادعى جواز تحقق الإيمان وزواله يجوز العمل بروايته ، لأنه حينئذ كان مؤمنا ومن زعم أنه كاشف عن عدم كونه مؤمنا لا يجوز العمل بها.
« أنه نبعة نبوة » أي عمله من ينبوع النبوة أو هو غصن من شجرة النبوة والرسالة ، في القاموس : نبع الماء ينبع مثلثة نبعا ونبوعا خرج من العين ، والنبع شجر للقسي والسهام ينبت في قلة الجبل.
وأقول : روى الكشي بسند صحيح عن شلقان قال : قلت لأبي الحسنعليهالسلام وهو يومئذ غلام قبل أوان بلوغه : جعلت فداك ما هذا الذي نسمع من أبيك أنه أمرنا بولاية أبي الخطاب ثم أمرنا بالبراءة منه؟ قال : فقال أبو الحسنعليهالسلام من تلقاء نفسه : إن الله خلق الأنبياء على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء ، وخلق المؤمنين على الإيمان فلا يكونون إلا مؤمنين ، واستودع قوما إيمانا فإن شاء أتمه وإن شاء سلبهم إياه وإن أبا الخطاب كان ممن أعاره الله الإيمان ، فلما كذب على أبي ، سلبه الله الإيمان ، قال : فعرضت هذا الكلام على أبي عبد اللهعليهالسلام قال : فقال : لو سألتنا عن ذلك ما كان يكون عندنا غير ما قال.
__________________
(١) سورة الزخرف : ٨٤.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن مرار ، عن يونس ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي الحسن صلوات الله عليه قال : إن الله خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء وخلق المؤمنين على الإيمان فلا يكونون إلا مؤمنين وأعار قوما إيمانا فإن شاء تممه لهم وإن شاء سلبهم إياه قال وفيهم جرت «فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ » وقال لي إن فلانا كان مستودعا إيمانه فلما كذب علينا سلب إيمانه ذلك.
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن
الحديث الرابع : مجهول.
وقال تعالى : «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ »(١) قال البيضاوي : أي فلكم استقرار في الأصحاب أو فوق الأرض ، واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض ، أو موضع الاستقرار والاستيداع ، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل ، والمستودع مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع ، لأن الاستقرار منا دون الاستيداع ، انتهى.
ولعل تأويلهعليهالسلام أنسب بالقراءة الأخيرة ، أي فمنكم إيمانه مستقر أي ثابت ، وبعضكم إيمانه مستودع ، أو بعضكم مستقر في الإيمان وبعضكم غير مستقر بل مستودع اسم مفعول أو اسم مكان ، وعلى القراءة الأولى اسم مكان ، أي بعضكم محل استقرار الإيمان ، والمستودع يحتمل الوجهين.
قوله : سلب إيمانه ، يحتمل بناء المفعول والفاعل ، وعلى الثاني ذلك إشارة إلى الكذب.
الحديث الخامس : مجهول.
وفي القاموس : جبلهم الله يجبل خلقهم ، وعلى الشيء طبعه وجبره كأجبله ،
__________________
(١) سورة الأنعام : ٩٨.
القاسم بن حبيب ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الله جبل النبيين على نبوتهم فلا يرتدون أبدا وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبدا وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدون أبدا ومنهم من أعير الإيمان عارية فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الإيمان.
« فإذا هو دعا » فيه حث على الدعاء لحسن العاقبة وعدم الزيغ ، كما كان دأب الصالحين قبلنا ، وفيه دلالة أيضا على أن الإيمان والسلب مسببان عن فعل الإنسان ، لأنه يصير بذلك مستحقا للتوفيق والخذلان.
وجملة القول في ذلك أن كل واحد من الإيمان والكفر قد يكون ثابتا وقد يكون متزلزلا يزول بحدوث ضده لأن القلب إذا اشتد ضياؤه وكمل صفاؤه استقر الإيمان وكل ما هو حق فيه ، وإذا اشتدت ظلمته وكملت كدورته استقر الكفر وكل ما هو باطل فيه ، وإذا كان بين ذلك باختلاط الضياء والظلمة فيه كان مترددا بين الإقبال والأدبار ، ومذبذبا بين الإيمان والكفر ، فإن غلب الأول دخل الإيمان فيه من غير استقرار ، وإن غلب الثاني دخل الكفر فيه كذلك ، وربما يصير الغالب مغلوبا فيعود من الإيمان إلى الكفر ، ومن الكفر إلى الإيمان فلا بد للعبد من مراعاة قلبه فإن رآه مقبلا إلى الله عز وجل شكره وبذل جهده وطلب منه الزيادة لئلا يستدبر وينقلب ويزيغ عن الحق ، كما ذكره سبحانه عن قوم صالحين : «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ »(١) وإن رآه مدبرا زائغا عن الحق تاب واستدرك ما فرط فيه ، وتوكل على الله وتوسل إليه بالدعاء والتضرع ، لتدركه العناية الربانية فتخرجه من الظلمات إلى النور ، وإن لم يفعل ربما سلط عليه عدوه الشيطان ، واستحق من ربه الخذلان ، فيموت مسلوب الإيمان كما قال سبحانه : «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ »(٢) أعاذنا الله من ذلك وسائر أهل الإيمان.
__________________
(١) سورة آل عمران : ٨.
(٢) سورة الصفّ : ٥.
باب في علامة المعار
١ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن المفضل الجعفي قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن الحسرة والندامة والويل كله لمن لم ينتفع بما أبصره ولم يدر ما الأمر الذي هو عليه مقيم أنفع له أم ضر قلت له فبم يعرف الناجي من
باب في علامة المعار
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« إن الحسرة والندامة والويل » الحسرة اسم من حسرت الشيء حسرا من باب تعب ، وهي التلهف والتأسف على فوات أمر مرغوب ، والندامة الحزن على شيء مكروه ، والويل العذاب وواد في جهنم ، يعني هذا كله لمن لم ينتفع بما أبصره ، وعلمه من العقائد والأحكام والأعمال والأخلاق والآداب ، وعدم الانتفاع بها بأن لا يعمل بمقتضى علمه بها « ولم يدر ما الأمر الذي هو عليه مقيم » من العقائد والأحكام والأعمال والأخلاق والآداب و « أنفع » بصيغة المصدر أي نافع ، ويحتمل الماضي وكذا « أم ضر » يحتملهما والأول أظهر فيهما ، وفيه حث على مراقبة النفس في جميع الحالات ومحاسبتها في جميع الحركات والسكنات ، ليعلم ما ينفعها فيجلبها ويزيد منها وما يضرها فيجتنبها.
« فبم يعرف الناجي من هؤلاء » أي من يكون أمره آئلا إلى النجاة من المهالك وعقوبات الآخرة؟ فقال : « من كان فعله لقوله موافقا » أي لقوله الحق وهو ما يأمر الناس به من الخيرات والطاعات وترك المنكرات ، أو لما يدعيه من الإيمان بالله واليوم الآخر والأنبياء والأوصياءعليهمالسلام ، فإن مقتضى ذلك العمل بما يأمره الله تعالى ، ويوجب الوصول إلى مثوباته والنجاة من عقوباته ومتابعة أئمة الذين في أقوالهم وأفعالهم أو لما يدعي لنفسه من الكمالات وما نصب نفسه له من الحالات
هؤلاء جعلت فداك قال من كان فعله لقوله موافقافأثبت له الشهادة بالنجاة ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع.
باب سهو القلب
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جعفر بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير وغيره قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن القلب ليكون الساعة
والدرجات أو الجميع.
« فأثبتت له الشهادة » على صيغة المجهول أي يشهد الله تعالى وملائكته وحججهعليهمالسلام وكل المؤمنين بأنه من الناجين لاتصافه بكمال الحكمة النظرية لقوله الحق ، وكمال الحكمة العملية لعمله بأقواله الحقة ، وفي بعض النسخ « فأتت ».
« ومن لم يكن فعله لقوله موافقا » أي بأن يكون قوله حقا وفعله باطلا كما هو شأن أكثر الخلق « فإنما ذلك مستودع » إيمانه غير ثابت فيه ، فيحتمل أن يبقى على الحق ويثبت له الإيمان وتحصل له النجاة ، وأن يزول عن الحق ويعود إلى الشقاوة ويستحق الويل والحسرة والندامة.
باب سهو القلب
الحديث الأول : مجهول أو حسن موثق لاشتراك عثمان ، وسنده الثاني ضعيف.
« إن القلب ليكون » المشهور أن المراد بالقلب النفس الناطقة الإنسانية التي هي محل الإيمان والكفر ، لا العضو الصنوبري المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وإنما سميت بالقلب لتقلب أحواله ، أو لأن تعلق النفس الإنسانية ابتداء إنما هو بالروح الحيواني وهو البخار اللطيف المنبعث من القلب الذي هو محل القوي الإدراكية ، وقد مر بعض الكلام في تحقيق القلب في باب أن للقلب أذنين ، والمراد بالساعة ساعة الغفلة عن الحق والاشتغال بما سواه.
من الليل والنهار ما فيه كفر ولا إيمان كالثوب الخلق قال ثم قال لي أما تجد ذلك من نفسك قال ثم تكون النكتة من الله في القلب بما شاء من كفر وإيمان.
« ما فيه كفر ولا إيمان » أي ليس متذكرا لشيء منهما ، أو في حال لا يمكن الحكم بكفره لكن ليس فيه الإقبال على الحق والتوجه إلى عالم القدس ، قيل : وفيه إشعار بأن الكفر وجودي إذ لو كان عبارة عن عدم الإيمان كما زعم لما انتفيا معا والخلق محركة البالي للمذكر والمؤنث ، والتشبيه إما للكثافة والرثاثة وعدم الاعتناء بشأنه ، وإما لأنه ليس باطلا بالمرة ولا كاملا في الجملة ، أو لأنه في معرض الانخراق والفساد ولا طراوة ولا نضارة له ، ويمكن أن ينتفع به ويرجع إلى الثاني.
« أما تجد » استفهام إنكاري وقيل : وذلك إذا وسوس إليه الشيطان بأن قال له لعل ما تقول الزنادقة في إنكار الصانع أو منكروا النبوة أو الإمامة في إنكارهما حق وأمثال ذلك ، وذلك محض تصور ، وإلا كان شركا.
وأقول : من تفكر في تارات القلب وعرف حالاته علم أنه أعم من ذلك وله شؤون غريبة وحالات عجيبة في القرب والبعد من ربه تعالى ، وفي الشوق والتيقظ والغفلة والكسل والرغبة في الدنيا والزهد فيها ، ومراتب حبه تعالى والأشواق العارضة له مما يوجب قربه وبعده وغير ذلك مما يطول ذكره ، وقال في النهاية في حديث الجمعة : فإذا فيها نكتة سوداء أي أثر قليل كالنقطة شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما ، وفي القاموس : النكت أن تضرب في الأرض بقضيب فتؤثر فيها ، والنكتة بالضم النقطة وشبه الوسخ في المرآة ، انتهى.
وكون نكتة الإيمان والكفر من الله سبحانه باعتبار توفيقه وخذلانه المسببان من سوء اختيار العبد وحسن اختياره ، وقيل : يحتمل أن يكون باعتبار أنه وكل
عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن أبي عمير مثله.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن العباس بن معروف ، عن حماد بن عيسى ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول يكون القلب ما فيه إيمان ولا كفر شبه المضغة أما يجد أحدكم ذلك.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن العمركي بن علي ، عن علي بن جعفر ، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال إن الله خلق قلوب المؤمنين مطوية مبهمة على الإيمان فإذا أراد
على القلب ملكا يهديه إلى الخير وشيطانا يرشده إلى الشر كما مر ، وبهذا الاعتبار كان النكتتان منه تعالى ، ومعنى مشيته للإيمان والكفر المشية باعتبار الأقدار عليهما دون المشية على سبيل الإجبار ، فإنه تعالى لما جعل فيه آلة الكفر وآلة الإيمان ، فقد شاء منه الكفر والإيمان لكن لا بحيث يكون مجبورا وتكون المشية مشية حتم.
الحديث الثاني : موثق.
والمضغة بالضم القطعة من اللحم قدر ما يمضغ.
الحديث الثالث : صحيح.
« خلق قلوب المؤمنين مطوية » استعار الطي هنا لكمون الإيمان فيها كناية عن استعدادها لكمال الإيمان وأنه لا يعلم ذلك غير خالقها كالثوب المطوي أو الكتاب المطوي لا يعلم ما فيهما غير من طواهما ، وفي القاموس : الأبهم الأعجم واستبهم عليه استعجم فلم يقدر على الكلام ، وأبهم الأمر اشتبه ، والمبهم كمكرم المغلق من الأبواب والأصمت كالأبهم ، فالمراد بالمبهمة هنا المغلقة والمقفلة على التشبيه بالبيت ، فلا يعلم ما فيها إلا هو ، أو المعضلة التي لا يعلم حالها ووضعها إلا هو ، من أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم يجعل عليه دليلا أو الخالصة الصحيحة التي ليس فيها شيء من العاهات والأمراض ، ومنه فرس بهيم وهو الذي له لون واحد لا يخالطه
استنارة ما فيها نضحها بالحكمة وزرعها بالعلم وزارعها والقيم عليها رب العالمين.
لون سواه.
وقوله : على الإيمان ، متعلق بمطوية أو بمبهمة أو بهما على التنازع ، وقيل : حال عن القلوب أي خلقها كائنة على الإيمان ، وفي ذكر المطوية والمبهمة إشعار بأن إيمانها مغفول عنه ، وهو عبارة عن سهو القلب فلذا ذكره في هذا الباب ، قيل : ولما كان الخلق تابعا للعلم وكان علم الله عز وجل بالشيء قبل خلقه كعلمه به بعده ، وكان قلب المؤمن متصفا بالإيمان باختياره إياه ، صدق أنه تعالى خلقه على هذا الوصف ، فلا يلزم الجبر.
« فإذا أراد استثارة ما فيها »(١) أي تهييجها وسطوح أنوار ما كان كامنا فيها ، وفي بعض النسخ : استشارة ما فيها ، بالشين ، تشبيها لما في قلوب المؤمنين بالعسل في رغبة النفوس الصحيحة إليها ، في القاموس : الثور الهيجان والوثب والسطوح ، وأثاره وثورة واستثاره غيره ، وقال : شار العسل شورا استخرجه من الوقبة أي الموضع الذي اجتمع فيه كأشاره واشتاره واستشاره ، و النضح الرش وكان المراد بالحكمة العلوم اللدنية والإفاضات الربانية ، وبالعلم ما يكتسبه الإنسان بالتفكر والنظر والأخذ من الكتاب والسنة فأشارعليهالسلام إلى أن الكسب والنظر لا ينفع ولا يثمر بدون الإفاضات السبحانية وأن الكسب أيضا لا يتم إلا بالتوفيقات الربانية فشبهعليهالسلام العلم بالبذر والحكمة التي هي الإفاضات الربانية بالمطر ، فمن يطرح البذر في الأرض لا ينبت ولا ينمو إلا بالمطر الذي هو من فضله تعالى ، وبعد ذلك الإنبات من فعله سبحانه لا من فعل العبد ، كما قال عز وجل «أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ »(٢) حيث نسب الحرث إليهم لكونه فعلا لهم ، ونسب
__________________
(١) وفي نسخة « استنارة ما فيها » بالنون.
(٢) سورة الواقعة : ٦٤.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن القلب ليترجج فيما بين الصدر والحنجرة
الزرع إلى ذاته المقدسة لكونه من فعله ، وكذلك العلم لا يحصل إلا بإفاضته وإصلاح أرض القلب عما يضر بالزرع ، من الشكوك والشبه والرغبات الدنية والوساوس الشيطانية ، وأفاض عليها ماء الحكمة أثمر ما يوجب الحياة الأبدية في النشأة الباقية كما أن إنبات الزرع في الدنيا يوجب بقاء الأبدان في النشأة الفانية ، فكم بينهما من المباينة ، ويحتمل أن يكون المراد بالحكمة ما يجريه على لسان الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام بالوحي والإلهام ، كما قال تعالى : «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ».
وقيل : الحكمة الدين الحق وعلى التقادير ظهر أن زارع القلوب ومحييها والقيم عليها والقائم بما يصلحها هو رب العالمين الذي بيده إيجاد العالم بأنواعه المختلفة وتربيتها وإخراج كل منها من حد النقص إلى ما يستحقه من الكمال ، فظهر أنه تعالى مقلب القلوب والمتصرف فيها والحاكم عليها كما روي : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وورد في الدعاء يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، بل هو عرشه ومحل معرفته ومحبته ومستقر عظمته وجلاله كما روي : قلب المؤمن عرش الرحمن ، فلا بد للعبد أن يتوسل بربه سبحانه في تصفية قلبه وتزكيته ، ويسعى في إخلائه عن محبة غيره ليصير محل معرفته سبحانه ومظهر أنواره ومهبط إسراره ، رزقنا الله وسائر المؤمنين ذلك بفضله ورحمته.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
وفي المصباح : رججت الشيء رجا من باب قتل حركته فأرتج هو ، وارتج البحر اضطرب ، وفي القاموس : الرج التحريك والتحرك والاهتزاز والحبس والرجرجة الاضطراب كالارتجاج والترجرج ، والحنجرة الحلقوم ، يعني أن قلب من علم الله إيمانه يتحرك ويضطرب فيما بين الصدر والحنجرة طلبا للحق حتى
حتى يعقد على الإيمان فإذا عقد على الإيمان قر وذلك قول الله عز وجل : «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ »(١) .
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن فضال ، عن أبي جميلة ، عن محمد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن وقر ثم تلا أبو عبد اللهعليهالسلام هذه الآية «فَمَنْ »
يعقد عليه أي يعتقده ويعقد قلبه عليه ، فإذا اعتقده وتيقن سقط عنه الاضطراب واستقر لحصول مطلوبه وزوال الشك عنه ، وفي المصباح : اعتقدت كذا عقدت عليه القلب والضمير حتى قيل : العقيدة ما يدين الإنسان به ، وأما الاستشهاد بالآية فكأنه كان في قراءتهمعليهمالسلام يهدأ قلبه بفتح الدال والهمز ورفع « قلبه » أو بفتح الدال بغير همز بالقلب والحذف ، وقد قرأ بالأول في الشواذ.
قال البيضاوي : يهد قلبه للثبات والاسترجاع عند حلول المصيبة وقرأ يهد قلبه بالرفع على إقامته مقام الفاعل وبالنصب على طريق سفه نفسه ، ويهدأ بالهمز أي يسكن.
وقال الطبرسي : قرأ عكرمة وعمرو بن دينار يهدأ قلبه أي يطمئن قلبه كما قال سبحانه : «وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(٢) انتهى.
ويؤيده أنه روى البرقي في المحاسن هذه الرواية وزاد في آخره ، قال : يسكن وعلى القراءة المشهورة يمكن أن يكون المعنى أن من كان من شأنه أن يؤمن بالله يهدي الله قلبه للإيمان ويرشده إليه ويوفقه له فيستقر عليه.
الحديث الخامس : ضعيف.
« ليتجلجل » في القاموس التجلجل التحرك والتضعضع ، والجلجلة التحريك وشدة الصوت وفي النهاية : الجلجلة حركة مع صوت «فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ
__________________
(١) سورة التغابن : ١١.
(٢) سورة النحل : ١٠٦.
يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ » إلى قوله «كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ »(١) .
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي المغراء ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول إن القلب يكون في الساعة من الليل والنهار ليس فيه إيمان ولا كفر أما تجد ذلك ثم تكون بعد ذلك نكتة من الله في قلب عبده بما شاء إن شاء بإيمان وإن شاء بكفر.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن القاسم ، عن يونس بن ظبيان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الإيمان فإذا أراد استنارة
أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان «يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ » فيتسع له ويفسح فيه مجالة «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً » بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإيمان «كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ » شبهه مبالغة في ضيق الصدر بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فإن الصعود إلى السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة ، انتهى.
وقد مر بعض القول في هداية الله وإضلاله ، وقيل : لعل المراد بالآية أن من يرد الله أن يهديه إلى الإسلام لعلمه أزلا بإسلامه وحسن رعايته للفطرة الأصلية يشرح صدره للإسلام وقبول أحكامه ، فيصرف زمام قلبه إليه باللطف والتوفيق فإذا أصابه قر واطمأن به «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » بسبب اللطف والتوفيق لعلمه بأنه لا يؤمن «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً » في قبول الإيمان «حَرَجاً » في الاتصاف به كأنما يصعد إلى السماء ، وهو كناية عن شدة قلبه وصعوبته ونهاية بعده وتأمله في قبول الإيمان ولوازمه.
الحديث السادس : صحيح.
وقد مر عن أبي بصير باختلاف يسير في المتن والسند.
الحديث السابع : ضعيف ، وقد مر بسند آخر عن الكاظمعليهالسلام .
__________________
(١) سورة الأنعام : ١٢٥.
ما فيها فتحها بالحكمة وزرعها بالعلم وزارعها والقيم عليها رب العالمين.
باب
في ظلمة قلب المنافق وإن أعطي اللسان ونور قلب المؤمن
وإن قصر به لسانه
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن عمرو ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال لنا ذات يوم تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو خطيبا مصقعا ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه وقلبه يزهر كما يزهر المصباح.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم ، عن المفضل ، عن سعد ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن القلوب أربعة قلب
باب في ظلمة قلب المنافق وإن أعطي اللسان ونور قلب المؤمن وإن قصر به لسانه
الحديث الأول : مجهول لاشتراك عمرو الظاهر صحته ، و المسقع كمنبر بالسين والصاد : البليغ أو العالي الصوت ، أو من لا يرتج عليه في كلامه ، ولا يتعتع ذكره الفيروزآبادي ويدل على أن حسن الظاهر وطلاقة اللسان وفصاحة البيان لا عبرة بها بدون تنور القلب وصفائه واستقامته ، وإنما العبرة بصفاء الباطن ونورانيته وإن لم يكن معه صفاء الظاهر ، والله الناظر الرقيب لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم.
الحديث الثاني : مختلف فيه.
والظاهر أن المفضل هو أبو جميلة لروايته عن سعد وهو ابن طريف « إن القلوب أربعة » قيل : وجه الحصر أن القلب إما متصف بالإيمان أو لا ، والأول إما متصف بالإيمان بجميع ما جاء به النبي أو ببعضه دون بعض ، والأول قلب
فيه نفاق وإيمان وقلب منكوس وقلب مطبوع وقلب أزهر أجرد فقلت ما الأزهر قال فيه كهيئة السراج فأما المطبوع فقلب المنافق وأما الأزهر
المؤمن والثاني قلب فيه إيمان ونفاق ، والثاني إما أن يصرح بالإيمان ظاهرا أو لا ، والأول قلب المنافق ، والثاني قلب المشرك.
وأقول : يمكن أن يكون المراد هنا بالنفاق التزلزل في الإيمان أو الرياء أو عدم العمل بمقتضى الإيمان ، فيشمل إرادة المعاصي والإصرار عليها ، وفي النهاية الأزهر الأبيض المستنير ، وقال : الأجرد : الذي ليس على بدنه شعر وفيه : القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر أي ليس فيه غل ولا غش ، فهو على أصل الفطرة فنور الإيمان فيه يزهر ، والقاموس : الأجرد فضاء لا نبات فيه ، ويوم أجرد تام ، انتهى.
فشبهعليهالسلام قلب المؤمن بأرض صافية بيضاء قابلة لزرع الإيمان والحكمة وخالية عن شوك الشكوك والشبهات وذمائم الأخلاق ، وقال فيه : كهيأة السراج ، الهيئة الحالة والصورة ، شبه ما في القلب من نور الإيمان والمعارف بنور السراج للإيضاح لأنه أشهر وإن كان في المشبه أكمل ، لأن بنور القلب يرى ما في عالم الملك والملكوت ، وبنور السراج يرى بعض ما حوله من المبصرات.
« فأما المطبوع فقلب المنافق » الطبع الختم ، وختم القلب كناية عن منع الله عز وجل ألطافه الخاصة لإعراضه عن الحق ، وإنما نسب ذلك إلى قلب المنافق لأن عدم دخول الإيمان فيه مع تعرضه له بإظهاره باللسان إنما هو لمانع وهو الطبع المسبب عن إبطاله لاستعداده الفطري ، وفي النهاية فيه : من ترك ثلاث جمع من غير عذر طبع الله على قلبه ، أي ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه ، والطبع بالسكون الختم بالتحريك الدنس ، وأصله من الدنس والوسخ يغشيان السيف ، يقال : طبع السيف يطبع طبعا ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من القبائح.
فقلب المؤمن إن أعطاه شكر وإن ابتلاه صبر وأما المنكوس فقلب المشرك ثم قرأ هذه الآية «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »(١) فأما القلب الذي فيه إيمان ونفاق فهم قوم كانوا بالطائف فإن أدرك
« إن أعطاه شكر » ذكر من صفات المؤمن الصبر والشكر لأنهما من أمهات صفات الكمال مستوعبان لجميع الأحوال وإنما وصف قلب المشرك بالنكس لأنه كالظرف المقلوب المكبوب لا يستقر فيه شيء ، وخصه بالمشرك لأن قلب المنافق يمر فيه شيء من الحق والإيمان ، ولا يعتقد به بخلاف قلب المشرك ، فإنه لا يمر فيه شيء من الحق ، ولا ينافي ذلك كون عقوبة المنافق أشد لأن إنكار الحق مع العلم به أشنع وأقبح.
وقيل : القلب المنكوس هو القلب الناظر إلى الدنيا المتوجهة إليها لأن الدنيا تحت الآخرة وأنه لما صرف نظره وهمته عن الدرجات العالية التي هي فوقه وقصر نظره وهمه إلى الدنيا الدنية فكأنه نكس وانقلب ، أو أنه لما خلقه الله تعالى على الفطرة القويمة وهيأ له أسباب الترقي والطيران إلى الدرجات العالية فإن توجه إلى الشهوات البهيمية وضيع فطرته الأصلية فقد تنزل عما كان عليه وتوجه إلى الجهة السفلى ، فصار منكوسا كالطير الذي يطير إلى جهة السفل.
والاستشهاد بالآية إما لمناسبة التشبيهات أو لأن المكب على وجهه يصير قلبه أيضا منكوسا أو لأن المراد بالإكباب في الآية إكباب قلبه ، وقيل : الاستشهاد باعتبار أن المشرك يمشي مكبا على وجهه لكون قلبه مكبوبا مقلوبا ، والمؤمن يمشي سويا لكون قلبه على وجه الفطرة مستقيما عارفا بالحق كما يرشد إليه قوله تعالى «عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » وقال البيضاوي معنى مكبا أنه يعثر كل ساعة ويخر على وجهه لو عورة طريقه واختلاف أجزائه ، ولذلك قابله بقوله «أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا » قائما سالما من العثار «عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » مستوي الأجزاء أو الجهة ، والمراد تمثيل المشرك والموحد
__________________
(١) سورة الملك : ٢٢.
أحدهم أجله على نفاقه هلك وإن أدركه على إيمانه نجا.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال القلوب ثلاثة قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشر فيه يعتلجان فأيهما كانت منه غلب عليه وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر ولا يطفأ نوره إلى يوم القيامة وهو قلب المؤمن.
بالسالكين والدينين بالمسلكين ، وقيل : المراد بالمكب الأعمى فإنه يعتسف فينكب وبالسوى البصير وقيل : من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ، ومن يمشي سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة « فهم قوم » أي هم وأمثالهم ، وذكرهم على التمثيل والمراد بهم الشكاك ومن يعبد الله على حرف.
الحديث الثالث : ضعيف على المشهور.
« القلوب ثلاثة » هذا لا ينافي ما مر أن القلوب أربعة ، فإن قوله وقلب فيه نكتة سوداء يشمل قسمين منها ، وهما قلب فيه نفاق وإيمان ، وقلب المنافق ، وفي القاموس : وعاه يعيه حفظه وجمعه كأوعاه ، وقال : اعتلجوا اتخذوا صراعا وقتالا والأمواج التطمت.
« وقلب مفتوح » وهو الذي يقبل الإيمان والمعارف والأسرار ، وكلها نور ينور القلب في عالم الأبدان والأرواح ، و قوله : لا يطفأ نوره إلى يوم القيامة ، إشارة إلى أن القلب المنور بنور الإيمان والمعارف منور بعد الفراق من البدن في عالم البرزخ وبعده ، فإن هذه الأنوار باقية لا تزول منه أبدا.
باب
في تنقل أحوال القلب
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن محمد بن النعمان الأحول ، عن سلام بن المستنير قال كنت عند أبي جعفرعليهالسلام فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفرعليهالسلام أخبرك أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك أنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا قال فقال أبو جعفر
باب في تنقل أحوال القلب
الحديث الأول : مجهول.
« وتسلو أنفسنا عن الدنيا » في القاموس سلاه وعنه كدعاه ورضيه سلوا وسلوا نسيه ، وأسلاه عنه فتسلى « إنما هي القلوب » أي إنما سمي بالقلب لتقلب أحواله « مرة تصعب » أي عن الإقبال على عالم القدس ورفض الدنيا « ومرة تسهل » وتلين وتطيع العقل وتترك الشهوات بسهولة ، ووجه ذلك أن سنة الله في عالم الإنسان أن يكون متوسطا بين عالم الملائكة وعالم الشياطين.
فالملائكة ثابتون في مقام القدس كما قالوا : «وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ »(١) «وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »(٢) و «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ »(٣) والشياطين منهمكون في الشرور والخطيئات داعون إلى المعاصي والسيئات وكذلك البهائم
__________________
(١) سورة الصافّات : ١٦٤.
(٢) سورة التحريم : ٦.
(٣) سورة الأنبياء : ٢٠.
عليهالسلام إنما هي القلوب مرة تصعب ومرة تسهل.
ثم قال أبو جعفرعليهالسلام أما إن أصحاب محمدصلىاللهعليهوآله قالوا يا رسول الله نخاف علينا النفاق قال فقال ولم تخافون ذلك قالوا إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك وحتى كأنا لم نكن على شيء أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم
شأنهم الميل إلى الشهوات والرغبة في اللذات ، والإنسان عالم بين العالمين مركب من النشأتين ، فإن له روحا قدسيا وجسدا بهيميا فهو مختلف الشؤون منتقل الأحوال ، ولو لم يكن كذلك لم يتيسر له الترقي إلى أعلى مدارج الكمال وأقوى الدواعي إلى الصعود على أحسن الأحوال ، وأنفع الجنود لدفع وساوس الشياطين والتخلص عن الأهوال بمجالسة الصالحين ومعاشرتهم ومتابعتهم في الأقوال والأفعال كما يرشد إليه هذا الحديث.
والشمم القرب والدنو ، وكان المراد هنا الالتذاذ بقربهم والنظر إليهم تشبيها لهم بالرياحين ، و الأهل : الزوجة وذكرها تخصيص بعد تعميم « كانا لم نكن على شيء » أي من الحالة الأولى.
« إن هذه خطوات الشيطان » إشارة إلى قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ، وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(١) وفي القاموس : الخطوة ويفتح ما بين القدمين والجمع خطا وخطوات ، وبالفتح المرة والجمع خطوات ، والمعنى أن ذلك بسبب وساوس
__________________
(١) سورة النور : ٢١.
الشيطان وأتباعه ، فإن وفق الله للتوبة لا يضر ذلك ولا ينتهي إلى النفاق أي باطنكم مؤمن موقن وقد تعرض لكم الغفلة بسبب وساوس الشيطان ، حيث أنه لم يكن له تصرف في أيمان المؤمن يتوسل بما يوجب نقص إيمانه ، والمنافق باطنه غير مؤمن وهو في الغفلة دائما فبينهما بون بعيد.
وقيل : ينبغي أن يعلم أن قلب المؤمن في الحقيقة عرش الرحمن يطوف به قوافل وإرادات من الحق وإلهاماته ، ويشرق فيه لوامع أنواره وطوالع إسراره ، ولذلك يجب تطهيره عن أدناس التعلقات وأرجاس الشهوات ، وقد قيل : له بابان باب شرقي أيمن مفتوح إلى مشرق نور الحق. وحظيرة القدس ، يطلع من ذلك الباب شوارق ألطاف الربوبية والمواعظ اللاهوتية ، وباب غربي أيسر إلى مغرب الجسد والأعضاء ومنه يظهر آثار تلك الشوارق والمواعظ إلى الأعضاء فتخضع بالأعمال الصالحة تواضعا ويسهل القلب عند ذلك وتتم النعمة ظاهرة وباطنة وكثيرا ما يتصرف فيه الشيطان ويلقي إليه من الباب الغربي كذبا وزورا ، ويوحى إليه زخرف القول غرورا فيميله إلى الدنيا ويحدث فيه صداء ورينا ، فإن استيقظ من نداء الغيب ودعوة أهل الحق واستغفر زال عنه ، وإن استمر يسري ذلك من الباب الشرقي إلى عالم القدس ويمنع الواردات اللاهوتية وأنوار الربوبية فيسود لوح القلب ويصدر من الجوارح أعمال قبيحة مظلمة ، وتنعكس ظلمتها إليه ، فينطمس نوره بريح الشهوات ، وتراكم الظلمات ، ظلمات بعضها فوق بعض ، فلا يقبل الحق أبدا.
ثم أشارصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أن الحالة الأولى حالة حسنة شريفة ، والدوام عليها يوجب التشبيه بالملائكة ، والوصول إلى مقامات عالية ، وإلى أن الحالة الثانية والتعرض للذنب والاستغفار بعده لا تخلو من حكمة إلهية ومصلحة ربانية ، بقوله : « والله لو تدومون » إلخ.
لأن المانع من ظهور تلك الآثار هو الكدورات الجسمانية ، والتعلقات
أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ولو لا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر الله لهم إن المؤمن مفتن
البشرية والوساوس الشيطانية ، والميل إلى الزهرات الدنيوية ، فإذا زالت عن العبد تلك الموانع دائما يصير نورا صرفا وروحا محضا ، ويتصف بصفات الملائكة ، ويلتحق بالروحانيين ويصافحهم ، ويكون معهم ويمشي على الماء مثلهم.
وإن شئت توضيح ذلك فنقول : أن للروح الإنساني منازل في السير إلى الله ، أولها المحسوسات ، وثانيها المتخيلات ، وثالثها الموهومات ، ورابعها المعقولات ، وهو في هذا المنزل يمتاز عن سائر الحيوانات ، ويرى فيه ما هو خارج عن عالم الحس والخيال والوهم ، ويعلم روح الأشياء وحقائقها ، وله عرض عريض أوله أول عالم الإنسان ، وآخره عالم الملائكة بل فوقه ، وهو معراج الإنسان وأعلى عليين له ، كما أن الثلاثة الأول أسفل السافلين له ، وأعظم أسباب معراجه قطع التعلق عن الدنيا والإعراض عنها بالكلية ، ثم الدوام على هذه الحالة فإنه يوجب الوصول إلى حالة شريفة هي مرتبة عين اليقين ، وله في تلك المرتبة قدرة على أفعال غريبة وآثار عجيبة بإذن الله تعالى ، كمصافحة الملائكة والمشي على الماء والهواء وغيرها ، ومنه يعلم أن الكرامات غير منكرة من الأولياء كما زعمه بعض العلماء.
