رِجَالٌ في التّارِيخْ
الدكتور محمد تقي مشكور
حققه وعلّق عليه
صادق جعفر الروازق
الجزء الأول
الإهداء
أهدي كتابي هذا وجهدي فيه إلى والديّ اللذَین أرضعاني حب آل البيتعليهمالسلام
وإلى العلماء الأعلام الذين مهّدوا السبل لمذهب أهل البيت
وإلى صاحب العصر والزمان (عج)
المؤلف
مقدمة المحقق
ليس معرفة التاريخ غاية بذاتها، بل الغاية تكمل فيما يمكن التأثر بها - إيجاباً - أي ما ينضوي من معالم الخير في رحابها ومحاولة التشبه من مفرداتها الخيّرة، فالمعرفة التاريخية باتت مدرسة للقيم والتعاليم السامية الراقية فضلاً عن أنها علماً وفناً وميداناً للفكر والاجتهاد. بل عبّرت عن مساحة كبيرة من الحركية والفاعلية للبحث عن القوانين والأنساق والأطر التي تنظم حياة الأمم والمجتمعات.
ولكن أيّ من التاريخ يعبّر عما تطمح له الأمم ويعتني بحركية حياتها؟
هل ما يكتبه الحكام والسلاطين الجبابرة؟ أم هو الذي لا يمكن توثيقه، ويبقى يتناقل شفاهاً؟ أو أنه المؤرخ المحظور؟
لا شك أن التاريخ الحقيقي هو ما تكتبه الشعوب المستضعفة، الشعوب
الثائرة على مكامن الظلم والاستبداد. فهو وحده يصلح تسميته بالتاريخ، كونه المضمخ بدماء الضحايا ومآسي المستضعفين. فهو تاريخ المعارضة وليس تاريخ السلطة!
تاريخ المجتمعات المسحوقة، وليس تاريخ المترفين من السلاطين ولا تاريخ المحاباة والمجاملات، أنه التاريخ الذي يعبر عن عمق مسؤولية المؤرخ. والوقوف على مقدار حياديته، موثقاً ومؤرخاً للحدث بأبعاده المختلفة كأن تكون أوجهه الثلاث: إيجاباً وسلباً و(معتدلاً) أو ما بينهما. كون القراءة الأحادية تعبر بالضرورة عن ذات الكاتب والمؤرخ، وهذا ما يظهر جلياً وربما من أسطر محدودة ومعدودة في كشف هويته وانتمائه ومذهبه.
وبعيداً عن الغور في مصاديق القول، تبقى كتابة التاريخ مسؤولية ذات أبعاد شرعية وقانونية تستصحب صدق الكاتب المؤرخ وأمانته ونزاهته ووضوح
منهجه وأهدافه.
ومن هنا، لا نغالي بالقول، أن مُعد هذا الكتاب هو ممن يطمح في تفعيل الوجه الإيجابي للتاريخ واستعراضه لنماذج من الرجال تمثل طرفي نقيض من مسار الحق والباطل، مبتغياً من ذلك مساهمة خيّرة لإرشاد القارئ وتحكيم عقله وتفعيل نقاء فطرته، للتأثر بالصورة الطيبة الخيّرة المتفانية في الإخلاص للقيم والمبادئ الراقية.
وعلى الرغم من مشقة التأليف، وقصر فسحة الوقت لديه، فشغفه بالتاريخ يدفع به إلى ممارسة النشاط التربوي ضمن حيز الثقافة التاريخية.
وبعد ان قست عليه ظروف العمل الحزبي السياسي، توجه - مؤخراً - إلى عالم الكتابة ليجد فيها ظالته الحركية لنشر الوعي والدفاع عن حقيقة إيمانه وبكل ما يعتقده من قراءاته التاريخية والدينية فكان إسهامه الأول ((رياض الأمثال... في الكتاب والسنة
والأدب/ ٤ أجزاء)) يتساير مع ما يطمح به من توجه تربوي أخلاقي، يسترجع فيه المثل إلى ما يتطابق معه من الأحداث التاريخية، ورغم كل معاناته الصحية وضيق وقته في العمل المجهد ليلاً ونهاراً فهو ينتهز الفرص قارئاً، باحثاً، متابعاً، متحدياً في سباق سريع مع الزمن لتدوين ونشر ما يراه منسجماً مع تطلعاته الدينية والتربوية والسياسية.
وها هو الآن يصدَّر موسوعته الثانية، بهذا الكتاب الذي عدّه جزءاً من بقية أجزاء مخطوطة، دارت مادته التاريخية في بيان سيرة بعض الرجال، كون أن معرفة عطاءاتهم هي جزء من قراءة التاريخ إن لم تكن القراءة الكاملة للتاريخ فيما لو تبلورت موسوعة رجالية كبيرة تحيط بكل ما يتعلق من السيرة التاريخية، وربما قد يتحقق هذا العمل فيما لو ساهمت المؤسسات المعنية مع بعضها بعمل مشترك.
ولأهمية هذه المعرفة، جاءت فكرة هذا الكتاب الذي ضلع في إعداده وتأليف بعض فصوله الدكتور محمد تقي مشكور مع ما كان يطمح على أن تكون الترجمة لأحدهم على نحو من الاختصار مراعاةً لذكر أكثر عدداً من الأعلام، وسهولة القراءة دون ملل وضجر قد يصيب القارئ الكريم.
ومع كل ما في هذه الفكرة من كثير المقبولية، حاولنا أن نضع بعض تعليقاتنا والموجزة هي الأخرى على ما نراه ضرورياً للاحاطة الأكثر من المعرفة لهذا الرجل أو ذاك، وأحياناً الترجمة الكاملة لبعض الشخصيات المعاصرة مع حُرصنا على ذكر أغلب المصادر التي تضمنت التراجم، وربما قد يلتفت القارئ العزيز، إلى تكرار كتاب الشيخ عباس القمي الموسوم بـ ((الكنى والألقاب)) حيث أن المؤلف أعتمده مصدراً رئيسياً لندرة ما في جعبته من المصادر التي تتضمن تراجم الشخصيات المختارة من قبله، مع ما وجد فيه من
إيفاء في الترجمة. ولذا حاولنا أن نسترجع الكثير من النصوص والحوادث إلى مصادرها التاريخة القديمة. كما أن في بعض تراجم الشخصيات المعاصرة حاولنا الاعتماد على ما ذكره القمي (رحمه الله) كونه لم يشر إلى المصادر مطلقاً، وهذا مما أجهدنا كثيراً في البحث عن مصادر المعاصرين ولكن دون جدوى.
وانطلاقاً من قاسم المشاطرة الفكرية والهدفية مع المؤلف، رغبنا بمساعدته في تحقيق هذا الجهد، سائلينه تعالى الثبات على كل ما نؤمن به من خير وسعادة وسلام على صراط نبي الرسالة (ص) ورائد مصاديقها ومنجز قيمها ومبادئها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
اللهم نسألك الثبات بعد الهداية، وارحمنا فأنت خير الراحمين.
والحمد لله رب العالمين.
المحقق
صادق جعفر الروازق
٤ محرم الحرام ١٤٢٨هـ
المقدمة
في مطالعاتي الطويلة كنت أشعر انني احتاج كثيراً من الأحيان لأن أطلع على طبيعة وعقيدة كثير من الرجال الذين يأتي ذكرهم في سرد الأحاديث والأخبار والروايات ولكنني لم أستطع الحصول على ذلك إلا بعد مراجعة موسوعات الرجال الطويلة العريضة وهذا لا يتسنى لمثلي بل هو شأن العلماء والمحققين والمؤرخين، أما من مثلي فيحتاج إلى كتاب أو كتيب في الرجال يتسع لأسماء الرجال الذين تتكرر في تاريخنا دائماً بل نحتاج إلى كتاب هو خلاصة وموجز علم الرجال ليتسنى لكل أحد اقتناءه والاستفادة منه.
ثم طرأت قضية أخرى وهي أحساسي بالحاجة إلى تدوين تاريخ بعض الرجال المعاصرين الذين لم تسعهم الموسوعات الكبيرة والتي سطرت رجال التاريخ في الحُقب السابقة في الغالب.
كل ذلك كان أمنية في نفسي ان يتحقق حتى جاء حدث وفاة المرحوم الوالد
الشيخ نور الدين مشكور حيث ألحّ عليّ أكثر من صديق ومحب ان أدون تاريخ العائلة الناصع والحافل بالعلم والعلماء والمجاهدين، فشعرت بضرورة ذلك وصار في نفسي ان أكتب شيئاً عن ذلك.
ثم تطورت الفكرة وتوسعت في ان أكتب عن عائلتي وبعض العوائل المرتبطة بها والتي صاهرتها أخذاً أو عطاءاً أمثال بيت الشاه عبد العظيم وبيت الخليلي وبيت كبة وبيت الصافي وبيت ميرزا وبيت الجواهري إلى آخره.
ووجدت نفسي في وسط مشروع يتوسع تدريجياً واني أجرُّ جراً إلى الكتابة عن شيء آخر.
فلماذا لا أكتب عن رجال الشيعة الاثني عشرية الذين لمعوا في التاريخ والذين صنعوا التاريخ وصمدوا في عبابه وكشفوا زيفه أمام كل تلك الموسوعات الظالمة لمحمد وآل محمد والتي زيّفت الحق وظاهرت الباطل عليه ووضعت في سبيل ذلك عشرات آلاف الأحاديث الكاذبة على يد المرتزقة أيام معاوية
وقبله حيث منعوا كتابة السنة والتي يقول عنها علماؤنا ان ثلثيها بحق علي ولهذا منعت...
فمن الوجدان والواجب التاريخي ان نذكر رجالنا بخير وضمن مواقفهم التاريخية في إحقاق الحق وإبطال الباطل لذلك توسع المشروع إلى كتاب في رجال الشيعة.
ولما كان إحقاق الحق في الرجال يستوجب بيان الانحراف في الطرف الآخر وتثبيت حقائق ذلك الانحراف بالوثائق ليبين الحق من الباطل فتناولنا بعض رجالهم وكشفنا عن بعض حقائقهم خدمة للحقيقة ولكي لا يقول قائل: ما كنا نعلم بهم واننا( فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) (الأنبياء: من الآية٩٧).
فجاء مشروع الكتاب عاماً شاملاً ولكنه آثر الاختصار الشديد الذي لا يضر كثيراً بالقضية واتباعاً لأساس الفكرة النواة الأولى بظهور كتاب مختصر بيد كل مطالع ومتتبع، مع ان الاختصار هنا وفي كثير من الأحيان قد يحيف ببعض الرجال أو البيوتات حين لا نذكر كل مقوماتهم
وخدماتهم وجليل أعمالهم لكننا اضطررنا إلى ذلك ونطلب العفو والصفح خاصة ممن لم نذكرهم في كتابنا فكتابنا هو غيض من فيض والأصل فيه هو الاختصار، وهذه هي مثالب الاختصار التي لابد منها لذلك أطلب العفو والغفران من الجميع.
المؤلف
الدكتور محمد تقي مشكور
٤ محرم الحرام ١٤٢٨هـ
حرف الألف
الابيوردي
أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد ينتهي إلى عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي الشاعر المشهور كان راوية نسابة، وكان يكتب في نسبه المعاوي ينسب إلى معاوية الأصغر في عمود نسبه. له ديوان ومقطعات، وله من جملة قصيدة:
فسد الزمان فكل من صاحبته |
راج ينافق أو مداج حاشي |
|
وإذا اختبرتهم - ظفرت - بباطن |
متجهم وبظاهر هشاش |
ومن شعره أيضاً:
تنكر لي دهري ولم يدر انني |
أعز وأحوال الزمان تهون |
|
وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه |
وبت أريه الصبر كيف يكون |
كانت وفاته مسموماً باصبهان سنة ٥٠٧، والابيوردي بفتح الهمزة وكسر الموحدة وسكون المثناة من تحت وفتح الواو وسكون الراء هذه النسبة إلى أبيورد، ويقال لها أبا ورد وهي بلدة
بخراسان، منها جماعة من العلماء وغيرهم، كذا قال ابن خلكان، قلت: ومن تلك الجماعة أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد احد الفقهاء الشافعيين من أصحاب أبي حامد الاسفراييني سكن بغداد، وولي القضاء بها ثم عزل، وكان يدرس في قطيعة الربيع، حكي انه كان يصوم الدهر وان غالب إفطاره كان على الخبز، وكان فقيراً يظهر المروئة توفي ببغداد(١) سنة ٤٢٥هـ
__________________
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٠ - ١١.
الأحنف بن قيس
روى عيسى بن دأب قال: أول ما عرف الأحنف بن قيس وقدّم، انه وَفَد على عمر بن الخطاب وكان أحدث القوم سناً، وأقبحهم منظراً، فتكلم كل رجل من الوفد بحاجته في خاصته، والأحنف ساكت، فقال له عمر:
قل يا فتى؛ فقام فقال: يا أمير المؤمنين، ان العرب نزلت بمساكن طيبة، ذات ثمار وأنهار عذاب، وأكنة ظليلة، ومواضع فسيحة، وإنا نزلنا بسبخة نشّاشة، ماؤها ملح، وأفنيتها ضيقة وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلا تدركنا يا أمير المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه، حتى تأتي الأمَة فتغرف بجرتها وإنائها أوشك ان نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد في صاعنا ومُدّنا، وتُثبت من تلاحق في العطاء من ذريتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ثغورنا، وتجهز بعثنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى هاهنا انتهت المطالب ووقف
الكلام.
قال: أنت رئيس وفدك، وخطيب مصرك، قم عن موضعك الذي أنت فيه. فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فأنتسبَ له، فقال: أنت سيد تميم، فبقيت له السيادة إلى ان مات.
نسبه:
هو الأحنف، واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمر بن كعب بن [سعيد بن] زيد مناة بن تميم.
وقال بعض بني تميم: حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له في أمر لهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ان الكرم مَنْعُ الحرم، ما أقرب النقمة من أهل البغي، لا خير في لذة تعقب ندماً، لم يهلك من اقتصد، لم يفتقر من زهد، رُب هزل عاد جداً، من أمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه، دَعوا المزاح فإنه يورث الضغائن، وخير القول ما صدّقه الفعل، احتملوا لمن أدل عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم، أطع
أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من نفسك قبل ان ينتصف منك، إياكم ومشاورة النساء، واعلم ان كفر النعم لؤم، وصحبة الجهل شؤم، ومن الكرم الوفاء بالذمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللطف، والعداوة بعد الود، لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم ان لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فانفق في حق، ولا تكن خازناً لغيرك، وإذا كان الغدر موجوداً في الناس فالثقة بكل أحد عجز، اعرف الحق لمن عرفه لك، واعلم ان قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل.
قال: فما سمعت كلاماً أبلغ منه، فقمت وقد حفظته.
كلام الأحنف في مجلس معاوية:
ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجاباً، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمرة قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم
الخلف من بعدنا، فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فاعطهم وإن استعتبوك فاعتبهم، ولا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويستثقلوا حياتك، ويتمنوا وفاتك.
فقال: لله درك يا أبا بحر هم كما قلت:
وزعمت الرواة انها لم تسمع للأحنف إلا هذين البيتين:
فلو مد سرْوي بمال كثير |
لجدت وكنت له باذلا |
|
فإن المروءة لا تستطاع |
إذا لم يكن مالها فاضلا |
صفة الأحنف:
وكان يُبخَّل، وقال لبني تميم: أتزعمون اني بخيل! والله إني لأشير بالرأي قيمته عشرة آلاف درهم، فقالوا: تقويمك لرأيك بخل. وكان الأحنف من الفضلاء الخطباء النساك، وبه يُضرب المثل في الحلم.
ذُكر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فاستغفر له:
وقد ذُكر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فاستغفر له، فقد
بعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلاً إلى قومه بني سعد، يعرض عليه الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم إلى خير ولا أسمع إلا حسناً، فذكر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: اللهم اغفر للأحنف، وكان الأحنف يقول: ما شيء أرجى عندي من ذلك.
من أوصاف الأحنف:
قال عبد الملك بن عمير: قدم إلينا الأحنف، فما رأينا خصلة تُذم في رجل إلا رأينا فيه، كان أصلع الرأس، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين باخق(١) العينين، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، وكانت العين تقتحمه دمامة وقلة رواء، ولكنه إذا تكلم جلى عن نفسه، وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياء، وتنازعت القبائل، فقال بعد ان حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأزد [وربيعة]، أنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأكفاؤنا في النسب، وجيراننا
__________________
١ - البخق في العين: ألا يلتقي جفناها.
في الدار، ويدنا على العدو، والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة [ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام] وفي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم.
كلامه لمعاوية وقد أراد البيعة ليزيد:
ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد ان يوجّه إليه بوفد أهل العراق، فبعث إليه بوفد أهل البصرة والكوفة، فتكلمت الخطباء في يزيد، والأحنف ساكت، فلما فرغوا قال: قل يا أبا بحر، فإن العيون إليك أشرع منها إلى غيرك، فقام الأحنف، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إنك أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، فإن كنت تعلمه لله رضا فلا تشاور فيه أحد، ولا تقم له الخطباء والشعراء، وإن كنت تعلم بُعده من الله فلا تزوّده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة. فإنك تصير إلى يوم يفر [فيه] المرء من أخيه، وأمه وبنيه، وصاحبته وبنيه.
قال فكأنه أفرغ على معاوية ذنوب
ماء بارد. فقال له: اقعد يا أبا بحر؛ فإن خيرة الله تجري، وقضاء الله يمضي، وأحكام الله تنفذ، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإن يزيد فتى قد بلوناه، ولم نجد في قريش فتى هو أجدر بأن يُجتمع عليه منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تحكي عن شاهد، ونحن نتكلم على غائب، وإذا أراد الله شيئاً كان.
وفاة الأحنف ورثاء امرأة له:
مات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سر العرب، فلما دُفن قامت امرأة على قبره فقالت:
لله درك من مُجن في جَنن(١) ، ومدرج في كفن، نسأل الله الذي فجعنا بموتك وابتلانا بفقدك، ان يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشد دليلك، وان يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك، فوالله لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى
__________________
١ - مجن: مستور، والجنن - بالتحريك - القبر، وجمعه أجنان
الأرامل عطوفاً، ولقد كنت في الحي مُسوَّداً، وإلى الخليفة موفداً، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين، ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إن أولياء الله في بلاده، شهود على عباده، وإني لقائلة حقاً، ومثنية صدقاً، وهو أهل لحسن الثناء، وطيب النثا(١) إلى ان قالت:
لله درك يا أبا بحر |
ماذا تغيّب منك في القبــر؟ |
|
لله درك أي حشو ثرى |
أصبحت من عرف ومن نُكر |
|
إن كان دهر فيك جرَّ لنا |
حدثاً به وَهَنَت قوى الصبــر |
|
فلكم يد أسديتها ويد |
كانت ترد جرائر الدهـــــر(٢) |
قال: وكان الأحنف قدم الكوفة في أيام مصعب بن الزبير، فرآه رجل أعور دميماً قصيراً أحنف الرجلين، فقال له:
__________________
١- في رواية وطيب الدعاء.
٢ - زهر الآداب للقيرواني: ج٣، ص٦٩٦ - ٧٠٢.
يا أبا بحر؛ بأي شيء بلغت في الناس ما أرى؛ فوالله ما أنت بأشرف قومك، ولا أجودهم؟ فقال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه! قال: وما هو؟ قال: تركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا تتركه(١)
__________________
١ - كان الأحنف بن قيس من خُلص أتباع الإمام عليعليهالسلام ، وعلى الرغم من أنه اعتزل القتال يوم الجمل إلا أن مسار الأحداث أكدت على ما أشبه بالتوافق بينه وبين الإمام عليعليهالسلام على اتخاذه هذا الموقف، وهو موقف تكتيكي، أما ستراتيجية الأحنف تمثلتْ بإخلاصه الحميم لعليعليهالسلام (المحقق).
أحمد بن طولون
كتب ابن الأثير في البداية والنهاية:
أبو العباس أمير الديار المصرية وباني الجامع بها المنسوب إلى طولون، وإنما بناه أحمد ابنه، وقد ملك دمشق والعواصم والثغور مدة طويلة، وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في سنة مائتين، ويقال إلى الرشيد في سنة تسعين ومائة.
ولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة ومائتين، ومات طولون أبوه في سنة ثلاثين، وقيل في سنة أربعين ومائتين. وحكى ابن خلكان: أنه لم يكن أباه وإنما تبناه، والله أعلم. وحكى ابن عساكر أنه من جارية تركية اسمها هاشم. ونشأ أحمد هذا في صيانة وعفاف ورياسة ودراسة للقرآن العظيم، مع حسن الصوت به، وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرمات والمنكرات، وكانت أمه جارية اسمها هاشم.
وحكى ابن عساكر عن بعض مشايخ مصر أن طولون لم يكن أباه وإنما كان قد تبناه لديانته وحسن صوته بالقرآن وظهور نجابته وصيانته من صغره، وأن طولون اتفق له معه أن بعثه مرة في حاجة ليأتيه بها من دار الإمارة فذهب فإذا حظية من حظايا طولون مع بعض الخدم وهما على فاحشة، فأخذ حاجته التي أمره بها وكر راجعاً إليه سريعاً، ولم يذكر له شيئاً مما رأى من الحظية والخادم، فتوهمت الحظية أن يكون أحمد قد أخبر طولون بما رأى، فجاءت إلى طولون فقالت: إن أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي وانصرفت إلى قصرها، فوقع في نفسه صدقها فاستدعى أحمد وكتب معه كتاباً وختمه إلى بعض الأمراء ولم يواجه أحمد بشيء مما قالت الجارية، وكان في الكتاب أن ساعة وصول حامل هذا الكتاب إليك تضرب عنقه وأبعث برأسه سريعاً إلي فذهب بالكتاب من عند طولون وهو لا يدري ما فيه، فاجتاز بطريقه بتلك الحظية فاستدعته إليها فقال: إني
مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى بعض الأمراء، قالت: هلم فلي إليه حاجة، وأرادت أن تحقق في ذهن الملك طولون ما قالت له عنه فحبسته عندها ليكتب لها كتاباً، ثم استوهبت من أحمد الكتاب الذي أمره طولون أن يوصله إلى ذلك الأمير، فدفعه إليها فأرسلت به ذلك الخادم الذي وجده معها على الفاحشة وظنت أن به جائزة تريد أن تخص بها الخادم المذكور فذهب بالكتاب إلى ذلك الأمير، فلما قرأه أمر بضرب عنق ذلك الخادم وأرسل برأسه إلى الملك طولون. فتعجب الملك من ذلك وقال: أين أحمد؟ فطلب له فقال: ويحك أخبرني كيف صنعت منذ خرجت من عندي؟ فأخبره بما جرى من الأمر. ولما سمعت تلك الحظية بأن رأس الخادم قد أتي به إلى طولون أسقط في يديها وتوهمت أن الملك قد تحقق الحال، فقامت إليه تعتذر وتستغفر مما وقع منها مع الخادم، واعترفت بالحق وبرأت أحمد مما نسبته إليه، فحظي عند الملك طولون وأوصى له بالملك من بعده.
ثم ولي نيابة الديار المصرية للمعتز فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، فأحسن إلى أهلها وأنفق فيهم من بيت المال ومن الصدقات، واستغل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار، وبنى بها الجامع، غرم عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وفرغ منه في سنة سبع وخمسين، وقيل في سنة ست وستين ومائتين، وكانت له مائدة في كل يوم يحضرها الخاص والعام، وكان يتصدَّق من خالص ماله في كل شهر بألف دينار. وقد قال له وكيله يوماً: إنه تأتيني المرأة وعليها الإزار والبدلة ولها الهيئة الحسنة تسألني فأعطيها؟ فقال: من مد يده إليك فأعطه، وكان من أحفظ الناس للقرآن، ومن أطيبهم به صوتاً.
وقد حكى ابن خلكان عنه أنه قتل صبراً نحواً من ثمانية عشر ألف نفس، فالله أعلم. وبنى المارستان غرم عليه ستين ألف دينار، وعلى الميدان مائة وخمسين ألفا، وكانت له صدقات كثيرة
جداً، وإحسان زائد.
ثم ملك دمشق بعد أميرها ماخور في سنة أربع وستين ومائتين، فأحسن إلى أهلها أيضاً إحساناً بالغاً، واتفق أنه وقع بها حريق عند كنيسة مريم فنهض بنفسه إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الحافظ الدمشقي، وكاتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطي، فأمر كاتبه أن يخرج من ماله سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدور والأموال التي أحرقت. فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكره وبقي أربعة عشر ألف دينار فاضلة عن ذلك، فأمر بها أن توزع عليهم على قدر حصصهم، ثم أمر بمال عظيم يفرق على فقراء دمشق وغوطتها، فأقل ما حصل للفقير دينار.
ثم خرج إلى إنطاكية فحاصر بها صاحبها سيما حتى قتله وأخذ البلد.
توفي بمصر في أوائل ذي القعدة من هذه السنة(١) من علة أصابته من أكل لبن
__________________
١- أحداث سنة سبعين ومائتين.
الجواميس كان يحبه فأصابه بسببه ذرب فكواه الأطباء وأمروه أن يحتمي منه فلم يقبل منهم، فكان يأكل منه خفية فمات رحمه الله. وقد ترك من الأموال والأثاث والدواب شيئاً كثيراً جداً، من ذلك عشرة آلاف ألف دينار(١) ، ومن الفضة شيئاً كثيراً، وكان له ثلاثة وثلاثون
__________________
١ -( يوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) ( التوبة:٣٥) كل هذا من بيت المال الذي يجب ان يوزع على المسلمين احتكره له ولدنياه. نعم هذه هي الخلافة الإسلامية كما يسمونها وهي هرقلية دِنيويّة كما جعلها عثمان ومعاوية ومن سمي بالخليفة من بعدهم، أين هذا من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي كان يكنس بيت المال ويرشه كل ليلة حيث لا يترك فيه شيئاً حتى الصباح لمسؤولية ذلك عند الله؟ وهذا هو البون الشاسع بين الحق والباطل، حين قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علي مع الحق والحق مع علي، وقال إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، لئلا تكون دولة بين الأغنياء منهم. (المؤلف).
ولداً، منهم سبعة عشر ذكراً، فقام بالأمر من بعده ولده خمارويه. وكان له من الغلمان سبعة آلاف مولى، ومن البغال والخيل والجمال نحو سبعين ألف دابة، وقيل أكثر من ذلك. قال ابن خلكان: وإنما تغلب على البلاد لاشتغال الموفق بن المتوكل بحرب صاحب الزنج، وقد كان الموفق نائب أخيه المعتمد(١)
أحمد بن عبد ربه
صاحب كتاب العقد الفريد
ابن حبيب بن جرير بن سالم أبو عمر القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي.
كان من الفضلاء المكثرين، والعلماء بأخبار الأولين والمتأخرين، وكتابه العقد يدل على فضائل جمة، وعلوم كثيرة مهمة، ويدل كثير من كلامه على
__________________
١- البداية والنهاية، ابن كثير: ج١١، ص ٥٤.
تشيع فيه، وميل إلى الحط على بني أمية. وهذا عجيب منه، لأنه أحد مواليهم وكان الأولى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم.
قال ابن خلكان: وله ديوان شعر حسن، ثم أورد منه أشعاراً في التغزل في المردان والنسوان أيضاً. ولد في رمضان سنة ست وأربعين ومائتين وتوفي بقرطبة(١) .
أحمد بن هلال الكرخي
أحمد بن هلال الكرخي.
قال أبو علي بن همام: كان أحمد بن هلال من أصحاب أبي محمدعليهالسلام ، فاجتمعت الشيعة على وكالة محمد بن عثمان - رضي الله عنه - بنص الحسنعليهالسلام في حياته، ولما مضى الحسنعليهالسلام قالت الشيعة الجماعة له:
__________________
١ - البداية والنهاية، ابن كثير: ج١١، ص١٩٣ - ١٩٤، في أحداث سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، كان عام وفاته.
ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة؟. فقال لهم: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، وليس أنكر أباه - يعني عثمان بن سعيد - فأما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل صاحب الزمان فلا أجسر عليه.
فقالوا: قد سمعه غيرك، فقال: أنتم وما سمعتم، ووقف على أبي جعفر، فلعنوه وتبرؤا منه. ثم ظهر التوقيع على يد أبي القاسم بن روح بلعنه والبراءة منه في جملة من لعن(١) .
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي: ج٢، ص٢٩٢، خلاصة الأقوال للعلامة الحلي: ص٤٣٣، جامع الرواة لمحمد علي الأردبيلي: ج٢، ص٤٦٩، رجال الخاقاني للشيخ علي الخاقاني: ص ١٧٩.
الأربلي
بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى بن ابى الفتح الأربلي من كبار العلماء الإمامية، العالم الفاضل الشاعر الأديب المنشئ النحرير والمحدّث الخبير الثقة الجليل أبو الفضائل والمحاسن الجمة صاحب كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمةعليهمالسلام فرغ من تصنيفه سنة ٦٨٧، وله رسالة الطيف وديوان شعر وعدة رسائل، وله شعر كثير في مدح الأئمةعليهمالسلام ذكر جملة منه في كشف الغمة.
وكتابه كشف الغمة كتاب نفيس جامع حسن، ولصاحبه بيان في تأويل ما نسب الأئمةعليهمالسلام إلى أنفسهم المقدسة من الذنب والخطايا والعصيان مع عصمتهمعليهمالسلام
يروى عن السيد رضي الدين بن طاووس والسيد جلال الدين بن عبد الحميد بن فخار الموسوي.
والأربلي نسبة إلى أربل، كدعبل بلد بقرب الموصل من جهتها الشرقية، ولا يخفى عليك انه غير الوزير الكبير أبى الحسن علي بن عيسى بن داود البغدادي
الكاتب وزير المقتدر والقاهر قال في (ضافي) ترجمته كان غنياً شاكراً صدوقاً ديّناً خيراً صالحاً عالماً من خيار الوزراء، وهو كثير البر والمعروف والصلاة والصيام ومجالسة العلماء، توفى سنة ٣٣٤، وزّر للمقتدر مرتين، له كتاب جامع الدعاء، وكتاب معاني القرآن وتفسيره، أعانه عليه أبو الحسين الواسطي وأبو بكر بن مجاهد، وكتاب ترسل(١) ، وكان يستغل ضياعه في السنة سبعمائة ألف دينار ويخرج منها في وجوه البر ستمائة ألف دينار وستين ألف دينار، وينفق أربعين ألف دينار على خاصته.
وكانت غلته عند عطلته ولزوم بيته نيفاً وثمانين ألف دينار ينفق على نفسه وخاصته ثلاثين ألف دينار ويصرف الباقي في وجوه البر كذا في ذيل الصفدي على تاريخ ابن خلكان.
ونقل أيضاً عن الصولي انه قال:
__________________
١- هكذا النص في الكنى والألقاب.
وأشار على المقتدر زمن نكبته ان يقف عقاره ببغداد على الحرمين والثغور وغلتها ثلاثة عشر ألف دينار في كل شهر، والضياع الموروثة له بالسواد وغلتها نيف وثمانون ألف دينار ففعل ذلك وأشهد على نفسه، وأفرد لهذه الوقوف ديواناً وسماه ديوان البر.
وخدم السلطان سبعين سنة لم يُزل فيها نعمة عن أحد، وأحصى له أيام وزارته نيف وثلاثون ألف توقيع من الكلام السديد، ولم يقتل أحداً، ولا سعى في دمه، وكان على خاتمه لله صنع خفي في كل أمر يخاف، وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم.
ونقل القشيري في رسالته المشهورة بإسناده المتصل إلى أبي عمر الأنماطي قال:
ركب علي بن عيسى الوزير في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون من هذا؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق إلى متى تقولون من هذا، هذا عبد سقط من عين الله فأبلاه الله بما ترون، فسمع علي بن عيسى ذلك ورجع إلى منزله واستعفى من
الوزارة وذهب إلى مكة وجاور بها، وقد غلط من نسب هذه الحكاية إلى شيخنا المحدث الجليل علي بن عيسى الأربلي المتقدم ذكره صاحب كشف الغمة(١) .
الاردبادى
العالم الفاضل الأديب البارع الشاعر المتبحر الخبير الميرزا محمد علي الاردبادي النجفي دام علاه، رأيت بخطه انه ولد في ٢١ رجب سنة ١٣١٢، وأخذ العلم عن والده ثم عن أساتذة العلم شيخ الشريعة الاصبهاني وحجة الإسلام الميزا علي اقا الشيرازي والبلاغي قدس الله تعالى أسرارهم، والشيخ الأجل الحاج
__________________
١- الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٨ - ١٩، والأربلي في كتابه كشف الغمة يذكر قصتين بليغتين عن أثر خوارق العادات للإمام المهدي (عج) حدثت في زمانه وحدّثه بها جماعة من ثقاته، كشف الغمة: ج٣، ص٢٨٣ - ٢٨٧، وانظر القندوزي الحنفي: في ينابيع المودّة لذوي القربى: ج٣، ص٣١٣.
الشيخ محمد حسين الاصبهاني دام ظله، له تآليف ورسائل ومقالات كثيرة وأشعار جيدة ومن شعره في مدح أمير المؤمنينعليهالسلام :
لقد وضح الهدى في يوم خم |
ينوء بعبئــــه النبأ العظيم |
|
فغضت طرفهـــا عنــــــه نمير |
كما عن رشده ضلت تميم |
وذكر في أحوال والده الفقيه الجليل انه العلامة ميرزا أبو القاسم بن محمد تقي الاردبادي أحد فقهاء العصر الحاضر، ولد في ج ١ سنة ١٢٧٤ وأخذ من أساطين الدين غير انه أتم دروسه العالية في النجف الأشرف لدى الأعلام المحقق الفاضل الايرواني، والفقيه الشيخ محمد حسين الكاظمي، والمولى على النهاوندي وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وله ما يناهز الخمسين مؤلفاً في الفقه والأصول وغير ذلك.
توفى في ٥ شعبان سنة ١٣٣٣ بهمدان في طريقه إلى مشهد الإمام الرضاعليهالسلام ،
وأودع جثمانه هناك ثم نقل إلى النجف الأشرف.
والاردبادي: نسبة إلى اردباد بلدة تقع في الحدود بين أذربيجان وقوفاس قرب نهر آرس(١) .
الأزري
الشيخ كاظم بن الحاج محمد الحاج مراد بن الحاج مهدي بن إبراهيم بن عبد الصمد بن علي التميمي الازري البغدادي مادح أهل البيتعليهمالسلام ، الفاضل الكامل الشاعر الأديب الماهر المنشئ البليغ الذي تشهد لذلك قصيدته الهائية المعروفة (لمن الشمس في قباب قباها).
يحكى انه كان العلامة الطباطبائي بحر العلوم يعظمه كثيراً لحسن مناظرته مع الخصوم، وأخواه الشيخ محمد رضا والشيخ محمد يوسف أيضاً كانا من
__________________
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٠ - ٢١.
الأجلاء، وكذا ولدى الأخير الشيخ راضي والشيخ مسعود.
وتوفى الشيخ الازري في غرة ج ١ سنة ١٢١١ ببغداد، وقبره وكذا مقبرة الجماعة المذكورة تجاه مقبرة السيد المرتضى (ره) بالكاظمية.
ينقل عن المتتبع الخبير سيدنا الأجل السيد أبي محمد الحسن الصدر قدس سره انه قال: ان القصيدة الهائية كانت تزيد على ألف بيت، وكانت مكتوبة في طومار فأكلت الأرضة جملة منها، ووقعت النسخة المأكولة بيد السيد صدر الدين العاملي، فاستخرج منها الموجود المطبوع الذي خمَّسه الشيخ جابر الكاظمي.
ونقل شيخنا صاحب المستدرك في كتاب (شاخه طوبى) ان العلامة المحقق الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر كان يتمنى ان يكتب في ديوان عمله القصيدة الهائية الازرية، ويكتب الجواهر في ديوان الازري مكان القصيدة، ولنتبرك بذكر أشعاره في مدح أمير المؤمنينعليهالسلام في قصة عمرو بن عبد ود قال:
ظهرت منه في الورى سطوات |
ما أتى القوم كلهم ما أتاها |
|
يوم غصت بجيش عمرو بن ود |
لهوات الفلا وضاق فضاها |
|
وتخطى إلى المدينة فرداً |
لا يهاب العدى ولا يخشاها |
|
فدعاهم وهم ألوف ولكن |
ينظرون الذي يشب لظاها |
|
أين انتم من قسور عامري |
تتقي الأسد بأسه في شراها |
|
أين من نفسه تتوق إلى الجنـ |
ات أو يورد الجحيم عداها |
|
فابتدى المصطفى يحدّث عما |
يؤجر الصابرون في أخراها |
|
قائلاً إن للجليل جناناً |
ليس غير المجاهدين يراها |
|
من لعمرو وقد ضمنت على الل |
ـه له من جنانه أعلاها |
|
فالتووا عن جوابه كسوام |
لا تراها مجيبة من دعاها |
|
فإذا هم بفارس قرشي |
ترجف الأرض خيفة ان يطاها |
|
قائلاً ما لها سواي كفيل |
هذه ذمة علي وفاها |
ومشى يطلب البراز كما تمشـ |
ـي خماص الحشى إلى مرعاها |
|
فاقتضى مشرفية فتلقى |
ساق عمرو بضربة فبراها |
|
وإلى الحشر رنة السيف منه |
يملأ الخافقين رجع صداها |
|
يا لها ضربة حوت مكرمات |
لم يزن ثقل أجرها ثقلاها |
|
هذه من علاه إحدى المعالي |
وعلى هذه فقس ما سواها(١) |
الاسكافي
قال القمي(٢) :
__________________
١ - القمي ، م س : ج ٢ ، ص ٢٣
٢ - يقول السيد محمد تقي بحر العلوم في تحقيقه لكتاب بلغة الفقيه للسيد محمد آل بحر العلوم: هو محمد بن أحمد بن الجنيد أبو علي الكاتب الاسكافي المتوفى في الري سنة ٣٨١هـ وهو ومعاصره ابن عقيل من قدماء الإمامية وأعاظم الطائفة، وكثيراً ما كانا يخالفان فقهاء الإمامية في =
محمد بن أحمد بن الجنيد أبو علي الكاتب الاسكافي من أكابر علماء الشيعة الإمامية، جيد التصنيف، فعن العلامة الطباطبائي بحر العلوم انه وصفه بقوله: كان من أعيان الطائفة وأعاظم الفرقة وأفاضل قدماء الإمامية وأكثرهم علماً وفقهاً وأدباً وتصنيفاً، وأحسنهم تحريراً وأدقهم نظراً، متكلم فقيه محدّث أديب واسع العلم، صنّف في الفقه والكلام والأصول والأدب وغيرها، تبلغ مصنفاته عدى أجوبة مسائله من نحو خمسين كتاباً، ثم عد كتبه ثم قال:
وهذا الشيخ على جلالته في الطائفة والرئاسة وعظم محله قد حكي عنه القول بالقياس، إلى ان قال واختلفوا في كتبهم، فمنهم من أسقطها ومنهم من اعتبرها.
وعن (جش)(١) بعد ان وصفه بقوله: وجه
__________________
= فتاواهم وآرائهم: ج٣، ص١٤٩، الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٦ - ٢٧.
١ - النجاشي.
في أصحابنا، ثقة جليل القدر سمعت بعض شيوخنا يذكر انه كان عنده مال للصاحبعليهالسلام وسيف أيضاً وانه أوصى به إلى جاريته فهلك ذلك انتهى.
قيل: مات بالري سنة ٣٨١، يروي عنه المفيد وغيره.
وقد يطلق الاسكافي على الشيخ الأقدم أبي علي محمد بن أبي بكر همام بن سهيل بن بيزان الاسكافي الكاتب المعاصر للشيخ الكليني ، كان ثقة
__________________
١ - يوكد السيد الخوئي في كتابه الاجتهاد والتقليد أن محمد بن أحمد الجنيد أبو علي الكاتب الاسكافي أنه معاصر لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني والشيخ الصدوق علي بن بابويه المتوفى سنة ٣٢٩ والمدفون بقم.
وفي إجازة السيد حسن الصدر للشيخ اغا بزرك الطهراني: توفي ابن الجنيد سنة ٣٨١هـ وفي قصص العلماء: ٣٢٥ وكان من مشايخ المفيد ومعاصر العماني والمعز البويهي وله أجوبة مسائل المعز البويهي وذكر ملا عبد الله التوني في الوافية، الاجتهاد والتقليد: ص١٧.
جليل القدر، روى عنه التلعكبري وسمع منه وذكره (جش) وقال شيخ أصحابنا ومتقدمهم له منزلة عظيمة كثير الحديث، انتهى.
له كتاب الأنوار في تاريخ الأئمة الأطهارعليهمالسلام ، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه وقال: انه أحد شيوخ الشيعة.
وقال: توفى في ج ٢ سنة ٣٣٢، وكان يسكن في سوق العطش، ودفن في مقابر قريش، انتهى.
وقد يطلق على أبي جعفر محمد بن عبد الله المعتزلي، قال الخطيب في تاريخ بغداد: محمد بن عبد الله أبو جعفر المعروف بالاسكافي أحد المتكلمين من معتزلة البغداديين، له تصانيف معروفة، وكان الحسين بن علي الكرابيسي يتكلم معه ويناظره، وبلغني انه مات في سنة ٢٤٠ انتهى.
والاسكافي نسبة إلى الاسكاف بالكسر من نواحي النهروان بين بغداد وواسط، وعن ابن إدريس انه قال في السرائر عند ذكر ابن الجنيد وإنما قيل له الاسكافي لأنه منسوب إلى إسكاف وهي
النهروانات وبنو الجنيد متقدموها من أيام كسرى إلى ان قال والمدينة يقال لها إسكاف بني الجنيد.
إسحاق بن حنين بن إسحاق
أبو يعقوب - نسبة إلى قبائل الجزيرة - الطبيب ابن الطبيب، له ولأبيه مصنفات كثيرة في هذا الفن، وكان أبوه يعرَّب كلام ارسطاطاليس وغيره من حكماء اليونان. توفي في هذه السنة (سنة ٣٩٨هـ)(١) .
أسعد أبو كرب الحميري
كان مؤمناً، وآمن بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل ان يبعث بسبعمائة سنة، وقال:
شهدت على أحمد انه |
رسول من الله باري النسم |
|
فلو مدَّ عمري إلى عمره |
لكنت وزيراً وابن عم |
__________________
١ - البداية و النهاية لابن الأثير : ج ١١ ، ص ١١٦
وألزم طاعته كل من |
على الأرض من عرب أو عجم |
وهو أول من كسا الكعبة الأنطاع والبرود، فلذلك يقول بعض من حميّر:
وكسونا البيت الذي عظم اللـ |
ـه ملاءً مقصّباً وبرودا(١) |
الأشتر النخعي
قال القمي(٢) :
هو مالك بن الحارث النخعي المجاهد في سبيل الله، والسيف المسلول على أعداء الله الذي مدحه سيد أولياء الله في كلمات منها قولهعليهالسلام في كتابه إلى أهل مصر: (واني قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الأعداء، حذر الدوائر من أشد عبيد الله بأساً وأكرمهم حسباً، أضر على الفجار
__________________
١ - نفس المصدر : ج ١ ، ص ٨٢
٢ - الكني و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٤٨
من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث الأشتر، لا نابي الضريبة ولا كليل الحد، حليم في الحذر، رزين في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، فاسمعوا له وأطيعوا أمره الخ).
قال ابن أبي الحديد في وصفه: كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً، وكان يجمع بين اللين والعنف فيسطو في موضع السطوة ويرفق في موضع الرفق.
وقال أيضاً: كان حارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين ونصره.
ثم قال وقد روى المحدّثون حديثاً يدل على فضيلة عظيمة للأشتر وهي شهادة قاطعة من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنه مؤتمن (مؤمن ظ) وهو قوله لنفر من أصحابه فيهم أبو ذر: ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وكان الذي أشار إليه النبي أبو ذر رضي الله عنه، وكان ممن شهد موته حجر بن عدي، والأشتر نقل هذا عن كتاب الاستيعاب.
قال السيد علي خان في أنوار الربيع في صنعة القسم ومن الغايات في ذلك قول مالك الأشتر رحمه الله تعالى:
بقيت وفري وانحرفت على العلى |
ولقيت أضيافي بوجه عبوس |
|
إن لم أشن على ابن هند غارة |
لم تخل يوماً من نهاب نفوس |
|
خيلاً كأمثال السعالى شزباً |
تغدو ببيض في الكريهة شوس |
|
حمي الحديد عليهم فكأنه |
ومضان برق أو شعاع شموس |
فتضمن هذا الشعر الوعيد بالقسم بما فيه الفخر العظيم من الجود والكرم والشرف والسؤدد والبسالة والشجاعة، وهذا الرجل كان من أمراء أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام شديد الشوكة على من خالف أمره - ويعني بابن هند معاوية بن أبي سفيان -
ولعمري لقد بر قسمه في صفين وأبلى بلاء لم يبله غيره، قال بعضهم لقد رأيت الأشتر في يوم صفين مقتحماً للحرب وفي يده صفيحة يمانية كأنها البرق الخاطف إذا هو نكسها كادت تسيل من
كفه وهو يضرب بها قدماً كأنه طالب ملك.
قال ابن أبي الحديد: لله أمٌّ قامت عن الأشتر، لو ان إنساناً يقسم ان الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه علي بن أبي طالبعليهالسلام لما خشيت عليه الإثم. ولله در القائل وقد سئل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام، وهزم موته أهل العراق.
وبحق ما قال فيه أمير المؤمنين :عليهالسلام كان الأشتر لي كما كنت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انتهى.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : وليت فيكم مثله اثنان، بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي مثل رأيه(١)
__________________
١ - المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي: ص١٨٤، ولما بلغه اغتيال مالك أسف أسفاً شديداً وحزن عليه حُزناً عظيماً، وقال: لله در مالك، وما مالك لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً كان صلداً، أما والله ليهدن موتك عالماً، وليفرحن عالماً، على مثل =
وتقدم في أبي دجانة: ان الأشتر أحد الذين يخرجون مع القائمعليهالسلام ويكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً.
وقال ابن خلكان قال عبد الله بن الزبير: لاقيت الأشتر النخعي يوم الجمل فما ضربته ضربة حتى ضربني ستاً أو سبعاً، ثم أخذ برجلي وألقاني في الخندق.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر النخعي عشرة آلاف درهم.
__________________
= مالك فلتبكي البواكي، وقال علقمة بن قيس النخعي: فما زال علي يتلهف، ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا، وعرف ذلك في وجهه. (الغارات للثقفي: ج١، ص٢٦٥، والنص والاجتهاد للسيد شرف الدين: ص٢٨٤، عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٢، ص٣٠، الطبعة الأولى، و: ج٦، ص٤٤، تحقيق: أبو الفضل، والكامل لابن الأثير: ج٣، ص١٧٨، وطبعة أخرى: ج٣، ص١٥٣، تاج العروس: ج٢، ص٤٥٤، لسان العرب: ج٤، ص٣٣٦، وذكرها الخليلي في موسوعة العتبات المقدسة: ج١، ص٣٦٥ - ٣٦٦.
وقيل أيضاً: ان الأشتر دخل على عائشة بعد وقعة الجمل فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة فأنشدها:
أعايش لولا انني كنت طاوياً |
ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا(١) |
|
فنجاه مني أكلــه وشبابـــه |
وخلوة جوف لم يكن متماسكا |
وقال زهير بن قيس: دخلت مع ابن الزبير الحمام فإذا في رأسه ضربة لو صب عليه قارورة دهن لاستقر فقال لي: أتدري من ضربني هذه الضربة؟ قلت لا قال: ابن عمك الأشتر النخعي(٢) انتهى.
استشهد (ره) سنة ٣٨ بالسم بخدعة ابن نافع مولى عثمان بالقلزم وهو من مصر على ليلة روي انه لما قتل الأشتر كان لمعاوية عين بمصر فكتب إليه بهلاك الأشتر فقام معاوية خطيباً في أصحابه فقال: ان علياً كان له يمينان قطعت
__________________
١ - الجمل للمفيد : ص ١٩٧.
٢ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : ج ٥٦ ، ص ٣٨٢
إحداهما بصفين - يعني عماراً. والأخرى اليوم ان الأشتر مر بابلة متوجهاً إلى مصر فصحبه نافع مولى عثمان فخدمه وألطفه حتى أعجبه واطمأن إليه فلما نزل القلزم أحضر له شربة من عسل بسم فسقاها له فمات، ألا وان لله جنوداً من عسل.
(أقول) وابنه إبراهيم بن الأشتر أبو النعمان كان كأبيه سيد نخع وفارسها شجاعاً شهماً مقداماً رئيساً، عالي النفس بعيد الهمة شاعراً فصيحاً موالياً لأهل البيتعليهمالسلام وقال الفقيه ابن نما في رسالة شرح الثأر فنهض المختار (أي لأخذ الثأر) نهوض الملك المطاع، ومد إلى أعداء الله يداً طويلة الباع فهشم عظاماً تغذت بالفجور، وقطع أعضاء أنشأت على الخمور، وحاز إلى فضيلة لم يرق إلى شعاف شرفها عربي ولا عجمي، وأحرز منقبة لم يسبقه إليها هاشمي.
وكان إبراهيم بن مالك الأشتر مشاركاً له في هذه البلوى، ومصدّقاً على الدعوى، ولم يك إبراهيم شاكاً في دينه
ولا ضالاً في اعتقاده ويقينه، والحكم فيهما واحد. وقال أيضاً: وكان إبراهيم رحمه الله ظاهر الشجاعة واري زناد الشهامة نافذ حد الضرامة، مشمراً في محبة أهل البيت عن ساقيه متلقياً راية النصح لهم بكلتى يديه الخ.
وقال في وقعة خازر وقَتْله ابن زياد وحاز إبراهيم فضيلة هذا الفتح وعاقبة هذا المنح الذي انتشر في الأقطار ودام دوام الاعصار، ولقد أحسن عبد الله ابن الزبير الأسدي يمدح إبراهيم الأشتر فقال:
الله أعطاك المهابة والتُقى |
وأحل بيتك في العديد الأكثر |
|
وأقر عينك يوم وقعة خازر |
والخيل تعثر في القنا المتكسر |
|
من ظالمين كفتهم أيامهم |
تركوا لجاحلة وطير أعثر |
|
ما كان أجرأهم جزاهم ربهم |
يوم الحساب على ارتكاب المنكر(١) |
__________________
(١) - ذوب النضار لابن نما الحلي: ص١٣٧، وبحار الأنوار للمجلسي: ج٤٥، ص٣٨٣
وقال أيضاً ولقد أجاد أبو السفاح الزبيدى بمدحته إبراهيم وهجائه ابن زياد فقال:
أتاكم غلام من عرانين مذحج |
جري على الأعداء غير نكول |
الأبيات إلى قوله:
جزى الله خيراً شرطة الله انهم |
شفوا بعبيد الله كل غليل(١) |
وعن تاريخ الطبري: انه (أي إبراهيم) كان يمر على أصحاب الرايات في وقعة الخازر ويقول: يا أنصار الدين وشيعة الحق وشرطة الله هذا عبيد الله ابن مرجانة قاتل الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حال بينه وبين بناته وشيعته وبين ماء الفرات ان يشربوا منه وهم ينظرون إليه، ومنعه ان يأتي ابن عمه فيصالحه ومنعه ان ينصرف إلى رحله وأهله، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل
__________________
= والعوالم، الإمام الحسينعليهالسلام للبحراني: ص٧٠٤.
١ - المصادر السابقة.
بيته، فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، قد جاءكم الله به وجاءه بكم، فوالله اني لأرجو ان لا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم فقد علم الله انكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيكم(١) انتهى.
قيل: ولما كان (رض) مجداً في قمع أصول الأمويين واجتياحهم مال إلى مصعب بن الزبير وبالغ في قتال أهل الشام حتى قتل بدير جاثليق من مسكن سنة ٧٢(٢) .
الأشعث بن قيس الكندي
قال ابن قتيبة في المعارف: ان اسمه معد يكرب بن قيس وسمي أشعث لشعث
__________________
١ – تاريخ الطبري : ج ٤ ، ص ٥٥٤.
٢ – الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي :ج ٢ ، ص ٢٨ – ٣٢
رأسه، وهو من كندة، وكانت مراد قتلت أباه فخرج ثائرا بأبيه فأُسر ففدي نفسه بثلاثة آلاف بعير، ووفد إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في سبعين رجلا من كندة فأسلم.
ويكنى أبا محمد، ولما قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبى ان يبايع أبا بكر فحاربه عامل أبي بكر حتى استأمنه على حكم أبى بكر وبعث به إليه فسأل أبا بكر ان يستبقيه لجزية، وزوجه أخته أم فروة ففعل ذلك أبو بكر، ومات سنة ٤٠، وابنه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي خرج على الحجاج وخرج معه القراء والعلماء انتهى.
ان ما ورد في ذم الأشعث أكثر من ان يذكر، وفي كلمات أمير المؤمنين عبر عنه بابن الخمارة وعرف النار (عنق النار)، وقالعليهالسلام : ان الأشعث لا يزن عند الله جناح بعوضة، وانه أقل في دين الله من عفطة عنز.
وفي نهج البلاغة انهعليهالسلام كان على منبر الكوفة يخطب فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فقال: يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك، فخفضعليهالسلام إليه بصره ثم
قال له: وما يدريك ما علي مما لي، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين حائك ابن حائك(١) منافق ابن كافر، والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى.
وعن الخرايج للقطب الراوندي روى ان الأشعث استأذن على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج علي وقال: ما ذاك يا أشعث؟ أما والله لو بعبد ثقيف مررت لاقشعرت شعيرات أستك، قال: ومن غلام ثقيف؟ قال غلام يليهم لا يبقى بيت من العرب إلا أدخلهم الذل، قال: كم يلي؟ قال عشرين ان بلغها.
قال الراوي: ولي الحجاج سنة خمس وسبعين ومات سنة خمس وتسعين، قال ابن أبي الحديد: كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث.
وروى الشيخ الكليني (ره) عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ان الأشعث ابن قيس شرك في دم أمير المؤمنينعليهالسلام ، وابنته جعدة
__________________
١ - أي يصطنع الأحاديث ( المحقق )
سمت الحسنعليهالسلام ومحمداً ابنه شرك في دم الحسينعليهالسلام (١)
الأصبغ بن نباته
من خواص عليعليهالسلام والوجوه الشيعية البارزة، قال عنه ابن شهر آشوب بأنه من طلائعي التصنيف في صدر الإسلام وعبّر عنه النجاشي بأنه من السلف الصالح من متقدمي المؤلفين وكتب يقول:
المجاشعي، كان من خاصة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وعمّر بعده، روى عنه (عهد) مالك الأشتر و (وصيته) إلى محمد ابنه(٢)
وروى باب ((القضاء)) من كتاب الأحكام الكبير لعليعليهالسلام ، ويمكن مراجعة هذه
__________________
١ - الكافي: ج٨ ، ص١٦٧ / ١٨٧، تحف العقول للحراني: ص٢٠٩، وشرح الأخبار للنعمان المغربي: ج٣، ص١٢٤ هامش رقم ١، تحقيق محمد الحسيني الجلالي، بحار الأنوار: ج٤٢، ص٢٢٨، الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٤ - ٣٥.
٢ - رجال النجاشي: ص٨
الصحيفة الموجودة برواية إبراهيم بن هاشم القمي. وقد سجلت نسخ أخرى منها في جامعة طهران بالرقم ٣٩١٥ لعام ١٠٦٤هـ. وفي مكتبة الحميدية بتركيا بالرقم ١٤٤٧٥ تحت عنوان ((قضية أمير المؤمنينعليهالسلام ))
لقد احتفظ المرجع السيد محسن الأمين العاملي بنسخة قيمة مدوّنة على صحف يعود تاريخها إلى عام ٤١٠، ٤٢٠ للهجرة وكانت تحت عنوان (عجائب أحكام أمير المؤمنين في رسائله) وقد جاء رحمه الله بما في كتاب حمل هذا الاسم وطبع في دمشق عام ١٣٦٦ للهجرة، وقد جاء الشيخ الطوسي على ذكره في فهرسته، وذكر روايته عن عهد مالك الأشتر ووصية عليعليهالسلام إلى ابنه محمد بن الحنفية(١) وأورد مسندها، بعدها كتب يقول: وروى الدوري أيضاً عنه مقتل الحسينعليهالسلام
قال السيد شرف الدين العاملي:
__________________
(١) - الخلاف للشيخ الطوسي : ج ١ ، ص ٥٢٢
... صاحب أمير المؤمنين وكان من المنقطعين إليه، روى عنه عهده إلى الأشتر ووصيته إلى ابنه محمد، ورواهما أصحابنا بأسانيدهم الصحيحة إليه(١) .
الأصمعي
عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع(٢) البصري اللغوي النحوي صاحب النوادر والملح، والمنقول عن حاله انه كان ظريفاً مفاكهاً، خفيف الروح مليح الطبع، لا تتمكن من نفسه الغموم والهموم ولهذا يقال: انه لم يظهر عليه أثر الشيبة إلى ان بلغ ستين سنة، ولم يمت حتى ناهز عمره التسعين، توفى حدود سنة ٢١٦.
وكان في أوائل أمره معسراً شديد الفاقة حتى اتصل بالرشيد وحسن حاله،
__________________
١ - المعجم المفهرس لبحار الأنوار، المقدمة:ص٣٣، طبع قم.
٢ - وعن كامل المبرّد: انه كان أصمع بن مظهر جد الأصمعي، قطعه عليعليهالسلام في السرقة فكان الأصمعي يبغضه.
وكان يرتجل كثيراً من الأخبار المضحكة والأقاصيص المستغربة، وكان حسن العبارة حتى قيل في حقه انه يبيع البعرة في سوق الدرة بعكس أبي عبيدة قدم بغداد في أيام الرشيد مع أبي عبيدة فقيل لأبي نواس ذلك فقال:
أما أبو عبيدة فإذا أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته.
وحكي انه كان شديد الحفظ يحفظ أثنى عشرة ألف أرجوزة، وإذا انتقل حمل كتبه في ثمانية عشر صندوقاً، ولما تولى المأمون كان الأصمعي قد عاد إلى البصرة فاستقدمه فاعتذر بضعفه وشيخوخته، فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل ويسيّرها إليه فيجيب عنها.
وذكره الخطيب في تاريخه وأثنى عليه، وروي عن المبرد انه يقول كان أبو زيد الأنصاري صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار وكان الأصمعي بحراً في اللغة لا يعرف مثله
فيها وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي(١) في النحو قلت: وقد جمع الفضل بن الربيع بين الأصمعي وأبي عبيدة في مجلسه.
توفى بالبصرة سنة ٢١٦ أو ما يقارب منه، وقد بلغ ٨٨ سنة.
قال ابن خلكان قال أبو العينا: كنا في جنازة الاصمعي فحدثني أبو قلابة حبيش بن عبد الرحمان الجرمي الشاعر فأنشدني لنفسه:
لعن الله أعظماً حملوها |
نحو دار البلى على خشبات |
|
أعظماً تبغض النبي وأهل الب |
ـيت والطيبين والطيبات(٢) |
وقال أيضاً: وكان جد الأصمعي علي بن أصمع سرق بسفوان وهو موضع بالبصرة فأتوا به علي بن أبي طالبعليهالسلام فقال: جيئوني بمن يشهد انه أخرجها من الرحل
__________________
١ - لعل المقصود هو أبو أيوب الأنصاري - المصنف.
٢ - انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج١٠، ص٤١٨.
قال فشهد عليه بذلك عنده فأمر به فقطع من أشاجعه فقيل له يا أمير المؤمنين ألا قطعته من هذه؟ فقال: يا سبحان الله كيف يتوكأ كيف يصلي كيف يأكل؟ فلما قدم الحجاج بن يوسف الثقفي البصرة أتاه علي بن أصمع فقال أيها الأمير ان أبوي عقياني فسمياني علياً فسمني أنت، فقال: ما أحسن ما توسلت به قد وليتك اسمك البارجاه، وأجريت لك في كل يوم دانقين فلوساً، ووالله لئن تعديتهما لأقطعن ما أبقاه علي من يدك(١) .
محمد علي الأعسم
من مفاخر الصادقين وشموعهم المتفانين في حب آل الرسول، العالم الجليل الشاعر الشيخ محمد علي الأعسم، رحمه الله وقدس سره.
__________________
١ - الصراط المستقيم للعاملي: ج٣، ص١٩٤، الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٧
ينتمي إلى أسرة علمية قطنت النجف الأشرف منذ ثلاثة قرون وفيها الكثير من الأعلام والشعراء والكتاب كما أشار إلى ذلك مفصلاً أصحاب التراجم كالأعيان، وماضي النجف وحاضرها وشعراء الغري.
والشيخ محمد علي الأعسم هو من مواليد النجف الأشرف في عام ١١٥٤، وترعرع في النجف ويعتبر من الشعراء المجدين في القرن الثاني عشر الهجري. وكان ملازماً للسيد محمد مهدي بحر العلوم رحمه الله وبعده لازم المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب الكتاب المشهور، بكشف الغطاء، وكان المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم في بداية حياته العلمية يسكن إحدى غرف الصحن الحيدري , لأنها كانت سكن ومدرسة للفضلاء، وطالبي العلم والتحصيل. ولأن ما لقضية الحسينعليهالسلام ومأساته صلة مهمة تتعلق بالدين وإحيائه وبنائه اهتم العلماء في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة قديماً وحديثاً بقضية الإمام الحسينعليهالسلام وتفاعلوا معها...
فالمرحوم الشيخ محمد علي الأعسم
كانت له اليد الطولى(١) في الفقه والأصول. وهكذا في نظم الشعر في رثاء أهل البيتعليهالسلام فقد ذكر مترجموه انه ضمن ما نظم هذه القصيدة ومطلعها:
قد أوهنت جلدي الديار الخاليه |
عن أهلها ما للديار وما ليه |
وانها قصيدة موفقة وتُقرأ منذ مئات السنين، وما ان تتلى حتى يخالها المستمع وكأنها من نظم اليوم، فلما نظم المطلع والأبيات بعده عرضها على ولده وهو عالم نحرير وشاعر أيضاً، وهو الشيخ عبد الحسين فأجابه ولده بأن هذه القافية قاسية وصعبة.
يقول المرحوم السماوي في كتابه ظرافة الأحلام فيمن قال شعراً في المنام: ان الشيخ محمد علي الأعسم تركها وفي تلك الليلة استيقظ المرحوم الأعسم لنوافل الليل وإذا به يفاجأ عند السحر ان طرقت الباب، فلما فتح الباب وإذا بأحد الخطباء واسمه أيضاً
__________________
١ - في الأصل : اليد الواسعة
الشيخ محمد علي القاري سلّم عليه ثم أخبره انه رأى في المنام هذه الليلة كأنه في الحرم وشاهد الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام جالساً فلما اقترب منه ناوله الإمام ورقة وقال يا شيخ محمد علي اقرأ هذه القصيدة في رثاء ولدي الحسينعليهالسلام فقرأتها والإمام يبكي والناس من حوله وانتبهت من نومي وأنا أحفظ هذا البيت وهو:
قست القلوب فلم تمل لهداية |
تباً لهاتيك القلوب القاسية |
ودونته بسرعة لئلا أنساه، وهنا انهار الشيخ محمد علي الأعسم من شدة بكائه لأنه لم يخبر أحداً بهذه القصيدة إلا ولده وبالأمس فقط. فأخرج الورقة فلما رآها الشيخ محمد علي القارئ قال: أي والله هي هذه الورقة، فأكب المرحوم لتكميلها، وحفظها الخطباء وكثير ما يستشهد منها بهذين البيتين:
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة |
لكنما عيني لأجلك باكية |
|
تبتل منكم كربلا بدم ولا |
تبتل مني بالدموع الجارية |
والمرحوم الأعسم له الكثير من القصائد في الحسينعليهالسلام وفي الأئمةعليهمالسلام ، كما ان له أرجوزة في الفقه، وله أرجوزة في الأطعمة وآداب الطعام وهي مطبوعة بشكل مستقل، يقول في مطلعها:
الفضل للخبز الذي لولاه... الخ ومن جميل ما قرأت له بيتين ينظم فيهما الحديث المشهور: إذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فقولوا نِعْم الملوك ونِعْم العلماء، وإذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فقولوا بئس العلماء وبئس الملوك، فيقول المرحوم الأعسم في هذا:
ملك يعاتب عالماً في تركه |
لزيارة، فأجابت العرفـــــــاء |
|
يخشى مقال الناس حين يرونه |
بئس الملوك وبئست العلماء |
ومن آخر نظمه في الحسينعليهالسلام قصيدته المعروفة ومطلعها:
أيسوغ بعدك لي شراب البارد |
ويطيب لي ورد ولست بوارد |
توفي المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم عام ١٢٢٣هـ في النجف الأشرف، ولبست
النجف بفقده ثوب العزاء، ودفن في الصحن الحيدري بمقبرة الأسرة المعروفة، تغمده الله برحمته(١) .
الأعمش
أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي مولاهم الكوفي معروف بالفضل والثقة والجلالة والتشيع والاستقامة، العامة أيضاً يثنون عليه مطبقون على فضله وثقته مقرون بجلالتهم مع اعترافهم بتشيعه، وقرنوه بالزهري ونقلوا عنه نوادر كثيرة بل صنف ابن طولون الشامي كتاباً في نوادره سماه الزهر الأنعش في نوادر الأعمش(٢) .
ذكر ابن خلكان انه كان ثقة عالماً فاضلاً، وكان أبوه من دماوند التي هي
__________________
١ - مع الصادقين: ج١، ص١٠٤ـــ ١٠٦.
٢ - الاحتجاج للطبرسي: ج٢، ص١١، رجال الشيخ الطوسي: ص٢٦، بحار الأنوار للمجلسي: ج٥٥، ص٤٢، كشف الظنون: ج٢، ص٩٥٧، هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي: ج٢، ص٢٤١.
ناحية من رساتيق الري في الجبال، وكان يقاس بالزهري في الحجاز ورأى أنس بن مالك وكلمه لكنه لم يرزق السماع عليه.
وروى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثاً واحداً، ولقي كبار التابعين وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء.
ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه كثيراً، وذكر انه يكنى أبا محمد ثقة كوفي، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه يقال انه ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب، وكان يقرأ القرآن رأس(١) فيه قرأ على يحيى بن وثاب، وكان فصيحاً، وكان أبوه من سبي الديلم، وكان مولى لبني كاهل فخذ من بني أسد.
وكان عالماً بالفرائض، ولم يكن في زمانه من طبقته أكثر حديثاً منه وكان فيه تشيع.
__________________
١ – هكذا في الكنى و الألقاب
وروي عن هشيم انه قال: ما رأيت بالكوفة أحداً اقرأ لكتاب الله من الأعمش ولا أجود حديثاً، ولا افهم ولا أسرع إجابة لما يسأل عنه، وعن شعبة قال سليمان الأعمش: أحب إلي من عاصم.
وعن عيسى بن يونس قال: ما رأيت الاغنياء والسلاطين عند احد احقر منهم عند الاعمش مع فقره وحاجته(١) .
وعن يحيى القطان قال: إذا ذكر الأعمش كان من النساك، وكان محافظاً على الصلاة في جماعة وعلى الصف الأول، قال يحيى وهو علامة الإسلام.
مات في ٢٥ ع ل سنة ١٤٨. في المجمع والعمش بالتحريك في العين ضعف الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها، وهو من باب تعب والرجل أعمش، والمرأة عمشاء(٢) .
__________________
١ - تهذيب الكمال للمزي: ج١٢، ص٨٨ ، تهذيب التهذيب لابن حجر: ج٤، ص١٩٦.
٢ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٤٥ - ٤٧.
الأفطس
الحسن بن علي الأصغر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الفطس بالتحريك تطامن قصبة الأنف وانتشارها.
عن أبي نصر البخاري قال: خرج الأفطس مع محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية وبيده راية بيضاء وأبلى ولم يخرج معه أشجع منه ولا أصبر، وكان يقال له رمح آل أبي طالب لطوله وطوله(١) .
وعن أبي الحسن العمري انه كان صاحب راية محمد بن عبد الله الصفراء، ولما قتل النفس الزكية إختفى الحسن الأفطس بن علي فلما دخل جعفر الصادقعليهالسلام العراق لقي أبا جعفر المنصور قال له: يا أمير المؤمنين تريد ان تسدي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يداً، قال: نعم يا أبا عبد الله قال: تعفو عن ابنه الحسن بن علي؟
__________________
١ – هكذا في المصدر.
فعفا عنه.
وروى الشيخ الطوسي رضوان الله عليه عن سالمة مولاة أبي عبد اللهعليهالسلام قالت:
كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام حين حضرته الوفاة وأغمي عليه فلما أفاق قال أعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين وهو الأفطس سبعين ديناراً، وأعطوا فلاناً كذا، وفلاناً كذا، فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد ان يقتلك؟ قال تريدين ان لا أكون من الذين قال الله عز وجل:( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) (١) ؟. نعم يا سالمة ان الله تعالى خلق الجنة فطيبها وطيب ريحها، وان ريحها يوجد من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاق، ولا قاطع رحم(٢) .
__________________
١ - (الرعد : ٢١ ).
٢ - الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ٢ ،ص ٤٧ – ٤٨
امرؤ القيس
يطلق على جماعة أشهرهم الملك الضليل(١) سليمان بن حجر الكندي أشعر شعراء الجاهلية وأشرفهم أصلاً، يتصل نسبه بملوك كندة من أهل نجد أمه فاطمة أخت كليب ومهلهل يقال ان أباه كان ملك بني أسد فعسفهم عسفاً شديداً فتمالؤا عليه وقتلوه، وقد كان طرد ابنه امرئ القيس لتشبيبه في النساء في شعره وتنقله في أحياء العرب يستتبع صعاليكهم وذؤبانهم، وله وقائع كثيرة مات على جاهلية بجبل عسيب، ودفن بأنقرة.
وحكي انه اتصل بقيصر ومدحه فوشى به أحد بني أسد وقال لقيصر: ان امرؤ القيس شتمك فصدقه قيصر وألبسه حلة مسمومة قتلته.
__________________
١ - روى الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار، وسئل علي بن أبي طالبعليهالسلام ، من هو أشعر العرب؟ فقال: إذا كان ولابد: فالمك الضليل، ويقصد به امرء القيس
ويقال: ان قيصر الروم لما بلغته وفاته أمر فنحت له تمثالاً، ونصب على ضريحه، وبقي هذا التمثال إلى أيام المأمون فشهده المأمون عند مروره عليه.
وأشهر شعره المعلقة الطائرة الصيت (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) وهى قصيدة في وصف واقعة جرت له مع حبيبته وابنة عمه عنيزة بنت شرحبيل وكان امرؤ القيس كثير التنقل والأسفار وكثير الصيد ولذلك لا تكاد تقرأ له قصيدة إلا وجدت فيها أبياتا يصف بها فريسة أو ناقة أو نحو ذلك، وكان شعره ممتازاً برقة الألفاظ وحسن التشبيه كقوله:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً |
لدى وكرها العناب والحشف البالي(١) |
__________________
١ - يقول ابن عساكر في تاريخ دمشق: إن لبيداً قدم المدينة قبيل إسلامه، فقال نفر من قريش لرجل منهم: انهض إلى لبيد فاسأله ان يسأل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أشعر الناس، فنهض إليه فسأله، قال: إن شئت أخبرتك من =
وقوله:
كأن عيون الوحش حول قبابنا |
وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب(١) |
أمية بن أبي السلط
كان شاعراً عاقلاً، وكان يتجر إلى الشام، فتلقاه أهل الكنائس من اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وكان قد علم ان نبياً يبعث من العرب، وكان يقول أشعاراً على آراء أهل الديانة يصف فيها السماوات والأرض والشمس والقمر والملائكة، وذكر الأنبياء والبعث والنشور والجنة والنار، ويعظم الله عز وجل ويوحده من ذلك قوله:
الحمد لله لا شريك له |
مَنْ لم يقلها فنفسه ظلما |
__________________
= أعلمهم، قال: بل أشعرهم، قال: يا حسان أعلمه، فقال حسان الذي يقول: ((كأن قلوب الطير رطباً ويابساً...))، المصدر: ج٩، ص٢٢٥، ولسان العرب لابن منظور: ج١، ص٢٠٦.
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٥٦ - ٥٧.
ووصف أهل الجنة في بعض كلماته فقال:
فلا لغو ولا تأثيم فيها |
وما فاهوا به لهم مقيم |
ولما بلغه ظهور النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اغتاظ لذلك وتأسف، وجاء المدينة ليسلم فردّه الحسد ورجع إلى الطائف، فبينما هو ذات يوم مع فتية يشرب إذ وقع غراب فنعَب ثلاثة أصوات وطار، فقال أمية: أتدرون ما قال؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول لكم ان أمية لا يشرب الكأس الثالثة حتى يموت، فقال القوم: لتكذبنَّ قوله، ثم قال: احسوا كأسكم فحسوها، فلما انتهت النوبة إليه أغمي عليه، فسكت طويلاً، ثم أفاق وهو يقول:
لبيكما لبيكما |
هذا أنا ذا لديكما |
أنا من حفت به النعمة، والحمد والشكر
أن تغفر اللهم تغفر جماً |
وأي عبد لك لا ألما |
أو قال: أنا من حفت به النعمة والحمد، ولم يجهد في الشكر، ثم أنشأ
يقول:
كُلُ عَيشٍ وَإِن تَطاوَلَ دَهراً |
مُنتَهى أَمرُهُ إِلى أَن يَزولا |
|
لَيتَني كُنتُ قَبلَ ما قَد بَدا لي |
في رُؤوسِ الجِبالِ أَرعى الوعولا |
|
فَاِجعَلِ المَوتَ نُصبَ عَينِكَ وَاِحذَر |
غولَةَ الدَهرِ إِنَ لِلدَهرِ غولا |
|
نائِلاً طَرفُها القَساوِرَ وَالصُدعانَ |
وَالطِفلُ في المـَنارِ الشَكيلا |
|
وَبُغاثَ اليَعفُرِ وَاليَعفُرَ النافِرُ |
وَالعوهَجَ التُؤَامَ الضَئيلا |
|
إِنَ يومَ الحِسابِ عَظيمٌ |
شابَ فيهِ الصَغيرُ شَيباً طَويلاً |
ثم شهق شهقة فكانت فيها نفسه(١) .
__________________
١- مروج الذهب للمسعودي : ج ١ ، ص ٨٥ – ٨٦ ، طبع إيران
الشيخ مرتضى الأنصاري
وهو الفذ والنَيْقَد والمتبحر الأصولي الشيخ مرتضى الأنصاري رضوان الله عليه وهو من سلالة جابر بن عبد الله الأنصاري.
هذا العالم الإلهي انتهت إليه رئاسة الإمامية العامة في شرق الأرض وغربها خصوصاً بعد وفاة المرحوم الشيخ محمد حسن آل الجواهري صاحب موسوعة الجواهر.
والشيخ مرتضى الأنصاري أصبحت كتبه ودروسه معول أهل العلم بكل درجاتهم ولم يبن أحد لم يستفد منها، وإليها يعود الفضل في تكوين النهضة العلمية في القرن الأخير في النجف الأشرف، وكان يلقي دروسه في الفقه والأصول صباح كل يوم في المسجد الشهير بالمسجد الهندي، وهو جامع كبير على مقربة من الصحن الحيدري، والذي يقع بجواره مرقد المرحوم السيد محسن الطباطبائي الحكيم.
وكان درس الشيخ الأنصاري يغص بمئات التلاميذ من العلماء لا الطلاب فقط.
وقد تخرج على يديه فحول العلماء أمثال الميرزا الشيرازي والميرزا الرشتي والشربياني والمامقاني وغيرهم من أساطين العلم.
واشتهر الشيخ الأنصاري بأشياء متفرداً بها منها: قوة الذاكرة والحافظة، فقد جمع بين موهبة الذاكرة وموهبة الحافظة في زمن لا توجد فيه أشرطة الكاسيت ولا الوسائل الأخرى المماثلة، فكان يحفظ أقوال العلماء بسرعة ولا ينساها، ويدونها كما في شريط مسجل، وكان ناقداً جريئاً، فقد انتقد المتقدمين والمحدّثين متفرقين ومجتمعين وكأنه أثبت بجدارته العلمية واستعداده المدهش ان الأوائل لم يأتوا بشيء وانهم تركوا له كل شيء، فكان يَتَدبّرُ الأشياء بعمق ويوزنها بواقعها، ثم يعطي لكل شيء حجمه الطبيعي، ولكل واقعة حكمها الواقعي، وإجمالاً أقول ان حياته كلها فكر.
يقال ان أمه سئلت عن هذه الحالة
الخارقة للعادة وهي قضية ذكاء ولدها وقوة حافظته فقالت: بأنها كانت لا(١) ترضعه إلا وهي على طهارة ووضوء.
وكان الشيخ الأنصاري بالإضافة إلى مقامه العلمي متخلقاً بأخلاق الأئمة من أهل البيت ومصداقاً كاملاً لهذا الحديث الذي نحفظه جميعاً: (العلماء ورثة الأنبياء) ورثة لا بمعنى التركة أو الإرث المادي، انما هو التخلق بأخلاق الأنبياء والاقتداء بسلوكهم وسيرهم.
فقد نقل(٢) عن الشيخ الأنصاري قوله: ما فعلت فعلاً ولا قلت قولاً، ولا كتبت كلمة إلا لله ومن أجل الله، وهذا هو الترجمة الكاملة لمعنى العلماء ورثة الأنبياء، وهذا هو المصداق الكامل للعالم العامل الصادق في علمه ومعرفته، ويعبد الله في كل شيء يوافق رضاه وإرادته ورغبته لا في الصوم والصلاة فقط.
توفي في النجف عام ١٢٨١هـ ودفن
__________________
١ – لا في الأصل (لم ) ، المؤلف.
٢ – في الأصل ينقل
بجوار الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام تغمده الله بواسع رحمته(١) .
__________________
١ – مع الصادقين : ج ٢ ، ص ١٣٠.
أنس بن الحرث
أنس بن الحرث بن نبيه.
قال البخاري: قتل مع الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء، وكان أنس قد أدرك وقعة كربلاء، واستشهد فيها مع الإمام الحسين.
وكان أنس ممن امتنع عن بيعة أبي بكر، وتحصّن في دار فاطمةعليهاالسلام كما في الإصابة(١) .
الأوزاعي
بفتح الهمزة وسكون الواو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد كيكرم إمام أهل الشام، ولم يكن بالشام أعلم منه، وكان يسكن بيروت.
روي ان سفيان الثوري لما بلغه مقدم الأوزاعي إلى مكة خرج حتى لقيه بذي طوى فحل سفيان رأس بعيره من القطار ووضعه على رقبته فكان إذا مر بجماعة
__________________
١ – موسوعة النجف الأشرف : ج ١ ، ص ٣٦
قال الطريق للشيخ. سمع الأوزاعي من الزهري وعطا.
وروى عن صعصعة بن صوحان والأحنف بن قيس عن ابن عباس وروى عنه الثوري، وأخذ عنه عبد الله بن المبارك وجماعة كثيرة.
روى الخطيب في ترجمة إسماعيل بن عبد الله بن مهرجان عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: أردت بيت المقدس فرافقت يهودياً فلما صرنا إلى طبرية نزل فاستخرج ضفدعاً فشد في عنقه خيطاً فصار خنزيراً فقال حتى أذهب فأبيعه من هؤلاء النصارى، فذهب وباعه وجاء بطعام فركبنا فما سرنا غير بعيد حتى جاء القوم في الطلب فقال لي: أحسبه صار في أيديهم ضفدعاً قال: فحانت مني التفاتة فإذا بدنه ناحية ورأسه ناحية، قال: فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا من السلطان ورجعوا عنه. قال: تقول لي الرأس رجعوا قال: قلت: نعم قال: فالتأم الرأس إلى
البدن وركبنا وركب فقلت: لا أرافقك ابداً اذهب عني(١) .
حكي انه دخل الحمام ببيروت وكان لصاحب الحمام شغل فأغلق الحمام عليه وذهب ثم جاء ففتح الباب فوجده ميتاً(٢) ، وكانت وفاته سنة ١٥٧.
ابن أبي العزاقر
جاء في الاحتجاج:
اخبرني الحسين بن إبراهيم عن أحمد بن نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد بن أحمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري - رض - قال:
كان أبو جعفر بن أبي العزاقر وجيهاً عند بني بسطام وذلك ان الشيخ أبا القاسم(٣) - رضي الله تعالى عنه وأرضاه
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج٦، ص٢٩٢.
٢ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج٢، ص٥٩.
٣ - الحسين بن روح من النواب الأربعة لصاحب الأمر.
- كان قد جعل له عند الناس منزلة وجاهاً، فكان عند ارتداده يحكي كل كذب وبلاء، وكفر، لبني بسطام ويسنده عن الشيخ أبي القاسم، فيقبلونه منه ويأخذونه عنه، حتى انكشف ذلك لأبي القاسم - رضي الله عنه - فأنكره وأعظمه، ونهى بني بسطام عن كلامه وأمرهم بلعنه والبراءة منه فلم ينتهوا، وأقاموا على توليه وذاك انه كان يقول لهم:
إنني أذعت السر وقد أخذ علي الكتمان فعوقبت بالإبعاد بعد الاختصاص، لان الأمر عظيم لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن، فيؤكد في نفوسهم عظم الأمر وجلالته، فبلغ ذلك أبا القاسم - رضي الله عنه - فكتب إلى بني بسطام بلعنه والبراءة منه وممن تابعه على قوله وأقام على توليه، فلما وصل إليهم أظهروه عليه فبكى بكاء عظيماً ثم قال:
ان لهذا القول باطناً عظيماً وهو: ان اللعنة (الإبعاد) فمعنى قوله لعنه الله أي: باعده الله عن العذاب والنار، والآن
قد عرفت منزلتي ومرغ خديه على التراب وقال: عليكم بالكتمان لهذا الأمر، قالت الكبيرة - رضي الله عنها ــ: وقد كنت أخبرت الشيخ أبا القاسم: ان أم أبي جعفر بن بسطام قالت لي يوماً وقد دخلنا إليها فاستقبلتني وأعظمتني وزادت في إعظامي حتى انكبت على رجلي تقبلها فأنكرت ذلك وقلت لها:
مهلا يا ستي!
فقالت لي: ان الشيخ أبا جعفر محمد بن علي قد كشف لنا السر.
قالت: فقلت لها: وما السر؟
قالت: قد أخذ علينا كتمانه، وأفزع ان أنا أذعته عوقبت.
قالت: وأعطيتها موثقاً اني لا أكشفه لأحد واعتقدت في نفسي الاستثناء بالشيخ - رضي الله عنه - يعنى أبا القاسم الحسين بن روح.
قالت: ان الشيخ أبا جعفر قال لنا: ان روح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسلم انتقلت إلى أبيك يعني: أبا جعفر محمد بن عثمان - رضي الله عنه - وروح أمير المؤمنين عليعليهالسلام انتقلت إلى بدن الشيخ أبي
القاسم الحسين بن روح، وروح مولاتنا فاطمةعليهاالسلام انتقلت إليك فكيف لا أعظمك يا ستنا؟!
فقلت لها: مهلاً لا تفعلي فان هذا كذب يا ستنا!
فقالت لي: سر عظيم وقد أخذ علينا اننا لا نكشف هذا لأحد فالله الله فيّ لا يحل لي العذاب، ويا ستى لو لا انك حملتيني على كشفه ما كشفته لك ولا لأحد غيرك. قالت الكبيرة أم كلثوم - رضي الله عنها ــ: فلما انصرفت من عندها دخلت على الشيخ أبي القاسم بن روح - رضي الله عنه - فأخبرته بالقصة وكان يثق بي ويركن إلى قولي
ابن أبي يعفور
عبد الله بن أبي يعفور أبو محمد، كوفي ثقة جليل في أصحابنا كريم على أبي
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي: ج١، ص٢٩٤ - ٢٩٥، والغيبة للطوسي: ص٤٠٤، وبحار الأنوار للمجلسي: ج٥١، ص٣٧١.
عبد اللهعليهالسلام ومات في أيامه، وكان قارئاً يقرأ في مسجد الكوفة له كتاب كذا (عن النجاشي) وكان من حواري الصادقينعليهالسلام ومن الفقهاء المعروفين الذين هم عيون هذه الطائفة، يعد مع زرارة وأمثاله.
وقال الصادقعليهالسلام : ما وجدت أحداً يقبل وصيتي ويطيع أمري إلا عبد الله ابن أبي يعفور. روى الكشي عن شيخ من أصحابنا قال:
كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فذكر عبد الله بن أبي يعفور رجل من أصحابنا فنال منه، قال فتركه وأقبل علينا فقال: هذا الذي يزعم ان له ورعاً وهو يذكر أخاه بما يذكره قال ثم تناول بيده اليسرى عارضه فنتف من لحيته حتى رأينا الشعر في يده وقال انها لشيبة سوء ان كنت انما أتولى بقولكم وابرأ منه بقولكم.
وروي عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام :
والله لو فلقت رمانة بنصفين فقلت هذا حرام وهذا حلال لشهدت ان الذي قلت حلال، حلال وان الذي قلت حرام، حرام قال رحمك الله رحمك الله.
