شبكة الحسنين عليهما السلام الثقافية -

المجلد العاشر

تتمة الفصل الثلاثون

١٤

الحكمة ( ٣٢١ ) وَ قَالَ ع ؟ لِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ ؟ وَ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي شَيْ‏ءٍ لَمْ يُوَافِقْ رَأْيَهُ لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَ أَرَى فَإِنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي أقول : هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( فاذا عصيتك فأطعني ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٢ و ( الخطيّة ) و ما يأتي من سنده .

و في ( ابن ميثم ) بعد قوله ( لعبد اللّه بن عبّاس ) : ( رحمه اللّه ) ٣ ، و في ( ابن أبي الحديد ) : ( رضي اللّه عنه ) ٤ ، و في الأوّل بدل ( في شي‏ء ) : ( بشي‏ء ) ٥ .

ثم إنّ الأصل في العنوان : أنّ المغيرة أشار عليه عليه السّلام بإبقاء معاوية على

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٣ : ٢٣٠ .

 ( ٢ ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٩ : ٢٣٣ و لكن في شرح ابن ميثم ٥ : ٤٠٢ « فإن » أيضا .

 ( ٣ ) ليست كلمة « رحمه اللّه » في شرح ابن ميثم ٥ : ٤٠٢ .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٩ : ٢٣٣ .

 ( ٥ ) في شرح ابن ميثم ٥ : ٤٠٢ « في شي‏ء » أيضا .

الشام ، ثمّ يعزله إن شاء ، حتّى يستقر أمر سلطنته ، فلم يقبل عليه السّلام منه ، ثمّ جاء ابن عباس فصدق رأي المغيرة و أصرّ على قبوله عليه السّلام ذلك ، فقال عليه السّلام له ما قال .

ففي ( الطبري ) : روى الواقدي عن هشام بن سعد ، عن أبي هلال قال : قال ابن عبّاس : قدمت المدينة من مكّة بعد قتل عثمان بخمسة أيام فجئت عليّا عليه السّلام أدخل عليه ، فقيل لي : عنده المغيرة . فجلست بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلّم عليّ و قال لي: متى قدمت ؟ فقلت : الساعة ، ثمّ دخلت على عليّ عليه السّلام فقلت له :

أخبرني عن شأن المغيرة و لم خلا بك ؟ قال : جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال لي: اخلني ، ففعلت فقال لي : إنّ النصح رخيص و أنت بقيّة النّاس و إنّي لك ناصح ، و إنّي اشير عليك بردّ عمّال عثمان عامك هذا ، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم ، فإذا بايعوك و اطمأنّ الأمر لك عزلت من أحببت و أقررت من أحببت . فقلت له : و اللّه لا اداهن في ديني و لا اعطي الدني في أمري . فقال : فإن كنت قد أبيت عليّ فانزع من شئت و اترك معاوية فإنّ لمعاوية جرأة ، و هو في أهل الشام يسمع منه ، و لك حجّة في إثباته كان عمر قد ولاّه الشام كلّها . فقلت له : لا و اللّه لا أستعمل معاوية يومين أبدا . فخرج من عندي على ما أشار به ، ثمّ عاد اليوم فقال لي : إنّي أشرت عليك بما أشرت فأبيت عليّ ، ثم نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب ، لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة ، و لا يكون في أمرك دلسة .

فقال ابن عباس : فقلت لعليّ عليه السّلام : أمّا أوّل ما أشار به عليك فقد نصحك ،

و أمّا الآخر فغشّك ، و أنا اشير عليك بأن تثبت معاوية ، فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله ، فقال عليه السّلام : لا و اللّه لا اعطيه إلاّ السيف ، ثم تمثل :

ما ميتة إن متّها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها فقلت : لست بأرب بالحرب ، أما سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : الحرب خدعة ؟

فقال : بلى . فقلت له : أما و اللّه لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورد ، و لأتركنهم

ينظرون في دبر الامور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك و لا إثم لك . فقال : « يا بن عبّاس لست من هنياتك و هنيات معاوية في شي‏ء تشير عليّ و أرى فإن عصيتك فأطعني » فقلت : أفعل ، إنّ أيسر ما لك عندي الطاعة ١ .

و روى خبرا عن ابن عبّاس في قدومه من مكّة عليه عليه السّلام و عنده المغيرة ،

و انّه عليه السّلام قال لابن عبّاس ما أشار عليه المغيرة أوّلا و ثانيا كالأوّل .

فقال ابن عبّاس له عليه السّلام : نصحك في الاولى لأنّك تعلم أنّ معاوية و أصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبتهم لا يبالون بمن ولّي هذا الأمر ، و متى تعزلهم يقولون : قد أخذ هذا الأمر بغير شورى ، و هو قتل صاحبنا و يؤلبون عليك ،

فينتقض عليك أهل الشام و أهل العراق ، مع أنّي لا آمن طلحة و الزبير أن يكرّا عليك .

فقال عليه السّلام له : أمّا ما ذكرت من إقرارهم ، فو اللّه ما أشك أنّ ذلك خير في عاجل الدّنيا لإصلاحها ، و أمّا الذي يلزمني من الحقّ و المعرفة بعمّال عثمان ،

فو اللّه لا اولّي منهم أحدا أبدا ، فإن أقبلوا فذلك لهم خير ، و إن أدبروا بذلت لهم السيف إلى أن قال قال ابن عبّاس له عليه السّلام : اكتب إلى معاوية فمنّه وعده . فأبى و قال : و اللّه لا كان هذا أبدا ٢ .

و عبّر بمضمون الخبرين المسعودي في ( مروجه ) ٣ ، و أما تبديل صاحب ( الاستيعاب ) ابن عبّاس بالحسن عليه السّلام ، و أنّه قال لأبيه : نصحك المغيرة في الاولى فغلط منه ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٤٠ ٤٤١ ، سنة ٣٥ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٣٩ ٤٤٠ ، سنة ٣٥ .

 ( ٣ ) مروج الذهب ٢ : ٣٦٤ ٣٦٥ .

 ( ٤ ) الاستيعاب بهامش الإصابة ٣ : ٣٩٠ ٣٩١ .

ثمّ شتّان بينه عليه السّلام و بين صدّيقهم و فاروقهم ، يشير المغيرة عليه نصحا فلا يقبله منه ، لكونه نصحا دنيويا لا دينيا ، و يرسلان إلى المغيرة يطلبان منه حيلة لاستيلائهما على الأمر ، فيشير عليهما باشتراك العباس . و لو لم يكن في حقيقته عليه السّلام و بطلان أمر الرجلين إلاّ هذا الموضع ، لكفى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .

و من محاجات ابن عبّاس مع المغيرة و جمع آخر في مجلس معاوية ، ما رواه المدائني : أنّ المغيرة قال لابن عبّاس : أما و اللّه لقد أشرب على عليّ عليه السّلام بالنصح فآثر رأيه و مضى على غلوائه ، فكانت العاقبة عليه لا له ، و إنّي لأحسب أنّ خلفه يقتدون منهجه .

فقال له بن عبّاس : كان أمير المؤمنين عليه السّلام و اللّه أعلم بوجوه الرأي و معاقد الحزم و تصاريف الامور ، من أن يقبل مشاورتك في ما نهى اللّه عنه و عنّف عليه ، قال سبحانه : لا تجد قوما يؤمنون باللّه و اليوم الآخر يوادّون من حادّ اللّه و رسوله . . . ١ ، و لقد وقفك عليه السّلام على ذكر متين و آية متلوة في قوله سبحانه : . . . و ما كنت متّخذ المضلّين عضدا ٢ ، و هل يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين و في‏ء المؤمنين من ليس بمأمون عنده و لا موثق به في نفسه ؟ هيهات هيهات ، هو أعلم بفرض اللّه و سنّة رسوله ، أن يبطن خلاف ما يظهر إلاّ للتّقيّة و لات حين تقيّة ، مع وضوح الحق و ثبوت الجنان و كثرة الأنصار يمضي كالسيف المصلت ٣ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) المجادلة : ٢٢ .

 ( ٢ ) الكهف : ٥١ .

 ( ٣ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٩٨ ٣٠٣ .

١٥

الخطبة ( ٢١٢ ) و من خطبة له عليه السّلام :

اَللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا اَلْعَادِلَةَ غَيْرَ اَلْجَائِرَةِ وَ اَلْمُصْلِحَةَ غَيْرَ اَلْمُفْسِدَةِ فِي اَلدِّينِ وَ اَلدُّنْيَا فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلاَّ اَلنُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ وَ اَلْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ بِأَكْبَرَ اَلشَّاهِدِينَ شَهَادَةً وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَنْ أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَ سمَاوَاتِكَ ثُمَّ أَنْتَ بَعْدَهُ اَلْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ وَ اَلْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ « اللّهمّ أيّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة » قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا و من اتّبعني . . . ١ .

« غير الجائرة » تنكيره عليه السّلام كلمة ( غير ) مع كونها صفة ( مقالتنا ) ك ( العادلة ) ، يدلّ على عدم قبولها التعريف و مثله : . . . غير المغضوب عليهم . . . ٢ ، فهو صفة ( الذين ) و استعمال المتأخرين لها معرفة غلط .

« و المصلحة غير المفسدة في الدين و الدّنيا » هكذا في ( المصرية ) ٣ ،

و الصواب : ( و المصلحة في الدين و الدّنيا غير المفسدة ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٤ و ( الخطية ) .

مقالته عليه السّلام : كانت الدعوة إلى اللّه تعالى و رسوله و الأخذ بالكتاب و السنّة ، و معلوم كونها عادلة غير جائرة ، لا كما فعل الأوّل في قضية خالد

ــــــــــــ

 ( ١ ) يوسف : ١٠٨ .

 ( ٢ ) فاتحة الكتاب : ٧ .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ٢ : ٢١٩ .

 ( ٤ ) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١١ : ٦٠ و لكن في شرح ابن ميثم ٤ : ٢٧ « فالمصلحة غير المفسدة في الدين و الدنيا » أيضا .

و تضييعه حدود اللّه تعالى من القصاص و حدّ الزنا في حقّه و في نظائرها ، و لا كما فعل الثاني في تفضيله الأشراف و في نظائره . و واضح كونها مصلحة في الدين و الدّنيا غير مفسدة ، لا كما فعل الثالث من نصبه من يصلّي بالناس الصبح أربعا في سكره ، و جعله بيت المال نهب أقاربه .

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : في دعوة عدي بن حاتم الطائي قومه إلى نصرته عليه السّلام في الجمل ، قال عدي لقومه : أظلكم عليّ عليه السّلام و النّاس معه من المهاجرين و الأنصار ، فكونوا أكثرهم عددا ، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى و السرور ، و للقتيل فيه الحياة و الرزق .

فصاحت طي : نعم نعم حتّى كاد عدي أن يصمّ من صياحهم ١ .

و فيه أيضا : لمّا أقبل عليّ عليه السّلام على طي ، أقبل شيخ قد هرم من الكبر فرفع له من حاجبيه فنظر إلى عليّ عليه السّلام فقال له : أنت ابن أبي طالب ؟ قال : نعم ، قال :

مرحبا بك و أهلا قد جعلناك بيننا و بين اللّه تعالى ، و اللّه لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك لقرابتك من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أيّامك الصالحة ، و لئن كان ما يقال فيك من الخبر حقّا ان في أمرك و أمر قريش لعجبا إذ أخّروك و قدّموا غيرك ٢ .

« فأبى بعد سمعه لها إلاّ النكوص » أي : الرجوع إلى العقب .

« عن نصرتك و الإبطاء » و هو ضد السرعة .

« عن إعزاز دينك » كسعد من عشرتهم و ابن عمر من أجلتهم ، و جمع آخر كانوا عثمانية كحسان بن ثابت و زيد بن ثابت و كعب بن مالك و غيرهم .

و في ( الطبري ) : قيل لعبد اللّه بن الحسن كيف أبى هؤلاء بيعته عليه السّلام ؟

فقال : أما حسّان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع . و أمّا زيد بن ثابت فولاّه عثمان

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ٥٧ ٥٨ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ١ : ٥٨ .

الديوان و بيت المال فلمّا حصر عثمان قال : يا معشر الأنصار كونوا أنصار اللّه مرتين . فقال له أبو أيوب : ما تنصره إلاّ أنّه أكثر لك من العضدان . و أمّا كعب بن مالك فاستعمله عثمان على صدقة مزينة و ترك ما أخذ منهم له ١ .

« فانا نستشهدك عليه بأكبر الشاهدين شهادة » هكذا في ( المصرية ) :

( بأكبر ) ٢ و الصواب : ( يا أكبر ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٣ و ( الخطية ) ، و لأنّ الاستشهاد على اللّه بأكبر الشاهدين يقتضي أن يكون الأكبر شهادة غيره ، مع أنّه تعالى أكبر شهادة قل أيّ شي‏ء أكبر شهادة قل اللّه . . . ٤ .

« و نستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك و سماواتك » أي : الملائكة و الجنّ و الإنس ، بأنّه سمع و امتنع .

« ثم أنت بعده » هكذا في ( المصرية ) ٥ ، و الصواب : ( بعد ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٦ و ( الخطيّة ) .

« المغني عن نصره » إلاّ تنصروه فقد نصره اللّه . . . ٧ .

« و الآخذ له بذنبه » إلاّ تنفروا يعذبكم عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم و لا تضرّوه شيئا . . . ٨ .

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : قال عليّ عليه السّلام في خطبته : و قد فارقكم مصقلة بن

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٣٠ ، سنة ٣٥ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ٢١٩ .

 ( ٣ ) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١١ : ٦٠ و لكن في شرح ابن ميثم ٤ : ٢٧ « بأكبر » أيضا.

 ( ٤ ) الأنعام : ١٩ .

 ( ٥ ) نهج البلاغة ٢ : ٢١٩ .

 ( ٦ ) في شرح ابن أبي الحديد ١١ : ٦٠ ، و شرح ابن ميثم ٤ : ٢٧ « بعده » أيضا .

 ( ٧ ) التوبة : ٤٠ .

 ( ٨ ) التوبة : ٣٩ .

هبيرة فآثر الدّنيا على الآخرة و فارقكم بسر بن أرطاة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء ، مفتضح البطن من المال ، و فارقكم زيد بن عدي بن حاتم فأصبح يسأل الرجعة ١ .

هذا و مر في ( ١٤ ) من فصل عثمان قوله عليه السّلام : « و إنّ العامّة لم تبايعني لسلطان غالب و لا لعرض حاضر . . . » ٢ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ١١٤ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٣ : ١٢٢ الكتاب ٥٤ .

الفصل الواحد و الثلاثون في الجمل و هم الناكثون

يأتي في ( ١٠ ) فصل المارقين أخبار في أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له عليه السّلام بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين .

و في ( إيضاح الفضل ) : و رويتم عن أبي الفضل ، عن زيد بن أبي زياد ، عن عبد اللّه بن الحارث قال : سمعت أمّ هاني بنت أبي طالب تقول : لقد علم من جرت عليه المواسي من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّ أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبيّ الأمّي صلّى اللّه عليه و آله و قد خاب من افترى ١ .

١

الحكمة ( ١٠٧ ) و قال عليه السّلام :

رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَ عِلْمُهُ مَعَهُ لاَ يَنْفَعُهُ أقول : قاله عليه السّلام في طلحة و الزبير فإنّهما كانا عالمين بأنّه عليه السّلام على الحقّ ،

و أنّهما على الباطل و مع ذلك قاتلاه فقتلهما جهلهما الناشى‏ء عن حبّ الدّنيا

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإيضاح : ٨٢ ٨٤ .

و الحرص على الإمارة و لم يغن علمهما بكونه عليه السّلام على الحقّ عنهما شيئا .

رواه أبو مخنف في ( جمله ) و رواه ( الإرشاد ) و في الأوّل : لمّا سار الزبير و طلحة من مكّة و معهما عايشة يريدون البصرة خطب عليّ عليه السّلام فقال :

أيّها النّاس إنّ عايشة سارت إلى البصرة و معها طلحة و الزبير ، و كلّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه ، أمّا طلحة فابن عمّها ، و أمّا الزبير فختنها ، و اللّه لو ظفروا بما أرادوا و لن ينالوا ذلك أبدا ليضربنّ أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد و اللّه إنّ راكبة الجمل ما تقطع عقبة و لا تحلّ عقدة إلاّ في معصية اللّه و سخطه ، حتى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة . أي و اللّه ليقتلن ثلثهم و ليهربن ثلثهم و ليتوبنّ ثلثهم ، و إنّها التي تنبحها كلاب الحوأب ،

و إنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان ، و ربّ عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه .

حسبنا اللّه و نعم الوكيل ، فقد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون ١ ؟

و رواه الثاني مثله لكن فيه بدل قوله : ( أما طلحة فابن عمّها ، و أما الزبير فختنها : « لا يدّعي طلحة الخلافة إلاّ أنّه ابن عمّ عايشة و لا يدّعيها الزبير إلاّ أنّه صهر أبيها » ٢ ، و هو جزء الآتي كما يأتي .

و لم يتفطّن ابن أبي الحديد و ابن ميثم للمراد ، فتوهّم الأوّل أنّ المراد بالقتل القتل الظاهري فقال : جرى مثل ذلك لابن المقفّع و فضله مشهور ، فقتله المنصور لمّا كتب كتاب أمان لعمّه عبد اللّه بن علي بأنّه إن غدر بعمّه ، فنساؤه طوالق و النّاس في حل من بيعته ٣ .

و توهّم الثاني أنّه عليه السّلام أراد بالعلم علما لا نفع فيه ، كعلم السحر

ــــــــــــ

 ( ١ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ : ٢٣٣ .

 ( ٢ ) الإرشاد ١ : ٢٤٦ ٢٤٧ ، بحار الأنوار ٣٢ : ١١٢ ١١٣ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٢٦٩ .

و النيرنجات و علوم صناعية ، و بالجهل الجهل بالشرايع ١ ، و كلّ منهما نفخ في غير ضرام .

و من الغريب أنّ الأوّل نقل رواية ( جمل أبي مخنف ) عند قوله عليه السّلام في الزبير : ( يزعم انّه بايع بيده ) ٢ بلا مناسبة و هنا غفل رأسا .

ثمّ إنّه عليه السّلام و إن قال الكلام في الناكثين ، إلاّ أنّه يجري في القاسطين و المارقين و في الثلاثة المتقدمين عليه ، و قد عبّر بمعنى الكلام للجميع في الشقشقية ، في قوله عليه السّلام بعد ذكرهم : « كأنّهم لم يسمعوا اللّه حيث يقول تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين ٣ ، بلى و اللّه لقد سمعوها و لكن حليت الدّنيا في أعينهم وراقهم زبرجها » ٤ .

و قد قال عليه السّلام قريبا من هذا الكلام في كعب بن سور قاضي البصرة ، لمّا مر عليه السّلام به قتيلا في أهل الجمل ، فروى أبو مخنف في ( جمله ) عن الأصبغ قال :

لمّا انهزم أهل البصرة ركب عليّ عليه السّلام بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الشهباء و كانت باقية عنده و سار في القتلى يستعرضهم فمر بكعب بن سور قاضي البصرة و هو قتيل ، فقال : أجلسوه فأجلس فقال : « ويل أمّك كعب بن سور لقد كان لك علم لو نفعك و لكن الشيطان أضلّك فأزلك فعجلك إلى النّار أرسلوه » ٥ .

هذا و عدّ ( فهرست الشيخ ) في مصنّفات حيدر بن محمّد بن نعيم تلميذ

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٢٩٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٣٣ عند شرح الخطبة ٨ .

( ٣ ) القصص : ٨٣ .

( ٤ ) نهج البلاغة ١ : ٣١ الخطبة ٣ .

( ٥ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ : ٢٤٨ .

العياشي ، كتاب تنبيه عالم قتله علمه الذي هو معه ١ .

و في ( عيون القتيبي ) : كتب كسرى إلى بزرجمهر و هو في الحبس : كان ثمرة علمك أن صرت بها أهلا للحبس و القتل . فكتب إليه بزرجمهر : أمّا ما كان مع الجدّ فقد كنت أنتفع بثمرة العلم ، فالآن إذ لا جد صرت أنتفع بثمرة الصبر ،

مع أنّي إن كنت فقدت كثير الخير فقد استرحت من كثير الشرّ ٢ .

و في ( الأغاني ) : كان لإبراهيم بن العبّاس الصولي الشاعر قينة كان يهواها ، فغضبت عليه فقال فيها :

و علّمتني كيف الهوى و جهلته

و علّمكم صبري على ظلمكم ظلمي

و أعلم مالي عندكم فيردّني

هواي إلى جهل فأقصر عن علمي ٣

و لبعضهم :

لا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة ، يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم ٤ .

٢

الخطبة ( ١٤٨ ) و من كلام له عليه السّلام في ذكر أهل البصرة :

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو اَلْأَمْرَ لَهُ وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اَللَّهِ بِحَبْلٍ وَ لاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وَ عَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا اَلَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا

ــــــــــــ

( ١ ) الطوسي : الفهرست ، ص ٦٤ ، رقم ٢٤٩ بمنشورات المكتبة المرتضوية ، النجف .

( ٢ ) عيون الأخبار ٢ : ١٢٦ .

 ( ٣ ) الأغاني ١٠ : ٦٠ .

( ٤ ) عيون الأخبار ٢ : ١٢٥ .

عَلَى هَذَا قَدْ قَامَتِ اَلْفِئَةُ اَلْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ اَلْمُحْتَسِبُونَ فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ اَلسُّنَنُ وَ قُدِّمَ لَهُمُ اَلْخَبَرُ وَ لِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَ لِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ وَ اَللَّهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اَللَّدْمِ يَسْمَعُ اَلنَّاعِيَ وَ يَحْضُرُ اَلْبَاكِيَ ثُمَّ لاَ يَعْتَبِرُ

أقول : قد عرفت في سابقة أنّ الأصل فيهما واحد رواهما أبو مخنف ١ و المفيد ٢ ، و غفل ابن أبي الحديد هنا كما غفل ثمة ، و إنّما نقل رواية أبي مخنف عند قوله عليه السّلام : ( يزعم أنّه بايع بيده ) ٣ ، و هي : أيّها النّاس إنّ عايشة سارت إلى البصرة معها طلحة و الزبير و كلّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه .

أمّا طلحة فابن عمّها ، و أمّا الزبير فختنها و اللّه لو ظفروا بما أرادوا و لن ينالوا ذلك أبدا ليضربنّ أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد ،

و اللّه إنّ راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة و لا تحل عقدة إلاّ في معصية اللّه و سخطه ، حتى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة ، أي و اللّه ليقتلن ثلثهم و ليهربن ثلثهم و ليتوبن ثلثهم ، و إنّها التي تنبحها كلاب الحوأب ،

و إنّهما ليعلمان أنّهما مخطئان ، و ربّ عالم قتله جهله و معه علمه لا ينفعه ،

حسبنا اللّه و نعم الوكيل ، فقد قامت الفتنة ، فيها الفئة الباغية ، أين المحتسبون أين المؤمنون ، مالي و لقريش أما و اللّه لقد قتلتهم كافرين و لأقتلنهم مفتونين ، و ما لنا إلى عايشة من ذنب إلاّ أنّا أدخلناها في حيزنا ، و اللّه لأبقرن الباطل حتّى يظهر الحقّ من خاصرته ، فقل لقريش فلتضجّ ضجيجها ٤ .

ــــــــــــ

( ١ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ : ٢٣٣ .

( ٢ ) الإرشاد ١ : ٢٤٦ ٢٤٧ ، بحار الأنوار ٣٢ : ١١٢ ١١٣ .

( ٣ ) نهج البلاغة ١ : ٣٨ ، الخطبة ٨ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٣٣ .

و مثله ( الإرشاد ) مع اختلاف يسير ١ .

قول المصنف « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ٢ و مثله في ( ابن ميثم ) ٣ و لكن في ( ابن أبي الحديد ) ٤ و ( الخطية ) : « و من خطبة له عليه السّلام » .

« في ذكر أهل البصرة » كان عليه أن يقول ( في طلحة و الزبير لمّا سارا إلى البصرة ) فإنّ المنصرف من أهل البصرة أهلها الأصليون و ليس الكلام فيهم بل فيهما .

قوله عليه السّلام « كلّ واحد منهما يرجو الأمر له و يعطفه عليه دون صاحبه » في ( الطبري ) : أذن مروان حين فصل من مكّة ، ثمّ جاء حتى وقف على طلحة و الزبير فقال : أيّكما أسلّم عليه بالامرة و اوزنه بالصلاة ، فقال عبد اللّه بن الزبير على أبي عبد اللّه ، و قال محمّد بن طلحة على أبي محمّد ، فأرسلت عايشة إلى مروان : مالك تريد أن تفرّق أمرنا ليصلّ ابن اختي ، فكان يصلّي بهم ابن الزبير حتّى قدموا البصرة ، فكان معاذ بن عبيد اللّه يقول : و اللّه لو ظفرنا لأفتتنا ما خلى الزبير بين طلحة و الأمر و لا خلّى طلحة بين الزبير و الأمر ٥ .

و في ( المروج ) : تشاحّ طلحة و الزبير في الصلاة بالناس في البصرة ، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي ابن الزبير يوما و ابن طلحة يوما في خطب طويل كان بين طلحة و الزبير ، و جذب صاحبه حتّى فات وقت الصلاة ، و صاح النّاس :

الصلاة الصلاة يا أصحاب محمّد ٦ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإرشاد ١ : ٢٤٦ ٢٤٧ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ٤٤ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٢٠٥ .

 ( ٤ ) في شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٠٩ « من كلام له عليه السّلام » أيضا .

 ( ٥ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٥٤ ٤٥٥ ، سنة ٣٦ .

 ( ٦ ) مروج الذهب ٢ : ٣٦٧ .

و في ( جمل أبي مخنف ) : لمّا صفت البصرة لطلحة و الزبير بعد قتل حكيم بن جبلة و أصحابه ، و طرد عثمان بن حنيف عنها ، اختلفا في الصلاة و أراد كل منهما أن يؤمّ بالنّاس و خاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما و رضى بتقدمه ، فأصلحت عايشة بينهما ١ .

و في ( جمل المفيد ) نقلا عن ابن دأب و أبي مخنف و الواقدي و المدائني :

أنّ طلحة و الزبير لمّا ظفرا في البصرة بعثمان بن حنيف و حكيم بن جبلة ، نزلا دار الإمارة فقدمت عايشة و حملت مالا من بيت المال لتفرّقه على أنصارها ،

فدخل عليها طلحة و الزبير في طائفة معهما و احتملا منه شيئا كثيرا ، فلمّا خرجا نصبا على أبوابه الأقفال و وكلا به من قبلهما قوما ، فأمرت عايشة بختمه فبدر طلحة ليختمه فمنعه الزبير ، و أراد الزبير أن يختمه فتدافعا ، فبلغ ذلك عايشة فقالت : يختمها عنّي ابن اختي عبد اللّه فنختم يومئذ بثلاثة ختوم ٢ .

« لا يمتّان » أي : لا يتوسلان .

« إلى اللّه بحبل و لا يمدّان إليه بسبب » أي : توصل .

في ( الطبري ) عن عوف الأعرابي قال : جاء رجل إلى طلحة و الزبير و هما في المسجد بالبصرة فقال : نشدتكما باللّه في مسيركما أعهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليكما فيه شيئا ؟ فقام طلحة و لم يجبه ، فناشد الزبير فقال : لا ، و لكن بلغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها ٣ .

و عن الزهري : أنّ طلحة و الزبير قاما خطيبين فقالا : يا أهل البصرة توبة بحوبة إنّما أردنا أن نستعتب عثمان و لم نرد قتله ، فغلب سفهاء النّاس الحلماء

ــــــــــــ

 ( ١ ) قريب منه ما في الجمل للمفيد : ٢٨١ ٢٨٢ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨١ ، تاريخ الطبريّ ٤: ٤٦٨ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٢٨٤ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٧٥ ، سنة ٣٦ .

حتّى قتلوه . فقال النّاس لطلحة : قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا . فقال لهم الزبير :

فهل جاءكم منّي كتاب في شأنه ؟ ثمّ ذكر قتل عثمان و ما أتى إليه و أظهر عيب عليّ عليه السّلام ، فقام إليه رجل من عبد القيس فقال : أيّها الرجل انصت حتّى نتكلّم ،

فقال له ابن الزبير : مالك و للكلام . فقال الرجل : يا معشر المهاجرين أنتم أوّل من أجاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فكان لكم بذلك فضل ، ثم دخل النّاس في الإسلام كما دخلتم ، فلمّا توفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بايعتم رجلا منكم و اللّه ما استأمرتمونا في شي‏ء من ذلك فرضينا ، ثم أنكرتم من عثمان فقتلتموه عن غير مشورة منّا ، ثمّ بايعتم عليّا عن غير مشورة ، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله ، هل استأثر بفي‏ء ، أو عمل بغير الحق ، أو عمل شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه ؟ و إلاّ فما هذا فهمّوا بقتل ذلك الرجل ، فقام من دونه عشيرته فلمّا كان الغد و ثبوا عليه و على من كان معه فقتلوا سبعين رجلا ١ .

« كلّ واحد منهم حامل ضب » في ( الأساس ) : ( في قلبه ضبّ ) أي : غل داخل كالضب الممعن في جحره .

قال سابق البربريّ :

و لا تك ذا وجهين يبدي بشاشة

و في صدره ضبّ من الغلّ كامن ٢

« لصاحبه و عمّا قليل يكشف قناعه به » أي : عنه ، و أهل الدّنيا كلّهم كذلك،

و اصطلاحهم في الظاهر إنّما هو من حيث أنّ الدّنيا محبوبة جميعهم ، في قبال مبغضيها. و أمّا هم في أنفسهم و تزاحمهم عليها فيتهارشون كل مع الآخر حال الكلاب و الجيفة.

« و اللّه لئن أصابوا الذي يريدون » أي : من نيل الإمارة ، و قد عرفت من رواية

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٦٩ ٤٧٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) أساس البلاغة : ٢٦٥ ، مادة : ( ضبب ) .

أبي مخنف أنّه عليه السّلام أخبر بعدم نيلهما ذلك ، كما أخبر عليه السّلام بقتل ثلث أهل الجمل و هرب ثلثهم و توبة ثلثهم .

« لينزعن هذا نفس هذا و ليأتين هذا على نفس هذا » قد عرفت أنّ رواية أبي مخنف بدله بقوله : ( ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد ) .

و كذلك أهل الدّنيا في كل عصر ، فانتزع عبد الملك بن مروان لمّا نال الأمر نفس عمرو بن سعيد الأشدق و ذبحه بيده ، و انتزع منصور الدوانيقي نفس أبي مسلم الخراساني ، و قتل المأمون الأمين . قال هارون لرجل : ما عندك في ما كان من العهد الذي عهدت إلى ولاة العهد ؟ فاستعفاه فلم يعفه . فقال :

رأيتك قد أخذت ثلاثة أسياف مشحوذة فجعلتها في غمد واحد .

و روى ( أمالي الشيخ ) عن الصادق عليه السّلام : أنّ إيتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا و إن لم يظهروا التودّد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر السماء على مياه الأنهار ، و إنّ بعد إيتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا و إن أظهروا التودّد بألسنتهم ،

كبعد البهائم من التعاطف و إن طال اعتلافها على مذود واحد ١ .

« قد قامت الفئة الباغية » التي أخبر بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

« فأين المحتسبون » في جهادهم .

« فقد » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و لكن في ( ابن ميثم ) ٣ : ( و قد ) و في ( ابن أبي الحديد ) ٤ و ( الخطية ) : ( قد ) .

« سنّت لهم السنن » في حرب الناكثين .

« و قدم لهم الخبر » في ( الطبري ) عن أبي عمرة مولى الزبير قال : لمّا

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأمالي للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه ٢ : ٢٥ ٢٦ ، بحار الأنوار ٧٤ : ٢٨١.

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ٤٤ .

 ( ٣ ) في شرح ابن ميثم ٣ : ٢٠٥ « فقد » أيضا .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٠٩ .

بايعهما أهل البصرة قال الزبير : ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ ، فأمّا بيّته و أما صبّحته لعليّ أقتله قبل أن يصل إلينا . فلم يجبه أحد فقال : إنّ هذه لهي الفتنة التي كنّا نحدّث عنها ، فقال له مولاه : أتسميها فتنة و تقاتل فيها ؟ قال :

ويحك إنّا نبصر و لا نصبر ١ .

و في ( جمل المفيد ) : روى عبد اللّه بن رباح مولى الأنصار عن عبد اللّه بن زياد مولى عثمان قال : خرج عمّار يوم الجمل إلينا فقال : يا هؤلاء على أي شي‏ء تقاتلونا ؟ فقلنا : على أنّ عثمان قتل مؤمنا ، فقال : نحن نقاتلكم على أنّه قتل كافرا . و قال : و اللّه لو ضربتمونا حتّى نبلغ سعفات هجر ، إنّا على الحقّ و إنّكم على الباطل . و قال : ما نزل تأويل هذه الآية يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم و يحبونه . . . الاّ اليوم ٢ .

« و لكل ضلّة علة و لكل ناكث شبهة » يعني و أمّا طلحة و الزبير فلا علّة لضلّتهم بقتالهم معه عليه السّلام ، و لا شبهة لهما في نكث بيعته عليه السّلام ، فعلّة ضلّتهم كانت طلب دم عثمان و هم كانوا قاتليه ، و قد عرفت أنّ الرجل العبدي قال لطلحة : جاءت كتبك بقتل عثمان ، و سبب نكثهم كان عدم توليتهم الولايات ،

و ليس هو شبهة و إنّما تكون شبهة لو كان أمكنهم ادّعاء وقوع خلاف شرع منه عليه السّلام .

و روى ( أمالي المفيد ) : عن أبي عثمان مؤذن بني افصى أنّه سمع عليّا عليه السّلام حين خرج طلحة و الزبير لقتاله تلا هذه الآية و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر انهم لا أيمان

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٧٥ ٤٧٦ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٣٦٦ ، و الآية ٥٤ من سورة المائدة .

لهم لعلهم ينتهون ١ .

« و اللّه لا أكون كمستمع اللدم » في ( الصحاح ) لدمت المرأة وجهها أي :

ضربته ، و التدام النساء : ضربهن صدورهن في النياحة ٢ .

« يسمع الناعي » و هو الذي يأتي بخبر الميّت .

« و يحضر الباكي » و المراد أنّي لا اساهل في أمر طلحة و الزبير ، اخليهما و إفساد البلاد .

و قال الشاعر :

و لست كمن يرضى بما غيره الرضا

و يمسح رأس الذئب و الذئب آكله

و قال ابن أبي الحديد في معنى قوله عليه السّلام : ( و اللّه ) إلى مستمع اللدم :

كناية عن الضبع تسمع وقع الحجر بباب حجرها من يد الصائد ، فتنخذل و تكف جوارحها إليها حتى يدخل عليها فيربطها ، يعني لا أكون مقرّا بالضيم أسمع الناعي المخبر عن قتل عسكر الجمل ، حكيم بن جبلة و أتباعه ، فلا يكون عندي من التغير و الإنكار لذلك ، إلاّ أن أسمعه و أحضر الباكين على قتلاهم ٣ .

و تبعه الخوئيّ ٤ .

و قال ابن ميثم : أقسم عليه السّلام أنّه لا يكون معهم كمن يسمع الضرب و البكاء ، الذي هو مظنّة الخطر ، ثم لا يصدق حتّى يجي‏ء لمشاهدة الحال و يحضر الباكي ، و قد كان الأولى أن يكتفي بذلك السماع و يأخذ في الاستعداد للعدوّ و الهرب منه ٥ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأمالي للمفيد رحمه اللّه : ٧٣ ، و الآية ١٢ من سورة التوبة .

 ( ٢ ) الصحاح ٥ : ٢٠٢٨ ٢٠٢٩ ، مادة : ( لدم ) .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٠٩ ١١٠ .

 ( ٤ ) منهاج البراعة ٩ : ١٠٩ .

 ( ٥ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٢٠٧ .

قلت : و هما كما ترى ، أما قول ابن أبي الحديد : فلم يقل أحد ان مستمع اللدم كناية عن الضبع ، و إنّما قالوا : إنّ الضبع تسمع اللدم ، أي : الصوت فتخرج فتصاد .

ففي ( الصحاح ) قال الأصمعي : اللدم صوت الحجر ، أو الشي‏ء يقع بالأرض و ليس بالصوت الشديد .

و في الحديث : و اللّه لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد . . . ١ ، و أين هو ممّا قال و إنّما اللدم هنا ضرب المرأة وجهها و صدرها في النياحة كما مر ، و يشهد له قوله : « يسمع الناعي و يحضر الباكي » . و أيّ ربط لسماع الناعي و حضور الباكي بالضبع ؟ كما أنّ تفسيره ( يسمع الناعي ) بسماعه خبر قتل عسكر الجمل حكيم بن جبلة ٢ من أين قاله ؟ مع أنّ الأصل في ( الخطية ) كما عرفت من رواية أبي مخنف و المفيد كان عند شخوص أصحاب الجمل من مكة قبل وصولهم إلى البصرة ، و قتلهم لحكيم كان بعد وصولهم إلى البصرة ، اللهمّ إلاّ أن يقال إنّ قوله عليه السّلام « و اللّه . . . » لم يكن من الروايتين ، و إنّما أخذه الرضي من موضع آخر ،

حيث إنّ دأبه الجمع بين مختلفات موضوع من مواضع ، و لعلّه لذا قال في عنوانه : « في ذكر أهل البصرة » .

و أيضا قوله : « يسمع الناعي و يحضر الباكي » على سياق واحد ، فكيف فسّرهما بما قال من إنّه يسمع الناعي بقتل أصحابه ، فلا يكون عنده إنكار إلاّ أن يحضر الباكي ٣ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الصحاح ٥ : ٢٠٢٨ ، مادة : ( لدم ) .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١١٠ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٠٩ ١١٠ ، و النقل بتصرّف .

و أمّا ما ذكره ابن ميثم : فاللفظ أيضا قاصر عن إفادته مع أنّه غير السياق أيضا .

« ثم لا يعتبر » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و ليس هذا الكلام في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٢ رأسا ، و الظاهر أنّه كان حاشية اخذت من قول ابن أبي الحديد في ما مرّ في تفسيره ما قبله : « فلا يكون عندي من التغير . . . » و خلطت بالمتن .

٣

الخطبة ( ٦ ) و من كلام له عليه السّلام لمّا اشير عليه بألاّ يتبع طلحة و الزبير و لا يرصد لهما القتال :

وَ اَللَّهِ لاَ أَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلَى طُولِ اَللَّدْمِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا وَ يَخْتِلَهَا رَاصِدُهَا وَ لَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى اَلْحَقِّ اَلْمُدْبِرَ عَنْهُ وَ بِالسَّامِعِ اَلْمُطِيعِ اَلْعَاصِيَ اَلْمُرِيبَ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي قول المصنف : « لمّا اشير عليه عليه السّلام بألاّ يتبع طلحة و الزبير و لا يرصد لهما القتال » اختلف في المشير عليه بذلك ، فروت العامّة كونه ابنه الحسن عليه السّلام ، و روت الخاصّة كونه اسامة .

أما الأوّل ، فقال ابن أبي الحديد : خرج طارق بن شهاب الأحمسي يستقبل عليّا عليه السّلام و قد صار بالربذة طالبا عايشة و أصحابها . قال طارق فقلت في نفسي : أفاقاتل امّ المؤمنين و حواري النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّ هذا لعظيم ؟ ثم قلت :

أدع عليّا عليه السّلام و هو أوّل المؤمنين إيمانا باللّه و ابن عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وصيّه هذا

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٢ : ٤٤ .

 ( ٢ ) كذا في شرح ابن ميثم ٣ : ٢٠٥ و لكن في شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٠٩ « ثمّ لا يعتبر » أيضا.

عظيم ثمّ أتيته فسلّمت عليه ، ثم جلست إليه ، فقص عليّ قصّة القوم و قصّته ،

فجاء الحسن ابنه فبكى بين يديه . قال : ما بالك ؟ قال : أبكي لقتلك غدا بمضيعة و لا ناصر لك ، أمّا إنّي أمرتك فعصيتني ، ثمّ أمرتك فعصيتني . فقال له عليّ عليه السّلام : لا تزال تحنّ حنين الأمة ، ما الذي أمرتني به فعصيتك ؟ قال : أمرتك حين أحاط النّاس بعثمان أن تعتزل ، فإنّ النّاس إذا قتلوه طلبوك أينما كنت حتّى يبايعوك فلم تفعل ، ثم أمرتك لمّا قتل عثمان ألاّ توافقهم على البيعة حتّى يجتمع النّاس و يأتيك و فود العرب فلم تفعل ، ثم خالفك هؤلاء القوم فأمرتك ألاّ تخرج من المدينة و أن تدعهم و شأنهم ، فإن اجتمعت عليك الامّة فذاك و إلاّ رضيت بقضائه .

فقال عليّ عليه السّلام : و اللّه لا أكون كالضبع تنام على اللدم حتى يدخل إليها طالبا فيعلق الحبل برجلها و يقول لها دباب دباب حتى يقطع عرقوبها الى آخر الفصل ١ .

و كان طارق يبكي إذا ذكر هذا الحديث . و نسب إلى ( أمالي المفيد ) روايته عن طارق الخبر و لكن لم أتحققه ٢ .

و رواه سيف كما في ( الطبري ) عن طارق مثله ، لكن فيه فقال عليّ : أي بني أما قولك لو خرجت من المدينة حين احيط بعثمان ، فو اللّه لقد احيط بنا كما احيط به ، و أما قولك لا تبايع حتّى يأتي بيعة الأمصار ، فإن الأمر أمر أهل المدينة و كرهنا أن يضيع هذا الأمر ، و أمّا قولك حين خرج طلحة و الزبير فإن ذلك كان وهنا على أهل الإسلام ، و و اللّه ما زلت مقهورا مذ ولّيت منقوصا لا أصل إلى شي‏ء ممّا ينبغي ، و أما قولك اجلس في بيتك ، فكيف لي بما قد لزمني ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٢٦ ٢٢٧ .

 ( ٢ ) ما وجدت هذا الحديث في الأمالي .

أو من تريدني ؟ أ تريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها و يقال دباب دباب ليست هاهنا حتّى يحلّ عرقوباها ثم تخرج . و إذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر و يعنيني فمن ينظر فيه ١ ؟

و روى الطبري عن العرني صاحب جمل عايشة بعد بيعة الجمل من أصحاب عايشة و سيره معهم إلى الحوأب و نبح كلابها عليها ، و قولها : ردّوني أنا و اللّه صاحبة كلاب الحوأب . ثم انصرافه عنهم و مجيئه معه عليه السّلام إلى ذى قار قال فقال عليه السّلام : قد رأيتم ما صنع هؤلاء القوم و هذه المرأة ، فقام إليه الحسن فبكى ، فقال له عليّ : قد جئت تحن حنين الجارية . فقال : أجل أمرتك فعصيتني ، فأنت اليوم تقتل بمضيعة لا ناصر لك . قال : حدّث القوم بما أمرتني به . قال : أمرتك حين سار النّاس إلى عثمان ألاّ تبسط يدك ببيعة حتّى تجول جائلة العرب فإنّهم لن يقطعوا أمرا دونك فأبيت عليّ ، و أمرتك حين سارت هذه المرأة و صنع هؤلاء القوم ما صنعوا أن تلزم المدينة و ترسل إلى من استجاب لك من شيعتك . قال عليّ : صدق و اللّه ، و لكن و اللّه يا بني ما كنت لأكون كالضبع و تستمع للدم ، إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قبض و ما أرى أحدا أحقّ بهذا الأمر مني ،

فبايع النّاس أبا بكر فبايعت كما بايعوا ، ثمّ إنّه هلك و ما أرى أحدا أحقّ بهذا الأمر مني فبايع النّاس عمر فبايعت كما بايعوا ، ثمّ إنّ عمر هلك و ما أرى أحدا أحقّ بهذا الأمر منّي ، فجعلني سهما من ستّة أسهم ، فبايع النّاس عثمان فبايعت كما بايعوا ، ثمّ سار النّاس إلى عثمان فقتلوه ثم أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين ، فأنا مقاتل من خالفني بمن اتّبعني حتّى يحكم اللّه بيني و بينهم ٢ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٥٥ ٤٥٦ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٥٦ ٤٥٨ ، سنة ٣٦ .

و أما الثاني : فروى المفيد في ( جمله ) : أنّه لمّا جاء كتاب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام يخبره بخبر طلحة و الزبير و عايشة ، دعا عليه السّلام ابن عبّاس و محمّد بن أبي بكر و عمارا و سهل بن حنيف ، و أخبرهم بما عليه القوم من المسير ، فقال محمّد بن أبي بكر : ما يريدون ؟ فتبسّم عليه السّلام و قال : يطلبون بدم عثمان . فقال محمّد : و اللّه ما قتله غيرهم .

ثم قال عليه السّلام : أشيروا عليّ بما أسمع منكم القول فيه . فقال عمّار : الرأي أن نسير إلى الكوفة فإن أهلها لنا شيعة و قد انطلق هؤلاء القوم إلى البصرة . و قال ابن عبّاس : الرأي عندي أن تقدم رجالا إلى الكوفة فيبايعوا لك إلى أن قال :

فبيناهم في ذلك إذ دخل اسامة بن زيد و قال له عليه السّلام : فداك أبي و امي لا تسر، و خلّف على المدينة رجلا ، و أقم بمالك ، فإنّ العرب لهم جولة ثم يصيرون إليك.

فقال ابن عبّاس : يا اسامة إنّ هذا القول منك ، إن كان على غير دغل في صدرك ، فقد أخطأت وجه الرأي ، فبه نكون و اللّه كهيئة الضبع في مغارتها .

فقال له اسامة : فما الرأي ؟ قال : ما أشرت به و ما رأى أمير المؤمنين لنفسه . ثم نادى عليه السّلام في النّاس : تجهزوا ١ .

و الصواب هذا الذي يشهد له الاعتبار ، و أمّا خبرا طارق و العرفي فخلاف العقل ، فمع قطع النظر عن كون الحسن عليه السّلام معصوما لا يعترض على المعصوم ، إتباع طلحة و الزبير و عدمه لم يكن أمرا مشتبها مختلف الظاهر و الباطن حتّى يشتبه على الحسن عليه السّلام ، فمع إتباعه عليه السّلام لهما أفسدا تلك الإفسادات العظيمة ، فكيف كان لو خلاهما .

و كذلك قبوله عليه السّلام بيعة النّاس ، و أي معنى لقوله للعرب جولة ، فالعرب أين كانوا يوم السقيفة و يوم الدار ؟ و كيف يعبّر الحسن عليه السّلام مع أبيه بقوله :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٢٣٩ ٢٤٠ .

« أمرتك فعصيتني » ألم يدر يقول : « أشرت عليك فما قبلت رأيي » ؟

و الخبر الأوّل و إن كان دخيلا كالثاني ، إلاّ انّ سيفا زاد في غشه كما هو دأبه إشارته على أبيه بخروجه من المدينة حين احيط بعثمان ، و انّ أباه قال له : لقد احيط بنا كما احيط بعثمان ، فإنّه كذب محض و افتراء واضح .

و لقد أغرب ( خلفاء ابن قتيبة ) و أتى بالمضحك من الكذب ، و الطبري و إن كان ينقل الروايات المتضادة هو يفتي بالمتناقض و المتضاد .

فقال : لمّا أتى كتاب معاوية ليس بيني و بين قيس عتاب غير طعن الكلى و ضرب الرقاب إلى علي دخل عليه ابنه الحسن فقال له : قد كنت أمرتك فعصيتني . فقال له عليّ: و ما أمرتني به فعصيتك ؟ قال : أمرتك يوم عثمان أن تركب رواحلك فتلحق بمكة فلا تتهم به ، و أمرتك حين دعيت إلى البيعة ألاّ تبسط يدك إلاّ على بيعة جماعة فعصيتني، و أمرتك حين خالف عليك طلحة و الزبير ألاّ تكرههما على البيعة و تخلي بينهما و بين وجههما و تدع النّاس يتشاورون عاما كاملا ، فو اللّه لو تشاوروا عاما ما زويت عنك ، و لا وجدوا منك بدا ، و أنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما و تردّ إلى النّاس أمرهم ، فإن رفضوك رفضتهم و إن قبلوك قبلتهم ، فإنّي قد رأيت الغدر في رؤوسهم ، و الكراهية في وجوههم . فقال له علي : أنا إذن مثلك يا بني ، و لكن اقاتل من عصاني بمن أطاعني ، و ايم اللّه ما زلت مبغيّا عليّ منذ هلك جدّك .

فقال له الحسن : يا أبة ليظهرن عليك معاوية ، لأنّه من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا .

فقال عليّ : يا بني و ما علينا ، ما ظلمناه و لا أمرنا و لا نصرنا عليه ، و لا كتبت فيه إلى أحد سوادا في بياض ، و إنّك لتعلم إنّ أباك أبرأ النّاس من دمه .

فقال له الحسن : دع عنك هذا ، انّي لا أظن ، بل لا أشك أنّ ما في المدينة

عاتق و لا عذراء و لا صبيّ إلاّ و عليه كفل من دمه . فقال : يا بني إنّك لتعلم أنّ أباك قد ردّ عنه النّاس مرارا ، و قد أرسلتكما جميعا بسيفيكما لتنصراه و تموتا دونه ، فنهاكما عن القتال و نهى أهل الدار أجمعين ، و لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه أو أموت بين يديه . قال الحسن : دع عنك هذا حتّى يحكم اللّه بين عباده .

فهل أراد المخذول أن يصنع قصّة و يجعل معاوية الحسن ، و لقد أراد المفتري أن يجعل قتل عثمان ظلما ، فأخزاه اللّه حتى جعل أمير المؤمنين عليه السّلام و جميع أهل المدينة صغيرهم و كبيرهم ذكرهم و انثاهم داخلين في دمه ، فإن كان الأمر كما ذكر فهذا إجماع لا إجماع فوقه ، و لن تجمع امّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على ضلال .

و بالجملة ، الأصل في العنوان أحد تلك الأخبار ، لكن عرفت أنّ الصحيح منها خبر ( جمل المفيد ) و المفهوم منه كون العنوان و إن لفظه أخصر لابن عبّاس لاله عليه السّلام فإن كان المصنّف وقف على مستند آخر فلعل .

« و اللّه لا اكون كالضّبع » سبع معروف ، و قال الجوهري في قول الشاعر :

فانّ قومي لم تأكلهم الضبع المراد بالضبع فيه : السنة المجدبة ١ ، لكن إرادة السبع المعروف الذي يأكل الجيف و أشلاء القتلى و الموتى غير بعيدة .

و المشهور أنّ الضبع الانثى و الذكر ضبعان ٢ . و عن ابن الانباري يطلق على الذكر و الانثى .

و في كتاب الدميري : و من أسماء الضبع جيل و جعار و جفصة ، و من كناها ام خنور و ام طريق و ام عامر و ام القبور و ام نوفل ، و الذكر أبو عامر

ــــــــــــ

 ( ١ ) الصحاح ٣ : ١٢٤٨ ، مادة : ( ضبع ) .

 ( ٢ ) المصدر نفسه .

و أبو كلدة و أبو الهنبر ١ .

و من عجيب أمرها أنّها كالأرنب ، تكون سنة ذكرا و سنة انثى ، فتلقح في حال الذكورة و تلد في حال الانوثة نقله الجاحظ ٢ .

« تنام على طول اللدم » قال الجوهريّ : قال الأصمعيّ : اللدم : صوت الحجر أو الشي‏ء يقع بالأرض ، و ليس بالصوت الشديد ٣ .

و قال ابن دريد : اللدم : ضربك الحجر بحجر أو غيره ، و كل ضرب لدم ،

و النساء يلتدمن في المأتم . و في حديث عليّ رضى اللّه عنه : « لا أكون كالضبع تسمع اللدم » ٤ .

« حتى يصل إليها طالبها و يختلها » أي : يخدعها .

« راصدها » قال ابن أبي الحديد : قال أبو عبيدة : يأتي الصائد فيضرب بعقبه الأرض عند باب مغارها ضربا خفيفا ، و ذلك هو اللدم ، و يقول : « خامري ام عامر » مرارا بصوت ليس بشديد فينام على ذلك ٥ .

و قال : تزعم العرب أنّ الصائد يدخل عليها و جارها فيقول لها : اطرقي أم طريق ، خامري ام عامر . فتلجأ إلى أقصى مغارها و تنقبض . فيقول : ام عامر ليست في وجارها ، ام عامر نائمة . فتمد يديها و رجليها و تستلقي ، فيدخل عليها فيوثقها و يقول لها : أبشري ام عامر بكمر الرجال ، ابشري ام عامر بشاة هزلى و جراد عظلى ، فيشدّ عراقيبها و لا تتحرك ، و لو شاءت أن تقتله لأمكنها .

قال الكميت :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الدميري : حياة الحيوان ١ : ٦٤١ منشورات الحلبي ، مصر .

 ( ٢ ) كتاب الحيوان ٧ : ١٦٨ .

 ( ٣ ) الصحاح ٥ : ٢٠٢٨ ، مادة : ( لدم ) .

 ( ٤ ) الجمهرة ٢ : ٦٨١ .

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٢٥ .

فعل المقرّة للمقالة

خامري يا امّ عامر

و قال الشنفري :

لا تقبروني إنّ قبري محرّم

عليكم و لكن خامري امّ عامر ١

و في كتاب الدميري : إنّ الصياد إذا أراد أن يصيدها رمى في جحرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده ، فتخرج لتأخذه فتصاد . و يقال لها و هي في جحرها : اطرقي ام طريق خامري أم عامر أبشري بجراد عظلى و شاة هزلى .

فلا يزال يقال لها ذلك حتّى يدخل عليها الصائد فيربط يديها و رجليها ثم يجرها .

قال : و الجاحظ يرى هذا من خرافات العرب ٢ .

و في رواية سيف المتقدمة : مثل الضبع التي يحاط بها و يقال : « دباب دباب ليست هاهنا ، حتّى يحل عرقوبها ثم تخرج » . و مثل ذلك مثلهم : « اطرق كرا إنّ النعام في القرى » . أو « اطرق كرا يحلب لك » . أو « اطرق كرا إنّك لن ترى » .

و قال الخليل كما في ( أمثال الميداني ) : الكرا : الذكر من الكروان ،

يصيدونه بهذه الكلمة ، فإذا سمعها تلبد بالأرض ، فيلقى عليه ثوب فيصاد .

و هو معنى : « انّ النعام بالقرى » أي : يأتيك فيدوسك بأخفافها ٣ .

« و لكني اضرب بالمقبل إلى الحقّ المدبر عنه » هكذا في ( المصرية ) ٤ و مثلها ( ابن أبي الحديد ) ٥ ، و لكن في ( ابن ميثم ) : « وجه المدبر عنه » ٦ . و لا يبعد

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٢٤ .

 ( ٢ ) الدميري حياة الحيوان ١ : ٦٤٣ منشورات الحلبي ، مصر .

 ( ٣ ) مجمع الأمثال ٢ : ٢٨٥ تحت الرقم ٢٢٧٢ .

 ( ٤ ) نهج البلاغة ١ : ٣٧ .

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٢٣ .

 ( ٦ ) في شرح ابن ميثم المطبوع ١ : ٢٨٠ « الحقّ المدبر عنه » أيضا .

أصحيته حيث أنّ نسخته بخط مصنّفه .

« و بالسامع المطيع العاصي المريب أبدا حتّى يأتي عليّ يومي » حيث إنّ الجهاد واجب أبدا مع شرائطه .

هذا و العجب أنّ سيفا الذي يضع في كلّ شي‏ء قال : لمّا دخل طلحة و الزبير البصرة و اصطلحا مع عثمان بن حنيف عامل عليّ على أن يبعثوا كعب بن سور إلى المدينة يستخبرهم في بيعتهما ، فإن أخبروه بأنّ عليّا أكرههما فالأمر أمرهما ، و إن بايعاه طوعا فالأمر أمره . و لمّا جاء كعب و سألهم ، سكت جميع النّاس خوفا من سهل عامل عليّ إلاّ اسامة ، فوثب سهل عليه ، فأفلته صهيب و قال له : قد علمت أنّ ام عامر حامقة ، أما وسعك ما وسعنا من السكوت ١ .

فإنّه وضعه في مقابل رواية ( جمل المفيد ) ٢ المتقدّمة في أصل العنوان .

٤

الخطبة ( ٣١ ) و من كلام له عليه السّلام لابن عباس لمّا أرسله إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل :

لاَ تَلْقَيَنَّ ؟ طَلْحَةَ ؟ فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ يَرْكَبُ اَلصَّعْبَ وَ يَقُولُ هُوَ اَلذَّلُولُ وَ لَكِنِ اِلْقَ ؟ اَلزُّبَيْرَ ؟ فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ اِبْنُ خَالِكَ عَرَفْتَنِي ؟ بِالْحِجَازِ ؟ وَ أَنْكَرْتَنِي ؟ بِالْعِرَاقِ ؟ فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا قال الشريف أقول : هو أوّل من سمعت منه هذه الكلمة ، أعني « فما عدا ممّا بدا » ٣ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٦٧ ٤٦٨ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٢٣٩ ٢٤٠ .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ١ : ٧٣ .

قول المصنف « و من كلام له عليه السّلام لابن عبّاس لمّا أرسله إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ما في ( ابن ميثم ) : « و من كلام له عليه السّلام لمّا أنفذ عبد اللّه بن العبّاس إلى الزبير قبل وقوع حرب الجمل يستفيئه إلى طاعته » ٢ ، و مثله ( ابن أبي الحديد ) لكن فيه بدل « وقوع حرب الجمل » : « وقوع الحرب يوم الجمل » ٣ .

و أما العنوان فقال ابن أبي الحديد : روى الزبير بن بكار في ( موفقياته ) :

انّ عليّا عليه السّلام لمّا سار إلى البصرة بعث ابن عبّاس فقال : ايت الزبير فاقرأ عليه السّلام و قل له : يا عبد اللّه كيف عرفتنا بالمدينة و أنكرتنا بالبصرة ؟ فقال ابن عبّاس : أفلا آتي طلحة ؟ قال : لا ، إذن تجده عاقصا قرنه في حزن يقول هذا سهل . قال : فأتيت الزبير فوجدته في بيت يتروح في يوم حار و عبد اللّه ابنه عنده ، فقال : مرحبا بك يابن لبابة ، أجئت زائرا أم سفيرا ؟ قلت : كلاّ ، إنّ ابن خالك يقرأ عليك السلام و يقول لك يا أبا عبد اللّه كيف عرفتنا بالمدينة و أنكرتنا بالبصرة ؟ فقال :

علقهم أني خلقت عصبه

قتادة تعلقت بنشبه

لن أدعهم حتّى آلف بينهم . فأردت منه جوابا غير ذلك ، قال لي ابنه : « قل له بيننا و بينك دم خليفة و وصيّة خليفة و اجتماع اثنين و انفراد واحد ، و ام مبرورة و مشاورة العشيرة » . فعلمت انّه ليس وراء هذا الكلام إلاّ الحرب ،

فرجعت إلى عليّ عليه السّلام فأخبرته .

قال ابن بكار : هذا الحديث كان يرويه عمي مصعب ثم تركه ، و قال : إنّي

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ١ : ٧٢ .

 ( ٢ ) في شرح ابن ميثم ٢ : ٥٩ ما في العنوان في نهج البلاغة .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٦٢ .

رأيت جدّي الزبير في المنام و هو يعتذر من يوم الجمل ، فقلت له : كيف تعتذر منه و أنت القائل : « علقتهم إلى آلف بينهم » ؟ فقال : لم أقله ١ .

و قال ابن أبي الحديد أيضا : و روى جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه عن جدّه قال : سألت ابن عبّاس عن ذلك فقال : إنّي أتيت الزبير فقلت له . . . فقال : قل له إنّي اريد ما تريد كأنه يقول : الملك لم يزد على ذلك . فرجعت إلى عليّ عليه السّلام فأخبرته.

و روى محمّد بن إسحاق الكلبيّ عن ابن عبّاس قال : قلت الكلمة للزبير ،

فلم يزدني على ان قال : قل له :

إنّا مع الخوف الشديد لنطمع

و سئل ابن عبّاس عمّا يعني بقوله هذا ، فقال : يقول : إنّا على الخوف لنطمع أن نلي من الأمر ما وليتم .

و قال قوم : أراد أنّا مع الخوف من اللّه لنطمع أن يغفر لنا هذا الذنب ٢ .

قلت : و رواه الجاحظ في ( بيانه ) و ابن قتيبة في ( عيونه ) و ابن عبد ربه في ( عقده ) ، قال الأوّل : قال عبد اللّه بن مصعب : أرسل عليّ كرم اللّه وجهه لمّا قدم البصرة ابن عبّاس و قال له : ايت الزبير و لا تأت طلحة ، فإن الزبير ألين ، و انّك تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه يركب الصعوبة و يقول هي السهل ، فأقرئه السلام و قل له : يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز و أنكرتني بالعراق ، فما عدا ممّا بدا لك قال : فأتيت الزبير ، فقال : مرحبا بابن لبابة ، أزائرا جئت أم سفيرا ؟ قلت : كل ذلك . و أبلغته ما قال عليّ عليه السّلام ، فقال الزبير : أبلغه السلام و قل له : بيننا و بينك عهد خليفة و دم خليفة و اجتماع ثلاثة و انفراد واحد و ام

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٦٩ ١٧٠ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٦٦ ١٦٧ .

مبرورة و مشاورة العشيرة و نشر المصاحف ، فنحلّ ما أحلّت و نحرّم ما حرّمت ١ .

و مثله الثاني : و الثاني بدون النسبة إلى ابن مصعب ٢ .

قوله عليه السّلام : « لا تلقين طلحة » عن مثالب هشام الكلبي كما في ( الطرائف ):

كانت لامّه صعبة راية بمكة و استبضعت بأبي سفيان فوقع عليها و تزوجها عبيد اللّه بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم ، فجاءت بطلحة لستّة أشهر ، فاختصم أبو سفيان و عبيد اللّه في طلحة ، فجعل أمرهما إلى امه فألحقته بعبيد اللّه ، فقيل لها : كيف تركت أبا سفيان ؟ فقالت : يد عبيد اللّه طلقة و يد أبي سفيان كزّة .

فقال حسّان :

فيا عجبا من عبد شمس و تركها

أخاها زنا بابعد ريش القوادم

و كان أبوه يلعب به و يتخنّث ٣ .

« فإنّك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه » في ( الجمهرة ) : شاة عقصاء إذا كانت منقلبة القرن ٤ . و في ( الأساس ) : ( في قرن الشاة عقص ) أي التواء ، و هي عقصاء القرن ٥ . هذا و في ( ميزان الذهبي ) في ثور بن يزيد الذي كان يرى القدر : حكي عن ابن أبي رواد أنّه كان يقول إذا أتاه من يريد الشام : « إنّ بها ثورا فاحذر لا ينطحك بقرنيه » . و سئل سفيان عنه فقال : خذوا عنه و اتقوا قرنيه ٦ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) العقد الفريد ٥ : ٦٤ .

 ( ٢ ) عيون الأخبار ١ : ١٩٥ .

 ( ٣ ) الطرائف ٢ : ٤٩٥ ٤٩٦ .

 ( ٤ ) جمهرة اللّغة ٢ : ١١٧٢ .

 ( ٥ ) أساس البلاغة : ٣٠٩ ، مادة : ( عقص ) .

 ( ٦ ) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، ١ : ٣٧٤ دار المعرفة بيروت .

« يركب الصعب و يقول هو الذلول » قال ابن قتيبة : كلّم عليّ طلحة و الزبير قبل القتال ، فقال لهما : استحلفا عايشة بحقّ اللّه و بحقّ رسوله عليها أربع خصال أن تصدق فيها : هل تعلم رجلا من قريش أولى منّي باللّه و رسوله ؟

و إسلامي قبل كافّة النّاس أجمعين ، و كفايتي رسول اللّه كفّار العرب بسيفي و رمحي ؟ و على أنّي لم استكره أحدا على بيعة ؟ و على أنّي ألم أكن أحسن قولا منكما في عثمان ؟

فأجابه طلحة جوابا غليظا ، و رقّ له الزبير . ثم رجع عليّ عليه السّلام إلى أصحابه فقالوا : بم كلمت الرجلين ؟ فقال عليه السّلام : إنّ شأنهما لمختلف ، أما الزبير فقاده اللجاج و لن يقاتلكم ، و أما طلحة فسألته عن الحقّ فأجابني بالباطل ،

و لقيته باليقين و لقيني بالشك ، فو اللّه ما نفعه حقّي و لا ضرّني باطله ، مقتول غدا في الرعيل الأوّل ١ .

و قد وصفه عمر لمّا عينه للشورى مع عيبه فقال : أما إنّي أعرفك منذ اصيبت إصبعك يوم احد بالبأو الذي حدث لك ، و لقد بات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ساخطا عليك للكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب ٢ .

قال الجاحظ : أشار عمر إلى أنّ طلحة لمّا انزلت آية الحجاب ، قال بمحضر ممّن نقل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ما الذي يغنيه حجابهنّ اليوم و سيموت غدا فننكحهنّ ٣ .

و في ( المروج ) : سار أهل الجمل في ستمائة راكب نحو البصرة ، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحوأب ، فنبحت كلابهم على الركب ، فقالت

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ٧١ ٧٢ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ١٨٥ ١٨٦ .

 ( ٣ ) المصدر نفسه ١ : ١٨٦ .

عايشة : ما اسم هذا الموضع ؟ فقال سائق جملها : الحوأب ، فاسترجعت و ذكرت ما قيل لها في ذلك ، فقالت : ردّوني . فقال ابن الزبير : و اللّه ما هذا بحوأب ،

و لقد غلط فيما أخبرك به . و كان طلحة في ساقة النّاس فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب ، و شهد معهما خمسون ، فكان ذلك أوّل شهادة زور اقيمت في الإسلام ١ .

« و لكن الق الزبير فانّه ألين عريكة » أي : طبيعة ، في ( الطبري ) : قال قتادة:

سار عليّ عليه السّلام من الزاوية يريد طلحة و الزبير و عايشة ، و ساروا من الفرضة يريدون عليّا عليه السّلام ، فالتقوا عند موضع قصر عبيد اللّه بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنة ( ٣٦ ) ، فلمّا تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح ، فقيل لعلي عليه السّلام : هذا الزبير ، أما إنّه أحرى الرجلين إن ذكر باللّه أن يذكر ،

و خرج طلحة فخرج إليهما عليّ عليه السّلام فدنا منهم حتّى اختلفت أعناق دوابهم فقال عليّ عليه السّلام لهما : لعمري لقد أعددتما سلاحا و خيلا و رجالا ، إن كنتما أعددتما عند اللّه عذرا فاتّقيا اللّه سبحانه و لا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا ٢ ، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي و احرم دماءكما فهل من حدث أحل لكما دمي ؟ قال طلحة : ألّبت النّاس على عثمان . فقال له عليّ عليه السّلام :

يومئذ يوفيهم اللّه دينهم الحقّ و يعلمون أنّ اللّه هو الحقّ المبين ٣ ، يا طلحة تطلب بدم عثمان ؟ فلعن اللّه قتلة عثمان . يا زبير أتذكر يوم مررت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بني غنم فنظر إليّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ضحك و ضحكت إليه ، فقلت أنت :

لا يدع ابن أبي طالب زهوه . فقال لك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : صه ، إنّه ليس به زهو ، و لتقاتلنّه

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب ٢ : ٣٥٧ .

 ( ٢ ) النحل : ٩٢ .

 ( ٣ ) النور : ٢٥ .

و أنت له ظالم ؟ فقال : اللّهمّ نعم ، و لو ذكرت ما سرت مسيري هذا ، و اللّه لا اقاتلك أبدا .

فانصرف عليّ عليه السّلام إلى أصحابه فقال : امّا الزبير فقد أعطى اللّه عهدا ألاّ يقاتلكم ، فرجع الزبير إلى عايشة فقال : ما كنت في موطن منذ عقلت إلاّ و أنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا . قالت : فما تريد أن تصنع ؟ قال : اريد أن أدعهم و أذهب . فقال له ابنه : جمعت بين هذين الغارين ، حتّى إذا حدد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم و تذهب ، أحسست رايات ابن أبي طالب ، و علمت أنّها تحملها فتية أنجاد . قال : إنّي حلفت ألاّ اقاتله و أحفظه ما قال ابنه له فقال : كفّر عن يمينك و قاتل . فدعا بغلام يقال له مكحول فأعتقه .

فقال عبد الرحمن التميمي :

لم أر كاليوم أخا إخوان

أعجب من مكفّر الأيمان

بالعتق في معصية الرحمن ١

قلت : قوله عليه السّلام في الخبر : يا طلحة تطلب بدم عثمان فلعن اللّه قتلة عثمان أراد : ( منّي و منكم يا طلحة و الزبير و عايشة ) فلعنهم اللّه بما لا يستطعون إنكارا و لا اعتراضا ، لا إنّه لعن جميع قتلته ، كما لا يخفى .

و قد وصفه عمر يوم الشورى بقوله له : « أما أنت يا زبير فوعق لقس ،

مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوما إنسان ، و يوما شيطان ، و لعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير . أفرأيت إن أفضت إليك ،

فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا إماما ، و من يكون للناس يوم تغضب إماما ٢ ؟

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٥٠١ ٥٠٢ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ١٨٥ .

« يقول لك ابن خالك » كان عليه السّلام كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ابن خال الزبير لأبيه ، فكانت صفيّة ام الزبير من ام حمزة دون أبي طالب و عبد اللّه ، و كان الزبير يعدّ أوّلا من الهاشميين من قبل امّه و إن كان أسديا أبا لكونه معه عليه السّلام يوم السقيفة حتّى نشأ ابنه عبد اللّه المبغض له عليه السّلام من قبل امّه أسماء بنت أبي بكر .

و روى أبو مخنف : أنّ أبا الأسود أتى الزبير في الجمل فقال له : عهد النّاس بك يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من أبن أبي طالب ، و أين هذا المقام من ذاك ؟ فذكر له الزبير دم عثمان ، فقال له أبو الأسود : أنت و صاحبك و ليتماه فيما بلغنا . فقال له : فاذهب إلى طلحة فاسمع ما يقول لك . فذهب إليه فوجدوه سادرا في غيّه مصرّا على الحرب و الفتنة ١ .

عبّر عليه السّلام بقوله : « ابن خالك » استعطافا ، فقالوا نظير قول هارون « يابن امّ » .

« عرفتني بالحجاز و أنكرتني بالعراق » حيث بايعه بالحجاز و نصب له الحرب بالعراق .

هذا و قال البحتري في عتاب ابن بسطام :

فكنّا بالشآم أخال خيرا

لرعي الودّ منّا بالعراق

و هجا بعض الشعراء المازني فقال :

و فتى من مازن

ساد أهل البصره

امّه معرفة

و أبوه نكره

و في ( الأغاني ) : استأذن أبو العتاهية على عمرو بن مسعدة فحجب ،

فكتب إليه أبياتا منها :

ــــــــــــ

 ( ١ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦ : ٢٢٦ .

قد كان وجهي لديك معرفة

فاليوم أضحى حرفا من النكرة ١

« فما عدا » أي : جاوز .

« ممّا بدا » أي : ابتدأت به ان كان الأصل فيه الهمز ، أو ظهر لك أوّلا إن كان معتلا.

و روى ( جمل المفيد ) : أنّه عليه السّلام أرسل ابن عبّاس إلى عايشة و قال له قل لها : « إنّك كنت أشدّ النّاس على عثمان ، فما عدا ممّا بدا » ٢ .

و روى ( عيون القتيبي ) : أنّ عرار بن أدهم الشامي لمّا دعا في صفين العبّاس بن ربيعة الهاشمي إلى البراز ، فبرز إليه و ضربه ضربة خر لوجهه و كبّر النّاس تكبيرة ارتجت لها الأرض ، سأل عليه السّلام عن المبارز فقيل له : العبّاس بن ربيعة ابن أخيكم . فقال عليه السّلام له : ألم أنهك و ابن عبّاس أن تخلا بمركز كما أو تباشرا حربا ؟ فما عدا ممّا بدا . قال العبّاس : فادعى إلى البراز فما اجيب ٣ .

قول المصنّف : قال الشريف أقول : هو أوّل من سمعت منه هذه الكلمة ،

أعني « فما عدا ممّا بدا » ، هكذا في ( المصرية ) ٤ ، و الصواب ما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٥ : « و قال الرضي رحمه اللّه : و هو عليه السّلام أوّل من قالها » . و قد عرفت أنّه عليه السّلام قالها مرارا .

و عن ( أوائل أبي هلال العسكري ) : أنّه عليه السّلام أوّل من قال : « جعلت فداك » .

قاله للنبي صلّى اللّه عليه و آله يوم عمرو بن عبدود ٦ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأغاني ٤ : ٢١ ٢٢ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٣١٦ .

 ( ٣ ) عيون الأخبار ١ : ١٧٩ ١٨٠ .

 ( ٤ ) نهج البلاغة ١ : ٧٣ .

 ( ٥ ) في شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٦٢ و شرح ابن ميثم ٢ : ٥٩ « و هو عليه السّلام أوّل من سمعت . . . » أيضا .

 ( ٦ ) الأوائل لأبي هلال العسكري : ٢٩٦ دار الكتب العلمية .

و في ( طبقات كاتب الواقدي ) : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان أوّل من قال : « لا ينتطح فيها عنزان » . قاله صلّى اللّه عليه و آله في قتل عمير بن عدي عصماء بنت مروان اليهودي التي كانت تؤذي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ١ .

٥

الخطبة ( ١٦٩ ) و من خطبة له عليه السّلام عند مسير أهل الجمل إلى البصرة :

إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ لاَ يَهْلِكُ عَنْهُ إِلاَّ هَالِكٌ وَ إِنَّ اَلْمُبْتَدَعَاتِ اَلْمُشَبَّهَاتِ مِنَ اَلْمُهْلِكَاتُ إِلاَّ مَا حَفِظَ اَللَّهُ مِنْهَا وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اَللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لاَ مُسْتَكْرَهَةٍ بِهَا وَ اَللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اَللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ اَلْإِسْلاَمِ ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ اَلْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا اَلرَّأْيِ اِنْقَطَعَ نِظَامُ اَلْمُسْلِمِينَ أقول : العنوان كلّه مأخوذ من ( الطبري ) ٢ في رواية سيفه ، التي إمّا مصنوعة كلا و إمّا مدخولة منه ، كما أخذ منه عنوان قبله « قيل له عليه السّلام : لو عاقبت قوما ممّن اجلب على عثمان » كما مر في فصل عثمان ، و مر ثمة شرح مقدار من افتعالاته و تصرفاته ، و مر بعضها في ٣ من هذا الفصل .

و روايته هنا هكذا : « استأذن طلحة و الزبير عليّا في العمرة فأذن لهما ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبقات الكبرى ٢ : ٢٧ ٢٨ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٤٤ ، سنة ٣٦ .

فلحقا بمكّة ، و أحبّ أهل المدينة أن يعلموا ما رأي عليّ في معاوية و انتقاضه ،

ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة ، أ يجسر عليه أو ينكل عنه ؟ و قد بلغهم أنّ الحسن دخل عليه و دعاه إلى القعود و ترك النّاس إلى أن قال و دعا عليّ ابن الحنفية فدفع إليه اللواء ، و ولّى ابن عبّاس ميمنته و عمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان ميسرته ، و أبا ليلى ابن أخي ابن عبيدة مقدمته ، و استخلف على المدينة قثم بن عبّاس ، و لم يولّ ممّن خرج على عثمان أحدا ، و كتب إلى قيس بن سعد و إلى عثمان بن حنيف و إلى أبي موسى أن يندبوا النّاس إلى الشام ،

و دعا أهل المدينة إلى قتال أهل الفرقة ، و قال : « إنّ اللّه بعث رسولا هاديا مهديا ،

بكتاب ناطق ، و أمر قائم واضح ، لا يهلك عنه إلاّ هالك . و إنّ المبتدعات و الشبهات هنّ المهلكات إلاّ من حفظ اللّه ، و إنّ في سلطان اللّه عصمة أمركم ،

فأعطوه طاعتكم غير ملوية و لا مستكره بها ، و اللّه لتفعلن أو لينقلن اللّه عنكم سلطان الإسلام ، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر إليها . انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يفرّقون جماعتكم ، لعل اللّه يصلح بكم ما أفسد أهل الافاق ،

و تقضون الذي عليكم » .

فبيناهم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكّة بنحو آخر و تمام على خلاف ،

فقام فيهم بذلك ، فقال : « إنّ اللّه جعل لظالم هذه الأمّة العفو و المغفرة ، و جعل لمن لزم الأمر و استقام الفوز و النجاة ، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل . ألا و إنّ طلحة و الزبير و امّ المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي ، و دعوا النّاس إلى الاصلاح ، و سأصبر ما لم أخف على جماعتكم . و أكفّ إن كفّوا و أقتصر على ما بلغني منهم » .

ثمّ أتاه أنّهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس و الإصلاح ، فتعبّى للخروج إليهم و قال : إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين ، و ما كان عليهم

في المقام فينا مؤنة و لا إكراه . فاشتدّ على أهل المدينة الأمر فتثاقلوا ، فبعثت إلى عبد اللّه بن عمر كميلا النخعي فجاء به إلى أن قال : فرجع ابن عمر إلى المدينة و هم يقولون : لا و اللّه ما ندري كيف نصنع ، فإنّ هذا الأمر مشتبه علينا ،

و نحن مقيمون حتّى يضي‏ء لنا و يسفر . فخرج تحت ليلته و أخبر ام كلثوم بنت علي بالذي سمع من أهل المدينة ، و إنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة عليّ ما خلا النهوض ، و كان صدوقا ، فاستقرّ عندها ، و أصبح عليّ فقيل له : حدث البارحة حدث هو أشدّ عليك من طلحة و الزبير و ام المؤمنين و معاوية . قال :

و ما ذلك ؟ قال : خرج ابن عمر إلى الشام ، فأتى على السوق و دعا بالظهر ، فحمل الرجال و أعد لكل طريق طلابا و ماج أهل المدينة ، و سمعت ام كلثوم بالذي هو فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثم أتت عليّا و هو واقف في السوق يفرّق الرجال في طلبه ، فقالت : مالك لا تزند من هذا الرجل ؟ إنّ الأمر على خلاف ما بلغته و حدثته ، أنا ضامنة له . فطابت نفسه و قال : انصرفوا ، لا و اللّه ما كذبت و لا كذب ، و إنّه عندي ثقة ١ .

فمن أكاذيبه : أنّه عليه السّلام لم يولّ أحدا ممّن خرج على عثمان ، ألم يولّ محمّد بن أبي بكر و الأشتر و هما ممّن خرج عليه قطعا .

و منها قوله : إنّ الحسن دخل عليه و دعاه إلى القعود ، فقد عرفت كون ما نسب إليه عليه السّلام خلاف العقل .

و منها قوله : كتب إلى قيس و عثمان بن حنيف و أبي موسى أن يندبوا النّاس إلى الشام ، و إنّ ابن حنيف كان مبتلى بطلحة و الزبير ، و أبو موسى إنّما كتب إليه بندب أهل الكوفة إلى البصرة ، و كان عليه السّلام يومئذ مشغولا بالبصرة فما يكتب إلى قيس .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٤٤ ٤٤٦ ، سنة ٣٦ ، و النقل بتصرّف و تلخيص .

و منها : ما نسبه إليه عليه السّلام « ان اللّه جعل لظالم هذه الامّة العفو و المغفرة » ،

هل اللّه ابن عمّ ظلمة هذه الامّة حتى يجعل لهم العفو و المغفرة ؟ و سيجزي اللّه المفترين . إلا أن أئمته و أشياعهم لمّا كانوا ظلمة ، لا بد أن يقول ذلك حتّى يصحّ ايتمامه بهم .

و منها : قوله و هو مضحك انّه عليه السّلام قال : إنّ طلحة و الزبير و امهم دعوا النّاس إلى الإصلاح . فيقال له : الإصلاح بين من و من ؟ و إذا كانوا أرادوا الاصلاح فلا بد أنّه عليه السّلام أراد الإفساد قبّح اللّه هذا الرجل ما يدري ما يقول و كذلك قوله : « ثمّ أتاه أنّهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس و الإصلاح » . فهل كان أهل المدينة نسناسا فأرادوا أن يخرجوا إلى البصرة حتّى يروا النّاس ؟ و منها قوله : « إنّ أهل المدينة قالوا إنّ الأمر مشتبه علينا و نحن مقيمون حتى يضي‏ء لنا » . فإنّه إنّما تخلّف عنه باتفاق السير سعد و ابن عمر و محمّد بن مسلمة و المغيرة معتذرين أنّ الأمر مشتبه علينا ، و أمّا باقي النّاس فبايعوه شوقا و عاونوه طوعا .

و منها : قوله « قيل له عليه السّلام حدث حادث أشدّ عليك من طلحة و الزبير و عايشة و معاوية » فأي سفيه كان يتوهم ذلك ؟ فإنّ الرجل لم يكن له قابلية أصلا ، و لذا زجر عمر من قال له : لم لا تجعله ولي عهدك ؟ و إنّما قال عليه السّلام لعمّار ،

لمّا دعاه و اعتذر : « دعه فإنّه ضعيف » .

و أين هو من طلحة و الزبير و كانا يعدّان أنفسهما فوق عمر ؟ و أين وجاهته عند النّاس من عايشة ؟ و أين هو من معاوية الذي كان في الدهاء آية و كان ذا سلطان ، كان بيده الشام و كانوا يعبدونه ؟ و من المضحك أنه بدل قوله عليه السّلام في ابن عمر بكونه ضعيفا بقوله ثقة .

و منها : قوله إنّ امّ كلثوم دعت ببغلتها ، فوضع هذا في مقابل ركوب

عايشة بغلتها لمنع دفن الحسن عليه السّلام عند جدّه . و حينئذ فأي عبرة تبقى بما فيه ؟ و الكذّاب لا يصدق ، إلاّ إذا كان شاهد على صدقه ، و الدخيل لا يروج إلاّ أن يستخرج غشّه . و الرضي رضى اللّه عنه فعل ذلك هنا فأسقط قوله : « إنّ اللّه جعل لظالم هذه الامّة العفو و المغفرة » . و أسقط قوله : « و دعوا النّاس إلى الإصلاح » .

قوله : « و إنّ المبدعات المشبهات » أي : بالسنن .

« من المهلكات » لأنّ الإنسان يغتر بها .

« إلاّ ما حفظ اللّه منها » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و لفظة ( منها ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن ميثم ) ٢ ، و كذا في ( المستند ) ، و منه يظهر أنّ وجودها في نسخة من ( ابن أبي الحديد ) غير صحيحة ٣ .

« و إن في سلطان اللّه عصمة » أي : حفظ .

« لأمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوّمة » هكذا في ( المصرية ) ٤ ، و قال ( ابن ميثم ) و في نسخة ( ملوية ) ٥ ، و هو الأنسب مع أنّه كذا في ( المستند ) .

« و اللّه لتفعلن أو لينقلن عنكم سلطان الإسلام ، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر » أي : يجتمع و ينضمّ ، يقال : « أرزت الحيّة إلى حجرها » .

و قال الشاعر :

و قد أرزت من بردهنّ الأنامل

« إلى غيركم » قال ابن أبي الحديد : فإن قيل : كيف لم يعد إليهم و قد عاد بالخلافة العباسية ؟ قلت : لأن الشرط و هو عدم الطاعة لم يقع . و قال قوم :

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٢ : ٩٩ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٢٤ عند شرح فقرات الخطبة .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٢٩٥ .

 ( ٤ ) نهج البلاغة ٢ : ٩٩ .

 ( ٥ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٢٥ .

خاطب الشيعة الطالبيّة فقال : إن لم تعطوني الطاعة المحضة نقل الخلافة عن هذا البيت حتّى ينضمّ إلى بيت آخر البيت العباسي ١ .

قلت : عنده عليه السّلام العبّاسية مع الاموية سواء كالتيميّة و العدوية ، و الظاهر من السياق نقل سلطان الإسلام إلى غير المسلمين لقوله : « أو لينقلنّ سلطان الإسلام عنكم ثم لا ينقله إليكم أبدا » .

فالظاهر كونه إشارة إلى الدولة الهلاكوية استأصلت الخلافة العباسية ،

و ختم اسم الخلافة من العامّة ، فإنّهم قبلها يدّعون كون سلطنتهم الخلافة الإسلاميّة .

كما أنّ الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السّلام : « حتّى يأرز الأمر إلى غيركم » قيام المهديّ عليه السّلام و دولة أهل بيته ، فإنّ أهل بيته عليهم السّلام كانوا من غير المخاطبين لاختلاف عقيدتهم معهم بأنّهم لمّا كانوا أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يجب أن يكونوا خلفاءه ، كما هو مقتضى العقل و جرت عليه الشرايع ذريّة بعضها من بعض . . . ٢ .

هذا و من روايات سيف المجعولة : أنّ عليّا خرج من المدينة في تعبيته التي تعبّا بها إلى الشام ، لمّا بلغه إرادة طلحة و الزبير الخروج إلى البصرة ،

يرجو أن يدركهم فيحول بينهم و بين الخروج ، فلقيه عبد اللّه بن سلام فأخذ بعنانه و قال : لا تخرج منها فو اللّه لئن خرجت منها لا ترجع إليها و لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا . فسبّوه ، فقال : دعوا الرجل ، فنعم الرجل من أصحاب محمّد ٣ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٢٩٦ ٢٩٧ .

 ( ٢ ) آل عمران : ٣٤ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبريّ ٤ : ٤٥٥ ، سنة ٣٦ .

٦

الخطبة ( ١٧٢ ) منها في ذكر أصحاب الجمل :

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ كَمَا تُجَرُّ اَلْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى ؟ اَلْبَصْرَةِ ؟ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ أَبْرَزَا حَبِيسَ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ لَهُمَا وَ لِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ وَ قَدْ أَعْطَانِي اَلطَّاعَةَ وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَ طَائِفَةً غَدْراً فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ إِلاَّ رَجُلاً وَاحِداً مُتَعَمِّدِينَ لِقَتْلِهِ بِلاَ جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ اَلْجَيْشِ كُلِّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لاَ بِيَدٍ دَعْ مَا إِنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ اَلْعِدَّةِ اَلَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ و الخطبة ( ٢١٨ ) و من كلام له عليه السّلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السّلام :

فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي بِهَا وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِي فِي يَدَيَّ وَ عَلَى أَهْلِ ؟ مِصْرٍ ؟ كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَ عَلَى بَيْعَتِي فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ وَ أَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ وَ وَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي فَقَتَلُوا طَاِئفَةً مِنْهُمْ غَدْراً وَ طَاِئفَةً مِنْهُمْ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اَللَّهَ صَادِقِينَ أقول : قد ترى أن الثاني تكرار جزء من الأوّل ، و إنّما زيد فيه فقرات ، و الأصل فيهما كتاب كتبه عليه السّلام للناس ليقرأ عليهم لمّا سألوه عن الثلاثة بعد فتح معاوية لمصر ، رواه ( خلفاء ابن قتيبة ) و ( غارات إبراهيم الثقفي ) و ( رسائل

الكليني ) و ( مسترشد ابن رستم الطبري ) .

ففي الأوّل : « فأوّل من بايعني طلحة و الزبير ، و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما ، فما لبثا إلاّ يسيرا حتّى قيل لي قد خرجا متوجهين إلى البصرة في جيش ، ما منهم رجل إلاّ و قد أعطاني الطاعة و سمح لي بالبيعة ،

فقدما على عمّالي و خزّان بيت مالي و على أهل مصر كلّهم في طاعتي و على بيعتي ، فشتّتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم ، ثم و ثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة صبرا و طائفة غدرا .

و منهم طائفة غضبوا للّه فشهروا سيوفهم و ضربوا بها ، حتّى لقوا اللّه عزّ و جلّ صادقين ، و اللّه لو لم يصيبوا منهم إلاّ رجلا واحدا متعمّدين لقتله لحل لي بذلك قتل الجيش كلّه ، مع أنّهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدّة التي دخلوا بها عليهم ، و قد أدال اللّه منهم فبعدا للقوم الظالمين ١ . و مثله الثاني ٢ .

و في الثالث : فأي خطيئة أعظم ممّا أتيا ؟ إخراجهما زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من بيتها فكشفا عنها حجابا ستره اللّه عليها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما إلى أن قال : ثمّ أتوا البصرة و أهلها مجتمعون على بيعتي و طاعتي ،

و بها شيعتي خزّان بيت مال اللّه و مال المسلمين إلى أن قال : و قتلوا شيعتي ،

طائفة صبرا و طائفة غدرا و طائفة عضوا بأسيافهم حتّى لقوا اللّه ، فو اللّه لو لم يقتلوا إلاّ رجلا و أحدا لحلّ لي به دماؤهم و دماء ذلك الجيش لرضائهم بقتل من قتل ، دع مع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم ، و قد أدال اللّه منهم فبعدا للقوم الظالمين .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ١٥٦ و الآية ٤١ من سورة المؤمنون .

 ( ٢ ) الغارات ١ : ٣١١ .

فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله . . . ١ و مثله الرابع ٢ .

قول المصنّف في الأوّل : « منها في ذكر أصحاب الجمل » قال ابن أبي الحديد : قال أبو مخنف : حدّثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس : أن الزبير و طلحة أغذّا السير بعايشة حتّى انتهوا إلى حفر أبي موسى قريب البصرة فكتبا إلى عثمان بن حنيف عامل عليّ عليه السّلام أن أخل لنا دار الامارة . فلمّا وصل كتابهما إليه ، بعث إلى الأحنف فقال له : إنّ هؤلاء القوم قدموا علينا و معهم زوجة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و النّاس إليها سراع .

فقال الأحنف انّهم جاؤوك بها للطلب بدم عثمان ، و هم الذين ألّبوا على عثمان النّاس و سفكوا دمه ، و أراهم و اللّه لا يزالونا حتّى يلقوا العداوة بيننا و يسفكوا دماءنا . و أظنهم و اللّه سيركبون منك خاصة ما لا قبل لك به إن لم تتأهب لهم بالنهوض إليهم فيمن معك من أهل البصرة ، فإنّك اليوم الوالي عليها و أنت فيهم مطاع ، فسر إليهم بالناس و بادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة ، فيكون النّاس لهم أطوع منك لك . فقال عثمان بن حنيف : الرأي ما رأيت لكني أكره أن أبدأهم و أرجو العافية و السلامة ، إلى أن يأتيني كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام و رأيه فأعمل به .

ثم أتاه بعد الأحنف حكيم بن جبلة من بني عمرو بن وديعة فأقرأه كتاب طلحة و الزبير ، فقال له حكيم مثل قول الأحنف و أجابه بمثل جوابه للأحنف ، فقال له حكيم : فائذن لي حتّى أسير إليهم بالناس ، فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين عليه السّلام و إلاّ فأنابذهم على سواء . فقال له : لو كان ذلك رأيي لسرت إليهم بنفسي .

ــــــــــــ

 ( ١ ) رسائل الكليني .

 ( ٢ ) مسترشد الطبريّ .

قال حكيم : أما و اللّه إن دخلوا عليك هذا المصر لتنقلن قلوب كثير من النّاس إليهم ، و ليزيلنك عن مجلسك هذا و أنت أعلم . فأبى عليه عثمان ، و كتب عليّ عليه السّلام إلى عثمان لمّا بلغه مشارفة القوم البصرة : « إنّ البغاة عاهدوا اللّه ثم نكثوا و توجهوا إلى مصرك و ساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى اللّه به ، و اللّه أشد بأسا و أشد تنكيلا ، فان أقدموا عليك فادعهم إلى الطاعة و الرجوع إلى الوفاء بالعهد و الميثاق الذي فارقونا عليه ، فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندك ، و إن أبوا إلاّ التمسك بحبل النكث و الخلاف فناجزهم حتّى يحكم اللّه بينك و بينهم و هو خير الحاكمين . و كتبت إليك كتابي هذا من الربذة و أنا معجل المسير إليك إن شاء اللّه .

فلمّا وصل الكتاب إلى عثمان أرسل إلى أبي الأسود و عمران بن حصين الخزاعي فأمرهما أن يسيرا حتّى يأتياه بعلم القوم ، فانطلقا حتّى إذا أتيا حفر أبي موسى و به معسكر القوم ، فدخلا على عايشة فسألاها و وعظاها ، فقالت لهما : القيا طلحة و الزبير . فقاما من عندها و لقيا الزبير فكلّماه ، فقال لهما : إنّا جئنا للطلب بدم عثمان ، و ندعو النّاس إلى أن يردوا أمر الخلافة شورى ليختار النّاس لأنفسهم . فقالا له : إنّ عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها ، و أنت تعلم قتلة عثمان من هم و أين هم و إنّك و صاحبك و عايشة كنتم أشد النّاس عليه و أعظمهم إغراء بدمه ، فأقيدوا من أنفسكم .

و أمّا إعادة أمر الخلافة شورى ، فكيف و قد بايعتم عليّا عليه السّلام طائعين غير مكرهين ، و أنت لم تبعد العهد بقيامك دون هذا الرجل يوم مات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ،

و أنت آخذ قائم سيفك تقول : ما أحد أحقّ بالخلافة منه و لا أولى بها منه ،

امتنعت من بيعة أبي بكر ، فأين ذلك الفعل من هذا القول ؟ فقال لهما : اذهبا فالقيا طلحة ، فقاما إلى طلحة فوجداه خشن اللمس شديد العريكة ، قوي العزم

في إثارة الفتنة و اضرام نار الحرب . فانصرفا إلى عثمان بن حنيف فأخبراه .

و قال له أبو الأسود :

يابن حنيف قد أتيت فانفر

و طاعن القوم و اجلد و اصبر

و ابرز لهم مستلئما و شمّر

فقال ابن حنيف : أي و الحرمين لأفعلنّ . و أمر مناديه فنادى في النّاس :

السلاح السلاح . فاجتمعوا إليه .

و قال أبو الأسود :

أتينا الزبير فدانى الكلا

م و طلحة كالنجم أو أبعد

و أحسن قوليهما فادح

يضيق به الخطب مستنكد

و قد أوعدونا بجهد الوعي

د فأهون علينا بما أوعدوا

فقلنا ركضتم و لن ترملوا

و أصدرتم قبل أن توردوا

و إن تلقحوا الحرب بين الرجا

ل فملقحها حدّه الأنكد

و إنّ عليّا لكم مصحر

ألاّ إنّه الأسد الأسود

أما إنّه ثالث العابدي

ن بمكّة و اللّه لا يعبد

فرخّوا الخناق و لا تعجلوا

فإنّ غدا لكم موعد

و أقبل القوم ، فلمّا انتهوا إلى المربد ، قام رجل من بني جشم فقال : أيّها النّاس إن كان هؤلاء أتوكم خائفين لقد أتوكم من المكان الذي يأمن فيه الطير و الوحش و السباع ، و إن كانوا أتوكم بطلب دم عثمان فغير وليّ قتله فأطيعوني .

أيّها النّاس ردّوهم من حيث أقبلوا ، فإنّكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس و الفتنة الصماء التي لا تبقي و لا تذر . فحصبه ناس من أهل البصرة فأمسك ، و اجتمع أهل البصرة بالمربد حتّى ملؤوه مشاة و ركبانا ،

فقام طلحة فأشار إلى النّاس بالسكوت ليخطب فسكتوا بعد جهد ، فقال : أما بعد ، فإن عثمان كان من أهل السابقة و الفضيلة ، و من المهاجرين الأوّلين الذين رضي اللّه عنهم و رضوا عنه ، و نزل القرآن ناطقا بفضلهم ، و أحد أئمّة المسلمين الوالين عليكم بعد أبي بكر و عمر صاحبي النّبيّ ، و قد كان أحدث أحداثا نقمناها عليه ، فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا ، فعدا عليه امرؤ ابتز هذه الامّة أمرها غصبا بغير رضى منها و لا مشورة ، فقتله و ساعده على ذلك قوم غير أتقياء و لا أبراء ، فقتل محرما بريئا تائبا . و قد جئناكم أيّها النّاس نطلب بدم عثمان ، و ندعوكم إلى الطلب بدمه ، فإن نحن أمكننا اللّه من قتلته قتلناهم به و جعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين ، و كانت خلافة رحمة للامّة جميعا ،

فإن كلّ من أخذ الأمر من غير رضى من العامة و لا مشورة منها ابتز . كان ملكه ملكا عضوضا و حدثا كبيرا .

ثمّ قام الزبير فتكلّم بمثل كلام طلحة ، فقام إليهما ناس من أهل البصرة ،

فقالوا لهما : ألم تبايعا عليّا فيمن بايعه ، ففيم بايعتما ثم نكثتما ؟ فقالا : ما بايعناه و لا لأحد في أعناقنا بيعة ، و إنّما استكرهنا على بيعته . فقال ناس : قد صدقا و أحسنا القول و قطعا بالصواب .

و قال ناس : ما صدقا و لا أصابا . حتّى ارتفعت الأصوات ، ثم أقبلت عايشة على جملها فنادت بصوت مرتفع : أيّها النّاس أقلّوا الكلام و اسكتوا .

فأسكت النّاس لها ، فقالت : إن أمير المؤمنين عثمان غيّر و بدّل ، ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قتل مظلوما تائبا ، و إنّما نقموا عليه ضربه بالسوط و تأميره الشبّان و حمايته موضع الغمامة فقتلوه محرما ، في حرمة الشهر و حرمة البلد ذبحا كما يذبح الجمل . ألا و إن قريشا رمت غرضها بنبالها و أدمت أفواهها بأيديهما ، و ما نالت بقتلها إيّاه شيئا ، و لا سلك به سبيلا قاصدا .

أما و اللّه ليرونها بلايا عقيمة تنبه النائم و تقيم الجالس ، و ليسلّطنّ عليهم قوم لا يرحمونهم يسومونهم سوء العذاب .

أيّها النّاس ما بلغ من ذنب عثمان ما يستحلّ به دمه مصصتموه كما يماص الثوب الرخيص ، ثم عدوتم عليه قتلتموه بعد توبة و خروجه من ذنبه ،

و بايعتم ابن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة ، ابتزازا و غصبا ، أتراني أغضب لكم من سوط عثمان و لسانه و لا أغضب لعثمان من سيوفكم ، ألا إنّ عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته ، فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ، ثم اجعلوا الأمر شورى بين الرهط الذين اختارهم أمير المؤمنين عمر ، و لا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان .

فماج النّاس و اختلطوا ، فمن قائل يقول : القول ما قالت . و من قائل يقول :

و ما هي و هذا الأمر ؟ إنّما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها . و ارتفعت الأصوات و كثر اللغط حتّى تضاربوا بالنعال و تراموا بالحصباء .

ثمّ إن النّاس تمايزوا فصاروا فريقين ، فريق مع عثمان بن حنيف ،

و فريق مع عايشة و أصحابها . فلمّا أقبل طلحة و الزبير من المربد يريدان ابن حنيف و جداه و أصحابه قد أخذوا بأفواه السكك ، فمضوا حتّى انتهوا إلى موضع الدبّاغين ، فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف ، فشجرهم طلحة و الزبير و أصحابهما بالرماح ، فحمل عليهم حكيم بن جبلة فلم يزل و أصحابه يقاتلونهم حتّى أخرجوهم من جميع السكك ، و رماهم النساء من فوق البيوت بالحجارة ، فأخذوا إلى مقبرة بني مازن فوقفوا بها مليّا حتّى ثابت إليهم خيلهم ، ثم أخذوا على مسناة البصرة حتّى انتهوا إلى الرابوقة ، ثم أتو سبخة دار الرزق فنزلوها ، و أتاهما عبد اللّه بن حكيم التهمي لمّا نزلا السبخة بكتب كانا كتباها إليه ، فقال لطلحة : أما هذه كتبك إلينا ؟ قال بلى . قال : فكتبت أمس

تدعونا إلى خلع عثمان و قتله ، حتّى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه ، فلعمري ما هذا رأيك، لا تريد إلاّ هذه الدّنيا ، مهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من عليّ عليه السّلام ما عرض عليك من البيعة فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعته ، ثم جئت لتدخلنا في فتنتك ؟ فقال : إن عليّا دعاني إلى بيعته بعد ما بايعه النّاس ، فعلمت أنّي لو لم أقبل ما عرضه عليّ لم يتم لي ، ثم يغرى بي من معه .

ثم أصبحا من غد فصفّا للحرب ، و خرج ابن حنيف إليهما فناشدهما اللّه و الإسلام و أذكرهما بيعتهما عليّا عليه السّلام ، فقالا : نحن نطلب بدم عثمان . فقال لهما : و ما أنتما و ذاك ، أين بنو عمّه الذين هم أحقّ به منكم ؟ كلا و اللّه و لكنّكما حسدتماه حيث اجتمع النّاس عليه ، و كنتما ترجوان هذا الأمر و تعملان له ،

و هل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما ؟ فشتماه شتما قبيحا و ذكرا امّه .

فقال للزبير : أما و اللّه لو لا صفية و مكانها من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فانّها أدنتك إلى الظل ، و إن الأمر بيني و بينك يا بن صعبة يعني طلحة أعظم من القول ،

لأعلمنكما من أمركما ما يسوؤكما ، اللهمّ إني قد أعذرت إلى هذين الرجلين . ثم حمل عليهم و اقتتل النّاس قتالا شديدا ، ثم تحاجزوا و اصطلحوا على أن يكتب بينهم كتاب صلح فكتب : هذا ما اصطلح عليه ابن حنيف و من معه من شيعة أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام و طلحة و الزبير و من معهما من المسلمين من شيعتهما ، إن لابن حنيف دار الامارة و الرحبة و المسجد و بيت المال و المنبر ،

و إن لطلحة و الزبير و من معهما أن ينزلوا حيث شاؤوا من البصرة ، لا يضار بعضهم بعضا في طريق و لا فرضة و لا سوق و لا شريعة و لا مرفق حتّى يقدم أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام ، فإن أحبوا دخلوا فيما دخلت فيه الامّة ، و إن أحبوا لحق كل قوم بهواهم من قتال و سلم و خروج و إقامة . و على الفريقين بما كتبوا

عهد اللّه و ميثاقه و أشد ما أخذ اللّه على نبي من أنبيائه من عهد و ذمة .

و ختم الكتاب ، و رجع ابن حنيف حتّى دخل دار الامارة و قال لأصحابه :

الحقوا رحمكم اللّه بأهلكم وضعوا سلاحكم و داووا جرحاكم . فمكثوا كذلك أيّاما.

ثم انّ طلحة و الزبير قالا : إن قدم عليّ و نحن على هذه الحال من القلّة و الضعف بأعناقنا . فأجمعا على مراسلة القبائل و استمالة العرب ، فأرسلا إلى وجوه النّاس و أهل الرياسة و الشرف يدعونهم إلى الطلب بدم عثمان و خلع عليّ عليه السّلام و إخراج ابن حنيف من البصرة ، فبايعهم على ذلك الأزد و ضبة و قيس عيلان كلّها ، إلاّ الرجل و الرجلين في القبيلة كرهوا أمرهم فتواروا عنهم .

و أرسلوا إلى هلال بن وكيع التميمي فلم يأتهم ، فجاءه طلحة و الزبير إلى داره فتوارى عنهما ، فقالت له امّه : ما رأيت مثلك ، أتاك شيخا قريش فتواريت عنهما فلم تزل به حتّى ظهر لهما و بايعهما ، و معه بنو عمرو بن تميم كلّهم و بنو حنظلة ، إلاّ بني يربوع فإنّ عامّتهم كانوا شيعة لعليّ عليه السّلام ، و بايعهم بنو دارم كلّهم إلاّ نفرا من بني مجاشع ذوي دين و فضل . فلمّا استوسق لطلحة و الزبير أمرهما ، خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح و مطر و معهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع و ظاهروا فوقها بالثياب، فانتهوا إلى المسجد وقت صلاة الفجر و قد سبقهم ابن حنيف و اقيمت الصلاة، فتقدّم ابن حنيف ليصلّي بهم فأخّره أصحاب طلحة و الزبير و قدموا الزبير ، فجاءت السبابجة ، و هم الشرط حرس بين المال فأخّروا الزبير و قدموا ابن حنيف ، فغلبهم أصحاب الزبير فقدّموه .

إلى أن قال : فلمّا انصرف الزبير من صلاته صاح بأصحابه المتسلحين أن خذوا ابن حنيف . فأخذوه بعد أن تضارب هو و مروان بسيفيهما ، فلمّا اسر ضرب ضرب الموت، و نتف حاجباه و أشفار عينيه و كل

شعره في رأسه و وجهه و أخذوا السبابجة و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بابن حنيف إلى عايشة ، فقالت لأبان بن عثمان : اخرج إليه فاضرب عنقه ، فإن الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله . فنادى عثمان : يا عايشة و يا طلحة و يا زبير إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب على المدينة ، و أقسم باللّه إن قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم و أهليكم و رهطكم فلا يبقي منكم أحدا . فكفّوا عنه و خافوا أن يوقع سهل بعيالاتهم و أهاليهم بالمدينة ،

فتركوه . و أرسلت عايشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة ، فإنّه قد بلغني الذي صنعوا بك ، فذبحهم الزبير و اللّه كما يذبح الغنم ، ولي ذلك ابنه عبد اللّه و هم سبعون رجلا و بقيت منهم طائفة متمسكين ببيت المال ، و قالوا : لا ندفعه إليكم حتّى يقدم أمير المؤمنين عليه السّلام ، فسار إليهم الزبير في جيش ليلا فأوقع بهم ، و أخذ منهم خمسين أسيرا فقتلهم صبرا .

و حدّثنا الصقعب قال : كانت السبابجة القتلى يومئذ أربعمائة رجل ،

فكان غدر طلحة و الزبير بابن حنيف أوّل غدر كان في الإسلام . و كان السبابجة أوّل قوم ضربت أعناقهم من المسلمين صبرا ، و خيّروا ابن حنيف بين أن يقيم أو يلحق بعليّ ، فاختار الرحيل ، فخلوا سبيله فلحق بعلي عليه السّلام ، فلمّا رآه بكى و قال له : فارقتك شيخا و جئتك أمرد . فقال عليّ عليه السّلام : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ثلاثا .

فلمّا بلغ حكيم بن جبلة ما صنع القوم بعثمان بن حنيف ، خرج في ثلاثمائة من عبد القيس مخالفا لهم و منابذا ، فخرجوا إليه و حملوا عايشة على جمل ، فسمّي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر ، و يوم عليّ عليه السّلام يوم الجمل الأكبر ، و تجالد الفريقان بالسيوف ، فشدّ رجل من الأزد من عسكر عايشة على حكيم بن جبلة فضرب رجله فقطعها ، و وقع الأزدي عن فرسه فجثا حكيم

فأخذ رجله فرمى بها الأزدي فصرعه ، ثم دب إليه فقتله متكئا عليه حتّى زهقت نفسه ، فمر رجل بحكيم و هو يجود بنفسه فقال : من فعل بك كذا ، قال : و سادي ،

فنظر فإذا الأزدي تحته .

و كان حكيم شجاعا مذكورا ، و قتل مع حكيم إخوة له ثلاثة ، و قتل أصحابه كلّهم و هم ثلاثمائة من عبد القيس و القليل منهم من بكر بن وائل ، فلمّا صفت البصرة لطلحة و الزبير بعد قتل حكيم و أصحابه و طرد ابن حنيف ،

اختلفا في الصلاة و أراد كلّ واحد منهما أن يؤم بالناس ، و خاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما أو رضى بتقدمه ، فأصلحت بينهما عايشة بأن جعلت عبد اللّه بن الزبير و محمّد بن طلحة يصلّيان بالنّاس هذا يوما و هذا يوما .

ثم دخلا بيت مال البصرة ، فلمّا رأوا ما فيه من الأموال قال الزبير : وعدكم اللّه مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه . . . ١ ، فنحن أحقّ بها من أهل البصرة .

فأخذوا ذلك المال ، فلمّا غلب عليّ عليه السّلام رد تلك الأموال إلى بيت المال و قسّمها في المسلمين ٢ .

قلت : و روى قريبا منه مع زيادة و نقصان المفيد في ( جملة ) عن أبي مخنف و ابن دأب و الواقدي و المدائني ٣ .

و قال ابن أبي الحديد أيضا : كان القسم بن محمّد بن يحيى بن طلحة الملقّب أبا بعرة ولى شرطة الكوفة لعيسى بن موسى العبّاسي ، و كان كلّم إسماعيل بن جعفر الصادق بكلام خرجا فيه إلى المنافرة ، فقال القسم : لم يزل فضلنا و إحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم خاصّة و على بني عبد مناف كافّة .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الفتح : ٢٠ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٣١١ ٣٢٣ ، و النقل بتصرّف و تلخيص .

 ( ٣ ) الجمل للمفيد : ٢٧٣ ٢٨٦ .

فقال إسماعيل : أي فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف ؟ أغضب أبوك جدّي بقوله : « ليموتن محمّد و لنجولن بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا » فأنزل اللّه تعالى مراغمة لأبيك : و ما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ١ ، و منع ابن عمّك امّي حقّها من فدك و غيرها من ميراث أبيها ، و أجلب أبوك على عثمان و حصره حتّى قتل ،

و نكث بيعة عليّ عليه السّلام و شام السيف في وجهه ، و أفسد قلوب المسلمين عليه، فإن كان لبني عبد مناف قوم غير هؤلاء أسديتم إليهم إحسانا فعرّفني من هم جعلت فداك ٢ .

قلت : و في ( تاريخ بغداد ) : دخل أبو بكر بن عيّاش على موسى بن عيسى و هو على الكوفة و عنده عبد اللّه بن مصعب الزبيري ، فأدناه و دعا له بتكاء فاتكأ و بسط رجله ، فقال عبد اللّه بن مصعب لموسى : من هذا الذي دخل و لم نستأذن له ثم اتكأته و بسطته ؟ قال : هذا فقيه الفقهاء ، و الرأس عند أهل البصرة ، أبو بكر بن عيّاش . فقال : فلا كثير و لا طيب و لا مستحق لكل ما فعلته به .

فقال ابن عيّاش : أيّها الأمير من هذا الذي سأل عنّي بجهل ثم تتابع في جهله بسوء قول و فعل ؟ فنسبه له ، فقال له ابن عيّاش : اسكت مسكتا ، فبأبيك غدر ببيعتنا ، و بقول الزور خرجت امّنا ، و بابنه هدّمت كعبتنا ، و بك أخرى ان يخرج الدجال فينا .

فضحك موسى حتّى فحص برجله ، و قال للزبيري : أنا و اللّه أعلم أنّه يحوط أهلك و أباك و يتولاّه و لكنّك مشؤوم على آبائك ٣ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأحزاب : ٥٣ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٣٢٣ ٣٢٤ .

 ( ٣ ) تاريخ بغداد ١٤ : ٣٧٥ ٣٧٦ .

قوله عليه السّلام في الأوّل : « فخرجوا يجرّون حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما تجرّ الأمة عند شرائها ، متوجهين بها إلى البصرة فحبسا نساءهما في بيوتهما و أبرزا حبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لهما و لغيرهما » في ( الطبري ) : أقبل جارية بن قدامة السعدي إلى عايشة يوم الجمل فقال لها : لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح ، إنّه قد كان لك من اللّه ستر و حرمة فهتكت سترك و أبحت حرمتك ، إنّه من رأى قتالك يرى قتلك ، إن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك ، و إن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس .

و خرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة و الزبير و قال : أمّا أنت يا زبير فحواري النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و أما أنت يا طلحة فوقيت النّبيّ بيدك ، و أرى امّكما معكما فهل جئتما بنسائكما ؟ قالا : لا ، قال : فما أنا منكما في شي‏ء ، و اعتزل و قال :

صنتم حلائلكم و قد تم امّكم

هذا لعمرك قلّة الإنصاف

أمرت بجز ذيولها في بيتها

فهوت تشق البيد بالايجاف

غرضا يقاتل دونها أبناؤها

بالنبل و الخطّيّ و الأسياف

هتكت بطلحة و الزبير ستورها

هذا المخبر عنهم و الكافي ١

هذا ، و في ( الأغاني ) : كانت بالمدينة قينة لآل نفيس يقال لها بصيص ،

و كان مولاها صاحب قصر نفيس الذي يقول فيه الشاعر :

شاقني الزائرات قصر نفيس

مثقلات الأعجاز قبّ البطون

و كان تأتيها فتيان من قريش فيستمعون منها ، و يأتيها عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير ، و حجّ المنصور و مر بالمدينة في منصرفه ، فقال عبد اللّه بن مصعب :

أ راحل أنت أبا جعفر

من قبل أن تسمع من بصبصا

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٦٥ ، سنة ٣٦ .