« ولو لا أنكم تذنبون. » أقول : يدل على أن لله تعالى مصلحة عظيمة في هذا النوع من الخلق ، لتظهر غفاريته ولطفه ورحمته ، بل الظاهر أن هذا سبب لرفعة درجاتهم وتضاعف كمالاتهم ، ولا ينافي ذلك عدم صدور تلك الأفعال وظهور تلك الآثار منهم ، كما أن أكثر أفراد المؤمنين أفضل من كثير من الملائكة مع ظهور تلك الأمور من الملائكة دونهم ، ولا يبعد أن يكون التلوث بالخطيئات سببا للتذلل والخضوع ورفع الدرجات ، حتى أن أكثر الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام ابتلوا بارتكاب ترك الأولى والمكروهات ، فارتقوا بعد ذلك إلى أعالي الدرجات ، كما يومئ إليه قوله
تواب أما سمعت قول الله عز وجل : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ »(١) وقال «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ »(٢)
سبحانه : «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى »(٣) وقال سبحانه : «وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ، فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ »(٤) ومثله كثير في الكتاب ، والقصار يلوث الثوب بأشياء ثم يغسله ليصير أحسن وألطف وأشد بياضا مما كان ، كما أن آدمعليهالسلام قبل ارتكاب ترك الأولى في الجنة كان في عداد الملائكة وشبيها بهم ، وإن كان أفضل منهم ومسجودا لهم ، ولما ارتكب ترك الأولى وهبط إلى الأرض واستغفر وبكى على ما صدر عنه سنين متطاولة كملت محبته ، وصفى وزكى وصار نبيا مصطفى وعمر الله به وبأولاده الأرض ، وتمت حكمة الله البالغة ، وظهرت رحمته السابغة وهذا سر من أسرار القدر والقضاء يتحير فيه ألباب الحكماء.
« إن المؤمن » كأنه كلام الباقرعليهالسلام وفي النهاية في الحديث : المؤمن خلق مفتنا أي ممتحنا يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب ، ثم يعود ثم يتوب يقال : فتنته افتنه فتونا إذا امتحنته ، ويقال فيها افتتنته أيضا وهو قليل ، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختيار للمكروه ، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة ، والصرف عن الشيء ، ومنه أنه يحب المفتن التواب ، أي الممتحن بالذنب ثم يتوب ، انتهى.
« أما سمعت » يمكن أن يكون الاستشهاد باعتبار تقديم التوابين وحبهم بناء على أن المراد بالمتطهرين المتطهرون من الذنوب ، لكن ورد في بعض الأخبار أن المراد بهم المتطهرون بالماء ، فالاستشهاد بمحض حبهم.
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٢٢.
(٢) سورة هود : ٣.
(٣) سورة طه : ١٢١.
(٤) سورة ص : ٢٤.
باب
الوسوسة وحديث النفس
١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن محمد بن حمران قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الوسوسة وإن كثرت فقال لا شيء فيها تقول لا إله إلا الله.
باب الوسوسة وحديث النفس
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« وإن كثرت » بالكسر ، وربما يقرأ بالفتح على أنها مخففة من المثقلة عطفا على الوسوسة ، و الوسوسة حديث النفس مثل من خلق الله؟ وأين هو؟ وكيف هو؟ ومتى هو؟ والوساوس في أحوال الخلق ونسبة المعاصي إليهم كما هو أحد معاني التفكر في الوسوسة في الخلق ، أو إرادة المعاصي أو الأعم وهو إذا خطر ذلك في القلب من غير قصد ولا عقد ولا تكلم به لقصد التشهير والتزويج ، وربما يفرق بين الوسوسة وحديث النفس بأن الوسوسة آكد ، مثلا إن خطر ببالك النظر إلى امرأة فهو حديث النفس وإن حصلت الرغبة وحركتك الشهوة فهو الوسوسة ولا شيء فيهما.
ومن أراد دفع كراهة ذلك وطرد الخبيث عن نفسه فليقل : لا إله إلا الله ، أو ليقل آمنا بالله وبرسوله لا حول ولا قوة إلا بالله ، أو ليذكر الله وحده.
قيل : أمره بالتوحيد لوجوه : الأول : أن لا يأتيه الموت وهو على تلك الحال.
الثاني : نفي ما ألقى في نفسه من أن للإله إلها آخر ، حيث صرح بأن الإله واحد ليس إلا هو.
الثالث : أن تلك الكلمة تطرد الخبيث وتدفعه عن قائلها ، ولذلك يلقن
المحتضر بها.
الرابع : إفادتها أن سلسلة الممكنات منتهية إليه فلا يكون له موجد.
الخامس : أن من اتصف بجميع صفات الكمال لا يتصف بالمخلوقية والاحتياج.
السادس : أنه لو كان له إله لزم الدور أو التسلسل ، فوجب حصر الألوهية في واحد ، وروى العامة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسهم ما لم يتكلم به أو يعمل به ، قال بعضهم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا بعد نزول النسخ أو التخفيف ، لقوله تعالى : «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ »(١) فقال بعض الصحابة : من يطيق هذا؟ فقال : أتريدون أن تقولوا ما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا ، قولوا سمعنا وأطعنا فقالوا ، فأنزل الله التخفيف بقوله : «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها »(٢) الآية ، فقالعليهالسلام كالمبين والمفصل لجملتها : إن الله تعالى تجاوز لي ، إلى آخره.
فبين لهم ما رفع عنهم مما لا يطيقونه ، وهو حديث النفوس فأعلمهم أن له سبحانه أن يكلفهم ما يعلم أنه يشق عليهم معاناته بمقتضى عدله ، وعدله حسن ثم خفف عنهم برفع ما يعجزون عنه إظهارا لفضله ، والفضل عليهم أحسن ، والمراد بحديث النفس المعفو عنه ما لا يدخل تحت كسب العبد من الخواطر أولا ، والفكر فيما يخطر للنفس ثانيا ، فيتأمله ويتحدث هل يعمله أم لا ، فهذا معفو إلى أن يترجح في القلب الفعل أو الترك فيهتم به ، فإن كان خيرا كتب له حسنة ، وإن كان شرا لم يكتب ، فإذا قوي العزم صار نية فيعزم القلب وينوي ، فمن هناك يتحقق كسبه وفعله ، فتقع المؤاخذة والمحاسبة لقوله تعالى : «وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ »(٣)
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٤.
(٢) سورة البقرة : ٢٨٦.
(٣) سورة البقرة : ٢٢٥.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له إنه يقع في قلبي أمر عظيم فقال قل لا إله إلا الله قال جميل فكلما وقع في قلبي شيء قلت لا إله إلا الله فيذهب عني.
٣ ـ ابن أبي عمير ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال يا رسول الله هلكت فقال لهعليهالسلام أتاك الخبيث فقال لك من خلقك فقلت الله فقال لك الله من خلقه فقال إي والذي بعثك بالحق لكان كذا فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذاك والله محض الإيمان.
ثم استدركعليهالسلام بعد ذكر ما عفي عنه ما يحاسب عليه فقال : ما لم تتكلم به وهو عمل اللسان ، أو تعمل به ، وهو عمل القلب وكسبه وهو عزمه ونيته وأفعال الجوارح والأركان ، فهذا ما لم يعف عنه وإن جاز العفو عنه بعد إثباته والمحاسبة عليه فضلا ، كما روي : أن الله تعالى يقول للمحافظين : فإذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها وآخذه أو أغفر.
وقولهعليهالسلام : إن الله تجاوز لي ، يشعر بفضيلته فإن الله تعالى خصه في حق أمته بهذا العفو دون من قبله من الأنبياء ، كما خصه بقوله : نصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ولم يحل لأحد قبلي ، ونصرت بالصبا ، إلى غير ذلك وأكرمه ، انتهى كلامه.
وأقول : قد مر بعض القول في ذلك في باب أن الإيمان مبثوث بجوارح البدن.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح وهو مثل السابق.
والأمر العظيم أما شيء من الخواطر لو تكلم به أو اعتقده يكون كفرا موجبا للقتل والارتداد ، أو إرادة ذنب من الكبائر كما عرفت.
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
« ذلك والله محض الإيمان » قيل فيه وجوه : أحسنها ما رواه عبد الرحمن بأن يكون ذلك إشارة إلى خوفه من الهلاك ، فإن الكافر لا يخاف من هذه ولا من
قال ابن أبي عمير فحدثت بذلك عبد الرحمن بن الحجاج فقال حدثني أبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنما عنى بقوله هذا والله محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض له ذلك في قلبه.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد جميعا ، عن علي بن مهزيار قال كتب رجل إلى أبي جعفرعليهالسلام يشكو إليه لمما يخطر على باله فأجابه في بعض كلامه إن الله عز وجل إن شاء ثبتك فلا يجعل لإبليس عليك طريقا قد شكا قوم إلى النبيصلىاللهعليهوآله لمما يعرض لهم لأن تهوي
أعظم منها.
الثاني : أن تلك الخطورات لإبطال الاحتمالات الباطلة ، ليصير في الحق على يقين ، فإن من أراد إقامة الدليل على مطلب يتفكر في الاحتمالات المضادة له ليبطلها ويتم برهانه على الحق.
الثالث : أن الشيطان لما يئس من الخلل في إيمان العبد يتعرض له بتلك الخواطر كما يرشد إليه حديث آخر الباب.
الحديث الرابع : صحيح.
وقال في النهاية في حديث ابن مسعود : لابن آدم لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان ، اللمة الهمة والخطرة تقع في القلب ، أراد إلمام الملك والشيطان به والقرب منه ، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان ، وفي القاموس : اللمم محركة الجنون وصغار الذنوب وأصابته من الجن لمة ، أي مس أو قليل ، وقيل : إنما جعل الوسوسة لمما أي ذنبا صغيرا لزعمه أنها من صغائر الذنوب أو لأنها قد تؤول إلى الذنب ، وإلا فهي ليست من الذنوب ولا يخفى أنه لا حاجة إلى هذا التكلف كما عرفت ، و الهوى السقوط من أعلى إلى أسفل ، وفعله من باب ضرب ، ومنه قوله تعالى : «أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي
بهم الريح أو يقطعوا أحب إليهم من أن يتكلموا به فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتجدون ذلك قالوا نعم فقال والذي نفسي بيده إن ذلك لصريح الإيمان فإذا وجدتموه فقولوا آمنا بالله ورسوله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن محمد ، عن محمد بن بكر بن جناح ، عن زكريا بن محمد ، عن أبي اليسع داود الأبزاري ، عن
مَكانٍ سَحِيقٍ »(١) أي بعيد ، والباء في بهم للتعدية وهم جعلوا التكلم باللمم وإظهاره أشد عليهم من أن يسقطهم الريح إلى مكان بعيد عميق ، أو من أن تقطع أعضاؤهم استقباحا لشأنه واستعظاما لأمره.
والاستفهام في قوله : أتجدون ذلك؟ على حقيقته أو للتعجب أو للتقرير ، ولفظة « ذلك » إشارة إلى كون الهوى والتقطيع أحب إليهم من التكلم به أو أصل اللمم والأول أظهر والإشارة الثانية أيضا تحتمل الوجهين كما عرفت.
وقد روي مثل ذلك في طرق العامة قال في النهاية في حديث الوسوسة : ذلك صريح الإيمان أي كراهتكم له وتفاديكم منه صريح الإيمان ، والصريح الخالص من كل شيء وهو ضد الكناية يعني أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم لقبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن في قلوبكم ولا تطمئن إليه نفوسكم ، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان لأنها تتولد من فعل الشيطان وتسويله فكيف يكون إيمانا صريحا.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم : أي استعظامكم التكلم به فإن شدة خوفكم منه فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان ، وفي الرواية الثانية وإن لم يذكر الاستعظام لكنه مراد ، وقيل : سبب الوسوسة علامة محض الإيمان فإن الشيطان إنما يوسوس لمن آيس عن إغوائه.
الحديث الخامس : مجهول ، وقد مضى الكلام فيه.
__________________
(١) سورة الحجّ : ٣١.
حمران ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن رجلا أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال يا رسول الله إنني نافقت فقال والله ما نافقت ولو نافقت ما أتيتني تعلمني ما الذي رابك أظن العدو الحاضر أتاك فقال لك من خلقك فقلت الله خلقني فقال لك من خلق الله قال إي والذي بعثك بالحق لكان كذا فقال إن الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلكم فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم الله وحده.
تحقيق
قال بعض المحققين في بيان ما يؤاخذ العبد به من الوساوس وما يعفى عنه : اعلم أن هذا أمر غامض وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا علي سماسرة العلماء(١) فقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : عفي عن أمتي ما حدثت به نفوسها ، وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : يقول الله للحفظة : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإن هم بحسنة ولم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها فاكتبوها عشرا ، وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة.
فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه : «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ »(٢) وقال تعالى : «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً »(٣) فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه ، وقال تعالى : «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ »(٤) وقال سبحانه : «لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ
__________________
(١) السماسرة جمع السمسار.
(٢) سورة البقرة : ٢٨٤.
(٣) سورة الإسراء : ٣٦.
(٤) سورة البقرة : ٢٨٣.
فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ »(١) .
فالحق في هذه المسألة عندنا أنه لا يوقف عليه ما لم يقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدء ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح فنقول : أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها ، والثاني : هيجان الرغبة وهو حركة الشهوة التي في الطبع وهذا يتولد في الخاطر الأول ونسميه ميل الطبع ، والأول يسمى حديث النفس ، والثالث : حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها ، فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف ، فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات ، وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل ويسمى هذا اعتقادا وهو يتبع الخاطر ، والميل الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه ، وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصدا.
وهذه الهمة قد يكون لها مبدء ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكدت هذه الهمة وصارت إرادة مجزومة ، فإن انجزمت الإرادة فربما يندم بعدم الجزم فيترك العمل ، وربما يغفل بعارض فلا يعمل بها ولا يلتفت إليه ، وربما يعوقه عائق فيعتذر عليه العمل.
وهيهنا أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة ، والخاطر وهو حديث النفس ، ثم الميل ، ثم الاعتقاد ، ثم الهم ، فنقول : أما الخاطر فلا تؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار ، وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنهما أيضا لا يدخلان تحت الاختيار وهما المرادان بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عفي عن أمتي ما حدثت به نفوسها ، فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ، ولا يتبعها عزم على الفعل ، فأما العزم والهم فلا يسمى حديث النفس ، بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون
__________________
(١) سورة المائدة : ٨٩.
حيث قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة؟ قال : مهلا إن من سنتي النكاح ، قال : نفسي تحدثني أن أجب نفسي؟ قال : مهلا إخصاء أمتي دؤب الصيام ، قال : نفسي تحدثني أن أترهب؟ قال : مهلا رهبانية أمتي الجهاد والحج قال : نفسي تحدثني أن أترك اللحم؟ قال : مهلا فإني أحبه ولو أصبته في كل يوم لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه.
فهذه الخواطر التي ليس معها عزم على الفعل هي حديث النفس ، ولذلك شاور فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ لم يكن معها عزم وهم بالفعل ، وأما الثالث وهو الاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا والأحوال تختلف فيه ، فالاختياري منه يؤاخذ به ، والاضطراري لا يؤاخذ به ، وأما الرابع وهو الهم بالفعل فإنه يؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر فإن تركه خوفا من الله تعالى وندم على همه كتبت له حسنة ، لأن همه سيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة ، والهم على وفق الطبع لا يدل على تمام الغفلة عن الله ، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع وهو العمل لله سبحانه أشد من جده في موافقة الشيطان بموافقة الطبع ، فكتبت له حسنة لأنه رجح جهده في الامتناع ، وهمه به على همه بالفعل ، وإن تعوق الفعل لعائق أو تركه لعذر لا خوفا من الله تعالى كتبت عليه سيئة فإن همه فعل اختياري من القلب.
والدليل على هذا التفصيل ما ورد في الصحيح قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر فقال : ارقبوه فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، إنما تركها لأجلي ، وحيث قال : لم يعملها أراد به تركها لله ، فأما إذا عزم على فاحشة وتعذرت عليه بسبب أو غفلة فكيف يكتب له حسنة ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنما يحشر الناس على
نياتهم ، ونحن نعلم أن من عزم ليلا على أن يصبح ويقتل مسلما أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مصرا ويحشر على نيته وقد هم بسيئة ولم يعملها ، والدليل القاطع فيه ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : لأنه أراد قتل صاحبه ، وهذا نص في أنه صار من أهل النار بمجرد الإرادة ، مع أنه قتل مظلوما فكيف تظن أن الله لا يؤاخذ بالنية والهم ، بل كل ما دخل تحت اختيار العبد فهو مأخوذ به ، إلا أن يكفره بحسنة ، ونقض العزم بالندم حسنة فلذلك كتب حسنة ، وأما فوات المراد بعائق فليس بحسنة.
وأما الخواطر وحديث النفس وهيجان الرغبة فكل ذلك لا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار ، والمؤاخذة به تكليف لما لا يطاق ، ولذلك لما نزل قوله تعالى : «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ») ١ ( جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله ٦ وقالوا : كلفنا ما لا نطيق إن أحدنا ليتحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ثم يحاسب بذلك؟ فقال رسول الله ٦ : لعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا سمعنا وأطعنا ، فأنزل الله تعالى الفرج بقوله تعالى «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها » فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به ، وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ، ومن لم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلوب والكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب ، بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ، أي مما يدخل تحت الاختيار ، فلو وقع البصر بغير اختياره
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٤.
على غير محرم لم يؤاخذ بها فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذا بها ، لأنه لا محالة مختار.
وكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى ، بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التقوى هيهنا وأشار إلى القلب ، وقال الله عز وجل : «لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ »(١) والتقوى في القلب ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : البر ما اطمأن إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك.
حتى أنا نقول : إذا حكم قلب الفتى بإيجاب شيء وكان مخطئا صار مثابا على فعله ، بل من ظن أنه متطهر فعليه أن يصلي وإن صلى ثم ذكر كان له ثواب بفعله ، فإن ترك ثم تذكر كان معاقبا ، ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية ، وإن ظن أنها أجنبية عصى بوطئها ، وإن كانت امرأته ، كل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح.
ثم قال : الوسواس ثلاثة أصناف الصنف الأول أن يكون من جهة التلبيس للحق ، فإن الشيطان قد يلبس فيقول للإنسان : لا تترك التنعم واللذات ، فإن العمر طويل والصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم ، فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى وعظيم ثوابه وعقابه وقال : الصبر عن الشهوات شديد ولكن الصبر على النار أشد منه ولا بد من أحدهما ، فإذا ذكر العبد وعد الله ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس الشيطان وهرب ، إذ لا يستطيع أن يقول : ليس النار أشد من الصبر على المعاصي ، ولا يمكنه أن يقول : المعصية لا تقضي إلى النار ، فإن إيمانه بكتاب الله يدفعه عن ذلك ، فينقطع وسواسه.
وكذلك يوسوس إليه بالعجب في علمه وعمله ، فيفكر العبد أن معرفته وقدرته وقلبه وأعضاءه التي بها علمه وعمله كل ذلك من خلق الله فيخنس الشيطان ، فهذا
__________________
(١) سورة الحجّ : ٣٧.
نوع من الوسوسة تنقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة.
الصنف الثاني : أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وتهييجها ، وهذا ينقسم إلى ما يعرف العبد يقينا أنه معصية وإلى ما يظنه بغالب الظن فإن علم يقينا خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في التحريك ، ولم يخنس عن التهييج ، وإن كان مظنونا ربما يبقى مؤثرا بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه ، فيكون الوسوسة موجودة ، ولكنها مدفوعة غير غالبة.
الصنف الثالث : أن يكون وسواسه بمجرد الخواطر وتذكر الأحوال الغائبة والتفكر في الصلاة في غير أمر الصلاة مثلا ، فإذا أقبل على الذكر تصور أن يندفع ويعود ويعاقب الذكر والوسوسة ، وتصور أن يتساوقا جميعا حتى يكون الفهم مشتملا على فهم معنى القراءة ، وعلى تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب وبعيد جدا أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر ، ولكنه ليس محالا إذ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من صلى ركعتين لم يحدث فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فلو لا أنه متصور لما ذكره ، إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب حتى صار كالمستهتر ولكن ذلك عزيز.
ثم قال : اعلم أن القلب كما ذكرناه مكتنفة بالصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب ، فإذا أصابه شيء وتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فيغير وصفه ، فإن نزل الشيطان به ودعاه إلى الهوي والتفت القلب إليه نزل الملك به وصرفه عنه ، وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره ، وإن جذبه ملك إلى خير جذبه ملك آخر إلى غيره ، فتارة يكون متنازعا بين ملكين ، وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان ، ولا يكون قط مهملا ، وإليه الإشارة بقوله
تعالى : «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ »(١) .
ولاطلاع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على عظيم صنع الله في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف به وكان يقول : ولا مقلب القلوب ، وكان كثيرا ما يقولصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، قالوا : أو تخاف يا رسول الله؟ فقال : وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، وفي لفظ آخر : إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، وضرب له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثة أمثلة فقال : مثل القلب مثل العصفور تنقلب في كل ساعة ، وقال : مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استحمت غليانا وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن ، وهذه التقلبات من عظيم صنع الله في تقليبه من حيث لا يهتدى إليه ، لا يعرفه إلا المراقبون لقلوبهم ، والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى ، والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة ، قلب عمر بالتقوى وزكى بالرياضة ، وطهر من خبائث الأخلاق ، فينقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ، ومداخل الملكوت ، فيتصرف العقل إلى التفكر فيما خطر ليعرف دقائق الخير فيه ، ويطلع على أسرار فوائده ، فينكشف له بنور البصيرة وجهه ، فيحكم بأنه لا بد من فعله ، ويستحث عليه ، ويدعو إلى العمل به ، فينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا في جوهره ، طاهرا بتقواه مشيرا بضياء العقل ، معمورا بأنوار المعرفة ، ويراه صالحا لأن يكون مستقرا له ، فعند ذلك يمده بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير.
وكذلك على الدوام لا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير ويتيسر الأمر عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى : «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى »(٢) وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا
__________________
(١) سورة الأنعام : ١١٠.
(٢) سورة الليل : ٦.
يخفى فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء ، ولا تخفى على هذا النور خافية ، ولا يروج عليه شيء من مكائد الشيطان ، بل يقف عليه الشيطان ويوحي زخرف القول غرورا ، ولا يلتفت إليه.
وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معمورا بالمنجيات من الشكر والصبر والخوف والرجاء والزهد والمحبة والرضا والتوكل والتفكر والمحاسبة والمراقبة وأمثالها.
وهو القلب الذي أقبل الله تعالى عليه بوجهه ، وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى : «أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ »(١) وبقوله عز وجل : «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ »(٢) .
القلب الثاني : القلب المخذول المشحون بالهوى ، المدنس بالخبائث الملوث بالأخلاق الذميمة ، المفتحة فيه أبواب الشياطين ، المسدودة عنه أبواب الملائكة ومبدء الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه ، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستغني عنه ، ويستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى فأنس به ، واستمر على استنباط الحيل له في موافقة الهوى ومساعدته ، فيسول النفس له ويساعده عليه ، فينشرح الصدر بالهوى وينبسط فيه ظلماته لانخناس جند العقل عن مدافعته فيقوي سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى ، فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ، ويوحى بذلك زخرف القول غرورا ، فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ، ويخبو نور اليقين بخوف الآخرة أن يتصاعد من الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ حواسه حتى تنطفي أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها ، فلا يقدر على أن تنظر وهكذا تفعل غلبة
__________________
(١) سورة الرعد : ٢٨.
(٢) سورة الفجر : ٢٨.
الشهوة في القلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار ، ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم ، وصم عن السمع ، وهاجت الشهوة ونشط الشيطان وتحركت الجوارح على وفق الهوى ، وظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء من الله وقدره.
وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى : «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً »(١) وبقوله عز وجل : «لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »(٢) إلى قوله : «أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى جميع الشهوات ، ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات ، كالذي يتورع عن بعض الأشياء ولكنه إذا رأى وجها حسنا لا يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه ، أو كالذي لا يملك لنفسه عند الغضب مهما استحقر وأذكر عيب من عيوبه ، أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فتنسرح منه المروة والتقوى.
وكل ذلك لتصاعد دخان الهوي إلى القلب حتى يظلم وينطفئ منه أنوار البصيرة ، فينطفي منه نور الحياة والمروة والإيمان ، ويسعى في تحصيل مراد الشيطان.
القلب الثالث : قلب يبتدأ فيه خواطر الهوى ، فيدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان ، فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهواتها إلى نصرة خاطر الشر وتحس التمتع والتنعم فينبعث العقل إلى خاطر الخير ، ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ، ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر ، وقلة اكتراثها بالعواقب.
__________________
(١) سورة الفرقان : ٤٤.
(٢) سورة يس : ٧.
فتميل النفس إلى نصح العقل ، فيحمل الشيطان حملة على العقل ويقوي داعية الهوى ويقول ما هذا التحرج البارد ، ولم تمتنع عن هواك فتؤذى نفسك ، وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه؟ أفتترك ملاذ الدنيا لهم فيتمتعون فيها ، وتحجر على نفسك فتبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل الزمان ، أتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا ، أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز عن فعل ذلك ولو كان شرا لامتنع عنه فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان فيقول هل هلك إلا من اتبع لذة الحال ونسي العاقبة أفتقنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوة ولا تستثقل ألم النار؟ أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان؟ مع أن عذاب النار لا يخفف عنك بمعصية غيرك؟ أرأيت لو كنت في صيف ووقف الناس كلهم في الشمس وكان لك بيت بارد أكنت تساعد الناس أم تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس ولا تخالفهم خوفا من حر النار.
فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك ، فلا يزال القلب يتردد بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب من هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلبه الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشياطين ، معرضا عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأوليائه ، وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى.
وإن كان الغالب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآجلة ، بل مال إلى حزب الله تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه.
وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، أي بين تجاذب هذين الحزبين وهو الغالب على القلوب أعني التقلب والانتقال من حزب إلى حزب ، أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو حزب الشيطان فنادر من الجانبين ، وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن العلم إلى عالم الشهادة بواسطة خزائن القلب ، فإنه من خزائن الملكوت وهي إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء ، فمن خلق للجنة يسرت له الطاعة وأسبابها ، ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعصية وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان.
فإنه بأنواع الحكم يغره الحمقى كقوله : الله تعالى رحيم فلا تبال ، وإن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم فإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا يعدهم بالتوبة ويمنيهم بالمغفرة فيهلكهم ، وبهذه الحيل وما يجري مجراها يوسع قلبه لقبول الغرور ويضيقه عن قبول الحق ، إلى آخر ما ذكره مما يوافق مذهب الأشاعرة ، ولسنا نقول به والله يحق الحق وهو يهدي إلى السبيل.
وأما ما ذكره من المؤاخذة على حكم القلب إذا كان اختياريا ، وعلى الهم والعزم إذا كان الصارف غير خوف الله تعالى فهما مخالفان للأخبار المعتبرة فإنها تدل على عدم المؤاخذة مع ترك الفعل مطلقا ، وما استدل به على الأخير فهي أخبار عامية لا تعارض الأخبار المعتبرة ، ويمكن حمل الخبر الأول على أن كتابة الحسنة موقوفة على أن يكون الترك لله وأخبارنا إنما تدل على عدم كتابة السيئة وليس فيها كتابة الحسنة فلا تنافي ، والخبر الثاني غير صريح في المقصود ، والتمثيل الذي ذكره في محل المنع ، والخبر الثالث يمكن أن يكون المراد به الإرادة مع سل السيف والتوجه إلى القاتل والحملة عليه ، بل الإعانة على نفسه ، وسيأتي بعض القول في أصل المطلب آنفا إن شاء الله تعالى.
باب
الاعتراف بالذنوب والندم عليها
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي الأحمسي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال والله ما ينجو من الذنب إلا من أقر به.
باب الاعتراف بالذنوب والندم عليها
الحديث الأول : مجهول.
« ما ينجو من الذنب » أي من أصل الذنب في الدنيا أو من عقوبته في الدارين إلا من أقر بأنه ذنب فإن من أنكر كونه ذنبا وكان مستحلا له فهو كافر لا يتوب ، ولا يستحق العفو ، ولو كان المراد بالإقرار التوبة فيمكن أن يحمل على النجاة الكاملة أو النجاة قطعا واستحقاقا ، لأنه مع عدم التوبة هو في مشية الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ، فلا ينافي الحصر ويمكن حمله على ما دل عليه الخبر الخامس : وكفى بالندم توبة ، ظاهره الاكتفاء بالندم في التوبة ، ولا يشترط فيه العزم على الترك في المستقبل ، وهو خلاف المشهور وسائر الأخبار إلا أن يحمل على الندم الكامل ، وهو مستلزم للعزم المذكور.
وقيل : إن الله تعالى خلق القلب قابلا للمخاطرات الحسنة والمخاطرات القبيحة والأولى من الملك والثانية من الشيطان ، ثم الثانية إذا أثرت في القلب حصل فيه شوق إلى الذنب وهو يوجب العزم والعزم يوجب تحرك القدرة والقوة إليه ، وتحرك القدرة يوجب تحرك الأعضاء إليه فيصدر منه الذنب ، وإذا أخذت بيده العناية الأزلية وأثرت فيه المخاطرات الحسنة وتحرك حصل له علم بأن الذنوب سموم مهلكة حصل له شوق إلى قرب المبدأ والرجوع إليه ، وزال عنه الشوق إلى الذنب ، فتحصل له ندامة عما كان فيه ، وهو المسمى بالتوبة ، فإذا زال الشوق إلى
قال وقال أبو جعفرعليهالسلام كفى بالندم توبة.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال عمن ذكره ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لا والله ما أراد الله تعالى من الناس إلا خصلتين أن يقروا له بالنعم فيزيدهم وبالذنوب فيغفرها لهم.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عمرو بن عثمان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول إن الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة
الذنب وحصلت له الندامة زال العزم عليه ، ومتى زال العزم زال تحرك القوة فيزول تحرك الأعضاء لأن المسببات تزول بزوال أسبابها ، كما يشعر به قول أمير المؤمنينعليهالسلام في هذا الباب : أن الندم على الذنب يدعو إلى تركه ، فمعنى قولهعليهالسلام : كفى بالندم توبة ، أنه إذا حصل الندم حصلت التوبة والرجوع إلى الله تعالى بالإقلاع عن الذنوب والخروج منه لأنه أصل له ، وسبب مؤد إليه ، ولم يرد أن مجرد الندم من دون كف النفس عن الذنوب كاف في الرجوع إليه إذ ليس مجرد ذلك توبة وندامة ، بل هو شبيه بالاستهزاء ، نعم الندامة المفضية إلى ترك الذنوب توبة وإن لم يستغفر منه.
الحديث الثاني : مرسل ، والمراد بالإقرار بالنعم معرفة المنعم وقدر نعمته وأنها منه تفضلا ، وهو شكر والشكر يوجب الزيادة لقوله تعالى : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »(١) وبالإقرار بالذنوب الإقرار بها مجملا ومفصلا ، وهو ندامة منها ، والندامة توبة ، والتوبة توجب غفران الذنوب ، ويمكن أن يكون الحصر حقيقيا إذ يمكن إدخال كلما أراد الله فيهما ، وقوله : لا والله ، رد على المدعين للصلاح المغترين بأعمالهم الذاهلين عن شرائط القبول وأسباب الوصول.
الحديث الثالث : كالسابق سندا ومؤيدا له متنا ، ويدل على أن الذنب
__________________
(١) سورة إبراهيم : ٧.
قلت يدخله الله بالذنب الجنة قال نعم إنه ليذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمهالله فيدخله الجنة.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن معاوية بن عمار قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إنه والله ما خرج عبد من ذنب بإصرار وما خرج عبد من ذنب إلا بإقرار.
٥ ـ الحسين بن محمد ، عن محمد بن عمران بن الحجاج السبيعي ، عن محمد بن وليد ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول من أذنب ذنبا فعلم أن الله مطلع عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له غفر له وإن لم يستغفر.
الذي يوجب الخضوع والتذلل خير من الطاعة التي توجب العجب والتدلل.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور صحيح عندي.
« من ذنب » أي من أثره واستحقاق العقوبة بسببه « بإصرار » الباء للملابسة والظرف صفة للذنب ، والباء في قوله : بإقرار ، للملابسة أو السببية ، وعلى الأول تقديره إلا ذنب بإقرار ، وعلى الثاني بشيء إلا بإقرار ، والإصرار إما فعلي وهو المواظبة على نوع ذلك الذنب أو مطلقا ، أو حكمي وهو العزم على فعله ثانيا وإن لم يفعل كما صرح به بعض الأصحاب ، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله ، وهو محمول على الخروج على سبيل القطع والاستحقاق كما مر.
الحديث الخامس : مجهول.
« فعلم أن الله مطلع عليه » لعل المراد الذي يؤثر في النفس ويثمر العمل ، وإلا فكل مسلم يقر بهذه الأمور ، ومن أنكر شيئا من ذلك فهو كافر ، ومن داوم على مراقبة هذه الأمور وتفكر فيها تفكرا صحيحا لا يصدر منه ذنب إلا نادرا ولو صدر منه يكون بعده نادما خائفا فهو تائب حقيقة وإن لم يستغفر باللسان ، ولو عاد إلى الذنب مكررا لغلبة الشهوة عليه ، ثم يصير خائفا مشفقا لائما نفسه فهو مفتن تواب.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم ، عن عنبسة العابد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم ويبغض العبد أن يستخف بالجرم اليسير.
٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن إسماعيل بن سهل ، عن حماد ، عن ربعي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : إن الندم على الشر يدعو إلى تركه.
٨ ـ محمد بن يحيى ، عن علي بن الحسين الدقاق ، عن عبد الله بن محمد ، عن أحمد بن عمر ، عن زيد القتات ، عن أبان بن تغلب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه إلا غفر الله له قبل أن يستغفر وما من عبد أنعم الله عليه نعمة فعرف أنها من عند الله إلا غفر الله له قبل أن يحمده.
الحديث السادس : ضعيف.
« أن يطلب » أي بأن يطلب أو هو بدل اشتمال للعبد ، وتعدية الطلب بإلى لتضمين معنى التوجه ونحوه.
الحديث السابع : ضعيف.
« إن الندم على الشر » أي الندامة بعد الفعل وإن لم يكن مع العزم على الترك يدعو إلى التوبة والعزم على الترك بالكلية.
الحديث الثامن : مجهول.
« إلا غفر الله له قبل أن يحمده » الأنسب بالجزء الثاني إلا زاد الله له أو حكم له بالزيادة له.
باب ستر الذنوب
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن العباس مولى الرضاعليهالسلام قال سمعتهعليهالسلام يقول المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بالسيئة مغفور له.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن صندل ، عن ياسر ، عن اليسع بن حمزة ، عن الرضاعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له.
باب ستر الذنب
الحديث الأول : ضعيف.
« مولى الرضاعليهالسلام » أي كان من شيعته أو ممن أعتقه ويقال المولى أيضا لمن التحق بقبيلة ولم يكن منهم و « المستتر » على بناء الفاعل ، والباء للتعدية و « يعدل » على بناء المجرد ، وفي الأول تقدير أي فعل المستتر وسيأتي في كتاب الزكاة تعدل سبعين حجة ، وقيل : الباء للمصاحبة مثل «اهْبِطْ بِسَلامٍ »(١) «وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ »(٢) «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ » ويعدل على بناء التفعيل أي يسوي ويحصل « والمذيع بالسيئة » لعدم المبالاة بالشرع ولقلة الحياء « مخذول » يسلب عنه التوفيق « والمستتر بها » أي بالسيئة حياءا لا نفاقا « مغفور له » ويدل الخبر على أن إخفاء الطاعات أحسن من إظهارها لبعدها من الرياء والسمعة ، وقيل : إظهارها أفضل وقيل : بالتفصيل بأن في الواجبات الإظهار أفضل لعدم التهمة ، وفي المستحبات الإخفاء أفضل ، وقد يفصل بوجه آخر وهو أنه إن كان مأمونا من الرياء والسمعة ، فالإظهار أفضل لأنه يصير سببا لتأسي الغير به وعدم التهمة ، وإلا فالإخفاء أفضل وقد مر القول فيه.
الحديث الثاني : مجهول.
__________________
(١) سورة هود : ٤٨.
(٢) سورة المائدة : ٦١.
باب
من يهم بالحسنة أو السيئة
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن حديد ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهماالسلام قال إن الله تبارك وتعالى جعل لآدم في ذريته من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة وعملها كتبت له بها عشرا
باب من يهم بالحسنة أو السيئة
الحديث الأول : ضعيف.