وروي انه لزمته شهادة فشهد بها عند أبي يوسف القاضي فقال أبو يوسف ما عسيت أقول فيك يا بن أبي يعفور وأنت جاري ما علمتك إلا صدوقاً طويل الليل ولكن تلك الخصلة قال وما هي؟ قال ميلك إلى الترفض فبكى ابن أبي يعفور حتى سالت دموعه ثم قال يا أبا يوسف نسبتني إلى قوم أخاف ان لا أكون منهم فأجاز شهادته(١) .
عن أبي كهمش قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام عبد الله بن أبي يعفور يقرؤك السلام قال عليك وعليهالسلام ، إذا أتيت عبد الله فاقرأه السلام وقل له: ان جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به علي عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فالزمه فان علياًعليهالسلام انما بلغ ما بلغ به عند رسول الله بصدق الحديث وأداء الأمانة(٢) .
وروى الكليني أيضاً عن ابن أبي يعفور قال: شكوت إلى أبي عبد اللهعليهالسلام ما
__________________
١ - تهذيب الأحكام للطوسي: ج٦، ص١٧٨.
٢ - تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي: ج١، ص٤٩٦.
ألقى من الأوجاع وكان مسقاماً - أي كثير السقم - فقال لي يا عبد الله لو يعلم المؤمن ماله من الجزاء في المصائب لتمنى انه قرض بالمقاريض(١) .
ابن الأثير
يطلق على ثلاثة أخوة من علماء السنة:
(أولهم) مجد الدين أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري الاربلي صاحب كتاب النهاية في غريب الحديث والإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن المجيد أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري، وجامع الأصول في أحاديث الرسول، جمع بين الصحاح الستة وهي: صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، وسنن أبي داود، وسنن
__________________
١ - الكافي للكليني: ج٢، ص٢٥٥/ ١٥، وسائل الشيعة (الإسلامية) للعاملي: ج٢، ص٩٠٨، ومسكن الفؤاد للشهيد الثاني: ص ٢٩.
النسائي، والترمذي وغير ذلك من التصانيف.
كانت ولادته بجزيرة ابن عمر في سنة ٥٥٤ ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل فاتصل بخدمة الأمير مجاهد الدين قاتمان فكتب بين يديه منشئاً ثم اتصل بخدمة عز الدين محمود بن مودود صاحب الموصل، وبعد وفاته اتصل بخدمة ولده نور الدين ارسلان شاه فحظى عنده وكتب له مدة ثم عرض له مرض كف يديه ورجله ومنعه من الكتابة مطلقاً فأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء.
حكي انه صنف هذه الكتب كلها أيام تعطيله فانه تفرغ لها وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار والكتابة، وله شعر يسير فمن ذلك ما أنشده للاتابك صاحب الموصل وقد زلت بغلته:
إن زلت البغلة من تحته |
فان في زلته عذرا |
حمله من علمه شاهقاً |
ومن ندى راحته بحرا(١) |
توفي بالموصل سنة ٦٠٦.
(وثانيهم): عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم، ولد بالجزيرة وسكن الموصل ولزم بيته منقطعاً إلى التوفر على النظر في العلم والتصنيف، وكان بيته مجمع الفضل وكان حافظاً للأحاديث والتواريخ وخبيراً بأيام العرب وأخبارهم. صنف في التاريخ كتاب الكامل ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة ٦٢٨. واختصر أنساب السمعاني، وله أسد الغابة في معرفة الصحابة توفي بالموصل سنة ٦٣٠.
(وثالثهم): ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم المنشئ الكاتب الأديب صاحب كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، توفى ببغداد سنة ٦٣٧
__________________
١ - معجم المطبوعات العربية، اليان سركس: ج١، ص٣٤، وهو شقيق عز الدين صاحب تاريخ الكامل، وقد حصل له مرض مزمن أبطل يديه ورجليه وعجز عن الكتابة، توفي بالموصل ودفن برباط.
ودفن بمقابر قريش في الجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام وله ولد اسمه محمد له نظم ونثر وصنف عدة تصانيف(١) .
ابن إدريس
محمد بن أحمد بن إدريس الحلي فاضل فقيه ومحقق ماهر نبيه، فخر الأجلة وشيخ فقهاء الحلة صاحب كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى ومختصر تبيان الشيخ، توفي سنة ٥٩٨ وهو ابن خمس وخمسين، قال في نخبة المقال في تاريخه:
ثم ابن إدريس من الفحول |
ومتقن الفروع والأصول |
|
عنه النجيب بن نما الحلي حكى |
جاء مبشراً مضى بعد البكا(٢) |
__________________
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ص٢٠٧ ــ ٢٠٨.
٢ - بحار الأنوار للمجلسي، (هامش): ج١٠٢، ص٢٧٨.
ابن الجوزي
أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد البكري الحنبلي الفاضل المتتبع كان له يد طولى في التفسير والحديث وصناعة الوعظ وفي كل العلوم.
صنف في فنون عديدة، يقال انه جمعت براءة أقلامه التي كتب بها الحديث فحصل منها شي ء كثير وأوصى ان يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها.
وكان رأس الأذكياء، وله حكايات طريفة منها ما يحكى: انه وقع النزاع بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وأمير المؤمنين علي فرضي الكل بما يجيب به أبو الفرج عن ذلك فأقاموا شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال: أفضلهما بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من كانت ابنته تحته. ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك. وهذه من لطائف الأجوبة.
وكان لا يراعي أحداً في ذكر نقائصه ومطاعنه، وقد طعن في كتاب تلبيس إبليس على الغزالي في مشيه على طريق
الصوفية، وذكره في الإحياء ما لا ينبغي للعالم ذكره، كذكره حكاية سارق الحمام في تعليم المسترشدين ونحوه وذكره الأحاديث الموضوعة في مؤلفاته، وجمع أغلاط كتاب الإحياء في مجموعة سماها إعلام اللاحياء بأغلاط الإحياء ويأتي في الغزالي ما يتعلق بذلك.
وذكر أيضاً في الشيخ عبد القادر الجيلاني ما يضع من مرتبته ولهذا حبسوه خمس سنين. ومن جملة كتبه كتاب الرد على المتعصب العنيد المانع عن لعن يزيد رد على عبد المغيث بن زهير الحنبلي، حيث صنف كتاباً في فضائل يزيد ابن معاوية.
توفي ببغداد سنة ٥٩٧ وأوصى بأن يكتب على قبره:
يا كثير الصفح عمن كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو العفو عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه
ومما يروى عن شعره قوله:
أقسمت بالله وآلائه |
إلية ألقى بها ربي |
|
إن علي بن أبي طالب |
إمام أهل الشرق والغرب |
|
من لم يكن مذهبه مذهبي |
فإنه أنجس من كلب |
وله أيضاً ما رواه عنه سبطه في التذكرة وقال سمعت جدي ينشده في مجالس وعظه ببغداد سنة ٥٩٦:
أهوى علياً وإيماني محبته |
كم مشرك دمه من سيفه وكفا |
|
إن كنت ويحك لم تسمع فضائله |
فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى |
والجوزي بفتح الجيم وسكون الواو نسبة إلى فرضة الجوز وهو موضع مشهور قاله ابن خكان(١) .
ابن حجر
يطلق على رجلين من علماء الشافعية كلاهما يسميان (أحمد) أولهما:
__________________
١ - القمي ، م س : ج ١ ، ص ٢٤٧ – ٢٤٨
الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الملقب شيخ الإسلام، كان شيخ أهل الحديث من كبار المجتهدين على مذهب الشافعي، له مصنفات مشهورة في الحديث والرجال والأدب منها: كتاب التقريب في الرجال، وتهذيب تهذيب الكمال، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري، ولسان الميزان في رجال الحديث، والإصابة في معرفة الصحابة، ونخبة الفكر في بيان مصطلح أهل الأثر وغير ذلك.
توفي سنة ٨٥٢ بالقاهرة. والعسقلاني نسبة إلى عسقلان كزعفران مدينة على ساحل بحر الشام من أعمال فلسطين، يقال لها عروس الشام، وبها مشهد رأس الحسين .
وثانيهما: شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر المصري الهيثمي، مفتي الحجاز صاحب الصواعق المحرقة الذي رد عليه الشهيد القاضي نور الله بالصوارم المهرقة، وشرح قصيدة البردة والخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان
رد به مطاعن الغزالي بأبي حنيفة إلى غير ذلك. ومن شعره (لم يحترق حرم النبي لحادث) البيتين، وله أيضاً:
أهوى علياً أمير المؤمنين ولا |
أرضى بسب أبي بكر ولا عمرا |
|
ولا أقول إذا لم يعطيا فدكا |
بنت النبي رسول الله قد كفرا |
|
الله يعلم ماذا يأتيان به |
يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا |
وينسب إليه (ما آن للسرداب ان تلد الذي) الأبيات ، توفي سنة ٩٧٣.
ومع ما ظهر منه من الانحراف واللداد اعترف بكثير من فضائل أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال سيدنا شرف الدين بعد ذكر ما ورد عن النبي بطرق مختلفة: اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور حتى قال ابن حجر لما أورد
حديث الثقلين. ثم اعلم ان لحديث التمسك بهما طرق كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، قال ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة وفي أخرى انه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلات الحجرة بأصحابه وفي أخرى انه قال ذلك بغدير خم وفي أخرى انه قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مر قال: ولا تنافي إذ لا مانع من انه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة إلى آخر كلامه، وحسب أئمة العترة الطاهرة ان يكونوا عند الله وعند رسول الله بمنزلة الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكفى بذلك حجة تأخذ بالأعناق إلى التعبد بمذهبهم فان المسلم لا يرتضي بكتاب الله بدلاً فكيف يبتغي عن اعداله حولاً؟ على ان المفهوم
من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي انما هو ضلال من لم يستمسك بهما معاً. كما لا يخفى ويؤيد ذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث الثقلين عند الطبراني: فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.
قال ابن حجر وفي قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، دليل على ان من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدماً على غيره إلى آخر كلامه فراجعه في باب وصية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بهم
ثم سله لماذا قدم الأشعري عليهم في أصول الدين والفقهاء الأربعة في الفروع، وكيف قدم في الحديث عليهم عمران بن حطان وأمثاله من الخوارج؟ وقدم في التفسير عليهم مقاتل بن سليمان المرجي المجسم وقدم في علم
الأخلاق والسلوك وأدواء النفس وعلاجها معروفاً وأضرابه.
وكيف أخر في الخلافة العامة والنيابة عن النبي أخاه ووليه الذي لا يؤدي عنه سواه؟ ثم قدم أبناء الوزغ على أبناء رسول الله ومن أعرض عن العترة الطاهرة في كل ما ذكرناه من المراتب العلية والوظائف الدينية واقتفى فيها مخالفيهم فما عسى ان يصنع بصحاح الثقلين وأمثالها وكيف يتسنى له القول بأنه متمسك بالعترة الطاهرة وراكب سفينتها وداخل باب حطتها
ابن خلكان
قال القمي(١) :
أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الاربلي البرمكي الشافعي صاحب كتاب التاريخ المشهور الموسوم بوفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان الذي تعرض فيه لذكر المشاهير من التابعين ومن بعدهم إلى زمان نفسه يشتمل على ٨٦٤ ترجمة، ولم يذكر فيه الصحابة وقد ذيله صلاح الدين الصفدي بمجلدات تدارك فيها ما قد فاته من الوفيات سماها الوافي بالوفيات.
وكان ابن خلكان أديباً فاضلاً يحب الشعر والأدب وكان مغرماً بشعر يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان وكان شديد الاهتمام به بحيث خلصه من شعر غيره ليكون حافظاً شعره الخالص لا المنسوب
__________________
١ - الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ١ ، ص ٢٧٧
إليه وكان يفتخر بذلك.
قال في أحوال محمد بن عمران المرزباني ما هذا لفظه: وشعر يزيد مع قلته في نهاية الحسن وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي به وذلك في سنه ٦٣٣ بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من المنسوب إليه الذي ليس له وتتبعته حتى ظفرت بصاحب كل أبيات ولولا خوف الإطالة لبينت ذلك انتهى بلفظه.
وكان في نهاية التعصب ويظهر ذلك لمن طالع كتابه. قال في أحوال المستنصر الفاطمي المتوفى ليلة غدير خم ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجة، وهذا المكان بين مكة والمدينة وفيه غدير ماء ويقال انه غيضة هناك ولما رجع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من مكة شرفها الله تعالى عام حجة الوداع ووصل إلى هذا المكان وآخى علي بن أبي طالبعليهالسلام قال: علي مني كهارون من موسى اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وللشيعة به تعلق كبير. وقال الحازمي: هو واد بين مكة والمدينة
عند الجحفة غدير، عنده خطب النبي وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدة الحر انتهى كلامه.
ولنكتف هنا ببيتين لبقراط النصراني:
أليس بخم قد أقام محمد |
علياً بإحضار الملا والمواسم |
|
فقال لهم من كنت مولاه منكم |
فمولاكم بعدي علي بن فاطم |
ينتهي نسب ابن خلكان إلى البرامكة وكانت البرامكة مبغضين لآل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مظهرين العداوة لهم. قال ابن قتيبة في المعارف: وكان جعفر بن يحيى يرمى بالزندقة وكذا البرامكة كانوا يرمون بالزندقة إلا أقلهم وفيهم قال الأصمعي:
إذا ذكر الشرك في مجلس |
أضاءت وجوه بني برمك |
|
وإن تليت عندهم آية |
أتوا بالأحاديث عن مزدك |
(أقول) روي ان يحيى بن خالد
__________________
١ – مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : ج ٢ ، ص ٢٣٢.
البرمكي بعث إلى موسى بن جعفرعليهالسلام بالرطب والريحان المسمومين وسمَّه في ثلاثين رطبة فدعا مولانا الرضاعليهالسلام عليهم بعرفة فلما انصرف لم يلبث إلا يسيراً حتى بطش بجعفر ويحيى وتغيرت أحوالهم فانتقم الله منهم.
كان مولد ابن خلكان سنه ٦٠٨ بمدينة اربل وتوطن بقاهرة مصر وكان من كبار قضاتها، وصنف فيها كتابه المذكور، وتوفي ٢٦ رجب سنة ٦٨١ بمدينة دمشق ودفن بسفح جبل قاسيون. (وينبغي) هنا ذكر مطلبين:
(الأول) قيل في وجه تسمية جد ابن خلكان بخلكان انه كان يوماً يفاخر أقرانه ويفتخر بآبائه من آل برمك فقيل له خل كان أبي كذا ودع جدي كذا ونسبي كذا وحدثنا عما يكون في نفسك الآن كما قال الشاعر:
إن الفتى من يقول ها أنا ذا |
ليس الفتى من يقول كان أبي |
إن الرجل كان شافعي الفروع، أشعري
الأصول من أشد الناس تعصباً لأهل السنة والجماعة(١) .
قال الشيخ عباس القمي في تعليقه على ابن خلكان على خلطه بين الحسين بن علي بن أبي طالب والحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في صدد ذكر والد الفراء الذي قطع في تلك الحرب. قال القمي:
العجب من ابن خلكان مع تبحره واطلاعه وإحاطته بالتاريخ كيف لم يفهم ان المراد من الحسين بن علي هنا هو الحسين بن علي بن الحسن بن ابن الحسن بن علي أبي طالب الشهيد بفخ في سنة ١٦٩ لا الحسين بن علي ابن أبي طالبعليهالسلام الشهيد بالطف سنة ٦١، ولكن هو معذور، لأنه وأمثاله لم يكونوا يرجعون إلى كتب الشيعة، ولا إلى تواريخهم، ولا إلى سيرة أئمتنا الاثنى عشرعليهمالسلام ، وكفى شاهداً على قولي الرجوع إلى كتابه، فتراه كتب في أحوال أدنى شاعر أو فاسق أو
__________________
١ - الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ٣ ، ص ١٩.
ساقط ما يدلك على أحواله وسيرته وشأنه وأما في أحوال أئمتناعليهمالسلام فيكتفي باسمه واسم آبائه ووفاته مثلاً كتب في باب الميم الإمام محمد الباقر والإمام محمد الجواد والإمام صاحب الزمانعليهالسلام فلا يبلغ تمام ما كتب في أحوالهمعليهمالسلام صفحة من كتابه(١) .
ابن قتيبة الدينوري
وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري القاضي، النحوي اللغوي صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة، اشتغل ببغداد وسمع بها الحديث على إسحاق بن راهويه، وطبقته، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستاني وذويه، وصنف وجمع وألف المؤلفات الكثيرة: منها كتاب المعارف، وأدب الكاتب الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي، وكتاب مشكل القرآن
__________________
١ - نفس المصدر : ج ٣ ، ص ١٩.
والحديث، وغريب القرآن والحديث، وعيون الأخبار. وإصلاح الغلط، وكتاب الخيل، وكتاب الانوار، وكتاب المسلسل والجوابات، وكتاب الميسر والقداح، وغير ذلك. كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها. ومولده في سنة ثلاث عشرة ومائتين، ولم يجاوز الستين. وروى عنه ولده أحمد جميع مصنفاته. وقد ولي قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلثمائة. وتوفي بها بعد سنة(١) .
__________________
١ - ابن كثير ، البداية و النهاية : ج ١١ ، ص ٤٨ ، أحداث سنة ٢٧٠ ه
ابن قولويه
قال القمي(١) : أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمي الشيخ الفقيه المحدّث الثقة الجليل الصدوق السعيد أستاذ أبي عبد الله المفيد من مصنفاته كتاب كامل الزيارات وهو كتاب نفيس طبع في هذا الزمان.
نقل رجال النجاشي: كان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وإجلائهم في الحديث والفقه، روى عن أبيه وأخيه عن سعد وقال ما سمعت من سعد إلا أربعة أحاديث.
عليه قرأ شيخنا أبو عبد الله الفقه ومنه حمل وكلما يوصف به الناس من جميل وفقه فهو فوقه، له كتب حسان وعد كتبه، ثم قال: قرأت أكثر هذه الكتب عن شيخنا أبي عبد الله وعلي بن الحسين بن عبيد الله.
__________________
١ - نفس المصدر : ج ١ ، ص ٣٩١.
ويروي عن الشيخ الكليني (ره) أيضاً، توفي سنة ٣٦٨ أو ٣٦٧ ودفن في الحضرة الكاظمية في طرف الرجل وبجنبه قبر الشيخ المفيد رحمه الله.
وأما ابن قولويه الذي دفن بقم وله مقبرة معروفة قرب الشيخان الكبير، فهو والد هذا الشيخ الجليل محمد بن جعفر الذي كان من خيار أصحاب سعد بن عبد الله الأشعري القمي أبو القسم شيخ هذه الطائفة وفقيهما ووجهها، كان سمع من حديث العامة شيئاً كثيراً، وسافر في طلب الحديث لقي من وجوههم الحسن بن عرفة ومحمد بن عبد الملك الدقيقي وأبا حاتم الرازي وعباس البرقعي كذا عن رجال النجاشي وقال: توفي سنة ٣٠١ أو ٢٩٩.
وأصحاب سعد أكثرهم ثقات كعلي بن الحسين بن بابويه ومحمد بن الحسن بن الوليد وحمزة بن القسم ومحمد بن يحيى العطار، فهو اما ان يكون عداده مع هؤلاء أو من خيارهم ومن كل منهما يستدل على ثقته وجلالته.
واما أخو ابن قولويه الذي يروي عنه
فهو أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر، قال النجاشي في رجاله ومات حدث السن لم يسمع منه. له كتاب فضل العلم وآدابه(١) .
ابن قيم الجوزية
محمد بن أبي بكر الحنبلي المتوفى سنة ٧٥١ صاحب زاد المعاد في هدى خير العباد تفقه على ابن تيمية نقل عن صاحب الدرر الكامنة انه قال:
غلب على ابن قيم حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل يقتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه، وكان له حظ عند الأمراء المصريين واعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد ان أهين وطيف به على جمل مضروباً بالدرة فلما مات ابن تيمية أفرج عنه، وامتحن مرة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية وكان ينال من علماء
__________________
١ - الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ١ ، ص ٣٩١ - ٣٩٢.
عصره وينالون منه(١) .
__________________
١ - نفس المصدر : ج ١ ، ص ٢٩٢ - ٣٩٣.
ابن كثير
يطلق على جماعة أحدهم: أبو معبد عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة كانت وفاته بمكة المعظمة سنة ١٢٠...
ومنهم: عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري الدمشقي الفقيه الشافعي، سمع ابن الشحنة وابن عساكر والمزي وغيرهم وأقبل على علم الحديث والأصول وحفظ المتون والتواريخ، شرع في كتاب كبير في الأحكام ولم يكمل، وجمع التاريخ الذي سماه البداية والنهاية وكانت له خصوصية بابن تيمية ومناصفة منه وإتباع له في كثير من آرائه، وله أيضاً كتاب مختصر علوم الحديث وشرح البخاري وطبقات الشافعية وتفسير القرآن توفي بدمشق سنة ٧٧٤ ودفن عند شيخه ابن تيمية(١) .
__________________
١ - الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ١ ، ص ٣٩٣.
ابن الكواء
اسمه عبد الله من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام خارجي ملعون وهو الذي قرأ خلف عليعليهالسلام جهراً( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (١) ، وكان علي يؤم الناس ويجهر بالقراءة فسكت علي حتى سكت ابن الكواء ثم عاد في قراءته حتى فعله ابن الكواء ثلاث مرات فلما كان في الثالثة قال أمير المؤمنين:( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) (٢) ، وهو الذي سأل أمير المؤمنينعليهالسلام عن مسائل شتى فأجابه أمير المؤمنين وقد أشرنا إلى ذلك في سفينة البحار. والكواء كشداد الخبيث الشتام. وأبو الكواء من كناهم... وقيل لأبيه الكواء لأنه كوي في
__________________
١ - ( الزمر : ٦٥ )
٢ - ( الروم : ٦٠ )
الجاهلية(١) .
أبو أيوب الأنصاري
خالد بن زيد بن كلاب المشهور بأبي أيوب الأنصاري، من السابقين في الإسلام، ومن ثقاة الرواة والمحدّثين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وروى عنه جماعة من الصحابة، استضاف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لما وقف بعيره على باب داره في المدينة، ومكث مع رسول الله في بيته حتى أكمل بناء مسجده، وبيوت زوجاته.
اشترك مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المشاهد كلها، ولما ولي علي الخلافة استخلفه على المدينة لما خرج إلى العراق، ثم لحق به، وكان معه في حروبه كلها(٢) .
وفي تاريخ بغداد: مات سنة خمس وخمسين بالقسطنطينية.
عن عيسى بن القاسم بن سميع يقول:
__________________
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ص٣٩٦.
٢ - موسوعة العتبات المقدسة للخليلي: ج١، ص٣٦٠، طبعة مؤسسة الأعلمي، بيروت، ١٤٠٧هـ / ١٩٨٧م.
وأبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بدري من بني النجار قبره بالقسطنطينية.
وعن صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال: عن جابر أن أبا أيوب لم يقعد عن الغزو في زمان عمر وعثمان ومعاوية وأنه توفي في غزاة يزيد بن معاوية بالقسطنطينية.
قال الوليد: فحدثني شيخ من أهل فلسطين أنه رأى بنية بيضاء دون حائط بالقسطنطينية فقالوا: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأتيت تلك البنية فرأيت قبره في تلك البنية وعليه قنديل معلق بسلسلة(١) .
قال القمي:
زيد بن خالد الخزرجي من بني النجار شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد وعليه نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين قدم المدينة. وشهد مع أمير المؤمنينعليهالسلام مشاهده كلها، وكان في وقعة النهروان معه
__________________
١ – تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١ ، ص ١٦٥ – ١٦٦
راية أمان فمن خرج من عسكر الخوارج إلى تحت رايته كان آمناً، وله موعظة لأهل الكوفة وتحريضهم على الثبات في نصرة أمير المؤمنينعليهالسلام بكلمات فصيحة أوردتها مع بعض ما يتعلق بها في سفينة البحار.
روى صاحب المكارم انه رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا أيوب الأنصاري يلتقط نثارة المائدة فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم له: بورك لك وبورك عليك وبورك فيك. فقال أبو أيوب: يا رسول الله وغيري؟ قال: نعم من أكل ما أكلت فله ما قلت لك.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من فعل هذا وقاه الله الجنون والجذام البرص والماء الأصفر والحمق(١) .
وعن امالي الشيخ عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: جاء أبو أيوب خالد بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني واقلل لعلّي ان أحفظ، قال: أوصيك بخمس: باليأس عما في أيدي الناس فانه الغنى وإياك والطمع فانه
__________________
١ – مكارم الأخلاق للطبرسي : ص ١٤٦ ، بحار الأنوار للمجلسي : ج ٦٣ ، ص ٤٣١
الفقر الحاضر وصل صلاة مودع وإياك وما تعتذر منه وأحب لأخيك ما تحب لنفسك(١) .
وعن ابن عبد البر قال: كان أبو أيوب الأنصاري مع علي بن أبى طالب (ع) في حروبه كلها ولما غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم أخذ معه أبا أيوب وكان شيخاً هرماً أخذه للبركة فتوفي عند القسطنطينية فأمر يزيد ان يدفن بالقرب من سورها(٢) ويتخذ له مشهد هناك وكانت وفاته سنة ٥٠ ه.
أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي
ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل المشهور بكنيته (أبي الأسود الدؤلي)
__________________
١ - المحاسن للبرقي: ج١، ص١٦، من لا يحضره الفقيه: ج٤، ص٤١٠، أسد الغابة لابن الأثير: ج٢، ص٢٩٣ و ج٥، ص٣٣٦، كلمة التقوى لمحمد أمين زين الدين، ج٢، ص٣٤١، وسائل الشيعة (آل البيت): ج١٥، ص٢٨٢.
٢ - الكنى والألقاب، القمي: ج١، ص١٣، الطبعة الخامسة، منشورات مكتبة الصدر، طهران، ١٤٠٩هـ
أدرك الجاهلية والإسلام وشهد بدراً مع المسلمين، ويقول الجاحظ: كان أبو الأسود الدؤلي معدوداً من طبقات الناس، مقدماً في كل منها، فإنه يعد من الصحابة، والتابعين، والشعراء، والفقهاء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والحاضري الجواب، ومن الشيعة، وهو واضع العربية على المتفق عليه، وسئل عمن نهج له الطريق إلى وضع النحو أجاب: تلقيته عن عليعليهالسلام
سكن البصرة في خلافة عمر، وكان علوي المذهب، استخلفه عبد الله بن العباس على البصرة فأقرّه الإمام علي عليها، وله ترجمة واسعة في كتب الأدب. انتهى كلام صاحب الإصابة.
توفي سنة ٦٩ من الهجرة في البصرة(١) .
قال القمي(٢) :
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة للخليلي: ج١، ص٣٧٢.
٢ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٨ ، الطبعة الخامسة من نشر مكتبة صدر ، =
اسمه ظالم بن عمرو أو ظالم بن ظالم هو أحد الفضلاء الفصحاء من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام وشيعة أمير المؤمنينعليهالسلام وكان من سادات التابعين وأعيانهم صحب علياًعليهالسلام وشهد معه وقعة صفين وهو بصري يعد من الفرسان والعقلاء.
وله نوادر كثيرة فمنها انه سمع رجلاً يقول من يعشي الجائع؟ فدعاه وعشاه فلما ذهب السائل ليخرج قال له هيهات انما أطعمتك على ان لا تؤذي المسلمين الليلة ثم وضع رجله في الأدهم(١) حتى أصبح.
ومنها انه كان له دار بالبصرة وله جار يتأذى منه كل وقت فباع الدار فقيل له بعت دارك فقال بل بعت جاري.
ومنها انه كان يخرج إلى السوق ويجر رجليه لإصابة الفالج وكان موسراً ذا عبيد وإماء فقيل له قد أغناك الله تعالى
__________________
= عام ١٣٦٨هـ ش.
١ - لم أجد له معنى في لسان العرب وكذلك في القاموس المحيط.
عن السعي في حاجتك فاجلس في بيتك فقال لو جلست في البيت لبالت علي الشاة.
قال ابن خلكان: وكان نازلاً في بني قشير بالبصرة فكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعليعليهالسلام وولده فإذا أصبح يذكر رجمهم قالوا الله رجمك فيقول لهم تكذبون لو رجمني لأصابني وانتم ترجمون فلا يصيب.
وله نادرة لطيفة مع معاوية ذكرها الدميري في حياة الحيوان في دئل وهو: دابة شبيهة بابن عرس، وأبو الأسود هو الذي ابتكر النحو بإشارة أمير المؤمنينعليهالسلام وله أشعار كثيرة فمنها قوله:
وما طلب المعيشة بالتمني |
ولكن الق دلوك في الدلاء |
|
تجئ بملئها طوراً وطوراً |
تجئ بحمأة وقليل ماء |
ومن شعره في رثاء أمير المؤمنينعليهالسلام قصيدة أولها:
ألا يا عين ويحك فاسعدينا |
ألا فابكي أمير المؤمنينا |
روي ان معاوية أرسل إليه هدية منها حلواء، يريد بذلك استمالته وصرفه عن حب أمير المؤمنين علىعليهالسلام فدخلت ابنة صغيرة له خماسي أو سداسي عليه فأخذت لقمة من تلك الحلواء وجعلتها في فمها فقال لها أبو الأسود: يا بنتي القيه فانه سم، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين ويردنا عن محبة أهل البيتعليهالسلام فقالت الصبية: قبحه الله يخدعنا عن السيد المطهر بالشهد المزعفر تباً لمرسله وآكله.
فعالجت نفسها حتى قاءت ما أكلتها ثم قالت:
أبالشهد المزعفر يا ابن هند |
نبيع عليك أحساباً ودينا |
|
معاذ الله كيف يكون هذا |
ومولانا أمير المؤمنينـــا |
قال السيد الأجل السيد على خان في أنوار الربيع في ذكر أمثال الحكمة منها قول أبي الأسود الدؤلي لابنه بعد ان قال له: يا بنى إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك وفاوضهم على قدر
محلك ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك فإذا وسع الله عليك فابسط وإذا أمسك عليك فامسك ولا تجاود الله فان الله أجود منك.
واعلم انه لا شيء كالاقتصاد ولا معيشة كالتوسط ولا عز كالعلم ان الملوك حكام الناس والعلماء حكام الملوك ثم أنشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدت فان |
تسرف وتبذر لقيت الضر والعطبا |
|
والعلم زين وتشريف لصاحبه |
فاطلب هديت فنون العلم والأدبا |
إلى أن قال:
العلم كنز وذخر لا نفاد له |
نعم القرين إذا ما صاحب صحبا |
|
قد يجمع المرء مالاً ثم يسلبه |
عما قليل فيلقى الذل والحربا |
|
وحامل العلم مغبوط به أبداً |
ولا يحاذر منه الفوت والسلبا |
|
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه |
لا تعدلن به دراً ولا ذهبا |
توفي أبو الأسود بالطاعون الجارف في
البصرة سنة ٦٩ (سط).
يروى عنه روايات شريفة منها: ما رواه عن أبي ذر الغفاري الوصية الطويلة التي أوصاها بها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي التي شرحها العلامة المجلسي بالفارسية شرحاً كبيراً وسماه عين الحياة.
ومنها: ما روي عن أمالي ابن الشيخ عن أبي الأسود ان رجلاً سأل أمير المؤمنينعليهالسلام عن سؤال فبادر فدخل منزله ثم خرج فقال: أين السائل؟ فقال الرجل: ها أنا يا أمير المؤمنين، قال ما مسألتك؟ قال كيت وكيت فأجابه عن سؤاله، فقيل: يا أمير المؤمنين كنا عهدناك إذا سئلت عن المسألة كنت فيها كالسكة المحماة جواباً فما بالك أبطأت اليوم عن جواب هذا الرجل حتى دخلت الحجرة ثم خرجت فأجبته؟ فقال كنت حاقناً ولا رأي لثلاثة، لا رأي لحاقن ولا حازق ثم انشأ يقول:
إذا المشكلات تصدين لي |
كشفت حقائقها بالنظر |
قولهعليهالسلام : لا رأي لثلاثة: الظاهر انه سقط أحد الثلاث من النسّاخ... والحاقن:
هو الذي حبس بوله كالحاقب للغائط ويحتمل ان يكون المراد بالحاقن هنا حابس الأخبثين فهو في موضع اثنين منهما والله العالم.
واعلم انه يأتي في ابن عمرو بن العلاء ذكر مَنْ أخذ النحو عن أبي الأسود فمنهم أبو سليمان يحيى بن يعمر العدواني البصري أحد قراء البصرة وكان عالماً بالقرآن الكريم والنحو ولغات العرب.
حكي انه كان لابن سيرين مصحف منقوط، نقطه يحيى بن يعمر، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلف.
قال ابن خلكان: وكان يحيى شيعياً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيتعليهمالسلام من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم.
حكى عاصم بن أبي النجود المقري: ان الحجاج بن يوسف الثقفي بلغه ان يحيى بن يعمر يقول ان الحسن والحسين من ذرية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان يحيى يومئذ بخراسان فكتب الحجاج إلى قتيبة بن
مسلم والي خراسان ان ابعث إليّ يحيى بن يعمر، فبعث به إليه فقام بين يديه فقال: أنت الذي تزعم ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله. والله لألقين الأكثر منك شعراً أو لتخرجن من ذلك، قال أماني إن خرجت؟ قال: نعم.
قال: فإن الله جل ثناؤه يقول:( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (١) )
قال: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال الحجاج: وما أراك خرجت والله لقد قرأتها وما علمت بها قط. وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة العجيبة، فلله دره وما أحسن ما استخرج وأدق ما استنبط.
قال عاصم: ثم ان الحجاج قال له: أين ولدت؟ فقال: بالبصرة. قال: أين
__________________
١ - (الأنعام : ٨٤ - ٨٥ ).
نشأت؟ قال: بخراسان. قال: فهذه العربية أنى لك؟ قال: رزق. قال: خبَّرني عني هل ألحن؟ فسكت، فقال: أقسمت عليك. فقال: أما إذا سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع. فقال: ذلك والله اللحن السيء.
قال: ثم كتب إلى قتيبة إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام(١) .
السيد أبو الحسن الاصفهاني
هو المرحوم المرجع الديني الراحل السيد أبو الحسن الاصفهاني نوّر الله مضجعه، وهو من مواليد ١٢٨٤هـ في اصفهان، ثم هاجر إلى النجف الأشرف عام ١٣٠٨هـ واستمر يتطور على أيدي الأساتذة الكبار حتى انتهى إليه أمر الشيعة في العالم كله وذلك عام ١٣٢٩هـ.
وأصبح زعيماً للطائفة بلا منازع،
__________________
١ - القمي ، م س : ج ١ ، ص ١٢
وعرف بغزارة عقله وسعة علمه، وكان بعيد النظر، صائب الرأي، حسن التدبير، واسع التفكير، سخي اليد، يتعامل بشفقة مع كل الناس وعلى اختلاف طبقاتهم.
كما عرف بجرأته وشجاعته في مقاومة الكثير من البدع التي ظهرت، فقد أفتى المرحوم الاصفهاني بحرمة ضرب الرؤوس بالسيوف والتعري عند لطم الصدور، واستعمال ضرب السلاسل ودق الطبول والصنوج والمزامير. وقد دعم بفتاواه هذه موقف العلامة الديني الكبير في الشام وهو السيد محسن الأمين العاملي. كما تضامن مع فتاوى المرحوم كاشف الغطاء، والشيخ علي القمي المقدس.
وقد أظهر شجاعة عالية أخرى وعلى مستوى رباطة الجأش حينما استشهد ولده السيد حسن ذبيحاً...
ويقول عنه الباحث والمؤرخ جعفر الخليلي بأن السيد أبو الحسن الاصفهاني كان أول عالم بهذا المستوى، وهو يطالع الجرائد ويستمع إلى نشرات الأخبار ويتابع الواقع السياسي
إقليمياً ودولياً.
وقد تردد على زيارته سفراء الدول العظمى ومسؤولون محليون، وكانوا يخرجون مذهولين لوقادة ذهنه وعمق تفكيره وبساطة حياته ومسكنه وملبسه.
وقبل وفاته بسنوات قليلة وأوائل الأربعينيات زار العراق ملك الأردن السابق وهو الملك عبد الله، وضمن الزيارة قُصد به إلى النجف، ورافقه في زيارته إلى النجف وزير البلاط وهو السيد باقر البلاط وهو سيد شيعي من أهالي الكاظمية، هذا وقد رُتّب الأمر بهذه الصورة. ان يتواجد المرحوم السيد أبو الحسن والميرزا النائيني في الحرم الحيدري ويتم هناك لقاء الملك معهم، لكن الملك عبد الله كان متهوراً ومغروراً، فعند توجهه إلى النجف وفي الطريق جرى الحديث عن علماء الشيعة وعن السيد أبي الحسن والميرزا النائيني، فكان الملك عبد الله شبه مستخف بهم في حديثه وكان يرى مثلاً بأنهم متأخرون أو ان علماء الشيعة... كذا وكذا... ولكن ماذا بعد ذلك -
عندما زار الحرم وشاهد الجدران المكسية بالمرايا ودقة الفن وروعة البناء فانبهر ثم جلس مع العالمين الكبيرين السيد أبو الحسن والميرزا النائيني، وأثناء الحديث سأل السيد أبو الحسن من الملك بأنه كيف تؤمَّنون خزينة البلاد ومن أي موارد؟ فأجابه الملك: بأننا نجمع ذلك من الضرائب والكمارك والأتاوات وغيرها. وهنا سأل السيد الاصفهاني بأنه لو حدث عندكم في الخزينة عجز خطير فما هو الحل؟ فأجابه الملك: إننا نلتجئ إلى بريطانيا العظمى فيمدوننا بالمساعدات. فتأثر السيد الاصفهاني، وقال للملك: أنت عربي. سيد هاشمي من ذرية رسول الله كيف تطيق نفسك ان تستمد العون من كافر. وأنا من الآن أعرض عليك بأنه مهما شعرتم بعجز في الميزانية فما عليك إلا تخبرني، فأنا أسدد لكم ذلك العجز. يقول السيد باقر البلاط: فصغر الملك عبد الله أمام السيد الاصفهاني، وشعر بالخجل وهو يردد عبارات الامتنان، ولما رجع إلى بغداد
قال للسيد باقر البلاط: بأني لم أكن أتصور علمائكم بهذه العظمة، وهذه الرفعة، والتعمق في الأمور العامة.
في عام ١٩٤٢م أفتى المرحوم بوجوب مواجهة المحتل وإنقاذ بلاد الرافدين بلاد العتبات من أيدي الغزاة.
وفي آخر حياته سافر إلى لبنان للعلاج، وعاد إلى العراق، ووصل الكاظمية وفوجئ ببعض الأوراق قد وزعت ضده، فانصدم وتدهورت صحته بشكل مفاجئ.
وفاته كانت عام ١٣٦٥هـ / ١٩٤٧م. وقالت بعض المصادر انه قد دُسّ إليه السم وحمل على الأكتاف من مدينة الكاظمية إلى النجف الأشرف وتولت العشائر في الطريق التناوب على جثمانه، واشتركت الأقليات الدينية في العراق في مواكب حزينة كالمسيحيين، واليهود، والصابئة، وغيرهم متمثلين بعلمائهم ورؤساء طوائفهم.
وقد دفن في الصحن الحيدري في المقبرة الأولى عن اليسار من المدخل الرئيسي للصحن الشريف المواجه للأيوان
الذهبي(١) .
أبو الحسن التهامي
علي بن محمد بن الحسن العاملي الشامي من شعراء الشيعة، ذكره شيخنا الحر في الآمل، وكان فاضلاً أديباً شاعراً منشياً بليغاً له ديوان شعر حسن، ومن شعره:
تنافس في الدنيا غروراً وانما |
قصارى غناها ان يعود إلى الفقر |
|
وإنا لفي الدنيا كركب سفينة |
نظل وقوفاً والزمان بنا يجري(٢) |
وله أيضاً:
__________________
١- مع الصادقين، سيد حسن الكشميري: ج٢، ص٢٩، وقد ذكر مزيد من التفصيل في كتابنا أمير المنابر الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، عام ٢٠٠٤م، طبعة المحجة البيضاء، وأيضاً في كتابنا ((الحوزة العلمية العراقية... المشروع السياسي بن المقاومة والمطالبة)) عام ٢٠٠٧م، طبع مركز العراق للدراسات. (المحقق).
٢ - نهج السعادة للمحمودي: ج٧، ص٧٢.
وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى |
طراً فلا تعتب على أولاده(١) |
وله الرائية المشهورة في رثاء ولده، وقد مات صغيراً وهي غاية في الحسن والجزالة وفخامة المعنى وجودة السرد ولا بأس بذكر بعض أشعارها قالرحمهالله :
حكم المنية في البرية جار |
ما هذه الدنيا بدار قرار |
|
بينا يرى الانسان فيها مخبراً |
حتى يرى خبراً من الأخبار |
|
طبعت على كدر وأنت تريدها |
صفواً من الأقذاء والأكدار |
|
ومكلف الأيام ضد طباعها |
متطلب في الماء جذوة نار |
|
فالعيش نوم والمنية يقظة |
والمرء بينهما خيال سار |
|
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما |
أعماركم سفر من الأسفار |
__________________
١ – أمل الآمل للحر العاملي : ج ١ ، ص ١٢٨ ، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي : ج ١٣، ص ١٤٥
إني وترت بصارم ذي رونق |
أعددته لطلابة الأوتار |
|
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت |
منقادة بأزمة المقدار |
|
يا كوكباً ما كان أقصر عمره |
وكذاك عمر كواكب الأسحار |
|
إن يحتقر صغراً فرب مفخم |
يبدو ضئيل الشخص للنظار |
|
إن الكواكب في علو محلها |
لترى صغاراً وهي غير صغار |
|
ولد المعزى بعضه فإذا انقضى |
بعض الفتى فالكل في الآثار |
|
أبكيه ثم أقول معتذراً له |
وفقت حين تركت ألأم دار |
|
جاورت أعدائي وجاور ربه |
شتان بين جواره وجواري |
|
أشكو بعادك لي وأنت بموضع |
لولا الردى لسمعت فيه مزاري |
|
والشرق نحو الغرب أقرب شقة |
من بعد تلك الخمسة الأشبار |
|
فإذا نطقت فأنت أول منطقي |
وإذا سكت فأنت في إضماري |
|
إني لأرحم حاسدي لحر ما |
ضمنت صدورهم من الأوغار |
نظروا صنيع الله بي فعيونهم |
في جنة وقلوبهم في نار |
|
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي |
فكأنما برقعت وجه نهار(١) |
سجن بالقاهرة في ع ١ سنه ٤١٦ ثم قتل سراً في سجنه في ٩ ج ١ من السنة المذكورة، وبعد موته رآه بعض أصحابه في النوم فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، فقال: بأي الأعمال؟ قال: بقولي في مرثية ولدي الصغير: جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجوراي(٢)
التهامي بكسر التاء نسبة إلى تهامة وهي تطلق على مكة زادها الله شرفاً والنسبة إليها تهامي بالكسر وتهام بالفتح(٣) .
__________________
١ - نهج السعادة للمحمودي: ج٧، ص٧٢، كفاية الأصول للآخوند الخراساني: ص٢٢٩.
٢ - كفاية الأصول للأخوند الخراساني: ص٢٢٩.
٣ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٤٨ - ٤٩.
أبو الريحان البيروني
محمد بن احمد الخوارزمي الحكيم الرياضي الطبيب المنجم المعروف.
كان فيلسوفاً عالماً بالفلسفة اليونانية وفروعها وفلسفة الهنود، وبرع في علم الرياضيات والفلك، بل قيل انه أشهر علماء النجوم والرياضيات من المسلمين، كان معاصراً لابن سينا وبينهما مراسلات وأبحاث.
كان أصله من بيرون بلد في السند، وسافر إلى بلاد الهند أربعين سنة أطلع فيها على علوم الهنود، وأقام مدة في خوارزم، وأكثر اشتغاله في النجوم والرياضيات والتأريخ، وخلف مؤلفات نفيسة منها:
الآثار الباقية عن القرون الخالية، ألفه لشمس المعالي قابوس.
حكي انه كان مكباً على تحصيل العلوم متفنناً على التصنيف لا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر، وكان مشتغلاً في تمام أيام السنة إلا يوم النيروز ويوم المهرجان.
حكي انه دخل عليه بعض أصحابه وهو يجود بنفسه فقال له في تلك الحال: كيف قلت لي يوماً حساب الجدات الثمانية؟ فقال: أفي هذه الحال؟ قال: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بها، أليس خيراً من ان أخليها وأنا جاهل بها؟ قال: فذكرتها له وخرجت، فسمعت الصراخ عليه وأنا في الطريق.
توفي حدود سنة ٤٣٠.
حكى عن الشيخ صلاح الدين الصفدي انه قال: كان أبو الريحان البيرونى حسن المعاشرة لطيف المحاضرة خليعاً في ألفاظه عفيفاً في أفعاله لم يأت الزمان بمثله علماً وفهماً(١).
أبو الصلت الهروي
عبد السلام بن سالم الهروي، روى عن الرضاعليهالسلام ثقة صحيح الحديث قاله النجاشي والعلامة الحلي له كتاب وفاة
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص ٧٨.
الرضاعليهالسلام وكان كما يشعر به بعض الكلمات مخالطاً للعامة وراوياً لأخبارهم فلذلك التبس أمره على بعض المشايخ فذكر انه عامي.
قال الأستاذ الأكبر في التعليقة بعد نقل كلام الشهيد الثاني في تشيعه لا يخفى ان الأمر كذلك فان الأخبار الصادرة عنه في العيون والأمالي وغيرهما الصريحة الناصعة على تشيعه بل وكونه من خواص الشيعة أكثر من ان تحصى. وعلماء العامة ذكروا انه شيعي قال الذهبي في ميزان الاعتدال: عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي رجل صالح إلا انه شيعي.
ونقل عن الجعفي: انه رافضي خبيث. وقال الدارقطني: انه رافضي متهم. وقال ابن الجوزي: انه خادم للرضاعليهالسلام شيعي مع صلاحه.
وعن الأنساب للسمعاني قال أبو حاتم: هو رأس مذهب الرافضة.
وقال محمد ابن أحمد الذهبي أيضاً : عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي الرجل الصالح إلا انه شيعيي جلد إلى
ان قال: وقال الدار قطني رافضي خبيث متهم بوضع حديث الإيمان إقرار بالقول، ونقل عنه انه قال كلب للعلوية خير من بني أمية إلى غير ذلك.
وروي ان المأمون حبس أبا الصلت بعد وفاة الرضاعليهالسلام سنة فضاق صدره، فدعا الله بمحمد وآل محمد فدخل عليه أبو جعفر الجوادعليهالسلام فضرب يده إلى القيود ففكها وأخذ بيده وأخرجه من الدار والحرسة والغلمة يروونه فلم يستطيعوا ان يكلموه فخرج من باب الدار، وقال له أبو جعفر امض في ودائع الله فانك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبداً.
وفي رواية الخرائج: فلما صرنا خارج السجن قال أي البلاد تريد؟ قلت: منزلي بهراة، قال ارخ رداءك على وجهك وخذ بيدي فظننت انه حولني عن يمنته إلى يسرته ثم قال لي اكشف فكشفته فلم أره فإذا أنا على باب منزلي فدخلته فلم التق مع المأمون ولا مع أحد من أصحابه
إلى هذه الغاية(١) .
أبو الفتوح الرازي
جمال الدين حسين بن علي بن محمد بن أحمد الخز اعي.
الشيخ الإمام السعيد قدوة المفسرين ترجمان كلام الله المجيد صاحب روض الجنان في تفسير القرآن الذي هو حاوٍ لكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ينتفع منه الفقيه والمفسر والمؤرخ والواعظ وغيرهم.
وكان رحمه الله من أجل بيوتات العلم وينتهي بنسبه الشريف إلى نافع بن بديل بن ورقاء الخز اعي كما صرح بذلك في تفسيره. وجده محمد بن أحمد وجد جده أحمد وعم والده عبد الرحمن المشهور بالمفيد الثاني وابنه محمد بن الحسين وابن أخته أحمد بن محمد كلهم علماء فضلاء وهو رحمه الله معدن
__________________
١ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج١، ص ١٠٠ -١٠٢
العلم ومحتده:
شرف تتابع كابر عن كابر |
كالرمح أنبوباً على أنبوب(١) |
ولا أعلم تأريخ وفاته إلا انه من مشايخ ابن شهر آشوب المتوفي سنه ٥٨٨ وقبره رحمه الله بالرى في صحن حمزة بن موسىعليهالسلام في جوار عبد العظيم الحسنيرحمهالله .
يروي عن الشيخ أبي علي الطوسي والشيخ أبي الوفاء عبد الجبار الرازي عن الشيخ الطوسي وعن والده عن أبيه عن الشيخ والسيدين رضوان الله عليهم أجمعين إلى غير ذلك من مشايخه(٢) .
أبو الفرج الأصفهاني
صاحب كتاب الأغاني
كان ليحيى بن أكثم قاضي قضاة المأمون مجلساً يجتمع إليه أهل العلم،
__________________
١ - كشف الغمة للإربلي : ج ٣ ، ص ٢٣١
٢ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج٢، ص ١٣٥.
وكان ممن يرتاد هذا المجلس إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فكان إسحاق - بصفته التي عرف بها وهي الغناء - يناظر أهل الكلام ويتكلم في الفقه، فإذا تحول الموضوع إلى الشعر خاض في الشعر واللغة، وهو في كل ذلك يتفوق على محاوريه في كل موضوع. كان عصراً يفسح المجال للمثقف الطموح ان ينغمس في أكثر العلوم، إذ أوهب القدرة على ذلك، مع اشتهاره بالتخصص في اتجاه واحد.
ومن عرف مؤلفات إسحاق الموصلي والكثيرة استطاع ان يدرك ماذا كان يطمح إليه أبو الفرج عندما ألف كتاب الأغاني، كان ذلك عصر التحدي، فيه نشأ أبو حيان التوحيدي وابن النديم صاحب الفهرست، وعشرات آخرون في شتى حقول المعرفة، وفيه كانت دكاكين الوراقين ببغداد، فيما أحسب، أكثر من دكاكين البقالين وباعة الخضار والفواكه. ومع ذلك العصر نشأ أبو الفرج علي بن الحسين بن... الخ. الذي يرتفع نسبه إلى مروان بن محمد آخر الخلفاء
الأمويين، وهذا هو الثابت في نسبه وإن كان صاحب الفهرست قد عدّه من ولد هشام بن عبد الملك، ولكن هذا سهو، وإن كان لا ينفي نسبه إلى المروانيين... فهو إذن عربي قرشي وإن حمل النسب إلى أصفهان.
متى ولد علي بن الحسين:
أكثر المصادر التي ترجمت لأبي الفرج تذكر انه ولد في عام ٢٨٤هـ/ ٨٩٧ م وسكت عن ذكر سنة مولده صاحب الفهرست والخطيب البغدادي، وياقوت الحموي...
النسبة إلى إصبهان
يقول الثعالبي (اليتيمة): ((الاصفهاني الأصل، البغدادي المنشأ))، ويبدو ان أكثر من ترجموا له أخذوا بهذا القول، فعدوه اصفهاني المولد، غير ان بعض الباحثين المعاصرين يشك في ان تكون اصفهان مسقط رأسه.
تشيع أبي الفرج
على الرغم من انتساب أبي الفرج إلى بني أمية، فقد كان شيعياً، وهو موقف
يلفت النظر لأول وهلة، ترى هل كان للنشأة الاصفهانية أثر في ذلك؟ أو هل كان تشيعه مجاراة لنوع من السيادة الشيعية في عصر بني بويه، لعله بالانتماء إلى هذا المذهب أحب ان يعرفه الناس ((عابداً)) فلا هو أموي ولا هو عباسي، وانما هو علوي الهوى - يتشيع لعلي وآله - ويؤلّف في أخبار من قتل منهم كتاباً كاملاً سماه ((مقاتل الطالبيين)) وهو كتاب يدين بسرده لأخبار العلويين ومصارعهم كلاً من الأمويين والعباسيين على حد سواء، بل انه يُبرز ان من قتل على أيدي العباسيين كان أكثر بكثير ممن قتل في أيام الأمويين.
المرحلة البغدادية
لا تعرف متى غادر أبو الفرج اصفهان إلى بغداد، ولكننا نستطيع ان نقرر ان جاذبية بغداد كانت أقوى من أن يقاومها إنسان طموح يعرف انها كعبة العلم والفن والحضارة من جميع النواحي.
فالعلم، هكذا كان دون تحديد، كان
غاية أبي الفرج الأولى من هذه الرحلة، فكان أول ما لقي علماء الحديث، وأشهر من لقيهم مطين والقتات (محمد بن جعفر)، والرزاز (علي بن أحمد)، ولكن المدينة الكبيرة - بما فيها من متع متنوعة وحياة صاخبة - أخذت تصرف هذا الاصفهاني الناشئ عن هذا الاتجاه، وساعدها على ذلك ميول متأصلة في نفس الفتى إلى خوض تجربة الحياة بكل أبعادها. فوجد نفسه مقبلاً على حفظ الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأنساب بل انه لم يقف عند هذا الحد إذ رأى ان الثقافة التي تحول إليها لابد لها من معرفة اللغة والنحو والسير والمغازي. وأضاف إلى ذلك كله ((الخرافات)) ولم تكن هذه المعارف التي اتجه إليها، أو أكثرها، بحاجة إلى توثيق كثير، فحاكم مصادرها ونقد الواهن منها، كما كان يتطلب علم الحديث.
ولعله كان يهيئ نفسه ليكون نديماً يسلّي من ينادمه - أياً كانت منزلتهم - بما يورده على مسامعهم من أخبار
وحكايات ونوادر، وما يتمثل به من شعر، وكان حفظه للشعر العربي الذي ينتمي إلى مختلف الحقب حتى عصره، وهو الذي هيأ له ان يكون شاعراً، وقد أورد له الثعالبي (وعنه ياقوت وغيره) من القصائد والمقطعات في المدح وبخاصة في مدح الوزير أبي محمد المهلبي الذي أصبح راعياً له، وكان صديقاً له قبل عهد الوزارة، واستمرت الصداقة بعدها، وله مقطعات في وصف الخمر، وفي الهجاء المقذع، حتى في هجاء المهلبي صديقه وراعيه، وحتى كان الناس ينفونه ويخشون لسانه.
وفاته:
توفي أبو الفرج في بغداد، بغدادياً حتى العظم في ١٤ ذي الحجة ٣٥٦هـ / ٩٦٧م.
وقد ترجم له الشيخ عباس القمي، قائلاً:
علي بن الحسين بن محمد المرواني الأموي الزيدي.
صاحب كتاب الأغاني، أورده شيخنا الحر العاملي قدس سره في أمل الآمل
وقال: هو اصبهاني الأصل بغدادي المنشأ من أعيان الأدباء وكان عالماً روى عن كثير من العلماء وكان شيعياً خبيراً بالأغاني والآثار والأحاديث المشهورة والمغازي وعلم الجوارح والبيطرة والطب والنجوم والأشربة وغير ذلك.
له تصانيف مليحة منها الأغاني وحمله إلى سيف الدولة فأعطاه ألف دينار واعتذر، وكان الصاحب بن عباد يستصحب في سفره ثلاثين حمل كتب للمطالعة فلما وجد كتاب الأغاني لم يستصحب سواه وكان منقطعاً إلى الوزير المهلبي وله فيه مدائح.
ومن كتبه: كتاب مقاتل الطالبيين، وقال صاحب الروضات: انى تصفحت كتاب أغانيه المذكور إجلالاً فلم أر فيه إلا هزلاً أو ضلالاً أو بقصص أصحاب الملاهي اشتغالاً وعن علوم أهل بيت الرسالة اعتزالاً وهو فيما ينيف على ثمانين ألف بيت تقريباً، إلى ان قال: وتوفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
قال كثير من الناس انه مات في هذه السنة عالمان: أبو علي القالي وصاحب
الأغاني، وثلاثة ملوك معز الدولة وكافور وسيف الدولة، وسمع أبو الفرج من جماعة لا يحصون وروى عنه الدار قطني وغيره(١) .
مؤلفاته:
ذكر له صاحب الفهرست أربعة عشر كتاباً باستثناء كتاب الأغاني الكبير(٢) .
أبو العاص
أبو العاص ابن الربيع القرشي اسمه لقيط أو مهشم أو هشيم زوج زينب بنت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنها، وكان من أكثر رجال مكة مالاً وأمانة وتجارة والخبر في حسن مصاهرته في أيام الشعب مشهور، وقصة أسره ببدر وفدائه في الكتب مسطور، توفي سنة ١٢ وأوصى إلى الزبير. وتزوج
__________________
١ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج١، ص ١٣٧ - ١٣٩.
٢ – تحقيق كتاب الأغاني ، طبع دار صادر ، بيروت ، بمقدمة إحسان عباس
عليعليهالسلام ابنة أمامة بنت زينب بعد وفاة فاطمةعليهاالسلام بوصية منها معلله بأنها تكون لولدها مثلها، وقد زوجها منهعليهالسلام الزبير لان أباها قد أوصاه بها.
حكي انه لما جرح أمير المؤمنينعليهالسلام خاف ان يتزوجها معاوية فأمر المغيرة ابن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب ان يتزوجها بعده فلما توفي أمير المؤمنين وقضت العدة تزوجها المغيرة فولدت له يحيى وبه كان يكنى فهلكت عند المغيرة.
روى الطبرسي في غزوة الطائف انه أنفذ رسول الله علياً في خيل عند محاصرته أهل الطائف وأمر ان يكسر كل صنم وجده فخرج فلقيه جمع كثير من خثعم فبرز له رجل من القوم وقال هل من مبارز فلم يقم أحد فقام إليه عليعليهالسلام فوثب أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي فقال تكفاه أيها الأمير فقال لا ولكن ان قتلت فأنت على الناس فبرز إليه علي وهو يقول:
إن على كل رئيس حقاً |
ان يروي الصعدة أو شرقا |
ثم ضربه فقتله ومضى حتى كسر الأصنام وانصرف إلى رسول الله.
وليعلم ان قول النبي: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دخلاً وعباد الله خولاً ومال الله دولاً. المراد بأبي العاص أبو العاص بن أمية بن عبد مناف، وبنوه مروان بن الحكم بن أبي العاص وآله(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج١، ص ١١٤ - ١١٥.
أبو الهيثم بن التيهان
أبو الهيثم بن مالك بن عتيك الأنصاري الأوسي، شهد بيعة العقبة ويقال انه كان أول من أسلم وبايع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو أحد نقباء عبد الأشهل، شهد مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مشاهده كلها، وشهد مع الإمام عليعليهالسلام حرب البصرة، وقتل بصفين مع أخيه عتيك تحت راية الإمام عليعليهالسلام ، تألم الإمام علي على فقده كثيراً لأنه كان في طليعة المسلمين زاهداً عابداً شجاعاً زعيماً بلا منازع(١) .
أبو بكر بن شهاب
قال القمي(٢) :
السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن علي ينتهي نسبه إلى المهاجر
__________________
١ – موسوعة العتبات المقدسة ، جعفر الخليلي : ج ١ ، ص ٣٥٩
٢ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج١، ص ١١٤ - ١١٥.
إلى الله إلى اليمن أحمد بن عيسى بن محمد النقيب بن علي العريضي بن الإمام الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام النريمي الحضرمي الشيعي الإمامي.
كان عالماً جليلاً حاوياً لفنون العلم مؤلفاً في كثير منها قوى الحجة ساطع البرهان أديباً شاعراً مخلص الولاء لأهل البيت.
حكي عن جامع ديوانه انه قال في حقه:
حجة الإسلام ونبراس الأنام وخاتمة الأعلام ويتيمة عقل الكرام قريع الفصحاء وإمام البلغاء الحائز قصبات السبق في ميادين العلوم الموضح من مشكلاتها ما حير الفهوم محيى السنة وناشر لوائها ومميت البدعة ومقوض بنائها سليل العترة النبوية وناشر ولائها وناصر أوليائها وقاهر أعدائها السيد الشريف العلامة أبو بكر ابن عبدالرحمن... الخ.
ولد سنة ١٢٦٢ وتوفى ليلة الجمعة عاشر جمادى الأولى سنة ١٣٤١ بحيدر
آباد دكن، له مشايخ كثيرة وقد أخذ بمكة عن السيد أحمد بن زينى دحلان الذي يأتي ذكره وله تلاميذ كثيرون أجلهم وأعلمهم وأشهرهم السيد محمد بن عقيل صاحب النصائح الكافية لمن تولى معاوية وغيرها وله تأليفات كثيرة منها إقامة الحجة على التقي بن حجة، والترياق النافع، والشهاب الثاقب على السباب الكاذب، وهو رد له على رد المولى فقير الله على النصائح الكافية والحمية من مضار الرقية وهو أيضاً رد على رد السيد حسن بن علوي سماه الرقية الشافية من نفثات سموم النصائح الكافية ونوافج الورد الجوري بشرح عقيدة الباجوري ورشفة الصادي في فضائل أهل البيتعليهمالسلام ، ونزهة الألباب في رياض الأنساب، وأرجوزة في آداب النساء، وديوان شعر وغير ذلك وله قصائد كثيرة في مدح أهل البيتعليهمالسلام منها قوله في مدح امير المؤمنينعليهالسلام :
علي أخو المختار ناصر دينه |
وملتـه يعسوبها وإمامها |
|
واعلم أهل الدين بعد ابن عمه |
بأحكامه من حلها وحرامها |
ومن قوله قصيدة له سماها الثناء العاطر على أهل البيت الطاهرعليهمالسلام :
نهنه فؤادك ما بقيت فأنت في |
شغل عن البيض الكواعب شاغل |
|
واملأ ضميرك من محبة سيد الكو |
نين هادينا الشفيع الكافل |
|
وبحب صهر المصطفى ووصيه |
وأخيه حيدرة الشجاع الباسل |
|
والدرة الزهراء فاطمة التي |
بعد الرسول قضت بحزن الثاكل |
|
والسيدين اللابسي حلل الشها |
دة من فريق في الشقاوة واغل |
|
الآخذي علم الرسول شريعة |
وحقيقة عن فاضل عن فاضل |
|
نسب باجنحة الملائكة ارتقى |
شأوا إليه الوهم ليس بواصل |
|
شرف إلى العرش انتهى فأمامه |
تقف الثوابت وقفة المتضائل |
|
من لم يصل عليهم فصلاته |
بتراء في إسناد أوثق ناقل |
|
سفن النجاة أمان أهل الأرض من |
غرق مصابيح الظلام الحائل |
القانتين الراكعين الساجدين |
بخشية وغزير دمع سائل |
إلى غير ذلك وقد ذكر ترجمته صاحب أعيان الشيعة وأورد كثيراً من أشعاره.
ومما ذكر عنه قوله:
قضية تشبه بالمرزئة |
هذا البخاري إمام الفئة |
|
بالصادق الصديق ما احتج في |
صحيحه واحتج بالمرجئة |
|
ومثل عمران بن حطان ومر |
وان وابن المرأة المخطئة |
|
مشكلة ذات عوار إلى |
حيرة أرباب النهى ملجئة |
|
وحق بيت يممته الورى |
مغذة في السير أو مبطئة |
|
إن الإمام الصادق المجتبى |
بفضله الآي أتت منبئة |
|
أجل من في عصره رتبة |
لم يقترف في عمره سيئة |
|
قلامة من ظفر إبهامه |
تعدل من مثل البخاري مئة |
أبو تمام
تمام كشداد هو حبيب بن أوس الطائي الشاعر الإمامي المشتهر، الذي قدمه المعتصم على شعراء وقته، وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس، ذكره شيخنا الحر في أمل الآمل وقال: كان شيعياً فاضلاً أديباً منشياً له كتب منها ديوان الحماسة وديوان شعره وكتاب مختار شعر القبائل وكتاب فحول الشعراء والاختيارات من شعر الشعراء وغير ذلك.
وذكره العلامة في الخلاصة فقال:
كان إمامياً وله شعر في أهل البيتعليهمالسلام ذكر أحمد بن الحسين انه رأى نسخة عتيقة قال لعلها كتبت في أيامه أو قريباً منها فيها قصيدة يذكر فيها الأئمةعليهمالسلام الأطهارعليهمالسلام حتى انتهى إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام لأنه توفي في أيامه.
وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: وحدثني أبو تمام وكان من رؤساء الرافضة، انتهى كلام العلامة.
ثم ذكر شيخنا الحر جملة من أبياته وما قال ابن خلكان في ترجمته منها
قوله:
وكان له من المحفوظ ما لا يلحقه فيه غيره قيل انه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، إلى ان قال: ولد بجاسم وهي قرية من بلد الجيدور من أعمال دمشق، توفي سنة ٢٣١. وكانت وفاته بالموصل وبنى على قبره أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة ورثاه جمع منهم: ابن الزيات وزير المعتصم بقوله:
نبأ أتى من أعظم الأنباء |
لما ألم مقلقل الأحشاء |
|
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم |
ناشدتكم لا تجعلوه الطائي |
وفي بعض التآليف ان أبا تمام بلغ في الشعر درجة لم يبلغها شاعر قبله ولا بعده رأي الكثيرين(١) ، وقد نظم في كل ضرب من ضروب الشعر ولكنه نبغ في الرثاء نبوغاً وترك جميع الشعراء خلفه.
__________________
١ - هكذا جاء في الكنى و الألقاب
ولأبي تمام أيضاً كما نقل عن ديوانه من عبقريته الرائية:
ويوم الغدير استوضح الحق أهله |
بفيحاء ما فيها حجاب ولا ستر(١) |
|
أقام رسول الله يدعوهم بها |
ليقربهم عرف وينهاهم نكر |
|
يمد بضبعيه ويعلم انه |
ولي ومولاكم فهل لكم خبر |
|
يروح ويغدو بالبيان لمعشر |
يروح بهم عمر ويغدو بهم عمر |
|
فكان له جهر بإثبات حقه |
وكان لهم في بزهم حقه جهر |
|
أثم جعلتم حظه حد مرهف |
من البيض يوماً حظ صاحبه القبر(٢) |
ولهرحمهالله في الزهد:
ألم(٣) بان تركي لا عليَّ ولا ليا |
وعزمي على ما فيه إصلاح حاليا |
__________________
١ - انظر الذريعة لأقا بزرك الطهراني: ج٩، ص٣٩ مقتصراً على البيت الأول فقط.
٢ - مناقب ابن شهرآشوب: ج٢، ص٢٤١، الصراط المستقيم: ج١، ص٣١٢، تكملة آمل الآمل للسيد حسين الصدر: ص١٣١.
٣ - هكذا جاء في الكنى والألقاب.
فقد أنست بالموت نفسي لأنني |
رأيت المنايا يخترمن حياتيا |
|
فياليتني من بعد موتي ومبعثي |
أكون رفاتاً لا عليّ ولا ليا |
|
أخاف الهي ثم أرجو نواله |
ولكن خوفي قاهر لرجائيا |
|
ولولا رجائي واتكالي على الذي |
توحد لي بالصنع كهلاً وناشيا |
|
لما ساغ لي عذب من الماء بارد |
ولا طاب لي عيش ولا زلت باكيا |
|
وادَّخر التقوى بمجهود طاقتي |
وأركب في رشدي خلاف هوائيا |
|
على إثر ما قد كان مني صبابة |
ليالي فيها كنت لله عاصيا |
|
وإني جدير ان أخاف واتقي |
وإن كنت لم أشرك بذي العرش ثانيا |
قال المسعودي: ولأبي تمام أشعار حسان، ومعان لطاف، واستخراجات بديعة، وحكي عن بعض العلماء بالشعر انه سئل عن أبي تمام فقال كأنه جمع شعر العالم فانتخب جوهره.
وقال ابن خلكان وذكر الصولي: ان
أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي منها قوله:
ديمة سمحة القياد سكوب |
مستغيث بها الثرى المكروب |
|
لوسعت بقعة لإعظام أخرى |
لسعى نحوها المكان الجديب(١) |
قال له ابن الزيات يا أبا تمام انك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسنا على بهي الجواهر في أجياد الكواعب وما يدخر لك شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة(٢)
أبو الجارود
جاء في الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي:
زياد بن المنذر، قال شيخنا صاحب
__________________
١ – الغدير للعلامة الأميني : ج ٢ ، ص ٣٣٥.
٢ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج١، ص ٣ - ٣٣.
المستدرك في ترجمته في الخاتمة: واما أبو الجارود فالكلام فيه طويل والذي يقتضيه النظر بعد التأمل فيما ورد وفيما قالوا فيه انه كان ثقة في النقل مقبول الرواية معتمداً في الحديث إمامياً في أوله وزيدياً في آخره، ثم أطال الكلام في حاله إلى ان قال وفي تقريب ابن حجر: زياد بن المنذر أبو الجارود الأعمى الكوفي رافضي. كذبه يحيى بن معين من السابعة(١) مات بعد الخمسين أي بعد المائة. و(قال) وعن دعوات الراوندي عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام اني امرؤ ضرير البصر كبير السن، والشقة فيما بيني وبينكم بعيدة وأنا أريد أمراً أدين الله به واحتج وأتمسك به وأبلغه من خلفت، قال: فأعجب بقولي فاستوى جالساً، فقال: كيف قلت يا أبا الجارود؟ رد علي، قال: فرددت عليه، فقال: نعم يا أبا الجارود شهادة ان لا
__________________
١ - هكذا جاء في طبعة الاحتجاج ، كما ذكره الطبرسي
إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت وولاية ولينا وعداوة عدونا والتسليم لأمرنا وانتظار قائمنا والورع والاجتهاد(١) .
أبو جهل
عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، كان من أشد الناس عداوة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قتل يوم بدر كافراً وأخباره مع النبي وكثرة أذاه إياه مشهورة وروي ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال فيه ان هذا أعتى على الله عز وجل من فرعون، ان فرعون لما أيقن بالهلاك وحَّد الله وان هذا لما أيقن بالهلاك دعا باللات والعزى.
وعمه الوليد بن المغيرة: كان شيخاً
__________________
١ - الكليني في الكافي: ج٢، ص٢٢، والاحتجاج: ج٢، ص٥٥، الهامش، والكنى والألقاب: ج١، ص٣٥، والدعوات لقطب الدين الراوندي: ص١٣٥،ومستدرك الوسائل للنوري: ج١، ص٧٢، وبحار الأنوار: ج٦٦، ص١٤
كبيراً مجرباً من دهاة العرب يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار فما اختاره من الشعر كان مختاراً، وهو أحد المستهزئين الخمس الذي كفى الله شرهم، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها وملك القنطار، وهو الذي قالت له قريش: يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم أسحر أم كهانة أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول الله وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد انشدني شعرك فقال ما هو بشعر ولكنه كلام الله الذي به بعث أنبياءه ورسله، فقال: اتل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن، قال: لا ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم ثم افتتح حم السجدة فلما بلغ إلى قوله تعالى:( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١) ) ، فلما
__________________
١ - ( فصلت : ١٣ )
سمعه اقشعر جلده وقامت كل شعرة في بدنه ثم قام ومشى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش فقالوا: صبا أبو عبد شمس إلى دين محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فاغتمت قريش وغدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عم قال: يا ابن أخ ما ذاك واني على دين قومي ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعر منه الجلود، قال: أشعر هو؟ قال: ما هو بشعر، قال: فخطب؟ قال: لا ان الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضاً له طلاوة، قال: فكهانة هو؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: دعني أفكر فيه، فلما كان من الغد قالوا: يا أبا عبد شمس ما تقول؟ قال: قولوا هو سحر فانه آخذ بقلوب الناس فانزل الله تعالى فيه:( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١) ) ، إلى قوله:( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٢) )
وابنه خالد بن الوليد بن المغيرة(٣) .
__________________
١ - ( المدثر : ١١ )
٢ - ( المدثر : ٣٠ )
٣ - الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي: ج١ : ص ٤٠.
أبو حمزة الثمالي
الثمالي أبو حمزة ثابت بن دينار الثقة الجليل صاحب الدعاء المعروف في أسحار شهر رمضان، كان من زهاد أهل الكوفة ومشايخها، وكان عربياً أزدياً، روي عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الثقة يقول سمعت الرضاعليهالسلام يقول أبو حمزة الثمالي في زمانه كسلمان الفارسي وذلك انه خدم أربعة منا علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وبرهة من عصر موسى بن جعفرعليهالسلام (١) .
وعده الشيخ في أصحاب علي بن الحسين من رجاله فقال: ((ثابت بن أبي حنيفة دينار الثمالي الأزدي، يكنى أبا حمزة الكوفي. مات سنة خمسين ومائة، وذكره في أصحاب الباقرعليهالسلام (٢) ومن أصحاب الصادقعليهالسلام . وقال النجاشي(٣) : لقى علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله وأبا
__________________
١ - الاحتجاج: ج٢، ص٢٧، الهامش نقل عن عمدة الطالب: ص٢٢١.
٢ - نفس المصدر: ج٢، ص١١، الهامش.
٣ - نفس المصدر: ج٢، ص١٢، الهامش.
الحسنعليهالسلام وروى عنهم وكان من كبار خيار أصحابنا، وثقاتهم، ومعتمديهم في الرواية والحديث وقال: وروى عنه العامة ومات سنة خمسين ومائة، له كتاب تفسير القرآن(١) .
وجاء في الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي:
قال الفضل بن شاذان ولم يكن في زمن علي بن الحسينعليهالسلام في أول أمره إلا خمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن أم الطويل، أبو خالد الكابلي وأسمه وردان ولقبه كنكر.
ثم قال: وفي خبر الحواريين انه من حواري علي بن الحسينعليهالسلام وقد شاهد كثيراً من دلائل الأئمةعليهمالسلام ويأتى في الطاقى رواية تتعلق به ويظهر من رسالة أبي غالب الزراري ان آل أعين وهم أكبر بيت في الكوفة من الشيعة ان أول من عرف منهم عبد الملك عرفه صالح بن ميثم ثم عرفه حمران من
__________________
١ - نفس المصدر: ج٢، ص ٤١ - ٤٢ ، الهامش.
أبي خالد الكابلي(١) .
أبو حنيفة التيمي، النعمان بن ثابت
إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق رأى أنس بن مالك وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار وحماد بن أبي سليمان والهيثم بن حبيب الصواف... وغيرهم
روى عنه أبو يحيى الحماني، وهيثم بن بشير، وعباد بن العوّام... وغيرهم.
وهو من أهل الكوفة نقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد فأقام بها حتى مات ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران وقبره هناك ظاهر معروف(٢) .
عن محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن اسباط يقول:
ولد أبو حنيفة نصرانياً(٣) .
__________________
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ص٦٠.
٢ - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: ج١٣، ص٣٢٥.
٣ - نفس المصدر: ج٣، ص٣٢٦.
... عن ابن إسحاق البكائي، عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال:
أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، فأما زوطي فإنه من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبة، فاعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة، ثم لبني قفل، وكان أبو حنيفة خزازاً ودكانه معروف في دار عمرو بن حريث(١) .
عن محمد بن أيوب الزارع قال: سمعت يزيد بن زريع يقول: كان أبو حنيفة نبطياً.
وقال النخعي حدثنا سليمان بن الربيع قال: سمعت الحارث بن إدريس يقول أبو حنيفة أصله من ترمذ(٢) .
حدثنا أبو نعيم قال: ولد أبو حنيفة سنة ثمانين وكان له يوم مات سبعون سنة، ومات في خمسين ومائة، وهو
__________________
١ - نفس المصدر: ج٣، ص٣٢٦.
٢ – تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٢٧ ، إصدار دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولي ، ١٤١٧ ه / ١٩٩٧ م
النعمان بن ثابت(١) .
حدثنا سعيد بن سالم البصري قال: سمعت أبا حنيفة يقول:
لقيت عطاء بمكة فسألته عن شيء، فقال: من أين أنت؟ قلت من أهل الكوفة، قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً؟ قلت: نعم، قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحداً بذنب، فقال: لي عطاء: عرفت فالزم(٢) .
يقول أبو حنيفة:... جلست إلى حماد فكنت أسمع مسائله فاحفظ قوله ثم يعيدها من الغد فاحفظها، ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة، فصحبته عشر سنين، ثم نازعتني نفسي الطلب للرياسة، فأحببت أن اعتزله وأجلس في حلقة لنفسي، فخرجت يوماً بالعشي وعزمي أن أفعل، فلما دخلت المسجد فرأيته لم
__________________
١ - نفس المصدر: ج ١٣ ، ٣٣١.
٢ - نفس المصدر: ج ١٣، ص ٣٣٢.
تطب نفسي أن أعتزله، فجئت وجلست معه، فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالاً وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت علي مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي، فغاب شهرين، ثم قدم، فعرضت عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة، فوافقني في أربعين وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت، فلم أفارقه حتى مات(١)
عن البلخي العابد أنبأنا أبو مطيع قال: قال: أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال: لي: يا أبا حنيفة عمن أخذت العلم؟ قال: قلت: عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، قال: فقال: أبو جعفر: بخ بخ استوثقت ما شتت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٣٤.
المباركين صلوات الله عليهم(١) .
حدثنا وكيع قال: اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنيفة، قال: فأتاهم، فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال: مؤمن.
فقال له بن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة أبداً.
وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك أبداً.
وقال له شريك: لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك.
وقال له الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام ان أنظر إلى وجهك أبداً(٢)
عن سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة، فذكر سعيد بن جبير، فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة من حدثك؟ قال: سالم الأفطس، قال: قلت له: سالم
__________________
١ - نفس المصدر: ج ١٣ ، ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
٢ – الكنى و الألقاب للقمي : ج ١ ، ص ٥٤
الأفطس كان مرجئاً، ولكن حدثني أيوب قال، رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق، فقال: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه، قال حماد: وكان طلق يرى الإرجاء، قال: فقال رجل لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة ما كان رأى طلق؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه، ثم قال: ويحك كان يرى العدل واللفظ لحديث بن الغلابي.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال: سمعت أبا مسهر يقول: كان أبو حنيفة رأس المرجئة.
حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء.
حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ قال: سمعت أبي يقول دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء فأبيت(١) .
حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا عبدة قال: سمعت ابن المبارك وذكر أبا حنيفة
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٧٠ - ٣٧١
فقال: رجل هل كان فيه من الهوى شيء؟ قال: نعم الإرجاء.
وقال يعقوب: حدثنا أبو جزى عمرو بن سعيد بن سالم قال: سمعت جدي قال: قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئاً؟ قال: نعم، قلت: أكان جهمياً؟ قال: نعم، قلت: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرساً فما كان من قوله حسناً قبلناه وما كان قبيحاً تركناه عليه.
حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا محمد بن سعيد عن أبيه قال: كنت مع أمير المؤمنين موسى بجرجان ومعنا أبو يوسف، فسألته عن أبي حنيفة فقال: وما تصنع به وقد مات جهمياً.
حدثنا علي بن عثمان قال: سمعت زنبوراً يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: قدمت علينا امرأة جهم بن صفوان فأدبت نساءنا.
أبو الأخنس الكناني قال: رأيت أبا حنيفة، أو حدثني الثقة أنه رأى أبا حنيفة آخذاً بزمام بعير مولاة للجهم قدمت خراسان يقود جملها بظهر
الكوفة يمشي.
بشر بن الوليد قال: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: صنفان من شر الناس بخراسان الجهمية والمشبهة وربما قال: والمقاتلية.
يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني عن أبيه: سمعت أبا حنيفة يقول: جهم بن صفوان كافر.
ما قيل في أبي حنيفة:
عن الحسن بن سليمان أنه قال: في تفسير الحديث: ((لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم))، قال: هو علم أبي حنيفة وتفسيره الآثار.
محمد بن سلمة يقول: قال: خلف بن أيوب: صار العلم من الله تعالى إلى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم صار إلى أصحابه ثم صار إلى التابعين ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه فمن شاء فليرض ومن شاء فليسخط.
عن أحمد بن عطية العوفي، حدثنا منجاب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه.
عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال:
سمعت أبي يقول: ما رأيت أحداً أفقه من أبي حنيفة، وما رأيت أحداً أروع من أبي حنيفة.
عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله يقول: ما رأيت صاحب - يعني حديث - أفقه من سفيان الثوري، وكان أبو حنيفة أفقه منه(١) .
قال: الخطيب البغدادي: ما حكي عن أبي حنيفة:
١ - حدثنا وكيع، قال: سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال: وكيع: وقال: أبو حنيفة: من قال: بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك نحن المؤمنون هنا وعند الله حقاً، قال: وكيع: ونحن نقول بقول سفيان وقول أبي حنيفة عندنا جرأة.
٢ - حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٣٦ - ٣٤١
عن أبيه قال: سمعت رجلاً يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقاً، وسأله عن رجل قال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبي ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقاً قال: الحميدي ومن قال: هذا فقد كفر، قال: وكان سفيان يحدث به عن حمزة بن الحارث(١) .
٣ - حدثنا محمد بن محمد الباغندي، حدثنا أبي قال: كنت عند عبد الله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة، فكتب إليه: حدثني الحارث بن عمير قال: سمعت أبا حنيفة يقول لو أن رجلاً قال: أعرف لله بيتاً ولا أدري أهو الذي بمكة أو غيره أمؤمن هو؟ قال: نعم، ولو أن رجلاً قال: أعلم أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد مات ولا أدري أدفن بالمدينة أو غيرها
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٦٧
أمؤمن هو؟ قال: نعم!
٤ - قال: الحارث بن عمير وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاضي أن فلان بن فلان طلق امرأته وعلما جميعاً أنهما شهدا بالزور ففرق القاضي بينهما ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم، قال: ثم علم القاضي بعد، ألَه أن يفرق بينهما؟ قال: لا.
٥ - أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق وأبو بكر البرقاني قالا: أخبرنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري قال: حدثنا... قال: سمعت حمزة بن الحارث بن عمير ذكره عن أبيه قال: قلت لأبي حنيفة أو قيل له وهو يسمع رجل قال: أشهد أن الكعبة حق غير أني لا أدري أهو هذا البيت الذي يحج الناس إليه ويطوفون حوله أو بيت بخراسان أمؤمن هذا؟ وقال: البرقاني أمؤمن هو؟ قال: نعم.
٦ -... عن سفيان الثوري قال: حدثنا عباد بن كثير قال: قلت لأبي حنيفة: رجل قال: أنا أعلم أن الكعبة
حق وأنها بيت الله ولكن لا أدري هي التي بمكة أو هي بخراسان أمؤمن هو؟ قال: نعم مؤمن، قلت له: فما تقول في رجل قال: أنا أعلم أن محمداً رسول الله ولكن لا أدري هو الذي كان بالمدينة من قريش أو محمد آخر أمؤمن هو؟ قال: نعم، قال: مؤمل قال: سفيان وأنا أقول: من شك في هذا فهو كافر.
٧ -... علي بن عثمان بن نفيل: حدثنا أبو مسهر حدثنا يحيى بن حمزة وسعيد يسمع أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلاً عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أرى بذلك بأساً فقال: سعيد هذا الكفر صراحاً(١) .
٨ -... عن إسماعيل بن عيسى بن علي قال: قال: لي شريك: كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى، قال: الله تعالى:( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٦٧ - ٣٦٩.
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (١) ) ، وقال: الله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٢) ) ، وزعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وزعم أن الصلاة ليست من دين الله.
٩ - محبوب بن موسى الأنطاكي قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد، قال: إبليس: يا رب، وقال: أبو بكر الصديق: يا رب، قال: أبو إسحاق: ومن كان من المرجئة ثم لم يقل هذا انكسر عليه قوله(٣) .
١٠ - ...عن الفزاري قال: قال: أبو حنيفة: إيمان آدم وإيمان إبليس واحد، قال: إبليس:( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ
__________________
١ - (البينة : ٥ )
٢ - ( الفتح : ٤ )
٣ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١٣ ، ص ٣٦٩.
لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١) ) ، وقال:( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٢) ) ، وقال: آدم:( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣) )
١١ - ...أحمد بن هشام بن طويل قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: مر أبو حنيفة بسكران يبول قائماً فقال: أبو حنيفة: لو بلت جالساً، قال: فنظر في وجهه وقال: ألا تمر يا مرجئ، قال: له أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبرائيل!
١٢ - عن القاسم بن حبيب قال: وضعت نعلي في الحصى ثم قلت لأبي حنيفة: أرأيت رجلاً صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه؟ فقال: مؤمن، فقلت: لا أكلمك أبداً.
كتب الطبرسي في الاحتجاج:
أبو حنيفة: واسمه النعمان بن ثابت بن زوطى. وكان زوطى مملوكاً لبنى تيم
__________________
١ - (الحجر : من الآية ٣٩)
٢ - ( الحجر : من الآية ٣٦)
٢ - ( الأعراف : من الآية ٢٣ )
الله بن ثعلبة. وأصله من كابل، وقيل مولى لبنى قفل كما في الفهرست لابن النديم: ص٢٨٤، وقال: الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ج١٣، ص٣٢٤: (ولد أبو حنيفة وابوه نصراني)... إلى ان قال: (وكان زوطى مملوكاً لبنى تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولاؤه لبنى عبد الله بن ثعلبة ثم لبنى قفل).
وروى مسنداً عن الزيادي يقول: سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زوطرة فسمى نفسه النعمان وأباه ثابتاً. وقيل كان والد أبي حنيفة من (نسا) وقيل أصله من (ترمذ) وقيل ثابت والد أبي حنيفة من أهل (الأنبار).