هيهات أن تسمع منها إذا

جاوزت العيس بك الأعوصا

فخذ عليها مجلسي لذّة

و مجلسا من قبل أن تشخصا

أحلف باللّه يمينا و من

يحلف باللّه فقد أخلصا

لو أنّها تدعو إلى بيعة

بايعتها ثمّ شققت العصا

فبلغ ذلك المنصور فغضب ، و دعا به و قال له : أمّا إنّكم يا آل الزبير قديما قادتكم النساء و شققتم معهنّ العصا حتّى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنّيات ، فدونكم آل الزبير و هذا المرتع الوخيم ١ .

« في جيش ما منهم رجل إلاّ و قد أعطاني الطاعة و سمح » أي : جاد .

« لي بالبيعة طائعا غير مكره » حتّى مروان بن الحكم ، و جيشهما و إن كان مقدار منهم من مكّة و مقدار منهم من البصرة ، و هم لم يحضروا بيعته عليه السّلام ،

إلاّ أنّ عمّاله عليه السّلام كانوا أخذوا منهم البيعة .

قوله عليه السّلام في الأوّل : « فقدموا على عاملي بها و خزّان بيت مال المسلمين و غيرهم من أهلها » و في الثاني : « فقدموا على عمّالي و خزّان بيت مال المسلمين الذي في يدي و على أهل مصر كلّهم في طاعتي و على بيعتي » في ( فتوح البلاذري ) :

كانت جماعة من السبابجة موكلين بيت مال البصرة ، يقال إنّهم أربعون ،

و يقال أربعمائة ، فلمّا قدم طلحة و الزبير البصرة و عليها من قبل عليّ عليه السّلام عثمان بن حنيف ، فأبوا أن يسلموا بيت المال إلى قدوم عليّ عليه السّلام ، فأتوهم في السحر فقتلوهم ، و كان عبد اللّه بن الزبير المتولّي لأمرهم في جماعة تسرعوا إليهم معه ، و كان على السبابجة يومئذ أبو سالمة الزطي و كان رجلا صالحا ٢ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأغاني ١٥ : ٢٨ ٢٩ .

 ( ٢ ) فتوح البلدان : ٣٦٩ في ذكر أمر الأساوة و الزط .

و قد عرفت من رواية أبي مخنف أنّ قتل ابن الزبير كان بطلب امّ مؤمنيهم ذلك .

هذا ، و في ( الصحاح ) : السبابجة قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة و حرّاس السجن ١ .

و هو كما ترى فإنهم كانوا خزّان بيت المال لا حرّاس السجن .

قوله عليه السّلام فيه : « فشتّتوا كلمتهم و أفسدوا عليّ جماعتهم ، و وثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا » و في الأوّل : « فقتلوا طائفة صبرا و طائفة غدرا » أمّا الذين قتلوا غدرا فهم على رواية أبي مخنف المتقدّمة السبعون من السبابجة ،

كانوا نصروا ابن حنيف فغدروا بهم في غدرهم بابن حنيف ، فذبحهم ابن الزبير من قبل أبيه بطلب امّهم كما يذبح الغنم ، و أمّا الذين قتلوهم صبرا فهم الذين أبوا تسليم بيت المال و هم خمسون في قول و أربعمائة في آخر .

و مرّ خبر أبي مخنف في أن غدر طلحة و الزبير كان أوّل غدر في الإسلام ، و قتل أولئك صبرا أول قتل في الإسلام صبرا .

قلت : و غدرهم كان مترتبا على أوّل غدر في الإسلام ، و هو غدرهم بصاحب الغدير ، و قد أخبره النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك في قوله : إنّ الامّة ستغدر بك بعدي.

قول المصنّف في الثاني : « و من كلام له » هكذا في ( المصرية ) ٢ و ( ابن أبي الحديد ) ٣ ، و لكن في ( ابن ميثم ) : « و من هذا الكلام » ٤ و في ( الخطيّة ) :

« و منه » .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الصحاح ١ : ٣٢١ ، مادة : ( سبج ) .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ٢٢٨ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢١ .

 ( ٤ ) في شرح ابن ميثم ٤ : ٥٠ : و من كلام له عليه السّلام أيضا .

قوله عليه السّلام في الثاني : « و طائفة منهم » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و كلمة ( منهم ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) ٢ .

« عضوا على أسيافهم فضاربوا بها حتّى لقوا اللّه صادقين » المراد بهم من قتل يوم الجمل الأصغر ، خروج حكيم بن جبلة مع ثلاثة إخوة له و ثلاثمائة أكثرهم من عشيرته عبد القيس و جهادهم معهم حتّى قتلوا عن آخرهم .

قوله عليه السّلام في الأوّل : « فو اللّه لو لم يصيبوا من المسلمين إلاّ رجلا واحدا معتمّدين » أي : قاصدين لقتله .

« بلا جرم جرّه لحل لي قتل ذلك الجيش كله » فإنّ جميع النّاس لو اشتركوا في قتل واحد جاز قتل الجميع ، و الجيش و إن لم يشترك جميعهم في قتل من قتل ، بل ابن الزبير و عدّة أو هو وحده ، إلاّ انّه لمّا كان ذلك بقوّة باقي الجيش مع عدم إنكارهم و دفاعهم كما قال عليه السّلام :

« إذ حضروه فلم ينكروه و لم يدفعوا عنه بلسان و لا بيد » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و الصواب : « و لا يد » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) ٤ كان كاشتراكهم .

« دع ما انهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة التي دخلوا بها عليهم » يعني إذا كان قتل جميع الجيش حلالا لقتل واحد عمدا ، كيف لا يحل قتلهم لمثل تلك العدّة التي قتلوها، خزّان بيت المال كانوا أربعمائة على رواية أبي مخنف عن الصقعب ، و أصحاب حكيم بن جبلة كانوا ثلاثمائة .

و في رواية ( رسائل الكليني ) : فدعوا النّاس إلى معصيتي و نقض بيعتي ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٢ : ٢٢٨ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢١ ، و لكن في شرح ابن ميثم ٤ : ٥٠ : طائفة منهم أيضا .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ٢ : ١٠٤ .

 ( ٤ ) في شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٣٠٩ و شرح ابن ميثم ٣ : ٣٣١ : و لا بيد أيضا .

فمن أطاعهم أكفروه و من عصاهم قتلوه ، فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوه في سبعين رجلا من عبّاد أهل البصرة و مخبتيهم يسمّون المثفنين ، كأنّ راح أكفّهم ثفنات الإبل . و أبى أن يبايعهم يزيد بن حارث اليشكري فقال : اتقيا اللّه ،

إن أوّلكم قادنا إلى الجنّة ، فلا يقودنا آخركم إلى النار ، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي و نقضي على الغائب . أما يميني فشغلها عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، و هذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما . فخنق حتّى مات .

و قام عبد اللّه بن حكيم التميمي فقال : يا طلحة هل تعرف هذا الكتاب ،

ألك ؟ قال : نعم فإذا فيه عيب عثمان و الدعاء إلى قتله فسيّره من البصرة ،

و أخذوا عاملي عثمان بن حنيف الأنصاري غدرا فمثلوا به كل مثلة و نتفوا كلّ شعرة في رأسه و وجه . . . ١ .

و أمّا عدّة طلحة و الزبير و عايشة التي دخلوا بها البصرة ، ففي ( الطبري ) : في اسناد عن الزهري أنّهم خرجوا من مكّة في سبعمائة رجل من أهل المدينة و مكة ، ثمّ لحقهم النّاس حتّى كانوا ثلاثة آلاف ٢ .

هذا و في ( صفين نصر ) : أنّه عليه السّلام لمّا ورد الكوفة بعد فتح البصرة قام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي و كان ممّن تخلّف عنه عليه السّلام فقال : أرأيت القتلى حول عايشة و طلحة و الزبير بم قتلوا ؟ فقال عليه السّلام : قتلوا شيعتي و عمّالي ،

و قتلوا أخا ربيعة العبدي رحمة اللّه عليه في عصابة من المسلمين ، قالوا لهم لا ننكث كما نكثتم و لا نغدر كما غدرتم ، فوثبوا عليهم فقتلوهم ، فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة إخواني أقتلهم بهم ، ثم كتاب اللّه حكم بيني و بينهم ، فأبوا عليّ فقاتلوني و في أعناقهم بيعتي ، و دماء قريب من ألف رجل من شيعتي فقتلتهم

ــــــــــــ

 ( ١ ) رسائل الكليني .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٥٢ ، سنة ٣٦ .

بهم . أفي شكّ أنت من ذلك ؟ فقال : قد كنت في شك ، فأمّا الآن فقد استبان لي خطؤهم ، و إنّك أنت المهدي المصيب ١ .

٧

الكتاب ( ٥٧ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيِّي هَذَا إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِياً وَ إِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ وَ إِنِّي أُذَكِّرُ اَللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي وَ إِنْ كُنْتُ مُسِيئاً اِسْتَعْتَبَنِي أقول : روى هذا الكتاب أبو مخنف في ( جمله ) ، و قد نقله ( ابن أبي الحديد ) في شرح كتابه الأوّل ، روى : أنّه عليه السّلام لمّا نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة إلى أبي موسى ، فتوعده أبو موسى ، فكتب هاشم إليه عليه السّلام بذلك ، فبعث عليه السّلام ابن عبّاس و محمّد بن أبي بكر إلى أبي موسى فأبطآ عنه عليه السّلام ، فرحل عن الربذة إلى ذي قار و بعث منها الحسن عليه السّلام و عمّارا و زيد بن صوحان و قيس بن سعد بن عبادة ، و كتب معهم هذا الكتاب . و لقد حكى مضمونه الحسن عليه السّلام و عمّار لأهل الكوفة ٢ .

ففي ( الطبري ) : أنّه عليه السّلام كتب مع الحسن و عمّار إلى أبي موسى باعتزاله ، و ولاية قرظة بن كعب مكانه ، و لمّا دخل الحسن عليه السّلام و عمّار مسجد الكوفة قالا: أيّها النّاس إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : إنّي خرجت مخرجي هذا ظالما أو مظلوما، و إنّي اذكّر اللّه رجلا دعي للّه حقا إلاّ نفر ، فإن كنت مظلوما

ــــــــــــ

 ( ١ ) وقعة صفّين : ٤ ٥ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٤ : ٩ ١١ .

أعانني ، و إن كنت ظالما أخذ منّي . و اللّه إن طلحة و الزبير لأول من بايعني و أوّل من غدر ، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما ؟ فانفروا ، فمروا بمعروف ، و انهوا عن منكر ١ .

و إنّما كتب عليه السّلام إلى أهل الكوفة هذا الكتاب لأن أبا موسى كان يأمرهم بالتقاعد ، و يقول لهم : « هذه فتنة صماء ، النائم فيها خير من اليقظان ، و اليقظان خير من القاعد ، و القاعد خير من القائم ، و القائم خير من الراكب . اغمدوا سيوفكم و انصلوا أسنّتكم ، و اقطعوا أوتار قسيّكم حتّى يلتئم هذا الأمر ،

و تنجلي هذه الفتنة . و إنّي سمعت ذلك من النّبيّ » ٢ .

قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة » قد عرفت من خبر أبي مخنف أنّه كان من ذي قار .

قوله : « أمّا بعد فإنّي خرجت من حيي هذا » هكذا في ( المصرية ) ٣ و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٤ : « عن حيي هذا » . ثم « حيي » في كل النسخ ، قال ابن أبي الحديد : معناه منزلي ٥ . و قال ابن ميثم : قبيلتي ٦ .

و أقول : « من حيي » أو « عن حيي » تصحيف من الرضي رضي اللّه عنه ، و الأصل ( مخرجي ) . فمستنده ، و هو كتاب أبي مخنف « فاني خرجت مخرجي هذا » ٧ .

و مرّ أيضا : نقل الحسن عليه السّلام و عمّار رضى اللّه عنه كلامه عليه السّلام لأهل الكوفة بلفظ

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٠٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ٤ : ٤٨٦ ٤٨٧ ، سنة ٣٦ .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ٣ : ١٢٥ .

 ( ٤ ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٤٠ ، و لكن في شرح ابن ميثم ٥ : ١٩٣ : من حيّي أيضا.

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٤٠ .

 ( ٦ ) شرح ابن ميثم ٥ : ١٩٣ .

 ( ٧ ) شرح ابن أبي الحديد ١٤ : ١١ .

( مخرجي ) و لا يخفى قربهما خطأ فاشتبه عليه .

« امّا ظالما و امّا مظلوما ، و امّا باغيا و امّا مبغيا عليه » فإن من خرج لقتال لا بد أن يكون من أحدهما .

« و إنّي » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ( و انا ) ، كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٢ و الخطية ) .

« اذكّر اللّه » اللّه مفعول ثان قدّم للأهميّة .

« من » مفعول أوّل .

« بلغه كتابي هذا لما » قال ابن أبي الحديد : « لمّا » بمعنى إلاّ كقوله تعالى :

إن كل نفس لمّا عليها حافظ ٣ ، و قال ٤ ابن ميثم : لمّا مشددة بمعنى إلاّ و مخففة ، و ( ما ) زائدة دخل عليها لام التأكيد أي : لينفرن إليّ ٥ .

قلت : كون لمّا بمعنى إلاّ إن ثبت ، شرطه تقدّم ( ان ) نفي و ليس في كلامه عليه السّلام فتعيّن الثاني .

« نفر » أي : شخص .

« إليّ فإن كنت محسنا أعانني » و روى الطبري عن محمّد بن الحنفية قال :

أقبلنا من المدينة بسبعمائة رجل ، و خرج إلينا من الكوفة سبعة آلاف ، و انضمّ إلينا من حولنا ألفان ، أكثرهم بكر بن وائل و يقال ستة آلاف ٦ .

و عن أبي الطفيل قال عليّ عليه السّلام : يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٣ : ١٢٥ .

 ( ٢ ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٤٠ ، و لكن في شرح ابن ميثم ٥ : ١٩٣ : و إنّي أيضا .

 ( ٣ ) الطارق : ٤ .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٤٠ .

 ( ٥ ) شرح ابن ميثم ٥ : ١٩٣ .

 ( ٦ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٠٦ ، سنة ٣٦ .

و رجل ، فقعدت على نجفة ذي قار ، فأحصيتهم فما زادوا رجلا و لا نقصوا رجلا١.

« و إن كنت مسيئا استعتبني » أي : طلب رجوعي .

في ( خلفاء ابن قتيبة ) : قال عمّار لأهل الكوفة : أيّها النّاس إنّ أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين ، و ما صدق فيما قال و ما رضي اللّه عن عباده بما قال ، قال عزّ و جل : و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل و أقسطوا إنّ اللّه يحب المقسطين ٢ . و قال تعالى : و قاتلوهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه للّه . . . ٣ ، فلم يرض من عباده بما ذكره أبو موسى ، من أن يجلسوا في بيوتهم و يخلّوا النّاس فيسفك بعضهم دماء بعض ، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين و اسمعوا من حججهم و انظروا من أولى بالنصر فاتّبعوه ، فإن أصلح اللّه أمرهم رجعتم مأجورين ، و قد قضيتم حق اللّه ، و إن بغى بعضهم على بعض ،

نظرتم إلى الفئة الباغية فقاتلتموها حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه كما أمركم اللّه و افترض عليكم ٤ .

و روى ( جمل أبي مخنف ) : أنّ عمّارا قال لأبي موسى : أما إنّي أشهد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمر عليّا بقتال النّاس ، و سمّى له فيهم من سمّى ، و أمرهم بقتال القاسطين و إن شئت لأقيمن لك شهودا يشهدون أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّما نهاك

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٠٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) الحجرات : ٩ .

 ( ٣ ) الأنفال : ٣٩ .

 ( ٤ ) الإمامة و السياسة ١ : ٦٦ .

وحدك و حذّرك من الدخول في الفتنة ١ .

قلت : و نهي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأبي موسى وحده ، كما نقله عمّار من آيات نبوّته ، فأبو موسى صار منشأ لفتنتين ، الاولى فتنة تثبيطه النّاس عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، فهو كان متفرّدا في ذلك ، فعبد اللّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص و محمّد بن مسلمة و المغيرة بن شعبة اعتزلوه عليه السّلام و اعتزلوا غيره و لم يثبطوا النّاس مثل أبي موسى عنه عليه السّلام .

و قد أشار إلى ذلك زيد بن صوحان و كان من الجلال بمكان اعترفت به عايشة مع كونها مبغضة لشيعة أمير المؤمنين عليه السّلام مثله ٢ .

ففي ( الطبري ) : لمّا أمر أبو موسى النّاس بالتثبيط ، قام إليه زيد بن صوحان و شال يده المقطوعة و أومى إلى أبي موسى و تلا : ألم أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين ٣ ثم نادى : سيروا إلى أمير المؤمنين صراط سيّد المرسلين ، و انفروا إليه أجمعين ٤ .

و الثانية : فتنة حكميته و خبطه في ذلك أيضا واضح لا يحتاج إلى بيان .

و قد رد على أبي موسى غير عمّار و زيد عبد خير الخيواني ، ففي ( الطبري ) : أنّه قال لأبي موسى : أخبرني عن هذين الرجلين ألم يبايعا عليّا عليه السّلام ؟ قال : بلى . قال : أفأحدث عليّ عليه السّلام حدثا يحل به نقض بيعته ؟ قال : لا أدري ، قال : لا دريت و لا أتيت ، إذا كنت لا تدري فنحن تاركوك حتّى تدري ،

أخبرني هل تعلم أحدا خارجا عن هذه الفرق الأربع عليّ بظهر الكوفة و طلحة

ــــــــــــ

 ( ١ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٤ : ١٥ .

 ( ٢ ) انظر الجمل للمفيد : ٥١ ، ٢٤٨ ، ٢٥١ ، ٤٣١ ، و أماليه : ٢١٧ ٢١٨ .

 ( ٣ ) العنكبوت : ١ ٣ .

 ( ٤ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٨٤ ، سنة ٣٦ .

و الزبير . البصرة و معاوية بالشام و فرقة رابعة بالحجاز قعود لا يجبى بهم في‏ء و لا يقاتل بهم عدوّ ؟ قال أبو موسى : أولئك خير النّاس ، فقال له عبد خير :

اسكت يا أبا موسى فقد غلب عليك غشّك ١ .

٨

الكتاب ( ٦٣ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أبي موسى الأشعريّ و هو عامله على الكوفة و قد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل :

مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ ؟ عَلِيٍّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ إِلَى ؟ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ؟ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَ عَلَيْكَ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ فَارْفَعْ ذَيْلَكَ وَ اُشْدُدْ مِئْزَرَكَ وَ اُخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ وَ اُنْدُبْ مَنْ مَعَكَ فَإِنْ تَحَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَتُؤْتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ وَ لاَ تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ وَ ذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ وَ حَتَّى تُعْجَلُ عَنْ قِعْدَتِكَ وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْفِكَ وَ مَا هِيَ بِالْهُوَيْنَى اَلَّتِي تَرْجُو وَ لَكِنَّهَا اَلدَّاهِيَةُ اَلْكُبْرَى يُرْكَبُ جَمَلُهَا وَ يُذَلُّ صَعْبُهَا وَ يُسَهَّلُ جَبَلُهَا فَاعْقِلْ عَقْلَكَ وَ اِمْلِكْ أَمْرَكَ وَ خُذْ نَصِيبَكَ وَ حَظَّكَ فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ وَ لاَ فِي نَجَاةٍ فَبِالْحَرِيِّ لَتُكْفَيَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لاَ يُقَالَ أَيْنَ فُلاَنٌ وَ اَللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا أُبَالِي مَا صَنَعَ اَلْمُلْحِدُونَ وَ اَلسَّلاَمُ قول الصنّف « و من كتاب له عليه السّلام إلى أبي موسى الأشعري و هو عامله على الكوفة » في ( تاريخ اليعقوبي ) : عزل عليّ عليه السّلام عمّال عثمان عن البلدان خلا

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٨٦ ، سنة ٣٦ .

أبي موسى و هو الأشعريّ كلّمه الأشتر ، فأقرّه ١ .

« و قد بلغه عنه تثبيطه » أي : توقيفه .

« النّاس عن » و في ( المصرية ) : ( على ) ٢ غلط .

« و الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب الجمل » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ٣ و لكن ليس في ( ابن ميثم ) : جملة ( لمّا ندبهم ) ٤ و لعلّه سقط من النسخة .

و كيف كان ففي ( المروج ) : لمّا كاتب عليّ عليه السّلام أبا موسى فثبّطهم و قال :

إنّما هي فتنة ، فنمى ذلك إليه عليه السّلام ولّى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري و كتب إلى أبي موسى : « اعتزل عملنا يابن الحائك مذؤوما مدحورا ، فما هذا أوّل يومنا منك ، و إن لك فيها لهنات و هنيات » ٥ .

و عن محمّد بن إسحاق : قدم محمّد بن جعفر و محمّد بن أبي بكر الكوفة لاستنفار النّاس ، فدخل قوم منهم على أبي موسى ليلا فقالوا له : أشر علينا برأيك في الخروج مع هذين الرجلين إلى عليّ ، فقال لهم : أمّا سبيل الآخرة فالزموا بيوتكم ، و أمّا سبيل الدّنيا فاشخصوا معهما . فمنع بذلك أهل الكوفة من الخروج ، و بلغهما ذلك فأغلظا له ، فقال لهما : إنّ بيعة عثمان لفي عنق عليّ و عنقي و أعناقكما . . . ٦ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٧٩ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٣ .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٣ ، شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ .

 ( ٤ ) في شرح ابن ميثم ٥ : ٢٠٤ : لمّا ندبهم لحرب أصحاب الجمل أيضا .

 ( ٥ ) مروج الذهب ٢ : ٣٦٨ ٣٦٩ .

 ( ٦ ) شرح ابن أبي الحديد ١٤ : ٩ .

و مثله ( خلفاء ابن قتيبة ) إلاّ أنّه قال : بعث عمّارا و محمّد بن أبي بكر ١ .

و عن أبي مخنف : أنّ عليّا عليه السّلام بعث من الربذة هاشم بن عتبة إلى أبي موسى ، و كتب إليه : أنّي قد بعثت إليك هاشما لتشخص إلى من قبلك من المسلمين ليتوجهوا إلى قوم نكثوا بيعتي و قتلوا شيعتي و أحدثوا في الإسلام هذا الحدث العظيم ، فاشخص بالناس إليّ معه حين يقدم إليك ، فاني لم أولك المصر الذي أنت فيه ، و لم اقرّك عليه إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ ،

و أنصاري على هذا الأمر ٢ .

و رواه الطبريّ مع اختصار ٣ .

و عن أبي مخنف : فبعث هاشم بن عتبة من الكوفة المحل بن خليفة إلى عليّ عليه السّلام بالربذة ، و كتب معه إليه عليه السّلام : « إنّي قدمت بكتابك على امرى‏ء مشاق بعيد الود ، ظاهر الغل و الشنآن ، فتهددني بالسجن و خوفني بالقتل .

فبعث عليه السّلام ابن عبّاس و محمّد بن أبي بكر إليه و كتب معهما إليه : أما بعد يابن الحائك يا عاضّ اير أبيه ، فو اللّه إنّي كنت لأرى أنّ بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعلك اللّه له أهلا ، و لا جعل لك فيه نصيبا ، سيمنعك من ردّ أمري و الابتزاز عليّ ، و قد بعثت إليك ابن عبّاس و ابن أبي بكر فخلّهما و المصر و أهله ، و اعتزل عملنا مذؤوما مدحورا ، فإن فعلت و إلاّ فإنّي قد أمرتهما على أن ينابذاك على سواء ، . . . إنّ اللّه لا يهدي كيد الخائنين ٤ ، فإذا ظهرا عليك قطعاك إربا إربا ،

و السلام على من شكر النعمة و وفى بالبيعة و عمل برجاء العاقبة ٥ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ٦٥ ٦٦ .

 ( ٢ ) نقله عنه المفيد في الجمل : ٢٤٢ و ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٤ : ٩ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٩٩ ، سنة ٣٦ .

 ( ٤ ) يوسف : ٥٢ .

 ( ٥ ) نقله عنه المفيد في الجمل : ٢٤٢ ٢٤٣ و ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٤ : ٩ ١٠ .

و رواه الطبري إلاّ أنّه قال : بعث الحسن عليه السّلام و عمّارا يستنفران النّاس ،

و بعث قرظة أميرا و كتب معه إلى أبي موسى : فقد كنت أرى أنّ عزوبك عن هذا الأمر الذي لم يجعل اللّه تعالى لك منه نصيبا ، سيمنعك من ردّ أمري ، و قد بعثت الحسن و عمّارا يستنفران النّاس ، و بعثت قرظة واليا على المصر ، فاعتزل عملنا مذؤوما مدحورا، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابذك فإن نابذته فظفر بك ان يقطعك آرابا ١ .

قوله عليه السّلام « من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ٢ و لكن ليس في ( ابن ميثم ) : كلمة ( عليّ ) ٣ .

« إلى عبد اللّه بن قيس » و هو أبو موسى الأشعريّ .

« اما بعد فقد بلغني عنك قول هو لك و عليك » .

قال ابن أبي الحديد : أراد به أنّ أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة : إنّ عليّا إمام هدى و بيعته صحيحة ، إلاّ أنّه لا يجوز القتال معه مع أهل القبلة ، و هذا القول بعضه حقّ و بعضه باطل ٤ .

قلت : كون المراد ما ذكر غير معلوم ، فلم يعلم أوّلا أنّ أبا موسى قال ما نسب إليه ، و إنّما روى المفيد في ( جمله ) : أنّ ابن عبّاس خدعه بأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام يقرّه على حكومته ، فأخذ البيعة له من النّاس .

فروى أنّ ابن عبّاس قال له عليه السّلام : ابعث إلى الكوفة ابنك الحسن عليه السّلام و عمّارا و أنا أخرج معهما ، فلمّا وصلوا قال لهما : إنّ أبا موسى عاق ، فإذا رفقنا به أدركنا حاجتنا ، فقالا له : افعل ما شئت .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٩٩ ٥٠٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٣ : شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ .

 ( ٣ ) في شرح ابن ميثم ٥ : ٢٠٤ : عليّ أمير المؤمنين أيضا .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ .

فقال لأبي موسى : إنّ عليّا عليه السّلام أرسلنا إليك لما يظن من سرعتك إلى طاعة اللّه و رسوله ، و مصيرك إلى ما أحبنا أهل البيت ، و قد علمت فضله و سابقته في الإسلام و يقول لك : أن تبايع النّاس يقرّك على عملك و يرضى عنك . فانخدع و صعد المنبر فبايع له عليه السّلام ثم نزل ١ .

و ثانيا : إنّه لو ثبت ما نسب إليه ، لم يعلم صحّة التعبير عنه بأنه ( قول لك و عليك ) ، و لعل في الرواية تحريفا ، و أنّ الأصل : ( قول هو عليك لا لك ) .

فروى ابن قتيبة و أبو مخنف : إنّ أبا موسى قال لرسوليه عليه السّلام محمّد بن أبي بكر و عمّارا و محمّد بن جعفر : بأنّا لو أردنا قتالا ما كنّا نبدأ بأحد من قتلة عثمان ٢ .

و لازمه نصره له عليه السّلام في حربه مع طلحة و الزبير و عايشة لاعترافه بدخالتهم في قتل عثمان ، و اعتزاله عليه السّلام عنه فيكون قوله عليه لا له .

و يمكن أيضا بأن يقال : بأنّ قوله ذاك عليه لا له ، بأن قوله يستلزم حلية قتل عمّار ، مع ان من المتواتر قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « عمّار تقتله الفئة الباغية » ،

فضلا عن كونه مجمعا على جلاله .

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : انّ عمّارا قال : يا أهل الكوفة إن كان غابت عنكم امورنا فقد انتهت إليكم أنباؤنا ، إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى النّاس ، و لا ينكرون ذلك ، و قد جعلوا كتاب اللّه بينهم و بين محاجّيهم ،

فبه أحيى اللّه من أحيى و أمات من أمات ، و إنّ طلحة و الزبير كانا أوّل من طعن و آخر من أمر ، و كانا أوّل من بايع عليّا عليه السّلام ، فلمّا أخطأهما ما أمّلاه

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٢٦١ .

 ( ٢ ) الإمامة و السياسة ١ : ٦٦ ، شرح ابن أبي الحديد ١٤ : ٩ .

نكثا بيعتهما من غير حدث ١ .

و أي قول كان من أبي موسى له و قد بيّن عمّار كون قوله كلّه عليه .

ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا صعد أبو موسى المنبر و قال : أيّها النّاس إنّ أصحاب محمّد الذين صحبوه في المواطن أعلم باللّه و رسوله ممّن لم يصحبه ، و إنّ لكم حقّا عليّ أن اؤديه إليكم ، إنّ هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان ، و القاعد خير من القائم ، و القائم فيها خير من الساعي ، و الساعي خير من الراكب ، فاغمدوا سيوفكم حتّى تنجلي هذه الفتنة ، قام عمّار و قال : أيّها النّاس إنّ أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين و ما صدق فيما قال و لا رضي اللّه من عباده بما قال قال عزّ و جل : و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل و أقسطوا . . . ٢ و قال تعالى : و قاتلوهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه للّه . . . ٣ ، فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم و يخلوا النّاس فيسفك بعضهم دماء بعض فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين و اسمعوا من حججهم ، و انظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه ، فإن أصلح اللّه أمرهم رجعتم مأجورين و قد قضيتم حق اللّه تعالى ، و إن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة الباغية ، فقاتلوهم حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه كما امرتم و افترض عليكم ٤ .

و كذلك ردّ على أبي موسى قوله كلّه عبد خير الخيواني كما مر في العنوان السابق .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ٦٧ .

 ( ٢ ) الحجرات : ٩ .

 ( ٣ ) الأنفال : ٣٩ .

 ( ٤ ) الإمامة و السياسة ١ : ٦٦ .

و لو صحّت رواية المصنّف : ( قول هو لك و عليك ) ، فمحمول على أنّ ما نقله أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له : إنّ هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان ، قاله له خاصة لعلمه صلّى اللّه عليه و آله بانحرافه عنه ، فقال صلّى اللّه عليه و آله له : من كان في فتنة الناكثين نائما كسعد و ابن عمرو لم يخذلا النّاس عنه عليه السّلام كما لم ينصراه ، خير من أبي موسى الذي كان قائما بخذل النّاس عنه عليه السّلام .

و يشهد له رواية أبي مخنف : ( لمّا صعد أبو موسى المنبر و قال : كأني أسمع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالأمس يذكر الفتن فيقول : أنت فيها نائما خير منك قاعدا إلى أن قال قام عمّار و قال له : إن كنت صادقا فإنّما عناك بذلك وحدك و اتخذ عليك الحجّة ، فالزم بيتك و لا تدخلن في الفتنة ، أما إنّي أشهد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمر عليّا بقتال الناكثين و سمّى له فيهم من سمّى و أمره بقتال القاسطين ، و إن شئت لأقيمن لك شهودا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّما نهاك وحدك و حذّرك من الدخول في الفتنة ثم قال له : اعطني يدك على ما سمعت فمد يده إليه فقال له عمّار :

غلب اللّه من غالبه و جاحده ثم جذبه فنزل ١ .

و رواه الطبريّ مختصرا ٢ .

« فاذا قدم رسولي » و لعل المراد به قرظة بن كعب الأنصاري كما مر عن ( المروج ) ٣ .

« عليك فارفع ذيلك » ( ارفع ذيلك ) كقولك شمّر ذيلك .

« و اشدد مئزرك » كقولك : ( اشدد حيازيمك ) .

« و اخرج من جحرك » قال ابن أبي الحديد : كناية غض عن أبي موسى

ــــــــــــ

 ( ١ ) نقله عنه المفيد في الجمل : ٢٥٢ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٨٦ ٤٨٧ ، سنة ٣٦ .

 ( ٣ ) مروج الذهب ٢ : ٣٦٨ ٣٦٩ .

جعله ثعلبا أو ضبا ١ .

قلت : فيه أوّلا : أنّ الجحر لم يأت للثعلب بل للضب و الحيّة ، و إنّما يأتي للثعلب كالأرنب المكو كما صرح به الثعالبي في ( فقه لغته ) ٢ .

و قال الشاعر :

و لا ترى الضب بها ينجحر

و في كلامه عليه السّلام : أو انجحر انجحار الضبة في جحرها ٣ و ثانيا : من أين أنّه كناية غض و ليس من قبيل قولهم : « دخلوا في مجاحرهم » أي : في مكامنهم ، و يشهد له كونه في سياق ( ارفع ذيلك و اشدد مئزرك ) ، فيكون الكل في معنى الأمر بالجد في الأمر و إنّ بعده .

« فاندب » أي : إلى حرب أهل البصرة .

« من معك » أي : من أهل الكوفة .

« فان تحققت » هكذا في ( المصرية ) ٤ ، و الصواب : ( فان حققت ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) ٥ .

« فانفذ » أي : إذا تبيّن لك ان حرب الناكثين حق فأجر الندب إليهم .

« و إن تفشلت » أي : خفت و جبنت من أن يكون حقّا .

« فابعد » من امرنا و عملنا .

« و ايم اللّه لتؤتين من حيث » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ٦ ، و لكن

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٧ .

 ( ٢ ) فقه اللغة للثعالبي : ٤٣٦ المكتبة التجارية ، مصر ، ١٩٣٨ م . و في نسخة ( كموء ) بدل ( مكو ) و هو قلب مكاني .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ١ : ١١٣ ، الخطبة ٦٩ .

 ( ٤ ) في نهج البلاغة ٣ : ١٣٣ : فإن حقّقت .

 ( ٥ ) في شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ : فإن تحقّقت ، و في شرح ابن ميثم ٥ : ٢٠٤ : فان حقّقت.

 ( ٦ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٣ ، شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ .

في ( ابن ميثم ) : ( حيث ) ١ .

« أنت و لا تترك حتّى يخلط زبدك » و الزبد : خلاصة اللبن التي تحصل مخضه .

« بخاثرك » و الخاثر : بقيّة اللبن الدون ، في ( الصحاح ) في المثل : « اخلط الخاثر بالزباد » و زباد اللبن بالضم و التشديد ما لا خير فيه ٢ .

و هو كما ترى فإنّ الظاهر أنّ الزباد بمعنى الزبد و أنّه أحسن اللبن ،

و الخاثر أدونه .

« و ذائبك بجامدك » في ( الصحاح ) : في المثل : « ما يدري أيخثر أم يذيب » ٣ .

« و حتّى تعجل عن » و في ( المصرية ) : ( في ) ٤ غلط .

« قعدتك » اي : لا تمهل حتّى تقعد ، فبعث عليه السّلام إليه الأشتر و كان على المنبر فلم يمهله يتم كلامه .

ففي الطبري : إنّ الأشتر استأذن عليا عليه السّلام في إتيان الكوفة بعد الحسن عليه السّلام و عمّار ، فأذن له فأقبل حتّى دخل الكوفة ، و قد اجتمع النّاس في المسجد الأعظم ، فجعل لا يمر بقبيلة يرى فيها جماعة في مجلس أو مسجد إلاّ دعاهم و يقول : اتبعوني إلى القصر ، فانتهى إلى القصر في جماعة من النّاس فاقتحم القصر و أبو موسى قائم في المسجد يخطب النّاس و يثبطهم إلى أن قال قال أبو مريم الثقفي : و اللّه إنّي لفي المسجد و عمّار يخاطب النّاس إذ خرج علينا غلمان أبي موسى يشتدون ينادون يا أبا موسى هذا الأشتر دخل القصر و ضربنا و أخرجنا فنزل أبو موسى فدخل القصر و صاح به الأشتر : اخرج

ــــــــــــ

 ( ١ ) في شرح ابن ميثم ٥ : ٢٠٤ : « من حيث » أيضا .

 ( ٢ ) الصحاح ٢ : ٤٨٠ ، مادة : ( زبد ) .

 ( ٣ ) الصحاح ١ : ١٢٩ ، مادة : ( ذوب ) .

 ( ٤ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٣ .

من قصرنا ، أخرج اللّه نفسك ، فو اللّه إنّك لمن المنافقين قديما و دخل النّاس ينتهبون متاع أبي موسى ، فمنعهم الأشتر و قال : إنّي قد أخرجته فكفّ النّاس عنه ١ .

« و تحذّر من أمامك كحذرك من خلفك » و هو كناية عن كمال توجّه أسباب الخطر ، فإنّ الإنسان غالبا يحذر من خلفه الذي لا يراه ، لا من أمامه الذي نصب عينيه .

ثمّ الظاهر كونه إشارة إلى أنّه إن أدام برأيه في الخذلان عنه ، لم ينحصر خوفه بمن يأتيه من عنده ، بل يحصل له الخوف من بلد هو فيه ، فقد عرفت أنّه لمّا جاءه الأشتر و هدّده نهب النّاس متاعه .

« و ما هي » أي : خصلته التي تخلق بها من خذلان النّاس عنه عليه السّلام .

« بالهوينا » تصغير الهون ، و من الغريب عدم تعرّض كتب اللغة حتّى ( القاموس ) له.

« الّتي ترجو » رجا أبو موسى لما هوّن عمر أمره عليه السّلام بتفويض الأمر إلى بني اميّة بنصب عثمان أن يكون أمره عليه السّلام هيّنا حتّى يقدر هو على مخالفته عليه السّلام.

« و لكنّها الداهية الكبرى » أي : أمر عظيم و شدّة شديدة .

« يركب جملها » فيهزم الناكثين و أهل الجمل .

« و يذلّ صعبها و يسهل جبلها » في القاسطين ، فيقتل عليه السّلام منهم حتّى أرادوا الفرار .

هذا و قال ابن أبي الحديد : معنى قوله عليه السّلام : « و ايم اللّه لتؤتين من حيث أنت » إن أقمت على تثبيط أهل الكوفة ، ليأتينكم و أنتم في منازلكم أهل البصرة

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٨٦ ٤٨٧ ، سنة ٣٦ .

مع طلحة ، و نأتينّكم نحن بأهل المدينة فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم و خلفكم .

قال : و معنى قوله عليه السّلام : « و تحذّر من أمامك كحذرك من خلفك » إن أقمت على منع النّاس عن الحرب معنا و معهم ، يأتيك أهل البصرة و أهل المدينة فتكون كما قال تعالى : إذ جاؤكم من فوقكم و من أسفل منكم . . . ١ .

قال : و معنى قوله عليه السّلام : « يركب جملها و يذل صعبها و يسهل جبلها » لا تقل إنّ هذا أي قصد الجيوش من الجانبين الكوفة أمر صعب فإنّه إن دام الأمر على ما أشرت إلى أهل الكوفة من التخاذل ، ليرتكبن أهل المدينة و أهل البصرة هذا المستصعب فنطلب نحن و أهل البصرة ان نملك الكوفة فيجتمع عليها الفريقان ٢ .

قلت : و كلامه كما ترى بمراحل فأي وجه لأن يوعد عليه السّلام أهل الكوفة فلم يكونوا كأهل البصرة منابذين له عليه السّلام ؟ و إنّما كان أبو موسى شخصه منابذا له عليه السّلام ، و لم يكن سلطان الكوفة حتّى يحتاج إلى جمع جيشه عليه السّلام و جيش طلحة و الزبير عليه ، فقد عرفت أنّه عليه السّلام لمّا بعث الأشتر وحده إليه فر ، و إمارته إنّما كانت من قبله عليه السّلام بطلب الأشتر أوّلا ذلك منه ، و بعزله كان يصير نفرا من عرض النّاس ، و من ولاّه بدله كان يقدر على عقوبته كل العقوبة .

فمرّ رواية أبي مخنف في بعثه عليه السّلام ابن عبّاس و محمّد بن أبي بكر إليه و كتابه عليه السّلام إليه : فإذا ظهرا عليك قطعاك اربا ٣ .

و مرّ رواية الطبري في بعثه عليه السّلام قرظة إليه ، و كتابه إليه : فإذا نابذته

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأحزاب : ١٠ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٧ ٢٤٨ .

 ( ٣ ) نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٤ : ٩ ١٠ .

فظفر أمرته أن يقطّعك آرابا ١ .

مع أنّ أبا موسى انّما كان يثبّط النّاس عنه عليه السّلام ، لأنّه كان يعلم أنّه عليه السّلام لا يستعمل مثله منافقا ، و أما طلحة و الزبير فإن كانا غلبا لم يخش منهما عدم توليته لكونهم جميعا على رأي واحد ، و إنّما أمر أهل الكوفة بملازمة بيوتهم لأنّه لم يتوقع منهم مساعدة طلحة و الزبير ، فإنّ ميلهم كان معه عليه السّلام لا معهما ،

و كان يقول لأهل الكوفة كما روى أبو مخنف : أنّ عليّا إنّما يستنفركم لجهاد امّكم عايشة و طلحة و الزبير حواري النّبيّ . و كان يقول لأهل الكوفة كما روى الواقدي : إنّ عايشة كتبت إليّ أن اكفني من قبلك ، و هذا عليّ قادم إليكم يريد أن يسفك بكم دماء المسلمين ٢ . و بالجملة تفسيره في غاية السقوط .

« فاعقل عقلك » أي : احبس عقلك عن الخطأ .

« و املك أمرك » بأن لا تتبع هواك .

« و خذ نصيبك و حظّك » أي : من أمري .

« فإن كرهت » أمري .

« فتنحّ » أي : ابعد .

« إلى غير رحب » أي : سعة .

« و لا في نجاة » من بأس اللّه .

« فبالحري » أي : فبالجدير .

« لتكفين و أنت نائم حتّى لا يقال أين فلان » أي : يأخذ البيعة من أهل الكوفة رجال كثيرون ، و لا يحتاج ذلك إليك حتّى يسأل عنك و لا أثر لوجودك .

« و اللّه إنّه لحق مع محق » قال ابن أبي الحديد : إشارة إلى قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٠٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٢٥٧ .

فيه عليه السّلام اللهمّ أدر الحق معه حيثما دار ١ .

قلت : و روى أبو مخنف : إنّ رجلا قام إليه عليه السّلام فقال : أي : فتنة أعظم من هذه ؟ إنّ البدرية تمشي بعضها إلى بعض بالسيف فقال عليه السّلام : ويحك أتكون فتنة أنا أميرها و قائدها ، و الذي بعث محمّدا بالحق و كرّم وجهه ما كذبت و لا كذبت ، و لا ظللت و لا ضلّ بي ، و لا زللت و لا زلّ بي ، و إنّي لعلى بيّنة من ربي بيّنها اللّه لرسوله و بيّنها رسوله لي ٢ .

و روى ابن ديزيل عن يحيى بن سليمان ، عن يحيى بن عبد الملك ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن محمّد بن فضيل ، عن الأعمش عن أبي سعيد الخدري قال : كنّا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فانقطع شسع نعله فألقاها إلى عليّ عليه السّلام يصلحها ثم قال : إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . فقال أبو بكر :

أنا هو ؟ قال : لا فقال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، و لكنّه خاصف النعل و يد عليّ عليه السّلام على نعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصلحها . قال أبو سعيد : فأتيت عليّا عليه السّلام فبشّرته بذلك ، فلم يحفل به كأنّه شي‏ء كان علمه من قبل ٣ .

و روى محمّد بن يعقوب عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عليه السّلام :

أنّ رجلا سأل أباه عن حروب جدّه عليّ عليه السّلام فقال له : بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بخمسة أسياف ثلاثة منها شاهرة و سيف مكفوف إلى أن قال و أمّا السيف المكفوف فسيف على أهل البغي و التأويل ، قال تعالى : و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا إلى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه . . . ٤ . فلمّا نزلت هذه الآية قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل ، كما

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٩ .

 ( ٢ ) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ : ٢٦٥ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠٧ .

 ( ٤ ) الحجرات : ٩ .

قاتلت على التنزيل ، فسئل من هو ؟ قال : خاصف النعل و كان عليّ عليه السّلام يخصف نعله . . . ١ .

و روى ابن ديزيل عن يحيى بن سليمان عن أبي فضيل عن إبراهيم الهجري عن أبي صادق قال : قدم علينا أبو أيوب الأنصاري العراق ، فأهدت له الأزد جزرا بعثوها معي ، فدخلت عليه و قلت له : يا أبا أيّوب قد كرّمك اللّه بصحبة نبيّه و نزوله عليك ، فمالي أراك تستقبل النّاس بسيفك تقاتل هؤلاء مرّة و هؤلاء مرّة ؟ فقال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ عليه السّلام الناكثين فقد قاتلناهم و عهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم يعني معاوية و أصحابه و عهد إلينا نقاتل معه المارقين و لم أرهم بعد ٢ .

« و ما أبالي » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و الصواب : ( و ما يبالي ) بالياء ،

و الفاعل ضمير ( محق ) ، كما يشهد له ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) ٤ .

« ما صنع الملحدون » كأبي موسى و من تخلّف عنه ، و مر قول الأشتر لأبي موسى : فو اللّه إنّك لمن المنافقين قديما .

و في ( الاستيعاب ) : و لم يزل أبو موسى واجدا على عليّ عليه السّلام بعد عزله عن الكوفة حتّى جاء منه ما قال حذيفة ، فقد روى فيه حذيفة كلاما كرهت ذكره ٥ .

و نقل ذلك ابن أبي الحديد عن ( الاستيعاب ) في موضع آخر من الكتاب .

و قال : مراده بكلام حذيفة الذي كره ذكره ، أنّ أبا موسى ذكر عند حذيفة

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكافي ٥ : ١٠ ١٢ ، و النقل بتصرّف و تلخيص .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠٧ .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٤ .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ ، شرح ابن ميثم ٥ : ٢٠٦ .

 ( ٥ ) الاستيعاب بهامش الإصابة ٢ : ٣٧٢ .

بالدين فقال : أمّا أنتم فتقولون ذلك ، و أمّا أنا فأشهد أنّه عدوّ للّه و لرسوله و حرب لهما في الحياة الدّنيا و يوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم و لهم سوء الدار ، و كان حذيفة عارفا بالمنافقين أسرّ إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرهم و أعلمه أسماءهم ١.

و قال أيضا : و روي أنّ عمّارا سئل عن أبي موسى ، فقال : لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما يقول : « هو صاحب البرنس الأسود » ثم كلح منه كلوحا علمت منه انّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط ٢ .

و روى الطبريّ في ( ذيله ) : أنّ أبا موسى لقي أبا ذرّ فجعل يلزمه ، و يقول له أبو ذرّ : إليك عنّي . و يقول له أبو موسى : مرحبا بأخي . و يقول له أبو ذرّ :

لست بأخيك ٣ .

و روى ( أمالي المفيد ) : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : تفترق امّتي ثلاث فرق إلى أن قال و فرقة مدهدهة على ملّة السامري لا يقول لا مساس و لكنّهم يقولون : لا قتال ، إمامهم أبو موسى ٤ .

و مرّ قوله عليه السّلام في سابقه في أبي موسى لمّا صار حكما : و إنّما عهدكم بأبي موسى بالأمس يقول : إنّها فتنة ، فإن كان صادقا فقد أخطأ بمسيره غير مستكره ، و إن كان كاذبا فقد لزمته التهمة .

و مر خبر سويد بن غفلة أنّ أبا موسى قال أيّام عثمان : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّ بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتّى بعثوا حكمين ضالّين ضلاّ و أضلاّ من اتّبعهما و لا ينفك أمر امتي حتّى يبعثوا حكمين يضلاّن

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٣ : ٣١٤ ٣١٥ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ١٣ : ٣١٥ .

 ( ٣ ) ذيل تاريخ الطبري ١١ : ٥٣٣ .

 ( ٤ ) الأمالي للمفيد : ٣٠ .

و يضلاّن من تبعهما فقال له سويد : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما .

فخلع قميصه و قال : أبرأ إلى اللّه من ذلك كما من قميصي هذا . . . ١ .

و كان عليه السّلام يقنت عليه في صلاته ، كما يقنت على معاوية و عمرو بن العاص ، و يقول : اللهمّ العن معاوية أوّلا ، و عمرا ثانيا ، و أبا الأعور ثالثا ، و أبا موسى رابعا ٢ .

و كطلحة و الزبير و غيرهما من المخالفين له عليه السّلام . روى الحميري في ( قرب إسناده ) عن محمّد بن عبد الحميد و عبد الصمد بن محمّد بن حنان بن سدير عن الصادق عليه السّلام قال : دخل عليّ اناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة و الزبير فقلت لهم: كانا من أئمّة الكفر ، إنّ عليّا عليه السّلام يوم البصرة لمّا صفّت الخيل قال لأصحابه : لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر في ما بيني و بين اللّه تعالى ، فقام إليهم فقال : يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جورا في حكم ؟

قالوا : لا ، قال : فحيفا في قسم ؟ قالوا : لا ، قال : فرغبة في دنيا أخذتها لي و لأهل بيتي دونكم فنقمتم عليّ ؟ قالوا : لا ، قال : فأقمت فيكم الحدود و عطّلتها عن غيركم ؟ قالوا : لا ، قال : فما لبيعتي تنكث و بيعة غيري لا تنكث ؟ إنّي ضربت الأمر أنفه و عينه، فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف ، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه :

و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون ٣ ، و الذي فلق الحبة و برأ النسمة و اصطفى محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالنبوّة إنّهم لأصحاب هذه الآية و ما قوتلوا منذ نزلت ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٣ : ٣١٥ .

 ( ٢ ) نقله العلاّمة المجلسي في البحار ، ط الكمباني ٨ : ٥٦٥ ٥٦٦ .

 ( ٣ ) التوبة : ١٢ .

 ( ٤ ) قرب الإسناد : ٩٦ ٩٧ ح ٣٢٧ ، تفسير العياشي ٢ : ٧٧ .

« و السلام » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ١ ، و ليس في ( ابن ميثم ) ٢ .

٩

الخطبة ( ١٧٠ ) و من كلام له عليه السّلام كلّم به بعض العرب ، و قد أرسله قوم من أهل البصرة ، لما قرب عليه السلام منها ، ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم ، فبيّن له عليه السّلام من أمره معهم ما علم به أنّه على الحقّ ، ثمّ قال له : بايع ، فقال : إنّي رسول قوم ،

و لا احدث حدثا حتى أرجع إليهم . فقال عليه السّلام :

أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ اَلَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ اَلْغَيْثِ فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ اَلْكَلَإِ وَ اَلْمَاءِ فَخَالَفُوا إِلَى اَلْمَعَاطِشِ وَ اَلْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى اَلْكَلَإِ وَ اَلْمَاءِ فَقَالَ ع فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ فَقَالَ اَلرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ اَلْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ ع وَ اَلرَّجُلُ يُعْرَفُ ؟ بِكُلَيْبٍ اَلْجَرْمِيِّ ؟ أقول : الأصل فيه رواية الطبريّ و رواية الواقدي ففي الأوّل : أخرج زياد بن أيّوب إليّ كتابا فيه أحاديث عن شيوخ منها : حدّثنا مصعب بن سلام التميميّ ، عن محمّد بن سوقة ، عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال :

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٣ : ١٣٤ ، شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ٢٤٦ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٢٠٤ .

رأيت فيما يرى النّائم أنّ رجلا يلي امور النّاس مريضا على فراشه و عند رأسه امرأة ، و النّاس يريدونه و يبهشون إليه ، فلو نهتهم المرأة لانتهوا ، و لكنّها لم تفعل فأخذوه فقتلوه ، فكنت أقص رؤياي على النّاس في السفر و الحضر فيعجبون و لا يدرون ما تأويلها ، فلمّا قتل عثمان و أتانا الخبر و نحن راجعون من غزاتنا ، فقال أصحابنا : رؤياك يا كليب . فانتهينا إلى البصرة فلم نلبث إلاّ قليلا حتّى قيل هذا طلحة و الزبير معهما امّ المؤمنين فراع النّاس و تعجبوا ، فإذا هم يزعمون للناس أنّهم خرجوا غضبا لعثمان و توبة مما صنعوا من خذلانه .

و إنّ امّ المؤمنين تقول : غضبنا لكم على عثمان في ثلاث : امارة الفتى و موقع الغمامة و ضربة السوط و العصا ، فما أنصفنا إن لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها إليه حرمة الشهر و البلد و الدم .

فقال النّاس : أفلم تبايعوا عليّا و تدخلوا في أمره ؟ فقالوا : دخلنا و اللج على أعناقنا إذ قيل هذا عليّ عليه السّلام قد أظلّكم فقال قومنا لي و لرجلين معي :

انطلقوا حتّى تأتوا عليّا عليه السّلام و أصحابه فسلوهم عن هذا الأمر الذي قد اختلط علينا . فخرجنا حتّى إذا دنونا من العسكر طلع علينا رجل جميل على بغلة ،

فقلت لصاحبيّ : أرأيتم المرأة التي كنت احدثكم عنها ؟ إنّها كانت عند رأس الوالي ، فإنّها أشبه النّاس بهذا . ففطن أنّا نخوض فيه ، فلمّا انتهى قال : قفوا ما الذي قلتم حين رأيتموني ؟ فأبينا عليه ، و قال : و اللّه لا تبرحون حتّى تخبروني .

فدخلتنا منه هيبة ، فأخبرناه فجاوزنا و هو يقول : و اللّه رأيت عجبا . فقلنا لأدنى أهل العسكر إلينا : من هذا ؟ فقال : محمّد بن أبي بكر . فعرفنا أنّ تلك المرأة عايشة ، فازددنا لأمرها كراهية و انتهينا إلى عليّ عليه السّلام فسلّمنا عليه ثم سألناه عن هذا الأمر ، فقال : عدا النّاس على هذا الرجل و أنا معتزل فقتلوه ، ثم ولّوني و أنا كاره ، و لو لا خشية على الدين لم أجبهم ، ثمّ طفق هذان في النكث فأخذت

عليهما و أخذت عهودهما عند ذلك و أذنت لهما في العمرة ، فقدما على امّهما فرضيا لهما ما رغبا لنسائهما عنه ، و عرضاها لما لا يحل و لا يصلح ، فاتبعتهما لكيلا يفتقوا في الإسلام فتقا و لا يفرّقوا جماعة . فصاح بنا أصحاب عليّ عليه السّلام :

« بايعوا بايعوا » فبايع صاحباي ، و أمّا أنا فأمسكت و قلت : بعثني قومي لأمر و لا احدث شيئا حتّى أرجع إليهم . فقال عليّ عليه السّلام : فإن لم يفعلوا ؟ فقلت : لم أفعل ، فقال : أرأيت لو أنّهم بعثوك رائدا فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلأ و الماء فمالوا إلى المعاطش و الجدوبة ما كنت صانعا ؟ قلت : كنت تاركهم و مخالفهم إلى الكلأ و الماء قال : « فمدّ يدك » ، فو اللّه ما استطعت أن امتنع فبسطت يدي فبايعت . و كان يقول : عليّ عليه السّلام من أدهى العرب ١ .

و في الثاني كما في ( جمل المفيد ) شيبان بن عبد الرحمن عن عاصم بن كليب عن أبيه قال : لمّا قتل عثمان ما لبثنا إلاّ قليلا ، حتّى قدم طلحة و الزبير البصرة ، ثم ما لبثنا إلاّ يسيرا حتّى أقبل عليّ عليه السّلام بذي قار ، فقال شيخان من الحي : اذهب بنا إلى هذا الرجل ننظر ما يدعو إليه ، فلمّا أتينا بذي قار قدمنا إلى أذكى العرب فو اللّه لدخل علي نسب قومي فجعلت أقول : هو أعلم به منّي و أطوع فيهم ، إلى أن قال : فقال : أفلا تبايعوني ؟ فبايعه الشيخان اللذان كانا معي و توقفت عن بيعته ، فجعل رجال عنده قد أكل السجود وجوههم يقولون :

بايع بايع .

فقال عليه السّلام : دعوا الرجل . فقلت : إنّما بعثني قومي رائدا و سأنهي إليهم ما رأيت ، فإن بايعوا بايعت . فقال : أرأيت لو أنّ قومك بعثوك رائدا فرأيت روضة و غديرا فقلت يا قومي النجعة النجعة فأبوا ما كنت بمستنجع بنفسك ، فأخذت بإصبع من أصابعه ، فقلت : ابايع على أن اطيعك ما أطعت اللّه ، فإذا عصيته فلا

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٩٠ ٤٩١ ، سنة ٣٦ .

طاعة لك عليّ ، فقال : نعم . و طوّل صوته . . . ١ .

قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام كلّم به بعض العرب » هو كليب بن شهاب الجرمي .

« و قد أرسله قوم من أهل البصرة » قد عرفت من رواية الطبري أنّ أولئك القوم قومه ( جرم ) .

« لمّا قرب عليه السّلام منها » قد عرفت من رواية الواقدي أنّه عليه السّلام كان نزل ذاقار .

« ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل » لأنّهم كانوا قالوا لهم :

خرجنا غضبا لعثمان و كانت بيعتنا لعليّ مكرها .

« لتزول الشبهة من نفوسهم فبيّن له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ٢ ، و هو و إن كان صحيحا ، إلاّ أنّ الأوضح أن يقال : « فبيّن عليه السّلام له » كما لا يخفى .

« من أمره معهم ما علم به أنّه على الحق » و هو أنّه عليه السّلام كان معتزلا عن أمر عثمان ، و لم يجبر أحدا على البيعة ، و إنّما أكرهه النّاس على قبوله البيعة .

« ثم قال له بايع » قد عرفت من رواية الطبري أنّ أصحابه عليه السّلام بعد مشاهدة إتمام الحجّة عليه قالوا له و لصاحبيه : بايعوا .

« فقال إنّي رسول قوم و لا احدث حدثا حتّى أرجع إليهم » قد عرفت من رواية الطبري : أنّه عليه السّلام قال له : فإن لم يفعلوا ؟ فأجاب : إنّي أيضا لا أفعل .

فرد عليه السّلام عليه بالعنوان .

« فقال عليه السّلام » هو تأكيد و إلاّ فهو زائد بعد قوله : ( و من كلام له عليه السّلام ) .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٢٩٠ ٢٩٢ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ١٠٠ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٢٩٩ .

ثم إنّ ما نقلنا من قول المصنّف هو في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ١ ،

و أمّا ( ابن ميثم ) فبدّله بقوله : ( و من كلام له عليه السّلام ) لمّا قال لكليب الجرمي قبل وقعة الجمل : بايع . فقال : إنّي رسول قوم و لا احدث حدثا دونهم حتّى أرجع إليهم فقال ٢ ، و نسخة ( ابن ميثم ) بخط المصنّف ، فمن المحتمل ان المصنّف استنسخه ثانيا فزاد و نقص و غيّر فطول و اختصر .

قوله عليه السّلام « أ رأيت » في ( الصحاح ) : قد يحذف همز رأيت قال : صاح هل ريت أو سمعت براع ردّ في الضرع ما فرى في الحلاب ٣ .

« لو أنّ الذين من ورائك » و هم قومه جرم .

« بعثوك رائدا » في ( الصحاح ) : الرائد الذي يرسل في طلب الكلاء ( راد الكلاء يروده رودا و ريادا و ارتاده ارتيادا ) بمعنى ، أي : طلبه ٤ .

« تبتغي » أي : تطلب .

« لهم مساقط الغيث » مواضع نزول المطر فاخضرت و حصل كلاء .

« فرجعت إليهم و أخبرتهم عن الكلاء » أي : العشب .

« و الماء فخالفوا » من الكلاء و الماء .

« إلى المعاطش » مواضع العطش التي لا ماء فيها .

« و المجاذب » أي : محال المحل و القحط .

« ما كنت صانعا » توافقهم أو تخالفهم .

« قال كنت تاركهم و مخالفهم إلى الكلاء و الماء » فان كل عاقل يفعل ذلك .

« فقال عليه السّلام فامدد إذن يدك » يعني كما يحكم العقل ثمة بوجوب مخالفتهم

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٢ : ١٠٠ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٢٩٩ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٢٦ .

 ( ٣ ) الصحاح ٦ : ٢٣٤٨ ، مادة : ( رأى ) و البيت لإسماعيل بن بشّار .

 ( ٤ ) المصدر نفسه ٢ : ٤٧٨ ، مادة : ( رود ) .

كذلك هنا بل هنا أولى ، لأن ثمة يحصل إلاّ من الهلكة موقتا و هنا أبدا .

ثم ( إذن يدك ) في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ١ ، و لكن في ( ابن ميثم ) :

( يدك إذن ) ٢ .

« فقال الرجل : فو اللّه ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عليّ فبايعته » و نظير بعث جرم رجلا منهم إليه عليه السّلام فرآه على الحق فأقرّ به عليه السّلام ، بعث طلحة و الزبير و بعث عايشة رجلا فاهتدى به .

روى الكافي في ( باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ و المبطل في أمر الإمامة ) : أنّ طلحة و الزبير بعثا رجلا من عبد القيس يقال له ( خداش ) إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، و قالا له : إنّا نبعثك إلى رجل طال ما نعرفه و أهل بيته بالسحر و الكهانة ، و أنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا أن تحاجّه لنا ، و اعلم أنّه أعظم النّاس دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه و من الأبواب التي يخدع بها النّاس الطعام و الشراب و العسل و الدهن ، فلا تأكل له طعاما و لا تشرب له شرابا ، و لا تمس له عسلا و لا دهنا و لا تخل معه . و احذر هذا كلّه منه فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة ،

و تعوّذ باللّه من كيده و كيد الشيطان ، فإذا جلست إليه فلا تمكّنه من بصرك كلّه و لا تستأنس به . ثم قل له : إنّ أخويك في الدين و ابني عمّك في القرابة يناشدانك القطيعة ، و يقولان لك : أما تعلم انّا تركنا النّاس لك و خالفنا عشائرنا فيك منذ قبض اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله ، فلمّا نلت أدنى مناك ، ضيّعت حرمتنا و قطعت رجاءنا ، ثم قد رأيت أفعالنا فيك و قدرتنا على النّاس ، و إنّ من كان يصرفك عنّا و عن صلتنا كان أقل نفعا لك و أضعف دفعا منا ، و قد وضح الصبح لذي عينين و قد بلغنا انتهاك منك لنا و دعاء علينا ، فما الذي يحملك على ذلك ؟ فقد كنّا نرى

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٢ : ١٠١ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٢٩٩ .

 ( ٢ ) في شرح ابن ميثم ٣ : ٣٢٦ : إذا يدك أيضا .

أنّك أشجع فرسان العرب ، أتتخذ اللعن دينا و ترى أنّ ذلك يكسرنا عنك ؟ . فلما أتى خداش إليه عليه السّلام صنع ما أمراه به ، فلمّا نظر عليه السّلام إليه و هو يناجي نفسه ضحك ، و أشار له إلى مجلس قريب منه : ادن هاهنا . فقال : ما أوسع المكان ،

اريد أن اؤدي إليك رسالة . فقال عليه السّلام له : بل تطعم و تشرب و تحل ثيابك و تدهن ثم تؤدي رسالتك . قم يا قنبر فأنزله .

قال : مالي إلى شي‏ء ممّا ذكرت حاجة .

قال : فأخلو بك .

قال : كل سر لي علانية .

فقال عليه السّلام له : هل علماك كلاما تقوله إذا أتيتني ؟ قال : اللهمّ نعم . قال عليه السّلام :

آية السخرة ؟ قال : نعم . قال : فاقرأها . و جعل عليه السّلام يكرّرها و يردّدها و يصحّح عليه إذا أخطأ ، حتّى قرأها سبعين مرّة . فقال الرجل : ما يرى أمير المؤمنين يرددها سبعين مرّة . قال : أتجد قلبك اطمأن ؟ قال : أي و الذي نفسي بيده . قال :

فما قالا لك ؟ فأخبره و قال : قل لهما كفى بنطقكما حجّة عليكما ، و لكن اللّه لا يهدي القوم الظالمين ، زعمتم أنّكم أخواي في الدين و أبناء عمّي في النسب ، أمّا النسب فلا انكره و إن كان النسب مقطوعا ، إلاّ ما وصله اللّه ، و أمّا قولكما إنّكما أخواي في الدين ، فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب اللّه و عصيتما أمره ،

بأفعالكما في أخيكما في الدين ، و إلاّ فقد كذبتما و افتريتما بادعائكما أنّكما أخواي في الدين . و أما مفارقتكما النّاس منذ قبض اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله ، فإن كنتما فارقتما النّاس بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إيّاي أخيرا ، و إن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما ، مع أنّ صفتكما بمفارقتكما النّاس لم يكن إلاّ لطمع الدّنيا ، زعمتما و ذلك قولكما فقطعت رجاءنا و أنتما لا تعيبان بحمد اللّه من ديني شيئا ، و أمّا الذي صرفني

عن صلتكما فالذي صرفكما عن الحق و حملكما على خلعه من رقابكما ، كخلع الحرون لجامه هو اللّه ربي لا اشرك به شيئا فلا تقولا أقل نفعا و أضعف دفعا ،

فتستحقا اسم الشرك مع النفاق .

و أما قولكما إنّي اشجّع فرسان العرب و هربكما من لعني و دعائي ، فإن لكل موقف عملا ، فاذا اختلفت الأسنة و ماجت لبود الخيل و ملأ سحراكما أجوافكما فثم يكفيني اللّه بكمال القلب .

و أما إذ أبيتما بأنّي أدعو اللّه فلا تجرعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما ، اللهم اقعص الزبير بشرّ قتلة و اسفك دمه على ضلاله ، و عرف طلحة المذلّة ، و ادخر لهما في الآخرة شرّا من ذلك إن كانا ظلماني و افتريا عليّ و كتما شهادتهما و عصياك و عصيا رسولك فيّ قل آمين قال خداش : آمين .

ثم قال خداش لنفسه : و اللّه ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك ، حامل حجّة ينقض بعضها بعضا لم يجعل اللّه لهما مساكا ، أنا بري‏ء إلى اللّه منهما و قال عليه السّلام له : ارجع إليهما و أعلمهما ما قلت . قال : لا و اللّه حتّى تسأل اللّه أن يردّني إليك عاجلا ، و أن يوفقني لرضاه فيك . ففعل فلم يلبث أن انصرف و قتل معه عليه السّلام يوم الجمل ١ .

و روى ( بصائر الصفار ) في ( باب أنّهم عليهم السّلام يخبرون شيعتهم بأفعالهم و أفعال غيرهم و هم غيب ) : أنّ عايشة قالت : التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل ، حتّى أبعثه إليه . فأتيت به ، فمثل بين يديها ، فرفعت إليه رأسها فقالت له : ما بلغت من عداوتك لهذا الرجل ؟

فقال : كثيرا ما أتمنى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطي فضربته

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكافي ١ : ٣٤٣ ٣٤٥ بتصرّف و تلخيص من الشارح .

ضربة بالسيف يسبق السيف الدم . قالت : فأنت له اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ، ظاعنا رأيته أو مقيما ، أما إنّك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بلغة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله متنكبا قوسه ، معلقا كنانته على قربوس سرجه و أصحابه خلفه كأنّهم طير صواف فتعطيه كتابي هذا ، و إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر.

قال : فاستقبلت عليّا عليه السّلام فناولته الكتاب ، ففضّ خاتمه ثم قرأه فقال : تبلغ إلى منازلنا فتصيب من طعامنا و شرابنا ، فنكتب جواب كتابك . فقال : هذا ما لا يكون . فسار خلفه و أحدق به أصحابه .

ثم قال له : أسألك ؟ قال : نعم . قال : و تجيبني ؟ قال : نعم . قال : نشدتك اللّه هل قالت عايشة : التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل ؟ فاتي بك ، فقالت لك : ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل ؟ فقلت : كثيرا ما أتمنى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطي ، و أنا ضربته ضربة سبق السيف الدم ؟ قال : اللهمّ نعم .

قال : فنشدتك اللّه أقالت لك : اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنّك إن رأيته على بلغة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، متنكبا قوسه ، معلقا كنانته بقربوس سرجه و أصحابه خلفه كأنّهم طير صواف ؟ قال : اللهم نعم .

قال عليه السّلام : فنشدتك اللّه هل قالت لك : إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولن منه شيئا فإنّ فيه السحر ؟ قال : اللهمّ نعم . قال : فتبلغ أنت عني ؟ فقال :

اللهمّ نعم ، فاني قد أتيتك و ما في الأرض خلق أبغض إليّ منك ، و أنا الساعة ما في الأرض خلق أحبّ إليّ منك ، فمرني بما شئت .

قال عليه السّلام : ارجع إليها بكتابي هذا ، و قل لها : ما أطعت اللّه حيث أمرك بلزوم بيتك فخرجت ترددين في العسكر .

و قل لهما : ما أنصفتما اللّه و رسوله حيث خلفتم حلائلكم في بيوتكم

و أخرجتم حليلة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجاء بكتابه فطرحه إليها و أبلغها مقالته ، ثم رجع إليه فاصيب بصفّين ، فقالت : ما نبعث إليه بأحد إلاّ أفسده علينا ١ .

قول المصنّف :

« و الرجل يعرف بكليب الجرمي » .

هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ٢ ، و ليس في ( ابن ميثم ) ٣ ، و كيف كان فكليب الجرمي عنونه ( الاستيعاب ) . و روى أنّه قال : خرجت مع أبي إلى جنازة شهدها النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنا غلام أفهم و أعقل ، فقال صلّى اللّه عليه و آله : إنّ اللّه تعالى يحب من العاقل إذا عمل عملا أن يحسن ٤ .

قلت : الأصل في خبره كما روى ( الكافي ) : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله رأى في قبر عثمان بن مظعون خللا فقال ذلك .

و الرجل و إن كان قال أنا في حال كوني غلاما أفهم و أعقل ، إلاّ أنّه بعد صيرورته شيخا ما كان يعقل ، فتوهم أنّه يجوز له تقليده قومه في أمر الدين كأمر الدّنيا ، حتّى ضرب عليه السّلام له المثل مع أن مثله فطري و لذا بايع صاحباه .

ثم إنّه بعد ما رأى منه عليه السّلام الآيات لم يعرف أنّه لا محل للشرط معه عليه السّلام، كما عرفته من خبر الواقدي .

هذا و ( جرم ) بالفتح و السكون ينصرف إلى جرم قضاعة ، و إن قالوا : إنّ في بجيلة و عامله وطي أيضا جرم .

ــــــــــــ

 ( ١ ) بصائر الدرجات : ٢٦٣ ٢٦٤ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ١٠١ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٢٩٩ .

 ( ٣ ) و العبارة موجودة في شرح ابن ميثم ٣ : ٣٢٦ أيضا .

 ( ٤ ) الاستيعاب بهامش الإصابة ٣ : ٣١٣ .

١٠

الخطبة ( ١٥٦ ) و من كلام له عليه السّلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم :

فَمَنِ اِسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ عَلَى سَبِيلِ اَلْجَنَّةِ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ وَ أَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ اَلنِّسَاءِ وَ ضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ اَلْقَيْنِ وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَ لَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا اَلْأُولَى وَ اَلْحِسَابُ عَلَى اَللَّهِ قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام خاطب به » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ١ ، و لكن في ( ابن ميثم ) : ( و من خطبة له عليه السّلام خاطب بها ) ٢ .

« أهل البصرة » بعد فتحها .

« و على جهة اقتصاص الملاحم » جمع الملحمة : الوقعة العظيمة في الفتن ، و يمكن أن يريد عليه السّلام ملاحم عصره من معاوية و أتباعه و ملاحم بعده .

قوله عليه السّلام :

« فمن استطاع عند ذلك » أي : وقوع ملحمة اقتصها عليه السّلام لهم .

« أن يعتقل » أي : يحبس .

« نفسه على اللّه فليفعل » فقد قال تعالى : . . . و من يتق اللّه يجعل له مخرجا ، و يرزقه من حيث لا يحتسب . . . ٣ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٢ : ٦٢ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٨٩ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٢٥٨ .

 ( ٣ ) الطلاق : ٢ ٣ .

« فإن أطعمتوني فإنّي حاملكم إن شاء اللّه على سبيل الجنّة » سبيلها : العمل بالحق ، و معلوم من حاله عليه السّلام أيّام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أيّام المتقدمين عليه و أيّامه التزامه بالعمل بالحق و حمل النّاس عليه .

و قد كان أعداؤه معترفين بذلك ، ففي ( الخلفاء ) : قال عمر يوم الشورى له عليه السّلام و إنّك أحرى القوم ، إن وليتها تقيم على الحق المبين و الصراط المستقيم .

و في ( الطبريّ ) : لمّا بلغ عمرو بن العاص و هو بوادي السباع قتل عثمان ،

قال : و إن يل الأمر بعده ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنظف الحقّ ، و هو أكره من يليه إليّ ١ .

« و إن كان » أي : سبيل الجنّة .

« ذا مشقّة شديدة و مذاقة مريرة » أي : مرّة « لأنّ الجنّة حفّت بالمكاره ، كما أنّ النار حفّت بالشهوات » ٢ ، و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى . فإنّ الجنّة هي المأوى ٣ .

« و أمّا فلانة » هي بنت فلان الذي قال عليه السّلام فيه : « أما و اللّه لقد تقمصها فلان و إنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى » ٤ .

« فأدركها رأي النساء » و في ( ابن أبي الحديد ) ٥ : ضعف رأي النساء .

في ( الخلفاء ) : أنكر عليّ عليه السّلام على طلحة إخراجه بعائشة ، فقال طلحة : إنّها إنّما جاءت للإصلاح . فقال عليّ عليه السّلام : هي لعمر اللّه إلى من يصلح

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٦٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) مأخوذ من نهج البلاغة ٢ : ١١٠ ، الخطبة ١٧٦ .

 ( ٣ ) النازعات : ٤٠ ٤١ .

 ( ٤ ) نهج البلاغة ١ : ٢٥ الخطبة ٣ .

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٩٢ .

لها أمرها أحوج ١ .

و في ( جمل المفيد ) : روى الواقدي عن الحسن البصريّ قال : أقبل أبو بكرة يريد أن يدخل مع طلحة و الزبير في أمرهما ، فلمّا رأى أنّ عايشة تدبرهما رجع عنهما فقيل له : مالك لم تدخل ؟ قال : رأيت امرأة تلي أمرهما ، و قد سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد ذكر ملكة سبأ يقول : « لا أفلح قوم تدبر أمرهم امرأة » فكرهت الدخول معهما ٢ .

و قال ابن أبي الحديد في شرح ( و من كلام له عليه السّلام عند ذكر السائرين إلى البصرة ) : في ( غريب حديث ابن قتيبة ) : في حديث حذيفة ذكر خروج عائشة قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : تقاتل معها مضر مضرها اللّه في النار و أزر عمان سلت اللّه أقدامها ، و إنّ قيسا لا تنفك تبغي دين اللّه شرّا حتى يركبها اللّه بالملائكة فلا يمحو ذنب تلعة .

و هذا الحديث من أعلام نبوّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، لأنّه إخبار عن غيب تلقاه حذيفة قبل الجمل ، و هذا الحديث يؤكد مذهب أصحابنا في فسق أهل الجمل ، إلاّ من ثبت توبته و هم الثلاثة ٣ .

قلت : لو كان قال بثبوت عدم توبتهم كان أقرب إلى الحقّ و الواقع .

و في ( العقد ) : دخلت امّ أو فى العبدية بعد الجمل على عائشة فقالت : يا امّ المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ؟ قالت : وجبت لها النار .

قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا في صعيد واحد . قالت : خذوا بيد عدوّة اللّه . و ماتت عايشة في أيّام معاوية ، و قد قاربت

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ٧٥ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٢٩٧ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢١ ١٢٢ .

السبعين و قيل لها تدفنين مع النّبيّ ، فقالت : إنّي أحدثت بعده حدثا فادفنوني مع إخوتي بالبقيع .

و قد كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لها : يا حميرا كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب ،

تقاتلين عليّا و أنت له ظالمة .

و الحوأب : قرية في طريق المدينة إلى البصرة ، و بعض النّاس يسمّونها الحوب ، و قد زعموا أنّ الحوأب ماء في طريق البصرة ، قال في ذلك بعض الشيعة :

إنّي ادين بحبّ آل محمّد

و بني الوصيّ شهودهم و الغيّب

و أنا البري‏ء من الزبير و طلحة

و من التي نبحت كلاب الحوأب ١

و في ( فصول المرتضى ) المنتخبة من ( محاسن المفيد ) : مرّ فضّال بن الحسن بن فضّال الكوفي بأبي حنيفة و هو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه و حديثه فقال فضّال لصاحب كان معه : و اللّه لا أبرح أو اخجل أبا حنيفة .

فقال صاحبه : إنّ أبا حنيفة ممّن قد علت حاله و ظهرت حجّته . فقال : مه هل رأيت حجّة كافر علت على مؤمن . ثم دنا منه فسلّم عليه و قال له : إنّ لي أخا يقول خير النّاس بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّ ، و أنا أقول : أبو بكر ثم عمر ، فما تقول أنت ؟ فأطرق مليا ، ثمّ رفع رأسه و قال : كفى بمكانهما من النّبيّ كرما و فخرا ،

أما علمت انّهما ضجيعاه في قبره ، فأي حجّة أوضح لك من هذا ؟ فقال فضال:

قد قلت ذلك لأخي ، فقال : و اللّه إن كان الموضع للنّبي صلّى اللّه عليه و آله دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حقّ ، و إن كان الموضع لهما فوهباه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقد أساءا و ما أحسنا إذ رجعا في هبتهما و نكثا عهدهما فأطرق

ــــــــــــ

 ( ١ ) العقد الفريد ٥ : ٧٩ .

أبو حنيفة ساعة . ثم قال : قل له لم يكن لهما و لا له خاصّة ، و لكنّهما نظرا في حق عايشة و حفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما .

فقال له فضال : قد قلت ذلك له ، فقال : أنت تعلم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات عن تسع حشايا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن ، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر ، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟ و بعد فما بال عايشة و حفصة ترثان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و فاطمة ابنته عليها السّلام تمنع الميراث ؟ فقال أبو حنيفة:

يا قوم نحّوه فإنّه رافضيّ خبيث ١ .

قلت : و الغريب « أنّ عمر لمّا طعن بعث إلى عايشة يستأذن منها في دفنه مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ٢ ، فلم لم يستأذن ابنته حفصة كما قال أبو حنيفة ؟ لكنّه أراد أن يجرئها و يعرّفها مالكة للبيت ، حتّى تمنع دفن بني هاشم فيه ، كما منعت من دفن الحسن عليه السّلام فيه .

ففي ( مقاتل أبي الفرج ) : قال يحيى بن الحسن : سمعت عليّ بن طاهر بن زيد يقول لمّا أرادوا دفن الحسن بن عليّ عليه السّلام : ركبت عايشة بغلا و استعونت بني اميّة و مروان و من كان هناك منهم و من حشمهم ، و هو قول القائل :

فيوما على بغل و يوما على جمل ٣

و في ( تاريخ اليعقوبي ) : في دفن الحسن عليه السّلام قيل : أنّ عايشة ركبت بغلة شهباء و قالت : بيتي لا آذن فيه لأحد ، فأتاها القاسم بن محمّد بن أبي بكر فقال لها : يا عمّة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) فصول المرتضى : ٧٤ ، الاحتجاج ٢ : ٣٨٢ .

 ( ٢ ) نقله ابن سعد في الطبقات ٣ : ٣٦٣ .

 ( ٣ ) مقاتل الطالبيين : ٤٩ .

 ( ٤ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٢٢٥ .

و في ( الكافي ) بأسانيد عن أبي جعفر عليه السّلام : لمّا احتضر الحسن عليه السّلام قال لأخيه عليه السّلام : اوصيك بوصيّة فأحفظها ، إذا مت هيئني ثم وجّهني إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأحدث به عهدا ، ثم اصرفني إلى امّي ، ثم ردني فادفنّي بالبقيع،

و اعلم أنّه سيصيبني من الحمراء ما يعلم النّاس من ضغنها و عداوتها للّه و رسوله و عداوتها لنا أهل البيت .

فلمّا قبض الحسن عليه السّلام وضع على سريره ، و انطلقوا به إلى مصلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الذي كان يصلّي فيه على الجنائز ، فصلّوا على الحسن عليه السّلام ، ثمّ حمل فلمّا أوقف على قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بلغ عايشة الخبر ، و قيل لها : إنّهم أقبلوا به ليدفن مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فخرجت مبادرة على بغل بسرج . فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجا ، فوقفت و قالت : نحّوا ابنكم عن بيتي ، فإنّه لا يدفن فيه و لا يهتك على النّبيّ حجابه . فقال لها الحسين عليه السّلام : قديما هتكت أنت و أبوك حجاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و أدخلت بيته من لا يحبّ قربه و إنّ اللّه يسألك عن ذلك ، يا عائشة إنّ أخي أمرني أن اقرّبه من أبيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليحدث به عهدا ،

و اعلمي أنّ أخي أعلم النّاس باللّه و رسوله ، و أعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على النّبيّ سرّه و إنّ اللّه تعالى يقول :

يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلاّ أن يؤذن لكم . . . ١ ، و قد أدخلت أنت بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الرجال بغير إذنه ، و قد قال تعالى : يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ . . . ٢ ، و لعمري لقد ضربت أنت لأبيك و فاروقه عند اذن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المعاول . و قال تعالى : إنّ الذين يغضون

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأحزاب : ٥٣ .

 ( ٢ ) الحجرات : ٢ .

أصواتهم عند رسول اللّه اولئك الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى . . . ١ و لعمري لقد أدخل أبوك و فاروقه على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقربهما منه الأذى و ما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه به على لسان رسوله ان اللّه حرّم من المؤمنين امواتا ، ما حرّم منهم أحياء . و تاللّه يا عايشة لو كان هذا الذي كرهته من دفن الحسن عليه السّلام عند أبيه جائزا فيما بيننا و بين اللّه تعالى ، لعلمت أنّه سيدفن و إن رغم معطسك .

ثم تكلم محمّد بن الحنفية و قال : يا عايشة يوما على بغل و يوما على جمل ، فما تملكين نفسك عداوة لبني هاشم . . . ٢ .

و في ( أمالي الشيخ ) بأسانيد عن ابن عبّاس في وصية الحسن عليه السّلام و دفنه إلى أن قال قال ابن عبّاس : فإذا أنا بعايشة في أربعين راكبا على بغل مرحل تقدمهم و تأمرهم بالقتال ، فلمّا رأتني قالت : إليّ إليّ يا بن عبّاس ، لقد اجترأتم عليّ في الدّنيا تؤذونني مرّة بعد اخرى ، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى و لا احبّ . فقلت : و اسوأتاه يوم على بغل و يوم على جمل ، تريدين أن تطفئي نور اللّه و تقاتلي أولياء اللّه ، و تحولي بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين حبيبه أن يدفن معه ارجعي فقد كفى اللّه المؤونة ، و دفن الحسن إلى جنب امّه ، فلم يزدد من اللّه إلاّ قربا و ما ازددتم منه و اللّه إلاّ بعدا . يا سوأتاه انصرفي فقد رأيت ما سرّك .

فقطبت في وجهي و نادت بأعلى صوتها : ما نسيتم الجمل يا بن عبّاس إنّكم لذووا أحقاد فقلت : أم و اللّه ما نسيه أهل السماء فكيف ينساه أهل الأرض .

فانصرفت و هي تقول :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الحجرات : ٣ .

 ( ٢ ) الكافي ١ : ٣٠٢ ٣٠٣ ، الإرشاد ٢ : ١٧ ١٩ ، شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ٤٩ .

فألقت عصاها و استقرّت بها النوى

كما قرّ عينا بالإياب المسافر ١

و في ( المروج ) : رئي بالبصرة رجل مصطلم الاذن ، فسئل عن قصّته ،

فذكر أنّه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه و يرفعه و هو يقول :

لقد أوردتنا حومة الموت امّنا

فلم تنصرف إلاّ و نحن رواء

أطعنا بني تيم لشقوة جدنا

و ما تيم إلاّ أعبد و إماء

فقلت : سبحان اللّه لو تتشهد بدل ذلك كان خيرا لك . فصاح بي : ادن منّي لقنّي الشهادة . فصرت إليه ، فلمّا قربت منه استدناني ثم التقم اذني فذهب بها ،

فجعلت ألعنه فقال : إذا صرت إلى امك فقالت : من فعل بك هذا ؟ فقل : عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أميرة المؤمنين ٢ .

و إخواننا افتعلوا لامّهم روايات و ما تغني عنها ، و قد تحقّق أنّه نزل في ذمّها آيات . قال بعض الشيعة مشيرا إلى ما ذكرت العامّة لها ، أنّها حفظت أربعين ألف حديث ، و لكن نست قوله تعالى : و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهليّة الاولى . . . ٣ .

حفظت أربعين ألف حديثا

و من الذكر آية تنساها

و من الآيات التي قلنا قوله تعالى : . . . و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن . . . ٤ .

روى الثعلبي كما في ( غبن العترة ) أنّها نزلت في عايشة و حفصة ،

سخرتا من ام سلمة ، و ذلك أنّ ام سلمة ربطت حقويها بسبيبة و هي ثوب

ــــــــــــ

 ( ١ ) أمالي الطوسي ١ : ١٥٩ ١٦٢ ، بحار الأنوار ٤٤ : ١٥١ ١٥٣ .

 ( ٢ ) مروج الذهب ٢ : ٣٧٩ .

 ( ٣ ) الأحزاب : ٣٣ .

 ( ٤ ) الحجرات : ١١ .

أبيض و كان سللت طرفها خلفها فكانت تجرّه . فقالت عايشة لحفصة : انظري ما تجر خلفها كأنّه لسان كلب . إلاّ انّهما كانتا تسخران النّبيّ كما يأتي فكيف تباليان من مسخرة امّ سلمة ١ .

الثانية : قوله تعالى : . . . لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك . . . ٢ .

ففي ( الكشاف ) : روى أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش ، فتواطأت عايشة و حفصة فقالتا له : إنّا نشم منك ريح المغافير فحرّم العسل ، فنزلت الآية ٣ .

و روى الحميدي في ( الجمع بين الصحيحين ) : عن عائشة قالت : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا ، فآليت أنا و حفصة أن أيّنا دخل النّبيّ عليها تقول له : انّي أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير إلى أن قال فقال صلّى اللّه عليه و آله لها : بل شربت عسلا عند زينب و لن أعود ،

فنزلت : لم تحرم ما أحل اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك ٤ .

الثالثة : قوله تعالى : إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما و إن تظاهرا عليه فإن اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير ٥ .

قال في ( الكشاف ) : خطاب لحفصة و عايشة على طريقة الالتفات ليكون

ــــــــــــ

 ( ١ ) مجمع البيان للطبري ٩ : ١٣٥ و كذلك بحار الأنوار للمجلسي ٢٢ : ٢٢٨ باب ٤ .

 ( ٢ ) التحريم : ١ .

 ( ٣ ) الكشّاف .

 ( ٤ ) صحيح البخاري ٦ : ١٦٧ و في صحيح مسلم حديث رقم ٢٦٩٤ . و الآية ١ من سورة التحريم.

 ( ٥ ) التحريم : ٤ .

أبلغ في معاتبتهما ١ .

قال : و عن ابن عبّاس : لم أزل حريصا على أن أسأل عنهما عمر ، حتّى حجّ و حججت معه ، فلمّا كان ببعض الطريق عدل و عدلت معه ، فسكبت الماء على يده فتوضأ فقلت من هما ؟ فقال : عجبا يابن عبّاس كأنّه كره ما سألته عنه ثم قال : هما حفصة و عايشة ٢ .

و تدبّر في قوله تعالى : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير ٣ ، حيث جعل في مقابل مظاهرة عايشة و حفصة على عداوة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله ، معاونته تعالى له ، ثم معاونة جبرئيل و صالح المؤمنين و هو أمير المؤمنين عليه السّلام له ، ثم مظاهرة ملائكته له .

قال الزمخشري : فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه ٤ .

و في ( ذيل الطبريّ ) : قال أبو أسيد الساعديّ : تزوّج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أسماء ابنة النعمان الجونيّة ، و أرسلني فجئت بها ، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت ، و أنا امشطها ، ففعلتها ، ثم قالت إحداهما لها : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعجبه من المرأة إذا ادخلت عليه أن تقول : أعوذ باللّه منك . فلمّا ادخلت عليه و أغلق الباب و أرخى الستر و مدّ يده إليها قالت : أعوذ باللّه منك ،

فجعل كمّه على وجهه و قال : عذت معاذا ثلاث مرّات و خرج ، و قال لأبي أسيد: الحقها بأهلها ، فقالت : ادعوني الشقيّة و ماتت كمدا ٥ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكشاف للزمخشري ٤ : ٥٦٦ ، دار الكتاب العربي ، بيروت .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٦٦ .

 ( ٣ ) التحريم : ٤ .

 ( ٤ ) الكشاف للزمخشري ٤ : ٥٦٦ ٥٦٧ .

 ( ٥ ) ذيل المذيل من تاريخ الطبري ١١ : ٦١٤ .

فتظاهرتا على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في منعه عمّا أحل اللّه له ، و تسببتا لهلاك مؤمنة .

و روى أبو مخنف و الواقدي و المدائني كما نقل ابن أبي الحديد في شرح ( و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة ) ١ أنّ عايشة كتبت إلى حفصة : أمّا بعد فإنّي اخبرك أنّ عليّا قد نزل ذاقار و أقام بها مرعوبا خائفا لمّا بلغه من عدتنا و جماعتنا ، فهو بمنزلة الأشقر إن تقدّم عقر ، و إن تأخّر نحر . فدعت حفصة جواري لها يتغنين و يضربن بالدفوف ، فأمرتهن أن يقلن في غنائهن : ( ما الخبر ، عليّ في السفر ، كالفرس الأشقر ، إن تقدّم عقر ، و إن تأخّر نحر ) ، و جعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة و يجتمعن لسماع ذلك الغناء . فبلغ ذلك امّ كلثوم بنت عليّ عليه السّلام ، فلبست جلابيبها و دخلت عليهنّ في نسوة منكرات ، ثم أسفرت عن وجهها ، فلمّا عرفتها حفصة خجلت و استرجعت ، فقالت لها امّ كلثوم : لئن تظاهرتما على أبي منذ اليوم لقد تظاهرتما على أخيه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأنزل تعالى فيكما ما أنزل ٢ .

الرابعة : قوله تعالى : ضرب اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئا و قيل ادخلا النار مع الداخلين ٣ .

روى إبراهيم الثقفيّ في ( تاريخه ) كما في ( تقريب الحلبيّ ) : أنّ عثمان صعد المنبر فنادته عايشة و رفعت قميص النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لقد خالفت صاحب هذا القميص . فقال عثمان : إنّ هذه الزعراء عدوّة اللّه ، ضرب اللّه مثلها و مثل

ــــــــــــ

 ( ١ ) نهج البلاغة ٣ : ٢ الكتاب ١ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٤ : ١٣ .

 ( ٣ ) التحريم : ١٠ .

صاحبتها حفصة في الكتاب بامرأة نوح و امرأة لوط ١ .

و قال الزمخشريّ في ( الكشّاف ) مشيرا إلى هذه الآية و إلى الآية التي بعدها : و ضرب اللّه مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون . . . ٢ ، في طيّ هذين التمثيلين تعريض بامّي المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة ، و ما فرط منهما من التظاهر على رسول اللّه بما كرهه ، و تحذير لهما على أغلظ وجه و أشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر ، و أشار إلى أنّ من حقّهما أن تكونا في الإخلاص و الكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، و ألاّ تتّكلا على أنّهما زوجا النّبيّ ، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما ، إلاّ مع كونهما مخلصتين . و التعريض بحفصة أرجح ، لأن امراة لوط أفشت عليه ، كما أفشت حفصة على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و أسرار التنزيل و رموزه في كل باب بالغة في اللطف و الخفاء حدّا يدق عن تفطّن العالم و يزل عن تبصره ٣ .

قلت : نعم أسرار التنزيل كما ذكر ، إلاّ ان آيات امّي المؤمنين لهم من اعلانها لا أسرارها ، و من محكماتها لا متشابهاتها ، إلاّ أنّ المكابر لا علاج له و لو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة و كلّمهم الموتى و حشرنا عليهم كلّ شي‏ء قُبلا ما كانوا ليؤمنوا . . . ٤ .

الخامسة : قوله تعالى : يا نساء النّبيّ من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا ٥ ، و هل فاحشة أبين ممّا أتت به في الجمل ؟

ــــــــــــ

 ( ١ ) تقريب المعارف ، مخطوط ، و نقل مثله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ط الكمباني ، ٨ نقلا عن كشف الغمّة .

 ( ٢ ) الزمخشري : الكشاف ٤ ٥٧١ ، و الآية ١١ من سورة التحريم .

 ( ٣ ) الكشاف .

 ( ٤ ) الأنعام : ١١١ .

 ( ٥ ) الأحزاب : ٣٠ .

و في ( الطبريّ ) عن عمّار الدّهني : أخذ عليّ عليه السّلام مصحفا يوم الجمل فطاف به في أصحابه ، و قال : من يأخذ هذا المصحف و يدعوهم إلى ما فيه و هو مقتول ؟ فقام إليه فتى من أهل الكوفة عليه قباء أبيض محشوّ ، فقال : أنا ،

فأعرض عنه . ثم قال : من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه و هو مقتول؟

فقال الفتى : أنا . فأعرض عنه . ثم قال : من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه و هو مقتول ؟ فقال الفتى : أنا . فدفعه إليه فدعاهم ، فقطعوا يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى ، فدعاهم فقطعوا يده اليسرى فأخذه بصدره و الدماء تسيل على قبائه ، فقتل . فقالت امّ الفتى :

لا همّ إنّ مسلما دعاهم

يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم

و امّهم قائمة تراهم

يأتمرون الغيّ لا تنهاهم ١

و عن الزهريّ ، قال : قال عليّ عليه السّلام لأصحابه : أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف و ما فيه ، فإن قطعت يده أخذه بيده الاخرى ، و إن قطعت أخذه بأسنانه ؟ قال فتى شاب أنا . . . ٢ .

و مرّ خبر أبي مخنف بعد ذكر غدر عائشة و طلحة و الزبير بعثمان بن حنيف و أسره فلمّا ضرب ضرب الموت و نتف حاجباه و أشفار عينيه و كل شعرة في رأسه و وجهه و أخذوا السبابجة و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بابن حنيف إلى عائشة فقالت لأبان بن عثمان : اخرج إليه فاضرب عنقه ، فإنّ الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله . فنادى ابن حنيف : يا عائشة و يا طلحة و يا زبير ، إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب على المدينة ،

و اقسم باللّه أن لو قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم و رهطكم . فكفّوا عنه

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥١١ ٥١٢ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٠٩ ، سنة ٣٦ .

و خافوا أن يوقع سهل بأهليهم بالمدينة .

و أرسلت عائشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة ، فإنّه قد بلغني الذي صنعوا بك تعني تأخير السبابجة الزبير عن أمام الصفوف حتّى يصلّي بهم ابن حنيف فذبحهم و اللّه كما يذبح الغنم ، ولّي ذلك منهم ابن الزبير و هم سبعون رجلا .

و اللّه تعالى يقول : . . . من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا ١ ، و اخواننا يقولون : إنّ عايشة و إن أتت بما أتت من الفواحش المبيّنات إلاّ انّ عذابها عندنا عسير .

فقال الجرزي بعد نقل رجز ربيعة العقيلي من أصحابه عليه السّلام :

يا امّنا أعقّ امّ نعلم

و الامّ تغذو ولدا و ترحم

أ لا ترين كم شجاع يكلم

و تختلى منه يد و معصم

كذب ربيعة ، هي أبرّ امّ نعلم .

السادسة : قوله تعالى : و قرن في بيوتكنّ و لا تبرجن تبرج الجاهليّة الاولى . . . ٢ .

و في ( الطبريّ ) : أقبل زيد بن صوحان و معه كتاب من عائشة إليه خاصّة ، و كتاب منها إلى أهل الكوفة عامة ، تثبطهم عن نصرة عليّ عليه السّلام و تأمرهم بلزوم الأرض .

فقال زيد : أيّها النّاس انظروا إلى هذه امرت أن تقرّ في بيتها ، و امرنا نحن أن نقاتل حتّى لا تكون فتنة ، فأمرتنا بما امرت به و ركبت ما امرنا به . ثم قرأ :

ألم . أ حسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون . و لقد فتنا

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأحزاب : ٣٠ .

 ( ٢ ) الأحزاب : ٣٣ .

الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ١ .

و في ( طبقات ابن سعد ) كاتب الواقدي : كانت عايشة تكشف قناعها حيث دفن أبوها مع النّبيّ ، فلمّا دفن عمر تقنعت فلم تطرح القناع ٢ .

قلت : إذا كانت بذاك الحياء و تلك العفّة حتّى تتقنّع من ميت عمر تحت التراب ، فلم تبرجت لآلاف من أخلاط النّاس و الجنود ؟ و معلوم من حالهم ان أغلبهم فسقة و طالبوا الفجور ، و كيف لم تلاحظ طلحة يلازمها ركوبا و نزولا ،

و قد كان له فيها نظر في حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى قال : إن مات محمّد أنكح عائشة كما ينكح هو امرأة كلّ من مات منّا ٣ .

و قالوا : قال ابن الجوزيّ يوما على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني ،

فسألته امرأة عمّا روي أنّ عليّا عليه السّلام سار في ليلة إلى سلمان فجهّزه و رجع ،

فقال : روي ذلك . فقالت : فعثمان طرح ثلاثة أيّام منبوذا إلى المزابل و عليّ حاضر ؟ قال : نعم . فقالت : فقد الزم الخطأ لأحدهما ، فقال لها : إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة اللّه و إلاّ فعليه . فقالت له : فعائشة خرجت إلى حرب عليّ بإذن النبيّ أو بغير إذنه ؟ فانقطع و لم يحر جوابا ٤ .

السابعة : قوله تعالى : إنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدّنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم . يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون ٥ .

روى كتاب الواقدي في ( طبقاته ) : عن الواقدي عن محمّد بن عبد اللّه عن

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٨٣ ٤٨٤ ، سنة ٣٦ ، و الآيات ١ ٣ من سورة العنكبوت .

 ( ٢ ) الطبقات لابن سعد ٢ : ٢٩٤ .

 ( ٣ ) الطرائف ٢ : ٤٩٢ ٤٩٣ و عنه البحراني في تفسير البرهان ٣ : ٣٣٣ ٣٣٤ .

 ( ٤ ) نقله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨ : ١٨٣ ، ط الكمباني .

 ( ٥ ) النور : ٢٣ ٢٤ .

الزهري عن عروة عن عايشة قالت : لمّا ولد إبراهيم جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليّ ،

فقال : انظري إلى شبهه بي فقلت : ما أرى شبها فقال : ألا ترين إلى بياضه و لحمه ؟ فقلت : من قصر عليه اللقاح ابيضّ و سمن ١ .

و عنه عن ابن حزم عن عروة عن عائشة مثله إلاّ أنّه قال : قالت عايشة من سقى ألبان سمن و ابيض . قال الواقدي : كانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قطعة غنم تروح عليه و لبن لقاح له . . . ٢ و سيأتي زيادة كلام في نقل كلام ابن أبي الحديد .

و روى ابن حمدان الحضيني كما في ( تفسير البحرانيّ ) عن الرضا عليه السّلام : أنّ مارية لمّا أهداها المقوقس إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان معها خادم ممسوح يقال له جريح ، و حسن إسلامهما و إيمانهما ، ثمّ ملكت مارية النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فحسدها بعض أزواجه ، فأقبلت حفصة و عايشة تشكيان إلى أبويهما ميل النبيّ إلى مارية و إيثاره إيّاها عليهما ، حتّى سوّلت لهما و لأبويهما أنفسهم بأن يقذفوا مارية بأنّها حملت بإبراهيم من جريح ، و هم لا يظنّون أنّ جريحا خادم ممسوح فأقبل أبواهما و قالا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس في مسجده أنّ جريحا لا يحلّ لنا أن نكتمك من أمره و ما يظهر من خيانته شيئا ،

فقال : ما تقولان ؟ قالا : يأتي من مارية الفاحشة العظمى ، و إنّ حملها من جريح و ليس هو بخادم . فأربد وجهه و تلوّن ، ثمّ قال : ويحكما ما تقولان ؟ قالا : إنّا خلفنا جريحا و مارية في مشربتها يعنيان حجرتها و هو يفاكهها و يروم منها ما يروم الرجل من النساء ، فابعث إلى جريح فإنّك تجده على هذه الحال ،

فانفذ فيه حكم اللّه . فانثنى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام و قال : قم يا أخي ، و معك ذو الفقار حتّى تمضي إلى مشربة مارية ، فإن صادفتها و جريحا يصنعان

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبقات لابن سعد ١ : ١٣٧ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه .

فأخمدهما بسيفك ، فقام و اتّشح بسيفه و اتّخذه تحت ثيابه ، فلمّا ولّى قال : يا رسول اللّه أكون في ما أمرتني به كالسكة المحماة في العهن ، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال : بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب . فأقبل عليه السّلام سيفه في يده حتى تسوّر من فوق مشربة مارية و هي في جوف المشربة جالسة و يقول لها : عظمي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كرميه و نحو هذا الكلام حتّى التفت إليه عليه السّلام و سيفه مشهور في يده ففزع إلى نخلة في المشربة ، فصعد إلى رأسها ،

فنزل عليه السّلام إلى المشربة و كشت الريح عن أثواب جريح فاذا خادم ممسوح.

فقال له : انزل . فقال : آمنا على نفسي ؟ فقال : امنا على نفسك . فنزل فأخذ بيده و جاء به إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فقال : إنّ جريحا خادم ممسوح إلى أن قال فأنزل تعالى : ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات . . . ١ .

و في ( تفسير القمي ) : قال ابن بكير لأبي عبد اللّه عليه السّلام : جعلت فداك أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقتل القبطي ، و قد علم أنّها كذبت أو لم يعلم ، و إنّما دفع اللّه تعالى القتل عن القبطي بتثبيت عليّ عليه السّلام . . . فقال : بل كان و اللّه يعلم و لو كان عزيمة من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما انصرف عليّ عليه السّلام حتّى يقتله ، و لكن إنّما فعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك لترجع عن ذنبها ، فما رجعت و لا اشتدّ عليها قتل رجل مسلم ٢ .

الثامنة : قوله تعالى : و الّذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و اولئك هم الفاسقون ٣ .

روى ( العلل ) مسندا عن أبي جعفر عليه السّلام قال : أما لو قد قام قائمنا لقد

ــــــــــــ

 ( ١ ) البرهان في تفسير القرآن ٣ : ١٢٧ ١٢٨ ، و قريب منه ما في تفسير القمّي ٢ : ٩٩ ١٠٠ و الآية ٢٣ من سورة النور .

 ( ٢ ) تفسير القمّي ٢ : ٣١٩ .

 ( ٣ ) النور : ٤ .

ردت إليه الحميراء حتّى يجلدها الحدّ ، و حتّى ينتقم اللّه لابنة محمّد صلّى اللّه عليه و آله فاطمة عليها السّلام . قلت له : جعلت فداك و لم يجلدها الحدّ ؟ قال : لفريتها على امّ إبراهيم ١ .

قلت : و لا يستنكر ما في الخبر ، فلا ريب أنّ عائشة رمت مارية باتّفاق الخاصّة و العامّة ، و أنّها استحقت الحدّ ، و لم يقل أحد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أجرى عليها الحد ، و لم يكن النّبيّ ليعطّل حدا من حدود اللّه على قريب و لا بعيد . فلا بد أنّ الحكمة اقتضت تأخير إجرائه على يد المهدي من ولده عليه السّلام .

و رجعة جمع في أيّام المهديّ عليه السّلام عند الإمامية قطعية .

و يناسب أن ننقل كلام شيخ ابن أبي الحديد ، يوسف بن إسماعيل اللمعانيّ ، الذي نقله عنه بعد التحقيق ، ما في الخبر من رمي عائشة لمارية و إيذائها لسيّدة نساء العالمين . و كلامه و إن كان مشتملا على الغثّ و السمين ،

لكن نشير بعد إلى ما في غشّه .

فقال : أوّل بدء الضغن كان بين عائشة و بين فاطمة ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم تزوّجها عقيب خديجة ، و معلوم أنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها و تزوّج أبوها اخرى كان بينهما كدر و شنآن ، ثم اتفق أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مال إليها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله . و أكرم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاطمة إكراما عظيما ، أكثر ممّا كان النّاس يظنّونه و أكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتّى خرج بها عن حد حبّ الآباء للأولاد ، فقال بمحضر الخاص و العام مرارا لا مرّة واحدة ، و في مقامات مختلفة لا في مقام واحد : إنّها سيّدة نساء العالمين ، و إنّها عديلة مريم بنت عمران ، و إنّها إذا مرّت في الموقف نادى مناد من جهة العرش : يا أهل الموقف غضّوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و هذا من الأحاديث الصحيحة

ــــــــــــ

 ( ١ ) علل الشرايع ٢ : ٣٠٣ ٣٠٤ .

و ليس من الأخبار المستضعفة .

و إنّ إنكاحه عليّا إيّاها ما كان إلاّ بعد أن أنكحه اللّه تعالى إيّاها في السماء بشهادة الملائكة .

و كم قال لا مرّة : « يؤذيني ما يؤذيها ، و يغضبني ما يغضبها ، و إنّها بضعة منّي يريبني ما رابها » .

فكان هذا و أمثاله زيادة الضغن عند الزوجة ، حسب زيادة هذا التعظيم و التبجيل ، و النفوس البشرية تغيظ على ما دون هذا ، فكيف هذا ؟ ثم حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها ، أعني عليّا فإنّ النساء كثيرا ما يحصلن الاحقاد في قلوب الرجال ، لا سيّما و هنّ محدّثات الليل كما قيل في المثل .

و كانت تكثر الشكوى من عائشة ، و يغشاها نساء المدينة و جيران بيتها فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن إلى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة ، و كما كانت فاطمة تشكو إلى بعلها كذلك كانت عايشة تشكو إلى أبيها ، لعلمها أنّ بعلها لا يشكيها على ابنته فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما . ثم تزايد تقريظ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام و تقريبه و اختصاصه ، فأحدث ذلك حسدا له و غبطة في نفس أبي بكر عنه و هو أبوها ، و في نفس طلحة و هو ابن عمّها و هي تجلس إليهما و تسمع كلامهما و هما يجلسان إليها و يحادثانها ،

فأعدى إليها منهما كما أعدى إليهما .

و لست أبرّى‏ء عليّا عليه السّلام من مثل ذلك ، فإنّه كان ينفس على أبي بكر سكون النبيّ عليه السّلام إليه و ثناءه عليه ، و يحب أن ينفرد هو بهذه المزايا و الخصائص دونه و دون النّاس أجمعين ، و من انحرف عن إنسان انحرف عن أهله و أولاده ، فتأكدت البغضة بين الفريقين . ثم كان من أمر القذف ما كان ،

و لم يكن عليّ عليه السّلام من القاذفين ، و لكنّه كان من المشيرين على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله

بطلاقها ، تنزيها لعرض النبيّ عليه السّلام عن أقوال الشنأة و المنافقين .

و قال له لمّا استشاره : إن هي إلاّ شسع نعلك ، و قال له : سل الخادم و خوّفها و إن أقامت على الجحود فاضربها ، و بلغ عائشة هذا الكلام و سمعت أضعافه ممّا جرت عادة النّاس أن يتداولوه في مثل هذه الواقعة .

و نقل النساء إليها كلاما كثيرا عن عليّ و فاطمة ، و أنّهما قد أظهرا الشماتة بها جهارا و سرّا بوقوع هذه الحادثة لها ، فتفاقم الأمر و غلظ . ثم إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صالحها و رجع إليها و نزل القرآن ببراءتها ، فكان منها ما يكون من الإنسان ينتصر بعد أن قهر ، و يستظهر بعد أن غلب ، و يبرأ بعد أن اتّهم ، من بسط اللسان و فلتات القول ، و بلغ ذلك كلّه عليّا و فاطمة ، فاشتدت الحال و غلظ و طوى كل من الفريقين قلبه على الشنآن لصاحبه .

ثمّ كان بين عائشة و عليّ عليه السّلام في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أحوال و أقوال ، كلّها تهيج ما في النفوس نحو قولها له و قد استدناه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجاء حتّى قعد بينه و بينها و هما متلاصقان : أما وجدت مقعدا لكذا لا تكني عنه إلاّ فخذي و نحو ما روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ساير عليّا عليه السّلام يوما و أطال مناجاته ، و هي سائرة خلفهما حتّى دخلت بينهما و قالت : فيم أنتما فقد أطلتما . فيقال إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غضب ذلك اليوم .

و ما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادم فوقفت لها فأكفأتها ، و نحو ذلك ممّا يكون بين الأهل و بين المرأة و أحمائها .

ثمّ اتّفق أنّ فاطمة ولدت كثيرا بنين و بنات و لم تلد هي ولدا ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه و يسمّي الواحد منهما ابني و يقول :

دعو إليّ ابني و لا ترزموا على ابني و ما فعل ابني . فما ظنّك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ، ثم رأت البعل تبنّى بني ابنته من غيرها ، و يحنو عليهم حنوّ

الولد المشفق ، هل تكون محبّة لاولئك البنين و لامّهم و لأبيهم أم مبغضة و هل تودّ دوام ذلك و استمراره أم زواله و انقضاءه ؟ ثمّ اتفق أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله سدّ باب أبيها إلى المسجد و فتح باب صهره ، ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثمّ عزله عنها بصهره ، فقدح ذلك أيضا في نفسها .