ويدل على أنه لا مؤاخذة على قصد المعاصي إذا لم يعمل بها ، وهو يحتمل وجهين ، الأول : أن تكون سيئة ضعيفة يكفرها تركها ، الثاني : أن لا يكون القصد متصفا بالحسن والقبح أصلا كما ذهب إليه جماعة ، والأول أظهر ، نعم لو كان بمحض الخطور بدون اختياره لا يتعلق به التكليف وقد مر تفصيل ذلك في باب أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن ، وفي باب الوسوسة.
وقال المحقق الطوسيقدسسره في التجريد : إرادة القبيح قبيحة وتفصيله أن ما في النفس ثلاثة أقسام : الأول : الخطرات التي لا تقصد ولا تستقر وقد مر أن لا مؤاخذة بها ولا خلاف فيه بين الأمة ظاهرا ، والثاني : الهم وهو حديث النفس اختيارا أن تفعل شيئا أو أن لا تفعل فإن كان ذلك حسنة كتبت له حسنة واحدة ، فإن فعلها كتبت له عشر حسنات ، وإن كانت سيئة لم تكتب عليه ، فإن فعلها كتبت عليه سيئة واحدة ، كل ذلك مقتضى أحاديث هذا الباب ، وكأنه لا خلاف فيه أيضا بين الأمة إلا أن بعض العامة صرح بأن هذه الكرامة مختصة بهذه الأمة ، وظاهر هذا الخبر أنها كانت في الأمم السابقة أيضا.
الثالث : العزم وهو التصميم وتوطين النفس على الفعل أو الترك ، وقد اختلفوا فيه ، فقال أكثر الأصحاب : أنه لا يؤاخذ به لظاهر هذه الأخبار ، وقال أكثر العامة
ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه سيئة ومن هم بها وعملها كتبت عليه سيئة.
والمتكلمين والمحدثين أنه يؤاخذ به لكن بسيئة العزم لا بسيئة المعزوم عليه ، لأنها لم تفعل فإن فعلت كتبت سيئة ثانية لقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) وقوله : «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ »(٢) .
ولكثرة الأخبار الدالة على حرمة الحسد واحتقار الناس وإرادة المكروه بهم ، وحملوا الأحاديث الدالة على عدم المؤاخذة على الهم.
والمنكرون أجابوا عن الآيتين بأنهما مخصصات بإظهار الفاحشة والمظنون كما هو الظاهر من سياقهما ، وعن الثالث أن العزم المختلف فيه ماله صورة في الخارج كالزنا وشرب الخمر ، وأما ما لا صورة له في الخارج كالاعتقاديات وخبائث النفس مثل الحسد وغيره فليس من صور محل الخلاف ، فلا حجة فيه على ما نحن فيه ، وأما احتقار الناس وإرادة المكروه بهم فإظهارهما حرام يؤاخذه به ولا نزاع فيه ، وبدونه أول المسألة.
ثم الظاهر أنه لا فرق في قوله : ومن هم بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه بين أن يعملها خوفا من الله أو خوفا من الناس وصونا لعرضه.
ثم إن عشر أمثال الحسنة مضمونة البتة لدلالة نص القرآن عليه ، وإن الله قد يضاعف لمن يشاء إلى سبعمائة ضعف ، كما جاء في بعض الأخبار ، وإلى ما لا حساب له كما قال سبحانه : «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ »(٣) .
ثم اعلم أن الظاهر أن عدم المؤاخذة بإرادة المعصية إنما هو للمؤمنين فلا ينافي ما مر مرويا عن الصادقعليهالسلام أنه إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم
__________________
(١) سورة النور : ١٩.
(٢) سورة الحجرات : ١٢.
(٣) سورة الزمر : ١٠.
كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا ، ولو سلم العموم فإنما يعفى عنه إذا بقي زمانا عزم على فعله في ذلك الزمان ولم يفعل ، وفي الكافر ليس كذلك لأنه لم يبق الزمان الذي عزم على الفعل فيه.
فإن قيل : لعله كان لو بقي في أزمنة الأبد عاد ولم يفعل؟
قلنا : يعلم الله خلاف ذلك منهم ، لقوله سبحانه : «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »(١) وقد يجاب بأنه لا منافاة بينهما ، إذ دل أحدهما على عدم المؤاخذة بنية المعصية إذا لم يفعلها ، ودل الآخر على المؤاخذة بنية المعصية إذا فعلها ، فإن المنوي كالكفر واستمراره مثلا موجود في الخارج ، فهذه النية ليست داخلة في النية بالسيئة التي لم يعملها ، واعترض عليه بأن المعصية ليست سببا للخلود على ما يفهم من الحديث المذكور ، لكونها في زمان منقطع محصور هو مدة العمر ، كذلك نيتها لأنها تنقطع أيضا عند انقطاع العمر لدلالة الآيات والروايات على ندامة العاصي عند الموت ، ومشاهدة أحوال الآخرة فينبغي أن يكون ناويها في النار بقدر كونها في الدنيا لا مخلدا.
فأجيب أولا : بأن هذه النية موجبة للخلود لدلالة الحديث عليه بلا معارض ، فوجب التسليم والقبول ، وثانيا : بأن صاحبها في هذه الدنيا التي هي دار التكليف لم يفعل شيئا يوجب نجاته من النار ، وندامته بعد الموت لا تنفع لانقطاع زمان التكليف ، وثالثا : أن سبب الخلود ليس ذات المعصية ونيتها من حيث هي بل هو المعصية ونيتها على فرض البقاء أبدا ، ولا ريب في أنها معصية أبدية موجبة للخلود أبدا انتهى.
وأقول : لا يخفى ما في الجميع من الوهن والضعف ، وقد مر بعض القول منا فيه في باب النية ، وقال الشهيد رفع الله درجته في القواعد : لا يؤثر نية المعصية
__________________
(١) سورة الأنعام : ٢٨.
عقابا ولا ذما ما لم يتلبس بها ، وهو مما ثبت في الأخبار العفو عنه ، ولو نوى المعصية وتلبس بما يراه معصية ، فظهر خلافها ففي تأثير هذه النية نظر من حيث إنها لم تصادف المعصية فقد صارت كنية مجردة وهي غير مؤاخذ بها ، ومن دلالتها على انتهاكه الحرمة وجرأته على المعاصي ، وقد ذكر بعض الأصحاب أنه لو شرب المباح مشتبها بشراب المسكر فعل حراما ، ولعله ليس لمجرد النية بل بانضمام فعل الجوارح إليها.
ويتصور محل النظر في صور : منها : ما لو وجد امرأته في منزل غيره فظنها أجنبية فأصابها فتيقن أنها زوجته أو أمته ، ومنها : ما لو وطئ زوجته فظنها حائضا فبان طاهرا ، ومنها : لو هجم على طعام بيد غيره فأكل منه فتبين ملك الآكل ومنها : لو ذبح شاة فظنها للغير بقصد العدوان فظهرت ملكه ، ومنها : إذا قتل نفسا بظنها معصومة فبانت مهدورة.
وقد قال بعض العامة : يحكم بفسق متعاطي الملك لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي ويعاقب في الآخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين عقاب الكبيرة والصغيرة ، وكل منهما تحكم وتخرص على الغيب ، انتهى.
وقال شيخنا البهائيقدسسره في بعض تعليقاته على الكتاب المذكور : قوله لا يؤثر نية المعصية عقابا ولا ذما إلى آخره ، وغرضه طاب ثراه أن نية المعصية وإن كانت معصية إلا أنه لما وردت الأخبار بالعفو عنها لم يترتب على فعلها عقاب ولا ذم وإن ترتب استحقاقهما ، ولم يرد أن قصد المعصية والعزم على فعلها غير محرم كما يتبادر إلى بعض الأوهام ، حتى لو قصد الإفطار مثلا في شهر رمضان ولم يفطر لم يكن آثما ، كيف والمصنف مصرح في كتب الفروع بتأثيمه.
والحاصل أن تحريم العزم على المعصية مما لا ريب فيه عندنا وكذا عند العامة وكتب الفريقين من التفاسير وغيرها مشحونة بذلك ، بل هو من ضروريات الدين
ولا بأس بنقل شيء من كلام الخاصة والعامة في هذا الباب ليرتفع به جلباب الارتياب : في الجوامع عند تفسير قوله تعالى : «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً »(١) يقال : للإنسان لم سمعت ما لا يحل لك سماعه؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه؟ ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه؟ انتهى.
وكلامهرحمهالله في مجمع البيان قريب من كلامه هذا.
وقال البيضاوي وغيره من علماء العامة عند تفسير هذه الآية : فيها دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية ، انتهى.
وعبارة الكشاف موافقة لعبارة الطبرسي ، وكذا عبارة التفسير الكبير للفخر وقال السيد المرتضى علم الهدى أنار الله برهانه في كتاب تنزيه الأنبياء عند ذكر قوله تعالى : «إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما »(٢) إنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم ولو كان الهم في هذا المكان عزما لما كان وليهما ، ثم قال : وإرادة المعصية والعزم عليها معصية ، وقد تجاوز قوم حتى قالوا العزم على الكبيرة كبيرة وعلى الكفر كفرا ، انتهى كلامه نور الله مرقده.
وكلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية مطابق لكلامه طاب ثراه ، وكذا كلام البيضاوي وغيره ، وأيضا فقد صرح الفقهاء بأن الإصرار على الصغائر الذي هو معدود من الكبائر إما فعلي وهو المداومة على الصغائر بلا توبة ، وإما حكمي وهو العزم على فعل الصغائر متى تمكن منها ، وبالجملة فتصريحات المفسرين والفقهاء والأصوليين بهذا المطلب أزيد من أن يحصى ، والخوض فيه من قبيل توضيح الواضحات ومن تصفح كتب الخاصة والعامة لا يعتريه ريب فيما تلوناه.
فإن قلت : قد ورد عن أئمتناعليهمالسلام أخبار كثيرة وتشعر بأن العزم على المعصية
__________________
(١) سورة الإسراء : ٣٦.
(٢) سورة آل عمران : ١٢٢.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن المؤمن ليهم بالحسنة ولا يعمل بها فتكتب له حسنة وإن هو عملها كتبت له عشر حسنات وإن المؤمن ليهم بالسيئة أن يعملها فلا يعملها فلا تكتب عليه.
٣ ـ عنه ، عن علي بن حفص العوسي ، عن علي بن السائح ، عن عبد الله بن
ليس معصية ثم ذكر هذا الخبر والذي بعده ثم قال : والأحاديث الواردة في الكافي وغيره بهذا المضمون كثيرة؟
قلت : لا دلالة في تلك الأحاديث على ما ظننت من أن العزم على المعصية ليس معصية ، وإنما دلت على أن من عزم على معصية كشرب الخمر أو الزنا مثلا ولم يعملها لم يكتب عليه تلك المعصية التي عزم عليها وأين هذا عن المعنى الذي ظننته؟
قوله : فهو غير مؤاخذ بها ، أي غير معاقب عليها لأنها معفو عنها ، قوله : منها لو وجد امرأته « إلخ » عد بعضهم من هذه الصور ما لو صلى في ثوب يظن أنه حرير أو مغصوب عالما بالحكم فظهر بعد الصلاة أنه ممزوج أو مباح ، وفرع على ذلك التردد في بطلان صلاته ، والأولى عدم التردد في بطلانها ، نعم يتمشى صحتها عند القائل بعدم دلالة النهي في العبادة على الفساد.
قوله : وكلاهما ، أي الحكم بفسق متعاطي ذلك وبعقابه عقابا متوسطا قول بلا دليل ، وفيه : أن دليل الأول مذكور وسيما على القول بأن العزم على الكبيرة كبيرة فتأمل.
قوله : وتخرص بالخاء المعجمة والصاد المهملة ، أي كذب وتخمين باطل ، انتهى.
الحديث الثاني : موثق.
الحديث الثالث : مجهول.
موسى بن جعفر ، عن أبيه قال سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يفعله أو الحسنة فقال ريح الكنيف وريح الطيب سواء قلت لا قال إن العبد إذا هم بالحسنة خرج نفسه طيب الريح فقال صاحب اليمين لصاحب الشمال قم فإنه قد هم بالحسنة فإذا فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده فأثبتها له وإذا هم بالسيئة خرج نفسه منتن الريح فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين قف فإنه قد هم بالسيئة فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه وريقه مداده وأثبتها عليه.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن فضل بن عثمان المرادي قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أربع من كن فيه لم يهلك على الله بعدهن إلا هالك يهم العبد بالحسنة فيعملها فإن هو
والطيب بفتح الطاء وتشديد الياء أو بكسر الطاء ، وكان هذان ريحان معنويان يجدهما الملائكة لصاحب الشمال « قم » أي أبعد عنه ليس لك شغل به ، أو كناية عن التوقف وعدم الكتابة كما أن في بعض النسخ قف ، وقول صاحب الشمال قف بهذا المعنى ، أو إشارة إلى أن صاحب اليمين يكتب له في كل نفس حسنة ما لم يفعل السيئة أو يهم بها وعدم ذكر كتابة الحسنة مع عدم الفعل على الأول لا يدل على العدم ولا ينافي سائر الأخبار ، ويدل على أن الملك جسم كما اتفق عليه المسلمون.
الحديث الرابع : صحيح.
وأربع مبتدأ والموصول بصلته خبر ، وتأنيث الأربع باعتبار الخصال أو الكلمات ، وقد يكون المبتدأ نكرة إذا كان مفيدا وقيل : في قول الشاعر :
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها |
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر |
ثلاثة خبر وشمس مبتدأ ، ولا يخفى أنه لا يناسب هذا المقام ، وقيل في الشعر : ثلاثة مبتدأ وخبره محذوف أي لنا ثلاثة وشمس بدل ثلاثة ومن اسم موصول
لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته وإن هو عملها كتب الله له عشرا ويهم بالسيئة أن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه شيء وإن هو عملها أجل سبع ساعات وقال صاحب الحسنات لصاحب السيئات وهو صاحب الشمال لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها فإن الله عز وجل يقول «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ »(١) أو الاستغفار فإن هو قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذا الجلال والإكرام وأتوب إليه لم يكتب عليه شيء
مبتدأ فله عائدان الأول ضمير فيه ، والثاني المستتر في لم يهلك ، وهذا المستتر منه لقوله : إلا هالك ، لأن مرجعه من ألفاظ العموم ، وليس إلا هالك استثناء مفرغا والمراد بمن كن فيه أن يكون مؤمنا مستحقا لهذه الخصال ، فإن هذه الخصال ليست في غير المؤمن كما عرفت ، وقيل : معنى كن فيه أن يكون معلوما له ، وما ذكرنا أظهر.
واعلم أن الهلاك في قوله : يهلك بمعنى الخسران واستحقاق العقاب وفي قوله : هالك بمعنى الضلال والشقاوة الجبلية ، وتعديته بكلمة على إما بتضمين معنى الورود ، أي لم يهلك حين وروده على الله ، أو معنى الاجتراء أي مجترئا على الله ، أو معنى العلو والرفعة كان من يعصيه تعالى يترفع عليه ويخاصمه ، ويحتمل أن يكون على بمعنى في ، نحوه في قوله تعالى : «عَلى حِينِ غَفْلَةٍ »(٢) أي في معرفته وأوامره ونواهيه ، أو بمعنى من بتضمين معنى الخبيثة كما في قوله تعالى : «إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ »(٣) أو بمعنى عن بتضمين معنى المجاوزة ، أو بمعنى مع أي حالكونه معه ومع ما هو عليه من اللطف والعناية كما قيل في قوله سبحانه : «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ »(٤) وجملة بهم إلى آخره استيناف بياني.
__________________
(١) سورة هود : ١١٥.
(٢) سورة القصص : ١٥.
(٣) سورة المطفّفين : ٢.
(٤) سورة الدخان : ٣٢.
وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنة واستغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات اكتب على الشقي المحروم.
باب التوبة
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إذا تاب العبد «تَوْبَةً نَصُوحاً »
وقوله : فيعملها بالفاء السببية لتضمن ما قبله معنى الترجي ، وقوله : أن يعملها بدل اشتمال للسيئة ، أو هو بتقدير لأن يعملها وقوله : فإن الله ، كلام الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو من تتمة كلام الملك أو الاستغفار مجرور معطوف على قوله حسنة ، وقوله : فإن قال بيان لأفضل أفراد الاستغفار وليس الغرض الانحصار.
باب التوبة
الحديث الأول : صحيح.
وقال في النهاية في حديث أبي : سألت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن التوبة النصوح فقال : هي الخالصة التي لا يعاود بعدها الذنب ، وفعول من أبنية المبالغة يقع على الذكر والأنثى ، فكأن الإنسان بالغ في نصح نفسه بها.
وقال الشيخ البهائيقدسسره : قد ذكر المفسرون في معنى التوبة النصوح وجوها : منها : أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو تنصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبدا.
ومنها : أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل نصوح إذا كان خالصا من الشمع بأن يندم على الذنوب لقبحها أو كونها خلاف رضا الله سبحانه لا لخوف النار مثلا ، وقد حكم المحقق الطوسي طاب ثراه في التجريد بأن الندم على الذنوب خوفا من النار ليس توبة.
أحبه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة فقلت وكيف يستر عليه قال ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب ويوحي إلى جوارحه : اكتمي عليه ذنوبه ويوحي
ومنها : أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أولياء الله وأحبائه كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب.
ومنها : أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي أي توبة ينصحون بها أنفسهم بأن يأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية ، وذلك بإذابة النفس بالحسرات ، ومحو ظلمة السيئات بنور الحسنات.
روى الشيخ الطبرسي عند تفسير هذه الآية عن أمير المؤمنينعليهالسلام أن التوبة تجمعها ستة أشياء ، على الماضي من الذنوب الندامة ، وللفرائض الإعادة ، ورد المظالم ، واستحلال الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي.
وأورد السيد الرضيرضياللهعنه في كتاب نهج البلاغة أن قائلا قال بحضرته : أستغفر الله ، فقال له : ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين ، وهو اسم واقع على ستة معان أولها : الندم على ما مضى ، الثاني : العزم على ترك العود إليه أبدا ، الثالث : أن يؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة ، الرابع : أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها ، الخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد باللحم ، وينشأ بينهما لحم جديد ، السادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.
وفي كلام بعض الأكابر أنه لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس والأبخرة المسودة لوجهها ، بل لا بد من تصقيلها وإزالة ما حصل في جرمها من السواد ،
إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب.
كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها ، مجرد تركها وعدم العود إليها ، بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات فإنه كما يرتفع إلى القلب من كل معصية ظلمة وكدورة كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء ، فالأولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة تضادها بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة ، ويطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها ، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة.
فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع القرآن والحديث والمسائل الدينية ، ويكفر مس خط المصحف محدثا بإكرامه وكثرة تقبيله وتلاوته ، ويكفر المكث في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه وكثرة التعبد في زواياه وأمثال ذلك.
وأما في حقوق الناس فيخرج من مظالمهم أولا بردها عليهم ، والاستحلال منهم ، ثم يقابل إيذاءه لهم بالإحسان إليهم ، وغصب أموالهم بالتصدق بماله الحلال ، وغيبتهم بالثناء على أصل الدين وإشاعة أوصافهم الحميدة ، وعلى هذا القياس يمحو كل سيئة من حقوق الله أو حقوق الناس بحسنة تقابلها من جنسها ، كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها ، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه. « ما كتبا عليه » كان النسبة إليهما على التغليب أو لكون كتابة صاحب الشمال بأمر صاحب اليمين كما مر ، وقيل : الوحي إلى الجوارح والبقاع كناية عن محو الآثار التي تدل على المعصية عنهما ، وقيل : المراد بكتمان الجوارح وبقاع الأرض ذنوبه إما نسيانهما كما في الملكين ، أو عدم الشهادة بها ، والأول أظهر ، ويؤيده ما روي من طرق العامة أنه تعالى ينسى أيضا جوارحه وبقاع الأرض ذنوبه ، بل ربما يقال أنه يمحوها عن لوح نفسه أيضا ليكمل استعداده لإفاضة الفيض والرحمة عليه ، ويرتفع عنه الانفعال عند لقاء الرب.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهماالسلام في قول الله عزوجل : «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ »(١) قال الموعظة التوبة.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الصباح الكناني قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزوجل : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً »(٢) قال يتوب العبد من الذنب
الحديث الثاني : حسن كالصحيح.
«فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ » أي في الربا قال البيضاوي : أي فمن بلغه وعظ من الله وزجر عن الربا «فَانْتَهى » أي فاتعظ وتبع النهي «فَلَهُ ما سَلَفَ » أي تقدم أخذه قبل نزول التحريم ولا يسترد منه ، قال : الموعظة التوبة ، أي ما تدعو إلى التوبة وهي الموعظة المؤثرة التي تترتب عليها التوبة ، أو المراد بالموعظة أثرها ، فالمراد بقوله : فانتهى الاستمرار على التوبة وعدم العود ، ويحتمل أن يكون التوبة تفسيرا للجزءين معا.
الحديث الثالث : ضعيف.
قولهعليهالسلام : وأحب العباد ، كان المراد أن الله تعالى أمر بالتوبة النصوح ، لكن إذا أذنب ثم تاب يحبه الله أيضا فالأحبية إضافية أو المعنى أنه يتوب من ذنب توبة نصوحا ثم يعود في ذنب آخر أو المراد بعدم العود العزم على عدم العود ، وقيل : لعل المراد بالمفتون التواب من لا يعود إلى الذنب بعد التوبة ، فيكون تأكيدا لما قبله ، وكونه أحب بالنظر إلى من يتوب ثم يعود ثم يتوب وهكذا ، لا بالنظر إلى من لم يذنب أبدا.
ويحتمل أن يراد بها كثير التوبة بأن يتوب ثم يذنب ثم يتوب وهكذا
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٧٥.
(٢) سورة التحريم : ٨.
ثم لا يعود فيه.
قال محمد بن الفضيل سألت عنها أبا الحسنعليهالسلام فقال يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه وأحب العباد إلى الله تعالى المفتنون التوابون.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً » قال هو الذنب الذي لا يعود فيه أبدا قلت وأينا لم يعد فقال يا أبا محمد إن الله يحب من عباده المفتن التواب.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا رفعه قال إن الله عز وجل أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها جميع أهل
وهو أحب ممن يتوب عن الذنوب كلها توبة واحدة ، وممن يذنب ذنوبا ثم يتوب منها ثم يذنب ذنوبا ثم يتوب منها ، وقيل : اللام في العباد للعهد ، والمفضل عليه من مات بلا توبة.
الحديث الرابع : حسن كالصحيح وهو كالسابق.
قوله : هو الذنب أي التوبة من الذنب ، وقد مر معنى المفتن في باب تنقل أحوال القلب.
الحديث الخامس : مرفوع كالحسن.
« ثلاث خصال » الأولى أنه يحبهم ، والثانية أن الملائكة يستغفرون لهم.
والثالثة أنه عز وجل وعدهم الأمن والرحمة ، وقال تعالى في سورة البقرة : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ » ثم قال : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » فقيل : إن المعنى يحب التوابين عن النجاسات
السماوات والأرض لنجوا بها قوله عز وجل : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ »(١) فمن أحبه الله لم يعذبه وقوله «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
الباطنة وهي الذنوب ، ويحب المتطهرين من النجاسات الظاهرة بالماء ، وقيل : يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين الذين لم يذنبوا ، وقيل : التوابين من الكبائر والمتطهرين من الصغائر ، وقيل : التائبين من المحرمات والمتطهرين من المكروهات كالوطي بعد الحيض وقيل : الغسل ، وورد في الحديث أنها وردت في المتطهرين بالماء في الاستنجاء.
«الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ » وقال البيضاوي : الكروبيون أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا وحملهم إياه وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له ، أو كناية عن قربهم من ذي العرش ومكانتهم عنده وتوسيطهم في نفاذ أمره «يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ » يذكرون الله بجوامع الثناء من صفات الجلال والإكرام ، وجعل التسبيح أصلا والحمد حالا ، لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح.
«وَيُؤْمِنُونَ بِهِ » أخبر عنهم بالإيمان إظهارا لفضله وتعظيما لأهله ، ومساق الآية لذلك كما صرح به بقوله : «وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » وإشعارا بأن حملة العرش وسكان الفرش في معرفته سواء ردا على المجسمة واستغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة ، وإلهامهم بما يوجب المغفرة.
وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة ، وإن تخالفت الأجناس لأنها أقوى المناسبات كما قال : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ».
«رَبَّنا » أي يقولون ربنا وهو بيان ليستغفرون أو حال «وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً » أي وسعت رحمته وعلمه فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرحمة
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٢٢.
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »(١) وقوله عزوجل «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً »(٢) .
والعلم والمبالغة في عمومهما ، وتقديم الرحمة لأنها المقصود بالذات هيهنا «فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ » أي للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل الحق «وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » أي واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد ، والدلالة على شدة العذاب «الَّتِي وَعَدْتَهُمْ » أي إياها «وَمَنْ صَلَحَ » عطف على هم الأول ، أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتم سرورهم أو الثاني لبيان عموم الوعد «إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ » الذي لا يمتنع عليه مقدور «الْحَكِيمُ » الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ، ومن ذلك الوفاء بالوعد.
«وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ » وهو تعميم بعد تخصيص أو مخصوص بمن صلح أو المعاصي في الدنيا لقوله : «وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ » أي ومن تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة كأنهم سألوا السبب بعد ما سألوا المسبب «وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما.
«فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » قيل : بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانهم لواحق طاعاتهم أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة ، وقيل : بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثوابا كما ورد في الخبر.
__________________
(١) سورة المؤمن : ٧ ـ ٩.
(٢) سورة الفرقان : ٦٨.
٦ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان قلت فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة فقال يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته قلت فإنه فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب ويستغفر الله فقال كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة و «إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ » فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله.
٧ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة بن
الحديث السادس : صحيح.
« أترى العبد » الهمزة للإنكار ، وفيه دلالة على أن التوبة مقرونة بالقبول البتة ، ويدل عليه أيضا قول أمير المؤمنينعليهالسلام : ما كان الله يفتح على عبد باب التوبة ويغلق عنه باب المغفرة ، ويدل عليه أيضا ظاهر الآيات ، وقال محيي الدين البغوي : التوبة من الكافر مقطوع بقبولها ، واختلف في قبولها من المعاصي فقيل كذلك ، وقيل : لا ينتهي إلى القطع لأن الظواهر التي جاءت بقبولها ليست بنص وإنما هي نصوصات معرضة للتأويل ، وقال عياض : قبولها ليس بواجب على الله تعالى عقلا ، وإنما علمناه بالشرع والإجماع خلافا للمعتزلة في إيجابهم ذلك عقلا على أصلهم في التحسين والتقبيح ، ويدل على تحريم تقنيط المؤمنين من رحمة الله الواسعة ، بل لا بد أن يكون الواعظ متوسطا بين الترغيب والترهيب.
وأما إذا كان الاغترار والرجاء غالبين على المستمعين فينبغي أن يزيد في الترهيب وإذا كان القنوط والخوف غالبين عليهم ينبغي أن يبالغ في الترغيب كما هو مقتضى البلاغة.
الحديث السابع : موثق.
ميمون ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سألته عن قول الله عز وجل : «إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ »(١) قال هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك فذلك قوله «تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ».
٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن أبي عبيدة الحذاء قال سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول إن الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة
«إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ » قال البيضاوي : أي لمة منه وهو اسم فاعل من طاف يطيف كأنها طافت بهم ودارت حولهم ، فلم يقدر أن يؤثر فيهم ، أو من طاف به الخيال يطيف طيفا تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه «فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » بسبب التذكر مواقع الخطإ ومكائد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها.
وقال في النهاية : طيف من الجن أي عرض منهم ، وأصل الطيف الجنون ثم استعمل في الغضب ومس الشيطان ووسوسته ، ويقال له طائف أيضا وقد قرأ بهما قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا » الآية يقال : طاف يطيف ويطوف طيفا وطوفا فهو طائف ، ثم سمي بالمصدر ، انتهى.
« يهم » بالضم أي يقصد وقيل : بالكسر من الهميم وهو الذهاب في طريق ، فالباء للملابسة أو بناء المجهول من الأفعال والباء للآلة من الإهمام وهو الإزعاج ، ولا يخفى بعدهما.
الحديث الثامن : حسن كالصحيح.
« وزاده » وفي بعض النسخ ومزاده والأول أصوب ، في المصباح : زاد المسافر طعامه المتخذ لسفره ، والجمع أزواد والمزادة بكسر الميم وعاء التمر ، والمزادة مفعلة من الزاد لأنه يتزود فيها الماء ، ومثل هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه بطرق متعددة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل في أرض
__________________
(١) سورة الأعراف : ٢٠١.
عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.
٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل ، عن عبد الله بن عثمان ، عن أبي جميلة قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن الله يحب العبد المفتن التواب ومن لم يكن ذلك منه كان أفضل.
١٠ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن محمد بن سنان ، عن يوسف بن أبي يعقوب بياع الأرز ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سمعته يقول التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ.
دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ، ثم قال : ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه ، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده.
وقال في النهاية : الدو الصحراء التي لا نبات بها ، والدوية منسوبة إليها ، وقد يبدل من إحدى الواوين ألف فيقال : داوية على غير قياس ، نحو طائي في النسب إلى طيئ ، وقال في حديث التوبة : لله أشد فرحا بتوبة عبده ، الفرح هيهنا وفي أمثاله كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء ، لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى.
الحديث التاسع : ضعيف.
ويدل على أن التارك للذنب أفضل من التواب ، ولعله محمول على ما إذا لم يصر سببا لعجبه أو على ما إذا عرض له بترك المندوبات وفعل المكروهات مثل تلك الحالة كما كان للأنبياءعليهمالسلام وقد مر تحقيق ذلك.
الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.
« كمن لا ذنب له » أي في عدم العقوبة لا التساوي في الدرجة وإن كان غير مستبعد في بعض أفرادهما كما عرفت « كالمستهزء » أي بنفسه أو بشرائع الدين أو برب العالمين أي شبيه به لأنه يظهر الندم وليس بنادم حقيقة إذ الندامة الحقيقية تستتبع الترك كما عرفت ، ويظهر الخوف وليس كذلك ولو كان مستهزئا
١١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الله عز وجل أوحى إلى داودعليهالسلام أن ائت عبدي دانيال فقل له إنك عصيتني فغفرت لك وعصيتني فغفرت لك وعصيتني فغفرت لك فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك فأتاه داودعليهالسلام فقال يا دانيال إنني رسول الله إليك وهو يقول لك إنك عصيتني فغفرت لك وعصيتني فغفرت لك وعصيتني فغفرت لك فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك فقال له دانيال قد أبلغت يا نبي الله فلما كان في السحر قام دانيال فناجى ربه فقال يا رب إن داود نبيك أخبرني عنك أنني قد عصيتك فغفرت لي وعصيتك فغفرت لي وعصيتك فغفرت لي وأخبرني عنك أنني إن عصيتك الرابعة لم تغفر لي فو عزتك لئن لم تعصمني لأعصينك ثم لأعصينك ثم لأعصينك.
١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن موسى بن القاسم ، عن جده
حقيقة لكان كافرا بالله العظيم ، وقيل : الظاهر أن الذنب أعم من أن يكون من نوع واحد أو من أنواع متعددة ، ففيه دلالة على ما ذهب إليه بعض المحققين من أن التوبة إنما يتحقق بالندم من جميع الذنوب والإقلاع عنها ، وفيه نظر.
الحديث الحادي عشر : حسن كالصحيح.
والعصيان محمول على ترك الأولى ، لأن دانيالعليهالسلام كان من الأنبياء وهم معصومون من الكبائر والصغائر عندنا كما مر(١) « لئن لم تعصمني لأعصينك » فيه مع الإقرار بالتقصير اعتراف بالعجز عن مقاومة النفس وأهوائها ، وحث على التوسل بذيل الألطاف الربانية والاستعاذة من التسويلات النفسانية والوساوس الشيطانية.
الحديث الثاني عشر : ضعيف ، وقد مر عن معاوية بسند آخر.
__________________
(١) ويمكن أن يقال : إنّ دانيال في هذا الحديث اسم رجل كان من أمّة داودعليهالسلام وليس المراد منه دانيال النبيّعليهالسلام وليس في الحديث ما يدلّ على أنّه دانيال النبيّ (ع) حتى نحتاج إلى ما ذكره الشارح من الحمل.
الحسن بن راشد ، عن معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إذا تاب العبد «تَوْبَةً نَصُوحاً » أحبه الله فستر عليه فقلت وكيف يستر عليه قال ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه ويوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه فيلقى الله عز وجل حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب.
١٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحدكم بضالته إذا وجدها.
باب
الاستغفار من الذنب
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حمران ، عن زرارة قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن العبد إذا أذنب ذنبا أجل من غدوة إلى الليل فإن استغفر الله لم يكتب عليه.
الحديث الثالث عشر : ضعيف ، وقد مر مضمونه.
باب الاستغفار من الذنوب(١)
الحديث الأول : مجهول.
« من غدوة إلى الليل » أي من مثل ذلك الزمان ، ويمكن أن يكون زمان التأجيل متفاوتا بحسب تفاوت الأشخاص والأحوال والذنوب ، أو يكون المراد بالغدوة قبل الزوال أو بالليل ما قرب منه ، فلا ينافي أخبار السبع ساعات ، وقيل : لم يحسب فيه ساعات النوم ، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار التوبة بشرائطها وأن يكون محض طلب المغفرة وهو أظهر ، وقد يقال : الفرق بين التوبة والاستغفار أن التوبة ترفع عقوبة الذنوب ، و الاستغفار طلب الغفر والستر عن الأغيار كيلا يعلمه أحد ولا يكون عليه شاهد.
__________________
(١) كذا في النسخ وفي المتن « من الذنب ».
٢ ـ عنه ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير وأبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات من النهار فإن قال أستغفر الله الذي «لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » ثلاث مرات لم تكتب عليه.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وأبو علي الأشعري ومحمد بن يحيى جميعا ، عن الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن عبد الصمد بن بشير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال العبد المؤمن إذا أذنب ذنبا أجله الله سبع ساعات فإن استغفر الله لم يكتب عليه شيء وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيئة وإن المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له وإن الكافر لينساه من ساعته.
٤ ـ حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد ، عن غير واحد ، عن أبان ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتوب إلى الله عز وجل
الحديث الثاني : صحيح.
والحي إما منصوب صفة للجلالة أو مرفوع ببدلية الضمير أو كونه خبر مبتدإ محذوف ، وكان هذا بيان الفرد الأكمل لإطلاق سائر الأخبار.
الحديث الثالث : مجهول.
« كتبت عليه سيئة » بالرفع « ليذكر » على بناء المفعول من التفعيل ، ويحتمل المعلوم من المجرد لكنه بعيد « لينساه » على بناء المجهول أو المعلوم ، وذكر المؤمن من لطفه سبحانه ونسيان الكافر من سلب لطفه تعالى عنه ليؤاخذه بالكفر والذنب جميعا ، وحمل الكفر على كفر النعمة وكفر المخالفة بناء على أن كفر الجحود لا ينفع معه التوبة عن الذنب والاستغفار إلا عن الكفر بعيد ، لأن الكفر بالمعنيين الأولين يجامع الإيمان أيضا إلا أن يحمل الإيمان على الكامل.
الحديث الرابع : مرسل كالموثق.