وأورد الخطيب البغدادي في تاريخه عدة روايات بأسانيد مختلفة تقول: ان أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين وفي بعضها ثلاثاً وفي رواية سفيان الثوري استتيب من الكفر مراراً.
وفي رواية أبى عيينة استتيب من الدهر ثلاث مرات راجع تاريخ بغداد: ج١٣، ص٣٨٠ - ٣٨٣ وفيه: ص٣٧٢ مسنداً
ان أبا حنيفه قال: لو ان رجلاً عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أرَ بذلك بأساً.
وكان شريك يقول: كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله قال: الله تعالى:( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (١) ) ، وقال: تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٢) ) ، وزعم أبو حنيفة ان الإيمان لا يزداد ولا ينقص وان الصلاة ليست من دين الله.
وفي ص٣٨٦ منه عن الجوهرى روى مسنداً قال: سمعت أبا مطيع يقول: قال أبو حنيفة: ان كانت الجنة والنار مخلوقتين فانهما يفنيان وفيه عن ابن أسباط، قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله وأدركته لأخذ بكثير من قولى.
وقال: سمعت أبا إسحاق يقول: كان
__________________
١ - (البينة : ٥ )
٢ - ( الفتح : ٤ )
أبو حنيفة يجيئه الشيء عن النبي فيخالفه إلى غيره.
وفي ص٣٧٠ من نفس المصدر سئل أبو حنيفة عن رجل قال: أشهد ان الكعبة حق. ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقاً.
وسئل عن رجل قال: أشهد ان محمد بن عبد الله نبي ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقاً.
وهو أحد المذاهب الأربعة السنية، صاحب الرأي والقياس والفتاوى المعروفة في الفقه.
ذكر ابن خلكان في: ج٢، ص ٨٦ من الوفيات في ترجمة محمد بن سبكتكين عن إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجوينى في كتابه الذي سماه: (مغيث الخلق في اختيار الأحق) قال: ان السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبى حنيفة وكان مولعاً بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع وكان يستفسر الأحاديث فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي فوقع في خلده حكمه. فجمع العلماء من
الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر فوقع الاتفاق على ان يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي وعلى مذهب أبى حنيفة... فصلى القفال المروزى... إلى ان قال: ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة فلبس جلد كلب مدبوغاً ثم لطخ ربعه بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر وكان في صميم الصيف في المفازة واجتمع عليه الذباب والبعوض وكان وضوءه منكساً منعكساً، ثم استقبل القبلة وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء، وكبر بالفارسية، ثم قرأ آية بالفارسية (دو بركك سبز) ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع وتشهد، وضرط في آخره من غير نية السلام وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبى حنيفة فقال: السلطان: لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبى حنيفة لقتلتك فأنكرت الحنفية ان تكون هذه صلاة أبى حنيفة فأمر القفال بإحضار كتب أبى حنيفة! وأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ المذهبين فوجدت الصلاة على مذهب
أبى حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبى حنيفة.
وفي ج١٣ من تاريخ بغداد ص٣٧٠ قال: الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو ان شاهدين شهدا عند قاض: ان فلان بن فلان طلق امرأته، وعلما جميعاً انهما شهدا بالزور ففرق القاضى بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله ان يتزوج بها.
وفى ص ٣٦٢ منه قال: قال: مساور الوراق:
كنا من الدين قبل اليوم في سعة |
حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس |
|
قاموا من السوق إذ قلت مكاسبهم |
فاستعملوا الرأي عند الفقر والبوس |
|
أما العريب فامسوا لا عطاء لهم |
وفي الموالى علامات المفاليس |
فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا نحن نرضيك، فبعث إليه بدراهم فقال:
إذا ما أهل مصر بادهونا بداهية |
مــن الفتيـــا لطــيــــفـــــــــة |
|
أتيناهــــــم بمقيــــاس صحيـــح |
صليب من طراز أبى حنيفة |
إذا سمـــع الفقيـــــه به حواه |
وأثبته بحبر في صحيفة |
فأجابه بعضهم يقول:
إذا ذو الرأي خاصم عن قياس |
وجاء ببدعة هنة سخيفة |
|
أتينــاه بقـــول الله فيهــــا |
وآيات محبرة شريفة |
|
فكم من فرج محصنة عفيف |
أحل حرامها بأبي حنيفة |
عن بشير بن يحيى العامري، عن ابن أبى ليلى قال: دخلت أنا والنعمان على جعفر بن محمد فرحب بنا وقال:
يا ابن أبى ليلى من هذا الرجل؟
قلت جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة له رأى ونظر ونفاذ.
قال: فلعله الذي يقيس الأشياء برأيه، ثم قال: له:
يا نعمان هل تحسن تقيس رأسك؟
قال: لا.
قال: فما أراك تحسن تقيس شيئاً ولا
تهتدي إلا من عند غيرك فهل عرفت مما الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الفم؟
قال: لا.
قال: فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟
قال: لا،
قال: ابن أبي ليلى، فقلت: جعلت فداك لا تدعنا في عمى مما وصفت لنا.
قال: نعم حدثني أبي عن آبائه، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
ان الله تبارك وتعالى خلق عيني ابن آدم على شحمتين، فجعل فيها الملوحة ولولا ذلك لذابتا ولم يقع فيهما شيء من القذى إلا أذابهما، والملوحة تلفظ ما يقع في العينين من القذى.
وجعل المرارة في الأذنين حجاباً للدماغ فليس من دابة تقع في الأذنين إلا التمست الخروج، ولو لا ذلك لوصلت إلى الدماغ فأفسدته.
وجعل البرودة في المنخرين حجاباً للدماغ، ولولا ذلك لسال الدماغ.
وجعل الله العذوبة في الفم مناً من الله على ابن آدم ليجد لذة الطعام والشراب.
وأما كلمة أولها كفر وآخرها إيمان فقول: لا إله إلا الله، أولها كفر وآخرها إيمان.
ثم قال: يا نعمان إياك والقياس فإن أبى حدثني، عن آبائه، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من قاس شيئاً من الدين برأيه قرنه الله مع إبليس في النار، فإنه أول من قاس حين قال:( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١) ) ، فدعوا الرأي والقياس، فإن دين الله لم يوضع على القياس(٢)
وروى أيضاً عن الإمام مالك قال: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبى حنيفة وقال: كانت فتنة أبى حنيفة أضر على هذه الأمة من فتنة إبليس.
وأخرج عن الاوزاعي قال:
__________________
١ - (الأعراف :من الآية ١٢ )
٢ - الاحتجاج : ج ٢ ، ص ١١٠ - ١١٤
عمد أبو حنيفة إلى عرى الإسلام فنقضه عروة عروة.
وعن عبد الرحمن ابن مهدى قال:
ما علم في الإسلام فتنة بعد فتنة الدجال أعظم من رأى أبي حنيفة.
وأخرج عن أبي صالح الفراء قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول:
رد أبو حنيفة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعمائة حديث أو أكثر وانه سئل عن مسألة فأجاب فيها ثم قيل له: يروى عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيها كذا وكذا قال:
دعنا من هذا وفي رواية قال: حك هذا بذنب خنزيرة.
قال: ابن خلكان ص١٦٥، ج٢ من الوفيات ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية فمن ذلك ما روى: ان أبا عمرو بن العلاء المقرى النحوي سأله عن القتل بالمثقل هل يوجب القود أم لا؟ فقال: لا، فقال: له أبو عمرو ولو قتله بحجر المنجنيق فقال: ولو قتله (بأبي قبيس).
يقول الشيخ عباس القمي: (أقول): روى ابن شهر آشوب في المناقب وعامة
رواياته عن العامة انه جاء أبو حنيفة إلى الصادقعليهالسلام ليسمع منه وخرج أبو عبد اللهعليهالسلام يتوكأ على عصا فقال أبو حنيفة: يا ابن رسول الله ما بلغت من السن ما تحتاج معه إلى العصا، قال: هو كذلك ولكنها عصا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أردت التبرك بها، فوثب أبو حنيفة إليها وقال له: أقبلها يا بن رسول الله فحسر أبو عبد اللهعليهالسلام عن ذراعه وقال: والله لقد علمت ان هذا بشرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وان هذا من شعره فما قبلته وتقبل العصا.
توفي سنة مائة وخمسين وقبره ببغداد في مقبرة خيزران(١) .
__________________
١ - الاحتجاج : ج ٢ ، ص ١١١ - ١١٤ ، الهامش.
أبو حيان الأندلسي
كشدّاد، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي الحياني الأندلسي النحوي، كان من أقطاب سلسلة العلم والأدب، وأعيان المبصرين بدقائق ما يكون من لغة العرب. حكي انه سمع الحديث بالأندلس وأفريقية والإسكندرية ومصر والحجاز من نحو أربعمائة وخمسين شيخاً.
له شرح التسهيل ومختصر المنهاج للنووي والارتشاف وغير ذلك.
وكان شيخ النحاة بالديار المصرية وأخذ عنه أكابر أهل عصره. فعن الصفدي انه قال: لم أره قط إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب أو ينظر في كتاب، وكان ثبتاً صدوقاً حجة سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم ومال إلى مذهب أهل الظاهر والى محبة أمير المؤمنين علي بن ابى طالبعليهالسلام كثير الخشوع والبكاء عند قرائة القرآن.
توفي بالقاهرة سنة ٧٤٥. ومن شعره:
أرحت روحي من الإيناس بالناس |
لما غنيت عن الأكياس بالياس |
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحداً |
بنات فكري وكتبي كان جلاسي(١) |
وقال أيضاً:
وزهدني في جمعي المال انه |
إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا |
|
فلا روحه يوماً أراح من العنا |
ولم يكتسب حمداً ولم يدخر أجرا(٢) |
ومن شعره أيضاً:
عداي لهم فضل علي ومنة |
فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا |
|
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها |
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا |
يروي عنه شيخنا الشهيد بواسطة تلميذه جمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم ابن الخليل البغدادي(٣) .
أبو حيان التوحيدي
علي بن محمد بن عباس الشيرازي
__________________
١ - نهج السعادة للمحمودي: ص٥٠.
٢ - المصدر السابق: ص٢٤٦.
٣ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٥٩ - ٦٠.
النيسابوري البغدادي، شيخ الصوفية فيلسوف الأدباء، أديب الفلاسفة، والمتفنن في كثير من العلوم كالنحو والأدب والفقه والشعر والكلام.
حكي انه كان قليل الورع بل قالوا انه كان من زنادقة عصره(١) . عزم الصاحب بن عباد والوزير المهلبي على قتله فاستتر. وتوفي في حدود سنة ٣٨٠ بشيراز وله مصنفات منها: كتاب سماه مثالب الوزيرين ضمنه معايب أبي الفضل بن العميد والصاحب بن عباد.
قال ابن خلكان: تحامل عليهما وعدد نقائصهما وسلبهما ما اشتهر عنهما من الفضائل والافضال وبالغ في التعصب عليهما وما انصفهما وهذا الكتاب من الكتب المحذورة ما ملكه أحد إلا وانعكست أحواله ولقد جربت ذلك وجربه
__________________
١ - نقل عن تاريخ ابن الفرج بن الجوزي قال: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وابن حيان التوحيدي وأبو العلاء. قال: وأشرهم على الإسلام أبو حيان لأنه مجمخ. (رجل مجمخ الأخلاق كمعظم، فاسدها).
غيري على ما أخبرني من أثق به(١) .
__________________
١ - القمي ، م س : ج ١ ، ص ٦١
أبو دجانة
بالضم والتخفيف هو سماك بالكسر والتخفيف ابن خرستة بالفتحات ابن لوزان كسكران.
صحابي أنصاري بطل شجاع عد من الذابين عن الإسلام وقد ظهر منه في جهاده وحروبه ما يدل على ذلك.
فمما شوهد منه ما حكي عن بعض التواريخ في وقعة اليمامة سنة ١١ ان مسيلمة الكذاب وبني حنيفة لما دخلوا الحديقة وأغلقوا عليهم بابها وتحصنوا فيها قال أبو دجانة: اجعلوني في جنة ثم ارفعوني بالرماح والقوني عليهم في الحديقة فاحتملوه حتى أشرف على الجدار، فوثب عليهم كالأسد فجعل يقاتلهم ثم احتملوا البراء بن مالك فاقتحمها عليهم وقاتل على الباب وفتحه للمسلمين ودخلوها عليهم فاقتتلوا أشد قتال وكثر القتلى في الفريقين لا سيما في بنى حنيفة، فلم يزالوا كذلك حتى قتل مسيلمة، واشترك في قتله وحشي وأبو دجانة، وقتل في
هذه الواقعة جماعة كثيرة من الصحابة، وقتل أيضاً أبو دجانة وقيل بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع أمير المؤمنين والله أعلم.
وما ظهر منه في أحد من أخذه السيف عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واختياله في مشيه بين الصفين وقول النبي: إن هذه لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموطن. وثباته في نصرة النبي مشهور.
وينسب إليه الحرز المروي عن النبي لدفع الجن والسحر المعروف بحرز أبي دجانة، وهو حرز طويل.
وفي إرشاد المفيد روى المفضل بن عمر عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: يخرج مع القائمعليهالسلام من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً خمسة عشر من قوم موسىعليهالسلام الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون وسليمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصاراً
وحكاماً(١) .
أبو دُلَف
وهو قاسم بن عيسى العجلي، كان سيد أهله ورئيس عشيرته من عجل وغيرها من ربيعة، وكان معدوداً من الأمراء وكان شاعراً مجيداً شجاعاً بطلاً. حكي انه طعن فارساً فنفذت الطعنة إلى ان وصل السنان آخراً كان خلفه فقتلهما فقال بكر بن بطاح:
قالوا وينظم فارسين بطعنة |
يوم الهياج وما تراه كليلا |
|
لا تعجبوا لو ان طول قناته |
ميل إذاً نظم الفوارس ميلا(١) |
وكان جواداً وقد مدحه الشعراء
__________________
١ - كشف الغمة للإربلي: ج٣، ص٢٦٥، تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: ج١٣، ص٢٩٠، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٦٥ - ٦٦.
٢ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج١٢، ص٤١٤، تاريخ مدينة دمشق: ج٤٩، ص١٣٥.
بمدائح عظيمة، ويأتى في العكوك ما يتعلق به وكان شيعياً.
روى المسعودي في مروج الذهب قصة تدل على ان ابنه دلف كان ينتقص علياًعليهالسلام ويضع منه ومن شيعته، وكان عدواً لأبيه وكان سببه انه كان لزنية وحيضة والقصة معروفة، فعلى هذا الاعتبار بما حكى ابن خلكان عن الدلف الناصب ان رأى أباه بعد موته عرياناً واضعاً رأسه بين ركبتيه، ثم انشأ أبياتاً تدل على وحشته وشدة ما يلاقيه.
والعجب من ابن خلكان! كيف اعتمد عليه؟ مع نقله قصة من أبي دلف من إحسانه إلى العلويين وإلقاء السرور في قلوبهم رجاء شفاعة جدهم، والقصة هذه قال:
رأيت في بعض المجاميع ان أبا دلف لما مرض مرض موته حجب الناس عن الدخول لثقل مرضه فاتفق انه أفاق في بعض الأيام فقال لحاجبه: من بالباب من
__________________
١ – هكذا في الكنى و الألقاب
المحاويج؟ فقال: عشرة من الأشراف وقد وصلوا من خراسان ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقاً فقعد على فراشه واستدعاهم، فلما دخلوا رحب بهم وسألهم عن بلادهم وأحوالهم وسبب قدومهم فقالوا: ضاقت بنا الأحوال وسمعنا بكرمك فقصدناك فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق وأخرج منه عشرين كيساً في كل كيس ألف دينار، ودفع لكل واحد منهم كيسين ثم أعطى كل واحد مؤونة طريقه وقال لهم لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم واصرفوا هذا في مصالح الطريق ثم قال ليكتب لي كل واحد منكم خطه انه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن ابى طالبعليهالسلام ويذكر جدته فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم ليكتب يا رسول الله اني وجدت ضائقة وسوء حال في بلدي وقصدت أبا دلف العجلي فأعطاني ألفي دينار كرامة لك وطلباً لمرضاتك ورجاء لشفاعتك.
فكتب كل واحد منهم ذلك وتسلم الأوراق، وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات ان يضع تلك الأوراق في كفنه حتى
يلقى بها رسول الله ويعرضها عليه(١) .
توفى سنة ٢٢٦.
أبو ذر الغفاري
كتب الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب:
وهو جندب بالجيم المضمومة وسكون النون وفتح الدال المهملة ابن جنادة بضم الجيم، وقيل جندب بن السكن، مهاجري، أحد الأركان الأربعة. روي عن الباقرعليهالسلام انه لم يرتد. مات في زمن عثمان بالربذة، له خطبة يشرح فيها الأمور بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال فيه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر(٢)
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٧١ - ٧٢.
٢ - خلاصة الأقوال للعلامة الحلي: ص٩٦، التاريخ الكبير للبخاري: ج٩، ص٢٣، تذكرة الحفاظ للذهبي: ج١، ص١٨، روضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص٢٨٣، مناقب ابن شهرآشوب: ج٢، ص٢٨٦، الطرائف لابن طاووس: =
ويقول القمي: وما ورد في فضله وفضل صاحبيه سلمان والمقداد أكثر من ان يذكر وقد أشرنا إلى جملة مما يتعلق به في كتاب سفينة البحار، فلنكتف هنا بذكر ثلاث روايات نافعة.
الأولى: روى الشيخ عن العبد الصالحعليهالسلام قال بكى أبو ذر من خشية الله حتى اشتكت بصره فقيل له لو دعوت الله يشفي بصرك، فقال انى عن ذلك مشغول وما هو بأكبر همي، قالوا وما يشغلك عنه؟ قال العظيمتان، الجنة والنار.
الثانية: روى الثقة الجليل الحسين بن سعيد الاهوازي عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أتى أبا ذر رجل فبشره بغنم له قد ولدت فقال: يا أبا ذر قد ولدت غنمك وكثرت، فقال: ما يسرني كثرتها فما أحب ذلك فما قل وكفى أحب إلي مما كثر وألهى، أني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: على حافتي الصراط يوم القيامة الرحم
__________________
= ص١١٩، وسائل الشيعة (الإسلامية) للعاملي: ج٧، ص٢٢٥، مسند أحمد بن حنبل: ج٥، ص١٩٧، مجمع الزوائد للهيثمي: ج٩، ص٣٣٠.
والأمانة فإذا مر عليه الوصول للرحم المؤدي للأمانة لم يتكفأ به في النار.
وفي رواية أخرى وإذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل ويكفأ به الصراط في النار.
الثالثة: في البحار عن الدعائم عن جعفر بن محمدعليهالسلام قال: وقف أبو ذررحمهالله عند باب الكعبة فقال: أيها الناس أنا جندب بن السكن الغفاري اني لكم ناصح شفيق فهلموا فاكتنفه الناس فقال: ان أحدكم لو أراد سفر لاتخذ من الزاد ما يصلحه ولا بد منه فطريق يوم القيامة أحق ما تزودتم له، فقام رجل فقال: فارشدنا يا أبا ذر، فقال: حج حجة لعظائم الأمور وصم يوماً لزجرة النشور وصل ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور وكلمة حق تقولها، وكلمة سوء تسكت عنها صدقة منك على مسكين فلعلك تنجو من يوم عسير(١) .
توفي سنة ٣١ أو ٣٢.
__________________
١ – الكنى و الألقاب : ج ١ ، ص ٧٥
قال ابن شهرآشوب في مناقبه: الصحيح: ان أول من صَنَّفَ في الإسلام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ثم سلمان الفارسي ثم أبو ذر الغفاري.
وقال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي:
جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، أحد الأركان الأربعة، له خطبة يشرح فيها الأمور بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وقال السيد الصدر: أول من صنف في الآثار بعد سلمان هو أبو ذر الغفاري له كتاب (الخطبة) شرح فيها الأمور الواقعة بعد النبي(١) صلىاللهعليهوآلهوسلم
قبل هذا أشرنا إلى ان السلطات الحاكمة لم تمنع تدوين الحديث وكتابة الروايات فحسب، بل انها عمدت إلى الوقوف بوجه تناقلها أيضاً وأشرنا كذلك إلى ان الأخذ بهذه السنة السيئة والعمل بها تواصل بقوة حيث صدر في عهد الخليفة الثالث حكم مفاده:
__________________
١ - الفهرست للطوسي : ص ٩٥ ، و خلاصة الأقوال للعلامة الحلي : ص ٩٦
لا يحق لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر(١) .
لكن أبو ذر لم يتحمل هذا الحكم إلا أياماً معدودات سكت خلالها عن ذكر الحق، وضم شفتيه أياماً، وسكت عن ذكر الحق، ولما كان أبو ذر منادي الحق لم تلق تهديدات الحكام هذه عنده آذان صاغية.
جاء في طبقات ابن سعد:
ان أبا ذر كان جالساً عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثم قال: ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه، فقال: أرقيب أنت على؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت اني أنفذ كلمة سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل ان تجيزوا علي لأنفذته(٢) .
__________________
١ - مسند أحمد: ج٤، ص٦٤، معالم المدرستين: ج٣، ص٦٤، المعجم المفهرس لألفاظ بحار الأنوار: ج١، ص٣٢.
٢ - طبقات ابن سعد: ج٢، ص٣٥٤، البخاري: ج١، ص٢٧، وفتح الباري: ج١٨، ص١٧٠، سنن =
وكي يظل الناس جهالاً، كان نفي أبو ذر في البلاد، وصدرت الأوامر في ان لا يجلس أحد إليه أو يسمع حديثه(١)
كتب الأستاذ جعفر الخليلي في موسوعة العتبات المقدسة، في باب الطبقة الأولى من رجالات الشيعة ما يلي:
هو جندب بن جنادة المشهور بكنيته: (أبو ذر) الصحابي الجليل باتفاق المسلمين، والزاهد المشهور بين صحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ذو اللهجة الصادقة والتشيع العميق لعلي بن أبي طالبعليهالسلام ، أسلم في مكة وأعلن إسلامه في المسجد الحرام جهرة في وسط قريش، فاجتمع عليه نفر منهم فأوسعوه ضرباً ولكماً ولم يخلصه من أيديهم إلا العباس بن عبد المطلب، ففي الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال: (أمرني الله بحب أربعة وأخبرني انه
__________________
= الدارمي: ج١، ص١١٢، المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث بحار الأنوار، المقدمة: ج١، ص٣٢.
٢ - المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث البحار: ص٣٢.
يحبهم: علي وسلمان والمقداد وأبو ذر)، وهو أحد النجباء الأربعة عشر الذين انتجبهم واصطفاهم رسول الله.
وفي الحديث المتفق عليه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ان أبا ذر يعيش وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ان أبا ذر في أمتي كعيسى في الزهد.
وكان أبو ذر داعية للتشيع لعليعليهالسلام ، وكان يسمي علياًعليهالسلام بأمير المؤمنين في عهد الخلفاء، وإليه يرجع أثر التشيع في سوريا ولبنان، وقد سبب له إخلاصه لعلي وإيمانه بالتشيع، وتصلبه في موالاة أهل البيت ان طاردته السلطات في عهد عثمان مطاردة عنيفة ولحقه من الأذى على عهد معاوية شيئاً كثيراً.
يقول ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ٣٠هـ: ويقول الطبري: (وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وذكر في سبب ذلك أسباباً
كثيرة منها: سب معاوية له وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام على بعير بغير وطاء يقيه من البرد، والحر، ونقله من المدينة على الوجه الشنيع كرهت ذكرها) ومما يؤيد دعوته إلى التشيع(١) .
ويقول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (الشيعة والتشيع): كان أبو ذر ينادي في الناس ويقول: عليكم بكتاب الله والتشيع لعلي ابن أبي طالبعليهالسلام ، وكان يدخل مكة ويتعلق بحلقة بابها ويقول:
أنا جندب بن جنادة لمن عرفني وأنا أبو ذر لمن لم يعرفني، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: في هذا المكان وإلا صمّت أذناي: علي بن أبي طالب الصديق الأكبر فيا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو قدمتم من قدمه الله وأخرتم من أخره الله ورسوله لما عال ولي الله ولا طاش سهم في سبيل الله، ولا اختلفت الأمة بعد نبيها. وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: أنت أول من
__________________
١ – الكامل لابن الأثير : ص ٢٤ – ٢٥
أقرّ بي، وأول من يصافحني يوم القيامة(١) .
كان أبو ذر يعلن التشيع ويدعو الناس إليه، وإلى موالاة عليعليهالسلام كما تقدم، لاسيما في عهد عثمان الذي مهدت خلافته الطريق لاستيلاء بني أمية على الحكم، وكان أبو ذر كغيره من الصحابة يرون في استيلاء بني أمية على الحكم انحرافاً بالدين الحق للجاهلية العمياء، وقلب الخلافة الإسلامية التي دستورها الإسلام إلى ملكية كسروية أو قيصرية دستورها الحكم الفردي
__________________
١ - وجاء في أمالي الصدوق : ص٢٧٤، عن أبي سخيلة، قال: أتيت أبا ذر (رحمه الله) فقلت: يا أبا ذر، إني قد رأيت اختلافاً، فبماذا تأمرني؟ قال: عليك بهاتين الخصلتين: كتاب الله، والشيخ علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فإني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الأكبر، وهو الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، العتبات المقدسة، جعفر الخليلي: ج١، ص٣٥٠ - ٣٨٩.
والاستيلاء.
ولما كان التشيع مركزاً على مبادئ الدين الحنيف والمحافظة على شريعة الله كما أنزلها في كتابه المجيد وما أوحى به إلى نبيه الكريم كان أبو ذر يخشى ان ينحرف الأمويون بالدين عن قواعده، ولذا كان موقفه من عثمان جريئاً وصلباً في معارضته، لاسيما في إطلاق أيدي الأمويين في خيرات المسلمين، وما يغنمونه في الفتوحات والتصرف في أموال بيوت مال المسلمين التي تتكون من الخراج وجباية الزكاة حتى كانت أموالها أموالهم.
كان أبو ذر لا يكذب إذا حدّث، ولا ينطق بالباطل إذا دعا، فكانت معارضته لعثمان لا تشبه معارضة غيره لانصرافه عن الدنيا وما فيها من المتع والملاذ كما يحدثنا هو عن نفسه: ((ان بني أمية تهددني بالفقر والقتل وبطن الأرض أحب إليّ من
ظهرها، والفقر أحب إليّ من
الغنى))(١) .
قال له عثمان: كن عندي تغدو عليك وتروح اللقاح، فأجابه: لا حاجة لي في دنياكم(٢) .
لم يكن أبو ذر ليلهج بالآية الكريمة:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (٣) ، في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا في عهد أبي بكر ولا في عهد خلافة عمر، ولم يعارض أحداً منهم، ولم يطلب من عثمان ان يأخذ أموال الأغنياء ويفرقها على الفقراء وكان يعارض عثمان لأنه ترك سنَّة من قبله، لقد شاهد أبو ذر عمر يخطب وعليه ثوب فيه اثنتا عشرة رقعة(٤) ، وشاهد عثمان يملك وحده
__________________
١ - حياة الأولياء: ج٣، ص٤٣.
٢ - صفوة الصفوة: ج١، ص٢٢٣.
٣ - (التوبة:٣٤).
٤ - حلية الأولياء: ج٣، ص٥١، كما =
ثلاثمائة ألف درهم من الفضة وخمسمائة ألف وخمسين ومائة ألف دينار من الذهب(١) .
ووجده يعطي مروان صفقة واحدة خمس أفريقيا ويؤثره على الجند المحارب في سبيل فتحها.
ورأى معاوية يستأثر وحده بخيرات الشام والأردن وفلسطين، وسلط على رقاب المسلمين آل أبي معيط ولم يكن لهم سبق في الإسلام ولا سابق في الخيرات.
كان أبو ذر يعارض حكومة عثمان التي جعلت من المسلمين طبقتين؛ طبقة فقيرة لا أمل لها في القرص ولا عهد لها في الشبع، وطبقة ارستقراطية تتمتع بكافة الخيرات وهم حاشيته وأقرباؤه والمحسوبون عليه والمنسوبون إليه.
يقول الدكتور طه حسين في كتابه (علي وبنوه):
وكان أبو ذر يعارض عثمان معارضة شديدة لتصرفه في أموال المسلمين
__________________
= استخرجها الخليلي
١ - طبقات ابن سعد : ج ٣ ، ص ٥٣
كأنها أمواله، ولكنه لم يُحرَّكْ يده ولكن لسانه سلاحه الوحيد، وكان يقول: لو صلبني عثمان على أطول جذع من الجذوع لما غضبت(١) .
وكان أبو ذر يشاهد في الشام تصرفات معاوية اللادينية فيأتي إلى باب قصره ويتلو:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (٢) ، لأنه كان يرى بأن معاوية يخالف تعاليم الإسلام ويخرج عن سنة الخلفاء ويكنز الذهب والفضة.
يقول اليعقوبي(٣) وابن عبد الله في الاستيعاب في ترجمة الحكيم بن عمرو: ((إن زياد كتب إلى الحكم بن عمرو الغفاري عامله على خراسان إبان فتح كورها ان أمير المؤمنين معاوية كتب
__________________
١ - على وبنوه ، طه حسين : ص ٩٨ – ٩٩.
٢ - ( التوبة : ٣٤ )
٣ - تاريخ البلدان لليعقوبي : ج ٧ ، ص ٢٩٦
إليّ ان اصطفي له البيضاء والصفراء فلا تَقسِمَنَّ شيئاً من الذهب والفضة، فلم يلتفت إليه)).
واشتدت معارضته لمعاوية لما أوّل معاوية قول الله:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ، وقال بأنها نزلت في أهل الكتاب ولا يشمل حكمها المسلمين، فأخذ أبو ذر يرددها ويرددها على باب قصر معاوية وفي كل مكان لئلا ينخدع المسلمون بتأويل معاوية لحكم الآية الكريمة فينصرفوا في إنفاق ما رزقهم الله في جهة دون جهة أخرى.
لقد كان يريد من معاوية ان ينفق ما كنزه لنفسه من أموال المسلمين.
إن أبا ذر لم يحمل الناس على الثورة، ولم يكن يريد من الفقراء ان يبطشوا بالأغنياء ولا ينهبوا أموالهم ويستولوا على ما رزقهم من الرزق الحلال.
ان من التجني على أبي ذر الصحابي الجليل الذي لم يجد في عز الإسلام نظاماً يصلح للدنيا والآخرة ان يتهم
بالمذاهب المخالفة للإسلام في شريعته وأحكامه.
وكان الإمام عليعليهالسلام يحب أبا ذر ويحترم مقامه، واحترامه هذا وحبه له، حمله على ان لا يستمع لنداء عثمان بتحريم تشييع أبي ذر لما نفاه إلى الربذة، وجرت بينه وبين مروان في ذلك شجار.
بقيت أقوال أبي ذر ومعارضته لبني أمية وعلى رأسهم عثمان ومعاوية حديث المسلمين في كل مكان(١) .
أبو رافع
أبو رافع القبطي مولى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اختلف في اسمه والمشهور انه إبراهيم وقيل اسلم، كان مولى العباس عم النبي فوهبه للنبي، واعتقه النبي لما بشر بإسلام العباس.
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ان لكل نبي
__________________
١ – موسوعة العتبات المقدسة ، جعفر الخليلي : ج ١ ، ص ٣٥٠ - ٣٥٤
أميناً وان أميني أبو رافع. وشهد مع النبي صلى الله عليه وآله مشاهده، ولم يشهد بدراً لأنه كان مقيماً بمكة فيما ذكروا، ولزم أمير المؤمنين بعده.
وكان من خيار الشيعة وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة، وكان ابناه عبيد الله وعلي كاتبي أمير المؤمنينعليهالسلام وله كتاب السنن والأحكام والقضايا. وهو أول من جمع الحديث ورتبه بالأبواب. قال العلامة انه ثقة اعمل على روايته(١) .
وفي مقدمة المعجم المفهرس لبحار الأنوار جاء ما يلي:
مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان من الأوائل الذين اشتغلوا بكتابة الحديث وتدوين العلم.
وكان أول اسم أورده النجاشي في ((فهرس مصنفي الشيعة)) وحوله كتب يقول:
ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا. أخبرنا محمد بن جعفر
__________________
١ - الكنى و الألقاب : ج ١ ، ص ٧٧ - ٧٨
النحوي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا حفص بن محمد بن سعيد الاحمسي قال: حدثنا حسن بن حسين الانصاري قال: حدثنا علي بن القاسم الكندي، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع، عن علي بن أبي طالبعليهالسلام أنه كان إذا صلى قال في أول الصلاة...
وذكر الكتاب إلى آخره باباً باباً: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والقضايا(١) .
وقال السيد شرف الدين:
أبو رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصاحب بيت مال أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان من خاصة أوليائه والمستبصرين بشأنه، له كتاب السنن والأحكام والقضايا جمعه من حديث علي خاصة، فكان عند سلفنا في الغاية
__________________
١ - رجال النجاشي: ج٦، ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي: ج١، ص١٦١، ومرآة الكتب للتبريزي: ص٤٢، رياض المسائل للطباطبائي: ج١، ص١١
القصوى من التعظيم(١) .
وقال السيد الصدر:
أول من دوّن الحديث من شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام بعده، أبو رافع وقال الدكتور محمد عجاج الخطيب:
كان عند أبي رافع مولى أمير المؤمنينعليهالسلام كتاب فيه استفتاح الصلاة، دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث(٢) .
أبو سعيد الخدري
سعد بن مالك بن سنان المشهور بكنيته أبو سعيد الخدري من كبار الصحابة وأحفظهم للحديث، كان أول
__________________
١ - المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي العاملي: ص٤١٢.
٢ - مقدمة معجم البحار: ج١، ص٣١، والكفاية، محمد عجاج الخطيب: ص٣٣٠، والسنة قبل التدوين: ص٣٤٦، وبحوث في تاريخ السنة: ص٢٢٣، والمعجم الصغير للطبراني: ج١، ص٢٩٣، وتدوين السنة: ص٢١٦.
مشهد له مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وقعة الأحزاب، وقد ورد ذكره فيمن يقدم علياً على الشيخين ويفضله، مات سنة خمس وستين(١) .
قال الشيخ عباس القمي(٢) :
هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجي، كان من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام وكان من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان مستقيماً. روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال:
ان أبا سعيد الخدري كان رزق(٣) هذا الأمر وانه اشتد نزعه فأمر أهله ان يحملوه إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه ففعلوا فما لبث ان هلك.
وعنهعليهالسلام قال: كان علي بن الحسينعليهالسلام يقول: انى لأكره للرجل ان يعافى في الدنيا ولا يصيبه شيء من المصائب ثم ذكر ان أبا سعيد الخدري كان مستقيماً. نزع ثلاثة أيام فغسله أهله ثم حملوه
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة: ج١، ص٣٥٦.
٢ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ص٨٢ - ٨٣
٣ - هكذا ورد في الكنى.
إلى مصلاه فمات.
والخدري بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة منسوب إلى خدرة بن عوف جده. وكان أبوه مالك صحابياً استشهد يوم أحد، قيل لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد.
وعن ابن عبد البر قال: كان أبو سعيد من الحفاظ المكثرين والعلماء العظماء العقلاء وأخباره تشهد له بصحيح هذه الجملة.
وحكي انه استصغر بأحد فردَّ ثم شهد ما بعدها وروى الكثير. مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين وقيل غير ذلك.
قال ابن قتيبة في ذكر واقعة الحرة في الإمامة والسياسة: ولزم أبو سعيد الخدري بيته فدخل عليه نفر من أهل الشام فقالوا: أيها الشيخ من أنت؟ قال: انا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله، فقالوا: مازلنا نسمع عنك فبحظك أخذت في تركك قتالنا وكفك عنا ولزوم بيتك ولكن اخرج إلينا ما عندك، قال: والله ما عندي مال، فنتفوا لحيته وضربوه
ضربات ثم أخذوا كل ما وجدوا في بيته حتى الثوم وحتى زوج حمام كان له
وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:
أمه أنيسة بنت أبي حارثة من بين عدي بن النجار وأخوه لأمه قتادة بن النعمان.
وكان أبو سعيد من أفاضل الأنصار وحفظ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حديثاً كثيراً وروى عنه من الصحابة جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وورد المدائن في حياة حذيفة بن اليمان وبعد ذلك مع علي بن أبي طالب لما حارب الخوارج بالنهروان.
أخبرنا محمد بن علي الصالحي، قال: أنبأنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: نبأنا أبو جعفر محمد بن معاذ الهروي، قال: نبأنا أبو داود السنجي، قال: نبأنا الهيثم بن عدي، قال: نبأنا حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه، قال: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم من أبي سعيد الخدري.
__________________
١ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ص٨٢ - ٨٣
... مات أبو سعيد سنة أربع وخمسين(١) .
أبو سفيان
ابن الحرث بن عبد المطلب(٢) قيل اسمه كنيته وقيل اسمه المغيرة كان ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأخاه من الرضاعة أرضعته حليمة السعدية أياماً وكان ترب رسول الله يألفه إلفاً شديداً قبل النبوة، فلما بعثصلىاللهعليهوآلهوسلم عاداه وهجاه وهجا أصحابه وكان شاعراً، وأسلم هو وولده جعفر عام الفتح.
قال ابن عبد البر: انه كان من الشعراء المطبوعين وكان سبق له هجاء في رسول الله وإياه عارض حسان بقوله (ألا ابلغ أبا سفيان الخ) ثم أسلم فحسن إسلامه، فقيل انه ما رفع رأسه إلى
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج١، ص١٩٢ - ١٩٣.
٢ - هو غير أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس والد معاوية.
رسول الله حياء منه(١) .
وقال علي (ائت) رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبل وجهه فقل له ما قال أخوة يوسف ليوسف:( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٢) ) ، فإنه لا يرضى ان يكون أحد أحسن قولاً منه، ففعل ذلك أبو سفيان. قال: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٣) ) ، ثم ذكر منه أبياتاً في الاعتذار ثم قال وكان رسول الله يحبه وشهد له بالجنة.
وروي عن أبي سفيان بن الحارث انه قال: خرجت مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وشهدت فتح مكة وحنيناً فلما لقينا العدو بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السيف مصلتاً، والله يعلم اني أريد الموت دونه، وهو ينظر إلي، فقال له العباس أخوك وابن عمك، فقال: غفر الله له كل عداوة
__________________
١ - ذخائر العقبى للمحب الطبري: ص٢٤١، بحار الأنوار للمجلسي: ج٢٢، ص٢٥٩.
٢ - (يوسف:٩١).
٣ - (يوسف:٩٢).
عادانيها.
وعن ذخائر العقبى: كان أبو سفيان ممن ثبت مع رسول الله ولم يفر ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله حتى انصرف الناس وكان أحد السبعة الذين يشبهون رسول الله، ومات في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين وصلى عليه عمر، ودفن بالبقيع وقيل دفن في دار عقيل بن أبي طالب. وكان هو الذي حفر قبره بنفسه قبل ان يموت بثلاثة أيام وكانرحمهالله من فضلاء الصحابة(١) .
__________________
١ - ذخائر العقبى للمحب الطبري: ٢٤٢، الدرجات الرفيعة للسيد علي بن معصوم : ص ١٦٦، سبل الهدى و الرشاد للصالحي الشامي : ج١١، ص١٣٦.
أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية
صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس عداوته لرسول الله أشهر من ان تذكر لم يزل يثير الأقوام ويشكل الأحزاب على حرب رسول الله كما في بدر الكبرى وبدر الصغرى وفي أحد والأحزاب وفي وقائعه الأخرى، ولم يهدأ ساعة عن معاداة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في السر والعلانية وبإثارة النفوس والجيوش ضده ويجاهد المسلمين جهده إلى يوم فتح مكة فأسلم بحسب الظاهر خوفاً من القتل.
فعن ابن عباس قال: والله ما كان أبو سفيان إلا منافقاً ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان، وقد كف بصره وفينا عليعليهالسلام فأذن المؤذن فلما قال: أشهد ان محمداً رسول الله، قال: ها هنا من يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا، فقال لله در أخي هاشم انظروا أين وضع اسمه فقال علي أسخن الله عينيك يا أبا سفيان، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل:( وَرَفَعْنَا لَكَ
ذِكْرَكَ (١) ) ، فقال أبو سفيان: أسخن الله عين من قال لي: ليس ها هنا من يحتشم.
وحكي أيضاً انه قال في محضر عثمان: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة، وفي رواية أخرى تداولوها يا بنى أمية تداول الولدان الكرة فوالله ما من جنة ولا نار(٢).
وكان في الجاهلية يتجر في بيع الزيت والأدم ويجهز التجارة بماله وأموال قريش إلى بلاد العجم، فقئت عينه يوم الطائف فبقي أعور إلى يوم وقعة اليرموك سنة ١٣ ففقئت عينه
__________________
١ - (الشرح:٤).
٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج٢، ص٤٥، و: ج١٥، ص١٧٥، الاحتجاج للطبرسي: ج١، ص٣٤٨، كتاب الأربعين للقمي الشيرازي: ص٦١٠، بحار الأنوار: ج٣١، ص١٩٨، وابن عبد البر في الاستيعاب بذيل الاصابة: ج٤، ص٨٧ ، مناقب الشيرواني: ص٤٦٥، دراسات في الحديث والمحدّثين لهاشم معروف الحسني: ص٩٠.
الأخرى فعمي.
توفى في دمشق عند ولده معاوية سنة ٣١ عن ثمان وثمانين سنة.
وكان بخيلاً ممسكاً كما شهدت بذلك زوجته هند في يوم البيعة، ويحكى عن بخله انه كان ينحر في كل أسبوع جزورين، فأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصاه.
يقول القمي(١) : (أقول) لا غرو من أبي سفيان هذه الخصلة الرذيلة فإنها شيمة من عرقت فيه عروق أمية فقد نقل عن محاضرات الراغب انه سأل أعرابي شيخاً من بني أمية وحوله مشايخ فقال: أصابتنا سنة ولي بضع عشرة بنتاً فقال الشيخ وددت ان الله ضرب بينكم وبين السماء صفائح من حديد فلا يقطر عليكم قطرة وأضعف بناتك أضعافاً وجعلك بينهن مقطوع اليد والرجل ما لهن كاسب سواك ثم صفر بكلب له فشد عليه وقطع ثيابه فقال السائل: والله ما أدري ما أقول لك
__________________
١ - القمي ، م س : ج ١ ، ص ٨٨
انك لقبيح المنظر سخيف المخبر فأعضك الله ببظور أمهات من حولك.
وابنه معاوية(١) هو الذي نصب لواء العداوة لعليعليهالسلام وأشاع لعنه في الناس فكان يلعن في كل مكان على المنابر قال: الخفاجي:
أعلى المنابر تعلنون بسبه |
وبسيفه نصبت لكم أعوادها |
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج في سبب بغض معاوية لأمير المؤمنينعليهالسلام انه مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة.
وروى أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك:
ان معاوية سمع المؤذن يقول أشهد ان لا إله إلا الله فقالها، فقال: أشهد ان محمداً رسول الله، فقال: لله أبوك يا ابن عبد الله لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلا ان تقرن اسمك باسم رب
__________________
١ - ذكره ابن قتيبة في المعارف في أسماء المؤلفة قلوبهم وكذا أباه، عن القمي، م. س: ج١، ص٨٩
العالمين.
وذكر الجاحظ ان قوماً من بني أمية قالوا له: انك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل، فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً(١) .
(قلت) العجب من ابن حجر حيث قال في الصواعق في ذكر أمير المؤمنينعليهالسلام وأعداؤه هم الخوارج ونحوهم من أهل الشام لا معاوية ونحوه من الصحابة لأنهم متأولون فلهم أجر.
وروى ابن أبي الحديد أيضاً من تاريخ محمد بن جرير الطبري: منع المعتضد القصاص عن القعود على الطرقات واجتماع الناس عليهم وتقدم إلى الشراب الذين يسقون الماء في الجامعين ان لا يترحموا على معاوية ولا
__________________
١ - انظر شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج٤، ص٥٧، النصائح الكافية لمحمد بن عقيل: ص٩٧، ومجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي: ج٢، ص١٩، الغدير للأميني: ج٢، ص ١٠٢.
يذكروه، وكانت عادتهم جارية بالترحم وعزم على لعن معاوية على المنابر وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس بعد صلاة الجمعة على المنبر، فخوفه عبيد الله بن سليمان اضطراب العامة وعاونه يوسف بن يعقوب القاضي في ذلك فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعت السيف فيها فقال يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذي يخرجون في كل ناحية ويميل إليهم خلق كثير لقرابتهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما في هذا الكتاب من إطرائهم فأمسك المعتضد وكان من جملة الكتاب بعد ان قدم حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، أما بعد فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم الخ وفيه جملة من مطاعن معاوية وابيه.
قال الفيروز أبادي في القاموس ولمعاوية الكلبة المستحرمة وجرو الثعلب، وبلا لام ابن أبي سفيان
الصحابي. المستحرمة أي الكلبة التي أرادت الفحل(١) .
وأم معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة زوجة أبي سفيان أحوالها مشهورة وكانت في يوم أحد تحرض المشركين على قتال المسلمين وكانت في وسط العسكر، كلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلاً ومكحلة وقالت انما أنت امرأة فاكتحل بها وأعطت وحشياً عهداً لأن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطينك رضاك، فلما قتل حمزة أخذت كبده في فمها وقطعت أذنيه وجعلتهما خرصين وشدتهما في عنقها وقطعت يديه ورجليه إلى غير ذلك ومن ذلك اليوم لقبت بآكلة الأكباد.
وخبر بيعتها في يوم فتح مكة وكلماتها مع رسول الله مذكورة في تفسير الطبرسي وغيره.
وابن معاوية يزيد الذي أخذ معاوية من الناس بيعته، وهو غلام حدث يشرب الخمر ويلعب بالكلاب.
__________________
١ - القاموس المحيط للفيروز آبادي : ج ١ ، ص ٤٧
قال المسعودي في مروج الذهب وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على شراب، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسينعليهالسلام فأقبل على ساقيه فقال:
اسقنى شربة تروي مشاشي |
ثم صل فاسق مثلها ابن زياد |
|
صاحب السر والأمانة عندي |
ولتسديـد مغنمـي وجهادي(١) |
ثم أمر المغنين فغنوا.
قال القمي: (قلت) ونقل السبط ابن الجوزي في التذكرة ان يزيد استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة وقرب مجلسه ورفع منزلته وأدخله على نسائه وجعله نديمه وسكر ليلة وقال للمغني غن ثم قال يزيد
__________________
١ - شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي: ج٣، ص٢٥٣، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٢٢، ص١٤٤، ومعالم المدرستين، مرتضى العسكري: ج٣، ص١٧٢، مروج الذهب: ج٢، ص٧٤
بديهاً اسقني شربة، الآبيات بزيادة هذا الشعر:
قاتل الخارجي أعني حسيناً |
ومبيد الأعداء والحساد |
وقال المسعودي: وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب.
وقال وسيرته سيرة فرعون بل كان فرعون أعدل منه في رعيته وأنصف منه لخاصته وعامته.
وقال بعض العلماء وتطرق إلى هذه الأمة العار بولايته عليها حتى قال أبو العلاء المعري يشير بالشنار إليها:
أرى الأيام تفعل كل نكر |
فما أنا في العجائب مستزيد |
|
أليس قريشكم قتلت حسيناً |
وكان على خلافتكم يزيد |
إلى غير ذلك مما ليس مقام نقله وفي قوله تعالى في آية الرؤيا:( فَمَا
يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً (١) ) ، لطافة لا تخفى ومن أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد قوله:
معشر الندمان قوموا |
واسمعوا صوت الأغاني |
|
واشربوا كأس مدام |
واتركوا ذكر المعاني |
|
شغلتني نغمة العيدا |
ن عن صوت الأذان |
|
وتعوضت عن الحو |
ر عجوزاً في الدنان |
وللسيد محمد باقر الحجة:
ألا ترى انتهى إلى ابن حرب |
ومن نشى في لعب وشرب |
|
يزيدهم عاراً وهل يزيد |
يصبح مولى والورى عبيد |
|
يزيد من ولاه للإمامة |
خزياً ويلقى ذنبه أمامه |
|
أيخلف النبي من تمثلا |
في لعبت هاشم بالملك فلا |
__________________
١ – ( الإسراء : من الآية ٦٠ )
وهل ترى يهدي الورى للرشد |
من رشده غي ولا يهدي |
|
وهل لهذا المنصب الأقصى يصح |
من قال للغراب صح أو لا تصح |
|
ومن قضى ديونه من النبي |
في الطف يقتدى فيا للعجب |
قال السبط ابن الجوزي: ولما لعنه جدي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا فقال جدي:( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (١) )
وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم ان جماعة سألوا جدي عن يزيد فقال: ما تقولون في رجل ولي ثلاث سنين، في السنة الأولى قتل الحسين بن عليعليهالسلام ، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها؟ فقالوا: نلعن، فقال:
__________________
١ – ( هود : من الآية ٩٥ )
فالعنوه.
وقال جدي في كتاب الرد على المتعصب العنيد وقد جاء في الحديث لعن من فعل مالا يقارب عشر معشار فعل يزيد ثم ذكر لعن الواشمات والمتوشمات والمصورين وآكل الربا وموكله ولعنت الخمرة على عشرة وجوه(١) .
أبو طالب
قال الطبرسي في كتابه الاحتجاج:
شيخ البطحاء، ورئيس مكة، وشيخ قريش، أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم الرسول وكافله، وأبو الأئمةعليهمالسلام سلام الله عليهم أجمعين.
اسمه الشريف عبد مناف، وقيل: ((عمران)) وقيل اسمه: " كنيته " والأول أصح لقول عبد المطلب وهو يوصيه برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعده:
أوصيك يا عبد مناف بعدي |
بواحد بعد أبيه فرد |
__________________
١ - هكذا جاء في الاحتجاج ولم أعثر لها على معنى. المؤلف.
وقوله أيضاً:
وصـيـت من كنـيـتـه بطــالب |
عبد مناف وهو ذو تجارب |
|
بابن الحبيب الأكرم الأقارب |
بابن الذي قد غاب غير آيب |
وأمه فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم، وهي أم عبد الله والد النبي وأم الزبير بن عبد المطلب وقد انقرض(١) .
وأولد أبو طالب أربعة بنين: طالباً، وعقيلاً، وجعفراً، وعلياً أمير المؤمنينعليهالسلام وكان كل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين، وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهى أول هاشمية ولدت لهاشمي.
كان أبو طالبعليهالسلام : شيخاً، وسيماً، جسيماً، عليه بهاء الملوك، ووقار الحكماء، وكانت قريش تسميه: ((الشيخ))، وكانوا يهابونه، ويخافون
__________________
١ - هكذا جاء في الاحتجاج ولم أعثر لها على معنى. المؤلف.
سطوته، وكانوا يتجنبون أذية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أيامه، فلما توفي سلام الله عليه، اجترءوا عليه واضطر إلى الهجرة من وطنه مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
قيل لأكثم بن صيفي حكيم العرب ممن تعلمت الحكمة والرياسة، والحلم والسيادة؟
قال: من حليف الحلم والأدب، سيد العجم والعرب، أبو طالب بن عبد المطلب.
وجرى ذات يوم كلام خشن بين معاوية بن أبي سفيان وصعصعة وابن الكواء، فقال معاوية: لو لا اني أرجع إلى قول أبي طالب لقتلتكم وهو:
قابلت جهلهم حلماً ومغفرة |
والعفو عن قدرة ضرب من الكرم |
وكان سلام الله عليه مستودعاً للوصايا فدفعها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الذي كفله وحماه من قريش ودافع عنه.
روى عن فاطمة بنت أسد: انه لما
ظهر(١) امارة وفاة عبد المطلب قال لأولاده:
من يكفل محمداً؟ قالوا: هو أكيس منا، فقل له يختار لنفسه، فقال عبد المطلب: يا محمد جدُّك على جناح السفر إلى القيامة، أي عمومتك وعماتك تريد ان يكفلك؟ فنظر في وجوههم ثم زحف إلى عند أبي طالب، فقال له عبد المطلب: يا ابا طالب اني قد عرفت ديانتك وأمانتك، فكن له كما كنت له.
وروى: انه قال له: يا بني قد علمت شدّة حبي لمحمد ووجدي به، انظر كيف تحفظني فيه، قال أبو طالب: يا أبه لا توصني بمحمد فإنه ابني وابن أخي.
فلما توفي عبد المطلب، كان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه، وعلى جميع أهله.
فلما بعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وصدع بالأمر امتثالاً لقوله تعالى:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
__________________
١ - هكذا جاء في الاحتجاج و الأظهر انها ( ظهرت ) حيث ان الامارة مؤنثة المؤلف.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١) ) ونزل قوله تعالى:( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٢) ) أجمعت قريش على خلافه فحدب عليه أبو طالبعليهالسلام ومنعه وقال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتى أُوسَّــد بالتراب دفينـــــــا |
|
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة |
وابشر بذاك وقر منك عيونا |
|
ودعوتني وزعمت انك ناصح |
فلقد صدقت وكنت قبل أمينا |
|
وعرضت ديناً قد عرفت بأنه |
من خير أديان البريـة دينـــا |
وروى عن زين العابدينعليهالسلام : انه اجتمعت قريش إلى أبي طالب ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عنده فقالوا: نسألك من ابن أخيك النصف.
قال: وما النصف منه؟
قالوا: يكف عنا ونكف عنه، فلا يكلمنا ولا نكلمه، ولا يقاتلنا ولا
__________________
١ - ( الحجر : ٩٤ )
٢ - ( الأنبياء : ٩٨ )
نقاتله، ألا ان هذه الدعوة قد باعدت بين القلوب، وزرعت الشحناء، وانبتت البغضاء.
فقال: يابن أخي أسمعت؟
قال: يا عم لو انصفني بنو عمي لأجابوا دعوتي، وقبلوا نصيحتي، ان الله تعالى أمرني أن أدعو إلى دينه، الحنيفية ملة إبراهيم، فمن أجابني فله عند الله الرضوان والخلود في الجنان، ومن عصاني قاتلته حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(١) .
فقالوا: قل له يكف عن شتم آلهتنا فلا يذكرها بسوء.
فنزل:( قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٢) )
قالوا: ان كان صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا، ومن يكفر، فان وجدناه صادقاً آمنّا به فنزل: مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ
__________________
١ - روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: ص٥٤، وحلية الأبرار: ج١، ص٧٣.
٢ - (الزمر:٦٤).
الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١) )
قالوا: والله لنشتمنك وإلهك فنزل:( وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٢) )
قالوا: قل له: فليعبد ما نعبد، ونعبد ما يعبد، فنزلت سورة الكافرين(٣) .
فقالوا: قل له أرسله الله إلينا خاصة، أم إلى الناس كافة؟
قال: بل إلى الناس أرسلت كافة: إلى الأبيض والأسود، ومن على رؤس الجبال، ومن في لجج البحار، ولأدعون ألسنة فارس والروم،( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي
__________________
١ - (آل عمران :١٧٩).
٢ - (ص:٦).
٣ – هكذا جاء في الاحتجاج والأصح (( الكافرون )).
وَيُمِيتُ (١) )
فتجبرت قريش واستكبرت وقالت: والله لو سمعت بهذا فارس والروم لاختطفتنا من أرضنا، ولقلعت الكعبة حجراً حجراً، فنزلت:( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢) )
وقوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (٣) )
فقال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على ان يتخلصوا مما تكرهه، فما أراك تريد ان تقبل منهم شيئاً.
فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت على خذلاني، ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك، فوثب كل قبيلة على ما فيها من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم،
__________________
١ - (الأعراف: من الآية ١٥٨).
٢ - (القصص:٥٧).
٣ - (الفيل:١).
ويستهزؤون بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب منهم وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً تصنع ما تصنع في بني هاشم، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والقيام دونه إلا أبا لهب.
وله في الدفاع عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مواقف شهيرة وشعر رواه الفريقان، نذكر فيما يلي نموذجاً منه:
منها: ما روى من ان أبا جهل بن هشام جاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ساجد وبيده حجر يريد ان يرميه به، فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد، فقال أبو طالب:
أفيقوا بني غالب وانتهوا |
عن الغيَّ من بعض ذا المنطق |
|
وإلا فاني إذن خائف |
بوائق في داركم تلتقي |
|
تكون لغيركم عبرة |
ورب المغارب والمشرق |
|
كما نال من نال من قبلكم |
ثمود وعاد وماذا بقي |
|
غداة اتاهم بها صرصر |
وناقة ذي العرش قد تستقي |
فحل عليهم بها سخطه |
من الله في ضربة الأزرق |
|
غداة يعض بعرقوبها |
حساماً من الهند ذا رونق |
|
وأعجب من ذاك في أمركم |
عجائب في الحجر الملصق |
|
بكف الذي قام من خبثه |
إلى الصابر الصادق المتقي |
|
فأثبته الله في كفه |
على رغمه الجائر الأحمق |
|
أحيمق مخزومكم إذ غوى |
لغي الغواة ولم يصدق |
ومنها: ما روى عن ابن عباس، ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دخل الكعبة، وافتتح الصلاة فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثاً ودماً وألقى ذلك عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجاء أبو طالب - وقد سل سيفه - فلما رأوه جعلوا ينهضون فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، ثم قال: يابن أخي من الفاعل بك؟ قال: هذا عبد الله فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً وألقى ذلك عليه.
ومنها قولهعليهالسلام يخاطب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مسكناً جأشه طالباً منه إظهار دعوته
لا يمنعنك من حق تقوم به |
أيد تصول ولا سلق بأصوات |
|
فان كفك كفي ان مليت بهم |
ودون نفسك نفسي في الملمات |
ومنها قوله يؤنب قريشاً ويحذرهم الحرب:
ألا من لهم آخر الليل معتم |
طواني وأخرى النجم لما تقحم |
|
طواني قد نامت عيون كثيرة |
وسامر أخرى ساهر لم ينوم |
|
لأحلام قوم قد أرادوا محمداً |
بظلم ومن لا يتقي البغي يظلم |
|
سعوا سفها واقتادهم سوء أمرهم |
على خائل من أمرهم غير محكم |
|
رجاء أمور لم ينالوا انتظامها |
ولو حشدوا في كل بدو وموسم |
|
يرجون منه خطة دون نيلها |
ضراب وطعن بالوشيج المقوم |
|
يرجون ان نسخى بقتل محمد |
ولم تختضب سمر العوالي من الدم |
|
كذبتم وبيت الله حتى تفلقوا |
جماجم تلقى بالحطيم وزمزم |
وتقطع أرحام وتنسى حليلة |
حليلاً ويغشى محرم بعد محرم |
|
هم الأسد أسد الزأرتين إذا غدت |
على حنق لم تخش اعلام |
|
معلم فيا لبني فهر أفيقوا ولم تقم |
نوائح قتلى تدعى بالتندم |
|
على ما مضى من بغيكم وعقوقكم |
وإتيانكم في أمركم كل مأثم |
|
وظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى |
وأمر أتى من عند ذي العرش قيم |
|
فلا تحسبونا مسلميه ومثله |
إذا كان في قوم فليس بمسلم |
|
فهذي معاذيرٌ وتقدمة لكم |
لئلا تكون الحرب قبل التقدم(١) |
ومنها: لما رأى المشركون موقف أبي طالبعليهالسلام من نصرة الرسول وسمعوا أقواله، اجتمعوا بينهم وقالوا ننافي بني هاشم، ونكتب صحيفة ونودعها الكعبة: ان لا نبايعهم، ولا نشاريهم،
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي: ج١، ص٣٤٣ - ٣٤٦، وانظر: مناقب ابن شهرآشوب: ج١، ص٥٣
ولا نحدثهم، ولا نستحدثهم ولا نجتمع معهم في مجمع، ولا نقضي لهم حاجة، ولا نقتضيها منهم، ولا نقتبس منهم ناراً حتى يسلموا إلينا محمداً ويخلوا بيننا وبينه، أو ينتهي عن تسفيه آبائنا، وتضليل آلهتنا، وأجمع كفار مكة على ذلك.
فلما بلغ ذلك أبا طالبعليهالسلام قال، يخبرهم باستمراره على مناصرة الرسول ومؤازرته له، ويحذرهم الحرب، وينهاهم عن متابعة السفهاء:
ألا ابلغا عني على ذات بينها |
لؤياً وخصا من لؤى بني كعب |
|
ألم تعلموا انا وجدنا محمداً |
نبيا كموسى خط في أول الكتب |
|
وان عليه في العباد محبة |
ولا حيف فيمن خصه الله بالحب |
|
وان الذي لفقتم في كتابكم |
يكون لكم يوماً كراغية السقب |
|
أفيقوا أفيقوا قبل ان تحفر الزبى |
ويصبح من لم يجن ذنباً كذى الذنب |
|
ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا |
أواصرنا بعد المودة والقرب |
وتستجلبوا حرباً عواناً وربما |
أمر على من ذاقه حلب الحرب |
|
فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا |
لعزاء من عض الزمان ولا حرب |
|
ولما تبن منا ومنكم سوالف |
وأيد أبيدت بالمهندة الشهب |
|
بمعترك ضنك ترى كسر القنا |
به والضباع العرج تعكف كالسرب |
|
كأن مجال الخيل في حجراته |
وغمغمة الأبطال معركة الحرب |
|
أليس أبونا هاشم شد أزره |
وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب |
ومنها: انه كان إذا نامت العيون وأخذ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مضجعه، جاءه فأنهضه وأضجع علياً مكانه فقال له عليعليهالسلام - ذات ليلة -: يا أبتاه إني مقتول، فقال أبو طالب:
اصبرن يا بني فالصبر أحجى |
كل حي مصيره لشعوب |
|
قد بلوناك والبلاء شديد |
لفداء النجيب وابن النجيب |
|
لفداء الأعز ذي الحسب الثاقب |
والباع والفناء الرحيب |
ان تصبك المنون بالنبل تترى |
مصيب منها وغير مصيب |
|
كل حي وان تطاول عمرا |
آخذ من سهامها بنصيب |
فقال عليعليهالسلام :
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد |
ووالله ما قلت الذي قلت جازعا |
|
ولكنني أحببت ان تر نصرتي |
وتعلم أني لم أزل لك طائعا |
|
وسعيى لوجه الله في نصر أحمد |
نبي الهدى المحمود طفلاً ويافعا(١) |
هذا نزر يسير من مواقف أبي طالبعليهالسلام ومؤازرته الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ومقاومته
__________________
١ - وينقل الشيخ المفيد ان علياًعليهالسلام قال بعد ذلك:
وَقَيتُ بِنَفسي خَيرَ مَن وَطِئَ الحَصى |
وَمَن طافَ بِالبَيتِ العَتيقِ وَبِالحَجَرِ |
|
رسُولُ إله الخلق إذ مكُروا بِهِ |
فَنجّاهُ ذو الطَولِ الكريم مِنَ الـمَكرِ |
|
وَباتَ رَسولُ اللهِ بالشعبِ آمِناً |
وذلكَ في حِفظِ الإِلَهِ وَفي سِترِ |
انظر الفصول المختارة: ص٥٩، وانظر شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد: ج١٤، ص٦٤.
للمشركين، وله كثير من أمثالها في دفاعه عن محمد، وعن دين محمد، وعن قرآن محمد وعن أتباع محمد، فهلا يأخذك العجب بعد اطلاعك على هذا وشبهه من أقوال أبي طالب وأفعاله، ألا تستغرب بعد هذا لو سمعت بعصابة أثرت فيها الروح الأموية الخبيثة، فدفعها خبث عنصرها، ورداءة نشأتها، وجرها الحقد إلى القول بان أبا طالبعليهالسلام مات كافراً!! وان تعجب فعجب قولهم: أبو طالب يموت كافراً؟!!
أبو طالب الذي يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد |
من خير أديان البرية دينا |
يموت كافراً؟!!
أبو طالب الذي يقول:
ليعلم خيار الناس ان محمداً |
وزير لموسى والمسيح بن مريم |
|
أتانا بهدى مثل ما أتيا به |
فكل بأمر الله يهدي ويعصم |
يا لله ويا للعجب قائل هذا يموت كافراً!!
أبو طاب الذي يقول:
ألا تعلموا انا وجدنا محمداً |
رسولاً كموسى خط في أول الكتب(١) |
ويقول مخاطباً رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أنت النبي محمد |
قرم أغر مسود |
ويقول:
قل لمن كان من كنانة في العز |
وأهل الندى وأهل المعالي |
|
قد أتاكم من المليك رسول |
فاقبلوه بصالح الأعمـــــال |
ويقول:
فخير بني هاشم أحمد |
رسول الإله على فترة |
وهو الذي يقول:
لقد أكرم الله النبي محمداً |
فأكرم خلق الله في الناس أحمد |
|
وشق له من اسمه ليجله |
فذو العرش محمود وهذا محمد |
ويقول:
ان ابن آمنة النبي محمداً |
عندي بمنزلة من الأولاد |
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي : ج ١ ، ص ٣٤٧
ويقول:
صدق ابن آمنة النبي محمد |
فتميزوا غيظاً به وتقطعـوا |
|
ان ابن آمنة النبي محمد |
سيقوم بالحق الجلي ويصدق |
أبو طالب الذي يقول:
يا شاهد الله علي فاشهد |
آمنت بالواحد رب أحمد |
من ظل في الدين فاني مهتدي
كل هذا وأبو طالب مات كافراً!!
إذا كان الإيمان بالتوحيد والإقرار بنبوة محمد لا تكفي في إيمان الرجل، ويكون معتقدها والمقر بها كافراً، فما هو الإسلام إذن؟!
إذا كان الذب عن الرسول والاعتراف بنبوته كفراً فما هو الإسلام؟
طبعاً يقول لسان حال تلك العصابة في الجواب:
الإيمان ان تتمكن في نفسك مبادئ أبي سفيان، وتؤمن بالذي يحلف به أبو سفيان وتقول كما قال: ((ما من جنة ولا نار))
أبو طالب مات كافراً، وأبو سفيان مات مسلماً.
هكذا يقولون:( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً (١) ) !
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٢) ) !
( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً (٣) )
أبو سفيان الذي حزّب الأحزاب ضد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي ما قامت راية كفر لحرب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا وهو قائدها وناعقها، والذي لم يزل يعلن الحرب والعداء لمحمد، ودين محمد، وإله محمد، وكتاب محمد، حتى فتح مكة فدخل الإسلام عليه رغم أنفه، ولم يدخل في قلبه، وأظهر الإسلام وأبطن الكفر، على العكس مما
__________________
١ - ( الكهف : ٥ )
٢ - ( النساء : ٥٠ )
٣ - ( المجادله : من الآية ٢ )
كان عليه أبو طالب تماماً.
أبو سفيان الذي أصر على محو اسم محمد رسول الله يوم صلح الحديبية يموت مسلماً وأبو طالب الذي يعترف برسالة محمد ويقول: هو رسول كموسى وعيسى يموت كافراً!
أبو سفيان الذي يقول - حين انتهت إليهم الخلافة بمحضر من عثمان ــ: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، والذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار يموت مسلماً!.
والذي يعترف بالبعث والنشور يموت كافراً(١) !
روى عن ابن عباس قال: والله ما كان أبو سفيان إلا منافقاً، ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره، وفينا عليعليهالسلام ، فأذن المؤذن فلما قال: اشهد ان محمداً رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: هاهنا من يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا.
فقال: لله در أخي هاشم انظروا أين
__________________
١ - الحتجاج للطبرسي : ص ٣٤٩
وضع اسمه، فقال عليعليهالسلام : أسخن الله عينك يا أبا سفيان الله فعل ذلك بقوله عز من قائل:( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (١) ) فقال أبو سفيان: أسخن الله عين من قال: ليس هاهنا من يحتشم.
والعجيب انهم يقولون عنه انه مات مسلماً، وأبو طالب مات كافراً!!
( وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا (٢) ) ،( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ (٣) ) ،( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم (٤) ) ،( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ (٥) )
وأكثر من هذا عجباً، وأبعد منه غرابة، ما لفقته تلك العصابة، وافترته على الرسول من انهصلىاللهعليهوآلهوسلم - وحاشاه - قال عنه انه في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، وانه منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه.
ولا أدري وليتني أبداً لا أدري لماذا
__________________
١ - (الشرح:٤).
٢ - (المائدة: من الآية٦٤).
٣ - (طـه: من الآية١٠٤).
٤ - (الفتح: من الآية١١).
٥ - (طـه: من الآية١٣٠).
يستحق أبو طالب هذا العذاب؟
ألأنــّه دافع عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أم هو الحقد، والبغض لابن أبي طالب الذي
لعنته بالشام سبعين عاماً |
لعن الله كهلها وفتاها |
ثم هل تريد ان أزيدك وأزودك من أمثال هذه الأضاليل والأباطيل، فاذكر لك ما رواه الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ اقبل العباس وعلي فقال: يا عائشة ان هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني.
وفى أخرى بنفس السند عنها أيضاً قالت كنت عند النبي فقال: يا عائشة ان سرك ان تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب(١) .
أسمعت هذا وبعد فهلا ترفع يدك إلى الدعاء وتقول معى: ((اللهم أدخلني
__________________
١ - الحتجاج للطبرسي : ص ٣٤٩
النار التي يقطن فيها علي بن أبي طالب، واجعلني في الضحضاح الذي فيه أبو طالب، ولا تدخلني الجنة التي يدخل فيها أبو سفيان، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية فسلام على تلك النار، ولعنة الله على هذه الجنة))!!!
ولولا أبو طالب وابنـــــه |
لما مثل الدين شخصاً فقاما |
|
فذاك بمكة آوى وحامى |
وذاك بيثرب خاض الحماما |
|
فلله ذا فاتحــــاً للهدى |
ولله ذا للمعالي ختامـــــــا |
توفى سلام الله عليه في ((٢٦)) رجب في آخر السنة العاشرة من مبعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ورثاه أمير المؤمنينعليهالسلام بقوله:
أبا طالب عصمة المستجير |
وغيث المحول ونور الظلم |
|
لقد هد فقدك أهل الحفاظ |
فصلى عليك ولي النعم |
ولقاك ربك رضوانه |
فقد كنت للطهر من خير عم(١) |
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي:ج١، ص٣٤١ - ٣٥٠، الهامش، طبع مطبعة النعمان في النجف الأشرف، ١٣٨٦هـ / ١٩٦٦م.
أبو طاهر محمد بن بلال
أبو طاهر محمد بن علي بن بلال، وقصته معروفة فيما جرى بينه وبين أبي جعفر محمد بن عثمان العمري - نضر الله وجهه - وتمسكه بالأموال التي كانت عنده للإمام، وامتناعه من تسليمها، وادعائه انه الوكيل، حتى تبرأت الجماعة منه ولعنوه، وخرج فيه من صاحب الزمان ما هو معروف.
(وحكى) أبو غالب الرازي: قال: حدثني أبو الحسن محمد بن محمد بن يحيى المعاذي قال: كان رجل من أصحابنا قد انضوى إلى أبي طاهر بن بلال بعد ما وقعت الفرقة ثم انه رجع عن ذلك وصار في جملتنا فسألناه عن السبب قال:
كنت عند أبي طاهر بن بلال يوماً وعنده أخوه أبو الطيب وابن حرز وجماعة من أصحابه إذ دخل الغلام فقال:
أبو جعفر على الباب، ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته للحال التي كانت جرت. وقال: يدخل.
فدخل أبو جعفر (رض) فقام له أبو طاهر والجماعة وجلس في صدر المجلس، وجلس أبو طاهر كالجالس بين يديه، إلى ان سكتوا ثم قال:
يا أبا طاهر نشدتك بالله ألم يأمرك صاحب الزمان بحمل ما عندك من المال إلي؟ فقال: اللهم نعم.
فنهض أبو جعفر (رض) منصرفاً، ووقعت على القوم سكتة، فلما تجلت عنهم قال له أخوه أبو الطيب: من أين رأيت صاحب الزمان؟
فقال أبو طاهر: ادخلني أبو جعفر (رض) إلى بعض دوره فأشرف علي من علو داره فأمرني بحمل ما عندي من المال إليه.
فقال له أبو الطيب: ومن أين علمت انه صاحب الزمانعليهالسلام ؟ قال قد وقع علي من الهيبة له، ودخلني من الرعب منه، ما علمت انه صاحب الزمانعليهالسلام ، فكان هذا سبب انقطاعي عنه(١) .
__________________
١ - الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٠١، الاحتجاج للطبرسي: ج٢، ص٢٩٣، بحار الأنوار: ج٥١ ، =
أبو عبيد
القاسم بن سلام كظلام كان أبوه عبداً رومياً من أهل هراة.
كان أبو عبيد من المشاهير في اللغة والحديث والأدب والغريب والفقه وصحة الرواية وسعة العلم، وكان كما قال السيوطي: إمام أهل عصره في كل فن من العلم.
له من التصانيف غريب القرآن وغريب الحديث إلى غير ذلك.
ولي القضاء بطرطوس ثمان عشرة سنة.
روى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وغيرهم.
يقال انه أول من صنف في غريب الحديث. وكان منقطعاً إلى عبد الله بن طاهر ذي اليمينين، ويأتي في أبو عبيدة ما يتعلق بذلك(١) .
__________________
= ص ٣٦٩.
١ – الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : =
توفي بمكة بعد فراغه من الحج سنة ٢٢٣ أو ٢٢٤.
__________________
= ج ١ ، ص ١١٨
أبو عبيدة
معمر كجعفر بن مثنى كمعمى البصري النحوي اللغوي.
كان متبحراً في علم اللغة وأيام العرب وأخبارها، ويحكى انه يقول: ما التقى فرسان في جاهلية وإسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسهما.
أخذ عن يونس بن حبيب النحوي وشيخه أبي عمرو العلاء.
وهو أول من صنف غريب الحديث.
وكان أبو نؤاس الشاعر يتعلم منه ويصفه ويذم الأصمعي، سئل عن الأصمعي فقال: بلبل في قفص، وعن أبي عبيدة فقال: أديم طوي على علم.
وقال بعضهم كان الطلبة إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر، لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة قليل الفائدة، وأبو عبيدة بضد ذلك.
قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الدراية عند ذكره لغريب الحديث ما
هذا قوله: وقد صنف فيه جماعة من العلماء، قيل أول من صنف فيه النضر بن شميل، وقيل أبو عبيدة معمر بن المثنى وبعدهما أبو عبيد القسم بن سلام وابن قتيبة ثم الخطابي فهذه أمهاته ثم تبعهم غيرهم بزوائد وفوائد كابن الأثير فانه بلغ بنهايته النهاية. ثم الزمخشري ففاق في الفائق كل غاية والهروي فزاد في غريبه غريب القرآن مع الحديث(١) .
توفي سنة ٢٠٩، وفي مروج الذهب: وفي سنة ٢١١ مات أبو عبيدة العمري معمر بن المثنى كان يرى رأي الخوارج وبلغ نحواً من مائة سنة ولم يحضر جنازته أحد من الناس بالمصلى حتى اكتري لها من يحملها ولم يكن يسلم عليه شريف ولا وضيع إلا تكلم فيه وله مصنفات حسان في أيام العرب وغيرها منها كتاب المثالب... الخ(٢) .
__________________
١ - نفس المصدر : ج ١ ، ص ١١٨
٢ - القمي ، م س : ج ١ ، ١١٩
أبو غالب الزراري
أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني.
كان من أفاضل الثقات والمحدّثين وشيخ علماء عصره وأستاذهم وبقية آل أعين، وآل أعين أكبر بيت في الكوفة من شيعة أهل البيت وأعظمهم شأناً وأكثرهم رجالاً وأعياناً وأطولهم مدة وزماناً أدرك أولهم السجاد والباقرينعليهمالسلام وبقي آخرهم إلى أوائل الغيبة الكبرى.
وكان فيهم العلماء والفقهاء والقراء والأدباء ورواة الحديث.
ومن مشاهيرهم حمران وزرارة و عبدالملك وبكير بنو أعين وحمزة بن حمران وعبيد بن زرارة، وضريس بن عبد الملك وعبد الله بن بكير ومحمد بن عبد الله ابن زرارة والحسن بن الجهم بن بكير وابنه سليمان بن الحسن وأبو طاهر محمد بن سليمان وأبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان، ولأبي غالب في بيان أحوالهم ورجالهم رسالة عهد
فيها إلى ابن ابنه محمد بن عبد الله بن أحمد وهو آخر من عرف من هذا البيت.
قال أبو غالب في محكي الرسالة المذكورة إنا أهل بيت أكرمنا الله عز وجل بمنه علينا بدينه واختصنا بصحبة أوليائه وحججه على خلقه من أول ما نشأنا إلى وقت الغيبة التي امتحنت بها الشيعة فلقي عمنا حمران سيدنا وسيد العابدين علي بن الحسينعليهالسلام ولقي حمران وجدنا زرارة وبكير أبا جعفر محمد بن علي وأبا عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام ولقي بعض أخوتهم وجماعة من أولادهم مثل حمزة بن حمران وعبيد بن زرارة ومحمد بن حمران وغيرهم أبا عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام ورووا عنه.
وآل أعين أكثر أهل بيت في الشيعة وأكثرهم حديثاً وفقهاً وذلك موجود في كتب الحديث ومعروف عند رواته.
ولقي عبيد بن زرارة وغيره من بني أعين أبا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام وكان جدنا الأدنى الحسن بن الجهم من خواص سيدنا أبي الحسن الرضاعليهالسلام وله كتاب معروف وكان للحسن بن الجهم جدنا
سليمان ومحمد والحسين ولم يبق لمحمد والحسين ولد وكانت أم الحسن بن الجهم ابنة عبيد بن زرارة ومن هذه الجهة نسبنا إلى زرارة ونحن من ولد بكير وكنا قبل ذلك نعرف بولد الجهم.
وأول من نسب منا إلى زرارة جدنا سليمان نسبه إليه سيدنا أبو الحسن علي بن محمدعليهالسلام صاحب العسكر وكان إذا ذكره في توقيعاته إلى غيره قال الزراري تورية عنه وستراً له ثم اتسع ذلك وسميناه به وكانعليهالسلام يكاتبه في أمور له بالكوفة وبغداد، إلى ان قال ولما مات سليمان كانت الكتب ترد على جدي محمد بن سليمان إلى ان مات، وكاتب الصاحبعليهالسلام جدي محمد بن سليمان بعد موت أبيه إلى ان وقعت الغيبة وقل منا رجل إلا وقد روى الحديث.
وحدثني أبو عبد الله بن الحجاج وكان من رواة الحديث انه قد جمع من روى الحديث من آل أعين فكانوا ستين رجلاً وحدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن لاحق الشيباني عن مشايخه ان بني أعين بقوا أربعين سنة أربعين رجلاً لا يموت منهم
رجل إلا ولد فيهم غلام وهم مع ذلك يستولون على دور بنى شيبان في خطة بني أسعد بن همام ولهم مسجد الخطة يصلون فيه وقد دخله سيدنا أبو عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام وصلى فيه وفي هذه المحلة دور بني أعين متقاربة.
قال أبو غالب وكان أعين غلاماً رومياً اشتراه رجل من بني شيبان من حلب فرباه وتبناه وأحسن تأديبه فحفظ القرآن وعرف الأدب وخرج بارعاً أديباً فقال له مولاه: أستلحقك؟ فقال: لا ولأني منك أحب إلي من ذلك فلما كبر قدم عليه أبوه من بلاد الروم وكان راهباً اسمه سنسن وذكر انه من غسان ممن دخل بلد الروم في أول الإسلام وقيل انه كان يدخل بلاد الإسلام بأمان فيزور ابنه أعين ثم يعود إلى بلاده، فولد أعين عبد الملك وحمران وزرارة وبكير، أو عبد الرحمن بن أعين هؤلاء كبراؤهم معروفون، وقعنب ومالك ومليك من بني أعين غير معروفين فذلك ثمانية أنفس ولهم أخت يقال لها أم الأسود ويقال انها أول من عرف هذا الأمر منهم من
جهة أبي خالد الكابلي.
وروي ان أول من عرف هذا الأمر عبد الملك عرفه من صالح بن ميثم ثم عرفه حمران من أبي خالد الكابلي وكان بكير يكنى أبا جهم وحمران أبا حمزة وزرارة أبا علي ولآل أعين من الفضائل وما روي فيهم أكثر من ان أكتبه لك وهو موجود في كتب الحديث وكان مليك وقعنب ابنا أعين يذهبان مذهب العامة مخالفين لإخوتهم.
وخلف أعين حمران وزرارة وبكيراً وعبد الملك وعبد الرحمن ومالكاً وموسى وضريساً ومليكاً وكذا قعنب وذلك عشرة أنفس.
وكانت وفاة أبي غالب في سنة ٣٦٨ ودفن بالغري.
وكان أبو غالب شيخ العصابة في زمنه ووجههم له كتب منها:
كتاب التأريخ ولم يتمه، كتاب آداب السفر، كتاب الافضال، كتاب مناسك الحج كبير، كتاب مناسك الحج صغير، كتاب الرسالة إلى ابن ابنه أبي طاهر في ذكر آل أعين.
مات سنة ٣٦٨. وكانت ولادته سنة ٢٨٥ وذكره الشيخ الطوسي وقال:
وهم البكيريون وبذلك كان يعرف إلى ان خرج توقيع من أبي محمدعليهالسلام فيه ذكر أبي طاهر الزراري فاما الزراري رعاه الله تعالى فذكروا أنفسهم بذلك وكان شيخ أصحابنا في عصره وأستاذهم وبقيتهم وصنف كتباً منها كتاب التاريخ ولم يتمه وقد خرج منه نحو ألف ورقة.
(قلت)(١) وجده محمد بن سليمان أبو طاهر الزراري ثقة عين، له إلى مولانا أبي محمدعليهالسلام مسائل والجوابات ولد سنة ٢٣٧ وتوفى سنة ٣٠٠ وقيل ٣٠١، وعن إرشاد المفيد وروي عن أبي سورة أحد مشايخ الزيدية انه كان بالحائر عشية عرفة ثم خرج إلى الكوفة فرافقه رجل وسأل عن حاله فاعلمه انه في ضيق ولا شيء معه وفي يديه فقال له إذا دخلت الكوفة فات أبا طاهر الزراري فاقرع عليه بابه فانه سيخرج إليك وفي يده
__________________
١ - القول هنا للشيخ عباس القمي
دم الأضحية فقل له يقال لك اعط هذا الرجل الصرة الدنانير التي عند رجل السرير ثم فارقه ومضى لوجهه، فدخل أبو سورة الكوفة فقصد أبا طاهر الزراري فخرج إليه وفي يده دم الأضحية فبلغه ما قيل له فقال سمعاً وطاعة ودخل فاخرج إليه الصرة فسلمها إليه فأخذها وانصرف(١) .
__________________
١ - القمي، م. س: ج١، ص١٣٢، التفريشي في نقد الرجال: ج١، ص١٦١، مرآة الكتب للتبريزي: ص٣١٩
أبو فراس الحمداني
الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون.
فارس ميدان العقل والفراسة والشجاعة والرياسة.
كان ابن عم السلطان ناصر الدولة وسيف الدولة ابني عبد الله بن حمدان، وقلادة وشاح محامد آل حمدان وكان فرد دهره وشمس عصره أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور. قال الصاحب بن عباد: بدئ الشعر بملك وختم بملك يعنى امرئ القيس وأبى فراس.
وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يتجرى على مجاراته.
له القصيدة الميمية في مظلومية أهل البيت الأطهار وظلم بنى العباس المعروفة بالشافية، وقد شرحها بعض الفضلاء من أهل الحائر شرحاً جيداً.
يحكى انه دخل بغداد وأمر ان يشهر خمسمائة سيف خلفه وقيل أكثر ووقف في المعسكر وأنشد القصيدة وخرج من باب
آخر أولها:
الحق مهتضم والدين مخترم |
وفيء آل رسول الله مقتسم |
ومنها قوله:
يا للرجال أما لله منتصر |
من الطغاة وما للدين منتقم |
|
بنو علي رعايا في ديارهم |
والأمر يملكه النسوان والخدم |
|
محلئون فاصفى شربهم وشل |
عند الورود وأوفى وردهم لمم |
|
فالأرض إلا على ملاكها سعة |
والمال إلا على أربابه ديم |
ومنها:
قام النبي لها يوم الغدير لهم |
والله يشهد والأملاك والأمم |
وهي قصيدة بليغة جليلة. قتل سنة ٣٥٧.
حكي انه مضت عليه تارات من الأسر والتخلص وانه أسره الروم في بعض الوقائع وأقام بالأسر أربع سنين، وله في الأسر أشعار كثيرة، وفي قتله اختلاف، فمما قيل فيه انه كان مقيماً بحمص، وجرت حرب بينه وبين أبي
المعالي بن سيف الدولة وكان أبو فراس خاله واستظهر عليه أبو المعالي وقتله في الحرب وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في التربة إلى ان جاء بعض الأعراب فكفنه ودفنه، قال ابن خلكان: وقلعت أمه سخينة عينها لما بلغها وفاته، وقيل انها لطمت وجهها فقلعت عينها(١).
أبو لبابة
بشير بن عبد المنذر وقيل رفاعة بن عبد المنذر.