و ولد للنبي صلّى اللّه عليه و آله إبراهيم من مارية فأظهر عليّ عليه السّلام بذلك سرورا كثيرا ، و كان يتعصّب لمارية ، و يقوم بأمرها عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ميلا على غيرها ، و جرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة فبرّأها عليّ عليه السّلام منها و كشف بطلانها ، أو كشفه اللّه تعالى على يده ، و كان ذلك كشفا محسا بالبصر لا يتهيّأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة ، و كلّ ذلك ممّا كان يوغر صدر عائشة عليه ، و يؤكّد ما في نفسها منه ، ثمّ مات إبراهيم فأبطنت شماتة و إن أظهرت كآبة ، و وجم عليّ عليه السّلام من ذلك و كذلك فاطمة ، و كانا يؤثران و يريدان أن تتميّز مارية عليها بالولد ، فلم يقدر لهما و لا لمارية ذلك و بقيت الامور على ما هي عليه و في النفوس ما فيها حتّى مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المرض الذي توفي فيه فكانت فاطمة و عليّ عليهما السّلام يريدان أن يمرّضاه ، و كذلك كان أزواجه ، فمال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبّة القلبيّة التي كانت لها دون نسائه ، و كره أن يزاحم فاطمة و بعلها في بيتهما ، فلا يكون عنده من الانبساط لوجودهما ، ما يكون إذا خلا بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه . و علم أنّ المريض يحتاج إلى فضل مداواة و نوم و يقظة و انكشاف و خروج حدث ،

فكانت نفسه إلى بيتها أسكن منها إلى بيت صهره و بنته ، فإنّه إذا تصوّر حياءهما منه استحيى هو أيضا منهما ، و كلّ أحد يجب أن تخلو بنفسه و يحتشم الصهر و البنت ، و لم يكن له الميل إلى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها ، فمرض في بيتها فغبطت على ذلك ، و لم يمرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منذ قدم

المدينة مثل هذا المرض ، و إنّما كان مرضه الشقيقة يوما أو بعض يوم ثم يبرأ ،

فتطاول هذا المرض ، و كان عليّ عليه السّلام لا يشكّ أنّ الأمر له ، و أنّه لا ينازعه فيه أحد من النّاس . و لقد قال له عمّه و قد مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : امدد يدك ابايعك ، فيقول النّاس عمّ رسول اللّه بايع ابن عمّ رسول اللّه فلا يتخلّف عليك اثنان ، قال : يا عم و هل يطمع فيها طامع غيري ؟ قال : ستعلم . قال : فإنّي لا احب هذا الأمر من وراء رتاج ، و احبّ أن أصحر به . فسكت عنه . فلمّا ثقل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه أنفذ جيش اسامة و جعل فيه أبا بكر و غيره من أعلام المهاجرين و الأنصار . فكان عليّ بوصوله إلى الأمر إن حدث بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله حدث أوثق . و غلب على ظنّه أنّ المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكليّة فيأخذه صفوا عفوا و يتمّ له البيعة ، فلا يتهيّأ فسخها لو رام ضدّ منازعته عليها . فكان من عود أبي بكر من جيش اسامة بإرسال عائشة إليه ، و إعلامه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يموت ما كان ،

و من حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب عليّ عليه السّلام عائشة إلى أنّها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمر أباها فليصلّ بالنّاس ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما روي قال :

يصلّي بالناس أحدهم و لم يعيّن و كانت صلاة الصبح فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو في آخر رمق يتهادى بين عليّ عليه السّلام و الفضل بن عبّاس ، حتّى قام في المحراب كما ورد في الخبر ، ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى . فجعل عمر صلاته حجّة في صرف الأمر إليه ، و قال : أيّكم يطيب نفسا أن يتقدّم قدمين قدمهما النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الصلاة . و لم يحملوا خروج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن ، فبويع على هذه النكتة التي اتّهمها عليّ عليه السّلام انّها ابتدئت منها ، و كان عليّ عليه السّلام يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا ، و يقول : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يقل : ( إنّكن لصويحبات يوسف ) إلاّ إنكارا لهذه الحال و غضبا منها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، و أنّه استدركهما

بخروجه و صرفه عن المحراب ، فلم يجد ذلك و لا أثر مع قوّة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر و يمهّد له قاعدة الأمر ، و تقرّر حاله في نفوس النّاس و من اتّبعه على ذلك من أعيان المهاجرين و الأنصار ، و لمّا ساعد على ذلك من الحظّ الفلكيّ ، الأمر السمائيّ الذي جمع عليه القلوب و الأهواء ، فكانت هذه الحال عند عليّ عليه السّلام أعظم من كلّ عظيم و هي الطامّة الكبرى و المصيبة العظمى ، و لم ينسبها إلاّ إلى عائشة وحدها ، و لا علّق الأمر الواقع إلاّ بها ، فدعا عليها في خلواته و بين خواصّه ، و تظلّم إلى اللّه منها ، و جرى له في تخلّفه عن البيعة ما هو مشهور حتّى بايع ، و كان يبلغه و فاطمة عنها كلّ ما يكرهانه منذ مات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أن توفيت فاطمة عليها السّلام ، و هما صابران على مضض و رمض ،

و استظهرت بولاية أبيها و استطالت و عظم شأنها و انخذل عليّ عليه السّلام و فاطمة عليها السّلام و قهرا ، و أخذت فدك ، و خرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا ، فلم تظفر بشي‏ء ، و في كلّ ذلك تبلغها النساء الداخلات و الخارجات عن عائشة كلّ كلام يسؤوها ، و يبلغن عائشة عنها و عن بعلها مثل ذلك ، إلاّ أنّ شتّان ما بين الحالين ، و بعد ما بين الفريقين هذه غالبة و هذه مغلوبة ، و هذه آمرة و هذه مأمورة ، و ظهر التشفّي و الشماتة ، و لا شي‏ء أعظم مرارة و مشقّة من شماتة العدوّ ١ .

قال ابن أبي الحديد قلت له : أفتقول إنّ عائشة عيّنت أباها للصلاة و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعيّنه ؟ فقال : أمّا أنا فلا أقول ذلك ، و لكنّ عليّا كان يقول و تكليفي غير تكليفه ، كان حاضرا و لم أكن حاضرا ، فأنا محجوج بالأخبار التي اتّصلت بي ، و هي تتضمّن تعيين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأبي بكر في الصلاة ، و هو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنّه من الحال التي كان حضرها ، قال :

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٩٢ ١٩٨ .

ثم ماتت فاطمة فجاءت نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كلّهن إلى بني هاشم في العزاء إلاّ عائشة ، فإنّها لم تأت أظهرت مرضا ، و نقل إلى عليّ عليه السّلام عنها كلام يدلّ على السرور ، ثم بايع عليّ أباها فسرّت بذلك و أظهرت من الاستبشار بتمام البيعة و استقرار الخلافة و بطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا ،

و استمرت الامور على هذه مدّة خلافة أبيها ، و خلافة عمر و عثمان ، و القلوب تغلي ، و الأحقاد تذيب الحجارة ، و كلّما طال الزمان على عليّ عليه السّلام تضاعفت همومه و غمومه ، و باح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان و قد كانت عائشة أشدّ النّاس عليه تأليبا و تحريضا فقالت : أبعده اللّه ، لمّا سمعت قتله و أملت أن تكون الخلافة في طلحة فيعود الأمر تيميّة ، كما كانت أوّلا ، فعدل النّاس عنه إلى عليّ عليه السّلام ، فلمّا سمعت ذلك صرخت : و اعثماناه قتل عثمان مظلوما فثار ما في الأنفس حتّى تولّد من ذلك يوم الجمل و ما بعده . قال ابن أبي الحديد :

و هذه خلاصة كلام اللمعاني و كان شديدا في الاعتزال ١ .

و أقول : أمّا قول : ( إنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها . . . ففيه أنّ فاطمة التي قال أبوها أنّها سيدة نساء العالمين و عديلة مريم و ينادي المنادي في مرورها بالموقف : غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ ، و إنّ إنكاحها عليّا عليه السّلام كان بعد إنكاح اللّه تعالى بشهادة ملائكته و يؤذيه ما يؤذيها و ما ينطق أبوها عن الهوى أجلّ من ذلك ، و لم لم يحدث بينها و بين باقي نساء أبيها من ام سلمة و غيرها كدر و شنآن ، و كلّهن كنّ كالضرائر لامّها ؟

و في ( الطبريّ ) : لا خلاف بين جميع أهل العلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنى بسودة قبل عائشة ٢ . فيعلم أنّ شنآنها لتلك المرأة و لصاحبتها لكونهما

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه ٩ : ١٩٨ ١٩٩ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٣ : ١٦١ ، سنة ١٠ .

عدوتي اللّه بتصريح الكتاب ، في قوله تعالى : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين . . . ١ .

و لو كانت هذه العلل أعذارا لكان أبو جهل معذورا في عداوته للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فقد قال : كنّا بني مخزوم و بني هاشم كفرسي رهان ، و لقد أراد محمّد السبق علينا ، و لكان يزيد معذورا في قتل الحسين عليه السّلام ، فقال للسجّاد :

إنّ أباك كان يبغي الغوائل لسلطاني .

و من المضحك قوله : « و لست ابرى‏ء عليّا عليه السّلام من مثل ذلك فإنّه كان ينفس على أبي بكر سكون النّبيّ إليه و ثناءه عليه » . هل سكن إليه يوم الغار و هو يكثر الجزع ، حتّى قال له لا تحزن ؟ و هل أثنى عليه يوم فرّ في خيبر حتّى قال فيه تعريضا : إنّه فرّار غير كرّار ، لا يحبّ اللّه و رسوله و لا يحبّه اللّه و رسوله ؟ و هل حسد عليّ عليه السّلام أبي بكر عزله عن ( براءة ) ؟ . و أي مزايا كانت له حتّى يحب أن يتفرّد بها ؟ و إنّما كانت مزاياه أمران ذكرهما عمر يوم السقيفة .

الأوّل : كونه صاحب الغار ، و هو عوار حيث إنّ إمامهم أحمد بن حنبل قال : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خرج منفردا ، و إنّما ذهب أبو بكر خلفه من قبل نفسه ، و لمّا سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حسّ أبي بكر ظنّه من قريش الذين أرادوا أخذه ، فسعى في المشي حتّى أدمى رجله ، و ان جزعه ثمّة صار سببا لسلب السكون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، حتّى أنزل تعالى سكينته عليه منفردا . فيفهم من صاحبيته في الغار عدم إيمانه ، و إلاّ لأنزل تعالى عليه السكينة كما أنزلها في موضع آخر على رسوله و على المؤمنين ٢ .

و الثاني : كونه قدّمه للصلاة ، و هو قد شرح علنه و خافيه ، و لمّا خرج

ــــــــــــ

 ( ١ ) التحريم : ٤ .

 ( ٢ ) كما في سورة الفتح : ٢٦ .

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في تلك الحال اضطرارا يجر رجليه معتمدا على نفرين و أخّره و عزله عن الصلاة كما عن ( براءة ) ، لم يبق له مجال أن يبقى في ذاك المحلّ فاضطرّ إلى خروجه إلى منزله بسنح مع قوة داعية إلى أن يبقى مراقبا لساعة موت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فاضطرّ عمر لغيبته إلى أن يهدّد النّاس و يقول : « إنّ النّبيّ لم يمت و إنّما غاب كغيبة موسى » ، حتّى يصل أبو بكر و يفعلا بتظاهرهما على الوصيّ كتظاهر ابنتيهما على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و كيف يقول كان عليّ ينفس على أبي بكر ؟ و قد كتب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر : قد كنّا و أبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما و فضله مبرزا علينا ، فلمّا اختار اللّه تعالى لنبيّه ما عنده ، و أتمّ له ما وعده ، قبضه اللّه إليه ، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه و خالفه على ذلك اتّفقا و اتسعا ١ .

و أمّا قوله : و لم يكن عليّ من القاذفين و لكنّه كان من المشيرين على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بطلاقها ، فاللّه تعالى أيضا كان من المشيرين فقال تعالى بعد قوله و إن تظاهرا عليه . . . و الملائكة بعد ذلك ظهير ٢ : عسى ربّه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيّبات و أبكارا ٣.

و فيه إشارة إلى خلوّ المرأتين من صفات الإسلام و الإيمان و غيرهما ،

و قوله : ( ثيّبات ) إشارة إلى حفصة و ( أبكارا ) إلى عائشة .

و أمّا قوله إنّ عليّا عليه السّلام قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله خوّف الخادم و إن أقامت على الجحود فاضربها ، فبهتان من عايشة . و امّا قوله : فنزل القرآن ببراءتها فشي‏ء

ــــــــــــ

 ( ١ ) نقله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨ : ٦٤٩ ، ط الكمباني .

 ( ٢ ) التحريم : ٤ .

 ( ٣ ) التحريم : ٥ .

تفرّدوا به ، و رواياتهم تنتهي إليها انّها ادعت أنّهم قذفوها ، و نزلت الآية فيها .

و ممّا يوضح افك عايشة في روايتها ١ أنّها قالت في خبرها : فدعا النبيّ بريرة يسألها ، فقام إليها عليّ فضربها ضربا شديدا ، و هو يقول : اصدقي رسول اللّه فتقول : و اللّه ما أعلم إلاّ خيرا . فلا ريب في عصمة أمير المؤمنين عليه السّلام من أوّله إلى آخره ، بإقرار مخالفيه و شهادة القرآن له ، و في خبرها قالت عائشة : و ايم اللّه لأنا كنت أحقر في نفسي و أصغر شأنا من أن ينزل فيّ قرآنا يقرأ به في المساجد و يصلّى به ، و لكنّي قد كنت أرجو أن يرى النبيّ في نومه شيئا يكذب اللّه به عنّي لما يعلم من برائتي ، أو يخبر خبرا ، فأمّا قرآن ينزل فيّ فو اللّه لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك .

فيقال لها : فلم كنت أحقر من أن ينزل فيك قرآن ، و لقد جعلك اللّه أشدّ من جميع جبابرة قريش و مشركي مكة ؟ حيث قال في اولئك : و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و يمكر اللّه و اللّه خير الماكرين ٢ ، و قال فيك و في صاحبتك : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير ٣ .

و أمّا الإماميّة فعلى أنّ آية الإفك نزلت في مارية ، فإنّ إفك عائشة مع ذويها لها محقّق ، كما أنّ طهارة ساحتها عن إفكها محققّة بعد كون من رميت به خصيا ، كما أقرّ به ، فكيف نزلت آية الإفك في عائشة دون مارية ؟ هل كانت لكونها بنت أبي بكر أكرم على اللّه ، كما هي أكرم عند إخواننا ؟ ، و قد قال تعالى :

إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم . . . ٤ ، و لا ريب في كونها أتقى ، كما لا ريب في

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٢ : ٦١٥ ، سنة ٦ .

 ( ٢ ) الأنفال : ٣٠ .

 ( ٣ ) التحريم : ٤ .

 ( ٤ ) الحجرات : ١٣ .

عتوّ عائشة و طغيانها ، بتصريح اللّه تعالى في قوله : . . . و إن تظاهرا عليه . . . ١ و قوله تعالى : و قرن في بيوتكن . . . ٢ ، بل و فوقهما ضرب اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط . . . ٣ .

و أمّا قوله : ( فكان منهما ما يكون من الانسان ينتصر بعد أن قهر من بسط اللسان و فلتات القول ) . فيه أنّه على رواياتهم لم ينحصر بسط لسانها بأمير المؤمنين عليه السّلام فقط ، بل بسطت لسانها على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا ففي خبرها كما في ( الطبريّ ) أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لها : يا عائشة إنّه قد كان ما بلغك من قول اللّه ، فاتّقي اللّه و إن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى اللّه إلى أن قالت : فجعل النبيّ يمسح العرق عن جبينه و هو يقول : ابشري يا عائشة فقد أنزل اللّه براءتك ، فقلت : بحمد اللّه و ذمّكم ٤ . و الكاذب يفضحه اللّه فادعت أنّ القرآن الذي يقرأ به في المساجد و يصلي به نزل فيها و جعلت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من المذمومين .

فان كان كل ما قالت امّهم حقّا لم ينحصر الأمر في كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من المذمومين ، بل يكون اللّه تعالى أيضا من الملومين ، ففي ( عقد ابن عبد ربه ) :

قالت عائشة يوم الجمل في خطبتها : « بي ميز بين منافقكم و مؤمنكم » ٥ .

فعلى قولها يكون اللّه تعالى من المنافقين ، حيث قال فيها و في صاحبتها : . . . و إن تظاهرا عليه . . . ٦ و ضرب اللّه مثلا للذين كفروا

ــــــــــــ

 ( ١ ) التحريم : ٤ .

 ( ٢ ) الأحزاب : ٣٣ .

 ( ٣ ) التحريم : ١٠ .

 ( ٤ ) تاريخ الطبري ٢ : ٦١٥ ٦١٦ ، سنة ٦ .

 ( ٥ ) العقد الفريد ٥ : ٦٥ .

 ( ٦ ) التحريم : ٤ .

امرأة نوح و امرأة لوط . . . ١ .

و أمّا قوله : فكانت فاطمة و عليّ يريدان أن يمرّضانه في بيتهما ،

و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبّة القلبيّة . فليس كما قال ، بل بمقتضى تظاهرها مع صاحبتها و أبويهما عليه صلّى اللّه عليه و آله و قد منعوه عن الوصيّة ،

و تخلّفوا عمّا أمرهم به من الخروج في جيش اسامة ، و طعنوا في جعل اسامة أميرا عليهم ، حتى قال صلّى اللّه عليه و آله : إن قلتم فيه فقد قلتم في أبيه من قبل ٢ ، و في ( الطبري ) : عن أسامة ، لمّا ثقل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله هبطت و هبط النّاس معي إلى المدينة فدخلنا عليه ، و قد أصمت فلا يتكلم ، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليّ فعرفت أنه يدعو لي ٣ و هو مضحك فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان أشار عليه بحركته و إخراج الرجلين معه ، كما يفصح عنه أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان كلّما أفاق يقول جهّزوا جيش اسامة لعن اللّه من تخلّف عنه و تفسيره إشارة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كتفسير امّ خالد بن يزيد كلام مروان لمّا سمّته ، فدخل عليه ابنه عبد الملك و قد اعتقل لسانه فأشار إليها أنّها قتلته . فقالت : جعلت فداه حتّى في احتضاره يوصيكم بي .

و روى العيّاشيّ الذي كان عامّيا ثم صار إماميا في تفسير قوله تعالى :

أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . . . ٤ : إنّ عائشة و حفصة سمّتاه فقتلتاه ٥ .

و لدّوه أيضا ، ففي ( الطبري ) : قالت عائشة : لدّدنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) التحريم : ١٠ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٣ : ١٨٦ ، سنة ١١ .

 ( ٣ ) المصدر نفسه ٣ : ١٩٦ ، سنة ١١ .

 ( ٤ ) آل عمران : ١٤٤ .

 ( ٥ ) تفسير العياشي ١ : ٢٠٠ .

فقال : لا تلدّوني فقلنا : كراهية المريض الدواء . فلما أفاق قال : لا يبقى منكم أحد إلاّ لدّ غير العبّاس فإنّه لم يشهدكم ١ .

و هل كان متولي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى قبض و متصدي تجهيزه غير أمير المؤمنين عليه السّلام ؟ و الباكي عليه غير بنته الصديقة ؟ و القوم كانوا في شورى الخلافة و طلب الرياسة ، و في ( الطبريّ ) : قالت عائشة : ما علمنا بدفن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء ٢ .

و في ( طبقات كاتب الواقديّ ) : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه : ادعوا لي أخي فدعي له عليّ عليه السّلام فقال : ادن منّي . فدنوت منه فاستند اليّ ، فلم يزل مستندا إليّ و إنّه ليكلّمني حتّى أنّ بعض ريق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليصيبني ، ثم نزل بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ثقل في حجري ٣ .

و قوله : ( لم يجد استدراك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بخروجه ، مع قوّة داعي أبي بكر و من تبعه من أعيان المهاجرين و الأنصار ) غير صحيح ، فإنّما تبعه الطلقاء و أبناء الطلقاء ، و بهم صار داعية قويا ، و أمّا عمر و أبو عبيدة فإنّما كانا متواطئين معه و كلّهم كنفس واحدة .

و إنّما كان القول بالمحبّة القلبية شي‏ء تدعيه لنفسها ، و يدّعيه لها عمر ففضّلها في العطاء على باقي نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، بأن النبيّ كان يحبّها أكثر من باقيهن . فعل ذلك بها شكرا لها لتأسيس سلطنتهم ، و هي إن فعلت ذلك لأبيها ،

إلاّ أنّ سلطنة أبيها كانت سلطنته ، بل كان حظّه أكثر ، لأنّه كان شريك أبيها في حياته ، و مستقلا بعد وفاته و لذا كان جده في ذلك أكثر ، مع أنّ عمر فضل على

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ١٩٥ ، سنة ١١ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ٣ : ٢١٣ ، سنة ١١ .

 ( ٣ ) طبقات الواقدي ٢ : ٢٦٣ .

خلاف الكتاب و السّنة مطلق الأشراف ، فكيف لا يفضل عايشة ؟

مع أنّ مثل عايشة لو لم يفضّلها لأخلّت في سلطنته ، كما أخلّت في أمر عثمان ، و كانت من الأسباب القويّة لقتله ، لأنّه لم يفضّلها ، و لقد تفطّن لذلك معاوية ، ففضّلها و لمّا قالت له : ما خفت اللّه في قتل حجر العابد الزاهد ، قال لها :

كيف أمر عطائك ؟ قالت : حسن ، قال : فخليني و إيّاه للقيامة .

و قوله : « و كره النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يزاحم عليّا و فاطمة في بيتهما » أيضا غير صحيح ، فهل كان رأسه في غير حجر عليّ عليه السّلام حتّى مات ؟ و هل كان اتكاؤه لمّا خرج إلى المسجد لتأخير أبي بكر إلاّ عليه عليه السّلام ؟

و أمّا قوله : « و ساعد على ذلك الحظ الفلكي و الأمر السمائي » ، ففي غير موضعه ، فلم تقل الكلمة في هذا الموضع ، و إنّما تقال تلك في التصادفات الدنيويّة ، و أمّا مثلها فيقال : إنّها كانت امتحانا من اللّه تعالى للناس . و لمّا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و اضطرّ الحسن عليه السّلام إلى مصالحة معاوية ، خطب و قال :

و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين ١ .

و قوله : « و لم ينسب عليّ عليه السّلام الحال إلاّ إلى عايشة ، و لا علق الأمر إلاّ بها ، فدعا عليها في خلواته و بين خواصّه ، و تظلّم إلى اللّه منها » صحيح ، و كان عليه أن يزيد فيه كما كانت امرأته فاطمة تدعو على أبيها في أدبار صلواتها ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : إنّ أبا بكر و عمر لمّا دخلا عليها ولّت وجهها عنهما ، و لم تردّ عليهما السلام لمّا سلّما ، و إنّها قالت لهما بعد قول أبي بكر لها : « يا حبيبة رسول اللّه ، إنّك لأحبّ إليّ من ابنتي عايشة » نشدتكما اللّه ألم تسمعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : « رضى فاطمة من رضاي و سخطها من سخطي ، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني ، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني » ؟ فقالا : نعم . فقالت : فإنّي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأنبياء : ١١١ .

اشهد اللّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأشكونكما إليه . فقال أبو بكر : أنا عائذ باللّه من سخطه و سخطك . ثم انتحب يبكي ، و هي تقول : و اللّه لأدعون اللّه عليك في كل صلاة اصلّيها ١ .

و قوله : « و أنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي » كما ترى ، فإنّها أخبار تتناقض صدرا و ذيلا ، و هي أخبار أمر بوضعها معاوية ، و يكفيها اعتقاد أمير المؤمنين عليه السّلام فيها .

و قوله : « و لم تأت عايشة في وفاة فاطمة لتعزية بني هاشم » صحيح لكنها أرادت ان تحضر غسلها شماتة ، فمنعتها أسماء بنت عميس مع كونها زوجة أبيها بوصيّة فاطمة عليها السّلام بمنعها ، ففي ( الاستيعاب ) : لمّا توفيّت فاطمة جاءت عائشة ، فقالت أسماء : لا تدخلي ، فشكتها إلى أبي بكر ، فقال لها أبو بكر :

ما حملك على منع أزواج النبيّ ؟ فقالت : أمرتني ألاّ يدخل عليها أحد ٢ .

و من أكاذيبها : ادّعاؤها أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله توفي بين سحرها و نحرها ، ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) : عن أبي عطفان قال : سألت ابن عبّاس ، أرأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله توفي و رأسه في حجر أحد ؟ قال : توفي و رأسه مستند إلى صدر عليّ عليه السّلام ، قلت : فإنّ عروة حدّثني عن عايشة أنّها قالت : توفي النّبيّ بين سحري و نحري . فقال ابن عبّاس : أتعقل ؟ و اللّه لتوفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إنّه لمستند إلى صدر عليّ و هو الذي غسّله . . . ٣ .

و مرّ قول عمر فيها أنّها التي نزلت فيها و في صاحبتها . . . و إن تظاهرا عليه . . . ٤ ، و لعثمان فيها أقوال ، روى الجوهريّ في ( سقيفته ) خبرا في تكلّم

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإمامة و السياسة ١ : ١٣ ١٤ .

 ( ٢ ) الاستيعاب بهامش الإصابة ٤ : ٣٧٩ .

 ( ٣ ) الطبقات الكبرى ٢ : ٢٦٣ .

 ( ٤ ) التحريم : ٤ .

عائشة و حفصة في عثمان ، فقال عثمان و قد أقبل على النّاس بعد صلاته : إنّ هاتين لفتّانتان ، يحلّ لي سبّهما و أنا بأصلهما عالم ١ .

و عن ( تاريخ الثقفي ) : إنّ عثمان صعد المنبر ، فرفعت عايشة قميص النّبيّ و نادت : لقد خالفت يا عثمان صاحب هذا القميص . فقال عثمان : إنّ هذه الزعراء عدوّة اللّه ضرب اللّه مثلها و مثل صاحبتها في الكتاب . . . امرأة نوح و امرأة لوط . . . ٢ .

و عنه : جاءت عائشة إلى عثمان فقالت : اعطني ما كان يعطيني أبي و عمر ، قال : لا أجد له موضعا في الكتاب و لا في السّنة ، و لكن كان أبوك و عمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما ، و أنا لا أفعل . قالت : فأعطني ميراثي من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . قال : أو لم تجي‏ء فاطمة تطلب ميراثها من النبيّ ، فشهدت أنت و مالك بن أوس البصري أنّ النبيّ لا يورث ، و أبطلت حقّ فاطمة و جئت تطلبينه ، لا أفعل . . . ٣ .

و من منكراتها خلافا على اللّه تعالى و رسوله : تقريرها فعل معاوية في إلحاق زياد ، ففي ( فتوح البلاذري ) : نهر مرة منسوب إلى مرة مولى عبد الرحمن بن أبي بكر . سأل عايشة أن تكتب له إلى زياد و تبدأ به في عنوان كتابها ، فكتبت إليه بالوصاية و عنونته ( إلى زياد بن أبي سفيان من عايشة امّ المؤمنين ) فلمّا رأى زياد أنّها قد كاتبته و نسبته إلى أبي سفيان سرّ بذلك و أكرم مرة و ألطفه ، و قال : هذا كتاب امّ المؤمنين إليّ فيه ، و عرضه عليهم ليقرؤوا عنوانّه ، ثم أقطعه مائة جريب على نهر الأبلة ، و أمره فحفر لها نهرا ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) السقيفة و فدك : ٨٠ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ٥ .

 ( ٢ ) الأمالي للمفيد : ١٢٥ ، و الآية ١٠ من سورة التحريم .

 ( ٣ ) الأمالي للمفيد : ١٢٥ .

 ( ٤ ) فتوح البلدان للبلاذري : ٥٠٢ ٥٠٣ مؤسسة المعارف ، بيروت .

و من أكاذيبها مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ما رواه الخطيب في محمّد بن أحمد المؤدّب : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أرسل عائشة إلى امرأة فقالت : ما رأيت طائلا ، فقال : لقد رأيت خالا بخدّها اقشعرّت منه ذؤابتك . فقالت : ما دونك ستر و من يستطع أن يكتمك ؟ ١ و من شهادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حقّها ما رواه الحميديّ في ( الجمع بين الصحيحين ) عن أبي عمر ، قال : قام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خطيبا و أشار نحو مسكن عائشة و قال : هاهنا الفتنة ثلاثا منه يطلع قرن الشيطان ٢ .

« و ضغن » أي : حقد .

« غلا في صدرها كمرجل » في ( الصحاح ) : المرجل قدر من نحاس ٣ .

« القين » أي : الحداد ، في ( الطبريّ ) : عن عايشة قالت رجع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من البقيع في مرضه ، فوجدني و أنا أقول و ارأساه ، فقال : بل أنا و ارأساه ثم قال لي : ما ضرّك لو مت قبلي ، فقمت عليك و كفنتك و صلّيت عليك و دفنتك ، فقلت :

و اللّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك . فتبسم و تتام به وجعه و هو يدور على نسائه ، حتّى استعز به و هو في بيت ميمونة ،

فدعا نسائه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي ، فأذنّ له فخرج بين رجلين من أهله ، أحدهما الفضل بن عبّاس و رجل آخر تخطّ قدماه إلى الأرض ، عاصبا رأسه حتّى دخل بيتي . قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة : فحدّثت هذا الحديث عن عايشة ابن عبّاس فقال : هل تدري من الرجل الآخر ؟ قلت : لا . قال : عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، و لكن عايشة لا تقدر أن تذكره بخير ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ بغداد ١ : ٣٠١ .

 ( ٢ ) صحيح البخاري ٨ : ٩٥ و صحيح مسلم ٨ : ١٨١ .

 ( ٣ ) الصحاح ٤ : ١٧٠٥ ، مادة : ( رجل ) .

 ( ٤ ) تاريخ الطبري ٣ : ١٨٨ ١٨٩ ، سنة ١١ .

و في ( الطبري ) : أنّ عايشة لمّا انتهت إلى ( سرف ) راجعة في طريقها إلى مكّة ، لقيت عبد بن ام كلاب و هو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى امه قالت له :

مهيم ، قال : قتلوا عثمان فمكثوا ثمانيا . قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الامور إلى خير مجاز ، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب . فقالت : و اللّه ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ، ردّوني ردّوني . فانصرفت إلى مكة و هي تقول : قتل عثمان و اللّه مظلوما ، و اللّه لأطلبن بدمه ، فقال لها ابن ام كلاب : فو اللّه إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت ، و لقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر . قالت : إنّهم استتابوه ثم قتلوه ، و قد قلت و قالوا ،

و قولي الأخير خير من قولي الأوّل .

فقال لها ابن امّ كلاب :

فمنك البداء و منك الغير

و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الإمام

و قلت لنا إنّه قد كفر

فهبنا أطعناك في قتله

و قاتله عندنا من أمر

و لم يسقط السقف من فوقنا

و لم ينكسف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذا تدرء

يزيل الشبا و يقيم الصعر

و يلبس للحرب أثوابها

و ما من و فى مثل من قد غدر

فانصرفت إلى مكّة ، فنزلت على باب المسجد ، فقصدت للحجر و اجتمع إليها النّاس ، فقالت : أيّها النّاس ، إنّ عثمان قتل مظلوما ، و اللّه لأطلبن بدمه ١ .

و رواه محمّد بن نعمان هكذا ، قال : لمّا جاء ناعي عثمان إلى مكّة ، بكى لقتله قوم ، فأمرت عائشة مناديا ينادي : ما بكاؤكم على نعثل ، أراد ان يطفى‏ء نور اللّه فأطفأه اللّه ، و أنّ يضيّع سنّة رسوله فقتله .

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه ٤ : ٤٥٨ ٤٥٩ ، سنة ٣٦ .

ثمّ ارجف بمكّة أنّ طلحة بويع ، فركبت مبادرة بغلتها و توجهت نحو المدينة و هي مسرورة ، حتّى انتهت إلى سرف ، استقبلها عبد بن أبي سلمة فقالت له : ما عندك من الخبر ؟ قال : قتل عثمان . قالت : فمن ولّوه ؟ قال عليّ ابن عمّ الرسول ، فقالت : و اللّه لوددت أن هذه تطامن على هذه إن تمّت لصاحبك .

فقال : و لم ؟ فو اللّه ما على هذه الغبراء نسمة أكرم منه على اللّه ١ .

و في ( العقد ) : عن ابن عبّاس : لمّا انقضى أمر الجمل قال لي عليّ عليه السّلام :

إيت هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرها اللّه تعالى أن تقرّ فيه . فجئت فاستأذنت عليها ، فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، فمددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها . فقالت : تاللّه يا بن عبّاس ما رأيت مثلك تدخل بيتنا بلا إذن ،

و تجلس على وسادتنا بغير أمرنا . فقلت : و اللّه ما هو بيتك و لا بيتك إلاّ الذي أمرك اللّه أن تقرّي فيه فلم تفعلي ، إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجت منه ، قالت : رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب . قلت :

نعم ، و هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب . قالت : أبيت أبيت ، قلت : ما كان إباؤك إلا فواق ناقة ، ثم صرت ما تحلين و لا تمرين و لا تأمرين و لا تنهين فبكت حتّى علا نشيجها ، ثم قالت : نعم أرجع ، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه . قلت : أما و اللّه ما كان ذلك جزاؤنا منك ، اذ جعلناك للمؤمنين امّا ، و جعلنا أباك صديّقا . قالت : أتمنّ عليّ بالنّبيّ يا بن عبّاس ؟ قلت : نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننت به علينا .

فأتيت عليّا فأخبرته فقبّل بين عيني ، و قال : ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم ٢.

ــــــــــــ

 ( ١ ) حرب الجمل للمفيد : ص ٤٢٩ .

 ( ٢ ) العقد الفريد ٥ : ٧٦ ٧٧ ، و الآية ٣٤ من سورة آل عمران .

و رواه أعثم الكوفي مع زيادة ، و في روايته قالت عايشة لابن عبّاس :

أخطأت السنّة ، فقال لها : نحن علمناك و أباك السّنة ، و انّما بيتك الذي خلفك فيه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فخرجت منه ظالمة لنفسك ، غاشة لدينك ، عاتبة على ربك ، عاصية لرسوله ١ .

و في روايته قالت : رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب ، فقال ابن عبّاس : هذا و اللّه أمير المؤمنين و إن تربدت فيه وجوه و رغمت فيه معاطس ، أما و اللّه لهو أمير المؤمنين أمسّ برسول اللّه رحما ، و أقرب قرابة و أقدم سبقا و أكثر علما و أعلى منارا و أكثر آثارا من أبيك و من عمر .

و في روايته : إنّا جعلناك للمؤمنين اما ، و أنت بنت ام رومان و أبوك ابن أبي قحافة . و في روايته : و لم لا نمنّ عليك بمن لو كانت شعرة و قلامة منه منك لمننت به علينا ؟ و ما أنت إلاّ حشية من تسع حشايا خلفهن بعده ، لست بأبيضهن لونا و لا أحسنهن وجها ، و لا بأرشحهن عرقا ، و لا بأنضرهن ورقا ،

و لا بأطراهن أصلا ، فصرت تأمرين فتطاعين ، و تدعين فتجابين ، و نحن لحم النّبيّ و دمه و منه و إليه .

فقالت : إنّ عليّا لا يقرّ لك بذلك . فقال : أنا لا انازعه في هذا الباب ، فإنّه أقرب إلى النّبيّ مني و أولى بعلمه و ميراثه ، فإنّه أخوه ، و ابن عمّه ، و زوج ابنته فاطمة ، و أبو ابنيه الحسن و الحسين ، و وصيّه و باب مدينة علمه ، و فارسه في غزواته ، و ما أنت و هذا ؟ و اللّه ما فعلنا لك و لأبيك لا تقدرون على شكره ، و لو كنتم تقدرون لا تفعلون ، كما فعلتم ما فعلتم ، ثم خرج من عندها ٢ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) كتاب الفتوح ٢ : ٤٨٦ .

 ( ٢ ) ليس في كتاب الفتوح المطبوع بلبنان ، سنة ١٤١١ ه ٢ : ٤٨٦ ٤٨٧ بعض هذه الفقرات ، و بعض مواضع الكلام في مروج الذهب ٢ : ٣٧٧ و تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٣ .

و روى الإسكافي عن الزهري : أنّه كان عنده حديثان عن عروة عن عائشة في عليّ عليه السّلام . قال معمر : فسألت الزهري عنهما يوما فقال : ما تصنع بهما و بحديثهما ، اللّه أعلم بهما ، إنّي لأتهمهما في بني هاشم ١ .

و في ( جمل المفيد ) ٢ عن عمر بن أبان قال : لمّا ظهر عليّ عليه السّلام على أهل البصرة جاءه رجال منهم فقالوا : ما السبب الذي دعا عايشة إلى المظاهرة عليك ، حتّى بلغت من خلافك و شقاقك ما بلغت ، و هي امرأة من النساء ، لم يكتب عليها القتال ، و لا رخص لها في الخروج من بيتها ، و لا التبرج بين الرجال ؟ فقال عليّ عليه السّلام : سأذكر أشياء حقدتها عليّ ، ليس في واحد منها ذنب عليّ ، و لكنها تجرّمت بها عليّ .

أحدها : تفضيل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لي على أبيها و تقديمه إيّاي في مواطن الخير عليه ، فكانت تضطغن ذلك و يصعب عليها .

و ثانيها : إنّه لمّا آخى بين أصحابه آخى بين أبيها و بين عمر و اختصّني باخوته ، فغلظ ذلك عليها ٣ .

و ثالثها : أوصى النبيّ بسدّ أبواب كانت في المسجد لجميع أصحابه إلاّ بابي ، فلما سد باب أبيها و صاحبه ، و ترك بابي مفتوحا في المسجد ، تكلّم في ذلك بعض أهله فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « ما أنا سددت أبوابكم و فتحت باب عليّ ، بل اللّه عزّ و جلّ سد أبوابكم و فتح بابه » ٤ ، فغضب لذلك أبو بكر و عظم عليه ،

و تكلّم في أهله بشي‏ء سمعته منه ابنته فاضطغنته عليّ .

و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أعطى أباها الراية يوم خيبر ، و أمره ألا يرجع حتّى

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٦٤ .

 ( ٢ ) الجمل : ٤٠٩ ٤١٢ .

 ( ٣ ) السيرة لابن هشام ٢ : ١٥٠ ، الطبقات لابن سعد ٣ : ٢٢ ، مناقب آل أبي طالب ٢ : ١٨٤ ١٨٩ .

 ( ٤ ) مسند أحمد ٤ : ٣٦٩ : خصائص النسائي : ٧٣ ، شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٧٣ ، كفاية الطالب : ٢٠٣ ٢٠٤ .

يفتح أو يقتل ، فلم يلبث لذلك و انهزم ، فأعطاها في الغد عمر ، و أمره بمثل ما أمر صاحبه ، فانهزم ، فساء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذلك و قال لهم ظاهرا معلنا : ( لأعطينّ الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله ، كرّارا غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يده » ١ ، فأعطاني الراية فصبرت حتّى فتح اللّه على يدي ، فغم ذلك أباها ، فاضطغنه عليّ فحقدت لحقد أبيها .

و بعث النّبيّ أباها ليؤدي سورة ( براءة ) ، و أمره أن ينبذ العهد للمشركين ، فمضى حتّى انحرف ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيّه أن يردّه و يأخذ الآيات منه ، و يسلّمها إليّ فعزل أباها بإذن اللّه تعالى ، و كان فيما أوحى اللّه تعالى إليه : لا يؤدّي عنك إلاّ رجل منك ٢ ، و كنت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كان مني ،

فاضطغن لذلك عليّ أيضا و اتبعته عايشة في رأيه .

و كانت عايشة تمقت خديجة بنت خويلد و تشنؤها شنآن الضرائر ،

و كانت تعرف مكانها من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيثقل ذلك عليها ، و تعدى مقتها إلى ابنتها فاطمة ، فتمقتني و تمقت فاطمة و تمقت خديجة و هذا معروف في الضرائر.

و لقد دخلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم قبل أن يضرب الحجاب على أزواجه و كانت عايشة بقرب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فلمّا رآني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله رحّب بي و قال :

ادن مني يا عليّ . و لم يزل يدنيني حتّى أجلسني بينه و بينها ، فغلظ ذلك عليها فأقبلت عليّ و قالت بسوء رأي النساء و تسرعهن إلى الخطاب : ما وجدت لاستك يا عليّ موضعا غير فخذي ، فزبرها النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال لها : « أ لعليّ تقولين هذا ؟ إنّه و اللّه أوّل من آمن بي و صدّقني ، و أوّل خلق ورودا بي على الحوض ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) صحيح البخاري ٣ : ١٠٨٦ ح ٢٨١٢ ، خصائص النسائي : ٤٩ ٦٠.

 ( ٢ ) خصائص النسائي : ٩١ ٩٣ ، المستدرك ٣ : ٥١ .

و هو أحق النّاس عهدا إليّ ، لا يبغضه أحد إلاّ أكبّه اللّه على منخره في النار » ١ ، فازدادت بذلك غيضا عليّ . و لمّا رميت بما رميت اشتدّ ذلك على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فاستشارني في أمرها ، فقلت له : سل جاريتها بريرة و استبرى‏ء الحال منها ،

فإن وجدت عليها شيئا فخل سبيلها فالنساء كثيرة . فأمرني أن أتولّى مسألة بريرة ، ففعلت ذلك فحقدت عليّ ، و و اللّه ما أردت بها سوءا و لكني نصحت للّه و لرسوله و أمثال ما ذكرت فإن شئتم فاسألوها ما الذي نقمت عليّ ؟ حتّى خرجت مع الناكثين لبيعتي و سفك دماء شيعتي ، و التظاهر بين المسلمين بعداوتي ، إلاّ البغي و الشقاق و المقت لي بغير سبب يوجب ذلك في الدين .

فقال القوم : القول و اللّه ما قلت يا أمير المؤمنين ، و لقد كشفت الغمّة ، و لقد نشهد أنّك أولى باللّه و رسوله ممّن دعاك ، فقام الحجاج بن غزية الأنصاري و قال أبياتا ٢ . « و لو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل » روى الخطيب في ( تاريخ بغداد ): أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قتال أهل النهروان ، قفل أبو قتادة الانصاري و معه ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأ بعايشة فقالت له : ما وراءك ؟ فشرح لها قتالهم و قتل ذي الثدية . فقالت عايشة : ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحق ، سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : تفترق امّتي على فرقتين ، تمرق بينهم فرقة محلقون رؤوسهم ، محفون شواربهم ، أزرهم إلى أنصاف سوقهم ،

يقرؤون القرآن ، لا يتجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبّهم الى اللّه تعالى .

قال أبو قتادة : فقلت يا ام المؤمنين فأنت تعلمين هذا ، فلم كان الذي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأمالي للطوسي ٢ : ٢١٥ ، كشف الغمّة ١ : ٣٤٢ ، كشف اليقين : ٢٧٣ ٢٧٤ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٤٠٩ ٤١٢ .

منك ؟ قالت : يا أبا قتادة و كان أمر اللّه قدرا مقدورا و للقدر أسباب ١ .

و في ( الطبري ) : قال عمّار لعايشة حين فرغ القوم : ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك ؟ قالت : أبو اليقظان ؟ قال : نعم . قالت : و اللّه إنّك ما علمت قوال بالحق . قال : الحمد للّه الذي قضى لي على لسانك ٢ .

و لقد أجاد الحميري في قصيدته مشيرا إلى أنّ شجاعة عايشة و قوّة قلبها في قتال أمير المؤمنين عليه السّلام ، كانت أكثر من شجاعة أبيها يوم خيبر ، فإنّه فرّ و هي ثبتت فقال:

يا للرجال لرأي ام قادها

ذئبان يكتنفانها في أذؤب

ذئبان قادهما الشقاء و قادها

للحين فاقتحما بها في منشب

في ورطة لحجابها فتحملت

منها على قتب باثم محقب

ام تدبّ إلى ابنها و وليها

بالمؤذيات له دبيب العقرب

لو أنّ والدها بقوّة قلبها

لاقى اليهود بخيبر لم يهرب

و نقل المرتضى في شرحه للقصيدة ، عن كتاب ( جمل نصر بن مزاحم ) عن السري بن إسماعيل ، عن الشعبي عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي ، قال :

كنت بمكة إلى أن قال فأقبلت عايشة حتّى دخلت على ام سلمة فقالت ام سلمة لها : مرحبا بعايشة ، ما كنت لي بزائرة فما بدا لك ؟ قالت : قدم طلحة و الزبير فخبّرا أنّ أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما . فصرخت ام سلمة صرخة أسمعت من في الدار . فقالت : يا عايشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر ، و هو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما فما تريدين ؟ قالت : تخرجين معي ، فلعل اللّه أن يصلح بخروجنا أمر امّة محمّد ، فقالت : يا عايشة أخرج و قد سمعت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما سمعت ، نشدتك يا عايشة باللّه الذي يعلم صدقك إن

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١ : ١٦٠ ، دار الفكر بيروت .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٤٥ ٥٤٦ ، سنة ٣٦ .

صدقت ، أتذكرين يومك من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها و هو يقول : « و اللّه لا تذهب الليالي و الأيام حتّى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له الحوأب امرأة من نسائي في فئة باغية » فسقط الإناء من يدي ، فرفع رأسه إليّ فقال : مالك يا ام سلمة ؟ قلت : ألا يسقط الإناء من يدي و أنت تقول ما تقول ، ما يؤمنني أن أكون أنا هي ؟ فضحكت أنت يا عايشة فالتفت إليك فقال : ما يضحك يا حمراء الساقين ، اني لأحسبك هي ، و أنشدتك باللّه يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من مكان كذا و كذا ، و هو بيني و بين عليّ بن أبي طالب يحدّثنا فأدخلت جملك فحال بينه و بين عليّ ، فرفع مرفقة كانت معه فضرب بها وجه جملك ، و قال : أما و اللّه ما يومه منك بواحد و لا بليته منك بواحدة ، و أما إنّه لا يبغضه إلاّ منافق أو كذّاب ، و أنشدك اللّه يا عايشة أتذكرين مرض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده و معه عمر و قد كان عليّ يتعاهد ثوب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و نعله و خفه و يصلح ما و هى منها ، و كان دخل قبل ذلك و أخذ نعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يخصفها خلف البيت ، فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت أحمد اللّه . قالا : ما بد من الموت ؟ قال : لا بد منه ، قالا : فهل استخلفت أحدا ؟ فقال : ما خليفتي فيكم إلاّ خاصف النعل . فخرجا فمرّا على عليّ عليه السّلام و هو يخصف النعل . كل ذلك تعرفينه يا عايشة و تشهدين عليه لأنّك سمعته من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . يا عايشة أنا أخرج على عليّ عليه السّلام بعد هذا الذي سمعته من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

فرجعت عايشة إلى منزلها و قالت : يا بن الزبير أبلغ طلحة و الزبير أنّي لست بخارجة بعد الذي سمعته من امّ سلمة . فرجع فبلغهما .

قال عبد الرحمن : فما انتصف الليل حتّى سمعنا رغاء إبلها ترتحل . . .

قال المرتضى : و من العجائب أن يكون مثل هذا الخبر الذي يتضمن

النص بالخلافة ، و كل فضيلة غريبة موجودا في كتب المخالفين و فيما يصححونه من رواياتهم و يصنفونه من سيرتهم و لا يتبعونه ١ .

هذا و قال ابن أبي الحديد : معنى كلامه عليه السّلام : « و لو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل » ، أنّ عمر لو ولّي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل ، و الوجه الذي أنا وليت الخلافة عليه ، و نسبت عمر إلى أنّه كان يؤثر قتله ،

و دعيت إلى ان تخرج عليه في عصابة من المسلمين إلى بعض بلاد الإسلام تثير فتنة و تنقض البيعة لم تفعل ٢ .

قلت : ما قاله في غاية الركاكة ، فإنّها و عمر و أبوها كنفس واحدة ، أسسوا ما أسسوا معا ، فتفسيره نظير أن يفسر الكلام أنّ عايشة لو دعيت إلى قتال أبيها أبي بكر ما فعلت ، و إنّما المراد بغيره عليه السّلام عثمان ، فإنّ عثمان لمّا قطع عنها ما كان أبوها و عمر يعطيانها و كان لم يراع غير بني اميّة بني أبيه ، قالت :

اقتلوا نعثلا فقد كفر ، و حرّضت النّاس على الخروج عليه ، و كانت كلماتها و حركاتها فيه دخيلة في قتله ، و لمّا سئل محمّد بن طلحة عن دم عثمان قال مع كونه من أتباع عايشة : ثلثة على عايشة و ثلثه على أبيه ، كانت عايشة تقنع في عثمان بأن تقول أبلى عثمان دين النّبيّ و لم يبل نعلاه ، و أما أن تخرج على عثمان كما خرجت عليه عليه السّلام ، فلا ، مع أنّ أهل مصر و أهل الكوفة و أهل البصرة الذين جاؤوا لقتل عثمان كانوا حاضرين لدعوتها إلى قتاله ، فكانت ملجأهم حتّى لا يأخذ عثمان رؤساءهم ، لأنّه لم يكن لها مع عثمان ضغن شديد كما كان لها معه عليه السّلام ، و كيف تخرج عليه و هو فرع أبيها ؟ و إنّما أسخطها عليه قطع زيادة كان من قبله يعطيها فلو كانوا دعوها لم تجبهم .

ــــــــــــ

 ( ١ ) أورده المجلسي في بحار الأنوار ٣٢ : ١٥١ ، رواية ١٢٥ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٩٩ .

« و لها بعد حرمتها الاولى » في ( العقد الفريد ) : أوّل ما تكلّمت به الخوارج يوم الجمل قالوا : ما أحلّ له دماءهم و حرّم علينا أموالهم ؟ فقال عليّ عليه السّلام : هي السّنة في أهل القبله . قالوا : ما ندري ما هذا . قال : فهذه عايشة رأس القوم ،

أتتساهمون عليها ؟ قالوا : سبحان اللّه امّنا . قال : فهي حرام ؟ قالوا : نعم . قال :

فإنّه يحرم من أبنائها ما يحرم منها ١ .

و في ( جمل المفيد ) : لمّا عزم عليه السّلام على المسير إلى الكوفة أنفذ إلى عايشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة ، فتهيأت لذلك و أنفذ معها أربعين امرأة ألبسهن العمائم و القلانس و قلدهن السيوف ، و أمرهن أن يحففنها و يكن عن يمينها و شمالها و من ورائها ، فجعلت تقول في الطريق : اللهمّ افعل بعليّ و افعل ، بعث معي الرجال و لم يحفظ فيّ حرمة النّبيّ . فلمّا قدمن المدينة ألقين العمائم و السيوف و دخلن معها ، فلمّا رأتهن ندمت على ذمّه عليه السّلام و قالت : جزى اللّه ابن أبي طالب خيرا ، فلقد حفظ فيّ حرمة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ٢ .

و قد روى محمّد بن عليّ المعروف بأعثم الكوفي في ( فتوحه ) المؤلف في سنة ( ٢٠٤ ) و ترجمة أحمد بن محمّد المتوفى في سنة ( ٥٩٦ ) و هما من رجالهم ، و قد ذكرهما صاحب ( كشف الظنون ) ما معناه : أنّ عايشة لم ترد الشخوص من البصرة فخوّفها عليه السّلام بطلاقها من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المفوّض إليه عليه السّلام ، فقال بعد ذكر إرساله عليه السّلام ابن عبّاس إليها ثم دخوله بنفسه عليها ،

و تبكيتها بما فعلت و أمرها بشخوصها إلى المدينة . و بعث في غده ابنه الحسن إليها ، فقال لها : يحلف أمير المؤمنين لئن لم تشخصي الساعة أقول كلاما أنت تعلمينه في حقّك و كانت تسرح رأسها في تلك الساعة ، و كانت نسجت إحدى

ــــــــــــ

 ( ١ ) العقد الفريد ٥ : ٧٩ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٤١٥ ، مروج الذهب ٢ : ٣٧٩ ، تذكرة الخواص : ٨٠ .

ذؤابتيها و بقيت الاخرى فلمّا سمعت ذلك من الحسن عليه السّلام ، تركت الاخرى بحالها و قامت و قالت : عجّلوا براحلتي أرجع إلى المدينة . و كانت امرأة من المهالبة عندها ، فقالت لها : يا امّ المؤمنين جاءك ابن عباس و كلمك بكلمات واجبتيه بجوابات غليظة حتى رجع مغضبا و جاءك عليّ بنفسه و قد ردّت بينكما كلمات ، و جاءك هذا الغلام و كلّمك بكلمات اضطربت منها ، فما سببه ؟

فقالت : قلقت من كلامه لأنّه ابن النّبيّ و إنسان عينه ، فمن أراد أن يرى انسان عين النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلينظر في إنسان عين الحسن . و كانت كلمة اخرى متعلقة بلسان علي فأرسل الحسن إلي منها برمز ، فلا بد من استماعها و شخوصي إلى المدينة .

فقالت المرأة : أنشدك بالذي أرسل محمّدا بالحق إلاّ تخبريني ما تلك الكلمة . فقالت عايشة : لمّا أحلفتني اخبرك ، إنّه كان اتي في غزوة بغنائم كثيرة ،

و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقسمها على أصحابه ، فطلبت أنا و بعض نسائه الاخرى منها شيئا و ألححنا عليه حتّى ضاق صدره منّا و كان علي حاضرا فلامنا على إلحاحنا و قال : لا تكثرنّ الكلام و اسكتن فقد آذيتن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فأجبناه بكلمات غليظة فتلا علينا قوله تعالى : عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ . . . ١ ، فألححنا مرّة اخرى و قلنا لعلي كلمات شديدة ، فغضب النّبيّ مما كلمنا عليّا فقال : جعلت طلاق هؤلاء النسوة بيدك فمن شئت أن تطلق منهن بعد وفاتي فافعل ، فخفت إن لم أشخص هذه الساعة أن يطلقني علي و يقطع سببي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ٢.

و من الغريب أن النصّاب وضعوا لها في مقابل هذه الرواية ، مع كونها

ــــــــــــ

 ( ١ ) التحريم : ٥ .

 ( ٢ ) كتاب الفتوح ٢ : ٤٨٣ ٤٨٤ .

من طريقهم : ( أنا زوجته في الدّنيا و الآخرة و زوجته في الجنّة ) و كيف هي استحيت من مجاورة جسدها لجسد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فأوصت ألاّ تدفن معه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لإحداثها . و الرواية و إن لم تتضمن وقوع الطلاق منه عليه السّلام ، إلاّ أنّ نساء الأنبياء كأبنائهم لسن و ليسوا كنساء باقي النّاس و أبنائهم ، فنسبتهن و نسبتهم إنّما تكون باقية ما داموا سالكين على منهاج النبوّة من الإيمان باللّه تعالى حقيقة ، و الإتيان بالعمل الصالح صدقا و إلاّ فلا .

قال تعالى لنوح في ابنه : . . . إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح . . . ١ .

و قال سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله مخاطبا نساءه : يا نساء النّبيّ لستن كأحد من النساء . . . ٢ و . . . من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا ٣ .

« و الحساب على اللّه » في ( جمل المفيد ) : روى محمّد بن عبد اللّه بن عمر بن دينار بعد ذكر هزيمة أهل الجمل : و قال عليّ عليه السّلام لمحمد بن أبي بكر : سلها هل وصل إليها شي‏ء ؟ فسألها ، قالت : نعم ، وصل إليّ سهم خدش رأسي ، اللّه بيني و بينكم . فقال لها محمّد : و اللّه ليحكمنّ عليك يوم القيامة ما كان بينك و بين أمير المؤمنين ، حتّى تخرجين عليه و تؤلّبين النّاس على قتاله ، و تنبذي كتاب اللّه وراء ظهرك . فقالت : دعنا يا محمّد ، و قل لصاحبك يحرسني و الهودج كالقنفذ من النبل فرجع محمّد إليه عليه السّلام و أخبره بما جرى بينهما .

فقال عليه السّلام : هي امرأة و النساء ضعاف العقول ، فتولّ أمرها و احملها إلى دار ابن

ــــــــــــ

 ( ١ ) هود : ٤٦ .

 ( ٢ ) الأحزاب : ٣٢ .

 ( ٣ ) الأحزاب : ٣٠ .

خلف . فحملها ، و إنّ لسانها لا يفتر من السّب له و لعلي عليه السّلام ١ .

و قال ابن أبي الحديد : قوله عليه السّلام : « و الحساب على اللّه » يدل على توقفه في أمرها ، و يجوز أن يكون قاله قبل أن يتواتر عنده توبتها ، و قالت أصحابنا إنّها تابت بعد قتله عليه السّلام و ندمت و قالت : لوددت أنّ لي من النّبيّ عشرة بنين كلّهم ماتوا و لم يكن يوم الجمل ، و إنّها كانت بعد قتله عليه السّلام تثني عليه و تنشر مناقبه ،

و قد أكّد وقوع التوبة منها ما روي في الأخبار المشهورة أنّها زوجة النّبيّ في الآخرة أيضا ٢ .

قلت : أمّا ما ذكره من توبتها بعد قتله عليه السّلام ، فإن أراد به ما قاله أبو الفرج في مقالته إنّ عايشة لمّا جاءها قتل أمير المؤمنين عليه السّلام سجدت و تمثلت :

فألقت عصاها و استقر بها النوى

كما قر عينا بالإياب المسافر

ثم قالت : من قتله ؟ فقيل رجل من مراد ، فقالت :

فإن يك نائيا فلقد بغاه

غلام ليس في فيه التراب

فقالت لها زينب بنت ام سلمة : ألعلي عليه السّلام تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت فذكروني ، ثم تمثّلت :

ما زالت اهداء القصائد بيننا

شتم الصديق و كثرة الألقاب

حتّى تركت كأنّ قولك فيهم

في كل مجتمع طنين ذباب ٣

و لمّا أرادوا دفن الحسن عليه السّلام ركبت عايشة بغلا و استعونت بني اميّة و بني مروان و من كان هناك منهم و من حشمهم ، و هو قول القائل :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٦٨ ٣٧١ ، أنساب الأشراف ٢ : ٢٤٨ ٢٥٠ ، الأخبار الطوال : ١٥١ ، تاريخ الطبري ٤ : ٥٠٩ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٩٩ ٢٠٠ .

 ( ٣ ) مقاتل الطالبيين : ٢٦ .

« فيوما على بغل و يوما على جمل »١ ، فلعل و إلاّ فلم نقف على توبة لها بعده عليه السّلام .

و أمّا ما ذكره من نشرها مناقبه عليه السّلام و ثنائها عليه ، فإنّما كان من باب إجراء الحق على لسانها ، إتماما للحجة عليها و على أتباعها ، كما جرى على لسان أبيها و فاروقه و باقي ستتهم و عشرتهم و ساير أعوانهم ، و لم ينحصر ذلك منها بكونه بعد قتله عليه السّلام ، بل كان ذلك طول عمرها و في أيّام خلافته عليه السّلام التي تمنّت وقوع السماء على الأرض و عدم وصول الخلافة إليه عليه السّلام ، فقد عرفت أنّها قالت لأبي قتادة بعد فراغه من قتل الخوارج : سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : يقتلهم أحبّ الخلق إلى اللّه و إليّ .

مع أنّه لو أراد بأخبارهم المشهورة أخبار مثل سيف الذي يضع في مقابل كل أمر أمرا ، فقال : إنّ عايشة سئلت عن عدّة من كان معها و من كان عليها ، فكلّما نعي لها منهم واحد قالت : يرحمه اللّه . فقال لها رجل من أصحابها :

كيف ذلك ؟ قالت : كذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلان في الجنّة و فلان في الجنّة ، و قال عليّ يومئذ : إنّي لأرجو أن لا يكون أحد من هؤلاء نقى قلبه إلاّ أدخله اللّه الجنّة ٢ .

و قال سيف أيضا : إنّ عايشة لمّا أرادت الارتحال من البصرة و دّعت النّاس و قالت : يا بنيّ يعتب بعضنا على بعض استبطاء و استزادة ، فلا يعتدن أحد منكم على أحد بشي‏ء بلغه من ذلك ، إنّه ما كان بيني و بين عليّ في القديم إلاّ ما يكون بين المرأة و أحمائها ، و إنّه عندي على معتبتي من الأخيار . و قال عليّ : أيّها النّاس صدقت و برّت ، ما كان بيني و بينها إلاّ ذلك ، و إنّها لزوجة نبيّكم

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه : ٤٩ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٣٧ ، سنة ٣٦ .

في الدّنيا و الآخرة ١ .

و قال أيضا : إنّ عليّا لمّا انتهى إلى عايشة قال لها : يغفر اللّه . قالت : و لك ٢،

بل روى أن عليّا أيضا تاب كعايشة ، فقال : دخل القعقاع بن عمرو على عايشة في أوّل من دخل ، فقالت له : إنّي رأيت بالأمس رجلين اجتلدا بين يدي و ارتجزا بكذا ، فهل تعرف كوفيك منها ؟ قال : نعم ذلك الذي قال : « أ عقّ امّ نعلم » و كذب إنّك لأبرّ امّ نعلم ، و لكن لم تطاعي . فقالت : و اللّه لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . و خرج فأتى عليّا فأخبره أن عايشة سألته ، فقال : ويحك من الرجلان ؟ قال : ذاك أبو هالة الذي يقول : « كيما أرى صاحبه عليّا » . فقال : و اللّه لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . فكان قولهما واحد ٣ .

كما انّه بدّل خبر نبح كلاب الحوأب لعايشة مع تواتره و اتفاق السير عليه ، بنبحها لام زمل ، و قال : هي عتيقة عايشة .

ففي ( الطبري ) في سنة ( ١١ ) عن سيف : اجتمعت فلال غطفان إلى ظفر ،

و بها ام زمل و هي تشبه بامها امّ قرفة ، و في مثل عزّها و عندها جملها و كانت قد سبيت أيّام ام قرفة ، فوقعت لعايشة فأعتقها ، فكانت تكون عندها ثم رجعت إلى قومها . و كان النّبيّ دخل عليهن يوما فقال : إنّ إحداكن تستنبح كلاب الحوأب ، ففعلت ام زمل سلمى ذلك حين ارتدت ، فسيرت في ما بين ظفر و الحوأب ليجمع إليها كل فل ٤.

و من أخبار سيف : أنّه قيل لعليّ : إنّه قام رجلان على الباب فقال أحدهما :

« جزيت عنّا عقوقا » ، و قال الآخر : « يا امّنا توبي فقد خطأت » ، فبعث القعقاع بن

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٤٤ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٣٤ ، سنة ٣٦ .

 ( ٣ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٣٧ ، سنة ٣٦ .

 ( ٤ ) تاريخ الطبري ٣ : ٢٦٣ ٢٦٤ ، سنة ١١ .

عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه ، فأحالوا على رجلين فقال : اضرب أعناقهما ، ثم قال : لأنهكنهما عقوبة فضربهما مائة مائة و أخرجهما من ثيابهما ١ .

سبحان اللّه من هؤلاء يعبدون هذه المرأة من دون اللّه ؟ . . . و غرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ٢ و لا غرو فكانوا يأخذون بعر جملها و يقولون ريح بعر جمل امّنا ريح المسك ، و قد صرّحوا بعبادتهم لها من دون اللّه .

فقال الواقدي و المدائني و غيرهما : إنّه خرج من أهل البصرة شيخ صبيح الوجه ، نبيل عليه جبّة و شي‏ء يحض النّاس على الحرب و يقول :

يا معشر النّاس عليكم امّكم

فإنّها صلاتكم و صومكم ٣

و أرادوا قتل أمير المؤمنين الذي هو نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنص القرآن ،

و ابنيه سيدي شباب أهل الجنّة و ريحانتي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و هم الذين شهد اللّه بعصمتهم و طهارتهم ، لامرأة تبرّجت تبرّج الجاهليّة الاولى ، و ضربها اللّه مثلا للذين كفروا كامرأة نوح و لوط ، فقال أبو مخنف : خرج عوف بن قطن الضبي و هو ينادي : ليس لعثمان ثار إلاّ عليّ و ولده ، و قال :

يا ام يا ام خلا مني الوطن

لا أبتغي القبر و لا أبغي الكفن

من هاهنا معشر عوف بن قطن

إن فاتنا اليوم عليّ فالغبن

أو فاتنا ابناه حسين و حسن

إذن أمت بطول همّ و حزن

و من المصيبة العظمى و ما يضحك الثكلى أنّها تجعل نفسها كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يصدّقونها ، فأخذت كفّا من حصى و حصبت بها أصحاب أمير

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه ٤ : ٥٤٠ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) آل عمران : ٢٤ .

 ( ٣ ) هو كعب بن سور الأزدي ، راجع بحار الأنوار ٣٢ : ١٧٩ ح ١٣٢ .

المؤمنين عليه السّلام و صاحت بأعلى صوتها : شاهت الوجوه ، و قد كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فعل ذلك يوم حنين ، فقال لها قائل : . . . و ما رميت إذ رميت و لكن اللّه رمى . . . ١ .

و لقد كان الواجب أن يقال لها : ( و ما رميت إذ رميت و لكن الشيطان رمى ) ، و لكن لا غرو إذا كانت إلهتهم أن تكون نبيتهم ، فإن كان أصحاب سجاح يقولون : « أضحت نبيتنا انثى نطيف بها » ، و هؤلاء ليقولوا : أضحت إلهتنا انثى نطيف بها .

و لأجل أخبارهم المتناقضة و مذهبهم المتضاد ذهب جمع من أئمتهم كواصل بن عطاء و عمرو بن عبيد و أبي هذيل العلاف و أبى بكر الملقب بجريال ، بأنّ أحد الفريقين فاسق إمّا علي و إمّا طلحة و الزبير و عايشة ، أحد الفريقين فاسق لا بعينه كالمتلاعنين .

و قال هشام القوطي و عباد بن سليمان الصيمري : إنّ الجميع كانوا على حق ، و انّهم لم يريدوا القتال أصلا ، و إنّما أنشب القتال غوغاء الفريقين و هو مذهب سيف بن عمر .

١١

الخطبة ( ٢١٩ ) و من كلام له عليه السّلام لما مرّ بطلحة و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و هما قتيلان يوم الجمل :

لَقَدْ أَصْبَحَ ؟ أَبُو مُحَمَّدٍ ؟ بِهَذَا اَلْمَكَانِ غَرِيباً أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ ؟ قُرَيْشٌ ؟ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ اَلْكَوَاكِبِ أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ ؟ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ؟ وَ أَفْلَتَنِي أَعْيَانُ ؟ بَنِي جُمَحٍ ؟ لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأنفال : ١٧ .

أَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ أقول : الذي وقفت عليه من كلامه عليه السّلام في قتلى الجمل طلحة و ابن عتاب و غيرهما ، من الزبير و كعب بن سور القاضي و محمد بن زهير و عبد اللّه بن خلف و عبد اللّه بن ربيعة بن رواح و سفيان بن حويطب و عبد اللّه بن حكيم بن حزام و عبد اللّه بن المغيرة بن الأخنس و عبد اللّه بن الأخنس بن شريق ، ما رواه المبرد في ( كامله ) عن التوزي عن محمّد بن عباد بن حبيب أحسبه عن أبيه قال : لمّا انقضى يوم الجمل خرج عليّ عليه السّلام في ليلة ذلك اليوم و معه قنبر و في يده مشعلة من نار يتصفّح القتلى حتّى وقف على رجل قال التوزي : فقلت :

أ هو طلحة ؟ قال : نعم . فلمّا وقف عليه قال : اعزز عليّ أبا محمّد أن أراك معفّرا تحت نجوم السماء و في بطون الأودية ، شفيت نفسي و قتلت معشري إلى اللّه أشكو عجري و بجري ١ .

و ما في المدائني في ( تاريخه ) : و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر إنّ عليّا عليه السّلام مر بطلحة و هو ملبّد بنفسه ، فوقف عليه و قال : أما و اللّه إن كنت لأبغض أن أراكم مصرّعين في البلاد ، و لكن ما حمّ واقع ، ثم تمثل :

و ما تدري إذا أزمعت أمرا

بأيّ الأرض يدركك المقيل

و ما يدري الفقير متى غناه

و لا يدري الغني متى يعيل

و ما تدري إذا أنتجت شولا

أتنتج بعد ذلك أم تحيل ٢ .

و ما رواه زيد بن فراس عن غزال بن مالك كما في ( جمل المفيد ) قال :

لمّا قتل الزبير و جي‏ء برأسه إلى عليّ عليه السّلام ، قال : أما و اللّه لو لا ما كان من أمر حاطب بن أبي بلتعة ، ما اجترأ طلحة و الزبير على قتالي ، و انّ الزبير كان أقرب

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكامل للمبرّد .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد .

إليّ من طلحة ، و مازال منّا أهل البيت حتّى بلغ ابنه فقطع ما بيننا ١ .

و ما رواه المفضل بن فضالة عن شداد بن الهاد عن محمّد بن إبراهيم قال : هرب الزبير على فرس له يدعى ذا الخمار إلى أن قال بعد مجي‏ء ابن جرموز برأسه و سيفه استلّ عليّ عليه السّلام سيفه و قال : سيفه أعرفه ، أما و اللّه لقد قاتل بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و لكنّه الحين و مصارع السوء ٢ .

و عن عبد اللّه بن جعفر عن ابن أبي عون مثله و زاد : ثم تفرّس في وجه الزبير و قال : لقد كان لك بالنبي صلّى اللّه عليه و آله صحبة و منه قرابة ، و لكن دخل الشيطان منخرك فأوردك هذا المورد ٣ .

و روى ( جمل المفيد ) أيضا : أنّه لمّا انجلت الحرب و قتل طلحة و الزبير و حملت عايشة إلى قصر بني خلف ، ركب عليّ عليه السّلام و تبعه أصحابه و عمّار يمشي مع ركابه ، حتّى خرج إلى القتلى يطوف عليهم ، فمرّ بعبد اللّه بن خلف الخزاعي و عليه ثياب حسان مشهرة ، فقال النّاس : هذا و اللّه رأس النّاس .

فقال عليه السّلام : ليس برأس النّاس ، و لكنّه شريف منيع النفس .

ثمّ مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فقال : هذا يعسوب القوم و رأسهم كما تروه . ثم جعل يستعرض القتلى رجلا رجلا ، فلمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال : جدعت أنفي أما و اللّه إن كان مصرعكم لبغيضا اليّ و لقد قدّمت إليكم و حذّرتكم عضّ السيوف ، و كنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ، و لكن الحين و مصرع السوء نعوذ باللّه من سوء المصرع .

ثمّ سار حتّى وقف على كعب بن سور القاضي و هو مجدّل بين القتلى

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٨٩ .

 ( ٢ ) الطبقات الكبرى ٣ : ١١١ ١١٢ ، تلخيص الشافي ٤ : ١٣٧ ، الاحتجاج ١ : ١٦٣ .

 ( ٣ ) الجمل للمفيد : ٣٩٠ .

و في عنقه المصحف ، فقال : نحّوا المصحف وضعوه في مواضع الطهارة ، ثم قال : أجلسوا لي كعبا ، فاجلس فقال : يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقا ؟ ثم قال : اضجعوا كعبا . فتجاوزه ، فمر فرأى طلحة صريعا ، فقال :

أجلسوا طلحة ، فاجلس ، فقال عليه السّلام : يا طلحة بن عبيد اللّه قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ؟ ثم قال : اضجعوه . فوقف رجل من القرّاء أمامه فقال : يا أمير المؤمنين ما كلامك هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاما و لا تردّ جوابا فقال عليه السّلام : انّهما ليسمعان كلامي كما تسمع أصحاب القليب كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و لو اذن لهما في الجواب لرأيت عجبا.

و مرّ بمعبد بن مقداد و هو في الصرعى فقال عليه السّلام : رحم اللّه أبا هذا ، إنّما كان رأيه فينا أحسن من رأي هذا . فقال عمّار : الحمد للّه الذي أوقعه و جعل خدّه الأسفل ، إنّا و اللّه يا أمير المؤمنين لا نبالي من عن الحق عند من والد و ولد .

فقال عليه السّلام : رحمك اللّه يا عمّار و جزاك اللّه عن الحق خيرا .

و مرّ بعبد اللّه بن ربيعة بن رواح و هو في القتلى ، فقال عليه السّلام : هذا البائس ما كان أخرجه نصر لعثمان ، و اللّه ما كان رأي عثمان فيه و لا في أبيه بحسن .

و مرّ عليه السّلام بمعبد بن زهير بن اميّة فقال : لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام ، و اللّه ما كان فيها بذي نخيرة ، و لقد أخبرني من أدركه إنّه يلوذ خوفا من السيف حتّى قتل البائس ضياعا .

و مرّ بمسلم بن قرطبة فقال عليه السّلام : ألبر خرج هذا و لقد سألني أن اكلّم عثمان في شي‏ء يدعيه عليه بمكّة ، فلم أزل به حتّى أعطاه و قال لي : لو لا أنت ما أعطيته ، إنّ هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ، ثمّ جاء المشوم لحينه ينصر عثمان .

ثمّ مرّ بعبد اللّه بن عمير بن زهير و قال : هذا أيضا ممّن أوضع في قتالنا ،

يطلب بزعمه دم عثمان ، و لقد كتب إليّ كتابا يؤدّي عثمان فأعطاه شيئا فرضي عنه.

و مرّ بعبد اللّه بن حكيم بن حزام فقال عليه السّلام : هذا خالف أباه في الخروج عليّ ، و إنّ أباه حيث لم ينصرنا بايع و جلس في بيته ، ما ألوم اليوم أحدا إذا كف عنّا و عن غيرنا ، و لكن الملوم الذي يقاتلنا .

و مرّ بعبد اللّه بن المغيرة بن الأخنس فقال : أمّا هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار ، فخرج غضبا لقتل أبيه و هو غلام لا علم له بعواقب الامور .

و مرّ بعبد اللّه بن الأخنس بن شريق فقال عليه السّلام : أمّا هذا فإنّي أنظر إليه و قد أخذ القوم السيوف و إنّه لهارب يعدو من الصف ، فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهته ، و كان هذا مما خفي على فتيان قريش ، أغمار لا علم لهم بالحرب ،

خدعوا و استزلوا فلمّا وقعوا لحجوا فقتلوا ١ .

و رواه ( الإرشاد ) مختصرا و فيه : في كعب هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنّه ناصر امّه ، يدعو النّاس إلى ما فيه و هو لا يعلم ما فيه ،

ثم استفتح فخاب كل جبّار عنيد ، أما إنّه دعا اللّه أن يقتلني فقتله اللّه اجلسوا كعبا . . .

و في طلحة قال عليه السّلام : هذا الناكث بيعتي و المنشي‏ء الفتنة و المجلب عليّ و الداعي إلى قتلي و قتل عترتي ، أجلسوا طلحة . . . ٢ .

و في ( كافية المفيد ) على نقل البحار و نقله ( الخوئي ) أيضا : عن خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عليه السّلام : مرّ عليّ عليه السّلام على طلحة و هو

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٩١ ٣٩٤ ، الشافي ٤ : ٣٤٤ ، الاحتجاج ١ : ١٦٣ ١٦٤ ، بحار الأنوار ٣٢ : ٢٠٧ ٢٠٩ .

 ( ٢ ) الإرشاد ١ : ٢٥٤ ٢٥٧ ، بحار الأنوار ٣٢ : ٢٠٩ .

صريع فقال : أجلسوه فقال : أم و اللّه لقد كان لك صحبة ، و لقد شهدت و سمعت و رأيت ، و لكن الشيطان أزاغك و أمالك فأوردك جهنم ١ .

و روى أبو مخنف عن الأصبغ و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر قال : لمّا انهزم أهل البصرة ركب عليّ عليه السّلام بغلة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الشهباء و كانت باقية عنده و سار في القتلى يستعرضهم ، فمر بكعب بن سور قاضي البصرة و هو قتيل فقال : أجلسوه فاجلس . فقال : ويل امّك كعب بن سور ، لقد كان لك علم لو نفعك ، و لكن الشيطان أضلّك فأذلّك فعجلك إلى النار ،

أرسلوه .

ثم مر بطلحة قتيلا فقال : أجلسوه ، فأجلس فقال له : ويل امّك طلحة ، لقد كان لك قدم لو نفعك ، و لكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار .

ثم مر بعبد اللّه بن خلف الخزاعي و كان قتيلا بيده مبارزة ، و كان رئيس أهل البصرة فقال : أجلسوه ، فأجلس ، فقال : الويل لك يابن خلف لقد عانيت أمرا عظيما ٢ .

و في ( جمل المفيد ) : روى إبراهيم بن نافع عن سعيد بن أبي هند قال :

أخبرنا أصحابنا ممّن حضر القتال يوم البصرة أنّ عليّا عليه السّلام قاتل يومئذ أشد القتال و سمعوه و هو يقول : تبارك اللّه الذي اذن لهذه السيوف تصنع ما تصنع .

و نظر عليه السّلام يومئذ إلى سفيان بن حويطب بن عبد العزى و هو يسترجع من الخوف و ما التحم من الشر ، فقال عليه السّلام له : انحز إلى أصحابي لا تقتل .

فانحاز إليهم إلى أن حمل أصحاب الجمل جملة ، فإذا هو قد صار في حيزهم ،

فحمل عليه رجل من همدان و عليّ عليه السّلام يصيح : « كف عنه » ، و الهمداني لا يفهم

ــــــــــــ

 ( ١ ) كافية المفيد : ٢٥ ٢٦ ، بحار الأنوار ٣٢ : ٢٠١ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٨ ٢٤٩ .

حتّى قطعه اربا إربا . فقال عليه السّلام : يا ويحه لفّته السيوف و قد كان مقتله إليّ بغضيا ١ .

و في ( ذيل الطبري ) : مر عليّ عليه السّلام بعبد اللّه بن مقداد ، و امّه صباعة بنت الزبير بن عبد المطلب و كان قتل مع عايشة فقال : بئس ابن الاخت ٢ .

قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام لما مرّ بطلحة » في ( جمل المفيد ) : و في رواية عليّ بن زيد بن جدعان : لمّا بلغ طلحة أنّ الزبير اندفع ، ذهب في طلبه فمر بمروان فرآه ، فقال : لا أطلب بثأري بدم بعد اليوم ، ثم رماه بسهم فقتله ٣ .

« و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و هما قتيلان يوم الجمل » في ( جمل أبي مخنف ) : خرج عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن العاص بن اميّة بن عبد الشمس و هو من أشراف قريش و كان اسم سيفه ولول فارتجز و قال :

أنا ابن عتّاب و سيفي و لول

و الموت عند الجمل المجلل

فحمل عليه الأشتر فقتله ٤ .

و في ( جمل المفيد ) : روى محمّد بن عبيد اللّه عن عمرو بن دينار عن صفوان قال : لمّا تصاف النّاس يوم الجمل ، أقبل الأشتر النخعي و جندب بن زهير العامري قبال الجمل يرفلان في السلاح ، حتّى قتلا عبد الرحمن بن عتاب و معبد بن زهير بن خلف بن اميّة ٥.

و روى محمّد بن عبد اللّه قال : قطعت يوم الجمل يد عبد الرحمن و فيها الخاتم ، فأخذه نسر فطرحه باليمامة فأخذه أهل اليمامة و اقتلعوا حجره ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٦١ .

 ( ٢ ) ذيل تاريخ الطبري ١١ : ٦٢٠ .

 ( ٣ ) الجمل للمفيد : ٣٨٤ .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٦٤ ٢٦٥ .

 ( ٥ ) الجمل للمفيد : ٣٦٤ .

و كان ياقوتا فابتاعه رجل منهم بخمسمائة دينار ، فقدم به مكّة فباعه بربح عظيم ١ .

و في ( المروج ) : اصيب كفّه بعد يوم الجمل بثلاثة أيّام و في خاتمه ( عبد الرحمن بن عتاب ) ٢ .

هذا و قال ابن أبي الحديد : و عبد الرحمن هو الذي قال عليه السّلام فيه و قد مر عليه : لهفي عليك يعسوب قريش ، هذا فتى الفتيان ، هذا اللباب المحض من بني عبد مناف ، شفيت نفسي و قتلت معشري ، إلى اللّه أشكو عجري و بجري . فقال له قائل : لشد ما أطريت الفتى منذ اليوم ، فقال : إنّه قام عنّي و عنه نسوة لم يقمن عنك ٣ .

قلت : الأصل فيه ( بيان الجاحظ ) فعبّر بمثله . و زاد بعد قوله ( و بجري ) :

قتلت الصناديد من بني عبد مناف و أفلتني الأعيار من بني جمح . فقال الخ . . .

و كذا ( مروج المسعودي ) فقال : مر عليّ عليه السّلام على عبد الرحمن فقال :

لهفي عليك يعسوب قريش ، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف ، شفيت نفسي و جدعت أنفي . فقال له الأشتر : ما أشدّ جزعك عليهم و قد أرادوا بك ما نزل بهم .

فقال : إنّه قامت عني و عنهم . . . و هو من أخبارهم الموضوعة ، فأمير المؤمنين عليه السّلام لم يكن يثني على المنافقين ، فإنّهم و إن كانوا من حيث الجسم و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم . . . ٤ ، لكنّهم من حيث الروح . . . كأنّهم خشب مسندة . . . ٥ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٦٤ ، تجارب الامم ١ : ٣٣١ ، شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢٤ .

 ( ٢ ) مروج الذهب ٢ : ٣٨٠ ، و الآية ٤ من سورة المنافقين .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٩ .

 ( ٤ ) سورة المنافقين : ٤ .

 ( ٥ ) مروج الذهب ٢ : ٣٨٠ .

قوله عليه السّلام على نقل المصنّف « لقد أصبح أبو محمّد » يعني طلحة ، فكان مكنيا باسم ابنه محمّد بن طلحة الذي كان يوم الجمل كلّما حمل عليه رجل قال : نشدتك ب « حم » فينصرف عنه ، حتّى شد عليه رجل من بني أسد بن خزيمة فنشده فلم يثنه ذلك و طعنه فقتله و قال :

و أشعث سجاد بآيات ربه

قليل الأذى في ما ترى العين مسلم

شككت له بالرمح جيب قميصه

فخر صريعا لليدين و للفم

على غير شي‏ء غير أن ليس تابعا

عليّا و من لا يتبع الحق يندم

يذكرني حم و الرمح شاجر

فهلا تلاحم قبل التقدم

ثم قد عرفت رواية أبي مخنف و روايات ( جمل المفيد ) و ( إرشاده ) و ( كافيته ) فيه ، و أنّه عليه السّلام لمّا مر عليه قال : أجلسوه ، فاجلس فقال له : و الفظ للاول لقد كان لك قدم لو نفعك ، و لكن الشيطان أضلّك فأزلّك فعجّلك إلى النار .

و أما قول ( المروج ) : نادى عليّ رضى اللّه عنه طلحة حين رجع الزبير : يا أبا محمّد ما الذي أخرجك ؟ قال : الطلب بدم عثمان . فقال له : أما سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول :

اللهم وال من والاه و عاد من عاداه ، و أنت أوّل من بايعني ثم نكثت ، و قد قال عزّ و جلّ . . . فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه . . . ١ فقال : أستغفر اللّه . ثم رجع .

فقال مروان : رجع الزبير و رجع طلحة ما ابالي رميت هاهنا أم هاهنا فرماه في اكحله فقتله .

فمر به عليّ عليه السّلام بعد الوقعة في موضع في قنطرة قرة ، فوقف عليه فقال : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، و اللّه لقد كنت كارها ، أنت و اللّه كما قال القائل :

ــــــــــــ

 ( ١ ) سورة الفتح : ١٠ .

فتى كان يدنيه الفتى من صديقه

إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

كأنّ الثريا علقت في يمينه

و في خده الشعرى و في الآخر البدر ١

فمن الأخبار الموضوعة ، فلم يقل أحد أن مروان رماه لمّا أراد الرجوع ،

بل لكونه أوّل محرّض على عثمان حتّى قتل و منع من دفنه .

و كيف يتكلّم أمير المؤمنين بالمزخرفات الشعرية و التّرهات الباطلة ،

من كون الثريا في يمين رجل و الشعرى في خدّه و البدر في يساره . و إنّما دعاهم إلى وضع هذا الخبر أنّ قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه عليه السّلام : « اللهم وال من والاه و عاد من عاده » متواترا ، فيلزم أن يكون عدوّ اللّه و قد جعلوه من العشرة المبشّرة فافتروا بهذه الفرية .

و كيف تاب طلحة أم مدحه عليه السّلام و قد روى الواقدي كما في ( جمل المفيد ) أنّ عليّا عليه السّلام قام خطيبا بعد الفتح و قال : إنّي أحمد اللّه على نعمه ، قتل طلحة و الزبير و هربت عايشة ، و ما ازداد عدوّكم بما صنع اللّه إلاّ حقدا و ما زادهم الشيطان إلاّ طغيانا ، و لقد جاؤوا مبطلين و أدبروا ظالمين ، و إنّنا لعلى الحق و إنّهم لعلى الباطل ، و يجمعنا اللّه و إيّاهم يوم الفصل ٢ .

و روى أيضا : أنّه عليه السّلام كتب بعد الفتح إلى أهل الكوفة : أمّا بعد فإنّا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا ، المفرّقين لجماعتنا ، الباغين علينا من امّتنا ، فحاججناهم إلى اللّه ، فنصرنا اللّه عليهم و قتل طلحة و الزبير ، و قد تقدمت إليهما بالنذر ، و أشهدت عليهما صلحاء الامّة ، فما أطاعا المرشدين

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب ٢ : ٣٧٣ ٣٧٤ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٤٠٢ .

و لا أجابا الناصحين ١ .

و من أخبارهم الموضوعة ما في ( خلفاء ابن قتيبة ) : إنّ موسى بن طلحة دخل على عليّ عليه السّلام بعد انهزامهم ، فقال له علي : إنّي لأرجو أن أكون أنا و أبوك ممّن قال تعالى فيهم : و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ٢ و قال له ابن الكوا : أمسيت بالبصرة ، فقال : كان عندي ابن أخي .

قال : و من هو ؟ قال : موسى بن طلحة . فقال ابن الكوا : لقد شقينا إن كان ابن أخيك . فقال عليّ : ويحك إنّ اللّه قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد كان غفر لكم . ثم قال ابن الكوا لعليّ : من أخبرك بمسيرك هذا الذي سرت فيه ،

تضرب النّاس بعضهم ببعض و تستولي بالأمر عليهم أرأي رأيته حين تفرّقت الامة و اختلفت الدعوة ، فرأيت أنّك أحق بهذا الأمر منهم لقرابتك . فإن كان رأيا رأيته أجبناك فيه ، و إن كان عهدا عهده إليك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فأنت المأمون على النّبيّ في ما حدّثت عنه . فقال : أنا أوّل من صدقه ، فلا أكون أوّل من كذب عليه ،

أمّا أن يكون عندي عهد منه فلا و اللّه ، و لكن لمّا قتل النّاس عثمان نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من النّبيّ قد هلكا و لا عهد لهما ، و إذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل ، و خرجت ربقته من عنقي لأنّه قتل و لا عهد له ٣ .

فيقال لهم في الآية : إنّه تعالى قال في المتقين : و نزعنا ما في صدورهم من غل . . . ٤ لا للمفسدين في الأرض ، و أي مفسد في الأرض أفسد من طلحة الذي قتل عثمان ثم قتل آلافا من المسلمين باسم الطلب بدمه ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٤٠٣ ، الشافي ٤ : ٣٣٠ .

 ( ٢ ) الحجر : ٤٧ .

 ( ٣ ) الإمامة و السياسة ١ : ٧٨ ٧٩ .

 ( ٤ ) الحجر : ٤٧ .

و موسى ابنه لم يكن بدونه فهو الذي شهد على حجر بإباحة دمه لكونه شيعته عليه السّلام .

و يقال لهم في حديثهم : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » اعملوا ما شئتم إنّه بما تعملون بصير ١ .

و يقال لهم في مسيره عليه السّلام إلى أهل الجمل : إنّه من المتواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حديث الناكثين كالقاسطين و المارقين . و كيف لم يكن عنده عليه السّلام عهد منه صلّى اللّه عليه و آله ، و قد علم رواية و دراية قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله للزبير : إنّك ستقاتل عليّا ظالما ؟ و قد أقر الزبير به و احتمل عاره في توليته الدبر عنه ، و قد قال ابنه له : إنّه لا يغسل عاره عنهم إلى آخر الدهر .

و يقال في قوله : « الخليفتان اللذان أخذاها من النّبيّ » ان الأوّل أخذها بإحراق أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و الثاني بمعاهدة الأوّل له و معاضدته له ، كما أن الثالث أخذها باختيار ابن عوف له بتدبير الثاني له ، لكتابته له استخلاف الأوّل له في غشوته ، و إن أمضاه بعد إفاقته .

كما أنّ قوله : « إنّ الثالث قتل و لا عهد له » أيضا كذب ، فعهد إلى معاوية فجعله ولي دمه في متواتر رواياتهم ، و كان لم ير في مروان لياقة و لا كان مالكا لنفسه ، و إلاّ لكان لجعله ولي عهده ، و كيف لا و قد رضي بقتل نفسه ، و لم يرض أن يصل إليه مكروه بفساداته في الدين ، و قد حكم بأنّه أفضل من أمير المؤمنين عليه السّلام ، افّ لهم و لما يعبدون من دون اللّه .

و من أخبارهم الموضوعة ما في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : دخل بعض أصحاب عليّ عليه السّلام على طلحة و هو يجود بنفسه ، فقال له : اشهد على أنّي بايعت أمير المؤمنين عليّا ثم مات فاخبر الرجل عليّا فقال : رحمه اللّه .

ــــــــــــ

 ( ١ ) فصلت : ٤٠ .

و تأسف عليه ، و قال : الحمد للّه الذي لم يخرجه من الدّنيا إلاّ و بيعتي في عنقه ١ .

و ما فيه ذكر الميداني : أنّ عليّا لمّا وقف على القتلى قال : أشكو إليك عجري و بجري ، و معشرا اغشوني على بصري ، قتلت مضري بمضري شفيت نفسي و قتلت معشري ٢ .

و ما قاله ابن أبي الحديد ، بعد نقل خبر أبي مخنف المتقدّم : روت المعتزلة أنّ عليّا قال : اعزز عليّ أبا محمّد أن أراك معفّرا تحت نجوم السماء ،

أبعد جهادك في اللّه و ذبك عن نبيّه . فجاء إليه إنسان فقال : أشهد لقد مررت عليه بعد أن أصابه السهم و هو صريع ، فصاح بي : اشهد أنّي بايعت عليّا ٣ .

و ما قاله الجزري : قال الشعبي : لمّا قتل طلحة و رآه عليّ مقتولا جعل يمسح التراب عن وجهه و قال : عزيز أبا محمّد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء . ثم قال : إلى اللّه أشكو عجري و بجري . و ترحم عليه ، و قال : ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . و بكى هو و أصحابه عليه ، و سمع رجلا ينشد :

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه

إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

فقال : ذاك أبو محمّد طلحة بن عبيد اللّه ٤ فإنّها خلاف العقل و النقل و الدراية.

و لم ينحصر جعلهم الأخبار بطلحة ، و قد وضعوا لكعب بن سور القاضي و غيره من أهل الجمل ، فقال سيف الوضّاع : لمّا اتي عليّ بكعب قال :

زعمتم إنّما خرج معهم السفهاء و هذا الحبر قد ترون . و جعل عليّ كلّما مر برجل فيه خير قال : زعم من زعم إنّه لم يخرج إلينا إلاّ الغوغاء هذا العابد

ــــــــــــ

 ( ١ ) تذكرة ابن الجوزي : ٧٧ .

 ( ٢ ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : ٧٩ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٨ .

 ( ٤ ) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ٣ : ٢٥٥ .

المجتهد و صلّى على قتلى أهل البصرة . . . ١ و كل ما قاله بهتان .

« بهذا المكان غريبا » لكونه من أهل المدينة ، و قد قتل في البصرة .

و في رواية سفيان بن عنبسة كما في ( جمل المفيد ) عن أبي موسى عن الحسن البصري قال : رأيت طلحة حين أصابه السهم ، قال : ما رأيت كاليوم مصرع شيخ أضيع من مصرعي .

قال الحسن : و قد كان قبل ذلك جاهد جهادا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وقاه بيده ،

فضيّع أمر نفسه ، و لقد رأيت قبره مأوى الشقاء يضع عنده غريبة ، ثم يقضي عنده حاجته ، فما رأيت أعجب من هؤلاء ٢ .

« أما و اللّه لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب » في خبر الحسن البصري المتقدم : و أما الزبير فانّه أتى حيّا من أحياء العرب فقال :

أجيروني و قد كان قبل ذلك يجير و لا يجار عليه قال : و ما الذي أخافك و اللّه ما أخافك إلاّ ابنك . فأتبعه ابن جرموز ثؤلول من أثاليل العرب فضاع دمه ،

و هذا قبره بوادي السباع مخراة للثعالب ، و عز عليّ هذه الشقوة التي كتبت عليه و على صاحبه ٣ .

و في ( جمل المفيد ) : روى محمّد بن عبد اللّه عن عمر بن دينار عن صفوان قال : لمّا تصاف النّاس يوم الجمل صاح صائح من أصحاب عليّ عليه السّلام : يا معشر شباب قريش أراكم قد لححتم و غلبتم على أمركم هذا ، و إنّي انشدكم اللّه أن تحقنوا دماءكم و لا تقتلوا أنفسكم ٤ .

و روى محمّد بن موسى عن محمّد بن إبراهيم عن أبيه ، قال : سمعت

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٣٨ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٣٨٥ ، و قريب منه ما في شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١١٣ ١١٤ .

 ( ٣ ) الجمل للمفيد : ٣٨٥ .

 ( ٤ ) المصدر نفسه : ٣٦٤ .

معاذ بن عبيد اللّه التميمي و كان قد حضر الجمل يقول : لمّا التقينا و اصطففنا نادى منادي عليّ : يا معشر قريش أبقوا على أنفسكم ، فإنّي أعلم إنّكم قد خرجتم و ظننتم أنّ الأمر لا يبلغ إلى هذا ، فاللّه اللّه في أنفسكم ، فإنّ السيف ليس له بقيا ، فإن أحببتم فانصرفوا ، حتّى نحاكم هؤلاء القوم ، و إن أحببتم فإليّ ،

فإنّكم آمنون بأمان اللّه . فاستحيينا أشدّ الحياء و أبصرنا ما نحن فيه ، و لكن الحفاظ حملنا على الصبر مع عايشة ، حتّى قتل من قتل منّا ١ .

هذا و من أمثالهم : ( ذهب القوم تحت كلّ كوكب ) ٢ أي : تفرّقوا .

« أدركت وتري » في ( الصحاح ) : ( الوتر ) بالكسر ( الفرد ) و بالفتح الذحل .

هذه لغة أهل العالية . و أمّا أهل الحجاز فبالضد منهم . و أمّا تميم فبالكسر فيهما .

و الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ٣ .

قلت : و الأصل في الثاني الأوّل . ففي ( الأساس ) : و ترت الرجل قتلت حميمه فأفردته منه ٤ .

و أهل العالية أي : أهل نجد .

« من بني عبد مناف » كانوا أربعة : بنو عبد شمس و بنو نوفل و بنو المطلب و بنو هاشم ، و المراد الأولان لأنّه عليه السّلام من بني هاشم ، و بنو المطلب كانوا معهم في الجاهلية و الإسلام ، كما أنّ الأولين كانوا عليهما فيهما و لا سيما الأوّل مع الاخير ، و قد فسّر قوله تعالى : هذا خصمان اختصموا في ربّهم . . . ٥ ببني عبد شمس مع بني هاشم ، فالأولون نفوه و الأخيرون أثبتوه .

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصدر نفسه : ٣٦٤ ٣٦٥ .

 ( ٢ ) مجمع الأمثال للميداني ، تحت الرقم ١٤٨٨ .

 ( ٣ ) الصحاح ٢ : ٨٤٢ ٨٤٣ ، مادة : ( وتر ) .

 ( ٤ ) أساس البلاغة : ٤٩١ ، مادة : ( وتر ) .

 ( ٥ ) الحج : ١٩ .

في تفسير محمّد بن العباس عن الصادق عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ : فإمّا نذهبن بك فإنّا منهم منتقمون ١ اللّه انتقم بعليّ عليه السّلام يوم البصرة ، و هو الذي وعد اللّه رسوله ٢ .

و عن يوسف الأزرق قال : قرأت على الأعمش في ( الزخرف ) حتّى انتهيت إلى قوله تعالى : فإمّا نذهبنّ بك فإنّا منهم منتقمون فقال : أتدري في من نزلت الآية ؟ قلت : اللّه أعلم . قال : نزلت في عليّ عليه السّلام ٣ .

و في ( تفسير الطبري ) : قال جابر الأنصاري : إنّي لأدناهم من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع فقال : لألفينكم ترجعون بعدي كفّارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، و ايم اللّه لئن فعلتموها لتعرفني في الكتيبة التي تضاربكم ثم التفت إلى خلفه فقال ( أو عليّ ) ثلاث مرات فرأينا أنّ جبرئيل غمزه . فأنزل تعالى إثر ذلك : فإمّا نذهبن بك فإنّا منهم منتقمون بعليّ بن أبي طالب ٤ .

و روى السمعاني منهم في ( فضائله ) ، و ابن المغازلي منهم في ( مناقبه ) نزول الآية فيه عليه السّلام ٥ .

و في ( الطبري ) : عن ابن أبي يعقوب : قتل عليّ بن أبي طالب يوم الجمل ألفين و خمسمائة من الأزد ألف و ثلاثمائة و خمسون و من بني ضبة ثمانمائة و من ساير النّاس ثلاثمائة و خمسون .

و قيل لأبي لبيد الأزدي : لم تسب عليّا ؟ فقال : ألا أسبّ رجلا قتل منّا ألفين

ــــــــــــ

 ( ١ ) الزخرف : ٤١ .

 ( ٢ ) البرهان في تفسير القرآن ٤ : ١٤٤ ، و قريب منه ما في تفسير القمّي ٢ : ٢٨٤ .

 ( ٣ ) تفسير فرات الكوفي : ٤٠٣ ، الآية ٤١ من سورة الزخرف .

 ( ٤ ) لا وجود له في تفسير الطبري راجع ٢٥ : ٤٥ في تفسير الآية ٤١ من سورة الزخرف ، دار المعرفة ، بيروت ، ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦ : ١٦ و الطبرسي في المجمع ٩ : ٤٩ .

 ( ٥ ) المناقب لابن المغازلي : ٢٧٤ ٢٧٥ .

و خمسمائة ، و الشمس هاهنا ١ .

و في ( المروج ) : و قتل من النّاس حتّى لم يكن أحد يعزي أحدا ، و اشتغل أهل كل بيت بمن لهم ، و قطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة ، معهم كعب بن سور القاضي متقلّدا مصحفا ، كلّما قطعت يد واحد منهم قام آخر فأخذ الخطام و قال : أنا الغلام الضبي ٢ .

و قتل من أصحابه عليه السّلام في ذلك اليوم خمسة آلاف و من أصحاب الجمل و أهل البصرة و غيرهم ثلاثة عشر ألفا . و قيل غير ذلك ٣ .

و في ( جمل المفيد ) : فأمّا الأخبار عن عدد من قطعت يده يومئذ و رجله ثم قتل بعد ذلك فهي مشهورة بأنّهم كانوا نحوا من أربعة عشر ألف رجل ٤ .

هذا و قال ابن أبي الحديد : قال الراوندي : ( يعني عليه السّلام ببني عبد مناف طلحة و الزبير ) ، و هو غلط قبيح لأن طلحة من تيم بن مرّة ، و الزبير من أسد بن عبد العزى بن قصي ٥ .

قلت : يقال لابن أبي الحديد : اعتراضك على الراوندي صحيح ، في أنّ طلحة و الزبير ليسا من بني عبد مناف ، إلاّ إنّك لم لم تفسر المراد منهم ؟ فلم يعلم قتل معروف من بني عبد مناف ذاك اليوم سوى عبد الرحمن بن عتاب المتقدّم ، و أمّا مروان و ولد عثمان فإنّهم و إن شهدوا الجمل إلاّ أنّهم لم يقتلوا ،

فلا بد أن يحمل لفظ المصنّف : ( أدركت و تري من بني عبد مناف ) و لفظ الجاحظ : ( قتلت الصناديد من بني عبد مناف ) و لفظ المسعودي : ( قتلت

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٥٤ ، سنة ٣٦ .

 ( ٢ ) مروج الذهب ٢ : ٣٧٥ .

 ( ٣ ) المصدر نفسه ٢ : ٣٨٠ .

 ( ٤ ) الجمل للمفيد : ٤١٩ .

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢٤ .

الغطاريف من بني عبد مناف ) إن صحّت روايتهم على أنّ مراده ليس قتلهم في ذاك اليوم فقط ، بل في ذلك اليوم و في أيّام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بدر و غيرها .

هذا و أراد ابن ميثم أن يصحح كلام الراوندي فأتى بأغلط فقال : « كان طلحة و الزبير من بني عبد مناف من قبل الام » ١ فواضح أنّه لا يقال بنو فلان إلاّ لمن كان منسوبا إلى ذاك الفلان بالأب دون الام ، مع أنّ طلحة لم تكن امّه من بني عبد مناف أصلا ، بل يمنية من حضر موت اليمن ، و هي صعبة الحضرمية ،

و كيف تكون من عبد مناف و قد وصفها أبو سفيان بعدم نسب ثاقب لها ، فإنّها كانت قبل عبيد اللّه أبي طلحة تحت أبي سفيان فطلقها ثم تبعتها نفسه فقال :

إنّي و صعبة فيما يرى بعيدان

و الود دان قريب

فإن لم يكن نسب ثاقب

فعند الفتاة جمال و طيب

و أمّا الزبير و إن كانت امّه صفيّة بنت عبد المطلب ، إلاّ أنّه عرفت أنّ المراد من بني عبد مناف غير بني هاشم ، كما أنّ المراد بقريش في قوله : « لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب » باقي طوائف قريش غيرهم . ثم إنّ الخوئيّ توهم أنّ كلام ابن ميثم تحته شي‏ء ، فقال : رد ابن ميثم ابن أبي الحديد بكونهما من بني عبد مناف من قبل الام ٢ .

« و أفلتني » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و الصواب : ( أفلتتني ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٤ و ( الخطيّة ) أي : فاتتني من : أفلت الطائر .

هذا و في ( الأغاني ) : كان الحرث بن خالد المخزومي الشاعر واليا على مكة من قبل عبد الملك ، و كان أبان بن عثمان ربما جاءه كتاب عبد الملك أن

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٥٢ .

 ( ٢ ) منهاج البراعة ( شرح الخوئي ) ١٤ : ١٨٧ .

 ( ٣ ) نهج البلاغة ٢ : ٢٢٩ .

 ( ٤ ) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢٤ و لكن في شرح ابن ميثم ٤ : ٥١ ، و أفلتني أيضا .

يصلّي بالناس و يقيم لهم حجّة ، فتأخر كتابه عنه في سنة حرب ابن الأشعث و لم يأت الحرث كتاب ، فلما حضر الموسم شخص أبان من المدينة فصلّى بالناس ، و عاونته بنو اميّة و مواليهم فغلب الحرث على الصلاة فقال الحرث :

فإن تنج منها يا أبان مسلما

فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب

فبلغ ذلك الحجّاج فقال : و ما لي و للحرث ، أ يغلبه أبان على الصلاة و يهتف بي ، ما ذكره إياي ١ .

« أعيان » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و الصواب : ( أعيار ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٣ و ( الخطيّة ) .

في ( الصحاح ) : العير : الحمار الوحشي و الأهلي أيضا ، و الانثى : عيرة و الجمع : أعيار .

قال أبو عمرو بن العلا : ذهب من كان يعرف معنى بيت الحارث بن حلزة « زعموا ان كل من ضرب العير موال لنا و أنا الولاّء » .

و معنى قولهم : « ما أدري من أيّ ضرب العير هو » أيّ النّاس هو . و عير القوم : سيدهم و قولهم : « عير بعير و زيادة عشرة » ، كان الخليفة من بني اميّة إذا مات و قام آخر زاد في أرزاقهم عشرة دراهم ٤ .

و في ( الأساس ) قولهم : ( هو كجوف العير ) العير : الحمار ، لأنّه ليس في جوفه ما ينتفع به ، و قيل رجل خرّب اللّه واديه ، قال :

لقد كان جوف العير للعين منظرا

أنيقا و فيه للمجاور منفس

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأغاني ٣ : ٣٣٣ ٣٣٤ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ٢ : ٢٢٩ .

 ( ٣ ) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢٣ ، و لكن في شرح ابن ميثم ٤ : ٥١ أعيان أيضا .

 ( ٤ ) الصحاح ٢ : ٧٦٢ ٧٦٣ ، مادة : ( عير ) .

و قد كان ذا نخل و زرع و جامل

فأمسى و ما فيه لباغ معرّس ١

هذا و في ( لحن العيون ) : قال فيل مولى زياد لزياد : اهدوا لنا همار وحش أي : حمار وحش فقال : ويلك ما تقول فقال : ( اهدوا لنا ايرا ) أي : عيرا ، فقال زياد : الأوّل خير .

بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي أحد بطون قريش .

قال ابن أبي الحديد : قال الراوندي : ( مروان من بني جمح ) . كان هذا الفقيه بعيدا من الأنساب ، فمروان من بني اميّة ، و جمح تميم بن عمرو أخو سهم بن عمرو رهط عمرو بن العاص ، و قد كان جمع منهم مع عايشة ، هربوا و لم يقتل منهم إلاّ اثنان ، هرب منهم عبد اللّه بن صفوان و يحيى بن حكيم و عامر بن مسعود المسمّى دحروجة الجعل لقصره و سواده و أيوب بن حبيب ، و قتل منهم عبد الرحمن بن وهب و عبد اللّه بن ربيعة ٢ .

قلت : مع أنّ مروان لم يفلته بل شفع له الحسنان عليهما السّلام فأطلقه .

ففي ( المروج ) : جهّز عليّ عليه السّلام عايشة لرجوعها إلى المدينة ، ثم أتاها مع أهل بيته و شيعته ، فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه و قلن : يا قاتل الأحبّة . فقال عليه السّلام : لو كانت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت و أشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان و ابن الزبير و عبد اللّه بن عامر و غيرهم . فضرب من كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لمّا علموا من في البيت ، مخافة أن يخرجوا فيغتالوهم ، فسألته عايشة أن يؤمن ابن اختها عبد اللّه بن الزبير فآمنه ، و تكلّم الحسنان عليهما السّلام في مروان فآمنه و آمن الوليد بن

ــــــــــــ

 ( ١ ) أساس البلاغة : ٣١٨ ، مادة : ( عير ) .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢٤ ١٢٥ .

عقبة و ولد عثمان و غيرهم من بني اميّة ١ .

ثم العجب ان ابن ميثم قال هنا أيضا : « و قيل كان مروان من جمح » ٢ .

« لقد اتلعوا » أي : مدّوا .

« أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله فوقصوا » أي : كسروا أعناقا من ( وقص يقص ) بمعنى الكسر للعنق لا ( وقص يوقص ) بمعنى قصره .

دونه أي : دون ذلك الأمر . قال ابن أبي الحديد : إن قلت : طلحة و الزبير لم يكونا أهلا تركت مذهب أصحابك ، و إن لم تقله خالفت قوله عليه السّلام . ثم قال : هما أهل ما لم يطلبها عليه السّلام ، فإذا طلبها لم يكونا هما و غيرهما أهلا ، و لو لا طاعته لمن تقدّم لم نحكم بصحة خلافتهم ٣ .

قلت : أي أثر لطاعة عن كره ؟ و هو عليه السّلام لم يقل إنّهما لم يكونا أهلا في مقابلي ، بل أصلا مع أنّ فاروقهم أيضا قال بعدم أهليتهما ، و إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات و هو ساخط على طلحة ، و إنّ الزبير يوما إنسان و يوما شيطان .

هذا و يمكن ألاّ يكون المراد بقوله عليه السّلام بالأمر في قوله : « لقد اتلعوا إلى أمر » أمر الخلافة ، بل أمر الحرب ، و يكون الفاعل في ( أتلعوا ) مطلق قريش ، فمر في رواية ( جمل المفيد ) : أنّه عليه السّلام لمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال عليه السّلام : و لقد تقدمت إليكم و حذّرتكم عض السيوف ، و كنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ، و لكن الحين و مصرع السوء . و مرت روايات اخرى في ذلك .

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب ٢ : ٣٧٧ ٣٧٨ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٥٢ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ١٢٦ .

١٢

الخطبة ( ١٢ ) و من كلام له عليه السّلام لما أظفره اللّه بأصحاب الجمل ،

وَ قَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَدِدْتُ أَنَّ أَخِي فُلاَناً كَانَ شَاهِدَنَا لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اَللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ فَقَالَ لَهُ ع :

أَ هَوَى أَخِيكَ مَعَنَا فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ شَهِدَنَا وَ لَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامٌ فِي أَصْلاَبِ اَلرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ اَلنِّسَاءِ سَيَرْعَفُ بِهِمُ اَلزَّمَانُ وَ يَقْوَى بِهِمُ اَلْإِيمَانُ أقول : و روي نظيره عنه عليه السّلام في أهل النهروان ، لمّا أظفره اللّه بهم ، روى البرقي في ( محاسنه ) عن ابن شمون عن عبد اللّه بن عمرو بن الأشعث عن عبد اللّه بن حماد الأنصاري عن الصباح المزني عن الحرث بن الحضيرة عن الحكم بن عيينه قال : لمّا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام الخوارج يوم النهروان قام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين طوبى لنا إذ شهدنا معك هذا الموقف و قتلنا معك هؤلاء الخوارج . فقال عليه السّلام : و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ، لقد شهدنا في هذا الموقف اناس لم يخلق اللّه آباءهم و لا أجدادهم بعد . فقال الرجل : و كيف يشهدنا قوم لم يخلقوا ؟ قال : بلى قوم يكونون في آخر الزمان يشركوننا في ما نحن فيه ، و يسلّمون لنا فاولئك شركاؤنا في ما كنّا فيه حقا حقّا ١ .

قول المصنف : « لمّا أظفره اللّه بأصحاب الجمل » ، هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ٢ ، و لكن في ( ابن ميثم ) : « لمّا ظفر بأصحاب الجمل » ٣ ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) المحاسن للبرقي ١ : ٢٦٢ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ١ : ٣٩ ، شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٧ .

 ( ٣ ) في شرح ابن ميثم ١ : ٢٨٨ : لمّا أظفره اللّه بأصحاب الجمل أيضا .

و كيف كان فروى النعماني في ( غيبته ) عن أبي بصير عن الصادق عليه السّلام قال :

لمّا التقى أمير المؤمنين و أهل البصرة نشر عليه السّلام راية النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فزلزلت أقدامهم فما اصفرت الشمس حتّى قالوا : آمنا يابن أبي طالب . فعند ذلك قال : لا تقتلوا الاسراء ، و لا تجهزوا على جريح ، و لا تتبعوا موليا ، و من ألقى سلاحه فهو آمن ، و من أغلق بابه فهو آمن . و لمّا كان يوم صفين سألوه نشر الراية فأبى عليهم ، فتحملوا عليه بالحسنين عليهما السّلام و عمّار . فقال : إنّ للقوم مدة يبلغونها ، و إنّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلاّ القائم عليه السّلام ١ .

و روى ابن عبد ربه في ( عقده ) عن سعيد عن قتادة قال : قتل يوم الجمل مع عايشة عشرون ألفا معهم ثمانمائة من بني ضبة ، و قتل من أصحاب عليّ عليه السّلام خمسمائة رجل لم يعرف منهم إلاّ عمّار بن الحرث السدوسي و هند الجملي . . . ٢ .

و في ( المروج ) : كانت الوقعة في الموضع المعروف بالحربية ، يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ( ٣٦ ) ٣ .

و في ( تاريخ اليعقوبي ) : كانت الحرب أربع ساعات من النهار ، فروى بعضهم أنّه قتل في ذلك اليوم نيف و ثلاثون ألفا ، ثم نادى مناديه عليه السّلام : ألا لا يجهز على جريح . . . ٤ .

و في ( جمل المفيد ) : روى الواقدي عن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام قال : كنت أنا و الأسود بن أبي البختري و الزبير قد تواعدنا و تعاهدنا بالبصرة لئن لقينا القوم لنموتن أو لنقتلنّ عليّا إلى أن قال فانظر إلى عليّ و قد انتهى

ــــــــــــ

 ( ١ ) الغيبة : ٢٠٨ .

 ( ٢ ) العقد الفريد ٥ : ٧٤ ٧٥ .

 ( ٣ ) مروج الذهب ٢ : ٣٧٧ .

 ( ٤ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٣ .

إلى الجمل ، و سيفه يرعف دما و هو واضعه على عاتقه ، و هو يصيح بمحمّد بن أبي بكر اقطع البطان . فكانت الهزيمة ١ .

« و قد قال له بعض أصحابه : وددت أنّ أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك اللّه به على أعدائك . فقال عليه السّلام له » هكذا في ( المصرية ) ٢ و كلمة ( له ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٣ و ( الخطيّة ) .

« أ هوى أخيك معنا ؟ فقال : نعم ، فقال : فقد شهدنا » في ( خصائص النسائي ) :

أنّه عليه السّلام قال بعد ظفره بأهل النهروان : و لقد شهدنا اناس باليمن ، قالوا : كيف ؟

فقال عليه السّلام : هواهم معنا ٤ .

و قال ابن أبي الحديد : قال حبة العرني : قسّم عليّ عليه السّلام بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة ، و أخذ عليه السّلام خمسمائة كواحد منهم فجاءه إنسان لم يحضر الوقعة ، فقال : يا أمير المؤمنين كنت شاهدا معك بقلبي و إن غاب عنك جسمي ، فأعطني من الفي‏ء شيئا ، فدفع إليه الذي أخذه لنفسه ٥ .

قلت : و رواه ( المروج ) هكذا : دخل عليّ عليه السّلام بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين و الأنصار ، فنظر إلى ما فيه من العين و الورق فجعل يقول : « يا صفراء غري غيري » و أدام النظر إلى المال مفكّرا ، ثم قال : اقسموه بين أصحابي و من معي خمسمائة خمسمائة . ففعلوا فما نقص درهم واحد و عدد الرجال اثنا عشر ألفا . و قبض ما كان في عسكرهم من سلاح و دابة و متاع و آلة و غير ذلك ، فباعه و قسّمه بين أصحابه ، و أخذ لنفسه ما أخذ لكل واحد ممّن

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٧٥ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ١ : ٣٩ .

 ( ٣ ) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٧ و لكن في شرح ابن ميثم ١ : ٢٨٨ : قال له أيضا.

 ( ٤ ) خصائص أمير المؤمنين : ٣١٩ ح ١٨٤ .

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٥٠ .