في كل يوم سبعين مرة فقلت أكان يقول : أستغفر الله وأتوب إليه قال لا ولكن كان يقول أتوب إلى الله قلت إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يتوب ولا يعود ونحن نتوب
« ولكن كان يقول أتوب إلى الله » أي بدون أستغفر الله أو معه ، وعلى الأول كان المراد أن الاستغفار لم يكن داخلا في هذا العمل وإن كان يستغفر بوجه آخر ، ويؤيد الأخير ما سيأتي في كتاب الدعاء في باب الاستغفار بإسناده عن الحارث ابن المغيرة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يستغفر الله عز وجل كل غداة يوم سبعين مرة ، ويتوب إلى الله عز وجل سبعين مرة ، قال : قلت : كان يقول : أستغفر الله وأتوب إليه؟ قال : كان يقول أستغفر الله أستغفر الله سبعين مرة ، ويقول : أتوب إلى الله أتوب إلى الله سبعين مرة.
ثم اعلم أن استغفارهعليهالسلام والأئمة لم يكن عن ذنب لاتفاق الإمامية على عصمتهم ، وقد مر الكلام في ذلك.
وقال الإربلي في كشف الغمة وغيره : أن الأنبياء لما كانت قلوبهم مستغرقة بذكر الله ومتعلقة بجلال الله ومتوجهة إلى كمال الله ، وكانت أتم القلوب صفاء وأكثرها ضياء وأغرقها عرفانا وأعرفها إذعانا وأكملها إيقانا ، كانوا إذا انحطوا عن تلك المرتبة العلية ، ونزلوا عن تلك الدرجة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتناكح والصحبة مع بني نوعه ، وغير ذلك من المباحات أسرعت كدورة ما إليها لكمال رقتها وفرط نورانيتها ، فإن الشيء كلما كان أرق وأنضر كان تأثره بالكدورات أبين وأظهر ، فعدوا ذلك ذنبا وخطيئة فتابوا واستغفروا كما روي عنه : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وإليه يشير قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليران على قلبي وأنا أستغفر بالنهار سبعين مرة.
وقيل : أراد به تعليم الناس كيفية التوبة والاستغفار من الذنوب ، وقيل : هو محمول على الاعتراف بالعبودية وأن البشر في مظنة التقصير والعجز ، على أن رفع ذلك عن توبته ظاهر ، لأن التوبة في اللغة الرجوع إلى الحق عز شأنه و
ونعود فقال «اللهُ الْمُسْتَعانُ ».
٥ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات من النهار فإن قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات لم تكتب عليه.
٦ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة بياع الأكسية ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن المؤمن ليذنب الذنب فيذكر بعد عشرين سنة فيستغفر الله منه فيغفر له وإنما يذكره ليغفر له وإن الكافر ليذنب الذنب فينساه من ساعته.
٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من مؤمن يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة فيقول وهو نادم أستغفر الله الذي «لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » وأسأله أن يصلي على محمد وآل محمد وأن يتوب علي إلا غفرها الله عز وجل له ولا خير فيمن يقارف في يوم أكثر
إن لم تكن من ذنب ، يقال : تاب وآب وأناب إذا رجع إلى الحق.
« كان يتوب ولا يعود » كأنه توهم أن التوبة عن ذنب أو غرضه عدم العود إلى ترك الأولى ، أو المراد بالعود أصل الفعل على المشاكلة ، بناء على تجويز التقديم.
الحديث الخامس : صحيح وقد مر ، وحمل على ما إذا كان مع الندم كما سيأتي.
الحديث السادس : موثق وقد مر مثله.
الحديث السابع : مرسل.
ويشعر بأن الكبائر أكثر من أربعين ، لكن يحتمل تكرار كبيرة واحدة والتقييد بالندم لئلا يشبه استغفار المستهزئين « في يومه » أي مع ليلته بقرينة ما مر.
من أربعين كبيرة.
٨ ـ عنه ، عن عدة من أصحابنا رفعوه قالوا قال لكل شيء دواء ودواء الذنوب الاستغفار.
٩ ـ أبو علي الأشعري ومحمد بن يحيى جميعا ، عن الحسين بن إسحاق وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن علي بن مهزيار ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله بن سنان ، عن حفص قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول ما من مؤمن يذنب ذنبا إلا أجله الله عز وجل سبع ساعات من النهار فإن هو تاب لم يكتب عليه شيء وإن هو لم يفعل كتب الله عليه سيئة فأتاه عباد البصري فقال له بلغنا أنك قلت ما من عبد يذنب ذنبا إلا أجله الله عز وجل سبع ساعات من النهار فقال ليس هكذا قلت ولكني قلت ما من مؤمن وكذلك كان قولي.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من قال أستغفر الله مائة مرة في كل
الحديث الثامن : مرفوع.
والظاهر أن ضمير قال للصادق أو الباقرعليهماالسلام ، شبهعليهالسلام الذنوب بالمرض المهلك ، وأثبت لها الدواء على سبيل المكنية والتخييلية وحمل الاستغفار على الدواء من باب حمل المشبه على المشبه به للدلالة على الاتحاد والتعريف للحصر.
الحديث التاسع : مجهول.
وقال الشيخ البهائيقدسسره : عبد الله بن سنان أكثر ما يرويه عن الصادقعليهالسلام بدون واسطة ، وقد يروي عنه بواسطة كما رواه في كيفية الصلاة وصفتها من التهذيب بتوسط حفص الأعور تارة وبتوسط عمر بن يزيد أخرى ، ويدل على أن التأجيل مخصوص بالمؤمن لا الكافر والمخالف.
الحديث العاشر : ضعيف على المشهور.
يوم غفر الله عزوجل له سبعمائة ذنب ولا خير في عبد يذنب في كل يوم سبعمائة ذنب.
باب
فيما أعطى الله عز وجل آدمعليهالسلام وقت التوبة
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد الله أو ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن آدمعليهالسلام قال يا رب سلطت علي الشيطان وأجريته مني مجرى الدم فاجعل لي شيئا فقال : يا آدم
« غفر الله له سبعمائة ذنب » أي مما فعله في ذلك اليوم ثم قالعليهالسلام : ولا خير « إلخ » لئلا يغتر العبد بذلك فيذنب كل يوم سبعمائة ذنب ، فإن مثله لا خير فيه ، ولا يوفق للاستغفار والتوبة ، والذنب يشمل الصغيرة والكبيرة والملفق منهما ، وليس كل في بعض النسخ في الموضعين ، فيمكن أن يكون المراد سبعمائة ذنب في عمره ، ويكون قولهعليهالسلام : الأخير لبيان رفع توهم شموله لهذا الاحتمال.
باب فيما أعطى الله عز وجل آدم وقت التوبة
قيل : ما مصدرية ، ووقت مفعول ثان لأعطى ، أي من سعة زمان التوبة ، والمراد إما أبو البشرعليهالسلام أو ذريته كما يقال قريش ويراد أولاده ، ويحتمل أن تكون ما موصولة ووقت التوبة ظرفا بأن يكون إعطاء ذلك في وقت توبته والأول أظهر.
الحديث الأول : حسن.
« سلطت على » أي على وعلى أولادي « وأجريته مني » روى العامة أيضا أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وقال بعضهم : ذهب قوم ممن ينتمي
جعلت لك أن من هم من ذريتك بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة ومن هم منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة فإن هو عملها كتبت له عشرا قال يا رب زدني قال جعلت لك أن من عمل منهم سيئة ثم استغفر له غفرت له قال يا رب زدني قال جعلت لهم التوبة أو قال بسطت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه قال يا رب حسبي.
إلى ظاهر العلم إلى أن المراد به أن الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه ، وحكي هذا عن الأزهري وقال : هذا طريق ضرب المثل ، والجمهور من علماء الأمة أجروا ذلك على ظاهره وقالوا : إن الشيطان جعل له هذا القدر من التطرق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته ، لمحنة الابتلاء ويجري في العروق التي هي مجاري الدم من الآدمي إلى أن يصل إلى قلبه فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته ، ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوة إيمانه ويقظته ، ودوام ذكره وإخلاص توحيده.
وما رواه المفسرون عن ابن عباس قال : إن الله جعل الشياطين من بني آدم مجرى الدم ، وصدور بني آدم مساكن لهم مؤيد لما ذهب إليه الجمهور وهم يسمون وسوسته لمة الشيطان ، ومن ألطافه تعالى أنه هيأ ذوات الملائكة على ذلك الوصف من أجل لطافتهم وأعطاهم قوة الحفظ لبني آدم ، وقوة الإلمام في بواطنهم ، وتلقين الخير لهم في مقابلة لمة الشيطان ، كما روي أن للملك لمة بابن آدم ، وللشيطان لمة ، لمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان ، إيعاده بالشر وتكذيب بالحق ، فمن وجد من ذلك فليستعذ بالله من الشيطان ، وقالوا : إنما ينكر مثل هذا عقول أسراء العادات الذين استولت عليهم المألوفات ، فما لم يجدوا في مستقر عاداتهم أنكروه كما أنكر الكفار إحياء العظام النخرة وإعادة الأجسام البالية والذي يجب هو التسليم بما نطق به الخبر الصحيح ولا يأباه العقل السليم.
« أو بسطت » الترديد من الراوي « حتى تبلغ النفس » النفس بالتحريك ما يخرج من الحي عند التنفس ، وبالسكون الروح والأخير هنا أظهر ، والمقصود أن
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته ثم قال إن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته ثم قال : إن الشهر لكثير من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته ثم قال إن الجمعة لكثير
باب التوبة مفتوح إلى أن يبلغ النفس الحلقوم وتتحقق الغرغرة ، فإذا بلغت هذه فلا توبة ، لأنه وقت المعاينة ، والتوبة إنما يكون في حال الغيب ، وروي من طريق العامة أن إبليس بعد ما صار ملعونا وأنظر قال : بعزتك لا أخرج عن قلب ابن آدم ما دام الروح في بدنه ، فقال الله تبارك وتعالى : بعزتي لا أسد باب التوبة عليه ما دام الروح في بدنه.
الحديث الثاني : مرسل.
« من تاب قبل موته بسنة » قال الشيخ البهائيقدسسره في الأربعين : المراد بقبول التوبة إسقاط العقاب المترتب على الذنب الذي تاب منه ، وسقوط العقاب بالتوبة مما أجمع عليه أهل الإسلام ، وإنما الخلاف في أنه هل يجب على الله حتى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما أو هو تفضل بفعله سبحانه كرما منه ورحمة بعباده؟
المعتزلة على الأول والأشاعرة على الثاني ، وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسيقدسسره في كتاب الاقتصاد ، والعلامة جمال الملة والدينرحمهالله في بعض كتبه الكلامية ، وتوقف المحقق الطوسيرحمهالله في التجريد ، ومختار الشيخين هو الظاهر ، ودليل الوجوب مدخول.
وقالرحمهالله في قوله : من تاب قبل أن يعاين ، أي يرى ملك الموت ، كما روي عن ابن عباس ، ويمكن أن يراد بالمعاينة علمه بحلول الموت وقطعه الطمع من الحياة وتيقنه ذلك كأنه يعاينه وأن يراد معاينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنينعليهالسلام كما روي في الأخبار ، انتهى.
واعلم أنه استدل بهذا الخبر على جواز النسخ قبل الفعل ، فإن الأصوليين
من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته ثم قال إن يوما لكثير من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إذا بلغت النفس هذه وأهوى بيده إلى حلقه لم يكن
اختلفوا فيه ، وفيه نظر لأنه ليس تنافيها إلا بالمفهوم ، فيمكن أن يكون هذا التدريج لبيان اختلاف مراتب التوبة في القبول والكمال ، فإن التوبة الكاملة المشتملة على تدارك ما فات وتطهير النفس عن كدورات السيئات ، وتحليتها بأنوار التضرعات والحسنات لا يتأتى غالبا في أقل من سنة ، فإن لم يتيسر ذلك فلا أقل من شهر لتحصيل بعض تلك الأمور وهكذا.
الحديث الثالث : حسن كالصحيح.
وقد مر بعينه في باب لزوم الحجة على العالم ، إلا أنه زاد في آخره ثم قرأ «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ».
« لم يكن للعالم توبة » كان المراد بالعالم من شاهد أحوال الآخرة ، وبالجاهل من لم يشاهدها فإن مع بلوغ النفس إلى الحلق أيضا يحتمل عدم المشاهدة ، فالمراد بالعلم العلم اليقيني الحاصل بالمشاهدة ، ويحتمل أن يكون كلاهما محمولين على ما قبل المشاهدة ، ويكون المراد بالعالم والجاهل معناهما المتبادر ، وفيحمل إما على عدم قبول التوبة وكمالها للعالم ، أو عدم توفيقه للتوبة إن صح الإجماع ، وإلا فالخبر موافق لظاهر قوله تعالى : «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »(١) .
وقد قيل : في تأويل الآية وجوه : أحدها أن كل معصية يفعلها العبد جهالة
__________________
(١) سورة النساء : ١٧.
للعالم توبة وكانت للجاهل توبة.
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن معاوية بن وهب قال خرجنا إلى مكة ومعنا شيخ متأله متعبد لا يعرف هذا الأمر يتم الصلاة في الطريق ومعه ابن أخ له مسلم فمرض الشيخ فقلت لابن أخيه لو عرضت هذا الأمر على عمك لعل الله أن يخلصه فقال كلهم دعوا الشيخ حتى يموت على حاله فإنه حسن الهيئة فلم يصبر ابن أخيه حتى قال له يا عم إن الناس ارتدوا بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلا نفرا يسيرا وكان لعلي بن أبي طالبعليهالسلام من الطاعة ما كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان بعد رسول الله الحق والطاعة له قال : فتنفس الشيخ وشهق وقال أنا على هذا وخرجت نفسه فدخلنا على أبي عبد الله
وإن كانت على سبيل العمد لأنه يدعو إليها الجهل وهو المروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وثانيها : إن معنى قوله : بجهالة أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة ، وثالثها : أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي ، وضعف الأخير بأنها خلاف الإجماع مفهوما ، وفسروا القريب بما قبل الموت ويمكن تأويل الآية بأن التوبة من الذنب الذي ليس بجهالة لا يجب على الله قبولها ، وإن قبلها بلطفه ووعده.
الحديث الرابع : ضعيف على المشهور.
والتأله التعبد والتنسك « يتم الصلاة » تأييد لعدم كونه شيعيا لأنه من فعل أهل السنة « مسلم » أي مؤمن أو بتشديد اللام ، أي منقاد للحق « لو عرضت » لو للتمني « فقال كلهم » أي الحاضرون ولعلهم كانوا من المخالفين أو المستضعفين « فإنه حسن الهيئة » الهيئة صورة الشيء وحاله وشكله أي كان متعبدا صالحا لا يضره الموت على تلك الحالة أو كان دينه حقا بناء على كونهم من المخالفين ، وقيل : فإنه ، كلام معاوية وتعليل لقوله : لعل الله أن يخلصه ، وتوسط كلام الغير لا ينافي الاتصال ، ولا يخفى بعده.
و « تنفس » أدخل النفس إلى باطنه وأخرجه و « شهق » كمنع وضرب
عليهالسلام فعرض علي بن السري هذا الكلام على أبي عبد اللهعليهالسلام فقال هو رجل من أهل الجنة قال له علي بن السري إنه لم يعرف شيئا من هذا غير ساعته تلك قال فتريدون منه ما ذا قد دخل والله الجنة.
باب اللمم
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قلت له أرأيت قول الله عز وجل «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ »(١) قال هو الذنب يلم به الرجل فيمكث ما شاء الله ثم يلم به بعد.
وسمع شهيقا تردد البكاء في صدره ، وقيل : ردد نفسه مع سماع صوته من حلقه ، وقيل : فتريدون استفهام وما ذا اسم جنس بمعنى أي شيء كما قال الفارسي في قول الشاعر :
دعي ما ذا علمت سأتقيه |
ولكن بالمغيب تنبئيني |
باب اللمم
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
وفي المصباح : اللمم بفتحتين مقاربة الذنب وقيل : هو الصغائر وقيل : هو فعل الصغيرة ثم لا يعاوده كالقبلة ، واللمم أيضا طرف من جنون يلم به الإنسان من باب قتل ، فهو ملموم وبه لمم ، وألم الرجل بالقوم إلماما أتاهم فنزل بهم ، وألم بالذنب فعله ، وألم الشيء قرب ، انتهى.
وقال سبحانه في سورة النجم : «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى » ثم قال تعالى : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ » قال البيضاوي أي ما يكبر عقابه من الذنوب ، وهو ما رتب الوعيد عليه بخصوصه ، أي إلا ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر ، والاستثناء منقطع ، وأقول : قد مر
__________________
(١) سورة النجم : ٣٣.
٢ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهماالسلام قال قلت له «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ » قال الهنة بعد الهنة أي الذنب بعد الذنب يلم به العبد.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام ما من مؤمن إلا وله ذنب يهجره زمانا ثم يلم به وذلك قول الله عز وجل «إِلاَّ اللَّمَمَ » وسألته عن قول الله عز وجل : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ
الكلام في ذلك في باب الكبائر.
الحديث الثاني : صحيح.
وقال الجوهري : « هن » على وزن أخ كلمة كناية ، ومعناه شيء وأصله هنو تقول هذا هنك أي شيئك ، وتقول للمرأة : هنة وهنت ، وتصغيرها هنية وقد تبدل من الياء الثانية هاء ، فيقال : هنيهة ، ويقال : في فلان هنأت أي خصلات شر ، ولا يقال ذلك في الخير ، وفي النهاية فيه : ستكون هناة وهناة ، أي شرور وفساد يقال : في فلان هناة أي خصال شر ولا يقال في الخير ، وواحدها هنت وقد يجمع على هنوات ، وقيل : واحدها هنة تأنيث هن ، وهو كناية عن كل اسم جنس ، ومنه الحديث ، وذكر هنة من جيرانه أي حاجة ويعبر بها عن كل شيء ، وقال في المصباح : الهن خفيفة النون كناية عن كل اسم جنس ، والأنثى هنة ، ولأمها محذوفة وكنى بهذا الاسم عن الفرج ، ويعرب بالحروف ، فيقال : هنوها وهناها وهنيها ، مثل أخوها وأخاها وأخيها ، انتهى.
وعبر هنا عن الذنب بالهنة لقبحه أو لحقارته وقلته كناية عن عدم الإصرار عليه « يلم به العبد » أي ينزل به بعد تركه.
الحديث الثالث : موثق.
« يهجره » كينصر أي يتركه ، وقيل : العموم في هذا الكلام عموم عرفي كناية عن الكثرة ، وقد مر آخر الحديث في باب الكبائر ، وكان السؤال كان
كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ » قال الفواحش الزنى والسرقة واللمم الرجل يلم بالذنب فيستغفر الله منه.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحارث بن بهرام ، عن عمرو بن جميع قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام من جاءنا يلتمس الفقه والقرآن وتفسيره فدعوه ومن جاءنا يبدي عورة قد سترها الله فنحوه فقال له رجل من القوم جعلت فداك والله إنني لمقيم على ذنب منذ دهر أريد أن أتحول عنه إلى غيره فما أقدر عليه فقال له إن كنت صادقا فإن الله يحبك وما يمنعه أن ينقلك منه إلى
في وقت آخر ، أو كان السؤال لتفسير مجموع الآية.
الحديث الرابع : ضعيف.
« يلتمس الفقه » أي مسائل الدين والقرآن أي ألفاظه « يبدي عورة » العورة القبيح وكل ما يستحيي منه ، والظاهر أن المراد إبداء عورة نفسه من الإقرار بذنب يوجب حدا أو تعزيرا « فنحوه » أي أبعدوه حتى لا يعترف به عندنا بل يتوب بيته وبين الله ، ويحتمل أن يكون المراد عيوب غيره التي لم يشتهر بها ، سواء كان للغيبة أو لإقامة الشهادة فإن إخفاء العيوب أحسن ، لكن الأول أظهر ، وسيأتي ما يؤيده في كتاب الحدود إن شاء الله.
وقيل : قد أمرعليهالسلام أصحابه الذين من أهل التفرس أن يمنعوا من الدخول عليه من هو من أهل الإذاعة والإبداء ، لأنه أصلح له ولهم ، ويندرج فيه إبداء أحاديثهم لغير أهلها وإذاعة أمرهم إلى أهل الجور وإظهار سرهم الذي ستره الله تعالى وأمر باستتاره حفظا له ولشيعته من أعدائهم لشدة الخوف والتقية منهم.
« إن كنت صادقا فإن الله يحبك » محبة الله لعبده عبارة عن علمه باستحقاق اللطف وإيصال الخير وإرادته ، فإذا علم الله تعالى أن عبدا من عباده لا يغتر بترك الذنوب ويبتلي بالعجب بكثرة الطاعة ، ويخرج نفسه عن حد التقصير والخوف منه يبتليه ببعض الذنوب ، وذلك لطف منه ورحمة على عبده لكي يخافه ويرجع
غيره إلا لكي تخافه.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال ما من ذنب إلا وقد طبع عليه عبد مؤمن يهجره الزمان ثم يلم به وهو قول الله عز وجل : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ » قال اللمام العبد الذي يلم الذنب بعد الذنب ليس من سليقته أي من طبيعته.
إليه ويعترف بتقصيره ، وهذا من أحسن الأحوال للإنسان كما أن العجب أسوأ الحالات له ، ولو لا ذلك لم يذنب مؤمن قط كما مر « إلا لكي تخافه » استثناء من مدلول الكلام السابق ، فإن قوله ما يمنعه أن ينقلك في قوة ما يترك نقلك لشيء.
الحديث الخامس : حسن موثق.
وفي القاموس : الطبع والطبيعة والطباع بالكسر السجية جبل الإنسان عليها أو الطباع ككتاب ما ركب فينا من المطعم والمشرب وغير ذلك من الأخلاق التي لا تزايلنا و « طبع عليه » كمنع ختم ، والطبع بالتحريك الوسخ الشديد الصداء ، والشين والعيب ، وطبع على الشيء بالضم جبل ، وفلان دنس وشين ، وفلان تطبع إذا لم تكن له نفاذ في مكارم الأمور كما يطبع السيف إذا كثر الصداء عليه ، وهو طبع طمع ككتف ، وفي الخلق لئيمه دنس لا يستحيي من سوءة ، والتطبيع التنجيس وتطبع بطباعه تخلق بأخلاقه ، و السليقة كسفينة الطبيعة. والخبر يحتمل وجوها : الأول : أن يكون المراد بالطبع أولا حصول الشوق له إلى فعله لعارض عرض له ويمكن زواله عنه ، ولذا يهجره زمانا ولو كان ذاته ، وإنما هو بأن يسلب عنه التوفيق فيستولي عليه الشيطان فيدعوه إلى فعله ، ثم تدركه الألطاف الربانية فتصرفه عنه ، وكل ذلك لصلاح حاله ، فليس ممن يقتضي ذاته الشر والفساد ، ولا ممن أعرض الله عنه ، ولم يعلم فيه خيرا ، بل هو ممن يحبه الله ويبتليه بذلك لإصلاح أحواله ، وينتهي إلى العاقبة المحمودة.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن المؤمن لا يكون سجيته الكذب والبخل والفجور وربما ألم من ذلك شيئا لا يدوم عليه قيل فيزني قال نعم ولكن لا يولد له من تلك النطفة.
الثاني : أن يكون من الطبع بمعنى الدنس والرين ، إما على بناء المجهول أيضا أو على بناء المعلوم كما قيل ، أي ليس ذنب إلا وقد تنجس وتدنس به عبد مؤمن ، فلا ينافي عدم كونه من سليقته.
الثالث : ما قيل : إنه من الطبع بمعنى الختم ، وهو مستلزم لمنع دخول الشيء فيه ، والمعنى أن المؤمن ممنوع من الدخول في الذنب زمانا على سبيل الكناية ، ثم يلم به لمصلحة وهو بعيد والأول أظهر.
الحديث السادس : حسن كالصحيح.
والسجية الخلق والطبيعة « ولكن لا يولد له من تلك النطفة » فإن قيل : قد نرى أنه يتولد من زناء المؤمن الولد؟ قلنا : للمؤمن معان كثيرة كما عرفت ، فلعله لا يكون مؤمنا بأحد تلك المعاني ، مع أن الخواتم لا يعلمها إلا الله تعالى ، ويحتمل أن يكون محمولا على الغالب ، وقيل : لعل المراد أن المتولد من تلك النطفة لا يكون ولدا له ولا يلحق به شرعا ، أو أنه لا يولد للمؤمن من تلك النطفة لأنه ليس مؤمن حين يزني فيكون إشارة إلى سلب الإيمان عنه حين الزنا ولا يخفى بعدهما.
باب
في أن الذنوب ثلاثة
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن حماد ، عن بعض أصحابه رفعه قال صعد أمير المؤمنينعليهالسلام بالكوفة المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الذنوب ثلاثة ثم أمسك فقال له حبة العرني يا أمير المؤمنين قلت الذنوب ثلاثة ثم أمسكت فقال ما ذكرتها إلا وأنا أريد أن أفسرها ولكن عرض لي بهر حال بيني وبين الكلام نعم الذنوب ثلاثة فذنب مغفور وذنب غير مغفور وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه قال يا أمير المؤمنين فبينها لنا ؟
قال نعم أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا فالله أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرتين وأما الذنب الذي لا يغفر فمظالم العباد بعضهم
باب في أن الذنوب ثلاثة
الحديث الأول : مرفوع.
« إن الذنوب ثلاثة » أي غير الشرك والكفر ، أو ذنوب المؤمنين وقيل : وجه الحصر أن الذنب إما للتقصير في حق الله أو في حق الناس ، والأول إما أن يرفع العبد العقوبة الدنيوية بالتوبة أولا ، فهذه ثلاثة ، وأما الذنب الذي لا عقوبة عليه في الدنيا ولم يتب منه فالظاهر أنه داخل في القسم الثالث ، وحكمه حكمه ، وإن كان الخوف منه أشد ، وفي النهاية : البهر بالضم ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد ، والعدو من التهيج ، وتتابع النفس ، وفي القاموس : البهر بالضم انقطاع النفس من الإعياء.
« فعبد » أي فذنب عبد « عاقبة الله على ذنبه في الدنيا » إما بالحدود والتعزيرات أو بالبلايا والمصائب « فالله أحلم » الفاء للبيان « فمظالم العباد بعضهم » بالجر بدل
لبعض إن الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسما على نفسه فقال وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف ولو مسحة بكف ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجماء فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا تبقى لأحد على أحد مظلمة ثم يبعثهم للحساب وأما الذنب الثالث فذنب ستره الله على خلقه ورزقه التوبة منه فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العذاب.
اشتمال أو بعض ، والمراد به الظالم « لبعض » المراد به المظلوم ، والمظالم جمع المظلمة بالكسر وهي ما يظلمه الرجل إذا برز لخلقه ، البروز الظهور بعد الخفاء ، ولعله كناية عن ظهور أحكامه وثوابه وعقابه وحسابه ، وقيل : كناية عن أنه سبحانه يتكلم مع جميع الخلائق بنفسه ويحاسبهم مشافهة كما ورد في الأخبار.
« على نفسه » أي ملزما على نفسه « فقال » الفاء للبيان ، ويقال : جازه يجوزه إذا تعداه « ولو كف بكف » لعل المراد بالكف أو لا المنع والزجر ، وبالثاني اليد أي تضرر كف إنسان بكف آخر بغمز وشبهه ، أو تلذذ كف بكف أو يقدر مضاف أي يجازى ضرب كف بضرب كف ، وقيل : أي ضربة كف بكف ، والمراد بالمسحة بالكف ما يشتمل على إهانة وتحقير أو تلذذ ، ويمكن حمل التلذذ في الموضعين على ما إذا كان من امرأة ذات بعل أو قهرا بدون رضاء الممسوح ، ليكون من حق الناس.
والجماء التي لا قرن لها ، قال في النهاية : فيه أن الله ليدين الجماء من ذوات القرون الجماء التي لا قرن لها ، ويدين أي يجزي ، انتهى.
ويدل على حشر الحيوانات أيضا في القيامة كما يدل عليه قوله تعالى : «وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ » وغيره من الآيات والأخبار ، وبه قال أكثر المتكلمين من الخاصة والعامة وإن اختلفوا في خصوصياته من بقائها بعد الحشر أو تفرقها وصيرورتها ترابا وغير ذلك.
ومنهم من أول القرناء بالإنسان القوي القادر على الظلم ، والجماء بالمظلوم الضعيف وهو تكلف مستغنى عنه ، ولا يبعد أن يكون المراد مؤاخذة المكلف بتمكين القرناء من إضرار الجماء ، وفي صحيح مسلم عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلجاء من الشاة القرناء ، والجلجاء أيضا التي لا قرن لها ، وصرح جماعة من المفسرين في تفسير الآية المتقدمة ببعثها ، وقيل أي جمعت من أطراف الأرض وقيل : أميتت.
وقال الطبرسي (ره) في قوله تعالى : «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ »(١) أي يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد ، فيعوض الله ما يستحق العوض منها وينتصف لبعضها من بعض ، وفيما رووه عن أبي هريرة أنه قال : يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدواب والطير ، وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : كوني ترابا فلذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا.
وعن أبي ذر قال : بينا أنا عند رسول الله إذا انتطحت عنزان فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أتدرون فيم انتطحا؟ فقالوا : لا ندري ، قال : لكن الله يدري سيقضي بينهما.
وقال الرازي : قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، وقالت المعتزلة : إن الله يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك ، فإذا عوضت عن تلك الآلام فإن شاء الله أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسنا فعل وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر ، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق ، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء ، ثم يقال لها : موتي فتموت
__________________
(١) سورة الأنعام : ٣٨.
انتهى.
وقال بعض شراح صحيح مسلم : اضطرب العلماء في بعث البهائم ، وأقوى ما تعلق به من يقول ببعثها قوله تعالى : «وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ » وأجاب الآخر بأن معنى حشرت ماتت ، قال : والأحاديث الواردة ببعثها آحاد تفيد الظن والمطلوب في المسألة القطع ، وحمل البعض العود المذكور في الحديث على أنه ليس حقيقة وإنما هو ضرب مثل إعلاما للخلق بأنها دار جزاء لا يبقى فيها حق عند أحد ، ثم قال : ويصح عندي أن يخلق الله تعالى هذه الحركة للبهائم يوم القيامة ليشعر أهل المحشر بما هم صائرون إليه من العدل ، وسمي ذلك قصاصا لا أنه قصاص تكليف ومجازاة ، ومن توقف في بعثها إنما توقف في القطع بذلك كما يقطع ببعث المكلفين والأحاديث الواردة ليست نصوصا ولا متواترة ، وليست المسألة عملية حتى يكتفي فيها بالظن والأظهر حشر المخلوقات كلها بمجموع ظواهر الآي والأحاديث ، وليس من شرط الإعادة المجازاة بعقاب أو ثواب للإجماع على أن أولاد الأنبياءعليهمالسلام في الجنة ولا مجازاة على الأطفال ، واختلف في أولاد من سواهم اختلافا كثيرا انتهى.
وقال القرطبي : حمل بعضهم الحديث على ظاهره لأنه قال : يؤتى يوم القيامة بالبهائم فيقال لها : كوني ترابا بعد ما يقاد للجماء من القرناء ، وحينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ، ويدل على أنها ضرب مثل ما جاء في بعض الروايات من الزيادة في هذا الحديث ، يريد الحديث الذي نقله مسلم قال : حتى يقاد للجلجاء من القرناء وللحجرلم ركب على حجر ، وللعود لم خدش العود ، لأن الجمادات لا تعقل كلاما فلا ثواب ولا عقاب لها ، وهو في التمثيل مثل قوله تعالى : «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً »(١) الآية.
__________________
(١) سورة الرعد : ٣١.
وقوله تعالى : «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ »(١) .
وقال الآبي : المسائل العلمية التي لا يرجع للذات ولا للصفات كهذه يصح التمسك فيها بالآحاد ، والاستدلال بمجموع ظواهر الآي والأحاديث يرجع إلى التواتر المعنوي والاختلاف فيمن سوى أولاد الأنبياءعليهمالسلام إنما هو في محلهم بعد البعث لا في بعثهم كذا أظنه توقف الأشعري في بعث المجانين ومن لم يبلغه الدعوة فجوز أن يبعثوا وجوز أن لا يبعثوا ، ولم يرد عنه قاطع في ذلك ثم قال : لا معنى لتوقفه لأن ظاهر الآي والأحاديث بعث الجميع ، والمسألة علمية لا ترجع للذات ولا للصفات ، فيصح التمسك فيها بالآحاد كما تقدم ، أو يقال مجموع الآي والأحاديث يفيد التواتر المعنوي كما تقدم ، انتهى.
وأقول : تمام الكلام في ذلك موكول إلى كتابنا الكبير.
وأما الذنب الثالث فالخوف بعد التوبة ، لاحتمال عدم حصول شرائط التوبة وعدم القطع بقوله فينبغي أن يكون التائب أيضا بين الخوف والرجاء.
ولنذكر هنا بعض الفوائد التي لا بد من التعرض لها.
الأولى : في معنى التوبة وهي لغة الرجوع وتنسب إلى العبد وإلى الله سبحانه ومعناها على الأول الرجوع عن المعصية إلى الطاعة وعلى الثاني الرجوع عن العقوبة إلى اللطف والتفضل ، وفي الاصطلاح قيل : هي الندم عن الذنب لكونه ذنبا فخرج الندم على شرب الخمر مثلا لإضراره بالجسم ، وقد يزاد مع العزم على ترك المعاودة أبدا ، والظاهر أن هذا لازم لذلك الندم غير منفك عنه كما مرت الإشارة إليه.
وقال الشيخ البهائيقدسسره : والكلام الجامع في هذا الباب ما قاله بعض ذوي الألباب : من أن التوبة لا تحصل إلا بحصول أمور ثلاثة : أولها معرفة ضرر
__________________
(١) سورة الحشر : ٢١.
الذنوب وكونها حجابا بين العبد ومحبوبة ، وسموما قاتلة لمن يباشرها ، فإذا عرف ذلك وتيقنه حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألم لفوات المحبوب ، والتأسف من فعل الذنوب وهذا التألم والتأسف هو المعبر عنه بالندم ، وإذا غلب هذا الألم حصل حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة لها تعلق بالحال والاستقبال والمضي ، فالمتعلق بالحال هو ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب ، والمتعلق بالاستقبال هو العزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر والمتعلق بالماضي تلافى ما يمكن تلافيه من قضاء الفوائت والخروج من المظالم ، فهذه الثلاثة أعني المعرفة والندم والقصد إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول ، وقد يطلق على مجموعها اسم التوبة ، وكثيرا ما يطلق على الثاني أعني الندم وحده ، وتجعل المعرفة مقدمة لها ، وذلك القصد ثمرة متأخرة عنها ، وقد يطلق على مجموع الندم والعزم هذا ، وقد عرفها بعض أصحاب القلوب برجوع الآبق عن الجرم السابق ، وبعضهم بإذابة الأحشاء لما سلف من الفحشاء ، وبعضهم بأنها خلع لباس الجفاء وبسط بساط الوفاء ، انتهى.
وأقول : إذا عرفت أن عدم العود إلى الذنب فيما بقي من العمر لا بد منه في التوبة ، فهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط ، حتى لو زنا ثم جب وعزم على أن لا يعود إلى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصح توبته ، أم ليس بشرط فتصح؟ الأكثر على الثاني ، بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه ، وأولى من هذا بصحة التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه.
أما التوبة عند حضور الموت وتيقن الفوت وهو المعبر عنه بالمعاينة فقد انعقد الإجماع على عدم صحتها ونطق بذلك القرآن العظيم ، قال سبحانه : «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »(١) وفي الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) سورة النساء : ١٨.
إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ، والغرغرة تردد الماء وغيره من الأجسام المائعة في الحلق ، والمراد هنا تردد الروح عند النزع.
والأخبار عن أئمتناعليهمالسلام كثيرة في أنه لا تقبل التوبة عند حضور الموت وظهور علاماته ومشاهدة أهواله ، كتوبة فرعون وسائر الكفرة الذين نزل عليهم العذاب ، وقد مر بعضها ، وعلل ذلك بأن الإيمان برهان ، ومشاهدة تلك العلامات والأهوال في ذلك الوقت تصير الأمر عيانا فيسقط التكليف كما أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقطت التكاليف عنهم ، قال بعض المفسرين : ومن لطف الله بالعباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين ثم يصعد شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى الصدر ، ثم تنتهي إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على الله تعالى ، والوصية والتوبة ما لم يعاين والاستحلال ، وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته ، رزقنا الله ذلك بفضله وكرمه.