كان من الأنصار شهد بدراً والعقبة الأخيرة. وهو الذي جرى منه في بني قريظة ما جرى فندم فربط نفسه بالاسطوانة فلم يزل كذلك حتى نزلت توبته من السماء، وهذه الاسطوانة معروفة في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم باسطوانة التوبة واسطوانة أبي لبابة ويستحب
__________________
١ - الكنى و الألقاب ، الشيخ عباس القمي : ج ١ ، ص ١٣٦ – ١٣٨
عندها الصلاة والدعاء والاعتكاف.
قال علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى:( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) ، نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر.
وكان رسول الله لما حاصر بنى قريظة قالوا له ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فقال رسول الله يا أبا لبابة ائت حلفاءك ومواليك فأتاهم فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم رسول الله؟ فقال انزلوا واعلموا ان حكمه فيكم هو الذبح وأشار إلى حلقه ثم ندم على ذلك فقال خنت الله ورسوله، ونزل من حصنهم ولم يرجع إلى رسول الله، ومر إلى المسجد وشد في عنقه حبلاً ثم شده إلى الاسطوانة التي كانت تسمى اسطوانة التوبة فقال: لا أحله حتى أموت أو يتوب الله علي، فبلغ رسول الله فقال: أما لو أتانا لاستغفرنا الله له،
__________________
١ - ( التوبة : ١٠٢ )
فأما إذا قصد إلى ربه فالله أولى به.
وكان أبو لبابة يصوم النهار ويأكل بالليل ما يمسك به نفسه وكانت بنته تأتيه بعشائه وتحله عند قضاء الحاجة فلما كان بعد ذلك ورسول الله في بيت أم سلمة نزلت توبته فقال: يا أم سلمة قد تاب الله على أبي لبابة فقالت: يا رسول الله أفأوذنه بذلك؟ فقال: فافعلي فأخرجت رأسها من الحجرة فقالت يا أبا لبابة ابشر فقد تاب الله عليك فقال الحمد لله فوثب المسلمون يحلونه فقال لا والله حتى يحلني رسول الله بيده.
فجاء رسول الله فقال: يا أبا لبابة قد تاب الله عليك توبة لو ولدت من أمك يومك هذا لكفاك فقال: يا رسول الله فأتصدق بمالي كله قال: لا قال: فبثلثيه قال لا، قال: فبنصفه قال: لا، قال: فبثلثه قال: نعم، فأنزل الله عز وجل:( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١)
يقول القمي: (أقول): وهو أيضاً أحد الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك فنزلت توبتهم(٢) .
__________________
١ - ( التوبة : ١٠٢ )
٢ - القمي ، م س : ج ١ ، ص ١٤٩
أبو لهب
هو أبو عتبة الذي نزل فيه قوله تعالى:( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (١) ، وعداوته للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وما جرى منه عليه من الاذى اشهر من ان يذكر قال أمير المؤمنينعليهالسلام مشيراً إليه:
أبا لهب تبت يداك أبا لهب |
وصخرة بنت الحرب حمالة الحطب |
|
خذلت نبي الله قاطع رحمه |
فكنت كمن باع السلامة بالعطب |
|
لخوف أبي جهل فاصبحت تابعاً |
له وكذلك الرأس يتبعه الذنب |
روي عن أبي رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره ان يخالفهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن
__________________
١ - ( المسد : ١ )
٢ - شرح الأخبار للنعمان المغربي : ج ٣ ، ص ٢٤٢
المغيرة، وكذلك صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلاً فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزاً، قال وكنت رجلاً ضعيفاً وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم فو الله اني لجالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة وكان ظهره إلى ظهري فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وقد قدم فقال أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي فعندك الخبر فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يا بن أخي اخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال لا شيء والله إن كان إلا ان لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع فرفعت طرف الحجرة
بيدي ثم قلت تلك الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض ثم برك عليَّ يضربني وكنت رجلاً ضعيفاً فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته ضربة فلقت رأسه شجة منكرة وقالت تستضعفه ان غاب عنه سيده فقام مولياً ذليلاً فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله، ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثة ما يدفنانه حتى انتن في بيته.
وكانت قريش تتقي العدسة(١) كما يتقي الناس الطاعون حتى قال لهما رجل من قريش: ألا تستحيان ان أباكما قد انتن في بيته لا تغيبانه؟ فقالا: إنا نخشى هذه القرحة قال فانطلقا فأنا معكما، فما غسلوه إلا قذفاً بالماء عليه من بعيد ما يسمونه ثم احتملوه فدفنوه
__________________
١ - مناقب ابن شهرآشوب: ج١، ص٦٧، بحار الأنوار: ج١٨، ص٦٤، و: ج١٩، ص٢٢٨، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج١٤، ص١٨٢، تفسير مجمع البيان للطبري: ج٤، ص٤٤٣.
بأعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه(١) . ولعل في تعيير أمير المؤمنينعليهالسلام أبا لهب بهذا البيت بعد الأبيات السابقة:
فأصبح ذاك الأمر عاراً يهيله |
عليك حجيج البيت في موسم العرب |
إشارة إلى رمي الحاج إليه بالأحجار عند مرورهم عليه(٢) .
أبو مخنف
لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي
شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، توفي سنة ١٥٧، يروي عن الصادقعليهالسلام ، ويروي عنه هشام الكلبي. وجده مخنف بن سليم صحابي شهد الجمل في أصحاب عليعليهالسلام حاملاً راية الأزد فاستشهد في تلك الوقعة
__________________
١ - تفسير جامع البيان: ج٤، ص٤٤٣، الطبقات الكبرى لابن سعد: ج٤، ص٧٤، والبداية والنهاية لابن كثير: ج٣، ص٣٧٦.
٢ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ص١٤٩ - ١٥٠.
سنة ٣٦، وكان أبو مخنف من أعاظم مؤرخي الشيعة، ومع اشتهار تشيعه اعتمد عليه علماء السنة في النقل عنه كالطبري وابن الأثير وغيرهما، وليعلم ان لأبي مخنف كتباً كثيرة في التاريخ والسير منها كتاب مقتل الحسينعليهالسلام الذي نقل منه أعاظم العلماء المتقدمين واعتمدوا عليه، ولكن للأسف انه فقد ولا يوجد منه نسخة، واما المقتل الذي بأيدينا وينسب إليه فليس له بل ولا لأحد من المؤرخين المعتمدين، ومن أراد تصديق ذلك فليقابل ما في هذا المقتل وما نقله الطبري وغيره عنه حتى يعلم ذلك، وقد بينت ذلك في نفس المهموم في طرماح بن عدي والله العالم(١) .
__________________
١ – القمي ، م س : ج ١ ، ص ١٥٥
أبو مسلم الخراساني
عبد الرحمن بن مسلم القائم بالدعوة العباسية.
قيل كان قصيراً أسمر حلواً أحور العين خافض الصوت فصيحاً حلو المنطق عالماً بالأمور، لم يُر ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقت تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يرى مكتئباً وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ولا يأتي امرأته في السنة إلا مرة واحدة، ويقول الجماع جنون ويكفي الإنسان ان يجن في السنة مرة، وكان من أشد الناس غيرة لا يدخل قصره غيره، قيل لما زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها، قتل في دولته ستمائة ألف صبراً.
قتله المنصور في شعبان سنة ١٣٧ برومية المدائن بالقرب من الأنبار. ونقل عن ربيع الأبرار للزمخشري قال: كان أبو مسلم يقول بعرفات: اللهم اني تائب إليك مما لا أظنك تغفر لي، فقيل
له: أفيعظم على الله تعالى غفران، فقال: اني نسجت ثوب ظلم ما دامت الدولة لبني العباس فكم من صارخة تلعنني عند تفاقم الظلم! فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه؟.
قال ابن قتيبة في المعارف: أبو مسلم صاحب الدعوة ذكروا ان مولده سنة مائة، واختلفوا في نسبه اختلافاً كثيراً فقال بعضهم هو من اصبهان وقال بعضهم من خراسان وقيل من العرب، وادعى هو انه من سليط بن علي بن عبد الله ابن عباس ونسبه أبو دلامة إلى الأكراد(١) فقال:
أبا مجرم ما غير الله نعمة |
على عبده حتى يغيره العبد |
|
أفي دولة المهدي حاولت غدره |
ألا ان أهل الغدر آباؤك الكرد |
|
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى |
عليك بما خوفتني الأسد الورد |
وكان منشأه عند ادريس بن عيسى جد
__________________
١ - المعارف : ص ١٨٥
أبي دلف النازل في حد اصبهان، وقتله أبو جعفر برومية المدائن(١) سنة ١٣٧. قال ابن النديم: ومن الاعتقادات التي حدثت بخراسان بعد الإسلام ((المسلمية)) أصحاب أبي مسلم يعتقدون إمامته ويقولون انه حي يرزق(٢) .
أبو موسى الأشعري
قال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي موسى الأشعري، عبد الله بن قيس بن سليم انه:
ولاه عمر البصرة، لما عزل المغيرة عنها، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان فعزله عثمان عنها، وولاها عبد الله بن عامر بن كريز، فنزل أبو موسى
__________________
١ - جاء ترجمته في هامش ١ من تحقيق كتاب البداية والنهاية لابن كثير: ج٩، ص٣٧٢، وفي وفيات الأعيان: ج٣، ص١٤٥، ومروج الذهب: ج٣، ص٢٨٩، وفي تاريخ الطبري: ج٨ ، ص٢٨٣.
٢ - الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي: ج١، ١٥٧ - ١٥٨.
الكوفة حينئذ، وسكنها، فلما كره أهل الكوفة سعيد بن العاص ودفعوه عنها، ولّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه، فأقره على الكوفة، فلما قتل عثمان عزله عليعليهالسلام عنها، فلم يزل واجداً لذلك على عليعليهالسلام ، حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه، فقد روى حذيفة فيه كلاماً كرهت ذكره والله يغفر له، ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:
قلت: الكلام الذي أشار إليه أبو عمر بن عبد البر ولم يذكره قوله فيه، وقد ذكر عنده بالدين، اما انتم فتقولون ذلك، واما انا فاشهد انه عدو لله ولرسوله، وحرب لهما في الحياة الدنيا( وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ
__________________
١ - الاستيعاب، في ذيل الإصابة: ج٢، ص٣٧٢، والصحابة للشيخ محمد السند: ص٢٢٧
سُوءُ الدَّارِ (١) )
وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين، أسر إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمرهم، وأعلمه أسماءهم.
وروى أن عماراً سئل عن أبي موسى، فقال لقد سمعت فيه من حذيفة قولاً عظيماً، سمعته يقول صاحب البرنس الأسود، ثم كلح كلوحاً علمت منه انه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط.
وروى عن سويد بن غفلة قال: كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات في خلافة عثمان، فروى لي خبراً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: سمعته يقول: إن بنى إسرائيل اختلفوا، فلم يزل الاختلاف بينهم، حتى بعثوا حكمين ضالين ضلا وأضلا من اتبعهما، ولا ينفك أمر أمتي حتى يبعثوا حكمين يَضِلاّن ويُضِلان من تبعهما، فقلت له أحذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما قال فخلع قميصه، وقال أبرأ إلى الله من ذلك، كما أبرأ من قميصي
__________________
١ - ( غافر : من الآية ٥١ - ٥٢ )
هذا.
ثم ذكر ما قاله أبو محمد بن مثنويه في كتاب الكفاية: أما أبو موسى فانه عظم جرمه بما فعله، وأدى ذلك إلى الضرر الذي لم يخف حاله، وكان عليعليهالسلام يقنت عليه وعلى غيره، فيقول: اللهم العن معاوية أولاً وعمراً ثانياً، وأبا الأعور السلمي ثالثاً، وأبا موسى الاشعري رابعاً.
وروى عنهعليهالسلام انه كان يقول في أبي موسى: صبغ بالعلم صبغاً وسلخ منه سلخاً.
وفي كتاب الصحابة للشيخ السند:
وقال المزي في تهذيب المقال:
وعمل للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على زبيد، وعدن، وساحل اليمن - وهذا قبل تبوك كما لا يخفى، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة. وشهد وفاة أبي عبيدة بن الجراح بالأردن. وشهد خطبة عمر بالجابية. وقدم دمشق على معاوية. إلى ان قال: وقال مجالد عن الشعبي: كتب
عمر في وصيته: ان لا يقر لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين(١) .
وفي تاريخ دمشق عن أبي حكيم:
كنت جالساً مع عمار فجاء أبو موسى فقال: ما لي ولك؟ قال: ألست أخاك؟ قال: ما ادري إلا أني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يلعنك ليلة الجمل. قال: انه قد استغفر لي، قال عمار: قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار(٢) .
وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء، عن شقيق:
كنا مع حذيفة جلوساً فدخل عبد الله وأبو موسى المسجد فقال - أي حذيفة ــ: أحدهما منافق ثم قال إن أشبه الناس هدياً ودلاً وسمتاً برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عبد الله(٣) .
وروى الشيخ المفيد في أماليه عن
__________________
١ - تهذيب الكمال: ج٤، ص٢٤٤.
٢ - تاريخ دمشق: ص٣٢/ ٩٣، كنز العمال: ج١٣، ص٦٠٨، ح٣٧٥٥٤.
٣ - سير أعلام النبلاء: ج٢، ص٣٩٣ رقم ٨٢ ، تاريخ دمشق : ج٣٢، ص٩٣.
عليعليهالسلام بشأن أبي موسى:
والله ما كان عندي مؤتمناً ولا ناصحاً، ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته، وولوه وسلطوه بالإمرة على الناس، ولقد أردت عزله فسألني الأشتر فيه أن أقره فأقررته على كره مني له، وتحملت على صرفه من بعد(١) .
وذكر المسعودي في مروج الذهب:
ان أبا موسى ثبّط الناس عن عليعليهالسلام في حرب الجمل، فعزله عن الكوفة وكتب إليه: ((اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أول يومنا منك، وإن لك فينا لهنات وهنات))(٢) .
وذكر ابن سعد في الطبقات عن أبي برده - وهو ابن أبي موسى الأشعري:
إذ دخل يزيد بن معاوية فقال له معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئاً
__________________
١ - الأمالي للمفيد: ص٢٩٥، رقم ٦، وذكره عنه الشيخ السند في كتابه الصحابة: ص٢٢٩.
٢ - مروج الذهب: ج٢، ص٣٦٧، تاريخ الطبري: ج٤، ص٤٩٩ - ٥٠٠.
فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخاً لي أو خليلاً أو نحو هذا من القول غير أني قد رأيت في القتال ما لم يرَ(١) .
من كتاب الصحابة للشيخ السند:
قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسود فقال: السلام عليك يا أمين الله، قال: وعليك السلام فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأُولَّيه ولا والله لا أُولَّيه(٢) .
وروى الثقفي في الغارات عن محمد بن عبد الله بن قارب:
اني عند معاوية لجالس إذ جاء أبو موسى فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين قال: وعليك السلام، فلما تولى قال: والله لا يلي هذا على اثنين حتى يموت(٣) .
__________________
١ - الطبقات الكبرى: ج٤، ص١١٢، تاريخ الطبري: ص٣٣٢.
٢ - تاريخ الطبري: ج٥، ص٣٢٢، الكامل في التاريخ: ج٢، ص٥٦٧، أنساب الأشراف: ج٥، ص٥٠.
٣ - الغارات: ج٢، ص٦٥٦.
رسالة الإمام علي لأهل العراق من شيعته يبين وجهة نظره في الأحداث في موضوع التحكيم(١) :
وكان صلحاً بينكم وبينهم على رجلين حكمين، يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما، ونبذا حكم القرآن، وخالفا ما في الكتاب، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فجنبهما الله السداد وأهوى بهما في غمرة الضلال، وكانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة منهم، فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين، وقتلوا المؤمنين، أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم، وشدت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين. ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع لقلوبهم، وأنهك
__________________
١ - الإمامة و السياسة للدينوري : ج ١ ، ص ١٧٥
لمكرهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم: كلت أذرعنا وسيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فاذن لنا، فلنرجع حتى نستعد بأحسن عدتنا، وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا، ومن قد فارقنا، فإن ذلك قوة منا على عدونا، فأقبلتم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن تلزموا معسكركم وتضموا قواصيكم، وتتوطنوا على الجهاد، ولا تكثروا زيارة أولادكم ونسائكم فإن ذلك يرق قلوبكم ويلويكم، وإن أصحاب الحرب لا يتوجدون، ولا يتوجعون، ولا يسأمون من سهر ليلهم، ولا من ظمأ نهارهم، ولا من خمص بطونهم، حتى يدركوا بثأرهم، وينالوا بغيتهم ومطلبهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من نزل معي صبر فثبت، ولا من دخل المصر عاد إلي، ولقد نظرت إلى عسكري وما فيه معي منكم إلا خمسون رجلاً، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم، فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا، لله آباؤكم! فما تنتظرون؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى
مصركم قد افتتح؟ فما بالكم تؤفكون! ألا إن القوم قد اجتمعوا وجدوا وتناصحوا، وإنكم تفرقتم واختلفتم وتغاششتم، فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا، فأيقظوا رحمكم الله نائمكم، وتحرزوا لحرب عدوكم، إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء ممن أسلم كرهاً، وكان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حرباً، أعداء السنة والقرآن، وأهل الأحزاب والبدع والإحداث، ومن كانت بوائقه تتقى، وكان عن الدين منحرفاً، وأكلة الرشا، وعبيد الدنيا، لقد نمى إلي أن ابن الباغية(١) لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في يديه من سلطانه، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا! وتربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال الناس! وإن منهم لمن شرب فيكم الحرام، وجلد حداً في الإسلام، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه منهم شر وأضر، وهؤلاء
__________________
١ - هو أبوموسى الأشعري و عمرو بن العاص
الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب والفخر، والتسلط بالجبروت، والتطاول بالغضب، والفساد في الأرض، ولأتبعوا الهوى، وحكموا بالرشا.
خصوصيات جيش عليعليهالسلام
وأنتم على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم الحكماء، والعلماء والفقهاء، وحملة القرآن، والمتهجدون بالأسحار، والعباد، والزهاد في الدنيا، وعمار المساجد، وأهل تلاوة القرآن، أفلا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم، والأراذل والأشرار منكم! اسمعوا قولي إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، واعرفوا نصيحتي إذا نصحت، واعتقدوا جزمي إذا جزمت، والتزموا عزمي إذا عزمت، وانهضوا لنهوضي، وقارعوا من قارعت، ولئن عصيتموني لا ترشدوا ولا تجتمعوا...
وروى محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار القرشي، قال: لما نزل عليعليهالسلام الربذة متوجهاً إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمد بن جعفر بن أبى طالب
ومحمد بن أبي بكر الصديق، وكتب إليهم هذا الكتاب، وزاد في آخره:
فحسبي بكم إخواناً، وللدين أنصاراً، فـ( انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) )
وروى أبو مخنف، قال: حدثنى الصقَّب، قال: سمعت عبد الله بن جنادة يحدث أن علياًعليهالسلام لما نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة بن أبى وقاص إلى أبي موسى الأشعري، وهو الأمير يومئذ على الكوفة، لينفر إليه الناس، وكتب إليه:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. أما بعد، فانى قد بعثت إليك هاشم بن عتبة لتُشخص إليَّ من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي، وقتلوا شيعتي، وأحدثوا في الإسلام هذا الحدث العظيم، فاشخص بالناس إلي معه حين يقدم عليك، فإني لم أولك المصر الذي أنت فيه، ولم
__________________
١ - ( التوبة : ٤١ )
أقرك عليه إلا لتكون من أعواني على الحق، وأنصاري على هذا الأمر، والسلام.
قال محمد بن إسحاق فإنه قال: لما قدم محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفة، استنفرا الناس، فدخل قوم منهم على أبي موسى ليلاً، فقالوا له: أشر علينا برأيك في الخروج مع هذين الرجلين إلى علىعليهالسلام ، فقال: أما سبيل الآخرة فالزموا بيوتكم، وأما سبيل الدنيا فاشخصوا معهما فمنع بذلك أهل الكوفة من الخروج وبلغ ذلك المحمدين، فاغلظا لأبي موسى، فقال أبو موسى: والله إن بيعة عثمان لفي عنق على وعنقي وأعناقكما، ولو أردنا قتالاً ما كنا لنبدأ بأحد قبل قتلة عثمان فخرجا من عنده، فلحقا بعليعليهالسلام فاخبراه الخبر.
وأما رواية أبي مخنف، فانه قال: أن هاشم بن عتبة لما قدم الكوفة، دعا أبي موسى السائب بن مالك الأشعري، فاستشاره، فقال: اتبع ما كتب به إليك فأبى ذلك، وحبس الكتاب، وبعث إلى هاشم يتوعده ويخوفه.
قال السائب: فأتيت هاشماً فأخبرته
برأي أبى موسى، فكتب إلى علىعليهالسلام : لعبد الله على أمير المؤمنين من هاشم بن عتبة، أما بعد يا أمير المؤمنين، فانى قدمت بكتابك على امرئ مشاق بعيد الود، ظاهر الغل والشنآن، فتهددني بالسجن، وخوفني بالقتل، وقد كتبت إليك هذا الكتاب مع المحل بن خليفة، أخي طئ، وهو من شيعتك وأنصارك، وعنده علم ما قبلنا، فاسأله عما بدا لك، واكتب إليَّ برأيك والسلام.
قال: فلما قدم المحل بكتاب هاشم على عليعليهالسلام سلم عليه، ثم قال: الحمد لله الذي أدى الحق إلى أهله، ووضعه موضعه، فكره ذلك قوم قد والله كرهوا نبوة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم بارزوه وجاهدوه، فرد الله عليهم كيدهم في نحورهم، وجعل دائرة السوء عليهم. والله يا أمير المؤمنين لنجاهدنهم معك في كل موطن، حفظاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أهل بيته، إذ صاروا أعداء لهم بعده.
فرحب به علىعليهالسلام ، وقال له خيراً، ثم أجلسه إلى جانبه، وقرأ كتاب هاشم، وسأله عن الناس وعن أبي موسى، فقال:
والله يا أمير المؤمنين، ما أثق به ولا آمنه على خلافك، إن وجد من يساعده على ذلك فقال علىعليهالسلام والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح، ولقد أردت عزله فأتاني الأشتر فسألني أن أقره، وذكر أن أهل الكوفة به راضون فاقررته(١) .
وروى أبو مخنف، قال: وبعث علىعليهالسلام من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة، (أخي طئ)، عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى، وكتب معهما:
من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، أما بعد يا بن الحائك، يا عاض أير أبيه، فو الله انى كنت لأرى أن بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعلك الله له أهلاً، ولا جعل لك فيه نصيباً، سيمنعك من رد أمري والانتزاء(٢) علي. وقد بعثت إليك ابن عباس وابن أبى بكر فخلهما والمصر وأهله، واعتزل عملنا مذءوماً مدحوراً. فإن فعلت وإلا فانى قد
__________________
١ - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١٤ ، ص ١٠.
٢ - الانتزاء : الوثوب
أمرتهما أن ينابذاك على سواء، إن الله لا يهدى كيد الخائنين فإذا ظهرا عليك قطعاك إرباً إرباً، والسلام على من شكر النعمة، ووفى بالبيعة، وعمل برجاء العاقبة(١) .
قال القمي:
عبد الله بن قيس، كان والياً على البصرة في أيام عمر وعثمان، وكان عامل أمير المؤمنينعليهالسلام على الكوفة، وكان يخذّل أهل الكوفة عن حرب الجمل في نصرة أمير المؤمنين علي ويأمرهم بوضع السلاح والكف عن القتال ويقول: انما هي فتنة فنمى ذلك إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فولى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري وكتب إلى أبي موسى: اعتزل عملنا يا ابن الحائد مذموماً مدحوراً فما هذا أول يومنا منك وإن لك فيها لهنات وهنات.
قال المسعودي: وقصته في أمر التحكيم واجتماعه مع عمرو بن العاص
__________________
١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ١٨ ، ص ٨ - ١٠.
بدومة الجندل وحيلة عمرو فيه معروف، فحكي ان عمرواً أعطاه أولاً صدر المجلس وكان لا يتكلم قبله وأعطاه التقدم في الصلاة وفي الطعام لا يأكل حتى يأكل وإذا خاطبه فانما يخاطبه بأجل الأسماء ويقول له: يا صاحب رسول الله حتى اطمأن إليه وظن ان لا يغشه.
قال له عمرو: اخبرني ما رأيك يا أبا موسى قال: أرى ان أخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون، وكان أبو موسى يحب إحياء سنة عمر، فقال عمرو: الرأي والله ما رأيت، ثم قال: تقدم يا أبا موسى فتكلم، فقام ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك والله انى لأظنه خدعك ان كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك ليتكلم به ثم تكلم أنت بعده فانه رجل غدار، وكان أبو موسى رجلاً مغفلاً، فقال: إيهاً عنك إنا قد اتفقنا، فتقدم أبو موسى فخطب ثم قال بعد كلام له: وانى قد خلعت علياً ومعاوية فولوا من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً، فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال: ان هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة فانه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه، فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
فقال له عمرو: انما مثلك كمثل الحمار، وكان أمير المؤمنينعليهالسلام بعد الحكومة إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يلعن معاوية وابن العاص وأبا موسى وجماعة أخرى.
قال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: (أقول): الذي يظهر من تاريخ أحوال أبي موسى انه كان لغير رشده، ويشهد لذلك تعبير معاوية عنه: بدعي الأشعريين وفي الخبر الوارد في ورود عقيل على معاوية وسؤاله عن الجماعة الذين كانوا حوله، قال لمعاوية: من ذا عن يمينك؟ قال: عمرو بن العاص فتضاحك، ثم قال: لقد علمت قريش انه لم يكن أحصى لتيوسها من أبيه، ثم
قال: من هذا؟
قال: أبو موسى فتضاحك ثم قال: لقد علمت قريش بالمدينة انها لم يكن بها امرأة أطيب ريحاً من قب أمه.
وفي خبر آخر أو مجلس آخر لما سأل عقيل معاوية من هذا الذي عن يمينك؟ فأجاب بأنه عمرو بن العاص، قال عقيل: هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزارها، فمن الآخر؟ قال: أبو موسى الاشعري، قال: هذا ابن المراقة.
قال: (قلت) الظاهر ان المراد من المراقة كثرة النتن، فإن المرق كما في القاموس: الاهاب المنتن ولعلها تدفع النتن فتستعمل الطيب وتحمله معها.
ومما يشهد بعدم طهارة ونسب أبي موسى بغضه وعداوته لأمير المؤمنينعليهالسلام ففي روايات كثيرة ان بغض أمير المؤمنين علامة خبث الولادة.
قال أنس بن مالك: ما كنا نعرف الرجل لغير أبيه إلا ببغض أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وورث البغضة عنه ابنه أبو برده الذي قبَّل
يد قاتل عمار وقال لا تمسّك النار أبداً، وسعى في قتل حجر بن عدي الكندي(١) .
أبو نؤاس الحسن بن هاني
١ - اسمه مولده نسبه:
هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح، وكنيته أبو نؤاس، وقيل هو أبو علي الحسن مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان، والحسن بن هانئ مولى الحكم بن سعد العشيرة من اليمن. أبوه دمشقي النشأة كان من جند الخليفة مروان الثاني وقد التحق بالأهواز وتزوج بامرأة فارسية اسمها الجلّبان، فأنجبت له بضعة أولاد منهم أبو نؤاس.
٢ - نشأته:
لما مات والد الشاعر انتقلت به أمه إلى البصرة حيث دفعت به إلى عطّار
__________________
١ - الكنى و الألقاب : ج ١ ، ص ١٦١ - ١٦٣
يبري له عود البخور، لكن نفس الشاعر الميالة إلى الأدب والظرف لم تكن لترضى بهذا العمل فعاد إلى أمه المنشغلة عنه بتجارتها الرابحة... فيسرت له دخول كتّاب في البصرة ليتعلم القراءة والكتابة والقرآن. فكان يطمئن إلى مخالطة أهل المسجد ولا سيما الأدباء... وكان لشعراء البصرة موضعان يجتمعون فيها هي؛ المسجد والمربد، وقد أمضى الشاعر جل وقته يتردد بين هذين الموضعين يستمع حيناً ويشارك حيناً آخر ويكسب منهم أدباً وعلماً في كل حين.
كان الشاعر لا يأوي إلى بيته إلا عندما تشتد به الحاجة إلى النوم، وكان لا يأوي إلى دكان العطار إلا ليكسب بعض الدنانير التي يسد بها رمقه. وكان لا يجد متعة إلا في رحاب المسجد الجامع حيث يجتمع الشعراء والأدباء ويتناقلون الأشعار والقصص، وكان نهمه الشعرية للمعرفة يفوق كل تصور، فلم يتخلف عن حضور حلقة ولم يترك راوية أو فقيهاً إلا استمع إليه
وشارك في مناقشته وأدلى بدلوه بين الدلاء.
وسرعان ما تنبه الشعراء إلى موهبته وأعجبهم ظرفه وذكاؤه وسرعة خاطره، فقربوه منهم، فأسرهم ميله إلى الفكاهة وجنوحه إلى العبث والدعابة فقادوه معهم... حتى أتيح له ان يتصل بوالبة بن الحباب الأسدي الشاعر الكوفي الخليع.
وروى ابن خلكان في كتابه ((وفيات الأعيان)) ان والبة بن الحباب رأى الحسن بن هانئ فأعجب به وقاله له: إني أرى فيك مخايل الموهبة فاصحبني أخرجك إلى البادية. فقال له أبو نؤاس: من أنت؟ فقال: والبة بن الحباب. فقال: أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة لآخذ عنك وأسمع شعرك! وخرج به إلى الكوفة يخالط العرب الخلّص ويأخذ عنهم الغريب ويقوّم لسانه على الفصيح من كلامهم. وظل الشاعر حولاً كاملاً يشارك الأعراب في خيامهم وفي مآكلهم ومشاربهم ويشاهد الأطلال التي تغنى بها شعراؤهم، وقد
أكسبته حياة البادية فصاحة بالغة لكنها أنارت في نفسه نفوراً وكرهاً لأصحابها...
لدى عودته من البادية استقر أبو نؤاس في الكوفة إلى حين وفاة استاذه والبة ثم عاد أدراجه إلى البصرة حيث انضم إلى حلقات العلماء والأدباء وجاور خلف الأحمر الذي أخذ عنه النحو ومعاني الشعر، واتصل بأبي عبيدة فأخذ عنه أخبار العرب وأيامهم في الجاهلية، كما اتصل بأبي زيد الأنصاري فتعلم منه الغريب من ألفاظ اللغة، ثم انكب على دراسة النحو على يد سيبويه، ولم يهدأ له بال حتى انصرف إلى طلب الحديث على كبار أئمة عصره وفقهائه أمثال عبد الرحمن بن زياد العبدي ويحيى القطّان، وأزهر السمّان، ولم يتخلف عن أحد من هؤلاء حتى استكمل ما عنده من علم وفقه، وكان يجيد الفارسية بدليل وفرة ألفاظها في شعره وتعلقه بحضارة فارس كما كان له إلمام بتاريخ الهند واليونان.
وقد اكتملت عدة الشاعر وبات حديث
الناس في كل المجالس والأندية فضاقت به مدينة البصرة على رحبها وطمحت أنظاره إلى بغداد حيث دار الخلافة وحيث يتنافس الشعراء لينالوا الحظوة لدى خلفاء بني العباس. وكانت مقاليد الخلافة بيد هارون الرشيد (٧٨٦ - ٨٠٩ م) وكان الشاعر على عتبة الثلاثين من عمره فدخل دار الخلافة من بابها الواسع ونال الحظوة التي يحلم بها كل شاعر، ثم اتصل بابن الخليفة الأمين (٨٠٩ - ٨١٣ م) وكان نديمه وشاعره، ثم شهد الفتنة بينه وبين أخيه المأمون، ولما توفي الأمين توارى الشاعر عن الأنظار وتنكر له الدهر وساءت حالته الصحية... وتوفي سنة ١٩٩هـ (٨١٤ م) ودفن في مقابر الشونيزي.
٣ - عقيدته الدينية:
على غرار الكثير من الشعراء والأدباء أتهم أبو نؤاس بالزندقة، وهي التهمة التي كانت توجه إلى من يشتبه بانتمائهم الباطني إلى المانوية وهي مذهب فارسي يقول بمبدأ الخير والشر،
أي النور والظلام. على ان الشاعر في تهتكه ومجاهرته بالفجور وشكه في بعض أحكام الدين كان يعرّض نفسه للتهمة، فكم من مرة سيق مقيداً إلى الخليفة وإلى الحكام والولاة واستطاع بظرفه وحسن تخلصه ان يرد التهمة عنه كما حصل معه ذات مرة وهو يشرب الخمرة مع بعض الندمان الذين أتوا على ذكر الجنة وما فيها من طيب ونعيم وظل هو صامتاً لا يعلّق على ما يقولون، وحين استفسر أحدهم عن سبب وجومه بادره قائلاً:
يا ناظراً في الدين ما الأمر |
لا قدر صحّ ولا خَبر |
|
ما صحّ عندي من جميع الذي |
يذكر إلا الموت والقبر |
فتضايق القوم ولاموه أشد اللوم فقال لهم: إني أعلم ما تقولون ولكن الشك يغلب أحياناً، وأرجو ان أتوب فيغفر الله لي ثم ذكّرهم بقوله:
من اتقى الله فذاك الذي |
سيق إليه المتجر الرابح |
|
شمّر فما الدين أغلوطة |
ورح لما أنت له رائح |
إن البينات على دعوة الشاعر للفساد والعصيان والجحود والاستهتار في أمور الدين كثيرة تقع عليها في كل مكان من ديوانه، ولكن الشاعر في كل مراحل حياته يعلن تمسكه بدين الإسلام، وكان شديد الإيمان بعفو الله وواسع رحمته، وكانت له فلسفة خاصة في الغفران تكونت لديه من كثرة المعاصي التي ارتكبها ويمكن الجزم ان الشاعر لم يقترف إثماً ولم يأت محرماً إلا وكان خوفه من الله يعكّر عليه صفو لذته، فاسمعه يخاطب نفسه:
يا كبير الذنب عفو اللـ |
ـه من ذنبك أكبر |
|
ليس للإنســـــــان إلا |
ما قضى الله وقدّر |
|
أعظم الأشياء في أصـ |
ـغر عفو الله يصغر |
أو يتساءل راجياً:
خُلِقَ الغفران إلا |
لامرئ في الناس خاطئ |
أو يقول معترفاً بذنبه راجياً ربه
مسلماً وجهه إليه:
يا رب ان عظمت ذنوبي كثرة |
فلقد علمت بأن عفوك أعظم |
|
ان كان لا يرجوك إلا محسن |
فبمن يلوذ ويستجير المجرم |
|
أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً |
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم |
|
مالي إليك وسيلة إلا الرجــــا |
وجميل عفوك ثم إني مسلم(١) |
إن إيمان الشاعر العميق بغفران ربه دفعه إلى الرد بعنف على إبراهيم النظّام شيخ المعتزلة قائلاً:
فقل للمدعي في العلم فلسفـــــــــــــة |
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء |
|
لا تحظر العفو إن كنت امرئ حرجاً |
فإن حظركه في الدين ازراء |
ولنا في شعر أبي نؤاس دلائل قاطعة على انه كانت تمر به ساعات من اليقين تجتاح مشاعره فتخرج على لسانه أحر
__________________
١ - انظر المزيد في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : ج ١٣ ، ص ٤٦٢
الابتهالات تطيح بكل الارتكابات التي تجرأ على أتيانها.
فلو كان زنديقاً مانوياً كما اتهم لما مرّت به هذه الحالات النفسية ولما جرت على لسانه هذه الأشعار التي تشبه الترانيم والصلوات.
فلنستمع إلى أبيات قالها يوم حج إلى البيت الحرام وقد جنّه الليل فخشع أمام رهبة السكون واستعرض شريط حياته الحافل بالمعصيات ففاض لسانه بهذه الأبيات:
إِلَهَنا ما أَعدَلَك |
مَليكَ كُلِّ مَن مَلَك |
لَبَّيكَ قَد لَبَّيتُ لَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك |
وَالـمُلكَ لا شَريكَ لَك |
|
ما خابَ عَبدٌ سَأَلَك |
أَنتَ لَهُ حَيثُ سَلَك |
لَولاكَ يا رَبُّ هَلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك |
وَالـمُلكَ لا شَريكَ لَك |
|
كُلُّ نَبِيٍّ وَمَلَك |
وَكُلُّ مَن أَهَلَّ لَك |
وَكُلُّ عَبدٍ سَأَلَك |
سَبَّحَ أَو لَبّى فَلَك |
|
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك |
وَالـمُلكَ لا شَريكَ لَك |
|
وَاللَيلَ لَمّا أَن حَلِك |
وَالسابِحاتِ في الفَلَك |
عَلى مَجاري الـمُنسَلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك |
وَالـمُلكَ لا شَريكَ لَك |
|
اِعمَل وَبادِر أَجَلَك |
وَاِختم بِخَيرٍ عَمَلَك |
|
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك |
وَالـمُلكَ لا شَريكَ لَك |
خلاصة القول في عقيدة الشاعر انه أمضى حياته متأرجحاً بين الشك واليقين، حائراً بين الكفر والإيمان، تتنازعه حاجات الجسد والروح، فلا تطغى حاجة على أختها إلا لتعود الأخيرة فتتغلب عليها من جديد إلى ان تقدمت به السن فرجحت كفة الإيمان لديه على كفة الكفر، فإذا بقصائده في باب
الزهد تمحو ما أساء به إلى ربه في قصائد الخمر والمجون(١) .
قال القمي:
الحسن بن هاني الشاعر المشهور ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة، سئل عن نسبه قال: أغناني أدبي عن نسبي.
وكان من أجود الناس بديهة وأرقهم حاشية، وله أشعار كثيرة في مدح مولانا الرضاعليهالسلام فمنها قوله:
مطهرون نقيات جيوبهم |
تتلى الصلاة عليهم أينما ذكروا |
|
من لم يكن علويا حين تنسبه |
فما له في قديم الدهر مفتخر |
|
والله لما برى خلقاً فاتقنه |
صفاكم وأصطفاكم أيها البشر |
|
فانتم الملأ الأعلى وعندكم |
علم الكتاب وما جاءت به السور |
روي انه لما أنشدها قال الرضاعليهالسلام :
__________________
١ - شرح ديوان أبي نؤاس، شرح وتعليق: مجيد طراد، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠٣م.
قد جئتنا بأبيات ما سبقك أحد إليها، يا غلام هل معك من نفقتنا شئ؟ فقال: ثلاثمائة دينار فقال أعطها إياه ثم قال: يا غلام سق إليه البغلة(١) .
عن علي بن محمد النوفلي قال: ان المأمون لما جعل علي بن موسى الرضاعليهالسلام ولي عهده، وان الشعراء قصدوا المأمون ووصلهم بأموال جمة حين مدحوا الرضا وصوبوا رأي المأمون في الأشعار دون أبي نؤاس فانه لم يقصده ولم يمدحه، ودخل على المأمون فقال له يا أبا نؤاس قد علمت مكان علي بن موسى الرضا مني وما أكرمته به فلماذا أخرت مدحه وأنت شاعر زمانك وقريع دهرك؟
فانشأ يقول:
قيل لي أنت أوحد الناس طراً |
في فنون من الكلام النبيه |
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق: ج١، ص١٥٥، الفصول المختارة: ص٧٨، طبعة النجف، روضة الواعظين للنيسابوري: ص١٦٦، مناقب ابن شهرآشوب: ج٣، ص٤٧٤، بحار الأنوار: ج٤٩، ص١٤٨.
لك من جوهر الكلام بديع |
يثمر الدر في يدي مجتنيه |
|
فعلى ما تركت مدح ابن موسى |
والخصال التي تجمعن فيه |
|
قلت لا اهتدي لمدح إمام |
كان جبريل خادما لأبيه |
فقال له المأمون: أحسنت ووصله من المال بمثل الذي وصل به كافة الشعراء وفضله عليهم.
قال القمي: (وقلت) هذا كما يحكى عن المتنبي انه قال في جواب من اعترض عليه في عدم مدحه أمير المؤمنينعليهالسلام على كثرة أشعاره فقال:
وتركت مدحي للوصي تعمداً |
إذ كان نوراً مستطيــــلاً شامـــــــــــلاً |
|
وإذا استطال الشيء قام بنفسه |
وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا |
وحكي ان أبا نؤاس خرج من بغداد قاصداً مصر ليمدح أبا نصر الخصيب بن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج بها فانشأ قصيدته الرائية منها قوله:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا |
فأي فتى بعد الخصيب تزور |
|
فما جازه جود ولا حل دونـــه |
ولكن يصير الجود حيث يصير |
|
فتى يشتري حسن الثناء بمالـــه |
ويعلم ان الدائرات تــــــدور |
يقال انه لما صار إلى بغداد مدح الخليفة، فقيل له وأي شيء تقول فينا بعد ان قلت في بعض نوابنا؟ إذا لم تزر أرض الخصيب ( البيت ) فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وانشد يقول:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح |
فأنت كما نثني وفوق الذي نثني |
|
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة |
لغيرك إنساناً فأنت الذي نعنى(١) |
وكتب عنه السيد الكشميري(٢) :
هو الشاعر الشهير بأبي نؤاس، واسمه الحسن بن هاني وكنيته أبو علي والذي عدّه ابن شهرآشوب في المعالم بأنه من
__________________
١ - الكنى والألقاب للقمي: ج١، ص١٦٨ - ١٧٠.
٢ - هو السيد حسن الكشميري الخطيب الحسيني المعروف مؤلف كتاب مع الصادقين.
شعراء أهل البيت وإن كان مقتصداً.
وقال عنه صاحب لسان العرب ان أبا نؤاس يميل سرّاً لآل البيت، وقال عنه المرزباني ان أبا نؤاس كان إمامياً حسن العقيدة.
وكان يقول ويردد: والله ما تركت مدح الإمام إلا إعظاماً له وليس قدر مثلي ان يقول في مثله.
وأبو نؤاس من مواليد الأهواز، وقيل البصرة عام ١٤٥، ولم يعمر إلا خمسين سنة.
وكان أبو نؤاس مثار جدل ودار عنه الكثير من الكلام وله العديد من القصائد والمقاطع في المناسبات كلها.
ولما كان يسأل عن نسبه فيقول أغناني أدبي عن نسبي.
ومما يكشف عن دفائنه في التوجه لآل الرسول، دخوله يوماً على الإمام الرضاعليهالسلام وهو يخاطب الإمام وأجداده:
مطهرون نقيات جيوبهم |
تتلى الصلاة عليهم أينما ذكروا |
|
من لم يكن علويا حين تنسبه |
فما له في قديم الدهر مفتخر |
والله لما برى خلقاً فاتقنه |
صفاكم وأصطفاكم أيها البشر |
|
فانتم الملأ الأعلى وعندكم |
علم الكتاب وما جاءت به السور |
واشتهر أبو نؤاس بقوة النكتة وشدة الحافظة.
وروى ابن خلكان عن إسماعيل بن نوبخت قوله: ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نؤاس.
ومن نوادر أبي نؤاس الأدبية مقطوعته (وتنسب أيضاً إلى أبي العتاهية):
لِدوا لِلمَوتِ وَاِبنوا لِلخَرابِ |
فَكُلُّكُمُ يَصيرُ إِلى ذَهابِ |
|
لِمَن نَبني وَنَحنُ إِلى تُرابٍ |
نَصيرُ كَما خُلِقنا مِن تُرابِ |
|
أَلا يا مَوتُ لَم أَرَ مِنكَ بُدّاً |
أَبيتَ فَلا تَحيفُ وَلا تُحابي |
|
كَأَنَّكَ قَد هَجَمتَ عَلى حياتي |
كَما هَجَمَ المَشيبُ عَلى شَبابي |
|
سَأَسأَلُ عَن أُمورٍ كُنتُ فيها |
فَما عُذري هُناكَ وَما جَوابي |
|
فَإِمّا أَن أُخَلَّدَ في نَعيمٍ |
وَإِمّا أَن أُخَلَّدَ في عَذابِ |
ومن جميل ما قرأت له في الغزل أبياتاً ينتهي فيها إلى هذا البيت والذي يكشف فيه عن صلته بآل الرسول في المضمون لا في الظاهر فيقول في آخر أبياته:
فالنار في مشغل بمن |
حجب الوصي عن الإمامة |
ومرة يشاهد أبو نؤاس الإمام الرضاعليهالسلام من بعيد فلم يشخصه فلما قرب منه أنشأ يقول:
إذا أبصرتك العين من بعد غاية |
وعارض فيك الشك أثبتك القلب |
|
ولو ان قوماً أمموك(١) لقادهم |
نسيمك حتى يستدل بك الركب |
|
جعلتك حسبي في أموري كلها |
وما خاب من أضحى وأنت له حسب |
وذكر ابن شهرآشوب ان أبا نؤاس قال أبياتاً في الإمام الباقرعليهالسلام وأورد ذلك في سيرة الإمام الباقر والأبيات هي:
فهو الذي قدم الله العلي له |
ان لا يكون له في فضله ثاني |
__________________
١ - أمموك : أي قالوا بإمامتك
وهو الذي امتحن الله القلوب به |
عما تجمجمن من كفر وإيمان |
|
وان قوماً رجوا إبطال حقكم |
أمسوا من الله في سخط وعصيان |
|
لن يدفعوا حقكم إلا بدفعهم |
ما أنزل الله من آي وقرآن |
|
فقلدوها لأهل البيت انهم |
صنو النبي وانتم غير صنوان |
بعد كل هذا لا يبقى أي مجال للتشكيك في تشيعه وميله الشديد لآل الرسول، رغم ما كتب عنه الكثير من الكتاب وفيه جدل ونقاش وآخر ما أذكره عنه أبياته التي يروى انها سبب نجاته.
كما يروي صاحب تاريخ بغداد عن محمد بن أبي رافع وهو صديق أبي نؤاس قال:
رأيت أبا نؤاس بعد مماته بأيام وهو في روضة عالية، ومسرور فسألته: لِمَ غفر الله لك وأعطاك هذه المنزلة؟ قال: بأبيات قلتها ولم يعلم بها أحد وهي تحت وسادتي، فاستيقظ محمد وجاء إلى بيت أبي نؤاس وأخبر أهله، فتجدد حزنهم ورفعوا وسادته وإذا بورقة فيها
تلك الأبيات:
يا رب ان عظمت ذنوبي كثرة |
فلقد علمت بأن عفوك أعظم |
|
أدعوك رب كما أمرت تضرعاً |
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم |
|
ان كان لا يرجوك إلا محسن |
فمن الذي يرجو ويدعو المجرم |
|
مالي إليك وسيلة إلا الرجا |
وجميل ظني ثم اني مسلم |
|
مستمسكا بمحمد وبآله |
ان الموفق من بهم يستعصم |
|
ثم الشفاعة من نبيك أحمد |
ثم الحماية من علي أعلم |
|
ثم الحسين وبعده أولاده |
ساداتنا حتى الإمام المكتم |
|
سادات حر ملجأ مستعصم |
بهم ألوذ فذاك حصن محكم |
وكانت وفاته عام ٢٠٢ بعد ان عاش ٥٧ سنة ودفن قريباً من نهر دجلة(١) .
__________________
١ – مع الصادقين ، السيد الكشميري : ج ٢ ، ص ٢٢
أبو هريرة
صحابي معروف أسلم بعد الهجرة بسبع سنين. قال الفيروز آبادي في القاموس: وعبد الرحمن بن صخر رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي كمه هرة فقال يا أبا هريرة فاشتهر به، واختلف في اسمه على نيف وثلاثين قولاً.
وذكر ابن أبي الحديد في الجزء الرابع من شرحه على النهج عن شيخه أبي جعفر الاسكافي: ان معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليعليهالسلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة(١) ، إلى ان قال: وروى الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام
__________________
١ – أبوطالب حامي الرسول ، نجم الدين العسكري : ص ١٦٣
الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً وقال:
يا أهل العراق أتزعمون اني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لكل نبي حرماً وان حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. واشهد بالله ان علياً أحدث فيها. فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة(١) .
وقال: قال أبو جعفر وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ضربه عمر بالدرة، وقال قد أكثرت من الرواية وأحربك ان تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الخ.
وكانت عائشة تتهم أبا هريرة بوضع الحديث وترد ما رواه. ولما بلغ عمر أن أبا هريرة يروي بعض ما لا يعرف،
__________________
١ - القمي ، م س : ج ١ ص ١٧٩
قال لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بجبال دوس. فروي عن أبي هريرة قال ما كنا نستطيع ان نقول قال رسول الله حتى قبض(١)
وعن شعبة قال كان أبو هريرة يدلس. وعن ربيع الأبرار للزمخشري قال وكان يعجبه أي أبا هريرة المضيرة جداً فيأكلها مع معاوية وإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي فإذا قيل له قال مضيرة معاوية أدسم وأطيب، والصلاة خلف علي أفضل، فكان يقال له شيخ المضيرة، وقال أيضاً كان أبو هريرة يقول اللهم ارزقني ضرساً طحوناً ومعدة هضوماً ودبراً نثوراً(٢) .
وروي انه سأله أصبغ بن نباتة في
__________________
١ - أضواء على السنة المحمدية للشيخ محمود أبو ريه: ص٢٠١.
٢ - مستدرك سفينة البحار لعلي النمازي: ج١٠، ص٥٣٠، أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو ريه: ص١٩٨، وأبو هريرة للسيد شرف الدين: ص٢٠٧، شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو ريه: ص٥٦.
محضر معاوية فقال: يا صاحب رسول الله اني أحلفك بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة وبحق حبيبه محمد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا أخبرتني أشهدت غدير خم؟ قال بلى شهدته، قلت فما سمعته يقول في عليعليهالسلام ؟ قال سمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، قلت له فأنت إذاً واليت عدوه وعاديت وليه، فتنفس أبو هريرة الصعداء وقال إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى غير ذلك. وخبر ضرب عمر بين ثدييه ضربة خر لأسته، حيث جاء بنعلي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبشر بالجنة من لقيه يشهد ان لا إله إلا الله مشهور(١) .
أبو هريرة العجلى
هو الذي عد في شعراء أهل البيتعليهالسلام ورثى مولانا الصادقعليهالسلام لما أخرج إلى البقيع ليدفن بقوله:
__________________
١ - الإيضاح للفضل بن شاذان الأزدي : ص ٥٣٨.
أقول وقد راحوا به يحملونه |
على كاهل من حامليه وعاتق |
|
أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى |
ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهق |
|
غداة حثى الحاثون فوق ضريحه |
تراباً وأولى كان فوق المفارق |
روي عن أبي نصير قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : من ينشدنا شعر أبي هريرة؟ قلت جعلت فداك انه كان يشرب، فقال:رحمهالله وما ذنب إلا ويغفره الله تعالى لولا بغض عليعليهالسلام (١) .
أبي بن كعب
قال الطبرسي في احتجاجه:
أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. عده الشيخرحمهالله في رجاله بهذا العنوان من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال
__________________
١ - مقتضب الأثر لأحمد بن عياش الجوهري، هامش رقم ١: ص٥٢، بحار الأنوار: ج٤٧، ص٣٣٣، معالم العلماء لابن شهرآشوب: ص١٨٣، طرائف المقال للبروجردي: ج٢، ص٥٣.
يكنى أبا المنذر شهد العقبة مع السبعين وكان يكتب الوحي آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. شهد بدراً والعقبة وبايع لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ومثله بحذف اسم آبائه إلى كنيته ما في الخلاصة في قسم المعتمدين وكذا في رجال ابن داود، وعن المجالس ما يظهر منه جلالته واخلاصه لأهل البيت...
وقال العلامة الطباطبائي: انه من الاثنى عشر الذين أنكروا على أبي بكر تقدمه وجلوسه في مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال له:
يا أبا بكر لا تجحد حقاً جعله الله لغيرك، ولا تكن أول من عصى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وصيته، وأول من صدف عن أمره، ورد الحق إلى أهله تسلم، ولا تتمادى في غيك تستندم، وبادر بالإنابة يخف وزنك، ولا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك فتلقى وبال عملك، فعن قليل تفارق ما أنت فيه، وتصير إلى ربك فيسألك عما جئت وما ربك بظلام للعبيد.
وعن تقريب بن حجر متصلاً بنسبه
المذكور ما لفظه:
الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر سيد القراء، يكنى أبا الطفيل، أيضاً من فضلاء الصحابة، مات في زمن عمر فقال عمر: مات اليوم سيد المسلمين، شهد العقبة مع السبعين(١) .
كتب الأديب جعفر الخليلي في موسوعته:
أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري من بني النجار كنيته أبو المنذر وأبو طفيل سيد الفقراء بالإجماع، وأول من كتب للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان قد حضر العقبة الثانية وشهد بدراً والمشاهد كلّها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفي الحديث قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (( ليهنك العلم))، وقال: ((إن الله أمرني ان أقرأ عليك القرآن))، وهو أحد أهل السنة من أصحاب الفتيا.
كان الخليفة عمر يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات.
قيل مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي : ج ١ ، ص ١٥٣ ، الهامش ، ورجال المامقاني : ج ١ ، ص ٤٤
عثمان، وهو من الذين امتنعوا عن بيعة أبي بكر ووقفوا بجانب الإمام، وهو من ثقات المحدّثين عند الشيعة الإمامية(١) .
__________________
١ - تحف العقول لابن شعبة الحراني: ص٤٢٨، والاحتجاج للطبرسي: ج١، ص١٥٣ هامش رقم ١، تحقيق السيد محمد باقر الخرسان، والفوائد الرجالية للسيد محمد مهدي بحر العلوم: ج١، ص٤٦٦ من تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي
حرف الباء
البحتري
أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي الشاعر المعروف، كان من فحول شعراء القرن الثالث، معاصراً لأبي تمام، ومن الأدباء من يفضله على أبي تمام، وسئل المبرد عنهما أيهما أشعر؟ قال: لأبي تمام استخراجات لطيفة ومعان طريفة وجيدة أجود من شعر البحتري ومن شعر من تقدمه من المحدثين وشعر البحتري أحسن استواء من أبي تمام، لان البحتري يقول القصيدة كلها فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف وما أشبهه إلا بغائص البحر يخرج الدرة والمخشلبة (أي المرذول) في نظام واحد إلى ان قال:
وبالبحتري يختم الشعر.
وقال ابن خلكان: قيل للبحتري أيما اشعر أنت أم أبو تمام؟ فقال جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه، وكان يقال لشعر البحتري سلاسل الذهب وهو في الطبقة العليا.
ويقال: انه قيل لأبي العلاء المعري أي الثلاثة أشعر أبو تمام أم البحتري أم المتنبي؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان، وإنما الشاعر البحتري.
ولد سنة ٢٠٦ بمنبج من أعمال الشام، وتخرج بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء أولهم المتوكل وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء، وأقام ببغداد دهراً طويلاً، ثم عاد إلى الشام.
روى المسعودي عن المبرد قال: وردت (سر من رأى) فأدخلت على المتوكل وقد عمل فيه الشراب وبين يدي المتوكل البحتري الشاعر فابتدأ ينشده قصيدة يمدح بها المتوكل أولها:
عن أي ثغر تبتسم |
وبأي طرف تحتكم |
|
حسن يضيء بحسنه |
والحسن أشبه بالكرم |
|
قل للخليفة جعفر |
المتوكل بن المعتصم |
|
المرتضى بن المجتبى |
والمنعم بن المنتقم |
إلى قوله:
نلنا الهدى بعد العمى |
بك والغنى بعد العدم |
فلما انتهى مشى القهقرى للانصراف فوثب أبو العنبس فقال: يا أمير المؤمنين تأمر برده فقد والله عارضته في قصيدته هذه فأمر برده فأخذ أبو العنبس ينشد:
من أي سلح تلتقم |
وبأي كف تلتطم |
|
أدخلت رأس البحتري |
أبي عبادة في الرحم |
ووصل ذلك بما أشبهه من الشتم فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه وفحص برجله اليسرى وقال: يدفع إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم، فقال الفتح: يا سيدي البحتري الذي هجى وأسمع المكروه ينصرف خائباً، قال: ويدفع إلى البحتري عشرة آلاف درهم(١) .
__________________
١ - بحار الأنوار للمجلسي : ج ٥٠ ، ص ٢١٢ ، القمي ، م س : ج ٢ ، ص ٦٥ - ٦٧
توفى بالسكتة بمنبج سنة ٢٨٤ ذكره القاضي نور الله في المجالس في شعراء الشيعة. وقال: أورده الشيخ عبد الجليل الرازي في شعراء الشيعة وابنه أبو الغوث يحيى بن أبي عبادة كان مقيماً بالشام وقدم بغداد قبل الثلاثمائة وسمع منه وجوه أهلها أشعار أبيه، ونفي بعد ذلك.
وإلى بحتر ينتسب أيضاً أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الطائي الكوفي الذي كان راوية إخبارياً، نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها الكثير وله مصنفات كثيرة منها كتاب أخبار الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ووفاته واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد وروى عنهم(١) .
توفى سنة ٢٠٦.
__________________
١ - نفس المصدر : ج ٢ ، ص ٦٧
بحر العلوم
قال القمي(١) :
السيد محمد مهدي بن العالم السيد مرتضى بن العالم الجليل السيد محمد البروجردي الطباطبائي، كان (ره) سيد علماء الأعلام. ومولى فضلاء الإسلام علامة دهره وزمانه ووحيد عصره وأوانه.
قال شيخنا في المستدرك: قد أذعن له جميع علماء عصره ومن تأخر عنه بعلو المقام والرئاسة النقلية والعقلية وسائر الكمالات النفسانية، حتى ان الشيخ الفقيه الأكبر الشيخ جعفر النجفي مع ما هو عليه من الفقاهة والرئاسة، كان يمسح تراب خفه بحنك عمامته، وهو من الذين تواترت عنه المكرمات ولقاءه الحجة صلوات الله عليه، ولم يسبقه في هذه الفضيلة أحد فيما أعلم إلا السيد رضي الدين علي بن طاوس.
ولد في الحائر الشريف سنة ١١٥٥.
__________________
١ - نفس المصدر : ج ٢ ، ص ٦٧
حكي عن والده المرتضى انه رأى ليلة ولادة ابنه بحر العلوم ان مولانا الرضاعليهالسلام أرسل شمعة مع محمد بن إسماعيل بن بزيع وأشعلها على سطح دارهم فعلى سناها ولم يدرك مداها يتحير عند رؤيته النظر، ويقول لسان حاله ما هذا بشر.
تلمذ على جماعة من أساطين الدين من الفقهاء والمحققين منهم الأستاذ الأكبر البهبهاني، والعالم الجليل السيد حسين القزويني والسيد حسن الخونساري والسيد الأجل المير عبد الباقي إمام الجمعة باصبهان، والآغا محمد باقر الهزار جريبي والمحقق الشيخ يوسف البحراني رضوان الله عليهم أجمعين.
وتلمذ عليه جماعة من الفحول، منهم الفاضل النراقى صاحب المستند وحجة الإسلام الشفتي، والشيخ محمد علي الأعسم، وكان معظم قراءته عليه السيد السند الفقيه الفاضل المتتبع الماهر السيد جواد بن السيد محمد العاملي الغروي صاحب الشرح الكبير على قواعد العلامة الموسوم بمفتاح الكرامة قال
في (ضا)(١) لم تر عين الزمان أبداً بمثله كتاباً مستوفياً لأقوال الفقهاء ومواقع الاجماعات وموارد الاشتهارات وأمثال ذلك(٢) .
وله أيضاً تعليقات كثيرة على القوانين، وقد أذعن لكثرة اطلاعه وطول ذراعه وسعة باعه في الفقهيات أكثر معاصرينا أدركوا فيض صحبته بحيث نقل ان المحقق الميرزا أبا القاسم صاحب القوانين كان إذا أراد تشخيص المخالف في مسألة يراجع إليه فيظفر به.
وله تلامذة فضلاء معروفون منهم الشيخ مهدي بن المولى كتاب والشيخ محسن بن أعسم، والشيخ محمد حسن الفقيه الأعظم، توفى سنة ١٢٢٦.
ويأتي في الشهرستاني ذكر كرامة من بحر العلوم في أخباره بمن يصلي على جنازته وليعلم ان العلامة بحر العلوم
__________________
١ - روضات الجنات، السيد محمد باقر الخونساري.
٢ - مفتاح الكرامة، السيد محمد جواد العاملي: ج١، ص١١.
يتصل بالمجلسيين من بعض جداته فإن والده العالم الجليل السيد مرتضى كانت أمه بنت الأمير أبي طالب بن أبي المعالي الكبير وأمها بنت المولى محمد نصير بن المولى عبد الله بن المولى محمد تقي المجلسي وأم الأمير أبى طالب بنت المولى محمد صالح المازندراني من آمنة بنت المولى محمد تقي المجلسي.
فنسب العلامة بحر العلوم يتصل إلى المجلسي الأول من طريقين فصار المجلسي الأول له جداً والمجلسي الثاني خالاً. كالأستاذ الأكبر المحقق البهبهانى فان أمه بنت الآغا نور الدين بن المولى محمد صالح المازندراني وأمه آمنة بنت المولى محمد تقي المجلسي، وكانت عالمة فاضلة صالحة متقية.
توفى السيد مرتضى والد بحر العلوم في سنة ١٢٠٤.
البخاري
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم البخاري(١) صاحب كتاب التاريخ وكتاب الصحيح المشهور أوثق المحدثين وأقدمهم رتبة عند علماء الجمهور ذكر ابن خلكان في تاريخه انه رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية إلى ان ذكر انه كان ابن صاعد(٢) إذا ذكره يقول الكبش النطاح.
ونقل عنه محمد بن يوسف الفريري انه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
وقال: صنف كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله عز وجل.
__________________
١ - ابن مغيرة بن بردزبه، قال ياقوت: وبردزبه مجوسي أسلم على يد يمان البخاري.
٢ - ومثل ذلك ذكر الخطيب في تاريخ بغداد، وكان ابن خلكان أخذ منه.
أقول قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري على ما يحكى عنه ينبغي لكل مصنف ان يعلم ان تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ظبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمةعليهمالسلام على تسمية الكتابين بالصحيحين وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما(١) .
وقال المولى علي في محكي المرقاة وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول فيمن خرج أحدهما في الصحيح هذا حاز القنطرة يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه لأنهما مقدمان على أئمة عصرهما ومن بعدهما في معرفة الصحيح والعلل.
وقال أيضاً: ولا يقدح فيهما - أي في الصحيحين - إخراجهما لمن طعن فيه لأن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته وصحة ظبطه، وعدم غفلته.
__________________
١ - مقدمة فتح الباري لابن حجر : ص ٣٨١
يقول القمي: (أقول): اني قد ذكرت الشيخ البخاري وما قيل في حق صحيحه في كتابي المسمى بفيض القدير فيما يتعلق بحديث الغدير.
ولد سنة ١٩٤، وتوفى ليلة الفطر سنة ٢٥٦ بخرتنك قرية من قرى سمرقند، وذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة الأمير أبي الهيثم خالد بن أحمد بن خالد الذهلي المتوفى سنة ٢٧٠، ولي إمارة بخارى وسكنها وله بها آثار مشهودة وأمور محمودة.
والبخاري نسبة إلى بخارى من أعظم مدن ما وراء النهر بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام.
قال الحموي في معجم البلدان: فقد ذم هذه المدينة الشعراء ووصفوها بالقذارة وظهور النجس في أزقتها لأنهم لا كنف لهم فقال لهم أبو الطيب طاهر بن محمد بن عبد الله بن طاهر الطاهري:
بخارا من خرا لا شك فيه |
يعز بربعها الشيء النظيف |
|
فان قلت الأمير بها مقيم |
فذا من فخر مفتخر ضعيف |
إذا كان الأمير خرا فقل لي |
أليس الخرء موضعه الكنيف(١) |
وقال محمد بن داود البخاري:
باء بخارى فاعلمن زائدة |
والألف الوسطى بلا فائدة |
|
فهي خرا محض وسكانها |
كالطير في أقفاصها راكدة |
وقال أبو احمد الكاتب:
فقحة(٢) الدنيا بخارى |
ولنا فيها افتحام |
|
ليتها تفسو بنا الآ |
ن فقد طال المقام(٣) |
__________________
١ - معجم البلدان للحموي: ج١، ص٣٥٤، وزاد في قوله: قال آخر:
أقمنا في بخارى كارهينا |
ونخرج إن خرجنا طائعينا |
|
فأخرجنا إله الناس منها |
فإن عدنا فإنا ظالمونــــــا |
٢ - الفقحة: حلقة الدبر أو واسعها.
٣ - الحموي في معجم البلدان: ج١، ص٣٥٤، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٧١ - ٧٣.
البراء بن عازب
البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جشم الأوسي الأنصاري من كبار الصحابة ورواة الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج إلى بدر مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فردّه لصغر سنه واشترك في وقعة أحد وبقية المشاهد، كما حارب وجاهد بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفتوحات الإسلامية في فارس، وكان من خواص الإمام عليعليهالسلام وامتنع عن بيعة أبي بكر، وحضر مع عليعليهالسلام حروبه في البصرة، وصفين، وقاتل معه الخوارج في النهروان، ونزل بالكوفة، وتوفي في أيام مصعب بن الزبير(١) .
وجاء في تاريخ بغداد:
البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر يكنى أبا عمارة وقيل أبا عمرو وقيل أبا
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة - باب رجالات الشيعه ، جعفر الخليلي
الطفيل.
غزا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خمس عشرة غزوة، ونزل الكوفة بعده وكان رسول علي ابن أبي طالب إلى الخوارج (بالنهروان) يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقة.
عن القاسم بن زكريا بن دينار قال: بعث علي البراء بن عازب إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيام فلما أبوا سار إليهم.
قال الشيخ أبو بكر: وللبراء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم روايات كثيرة حدث عنه عبد الله ابن يزيد الخطمي وأبو جحيفة السوائي وعامر الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو إسحاق السبيعي وعدي بن ثابت وسعد بن عبيدة والمسيب بن رافع وغيرهم.
عن خليفة بن خياط قال: البراء بن عازب يكنى أبا عمارة ومات في ولاية مصعب بن الزبير بن العوام(١) .
__________________
١ – تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج ١ ، ص ١٨٨ -١٨٩
البرقي
أبو عبد الله محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي ينسب إلى (برق رود) قرية من سواد قم على واد هناك.
كان أديباً حسن المعرفة بالأخبار وعلوم العرب له كتب، وعدَّه ابن النديم من أصحاب الرضاعليهالسلام وابنه الشيخ الأجل الأقدم أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي قالوا في حقه انه كان ثقة في نفسه يروي عن الضعفاء واعتمد المراسيل، وصنف كتاب المحاسن وغيرها وقد زيد المحاسن ونقص(١)
أصله كوفي، وكان جده محمد بن علي، حبسه يوسف بن عمر بعد قتل زيد ثم قتله، وكان خالد صغير السن فهرب مع أبيه عبد الرحمن إلى (برق رود) قرية من قرى قم فأقاموا بها.
وعن ابن الغضائري قال: طعن عليه القميون، وكان أحمد بن محمد بن عيسى
__________________
١ - هكذا جاء في الكنى و الألقاب
أبعده عن قم، ثم أعاده إليها، واعتذر إليه، ولما توفى مشى أحمد بن محمد بن عيسى في جنازته حافياً حاسراً ليبرئ نفسه مما قذفه به(١) .
ويقال: ان أحمد بن فارس وأبا الفضل العباس بن محمد النحوي الملقب عرام شيخي الصاحب بن عباد كانا من تلاميذ البرقي، وعنه أخذا.
توفى سنة ٢٧٤ أو سنة ٢٨٠ بقم، وليس لقبره الشريف أثر في زماننا ككثير من قبور العلماء والمحدثين.
قال العلامة المجلسي رحمة الله: ومقابر قم مملوءة من الأفاضل والمحدثين وإكرامهم إكرام الأئمة الطاهرينعليهمالسلام (٢)
__________________
١ - انظر الحدائق الناظرة للشيخ يوسف البحراني: ج١، ص١٢، والمحاسن للبرقي، تحقيق السيد جلال الدين الحسيني: ج١، ص٩، عن ابن الغضائري وخاتمة المستدرك للنووي: ج٤، ص٣٩.
٢ - القمي، م. س: ج٢، ص٧٨ - ٧٩.
بشر الحافي
أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي الأصل، بغدادي المسكن العارف الزاهد المشتهر أحد أركان رجال الطريقة، قيل انه كان من أولاد الرؤساء والكتاب، وكان من أهل المعازف والملاهي فتاب. ونقل في سبب توبته انه أصاب في الطريق قطعة فيها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم وقد وطأته الأقدام فأخذها واشترى بدراهم كانت معه غالية فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط فرأى في النوم كأن قائلاً يقول: يا بشر طيبت أسمي فلأطيبن أسمك في الدنيا والآخرة فلما أصبح تاب.
نقل العلامة الحلي في منهاج الكرامة في سبب توبة بشر: انه اجتاز مولانا الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام على داره ببغداد فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار فخرجت جارية وبيدها قمامة فرمت بها في الدرب فقالعليهالسلام لها:
يا جارية صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ فقالت: بل حر فقال: صدقت لو كان
عبداً خاف من مولاه فلما دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر ما أبطأك؟ فقالت: حدثني رجل بكذا وكذا فخرج حافياً حتى لقي مولانا الكاظمعليهالسلام فتاب على يده واعتذر وبكى لديه استحياءاً من عمله(١) .
قال الخطيب: انه كان ابن عم علي بن خشرم، وكان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرد بوفور العقل وأنواع الفضل، قال: وكان كثير الحديث إلا انه لم ينصب نفسه للرواية وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك(٢) .
وحكي عن إبراهيم الحربي قال: ما أخرجت بغداد أتم عقلاً ولا أحفظ للسانه من بشر بن الحرث في كل شعرة منه عقلاً، وذكر له حكايات من زهده وقناعته...
وله كلمات حكيمة منها: عقوبة العالم في الدنيا ان يعمى بصر قلبه.
__________________
١ - ومثله ذكره عبد الله بن قدامة في كتابه التوابين: ص٢١١.
٢ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج٧، ص٣٥١٧.
وقال: من طلب الدنيا فليتهيأ للذل.
وقال: اجعل الآخرة رأس مالك فما أتاك من الدنيا فهو ربح.
وقال: حسبك ان قوماً موتى يحيى القلوب بذكرهم، وان قوماً أحياء يقسو القلوب برؤيتهم.
وقال لأصحاب الحديث: أدُّوا زكاة هذا الحديث قالوا وما زكاته؟ قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.
وقيل له: بأي شيء تأكل الخبز؟ قال: اذكر العافية فأجعلها إداماً.
ويحكى عنه انه كان يقول:
أقسم بالله لمص النوى |
وشرب ماء القلب(١) المالحة |
|
أعز للإنسان من حرصه |
ومن سؤال الأوجه الكالحة |
|
فاستغن بالله تكن ذا الغنى |
مغتبطاً بالصفقـــة الرابحــــة |
|
اليأس عز والتقى سؤدد |
ورغبة النفس لها فاضحة |
__________________
١ - هكذا جاء في المصدر
من كانت الدنيا له برة |
فانهــا يومــاً لــه ذابحــــــــــة(١) |
وسئل عن القناعة فقال لو لم يكن في القناعة شيء إلا التمنع بعز الغناء لكان ذلك يجزي ثم انشأ يقول:
أفادتني القناعة أي عز |
ولا عز أعز من القناعة |
|
فخذ منها لنفسك رأس مال |
وصير بعدها التقوى بضاعة |
|
تحز حالين تغنى عن بخيل |
وتسعد في الجنان بصبر ساعة |
روى الخطيب(٢) عن محمد بن نعيم قال: دخلت على بشر في علته فقلت: عظني فقال:
__________________
١ - ذكرها ابن أبي الحديد في شرح النهج بشكل مختصر: ج١٨، ص٢١٣ ومثلها على زيادة بعض الأبيات مع ما فيها من تقديم وتأخير في: ج١٩، ص٣٦٢ من نفس المصدر، نهج السعادة للشيخ المرحوم محمد باقر المحمودي: ج٨ ، ٣٠٠.
٢ - والصحيح عن ابن عساكر في تاريخ دمشق: ج١٠، ص٢٠٦، ولم نجدها في تاريخ بغداد ان كان الشيخ القمي قاصداً بالخطيب؛ الخطيب البغدادي.
ان في هذه الدار نملة تجمع الحب في الصيف لتأكله في الشتاء فلما كان يوم أخذت حبة في فمها فجاء عصفور فأخذها والحبة فلا ما جمعت أكلت ولا ما أملت نالت: قلت: زدني قال: ما تقول فيمن القبر مسكنه والصراط جوازه، والقيامة موقفه والله مسائله فلا يعلم إلى الجنة فيهنأ أو إلى النار فيعزى فوا طول حزناه وأعظم مصيبتاه، زاد البكاء فلا عزاء، واشتد الخوف فلا أمن.
توفى سنة ٢٢٧ وهو ابن ٧٥ سنة وقبره ببغداد(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٦٧ - ١٧٠، واللطيف ما ينقله الخطيب البغدادي من طريفة ينقلها بشر الحافي نفسه: يقول: أتيت باب المعافى بن عمران فدققت الباب، فقيل لي: من؟ فقلت: بشر الحافي، فقالت لي بنته ــ وهي من داخل الدار ــ لو اشترتي نعلاً بدانقين ذهب عنك اسم الحافي. انظر تاريخ بغداد: ج٧، ص٧٣.
البغوي
أبو القاسم عبد الله محمد بن عبد العزيز صاحب المعجم، ولد ببغداد سنة ٢١٣ ونشأ بها، وكان محدّث العراق في عصره، عمَّر عمراً طويلاً حتى رحل إليه الناس وكتب عنه الأجداد والأحفاد والآباء والأولاد، وكان بورق أولاً ثم رجع وصنف المعجم الكبير للصحابة، سمع أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وخلقاً يطول ذكرهم من شيوخ البخاري ومسلم.
توفى سنة ٣١٧، وقد يطلق على أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد الشافعي المعروف بالفراء البغوي، والملقب بمحيى السنة، كان محدّثاً مفسراً فاضلاً، روى الحديث ودرَّس، وكان لا يلقي الدرس إلا على الطهارة وصنف التهذيب في الفقه والجمع بين الصحيحين، وكتاب شرح السنة، ومعالم التنزيل والمصابيح وغيره.
توفى بـ (مرو رود) سنة ٥١٠، وقيل سنة ٥١٦، والبغوي بفتحتين نسبة إلى بغشور بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه معرب باغ كور بلد بين هراة
وسرخس وهذه النسبة شاذة على غير قياس(١) .
البلاذري
أبو جعفر أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي شاعر كاتب مترجم له كتاب فتوح البلدان وأنساب الأشراف، وكتاب اردشير، كان منشأه ببغداد وكان مقرباً عند خلفاء عصره المتوكل والمستعين والمعتز، وكان أحد النقلة من الفارسي إلى العربي(٢) ، توفى سنة ٢٧٩.
__________________
١ - نفس المصدر: ج٢، ص٨٨
٢ - قال في معجم الأدباء: ج١، ص٨٩ تحت الرقم ٢٦: أحمد بن جابر بن داود البلاذري أبو الحسن - وقيل: أبو بكر - من أهل بغداد، ذكره الصولي في ندماء المتوكل على الله، مات في أيام المعتمد على الله في أواخرها وما أبعد ان يكون أدرك أول أيام المعتضد، وكان جده جابر يخدم الخصيب صاحب مصر، وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال: قال محمد بن إسحاق النديم: كان جده جابر يكتب للخصيب صاحب مصر، وكان شاعراً راوية ووسوس في آخر أيامه فشد =
__________________
= بالبيمارستان (المستشفى) ومات فيه، وكان سبب وسوسته انه شرب على غير معرفة تمر البلاذر فلحقه ما لحقه.
وفي أمالي علي بن هارون المنجم عن عمه، قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري قال: لما أمر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي أن يكتب فيما كان أمر به من تأخير ((الخراج)) حتى يقع في الخامس من حزيران (وهو الشهر السادس من السنة الشمسية) ويقع استفتاح الخراج فيه، كتب في ذلك كتابه المعروف، وأحسن فيه غاية الإحسان، فدخل عبيد الله بن حيى على المتوكل فعرفه حضور إبراهيم بن العباس وإحضاره الكتاب معه، فأمر بالأذن له فدخل وأمره بقراءة الكتاب فقرأه واستحسنه عبيد الله وكل من حضر، قال البلاذري: فقلت: فيه خطأ، فقال المتوكل: في هذا الذي قرأه عليّ إبراهيم بن العباس؟ قلت: نعم، قال: يا عبيد الله وقفت على ذلك؟ قال: لا، فأقبل إبراهيم بن العباس على الكتاب يتدبره فلم ير فيه شيئاً، فقال: يا أمير المؤمنين الخطأ لا يعرى منه الناس وتدبرتُ الكتاب خوفاً من أن أكون قد أغفلت شيئاً وقف عليه أحمد بن يحيى فلم أر ما أنكره، فليعرفنا موضع =
__________________
الخطأ، فقال المتوكل: قل لنا ما هو هذا الخطأ الذي وقفت عليه؟ فقلت: هو شيء لا يعرفه إلا علي بن يحيى المنجم ومحمد بن موسى وذلك أنه أرخ الشهر الرومي بالليالي، وأيام الروم قبل لياليها، فهي لا تؤرخ بالليالي وإنما يؤرخ الليالي الأشهر العربية، لأن لياليها قبل أيامها بسبب الأهلة، فقال إبراهيم: هذا ما لا علم لي به، ولا أدعي فيه ما يدعي، فغيَّر تاريخه.
وقال البلاذري: قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى ذكره ويزول عنك إثمه، فقلت:
استعدَّي يا نفس للموت واسعي |
لنجاة فالحازم المستعد |
|
قد تثبت انه ليس للحي |
خلود ولا من الموت بُدُّ |
|
إنما أنت مستعيرة ما سوف |
تردين والعوادي تردُّ |
|
أنت تسهين والحوادث لا تسهو |
ودار حقوقها لك ورد |
|
أي ملك في الأرض أم أي حظ |
لامرءٍ حظه من الأرض لحد |
|
كيف يهوى امرؤ لذاذة أيام |
عليه الأنفاس فيها تعدُّ |
=
البلاغي
يطلق على جمع من العلماء الفضلاء الساكنين في النجف الأشرف، ويقال لهم البلاغيون: أولهم الشيخ الفقيه المتبحر الصفي محمد علي بن محمد البلاغي النجفي قال سبطه الفاضل الشيخ حسن بن العباس بن محمد علي في كتاب تنقيح المقال على ما حكى عنه: محمد علي بن محمد البلاغي جديرحمهالله من وجوه علمائنا المجتهدين المتأخرين وفضلائنا المتبحرين ثقة، عين صحيح الحديث واضح الطريق نقي الكلام جيد التصانيف، له تلاميذ فضلاء أجلاء علماء، وله كتب حسنة جيدة منها شرح أصول الكليني، ومنها شرح الإرشاد للعلامة الحلي (ره) وله حواشي على التهذيب والفقيه، وله حواشي على أصول المعالم وغيرها، وكان من تلامذة الفاضل الورع
__________________
= وللمزيد انظر مقدمة الشيخ محمد باقر المحمودي على تعليق وتحقيق كتاب أنساب الأشراف للبلاذري: ص٣.
أحمد بن محمد الاردبيلي.
توفى (ره) في كربلاء على مشرفها أفضل التحية، ودفن في الحضرة المقدسة، وكان ذلك في شهر شوال سنة ألف هجرية على صاحبها الصلاة والتحية.
ومن علماء هذه العائلة:
١ - سبطه الشيخ حسن بن العباس بن الشيخ محمد علي المذكور صاحب تنقيح المقال في علم الرجال وشرح الصحيفة السجادية جزءان فرغ منه في رجب ١١٠٥ وله تعليقات على الاستبصار وغيره.
٢ - ابنه الشيخ عباس بن حسن البلاغي عالم كبير من فقهائنا المجتهدين له رسالة عملية في الطهارة والصلاة مصدرة بالعقائد الحقة سماها بنية الطالب فرغ منها سنة ١١٧٠ بالشام عند منصرفه من الحج، ورسالة فيما يتعلق بالنكاح من السنن، فرغ منها سنة ١١٦١.
وابنه الشيخ محمد علي عالم محقق له شرح تهذيب العلامة وكثير من أبواب الفقه وهو والد الشيخ أحمد العالم الفاضل وجد الشيخ طالب الآتي ذكره من
قبل أمه وابن أخيه الشيخ إبراهيم بن الحسين بن الشيخ عباس عالم فاضل مر في منصرفه من الحج على جبل عاملة فطلب منه البقاء هنالك لخدمة الدين فأجابهم على ذلك إلى ان توفاه الله تعالى بها وله إلى الآن في قرى جبل عامل ذرية يعرفون ومنهم أدباء.
٣ - الشيخ طالب بن العباس بن الشيخ إبراهيم بن الحسين بن الشيخ عباس كان من تلامذة علامة الأواخر صاحب الجواهر (ره)، وكان معروفاً بالفضل والتقوى والزهد والإيثار ولأصحابه من أهل العلم فيه مدائح، وكان العلامة الشيخ محمد طه نجف يذكر للشيخ طالب كرامة كبيرة ضمنها رسالته في أحوال الشيخ حسين نجف.
٤ - بطل العلم الشيخ محمد الجواد بن الشيخ حسن بن الشيخ طالب المذكور ذكر ترجمته الفاضل الأديب الميرزا محمد علي الغروي الاردبادي وطبع في مجلة الرضوان، وملخصه انهرحمهالله تعالى ولد في نيف و ١٢٨٠ في النجف الأشرف وبها كان نشوءه وارتقاؤه
ومبادئ تحصيله وغاياته غير انه أتم دروسه العالية لدى أعلام عصره الفطاحل المولى الأجل الحاج اقا رضا الهمداني، والشيخ محمد طه والمولى محمد كاظم الخراساني.
ثم كانت هجرته إلى (سر من رأى) على عهد العالم الجليل القدر الميرزا محمد تقي الشيرازي فطوى هنالك عشراً من الأعوام وبها ألف بعض كتبه كالهدى وغيره، ثم عاد إلى النجف الأشرف واشتغل بالتصنيف والتأليف وترويج الدين الحنيف.
فمما برز من قلمه الشريف (الرحلة المدرسية) ثلاثة أجزاء باحث فيها الأديان على أصولها المسلمة عند منتحليها يعرف منها تضلعه في العلوم وسعة اطلاعه وإحاطته وقوة عارضته، وطبعت في النجف طبعتين وترجمت إلى الفارسية ترجمتين.
(الهدى إلى دين المصطفى) جزءان رد شبهات المسيحية عن الإسلام فكسب بذلك أهمية كبرى في العالم الإسلامي طبع في سوريا.
(أنوار الهدى) حاول فيه الجواب عن
أسئلة سورية في الإلهيات فجاء كالمعول الهدام لما نسجته عناكب المادية داروين وأصحابه طبع في النجف الأشرف.
(نصائح الهدى) في إدحاض معرة البابية وبيان تناقض دعاوى الباب، طبع في بغداد.
(المصابيح) في نقض مفتريات القاديانيين.
(أعاجيب الأكاذيب) طبع في النجف وله ترجمة فارسية مطبوعة.
(التوحيد والتثليث) طبع في سوريا.
(البلاغ المبين) مجموع كبير، جمع فيه جواباته عن الأسئلة الواردة من الديار المختلفة في الديانات، ولو طبع لكان أكبر هدية إلى الملأ الإسلامي.
(رسالة) في الرد على الوهابية.
(أجوبة الأسئلة البغدادية) إلى غير ذلك من الكتب والرسائل والتعليقات في الفقه والأصول وغير ذلك.
ولقد كانرحمهالله تعالى ضعيفاً ناحل الجسم تفانت قواه في المجاهدات، وكان في آخر أمره مكباً على تأليف تفسير القرآن المجيد بكل جهد أكيد ولكن لم يمهله الأجل المحتوم فقضى نحبه ليلة ٢٢ من شعبان سنة ١٣٥٢ في النجف الأشرف
وكان لوفاته أثر كبير في نفوس عظماء الدين كافة وأقيمت الفواتح له في البلدان العراقية، وتشادق في رثائه الأدباء، جزاه الله تعالى عن الإسلام خير الجزاء(١) .
__________________
١ - الكني و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٩٣ - ٩٥
الشيخ البهائي
جاء عنه في كتاب فلاسفة الشيعة:
هو محمد بن عز الدين حسين بن عبد الصمد الجُبعي العاملي الحارثي الهمداني(١) .
ولد في بعلبك يوم ١٣ ذي الحجة عام ٩٥٣هـ/ ١٥٤٧م وتوفي في اصفهان في ١٣ شوال سنة ١٠٣١هـ / ١٦٢٢م ونقل جثمانه الطاهر قبل دفنه إلى مشهد ودفن في داره قريباً من مرقد الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام
كان الشيخ البهائي من كبار الوجوه العلمية اللامعة ومن متميزي علماء القرن الخامس عشر وكان وحيد زمانه وإمام العلوم في أيامه.