معه خمسمائة درهم ، فأتاه رجل من أصحابه فقال : إنّي لم آخذ شيئا و خلّفني عن الحضور كذا و أدلى بعذر فأعطاه الخمسمائة التي له ١ .

و في ( عقد ابن عبد ربه ) : قال غندر : حدّثنا شعبة عن عمرو بن مرّة قال :

سمعت عبد اللّه بن سلمة و كان مع عليّ عليه السّلام يوم الجمل و الحرث بن سويد و كان مع طلحة و الزبير و تذاكرا وقعة الجمل ، فقال الحرث : و اللّه ما رأيت مثل يوم الجمل ، لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا و أشرعنا رماحنا في صدورهم ، و لو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت ، فو اللّه لوددت أنّي لم أشهد ذلك اليوم ، و إنّي أعمى مقطوع اليدين و الرجلين . فقال عبد اللّه بن سلمة :

و اللّه ما يسرني أنّي غبت عن ذلك اليوم و لا عن مشهد شهده عليّ عليه السّلام بحمر النعم ٢ .

و في ( غارات الثقفي ) : في كتابه عليه السّلام إلى أهل مصر و إلى محمّد بن أبي بكر : إنّ اللّه عزّ و جلّ يعطي العبد على قدر نيّته ، و إذا أحبّ الخير و أهله و لم يعمله كان كمن عمله ، فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال حين رجع من تبوك : إنّ بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير و لا هبطتم من واد إلاّ كانوا معكم ، ما حبسهم إلاّ المرض ، يقول : كانت لهم نيّة ٣ .

هذا و في ( بلاغات البغدادي ) و ( عقد ابن عبد ربه ) : قال معاوية لزرقاء الهمدانية بعد أن كتب إلى عامله بإيفادها و ذكره لها حضّها في صفين عليه و خطبها في ذلك : و اللّه يا زرقاء لقد شركت عليّا في كل دم سفكه . فقالت :

أحسن اللّه بشارتك مثلك من بشر بخير و سر جليسه . فقال لها معاويه : و قد

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب ٢ : ٣٨٠ .

 ( ٢ ) العقد الفريد ٥ : ٧٥ .

 ( ٣ ) الغارات ١ : ٢٢٩ ٢٣٠ .

سرّك ذلك ؟ قالت : نعم و اللّه لقد سرّني قولك ، فإنّي بتصديق الفعل . فقال لها معاوية : و اللّه لوفاؤكم لعليّ بعد موته أعجب إليّ من حبكم له في حياته ١ .

و لقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام ، هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و الصواب :

( قوم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٣ .

« في أصلاب الرجال و أرحام النساء » منهم السيّد الحميري حيث يقول :

إنّي ادين بما دان الوصيّ به

و شاركت كفّه كفي بصفينا

في سفك ما سفك منها إذا احتضروا

و أبرز اللّه للقسط الموازينا

تلك الدماء يا ربّ في عنقي

ثم اسقني مثلها آمين آمينا

و في ( العقد ) : كانت الشيعة من تعظيمهم له يلقون له و سارا بمسجد الكوفة فينشدهم ٤ .

قال بعض الشيعة :

إنّي ادين بحب آل محمّد

و بني الوصيّ شهودهم و الغيب

و أنا البري‏ء من الزبير و طلحة

و من التي نبحت كلام الحوب ٥

« سيرعف » الرعاف : خروج الدم من الأنف ، « بهم الزمان و يقوى بهم الايمان » قال ابن أبي الحديد : قال الشاعر :

و ما رعف الزمان بمثل عمرو

و لا تلد النساء له ضريبا ٦

قلت : و قيل لاعرأبي كيف ابنك ؟ و كان عاقّا فقال : عذاب رعف به الدهر

ــــــــــــ

 ( ١ ) العقد الفريد ١ : ٣٤٦ ٣٤٩ .

 ( ٢ ) نهج البلاغة ١ : ٣٩ .

 ( ٣ ) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٧ ، و لكن في شرح ابن ميثم ١ : ٢٨٨ : أقوام أيضا .

 ( ٤ ) العقد الفريد ٥ : ٩١ .

 ( ٥ ) العقد الفريد ٥ : ٧٩ .

 ( ٦ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٧ .

فليتني قد أودعته القبر ، فإنّه بلاء و لا يقاومه الصبر ، و فائدة لا يجب فيها الشكر . و لبعضهم في شعر كتبه بالقلم :

و بيت على ظهر المطى بنيته

باسمر مشقوق الخياشيم مرعف

و وجه قوله عليه السّلام : إنّ كل من رضي بعمل آخر من خير أو شر فكأنّه عمله ، و لذا نسب اللّه تعالى عقر ناقة صالح إلى جميع قومه ، فقال سبحانه :

فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . و لا يخاف عقباها ١ ، مع أنّ العاقر كان واحدا و هو قيدار ، لرضى باقيهم بعمله .

و حينئذ فكما أنّ من كان هواه معه عليه السّلام ، كان كمن شهده في عسكره،

كان من كان هواه مع مخالفيه كأنه شهد حربه في عسكر عايشة ، و إخواننا السنّة لا يستوحشون من ذلك ، ففي سنة ( ٣٦٣ ) كما في ( الجزري ) : حملوا امرأة على جمل و سمّوها عايشة و سمّى بعضهم نفسه طلحة و بعضهم الزبير ، و قاتلوا شيعة بغداد و جعلوا يقولون : نقاتل أصحاب عليّ بن أبي طالب ٢ .

و في عصرنا كان المصريون يأتون في كل سنة بمحمل باسمها إلى مكّة ، حتّى منعتهم الوهابية بعد غلبتهم على الحجاز و نرضى لهم ما رضوا لأنفسهم .

هذا و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : أنشدنا أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه البندنيجي البغدادي ، قال : أنشدنا بعض مشائخنا أنّ ابن الهبارية الشاعر اجتاز بكربلاء فجعل يبكي على الحسين عليه السّلام و قال :

أ حسين و المبعوث جدّك بالهدى

قسما يكون الحق عند مسائلي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الشمس : ١٤ ١٥ .

 ( ٢ ) الكامل ٧ : ٥١ ، سنة ٣٦٣ .

لو كنت شاهد كربلا لبذلت في

تنفس كربك جهد الباذل

و سقيت حد السيف من أعدائكم

عللا و حد السمهري الذابل

لكنني اخرت عنك لشقوتي

فبلا بلى بين الغري و بابل

هبني حرمت النصر من أعدائكم

فأقلّ من حزن و دمع سائل

ثم نام في مكانه فرأى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المنام فقال له : يا فلان جزاك اللّه عنّي خيرا ، أبشر فإن اللّه قد كتبك ممّن جاهد بين يدي الحسين ١ .

هذا و عن ( المناقب ) : كان بالمدينة رجل ناصبي فتشيع ، فسئل عن السبب ؟ فقال : رأيت في منامي عليّا عليه السّلام ، فقال لي : لو حضرت صفّين مع من كنت تقاتل ؟ فأطرقت افكّر . فقال : يا خسيس هذه مسألة تحتاج إلى هذا الفكر العظيم ، اعطوا قفاه . فصفقت حتّى انتبهت و قد ورم قفاي فرجعت إليه ٢ .

و في ( المناقب ) : عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : « ليرعفن جبار من جبارة بني اميّة على منبري هذا » فرئي عمرو بن سعيد بن العاص سال رعافه على المنبر ٣ .

و في ( الخلفاء ) : ولّى يزيد عثمان بن محمّد بن أبي سفيان الثقفي على المدينة و مكة و على الموسم ، فلمّا استولى على المنبر رعف فقال رجل مستقبله : جئت و اللّه بالدم ، فتلقاه رجل آخر بعمامته فقال : مه و اللّه عم النّاس ، ثم قام يخطب فتناول عصا لها شعبتان فقال : مه شعب و اللّه أمر النّاس ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تذكرة الخواص : ٢٧٣ .

 ( ٢ ) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٢ : ١٦٨ .

 ( ٣ ) المصدر نفسه ١ : ٩٦ .

 ( ٤ ) الإمامة و السياسة ١ : ٢٠٥ .

١٣

الخطبة ( ٩ ) و من كلام له عليه السّلام :

وَ قَدْ أَرْعَدُوا وَ أَبْرَقُوا وَ مَعَ هَذَيْنِ اَلْأَمْرَيْنِ اَلْفَشَلُ وَ لَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ وَ لاَ نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ أقول : و رواه المفيد في ( جمله ) أبسط مع اختلاف ، فقال : و بلغ أمير المؤمنين عليه السّلام لغط القوم و اجتماعهم على حربه فقام خطيبا ، ثم قال : إنّ طلحة و الزبير قدما البصرة و قد اجتمع أهلها على طاعة اللّه و بيعتي ، فدعواهم إلى معصية اللّه و خلافي ، فمن أطاعهما منهم فتنوه ، و من عصاهما قتلوه ، و قد كان من قتلهما حكيم بن جبلة ما بلغكم و قتلهما السبابجة ، و فعلهما بعثمان بن حنيف ما لم يخف عليكم ، و قد كشفوا الآن القناع و آذنوا بالحرب . و قام طلحة بالشتم و القدح في أديانكم و قد أرعد ( هو ) و صاحبه و أبرقا ، و هذان أمران معهما الفشل إلى أن قال و لسنا نرعد حتّى نوقع و لا نسيل حتّى نمطر ، و قد خرجوا من هدى إلى ضلال و دعوناهم إلى الرضى و دعونا إلى السخط ، فحلّ لنا و لكم ردّهم إلى الحق بالقتال و حل لهم بقصاصهم القتل ، و قد و اللّه مشوا إليكم ضرارا ، و أذاقوكم أمس من الجمر ، فإذا لقيتم القوم غدا فاعذروا في الدعاء و أحسنوا في التقية ، و استعينوا اللّه ، و اصبروا إنّ اللّه مع الصّابرين .

فقام إليه حكيم بن مناف حتّى وقف بين يديه و قال :

أبا حسن أيقظت من كان نائما

و ما كل من يدعى إلى الحق يسمع ١

و روى ( الكافي ) : عن الحسن بن محبوب : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطب يوم الجمل و قال : و قد كنت و ما اهدّد بالحرب و لا ارهّب بالضرب أنصف

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٣١ ٣٣٢ .

القارة من راماها ، فلغيري فليبرقوا و ليرعدوا ، فأنا أبو الحسن الذي فللت حدّهم و فرّقت جماعتهم ١ .

« و قد أرعدوا و أبرقوا » في ( كامل المبرد ) : زعم الأصمعي أنّ أرعد خطأ ،

و أنّ الكميت أخطأ في قوله :

أرعدوا برق يا يزيد

فما وعيدك لي بضائر ٢

و زعم أنّ البيت الذي يروى لمهلهل :

انبضوا معجس القسى و أبرقنا

كما ترعد الفحول الفحولا

مصنوع محدث . و روى غير الأصمعي أرعد و أبرق ٣ .

و في ( الجمهرة ) : قال أبو حاتم للأصمعي لا تقول في التهدّد : أرعد و أبرق ، و قد قاله الكميت ، فقال : هو جر مقاني من أهل الموصل . و قال : وقف علينا أعرابي محرم فقلت : أتقول : أرعد و أبرق ؟ فقال : نعم . فأخبرت بذلك الأصمعي فلم يلتفت إليه و أنشدني :

إذا ما جاوزت من ذات عرق تنية

فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد ٤

قلت : و الصواب خطأ الأصمعي ، فاستعمال رعد و برق لا يدل على عدم جواز استعمال أرعد و أبرق . فقال ابن السكيت : حكى ابو عبيدة و أبو عمرو اللغتين عن العرب و جوّزه أبو زيد و الفراء و غيرهما ، و يدل على بطلان قوله مضافا إلى كلامه عليه السّلام و بيت الكميت و قول الأعرابي و بيت مهلهل و ادعاؤه أنّه مصنوع بلا شاهد كلامه عليه السلام في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر ،

ففي الطبري أنّه عليه السّلام كتب إليه مشيرا إلى معاوية و عمرو بن العاص ( فلا يهلك

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكافي ٥ : ٥٣ .

 ( ٢ ) جمهرة اللغة ٢ : ٦٣٢ .

 ( ٣ ) الكامل في الأدب للمبرد : ١٠٥٧ مطبعة البابي الحلبي ، مصر ، ط ١ .

 ( ٤ ) جمهرة اللغة ٢ : ٦٣٢ .

إرعادهما و إبراقهما ) ١ ، و بيت معاوية بن الضحاك صاحب راية بني سليم مع معاوية في صفين :

فلا أرى إلاّ تركنا الشام جهرة

و إن أبرق الفجفاج فيها و أرعدا ٢

و بيت معاوية بن أبي سفيان مشيرا إلى ابن عبّاس :

فأبرق و أرعد ما استطعت فإنّني

إليك بما يشجيك سبط الأنامل ٣

ذكر كليهما ( صفين نصر ) . و بيت شاعر تميمي في وقعة الخوارج بالأهواز أيّام ابن الزبير كما في كامل المبرد :

فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر

و أبرق و البرق اليماني خوّان

و بيت أعشى همدان في هزيمتهم من الحجاج يوم ابن الأشعث :

و لمّا زحفنا لابن يوسف غدوة

و أبرق منا العارضان و أرعدا

و بيت عثمان بن ربيعة كما في ( الطبري ) في عنوان خبر المرتدين باليمن أيام أبي‌بكر:

و أبرق بارق لمّا التقينا

فعادت خلّبا تلك البروق ٤

و بيت ابن نبهان في مسلمة كما في ( تاريخ ابن أعثم ) :

و أرعد كتاب اليمامة جهرة

و أكلب فيها باللسان و باليد

و بيت عمرو بن معد يكرب في الأشعث بن قيس و قومه كما في ( أمالي القالي ) :

حبست سراتهم بالضحّ حتّى

أنابوا بعد إبراق و رعد

و بيت عبد اللّه بن الحرث السهمي الذي اشتهر بالمبرق له كما في

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الأمم و الملوك للطبري ٣ : ١٣٠ حوادث ، سنة ٣٨ .

 ( ٢ ) وقعة صفّين : ٤٦٩ .

 ( ٣ ) وقعة صفين : ٤١٦ .

 ( ٤ ) تاريخ الطبري ٣ : ٣٢٠ ، سنة ١١ .

( الاستيعاب ) و ( سيرة ابن هشام ) :

إذا أنا لم أبرق فلا يسعنني

من الأرض برّ و فضاء و لا بحر ١

و في ديوان عمر بن أبي ربيعة :

من المرعدات الطرف تنفذ عينها

إلى نحو حيزوم المجرب ذي العقل

و يدلّ على بطلان قوله حديث المغيرة كما في ( نهاية الجرزي ) : « بليلة الإرعاد » بليلة : ريح فيها ندى أي : لا يزال يرعده و يهدّده ٢ .

و قول المختار ، ففي ( الطبري ) : قال ابن العرق : رأيت المختار أشتر العين فسألته ، فقال : شترها ابن زياد ، يابن العرق إنّ الفتنة أرعدت و أبرقت و كان قد أينعت ٣ .

و قول الحجاج في كتابه إلى عبد الملك لمّا أرسل عروة الزبير إليه ليستخرج منه الأموال كما في ( العقد ) : كالعارض المبرق لاعدائه ٤ .

و مما ورد بلفظ أرعد و أبرق من المتأخرين و إن لم يكن فيه حجية قول أبي العتاهية :

مالي أرى النّاس قد أبرقوا بلؤم الفعال و قد أرعدوا و قول إبراهيم بن العباس الصولي كما في ( ديوان العسكري ) :

فكن كيف شئت و قل ما تشأ و أبرق يمينا و أرعد شمالا و قول السري الموصلي كما في ( يتيمة الثعالبي ) :

و من عجب أنّ الغبيين أبرقا مغيرين في أقطار شعري و أرعدا و قول آخر كما في ( مناقب السروي ) :

ــــــــــــ

 ( ١ ) سيرة ابن هشام ١ : ٣٥٥ .

 ( ٢ ) النهاية ١ : ١٥٤ ، مادة : ( بلل ) .

 ( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٥٧٢ ، سنة ٦٤ .

 ( ٤ ) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ٥ : ٤٤ ٤٥ دار الكتاب العربي ، بيروت .

سألنا ملحدا إثبات دين فعاندنا و مجمج في دليله و أرعد ثم أبرق ثم ولّى . . .

و قال حسين بن عبد اللّه العباسي لعبد اللّه بن معاوية الجعفري كما في ( كتاب الزبيري ) :

أبرق لمن يخشى و أرعد غير قومك بالسلاح و بالجملة لا ريب في جواز ( أرعد و أبرق ) بل أحسنيته من رعد و برق لكثرة الأوّل و قلة الثاني فلم نقف إلاّ على ذاك البيت و ما نسب إلى المتلمس :

فاذا حللت و دون بيتي غادة فأبرق بأرضك ما بدا لك و ارعد و ما نسب إلى ابن أحمر :

بأجل ما بعدت عليك بلادنا فأبرق بأرضك ما بدا لك و ارعد مع أنّ الأصل في البيتين واحد فكأنّ قول : « فأبرق بأرضك ما بدا لك و ارعد » مثل لوقوعه في البيتين . و أما بيت عبيد بن الأبرص لمّا خيّره المنذر بن ماء السماء في أنحاء قتله لما لقاه يوم بؤسه كما في ( تنبيه البكري ) :

و خيّر في ذو البؤس فى يوم بؤسه

خلالا أرى في كلها الموت قد رعد

فليس ( رعد ) فيه للتهديد بل للرعد الحقيقي استعارة .

هذا و قريب من قوله عليه السّلام قول البحتري :

خطروا خطرة الجهام و ساروا

في نواحي الظنون سير السراب

و قول الكميت في أزد شنؤه و سمّوا بارقا كما في ( السيرة ) لأنهم تبعوا البرق و أزد شنؤه اندرؤا علينا :

بجمّ يحسبون لها قرونا

و ما قلنا لبارق اعتبونا

« و مع هذين الفشل » أي : الجبن ، روى الواقدي عن عبد اللّه بن عمر بن عليّ عن أبيه قال : لمّا سمع أبي أصوات النّاس يوم الجمل و قد ارتفعت قال لابنه

محمّد : ما يقولون ؟ قال : يقولون يا ثارات عثمان . فشدّ عليهم و أصحابه يهشّون في وجهه يقولون : ارتفعت الشمس ، و هو يقول : الصبر أبلغ حجة ثم قام خطيبا يتوكأ على قوس عربية و قال : أمّا بعد فإنّ الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب فأقدموا و لا تنكلوا و هذه الأصوات التي تسمعونها من عدوكم فشل و اختلاف ١ .

و كما أنّ الإرعاد و الإبراق و الصياح و الجلبة علامة الفشل ، كذلك السكوت و الصمت علامة الاطمينان بالغلبة . و لمّا بعث قريش يوم بدر عمرو بن وهب الجمحي ليرى عسكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله صعّد و صوّب ثم رجع إليهم و قال :

نواضح يثرب قد حملت السمّ الناقع ، أما ترونهم خرسى لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلاّ سيوفهم .

و كان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم : لا تكلموا النّاس إلاّ رمزا و لا تلحظوهم إلاّ شزرا لتمتلي صدورهم من هيبتكم .

« و لسنا نرعد حتّى نوقع و لا نسيل حتّى نمطر » في ( جمل المفيد ) : قال معاذ بن عبد اللّه التميمي : لمّا قدمنا البصرة مع عايشة و أقمنا ندعو النّاس إلى نصرتنا إلى أن قال و تقدم عليّ و الراية بين كتفيه و جرّد سيفه و ضرب رجلا فأبان كفه ثم انتهى إلى الجمل و قد اجتمع النّاس حوله و اختلطوا و أحدقوا به من كل جانب و استجن النّاس تحت بطان الجمل ، فأنظر و اللّه إلى عليّ يصيح بمحمد بن أبي بكر : « اقطع البطان » و أرى عليّا قد قتل ممن أخذ بخطام الجمل عشرة بيده و كلما قتل رجلا مسح سيفه في ثيابه حتّى صرنا في أيديهم كأننا غنم نساق فانصرفنا و تلاومنا و ندمنا ٢ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الجمل للمفيد : ٣٥٨ .

 ( ٢ ) الجمل للمفيد : ٣٧٣ ٣٧٤ .

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : شقّ عليّ عليه السّلام في عسكر القوم يطعن و يقتل ثم خرج و هو يقول : الماء الماء فأتاه رجل بإداوة فيها عسل و قال : الماء لا يصلح لك في هذا المقام فحسا عليه السّلام منه حسوة ثم قال إنّ عسلك هذا لطائفي . قال الرجل : لعجبا منك ، و اللّه يا أمير المؤمنين لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم و قد بلغت القلوب الحناجر فقال له عليّ عليه السّلام : و اللّه يابن اخي ما ملأ صدر عمك شي‏ء قط و لا أهابه شي‏ء . ثم اعطى الراية لابنه محمّد و قال : هكذا فاصنع ١ .

هذا و من أمثالهم ( رعدا و برقا و الجهام جافر ) ( و بارقة تروق و لا تريق ) .

١٤

الخطبة ( ١١٨ ) و من كلام له عليه السّلام :

أَنْتُمُ اَلْأَنْصَارُ عَلَى اَلْحَقِّ وَ اَلْإِخْوَانُ فِي اَلدِّينِ وَ اَلْجُنَنُ يَوْمَ اَلْبَأْسِ وَ اَلْبِطَانَةُ دُونَ اَلنَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ اَلْمُدْبِرَ وَ أَرْجُو طَاعَةَ اَلْمُقْبِلِ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ اَلْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ اَلرَّيْبِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ قال ابن أبي الحديد : ذكر المدائني و الواقدي في كتابيهما أنّ هذا الكلام قاله عليه السّلام للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل ٢ .

« أنتم الانصار على الحق » لمّا أحسّ عليه السّلام من قريش و أتباع معاوية اتّباع الباطل قال عليه السّلام ذلك لأنصاره ، كما حكى تعالى عن عيسى عليه السّلام في قوله : فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال

ــــــــــــ

 ( ١ ) الامامة و السياسة لابن قتيبة ١ : ٧٦ طبع البابي الحلبي ، سنة ١٩٦٩ القاهرة .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٨٤ .

الحواريّون نحن أنصار اللّه . . . ١ .

« و الإخوان في الدين » فكانوا مؤمنين و قد قال تعالى : إنّما المؤمنون إخوة . . . ٢.

« و الجنن يوم البأس » أي : كما أنّ الترس يحفظ صاحبه في الحرب كذلك أنتم .

« و البطانة دون النّاس » كناية عن كونهم خواصه عليه السّلام .

« بكم أضرب المدبر » أهل صفين كما ضرب بهم أهل الجمل .

« و أرجو طاعة المقبل » فلحق به عليه السّلام جمع كثير لما كان له أولئك الأنصار و أطاعوه و لولاهم لما كان ذلك .

« فأعينوني بمناصحة خلية من الغش سليمة من الريب » روى ( أمالي المفيد ) عن أبي مخنف : أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا قدم من البصرة إلى الكوفة قال قعد عن نصري رجال منكم و أنا عليهم عاتب فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتّى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى . فقام إليه أبو بردة الأزدي و كان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل و حضر معه يوم صفين نيّة في نصرته فقال له عليه السّلام : أرأيت القتلى حول عايشه و طلحة و الزبير بم قتلوا ؟

فقال عليه السّلام بما قتلوا شيعتي و عمّالي و بقتلهم أخا ربيعة العبدي رضى اللّه عنه في عصابة من المسلمين قالوا لا ننكث البيعة و لا نغدر كما غدرتم فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما و عدوانا فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة اخواني لنقتلهم بهم ، ثم كتاب اللّه بيني و بينهم فأبوا عليّ و قاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك . أفي شك أنت من ذلك ؟ قال : كنت في شكّ ، و أمّا

ــــــــــــ

 ( ١ ) آل عمران : ٥٢ .

 ( ٢ ) الحجرات : ١٠ .

الآن فقد عرفت و استبان خطأ القوم و إنّك المهتدي المصيب و كان مع حضوره صفين ينافق و يكاتب معاوية سرا ، فلما ظهر معاوية اقطعه قطيعة بالفلوجة ١ .

و في ( صفين نصر ) عن محمّد بن مخنف قال : دخلت مع أبي على عليّ عليه السّلام حين قدم من البصرة فإذا بين يديه رجال يؤنّبهم و يقول لهم : ما بطّا بكم عني و أنتم أشراف قومكم و اللّه لئن كان من ضعف النية و تقصير البصيرة إنّكم لبود و و اللّه لئن كان من شك في فضلي و مظاهرة عليّ إنّكم لعدو قالوا : حاش للّه نحن سلمك و حرب عدوّك . ثم اعتذر القوم . فنظرت إليهم فعرفتهم فإذا عبد اللّه بن معتمر العبسي و إذا حنظلة التميمي و أبو بردة الأزدي و غريب الهمداني . و نظر عليّ إلى أبي فقال : لكن مخنف بن سليم و قومه لم يتخلّفوا و لم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال تعالى فيهم : و إنّ منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا و لئن أصابكم فضل من اللّه ليقولنّ كأن لم تكن بينكم و بينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ٢ .

« و اللّه إنّي لأولى النّاس بالناس » روى ابراهيم الثقفي كما في ( أمالي المفيد ) أنّ عبد الرحمان بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال إنّي سائلك لآخذ عنك و قد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله ، ألا تحدّثنا عن أمرك أكان بعهد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أو شي‏ء رأيته ، فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل و أوثقه عندنا ما سمعناه من فيك إنّا كنا نقول لو رجعت إليكم بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم ينازعكم فيها أحد ، و اللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول : أزعم أنّ

ــــــــــــ

 ( ١ ) أمالي المفيد : ١٢٧ ١٢٩ .

 ( ٢ ) وقعة صفين : ٧ ٨ و الآيات ٧٢ ٧٣ من سورة النساء .

القوم كانوا أولى بما كانوا فيه فعلام نصبك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعد حجة الوداع:

فقال « أيّها النّاس من كنت مولاه فعلي مولاه » و إن كنت أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاهم ؟ فقال يا عبد الرحمان إنّ اللّه تعالى قبض نبيه يوم قبضه و أنا يوم قبضه أولى النّاس مني بقميصي هذا ، و قد كان من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله اليّ عهد لو خزموني بأنفي لأقررت سمعا و طاعة و إنّ أوّل ما انتقصناه بعد إبطال حقّنا في الخمس فلما رقّ امرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا . فقال عبد الرحمان : أنت يا أمير المؤمنين لعمرك كما قال الأوّل :

لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له اذنان ١

١٥

الكتاب ( ٢٩ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل البصرة :

وَ قَدْ كَانَ مِنِ اِنْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَ شِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ وَ رَفَعْتُ اَلسَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَ قَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ اَلْمُرْدِيَةُ وَ سَفَهُ اَلْآرَاءِ اَلْجَائِرَةِ إِلَى مُنَابَذَتِي وَ خِلاَفِي فَهَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي وَ رَحَلْتُ رِكَابِي وَ لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى اَلْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ ؟ يَوْمُ اَلْجَمَلِ ؟ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاَعِقٍ مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي اَلطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَ لِذِي اَلنَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ وَ لاَ نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ أقول : الأصل في هذا الكتاب ما رواه ابراهيم الثقفي في ( غاراته ) ٢ :

ــــــــــــ

 ( ١ ) أمالي المفيد : ٢٢٣ ٢٢٤ .

 ( ٢ ) الغارات ٢ : ٣٧٣ ٤٠٨ ، شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٣٤ ٥٣ .

كتبه عليه السّلام إليهم لمّا بعث معاوية إليهم ابن الحضرمي لأخذ البصرة و حثّ أهلها على نقض بيعته . فروى عن محمّد بن يوسف عن الحسن بن عليّ الزعفراني عن محمّد بن عبد اللّه بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن أنّ معاوية لمّا أصاب محمّد بن أبي بكر بمصر و ظهر عليها دعا عبد اللّه بن عامر الحضرمي فقال له : سر إلى البصرة فإن جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظّمون قتله و قد قتلوا في الطلب بدمه فهم موتورون حنقون لما أصابهم و ودّوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم و ينهض بهم في الطلب بدم عثمان ، و احذر ربيعة ، و انزل في مضر ، و تودّد الأزد فإنّ الأزد كلّهم معك إلاّ قليلا منهم و إنّهم غير مخالفيك .

فقال له ابن الحضرمي : أنا سهم في كنانتك و أنا من قد جرّبت و عدو أهل حربك و ظهيرك على قتلة عثمان فوجّهني إليهم متى شئت . فقال : اخرج غدا . فلما كان الليل جلس معاوية و أصحابه فقال لهم : في أي منزل ينزل القمر الليلة ؟ قالوا : في سعد الذابح. فأرسل إليه : لا تبرح حتّى يأتيك أمري إلى أن قال بعد ذكر كتابه إلى عمرو بن العاص مستشيرا به و تصويبه له و أمر معاوية له بالشخوص :

قال عمرو بن محصن : فكنت معه حين خرج فسنح لنا ظبي أعفر مارّا عن شمائلنا ، فنظرت إليه فو اللّه لرأيت الكراهية في وجهه ثم مضينا حتّى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان ، فاجتمع الينا رؤوس أهلها ، و كان الأمير بالبصرة يومئذ زياد استخلفه ابن عبّاس و قدم على عليّ عليه السّلام يعزّيه عن محمّد بن أبي بكر . و أقبل النّاس إلى ابن الحضرمي و كثر تبعه ففزع لذلك زياد و هو في دار الإمارة فبعث إلى الحصين بن منذر و مالك بن مسمع و قال : إنّكم أنصار أمير المؤمنين و شيعته

و ثقته ، و قد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتّى يأتيني أمر أمير المؤمنين ، فأما مالك بن مسمع فقال : هذا أمر فيه نظر ارجع إلى من ورائي و استشير .

و أما الحصين فقال : نعم نحن فاعلون و لن نخذلك . فلم ير زياد ما يطمئن إليه .

فبعث إلى صبرة بن سليمان الأزدي فقال له : أنت سيّد قومك و أحد عظماء هذا المصر ، فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك ، أفلا تجيروني و تمنعني و تمنع بيت مال المسلمين فإنّما أنا أمين عليه . فقال : بلى إن تحملت حتّى تنزل داري لمنعتك . قال : إنّي فاعل . فارتحل ليلا حتّى نزل دار صبرة و كتب إلى ابن عبّاس و لم يكن معاوية ادّعى زيادا بعد إنّما ادّعاه بعد وفاة عليّ عليه السّلام للأمين عبد اللّه بن العباس من زياد بن عبيد ، سلام عليك أمّا بعد فإنّ عبد اللّه بن عامر الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتّى نزل في بني تميم و نعى ابن عفان و دعا إلى الحرب فبايعه جلّ أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن سليمان و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين و رحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم ، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه .

فرفع ذلك ابن عبّاس إليه فدعا عليه السّلام جارية بن قدامة و قال له : تمنع الأزد عاملي و بيت مالي و تشاقني مضر و تنابذني و بنا ابتداها اللّه بالكرامة و عرفها الهدى و تدعو إلى المعشر الذين حادّوا اللّه و رسوله و أرادوا إطفاء نور اللّه حتّى علت كلمة اللّه و هلك الكافرون . فقال : ابعثني إليهم و استعن باللّه عليهم . قال : قد بعثك و استعنت به.

قال كعب بن قعين : خرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة في خمسين رجلا من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري ، و كنت شديد التشيع ،

فقلت لجارية : إن شئت كنت معك و إن شئت ملت إلى قومي ؟ فقال : بل معي فو اللّه لوددت أنّ الطير و البهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس .

قال كعب : إنّ عليّا عليه السّلام كتب مع جارية و قال اقرأه على أصحابك :

من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى من قرى‏ء عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم أما بعد فإنّ اللّه حليم ذو أناة ، لا يعجل بالعقوبة قبل البينة ، و لا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة و لكنه يقبل التوبة و يستديم الإنابة و يرضى بالانابة ليكون أعظم للحجة و أبلغ في المعذرة ، و قد كان من شقاق جلّكم ، أيّها النّاس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم ، و رفعت السيف عن مدبركم و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي و تستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب و قصد الحق ، و أقيم فيكم سبيل الهدى ، فو اللّه ما أعلم أنّ واليا بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله أعلم بذلك مني و لا أعلم بقوله مني ، أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم و إن حطّت بكم الامور المردية و سفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قرّبت جيادي و رحلت ركابي ، و ايم اللّه لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلاّ كلعقة لاعق ، و إنّي لظانّ ألاّ تجعلوا إن شاء اللّه على أنفسكم سبيلا ، و قد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم و لن أكتب إليكم من بعده كتابا إن استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشاخص نحوكم و السلام . فلمّا قرأ الكتاب على النّاس قام صبرة بن سليمان فقال : سمعنا و أطعنا و نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب ، و لمن سالم سلم، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك و إن أحببت أن ننصرك نصرناك . و قام وجوه النّاس فتكلّموا بمثل ذلك و نحوه فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم .

فقام زياد في الأزد فقال : يا معشر الأزد إنّ هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا و إنّكم كنتم حربا فأصبحتم سلما و إنّي و اللّه ما اخترتكم إلاّ على التجربة و لا أقمت فيكم إلا على الأمل فما رضيتم أن آجرتموني حتّى نصبتم منبرا و سريرا و جعلتم لي شرطا و أعوانا و مناديا و جمعة و ما فقدت بحضرتكم شيئا إلاّ هذا الدرهم لا اجيبه اليوم فإن لم اجبه اليوم اجبه غدا إن شاء اللّه .

فأما جارية فإنّه لمّا كلّم قومه فلم يجيبوه و خرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه فأرسل إلى زياد و الأزد يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا إليه ، فسارت الأزد بزياد و خرج إليهم ابن الحضرمي و على خيله عبد اللّه بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة و أقبل شريك بن الأعور الحارثي و كان من شيعة عليّ عليه السّلام و صديقا لجارية فقال : ألا نقاتل معك عدوك ؟ فقال : بلى . فما لبثوا بني تميم أن هزموهم و اضطروهم إلى دار سنبل السعدي و حصروا مائتي رجل من بني تميم و معهم عبد اللّه بن خازم السلمي فجاءت امّه و هي سوداء حبشية ، فنادته فأشرف عليها فقالت : يا بني انزل إليّ .

فأبى . فكشفت رأسها و ألقت قناعها و سألته النزول فأبى . فقالت . و اللّه لتنزلنّ أو لأتعرّين و أهوت بيدها إلى ساقها فلما رأى ذلك نزل فذهبت به . و أحاط جارية و زياد بالدار و قال جارية : عليّ بالنار . فقالت الأزد : لسنا من الحريق بالنار في شي‏ء فهم قومك و أنت أعلم . فحرّق جارية الدار فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمان بن عمير بن عثمان القرشي ثم التميمي و سمّى جارية منذ ذلك اليوم محرّقا . و سارت الأزد بزياد حتّى أو طؤوه قصر الإمارة و معه بيت المال و كتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه السّلام : أما بعد فإنّ جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمح بن الحضرمي

بمن نصره و أعانه من الأزد ففضّه و اضطرّه إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتّى حكم اللّه تعالى بينهما فقتل ابن الحضرمي و أصحابه منهم من احرق بالنّار و منهم من القي عليه جدار و منهم من هدم عليه البيت من أعلاه و منهم من قتل منهم بالسيف و سلم منهم نفر أنابوا ١ .

و من الغريب أن ابن أبي الحديد غفل عنه هنا و نقله في موضع آخر بلا ربط ٢ و لم يتفطن له ابن ميثم أيضا ٣ .

« و قد كان من انتشار حبلكم و شقاقكم ما لم تغبوا عنه » في ( الصحاح ) :

( غبيت عن الشي‏ء و غبيته أيضا إذا لم يفطن له ) ٤ و المراد يوم الجمل .

« فعفوت عن مجرمكم » بنكث البيعة و نصب الحرب .

« و رفعت السيف عن مدبركم » فأمر عليه السّلام ذاك اليوم أن ينادى : لا يتبعنّ مولّ و لا يجهز على جريح .

« و قبلت من مقبلكم » فأمر عليه السّلام أن ينادى : من ألقى السلاح فهو آمن و من أغلق بابه فهو آمن .

« فإن خطت بكم » أي : جاوزتكم من الخطوة ما بين القدمين .

« الامور المردية » أي : المهلكة .

« و سفه الآراء الجائرة » أي : العادلة عن الحقّ .

« إلى منابذتي » أي : مكاشفتي بالحرب .

« و خلافي » أي : مخالفتي .

« فها أنا ذا قد قربت جيادي » جمع الجواد ، أي : الفرس الرائع .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الغارات ٢ : ٣٧٣ ٤٠٨ ، شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٣٤ ٥٣ .

 ( ٢ ) نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤ : ٣٤ ٥٣ .

 ( ٣ ) انظر شرح ابن ميثم على النهج ٤ : ٤٤٧ ٤٤٨ .

 ( ٤ ) الصحاح ٦ : ٢٤٤٣ ، مادة : ( غبا ) .

« و رحلت » من رحلت البعير إذا شددت على ظهره الرحل .

قال الأعشى :

رحلت سمية غدوة أجمالها

غضبى عليك فما تقول بدالها

و قال المثقب العبدي :

إذا ما قمت أرحلها بليل

تأوه آهة الرجل الحزين

« ركابي » في ( الصحاح ) : الركاب الإبل التي يسار عليها ، الواحدة راحلة و لا واحد لها من لفظها ١ .

هذا و في ( المعجم ) : كتب إبراهيم بن العباس الصولي من قبل المتوكل إلى أهل حمص رسالة عجب المتوكل من حسنها و هي : أمّا بعد فإنّ الخليفة يرى من حق اللّه عليه بما قوّم به من أود و عدل به من زيغ و لمّ به من منتشر استعمال ثلاث يقدم بعضهن أمام بعض ، اولاهن ما يتقدم به من تنبيه و توقيف ثم ما يستظهر به من تحذير و تخويف ، ثم التي لا يقع حسم الداء بغيرها :

أناة فإن لم تغن عقّب بعدها

وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه ٢

« و لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلاّ كلعقة لاعق » أي : لحس لا حس بالنسبة إلى أكل كامل .

في ( الأغاني ) : عن الشعبي أنّه أتى البصرة أيّام ابن الزبير فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل البصرة و أهل الكوفة و فاخروا بينهم ، فقال بصري : و هل أهل الكوفة إلاّ خولنا ؟

استنقذناهم من عبيدهم يعني الخوارج قال الشعبي : فهجس في صدري

ــــــــــــ

 ( ١ ) الصحاح ١ : ١٣٨ ، مادة : ( ركب ) .

 ( ٢ ) معجم الأباء لياقوت الحموي ١ : ١٨٦ ترجمة رقم ١٦ ، دار الفكر بيروت .

أن تمثلت قول أعشى همدان :

أ فخرتم أن قتلتم أعبدا

و هزمتم مرة آل عزل

نحن سقناهم إليكم عنوة

و جمعنا أمركم بعد شمل

فإذا فاخرتمونا فاذكروا

ما فعلنا بكم يوم الجمل

بين شيخ خاضب عثنونه

و فتى أبيض وضاح رفل

جاءنا يرفل في سابغة

فذبحناه ضحى ذبح الحمل

و عفونا فنسيتم عفونا

و كفرتم نعمة اللّه الأجل

فضحك الأحنف ، ثمّ قال : يا أهل البصرة قد فخر عليكم الشعبيّ و صدق و انتصف فأحسنوا مجالسته ١ .

« مع أنّي عارف لذي الطاعة منكم فضله و لذي النصيحة حقه » . قد عرفت أنّ في هذه المرّة كانت الأزد ذووا طاعة و رئيسهم صبرة بن سليمان الأزدي ذا نصيحة .

« غير متجاوز متّهما إلى بري‏ء و لا ناكثا إلى وفّي » فإنّ التجاوز عمل الجبابرة ، فكان زياد و ابن زياد و الحجّاج يأخذون البري‏ء بالسقيم و لا يراعون قوله تعالى : و لا تزروا وازرة وزر اخرى . . . ٢ .

و كان الحجاج أمر النّاس باللّحوق بالمهلب فقام اليشكري و قال : بي فتق رآه بشر بن مروان فعذرني . فأمر بقتله .

و مرّ في ( ١١ ) من الفصل التاسع في الملاحم قوله عليه السّلام « كنتم جند المرأة . . . » .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأغاني ٦ : ٥٤ ٥٥ .

 ( ٢ ) فاطر : ١٨ .

الفصل الثاني و الثلاثون في القاسطين و ما يتعلق بصفين

١

الكتاب ( ٨ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى جرير بن عبد اللّه البجليّ لمّا أرسله إلى معاوية :

أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ عَلَى اَلْفَصْلِ وَ خُذْهُ بِالْأَمْرِ اَلْجَزْمِ ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ فَإِنِ اِخْتَارَ اَلْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ وَ إِنِ اِخْتَارَ اَلسِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ وَ اَلسَّلاَمُ أقول : رواه ( صفين نصر ) ١ و ( عقد ابن عبد ربّه ) ٢ ، و في الثاني : « و خيره بين حرب معضلة » في ( العقد ) : « مجلبه » رواه في عنوان اخبار على و معاوية .

قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام إلى جرير بن عبد اللّه البجلي » عدوه في الطوال ، ففي ( معارف ابن قتيبة ) يتفل في ذروة البعير من طوله ، و كانت

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٥ .

 ( ٢ ) العقد الفريد لابن عبد ربّه ٣ : ٨٠ .

نعله ذراعا ، و قال : اعتزل عليّا عليه السّلام و معاوية و أقام بالجزيرة و نواحيها حتى توفي بالشراة سنة ( ٥٤ ) .

« لمّا ارسله إلى معاوية » عن ( موفقيات ابن بكار ) : لمّا أرسله عليه السّلام أقام عند معاوية أربعة أشهر .

و في ( تاريخ اليعقوبي ) ١ أنّ الأشتر منع عليّا عليه السّلام من إرسال جرير إلى معاوية ، و قال : هواه هواهم و نيّته نيّتهم . فقال عليه السّلام : دعه يتوجه فإن نصح كان ممّن أدّى أمانته ، و إن داهن كان عليه وزر من اؤتمن و لم يؤدّ الأمانة .

و ياويحهم مع من يميلون و يدعونني فو اللّه ما أردتهم إلاّ على إقامة الحقّ ، و لم يردهم غيري إلاّ على باطل .

هذا ، و في ( الأغاني ) ٢ : قال علي بن زيد : قال لي الحسن البصري : قول الشاعر :

لو لا جرير هلكت بجيله

نعم الفتى و بئست القبيله

أهجاه أم مدحه ؟ قلت : مدحه و هجا قومه . فقال : ما مدح من هجي قومه .

قوله عليه السّلام : « أما بعد ، فإذا اتاك كتابي ، فاحمل معاوية على الفصل و خذه بالأمر الجزم إلى قوله « فخذ بيعته » روى هذا الكتاب نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ٣ ،

فقال : و في حديث محمد و صالح بن صدقة قالا : و كتب عليّ عليه السّلام إلى جرير بعد ذلك : أما بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فاحمل معاوية على الفصل ، و خذه بالأمر الجزم ، ثم خيّره بين حرب مجلية أو سلم محظية . فلمّا انتهى الكتاب إلى جرير ،

أتى معاوية فأقرأه الكتاب ، و قال له : إنّه لا يطبع على قلب إلاّ بذنب ، و لا ينشرح

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٨٤ .

 ( ٢ ) الأغاني ٢١ : ٣٠٥ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٥ .

إلاّ بتوبة ، و لا أظنّ قلبك إلاّ مطبوعا ، أراك قد وقفت بين الحق و الباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك . فقال معاوية : ألقاك بالفيصل أول مجلس . فلما بايعه أهل الشام ، قال : الحق بصاحبك . و كتب إليه بالحرب .

و قال نصر ١ أيضا : قال الشعبي إنّ عليّا عليه السّلام حين قدم من البصرة ، نزع جريرا عن همدان ، فأراد عليّ عليه السّلام أن يبعث إلى معاوية رسولا ، فقال له جرير :

ابعثني ، فإن معاوية لم يزل لي مستنصحا و وادا إلى أن قال قال عليه السّلام له : إيت معاوية بكتابي فإن دخل في ما دخل فيه المسلمون ، و إلاّ فانبذ إليه ، و اعلم أنّي لا أرضى به أميرا و أنّ العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق حتى أتى الشام ،

و قال : يا معاوية إنّه قد اجتمع لابن عمّك أهل الحرمين ، و أهل المصرين ، و أهل الحجاز ، و أهل اليمن ، و أهل مصر ، و أهل العروض ، و عمان ، و أهل البحرين،

و اليمامة ، و لم يبق إلاّ هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها إلى أن قال خطب معاوية و قال : أيها الناس قد علمتم أنّي خليفة عمر ، و أنّي خليفة عثمان ، و أنّي وليه و قد قتل مظلوما و اللّه يقول : و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا فلا يسرف في القتل إنّه كان منصورا ٢ و أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقاموا بأجمعهم ، و أجابوا إلى الطلب بدمه ، و بايعوه على ذلك.

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) ٣ : ذكروا أنّ معاوية قال لجرير : رأيت رأيا ، أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام و مصر ، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة ، و أسلّم إليه هذا الأمر ، و أكتب إليه بالخلافة . قال جرير :

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٧ .

 ( ٢ ) الاسراء : ٣٣ .

 ( ٣ ) الخلفاء لابن قتيبة ١ : ٩٥ .

اكتب ما شئت . فكتب معاوية إليه عليه السّلام يسأله ذلك . و ذكروا أنّ عليّا عليه السّلام كتب إلى جرير . أما بعد ، فإن معاوية إنّما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة ،

و أن يختار من أمره ما أحب ، و قد كان المغيرة أشار عليّ و أنا بالمدينة أن أستعمله على الشام . فأبيت ذلك عليه ، و لم يكن اللّه ليراني أن أتخذ المضلّين عضدا ، فإن بايعك الرجل ، و إلاّ فأقبل .

ثمّ يظهر ممّا نقلنا من مستند الكتاب من خبر محمد و صالح أنّ كلمة ( هذا ) سقطت من المصنّف في قوله : « كتابي هذا » ، فالمقام يقتضيه ، و ان كلمة ( مخزية ) في كلامه مصحفة ( محظية ) و كيف تكون السلم مخزية و قد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِلم كافّة . . . ١ ؟ و في ( الصحاح ) : السلم : الصلح ، يفتح و يكسر ، و يذكر و يؤنث . و الحرب تؤنث ، و قال المبرد : قد تذكر ، و أنشد :

و هو إذا الحرب هفا عقابه

مرجم حرب تلتقي حرابه

هذا ، و مر في فصل عثمان قوله عليه السّلام : « إنّ استعدادي لحرب أهل الشام و جرير عندهم إغلاق للشام ، و صرف لأهله عن خير إن أرادوه ، و لكن قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصيا ، و الرأي عندي مع الأناة ،

فارودوا و لا أكره لكم الاعداد ، و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عينه ، و قلّبت ظهره و بطنه ، فلم أرلي إلاّ القتال أو الكفر » مع شرحه .

٢

الخطبة ( ٤٨ ) و من خطبة له عليه السّلام عند المسير إلى الشام :

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَ غَسَقَ وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ

ــــــــــــ

 ( ١ ) البقرة : ٢٠٨ .

وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ اَلْإِنْعَامِ وَ لاَ مُكَافَإِ اَلْإِفْضَالِ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا اَلْمِلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ اَلنُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ وَ أَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ اَلْقُوَّةِ لَكُمْ قال ١ الشريف : أقول : يعني عليه السّلام بالملطاط السمت الذي أمرهم بنزوله ،

و هو شاطى‏ء الفرات ، و يقال : ذلك الشاطى‏ء البحر ، و أصله ما استوى من الأرض .

و يعني بالنطفة ماء الفرات ، و هو من غريب العبارات و أعجبها . قول المصنّف : « و من خطبة له عليه السّلام عند المسير الى الشام » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و يصدقه ابن ميثم ٣ ، و لكن ابن أبي الحديد ٤ بدل « خطبة » بقوله : « كلام » و ليس بصواب ، حيث إنّه قال بعد : و هذه الخطبة خطب عليه السّلام بها و هو بالنخيلة ، خارجا من الكوفة متوجها الى صفّين ، لخمس بقين من شوال ،

ذكرها جمع من أهل السير ، و زادوا في الخطبة : « و قد أمّرت على المصر عقبة بن عمرو ، و لم آلكم و لا نفسي ، فإيّاكم و التخلّف و التربّص ، فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي ، و أمرته : ألا يترك متخلفا إلاّ لحقه بكم عاجلا .

و روى نصر بن مزاحم ٥ عوض قوله : « إلى عدوّكم » . « إلى عدوّ اللّه » .

قال نصر : فقام إليه معقل بن قيس الرياحي ، فقال له عليه السّلام : ما يتخلّف عنك إلاّ ظنين ، و لا يتربص بك إلاّ منافق ، فمر مالك بن حبيب يضرب أعناق المتخلفين .

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠١ .

 ( ٢ ) الطبعة المصرية : ٩٣ الخطبة ٤٨ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠١ .

 ( ٥ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٣٢ .

فقال عليه السّلام : قد أمرته بأمري و ليس بمقصر إن شاء اللّه .

قلت : المستفاد من ( صفين ١ نصر بن مزاحم ) أنّه عليه السّلام انما خطب وقت خروجه من النخيلة من العنوان بقوله : « الحمد للّه غير مفقود الانعام . . . » و أما قوله عليه السّلام في صدرها : « الحمد للّه كلّما وقب ليل و غسق ، و الحمد للّه كلّما لاح نجم و خفق » ، فكان بعد شخوصه عليه السّلام من النخيلة و نزوله على شاطى‏ء البرس،

بين حمام أبي بردة و حمام عمر بعد صلاته عليه السّلام المغرب بالناس . قال نصر:

فلما انصرف من الصلاة قال : « الحمد للّه الذي يولج الليل في النهار . و يولج النهار في الليل الحمد للّه كلّما وقب ليل و غسق ، و الحمد للّه كلّما لاح نجم و خفق » ثم أقام حتّى صلّى الغداة .

و قول ابن أبي الحديد ٢ : « لخمس بقين » مصحف : « لخمس مضين » .

فكذا في ( صفين نصر ) ٣ .

و كيف كان ، فقال نصر : لما أراد عليّ عليه السّلام الشخوص قام مالك بن حبيب و هو على شرطه فقال : أتخرج يا أمير المؤمنين بالمسلمين فتصيبوا أجر الجهاد و القتال و تخلفني في حشر الرجال ؟ فقال عليه السّلام له : إنّهم لن يصيبوا من الأجر شيئا إلاّ كنت شريكهم فيه ، و أنت هاهنا أعظم عناء منك عنهم لو كنت معهم . فقال : سمعا و طاعة.

قوله عليه السّلام : « الحمد للّه كلّما وقب ليل » أي : دخل .

« و غسق » أي : أظلم .

« و الحمد للّه كلّما لاح نجم » أي : طلع .

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٣١ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠١ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٣١ .

« و خفق » أي : غرب ، يقال : وردت خفوق النجم . أي : وقت غروب الثريا .

قال ابن السكيت : الخافقان افقا المشرق و المغرب ، لأن الليل و النهار يخفقان فيهما .

« و الحمد للّه غير مفقود الإنعام » على كلّ أحد عامّا و خاصّا .

« و لا مكافأ الإفضال » و كيف يكافأ أي : يجازى إفضاله ، و القيام في عبادته بحوله و قوته و توفيقه و الإنفاق في سبيله من ماله ؟

« أمّا بعد فقد بعثت مقدّمتي » بعثهم عليه السّلام من النخيلة ، و هم زياد بن النضر في ستة آلاف ، و شريح بن هاني في ستة آلاف ، و قال لهما كما في ( الطوال للدينوري ) ١ : اعلما أن مقدّمة القوم عيونهم ، و عيون المقدّمة طلائعهم ،

فإياكما أن تسأما عن توجيه الطلائع ، و لا تسيرا بالكتائب و القبائل من لدن مسيركما الى نزولكما إلاّ بتعبية و حذر .

« و أمرتهم بلزوم هذا الملطاط » أي : شاطى‏ء الفرات .

« حتى يأتيهم أمري » في ( الطبري ) ٢ : قد كان زياد بن النضر و شريح بن هاني و كان علي عليه السّلام سرحهما مقدّمة له أخذا على شاطى‏ء الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات ، فبلغهما أخذ علي عليه السّلام طريق الجزيرة ،

و على أنّ معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله ، فقالا : و اللّه ما هذا برأي أن نسير و بيننا و بين أمير المؤمنين عليه السّلام هذا البحر ، و مالنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلّة من العدد ، منقطعين عن المدد . فذهبوا ليعبروا من عانات ، فمنعهم أهلها و حبسوا عنهم السفن ، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ، و لحقوا عليّا عليه السّلام بقرية دون قرقيا ، فلمّا لحقوا عليّا عليه السّلام عجب و قال :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطوال للدينوري : ١٦٦ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٦٦ .

مقدّمتي تأتي من ورائي فقال له زياد و شريح ما جرى ؟ فقال : قد أصبتما رشدكما . فلما عبروا الفرات قدّمهما أمامه نحو معاوية ، فلقيهما أبو الأعور السلمي في جنود من الشام و هو على مقدّمة معاوية ، فدعواه إليه عليه السّلام ، فأبى فكتبا إليه بذلك .

« و قد أردت » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( و قد رأيت ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« ان اقطع هذه النطفة » و الأصل فيها : الماء الصافي ، قلّ أو كثر ، و المراد :

ماء الفرات .

« الى شرذمة » أي : طائفة .

« منكم موطنين أكناف » أي : جوانب .

« دجلة فأنهضهم » أي : أشخصهم و أقيمهم .

« معكم الى عدوكم و أجعلهم من إمداد » بالكسر ، من : أمددت الجيش بمدد،

و أمّا الأمداد بالفتح ، فجمع المدّ بالضم : ربع الصاع . و قال ابن أبي الحديد :

و الإمداد جمع مدد . و هو كما ترى .

« القوه لكم » ثم الظاهر أنّ المراد ( بشرذمة منهم موطنين أكناف دجلة ) :

أهل المدائن ، فروى نصر بن مزاحم ٤ : أنّه عليه السّلام لما انتهى إليها ، أمر الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن : من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر . فوافوه في تلك الساعة ، فقال عليه السّلام لهم : إني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم ، و انقطاعكم عن أهل مصركم ، في هذه المساكن الظالم

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية : ٩٣ الخطبة ٤٨ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠٠ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ ، و فيه أيضا : « و قد أردت » .

 ( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٤٣ .

أهلها . لا معروف تأمرون به و لا منكر تنهون عنه . فقالوا : كنّا ننتظر أمرك ،

مرنا بما أحببت . فسار و خلّف عليهم عدي بن حاتم ، فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج إليه عليه السّلام في ثمانمائة رجل منهم ، و خلّف عدي ابنه زيدا فلحقه عليه السّلام في أربعمائة رجل منهم .

قول المصنّف : « قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) ١ و لكن في ( ابن أبي الحديد ) : ( قال الرضي ) و في ( ابن ميثم ) ٢ : ( قال السيد ) و هذا دليل على أنّ أحدا منها ليس كلام المصنّف .

« أقول » هكذا في ( المصرية ) و هو زائد فليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« يعني عليه السّلام بالملطاط » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط ، و الاصل :

« يعني عليه السّلام بالملطاط هاهنا » كما في ابن ( أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) و انما قال : هاهنا لأنّه يأتي في بعض المواضع بمعنى جلدة الرأس . قال الراجز :

« ننتزع العينين بالملطاط »

« السمت الذي أمرهم بنزوله » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( بلزومه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٤ و الخطية ) .

« و هو شاطى‏ء » أي : جانب .

« الفرات » و هو أحد نهري العراق .

« و يقال ذلك » أي : الملطاط .

« لشاطى‏ء البحر » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( أيضا لشاطى‏ء البحر )

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية : ٩٤ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ و ليس فيه : « هاهنا » .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ و فيه : « قال الشريف : أقول » .

 ( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ .

كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ١ و الخطية ) ، و المراد : أن الملطاط لا يختص بشاطى‏ء النهر ، بل يقال لشاطى‏ء البحر أيضا .

و قول ابن أبي الحديد ٢ : « لا معنى لقوله ، لأنّه لا فرق بين شاطى‏ء الفرات و شاطى‏ء البحر » بلا معنى ففرق النهر و البحر واضح ، و من الغريب أنّه عبر أولا بما في ( الصحاح ) غير ناسب إليه : الملطاط حافة الوادي و شفيره و ساحل البحر ، قال رؤبة :

نحن جمعنا الناس بالملطاط .

قال الأصمعي : يعني به ساحل البحر . و قال ابن مسعود : هذا الملطاط طريقة بقية المؤمنين هرابا من الدجال يعني به شاطى‏ء الفرات .

ثمّ اعترض على المصنّف بما مرّ ، مع أنّه عين كلام المصنّف باختلاف لفظ ، فمحصل كلام ( الصحاح ) أن الملطاط يأتي بمعنى حافة الوادي ، أي :

شاطى‏ء النهر ، و شاهده حديث ابن مسعود ، و بمعنى شاطى‏ء البحر ، و شاهده بيت رؤبة ، فاذا لم يتدبر في كلام ( الصحاح ) الذي جعله من إنشائه لا غرو ألاّ يتدبر في كلام المصنّف .

كما ان قول ابن أبي الحديد ٣ : « و كان الواجب على المصنّف أن يقول :

الملطاط السمت في الأرض ، و يقال أيضا لشاطى‏ء البحر » غلط فلم يقل أحد : إنّ الملطاط مطلق السمت .

« و أصله ما استوى من الأرض » بمعنى أنّه يجمع الشاطئين ، و في ( الجمهرة ) : « الملطاط : الغائط من الأرض المطمئن » .

« و يعني عليه السّلام بالنطفة ماء الفرات و هو من غريب العبارات و أعجبها »

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ و ليس فيه كلمة : « أيضا » .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠١ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٠١ .

هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ( و عجيبها ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٢ و الخطية ) .

٣

الكتاب ( ١٠ ) و من كلام له عليه السّلام إليه أيضا :

وَ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا وَ خَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا وَ قَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا وَ أَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا وَ إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ خُذْ أُهْبَةَ اَلْحِسَابِ وَ شَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ وَ لاَ تُمَكِّنِ اَلْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ وَ إِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ اَلشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ وَ بَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ وَ جَرَى مِنْكَ مَجْرَى اَلرُّوحِ وَ اَلدَّمِ وَ مَتَى كُنْتُمْ يَا ؟ مُعَاوِيَةُ ؟ سَاسَةَ اَلرَّعِيَّةِ وَ وُلاَةَ أَمْرِ اَلْأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ وَ لاَ شَرَفٍ بَاسِقٍ وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ اَلشَّقَاءِ وَ أُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ اَلْأُمْنِيِّةِ مُخْتَلِفَ اَلْعَلاَنِيَةِ وَ اَلسَّرِيرَةِ وَ قَدْ دَعَوْتَ إِلَى اَلْحَرْبِ فَدَعِ اَلنَّاسَ جَانِباً وَ اُخْرُجْ إِلَيَّ وَ أَعْفِ اَلْفَرِيقَيْنِ مِنَ اَلْقِتَالِ لِيُعْلَمَ أَيُّنَا اَلْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَ اَلْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا ؟ أَبُو حَسَنٍ ؟ قَاتِلُ جَدِّكَ وَ أَخِيكَ وَ خَالِكَ شَدْخاً ؟ يَوْمَ بَدْرٍ ؟ وَ ذَلِكَ اَلسَّيْفُ مَعِي وَ بِذَلِكَ اَلْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اِسْتَبْدَلْتُ دِيناً وَ لاَ اِسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً وَ إِنِّي لَعَلَى اَلْمِنْهَاجِ اَلَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَ دَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية : ٩٤ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٢٥ .

أقول : رواه نصر بن مزاحم ١ إلى قوله : « و قد دعوت إلى الحرب . . . » مع اختلاف و زيادة و نقصان ، فقال في سياق كتبه عليه السّلام الى معاوية من الكوفة :

و كتب علي عليه السّلام الى معاوية : « أمّا بعد ، فإنك قد رأيت مرور الدنيا و انقضاءها و تصرّمها بأهلها ، و خير ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى ، و من يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا ، و اعلم يا معاوية أنّك قد ادّعيت أمرا لست من أهله لا في القدم و لا في الحدث ، و لست تقول فيه بأمر بيّن تعرف لك به أثر ، و لا لك عليه شاهد من كتاب اللّه ، و لا عهد تدّعيه ،

فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها ، و ركنت الى لذتها و خلي بينك و بين عدوك فيها ، و هو عدوّ كلب مضلّ جاهد ملح مع ما قد ثبت في نفسك من جهتها ؟ دعتك فأجبتها ، و قادتك فاتبعتها ، و أمرتك فأطعتها ، فاقعس عند هذا الأمر ، و خذ أهبة الحساب ، فإنّه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن . و متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية أو ولاة أمر هذه الامة ، بلا قدم حسن ، و لا شرف سابق على قومكم ؟

فاستيقظ من سنتك و ارجع الى خالقك ، و شمّر لما سينزل بك ، و لا تمكّن عدوّك الشيطان من بغية فيك . مع أنّي أعرف أنّ اللّه و رسوله صادقان ، نعوذ باللّه من لزوم سابق الشقاء ، و إلا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك : إنّك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق ، و لست من أئمة هذه الامة و لا من رعاتها . و اعلم أنّ هذا الأمر لو كان الى الناس أو بأيديهم ،

لحسدونا و امتنوا به علينا ، و لكنه قضاء ممّن منحناه و اختصنا به على لسان نبيّه الصادق المصدّق . لا أفلح من شك بعد العرفان و البيّنة . ربّنا احكم بيننا و بين عدوّنا بالحقّ و أنت خير الحاكمين .

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٠٨ .

و امّا قوله عليه السّلام : « فدع الناس جانبا الى قوله و بذلك القلب القى عدوي » فرواه المدائني مستقلاّ . و كيف يكون جزء ذاك الصدر ، و ذاك عرفت كتبه عليه السّلام من الكوفة ، و هذا قاله له في صفين كما سترى ؟

و كيف كان ، فنقل العنوان عن ( تاريخ دمشق ابن عساكر ) ١ في ترجمة معاوية عن الكلبي و لم يحقق الناقل مقداره .

قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام إليه أيضا » و الصواب : ( إلى معاوية أيضا ) كما في ( ابن ميثم ) ٢ ، و كذا في ( ابن أبي الحديد ) ٣ .

قوله عليه السّلام « و كيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب » أي : ملاحف .

« ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها و خدعت بلذتها » و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنّهم كانوا في شكّ مريب ٤ .

« دعتك فأجبتها و قادتك فاتبعتها و أمرتك فأطعتها » يوم يتذكّر الانسان ما سعى . و برّزت الجحيم لمن يرى . فأمّا من طغى . و آثر الحياة الدنيا . فإنّ الجحيم هي المأوى ٥.

« و انّه يوشك » أي : يقرب .

« أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن » هكذا في ( المصرية ) ٦ ، و في ( ابن أبي الحديد ) ٧ : « منج » . و قال : و في رواية « مجن » . و الاولى أصح . و مثله

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ دمشق لابن عساكر ٢٥ : ٣٢ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٣٧٠ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ٧٩ .

 ( ٤ ) سبأ : ٥٤ .

 ( ٥ ) النازعات : ٣٥ ٣٩ .

 ( ٦ ) الطبعة المصرية ١٠ : ١٢ .

 ( ٧ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ٧٩ .

( ابن ميثم ) ١ إلاّ أنّه جعل « منج » رواية .

و كيف كان ، فالمجن هو الجنّة ، قال تعالى فليس له اليوم هاهنا حميم ٢ .

« فاقعس » أي : تأخر .

« عن هذا الأمر و خذ اهبة الحساب » أي : استعداده و تهيئته ، قال تعالى :

اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ٣ .

« و شمّر » أي : جدّ و خفّ ، كمن شمّر عن ساقه ، قال : قد شمرت عن ساق شمري.

« لما قد نزل بك » من أمر الآخرة .

« و لا تمكّن الغواة من سمعك » فكان كذلك ، فأشار عليه المغيرة باستلحاق زياد و باستخلاف يزيد ، ففعل .

« و الا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك فإنّك مترف » و قد وصف تعالى المترفين في قوله : و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال . في سموم و حميم . و ظلّ من يحموم . لا بارد و لا كريم . إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين .

و كانوا يصرون على الحنث العظيم ٤ و اذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرّناها تدميرا ٥ .

« قد أخذ الشيطان منك مأخذه و بلغ فيك أمله » . . . إنّا جعلنا الشياطين

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٣٧٠ .

 ( ٢ ) الحاقة : ٣٥ .

 ( ٣ ) الاسراء : ١٤ .

 ( ٤ ) الواقعة : ٤١ ٤٦ .

 ( ٥ ) الاسراء : ١٦ .

أولياء للذين لا يؤمنون ١ .

« و جرى منك مجرى الروح و الدّم » و كان عمر يمدحه بترفه و شيطانيته ،

ففي ( الاستيعاب ) ٢ : ذمّ معاوية عند عمر يوما فقال : دعونا من ذمّ فتى قريش،

من يضحك في الغضب ، و لا ينال ما عنده إلاّ على الرضا ، و لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه .

« و متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية و ولاة أمر الامة بغير قدم سابق » في ( مروج المسعودي ) : حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي و ابن الكواء اليشكري و رجالا من أصحاب علي عليه السّلام مع رجال من قريش ، فقال : نشدتكم باللّه إلا ما قلتم حقّا و صدقا ، أيّ الخلفاء رأيتموني ؟ فقال ابن الكواء : لو لا أنّك عزمت علينا ما قلنا ، لأنّك جبّار عنيد ، لا تراقب اللّه في قتل الأخيار ، و لكنّا نقول :

إنّك ما علمنا : واسع الدنيا ، ضيّق الآخرة ، قريب الثرى ، بعيد المرعى ، تجعل الظلمات نورا و النور ظلمات الى أن قال ثم تكلّم صعصعة فقال : تكلمت يا بن أبي سفيان فأبلغت ، و لم تقصر عمّا أردت ، و ليس الأمر على ما ذكرت . أنّى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ، و دانهم كبرا و استولى بأسباب الباطل كذبا و مكرا ؟ أما و اللّه مالك في يوم بدر مضرب و لا مرمى ، و ما كنت فيه إلاّ كما قال القائل : لا حلى و لا سيرى . و لقد كنت أنت و أبوك في العير و النفير ممن أجلب على النبي صلّى اللّه عليه و آله . و انما أنت طليق ابن طليق ، أطلقكم النبي ، فأنّى تصلح الخلافة لطليق ٣ ؟

و فيه أيضا : قال معاوية لصعصعة : أنت ذو معرفة بالعرب الى أن

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأعراف : ٢٧ .

 ( ٢ ) الاستيعاب ٣ : ٣٩٧ .

 ( ٣ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ٥٠ .

قال و اخبرني عن أهل الحجاز . قال : أسرع الناس فتنة ، و أضعفهم عنها ،

و أقلّهم غناء فيها ، غير أنّ لهم ثباتا في الدين ، و تمسّكا بعروة اليقين ، يتّبعون الأئمة الأبرار و يخلعون الفسقة الفجّار . فقال معاوية : من البررة و الفسقة ؟

فقال : يابن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع . عليّ و أصحابه من الأئمة الأبرار ، و أنت و أصحابك من اولئك الفسقة الفجّار » ١ .

« و لا شرف باسق » أي : طويل . و منه قوله تعالى : و النخل باسقات . . . ٢ .

و قال الشاعر :

و اذا ما الناس عدّوا شرفا

كنتم من ذاك في مال رخي

و في ( صفين نصر ) ٣ : جمع معاوية كلّ قرشيّ بالشام و قال لهم : ليس لأحد منكم في هذه الحرب فعال يطول به لسانه غدا ، فما بالكم ؟ و أين حمية قريش ؟ فغضب الوليد بن عقبة فقال : و أيّ فعال تريد ؟ و اللّه ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق من يغني غنانا باللسان و لا باليد . فقال معاوية : إنّ اولئك وقوا عليّا بأنفسهم . قال الوليد : كلا بل عليّ وقاهم بنفسه . قال معاوية :

ويحكم أما منكم من يقوم لقرنه منهم مبارزة أو مفاخرة ؟ فقال مروان : أما البراز فان عليّا لا يأذن لحسن و لا لحسين و لا لمحمد بنيه ، و لا لابن عباس و اخوته و يصلى هو بالحرب دونهم فلأيهم نبارز ؟ و أما المفاخرة فبماذا نفاخرهم ؟ أبا لاسلام ؟ أم بالجاهلية ؟ فإن كان بالاسلام فالفخر لهم بالنبوّة ،

و إن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن ، فإن قلنا : قريش قالت العرب . فأقرّوا لبني عبد المطلب .

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ٥١ .

 ( ٢ ) ق : ١٠ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٦٢ .

« و نعوذ باللّه من لزوم سوابق الشقاء » أ لم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون . قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا و كنّا قوما ضالّين . ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون . قال اخسؤا فيها و لا تكلمون ١ .

و في ( صفين نصر ) ٢ مسندا عن ابن عمر قال : أرسل النبي صلّى اللّه عليه و آله الى معاوية يدعوه ، فجاء الرسول فقال : هو يأكل . فأعاد عليه الثانية و الثالثة و يقول الرسول : هو يأكل . فقال : لا أشبع اللّه بطنه . و نظر النبي صلّى اللّه عليه و آله يوما إلى أبي سفيان و هو راكب و معاوية و أخوه ، أحدهما قائد و الآخر سائق ، فلما نظر إليهم النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : اللّهم العن القائد و السائق و الراكب .

« و احذرك أن تكون متماديا » أي : مادا الى المدى و الغاية .

« في غرّة الامنية » أي : الأمل و الهوى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ٣ .

« مختلف العلانية و السريرة » منافقا .

« و قد دعوت الى الحرب فدع الناس جانبا و اخرج إلي و أعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه » في ( الصحاح ) : قال أبو عبيدة في قوله تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ٤ : أي : غلب ، و كلّ ما غلبك فقد ران بك و رانك و ران عليك .

« و المغطى على بصره » في ( صفين نصر ) ٥ : قام علي عليه السّلام بين الصفين ثم نادى يا معاوية يكررها فقال : اسألوه ما شأنه ؟ قال : أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة ، فبرز و معه عمرو بن العاص ، فلمّا قارباه لم يلتفت الى

ــــــــــــ

 ( ١ ) المؤمنون : ١٠٥ ١٠٨ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٢٠ .

 ( ٣ ) الجاثية : ٢٣ .

 ( ٤ ) المطفّفين : ١٤ .

 ( ٥ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٧٤ .

عمرو و قال : ويحك علام يقتل الناس بيني و بينك ، و يضرب بعضهم بعضا ؟

ابرز إليّ فأيّنا قتل صاحبه فالأمر له . فالتفت معاوية الى عمرو فقال : ما ترى ابارزه ؟ فقال عمرو : لقد أنصفك ، و إن نكلت عنه لم تزل سبّة عليك و على عقبك ما بقي عربي . فقال معاوية : ليس مثلي يخدع عن نفسه . و اللّه ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلاّ سقى الأرض من دمه . ثم انصرف راجعا حتى انتهى الى آخر الصفوف .

و فيه عن الشعبي ١ قال : أرسل علي عليه السّلام الى معاوية : أن ابرز إليّ و أعف الفريقين عن القتال ، فأيّنا قتل صاحبه كان الأمر له . قال عمرو : لقد أنصفك الرجل . فقال معاوية : إنّي لأكره أن ابارز الأهوج الشجاع . لعلّك طمعت فيها يا عمرو ؟ فقال عليّ عليه السّلام : وانفساه أيطاع معاوية و اعصى ؟ ما قاتلت امة أهل بيت نبيّها و مقرة بنيها إلاّ هذه الامة .

و ذكروا أنّ معاوية قال يوما بعد صفين لعمرو بن العاص : أيّنا أدهى ؟

قال : أنا للبديهة و أنت للروية . قال معاوية : قضيت لي على نفسك في الروية،

و أنا أدهى منك في البديهة أيضا ، قال عمرو : فأين كان دهاؤك يوم رفعت المصاحف ؟ قال معاوية : بها غلبتني ، أفلا أسألك عن شي‏ء تصدقني فيه ؟ قال عمرو : و اللّه إنّ الكذب لقبيح فاسأل عمّا بدا لك اصدقك . قال : هل غششتني منذ نصحتني ؟ قال : لا . قال : بلى و اللّه لقد غششتني . أما إني لا أقول في كلّ المواطن ،

و لكن في موطن واحد . قال : و أي موطن ؟ قال : يوم دعاني عليّ للمبارزة فأشرت عليّ بمبارزته ، و أنت تعلم من هو ، قال : إنّما دعاك رجل عظيم الشرف فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين . إمّا أن تقتله فتكون قد قتلت قتّال الأقران ، و تزاد به شرفا إلى شرفك و تخلو بملكك ، و إمّا ان كان قتلك فكنت

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٨٧ .

تجعل الى مرافقة الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا . فقال معاوية : هذه شرّ من الاولى . و اللّه إني أعلم أن لو قتلته دخلت النار ، و لو قتلني دخلت النار .

قال عمرو : فما حملك على قتاله ؟ قال : الملك ، و الملك عقيم ، و لن يسمعها مني أحد بعدك .

و في ( المروج ) ١ : لما قتل العباس بن ربيعة الهاشمي رجلا من شجعان الشام تأسف معاوية عليه و قال : من قتل العباس فله مائة اوقية من التبر ،

و مائة اوقية من اللجين ، و مائة برد . فانتدب له لخميان و دعواه الى البراز ،

فقال علي عليه السّلام : يود معاوية أنّه ما بقى من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في بطنه إطفاء لنور اللّه و يأبى اللّه إلاّ أن يتم نوره ٢ ، أما و اللّه ليملكنّهم منّا رجال يسومونهم سوء الخسف حتى تعفو الآثار . و أخذ عليه السّلام سلاح العباس و وثب على فرسه ، فلم يمهلهما أن قتلهما ، فقال معاوية : قبح اللّه اللجاج إنّه لعقور ، ما ركبته قط إلاّ خذلت . فقال عمرو : المخذول و اللّه اللخميان . فقال معاوية : اسكت أيها الرجل . فقال عمرو : و إن لم يكن رحم اللّه اللخمين ، و لا أراه يفعل . فقال معاوية : ذلك أضيق لحجتك و أخسر لصفتك . قال : قد علمت ذلك و لو لا مصر لركبت المنجاة ، فإني أعلم أنّ عليّا على الحق و أنا على الباطل .

فقال معاوية : مصر و اللّه أعمتك . و لو لا مصر لألفيتك بعيرا . ثم ضحك معاوية ضحكا ذهب به كلّ مذهب ، قال عمرو : مم تضحك ؟ قال معاوية : أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليّا و ابدائك سوأتك . أما و اللّه لقد رأيت الموت عيانا ، و لو شاء ابن أبي طالب لقتلك ، و لكنّه أبى إلاّ تكرّما . فقال عمرو : أما و اللّه إنّي لعن يمينك حين دعاك عليّ الى البراز ، فاحولت عيناك و بدا سحرك ، و بدا

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ٢٨ .

 ( ٢ ) التوبة : ٣٢ .

منك ما أكره ذكره ، فأضحك أو دع .

و في ( صفين نصر ) ١ : غلس علي عليه السّلام يوما بصلاة الصبح بالناس ، ثم زحف بهم الى أهل الشام . فقام أبرهة الحميري و كان من رؤساء أصحاب معاوية فقال : يا معشر أهل اليمن ، إنّي لأظن و اللّه أنّ اللّه قد أذن بفنائكم ،

و يحكم خلّوا بين هذين الرجلين فليقتتلا ، فأيّهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا .

فبلغ ذلك عليّا عليه السّلام فقال : صدق أبرهة ، و و اللّه ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشدّ سرورا مني بهذه . و بلغ كلام أبرهة معاوية ، فتأخّر آخر الصفوف و قال لمن حوله : إنّي لأظن أبرهة مصابا في عقله . فأقبل أهل الشام يقولون : و اللّه لأبرهة أفضلنا رأيا و دينا ، و لكن كره معاوية مبارزة علي . و برز يومئذ عروة بن داود الدمشقي ، فقال : يا أبا الحسن ، إن كان معاوية يكره مبارزتك فهلمّ إليّ فتقدّم عليه السّلام إليه ، فقال له أصحابه : ذر هذا الكلب فإنّه ليس بخطر . فقال عليه السّلام و اللّه ما معاوية اليوم بأغلظ لي منه ، دعوني و إيّاه . ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين ، سقطت احداهما يمنة و الاخرى يسرة ، فارتج العسكران لهول الضربة ، ثم قال عليه السّلام : يا عروة اذهب فأخبر قومك ، أما و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق لقد عاينت النار و أصبحت من النادمين .

« فأنا أبو الحسن قاتل جدك و خالك و أخيك شدخا » في ( الصحاح ) الشدخ:

كسر الشي‏ء الأجوف .

و في ( الأساس ) : شدخ الشي‏ء الأجوف أو الرخص . اذا كسره أو غمزه .

و يقال شدخ الرأس و الحنظل . و من المجاز شدخ دماءهم تحت قدمه . أي :

أبطلها .

و منه قيل ليعمر بن الملوّح الذي حكم بين خزاعة و قصي حين اقتتلوا ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٥٧ .

فأبطل دماء خزاعة ، و قضى بالبيت لقصي : الشدّاخ ، و له يقول قصي :

اذا خطرت بنو الشدّاخ حولي

و مد البحر من ليث بن بكر

« يوم بدر » أمّا أخوه حنظلة و خاله الوليد بن عقبة فقتلهما عليه السّلام منفردا،

و أمّا جدّه عتبة فقتله عليه السّلام بمشاركة عبيدة بن الحارث على الأصح ، من كون المقابل لعبيدة عتبة ، كما نقله الطبري ١ عن محمد بن إسحاق دون ما رواه الواقدي من استقلال حمزة بقتل عتبة و مشاركته عليه السّلام لعبيدة في قتل شيبة عمّ أمّه ، فكلامه عليه السّلام في هذا الكتاب و في الكتاب ( ٦٤ ) : « و عندي السيف الذي أعضضته بجدّك و خالك و أخيك في مقام واحد » يصدق الرواية الاولى .

و يشهد له أيضا قول هند في رثاء أبيها عتبة :

تداعى له رهطه غدوة

بنو هاشم و بنو المطلب

فبنو هاشم هو عليه السّلام ، و بنو المطلب عبيدة ، و لو كان حمزة قتله منفردا لما كان لبني المطلب فيه شركة .

و كيف كان ، فشيبة أيضا قتل في بدر ، قتله حمزة أو قتله عبيدة بمشاركته عليه السّلام .

و أمّا من قال مشيرا إلى هند :

فإن تفخر بحمزة يوم ولّى

مع الشهداء محتسبا شهيدا

فإنّا قد قتلنا يوم بدر

أبا جهل و عتبة و الوليدا

و شيبة قد تركنا يوم احد

على أثوابه علقا جسيدا

فوهم من قائله ، لعدم اطّلاعه بالتاريخ ، و ضلّ ابن طلحة الشافعي في ( مطالب سؤوله ) : فنسب الأبيات إليه عليه السّلام ، و لم يتفطن البحار ٢ فنقل

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٢ : ٤٤٥ ٤٤٦ .

 ( ٢ ) البحار ٢٠ : ١١٨ ١١٩ .

ما فيه مقررا له .

و كيف كان فقال أسيد بن إياس في فعله عليه السّلام ببدر بهم محرّضا لهم عليه :

في كلّ مجمع غاية أخزاكم

جذع ابر على المذاكي القرح

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم

ذبحا و قتلا قعصة لم يذبح

أفناكم قعصا و ضربا يعتري

بالسيف يعمل حدّه لم يصفح

« و ذلك السيف معي » في ( صفين نصر ) ١ : خطب عليّ عليه السّلام في صفّين ،

فقال : و الذي نفسي بيده لنظر إليّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أضرب قدامه بسيفي ، فقال :

لا سيف إلاّ ذو الفقا

ر و لا فتى إلاّ عليّ

« و بذلك القلب القى عدوي » في ( الطبري ) ٢ : لمّا قتل عليّ عليه السّلام أصحاب الألوية في احد أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي عليه السّلام :

احمل عليهم . فحمل عليهم ففرّق جمعهم ، و قتل عمرو بن عبد اللّه الجمحي ، ثم أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي عليه السّلام : احمل عليهم .

فحمل عليهم ففرّق جماعتهم ، و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي ، فقال جبرئيل : يا رسول اللّه ، إنّ هذه للمواساة . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : إنّه منّي و أنا منه .

فقال جبرئيل : و أنا منكما . فسمعوا صوتا :

لا سيف إلاّ ذو الفقا

ر و لا فتى إلاّ علي

« ما استبدلت دينا و لا استحدثت نبيا ، و إنّي لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين و دخلتم فيه مكرهين » في ( صفين نصر ) ٣ : قال عمّار : و اللّه ما أسلم

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣١٣ و ٣١٥ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٢ : ٥١٤ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢١٥ .

القوم ، و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر ، حتّى وجدوا عليه أعوانا .

و فيه ١ : عن شاميّ قال : لمّا رأيت معاوية يبايع عند باب لد ، ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله : « شرّ خلق اللّه خمسة : إبليس ، و ابن آدم الذي قتل أخاه ، و فرعون ذو الأوتاد ، و رجل من بني إسرائيل ردّهم عن دينهم ، و رجل من هذه الامة يبايع على كفره عند باب لد » فلحقت بعليّ عليه السّلام فكنت معه .

و فيه ٢ : خطب عليّ عليه السّلام في صفين ، و قال : و إنّ من أعجب العجائب : أنّ معاوية و عمرو بن العاص أصبحا يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما ،

و ايم اللّه ما اختلفت امّة قطّ بعد نبيّها إلاّ ظهر باطلها على أهل حقّها ، إلاّ ما شاء .

فقال عمّار : أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فقد أعلمكم أنّ الامّة لن تستقيم عليه . ثم تفرّق الناس و قد نفذت بصائرهم .

و فيه ٣ قيل لعلي عليه السّلام حين أراد أن يكتب الكتاب بينه و بين معاوية و أهل الشام : أتقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال : ما أقرّ لمعاوية و لا لأصحابه أنّهم مؤمنون و لا مسلمون ، و لكن يكتب ما شاء ، و يسمّي نفسه و أصحابه ما شاء .

و فيه ٤ : جاء رجل الى عليّ عليه السّلام فقال : هؤلاء الذين نقتلهم ، الدعوة واحدة فبم نسمّيهم ؟ قال عليه السّلام : بما سمّاهم اللّه في كتابه . أ ما سمعت اللّه يقول :

تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض الى و لو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢١٧ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٢٣ و ٢٢٤ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٠٩ .

 ( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٢٢ .

كفر . . . ١ فلما وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبي و بالحق،

فنحن الذين آمنوا ، و هم الذين كفروا و شاء اللّه قتالهم ، فقاتلناهم هدى بمشية اللّه ربنا و إرادته .

٤

الخطبة ( ٥١ ) و من خطبة له عليه السّلام لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه عليه السّلام على شريعة الفرات بصفّين و منعوهم من الماء :

قَدِ اِسْتَطْعَمُوكُمُ اَلْقِتَالَ فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ أَوْ رَوُّوا اَلسُّيُوفَ مِنَ اَلدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ اَلْمَاءِ فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَ اَلْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ أَلاَ وَ إِنَّ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ قَادَ لُمَةً مِنَ اَلْغُوَاةِ وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَرَ حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ اَلْمَنِيَّةِ أقول : الأصل في العنوان ما رواه نصر بن مزاحم و قد نقله ابن أبي الحديد ٢ أيضا عن عمرو بن شمر عن جابر قال : خطب علي عليه السّلام فقال : « أمّا بعد ، فانّ القوم قد بدؤكم بالظلم ، و فاتحوكم البغي ، و ابتدؤوكم بالعدوان و استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء ، فأقروا على مذلة و تأخير محلة . . . » .

قول المصنّف : « و من خطبة له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و الصواب :

( و من كلام له عليه السّلام ) كما ( في ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٤ و الخطية ) ، و إن عرفت من نصر انّ الكلام كان خطبة .

« لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه عليه السّلام على شريعة الفرات » قال

ــــــــــــ

 ( ١ ) البقرة : ٢٥٣ .

 ( ٢ ) شرح النهج لابن أبي الحديد ٣ : ٢٤٤ .

 ( ٣ ) الطبعة المصرية : ٩٦ الخطبة ٥١ .

 ( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٣٥ .

الدينوري في ( طواله ) ١ : أقبل معاوية بالخيل نحو صفين ، و على مقدّمته سفيان بن عمرو أبو الأعود السلمي ، و على ساقته بسر بن أبي أرطأة العامري و صفين قرية خراب من بناء الروم منها الى الفرات غلوة ، و على شط الفرات ممّا يليها غيضة متلفة ، فيها نزوز ، طولها نحو من فرسخين ، و ليس في ذينك الفرسخين طريق الى الفرات ، إلاّ طريق واحد مفروش بالحجارة ، و سائر ذلك خلاف و غرب ملتف لا يسلك ، و جميع الغيضة نزوز و وحل ، إلاّ ذلك الطريق الذي يأخذ من القرية الى الفرات فأقبلا حتى سبقا الى موضع القرية ، فنزلا هناك من ذلك الطريق ، و وافاهما معاوية بجميع الفيلق حتى نزل معهما ، و أمر معاوية أبا الأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل الشام على طريق الشريعة ،

فيمنع من أراد السلوك الى الماء من أهل العراق ، و أقبل علي عليه السّلام حتى وافى المكان ، فصادف أهل الشام احتووا على القرية و الطريق ، فأمر الناس فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية ، و انطلق السقاؤون و الغلمان الى طريق الماء ، فحال أبو الأعور بينهم و بينه ، فاخبر علي عليه السّلام بذلك ، فقال لصعصعة : إيت معاوية فقل له : إنّا سرنا اليكم لنعذر قبل القتال ، فإن قبلتم كانت العافية أحبّ الينا ،

و أراك قد حلت بيننا و بين الماء ، فإن كان أعجب اليك أن ندع ما جئنا له ، و نذر الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا . فأتاه فقال له ما قاله عليه السّلام ، فقال الوليد بن عقبة لمعاوية : امنعهم الماء كما منعوه عثمان . اقتلهم عطشا ، قتلهم اللّه . فقال معاوية لعمرو بن العاص : ما ترى ؟ قال : أرى أن تخلي عن الماء ، فإنّ القوم لن يعطشوا و أنت ريّان . فقال عبد اللّه بن أبي سرح : امنعهم الماء الى اللّيل لعلّهم أن ينصرفوا الى طرف الغيضة ، فيكون انصرافهم هزيمة .

فقال صعصعة لمعاوية : ما الذي ترى ؟ قال ارجع فسيأتيكم رأيي . فانصرف

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأخبار الطوال : ١٦٧ .

و ظلّ أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء ، إلاّ من كان ينصرف من الغلمان الى طرف الغيضة ، فيمشي مقدار فرسخين فيستقي ، فغمّ عليّا عليه السّلام أمر الناس غمّا شديدا ، فأتاه الأشعث فقال : أيمنعنا القوم الماء و أنت فينا و معنا سيوفنا ؟

ولّني الزحف إليه ، فو اللّه لا أرجع أو أموت ، و مر الأشتر فلينضم إليّ في خيله.

فقال له عليّ عليه السّلام : إيت في ذلك ما رأيت . فلمّا أصبح زاحف أبا الأعور فاقتتلوا ،

و صدقهم الاشتر و الأشعث حتى نفيا أبا الأعور عن الشريعة ، و صارت في أيديهما ، فقال عمرو لمعاوية : ما ظنّك بالقوم اليوم ان منعوك كما منعتهم ؟

فقال معاوية : دع ما مضى ، ما ظنّك بعليّ ؟ قال : ظنّي أنّه لا يستحلّ منك ما استحللت منه ، لأنّه أتاك في غير أمر الماء . ثم توادع الناس . . . .

ثمّ إنّ معاوية كما تصرّف الماء في أوّل وروده ، و منع أصحابه عليه السّلام الماء ، كذلك تصرفها بحيلة بعد ذلك ، ففي ( صفين نصر ) ١ : كتب معاوية في سهم : من عبد اللّه الناصح ، فإنّي اخبركم أنّ معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم ، فخذوا حذركم . ثمّ رمى بالسهم في عسكر علي عليه السّلام ،

فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة . فقرأه ثم أقرأه صاحبه ، فلما قرأه و أقرأه الناس قالوا : هذا أخ لنا ناصح ، كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية .

فلم يزل السهم يقرأ حتى دفع الى أمير المؤمنين عليه السّلام ، و قد بعث معاوية مائتي رجل من الفعلة الى عاقول من النهر ، بأيديهم المرود و الزنبيل يحفرون فيها بحيال عسكر علي عليه السّلام ، فقال علي عليه السّلام : ويحكم إنّ الّذي يعالج معاوية لا يستقيم له ، و إنّما يريد أن يزيلكم عن مكانكم ، فالهوا عن ذلك . فقالوا له :

هم و اللّه يحفرون الساعة . فقال : ويحكم لا تغلبوني على رأيي . فقالوا :

و اللّه لنرتحلن ، فإن شئت فارتحل و إن شئت فأقم . فارتحلوا ، و ارتحل علي عليه السّلام

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٩٠ .

في اخريات الناس ، و هو يقول :

و لو أنّي اطعت عصبت قومي

الى ركن اليمامة أو شآم

و لكنّي اذا أبرمت أمرا

منيت بخلف آراء الطّغام

و ارتحل معاوية حتى نزل على معسكر علي عليه السّلام الذي كان فيه .

فدعا عليّ عليه السّلام الاشتر فقال : ألم تغلبني على رأيي ، أنت و الأشعث ؟ فقال الأشعث : أنا اكفيك ، ساداوي ما أفسدت . فجمع بني كندة فقال : يا معشر كندة ،

لا تفضحوني اليوم و لا تخزوني ، إنّما اقارع بكم أهل الشام . فخرجوا معه رجالا يمشون . و بيد الأشعث رمح له يلقيه على الأرض ، و يقول :

امشوا قيس رمحي

فلم يزل يقيس لهم على الأرض برمحه ذلك ، و يمشون معه رجّالة قد كسروا جفون سيوفهم ، حتى لقوا معاوية وسط بني سليم واقفا على الماء و قد جاءه أدنى عسكره ، فاقتتلوا على الماء ساعة ، و انتهى أوائل أهل العراق فنزلوا ، و أقبل الأشتر في خيل من أهل العراق فحمل على معاوية ، و الأشعث يحارب في ناحية ، فردوا وجوه إبل معاوية قدر ثلاثة فراسخ ، ثم نزل و وضع أهل الشام أثقالهم ، و الأشعث يهدر و يقول : أرضيتك يا أمير المؤمنين ؟ و لما غلب علي عليه السّلام على الماء فطرد عنه أهل الشام ، بعث الى معاوية : انّا لا نكافيك بصنعك ، هلمّ الى الماء ، فنحن و أنتم سواء . فأخذ كلّ واحد منهما بالشريعة مما يليه ، و قال عليه السّلام لأصحابه : إنّ الخطب أعظم من منع الماء .

هذا ، و نظير حيلة معاوية هذه مع أصحابه عليه السّلام حيلة أبي مسلم في قتاله لعبد اللّه بن علي عم المنصور ، فأقبل أبو مسلم الى عبد اللّه و نزل ناحية لم يعرض له ، و أخذ طريق الشام و كتب الى عبد اللّه : إنّي لم اؤمر بقتالك إنّما ولاّني المنصور الشام ، و إنما اريدها . فقال من كان مع عبد اللّه من أهل الشام : كيف

نقيم معك ، و هذا يأتي بلادنا و فيها حرمنا ، فيقتل من قدر عليه من رجالنا ،

و يسبي ذرارينا ؟ و لكنّا نخرج الى بلادنا ، فنمنعه حرمنا و ذرارينا ، و نقاتله إن قاتلنا . فقال لهم عبد اللّه : إنّه و اللّه ما يريد الشام و ما وجّه إلاّ لقتالكم ، و لئن أقمتم ليأتينكم . فأبوا إلاّ المسير ، فأقبل أبو مسلم فعسكر قريبا ، و ارتحل عبد اللّه من معسكره نحو الشام ، فتحوّل أبو مسلم حتى نزل في موضعه ، و عور ما كان حوله من المياه ، و ألقى فيها الجيف ، فقال عبد اللّه لأصحابه : ألم أقل لكم ؟ . . . .

هذا ، و في ( القاموس ) : بليل كزبير شريعة صفين .

« بصفين » في ( فتوح البلاذري ) : بالس ، و بولس ، و قاصرين ، و عابدين ،

و صفين : قرى منسوبة الى الروم .

و في ( مصباح الفيومي ) ١ : صفين : موضع على الفرات من الجانب الغربي بطرف الشام ، مقابل قلعة نجم ، و هو فعلين من الصف ، أو فعيل من الصفون .

قلت : و حيث إنّها كانت من بناء الروم كما عرفته من الدينوري و البلاذري فلا وجه لكونه من الصف .

و قد ذكره الجوهري ٢ و الفيروز آبادي ٣ و الجزري في صفن . و قال الأخير : في اعرابه قولان ، أحدهما : أن يقرأ بالياء و فتح النون مطلقا ، و الثاني : أن يعرب بالنون.

« و منعوهم الماء » هكذا في ( المصرية ) ٤ ، و الصواب : ( من الماء ) كما في

ــــــــــــ

 ( ١ ) المصباح للفيومي ١ : ٤١٤ .

 ( ٢ ) الصحاح للجوهري ٦ : ٢١٥٢ .

 ( ٣ ) الفيروز آبادي ٤ : ٢٤٢ .

 ( ٤ ) الطبعة المصرية : ٩٦ الخطبة ٥١ .

( ابن أبي الحديد ١ و ابن ميثم ٢ و الخطية ) .

قوله عليه السّلام : « قد استطعموكم القتال » جعله عليه السّلام منعهم عن شرب الماء كاستطعام للقتال أحسن كناية .

و في ( صفين نصر ) ٣ : قال الأشعث لعمرو : و اللّه إن كنت لأظنّ لك رأيا ،

فاذا أنت لا عقل لك ، أترانا نخليك و الماء ؟ فقال له عمرو : كنت مقهورا على ذلك الرأي فكايدتك بالتهدد .

« فأقروا على مذلّة و تأخير محلة » بالرضا بأن تبقى الشريعة في أيديهم .

و لمّا قتل عبد اللّه بن معديكرب أراد أخوه عمرو بن معديكرب أخذ ديته و ترك ثأره ، فقالت اخته كبشة :

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم

فمشوا بآذان النعام المصلّم

و دع عنك عمرا إنّ عمرا مسالم

و هل بطن عمرو غير شبر لمطعم ٤

و لمّا كان أسماء بن خارجة ذهب بهاني بن عروة الى عبيد اللّه بن زياد فقتله ، قال عبد اللّه بن الزبير الأسدي مخاطبا لمذحج قوم هاني :

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم

فكونوا بغايا ارضيت بقليل ٥

« أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء » و في ( صفين نصر ) ٦ : أنّ الأشتر روّى سيفه من دماء سبعة من فرسانهم : صالح بن فيروز العكي ،

و كان مشهورا بشدّة البأس ، شد عليه بالرمح و فلق ظهره ، ثم مالك بن أدهم

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٢٤٤ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٣٥ ، و فيه : « منعوهم الماء » .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٦٩ و ١٧٠ .

 ( ٤ ) الأغاني ١٥ : ٢٣٠ .

 ( ٥ ) الأغاني لأبي الفرج ١٤ : ٢٢٩ ، و فيه أورد مطلع القصيدة .

 ( ٦ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٧٤ .

السلماني و كان من فرسانهم ، ثم رماح بن عتيك الغساني ، ثم إبراهيم بن وضاح الجمحي ، ثم أزمل عتيك الحزامي و كان من أصحاب ألويتهم ، ثم أجلح بن منصور الكندي و كان من أعلام العرب و فرسانها و ماتت اخته حبلة حزنا عليه ، ثم محمد بن روضة الجمحي ، خرج و هو يقول :

يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

أضربكم و لا أرى أبا حسن

فشدّ عليه الأشتر و هو يقول :

لا يبعد اللّه سوى عثمانا

مخالف قد خالف الرحمانا

نصرتموه عابدا شيطانا

فقتله . و قال أيضا و قد كان قتل من آل ذي يزن رجلا ، و من آل ذي لقوه فارس الأردن .

اليوم يوم الحفاظ

بين الكماة الغلاظ

نحفزها و المظاظ

هذا ، و ذكر أعرابي قوما تحاربوا ، فقال : أقبلت الفحول تمشي مشي الوعول ، فلما تصافحوا بالسيوف ، فغرت المنايا أفواهها .

و قال صخر أخو خنساء في أخذه ثار أخيه معاوية من بني مرّة :

و مرّة قد صبحناها المنايا

فروّينا الأسنة غير فخر ١

و في ( عيون القتيبي ) ٢ : لما صرف أهل مزة الماء عن أهل دمشق ،

و وجهوه الى الصحاري ، كتب إليهم أبو الهندام : إلى بني استها أهل مزة ليمسي الماء أو لتصبحنكم الخيل . فوافاهم الماء قبل أن يعتموا ، فقال أبو الهندام :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأغاني لأبي الفرج ١٥ : ١٠١ .

 ( ٢ ) العيون للقتيبي ١ : ١٩٧ .

الصدق ينبي عنك لا الوعيد

« فالموت في حياتكم مقهورين ، و الحياة في موتكم قاهرين » هو في جمع المعنى و رفع المغزى ، كقوله تعالى : و لكم في القصاص حياة يا اولي الألباب . . . ١ .

كان عمليق الطسمي قضى على جديس : ان يذهبوا ببناتهم ليلة زفافهم قبل ازواجهم إليه فيفترعهن هو ، فذهبوا بعفيرة بنت عباد الجديسي إليه فافترعها ، فخرجت الى قومها شاقة درعها من قبل و من دبر في أقبح منظر ،

قائلة :

لا أحد أذلّ من جديس

أ هكذا يفعل بالعروس

و قالت في تحريض قومها :

فموتوا كراما أو أميتوا عدوّكم

و دبوا لنار الخطب بالحطب الجزل

فللبين خير من تماد على أذى

و للموت خير من مقام على الذّل

و إن أنتم لم تغضبوا بعد هذه

فكونوا نساء لا تعاب من الكحل

و دونكم طيب العروس فإنّما

خلقتم لأثواب العروس و للنسل

فصار تحريضها سببا لقتل العمليق ٢ و قال صخر أخو خنساء لمّا طال مرضه ، و سئلت امرأته عنه فقالت : لا حي فيرجى و لا ميت فينعى :

و للموت خير من حياة كأنّها

محلة يعسوب برأس سنان ٣

و تمثّل زيد بن علي يوم قتل بقول القائل :

ــــــــــــ

 ( ١ ) البقرة : ١٧٩ .

 ( ٢ ) الأغاني لأبي الفرج ١١ : ١٦٥ ١٦٦ .

 ( ٣ ) الأغاني لأبي الفرج ١٥ : ٧٩ .

اذل الحياة و عز الممات

و كلاّ أراه طعاما وبيلا

فإن كان لا بدّ من واحد

فسيروا إلى الموت سيرا جميلا

و ذكروا : أنّ عبد الجبار الأزدي خرج على المنصور ، فانهزم ، فحمل إليه فقال للمنصور : قتلة كريمة . قال تركتها وراءك يابن اللخناء .

و قال البحتري في بني حميد ، و قد قتلوا في الحرب ، لأبيهم :

أبا غانم أردى بنيك اعتقادهم

بأن الردى في الحرب أكبر مغنم

مضوا يستلذّون المنايا حفيظة

و حفظا لذاك السؤدد المتقدّم

و لمّا رأوا بعض الحياة مذلّة

عليهم و عز الموت غير محرم

أبوا أن يذوقوا العيش و الذم واقع

عليه و ماتوا ميتة لم تذمم

« ألا و ان معاوية قاد لمة » بتخفيف الميم ، أي : جماعة . ذكره الجوهري في لام ، و قال : و الهاء عوض عن الهمزة الذاهبة في وسطه . و في ( الجمهرة ) : اللمة منقوصة : الجماعة ، و الجمع لمات ، و ظاهره كون الأصل : لما .

و كيف كان فالظّاهر انّه ليس بمعنى مطلق الجماعة ، بل جماعة موافقة ،

ففي ( النهاية ) ١ : في الخبر : ليتزوج الرجل لمته من النساء ، و لتتزوج المرأة لمتها من الرجال . و حينئذ فمعنى كلامه عليه السّلام : أنّه قاد جماعة موافقة له في الخبث ، و يشهد له موارد استعماله .

قال الشاعر :

سبحان من منتطق المأثور

جهلا لدى سرادق الحصير

وسط لمات الملأ الحضور

إنّ السباب و غر الصدور

فالحصير : الملك ، و الملأ : جماعته .

« من الغواة » جمع الغاوي . أي : الضالين .

ــــــــــــ

 ( ١ ) النهاية ٤ : ٢٧٤ .

« و عمس » في ( الصحاح ) العمس أن ترى أنّك لا تعرف الأمر و أنت عارف به . قال ابن السكّيت : أمر عموس و عماس ، أي : مظلم لا يدرى من أين يؤتى له ،

و منه قولهم جاءنا بامور معمسات ، أي : مظلمة ملوية عن جهتها .

« عليهم الخبر حتى جعلوا نحورهم » جمع النحر ، بمعنى : المنحر .

« أغراض » جمع الغرض ، أي : الهدف .

« المنية » أي : الموت ، ففي ( صفين نصر ) ١ : أنّ معاوية لما أتاه كتاب علي عليه السّلام بعزله عن الشام بعد عثمان صعد المنبر ، و قال : يا أهل الشام ، قد علمتم أنّي خليفة أمير المؤمنين عمر و خليفة عثمان و قتل مظلوما . و تعلمون أنّي وليّه . و اللّه يقول : . . . و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا . . . ٢ . . . .

و وضع من يقوم في الناس و يروي لهم أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : إنّ عثمان كان على الحق ، و بث فيهم أنّ عليّا لا يصلّي .

و في ( صفين نصر ) ٣ : ذكروا أنّه لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة ، فقال لهم : يا أهل الشام هذا و اللّه أوّل الظفر ، لا سقاني اللّه و لا سقى أبا سفيان إن شربوا منه ، حتى يقتلوا بأجمعهم عليه .

و فيه ٤ : خرج رجل من أهل الشام ، فقال : من يبارز فخرج إليه رجل من أصحاب علي عليه السّلام فاقتتلا ساعة ، ثم إنّ العراقي ضرب رجل الشامي فقطعها ، فقاتل و لم يسقط الى الأرض ، ثم ضرب يده فقطعها ،

فرمى الشامي سيفه بيده اليسرى الى أهل الشام و قال لهم : دونكم سيفي هذا ، فاستعينوا به على عدوّكم . فأخذوه ، فاشترى معاوية ذلك السيف

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٨١ .

 ( ٢ ) الإسراء : ٣٣ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٦٣ .

 ( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٨٨ .

من أولياء المقتول بعشرة آلاف .

٥

من الخطبة ( ٢٦ ) ( و منها ) :

وَ لَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى اَلْبَيْعَةِ ثَمَناً فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ اَلْبَائِعِ وَ خَزِيَتْ أَمَانَةُ اَلْمُبْتَاعِ فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا وَ عَلاَ سَنَاهَا وَ اِسْتَشْعِرُوا اَلصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى اَلنَّصْرِ أقول : رواه الثقفي في ( غاراته ) ١ و ابن قتيبة في ( خلفائه ) و الكليني في ( رسائله ) جزء كتاب كتبه عليه السّلام ليقرأ على الناس ، لما سألوه عن قوله في الثلاثة المتقدمين بعد فتح مصر ، مع زيادة و نقيصة و اختلاف .

ففي الأول : « لقد انهي إليّ أنّ ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه و شرط له : أن يؤتيه إتاوة هي أعظم مما في يده من سلطانه ، ألا صفرت يد هذا البايع دينه بالدنيا ، و خزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين الى أن قال بعد كلام طويل خذوا للحرب اهبتها و أعدوا لها عدّتها ،

فقد شب نارها ، و علا سناها ، و تجرّد لكم الفاسقون ، كي يعذبوا عباد اللّه ،

و يطفئوا نور اللّه . . . » و مثله الثاني و الثالث .

قول المصنّف : « و منها » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و مثلها ( ابن أبي الحديد ) و المراد من تلك الخطبة ، أي : الخطبة ( ٢٥ ) ، و لكن في ( ابن ميثم ) ٣ : « و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها عمرو بن العاص » .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الغارات للثقفي ١ : ٣١٧ ، ضمن رسالة لأصحابه عليه السّلام .

 ( ٢ ) الطبعة المصرية : ٦٣ الخطبة ٢٦ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٢٧ ، و فيه : « و منها » .

قوله عليه السّلام « و لم يبايع » هكذا في ( المصرية ) و مثله ( ابن أبي الحديد ) و لكن في ( ابن ميثم ) ١ : « و لم يبايع معاوية » .

« حتى شرط » عليه .

« أن يؤتيه » أي : يعطيه .

« على البيعة » أي : بيعته معه .

« ثمنا فلا ظفرت يد البايع » قال ابن أبي الحديد : و في أكثر النسخ « المبايع » .

« و خزيت » أي : ذلت و هانت .

« امانة المبتاع » قال ابن أبي الحديد ٢ : يعني عليه السّلام بالمبتاع : عمرا ، و بالبايع معاوية .

قلت : بل بالعكس ، فعمرو بايع دينه بدنيا معاوية و هذا واضح ، قال تعالى : . . . و لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ٣ ، . . . و لقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق . . . ٤ ، اولئك الّذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب و لا هم ينصرون ٥ اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين ٦ اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى و العذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ٧ ،

و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ٨ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٧٢ ، و فيه : « و لم يبايع حتى . . . » .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٣ : ٦٠ .

 ( ٣ ) البقرة : ١٠٢ .

 ( ٤ ) البقرة : ١٠٢ .

 ( ٥ ) البقرة : ٨٦ .

 ( ٦ ) البقرة : ١٦ .

 ( ٧ ) البقرة : ١٧٥ .

 ( ٨ ) آل عمران : ١٨٧ .

و ننقل كيفية بيعته من كتاب ( صفين نصر ) ١ بمعناه ، و قد نقله ابن أبي الحديد ٢ بلفظه ، ففيه : لما كتب معاوية الى عمرو يستدعيه الى نصرته و قد كان اعتزل أيّام عثمان في فلسطين شاور ابنيه عبد اللّه و محمدا ، فقال له ابنه عبد اللّه : قر في بيتك ، فلست مجعولا خليفة ، و لا ترد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ، أوشك أن تهلك فتشقى فيها . و قال له ابنه محمد : أرى أنّك شيخ قريش ، و صاحب أمرها و إن تصرّم هذا الأمر و أنت فيه خامل تصاغر أمرك ،

فالحق بجماعة أهل الشام . و دعا غلامه وردان أيضا و كان راهبا ماردا فقال له : أرحل أحط ؟ فقال : إن شئت أنبأتك بما في نفسك . قال : هات ، قال : اعترك الدنيا و الآخرة على قلبك ، فقلت علي معه الآخرة في غير دنيا ، و في الآخرة عوض الدنيا ، و معاوية معه الدنيا بغير آخرة ، و ليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال : و اللّه ما أخطأت ، فما ترى يا وردان ؟ قال أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، و إن ظهر أهل الدنيا لن يستغنوا عنك . قال : الآن لمّا شهدت العرب مسيري الى معاوية ؟ فارتحل و هو يقول :

يا قاتل اللّه وردانا و قرحته

أبدى لعمرك ما في النفس وردان

لما تعرضت الدنيا عرضت لها

بحرص نفسي و في الأطباع إدهان

نفس تعف و اخرى الحرص يقلبها

و المرء يأكل تبنا و هو غرثان

أمّا عليّ فدين ليس يشركه

دنيا و ذاك له دنيا و سلطان

فاخترت من طمعي دنيا على بصر

و ما معي بالذي أختار برهان

فسار الى معاوية ، فقال له معاوية : أدعوك الى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربّه ، و قتل الخليفة ، و أظهر الفتنة ، و فرّق الجماعة . قال عمرو : إلى جهاد

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٤ ، ٣٦ ٣٩ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٦١ ٦٢ .

من ؟ قال : عليّ . فقال عمرو : و اللّه ما أنت و علي بعكمي بعير ، مالك هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه ، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ، و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر ؟ قال حكمك : قال : مصر. قال :

إنّي أكره أن يتحدّث عنك العرب : أنّك انّما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا.

قال : دعني عنك . قال معاوية : إنّي لو شئت أن أخدعك لفعلت . قال : مثلي يخدع؟

قال له : ادن مني اسارّك . فدنا منه ليسارّه ، فعض معاوية اذنه ، و قال : هذه خدعة ، هل ترى في بيتك أحدا غيري و غيرك ؟ فأنشأ عمرو يقول :

معاوي لا اعطيك ديني و لم أنل

بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة

أخذت بها شيخا يضرّ و ينفع

و ما الدين و الدنيا سواء فإنّني

لآخذ ما تعطي و رأسي مقنع

و لكنّني اغضي الجفون و إنّني

لأخدع نفسي و المخادع يخدع

و اعطيك أمرا فيه للملك قوّة

و إنّي به إن زلّت النعل اصرع

و تمنعني مصرا و لست نزعته

و إنّي بذا الممنوع قدما لمولع

قال له معاوية : أ لم تعلم أنّ مصر مثل العراق ؟ قال : بلى ، و لكنها إنّما تكون لي إذا كانت لك ، و إنّما تكون لك إذا غلبت عليّا على العراق . فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية : أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر ان صفت لك وليتك لا تغلب على الشام ؟ فأعطاه و كتب له كتابا ، و كتب معاوية : « على ان لا ينقض شرط طاعته » . فكتب عمرو : « و لا تنقض طاعته شرطا » . و كايد كلّ واحد منهما صاحبه ، فلمّا بلغ عليّا عليه السّلام ما صنعا ، قال :

يا عجبا لقد سمعت منكرا

كذبا على اللّه يشيب الشعرا

ما كان يرضى أحمد لو خبرا

أن يقرنوا وصيّه و الابترا

شاني الرسول و اللعين الأخزرا

كلاهما في جنده قد عسكرا

قد باع هذا دينه فأفجرا

من ذا بدنيا بيعه قد خسرا

بملك مصر ان أصاب الظفرا

إلى أن قال ١ : فقال له عمرو : رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي ، و هو عدوّ جرير البجليّ الذي أرسله اليك عليّ ، فأرسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس : أن عليّا قتل عثمان ، و ليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل ، فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب و إن تعلّق بقلبه لم يخرجه شي‏ء أبدا . فكتب معاوية إليه في ذلك ، و دعا يزيد بن أسد و بسر بن أرطأة و عمر بن سفيان و مخارق بن الحرث و حمزة بن مالك و حابس بن سعد رؤوس قحطان و اليمن و كانوا خاصة معاوية و بني عم شرحبيل فأمرهم أن يلقوه و يخبروه : أنّ عليّا قتل عثمان إلى أن قال ثم خرج شرحبيل فلقيه هؤلاء النفر الموطّئون له ، فكلّهم يخبره بأن عليّا قتل عثمان ، فدخل على معاوية فقال له : أبي الناس إلاّ أنّ عليّا قتل عثمان ، و اللّه لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنّك . فقال له معاوية : ما كنت لاخالف عليكم ، ما أنا إلاّ رجل من أهل الشام . فقال شرحبيل : فردّ هذا الرجل أي : جريرا إلى صاحبه . فعرف معاوية أنّ شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب العراق ، و أنّ الشام كلّه معه .

و فيه ٢ : أنّ معاوية طلب من عمرو ان يسوي له صفوف أهل الشام ،

فقال له عمرو : على أنّ لي حكمي إن قتل علي بن أبي طالب ، و استوسقت لك البلاد . فقال : أليس حكمك في مصر ؟ قال : و هل مصر تكون عوضا عن الجنة ،

و قتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم و هم فيه

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٠ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٣٧ .