الثانية : لا خلاف في وجوب التوبة في الجملة والأظهر أنها إنما تجب لما لم يكفر من الذنوب كالكبائر والصغائر التي أصرت عليها ، فإنها ملحقة بالكبائر والصغائر التي لم يجتنب معها الكبائر ، فأما مع اجتناب الكبائر فهي مكفرة إذا لم يصر عليها ، ولا يحتاج إلى التوبة منها ، لقوله تعالى : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ »(١) قال المحقق الطوسيقدسسره في التجريد : التوبة واجبة لدفعها الضرر ، ولوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بواجب ، وقال العلامة (ره) في شرحه : التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية ، والعزم على ترك المعاودة في المستقبل : لأن ترك العزم يكشف عن نفي الندم ، وهي واجبة بالإجماع ، لكن اختلفوا.
فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنها تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر أو
__________________
(١) سورة النساء : ٣١.
المظنون فيها ذلك ، ولا يجب من الصغائر المعلوم أنها صغائر.
وقال آخرون : إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل ، وقال آخرون : إنها تجب من كل كبير وصغير من المعاصي أو الإخلال بالواجب ، سواء تاب منها قبل أو لم يتب ، وقد استدل المصنف على وجوبها بأمرين : الأول : أنها دافعة للضرر الذي هو العقاب أو الخوف فيه ، ودفع الضرر واجب ، الثاني : أنا نعلم قطعا وجوب الندم على فعل القبيح أو الإخلال بالواجب.
إذا عرفت هذا فنقول : إنها تجب من كل ذنب لأنها تجب من المعصية لكونها معصية ، ومن الإخلال بواجب لكونه كذلك ، وهذا عام في كل ذنب وإخلال بواجب ، انتهى.
أقول : ظاهر كلامه وجوب التوبة من الذنب الذي تاب منه ، وكأنه نظر إلى أن الندم على القبيح واجب في كل حال ، وكذا ترك العزم على الحرام واجب دائما ، وفيه أن العزم على الحرام ما لم يأت به لا يترتب عليه إثم ، إلا أن يقول : أن العفو عنه تفضلا لا ينافي كونه منهيا عنه كما مر ، وأما الندم على ما صدر عنه سابقا فلا نسلم وجوبه بعد تحقق الندم مرة ، وسقوط العقاب به ، وإن كان القول بالوجوب لا يخلو من قوة ، وقال الشيخ البهائي : دفع ضرر العقاب لا يدل على وجوب التوبة عن الصغائر ممن يجتنب الكبائر لكونها مكفرة ، ولهذا ذهبت البهشمية إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا.
نعم الاستدلال بأن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعم القسمين ، وأما فورية الوجوب فقد صرح به المعتزلة فقالوا يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضا ، حتى أن من أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين وساعتين أربع كبائر ، الأولتان وترك التوبة عن كل منهما ، وثلاث ساعات ثمان كبائر وهكذا ، وأصحابنا يوافقونهم على الفورية لكنهم لم يذكروا
هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلامية.
وقالرحمهالله : لا ريب في وجوب التوبة على الفور فإن الذنوب بمنزلة السموم المضرة بالبدن وكما يجب على شارب السم المبادرة إلى الاستفراغ تلافيا لبدنه المشرف على الهلاك ، كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها والتوبة منها تلافيا لدينه المشرف على التهافت والاضمحلال ، ومن أهمل المبادرة إلى التوبة وسوفها من وقت إلى وقت فهو بين خطرين عظيمين إن سلم من واحد فلعله لا يسلم من الآخر.
أحدهما : أن يعاجله الأجل فلا يتنبه من غفلته إلا وقد حضره الموت وفات وقت التدارك ، وانسدت أبواب التلافي ، وجاء الوقت الذي أشار إليه سبحانه بقوله : «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ »(١) وصار يطلب المهلة والتأخير يوما أو ساعة ، فيقال : لا مهلة لك كما قال سبحانه : «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ »(٢) قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية إن المحتضر يقول عند كشف الغطاء : يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي وأتوب إليه وأتزود عملا صالحا فيقول فنيت الأيام فيقول أخرني ساعة فيقول : فنيت الساعات فيغلق عنه باب التوبة ويغرغر بروحه إلى النار ويجرع غصة اليأس وحسرة الندامة على تضييع العمر ، وربما اضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال نعوذ بالله من ذلك.
وثانيهما أن تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه إلى أن تصير رينا وطبعا فلا تقبل المحو فإن كل معصية يفعلها الإنسان يحصل منها ظلمه في قلبه كما تحصل من نفس الإنسان ظلمه في المرآة فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا كما تصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة ، وإذا تراكم الرين صار طبعا تطبع على قلبه
__________________
(١) سورة سبأ : ٥٤.
(٢) سورة المنافقون : ١٠.
كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض ، وطال مكثه وغاص في جرمها ، وأفسدها فصار لا تقبل الصيقل أبدا.
وقد يعبر عن هذا القلب بالقلب المنكوس والقلب الأسود كما مر في الخبر. أنه يصير أعلاه أسفله ، وفي خبر آخر إن تمادى في الذنوب زاد السواد حتى يغطى البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله عز وجل : «كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »(١) فقوله : لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا يدل على أن صاحب هذا القلب لا يرجع عن المعاصي ولا يتوب منها أبدا ، ولو قال بلسانه تبت إلى الله يكون هذا القول مجرد تحريك اللسان من دون موافقة القلب ، فلا أثر له أصلا كما أن قول القصار : غسلت الثوب لا يصير الثوب نقيا من الأوساخ.
وربما يؤول حال صاحب هذا القلب إلى عدم المبالاة بأوامر الشريعة ونواهيها فيسهل أمر الدين في نظره ويزول وقع الأحكام الإلهية من قلبه ، وينفر عن قبولها طبعه ، وينجر ذلك إلى اختلاف عقيدته وزوال إيمانه ، فيموت على غير الملة وهو المعبر عنه بسوء الخاتمة نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
الثالثة : سقوط العقاب بالتوبة مما أجمع عليه أهل الإسلام ، وإنما الخلاف في أنه هل يجب علي الله حتى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما أو هو تفضل يفعله سبحانه كرما منه ورحمة بعبادة؟ المعتزلة على الأول ، والأشاعرة على الثاني وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسيقدسسره في كتاب الاقتصاد ، والعلامةرحمهالله في بعض كتبه الكلامية ، وتوقف المحقق الطوسي طاب ثراه في التجريد.
وقال الطبرسي (ره) في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : «فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ »(٢) في هذه الآية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة
__________________
(١) سورة المطفّفين : ١٤.
(٢) سورة غافر : ٧.
تفضل من الله تعالى إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج إلى مسألتهم ، بل كان يفعله سبحانه لا محالة ، واعترض عليه بأنه يحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى : «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا »(١) ، والحق ما اختاره الشيخ كما يظهر من كثير من الأخبار وأدعية الصحيفة الكاملة وغيرها ، ودليل الوجوب ضعيف.
الرابعة : الذنب إن لم يستتبع أمر آخر يلزم الإتيان به شرعا كلبس الحرير مثلا ، كفى الندم عليه والعزم على عدم العود إليه ، ولا يجب شيء آخر سوى ذلك ، وإن استتبع أمر آخر من حقوق الله تعالى أو من حقوق الناس ماليا أو غير مالي وجب مع التوبة الإتيان به ، وربما كان المكلف مخيرا بين الإتيان بذلك الأمر وبين الاكتفاء بالتوبة من الذنب المستتبع له.
فحقوق الله المالية كالعتق في الكفارة مثلا يجب الإتيان بها مع القدرة ، وغير المالية إن كان غير حد كقضاء الفوائت وصوم الكفارة فكذلك ، وإن كان حدا فالمكلف مخير إن شاء أقر بالذنب عند الحاكم ليقام عليه الحد ، وإن شاء ستره واكتفى بالتوبة منه فلا حد عليه حينئذ إن تاب قبل قيام البينة به عند الحاكم.
وأما حقوق الناس المالية فتجب تبرئة الذمة منها بقدر الإمكان ، فإن مات صاحب الحق فورثته في كل طبقة قائمون مقامه ، فمتى دفعه إليهم هو أو ورثته أو أجنبي متبرع برئت ذمته وإن بقي إلى يوم القيامة فلفقهائنا رضوان الله عليهم في مستحقه وجوه.
الأول : أنه لصاحبه الأول ، الثاني : أنه لآخر وارث ولو بالعموم كالإمام ، الثالث : أنه ينتقل إلى الله سبحانه والأول هو الأصح ، وقد دلت عليه الرواية الصحيحة عن الصادقعليهالسلام .
وأما حقوقهم الغير المالية فإن كان إضلالا وجب الإرشاد بل قد ورد في بعض
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٦.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن حمران قال سألت أبا جعفرعليهالسلام عن رجل أقيم عليه الحد في الرجم
الأخبار أنه لا تقبل توبته إلا بأن يحيي من مات على تلك الضلالة ويرده عنها ، وإن كان قصاصا وجب إعلام المستحق له وتمكينه من استيفائه ، فيقول : أنا الذي قتلت أباك مثلا ، فإن شئت فاقتص مني ، وإن شئت فاعف عني ، وإن كان حدا كما في القذف فإن كان المستحق له عالما بصدور ما يوجبه وجب التمكين أيضا وإن كان جاهلا به فهل يجب إعلامه به وجهان ، من كونه حق آدمي فلا يسقط إلا بإسقاطه ، ومن كون الإعلام تجديدا للأذى وتنبيها على ما يوجب البغضاء ، ومثل هذا يجري في الغيبة أيضا.
وكلام المحقق الطوسي وتلميذه العلامة طاب ثراهما يعطي عدم الإعلام بها ، وقد مر في باب الغيبة أن الأقوى أنه إذا علم بها يجب الاستحلال منه ، وإن لم يعلم فكفارته الاستغفار له.
ثم المشهور بين المتكلمين أن الإتيان بما يستتبعه الذنوب من فضاء الفوائت وأداء الحقوق والتمكين من القصاص والحد ونحو ذلك ليس شرطا في صحة التوبة ، بل هذه واجبات برأسها ، والتوبة صحيحة بدونها ، وبها تصير أكمل وأتم.
الخامسة : اختلفوا في التوبة المبعضة والموقتة والمجملة ، والأصح صحة المبعضة ، وإلا لما صحت عن الكفر مع الإصرار على صغيرة ، وأما الموقتة كان يتوب عن الذنوب سنة فاشتراط العزم على عدم العود أبدا يقتضي بطلانها ، وأما المجملة كان يتوب عن الذنوب على الإجمال من دون ذكر تفصيلها وهو ذاكر للتفصيل فقد توقف فيها المحقق الطوسيقدسسره ، والقول بصحتها غير بعيد ، إذ لا دليل على اشتراط التفصيل ، وقد بسطنا القول في أكثر تلك المباحث في كتابنا الكبير.
الحديث الثاني : حسن موثق كالصحيح.
وظاهره أن من أقيم عليه الحد يسقط عنه العقاب وإن لم يتب كما هو
أيعاقب عليه في الآخرة قال إن الله أكرم من ذلك.
باب
تعجيل عقوبة الذنب
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن حمزة بن حمران ، عن أبيه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن الله عز وجل إذا كان من أمره أن يكرم عبدا وله ذنب ابتلاه بالسقم فإن لم يفعل ذلك له ابتلاه بالحاجة فإن لم يفعل به ذلك شدد عليه الموت ليكافيه بذلك الذنب قال وإذا كان من أمره أن يهين عبدا وله عنده حسنة صحح بدنه فإن لم يفعل به ذلك وسع عليه في رزقه فإن هو لم يفعل ذلك به هون عليه الموت ليكافيه بتلك الحسنة.
ظاهر الأصحاب ، ويشكل القول بسقوط وجوب التوبة عنه إلا أن يقال : يعفى عنه تفضلا ، وإن استحقه كما يومئ إليه الخبر ، أو يقال : يسقط عنه عقاب ما يوجب الحد كالزنا مثلا ، وإن بقي عليه عقاب ترك التوبة ، والخبر لا يأتي عنه بل يشعر به أيضا.
باب تعجيل عقوبة الذنب
الحديث الأول : مجهول.
« من أمره » أي من شأنه وتدبيره « أن يكرم عبدا » أي في الآخرة بإيمانه بأن لا يعذبه فيها « فإن لم يفعل » أي الرب أو الذنب « ذلك » أي السقم أو الابتلاء به ، أو المعنى إن لم يفعل السقم ذلك أي تكفير الذنب أو استحقاق الإكرام به أي بالعبد ، والاحتمالات جارية في سائر الفقرات والأول في الكل أظهر ، وفي رواية : إن بقي عليه ذنب يكافيه بضغطة القبر ، وظاهره أن المؤمن لا يعذب في الآخرة ، وقد يخص بحقوق الله « أن يهين عبدا » أي بنفاقه فإنه لا يستحق ثواب
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن الحكم بن عتيبة قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده من العمل ما يكفرها ابتلاه بالحزن ليكفرها.
٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن جعفر بن محمد الأشعري ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الله عز وجل وعزتي وجلالي لا أخرج عبدا من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه حتى أستوفي منه كل خطيئة عملها إما بسقم في جسده وإما بضيق في رزقه وإما بخوف في دنياه فإن بقيت عليه بقية شددت عليه عند الموت وعزتي وجلالي لا أخرج عبدا من الدنيا وأنا أريد أن أعذبه حتى أوفيه كل حسنة عملها إما بسعة في رزقه وإما بصحة في جسمه وإما بأمن في دنياه فإن بقيت عليه بقية هونت عليه بها الموت.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبان بن تغلب قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن المؤمن ليهول عليه
الآخرة فيعطيه عوضه في الدنيا كإبليس ، وذلك من فضل الله سبحانه لأنه لا يستحق الجزاء لإخلاله بأعظم الشرائط وهو الإيمان ، ويمكن تعميمه بحيث يشمل بعض الظلمة والفساق أيضا.
الحديث الثاني : ضعيف.
« إن العبد » أي المؤمن « ولم يكن عنده » أي عند العبد أو الرب والأول أظهر « بالحزن » أي بسبب ظاهر أو بغيره.
الحديث الثالث : ضعيف.
« وأنا أريد أن أرحمه » أي استحق رحمتي.
الحديث الرابع : صحيح.
« ليهول » على بناء المجهول من التفعيل ، في القاموس : هاله هولا أفزعه كهوله فاهتاله ، والهول مخافة لا يدري ما هجم عليه ، وقال : مهنة كمنعه ونصره
في نومه فيغفر له ذنوبه وإنه ليمتهن في بدنه فيغفر له ذنوبه.
٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن السري بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا وإذا أراد بعبد سوءا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافي بها يوم القيامة.
٦ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمون ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن مسمع بن عبد الملك ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ »(١) ليس من التواء عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم
وخدمه وضربه وجهده ، وامتهنه استعمله فامتهن هو لازم متعد ، والمهين الحقير والضعيف ، وفي النهاية : امتهنوني أي ابتذلوني في الخدمة ، وربما يقرأ ليمهن وهو تصحيف ، وفي الصحاح امتهنت الشيء ابتذلته وأمهنته أضعفته.
والحاصل أنه تبتليه في بدنه بالبلايا والأمراض والأحزان والذل كأنه استخدمه أو ابتذله واستعمله كثوب البذلة ، وفي الصحيفة السجادية وامتهنك بالزيادة والنقصان.
الحديث الخامس : مجهول.
« أمسك عليه ذنوبه » أي لم يكفرها بالعقوبة في الدنيا.
الحديث السادس : ضعيف.
«وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ » قال في مجمع البيان : أي من بلوى في نفس أو مال «فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » من المعاصي «وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » منها فلا يعاقب بها ، قال الحسن : الآية خاصة بالحدود التي يستحق على وجه العقوبة ، وقال قتادة : هي عامة ، وروي عن عليعليهالسلام أنه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : خير آية في كتاب الله هذه الآية ، يا علي ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلا بذنب ، وما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه ، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني
__________________
(١) سورة الشورى : ٣٠.
ولا خدش عود إلا بذنب ولما يعفو الله أكثر فمن عجل الله عقوبة ذنبه في الدنيا فإن الله عز وجل أجل وأكرم وأعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة.
٧ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن العباس بن موسى الوراق ، عن علي الأحمسي ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
على عبده ، وقال أهل التحقيق : أن ذلك خاص وإن خرج مخرج العموم لما يلحق من مصائب الأطفال والمجانين ، ومن لا ذنب له من المؤمنين ، ولأن الأنبياء والأئمة يمتحنون بالمصائب وإن كانوا معصومين من الذنوب لما يحصل لهم في الصبر عليها من الثواب ، انتهى.
وأقول : سيأتي استثناء المعصومينعليهمالسلام منها ، والالتواء الانفتال والانعطاف ، في القاموس : لواه يلويه ليا فتله وثناه فالتوى وتلوى ، وبرأسه أمال ، والنباقة بذنبها حركت ، و التوى القدح اعوج وتلوى انعطف ، وقال : نكب الحجارة رجله لتمتها أو أصابتها فهو منكوب ، وفي النهاية : وقد نكب بالحرة أي نالته حجارتها وأصابته ، ومنه النكبة وهي ما يصيب الإنسان من الحوادث ، ومنه الحديث أنه نكبت إصبعه أي نالتها الحجارة ، و الخدش جراحة في ظاهر الجلد سواء دمي الجلد أولا.
« ولما يعفو الله » بفتح اللام وتخفيف الميم.
الحديث السابع : مجهول.
والهم والغم إما مترادفان أو الغم ما يعلم سببه ، والهم ما لم يعلم سببه ، أو الهم الحزن الذي يذيب الجسد فهو أخص ، أو الهم ما كان لفقد محبوب ، والغم لوجود مكروه.
وفي الدعاء : أعوذ بك من الهم والغم والحزن ، قيل : الفرق بين الثلاثة هو أن الهم قبل نزول الأمر ويطرد النوم ، والغم بعد نزول الأمر ويجلب النوم ، والحزن الأسف على ما فات وخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم ، وقال الكرماني
ما يزال الهم والغم بالمؤمن حتى ما يدع له ذنبا.
٨ ـ عنه ، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن الحارث بن بهرام ، عن عمرو بن جميع قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول إن العبد المؤمن ليهتم في الدنيا حتى يخرج منها ولا ذنب عليه.
٩ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي الأحمسي ، عن رجل ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال لا يزال الهم والغم بالمؤمن حتى ما يدع له من ذنب.
١٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الله عز وجل ما من
الغم هو ما يلحقه بحيث يضمه كأنه يضيق عليه ، ويقرب أن يغمى عليه ، فهو أخص من الحزن ، وهو شامل لجميع أنواع المكروهات ، والهم بحسب ما يقصده ، والحزن ما يلحقه بسبب مكروه في الماضي ، والغم على المستقبل.
وقيل : الهم والحزن بمعنى وقيل : الهم لما يتصور من المكروه الحالي والحزن لما في الماضي.
وقال الطيبي : الحزن خشونة في النفس لحصول غم ، والهم حزن يذيب الإنسان فهو أخص من الحزن ، وقيل : هو بالآتي والحزن بالماضي.
الحديث الثامن : ضعيف.
« ليهتم » أي يصيبه الهم والحزن كثيرا ، في القاموس : الهم الحزن ، وهمه الأمر هما ومهمة حزنه كأهمه فاهتم ، وفي بعض النسخ : ليهم على بناء المفعول.
الحديث التاسع : مجهول ، وقد مر.
الحديث العاشر : صحيح.
« أريد أن أدخله الجنة » أي لإيمانه وقد عمل بالمعاصي ، وليست له حسنة
عبد أريد أن أدخله الجنة إلا ابتليته في جسده فإن كان ذلك كفارة لذنوبه وإلا شددت عليه عند موته حتى يأتيني ولا ذنب له ثم أدخله الجنة وما من عبد أريد أن أدخله النار إلا صححت له جسمه فإن كان ذلك تماما لطلبته عندي وإلا آمنت خوفه من سلطانه فإن كان ذلك تماما لطلبته عندي وإلا وسعت عليه في رزقه فإن كان ذلك تماما لطلبته عندي وإلا هونت عليه موته حتى يأتيني ولا حسنة له عندي ثم أدخله النار.
١١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن أورمة ، عن النضر بن سويد ، عن درست بن أبي منصور ، عن ابن مسكان ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال مر نبي من أنبياء بني إسرائيل برجل بعضه تحت حائط وبعضه خارج منه قد شعثته الطير ومزقته الكلاب ثم مضى فرفعت له مدينة فدخلها فإذا هو بعظيم من عظمائها ميت على سرير مسجى بالديباج حوله المجمر فقال يا رب
تكفرها ولم يعف عنها « فإن كان » الجزاء مقدر أي فاكتفى به أو مثله « تماما » أي متمما ، في القاموس : تم يتم تما وتماما مثلثتين ، وتمام الشيء ما يتم به.
الحديث الحادي عشر : ضعيف.
والتشعيث التفريق ، وفي المصباح مزقت الشيء أمزقه ومزقته خرقته ، ومزقهم الله كل ممزق ، فرقهم في كل وجه من البلاد « فرفعت » على بناء المفعول أي ظهرت ، قال الكرماني في شرح البخاري : فيه فرفع لي البيت المعمور أي قرب وكشف وعرض.
وفي القاموس : تسجية الميت تغطيته ، وفي المصباح : الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم ، ويقال هو معرب ثم كثر حتى اشتقت العرب منه فقالوا دبج الغيث الأرض دبجا من باب ضرب إذا سقاها فأنبتت أزهارا مختلفة ، لأنه عندهم اسم للمنقش ، واختلف في الياء فقيل زائدة ووزنه فيعال ، ولهذا يجمع بالياء فيقال دبابيج ، وقيل : هي أصل والأصل دباج بالتضعيف فأبدل من إحدى المضعفين حرف العلة ، ولهذا يرد
أشهد أنك حكم عدل لا تجور هذا عبدك لم يشرك بك طرفة عين أمته بتلك الميتة وهذا عبدك لم يؤمن بك طرفة عين أمته بهذه الميتة فقال عبدي أنا كما قلت حكم عدل لا أجور ذلك عبدي كانت له عندي سيئة أو ذنب أمته بتلك الميتة لكي يلقاني ولم يبق عليه شيء وهذا عبدي كانت له عندي حسنة فأمته بهذه الميتة لكي يلقاني وليس له عندي حسنة.
١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي الصباح الكناني قال كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فدخل عليه شيخ فقال يا أبا عبد الله أشكو إليك ولدي وعقوقهم وإخواني وجفاهم عند كبر سني فقال أبو عبد اللهعليهالسلام يا هذا إن للحق دولة وللباطل دولة وكل واحد منهما في دولة صاحبه ذليل وإن أدنى ما يصيب المؤمن في دولة الباطل العقوق من ولده والجفاء من إخوانه وما من
في الجمع إلى أصله ، فيقال دبابيج بباء موحدة بعد الدال.
« أشهد أنك حكم » بالتحريك وهو منفذ الحكم أي أعلم مجملا أن هذا من عدلك لأنك حاكم عادل ، لكن لا أعلم بخصوص السبب « أو ذنب » الترديد من الراوي.
الحديث الثاني عشر : صحيح.
« دولة » بالفتح أي غلبة أو نوبة ، قال الجوهري : الدولة في الحرب أن تداول إحدى الفئتين على الأخرى ، والدولة بالضم في المال يقال : صار الفيء دولة بينهم يتداولونه يكون مرة لهذا ومرة لهذا ، وقال أبو عبيد : الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول به بعينه ، والدولة بالفتح الفعل ، وقيل : بالضم في المال وبالفتح في الحرب ، وأدالنا الله من عدونا ، من الدولة والإدالة الغلبة ، ودالت الأيام أي دارت ، والله يداولها بين الناس ، وتداولته الأيدي أي أخذته هذه مرة وهذه مرة.
وقال : رجل رأفة أي وادع وهو في رفاهة من العيش ، أي سعة ورفاهية على فعالية ، انتهى.
مؤمن يصيبه شيء من الرفاهية في دولة الباطل إلا ابتلي قبل موته إما في بدنه وإما في ولده وإما في ماله حتى يخلصه الله مما اكتسب في دولة الباطل ويوفر له حظه في دولة الحق فاصبر وأبشر.
باب
في تفسير الذنوب
١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن العباس بن العلاء ، عن مجاهد ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال الذنوب التي تغير النعم البغي والذنوب التي تورث الندم القتل والتي تنزل النقم الظلم والتي تهتك الستر
والمراد به إما مطلق الرفاهية أو الرفاهية بالباطل ، ولعل الأخير أظهر ، وعلى الأول الابتلاء في رفاهية الحلال ليفوز بثواب الصابرين ، ولحصول الرفاهية له في دولة الحق ولو في الرجعة ، وللتشبيه بأولياء الله في دولة الباطل.
باب تفسير عقوبات الذنوب
الحديث الأول : ضعيف.
وحمل البغي على الذنوب باعتبار كثرة أفراده ، وكذا نظائره ، و البغي في اللغة تجاوز الحد ويطلق غالبا على التكبر والتطاول ، وعلى الظلم قال تعالى : «يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ »(١) وقال : «إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ »(٢) و «بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ »(٣) «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ »(٤) «فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي »(٥) وقد روي أن الحسنعليهالسلام طلب المبارز في صفين فنهاه أمير المؤمنين عن ذلك وقال : إنه بغى ولو بغى جبل على جبل لهد الله الباغي ،
__________________
(١) سورة الشورى : ٤٢.
(٢) سورة يونس : ٢٣.
(٣) سورة الحجّ : ٦٠.
(٤) سورة القصص : ٧٦.
(٥) سورة الحجرات : ٩.
شرب الخمر والتي تحبس الرزق الزنا والتي تعجل الفناء قطيعة الرحم والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول كان أبيعليهالسلام يقول نعوذ بالله من الذنوب التي
ولما كان الظلم مذكورا بعد ذلك ، فالمراد به التطاول والتكبر فإنهما موجبان لرفع النعمة ، وسلب العزة كما خسف الله بقارون.
وقد مر أن التواضع سبب للرفعة ، والتكبر يوجب المذلة أو المراد به البغي على الإمام أو الفساد في الأرض.
والذنوب التي تورث الندم القتل فإنه يورث الندامة في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى في قابيل حين قتل أخاه «فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ »(١) » والتي تنزل النقم الظلم كما يشاهد من أحوال الظالمين وخراب ديارهم واستئصال أولادهم وأموالهم كما هو معلوم من أحوال فرعون وهامان وبني أمية وبني العباس وأضرابهم ، وقد قال تعالى : «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا »(٢) .
وهتك الستور بشرب الخمر ظاهر ، و حبس الرزق بالزنا مجرب فإن الزناة وإن كانوا أكثر الناس أموالا عما قليل يصيرون أسوأ الناس حالا ، وقد يقرأ هنا الربا بالراء المهملة والباء الموحدة ، وهي تحبس الرزق لقوله تعالى : «يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ »(٣) .
وإظلام الهواء إما كناية عن التحير في الأمور أو شدة البلية أو ظهور آثار غضب الله في الجو.
الحديث الثاني : حسن موثق.
قوله : وهي قطعية الرحم ، الظاهر أنه من كلام الباقر وقيل : هو كلام الصادق
__________________
(١) سورة المائدة : ٣١.
(٢) سورة النمل : ٥٢.
(٣) سورة البقرة : ٢٧٦.
تعجل الفناء وتقرب الآجال وتخلي الديار وهي قطيعة الرحم والعقوق وترك البر.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أيوب بن نوح أو بعض أصحابه ، عن أيوب ، عن صفوان بن يحيى قال حدثني بعض أصحابنا قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إذا
عليهماالسلام وهو بعيد ، والظاهر أن الجميع يترتب على كل واحد ، لأن تعجيل الفناء وتقريب الآجال متساوقان ، فيكون الثاني تأكيدا للأول أو إشعارا بأن تعيين الآجال لا ينافي ذلك ، فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ، ويحتمل أن يكون النشر على ترتيب اللف ، ولا ينافي تقارب المعنيين الأولين مع أنه يمكن أن يكون المراد بالفناء فناء الأموال وإن كان بعيدا ، و البر بر الوالدين أو الأعم.
الحديث الثالث : مرسل.
والخفر والإخفار الغدر ونقض العهد ، والإدالة الغلبة ، وفي الدعاء : أدل لنا ولا تدل منا ، وذلك لأنهم ينقضون الأيمان ويخالفون الله في ذلك للغلبة ، فيورد الله عليهم نقيض مقصودهم ، كما أنهم يمنعون الزكاة لحصول الغناء مع أنها سبب لنمو أموالهم ، فيذهب الله ببركتها ويحوجهم وكون المراد حاجة الفقراء كما قيل بعيد ، نعم يحتمل الأعم.
وأقول : روى الصدوق (ره) في كتاب معاني الأخبار خبرا مبسوطا في ذلك ناسب إيراده هنا ، روى بإسناده عن أبي خالد الكابلي قال : سمعت علي بن الحسينعليهالسلام يقول :
الذنوب التي تغير النعم البغي على الناس ، والزوال عن العادة في الخير ، واصطناع المعروف وكفران النعم ، وترك الشكر ، قال الله تعالى : «إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »(١) .
__________________
(١) سورة الرعد : ١١.
فشا أربعة ظهرت أربعة إذا فشا الزنا ظهرت الزلزلة وإذا فشا الجور في الحكم احتبس القطر وإذا خفرت الذمة أديل لأهل الشرك من أهل الإسلام وإذا منعت
والذنوب التي تورث الندم قتل النفس التي حرم الله قال الله تعالى في قصة قابيل حين قتل أخاه هابيل ، فعجز عن دفنه : «فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ »(١) وترك صلة القرابة حتى يستغنوا ، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها ، وترك الوصية ورد المظالم ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان.
والذنوب التي تنزل النقم عصيان المعارف بالبغي ، والتطاول على الناس ، والاستهزاء بهم والسخرية منهم.
والذنوب التي تدفع القسم إظهار الافتقار ، والنوم عن العتمة عن صلاة الغداة واستحقار النعم ، وشكوى المعبود عز وجل. والذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر واللعب بالقمار وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح ، وذكر عيوب الناس ومجالسة أهل الريب.
والذنوب التي تنزل البلاء ترك إغاثة الملهوف ، وترك معاونة المظلوم ، وتضييع الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر. والذنوب التي تدل الأعداء المجاهرة بالظلم ، وإعلان الفجور ، وإباحة المحظور وعصيان الأخيار والانطباع للأشرار.
والذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرحم ، واليمين الفاجرة ، والأقوال الكاذبة والزنا وسد طريق المسلمين ، وادعاء الإمامة بغير حق.
والذنوب التي تقطع الرجاء اليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والثقة بغير الله ، والتكذيب بوعد الله.
والذنوب التي تظلم الهواء السحر والكهانة ، والإيمان بالنجوم ، والتكذيب بالقدر ، وعقوق الوالدين.
والذنوب التي تكشف الغطاء الاستدانة بغير نية الأداء ، والإسراف في النفقة على الباطل ، والبخل على الأهل والولد ، وذوي الأرحام ، وسوء الخلق ، وقلة الصبر
__________________
(١) سورة المائدة : ٣١.
الزكاة ظهرت الحاجة.
باب نادر
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد العزيز العبدي ، عن ابن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال الله عز وجل إن العبد من عبيدي المؤمنين ليذنب الذنب العظيم مما يستوجب به عقوبتي في الدنيا والآخرة فأنظر له فيما فيه صلاحه في آخرته فأعجل له العقوبة
واستعمال الضجر والكسل ، والاستهانة بأهل الدين.
والذنوب التي ترد الدعاء سوء النية ، وخبث السريرة ، والنفاق مع الإخوان وترك التصديق بالإجابة ، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها ، وترك التقرب إلى الله عز وجل بالبر والصدقة واستعمال البذاء والفحش في القول.
والذنوب التي تحبس غيث السماء جور الحكام في القضاء وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة ومنع الزكاة ، والقرض والماعون وقساوة القلب على أهل الفقر والفاقة وظلم اليتيم والأرملة وانتهار السائل ورده بالليل.
باب نادر
إنما أفرده عن الأبواب السابقة لاشتماله على زيادة ولم يجد له من جنسه حتى يشركه معه مع غرابة مضمونه ، ويمكن أن يقرأ بالتوصيف والإضافة معا.
الحديث الأول : ضعيف.
« مما يستوجب » على بناء المعلوم ، ويحتمل المجهول « والآخرة » الواو بمعنى أو « فأنظر له » أي أدبر له ، و قوله : وأقدر عطف تفسير لقوله فأعجل وقيل : يعني ربما أعجل ، وربما أقدر ، فالواو بمعنى أو ، وعلى الأول المراد بالتعجيل جعل تقدير العقوبة في الدنيا وصرفها عن الآخرة صادف الإمضاء أو لم يصادفه ، والتقدير الكتابة في لوح المحو والإثبات ، والقضاء الشروع في تحصيل أسباب ذلك ، والإمضاء تكميل
عليه في الدنيا لأجازيه بذلك الذنب وأقدر عقوبة ذلك الذنب وأقضيه وأتركه عليه موقوفا غير ممضى ولي في إمضائه المشيئة وما يعلم عبدي به فأتردد في ذلك مرارا على إمضائه ثم أمسك عنه فلا أمضيه كراهة لمساءته وحيدا عن إدخال المكروه عليه فأتطول عليه بالعفو عنه والصفح محبة لمكافاته لكثير نوافله التي يتقرب بها إلي في ليله ونهاره فأصرف ذلك البلاء عنه وقد قدرته وقضيته وتركته موقوفا ولي في إمضائه المشيئة ثم أكتب له عظيم أجر نزول ذلك البلاء وأدخره
الأسباب المقارن للحصول وضمير أتركه للعقوبة والتذكير لكونها مصدرا.
« فأتردد في ذلك » أي في العقوبة مرارا أي مرات كثيرة على إمضائه أي لإمضائه أو عازما أو أعزم على إمضائه أو على بمعنى في وهو بدل اشتمال لقوله في ذلك ، والتردد هنا مجاز كما مر في قوله تعالى : « ما ترددت في شيء أنا فاعله » ولعله كناية عن إيجاد بعض أسبابها ، ثم صرفها وعدم إكمالها ، وفي القاموس ، حاد عنه يحيد حيدا مال ، وقوله : محبة مفعول له لقول فأتطول.
وقوله : لمكافاته متعلق بالمحبة ، و قوله : لكثير متعلق بالمكافاة أي لأني أحب أي أكافيه وأجازيه بكثير نوافله ، وقيل : لمكافاته صفة لمحبة ، ولكثير بدل لمكافاته أي لتلافيه ذلك الذنب بكثير من النوافل وما ذكرنا أظهر كما لا يخفى.
« ثم اكتب له » قيل : ثم للتعجب كما أنه في قوله ثم أمسك أيضا كذلك ، وإنما سماه أجرا مع أن ما يعطى للبلايا يسمى عوضا لأنه يعطى حقيقة للنوافل التي صارت سببا لرفع البلاء فقوله : ولم يشعر به للتعجب على ترتب الأجر على فعل مقارن لغفلة محله ، و قوله : ولم يصل إليه للتعجب عن إعطاء العوض على أمر لم يصل إليه ، انتهى.
وأقول : لما جعله أجرا وثوابا أثبت له ما هو من خواصه وهو المضاعفة بعشرة أمثاله وأكثر ، حيث قال : وأوفر له أجره ، وفي النهاية في أسماء الله تعالى الكريم هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه ، وهو الكريم المطلق ، والكريم الجامع
وأوفر له أجره ولم يشعر به ولم يصل إليه أذاه وأنا الله الكريم الرءوف الرحيم.