وكان علاوة على تسلطه على علوم الفقه والحديث والأصول والأدب والهندسة والفلك والحساب والجبر وكافة أقسام
__________________
١ - ذكره الخاقاني في رجاله : ج ١٠ ، ص ١٧ ، و الصراط المستقيم للعاملي : ج ٢ ، ص ٩
الرياضيات فقد أتقنها بشكل دقيق جميعها وبشكل عجيب، وكذلك كان متصفاً بالثقافة والمعارف الإسلامية بالإضافة للحكمة والكلام وبعض العلوم التي كانت له فيها يد طولى.
كانت شخصية الشيخ البهائي مظهر إعجاب وتجليل العلماء إلى الحد الذي دعاهم لمدحه والثناء عليه بشكل جدي.
أحد مداحيه هو أحمد بن علي المنيني شارح قصيدة الشيخ البهائي باسم ((وسيلة الفوز والأمان في مدح إمام الزمانعليهالسلام )) التي أكملت في عام ١٥١١ وفيها يقول:
((... الشيخ البهائي صاحب التصانيف والتحقيقات وهو أليق من كل فرد لائق في نقل الأخبار ونقل خصائصه وتعريف الدنيا بفضائله وبدائع أفكاره، والشيخ البهائي في احتوائه على العلوم ومعرفة دقائقها وفنونها كان يقوم مقام أمة كاملة ولا أظن ان زماناً يستطيع ان ينتج نظير هذا الرجل)).
يقول تلميذ الشيخ البهائي، السيد عز الدين حسين بن حيدر الكركي
العاملي في مدح أستاذه:
((... شيخنا طاب ثراه أفضل أهل زمانه، بل انه وحيد زمانه في بعض العلوم حيث ان رجال زمانه وعلمائهم لا يصلون إلى مستواه، كان يميل وبشدة للتصوف، وكان متصفاً في بحوثه...)).
ومدحه صاحب سلافة العصر وعلى طريقته في السجع قال:
كان البهائي جامع العلوم والفنون وكان وحيد زمانه في الفضائل المختلفة.
وكذلك فإن كثير من العلماء والفضلاء قد مدحوه وأثنوا عليه مما يدل على مكانته وشخصيته الاجتماعية فوق العادة، ومن البديهي ان شخصيته العلمية كان لها الأثر الكبير في إيقاظ الأمة حيث كانت شخصيته تبعث على نهوض الأمة.
٣ - ظهر الشيخ البهائي في فترة سبات عميق وكانت أكثر الأمم في نوم عميق وكانت فترة خمول الفكر والثقافة وركود الحركات الفكرية وضعفها وانحلالها في كافة جوانب الحياة.
كانت هذه حالة كل الأقطار العربية والإسلامية.
ولكننا لابد ان نشير كما أشار إليه الميرداماد إلى ان بعض الدول الإسلامية ظهرت فيها من أنوار المعرفة والمدارس العلمية كباقات زهور وثمرات طيبة وصلت فيها إلى القمة.
كان هناك في جنوب لبنان منطقة تسمى جبل عامل كانت عيون المعرفة والعلم في حالة فوران تجري منها أنهار العلم والمعرفة لتوقظ الأمة من نوم غفلتها.
وأراد الله ان تولد هذه القطعة من الأرض علماء ومفكرين وأدلاء كبار ليحملوا مشاعل العلم والهداية في زمان الظلمة والجهل بأيديهم وكي تستفيد الأمم الأخرى من تلك الإشعاعات العلمية، يكفينا ذكر بعض أسماء الأعلام هنا:
علي بن عبد العالي الميسي المشهور بالمحقق الميسي العاملي.
علي بن عبد العال الكركي المعروف بالمحقق الثاني صاحب المؤلفات القيمة.
زين الدين بن علي العاملي الجبعي، المعروف بالشهيد الثاني.
محمد بن مكي الجزيني العاملي، المشهور بالشهيد الأول.
الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي، والد الشيخ البهائي.
وآخرون قادة العلم والفكر حيث كانت علومهم وأفكارهم ولقرون موضع استفادة البشرية، حيث تركوا آثاراً لا زالت أسساً للعلم والفكر ومراجع مهمة للمعرفة في كافة أنحاء الدول الإسلامية.
في تلك الفترة المظلمة شع نور الشيخ البهائي نور الفن والعلم والمعارف حيث كان عقله وفكره وقابلياته واستعداده حري بفهم كافة علوم عصره.
كانت آثاره كالبرق في كافة الاتجاهات.
آراؤه وأفكاره في الهندسة والفلك والرياضيات والفروع الأخرى ولمدة طويلة بعده ولحد اليوم لا زال مرجعاً لكثير من علماء الشرق حيث ان آراءه
وأفكاره بحكم العين التي لا تنضب لطلاب العلم وطلاب المدارس وطلبة الجامعات.
وكذلك آثاره في الفلسفة والكلام والفقه(١) والحديث والأدب والشعر لم تكن أقل من آثاره في علوم الرياضيات والفلك حيث ألف في مراحله الأخيرة كتباً أذهلت العلماء الذين انهمكوا بشرحها وتدريسها في كثير من عواصم الشرق الإسلامي ومدنه الكبيرة(٢) .
٤ - أساتذته وتلاميذه:
أبوه حسين بن عبد الصمد العاملي
__________________
١ - نقل ابن أبي جمهور الأحسائي في غوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: ((حكي ان الشيخ البهائي (طاب ثراه) كان يسمع إنشاد الشعر بألحان، ما كان يعتقد أنها من أنواع الغناء المحرم، لأن الغناء وإن كان مما أجمع أصحابنا (رض) على تحريمه إلا أنهم اختلفوا في تحقيق معناه، فبعضهم أرجعه إلى العرف والعادة وبعضهم حمله على قول أهل اللغة، فيكون مسألة من مسائل الاجتهاد لا يلام من قال، وذهب إلى قول من الأقوال فيها)) المصدر: ج١، ص١٤.
٢ - فلاسفة الشيعة: ص٣٤٨.
حيث كان من كبار علماء الفقه والأدب في زمانه.
ملا عبد الله بن حسين اليزدي المتوفي سنة ٩٨١ هجري من أساتذة المنطق والحكمة وصاحب حاشية المنطق حيث ولحد الآن تُدرس في جامعات النجف وقم العلمية وهكذا في بقية مراكز الشيعة العلمية.
من الطبيعي ان البعد الثقافي للشيخ البهائي جاء على أثر تتلمذه على أساتذة مقصودين وبسبب سفراته الكثيرة واتصاله برجال وشخصيات علمية وأدبية حيث كسب منهم العلوم والفنون، ولحد الآن لا نعلم ان الشيخ البهائي من أي العلماء حصل على علومه لأنه لم يتطرق أي من المؤرخين إلى ذلك وذكروا فقط انه تعلم على يد كبار علماء زمانه(١) .
تلامذته:
للشيخ البهائي تلامذة كثيرون أخذوا العلم عنه واستقوا من فيض علومه وكل
__________________
١ – نفس المصدر : ص ٣٥٠
واحد منهم أصبح من أعلام زمانه في العلم والمعرفة.
منهم:
١ - الشيخ جواد بن سعد الله البغدادي الكاظمي المعروف بالفاضل جواد حيث استفاد من وجود الشيخ البهائي في اصفهان والذي وصل إلى درجة عالية في العلم المعقول والمنقول والرياضيات.
شرح بعضاً من كتب أستاذه مثل: الخلاصة في الحساب، وزبدة الأصول.
٢ - الملا محسن الفيض الكاشاني المتوفي سنة ١٠٩١هجري من الفلاسفة المعروفين.
٣ - سيد رفيع الدين محمد بن حيدر الطباطبائي الحسيني النائيني المتوفي سنة ١٠٨٢هـ. والمحسوب من أئمة الفلسفة.
٤ - الشيخ محمد بن علي تبنيني العاملي.
٥ - زين الدين بن محمد بن الحسن بن زين العاملي من علماء الفقه والحديث.
٦ - صدر المتألهين الشيرازي.
٧ - سيد ماجد البحريني وجماعة كثيرة أخرى.
لم يسلم الشيخ البهائي من التهمة والانتقاد في علمه ودينه، مع عظمته العليا في علمه ودينه وانه في عداد المفكرين الكبار وأفكاره تطغى على كافة علوم أقرانه لكنه في نفس الوقت تعرض للطعون لمكانته ومقامه الشامخ عند الملوك الإيرانيين مما أدى إلى حسد ومنافسة معاصريه مما أثاروا الشكوك حوله وانه ذكر بعض ذلك في كشكوله(١) .
آثاره وتأليفاته:
الشيخ البهائي أحد الشخصيات العلمية الكبار له مكانة عالية في كافة الميادين العلمية بحيث انه أصبح عند الناس شخصية خيالية. لقد أسند الناس له قصص عجيبة وغريبة وخيالية مما يدل على تأثيره القوي في أفكار الناس.
__________________
١ - فلاسفة الشيعة : ص ٣٥٢
نقلوا انه استطاع ان يفلق الذرة ويصل إلى الطاقة الكبيرة فيها ويستفيد منها في ابتكاراته المختلفة وكمثال لذلك، تلك الشمعة التي وضعها في كورة حمام في اصفهان والتي استطاع بها ان يسخن حماماً ولمدة طويلة دون ان تضمر أو تتغير.
وكذلك، فانه صنع ساعة تعمل بدون كوك وأموراً كثيرة عجيبة غريبة.
ومما ينقل انه هو الذي خطط لبناء صحن الإمام عليعليهالسلام في النجف حيث جعل نقطة معينة قرب باب السوق الكبير حينما تصل الشمس لها ظهراً يتعين الزوال، شتاءً أو صيفاً(١) ، وهذه من الأعاجيب أيضاً.
للشيخ البهائي مؤلفات كثيرة طبعت كلها. بعضها في الحساب والفلك والهندسة وقد شرحت ووضعت لها الحواشي.
تمتاز مؤلفاته بخلوها من الحشو
__________________
١ - المؤلف
والإفراط الغير لازم ومؤلفاته شملت كافة العلوم والفنون بلغت الخمسون مؤلفاً ونورد الآن قسماً منها:
١ - رسالة تحقيق في جهة القبلة.
٢ - بحر الحساب.
٣ - خلاصة الحساب.
٤ - تشريح الأفلاك.
٥ - جبر الحساب.
٦ - الضميمة في الإسطرلاب.
٧ - كتاب الإسطرلاب.
٨ - الجفر.
٩ - الرسالة الاعتقادية.
١٠ - إثبات الأنوار الإلهية.
١١ - كشكول البهائي(١) .
وقال الكشميري في كتابه مع الصادقين ما يلي:
وهو الشيخ محمد بن الحسين الحارثي العاملي الجبعي.
شيخ الإسلام، وبهاء الملة والدين.
ألا يا قاصد الزوراء عرج |
على الغربي من تلك المغاني |
__________________
١ - فلاسفة الشيعة ، فارسي : ص ٣٦٠.
ونعليك اخلعن واسجد خضوعاً |
إذا لاحت لديك القبتان |
|
فتحتهما لعمرك نار موسى |
ونور محمد متقارنان |
هذه الأبيات خطت بحرم الكاظميينعليهالسلام وهي للمرحوم الشيخ الحارثي العاملي.
والشيخ البهائي من أعلام الصادقين في خط أهل البيتعليهمالسلام عالم رباني وشاعر فحل ومؤلف عظيم وحكيم متأله وهو أستاذ أساتذة المجتهدين، وهو من نوابغ الأمة الإسلامية وينتهي نسبه إلى التابعي الشهير الحارث الهمداني.
ولد في عام ٩٥٣هـ في ١٧ ذي الحجة في مدينة بعلبك الشهيرة.
واشتهر هذا العالم بكثرة مؤلفاته في مختلف العلوم والفنون، وبكثرة أسفاره لنشر فكرة أهل البيتعليهمالسلام فقدقضى ثلاثين سنة في السفر، ورغم معاناة السفر وصعوبته ورغم انه كان خفيف المزاح لكنه كان صلباً وقوياً في تحقيق طموحاته، فقد زار المدينة المنورة عند سفره إلى الحج، واجتمع فيها إلى
كثير من علمائها ومفكريها، كما زار مصر وبقي هناك فترة طويلة يجتمع إليه فيها أهل الفضل فيأخذون منه العلوم المختلفة وكان كبير علمائها آنذاك أبو الحسن البكري يتردد عليه ويعظمه ويبالغ في احترامه فقال له مرة يا مولانا أنا درويش فقير كيف تعظمني هذا التعظيم؟ فقال له الأستاذ: لقد شممت فيك رائحة الفضل، وامتدحه الشيخ بقصيدة، عصماء قال فيها:
يا مصر سقياً لك من جنة |
قطوفها يانعة دانيه |
|
ترابها كالتبر في لطفه |
وماؤها كالفضة الصافيه |
|
قد أخجل المسك نسيم لها |
وزهرها قد أرخص الغاليه |
|
دقيقة أصناف أوصافها |
وما لها في حسنها ثانيه |
|
منذ أنخت الركب في أرضها |
نسيت أصحابي وأحبابيه |
|
فيا حماها الله من روضة |
بهجتها كافية شافيه |
|
فيها شفاء القلب أطيارها |
بنغمة القانون كالداريه |
ويقول فيها:
من شاء أن يحيا سعيداً بها |
منعماً في عيشة راضيه |
|
فليدع العلم وأصحابه |
وليجعل الجهل له غاشيه |
|
والطب والمنطق في جانب |
والنحو والتفسير في زاويه |
وهناك الكثير من القصائد الخالدة له في مختلف الفنون خصوصاً في ميدان الولاء لأهل البيتعليهالسلام وبالأخص قصيدته الرائية مع الألف في مديح الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وهي تتكون من أربعين بيتاً، وتعتبر من أروع القصائد في الإمام عليعليهالسلام وفي موضع الغدير بالذات وفيها يقول في الإمام:
فتى قل بتعظيمه ما تشاء |
سوى ما ادعته بعيسى النصارى |
|
فدى أحمد بمبيت الفراش |
وصاحبه يوم جاء المغارا |
|
وواخاه أمراً غداة الغدير |
من الله نصاً به واختيارا |
|
أعزّ الورى وأجلّ الملا |
محلاً وأزكى قريش نجارا |
ويا فلك نوح ونار الكليم |
وسر البساط الذي فيه حارا |
|
متى أمنا بارق واختفى |
بليل وما حادي العيس سارا |
تلامذته: له أكثر من ٩٧ تلميذ اشتهروا بالحديث والفقه وغير ذلك كما ذكروا له أكثر من ٨٠ مؤلفاً في مختلف الفنون والعلوم. وله قصيدة لامية في الإمام المهدي وهي أيضاً من روائع شعره وهي في ٤٩ بيت مطلعها:
وليلة كان بها طالعي |
في ذروة السعد وأوج الكمال |
|
قصر طيب الوصل من عمرها |
فلم تكن إلا كحل العقال |
|
واتصل الفجر بها بالعشا |
وهكذا عمر ليالي الوصال |
|
إذ أخذت عيني في نومها |
وانتبه الطالع بعد الوبال |
|
فزرته في الليل مستعطفاً |
أفديه بالنفس وأهلي ومال |
|
وأشتكي ما أنا فيه البلى |
وما ألاقي اليوم من سوء حال |
فأظهر العطف على عبده |
بمنطق يزري بنظم اللآل |
|
فيالها من ليلة نلت في |
ظلامها ما لم يكن في خيال |
وفاته: في شوال عام ١٠٣١ في اصفهان، ونقل جثمانه إلى مشهد الرضاعليهالسلام ودفن بجوار الإمام الثامن وقد رثاه الشاعر المرحوم الشيخ إبراهيم العاملي بقصيدة عصماء قال فيها:
شيخ الأنام بهاء الدين لا برحت |
سحائب العفو ينشيها له الباري |
|
مولى به اتضحت سبل الهدى وغدا |
لفقده الدين في ثوب من القار |
|
والمجد أقسم لا تبدو نواجذه |
حزناً وشق عليه فضل أطمار |
|
والعلم قد درست آياته وعفت |
عنه رسوم أحاديث وأخبار |
|
كم بكر فكر غدت للكون فاقدة |
ما دنستها الورى يوماً بأنظار |
|
كم خر لما قضى للعلم طود علا |
ما كنت أحسبه يوماً بمنهار |
|
وكم بكته محاريب المساجد إذ |
كانت تضيء دجى منه بأنوار |
فاق الكرام ولم تبرح سجيته |
إطعام ذي سغب مع كسوة العاري |
|
جل الذي اختار في طوس له جدثاً |
في ظل حامي حماها نجل أطهار |
|
الثامن الضامن الجنات أجمعها |
يوم القيامة من جود لزوار(١) |
وينقل عن الشيخ البهائي انه كان دؤوباً على زيارة المقابر ليال الجمعة وهي طبقاً لسيرة العلماء ومثلهم الأئمةعليهمالسلام والأنبياء والعلماء يتأسون بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يزور البقيع دائماً، وكذلك فان مولاتنا فاطمة الزهراءعليهاالسلام طلبت من الإمام علي ان يتعهد قبرها في كل ليلة جمعة. وان يقرأ عند قبرها سورة (يس) لأنها قلب القرآن.
وهكذا كان أمير المؤمنينعليهالسلام في الكوفة يزور مقبرة وادي السلام بصحبة العديد من تلاميذه وكان يقول في زيارتهم:
((يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالْـمَحَالِّ
__________________
١ - مع الصادقين : ج ١ ، ص ٩٢ - ٩٤
الْمُقْفِرَةِ، وَالْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ. يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ.
أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَمَّا الأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، وَأَمَّا الأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ.
هذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ؟
ثم يلتفت إِلى أَصحابه فيقول: أَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلاَمِ لأََخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)).
إذن فالشيخ البهائي كان ملتزماً بزيارة القبور كل ليلة جمعة، وفي هذا الإطار خرج كعادته فمر في الطريق على جماعة من أكابر العلماء، وأثناء حديثه معهم تأمل لحظة ثم سألهم: هل سمعتم كلاماً؟ فقالوا: لا، لم نسمع شيئاً، فسكت وزار المقابر، ثم اعتزل الناس وأغلق عليه باب داره، وعاش أياماً قليلة ولبى نداء ربه.
ونقلوا عنه ان الكلام الذي سمعه ولم يسمعه الآخرون هو: ((شيخ؛ فكر خودت باش))، وترجمتها: يا شيخ اهتم بنفسك
وعافيتك، فاعتبرها رسالة له.
وكانت وفاته في ١٢ شوال عام ١٠١٣ في اصفهان، ونقل جثمانه إلى مشهد الرضاعليهالسلام حسب وصيته، ودفن بجوار الإمام الرضاعليهالسلام تغمده الله برحمته(١).
وقال الكشميري:
مما يجدر به ان في صحن الإمام الرضاعليهالسلام توجد مشاهد ومقابر لشخصيات مهمة، ومنهم علماء كبار من جبل عامل كالشيخ الحر العاملي، وكذلك الشيخ البهائي أعلى الله مقامه.
والشيخ البهائي هو من أعلام الطائفة المشهورين وبحراً مواجاً بفضائله وعلومه وآثاره.
وهو من مواليد بعلبك في لبنان في الجنوب اللبناني في ١٣ ذي الحجة عام ٩٥٣هـ وانتقل به والده إلى إيران، فاشتغل في تحصيل العلوم، ونظراً إلى مواهبه وذكائه العجيب فقد تطور بسرعة في التكامل العلمي والعرفاني حتى
__________________
١ - مع الصادقين ، السيد حسن الكشميري : ج ٣ ، ص ٩٧ - ٩٩
أذعن له كل أهل الفضائل وصار له جاه وسيع ومناصب كبيرة وازدحم طلاب العلم للنيل من فيوضاته. بعدها سافر إلى الديار المقدسة، وتجول في أكثر البلاد الإسلامية متستراً عن الأعداء مبلغاً لرسالته. وقد سار في العتبات المقدسة في العراق أيضاً.
وتذكر المصادر بأن هندسة بناء الصحن الحيدري وتخطيطه هو من فنون الشيخ البهائي(١) وهكذا بعض المعالم الأثرية في إيران واصفهان بالذات، واشتهرت بعض هذه المباني بالألغاز الهندسية والفيزيائية.
وفي القرن الحادي عشر أصبح الشيخ البهائي يعرف برئيس الملة والدين، وأذعنت له كل الأصناف والأشراف
__________________
١ - ذكر لي المرحوم الوالد ان من معالم الفن المعماري والفلكي للصحن العلوي ان هناك طابوقة (آجر) معينة قرب باب السوق الكبير في جدار الصحن الشريف من الداخل، تشرق منها الشمس وتغرب لا تحيد عنها. وهذا من عجائب الفن المعماري. (المؤلف).
والمسؤولين.
وتنقل عن تواضعه وبساطة عيشه قصص غريبة، وكذلك سعيه في قضاء حوائج الناس؛ حتى ذكروا ان شاباً خطب ابنة أحد كبار الأشراف، فرفض والد البنت، فجاء الشاب إلى الشيخ البهائي، وشكا له ذلك وطلب منه التشفع في أمره، فما كان منه إلا ان لبس ملابسه وجاء مع الشاب، ودخل على ذلك الرجل وحدثه في ذلك، فأصر الرجل على رفضه، وبعد أيام جاء الشاب ملحاً على الشيخ ان يتوسط في الأمر فلم يعتذر رغم انه فشل في المرة الأولى، وفعلاًَ جاء مع الشاب ثانية إلى منزل والد البنت وكلمه، فاستمر في رفضه. وبعد أيام جاء الشاب يستغيث بالشيخ فما كان منه إلا ان صحبه للمرة الثالثة، واتجه إلى باب منزل والد البنت، فخرج الرجل معتذراً، وقال: يا شيخنا قلت لك في المرة الأولى والثانية وأراك جئتني ثالثاً... وكان يصر على رأيه ورفضه إلا ان الشيخ البهائي قال له: انظر يا هذا نحن نعتبر ان جزءاً من شغلنا السعي في
قضاء حوائج الناس، قُضيت أم لم تقض ولذلك فأنا لن أتباطأ مهما طلب مني هذا الشاب وسأتيك رابعاً وخامساً، وأنت ارفض أيضاً فلا يهمني ذلك، فلما سمع الرجل تعجب ثم وافق على تزويج الشاب ابنته.
وكتب عنه الشيخ القمي في الكنى والألقاب:
شيخ الإسلام والمسلمين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي الحارثي.
قال صاحب السلافة في حقه ما ملخصه: هو علامة البشر ومجدد دين الأئمةعليهمالسلام على رأس القرن الحادي عشر، إليه انتهت رئاسة المذهب والملة، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة، وجمع فنون العلم فانعقد عليه الإجماع وتفرد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع، فما من فن إلا وله فيه القدح المعلى والمورد العذب المحلى، إلى ان قال لم يدع قولاً لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل.
مولده بعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث عشر بقين من ذي الحجة
سنة ٩٥٣، وانتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجمية فنشأ في حجره بتلك الأقطار المحمية، وأخذ عن والده وغيره من الجهابذ حتى أذعن له كل مناضل ومنابذ، فلما اشتد كاهله وصفت له من العلم مناهله ولى بها شيخ الإسلام وفوَّضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام، ولم يزل آنفاً من الانحياش إلى السلطان راغباً في العزلة عازفاً عن الأوطان، يؤمل العود إلى السياحة، ويرجو الإقلاع عن تلك الساحة، فلم يقدر له حتى وافاه حمامه، وترنم على أفنان الجنان حمامه، وأخبرني بعض ثقاة الأصحاب ان الشيخ (ره) قصد قبل وفاته زيارة المقابر في جمع من الأجلاء الأكابر فما استقر بهم الجلوس حتى قال لمن معه اني سمعت شيئاً فهل فيكم من سمعه؟ فأنكروا سؤاله واستغربوا مقاله، وسألوه عما سمعه فأوهم وعمى في جوابه، ثم رجع إلى داره فأغلق بابه فلم يلبث ان أصاب داعي الردى فأجابه، وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلون من شوال
المكرم سنة ١٠٣١ باصبهان ونقل قبل دفنه إلى طوس فدفن بها في داره قريباً من الحضرة الرضوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية.
حكي عن المجلسي الأول قال في ترجمة أستاذه الشيخ بهاء الدين انه سمع قبل وفاته بستة أشهر صوتاً من قبر بابا ركن الدين وكنت قريباً منه فنظر إلينا وقال: سمعتم ذلك الصوت؟ فقلنا: لا فاشتغل بالبكاء والتضرع والتوجه إلى الآخرة وبعد المبالغة العظيمة قال: اني أخبرت باستعداد الموت وبعد ذلك بستة أشهر تقريباً توفى، وتشرفت بالصلاة عليه مع جميع الطلبة والفضلاء وكثير من الناس يقربون من خمسين ألفاً.
يقول القمي: (أقول): حكي ان الذي سمعه الشيخ كان هذا (شيخنا در فكر خود باش).
له مصنفات فائقة مشهورة أكثرها مطبوعة، منها حبل المتين، ومشرق الشمسين والأربعين، والجامع العباسي، والكشكول، والمخلاة، والعروة الوثقى،
ونان وحلوا والزبدة، والصمدية، وخلاصة الحساب، وتشريح الأفلاك، والرسالة الهلالية، ومفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، وهذه الكتب كلها مطبوعة في إيران، وله أيضاً الاثنى عشريات، والتهذيب، والحواشي على الفقيه وعلى خلاصة الرجال، وعلى الكشاف والبيضاوي وغير ذلك.
وعن قطب الدين الاشكوري انه قال في ترجمة الشيخ البهائي، وحكى لي بعض الأعلام انه سمع من المولى الفاضل والحبر الكامل القاضي معز الدين محمد أقضى القضاة في مدينة اصبهان انه قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام أحد أئمتناعليهماالسلام فقال لي: اكتب كتاب مفتاح الفلاح ودوام العمل بما فيه، فلما استيقظت ولم أسمع اسم الكتاب قط من أحد فتصفحت من علماء اصبهان فقالوا لم نسمع اسم الكتاب وفي هذا الوقت كان الشيخ الجليل مع معسكر السلطان في بعض نواحي إيران فلما قدم الشيخرحمهالله بعد مدة في اصبهان تصفحت منه أيضاً عن هذا الكتاب فقال:
صنفت في هذا السفر كتاب دعاء سميته مفتاح الفلاح إلا اني لم اذكر اسمه لواحد من الأصحاب ولا أعطيت نسخته للانتساخ لأحد من الأحباب، فذكرت للشيخ المنام فبكى الشيخ وناولني النسخة التي كانت بخطه وأنا أول من انتسخ ذلك الكتاب من خطه طاب ثراه(١) .
والد الشيخ البهائي
عز الدين الشيخ حسين بن عبد الصمد بن محمد العاملي قال شيخنا الحر رضوان الله تعالى عليه في الأمل: كان عالماً ماهراً محققاً مدققاً متبحراً جامعاً أديباً منشأ شاعراً عظيم الشأن جليل القدر ثقة، من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثانيرحمهالله .
له كتب: منها كتاب الأربعين حديثاً ورسالة في الرد على أهل الوسواس سماها العقد الحسيني، وحاشية الإرشاد، ورسالة رحلته وما اتفق في سفره،
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ القمي : ج ٢ ، ص ١٠٠ - ١٠٣
وديوان شعره، ورسالة سماها تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان رد فيها على الشيخ علي بن عبد العالي الكركي حيث أمرهم ان يجعلوا الجدي بين الكتفين وغير محاريب كثيرة مع ان طول تلك البلاد يزيد على طول مكة كثيراً وكذا عرضها فيلزم انحرافهم عن الجنوب إلى نحو المغرب كثيراً، ففي بعضها كالمشهد بقدر نصف المسافة خمسة وأربعين درجة وفي بعضها أقل، وله رسائل أخرى، وكان سافر إلى خراسان وأقام بهراة، وكان شيخ الإسلام بها، ثم انتقل إلى البحرين، وبها مات سنة ٩٨٤، وكان عمره رضوان الله عليه ستاً وستين سنة.
وقد أجازه الشهيد الثاني إجازة عامة مطولة مفصلة.
والعاملي نسبة إلى جبل عامل في الشام، والحارثي نسبة إلى الحارث بن عبد الله الهمداني صاحب أمير المؤمنينعليهالسلام
لانتهاء نسب الشيخ إليه(١) .
البويهي
الشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي الإحسائي المنشأ العاملي الخاتمة.
كان من أجلاء العلماء المحققين الفضلاء، هاجر إلى جبل عامل في زمان شبابه وسكن عيناثا حتى مات بها، واشتغل بطلب العلم، وكان من تلامذة الشيخ ظهير الدين العاملي، وكان فاضلاً محققاً مدققاً أديباً شاعراً فقيهاً، له حواش كثيرة على كتب الفقه والأصول وحاشية على قواعد العلامة، توفى سنة ٨٥٣
فعن الشهيد الثاني انه قال: هو من أعقاب ملوك بني بويه ملوك العراقين والعجم وهم مشهورون، وكان الصاحب بن عباد من وزرائهم، وهم الذين بنوا الحضرة الشريفة الغروية على مشرفها
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ القمي : ج ٢ ، ص ١٠٢ - ١٠٤
السلام بعد إحراقها، وعمروا لأنفسهم تربة في مقابل تربة أمير المؤمنينعليهالسلام تعرف الآن بقبور السلاطين.
وقد يطلق البويهي أيضاً على قطب الدين الرازي ، الذى يأتي ذكره إن شاء الله تعالى(١) .
البيهقي
أبو بكر احمد بن الحسين بن علي الخسروجردي الشافعي الحافظ الفقيه المشهور صاحب السنن الكبير والسنن الصغير، ودلائل النبوة، وشعب الإيمان وغيرها.
قيل: انه كان من كبار أصحاب الحاكم ابن البيع، وكان زاهداً قانعاً من دنياه بالقليل.
قال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فان له المنَّة على الشافعي نفسه وعلى كل شافعي لما صنَّف في نصرة
__________________
١ - نفس المصدر : ج ٢ ، ص ١٠٠
مذهبه ومن كلماته بنقل صاحب الكامل البهائي مقابل قول من قال: ان معاوية خرج من الإيمان بمحاربة عليعليهالسلام ، قال: ان معاوية لم يدخل في الإيمان حتى يخرج منه بل خرج من الكفر إلى النفاق في زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم رجع إلى كفره الأصلي بعده.
توفى سنة ٤٥٨ بنيسابور ونقل إلى بيهق وهو موضع بقرب سبزوار.
وقد يطلق البيهقي على إبراهيم بن محمد أحد أعلام القرن الثالث، صاحب كتاب المحاسن والمساوي، وهو كتاب كتبه في أيام المقتدر العباسي، وروى عن المدائني المتوفى سنة ٢٢٥ بلفظ حدثنا، وعن ابن السكيت وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك الذي كان عند المأمون في مقام أبيه السندي عند هارون الرشيد، وكان من العلماء بأمر الدولة وبالجملة هو كتاب نفيس ويذكر فيه قصة ضرب عبد الملك السكة الإسلامية بإشارة مولانا أبي جعفر الباقرعليهالسلام
وتعليمه إياه(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١١٤ - ١١٥، مكتبة الصدر، طهران، الطبعة الخامسة، ١٣٦٨هـ ش.
حرف التاء
تأبط شراً
لقب ثابت بن جابر أحد فرسان العرب، يحكى انه كان أعدى الناس أي أجرأهم حتى قيل: انه إذا جاع أطلق على رجليه خلف الظبية فأمسكها وذبحها وشواها وأكلها.
توفى سنة ٥٣٠ مسيحي، وهو شاعر شهير، قيل: لقب بهذا اللقب لأنه تأبط سيفاً وخرج، فقيل لأمه: أين هو؟ فقالت: لا أدري تأبط شراً وخرج(١) .
الترمذي
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الضرير المحدث المشهور.
لقي الصدر الأول، وأخذ عن المشاهير كالبخاري، وشاركه في بعض شيوخه، وكان
__________________
١ - وله الكثير من الطرائف، انظر كتاب المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي: ص١٩٦، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١١٦.
يضرب به المثل في الحفظ والضبط، له (الشمائل المحمدية) و (كتاب السنن) أحد الصحاح الست.
فعن كشف الظنون قال الجامع الصحيح للإمام الحافظ أبي عيسى الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩ وهو ثالث الكتب الستة في الحديث.
نقل عن الترمذي قال: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به ومن كان في بيته فكأنماصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيته يتكلم(١) .
وقد يطلق الترمذي على أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحكيم الترمذي من كبار مشايخ خراسان من علماء القرن
__________________
١ - فضائل سنن الترمذي للأسعردي: ص٣٢، تذكرة الحفاظ للذهبي: ج٣، ص٦٣٤، كشف الظنون: ج١، ٥٥٩، معجم المطبوعات العربية، اليان سركيس: ج١، ص٦٣٢، في حين ضعف هذا القول محمد ناصر الألباني في كتابه ضعيف سنن الترمذي، انظر تفاصيل أقواله: ص١٩، تحقيق: زهير الشاويش الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، الرياض، مكتبة الإسلامي.
الثالث.
له من التصانيف نوادر الأصول، وعلل الشريعة، حكي انهم نفوه من ترمذ وأخرجوه منها وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيفه كتاب الولاية وكتاب علل الشريعة، وقالوا انه يقول: ان للأولياء خاتماً كما ان للأنبياء خاتماً، فجاء إلى بلخ فقتلوه بسبب مخالفته إياهم على المذهب.
ويطلق أيضاً على أبي جعفر محمد بن احمد بن نصر الترمذي الفقيه الشافعي البغدادي المتوفى سنة ٢٩٥.
والترمذي نسبة إلى ترمذ مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون وفيه ثلاث لغات أشهرها كسر التاء والميم(١) .
التستري
تُستر بلدة من كور الأهواز من
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ القمي : ج ٢ ، ص ١١٨ - ١١٩
خوزستان ويقال لها شوشتر بها قبر البراء بن مالك الأنصاري أخو أنس بن مالك وهو الذي شهد المشاهد كلها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا بدراً، وكان شجاعاً مقداماً، وكان من السابقين الذين رجعوا إلى امير المؤمنينعليهالسلام
وينسب إلى تستر جماعة كثيرة منهم أبو محمد سهل بن عبد الله التستري من كبار الصوفية، لقي ذا النون المصري وسكن البصرة زماناً وعبادان مدة، ولد سنة ٢٠٠، وتوفى بالبصرة سنة ٢٨٣ أو ٢٧٣.
ومنهم شيخنا الأجل عز الدين المولى عبد الله بن الحسين التستري، قال المجلسي الأول في شرح المشيخة في حقه: كان شيخنا وشيخ الطائفة الإمامية في عصره العلامة المحقق المدقق الزاهد العابد الورع وأكثر فوائد هذا الكتاب من إفاداته رضى الله تعالى عنه.
حقق الأخبار والرجال والأصول بما لا مزيد عليه، وله تصانيف منها التتميم لشرح الشيخ نور الدين علي على قواعد الحلي سبع مجلدات منها يعرف فضله
وتحقيقه وتدقيقه.
وكان لي بمنزلة الأب الشفيق، بل بالنسبة إلى كافة المؤمنين، وتوفىرحمهالله في العشر الأول من محرم الحرام، وكان يوم وفاته بمنزلة العاشوراء وصلى عليه قريب من مائة ألف ولم نر هذا الاجتماع على غيره من الفضلاء، ودفن في جوار إسماعيل بن زيد بن الحسن ثم نقل إلى مشهد أبي عبد الله الحسينعليهالسلام بعد سنة ولم يتغير حين أخرج(١) .
التفتازاني
سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله الهروي الشافعي تلميذ قطب الدين الرازي والقاضي عضد الايجي صاحب التهذيب في المنطق، والمقاصد في الكلام والشروح على الشمسية للكاتبي، وعلى العقائد النسفية وعلى الأربعين
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ١٢٠
النووية وعلى تلخيص المفتاح وعلى تصريف عبد الوهاب بن إبراهيم الزنجاني وغير ذلك.
توفى سنة ٧٩٢ أو ٧٩٣، وقبره بسرخس، والتفتازان قرية كبيرة من نواحي نسا (ونسا) من بلاد خراسان بينها وبين سرخس يومان. وحفيد التفتازاني أحمد بن يحيى بن مسعود بن عمر الشهير بشيخ الإسلام الهروي، كان فريد عصره في كثير من العلوم، من كبار قضاة العامة(١) ، قتل سنة ٩١٦.
التلمساني
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المالكي من تلامذة الخطيب الدمشقي، وأبى حيان الجياني حكي ان شيوخه بلغوا ألفي شيخ وكتب خطاً حسناً وشرح الشفا للقاضي عياض، توفى سنة ٧٨١.
وقد يطلق على الشيخ عفيف الدين سليمان بن علي بن عبد الله بن علي
__________________
١ - نفس المصدر : ج ٢ ، ص ١٢٢
التلمساني صاحب ديوان شعر المتوفى بدمشق سنة ٦٩٠، و (تلمسان) بكسرتين وسكون الميم مدينتان بالمغرب متجاورتان مسورتان بينهما رمية حجر.
وينسب إلى تلمسان أيضاً الشيخ أحمد المقري بن محمد بن أحمد بن يحيى التلمساني المالكي نزيل فاس ثم القاهرة حافظ المغرب البارع في علم الكلام، والتفسير والحديث والأدب، صاحب المؤلفات الشائعة، منها نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وإضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة(١) وغير ذلك. توفى سنة ١٠٤١.
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ القمي : ج ٢ ، ص ١١٢ - ١٢٣
التنوخي
القاضي أبو القسم علي بن محمد بن أبي الفهم الانطاكي البغدادي العالم بالنجوم والشعر والفقه وأصول المعتزلة، ولد بأنطاكية سنة ٢٧٨، وتوفى بالبصرة سنة ٣٤٢.
وكان حافظاً للشعر ذكياً، وله عروض بديع، (وكان) الوزير المهلبي وسيف الدولة يكرمانه ويغتنمان صحبته، وكان المهلبي ورؤساء العراق يتعصبون له ويعدونه ريحانة الدماء وتاريخ الظرفاء. ولي القضاء بعدة بلدان منها البصرة والأهواز، وكان يحفظ من النحو واللغة شيئاً كثيراً، ومن شعره:
تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا |
فمبلغ آراء الرجال عقولهــا |
|
ورو وفكر في الكتاب فانمـــــــا |
بأطراف أقلام الرجال عقولها(١) |
__________________
١ - انظر : شرح نهج البلاغة ، ابن أبي =
ومن شعره قصيدة في الرد على ابن المعتز الناصبي في قصيدته التي يفتخر ببني العباس على آل أبي طالب، وقد تقدم في ابن المعتز الإشارة إليها قال:
من ابن رسول الله وابن وصيه |
إلى مدغل في عقدة الدين واصب |
|
نشا بين طنبور وزق ومزهر |
وفي حجر شاد أو على ظهر ضارب |
|
ومن ظهر سكران إلى بطن قينة |
على شبهة في ملكها وشوائب |
|
وقلت بنو حرب كسوكم عمائماً |
من الضرب في الهامات حمر الذوائب |
|
صدقت منايانا السيوف وإنما |
تموتون فوق الفرش موت الكواعب |
|
ويوم حنين قلت حزناً فخاره |
ولو كان يدرى عدها في المثالب |
|
أبوه مناد والوصي مضارب |
فقل في مناد صيت أو مضارب |
|
وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه |
فأبعد محجوب بأحجب حاجب |
__________________
= الحديد : ج ١٩ ، ص ٢٠٧
وقد يطلق التنوخي على ابنه أبي علي المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم القاضي الإمامي صاحب جامع التواريخ، وكتاب الفرج بعد الشدة.
فعن الثعالبي انه قال في حقه هو هلال ذلك القمر وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمحل أبيه وفضله، والفرع المشيّد لأصله، والنائب عنه في حياته والقائم مقامه بعد وفاته.
توفى في البصرة سنة ٣٨٤، (أقول): وهو الذي كان مصاحباً لعضد الدولة، وحكى له قصة قبر النذور.
قال الحموي في المعجم: قبر النذور مشهد بظاهر بغداد على نصف ميل يزار وينذر له.
وقد يطلق التنوخي على ابنه أبي القاسم علي بن المحسن صاحب السيد المرتضى وتلميذه (ره). قال صاحب رياض العلماء: والأكثر انه من الإمامية لكن العلامة قد عده في أواخر إجازته لابن زهرة من جملة علماء العامة، ومن مشايخ الشيخ الطوسي.
وفي المجالس للقاضي نور الله قال: قال ابن كثير الشامي في حقه: انه من أعيان فضلاء عصره، ولد بالبصرة سنة
٣٦٥ وسمع الحديث سنة سبعين وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته، وتولى القضاء بالمدائن وغيرها.
وكان صدوقاً محتاطاً إلا انه يميل إلى الاعتزال والرفض.
وذكره الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه، وقال: كتبت عنه، وكان قد قبلت شهادته عند الحكام في حداثته ولم يزل على ذلك مقبولاً إلى آخر عمره، وكان متحفاً في الشهادة محتاطاً صدوقاً في الحديث(١) ، ومات في ليلة الثاني من المحرم سنة ٤٤٧، ودفن يوم الاثنين في داره بدرب التل، وصليت على جنازته.
وأبو جعفر التنوخي أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان بن سنان أنباري الأصل، ولي قضاء مدينة المنصور عشرين سنة وحدَّث حديثاً كثيراً.
وفي تاريخ بغداد ذكر في حقه انه عظيم القدر واسع الأدب تام المروءة حسن الفصاحة حسن المعرفة بمذهب أهل
__________________
١ - تاريخ بغداد : ج ١٢ ، ص ١١٤ ، و الأنساب للسمعاني : ج ١ ، ص ٤٨٦
العراق(١) .
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ١٢٣ - ١٢٦
حرف الثاء
ثابت بن الخطيم
ثابت بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر وهو كعب بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد.
شهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحداً والمشاهد بعدها ويقال انه جرح يوم أحد اثنتي عشرة جراحة وعاش إلى خلافة معاوية واستعمله علي بن أبي طالب على المدائن.
عن مصعب عن عبد الله بن عمارة بن القداح قال: كان ثابت بن قيس بن الخطيم شديد النفس وكان له بلاء مع علي بن أبي طالب واستعمله علي بن أبي طالب على المدائن فلم يزل عليها حتى قدم المغيرة بن شعبة الكوفة وكان معاوية يتقي مكانه.
انصرف ثابت بن قيس إلى منزله فيجد الأنصار مجتمعة في مسجد بني ظفر يريدون ان يكتبوا إلى معاوية في
حقوقهم أول ما استخلف وذاك انه حبسهم سنتين أو ثلاثاً لم يعطهم شيئاً فقال: ما هذا؟ فقالوا: نريد أن نكتب إلى معاوية فقال: ما تصنعون أن يكتب إليه جماعة يكتب إليه رجل منا فان كانت كائنة برجل منكم فهو خير من ان تقع بكم جميعاً وتقع أسماؤكم عنده فقالوا فمن ذاك الذي يبذل نفسه لنا قال: انا قالوا: فشأنك فكتب إليه وبدأ بنفسه فذكر أشياء منها نصرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وغير ذلك وقال: حبست حقوقنا واعتديت علينا وظلمتنا وما لنا إليك ذنب إلا نصرتنا للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فلما قدم كتابه على معاوية دفعه إلى يزيد فقرأه ثم قال له: ما الرأي؟ فقال: تبعث فتصلبه على بابه فدعا كبراء أهل الشام فاستشارهم فقالوا تبعث إليه حتى تقدم به ههنا وتقفه لشيعتك ولأشراف الناس حتى يروه ثم تصلبه فقال: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: لا فكتب إليه قد فهمت كتابك وما ذكرت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد علمت انها كانت ضجرة لشغلي وما كنت فيه من الفتنة التي شهرت فيها نفسك فانظرني ثلاثاً
فقدم كتابه على ثابت فقرأه على قومه وصبحهم العطاء في اليوم الرابع(١).
قال ابن القداح: حدثني بهذا الحديث كله محمد بن صالح بن دينار مرسلاً وحدثني به ابنه صالح بن محمد قال: سمعت يعقوب بن عمر بن قتادة يحدث بهذا الحديث ثم أتاه بعد فأقام عنده فمكث نحواً من شهرين لا يلتفت إليه ثم استأذنه للخروج فبعث إليه بمائة ألف درهم فوضعها في منزله وتركها وخرج(٢) .
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ص ١٨٧ - ١٨٨
٢ - نفس المصدر : ج ١ ، ص ١٧٧ - ١٧٨
حرف الجيم
جابر بن عبد الله الأنصاري
من كبار الصحابة ووجهاء الشيعة البارزين ومن موالي عليعليهالسلام وآله، وله صحيفة مشهورة، وقد تناوله الكثير من كتّاب علم الرجال والتراجم والمحدثين، منهم: ابن سعد، عبد الرزاق، الذهبي البخاري و...
فقد اعتبرها بعضهم صحيفة في مناسك الحج، وقد احتمل البعض الآخر تشتمل على بعض الأحاديث حول حجة الوداع التي ألقى فيها رسول ا للهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطبته العظيمة والجامعة.
على أية حال كان جابر بن عبد الله الأنصاري هماماً ومجدّاً في تدوين الحديث، وفي تعليمه وإعداد الطلاب قالوا: أحد المكثرين عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأيضاً أحد المكثرين الحفّاظ للسنن.
وكذلك، كان لجابر حلقة في المسجد النبوي يؤخذ فيه العلم.
ويمكننا استقراء هذه الحقيقة عبر نصوص أخرى، فهذا الخطيب البغدادي ينقل عن عدد آخر من الرواة: كنا نأتي
جابر بن عبد الله فنسأله عن سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم [ في حديث قدسي عن سير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ] فنكتبها(١) .
لقد بذل مساع جمة في جمع الحديث، والحصول على الروايات وهو في ذلك لم يأل جهداً وقد سافر إلى البلدان المختلفة ليأخذ الحديث من مشايخه.
وقد تجاوزت الأحاديث التي نقلها وكتبها الألف حديث وقد اعتبره العلماء والمحدثون مكثراً في الحديث والرواية، وأكدوا على صحيفته التي أشرنا إليها من قبل، وقد أثنى الإمام محمد بن علي الباقرعليهالسلام على شخصية ومقام جابر الرفيعين، ونقل عنه بعض الأحاديث تثميناً لشخصيته وقد نقل ذلك الكثيرون.
ومن أجل مواجهة المكانة المعرفية لجابر اتخذت السلطات المعادية للمعارف حينها موقفاً معادياً ضده، وهكذا فقد أمر الحجاج بن يوسف بختم
__________________
١ - و مثله في تقييد العلم : ص ١٠٤ ، و الكامل لابن عدي : ج ٤ ، ص ١٤٤٧.
يد جابر وعدد آخر من الصحابة، سعياً منه إلى تحقيرهم وإذلالهم، ومنع الناس من التجمع حولهم، وهذا ابن الأثير الجزري يقول:
وختم في يد جابر بن عبد الله، يريد إذلالهم بذلك وان يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منه(١) .
وعلى هذا يمكننا القول ان الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري أصر ورغم الطاغوت على تدوين الحديث ونشره، وأكّد على ذلك أيضاً(٢).
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة:
جابر بن عبد الله بن عمرو بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري، الصحابي الجليل، والعالم الفقيه، شهد مع أبيه بيعة العقبة، واشترك مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في بدر، وأحد، ومشاهده الأخرى، كان من التابعين لأهل البيت والموالين لعلي.
استغفر له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، خمسة عشر مرة، وكان مع علي في حروبه كلها، شهد وقعة
__________________
١ - أسد الغابة: ج٢، ص٣٦٦.
٢ - معجم أحاديث البحار: ج١، ص٣٢.
الجمل، وصفين، والنهروان، وعاش إلى عهد عبد الملك بن مروان، وكان له في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة حلقة تأخذ عنه العلم.
أدرك من أئمة أهل البيت علياً والحسن والحسين، وعلي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر، ومات في المدينة.
وهو أول من زار الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء بعد أربعين يوماً من وفاته وزيارته هذه من الزيارات المشهورة عند شيعة أهل البيتعليهمالسلام
وكان جابر أحد الذين يقدمون علياًعليهالسلام على الشيخين(١) .
جمال الدين أبو منصور الحسن الحلي (العلامة الحلي)
٦٤٨ ـ ٧٢٦هـ ق
جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي نشأ وترعرع بالحلة ومات فيها ودفن في النجف
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة : ج ١ ، ص٣٦١
الأشرف بجوار قبر أمير المؤمنين عليعليهالسلام وقبره هناك معروف ويزار.
الحلي ولد في عائلة علمية عربية الأصل وتربّى في محيط ديني عائلي. خاله نجم الدين المحقق الحلي كان في زمانه زعيم الحوزة العلمية العراقية ومركزها الحلة، وأخذ على عاتقه تربية وتثقيف (العلامة) وبذل جهداً كبيراً في هذا المجال.
عاش العلامة الحلي في أواسط القرن السابع والعقد الأول من القرن الثامن في زمان هجمت فيه على العالم الإسلامي أعاصير جيوش المغول والتي دمرت عواصم العالم الإسلامي فكان القتل الجماعي وهدم المدن على أيدي المغول.
عاش الحلي وسط تلك الحوادث وفي بداية التحولات الفكرية وبداية تاريخ جديد للمنطقة.
تلك الحوادث التي غيّرت العالم الإسلامي وفرضت أساليباً وأفكاراً جديدة، وفي الوقت الذي أدى إلى تراجع العلوم والثقافة المحلية والإسلامية لكن الله تعالى بعدله ورحمته قيّض للأمة الإسلامية
في درء هذه الظلمات والمآسي رجلاً أنار الظلمات ووقف أمام المزيد من الدمار والمظالم في العالم الإسلامي.
اقتضت حكمة الله ان يقيض لهذه الأمة بطلاً كبيراً يرفع بيده علم العلم وعظمة الفكر الإسلامي ويحمل على عاتقه الوقوف أمام أمواج الدمار والقتل كسد منيع وثابت ليبدل كل تلك الظلمات وينير المنطقة ويبدل الصحراء القاحلة والجافة إلى الحياة والخضرة والنضارة بعدما انهدم صرح وبنيان العالم الإسلامي.
ان الله جل جلاله جعل إعادة بناء الأمة على يد نفس الجلاد الذي دمر البلاد حين قذف شعاعاً من نور الإسلام في قلوب قادة المغول حتى أسلموا لله وأعلنوا إسلامهم ورغبتهم العارمة للعلم والمعرفة فقربوا علماء الإسلام منهم.
استفاد عالم التشيع من هذه الفرصة التي تجرد فيها رجال المغول من عصبياتهم العرقية، حيث استطاع التشيع ان ينشر أفكاره وآرائه بكل حرية ونشط علماؤهم للتغلغل داخل صفوف المغول
يعرضون على قادتهم عقائد الشيعة وأفكارها، واستطاعوا جلب أولئك القادة لعقيدة التشيع ثم انتشر تأثير العلماء إلى مجالات أوسع ومناطق أخرى وأثروا تأثيراً بالغاً إلى الدرجة التي أعلن فيها سلطان المغول وحفيد هولاكو خان السلطان محمد خدا بنده الجاثيو تشيعه وتشيع قادة وأمراء عسكره في عام ٧٠٧ هجري.
حدث ذلك في مناظرة علمية مذهبية بين قاضي القضاة نظام الدين عبد الله المراغي والسيد ركن الدين الموصلي وجماعة من العلماء من جهة وبين العلامة الحلي من جهة أخرى وفي حضور السلطان المذكور، حيث انتصر العلامة الحلي في هذه المحاججات وانهزم الطرف الآخر - في قضية معروفة - أعلن على أثرها هولاكو خان قبوله مذهب التشيع.
كان العلامة الحلي من نوابغ الشخصيات العلمية وكبارهم بل أبرز شخصية علمية في أصول الفقه والحكمة والكلام والمنطق والعلوم الطبيعية وعلوم الشريعة وآداب العرب وبشكل
ممتاز.
كان أبرز علماء الشيعة في المعارف الإسلامية متسلطاً على جميع العلوم ولم نجد لحد الآن عالماً بتلك الدرجة من التوسع في العلوم إماماً للشيعة في عصره في علوم المعقول والمنقول.
مدرسته العلمية أصبحت مرجعاً للعلماء في زمانه وبعد ذلك ولا زالت أفكاره وعلومه تؤثر في علماء زماننا هذا، وتعتبر مرجعاً مهماً للدراسات العلمية في جامعات التشيع وخاصة في العلوم الشرعية والفقه والفلسفة الإسلامية.
تجاوزت مؤلفات العلامة الحلي على التسعين وبالغ بعضهم إلى ان أوصلها إلى ألف تصنيف حتى ان بعض شراح التجريد ادعى انه شاهد خمسمائة مجلد من تأليفات الحلي بخط يده الشريفة.
كان للعلامة الحلي تلاميذ كثيرين خاصة بعد ان جلس على كرسي التدريس في الحلة وبعد وفاة خاله، المحقق الحلي، فقد تصدى للتدريس، ومن بعض تلاميذه يمكن ذكر:
محمد المعروف بفخر المحققين صاحب كتاب الإيضاح في الفقه وهو ابن العلامة الحلي.
زين الدين أبو الحسن بن طراد المطار آبادي.
رضي الدين علي بن أحمد بن يحيى الحلي، المعروف بالمزيدي.
السيد أبو عبد الله محمد بن إبراهيم محمد زهرة الحلي.
محمد بن إسماعيل بن حسن بن أبو الحسن الهرقلي.
قطب الدين محمد الرازي البويهي، مؤلف شرح الشمسية، والمحاكمات، وشرح المطالع.
آثار العلامة الحلي:
للعلامة الحلي آثار كثيرة جداً وبمختلف فروع العلوم والفنون منها:
- منتهى المطلب في تحقيق المذهب في سبع مجلدات.
- تلخيص المرام في معرفة الأحكام.
- تحرير الأحكام الشرعية في الفقه.
- الإرشاد في الفقه.
- مختلف الشيعة في أحكام الشريعة.
- تذكرة الفقهاء(١) .
وجاء في كتاب مع الصادقين(٢) :
وهو من عيون الصادقين الحبر المقدس سديد الدين الحسن بن المطهر أعلى الله درجاته، وهو من مواليد الحلة الفيحاءعام ٦٤٨هـ ، وهو من أسرة علمية تضم عديداً من فطاحل العلماء الكبار، ويومها كانت الحلة حاضرة العالم الإسلامي - وتعرف بالمزيدية - وأحد أعلام هذه الأسرة هو المحقق الحلي صاحب كتاب (شرائع الإسلام) وهو خال العلامة الحلي وقد أشرف على تعليمه وتقويمه، حتى ظهر رقماً يشار إليه في فطنته وذكائه واستعداده، ويقال انه بلغ الاجتهاد العالي وهو في بواكير شبابه.
ومن أساتذته السيد علي بن طاووس والخواجه نصير الدين الطوسي. ومن مؤلفاته المهمة (التذكرة) و(تهذيب الأصول) و(مصابيح الأنوار) وكتابه
__________________
١ - فلاسفة الشيعة (فارسي): ص٣٧٨ - ٣٨٧.
٢ - من كتاب الخطيب، السيد حسن الكشميري.
الخالد (الألفين) وهو يتضمن ألف دليل عقلي وألف دليل نقلي على إثبات إمامة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام حتى روي ان ولده شاهده بالمنام بعد وفاته وسأله عن شأنه فأجابه: يا بني لولا كتاب الألفين وزيارة الحسين لقصمت الفتوى ظهر أبيك نصفين.
وطبعاً فإن العلامة الحلي هو الذي أسس التعطيل في الحوزة - في الحلة - ليوم الخميس واستمر حتى هذا اليوم، وطبعاً كان له أهداف في تلك وأولها ان الزيارة لها أثر وضعي في تهذيب الطالب وبناء روح التضحية والشجاعة والولاء لأهل البيتعليهمالسلام
ثم ان زيارة الحسينعليهالسلام شعار يجب ان يقوم، ولمّا كان العلماء هم على استمرار عليه فإن الناس سيقتدون بهم إضافة إلى حالة التغربة والتنوع لدى الطالب نفسياً. ولهذا كانت هذه الحالة من سنن العلامة الحلي التي هي مستمرة إلى اليوم.
وللعلامة الحلي قصة مشهودة ومشهورة وهي: سفرته إلى إيران والتي أحدثت
تغييراً كبيراً في المنطقة كلها. ومجمل القصة ان السلطان المغولي (اولجياتو محمد خدا بنده) وهو حفيد الدكتاتور (هولاكو) كان حنبلي المذهب وفي عام ٧٠٨ حدثت مشادة كلامية بينه وبين زوجته الشابة الجميلة (هُديبا) فغضب وقال لها: أنت طالق، طالق، طالق. وما ان هدأ غضبه استشعر انه وقع في ورطة وأحضر علماء المذاهب فأفتوا كلهم بأنها محرمة عليه حتى تتجحش بمعنى ان تتزوج غيره ويدخل بها ثم يطلقها ثم تعتد عدة الطلاق ثم يتزوجها بعقد جديد، لأن هذه المذاهب آنذاك كانت تعتبر ترديد كلمة طالق ثلاثاً في مجلس واحد هو طلاق بائن وتتحقق به البينونة، في حين يرى فقه أهل البيت ان هذا الطلاق محكوم عليه بالبطلان بدليلين:
١ - أي إيقاع أو عقد يتم في حالة الغضب لا يؤخذ به فطلاق الغضبان باطل أساساً.
٢ - يرى فقه أهل البيت بأن تكرار كلمة طالق ولو ألف مرة في مجلس واحد
حكمها حكم الطلاق الرجعي، ويجب ان يتكرر الطلاق ثلاث مرات، وتكون بين هذه المرات فواصل زمنية، وعندها يكون الطلاق الثالث بائناً.
وهنا نعود للسلطان المذكور فقد وقع في ورطة أفقدته سعادته وحياته والتمس الحيل من علماء المذاهب فلم يقروا على حل. إلا ان أحدهم قال له: بأن هناك مذهباً شاذاً وعلماؤه مجانين سفهاء يسمى بمذهب الشيعة (أو الرافضة) يعتبرون هذا الطلاق ملغياً، فتيقّظ هذا السلطان وراسل وعلم ان في الحلة يتمركز علماء الإمامية فطلب عبر واليه هناك ان يشخص إليه أحد علمائها، وفعلاً اختار العلماء في الحلة العلامة الحلي. فسافر إلى إيران ووصل مجلس السلطان المغولي وكان المجلس يعج بعلماء المذاهب، وجرت العادة انه عندما يدخل شخص يسلم أولاً على السلطان ثم يستأذنه بالجلوس ويجلس بالتالي حيث يشير إليه السلطان. ولكن الذي حدث على العكس فلما دخل العلامة الحلي عمهم بالسلام
جميعاً ومسك حذاءه بيده اليسرى ثم جلس إلى جنب السلطان مباشرة مما دفع ببعض علماء المذاهب على استغلال الموقف وتشويش ذهنية السلطان قائلين: بأننا يا صاحب الجلالة أخبرناك بأن هؤلاء مجانين وسفهاء والآن رأيت ما فعل.
لكن السلطان تريث وقال لنسأله ونرى جوابه. فسأله: لماذا لم تسلم على السلطان أولاً؟ فأجاب الشيخ: بأنك أفضل أم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال السلطان: استغفر الله، النبي أفضل، فقال الشيخ: لم يرو ان أحداً دخل مجلس النبي فسلم عليه دون غيره. فسكت السلطان متعجباً. ثم قال له: لمَ لم تستأذن؟ فقال الشيخ: أنا ضيف والضيف يختار هو مكانه. فأفحم السلطان ثم قال: ولم أمسكت حذاءك بيدك؟ فضحك العلامة: خشيت ان يسرقه بعض أصحابك، لأني سمعت ان رجلاً دخل على النبي فسرق حذاءه أبو حينفة، فصرخ العلماء بالشيخ قائلين: وأين أبو حنيفة عن عهد النبي وهو لم يولد؟ فقال العلامة: إذن مالك بن أنس، فضجوا بأنه كذلك لم يكن في عهده، فقال إذن
كمال الدين الشافعي، فاستنكروا بأن عهده أبعد بكثير من السابقين، فقال: إذن أحمد بن حنبل. فصاحوا بالشيخ وهو كذلك لم يدرك عهد النبي.
فتنفس العلامة الصعداء، وقال: إذن علي بن أبي طالب. فصاحوا نعم هذا ممكن لأنه على فترة عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فتوجه العلامة بالسؤال إلى السلطان قائلاً:
إذاً سمعت إقرار هؤلاء بأن رؤساء المذاهب الأربعة لم يكونوا على عهد النبي أبداً.
قال السلطان: نعم.
قال: وأقروا بأن علي بن أبي طالب كان موجوداً معاصراً للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذن نحن مذهب الإمامية نأخذ فقهنا وعلومنا من علي بن أبي طالب، وهو أخذه من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في حين هؤلاء يأخذون فقههم عن أناس بعيدين في المكان والزمان عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصاحب البيت أدرى بما في البيت، فاستبصر السلطان وقال: صدقت والله. وخزي هؤلاء الحضار وهنا صاح أحدهم بأي دليل تجيزون الصلاة على أئمتكم؟ فأجابه
العلامة والسلطان يستمع: بدليل النص القرآني:( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١) ) ، فالقرآن يصلي عليهم.
فقال ذلك العالم وأي مصيبة مرت بهم حتى يستحقوا تطبيق هذا النص عليهم؟
فأجابه العلامة: إحدى هذه المصائب: هو أنك تدعي انك علوي وتتنكر لمصائبهم، فلبس ثوب الخزي والعار ونهض أحد الحضار مبتهجاً وهو يقول:
إذا العلوي تابـــع ناصبيــــاً |
بمبدئه فما هو من أبيه |
|
وإن الكلب أشرف منه طبعاً |
لأن الكلب طبع أبيه فيه |
وهكذا استمر العلامة الحلي بسرد الأدلة على بطلان طلاق زوجته وانها محللة له دون أي مانع ففرح السلطان وأعلن تشيعه كما أعلن المذهب الإمامي
__________________
١ - ( البقرة : ١٥٦ - ١٥٧ )
مذهباً رسمياً للدولة وأمر الولاة والقضاة وأئمة الجماعات والمؤذنين بذكر الشهادة الثالثة ونص حي على خير العمل وطلب من العلامة وضع دستور فقهي للبلاد على ضوء الفقه الجعفري، فألف العلامة كتابه الشهير المعروف بـ (قواعد العلامة) وهذا الكتاب شرح عدة شروح ولكن أهمها موسوعة السيد جواد العاملي واسماه (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة).
هذا وللعلامة الحلي أكثر من ستمائة تلميذ وكان يكتب في كل يوم كراساً، وذكروا بأن مؤلفاته وتصانيفه بلغت ألفاً، أُتلف الكثير منها.
توفي العلامة الحلي في ٢١ محرم الحرام عام ٧٢٦ في الحلة الفيحاء، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ودفن في مقبرة في الايوان الذهبي عن يمين باب الدخول إلى الحرم الشريف وقد أرخ وفاته أحد علماء النجف الأشرف وكتب الأبيات على قبر العلامة الحلي وهي:
ولدى عتبة باب المرتضى |
طاب مثواه آية الله الحسن |
|
شيخنا العلامة الحلي من |
نوّر الله به وجه الزمن |
معجزة يكفيه فخراً انه |
ميت أحيا به الله السنن |
|
قام في باب عليّ حارساً |
وإذا لم يحرس الباب فمن |
تغمده الله بواسع رحمته(١) .
جمال الدين الأفغاني
محمد بن السيد صفتر الحسيني من بيت عظيم من بلاد أفغانستان رأيت ترجمته في بعض المواضع هكذا:
نشأ بكابل وتلقى علوماً جمة، برع فيها واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشر من عمره ثم سافر إلى الهند ومنها إلى الأقطار الحجازية ورجع إلى بلاده فدخل في بطانة الأمير دوست محمد خان وصحبه في غزوة هراة ثم جاء مصر فأقام بها أياماً يخالط أهل العلم، وارتحل إلى الأستانة ثم عاد إلى القاهرة وانتشر صيته في الديار المصرية وكان ذلك في سنة ١٢٨٨ فتولى
__________________
١ - مع الصادقين : ج ٢ ، ص ٣٧٠ - ٣٧٤
تعليم المنطق والفلسفة في الأزهر، فانخرط في سلك تلامذته الشيخ محمد بن عبده بن حسن المصري مفتي الديار المصرية مع جماعة من نوابغ المصريين؛ فكأن الأفغاني نفخ فيهم من روحه فنشطوا للعمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمة وكان الشيخ محمد عبده أقربهم إلى طبعه وأقدرهم على مباراته.
وفي سنة ١٢٩٦ أبعد من مصر فرحل إلى الهند ومنها إلى لندن وباريس وأنشأ جريدة العروة الوثقى وكان يحررها مع صديقه الشيخ محمد عبده نشر منها ثمانية عشر عدداً ثم استدعاه السلطان عبد الحميد فقدم الأستانة سنة ١٣١٠، وبقي فيها إلى ان مات.
له رسالة إبطال مذهب الدهريين، وتاريخ الأفغان وغير ذلك(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٥٥ - ١٥٦. نقول: وينقل عنه: انه كان متمكناً من ناصية الكلام وجزالة القول فكان خطيباً مصقعاً لم يقم في الشرق أخطب =
__________________
= منه، شاهده شبلي شميل في أحد الأيام يخطب بالأسكندرية وكان قريب العهد في مصر، فوقف ساعتين يتكلم بلسانٍ عربي فصيح، وإلقاء حسن الكلام، مفيد حتى أدهش الناس، وروى محمد رشيد رضا عن حفني ناصف قائلاً: حدّثني حفني بك ناصف - وهو من الرعيل الأول من تلامذة الشيخ محمد عبده - قال: كنا إذا قيل لنا ان السيد الأفغاني سيخطب الليلة، نفضل سماع خطبته على سُماع أطرب المغنين، فنؤثرها عليها، حتى كان المدعو منا إلى وليمة عرس يترك الإجابة إليها، وكنا نجد من أنفسنا من سماع خطبته... ان الواحد منا جدير بإصلاح مديرية أو إصلاح مملكة. طبعاً بهذا الأسلوب أيقظ الأفغاني عزيمة الجماهير وبعث بها روح الهمة والتطلع إلى واقعها المزري، مع ما في بيانه من شجاعة وثقة وكثير من الغيرة على الدين وتعاليمه المنتهكة. ويصفه الكتّاب بأن له من الغيرة والحميّة على الدين تساوي روح الفداء والتضحية في سبيل الله. فكان شجاعاً مقداماً لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه!!
وأما عبادته فقد أكد معظم معاصريه في كتاباتهم ان له مثابرة شديدة على أداء الفرائض وتجذر النزعة الصوفية في نمط =
__________________
= حياته، وهذا ما ظهر جلياً في طعامه المتواضع مع ما عُرف من سخائه وكرمه مع الضيوف. واللطيف ما ينقل عن زهده وتواضعه حين استقبله مبعوث السلطان عبد الحميد عندما قصد الاستانة عام ١٨٩٢م بدعوى من السلطان، فسأله المبعوث أين صناديقك أيها السيد؟ فقال: ليس معي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب، فقال المبعوث: حسناً! أين هي؟ فقال السيد: صناديق الكتب هنا (وأشار إلى صدره) وصناديق الثياب هنا (وأشار إلى جبته).
كان السيد الأفغاني يحمل مشروعه الإحيائي في محاربته الاستبداد السياسي في كل دولة ينفى لها وما أكثر الدول التي نفي إليها وكان في كل دولة يحط رحاله يؤسس لمشروع النهضة وإيقاض الجماهير لنبذ الاستبداد السياسي والتشجيع على اندلاع حركة المقاومة، وقلما لا يوجد له بصماته الفكرية في كل أدبيات الحركات الإسلامية؛ لأن معالم مشروعه الإحيائي النهضوي تجلت معالمه بعد الحرب العالمية الثانية، في كل البلدان التي نُفي إليها، ولذا فليس من المبالغة القول ان كل مقالة من المقالات الأساسية في الفكر الإسلامي الحديث ترتد في بعض من مفاهيمها إلى أفكار =
توفى صديقه الشيخ محمد عبده صاحب المؤلفات والمنشآت في سنة ١٣٢٣.
الجنيد بن محمد بن الجنيد
جاء في البداية والنهاية(١) :
أبو القاسم الخزاز، ويقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها. وسمع الحديث من الحسين بن عرفة. وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سري السقطي، ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك
__________________
= السيد الأفغاني، لأن حركته انبثق منها فهماً جديد للدين وكيفية توظيفه في حياة الإنسان، وبالتالي خلق حالة الوعي وتناميه في أوساط الجماهير، بعد ان كانت تتلقى فهمه سُلطانياً أفيونياً.
عن مجلة التوحيد العدد ٨٩ ، ص١٩.
١ - البداية والنهاية لابن كثير: ج١١، ص١١٣ ــ ١١٥.
علوماً كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية. وكان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة. ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، ففتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوهاً كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره.
قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي ثور ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريح يصحبه ويلازمه... ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة. فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم ألم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها علي. فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: والله ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله علي حتى أكتبه. فقال الجنيد:
لئن كنت أجريه فأنا أميله، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، إنما هذا من فضل الله عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني.
فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة. والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه(١) .
وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت.
وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا.
ورأى بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟ فقال: طريق وصلت
__________________
١ - إذا كان هذا السلوك لإنسان عادي يؤدي به إلى كل تلك الكرامات فلماذا يستنكر أعداء أهل البيت على أئمتنا علومهم وهم نجوم السماء وسفينة النجاة وأبوهم باب علم النبي، كما صرح به رسول الله جدهم؟!
به إلى الله لا أفارقه. وقال له خاله السري:
تكلم على الناس. فلم ير نفسه موضعاً. فرأى في المنام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له: لم تسمع مني حتى قال لك رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فتكلم على الناس، فجاءه يوماً شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام.
وقال الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة وهي تقول(١) :
__________________
١ - أولاً: حديثه ان صدق يدلل على انه لم ينتفع من القرآن والسنة النبوية انتفاعه من غزل هذه الجارية.
ثانياً: كيف وهو العبد الصالح يجيز لنفسه ان يتمتع بسماع صوت جارية غريبة وهي تغني غناء دخل إلى قلبه، وهنا هي حرمة =
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى |
تقولين لولا الهجر لم يطب الحب |
|
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى |
تقولي بنيران الهوى شرف القلب |
وإن قلت ما أذنبت قالت مجيبة حياتك ذنب لا يقاس به ذنب
قال: فصعقت وصحت، فخرج صاحب الدار فقال: يا سيدي مالك؟ قلت: مما سمعت. قال: هي هبة مني إليك. فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله. ثم زوجتها لرجل، فأولدها ولداً صالحاً حج على قدميه ثلاثين حجة(١) .
__________________
= السماع والتلذذ بصوت امرأة غريبة محرم عليه وأدهى من ذلك بقاؤه إلى آخر الشعر يتلذذ بصوت الجارية فكيف جوز له ذلك؟ (المؤلف).
١ - يا ليت شعري ما بال أهل بعض المذاهب يبتدعون الكرامات القبيحة لأصحابهم وقد فاحت منها روح الشيطان والذنوب، وهاهو الشيخ قد صعق وصاح من نشوته من سماعه ذلك الصوت الرقيق لجارية قضى غزلاً وهو يتسمر على بابها ولا يملك نفسه إلا بعد انتهاء غنائها، أهذه هي التقوى والدين =
عن أحمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أن سعيد بن جبير كان يأتم بعلي بن الحسينعليهالسلام وكان علي يثني عليه وما كان سبب قتل
__________________
= الذي يبيح له طريق العبادة مروراً بالذنوب والسيئات.
وهكذا قرأت قبل خمسين عاماً أو سمعت من ينقل كرامة لأحد الخلفاء انه نام فاحتلم فقام واغتسل ونام فاحتلم ونام واغتسل إلى ان عد ذلك أربعين مرة.
يا ليت شعري كم هي ساعات ليله حتى ينام أربعين مرة ويحتلم أربعين مرة ثم يغتسل أربعين مرة ثم ينام أربعين مرة إلا ان يكون( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) ( الحج: من الآية٤٧)؟
روايات كلها أكاذيب ووضع جهد معاوية وغيره وبذل الجهود والأموال واشترى النفوس المريضة لوضع روايات بفضائل لا وجود لها من مصاديق، وأوصى بذلك الولاة في البلدان وألفت مئات الآلاف من الفضائل الكاذبة وصادق عليها علماؤهم وخيارهم لأنهم استقوها من الصحابة كما يزعمون. (المؤلف).
الحجاج له إلا على هذا الأمر، وكان مستقيماً وذكر أنه لما أدخل على الحجاج بن يوسف، فقال له: أنت شقي بن كسير؟ قال: أمي كانت أعرف باسمي سمتني سعيد بن جبير، قال: ما تقول في أبي بكر وعمر أهما في الجنة أو في النار؟ قال: لو دخلت الجنة فنظرت إلى أهلها لعلمت من فيها [ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمت من فيها] قال: فما تقول في الخلفاء! قال: لست عليهم بوكيل، قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال: أبيت أن تصدقني؟ قال: بلى لم أحب أن أكذبك(١) .
الجوهري
أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي، كان من أذكياء العالم وأعاجيب الدنيا
__________________
١ - رواه الكشي في رجاله: ص٨٢ ، ونقله المجلسي في البحار: ج١١، ص٤٢.
لأنه كان من الفاراب إحدى بلاد الترك من عشيرة تركية، ولع باللغة العربية وأسرارها وأخذ يطوف من مظان وجودها.
أخذ عن السيرافي والفارسي وسافر إلى الحجاز وشافه باللغة العرب العاربة ودخل بلاد ربيعة ومضر، فأقام بها مدة في طلب اللغة ثم عاد إلى خراسان ونزل دامغان عند أبي الحسين بن علي، الذي هو أحد أعيان الكتّاب والفضلاء مكرماً عنده في الغاية، ثم أقام بنيسابور مدة يدرس في اللغة ويعلم في الكتابة ويشتغل بالتصنيف، وتعلم الخط وكتابة المصاحف والدفاتر، وصنف كتاباً في العروض ومقدمة في النحو والصحاح في اللغة بأيدي الناس اليوم وعليه اعتمادهم، أحسن تصنيفه وجود تأليفه وقد اعتنى به الفضلاء فانتخبه بعضهم وسماه منتخب الصحاح وجمع أكثر لغاته محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي بطريق الاختصار وسماه مختار الصحاح، وأخرجه إلى الفارسية بعد التلخيص الشيخ أبو الفضل محمد بن عمر بن خالد المدعو
بجمال الدين القرشي فوسمه بالصراح من الصحاح وكان خط الجوهري في نهاية الحسن بحيث يضرب به المثل في الحسن ويذكر مع ابن مقلة ونظرائه.
حكي انه مات متردياً من سطح، واختلف في سنة وفاته ولعل الأشهر انها سنة ٣٩٣.
وقيل انه تغير عقله وعمل دفتين وشدهما كالجناحين وقال: أريد ان أطير وقفز به من علو فهلك والله تعالى العالم.
وقد يطلق الجوهري على أبي الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري مولى بني هاشم، سمع سفيان الثوري ومالك بن أنس وشعبة ومن في طبقتهم وكتب عنه ابن حنبل وابن معين، وروى عنه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وغيرهم، ذكر الخطيب في تاريخ احمد بن القسم بن مساور ابي جعفر الجوهري المتوفى سنة ٢٩٣ انه أكثر عن علي بن الجعد فكتب عنه خمسة عشر ألف حديث.
وروى الخطيب أيضاً في ج ١١ عن أبي
غسان الدوري قال: كنت عند علي بن الجعد فذكروا عنه حديث ابن عمر كنا نفاضل على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فنقول خير هذه الأمة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر وعمر وعثمان فيبلغ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا ينكر فقال علي: انظروا إلى هذا الصبي هو لم يحسن ان يطلق امرأته يقول كنا نفاضل (يشير إلى حديث ابن عمر انه طلق امرأته في الحيض)(١) .
وروي عن أحمد بن إبراهيم الدورقى قال: قلت لعلي بن الجعد: بلغني انك قلت ابن عمر ذاك الصبي؟ قال: لم أقل ولكن معاوية ما أكره ان يعذبه الله عز وجل.
وعن هارون بن سفيان المستملي المعروف بالديك قال:
كنت عند علي بن الجعد فذكر عثمان بن عفان فقال: أخذ من بيت المال مائة ألف درهم بغير حق (الخ)، توفى سنة
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج١١، ص٣٦٣، وتهذيب الكمال للمزي: ج٢٠، ص٣٤٦، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج١٠، ص٤٦٣.
٢٣٠ وقد استكمل ٩٦.
قال القمي: (أقول): قال ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ٢٣٠ وفيها مات علي بن الجعد أبو الحسن الجوهري وكان عمره ستاً وتسعين سنة، وهو من مشايخ البخاري، وكان يتشيع.
وقد يطلق (على) ابنه الحسن بن علي الجعد، ولي قضاء مدينة المنصور بعد عبد الرحمن بن إسحاق الضبي، وكان سرياً ذا مروة، وكان من العلماء بمذهب أهل العراق، أخذ عن أبيه وولي القضاء في حياة أبيه، وتوفى سنة ٢٤٢، وتوفى أيضاً أبو حسان الزيادي الحسن بن عثمان وكل واحد منهما قاضي، كان أحدهما على المدينة والآخر الشرقية.
وقد يطلق الجوهري على الشيخ المقدم أحمد بن عبد العزيز الجوهري صاحب كتاب السقيفة، ذكره الشيخ الطوسي، وينقل منه كثيراً ابن أبي الحديد في شرح النهج، وهو عالم محدّث كثير الأدب ثقة ورع أثنى عليه المحدّثون، ورووا عنه مصنفاته.
وقد يطلق على أبي عبد الله أحمد بن
محمد بن عبد الله الجوهري المعروف بابن عياش وقد ذكر من يطلق عليهم الجوهري، منهم الشاعر الأديب الماهر المشهور أبو الحسن علي بن أحمد الجرجاني صاحب القصائد الفاخرة الكثيرة في مناقب أهل البيت ومصائب شهدائهم الأبرار صلوات الله عليهم، كما في الرياض.
ثم قال: ومنهم أيضاً في هذه الأواخر من الفارسيين الأعاجم الميرزا محمد باقر الجوهري الهروي الأصل القزويني المسكن الاصفهاني المتوفى والمدفن، الذي كان في الحقيقة مالكاً لأزمة النظم والنثر، وإماماً لأئمة الكلام الفارسي في قرب هذا العصر، صاحب كتاب طوفان البكاء في مقاتل الشهداء وغير ذلك، وكانت وفاته زمن اعتكافه بباب سيدنا وسمينا الإمام العلامة المرحوم البقار للفضائل والعلوم صاحب مطالع الأنوار(١) في حدود نيف و ١٢٤٠.
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ١٦١ - ١٦٣
حرف الحاء
حارث بن عبد الله الأعور الهمداني
هو من أنصار عليعليهالسلام عشق كلامه وكان من الملمين بحديثه، قيل انه أول من جمع أقوال عليعليهالسلام ، وقد أكد الرجاليون في وصفه على هذه الأمور، واعتبروه من شيعة الصدر الأول.
وقد هم حارث في تدوين الحديث ونقله وعنه كتب ابن سعد يقول:
ان علي بن أبي طالب خطب الناس فقال:
من يشتري علماً بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفاً بدرهم ثم جاء بها علياً فكتب له علماً كثيراً، ثم ان علياً خطب الناس بعد فقال: يا أهل الكوفة غلبكم نصف رجل(١) .
لقد التفت الإمامان الحسن والحسينعليهمالسلام ولزرع الطمأنينة في نفوس الناس حول
__________________
١ - الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: ج٢، ص٧١٨، الطبقات الكبرى لابن سعد: ج٦، ص١٦٨، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج٤، ص١٥٣، أعيان الشيعة: ج٤، ص٣٦٩.
الحارث بنقل خطب وأقوال أبيهما ثم عنه وقد سألوه عنه أحياناً أخرى، كتب ابن سعد يقول:
عن عامر الشعثي، لقد رأيت الحسن والحسين يسألان الحارث الأعور عن حديث عليعليهالسلام ، وفيه أيضاً عن أبي بكر بن أبي داود.
الحارث كان أفقه الناس، وأقرض للناس، وأحب الناس.
تعلم الفرائض من عليعليهالسلام
وعنه ذكر الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في فهرسه انه حرر كتاباً أخبر فيه الإمام عليعليهالسلام رجلاً يهودياً عن بعض الأمور، وقد روى عمرو بن أبي مقدم هذا الكتاب عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الهمداني عن الإمام عليعليهالسلام
يذكر هنا ان الكثير من رجال العامة، نالوا من الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني واتهموه. لنتساءل لماذا؟ هل فعلوا ذلك لأنه هام حباً بعليعليهالسلام فأرادوا سحقه، وهمَّ بجمع خطبه وأقواله ونشرها، وكان شيعياً فحسب؟ بلى، لننظر إلى ما جاء عنه في تهذيب
التهذيب:
ولم يبن عن الحارث كذبة وإنما نقم عليه إفراطه في حب عليعليهالسلام .(١) وكان كذلك ما نقله ابن حجر في كتابه الآخر.
صاحب علي، كذّبه الشعبي في رأيه ودعي بالرفض وفي حديثه ضعف(٢) .
على أية حال كان من أصحاب عليعليهالسلام وبذل جهوداً محمودة في جمع وتدوين ونشر ونقل خطب وأقوال عليعليهالسلام
عن أبي إسحاق الشعبي، عن الحارث الأعور قال:
خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوماً خطبة بعد العصر فعجب الناس من حسن صفته وما ذكر من تعظيم الله جل جلاله.
قال أبو إسحاق للحارث: أما حفظتها؟
__________________
١ - تهذيب التهذيب لابن حجر: ج٢، ص١٢٧، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: ج٢، ص١٥٤.
٢ - تقريب التهذيب لابن حجر: ج١، ص١٧٥، الغارات للثقفي: ج٢، ص٧١٩، ومات الأعور في خلافة ابن الزبير.
قال: قد كتبتها، فأملأها علينا من كتابه(١) .
الحافظ الشيرازي
شمس الدين محمد العارف الكامل الشيعي الإمامي صاحب الديوان المعروف، قال الجلبي في كشف الظنون ذكر مرتب ديوان الحافظ في ديباجته ان مولانا الحافظ لم يرتب ديوانه لكثرة اشتغاله... وهو ديوان معروف متداول بين أهل الفرس ويتفاءل به، وكثيراً ما جاء بيت منه بحسب حال المتفائل، ولهذا يقال له: لسان الغيب.
توفى الحافظ المذكور في حدود سنة ٧٩١ ودفن في شيراز عند باب البلد وقبره معروف هناك(٢) .
__________________
١ - معجم أحاديث البحار : ص ٣٤
٢ - الكني و الألقاب للشيخ عباس القمي: ج ٢ ، ص ١٦٧
حبيب النجار
من رجال الفترة بين عيسىعليهالسلام ونبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان يسكن أنطاكية من أرض الشام، وكان بها ملك يعبد التماثيل والصور، فسار إليه اثنان من تلامذة المسيح، فدعوه إلى الله عز وجل، فحبسهما وضربهما فعززهما الله بثالث، وقد تنوزع فيه فذهب كثير من الناس إلى انه بطرس، وهذا اسمه بالرومية، واسمه بالعربية سمعان وبالسريانية شمعون وهو شمعون الصفاء، وذكر كثير من الناس - وإليه ذهب سائر فرق النصرانية - ان الثالث المعزز به هو بولس وان الاثنين المتقدمين الذين أودعا الحبس توما وبطرس، فكان لهم مع ذلك الملك خطب عظيم طويل فيما أظهروا من الإعجاز والأعاجيب والبراهين، من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى وحيلة بولس عليه بمداخلته إياه وتلطفه له، واستنقاذ صاحبيه من الحبس.
فجاء حبيب النجار وصدقهم لما رأى من آيات الله عز وجل، وقد أخبر الله عز وجل
بذلك في كتابه بقوله:( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١) ) إلى قوله:( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢) )
وقتل بولس وبطرس بمدينة روميه وصلبا منكسين، وكان لهما خبر طويل مع الملك ومع سيما الساحر، ثم جعلا بعد ذلك في خزانة من البلور، وذلك بعد ظهور دين النصرانية، وحرمهما في كنيسة هناك...(٣) .
الحجاج
ولد لفارعة من يوسف الثقفي وامتنع من الرضاع من أمه ومن غيرها فبقي ثلاث بلا رضاع وخافوا عليه حتى جاءهم رجل وقال لهم اذبحوا له ثلاث سخول سود وادهنوا جسمه ووجهه من دمائهن ثم
__________________
١ - (يّـس:١٤).
٢ - (يّـس:٢٠).
٣ - مروج الذهب: ج١، ص٨٠ ، طبع إيران، الطبعة الثانية، ١٩٨٤م / ١٤٠٤هـ
اسقوه من ذلك الدم لمدة ثلاث أيام. ففعلوا فكان ان أخذ ثدي أمه في اليوم الرابع لذلك أصبح جزاراً يحب الدماء.