مبلسون ١ ؟ فقال له معاوية : إنّ لك حكمك إن قتل ، رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك .

و فيه ٢ : جاء رجل الى عمّار فقال له : إنّ صلاتنا واحدة و كتابنا واحد و رسولنا واحد . فقال له عمّار : هل تعرف الراية السوداء في مقابلتي ؟ إنّها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع النبي صلّى اللّه عليه و آله ثلاث مرات ، و هذه الرابعة ، ما هي بخيرهن و لا أبرهن ، بل شرّهن و أفجرهن .

« فخذوا للحرب » أي : الحرب الثانية مع معاوية ، فقد عرفت أنّه عليه السّلام قاله بعد فتح مصر .

« اهبتها » أي : تهيئتها .

« و أعدّوا لها عدتها » أي : استعدادها ، و الأصل فيه قوله تعالى : و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل ٣ .

« فقد شب » أي : توقد ، و الشبوب : ما توقد به النار .

« لظاها » أي : التهاب نارها .

« و علا سناها » أي : ضوؤها .

« و استشعروا الصبر » أي : اجعلوه شعارا لكم كالثوب الملصق بالبدن .

« فإنّه » أي : الصبر .

« أدعى الى النصر » قال موسى لقومه استعينوا باللّه و اصبروا إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين ٤ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الزخرف : ٧٥ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٢١ .

 ( ٣ ) الانفال : ٦٠ .

 ( ٤ ) الاعراف : ١٢٨ .

٦

الكتاب ( ١٧ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه:

فَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ ؟ اَلشَّامَ ؟ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيَكَ اَلْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ اَلْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ اَلْعَرَبَ إِلاَّ حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ أَلاَ وَ مَنْ أَكَلَهُ اَلْحَقُّ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ أَكَلَهُ اَلْبَاطِلُ فَإِلَى اَلنَّارِ وَ أَمَّا اِسْتِوَاؤُنَا فِي اَلْحَرْبِ وَ اَلرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى اَلشَّكِّ مِنِّي عَلَى اَلْيَقِينِ وَ لَيْسَ أَهْلُ ؟ اَلشَّامِ ؟ بِأَحْرَصَ عَلَى اَلدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ ؟ اَلْعِرَاقِ ؟ عَلَى اَلْآخِرَةِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا ؟ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ؟ فَكَذَلِكَ نَحْنُ وَ لَكِنْ لَيْسَ ؟ أُمَيَّةُ ؟ ؟ كَهَاشِمٍ ؟ وَ لاَ ؟ حَرْبٌ ؟ ؟ كَعَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ؟ وَ لاَ ؟ أَبُو سُفْيَانَ ؟ ؟ كَأَبِي طَالِبٍ ؟ وَ لاَ اَلْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ وَ لاَ اَلصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ وَ لاَ اَلْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ وَ لَبِئْسَ اَلْخَلْفُ خَلْفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَ فِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ اَلنُّبُوَّةِ اَلَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا اَلْعَزِيزَ وَ نَعَشْنَا بِهَا اَلذَّلِيلَ وَ لَمَّا أَدْخَلَ اَللَّهُ اَلْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً وَ أَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ اَلْأُمَّةُ طَوْعاً وَ كَرْهاً كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي اَلدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وَ إِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ اَلسَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ وَ ذَهَبَ اَلْمُهَاجِرُونَ اَلْأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ فَلاَ تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً وَ لاَ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السّلام الى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه » ليس في ( ابن أبي الحديد ) ١ و ( الخطية ) كلمة « إليه » ، روى الكتابين نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ٢ ، و المسعودي في ( مروجه ) ٣ و ابن قتيبة في

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١١٧ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٧١ .

 ( ٣ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ٢٢ ٢٣ .

( خلفائه ) ١ ، و كذا عن البيهقي في ( محاسنه ) .

ففي الأوّل و نقله ابن أبي الحديد ٢ أيضا مع اختلاف : ذكروا ٣ أنّ عليّا عليه السّلام أظهر يوما أنّه مصبح غدا معاوية و مناجزه ، فبلغ ذلك معاوية و فزع أهل الشام لذلك و انكسروا لقوله الى أن قال: و قال الأشتر حين قال عليه السّلام ذلك:

قد دنا الفضل في الصباح و للسلم

رجال و للحروب رجال

فرجال الحروب كلّ حدب

مقحم لا تهدّه الأهوال

يضرب الفارس المدجج بالسيف

إذا فلّ في الوغى الأكفال

يا بن هند شد الحيازيم للموت

و لا يذهبن بك الآمال

إنّ في الصبح إن بقيت لأمرا

تتفادى من هو له الأبطال

فيه عز العراق أو ظفر الشام

بأهل العراق و الزلزال

فاصبروا للطعان بالأسل السمر

و ضرب يجري به الأمثال

ان تكونوا قتلتم النفر البيض

و غالت اولئك الآجال

فلنا مثلهم و إن عظم الخطب

قليل أمثالهم أبدال

يخضبون الوشيج طعنا اذا جرّت

إلى الموت بينهم أذيال

طلب الفوز في المعاد و في ذا

تستهان النفوس و الأموال

فلما انتهى الى معاوية شعر الأشتر قال : شعر منكر من شاعر منكر ،

رأس أهل العراق و عظيمهم ، و مسعر حربهم ، و أوّل الفتنة و آخرها . و قد رأيت أن أكتب الى علي كتابا أسأله الشام و هو الشي‏ء الأول الذي ردّني عنه و القي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١١٧ ، ١١٨ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١١٧ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١٢٠ ، صفين لنصر بن مزاحم : ٤٦٨ .

في نفسه الشك و الرقة . فضحك عمرو بن العاص و قال له : أين أنت من خدعة علي ؟ فقال : ألسنا بني عبد مناف ؟ قال : بلى ، و لكن لهم النبوّة دونك ، و إن شئت أن تكتب فاكتب . فكتب مع رجل من السكاسك يقال له : عبد اللّه بن عقبة و كان من ناقلة أهل العراق : أما بعد ، فإنّي أظنّك أن لو علمت و علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا و بك ما علمت ، لم يجنها بعضنا على بعض ، و إنّا و إن كنّا قد غلبنا على عقولنا ،

فقد بقي لنا ما نندم به على ما مضى و نصلح به ما بقي ، و قد كنت سألتك الشام على ألا يلزمني لك طاعة و لا بيعة ، فأبيت ذلك عليّ فأعطاني اللّه ما منعت ، و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ، فإنّي لا أرجو من البقاء إلاّ ما ترجو ، و لا أخاف من الموت إلاّ ما تخاف ، و قد و اللّه رقت الأجناد و ذهبت الرجال ، و نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل ، إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترقّ به حرّ . و السلام . فلما انتهى كتاب معاوية الى علي عليه السّلام قرأه ، ثم قال :

العجب لمعوية و كتابه . ثم دعا عبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه فقال له : اكتب الى معاوية : « أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت و علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض ، فأنا و إياك منها في غاية لم تبلغها ، و إنّي لو قتلت في ذات اللّه و حييت ، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات اللّه ، و الجهاد لأعداء اللّه . و أمّا قولك : إنّه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى، فإني ما نقصت عقلي و لا ندمت على فعلي .

فأمّا طلبك الشام فإنّي لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس . و امّا استواؤنا في الخوف و الرّجاء فإنّك لست بأمضى على الشك مني على اليقين ، و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة . و أمّا قولك : انّا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل ، فعلمري إنّا بنو أب واحد ، و لكن ليس امية كهاشم ، و لا حرب كعبد المطلب ، و لا أبو سفيان كأبي طالب ، و لا المهاجر

كالطليق ، و لا المحقّ كالمبطل ، و في أيدينا فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز و أعززنا بها الذليل » . فلما أتى معاوية كتاب عليّ عليه السّلام كتمه عن عمرو أيّاما ، ثمّ دعاه بعد ذلك فأقرأه الكتاب ، فشمت به . و لم يكن أحد من قريش أشدّ تعظيما لعلي عليه السّلام من عمرو ، منذ يوم لقيه و صفح عنه .

و في الأخير بعد ذكر معنى ما مرّ عن نصر : فقال معاوية لعمرو : قد علمت أنّ إعظامك لعلي لما فضحك ، فقال عمرو : لم يفتضح امرؤ بارز عليّا ،

و إنّما افتضح من دعاه الى البراز فلم يجبه .

قوله عليه السّلام : « فأمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس » في ( الاستيعاب ) ١ : نادى حوشب الحميري عليّا عليه السّلام يوم صفين ، فقال:

انصرف عنّا يابن أبي طالب ، فانّا ننشدك اللّه في دمائنا و دمك ، و نخلي بينك و بين عراقك ، و تخلّي بيننا و بين شامنا ، و تحقن دماء المسلمين . فقال عليّ عليه السّلام : هيهات يابن امّ ظليم و اللّه لو علمت انّ المداهنة تسعني في دين اللّه لفعلت ، و لكان أهون عليّ في المؤنة ، و لكن اللّه لم يرض من أهل القرآن بالسكوت و الإدهان ، إذا كان اللّه يعصى و هم يطيقون الدفاع و الجهاد ، حتى يظهر أمر اللّه .

و في ( الأغاني ) ٢ : سار زياد بن الأشهب و كان شريفا سيّدا الى أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام يصلح بينه و بين معاوية ، فلم يجبه و في ذلك يقول نابغة بني جعدة يعتدّ على معاوية :

و قام زياد عند باب ابن هاشم

يريد صلاحا بينكم و يقرّب

ــــــــــــ

 ( ١ ) الاستيعاب ١ : ٣٩٥ .

 ( ٢ ) الأغاني لأبي الفرج ١٢ : ٢٣ .

و في ( صفين نصر ) ١ : و خرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين :

يا أبا الحسن ابرز لي . فخرج إليه عليّ عليه السّلام حتى اذا اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين قال له : يا علي إنّ لك قدما في الاسلام و هجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخير هذه الحروب ، حتى ترى من رأيك ؟ فقال له عليّ عليه السّلام : و ما ذاك ؟ قال : ترجع الى عراقك ، فنخلي بينك و بين العراق ، و نرجع الى شامنا ، و تخلّي بيننا و بين شامنا . فقال له عليّ عليه السّلام : لقد عرفت انّما عرضت هذا نصيحة و شفقة ، و لقد أهمني هذا الأمر و أسهرني ،

و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلاّ القتال ، أو الكفر بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله . إنّ اللّه تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنم . فرجع الشامي و هو يسترجع .

« و أمّا قولك : ان الحرب قد أكلت العرب إلاّ حشاشات » في ( الصحاح ) :

الحشاش و الحشاشة : بقية الروح في جسد المريض .

« أنفس بقيت » في ( المروج ) ٢ : اختلف في عدّة من قتل من الفريقين ، فعن يحيى بن معين : قتل من الشام تسعون ألفا ، و من أهل العراق عشرون ألفا .

و ذكر الهيثم بن عدي و الشرقي بن القطامي و أبو مخنف : أنّه قتل من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا ، و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا ، فيهم خمسة و عشرون بدريا . و كان الاحصاء للقتلى يقع بالقضيب .

« ألا و من أكله الحق فإلى الجنّة و من أكله الباطل فإلى النار » هكذا في

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٧٤ .

 ( ٢ ) مروج الذهب للمسعودي ٢ : ٤٠٤ .

( المصرية ) ١ و لكن في ( ابن أبي الحديد ) ٢ و ( ابن ميثم ) ٣ إنّما هكذا : « ألا من أكله الحق فإلى النار » . و لم يشر ابن ميثم الى رواية اخرى . و أمّا ابن أبي الحديد ٤ فقال : رواية « ألا و من أكله الحق فإلى النار » أليق من الرواية المذكورة في أكثر الكتب . . .

و أشار الى مثل ما في ( المصرية ) و ظاهر كلامه كون النهج بلفظ : « ألا و من أكله الحق فإلى النار » ، حيث نسب مثل ما في ( المصرية ) إلى كتب اخرى لا نسخ النهج ، و يشهد له اقتصار ابن ميثم مع كون نسخته بخط المصنّف على ما مر . و حينئذ المراد بقوله عليه السّلام « من أكله الحق » أي : من أمر الحق بقتله ،

و الأصل فيه قوله تعالى . . . و لا تقتلوا النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحق . . . ٥ و أما ما في ( المصرية ) فالمراد واضح : أنّ من قتل في سبيل الحق فإلى الجنّة ،

و من قتل في سبيل الباطل فإلى النار . و يمكن تأييده بما روى ( صفين نصر ) ٦:

أن عتبة بن أبي سفيان أخا معاوية قال لجعدة بن هبيرة ابن اخت أمير المؤمنين عليه السّلام : ما أقبح بعلي أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس ،

حتى اذا أصاب سلطانا أفنى العرب فقال له جعدة : و أمّا قتل العرب فإنّ اللّه كتب القتال ، فمن قتله الحق فإلى اللّه .

و كيف كان ، ففي ( صفين نصر ) ٧ : أنّ الأحنف قال في صفين لأصحابه

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية : ١٩ ، الكتاب ١٧ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١١٧ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٣٨٨ و فيه : « ألا و من أكله الحق فإلى الجنّة . . . » .

 ( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١١٨ .

 ( ٥ ) الأنعام : ١٥١ .

 ( ٦ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٦٤ .

 ( ٧ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٨٧ .

و كان مع عليّ عليه السّلام : هلكت العرب . قالوا : و إن غلبنا ؟ قال : نعم . قالوا : و إن غلبنا ؟ قال : نعم . قالوا : ما جعلت لنا مخرجا . قال . إن غلبنا لم نترك بها رئيسا إلاّ ضربنا عنقه ، و إن غلبنا لم يعرج رئيس عن معصية اللّه .

« و أمّا استواؤنا في الحرب و الرجال فلست بأمضى على الشك منّي على اليقين » في ( صفين نصر ) ١ : نادى عتبة بن أبي سفيان جعدة المخزومي ابن اخت عليّ عليه السّلام ، و اذن عليّ عليه السّلام له في الخروج إليه ، و اجتمع الناس لكلامهما ،

فقال عتبة : يا جعدة ، و اللّه ما أخرجك علينا إلاّ حبّ خالك ، و إنّا و اللّه ما نزعم أنّ معاوية أحقّ بالخلافة من عليّ عليه السّلام لو لا أمره في عثمان ، و لكن معاوية أحقّ بالشام لرضا أهلها به ، فاعفوا لنا عنها ، فو اللّه ما بالشام رجل به ظرف إلاّ و هو أجدّ من معاوية في القتال ، و ليس بالعراق من له جدّ من مثل جدّ علي ، و نحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم . فقال له جعدة : إن كان لك خال مثلي لنسيت أباك ، و أمّا رضاك اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس . و أمّا قولك : إنّه ليس بالشام من رجل إلاّ و هو أجدّ من معاوية ، و ليس بالعراق لرجل مثل جدّ علي ،

فهكذا ينبغي أن يكون ، مضى بعلي عليه السّلام يقينه ، و قصر بمعاوية شكه ، و قصد أهل الحقّ خير من جهد أهل الباطل .

« و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة » في ( صفين نصر ) ٢ : قيدت عك من أهل الشام أرجلها بالعمائم ، ثم طرحوا حجرا بين أيديهم و قالوا لا نفرّ حتى يفرّ هذا الحكر أي : الحجر ، فعك تقلب الجيم كافا و فعل أهل العراق كذلك ، و تجادلوا حتى أدركهم الليل ، فقالت همدان : يا معشر عك إنّا و اللّه لا ننصرف حتى تنصرفوا . و قال عك مثل ذلك . فأرسل

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٦٣ ٤٦٤ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٣٤ .

معاوية الى عك : أبرّوا قسم القوم . فانصرفت عك ، ثم انصرفت همدان .

و فيه ١ : أرسل ابن حنش رأس خثعم مع معاوية الى أبي كعب رأس خثعم مع علي عليه السّلام : إن شئت توافقنا فلم نقتتل ، فإن ظهر صاحبك كنّا معكم ،

و إن ظهر صاحبنا كنتم معنا و لم يقتل بعضنا بعضا . فأبى أبو كعب ذلك . و قال ابن حنش لقومه : قد عرضت لقومنا من أهل العراق الموادعة ، صلة لأرحامهم و حفظا لحقهم ، فأبوا إلاّ قتالنا الى أن قال فاشتد القتال و أخذ أبو كعب يقول لأصحابه : يا معشر خثعم خذموا أي : اضربوهم في سوقهم و أخذ صاحب الشام يقول : يا أبا كعب قومك فأنصف .

و فيه ٢ : خرج اثال بن حجل من عسكر علي عليه السّلام و نادى : هل من مبارز ؟

فدعا معاوية حجلا فقال : دونك الرجل . و كانا مستبصرين في رأيهما ، فبرز كلّ واحد منهما إلى صاحبه ، فبدره الشيخ بطعنة ، فطعنه الغلام و انتمى ، فاذا هو ابنه فنزلا فاعتنق كلّ واحد منهما صاحبه و بكيا ، فقال له الأب : أي اثال ،

هلم الى الدنيا . فقال له الغلام : يا أبه هلم الى الآخرة ، و اللّه يا أبه لو كان من رأيي الانصراف إلى أهل الشام ، لوجب عليك أن يكون من رأيك لي أن تنهاني ،

واسوأتاه فماذا أقول لعلي عليه السّلام و للمؤمنين الصالحين ؟ كن أنت على ما أنت عليه ، و أنا أكون على ما أنا عليه . و انصرف حجل الى أهل الشام و اثال الى أهل العراق ، فخبر كلّ واحد منهما أصحابه .

« و أمّا قولك : إنّا بنو عبد مناف فكذلك » الأصل في شبهة كون كلّ منهما ابن عبد مناف عمر ، حيث أراد في شوراه جعل عثمان في مقابله عليه السّلام فقال : « و لكن الستة علي و عثمان ابنا عبد مناف . . . » فيقال لعمر : على قاعدتك يتساوى

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٥٧ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٤٣ .

النبي صلّى اللّه عليه و آله و أبو سفيان ، فكلّ منهما ابنا عبد مناف .

« و لكن ليس امية » قال جارية بن قدامة لمعوية في منافرة بينهما : ما معاوية إلاّ كلبة تعاوي الكلاب ، و ما اميّة إلاّ تصغير الأمة .

« كهاشم » في ( الطبري ) ١ : اسمه عمرو ، و إنّما قيل له : هاشم ، لأنّه أوّل من هشم الثريد لقومه بمكة و أطعمهم . و له يقول مطرود الخزاعي : و قال ابن الكلبي : يقول ابن الزبعرى :

عمرو الذي هشم الثريد لقومه

و رجال مكة مسنتون عجاف

ذكروا أنّ قومه من قريش كانت أصابتهم لزبة و قحط ، فرحل الى فلسطين فاشترى منها الدقيق ، فقدم به مكة فأمر به فخبز له ، و نحر جزورا ، ثم اتّخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز .

قال وهب بن عبد قصي في ذلك :

تحمّل هاشم ما ضاق عنه

و أعيى أن يقوم به ابن بيض

أتاهم بالغرائر متأنقات

من ارض الشام بالبر النفيض

فأوسع أهل مكة من هشيم

و شاب الخبز باللحم الغريض

فظل القوم بين مكللات

من الشيزى و حائرها يفيض

فحسده اميّة ، و كان ذا مال ، فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم ، فعجز عنه فشمت به ناس من قريش ، فغضب و نال من هاشم و دعاه الى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لسنه و قدره ، و لم تدعه قريش و أحفظوه . قال : فإنّي انافرك على خمسين ناقة سود الحدقة ننحرها ببطن مكة ، و الجلاء عن مكة عشر سنين .

فرضي بذلك امية ، و جعلا بينهما الكاهن الخزاعي ، فنفّر هاشما على امية ،

فأخذ هاشم عن أمية الإبل ، فنحرها و أطعمها من حضره ، و خرج امية الى

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٢ : ٢٥١ .

الشام فأقام بها عشر سنين ، فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم و امية .

و في ( لطائف الثعالبي ) : و قيل في هاشم :

ما أحد كهاشم و ان هشم

لا لا و لا كحاتم و إن حتم

و في ( إثبات وصية المسعودي ) ١ في خطبته عليه السّلام في انتقال نور النبي صلّى اللّه عليه و آله من آدم أبا بعد أب الى ولادته : حتى نقلت نوره الى هاشم خير آبائه بعد إسماعيل ، فأي أب و جدّ و والد أسرة و مجمع عترة و مخرج طهر و مرضع فخر جعلت يا رب هاشما لقد أقمته لدن بيتك و جعلت له المشاعر و المتاجر .

و قال الجاحظ و قد نقله ابن أبي الحديد ٢ في موضع آخر : صنع اميّة في الجاهلية صنعا لم يصنعه أحد من العرب : زوّج ابنه أبا عمرو امرأته في حياته منه ، فأولدها أبا معيط . و المقتيون في الاسلام هم الذين نكحوا نساء آبائهم بعد موتهم . فأمّا ان يتزوجها في حياة الأب و يبني عليها و هو يراه ، فإنّه شي‏ء لم يكن قط . . . و يأتي أنّ عبد المطلب بن هاشم حرّم زوجة الأب في الجاهلية ، فأمضاه الاسلام .

و عن كتاب ( هاشم و عبد شمس ) للدباس : روى هشام الكلبي : أنّ اميّة لمّا كان غلاما كان يسرق الحاجّ ، فسمّي حارسا .

و عنه : قال عثمان لرجل من حضر موت : أفرأيت اميّة ؟ قال : نعم ، رأيت رجلا آدم دميما قصيرا أعمى ، يقال : انّه كان أنكد و إن فيه نكدا أي : مشؤوما و فيه عسر فقال عثمان : يكفيك من شرّ سماعه . و أمر بإخراجه .

و عن ( أنساب قريش ابن بكار ) : اصطلحت قريش على ان يولّى هاشم

ــــــــــــ

 ( ١ ) إثبات الوصية للمسعودي : ١٠٩ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٠٧ .

بعد موت أبيه السقاية و الرفادة ، و ذلك انّ عبد شمس كان يسافر و قلّ أن يقيم بمكة و كان رجلا معيلا ، و كان له ولد كثير و كان هاشم رجلا موسرا ، فكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال : إنّكم جيران اللّه و أهل بيته ، و إنّه يأتيكم في هذا الموسم زوّار اللّه يعظمون حرمة بيته ، فهم لذلك ضيف اللّه ، و أحق ضيف بالكرامة ضيف اللّه ، و قد خصّكم اللّه بذلك و أكرمكم به ، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه و زوّاره ، فإنّهم يأتون شعثا غبرا من كلّ بلد ، ضوامر كالقداح و قد ارجفوا و تفلوا و قملوا و ارسلوا ، فأقروهم و أعينوهم .

فكانت قريش تترافد على ذلك ، و كان هاشم يخرج في كلّ سنة مالا كثيرا ،

و كان يقول لقريش : فوربّ هذه البنيّة لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتموه ، ألا و إني مخرج من طيّب مالي و حلاله ما لم يقطع فيه رحم و لم يؤخذ بظلم ، و لم يدخل فيه حرام . و أسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج منكم رجل من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه و معونتهم إلاّ طيبا ، لم يؤخذ ظلما ، و لم يقطع فيه رحم ،

و لم يغتصب . فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها ، و تأتي بها الى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاج ، و كان هاشم يأمر بحياض من ادم ، يجعل في موضع زمزم من قبل أن تحتفر ، يستقي فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج ، و كان يطعمهم أوّل ما يطعم قبل يوم التروية بيوم ، بمكة و منى و بجمع و بعرفة ، و كان يثرد لهم الخبز و اللحم و السمن و السويق و التمر ، و يحمل لهم الماء فيسقون بمنى و الماء يومئذ قليل الى أن يصدروا .

و قال الجاحظ : كان يقال لهاشم : القمر . كان بين مطرود الخزاعي و بعض قريش شي‏ء ، فدعاه الى المحاكمة الى هاشم ، و قال :

الى القمر الساري المنير دعوته

و مطعمهم في الازل من قمع الجزر

و قال ابن بكار : قالوا لهاشم : عمرو العلي لمعاليه ، و كان أول من سن

الرحلتين : رحلة الى الحبشة و رحلة الى الشام ، و كانت قريش لا تعدو تجارتهم مكة ، إنّما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم و يتبايعون بها بينهم ،

و يبيعون من حولهم من العرب حتى رحل هاشم الى الشام ، فنزل بقيصر فكان يذبح كلّ يوم شاة ، و يضع جفنة من ثريد يدعو الناس فيأكلون . و كان من أحسن الناس خلقا و تماما ، فذكر لقيصر و قيل له : هاهنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصبّ عليه المرق و يفرغ عليه اللحم و يدعو الناس . و كانت الأعاجم و الروم تضع المرق في الصحف تأتدم عليه بالخبز ، فدعا به قيصر ، فلمّا رآه و كلّمه اعجب به ، و جعل يرسل إليه فيدخل عليه ، فلمّا رأى مكانه منه سأله أن يأذن لقريش في القدوم عليه بالمتاجر ، و أن يكتب لهم كتاب الأمان في ما بينهم و بينه ، ففعل . فبذلك ارتفع هاشم من قريش .

« و لا حرب كعبد المطلب » عن ( الأغاني ) : أنّ معاوية قال لدغفل النسابة :

أ رأيت عبد المطلب كيف كان ؟ قال : رأيت رجلا نبيلا و ضيئا كأنّ على وجهه نور النبوّة .

و في ( الكافي ) ١ : عن الصادق عليه السّلام : جاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو طفل يدرج حتى جلس على فخذ عبد المطلب ، فأهوى بعض ولده إليه لينحيه عنه ، فقال له : دع ابني فان الملك قد أتاه ٢ .

و عنه عليه السّلام : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : سنّ عبد المطلب في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام : حرّم نساء الآباء على الأبناء ، فأنزل تعالى : و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء . . . ٣ . و وجد كنزا فأخرج منه الخمس

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكافي ١ : ٤٤٨ ح ٢٦ .

 ( ٢ ) ذكره شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ٢٢٩ الباب ٢٨ .

 ( ٣ ) النساء : ٢٢ .

و تصدّق به ، فانزل تعالى : و اعلموا أنّما غنمتم من شي‏ء فأن للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل . . . ١ . و لما حفر زمزم سمّاها سقاية الحاج ، فأنزل تعالى : أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن باللّه و اليوم الآخر . . . ٢ . و سن في القتل مائة من الإبل ، فأجرى اللّه تعالى ذلك في الاسلام . و لم يكن للطواف عدد عند قريش ،

فسنّ فيهم عبد المطلب سبعة أشواط ، فأجرى اللّه تعالى ذلك في الاسلام .

و كان لا يستقسم بالأزلام ، و لا يعبد الأصنام ، و لا يأكل ما ذبح على النصب ،

و يقول : أنا على دين إبراهيم .

و عنه عليه السّلام : أنّ عبد المطلب أوّل من قال بالبداء . يبعث يوم القيامة و عليه بهاء الملوك و سيماء الأنبياء ، و كان يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لأحد غيره ،

و كان له ولد يقومون على رأسه ، فيمنعون من دنا منه .

و في ( الطبري ) ٣ : تنافر عبد المطلب بن هاشم و حرب بن امية الى النجاشي الحبشي ، فأبى أن ينفر بينهما ، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزى العدوي ، فقال لحرب : أتنافر رجلا هو أطول منك قامة ، و أعظم منك هامة ،

و أوسم منك و سامة ، و أقلّ منك لامة ، و أكثر منك ولدا ، و أجزل منك صفدا ،

و أطول منك مذودا ؟ فنفره عليه .

و رواه الجاحظ : قال نفيل لحرب :

أبوك معاهر و أبوه عف

و ذاد الفيل عن بلد حرام

قال في شرح قوله : « أبوك معاهر » : إنّ امية تعرّض لامرأة من زهرة ، فضربه

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأنفال : ٤١ .

 ( ٢ ) التوبة : ١٩ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبري ٢ : ١٣ .

رجل منهم بالسيف ، فأراد امية إخراج زهرة من مكة ، فقام دونهم قيس بن عدي السهمي و كانوا أخواله ، و كان منيع الجانب و صاح : « اصبح ليل » .

فذهبت مثلا ، و نادى : « الآن الظاعن مقيم » . و في هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف جدّ النبي صلّى اللّه عليه و آله لامّه :

مهلا اميّة فإن البغي مهلكة

لا يكسبنّك يوم ذكره شرّ

تبدو كواكبه و الشمس طالعة

يصبّ في الكأس منه الصبر و المقر

و في ( أنساب البلادري ) : كان كعب بن لؤي عظيم القدر في العرب ،

فأرّخوا بموته إعظاما له ، ثم بعام الفيل ، ثم أرّخوا بموت عبد المطلب .

و في خبر النسّابة مع أبي بكر : أمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء ؟

قال : لا .

و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، ما عادانا بيت إلا و قد خرب و لا كلب إلا و قد جرب ١ .

و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : لما أقبل صاحب الحبشة بالفيل يريد هدم الكعبة ، مروا بإبل لعبد المطلب فاستاقوها ، فتوجّه عبد المطلب الى صاحبهم يسأله رد إبله ، فقيل له : إنّه عظيم قريش ، و هو رجل له عقل و مروة .

فأكرمه و أدناه . ثم قال لترجمانه : سل ما حاجتك ؟ فقال : إن أصحابك مروا بإبل لي فاستاقوها فأحببت أن تردّها عليّ . فتعجب من سؤاله ردّ الإبل ، و قال :

هذا الذي زعمتم أنّه عظيم قريش و ذكرتم عقله ، يدع أن يسألني أن أنصرف عن بيته الذي يعبده ، أما لو سألني أن أنصرف عن هدمه لانصرفت . فأخبره الترجمان بمقالة الملك ، فقال له عبد المطلب : إنّ لذلك البيت ربّا يمنعه ، و إنّما سألتك ردّ إبلي . فأمر بردّها عليه ، ثمّ مضى عبد المطلب حتّى لقي الفيل على

ــــــــــــ

 ( ١ ) بحار الأنوار ٤ : ١٢٧ الباب ٥٦ .

طرف الحرم ، فقال له : محمود فحرّك رأسه ، فقال له : أتدري لم جي‏ء بك ؟ فقال برأسه : لا . فقال : جاؤوا بك لتهدم بيت ربّك ، أ فتفعل ؟ فقال برأسه : لا . فانصرف عبد المطلب و جاؤوا بالفيل ليدخل الحرم ، فلمّا انتهى الى طرف الحرم امتنع . . . .

و عن ( انساب ابن بكار ) ١ : أنّ ركبا من جذام خرجوا صادرين عن الحج من مكة ، فوجدوا رجلا من عالية بيوت مكة يقال له : حذافة ، فربطوه و انطلقوا به ، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف و معه ابنه أبو لهب يقود به و حينئذ قد ذهب بصره فلما نظر إليه حذافة هتف به ، فقال لابنه : ويلك من هذا ؟ قال :

حذافة بن غانم العذري مربوطا مع ركب . قال : فالحقهم و أطلق الرجل . فلحقهم و قال لهم : قد عرفتم تجارتي و مالي ، أحلف لكم لاعطينكم عشرين أوقية ذهبا،

و عشرا من الإبل ، و فرسا ، و هذا ردائي رهنا . فقبلوا ذلك و أطلقوا حذافة ، فلمّا أقبل به و قربا سمع عبد المطلب صوت أبي لهب ، و لم يسمع صوت حذافة ،

فصاح بابنه : إنّك لعاص ، ارجع لا امّ لك فائت به . قال : يا أبتاه هذا الرجل معي .

فناداه عبد المطلب : يا حذافة ، أسمعني صوتك . قال : ها أنا ذا بأبي أنت و امي يا ساقي الحجيج . أردفني . فأردفه حتّى دخل مكة ، فقال حذافة يوصي ابنه خارجة بالانتماء الى بني هاشم :

أ خارج إمّا أهلكنّ فلا تزل

لهم شاكرا حتى تغيّب في القبر

بني شيبة الحمد الكريم فعاله

يضي‏ء ظلام الليل كالقمر البدر

و عنه ٢ : أنّ عبد المطلب اتي في المنام ، فقيل له : « احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم » . فاستيقظ فقال : « اللهم بيّن لي » فاري في المنام مرّة اخرى :

« احفر مكتم ، بين الرّفث و الدم ، في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبلة

ــــــــــــ

 ( ١ ) لا وجود له في أنساب قريش لابن بكار ، و لكن ما يتضمن معناه موجود في نسب قريش لمصعب الزبيري : ٣٧٥ .

 ( ٢ ) نقله عن نهج البلاغة ١٥ : ٢١٤ ٢١٥ .

الانصاب الحمر » . فقام فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمّي له من الآيات ، فنحر بقرة بالجزورة فأفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم ، فاحتمل لحمها من مكانها ، و أقبل غراب يهوى حتى وقع في الفرث ، يبحث عن قرية النمل ، فقام عبد المطلب يحفر ، و قال : إنّي لحافر هذا البئر و مجاهد من صدّني عنها . فطفق يحفر هو و ابنه الحارث و ليس له يومئذ ولد غيره فيسفه عليهما الناس من قريش و ينازعونهما ، و تناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من زعيق نسبه و صدقه ، حتى إذا أتعبه الحفر نذر إن و فى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم .

ثمّ حفر فأدرك سيوفا دفنت في زمزم حين دفنت ، فلمّا رأت قريش أنّه قد أدرك السيوف قالت له : أجدنا ما وجدت . فقال : هذه السيوف لبيت اللّه . ثمّ حفر حتى أنبط الماء ، فحفرها في القرار ، ثم بحرها حتى لا تنزف ، ثمّ بنى عليها حوضا ،

و طفق هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض ، ليشرب منه الحاج ، و كان قوم من قريش يكسرون الحوض حسدا له بالليل ، فيصلحه حين يصبح ، فلمّا أكثروا دعا ربّه ، فاري فقيل له : قل : « اللّهم إنّي لا احلها لمغتسل ، و هي لشارب حلّ و بل » . ثم كفيتهم ، فقام حين اختلفت قريش في لمسجد ، فنادى بالذي أري ثم انصرف ، فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء ، حتى تركوا حوضه ذلك و سقايته ، ثم تزوّج النساء فولد له عشرة رهط ،

فقال : « اللّهم إنّي كنت نذرت لأنحر أحدهم و إنّي أقرع بينهم ، فأصب بذلك من شئت » فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد اللّه و كان أحبّ ولده إليه فقال :

اللّهم هو أحب اليك أم مائة من الإبل . . . .

و قال : و يقال : كان يعرف في عبد المطلب سيماء النبوّة ، و هيبة الملك .

و عن ( سيرة محمد بن إسحاق ) : لما أنبط عبد المطلب الماء في زمزم

حسدته قريش ، فقالت له : إنّها بئر أبينا إسماعيل ، و إنّ لنا فيها حقا فاشركنا معك . قال : ما أنا بفاعل ، إنّ هذا الأمر خصصت به دونكم . قالوا : فإنّا غير تاركيك . قال : فاجعلوا بيني و بينكم حكما احاكمكم إليه . قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم . قال : نعم . و كانت باشراف الشام ، فركب عبد المطلب في نفر من عبد مناف ، و خرج من كل قبيلة من قريش قوم ، و الأرض إذ ذاك مفاوز ، حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام ، نفد ما كان مع عبد المطلب و بني أبيه من الماء ، فعطشوا عطشا شديدا ، فاستسقوا قومهم فأبوا ان يسقوهم ،

و قالوا : نحن بمفازة و نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم ، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم و خاف على نفسه و أصحابه الهلاك ، قال لأصحابه :

ما ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلاّ تبع لرأيك ، فمرنا بما أحببت . قال : فإنّي أرى أن يحفر كل رجل منّا حفرة لنفسه بما معه الآن من القوّة ، فكلما مات رجل دفنه أصحابه حتى يكون رجل واحد ، فضيعة واحد أيسر من ضيعة ركب . قالوا :

نعم ما أشرت . فقام كلّ رجل منهم فحفر حفيرة و قعدوا ينتظرون الموت ، ثمّ إنّ عبد المطلب قال لهم : و اللّه ان لقاءنا بأيدينا كذا للموت لعجز ، قوموا فعسى اللّه ان يرزقنا ماء ببعض الأرض ، ارتحلوا . فارتحلوا و من معهم من قبائل قريش ينظرون ما هم صانعون ، فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعث به انفجر من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبّر و كبّر أصحابه ، ثم نزل فشرب هو و أصحابه و ملاؤوا اسقيتهم، ثمّ دعا القبائل من قريش ، فقال لهم :

هلموا إلى الماء ، فقد أسقانا اللّه فاشربوا . فقالوا : قد قضى اللّه لك علينا ، و اللّه لا نخاصمك في زمزم ابدا . إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو سقاك زمزم فارجع إليها.

و روى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) : قصة اخرى لعبد المطلب في ماء له

بالطائف ، يقال له : ذو الهرم ، مع جندب الثقفي ، و انّهما تنافرا إلى الكاهن العذري بالشام ، و نفد ماء عبد المطلب و من معه ، فانفجرت عين من تحت جران بعير عبد المطلب .

و عن القمي رفعه ، قال : كان في الكعبة غزالان من ذهب و خمسة أسياف ، فلما غلبت خزاعة جرهما ألقت جرهم الأسياف و الغزالين في بئر زمزم ، و ألقوا فيها الحجارة و طموها و عموا أثرها ، فلمّا غلبت قصي على خزاعة لم يعرفوا موضع زمزم و خفي عليهم موضعها . فلما بلغ عبد المطلب و كان يفرش له في فناء الكعبة ، و لم يكن يفرش لأحد هناك غيره ، فبينا هو نائم في ظلّ الكعبة رأى في منامه : أن أتاه آت فقال له : احفر بره . فقال : و ما بره ؟ ثم اتاه في اليوم الثاني فقال له : احفر طيبة . فقال : و ما طيبة ؟ ثم اتاه في اليوم الثالث فقال : احفر المصونة ؟ قال : و ما المصونة ؟ ثم أتاه في اليوم الرابع فقال :

« احفر زمزم ، لا تبرح و لا تذم ، تسقى الحجيج الأعظم ، عند الغراب الأعصم ،

عند قرية النمل . و كان عند زمزم جحر يخرج منه النمل ، فيقع عليه غراب أعصم يلتقط النمل كل يوم ، فلما رأى عبد المطلب هذه الرؤيا عرف موضع زمزم ، فقال لقريش : إنّي عبرت في أربع ليال في حفر زمزم ، و هي مأثرتنا و عزنا فهلموا نحفرها ، فلم يجيبوه ، فأقبل يحفرها هو بنفسه ، و كان له ابن واحد و هو الحرث ، و كان يعينه على الحفر ، فلما صعب عليه ذلك تقدم إلى باب الكعبة ، ثم رفع يديه و دعا اللّه تعالى ، و نذر له إن رزقه عشرة بنين أن ينحر أحبّهم إليه تقرّبا إليه تعالى ، فلمّا أن حفر و بلغ الطوى طوى إسماعيل و علم أنّه قد وقع على الماء ، كبّر و كبّرت قريش و قالوا : يا أبا الحرث هذه مأثرتنا و لنا فيها نصيب . فقال : لم تعينوني على حفرها ، هي لي و لولدي في الدهر .

و في ( الطبري ) ١ : كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم و خزاعة الذي افتتح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بسببه مكة و قال : لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب أنّ نوفل بن عبد مناف و كان آخر من بقي من عبد مناف ظلم عبد المطلب على اركاح له و هي الساحات و كانت امّ عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجاري من الخزرج فتنصف عبد المطلب عمه فلم ينصفه ، فكتب إلى أخواله :

يا طول ليلي لأحزاني و أشغالي

هل من رسول إلى النجار أخوالي

فقدم عليه منهم ثمانون راكبا فأناخوا بفناء الكعبة ، فلمّا رآهم نوفل قال لهم : أنعموا صباحا . فقالوا له : لا نعم صباحك أيّها الرجل انصف ابن اختنا من ظلامته . قال : أفعل بالحب لكم و الكرامة . فرد عليه الأركاح ، فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف مع خزاعة إلى أن قال و اسمه شيبة لأنّه كان في رأسه شيبة ، و قيل له : عبد المطلب ، لأن أباه كان شخص في تجارة له إلى الشام ، فسلك طريق المدينة إليها ، فلما قدم المدينة نزل على زيد بن عمرو الخزرجي أو عمرو بن زيد الخزرجي على اختلاف الروايات فرأى ابنته سلمى فأعجبته فخطبها إلى أبيها ، فأنكحه و شرط عليه : ألا تلد ولدا إلاّ في أهلها . ثمّ مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها ، ثمّ انصرف راجعا ، فبنى بها في أهلها فحملت منه ، ثمّ ارتحل إلى مكة و حملها معه ، فلمّا أثقلت ردّها إلى أهلها و مضى إلى الشام ، فمات بها بغزّة ، فولدت سلمى عبد المطلب ، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني .

ثمّ إنّ رجلا من بني الحرث بن عبد مناف مرّ بيثرب ، فإذا غلمان ينتضلون ، فجعل شيبة إذا خسق قال : أنا ابن هاشم ، أنا ابن سيد البطحاء . فقال

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٢ : ٢٥٠ .

له الحارثي : من أنت ؟ قال : أنا شيبة بن هاشم . فلمّا اتى الحارثي مكة قال للمطلب، و هو جالس في الحجر : تعلم أنّي وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب ،

و فيهم غلام إذا خسق ، قال : أنا ابن هاشم ، أنا ابن سيّد البطحاء ؟ فقال المطلّب :

و اللّه لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به . فقال له الحارثي : هذه ناقتي بالفناء فاركبها . فجلس المطلب عليها ، فورد يثرب عشاء حتى أتى بني عدي بن النجار ، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس ، فعرف ابن أخيه ، فقال للقوم : أهذا ابن هاشم ؟ قالوا: نعم ، هذا ابن أخيك ، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به امّه ، فإنّها إن علمت لم تدعه ، و حلنا بينك و بينه . فدعاه و قال : يا بن أخي ، أنا عمّك أردت الذهاب بك إلى قومك . و أناخ راحلته ، فما كذب أن جلس على عجز الناقة ، فانطلق به و لم تعلم به امّه ، حتى كان اللّيل فقامت تدعو بحربها على ابنه ، فاخبرت أنّ عمّه ذهب به . و قدم به المطلب ضحوة و النّاس في مجالسهم فجعلوا يقولون : من هذا ؟ فقال: عبد لي . ثم خرج المطلب حتى أتى الجزورة ، فاشترى حلة فألبسها شيبة ، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف . . . .

و قال الجاحظ مع نصبه : و قد أعطى اللّه عبد المطلب في زمانه ، و أجرى على يديه، و أظهر من كرامته ما لا يعرف مثله إلاّ لنبيّ مرسل ، و أنّ في كلامه لأبرهة صاحب الفيل ، و توعده إيّاه بربّ الكعبة ، و تحقيق قوله من اللّه تعالى و نصره وعيده بحبس الفيل، و قتل أصحابه بالطير الابابيل و حجارة السجيل حتّى تركوا كالعصف المأكول ، لأعجب البرهانات و أسنى الكرامات إلى أن قال و لو شئنا أن نذكر ما أعطى اللّه عبد المطلب من تفجير العيون ، و ينابيع الماء من تحت كلكل بعيره ، و اخفائه بالارض القسي، و بما اعطى من المساهمة و عند المقارعة من الامور العجيبة و الخصال الباينة ، لقلنا.

و روى ابن بكار عن ابن شهاب قال : أوّل ما ذكر من عبد المطلب أنّ قريشا خرجت فارّة من الحرب خوفا من أصحاب الفيل و عبد المطلب يومئذ غلام شاب فقال : و اللّه لا أخرج من حرم اللّه أبغي العزّ في غيره . فجلس في البيت ، و أجلت قريش عنه ، فقال عبد المطلب :

اللّهم إنّ المرء يم

نع رحله فامنع حلالك

لا يغلبنّ صليبهم

و محالهم أبدا محالك

فلم يزل تائبا في الحرم حتى أهلك اللّه الفيل و أصحابه ، فرجعت قريش و قد عظم فيهم بصيرته و تعظيمه .

و في ( الكافي ) ١ : أنّ عبد المطلب قال لبعض مواليه لمّا جاء أبرهة : اعل الجبل فانظر ، ترى شيئا ؟ فقال : أرى سوادا من قبل البحر . فقال له : يصيبه بصرك أجمع ؟ قال : لا ، و أوشك أن يصيب . فلمّا أن قربت قال : هو طير كثير و لا اعرف ، يحمل كلّ طير في منقاره حبة حصاة مثل حصاة الحذف أو دونها .

فقال عبد المطلب : و ربّ عبد المطلب ما تريد إلاّ القوم . حتى لما صارت فوق رؤوسهم أجمع ، ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل ، فخرجت من دبره فقتلته ، فما انفلت منهم إلاّ رجل واحد يخبر الناس ، فلمّا أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته .

و في ( حياة حيوان الدّميري ) : في عنوان الغراب : ذكر المسعودي ٢ : أنّ اميّة بن أبي الصلت كان مصحوبا يبدو له الجن ، فخرج في عير من قريش ،

فمرّت به حية فقتلوها ، فاعترضت لهم حية اخرى تطلب به ثأرها ، و قالت : قتلتم فلانا . ثمّ ضربت الارض بقضيب ، فنفرت الإبل فلم يقدروا عليها إلاّ بعد عناء

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكافي ١ : ٤٤٨ ح ٢٥ .

 ( ٢ ) المسعودي ٢ : ١٦١ .

شديد ، فلما جمعوها جاءت ثانية ، فضربت فنفرت فلم يقدروا عليها إلاّ بعد نصف الليل ، ثم جاءت فضربت ثالثة ، فنفرتها فلم يقدروا عليها حتى كادوا أن يهلكوا عطشا و عناء ، و هم في مفازة لا ماء بها ، فقالوا لاميّة : هل عندك من حيلة ؟ قال : لعلها . ثم ذهب حتى جاوز كثيبا ، فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه ،

حتى أتى على شيخ في حناء ، فشكا إليه ما نزل به و بصحبه و كان الشيخ جنيا فقال : فاذهب فإن جاءتكم فقولوا : « باسمك اللهم » سبعا . فرجع إليهم ،

و قد أشرفوا على الهلاك ، فأخبرهم بذلك ، فلما جاءتهم الحية قالوا ذلك ، فقالت :

تبالكم ، من علّمكم هذا ؟ ثم ذهبت . و أخذوا إبلهم و كان فيهم حرب ابن اميّة ،

فقتلته الجن بعد ذلك بثأر الحية المذكورة ، و قالوا فيه :

و قبر حرب بمكان قفر و ليس قرب قبر حرب قبر و في ( الأغاني ) ١ : مرّ حرب ابن اميّة و مرداس أبو العباس بن مرداس بغيضة ملتفة الشجر ، فاحرقا شجرها ليتخذاها مزرعة ، فكانت تخرج من الغيضة حباب بيض فتطير حتى تغيب ، و مات حرب و مرداس عقيب ذلك ،

فتحدّث قومهما : أنّ الجن قتلتهما لإحراقهما منازلهما من الغيضة . و ذلك قبل البعثة بحين . ثمّ كانت بين أبي سفيان بن الحرب و العباس بن مرداس منازعة في هذه القرية .

« و لا أبو سفيان كأبي طالب » أمّا الأوّل فقال الجاحظ : قام أبو سفيان مقام أبيه فخالفه أبو الأزيهر الدوسي ، و كان عظيم الشأن في الأزد ، و كانت بينه و بين بني الوليد بن مغيرة محاكمة في مصاهرة كانت بين الوليد و بينه ، فجاء هشام بن الوليد و أبو الازيهر كان قاعدا في مقعد أبي سفيان بذي المجاز ،

فضرب عنقه ، فلم يدركه به أبو سفيان عقلا و لا قودا في بني المغيرة .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأغاني ٦ : ٣٤١ .

و لمّا كتب معاوية إلى زياد لمّا كان على فارس بعد أمير المؤمنين عليه السّلام و هدّده و عيّره ، أجابه زياد : و أمّا تعييرك لي بسميّة فإن كنت ابن سميّة ، فأنت ابن حمامة و يأتي أنّ حمامة امّ أبي سفيان كانت بغيا صاحبة راية في الجاهلية .

و أمّا الثاني فقال ابن بكار : كان كافل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و حاميه من قريش،

و ناصره و الرفيق به ، و الشفيق عليه و وصيّ عبد المطلب فيه ، و كان سيد بني هاشم في زمانه ، و لم يكن أحد من قريش يسود في الجاهلية الاّ بمال ، إلاّ أبو طالب ، و أبو طالب أوّل من سنّ القسامة في دم عمرو بن علقمة ، ثم أثبتتها السنّة في الاسلام ، و كانت السقاية بيده ، ثم سلّمها إلى أخيه العباس .

و قال معاوية لعمرو بن العاص بعد ضرب الخارجي صاحبه له ضربة عالج منها ، و قتل الخارجي صاحب أمير المؤمنين عليه السّلام له ، و عدم ظفر صاحب عمرو به :

نجوت و قد بل المراديّ سيفه

من ابن أبي شيخ الأباطح

طالب و في خبر ١ الكندي الذى رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أوّل أمره يصلي و معه غلام و امرأة ، و سأل العباس عنه ، و أجابه بأنّه ابن أخيه محمّد بن عبد اللّه يزعم أنّه نبيّ ، و لم يتبعه إلاّ هذا الغلام : و هو ابن أخي عليّ بن أبي طالب ، و هذه المرأة : و هي امرأته خديجة بنت خويلد . قال له : فما تفعلون ؟ قال ننتظر ما يفعل الشيخ . يعني : أبا طالب .

و كان اسمه عبد مناف ، فلمّا مات عبد المطلب أوصى إليه بالنبي ، و قال لأبي طالب في أبيات :

اوصيك يا عبد مناف بعدي بواحد بعد أبيه فرد

ــــــــــــ

( ١ ) نهج البلاغة ١ : ٢٩ .

فارقه و هو ضجيع المهد فكنت كالامّ له في الوجد و عن ابن عساكر ١ : قال جلهمة بن عرفة : قدمت مكة و هم في قحط ،

فقالت قريش : يا أبا طالب أقحط الوادي ، و أجدب العيال ، فهلم لنستسقي . فخرج أبو طالب و معه غلام كأنّ وجهه شمس دجى تجلت عنه سحابة قتماء ، فأخذه و ألصق ظهره بالكعبة ، و لاذ الغلام بإصبعه و ما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا و أغدق و انفجر الوادي ، و أخصب النادي و البادي ،

فقال أبو طالب :

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل تطوف به الهلاّك من آل هاشم فهم عنده في نعمة و فواضل لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب لدينا و لا يعبأ بقول الأباطل فايّده ربّ العباد بنصره و أظهر دينا حقّه غير ناصل قلت : و الظاهر أنّ أبا طالب قال الأبيات بعد ذلك ، و أشار في قوله :

« و أبيض . . . » إلى تلك الواقعة .

و في ( تفسير القمي ) : حمل عليّ عليه السّلام و حمزة يوم بدر عبيدة بن الحارث بن المطلب لما ارتث إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فنظر إليه و استعبر ، و قال له : أنت أوّل شهيد من أهل بيتي . فقال عبيده : أمّا إنّ عمك لو كان حيّا لعلم أنّي اولى بما قال منه ، حيث يقول :

كذبتم و بيت اللّه نخلي محمدا و لما نطاعن دونه و نناضل و ننصره حتّى نصرّع حوله و نذهل عن أبنائنا و الحلائل فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي اللّه و رسوله ،

و ابنه الآخر في جهاد اللّه بأرض الحبشة ؟ فقال عبيدة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أسخطت

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ دمشق لابن عساكر ٢ : ١٦١ ١٦٢ .

عليّ في هذه الحالة ؟ قال : لا ، و لكن ذكرت عمي فانقبضت .

و في ( الكافي ) ١ عن الصادق عليه السّلام و قد قيل له : إنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافرا . فقال : كذبوا كيف ؟ و هو يقول :

الم يعلموا أنّا وجدنا محمدا نبيّا كموسى خط في أوّل الكتب و عنه عليه السّلام ٢ في خبر آخر : كيف يكون كافرا ؟ و هو يقول :

لقد علموا أنّ ابننا لا مكذب لدينا و لا نعبأ بقيل الأباطل و اشتهر عن المأمون قال : أسلم و اللّه أبو طالب بقوله :

نصرت الرسول رسول الاله ببيض تلالا كلمع البروق اذبّ و احمي رسول الاله حماية عمّ عليه شفيق و روى المهدي العباسي عن أبيه المنصور كما رواه ( تاريخ بغداد ) ٣ في عنوان معاوية بن عبيد اللّه كاتب المهدي عن عطاء عن ابن عباس قال :

عارض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جنازة أبي طالب و قال له : وصلتك رحم و جزاك خيرا يا عم .

و في ( الكافي ) ٤ عن الصادق عليه السّلام : لمّا توفّي أبو طالب قال جبرئيل للنبيّ عليه السّلام : اخرج من مكة فليس لك فيها ناصر .

و في ( الكافي ) ٥ : عن الكاظم عليه السّلام قال لدرست بن أبي منصور كان أبو طالب مستودعا للوصايا ، فدفعها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فمات من يومه .

هذا ، و روى ( نوادر حج الكافي ) ٦ : عن داود الرقى قال : دخلت على أبي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الكافي ١ : ٤٤٨ ح ٢٩ .

 ( ٢ ) الكافي ١ : ٤٤٨ ح ٢٩ .

 ( ٣ ) تاريخ بغداد ١٣ : ١٩٦ .

 ( ٤ ) الكافي ١ : ٤٤٩ ح ٣١ .

 ( ٥ ) الكافي ١ : ٤٤٥ ح ١٨ .

 ( ٦ ) الكافي ٤ : ٥٤٤ ح ٢١ .

عبد اللّه عليه السّلام ، ولي على رجل مال قد خفت تواه ، فشكوت إليه ذلك ، فقال لي : إذا صرت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافا ، و صلّ ركعتين عنه ، و طف عن أبي طالب طوافا ، و صلّ عنه ركعتين ، و طف عن عبد اللّه طوافا ، و صلّ عنه ركعتين ،

و طف عن آمنة و صلّ عنها ركعتين ، و طف عن فاطمة بنت أسد و صلّ عنها ركعتين ، ثم ادع أن يردّ عليك مالك . قال : ففعلت ذلك ثم خرجت من باب الصفا ،

و إذا غريمي واقف يقول : يا داود حبستني ، تعال فاقبض مالك .

و إخواننا يعتقدون أنّ غير فاطمة بنت أسد كل من في الخبر كافر .

« و لا الصريح كاللصيق » عن الزمخشري في ( ربيع الابرار ) : كان معاوية يعزى إلى أربعة : مسافر بن أبي عمرو ، و عمارة بن الوليد بن المغيرة ،

و الصباح مغني عمارة ، و العباس .

و روى ابن أبي الحديد ١ في موضع آخر : أنّ عقيلا دخل بعد وفاة أخيه عليه السّلام على معاوية و حوله جلساؤه فقال له : أخبرني عن عسكري و عسكر أخيك ، فقد وردت عليهما . قال : اخبرك . مررت و اللّه بعسكر أخي ، فإذا ليل كليل رسول اللّه ، و نهار كنهار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، ما رأيت إلاّ مصلّيا و لا سمعت إلاّ قاريا . و مررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة ، ثم قال لمعاوية : من هذا عن يمينك يا معاوية ؟ قال : عمرو بن العاص . قال : هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزار قريش ، فمن الآخر ؟ قال : الضحاك بن قيس الفهري . قال : أما و اللّه لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس ، فمن هذا الآخر ؟ قال : أبو موسى الأشعري . قال : هذا ابن السراقة . فلمّا رأى معاوية أنّه قد أغضب جلساءه ، علم أنّه إن استخبره عن نفسه ، قال فيه سوءا فأحب أن يسأله ليقول فيه ما يعلمه من السوء ، فيذهب

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٢٤ ١٢٥ .

بذلك غضب جلسائه ، فقال له : فما تقول فيّ ؟ قال : دعني من هذا . قال : أتعرف حمامة ؟ قال : و من حمامة ؟ قال : قد أخبرتك . ثم قام فمضى ، فأرسل معاوية إلى نسابة ، فقال : من حمامة ؟ قال : لي الأمان ؟ قال : نعم . قال : امّ أبي سفيان أبيك كانت بغيّا في الجاهلية صاحبة راية . فقال معاوية لجلسائه : قد ساويتكم و زدت عليكم فلا تغضبوا .

و في ( الطرائف ) عن ( مثالب هشام الكلبي ) : كانت لحمامة جدة معاوية راية بذي المجاز ، و كان معاوية لأربعة إلى أن قال و كانت امّه من المغتلمات .

و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) في قصة طلب عمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و المغيرة من معاوية أن يحضر الحسن عليه السّلام لتخجيله : قال الحسن عليه السّلام لمعاوية : « و قد علمت الفراش الذي ولدت عليه » قال الكلبي : عامة الناس على أنّ معاوية من مسافر بن أبي عمرو لأنّه كان أشدّ حبّا لهند . فلمّا حملت هند بمعاوية خاف مسافر أن يظهر أنّه منه ، فهرب إلى ملك الحيرة هند بن عمرو ، ثم إنّ أبا سفيان قدم الحيرة فلقيه مسافر ، و هو مريض من عشقه لهند و قد سقى بطنه إلى أن قال ثم مات مسافر من عشقه لهند إلى أن قال و جرى بين إسحاق بن طابة و يزيد بن معاوية كلام بين يدي أبيه . فقال يزيد لإسحاق : إنّ خيرا لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنة . أشار إلى أنّ امّ إسحاق كانت تتهم ببعض بني حرب ، فقال له إسحاق : إنّ خيرا لك أن يدخل بنو العباس كلّهم الجنة . فلم يفهم يزيد مراده و فهمه معاوية ، فلمّا قام إسحاق قال معاوية ليزيد : كيف تشاتم الرجال قبل أن تعلم ما يقال فيك ؟ قال : قصدت شين إسحاق . قال : و هو أيضا قصد شينك . قال : و كيف ؟ قال : أما علمت أنّ بعض قريش في الجاهلية يزعمون أنّي للعباس ؟ فسقط في يدي يزيد .

و قال الشعبي : و قد أشار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى هند يوم فتح مكة بشي‏ء من هذا ، فانّها لمّا جاءت تبايعه و كان قد أهدر دمها قالت : علام ابايعك ؟ فقال :

على ألاّ تزنين . فقالت : و هل تزني الحرة ؟ فعرفها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فنظر إلى عمر فتبسم .

هذا ، و قالوا : من حمقى بني اميّة بكار بن عبد الملك بن مروان ، و كان أبوه ينهاه إلى ان يجلس إلى خالد بن يزيد . فجلس يوما إليه فقال بكار : أنا و اللّه كما قال الأول :

يرددني بني اللخناء ترديدا

هذا و في ( أصنام ابن الكلبي ) : كانت لقريش أصنام في جوف الكعبة ،

و كان أعظمها عندهم هبل ، و كان في جوف الكعبة قدّامه سبعة أقدح ، مكتوب في أوّلها : « صريح » و الآخر : « ملصق » . فإذا شكّوا في مولود ، اهدوا هدية ، ثم ضربوا بالقداح فإن خرج « صريح » الحقوه به ، و إن خرج « ملصق » دفعوه .

هذا ، و يقال لربيعة و مضر : الصريحان من ولد نزار ، و كان ولده أربعة :

هما مع إياد و أنمار . و يقال لقصي و زهرة ابني كلاب : صريحا قريش .

« و لا المحق كالمبطل » في ( مناقب ابن طلحة الشافعي ) : قدمت سودة بنت عمارة الهمدانية بعد عليّ عليه السّلام على معاوية ، فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيام صفين إلى أن قال قال معاوية لها : ما حاجتك ؟ قالت : إنّ اللّه سائلك عن أمرنا ، و لا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك ، و يبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل ، و يدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف و يذيقنا الحتف ، و هذا بسر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا و أخذ أموالنا فإن عزلته عنّا شكرناك و إلاّ كفرناك . فقال معاوية : إيّايّ تهددين بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردّك إليه ، فينفذ فيك حكمه .

فأطرقت سودة ساعة ، ثم قالت :

صلّى الإله على روح تضمنها

قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغى به بدلا

فصار بالحق و الإيمان مقرونا

فقال معاوية : من هذا يا سودة ؟ فقالت : هذا و اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و اللّه لقد جئته في رجل كان ولاّه صدقاتنا ، فجار علينا ، فجئته فصادفته قائما يصلّي ، فلما رآني انفلت من صلاته ، ثمّ أقبل عليّ برحمة و رفق و رأفة و تعطّف ، و قال : ألك حاجة ؟ فقلت : نعم . و أخبرته ، فبكى ثمّ قال : « اللّهمّ أنت الشاهد عليّ و عليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك . و لا بترك حقك ، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد ، فكتب فيها : بسم اللّه الرحمن الرحيم . . . قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تفسدوا في الأرض . . . ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ١ فإذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم من يقبضه منك . ثمّ رفع الرقعة إليّ فو اللّه ما ختمها بطين و لا خزمها ، فجئت بالرقعة إلى صاحبه ، فانصرف عنّا معزولا .

« و لا المؤمن كالمدغل » أي : المفسد و الغاش أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ٢ .

و قد أجمعوا على أنّه عليه السّلام المراد من المؤمن في الآية .

و في ( صفين نصر ) ٣ قال الأصبغ : جاء رجل إلى عليّ عليه السّلام فقال : هؤلاء القوم الذين نقاتلهم ، الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد ، فبم نسميهم ؟ قال : بما سمّاهم اللّه في كتابه قال : ما كل ما في الكتاب

ــــــــــــ

 ( ١ ) الأعراف : ٨٥ .

 ( ٢ ) السجدة : ١٨ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٢٢ .

أعلمه . قال : أما سمعت اللّه يقول : تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض إلى و لو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر ١ ؟ فلمّا وقع الاختلاف كنا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبي و بالحقّ ، فنحن الذين آمنوا ، و هم الذين كفروا و شاء اللّه قتالهم ، فقاتلناهم هدى بسنّة اللّه ربنا و ارادته .

و في ( مروج المسعودي ) ٢ : قال ابن بكار في ( موفقياته ) : سمعت المدائني يقول : قال المطرف بن المغيرة بن شعبة : وفدت مع أبي إلى معاوية ،

فكان أبي يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ ، فيذكر معاوية و يذكر عقله ، و يعجب مما يرى منه ، إذ جاءت ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، فظننت أنّه لشي‏ء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : مالي أراك مغتما منذ الليلة ؟ قال : يا بني إنّي جئت من عند أخبث الناس . قلت له : و ما ذاك . قال : قلت له و قد خلوت به : إنّك قد بلغت مناك فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فانّك قد كبرت ، و لو نظرت الى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فو اللّه ما عندهم اليوم شي‏ء تخافه . فقال لي : هيهات ،

ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل ، فو اللّه ما عدا ان هلك ، فهلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر . ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمّر عشر سنين ، فو اللّه ما عدا أن هلك ، فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : قال عمر . ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد مثل نسبه ، فعمل ما عمل و عمل به ، فو اللّه ما عدا أن هلك ، فهلك ذكره و ذكر ما فعل به ، و إنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات : أشهد أنّ محمدا رسول اللّه ، فأي عمل يبقى مع هذا ، لا امّ لك ؟ و اللّه ألا دفنا دفنا .

ــــــــــــ

 ( ١ ) البقرة : ٢٥٣ .

 ( ٢ ) مروج الذهب للمسعودي ٤ : ٤٠ ٤١ .

« و لبئس الخلف خلفا » هكذا في ( المصرية ) ١ و هو غلط ، و الصواب :

( خلف ) كما هو القاعدة و كما في ( ابن أبي الحديد ) ٢ و ( ابن ميثم ) ٣ .

و في ( مقاتل أبي الفرج ) ٤ : لمّا بويع معاوية خطب فذكر عليّا عليه السّلام ، فنال منه و نال من الحسن عليه السّلام ، فقام الحسين عليه السّلام ليرد عليه ، فأخذ الحسن عليه السّلام بيده فأجلسه ، ثم قام فقال : أيّها الذاكر عليّا ، أنا الحسن و أبي علي ، و أنت معاوية و أبوك صخر و امّي فاطمة و امّك هند ، و جدي رسول اللّه و جدّك حرب ،

و جدتي خديجة و جدتك قتيلة ، فلعن اللّه ألأمنا ذكرا ، و أخسنا حسبا و شرفا،

و أقدمنا كفرا و نفاقا . فقال طوائف من المسجد : آمين .

« يتبع سلفا في نار جهنم » في ( لهوف ابن طاووس ) : لمّا جعل يزيد ينكت بقضيبه ثنايا الحسين عليه السّلام و يتمثل بأبيات ابن الزبعرى و يزيد عليها :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا و استهلوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

قامت زينب و قالت في ما قالت له : تهتف بأشياخك ؟ فلتردن و شيكا موردهم ، و لتودّن انّك شللت و بكمت و لم يكن فعلت ما فعلت و قلت ما قلت .

« و في أيدينا بعد فضل النبوة » في ( مناقب ابن طلحة الشافعي ) : قال جابر الأنصاري : سمعت عليّا عليه السّلام ينشد و النبي صلّى اللّه عليه و آله يسمع :

أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي

« التي أذللنا بها العزيز » كأبي سفيان أبيه .

« و نعشنا » أي : رفعنا .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية : ١٨ الكتاب ١٧ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٥ : ١١٧ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٣٨٩ .

 ( ٤ ) المقاتل لأبي الفرج : ٤٦ .

« بها الذليل » كسلمان و مقداد و عمّار ، هذا و في ( تاريخ بغداد ) ١ : قال أعراب من كلاب لدعبل و كان هجاهم : ممّن أنت ؟ فكره دعبل أن يقول : من خزاعة فيهجوهم فقال : أنا أنتمي الى القوم الذين يقول فيهم الشاعر :

اناس علي الخير منهم و جعفر

و حمزة و السجاد ذو الثفنات

إذا افتخروا يوما أتوا بمحمد

و جبريل و القرآن و السورات

فوثب الاعرابي و هو يقول : محمد و جبريل و القرآن و السورات مالي الى هؤلاء مرتقى ، مالي الى هؤلاء مرتقى .

و في ( الأغاني ) ٢ : وفد عمر بن أبي ربيعة على عبد الملك ، فقال له :

أخبرني عن منازعتك اللهبي في المسجد الجامع ، فقد أتاني نبأ ذلك ، و كنت أحبّ أن أسمعه منك . فقال : بينا أنا جالس في المسجد الحرام في جماعة من قريش ، إذ دخل علينا الفضل بن العباس بن عتبة فسلّم و جلس ، و وافقني و أنا أتمثل بهذا البيت :

و أصبح بطن مكة مقشعرا

كان الأرض ليس بها هشام

فأقبل علي ، فقال : يا أخا بني مخزوم و اللّه إنّ بلدة تبحح بها عبد المطلب ،

و بعث فيها النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و فيها بيت اللّه تعالى ، لحقيقة ألا تقشعر لهشام . و إنّ أشعر من هذا البيت و أصدق ، قول من يقول :

إنّما عبد مناف جوهر

زين الجوهر عبد المطلب

فأقبلت عليه فقلت : يا أخا بني هاشم إنّ أشعر من صاحبك ، الذي يقول :

إنّ الدليل على الخيرات أجمعها

ابناء مخزوم للخيرات مخزوم

فقال لي : أشعر و اللّه من صاحبك ، الذي يقول :

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ بغداد ٨ : ٣٨٣ .

 ( ٢ ) الأغاني ١٦ : ١٨٧ .

جبريل أهدى لنا الخيرات أجمعها

آرام هاشم لا أبناء مخزوم

فقلت في نفسي : غلبني و اللّه ، ثم حملني الطمع في انقطاعه عني ، فقلت له :

بل أشعر منه الذي يقول :

أبناء مخزوم الحريق اذا

حرّكته تارة ترى ضرما

يخرج منه الشرار مع لهب

من حاد عن حدّه فقد سلما

فو اللّه ما تلعثم أن أقبل عليّ بوجهه ، فقال : يا أخا بني مخزوم ، أشعر من صاحبك و أصدق ، الذي يقول :

هاشم بحر اذا سما و طما

أخمد حر الحريق و اضطرما

و اعلم و خير القول أصدقه

بأن من رام هاشما هشما

فتمنيت و اللّه أنّ الأرض ساخت بي ، ثم تجلدت عليه ، فقلت : يا أخا بني هاشم أشعر من صاحبك ، الّذي يقول :

أبناء مخزوم أنجم طلعت

للناس تجلو بنورها الظلما

تجود بالنيل قبل تسأله

جودا هنيئا و تضرب البهما

فأقبل عليّ بأسرع من اللحظ ، ثم قال : أشعر من صاحبك و أصدق ، الذي يقول :

هاشم شمس بالسعد مطلعها

اذا بدت أخفت النجوم معا

اختارنا اللّه في النبي فمن

قارعنا بعد أحمد قرعا

فاسودّت الدنيا في عيني ، فانقطعت فلم أجد جوابا ، ثمّ قلت له : يا أخا بني هاشم إن كنت تفتخر علينا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله ، فما تسعنا مفاخرتك . فقال : كيف لا نفتخر به و لو كان منك لفخرت به عليّ ؟ فقلت : صدقت ، إنّه لموضع الفخار.

و سررت بقطعه الكلام ، ثم إنّه ابتدأ المناقضة ، ففكّر هنيئة ثم قال : قد قلت فلم أجد بدا من الاستماع . فقلت : هات . فقال :

نحن الذين إذا سما بفخارهم

ذو الفخر أقعده هناك القعدد

افخر بنا إن كنت يوما فاخرا

تلق الألى فخروا بفخرك افردوا

قل يا بن مخزوم لكلّ مفاخر

منّا المبارك ذو الرسالة أحمد

ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكم

هيهات ذلك هل ينال الفرقد

فحصرت و تبلّدت ، ثم قلت له : انظرني . و أفكرت مليّا ثم أنشأت أقول :

لا فخر إلاّ قد علاه محمد

فاذا فخرت به فانّي أشهد

ان قد فخرت وفقت كلّ مفاخر

و إليك في الشرف الرفيع المقصد

و لنا دعائم قد تناهى أول

في المكرمات جرى عليها المولد

من رامها حاشى النبيّ و أهله

في الأرض غطغطه الخليج المزبد

دع و ذا و رح بفناء خود بضة

مما نطقت به و غنّى معبد

مع فتية تندى بطون أكفّهم

جودا إذا هز الزمان الأنكد

يتناولون سلافة عامية

طابت لشاربها و طاب المقعد

فو اللّه لقد أجابني بجواب كان أشدّ علي من الشعر ، فقال لي : يا أخا بني مخزوم اريك السها ، و تريني القمر . و هذا مثل ، أي : تخرج من المفاخرة الى شرب الراح الى أن قال فقلت : لا أرى شيئا أصلح من السكوت . فضحك و قام عني . قال : فضحك عبد الملك حتى استلقى ، و قال : يا بن أبي ربيعة أما علمت أنّ لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق ؟

قلت : قول عبد الملك نظير قول معاوية : « إنّا بنو عبد مناف » .

« و لمّا أدخل اللّه العرب في دينه أفواجا » قال تعالى : اذا جاء نصر اللّه و الفتح . و رأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا ١ .

« و أسلمت له هذه الامة طوعا و كرها » بعد فتح مكة .

ــــــــــــ

 ( ١ ) النصر : ١ ٢ .

« كنتم ممّن دخل الدين إمّا رغبة و إما رهبة » لأنّ إسلامهم كان بعد الفتح ،

و قال صلّى اللّه عليه و آله بعد الفتح لأهل مكة كما في ( الطبري ) ١ : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » فاعتقهم و قد كان اللّه أمكنه من رقابهم عنوة و كانوا له فيئا . و انما قوله عليه السّلام :

« إما رغبة و إمّا رهبة » نظير قوله تعالى : و إنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ٢ . و إلاّ فمعلوم كون دخولهم في الدين رهبة .

« على حين فاز أهل السبق بسبقهم و ذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم » في ( الطبري ) ٣ : قال العباس لأبي سفيان قبل أن يرد النبي صلّى اللّه عليه و آله مكة : اركب عجز بغلتي لاستأمن لك النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فو اللّه لئن ظفر ليضربن عنقك الى أن قال فلمّا رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله أبا سفيان قال له : ويحك ألم يأن لك أن تعلم ألاّ إله إلاّ اللّه ؟

فقال : و اللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه غيره ، لقد أغنى عني شيئا . فقال : ويحك ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه ؟ فقال : أمّا هذه ففي النفس منها شي‏ء . فقال له العباس : ويلك تشهّد شهادة الحق قبل أن يضرب عنقك . فتشهد ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله للعباس : احبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي ، حتى تمرّ عليه جنود اللّه الى أن قال فقال أبو سفيان للعباس : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما . فقال له العباس : ويحك إنّها النبوّة . فقال : نعم إذن الى أن قال قال الواقدي : و أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بقتل ستة نفر ، و أربع نسوة ، منهن هند ام معاوية إلى أن قال فجاءته هند متنقّبة متنكّرة ، لحدثها و ما كان من صنيعها بحمزة ،

في بيعة النساء إلى أن قال قال لهن : « و لا تسرفن » . فقالت هند : و اللّه إن كنت لاصيب من مال أبي سفيان الهنة الهنة . فقال لها النبي صلّى اللّه عليه و آله : و إنّك لهند ؟ قالت :

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ٦١ .

 ( ٢ ) سبأ : ٢٤ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبري ٣ : ٥٣ .

أنا هند ، فاعف . قال : « و لا تزنين » قالت : و هل تزني الحرة ؟ فقال : « و لا تقتلن أولادكن » . فقالت : « ربيناهم صغارا و قتلتهم يوم بدر كبارا » ، فانت و هم أعلم .

فضحك عمر من قولها حتى استغرب .

« فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا و لا على نفسك سبيلا » بادّعاء الباطل ، فقد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله كما رواه ( صفّين نصر ) ١ : اذا رأيتم معاوية يخطب على منبري ، فاضربوا عنقه .

و فيه ٢ : خرج عمّار يوم الثالث ، و خرج إليه عمرو بن العاص ، فجعل عمّار يقول : يا أهل الاسلام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه و رسوله ،

و جاهدهما و بغى على المسلمين ، و ظاهر المشركين ، فلمّا أراد اللّه أن يظهر دينه ، و ينصر رسوله أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله فأسلم ، و هو و اللّه ما يرى راهب غير راغب ، و قبض اللّه رسوله و إنّا و اللّه لنعرفه بعداوة المسلم ، و مودة المجرم ؟ ألا و إنّه معاوية ، فالعنوه لعنه اللّه ، و قاتلوه فإنّه ممّن يطفى‏ء نور اللّه ، و يظاهر أعداء اللّه .

و مر في ( ١١ ) فصل الإمامة العامة : أن قوما استشهدوا في سبيل اللّه من المهاجرين و الأنصار ، و لكلّ فضل ، حتى اذا استشهد شهيدنا قيل : سيد الشهداء و خصّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بسبعين تكبيرة . . . .

٧

الخطبة ( ٥٥ ) و من كلام له عليه السّلام و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين :

أَمَّا قَوْلُكُمْ أَ كُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ اَلْمَوْتِ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣١٦ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢١٤ .

اَلْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ اَلْمَوْتُ إِلَيَّ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ اَلْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا

أقول : قال ابن أبي الحديد ١ : لما ملك أمير المؤمنين عليه السّلام الماء بصفين ،

ثم سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه ، استمالة لهم و اظهارا للمعدلة و حسن السيرة فيهم ، مكث أيّاما لا يرسل إلى معاوية و لا يأتيه من عنده أحد ، فاستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال و قالوا له عليه السّلام : خلّفنا ذرارينا و نساءنا بالكوفة و جئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطنا ؟ ائذن لنا في القتال ، فإنّ الناس قد قالوا .

فقال عليه السّلام : ما قالوا ؟ فقيل : إنّ الناس يظنّون أنّك تكره الحرب كراهية للموت ،

و إنّ من الناس من يظن أنّك في شكّ من قتال أهل الشام . فقال عليه السّلام : و متى كنت كارها للحرب قطّ ؟ إنّ من العجب حبي لها غلاما و يافعا ، و كراهتي لها شيخا بعد نفاد العمر و قرب الموت ، و أمّا شكي في القوم فلو شككت فيهم ، لشككت في أهل البصرة ، و اللّه لقد ضربت هذا الأمر ظهرا و بطنا ، فما وجدت يسعني إلاّ القتال ، أو أن أعصي اللّه و رسوله ، و لكنّي استأني بالقوم عسى ان يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة فانّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لي يوم خيبر لئن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس . ثم نقل ابن أبي الحديد ٢ : رواية نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ٣ : بعثه عليه السّلام جمعا إلى معاوية و مشى القراء بينهما إلى أن قال فقال القراء له عليه السّلام : إنّ معاوية يقول لك : إن كنت صادقا في عدم

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ١٣ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ١٦ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٨٩ .

قتلك عثمان و عدم أمرك بقتله ، فأقدنا من قتلته ، فإنّهم في عسكرك و جندك و عضدك . فقال عليه السّلام لهم : إنّ القوم تأولوا عليه القرآن و وقعت الفرقة ، فقتلوه في سلطانه ، و ليس على ضربهم قود . ثم قال ابن أبي الحديد ١ : و لا أدري لم عدل عليه السّلام عن الحجّة بما هو أوضح من هذا الكلام ؟ و هو أن يقول : إنّ الذين باشروا قتل عثمان بأيديهم كانا اثنين ، و هما قتر بن وهب و سودان بن حمران ، و كلاهما قتل يوم الدار ، قتلهما عبيد عثمان ، و الباقون الذين جندي و عضدي كما تزعمون لم يقتلوا بأيديهم و إنّما اغروا به و حصروه ،

و أجلبوا عليه و هجموا على داره ، كمحمّد بن أبي بكر و الأشتر و عمرو بن الحمق و غيرهم ، و ليس على هؤلاء قود . و قوله عليه السّلام : و ليس على ضربهم قود .

أي : على مثلهم .

قلت : هل هو أعلم بالقضية و بقضائها منه عليه السّلام ؟ و كيف أنكر تصدّي اولئك و قد طعنه عمرو بن الحمق تسع طعنات ؟ و كون عمّار من قتلته مسلم ،

فقال معاوية لجمع أرسلهم عليه السّلام إليه : ألستم تعلمون أنّ قتلة صاحبنا أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فنقتلهم به ، ثم نجيبكم إلى الطاعة . فقال له شبث :

أيسرك باللّه إن امكنت من عمّار فقتلته ؟ فقال : و اللّه لو أمكنني صاحبكم من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ، و لكنّي أقتله بنائل مولاه . فقال له شبث : و إله السماء ما عدلت معدلا .

كما أنّ كون محمّد بن أبي بكر من قتلته أيضا مسلّم ، ففي ( الطبري ) ٢ :

كتب معاوية إليه : سعيت عليه في الساعين و سفكت دمه في السافكين إلى أن قال و عدوك على عثمان يوم تطعن بمشاقصك بين أحشائه و أوداجه . و ما

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٥٩ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٧٦ .

ينفعه تأويله لفظ « ضربهم » ؟

و كون عثمان عنده عليه السّلام مباح الدم أمر واضح ، فلما جاء شرحبيل و معن من قبل معاوية إليه عليه السّلام و قد نقله بعد عن ( صفين نصر ) ١ قالا له عليه السّلام :

أتشهد أنّ عثمان قتل مظلوما ؟ فقال لهما : إنّي لا أقول ذلك . قالا : فمن لم يشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه براء . ثمّ قاما فانصرفا ، فقال علي عليه السّلام فإنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء اذا ولّوا مدبرين ٢ .

« أمّا قولكم أ كلّ » و في ( ابن ميثم ) ٣ : « كل » ثم الظاهر كون ( كل ) بالرفع مبتدأ . و يجوز أن يقرأ بالنصب ، لقوله بعد ( أو ) : أمّا قولكم : « شكا في أهل الشام » فيقدر له ناصب كما له .

« ذلك » أي : تأخير الحرب .

« كراهية الموت فو اللّه ما ابالي » أي : لا اكترث .

« أدخلت » هكذا في ( المصرية ) ٤ ، و الصواب : ( دخلت ) كما في ( ابن أبي الحديد ) ٥ و ( ابن ميثم ) ٦ و ( الخطية ) .

« الى الموت أو خرج الموت » لعل إلاظهار مع كون المقام مقام الإضمار ،

لتأكيد عدم مبالاته عليه السّلام بالموت .

« إليّ » فإنّه عليه السّلام كان يقول لما كانوا يقولون : سكت عن طلب الملك جزعا من الموت : و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه .

ــــــــــــ

 ( ١ ) وقعة صفين لنصر بن مزاحم : ٢٠١ ٢٠٢ .

 ( ٢ ) الروم : ٥٢ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٤٥ ، و فيه : « أما قولكم : أ كلّ ذلك » .

 ( ٤ ) الطبعة المصرية : ٩٩ الخطبة ٥٥ .

 ( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ١٢ .

 ( ٦ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٤٥ .

و في ( صفين نصر ) ١ : عن زيد بن وهب قال مر علي عليه السّلام يومئذ و معه بنوه نحو الميسرة ، و إنّي لأرى النبل يمرّ بين عاتقه و منكبيه ، ثم إنّ أهل الشام دنوا منه ، و اللّه ما يزيده قربهم منه سرعة في مشيه ، فقال له الحسن عليه السّلام : ما ضرّك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين صبروا لعدوّك من أصحابك ؟

فقال : يا بني لأبيك يوم لن يعدوه ، و لا يبطي به عنه السعي ، و لا يعجل به إليه المشي . إنّ أباك و اللّه ما يبالي وقع على الموت أو وقع الموت عليه .

و عن ٢ عبد الرحمن بن حاطب : كان عليّ عليه السّلام اذا أراد القتال هلّل و كبّر ،

ثمّ قال :

أي يوميّ من الموت أفر

يوم ما قدر أم يوم قدر

« و أمّا قولكم : شكا في أهل الشام ، فو اللّه ما دفعت الحرب يوما إلاّ و أنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي » ممّن لحق به عليه السّلام ابن عم لعمرو بن العاص ، ففي ( صفين نصر ) ٣ : أنّ ابن عمّ لعمرو قال له : إنّك ان لم ترد معاوية ، لم يردك ،

و لكنك تريد دنياه و يريد دينك . فبلغ معاوية قوله ، فطلبه فلحق بعلي عليه السّلام ،

فحدّثه بأمر عمرو و معاوية ، فسرّ ذلك عليّا عليه السّلام و قرّبه .

و لحق به عليه السّلام ابن اخت لشرحبيل بن السمط ، ففي ( صفين نصر ) ٤ : لمّا كتب جرير إلى شرحبيل ينصحه ، ذعر و فكر فلفف له معاوية الرجال يعظّمون عنده قتل عثمان ، و يرمون به عليا عليه السّلام ، و يقيمون الشهادة الباطلة ، و الكتب المختلقة ، حتى أعادوا رأيه . فقال ابن اخت له من بارق و كان لحق أهل الشام :

لعمر أبي الأشقى ابن هند لقد رمى

شرحبيل بالسهم الذي هو قاتله

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٤٩ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٩٥ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٢ .

 ( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٩ ٥٠ .

فقال شرحبيل : و اللّه لأسيرن إلى صاحب هذا الشعر ، أو ليفوتني . فهرب الفتى إلى الكوفة و كان أصله منها . و كاد أهل الشام أن يرتابوا . . .

و لحق به عليه السّلام صديق لعمرو بن العاص ، ففي ( صفين نصر ) ١ : ذكروا أنّه لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة ، و قال معاوية : هذا أول الظفر . فقام إليه رجل يقال له ابن الأقبل و كان ناسكا ، و كان له في ما يذكر همدان لسان ، و كان صديقا لعمرو فقال له : أما تعلم ان فيهم العبد و الأمة و الأجير و الضعيف ، و من لا ذنب له ؟ هذا و اللّه أوّل الجور ، لقد شجّعت الجبان ،

و بصّرت المرتاب ، و حملت من لا يريد قتالك على كتفيك . فأغلظ له ، فقال الرجل أبياتا : و لحق في سواد الليل بعلي عليه السّلام .

و لحق به عليه السّلام شامي سمع قول النبي صلّى اللّه عليه و آله في معاوية ، لمّا رأى بيعة أهل الشام معه ، ففي ( صفين نصر ) ٢ : عن أبي حرب بن الأسود عن رجل من أهل الشام عن أبيه ، قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « شرّ خلق اللّه خمسة:

إبليس ، و ابن آدم الذي قتل أخاه ، و فرعون ذو الأوتاد ، و رجل من بني إسرائيل ردّهم عن دينهم ، و رجل من هذه الامّة يبايع على كفره عند باب لد » . قال الرجل :

فلمّا رأيت معاوية يبايع عند باب لد ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فلحقت بعلي عليه السّلام فكنت معه .

و لحق به شمر بن أبرهة الحميري ، و جمع من القرّاء ، ففي ( صفين نصر ) ٣ : عن الزهري قال : خرج في اليوم الخامس من صفر شمر بن ابرهة الحميري في ناس من قرّاء أهل الشام ، فلحق بعلي عليه السّلام ، ففت ذلك في عضد

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٦٣ ١٦٤ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢١٧ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٢٢ .

معاوية و عمرو بن العاص ، فقال عمرو لمعوية : إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد قرابة قريبة ، و رحم ماسة ، و قدم في الاسلام لا يعتد أحد بمثله ، و نجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمّد ، و إنّه قد سار إليك بأصحاب محمّد المعدودين ، و فرسانهم و قرّائهم ، و أشرافهم و قدمائهم في الاسلام ، و لهم في النفوس مهابة ، فبادر بأهل الشام محاش الوعر ، و مضائق الغيض ، و آتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم ، فيحدث عندهم طول المقام مللا ،

فيظهر فيهم كآبة الخذلان ، و مهما نسيت فلا تنس أنّك على باطل و أنّه على الحق .

و لحق به عليه السّلام عبد اللّه بن عمر العنسي لسماع ذي الكلاع حديث : ( قتل الفئة الباغية لعمّار ) في أيام عمر من عمرو بن العاص ، ففي ( صفين نصر ) ١ ،

عن الإفريقي بن أنعم قال : قال أبو نوح الحميري : كنت في خيل علي عليه السّلام ، اذا أنا برجل من أهل الشام يقول : من دل على الحميري ؟ قلت : أيّهم تريد ؟ قال : أبو نوح . قلت : قد وجدته ، فمن أنت ؟ قال : أنا ذو الكلاع ، سرّ إليّ . فقلت : معاذ اللّه أن أسير إليك إلاّ في كتيبة . قال : سرّ فلك ذمّة اللّه و ذمّة رسوله و ذمّة ذي الكلاع ،

حتى ترجع إلى خيلك ، فإنّما أريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه . فسارا حتى التقيا ، فقال له ذو الكلاع : إنّما دعوتك احدّثك حديثا حدّثنا به عمرو بن العاص أيام إمارة عمر : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : « يلتقي أهل الشام و أهل العراق ،

و في احدى الكتيبتين الحق و إمام الهدى و معه عمّار بن ياسر » . فقال له : إنّ عمّارا و اللّه لفينا . قال : أجادّ هو في قتالنا ؟ قال : نعم و ربّ الكعبة ، هو أشد على قتالكم منّي ، و لوددت أنّكم خلق واحد فذبحته ، و بدأت بك قبلهم و أنت ابن عمي . قال : ويلك علام تتمنى ذلك منّي ؟ و اللّه ما قطعتك في ما بيني و بينك ، و إنّ

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٣٢ ٣٣٩ .

رحمك لقريبة ، و ما يسرّني أنّي أقتلك . قال أبو نوح : إنّ اللّه قد قطع بالإسلام أرحاما قريبة ، و وصل به أرحاما متباعدة ، و أنّى يكون بيننا وصل و نحن على الحق ، و أنتم على الباطل مقيمون مع أئمة الكفر و رؤوس الأحزاب ؟ فقال ذو الكلاع هل تستطيع أن تأتي معي صف أهل الشام ، فانا جار لك منهم ، حتى تلقى عمرو بن العاص فتخبره بجدّ عمّار في قتالنا ؟ إلى أن قال ثم سار أبو نوح حتى أتى عمرا ، و هو عند معاوية ، فقال ذو الكلاع لعمرو : هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمّار لا يكذبك ؟ قال عمرو : و من هو ؟ قال : ابن عمي هذا ، و هو من أهل الكوفة . فقال عمرو لأبي نوح : إنّي لأرى عليك سيماء أبي تراب . قال أبو نوح : علي عليه السّلام عليه سيماء محمّد صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه ، و عليك سيماء أبي جهل و سيماء فرعون إلى أن قال بين ذكر جمعه بين عمّار و عمرو فقال عمّار لعمرو : ألست تعلم أيها الأبتر أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام : من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه إلى أن قال فقال عمرو : فما ترى في قتل عثمان ؟ قال عمّار : فتح لكم باب كلّ سوء .

قال عمرو : فعليّ قتله ؟ قال عمّار : بل اللّه ربّ علي قتله ، و علي معه . قال عمرو:

أكنت في من قتله ؟ قال : كنت مع من قتله ؟ و أنا اليوم أقاتل معهم . قال عمرو :

فلم قتلتموه ؟ قال عمّار : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه إلى أن قال و مشى عبد اللّه بن سويد سيد جرش إلى ذي الكلاع فقال له : لم جمعت بين الرجلين ؟ قال :

لحديث سمعته من عمرو ، ذكر أنّه سمعه من النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و هو يقول لعمّار :

« تقتلك الفئة الباغية » فخرج عبد اللّه بن عمر العنسي و كان من عبّاد أهل زمانه ليلا فأصبح في عسكر علي عليه السّلام ، و قال لذي الكلاع :

و الراقصات بركب عامدين له

إنّ الذي جاء من عمرو لمأثور

قد كنت اسمع و الأنباء شائعة

هذا الحديث فقلت الكذب و الزور

حتى تلقيته من أهل عيبته

فاليوم أرجع و المغرور مغرور

و اليوم أبرأ من عمرو و شيعته

و من معاوية المحدو به العير

لا ، لا اقاتل عمّارا على طمع

بعد الرواية حتى ينفخ الصور

تركت عمرا و أشياعا له نكدا

إنّي بتركهم يا صاح معذور

يا ذا الكلاع فدع له معشرا كفروا

أو لا فدينك عين فيه تغرير

ما في مقال رسول اللّه في رجل

شكّ و لا في مقال الرسل تحيير

فلمّا سمع معاوية بهذا الشعر بعث إلى عمرو : أن أفسدت عليّ أهل الشام ، أكلّ ما سمعته من النبي صلّى اللّه عليه و آله تقوله ؟ فقال عمرو : قلتها و لست أعلم الغيب ، و لا أدري أنّ صفين تكون ، و قد رويت أنت في عمّار مثل الذي رويت .

كما أنّ جمعا من أصحابه عليه السّلام الذين كانوا حريصين على الدنيا لحقوا بمعويه لغلبة الشقاوة عليهم ، منهم بشر بن عصمة المزني ، و قيس بن قرّة التميمي ، كما في ( الطبري ) ١ . و ذو نواس بن هذيم العبدي ، و قيس بن زبد الكندي ، كما في ( صفين نصر ) ٢ .

« و تعشو إلى ضوئي » في ( الصحاح ) : عشوت إلى النار : اذا استدللت عليها ببصر ضعيف ، قال الحطيئة :

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره

تجد خير نار عندها خير موقد

قلت : و الأصحّ ما في ( الجمهرة ) من أنّ العشو : القصد بالليل لا ببصر ضعيف . فقال : العشو مصدر عشوت إلى ضوئك : اذا قصدته بليل ، ثم صار كلّ قاصد شيئا عاشيا ، ثم ذكر بيت الحطيئة .

و إنما قال عليه السّلام ذلك ، لأنّ معاوية لبس الأمر على أهل الشام ، ففي ( صفّين

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٨ ٢٩ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٧٠ و ٢٨٥ .

نصر ) ١ : مضى هاشم المرقال في عصابة من القرّاء ، إذ خرج عليهم فتى شاب يقول:

أنا ابن أرباب الملوك غسان

و الدائن اليوم بدين عثمان

أنبانا أقواما بما كان

ان عليّا قتل ابن عفان

ثمّ شدّ ، فلا ينثني يضرب بسيفه ، ثمّ يلعن و يشتم و يكثر الكلام ، فقال له المرقال : انّ هذا الكلام بعده الخصام ، و إنّ هذا القتال بعده الحساب ، فاتّق اللّه فانّك راجع إلى ربّك فسائلك عن هذا الموقف . قال : فإنّي اقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي ، و أنّكم لا تصلّون ، و اقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا ،

و أنتم وازرتموه على قتله . فقال له هاشم : و ما أنت و ابن عفان ؟ إنّما قتله أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله ، و قرّاء الناس حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب ،

و إنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله هم أصحاب الدين و أولى بالنظر في امور المسلمين .

و أمّا قولك : إنّ صاحبنا لا يصلّي ، فهو أوّل الناس من صلّى للّه مع النبي صلّى اللّه عليه و آله ،

و أفقه الناس في دين اللّه ، و أولاهم برسوله ، و أمّا من ترى معه فكلّهم قارى‏ء لكتاب اللّه لا ينامون الليل تهجّدا ، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون .

فقال الفتى لهاشم : انّي لأظنّك امرأ صالحا ، هل تجد لي من توبة ؟ قال : نعم ، تب إلى اللّه إنّه يتوب عليك ، فإنّه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيّئات ٢ و يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين ٣ . فذهب الفتى راجعا ، فقال له رجل من أهل الشام : خدعك العراقي . قال : لا ، و لكن نصحني .

« و ذلك » و في ( ابن ميثم ) ٤ : ( فهو ) .

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٥٤ ، ٣٥٥ .

 ( ٢ ) الشورى : ٢٥ .

 ( ٣ ) البقرة : ٢٢٢ .

 ( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٤٥ .

« أحبّ إليّ من أن اقتلها على ضلالها و ان كانت تبوء » أي : ترجع .

« بآثامها » في ( الطبري ) ١ : مكث الناس في صفين حتى اذا دنا انسلاخ المحرم ، أمر علي عليه السّلام مرثد بن الحارث الجشمي ، فنادى أهل الشام عند غروب الشمس : ألا انّ أمير المؤمنين يقول لكم : انّي قد استدمتكم لتراجعوا الحق و تنيبوا إليه ، و احتججت عليكم بكتاب اللّه عز و جلّ فدعوتكم إليه ، فلم تناهوا عن طغيان ، و لم تجيبوا إلى حق . و إنّي قد نبذت إليكم على سواء إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين ٢ .

و روى الطبري ٣ : أنّه ابتدى‏ء بالقتال في أوّل يوم من صفر ، و كان يوم الأربعاء فخرج الأشتر من أصحابه عليه السّلام ، و خرج في مقابله أبو الأعور ، و خرج اليوم الثالث عمّار ، و خرج في مقابله عمرو بن العاص ، و خرج اليوم الرابع محمد ابن الحنفية ، و خرج في مقابله عبيد اللّه بن عمرو ، و خرج في اليوم الخامس ابن عباس ، و خرج في مقابله الوليد بن عقبة ، و خرج في اليوم السادس قيس بن سعد ابن عبادة ، و خرج في مقابله ابن ذي الكلاع ، و خرج في اليوم السابع أيضا الأشتر و حبيب بن مسلمة . فخطب عليه السّلام عشية الثلاثاء بعد العصر فقال : حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ؟ و قال : الحمد للّه الذي لا يبرم ما نقض ، و ما أبرم لا ينقضه الناقضون ، و لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ، و لا تنازعت الامّة في شي‏ء من أمره ، و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله . و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار ، فلفّت بيننا في هذا المكان ، نحن من ربّنا بمرأى و مسمع ، فلو شاء عجّل النقمة و كان منه التغيير ، و لكن جعل الدنيا

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٦ : ١٠ .

 ( ٢ ) الأنفال : ٥٨ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبري ٤ : ٧ ٩ .

دار الأعمال ، و جعل دار الآخرة عنده هي دار القرار ، ليجزي الذين اساؤوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ١ . ألا إنّكم ملاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام ، و أكثروا تلاوة القرآن ، و سلوا اللّه الصبر و النصر ،

و القوهم بالجدّ و الحزم ، و كونوا صادقين . و عبّأ عليه السّلام الناس ليلته كلّها ، و خرج إليهم غداة الأربعاء فاستقبلهم ، و قال : اللّهم ربّ السقف المرفوع المحفوظ المكفوف ، الذي جعلته مغيضا لليل و النهار ، و جعلت فيه مجرى الشمس و القمر و منازل النجوم ، و جعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ، و ربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الأنعام ،

و ما لا يحصى مما يرى و ما لا يرى من خلقك العظيم ، و ربّ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، و ربّ السحاب المسخّر بين السماء و الأرض ، و ربّ البحر المسجور المحيط بالعالم ، و ربّ الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا ، و للخلق متاعا ، إن أظهرتنا على عدوّنا فجنبنا البغي ، و سدّدنا للحق ،

و إن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة ، و اعصم بقية أصحابي من الفتنة .

و ازدلف الناس يوم الأربعاء ، و اقتتلوا أشدّ قتال حتى الليل ، لا ينصرف أحد إلاّ للصلاة و كثرت القتلى ، فأصبحوا من الغد فصلّى عليه السّلام بهم غداة الخميس ،

فغلس بالصلاة أشدّ التغليس ، و أقبل و على ميمنته ابن بديل ، و على ميسرته ابن عباس ، و هو عليه السّلام في القلب في أهل المدينة ، بين أهل الكوفة و أهل البصرة ، و رفع معاوية قبّة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس ، و بايعه معظمهم على الموت ، و أحاطت خيل دمشق بقبّته ، فزحف ابن بديل في ميمنته عليه السّلام ، و قال : قد قاتلناهم مع النبي صلّى اللّه عليه و آله مرّة ، و هذه ثانية ، و اللّه ما هم في هذه بأتقى و لا أزكى و لا أرشد . فلم يزل يكشف خيل حبيب بن مسلمة من

ــــــــــــ

 ( ١ ) النجم : ٣١ .

الميسرة ، حتى اضطرّهم إلى قبّة معاوية .

٨

الخطبة ( ٢٤ ) و من خطبة له عليه السّلام :

وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ اَلْحَقَّ وَ خَابَطَ اَلْغَيَّ مِنْ إِدْهَانٍ وَ لاَ إِيهَانٍ فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ اِمْضُوا فِي اَلَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ ؟ فَعَلِيٌّ ؟ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً أقول : يمكن أن يكون قاله عليه السّلام ، لما أراد المسير إلى معاوية ابتداء أو ثانيا ، و يمكن الاستيناس للأوّل بما في ( صفين نصر ) ١ : أنّ عليّا عليه السّلام لما أراد المسير إلى الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين و الأنصار ، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال : إنّكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل و الأمر . و قد أردنا المسير إلى عدوّنا و عدوّكم فأشيروا علينا برأيكم .

فقام هاشم بن عتبة و قال : أنا بالقوم جد خبير ، إنّهم لك و لأشياعك أعداء ، و لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، و هم مقاتلوك و مجاهدوك لا يبقون جهدا ، مشاحة على الدنيا ، و ضنّا بما في أيديهم منها ، و ليس لهم إربة غيرها إلاّ ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان . و قام عمّار و قال له عليه السّلام : إن استطعت الاّ تقيم يوما واحدا ، فاشخص بنا قبل استعار نار الفجرة ، و اجتماع رأيهم على الصدود و الفرقة ، و ادعهم إلى رشدهم . و قام قيس بن سعد بن عبادة و قال له :

انكمش بنا إلى عدونا ، و لا تعرج ، فو اللّه لجهادهم أحبّ إليّ من جهاد الترك و الروم ، لإدهانهم في دين اللّه ، و استذلالهم أولياء اللّه من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله ،

من المهاجرين و الأنصار و التابعين باحسان ، فإذا غضبوا على رجل حبسوه ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٩٢ .

أو ضربوه ، أو حرموه ، أو سيّروه ، و فيئنا لهم حلال ، و نحن لهم في ما يزعمون قطين . يعني : رقيق .

و يمكن الاستيناس للثاني بما في ( خلفاء ابن قتيبة ) ١ : أنّه عليه السّلام لما آيس من رجوع الخوارج ، رأى أن يدعهم و يمضي بالناس إلى معاوية ، فقام خطيبا و قال : أما بعد ، فإنّ من ترك الجهاد ، و داهن في أمر اللّه ، كان على شفا هلكة ، إلاّ أن يتداركه اللّه برحمته ، فاتّقوا اللّه عباد اللّه . قاتلوا من حادّ اللّه و حاول أن يطفى‏ء نور اللّه ، قاتلوا الخاطئين القاتلين لأولياء اللّه ، المحرّفين لدين اللّه ، الذين ليسوا بقرّاء الكتاب ، و لا فقهاء في الدين ، و لا علماء بالتأويل ، و لا لهذا الأمر بأهل في دين ، و لا سابقة . في الاسلام و اللّه لو ولوا عليكم ، لعملوا فيكم بعمل كسرى و قيصر .

« و لعمري ما عليّ من قتال من خالف الحق » كائنا من كان ، و لو كان قريبه أو صديقه .

« و خابط » في ( الصحاح ) : خبط البعير الأرض بيده : ضربها ، و منه قيل :

خبط عشواء ، و هي التي في بصرها ضعف ، تخبط اذا مشت لا تتوقى شيئا .

« الغي من إدهان » أي : مصانعة ، قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله : ودوا لو تدهن فيدهنون ٢ .

« و لا إيهان » أي : تضعيف ، من : و هن بالكسر أي : ضعف .

« فاتقوا اللّه عباد اللّه » اقتصر في ( المصرية ) ٣ على الكلام ، و فيها سقط ،

و الأصل : « فاتقوا اللّه عباد اللّه و فروا إلى اللّه من اللّه » كما يشهد له ( ابن أبي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١٤٤ .

 ( ٢ ) القلم : ٩ .

 ( ٣ ) الطبعة المصرية : ٥٩ الخطبة ٢٤ .

الحديد ) ١ و ( ابن ميثم ) ٢ و ( الخطية ) . و معنى الفرار إليه منه : أنّه لا ملجأ منه إلاّ إليه ، بمعنى انّه لا يتصور الفرار منه تعالى ، و الفرار منه هو الفرار إليه .

« و امضوا في الذي نهجه » أي : في الطريق الذي أوضحه .

« لكم » و كان أعداؤه مقرين بذلك ، فكان عمر يقول : لو ولى الخلافة علي ،

ليحملنّ الناس على المحجّة البيضاء و الصراط المستقيم .

« و قوموا بما عصبه » أي : شدّه .

« بكم » من جهاد أعداء اللّه .

« فعلي ضامن لفلجكم » أي : ظفركم و فوزكم و فلاحكم .

« آجلا » في الآخرة .

« إن لم تمنحوه » أي : تعطوه .

« عاجلا » أي : في الدنيا ، فشيعته هم الفائزون في الآخرة . رواه سبط ابن الجوزي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله .

٩

الخطبة ( ١٠٥ ) و من كلام له عليه السّلام :

وَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ اِنْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ اَلْجُفَاةُ اَلطَّغَامُ وَ أَعْرَابُ أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ اَلْعَرَبِ وَ يَآفِيخُ اَلشَّرَفِ وَ اَلْأَنْفُ اَلْمُقَدَّمُ وَ اَلسَّنَامُ اَلْأَعْظَمُ وَ لَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَ تُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّضَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ اَلْهِيمِ

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣١ .

 ( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٤ ، و فيه : « فاتقوا اللّه عباد اللّه » .

اَلْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا أقول : رواه الطبري ١ و ( صفّين نصر ) ٢ و ( الكافي ) ٣ . و ننقل الأوّل أخيرا .

قول المصنّف : « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ٤ و فيه تحريف و سقط ، و الصواب : ( و من خطبة له عليه السّلام في بعض أيام صفين ) كما في ( ابن أبي الحديد ) ٥ و ( ابن ميثم ) ٦ و ( الخطية ) .

« و قد رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة » جمع الجافي .

« الطغام » أي : الأرذال و الأوغاد .

« و أعراب أهل الشام » قال عليه السّلام ذلك لأصحابه لمّا هزمهم في الميمنة أصحاب معاوية ففي ( الطبري ) ٧ : أقبل الذين تبايعوا من أهل الشام على الموت إلى معاوية ، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة و بعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة : يحمل بمن كان معه على الميمنة ، فانكشف أهل العراق من قبل الميمنة ، حتى لم يبق منهم إلاّ ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القرّاء ، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض ، فأمر علي عليه السّلام سهل بن حنيف ،

فاستقدم في من كان معه من أهل المدينة ، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة إلى أن قال لما انهزمت ميمنة

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٥ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٥٦ .

 ( ٣ ) الكافي ٥ : ٤٠ ح ٤ .

 ( ٤ ) الطبعة المصرية : ٢٠٥ الخطبة ١٠٥ .

 ( ٥ ) شرح ابن ابي الحديد ٧ : ١٧٩ .

 ( ٦ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٧ ، و فيه : « من خطبة له عليه السّلام » .

 ( ٧ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٨ .

العراق و أقبل علي عليه السّلام نحو الميسرة ، مرّ به الأشتر و هو يركض نحو الفزع قبل الميمنة ، فقال عليه السّلام له : إيت هؤلاء القوم فقل لهم : أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم ؟ فمضى الأشتر ، و استقبل الناس منهزمين ، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له علي عليه السّلام ، و قال : إليّ أيها الناس أنا مالك بن الحرث . ثم ظنّ انّه بالأشتر أعرف في الناس ، فقال : أنا الأشتر إليّ أيّها الناس .

« و أنتم لهاميم العرب » وردت الفقرة في العنوان ( ١٢٠ ) ، و الكلام استعارة من قولهم : فرس لهيم . اذا كان جوادا غزير الجري صرّح بالمعنى ابن دريد ،

و ليس المراد : أنتم صاحبو الجود ، كما توهمه الشرّاح أخذا من الجوهري ، فهو زلّ في قوله : اللهموم الجواد من الناس و الخيل .

« و يآفيخ » جمع اليافوخ : الموضع الذي يتحرّك من رأس الطفل .

« الشرف و أنف » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ( و الانف ) كما في ( ابن أبي الحديد ) ٢ و ( ابن ميثم ) ٣ و ( الخطية ) .

« المقدم و السنام » في ( الصحاح ) : واحد أسنمة البعير .

« الأعظم » و الكل استعارات ، كلها ميم العرب ، و في ( الطبري ) ٤ بعد ما مرّ من قول الأشتر للمنهزمين : أنا الأشتر ، إليّ أيّها الناس : فأقبلت إليه طائفة و ذهبت عنه طائفة ، فنادى : أيّها الناس عضضتم بهن آبائكم ، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيّها الناس اخلصوا لي مذحجا . فأقبلت إليه مذحج ، فقال لهم :

عضضتم بصم الجندل ، ما أرضيتم ربّكم و لا نصحتم له في عدوّكم ، و كيف

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية : ٢٠٥ الخطبة ١٠٥ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ١٧٩ .

 ( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٧ و فيه : « و أنف المقدم » .

 ( ٤ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٠ .

بذلك ، و أنتم أبناء الحروب ، و أصحاب الغارات ، و فتيان الصباح ، و فرسان الطراد ، و حتوف الأقران ، و مذحج الطعان ، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ،

و لا تطل دماؤهم ، و لا يعرفون بخسف في موطن ، و أنتم أحدّ أهل مصركم ،

و أعد حيّ في قومكم ؟ و ما تفعلوا في هذا اليوم ، فإنّه مأثور بعد اليوم ؟ فاتقوا مأثور الأحاديث في غد ، و أصدقوا عدوّكم اللقاء ، فإنّ اللّه مع الصابرين . و الذي نفس مالك بيده ، ما من هؤلاء و أشار بيده إلى الشام رجل على مثل جناح بعوضة من محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و إنّما أنتم ما أحسنتم القراع ، اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي عليكم بهذا السواد الأعظم فإن اللّه لو قد فضه تبعه من بجانبيه ، كما يتبع مؤخر السيل مقدمه . قالوا خذ بنا حيث أحببت . . . .

و فيه ١ : انّ الأشتر كان يومئذ يقاتل على فرس له ، و في يده صحيفة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبّا ، و اذا رفعها كاد يغشي البصر شعاعها ، و جعل يضرب بسيفه و يقول : الغمرات ثم تنجلينا ، و رآه منقذ و حمير ابنا قيس الناعطيان ، فقال منقذ لحمير : ما في العرب مثل هذا ، إن كان ما أراه من قتاله من النيّة . فقال له حمير : و هل النيّة إلاّ ما تراه يصنع ؟ قال : إنّي أخاف أن يكون حاول ملكا . . . .

« و لقد شفى و حاوح » و في ( الطبري ) : « أحاح » .

في ( الجمهرة ) : يقال للمرأة اذا طلقت : تركتها توحوح بين القوابل .

و سمعت بفلان أحة و أحاحا و أحيحا : اذا رأيته يتوجع من غيظ ، أو حزن . و في قلبه أحاح و أحيح ، قال الراجز :

يطوى الخيازيم على أحاح

« صدري أن رأيتكم بأخرة » بفتح الهمزة أي : أخيرا .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٢ .

« تحوزونهم كما حازوكم و تزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسا » أي :

استيصالا بالقتل ، قال تعالى . . . إذ تحسونهم بإذنه . . . ١ .

« بالنضال » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و نسب النضال و هي المراماة ( ابن أبي الحديد ) ٣ إلى رواية . و لكن في ( ابن ميثم ) ٤ : « بالنصال » بالمهملة . و في ( الصحاح ) : النصل : نصل السهم و السيف و السكين و الرمح و الجمع : نصول و نصال .

« و شجرا » أي : طعنا .

« بالرماح تركب أولاهم اخراهم كالابل الهيم » أي : العطاش .

« المطرودة ترمي عن حياضها و تذاد » أي : تدفع و تطرد .

« عن مواردها » أي : المحال التي تردها لشرب الماء ، في ( الطبري ) ٥ : لما اجتمع إلى الأشتر عظم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم إلى أن قال ثم حمل على الخصم حتى كشفهم ، فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر و المغرب ، و انتهى إلى عبد اللّه بن بديل ، و هو في عصبة من القراء بين المائتين و الثلاثمائة ، و لقد لصقوا بالأرض كأنّهم جثى ، فكشف عنهم أهل الشام ،

فأبصروا اخوانهم قد دنوا منهم ، فقالوا : ما فعل أمير المؤمنين عليه السّلام ؟ قالوا:

حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه . فقالوا : الحمد للّه ، قد كنّا ظننا ان قد هلك هو و هلكتم . و قال عبد اللّه بن بديل لأصحابه : استقدموا بنا . فأرسل الأشتر إليه : لا تفعل ، اثبت مع الناس فقاتل ، فإنّه خير لهم و أبقى لك و لأصحابك . فأبى ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) آل عمران : ١٥٢ .

 ( ٢ ) الطبعة المصرية : ٢٠٥ الخطبة ١٠٥ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ١٨٠ .

 ( ٤ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٧ ، و فيه : « بالنّضال » .

 ( ٥ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٣ .

فمضى كما هو نحو معاوية ، و حوله كأمثال الجبال ، و في يده سيفان و قد جرح فهو أمام أصحابه ، فأخذ كلّما دنا منه رجل ضربه فقتله ، حتى قتل سبعة ، و دنا من معاوية فنهض إليه الناس من كلّ جانب ، و احيط به و بطائفة من أصحابه ،

فقاتل حتى قتل ، و قتل ناس من أصحابه ، و رجعت طائفة قد جرحوا منهزمين.