باب نادر أيضا
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام في قول الله عز وجل : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » فقال هو «وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ »(١) قال قلت ليس هذا أردت أرأيت ما أصاب عليا
لأنواع الخير والشرف والفضائل ، و الرؤوف هو الرحيم بعباده ، العطوف عليهم بألطافه والرأفة أرق من الرحمة ، ولا تكاد تقع في الكراهة ، والرحمة قد تقع في الكراهة للمصلحة ، انتهى.
والرحيم إما في الآخرة أو بالنعم الخاصة.
باب نادر أيضا
الحديث الأول : موثق كالصحيح.
« في قول الله » كان في بمعنى عن أو هنا تقدير أي سألت عن شيء في هذه الآية « فقال هو : » أي أبو عبد اللهعليهالسلام ولعله لما اكتفى ببعض الآية كان موهما لأن يكون نسي تتمة الآية فقرأهاعليهالسلام أو موهما لأنه توهم أن كل ذنب لا بد أن يبتلي الإنسان عنده ببلية فقرأعليهالسلام تتمة الآية لرفع هذا التوهم ، وعلى الأول معنى ليس هذا أردت ، أنه إنما لم أقرأ التتمة لأنها لم تكن لها مدخل في سؤالي وعلى الثاني أن سؤالي ليس هذا الذي يتوهم.
ويحتمل أن يكون قرأ تتمة الآية لبيان سعة رحمة الله ، ولم يكن مبنيا على توهم لكن السائل توهم ذلك « أرأيت » أي أخبرني ، وجوابهعليهالسلام يحتمل وجهين
__________________
(١) سورة الشورى : ٢٩.
وأشباهه من أهل بيتهعليهمالسلام من ذلك فقال إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يتوب إلى الله في كل يوم سبعين مرة من غير ذنب.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » أ رأيت ما أصاب عليا وأهل بيتهعليهمالسلام من بعده هو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون فقال إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم وليلة مائة
الأول : أن استغفار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أنه لم يكن لحط الذنوب بل لرفع الدرجات فكذا ابتلاؤهمعليهمالسلام ليست لكفارة الذنوب بل لكثرة المثوبات وعلو الدرجات ، فالخطاب في الآية متوجه إلى غير المعصومين بقرينة «فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » كما عرفت.
والثاني : أن المعنى أن استغفار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان لترك الأولى أو ترك العبادة الأفضل إلى الأدنى وأمثال ذلك ، فكذا ابتلاؤهم كان لتدارك ذلك ، والأول أظهر كما يدل عليه الخبر الآتي وغيره ، قال في النهاية : فيه أنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة ، الغين الغيم ، وغينت السماء تغان إذا أطبق عليها الغيم وقيل : الغين شجر ملتف أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر ، لأن قلبه أبدا كان مشغولا بالله تعالى ، فإن عرض له وقتا ما عارض بشرى يشغله عن أمور الأمة والملة ومصالحهما عد ذلك تقصيرا وذنبا فيفزع إلى الاستغفار.
الحديث الثاني : حسن كالصحيح بل أعلى من الصحيح.
والجمع بين المائة والسبعين أنه قد كان يفعل هكذا وقد كان يفعل هكذا وقيل : المراد بالسبعين العدد الكثير كما قيل في قوله تعالى : «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مرة من غير ذنب إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب.
٣ ـ علي بن إبراهيم رفعه قال لما حمل علي بن الحسين صلى الله عليهما إلى يزيد بن معاوية فأوقف بين يديه قال يزيد لعنه الله : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » فقال علي بن الحسينعليهالسلام ليست هذه الآية فينا إن فينا قول الله عز وجل : «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ »(١) .
مَرَّةً »(٢) أو كان يفعل الثلاثين في الليل.
الحديث الثالث : مرفوع.
« ليست هذه الآية فينا » قد مر بيانه ، ويؤيده أن قبل تلك الآية بآيات : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ومعلوم أن هذا الخطاب لغيرهمعليهمالسلام .
«ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ » قال الطبرسي (ره) : مثل قحط المطر وقلة النبات ، ونقص الثمرات «وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ » من الأمراض والثكل بالأولاد «إِلاَّ فِي كِتابٍ » أي إلا وهو مثبت مذكور في اللوح المحفوظ «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » أي من قبل أن يخلق الأنفس ، وإنما أثبتها ليستدل ملائكته به على أنه عالم لذاته ، يعلم الأشياء بحقائقها «إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ » أي إثبات ذلك على الله يسير سهل غير عسير.
ثم بين سبحانه لم فعل ذلك فقال : «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ » أي فعلنا ذلك لكيلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا «وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » أي بما أعطاكم الله منها ، والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك ، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه والحقوق الواجبة فيه ، فلا ينبغي أن
__________________
(١) سورة الحديد : ٢٢.
(٢) سورة التوبة : ٨٠.
يفرح به ، وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له بل يجب أن يهتم لأمر الآخرة التي تدوم ولا تبيد ، انتهى.
ولا يخفى أن ما ذكرهقدسسره لا يتفرع على الكتابة في اللوح ، ولا مدخل لها في ذلك ، وقال البيضاوي : ضمير يخلقها للمصيبة أو للأرض أو للأنفس ، وقال في قوله : «لِكَيْلا تَأْسَوْا » فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر ، والمراد منه نفي الأسي المانع من التسليم لأمر الله ، والفرح الموجب للبطر والاختيال ولذلك عقبه بقوله : «وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » إذ قل من يثبت نفسه في حال الضراء والسراء ، انتهى.
وأقول : الظاهر أن التعليل مبني على أن الإنسان إذا علم أن الله سبحانه قدر الخير والشر له قبل أن يخلقه ، وعلم أن الله تعالى فياض جواد حكيما ، لا يفعل إلا الأصلح بعباده ، لا يأسى على المصائب كثيرا لعلمه بأن صلاحه فيه ، وأن الله تعالى لجودة وحكمته يعوضه عن ذلك ، وأيضا إنما يأسف الإنسان غالبا لظنه أنه كان يمكنه السعي في رفع ذلك فقصر فيه ، وإذا علم أن ذلك بتقديره سبحانه وكان يقع لا محالة لا يأسف من تلك الجهة ، وكذا إذا أعطاه الله نعمة وعلم أنها بتقدير الله تعالى وليس من سعيه حثه ذلك على الشكر والتذلل لله سبحانه ، ولا يطغى ولا يختال ويخاف سلب النعمة كما حكى الله تعالى عن قارون حيث قال : «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي »(١) وزعم أنه إنما حصل له ما أعطاه الله لسعيه لا بتقديره سبحانه وفضله ، ولذلك طغى وبغى.
وإذا عرفت ذلك فقولهعليهالسلام : إن فينا قول الله ، يحتمل أن يكون المراد به إنا داخلون في حكم هذه الآية ولا تشملنا الآية الأخرى ، فلا يكون المعنى اختصاصها بهم وإذا حملنا على الاختصاص فيحتمل وجهين
__________________
(١) سورة القصص : ٧٨.
باب
أن الله يدفع بالعامل عن غير العامل
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن معبد ، عن عبد الله بن القاسم ، عن يونس بن ظبيان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن الله ليدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا وإن الله
الأول : أن يكون وجه التخصيص أنهم العاملون والمنتفعون بها ، فصارت لهم خلقا وسجية ، ويؤيده أنه روى علي بن إبراهيم لهذا الخبر تتمة ، وهي قوله : «إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » فنحن الذين لا ناسي على ما فاتنا من أمر الدنيا ، ولا نفرح بما أوتينا ، وهذا الاختصار المخل من المصنف (ره) غريب إلا أن يقال رواه علي بن إبراهيم على الوجهين.
الثاني : أن يكون وجه الاختصاص علمهم بما كتب لهم في اللوح المحفوظ ، والدرجات التي حصلت لهم بإزائها كما مر في باب الصبر عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : إنا صبر وشيعتنا أصبر منا ، لأنا نصبر على ما نعلم ، وشيعتنا يصبرون على ما لا يعملون ، وقد مر تأويل غريب لهذه الآية في باب شأن إنا أنزلناه في ليلة القدر يظهر منه الاختصاص بهم على وجه الكمال.
باب(١)
الحديث الأول : ضعيف.
والمراد بالهلاك نزول عذاب الاستئصال ، وظاهره أن المراد بالآية عن بعضهم بسبب بعض ، فيكون الناس و بعضهم منصوبين بنزع الخافض ، أو يقال : المراد دفع
__________________
(١) وفي بعض النسخ كنسخة المتن عنوان الباب هكذا « باب أنّ الله يدفع بالعامل من غير العامل ».
ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي ولو أجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج ولو أجمعوا على ترك الحج لهلكوا وهو قول الله عزوجل «وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ »(١) فو الله ما نزلت إلا فيكم ولا عنى بها غيركم.
باب
أن ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابه ، عن أبي العباس البقباق قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام قال أمير المؤمنينعليهالسلام ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة وكم من شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا والموت
بعض الناس أي الظالمين أو المشركين عن بعض ببركة بعض ، فيكون المدفوع عنه متروكا في الكلام « فو الله ما نزلت » أي الآية ودفع الله العذاب عن بعضهم بسبب بعض مخصوصة بالشيعة لا يشركهم غيرهم.
باب(٢)
الحديث الأول : مرسل.
« أيسر من طلب التوبة » إشارة إلى أن شرائط قبول التوبة كثيرة كما مرت الإشارة إليه في قول أمير المؤمنينعليهالسلام فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربه ، وأيضا بعد إدراك لذة الذنب والتدنس به ربما لم تطاوع نفسه في التوبة لا سيما إذا بلغ حد الطبع والرين « حزنا طويلا » بعد الموت أو الأعم « والموت فضح الدنيا » لكشفه عن مساويها وغرورها وعدم وفائه لأهلها ، وقيل : يعني أن بعد الموت يظهر عيوب الدنيا ولا يخفى بعده ، وعلى التقديرين فيه حث على ذكر الموت فإنه هادم
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٥٢.
(٢) وفي بعض النسخ كنسخة المتن عنوان الباب هكذا « باب أنّ ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة ».
فضح الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا.
باب الاستدراج
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن جندب ، عن سفيان بن السمط قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إن الله إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكره الاستغفار وإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها وهو قول الله عز وجل : «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
اللذات والمنبه عن الغفلات.
باب الاستدراج
قال في القاموس : استدراج الله تعالى العبد أنه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة وأنساه الاستغفار وأن يأخذه قليلا ولا يباغته.
الحديث الأول : مجهول.
« لينسئه » أي الرب تعالى ، وفي بعض النسخ بالتاء أي النعمة وعلى التقديرين اللام لام العاقبة «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ » بإيصال النعم إليهم عند اشتغالهم بالمعاصي ، والاستدراج قيل : هو الأخذ على الغرة من حيث لا يعلم وقيل : هو أن يتابع على عبده النعم إبلاغا للحجة ، والعبد مقيم على الإساءة ، مصر على المعصية ، فيزداد بتواتر النعم عليه غفلة ومعصية ، وذهابا إلى الدرجة القصوى منها فيأخذه الله بغتة على شدة حين لا عذر له ، كما ترى الراقي في الدرجة ، فيتدرج شيئا فشيئا حتى يبلغ إلى العلو فيسقط منه.
وفيه تخويف للمنعم عليه بالاغترار والنسيان ، وحمل ذلك على اللطف والإحسان وتذكير « له » باحتمال أن يكون ذلك استدراجا ليأخذه على العزة والشدة ، وقد قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ليركم الله من النعمة وجلين ، وقالعليهالسلام : إنه من
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ »(١) بالنعم عند المعاصي.
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن بعض أصحابه قال سئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن الاستدراج فقال هو العبد يذنب الذنب فيملى له وتجدد له عندها النعم فتلهيه عن الاستغفار من الذنوب فهو مستدرج من حيث لا يعلم.
وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك إدراجا فقد آمن مخوفا.
الحديث الثاني : مرسل.
« هو العبد » أي حال العبد ، والإملاء الإمهال قال تعالى : «وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ »(٢) وقال في مجمع البيان في قوله تعالى : «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » أي إلى الهلكة حتى يقعوا فيه بغتة ، وقيل : يجوز أن يريد عذاب الآخرة أي نقربهم إليه درجة درجة حتى يقعوا فيه ، وقيل : هو من المدرجة وهي الطريق ودرج أي مشى سريعا أي سنأخذهم من حيث لا يعلمون أي طريق سلكوا ، فإن الطرق كلها علي ومرجع الجميع إلى ، ولا يغلبني غالب ، ولا يستبقني سابق ، ولا يفوتني هارب ، وقيل : إنه من الدرج أي سنطويهم في الهلاك ونرفهم عن وجه الأرض ، يقال : طويت أمر فلان إذا تركته وهجرته ، وقيل : معناه كلما جددوا خطيئة جددنا لهم نعمة ، ولا يصح قول من قال : أن معناه يستدرجهم إلى الكفر والضلال ، لأن الآية وردت في الكفار ، وتضمنت أنه يستدرجهم في المستقبل ، لأن السين يختص المستقبل ، ولأنه جعل الاستدراج جزاء على كفرهم وعقوبة ، فلا بد أن يريد معنى آخر غير الكفر.
وقال : «وَأُمْلِي لَهُمْ » معناه وأمهلهم ولا أعاجلهم بالعقوبة فإنهم لا يفوتوني ولا يفوتني عذابهم «إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » أي عذابي قوي منيع لا يدفعه دافع ، وسماه كيدا
__________________
(١) سورة الأعراف : ١٨٢.
(٢) سورة القلم : ٤٥.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن عمار بن مروان ، عن سماعة بن مهران قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عز وجل «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » قال هو العبد يذنب الذنب فتجدد له النعمة معه تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه وكم من مستدرج بستر الله عليه وكم من مفتون بثناء الناس عليه.
لنزوله بهم من حيث لا يشعرون ، وقيل : أراد أن جزاء كيدهم متين.
الحديث الثالث (١) : ضعيف.
« كم من مغرور » كم خبرية مرفوعة محلا بالابتداء وخبرها محذوف إن كان الظرف في قوله « بما » لغوا ومتعلقا بمغرور بتقدير كم من مغرور بما أنعم الله عليه كائن ، وخبرها الظرف إن كان مستقرا ، أو كم منصوبة محلا على طريقة ما أضمر عامله على شريطة التفسير باشتغال فعل بضمير متعلق به ، مثل زيدا مررت بغلامه ، وهكذا في سائر المواضع ، أي كم غافل عن مال حاله ، وعقوبات الله في الدنيا والآخرة بما أنعم الله عليه فظن أنه لكرامته على الله أنعم عليه ، وكم من رجل ستر الله عيوبه عن الناس أو عن نفسه أيضا استدراجا فظن كماله وقربه عند الله ، وكم رجل افتتن ووقع في مهاوي العجب بثناء الناس عليه ، فغفل عن عيوب نفسه ، وظن مدح الناس حقا.
__________________
(١) كذا في جميع النسخ والظاهر أنّه سقط من نسخة الشارح (ره) أو قلمه الشريف الحديث الثالث الموجود في المتن وقد مرّ نظير هذا السقط في الأجزاء السابقة أيضا ، واحتمال سقطه من قلم النسّاخ بعيد لأنّ النسخ الموجودة عندنا أحدها بخطّ الشارح تماما وقد سقط منها أيضا ، وعلى كل حال هذا الحديث بحسب المتن هو الحديث الرابع لا الثالث.
باب
محاسبة العمل
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسينعليهالسلام قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول إنما الدهر ثلاثة أيام أنت فيما بينهن مضى أمس بما فيه فلا يرجع أبدا فإن كنت عملت فيه خيرا لم تحزن لذهابه وفرحت بما استقبلته منه وإن كنت قد فرطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه وتفريطك فيه وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرة ولا تدري لعلك لا تبلغه وإن بلغته لعل حظك فيه في التفريط مثل حظك في الأمس الماضي عنك.
فيوم من الثلاثة قد مضى أنت فيه مفرط ويوم تنتظره لست أنت منه على يقين من ترك التفريط وإنما هو يومك الذي أصبحت فيه وقد ينبغي لك أن عقلت
باب أي نادر أيضا(١)
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
« ثلاثة أيام » أحدها اليوم الذي هو فيه ينبغي أن يعمل فيه ، والثاني : اليوم الذي قبل هذا اليوم وهو يشمل كل يوم قبله وهو المراد بالأمس الماضي لا خصوص يوم واحد قبله ، الثالث : اليوم الآتي بعد هذا اليوم ، وهو كذلك يشمل جميع الأيام الآتية وهو المراد بالغد « بما استقبلته منه » أي بعمل صالح استقبلته ولاقيته بسبب ذلك اليوم ، أو الثواب الذي تستقبله وتنتظره في الآخرة بسبب ذلك العمل ، ولعله أظهر « من غد » أي بسببه أو بالنسبة إليه كقوله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، أو متعلق بغرة.
والغرة بالكسر الغفلة أي اغتررت بالغد وسوفت العمل إليه غافلا عن أنك لا تعلم وصولك إليه ، وعدم تفريطك فيه « وإنما هو يومك » الضمير راجع إلى ما بيده
__________________
(١) كذا في النسخ.
وفكرت فيما فرطت في الأمس الماضي مما فاتك فيه من حسنات ألا تكون اكتسبتها ومن سيئات ألا تكون أقصرت عنها وأنت مع هذا مع استقبال غد على غير ثقة من أن تبلغه وعلى غير يقين من اكتساب حسنة أو مرتدع عن سيئة محبطة فأنت من يومك الذي تستقبل على مثل يومك الذي استدبرت فاعمل عمل رجل
من الأيام وما يمكنه العمل فيه بقرينة المقام ، وقيل : إلى الباقي من الثلاثة ، وقيل : إلى الدهر ، وقيل : إلى اليوم.
« وقد ينبغي لك إن عملت » هذا الكلام يحتمل وجوها : الأول : أن يكون بفتح أن فهو فاعل ينبغي ، الثاني : أن يكون الفاعل مقدرا بقرينة فاعمل ، الثالث : أن يكون مضمون جملة الشرط وهو « إن عقلت » والجزاء وهو « فاعمل » فاعل ينبغي ولا يخلو شيء منها من التكلف ولعل الأول أظهر.
و « مما فاتك » الظاهر أن من لبيان الموصول ، وقيل : من للتبعيض ، وما عبارة عن الزمان ، وفيه متعلق بفرطت ، والضمير فيه راجع إلى ما في قوله : ما فرطت ومن في قوله : من حسنات ، لتبيين ما في فرطت وألا في الموضعين مركب من أن الناصبة ولا النافية أدغمت النون في اللام ، وبدل اشتمال للموصول فيما فرطت ، وتكون زائدة لعدم صحة إدخال لا النافية على الماضي بلا إرادة التكرار ، والواو في قوله : وأنت حالية ، والعامل في الحال لا تكون في الموضعين على التنازع.
وأنت إلى قوله : استدبرت داخل في المفكر فيه ولذا كرر مع ذكره سابقا ، وأنت مبتدأ و « مع هذا » حال عن فاعل الظرف في قوله : مع استقبال ، الذي هو خبر المبتدأ ، و المرتدع بفتح الدال مصدر ميمي و الإحباط إبطال العمل الصالحة الماضية.
« على مثل يومك » أي على مثل ما أنت من يومك الذي استدبرت ، وقال في
ليس يأمل من الأيام إلا يومه الذي أصبح فيه وليلته فاعمل أو دع والله المعين على ذلك.
الوافي : إن عقلت بفتح الهمزة إن أثبت الواو بعده ، وإلا فبالكسر ، وفي بعض النسخ وددت بدل فكرت من دون واو ، وعليها فالكسر متعين وأ لا في الموضعين للتحضيض انتهى.
وقوله : وليلته كأنه إشارة إلى أن ما ذكرنا من اليوم المراد به اليوم والليلة فإنه لم يذكر الليالي وهو من العمر ، أو إلى أن اليوم المراد به مقدار من الزمان اختص بوصف أو واقعة كما هو الشائع بين العرب ، كيوم القيامة ويوم الأحزاب فقد يطلق على السنين والشهور ، والساعة من اليوم أو الليلة ، كما أطلق اليوم هنا على ما مضى من العمر ، وعلى ما بقي منه ، فاليوم الذي هو فيه هو الساعة التي هو فيها سواء كان من اليوم أو الليلة.
قال في المصباح : والعرب قد تطلق اليوم ويريد الوقت والحين نهارا كان أو ليلا ، فنقول : ذخرتك لهذا اليوم ، أي لهذا الوقت الذي افتقرت فيه إليك ، ولا يكادون يفرقون بين قولهم يومئذ وحينئذ وساعتئذ ، انتهى.
وقيل : الواو في قوله وليلته للتقسيم ، إشارة إلى أن هذا الوعظ قد ينتفع به في اليوم وقد ينتفع به في الليلة ، وفيه اختصار لأن التقدير وعمل رجل ليس يأمل من الليالي إلا ليلته التي أمسى فيها ، انتهى.
وما ذكرنا أظهر ، وتكرير فاعمل للتأكيد أي بينت لك هذه الموعظة وأوضحت لك ما يوجب نجاتك فإن شئت فاعمل وإن شئت دع فهو قريب من التهديد ، مثل قوله تعالى : «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »(١) وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اعمل ما شئت فإنك ميت « والله المعين على ذلك » أي على العمل ، وما قيل : إن فاعمل ثانيا على بناء الأفعال ، وأودع على أفعل التفضيل مفعوله فهو في غاية البعد والركاكة.
__________________
(١) سورة فصّلت : ٤٠.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي الحسن الماضي صلوات الله عليه قال : ليس منا من لم يحاسب نفسه
الحديث الثاني : حسن.
« ليس منا » أي من شيعتنا أو محبينا أو محبوبينا.
واعلم أن أفضل الأعوان على طاعة الله والاجتناب عن معاصيه والتزود ليوم المعاد محاسبة النفس ، أي يتفكر عند انتهاء كل يوم وليلة بل كل ساعة فيما عمل فيه من خير أو شر ، كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا وتجهزوا للعرض الأكبر ، وعن الحسن بن عليعليهماالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يكون العبد مؤمنا حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه ، والسيد عبده ، وفيما أوصى به أمير المؤمنين ابنه الحسن صلوات الله عليهما : يا بني للمؤمن ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذتها فيما يحل ويحمد.
وفي تفسير الإمام قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا أخبركم بأكيس الكيسين وأحمق الحمقاء؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : أكيس الكيسين من حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت ، وأحمق الحمقاء من اتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين(١) وكيف يحاسب الرجل نفسه؟ قال : إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال : يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا والله يسائلك عنه فيما أفنيته؟ وما الذي عملت فيه أذكرت الله أم حمدتيه؟ أقضيت حق أخ مؤمن؟ أنفست عنه كربته
__________________
(١) يظهر منه أنّ الراوي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو أمير المؤمنينعليهالسلام ، لكن في صحة إسناد التفسير إلى الإمامعليهالسلام وإثباته كلام مذكور في محلّه ومن أراد الوقوف على البحث فيه فليراجع مقدّمة تفسير مجمع البيان ـ ط الإسلامية ـ بقلم الأستاد المرحوم الشيخ أبو الحسن الشعراني رضوان الله عليه.
في كل يوم فإن عمل حسنا استزاد الله وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي النعمان العجلي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال يا أبا النعمان لا يغرنك الناس من نفسك فإن الأمر يصل إليك دونهم ولا تقطع نهارك بكذا وكذا فإن معك من يحفظ عليك عملك وأحسن فإني لم أر شيئا أحسن دركا
أحفظتيه يظهر الغيب في أهله وولده؟! أحفظتيه بعد الموت في مخلفيه؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك أأعنت مسلما؟ ما الذي صنعت فيه؟ فيذكر ما كان منه ، فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد الله عز وجل وكبره على توفيقه ، وإن ذكر معصية أو تقصيرا استغفر الله عز وجل وعزم على ترك معاودته ، ومحا ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة على محمد وآله الطيبين ، وعرض بيعة أمير المؤمنين على نفسه وقبولها ، وإعادة لعن شانئيه وأعدائه ودافعيه عن حقوقه ، فإذا فعل ذلك قال الله تعالى : لست أناقشك في شيء من الذنوب مع موالاتك أوليائي ومعاداتك أعدائي.
الحديث الثالث : مجهول بسنديه.
« لا يغرنك الناس من نفسك » المراد بالناس المادحون الذين لم يطلعوا على عيوبه ، والواعظون الذين يبالغون في ذكر الرحمة ، ويعرضون عن ذكر العقوبات تقربا عند الملوك والأمراء والأغنياء « فإن الأمر » أي الجزاء والحساب والعقوبات المتعلقة بأعمالك « تصل إليك » لا إليهم وإن وصل إليهم عقاب هذا الإضلال « بكذا وكذا » أي بقول اللغو والباطل. فإن معك من يحفظ عليك عملك فإن القول من جملة العمل ، كما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه ، وقالعليهالسلام لمن يتكلم بالباطل : يا هذا إنك تملي على كاتبيك كتابا ، ويحتمل أن يكون كذا وكذا أعم من القول والفعل « وأحسن » أي أفعل الحسنات ، أو أحسن إلى نفسك وإلى غيرك ، والأول هنا أظهر ، قال الراغب : الإحسان يقال على وجهين أحدهما الإنعام على الغير ، يقال : أحسن إلى
ولا أسرع طلبا من حسنة محدثة لذنب قديم.
عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي النعمان مثله.
٤ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال اصبروا على الدنيا فإنما هي ساعة فما مضى منه فلا تجد له ألما ولا سرورا وما لم يجئ فلا تدري ما هو
فلان ، والثاني إحسان في فعله ، وذلك إذا علم علما حسنا أو عمل عملا حسنا ، وعلى هذا قول أمير المؤمنينعليهالسلام الناس أبناء ما يحسنون أي ما يعلمونه وما يعملونه من الأفعال الحسنة ، وفي المصباح : أدركته إذا طلبته فلحقته والدرك بفتحتين وسكون الراء لغة من أدركت الشيء ، وفي القاموس : الدرك محركة اللحاق أدركه لحقه ، انتهى.
أي تدرك الحسنة الذنب القديم فتكفره ، وقيل : إنما أخر سرعة الطلب عن حسن الدرك مع أنه مقدم في الحدوث لأن الترقي في النفي بتأخير المقدم في الحدوث ، وفي الإثبات بالعكس.
وأقول : قد ينظر إلى الترتيب في الوجود فيهما ، كقوله تعالى : «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »(١) .
الحديث الرابع : مرسل.
« فإنما هي » أي الدنيا ، والمراد ما بيدك منها أو مدة الصبر أو المصابرة ساعة ، يدل على أن اليوم في الخبر الأول هو الساعة كما مر « فلا تجد له ألما » لينضم إلى ألم تلك الساعة فيتضاعف « ولا سرورا » حتى تقيس تلك الساعة بها ، فيصير سببا لترك الصبر « وما لم يجيء فلا تدري ما هو » أي لا تدري تصل إليه
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٥٥.
وإنما هي ساعتك التي أنت فيها فاصبر فيها على طاعة الله واصبر فيها عن معصية الله.
٥ ـ عنه ، عن بعض أصحابنا رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام احمل نفسك لنفسك فإن لم تفعل لم يحملك غيرك.
٦ ـ عنه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام لرجل إنك قد جعلت طبيب نفسك وبين لك الداء وعرفت آية الصحة ودللت على الدواء فانظر كيف قيامك على نفسك.
أم لا ، ومع الوصول لا تعلم حالك فيه « وإنما هي » أي الدنيا التي يلزمك الصبر فيها.
الحديث الخامس : مرفوع.
وضمير عنه هنا وفيما بعده راجع إلى أحمد بن محمد « احمل نفسك » أي عن مواضع المذلة والهوان في الدنيا والآخرة لنفسك للوصول إلى الجنة والدرجات العالية على مركوب الطاعات ، والأعمال الصالحة ، والوجهان متقاربان ، وما يعمله الغير إن كان بالوصية فهو من أعماله وإن لم يكن بالوصية فلا ينفع كثيرا ولا يعتمد على وقوعه.
الحديث السادس : كالسابق ، و الداء الأخلاق الذميمة والذنوب المهلكة ، وآية الصحة العلامات التي بينها الله وبين رسوله والعترة الهادية صلوات الله عليه وعليهم كقوله تعالى : «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » ، «الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ » إلى آخر الآيات ، وسائر ما ورد في صفات المؤمنين والموقنين والمتقين والمفلحين ، وقد مر كثير منها في باب صفات المؤمن وغيره ، و الدواء التوبة والاستغفار ومجالسة الأخيار ، ومجانبة الأشرار والزهد في الدنيا ، والتضرع إلى الله والتوسل به والتوكل عليه ، وتتبع علل النفس وعيوبها وأمراضها ، ومعالجة كل منها بضدها.
وقد أشار أمير المؤمنينعليهالسلام إلى ذلك بقوله :
دواؤك فيك وما تشعر |
وداؤك منك وما تبصر |
٧ ـ عنه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام لرجل اجعل قلبك قرينا برا أو ولدا واصلا واجعل عملك والدا تتبعه واجعل نفسك عدوا تجاهدها واجعل مالك عارية تردها.
وتحسب أنك جرم صغير |
وفيك انطوى العالم الأكبر |
|
وأنت الكتاب المبين الذي |
بأحرفه يظهر المضمر |
|
فلا حاجة لك في خارج |
يخبر عنك بما سطروا |
فانظر كيف قيامك على نفسك في معالجة أدوائها وإن قصرت في ذلك فقد قتلت نفسك ، ومن قتل نفسه فجزاؤه جهنم خالدا.
الحديث السابع : كالسابق.
والقرين : البار المصاحب الصالح المشفق الذي يهديك إلى ما ينفعك ويمنعك عما يضرك ، و الولد الواصل هو الذي ينفعك ويعينك في دنياك وآخرتك ، فشبه القلب أي العقل المتعلق بهما للمشاركة بينه وبينهما في هذا المعنى.
« واجعل عملك » في بعض النسخ بتقديم الميم على اللام وفي بعضها بالعكس ولعله أنسب ، وعلى الأول المراد به العمل الصالح ، والمراد بالنفس النفس الأمارة بالسوء كما روي أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، وقد مر تحقيقها ، وشبه المال بالعارية في مشقة ضبطها ، وعدم الانتفاع بها غالبا ، والانتقال بغيره بعد الموت ، أي ينبغي أن لا يتعلق قلبك به كما لا يتعلق القلب بالعارية.
وقال في المصباح : تعاوروا الشيء واعتوروه تداولوه ، و العارية من ذلك والأصل فعلية بفتح العين وهو اسم من الإعارة وعارة مثل أطعته إطاعة وطاعة ، وأجبته إجابة وجابة.
وقال الليث : سميت العارية لأنها عار على طالبها ، وقال الجوهري مثله ، وبعضهم يقول مأخوذة من عار الفرس إذا ذهب من صاحبه لخروجها وهما غلط ، لأن العارية من الواو لأن العرب تقول هم يتعاورون العواري ويتعورونها بالواو وإذا
٨ ـ وعنه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام اقصر نفسك عما يضرها من قبل أن تفارقك واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك فإن نفسك رهينة بعملك.
٩ ـ عنه ، عن بعض أصحابه رفعه قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام كم من طالب للدنيا لم يدركها ومدرك لها قد فارقها فلا يشغلنك طلبها عن عملك والتمسها من معطيها ومالكها فكم من حريص على الدنيا قد صرعته واشتغل بما أدرك منها
أعار بعضهم بعضا ، والعار وعار الفرس من الياء فالصحيح ما قال الأزهري ، والعارية بتشديد الياء وقد تخفف في الشعر.
الحديث الثامن : كالسابق أيضا.
« أقصر » على بناء الأفعال « من قبل أن تفارقك » أي النفس ، فإن الخطاب ظاهرا إلى البدن أي قبل الموت الذي يسلب الاختيار عنك واسع في فكاكها عن العذاب والارتهان به ، وقال الراغب : الرهن ما يوضع وثيقة للدين والرهان مثله وأصلهما مصدر ، يقال : رهنت الشيء وأرهنته رهانا فهو رهين ومرهون ، وقيل في قوله : «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ »(١) أنه فعيل بمعنى فاعل أي ثابتة مقيمة ، وقيل : بمعنى مفعول أي كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عمله ولما كان الرهن يتصور منه حبسه أستعير ذلك للمحتبس أي شيء كان قال : كل نفس بما كسبت رهينة.
الحديث التاسع : كالسابق.
« كم من طالب » كم خبرية للتكثير ، ومرفوعة محلا بالابتداء و قوله : لم يدركها خبره ، وحاصله أن طالب الدنيا مردد بين أمرين إما أن لا يدركها فيضل سعيه ويبطل عمله ، وإما أن يدركها ويتعلق قلبه بها ثم يفارقها فتبقى عليه حسرتها فينتفع به غيره ، والحساب والعقاب عليه « قد صرعته » أي قتلته وألقته على الأرض أو ألقته من أوج العز على حضيض المذلة والهوان ، يقال : صارعته فصرعته والصريع القتيل ، والمسجون الحقيقي في سجن الأبد من حبسته دنياه عن طلب آخرته فهو
__________________
(١) سورة المدّثّر : ٣٨.
عن طلب آخرته حتى فني عمره وأدركه أجله.
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام المسجون من سجنته دنياه عن آخرته.
١٠ ـ وعنه رفعه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال قال إذا أتت على الرجل أربعون سنة قيل له خذ حذرك فإنك غير معذور وليس ابن الأربعين بأحق بالحذر من ابن العشرين فإن الذي يطلبهما واحد وليس براقد فاعمل لما أمامك من الهول
مسجون عن القيام بمصالح نفسه أبدا.
الحديث العاشر : كالسابق أيضا.
« قيل له » أي بلسان الحال أو يناديه ملك ، وتظهر الفائدة بعد أخبار الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام « خذ حذرك » في القاموس : الحذر بالكسر ويحرك الاحتراز ، وقال الراغب : الحذر احتراز عن مخيف ، يقال : حذر حذرا وحذرته قال عز وجل : «يَحْذَرُ الْآخِرَةَ »(١) «وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ »(٢) وقال : «خُذُوا حِذْرَكُمْ »(٣) أي ما فيه الحذر من السلاح وغيره.
« فإنك غير معذور » أي لا يقبل عذرك بغلبة الشهوة ، فإنها تنكسر بعد الأربعين ، ولا بقلة التجربة وضعف العقل فإنهما يكملان في الأربعين ، في المصباح : عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب دفعت عنه اللؤم فهو معذور ، أي غير ملوم.
ثم أشارعليهالسلام إلى عدم المعذورية قبل ذلك وقلة التفاوت في الإنسان لئلا يجترئ الإنسان قبل الأربعين في المعاصي بقوله : وليس ابن الأربعين بأحق بالحذر من ابن العشرين ، أي مثلا وذلك لأن الأحقية إما باعتبار أن طالبهما متعدد ، فيمكن أن يتفاوت الطلب ويتفاوت بتفاوته الحذر بالشدة والضعف ، أو باعتبار أن طالبهما واحد لكنه صالح للرقاد والغفلة فيغفل عن الثاني دون الأول ، أو باعتبار أن طلب الموت لأحدهما أقرب من طلبه للآخر ، وليس شيء من هذه الاعتبارات هنا فانتفت الأحقية كثيرا ، فظهر أن هذا من ألطافه سبحانه حيث يوسع الأمر
__________________
(١) سورة الزمر : ٩.
(٢) سورة آل عمران : ٢٨.
(٣) سورة النساء : ٧١.
ودع عنك فضول القول.
١١ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن حسان ، عن زيد الشحام قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام خذ لنفسك من نفسك خذ منها في الصحة قبل السقم وفي القوة قبل الضعف وفي الحياة قبل الممات.
١٢ ـ عنه ، عن علي بن الحكم ، عن هشام بن سالم ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن النهار إذا جاء قال يا ابن آدم اعمل في يومك هذا خيرا أشهد لك به عند ربك يوم القيامة فإني لم آتك فيما مضى ولا آتيك فيما بقي وإذا جاء الليل قال مثل ذلك.