حجر بن عدي الكندي
هو صفحة من البطولة والمقاومة الشيعية، سطّر بدمائه ملحمة الدفاع عن الحق فاستشهد في سبيل العقيدة وقد دعا موقفه البطولي الصاعق طاغوت الشام كي يعلق رأسه الطاهر على بوابة الشام، فكان أول رأس يقطع في التاريخ الإسلامي! هام في حب علي وأولاد علي ولم ينقل حديثاً عن غيره.
عنه كتب ابن سعد: عن عمير بن حميم قال: حدثني غلام لحجر بن عدي الكندي قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوظأ قال: ناولني الصحيفة من الكوة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت عن علي بن أبي طالب ثم يذكر: ان الطهور نصف (شطر) الإيمان، وكان ثقة معروف ولم يرو عن غير علي شيئاً(١) .
__________________
١ - معجم أحاديث البحار: ص٣٤، وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد: ص٢٩٠، ونظام =
حذيفة بن اليمان
جاء في كتاب الصحابة للشيخ محمد السند:
لما قفل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غزوة تبوك أمر مناديا ينادى: لا يأخذن العقبة أحد، فان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسير وحده، فكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يسير وحذيفة يقود به وعمار يسوق به، فأقبل رهط متلثمين على الرواحل حتى غشوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فرجع عمار فضرب وجوه الرواحل، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لحذيفة: قد قد، فلحقه عمار فقال: سق سق حتى أناخ، فقال عمار: هل تعرف القوم؟
فقال: لا، كانوا متلثمين، وقد عرفت
__________________
= الحكومة النبوية للكتاني: ج٢، ص٢٥٩، وينقل الطبري في تاريخه: ان حجر بن عدي صاح بالمغيرة في المسجد قائلاً: مُرْ لنا أيها الإنسان بأرزاقنا، فقد حبستها عنا، وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين، فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق حجر وبر. تاريخ الطبري: ج٥، ص٢٥٤.
عامة الرواحل.
فسماهم [رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ] لهما وقال: اكتماهم.
روى ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة حذيفة:
من كبار صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و... كان عمر بن الخطاب يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقُتل صفوان وسعيد ابنا حذيفة بصفين وكانا قد بايعا علياً بوصية أبيهما بذلك إياهما.
وروى المزي في تهذيب الكمال عن قتادة:
قال حذيفة: ((لو كنت على شاطئ نهر، وقد مددت يدي لأغترف، فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أُقتل.
وقال عطاء بن السائب، عن أبي البختري:
قال حذيفة: لو حدثتكم بحديث لكذبني ثلاثة أثلاثكم، قال: ففطن له شاب فقال: من يصدقك إذا كذبك ثلاثة أثلاثنا؟ فقال: إن أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا يسألون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الخير وكنت أسأله عن
الشر. قال: فقيل له: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنه من اعترف بالشر وقع في الخير(١) .
وروي عن النزال بن سبرة: ((كنا مع حذيفة في البيت، فقال له عثمان: يا أبا عبد الله ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال: ما قلته. فقال عثمان: أنت أصدقهم وأبرهم، فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله ألم تقل ما قلته؟ قال: بلى، ولكني أشتري ديني ببعضه مخافة أن يذهب كله))(٢) .
وروي عن بلال بن يحيى: ((بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا قد اشترى بعض دينه ببعض، قالوا: فأنت؟ قال:
__________________
١ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج١٢، ص٢٨٩، كنز العمال للمتقي الهندي: ج١٣، ص٣٤٥، وتهذيب الكمال للمزي: ج٥، ص٥٠٧.
٢ - تاريخ مدينة دمشق: ج١٢، ص٢٩٤، وتهذيب الكمال: ج٥، ص٥٠٨، وكنز العمال: ج٣، ص٧٨٦، وكتاب الصحابة للشيخ محمد السند: ص٢١٧ ــ ٢٣٤.
وأنا والله إني لأدخل على أحدهم، وليس من أحد إلا وفيه محاسن ومساوئ فأذكر من محاسنه، وأعرض عن ما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء، فأقول: إني صائم، ولست بصائم(١) .
وأخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة حذيفة(٢) :
وكان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أسرَّ إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الأمة(٣) ، وقد ناشد عمر: أأنا من المنافقين؟ فقال: ولا أزكّي أحداً بعدك(٤) .
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة:
من عيون الصحابة، وصاحب سر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد روت الأخبار الدينية ان النبي
__________________
١ - تهذيب الكمال: ج٢، ص٧٥ ــ ٧٧.
٢ - المسترشد لمحمد بن جرير الطبري: ص٥٩٣.
٣ - انظر البخاري: ج١٣، ص٤٠ - ٤١ في الفتن، ومسلم: ص١٤٤، والترمذي: ص٢٢٥٩.
٤ - نسبه في الكنز: ج١٣، ص٣٤٤ إلى وسنة، سير أعلام النبلاء: ج٢، ص٣٦٤، الصحابة للشيخ محمد السند: ص٢٣٩.
صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أعلمه بالمنافقين، وكان عمر ينظر إليه عند موت أحدهم، فإذا حضر حذيفة جنازته حضرها هو وإلا تخلف عنها.
كان من الفرسان الأبطال في يوم أحد، والخندق. وله مواقف حسنة، اشترك في الجهاد بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتم على يده فتح همدان، والري والدينور.
كان من الموالين لعليعليهالسلام ، والقائلين بإمامته، وتخلف عن بيعة أبي بكر كما تقدم، وقتل له ولدان بصفين هما، صفوان وسعيد، مات في أول خلافة عليعليهالسلام ، ولم يدرك حروبه(١) .
الحر العاملي
محمد بن الحسن بن علي المشغري، شيخ المحدثين وأفضل المتبحرين العالم الفقيه النبيه المحدّث المتبحر الورع الثقة الجليل أبو المكارم والفضائل،
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة ، جعفر الخليلي : ج ١ ، ص ٣٥٨
صاحب المصنفات المفيدة، منها الوسائل الذي منَّ على المسلمين بتأليف هذا الجامع الذي هو كالبحر لا يساجل.
ومنها كتاب (أمل الآمل) جزاه الله تعالى خير الجزاء لخدمته بالشريعة الغراء.
قال في هذا الكتاب في ترجمة نفسه: كان مولده في قرية مشغرة ليلة الجمعة ثامن رجب سنة ١٠٣٣، قرأ بها على أبيه وعمه الشيخ محمد الحر وجده لأمه الشيخ عبد السلام بن محمد الحر وخال أبيه الشيخ علي بن محمود وغيرهم، وقرأ في قرية جبع على عمه أيضاً، وعلى الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن بن زين الدين، وعلى الشيخ حسين الظهيري وغيرهم، وأقام في تلك البلاد أربعين سنة وحج فيها مرتين، ثم سافر إلى العراق فزار الأئمةعليهمالسلام ثم زار الرضاعليهالسلام بطوس، واتفق مجاورته بها إلى هذا الوقت مدة أربع وعشرين سنة، وحج فيها أيضاً مرتين، وزار أئمة العراقعليهمالسلام أيضاً مرتين، له كتب ثم شرع في تعداد كتبه وذكر بعض أشعاره.
كانرحمهالله متوطناً في المشهد المقدس الرضوي وأعطي شيخوخة الإسلام ومنصب القضاء وصار من أعاظم علماء خراسان المشار إليهم بالبنان إلى ان توفى في إلحادي والعشرين من شهر رمضان سنة ١١٠٤ ودفن في الصحن العتيق جنب المدرسة المنسوبة بميرزا جعفر، يروي عن العلامة المجلسيرحمهالله ويروي المجلسي عنه(١) ، وصورة إجازته للمجلسي في إجازات البحار: ص١٥٨.
الحريري
أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الفاضل الأديب المعروف صاحب المقامات المشهورة، ودرة الغواص في أوهام الخواص وملحة الأعراب وشرحها، وقد اعتنى الفضلاء وأرباب الأدب بكتاب المقامات وشرحوها شروحاً كثيرة ومدحوها مدائح عظيمة.
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ١٧٦ - ١٧٧
قال الزمخشري في مدحها:
أقســم بالله وآياتــــــه |
ومشعر الخيف وميقاته |
|
ان الحريري حري بأن |
تكتب بالتبر مقاماته |
ذكر ابن خلكان في ترجمة محمد بن محمد بن ظفر الصقلي ان الحافظ السلفي رأى الحريري في جامع البصرة وحوله حلقة وهم يأخذون عنه المقامات فسأل عنه فقيل له:
ان هذا قد وضع شيئاً من الأكاذيب وهو يمليه على الناس فسكت ولم يعرج عليه.
واني كنت في عنفوان الشباب مولعاً بمطالعة هذا الكتاب فمنَّ الله تعالى عليَّ ببركات أهل البيتعليهمالسلام ومطالعة أحاديثهم وكلماتهم ومواعظهم ان ظهر لي ان مطالعة هذا الكتاب وأمثاله يسَّود القلب ويذهب بصفائه، ولو أراد الإنسان الأدب والبلاغة والفصاحة والحكمة والمواعظ النافعة فعليه بكتاب نهج البلاغة فان التفاوت بينه وبين سائر الكتب، كالتفاوت بين أمير المؤمنينعليهالسلام وسائر الناس:
علي الدر والذهب المصفى |
وباقي الناس كلهم تراب(١) |
توفى في البصرة سنة ٥١٦.
حريز بن عبد الله بن مسكان
عن حيدر بن محمد بن نعيم، وحدثنا جعفر بن محمد بن قولويه، عن جعفر بن محمد بن مسعود جميعاً، عن محمد بن مسعود العياشي قال: حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب، عن العمركي قال: حدثني أحمد بن شيبة، عن يحيى بن المثنى، عن علي بن الحسن بن رباط، عن حريز قال:
دخلت على أبي حنيفة وعنده كتب كادت تحول فيما بينه وبيني فقال لي: هذه الكتب كلها في الطلاق واليمين فأقبل يقلب بيديه قال: فقلت: نحن نجمع هذا كله في كلمة واحدة في حرف قال: وما هو؟ قلت: قوله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا
__________________
١ - الأنوار البهية للقمي: ص٧٢، والغدير للأميني: ج٤، ص٢٦، والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٧٩.
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (١) ) ، فقال لي: فأنت لا تعمل شيئاً إلا برواية؟ قلت: أجل، فقال لي: ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته ألف درهم وأدى تسعمائة وتسعة وتسعين ثم أحدث يعني الزنا كيف تحده؟ فقلت: عندي بعينها حديث حدثني محمد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام أن علياًعليهالسلام كان يضرب بالسوط وبثلثه وبنصفه وببعضه بقدر استحقاقه فقال لي: أما إني أسألك عن مسألة لا يكون عندك فيها شيء ما تقول في جمل أخرج من البحر؟ فقلت: إن شاء فليكن جملاً وإن شاء فبقرة إن كانت عليه فلوس أكلناه وإلا فلا(٢) .
__________________
١ - ( الطلاق:١).
٢ - الاختصاص: ص٢٠٦ - ٢٠٧، عن الكشي في رجاله: ص٢٤٤، والمجلسي في البحار: ج١١، ص٢٢٩.
وذكر أبو النضر محمد بن مسعود ان ابن مسكان كان لا يدخل على أبي عبد اللهعليهالسلام شفقة أن لا يوفيه حق إجلاله، فكان يسمع من أصحابه ويأبى أن يدخل عليه إجلالاً له وإعظاما لهعليهالسلام ، وذكر يونس بن عبد الرحمن أن ابن مسكان كان رجلاً مؤمناً وكان يتلقى أصحابه إذا قدموا فيأخذ ما عندهم.
وحريز بن عبد الله انتقل إلى سجستان وقتل بها وكان سبب قتله أنه كان له أصحاب يقولون بمقالته، وكان الغالب على سجستان الشراة(١) وكان أصحاب حريز يسمعون منهم ثلب(٢) أمير المؤمنينعليهالسلام وسبه فيخبرون حريزاً ويستأمرونه في قتل من يسمعون منه ذلك، فأذن لهم فلا يزال الشراة يجدون منهم القتيل بعد القتيل، فلا يتوهمون على الشيعة لقلة عددهم ويطالبون المرجئة ويقاتلونهم فلا يزال الأمر هكذا حتى وقفوا عليه فطلبوهم فاجتمع أصحاب حريز إلى حريز
__________________
١ - الشراة : الخوارج
٢ - الثلب : الطعن و السلب
في المسجد فعرقبوا(١) عليهم المسجد وقلبوا أرضه (رحمهمالله )(٢)
حسان بن ثابت
دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لحسان بن ثابت حينما هجا المشركين وكان دعاؤه مشروطاً بكلمة (ما كنت ناصرنا). وكان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم عاقبة هذا الرجل وموقفه السلبي من أخيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ثم انحرافه عنه إلى عثمان والأبيات التالية تنبيك عن ضمير الرجل وتحقق نبوءة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه: وإليك شعره الباطل وكانت بصيرته عميت واشتبه عليه الحق والباطل:
مَن سَرَّهُ المَوتُ صِرفاً لا مِزاجَ لَهُ |
فَليَأتِ مَأسَدَةً في دارِ عُثمانا |
|
مُستَحقِبي حَلَقَ الماذِيِّ قَد شَفَعَت |
فَوقَ الـمَخاطِمِ بَيضاً زانَ أَبدانا |
__________________
١ - عرقب الرجل: احتال.
٢ - نقله المجلسي في البحار: ج١١، ص٢٢٤، عن الاختصاص للمفيد: ص٢٠٧.
بَل لَيتَ شِعري وَلَيتَ الطَيرَ تُخبِرُني |
ما كانَ شَأنُ عَلِيٍّ وَاِبنِ عَفّانا |
|
ضَحَّوا بِأَشمَطَ عُنوانُ السُجودِ بِهِ |
يُقَطِّعُ اللَيلَ تَسبيحاً وَقُرآنا |
|
لَتَسمَعُنَّ وَشيكاً في دِيارِكُمُ |
اللهُ أَكبَرُ يا ثاراتِ عُثمانا |
|
وَقَد رَضيتُ بِأَهلِ الشَأمِ زافِرَةً |
وَبِالأَميرِ وَبِالإِخوانِ إِخوانا |
|
إِني لَمِنهُم وَإِن غابوا وَإِن شَهِدوا |
حَتّى الـمَماتَ وَما سُمّيتُ حَسّانا |
|
وَيهاً فِدىً لَكُمُ أُمّي وَما وَلَدَت |
قَد يَنفَعُ الصَبرُ في الـمَكروهِ أَحيانا |
|
شُدّوا السُيوفَ بِثِنيٍ في مَناطِقِكُم |
حَتّى يَحينَ بِها في المَوتِ مَن حانا |
|
لَعَلَّكُم أَن تَرَوا يَوماً بِمَغبَطَةٍ |
خَليفَةَ اللهِ فيكُم كَالَّذي كانا |
سوّد الله وجهك وكما فعل حين تهدد المؤمنين بجيش المنافقين الشاميين، وتتَّهم إمام المتقين بما فعل عثمان بيده وعمله في قتل نفسه. حشرك الله مع
القوم الظالمين وأظنه فعل(١) .
وذكر القمي: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري شاعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يكنى أبا الوليد كان من فحول الشعراء.
حكي انه عاش مائة وعشرين سنة، ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذلك عاش أبوه ثابت وجده المنذر وأبو جده حرام عاش كل منهم مائة وعشرين سنة، ولا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد وعاش كل منهم مائة وعشرين سنة غيرهم(٢) .
وقد تضمنت كتب السيرة بلوغه الغاية في الجبن وتخلفه بعد هلاك عثمان عن بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام في جماعة من العثمانية.
ومما يدل على جبنه ما حكي انه في أوقات الحرب كان يتحصن مع النساء،
__________________
١ - المؤلف
٢ - الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٢٣٩ - ٢٤٢
ففي (ما)(١) عن صفية بنت عبد المطلب انها قالت: كنا مع حسان بن ثابت في حصن فارع(٢) والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالخندق فإذا بيهودي يطوف بالحصن فخفنا ان يدل على عورتنا فقلت لحسان: لو نزلت إلى هذا اليهودي فاني أخاف ان يدل على عورتنا، قال: يا بنت عبد المطلب لقد علمت ما أنا بصاحب هذا قالت:
فتحزمت ثم نزلت وأخذت عموداً وقتلته به، ثم قلت لحسان: اخرج فاسلبه قال: لا حاجة لي في سلبه.
وكثير من أشعاره معروف ومشهور، وفي كتب السيرة النبوية مسطور ومن شعره المتواتر عنه ما قاله يوم غدير خم:
يناديهم يوم الغدير نبيهم |
بخم وأكرم بالنبي مناديا |
|
يقول فمن مولاكم ووليكم |
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا |
|
إلهك مولانا وأنت ولينا |
ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا |
__________________
١ - ما: رمز لأمالي الشيخ أبي علي بن الشيخ الطوسي.
٢ - اسم حصن بالمدينة.
فقال له قم يا على فانني |
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا |
|
هناك دعا اللهم وال وليه |
وكن للذي عادى علياً معاديا |
وسرد المؤلف القمي قصة الغدير كاملة حتى قال: ثم نزل (رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ) من المنبر، وجاء أصحابه إلى أمير المؤمنينعليهالسلام وهنأوه بالولاية، وأول من قال له عمر بن الخطاب فقال له: (بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)، ونزل جبرائيلعليهالسلام بهذه الآية:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) )
سئل الصادقعليهالسلام عن قول الله عز وجل:( يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٢) ) ، قال: يعرفون يوم الغدير وينكرونها يوم السقيفة.
__________________
١ - ( المائدة : من الآية ٣ ).
٢ - (النحل : ٨٣ )
واستأذن حسان بن ثابت ان يقول أبياتاً في ذلك اليوم فأذن له فأنشأ يقول:
(يناديهم يوم الغدير نبيهم) الأبيات، فقال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تزال يا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.
قال شيخنا المفيد (ره): وإنما اشترط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره في الخلاف، ولو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق(١) .
وكان الأمر كذلك لان الرجل بعد ان كان موالياً لأمير المؤمنينعليهالسلام قائلاً في مدحه الأشعار المعروفة تخلف عن بيعته فيمن تخلف وصار عثمانياً يحرّض الناس على عليعليهالسلام وقال في مدح أبي بكر:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة |
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا |
|
خير البرية أنقاها وأعدلها |
بعد النبي وأوفاها بما حملا |
__________________
١ - أعيان الشيعة للعاملي : ج ١ ، ص ٤٢٠
والثاني التالي المحمود مشهده |
وأول الناس منهم صدق الرسلا |
قال الشيخ المفيد (ره): ان حساناً كان شاعراً وقصد الدولة والسلطان، وقد كان فيه بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انحراف شديد عن أمير المؤمنينعليهالسلام وكان عثمانياً، وحرّض الناس على علي بن ابي طالبعليهالسلام وكان يدعو إلى نصرة معاوية وذلك مشهور عنه في نظمه، ألا ترى إلى قوله:
يا ليت شعري وليت الطير يخبرني |
ما كان بين علي وابن عفانا |
|
ضجوا بأشمط عنوان السجود به |
يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا |
|
ليسمعن وشيكاً في ديارهم |
الله أكبر يا ثارات عثمانا(١) |
__________________
١ - الفصول المختارة للشريف المرتضى: ص٢٥٨، الجمل للمفيد: ص١١٦، الاستيعاب لابن عبد البر: ج٣، ص١٠٤٩، تهذيب الكمال للمزي: ج١٩، ص٤٥٨.
الحسن البصري
نسبة إلى البصرة وهى بلدة معروفة، وفي مجمع البحرين البصرة وزن تمرة بلدة إسلامية بنيت في خلافة الخليفة الثاني في ثماني عشرة من الهجرة سميت بذلك لان البصرة الحجارة الرخوة وهي كذلك فسميت بها، وفي كلام أمير المؤمنينعليهالسلام البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن.
ينسب إليها الحسن البصري أبو سعيد بن أبي الحسن يسار مولى زيد بن حارث الأنصاري أخو سعيد وعمارة وأمهم خيرة مولاة أم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
كان الحسن أحد الزهاد الثمانية، وكان يلقي الناس بما يهوون ويتصنع للرئاسة وكان رئيس القدرية.
قال ابن أبي الحديد وممن قيل انه يبغض علياً ويذمه الحسن بن أبي الحسن البصري، وروى انه كان من المخذلين عن نصرته، وروى القطب الراوندي (ره) ان أمير المؤمنينعليهالسلام أتى الحسن البصري يتوضأ في ساقية، فقال: اسبغ طهورك يا لفتى قال: لقد قتلت بالأمس رجالاً كانوا
يسبغون الوضوء قال: وانك لحزين عليهم؟ قال: نعم، قال: فأطال الله حزنك. قال أيوب السجستاني: فما رأينا الحسن قط إلا حزيناً كأنه رجع عن دفن حميم أو خرنبدج(١) ضل حماره فقلت له في ذلك فقال: عمل فيَّ دعوة الرجل الصالح وكفتى (لفتى) بالنبطية شيطان، وكانت أمه سمته بذلك ودعته به في صغره فلم يعرف ذلك أحد حتى دعا به علي(٢) عليهالسلام .
وروى عن تلميذه ابن أبي العوجاء انه لما قيل له لم تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟ قال: ان صاحبي كان ملطخاً، كان يقول: طوراً بالقدر وطوراً بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه، توفى في رجب سنة ١١٠، ولد سنة ٨٩
__________________
١ - خربنده: معرب أي مكاري الحمار.
٢ - الصراط المستقيم للعاملي: ج ١، ص ١٠٤، وترجم له في سير أعلام النبلاء: ج٤، ص٥٦٤، وحلية الأولياء: ج٢، ص١٣١، وأخبار أصبهان: ج١، ص٢٥٤، والخرائج للراوندي: ص٥.
وعنوان البصري هو الذي نقل عنه خبر في آداب العلم ينبغي ذكره لكثرة فائدته، قال العلامة المجلسي (ره) في البحار: وجدت بخط شيخنا البهائي قدس الله روحه ما هذا لفظه:
قال الشيخ شمس الدين محمد بن مكي نقلت من خط الشيخ أحمد الفراهاني (ره) عن عنوان البصري وكان شيخاً كبيراً قد أتى عليه أربع وتسعون سنة، قال: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين فلما قدم جعفر الصادقعليهالسلام المدينة اختلفت إليه وأحببت ان آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوماً: اني رجل مطلوب ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار فلا تشغلني عن وردى وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف إليه فاغتممت من ذلك وخرجت من عنده وقلت في نفسي لو تفرَّس في خيراً لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه فدخلت مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسلمت عليه ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين وقلت أسألك يا الله يا الله ان تعطف علي قلب جعفر وترزقني من علمه
ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم ورجعت إلى داري مغتماً ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حب جعفر فما خرجت من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى عيل صبري فلما ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفراً، وكان بعد ما صليت العصر فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف فقال: هو قائم في مصلاه فجلست بحذاء بابه فما لبثت إلا يسيراً إذ خرج خادم فقال ادخل على بركة الله فدخلت وسلمت عليه فرد السلام وقال: اجلس غفر الله لك فجلست فأطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: أيؤمن؟ قلت: أبو عبد الله قال: ثبت الله كنيتك ووفقك يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثم رفع رأسه ثم قال: ما مسألتك؟ فقلت: سألت الله ان يعطف قلبك علي ويرزقني من علمك، وأرجو ان الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعليم إنما
هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى ان يهديه فان أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية واطلب العلم باستعماله واستفهم الله يفهمك، قلت يا شريف: فقال: قل يا أبا عبد الله قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية؟ قال: ثلاث أشياء ان لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً، لأن العبيد لا يكون لهم ملك يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم يرد العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى ملكاً هانت عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى ان ينفق فيه، وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا وإبليس والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزاً
وعلواً، ولا يدع أيامه باطلاً، فهذا أول درجة التقى(١) .
الحسين بن روح
أحد النواب الأربعة، جاء في الجزء الأول، من سفينة البحار: ص٢٧١: أخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى قال أخبرني أبو علي محمد بن همام رضي الله عنه وأرضاه ان أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه، جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعة وشيوخها فقال لنا:
ان حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد أُمرت ان أجعله في موضعي بعدي فارجعوا إليه وعوّلوا في أموركم عليه.
وفي رواية أخرى ما حاصلها انه لما اشتدت حال أبي جعفررحمهالله اجتمع
__________________
١ - إحقاق الحق للتستري: ج٢٨، ص٣٧٦، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٨٤ - ٨٥
جماعة من وجوه الشيعة فدخلوا عليه فقالوا له: ان حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت وقد بلغت.
وعن أم كلثوم بنت أبي جعفر (رض) قالت: كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح (ره) وكيلاً لأبي جعفر - أي: محمد بن عثمان - سنين كثيرة ينظر له في أملاكه ويلقى بأسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصيصاً به، حتى انه كان يحدثه ما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه وأنسه، وكان يدفع إليه في كل شهر ثلاثين ديناراً رزقاً له غير ما يصل إليه من الوزراء والرؤساء من الشيعة مثل آل الفرات وغيرهم ولوضعه وجلالة محله عندهم، فحصل في أنفس الشيعة محلاً جليلاً لمعرفتهم باختصاص أبي إياه وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه وما كان يحتمله من هذا الأمر
فتمهدت له الحال في حياة أبي إلى ان انتهت الوصية إليه بالنص عليه فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد إلا جاهل بأمر أبي...
وكان أبو سهل النوبختي يقول في حقه: انه لو كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل.
ماترحمهالله في شعبان سنة ٢٢٦ وقبره في بغداد(١) .
الحسين بن زيد بن علي بن الحسينعليهمالسلام
أبو عبد الله، يلقب ذا الدمعة، كان أبو عبد الله تبناه ورباه، وزوجه بنت الأرقط، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهمالسلام ، وكتابه مختلف الرواية(٢) .
__________________
١ - الاحتجاج: ج٢، ص٢٨٦ الهامش.
٢ - نفس المصدر: ج٢، ص١٠٣ الهامش.
الحسين بن منصور الحلاج
اخبرنا الحسين بن إبراهيم عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري قال:
لما أراد الله تعالى ان يكشف أمر الحلاج، ويظهر فضيحته ويخزيه، وقع له ان أبا سهل بن إسماعيل بن علي النوبختي (رض) ممن تجوز عليه مخرقته، ووجه إليه يستدعيه وظن ان أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله وقدر ان يستجره إليه فيتمخرق به، ويتسوف بانقياده على غيره، فيستتب إليه ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحله من العلم والأدب عندهم.
ويقول له في مراسلته إياه: إني وكيل صاحب الزمانعليهالسلام - وبهذا أولاً كان يستجر الجهال ثم يعلو منه إلى غيره - وقد أمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوي نفسك، ولا
ترتاب بهذا الأمر.
فأرسل إليه أبو سهل (رض) يقول له:
إني أسألك أمراً يسيراً يخف مثله عليك، في جنب ما ظهر على يديك، من الدلائل والبراهين، وهو اني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن، ولي منهن عدة أتحظاهن والشيب يبعدني عنهن، واحتاج ان أخضبه في كل جمعة وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك، وإلا انكشف أمري عندهن، فصار القرب بعداً، والوصال هجراً، وأريد ان تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤونته، وتجعل لحيتي سوداء، فاني طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداع إلى مذهبك، مع مالي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة.
فلما سمع الحلاج من قوله وجوابه علم انه قد أخطأ في مراسلته، وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يرد إليه جواباً، ولم يرسل إليه رسولاً، وصيّره أبو سهل (رض) أحدوثة وضحكة ويطنز به (أي: يسخر) عند كل أحد، وشهر أمره عند الكبير والصغير، وكان هذا الأمر سبباً لكشف امره، وتنفير
الجماعة عنه(١) .
جاء في الكنى والألقاب:
(الحلاج) أبو معتب الحسين بن منصور البيضاوي العارف المشهور الذي اختلف الناس في حقه، نشأ بواسط أو بتستر وقدم بغداد فخالط الصوفية وصحب من مشيختهم الجنيد بن محمد وأبا الحسين النوري وعمرو المكى. والصوفية مختلفون فيه فأكثرهم نفى الحلاج ان يكون منهم، ونسبوه إلى الشعوذة في فعله وإلى الزندقة في عقيدته.
قيل في وجه تسميته بالحلاج انه بعث حلاجاً في شغل له فذهب الرجل فلما رجع الرجل وجد كل قطن في حانوته محلوجاً فسمي بذلك، أو لأنه كان يكشف عن أسرار المريدين ويخبر عنها فسمي حلاج الأسرار.
وقيل: ان أباه كان حلاجاً فنسب إليه، ونقل عنه بعض الكلمات والأشعار، ومن شعره لما رؤى على بعض جبال اصبهان
__________________
١ - الاحتجاج للشيخ الطبرسي : ج٢، ص ٢٩٢ - ٢٩٤.
وعليه مرقعة وبيده ركوة وعكاز:
لئن أمسيت في ثوبي عديم |
لقد بليا في حر كريـــم |
|
فلا يحزنك ان أبصرت حالاً |
مغيرة عن الحال القديم |
|
ولي نفس ستتلف أو سترقى |
لعمرك بي إلى أمر جسيم |
وله أيضاً:
أريدك لا أريدك للثواب |
ولكنــي أريــدك للعقــــاب |
|
وكل مآربي قد نلت منها |
سوى ملذوذ وجدي بالعذاب |
روى الخطيب في تاريخ بغداد عن أبي يعقوب النهرجوري قال: دخل الحلاج إلى مكة وكان أول دخلته فجلس في صحن المسجد سنة لا يبرح من موضعه إلا للطهارة أو الطواف ولا يبالي بالشمس ولا بالمطر، وكان يحمل كل عشية كوز ماء للشرب وقرص من أقراص مكة فيأخذ القرص ويعض أربع عضات من جوانبه ويشرب شربتين من الماء شربة قبل
الطعام وشربة بعده ثم يضع باقي القرص على رأس الكوز فيحمل من عنده(١) .
وروي عن أبي زرعة الطبري: يقول الناس فيه أي في الحلاج بين قبول ورد ولكن سمعت محمد بن يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: إيش الذي وجد الشيخ عليه؟ قال قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني ان أؤلف مثله وأتكلم به، فقال أبو زرعة سمعت أبا يعقوب الأقطع يقول: زوجت ابنتي من الحسين بن منصور لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده فبان لي بعد مدة يسيرة انه ساحر محتال خبيث كافر ثم ذكر الخطيب عن الحلاج حكايات من الحيل لا يسع المقام نقلها.
ثم قال: أخبرنا علي بن أبي عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ان الحسين بن منصور الحلاج لما قدم بغداد يدعو استغوى كثيراً من الناس والرؤساء وكان
__________________
١ – الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج ٨ ، ص ١١٧
طعنه في الرافضة أقوى لدخوله من طريقهم، فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه، وكان أبو سهل من بينهم مثقفاً (أي حاذقاً) فهماً فطناً فقال أبو سهل لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها قد تأتي فيها الحيل ولكن أنا رجل غزل ولا لذة لي أكبر من النساء وخلوتي بهن وأنا مبتلى بالصلع حتى اني أطول قحفي وأخذ به إلى حبيبتي وأشده بالعمامة واحتال فيه بحيل ومبتلى بالخضاب لستر الشيب فان جعل لي شعراً ورد لحيتي سوداء بلا خضاب آمنت بما يدعوني إليه كائناً ما كان إن شاء قلت انه باب الإمام وإن شاء قلت انه الإمام وإن شاء قلت انه النبي وإن شاء قلت انه الله، قال: فلما سمع الحلاج جوابه أيس منه وكف عنه.
أقول وذكر ما يقرب من ذلك الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة وذكر ان الحلاج بعد ذلك سار إلى قم وكتب إلى قرابة علي بن بابويه يستدعيه ويستدعي ابن بابويه ويقول: أنا رسول الإمام ووكيله فلما وقع الكتاب في يد ابن بابويه
خرقه وأمر بإخراج الحلاج من داره متذللاً، فخرج الحلاج من قم.
قال الخطيب: ((أنبأنا إبراهيم بن مخلد أنبأنا إسماعيل بن علي الخطبي في تاريخه قال: وظهر أمر رجل يعرف بالحلاج يقال له الحسين بن منصور وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت في وزارة علي بن عيسى الاربلي وذكر عنه ضروب من الزندقة ووضع الحيل على تضليل الناس من جهات تشبه الشعوذة والسحر وادعاء النبوة فكشفه علي بن عيسى عند قبضه عليه وأنهى خبره إلى السلطان يعني المقتدر بالله فلم يقر بما رمي به من ذلك وعاقبه وصلبه حياً أياماً متوالية في رحبة الجسر في كل يوم غدوة وينادي عليه بما ذكر عنه ثم ينزل به ثم يحبس فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس حتى حبس بآخره في دار السلطان فاستغوى جماعة من غلمان السلطان وموه عليهم واستمالهم بضروب من حيله حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه ويرفهونه، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها
فاستجابوا له، وترقى به الأمر حتى ذكر انه ادعى الربوبية، وسُعى بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم ووجد عند بعضهم كتباً له تدل على تصديق ما ذكر عنه وأقر بعضهم بلسانه بذلك وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله فأمر أمير المؤمنين بتسليمه إلى حامد بن العباس وأمر ان يكشفه بحضرة القضاة ويجمع بينه وبين أصحابه فجرى بذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطان أمره ووقف على ما ذكر له عنه فأمر بقتله وإحراقه بالنار فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة سنة ٣٠٩ فضرب بالسياط نحواً من ألف سوط وقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه وحرقت جثته بالنار ونصب رأسه على سور السجن الجديد وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه)).(١) .
وذكر السيد المرتضى الرازي في كتاب
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج٨ ، ص١٢٤، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج١٤، ص ٣٣٥
تبصرة العوام حكايات من سحر الحلاج وحيَله ومخاريقه.
وكذلك ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس، وقال: وقد جمعت في أخبار الحلاج كتاباً بينت فيه حيله ومخاريقه.
قال شيخنا الصدوق في عقائده: وعلامة الحلاجية من الغلاة دعوى التجلي بالعبادة مع تركهم الصلاة وجميع الفرائض، ودعوى المعرفة بأسماء الله العظمى ودعوى انطباع الحق لهم، وان الولي إذا أخلص وعرف مذهبهم فهو عندهم أفضل من الأنبياءعليهمالسلام
ومن علامتهم: دعوى علم الكيمياء ولم يعلموا منه إلا الدغل وتنفيق الشبه والرصاص على المسلمين.
قال الشيخ المفيد: والحلاجية ضرب من أصحاب التصوف وهم أصحاب الإباحة والقول بالحلول. وكان الحلاج يتخصص بإظهار التشيع وإن كان ظاهر أمره التصوف وهم ملحدة وزنادقة يموهون بمظاهرة كل فرقة بدينهم، ويدَّعون للحلاج الأباطيل ويجرون في ذلك مجرى المجوس في دعواهم لزرادشت المعجزات
ومجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات والبينات والمجوس والنصارى أقرب إلى العمل بالعبادات منهم وهم أبعد من الشرائع والعمل بها من النصارى والمجوس(١) .
حفص بن غياث
عده الشيخ في رجاله: ص١١٨ من أصحاب الباقرعليهالسلام وذكره في أصحاب الصادقعليهالسلام أيضاً: ص١٧٥ فقال:
حفص بن غياث بن طلق بن معاوية. أبو عمر النخعي القاضي الكوفي اسند عنه، وذكره في باب من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام : ص٤٧١ والعلامة في القسم الثاني من خلاصته: ص٢١٨ وقال: ولى القضاء لهارون وروى عن الصادقعليهالسلام وكان عامياً وله كتاب معتمد(٢) .
__________________
١ - الاعتقادات للمفيد: ج ٢٥، ص٣٤٥، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٨٣ - ١٨٧.
٢ - الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج٢، ص١٠٤ الهامش.
حماد بن عيسى الجهني البصري
كان أصله كوفياً ومسكنه البصرة وعاش نيفاً وتسعين ولحق بأبي عبد اللهعليهالسلام ومات بوادي قناة بالمدينة وهو وادي يسيل من الشجرة إلى المدينة ومات سنة تسع ومائتين.
حدثنا جعفر بن الحسين المؤمن (رحمهالله )، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن حماد بن عيسى قال: دخلنا على أبي الحسن الأولعليهالسلام فقلت له: جعلت فداك ادع الله لي أن يرزقني داراً وزوجة وولداً وخادماً والحج في كل سنة فقال اللهم صلى على محمد وآل محمد وارزقه داراً وزوجة وولداً وخادماً والحج خمسين سنة(١) .
قال: حماد فلما اشترط خمسين سنة علمت أني لا أحج أكثر من خمسين سنة، قال حماد: وحججت ثمان وأربعين حجة وهذه داري قد رزقتها وهذه زوجتي وراء
__________________
١ - قرب الإسناد للحميري : ص ٣١٠
الستر تسمع كلامي وهذا ابني وهذه خادمتي قد رزقت كل ذلك فحج بعد هذا الكلام حجتين تمام الخمسين ثم خرج بعد الخمسين حاجاً فزامل أبا العباس النوفلي القصير، فلما صار في موضع الإحرام دخل يغتسل في الوادي فحمله فغرقه الماء (رحمة الله عليه) وأتاه قبل أن يحج زيادة على خمسين. عاش إلى وقت الرضاعليهالسلام وتوفي سنة تسع ومائتين وكان من جهينة(١) .
حُمران بن أعْيَن
عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن حجر بن زائدة، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : إني أعطيت الله عهداً أن لا أخرج من المدينة حتى تخبرني عما أسألك عنه، قال: فقال لي: سل، قال: فقلت: أمن شيعتكم أنا؟ قال:
__________________
١ - الاختصاص للشيخ المفيد: ص٢٠٥ - ٢٠٦ رواه عن الكشي في رجاله: ص٢٠٤، والمجلسي في البحار: ج١١، ص٢٨٦.
فقال: نعم في الدنيا والآخرة(١) .
وحدثنا أحمد بن محمد، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن مروك بن عبيد، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول:
نعم الشفيع أنا و أبي لحمران بن أعين يوم القيامة، نأخذ بيده ولا نزايله حتى ندخل الجنة معاً(٢) .
الحموي
ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي المولد، البغدادي الدار صاحب معجم البلدان ومعجم الأدباء ومعجم الشعراء.
ذكروا انه كان متعصباً على أمير المؤمنينعليهالسلام وكان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج فاشتبك في ذهنه منه طرف قوي،
__________________
١ - رواه الكشي في رجاله: ص١١٧ ونقله المجلسي في البحار: ج١١، ص٩٧ من الاختصاص.
٢ - رواه الكشي في رجاله: ص١٢٠، كتاب الاختصاص للشيخ المفيد: ص١٩٦ إصدار جامعة المدرسين في قم.
وناظر في دمشق بعض من يتعصب لأمير المؤمنينعليهالسلام وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره أمير المؤمنينعليهالسلام بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه فخرج من دمشق منهزماً إلى حلب، ثم انتقل إلى اربل وسلك منها إلى خراسان وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر وذلك في سنة ٦١٦ فانهزم إلى الموصل بكمال التعب والشدة وأقام بالموصل مدة، ثم انتقل إلى حلب إلى ان انتقل إلى ما أعد له في الآخرة سنة ٦٢٦.
ومع انه كان منحرفاً عن أمير المؤمنينعليهالسلام فإنه ينقل بعض فضائله:
قال في معجم البلدان في الأحقاف انها رمال بأرض اليمن كانت عاد تنزلها ويشهد بصحة ذلك ما رواه أبو المنذر هشام بن محمد عن أبي يحيى السجستاني عن مرة بن عمر الاملي عن الأصبغ بن نباتة قال:
إنا لجلوس عند علي بن أبي طالبعليهالسلام ذات يوم في خلافة أبي بكر الصديق إذ أقبل رجل من حضرموت لم أرَ قط رجلاً أنكر منه فاستشرفه الناس وراعهم
منظره وأقبل مسرعاً جواداً حتى وقف علينا وسلم وجثا وكلم أدنى القوم منه مجلساً وقال: من عميدكم؟ فأشاروا إلى عليعليهالسلام وقالوا: هذا ابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعالم الناس والمأخوذ عنه، فقام وقال:
اسمع كلامي هداك الله من هاد |
وافرج بعلمك عن ذى غلة صاد |
|
جاب التنائف في وادي سكاك إلى |
ذات الأماحل في بطحاء أجياد |
|
تلفه الدمنة البوغاء معتمداً |
إلى السداد وتعليم بإرشاد |
|
سمعت بالدين دين الحق جاء به |
محمد وهو قرم الحاضر الباد |
|
فجئت منتقلاً من دين باغية |
ومن عبادة أوثان وأنداد |
|
ومن ذبايح أعياد مضللة |
نسيكها غائب ذو لوثة عاد |
|
فادلل علىالقصدواجل الريب عن خلدي |
بسرعة ذات إيضاح وإرشاد |
|
والمم بفضل هداك الله عن شعثي |
وأهدني انك المشهود في الناد |
|
ان الهداية للإسلام نائية |
عن العمى والتقى من خير أزواد |
|
وليس يفرج ريب الكفر عن خلد |
أفظه الجهل إلا حية الوادي(١) |
قال: فأعجب علياًعليهالسلام والجلساء شعره، وقال عليعليهالسلام لله درك من رجل ما أرصن شعرك، ممن أنت؟ قال: من حضرموت، فسرَّ به عليعليهالسلام وشرح له الإسلام، فأسلم على
__________________
١ - معجم البلدان للحموي : ج ١ ، ص ١١٦
يديه...(١) .
السيد الحميري
إسماعيل بن محمد الحميري سيد الشعراء حاله في الجلالة ظاهر ومجده باهر.
روي ان الصادقعليهالسلام لقاه فقال سمتك أمك سيداً ووفقت في ذلك أنت سيد الشعراء(٢) .
قال العلامة في حقه: ثقة جليل القدر
__________________
١ - الكنى والألقاب: ج٢، ص١٩٤ - ١٩٥.
٢ - رجال الكشي: ص١٨٦، ثم أنشد السيد الحميري في ذلك:
ولقد عَجِبُت لقائلٍ لي مَرّةً |
علامةٍ فَهْمٍ من الفقهــــــــــاء |
|
سمَّاك قومُك سيّداً صدقوا بهِ |
أنت الموفقُ سيدُ الشعراءِ |
|
ما أنت حينَ تخصُّ آلَ محمدٍ |
بالمدحِ منكَ وشاعرٌ بِسواء |
|
فابشِرْ فإِنّك فائزٌ في حُبِّهمْ |
لو قد غدوتَ عليهِـــم بجزاءِ |
|
ما تعدِلُ الدنيا جميعاً كُلُّها |
من حوضِ أحمدَ شربةً من ماءِ |
عظيم الشأن والمنزلةرحمهالله تعالى.
(أقول): كان همهرحمهالله نظم فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ونشره حتى حكى صاحب الأغاني عن المدائني: ان السيد الحميري وقف بالكناس وقال: من جاء بفضيلة لعلي بن أبي طالبعليهالسلام لم أقل فيها شعراً فله فرسي هذا وما علي فجعلوا يحدثونه وينشدهم فيه حتى روى رجل عن أبي الرعل المرادي انه قدم أمير المؤمنينعليهالسلام فتطهر للصلاة فنزع خفه فانسابت فيه أفعى فلما دعي ليلبسه انقضت غراب فحلقت ثم ألقاها فخرجت الأفعى منه قال فأعطاه السيد ما وعده وأنشأ يقول:
ألا يا قوم للعجب العجاب |
لخف أبي الحسين وللحباب(١) |
|
عدو من عدات الجن عبد |
بعيد في المرادة من صواب |
|
كريه اللون أسود ذو بصيص |
حديد الناب أزرق ذو لعاب |
__________________
١ - الحباب : الحية
أتى خفا له فانساب فيه |
لينهش رجله منها بناب |
|
فقض من السماء له عقاب |
من العقبان أو شبه العقاب |
|
فطار به فحلق ثم أهوى |
به للأرض من دون السحاب |
|
فصك بخفه فانساب منه |
وولى هارباً حذر الحصاب |
|
ودافع عن أبي حسن علي |
نقيع(١) سمامه بعد انسياب |
وحكى انه رؤى في بغداد حمال مثقل فسأله عن حمله فقال ميميّات السيد.
وقال بشار الشاعر: لولا ان هذا الرجل شغل عنا بمدح بني هاشم لأتعبنا.
قيل: لمَ لا تقول شعراً فيه غريب؟ فقال أقول ما يفهمه الصغير والكبير ولا يحتاج إلى التفسير ثم أنشأ:
أيا رب اني لم أرد بالذي به |
مدحت علياً غير وجهك فارحم |
وروي عن بعضهم قال: كنا جلوساً عند
__________________
١ - سم ناقع : أي بالغ قاتل
أبي عمرو بن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء وجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا: يا أبا هاشم ممَّ القيام؟ فقال:
إني لأكره ان أطيل بمجلس |
لا ذكر فيــه لآل بيت محمــد |
|
لا ذكر فيه لأحمد ووصيه |
وبنيه ذلك مجلس قصف ردي |
|
ان الذي ينساهم في مجلس |
حتى يفارقـــــــه لغيــرُ مســـــــدد |
ومن شعره:
وإذا الرجال توسلوا بوسيلة |
فوسيلتي حبي لآل محمد |
ومن أشعاره القصيدة العينية:
لأُمَّ عمرو باللوى مربع |
طامسة أعلامها بلقع |
وهي التي أنشدت عند الصادقعليهالسلام بعد ما قتل زيد بن عليعليهالسلام
وفي البحار روي عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام انه رأى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في منامه مع علي وفاطمة والحسن والحسينعليهالسلام وان السيد الحميري بين يديه يقرأ هذه القصيدة
فلما فرغ منها قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للرضاعليهالسلام احفظ هذه القصيدة ومر شيعتنا بحفظها وأعلمهم ان من حفظها وأدمن قراءتها ضمنت له الجنة على الله تعالى.
ومن أشعاره القصيدة المذهبة التي شرحها علم الهدى الشريف المرتضى رضى الله تعالى عنه حكي انه سمعها مروان بن أبي حفصة فقال لكل بيت سبحان الله ما أعجب هذا الكلام ويعجبني ان أذكر من القصيدة الأبيات التي تضمن معجزة أمير المؤمنينعليهالسلام في الماء الذي أظهره في مسيره إلى صفين وسقى أصحابه لما لحقهم العطش الشديد ولم يجدوا الماء وهذه من معجزاته المشهورة وقد ذكرها العلماء في كتبهم حتى الخطيب ذكرها في: ج١٢ من تاريخ بغداد: ص٣٠٥ وكفى في اعتبارها نظم السيد الحميري إياها في القصيدة المذّهبة المعروفة في أيام المحدّثين وكثرتهم وقربهم بزمان صدور المعجزة وعدم إنكارهم عليها.
قال: الثوري فيما يحكى عنه لو قرأت القصيدة التي فيها: (ان يوم التطهير يوم عظيم) على المنبر ما كان بذلك
بأس أي انها تدخل في باب نقل الحديث في بيان الفضل ويزيدها اعتباراً شرح السيد الشريف المرتضى عليها فلا ينبغي لأحد الشك فيها قال (ره):
ولقد سرى فيما يسير بليلة |
بعد العشاء بكربلا في موكب(١) |
|
حتى أتى متبتلاً في قائم |
ألقى قواعده بقاع مجدب |
|
تأتيه ليس بحيث يلقي عامر |
غير الوحوش وغير أصلع أشيب |
|
فدنا فصاح به فأشرف ماثلاً |
كالنسر فوق شطية من مرقب |
|
هل قرب قائمك الذي بوأته |
ماء يصاب فقال ما من مشرب |
|
إلا بغاية فرسخين ومن لنا |
بالماء بين نقا وقي سبسب |
|
فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى |
ملساء يلمع كاللجين المذهب |
|
قال اقلبوها انكم ان تقلبوا |
ترووا ولا تروون إن لم تقلب |
__________________
١ - ذكر البيت الأول السيد الشريف المرتضى في رسائله: ج٤، ص٨٤
فاعصوصبوا في قلعها فتمنعت |
منهم تمنع صعبة لم تركب |
|
حتى إذا أعيتهم أهوى لها |
كفا متى ترد المغالب تغلب |
|
فكأنها كرة بكف حزور |
عبل الذراع دحا بها في ملعب |
|
فسقاهم من تحتها متسلسلاً |
عزباً يزيد على الألذ الأعذب |
|
حتى إذا شربوا جميعاً ردها |
ومضى فخلت مكانها لم يقرب |
|
أعني ابن فاطمة الوصي ومن يقل |
من فضله وفعاله لم يكذب(١) |
يطلق على جماعة منهم أبو العباس عبد الله بن جعفر بن الحسين (الحسن) ابن مالك بن جامع الحميري القمي شيخ القميين ووجههم، ثقة من أصحاب أبي محمد العسكريعليهالسلام
قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين
__________________
١ - خصائص الأئمة للشريف الرضي: ص٥١، مناقب ابن شهرآشوب: ج٢، ص١٢٣، المستجاد من الإرشاد (المجموعة) للعلامة الحلي: ص١٣٤، والغدير للأميني: ج٢، ص٢٣٧.
وسمع أهلها منه فأكثروا وصنف كتباً كثيرة، منها كتاب قرب الإسناد.
والسيد الحميري نسبة إلى حمير كدرهم أبو قبيلة باليمن كانت منهم الملوك، وفي القاموس حمير كدرهم موضع غربي صنعاء اليمن وابن سبا بن يشجب أبو قبيلة(١) .
عن معاذ بن سعيد الحميري قال: شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميريرحمهالله عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد؟ فقال: نعم. فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي وأنا أعرف عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني
__________________
١ - روى ترجمته أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: ج٧، ص٢٣٠ بإسناده عن سليمان بن أبي شيخ. ونور الأبصار للشبلنجي، وطبقات الشعراء لابن المعتز: ص٧, ولسان الميزان: ج١، ص٤٣٧، وكان الكثير من الحفاظ حفظوا شعر السيد الحميري، انظر تاريخ البغدادي: ج٢، ص٣٥، وابن خلكان: ج١، ص٣٥٩، وتذكرة الحفاظ: ج٣، ص٢٠٠، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص١٩٨.
الله من عداوة أولياء الله وإنما هو شيء لزمني. ثم نهض فقال له: قم يا رافضي؟ فوالله ما شهدت بحق. فخرج السيدرحمهالله وهو يقول:
أبوك ابن سارق عنز النبي |
وأنت ابن بنت أبي جحدر |
|
ونحن على رغمك الرافضون |
لأهل الضلالة والمنكــر |
ثم عمل شعراً وكتبه في رقعة وأمر من ألقاها في الرقاع بين يدي سوار. قال: فأخذ الرقعة سوار فلما وقف عليها وخرج إلى أبي جعفر المنصور وكان قد نزل الجسر الأكبر ليستعدي على السيد فسبقه السيد إلى المنصور فأنشأ قصيدته التي يقول فيها:
يا أمين الله يا من |
صور يا خير الولاة |
|
إن سوار بن عبد الله |
من شر القضاة |
|
نعثلي(١) جملي |
لكم غير مواتي |
__________________
١ - نعثل: في الأصل اسم رجل يهودي من أهل المدينة،وقيل: نعثل: رجل لحياني (طويل =
جده سارق عنز |
فجرة من فجرات |
|
لرسول الله |
والقاذفة بالمنكرات |
|
والذي كان ينادي |
من وراء الحجرات(١) |
|
يا هناة اخرج إلينا |
إننا أهل هنات |
|
فاكفنيه لا كفاه الله |
شر الطارقات |
|
سن فينا سنناً كانت |
مواريث الطغاة |
|
فهجوناه ومن يهجو |
يصب بالفاقرات(٢) |
قال: فضحك أبو جعفر المنصور وقال: نصبتك قاضياً فامدحه كما هجوته فأنشد
__________________
= اللحية) من أهل سعد كان يشبهه عثمان إذا قيل منه.
١ - إشارة إلى نزول آية الحجرات في بني العنبر أجداد القاضي سوار.
٢ - الفاقرة: الداهية الشديدة.
رحمهالله يقول:
إني امرؤ من حمير أسرتي |
بحيث تحوي سروها حمير |
|
آليت لا أمدح ذا نائل |
له سناء وله مفخر |
|
إلا من الغر بني هاشم |
إن لهم عندي يداً تشكر |
|
إن لهم عندي يداً شكرها |
حق وإن أنكرها منكر |
|
يا أحمد الخير الذي إنما |
كان علينا رحمة تنشر |
|
حمزة والطيار في جنة |
فحيث ما شاء دعا جعفر |
|
منهم وهادينا الذي نحن من |
بعد عمانا فيه نستبصر |
|
لما دجا الدين ورق الهدى |
وجار أهل الأرض واستكبروا |
|
ذاك علي بن أبي طالب |
ذاك الذي دانت له خيبر |
|
دانت وما دانت له عنوة |
حتى تدهدا عرشه الأكبر |
|
ويوم سلع إذ أتى عاتباً |
عمرو بن عبد مصلتاً يخطر |
يخطر بالسيف مدلاً كما |
يخطر فحل الصرمة الدوسر |
|
إذ جلل السيف على رأسه |
أبيض عضباً حده مبتر |
|
فخر كالجذع وأوداجه |
ينصب منها حلب أحمر(١) |
قصة السيد الحميري
وهنا يأتي الكلام عن العاقبة للإنسان خيراً أم شراً فمن كان قد وفق للهداية وعمل الخير واتباع طريق الحق فإن عاقبته على خير، وان جرفه إلى الاعمار،( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٢) ) ، وكان جرفه إلى الهدم،( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (٣) ) ، وانما هما نجدان؛ نجد خير ونجد شر( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (٤) ) ، والعبد مخيّر بينهما ولا يشعر الإنسان
__________________
١ - الغدير، العلامة الأميني: ج٢، ص٢٩٩.
٢ - (الإسراء:٧٢).
٣ - (آل عمران:١٨٢).
٤ - (البلد:١٠).
الضال بمرور الأيام والسنين وإذا به على حافة الموت حينئذ يبدي الندم على ما قدم المجرمون ويفرح بعاقبتهم المؤمنون.
جاء في الحديث: ان الإنسان لا يترك الدنيا إلا ويرى أعماله وعاقبته تنتصب أمامه في آخر لحظات حياته، ويقال يأتيه الملكان المقربان الموكلان من الله تعالى عليه، فإن كان سوءاً فيقولان له سوّد الله وجهك لم تُرنا إلا مشهد سوء، ولم تُسمعنا إلا كلام سوء ولم تحضرنا إلا محضر سوء، ابشر بالنار. وان كان مؤمناً فيقولان له: بيّض الله وجهك لم تُحضرنا إلا محضر خير ولا تُشهدنا إلا مشهد خير، ولم تُسمعنا إلا كلام خير فابشر بالجنة، وعندها يبتسم المؤمن الذي بُشر بالخير، ويعبس المجرم الذي بشر بالنار، وقد شوهد ذلك على بعض المحتضرين وما قصة السيد الحميريرحمهالله إلا مصداقاً لذلك.
والقصة باختصار هي: ان السيد الحميري الشاعر الجليل كان ينتصر لأهل البيتعليهمالسلام في شعره. وكان الشعر في حينه
بمثابة وزارة إعلام ووكالة أنباء يخشاها السلاطين الظلمة وكان ينتصر لأهل البيت في زمان قلّ فيه الناصر وله قصائد طويلة في مدحهم وذم أعدائهم ولكن كما قيل انه كان يشرب الخمر حتى ان المعصوم دعا له يوماً في محضر شيعته فقال له أحد الشيعة يا سيدي تدعو له وهو يشرب الخمر؟! فأجابه بالمعنى: ان محبتنا أهل البيت لا تضر معها معصية. وانه إلى خير(١) .
والخلاصة فإنه في يوم احتضاره في بيته وقد اجتمع كثير من العلويين والأمويين في داره، وساعة احتضاره ظهرت نقطة سوداء في جبينه ما لبثت ان اتسعت وغطّت كل وجهه، فاستبشر الأمويون وتألم الشيعة الحاضرون، وما هي إلا لحظات إلا وقد بانت نقطة بيضاء في جبينه ما لبثت ان اتسعت وانتشرت وغطت وجهه وابتسم الرجل وفتح عينيه وقال
__________________
١ - في الرواية ان الشيعي لا يموت حتى يوفقه الله للتوبة من ذنوبه ببركة حبه لأهل البيت ويموت مؤمناً مغفوراً له.
هذه الأبيات:
كذب الزاعمون أن علياً |
لن ينجي محبه من هنات |
|
قد وربي دخلت جنة عدن |
وعفى لي الإله عن سيئاتي |
|
فابشروا اليوم أولياء علي |
وتولوا علي حتى الممات |
|
ثم من بعده تولوا بنيه |
واحداً بعد واحد بالصفات |
ثم أتبع قوله هذا: أشهد أن لا إله إلا الله حقاً حقاً، وأشهد أن محمداً رسول الله حقاً حقاً، وأشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً حقاً. أشهد أن لا إله إلا الله. ثم غمض عينيه لنفسه فكأنما كانت روحه ذبالة طفأت أو حصاة سقطت(١) .
جاء في أدب الطف للسيد جواد شبر(٢) نبذة من حياة الشاعر الحميري ننقل أدناه نتف منها:
أُمررْ على جدثِ الحسينِ |
وقل لأعظُمِه الزكيّهْ |
__________________
١ - الغدير للأميني: ج٢، ص٢٧٥.
٢ - أدب الطف أو شعراء الحسين للخطيب السيد جواد شبر: ج١٠، ص١٩٨.
يا أعظُماً لا زلتِ من |
وَطفاءَ ساكبةٍ رويّهْ |
|
ما لَذَّ عيشٌ بعد رضِّـ |
ـكِ بالجياد الأعْوَجِيّهْ |
|
قبرٌ تضمّنَ طيّباً |
آباؤه خيرُ البريّهْ |
|
آباؤه أهلُ الريا |
سةِ والخِلافةِ والوصيّهْ |
|
والخيرِ والشّيمِ المهذّ |
بةِ المطيَّبةِ الرضيّهْ |
|
فإذا مررتَ بقبرهِ |
فأطلْ به وقفَ المطيّهْ |
|
وابكِ المطهَّرِ للمطهَّر |
والمطهّرةِ الزكيّهْ |
|
كبكاءِ مُعْوِلَة غَدت |
يوماً بواحدِها المنيِّهْ |
|
والعنْ صَدى عمرِ بن سعـ |
ـدٍ والملمّعِ بالنقيّهْ |
|
شمرِ بن جوشنٍ الذي |
طاحتْ به نفسٌ شقيّهْ |
|
جعلوا ابن بنتِ نبيّهم |
غَرَضاً كما ترمى الدريِّهْ |
لم يَدعهُمْ لقتالهِ |
إلاّ الجُعالةُ والعطيّهْ |
|
لما دَعوه لكي تُحكـَّ |
ـم فيه أولادُ البَغيّهْ |
|
أولادُ أخبثِ من مشى |
مَرحاً وأخبثِهم سجيّهْ |
|
فعصاهمُ وأبت له |
نفسٌ معزّزةٌ أبيَّهْ |
|
فغدوا له بالسّابغا |
تِ عليهمِ والمـَشرفيّهْ |
|
والبِيْضِ واليَلب اليما |
ني والطوالِ السمهريّهْ |
|
وهم ألوفٌ وهو في |
سبعينَ نفساً هاشِميّهْ |
|
فَلقوه في خلفٍ لأحـ |
ـمدَ مقبلين من الثنِيّهْ |
|
مستيقنينَ بأنّهم |
سِيقوا لأسبابِ المنّيهْ |
|
يا عين فابكِ ما حييـ |
ـتِ على ذوي الذممِ الوفيّهْ |
|
لا عذرَ في تركِ البكا |
ءِ دماً وأنتِ به حَريّهْ |
الشاعر هو إسماعيل بن محمد، كنيته
أبو هاشم، المولود سنة ١٠٥ والمتوفى سنة ١٧٨ أو ١٧٣ ببغداد ودفن بالجنينة، ولد بعمان ونشأ بالبصرة، نظم فأكثر، ذكر ابن المعتز في طبقات الشعراء انه رؤي حمال في بغداد مثقل فسئل عن حمله فقال: ميميات السيد، وفي تذكرة ابن المعتز انه كان للسيد أربع بنات كل واحدة منهم تحفظ أربعمائة قصيدة من قصائده ولم يسمع بفضيلة ولا منقبة لأمير المؤمنين إلا نظم فيها شعراً على ان فضائلهعليهالسلام لا يحيط بها نطاق النظم والنثر، ومما دل على إخلاصه قوله:
أيا رب إني لم أرد بالذي به |
مدحت علياً غير وجهك فارحم |
وجده يزيد بن ربيعة بن مقرّع الحميري هجا زياداً وآل زياد بأقذع الهجاء... فهو قد ورث الشعر والصلابة عن جده.
وكان مقيماً في البصرة، وكان أبواه يبغضان علياً، وسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر فقال:
لعنَ اللهُ والديَّ جميعاً |
ثم أصلاهما عَذابَ الجحيمِ |
حَكما غُدوةً كما صلّيا الفجـ |
ـرَ بلعنِ الوصيِّ بابِ العلومِ |
|
لعنا خيرَ من مشى فوقَ ظهـ |
ـرِ الأرضِ أوطاف مَحرماً بالحَطيمِ |
|
كَفرا عند شتمٍ آل رسولِ اللـ |
ـه نسلَ المهذَّبِ المـَعصومِ |
|
والوصيَّ الذي به تَثبت الأر |
ضُ ولولاه دُكدكت كالرَّميمِ |
|
وكذا آله أولو العلمِ والفهـ |
ـمِ هداةٌ إلى الصِراط القويمِ |
|
خلفاءُ الإله في الخلقِ بالعد |
لِ وبالقِسط عندَ ظُلمِ الظَلومِ |
|
صلواتُ الإله تَترى عليهم |
مُقرناتٌ بالرَّحْبِ والتَسْلِيمِ |
السيد حيدر الحلي
من منارات الشعراء الصادقين في رثائه ونظمه في أهل البيت وبالخصوص الإمام الحسينعليهالسلام ( وهو جهاد بحد ذاته، جهاد اللسان) وهو السيد حيدر الحلي.
والسيد حيدر الحلي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسينعليهالسلام وقد ولد في ١٥ شعبان
عام ١٢٤٦هـ أي ١٨٣٠ ميلادية، ونشأ يتيماً وترعرع في أجواء العلم والأدب.
وكان لغوياً عارفاً وقد أقر له معاصروه بأنه من فحول الشعراء وكان من بناة النهضة الأدبية في الحلة. وسمعت وقرأت هذه الطُرفة انه حينما يدخل مجلساً أدبياً أو ندوة أدبية قالوا: جاءكم موسى بعصاه. وأتاكم حيدر بأدبه.
وكان موضع تقدير من كبار العلماء والمراجع حتى ذكر ان المرحوم المجدد الشيرازي كان إذا دخل عليه السيد حيدر في سامراء يتودد إليه ويتقرب إليه بتقبيل يده.
وقد ترجمه أكثر من مترجم كالمرحوم السيد الأمين في أعيان الشيعة، والخاقاني في شعراء الغري والسيد جواد شبر في أدب الطف والمرحوم الأميني في الغدير والمرحوم آغا بزرگ الطهراني وغيره.
وكتبت عن حياته رسالة ماجستير في كلية الآداب في جامعة بغداد وهكذا في
جامعة بيروت.
وقد عرف السيد حيدر الحلي انه من أصحاب الحوليات أي انه لا يذيع شعره إلا بعد مرور عام أو أكثر لأنه كان ينقحه كثيراً ويعتني به. ولذلك كان زعيم الخطباء في عصره وهو الشيخ محمد علي اليعقوبي يشبَّهه بزهير بن أبي سلمى المازني.
فكان يدقق أشهراً في القصيدة ثم ينشرها، وفي هذا الإطار يذكر أحد معاصريه من الشعراء قال: سمعت انه نظم قصيدة حماسية في استنهاض الإمام المهديعليهالسلام فجئت إليه وسألته عنها فأخرج لي عدة نسخ، فعلمت انه يعيد النظر في قصائده وكان مطلعها:
إن ضاع وترك يا بن حامي الدين |
لا قال سيفك للمنايا كوني |
وقد كان أيضاً مشهوراً بالتقى والورع والصلاح وكثرة العبادة والزهد والشجاعة. وذكرت عنه هذه اللفتة، والتي تعرب عن قبول شعره عند أهل البيت، انه قال:
رأيت في المنام الزهراء فاطمة، فدنوت منها مسلماً عليها فالتفتت وقالت:
أناعيَ قتلى الطفِّ لا زلتَ ناعياً |
تُهيج على طول الليالي البواكيا |
فانتبهت من المنام باكياً وانفتحت قريحتي وأنا أبكي وأقول:
أعد ذكرَهم في كربلا إنَّ ذكرَهم |
طوى جزعاً طيَّ السجلِ فؤاديا |
|
ودع مُقلتي تحمرُّ بعد ابيضاضها |
بعدِّ رزايا تتركُ الدمعَ داميا |
إلى ان قال:
وممَّا يُزيل القلبَ عن مُستقرّه |
ويترك زندَ الغيظِ في الصدر واريا |
|
وقوفُ بنات الوحي عند طليقِها |
بحالٍ بها يُشجينَ حتَّى الأعاديا |
وكان غني النفس مترفع الطبع وقد ذكر المرحوم الأميني في الغدير ان السيد حيدر الحلي زار سامراء وبعد زيارة العسكريين زار السيد المجدد الشيرازي، وبعد أيام ردّ السيد الشيرازي عليه الزيارة وحمل له مائة ليرة ذهبية،
ودفعها له بكل احترام ثم قبل يده معلناً انه انما فعل ذلك لأنه شاعر أهل البيت.
ومن بين شعره اشتهرت ثلاث وعشرون قصيدة في الحسين وهي روائع رثائه.
وله عدة آثار أدبية منها كتاب دمية القصر في شعراء العصر، والعقد المفصل، وكتاب الأشجان في خير إنسان، وديوان شعره المشهور.
ولما توفي رثاه الكثير من الشعراء منهم السيد محمد سعيد الحبوبي إذ قال فيه:
ابن لي نجوى لو تطيق بيانا |
ألست لعدنان فماً ولسانا |
إلى ان قال:
فمن للقوافي الغر بعدك حيدر |
يساجل فيها دائناً ومدانا |
وكانت وفاته في عام ١٣٠٤هـ، بالحلة في ٩ ربيع الثاني، ودفن في النجف
الأشرف بالصحن الحيدري(١) .
__________________
١ - مع الصادقين : ج ٢ ، ص ٣٦٨
حرف الخاء
الخاقاني
أفضل الدين حسان العجم إبراهيم بن علي الشرواني، الشاعر الأديب الحكيم العارف المشهور.
كان معاصراً للحكيم النظامي الشاعر والمستضيء العباسي، ويظهر من بعض أشعاره انه كان من الشيعة الإمامية ولكن كان يتقي.
له ديوان شعر كبير مطبوع، ومن شعره القصيدة الايوانيه في الزهد والموعظة بالفارسية:
هان اي دل عبرت بين از ديده نظر كن هان
ايوان مدائن را آئينه عبرت دان
قيل في حقه: كان حكيماً شاعراً من فحول الشعراء، قادراً على نظم القريض محترزاً عن الرذائل التي يرتكبها الشعراء، دخل في كل باب من أبواب الشعر، وخرج من عهدته مثل التوحيد والمواعظ والنصائح والفخر والحماسة والتواضع وكسر النفس والمدح والقدح
والغزل والرثاء وغير ذلك.
تشرف إلى الحج مرتين، توفى بتبريز سنة ٥٨٢ ودفن بمقبرة سرخاب المشهورة بمقبرة الشعراء.
والشرواني نسبة إلى شروان بكسر الشين وسكون الراء أسم لناحية بقرب باب الأبواب من بلاد تركستان عمرها انوشروان سميت باسمه، قيل ان قصة موسى والخضرعليهمالسلام كانت بها(١) .
خالد بن سعيد
خالد بن سعيد بن أبي العامر بن أمية بن عبد شمس، قيل كان خامس من أسلم وقيل ثالثهم، وكان إسلامه مع أبي بكر، هاجر إلى الحبشة مع من هاجر إليها من المسلمين، استعمله رسول الله وصار على اليمن، وكان ممن امتنع عن البيعة لأبي بكر، وأرادها لعلي، وكان من المسلمين الأولين، ومن المجاهدين
__________________
١ - الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي : ج ٢ ، ص ٣٠٢ - ٣٠٣
في سبيل الله.
اشترك بعد رجوعه مع من رجع من الحبشة في فتح مكة، والطائف، وتبوك، كما جاهد بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفتوحات، فقتل فيمن قتل من المسلمين في اجنادين سنة ١٣ من الهجرة، وقيل قتل في مرج الصفر سنة ١٤ هجري(١) .
خالد بن سنان العبسي
قال ابن عباس: وكان خالد بن سنان نبي بني عبس، بشّر برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلما حضرته الوفاة قال لقومه: إذا أنا متُّ فادفنوني في حقف من هذه الأحقاف، وهي تلول عظام من الرمل، واحرسوا قبري أياماً، فإذا رأيتم حماراً أشهب أبتر يدور حول الحقف الذي فيه قبري أياماً فاجتمعوا ثم انبشوا قبري وأخرجوني إلى شفير القبر، وأحضروا لي كتاباً ومعه ما يكتب فيه حتى أملي عليكم ما
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة للخليلي : ج ١ ، ص ٣٧٣
يكون وما يحدث إلى يوم القيامة. قال: فرصدوا حول الحقف قريباً من قبره واجتمعوا عليه لينبشوه كما أمرهم، فحضره وُلدُه وشهروا سيوفهم، وقالوا: والله لا تركنا أحداً ينبشه، أتريدون ان نُعيّر بذلك غداً وتقول لنا العرب: هؤلاء ولد المنبوش؟ فانصرفوا عنه وتركوه، وقال ابن عباس: ووردت ابنة له عجوز قد عمَّرت، على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتلقاها بخير وأكرمها وأسلمت، وقال لها: ((مرحباً بابنة نبي ضيّعه أهله)). قال شاعر بني عبس:
بني خالد لو أنكم إذ حضرتم |
نبشتم عن الميت المغيّب في القبر |
|
لأبقى عليكم آل عبس ذخيرة |
من العلم لا تبلى على سالف الدهر(١) |
خالد بن الوليد
هو الفتاك البطل الذي له وقائع عظيمة وكان يقول على ما حكي عنه:
__________________
١ - مروج الذهب : ج ٢ ، ص ٢١٣ - ٢١٤
لقد شاهدت كذا وكذا وقعة ولم يكن في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي لا نامت عين الجبان. مات سنة ٢١ ودفن بحمص.
ولا يحتمل المقام الإشارة إلى وقائعه ولكني أشير إلى وقعتين منه:
(الأولى) ما روي انه لما بعثه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على صدقات بني جذيمة من بني المصطلق فأوقع بهم خالد لِترَةٍ كانت بينه وبينهم فقتل منهم واستاق أموالهم فلما انتهى الخبر إلى النبي رفع يده إلى السماء وقال اللهم اني أبرأ إليك مما فعل خالد وبكى ثم دعا علياً فبعثه إليهم بمال وأمره ان يؤدي إليهم ديات رجالهم وما ذهب لهم من أموالهم فأعطاهم أمير المؤمنينعليهالسلام جميع ذلك، فأعطاهم لمبلغة كلابهم وحبلة رعاتهم وبقيت معه فأعطاهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم ولما يعلمون ولما لا يعلمون وليرضوا عن
رسول الله
(الثانية) قال ابن شحنة الحنفي في روضة الناظر: في أيام أبي بكر منعت يربوع الزكاة وكان كبيرهم مالك بن نويرة وكان فارساً منطقياً شاعراً قدم على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فولاه صدقة قومه فأرسل إليه أبو بكر خالد بن الوليد فقال مالك: انا نأتي الصلاة دون الزكاة فقال خالد: أما علمت ان الصلاة والزكاة معاً لا يقبل أحدهما بدون الآخر فقال مالك: أما لو كان صاحبكم يقول ذلك ثم أعاد هذه الكلمة مرة أخرى فقال خالد: أو ما تراه لك صاحباً والتفت إلى ضرار بن الأزور وأمره بضرب عنقه فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال فقال: بل قتلك رجوعك عن الإسلام فقال مالك: انا مسلم فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه فضرب عنقه.
وذكر ابن خلكان ما يقرب من ذلك ثم
__________________
١ - الإمام عليعليهالسلام للهمداني أحمد الرحماني ( معاصر ) : ص ٦٨٨
قال: وجعل رأسه أثفية القدر وكان من أكثر الناس شعراً فكانت القدر على رأسه حتى نضج الطعام وما خلصت النار إلى شواه من كثرة شعره وقبض خالد امرأته فقيل انه اشتراها من الفيء وتزوج بها قال في ذلك أبو زهير السعدي:
ألا قل لحي اوطأوا بالسنابك |
تطاول هذا الليل من بعد مالك |
|
قضى خالد بغياً عليه لعرسه |
وكان له فيها هوى قبل ذلك |
|
فأمضى هواه خالد غير عاطف |
عنان الهوى عنها ولا متمالك |
|
وأصبح ذا أهل وأصبح مالك |
إلى غير شيء هالكاً في الهوالك |
|
فمن لليتامى والأرامل بعده |
ومن للرجال المعدمين الصعالك |
|
أصيبت تميم غثها وسمينها |
بفارسها المرجو سحب الحوالك(١) |
__________________
١ - النص والاجتهاد لشرف الدين العاملي: ص١٢٢، والغدير للأميني: ج٧، ص١٦٠، وذكرها العسكري في عبد الله بن سبأ: ج١، ص١٨٣، وله =
ولما بلغ الخبر أبا بكر وعمر، قال عمر لأبي بكر: ان خالداً قد زنى فارجمه قال: ما كنت لأرجمه فانه تأول فأخطأ قال انه قتل مسلماً فاقتله به قال: ما كنت لأقتله به فانه تأول فأخطأ قال: فاعزله قال: ما كنت لأشيم سيفاً سله الله عليهم أبداً.
وفي بعض الروايات، انه لما قتل خالد مالكاً ونكح امرأته كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري فركب فرسه ولحق بأبي بكر وحلف ان لا يسير في جيش تحت لواء خالد أبداً، فقص على أبي بكر القصة، فقال أبو بكر: لقد فتنت الغنائم العرب وترك خالد ما أمرته.
وان عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: ان القصاص قد وجب عليه، فلما أقبل خالد بن الوليد غافلاً دخل المسجد وعليه قباء له عليه صداء الحديد معتجر بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً فلما ان دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الأسهم عن رأسه
__________________
= في معالم المدرستين: ج٢، ص٨٣ ، والوفيات: ج٥، ص٦٧، وأبي الفداء: ص١٥٨.
فحطمها ثم قال: عدي نفسه عدوت على امرئ مسلم فقتلته ثم نزوت على امرأته، والله لنرجمنك بأحجارك، وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا ان رأي أبي بكر مثل رأي عمر فيه حتى دخل على أبي بكر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد فقال هلم إلي يا بن أم شملة فعرف عمر ان أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته(١) .
خباب بن الأرث
خباب بن الأرث بن جندلة بن سعد بن خزيمة كان قد أصابه سبي في الجاهلية فاشترته أنمار الخزاعية التي كانت تختن النساء، وهي أم سباع بن عبد العزى الذي قتله حمزة يوم أحد وحالف بني زهرة.
أسلم خباب قديماً قبل دار الأرقم، وكان ممن يؤذى في الله فيصبر ويحتسب،
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج١، ص٤١ - ٤٣.
وهاجر وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد.
قال الشعبي: دخل يوماً على عمر فأكرم مجلسه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا بلال. فقال: يا أمير المؤمنين إن بلالاً كان يؤذى وكان له من يمنعه، وإني كنت لا ناصر لي والله لقد سلقوني يوماً في نار أجَّجوها ووضع رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو برص، رضي الله عنه.
ولما مرض دخل عليه أناس من الصحابة يعودونه فقالوا: أبشر غداً تلقى الأحبة محمداً وحزبه فقال: والله إن إخواني مضوا ولم يأكلوا من دنياهم شيئاً، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهديها، فهذا الذي يهمني. قال: وتوفي بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة وهو أول من دفن بظاهر الكوفة(١) .
وجاء في موسوعة العتبات المقدسة:
__________________
١ - البداية والنهاية لابن كثير: ج٧، ص٣١١.
الخباب الخزاعي سادس من أسلم، وأحد المعذبين على يد المشركين في مكة، وهو من رواة الحديث الموثقين، وأحد الاثني عشر من الصحابة الذين شهدوا للإمام بأنهم حضروا يوم الغدير وسمعوا مقالة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (( من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)).
وعدّه صاحب الاستيعاب في ترجمة عامر بن وائلة المكنى بأبي طفيل، من الذين يقدَّمون علياً على الشيخين ويفضلونه. وهم: سلمان، أبو ذر، المقداد، خباب بن الأرث، جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو سعيد الخدري...
وقد شهد الخباب بدراً والمشاهد كلها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والإمام عليعليهالسلام ، ومات في خلافة الإمام عليعليهالسلام في الكوفة سنة ٣٧ وصلى عليه الإمامعليهالسلام (١)
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي: ج١، ص٣٥٨ - ٣٥٩
خزيمة بن ثابت الأنصاري
خزيمة بن ثابت بن فاكهة بن ثعلبة الأنصاري المعروف بذي الشهادتين، سماه بذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم عدَّ شهادته شهادتين، فاشتهر بهذا اللقب. وهو من كبار الصحابة والسابقين للإسلام.
وكان صاحب راية خطية يوم (الفتح)، وشهد (بدراً) والمشاهد كلها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واشترك مع عليعليهالسلام في حرب الجمل، وقتل بصفين بجانب عليعليهالسلام وكان أحد الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر ووقفوا بجانب عليعليهالسلام (١)
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي: ج١، ص٣٥٨ - ٣٥٩
الخطيب البغدادي
أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد البغدادي الشافعي الأشعري، الحافظ الأديب المعروف بالخطيب لأنه كان يخطب بجامع بغداد في الجُمعات والأعياد.
له مصنفات أشهرها كتاب تاريخ بغداد الذي قد ذيله محب الدين بن النجار ثم كتب في ذيله أبو سعد السمعاني، ثم الحافظ تقي الدين بن رافع.
ولد سنة ٣٩٢، وتوفى في سنة ٤٦٣ ودفن ببغداد بباب حرب بقرب قبر بشر الحافي، في قبر أعده الشيخ أبو بكر بن زهراء الصوفي لنفسه.
حكى ان الخطيب كان قد تصدق بجميع ماله وهو مائتا دينار فرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى ان يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين ولم يكن له عقب، وكان انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته بعد الحافظ أبي نعيم الاصبهاني وتقدم في
الحيري قراءته صحيح البخاري عليه في ثلاثة مجالس.
وعن سير النبلاء قال الذهبي: توفي الخطيب ومات العلم بوفاته وقد كان رئيس الرؤساء تقدم إلى الخطباء والوعاظ ان لا يرووا حديثاً حتى يعرضوه عليه فما صححه أوردوه وما ردّه لم يذكروه.
وأظهر بعض اليهود كتاباً ادعى انه كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة، وذكروا ان خط عليعليهالسلام فيه، وحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء فعرضه على الخطيب فتأمله وقال: هذا مزور قيل من أين؟ قال: فيه شهادة معاوية وهو أسلم عام الفتح وفتحت خيبر سنة ٧ وشهادة سعد بن معاذ مات يوم بني قريظة قبل خيبر بسنتين فاستحسن ذلك منه.
وعن طبقات الشافعية للاسنوي قال: بلغت مصنفات الخطيب نيفاً وخمسين مصنفاً، منها الجهر بالبسملة، وكان يتلو في كل يوم وليلة ختمة، وكان حسن القراءة، جهوري الصوت حسن الخط.
خرج من بغداد في فتنة أرسلان التركي الخارج على الخليفة فورد دمشق سنة ٤٥١ وأقام بها إلى سنة سبع وذلك في دولة العبيديين خلفاء مصر المعروفين بالفاطميين، والأذان بدمشق يومئذ حي على خير العمل، وهَمّ متولي البلد بقتله فذهب إلى صور.
حكي في سبب هَم متولي البلد بقتله انه كان يختلف إليه صبي مليح فتكلم الناس في ذلك فبلغ أمير البلد القصة فهمَّ به.
وللخطيب من الأشعار قوله:
ان كنت تبغي الرشاد محضاً |
لأمر دنياك والمعــــاد |
|
فخالف النفس في هواها |
إن الهوى جامع الفساد(١) |
وله أيضا:
لا تغبطن أخا الدنيا لزخرفها |
ولا للذة وقت عجلت فرحا |
|
فالدهر أسرع شيء في تقلبه |
وفعله بين للخلق قد وضحا |
__________________
١ - تذكرة الحفاظ للذهبي: ج٣، ص١١٤٥، سير أعلام النبلاء: ج١٨، ص ٢٩٥.
كم شارب عسلاً فيه منيته |
وكم تقلد سيفاً من به ذبحا(١) |
أخذ عن جماعة كثيرة من أهل العلم والحديث من الشيعة والسنة، فلنذكر بعض ما عثرت عليه من شيوخه من الشيعة:
(١) أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسين القمي الكاتب المعروف بابن الساربان كان إمامياً سكن بغداد سمع أبا سعيد السيرافي وأبا عبيد الله المرزباني وغيرهما.
قال الخطيب: كتبنا عنه وذكر لنا انه سمع من المتنبي ديوان شعره سوى القصائد الشيرازيات فقرأت عليه جميع الديوان، وكان رافضياً، وكان يذكر ان مولده بشيراز في سنة ٣٤٧، ومات ببغداد سنة ٤٣٠.
(٢) أبو إبراهيم العلوي النيسابوري جعفر بن محمد بن المظفر بن محمد بن
__________________
١ - بحار الأنوار للمجلسي : ج ١٠٤ ، ص ٩٢
أحمد بن محمد، ويعرف بزيارة بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام
قدم بغداد سنة ٤٤٠ وحدث بها عن مشايخه، منهم الحاكم النيسابوري وأبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري وجده المظفر بن محمد العلوي.
وعدد المؤلف الشيخ عباس القمي إلى تسعة شيوخ قال انهم من الشيعة وان الخطيب البغدادي أخذ عنهم...
(والبغدادي) نسبة إلى بغداد وبغذاذ وبغدان وبغدين ومغذان مدينة السلام.
وحكي عن الأصمعي انه كان لا يقول بغداد وينهى عن ذلك ويقول مدينة السلام لأنه سمع في الحديث ان بغ صنم وذاد عطية بالفارسية كأنها عطية الصنم وبغداد مدينة بناها أبو جعفر المنصور(١) سنة ١٤٥.
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج ٢ ، ص ٢٠٧ - ٢١١.
حرف الدال
الدارقطني
أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ المحدَّث الفاضل المشهور.
كان فريد عصره وقريع دهره، يروي عن أبي القسم البغوي وخلق لا يُحصون ويروي عنه الحافظ أبو نعيم وجماعة كثيرة.
قال الحموي: وكان أديباً يحفظ عدة من الدواوين منها ديوان السيد الحميري فنسب إلى التشيع، وتفقه على مذهب الشافعي(١) .
يحكى عنه انه سئل هل رأيت مثل نفسك؟ فقال: قال الله تعالى:( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (٢) ) ، فألحَّ عليه السائل فقال: لم أر أحداً جمع ما جمعت.
قيل للحاكم ابن البيع: هل رأيت مثل الدار قطني؟ فقال: هو لم ير مثل نفسه
__________________
١ - معجم البلدان للحموي: ج٢، ص٤٢٢.
٢ - (النجم: من الآية٣٢).
فكيف أنا(١) ؟
وعن ابن ماكولا قال: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال الدار قطني في الآخرة فقيل لي ذلك يدعى في الجنة بالإمام.
قال الخطيب في ترجمة ابن خنزابة الوزير: انه نزل مصر وتقلد الوزارة لأميرها كافور، وكان أبوه وزير المقتدر بالله، إلى ان قال: فكان يملي الحديث بمصر وبسببه خرج أبو الحسن الدار قطني إلى هناك فانه كان يريد ان يصنف مسنداً فخرج أبو الحسن إليه وأقام عنده مدة فصنف له المسند، وحصل له من جهته مال كثير.
توفي الدار قطني في بغداد في ذي القعدة سنة ٣٨٥، ودفن بالقرب من معروف الكرخي.
والدار قطني بفتح الراء وضم القاف
__________________
١ - فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي: ج١، ص٣٦، خلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي: ج٢، ص١٦٤، والعبر بخبر من غبر للذهبي: ج٣، ص٢٨.
وسكون الطاء نسبة إلى دار القطن محلة كانت ببغداد بين الكرخ ونهر عيسى بن علي ينسب إليها الدار قطني المذكور ومحلة بحلب منها عمر بن علي بن قشام ذو التصانيف الكثيرة المبسوطة في الفنون(١).
الداماد
السيد محمد باقر بن محمد الحسيني الاسترابادي المعروف بالمير الداماد.
المحقق المدقق العالم الحكيم المتبحر النقاد، ذو الطبع الوقاد الذي حلى بعقود نظمه وجواهره نثره عواطل الأجياد، وسبق بجواد فهمه الصافنات الجياد سمي الداماد لأن والده كان صهراً للمحقق الثاني رضوان الله عليه فيدعى داماداً ثم انتقل هذا اللقب إلى ولده.