فبعث الأشتر بن جمهان الجعفي ، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل ، حتى نفسوا عنهم و انتهوا إلى الأشتر ، فقال لهم : ألم يكن رأيي لكم خير لكم من رأيكم لأنفسكم ؟ ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس ؟ و كان معاوية قال في ابن بديل و هو يضرب قدما : أترونه كبش القوم ؟ فلما قتل أرسل إليه : من هو ؟ فقال ناس من أهل الشام : لا نعرفه . فأقبل هو حتى وقف عليه ، فقال : بلى ، هذا عبد اللّه بن بديل ، و اللّه لو استطاعت نساء خزاعة أن يقاتلنا فضلا عن رجالها لفعلت ، مدوه . فمدوه ، فقال : هذا و اللّه كما قال الشاعر :

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها

و إن شمّرت يوما به الحرب شمرا

و البيت لحاتم و زحف الأشتر اليهم ، فاستقبله معاوية بعك و الاشعريين ، فقال الأشتر لمذحج : اكفونا عكا . و وقف في همدان ، و قال لكندة :

اكفونا الأشعريين . فاقتتلوا قتالا شديدا ، و أخذ الأشتر يخرج إلى قومه ، فيقول:

إنّما هم عك فاحملوا عليهم . فيجثون على الركب و يرتجزون :

يا ويل امّ مذحج من عك

هاتيك امّ مذحج تبكي

فقاتلوهم حتى المساء . ثم انّه قاتلهم في همدان و ناس من طوائف الناس ، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية ، ثم شدّ عليهم شدّة اخرى ، فصرع الصفوف الأربعة ، و كانوا معقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية ،

و دعا معاوية بفرس فركب ، و كان يقول : أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن أطنابة كان ابن أطنابة جاهليا ، و أطنابة امه امرأة من بلقين

أبت لي عفتي و حياء نفسي

و إقدامي على البطل المشيح

و إعطائي على المكروه مالي

و أخذي الحمد بالثمن الربيح

و قولي كلّما جشأت و جاشت

مكانك تحمدي أو تستريحي

فمنعني هذا القول من الفرار .

هذا ، و الأصل في العنوان ما رواه الطبري ١ و غيره ٢ ، كما مر عن زيد بن وهب : أن عليّا عليه السّلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها و مصافها ،

و كشفت من بإزائها من عدوّها ، حتى حاربوهم في مواقفهم و مراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم ، فقال : إنّي رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم ، يحوزكم الطغاة الجفاة و أعراب أهل الشام ، و أنتم لهاميم العرب ، و السنام الأعظم ،

و عمّار الليل بتلاوة القرآن ، و أهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون ، فلو لا إقبالكم بعد إدباركم ، و كرّكم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المولّي يوم الزحف دبره ، و كنتم من الهالكين ، و لكن هوّن وجدي و شفى بعض أحاح نفسي أنّي رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم ، و أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم ، تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة ،

فالآن فاصبروا ، نزلت عليكم السكينة و ثبّتكم اللّه تعالى باليقين ، ليعلم المنهزم أنّه مسخط ربه و موبق نفسه ، إنّ في الفرار موجدة اللّه عز و جل عليه ، و الذلّ اللازم ، و العار الباقي ، و اعتصار الفي‏ء من يده ، و فساد العيش عليه ، و إنّ الفار منه لا يزيد في عمره و لا يرضي ربه ، فموت المرء محقا قبل إتيان هذه

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٥ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٥٦ .

الخصال خير من التلبس بها و الاقرار عليها » .

١٠

من الخطبة ( ١٨٠ ) أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أَزْمَعَ اَلتَّرْحَالَ عِبَادُ اَللَّهِ اَلْأَخْيَارُ وَ بَاعُوا قَلِيلاً مِنَ اَلدُّنْيَا لاَ يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ لاَ يَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا اَلَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ ؟ بِصِفِّينَ ؟ أَلاَّ يَكُونُوا اَلْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ اَلْغُصَصَ وَ يَشْرَبُونَ اَلرَّنْقَ قَدْ وَ اَللَّهِ لَقُوا اَللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ اَلْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ أَيْنَ إِخْوَانِيَ اَلَّذِينَ رَكِبُوا اَلطَّرِيقَ وَ مَضَوْا عَلَى اَلْحَقِّ أَيْنَ ؟ عَمَّارٌ ؟ وَ أَيْنَ ؟ اِبْنُ اَلتَّيِّهَانِ ؟ وَ أَيْنَ ؟ ذُو اَلشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ اَلَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى اَلْمَنِيَّةِ وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى اَلْفَجَرَةِ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ اَلشَّرِيفَةِ اَلْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ اَلْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ ع أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ اَلَّذِينَ قَرَءُوا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ فَأَحْكَمُوهُ وَ تَدَبَّرُوا اَلْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْيَوُا اَلسُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا اَلْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ قال : ثمّ ضرب بيده إلى لحيته الشّريفة الكريمة ، فأطال البكاء ، ثم قال عليه السّلام :

أقول : قال ابن أبي الحديد ١ : هذه الخطبة آخر خطبة خطب عليه السّلام بها قائما .

قلت : إن وجد في ذلك خبرا ، و إلاّ فالمحقق كونه قرب شهادته عليه السّلام باسبوع . ففي ذيلها « قال نوف : و عقد للحسين عليه السّلام في عشرة آلاف إلى أن قال و هو يريد الرجعة إلى صفّين ، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون »

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١١٢ .

و أمّا كونها أخيرها فغير معلوم .

« الاّ إنّه قد أدبر من الدنيا » بغلبة أهل الجور .

« ما كان مقبلا » بكون الأمر في يدي أهل الحق ، زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله .

« و أقبل منها ما كان مدبرا » بتصدي أهل الباطل للأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله لا سيما في زمن عثمان ، لخلوص الأمر لبني اميّة ، كما صرّح به أبو سفيان .

« و أزمع » أي : عزم . و الأصح قول الكسائي من عدم تعديه بعلى ، دون قول الفراء بجوازه ، فلم نقف إلاّ على تعديته بنفسه ، ككلامه عليه السّلام هنا ، و قول عنترة:

إن كنت أزمعت الفراق فإنّما

و قول الأعشى :

أزمعت من آل ليلى ابتكارا

و من الغريب أنّ ابن دريد أتى بالتناقض هنا ، فقال أولا : أزمع فلان كذا و كذا : إذا عزم عليه ، و لا يكادون يقولون : أزمع على كذا و كذا . و قال ثانيا : و لا تكاد العرب تقول : الا أزمعت على ذلك .

« الترحال » أي : الارتحال .

« عباد اللّه الأخيار ، و باعوا قليلا من الدنيا » فكل شريف أو وضيع لا يمتّع من الدنيا إلاّ قليلا .

« لا يبقى ، بكثير من الآخرة » فمن كان أدنى أهل الآخرة ثوابا ، كان له من النعمة سبعين ضعفا من نعيم الدنيا ، من أوّلها إلى آخرها .

« لا يفنى » أخذ كلامه عليه السّلام من أوّله إلى هنا سليمان بن صرد الخزاعي ،

لما أراد الطلب بدم الحسين عليه السّلام ، فكتب إلى سعد بن حذيفة اليماني بالمدائن :

إنّ الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفا ، و أقبل منها ما كان منكرا ، و أصبحت

قد تشنّأت إلى ذوي الألباب ، و أزمع الترحال منها عباد اللّه الأخيار و باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند اللّه لا يفنى ١ .

و نظير كلامه عليه السّلام كلام ابنه الحسين عليه السّلام في خطبته أصحابه بذي حسم ، حين وصل الحر مع ألف فارس من قبل ابن زياد إليه ، ففي ( الطبري ) ٢ :

قام عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه ، ثم قال لأصحابه : إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، و انّ الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت ، و أدبر معروفها و استمرّت حذاء فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ، و خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به ، و أنّ الباطل لا يتناهى عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقّا ،

فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة ، و لا الحياة مع الظالمين إلاّ بر ما . فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه : تكلمون أم أتكلّم ؟ قالوا : بل تتكلم . فقال له : قد سمعنا يابن رسول اللّه مقالتك ، و اللّه لو كانت الدنيا لنا باقية ، و كنّا فيها مخلدين إلا أنّ فراقها في نصرك و مواساتك ، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها .

فدعا له الحسين عليه السّلام ، و أقبل الحر يسايره و هو يقول له : يا حسين إنّي اذكّرك اللّه في نفسك ، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن . فقال عليه السّلام له : أفبالموت تخوّفني ؟

و هل يعدو بكم الخطب إلاّ أن تقتلوني ؟ أقول لك ما قال أخو الأوس لابن عمه لما لقيه و هو يريد نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و قال له أين تذهب ؟ فإنّك مقتول :

سأمضي و ما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما

و آسى الرجال الصالحين بنفسه

و فارق مثبورا يغش و يرغما

« ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم و هم » هكذا في ( المصرية ) ٣ و الكلمة

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٣ : ٣٩٢ سنة ٦٤ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٤٠٣ .

 ( ٣ ) الطبعة المصرية : ١٣٠ الخطبة ١٨٠ .

زائدة ، لعدم وجودها في ( ابن ميثم ) ١ و ( ابن أبي الحديد ) ٢ ، و لأن المعنى معها غير مستقيم .

« بصفّين » في ( صفين نصر ) ٣ : اصيب بصفّين من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا ، و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا .

و في ( مروج المسعودي ) ٤ : كانت عدة الوقائع بين أهل العراق و الشام سبعين وقعة ، و قد تنوع في مقدار من قتل بها من الفريقين ، فعن يحيى بن معين : قتل منهما مائة ألف و عشرة آلاف ، في مائة يوم و عشرة أيام ، تسعون ألفا من أهل الشام ، و عشرون ألفا من أهل العراق . و أما الهيثم بن عدي الطائي و الشرقي بن القطامي و أبو مخنف لوط بن يحيى فذكروا : أنّ جملة من قتل منهما سبعون ألفا خمسة و أربعون من أهل الشام ، و خمسة و عشرون ألفا من أهل العراق ، فيهم خمسة و عشرون بدريا . و العدّ كان يقع بالقضيب ،

و الإحصاء للقتلى في كلّ وقعة . و تحصيل هذا يتفاوت ، لأنّ فيهم من لا يعرف،

و من غرق ، و من قتل فأكله السباع .

« ألاّ يكونوا اليوم أحياء يسيغون » من : ساغ الشراب ، أي : سهل مدخله في الحلق. قال الجوهري : يتعدى و لا يتعدى ، و الأجود في المتعدي أساغ ، قال تعالى : يتجرّعه و لا يكاد يسيغه ٥ .

« الغصص » بالفتح مصدر غصّ بالطعام ، أو بالضم جمع الغصة .

« و يشربون الرنق » أي : المكدر ، قال ابن الرومي .

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٩١ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٩٩ .

 ( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٥٨ .

 ( ٤ ) مروج الذهب للمسعودي ٢ : ٤٠٤ .

 ( ٥ ) إبراهيم : ١٧ .

قد قلت اذ مدحوا الحياة فأكثروا

للموت ألف فضيلة لا تعرف

فيها أمان لقائه بلقائه

و فراق كلّ معاشر لا ينصف

« قد و اللّه لقوا اللّه فوفاهم أجورهم ، و أحلّهم دار الأمن من بعد خوفهم » في ( صفين نصر ) ١ : قال عتبة بن جويرية يوم صفين : ألا إنّ مرعى الدنيا قد أصبح شجرها هشيما ، و أصبح زرعها حصيدا ، و جديدها سملا ، و حلوها مرّا .

ألا و إنّي انبّئكم نبأ امرى‏ء صادق : إنّي سئمت الدنيا ، و عزفت نفسي عنها ، و قد كنت أتمنى الشهادة و أتعرّض لها في كلّ حين ، فأبى اللّه إلاّ أن يبلغني هذا اليوم ، ألا و إنّي متعرّض ساعتي هذه لها ، و قد طمعت ألاّ احرمها . فما تنظرون عباد اللّه جهاد اللّه ، أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه اللّه عز و جل ، و مرافقة النبيين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين في دار القرار ؟ ما هذا بالرأي السديد . ثم قال لإخوته : إنّي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها ، و هذا وجهي إليها .

فتبعه أخواه عبيد اللّه و عوف ابنا مالك ، و قالا : لا نطلب رزق الدنيا بعدك ، قبّح اللّه العيش بعدك ، اللّهم إنّا نحتسب أنفسنا عندك . ثم استقدموا فقاتلوا ، حتى قتلوا .

و فيه ٢ : قال أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي في صفين للحضين بن المنذر : هل لك أن تعطيني رايتك أحملها ، فيكون لك ذكرها و يكون لي أجرها ،

أعيرها عنك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك ؟ فعلم أنّه يريد أن يستقتل ، فقال :

فما شئت . فاخذ أبو عرفاء الراية ، فقال : يا أهل هذه الراية ، إنّ عمل الجنة كره كلّه ، و إنّ عمل النار خف كلّه ، و إنّ الجنّة لا يدخلها إلاّ الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض اللّه و أمره ، و ليس شي‏ء مما افترض اللّه على العباد أشدّ من الجهاد ، و هو أفضل الأعمال ثوابا ، فاذا رأيتموني قد شددت فشدوا ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٦٤ .

 ( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٠٤ ٣٠٥ .

ويحكم أما تشتاقون إلى الجنّة ؟ أما تحبون أن يغفر اللّه لكم ؟ فشدّ و شدوا معه ، حتى قتل .

و في ( الطبري ) ١ : قاتلت النخع في صفين قتالا شديدا فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة ، و حيان بن هوذة ، و شعيب بن نعيم من بني بكر النخع ،

و ربيعة بن مالك ، و أبي بن قيس أخو علقمة الفقيه ، و قطعت رجل علقمة يومئذ ،

فكان يقول : ما أحب أن رجلي أصح ما كانت ، و أنّها لممّا أرجو به حسن الثواب من ربّي عز و جل ، و لقد كنت احبّ أن أرى في نومي أخي أو بعض إخواني ،

فرأيت أخي فقلت : ماذا قدمتم عليه ؟ فقال : التقينا نحن و القوم فاحتججنا عند اللّه عز و جل ، فحججناهم . فما سررت منذ عقلت مثل سروري بتلك الرؤيا .

هذا ، و أخذ كلامه عليه السّلام من قوله : « ما ضر اخواننا الذين سفكت دماؤهم بصفين » إلى هنا سليمان بن صرد الخزاعي أيضا ، فكتب إلى سعد بن حذيفة أيضا : ما ضر أهل عذراء يعني حجرا و أصحابه الذين قتلوا ألاّ يكونوا اليوم أحياء ، و هم عند ربّهم يرزقون ، شهداء قد لقوا اللّه صابرين محتسبين ، فأثابهم ثواب الصابرين ؟ و ما ضرّ إخوانكم المقتلين صبرا ، المصلبين ظلما ،

و الممثول بهم ، المعتدى عليهم ألا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم ، قد خيّر لهم فلقوا ربهم و وفاهم أجرهم ؟

« أين إخواني الذين ركبوا الطريق » أي : طريق اللّه عز و جل .

« و مضوا على الحق » كما أمرهم سبحانه و انّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله . . . ٢ .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٣٢ .

 ( ٢ ) الانعام : ١٥٣ .

في ( الطبري ) ١ : قال أبو عبد الرحمن السلمي : رأيت عمّارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلاّ تبعه من كان هناك من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و رأيته جاء إلى هاشم بن عتبة المرقال صاحب راية علي عليه السّلام ، فقال : يا هاشم أعورا وجبنا ؟ لا خير في أعور لا يغشى البأس ، اركب يا هاشم . فركب هاشم و مضى و هو يقول :

أعور يبغي أهله محلا

قد عالج الحياة حتى ملا

لا بدّ أن يفلّ أو يفلا

و في ( الاستيعاب ) ٢ : قال عبد الرحمن بن ابزى : شهدنا مع علي عليه السّلام صفين ممن بايع بيعة الرضوان ، فقتل منّا ثلاثة و ستون ، منهم عمّار .

« أين عمار » في ( ذيل الطبري ) ٣ : عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام ابن عنس . قدم أبوه من اليمن إلى مكة في طلب أخ له ، فأقام و حالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي ، فزوّجه أبو حذيفة أمة له يقال لها :

سمية بنت خباط ، فولدت له عمّارا ، فأعتقه أبو حذيفة و لم يزل هو و أبوه مع أبي حذيفة إلى أن جاء اللّه بالاسلام ، فأسلم هو و أبوه و امّه .

هذا ، و في ( الاستيعاب ) : قال ابن قتيبة : خلف على ام عمّار بعد ياسر ،

الأزرق و كان غلاما روميا للحارث بن كلدة ، فولدت له سلمة بن الأزرق ، فهو أخو عمّار لامّه . و هذا غلط فاحش من ابن قتيبة ، و إنّما خلف الأزرق على سميّة امّ زياد ، زوّجه مولاه الحارث بن كلدة منها ، لأنّه كان مولى لهما ، فسلمة

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٤٠ .

 ( ٢ ) الاستيعاب ٢ : ٤٧٨ .

 ( ٣ ) تاريخ الطبري ١١ : ٥٠٨ .

الأزرق أخو زياد لامّه لا أخو عمّار ، و ليس بين سميّة ام عمّار و سميّة ام زياد نسب و لا سبب .

قلت : لم يتفرّد بما قال من تزوّج الأزرق بسميّة امّ عمّار ، و كون سلمة بن الأزرق أخا عمّار لامّه ابن قتيبة فقط ، بل قال به قبله البلادري في ( نسبه ) ،

و بعده الطبري في ( ذيله ) ١ . و التحقيق : أنّ الأزرق تزوّج بامّ عمّار قبل ياسر أبيه ، كما صرّح به البلاذري ، و توهّم ابن قتيبة و الطبري في العكس ، فامّ عمّار لم تفارق أباه حتى قتلت معه ، ففي ( البلاذري ) : « كان عمّار و أبوه و امه و أخوه عبد اللّه يعذبون في اللّه ، فمرّ بهم النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال : صبرا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنّة . فمات ياسر في العذاب ، و أغلظت سميّة لأبي جهل ، فطعنها في قلبها فماتت . . . » كتوهّم صاحب ( الاستيعاب ) في كون سلمة بن الأزرق أخا زياد لامّه ، فلم يقل ذلك أحد ، و إنّما كان لزياد أخوان من امّه : نافع و أبو بكرة .

و في ( الطبري ) ٢ : هاجر في قول جميع أهل السير إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، و قالوا جميعا : شهد بدرا و احدا و الخندق و المشاهد ، و آخى النبي صلّى اللّه عليه و آله بينه و بين حذيفة .

و في ( الحلية ) : لقي علي عليه السّلام رجلين خرجا من الحمام متدهنين ، فقال:

من أنتما ؟ قالا : من المهاجرين . قال : كذبتما ، إنّما المهاجر عمّار .

و في ( موفقيات الزبير بن بكار ) : عن ابن عباس قال عثمان لعمّار : أما و اللّه إنّك ما علمت من أعوان الشر الحاضّين عليه ، الخذلة عند الخير و المثبّطين . فقال عمّار : مهلا يا عثمان فقد سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يصفني بغير ذلك . قال عثمان : و متى ؟ قال : يوم دخلت عليه منصرفه من الجمعة و ليس عنده غيرك ، و قد ألقى ثيابه و قعد في فضله ، فقبّلت صدره و نحره و جبهته ، فقال : يا

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ١١ : ٥٠٨ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ١١ : ٥٠٨ .

عمّار إنّك لتحبنا و إنّا لنحبك ، و إنّك من الأعوان على الخير المثبّطين عن الشر.

فقال عثمان : أجل ، و لكنّك غيّرت و بدّلت . فرفع عمّار يده يدعو ، و قال : أمّن يابن عباس . فقال : اللّهم من غيّر فغيّر به . قاله ثلاث مرات .

و في ( الاستيعاب ) ١ : و نقله ابن أبي الحديد ٢ أيضا : و للحلف و الولاء الذي بين مخزوم و بين عمّار و أبيه كان اجتماع مخزوم إلى عثمان ، حين نال غلمان عثمان من عمّار ما نالوا من الضر ، حتى انفتق له فتق في بطنه ، و زعموا أنّهم كسروا ضلعا من أضلاعه ، فقالوا : و اللّه لئن مات عمّار ، لا قتلنا به أحدا غير عثمان .

و فيه : عن ابن عباس : نزل قوله تعالى أو من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها . . . ٣ في عمّار و أبي جهل . و أجمع أهل التفسير أنّه نزل في عمّار قوله تعالى . . . إلاّ من أكره و قلبه مطمئن بالايمان . . . ٤ لما عذب في اللّه فأعطاهم ما أرادوا بلسانه .

و هاجر إلى الحبشة و صلّى القبلتين .

قلت : و ربط جعل أبي جهل في قباله ، لكون أبي جهل ، من مخزوم و عمّار كان حليف مخزوم .

و في ( كامل الجزري ) : قال عمّار لعايشة بعد الجمل : ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك . فقالت عايشة : و اللّه إنّك ما علمت لقوّال بالحق . قال :

الحمد للّه الذي قضى لي على لسانك .

ــــــــــــ

 ( ١ ) الاستيعاب ٢ : ٤٧٧ .

 ( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٠٢ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٠٢ ، و الآية ١٢٢ من سورة الأنعام .

 ( ٤ ) النحل : ١٠٦ .

و في ( الاستيعاب ) ١ : في اسنادين عن عايشة : ما من أحد من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله ان أشأ أن أقول فيه قلت إلاّ عمّارا ، فإنّي سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول :

عمّار حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة اذنيه إيمانا .

و فيه ٢ : و من حديث خالد بن الوليد : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : من أبغض عمّارا أبغضه اللّه . قال خالد : فما زلت احبه من يومئذ . و عن أنس قال النبي صلّى اللّه عليه و آله :

اشتاقت الجنّة إلى عليّ و عمّار و سلمان و بلال .

و من ٣ حديث ٤ علي عليه السّلام : جاء عمّار يستأذن على النبي صلّى اللّه عليه و آله فعرف صوته ، فقال : مرحبا بالطيّب المطيّب إيذنوا له . و رواه نصر : ( مرحبا بالطيّب ابن الطيّب ) ٥ .

و في ( الاستيعاب ) ٦ : كان يوم صفين ، أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله يتبعونه كأنّه علم لهم ، و يقول :

نحن ضربناكم على تنزيله

فاليوم نضربكم على تأويله

ضربا يزيل الهام عن مقيله

و يذهل الخليل عن خليله

و في ( كامل الجزري ) : قيل : إنّ أبا الغادية عاش إلى زمن الحجاج ، فدخل عليه فأكرمه و قال له : أنت قتلت ابن سميّة ؟ قال : نعم . قال : من سرّه أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سميّة . ثم سأله حاجته ، فلم يجبه إليها ، فقال : نوطّى‏ء لهم الدنيا ، و لا يعطوننا منها ، و يزعم أنّي

ــــــــــــ

 ( ١ ) الاستيعاب ٢ : ٤٧٨ .

 ( ٢ ) الاستيعاب ٢ : ٤٧٩ .

 ( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٠٤ .

 ( ٤ ) الاستيعاب ٢ : ٤٧٩ .

 ( ٥ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٢٣ .

 ( ٦ ) الاستيعاب ٢ : ٤٧٩ .

عظيم الباع يوم القيامة . فقال الحجاج : أجلّ و اللّه ، من كان ضرسه مثل احد،

و فخذه مثل جبل ورقان ، و مجلسه مثل المدينة و الربذة ، إنّه لعظيم الباع يوم القيامة، و اللّه لو أنّ عمّارا قتله أهل الأرض لدخلوا كلّهم النار .

و في ( الاستيعاب ) : كان أبو الغادية إذا استأذن على معاوية و غيره ، قال :

قاتل عمّار بالباب . و كان يصف قتله اذا سئل عنه لا يباليه ، و في قصّته عجب عند أهل العلم : روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله في عمّار ، ثم قتله .

و في ( معارف ابن قتيبة ) : عن الزيادي عن عبد الوارث عن زمعة بن كلثوم عن ابيه عن أبي الغادية قال سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإن الحق يومئذ لمع عمّار . قال أبو الغادية : و سمعت عمّارا يذكر عثمان في المسجد ، قال يدعى فينا جبانا ،

و يقول : إنّ نعثلا هذا يفعل و يفعل . يعيبه فلو وجدت يومئذ ثلاثة أعوان ، لوطئته حتى أقتله ، فبينما أنا بصفين إذا أنا به في أوّل الكتيبة ، فطعنه رجل في كتفه ،

فانكشف المغفر عن رأسه ، فضربت رأسه ، فإذا رأس عمّار قد ندر . قال زمعة:

قال أبي : فما رأيت شيخا أضلّ منه ، يروي أنّه سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول ما قال ، ثم ضرب عنق عمّار .

قلت : بل العجب من جميع إخواننا ، كيف يقولون بإمامة عثمان مع أنّ عمّارا كان يكفره و يجعله مباح الدم ؟ فلما قال له عمرو بن العاص : أعليّ قتل عثمان ؟ قال : بل اللّه ربّ علي قتله . قال : أكنت ممّن قتله ؟ قال : كنت معهم ، و أنا اليوم اقاتل معهم . قال : لم قتلتموه ؟ قال : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه .

و في ( الطبري ) ١ : قال عمّار يوم صفّين : اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ، و يزعمون أنّه قتل مظلوما . . . .

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٣٩ .

و في ( الطبري ) : ١ قال حبة العرني : انطلقت أنا و أبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن ، و قلنا : حدّثنا فإنّا نخاف الفتن . فقال : عليكما بالفئة التي فيها ابن سميّة ، إنّي سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق ، و إنّ آخر رزقه ضياح من لبن . قال حبة : فشهدته يوم صفين و هو يقول : إيتوني بآخر رزق من الدنيا . فاتي بضياح من لبن في قدح أروح ، له حلقة حمراء ، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة . فقال عمّار :

اليوم ألقى الأحبه محمدا و حزبه و اللّه لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر ، لعلمنا أنّا على الحق و أنّهم على الباطل . و جعل يقول : الموت تحت الأسل ، و الجنة تحت البارقة .

و في ( ذيل الطبري ) ٢ : روى الواقدي عن لؤلؤة مولاة امّ الحكم بنت عمّار ، قالت: لما كان اليوم الذي قتل فيه عمّار ، و الراية يحملها هاشم بن عتبة ،

و قد قتل أصحاب عليّ عليه السّلام ذلك اليوم حتى كانت العصر ، ثم تقرّب عمّار من وراء هاشم يقدمه ، و قد جنحت الشمس للغروب ، و مع عمّار ضياح من لبن ينتظر وجوب الشمس أن يفطر ، فقال حين وجبت الشمس و شرب الضيح :

سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن » ثم اقترب فقاتل حتى قتل ، و هو ابن أربع و تسعين سنة .

و روى ٣ عن عمّارة بن خزيمة بن ثابت قال : طعن أبو غادية المزني عمّارا برمح فسقط ، فلما وقع أكبّ عليه رجل آخر فاحتز رأسه ، فأقبلا يختصمان فيه ، كلاهما يقول: أنا قتلته . فقال عمرو بن العاص : و اللّه ، إن يختصمان إلاّ في النار . فسمعها منه معاوية ، فلما انصرف الرجلان قال

ــــــــــــ

 ( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٣٨ .

 ( ٢ ) ( ٣ ) ذيل تاريخ الطبري ١١ : ٥٠٩ .

معاوية لعمرو : ما رأيت مثل ما صنعت ، قوم بذلوا أنفسهم دوننا ، تقول لهما :

إنّكما تختصمان في النار فقال عمرو : هو و اللّه ذاك ، و اللّه إنّك لتعلمه ، و لوددت أنّي متّ قبل هذا بعشرين سنة .

و عن ابي مخنف ١ قال : إنّ عمّارا لم يزل بهاشم بن عتبة و معه اللواء حتى حمل ، فنهض عمّار في كتيبة ، و نهض إليه ذو الكلاع في كتيبة ، فاقتتلوا فقتلا جميعا ، و استوصلت الكتيبتان ، و حمل على عمّار حوي السكسكي و أبو غادية المزني فقتلاه ، فقيل لأبي الغادية : كيف قتلته ؟ قال : لما دلف إلينا في كتيبة ، و دلفنا إليه نادى : هل من مبارز ؟ فبرز إليه رجل من السكاسك ،

فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار السكسكي ، ثم نادى : هل من مبارز ؟ فبرز إليه رجل من حمير ، فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميري ، و أثخنه الحميري و نادى : من يبارز ؟ فبرزت فاختلفنا ضربتين و كانت يده ضعفت فانتجيت عليه بضربة اخرى ، فسقط فضربته بسيفي حتى برد ، و نادى الناس : قتلت أبا اليقظان قتلك اللّه . فقلت : اذهب إليك ، فو اللّه ما ابالي من كنت . و ما أعرفه يومئذ ،

فقال له محمّد بن المنتشر : يا أبا الغادية خصمك يوم القيمة مازندر يعني :

ضخم فضحك .

و في ( الطبري ) ٢ : قال أبو عبد الرحمن السلمي : لمّا قتل عمّار و كان الليل قلت : لأدخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا ؟ و كنّا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا و تحدّثنا إليهم ، فركبت فرسي و قد هدأ الليل ، ثم دخلت فاذا أنا بأربعة يتسايرون : معاوية و أبو الأعور و عمرو بن العاص و ابنه عبد اللّه ، فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشقين ،

ــــــــــــ

 ( ١ ) ذيل تاريخ الطبري ١١ : ٥١٠ .

 ( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٤١ .

فقال عبد اللّه لأبيه : يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا ، و قد قال فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله ما قال ؟ قال : و ما قال ؟ قال : ألم تكن معنا و نحن نبني المسجد ، و الناس ينقلون حجرا حجرا ، و لبنة لبنة ، و عمّار ينقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين ، فغشي عليه فأتاه النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ، و يقول : « ويحك يا بن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة و أنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر ،

و أنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية » فدفع عمرو صدر فرسه ، ثم جذب معاوية إليه ، فقال : يا معاوية ألم تسمع ما يقول عبد اللّه ؟ قال : و ما يقول ؟

فأخبره ، فقال معاوية : إنّك شيخ أخرق ، و لا تزال تحدّث بالحديث و أنت تدحض في بولك ، أو نحن قتلنا عمّارا ؟ انما قتل عمّارا من جاء به . فخرج الناس من فساطيطهم و أخبيتهم يقولون : إنّما قتل عمّارا من جاء به . فلا أدري من كان أعجب ، هو أو هم ؟ و في ( صفين نصر ) ١ : كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لعمّار : تقتلك الفئة الباغية ، و آخر شربة تشربها ضياح من لبن.

فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ما هذا ويحك ؟ فيقول عمرو : إنّه سيرجع إلينا.

فقتل ذو الكلاع قبل عمّار ، فقال عمرو بعد قتل عمّار لمعاوية : ما أدري بقتل أيّهما أشدّ فرحا بقتل عمّار ، أو بقتل ذي الكلاع ، و اللّه لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمّار ، لمال بعامة أهل الشام إلى عليّ .

و فيه ٢ : عن السدي عن يعقوب بن الأوسط قال : احتج رجلان بصفّين في سلب عمّار و في قتله ، فأتيا عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، فقال لهما : ويحكما اخرجا عني ، فإنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : « ولعت قريش بعمّار ، مالهم و لعمّار ؟

ــــــــــــ

 ( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٤١ ، ٣٤٢ .

 ( ٢ ) المصدر السابق .

يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار ، قاتله و سالبه في النار » قال السدي :

فبلغني أنّ معاوية قال : إنّما قتله من أخرجه . يخدع بذلك طغام أهل الشام .

« و أين ابن التيهان » قال ابن أبي الحديد ١ : هو مالك بن عتيك الأنصاري .

قلت : بل مالك بن التيهان بن مالك ، كما في أسماء ( الاستيعاب ) ٢ : و قال البلاذري في ( أنسابه ) ولده يقولون : ابن التيهان بن مالك بن عتيك . و أمّا قول ( الاستيعاب ) ٣ في كناه : « و التيهان اسمه مالك بن عمرو » فغلط لكونه خلاف قوله في أسمائه ، و لأنّه روى في كناه بعد عن أبي نعيم » ٤ ، قال : « و التيهان اسمه عمرو بن الحارث » . و إن كان خلاف قوله في أسمائه أيضا .

و كيف كان ، فروى ( الاستيعاب ) ٥ عن صالح بن الوجيه ، و عن أبي نعيم قتله بصفين ، و يشهد له كلامه عليه السّلام ، فالأقوال الاخر في موته في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و في سنة ( ٢٠ ) و في سنة ( ٢١ ) لا عبرة بها .

هذا و في ( اشتقاق ابن دريد ) : شهد ابن التيهان العقبة و بدرا و كان نقيبا .

و التيهان فيعلان من تاه يتيه .

و في ( كامل المبرد ) ٦ : يقال لأبي الهيثم الأنصاري : ذو السيفين ، لأنّه كان يتقلّد سيفين في الحرب .

و روى ( عيون ابن بابويه ) ٧ : أنّ في جملة ما كتب الرضا عليه السّلام للمأمون

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٠٧ لا يوجد فيه : « ابن عتيك » .

 ( ٢ ) الاستيعاب ٣ : ٣٦٨ .

 ( ٣ ) الاستيعاب ٤ : ٢٠٠ .

 ( ٤ ) أبو نعيم قال : « و التيهان اسمه عمرو بن الحارث » و إن كان خلاف قوله في أسمائه أيضا.

( ٥ ) الاستيعاب ٤ : ٢٠١ .

( ٦ ) الكامل للمبرد ٢ : ٣٨٧ .

( ٧ ) العيون لابن بابويه ٢ : ١٢٥ .

من شرايع الاسلام : الولاية لأمير المؤمنين عليه السّلام و الذين مضوا على منهاج نبيّهم ، و لم يغيّروا و لم يبدّلوا ، مثل سلمان الفارسي ، و أبي ذر الغفاري ،

و المقداد ، و عمّار ، و حذيفة ، و أبي الهيثم بن التيهان .

و مما يحقق قتله في صفين ما رواه نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ١ أنّ أمينة الأنصارية رأته و قالت :

منع اليوم ان أذوق رقادا

مالك إذ مضى و كان عمادا

يا أبا الهيثم بن تيهان إني

صرت للهمّ معدنا و وسادا

إذ غدا الفاسق الكفور عليهم

إنّه كان مثلها معتادا

أصبحوا مثل من ثوى يوم احد

يرحم اللّه تلكم الأجسادا

« و أين ذو الشهادتين » و اسمه خزيمة بن ثابت . و سمّي ذو الشهادتين لما رواه البلاذري عن الواقدي قال : قال محمّد بن يحيى بن سهل : ابتاع النبي صلّى اللّه عليه و آله فرسه المرتجز من أعرابي من بني مرة ، فرأى الأعرابي فيه رغبة ، فجحد أن يكون باعه إياه ، فشهد له على ابتياعه هذا الفرس خزيمة بن ثابت الأنصاري و لم يكن شاهدا شراءه فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله : كيف شهدت و لم تحضر ؟ قال :

بتصديقي إيّاك ، و إنّ قولك كالمعاينة . قال : أنت ذو الشهادتين . فسمّي ذا الشهادتين . و وقع في خبر ( عيون ) المتقدم كابن التيهان .

قال ابن أبي الحديد ٢ : روي حديث مقتله بصفين من وجوه كثيرة عن ولد ولده محمّد بن عمّارة بن خزيمة ، و من غريب ما وقفت عليه من العصبية القبيحة أنّ أبا حيان التوحيدي قال في ( بصائره ) : إنّ خزيمة بن ثابت المقتول بصفين ليس ذا الشهادتين ، بل آخر صحابي من الأنصار ، فإنّ كتب الحديث

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٦٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٠٩ .

و النسب تنطق أنّه : لم يكن في الصحابة خزيمة بن ثابت غيره ، و إنّما الهواء لا دواء له . على أن الطبري ١ سبق أبا حيان ، و من كتابه نقل أبو حيان ، ثم أي حاجة لناصري أمير المؤمنين عليه السّلام أن يتكثروا بخزيمة ، و ابن الهيثم ، و غيرهم لو أنصفوه ؟ . . . .

قلت : الطبري قال ذلك في ( الجمل ) في رواياته عن سيف التي كلّها مفتعلة ، إلاّ أنّه في ( ذيله ) قال بعد رفع نسبه إلى أوس : و هو ذو الشهادتين يكنّى أبا عمارة ، شهد صفين و قتل يومئذ سنة ( ٣٧ ) .

« و أين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا » أي : تعاهدوا .

« على المنية » أي : الموت . منهم هاشم المرقال ، و أصحابه . و في ( صفين نصر ) ٢ : لمّا قتل هاشم جزع الناس عليه جزعا شديدا ، و اصيب معه عصابة من القرّاء من أسلم ، فمرّ عليهم عليّ عليه السّلام و هم قتلى حوله ، فقال :

جزى اللّه خيرا عصبة أسلمية صباح الوجوه صرعوا حول هاشم يزيد و عبد اللّه بشر و معبد و سفيان و ابنا هاشم ذي المكارم و عروة لا يبعد ثناه و ذكره إذا اخترطت يوما خفاف الصوارم و روى ٣ ، عن عبد خير الهمداني قال : قال هاشم : أيّها النّاس إنّي رجل ضخم فلا يهولنكم مسقطي إن أنا سقطت ، فإنّه لا يفرغ مني أقل من نحر جزور . ثم حمل فصرع ، فمر عليه زجل و هو صريع بين القتلى ، فقال له : أقرى‏ء أمير المؤمنين السلام و رحمة اللّه ، و قل له : انشدك باللّه ألا اصبحت و قد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى ، فإنّ الدبرة تصبح عندك لمن غلب على القتلى .

ــــــــــــ

( ١ ) ذيل تاريخ الطبري ١١ : ٥١١ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٥٦ .

( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٥٣ .

فأخبر الرجل عليّا عليه السّلام بذلك ، فسار عليّ عليه السّلام في بعض الليل ، حتى جعل القتلى خلف ظهره ، و كانت الدبرة له عليهم .

و روى ١ ، عن أبي سلمة : أن هاشم بن عتبة دعا الناس ، فقال : ألا من كان يريد اللّه و الدار الآخرة فليقبل . فأقبل إليه ناس ، فشدّ في عصابة من أصحابه على أهل الشام مرارا ، فليس يحمل من وجه عليهم إلاّ صبروا له ، و قوتل فيه قتالا شديدا ، فقال لأصحابه : لا يهولنّكم ما ترون ، فو اللّه ما ترون إلاّ حمية العرب و صبرها تحت راياتها و عند مراكزها ، و إنّهم لعلى الضلال و إنّكم لعلى الحق ، يا قوم اصبروا و صابروا ، و اجتمعوا و امشوا بنا على تؤدة رويدا ، ثم تآسوا و تصابروا ، و اذكروا اللّه ، و لا يسلم رجل أخاه ، و لا تكثروا الالتفات ،

و جالدوهم محتسبين حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين ٢ إذ خرج عليهم فتى شاب إلى أن قال فقال له هاشم : و ما أنت و ابن عفان ؟ إنّما قتله أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و قرّاء الناس ، حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب ،

و أصحاب محمّد هم أصحاب الدين و أولى بالنظر في امور المسلمين إلى أن قال و قاتل هاشم و أصحابه قتالا شديدا حتى أتت كتيبة لتنوخ ، فشدوا فقاتلهم حتى قتل تسعة أو عشرة ، و حمل عليه الحرث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط ، و بعث إليه علي عليه السّلام : أن قدّم لواءك . فقال للرسول : انظر إلى بطني . فاذا هو قد انشق ، و أخذ اللواء بعد قتله ابنه عبد اللّه و قال :

أهاشم بن عتبة بن مالك أعزز بشيخ من قريش هالك تخبطه الخيول بالسنابك في أسود من نقعهن حالك أبشر بحور العين في الأرائك و الروح و الريحان عند ذلك

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٥٣ ٣٥٤ .

( ٢ ) الأعراف : ٨٧ .

و في ( المروج ) ١ : حمل هاشم و معه جماعة من أسلم قد آلوا ألاّ يرجعوا ،

أو يفتحوا ، أو يقتلوا . و شرطة الخميس الذين بايعوه على الموت كانوا خمسين.

و منهم أبو عمرة عمرو بن محصن النجاري في ( صفين نصر ) ٢ : كان من أعلام أصحاب عليّ عليه السّلام ، فلما قتل جزع عليّ عليه السّلام لقتله ، و قال النجاشي يرثيه:

لنعم فتى الحيين عمرو بن محصن إذا صائح الحيّ المصبح ثوّبا لقد فجّع الأنصار طرا بسيد أخي ثقة في الصالحات مجربا فان تقتلوا الحر الكريم ابن محصن فنحن قتلنا ذا الكلاع و حوشبا و قالت شامية :

و لا تعدموا قوما أذاقوا ابن ياسر شعوبا و لم يعطوكم بالخزائم فنحن قتلنا اليثربي ابن محصن خطيبكم و ابني بديل و هاشم و منهم عبد اللّه بن بديل الخزاعي ، و في ( صفين نصر ) ٣ : كان عليه يومئذ سيفان و درعان ، فجعل يضرب الناس بسيفه قدما ، و هو يقول :

لم يبق إلاّ الصبر و التوكل و اخذك الترس و سيفا مصقل ثم التمشّي في الرعيل الأول مشي الجمال في الحياض المنهل فلم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية ، فأزاله عن موقفه ، فأقبل أصحاب معاوية يرضخونه بالصخر ، حتى أثخنوه و قتل . فقال معاوية : هذا كبش القوم و ربّ الكعبة .

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ٨٠ ٨١ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٥٧ .

( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٤٥ .

« و أبرد برؤوسهم الى الفجرة » قال ابن أبي الحديد ١ أي : حملت رؤوسهم مع البريد إلى الفجرة أي : امراء عسكر الشام .

قلت : لم ينقل في السير قطع الرؤوس في صفين بعد القتل و إرسالها إلى الامراء ، ثم امراء الشام كانوا شاهدين صفين ، فلم تحمل الرؤوس إليهم مع البريد ؟ ثم لم يكن أحد يرسل إليه رأس غير أمير الفجرة معاوية . و يمكن أن يكون المراد بقوله عليه السّلام : « و أين نظراؤهم إلى و ابرد برؤوسهم إلى الفجرة » في غير صفين ، و إنّه عليه السّلام أشار إلى حمل رأس محمّد بن أبي بكر ، فالخطبة كما عرفت كانت بعد قتل محمّد قرب قتله عليه السّلام ، و في ( العقد ) ٢ : ضرب معاوية بن حديج عنق محمّد ، و بعث برأسه إلى معاوية ، فكان أوّل رأس طيف به في الاسلام .

و كلامه عليه السّلام بلفظ الماضي ، و إلاّ فحمل رأس عمرو بن الحمق الذي كان أحد أجلاّء شيعته كحجر بن عدي إلى معاوية بعشر سنين بعده عليه السّلام ، هرب زمان إمارة زياد على الكوفة إلى الموصل ، و دخل غارا فنهشته حيّة فقتلته ،

فبعث عامل الموصل من أخذ رأسه و بعثه إلى زياد ، فبعثه زياد إلى معاوية و قالوا : إنّ رأسه أوّل رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد .

و اللعين أوّل من أسّس هذه الشناعة في الإسلام ، و تبعه من بعده من الجبابرة ، و في ( صلة تاريخ الطبري ) ٣ : ورد في سنة ( ٣٠٤ ) الكتاب من خراسان : أنّه وجد بالقندهار في أبراج سورها برج متصل بها ، فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش ، و من هذه الرؤوس : تسعة و عشرون رأسا ،

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١١٠ .

( ٢ ) العقد لابن عبد ربه ١ : ١٢٣ .

( ٣ ) صلة تاريخ الطبري ١١ : ٥٩ .

في اذن كلّ رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم ، باسم كلّ رجل منهم ،

و الأسماء : شريح بن حيان ، خباب بن الزبير ، الخليل بن موسى التميمي ،

الحارث بن عبد اللّه ، طلق بن معاذ السلمي ، حاتم بن حسنة ، هاني بن عرة ، عمر بن علان ، جرير بن عباد المدني ، جابر بن خبيب بن الزبير ، فرقد بن الزبير السعدي ، عبد اللّه بن سليمان بن عمّارة ، سليمان بن عمّارة ، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل بن سهيل بن عمرو ، عمرو بن حيان ، سعيد بن عتاب الكندي ، حبيب بن أنس ، هارون بن عروة ، غيلان بن العلا ، جبرئيل بن عبادة ،

عبد اللّه البجلي ، مطرف بن صبح ختن عثمان بن عفان ، وجدوا على حالهم ، إلاّ أنّه قد جفّت جلودهم و الشعر عليها بحالته . و في الرقاع من سنة ( ٧٠ ) من الهجرة.

هذا ، و في الخبر : أن الحسين عليه السّلام كان في شخوصه من مكة إلى العراق لا ينزل منزلا و لا يرحل ، إلاّ كان يذكر أمر رأسه عليه السّلام ، و بعثه إلى عبيد اللّه و يزيد ، و كان عليه السّلام يقول : من هوان الدنيا أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى ملك بغى .

« قال » ليس في ( ابن ميثم ) ١ ، و انما هو في ( ابن أبي الحديد ) ( كالمصرية ) ٢ .

« ثم ضرب بيده » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( يده ) كما في ( ابن ميثم ) ٣ و ( ابن أبي الحديد ) ٤ و ( الخطية ) .

« على لحيته الشريفة الكريمة » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( على

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٩٢ ، و فيه : قال ثم ضرب .

( ٢ ) الطبعة المصرية : ١٣١ الخطبة ١٨٠ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٩٢ ، و فيه : « ضرب بيده » .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٩٩ .

لحيته ) بدون زيادة لعدم وجود الوصفين في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ١ .

« فأطال البكاء ثم قال عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ، و ليس في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد ) : عليه السّلام .

« أوّه » بسكون الواو قال الجوهري : توجع ، قال الشاعر :

فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتها

و من بعد أرض بيننا و سماء

« على اخواني الذين قرؤوا » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( تلوا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) .

« القرآن فأحكموه ، و تدبروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة و أماتوا البدعة » في ( صفين نصر ) ٢ : قتل عبد اللّه بن كعب يوم صفين ، فمر عليه الأسود بن قيس و هو بآخر رمق ، فقال له الأسود : عز عليّ و اللّه مصرعك ، أما و اللّه لو شهدتك ،

لآسيتك و لدافعت عنك ، و لو أعرف الذي أشعرك لأحببت ألا يزايلني حتى يلحقني بك . ثم نزل إليه ، و قال له : و اللّه إن كان جارك ليأمن بوائقك ، و إن كنت من الذاكرين اللّه كثيرا ، أوصني رحمك اللّه . قال : اوصيك بتقوى اللّه ، و ان تناصح أمير المؤمنين ، و أن تقاتل معه المحلين حتى يظهر الحق ، أو تلحق باللّه ، و أبلغه عني السلام ، و قل له : قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك ،

فمن أصبح و المعركة خلف ظهره كان الغالب . ثم لم يلبث أن مات ، فأقبل الأسود إلى علي عليه السّلام فأخبره ، فقال رحمه اللّه جاهد معنا عدوّنا في الحياة ،

و نصح لنا في الوفاة .

« دعوا للجهاد فأجابوا ، و وثقوا بالقائد » يعني عليه السّلام نفسه .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٩٢ ، و فيه : « على لحيته الشريفة الكريمة » .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٥٦ .

« فاتبعوه » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ( فاتبعوا ) كما في ( ابن أبي الحديد ) ٢ و ( ابن ميثم ) ٣ .

في ( صفين نصر ) ٤ : لما خرج علي عليه السّلام إلى صفين قال له عمرو بن الحمق : إني و اللّه ما بايعتك على قرابة بيني و بينك ، و لا إرادة مال تؤتينيه ، و لا التماس سلطان ترفع ذكري ، و لكن أجبتك لخصال خمس : أنّك ابن عمّ النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و أول من آمن به ، و زوج سيّدة نساء الامة ، و أبو الذريّة التي بقيت فينا من النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و أعظم رجل من المهاجرين في الجهاد . فلو أنّي كلّفت نقل الجبال الرواسي ، و نزح البحور الطوامي ، حتى يأتي عليّ يومي في أمر أقوّي به وليّك و اوهن به عدوّك ، ما رأيت أنّي قد أدّيت فيه كلّ الذي يحقّ عليّ من حقك . فقال عليه السّلام : اللهمّ نوّر قلبه بالتقى ، و اهده إلى صراط مستقيم ، ليت في جندي مائة مثلك . ثم قام حجر بن عدي ، فقال له عليه السّلام : نحن بنو الحرب و أهلها ،

نلهبها و ننتجها ، قد ضار ستنا و ضار سناها ، و لنا أعوان ذوو صلاح و عشيرة ذات عدد ، و رأي مجرّب و بأس محمود ، و أزمّتنا منقادة لك بالسمع و الطاعة ،

فإن شرّقت شرّقنا ، و إن غرّبت غرّبنا ، و ما أمرتنا به من أمر فعلناه .

و في ( رجال الكشي ) : قال أبو الجارود : قلت للأصبغ : ما كان منزلة هذا الرجل فيكم ؟ قال : ما أدري ما تقول ، إلاّ أنّ سيوفنا كانت على عواتقنا ، فمن أومى إليه ضربناه بها ، و كان يقول لنا : تشرطوا ، فو اللّه ما اشتراطكم لذهب و لا فضة ، و ما اشتراطكم إلاّ للموت ، إنّ قوما قبلكم من بني اسرائيل تشرطوا بينهم ، فما مات أحد منهم حتى كان نبي قومه ، أو نبي قريته ، أو نبي نفسه ،

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية : ١٣١ الخطبة ١٨٠ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٩٩ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٩٢ .

( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٠٣ .

و إنّكم بمنزلتهم غير أنّكم لستم بأنبياء .

و في ( المروج ) ١ : كان حذيفة اليماني في سنة ( ٣٦ ) عليلا بالكوفة ، فبلغه قتل عثمان و بيعة الناس لعلي عليه السّلام ، فقال : أخرجوني و ادعوا : الصلاة جامعة .

فوضع على المنبر ، فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلّى على النبي و آله ، ثم قال : أيّها الناس ، إنّ الناس قد بايعوا عليّا عليه السّلام ، فعليكم بتقوى اللّه ، و انصروا عليّا ،

و وازروه ، فو اللّه إنّه لعلى الحق آخرا و أولا ، و إنّه لخير من مضى بعد نبيكم ،

و من بقي إلى يوم القيامة . ثم أطبق يمينه على يساره ، ثم قال : اللّهم اشهد أنّي قد بايعت عليّا . و قال : الحمد للّه الذي أبقاني إلى هذا اليوم . و قال لابنيه صفوان و سعيد : احملاني و كونا معه ، فسيكون له حروب كثيرة ، فيهلك فيها خلق من الناس ، فاجتهدا أن تستشهدا معه ، فإنّه و اللّه على الحق ، و من خالفه على الباطل . و مات حذيفة بعد ذلك بسبعة أيام ، و استشهد ابناه في صفين ،

و استشهد عبد اللّه بن الحرث النخعي أخو الأشتر .

١١

الحكمة ( ٣٢٢ ) وَ رُوِيَ : أَنَّهُ ع لَمَّا وَرَدَ ؟ اَلْكُوفَةَ ؟ قَادِماً مِنْ ؟ صِفِّينَ ؟ مَرَّ بِالشِّبَامِيِّينَ فَسَمِعَ بُكَاءَ اَلنِّسَاءِ عَلَى قَتْلَى ؟ صِفِّينَ ؟ وَ خَرَجَ إِلَيْهِ ؟ حَرْبُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الشِّبَامِيِّ ؟ وَ كَانَ مِنْ وُجُوهِ قَوْمِهِ فَقَالَ ع لَهُ أَ تَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ أَ لاَ تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا اَلرَّنِينِ وَ أَقْبَلَ ؟ حَرْبٌ ؟ يَمْشِي مَعَهُ وَ هُوَ ع رَاكِبٌ فَقَالَ ع اِرْجِعْ فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي وَ مَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٢ : ٣٩٤ .

أقول : رواه نصر بن مزاحم ١ ، و الطبري ٢ في كتابيهما مع زيادة قبله و بعده . فروى الأوّل عن عمر عن عبد اللّه بن عاصم ، قال : لما مرّ علي عليه السّلام بالثوريين يعني ثور همدان سمع البكاء ، فقال : ما هذه الأصوات ؟ قيل : هذا البكاء على من قتل بصفين . قال : أما إنّي أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة . ثم مرّ بالشباميين ، فسمع رنّة شديدة ، و صوتا مرتفعا عاليا ، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي ، فقال له علي عليه السّلام : أتغلبكم نساؤكم ؟ ألا تنهونهن عن هذا الصياح و الرنين ؟ قال : لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك ، و لكن من هذا الحي ثمانون و مائة قتيل ، فليس من دار إلاّ و فيها بكاء .

أمّا نحن معاشر الرجال فإنّا لا نبكي ، و لكن نفرح لهم بالشهادة . فقال عليه السّلام :

رحم اللّه قتلاكم و موتاكم . و أقبل يمشي معه ، و عليّ عليه السّلام راكب فقال له علي عليه السّلام : ارجع فإنّ مشي مثلك فتنة للوالي . و مذلّة للمؤمن . ثمّ مضى حتّى مرّ بالناعطيين ، فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن مرثد ، يقول : ما صنع عليّ شيئا ؟ ذهب ثم انصرف في غير شي‏ء . فلما نظر عليّ عليه السّلام إليه أبلس ،

فقال عليه السّلام : وجوه قوم ما رأوا الشام العام . ثم قال عليه السّلام لأصحابه : قوم فارقتهم آنفا خير من هؤلاء . ثم قال :

أخوك الذي إن أحرضتك ملمة

من الدهر لم يبرح لبثك واجما

و ليس أخوك بالذي إن تمنّعت

عليك امور ظل يلحاك لائما

ثمّ مضى عليه السّلام فلم يزل يذكر اللّه حتى دخل الكوفة .

و في حديث ٣ عمرو ابن شمر : لمّا صدر عليّ عليه السّلام من صفين أنشأ

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٣١ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٥ .

( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٣٢ ٥٣٣ .

يقول :

و كم قد تركنا في دمشق و أرضها

من اشمط موتور و شمطاء ثاكل

و غانية صاد الرماح حليلها

فأضحت تعد اليوم احدى الأرامل

تبكي على بعل لها راح غاديا

و ليس إلى يوم الحساب بقافل

و إنّا لناس ما تصيب رماحنا

إذا ما طعنا القوم غير المقاتل

و روى الثاني ١ باسناده عن أبي مخنف عن عبد اللّه بن عاصم مثله ، إلى قوله : « حتى دخل الكوفة » لكن فيه : « حتى مر بالناعطيين و جلهم عثمانية » و فيه : « فلمّا نظروا إلى عليّ عليه السّلام أبلسوا » .

قول المصنّف : « و روى » قد عرفت أنّ الراوي عبد اللّه بن عاصم الفائشي .

« أنّه عليه السّلام لمّا ورد الكوفة قادما من صفين مرّ » قد عرفت من الرّواية المتقدمة أنّ مروره عليه السّلام بمن قال ، كان قبل وروده الكوفة .

« بالشباميين » بكسر الشين ، في ( الجمهرة ) : شبام : قبيلة من العرب . قال ابن الكلبي : هم منسوبون إلى جبل و ليس بامّ و لا أب .

و في ( السمعاني ) : شبام : مدينة باليمن . و في ( لبابه ) : شبام : بطن من همدان ، و هو شبام بن أسعد بن جشم بن حاشد بن خيران بن نوف بن همدان ،

و تلك المدينة بهم سمّيت .

و في ( القاموس ) : « موضع بالشام ، و جبل لهمدان باليمن ، و بلد لحمير تحت جبل كوكبان ، و بلد لبني حبيب عند ذمرمر ، و بلد في حضر موت » .

قلت : و الأصح في الحي ما قاله ابن الكلبي .

« فسمع بكاء النساء على قتلى صفين » قد عرفت في خبره : « فسمع رنة شديدة ، و صوتا مرتفعا عاليا » و يشهد له قوله عليه السّلام : « أ لا تنهونهن عن هذا

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٦٢ .

الرنين » . لا أنّه عليه السّلام نهى عن مطلق البكاء . كيف و قد سمع عليه السّلام قبل الشباميين من ثور همدان بكاء نسائهن فلم ينه ؟

« و خرج اليه حرب بن شرحبيل الشبامي و كان من وجوه قومه » كان من التابعين و قوله له عليه السّلام في خبره : « أمّا نحن معاشر الرجال فلا نبكي و نفرح لهم بالشهادة » يدلّ على حسن حاله .

« فقال عليه السّلام أ تغلبكم نساؤكم على ما أسمع » من الصياح .

« أ لا تنهونهن عن هذا الرنين » صوت البكاء الممتد ، و في ( الجمهرة ) : الرنة:

الصوت الشديد يخالطه فزع أو صراخ . سمعت رنة القوم ، ثم كثر حتى قالوا :

سمعت رنّة الطير . أي : أصواتها ، و هو الرنين أيضا .

« و أقبل حرب » ليس ( حرب ) في ( ابن ميثم ) ١ بل في ( ابن أبي الحديد ) ٢ و أخذته ( المصرية ) ٣ منه .

« يمشي معه عليه السّلام و هو راكب فقال عليه السّلام » : هكذا في ( المصرية ) ،

و الصواب : ( فقال عليه السّلام له ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) ٤ .

« ارجع فإنّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي و مذلّة للمؤمن » روى ( الروضة ) ٥ : عن جويرية بن مسهر قال : اشتددت خلف أمير المؤمنين عليه السّلام ،

فقال : يا جويرية إنّه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلاّ بخفق النعال خلفهم ، ما جاء بك ؟

قلت : جئت أسألك عن ثلاث : الشرف و المروة و العقل . . . .

و في ( معارف القتيبي ) : قال ميمون بن مهران : أوّل من مشت معه

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٤٠٣ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٩ : ٢٣٤ .

( ٣ ) الطبعة المصرية : ٢٣٠ الحكمة ٣٢٢ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٤٠٣ .

( ٥ ) روضة فروع الكافي ٨ : ٢٤١ ح ٣٣١ .

الرجال و هو راكب : الأشعث بن قيس .

١٢

الخطبة ( ٢٠٦ ) و من كلام له عليه السّلام قاله لمّا اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة :

أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ حَتَّى نَهِكَتْكُمُ اَلْحَرْبُ وَ قَدْ وَ اَللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ وَ هِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ . لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ اَلْيَوْمَ مَأْمُوراً وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ اَلْيَوْمَ مَنْهِيّاً وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ اَلْبَقَاءَ وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ أقول : ذكره ( صفين نصر بن مزاحم ) ١ ، مع أدنى اختلاف و مع بيان سببه ، فقال : ذكروا أنّ أهل الشام جزعوا فقالوا : يا معاوية ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه ، فأعدها جذعة ، فإنّك قد غمرت بدعائك القوم ،

و اطمعتهم فيك . فدعا معاوية عبد اللّه بن عمرو بن العاص و أمره أن يكلّم أهل العراق ، فأقبل حتى إذا كان بين الصفّين : نادى يا أهل العراق أنا عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، إنّها قد كانت بيننا و بينكم امور للدين أو الدنيا ، فإن تكن للدين فقد و اللّه اعذرنا و اعذرتم و إن تكن للدنيا فقد أسرفنا و أسرفتم ، و قد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا لأجبناكم ، فإن يجمعنا و إياكم الرضا فذلك من اللّه ، فاغتنموا هذه الفرجة لعلّه أن يعيش فيها المحترف و ينسى فيها القتيل ،

فإنّ بقاء المهلك بعد الهالك قليل . فخرج سعيد بن قيس الهمداني فأتى عليّا عليه السّلام ، فأخبره بقول عبد اللّه بن عمرو إلى أن قال و قام الناس إلى علي عليه السّلام ، فقالوا : أجب القوم إلى ما دعوك إليه ، فإنّا قد فنينا إلى أن قال ذكروا : أنّ الناس ماجوا و قالوا : أكلنا الحرب ، و قتلت الرجال . و قال قوم : نقاتل

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٨٤ .

القوم على ما قاتلناهم عليه أمس . و لم يقل هذا إلاّ قليل من الناس ، ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة و ثارت الجماعة بالموادعة ، فقام علي عليه السّلام و قال : « إنّه لم يزل أمري معكم على ما احب إلى أن أخذت الحرب منكم ، و قد و اللّه أخذت منكم و تركت ، و أخذت من عدوّكم و لم تترك ، و إنّها فيهم أنكى و أنهك ، إلاّ أنّي كنت أمس أميرا ، فأصبحت اليوم مأمورا ، و كنت ناهيا ، فأصبحت منهيا ، و قد أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » ثم تكلّم رؤساء القبائل ،

فأما من ربيعة و هي الجبهة العظمى فقام كردوس بن هاني البكري فقال :

أيّها الناس و اللّه ما تولينا معاوية منذ تبرّأنا منه ، و لا تبرّأنا من علي عليه السّلام منذ توليناه ، و إنّ قتلانا لشهداء ، و احياءنا لأبرار ، و إنّ عليّا عليه السّلام لعلى بيّنة من ربّه،

و ما أحدث إلاّ الانصاف ، و كان محقّا منصفا ، فمن سلّم له نجا ، و من خالفه هلك . ثم قام شقيق بن ثور البكري فقال : أيها الناس إنّا دعونا أهل الشام إلى كتاب اللّه ، فردّوه علينا ، فقاتلناهم عليه . و إنّهم دعونا إلى كتاب اللّه ، فإن رددناه عليهم حل لهم منّا ما حل لنا منهم ، و لسنا نخاف أن يحيف اللّه علينا و لا رسوله ،

و إنّ عليّا عليه السّلام ليس بالمراجع الناكص ، و لا الشاك الواقف ، و هو اليوم على ما كان عليه أمس ، و قد أكلتنا هذه الحرب و لا نرى إلاّ الموادعة . ثم قام حريث بن جابر البكري فقال : أيها الناس إنّ عليّا عليه السّلام لو كان خلوا من هذا الأمر لكان المفزع إليه فكيف و هو قائده و سائقه و انّه و اللّه ما قبل من القوم اليوم إلاّ ما دعاهم إليه أمس إلى أن قال و قام الحضين الربعي و كان أصغر القوم سنا فقال : أيّها الناس إنّما بني هذا الدين على التسليم ، فلا توقروه بالقياس ، و لا تهدموه بالشفقة . فإنّا و اللّه لو لا تقبل لا نقبل إلاّ ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلا ، و لو تركنا و ما نهوى لكان الباطل في أيدينا كثيرا ، و إنّ لنا داعيا قد حمدنا ورده و صدره ، و هو المصدق على ما قال ، المأمون على ما فعل ، فإن قال : لا .

قلنا : لا . و إن قال : نعم . قلنا : نعم .

و ذكره ( خلفاء ابن قتيبة ) ١ أيضا ، فقال : ذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدّة من الألم ، و نادى علي عليه السّلام أصحابه ، فأصبحوا على راياتهم و مصافهم ،

فلما رآهم معاوية و قد برزوا للقتال ، قال لعمرو بن العاص : ألم تزعم انّك ما وقعت في أمر قطّ إلاّ و خرجت منه ؟ قال : بلى . قال : أفلا تخرج مما ترى ؟ قال :

و اللّه لأدعونّهم إن شئت إلى أمر افرّق به جمعهم ، و يزداد جمعك إليك اجتماعا ، إن اعطوكه اختلفوا ، و إن منعوكه اختلفوا . قال : و ما ذاك ؟ قال تأمر بمصاحف فترتفع ، ثم تدعوهم إلى ما فيها فو اللّه لئن قبله ليفرقنّ عنه جماعته ،

و لئن رده ليكفرنّه أصحابه . فدعا معاوية بالمصحف ، ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له : ابن هند ، فنشره بين الصفين ، ثم نادى : اللّه اللّه في دمائنا و دمائكم ، البقية البقية ، بيننا و بينكم كتاب اللّه . فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى عليّ عليه السّلام فقالوا : أعطاك معاوية الحق ، و دعاك إلى كتاب اللّه فاقبل منه إلى أن قال فقام عليّ عليه السّلام خطيبا فقال : « أيها الناس إنّه لم أزل من أمري على ما احبّ حتى قد نهكتكم الحرب ، و قد و اللّه أخذت منكم و تركت ، و هي لعدوّكم أنهك ،

و قد كنت بالأمس أميرا ، فأصبحت اليوم مأمورا ، و كنت ناهيا ، فأصبحت اليوم منهيا ، و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » .

قول المصنّف : « و من كلام له عليه السّلام لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة » هكذا في ( المصرية ) ٢ و كذا ( ابن أبي الحديد ) ٣ و في ( ابن ميثم ) ٤ :

« و قال عليه السّلام لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة » .

ــــــــــــ

( ١ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١١٥ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٢ : ٢١٢ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١١ : ٢٩ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٤ : ١٥ .

قوله عليه السّلام : « أيها الناس إنّه لم يزل أمري معكم على ما احب » يأتمرون ما أمرهم به ، و يزدجرون عمّا زجرهم عنه .

« حتى نهكتكم » من : نهكته الحمى ، إذا جهدته و نقصت لحمه ، أو من :

نهكت الثوب ، إذا لبسته حتى خلق .

« الحرب » مؤنّث و قد تذكر ، قال : إذا الحرب هفا عقابه .

« و قد و اللّه أخذت » الحرب .

« منكم » رجالا .

« و تركت » أكثر .

« و هي لعدوّكم أنهك » فقتلى أصحاب معاوية كانوا أكثر من قتلى أصحابه عليه السّلام ، ففي ( المروج ) ١ : عن يحيى بن معين : قتل من أهل الشام تسعون ألفا ، و من أهل العراق عشرون ألفا . و عن أبي مخنف و الشرقي و الهيثم : قتل من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا ، و من أهل العراق خمسة و عشرون .

« لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا » في ( صفين نصر ) ٢ : لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن ، قال عليّ عليه السّلام : عباد اللّه أنا أحق من أجاب إلى كتاب اللّه ، و لكن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالا و صحبتهم رجالا ، فكانوا شر أطفال و شر رجال . إنّها كلمة حق يراد بها باطل ، إنّهم و اللّه ما رفعوها إلاّ أنّهم يعرفونها و لا يعملون بها ، و ما رفعوها لكم إلاّ خديعة و مكيدة . أعيروني سواعدكم

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٢ : ٤٠٤ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٨٩ .

و جماجمكم ساعة واحدة ، فقد بلغ الحق مقطعه ، و لم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا . فجاءه زهاء عشرين ألفا مقنّعين في الحديد ، شاكي السلاح ،

سيوفهم على عواتقهم ، و قد اسودّت جباههم من السجود ، يتقدّمهم مسعر بن فدكي ، و زيد بن حصين و عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد ،

فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين : يا عليّ أجب القوم إلى كتاب اللّه إذ دعيت إليه ،

و إلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان ، فو اللّه لنفعلنّها إن لم تجبهم . فقال علي عليه السّلام لهم :

و يحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللّه ، و أوّل من أجاب إليه ، و ليس يحلّ لي و لا يسعني في ديني ، أن ادعى إلى كتاب اللّه فلا أقبله ، إنّي إنّما اقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن ، فإنّهم قد عصوا اللّه في ما أمرهم ، و نقضوا عهده ، و نبذوا كتابه ، و لكني قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم و أنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون . قالوا فابعث إلى الأشتر ليأتينك . و قد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله ، و حدّثني فضيل بن خديج عن رجل من النخع قال رأيت إبراهيم بن الاشتر دخل على مصعب فسأله عن الحال : كيف كانت ؟ فقال : كنت عند عليّ عليه السّلام حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه ، فقال لرسوله : قل له : ليس هذه الساعة ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ، إنّي قد رجوت أن يفتح اللّه لي .

فرجع رسوله ، فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الوهج ، و علت الأصوات من قبل الأشتر و ظهرت دلائل الفتح لأهل العراق و الخذلان على أهل الشام ، فقال له القوم : و اللّه ما نراك إلاّ أمرته بقتال القوم . قال عليه السّلام : رأيتموني ساررت رسولي ؟ أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية و أنتم تسمعون ؟ قالوا :

فابعث إليه فليأتك ، و إلاّ فو اللّه اعتزلناك . فقال لرسوله : ويحك قل له : أقبل فإنّ الفتنة قد وقعت . فأتاه فأخبره ، فقال الأشتر : ألرفع هذه المصاحف ؟ قال : نعم .

قال : اما و اللّه لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقع اختلافا و فرقة ، انّها من مشورة

ابن النابغة يعني : عمرو بن العاص ثم قال لرسوله : ألا ترى إلى الفتح ؟ ألا ترى إلى ما يلقون ؟ ألا ترى إلى الذي يصنع اللّه لنا ؟ أينبغي أن ندع هذا و ننصرف عنه ؟ فقال له رسوله : أتحب أنّك ظفرت هاهنا و أنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يسلّم إلى عدوه ؟ قال : سبحان اللّه و اللّه ما احب ذلك . قال :

إنّهم قالوا له : لترسلن إلى الأشتر فليأتك ، أو لنقتلنّك كما قتلنا عثمان ، أو لنسلمنّك إلى عدوّك . فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح : يا أهل الذل و الوهن ، أحين علوتم القوم فظنّوا أنّكم لهم ظاهرون ، و رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، و قد و اللّه تركوا ما أمر اللّه فيها و سنّة من انزلت عليه ؟ فلا تجيبوهم ، أمهلوني فواقا ، فإنّي قد أحسست بالفتح . قالوا : لا . قال : فامهلوني عدو الفرس ، فإنّي قد طمعت في النصر . قالوا : إذن ندخل معك في خطيئتك .

قال : فحدثوني عنكم و قد قتل أماثلكم و بقي أراذلكم متى كنتم محقين ؟

أحين تقتلون أهل الشام ، فأنتم الآن حين أمسكتم مبطلون ؟ أم الآن محقون ؟

فقتلاكم إذن لا تنكرون فضلهم ، و كانوا خيرا منكم في النار . قالوا : دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في اللّه ، و ندع قتالهم في اللّه ، إنّا لسنا نطيعك فاجتنبنا . قال :

خدعتم و اللّه فانخدعتم ، و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم . يا أصحاب الجباه السود ، كنّا نظنّ أنّ صلاتكم زهادة في الدنيا و شوقا إلى لقاء اللّه ، فلا أدري فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت ، ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة ، ما أنتم برائين عزا بعدها أبدا ، فابعدوا كما بعدا للقوم الظالمين . فسبّوه و سبّهم ، و ضربوا بسياطهم وجه دابته ، و ضرب بسوطه وجه دوابهم ، فصاح بهم علي عليه السّلام فكفوا ، فقال الأشتر له عليه السّلام : احمل الصف على الصف يصرع القوم . فقالوا له :

إنّ عليّا قبل الحكومة و رضي . فقال : إنّ كان قد قبل و رضي فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين عليه السّلام . فأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين ،

قد قبل أمير المؤمنين . و هو عليه السّلام ساكت لا يلفظ بكلمة ، مطرق إلى الأرض .

« و كنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيا » في ( صفين نصر ) ١ : جاء الأشعث إلى علي عليه السّلام فقال : ما أرى الناس إلا و قد رضوا أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ، و نظرت ما الذي يسأل .

قال : إيته إن شئت . فأتاه فقال له : لأيّ شي‏ء رفعتم المصاحف ؟ قال : لنرجع نحن و أنتم إلى ما أمر اللّه به في كتابه ، فأبعثوا منكم رجلا ترضون به ، و نبعث منّا رجلا ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه لا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه . فقال الأشعث : هذا هو الحق . فانصرف إلى علي عليه السّلام فأخبره ، فقال الناس : قد قبلنا و رضينا . فبعث علي عليه السّلام قرّاء من أهل العراق ، و بعث معاوية قرّاء من أهل الشام ، فاجتمعوا بين الصفين و معهم المصحف ، فنظروا فيه و تدارسوه و أجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ، و أن يميتوا ما أمات القرآن ،

ثم رجع كلّ فريق إلى أصحابه ، فقال أهل الشام : إنّا قد رضينا و اخترنا عمرو بن العاص . و قال الأشعث و القرّاء الذين صاروا خوارج في ما بعد : فإنّا قد رضينا و اخترنا أبا موسى . فقال لهم علي عليه السّلام : اني لا أرضى بأبي موسى ، و لا أرى ان أولّيه . فقال الأشعث و يزيد بن حصين و مسعر بن فدكي في عصابة من القراء : إنّا لا نرضى إلاّ به ، فإنّه قد حذّرنا ما وقعنا فيه . قال علي عليه السّلام : فإنّه ليس لي برضاء و قد فارقني ، و خذّل الناس عني ، ثم هرب حتى أمّنته بعد أشهر ، و لكن هذا ابن عباس اولّيه ذلك . قالوا : و اللّه ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس لا تريد إلاّ رجلا هو منك و من معاوية سواء ، ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر . قال : فإنّي أجعل الأشتر . قال الأشعث : و هل سعّر الأرض علينا غير الأشتر ؟ و هل نحن إلاّ في حكم الأشتر ؟ قال علي عليه السّلام : و ما حكمه ؟

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٩٨ ٤٩٩ .

قال ان يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت و ما أراد إلى أن قال قال علي عليه السّلام : قد أبيتم إلاّ أبا موسى . قالوا : نعم . قال : فاصنعوا ما أردتم .

« و قد أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » و كرهوا ان يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل اللّه و قالوا لا تنفروا في الحرّ قل نار جهنّم أشدّ حرّا لو كانوا يفقهون ١ .

ــــــــــــ

( ١ ) التوبة : ٨١ .

الفصل الثالث و الثلاثون في المارقين

١

الخطبة ( ٣٥ ) و من خطبة له عليه السّلام بعد التحكيم :

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَى اَلدَّهْرُ بِالْخَطْبِ اَلْفَادِحِ وَ اَلْحَدَثِ اَلْجَلِيلِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَيْرُهُ وَ أَنَّ ؟ مُحَمَّداً ؟ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ اَلنَّاصِحِ اَلشَّفِيقِ اَلْعَالِمِ اَلْمُجَرِّبِ تُورِثُ اَلْحَيْرَةَ وَ تُعْقِبُ اَلنَّدَامَةَ وَ قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ اَلْحُكُومَةِ أَمْرِي وَ نَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي لَوْ كَانَ يُطَاعُ ؟ لِقَصِيرٍ ؟ أَمْرٌ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ اَلْمُخَالِفِينَ اَلْجُفَاةِ وَ اَلْمُنَابِذِينَ اَلْعُصَاةِ حَتَّى اِرْتَابَ اَلنَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وَ ضَنَّ اَلزَّنْدُ بِقَدْحِهِ فَكُنْتُ وَ إِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو ؟ هَوَازِنَ ؟

أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي ؟ بِمُنْعَرَجِ اَللِّوَى ؟

فَلَمْ تَسْتَبِينُوا اَلنُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى اَلْغَدِ

أقول : قال ابن أبي الحديد ١ : قال نصر في ( صفينه ) : لما خدع عمرو بن العاص أبا موسى ، غمّ ذلك عليّا عليه السّلام و ساءه و وجم له ، فخطب الناس و قال :

الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح إلى آخر الخطبة و زاد : الا أنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما قد نبذا حكم الكتاب ، و أحييا ما أمات ، و اتبع كلّ منهما هواه ، و حكم بغير حجّة و لا بيّنة ، و لا سنّة ماضية ، و اختلفا في ما حكما ،

فكلاهما لم يرشده اللّه فاستعدوا للجهاد ، و تأهبوا للمسير و أصبحوا في معسكركم . . . .

قلت : و رواه الطبري ٢ ، و كذا المسعودي ٣ ، و القتيبي ٤ ، و البلاذري .

و في الأول : لما خرجت الخوارج و هرب أبو موسى إلى مكة ، و ردّ علي عليه السّلام ابن عباس إلى البصرة ، قام علي عليه السّلام في الكوفة فخطبهم ، فقال : الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح . . . مع الزيادة .

و في ( المروج ) ٥ : و لمّا بلغ عليّا عليه السّلام ما كان من أمر أبي موسى و عمرو قال : إنّي كنت تقدّمت إليكم في هذه الحكومة و نهيتكم عنها ، فأبيتم إلاّ عصياني ، فكيف رأيتم عاقبة أمركم إذ أبيتم عليّ ؟ و اللّه إنّي لأعرف من حملكم على خلافي و الترك لأمري ، و لو أشاء أخذه لفعلت ، و لكن اللّه من ورائه يريد بذلك الأشعث و اللّه أعلم و كنت في ما أمرت به كمال قال أخو بني جشم :

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد

من دعا إلى هذه الخصومة فاقتلوه قتله اللّه و لو كان تحت عمامتي هذه .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٢٥٩ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٦ .

( ٣ ) المسعودي ٢ : ٤١١ .

( ٤ ) القتيبي : ١٤٣ .

( ٥ ) مروج الذهب للمسعودي ٢ : ٤١٢ .

ألا إنّ هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموهما حكمين قد تركا حكم اللّه ،

و حكما بهوى أنفسهما بغير حجّة و لا حقّ معروف ، فأماتا ما أحيا القرآن ،

و أحييا ما أماته ، و اختلف في حكمهما كلامهما ، و لم يرشدهما اللّه و لم يوفقهما ،

فبرى‏ء اللّه منهما و رسله و صالح المؤمنين ، فتأهبوا للجهاد . . . .

و في ( الخلفاء ) ١ : قالوا : لمّا توافى الخوارج إلى النهروان قام علي عليه السّلام بالكوفة على المنبر ، ثم قال : أما بعد ، فإنّ معصية العالم الناصح يورث الحسرة ، و تعقب الندامة ، و قد كنت أمرتكم في أمر هذين الرجلين ، و في هذه الحكومة بأمري ، فأبيتم إلاّ ما أردتم ، فأحييا ما أمات القرآن و أماتا ما أحيا القرآن ، و اتبع كلّ واحد منهما هواه يحكم بغير حجّة و لا سنّة ظاهرة ، و اختلفا في أمرهما و حكمهما فكلاهما لم يرشده اللّه ، فبرى‏ء اللّه منهما و رسوله و صالح المؤمنين ، فاستعدوا للجهاد و تأهبوا للمسير ، ثم أصبحوا في معسكركم بالنخيلة ، و و اللّه لأغزونّهم ، و لو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم .

و في ( أنساب الرابع ) بإسناده عن أبي مخنف ، عن أبي روق الهمداني ،

عن عامر الشعبي و عن معلّى بن كليب ، عن أبي الوداك جبر بن نوف ،

و غيرهما ، قالوا : لما هرب أبو موسى إلى مكة ، و رجع ابن عباس واليا على البصرة ، و أتت الخوارج النهروان ، خطب علي عليه السّلام الناس بالكوفة ، فقال : الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح و الحدث الجليل ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله . أمّا بعد ، فإنّ معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة ، و تعقب الندم ، و قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين و هذه الحكومة بأمري ، و نخلت لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي ، و لكنكم أبيتم إلاّ ما أردتم ،

فكنت و أنتم كما قال أخو هوازن :

ــــــــــــ

( ١ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١٤٣ .

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد

ألا إنّ الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين ، قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما ، و ارتأيا الرأي قبل أنفسهما ، فأماتا ما أحيا القرآن ، و أحييا ما أمات القرآن ، ثم اختلفا في حكمهما ، فكلاهما لا يرشد و لا يسدد ، فبرى‏ء اللّه منهما و رسوله و صالح المؤمنين ، فاستعدوا للجهاد ، و تأهبوا للمسير ، و أصبحوا في معسكركم .

« الحمد للّه و ان أتى الدهر بالخطب » في ( الجمهرة ) : الخطب الأمر العظيم و الجمع خطوب .

« الفادح » أي : المثقل .

« و الحدث الجليل » و انّما قال عليه السّلام ذلك ، لأنّه يجب حمده تعالى على كلّ حال . و كان الصادق عليه السّلام إذا ورد عليه أمر يسرّه قال : الحمد للّه على هذه النعمة . و إذا ورد عليه أمر يغتمّ به قال : الحمد للّه على كلّ حال ١ .

« و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ليس معه إله غيره » هكذا في ( المصرية ) ٢ . و قوله : « وحده لا شريك له » من زيادات المحشين ، لعدم وجوده في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ٤ و الخطية ) .

« أما بعد ، فإن معصية الناصح الشفيق ، العالم المجرب توجب الحيرة » هكذا في ( المصرية ) ٥ ، و الصواب : ( الحسرة ) كما في ( ابن أبي الحديد

ــــــــــــ

( ١ ) الكافي ٢ : ٩٧ ، و البحار ٧١ : ٣٣ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٨٠ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٢٠٤ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٨٤ .

( ٥ ) الطبعة المصرية ١ : ٨١ .

و ابن ميثم ) ١ و ( الخطية ) .

« و تعقب الندامة » قال القطامي كما في ( عيون القتيبي ) ٢ :

و معصية الشفيق عليك مما

يزيدك مرة منه استماعا

و خير الأمر ما استقبلت منه

و ليس بأن تتبعه اتباعا

كذلك و ما رأيت الناس إلاّ

إلى ما جرّ غاويهم سراعا

تراهم يغمرون من استركبوه

و يجتنبون من صدق المصاعا

و قال سبيع لأهل اليمامة لمّا خالفوه : يا بني حنيفة بعدا لكم كما بعدت عاد ، أما و اللّه لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه ، كأنّي أسمع جرسه و أسمع غيبه ،

و لكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندم ، و أصبحتم و في أيديكم من تكذيبي التصديق ، و من تهمتي الندامة ، و أصبح في يدي من هلاككم البكاء ، و من ذلّكم الجزع ، و أصبح ما فات غير مردود ، و ما بقي غير مأمون ، و إنّي لمّا رأيتكم تتهمون النصيح ، و تسفهون الحليم استشعرت منكم اليأس ، و خفت عليكم البلاء . . . .

و في ( الطبري ) ٣ : في قصة خروج ابن الأشعث على الحجاج كتب المهلب إلى الحجاج : إنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك و هم مثل السيل المنحدر من علّ ، ليس يردّه شي‏ء حتّى ينتهي إلى قراره . و انّ لأهل العراق شرّة في أوّل مخرجهم ، و صبابة إلى أبنائهم و نسائهم ، فليس شي‏ء يردّهم حتى يسقطوا إلى أهليهم ، و يشمّوا أولادهم ، ثمّ واقعهم عندها . فلمّا قرأ كتابه قال : فعل اللّه به و فعل ، لا و اللّه مالي نظر ، و لكن لابن عمّه نصح . و عزم على استقبال ابن

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٨٤ ، و فيه : « تورث الحيرة » .

( ٢ ) العيون للقتيبي ١ : ٣٣ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٦ : ٣٣٩ .

الأشعث ، فسار بأهل الشام حتّى نزل تستر ، و قدّم بين يديه مطهر بن الحر العكي ، و عبد اللّه بن رميثة الطائي ، فجاؤوا حتى انتهوا إلى دجيل ، و قد قطع ابن الأشعث خيلا له عليها عبد اللّه بن أمان الحارثي في ثلاثمائة فارس ، و كانت مسلحة له و للجند . فلما انتهى إليه مطهر أمر ابن رميثة فأقدم عليهم فهزمت خيله حتى انتهت إليه ، و جرح أصحابه ، و أقحم أصحاب ابن الأشعث خيولهم دجيل ، و هزموا العكي و الطائي في يوم الأضحى سنة ( ٨١ ) و قتلوهم قتلا ذريعا . و أتت الحجاج الهزيمة و هو يخطب ، فقال : ارتحلوا إلى البصرة . و حين صدم تلك الصدمة دعا بكتاب المهلب فقرأه ، ثم قال للّه أبوه أي صاحب حرب هو ؟ أشار علينا بالرأي و لكنّا لم نقبل .

« و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري و نخلت لكم مخزون رأيي » كشي‏ء ينخل و يغربل ، فكان عليه السّلام قال لهم : إنّ معاوية و ابن العاص ، و ابن أبي معيط ،

و ابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي أعرف بهم منكم ، و ما رفعوها لكم إلاّ خديعة و مكيدة .

« لو كان يطاع لقصير أمر » مثل تمثل عليه السّلام به ، و الأصل فيه كما في ( الطبري ) ١ : أنّ جذيمة الأبرش و كان من أفضل ملوك العرب رأيا ، و أبعدهم مغارا ، و أشدّهم نكاية . و كان أوّل من استجمع له الملك بأرض العراق ، و كان به برص ، فهابت العرب أن تنسبه إليه إعظاما له ، فقال : جذيمة الوضاح ،

و جذيمة الأبرش . و كانت منازله بين الحيرة و الأنبار ، و بقة و هيت و ناحيتها،

و عين التمر و أطراف البر إلى الغمير ، و القطقطانة و خفية و ما والاها غزا عمرو بن ظرب ملك الشام ، فقتله ، فملك بعده ابنته الزباء ، فأجمعت لغزو جذيمة تطلب بثأر أبيها ، فقالت لها اختها و كانت ذات رأي و دهاء : إن ظفرت

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ١ : ٦١٣ .

أصبت ثأرك ، و إن قتلت ذهب ملكك ، و لا تدرين لمن تكون العاقبة . فانصرفت عن هذا الرأي ، فأتت أمرها من وجوه الخدع و المكر ، فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها و ملكها ، و أن يصل بلاده ببلادها ، و أنّها لم تجد ملك النساء إلاّ إلى قبيح في السماع ، و ضعف في السلطان ، و أنّها لم تجد لنفسها كفوا غيره ، فأقبل إليّ فاجمع ملكي إلى ملكك ، و صل بلادي ببلادك ، و تقلّد أمري مع أمرك . فلمّا انتهى كتابها إلى جذيمة استخفه ما دعته إليه ، و رغب في ما أطمعته فيه ، و جمع إليه أهل النهى من ثقاته ، و هو بالبقة من شاطى‏ء الفرات ، فعرض عليهم ما دعته إليه فصوبوا ذلك كلّهم إلاّ قصيرا و هو قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربي بن نمارة بن لخم و قال : « رأي فاتر و غدر حاضر » فذهبت مثلا . فنازعوه الرأي فقال : « إنّي لأرى أمرا ليس بالخسا و لا الزكا » فذهبت مثلا .

و قال لجذيمة : اكتب إليها ، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك ، و إلاّ لم تمكنها من نفسك و قد قتلت أباها . فلم يوافق جذيمة رأي قصير ، فقال قصير :

إنّي امرؤ لا يميل العجز ترويتي

إذا أتت دون شي‏ء مرة الوزم

فقال جذيمة : « و لكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح » فذهبت مثلا .

فدعا جذيمة ابن اخته عمرو بن عدي ، فاستشاره فشجعه على المسير ، و قال :

إنّ نمارة قومي مع الزباء ، و لو قدروا لصاروا معك . فأطاعه و عصى قصيرا ،

فقال قصير : « لا يطاع لقصير أمر » . فاستخلف على ملكه عمرو بن عدي ، و سار في وجوه من أصحابه ، فأخذ على الفرات من الجانب الغربي ، فلما نزل الفرضة دعا قصيرا ، فقال : ما الرأي ؟ قال : « ببقة تركت الرأي » فذهبت مثلا .

و استقبلته رسل الزباء بالهدايا و الألطاف ، فقال : يا قصير كيف ترى ؟ قال :

« خطر يسير في خطب كبير » فذهبت مثلا . و قال له : ستلقاك الخيول ، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة ، و إن أخذت جنبيك و أحاطت بك من خلفك

فإن القوم غادرون ، فاركب العصا و كانت عصا فرسا لجذيمة لا تجارى فإنّي راكبها و مسايرك عليها . فلقيته الخيول و الكتائب ، فحالت بينه و بين العصا ، فركبها قصير ، و نظر إليه جذيمة موليا على متنها ، فقال : « ويل امه حزما على ظهر العصا » فذهبت مثلا . فقال : « ياضل ما تجري به العصا » .

و جرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت و قد قطعت أرضا بعيدة ، فبنى عليها برجا يقال له : برج العصا . و سار جذيمة و قد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء ، فلما رأته تكشفت ، فإذا هي مضفورة الاست ، فقالت : يا جذيمة « أ دأب عروس ترى » ؟ فذهبت مثلا . و قالت : إنّي انبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب .

ثم أجلسته على نطع ، و أمرت بطست من ذهب فأعدته له و سقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه ، و أمرت براهشيه فقطعا ، و قد قيل لها : إن قطر من دمه شي‏ء في غير الطست طلب بدمه . و كانت الملوك لا تقتل بضرب العنق إلاّ في القتال تكرمة للملك . فلمّا ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه ، فقالت : لا تضيعوا دم الملك . فقال : « دعوا دما ضيعه أهله » فذهبت مثلا . فهلك جذيمة و استنشفت الزباء دمه ، فجعلته في برس قطن في ربعة لها . و خرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم ، حتى قدم على عمرو بن عدي بالحيرة ، فقال له :

« أ داثر أم ثائر » قال : « ثائر سائر » فذهبت مثلا . فقال له قصير : « تهيأ و لا تطل دم خالك » . قال : و كيف لي بها و هي « امنع من عقاب الجو » ؟ فذهبت مثلا. و كانت اتخذت نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها ،

و قالت ان فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني فقال له قصير : اجدع أنفي و اضرب ظهري ، و دعني و إيّاها . فقال عمرو : ما أنا بفاعل ذلك و ما أنت بذلك بمستحق مني. فقال قصير : « خلّ عني إذن و خلاك ذم » فذهبت مثلا . فقال له عمرو : فأنت أبصر . فجدع قصير أنفه و أثر بظهره ، فقالت العرب : « لمكر ما جدع

قصير أنفه » . ثم خرج كأنّه هارب ، و أظهر أن عمرا فعل به ذلك ، و أنّه يزعم أنّه مكر بخاله جذيمة ، و غرّه من الزباء . فسار حتّى قدم على الزباء فقيل لها : إنّ قصيرا بالباب . فأمرت به فادخل عليها ، فإذا أنفه قد جدع ، و ظهره قد ضرب ،

فقالت : ما الذي أرى بك يا قصير ؟ فقال زعم عمرو بن عدي أنّي غررت خاله ،

و زيّنت له المسير إليك و غششته و مالأتك عليه ، ففعل بي ما ترين ، فأقبلت إليك و عرفت أنّي لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك . فأكرمته ، و أصابت عنده بعض ما أرادت من الرأي و المعرفة بامور الملوك . فلمّا عرف أنّها قد ثقّت به قال : إنّ لي بالعراق أموالا كثيرة ، و بها طرائف و ثياب و عطر ، فابعثيني إلى العراق لأحمل مالي ، و أحمل إليك من بزوزها و طرائف ثيابها ، و صنوف ما يكون بها من الأمتعة و الطيب و التجارات ، فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما ،

و بعض ما لا غنى بالملوك عنه . فلم يزل يزيّن لها ذلك حتى سرحته و دفعت معه عيرا ، و قالت له : بع ما جهّزناك به ، و ابتع لنا من طرائف ما يكون بها . فسار قصير حتى قدم العراق و أتى الحيرة متنكرا ، فدخل على عمرو بن عدي فأخبره بالخبر ، و قال: جهزني بالبز و الطرف و الأمتعة ، لعلّ اللّه يمكن منها فتصيب ثأرك . فجهّزه بصنوف الثياب و غيرها ، فرجع بذلك كلّه إلى الزباء فأعجبها ما رأت ، و ازدادت به ثقة . ثم جهّزته بعد ذلك بأكثر مما في المرة الاولى ، فسار حتى قدم العراق ، و لقي عمرو بن عدي، و حمل من عنده ما ظنّ أنّه موافق لها ، و لم يدع طرفة قدر عليها إلاّ حملها ، ثم عاد الثالثة ، و قال لعمرو :

اجمع لي ثقات أصحابك و جندك ، و هيّى‏ء لهم الغرائر و المسوح و قصير أوّل من عمل الغرائر و احمل كلّ رجلين على بعير في غرارتين ، و اجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها ، فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها ،

و أخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة ، فمن قاتلهم قتلوه ، و إن

أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف . ففعل عمرو ما قال ، ثم وجّه إلى الزبا العير عليها الرجال و أسلحتهم ، فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدّم قصير إليها ،

فبشّرها و أعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب و الطرائف ، و سألها أن تخرج فتنظر إلى قطارات تلك الإبل ، و قال لها : « إنّي جئت بما صاء و صمت » فذهبت مثلا . و كان قصير يكمن النهار و يسير الليل ، و هو أوّل من فعل ذلك فخرجت ،

فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها ، فقالت : يا قصير

ما للجمال مشيها وئيدا

أجندلا يحملن أم حديدا

أم صرفانا باردا شديدا

أم الرجال جثما قعودا

فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها ، نخس بواب نبطي بمنخسته الغرائر التي تليه ، فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها ، فضرط ، فقال : « بشقا بسقا » يعني في الجوالق شر فذهبت مثلا . فلمّا توسطت الإبل المدينة انيخت ، و دلّ قصير عمرا على باب النفق ، و خرجت الرجال من الغرائر ،

و صاحوا بأهل المدينة ، و وضعوا فيهم السيف . و قام عمرو على باب النفق ،

و أقبلت الزباء مولّية مبادرة لتدخل النفق فأبصرت عمرا قائما و كان المصوّرون صوروا لها صورته قبل ، لأن كاهنتها أخبرتها أنّه قاتلها فمصّت خاتمها ، و كان فيه سم و قالت : « بيدي لا بيدك يا عمرو » فذهبت مثلا . و تلقاها عمرو ، فجللها بالسيف فقتلها .

و المثل بعدم إطاعة أمر قصير كما تمثّل عليه السّلام به معروف ، قال نهشل بن حري التميمي :

و مولى عصاني و استبدّ برأيه

كما لم يطع بالبقتين قصير

فلمّا تيقّن غبّ أمري و أمره

و ولّت بأعجاز الامور صدور

تمنّى بئيسا أن يكون أطاعني

و قد حدثت بعد الامور امور

« فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجناة » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب :

( الجفاة ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم و الخطية ) .

« و المنابذين العصاة » في ( مقاتل أبي الفرج ) ٣ في قضايا أبي السرايا في خروج محمّد بن جعفر أيّام المأمون و قتاله مع عسكر المأمون و عليهم هرثمة ابن أعين : ان هرثمة صاح : يا أهل الكوفة علام تسفكون دماءنا و دماءكم ؟ إن كان قتالكم كراهية لإمامنا فهذا منصور بن المهدي رضا لنا و لكم نبايعه ، و إن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم ، و اتفقوا معنا ليوم الإثنين نتناظر فيه و لا تقتلونا و أنفسكم . فأمسك أهل الكوفة أصحاب أبي السرايا عن الحملة ، فناداهم أبو السرايا : ويحكم إنّ هذه حيلة من هؤلاء لما أيقنوا بالهلاك ، فاحملوا عليهم . فامتنعوا و قالوا : لا يحلّ لنا قتالهم ، و قد أجابوا .

فغضب أبو السرايا ، و لما كان يوم الجمعة خطب و قال : يا أهل الكوفة يا قتلة علي عليه السّلام ، و يا خذلة الحسين عليه السّلام إنّ المغتر بكم لمغرور ، و إنّ المعتمد على نصركم لمخذول ، و إنّ الذليل لمن أعززتموه ، و اللّه ما خمد علي عليه السّلام أمركم في حمده ، و لا رضى مذهبكم في رضاه ، و لقد حكمكم فحكمتم عليه ، و ائتمنكم فخنتم أمانته ، و وثق بكم فحلتم عن ثقته ، ثم لم تنفكّوا عليه مختلفين ، و لطاعته ناكثين ، إن قام قعدتم ، و إن قعد قمتم ، و إن تقدّم تأخرتم ، و إن تأخر تقدمتم خلافا عليه ، و عصيانا لأمره ، حتى سبقت فيكم دعوته ، و خذلكم اللّه بخذلانكم إيّاه ، أي عذر لكم في الهرب عن عدوّكم ، و النكول عمّن لقيتم و قد عبروا

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٨١ .

( ٢ ) شرح نهج ابن أبي الحديد ٢ : ٢٠٤ .

( ٣ ) المقاتل لأبي الفرج : ٣٦٣ .

خندقكم ، و علوا قبائلكم ، ينتهبون أموالكم و يستباحون حريمكم ؟ هيهات لا عذر لكم إلاّ العجز و المهانة و الرضا بالصغار و الذلة ، إنّما أنتم كفي‏ء الظل ،

و تهزمكم الطبول بأصواتها ، و يملأ قلوبكم الخرق بسوادها . أما و اللّه لأستبدلن بكم قوما يعرفون اللّه حق معرفته ، و يحفظون محمّدا صلّى اللّه عليه و آله في عترته . قال:

و مارست أقطار البلاد فلم أجد

لكم شبها في ما وطئت من الأرض

خلافا و جهلا و انتشار عزيمة

و وهنا و عجزا في الشدائد و الخفض

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة

فلا فيكم راض و لا فيكم مرضي

سأبعد داري عن قلى من دياركم

فذوقوا إذا ولّيت عاقبة النقض

« حتى ارتاب الناصح » بأن نصحه لعلّه خطأ ، حيث لا يقبلونه .

« و ضنّ » أي : بخل .

« الزند » في ( الصحاح ) الزند : العود الذي تقدح به النار ، و هو الأعلى ،

و الزندة السفلى فيها ثقب ، و هي الانثى و هما زندان . . . و من ضنة الزند قالوا :

فلان مزند . أي : بخيل ، و عطاء مزند . أي : قليل ، و ثوب مزند ، أي : ضيّق ، و مزادة مزندة : قليلة الماء .

« بقدحه » أي : اشتعاله .

« فكنت و إياكم كما قال أخو هوازن » و هوازن ابن منصور بن عكرمة بن حفصة ابن قيس عيلان ، و المراد بأخي هوازن : دريد بن الصمة .

« أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح الا ضحى الغد »

و الأصل في قول أخي هوازن ما رواه أبو الفرج في ( أغانيه ) ١ : أنّ عبد اللّه بن الصمّة أخا دريد غزا غطفان فظفر بهم و ساق أموالهم في يوم

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني لأبي الفرج ١٠ : ٥ .

يقال له : يوم اللوى ، و مضى بها ، و لما كان منهم غير بعيد قال : انزلوا بنا . فقال أخوه دريد : نشدتك اللّه ألاّ تنزل ، فإنّ غطفان ليست بغافلة عن أموالها . فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه ، و ينقع نقيعة ، فيأكل و يطعم و يقسم البقية بين أصحابه . فبينا هم في ذلك و قد سطعت الدواخن ، إذا بغبار قد ارتفع اشدّ من دخانهم ، و إذا عبس و فزارة و أشجع قد أقبلت ، فقالوا لربيئتهم : انظر ماذا ترى ؟

فقال : أرى قوما جادا كأنّ سرابيلهم قد غمست في الجادي . قال : تلك أشجع ليست بشي‏ء . ثم نظر ، فقال : أرى قوما كأنّهم الصبيان أسنتهم عند آذان خيلهم . قال : تلك فزارة . ثم نظر فقال : أرى قوما أدما كأنّهم يحملون الحبل بسوادهم ، يخدّون الأرض بأقدامهم خدّا ، و يجرّون رماحهم . قال : تلك عبس و الموت معهم ، فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللوى ، فاقتتلوا فقتل عبد اللّه بن الصمة ، فتنادوا : قتل أبو دفافة . فعطف دريد فذبّ عنه فلم يغن شيئا ، و جرح دريد فسقط فكفّوا عنه و هم يرون أنّه قد قتل ، و استنقذوا المال . قال دريد :

فأمهلت حتى إذا كان الليل ، مشيت و أنا ضعيف قد نزفني الدم حتى ما أكاد أبصر ، فجزت بجماعة تسير فدخلت فيهم ، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة ،

فنفر البعير فنادت : نعوذ باللّه منك . فانتسبت لها ، فاعلمت الحي بمكاني فغسل عني الدم و زودت زادا و سقاء فنجوت . و قال يرثي أخاه :

أ عاذلتي كلّ امرى‏ء و ابن امّه

متاع كزاد الراكب المتزوّد

أعاذل إنّ الرزء أمثال خالد

و لا رزء ممّا أهلك المرء عن يد

نصحت لعارض و أصحاب عارض

و رهط بني السوداء و القوم شهّد

فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجج

سراتهم في الفارسي المسرد

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى

فلم يستبينوا الرّشد إلاّ ضحى الغد

فلمّا عصوني كنت منهم و قد أرى

غوايتهم أو أنّني غير مهتد

و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت

غويت و إن ترشد غزية أرشد

دعاني أخي و الخيل بيني و بينه

فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا

فقلت أ عبد اللّه ذلكم الردي

فإن يك عبد اللّه خلّى مكانه

فلم يك وقّافا و لا طائش اليد

و لا برما إذا ما الرياح تناوحت

برطب العضاة و الهشيم المعضد

نظرت إليه و الرّماح تنوشه

كوقع الصياصي في النسيج الممدد

فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت

و حتى عداني أشقر اللون مزبد

فما رمت حتى خرقتني رماحهم

و غودرت أكبو في القفا المتقصد

قتال امرى‏ء واسى أخاه بنفسه

و أيقن أنّ المرء غير مخلّد

صبور على وقع المصائب حافظ

من اليوم أعقاب الأحاديث في الغد

و تمثّل عليه السّلام أيضا ببيته ، لمّا ندمت الخوارج عن التحكيم ، و طلبوا منه عليه السّلام الرجوع ، فروى ( الأغاني ) أيضا ١ عن أبي مخنف عن رجاله : أنّ عليّا عليه السّلام لما اختلفت كلمة أصحابه في أمر الحكمين و تفرّقت الخوارج ، و قالوا له : ارجع عن أمر الحكمين ، و تب و اعترف بأنّك كفرت إذ حكّمت ، فلم يقبل ذلك منهم و فارقوه ، تمثّل بقول دريد :

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد

هذا و قد عرفت أنّ ( المروج ) ٢ بدل قوله : « أخو هوازن » بقوله : « اخو بني خثعم » و لا تنافي حيث إنّ جشما بطن من هوازن ، فجشم ابن معاوية بن بكر بن هوازن ، كما أنّ جشما أيضا بطون ، منها غزية بن جشم ، و كان دريد منهم ،

و لذا قال :

« و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت . . . »

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني لأبي الفرج ١٠ : ١٠ .

( ٢ ) مروج الذهب للمسعودي ٢ : ٤١٣ .

و تمثّل عليه السّلام بذاك البيت أيضا على ما روى أبو مخنف كما في ( الطبري ) ١ ، ففيه : قيل لعلي عليه السّلام بعد ما كتب الصحيفة : إنّ الأشتر لا يقرّ بما في الصحيفة ، و لا يرى إلاّ قتال القوم . قال علي عليه السّلام : و أنا و اللّه ما رضيت ، و لا أحببت أن ترضوا ، فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت ، فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ، و لا التبديل بعد الإقرار ، إلاّ أن يعصى اللّه عز و جل و يتعدّى كتابه ، فقاتلوا من ترك أمر اللّه عز و جل ، و أمّا الذي ذكرتم من تركه أمري و ما أنا عليه ، فليس مالك من اولئك ، و لست أخافه على ذلك ، يا ليت فيكم مثله اثنين ،

يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوّي ما أرى ، إذن لخفّت عليّ مؤنتكم و رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم ، و قد نهيتكم عمّا أتيتم فعصيتموني ،

فكنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن :

و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت

غويت و إن ترشد غزية أرشد

٢

من الخطبة ( ١٢٣ ) و من كلام له عليه السّلام :

فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَزْعُمُوا إِلاَّ أَنِّي أَخْطَأْتُ وَ ضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلُّونَ عَامَّةَ أُمَّةِ ؟ مُحَمَّدٍ ص ؟ بِضَلاَلِي وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَائِي وَ تُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ اَلْبُرْءِ وَ اَلسُّقْمِ وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص ؟ رَجَمَ اَلزَّانِيَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ وَ قَتَلَ اَلْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَ قَطَعَ اَلسَّارِقَ وَ جَلَدَ اَلزَّانِيَ غَيْرَ اَلْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ اَلْفَيْ‏ءِ وَ نَكَحَا اَلْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَقَامَ حَقَّ اَللَّهِ فِيهِمْ

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٥٩ .

وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ وَ لَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ اَلنَّاسِ وَ مَنْ رَمَى بِهِ اَلشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وَ سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ اَلْحُبُّ إِلَى غَيْرِ اَلْحَقِّ وَ مُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ اَلْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ اَلْحَقِّ وَ خَيْرُ اَلنَّاسِ فِيَّ حَالاً اَلنَّمَطُ اَلْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ وَ اِلْزَمُوا اَلسَّوَادَ اَلْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اَللَّهِ عَلَى اَلْجَمَاعَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلْفُرْقَةَ فَإِنَّ اَلشَّاذَّ مِنَ اَلنَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ اَلشَّاذَّ مِنَ اَلْغَنَمِ لِلذِّئْبِ أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا اَلشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ فَإِنَّمَا حُكِّمَ اَلْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ وَ يُمِيتَا مَا أَمَاتَ ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ وَ إِحْيَاؤُهُ اَلاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وَ إِمَاتَتُهُ اَلاِفْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ إِلَيْهِمُ اِتَّبَعْنَاهُمْ وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اِتَّبَعُونَا فَلَمْ آتِ لاَ أَبَا لَكُمْ بُجْراً وَ لاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ وَ لاَ لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا اِجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اِخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلاَّ يَتَعَدَّيَا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا اَلْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ اَلْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ وَ قَدْ سَبَقَ اِسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي اَلْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَ اَلصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا الخطبة ( ١٧٥ ) و من كلام له عليه السّلام في معنى الحكمين :

فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اِخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ ؟ اَلْقُرْآنِ ؟ وَ لاَ يُجَاوِزَاهُ وَ تَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا اَلْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ اَلْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ اَلاِعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا وَ قَدْ سَبَقَ اِسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي اَلْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَ اَلْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا وَ اَلثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا

لِأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ اَلْحَقِّ وَ أَتَيَا بِمَا لاَ يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ اَلْحُكْمِ أقول : العنوان الثاني تكرار لذيل العنوان الأوّل من قوله : « انما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين . . . » مع أدنى اختلاف و زيادة كما ترى ، و عذره ما قاله في أول الكتاب : « و ربما بعد العهد بما اختير أولا ، فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا ، لا قصدا و اعتمادا » و لم يتفطّن الشرّاح أيضا لتكراره .

و كيف كان ، فالأصل فيهما ما رواه الطبري ١ عن أبي مخنف ، عن أبي سلمة الزهري ابن بنت أنس بن مالك : أنّ عليّا عليه السّلام قال لأهل النهر : « يا هؤلاء إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة ، التي ابتدأتموها و سألتموها و أنا لها كاره ، و أنبأتكم أنّ القوم سألكموها مكيدة و دهنا ، فأبيتم عليّ إباء المخالفين ، و عدلتم عنّي عدول النكداء العاصين ، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم ، و أنتم و اللّه معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام ، فلم آت لا أبا لكم حراما ، و اللّه ما اختلتكم عن اموركم ، و لا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ، و لا أو طأتكم عشوة ، و لا دببت لكم الضرّاء ، و إن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا ،

فأجمع ملؤكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن و لا يعدواه ، فتاها و تركا الحقّ و هما يبصرانه ، و كان الجوهر هواهما ، و قد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل و الصمد للحقّ سوء رأيهما و جور حكمهما ، و الثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ و أتيا بما لا يعرف ،

فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا و الخروج عن جماعتنا ؟ ان اختار الناس رجلين ، أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ، ثمّ تستعرضوا الناس تضربون رقابهم و تسفكون دماءهم، انّ هذا لهو الخسران المبين . و اللّه لو قتلتم على هذا

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٤ .

دجاجة لعظم عند اللّه قتلها ، فكيف بالنفس التي قتلها عند اللّه حرام ؟ قال أبو سلمة : فتنادوا لا تخاطبوهم و تهيؤوا للقاء الرّبّ ، الرواح الرواح إلى الجنّة .

و خرج عليّ فعبّأ الناس . . .

قول المصنّف في العنوان الأول : « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد ) ٢ ، و كذا ( ابن ميثم ) ٣ : « و من كلام له عليه السّلام قاله للخوارج أيضا » . و لكن في ( ابن ميثم ) « و من كلام له عليه السّلام أيضا للخوارج » . و أشار بقوله : « أيضا » . إلى أن قبله في ( ١٢١ ) : « و من كلام له عليه السّلام في التحكيم » . لكن توسط بينهما : « و من كلام له عليه السّلام لمّا عوتب على التسوية في العطاء » و كأنّه غفل عن فصله .

قوله عليه السّلام : « فان أبيتم أن تزعموا إلاّ انّي أخطأت و ضللت » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( فان أبيتم إلاّ أن تزعموا أنّي أخطأت و ضللت ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٤ .

قال المبرد في ( كامله ) ٥ : يروى أنّ عليّا عليه السّلام في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي و قد كان وجهه إليهم و زياد بن النضر الحارثي مع عبد اللّه بن العباس ، فقال : بأيّ القوم رأيتهم أشدّ إطافة ؟ فقال :

بيزيد ابن قيس الأرحبي . فركب علي عليه السّلام إليهم إلى حروراء ، فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد ، فصلّى فيه ركعتين ثم خرج ، فاتكأ على قوسه و أقبل على الناس ، ثم قال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة ، أنشدكم اللّه

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٢ : ١١٧ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٥٥ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٦٧ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٣٣ .

( ٥ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٧٥ .

أعلمتم أحدا منكم كان أكره للحكومة مني ؟ قالوا : اللّهمّ لا . قال : أفعلمتم أنّكم أكرهتموني حتى قبلتها ؟ قالوا : اللّهمّ نعم . قال : فعلام خالفتموني و نابذتموني ؟ قالوا : إنّا أتينا ذنبا عظيما فتبنا إلى الله ، فتب إلى اللّه منه و استغفره ، نعد لك . فقال عليّ عليه السّلام : إنّي استغفر اللّه من كلّ ذنب . فرجعوا معه و هم ستة آلاف ، فلمّا استقرّوا بالكوفة أشاعوا : أنّ عليّا عليه السّلام رجع عن التحكيم و رآه ضلالا ، و قالوا : إنّما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمّن الكراع ، و يجبي المال ،

فينهض إلى الشام . فأتى الأشعث بن قيس عليّا عليه السّلام و قال له : إنّ الناس قد تحدّثوا انّك رأيت الحكومة ضلالا ، و الاقامة عليها كفرا . فخطب عليه السّلام الناس فقال : من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب ، و من رآها ضلالا فهو أضلّ .

فخرجت الخوارج من المسجد ، فحكمت ، فقيل لعلي عليه السّلام : إنّهم خارجون عليك .

فقال : لا اقاتلهم حتى يقاتلوني ، و سيفعلون .

« فلم تضلون عامة امة محمّد صلّى اللّه عليه و آله بضلالي ، و تأخذونهم بخطائي،

و تكفرونهم بذنوبي » في ( كامل المبرد ) ١ : أصاب الخوارج مسلما و نصرانيا فقتلوا المسلم و أوصوا بالنصراني ، فقالوا : احفظوا ذمّة نبيّكم . و لقيهم عبد اللّه بن خباب و في عنقه مصحف ، و معه امرأته و هي حامل ، فقالوا : إنّ الذي في عنقك يأمرنا أن نقتلك . قال : ما أحيا القرآن فأحيوه ، و ما أماته فأميتوه . فوثب رجل منهم على رطبة فوضعها في فيه ، فصاحوا به فلفظها تورعا . و عرض لرجل منهم خنزير ، فضربه الرجل فقتله ، فقالوا : هذا فساد في الأرض . فقال عبد اللّه بن خباب : ما عليّ منكم بأس انّي لمسلم . قالوا له : حدّثنا عن أبيك . قال :

سمعت أبي يقول : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه ، يمسي مؤمنا و يصبح كافرا ، فكن عبد اللّه المقتول و لا تكن

ــــــــــــ

( ١ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٧٦ ١٧٧ .