١٣ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن شعيب بن عبد الله
قليلا قبل الأربعين ، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بذلك.
والمراد بترك فضول القول عدم التكلم وعدم استماعه ، لأن ذلك مفسد للسان والسمع والقلب ، ومانع عن إدراك الحق وعن ذكر الله ، وكأنه من باب التشبيه بالأدنى على الأعلى أي فكيف الاشتغال بالمحرمات بهما وبسائر الجوارح ، ويمكن أن يراد به الاغترار والتسويف في العمل بأن يقول : الله كريم يغفر الذنوب أو سأفعل بعد ذلك عند المشيب ، وأمثال ذلك مما يوجب ترك العمل.
الحديث الحادي عشر : صحيح.
ولما كان كل من السقم والضعف بكبر السن والموت مانعا من الأعمال الحسنة وكانت القدرة في أضدادها أمرعليهالسلام بالمبادرة إلى تلك الأعمال في حال الاقتدار عليها ، فإن الفرصة غنيمة.
الحديث الثاني عشر : مرسل.
والقول إما بلسان الحال وهو قول الملك الموكل باليوم ، وقد يقال أن للأيام والساعات والشهور والسنين شعورا لكنه بعيد من طور العقل.
الحديث الثالث عشر : ضعيف.
عن بعض أصحابه رفعه قال جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال يا أمير المؤمنين أوصني بوجه من وجوه البر أنجو به قال أمير المؤمنينعليهالسلام أيها السائل استمع ثم استفهم ثم استيقن ثم استعمل واعلم أن الناس ثلاثة زاهد وصابر وراغب فأما الزاهد فقد خرجت الأحزان والأفراح من قلبه فلا يفرح بشيء من الدنيا ولا يأسى على شيء منها فاته فهو مستريح وأما الصابر فإنه يتمناها بقلبه فإذا
« استمع » أي ما يلقى عليك من الكتاب والسنة أو ما ألقيه عليك في هذا الوقت والأمور الأربعة مترتبة فإن العمل موقوف على اليقين ، واليقين موقوف على الفهم ، والفهم موقوف على الاستماع من أهل العلم.
« واعلم أن الناس ثلاثة » وجه الحصر أن الإنسان إما أن يخرج حب الدنيا من قلبه أو لا ، والثاني إما أن يمنع نفسه عن تحصيلها أو لا ، فالأول زاهد والثاني صابر ، والثالث راغب.
فقد خرجت الأفراح والأحزان ، أي الدنيوية من قلبه و الأسي بالفتح والقصر الحزن ، أسي يأسى من باب علم أسي فهو آس وهو إشارة إلى ما مر عن علي بن الحسينعليهالسلام حيث قال : ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله عز وجل : «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ »(١) .
والحاصل أن قلب الزاهد متعلق بالله ويأمر الآخرة لا بالدنيا ، فلا يفرح بشيء منها يأتيه ولا يحزن على شيء منها فاته ، لأن الفرح بحصول محبوب والحزن بفواته ، وشيء من الدنيا ليس بمحبوب عند الزاهد.
« فهو مستريح » أي في الدنيا والآخرة أما الدنيا فلفراغه من مشاق الكسب وشدائد الصبر على فواته ، وأما الآخرة فلنجاته من الحساب والعقاب ، و الشناءة كالشناعة : البغض ، والمراد هنا قباحتها في نظر عقله وإن مال طبعه إليها ، و الحزم الأخذ بالثقة ، والنظر في العاقبة وقال الفيروزآبادي : العرض بالكسر النفس ، وجانب الرجل يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب أو سواء كان في نفسه أو
__________________
(١) سورة الحديد : ٢٣.
نال منها ألجم نفسه عنها لسوء عاقبتها وشنآنها لو اطلعت على قلبه عجبت من عفته وتواضعه وحزمه وأما الراغب فلا يبالي من أين جاءته الدنيا من حلها أو من حرامها ولا يبالي ما دنس فيها عرضه وأهلك نفسه وأذهب مروءته فهم في غمرة يضطربون.
١٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن محمد بن حكيم عمن حدثه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : لا يصغر ما ينفع يوم القيامة ولا يصغر ما يضر يوم القيامة فكونوا فيما أخبركم الله عز وجل كمن عاين.
١٥ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان المنقري ، عن حفص بن غياث قال سمعت أبا عبد الله يقول إن قدرت أن لا تعرف فافعل وما عليك ألا يثني عليك الناس وما عليك أن تكون
سلفه أو من يلزمه أمره أو موضع المدح والذم منه أو ما يفتخر به من حسب وشرف.
« وأهلك » عطف على دنس أو لا يبالي ، والمروة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ، والغمرة الرحمة والشدة والانهماك في الباطل ، ومعظم البحر ، وكأنهعليهالسلام شبهه بمن غرق في البحر يضطرب ولا يمكنه الخروج منه.
الحديث الرابع عشر : ضعيف على المشهور.
وصغر ككرم وفرح صار صغيرا ويمكن أن يقرأ على المجهول من بناء التفعيل أي لا يعد صغيرا كمن عاين هو مرتبة عين اليقين كما مر.
الحديث الخامس عشر : (١)
« إن قدرت إن لا تعرف فافعل » هذا مما يدل على أن العزلة أفضل من
__________________
(١) كذا في جميع النسخ التي عندنا.
مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله ثم قال قال أبي علي بن أبي طالبعليهالسلام :
المعاشرة ، واختلف العلماء في ذلك ، والآيات والأخبار أيضا متعارضة فمن قال العزلة أحسن نظر إلى آفات المعاشرة من الحسد والعداوة والبغضاء والغيبة والنميمة والرياء وحب الدنيا وعدم فراغ القلب للذكر والفكر وتضييع العمر ، وعدم الانتفاع بمعاشرة أكثر الخلق وأشباه ذلك ، ومن قال المعاشرة أفضل نظر إلى فوائد المعاشرة من التعليم والتعلم والاهتداء بسيرة العلماء وأخلاقهم ، وتحصيل المثوبات العظيمة من زيارة الإخوان وعيادتهم وتشييع جنائزهم والسعي في قضاء حوائجهم وهداية الخلق وإحياء مراسم الدين والحضور في الجماعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمثال ذلك ، وكل ذلك يفوت بالعزلة.
فالحق القول بالتفصيل في الأشغال والأحوال والأزمان والأشخاص فالعزلة المطلوبة عن شرار الخلق إذا يئس عن هدايتهم كما قال إبراهيمعليهالسلام عند اليأس عن هدايتهم : «وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ »(١) لا العزلة التامة بحيث يترك الأمور الواجبة كالتعليم والتعلم وحضور الجمعات والجماعات وسائر ما أشرنا إليه سابقا ، والمعاشرة إنما تكون مطلوبة إذا كانت متضمنة لمنفعة دينية خالية عن المفاسد المذكورة وغيرها.
وأيضا ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، فالعلماء والفقهاء إذا اعتزلوا صار سببا لضلالة الخلق وحيرتهم واستيلاء شياطين الجن والإنس عليهم ، وكثير من سائر الخلق لا ضرورة في معاشرتهم.
وأيضا الأزمنة مختلفة ، فقد ورد في الخبر : سيأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا النومة كما أن سيد الساجدين صلوات الله عليه اعتزل الخلق لفساد الزمان واستيلاء بني أمية على الخلق والباقر والصادقعليهماالسلام عملا بخلاف ذلك لتمكنهم من
__________________
(١) سورة مريم : ٤٨.
لاخير في العيش إلا لرجلين رجل يزداد كل يوم خيرا ورجل يتدارك منيته بالتوبة وأنى له بالتوبة والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله تبارك وتعالى منه إلا بولايتنا أهل البيت ألا ومن عرف حقنا ورجا الثواب فينا ورضي بقوته نصف مد في كل يوم وما ستر عورته وما أكن رأسه وهم والله في ذلك خائفون وجلون
هداية الخلق.
وبالجملة ينبغي أن يكون الإنسان طبيب نفسه ، فإنه أعرف بأدوائها وعارفا بزمانه وأهله ، فإذا عرف أن صلاحه في العزلة اعتزل اعتزالا لا يضر بحاله ، وإذا علم أن صلاحه في المعاشرة اختارها على وجه لا يضر بنياته وأعماله وينبغي أن ينظر في أحوال أهل زمانه فيختار للأخوة والمصاحبة من كان مصلحا لأحواله ولا يكون مضيعا لعمره كما سيأتي تحقيقه في كتاب العشرة إن شاء الله ، وقد بسطنا الكلام في ذلك بعض البسط في كتاب عين الحياة والله الموفق.
وأما هذا الخبر فالظاهر أن الراوي وهو حفص بن غياث لما كان عاميا قاضيا من قبل هارون طالبا للشهرة عند الولاة وخلفاء الجور ، ولذا عدل عن الحق واتبع أهل الضلال ، وكان المناسب بحاله ترك الشهرة والاعتزال أمرهعليهالسلام بذلك.
« لا خير في العيش » أي عيش الدنيا ويحتمل الأعم من عيش الدنيا والآخرة والمراد بالرجل الأول من لم يذنب أصلا أو إلا نادرا وبالثاني من يبتلي بالمعاصي ثم يتوب وهو المفتن التواب كما مر.
ثم بينعليهالسلام إن قبول التوبة مشروط بحسن الاعتقاد لئلا يغتر السامع بذلك فإنه كان من أهل الضلال ، وألا بالتخفيف حرف تنبيه « ورجا الثواب » كان خبر الموصول مقدر وقيل : استفهام للتقليل « ونصف » مجرور بالبدلية « لقوته » أو منصوب بالحالية أو تميز مثل قولهم : رضيت بالله ربا ، و « في كل يوم » صفة نصف مد ، « وما ستر » عطف على قوته والواو في قوله وهم للحالية ، وقيل : للاستئناف ، والضمير في قوله : وهم راجع إلى أصحاب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين لم يرتدوا بعده وهو بعيد ،
ودوا أنه حظهم من الدنيا وكذلك وصفهم الله عز وجل فقال : «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ »(١) ثم قال ما الذي آتوا آتوا والله مع الطاعة المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شك ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا
١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن إبراهيم بن مهزم ، عن الحكم بن سالم قال دخل قوم فوعظهم ثم قال ما منكم من أحد إلا وقد عاين الجنة وما فيها وعاين النار وما فيها إن كنتم تصدقون بالكتاب.
والجمع بين الخوف والوجل للإشارة إلى الآيات الواردة في ذلك.
« ودوا أنه حظهم » أي هم راضون بما قدر لهم من الدنيا لا يريدون أكثر من ذلك لئلا يطغوا «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا » قال في مجمع البيان : أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقيل : أعمال البر كلها «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » أي خائفة عن قتادة ، وقال الحسن : المؤمن جمع إحسانا وشفقة ، والمنافق جمع إساءة وأمتا ، وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : معناه خائفة أن لا يقبل منهم ، وفي رواية أخرى يؤتى ما آتى وهو خائف راج ، وقيل : إن في الكلام حذفا وإضمارا ، وتأويله وجلة أن لا يقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم راجعون ، أي لأنهم يوقنون بأنهم يرجعون إلى الله تعالى يخافون أن لا يقبل منهم ، وإنما يخافون ذلك لأنهم لا يأمنون التفريط.
الحديث السادس عشر : مجهول بالحكم وهو غير مذكور في كتب الرجال وإبراهيم الراوي عنه من أصحاب الصادقعليهالسلام والكاظمعليهالسلام فالمروي عنه في الخبر يحتمل الصادق والباقرعليهماالسلام واحتمال الكاظمعليهالسلام بعيد ، والمعنى أن في القرآن المجيد أحوال الجنة ودرجاتها وما فيها وأوصاف النار ودركاتها وما فيها ، والله سبحانه أصدق الصادقين ، فمن صدق بالكتاب كان كمن عاينهما وما فيهما ومن عاينهما ترك المعصية قطعا فمن ادعى التصديق بالكتاب وعصى ربه فهو كاذب في دعواه ، وتصديقه ليس في درجة اليقين.
__________________
(١) سورة المؤمنون : ٦٢.
١٧ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول لا تستكثروا كثير الخير وتستقلوا قليل الذنوب فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يصير كثيرا وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف وسارعوا إلى طاعة الله واصدقوا الحديث وأدوا الأمانة فإنما ذلك لكم ولا تدخلوا فيما لا يحل لكم فإنما ذلك عليكم.
١٨ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سمعته يقول ما أحسن الحسنات بعد السيئات وما أقبح السيئات بعد الحسنات.
الحديث السابع عشر : موثق.
وقد مضى صدره في باب استصغار الذنب « لا تستكثروا كثير الخير » فإنه يوجب العجب والفخر والإدلال والاعتقاد لخروج النفس عن حد التقصير ، وكل ذلك مهلك كما مر « وخافوا الله في السر » إنما خص السر بالذكر لأن الناس يتسامحون في السر ما لا يتسامحون في العلانية ، وأيضا هو يستلزم الخوف في العلانية بدون العكس ، وهو أشد على النفس أيضا « حتى تعطوا من أنفسكم النصف » أي الإنصاف بأنكم خفتم الله أو تنصفوا من أنفسكم ولم تحتاجوا إلى حاكم يحكم بينكم.
« فإنما ذلك لكم » كان المراد لا ينفعكم إلا ذلك ، وكذا قوله عليكم ، أو للإشعار بأنهم لما لم يعلموا بهذا العلم فكأنهم لا يعلمونه ، وقيل : هذا وإن كان بينا لكن ذكره للتنبيه عن الغفلة.
الحديث الثامن عشر : حسن كالصحيح.
« وما أحسن الحسنات » إلى آخره ، قيل : هذا كلام موجز يندرج فيه التوبة بعد المعصية ، والمعصية بعد التوبة ، وكل خير بعد شر ، وكل شر بعد خير سواء كانا ضدين كالإحسان والإساءة أم لا كالصلاة والزنا.
١٩ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن ابن فضال عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إنكم في آجال مقبوضة وأيام معدودة والموت يأتي بغتة من يزرع خيرا يحصد غبطة ومن يزرع شرا يحصد ندامة ولكل زارع ما زرع ولا يسبق البطيء منكم حظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له من أعطي خيرا فالله أعطاه ومن وقي شرا فالله وقاه.
الحديث التاسع عشر : مرسل.
« في آجال » أي أعمار « مقبوضة » أي يقبض منها آنا فآنا وساعة فساعة ، وهي في النقص دائما أو لقلتها وسرعة نفادها كأنها قبضت والأول أظهر ، « وأيام معدودة » أي عدت وقدرت لا تزيد ولا تنقص « والموت يأتي بغتة » أي لا يعلم وقت نزوله وتتسبب أسبابه من غير علم منكم بها ، أو قد يأتي فجأة ، والبغتة بالفتح والتحريك الفجأة ، والغبطة بالكسر حسن الحال والمسرة ، وأن يتمنى غيره حاله ، وفي الكلام تمثيل أو استعارة تبعية ، والحصاد ترشيح ، والتنكير في غبطة وندامة للتعظيم « ولكل زارع ما زرع » أي لا يحصل له إلا ما زرعه إشارة إلى قوله تعالى : «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى »(١) .
« لا يسبق البطيء منكم حظه » الفعل على بناء الفاعل ، وحظه مرفوع بالفاعلية والبطيء منصوب بالمفعولية أي لا يصير بطوءه سببا لأن يفوته حظه ، أي ما قدر له من الرزق.
وأقول : يمكن أن يقرأ على بناء المفعول ، فالبطيء مرفوع وحظه منصوب بنزع الخافض ، أي لا يسبقه غيره إلى حظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له ، وما يتوهم أنه زاد بسعيه باطل ، إذ لعله مع عدم هذا السعي أيضا يصل إليه ، أو يقال : أن السعي إنما ينفع في الزيادة إذا كانت مقدرة فلا يترك التوسل إلى الله والتوكل عليه ، ولا يعتمد على سعيه فإنا نرى من يسعى أكثر من سعيه ، ولا يحصل له شيء.
__________________
(١) سورة النجم : ٣٩.
٢٠ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن بعض أصحابه ، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان ، عن واصل ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال جاء رجل إلى أبي ذر فقال يا أبا ذر ما لنا نكره الموت فقال لأنكم عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب فقال له فكيف ترى قدومنا على الله فقال أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء منكم فكالآبق يرد على مولاه قال فكيف ترى حالنا عند الله قال اعرضوا أعمالكم على الكتاب إن الله يقول ـ «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ »(١) قال فقال الرجل فأين رحمة الله قال رحمة الله «قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ».
قال أبو عبد اللهعليهالسلام وكتب رجل إلى أبي ذررضياللهعنه يا أبا ذر أطرفني بشيء من العلم فكتب إليه أن العلم كثير ولكن إن قدرت أن لا تسيء إلى من تحبه فافعل قال فقال له الرجل وهل رأيت أحدا يسيء إلى من يحبه فقال له نعم نفسك أحب الأنفس إليك فإذا أنت عصيت الله فقد أسأت إليها.
والحاصل أنه ليس مستقلا في التحصيل ، بل هو داخل تحت قضاء الرب الجليل ، ولذا قال بعده : من أعطى خيرا فالله أعطاه ، وقيل : لا ينافيه وجدان الحريص زيادة ، لأن تلك الزيادة ليست من قوته المفتقرة هو إليه في البقاء بل هو لغيره والحساب عليه وما ذكرنا أظهر.
الحديث العشرون : ضعيف سندا ومتنه يدل على صحته.
« عمرتم الدنيا » من باب قتل أو التفعيل أي سعيتم في عمارتها وهو ضد أخربتم والعمران بضم العين المعمور.
« يرد » بالتخفيف على بناء المعلوم من الورود ، أو بالتشديد على بناء المجهول من الرد وهو أنسب « رحمة الله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » أي لا بد في الرحمة من استحقاقها ولو بصحة المذهب وحسن العقيدة ، وفي المصباح : الطرفة ما يستطرف أي يستملح
__________________
(١) سورة الإنفطار : ١٤.
٢١ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول اصبروا على طاعة الله وتصبروا عن معصية الله فإنما الدنيا ساعة فما مضى فليس تجد له سرورا ولاحزنا
والجمع طرف مثل غرفة وغرف ، وأطرف إطرافا جاء بطرفة وقال الجوهري : الطارف والطريف من المال المستحدث والاسم الطرفة وأطرف فلان إذا جاء بطرفة.
الحديث الحادي والعشرون : موثق.
« اصبروا على طاعة الله » لما كانت اللذة في فعل المعصية أكثر منها في ترك الطاعة كان الصبر على المعصية أشق على النفس من الصبر على فعل الطاعة ، فلذا قال في الطاعة اصبروا في المعصية تصبروا وهو تكلف الصبر وحمل النفس عليه كما هو مقتضى البابين وإن لم يفرق اللغويون بينهما ، قال الفيروزآبادي : الصبر نقيض الجزع صبر يصبر فهو صابر وتصبر واصطبروا صبر.
وقال الراغب : الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه ، فالصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير ، ويضاده الجزع وإن كان في محاربة سمي شجاعا ويضاده الجبن وإن كان في نائبه مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده التضجر ، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا.
وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرا ونبه عليه بقوله : «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ »(١) وساق الكلام إلى قوله : «اصْبِرُوا وَصابِرُوا » أي احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أهواءكم وقوله : عز وجل «وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ »(٢) أي تحمل الصبر بجهدك ، وقوله تعالى : «أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا »(٣) أي تحملوه من الصبر
__________________
(١) سورة البقرة : ١٧٣.
(٢) سورة مريم : ٦٥.
(٣) سورة الفرقان : ٧٥.
ومالم يأت فليس تعرفه فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت.
٢٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال الخضر لموسىعليهالسلام يا موسى إن أصلح يوميك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو وأعد له الجواب فإنك موقوف ومسئول وخذ موعظتك
في الوصول إلى مرضات الله ، انتهى.
« فليس تعرفه » أي لا تعرف حالك فيه تبلغ إليه أم لا ، ومع البلوغ لا تعلم أنك فيه على حزن أو سرور ، على طاعة أو معصية « فكأنك قد اغتبطت » على بناء المعلوم أي عن قريب تصير بعد الموت في حالة حسنة يغبطك الناس لها ويتمنون حالك ولا تبقى عليك مرارة صبرك ، في القاموس : الغبطة بالكسر حسن الحال والمسرة وقد اغتبط ، والحسد ، وتمنى نعمة على أن لا تتحول عن صاحبها.
وأقول : لا يبعد أن يكون بالعين المهملة على بناء المفعول أي اغتنم الفرصة ولا تعتمد على العمر فكأنك قدمت فجأة على غفلة بلا عمل ولا توبة ، قال في النهاية : كل من مات بغير عمله فقد اغتبط ، ومات فلان غبطة أي شابا صحيحا ، وفي بالي إني وجدت في بعض نسخ الحديث هكذا.
الحديث الثاني والعشرون : مرسل.
« أن أصلح يوميك » المراد باليوم ما مر أنه مقدار من الزمان اختص بواقعة والمراد هنا يوم الدنيا ويوم الآخرة ، واليوم الذي أمامه الآخرة ، وكونه أصلح المراد به أنه أحرى وأولى بأن يراعى ويسعى في إصلاحه ، ويتوقع النفع منه ، فإنه أبدي والدنيا فان ، ومنافع الأول ولذاته أشد وأخلص وأقوى من لذات الآخر.
« فانظر أي يوم هو » أي يوم راحة أو يوم تعب ومشقة ، أو المراد باليوم الثاني يوم القيامة ، وبقوله : فانظر أي يوم هو ، أي تذكر أحوال هذا اليوم وأهواله
من الدهر فإن الدهر طويل قصير فاعمل كأنك ترى ثواب عملك ليكون أطمع لك في الآخرة فإن ما هو آت من الدنيا كما هو قد ولى منها.
وصعوبته والسؤال والحساب فيه ، فأعد له الجواب وحاسب نفسك قبل ذلك ، وخذ موعظتك من الدهر وأهله بالتفكر في فنائها وسرعة انقضائها ، وكون لذاتها فانية مشوبة بالآلام الكثيرة ، والنظر في عواقب السعداء والأشقياء.
« فإن الدهر طويل قصير » هذه الفقرة تحتمل وجوها : الأول : أن دهر الموعظة طويل لأنه يمكنه أن يعتبر ويتفكر في أحوال السعداء والأشقياء من أول الدهر إلى زمانه فكأنه قد عاش معهم جميعا كما قال أمير المؤمنين في وصية للحسنعليهماالسلام : ودهر العمل واللذات التي فيها قصير.
الثاني : أن الدهر من جهة الموعظة طويل يمكنه الاتعاظ بأقل زمان لأن الدهر دائما في الانقلاب ، ومن جهة العمل قصير ينبغي اغتنام الفرصة فيه.
الثالث : أنه للمحسنين طويل لأنه يمكنهم اكتساب السعادات العظيمة في أقل زمان ، فهم في أعمارهم القليلة يعملون أعمالا كثيرة ، وتبقى منهم آثار جليلة ، وللمسيئين قصير لأنه تفني لذاتهم وتبقى عليهم تبعاتهم ولا ينتفعون بشيء من أعمارهم.
الرابع : أن المعنى أن تمام العمر وإن كان طويلا لكن ما بيده منها قصير ، وهو الساعة التي هو فيها لأن ما مضى قد خرج من يده ، وما يأتي لا يعلم حاله فيه كما مر مرارا ، وقيل : المعنى أنه وإن كان طويلا لكن نظرا إلى انقطاعه قصير.
وأقول : هذه الفقرات سيأتي أمثالها في مناجاة الله تعالى لموسىعليهالسلام في الروضة حيث قال : يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله ، وما أريد به غيري فقليل كثيره وإن أصلح أيامك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو ، فأعد له الجواب فإنك موقوف به ومسئول ، وخذ موعظتك من الدهر وأهله فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل
وكل شيء فان فاعمل كأنك ترى ثواب عملك ، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة ، فإن ما بقي من الدنيا كما ولي منها ، وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال فكن مرتادا لنفسك يا بن عمران.
فالظاهر منه أن طويله قصير لفنائه وسرعة انقضائه ، وقصيره طويل لإمكان تحصيل السعادات العظيمة في القليل منه ، وإن احتمل بعض الوجوه الأخر.
« فاعمل كأنك ترى ثواب عملك » أي إذا أخذت موعظتك من الدهر ، وعرفت فناءها وسرعة انقضائها ينبغي أن تقبل على عملك الموجب لتحصيل المثوبات الأخروية لك مع اليقين بترتب الثواب كأنك تراه فإن من كان كذلك يكون قلبه فارغا عن حب الدنيا ، والميل إلى شهواتها ، فيكون عمله مع حضور القلب ورعاية آدابها فيكون أطمع له في الأجر ، واللام للتعدية.
والحاصل أنه يكون عمله في درجة الكمال ومظنة القبول ، وإن كان الأولى بالنسبة إليه أن يعد نفسه مقصرا ، ولا يعتمد على عمله ، أو المعنى أنك إذا كنت في اليقين بحيث كأنك ترى بعينك ثواب عملك تكون تلك الحالة ادعى لك على العمل الذي هو موجب لحصول الأجر ، فأشار إلى الحرص على العمل بذكر لازمه ، وهو الطمع في الأجر ، وعلى التقادير يدل على أن قصد الثواب لا ينافي الإخلاص ، بل كماله ، فإن ما هو آت من الدنيا كما قد ولى منها أي في سرعة الانقضاء وعدم الاعتماد عليه في البقاء ، فهو تعليل لأخذ الموعظة أو له ولما يترتب عليه من العمل الخالص والحرص عليه ، أو لرؤية ثواب الآخرة وقرب حصوله فإن بقية العمر في عدم الوثوق عليه كالماضي ، فالآخرة قريبة منك كأنك تراه وتسعى إليه ، أو للأمر بالعمل الخالص في الحال لمرور الماضي بالتقصير وعدم الوثوق على الآتي كما مر ، وقيل : أي لا تكن في تدبير ما يأتي من العمر بتحصيل المال كما أنك لا تتفكر فيما مضى.
٢٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن يعقوب بن يزيد عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قيل لأمير المؤمنينعليهالسلام عظنا وأوجز فقال الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب وأنى لكم بالروح ولما تأسوا بسنة نبيكم
الحديث الثالث والعشرون : ضعيف على المشهور.
« حلالها حساب » الحمل على المبالغة ، وظاهره أنه تعالى يحاسب العبد بما كسب من الحلال ، وصرف فيه.
وينافيه بعض الأخبار كما سيأتي في كتاب الأطعمة عن الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : ثلاثة أشياء لا يحاسب عليهن المؤمن طعام يأكله ، وثوب يلبسه ، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه ، وعن أبي حمزة عنهعليهالسلام قال : الله أكرم وأجل من أن يطعمكم طعاما فيسوغكموه ثم يسألكم عنه ، ولكن يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد ، وروى العياشي بإسناده في حديث طويل قال سأل أبو حنيفة أبا عبد اللهعليهالسلام عن قوله تعالى : «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ »(١) فقال له : ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال : القوت من الطعام ، والماء البارد ، فقال : لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها ، أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه؟ قال : فما النعيم جعلت فداك؟ قال : نحن أهل البيت الذي أنعم الله بنا على العباد ، وبنا ائتلفوا بعد ما كانوا مختلفين وبنا ألف الله بين قلوبهم ، فجعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء وبنا هداهم الله للإسلام وهو النعمة التي لا تنقطع ، والله مسائلهم عن حق النعيم الذي أنعم به عليهم ، وهو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترتهعليهمالسلام .
واختلفت العامة في ذلك فقال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، وقال أكثرهم : يسأل الكل عن كل نعيم ، وقيل : النعيم المسؤول عنه الصحة والفراغ وقيل : الأمن والصحة ، روي ذلك عن ابن مسعود ومجاهد ، وروي ذلك في أخبارنا
__________________
(١) سورة التكاثر : ٨.
تطلبون ما يطغيكم ولا ترضون ما يكفيكم.
أيضا ، وقيل : يسأل عن كل نعيم إلا ما خصه الحديث وهو قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ثلاثة لا يسأل عنها العبد ، خرقة يواري بها عورته ، أو كسرة يسد بها جوعته ، أو بيت يكنه من الحر والبرد.
وأقول : يمكن الجمع بين الأخبار بحمل أخبار عدم الحساب على المؤمنين ، وأخبار الحساب على غيرهم وهو الظاهر من أكثر الأخبار ، أو الأولى على ما يصرف في الأمور الضرورية كالمأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح ، والأخرى على ما زاد على الضرورة كجمع الأموال زائدا على ما يحتاج إليه ، أو صرفها فيما لا يدعوه إليه ضرورة ، ولا يستحسن شرعا ، كما يومئ إليه بعض الأخبار.
ويمكن حمل أخبار الحساب على التقية والأولى الأيمان بالحساب مجملا ، فإنه من ضروريات الدين ، والسكوت عما لا يعلم من التفاصيل.
والمراد بالروح الراحة والخلاص من أهوال القيامة وبسنة النبي طريقته في ترك الدنيا والزهد فيها ، وترك طلب الفضول ، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللهم ارزق محمدا وآل محمد العفاف والكفاف ، أو الأعم منها فإن من صرف عمره في طلب فضول الدنيا لا يمكنه الإتيان بها.
« تطلبون ما يطغيكم » إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »(١) .
__________________
(١) سورة العلق : ٧.
باب
من يعيب الناس
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن ابن أبي نجران ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن أسرع الخير ثوابا البر وإن أسرع الشر عقوبة البغي وكفى
باب من يعيب الناس
يرجع حاصل أخبار هذا الباب إلى المنع من تتبع عيوب الناس وتعييرهم وذمهم.
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
والظاهر أن المراد بالبر الإحسان إلى الغير ، وقد يطلق على مطلق أعمال الخير ، و بالبغي الظلم والتطاول على الناس ، وقد يطلق على الزنا ، والظاهر هنا الأول ، ويحتمل أن يكون المراد الخروج على الإمام ، وسرعة الثواب والعقاب فيهما باعتبار أن نفع الأول وضرر الثاني يلحقهم في الدنيا ، وعيبا تميز وتعدية العمى بعن كأنه لتضمين معنى التغافل والإعراض ، والتعدية بعلى كما في سائر الأخبار أظهر وأشهر كقوله تعالى : «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ »(١) وعلى ما هنا المستتر في يعمى راجع إلى المرء ، والبارز في عنه إلى الموصول ، وعلى ما في سائر الروايات بالعكس ، وكان نسبة العمى إلى الأمر والنبإ من قبيل المجاز في الإسناد.
وقال الجوهري : العمى ذهاب البصر ، وقد عمي فهو أعمى ، وتعامي الرجل أرى من نفسه ذلك ، وعمي عليه الأمر إذا التبس ، ومنه قوله : «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ » ورجل عمي القلب أي جاهل ، انتهى.
__________________
(١) سورة القصص : ٦٦.
بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه أو يعير الناس بما لا يستطيع تركه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه.
« أو يعير الناس » اعلم أن تعبير الغير من أعظم العيوب ، ويوجب ابتلاءه بذلك العيب كما مر في الأخبار ، فينبغي أن يرجع إلى نفسه ، فإن وجد فيها عيبا اشتغل به وبإصلاحه ورفعه ، ولا يترك نفسه ويذم غيره ، وإن عجز عن إصلاحه فينبغي أن يعذر غيره ، وإن لم يجد في نفسه عيبا فهو من أعظم عيوبه ، فإن تبرئة النفس من العيب جهل ، وهو ينشأ من عمى القلب قال تعالى حاكيا عن يوسف الصديق : «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي »(١) .
ثم الظاهر أن المراد بما يعمى عنه من نفسه وما لا يستطيع تركه أعم من أن يكون من جنس ما في الغير أو لم يكن ، مع احتمال المماثلة وعلى التقديرين لا ينبغي أن يعيب صاحبه لأن عيبه إما أن يكون مثل عيب صاحبه أو أكبر منه أو أصغر ، فإن كان أحد الأولين فينبغي أن يكون له في عيبه لنفسه شغل عن عيب صاحبه ، وإن كان الأخير فيضيف إلى عيبه الأصغر عيبا آخر أكبر وهو التعيير والغيبة ، وما كان المراد بعدم الاستطاعة هنا ما يصعب عليه تركه ، ولذلك لا يتركه لا أنه ليس له قدرة على الترك أصلا ، فإنه حينئذ لا يكون مكلفا به.
« أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه » أي لا يهمه ولا ينفعه والضمير المنصوب إما راجع إلى المرء أو الجليس ، والأول أظهر أي يؤذيه بشيء لا فائدة له فيه ، فإن هذا أشد وأقبح أو لا فائدة للجليس فيه ، فإنه إن كان لنفعه كالنهي عن المنكر أو الأمر بالخيرات فهو حسن ، ويحتمل أن يكون المراد كثيرة الكلام بما ليس فيه طائل فإن ذلك يؤذي الجليس العاقل.
قال في النهاية : يقال هذا الأمر لا يعنيني أي لا يشغلني ويهمني ، ومنه الحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أي ما لا يهمه.
__________________
(١) سورة يوسف : ٥٣.
٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي حمزة قال سمعت علي بن الحسينعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه.
٣ ـ محمد بن يحيى ، عن الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن حماد بن عيسى ، عن الحسين بن مختار ، عن بعض أصحابه ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال كفى بالمرء عيبا أن يتعرف من عيوب الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه أو يعيب على الناس أمرا هو فيه لا يستطيع التحول عنه إلى غيره أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه.
٤ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي عبد الرحمن الأعرج وعمر بن أبان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر وعلي بن الحسين صلوات الله عليهم قالا إن أسرع الخير ثوابا البر وأسرع الشر عقوبة البغي وكفى بالمرء عيبا أن ينظر في عيوب غيره ما يعمى عليه من عيب نفسه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه أو ينهى الناس عما لا يستطيع تركه.
الحديث الثاني : صحيح.
الحديث الثالث : مرسل.
الحديث الرابع : صحيح وراويه هو راوي الحديثين الأولين.
باب
أنه لا يؤاخذ المسلم بما عمل في الجاهلية
١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن ناسا أتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد ما أسلموا فقالوا يا رسول الله أيؤخذ الرجل منا بما كان عمل في الجاهلية بعد
باب أنه لا يؤاخذ المسلم بما عمل في الجاهلية(١)
الحديث الأول : صحيح.
والمراد بالإسلام الحسن أن يكون مقرونا بالإقرار بجميع أصول الدين ، ليخرج المخالفون وأضرابهم ، و بصحة يقين الإيمان أن لا يكون مشوبا بشك ونفاق ، وقال في المغرب : رجل سخف وفيه سخف ، وهو رقة العقل من قولهم : ثوب سخيف إذا كان قليل الغزل ، وقد سخف سخافة ، انتهى.
وكان المراد هنا ما كان مشوبا بشك ونفاق ، قال في النهاية : الجب القطع ومنه الحديث : إن الإسلام يجب ما قبله ، والتوبة تجب ما قبلها ، أي يقطعان ويمحو أن ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب ، انتهى.
فالإسلام الحسن يجب جميع ما وقع في أيام الكفر من حق الله وحق البشر إلا ما خرج بدليل ، مثل مال المسلم الموجود في يده ، وقيل : الظاهر أن هذا حال الحربي الذي أسلم ، وأما الذمي فلا يسقط إسلامه ما وجب من دم أو مال أو غيره لأن حكم الإسلام جار عليه على الظاهر ، والإسلام السخيف لا يجب ما قبله ، لأنه ليس بإسلام حقيقة فيؤخذ بالكفر الأول والآخر ، والعمل فيهما.
وفيه دلالة على أن الكافر مكلف بالفروع كما أنه مكلف بالأصول ، ويمكن
__________________
(١) هكذا عنوان المتن في نسخ الكافي ، لكن في نسخ مرآة العقول التي عندنا عنوان الباب هكذا : « باب وهو في جبّ الإسلام ما قبله وشرائطه ».