قال السيد الأجل السيد علي خان في
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٢٣ - ٣٢٤.
السلافة في مدح هذا المحقق بعد كلمات لطيفة وعبارات رشيقة والله ان الزمان بمثله لعقيم، وان مكارمه لا يتسع لبثها صدر رقيم، وأنا بريء من المبالغة في هذا المقال، وبر قسمي يشهد به كل وامق، وقال:
وإذا خفيت عن الغبي فعاذر |
ان لا تراني مقلة عمياء |
وله من المؤلفات: القبسات، والرواشح السماوية، والصراط المستقيم، والحبل المتين، وشارع النجاة، وضوابط الرضاع، وغير ذلك من الكتب الكثيرة وله حواش على الكافي والفقيه والصحيفة السجادية وغير ذلك.
وله ديوان شعر بالعربية والفارسية، ومن شعره في أمير المؤمنينعليهالسلام :
كالدر ولدت بايمام الشرف |
في الكعبة واتخذتها كالصدف |
|
فاستقبلت الوجوه شطر الكعبة |
والكعبة وجهها تجاه النجف |
وحكي انه لم يأو بالليالي إلى فراشه للاستراحة مدة أربعين سنة ولم يفت منه (ره) نوافله مدة تكليفه، ذهب في آخر عمره الشريف من اصبهان
بمرافقة السلطان شاه صفي المرحوم إلى زيارة العتبات العاليات فمات (ره) هناك وذلك سنة ١٠٤١ ودفن في النجف الأشرف.
وقيل: انه توفى سنة ١٠٤٠.
وعن حدائق المقربين للمير محمد صالح انه كان متعبداً في الغاية مكثاراً لتلاوة كتاب الله المجيد بحيث ذكر بعض الثقاة انه كان يقرأ كل ليلة خمسة عشر جزءاً من القرآن الكريم، وكان بينه وبين شيخنا البهائي خلطة تامة ومؤاخاة عجيبة ليس هنا مقام شرحها.
وقد يطلق الداماد على السيد العالم الفقيه الميرزا صالح الشهير بالعرب الموسوي الحائري الطهراني المتوفى سنة ١٣٠٣ ابن السيد حسن الشهير بالداماد لأنه كان صهراً للمير سيد علي المحقق صاحب الرياض فكان يدعى داماداً ثم انتقل هذا اللقب إلى ولده المذكور(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص ٢٢٦ - ٢٢٨.
ديك الجن
أبو محمد عبد السلام بن رغبان
أصله من مؤته وولد في حمص، وهو شاعر مشهور مجيد يذهب مذهب أبي تمام في شعره، وكان مقيماً في حمص ولم يبرح نواحي الشام وكان يتشيع. له مراث كثيرة للحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام وله قصة لطيفة مع الرشيد مشهورة ذكرها الشيخ يوسف البحراني في كشكوله وشيخنا المتبحر النوري نور الله مرقده في كتابه ظلمات الهاوية.
قيل انه لما كان شيعياً نسبوه إلى الإلحاد، توفى سنة ٢٣٥ وأخباره في الأغاني وابن خلكان وحياة الحيوان.
قال صاحب مجمع البحرين: ديك الجن دويبة توجد في البساتين وكنيته أبو اليقظان(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٣٧. وله العمق في الحكمة من أشعاره، فيقول منها:
تَأمّلْ إذا الأحْزَانُ فيكَ تكاثَرَتْ |
أعاشَ رسولُ اللهِ أَمْ ضَمّهُ القَبْرُ |
=
__________________
= انظر مناقب ابن شهرآشوب: ج١، ص٢٠٥، وقال في عليعليهالسلام :
سَطَا يومَ بَدْرٍ بِقِرْضَابِهِ |
وفي أُحُدٍ لَمْ يَزَلْ يُحْمِلُ |
|
ومِنْ بَأْسِهِ فُتِحَتْ خَيْبَرٌ |
ولَمْ يُنْجِها بابُها الـمُقْفَلُ |
|
دَحَا أربعينَ ذِراعاً بها |
هِزَبْرٌ لَهُ دانَتِ الأَشْبُلُ |
انظر المصدر نفسه لابن شهرآشوب: ج٢، ص١٢٥.
حرف الذال
الذهبي
محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الدمشقي الشافعي المعروف بالتعصب(١) قالوا: ولد بدمشق سنة ٦٧٣، ودرس الحديث من صغره ورحل في طلبه فانتقل إلى مصر وسمع من خلائق يزيدون على ألف ومائتين ولما عاد إلى دمشق عين أستاذاً للحديث يرحل إليه من سائر البلاد.
عرف تراجم الناس وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، أكثر من التصنيف، واختصر المطولات، فمما صنف تذكرة الحفاظ، وسير النبلاء، وميزان الاعتدال وتجريد أسماء الصحابة تلخيص أسد الغابة والعبر بخبر من غبر وتاريخ الإسلام وغير ذلك.
وفي كتاب العبقات نقل عن تذكرة
__________________
١ - فعن طبقات الشافعية ان السبكي قال في حقه: والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله، انتهى.
الحفاظ انه قال: وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً أفردتها بمصنف ومجموعها يوجب ان يكون الحديث له أصل وأما حديث من كنت مولاه فله طرق جيدة وقد أفردت ذلك أيضاً.
وفيه أيضاً قال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية في حق الذهبي محدّث العصر وخاتمة الحفاظ القائم بأعباء هذه الصناعة وحامل راية أهل السنة والجماعة إمام أهل العصر حفظاً واتقاناً، إلى ان قال: وهو على الخصوص شيخي وسيدي ومعتمدي وله عليَّ من الجميل ما أجمل وجهي وملأ يدي جزاه الله عني أفضل الجزاء توفى ليلة الاثنين ٣ ذو القعدة سنة ٧٤٨، ودفن بباب الصغير، حضرت الصلاة عليه ودفنه(١) .
ذو الرياستين
الفضل بن سهل السرخسي كان وزير المأمون ومدبر أموره، كان مجوسياً
__________________
١ - القمي ، م س : ج ٢ ، ص ٢٦٦ - ٢٦٧
فأسلم على يدي يحيى البرمكي وصحبه، وكان من صنايع آل برمك، ولقب بذي الرياستين لأنه قلد الوزارة ورياسة الجند، وجمع بين السيف والقلم، وهو الذي أظهر للرضاعليهالسلام عداوة شديدة، وحسده على ما كان المأمون يفضله به قتل في الحمام بسرخس مغافصة.
قال ابن خلكان: انه أسلم على يد المأمون سنة ١٩٠، وكانت فيه فضائل وكان يلقب بذي الرياستين لأنه تقلد الوزارة والسيف(١) ، وكان يتشيع، وكان من أخبر الناس بعلم النجامة وأكثرهم إصابة في أحكامه ولما ثقل أمره على المأمون دس عليه خاله غالباً السعودي الأسود فدخل عليه الحمام بسرخس ومعه جماعة فقتلوه مغافصة، وذلك يوم الخميس ٢ شعبان سنة ٢٠٢، وقيل: ٢٠٣.
وتولى أخوه أبو محمد الحسن بن سهل وزارة المأمون بعد أخيه الفضل وحظي
__________________
١ - الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي، هامش رقم ٢، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي (عج): ج١، ص٣٩٠.
عنده ولم يزل على وزارته إلى ان ثارت عليه المرة السوداء، وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل واستولت عليه حتى حبس في بيته، وتوفى سنة ٢٣٦ وبنته بوران هي التي تزوجها المأمون وعمل أبوها من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصار فنثر على الهاشميين والقواد والكتّاب والوجوه بنادق مسك، فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوار، وصفات دواب وغير ذلك.
ونثر على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر وغير ذلك، وفرش للمأمون حصير مفروش بالذهب فلما وقف عليه نثرت على قدميه لئالئ كثيرة.
قال ابن الطقطقي: وكان ألف لؤلؤ من كبار اللؤلؤ فلما رآه المأمون قال قاتل الله أبا نؤاس كأنه شاهد مجلسنا حيث يقول:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها |
حصباء در على أرض من الذهب |
قالوا جملة ما أخرج على دعوة فم الصلح خمسون ألف ألف درهم(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٥٤ - ٢٥٥.
حرف الراء
أبو زكريا الرازي
أبو محمد بن زكريا الرازي - أبو بكر الرازي - محمد بن زكريا - الرازي ٢٤٠، ٢٥٠ - ٣٢٠هـ ق.
ان شهرة الرازي وخاصة في علوم الطب تغنينا عن تعريفه وان تعريفنا له سوف لا يزيد من شهرته.
الرازي في الحقيقة حجة في علم الطب في أوربا في القرن السابع عشر ميلادي.
وصفه معاصروه بأنه طبيب المسلمين بلا منازع.
ذكر القاضي صاعد في كتابه طبقات الأمم: ان الرازي هو طبيب العرب.
ووصفه الكُتّاب انه جالينوس العرب.
لم يشتهر الرازي في علم الطب وحسب بل تعداه إلى علم الكيمياء وله طريقته الخاصة في التحقيق العلمي في علم الكيمياء مما أدى إلى ان يصفه المحققون بأنه:
((الرازي مؤسس علم الكيمياء الجديد في الشرق والغرب)).
انه أول من زاوج بين الطب
والكيمياء وتمكن من علاج مرضاه بالمواد الكيمياوية وتفاعلاتها في بدن المريض.
له الفضل في عالم الكيمياء بأنه أول من صنف المواد الكيمياوية إلى أربعة أصناف، مواد معدنية، مواد نباتية، مواد حيوانية، مواد مشتقة.
ثم صنف المواد المعدنية لكثرتها إلى ستة أقسام وهذا يدل على ارتباطه الشديد بخصوصيات تلك المواد والتفاعل الكيمياوي بينها.
والرازي أول من حضّر عنصر الكبريت وسماه بزيت الزاج والزيت الأخضر نقل ذلك ألبر الكبير من كتبه وسماه كبريت الفلاسفة.
امتاز الرازي على الأطباء من معاصريه ومن جاء بعدهم بأنه كان يعتقد بتأثير الأمور العصبية والنفسية في علاج المرضى فيقول:
((مزاج الجسم يتبع أخلاق النفس، والأمور النفسية لها الأثر الأول في العلاج لأنها مرتبطة بالبدن ارتباطاً محكماً))، ولهذا السبب فإنه كان يعتقد
ان طبيب البدن يجب ان يكون طبيب النفس كذلك.
ومن أقواله: ((ان الطبيب يجب ان يعطي المريض الأمل بتحسن صحته حتى لو لم يكن هو يعتقد ذلك لأن مزاج الجسم تابع للأخلاق والحالة النفسية)).
تأثيره في عالم الطب
كان تأثيره في علماء الطب واضحاً حيث ان كتبه في الطب مثل ((الحاوي)) وكتاب ((المنصوري)) وكتاب ((أسرار الكيمياء)) وغيرها جلبت إعجاب أطباء أوروبا للحد الذي أدى إلى ترجمتها إلى عدة لغات أجنبية كاللغة اللاتينية وغيرها، وأصبحت ولعدة قرون مرجعاً علمياً للعلماء وتدرس في مراكزهم العلمية.
لقد طغت شهرة الرازي في علوم الطب على كافة تضلعه في علوم الفلسفة والعلوم الأخرى مما أدى إلى ان كل المحققين انشغلوا بعلومه الطبية عن البحث في علومه الأخرى. وكانت له مؤلفات عديدة وكانت له نظريات خاصة في حساب وزن الأجسام السائلة ووضع لها
أسس خاصة سماها الأسس الطبيعية وكذلك فقد جاء بنظرية جديدة تتعارض مع فلسفة أرسطو القديمة وهي: ((ان الجسم هو مبدأ الحركة بذاته والحركة هي المبدأ الطبيعي للأجسام)).
وربما كان اشتهاره في الطب أكثر من غيره لأنه استلم رئاسة مستشفى الري وبغداد في زمان عصر الدول الديلمي (البويهي).
يقول عنه أبو أصيبعة: ((انه صرف وقتاً كثيراً في الطب والفلسفة ووصل فيهما إلى درجة ممتازة ومتقدمة بالنسبة إلى شبهه))، وقال: ((... وقرأ الفلسفة على يد ((البلخي))... وقد برع في فهم الفلسفة والعلوم القديمة.
ولد أبو بكر الرازي في غرة شعبان سنة ٢٥٠هـ وهناك نما وترعرع ثم سافر إلى بغداد وكان سنه آنذاك ٣٥ عاماً. كان منذ طفولته ميالاً للعلوم العقلية وانشغل بالعلوم والأدب وكان يقول الشعر.
يقول ابن أبي أصيبعة: ((كان الرازي رجلاً كريماً محباً للخير خدوماً للناس
رحيماً بالفقراء والمرضى ويعطيهم عطايا مستمرة ويعودهم ويطبَّبَهم باستمرار، ولم يترك مع ذلك مطالعاته ويدون ملاحظاته. ولم أدخل عليه مرة إلا وأجده في حالة استنساخ أو كتابة مقدمات...)).
بالرغم من شهرة الرازي فوق العادة وكونه مدة مدير المستشفى العضدي في بغداد ومستشفى ري لكنه كان خالي اليد يعاني من ضيق الحالة الاقتصادية في أيام حياته، وهذا يدل على اهتمامه بالعلم والمعرفة ولم يكن يهتم بالمال والدنيا.
توفي الرازي في سنة ٣٢٠هجري عن عمر بلغ ٨٣ عاماً في بغداد.
تشيّع الرازي
حسب الأدلة الموجودة ان الرازي كان شيعياً وقد تشبّعت فيه روح التشيع وحسب علمنا ان كتبه التي ألفها تنفث عن روح التشيع منها كتاب ((آثار الإمام الفاضل المعصوم)) والثاني: ((كتاب الإمام والمأموم المحقين)) والثالث كتاب النقض في الإمامة، ثم اننا نعلم
انه تتلمذ في الفلسفة على البلخي والبلخي على الظاهر هو أبو زيد أحمد بن سهل البلخي الشيعي المتوفى عام ٣٣٢هـ
وصف مؤيد بن مطلب البلخي حيث قال: كان هذا من أهالي بلخ وكان مولعاً بالسياسة والسفر بين المدن، كان رجلاً له المعرفة الكاملة بالفلسفة والعلوم القديمة.
نقل ابن طاووس المتوفى في سنة ٦٦٤هـ في كتابه الأمان: ان الرازي حذا حذو الشيعة حيث ذكر في أول رسالته الموسومة ((رسالة برء الساعة)) عبارة: ((الحمد لله كما هو أهله ومستحقه وصلواته على خير خلقه محمد وآله وعترته)) وهذه عبارة عن ((... الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين محمد النبي وآله...)) ختم بها رسالته.
علاوة على ذلك فإن الطهراني عدّ الرازي من مؤلفي الشيعة وذكر كتبه في كتابه الذريعة، بالإضافة إلى علاقة الرازي القوية بكبار شخصيات الشيعة
أمثال صاحب الديلم أبو محمد الاطروشي الشيعي المعروف بالناصر الكبير، وناصر الحق، المتوفى سنة ٣٠٤هـ ، ويتصل بأمير المؤمنينعليهالسلام نسباً، حيث كتب له كتاب في الحكمة حيث جاء في فهرست مؤلفات الرازي باسم كتاب الداعي الاطروشي في الحكمة.
وكذلك علاقته بالمسعودي المؤرخ المشهور من رجال الشيعة وجاء في مؤلفات الرازي رسالة باسم كلام جرى بينه وبين المسعودي في حدوث العالم، وجاءت علاقته وارتباطه بآراء الشيعة البويهيين مذهبياً وخاصة فإن رسالته إلى الاطروشي تؤيد هذا المطلب.
موقع الرازي العلمي بين أقرانه
كان الرازي من بين الذين وصفوا أسس التمدن الإسلامي ومن الأركان الثابتة لذلك، وكان من المشاركين في إيجاد التمدن الإسلامي في القرن الرابع الهجري وكان واحداً من العلماء المعروفين الخالدين وكانت آثاره مصدراً مهماً للعلماء والمفكرين في القرون الوسطى وحتى حوالي مدى قريب
فإن آراؤه في الطب والكيمياء مورد بحث وتدقيق من قبل العلماء.
قال ابن النديم: ((هو وحيد زمانه وفريد عصره في علوم الطب والاجتماع...)).
وقال القفطي: ((كان طبيباً بلا منازع وأحد مشاهير علم المنطق والهندسة وسائر العلوم الفلسفية)).
ونظر له علماء الغرب نظر إعجاب وقالوا بحقه: ((الرازي مؤسس علم الكيمياء الجديد في الشرق والغرب)).
قال الدكتور ريجارد والتر: ((كل سطر نقرأ من كتاب الرازي نجد أنفسنا أمام عقل ممتاز عقل رجل يعرف قيمة موقعه العلمي))(١).
ومن الطبيعي ان رجلاً عالماً جليلاً مثل هذا الرجل سوف لا يفتقد الأعداء والحساد كما هو طبيعة البشر في كل زمان. فيهيأ له من الحساد والمحاربين الكثير منهم واتهموه بالكفر والإلحاد
__________________
١ - فلاسفة الشيعة الترجمة الفارسية : ص ٣١٥ - ٣١٨
ومحاربة الأديان وخاصة في موضوع كتاب: ((خوارق الأنبياء)).
ونحن لا نستبعد ان يكون هذا الهجوم على الرجل مقابل ردّه على مذهب الإسماعيلية، حيث رد عليهم في موضوع المعاد الذي تبطله الإسماعيلية ذلك في إثبات المعاد وهدفه كان إبطال آراء أولئك الذين يبطلون فكرة المعاد.
وقد ألف كتاب ((ان للإنسان خالقاً حكيماً)) وكتاب ((آثار الإمام الفاضل المعصوم)) وكتاب ((الإمام والمأموم المحقين)) كلها تدافع عن عصمة الأئمةعليهمالسلام والأنبياء مما تدحض تهمة أعدائه انه يعادي الدين ويتهم الأنبياء بإثارة الحروب والخلافات بين الأمم.
ومن المحتمل ان يكون كتاب مخاريق الأنبياء ليس من تأليفه وإنما ألفه أعداؤه ونسبوه إليه، يقول ابن أبي أصيبعة في كتابه ((عيون الأنبياء)) دفاعاً عن الرازي وإنكاراً لما نسب إليه من تهم: ((إذا كان هذا الكتاب من تأليف أحد الأشرار من أعداء الرازي وقد نسبه للرازي كي ينسب الشك للرازي
لكل من قرأه وبعكس ذلك فإن أبي بكر الرازي له من جلالة القدر ما يبعده عن تأليف مثل هذا الكتاب)).
ومع ذلك فإن فكرة؛ ان الشر في هذا العالم هو أكثر من الخير فكرة موجودة عند الكثيرين مثل قولهم:
هذا ما جناه علي أبي |
وما جنيت على أحد(١) |
وقول أبي شبل البغدادي:
قاتل الله لذة لأذانا |
نالها الإمهات والآباء |
نحن لولا الوجود لم نألم الفقد فإيجادنا علينا بلاء
فمن غير المستبعد انهم نشروا هذه الأفكار عنه وان كانت صحيحة فإنه تأثر بالواقع الموجود الذي يعيشه ولا تمثل حقيقة آرائه ونظرياته.
أفكار الرازي وآراؤه
في الواقع لا يمكن الوصول إلى أكثر
__________________
١ - و ينسب هذا القول للشاعر أبي العلاء المعري
الحقيقة في موضوعات الرازي وأفكاره وبشكل دقيق، لأن كافة مؤلفاته قد فقدت وبشكل إجمالي نستلهم مما كتب عنه القفطي وابن النديم وابن أبي أصيبعة وآخرين:
١ - كان الرازي يعتقد ان بالإمكان تحويل الفلزات العادية إلى الذهب والفضة وألف بذلك عدة كتب.
٢ - لقد خالف أرسطو في الأجسام، وأصدر نظريته القائلة بأن الحركة في الأجسام هي ذاتية، وبذلك فإنه أول من تطرق إلى عالم الذرة وحركة الإلكترونات والبروتونات الدائمة في الأجسام، وهي نظرية واقعية يُعمل بها الآن.
٣ - في مسائل وآراء الطبيعة يبدو ان افكاره المنشورة تخالف الفكر الإسلامي المعتقد بوحدانية الله، وانه واجب الوجود، وانه يتكأ على نظريات أسلافه مثل انكساغورس وانباذقليس وماني وآخرين، التي تعتمد على النظرية الخماسية في الخلق وهي الله، والنفس، والهيولي، والمكان المطلق،
والزمان المطلق، هذه العناصر الخمسة ضرورية لإيجاد العالم وان هذه العناصر الخمسة قديمة وغير حادثة، وهذه العقيدة في الواقع تضاد العقيدة الإسلامية التي تؤمن بحدوث العالم.
اننا لا نستطيع القطع بعقيدة الرازي من خلال ذلك؛ لأن مؤلفاته الأخرى في الإمامة والنبوة تخالف هذا المنحى بالرغم من وجود الحساد والأعداء الذين يلفقون الأكاذيب ضده، ومن الممكن انه انما نقل آراء القدماء في ذلك ولم تكن عقيدته تلك، وقد تكون قد حرّفت أفكاره أو نقلت ناقصة كما نرى في عصرنا الحاضر في محاربة كل موهوب وعالم متميز على طريقة (لا إله...).
٤ - واعتقد الرازي ان الشر في العالم أكثر من الخير، وقد تكون هذه حقيقة واقعة [أمام النفس الإنسانية الميالة للشر على طريقة ان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وان أكثرهم للحق كارهون، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين].
لقد اتبع الرازي نظرية ابيغور
القائلة بأن الفلسفة للجميع وذلك خلاف نظرية أفلاطون وكثير من فلاسفة المسلمين التي تخصص الفلسفة بمجموعة محددة من الخواص.
انه يعتقد ان الفلسفة كتاب مفتوح للجميع لأن الظلمات التي تعيشها النفوس البشرية لا يجليها إلا الفلسفة والبحث والتدقيق والمطالعة لأن للفلسفة القدرة على جلاء القلوب وقيل عنه:
((ان من لا يهتم بالأمور الطبيعية والعلوم الفلسفية والقوانين المنطقية وينشغل بالأمور التافهة فإنه متهم بعلمه وخاصة في مسألة الطب)).
مؤلفاته وآثاره:
لقد تميَّز الرازي بانفتاح القريحة والبحث عن حقائق العلوم، مما دفعه لتأليف أكثر من مائتين وعشرين كتاباً ومقالة ورسالة، ونتيجة لما مر به العالم الإسلامي من كوارث فقد فقدت الكثير من مؤلفاته ولهذا السبب لم تظهر حقيقة آراؤه وأفكاره ولف بعضها الغموض والشكوك، وما بقي من مؤلفاته
الشيء القليل وفي عالم الطب يمكننا ذكر كتاب الحاوي، المنصوري، ورسالة في الحصبة وجدري الماء.
أما كتبه في الكيمياء منها: كتاب الأسرار، وكتاب تحفة الذهب والفضة.
وفي المجالات العلمية الأخرى: كتاب المدخل في المنطق وكتاب هيئة العالم، كتاب الحيل في الميكانيك، وكتاب الحركة، وكتاب في الكواكب السبعة، وفي الرياضة وكتاب في علم الإلهيات وعلم الكلام.
وكذلك كتاب في إثبات المعاد.
كتاب انتقاد المعتزلة.
كتاب النقض في إمامة علي الكيال.
وكتب كثيرة أخرى ليس لنا مجال ذكرها هنا(١) .
__________________
١ - فلاسفة الشيعة للشيخ عبد الله نعمة، الترجمة الفارسية، طبع طهران، ١٣٦٧هـ ش. نشر مؤسسة نشر وتعليم، الثورة الإسلامية.
الراغب الاصفهانى
أبو القاسم، الحسين بن محمد بن المفضل الاصبهاني الفاضل المتبحر الماهر في اللغة العربية والحديث والشعر والأدب.
قيل: ذكره الفخر الرازي في بعض كتبه وقال: انه من أئمة السنة وقرنه بالغزالي.
وقال الماهر الخبير الميرزا عبد الله في ترجمته: ونقل الخلاف في اعتزاله وتشيعه ما هذا لفظه لكن الشيخ حسن بن علي الطبرسي قد صرح في آخر كتابه أسرار الإمامة انه أي الراغب كان من حكماء الشيعة الإمامية.
له مصنفات فائقة مثل المفردات في غريب القرآن وأفانين البلاغة والمحاضرات والذريعة إلى مكارم الشريعة.
قال الكاتب الجلبي: ان الإمام حجة الإسلام الغزالي كان يستصحب كتاب
الذريعة دائماً ويستحسنه لنفاسته(١) ، وله تفسير كبير لم يكمل وهو أحد مآخذ أنوار التنزيل للبيضاوي(٢) .
توفي سنة ٥٦٥.
السيد الشريف الرضي
السيد الأجل أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظمعليهالسلام
أخو الشريف المرتضى، أمره في العلم والفضل والأدب والورع وعفة النفس، وعلو الهمة والجلالة أشهر من ان يذكر، وقد خفي علو مقامه في الدرجات العلمية مع قلة عمره لعدم انتشار كتبه وقلة نسخها، وإنما الشايع منها نهجه وخصائصه وهما مقصوران على النقليات.
نعم في هذه الأزمنة انتشرت نسخة
__________________
١ - كشف الظنون: ج١، ص٨٢٧ ، معجم المطبوعات العربية، اليان سركيس: ج١، ص٩٢٢.
٢ - القمي، م. س: ج٢، ص٢٦٨.
المجازات النبوية الحاكية عن علو مقامه في الفنون الأدبية.
وله تفسير علم القرآن الكريم المسمى بحقائق التنزيل، قال في حقه أبو الحسن العمري: هو أحسن من كل التفاسير وأكبر من تفسير أبي جعفر الطبري، وفي رياض العلماء نقلاً عن تاريخ اليافعي انه قال في ترجمة السيد المرتضى: وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالبعليهالسلام هل هو جمعه أو أخوه الرضي؟ وقيل: انه ليس من كلام عليعليهالسلام وإنما أحدهما هو الذي وضعه ونسبه إليه.
قال: وأما ما في كلام اليافعي من التأمل أولاً في كون نهج البلاغة لأي الأخوين السيدين، ثم احتمال كونه من اختراعات أحدهما فهو من سخيف القول فان تلاميذ السيد الرضي بل فضلاء الشيعة الإمامية ولا سيما العلماء في إجازاتهم حتى عظماء العامة أيضاً خلفاً
عن سلف انتسبوا(١) جمع هذا الكتاب إلى السيد الرضي وهي متواترة من زماننا هذا وهو عام ثمانية ومائة وألف إلى زمن السيد الرضي فضلاً عن زمان اليافعي من غير شك ولا ارتياب، وأهل البيت أدرى بما فيه، وكذا احتمال كونه من اختراعات أحدهما فانه مما علم بطلانه قطعاً ومأخذ تلك الخطب والكلمات موجودة في كتب العامة والخاصة، وما أورده قدس سره في نهج البلاغة ملتقطات من خطبهعليهالسلام وهي بتمامه مع الزيادات التي أسقطها الرضي مذكورة في كتب العلماء المتقدمين على السيد الرضي مع(٢) العامة والخاصة أيضاً(٣) .
__________________
١ - هكذا في الأصل ولعلها نسبوا وأخطأ النساخ في نقلها، المؤلف.
٢ - هكذا في الأصل (مع) ولعل الأصح هو (من). المؤلف.
٣ - واللطيف بهذا الخصوص ما ينقله ابن أبي الحديد في شرح النهج، حول خطبة الشقشقية الواردة في النهج، يقول: قال مصدَّق: وكان ابن الخشاب صاحب هزل ودُعابة، فقلت له: أتقول انها منحولة؟ فقال: لا =
قلت: ولما تم وكمل بدره وبلغ سبعاً وأربعين من عمره أختار الله له دار بقاه فناداه ولباه وفارق دنياه وذلك في بكرة يوم الأحد لست خلون من المحرم سنة ست وأربعمائة فقامت عليه نوادب الأدب وانثلم حد القلم وفقدت عين الفضل قرتها وجبهة الدهر غرتها، وبكاه الأفاضل مع الفضائل ورثاه الأكارم مع المكارم على انه ما مات من لم يمت ذكره، ولقد خلد من بقي على
__________________
= والله، وأني أعلم أنها كلامه ــ يعني كلام عليعليهالسلام ــ كما أعلم أنك مصدَّق. قال: فقلت: إن كثيراً من الناس يقولون إنها من كلام الرضي (رض)، فقال: أنّى للرضي وغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب، وقد وقفنا على رسائل الرضي، عرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر، ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، لقد وجدتها مسطورةً بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي. انظر: ج١، ص٦٩.
الأيام نظمه ونثره والله يتولاه بعفوه وغفرانه، ويحييه بروحه وريحانه، فلما قضى نحبه حضر الوزير فخر الملك وجميع الأعيان والأشراف والقضاة جنازته والصلاة عليه ومضى أخوه السيد المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد جده موسى بن جعفرعليهالسلام لأنه لم يستطع ان ينظر إلى جنازة أخيه، ودفنه وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ومضى بنفسه آخر النهار إلى السيد المرتضى إلى المشهد الكاظمي فألزمه بالعودة إلى داره.
ورثاه أخوه المرتضى (ره) بأبيات منها قوله:
يا للرجال لفجعة جذمت يدي |
وددت لو ذهبت علي براسي |
|
مازلت أحذر وردها حتى أتت |
فحسوتها في بعض ما أنا حاسي |
|
ومطلتها زمناً فلما صممت |
لم يثنها مطلي وطول مكاسي |
لله عمرك من قصير طاهر |
ولرب عمر طال بالأدناس(١) |
ورثاه تلميذه مهيار الديلمي بقصيدة منها قوله:
بكر النعي من الرضي بمالك |
غاياتها متعوداً قدامها |
|
كلح الصباح بموته عن ليلة |
نفضت على وجه الصباح ظلامها |
|
بالفارس العلوي شق غبارها |
والناطق العربي شق كلامها |
|
سلب العشيرة يومه مصباحها |
مصلاحها عمالها علامها |
|
برهان حجتها التي بهرت به |
أعداءها وتقدمت أعمامها(٢) |
قال السيد الأجل السيد علي خانرحمهالله في أنوار الربيع وشقت هذه المرثية
__________________
١ - نهج البلاغة، تحقيق: محمد عبده: ج١، ص٩، الغدير للعلامة الأميني: ج٤، ص٢١١، وشرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج١، ص٤١، حقائق التأويل للشريف الرضي: ص١١٢، ومثله في أمل الآمل للحر العاملي: ج٢، ص٢٦٥، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي: ج١٧، ص٢٧.
٢ - الغدير للأميني: ج٤، ص٢١١.
على جماعة ممن كان يحسد الرضي رضي الله تعالى عنه على الفضل في حياته ان يرثى بمثلها بعد وفاته، فرثاه بقصيدة أخرى مطلعها في براعة الاستهلال كالأولى وهي:
أقريش لا لفم أراك ولا يد |
فتواكلي غاض الندى وخلا الندي |
وما زلت معجباً بقوله منها:
بكر النعي فقال أودى خيرها |
إن كان يصدق فالرضي هو الردي(١) |
الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام
لقد أرغم المأمون علي بن موسى الرضاعليهالسلام على القبول بولاية العهد نفاقاً ليظهر هو بمظهر المؤمن ويظهر الرضاعليهالسلام بأنه لم يزهد في الدنيا بل الدنيا زهدت فيه كما أجابه الرضاعليهالسلام بحقيقة غايته وإليك الخبر:
__________________
١ - أوائل المقالات للشيخ المفيد، هامش رقم ١، تحقيق: إبراهيم الأنصاري: ص٢٤٣ والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٧٢ - ٢٧٤.
عن أبو الصلت وياسر وغيرهما: ان المأمون قال للرضاعليهالسلام : يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة مني، فقال الرضاعليهالسلام :
بالعبودية لله أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله.
فقال له المأمون: فاني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك.
فقال له الرضاعليهالسلام : إن كانت هذه الخلافة لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله وتجعله لغيرك وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك.
فقال المأمون لابد لك من قبول هذا الأمر.
فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً.
فما زال يجهد به أياماً والفضل والحسن يأتيانه حتى يئس من قبوله
فقال: فكن ولي عهدي.
فقال الرضاعليهالسلام : والله لقد حدثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن رسول الله صلوات الله عليهم اني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً تبكي علي ملائكة السماء والأرض وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون.
فقال: ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي!
قال: أما اني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت.
فقال: إنما تريد التخفيف عن نفسك بهذا.
قال: واني لأعلم ما تريد بذلك أن تقول للناس: ان علي بن موسى لم يزهد في الدنيا بل الدنيا زهدت فيه ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة.
فقال المأمون: ان عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة نفر وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك فان فعلت وإلا ضربت عنقك.
فقال الرضاعليهالسلام : ان الله نهاني أن ألقي بيدي إلى التهلكة فان كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل ولاية العهد على انني لا آمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولي ولا أعزل ولا أغير شيئاً مما هو قائم.
فأجابه المأمون إلى ذلك كله، فخرج ذو الرياستين قائلاً:
واعجباً وقد رأيت عجباً رأيت المأمون أمير المؤمنين يفوض أمر الخلافة إلى الرضا ورأيت الرضا يقول: لا طاقة لي بذلك ولا قوة لي عليه، فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منه.
ثم انه خرج الفضل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى الرضاعليهالسلام وانه قد ولاه عهده وسماه الرضا(١) .
__________________
١ - مناقب آل أبي طالب : ج ٤ ، ص ٣٦٣
حرف الزاء
الزباء
الزباء ابنة عمرو بن خراب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، ملكة الشام والجزيرة، من أهل بيت عاملة من العماليق كانوا في سلح، وقال بعضهم: بل كانت رومية، وكانت تتكلم العربية، مدائنها على شاطئ الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب، وكانت - فيما ذكر - قد سَقَفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية وجعلته أنقاباً بين مدائنها، وكانت تغزو بالجنود قبائل، فخطبها جذيمة(١) الأبرش، فكتبت إليه: إني فاعلة، ومثلك من يُرغب فيه فإذا شئت فاشخص إليّ، وكانت بِكراً، فجمع عند ذلك جذيمة أصحابه فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضي، وخالفهم قصير بن سعد، تابع كان له في
__________________
١ - جذيمة أول من ملك قضاعة، وهو جذيمة بن مالك بن فهم التنوخي (مروج الذهب: ج٢، ص٦٦).
لخم، فأمره ألا يفعل، ويكتب إليها، فإن كانت صادقة أقبلت إليك، وإلا لم تقع في حبالها، فعصاه وأطاعهم... وسار... وأُدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن كبعثانها، ثم أجلسته على نطع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رواهشه واستنزفته... فجعل دمه يشخب في النطع كراهة ان يفسد مقعدها(١) .
__________________
١ - مروج الذهب للمسعودي: ج٢، ص٦٩ - ٧١، وتفصيل ذلك في كتابنا رياض الأمثال فليراجع. المؤلف.
الزبير بن العوام
جاء في الإمامة والسياسة(١) :
قال: وذكروا أن الزبير وطلحة أتيا علياً بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟ قال علي: نعم، على السمع والطاعة، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان، فقالا: لا، ولكنا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر، قال علي: لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأولاد، قال: وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق، وطلحة في اليمن، فلما استبان لهما أن علياً غير موليهما شيئاً، أظهرا الشكاة، فتكلم الزبير في ملأ من قريش، فقال: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له في أمر عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب، وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته وكفي الأمر. فلما نال بنا ما أراد،
__________________
١ - الإمامة و السياسة : ج ١ ، ص ٧٠
جعل دوننا غيرنا، فقال طلحة: ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا وبايعناه، وأعطيناه ما في أيدينا، ومنعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا. قال: فانتهى قولهما إلى علي فدعا عبد الله بن عباس وكان استوزره، فقال له: بلغك قول هذين الرجلين؟ قال: نعم، بلغني قولهما. قال: فما ترى؟ قال: أرى أنهما أحبا الولاية. فول البصرة الزبير، وول طلحة الكوفة، فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان، فضحك علي، ثم قال: ويحك، إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ولو كنت مستعملاً أحداً لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي. قال ثم أتى طلحة والزبير إلى علي، فقالا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى انقضائها
رجعنا إليك، وإن تسر نتبعك. فنظر إليهما علي، وقال: نعم، والله ما العمرة تريدان، وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما، فمضيا(١) .
قال الإمام عليعليهالسلام : لا زال الزبير منا أهل البيت حتى ظهر ابنه عبد الله.
والزبير كان في دار الإمام عليعليهالسلام مع بني هاشم حين هجوم القوم عليهم يطلبون بيعتهم لأبي بكر فشهر الزبير سيفه فصاح عمر ردوا هذا الكلب العقور، فأخذوا السيف منه وتناوله عمر وضرب به الأرض فكسره.
وخرج على علي في حرب الجمل مع طلحة، فاستدعاه عليعليهالسلام في ساحة المعركة وذكّره بمقولة رسول الله بأنك تقاتل علياً وأنت له ظالم، فقال: ذكّرتنيه فترك المعركة وولى هارباً ودخل خرابة ليقضي حاجته فدخل عليه
__________________
١ - وفي رواية صحيحة وإنما تريدان الغدرة، وفي رواية مروج الذهب: ان علياً قال لهما: لعلكما تريدان البصرة أو الشام فأقسما انهما لا يقصدان غير مكة.
ابن جرموز وقتله.
قال عليعليهالسلام : قاتل الزبير في النار(١) ، وكان ابن جرموز بعد ذلك من الخوارج الذين خرجوا على الإمام عليعليهالسلام بعد صفين وقتل في النهروان.
__________________
١ - سير أعلام النبلاء للذهبي: ج١، ص٦١، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج١٨، ص٤٢١، تفسير القرطبي: ج١٦، ص٢٢٢، كنز العمال للمتقي الهندي: ج١١، ص٣٣١.
الزمخشري
جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي أستاذ فن البلاغة صاحب المصنفات المعروفة أساس البلاغة والأنموذج وأطواق الذهب والفائق، وأعجب العجب شرح لامية العرب والكشاف عن حقائق التنزيل وهذا الكتاب أشهر مصنفاته وقد اعتنى به الفضلاء وقيل في مدحه:
ان التفاسير في الدنيا بلا عدد |
وليس فيها لعمري مثل كشافِ |
|
ان كنت تبغي الهدى فالزم قراءته |
فالجهل كالداء والكشاف كالشافي(١) |
ونسب إليه:
كثر الشك والخلاف فكل |
يدعي الفوز بالصراط السوي |
|
فاعتصامي بلا إله سواه |
ثم حبي لأحمد وعلي |
__________________
١ - سير أعلام النبلاء للذهبي: ج٢٠، ص١٥٢، كشف الظنون: ج٢، ص١٤٧٦، معجم المطبوعات العربية، اليان سركيس: ج١، ص٩٧٥.
فاز كلب بحب أصحاب كهف |
كيف أشقى بحب آل النبي |
وله على ما حكي في ترجمته المطبوعة في الجزء الأخير من الكشاف:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به |
وأكتمه كتمانه لي أسلم |
|
فإنْ حنفيّاً قلت قالوا بأنه |
يبيع الطلا وهو الشراب المحرّم |
|
وان مالكياً قلت قالوا بأنني |
أبيح لهم لحم الكلاب وهم هم |
|
وان شافعياً قلت قالوا بأنني |
أبيح نكاح البنت والبنت تحرم |
|
وان حنبلياً قلت قالوا بأنني |
ثقيل حلولي بغيض مجسم(١) |
سافر إلى مكة وجاور بها زماناً ولقب جار الله، يحكى انه سقطت إحدى رجليه من ثلج أصابه في بعض الأسفار وتقدم في
__________________
١ - الصوارم المهرقة للشهيد نور الله التستري: ص١٦، أجوبة مسائل جار الله للسيد شرف الدين: ص٦٠، المناظرات في الإمامة، عبد الله الحسن (معاصر): ص٤٣٦.
ابن الشجري ما جرى بينه وبينه لما قدم الزمخشري بغداد توفي بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة المعظمة ليلة عرفة سنة ٥٣٨ وكان أوصى أن يكتب هذه الآبيات على قبره وأوردها في تفسيره في سورة البقرة:
يا من يرى مد البعوض جناحها |
في ظلمة الليل البهيم الأليل |
|
ويرى مناط عروقها في نحرها |
والمخ في تلك العظام النحل |
|
اغفر لعبد تاب عن فرطاته |
ما كان منه في الزمان الأول |
والزمخشري نسبة إلى زمخشر كسفرجل قرية بنواحي خوارزم(١) .
زنيبا بن إسحاق الرسعني الموصلي النصراني
من شعراء النصارى الذين مدحوا أمير المؤمنينعليهالسلام وله:
عدي وتيم لا أحاول ذكرها |
بسوء ولكني محب لهاشم |
|
وما تعتريني في علي ورهطه |
إذا ذكروا في الله لومة لائم |
__________________
١ - القمي م س : ج ٢ ، ص ٢٩٨ - ٣٠٠.
يقولون: ما بال النصارى تحبهم |
وأهل النهى من أعرب وأعاجم؟! |
|
فقلت لهم: إني لأحسب حبهم |
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم |
وله:
علي أمير المؤمنين صريمة |
وما لسواه في الخلافة مطمع |
|
له النسب الأعلى وإسلامه الذي |
تقدم فيه والفضائل أجمعوا |
|
بأن علياً أفضل الناس كلهم |
وأورعهم بعد النبي وأشجع |
|
فلو كنت أهوى ملة غير ملتي |
لما كنت إلا مسلماً أتشيع(١) |
الزهري
أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن الحرث بن شهاب بن زهرة بن كلاب الفقيه المدني التابعي المعروف.
وقد ذكره علماء الجمهور وأثنوا عليه ثناءً بليغاً قيل انه قد حفظ علم الفقهاء السبعة ولقي عشرة من
__________________
١ - الغدير للأميني : ج ٧ ، ص ٢٥
الصحابة، وروى عنه جماعة من أئمة علم الحديث.
وأما علماؤنا فقد اختلفت كلماتهم في مدحه وقدحه وقد ذكرنا ما يتعلق به في سفينة البحار.
وأبو إسحاق الزهري إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري من أهل مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سمع أباه وابن شهاب الزهري وهشام ابن عروة وغيرهم.
وروى عنه جمع كثير منهم علي بن الجعد وابن حنبل كان قد نزل بغداد وأقام بها إلى حين وفاته عن تقريب ابن حجر، الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح ومات سنة ١٨٥.
وروى الخطيب في تاريخ بغداد: ((ان أبا إسحاق الزهري المذكور قدم العراق سنة ١٨٤ فأكرمه الرشيد وأظهر بره وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري فسمعه يتغني فقال: لقد كنت حريصاً على ان أسمع منك فأما الآن فلا
سمعت منك حديثاً فقال: إذا لا أفقد إلا شخصك علي، وعلي إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثاً حتى أغني قبله. وشاعت عنه هذه ببغداد فبلغت الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التى قطعها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في سرقة الحلي فدعا بعود فقال الرشيد: أعود المجمر؟ قال: لا ولكن عود الطرب فتبسم ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى ان حلفت قال: نعم ودعا له الرشيد بعود فغناه:
يا أم طلحة ان البين قد أفدا |
قل الثواء لئن كان الرحيل غدا |
فقال الرشيد: من كان من فقهائكم يكره السماع؟ قال: من ربطه الله قال: فهل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء؟ قال: لا والله إلا ان أبي أخبرني انهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع وهم يومئذ جلة، ومالك أقلهم من فقهه وقدره ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم:
سليمى أجمعت بينا |
فأين لقاؤها أينا |
|
وقد قالت لأتراب |
لها زهر تلاقينا |
|
تعالين فقد طاب |
لنا العيش تعالينا |
فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم)).
توفي ببغداد سنة ١٨٥ ودفن في مقابر باب التين(١) .
والمسور بن مخرمة الزهري كان رسول أمير المؤمنينعليهالسلام إلى معاوية كما في كتب الرجال ويظهر من خبر انه كان عثمانياً وكان لخلافة عليعليهالسلام كارهاً.
عن المناقب عن الليث بن سعد بإسناده: ان رجلاً نذر ان يدهن بقارورة رجلي أفضل قريش فسأل عن ذلك فقيل ان مخرمة أعلم الناس اليوم بأنساب قريش فاسأله عن ذلك فأتاه وسأله وقد خرف وعنده ابنه المسور فمد الشيخ رجليه وقال: ادهنهما فقال: المسور (ابنه)
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي :ج ٤ ، ص ٨٤
للرجل لا تفعل أيها الرجل فان الشيخ قد خرف وإنما ذهب إلى ما كان في الجاهلية وأرسل إلى الحسن والحسينعليهمالسلام وقال: ادهن بها أرجلهما فهما أفضل الناس وأكرمهم اليوم(١) .
قال ابن نما: ناحت على الحسينعليهالسلام الجن وكان نفر من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم منهم المسور بن مخرمة يستمعون النوح ويبكون(٢) .
وعن أسد الغابة انه ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وكان فقيهاً من أهل العلم والدين ولم يزل مع خاله عبد الرحمن في أمر الشورى، وكان هواه فيها مع عليعليهالسلام وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان ثم سار إلى مكة فلم يزل
__________________
١ - مناقب ابن شهرآشوب: ج٣، ص١٦٨، وشرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي: ج٣، ص٨٧ ، وبحار الأنوار للمجلسي: ج٤٣، ص٣١٩.
٢ - مثير الأحزان لابن نما الحلي: ص٨٦ ، والغارات لإبراهيم الثقفي: ج٣، ص٥٧٢، وبحار الأنوار للمجلسي: ج٤٥، ص٢٣٥، العوالم للبحراني: ص٤٨٦، مقتل الحسينعليهالسلام لأبي مخنف الأزدي: ص٢٣٤.
بها حتى توفي معاوية وكره بيعة يزيد وأقام مع ابن الزبير بمكة حتى قدم الحصين بن نمير في جيش من الشام لقتال ابن الزبير بعد وقعة الحرة فقتل المسور، أصابه حجر منجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله مستهل ربيع الأول سنة ٦٤ وصلى عليه ابن الزبير وكان عمره ٦٢ سنة(١).
[يقول القمي]: أقول: واما الزهري العامري الذي ذكره القاضى نور الله في المجالس في شعراء الشيعة وذكر من شعره قوله:
علي لعمري كان بالناس أرأفا |
وفي العلم بالأحكام أمضى وأعرفا |
|
فما عذر قوم أخروه وقدموا |
عدياً وتيماً فهو أعلى وأشرفا |
فلم يظهر لي اسمه ولا عصره كاسم الزهري الذي تشرف بلقاء مولانا الحجةعليهالسلام وسمع منه قوله: ملعون ملعون من أخر
__________________
١ - أسد الغابة لابن الأثير: ج٤، ص٣٦٥، والإصابة لابن حجر: ج٦، ص٩٥، الأعلام للزركلي: ج٧، ص٢٢٥.
العشاء إلى ان اشتبك النجوم ملعون معلون من أخر الغذاة إلى ان تنقضي النجوم(١) .
وقال الجاحظ: هو محمد بن مسلم القرشي، كان من أعلام التابعين، رأى عشرة من الصحابة وسمع منهم، وروى عنه جماعة من الأئمةعليهمالسلام منهم مالك بن أنس وسفيان الثوري وغيرهما، وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله مشتغلاً بها عن كل أحد فقالت له زوجته: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر(٢) مات سنة ١٤٤هـ / ٧٤١م.
وفي نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: كان الزهري من المنحرفين عنهعليهالسلام
روى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٠١ - ٣٠٣.
٢ - البيان والتبيين للجاحظ: ج٣، ص١٠٠ الهامش.
يذكران علياًعليهالسلام ، فنالا منه، فبلغ ذلك علي ابن الحسينعليهالسلام ، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أما أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك إلى الله، فحكم لأبي على أبيك، وأما أنت يا زهري، فلو كنت بمكة لأريتك كير(١) أبيك(٢) .
وقد روى من طرق كثيرة، أن عروة بن الزبير كان يقول: لم يكن أحد من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يزهو إلا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد.
وروى عاصم بن أبي عامر البجلي، عن يحيى بن عروة، قال: كان أبي إذا ذكر علياً نال منه.
وقال لي مرة: يا بنيَّ، والله ما أحجم الناس عنه إلا طلباً للدنيا، لقد بعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث إليّ بعطائي، فو الله إنك لتعلم أنك لو كنت في فم أسد لدخلت معك. فكتب إليه: إن هذا المال لمن جاهد عليه، ولكن لي مالاً بالمدينة فأصب منه ما شئت.
__________________
١ - هكذا في الأصل.
٢ - المسترشد لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي): ص١٥٠.
قال يحيى: فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به، ومن عيبه له وانحرافه عنه(١) .
قال الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب:
((الزهري)) بضم الزاي وسكون الهاء أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله ابن الحرث بن شهاب بن زهرة بن كلاب الفقيه المدني التابعي المعروف وقد ذكره علماء الجمهور واثنوا عليه ثناءً بليغاً قيل انه قد حفظ علم الفقهاء السبعة ولقى عشرة من الصحابة، وروى عنه جماعة من أئمة علم الحديث وأما علماؤنا فقد اختلفت كلماتهم في مدحه وقدحه وقد ذكرنا ما يتعلق به في سفينة البحار(٢) .
الزيات
أبو عمارة حمزة بن عمارة الكوفي
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٤، ص١٠٢.
٢ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٧٠.
كان أحد القراء السبعة وعنه أخذ الكسائي القراءة، وأخذ هو عن الأعمش وإنما قيل له الزيات لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة فعرف به.
وعن ابن النديم قال: ((أول من صنف في متشابه القرآن حمزة بن حبيب الزيات الكوفي من شيعة أبي عبد الله الصادقعليهالسلام وصاحبه المتوفى سنة ١٥٦ بحلوان)).
نقل العلامة المجلسي (ره) عن الدر المنثور عن حمزه الزيات قال: خرجت ذات ليلة أريد الكوفة فآواني الليل إلى خرابة فدخلتها فبينا أنا فيها إذ دخل علي عفريتان من الجن فقال أحدهما لصاحبه: هذا حمزة بن حبيب الزيات الذى يقري الناس بالكوفة قال: نعم والله لأقتلنه قال: دعه المسكين يعيش قال: لأقتلنه فلما أزمع على قتلي قلت: بسم الله الرحمن الرحيم شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة إلى قوله العزيز الحكيم وانا على ذلك من الشاهدين فقال له
صاحبه: دونك الآن فاحفظه راغماً إلى الصباح))(١) .
__________________
١ - الدر المنثور: ج٢، ص١٢، بحار الأنوار: ج٦، ص١١٤، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٠٣ - ٣٠٤.
زياد بن أبيه
هو زياد بن عبيد، ومن الناس من يقول: عبيد بن فلان، وينسبه إلى ثقيف، والأكثرون يقولون: إن عبيداً كان عبداً، وإنه بقى إلى أيام زياد، فابتاعه وأعتقه، ونسبة زياد لغير أبيه، لخمول أبيه، والدعوة التى استلحق بها، فقيل تارة زياد بن سميه وهي أمُّه، وكانت أمة للحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي، طبيب العرب، وكانت تحت عبيد.
وقيل تارة زياد بن أبيه، وقيل تارة، زياد بن أمه، ولما استلحق قال له أكثر الناس: زياد بن أبى سفيان، لأن الناس مع الملوك الذين هم مظنة الرهبة والرغبة، وليس اتباع الدين بالنسبة إلى اتباع الملوك إلا كالقطرة في البحر المحيط فأما ما كان يدعى به قبل الاستلحاق فزياد بن عبيد، ولا يشك في ذلك أحد.
وروى عن أبن عباس، أن عمر بعث زياداً في إصلاح فساد واقع باليمن، فلما رجع من وجهه خطب عند عمر خطبة
لم يسمع مثلها - وكان أبو سفيان حاضراً وعليعليهالسلام وعمرو بن العاص - فقال عمرو بن العاص: لله أبو هذا الغلام! لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: إنه لقرشي، وإني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال عليعليهالسلام : ومن هو؟ قال أنا فقال: مهلاً يا أبا سفيان، فقال أبو سفيان:
أما والله لولا خوف شخص |
يراني يا علي من الأعادي |
|
لأظهر أمره صخر بن حرب |
ولم يخف المقالة في زياد |
|
وقد طالت مجاملتي ثقيفاً |
وتركي فيهم ثمر الفؤاد |
عنى بقوله: (لولا خوف شخص): عمر بن الخطاب(١) .
وروى الواقدي انه قال: أتيت أمه في الجاهلية سفاحاً! فقال عليعليهالسلام : مه يا أبا سفيان فإن عمر إلى المساءة
__________________
١ - الغارات لإبراهيم الثقفي: ج٢، ص٩٢٦، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٦، ص١٧٩ - ١٨٠.
سريع: قال: فعرف زياد ما دار بينهما. فكانت في نفسه(١) .
وروى المدائني قال: لما كان زمن علي ولى زياداً فارس أو بعض أعمال فارس، فضبطها ضبطاً صالحاً، وجبى خراجها وحماها، وعرف ذلك معاوية، فكتب إليه: أما بعد، فإنه غرتك قلاع تأوى إليها ليلاً، كما تأوي الطير إلى وكرها، وأيم الله لو لا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك منى ما قاله العبد الصالح:( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢) )
فأجابه زياد بكتاب بليغ قوي فيه تسخيف وتضعيف وإظهار سوءات معاوية وقابل تهديده بالتهديد والوعيد بعد ان صعد المنبر وخطب على الناس.
وهكذا كانت بين الطرفين مساجلات، حذَّره منها عليعليهالسلام في كتاب له قال فيه:
وقد عرفت ان معاوية كتب إليك يستزل
__________________
١ - نفس المصدر : ج ١٦ ، ص ١٨٠
٢ - (النمل : ٣٧ ).
لُبَّك، ويستفلَّ غربك، فاحذره فإنما هو الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ليقتحم غفلته، ويستلب غرته.
وقد كانت من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة من حديث النفس، ونزعة من نزعات الشيطان، لا يثبت بها نسب، ولا يستحق بها إرث(١) .
ولما وصل كتاب زياد على معاوية ورأى ما فيه من صلابة الرأي وقواه الشخصية حار في نفسه ثم التجأ إلى المغيرة بن شعبة، فخلا به وقال: يا مغيرة إنى أريد مشاورتك في أمر أهمني، فانصحني فيه، وأشر عليّ برأى المجتهد، وكن لي أكن لك، فقد خصصتك بسرَّي، وآثرتك على ولدي. قال المغيرة: فما ذاك؟ والله لتجدني في طاعتك أمضى من الماء إلى الحدور، ومن ذي الرونق في كف البطل الشجاع. قال: يا مغيرة إن زياداً قد أقام بفارس يكش لنا كشيش
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٦، ص ١٧٧.
الأفاعي، وهو رجل ثاقب الرأي، ماضي العزيمة، جوال الفكر، مصيب إذا رمى، وقد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حياً، وأخشى ممالاته حسناً، فكيف السبيل إليه وما الحيلة في إصلاح رأيه؟ قال المغيرة: أنا له إن لم أمت، إن زياداً رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر، فلو لاطفته المسألة، وألنت له الكتاب، لكان لك أميل وبك أوثق فأكتب إليه وأنا الرسول(١) .
فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى زياد كتاباً يستلطفه ويعتذر إليه من مطارح العطب والهوى ويمدحه ويؤكد على رحمه منه ويذكّره بدم عثمان ثم يمنيه المنايا ويطلب منه الأنضمام إليه فهو منه وكلاهما من عبد شمس أعداء هاشم.
فجاء الكتاب بيد المغيرة ودخل عليه حتى قرأه وضحك ووضعه تحت قدميه ثم وبعد ثلاثة أيام صعد المنبر فخطب خطاباً بليغاً وجه به الناس لما يضمره
__________________
١ - نفس المصدر : ج ١٦ ، ص ١٨٤
من تغير سياسته وميله إلى معاوية.
وبدأ التقارب ثم التبعية حتى استلحقه معاوية به وأعلن أخوَّته من أبيه أبي سفيان وأمه سمية وحديث نسبه رواه الكثير منهم المدائني قال: لما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشام جمع الناس وصعد المنبر، وأصعد زياداً معه فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، اني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد، فمن كان عنده شهادة فليقم بها. فقام ناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان، وأنهم سمعوا ما أقرَّ به قبل موته، فقام أبو مريم السلولي - وكان خماراً في الجاهلية - فقال: أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف، فأتاني فاشتريت له لحماً وخمراً وطعاماً، فلما أكل قال: يا أبا مريم، أصِب لي بغيّاً، فخرجت فأتيت بسمية، فقلت لها: أن أبا سفيان ممن قد عرفت شرفه وجوده، وقد أمرني أن أصيب له بغياً، فهل لك؟ فقالت: نعم،
يجيء الآن عبيد بغنمه - وكان راعياً - فإذا تعشى، ووضع رأسه أتيته. فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته، فلم نلبث أن جاءت تجر ذيلها، فدخلت معه، فلم تزل عنده حتى أصبحت، فقلت له لما انصرفت: كيف رأيت صاحبتك؟ قال: خير صاحبة، لولا ذفر في إبطيها. فقال زياد من فوق المنبر: يا أبا مريم، لا تشتم أمهات الرجال، فتُشتم أمُّك.
ودخل بنو أمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية أيام ما استلحق زياداً فقال له عبد الرحمن: يا معاوية؛ لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة - يعني على بني أبي العاص - وكان قد قال شعراً:
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
لقد ضاقت بما يأتي اليدان |
|
أتغضب أن يقال أبوك عف |
وترضى أن يقال أبوك زان!(١) |
|
فأشهد أن رحمك من زياد |
كرحم الفيل من ولد الأتان |
__________________
١ - الإيضاح للفضل بن شاذان الأزدي : ص ٥٤٨
وأشهد أنها حملت زياداً |
وصخر من سمية غير دان(١) |
وأما يزيد بن مفرغ الحميري وهجاؤه عبيد الله وعباداً، ابني زياد فكثير ومشهور ومنها:
أعباد ما للؤم عنك تحول |
ولا لك أم من قريش ولا أب |
|
وقل لعبيد الله ما لك والد |
بحق ولا يدرى امرؤ كيف تنسب |
ونحو قوله:
شهدت بأن أمك لم تباشر |
أبا سفيان واضعة القناع |
ونحو قوله:
إن زياداً ونافعاً وأبا بكرة |
عندي من أعجب العجب |
|
هم رجال ثلاثة خلقوا |
في رحم أنثى وكلهم لأب |
|
ذا قرشي كما تقول وذا |
مولى وهذا بزعمه عربي |
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج١٦، ص١٩٠، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٣٤، ص٣١٤.
وقال الحسن البصري: ثلاث كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها، واستلحاقه زياداً مراغمة لقول رسول الله: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وقتله حجر بن عدي، فيا ويله من حجر وأصحاب حجر!(١) .
روى الشرقي بن القطامي، قال: كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالبعليهالسلام : فلما قدم زياد الكوفة طلبه وأخافه، فأتى الحسن بن عليعليهالسلام مستجيراً به، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم وأخذ ماله، ونقض داره. فكتب الحسن بن عليعليهالسلام إلى زياد:
أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله، وحبست أهله
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي : ج١٦، ص١٩٠ - ١٩٣
وعياله، فإن أتاك كتابي هذا فابن له داره، وأردد عليه عياله وماله، وشفعني فيه، فقد أجرته والسلام.
فكتب إليه زياد: من زياد بن أبى سفيان إلى الحسن بن فاطمة: أما بعد: فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة، وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته. كتبت إلي في فاسق آويته. إقامة منك على سوء الرأي ورضا منك بذلك، وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك، ولحمك وإن نلت بعضك غير رفيق بك ولا مرع عليك فإن، أحب لحم علي أن آكله للحم الذي أنت منه، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوتُ عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلتُه لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق. والسلام.
وكتب الحسنعليهالسلام إلى معاوية كتاباً ثلاث كلمات أرفقه كتاب زياد فكتب معاوية إلى زياد يؤنبه ويذكّره مقام الحسنعليهالسلام ويأمره بما أمره الحسنعليهالسلام
زياد بن أبيه والي الكوفة يستعمل
الشاعر الخمار حارثة بن بدر على سرّق (من أعمال الأهواز) وهو خمار مصرُّ على الخمرة.
عاتب الأحنف بن قيس حارثة بن بدر على معاقرة الشراب، وقال له: قد فضحت نفسك وأسقطت قدرك، وأوجعه عتاباً، فقال له: إني سأعتبك(١) فانصرف الأحنف طامعاً في صلاحه، فلما أمسى راح إليه فقال له:
اسمع يا أبا بحر(٢) ما قلت لك، فقال هات، فأنشده:
يذم أبو بحر أموراً يريدها |
ويكرهها للأريحي المسرّد |
|
فإن كنت عياباً فقل ما تريده |
ودع عنك شربي السقا فيه بأوحد |
|
سأشربها صهباء كالمسك ريحها |
وأشربها في كل ناد ومشهد |
|
فنفسك فانصح يا بن قيس وخلني |
ورأيي فما رأي برأي مفند |
|
وقائلة يا حار هل أنت ممسك |
عليك من التبذير قلت لها اقصدي |
__________________
١ - سأعتبك: سأرضى بعتبك.
٢ - أبو بحر: كنية الأحنف بن قيس.
ولا تأمريني بالسداد فإنني |
رأيت كثير المال غير مخلد |
إلى ان يقول:
كذا العيش لا عيش ابن قيس وصحبه |
من الشرب للماء القراح المصرّد |
قال بعض أهل العلم: ان زياداً استعمل حارثة على سرّق فمات زياد وهو بها(١) .
من كلام له: تأخير جزاء المحسن لؤم، وتعجيل عقوبة المسئ طيش.
ومن كلامه: أحسنوا إلى أهل الخراج، فإنكم لا تزالون سمانا ماسمنوا.
وقال ليس العاقل من يحتال للامر إذا وقع فيه، لكن العاقل من يحتال للامر ألا يقع فيه.
كان مكتوباً في الحيطان الأربعة في قصر زياد كتابة بالجص، أربعة أسطر، أولها:
الشدة في غير عنف، واللين في غير
__________________
١ - الأغانى : ج ٨ ، ص ٤٠٦ - ٤٠٧
ضعف. والثانى: المحسن مجازى بإحسانه، والمسيء يكافأ بإساءته. والثالث: العطيات والأرزاق في إبانها وأوقاتها. والرابع: لا احتجاب عن صاحب ثغر، ولا عن طارق ليل.
وقال: ما قرأت كتاب رجل قط إلا عرفت عقله.
وقيل لزياد: ما الحظ؟ قال: أن يطول عمرك، وترى في عدوك ما يسرك. قيل: كان زياد يقول: هما طريقان للعامة الطاعة والسيف(١) .
كتبت عائشة إلى زياد كتاباً، فلم تدر ما تكتب عنوانه! إن كتبت زياد بن عبيد أو ابن أبيه أغضبته، وأن كتبت زياد بن أبى سفيان أثمت فكتبت: من أم المؤمنين إلى ابنها زياد. فلما قرأه ضحك. وقال: لقد لقيت أم المؤمنين من هذا العنوان نصباً!
روى الشعبى أيضاً، قال: لما خطب زياد خطبته البتراء بالبصرة ونزل سمع
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٦، ص١٩٧ - ١٩٩.
تلك الليلة أصوات الناس يتحارسون، فقال: ما هذا؟ قالوا: إن البلد مفتونة، وإن المرأة من أهل المصر لتأخذها الفتيان الفساق فيقال لها: نادي ثلاث أصوات، فأن أجابك أحد وإلا فلا لوم علينا فيما نصنع. فغضب فقال: ففيم أنا، وفيم قدمت! فلما أصبح أمر فنودي في الناس، فاجتمعوا فقال: أيها الناس، إني قد نبئت بما أنتم فيه وسمعت ذرواً منه، وقد أنذرتكم وأجَّلتكم شهراً مسير الرجل إلى الشام، ومسيره إلى خراسان، ومسيره إلى الحجاز، فمن وجدناه بعد شهر خارجاً من منزله بعد العشاء الآخرة فدمه هدر. فانصرف الناس يقولون: هذا القول كقول من تقدمه من الأمراء، فلما كمل الشهر دعا صاحب شرطته عبد الله بن حصين اليريوعى - وكانت رجال الشرطة معه أربعة آلاف - فقال له: هيئ خيلك ورجلك، فإذا صليت العشاء الآخرة، وقرأ القارئ مقدار سبع من القرآن، ورفع الطن القصب من القصر، فسر ولا تلقين أحداً، عبيد الله بن زياد فمن دونه، إلا جئتني برأسه، وإن
راجعتني في أحد ضربت عنقك. قال: فصبح على باب القصر تلك الليلة سبعمائة رأس، ثم خرج الليلة الثانية فجاء بخمسين رأساً، ثم خرج الليلة الثالثة فجاء برأس واحد، ثم لم يجئ بعدها بشيء(١) .
زيد بن أرقم
هو زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاري، صحابي غزا مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سبعة عشر غزوة وشهد صفين مع عليعليهالسلام ، ومات بالكوفة سنة ٦٨هـ، له في كتب الحديث ٧٠ حديثاً.
ترجمته في كتب الصحابة، وتهذيب التهذيب: ج٣، ص٣٩٤، وخزانة البغدادي(٢) : ج١، ص٣٦٣.
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٦، ص ٢٠٤
٢ - ربيع الأبرار : ج ١ ، ص ٢٤٨
زيد بن ثابت وابنه عمرو بن زيد
كان زيد بن ثابت عثمانياً شديداً في ذلك، وكان عمرو بن ثابت عثمانياً، من أعداء عليعليهالسلام ومبغضيه، وعمرو بن زيد بن ثابت هو الذي روى عن أبي أيوب الأنصاري حديث: (ستة أيام من شوال).
روى عن عمرو أنه كان يركب ويدور القرى بالشام ويجمع أهلها، ويقول: أيها الناس، إن علياً كان رجلاً منافقاً، أراد أن ينخس برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة العقبة، فالعنوه، فيلعنه أهل تلك القرية، ثم يسير إلى القرية الأخرى، فيأمرهم بمثل ذلك، وكان في أيام معاوية(١) .
زيد بن حارثة مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
زيد الحب بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج ٤، ص ١٠٢ - ١٠٣
رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة واسمه عمرو وإنما سمي قضاعة لانه انقضع عن قومه، بن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ذكر ان أم زيد وهي سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طئ زارت قومها وزيد معها فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد فاحتملوا زيداً إذ هو يومئذ غلام يفعة قد أوصف فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي لعمته خديجة بنت خويلد بأربع مائة درهم فلما تزوجها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهبته له فقبضه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال:
بكيت على زيد ولمأدر ما فعل |
أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل |
|
فو الله ما أدري وإن كنت سائلاً |
أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل |
|
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة |
فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل |
|
تذكرنيه الشمس عند طلوعها |
وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل |
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره |
فيا طول ما حزني عليه ويا وجل |
|
سأعمل نص العيس في الأرض جاهداً |
ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل |
|
حياتي أو تأتي علي منيتي |
وكل امرئ فانٍ وإن غرَّه الأمل |
|
وأوصى به قيساً وعمرا كليهما |
وأوصى يزيداً ثم من بعدهم جبل(١) |
قال يريد جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد ويعني يزيد أخا زيد لأمه وهو يزيد بن كعب بن شراحيل.
وحج ناس من كلب فرأوا زيداً فعرفهم وعرفوه فقال: بلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي وقال:
ألِكن إلى قومي وإن كنت نائيا |
بأني قطين البيت عند المشاعر |
|
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم |
ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر |
__________________
١ - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد: ج٣، ص٤١، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج١٠، ص١٣٨، و: ج١٩، ص٣٤٧، أسد الغابة: ج٢، ص٢٢٤، الإصابة لابن حجر: ج٢، ص٤٩٥، المنتخب من ذيل المذيل للطبري: ص٣، سيرة بن هشام: ج١، ص١٦٤، تفسير القرطبي: ج١٤، ص١١٨، الدرجات الرفيعة لابن معصوم: ص٤٣٧، المستدرك للحاكم النيسابوري: ج٣، ص٢١٤.
فإني بحمد الله في خير أسرة |
كرام معد كابراً بعد كابر |
قال فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فقال ابني ورب الكعبة ووصفوا له موضعه وعند من هو فخرج حارث وكعب ابنا شراحيل بفدائه وقدما مكة فسألا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقيل: هو في المسجد فدخلا عليه فقالا: يا بن عبد الله يا بن عبد المطلب يا بن هاشم يا بن سيد قومه أنتم أهل الحرم وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء، قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فهل أنتم لغير ذلك قالوا: ما هو قال دعوه فخيَّروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت قال: فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، قال: من هما؟ قال: هذا أبي وهذا عمي قال: فإنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو
اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً أنت مني بمكان الأب والأم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً فلما رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني أرثه ويرثني فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام.
عن بن عباس فزوجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فطلقها زيد بعد ذلك فتزوجها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتكلم المنافقون في ذلك وطعنوا فيه وقالوا: محمد يحرم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه زيد(١) فأنزل الله جل جلاله:( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
__________________
١ - بحار الأنوار للمجلسي: ج٢٢، ص٢١٦، المبسوط للسرخسي: ج٣٠، ص٢٩٣.
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (١) ) ، وقال:( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ (٢) ) ، فدعي يومئذ زيد بن حارثة ودعي الأدعياء إلى آبائهم فدعي المقداد إلى عمرو وكان يقال له قبل ذلك المقداد بن الأسود وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري قد تبناه.
وقتل زيد في جمادي الأولى من هذه السنة (السنة ٨ للهجرة) وهو ابن خمس وخمسين سنة وكان يكنى أبا أسامة فيما قيل.
فقال محمد بن عمر حدثنا حسن بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان بين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين زيد عشر سنين، رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكبر منه وكان زيد رجلاً قصيراً آدم شديد الأدمة في أنفه فطس(٣) ،
__________________
١ - (الأحزاب:٤٠).
٢ - (الأحزاب: من الآية٥).
٣ - الأدمة: سمرة الجلد يريد انه شديد السمرة، والفطس: عرض قصبة الأنف وقيل انخفاض قصبة الأنف وتطامنها وانتشارها - وهي كالعاهة - لسان العرب.
وكان يكنى أبا أسامة وشهد زيد بدراً وأحداً واستخلفه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على المدينة حين خرج إلى المريسع، وشهد الخندق والحديبية وخيبر وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله(١) صلىاللهعليهوآلهوسلم
وجاء في أسرار الإمامة:
اشتراه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بمال خديجة من سوق عكاظ ووهبته خديجة محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم اعتقته. وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (( زيد ابني)) واشتهر زيد بـ ((ابن محمد)).
فأراد الله للحسن والحسينعليهمالسلام بنوة الرسول وخلافته، فنزل الوحي:( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ (٢) ) ، لم يترك الناس هذا الإعتزاء(٣) - يعني زيد بن محمد - ثم نزل ثانياً قوله:( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
__________________
١ - ذيل المذيل ملحق كتاب تاريخ الطبري: ج٨ ، ص٣ - ٤.
٢ - (الأحزاب: من الآية٥).
٣ - لم نجد له معنى في لسان العرب. المؤلف.
عَلِيماً (١) ) ، فلم يترك الناس ذلك الانتساب، فنزل الوحي ثالثاً بتطليق زيد امرأته، وأمر الله تعالى فزوجها بعد العدة ليعلم الناس انه ليس بابن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وانما ابنه الحسن والحسينعليهمالسلام ليصح خلافتهما ووراثتهما بعده منه(٢) .
زيد الشهيد
هو أحد أباة الضيم، ومن متقدمي علماء أهل البيت، قد اكتنفته الفضائل من شتى جوانبه، علمٌ متدفق، وورع موصوف، وبسالة معلومة، وشدة في البأس، وشمم يخضع له كل جامع، وإباء يكسح عنه أي ضيم، كل ذلك موصول بشرف نبوي، ومجد علوي، وسؤدد فاطمي، وروح حسيني.
والشيعة عن بكرة أبيها لا تقول فيه إلا بالقداسة، وترى من واجبها تبرير كل عمل له من جهاد ناجع، ونهضة
__________________
١ - (الأحزاب: ٤٠).
٢ - أسرار الإمامة للطبرسي : ص ٣٧٠
كريمة، ودعوة إلى الرضا من آل محمد، تشهد بذلك كله أحاديث أسندوها إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونصوص علمائهم، ومدائح شعرائهم، وتأبينهم له، وإفراد مؤلفيهم أخباره بالتدوين.
أما الأحاديث فمنه قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للحسين السبط: ((يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس يدخلون الجنة بغير حساب))(١)
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه: ((إنه يخرج ويُقتل بالكوفة ويصلب بالكناسة، يخرج من قبره نبشاً، وتفتح لروحه أبواب السماء، وتبتهج به أهل السماوات والأرض))(٢)
وقول أمير المؤمنينعليهالسلام وقد وقف على موضع صلبه بالكوفة فبكى وبكى أصحابه، فقالوا له: ما الذي أبكاك؟ قال: ((ان رجلاً من ولدي يصلب في هذا الموضع، من رضي ان ينظر إلى عورته أكبه الله على
__________________
١ - عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق: ج٢، ص٢٢٦.
٢ - نفس المصدر: ج١، ص٢٥٠، والأمالي للصدوق: ص٩٤.
وجهه في النار))(١) .
وقول الإمام الباقرعليهالسلام : اللهم اشدد أزري بزيد، وكان إذا نظر إليه يتمثل:
لعمرك ما إن أبو مالك |
بواه ولا بضعيف قواه |
|
ولا بالألد له وازع |
يعادي أخاه إذا ما نهاه |
|
ولكنه هين لين |
كعالية الرمح عرد نساه |
|
إذا سدته سدت مطواعة |
ومهما وكلت إليه كفاه |
|
أبو مالك قاصر فقره |
على نفسه ومشيع غناه(٢) |
ودخل عليه زيد فلما رآه تلا:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ (٣) ) ثم قال: أنت والله يا زيد من أهل ذلك.
وقول الصادقعليهالسلام : إنه كان مؤمناً،
__________________
١ - كتاب الملاحم لابن طاووس في الباب: ٣١، ص١٢٠، ميزان الحكمة: ج٣، ص٢٣٢٣.
٢ - الأغاني: ج٢٠، ص١٢٧.
٣ - (النساء: من الآية١٣٥).
وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صدوقاً، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو ملك لعرف كيف يصنعها.
وقوله الآخر لما سمع قتله: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عمي إنه كان نعم العم، إن عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسين مضى والله شهيداً(١) .
وقوله الآخر: إن زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، وإنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه(٢) .
وقوله الآخر في حديث: أما الباكي على زيد فمعه في الجنة، أما الشامت فشريك في دمه.
وقول الرضاعليهالسلام : إنه كان من علماء آل محمد غضب لله فجاهد أعداءه حتى قتل(٣) .
__________________
١ - عيون أخبار الرضا: ج٢، ص٢٢٨.
٢ - الكافي للكليني: ج٨ ، ص٢٦٤.
٣ - عيون أخبار الرضا: ج٢، ص٢٢٥.
وللكميت من هاشمياته قصيدة يرثي بها زيد بن علي مطلعها:
ألا هل عم في رأيه متأمل؟! |
وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبل؟! |
وله في زيد:
يعزُّ على أحمـــد بالذي |
أصاب ابنه أمس من يوسف |
|
خبيث من العصبة الأخبثين |
وإن قلت: زانين لم أقذف |
وقال السيد الحميري كما في تاريخ الطبري:
بت ليلي مسهدا |
ساهر الطرف مقصدا |
|
ولقد قلت قولة |
وأطلت التبلدا |
|
لعن الله حوشباً |
وخراشاً ومزبدا |
|
ويزيداً فإنه |
كان أعتى وأعندا |
|
ألف ألف وألف ألف |
من اللعن سرمدا |
|
إنهم حاربوا الإله |
وآذوا محمدا |
شركوا في دم المطهر |
زيدٍ تعندا |
|
ثم عالوه فوق جذع |
صريعاً مجردا |
|
يا خراش بن حوشب |
أنت أشقى الورى غدا(١) |
وللشيخ جعفر نقدي قصيدة في رثائه أولها:
يا منزلاً بالبلاغيين أرسمه |
بكيت شجواً على بعد متيَّمه(٢) |
قال السيد عبد الرزاق المقرَّم:
قال المحدّث النوري في رجال مستدرك الوسائل: ((ان زيد بن علي جليل القدر عظيم الشأن كبير المنزلة، وأما ما ورد مما يوهم خلاف ذلك مطروح أو محمول على التقية))(٣) .
وقال الشيخ المفيد:
كان زيد بن علي بن الحسينعليهالسلام عين
__________________
١ - تاريخ الطبري: ج٨ ، ص٢٧٨.
٢ - الغدير للعلامة الأميني: ج٣، ص٩٧ - ١٠٢.
٣ - زيد الشهيد، عبد الرزاق المقرّم: ص٤٣.
أخوته بعد أبي جعفرعليهالسلام أفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً، سخياً شجاعاً، يضرب بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأخذ بثأر الحسينعليهالسلام (١)
وفي عيون أخبار الرضا:
عن محمد بن يزيد النحوي عن ابن أبي عبدون عن أبيه: لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وكان قد خرج بالبصرة وأحرق دور بني العباس وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضاعليهالسلام وقال:
يا أبا الحسن؛ لأن خرج أخوك وفعل ما فعل، لقد خرج من قبله زيد بن علي فقتل، ولولا مكانتك لقتلته فليس ما أتاه بصغير.
فقال الرضاعليهالسلام : لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي فإنه كان من علماء آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم غضب لله عز وجل فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني ابن موسى بن جعفر انه سمع أباه جعفر بن
__________________
١ - الإرشاد ، الشيخ المفيد : ص ٢٥١
محمد يقول: رحم الله عمي زيداً، انه دعا إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له:
يا عم ان رضيت ان تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك، فلما ولى قال جعفر بن محمد: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه.
فقال المأمون: يا أبا الحسن؛ أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء؟
فقال الرضاعليهالسلام : ان زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، وانه كان أتقى لله في ذاك انه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد، وانما جاء فيمن يدعي انه الله نص عليه ثم يدعو إلى غير دين الله ويضل عن سبيله بغير علم، وكان زيد بن علي والله ممن خوطب بهذه الآية:( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (١) )
وروى الكليني في روضة الكافي مسنداً عن الإمام الصادقعليهالسلام انه قال:
لا تقولوا خرج زيد، فإن زيد كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، إنما دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفا بما دعاكم إليه، انما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه(٢) .
وفي إرشاد المفيد قال: ولما قتل بلغ من أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ، كل مبلغ، وحزن له حزناً عظيماً حتى بان عليه، وفرق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار(٣) .
زيد بن عمرو
جاء في الأغاني(٤) :
__________________
١ - (الحج:٧٨). عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق: ج٢، ص٢٢٥.
٢ - الكافي: ص٢٦٤.
٣ - الاحتجاج: ج٢، ص١٣٢ - ١٣٣، الهامش.
٤ - الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: ج٣، ص١١٩ =
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمه جيداء بنت خالد بن جابر بن أبي حبيب بن فهم. كان زيد بن عمرو أحد من اعتزل عبادة الأوثان، وامتنع من أكل ذبائحهم، وكان يقول: يا معشر قريش أيرسل الله مطر السماء، وينبت بقل الأرض، ويخلق السائمة(١) فترعى فيه وتذبحوها لغيره، والله ما أعلم على ظهر الأرض أحداً على دين إبراهيم غيري.
كان الخطَّاب بن نفيل أبا عمر قد أخرج زيد بن عمرو من مكة وجماعة من قريش ومنعوه ان يدخلها حين فارق أهل الأوثان، وكان أشدهم عليه الخطاب بن نفيل. وكان عمرو إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال: لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقاً، البر أرجو لا الخال(٢) وهو مهجّر(٣)
__________________
= ١٢١.
١ - السائمة: للشاة.
٢ - الخال: الخيلاء والكبرياء.
٣ - مهجّر: سار في الهاجرة: أي نصف النهار =
كمن قال(١) ، ثم يقول:
عدت بما عاد به إبراهيم |
مستقبل الكعبة وهو قائم |
|
يقول أنفي لك عان راغم |
سهماً تجشمني فإني جاشم(٢) |
قيل: ان زيد بن عمرو خرج إلى الشام يسأل عن الدين، ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: لعلي أدين بدينكم فاخبرني بدينكم، فقال اليهودي: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، فقال زيد
__________________
= عند اشتدادها.
١ - قال: تظلل وتفيأ.
٢ - أي كلفني على مشقة، مسند أبي داود الطيالسي: ص٣٢، المعجم الكبير للطبراني: ج١، ص١٥٢، دلائل النبوة للأصبهاني: ص٨٠ ، الفايق في غريب الحديث للزمخشري: ج٣، ص١٨٤، التبيان للطوسي: ج١، ص٤٤٩ (بخلاف بسيط)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج١٩، ص٤٩٦، أسد الغابة لابن الأثير: ج٢، ص٢٣٨، البداية والنهاية: ج٢، ص٢٩٨، سيرة ابن هشام الحميري: ج١، ص١٥١، السيرة النبوية لابن كثير: ج١، ص١٥٧.
بن عمرو: لا أفر من غضب الله، وما أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه إلا ان يكون حنيفاً، فقال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، فخرج من عنده وتركه، فأتى عالماً من علماء النصارى فقال له نحواً مما قال لليهودي، فقال له النصراني: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، فقال: إني لا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحواً مما قال اليهودي: لا أعلمه إلا ان يكون حنيفاً، فخرج من عندهما وقد رضي بما أخبراه واتفقا عليه من دين إبراهيم، فلما برز رفع يديه وقال: الله [إني] على دين إبراهيم. وله:
أسلمت وجهي لمن أسلمت |
له المزن تحمل عذباً زلالا |
|
وأسلمت وجهي لمن أسلمت |
له الأرض تحمل صخراً ثقالا |
دحاها فلما استوت شدها |
سواءً وأرسى عليها الجبالا(١) |
زيد بن وهب الجهني الكوفي
من الرواة وأحد رجال الصحاح الست، اشتغل بجمع ونشر خطب وأقوال الإمام عليعليهالسلام كان من سكان الكوفة مصاحباً لعليعليهالسلام واشترك مع الإمام في حروبه، وقد أثنى عليه الرجاليون واعتبروه في الزمرة الموثقة وعنه كتب الشيخ الطوسي:
له كتاب خطب أمير المؤمنينعليهالسلام على المنابر في الجُمع والأعياد وغيرها.
وعبر موارد عديدة من كتاب ((صفين)) القيَّم نستدل على حضور زيد بن وهب في حرب صفين، وقد نقل نصر بن مزاحم عدداً
__________________
١ - تفسير القرطبي: ج١٩، ص٢٠٥، فتح القدير للشوكاني: ج٥، ص٣٧٩، تاريخ مدينة دمشق: ج١٩، ٥١٦، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج١، ص١٣٣، البداية والنهاية لابن كثير: ج٢، ص٣٠٠، السيرة النبوية لابن كثير: ج١، ص١٦٣.
من خطب الإمام عليعليهالسلام وأقوال الآخرين في هذه المعركة عبر زيد. وقد ذكر الرجالي الكبير العلامة آقا بزرگ الطهراني هذه الصحيفة وعلق عليها بالرجوع إلى المصادر المتعددة(١) .
__________________
١ - معجم أحاديث البحار : ص ٣٤
حرف السين
سبط ابن الجوزي
أبو المظفر يوسف بن قزغلي البغدادي.
كان عالماً فاضلاً مؤرخاً كاملاً له كتاب تذكرة خواص الأمة بذكر خصائص الأئمةعليهمالسلام ومرآة الزمان في تاريخ الأعيان في نحو أربعين مجلداً.
عن الذهبي قال: يأتي فيه بمناكير الحكايات وما أظنه بثقة بل يبخس ويجازف ثم انه يترفض(١) .
قال ابن خلكان في أحوال الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة الشيباني الأديب الفاضل الذي كان وزيراً في أيام المقتفى لأمر
__________________
١ - وقد علّق الحاج خليفة على قول الذهبي: ((هذا من الحسد، فإنه في غاية التحرير، ومن أرخ بعده فقد تطفل عليه، لاسيما الذهبي والصفدي، فإن قولهما منه في تاريخهما)) فظهر ان لا ذنب له إلا ((الترفض))!! راجع كشف الظنون: ج٢، ص١٦٤٧.
الله والمستنجد بالله توفي سنة ٥٦٠ ما هذا لفظه: وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلى بن عبد الله سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه مرآة الزمان ورأيته بدمشق في أربعين مجلداً وجميعه بخطه وكان أبوه قزغلى مملوك عون الدين بن هبيرة المذكور وزوجه بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج المذكور فأولدها شمس الدين فولاؤه له.
توفي سنة ٦٥٤ بدمشق ودفن في جبل قاسيون(١) .
السدي
أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي المفسر المعروفة أقواله في كتاب التبيان وغيره كان نظير مجاهد وقتادة والكلبي والشعبي ومقاتل ممن يفسرون القرآن الكريم بآرائهم عده
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٠٥ - ٣٠٦.