القاتل » قالوا : فما تقول في أبي بكر و عمر ؟ فأثنى خيرا ، فقالوا : فما تقول في عليّ قبل التحكيم ، و في عثمان ست سنين ؟ فأثنى خيرا ، قالوا : فما تقول في الحكومة و التحكيم ؟ قال : أقول إنّ عليّا عليه السّلام أعلم بكتاب اللّه منكم ، و أشدّ توقّيا على دينه ، و أنفذ بصيرة . قالوا : إنّك لست تتبع الهدى ، إنّما تتبع الرجال على اسمائها . ثم قربوه إلى شاطى‏ء النهر فذبحوه ، فامذقر دمه . أي : جرى مستطيلا على دقة . و ساموا رجلا نصرانيا بنخلة له ، فقال : هي لكم . قالوا : ما كنّا لنأخذها إلاّ بثمن . قال : ما أعجب هذا أتقتلون مثل عبد اللّه بن خباب ، و لا تقبلون منّا جنى نخلة ؟

و في ( الطبري ) ١ : قتلوا عبد اللّه بن خباب و ذبحوه و سال دمه في الماء ،

و قتلوا امرأته بقروا بطنها ، و قتلوا ثلاثة نسوة من طي ، و قتلوا امّ سنان الصيداوية .

« سيوفكم على عواتقكم ، تضعونها مواضع البرء » هكذا في ( المصرية ) ،

و الصواب : ( البراءة ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« و السقم ، و تخلطون من أذنب بمن لم يذنب » في ( كامل المبرد ) ٤ : خرج قريب بن مرّة الأزدي و زحاف الطائي و كانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد فاعترضا الناس ، فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فقتلاه ، و تنادى الناس ، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد و في يده السيف ،

فناداه الناس من ظهور البيوت : الحرورية ، انج بنفسك . فنادوه : لسنا حرورية نحن الشرط . فوقف فقتلوه ، ثم جعلا لا يمران بقبيلة إلاّ قتلا من وجدا .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨١ ٨٢ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١١٢ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٣٣ .

( ٤ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٩٨ ١٩٩ .

و مورد خطابه عليه السّلام : « سيوفكم على عواتقكم ، تضعونها مواضع البراءة و السقم » خوارج البصرة ، فانّهم كانوا هكذا دون خوارج الكوفة ، ففي ( العقد ) ١ في محاجة عمر بن عبد العزيز مع شوذب الخارجي ، في اعتراضه عليه بعدم لعن عمر لأهل بيته ، و عدم براءته منهم : أخبرني عن أهل النهروان ، أليسوا من صالحي أسلافكم و ممن تشهد لهم بالنجاة ؟ قال : نعم .

قال : فهل تعلمون أنّ أهل الكوفة حين خرجوا كفّوا أيديهم ، فلم يسفكوا دما،

و لم يخيفوا آمنا ، و لم يأخذوا مالا ؟ قال : نعم . قال : فهل علمتم أنّ أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فديك استعرضوا يقتلونهم ، و لقوا عبد اللّه بن خباب صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فقتلوه و قتلوا جاريته ، ثم قتلوا النساء و الأطفال ، حتى جعلوا يلقونهم في قدور الأقط و هي تفور ؟ قال : قد كان ذلك . و مثله في ( المروج ) ٢ .

« و قد علمتم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رجم الزاني ، ثم صلّى عليه » و أمّا ما رواه ( الكافي ) ٣ عن محمّد بن حكيم عن الصادق عليه السّلام : « لو أنّ رجلا مات صائما في السفر ما صلّيت عليه » فمحمول على ما ذا اعتقد مشروعيّته ، فيكون غير عارف ، فلا تكون الصلاة عليه واجبة .

و روى ٤ معاوية بن وهب : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : ذكر لنا أنّ رجلا من الأنصار مات و عليه ديناران دينا ، فلم يصلّ عليه النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و قال : « صلّوا على صاحبكم » حتى ضمنها عنه بعض قرابته . فقال عليه السّلام : ذلك الحق . ثم قال :

إنّما فعل ذلك ليتّعظوا ، و ليردّ بعضهم على بعض ، و لئلاّ يستخفوا بالدين ، و قد

ــــــــــــ

( ١ ) العقد الفريد ٢ : ٢٤٣ .

( ٢ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ٢٠٠ ٢٠١ .

( ٣ ) الكافي ٤ : ١٢٨ ح ٧ .

( ٤ ) الكافي ٥ : ٩٣ ح ٢ .

مات صلّى اللّه عليه و آله و عليه دين ، و مات الحسن عليه السّلام و عليه دين ، و قتل الحسين عليه السّلام و عليه دين .

« ثم ورثّه أهله » و ممّن رجمه صلّى اللّه عليه و آله ما عز بن مالك ، فروى ( الكافي ) ١ : أنّه أقرّ عند النبي صلّى اللّه عليه و آله بالزّنا ، فأمر به أن يرجم فهرب من الحفيرة ، فرماه الزبير بساق بعير فعقله فسقط ، فلحقه الناس فقتلوه ، ثم أخبروا النبي صلّى اللّه عليه و آله بذلك ،

فقال لهم : فهلاّ تركتموه إذا هرب يذهب ؟ فإنّما هو الذي أقرّ على نفسه ، أما لو كان عليّ حاضرا معكم لما ضللتم .

« و قتل القاتل و ورّث ميراثه أهله » هكذا في ( المصرية ٢ و ابن أبي الحديد ٣ و الخطية ) و لكن في ( ابن ميثم ) ٤ : « و ورّث أهله ميراثه » .

« و قطع السارق إلى و لم يخرج أسماءهم من بين أهله » أي : الاسلام ، بل ورد انّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن لعنهم ، ففي ( اسد الغابة ) ٥ : كان رجل اسمه عبد اللّه يلقّب حمارا يضحك النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله جلده في الشراب ، فاتى به يوما فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللّهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال صلّى اللّه عليه و آله : لا تلعنه ، فو اللّه ما علمت إلاّ أنّه يحب اللّه و رسوله .

رد عليه السّلام على مذهبهم الباطل في تكفير مرتكب الكبائر ، استنادا إلى آيات مجملات بالسنّة المبيّنة ، قال ابن أبي الحديد ٦ : استندوا إلى قوله تعالى في

ــــــــــــ

( ١ ) الكافي ٧ : ١٨٥ ح ٥ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٢ : ١١ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١١٢ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٣٣ .

( ٥ ) اسد الغابة ٢ : ٤٥ .

( ٦ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١١٤ .

الحج : . . . و من كفر . . . ١ و قوله تعالى : . . . إنّه لا ييأس من روح اللّه إلاّ القوم الكافرون ٢ ، . . . و من لم يحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الكافرون ٣ . و ذكر آيات اخر لا ربط لها أصلا ، كقوله تعالى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب و تولّى ٤ ، و إنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ٥ ، . . . فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم . . . ٦ . . . .

« ثم أنتم شرار الناس » قالت عايشة لمسروق كما في ( مسند أحمد بن حنبل ) ٧ : إنّك من ولدي و من أحبهم إليّ ، فهل عندك علم من المخدج ؟ قال :

قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال له تامر ، و لأسفله النهروان ، بين تخافيق و طرفاء . قالت : أبغي على ذلك بيّنة . فأقام رجالا شهدوا ، ثم قال لها : سألتك بصاحب القبر ، ما الذي سمعت فيهم ؟ قالت : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « إنّهم شرّ الخلق و الخليقة ، يقتلهم خير الخلق و الخليقة ، و أقربهم عند اللّه وسيلة » .

« و من رمى به الشيطان مراميه » جمع المرمى ، أي : مقاصده .

« و ضرب به تيهه » التيه : المفازة يتاه فيها .

« و سيهلك فيّ صنفان : محبّ مفرط يذهب به الحب الى غير الحق ، و مبغض مفرط يذهب به البغض الى غير الحق » قال ابن أبي الحديد ٨ : روى المحدّثون أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال له عليه السّلام : « فيك يا علي مثل من عيسى بن مريم ، أبغضته اليهود

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٩٧ .

( ٢ ) يوسف : ٨٧ .

( ٣ ) المائدة : ٤٤ .

( ٤ ) الليل : ١٤ ١٦ .

( ٥ ) العنكبوت : ٥٤ .

( ٦ ) آل عمران : ١٠٦ .

( ٧ ) ذكره البحار ٣٨ : ١٥ .

( ٨ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١١٩ .

فبهتت امّه ، و أحبّته النصارى فرفعته فوق قدره » . و قد كان عليه السّلام عثر على قوم من أصحابه ، خرجوا من حد محبّته باستحواذ الشيطان عليهم ، إلى أن كفروا بربهم و جحدوا ما جاء به نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله ، فاتخذوه ربا و قالوا له : أنت خالقنا و رازقنا ، فاستتابهم و توعّدهم ، فأقاموا على قولهم ، فحفر لهم حفرا دخن عليهم طمعا في رجوعهم ، فأبوا فحرقهم و قال :

أ لا تروني قد حفرت حفرا

إنّي إذا رأيت أمرا نكرا

أو قدت ناري و دعوت قنبرا

و روى أبو العباس الثقفي ، عن المصيصي المعروف بنوين ، و عن النوفلي عن مشيخته : أنّ عليّا عليه السّلام مر بقوم و هم يأكلون في شهر رمضان ،

فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : و لا واحدة . قال : فمن أهل الكتاب فتعصمكم الذمة و الجزية ؟ قالوا : لا . قال : فما بال الأكل في نهار شهر رمضان ؟ قالوا: أنت أنت يؤمون إلى ربوبيته . فنزل عليه السّلام عن فرسه و ألصق خدّه بالأرض و قال:

ويلكم أنا عبد من عبيد اللّه ، فاتقوا اللّه و ارجعوا إلى الاسلام . فأبوا فدعاهم مرارا ، فأقاموا على كفرهم ، فنهض إليهم و قال : شدّوهم وثاقا ، و عليّ بالفعلة و النار و الحطب . ثمّ أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل إحداهما سربا و الاخرى مكشوفة ، و ألقى الحطب في المكشوفة و فتح بينهما فتحا ، و ألقى النار في الحطب فدخن عليهم ، و جعل يهتف بهم و يناشدهم ليرجعوا إلى الاسلام فأبوا ،

فأمر بالحطب و النار فالقي عليهم فاحرقوا فقال الشاعر :

لترم بي المنية حيث شاءت

إذا لم ترم بي في الحفرتين

إذا ما حشّتا حطبا بنار

فذاك الموت نقدا غير دين

فلم يبرح حتى صاروا حمما .

قلت : و روى ( الكافي ) ١ القضية في آخر صومه ، و أنّه عليه السّلام أحرقهم لأنّهم أنكروا نبوّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دون توحيد اللّه ، قال ابن أبي الحديد ٢ : ثم استترت هذه المقالة سنة أو نحوها ، ثم ظهر عبد اللّه بن سبأ و كان يهوديا يستتر بالإسلام بعده عليه السّلام فأظهرها ، و اتبعه قوم فسموا السبئية ، و قالوا : إنّ عليّا لم يمت ، و إنّه في السماء ، و الرعد صوته و البرق ضوؤه . و إذا سمعوا صوت الرعد قالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين . و قالوا في النبي صلّى اللّه عليه و آله أغلظ قول ، و افتروا عليه أعظم فرية فقالوا : كتم تسعة أعشار الوحي . فنعى عليهم قولهم الحسن بن علي بن محمّد بن الحنفية ، في رسالته التي يذكر فيها الارجاء ، روى سليمان بن أبي شيخ ، عن الهيثم بن معاوية ، عن عبد العزيز بن ابان ، عن عبد الواحد بن أيمن المكي ، قال : شهدت الحسن يملي هذه الرسالة ،

و فيها : و من قول هذه السبئية اهدينا لوحي ضلّ عنه الناس ، و علم خفي عنهم ،

و زعموا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كتم تسعة أعشار الوحي و لو كتم النبي صلّى اللّه عليه و آله شيئا مما أنزل اللّه عليه ، لكتم شأن امرأة زيد ، و قوله تعالى تبتغي مرضاة أزواجك ٣ . ثم ظهر المغيرة بن سعيد مولى بجيلة ، فأراد أن يحدث لنفسه مقالة ، فغلا في عليّ عليه السّلام و قال : لو شاء عليّ لأحيا عادا و ثمود و قرونا بين ذلك كثيرا . إلى أن قال ثم تفاقم الغلاة و أمعنوا في الغلوّ ، فادّعوا حلول الذات الإلهية في قوم من سلالة أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أن قال و كان اسحاق بن زيد بن الحرث و كان من أصحاب عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر يقول بالإباحة و إسقاط التكاليف ، و يثبت لعلي عليه السّلام شركة مع النبي صلّى اللّه عليه و آله في

ــــــــــــ

( ١ ) الكافي ٤ : ١٨١ ح ٧ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١٢٠ .

( ٣ ) التحريم : ١ .

النبوّة ، على وجه غير هذا الظاهر الذي يعرفه الناس . . . .

قلت : و ذكر الكشي جمعا من الغلاة منهم : محمّد بن الفرات ، و أنّ الرضا عليه السّلام قال : « آذاني أذى ما آذى أبو الخطاب جعفر بن محمّد عليه السّلام » و منهم :

أبو الغمر ، و جعفر بن واقد ، و هاشم بن أبي هاشم ، و أنّ الجواد عليه السّلام قال : « إنّهم يدعون الناس إلى ما دعا إليه أبو الخطاب لعنه اللّه » و منهم : القسم اليقطيني ،

و علي بن حسكة ، و الحسن بن محمّد المعروف بابن بابا ، و محمّد بن نصير ،

و فارس بن حاتم ، و أنّ الهادي عليه السّلام لعنهم ، و أمر بقتل فارس ، فقتل .

« و خير الناس في حال النمط الأوسط فالزموه » و هم الذين لم يرفعوه عليه السّلام عن درجته ، حتى يجعلوه إلها كالغلاة ، و لم يحطّوه عن رتبته التي هي خلافة الرسول صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى أدلّة العقول ، فضلا عن تواتر النقول ، قال تعالى :

أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ١ و الآيات القرآنية من قوله تعالى : . . . و أنفسنا و أنفسكم . . . ٢ ، و قوله تعالى : . . . إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا ٣ و قوله تعالى : إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون . و من يتولّ اللّه و رسوله و الّذين آمنوا فانّ حزب اللّه هم الغالبون ٤ ، و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله فيه بعد تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » و قوله صلّى اللّه عليه و آله له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » و إجماع الامّة على كونه عليه السّلام أعلم الناس بالكتاب و السنّة ، و كيف و قد اعترف فاروقهم : بأنّه لو

ــــــــــــ

( ١ ) يونس : ٣٥ .

( ٢ ) آل عمران : ٦١ .

( ٣ ) الأحزاب : ٣٣ .

( ٤ ) المائدة : ٥٥ ٥٦ .

وليها ليحملنّهم على المحجّة البيضاء .

و ادّعاء أهل السنّة : كونهم النمط الأوسط لم يأتوا لها ببيّنة ، بل البرهان على خلافهم ، و قد قال النّظام استاذ الجاحظ و أحد شيوخ معتزلتهم ، كما في ( السروي ) ١ : عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم ، إن وفّاه حقّه غلا ، و إن بخسه حقّه أساء ، و المنزلة الوسطى دقيقة الوزن ، حادة الشاف ، صعب الترقي إلاّ على الحاذق الدين .

و روى ( أمالي المفيد ) ٢ مسندا عن جميل بن صالح ، عن أبي خالد الكابلي ، عن الأصبغ ، قال : دخل الحارث الهمداني على علي عليه السّلام في نفر من الشيعة و كنت فيهم فجعل الحارث يتأود في مشيته و يخبط الأرض بمحجنه و كان مريضا فأقبل عليه علي عليه السّلام ، و كانت له منه منزلة ، فقال له :

كيف تجدك يا حارث ؟ فقال : نال الدهر مني ، و زادني اوارا و غليلا اختصام أصحابك . قال : و فيهم اختصامهم ؟ قال : فيك و في الثلاثة من قبلك ، فمن مفرّط منهم غال ، و مفرّط قال ، و من متردد مرتاب لا يدري أيقدم أم يحجم ؟

فقال عليه السّلام : حسبك يا أخا همدان ، ألا انّ خير شيعتي النمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي و بهم يلحق التالي . فقال له الحارث : لو كشفت فداك أبي و امي الرين عن قلوبنا ، و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا . فقال عليه السّلام : إنّ دين اللّه لا يعرف بالرجال ، بل بآية الحق ، فاعرف الحق تعرف أهله ، يا حارث إنّ الحق أحسن الحديث ، و الصادع به مجاهد ، و بالحق اخبرك فأرعني سمعك ثمّ خبّر به من كان له حصافة من أصحابك . ألا إنّي عبد اللّه و أخو رسوله و صدّيقه الأكبر ، صدّقته و آدم بين الروح و الجسد ، ثم إنّي صدّيقه الأوّل في امتكم حقا ،

ــــــــــــ

( ١ ) السروي ٣ : ١٦ .

( ٢ ) الأمالي للمفيد : ٣ ٤ ، المجلس ١ .

فنحن الأوّلون و نحن الآخرون ، و نحن خاصّته و خالصته ، و أنا صنوه و وصيّه و وليّه و صاحب نجواه و سرّه ، اوتيت فهم الكتاب ، و فصل الخطاب ،

و علم القرون و الأسباب ، و استودعت الف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب،

يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد ، و ايّدت و امددت بليلة القدر نفلا ، و أنّ ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل و النهار ، حتى يرث اللّه الأرض و من عليها ، و ابشّرك يا حارث : لتعرفني عند الممات ، و عند الصراط ،

و عند الحوض ، و عند المقاسمة ، قال الحارث : و ما المقاسمة ؟ قال عليه السّلام:

مقاسمة النار اقاسمها قسمة صحيحة أقول : هذا وليّي فاتركيه ، و هذا عدوّي فخذيه . ثم أخذ عليه السّلام بيد الحارث ، و قال : أخذت بيدك كما أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله بيدي ،

فقال لي و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين لي : « إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه و حجزته يعني عصمته من ذي العرش و أخذت أنت يا علي بحجزتي ، و أخذت ذريّتك بحجزتك ، و أخذ شيعتكم بحجزتكم ، فماذا يصنع اللّه بنبيّه ، و ما يصنع نبيّه بوصيّه ؟ » خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة . أنت مع من أحببت و لك ما كسبت . يقولها ثلاثا فقام الحارث و هو يقول : ما ابالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني.

قال جميل : و أنشدني السيد الحميري في ما تضمنه هذا الخبر :

قول عليّ لحارث عجب

كم ثم اعجوبة له حملا

يا حار همدان من يمت يرني

من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه و أعرفه

بنعته و اسمه و ما عملا

و أنت عند الصراط تعرفني

فلا تخف عثرة و لا زللا

أسقيك من بارد على ظمأ

تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين نوقف

للعرض دعيه لا تقربي الرجلا

دعيه لا تقربيه إن له

حبلا بحبل الوصي متّصلا

« و الزموا السواد الأعظم ، فإنّ يد اللّه على الجماعة ، و إيّاكم و الفرقة ، فإنّ الشّاذ من الناس » أي : المنفرد منهم ، قال :

يضمّ شذاذ إلى شذاذ

من الرباب دائم التلواذ

« للشيطان ، كما أنّ الشاذ » هكذا في ( المصرية ) ١ و كذا في ( ابن ميثم ) ٢ و لكن في ( ابن أبي الحديد ٣ و الخطية ) : ( الشاذة ) .

« من الغنم للذئب » و لذا جوّز التقاطها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله لمن سأله عنها :

« هي لك أو لأخيك أو للذئب » ، و في ( تحف عقول ابن أبي شعبة الحلبي ) ٤ : سأل رجل عليّا عليه السّلام عن السنّة و البدعة و الفرقة و الجماعة ، فقال : أمّا السنة فسنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و أم البدعة فمن خالفها ، و أمّا الفرقة فأهل الباطل و إن كثروا ، و أمّا الجماعة فأهل الحقّ و ان قلّوا .

و قال ابن أبي الحديد ٥ : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لا تجتمع امّتي على خطأ ، سألت اللّه ألاّ تجتمع امّتي على خطأ فأعطانيها ، و سألت اللّه ألاّ تجتمع امّتي على ضلالة فأعطانيها .

قلت : صدق النبي صلّى اللّه عليه و آله ، لم تجتمع امّته يوما على الخطأ و على الضلالة ،

فاجتمع أجلاّء أصحابه المتفق على جلالتهم كسلمان و أبي ذر و المقداد و عمّار و حذيفة و نظرائهم على إمامته ، و كذلك كانوا شيعته عليه السّلام في كلّ عصر . و أمّا اغترارهم بالإجماع على بيعة أبي بكر ، فإنّما كان أبو بكر و عمر

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٢ : ١٢ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٣٣ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١١٢ .

( ٤ ) تحف العقول : ٢١١ .

( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١٢٣ .

و أبو عبيدة تواطؤوا ، فقال أبو بكر : بايعوا عمرا و أبا عبيدة . و قالا : لا نتقدّمك .

و أمّا باقي الناس فأخذوا البيعة منهم بالضرب بالعصا ، و من أهل بيته بإحراقهم لو لم يبايعوا ، فهم موضع قوله تعالى : . . . و غرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ١ .

« ألا من دعا الى هذا الشعار فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه » و رواه المسعودي ٢ : « من دعا إلى هذه الخصومة ٣ فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه » ، قال ابن أبي الحديد : ٤ كان شعار الخوارج أنّهم يحلقون وسط رؤوسهم ، و يبقى الشعر مستديرا حوله كالاكليل .

قلت : روى ( صفين نصر بن مزاحم ) ٥ عن شيخ من حضر موت شهد صفين معه عليه السّلام قال : أرسل عليّ عليه السّلام إلى الناس : ان احملوا . فحملوا على راياتهم كلّ قوم بحيالهم ، فتجالدوا بالسيوف ، و عمل الحديد ، لا يسمع إلاّ صوت الحديد و مرّت الصلاة كلّها لم يصلّوا إلاّ تكبيرا ، حتى تفانوا ورق الناس فخرج رجل بين الصفين ، فقال : أخرج فيكم المحلقون ؟ قلنا : لا . قال : انّهم سيخرجون ، ألسنتهم أحلى من العسل و قلوبهم أمرّ من الصبر ، لهم حمة كحمة الحيات . ثم غاب الرجل و لم يعلم من هو .

و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) مسندا عن أبي قتادة ، قال : كنّا مع علي عليه السّلام في قتال أهل النهروان ، و كنّا ستين أو سبعين من الأنصار ، و كنت على الرجالة ، فلمّا رجعنا إلى المدينة دخلنا على عايشة ، فسألتنا عن مقدمنا

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٢٤ .

( ٢ ) المسعودي ٢ : ٤٠٢ .

( ٣ ) في الأصل ( الحكومة ) .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١٢٣ .

( ٥ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٩٣ ٣٩٤ .

فأخبرناها بقتل الخوارج ، فقالت : ما كانوا يقولون ؟ قلت : يسبّون أمير المؤمنين و عثمان و أنت و يكفرونكم فلم نزل نقاتلهم و علي عليه السّلام بين أيدينا و تحته بغلة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، للّه أبوه وقف على بعض القتلى ، فقال : اقلبوهم فقلبناهم ، فاذا رجل أسود على كتفيه مثل حلمة الثدي ، فقال عليّ : اللّه أكبر و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو يقسّم غنائم حنين فجاء هذا ، فقال :

يا محمّد اعدل فو اللّه ما عدلت منذ اليوم . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : و من يعدل إذا لم أعدل ؟ فقام عمر فقال : دعني اضرب عنق هذا المنافق . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : دعه فإنّ له من يقتله ، سيخرج من ضئضى‏ء هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فقالت عايشة لأبي قتادة : أنت رأيت هذا ؟ قال : نعم ، فقالت : فما يمنعني ما كان بيني و بين عليّ أن أقول الحق : صدق عليّ ، أنا سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « تفترق امتي فرقتين ،

يمرق بينهما فرقة محلقة رؤوسهم ، محفوفة شواربهم أزرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّ الخلق إلى اللّه و رسوله » . قال أبو قتادة ، فقلت لعايشة : فقد علمت هذا فلم كان إليه منك ما كان ؟ فقالت : و كان أمر اللّه قدرا مقدورا ١ .

و في ( الطبري ) ٢ في قصة خروج المستورد أيام ولاية المغيرة على الكوفة من قبل معاوية ، و تهديد المغيرة الناس على ايوائهم و مساعدتهم :

فقام صعصعة بن صوحان رئيس الشيعة في قومه عبد القيس فخطبهم فقال :

معشر عباد اللّه ، إنّ اللّه و له الحمد كثيرا لما قسّم الفضل بن المسلمين خصّكم منه بأحسن القسم ، فأجبتم إلى دين اللّه الذي اختاره لنفسه و ارتضاه

ــــــــــــ

( ١ ) الاحزاب : ٣٨ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٨٥ .

لملائكته و رسله ، ثم أقمتم عليه حتى قبض اللّه رسوله ، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة و ارتدّت طائفة و ادهنت طائفة و تربّصت طائفة ، فلزمتم دين اللّه ايمانا به و برسوله و قاتلتم المرتدين حتى قام الدين و أهلك اللّه الظالمين ، فلم يزل اللّه يزيدكم بذلك خيرا في كلّ شي‏ء و على كلّ حال ، حتى اختلفت الامّة بينها ، فقالت طائفة : نريد طلحة و الزبير و عايشة ، و قالت طائفة : نريد أهل المغرب ، و قالت طائفة نريد عبد اللّه بن وهب الراسبي ، و قلتم أنتم : لا نريد إلاّ أهل البيت الذين ابتدأنا اللّه من قبلهم بالكرامة تسديدا من اللّه لكم و توفيقا ، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به ، حتى أهلك اللّه بكم و بمن كان على مثل هداكم و رأيكم ، الناكثين يوم الجمل و المارقين يوم النهر و سكت عن أهل الشام لأنّ السلطان كان حينئذ سلطانهم و لا قوم أعدى للّه و لكم و لأهل بيت نبيّكم و لجماعة المسلمين ، من هذه المارقة الخاطئة ، الذين فارقوا إمامنا و استحلوا دماءنا و شهدوا علينا بالكفر فايّاكم أن تؤوهم في دوركم أو تكتموا عليهم ، فانّه ليس ينبغي لحيّ من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم ، و قد و اللّه ذكر لي أنّ بعضهم في جانب من الحي و أنا باحث عن ذلك ، فان كان حكي لي ذلك حقّا تقربت إلى اللّه تعالى بدمائهم ، يا معشر عبد القيس ، إنّ ولاتنا هؤلاء هم أعرف شي‏ء بكم و برأيكم ، فلا تجعلوا لكم عليهم سبيلا . . . .

و مراده بقوله لقومه : ان ولاتكم كالمغيرة أعرف الناس بكونهم شيعة ينتهزون الفرصة لقتلهم ، فلا يجعلوا لهم وسيلة بعدم جديتهم في المارقة مع انّهم أحق الناس بقتلهم لقولهم : بكفر إمامهم .

« و إنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن و يميتا ما أمات القرآن ، و احياؤه الاجتماع عليه و اماتته الافتراق عنه ، فان جرّنا القرآن إليهم اتبعناهم و إن جرّهم إلينا

اتبعونا » في ( الطبري ) ١ : كتب كاتب التحكيم : هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان ، قاضي علي عليه السّلام على أهل الكوفة و من معهم من شيعتهم من المؤمنين و المسلمين ، و قاضي معاوية على أهل الشام و من كان معهم من المؤمنين و المسلمين : انا ننزل عند حكم اللّه عز و جل و كتابه ،

و لا يجمع بيننا غيره ، و إنّ كتاب اللّه عز و جل بيننا من فاتحه إلى خاتمه نحي ما أحيا و نميت ما أمات ، فما وجد الحكمان و هما أبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري و عمرو بن العاص القرشي في كتاب اللّه عزّ و جلّ عملا به و ما لم يجدا في كتاب اللّه عز و جل ، فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة .

« فلم آت لا أبا لكم بجرا » في ( الصحاح ) : البجر بالضم الشر و الأمر العظيم.

« و لا ختلتكم » أي : خدعتكم .

« عن أمركم و لا لبسته » بالتخفيف و التشديد ، أي : عمّيته .

« عليكم ، إنما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين ، أخذنا عليهما ألا يتعديا القرآن » .

قوله عليه السّلام في العنوان الثاني :

« فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يجعجعا » من:

جعجع البعير ، إذا برك و استناخ .

« عند القرآن و لا يجاوزاه ، و تكون ألسنتهما معه و قلوبهما تبعه » أي : تبع القرآن . أفرد التبع ، لأنّه مصدر ، يقال : هو له تبع ، و هم له تبع .

قوله عليه السّلام فيهما : « فتاها عنه » أي : تحيّرا .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٥٣ .

« و تركا الحق و هما يبصرانه ، و كان الجور هواهما » في ( الطبري ) ١ : قال عمرو بن العاص لأبي موسى : أ أنت على أن نسمّي رجلا يلي أمر هذه الامّة ؟

فسمّ لي ، فإن أقدر على أن اتابعك فلك عليّ أن اتابعك و إلاّ فلي عليك أن تتابعني . قال أبو موسى : اسمّي لك عبد اللّه بن عمر و كان في من اعتزل و قال : انّي اسمّي لك معاوية . فلم يبرحا حتى استبّا ، ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى : إنّي وجدت مثل عمرو مثل الذي قال تعالى و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ٢ فلمّا سكت أبو موسى تكلّم عمرو ، فقال : أيها الناس إنّي وجدت مثل أبي موسى كمثل الذين قال تعالى : مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا ٣ . و كتب كلّ منهما مثله الذي ضربه لصاحبه إلى الأمصار .

قلت : و صدق كلّ منهما في مثله لصاحبه ، كما صدقت اليهود و النصارى في قول كلّ منهما للآخر : و قالت اليهود ليست النصارى على شي‏ء و قالت النصارى ليست اليهود على شي‏ء .

و في ( تاريخ اليعقوبي ) ٤ بعد ذكر تسابهما : فتنادى الناس حكم و اللّه الحكمان بغير ما في كتاب اللّه ، و الشرط عليهما غير هذا .

هذا ، و قالوا : شكا أبو العيناء إلى محمّد بن سليمان من ابن المدبر تأخيره لأرزاقه ، فقال له : أنت اخترته . فقال : و ما عليّ و اختار موسى قومه سبعين رجلا ٥ فما كان منهم رجل رشيد ، فأخذتهم الرجفة ، و اختار

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٥٨ .

( ٢ ) الأعراف : ١٧٥ .

( ٣ ) الجمعة : ٥ .

( ٤ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩٠ .

( ٥ ) الأعراف : ١٥٥ .

النبي صلّى اللّه عليه و آله ابن أبي سرح كاتبا ، فلحق بالمشركين ، و اختار علي بن أبي طالب عليه السّلام أبا موسى الأشعري حكما ، فحكم عليه .

و في ( أنساب البلاذري ) : أنّ أهل البصرة اجتمعوا أي : بعد موت يزيد فقلّدوا أمرهم النعمان بن صهيان الأزدي ، ثم الراسبي و رجلا من مضر ،

ليختاروا لهم رجلا يولونه عليهم ، فقالوا : من رضيتماه لنا فقد رضينا به .

و كان رأي المضري في بني اميّة ، و رأي النعمان في بني هاشم ، فقال النعمان للمضري : ما أرى أحدا أولى بهذا الأمر من فلان يعني : رجلا من بني امية قال : أو ذاك رأيك ؟ قال : نعم . قال : فقد قلدتك أمري و رضيت بمن رضيت به . ثم خرجا إلى الناس ، و قالوا لهما : ما صنعتما ؟ فقال المضري : رضيت بمن رضي به النعمان ، فمن سمّى فأنا راض به . فقال الناس للنعمان : ما تقول ؟ فقال : ما أرى أحدا غير عبد اللّه بن الحارث يعني به فقال المضري : ما هذا الذي سمّيت . فقال : إنّه لهو . فرضى الناس به فبايعوه .

قوله عليه السّلام في الأول : « فمضيا عليه » و في الثاني : « و الاعوجاج رأيهما » باحث هشام بن الحكم بعض المخالفين في الحكمين ، قال المخالف : كانا مريدين للإصلاح . فقال : بل غير مريدين له ، قال تعالى في حكمي الزوجين ان يريدا اصلاحا يوفق اللّه بينهما ١ ، فلما لم يوفق اللّه بينهما علمنا أنّهما لم يريدا الاصلاح .

قوله عليه السّلام فيهما « و قد سبق استثناؤنا » هكذا قال المصنف في العنوانين،

و الصواب : ( استيثاقنا ) كما عرفته من الطبري ٢ و لما يأتي .

« عليهما في الحكومة بالعدل و الصمد » بالتسكين أي : القصد .

ــــــــــــ

( ١ ) النساء : ٣٥ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٥ .

« للحق » في الأول .

« في الحكم بالعدل و العمل بالحق » في الثاني .

« سوء رأيهما و جور حكمهما » السوء و الجور مفعولان ل ( سبق ) ، و الفاعل ( استيثاقنا ) ، و مما يدل على كون ( استثنائنا ) محرّف ( استيثاقنا ) أنّ نصر بن مزاحم ١ روى كتاب العهد عن زيد بن حسن هكذا : « و على الحكمين عهد اللّه و ميثاقه أن لا يألوا اجتهادا ، و لا يعتمدا جورا ، و لا يدخلا في شبهة ، و لا يعدوا حكم الكتاب و سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله ، فان لم يفعلا برئت الذمة من حكمهما ، و لا عهد لهما و لا ذمة » .

قوله عليه السّلام في الثاني : « و الثقة في أيدينا لأنفسنا ، حين خالفا سبيل الحق،

و أتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم » في ( خلفاء ابن قتيبة ) ٢ : لما خدع عمرو أبا موسى و تشاتما ، و انصرف عمرو إلى معاوية و لحق أبو موسى بمكة ،

و انصرف القوم إلى علي عليه السّلام قال عدي له عليه السّلام : أما و اللّه لقد قدّمت القرآن ،

و أخّرت الرجال ، و جعلت الحكم للّه . فقال عليّ عليه السّلام : أما إنّي قد أخبرتكم أنّ هذا يكون بالأمس ، و جهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عليّ إلى ان قال فقال علي عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام : قم فتكلّم في أمر هذين الرجلين . فقام فقال :

أيها الناس قد أكثرتم في أمر أبي موسى و عمرو ، إنّما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى ، فحكما بالهوى دون القرآن ، فمن كان هكذا لم يكن حكما ، و لكنّه محكوم عليه ، و قد كان من خطأ أبي موسى أن جعله لعبد اللّه بن عمر ، فأخطأ في ثلاث خصال : خالف أباه عمر ، إذ لم يرضه لها و لم يره أهلا لها ، و كان أبوه أعلم به من غيره ، و لا أدخله في الشورى إلاّ على الاشي‏ء له فيها ، شرطا

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٠٥ .

( ٢ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١٣٨ .

مشروطا من عمر على أهل الشورى ، فهذه واحدة ، و ثانية : لم يجمع عليه المهاجرون و الأنصار الذين يعقدون الإمامة و يحكمون على الناس ، و ثالثة : لم يستأمر الرجل في نفسه ، و لا علم ما عنده من ردّ أو قبول .

قلت : ذكره عليه السّلام الخطأ الثاني عدم قبول المهاجرين و الأنصار إنّما كان جدلا ، و إلاّ فيدلّ كتابه عليه السّلام إلى معاوية أيام بيعة الناس له أنّ أهل البيت عليهم السّلام هم خيرة اللّه ، و انّه لا خيرة للناس المهاجرين و الأنصار و غيرهما .

و لقد صدّق خطأه الأول و الثاني ابن عمر نفسه ، ففي ( الخلفاء ) ١ : انّ ابن عمر لمّا بلغه ما فعل أبو موسى كتب إليه : فانّك تقرّبت إليّ بأمر لم تعلم هواي فيه ، أ كنت تظنّ أنّي أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه أبي عمر ؟ أو كنت تراني أ تقدّم على عليّ عليه السّلام ؟ إلى أن قال ثم أعظم من ذلك : خديعة عمرو إياك إلى أن قال إنّ أبا موسى كتب في جوابه : و أما خديعة عمرو فو اللّه ما ضرّ بخديعته عليّا و لا نفع معاوية ، و قد كان الشرط ما اجتمعنا عليه ، لا ما اختلفنا فيه .

و فيه ٢ ، و في ( العقد ) ٣ : أنّه عليه السّلام أمر ابن عباس أن يتكلّم في الحكمين بعد الحسن عليه السّلام ، فقام و قال : أيّها الناس إنّ للحقّ أهلا أصابوه بالتوفيق،

و الناس بين راض به و راغب عنه ، و إنّما بعث أبو موسى بهدى إلى ضلالة ،

و بعث عمرو بضلالة إلى هدى ، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه ، و مضى عمرو بضلاله إلى أن قال و قال عليّ عليه السّلام لعبد اللّه بن جعفر : قم فتكلم . فقام و قال : أيها الناس ، إنّ هذا الأمر كان النظر فيه لعليّ عليه السّلام و الرضا فيه إلى غيره ،

جئتم بأبي موسى مبرنسا ، فقلتم : قد رضينا هذا فارض به ، و ايم اللّه ما استفدنا به علما ، و لا انتظرنا منه غائبا ، و ما نعرفه صاحبا ، و ايم اللّه ما أصلحا

ــــــــــــ

( ١ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١٣٨ .

( ٢ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١٣٨ .

( ٣ ) العقد الفريد ٥ : ٩٨ .

بما فعلا الشام ، و لا أفسدا العراق ، و لا أماتا حقّ عليّ ، و لا أحييا باطل معاوية ،

و لا يذهب الحق رقية راق ، و لا نفخة شيطان ، و نحن اليوم على ما كنّا عليه أمس.

هذا ، و قال ابن أبي الحديد ١ عن أبي عبيدة ، قال : أمر بلال بن أبي بردة و كان قاضيا بتفريق بين رجل و امرأته ، فقال الرجل : يا آل أبي موسى ، إنّما خلقكم اللّه للتفريق بين المسلمين .

و بعث ٢ عبد الملك روح بن زنباع ، و بلال بن أبي بردة بن أبي موسى إلى زفر بن الحارث الكلابي بكلام ، و حذرهما من كيده و خصّ بالتحذير روحا ،

فقال له : انّ أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبي ، علام تخوّفني الخداع و الكيد . فغضب بلال و ضحك عبد الملك .

و كتب معاوية إلى عمرو بن العاص و هو على مصر و قد قبضها بالشرط الذي اشترط معاوية : أمّا بعد فإنّ سؤّال أهل الحجاز ، و زوّار أهل العراق كثروا عليّ ، و ليس عندي فضل عن أعطيات الحجاز ، فأعنّي بخراج مصر هذه السنة . فكتب إليه عمرو : أن تدركك نفس شحيحة ، فما مصر إلاّ كالهباء في التراب ، و ما نلتها عفوا و لكن شرطتها ، و قد دارت الحرب العوان على قطب ، و لو لا دفاعي الأشعري و رهطه لألفيتها ترغو كراغية السّقب ثم كتب في ظاهر الكتاب :

معاوي حظي لا تغفل

و عن سنن الحق لا تعدل

أتنسى مخادعة الأشعري

و ما كان في دومة الجندل

ألين فيطمع في غرتي

و سهمي قد خاض في المقتل

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٥٦ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٥٧ .

المظه عسلا باردا

و اخبا من تحته الحنظل

و أعليته المنبر المشمخر

كرجع الحسام إلى المفصل

فأضحى لصاحبه خالعا

كخلع النعال من الأرجل

و أثبتّها فيك موروثة

ثبوت الخواتيم في الأنمل

وهبت لغيري وزن الجبال

و أعطيتني زنة الخردل

و أنّ عليّا غدا خصمنا

سيحتج باللّه و المرسل

و ما دم عثمان منج لنا

و ليس عن الحق من مرجل

فلمّا بلغ الجواب إلى معاوية لم يعاوده في شي‏ء من أمر مصر بعدها ١ .

قلت : و في ( العقد ) ٢ : كان رجل يحدّث بأخبار بني إسرائيل ، فقال له الحجاج ابن خيثمة : ما كان اسم بقرة بني إسرائيل ؟ قال : خيثمة . فقال له رجل من ولد أبي موسى: أين وجدت هذا ؟ قال في كتاب عمرو بن العاص .

و فيه : بعث بلال بن أبي بردة في ابن أبي علقمة الممرور ، فلمّا أتى قال :

أتدري لم بعثت إليك ؟ قال : لا . قال : بعثت إليك لأضحك منك . فقال له الممرور:

لقد ضحك أحد الحكمين من صاحبه عرّض له بجده أبي موسى ، و ضحك عمرو من خداعه له فغضب عليه بلال ، و أمر به إلى الحبس ، فكلّمه الناس و قالوا : إنّ المجنون لا يعاقب و لا يحاسب . فأمر بإطلاقه و أن يؤتى به إليه ،

فاتي به يوم السبت ، و في كمّه طرائف اتحف بها في الحبس ، فقال له بلال :

ناولني من هذا الذي في كمّك . قال : هو يوم سبت ليس يعطى فيه و لا يؤخذ.

عرّض به بعمة كانت له من اليهود .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٥٦ .

( ٢ ) العقد الفريد ٤ : ١٣٠ .

٣

الخطبة ( ١٢٣ ) و من كلام له عليه السّلام في التّحكيم :

إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ اَلرِّجَالَ وَ إِنَّمَا حَكَّمْنَا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ وَ هَذَا ؟ اَلْقُرْآنُ ؟ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ وَ إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ وَ لَمَّا دَعَانَا اَلْقَوْمُ إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ لَمْ نَكُنِ اَلْفَرِيقَ اَلْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَ ؟ اَلرَّسُولِ ؟ ١٤ ٢٢ ٤ : ٥٩ ١ فَرَدُّهُ إِلَى اَللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ وَ رَدُّهُ إِلَى ؟ اَلرَّسُولِ ؟ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اَللَّهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ اَلنَّاسِ بِهِ وَ إِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ فَنَحْنُ أَوْلاَهُمْ بِهِ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي اَلتَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ اَلْجَاهِلُ وَ يَتَثَبَّتَ اَلْعَالِمُ وَ لَعَلَّ اَللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ اَلْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ لاَ تُؤْخَذَ بِأَكْظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ اَلْحَقِّ وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ اَلْغَيِّ إِنَّ أَفْضَلَ اَلنَّاسِ عِنْدَ اَللَّهِ مَنْ كَانَ اَلْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ إِنْ نَقَصَهُ وَ كَرَثَهُ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ إِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَ زَادَهُ أَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ اِسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ اَلْحَقِّ لاَ يُبْصِرُونَهُ وَ مُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لاَ يَعْدِلُونَ بِهِ جُفَاةٍ عَنِ اَلْكِتَابِ نُكُبٍ عَنِ اَلطَّرِيقِ مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا وَ لاَ زَوَافِرَ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ اَلْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَ يَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اَلنِّدَاءِ وَ لاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ اَلنَّجَاءِ

ــــــــــــ

( ١ ) النساء : ٥٩ .

أقول : العنوان مأخوذ من كلامه عليه السّلام في ثلاثة مواضع ، فمن أوله إلى قوله : « و تنقاد لأول الغي » كلامه عليه السّلام مع الخوارج ، رواه الطبري ١ و ( إرشاد المفيد ) ٢ إلى قوله : « و لعل اللّه أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الامة » ، و من قوله : « إنّ أفضل الناس عند اللّه إلى و إن جرّ إليه فائدة و زاده » نصحه لعمرو بن العاص في حكميته ، رواه الطبري ٣ مع زيادات ، ففيه : قال أبو مخنف : قال النضر بن صالح العبسي : كنت مع شريح بن هاني في غزوة سجستان ،

فحدّثني أنّ عليّا عليه السّلام أو صاه بكلمات إلى عمرو بن العاص ، قال : قل له : إنّ عليّا يقول لك « إنّ أفضل الناس عند اللّه عز و جل : من كان العمل بالحق أحبّ إليه و ان نقصه و كرثه من الباطل و ان حن إليه و زاده . و اللّه يا عمرو انّك لتعلم أين موضع الحق ، فلم تجاهل إن اوتيت طمعا يسيرا كنت به للّه و أوليائه عدوّا ،

فكان و اللّه ما اوتيت قد زال عنك ؟ ويحك فلا تكن للخائنين خصيما ٤ و لا للظالمين ظهيرا أما إنّي أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم ، و هو يوم وفاتك ، تمنّى انّك لم تظهر للمسلم عداوة ، و لم تأخذ على حكم رشوة » قال شريح : فبلغته ذلك فتمعر وجهه ، ثم قال : متى كنت أقبل مشورة عليّ ، أو أنتهي إلى أمره ، أو أعتد برأيه ؟ فقلت له : و ما يمنعك يابن النابغة أن تقبل من مولاك و سيد المسلمين بعد نبيّهم مشورته ، فقد كان من هو خير منك أبو بكر و عمر يستشيرانه و يعملان برأيه ؟ فقال : إنّ مثلي لا يكلّم مثلك . فقلت له : و بأي أبويك ترغب عني ، أبأبيك الوشيظ ، أم بامّك النابغة ؟

و من قوله : « استعدوا للمسير . . . » حث لأصحابه لقتال معاوية بعد قتل

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٠ ٥١ .

( ٢ ) الارشاد للمفيد : ٢٧١ ، مؤسسة آل البيت عليهم السّلام .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٦٩ .

( ٤ ) النساء : ١٠٥ .

أهل النهروان ، رواه الطبري ١ أيضا ، ففيه : قال زيد بن وهب : إنّ عليّا عليه السّلام قال للناس و هو أوّل كلام قاله لهم بعد النهر : « أيّها الناس استعدوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القربة إلى اللّه ، و درك الوسيلة عنده ، حيارى في الحق ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان و يكبون في غمرة الضلال فأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل ٢ ، و توكلوا على اللّه و كفى باللّه وكيلا ٣ و كفى باللّه نصيرا ٤ » قال زيد : فلا نفروا و لا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا ، دعا رؤساءهم و وجوههم فسألهم عن رأيهم ، فمنهم المعتل و منهم المكره و أقلّهم من نشط ، فقام فيهم خطيبا فقال : عباد اللّه ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ٥ ، و بالذل و الهوان من العزّ ؟ أو كلّما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنّكم من الموت في سكرة ، و كأنّ قلوبكم مالوسة فأنتم لا تعقلون ، و كأنّ أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون ؟ للّه أنتم ما أنتم الاّ اسود الشّرى في الدّعة ، و ثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، ما أنتم بركب يصال بكم ، و لا ذي عز يعتصم إليه ، لعمر اللّه لبئس حشّاش الحرب أنتم تكادون و لا تكيدون ، و ينتقص أطرافكم و لا تتحاشون ، و لا ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون ، إنّ أخا الحرب اليقظان ،

و بات لذل من وادع ، و غلب المتخاذلون ، و المغلوب مقهور و مسلوب .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٩٠ .

( ٢ ) الأنفال : ٦٠ .

( ٣ ) النساء : ٨١ .

( ٤ ) النساء : ٤٥ .

( ٥ ) التوبة : ٣٨ .

كما أنّ الصدر رواه الطبري ١ أيضا مع زيادة و نقصان ، ففيه : خرج عليّ عليه السّلام إلى الخوارج و قال : اللّهم إنّ هذا مقام من أفلح فيه كان أولى بالفلح يوم القيامة ، و من نطف فيه أو عسف فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلا ٢ . ثم قال عليه السّلام لهم : من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . فقال : فما أخرجكم علينا ؟ قالوا : حكومتكم يوم صفين . قال : أنشدكم باللّه أ تعلمون انّهم حيث رفعوا المصاحف ، فقلتم : نجيبهم إلى كتاب اللّه ، قلت لكم : « إنّي أعلم بالقوم منكم إنّهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي صحبتهم و عرفتهم أطفالا و رجالا ، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال ، امضوا على حقّكم و صدقكم ، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهنا و مكيدة » فرددتم عليّ رأيي و قلتم : لا بل نقبل منهم . فقلت لكم : « اذكروا قولي لكم و معصيتكم إياي » فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين : أنّ يحييا ما أحيا القرآن ، و أن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن ،

و إن أبيا فنحن من حكمهما براء . قالوا له : فخبّرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟ فقال : إنّا لسنا حكّمنا الرجال ، إنّما حكّمنا القرآن ، و هذا القرآن إنّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق ، إنّما يتكلم به الرجال . قالوا : فخبّرنا عن الأجل ، لم جعلته في ما بينك و بينهم ؟ قال : ليعلم الجاهل و يتثبت العالم ، و لعلّ اللّه عز و جل يصلح في هذه الهدنة هذه الامة . ادخلوا مصركم رحمكم اللّه .

فدخلوا من عند آخرهم .

و حيث إنّ الكلام كلّه خطاب و عتاب للخوارج ، و لأحد الحكمين و للناس بعد قتلهم ، جمع المصنف بينها و جعلها تحت عنوان واحد ، كما هو دأبه .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٦٥ ٦٦ .

( ٢ ) الاسراء : ٧٢ .

« و من كلام له عليه السّلام في التحكيم » هكذا في ( المصرية ) ١ و ( ابن ميثم ) ٢ و ( الخطية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد ) ٣ « و من كلام له عليه السّلام في الخوارج لما أنكروا تحكيم الرجال ، و يذمّ فيه أصحابه في التحكيم » . و لا بدّ انّه حاشية خلطه ابن أبي الحديد نفسه أو كاتب نسخته بالمتن .

قوله عليه السّلام : « إنّا لم نحكم الرجال » . . . ان الحكم إلاّ للّه . . . ٤ .

« و إنّما حكمنا القرآن » كلام اللّه و كتابه .

« و هذا القرآن إنّما هو خط مستور » هكذا في ( المصرية ) ٥ و هو غلط و الصواب : ( مسطور ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ٦ و غيرهما .

« بين الدفتين » قال ابن أبي الحديد ٧ : دفتا المصحف : جانباه اللذان يكتنفانه ، و كان الناس يعملانها قديما من خشب ، و يعملونها الآن من جلد .

قلت : و في ( الجمهرة ) الدف : صفحة الجنب .

« لا ينطق بلسان و لا بد له من ترجمان » ذكره ( الصحاح ) في : رجم ،

و ( القاموس ) في : ترجم ، و قال : الفعل منه ترجمه يدل على اصالة التاء ،

و الترجمان كعنفوان و زعفران مفسّر اللسان . و ذكره كتاب لغة في الأفعال ،

في الرباعي أيضا .

« و إنّما ينطق عنه الرجال » فالحاكم في الحقيقة هو ، لا الرجال ، كالمترجم عن القاضي .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٢ : ٧ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٢٤ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١٠٣ .

( ٤ ) الأنعام : ٥٧ .

( ٥ ) الطبعة المصرية ٢ : ٧ .

( ٦ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٢٦ .

( ٧ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١٠٤ .

« و لما دعانا القوم الى أن نحكم بيننا القرآن » و ان كانت دعوتهم مجرّد لفظ .

« لم نكن الفريق المتولي على » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عن ) كما في ( ابن ميثم ) ١ و غيره .

« كتاب اللّه » لأنّه عليه السّلام أوّل من آمن باللّه ، فكيف يعقل توليه عن كتابه ؟ « و قد قال اللّه سبحانه : فان تنازعتم في شي‏ء فردوه الى اللّه و الرسول و الآية في سورة النساء ، و قبلها : يا أيها الذين آمنوا اطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و اولي الأمر منكم . و بعدها : ان كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر . . . ٢ .

« فرده الى اللّه أن نحكم بكتابه و رده الى الرسول ان نحكم بسنته » بيان للمراد من الآية .

« فإذا حكم بالصدق في كتاب اللّه » لا كما حكم الحكمان .

« فنحن أحقّ الناس به ، و إن حكم بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنحن أولاهم به » إلاّ انّهم أرادوا المكيدة ، لا الكتاب أرادوا و لا السنّة .

و في ( العقد ) ٣ : قالوا : إنّ عليّا عليه السّلام لما اختلف عليه أهل النهروان و أصحاب البرانس ، و نزلوا قرية يقال لها حرورا ، رجع إليهم فقال : يا هؤلاء من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . قال : فليبرز اليّ . فخرج إليه ابن الكواء ، فقال عليه السّلام له :

ما الذي أخرجكم بعد رضاكم بالحكمين ؟ قال : قاتلت بنا عدوا لا نشكّ في جهاده ، فزعمت أنّ قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار ، فبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقا و حكّمت كافرا ، و كان من شكك في أمر اللّه أن قلت للقوم حين

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١٢٦ .

( ٢ ) النساء : ٥٩ .

( ٣ ) العقد الفريد ٥ : ٩٩ .

دعوتهم : « كتاب اللّه بيني و بينكم ، فإن قضى عليّ بايعتكم ، و إن قضى عليكم بايعتموني » فلو لا شكك لم تفعل هذا و الحق في يدك . فقال عليه السّلام : يا ابن الكواء إنّما الجواب بعد الفراغ ، أفرغت ؟ قال : نعم . قال : أمّا قتالك معي عدوا لا نشكّ في جهاده فصدقت ، و لو شككت فيهم لم اقاتلهم ، و أمّا قتلاهم و قتلانا ، فقد قال اللّه في ذلك ما يستغنى به عن قولي ، و أمّا إرسالي المنافق و تحكيمي الكافر ، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا و معاوية حكّم عمرا ، أتيت بأبي موسى مبرنسا فقلت : « لا نرضى إلاّ أبا موسى » فهلا قام اليّ رجل منكم ، فقال : لا نعطي هذه الدنية فإنّها ضلالة ؟ و أمّا قولي لمعاوية : إن جرني إليك كتاب اللّه تبعتك و إن جرّك اليّ تبعتني ، زعمت أنّي لم أعط ذلك إلاّ من شك ، فحدّثني ويحك عن اليهود و النصارى و مشركي العرب . أهم أقرب إلى كتاب اللّه أم معاوية و أهل الشام ؟ قال : بل معاوية و أهل الشام . قال : افالنبي صلّى اللّه عليه و آله كان أوثق بما في يده من كتاب اللّه أو أنا ؟ قال : بل النبي . قال : أفرأيت اللّه تعالى حين يقول قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما اتبعه ان كنتم صادقين ١ اما كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يعلم أنّه لا يؤتى بكتاب هو أهدى فيما في يديه ؟ قال : بلى . قال : فلم أعطى النبي صلّى اللّه عليه و آله القوم ما أعطاهم ؟ قال : انصافا و حجّة . قال : فإنّي أعطيت القوم ما أعطاهم النبي صلّى اللّه عليه و آله . قال ابن الكواء : هذه واحدة ، زدني . قال : فما أعظم ما نقمتم عليّ ؟ قال : تحكيم الحكمين ، نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكا .

قال عليّ عليه السّلام : فمتى سمّي أبو موسى حكما ، حين ارسل أو حين حكم ؟ قال:

حين ارسل . قال : أ ليس قد سار و هو مسلم ، و أنت ترجو أن يحكم بما أنزل اللّه ؟

قال : نعم . قال : فلا أرى الضلال في إرساله . فقال ابن الكواء : سمّي حكما حين حكم . قال : نعم ، إذن فارساله كان عدلا ، أرأيت يابن الكواء لو أنّ النبي بعث

ــــــــــــ

( ١ ) القصص : ٤٩ .

مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب اللّه ، فارتد على عقبه كافرا كان يضرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله شيئا ؟ قال : لا . قال عليه السّلام : فما كان ذنبي أن كان أبو موسى ضلّ ؟ هل رضيت حكومته حين حكم أو قوله إذا قال ؟ قال : لا ، و لكنك جعلت مسلما و كافرا يحكمان في كتاب اللّه . قال عليه السّلام : ويلك يابن الكواء هل بعث عمرا غير معاوية ؟ و كيف احكمه و حكمه على ضرب عنقي ؟ إنّما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك ، و قد يجتمع المؤمن و الكافر يحكمان في أمر اللّه ،

أرأيت لو أنّ رجلا مؤمنا تزوج يهودية أو نصرانية ، فخافا شقاق بينهما ،

فضرع الناس إلى كتاب اللّه و في كتابه : فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها ١ ، فجاء رجل من اليهود أو النصارى و رجل من المسلمين ، اليسا اللذين لهما أن يحكما كما في كتاب اللّه فحكما ؟ قال ابن الكواء : و هذه أيضا ،

أمهلنا حتى ننظر . . .

و لابن أبي الحديد هنا كلام رث لم نتعرّض له .

« و أمّا قولكم لم جعلت بينكم و بينهم أجلا في التحكيم ؟ فإنّما فعلت ذلك ليتبين الجاهل و يتثبّت العالم ، و لعلّ اللّه أن يصلح في هذه الهدنة » أي : المصالحة و المتاركة .

« أمر هذه الامة » كما في صلح الحديبية .

« و لا تؤخذ باكظامها » جمع الكظم ، أي : مخرج النفس ، يقال : أخذت بكظمه .

« فتعجل عن تبين الحق و تنقاد لأوّل الغي » إن لم يكن أجل في البين .

« إنّ أفضل الناس عند اللّه من كان العمل بالحق أحبّ إليه و ان نقصه و كرثه » في ( الجمهرة ) : كرثني هذا الأمر كرثا : إذا ثقل عليك .

« من الباطل » متعلق بقوله : « احب » .

ــــــــــــ

( ١ ) النساء : ٣٥ .

« و إن جرّ إليه فائدة و زاده » قد عرفت أنّ قوله عليه السّلام : « إنّ أفضل الناس . . . » كلامه عليه السّلام لعمرو بن العاص ، قال عليه السّلام ذلك لأنّه لازم الايمان ، فالحق و ان نقص و كرث في الدنيا يزيد في الآخرة و يسر ، و الباطل و إن جرّ فائدة في الدنيا إلاّ أنّه خسران في الآخرة .

« أين » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( فأين ) كما في الثلاثة ، ثم قد عرفت أنّه من هنا عتاب لأصحابه في تركهم معاودة قتال معاوية .

« يتاه بكم » أي : في أيّ مكان تذهبون متحيّرين ؟

« من » هكذا في ( المصرية ) ٢ و الصواب : ( و من ) كما في الثلاثة .

« أين أتيتم » أتاكم الشيطان ، أو أتاكم الخصم حتى صرتم هكذا بلا حمية .

« استعدوا للمسير في قوم » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و الصواب : ( إلى قوم ) كما في ( ابن ميثم ) و غيره .

« حيارى عن الحقّ لا يبصرونه » أي : معاوية و أهل الشام .

« و موزعين بالجور » أي : مغرون به . أوزعته بالشي‏ء ، أي : أغريته . و قول ابن أبي الحديد ٤ « أي ملهمون » غلط ، فلا معنى للالهام هنا ، كما في قوله تعالى . . . أوزعني ان أشكر نعمتك . . . ٥ .

« جفاة » أي : مرتفعين .

« عن الكتاب » الذي أنزله تعالى .

« نكب » أي : عادلين .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٢ : ٨ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٢ : ٨ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ٢ : ٩ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١٠٦ ١٠٧ .

( ٥ ) النمل : ١٩ .

« عن الطريق » إلى اللّه تعالى .

« ما أنتم بوثيقة » أي : عروة محكمة .

« يعلق بها » فيحصل فيكم الانفصام .

« و لا زوافر » أي : أعمدة و أسباب التقوّي ، قال الحطيئة :

فان تك ذا عز حديث فإنّهم

ذوو إرث مجد لم تخنه زوافره

« عزّ يعتصم إليها » فيقدح فيكم الانهدام « لبئس حشاش » أي : موقدو :

« نار الحرب أنتم . افّ لكم » و الافّ : إظهار تضجر ، و في ( الجمهرة ) : قال أبو زيد في قولهم : اف و تف : الافّ الأظفار ، و التفّ : وسخ الأظفار .

« لقد لقيت منكم برحا » أي : شدّة شديدة ، قال جران العود :

الاقي الخنا و البرح من امّ جابر

و ما كنت ألقى من رزينة أبرح

و في ( الجمهرة ) : إذا أصاب الرامي قالوا : مرحى . و إذا أخطأ قالوا : برحى.

« يوما اناديكم و يوما اناجيكم ، فلا أحرار صدق عند النداء » أي : للحرب .

« و لا إخوان ثقة عند النجاء » مصدر ( ناجى ) كالمناجاة ، أي : لكشف المعضلات و دفع المحذورات .

٤

الخطبة ( ١٢٠ ) و من كلام له عليه السّلام قاله للخوارج و قد خرج إلى معسكرهم و هم مقيمون على إنكار الحكومة ، فقال عليه السّلام :

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا ؟ صِفِّينَ ؟ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ ؟ صِفِّينَ ؟ فِرْقَةً وَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا

فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ بِكَلاَمِهِ وَ نَادَى اَلنَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ اَلْكَلاَمِ وَ أَنْصِتُوا لِقَوْلِي وَ أَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ ع بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ مِنْهُ أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ اَلْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَ غِيلَةً وَ مَكْراً وَ خَدِيعَةً إِخْوَانُنَا وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا اِسْتَقَالُونَا وَ اِسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ اَلْقَبُولُ مِنْهُمْ وَ اَلتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَ بَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَ اِلْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وَ عَضُّوا عَلَى اَلْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ وَ لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وَ إِنْ تُرِكَ ذَلَّ وَ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ اَلْفَعْلَةُ وَ قَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا وَ لاَ حَمَّلَنِي اَللَّهُ ذَنْبَهَا وَ وَ اَللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ اَلَّذِي يُتَّبَعُ وَ إِنَّ اَلْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ وَ إِنَّ اَلْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى اَلْآباءِ وَ اَلْأَبْنَاءِ وَ اَلْإِخْوَانِ وَ اَلْقَرَابَاتِ فَلاَ نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَ شِدَّةٍ إِلاَّ إِيمَاناً وَ مُضِيّاً عَلَى اَلْحَقِّ وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ اَلْجِرَاحِ وَ لَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي اَلْإِسْلاَمِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ اَلزَّيْغِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ وَ اَلشُّبْهَةِ وَ اَلتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اَللَّهُ بِهِ شَعَثَنَا وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى اَلْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَ أَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا قول المصنّف : « و من كلام له عليه السّلام قاله » ليس ( قاله ) في نسخة ابن ميثم ١ .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٨ .

« للخوارج و قد خرج الى معسكرهم » أي : محل عسكرهم .

« و هم مقيمون على انكار الحكومة » ليست هذه الجملة في نسخة ابن ميثم ١.

في ( تاريخ اليعقوبي ) ٢ : صارت الخوارج إلى قرية يقال لها حروراء ،

و بينها و بين الكوفة نصف فرسخ ، و بها سمّوا الحرورية ، و رئيسهم عبد اللّه بن وهب الراسبي و ابن الكواء و شبث بن ربعي ، فجعلوا يقولون : لا حكم إلاّ للّه .

فلمّا بلغ عليّا عليه السّلام ذلك قال : كلمة حقّ اريد بها باطل . ثم خرجوا في ثمانية آلاف و قيل في اثني عشر ألفا فوجّه عليه السّلام إليهم ابن عباس ، فكلّمهم و احتجّوا عليه ،

فخرج إليهم عليّ عليه السّلام فقال : افتشهدون عليّ بجهل ؟ قالوا : لا . قال : فتنفذون أحكامي ؟ قالوا : نعم . قال : ارجعوا إلى كوفتكم حتى نتناظر . فرجعوا من عند آخرهم ، ثمّ جعلوا يقومون فيقولون : لا حكم إلاّ للّه . فيقول عليه السّلام : حكم اللّه أنتظر فيكم .

« فقال عليه السّلام » ليست الكلمة في نسخة ابن ميثم ٣ ، و عليها يكون ( أكلكم . . . ) الخ مبتدأ لقوله : « و من كلام له » و لا يرد على المصنف ما يأتي على نقل غيره .

« أ كلّكم شهد معنا صفين ؟ قالوا : منّا من شهد و منّا من لم يشهد . قال :

فامتازوا فرقتين ، فليكن من شهد صفين فرقة ، و من لم يشهدها » و في نسخة ابن ميثم ٤ : « و من لم يشهد » .

« فرقة حتى اكلّم كلاّ » و زاد ابن أبي الحديد : « منكم » .

« بكلامه . و نادى الناس فقال : أمسكوا عن الكلام و أنصتوا » أي : اسكتوا.

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٨ .

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩١ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٨ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٨ .

« و اقبلوا بأفئدتكم إليّ ، فمن نشدناه شهادة » ليست الكلمة في نسخة ابن ميثم ١ .

« فليقل بعلمه فيها . ثم كلّمهم عليه السّلام بكلام طويل منه » هكذا في ( المصرية ) ٢ و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ) ٤ : « ثم كلّمهم عليه السّلام بكلام طويل من جملته أن قال » .

و كيف كان ، ففي ( تاريخ اليعقوبي ) ٥ بعد ما مرّ : و خرجت الحرورية من الكوفة ، فوثبوا على ابن خباب فقتلوه ، فخرج عليّ عليه السّلام إليهم ، و قال لابن عباس : قل لهم : ما نقمتم على أمير المؤمنين ؟ ألم يحكم فيكم بالحق ، و يقم فيكم العدل ، و لم يبخسكم شيئا من حقوقكم ؟ فناداهم ابن عباس بذلك ، فقالت طائفة منهم : و اللّه لا نجيبه . و قالت الأخرى : و اللّه لنجيبنّه ثم لنخصمنّه ، نعم يا بن عباس ، نقمنا عليه خصالا كلّها موبقة ، و لو لم نخصمه إلاّ بخصلة خصمناه : محا اسمه من إمرة المؤمنين يوم كتب إلى معاوية ، و رجعنا عنه يوم صفين فلم يضربنا بسيفه حتى نفي‏ء إلى أمر اللّه ، و حكّم الحكمين ،

و زعم أنّه وصيّ فضيع الوصية ، و جئتنا يابن عباس في حلّة حسنة جميلة تدعونا إلى مثل ما يدعونا إليه . فقال بن عباس له عليه السّلام : قد سمعت مقالة القوم و أنت أحقّ بالجواب . فقال عليه السّلام : حججتهم و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة ،

قل لهم : ألستم راضين بما في كتاب اللّه و بما فيه من اسوة رسول اللّه ؟ قالوا :

بلى . فقال عليه السّلام : كتب كاتب النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم الحديبية إذ كتب إلى سهيل بن

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٨ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٢ : ٢ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩٧ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٨ .

( ٥ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩١ ١٩٢ .

عمرو و صخر بن حرب و من قبلهما من المشركين : « من محمّد رسول اللّه » فكتبوا إليه : « لو علمنا انّك رسول اللّه ما قاتلناك ، فاكتب إلينا : من محمّد بن عبد اللّه لنجيبك » . فمحا النبي صلّى اللّه عليه و آله اسمه بيده و قال : إنّ اسمي و اسم أبي لا يذهبان بنبوّتي . فكتب : « من محمّد بن عبد اللّه » . ففي برسول اللّه اسوة حسنة . و أمّا قولكم : إنّي لم أضربكم بسيفي حتى تفيئوا إلى أمر اللّه ، فإنّ اللّه عز و جل يقول : و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ١ ، كنتم عددا جمّا و أهل بيتي في عدة يسيرة . و أمّا قولكم : إنّي حكمت الحكمين ، فإنّ اللّه عزّ و جل حكم في أرنب يباع بربع درهم فقال : يحكم به ذوا عدل منكم ٢ و لو حكم الحكمان بما في كتاب اللّه لما وسعني الخروج من حكمهما . و أمّا قولكم :

إنّي كنت وصيا فضيعت الوصيّة ، فإنّ اللّه عز و جل يقول : و للّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا و من كفر فإنّ اللّه غنيّ عن العالمين ٣ . أ فرأيتم هذا البيت لو لم يحجّ إليه أحد كان البيت يكفر ، أم لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر ؟ و أنتم كفرتم بترككم إياي ، لا أنا كفرت بتركي لكم . فرجع منهم ألفان .

قوله عليه السّلام : « أ لم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة و غيلة » من : « أرضعته غيلة » ، أي : على حبل ، و هو مفسد للصبي ، يقال : الارضاع غيلة كالقتل غيلة .

« و مكرا و خديعة » كلّها مفعول له لقوله : « رفعهم » .

« إخواننا » مقول قولهم .

« و أهل دعوتنا استقالونا » من القتال .

ــــــــــــ

( ١ ) البقرة : ١٩٥ .

( ٢ ) المائدة : ٩٥ .

( ٣ ) آل عمران : ٩٧ .

« و استراحوا الى كتاب اللّه سبحانه ، فالرأي القبول منهم و التنفيس » أي :

الترفيه .

« عنهم . فقلت لكم : هذا أمر ظاهره ايمان و باطنه عدوان ، و أوّله رحمة و آخره عداوة ، فأقيموا على شأنكم و الزموا طريقتكم » في ( الطبري ) ١ في حرب يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك أيام يزيد بن عبد الملك : دعا ابن المهلب رؤوس أصحابه ، فقال لهم : قد رأيت أن أجمع اثني عشر ألف رجل ، فأبعثهم مع محمّد أخي حتى يبيّتوا مسلمة ، و يحملوا معهم البراذع و الأكف و الزبل ،

لدفن خنادقهم فنقاتلهم على خندقهم بقية ليلتهم ، فاذا أصبحت نهضت إليهم بالناس فنناجزهم . قال السميدع : إنّا قد دعوناهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه ، و قد زعموا أنّهم قابلوا هذا منّا ، فليس لنا ان نمكر و لا نغدر و لا نريدهم بسوء ، حتى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه ، فقال لهم يزيد بن المهلب : ويحكم أتصدقون بني اميّة أنّهم يعملون بالكتاب و السنّة ، و قد منعوا ذلك منذ كانوا أنّهم أرادوا أن يكفوكم عنهم حتى يعملوا في المكر ؟ إنّي قد لقيت بني مروان ،

و ما لقيت رجلا هو أمكر من هذه الجرادة الصفراء يعني : مسيلمة . فقالوا : لا نرى أن نفعل ذلك حتى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه منّا . . . .

« و عضّوا على الجهاد بنواجذكم » النواجذ أربعة في أقصى الأسنان بعد الأرحاء .

« و لا تلتفتوا الى ناعق نعق » أي : لا تكونوا كالأغنام ، يقال : نعق الراعي بغنمه . بالكسر أي : صاح بها .

قال الأخطل لجرير :

أنعق بضأنك يا جرير فإنّما

منّتك نفسك في الخلاء ضلالا

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٦ : ٥٩٣ .

« إن اجيب أضلّ » فنعق أهل الشام صار سببا لضلال الخوارج .

« و إن ترك ذلّ » فلو كانوا لم يمشوا بنعقهم ، لصاروا ذليلين و اسراء مقهورين.

« و قد كانت هذه الفعلة ، و قد رأيتكم أعطيتموها ، و اللّه لئن أبيتها ما وجبت عليّ فريضتها و لا حملني اللّه ذنبها ، و و اللّه إن جئتها إنّي للمحقّ الذي يتّبع ، و إنّ الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته » هذه الفقرات كلّها من قوله : « و قد كانت » إلى هنا ،

ليس منها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) أثر و لا إشارة بوجودها في نسخة أو رواية ، و نسختهما هي الصحيحة ، لا سيما الثاني الذي نسخته بخط المصنّف ، فالظّاهر أنّ بعضهم رأى هذا الكلام زائدا في كلامه عليه السّلام في موضع آخر ، فنقله حاشية ، فخلط بالمتن .

و لقد وقفت في كلامه عليه السّلام على ما يناسبه ، ففي ( الطبري ) ١ قال عليه السّلام للناس بعد التحكيم : قد فعلتم فعلة ضعضعت قوّة ، و اسقطت منّة ، و أورثت و هنا و ذلّة ، و لما كنتم الأعلين و خاف عدوكم الاجتياح ، و استحر بهم القتل و وجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف و دعوكم إلى ما فيها ليفتئوكم عنهم ،

و يقطعوا الحرب في ما بينكم و بينهم ، و يتربصون ريب المنون خديعة و مكرا ،

فأعطيتموهم ما سألوا ، و أبيتم إلاّ أن تدهنوا و تخوروا ، و ايم اللّه ما أظنّكم بعدها توافقون رشدا ، و لا تصيبون باب حزم .

« فلقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنّ القتل ليدور على » هكذا في ( المصرية ) ٢ ،

و الصواب : ( بين ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٤٠ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٢ : ٣ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٩ .

« الآباء و الأبناء و الاخوان و القرابات ، فلا نزداد على كلّ مصيبة و شدّة إلاّ إيمانا و مضيّا على الحق ، و تسليما للأمر ، و صبرا على مضض » أي : ألم .

« الجراح » مرّ في فصل النبوّة نظير هذا الكلام من قوله : « و لقد » من العنوان ( ٥٥ ) : « و من كلام له عليه السّلام : و لقد كنّا مع رسول اللّه نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيمانا و تسليما و مضيا على اللقم ،

و صبرا على مضض الألم ، و جدا على جهاد العدو ، و لقد كان الرجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين ، يتخالسان أنفسهما : أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون ؟ فمرّة لنا من عدوّنا و مرة لعدوّنا ، فلمّا رأى اللّه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت ، و أنزل علينا النصر ، حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه و متبوّءا أو طانه ، و لعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، و لا أخضرّ للإيمان عود » .

مرّ ثمة أنّ نصر بن مزاحم ١ روى : أنّه عليه السّلام قال ذلك الكلام يوم صفّين،

حين أقرّ الناس بالصلح ، فالظاهر أنّ الأصل فيهما واحد .

و كيف كان فقول ابن أبي الحديد : « إنّ قوله عليه السّلام : و لقد كنّا . . . غير مربوط بسابقه ، و إنّما نقله الرضي على حسب عادته » في غير محله ، فربطه بسابقه و هو قوله : « و عضوا على الجهاد بنواجذكم إلى و إن ترك ذل » على نقله واضح ، و المراد حثّ أصحابه على التأسّي بأصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله في ثباتهم .

« و لكنّا إنّما أصبحنا نقاتل اخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ و الاعوجاج و الشبهة و التأويل ، فاذا طمعنا في خصلة يلم اللّه به شعثنا ، و نتدانى بها إلى البقية في ما بيننا ، رغبنا فيها ، و أمسكنا عمّا سواها » قال ابن أبي الحديد ٢ : هذا

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٢٠ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩٩ .

الكلام من قوله : « و لكننا » مخالف في الظاهر للفصل الأول ، لأنّ الأول فيه إنكار الإجابة للتحكيم و هذا يتضمن تصويبها ، و ظاهر الحال أنّه بعد كلام طويل و قد قال المصنف في أوّل الفصل : إنّه من جملة كلام طويل و أنّه لما ذكر التحكيم قال ما كان يقوله دائما ، و هو : إنّي إنّما حكمت على أن نعمل في هذه الوقعة بحكم الكتاب ، و إنّي كنت احارب قوما ادخلوا في الاسلام زيفا ،

و أحدثوا به اعوجاجا ، فلما دعوني إلى تحكيم الكتاب أمسكت عن قتلهم و أبقيت عليهم ، لأنّي طمعت في أمر يلم اللّه به شعث المسلمين .

قلت : بل الظاهر أنّه حرّف عن موضعه ، و أنّه كان مقول قول الخوارج في أوّل الأمر ، لما حملوه عليه السّلام على التحكيم بعد قولهم في أوّل الفصل : « اخواننا و أهل دعوتنا استقالونا و استراحوا إلى كتاب اللّه سبحانه ، فالرأي القبول منهم و التنفيس عنهم » كما لا يخفى ، و إلاّ فكيف يقول عليه السّلام : أصبحنا نقاتل إخواننا في الاسلام » ؟ و كيف يقول عليه السّلام في أول كلامه : « إنّ رفعهم المصاحف إنّما كان حيلة و غيلة و مكرا و خديعة » ، و يقول في آخر كلامه : « فاذا طمعنا في خصلة يلمّ اللّه به شعثنا . . . » ؟

و إنّما كان عليه السّلام يقول للخوارج : إنّي و ان كنت كارها للتحكيم ، إلاّ أنّه لما أكرهتموني ، عليه صرفته إلى المشروع بقبول حكم الحكم إذا كان من كتاب اللّه ، و عقد بذلك عهد يجب الجري عليه ، حتى نرى ما يحكم الحكمان .

و كيف يقول عليه السّلام : معاوية و عمرو بن العاص و أهل الشام اخواننا في الإسلام ، و طمعنا منهم في خصلة يلم اللّه به شعثنا ؟ و يقول صاحبه عمّار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص : و اللّه انّ هذه الراية قد قاتلتها ثلاث مرات ،

و ما هذه بأرشدهنّ . ثم قال :

نحن ضربناكم على تنزيله

فاليوم نضربكم على تأويله

ضربا يزيل الهام عن مقيله

أو يرجع الحقّ إلى سبيله

٥

الخطبة ( ١١٩ ) و من كلام له عليه السّلام ، و قد قام إليه رجل من أصحابه ، فقال : نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها ، فلم ندر أيّ الأمرين أرشد ؟ فصفّق عليه السّلام إحدى يديه على الأخرى ، ثم قال :

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ اَلْعُقْدَةَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ اَلَّذِي يَجْعَلُ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً فَإِنِ اِسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَ إِنِ اِعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ اَلْوُثْقَى وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَ أَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ اَلشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا اَللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا اَلدَّاءِ اَلدَّوِيِّ وَ كَلَّتِ اَلنَّزَعَةُ بِأَشْطَانِ اَلرَّكِيِّ أَيْنَ اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ دُعُوا إِلَى اَلْإِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ وَ قَرَءُوا ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ فَأَحْكَمُوهُ وَ هِيجُوا إِلَى اَلْقِتَالِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اَللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا وَ سَلَبُوا اَلسُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَ أَخَذُوا بِأَطْرَافِ اَلْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَ صَفّاً صَفّاً بَعْضٌ هَلَكَ وَ بَعْضٌ نَجَا لاَ يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَ لاَ يُعَزَّوْنَ بِالْمَوْتَى مُرْهُ اَلْعُيُونِ مِنَ اَلْبُكَاءِ خُمْصُ اَلْبُطُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ ذُبُلُ اَلشِّفَاهِ مِنَ اَلدُّعَاءِ صُفْرُ اَلْأَلْوَانِ مِنَ اَلسَّهَرِ عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ اَلْخَاشِعِينَ أُولَئِكَ إِخْوَانِي اَلذَّاهِبُونَ فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ وَ نَعَضَّ اَلْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً وَ يُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ اَلْفُرْقَةَ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ وَ اِقْبَلُوا اَلنَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَ اِعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ

أقول : رواه ابن عبد ربّه في ( عقده ) ١ مع اختلاف ، فروى عن نافع بن كليب ، قال : دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام ، فإنّي لجالس تحت منبره ، و عليه عمامة سوداء و هو يقول : « انظروا هذه الحكومة ، فمن دعا إليها فاقتلوه و إن كان تحت عمامتي هذه » فقال له عدي بن حاتم : قلت لنا أمس :

من أبى عنها فاقتلوه ، و تقول لنا اليوم : من دعا إليها فاقتلوه ، و اللّه ما ندري ما نصنع بك ؟ و قام إليه رجل أحدب من أهل العراق ، فقال : أمرت بها أمس و تنهى عنها اليوم ؟ فأنت كما قال الأول : « آكلك و أنا أعلم ما أنت » فقال عليه السّلام : إليّ يقال هذا ؟ ( أصبحت اذكر أرحاما و أصره بدلت منها هوى الريح بالقصب ) أما و اللّه لو أنّي حين أمرتكم بما أمرتكم به ، و نهيتكم عمّا نهيتكم ، حملتكم على المكروه الذي جعل اللّه عاقبته خيرا ، إذن كان فيه ، و لكانت الوثقى التي لا تقلع ، و لكن بمن والى من اداويكم ؟ كأنّي و اللّه بكم كناقش الشوكة بالشوكة يا ليت لي بعض قومي ، و ليت لي من بعد خير قومي . اللهم إنّ دجلة و الفرات نهران أعجمان أصمان أبكمان ، اللهمّ سلّط عليهما بحرك ، و انزع منهما نصرك ، ويل للنزعة بأشطان الرّكي دعوا إلى الاسلام فقبلوه ، و قرؤوا القرآن فأحسنوه ،

و نطقوا بالشعر فأحكموه ، و هيّجوا إلى الجهاد فولهوا و له اللقاح أولادها ،

ضربا ضربا و زحفا زحفا ، لا يتباشرون بالحياة ، و لا يعزون على القتلى ، و لا يغيرون على العلى :

اولئك إخواني الذاهبون

فحقّ البكاء لهم أن يطيبا

رزقت حبيبا على فاقة

و فارقت بعد حبيب حبيبا

ثم نزل تدمع عيناه . فقلت : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون على ما صرت إليه .

فقال : نعم إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، أقوّمهم و اللّه غدوة و يرجعون إليّ عشية

ــــــــــــ

( ١ ) العقد الفريد لابن عبد ربّه ٤ : ١٦٢ .

مثل ظهر الحية حتى متى ، و إلى متى ؟ حسبي اللّه و نعم الوكيل . . .

هكذا وجدت في نسخته ، و لا يخلو من تصحيفات ، كما لا يخفى .

قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام و قد قام اليه » ليست الكلمة في ( ابن أبي الحديد ١ و ابن ميثم ٢ ) .

« رجل من أصحابه » قد عرفت من رواية ( العقد ) أنّه كان رجلا أحدب .

« فقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها ، فلم ندر » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و الصواب : ( فما ندري ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) . أي : الأمرين ، الحكومة و تركها .

« أرشد » أي : أقرب إلى الصواب .

« فصفق عليه السّلام » أي : ضرب .

« إحدى » و في ( ابن ميثم ) : « باحدى » .

« يده على الاخرى ثم قال هذا جزاء من ترك العقدة » أي : استحكام الأمر ،

كمن يشدّ الشي‏ء بحبل ، قال ابن أبي الحديد ٤ : في هذا الكلام اعتراف بأنّه ظهر له في ما بعد أنّ الرأي الأصلح كان الاصرار و الثبات على الحرب ، و أنّ للإمام أن يعمل بموجب ما يغلب على ظنّه ، فلما نهاهم كان نهيه مصلحة ، و لما أمرهم كانت المصلحة في ظنّه قد تغيّرت ، كالطبيب الذي ينهى المريض اليوم عن أمر و يأمره بمثله غدا.

قلت : هو تفسير غلط ، كغلط اعتراض المعترضين ، فنهاهم أوّلا عن الحكومة لكونها مفسدة محضة ، و لما أجبروه عليها و عقد عهدا ، نهاهم عن

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩١ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٤ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ١ : ٢٣٣ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩٢ .

نقض العهد ، لا أنّه أمرهم بالحكومة ، فلمّا كتبوا كتاب الصلح و ندموا .

قام محرز بن حريش كما في ( صفّين نصر ) ١ و قال له عليه السّلام : ما إلى الرجوع من هذا الكتاب سبيل ، فو اللّه إنّي لأخاف أن يورث إلاّ ؟ فقال عليه السّلام : أمّا بعد أن كتبناه ننقضه ، إنّ هذا لا يحلّ .

و لا غرو أن يعترضوا عليه عليه السّلام ، فقد اعترض فاروقهم على النبي صلّى اللّه عليه و آله يوم الحديبية ، ففي ( الطبري ) ٢ بعد ذكر كتابة الصلح بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و قريش في الحديبية : أتى عمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و قال له : ألست برسول اللّه ؟ قال : بلى . قال :

أولسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى . قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى . قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله : أنا عبد اللّه و رسوله ، لن اخالف أمره و لن يضيعني .

و فيه ٣ : كان علي عليه السّلام ذات يوم في خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال علي عليه السّلام : اللّه أكبر ، كلمة حق يراد بها باطل ، إن سكتوا عممناهم ، و إن تكلّموا حججناهم ، و إن خرجوا علينا قاتلناهم . فوثب يزيد بن عاصم المحاربي ، فقال : اللّهم إنّا نعوذ بك من اعطاء الدنية في ديننا ، فإنّ إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر اللّه ، و ذلّ راجع بأهله إلى سخط اللّه . . . .

و في ( ملل الشهرستاني ) ٤ : شبهات امّة كل نبي في آخر زمانه ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه ، فإن خفي علينا ذلك في الامم السالفة ، فلم يخف في هذه الامة أنّ شبهاتها نشأت من شبهات منافقي زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله ، إذ لم يرضوا بحكمه في ما كان يأمر و ينهى . . . .

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥١٩ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٢ : ٦٣٤ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٢ .

( ٤ ) الملل للشهرستاني ١ : ١٠ .

و من العجب أنّ الناس لم يريدوا أمير المؤمنين الذي كان نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله علما و عملا ، و أرادوا عمر الذي منع النبي صلّى اللّه عليه و آله من الوصية قائلا :

إنّه يهجر . و صار سببا لحصول هذه الفرق الباطلة ، مع أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال :

« أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي » .

فلما خطبهم قيس بن سعد بن عبادة بعد غدر الحكمين ، و قال لهم :

عودوا بنا إلى قتال عدوّنا و عدوّكم . قال عبد اللّه بن شجرة السلمي له : إنّ الحقّ قد أضاء لنا ، فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر .

قاتلهم اللّه ، يكفّرون أمير المؤمنين عليه السّلام بحكمية القرآن ، و لا يكفّرون عمر بحكمية عبد الرحمن بن عوف ، حتى يختار لإمامتهم رئيس بني امية ،

حتى يتخذوا دين اللّه دغلا و عباده خولا .

و يقول أبو سفيان يوم بويع عثمان بتدبير عمر : تداولوا الخلافة بينكم تداول الكرة فلا جنّة و لا نار . و يصلّى الوليد بن عقبة أخا عثمان لامّه أيام ولايته على الكوفة من قبله بالناس سكران ، و يصلّي الصبح بهم أربعا ،

و يقول : لو شئتم أزيدكم على الأربع .

و إذا اسس الأمر على ولاية صدّيقهم و فاروقهم يصير المرجع هكذا .

و من العجب أنّهم كانوا يرجّحون سنّتهما على سنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فلمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتاه عليه السّلام أصحابه و قالوا له : نحن أولياء من و اليت ، و أعداء من عاديت . فشرط لهم سنّة النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فجاءه ربيعة بن شداد الخثعمي و كان شهد معه الجمل و صفّين ، و معه راية خثعم فقال عليه السّلام له :

بايع على كتاب اللّه و سنّة رسوله . فقال له ربيعة : على سنّة أبي بكر و عمر .

فقال عليه السّلام له : ويلك لو أنّ أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله لم يكونا على شي‏ء من الحق ، أما و اللّه لكأنّي بك و قد نفرت مع هذه الخوارج

فقتلت ، و كأنّي بك و قد وطئتك الخيل بحوافرها . فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة ، و وطئته الخيل و شدخوا وجهه و رأسه .

كما أنّ أبا موسى يقول لعمرو بن العاص : نخلع عليّا و نحيي سنّة عمر .

لكن لا غرو هذه سنّة فطرية : كلّ يميل إلى سنخه ، و كلّ يعمل على شاكلته ، فأبو موسى الذي شهد حذيفة صاحب سر النبي صلّى اللّه عليه و آله بنفاقه ، و سعد و المغيرة بن شعبة و نظراؤهم من الذين اتفق على نفاقهم لم يريدوا غير عمر ، كما أنّ سلمان و أبا ذر و المقداد و عمّار و حذيفة و نظراءهم ممّن اتفق على إيمانه لم يريدوا غير أمير المؤمنين عليه السّلام .

و خطب الحجاج فقال كما في ( العقد ) : يا أهل العراق بلغني أنّكم تروون أنّ من ملك عشرة رقاب من المسلمين جي‏ء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه ، حتى يفكّه العدل أو يوبقه الجور ، و ايم اللّه إنّي لأحب إليّ أن أحشر مع أبي بكر و عمر مغلولا ، من أحشر معكم مطلقا .

و نظير عدم تمييزهم بين نهيه عن الحكومة ، و أمره بالوفاء بالعهد بعد الكتابة : أنّ شيعته عليه السّلام لما بايعوه ثانية و قالوا له : « نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت » قالوا لهم : استبقتم أنتم و أهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان ، بايع معاوية أهل الشام على ما أحبوا و كرهوا ، و بايعتم أنتم عليّا على أنّكم أولياء من و إلى و أعداء من عادى . و معلوم أنّه عليه السّلام لم يحب إلاّ كتاب اللّه و سنّة نبيّه ، و لم يكره إلاّ تركهما ، كما أنّ معاوية بالعكس .

و أجابهم زياد بن النضر من شيعته فقال لهم : و اللّه ما بسط عليّ عليه السّلام يده فبايعناه إلاّ على كتاب اللّه و سنّة نبيّه ، و هو على الحق و الهدى ، و من خالفه ضال مضل . و لكونه عليه السّلام كذلك ترك يوم الشورى حقّه لمّا أراد ابن عوف حكم عمر منه قبول سنّة أبي بكر و عمر ، كما أنّ معاوية قال لهم عام

الجماعة : ما بايعتكم على أن تصلّوا و تصوموا ، بل لأتأمّر عليكم . و قال : كلّ ما شرطت في بيعة الحسن فهو تحت قدمي .

و من العجب أنّهم رووا من صدّيقهم و فاروقهم ، و كذا ذي نوريهم في الست الاولى من خلافته الذين تولوه فيها ، تلك الخزايا المذكورة في محلّها ،

و المطوقة عليهم طوق الحمام و لم يقولوا شيئا . و امّا طعنهم عليه في السني الأخيرة حتى قتلوه فلم يكن غضبا للّه بل لأنفسهم ، حيث خصّ الدنيا ببني امية ، حتى إنّه عزل عمرو بن العاص ، و بخس عايشة زيادة يعطيها أبوها و عمر ، و أمّا بالنسبة إليه عليه السّلام فأجبروه على التحكيم ، و قالوا له : إنّ قتال معاوية الغدّار و لعين النبي صلّى اللّه عليه و آله لمّا قال لهم مكرا و خديعة : « بيننا كتاب اللّه » كفر . ثم قالوا له بعد الإجبار : إنّ قبوله عليه السّلام الحكم بالقرآن كفر ، و بيعة الناس له على الكتاب و السنّة كفر . و لا غرو فإنّ فرعون الذي استخف قومه فقال لهم :

أنا ربّكم الأعلى ١ لم يقولوا له : أنت بشر مثلنا . و يقول فرعون لموسى لمّا قال له : أنا رسول من ربكم إليكم إيت بآية إن كنت من الصادقين . فأتاه بآيتين عظيمتين ، فقالوا له : أنت ساحر عليم ٢ .

و من العجب أنّهم لم يقبلوا من أمير المؤمنين عليه السّلام أن يحكّم ابن عباس ،

و يقولون له : إنّه مثلك . مع أنّ بينه عليه السّلام و بين ابن عباس ما بين السماء و الأرض ، و لم يقولوا لمعاوية : لا نقبل حكمية عمرو بن العاص مع أنّهما كانا كنفس واحدة ، من طفولتيهما إلى موتهما و نقاتلك حتى تحكّم حكما عدلا .

« اما و اللّه لو أنّي حين أمرتكم بما أمرتكم به ، حملتكم على المكروه الذي يجعل

ــــــــــــ

( ١ ) النازعات : ٢٤ .

( ٢ ) معنى الآيات ١٠٤ ١٠٩ من سورة الأعراف .

اللّه فيه خيرا » قال تعالى . . . و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم . . . ١.

« فإن استقمتم هديتكم ، و ان اعوججتم قوّمتكم ، و إن أبيتم تداركتكم ، لكانت الوثقى » قال ابن أبي الحديد معنى قوله : « اما و اللّه . . . » أي : لو كنت أحملكم على الحرب فإن استقمتم اهتديتم ، و إن اعوججتم بفتور و قلّة جد قوّمتكم بالتحريض ، و إن امتنعتم تداركت الأمر ، إمّا بالاستنجاد بغيركم من قبائل العرب ، كانت هي العقدة الوثقى . أي : الرأي الأصوب .

قلت : هذا أيضا غلط منه ، فلمّا زاغ في الكلام الأول حصل له الزيغ إلى الآخر ، فإنّ المراد إنّما هو أنّه عليه السّلام لو كان فعل ذلك كان العقدة الوثقى ، أي :

الاستحكام الكامل للأمر حتى لا يؤل إلى ما آل ، إذا كان متمكّنا من ذلك ، و لكن لم يتمكن كما قال بعد : « و لكن بمن و إلى من . . . » .

و من الغريب أنّ ابن أبي الحديد ٢ مع ادعائه المعرفة قال تفريعا على تفسيره الغلط : إنّ عليّا عليه السّلام ما أخطأ ، بمعنى : ارتكاب الإثم ، و لكنّه ترك الرأي الأصوب ، كما قال الحسن البصري : « هلا مضيت قدما لا أبا لك » و قد قيل : إنّ قول عليّ عليه السّلام :

لقد عثرت عثرة لا انجبر

سوف اكيس بعدها و استمر

و اجمع الرأي الشتيت المنتشر إشارة إلى هذا المعنى . و قيل فيه غير ذلك ، و قال الجاحظ : من عرفه عرف أنّه غير ملوم في الانقياد معهم إلى التحكيم ، فإنّه ملّ من القتل و تجريد السيف ليلا و نهارا ، و ملّت الخيل من تقحّم الأهوال بها ، و ضجر من دوام تلك الخطوب الجليلة و الارزاء العظيمة ، و استلاب الأنفس و تطاير الأيدي و الأرجل بين يديه ،

ــــــــــــ

( ١ ) البقرة : ٢١٦ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩٢ ٢٩٣ .

و أكلت الحرب أصحابه و أعداءه و عطلت السواعد ، و خدرت التي سلمت من وقايع السيوف بها ، و لو أنّ أهل الشام لم يستعفوا من الحرب و يستقيلوا من المقارعة و المصارمة ، لأدت الحال إلى قعود الفيلقين معا ، و لزومهم الأرض و القائهم السلاح . . . .

قلت : الحسن البصري و الجاحظ أيضا غلطا . أمّا قول الحسن : « هلا مضيت قدما » أين يمضي قدما ؟ فكانوا يقتلونه لو كان مضى ، و قد أراد الأشتر المضي فما خلوه ، و أجبروه عليه السّلام على منعه ، فقال إبراهيم بن الاشتر لمصعب :

كنت عند علي عليه السّلام حين أكرهه الناس على الحكومة ، و قالوا له : ابعث إلى الأشتر فليأتك . فأرسل ، فقال لرسوله : قل له : ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ، إنّي قد رجوت أن يفتح لي ، فلا تعجلني . فرجع الرسول إليه ، و قال له ، قالوا له عليه السّلام : لترسلنّ إلى الأشتر فليأتينّك ، أو لنقتلنّك كما قتلنا ابن عفان . فرجع الأشتر و قال لهم : أمهلوني عدو فرس . قالوا : اذن ندخل في خطيئتك .

و في ( العقد ) : أنّ الخوارج اعترضوا عليه اعتراضات ، فأجابهم عنها ،

و منها : و أمّا قولكم : إنّي لم أضربكم بسيفي يوم صفّين حتى تفيئوا إلى أمر اللّه،

فإنّ اللّه عز و جل يقول : و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ١ ، و كنتم عددا ، و أنا و أهل بيتي في عدّة يسيرة .

و أمّا قول الجاحظ ، فكيف كان عليه السّلام يملّ من الحرب و قد كان كتب إلى معاوية : جاءني كتابك تذكر أنّك لو علمت و علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت ، لم يجنها بعضنا على بعض . فإنّا و إيّاك منها في غاية لم تبلغها بعد ،

و إنّي لو قتلت في ذات اللّه و حييت ، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرّة ، لم أرجع عن

ــــــــــــ

( ١ ) البقرة : ١٩٥ .

الشدّة في ذات اللّه ، و الجهاد لأعداء اللّه . ذكره صفين نصر ١ .

و فيه ٢ : انّ رجلا من أهل الشام خرج بين الصفّين ، و دعاه عليه السّلام فخرج إليه فقال له عليه السّلام : إنّ لك قدما في الاسلام و هجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخير هذه الحروب ؟ ترجع و نرجع . فقال عليه السّلام له:

لقد عرفت أنّك إنّما عرضت هذا نصيحة و إشفاقا ، و لقد أهمّني هذا الأمر و أسهرني ، و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلاّ القتال ، أو الكفر بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، إنّ اللّه تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجات الأغلال في جهنم . فرجع الشامي و هو يسترجع .

نعم ما ذكره من ملل أصحابه صحيح ، و هو السبب في إجبارهم له على القبول.

و فيه ٣ ، في رجوعه عليه السّلام عن صفين : لقي عليه السّلام عبد اللّه بن وديعة الأنصاري ، قال : ما سمعت الناس يقولون في أمرنا هذا ؟ قال : يقولون : إنّ عليّا كان له جمع عظيم ففرّقه ، و حصن حصين فهدمه ، فحتى متى يبني مثل ما قد هدّم ، و يجمع مثل ما قد فرّق ؟ فلو أنّه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظهره اللّه أو يهلك ، إذن كان ذلك هو الحزم . فقال علي عليه السّلام :

أنا هدمت أم هم هدموا : أنا فرّقت أم هم تفرّقوا ، و أمّا قولهم : لو أنّه مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه يقاتل حتى يظفر أو يهلك ، إذن كان ذلك هو الحزم ، فو اللّه ما غبى عن رأيي ذلك ، و إن كنت سخي النفس عن الدنيا ، طيب

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٧١ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٧٤ .

( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥٢٩ .

النفس بالموت ، و لقد هممت بالإقدام فنظرت إلى هذين قد استقدماني ، فعلمت أنّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمّد صلّى اللّه عليه و آله من هذه الامّة . فكرهت ذلك و أشفقت على هذين أن يهلكا ، و لقد علمت أنّ لو لا مكاني لم يستقدما يعني ابنيه الحسنين عليهما السّلام و ايم اللّه لئن لقيتهم بعد يومي هذا ، لقيتهم و ليسا معي في عسكر . . . .

و كيف يمكنه عليه السّلام المضي و لم يقنعوا بجبره على ترك الحرب ،

فأجبروه على جعل أبي موسى مع عداوته معه و مبغضيته له عليه السّلام حكما له عليه السّلام ؟

« و لكن بمن و إلى من اريد أن أداوي بكم و أنتم دائي ؟ » فجمع من أصحابه صاروا خوارج كفّروه بقبوله حكمية القرآن ، و جمع أغلقوا أبوابهم على أنفسهم ، كلّما حرّضهم لم يتحرّكوا .

« كناقش الشوكة بالشوكة » في ( الجمهرة ) : نقشت عن الشوكة : إذا كشفت عنها اللحم و الجلد حتى تستخرجها بالمنقاش ، و أصل النقش : استقصاؤك الكشف عن الشي‏ء ، و منه الحديث : من نوقش الحساب عذب .

« و هو يعلم ان ضلعها معها » أي : ميل المنقوش بها مع المنقوش عنها ، و في ( الصحاح ) في المثل : « لا تنقش الشوكة بالشوكة ، فإنّ ضلعها معها » : يضرب للرجل يخاصم الآخر ، فيقول : اجعل بيني و بينك فلانا . لرجل يهوى هواه .

« اللّهم قد ملّت أطباء هذا الداء الدوي » هو كقوله عليه السّلام في موضع آخر: ما داؤكم و ما دواؤكم ؟

« وكلّت » أي : أعيت .

« النزعة » جمع النازع : من نزع الدلو من البئر .

« بأشطان » جمع الشطن : الحبل الطويل .

« الركي » أي : البئر .

« أين القوم الذين دعوا الى الاسلام فقبلوه » في ( صفين نصر ) ١ عن عمر بن سعد ، عن مسلم الملاي ، عن حبة العرني ، قال : لما نزل علي عليه السّلام الرقة بمكان يقال له : بليخ ، على جانب الفرات ، نزل راهب من صومعته ، و قال له عليه السّلام :

إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا ، كتبه عيسى بن مريم عليه السّلام ، أعرضه عليك ؟

قال علي عليه السّلام : نعم ، فما هو ؟ قال الراهب : بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي قضى ما قضى و سطر ما سطر : أنّه باعث في الاميين رسولا منهم ، يعلّمهم الكتاب و الحكمة ، و يدلهم على سبيل اللّه ، لا فظّ و لا غليظ ، و لا صخّاب في السواق ، و لا يجزي بالسيئة السيئة ، و لكن يعفو و يصفح ، امّته الحمادون الذين يحمدون اللّه على كلّ نشز ، و في كلّ صعود و هبوط ، تذل ألسنتهم بالتهليل و التكبير ،

و ينصره اللّه على كلّ من ناواه ، فاذا توفّاه اللّه اختلفت امّته ثم اجتمعت ، فلبثت بذلك ما شاء اللّه ثم اختلفت ، فيمرّ رجل بشاطى‏ء هذا الفرات ، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ، و يقضي بالحق ، و لا يرتشي في الحكم ، الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت الريح ، و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ ،

يخاف اللّه في السرّ و ينصح له في العلانية ، و لا يخاف في اللّه لومة لائم ، من أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فآمن به ، كان ثوابه رضواني و الجنّة ، و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره ، فإنّ القتل معه شهادة . فأنا مصاحبك غير مفارقك حتى يصيبني ما أصابك . فبكى علي عليه السّلام ثم قال : الحمد للّه الذي لم يجعلني عنده منسيّا ، الحمد للّه الذي ذكرني في كتب الأبرار . و مضى الراهب معه ، و كان في ما ذكره يتغدى مع عليّ عليه السّلام و يتعشى ، حتى اصيب يوم صفين ، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم ، قال عليّ عليه السّلام : اطلبوه . فلما وجدوه

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٤٧ .

صلّى عليه و دفنه ، و قال : هذا منّا أهل البيت . و استغفر له مرارا .

« و قرؤوا القرآن فاحكموه ، و هيجوا الى القتال » هكذا في ( المصرية ) ١ ،

و الصواب : ( إلى الجهاد ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ).

« فولهوا و له اللقاح » جمع اللقحة و اللقوح ، أي : الناقة الدرور و الحلوب ، قال ابو عمرو : إذا نتجت الناقة فهي لقوح ، شهرين أو ثلاثة ، ثم هي لبون .

« الى أولادها ، و سلبوا السيوف أغمادها » كناية عن مقاتلتهم و استماتتهم ،

و في ( صفين نصر ) ٤ : كان الأشتر يقاتل و في يده صحيفة يمانية ، إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا ، و إذا رفعها كان يغشي البصر شعاعها ، يضرب بسيفه قدما و هو يقول : « غمرات ثم ينجلين » فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي ،

فدنا منه و قال له : جزاك اللّه عن أمير المؤمنين ، و جماعة المسلمين خيرا . و قال منقذ الناعطي لأخيه حمير : ما في العرب رجل مثل هذا .

« و أخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا » أي : يجرّون أنفسهم إلى العدو ،

كالصبي الذي يزحف على الأرض قبل أن يمشي .

و في ( صفين نصر ) ٥ : خرج عمّار إلى القتال و صفّت الخيول و زحف الناس ، و على عمّار درع و هو يقول : أيّها الناس الرواح إلى الجنة . فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله ، و كثرت القتلى حتى أن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد رجل أو رجله .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٢٣٤ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩١ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٥ .

( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٥٤ ٢٥٥ .

( ٥ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٣٩ .

و فيه١ : قال الأحنف : كنت إلى جانب عمّار ، حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة فقال له عمّار : احمل فداك أبي و امي . فقال له هاشم : رحمك اللّه إنّك رجل تأخذك خفة في الحرب ، و إنّي إنّما أزحف باللواء زحفا و أرجو أن أنال بذلك حاجتي ، و إنّي إن خففت لم آمن الهلكة . و قد كان معاوية قال لعمرو : ويحك إنّ اللواء اليوم مع هاشم ، و قد كان من قبل يرقل به إرقالا ، و إنّه إن زحف به اليوم أنّه لليوم الأطول لأهل الشام .

« بعض هلك » كزيد بن صوحان في الجمل ، و عمّار و المرقال و ابن بديل من المعروفين في صفين .

« و بعض نجا » كالأشتر و محمّد بن أبي بكر من معروفيهم ، نجيا من القتل في الجمل و صفين ، و لكن استشهدا بعد .

و في ( صفين نصر ) ٢ : قال الاشتر لمذحج : عليكم بهذا السواد الأعظم ،

فإنّ اللّه لو قد فضه تبعه من بجانبيه ، كما يتبع السيل مقدمه . قالوا : خذ بنا حيث أحببت . و استقبله سنام من همدان و كانوا ثمانمائة مقاتل ، و كانوا صبروا في ميمنة عليّ عليه السّلام حتى اصيب منهم ثمانون و مائة رجل ، و قتل منهم أحد عشر رئيسا ، كلّما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر إلى أن قال اذ مرّ الأشتر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر ، فقال : من هذا ؟ قيل : زياد بن النظر ، استلحم هو و أصحابه في الميمنة ، فتقدّم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته ، فصبروا و قاتل حتى صرع . ثم لم يمكثوا إلاّ كلا شي‏ء حتى مرّوا بيزيد بن قيس محمولا إلى العسكر ، فقال : من هذا ؟ قالوا : يزيد بن قيس ، لما صرع زياد بن النضر رفع لأهل الميمنة رايته ، فقاتل حتى صرع ، فقال الأشتر : هكذا و اللّه

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٤٠ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٢٥٢ .

الصبر الجميل ، و الفعل الكريم .

« لا يبشرون بالأحياء و لا يعزون بالموتى » هكذا في ( المصرية ) ١ ،

و الصواب : ( عن الموتى ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ).

و كيف كان ، فالمراد بمن لا يبشر و لا يعزى : من كان من غير الأشراف من المؤمنين ، و في ( صفات شيعة ابن بابويه ) عن الباقر عليه السّلام لجابر الجعفي :

شيعة عليّ عليه السّلام من لا يهرّ هرير الكلب ، و لا يطمع طمع الغراب ، و لا يسأل الناس و ان مات جوعا ، اولئك الخفيفة عيشتهم ، المنتقلة ديارهم ، إن شهدوا لم يعرفوا ، و إن ماتوا لم يشهدوا ، و ان مرضوا لم يعادوا ، في قبورهم يتزاورون .

فقال له جابر : أين أطلبهم ؟ قال : في أطراف الأرض ، و بين الأسواق .

« مره » في ( الصحاح ) : قال أبو عبيدة : المرهة : البياض الذي لا يخالطه ،

غيره و إنّما قيل للعين التي ليس فيها كحل : مرهاء ، لهذا المعنى .

« العيون من البكاء ، خمص البطون » أي : ضامرة .

« من الصيام » في ( ذيل الطبري ) ٤ عن امّ الحكم بنت عمّار : لمّا كان اليوم الذي قتل فيه عمّار ، كان معه ضيح من لبن ، ينتظر وجوب الشمس أن يفطر ،

فحين وجبت شرب الضيح و قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن » ثم اقترب فقاتل حتى قتل .

و زاد ( الارشاد ) ٥ في وصف شيعته عليه السّلام : حدب الظهور من القيام .

« ذبل » من : ذبل البقل ، أي : زوى .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٢٣٤ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٩١ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٥ .

( ٤ ) ذيل المذيل للطبري ٨ : ١٥ .

( ٥ ) الإرشاد : ٢٣٧ ، مؤسسة آل البيت عليهم السّلام .

« الشفاه من الدعاء » في ( الطبري ) ١ : قتل عبد اللّه بن كعب المرادي في صفّين ، فمرّ به الأسود المرادي بآخر رمق ، فقال له : أما و اللّه أن كان جارك ليأمن بوائقك ، و أن كنت من الذاكرين اللّه كثيرا ، أوصني رحمك اللّه . فقال :

اوصيك بتقوى اللّه ، و أن تناصح أمير المؤمنين عليه السّلام ، و قاتل معه المحلين.

« صفر اللون من السهر » أي : الأرق و عدم النوم .

« على وجوههم غبرة الخاشعين » في ( صفين نصر ) ٢ : قال ذو الكلاع الحميري و هو من أصحاب معاوية لأبي نوح الحميري ، و هو من أصحاب علي عليه السّلام : حدّثنا عمرو بن العاص في إمارة عمر بن الخطاب أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : « يلتقي أهل الشام و أهل العراق ، و في إحدى الكتيبتين الحق و إمام الهدى ،

و معه عمّار » . فقال له أبو نوح : إنّ عمّارا لفينا إلى أن قال بعد مسير أبي نوح مع ذي الكلاع إلى عمرو بن العاص بالأمان فقال له عمرو إنّي لأرى عليك سيماء أبي تراب ؟ قال له أبو نوح : نعم عليّ سيماء النبي صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه ،

و عليك سيماء أبي جهل و سيماء فرعون . فقام أبو الأعور فسلّ سيفه ، فقال : لا أرى هذا يشاتمنا بين أظهرنا و عليه سيماء أبي تراب . فقال له ذو الكلاع : لئن بسطت يدك إليه لأحطمن أنفك بالسيف ، عقدت له بذمتي و جئت به إليكما ،

ليخبر كما عمّا تماريتم فيه من أمر عمّار .

« اولئك إخواني الذاهبون » في ( صفات شيعة ابن بابويه ) عن محمّد بن الحنفية : لما قدم أبي البصرة بعد قتال أهل الجمل دعاه الأحنف و اتخذ له طعاما ، فقال عليه السّلام له : ادع لي أصحابي . فدخل عليه قوم متخشّعون كأنّهم شنان بوال ، فقال الأحنف له عليه السّلام : ما هذا الذي نزل بهم ؟ أمن قلّة الطعام ، أم من

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٤٦ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٣٣ .

هول الحرب ؟ فقال عليه السّلام له : يا أحنف إنّ للّه سبحانه عبادا تنسّكوا إليه في دار الدنيا ، تنسّك من هجم على ما علم ، من قربهم من يوم القيامة من قبل ان يشاهدوها ، فحملوا أنفسهم على مجهودها ، و كانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه تعالى ، توهموا خروج عنق تخرج من النار تحشر الخلائق إلى ربهم ، و كتاب يبدو على رؤوس الأشهاد فيه فضائح لهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا ، أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا ، فكانوا يحنون حنين الواله في دجى الظلم ، فمضوا ذبل الأجسام ، حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ،

ذابلة شفاههم ، خامصة بطونهم .

و عن الأصبغ قال : خرج علي عليه السّلام ذات يوم و نحن مجتمعون ، فقال : من أنتم ، و ما اجتماعكم ؟ قلنا : قوم من شيعتك . فقال : مالي لا أرى سيماء شيعتي عليكم ؟ فقلنا : و ما سيماهم ؟ فقال : صفر الوجوه من صلاة الليل ، عمش العيون من مخافة اللّه ، ذبل الشفاه من الصيام ، عليهم غبرة الخاشعين .

« فحق لنا أن نظمأ اليهم » فيه عن السجاد عليه السّلام : كان جالسا في البيت إذ قرع عليهم قوم الباب ، فقال : للجارية انظري من بالباب ؟ فقالوا : قوم من شيعتك.

فوثب عجلان حتى كاد أن يقع ، و لما فتح الباب و نظر إليهم رجع ، و قال : كذبوا،

فأين السمت في الوجوه و أين أثر العبادة . . . .

« و نعض الأيدي على فراقهم » في ( الطبري ) ١ : حزن علي عليه السّلام على محمّد بن أبي بكر لمّا بلغه قتله ، حتى رئي ذلك في وجهه و تبيّن فيه ، فقام خطيبا و قال : و إنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمه اللّه ، فعند اللّه نحتسبه ، أما و اللّه أن كان ما علمت: لممن ينتظر القضاء ، و يعمل للجزاء ، و يبغض شكل الفاجر ، و يحب هدى المؤمن .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٠٨ .

و فيه ١ : قام الحسين عليه السّلام بذي حسم بعد التقائه بالحرّ و أصحابه ،

و قال : إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، و إنّ الدنيا قد تغيّرت و تنكرت ، و أدبر معروفها و استمريت جدّا ، فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ، و خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به ، و انّ الباطل لا يتناهى عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقا ، فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة ، و لا الحياة مع الظالمين إلاّ برما . فقام زهير بن القين فقال لأصحابه : تكلّمون أم أتكلّم ؟ قالوا : بل تكلّم . فقال : سمعنا مقالتك : لو كانت الدنيا لنا باقية ، و كنّا فيها مخلدين ، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها .

« إنّ الشيطان يسني » أي : يسهل .

« لكم طرقه و يريد أن يحلّ » أي : يفتح .

« دينكم عقدة عقدة ، فاصدفوا » أي : اعرضوا .

« عن نزغاته » أي : إغراءاته .