إسلامه فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حسن إسلامه وصح يقين إيمانه لم يؤاخذه الله تبارك وتعالى بما عمل في الجاهلية ومن سخف إسلامه ولم يصح يقين إيمانه أخذه الله تبارك وتعالى بالأول والآخر.
٢ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد الجوهري ، عن المنقري ، عن فضيل بن عياض قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يحسن في الإسلام أيؤاخذ بما عمل في الجاهلية فقال قال النبيصلىاللهعليهوآله من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر.
أن يراد بالإسلام الحسن الإسلام الثابت الذي لا يعقبه ارتداد ، وبالإسلام السخيف ما يعقبه ارتداد ، فإذا ارتد يؤخذ بكفره الأول والآخر.
ثم قال : وهذا التفسير لا يخلو من مناقشة ، لأن الإسلام قد جب الأول فكيف يؤخذ بعد الارتداد بالأول ويحكم بعود الزائل من غير سبب ، ويمكن أن يدفع بأن السبب هو الارتداد لأنه إذا ارتد حبطت أعماله ، ومن جملة أعماله إسلامه السابق فإذا أبطل إسلامه السابق بطل جبه ، وإذا بطل جبه يؤخذ بالكفر الأول أيضا ، ضرورة أن المسبب ينتفي بانتفاء سببه.
على أنه يمكن أن يقال : الذي يجب ما قبله هو الإسلام بشرط الاستمرار فإذا قطع الاستمرار بالارتداد ، علم أن هذا الإسلام لم يجب ما قبله ، فلا يلزم عود الزائل ، بل اللازم ظهور عدم زواله بذلك الإسلام.
ومنهم من فسر حسن الإسلام بالطاعة بأن يكون معه أعمال صالحة ، والإسلام السخيف ما كان مع المخالفة ، وجعل قوله : وصح يقين إيمانه وصفا آخر للإسلام ، ولا يخفى ضعفه ، لأنه يوجب أن يكون جب الإسلام ما قبله موقوفا على الطاعة والعمل ، وليس الأمر كذلك إذ لا دليل عليه ولم يقل به أحد.
الحديث الثاني : ضعيف ومضمونه قريب من الأول.
وكان المراد بالإساءة الإساءة المخرجة من الإيمان كما عرفت.
باب
أن الكفر مع التوبة لا يبطل العمل
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب وغيره ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال من كان مؤمنا فعمل خيرا في إيمانه ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب بعد كفره كتب له وحوسب بكل شيء كان عمله في إيمانه ولا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره.
باب أن الكفر مع التوبة لا يبطل العمل(١)
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
وإطلاقه يدل على أن توبة المرتد مقبولة وإن كان فطريا ، وعلى المشهور مخصوصة بالملي لبعض الروايات الدالة على أن توبة الفطري غير مقبولة وقد مر تحقيقه.
__________________
(١) كذا عنوان المتن في النسخة المصحّحة التي عندنا من الكافي لكن في نسخة الشارح (ره) التي هي بخطه هكذا « باب وفيه بيان حال من آمن ثمّ ارتدّ ثمّ تاب » وفي النسخة المطبوعة والمنقول عن بعض المتن « باب توبة المرتدّ ».
باب
المعافين من البلاء
١ ـ عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه جميعا ، عن ابن محبوب وغيره ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال إن لله عز وجل ضنائن يضن بهم عن البلاء فيحييهم في عافية ويرزقهم في عافية ويميتهم في عافية ويبعثهم في عافية ويسكنهم الجنة في عافية.
باب(١)
الحديث الأول : حسن كالصحيح.
وقال الشيخ البهائي (ره) في رواية الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي نظر لا يخفى ، وقال الجزري : في النهاية فيه أن لله ضنائن من خلقه يحييهم في عافية ، ويميتهم في عافية ، الضنائن الخصائص واحدهم ضنينة ، فعيلة بمعنى مفعولة ، من الضن وهو ما تختصه وتضن به أي تبخل ، لمكانة منك وموقعه عندك ، يقال : فلان ضني من بين إخواني وضنتي أي اختص به وأضن بمودته ، وقال الجوهري : ضننت بالشيء أضن به ضنا وضنانة إذا بخلت وهو ضنين به. وقال الغراء : وضننت بالفتح أضن لغة ، وفلان ضني من بين إخواني وهو شبه الاختصاص ، وفي الحديث : إن الله ضنا من خلقه ، الخبر ، وقال الفيروزآبادي : الضنين البخيل يضن بالفتح والكسر ضنانة وضنا بالكسر ، وهو ضني بالكسر أي خاص بي ، وضنائن الله خواص خلقه ، انتهى.
وقيل : المعنى يضن بالبلاء عنهم ، فإن البلاء نعمة كأنه يضن بها عنهم ولا يخفى بعده.
__________________
(١) كذا في النسخ الموجودة عندنا من الشرح لكن في نسخة الكافي هكذا « باب المعافين من البلاء ».
٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال سمعته يقول إن الله عز وجل خلق خلقا ضن بهم عن البلاء خلقهم في عافية وأحياهم في عافية وأماتهم في عافية وأدخلهم الجنة في عافية.
٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن جعفر بن محمد ، عن ابن القداح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال إن لله عز وجل ضنائن من خلقه يغذوهم بنعمته ويحبوهم بعافيته ويدخلهم الجنة برحمته تمر بهم البلايا والفتن لا تضرهم شيئا.
باب
ما رفع عن الأمة
١ ـ الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن أبي داود المسترق قال حدثني عمرو بن مروان قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله رفع عن
الحديث الثاني : موثق.
الحديث الثالث : مجهول.
وفي القاموس حبا فلانا أعطاه بلا جزاء ولا من ، والاسم الحباء ككتاب والحياة مثلثة.
باب ( ما رفع عن الأمة )(١)
وهو مشتمل على ما لا يؤاخذ الله هذه الأمة به
الحديث الأول : ضعيف على المشهور.
« رفع عن أمتي » لعل المراد رفع المؤاخذة والعقاب ، ويحتمل أن يكون المراد في بعضها رفع أصله أو تأثيره أو حكمه التكليفي ولعل مفهوم قوله : عن أمتي
__________________
(١) ليس هذا العنوان موجودا في النسخ التي عندنا من الشرح بل الموجود فيها هكذا « باب وهو مشتمل على ».
أمتي أربع خصال خطأها ونسيانها وما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وذلك
غير مراد في بعضها ، فالمراد اختصاص المجموع بهذه الأمة وإن اشترك البعض بينها وبين غيرها ، فالخطأ كما إذا أراد رمي صيد فأصاب إنسانا ، وكخطإ المفتي والطبيب والمراد هنا رفع الإثم ، فلا ينافي الضمان في الدنيا ، وإن كان ظاهره عدم الضمان أيضا ، وكذا رفع الإثم بالنسيان لا ينافي وجوب الإعادة عند نسيان الركن وسجدة السهو ، والتدارك عند نسيان بعض الأفعال.
وقيل : يفهم من الرفع أنهما يورثان الإثم والعقوبة ، ولكنه تعالى تجاوز عنهما رحمة وتفضلا ، و الإكراه أعم من أن يكون في أصول الدين أو فروعه مما يجوز فيه التقية ، لا فيما لا تقية فيه كالقتل.
« وما لم يطيقوا » أي التكاليف الشاقة التي رفعت عن هذه الأمة.
ثم استشهد للخصال الأربع وعدم المؤاخذة بها بالآيات وهي قوله تعالى : «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا » قال في مجمع البيان : قيل فيه وجوه :
الأول : أن المراد بنسينا تركنا كقوله تعالى : «نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ »(١) أي تركوا إطاعة الله فتركهم من ثوابه ، والمراد بأخطأنا أذنبنا لأن المعاصي توصف بالخطاء من حيث إنها ضد للصواب.
والثاني : أن معنى قوله : إن نسينا إن تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر أو الغفلة عن الواجب ، أو أخطأنا أي تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ ويحسن الدعاء بذلك كما يحسن الاعتذار منه.
والثالث : أن معناه لا تؤاخذنا إن نسينا أي إن لم نفعل فعلا يجب فله على سبيل السهو والغفلة «أَوْ أَخْطَأْنا » أي فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد ، ويحسن هذا في الدعاء على سبيل الانقطاع إلى الله سبحانه ، وإظهار الفقر إلى مسائلته
__________________
(١) سورة التوبة : ٦٧.
قول الله عز وجل : «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ »(١) وقوله «إِلاَّ
والاستعانة به ، وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله ، ويجري ذلك مجرى قوله فيما بعد : «وَلا تُحَمِّلْنا » على أحد الأجوبة.
والرابع : ما روي عن ابن عباس وعطاء أن معناه لا تعاقبنا إن عصيناك جاهلين أو متعمدين.
وقوله : «رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً » قيل فيه وجهان : الأول : أن معناه لا تحمل علينا عملا نعجز عن القيام به ، وتعذبنا يتركه ونقضه عن ابن عباس وغيره والثاني : أن معناه لا تحمل علينا ثقلا يعني لا تشدد الأمر علينا «كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا » أي على الأمم الماضية والقرون الخالية ، لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها ، وحرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام كما قال تعالى : «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ »(٢) وأخذ عليهم العهود والمواثيق وكلفوا من أنواع التكاليف ما لم تكلف هذه الأمة تخفيفا عنها.
«رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » قيل فيه وجوه : الأول : أن معناه ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف والامتحان ، مثل قتل النفس عند التوبة ، وقد يقول الرجل لأمر يصعب عليه : إني لا أطيقه ، والثاني : أن معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا وآجلا.
والثالث : أنه على سبيل التعبد وإن كان سبحانه لا يكلف ولا يحمل أحدا ما لا يطيقه ، انتهى.
وقال بعضهم : فإن قلت : الآية دلت على المؤاخذة والإثم بالخطإ والنسيان ، وإلا فلا فائدة للدعاء بعدم المؤاخذة ، فكيف تكون دليلا على الرفع المذكور؟ قلت : أولا قال بعض المحققين السؤال والدعاء قد يكون للواقع والغرض منه بسط
__________________
(١) سورة البقرة : ٢٨٦.
(٢) سورة النساء : ١٦٠.
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »(١)
الكلام مع المحبوب ، وعرض الافتقار لديه ، كما قال خليل الرحمن وابنه إسماعيلعليهماالسلام : «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا » مع أنهما لا يفعلان غير المقبول ، وثانيا أنه قد صرح بعض المفسرين بأن الآية دلت على أن الخطأ والنسيان سببان للإثم والعقوبة ، ولا يمتنع عقلا المؤاخذة بهما إذ الذنب كالسم ، فكما أن السم يؤدي إلى الهلاك وإن تناوله خطأ كذلك الذنب ، ولكنه عز وجل وعد بالتجاوز عنه رحمة وتفضلا وهو المراد من الرفع ، فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة لها وامتدادا بها.
وقال بعضهم معنى الآية : ربنا لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى خطاء أو نسيان من تقصير ، وقلة مبالاة ، فإن الخطأ والنسيان أغلب ما يكونان من عدم الاعتناء بالشيء وهذا وإن كان رافعا للإيراد المذكور لكن فيه شيء لا يخفى على المتأمل.
والأصر الذنب والعقوبة وأصله من الضيق والحبس ، يقال أصره يأصره إذا حبسه وضيق عليه ، وقيل : المراد به الحمل الثقيل الذي يحبس صاحبه في مكانه ، والتكاليف الشاقة مثل ما كلف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب ، وخمسين صلاة في اليوم والليلة ، وصرف ربع المال للزكاة أو ما أصابهم من الشدائد والمحن.
وقوله : «رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » تأكيد لما قبله ، وطلب للإعفاء من التكاليف الشاقة التي كلف بها الأمم السابقة ، لا طلب للإعفاء عن تكليف ما لا يتعلق به قدرة البشر أصلا ، فلا دلالة فيه على جواز التكليف بما لا يطاق ، الذي أنكره العدلية وجوزه الأشاعرة باعتبار أنه لو لم يجز لم يطلبوا الإعفاء عنه.
وقوله : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، معناه إلا من أكره على قبيح مثل كلمة الكفر وغيرها «وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » غير متغير عن اعتقاد الحق ، وفيه دلالة على أنه لا إثم على المكره.
__________________
(١) سورة النحل : ١٩.
٢ ـ الحسين بن محمد ، عن محمد بن أحمد النهدي رفعه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله وضع عن أمتي تسع خصال الخطأ والنسيان وما لا
لا يقال : الاستثناء من قوله تعالى «مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ » ومن شرطية محذوفة الجزاء ، أي فهو مفتر للكذب لا على أنه غير آثم؟
لأنا نقول : المستثنى منه في معرض الذم والوعيد ، وهما منفيان عن المكره بحكم الاستثناء ، فلا يكون المكره من أهل الذم والوعيد ، فلا يكون آثما.
الحديث الثاني : مرفوع.
« وما لا يعلمون » ظاهره معذورية الجاهل مطلقا ، ويدل عليه فحاوي كثير من الآيات والأخبار ، ولا يبعد العمل به إلا فيما أخرجه الدليل لكن أكثر الأصحاب اقتصروا في العمل به على مواضع مخصوصة ، ذكروها في كتب الفروع كالصلاة مع نجاسة الثوب والبدن ، أو موضع السجود ، أو في الثوب والمكان المغصوبين ، أو ترك الجهر والإخفات في موضعهما ، والنكاح في العدة وأمثالها ، ولو قيل : المراد عدم المؤاخذة لا عدم ترتب الأحكام ، فمع عدم التقصير في التفحص ظاهره العموم في جميع الموارد ، لكن ظاهر الوضع والرفع عدم ترتب الأحكام أيضا.
« وما اضطروا إليه » سواء كان سبب الاضطرار من قبل الله تعالى كما في أكل الميتة في المخمصة ، وشرب الماء النجس عند الاضطرار ، والتداوي بالحرام للمريض عند انحصار الدواء ، أو من قبل نفسه أو من الغير كمن جرح نفسه أو جرحه غيره في شهر رمضان ، واضطر إلى الإفطار ولكن في التداوي بالحرام لا سيما الخمر أخبار كثيرة بالمنع ، وكذا في شرب النبيذ والخمر عند الإكراه ، وسيأتي القول فيها في محله إن شاء الله.
وقد عرفت اختلاف الأخبار في التقية في البراءة عن أهل البيتعليهمالسلام ووجه الجمع بينها ، وأما الطيرة فقال الجوهري : الطيرة مثال العنبة هي ما يتشأم به من الفال الرديء ، وفي الحديث أنه كان يحب الفال ويكره الطيرة وقال في النهاية فيه
يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه والطيرة والوسوسة
لاعدوى ولا طيرة بكسر الطاء وفتح الياء ، وقد تسكن هي التشؤم بالشيء وهو مصدر تطير يقال تطير طيرة وتخير خيرة ، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرها ، وأصله فيما يقال التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه ، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع ودفع ضر.
وقد تكرر ذكرها في الحديث اسما وفعلا ، ومنه الحديث : ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والحسد والظن ، قيل : فما نصنع؟ قال : إذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقق ، ومنه الحديث الآخر : الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل.
هكذا جاء الحديث مقطوعا ولم يذكر المستثنى أي إلا وقد يعتريه التطير وتسبق قلبه الكراهة ، فحذف اختصارا واعتمادا على فهم السامع وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه ، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى في ذلك.
وقوله : ولكن الله يذهبه بالتوكل معناه أنه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله تعالى وسلم إليه ولم بعمل بذلك الخاطر غفره الله تعالى ، ولم يؤاخذه به.
وقال في المصباح : تطير من الشيء وأطير منه والاسم الطيرة وزان عنبة وهي التشاؤم ، وكانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجاثم الطير وإثارتها لتستفيد هل تمضي أو ترجع ، فنهى الشارع عن ذلك وقال : لا هام ولا طيرة ، انتهى.
وأقول : إذا عرفت هذا فكون الطيرة موضوعة يحتمل وجوها :
الأول : وضع المؤاخذة والعقاب عن هذا الخطور ، فإنه لا يكاد يمكن رفعها عن النفس وكفارته أن لا يعمل بمقتضاها ويتوكل على الله تعالى ، ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم
في التفكر في الخلق والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد.
إذا تطيرت فامض.
الثاني : رفع تأثيرها عن هذه الأمة ببركة ما وصل إليهم عن الرسول والأئمةعليهمالسلام من عدم الاعتناء به ، والتوكل على الله والأدعية والأذكار الدافعة لذلك.
الثالث : أن المراد بوضعها رفعها والمنع عن العمل بها ، والرجز عنها كما فهمه صاحب النهاية وغيره ، فلا يكون على سياق سائر الفقرات ، والأظهر في هذا الخبر المعنى الأول.
وأما تأثيرها فالأخبار مختلفة في ذلك ، والذي يقتضيه الجمع بينها أن مع تأثر النفس بها قد يكون لها تأثير ومع عدم الاعتناء بها والتوكل على الله فلا تأثير لها.
« والوسوسة في التفكر » سيأتي إن شاء الله عن أبي عبد اللهعليهالسلام : ثلاث لم ينج منها نبي فمن دونه : التفكر في الوسوسة في الخلق ، والطيرة والحسد إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده.
وعلى التقديرين يحتمل هذه الفقرة وجوها :
الأول : أن يكون المراد وساوس الشيطان بسبب التفكر في أحوال الخلق ، وسوء الظن بهم بما يشاهد منهم ، فإن هذا شيء لا يمكن دفعه عن النفس ، لكن يجب عليه أن لا يحكم بهذا الظن ، ولا يظهره ولا يعمل بموجبه بالقدح فيهم ، ورد شهادتهم ونحو ذلك ، ويؤيده الخبر الذي رواه في النهاية ، حيث ذكر مكانها : الظن وقال : وإذا ظننت فلا تحقق أي لا تجزم.
وقال في النهاية أيضا فيه : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، أراد الشك يعرض لك في شيء فتحققه وتحكم به ، وقيل : أراد إياكم وسوء الظن وتحقيقه دون مبادئ الظنون التي لا تملك وخواطر القلوب التي لا تدفع ومنه الحديث
وإذا ظننت فلا تحقق.
الثاني : التفكر في الوساوس التي تحدث في النفس في مبدء خلق الأشياء ، وأن الله سبحانه من خلقه وكيف وجد وأين هو؟ مما لو تفوه به لكان كفرا وشركا ويؤيده الأخبار الكثيرة التي مضت في باب الوسوسة ، وحديث النفس ، وقد روت العامة في صحاحهم أنه سئل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الوسوسة؟ فقال : تلك محض الإيمان وفي رواية أخرى يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا وكذا حتى يقول : من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته.
الثالث : أن يتفكر في القضاء والقدر ، وخلق أعمال العباد والحكمة في خلق بعض الشرور في العالم ، كخلق إبليس والمؤذيات ، وفي تمكين الأشرار على الأخيار وخلق الكفار وخلق جهنم وتأبيد الكفار فيها وغير ذلك مما لا يخلو أحد عنها وذلك كله معفو إذا لم يستقر في النفس ، ولم يحصل بسببه شك في حكمة الخالق وعدله ، وكون العباد غير مجبورين فيما كلفوا به أو بتركه ولعل الأول هنا أظهر وإن كان للثاني شواهد كثيرة.
وروى الصدوق (ره) في الخصال والتوحيد بسند صحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رفع عن أمتي تسعة : الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة ، والقيد بعدم النطق بالشفة لا ينافي شيئا من المعاني ، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد بدل على أن الحسد ليس معصية مع عدم الإظهار وهو خلاف المشهور ، ويؤيده قولهعليهالسلام في خبر الروضة : لم يخل منها نبي فمن دونه وهو أنسب بسعة رحمة الله ، ونفي الحرج في الدين ، فإنه قل من يخلو عن ذلك ، فما ورد في ذم الحسد وعقوباته يمكن حمله على ما إذا كان مع الإظهار ، ويمكن أن يكون متعلقا بالوسوسة أيضا بل بالطيرة أيضا ، ويؤيده رواية الصدوق ، بل في
باب
أن الإيمان لا يضر معه سيئة والكفر لا ينفع معه حسنة
١ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن يعقوب بن شعيب قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام هل لأحد على ما عمل ثواب على الله موجب إلا المؤمنين قال : لا.
رواية الصدوق أيضا يمكن تعلقه بالثلاثة.
ثم اعلم أن التسع المذكورة في هذا الخبر لا ينافي الأربع في الخبر السابق فإنهعليهالسلام اكتفى فيه بالأهم أو المراد بالأول ما ورد في ظواهر الآيات رفعها ، مع أنه يمكن إدخال ما لم يذكر فيه فيما لا يطيقون على ما فسر به ، فإن التحرز عنها في غاية العسر والشدة.
باب
أن الإيمان لا يضر معه سيئة والكفر لا ينفع معه حسنة(١)
الحديث الأول : صحيح.
« على الله بوجوب » كذا في أكثر النسخ ، والوجوب بمعنى اللزوم لازم ، والأظهر « موجب » كما ينسب إلى بعض النسخ ، إلا أن يكون المفعول بمعنى الفاعل كما قيل في قوله تعالى : «حِجاباً مَسْتُوراً »(٢) قيل : أي ساترا نعم قال الفيروزآبادي : وجب عياله وفرسه عودهم أكلة واحدة ، وهو لا يناسب المقام إلا بتكليف شديد ، لكنه في كلام السائل ، والحاصل أنه هل أوجب الله ثوابا على نفسه بمقتضى وعده إلا للمؤمنين فإنه لا يجب على الله ثواب مع قطع النظر عن الوعد كما مر تحقيقه خلافا للمعتزلة ونادر من الإمامية.
فقالعليهالسلام لا ، لأن الله تعالى وعد على العمل بشرائطه التي ثوابا فإذا
__________________
(١) هذا العنوان غير موجود في النسخ الموجودة عندنا من كتاب مرآة العقول.
(٢) سورة الإسراء : ٤٥.
٢ ـ عنه ، عن يونس ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال موسى للخضرعليهماالسلام قد تحرمت بصحبتك فأوصني قال له الزم ما لا يضرك معه شيء كما لا ينفعك مع غيره شيء.
٣ ـ عنه ، عن يونس ، عن ابن بكير ، عن أبي أمية يوسف بن ثابت قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول لا يضر مع الإيمان عمل ولا ينفع مع الكفر عمل ألا ترى أنه قال : «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ
تحقق العمل مع شرائطه التي من جملتها الإيمان لزم الثواب وثبت ، وهذا معنى الوجوب على الله لأن خلف الوعد منه قبيح خلافا للأشاعرة ، فإنهم ذهبوا إلى أنه لا يجب على الله شيء ، وقالوا يجوز أن يعاقب المطيع ويثبت العاصي ، وهذا القول يبطل الوعد والوعيد.
الحديث الثاني : مرسل.
وضمير عنه راجع إلى محمد بن عيسى ، وكذا في الخبر الآتي « قد تحرمت بصحبتك » أي اكتسبت حرمة ، وحصلت لي بسبب مصاحبتك حرمة فلا تردني عن جواب ما أسألك عنه ، ولا تمنعني نصيحتك.
في القاموس : تحرم منه بحرمة تمنع وتحمى بذمة ، وفي الصحاح : الحرمة ما لا يحل انتهاكه وقد تحرم بصحبته.
« ألزم ما لا يضرك معه شيء » أي من المعاصي وهو الإيمان ، فالمراد بالضرر ما يصير سببا لدخول النار أو الخلود فيها « كما لا ينفعك » أي النفع الموجب لدخول الجنة ، والمراد بالشيء هيهنا العمل الصالح فلا ينافي ما ورد في الأخبار من معاقبة المؤمنين بالأعمال القبيحة وأثابه الكافرين في الدنيا بالعمل الصالح ، ويمكن تعميم نفي الضرر بحمل الإيمان على ما كان مع الإتيان بالفرائض وترك الكبائر ، فالمراد بعدم النفع عدم النفع الكامل.
الحديث الثالث : موثق كالصحيح.
«وَما مَنَعَهُمْ » الآية ، وما قبلها في سورة التوبة هكذا : «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ، وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ
وماتوا وهم كافرون »(١) .
٤ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة ، عن أبي أمية يوسف بن ثابت بن أبي سعدة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال قال الإيمان لا يضر معه عمل وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل.
٥ ـ أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد عمن ذكره ، عن عبيد بن زرارة ، عن محمد بن مارد قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام حديث روي لنا أنك قلت إذا عرفت فاعمل ما شئت فقال قد قلت ذلك قال قلت وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر فقال لي «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » والله ما أنصفونا أن نكون أخذنا
إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ، فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ » وقال بعد آيات كثيرة : «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ » فلعلها كانت في قراءتهم هكذا ونقلعليهالسلام بالمعنى لكون الآيات في وصف جماعة واحدة ، ولعل فيما ذكرهعليهالسلام إشعارا بأنهم لو ماتوا على الإيمان تقبل منهم نفقاتهم في حال الكفر.
الحديث الرابع : مجهول وأبو سعيد إن كان القماط فالخبر موثق ، وقد مر الكلام فيه.
الحديث الخامس : مرسل.
وقوله : حديث ، مبتدأ و « روي » خبره ، و أنك بالفتح خبر محذوف أي هو أنك « وإن زانوا » إن وصلية بتقدير الاستفهام « إنا لله » إشارة إلى أن هذا الافتراء علينا بفهم هذا المعنى مصيبة عظيمة « أن نكون » أي في أن نكون ، والحاصل أن التكليف لم يوضع عنا فكيف وضع عنهم بسببنا أو إنا نخاف العقاب ونتوب ونتضرع إلى الله تعالى وهم آملون بسبب ولايتنا أن هذا ليس بإنصاف.
__________________
(١) سورة التوبة : ٥٤
بالعمل ووضع عنهم إنما قلت إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره فإنه يقبل منك.
٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن الريان بن الصلت رفعه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام كثيرا ما يقول في خطبته يا أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره والسيئة فيه تغفر
ثم أفادعليهالسلام إن غرضي من هذا الكلام اشتراط قبول العمل بالولاية لا سقوط التكليف أو العقاب رأسا عنهم.
الحديث السادس : مرفوع.
« دينكم » نصب على الإغراء أي ألزموا دينكم واحفظوه أو أكملوه والتكرير للتأكيد أو باعتبار اختلاف العامل « فإن السيئة فيه خير » لعل الخيرية باعتبار أن في السيئة التذاذا دنيويا مع الغفران ، وفي الحسنة تعبا دنيويا مع الخسران ، أو باعتبار أن الحسنة التي لا تقبل يعاقب عليها كالصلاة بغير وضوء ، وقيل : كلمة في في قوله « فيه » وفي غيره بمعنى مع ، أي المركب من السيئة ودين الحق خير من المركب من الحسنة ودين أهل الضلال ، و قوله : والسيئة فيه تغفر ، للترقي وللإشارة إلى أن السيئة في دين الحق لو لم تكن مغفورة وكانت الحسنة في دين الباطل مقبولة لكان المركب من السيئة والدين الصحيح أفضل من المركب من الحسنة والدين الباطل لأنه لا سيئة مثل الدين الباطل في العقاب ولا حسنة مثل الدين الحق في الثواب ، فكيف والسيئة في الدين القويم مغفورة ، والحسنة في الدين الفاسد غير مقبولة ، وقيل : فيه إشارة إلى أن السيئة من حيث هي سيئة ليست خيرا من الحسنة من حيث هي حسنة ، بل الخيرية وعدمها باعتبار المغفرة وعدم القبول وما ذكرنا لعله أظهر.
واتفق الفراغ من جمع هذه التعليقات مع كثرة الأشغال وهجوم الأمراض وتشتت
والحسنة في غيره لا تقبل.
هذا آخر كتاب الإيمان والكفر والطاعات والمعاصي من كتاب الكافي
والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله.
الأحوال بفضل الله تعالى في الثالث والعشرين من شهر صفر المظفر سنة ١١٠٩ والحمد لله أولا وآخرا ، والصلاة على سيد المرسلين محمد وعترته الأطهرين.
* * *
وقد اتفق الفراغ من تصحيحه والتعليق عليه في شهر ذي حجة الحرام في ليلة العرفة من سنة ١٣٩٨ ويليه الجزء الثاني عشر إن شاء الله تعالى وأوله « كتاب الدعاء » والحمد لله أوّلا وآخرا.
وأنا العبد المذنب الفاني السيّد هاشم الرسولي المحلاتي |
الفهرست
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
١ |
باب الرواية على المؤمن |
٣ |
٤ |
باب الشماتة |
١ |
٤ |
باب السباب |
٩ |
١٣ |
باب التهمة وسوء الظن |
٣ |
١٩ |
باب من لم يناصح أخاه المؤمن |
٦ |
٢١ |
باب خلف الوعد |
٢ |
٤٥ |
باب من حجب أخاه المؤمن |
٤ |
٤٩ |
باب من استعان به أخوه فلم يعنه |
٤ |
٥١ |
باب من منع مؤمنا شيئا من عنده أو من عند غيره |
٥ |
٥٤ |
باب من أخاف مؤمنا |
٣ |
٥٥ |
باب النميمة |
٣ |
٦٠ |
باب الإذاعة |
١٢ |
٦٨ |
باب من أطاع المخلوق في معصية الخالق |
٥ |
٧٠ |
باب في عقوبات المعاصي العاجلة |
٢ |
٧٥ |
باب مجالسة أهل المعاصي |
١٦ |
١٠٠ |
باب أصناف الناس |
٣ |
١٠٨ |
باب الكفر |
٢١ |
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
١٢٤ |
باب وجوه الكفر |
١ |
١٣٩ |
باب دعائم الكفر وشعبه |
١ |
١٥٥ |
باب صفة النفاق والمنافق |
٥ |
١٧٣ |
باب الشرك |
٨ |
١٨٠ |
باب الشك |
٩ |
١٨٨ |
باب الضلال |
٢ |
٢٠١ |
باب المستضعف |
١٢ |
٢١٤ |
باب المرجون لأمر الله |
٢ |
٢١٦ |
باب أصحاب الأعراف |
٢ |
٢١٧ |
باب في صنوف أهل الخلاف |
٦ |
٢٢١ |
باب المؤلفة قلوبهم |
٥ |
٢٢٦ |
باب في ذكر المنافقين والضلال وإبليس في الدعوة |
١ |
٢٢٨ |
باب في قوله تعالى( ومن النَّاس من يعبد الله على حرف ) |
٢ |
٢٣١ |
باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أو كافرا أو ضالا |
١ |
٢٣٤ |
باب ( بدون العنوان ) |
١ |
٢٣٥ |
باب ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله |
١ |
٢٤٣ |
باب المعارين |
٥ |
٢٤٩ |
باب في علامة المعار |
١ |
٢٥٠ |
باب سهو القلب |
٧ |
٢٥٧ |
باب في ظلمة قلب المنافق وإن أعطي اللسان ونور قلب المؤمن وإن قصر به لسانه |
٣ |
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
٢٦١ |
باب في تنقل أحوال القلب |
١ |
٢٦٦ |
باب الوسوسة وحديث النفس |
٥ |
٢٨٢ |
باب الاعتراف بالذنوب والندم عليها |
٨ |
٢٨٦ |
باب ستر الذنوب |
٢ |
٢٨٧ |
باب من يهم بالحسنة أو السيئة |
٤ |
٢٩٥ |
باب التوبة |
١٢ |
٣٠٦ |
باب الاستغفار من الذنب |
١٠ |
٣١١ |
باب فيما أعطى الله عز وجل آدمعليهالسلام وقت التوبة |
٤ |
٣١٦ |
باب اللمم |
٦ |
٣٢١ |
باب في أن الذنوب ثلاثة |
٢ |
٣٣٣ |
باب تعجيل عقوبة الذنب |
١٢ |
٣٤٠ |
باب في تفسير الذنوب |
٣ |
٣٤٤ |
باب نادر |
١ |
٣٤٦ |
باب نادر أيضا |
٣ |
٣٥٠ |
باب أن الله يدفع بالعامل عن غير العامل |
١ |
٣٥١ |
باب أن ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة |
١ |
٣٥٢ |
باب الاستدراج |
٤ |
٣٥٥ |
باب محاسبة العمل |
٢٣ |
٣٨٠ |
باب من يعيب الناس |
٤ |
٣٨٣ |
باب أنه لا يؤاخذ المسلم بما عمل في الجاهلية |
٢ |
رقم الصفحة |
العنوان |
عدد الأحاديث |
٣٨٥ |
باب أن الكفر مع التوبة لا يبطل العمل |
١ |
٣٨٦ |
باب المعافين من البلاء |
٣ |
٣٨٧ |
باب ما رفع عن الأمة |
٢ |
٣٩٥ |
باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة والكفر لا ينفع معه حسنة |
٦ |
الفهرس
باب الرواية على المؤمن ١
باب السباب ٤
باب الشماتة ٤
باب التهمة وسوء الظن ١٣
باب من لم يناصح أخاه المؤمن ١٩
باب خلف الوعد ٢١
باب من حجب أخاه المؤمن ٤٥
باب من استعان به أخوه فلم يعنه ٤٩
باب من منع مؤمنا شيئا من عنده أو من عند غيره ٥١
باب من أخاف مؤمنا ٥٤
باب النميمة ٥٥
باب الإذاعة ٦٠
باب من أطاع المخلوق في معصية الخالق ٦٨
باب في عقوبات المعاصي العاجلة ٧٠
باب مجالسة أهل المعاصي ٧٥
باب أصناف الناس ١٠٠
باب الكفر ١٠٨
باب وجوه الكفر ١٢٤
باب دعائم الكفر وشعبه ١٣٩
باب صفة النفاق والمنافق ١٥٥
باب الشرك ١٧٣
باب الشك ١٨٠
باب الضلال ١٨٨
باب المستضعف ٢٠١
باب المرجون لأمر الله ٢١٤
باب أصحاب الأعراف ٢١٦
باب في صنوف أهل الخلاف ٢١٧
باب المؤلفة قلوبهم ٢٢١
باب في ذكر المنافقين والضلال وإبليس في الدعوة ٢٢٦
في قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » ٢٢٨
باب في قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ » ٢٢٨
باب ٢٣١
أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أو كافرا أو ضالا ٢٣١
باب نادر ٢٣١
باب أي نادر ٢٣٤
باب ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله ٢٣٥
باب المعارين ٢٤٣
باب في علامة المعار ٢٤٩
باب سهو القلب ٢٥٠
وإن قصر به لسانه ٢٥٧
باب في ظلمة قلب المنافق وإن أعطي اللسان ونور قلب المؤمن وإن قصر به لسانه ٢٥٧
باب ٢٦١
في تنقل أحوال القلب ٢٦١
باب في تنقل أحوال القلب ٢٦١
باب الوسوسة وحديث النفس ٢٦٦
باب الاعتراف بالذنوب والندم عليها ٢٨٢
باب ستر الذنوب ٢٨٦
باب من يهم بالحسنة أو السيئة ٢٨٧
باب التوبة ٢٩٥
باب فيما أعطى الله عز وجل آدم وقت التوبة ٣١١
باب اللمم ٣١٦
باب في أن الذنوب ثلاثة ٣٢١
باب تعجيل عقوبة الذنب ٣٣٣
باب تفسير عقوبات الذنوب ٣٤٠
باب نادر ٣٤٤
باب نادر أيضا ٣٤٦
أن الله يدفع بالعامل عن غير العامل ٣٥٠
باب ٣٥١
أن ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة ٣٥١
باب الاستدراج ٣٥٢
باب ٣٥٥
محاسبة العمل ٣٥٥
باب أي نادر أيضا ٣٥٥
باب من يعيب الناس ٣٨٠
باب أنه لا يؤاخذ المسلم بما عمل في الجاهلية ٣٨٣
باب أن الكفر مع التوبة لا يبطل العمل ٣٨٥
باب ٣٨٦
المعافين من البلاء ٣٨٦
باب ٣٨٧
ما رفع عن الأمة ٣٨٧
باب ٣٩٥
أن الإيمان لا يضر معه سيئة والكفر لا ينفع معه حسنة ٣٩٥
الفهرست ٤٠٠