الشيخ في أصحاب السجاد والباقرينعليهمالسلام وعن ابن حجر انه صدوق متهم رمى بالتشيع من الرابعة.
وعن السيوطي انه قال في الإتقان أمثل التفاسير تفسير إسماعيل السدي، روى عنه الأئمةعليهمالسلام مثل الثوري وشعبة انتهى.
أدرك أنس بن مالك ورأى الحسين بن عليعليهالسلام
توفي في حدود سنة ١٢٨ وهو السدى الكبير والسدى الصغير حفيده محمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي(١) .
السريعي
روى أصحابنا: ان أبا محمد الحسن السريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمدعليهمالسلام ، وهو أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه من قبل صاحب الزمانعليهالسلام
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص ٣١١
وكذب على الله وحججهعليهمالسلام ، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وكذلك كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسنعليهالسلام ، فلما توفي ادعى البابية لصاحب الزمان، ففضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والغلو والتناسخ، وكان يدعي انه رسول نبي أرسله علي بن محمدعليهالسلام ، ويقول بالإباحة للمحارم، وكان أيضاً من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي، وقد كان من قبل في عدد أصحاب أبي محمدعليهالسلام ، ثم تغير عما كان عليه وأنكر بابية أبي جعفر محمد بن عثمان، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الأمر والزمان وبالبراءة منه، في جملة من لعن وتبرأ منه.
وكذا كان أبو طاهر محمد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور الحلاج، ومحمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقري، لعنهم الله، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم جميعاً، على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (ره) ونسخته:
((عرَّف أطال الله بقاك! وعرفك الله الخير كله وختم به عملك، من تثق بدينه وتسكن إلى نيته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأن (محمد بن علي المعروف بالشلمغاني) عجل الله له النقمة ولا أمهله، قد ارتد عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله وادعى ما كفر معه بالخالق جل وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً.
وانا برئنا إلى الله تعالى والى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعناه عليه لعاين الله تترى، في الظاهر منا والباطن، في السر والجهر، وفي كل وقت وعلى كل حال، وعلى كل من شايعه وبلغه هذا القول منا فأقام على تولاه بعده.
اعلمهم تولاك الله! اننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه ممن تقدمه من نظرائه، من: (السريعي، والنميري، والهلالي، والبلالي) وغيرهم. وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده
عندنا جميلة، وبه نثق وإياه نستعين وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل))(١) .
قال الشيخ الطوسىرحمهالله :
((ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية لعنهم الله)) أولهم المعروف بالسريعي (أخبرنا) جماعة عن أبي محمد التلعكبري، عن أبي علي محمد بن همام (قال): كان السريعى يكنى: ب (أبي محمد) (قال) هارون: وأظن اسمه كان (الحسن)، وكان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمد ثم الحسن بن علي بعدهعليهمالسلام (٢)
وهو أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله وعلى حججهعليهالسلام ، ونسب إليهم ما لا يليق بهم، وما هم منه براء، فلعنته الشيعة وتبرأت منه، وخرج توقيع الإمامعليهالسلام بلعنه والبراءة منه.
(قال) هارون: ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد.
__________________
١ - الاحتجاج: ج٢، ص٢٨٩ - ٢٩٠.
٢ - الغيبة للطوسي: ص٢٤٤.
(قال) وكل هؤلاء المدعين انما يكون كذبهم أولاً على الإمام وانهم وكلاؤه، فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم، ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغانى ونظرائه عليهم جميعاً لعائن الله تترى.
(ومنهم): محمد بن نصير النميري (قال ابن نوح): اخبرنا أبو نصر هبة الله بن محمد (قال): كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن عليعليهالسلام فلما توفى أبو محمد ادعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان انه صاحب إمام الزمان، وادعى له البابية، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعن أبي جعفر محمد بن عثمان له وتبريه منه، واحتجابه عنه، وادعى ذلك الأمر بعد السريعى.
(قال أبو طالب الأنباري) لما ظهر محمد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر رضي الله عنه وتبرأ منه، فبلغه ذلك فقصد أبا جعفر رضي الله عنه ليعطف بقلبه عليه أو يعتذر إليه فلم يأذن له وحجبه
ورده خائباً.
(وقال) سعد بن عبد الله. كان محمد بن نصير النميري يدعي انه رسول نبي وان علي بن محمدعليهالسلام أرسله، وكان يقول بالتناسخ، ويغلو في أبي الحسنعليهالسلام ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم: ان ذلك من التواضع والإخبات والتذلل في المفعول به، وانه من الفاعل إحدى الشهوات والطيبات، وان الله عز وجل لا يحرم شيئاً من ذلك، وكان محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات يقوى أسبابه ويعضده.
(اخبرني) بذلك عن محمد بن نصير أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان: انه رآه عياناً وغلام على ظهره.
(قال): فلقيته فعاتبته على ذلك فقال: ان هذا من اللذات، وهو من التواضع لله وترك التجبر.
(قال) سعد: فلما اعتل محمد بن نصير العلة التي توفي فيها، قيل له وهو مثقل اللسان: لمن هذا الأمر من بعدك؟
فقال بلسان ضعيف ملجاج: أحمد فلم
يدروا من هو، فافترقوا بعده ثلاث فرق(١) .
__________________
١ - الاحتجاج: ج٢، ص ٢٩٠ - الهامش.
سعد بن أبي وقاص
سعد بن أبي وقاص، لما أنهي إليه ان علياً صلوات الله عليه قتل ذا الثدية أخذه ما قدم وما أخر وقلق ونزق وقال: والله لو علمت ان ذلك كذلك لمشيت إليه ولو حبواً. ولما قدم معاوية دخل إليه سعد وقال له يا أبا إسحاق ما الذي منعك ان تعينني على الطلب بدم الإمام المظلوم؟ فقال: كنت أقاتل معك علياً وقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فقال: أنت سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: نعم وإلا صمتا قال: أنت الآن أقل عذراً في القعود عن النصرة فوالله لو سمعت هذا من رسول الله ما قاتلته(١) .
وكان سعد بن أبي وقاص من قادة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في غزواته لكنه اعتزل ولم يبايع علياًعليهالسلام فيمن اعتزل والذين قال عنهم أمير المؤمنينعليهالسلام : خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل.
__________________
١ - علل الشرائع للصدوق : ج ١ ، ص ٢٦٠
سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي
قال الشيخ في باب أصحاب العسكري : ص ٤٣٨: ((عاصرهعليهالسلام ولم أعلم انه روى عنه)).
وقال العلامة في القسم الأول من الخلاصة: ص ٧٨: ((يكنى أبا القاسم، جليل القدر واسع الأخبار، كثير التصانيف، ثقة، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجيهها ولقي مولانا أبا محمد العسكريعليهالسلام
توفي سعدرحمهالله سنة إحدى وثلاثمائة. وقيل: سنة تسع وتسعين ومائتين. وقيل: ماترحمهالله يوم الأربعاء لسبع وعشرين من شوال سنة ثلاثمائة، في ولاية رستم(١) .
سعد بن معاذ
أنزل الله في بني قريظة:( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي : ج٢، ص ٢٦٨ ، الهامش.
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (١) )
لما دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة (بعد حرب الأحزاب) واللواء معقود أراد ان يغتسل من الغبار فناداه جبرائيل عذيرك من محارب! والله ما وضعت الملائكة لامتها فكيف تضع لامتك! ان الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة فاني متقدمك ومزلزل بهم حصنهم إنا كنا في آثار القوم نزجرهم زجراً حتى بلغوا حمراء الأسد فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاستقبله حارثة بن نعمان فقال له: ما الخبر يا حارثة؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا دحية الكلبي ينادي في الناس ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة، فقال: ذاك جبرائيل ادع لي علياً فجاء عليعليهالسلام فقال له: ناد في الناس لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فجاء أمير
__________________
١ - ( الأحزاب : ٢٦ - ٢٧ )
المؤمنينعليهالسلام فنادى فيهم، فخرج الناس فبادروا إلى بني قريظة وخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلي بن أبي طالبعليهالسلام بين يديه مع الراية العظمى وكان حي بن أخطب لما انهزمت قريش جاء فدخل حصن بني قريظة، فجاء أمير المؤمنينعليهالسلام وأحاط بحصنهم فأشرف عليهم كعب بن اسيد من الحصن يشتمهم ويشتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقبل رسول الله على حمار فاستقبله أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تدن من الحصن، فقال رسول الله يا علي لعلهم شتموني انهم لو قد رأوني لأذلهم الله ثم دنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من حصنهم فقال: يا أخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت! أتشتموني إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم، فأشرف عليهم كعب بن اسيد من الحصن فقال: والله يا أبا القاسم! ما كنت جهولاً فاستحيي رسول الله حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله، وكان حول الحصن نخل كثير فأشار إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده فتباعد عنه وتفرق في المفازة وأنزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم العسكر حول حصنهم فحاصرهم ثلاثة أيام فلم
يطلع أحد منهم رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال بن شمول فقال: يا محمد! تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير أحقن دماءنا ونخلي لك البلاد وما فيها ولا نكتمك شيئاً، فقال: لا أو تنزلون على حكمي؟ فرجع وبقوا أياماً فبكت النساء والصبيان إليهم وجزعوا جزعاً شديداً، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأمر بالرجال فكتفوا وكانوا سبعمائة وأمر بالنساء فعزلن وقامت الأوس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا يا رسول الله حلفاءنا وموالينا من دون الناس نصرونا على الخزرج في المواطن كلها وقد وهبت لعبد الله بن أبي سبع مائة ذراع وثلاثمائة حاسر في صحيفة واحدة ولسنا نحن بأقل من عبد الله بن أبي، فلما أكثروا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لهم:
أما ترضون ان يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ فقالوا: بلى فمن هو؟ قال: سعد بن معاذ قالوا: قد رضينا بحكمه فأتوا به في محفة واجتمعت الأوس حوله
يقولون له: يا أبا عمرو اتق الله وأحسن في حلفائك ومواليك فقد نصرونا ببغات والحدايق والمواطن كلها، فلما أكثروا عليه قال لقد آن لسعد ان لا يأخذه في الله لومة لائم، فقالت الأوس واقوماه ذهبت والله بنو قريظة وبكت النساء والصبيان إلى سعد، فلما سكتوا قال لهم سعد: يا معشر اليهود أرضيتم بحكمي فيكم؟ فقالوا: بلى قد رضينا بحكمك وقد رجونا نصفك ومعروفك وحسن نظرك، فعاد عليهم القول فقالوا بلى يا أبا عمرو! فالتفت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إجلالاً له، فقال: ما ترى بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: احكم فيهم يا سعد! فقد رضيت بحكمك فيهم، فقال: قد حكمت يا رسول الله ان تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وذراريهم وتقسم غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والأنصار فقام رسول الله فقال قد حكمت بحكم الله من فوق سبع رقعة ثم انفجر جرح سعد بن معاذ فما زال ينزف الدم حتى قضى، وساقوا الأسارى إلى المدينة وأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأخدود فحفرت بالبقيع فلما أمسى أمر بإخراج رجل
رجل فكان يضرب عنقه.
فقال حي بن اخطب لكعب بن اسيد: ما ترى ما يصنع محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم بهم؟ فقال له: ما يسوءك أما ترى الداعي لا يقلع والذي يذهب لا يرجع فعليكم بالصبر والثبات على دينكم، فأخرج كعب بن اسيد مجموعة يديه إلى عنقه وكان جميلاً وسيماً فلما نظر إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال له يا كعب أما نفعتك وصية ابن الحواس الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام فقال تركت الخمر والخنزير وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث مخرجه بمكة ومهاجرته في هذه البحيرة يجتزى بالكسيرات والتميرات ويركب الحمار العري في عينيه حمرة بين كتفيه خاتم النبوة يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى منكم يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فقال: قد كان ذلك يا محمد! ولولا ان اليهود يعيروني اني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك ولكني على دين اليهود عليه أحيى وعليه أموت; فقال رسول الله: قدموه فاضربوا عنقه، فضربت ثم قدم حي بن اخطب فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
يا فاسق كيف رأيت صنع الله بك؟ فقال والله يا محمد! ما ألوم نفسي في عداوتك ولقد قلقلت كل مقلقل وجهدت كل الجهد ولكن من يخذل الله يخذل، ثم قال حين قدم للقتل:
لعمرك ما لام ابن اخطب نفسه |
ولكنه من يخذل الله يخذل |
فقدم وضرب عنقه فقتلهم رسول الله في البردين بالغداة والعشي في ثلاثة أيام وكان يقول: اسقوهم العذب واطعموهم الطيب واحسنوا إلى أسراهم، حتى قتلهم كلهم وأنزل الله على رسوله:( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (١) )
__________________
١ - تفسير القمي علي بن إبراهيم: ج٢، ص١٨٩ - ١٩٢، تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي: ج٤، ص٢٦٣، بحار الأنوار للمجلسي: ج٢٠، ص٢٣٦.
سعيد بن جبير
حدثنا جعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال قال:
اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي فقلت: أنا أسأل أبا عبد اللهعليهالسلام ، فلما دخلت ابتدأني فقال: رحم الله جابر الجعفي كان يصدق علينا، لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا.
حدثنا جعفر بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن جميل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ارتد الناس بعد الحسينعليهالسلام إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وجبير بن مطعم، ثم إن الناس لحقوا وكثروا.
سعيد بن العاص
يكنى أبا عثمان، كان سعيد من سادات بني أمية، قتل أبوه العاص بن سعيد مشركاً في بدر، وكان سعيد غلاماً فكساه النبي جبة وإليه تنسب الثياب
السعيدية، وهو أول من خش(١) الأبل في العظم.
مات سنة ٥٩هـ / ٦٧٨م(٢) .
جاء في قصص العرب(٣) تحت عنوان فقير عند سعيد بن العاص ما يلي:
قدم سعيد بن العاص(٤) الكوفة عاملاً عليها؛ فكانت له موائد يغشاها الأشراف والقرّاء فكان فيمن يغشى موائده رجل من القرّاء فقير؛ فقالت له امرأته يوماً: ويحك! انه يبلغنا عن أميرنا هنا كرم وجود(٥) ، فاذكر له بعض ما نحن فيه.
فتعشى عنده ذات ليلة، فلما انصرف الناس ثبت الرجل، فقال له سعيد: إني
__________________
١ - جاء في لسان العرب باب خشش: يقال لما يدخل في أنف البعير خشاشٌ لأنه يخش فيه، أي يدخل.
٢ - البيان والتبيين للجاحظ: ج٢، ص٧٣، الهامش.
٣ - قصص العرب: ج١، ص٣٠١.
٤ - سعيد بن العاص توفي سنة ٥٩هـ
٥ - إذا كان من ماله فهو إسراف وإن كان من بيت المال فهو حرام.
قد أرى جلوسك، وما جلست إلا ولك حاجة، فاذكرها، رحمك الله، فتعقد الرجل وتلعثم، فقال سعيد لغلمانه: تنحّوا، ثم قال له: رحمك الله لم يبق إلا أنا وأنت، فاذكر حاجتك، فتعقد أيضاً وتعصّى، فنفخ سعيد المصباح فأطفأه، ثم قال له: رحمك الله، انك لست ترى وجهي، فاذكر حاجتك، قال: أصلح الله الأمير، أصابتنا حاجة فأحببت ذكرها لك، قال له: إذا أصبحت فالق فلاناً وكيلي(١) .
إلى ان قال: فوجه معه نبلائه من السودان يحمل كل واحد بدرة(٢) على عاتقه، حتى أوردها منزله.
__________________
١ - حينما رآه هكذا غلبه الحياء أمام الأمير حتى انه أطفأ الضياء فقال حاجته، فلماذا تذهب ماء وجهه أيها الأمير أمام وكيلك وهو يأبى ذكر حاجته لك. في حين كان أهل البيتعليهمالسلام يعطون أعطياتهم للمحتاجين من أيديهم ومن خلف الباب (باب دورهم هم أي المحتاجين) فالإمام يذهب ليلته ليوزع العطاءات، ويمنع المعطى له من ان يرى وجهه كي لا يذهب ماء وجهه.
٢ - البدرة: الصرة من الدراهم.
فأطلق وكاء(١) بدرة منها، ووهب لهم منها دريهمات، وقال: انصرفوا، قالوا: إلى أين؟ ما حمل له مملوك قط هدية، فرجع في ملكه.
أقول (المؤلف): هكذا يتصرف الأمويون في بيت المال ويبذخون به إلى أتباعهم وعبّاد طريقتهم مما يظهر للجاهل ان فيهم كرم وسخاء، في حين انهم منعوا حتى العطاء على أهل بيت رسول الله بعد ان غصبوا منهم فدكاً التي كانت تدرّ إلى ما شاء الله من خيرات. فإنهم سرقوا وغصبوا أموال آل بيت المصطفى لينفقوها على مرتزقتهم وحاشيتهم والمتملقين لهم من الشعراء والقرّاء والقرآن يقول:( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢) ) ، والحديث يقول: رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، نعم الشعر إذا كان في مدح الظالم والقراءة إذا كانت للتقرب من الحاكم دونما العمل بما جاء في القرآن من نصرة الحق ونصرة
__________________
١ - الوكاء : الرباط
٢ - ( الشعراء : ٢٢٤ )
المظلوم ومحاربة الظالم، فإنها تكون هكذا حسب الروايات، وهكذا نقرأ في نفس المصدر ما يلي:
حبس معاوية عن الحسين بن علي صِلاته حتى ضاقت عليه حاله. والحسين هو ريحانة رسول الله وابن فاطمة التي هي فلذة كبده، وعبر عنها بأنها أم أبيها(١) .
وجاء في قصص العرب:
يُعشي الناس بالمدينة، والناس يخرجون أولاً أولاً، إذ نظر على بساطه إلى رجل قبيح المنظر، رث الهيئة، جالس مع أصحاب سمره، فذهب الشرط يقيمونه، فأبى ان يقوم، وحانت من سعيد التفاتة؛ فقال: دعوا الرجل، فتركوه، وخاضوا في أحاديث العرب وأشعارها كلياً، فقال لهم الحطيئة(٢) ،
__________________
١ - م. س: القصة ٨٤، ص٢١٤.
٢ - الحطيئة: هو أبو مليكة جروى بن أوس بن مالك العبسي، أحد الهجائين والمداجين المجيدين، عاش مدة في الجاهلية وجاء الإسلام فأسلم ومات سنة ٥٩هـ
والله ما أصبتم جيد الشعر ولا شاعر العرب، فقال له سعيد، أتعرف من ذلك شيئاً، قال: نعم، قال: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:
لا أعدّ الأقتار عُدماً ولكن |
فقد من رزئته الإعدام |
وأنشد القصيدة حتى أتى عليها.
فقال له: من يقولها؟ قال: أبو داود الأيادي، قال: ثم مَن؟ قال: الذي يقول:
أفلح بما شئت فقد يُدرَك بالجهل |
وقد يُخدّع(١) الأريب |
ثم أنشدها حتى فرغ منها؛ قال: ومن يقولها؟ قال: عبيد بن الأبرص، قال: ثم مَن؟ قال: لحسيك بن عبد رغبة أو رهبة إذا رفعت إحدى رجليّ على الأخرى، ثم عويت في إثر القوافي عواء الفصيل الصادي؛ قال: ومن أنت؟ قال: الحطيئة، فرحّب به سعيد، ثم قال: أسأت بكتماننا نفسك منذ الليلة ووصله وكساه(٢) .
__________________
١ - رجل مخدّع: خدع مراراً.
٢ - قصص العرب: ج١، القصة رقم ٨٧
سعيد بن خالد
جاء في شرح نهج البلاغة:
وروى الهيثم بن عدى عن مسعر بن كدام، قال: حدثنى سعيد بن خالد الجدلي قال:
لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس يعرضهم على فرائضهم، فحضرنا بين يديه، فقال: من القوم؟ قلنا: جديلة، فقال جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فأنشد:
عذير الحى من عدوان |
كانوا حية الأرض |
|
بغى بعضهم بعضاً |
فلم يرعوا على بعض |
|
ومنهم كانت السادا |
ـت والموفون بالقرض |
|
ومنهم حكم يقضى |
فلا ينقض ما يقضى |
|
ومنهم من يجيز النا |
س بالسنة والفرض |
ثم أقبل على رجل منا وسيم جسيم قدمناه أمامنا، فقال: أيكم يقول هذا الشعر؟ قال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: يقوله ذو الإصبع، فتركني وأقبل على ذلك الرجل الجسيم، فقال: ما كان اسم ذي الإصبع؟ قال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: اسمه حرثان، فتركني وأقبل عليه، فقال له: ولم سمى ذا الإصبع؟
قال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: نهشته حية في إصبعه، فأقبل عليه وتركني، فقال: من أيكم كان؟ فقال: لا أدرى فقلت أنا من خلفه: من بنى تاج الذين يقول الشاعر فيهم:
فأما بنو تاج فلا تذكرنهم |
ولا تتبعن عيناك من كان هالكا |
فأقبل على الجسيم، فقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة درهم، فأقبل على، وقال: وكم عطاؤك أنت: قلت أربعمائة، فقال: يا أبا الزعيزعة، حط من عطاء هذا ثلاثمائة، وزدها في عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائة(١)
سعيد بن المسيب
كان أفقه أهل الحجاز، وأعبر الناس للرؤيا، وقد جمع بين الحديث والفقه والنسك والتعبير.
ولد سنة ١٣هـ، ٦٣٤م، ومات سنة
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٨، ص٩٥.
٩٤هـ، ٧١٢م(١) .
__________________
١ - البيان والتبيين للجاحظ: ج٣، ص١٠٦، الهامش.
السفاح
أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أول خلفاء بني العباس.
قال المسعودي: بويع له بالخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الثاني سنة ١٣٢ وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر ومات بالأنبار في مدينته التي بناها وذلك في ١٢ ذي الحجة سنة ١٣٦ وكانت أمه أولاً تحت عبد الملك ابن مروان فكان له منها الحجاج بن عبد الملك فلما توفي عبد الملك تزوجها محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فولدت منه عبد الله بن محمد السفاح وعبيد الله وداود وميمونة.
وتقدم في ابن عباس ذكر والد السفاح وجده قيل لم يكن أحد من الخلفاء يحب مسامرة الرجال مثل السفاح وكان كثيراً ما يقول: إنما العجب ممن يترك ان يزداد علماً ويختار ان يزداد جهلاً فقال له أبو بكر الهذلي: ما تأويل هذا الكلام؟ قال: يترك مجالسة مثلك وأمثال
أصحابك ويدخل إلى امرأته وجاريته فلا يزال يسمع سخفاً ويروي نقصاً.
ذكره ابن الطقطقي في الفخري وقال:
كان كريماً حليماً وقوراً عاقلاً كثير الحياء حسن الأخلاق ولما بويع واستوثق له الأمر تتبع بقايا بني أمية ورجالهم فوضع السيف فيهم وفى بعض أيامه كان جالساً في مجلس الخلافة وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده:
لا يغرنك ما ترى من رجال |
ان تحت الضلوع داءاً دويا |
|
فضع السيف وارفع السوط حتى |
لا ترى فوق ظهرها أمويا(١) |
فالتفت سليمان فقال: قتلتني يا شيخ. ودخل السفاح واخذ سليمان فقتل.
ودخل عليه شاعر آخر وقد قدم الطعام وعنده نحو سبعين رجلاً من بني أمية فانشده:
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج ٧ ، ص ١٢٨.
أصبح الملك ثابت الأساس |
بالبهاليل من بني العباس |
|
طلبوا وتر هاشم فشفوها |
بعد ميل من الزمان وياس |
|
لا تقيلن عبد شمس عثاراً |
واقطعن كل رقلة وغراس |
|
أنزلوها بحيث أنزلها الله |
بدار الهوان والإتعاس |
|
واذكروا مصرع الحسين وزيد |
وقتيلاً بجانب المهراس |
|
والقتيل الذي بحران أضحى |
ثاوياً بين غربة وتناس(١) |
فالتفت أحدهم إلى من بجانبه وقال: قتلنا العبد ثم أمر بهم السفاح فضربوا بالسيوف حتى قتلوا وبسط النطوع عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً وبالغ بنو العباس في استئصال شافة بني أمية حتى نبشوا قبورهم بدمشق
__________________
١ - تاريخ اليعقوبي: ج٢، ص٣٥٩، فتح القدير للشوكاني: ج٢، ص٤٠٤، تاج العروس للزبيدي: ج٧، ص٢٣٩.
فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء ونبشوا قبر يزيد فوجدوا فيه حطاماً (عظاماً) كأنه الرماد.
قيل لقب بالسفاح لكثرة سفح دماء المارقين من بني أمية وغيرهم(١) .
__________________
١ - القمي ، م س : ج ٢ ، ص ٣١٤ - ٣١٦
سفيان الثوري
هو سفيان بن سعيد بن مروق، يكنى أبا عبد الله، وينسب إلى ثور بن عبد مناة أو ثور أطحل، وهو جبل، وكان يتشيع مع ورع شديد وتقوى ولأجل هذا توارى من السلطات حتى مات متوارياً بالبصرة ودفن عشاء فقال فيه الشاعر:
تحرز سفيان وفر بدينه |
وأمسى شريك مرصداً للدراهم |
كان مولده سنة ٩٧هـ، ٧١٥م وكانت وفاته سنة ١٦١هـ، ٧٧٧م(١) .
روي ان سفيان الثوري التقى الإمام الباقرعليهالسلام والإمام عائد تواً من مزرعته التي عمل بها في المدينة وأنهكه العمل وقد كان يتصبب عرقاً فأراد سفيان الوقيعة به فقال له: أراك تهالكت على الدنيا وأنت بهذا العمر تكد في مزرعتك فهل كان جدك علي بن
__________________
١ - البيان والتبيين للجاحظ: ج ٢، ص ٩٠، الهامش.
أبي طالب كذلك، فلماذا هذا الكد؟
فأجابه على الفور: اني أكد على عيالي كي لا أحتاج إنساناً مثلك(١) .
روى نصر عن عبد الله بن يونس، قال: سمعت سفيان بن سعيد المعروف بسفيان الثوري يقول: ما أشك ان طلحة والزبير بايعا علياً ما نقما عليه جوراً في حكم ولا استئثاراً بفيء، وما قتل علي أحد إلا وعلي أولى بالحق منه(٢) .
__________________
١ - القصة بالمضمون والمعنى لا بالنص، وهي موجودة في مصادرها وتدل على انحراف الرجل عن أهل البيتعليهمالسلام ( المؤلف).
٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٣، ص١٠٢.
سلافة
أم الإمام زين العابدين بن الحسين زوجة الحسين بن عليعليهمالسلام ، وهي ابنة يزدجرد بن شهريار بن كسرى ابرويز بن هرمز وكان يزدجرد آخر ملوك فارس.
وكانت سلافة تسمّى في قومها جهان شاه، حينما سبيت وخطبها الحسينعليهالسلام وقصة خطبتها معروفة حيث خطبها معاوية لابنه يزيد وأرسل لها من الشام المغيرة بن شعبة يطلب يدها لابنه، فزار هذا الأخير الحسين في المدينة وأعلمه بهدف مجيئه إلى المدينة فكلفه الحسين ان يخطبها له كذلك ولها الاختيار.
فلما دخل عليها وخبرها بطلب معاوية يدها لابنه يزيد وطلب الحسين بن علي كذلك وشرح لها حال كل منهما، اطمأنت لصدقه ووثقت به فاختارت الحسينعليهالسلام ، وأنجبت منه علياً(١) .
__________________
١ - فقال علىعليهالسلام لولده الحسين : ليلدن لك =
سلمان الفارسي
جاء في ربيع الأبرار للزمخشري:
سلمان الفارسي ويقال له سلمان الإسلام، وسلمان الخير، أصله من رامهرمز وقيل من اصبهان، واختلفوا فيما كان يقال له قبل إسلامه، قيل كان اسمه مابه (بكسر الموحدة) ابن بود، وقيل اسمه بهبود، قالوا: نشأ في قرية جيان، رحل إلى الشام فالموصل فنصيبين وعمورية يبتغي الدين الصحيح، لأنه أنكر المجوسية وعبادة النار، وقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من كلب فاستعبدوه، وباعوه، فاشتراه رجل من بني قريظة فجاء به إلى المدينة. وعلم سلمان بخبر الإسلام فقصد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بقباء وسمع كلامه ولازمه إياه وأبى ان يتحرر
__________________
= منها غلام خير أهل الأرض. انظر بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار: ص٣٥٥، ومثله في الكافي: ج١، ص٤٦٧، وقطب الدين الراوندي في الخرائج والجرائح: ج٢، ص٧٥٠، بحار الأنوار للمجلسي: ج٤٦، ص٩.
بالإسلام، فأعانه المسلمون على شراء نفسه من صاحبه، فأظهر إسلامه وآخى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بينه وبين أبي الدرداء، وهو الذي أشار بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، حتى اختلف عليه المهاجرون والأنصار كل منهم يقول سلمان منا، فقال رسول الله سلمان منا أهل البيت، واشترك في فتوح العراق، وتولى إمارة المدائن عند فتحها وأقام فيها حتى توفي بها، واختلف في سنة وفاته فقيل سنة اثنين أو ثلاث أو ست وثلاثين للهجرة.
وقبره معروف في ناحية سميت باسمه ((سلمان باك)) أي الطاهر وهي في جنوب شرقي بغداد، يقال انه عاش عمراً طويلاً وفي تقدير عمره روايات لا تخلو من مبالغة، وكان زاهداً إذا خرج عطاءه تصدق به، وينسج الخوص ويأكل خبز الشعير من كسب يده. ولابن بابويه القمي كتاب أخبار سلمان وزهده
وفضائله، ومثله للجلودي(١) .
قال المسعودي في مروج الذهب:
كان يلبس الصوف، ويركب الحمار ببرذعته بغير لحاف، ويأكل خبز الشعير، وكان ناسكاً زاهداً، فلما احتضر بالمدائن قال له سعد بن أبي وقاص: أوصني يا أبا عبد الله، قال: نعم، قال: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا اقتسمت، فجعل سلمان يبكي، فقال له: يا أبا عبد الله ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ((ان في الآخرة عقبة لا يقطعها إلا المخفون)) وأرى هذه الأساورة حولي، فنظروا فلم يجدوا في البيت إلا أداوة وركوة، ومطهرة(٢) .
__________________
١ - ربيع الأبرار: ج١، ص٤٠، الهامش. ترجمته في كتب الصحابة وطبقات ابن سعد: ج٤، ص٥٢، وتهذيب ابن عساكر: ج٦، ص١٨٨، وحلية الأولياء: ج١، ٩٨٥، وصفوة الصفوة: ج١، ص٢١٠، والمسعودي: ج١، ص٣١٠، ومحاسن اصفهان: ص٢٣، والذريعة: ج١، ص٣٣٢.
٢ - مروج الذهب طبع قم: ج٢، ص٣٠٦ - ٣٠٧.
كتب جعفر الخليلي في العتبات المقدسة:
أبو عبد الله سلمان الفارسي، أو سلمان الخير، أو سلمان المحمدي.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (( سلمان منا أهل البيت)) وهو أحد النجباء.
قالت السيدة عائشة: كان لسلمان مجلس من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينفرد به بالليل، كان يغلبنا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو أحد الأربعة الذين اشتاقت لهم الجنة، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي وسلمان وعمار وبلال، وهو أحد الذين يغضب الله لغضبهم.
وفي الاستيعاب ان أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال، في جماعة فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله؟ فسمعهم أبو بكر فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ وجاء إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبي بكر: لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك جل وعلا. فأتاهم أبو بكر فقال لعلي أأغضبتكم أيها الأخوة؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.
كان سلمان من الشيعة الأوائل، وتشيعه لعلي كان عن إيمان، وصدق، ويقين، فقد كان يحدّث الناس ويقول: ((بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والإئتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي: أنت وصيي وخليفتي من أهلي بمنزلة هارون من موسى، أما والله لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم)).
قصد سلمان المدينة فوقع في الأسر، وبيع في المدينة. ولما جاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إليها اشتراه - في حديث طويل - واشترك في مشاهد الرسول كلها، ولما توفي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لازم علياً وامتنع عن بيعة أبي بكر كما تقدم، لأنه كان ممن يؤمن بإمامة علي ، وكان سلمان ينفق عطاءه البالغ خمسة آلاف، وهو عطاء أهل بدر، ويعيش بكد يده.
ولاه عمر على المدائن ومات فيها سنة (٣٦هـ)(١) .
__________________
١ - موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي: ج١، ص٣٥٤ - ٣٥٥.
قال ابن شهر آشوب: الصحيح ان أول من صنف أمير المؤمنينعليهالسلام ثم سلمان الفارسي، وقال السيد الصدر:
أول من صنف في الآثار مولانا أبو عبد الله سلمان الفارسي رضي الله عنه، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، صنف كتاب حديث جاثليق الرومي، الذي بعثه ملك الروم بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تُعَدُّ هذه الصحيفة في الحقيقة تقرير الحديث الذي دار بين عليعليهالسلام وأسقف روما الأعظم حيث جاء ذكر مقاطع منها في المصادر الروائية(١) .
لو كانت قناعة لم تكن ركوتي مرهونة
عن أبي جعفر الثاني، عن آبائهعليهمالسلام قال:
دعا سلمان أبا ذر رحمة الله عليهما إلى منزله فقدم إليه رغيفين، فأخذ أبو ذر الرغيفين يقلبهما، فقال له سلمان: يا أبا ذر لأي شيء تقلب هذين الرغيفين؟ قال: خفت أن لا يكونا نضيجين، فغضب سلمان من ذلك غضباً
__________________
١ - مقدمة معجم البحار : ص ٣١
شديداً، ثم قال: ما أجرأك حيث تقلب هذين الرغيفين؟ فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش، وعملت فيه الملائكة حتى ألقوه إلى الريح، وعملت فيه الريح حتى ألقته إلى السحاب، وعمل فيه السحاب حتى أمطره إلى الأرض، وعمل فيه الرعد والملائكة حتى وضعوه مواضعه، وعملت فيه الأرض والخشب والحديد و البهائم والنار والحطب والملح، ومالا أحصيه أكثر، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟ فقال أبو ذر: إلى الله أتوب، وأستغفر الله مما أحدثت، وإليك أعتذر مما كرهت، قال: ودعا سلمان أبا ذر رحمة الله عليهما ذات يوم إلى ضيافة فقدم إليه من جرابه كسراً يابسة وبلها من ركوته، فقال أبو ذر: ما أطيب هذا الخبز لو كان معه ملح، فقام سلمان وخرج فرهن ركوته بملح وحمله إليه، فجعل أبو ذر يأكل ذلك الخبز ويذر عليه ذلك الملح
ويقول: الحمد لله الذي رزقنا هذه القناعة، فقال سلمان: لو كانت قناعة لم تكن ركوتي مرهونة(١) .
طريفة: دخل جدي المرحوم الشيخ حسين مشكور على خاله العلامة الزاهد الشيخ علي القمي المعروف بزهده فرآه يأكل الدجاج، فاستغرب من وضعه، فالتفت الشيخ علي إلى الشيخ حسين وقال: الزهد هو ان تأكل كل ما تجد فإن كان دجاجاً فزهداً وإن كان خبزاً يابساً فزهداً ونأكله بقناعة(٢) .
وفي كتاب الاحتجاج للطبرسي:
احتجاج سلمان الفارسي رضي الله عنه في خطبة خطبها بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، على القوم لما تركوا أمير المؤمنينعليهالسلام واختاروا غيره ونبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام قال: خطب سلمان الفارسيرحمهالله بعد ان دفن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بثلاثة أيام فقال
__________________
١ - بحار الأنوار : ج ٢٢ ، ص ٣٣٠
٢ - المؤلف
فيها:
ألا يا أيها الناس: اسمعوا عنى حديثي، ثم اعقلوه عني، ألا واني أوتيت علماً كثيراً، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ، لقالت طائفة منكم: هو مجنون، وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان، ألا ان لكم منايا، تتبعها بلايا، ألا وان عند عليعليهالسلام علم المنايا، والبلايا، وميراث الوصايا وفصل الخطاب، وأصل الأنساب، على منهاج هارون بن عمران من موسىعليهالسلام إذ يقول له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت وصيي في أهل بيتي، وخليفتي في أمتي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، ولكنكم أخذتم سنة بنى إسرائيل، فأخطأتم الحق فانتم تعلمون ولا تعلمون، أما والله لتركبن طبقاً عن طبق، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة أما والذي نفس سلمان بيده: لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم، ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش لكم سهم من فرائص
الله ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره فابشروا بالبلايا، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم.
عليكم بآل محمد، فانهم القادة إلى الجنة، والدعاة إليها يوم القيامة.
عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وأمرة المؤمنين، مراراً جمة مع نبينا، كل ذلك يأمرنا به، ويؤكده علينا فما بال القوم؟ عرفوا فضله فحسدوه، وقد حسد هابيل قابيل فقتله، وكفاراً قد ارتدت أمة موسى بن عمران، فأمر هذه الأمة كأمر بني إسرائيل، فأين يذهب بكم؟
أيها الناس ويحكم ما لنا وأبو فلان وفلان؟! أجهلتم أم تجاهلتم؟ أم حسدتم أم تحاسدتم؟ والله لترتدن كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة، ألا واني أظهرت أمري، وسلمت لنبيي، واتبعت مولاي
ومولى كل مؤمن ومؤمنة علياً أمير المؤمنينعليهالسلام وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وإمام الصديقين، والشهداء والصالحين(١) .
سليمان بن صرد الخزاعي
سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون الخزاعي يكنى أبا المطرف.
نزل الكوفة وابتنى بها داراً في خزاعة وورد المدائن وبغداد وحضر صفين مع علي وقتل يوم عين الوردة بالجزيرة وكان يومئذ أمير التوابين الذين طلبوا بدم الحسين بن علي فقتلهم أهل الشام.
أنبأنا علي بن محمد بن عيسى البزار قال نبأنا محمد بن عمر بن سلم الحافظ قال حدثني أحمد بن زياد بن عجلان قال نبأنا الحسن بن جعفر بن مدرار قال نبأنا عمي طاهر قال نبأنا سيف بن عميرة عن سلم بن عبد الرحمن عن زاذان
__________________
١ - الاحتجاج للطبرسي : ج ١ ، ص ١٥١ - ١٥٢
قال: وقفت مع سليمان بن صرد ونحن نسير على موضع فقال لي: يا زاذان أما تراه؟ قلت: بلى قال: الحمد لله الذي مكن خيل المسلمين منه قال: سلم قلت لزاذان: وأين الموضع؟ قال: صراتكم هذه التي بين قطربل والمدائن.
أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال حدثني أبي قال نبأنا محمد بن إبراهيم قال نبأنا محمد بن جرير عن رجاله قال وسليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون وهو عبد العزى بن منقذ بن ربيعة بن اسرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ويكنى أبا مطرف أسلم وصحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان اسمه يساراً فلما أسلم سماه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سليمان وكانت له سن عالية وشرف في قومه ونزل الكوفة حين نزلها المسلمون وشهد مع علي صفين وكان فيمن كتب إلى الحسين بن عليعليهالسلام يسأله قدوم الكوفة فلما قدمها ترك القتال معه
فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذله فلم يقاتل معه ثم قالوا مالنا توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه فعسكروا بالنخيلة مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وولوا أمرهم سليمان بن صرد وخرجوا إلى الشام في الطلب بدم الحسين فسموا التوابين وكانوا أربعة آلاف فقتل سليمان بن صرد في هذه الوقعة رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله وحمل رأسه ورأس المسيب بن نجية إلى مروان بن الحكم وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة(١) .
جاء في كتاب صفين: قال نصر: دخل سليمان بن صرد الخزاعى على عليعليهالسلام ، مرجعه من البصرة، فعاتبه وعذله، وقال له: ارتبت وتربصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي، وأسرعهم فيما أظن إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج١، ص٢١٥ - ٢١٦.
بيت نبيك؟ وما زهدك في نصرتهم؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لا تردن الأمور على أعقابها، ولا تؤنبني بما مضى منها، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي، فقد بقيت أمور تعرف فيها عدوك من وليك.
فسكت عنه، وجلس سليمان قليلاً، ثم نهض، فخرج إلى الحسن بن علىعليهالسلام ، وهو قاعد في باب المسجد، فقال: ألا أعجبك من أمير المؤمنين، وما لقيت منه من التوبيخ والتبكيت؟ فقال الحسن: إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته، فقال: لقد وثبت أمور ستشرع فيها القنا، وتنتضى فيها السيوف، ويحتاج فيها إلى أشباهي، فلا تستغشوا عتبى، ولا تتهموا نصحي.
فقال الحسن: رحمك الله، ما أنت عندنا بظنين(١) .
[وقد قيل: العتاب يذهب بالضغينة]
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٣، ص١٠٥ - ١٠٦. عن وقعة صفين لابن مزاحم المنقري: ص٦.
وقد تحقق ما تنبأ به سليمان بن صرد وما كان لهم من مواقف جليلة في نصرة الحسينعليهالسلام ورسوله مسلم بن عقيل في الكوفة ما عوض ما سبق من تقصيره في نصرة عليعليهالسلام في حرب الجمل، وكما قيل: وإن غداً لناظره لقريب.
سليم بن قيس العامري الهلالي
من المحدّثين الموثقين، له نور يعلوه، وهو من خواص الإمام عليعليهالسلام ، ترك أثراً كبيراً وبارزاً وقد ذهب البعض إلى اعتباره أول من صنف في الشيعة وذهب آخرون إلى توجيه هذه التسمية إلى توغله وخوضه العميقين.
على أية حال المتبحر الكبير في علم الكتاب ابن النديم يقول:
قال محمد بن إسحاق: من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، سليم بن قيس الهلالي، وكان هارباً من الحجاج لأنه طلبه ليقتله، فلجأ إلى أبان بن عياش، فآواه، فلما حضرته الوفاة قال لأبان: ان لك علي حقاً وقد حضرتني الوفاة يا بن أخي، انه كان من أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كيت
وكيت وأعطاه كتاباً وهو كتاب سليم بن قيس الهلالي المشهور، رواه عنه أبان بن عياش لم يرو عنه غيره، وقال أبان في حديثه: وكان قيس شيخاً له نور يعلوه، وأول كتاب ظهر للشيعة، كتاب سليم بن قيس الهلالي(١) .
ذكره النجاشي في المتقدمين في التصنيف من سلفنا الصالح، وقال: له كتاب، وكذلك ذكره الطوسي في الفهرست وقال: له كتاب أخبرنا به ابن أبي حيدر...
وقال النعماني:
ليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمةعليهمالسلام خلاف في كتاب سليم بن قيس الهلالي أصله من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيتعليهمالسلام وأقدمها لأن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنما هو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن أمير المؤمنينعليهالسلام وسمع منهما وهو من الأصول التي ترجع إليها الشيعة
__________________
١ - فهرست ابن النديم البغدادي : ص ٢٧٥
ويعول عليها.
كان كتاب سليم من الآثار المشهورة والمتداولة في صدر الإسلام، وقد جاء ذكره في كتب الرجال والفهارس وصرّح بأقدميته، وقد أكد المؤلفون المعاصرون على هذا الأمر واعتبروه من أقدم الآثار الشيعية المدونة.
قال الدكتور شوقي ضيف:
ويظهر ان أول من ألف سليم بن قيس الهلالي معاصر الحجاج ويعد هذا الكتاب من الكتب المشهورة والمتداولة اليوم وقد أعيدت طباعته مرات عديدة سنشير إلى طبعتين رئيسيتين:
١ - طبعة النجف وهو بمقدمة مفصلة وقيمة من المحقق الكبير المرحوم السيد محمد صادق بحر العلوم وقد أعيد طباعته بالأفسيت في بيروت مراراً.
٢ - طبعة قم، حققها وعلّق عليها وقدم لها السيد علاء الدين الموسوي وتمتاز هذه الطبعة بإضافة إلى مقدمتها التحقيقية حول ماهية الكتاب بهوامش قيمة.
على أية حال فإن الموجود بين أيدي
الناس، غير مقبول في إطلاقه، نفيه ما هو باطل بالبداهة عند الشيعة وعقيدتهم، وعليه فالكتاب الموجود يعد مدسوساً فيه على أقل تقدير فهو خليط من الغث والسمين(١) .
__________________
١ - المعجم المفهرس لأحاديث البحار: ص٣٣.
سمرة بن جندب
وروى الأعمش، عن أبي صالح، قال: قيل لنا: قد قدم رجل من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأتيناه فإذا هو سمرة بن جندب، وإذا عند إحدى رجليه خمر، وعند الأخرى ثلج، فقلنا: ما هذا؟ قالوا: به النقرس، وإذا قوم قد أتوه، فقالوا يا سمرة، ما تقول لربك غداً؟ تؤتى بالرجل فيقال لك: هو من الخوارج فتأمر بقتله، ثم تؤتى بآخر فيقال لك: ليس الذي قتلته بخارجي، ذاك فتى وجدناه ماضياً في حاجته، فشبه علينا، وإنما الخارجي هذا، فتأمر بقتل الثاني! فقال سمرة: وأي بأس في ذلك! إن كان من أهل الجنة مضى إلى الجنة، وإن كان من أهل النار مضى إلى النار(١) !
وروى شريك قال: أخبرنا عبد الله بن
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٤، ص٧٧، ودراسات في الحديث والمحدّثين: ص١٠٣.
سعد عن حجر بن عدي، قال: قدمت المدينة فجلست إلى أبي هريرة، فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل البصرة، قال: ما فعل سمرة بن جندب؟ قلت: هو حي، قال: ما أحد أحب إلي طول حياة منه، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لي وله ولحذيفة بن اليمان: ((آخركم موتاً في النار)) فسبقنا حذيفة وأنا الآن أتمنى ان أسبقه، قال: فبقي سمرة بن جندب حتى شهد مقتل الحسين(١) .
وروى أحمد بن بشير عن مسعر بن كدام، قال: كان سمرة بن جندب أيام مسير الحسينعليهالسلام إلى الكوفة، على شرطة عبيد الله بن زياد، وكان يحرض الناس على الخروج إلى الحسينعليهالسلام وقتاله(٢) .
سهل بن هارون
سهل بن هارون بن راهبون، ويكنى أبا
__________________
١ - فرحة الغري، السيد عبد الكريم بن طاووس: ص٤٧.
٢ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج٤، ص٧٨.
عمر، أصله من نيسابور ونزل البصرة، وتفرد في زمانه بالبلاغة والحكمة وسعة البيان، أعجب المأمون ببلاغته وعقله فولاه خزانة الحكمة، وهي التي كانت تحوي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص. صنف كتباً كثيرة عارض بها كتب الأوائل حتى لقب ((بزرجمهر الإسلام)) وله نظم جيد ونثر فائق.
له رسالة في البخل هي آية من الآيات، وكان بخيلاً ظريفاً، وله في البخل نوادر معجبة(١) .
سيبويه
أبو الحسن، أو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي البيضاوي العراقي البصري النحوي المشتهر كلامه وكتابه في الآفاق الذي قال في حقه العلامة الطباطبائي بحر العلومرحمهالله تعالى ان المتقدمين والمتأخرين وجميع الناس في النحو عيال عليه.
__________________
١ - البيان والتبيين: ج١، ص٥٥، الهامش.
أخذ عن الخليل ويونس والأخفش وعيسى بن عمر ولكن جميع حكاياته عن الخليل وقد كثرت كلمات علماء النحو في مدح كتابه المسمى الكتاب ولهم عليه شروح وتعليقات وردود نشأت من اعتنائهم واشتغالهم به وقصة وروده بغداد ومناظرته مع الكسائي معروفة وعبر صاحب بحار الأنوار عنه في آية الوضوء بالمعاند للحق وأهله فراجع كتاب الطهارة منه ص ٥٨.
قالوا توفي بشيراز بمدينة ساوة وقبره بها.
وكان شاباً نظيفاً جميلاً أبيضاً مشرباً بحمرة كأن خدوده لون التفاح وذلك يقال له سيبويه لأن التفاح سيب أو لأنه كان يعتاد شم التفاح أو كان يشم منه رائحته.
أقول وقد يلقب بسيبويه غيره فعن كتاب الصبح المنبي قال: حدث محمد بن الحسن الخوارزمي قال: مررت بمحمد بن موسى الملقب بسيبويه بن الموسى وهو يقول مدح الناس المتنبي على قوله:
ومن نكد على الحر أن يرى |
عدواً له ما من صداقته بد(١) |
ولو قال ما من مداراته أو مداجاته بد لكان أحسن وأجود قال: واجتاز المتنبي به فوقف عليه وقال: أيها الشيخ أحب ان أراك قال له: رعاك الله وحياك فقال بلغني انك أنكرت علي قولي عدواً له ما من صداقته بد فما كان الصواب عندك؟ فقال ان الصداقة مشتقة من الصدق في المودة ولا يسمى الصديق صديقاً وهو كاذب في مودته فالصداقة إذن ضد العداوة ولا موقع لها في هذا الموضع ولو قلت ما من مداراته أو مداجاته لأصبت(٢) .
__________________
١ - البداية والنهاية: ج١١، ص٢٩٢.
٢ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٢٩ - ٣٣٠.
سيف الدولة الحمداني
أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان.
قال ابن خلكان قال أبو منصور الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر: (كان بنو حمدان ملوكاً أوجههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة وسيف الدولة مشهور بسيادتهم وواسطة قلادتهم(١) وحضْرته مقصد الوفود ومطلع الجود وقبلة الآمال ومحط الرحال وموسم الأدباء وحلبة الشعراء ويقال انه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر وانما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها.
وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر شديد الاهتزاز له وكان كل من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب وأبي
__________________
١ - تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٤٣، ص٢٢.
الحسن علي بن محمد الشمشاطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت وكانت لسيف الدولة جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال فحسدها بقية الحظايا لقربها منه ومحلها من قلبه وعزَمْنَ على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره فبلغه الخبر وخاف عليها فنقلها إلى بعض الحصون احتياطاً وقال:
راقبتني العيون فيك فأشفق |
ـت ولم أخل قط من إشفاق |
|
ورأيت العدو يحسدني فيـ |
ـك مجداً بأنفس الأعلاق |
|
فتمنيت ان تكوني بعيداً |
والذي بيننا من الود باق |
|
رب هجر يكون من خوف هجر |
وفراق يكون خوف فراق |
وأخبار سيف الدولة كثيرة خصوصاً مع الشعراء خصوصاً مع المتنبي والسرى الرفاء والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة.
كانت ولادته ١٧ حج سنة ٣٠٣ ووفاته سنة ٣٥٦ وملك حلب في سنة ٣٣٣ وكان
قبل ذلك مالك واسط وتلك النواحي وتقلبت الأحوال وانتقل إلى الشام وملك دمشق أيضاً وكثيراً من بلاد الشام والجزيرة وغزواته مع الروم مشهورة وللمتنبي في أكثر الوقائع قصائدرحمهالله تعالى ويأتي في ناصر الدولة ما يتعلق به. وهو غير سيف الدولة صدقة بن منصور المزيدي الأسدي الذي كان من أمراء الشيعة الإمامية وبنى مدينة الحلة في سنة ٤٩٥ كما تقدم في الحلي وكان يقال له ملك العرب وكان ذا بأس وسطوة وهيبة ونافر السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي وفضت الحال إلى الحرب فتلاقيا عند النعمانية وقتل الأمير صدقة في المعركة وكان ذلك في آخر ج ٢ سنة ٥٠١ وحمل رأسه إلى بغداد قاله ابن خلكان(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص ٣٤١ - ٣٤٢.
السيوطي
أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن ناصر الدين محمد السيوطي الشافعي الفاضل المعروف صاحب المصنفات المشهورة في فنون شتى قيل انها تزيد على خمسمائة مصنف.
أخذ عن غالب علماء عصره وبلغ شيوخه نحو ثلاثمائة شيخ منهم قاضي القضاة علم الدين المناوى ومحيي الدين الكافيجي والشمني وقس عليهم الباقين.
قال (ضا)(١) في ترجمة السيوطي بعد ان عد كثيراً من كتبه وعد منها كتاب (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى)(٢) قال: وأما مذهبه ودينه فالظاهر انه
__________________
١ - ضا: روضات الجنات.
٢ - وعلى ما يبدو ان الشيخ القمي والخوانساري قد حصل عندهم الاشتباه حول هذا الكتاب، والحق أنه من تأليف العلامة الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري المتوفى ٦٩٤هـ وهو شيخ الشافعية ومحدّث الحجاز، وأيضاً هو صاحب كتاب الرياض النضرة في فضائل العشرة، وكتاب السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين.
في الأصول سني أشعري وفي الفروع على نحلة الشافعي المطلبي إلا ان المنقول عن السيد الفقيه العالم المحدث الأمير بهاء الدين محمد الحسيني المختارى في حاشيته على كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي قال: وسمعت عن السيد السند الفاضل الكامل العالم العامل الإمام العلامة السيد علي خان المدني أطال الله بقاءه في سنة ١١١٦ باصبهان ان السيوطي مصنف الكتاب كان شافعياً لكنه رجع عن التسنن واستبصر وقال بإمامة الأئمةعليهمالسلام الاثنى عشر فصار شيعياً إمامياً وختم الله له بالحسنى.
قال السيد طول الله عمره: رأيت كتاباً من مصنفات السيوطي ذكر فيه رجوعه إلى الحق واستدل على إمامة علي بن أبي طالبعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا فصل رزقني الله الفوز به.
ولا يبعد كون تأليفه في مناقب أولي القربى مشعراً بصحة هذه النسبة الجليلة إليه مضافاً إلى ما نقلناه من كلامه المتين في تقوية حديث رد الشمس لأمير المؤمنينعليهالسلام
توفي السيوطي بالقاهرة سنة ٩١٠
وسيوط كثبوت أو أسيوط كأخدود قرية بصعيد مصر(١) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص ٣٤٣
حرف الشين
الشافعي
أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي المطلبي يتفق نسبه مع بني هاشم وبني أمية في عبد مناف لأنه من ولد المطلب بن عبد مناف.
والشافعي أحد الأئمةعليهمالسلام الأربعة السنية قالوا ولد يوم وفاة أبي حنيفة سنة ١٥٠ بغزة هاشم ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبالمدينة وقدم بغداد مرتين وحدث بها وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته.
أخذ عن مالك بن أنس وسمع الحديث من محمد بن الحسن الشيباني وغيره.
ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه كثيراً وذكر في حقه هذين البيتين:
مثل الشافعي في العلماء |
مثل البدر في نجوم السماء |
قل لمن قاسه بنعمان جهلاً |
أيقاس الضياء بالظلماء(١) |
وروى عنه قال حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين.
قال ابن النديم كان الشافعي شديداً في التشيع وذكر له رجل يوماً مسألة فأجاب فيها فقال له خالفت علي بن أبي طالبعليهالسلام فقال له ثبَّت لي هذا عن علي بن أبي طالبعليهالسلام حتى أضع خدي على التراب وأقول قد أخطأت وأرجع عن قولي إلى قوله.
وحضر ذات يوم مجلساً فيه بعض الطالبيين فقال: لا أتكلم في مجلس بحضرة أحدهم هم أحق بالكلام ولهم الرياسة والفضل.
وله أشعار فاخرة منها قوله:
وإذا عجزت عن العدو فداره |
وامزح له ان المزاح وفاق |
__________________
١ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج٢، ص٦٧، الصراط المستقيم للعاملي: ج٣، ص٢١٧.
فالماء بالنار التي هي ضده |
يعطي النضاج وطبعها الإحراق(١) |
وله في الولاية شيء كثير ومدائح غفيرة لمن نزلت في شأنهم آية التطهير فمنها قوله:
إذا في مجلس ذكروا علياً |
وشبليه وفاطمة الزكيه |
|
يقال تجاوزوا يا قوم هذا |
فهذا من حديث الرافضية |
|
هربت إلى المهيمن من أناس |
يرون الرفض حب الفاطمية |
|
على آل الرسول صلاة ربى |
ولعنته لتلك الجاهلية(٢) |
وله أيضاً برواية ابن حجر المكي:
يا أهل بيت رسول الله حبكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
__________________
١ - الخطيب البغدادي في تاريخه: ج١٠، ص٤٦٦، الأنساب للسمعاني: ج٥، ص٤٥٢.
٢ - المسترشد لابن جرير الطبري الشيعي: ص٧٩، الصراط المستقيم للعاملي: ج٣، ص٧٧، فرائد السمطين: ج١، ص١٣٥/ ٩٨، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: ص١١١، ينابيع المودة: ج٣، ٩٨، النصائح الكافية لمحمد بن عقيل: ص٢٢٥.
كفاكم من عظيم القدر انكم |
من لا يصلي عليكم لا صلاة له(١) |
أشار بذلك إلى فضيلة لأهل البيتعليهمالسلام تعلو كل فضيلة حيث ان الله تعالى جعل الصلاة عليهم جزءاً من الصلاة المفروضة على جميع عباده فلا تصح بدونها صلاة أحد من العالمين وهذه منزلة عنت لها وجوه جماعة الخافقين.
وله أيضاً برواية الصباغ المالكي نقلاً عن الفصول المهمة:
__________________
١ - شرح الأخبار للنعمان المغربي: ج٢، ص٤٨٩ هامش رقم ١، تحقيق محمد الحسيني الجلالي، النص والاجتهاد للسيد شرف الدين: ص٨١ ، الغدير للعلامة الأميني: ج٢، ص٣٠٣، و: ج٣، ص١٧٣، الرزقاني في شرح المواهب: ج٧، ص٧، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: ص١٨، خصائص الوحي المبين للحافظ ابن البطريق: ص٢٠، الصواعق المحرقة: ص١٥٧، الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: ج١، ص٩١، ينابيع المودّة للقندوزي: ج٢، ص٤٣٤، جواهر العقدين: ج٢، ص١٦٣، النصائح الكافية لمحمد بن عقيل: ص٢٢٤.
يا راكباً قف بالمحصب من منى |
واهتف بساكن خيفها والناهض |
|
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى |
فيضاً كملتطم الفرات الفائض |
|
إن كان رفضاً حب آل محمد |
فليشهد الثقلان اني رافضي |
وقال كما نقل عن رشفة الصادي لأبي بكر بن شهاب الدين:
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم |
مذاهبهم في أبحر الغي والجهل |
|
ركبت على اسم الله في سفن النجا |
وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل |
|
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم |
كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل |
وفي تاريخ بغداد كان للشافعي صديق فبلغه عنه شيء فعاتبه بأبيات أرسلها إليه:
اذهب فانك من ودادى طالق |
لا طالق مني طلاق البين |
|
فإن ارعويت فانها تطليقة |
ويقيم ودك لي على ثنتين |
|
وإن اعوججت شفعتها بمثالها |
فتكون تطليقين في قرأين |
|
وإن الثلاث أتتك مني بتة |
لم يغن عنك شفاعة الثقلين |
ويقول القمي: يحكى عن الشافعي انه
قال في جواب من سأله عن أمير المؤمنينعليهالسلام :
ما أقول في رجل أسر أولياؤه مناقبه تقية وكتمها أعداؤه حنقاً وعداوة ومع ذلك قد شاع منه ما ملأت الخافقين.
وقد أخذ منه السيد تاج الدين العاملي هذا المعنى في قوله:
لقد كتمت آثار آل محمد |
محبوهم خوفاً وأعداؤهم بغضا |
|
فأبرز من بين الفريقين نبذة |
بها ملأ الله السماوات والأرضا |
توفي بمصر آخر رجب سنة ٢٠٤ ودفن بالقرافة الصغرى.
قال المسعودي: حدثني فقير بن مسكين عن المزني وكان سماعنا من فقير بمدينة اسوان بصعيد مصر قال: قال المزني: دخلت على الشافعي غداة وفاته فقلت له كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال: أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً وبكأس المنية شارباً ولا أدري إلى الجنة تصير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها وانشأ يقول:
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي |
جعلت الرجا مني لعفوك سلما |
تعاظمني ذنبي فلما قرنته |
بعفوك ربي كان عفوك أعظما(١) |
شاه چراغ
أحمد بن الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام المدفون بشيراز.
قال شيخنا المفيد في الإرشاد وكان أحمد ابن موسى كريماً جليلاً ورعاً وكان أبو الحسن موسىعليهالسلام يحبه ويقدمه ووهب له ضيعته المعروفة باليسيرة ويقال ان أحمد بن موسى (ره) اعتق ألف مملوك(٢) .
ثم روى عن إسماعيل بن موسىعليهالسلام قال:
__________________
١ - كتاب الأم للشافعي: ج١، ص١٤، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج٥، ص٣٣١، والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٤٧ - ٣٥٠.
٢ - الإرشاد للشيخ المفيد: ج٢، ص٢٤٤، نقد الرجال للتفريشي: ج١، ص١٧٥، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي: ج٣، ص١٣٩، إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي: ج٢، ص٣٦.
خرج أبي بولده إلى بعض أمواله بالمدينة قال فكنا في ذلك المكان فكان مع أحمد بن موسى عشرون من خدم أبي وحشمه إن قام أحمد قاموا معه وإن جلس جلسوا معه وأبي بعد ذلك يرعاه ببصره لا يغفل عنه فما انقلبنا حتى تشيخ أحمد بن موسى بيننا.
وفي كتاب شد الإزار في حط الأوزار عن زوار المزار في مزارات شيراز وشرح حال جمع كثير منهم تأليف معين الدين أبي القاسم جنيد بن محمود الشيرازي ألفه في حدود سنة ٧٩١ قال السيد الأمير أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي المرتضىعليهالسلام قدم شيراز فتوفى بها في أيام المأمون بعد وفاة أخيه علي الرضاعليهالسلام بطوس وكان أجودهم جوداً وأرأفهم نفساً قد أعتق ألف رقبة من العبيد والإماء في سبيل الله تعالى وقيل استشهد ولم يوقف على قبره حتى ظهر في عهد الأمير مقرب الدين مسعود بن بدر فبنى عليه بناء وقيل وجد في قبره كما هو صحيحاً طرى اللون لم يتغير وعليه لامة سابغة وفي يده
خاتم نقش عليه (العزة لله أحمد بن موسى) فعرفوه به ثم بني عليه الأتابك أبو بكر بناء أرفع منه ثم ان الخاتون تاش وكانت خيرة ذات تسبيح وصلاة بنت عليه قبة رفيعة وبنت بجنبها مدرسة عالية وجعلت مرقدها بجواره في سنة خمسين وسبعمائة رحمة الله عليهم أجمعين(١) .
شبيب بن يزيد
شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني الحروري الخارجي، أمير الخوارج في عصره، وزلزل أركان الدولة الأموية أيام عبد الملك بن مروان، صاحب الوقائع الهائلة والأحداث العظيمة مع شيخ العتاة، وأسد الولاة الحجاج بن يوسف الثقفي، وقاتل قواده، ومبيد أجناده.
دخل الكوفة وهي غاصة بجند السلطان،
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٢٥١ - ٢٥٢
حاشدة بأبطال الدولة وعلى رأسهم الحجاج، عنوة ليُنيل زوجته غزالة وفاء نذرها من الصلاة في مسجدها الجامع فأدت صلاتها، وأطالت فيها ما شاءت، ثم خرج يخترق بها صفوف أعدائه ولم يصب بأذى، ولم ينلها مكروه.
وكانت زوجته غزالة من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم، فكانت تباشر الحروب بنفسها، وتخوض المعامع بسيفها، وتصرع الأبطال بقوة جنانها، وهي التي لما أحجم الحجاج في إحدى المواقع عن مبارزتها عيّره بعض الشعراء بقوله:
أسد علي وفي الحروب نعامة |
فتخاء تنفر من صفير الصافر |
|
هلا برزت إلى غزالة في الوغى |
بل كان قلبك في جناحي طائر |
ولد شبيب سنة ٢٥هـ / ٦٤٥م وكانت وفاته في نهر دجلة سنة ٧٧هـ / ٦٩٦م(١) .
__________________
١ - البيان والتبيين للجاحظ: ج١، ص٩٢، الهامش.
شريح القاضي
هو شريح بن الحارث بن المنتجع بن معاوية بن جهم بن ثور بن عفير بن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد الكندى، وقيل إنه حليف لكندة من بنى الرائش.
واختلف في اسم أبيه فقال أحدهم: هو معاوية بن ثور وآخر: هو هاني.
ويكنى أبا أمية. استعمله عمر بن الخطاب على القضاء بالكوفة، فلم يزل قاضياً ستين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين في فتنة ابن الزبير، امتنع فيها من القضاء، ثم استعفى الحجاج من العمل فأعفاه، فلزم منزله إلى أن مات، وعمَّر عمراً طويلاً، قيل: إنه عاش مائة سنة وثمانياً وستين، وقيل مائة سنة، وتوفى سنة سبع وثمانين.
وكان خفيف الروح، مزاحاً، فقدم إليه رجلان، فأقر أحدهما بما ادعى به خصمه، وهو لا يعلم فقضى عليه، فقال لشريح: من شهد عندك بهذا قال: ابن أخت خالك.
وقيل: إنه جاءته امرأة تبكى وتتظلم
على خصمها، فما رق لها حتى قال له إنسان كان بحضرته: ألا تنظر أيها القاضي إلى بكائها؟ فقال: إن أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون. وأقر عليعليهالسلام شريحاً على القضاء مع مخالفته له في مسائل كثيرة من الفقه مذكورة في كتب الفقهاء.
وسخط عليعليهالسلام مرة عليه فطرده عن الكوفة ولم يعزله عن القضاء، وأمره بالمقام ببانقيا - وكانت قرية قريبة من الكوفة أكثر ساكنيها اليهود - فأقام بها مدة، حتى رضى عنه وأعاده إلى الكوفة.
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب، أدرك شريح الجاهلية، ولا يعد من الصحابة، بل من التابعين، وكان شاعراً محسناً، وكان سناطاً لا شعر في وجهه(١) .
__________________
١ - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١٤، ص٢٨ - ٢٩
الشعبي
بفتح الأول وسكون الثاني أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي.
ينسب إلى شعب، بطن من همدان، يعد من كبار التابعين وجملتهم. وكان فقيهاً شاعراً، روي عن خمسين ومائة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كذا عن السمعاني، وحكى عنه قال: أدركت خمسمائة من الصحابة.
وعن مكحول قال: ما رأيت أفقه من الشعبي وقال آخر: الشعبي في زمانه كابن عباس في زمانه ووثقه ابن حجر ولكن لا يخفى انه عند علماء الشيعة مذموم مطعون وقد روى عنه أشياء رديئة فراجع (الكشي) في ترجمة الحرث الأعور.
وعن ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم حيث أورد كلمة إبراهيم النخعي الصريحة في تكذيب الشعبي قال ما هذا لفظه: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحرث الهمداني حدثني الحارث وكان أحد الكذابين قال ابن عبد البر: ولم يبن من الحرث كذب وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله على غيره
قال: ومن هاهنا كذبه الشعبي لان الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر وإلى انه أول من أسلم وتفضيل عمر(١) .
قال أبو جعفر الطبري في ذيل المذيل كان الحرث الأعور بن عبد الله بن كعب بن أسد بن يخلد بن حوث من مقدمي أصحاب عليعليهالسلام في الفقه والعلم بالفرائض والحساب عن مجالد عن الشعبي قال: تعلمت من الحرث الأعور الفرائض والحساب وكان أحسب الناس(٢) .
مات فجأة بالكوفة سنة ١٠٤ ويظهر من ابن خلكان ان الشعبي كان قاضياً على الكوفة قال في أحوال أبي عمرو عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي الكوفي ما هذا لفظه: كان قاضياً على الكوفة بعد الشعبى وهو أي عبد الملك من مشاهير التابعين وثقاتهم ومن كبار
__________________
١ - ونقل هذا القول السيد شرف الدين العاملي في المراجعات: ص١١٨، ومثله في تفسير القرطبي: ج١، ص٥.
٢ - المتخب من ذيل المذيل للطبري: ص١٤٧، الكامل لابن عدي: ج٢، ص١٨٦.
أهل الكوفة، رأى علي بن أبي طالبعليهالسلام (١)
روي انه الشعبي قال: ما لقينا من آل أبي طالب، إن أحببناهم قتلونا، وإن أبغضناهم أدخلونا النار(٢) .
وجاء في البيان والتبيين:
هو عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي، وأصله من حمير، وعداده في همدان، وكان يكنى أبا عمر، وكان ضئيلاً نحيفاً، وكانت أمه من سبي جلولاء، وهي قرية بنواحي فارس. كتب لعبد الله بن مطيع العدوي، ولعبد الله بن يزيد الخطمي عامل ابن الزبير على الكوفة، وكان راوية قاصاً إخبارياً معروفاً بالمزح.
مات سنة ١٠٥هـ / ٧٢٣م(٣) .
__________________
١ - الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج٢، ص٣٦١ ٣٦٢.
٢ - عيون الأخبار: ج٢، ص٢١٢.
٣ - البيان والتبيين للجاحظ: ج٢، ص٤٣، الهامش.
الشهيد الثاني
فقيه الشيعة العلم الشيخ زين الدين علي بن أحمد العاملي الجُبعي، المعروف بالشهيد الثاني.
ولد في الثالث عشر من شوال من سنة تسعمائة وأحد عشر هجري في بيت علم وفقاهة.
انه من أعيان ومفاخر فقهاء الشيعة ومن كبار المتبحرين في العلوم الإسلامية وأحد أعمدة الفقه والاجتهاد على طول مدة الفقه الإسلامي وهذا الوحيد المعروف بكثرة وغزارة آثاره في مختلف أطوار الفكر الإسلامي.
عاش في القرن العاشر الهجري واستطاع نشر فقه آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
لقد أنجب هذا الوتد العلمي عالماً جليلاً هو أبو منصور جمال الدين حسن (صاحب المعالم) والذي ترك لعالم التشيع كتابه الجليل (معالم الدين في الأصول) ليبقى ذكرى خالدة له.
ظل هذا الكتاب الجليل لقرون عدة
الكتاب المعتمد لطلاب العلوم الدينية في الحوزات الشيعية وهكذا ظل هذا الكتاب خالداً كخلود كتاب أبيه المعروف بـ (الروضة البهية).
دراساته وسفره
١ - درس الشهيد الثاني المقدمات على يد أبيه نور الدين علي بن أحمد ثم ذهب إلى قرية ((ميس)) وواصل دراسته على يد الشيخ علي بن عبد العالي الميسي المتوفى سنة ٩٣٨ هجري. وقرأ عليه كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي و ((الإرشاد)) و ((القواعد)) للعلامة الحلي.
ولأجل إدامة التحصيل فقد شرع بالسفر لمختلف مراكز العالم الإسلامي.
٢ - ذهب المترجم له إلى ((كرك نوح)) ودرس النحو وأصول الفقه على السيد جعفر الكركي وبعد إقامة ثلاث سنوات في جبع سافر في عام ٩٣٧ إلى دمشق وتتلمذ على يد الشيخ محمد بن مكي الحكيم والفيلسوف حيث درس مجموعة كتب الطب والحكمة وعلم الهيأة، وقرأ كتاب ((الشاطبية)) في علم القراءة
والتجويد على يد الشيخ أحمد جابر.
وقرأ في دمشق كتاب ((صحيح مسلم)) و ((صحيح البخاري)) على يد ((شمس الدين طولون)).
٣ - وتحرك عالمنا الجليل هذا والذي لا يعرف التعب نحو مصر في عام ٩٤٢هـ، ودرس على يد ستة عشر أستاذاً لامعاً وعالماً جليلاً مختلف العلوم كعلوم العربية، وأصول الفقه، والهندسة، والمعاني، والبيان والعروض، والمنطق، والتفسير ومختلف العلوم الأخرى.
٤ - وفق المترجم له للحج في العام ٩٤٦ وكذلك لزيارة مراقد الأئمةعليهمالسلام الأطهار في العراق ومن خلال ذلك سافر إلى مسقط رأسه في جبع.
٥ - سافر في العام ٩٤٨هـ إلى بيت المقدس وحصل على إجازة الرواية من الشيخ شمس الدين بن أبي اللطيف المقدسي ثم عاد لوطنه.
٦ - في العام ٩٤٩هـ عزم السفر إلى الروم ودخل القسطنطينية وهناك أرسل رسالة تبحث في عشرة علوم مختلفة إلى القاضي عسكر محمد بن مهدي بن القاضي
الرومي. ثم تقابل الاثنان وبعد مباحثات علمية بين الطرفين عرض عليه القاضي الرومي ان يدرس في أية مدرسة يختارها هو وبعد الاستخارة اختار الشيخ ((المدرسة النورية)) ببعلبك وسلمه القاضي إدارة تلك المدرسة بعهدته.
٧ - في العام ٩٥٣هـ وبعد زيارة مراقد الأئمة الأطهارعليهمالسلام عاد إلى جبع وأقام في موطنه الأصلي وانشغل هناك بالتدريس والتأليف لآثاره العلمية.
مرجعيته
بعد إقامته في بعلبك وبعد حصوله على شهرته العلمية تصدر مرجعيته هناك والتف حوله العلماء والفضلاء من ذلك البلد وكذلك التف حوله علماء وفضلاء البلاد الأخرى للاستفادة من علومه وأخلاقه.
وبما ان الشيخ كان محيطاً بفقه وعلوم كافة المذاهب الإسلامية الخمسة الجعفري، الحنفي، الشافعي، والمالكي والحنبلي فقد شرع بتدريس عام لكافة المذاهب وفي الحقيقة فإنه درس الفقه
المقارن والعقائد.
واستفادت كافة جماهير المذاهب المختلفة من أجوبته على مسائلهم الشرعية.
عظمته وشخصيته
كتب العلامة الخنساري، صاحب كتاب روضات الجنات تعريفاً للشهيد الثاني يقول: لم أرَ بين جميع علماء الشيعة الكبار شخصية مثل الشهيد الثاني بلحاظ عظمته الشخصية وسعة صدره، وفهمه وذوقه الجيد وما يملك من تنظيم جيد لبرنامجه التحصيلي وكثرة أساتذته وظرافة طبعه ومعنويته العالية وكمال آثاره العلمية والخالية من كل نقص.
بل ان هذا الأستاذ الكبير قد تخلق بالأخلاق الإلهية وارتفعت منزلته إلى قرب المعصوم وقد صُنف في الدرجة الثانية والتالية للمعصومينعليهمالسلام
عمله ومحاولاته
رغم درجته العلمية العالية فإنه كان يعتمد في نفقته الشخصية وامرار معاشه على كده الشخصي وكمثال على ذلك
فقد كتبوا انه وعند نزول ظلام الليل فإنه يركب بغلته ويخرج خارج البلد لجمع الحطب اللازم لعائلته.
أساتذته
كان الشهيد الثاني يكثر السفر للبحث عن الأساتذة الذين يستطيع ان يحصل منهم على علومه المطلوبة.
فبدأ بالدراسة على يد أساتذة المذاهب الخمسة ولكثرتهم فاننا نذكر بعضاً منهم:
١ - والده علي بن أحمد العاملي الجبعي المتوفى ٩٢٥هـ.
٢ - الشيخ علي بن عبد العالي الميسمي المتوفى عام ٩٣٨هـ.
٣ - الشيخ محمد بن مكي الحكيم والفيلسوف الكبير.
٤ - السيد حسن بن جعفر الكركي.
٥ - شمس الدين طولون الدمشقي الحنفي.
٦ - الشيخ أبو الحسن البكري.
٧ - الشيخ شمس الدين أبو اللطف المقدسي.
٨ - الملا حسن الجرجاني.
٩ - شهاب الدين بن النجار الحنبلي.
١٠ - زين الدين الحري المالكي.
وأساتذة كثيرون تعرف عليهم وأضاف عن طريقهم إلى علومه علوماً أخرى.
الميرزا عبد الهادي الشيرازي
فقيه أهل البيت، وخادمهم الوفي، العالم العامل والتقي الورع الميرزا عبد الهادي الشيرازي الحسيني، أحد فقهاء الإمامية، ومفخرة من مفاخرها، وعلم بارز من أعلامها ومراجعها، وموضع ثقة الجميع في دهره حتى قيل فيه آنذاك: (فلم يك يصلح إلا لها، ولم تك تصلح إلا له) فهو كتلة الورع والتقوى فهو ذهن وقاد وفكر صائب وإدراك تام للعرفيات، وتواضع للقريب والبعيد، والصغير والكبير. وهو أحد تلاميذ الفذ الميرزا الشيرازي، وكذلك فإنه تلميذ الأصولي الكبير الملا كاظم الآخوند الخراساني صاحب الكفاية إلى غير ذلك من أساتذته من فلاسفة الإسلام.
وكان يدرس في مسجد الشيخ مرتضى الأنصاري (في النجف)(١) ، وكان يحضر درسه أكثر من ٤٠٠ مجتهد.
وكان فقيهاً أصولياً محدثاً وكان شاعراً ويتمتع بروح أدبية عالية...
__________________
١ - بين المعكوفتين إضافة المؤلف
وله مقاطع أدبية في رثاء أبي طالبعليهالسلام وله في رثاء الحسينعليهالسلام وله قصيدة شعرية في ميلاد الإمام الحسنعليهالسلام منها:
ظهر النور المبين الزاهر |
فبدا الغيب وزال الساتـــــــر |
|
ولد السبط الزكي الطاهر |
من بحفظ الدين قدماً نهضا |
فهو لولا نهضته لم يُنصر
توفيرحمهالله في شهر صفر عام ١٣٨٢هـ، ونقل جثمانه من الكوفة إلى النجف محمولاً على الأكتاف ودفن في مقبرة الأسرة بباب الطوسي للصحن الحيدري بجوار أمير المؤمنينعليهالسلام ، تغمده الله بواسع رحمته(١) .
__________________
١ - مع الصادقين : ج ٢ ، ص ٢١٤ - ٢١٧
الفهرس
الإهداء ٢
مقدمة المحقق ٣
المقدمة ١٠
حرف الألف ١٤
الابيوردي ١٥
الأحنف بن قيس ١٧
أحمد بن طولون ٢٦
أحمد بن عبد ربه ٣٢
أحمد بن هلال الكرخي ٣٣
الأربلي ٣٥
الاردبادى ٣٨
الأزري ٤٠
الاسكافي ٤٣
إسحاق بن حنين بن إسحاق أسعد أبو كرب الحميري ٤٧
الأشتر النخعي ٤٨
الأشعث بن قيس الكندي ٥٧
الأصبغ بن نباته ٦٠
الأصمعي ٦٢
محمد علي الأعسم ٦٥
الأعمش ٧٠
الأفطس ٧٣
امرؤ القيس ٧٥
أمية بن أبي السلط ٧٧
الشيخ مرتضى الأنصاري ٨٠
أنس بن الحرث الأوزاعي ٨٤
ابن أبي العزاقر ٨٦
ابن أبي يعفور ٨٩
ابن الأثير ٩٢
ابن إدريس ٩٥
ابن الجوزي ٩٦
ابن حجر ٩٨
ابن خلكان ١٠٤
ابن قتيبة الدينوري ١٠٩
ابن قولويه ١١١
ابن قيم الجوزية ١١٣
ابن كثير ١١٥
ابن الكواء ١١٦
أبو أيوب الأنصاري ١١٧
أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي ١٢٠
السيد أبو الحسن الاصفهاني ١٢٩
أبو الحسن التهامي ١٣٤
أبو الريحان البيروني ١٣٨
أبو الصلت الهروي ١٣٩
أبو الفتوح الرازي ١٤٢
أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني ١٤٣
متى ولد علي بن الحسين: النسبة إلى إصبهان تشيع أبي الفرج ١٤٥
المرحلة البغدادية ١٤٦
أبو العاص ١٥٠
أبو الهيثم بن التيهان أبو بكر بن شهاب ١٥٣
أبو تمام ١٥٨
أبو الجارود ١٦٢
أبو جهل ١٦٤
أبو حمزة الثمالي ١٦٧
أبو حنيفة التيمي، النعمان بن ثابت ١٦٩
أبو حيان الأندلسي ١٩٣
أبو حيان التوحيدي ١٩٤
أبو دجانة ١٩٧
أبو دُلَف ١٩٩
أبو ذر الغفاري ٢٠٢
أبو رافع ٢١٦
أبو سعيد الخدري ٢١٩
أبو سفيان ٢٢٣
أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية ٢٢٦
أبو طالب ٢٣٧
أبو طاهر محمد بن بلال ٢٦١
أبو عبيد ٢٦٣
أبو عبيدة ٢٦٥
أبو غالب الزراري ٢٦٧
أبو فراس الحمداني ٢٧٤
أبو لبابة ٢٧٦
أبو لهب ٢٨٠
أبو مخنف ٢٨٣
أبو مسلم الخراساني ٢٨٥
أبو موسى الأشعري ٢٨٧
أبو نؤاس الحسن بن هاني ٣٠٦
أبو هريرة ٣٢٥
أبو هريرة العجلى ٣٢٨
أبي بن كعب ٣٢٩
حرف الباء ٣٣٤
البحتري ٣٣٥
بحر العلوم ٣٣٩
البخاري ٣٤٢
البراء بن عازب ٣٤٧
البرقي ٣٤٩
بشر الحافي ٣٥١
البغوي ٣٥٦
البلاذري ٣٥٧
البلاغي ٣٦٠
الشيخ البهائي ٣٦٦
البويهي ٣٩٣
البيهقي ٣٩٤
حرف التاء ٣٩٨
تأبط شراً الترمذي ٣٩٩
التستري ٤٠١
التفتازاني ٤٠٣
التلمساني ٤٠٤
التنوخي ٤٠٦
حرف الثاء ٤١٢
ثابت بن الخطيم ٤١٣
حرف الجيم ٤١٧
جابر بن عبد الله الأنصاري ٤١٩
جمال الدين الأفغاني ٤٣٦
الجنيد بن محمد بن الجنيد ٤٤٠
الجوهري ٤٤٦
حرف الحاء ٤٥٣
حارث بن عبد الله الأعور الهمداني ٤٥٥
الحافظ الشيرازي ٤٥٨
حبيب النجار ٤٥٩
الحجاج ٤٦٠
حجر بن عدي الكندي ٤٦٢
حذيفة بن اليمان ٤٦٣
الحر العاملي ٤٦٧
الحريري ٤٦٩
حريز بن عبد الله بن مسكان ٤٧١
حسان بن ثابت ٤٧٤
الحسن البصري ٤٨١
الحسين بن روح ٤٨٦
الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عليهمالسلام ٤٨٨
الحسين بن منصور الحلاج ٤٨٩
حفص بن غياث ٤٩٨
حماد بن عيسى الجهني البصري ٤٩٩
حُمران بن أعْيَن ٥٠٠
الحموي ٥٠١
السيد الحميري ٥٠٤
السيد حيدر الحلي ٥٢٢
حرف الخاء ٥٢٩
الخاقاني ٥٣١
خالد بن سعيد ٥٣٢
خالد بن سنان العبسي ٥٣٣
خالد بن الوليد ٥٣٤
خباب بن الأرث ٥٣٩
خزيمة بن ثابت الأنصاري ٥٤٢
الخطيب البغدادي ٥٤٣
حرف الدال ٥٤٩
الدارقطني ٥٥١
الداماد ٥٥٣
ديك الجن ٥٥٦
حرف الذال ٥٥٩
الذهبي ٥٦١
ذو الرياستين ٥٦٢
حرف الراء ٥٦٧
أبو زكريا الرازي ٥٦٩
الراغب الاصفهانى ٥٨٣
السيد الشريف الرضي ٥٨٤
الإمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام ٥٩٠
حرف الزاء ٥٩٥
الزباء ٥٩٧
الزبير بن العوام ٥٩٩
الزمخشري ٦٠٣
زنيبا بن إسحاق الرسعني الموصلي النصراني ٦٠٥
الزهري ٦٠٦
الزيات ٦١٤
زياد بن أبيه ٦١٧
زيد بن أرقم ٦٣١
زيد بن ثابت وابنه عمرو بن زيد زيد بن حارثة مولى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٦٣٢
زيد الشهيد ٦٣٩
زيد بن عمرو ٦٤٧
زيد بن وهب الجهني الكوفي ٦٥١
حرف السين ٦٥٤
سبط ابن الجوزي ٦٥٥
السدي ٦٥٦
السريعي ٦٥٧
سعد بن أبي وقاص ٦٦٤
سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي سعد بن معاذ ٦٦٥
سعيد بن جبير سعيد بن العاص ٦٧٢
سعيد بن خالد ٦٧٨
سعيد بن المسيب ٦٧٩
السفاح ٦٨١
سفيان الثوري ٦٨٥
سلافة ٦٨٧
سلمان الفارسي ٦٨٨
لو كانت قناعة لم تكن ركوتي مرهونة ٦٩٣
سليمان بن صرد الخزاعي ٦٩٨
سليم بن قيس العامري الهلالي ٧٠٢
سمرة بن جندب ٧٠٦
سهل بن هارون ٧٠٧
سيبويه ٧٠٨
سيف الدولة الحمداني ٧١١
السيوطي ٧١٤
حرف الشين ٧١٨
الشافعي ٧١٩
شاه چراغ ٧٢٥
شبيب بن يزيد ٧٢٧
شريح القاضي ٧٢٩
الشعبي ٧٣١
الشهيد الثاني ٧٣٤
دراساته وسفره ٧٣٥
الميرزا عبد الهادي الشيرازي ٧٤١
الفهرس ٧٤٣