« و نفثاته » أي : نفحاته .

« و اقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم ، و اعقلوها » أي : احبسوها .

« على أنفسكم » .

٦

الخطبة ( ٤٠ ) و من كلام له عليه السّلام في الخوارج لما سمع قولهم : « لا حكم إلاّ للّه » قال عليه السّلام :

كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا اَلْبَاطِلُ نَعَمْ إِنَّهُ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ وَ لَكِنَّ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ لاَ إِمْرَةَ إِلاَّ لِلَّهِ وَ إِنَّهُ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٤٠٣ ٤٠٤ .

اَلْمُؤْمِنُ وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا اَلْكَافِرُ وَ يُبَلِّغُ اَللَّهُ فِيهَا اَلْأَجَلَ وَ يُجْمَعُ بِهِ اَلْفَيْ‏ءُ وَ يُقَاتَلُ بِهِ اَلْعَدُوُّ وَ تَأْمَنُ بِهِ اَلسُّبُلُ وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ اَلْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ ع لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ حُكْمَ اَللَّهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ وَ قَالَ أَمَّا اَلْإِمْرَةُ اَلْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا اَلتَّقِيُّ وَ أَمَّا اَلْإِمْرَةُ اَلْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا اَلشَّقِيُّ إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ و الحكمة ( ١٩٨ ) و قال عليه السّلام لمّا سمع قول الخوارج :

كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ و الحكمة ( ٣٣٢ ) و قال ع : اَلسُّلْطَانُ وَزَعَةُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ أقول : العنوان الثاني جزء من العنوان الأول ، فهو من تكرار غفل عنه المصنف .

ثمّ في العنوان الأول روايات ، إحداها ما في ( أنساب البلاذري ) عن روح بن عبد المؤمن ، عن ابي الوليد الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق عن عاصم : إنّ حرورية على عهد عليّ عليه السّلام قالوا : « لا حكم إلاّ للّه » فقال عليّ : « إنّه كذلك ، و لكنهم يقولون : لا إمرة . و لا بد للناس من أمير ، برّ أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، و يستمتع الكافر ، و يبلغ الكتاب أجله » .

و روى ايضا عن عبد اللّه بن صالح ، عن يحيى بن آدم ، عن رجل ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : بعث عليّ عليه السّلام عبد اللّه بن عباس إلى الحرورية إلى أن

قال ثم خرجوا فتوافوا بالنهروان ، و أقبلوا يحكمون ، فقال علي عليه السّلام : « إنّ هؤلاء يقولون : لا إمرة . و لا بد من أمير يعمل في إمرته المؤمن ، و يستمتع الفاجر ، و يبلغ الكتاب الأجل ، و إنّها لكلمة حق يعتزون بها الباطل ، فإن تكلّموا حججناهم ، و إن سكتوا غممناهم » .

و روى عن بكر بن الهيثم عن أبي الحكم العبدي عن معمر عن الزهري في خبر : فاذا صلّى علي عليه السّلام و خطب حكموا ، فيقول عليّ عليه السّلام : كلمة حق يعتزون بها باطل .

و روى عن عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن أبي مخنف ، عن ابن أبي جرة الحنفي : أنّ عليّا عليه السّلام خرج ذات يوم فخطب ، فإنّه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال عليّ عليه السّلام : كلمة حق يعزى بها أو قال : يراد بها باطل نعم إنّه لا حكم إلاّ للّه ، و لكنّهم يقولون : إنّه لا إمرة . و لا بدّ من أمير يعمل في إمرته المؤمن ، و يستمتع الفاجر ، فإن سكتوا تركناهم أو قال :

عذرناهم و إن تكلّموا حججناهم ، و إن خرجوا علينا قاتلناهم .

قول المصنف في الأوّل « و من كلام له عليه السّلام في الخوارج » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ) ٣ : « في معنى الخوارج » .

« لما سمع قولهم : لا حكم إلاّ للّه » في ( كامل المبرد ) ٤ : قيل : إنّ أول من حكم من الخوارج عروة بن أدية : و قيل : بل سعيد ، رجل من بني محارب بن خصفة بن قيس عيلان . و قيل : بل الحجاج بن عبد اللّه المعروف بالبرك ، و هو

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٨٧ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٣٠٧ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٠١ .

( ٤ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٥٩ ١٦٠ .

الذي ضرب معاوية على أليته . و أول من حكم بين الصفّين رجل من بني يشكر ، قتل رجلا من أصحابه عليه السّلام غيلة ، ثم مرق بين الصفين و حكم ، و حمل على أهل الشام ، فكثروه فرجع ، و حمل على أصحابه عليه السّلام ، فخرج إليه رجل من همدان فقتله ، فقال شاعر همدان :

و ما كان أغنى اليشكري عن التي

تصلى بها جمرا من النار حاميا

« قال عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و ليس في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) كلمة : « عليه السّلام » ، و في ( ابن ميثم ) : « فقال » .

و كيف كان فكلمة : « قال » أو « فقال » زائدة بعد قوله : « و من كلام له عليه السّلام » .

قوله عليه السّلام في العنوانين : « كلمة حق » أي : قولهم « لا حكم إلاّ للّه » ، ورد في القرآن كرارا ، قال تعالى : . . . إن الحكم الاّ للّه أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه . . . ٤ . . . إن الحكم إلاّ للّه عليه توكلت . . . ٥ . . . إن الحكم إلاّ للّه يقص الحق و هو خير الفاصلين ٦ .

« يراد بها الباطل » هكذا في ( المصرية ) في الأول ، و الصواب : ( باطل ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ، و كما في الثاني ، و لأنّ المراد ( باطل ) مخصوص كالحق و لأنّ مستنده بلفظ ( باطل ) ، فروى الطبري ٧ أنّه عليه السّلام خرج ذات يوم يخطب إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد ، فقال عليّ عليه السّلام : اللّه

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٨٧ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٣٠٧ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٠١ .

( ٤ ) يوسف : ٤٠ .

( ٥ ) يوسف : ٦٧ .

( ٦ ) الأنعام : ٥٧ .

( ٧ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٢ .

أكبر ، كلمة حق يراد بها باطل ، إن سكتوا عممناهم ، و إن تكلّموا حججناهم ، و ان خرجوا علينا قاتلناهم . فوثب يزيد بن عاصم المحاربي ، و قال : اللّهم إنّا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا إلى أن قال ثم خرج هو و إخوة له ثلاثة ،

فاصيبوا مع الخوارج بالنهر ، و اصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة .

و روى الخطيب ١ في أبي قتادة الأنصاري عنه : أنّه لما فرغنا من قتال أهل النهروان قفلت ، و معي ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأت بعايشة فقالت : قصّ عليّ القصة . فقلت : تفرّقت المحكمة و هم نحو من اثني عشر الفا ينادون : لا حكم إلاّ للّه ، فقال عليّ عليه السّلام : كلمة حق يراد بها باطل إلى أن قال فقالت عايشة : ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحق : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول : « تفترق امّتي على فرقتين ، تمرق بينهما فرقة محلّقة رؤوسهم ، محفّون شواربهم ، ازرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم ،

يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبهم إلى اللّه تعالى » . فقلت لعايشة : فأنت تعلمين هذا ، فلم الذي كان منك ؟ قالت : يا أبا قتادة ، كان أمر اللّه قدرا مقدروا ، و للقدر أسباب.

و روى في عبيد اللّه بن أبي رافع عنه : أنّ الحرورية لمّا خرجت فقالت : « لا حكم إلاّ للّه » قال عليّ عليه السّلام : كلمة حق يراد بها باطل ، إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله وصف لي ناسا ، إنّي لأعرف صفتهم في هؤلاء ، يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا و أشار إلى حلقه و هم من أبغض خلق اللّه إليه و فيهم أسود إحدى يديه كأنّها طبي شاة أو حلمة ثدي . فلما قتلهم قال : انظروا . فنظروا فلم يجدوا شيئا ، فقال :

ارجعوا فو اللّه ما كذبت و لا كذبت مرتين أو ثلاثا . فوجدوه في خربة .

ثمّ إنّ المصنف إنّما قال : « إنّه عليه السّلام قال قوله : ( كلمة حقّ يراد بها باطل ) لمّا سمع قول الخوارج : ( لا حكم إلاّ للّه ) » مع أنّه لم ينحصر به ، فقاله عليه السّلام لما دعا

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١ : ١٥٩ ١٦٠ .

أهل الشام أصحابه إلى حكم القرآن ، ففي ( صفين نصر ) ١ : لما رفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى حكم القرآن ، قال عليّ عليه السّلام عباد اللّه أنا أحقّ من أجاب إلى كتاب اللّه ، و لكنّ معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي أعرف بهم منكم ،

صحبتهم أطفالا و صحبتهم رجالا ، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال ، إنّها كلمة حق يراد بها باطل ، إنّهم و اللّه ما رفعوها لكم إلاّ خديعة و مكيدة ، أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة ف ، قد بلغ الحق مقطعه و لم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا . فجاءته زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد ، شاكي السلاح ، سيوفهم على عواتقهم ، و قد أسودت وجوههم من السجود ، فنادوه باسمه : أجب القوم إلى كتاب اللّه إذا دعيت إليه ، و إلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان .

هذا ، و في ( كامل المبرد ) ٢ : خطب الحجاج ، فلمّا توسّط كلامه سمع تكبيرا عاليا من ناحية السوق ، فقطع خطبته ثمّ قال : يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق ، يا بني اللكيعة، و عبيد العصا ، و بني الإماء ، إنّي لأسمع تكبيرا ما يراد به اللّه ، و إنّما يراد به الشيطان.

هذا ، و قالوا : إنّ علي بن هارون المنجم كانت له جارية صفراء و كان معجبا بها ، فصار مريضا فراجع الطبيب ، فقال له : غلبك الصّفراء . فقال :

جسّ الطبيب يدي و قال مخبّرا :

هذا الفتى أودت به الصفراء

فعجبت منه اذ أصاب و ما درى قولا و ظاهر ما أراد خطاء و قريب منه قول الوزير المهلبي :

و قالوا للطبيب : أشر فإنّا

نعدّك للعظيم من الامور

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٨٩ .

( ٢ ) الكامل للمبرد ١ : ٢٢٢ .

فقال : شفاؤه الرمّان مما

تضمّنه حشاه من السعير

فقلت لهم : أصاب بغير قصد

و لكن ذاك رمان الصدور

« نعم إنّه لا حكم إلاّ للّه » فهو كلمة حق ، و كلام صدق .

« و لكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلاّ للّه » لم أقف على من روى أنّه عليه السّلام قال: إنّ الخوارج أرادوا بقولهم : « لا حكم إلاّ للّه » : « لا إمرة إلاّ للّه » سوى المبرّد في ( كامله ) ١ مرفوعا ، و تبعه ابن عبد ربه في ( عقده ) ، فقال الأوّل : لما سمع عليّ عليه السّلام نداءهم : لا حكم إلاّ للّه . قال : كلمة عادلة يراد بها جور ، إنّما يقولون : لا إمارة ، و لا بدّ من إمارة برّة أو فاجرة .

و قال الثاني : لمّا سمع عليّ عليه السّلام نداءهم قال : كلمة حق يراد بها باطل ،

و إنّما مذهبهم ألاّ يكون أمير ، و لا بدّ من أمير ، برّا كان أو فاجرا .

و مرّ أيضا عن البلاذري .

و الذي رواه غيرهم و معلوم بالدراية أنّهم أرادوا بقولهم : « لا حكم إلاّ للّه » عدم صحّة حكمية أبي موسى و عمرو بن العاص ، لا عدم إمارة أمير ، ففي ( المروج ) ٢ قال يحيى بن معين : حدّثنا وهب بن جابر ، عن الصلت بن بهرام قال : لما قدم عليّ عليه السّلام الكوفة جعلت الحرورية تناديه و هو على المنبر : جزعت من البلية ، و رضيت بالقضية ، و قبلت الدنية ، لا حكم إلاّ للّه . فيقول عليه السّلام : « حكم اللّه أنتظر فيكم » . فيقولون : و لقد اوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين ٣ .

و في ( صفين نصر ) ٤ عن شقيق بن سلمة : أنّ الأشعث خرج في الناس

ــــــــــــ

( ١ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٧٢ .

( ٢ ) مروج الذهب ٢ : ٤٠٦ .

( ٣ ) الزمر : ٦٥ .

( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٥١٢ .

بكتاب الصلح يعرضه على الناس ، و يمرّ به على صفوف أهل الشام فرضوا به ، ثم مرّ به على صفوف أهل العراق و راياتهم ، حتى مرّ برايات عنزة و كان معه عليه السّلام منهم بصفّين أربعة آلاف مجفف فلمّا مرّ بهم الأشعث فقرأه عليهم ،

قال فتيان منهم : لا حكم إلاّ للّه . ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما حتى قتلا على باب رواق معاوية ، و هما أوّل من حكم ، و كانا أخوين ، ثم مرّ الأشعث بالصحيفة على مراد ، فقال صالح بن شقيق و كان من رؤسائهم :

ما لعليّ في الدماء قد حكم

لو قاتل الأحزاب يوما ما ظلم

لا حكم إلاّ للّه و لو كره المشركون . ثم مرّ على رايات بني راسب فقرأها عليهم ، فقالوا : لا حكم إلاّ للّه ، لا نرضى و لا نحكّم الرجال في دين اللّه . ثم مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم ، فقال رجل منهم : لا حكم إلاّ للّه ، تقضي بالحق و أنت خير الفاصلين . و خرج عروة بن أديه أخو مرداس ، فقال : أتحكّمون الرجال في أمر اللّه ، لا حكم إلاّ للّه ، فأين قتلانا يا أشعث ؟ ثم شدّ بسيفه ليضرب به الأشعث فأخطأه ، فانطلق إلى عليّ عليه السّلام فقال له : قد عرضت الحكومة عليهم فقالوا جميعا : قد رضينا ، حتى مررت برايات بني راسب ، و نبذ سواهم ، قالوا :

لا نرضى إلاّ حكم اللّه . قال : دعهم . فما راعه إلاّ نداء الناس من كلّ جهة : لا حكم إلاّ للّه لا لك يا عليّ ، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين اللّه ، إنّ اللّه قد أمضى حكمه في معاوية و أصحابه : أن يقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم ، و قد كانت زلّة منّا حين رضينا بالحكمين ، فرجعنا و تبنا ، فارجع أنت كما رجعنا ، و إلاّ برئنا منك . فقال عليه السّلام : و يحكم أبعد الرضا و العهد نرجع ؟ أو ليس اللّه تعالى قال : أوفوا بالعقود ١ ، و قال : و أوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم و لا تنقضوا

ــــــــــــ

( ١ ) المائدة : ١ .

الايمان بعد توكيدها و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا إنّ اللّه يعلم ما تفعلون ١ .

فأبى عليّ عليه السّلام أن يرجع ، و أبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم .

مع أنّ نصب الناس أميرا لهم أمر فطري للبشر لا ينكره أحد : مبتدع و غيره ، و كيف ، و الخوارج أنفسهم من أوّلهم إلى آخرهم كانوا يجعلون امراء لأنفسهم حتى يجمع كلمتهم ؟

ففي ( الطبري ) ٢ : أنّ عليّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة ، لقيت الخوارج بعضها بعضا ، فقال عبد اللّه بن وهب الراسبي : اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها ٣ . فقال حمزة بن سنان الأسدي : الرأي ما رأيتم ، فولوا أمركم رجلا منكم ، فإنّه لا بدّ لكم من عماد و سناد و راية تحفون بها ، فبايعوا عبد اللّه بن وهب و سار إلى النهروان ، فقالوا : إن هلك ولّينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير . و أمّا خوارج البصرة فاجتمعوا في خمسمائة رجل ، و جعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي ، و أقبل يعترض الناس و على مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني حتى لحق عبد اللّه بالنهر .

« و إنّه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن و يستمتع فيها الكافر و يبلغ اللّه فيها الأجل و يجمع به الفي‏ء و يقاتل به العدو و تأمن به السبيل و يؤخذ به للضعيف من القوي » هذا كلام في نفسه صحيح ، و كيف لا ، و به قوام الدنيا و نظام العالم و مقتضى الحكمة ؟ فلعلّه عليه السّلام كان هذا الكلام منه عليه السّلام ، مع كلامه في الخوارج مذكورين في كتاب متواليين ، فحصل الخلط بينهما ،

و الأصل في الخلط المتقدم ، و تبعه من تأخّر ، و يستأنس لكونهما غير

ــــــــــــ

( ١ ) النحل : ٩١ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٤ .

( ٣ ) النساء : ٧٥ .

مربوطين قوله في الرواية الثانية : « إنّه عليه السّلام لما سمع تحكيمهم قال : حكم اللّه أنتظر فيكم . و قال : إمّا الإمرة البرّة فيعمل فيها التقي . . . » .

و كيف كان ، ففي ( صفين نصر ) ١ قال عليّ عليه السّلام لنرسا الذي أسند أهل السواد أمرهم إليه : أخبرني عن ملوك فارس ، كم كانوا ؟ قال : كانت ملوكهم في هذه المملكة الأخيرة اثنين و ثلاثين ملكا . قال : فكيف كانت سيرتهم ؟ قال : ما زلت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة حتى ملكنا كسرى بن هرمز ، فاستأثر بالمال و الأعمال ، و خالف أولينا ، و أخرب الذي للناس و عمر الذي له ، و استخفّ بالناس فأوغر نفوس فارس حتى ثاروا إليه فقتلوه . فقال عليه السّلام : يا نرسا إنّ اللّه تعالى خلق الخلق بالحق و لا يرضى من أحد إلاّ بالحق ، و في سلطان اللّه تذكرة مما خول اللّه ، و إنّها لا تقوم مملكة إلاّ بتدبير ، و لا بد من امارة . . . .

و عنه عليه السّلام : أسد خطوم خير من سلطان ظلوم ، و سلطان ظلوم خير من فتن تدوم .

و عن الصادق عليه السّلام في قصة إبراهيم عليه السّلام : لما خرج سائرا بجميع ما معه خرج الملك القبطي يمشي خلف إبراهيم عليه السّلام اعظاما له ، فأوحى اللّه تعالى:

ألاّ تمش قدام الجبار المتسلّط و امش خلفه ، و عظّمه و هيّبه ، و لا بد للناس من إمرة في الأرض ، برّة أو فاجرة .

و عن ابن مقفع : السلطان و ما للناس من كثرة المنافع و كثرة المضار ،

كالشمس في النهار ، و فساد الرعية بلا سلطان ، كفاسد الجسم بلا روح .

و قال الافوه الأودي :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

و لا سراة إذا جهّالهم سادوا

تهد الامور بأهل الرأي ما صلحت

فان تولت فبالأشرار تنقاد

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٤ .

و البيت لا يبتني إلاّ له عمد

و لا عماد إذا لم ترش أوتاد

فإن تجمع أوتاد و أعمدة

فقد بلغوا الأمر الذي كادوا

هذا ، و في ( المروج ) ١ عن يحيى بن أكثم : دخل بعض الصوفية على المأمون فقال له : هذا المجلس الذي قد جلسته : أ باجتماع من المسلمين عليك ،

أم بالمغالبة لهم بسلطانك ؟ قال : لا بأحدهما ، و إنّما كان يتولى أمر المسلمين سلطان قبلي أحمده المسلمون ، إمّا على رضا و إمّا على كره ، فعقد لي و لآخر معي ولاية هذا الأمر بعده في أعناق من حضر ، فأعطوا ذلك إمّا طائعين أو كارهين ، فمضى الذي عقد له معي ، فلما صار إلي علمت أنّي أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها على الرضا ، ثم نظرت فرأيت أنّي متى تخلّيت عن المسلمين ، اضطرب حبل الاسلام و انتقضت أطرافه ،

و غلب الهرج و الفتنة و وقع التنازع ، فتعطلت أحكام اللّه سبحانه ، و لم يحجّ أحد بيته و لم يجاهد في سبيله و لم يكن له سلطان يجمعهم و يسوسهم ، و انقطعت السبل و لم يؤخذ لمظلوم من ظالم ، فقمت بهذا الأمر حياطة للمسلمين و مجاهدا لعدوّهم ، و ضابطا لسبلهم ، و آخذا على أيديهم إلى أن يجتمع المسلمون على رجل ، تتفق كلمتهم عليه على الرضا به فاسلّم الأمر إليه و أكون كرجل من المسلمين ، و أنت أيها الرجل رسولي إلى جماعة المسلمين ،

فمتى اجتمعوا على رجل و رضوا به خرجت إليه من هذا الأمر . فقال ذاك الرجل : السلام عليكم . و قام فذهب ، فبعث المأمون في أثره فانتهى الرسول إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلا مثله ، فقالوا له : لقيته ؟ قال : نعم ، ذكر أنّه ناظر في امور المسلمين إلى أن تأمن سبلهم و لا يعطل الأحكام ، فإذا رضي المسلمون برجل يسلم الأمر إليه . فقالوا : ما نرى بهذا بأسا . فقال المأمون :

كفينا مؤنتهم بأيسر الخطب .

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب ٤ : ١٩ ٢٠ .

« حتى يستريح بر » عن المدائني : قدم قادم على معاوية فقال له : من مغربة خبر ؟ قال : نعم ، نزلت بماء من مياه الأعراب ، فبينا أنا عليه إذ أورد أعرابي إبله ، فلمّا شربت ضرب على جنوبها و قال : عليك زيادا . فقلت له : ما أردت بهذا ؟ قال : هي سدى ما قام لي بها راع مذ ولى زياد .

« و يستراح من فاجر » عن الشعبي ١ : قال الحجاج : دلّوني على رجل للشرط : دائم العبوس ، طويل الجلوس ، سمين الأمانة ، أعجف الخيانة ، لا يحنق في الحق على جره ، يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة . فقيل له : عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي . فأرسل إليه فقال له : لست أقبلها إلاّ أن تكفيني ولدك و حاشيتك . قال : يا غلام ناد في الناس : من طلب إليه من لدي و حاشيتي حاجة فقد برئت منه الذمة . قال الشعبي : فو اللّه ما رأيت صاحب شرطة قطّ مثله ، كان لا يحبس إلاّ في دين ، و كان إذا اتى برجل قد نقب على قوم وضع منقبة في بطنه حتى يخرج من ظهره ، و إذا اتي بنبّاش حفر له قبرا فدفنه فيه ،

و إذا اتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده ، و إذا اتي برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه ، و إذا اتي برجل يشكّ فيه ضربه ثلاثمائة سوط . قال الشعبي : فكان ربما أقام اربعين ليلة لا يؤتى باحد ، فضمّ إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة .

قول المصنف : « و في رواية اخرى أنّه عليه السّلام لمّا سمع تحكيمهم قال : حكم اللّه انتظر فيكم » قد عرفت أنّ المسعودي ٢ رواه عن الصلت بن بهرام ، و رواه الطبري ٣ عن أبي كريب باسناده قال : جعل عليّ عليه السّلام يقلب بيديه يقول هكذا

ــــــــــــ

( ١ ) العقد الفريد ١ : ١٦ .

( ٢ ) المسعودي ٢ : ٣٩٥ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٤ .

و هو على المنبر ، فقال : حكم اللّه عزّ و جلّ ينتظر فيكم مرّتين ان لكم عندنا ثلاثا لا نمنعكم : صلاة في هذا المسجد . . .

و رواه ابن ديزيل في ( صفينه ) ، هكذا قال : لمّا رجع عليّ عليه السّلام من صفّين إلى الكوفة خرجوا إلى صحراء بالكوفة تسمى حروراء ، فنادوا : لا حكم إلاّ للّه و لو كره المشركون ، ألا إنّ عليا و معاوية اشركا في حكم اللّه . فأرسل عليّ عليه السّلام إليهم : ما هذا الذي احدثتم ، و ما تريدون ؟ قالوا : نريد أن نخرج نحن و انت و من كان منا بصفين ثلاث ليال ، و نتوب إلى اللّه من أمر الحكمين ، ثم نسير إلى معاوية فنقاتله حتى يحكم اللّه بيننا و بينه ، فقال عليّ عليه السّلام : هذا حيث بعثنا الحكمين و اخذنا منهم العهد و أعطيناهموه ، هلا قلتم هذا قبل ؟ قالوا : كنا قد طالت الحرب علينا و اشتد البأس و كثر الجراح و حلا الكراع و السلاح . فقال لهم : افحين اشتد البأس عليكم عاهدتم ، فلمّا وجدتم الحمام قلتم : ننقض العهد ،

ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يفي للمشركين ، أفتأمرونني بنقضه ؟ فمكثوا مكانهم لا يزال الواحد منهم يرجع إلى عليّ عليه السّلام ، و لا يزال الآخر يخرج من عند عليّ عليه السّلام ،

فدخل واحد منهم عليه بالمسجد و الناس حوله فصاح : لا حكم إلاّ للّه و لو كره المشركون ، فتلفت الناس فنادى : لا حكم إلاّ للّه و لو كره المتلفتون . فرفع عليّ عليه السّلام رأسه إليه فقال : لا اله إلاّ اللّه و لو كره أبو حسن . فقال : ان أبا حسن لا يكره أن يكون الحكم إلاّ للّه . ثم قال : حكم اللّه أنتظر فيكم .

« و قال » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) ١ و لكن في ( ابن ميثم ) ٢ :

« ثم قال » .

« أمّا الامرة البرّة فيعمل فيها التّقي ، و أمّا الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشّقي

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٨٧ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٠١ .

إلى أن تنقطع مدته و تدركه منيته » قد عرفت خلو رواية المسعودي و الطبري و ابن ديزيل عن هذه الفقرات ، ثم ان كان لقوله : « و لكن هؤلاء يقولون : لا إمرة الا للّه . . . » في الرواية الاولى ربط لفظي بقوله : « كلمة حق يراد بها باطل » فهنا ليس للفقرات ربط لفظي أيضا بقوله : « حكم اللّه انتظر فيكم » كما لا يخفى . نعم هي في نفسها صحيحة كما عرفت .

و في ( صفين نصر ) ١ : لمّا أراد عمرو اللحوق بمعاوية قال لغلامه وردان : أرحل أحط يا وردان ؟ فقال له وردان : ان شئت انبأتك بما في نفسك :

اعتركت الدنيا و الآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه الآخرة في غير دنيا ، و في الآخرة عوض الدنيا ، و معاوية معه الدنيا بغير آخرة ، و ليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال عمرو : ما أخطأت ، فما ترى ؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، و إن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك . فقال عمرو : الان و قد شهدت العرب مسيري إلى معاوية ؟

فارتحل .

ثم الغريب أنّ ابن أبي الحديد ٢ قال بعد ذكر : العنوان « هذا نصّ صريح منه عليه السّلام بان الإمامة واجبة . . . » فإنّه ليس فيه تلويح إلى ما قال ، فضلا عن تصريح ، فإنّ كلامه عليه السّلام في الإمارة الدنيوية ، سواء كان الناس أهل دين أو غير أهل دين .

قوله عليه السّلام في الثالث : « السلطان وزعة اللّه في أرضه » هو نظير قوله عليه السّلام :

« لا بد للناس من أمير » فقالوا : لا بد للناس من وزعة ، أي : من يكف أهل الفساد عنهم . و في ( الجمهرة ) : الوازع : الذي يتقدم الصف في الحرب فيصلحه ، و يرد

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٣٠٧ ٣٠٨ .

المتقدم إلى مركزه . و يسمى الكلب وازعا لأنّه يكف الذئب عن الغنم .

و في ( النهاية ) : الوزعة : جمع الوازع .

و في ( عيون القتيبي ) ١ قال كسرى : لا ننزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء :

سلطان قاهر ، و قاض عادل ، و سوق قائمة ، و طبيب عالم ، و نهر جار .

و مثل ٢ مضار السلطان في جنب منافعه ، مثل الغيث الذي هو سقيا اللّه و بركات السماء و حياة الأرض و من عليها ، و قد يتأذّى به السفر و يتداعى له البنيان .

هذا ، و كسر المغيرة أنف رجل أغلظ لأبي بكر و أدماه ، فقال عمر لأبي بكر كما في ( النهاية ) ٣ : اقص هذا من هذا بأنفه . فقال : أنا لا اقص من وزعة اللّه فأمسك .

قلت : هو نظير عمله مع خالد بن الوليد لمّا قتل مالك بن نويرة ظلما ، فقال له عمر : اقد من خالد . فقال : لا أغمد سيفا سلّه اللّه .

٧

الخطبة ( ١٨٢ ) و من كلام له عليه السّلام قاله للبرج بن مسهر الطائيّ و قد قال له بحيث يسمعه : لا حكم إلاّ اللّه و كان من الخوارج :

اُسْكُتْ قَبَحَكَ اَللَّهُ يَا أَثْرَمُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ اَلْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ خَفِيّاً صَوْتُكَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ اَلْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ اَلْمَاعِزِ قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام قاله للبرج بن مسهر الطائي » الذي

ــــــــــــ

( ١ ) العيون للقتيبي ١ : ٦ .

( ٢ ) العيون للقتيبي ١ : ٣ .

( ٣ ) النهاية ٥ : ١٨٠ .

وقفت عليه في الخوارج : زرعة بن برج الطائي ، ففي ( الطبري ) ١ عن عون بن أبي جحيفة : أنّ عليا لمّا أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج : زرعة بن برج الطائي و حرقوص بن زهير السعدي ، فدخلا عليه فقالا له : « لا حكم إلاّ للّه » فقال عليّ عليه السّلام : « لا حكم إلاّ للّه » فقال حرقوص : تب من خطيئتك و ارجع عن قضيتك ، و أخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا .

فقال لهم عليّ عليه السّلام : قد أردتكم على ذلك فعصيتموني ، و قد كتبنا بيننا و بينهم كتابا و شرطنا شروطا و أعطينا عليها عهودنا و مواثيقنا ، و قد قال عزّ و جلّ :

و أوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم و لا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا إنّ اللّه يعلم ما تفعلون ٢ . فقال له حرقوص ذلك ذنب ينبغي أن نتوب منه . فقال عليّ عليه السّلام : ما هو ذنب و لكنّه عجز من الرأي و ضعف من الفعل ،

و قد تقدّمت إليه منكم في ما كان منه و نهيتكم عنه . فقال له زرعة بن البرج : اما و اللّه يا علي ، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب اللّه عزّ و جلّ قاتلتك أطلب بذلك وجه اللّه و رضوانه . فقال له عليّ عليه السّلام : بؤسالك ما اشقاك كأنّي بك قتيلا تسفي عليك الريح . قال : وددت أن كان ذلك . فقال له عليّ عليه السّلام : لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا ، إنّ الشيطان قد استهواكم فاتقوا اللّه عزّ و جلّ ، إنّه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها . فخرجا من عنده عليه السّلام يحكمان . . .

و لعلّ من ذكره المصنّف أبو من في خبر الطبري ، وقف عليه في خبر آخر ، و يؤيده اختلاف مكالمتهما .

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٢ .

( ٢ ) النحل : ٩١ .

و ذكر ( الأغاني ) ١ في الحصين بن حمام المري الذي كان قبيل الاسلام :

أنّ برج الجلاس الطائي كان نديما له ، فشرب البرج معه يوما فسكر ، فانصرف إلى اخته فافتضّها ، فلمّا أفاق قال لقومه : إن علم بذلك أحد ركبت رأسي فلا تروني أبدا . لكن أخبر الحصين بذلك أمة من طي ، فقال الحصين له :

لا تحسبن أخا العفاطة أنّني

رجل بخبرك لست كالعلاّم

فاستنزلوك و قد بللت نطاقها

من بيت امك و الذيول دوام

و العفاطة اسم اخته فقال لقومه : فضحتموني . فلحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر .

« و قد قال له » هكذا في طبعة ( المصرية ٢ و ابن أبي الحديد ) ٣ و ليس ( له ) في ( ابن ميثم ) ٤ ( و الخطية ) و قوله :

« بحيث يسمعه » ينفيه و في ( ابن ميثم ) ٥ : « يسمع » .

« لا حكم إلاّ للّه و كان من الخوارج » قوله : « و كان من الخوارج » بعد ذكر قوله : « لا حكم إلاّ للّه » واضح ، فذاك كان شعار الخوارج ، و لو كان ذكره بعد قوله : « للبرج بن مسهر الطائي » كان وجيها .

« اسكت قبحك اللّه » يجوز فيه التخفيف و التشديد ، أي : نحّاك اللّه عن الخير.

« يا أثرم » و الأثرم من سقطت ثنيته .

« فو اللّه لقد ظهر الحق » قبل وقوع الإختلاف و جدّ الناس في الجهاد .

« فكنت فيه » أي : في ظهور الحق .

« ضئيلا » أي : نحيفا .

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني ١٤ : ١٠ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٢ : ١٣٧ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٣٠ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٤٠٨ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٤٠٨ .

« شخصك » لم يظهر منك عمل .

« خفيا صوتك » لم يسمع منك كلام و قول ، كالغائبين و الأموات .

« حتى إذا نعر الباطل » شبّه عليه السّلام الباطل بدخول الشبهات و الفتن فيه بحمار دخل في أنفه نعرة ، قال الجوهري : النعرة كهمزة : ذباب ضخم أزرق العين أخضر ، له ابرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحوافر خاصة ، و ربما دخل في أنف الحمار ، فيركب في رأسه و لا يرده شي‏ء تقول : منه نعر الحمار .

بالكسر .

« نجمت » أي : طلعت و ظهرت .

« نجوم » مصدر نجم .

« قرن الماعز » في ( بديع ابن المعتز ) عنه عليه السّلام لبعض الخوارج : « و اللّه ما عرفت حتى نعر الباطل ، فنجمت نجوم قرن الماعز » الماعز : واحد المعز مثل صاحب و صحب و الأشخاص اللئام ، كما وصف عليه السّلام هذا الرجل : في الحق ابترون و في الباطل ذوو قرن طويل .

قال الحطيئة في أبيه :

لنعم الشيخ أنت لدى المخازي

و بئس الشيخ أنت لدى المعالي

و قال الوزير المغربي :

إذا ما الامور اضطر بن اعتلى

سفيه يضام العلى باعتلائه

و سأل سليمان بن عبد الملك ابن الاهتم عمن يصلح لخراسان ، فكل من سمّاه ذكر سليمان له عيبا ، إلى أن ذكر وكيع بن أبي الأسود فقال له سليمان :

إنّ وكيعا لم يجتمع له مائة عنان قط إلاّ حدّث نفسه بغدرة ، هو خامل في الجماعة ، ثابت في الفتنة .

و في رسالة الجاحظ إلى الفتح بن خاقان في ذكر أصناف الناس : و من

صاحب للفتنة ، خامل في الجماعة ، رئيس في الفرقة ، نعّاق في الهرج .

و في ( معارف ابن قتيبة ) قال الحزين الدئلي في عمرو بن عمرو بن الزبير :

لو أنّ اللؤم مع الثريا

تناول رأسه عمرو بن عمرو

و في قصار الكتاب : و أتي عليه السّلام بجان و معه غوغاء : فقال عليه السّلام : لا مرحبا بوجوه لا ترى إلاّ عند كل سوأة .

هذا ، و قد عرفت من خبر الطبري أنّه كان من الخوارج غير الطائي حرقوص السعدي ، و منهم حكيم البكالي ، و في ( الطبري ) ١ : أنّه أتى إليه عليه السّلام و هو يخطب فقال و لقد أوحى إليك و إلى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين ٢ . فقال عليّ عليه السّلام : فاصبر إنّ وعد اللّه حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون ٣ .

هذا و قال المسعودي في ( مروجه ) ٤ : ظهر من فعل صاحب الزنج تصديق ما رمي به من كونه على رأي الخوارج ، من قتله النساء و الأطفال و الشيخ الفاني ، و قال في خطبته : اللّه أكبر اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر ، لا حكم إلاّ اللّه .

٨

الحكمة ( ٩٧ ) و قد سمع رجلا من الحروريّة يتهجّد و يقرأ فقال :

نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٤ ٧٣ .

( ٢ ) الزمر : ٦٥ .

( ٣ ) الروم : ٦٠ .

( ٤ ) مروج الذهب للمسعودي ٤ : ١٩٤ .

أقول : رواه سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) عن ابن عباس عنه عليه السّلام .

قول المصنف : « و قد سمع » هكذا في ( المصرية ) ١ و لكن في ( ابن أبي الحديد ٢ و الخطية ) : « و سمع » و في نسخة ابن ميثم ٣ : « و قال عليه السّلام : و قد سمع » .

« رجلا من الحرورية » في ( كامل المبرد ) ٤ : ناظر عليّ عليه السّلام الخوارج فرجع معه منهم الفان من حروراء و كانوا تجمعوا بها فقال لهم : ما نسميكم ؟ ثم قال : أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء .

و في ( الكشي ) عن المسيب بن نجبة : لمّا أتانا سلمان قادما تلقيناه إلى أن قال ثم سار حتى انتهى إلى حروراء ، فقال : ما تسمون هذه الأرض ؟ قالوا :

حروراء . فقال : خرج بحروراء شرّ الأولين ، و يخرج بها شرّ الآخرين .

« يتهجد » أي : يصلي صلاة الليل . و في ( الصحاح ) : هجد و تهجد ، أي : نام ليلا ، و هجد و تهجد ، أي : سهر ، و هو من الأضداد ، و منه قيل لصلاة الليل :

التهجد .

في ( كامل المبرد ) ٥ : لمّا صار ابن عباس إلى الخوارج رأى منهم جباها قرحة بطول السجود ، و أيديا كثفنات الإبل ، عليهم قمص مرحضة ، و هم مشمرون .

و في ( الطبري ) ٦ : أنّ القرّاء الذين أجبروا الأشتر على ترك القتال ثم صاروا خوارج ، قال الأشتر لهم لمّا رجع من الحرب : يا أصحاب الجباه

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٣ : ١٧٢ .

( ٢ ) ابن أبي الحديد ١٨ : ٢٥٣ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٢٨٩ .

( ٤ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٥٥ .

( ٥ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٧٥ .

( ٦ ) تاريخ الطبري ٥ : ٥٠ .

السود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوقا إلى لقائه تعالى ، فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت ، يا اشباه النيب الجلاّلة ، قبحا لكم ما انتم برائين بعدها عزا ابدا ، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون .

« و يقرأ » أي : القرآن ، و في ( ذيل الطبري ) ١ عن أبي ذر قال : قال النبي :

سيكون من امّتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون ، فيه شرار الخلق و الخليقة . . . .

« فقال : نوم على يقين خير من صلاة في شك » هو نظير قوله عليه السّلام المذكور في الحكمة ( ١٤٥ ) : « كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الظمأ ، و كم قائم ليس له من قيامه إلاّ السهر ، حبّذا نوم الأكياس و إفطارهم » .

و مرّ في سابقه قوله عليه السّلام لزرعة بن برج الطائي : « لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا » .

و في ( المروج ) ٢ ضرب أبو أيوب عبد اللّه بن وهب الراسبي يوم النهر على كتفه فأبان يده ، و ضربه صعصعة ضربة أبان بها رجله ، و أدركه باخرى في بطنه ، ثم احتز رأسه و اتيابه عليا عليه السّلام و قالا : هذا رأس الفاسق المارق عبد اللّه بن وهب . فنظر عليه السّلام إليه و قال : شاه هذا الوجه حتى خيّل إلينا أنّه يبكي ثم قال : قد كان أخو راسب حافظا لكتاب اللّه ، تاركا لحدود اللّه .

و في ( كامل المبرد ) ٣ : حمل رجل من الخوارج على صف عليّ عليه السّلام و كان عليه السّلام قال : لا ابتدائهم فقتل من أصحابه ثلاثة و هو يقول :

أقتلهم و لا أرى عليا

و لو بدا أو جرته الخطيا

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ١١ : ٥٦٧ .

( ٢ ) المروج الذهب ٣ : ٥٦ .

( ٣ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٥٩ .

فخرج إليه عليّ عليه السّلام فقتله ، فلمّا خالطه السيف قال : حبّذا الروحة إلى الجنة . فقال عبد اللّه بن وهب : ما ادري أ إلى الجنة أم إلى النار ؟ فقال رجل من سعد : إنّما حضرت اغترارا بهذا و أراه قد شكّ . فانخزل بجماعة من أصحابه .

و في ( ادباء الحموي ) في ترجمته عليه السّلام : و كان الخوارج أربعة آلاف عليهم عبد اللّه بن وهب الراسبي من الازد ، و ليس براسب بن جرم بن ريان و ليس في العرب غيرهما ، فلمّا نزل عليّ عليه السّلام بنهروان تفرقوا فبقي منهم ألف و ثمانمائة ، و قتل ألف و خمسمائة ، و كان سبب تفرّقهم أنّهم عند الإحاطة بهم قالوا : أسرعوا الرواح إلى الجنة. فقال عبد اللّه بن وهب : و لعلها إلى النار . فقال من فارقه : نرانا نقاتل مع رجل شاكّ.

و في ( الطبري ) ١ : لمّا خرج عليّ عليه السّلام إلى النهروان رفع رايات أمان مع أبي أيوب فنادى أبو أيوب الخوارج : من جاء منكم ممّن لم يقتل و لم يستعرض فهو آمن ، و من انصرف منكم إلى الكوفة أو المدائن ، و خرج من هذه الجماعة فهو آمن . فقال فروة بن نوفل الأشجعي : و اللّه ما أدري على أي شي‏ء نقاتل عليّا ؟ إلاّ أن انصرف حتى تنفذ بصيرتي في قتاله أو أتباعه . فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين و الدسكره ، و خرجت طائفة اخرى متفرقين فنزلت الكوفة ، و خرج إلى عليّ عليه السّلام منهم نحو من مائة ، و كانوا أربعة آلاف ، فكان الذين بقوا مع عبد اللّه بن وهب منهم ألفين و ثمانمائة ، زحفوا إلى عليّ عليه السّلام . . .

و روى ( التهذيب ) ٢ في باب قتال أهل البغي ، عن جميل بن دراج ، قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : الخوارج شكاك ؟ فقال : نعم . فقال له بعض أصحابه : كيف

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٦ .

( ٢ ) التهذيب ٦ : ١٤٥ ح ٢٥١ .

و هم يدعون إلى البراز ؟ قال : ذلك ممّا يجدون في أنفسهم .

هذا ، و في ( بيان الجاحظ ) : كان مرّة الهمداني يقول : لمّا قتل عثمان حمدت اللّه ألاّ أكون دخلت في شي‏ء من قتله فصليت مائة ركعة ، فلمّا وقع الجمل و صفين حمدت إلاّ اكون دخلت في شي‏ء وزدت مائتي ركعة ، فلمّا كانت وقعة النهروان حمدت اللّه إذ لم أشهدها و زدت مائة ركعة ، فلمّا كانت فتنة ابن الزبير حمدت اللّه إذ لم أشهدها و زدت مائة ركعة . قال الجاحظ : لا نعرف فقيها من أهل الجماعة لا يستحل قتال الخوارج ، كما لا نعرف أحدا منهم لا يستحل قتال اللصوص .

و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : لمّا قتل عمّار عطش قاتله ، قال ابن سعد : فاتي بقدح من زجاج و قال غيره من فضّة فأبى الشرب فيه ، فقال بعضهم : انظروا إلى هذا الأحمق ، يمتنع من الشرب في هذا الإناء و ينسى أنّه قتل عمّارا ، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له : تقتلك الفئة الباغية ( و فيه ) : لمّا لام ابن الزبير يوم الجمل أباه في تركه قتال عليّ عليه السّلام ، و قال له : لقد فضحتنا فضيحة لا نغسل منها رؤوسنا أبدا . قال له : حلفت ألاّ اقاتله .

فقال له : كفّر عن يمينك . فاعتق غلامه مكحولا ، فقال بعضهم :

يعتق مكحولا لصون دينه

كفارة للّه عن يمينه

و النكث قد لاح على جبينه

٩

الكتاب ( ٧٧ ) و من وصيّة له عليه السّلام لعبد اللّه بن العباس لمّا بعثه للاحتجاج إلى الخوارج :

لاَ تُخَاصِمْهُمْ ؟ بِالْقُرْآنِ ؟ فَإِنَّ ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَ يَقُولُونَ

وَ لَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً قول المصنف : « و من وصيّته له عليه السّلام لعبد اللّه بن العباس لمّا بعثه للاحتجاج » الروايات في بعثه عليه السّلام لابن عباس إلى الخوارج مختلفة ، فروى الطبري ١ عن أبي رزين : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا رجع من صفّين و دخل الكوفة و نزلت الخوارج بحروراء بعث إليهم ابن عباس ، فرجع و لم يصنع شيئا . . . .

و عن ٢ عمارة بن ربيعة : بعث عليّ عليه السّلام ابن عباس إليهم ، و قال : لا تعجل إلى جوابهم و خصومتهم حتى آتيك . فخرج إليهم حتى أتاهم فأقبلوا يكلّمونه فلم يصبر حتى راجعهم ، فقال : ما نقمتم من الحكمين و قد قال تعالى : إن يريدا إصلاحا يوفق اللّه بينهما ٣ فكيف بامّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله ؟ فقالت الخوارج :

قلنا : أمّا ما جعل حكمه إلى الناس و أمر بالنظر فيه و الإصلاح له ، فهو إليهم كما أمر به ، و ما حكم فامضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه ، حكم في الزاني مائة جلدة و في السارق بقطع يده ، فليس للعباد أن ينظروا فيه . قال : فإنّه تعالى يقول : . . . يحكم به ذوا عدل منكم . . . ٤ . فقالوا : أو تجعل الحكم في الصيد ،

و الحدث يكون بين المرأة و زوجها كالحكم في دماء المسلمين ؟ فهذه الآية بيننا و بينك ، أعدل عندك ابن العاص و هو بالامس يقاتلنا و يسفك دماءنا ؟ فان كان عدلا فلسنا بعدول و نحن أهل حربه ، و قد حكّمتم في أمر اللّه الرجال ، و قد أمضى اللّه عزّ و جلّ حكمه في معاوية و حزبه أن يقتلوا أو يرجعوا ، و قبل ذلك دعوناهم إلى كتاب اللّه فأبوه ، ثم كتبتم بينكم و بينه كتابا و جعلتم بينكم و بينه الموادعة ، و لا موادعة بين المسلمين و أهل الحرب منذ نزلت ( براءة ) إلاّ من أقرّ

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٣ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٦٤ .

( ٣ ) النساء : ٣٥ .

( ٤ ) المائدة : ٩٥ .

بالجزية إلى أن قال ثم خرج عليّ عليه السّلام حتى انتهى إليهم و هم يخاصمون ابن عباس ، فقال : انته عن كلامهم ، ألم أنهك رحمك اللّه ؟ ثم قال : قال لهم : من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . فقال عليه السّلام : فما أخرجكم علينا ؟ قالوا : حكومتكم يوم صفين . قال : أنشدكم باللّه أتعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم : نجيبهم إلى كتاب اللّه . قلت لكم : إنّي أعلم بالقوم منكم ، إنّهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، إنّي صحبتهم و عرفتهم أطفالا و رجالا ، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال ،

امضوا على حقكم و صدقكم ، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهنا و مكيدة . فرددتم على رأيي و قلتم : لا بل نقبل منهم . فقلت لكم : إذكروا قولي لكم و معصيتكم إياي . فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين : أن يحييا ما أحيا القرآن و أن يميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن ، و إن أبيا فنحن من حكمهما برآء قالوا له :

أترى عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟ فقال : انا لسنا حكّمنا الرجال إنّما حكمنا القرآن ، و هذا القرآن فإنّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق ، إنّما يتكلّم به الرجال . قالوا : فخبّرنا عن الأجل : لم جعلته في ما بينك و بينهم ؟ قال : ليعلم الجاهل و يتثبّت العالم ، و لعل اللّه عزّ و جلّ يصلح في هذه الهدنة هذه الامّة . . . .

و في ( كامل المبرد ) ١ : ذكر أهل العلم من غير وجه : أنّ عليا لمّا وجّه إليهم ابن عباس ليناظرهم قال لهم : ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين عليه السّلام ؟

قالوا : قد كان للمؤمنين أميرا فلمّا حكم في دين اللّه خرج من الإيمان ، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له . فقال ابن عباس : لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك بأن يقر على نفسه بالكفر . قالوا : إنّه قد حكم . قال : إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أمرنا بالتحكيم

ــــــــــــ

( ١ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٤٢ .

في قتل سيد ، فقال عزّ و جلّ : يحكم به ذوا عدل منكم ١ فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين ؟ فقالوا : إنّه قد حكم عليه فلم يرض . فقال : إنّ الحكومة كالإمامة و متى فسق الإمام وجبت معصيته ، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما . فقال بعضهم لبعض : لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإنّ هذا من القوم الذين قال تعالى فيهم : بل هم قوم خصمون ٢ ، و قال و تنذر به قوما لدا ٣ .

و فيه ٤ : وجه عليّ عليه السّلام إليهم ابن العباس فرحبوا به و قالوا : ما جاء بك ؟

قال : جئتكم من عند صهر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ابن عمه و أعلمنا بربّه و سنّة نبيه ، و من عند المهاجرين و الأنصار . فقالوا : إنّا أتينا عظيما حين حكّمنا الرجال في دين اللّه فإن تاب كما تبنا رجعنا . فقال لهم : نشدتكم اللّه أما علمتم أنّ اللّه أمر بتحكيم الرجال في أرنب يساوي درهما ، و في شقاق رجل و امرأته ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمسك عن القتال للهدنة بينه و بين أهل الحديبية ؟ قالوا : نعم و لكن محا نفسه من الإمارة . فقال لهم : و قد محا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اسمه من النبوة ، و قد أخذ عليّ عليه السّلام على الحكمين ألاّ يجورا . . . .

و روى ( مسترشد محمد بن جرير الطبري ) : أنّه عليه السّلام لمّا بعث ابن العباس قالوا له : نقمنا على صاحبك خصالا : محا اسمه من إمارة المؤمنين ،

و شكّ في نفسه حيث قال للحكمين : « انظرا ان كان معاوية أحق بها منّي فأثبتاه » ، و جعل الحكم إليه غيره و قد كان عندنا من أحكم الناس ، و حكّم الرجال في دين اللّه و لم يكن ذاك إليه ، و قسّم بيننا الكراع و السلاح يوم البصرة

ــــــــــــ

( ١ ) المائدة : ٩٥ .

( ٢ ) الزخرف : ٥٨ .

( ٣ ) مريم : ٩٧ .

( ٤ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٧٥ .

و منعنا النساء و الذرية ، و أنّه كان وصيّا فضيع الوصية . فقال ابن عباس له عليه السّلام : سمعت مقالتهم و أنت أحقّ بالجواب . فقال عليه السّلام له : قل لهم : ألستم ترضون بحكم اللّه و حكم رسوله ؟ قالوا : نعم . فقال : ابدأ على ما بدأتم : كنت أكتب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم صالح ابا سفيان و سهل بن عمرو ، فكتبت : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه و سهيل بن عمرو و صخر بن حرب » فقال سهيل : إنّا لا نعرف ( الرحمن الرحيم ) و لا نقرّ أنّك رسول اللّه .

فأمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فمحوت ( الرحمن الرحيم ) و كتبت : « باسمك اللهم » و محوت ( رسول اللّه ) و كتبت : « محمد بن عبد اللّه » فقال لي : يا عليّ إنّك تدعى إلى مثلها فتجيب و أنت مكره . فقالوا : هذه لك قد خرجت منها . فقال : و أمّا قولكم :

إنّي شككت في نفسي حيث قلت للحكمين : انظرا فان كان معاوية أحق بها مني ، فإنّ ذلك لم يكن شكا و لكنّه نصفا من القول ، و قد قال تعالى : و انا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ١ ، و قد علم اللّه أنّ نبيّه كان على الحق .

قالوا : و هذه لك أيضا . قال : و أمّا قولكم : إنّي جعلت الحكم إلى غيري و قد كنت من احكم الناس ، فهذا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جعل الحكم إلى سعد بن معاذ يوم بني قريظة و قد كان أحكم الناس ، و قد قال تعالى : و لكم في رسول اللّه اسوة حسنة . . . ٢ فتأسيت به صلّى اللّه عليه و آله . قالوا و هذه لك أيضا إلى أن قال و أمّا قولكم :

إنّي قسّمت يوم البصرة الكراع و السلاح و منعتكم النساء و الذرية ، فإنّي مننت على أهل البصرة كما منّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على أهل مكة و قد عدوا علينا ، فأخذناهم بذنوبهم و لم نأخذ صغيرا بكبير ، و بعد فأيّكم يأخذ عايشة في سهمه ؟ قالوا:

و هذه قد خرجت منها أيضا . قال : و أمّا قولكم : إنّي كنت وصيا فضيعت

ــــــــــــ

( ١ ) سبأ : ٢٤ .

( ٢ ) الأحزاب : ٢١ .

الوصاية ، فأنتم كفرتم بي و قدّمتم عليّ غيري و لم أك أنا كفرت بكم ، و ليس على الأوصياء الدعاء إلى انفسهم و إنّما تدعو الأنبياء إلى انفسهم ، و الوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه ، ذلك لمن آمن باللّه و رسوله ، و قد قال تعالى : . . . و للّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . . . ١ ، فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت يكفر بتركهم إيّاه ، و لكن يكفرون بتركه لأنّ اللّه تعالى قد نصبه لهم علما ، و كذلك نصّبني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله علما حيث قال : أنت بمنزلة الكعبة . فخرج معه منهم أربعة آلاف .

و رواه اليعقوبي ٢ مع زيادة و نقصان .

« إلى الخوارج » هكذا في ( المصرية ) ٣ و الصواب : ( على الخوارج ) كما في ( ابن أبي الحديد ٤ و ابن ميثم ٥ و الخطية ) و حينئذ فهو متعلق بالاحتجاج .

قوله عليه السّلام : « لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول و يقولون » حاج منصور بن حازم و هو أحد أجلة أصحاب الصادق عليه السّلام مع الناس فقال لهم : من الحجّة على الخلق بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ؟ فقالوا له : القرآن . فقال لهم :

القرآن يخاصم به المرجي و القدري بل الزنديق الذي لا يؤمن به ، يخاصم به حتى يغلب الرجال بخصومته ، فلا بدّ أن القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم يكون كل شي‏ء قال فيه يكون حقا ، فمن قيّمه ؟ قالوا : ابن مسعود قد كان يعلم ،

و عمر قد يعلم ، و حذيفة قد يعلم . فقال لهم : يعلمون كلّه ؟ قالوا : لا . قال لهم : فليس أحد يعرف القرآن كلّه إلاّ عليّ عليه السّلام فلا بدّ أنّه قيم القرآن ،

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٩٧ .

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩٢ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ٣ : ١٥٠ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧١ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٢٣٤ .

و أنّ طاعته مفروضة كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

قال ابن أبي الحديد ١ قوله عليه السّلام : « القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول و يقولون » كلام لا نظير له في شرفه و علو معناه ، و ذلك أنّ القرآن فيه مواضع يظن في الظاهر أنّها متناقضة نحو قوله : لا تدركه الأبصار . . . ٢ مع قوله إلى ربها ناظرة ٣ ، و قوله : و جعلنا من بين أيديهم سدّا و من خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ٤ ، مع قوله : و أمّا ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى . . . ٥ و نظائرها ، و أمّا السنّة فليست كذلك إلى أن قال و قد كان في الصحابة من يسأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن كلمة في القرآن يفسره له تفسيرا موجزا فلا يحصل له كلّ الفهم ، و لمّا نزلت آية الكلالة و في آخرها . . . يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا . . . ٦ سأله عمر عن الكلالة : ما هو ؟ فقال له : يكفيك آية الصيف . لم يزد على ذلك ، فلم يراجعه عمر و انصرف و لم يفهم مراده ، و بقي عمر على ذلك إلى أن مات ، و كان يقول بعد ذلك : اللهم مهما بيّنت فإنّ عمر لم يتبين . يشير إلى قوله تعالى : يبيّن اللّه لكم ان تضلّوا . . .

بيان : آية الصيف ، أي : آية نزلت في الصّيف ، كما رواه ( التبيان ) .

قلت : إذا كان فاروقهم نفسه لم يفهم المراد من القرآن في آية قال تعالى فيها : بيّنها لكم لئلا تضلّوا ، و فسّرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، له كيف منع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصية و قال : حسبنا القرآن و لم نحتج إلى وصيّته ؟

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧١ .

( ٢ ) الأنعام : ١٠٣ .

( ٣ ) القيامة : ٢٣ .

( ٤ ) يس : ٩ .

( ٥ ) فصّلت : ١٧ .

( ٦ ) النساء : ١٧٦ .

ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) و كان ناصبيا عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، قال : لمّا حضرت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الوفاة و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده . فقال عمر : إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع ، و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه .

فاختلف أهل البيت و اختصموا ، فمنهم من قال : قرّبوا يكتب لكم النبيّ ، و منهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا كثر اللغط و الاختلاف و غمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : قوموا عني . قال عبيد اللّه : فكان ابن عباس يقول : إنّ الرّزية كلّ الرّزية ما حال بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم .

و روى عن عكرمة عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في مرضه الذي مات فيه : إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبيّ ليس بميّت حتى نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . فقالت زينب زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ألا تسمعون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعهد إليكم ؟ فلغطوا فقال : قوموا عنّي . فلمّا قاموا قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مكانه .

و عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر قال : كنا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بيننا و بين النساء حجاب فقال : غسّلوني بسبع قرب ، و ائتوني بصحيفة و دواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده ابدا . فقال النسوة : إيتوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بحاجته . قال عمر :

فقلت : اسكتن فإنّكن صواحبه ، إذا مرض عصرتن أعينكن و إذ صح أخذتن بعنقه . فقال : هنّ خير منكم .

و عن سعيد بن جبير قال : إنّ ابن عباس كان يقول : يوم الخميس و ما يوم الخميس ؟ و كأنّي أنظر إلى دموعه كأنّها نظام اللؤلؤ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إيتوني بالكتف و الدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا .

فقالوا : إنّما يهجر رسول اللّه .

كان فاروقهم يعلم أنّ القرآن لا يكفي الناس ، و كيف لا ، و هو الذي كان فاروقهم لا يفهم شيئا من معارفه إلاّ أنّه صد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية في تلك الساعة ، لأنّه علم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أراد أن يعيّن أمير المؤمنين عليه السّلام في الكتابة كما عيّنه في مقالاته يوم غدير خم و غيره ، فلا يمكنه التشكيك فيها لأنّ الكتابة أمر ثابت ، فروى أحمد بن أبي طاهر صاحب ( تاريخ بغداد ) في كتابه مسندا عن ابن عباس قال : دخلت على عمر في أوّل خلافته فقال : هل بقي في نفس ابن عمك شي‏ء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ النبي نصّ عليه ؟ قلت :

نعم . قال : لقد أراد النبي في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حيطة على الإسلام ، لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ، و لو وليها لا نتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم النبيّ أنّي علمت ما في نفسه فأمسك . . . .

إنّما منع منه إشفاقا و حيطة على سلطنته و سلطنة صاحبه ، و هل كان هو أشفق على الإسلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟ فكأنّ اللّه لا يعلم حيث يجعل رسالته ، إذا كان هو أشفق على الإسلام و لم يشفق نبيّه و قوله بعدم اجتماع قريش عليه كانتقاض العرب مغالطة ، فقريش كانوا أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إنّما وصلوا إلى ما وصلوا بمساعدة و مساعدته صاحبه ،

و لو لا هما لكانوا يستسلمون له و يسرون كفرهم ، كما استسلموا للنبي و أسرّوا كفرهم ، و العرب إنّما انتقضت على صاحبه حيث لم يجعل هو سلطان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أهل بيته ، و قيام أهل الجمل و صفين عليه إنّما كان من قريش بسببه و سبب صاحبه .

وهب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يرد النصّ على أمير المؤمنين ، ألم يكن حدوث هذه الفرق الضالة في الإسلام و منها الخوارج من منع عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن

الوصية ؟ ألم يقل لهم : أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا ؟

ثم إنّه مع منعه له عن الوصية و هي الرّزية العظمى التي لو بكي الدم منها كان قليلا لم نسب الهجر إليه ؟ أليس اللّه تعالى قال في نبيه : و ما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي يوحى ١ ؟

و لم قال : « إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا يموت و لو أنّه مات يرجع » ، فيصير سببا لتولّد مذاهب فاسدة ، كالكيسانية و الناوسية و الواقفية و الإسماعيلية و غيرها،

فليس منشأ شبهات المذاهب الفاسدة التي تولّدت بعده إلاّ شبهات مثله ، كما اعترف به الشهرستاني ٢ منهم .

و لم يقول لنسائه : « اسكتن ، إذا مرض عصرتن أعينكن ، و إذا صحّ أخذتن بعنقه » بمعنى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليس له قابلية ، و أنّه رجل زيري ، و النساء غالبات عليهن .

و ما نسبه إلى نسائه إنّما كان عمل بنته و بنت صاحبه اللتين قال تعالى فيهما : . . . و إن تظاهر عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين . . . ٣ دون النسوة التي قلن كزينب و امّ سلمة : إيتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بحاجته . لكن يكفيه شرفا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له : هنّ خير منك .

هذا و ممّا يناسب قوله عليه السّلام : « حمال ذو وجوه » ما ورد : أنّ رجلا قال لهشام القوطي : كم تعدّ ؟ قال : من واحد إلى ألف ألف و أكثر . قال : لم ارد هذا ، كم تعدّ من السنّ ؟ قال : اثنتين و ثلاثين ، ست عشرة من أعلى و ست عشرة من أسفل . قال : لم ارد هذا ، كم لك ؟ من السنين قال : و اللّه مالي فيها شي‏ء السنون

ــــــــــــ

( ١ ) النجم : ٣ ٤ .

( ٢ ) الملل و النحل للشهرستاني ١ : ١٨ ٢١ .

( ٣ ) التحريم : ٤ .

كلّها للّه تعالى . قال : يا هذا ما سنّك ؟ قال : عظم . قال : ابن كم أنت ؟ قال: ابن اثنين :

رجل و امرأة . قال : كم أتى عليك ؟ قال : لو أتى علي شي‏ء لقتلني . قال : فكيف أقول ؟ قال : تقول : كم مضى من عمرك ؟

« و لكن حاججهم بالسنّة ، فإنّهم لن يجدوا عنها محيصا » قال ابن أبي الحديد ١ لم يعمل ابن عباس بما أوصاه فلم يحاجّهم بالسنّة بل بالقرآن ،

و لذلك لم يرجعوا .

قلت : بل حاجّهم بالكتاب و السنة كما عرفت من رواياته ، بل حاجّهم مرّتين : في أوّل خروجهم إلى حروراء ، و بعد رجوعهم و خروجهم ثانيا ، كما يظهر من خبر المبرد الثاني ، بل قال المبرّد ٢ : إنّه عليه السّلام بعثه إلى خوارج النخيلة أيضا بعد النهروان و قالوا له : إذا كان عليّ على حق لم يشكّ و حكم مضطرا ،

فما باله حيث ظفر في الجمل لم يسب ؟ فقال لهم ابن عباس : سمعتم الجواب في التحكيم ، فأمّا قولكم في السباء ، أفكنتم سابين امّكم عايشة ؟ فوضعوا أصابعهم في آذانهم و قالوا أمسك عنّا غرّب لسانك يا بن عباس ، فإنّه طلق زلق غوّاص على موضع الحجة . و حاجّهم بالسنّة بتعليم أمير المؤمنين عليه السّلام له في تحكيم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سعد بن معاذ يوم بني قريظة ، و غير ذلك ممّا مرّ في تلك الأخبار .

قال ابن أبي الحديد ٣ إن قيل ما السنّة التي أمر عليه السّلام ابن عباس أن يحاجّ الخوارج ؟ قلت : كان له عليه السّلام في ذلك غرض صحيح و إليه أشار و حوله كان يطوف و يحرم ، و ذلك أنّه أراد أن يقول لهم : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « علي مع الحقّ

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧٦ .

( ٢ ) المبرد ٢ : ١٩٤ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧٢ ٧٣ .

و الحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار » ، و قوله عليه السّلام : « اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه ، و انصر من نصره ، و اخذل من خذله » و نحو ذلك من الأخبار التي كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه صلّى اللّه عليه و آله و قد بقي ممّن سمعها جماعة تقوم بهم الحجة و تثبت بنقلهم ، و لو احتجّ بها على الخوارج في أنّه لا يحل مخالفته و العدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين عليه السّلام في محاجّتهم ، و أغراض اخرى أرفع و أعلا منهم ، فلم يقع بموجب ما أراد و قضى عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم . . . و كان أمر اللّه مفعولا ١ .

قلت : لو كان عليه السّلام حاجّهم بأقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه لصار أمر صديقهم و فاروقهم باطلا ، كما أنّ محمد بن أبي بكر لمّا حاج معاوية بذلك ناقضه معاوية بذلك .

و لم يدر الإنسان أيّ شي‏ء يقول في مثل هذه الامور ؟

ألم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام أتمّ الحجّة عليهم بنفسه : بأنّى ما حكّمت الرجال بل حكّمت القرآن ، و لكنّ القرآن خط مسطور لا ينطق ، ينطق عنه الرجال ، فان حكما بما فيه يقبل و إلاّ فيضرب حكمهما على رأسهما ، و لم يجعلا حكما مطلقا يحكمان بما يريدان ، و أنّه و إن تبيّن للخوارج كما كان متبيّنا له عليه السّلام و لعار في أصحابه أنّه كان مكيدة إلاّ أنّه لمّا كان كتب كتاب عهد وجب العمل به بمقتضى الكتاب و السنّة ، بل وجوب الوفاء بالعهد يحكم به العقل ،

و كان جميع ملل الدنيا عملهم عليه ؟

ثم أيّ شي‏ء تصوّروا في قول معاوية لمّا أمر برفع المصاحف :

« بيننا و بينكم كتاب اللّه » ؟

أ لم يعرفوا أنّ كتاب اللّه يقول في قوله تعالى : . . . فقاتلوا التي تبغي حتى

ــــــــــــ

( ١ ) الأحزاب : ٣٧ .

تفي‏ء إلى امر اللّه . . . ١ بوجوب قتال معاوية حتى يفي‏ء إلى أمر اللّه و يصير تسليما لأمير المؤمنين عليه السّلام كما قالوا ذلك لمّا أنكروا الحكمية ؟

ألم يعلموا أنّ معاوية من الفئة الباغية مع قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « عمّار تقتله الفئة الباغية » و قد كان قتل قبيل رفع المصاحف ؟

و كيف هم لم يتفطّنوا و قد تفطّن كثير من أهل الشام ، إلاّ أغبياء قال لهم معاوية : « إنّا ما قتلناه و إنّما قتله عليّ الذي جاء به لحربنا » ؟ و لحق به عليه السّلام بعضهم كعبد اللّه بن عمر العنسي لذلك ، و قال :

قد كنت أسمع و الأنباء شائعة

هذا الحديث فقلت : الكذب و الزور

حتى تلقّيته من أهل عيبته

فاليوم أرجع و المغرور مغرور

و اليوم أبرأ من عمرو و شيعته

و من معاوية المحدو به العير

أ لم يعلموا أنّ معاوية كان عدو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و قاتله حتى صار أسيرا فجعله من الطلقاء ؟

أ لم يعلموا أنّ معاوية كان لعين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غير موطن ، و أنّه كان مظهر كلّ كفر و فجور ؟

أ لم يعلموا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان المتصدي لجميع حروب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و شريكه في شدائده في سبيل الإسلام ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يجعله بمنزلة نفسه ، و أنّه كان مظهر الإيمان و العدالة و الورع و التقوى ، و أنّه كان أعلم الناس بالكتاب و السنة و شريعة الإسلام باجماع الامّة حتى من صدّيقهم و فاروقهم ؟

و أ لم يكن من العجب ألاّ يقبلوا منه عليه السّلام حكمية ابن عباس و الأشتر و الأحنف ، و يجبروه على أبي موسى ، و يقبلوا من معاوية حكمية عمرو ؟

ــــــــــــ

( ١ ) الحجرات : ٩ .

ثم من أين أنّهم لم يكونوا سمعوا ما قاله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه ؟ بل رأوا ورووا جميع ذلك ، إلاّ أنّ تقدّم الرجلين عليه جعل جميع أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه نسيا ،

منسيا روى محمد بن يعقوب في روضته ١ مسندا : أنّ عبد اللّه بن نافع الأزرق كان يقول : لو أنّي علمت أنّ بين قطريها أحدا تبلغني إليه المطايا ،

يخصمني : أنّ عليّا قتل أهل النهروان و هو لهم غير ظالم ، لرحلت إليه . فقيل له:

و لا ولده ؟ فقال : أ في ولده عالم ؟ فقيل له : هذا أوّل جهلك ، أو هم يخلون من عالم ؟ قال : فمن عالمهم اليوم ؟ قيل : محمد بن علي بن الحسين بن علي . فرحل إليه في صناديد أصحابه حتى أتى المدينة فاستأذن عليه عليه السّلام ، و بعث أبو جعفر عليه السّلام إلى جميع أبناء المهاجرين و الأنصار فجمعهم ، ثم خرج في ثوبين ممغرين كأنّه فلقة قمر و أقبل على الناس و قال بعد الحمد و الثناء : يا معشر أبناء المهاجرين و الأنصار من كانت عنده منقبة في عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه فليقم و ليحدّث . فقام الناس فسردوا تلك المناقب ، فقال عبد اللّه بن نافع :

أنا أروى لهذه المناقب من هؤلاء : و إنّما أحدث على الكفر بعد تحكيم الحكمين حتى انتهوا في المناقب إلى حديث خيبر : « لاعطين الرّاية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله ، كرارا غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه » فقال له أبو جعفر : ما تقول في هذا الحديث ؟ فقال : هو حق لا شك فيه ،

و لكن أحدث الكفر بعد . فقال أبو جعفر عليه السّلام له : ثكلتك امّك أخبرني عن اللّه تعالى : أحبّ عليّا يوم أحبّه و هو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم ؟ قال ابن نافع : أعد عليّ . فاعاده ، فقال : إنّ قلت : لا ، فقد كفرت . قال : فقل : قد علم . فقال :

قد علم . قال فأحبّه اللّه على أن يعمل بطاعته أو يعمل بمعصيته ؟ فقال : بل بطاعته . فقال : قم مخصوما . فقام ابن نافع و هو يقول : حتّى يتبيّن لكم الخيط

ــــــــــــ

( ١ ) روضة الكافي لمحمّد بن يعقوب ٨ : ٣٤٩ ح ٥٤٨ .

الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ١ اللّه أعلم حيث يجعل رسالته ٢ .

هذا ، و قال عليه السّلام : حاجّوهم بسنة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى تغلبوهم . و هم كانوا يريدون منه عليه السّلام سنّة أبي بكر و عمر فلا يقبلها منهم ، و في ( الطبري ) ٣ : لمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا عليه السّلام أصحابه و شيعته فبايعوه و قالوا:

نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت . فشرط لهم فيه سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ،

فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي و كان شهد معه الجمل و صفين و معه راية خثعم فقال له بايع على كتاب اللّه و سنة رسوله صلّى اللّه عليه و آله . فقال ربيعة : على سنّة أبي بكر و عمر . فقل له عليّ عليه السّلام : ويلك لو أنّ أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله لم يكونا على شي‏ء من الحق . فبايعه ربيعة و نظر إليه عليّ عليه السّلام فقال : اما و اللّه لكأنّي بك و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت و كأنّي بك و قد وطئتك الخيل بحوافرها . فقتل يوم النهر . . . .

و كان إخواننا السنّة يحاجّون الخوارج في احداث عثمان بعدم جناح فيها بسنة أبي بكر و عمر فيغلبونهم بذلك ، قال مصعب الزبيري في ( نسب قريشه ) : قال هشام بن عروة : قال عبد اللّه بن الزبير : لقيني ناس ممّن كان يطعن على عثمان ممّن يرى رأي الخوارج ، فراجعوني في رأيهم و حاجّوني بالقرآن ، فو اللّه ما قمت معهم و لا قعدت ، فرجعت إلى الزبير منكسرا فذكرت ذلك له فقال : إنّ القرآن تأوّله كلّ قوم على رأيهم و حملوه عليه ، و لعمر اللّه إنّ القرآن لمعتدل مستقيم و ما التقصير إلاّ من قبلهم ، و من طعنوا عليه من الناس فإنّهم لا يطعنون في أبي بكر و عمر ، فخذهم بسنّتهما و سيرتهما . قال عبد اللّه :

ــــــــــــ

( ١ ) البقرة : ١٨٧ .

( ٢ ) الأنعام : ١٢٤ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٦ .

فكأنّما أيقظني بذلك ، فلقيتهم فحاججتهم بسنن أبي بكر ، فلمّا أخذتهم بذلك قهرتهم ، و ضعف قولهم حتى كأنهم صبيان يمغثون . . . .

و غرهم في دينهم ما كانوا يفترون ١ ، فذرهم في غمرتهم حتى حين ٢ فإخواننا ينكرون الامور الفطرية و القواعد العقلية ، فكون أحداث عثمان امورا منكرة فطري كل موحد و ملحد ، و بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم ، فعليهم أن يقولوا ببطلان سنّة صدّيقهم و فاروقهم لبطلان سنّة ذي نوريهم ، لا أن يجعلوا سنّة ذي نوريهم حقّا بسنة صديقهم و فاروقهم فمن أعمال ذي نوريهم : نفي أبي ذر و كسر ضلع عمار ، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهما : أمرني اللّه تعالى بحبّهما ، و أنّ الجنة لمشتاقة إليهما .

و تولية الوليد الذي صلّى الصبح بالناس سكران أربعا و تغنى .

و تولية ابن أبي سرح الذي أهدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دمه .

و ردّه الحكم الذي نفاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و أمره بقتل جمع من المؤمنين حتى أجمع المهاجرون و الأنصار على قتله ، و حتى إنّ أمير المؤمنين اباح قتله ، فلمّا قال شرحبيل الذي أرسله معاوية إليه عليه السّلام له : أتشهد أنّ عثمان قتل مظلوما ؟ فقال : لا أشهد . فقال شرحبيل : فمن لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء و انصرف فقال عليه السّلام : انك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين و ما أنت بهادي العُمي عن ضلالتهم ان تسمع إلاّ من يؤمن باياتنا فهم مسلمون ٣ . و حتى قال هاشم بن عتبة المرقال للشامي الذي قال له: « إنّ

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٢٤ .

( ٢ ) المؤمنون : ٥٤ .

( ٣ ) النمل : ٨٠ ٨١ .

صاحبكم قتل خليفتنا » ما أنت و ابن عفان ؟ إنّما قتله أصحاب محمّد و أبناء أصحابه و قرّاء الناس ، حين احدث الأحداث و خالف حكم الكتاب . و حتى إنّ عمّارا لمّا قال له عمرو بن العاص : « لم قتلتم عثمان » قال : لأنّه أراد أن يغيّر ديننا ، و أنّ اللّه قتله و عليّ معه . و عمر يعرف عثمان حتى قال له : كأنّي أراك تولّي بني أبيك على رقاب الناس حتى يضطرّ الناس إلى ضرب رقبتك . و مع ذلك دبّر الأمر له بجعل صهره ابن عوف حكما من الستة هذا و السنّة و إن كانت أوضح من الكتاب ، إلاّ أنّه لمّا كان ما بيّن فيها محدودا مثل ما بيّن في ظاهر الكتاب كانا غير كافيين في رفع اختلاف الناس ،

فكان واجبا على اللّه الحكيم أن يجعل معهما للناس حجة يكون كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذا اتصال به تعالى ، لا يقول ما يقول إلاّ عنه تعالى ، و أن يجعل عليه دلالة و آية ،

قال يونس بن يعقوب كما في ( الكافي ) ١ كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فورد عليه رجل من أهل الشام و قال له عليه السّلام : إنّي رجل صاحب كلام و فقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك . فقال عليه السّلام : كلّم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم . فقال له : يا غلام سلني في امامة هذا يعني أبا عبد اللّه عليه السّلام : فغضب هشام حتى ارتعد ، ثمّ قال له : أخبرني يا هذا أربّك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم ؟

فقال : بل ربي أنظر لخلقه . قال : ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟ قال : كلّفهم و أقام لهم حجة و دليلا على ما كلّفهم ، و أزاح في ذلك عللهم . فقال له هشام : فما هذا الدليل الذي نصبه لهم ؟ قال : هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . قال : فمن بعده ؟ قال : الكتاب و السنّة . قال : فهل ينفعنا اليوم الكتاب و السنّة في ما اختلفنا فيه ، حتى يرفع عنّا الاختلاف و يمكّننا من الإتفاق ؟ قال : نعم . قال : فلم اختلفنا نحن و أنت و جئتنا من الشام تخالفنا ، و تزعم أنّ الرأي طريق الدين و أنت تقرّ بأنّ الرأي لا يجمع

ــــــــــــ

( ١ ) الكافي ١ : ١٧١ ح ٤ .

المختلفين على القول الواحد ؟ فسكت كالمفكر فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: مالك لا تتكلم ؟ قال : إن قلت : إنّا ما اختلفنا كابرت ، و إن قلت : إنّ الكتاب و السنّة يرفعان الإختلاف أبطلت لانّهما يحتملان الوجوه ، و لكن لي عليه مثل ذلك . فقال عليه السّلام له : سله تجده مليا . فقال الشامي لهشام : من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم ؟ قال هشام : بل ربّهم . فقال : فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم و يرفع اختلافهم و يبيّن لهم حقهم من باطلهم ؟ قال : نعم . قال : من هو ؟ قال : أمّا في ابتداء الشريعة فالنبي ، و أمّا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فغيره . قال : و من غيره ؟ قال : في وقتنا هذا أم قبله؟

قال : بل في وقتنا هذا . قال هشام : هذا الجالس يعني أبا عبد اللّه الذي يشدّ إليه الرحال و يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب و جد . قال الشامي : و كيف لي بعلم ذلك ؟ قال : سله عمّا بدا لك . قال الشامي : قطعت عذري فعليّ السؤال . قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : أنا أكفيك المسألة يا شامي ، اخبرك عن مسيرك و سفرك :

خرجت يوم كذا و كان طريقك كذا و مررت على كذا و مرّ بك كذا . و أقبل الشامي كلما وصف عليه السّلام له شيئا من أمره يقول : صدقت و اللّه . ثم قال الشامي : أسلمت للّه الساعة . فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : بل آمنت به الساعة ، إنّ الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون ، و على الإيمان يثابون . قال الشامي : صدقت ، فأنا الساعة أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا صلّى اللّه عليه و آله رسوله و أنّك وصيّ الأوصياء .

١٠

من الخطبة ( ١٩٠ ) أَلاَ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ اَلنَّكْثِ وَ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ فَأَمَّا ؟ اَلنَّاكِثُونَ ؟ فَقَدْ قَاتَلْتُ وَ أَمَّا ؟ اَلْقَاسِطُونَ ؟ فَقَدْ جَاهَدْتُ وَ أَمَّا ؟ اَلْمَارِقَةُ ؟ فَقَدْ دَوَّخْتُ وَ أَمَّا شَيْطَانُ اَلرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ لَئِنْ أَذِنَ اَللَّهُ فِي اَلْكَرَّةِ

عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ اَلْبِلاَدِ تَشَذُّراً « ألا و قد أمرني اللّه » في قوله تعالى : يا أيّها النبي جاهد الكفار و المنافقين و أغلظ عليهم و مأواهم جهنّم و بئس المصير ١ ذكره في سورة التوبة و سورة التحريم ، و لم يجاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ الكفّار على تنزيل القرآن ، و حيث إنّه عليه السّلام كان بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى قوله تعالى : . . . و انفسنا . . . ٢ لا بد أنّه عليه السّلام كان المكلف بجهاد المنافقين على تأويل القرآن .

و يشهد له ما رواه ( الاسد ) ٣ . مسندا عن أبي سعيد الخدري قال : كنّا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فانقطع شسعه فأخذها عليّ عليه السّلام يصلحه فمضى ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله :

إنّ منكم رجلا يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . فاستشرف لها القوم فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لكنّه خاصف النعل . فجاء فبشّرناه بذلك ، فلم يرفع به رأسا كأنّه شي‏ء قد سمعه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و ما رواه أحمد بن حنبل في ( فضائله ) و الترمذي في ( سننه ) و اللفظ للاول أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي ،

يمضي فيهم أمري ، يقتل المقاتلة و يسبي الذرية . قال أبو ذر : فما راعني إلاّ برد كفّ عمر من خلفي ، فقال : من تراه يعني ؟ قلت : ما يعنيك و إنّما يعني خاصف النعل على بن أبي طالب إلى أن قال فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام و انتثل بيده و قال : هذا هو هذا هو مرّتين .

و كذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقريش ففي ( تاريخ بغداد ) ٤ : أنّ سهيل بن عمرو لمّا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : خرج إليك ناس من أرقائنا فارددهم علينا . و قال : أبو بكر

ــــــــــــ

( ١ ) التوبة : ٧٣ ، و التحريم : ٩ .

( ٢ ) آل عمران : ٦١ .

( ٣ ) الاسد للجزري ٤ : ٣٢ .

( ٤ ) تاريخ بغداد ١ : ١٣٣ .

و عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : صدق سهيل . قال النبي : لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان ، يضرب أعناقكم و أنتم مجفلون عنه اجفال النعم . فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : لا . و قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، و لكنّه خاصف النعل .

و روى ( التهذيب ) ١ عن حفص بن غياث عن الصادق عليه السّلام : سأل رجل أبي عن حروب أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له : بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله بخمسة أسياف : ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن قال و أمّا السيف المكفوف فسيف أهل البغي و التأويل ، قال تعالى : و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . . ٢ فلمّا نزلت قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل . فسئل : من هو ؟ فقال : هو خاصف النعل . يعني أمير المؤمنين عليه السّلام . . . .

« بقتال أهل البغي » و هم معاوية و أصحابه .

« و النّكث » و هم طلحة و الزبير و أصحابهما .

« و الفساد في الأرض » و هم الخوارج يقتلون من يرون : الكبار و الصغار و الرجال و النساء .

و يشهد أيضا لكونه مأمورا من اللّه تعالى بقتال الفرق الثلاث ما رواه الكنجي الشافعي مسندا عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لامّ سلمة : هذا عليّ بن أبي طالب لحمه من لحمي و دمه من دمي ، و هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ، يا امّ سلمة هذا عليّ أمير المؤمنين و سيد المرسلين و وعاء علمي و وصيي و بابي الذي اوتى منه و أخي في الدنيا و الآخرة و معي في المقام إلاّ على ، يقتل الناكثين و القاسطين و المارقين .

ــــــــــــ

( ١ ) التهذيب ٦ : ١٣٦ .

( ٢ ) الحجرات : ٩ .

و روى ( الاسد ) ١ عن علي بن ربيعة قال : سمعت عليّا على منبركم هذا يقول: عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن اقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين .

قال ابن أبي الحديد ٢ : ثبت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال له عليه السّلام: ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين .

قلت : و كذلك ثبت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لشيعته : إنّهم يقاتلون معه عليه السّلام الفرق الثلاث ، كأبي أيوب الأنصاري و عمّار و أبي سعيد الخدري ، روى الكنجي الشافعي في ( مناقبه ) مسندا عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين فقلنا له صلّى اللّه عليه و آله : أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : مع عليّ بن أبي طالب ، معه يقتل عمّار .

و رواه الجزري في ( اسده ) ٣ .

و روى هو و ابن ديزيل في ( صفينه ) مسندا عن مخنف بن سليم قال :

قدم علينا أبو أيوب الأنصاري فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له ، فأتيناه فاهدينا له و قعدنا عنده فقلنا : يا أبا أيوب قاتلت المشركين بسيفك هذا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثم جئت تقاتل المسلمين ؟ فقال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرني بقتال القاسطين و المارقين و الناكثين ، فقد قاتلت الناكثين و قاتلت القاسطين ، و أنا مقاتل إن شاء اللّه المارقين بالسعفات بالطرفات بالنهروات ، و ما أدري أين هي ؟

و في ( صفين نصر ) ٤ في حديث جمع ذي الكلاع بين عمّار و عمرو بن العاص ، لأنّه سمع عمرا في إمارة عمر : أنّ عمّارا تقتله الفئة الباغية فقال عمرو لعمّار : علام تقاتلنا ، أو لسنا نعبد إلها واحدا ؟ فقال له عمّار : ساخبرك

ــــــــــــ

( ١ ) اسد الغابة ٤ : ٣٣ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٨٣ .

( ٣ ) الاسد للجزري ٤ : ٣٣ .

( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٣٨ .

علام اقاتلك : أمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن اقاتل الناكثين فقد فعلت و أمرني أن اقاتل القاسطين فأنتم هم ، و أمّا المارقون فما أدري أدركهم أم لا ؟ ألم تعلم أيها الأبتر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه » ؟ و أنا مولى اللّه و رسوله ، و عليّ بعده و ليس لك مولى . . . .

قال ابن أبي الحديد ١ : قال تعالى في الناكثين : . . . و من نكث فإنّما ينكث على نفسه . . . ٢ أو في القاسطين : و أمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ٣ .

و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المارقين : يخرج من ضئضي هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر أحدكم في النصل فلا يجد شيئا ،

فينظر في الفوق فلا يجد شيئا . و هذا الخبر من اعلام نبوته صلّى اللّه عليه و آله و من اخباره المفصلة بالغيوب .

قلت : و كذا خبر كلاب الحوأب في الناكثين ، و خبر قتل عمار في القاسطين من اعلام نبوة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الكلّ من أعلام إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا ، و لم يذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأحد من المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السّلام شيئا ، مع وقوع فتوح كثيرة منهم و قتالهم مع الكفار ، و إنّما قال إجمالا إنّ امّته تفتح فارس و الروم ، حتى ظن عمر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يفتتحها بنفسه ، فاستند في منعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية بأنّه قال لنا : يفتح فارس و الروم ، و ما فتحهما بعد ، فروى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) عن الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمه عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في مرضه الذي مات فيه : إيتوني بدواة و صحيفة

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٨٣ .

( ٢ ) الفتح : ١٠ .

( ٣ ) الجنّ : ١٥ .

أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبي ليس بميت حتى نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . . . .

« فأمّا الناكثون فقد قاتلت » و في ( الطبري ) ١ عن ابن أبي يعقوب : قتل عليّ عليه السّلام يوم الجمل ألفين و خمسمائة : من الأزد ألف و ثلاثمائة و خمسون ،

و من بني ضبّة ثمانمائة ، و من ساير الناس ثلاثمائة و خمسون .

« و أمّا القاسطون فقد جاهدت » في ( صفين نصر ) ٢ عن جابر الأنصاري قال : و اللّه لكأنّي أسمع عليّا يوم الهرير يقول : حتى متى نخلّي بين هذين الحيين أي : مذحج من أصحابه و الأشعريين من أصحاب معويه قد فنيا و أنتم وقوف تنظرون إليهم ، أما تخافون مقت اللّه إلى أن قال قال جابر : لا و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق نبيا ، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليه السّلام ، إنّه قتل في ما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول :

« معذرة إلى اللّه تعالى و إليكم من هذا ، لقد هممت أن أفلقه و لكن حجزني عنه أنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول كثيرا :

لا سيف إلاّ ذو الفقار

و لا فتى إلاّ عليّ

و أنا اقاتل به دونه » فكنا نأخذه فنقومه ، ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف . . . .

« و أمّا المارقة فقد دوّخت » أي : ذللتها ، في ( الطبري ) ٣ زحف الخوارج و هم

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٤٥ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٧٧ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٦ .

ألفان و ثمانمائة إلى عليّ عليه السّلام إلى أن قال فو اللّه ما لبثوا الرجال أن أناموهم ،

ثم إنّ صاحب خيلهم لمّا رأى الهلاك نادى أصحابه : أن انزلوا . فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى اهمدوا في الساعة .

« و أمّا شيطان الردهة » قال الجزري في ( نهايته ) ١ : في حديث عليّ عليه السّلام ذكر ذا الثدية فقال : « شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة » الردهة : النّقرة في الجبل يستنقع فيها الماء ، و قيل : قلّة الرابية . و في حديثه : « و أمّا شيطان الردهة فقد كفيته بصيحة سمعت لها وجيب قلبه » قيل : أراد به معاوية لمّا انهزم . . . و هو كما ترى.

و في ( المعجم ) ٢ في ( ابن داب ) : قال مصعب الزبيري : شيطان الردهة وضعه ابن داب ، و هو ذو الثدية في ما زعم . قال : جاءت امّه تستسقي ماء فوقع بها شيطان فحملته فولدته . . . .

و الظاهر أنّ المصعب أشار إلى الخبر الأوّل : « شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة » .

هذا ، و يقال لنوشيروان الضرير البغدادي : شيطان العراق . و هو الذي قال :

تبّا لشيطاني و ما سولا

لا انزلني اربلا

ثم قال :

قد تاب شيطاني و قد قال لي

لاعدت أهجو بعدها اربلا

« فقد كفيته » في ( ايضاح الفضل بن شاذان ) ٣ : و رويتم عن أبي خالد

ــــــــــــ

( ١ ) النهاية للجزري ٢ : ٢٦٦ .

( ٢ ) المعجم ١٦ : ١٦٢ ، في عين بن يزيد .

( ٣ ) الإيضاح لابن شاذان : ٤٢ .

الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عايشة قالت : لعن اللّه عمرو بن العاص ما أكذبه لقوله : إنّه قتل ذا الثدية بمصر قلت : و الظاهر أنّها قالته لمّا أخبرها أصحابه عليه السّلام بعد رجوعهم من النهروان كيفية طلبه عليه السّلام لذي الثدية في القتلى ، كما يأتي في الخبر السادس و السابع من أخبار الخطيب العشرة .

هذا و روى ( ذيل الطبري ) ١ : أنّ الشياطين تحدّرت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الجبال و الأودية ، و فيهم شيطان معه شعلة نار يريد أن يحرق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ففزع و جاءه جبرئيل فقال له : قل أعوذ بكلمات اللّه التي لا يجاوزهن برّ و لا فاجر من شرّ ما خلق و برأ و ذرأ ، و من شرّ ما ينزل من السماء ، و من شرّ ما يعرج فيها ،

و من شرّ ما ذرأ في الأرض ، و من شرّ ما يخرج منها ، و من شرّ فتن الليل و النهار ، و من شرّ كلّ طارق إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمان . فطفئت نار الشياطين و هزمهم اللّه.

« بصعقة » في ( النهاية ) : الصعق : الغشوة من صوت شديد و ربما مات منه ، ثم استعمل في الموت كثيرا .

« سمعت لها وجبة » أي : اضطراب .

« قلبه و رجّة » أي : اضطراب .

« صدره » .

قال ابن أبي الحديد ٢ شيطان الردهة : قال قوم : إنّه ذو الثدية صاحب النهروان ، و رووا في ذلك خبرا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقولون : إنّ ذا الثدية لم يقتل بسيف و لكنّ اللّه رماه يوم النهروان بصاعقة . و قال قوم : إنّه أحد الأبالسة

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ١١ : ٥٩٢ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٨٣ .

المردة من أعوان إبليس . و رووا في ذلك خبرا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنّه كان يتعوذ منه . و قال قوم : إنّه مارد يتصور في صورة حيّة و يكون في الردهة ، و إنّما أخذوا هذا من لفظ الشيطان لأنّ الشيطان الحيّة ، و منه قولهم : « شيطان الحماطة » و الحماطة : شجرة مخصوصة ، و يقال : إنّها كثيرة الحيّات .

قلت : الصحيح إرادته عليه السّلام ذا الثدية و قد وردت فيه روايات :

الاولى : ما رواه الخطيب في أبي سليمان المرعشي مسندا عنه قال : لمّا سار عليّ عليه السّلام إلى النهر سرت معه ، فلمّا نزلنا بحضرتهم أخذني غمّ لقتالهم لا يعلمه إلاّ اللّه حتى سقطت في الماء إلى أن قال ثم حملوا الثالثة حتى ظن الناس أنّها الهزيمة فقال عليّ عليه السّلام : و الذي فلق الحبة و برأ النّسمة لا يقتلون منكم عشرة و لا يبقى منهم عشرة . فلمّا سمع الناس ذلك حملوا عليهم فقتلوا ،

فقال : إنّ فيهم رجلا مخدج اليد أو مودن اليد فاتي به فقال عليه السّلام : من رأى منكم هذا ؟ فاسكت القوم ، ثم قال : من رأى منكم هذا ؟ فاسكت القوم ، ثم قال من رأى منكم هذا ؟ فقال رجل منهم : رأيته جاء لكذا و كذا . قال : كذبت ما رأيته ،

و لكنّ هذا أمير خارجة خرجت من الجن .

الثانية : و روى الخطيب في أبي مؤمن الوائلي مسندا عنه قال : سمعت عليا عليه السّلام حين قتل الحرورية يقول : انظروا فيهم رجلا كأنّ ثدييه ثدي المرأة ،

أخبرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّي صاحبه . فقلبوا القتلى فلم يجدوه إلى أن قال فقالوا :

سبعة منهم لم نقلبهم . فأتوهم فقلبوهم فوجدوه ، قال أبو المؤمن : فرأيته حين جاؤوا به يجروّنه في رجله حبل ، فرأيت عليّا عليه السّلام حين جاؤوا به خرّ ساجدا .

الثالثة : و روى الخطيب أيضا في أبي كثير مولى الأنصار مسندا عنه قال : كنت مع سيدي مع عليّ عليه السّلام حين قتل أهل النهروان ، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم عليه من قتلهم ، فقال عليه السّلام : أيّها الناس إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد حدّثنا

بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه حتى يرجع السهم على فوقه ، و أنّ آية ذلك أنّ فيهم رجلا أسود مخدج اليد ، إحدى يديه كثدي المرأة ، بها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه فإنّي أراه فيهم . فالتمسوه فوجدوه في شفير النهر تحت القتلى ، فأخرجوه فكبّر عليّ عليه السّلام و قال : صدق اللّه و رسوله . و كان عليه السّلام متقلّدا قوسا عربية فأخذها بيده ، و جعل يطعن بها في مخدجته ، و كبّر الناس حين رأوه و استبشروا ، و ذهب عنهم ما كانوا يجدون .

الرابعة : و روى ١ في كثير أبي الحسن البجلي الأحمسي مسندا عنه قال : لمّا قتل عليّ عليه السّلام أهل النهروان خطب فقال : ألا إنّ الصادق المصدّق صلّى اللّه عليه و آله حدّثني أنّ هؤلاء القوم يقولون الحق بأفواههم لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ألا و إنّ علامتهم ذو الخداجة . فطلبه الناس فلم يجدوا شيئا فقال : عودوا فإنّي و اللّه ما كذبت . و لا كذبت فعادوا فجي‏ء به حتى القي بين يديه ، فنظرت إليه و في يديه شعرات سود .

الخامسة : و روى ٢ في عباد بن نسيب أبي الوضي‏ء مسندا عنه قال :

شهدت عليا عليه السّلام يوم النهروان و هو يقول : اطلبوا المخدج فو اللّه ما كذبت و لا كذبت . و رواه ابن طلحة الشافعي عن مسند أبي داود زاد : قال أبو الوضي‏ء :

فكأنّي أنظر إلى المخدج : حبشي عليه قريطق ، إحدى يديه مثل ثدي المرأة ،

عليها شعرات مثل ذنب اليربوع .

السادسة : و روى ٣ في عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد مسندا : أنّ عبد اللّه دخل

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١٢ : ٤٨٠ .

( ٢ ) الخطيب ١١ : ١٠١ .

( ٣ ) الخطيب ٩ : ٤٧٤ .

على عايشة مرجعه من العراق ، ليالي قتل عليّ عليه السّلام فقالت له : هل أنت صادقي عما اسألك ؟ ما شي‏ء بلغني عن أهل العراق يقولون : ذو الثدي ذو الثدي ، هل رأيته و قمت مع عليّ عليه في القتلى ؟ إلى أن قال فدعا عليّ عليه السّلام الناس فقال :

أتعرفون هذا ؟ فما أكثر من جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي .

و لم يأتوا فيه بثبت يعرف إلاّ ذاك الخبر و في النسخة سقط .

السابعة : و روى ١ في أبي قتادة الأنصاري : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قتال النهروان قفل أبو قتادة و معه ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأ بعايشة فقالت له : ما رواءك ؟ فقال لها : لمّا تفرقت المحكمة من عسكره عليه السّلام لحقناهم فقتلناهم إلى أن قال فاقمنا ندور على القتلى حتى وقفت بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام راكبها ، فقال : أقلبوا القتلى . فقلبناهم في نهر حتى خرج في آخرهم رجل أسود على كتفه مثل حلمة الثدي ، فقال عليّ عليه السّلام : « اللّه أكبر و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، كنت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد قسّم فيئا ، فجاء هذا فقال : يا محمد اعدل فو اللّه ما عدلت منذ اليوم . فقال : ثكلتك امّك و من يعدل إذا لم أعدل ؟

فقال عمر : إلاّ أقتله ؟ قال : لا ، دعه فإنّ له من يقتله » فقالت عايشة : يا أبا قتادة ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحقّ : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : تفترق امّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة : محلقون رؤوسهم ، محفّون شواربهم ،

ازرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبهم إلى اللّه تعالى . قال أبو قتادة : فقلت : يا ام المؤمنين فأنت تعلمين هذا ، فلم كان الذي كان منك ؟ قالت : و كان أمر اللّه قدرا مقدورا و للقدر أسباب .

الثامنة : و روى ٢ في ابن عباس مسندا عنه قال : لمّا اصيب أهل

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١ : ١٦٠ .

( ٢ ) الخطيب ١ : ١٧٤ .

النهروان خرج عليّ عليه السّلام و أنا خلفه فجعل يقول : ويلكم التمسوه يعني :

المخدج فالتمسوه و قالوا : لم نجده . فعرف ذلك في وجهه ، فقال : ويلكم ضعوا عليهم القصب . فجاؤوا به فلمّا رآه خرّ ساجدا .

التاسعة : و روى ١ في أبي جحيفة السوائي مسندا عنه قال : قال عليّ عليه السّلام حين فرغنا من الحرورية : إنّ فيهم رجلا مخدجا ليس في عضده عظم ، عضده حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف . فالتمسوه فلم يوجد ، و أنا في من يلتمس ، فما رأيت عليّا عليه السّلام جزع جزعا قط أشد من جزعه يومئذ ، فقالوا : ما نجده . قال : ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قالوا : النهروان . قال :

صدق اللّه و رسوله و كذبتم ، إنّه لفيهم فالتمسوه . فالتمسناه في ساقية فنظرت إلى عضده : ليس فيها عظم ، و عليها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، عليها شعرات طوال عقاف.

العاشرة : و روى ٢ في عبد اللّه بن خباب مسندا عن أبي الأحوص قال :

كنّا مع عليّ عليه السّلام يوم النهروان فجاءت الحرورية ، فكانت من وراء النهر فقال:

و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر إلى أن قال فما لبثوا أن قتلهم فقال :

اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي المرأة . فطلبوه فقالوا : ما وجدنا . فقال : و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، و إنّه لفي القوم . ثلاث مرّات يجيئونه فيقول لهم هذا القول ، ثم قام هو بنفسه فجعل لا يمرّ بقتلى جميعا إلاّ بحثهم ، فلا يجده فيهم حتى انتهى إلى حفرة من الأرض فيها قتلى كثير ، فأمرهم فبحثوا فوجد فيهم .

و روى الطبري ٣ عن عبد الملك بن أبي جرة : أنّ عليا خرج في طلب ذي

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١ : ١٩٩ .

( ٢ ) الخطيب ١ : ٢٠٥ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٨ .

الثدية و معه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة و الرّيان بن صبرة بن هودة ، فوجده الريان في حفرة على شاطى‏ء النهر في أربعين أو خمسين قتيلا فلمّا استخرج نظر إلى عضده ، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود ، فإذا مدّت امتدّت حتى تحاذي طول يده الاخرى ، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة . . ..

و روى ١ عن أبي مريم قال : كان عليّ عليه السّلام يحدثنا قبل خروج الحرورية إلى حروراء : أنّ قوما يخرجون من الإسلام ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، علامتهم رجل مخدج اليد . سمعت ذلك مرارا و سمعه نافع المخدج أيضا ، حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه يقول ، و كان نافع معنا يصلّي في المسجد بالنهار و يبيت فيه بالليل ، و قد كنت كسوته برنسا فلقيته من الغد فسألته : هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء ؟

فقال : خرجت اريدهم حتى إذا بلغت بني سعد ، لقيني صبيان فنزعوا سلاحي و تلعّبوا بي فرجعت ، حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر و سار عليّ عليه السّلام إليهم ، فلم أخرج معه و خرج أخي أبو عبد اللّه فأخبرني : أنّ عليّا عليه السّلام سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم اللّه و يأمرهم أن يرجعوا ، فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله ، فلمّا رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم ، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فطلبوه . . . .

هذا ، و صريح خبر الخطيب الأول كون ذي الثدية من الجنّ ، و لم يره قبل أحد من الناس ، و هو مفاد خبره السادس ، و لكنّ خبره السابع تضمّن أنّه عليه السّلام قال : إنّه جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وقت تقسيم في‏ء و قال له : ما عدلت . كما أنّ خبر

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٩١ .

الطبري الثاني تضمّن أنّه كان مع الناس يصلّي في المسجد و اسمه نافع ،

و يمكن حمل الخبر الأخير من الخطيب على أنّه ظهر أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا وقتا ، ثم لم ير بعد . و أمّا خبر الطبري الثاني فغير قابل للحمل ، و رواه ( سنن أبي داود ) ١ مختصرا و قال : و اسمه عند الناس حرقوس .

و روى أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليّ عليه السّلام إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذهية في تربتها ، فقسمها بين الأقرع الحنظلي و عيينية الفزاري و زيد الخيل الطائي و علقمة الكلابي ، فغضبت قريش و الأنصار و قالت : يعطي صناديد أهل نجد و يدعنا . فقال : إنّما اتالفهم فأقبل رجل غائر العينين ، مشرف الوجنتين ،

ناتى‏ء الجبين ، كث اللحية ، محلوق فقال : اتق اللّه يا محمّد . فقال : من يطع اللّه إذا عصيته ؟ أيأمنني اللّه على أهل الأرض و لا تأمنوني ؟ فسأل رجل قتله احسبه خالد بن الوليد فمنعه فلمّا ولّى قال : إنّ من ضئضي هذا أو في عقب هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الاوثان ، لئن أدركتهم قتلتهم قتل عاد .

« و لئن أذن اللّه في الكرة عليهم لاديلن منهم » في ( الصحاح ) : أدالنا اللّه من عدونا ، من الدولة ، و الإدالة : الغلبة .

« إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا » أي : يتفرّق تفرّقا ، و ليس ( تشذرا ) في نسخة ابن ميثم ٢ .

كتب معاوية بعد قتل عثمان و انتقال الأمر إليه عليه السّلام إلى عبد اللّه بن عامر : و كأنّي بكم يا بني اميّة شعارير كأوراق تقودها الحداة ، أو كرخم

ــــــــــــ

( ١ ) السنن لأبي داود .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٣٠٦ .

الخندمة تذرق خوف العقاب ، فثب الآن قبل أن يستسري الفساد و ندب السوط جديد و الجرح لمّا يندمل ، و من قبل استضراء الأسد و التقاء لحييه على فريسته . و كتب إلى الوليد بن عقبة : فلو قد استتب هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام ، يفزع من ظل الطائر ، و عن قليل تشرب الرنق ، و تستشعر الخوف .

و مرّ في ( ٧ ) من الفصل التاسع عنوانان ، و في ( ٨ ) منه عنوان ، و في ( ٩ ) عنوان .

الفصل الرابع و الثلاثون في ما يتعلق بالغارات

١

الخطبة ( ٢٥ ) و من خطبة له عليه السّلام و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد ، و قدم عليه عاملاه على اليمن ، و هما عبيد اللّه بن عباس و سعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة ،

فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ، و مخالفتهم له في الرأي، فقال :

مَا هِيَ إِلاَّ ؟ اَلْكُوفَةُ ؟ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلاَّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اَللَّهُ وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلشَّاعِرِ

لَعَمْرُ أَبِيكَ اَلْخَيْرِ يَا ؟ عَمْرُو ؟ إِنَّنِي

عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا اَلْإِنَاءِ قَلِيلِ

ثُمَّ قَالَ ع أُنْبِئْتُ ؟ بُسْراً ؟ قَدِ اِطَّلَعَ ؟ اَلْيَمَنَ ؟ وَ إِنِّي وَ اَللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمَ سَيُدَالُونَ

مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي اَلْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي اَلْبَاطِلِ وَ بِأَدَائِهِمُ اَلْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ وَ بِصَلاَحِهِمْ فِي بِلاَدِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ فَلَوِ اِئْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ اَللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي اَللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ اَلْمِلْحُ فِي اَلْمَاءِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ ؟ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ ؟

هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ

فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ اَلْحَمِيمِ

ثُمَّ نَزَلَ ع مِنَ اَلْمِنْبَرِ . قال الشّريف : « أقول : الأرمية جمع رميّ ، و هو السحاب ، و الحميم هاهنا : وقت الصّيف ، و إنّما خصّ الشاعر سحاب الصيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا ، و أسرع خفوفا لأنّه لا ماء فيه ، و إنّما يكون السحاب ثقيل السّير بالماء ، و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشّتاء ، و إنّما أراد الشّاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا ، و الإغاثة إذا استغيثوا ،

و الدليل على ذلك قوله :

( هنالك لو دعوت أتاك منهم )

» . أقول : رواها ( مروج المسعودي ) ١ مع اختلاف ، روى عن المنقري عن عبد العزيز بن الخطاب الكوفي عن فضيل بن مرزوق قال : لمّا غلب بسر على اليمن و كان قتله لا بني عبيد اللّه بن العباس ، و لأهل مكة و المدينة ما كان قام عليّ عليه السّلام خطيبا ثم قال : « إنّ بسر بن أرطاة قد غلب على اليمن ، و اللّه ما أرى هؤلاء القوم إلاّ سيغلبون على ما في أيديكم ، و ما ذلك بحق في أيديهم ، و لكن بطاعتهم و استقامتهم ( لمعاوية ظ ) و معصيتكم لي ، و تناصرهم و تخاذلكم ،

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ١٤٢ .

و إصلاح بلادهم و إفساد بلادكم ، و تاللّه يا أهل الكوفة لوددت أنّي صرفتكم صرف الدنانير العشرة بواحد ثم رفع يديه فقال اللهم إنّي قد مللتهم و ملّوني و سئمتهم و سئموني فأبدلني بهم خيرا و أبدلهم بي شرّا مني . اللهم عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيال الميال ، يأكل خضراها و يلبس فرواها و يحكم فيها بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنها و لا يتجاوز عن مسيئها » و ما كان ولد الحجاج يومئذ .

و جعل البلاذري غارة بسر الخامس من غارات معاوية ، و روى عن أبي مخنف باسناده : أنّه عليه السّلام لمّا بلغه خبر بسر صعد المنبر ثم قال : أمّا بعد فإنّي دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهرا ، في الليل و النهار و الغدو و الآصال ، فما زادكم دعائي إلاّ فرارا و إدبارا ، أما ينفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى ؟ و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي و اللّه لا أرى إصلاحكم بفساد نفسي . إنّ من ذلّ المسلمين و هلاك هذا الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأشرار فيجاب ، و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون قول المصنف : « و من خطبة له عليه السّلام » و له عليه السّلام خطبة اخرى في مسير بسر إلى اليمن ، رواها ( الإرشاد ) ١ فقال : و من كلامه عليه السّلام في استنفار القوم و استبطائهم عن الجهاد ، و قد بلغه مسير بسر إلى اليمن : « أمّا بعد أيّها الناس ،

فإنّ أوّل رفثكم و بدء نقضكم ذهاب اولي النهى و أهل الرأي منكم ، الذين كانوا يلقون فيصدقون ، و يقولون فيعدلون ، و يدعون فيجيبون ، و إنّي و اللّه قد دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهرا ، و في الليل و النهار و الغدو و الآصال ، ما يزيدكم دعائي إلاّ فرارا و إدبارا ، اما ينفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى و الحكمة ؟ و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي و اللّه لا اصلحكم

ــــــــــــ

( ١ ) الإرشاد : ١٤٥ .

بفساد نفسي ، و لكن أمهلوني قليلا فكأنّكم و اللّه بامرى‏ء قد جاءكم يحرمكم و يعذبكم ، فيعذّبه اللّه كما يعذبكم إنّ من ذل المسلمين و هلاك الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأرذال الأشرار فيجاب ، و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون و ما هذا بفعل المتقين » :

و الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت في أوّل مسير بسر و خطبة المتن في آخره .

« و قد تواترت » قال ابن أبي الحديد ١ : عدّه بعضهم من أغلاط الخاصة .

و قال : التواتر لا يكون إلاّ مع فترات ، فقوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى . . . ٢ ليس المراد أنّهم مترادفون ، بل بين كل نبيين فترة لأنّ تترى : من الوتر .

قلت : ممّن قاله الثعالبي ، و ليس كما قال ، ففي خبر نعي محمّد بن أبي بكر إليه عليه السّلام حدثه الفزاري : أنّه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمّد .

و في ( الأغاني ) ٣ قالت زوجة عبيد اللّه بن العباس في ابنيها اللذين قتلهما بسر:

تتابع بين و لولة

و بين مدامع تترى

« عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد » في ( الطبري ) ٤ :

في سنة ( ٣٩ ) كان تفريق معاوية جيوشه في أطراف عليّ عليه السّلام فوجّه النعمان بن بشير في الفين إلى عين التمر ، و بعث سفيان بن عوف في ستة آلاف إلى

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٣ .

( ٢ ) المؤمنون : ٤٤ .

( ٣ ) الأغاني ١٦ : ٢٦٥ .

( ٤ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٣ .

هيت و الأنبار و المدائن ، و وجّه عبد اللّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة رجل إلى تيماء ، و وجّه الضحّاك بن قيس إلى واقصة و الأعراب و الثعلبيّة و القطقطانة .

« و قدم عليه عاملاه على اليمن » الأوّل على صنعاء اليمن ، و الثاني على جند اليمن و جند أعظم من صنعاء .

« و هما عبيد اللّه بن عباس » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( العباس ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

و في ( الإستيعاب ) ٤ : كان عبيد اللّه أصغر من أخيه عبد اللّه بسنة ،

استعمله عليّ عليه السّلام على اليمن و أمّره على الموسم ، فحج بالناس سنة ( ٣٦ ) و ( ٣٧ ) ، و كان أحد الأجواد و كان يقال : من أراد الجمال و الفقه و السخاء فليأت دار العباس . الجمال للفضل و الفقه لعبد اللّه و السخاء لعبيد اللّه ، و عبيد اللّه هو الذي ترك عسكر الحسن عليه السّلام و لحق بمعاوية .

« و سعيد بن نمران » كان سعيد من سبعة من أصحاب حجر نجوا من القتل ، استشفع له إلى معاوية حمزة بن مالك ، لكون كلّ منهما من همدان ،

فوهبه له .

و في ( الطبري ) ٥ : لمّا أقبل الأعور الذي بعثه معاوية لقتل حجر و أصحابه ، قال كريم بن عفيف الخثعمي : حين رأى الأعور يقتل نصفنا و ينجو نصفنا فقال سعيد بن نمران : اللهم اجعلني ممّن ينجو و أنت عنه راض .

ــــــــــــ

( ١ ) المصرية ١ : ٥٩ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٦ .

( ٤ ) الإستيعاب ٢ : ٤٣٠ .

( ٥ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٧٤ .

و في ( الإستيعاب ) ١ : كان سعيد كاتبا لعليّ عليه السّلام .

« لمّا غلب عليهما » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عليها ) أي : على اليمن كما في المدرك ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« بسر بن أبي أرطاة » كونه بسر بن أبي أرطاة في ( الطبري ٢ و انساب البلاذري ) . و رواه عن أبي مخنف ، و بعضهم جعله ابن أرطاة .

و روى البلاذري : أنّ بسرا لمّا قتل عمرو بن أراكة خليفة عبيد اللّه بن عباس على اليمن قال أبوه :

لعمري لقد اردى ابن أرطاة فارسا

بصنعاء كالليث الهزبر إلى اجر

و في ( الإستيعاب ) ٣ : بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة عويمر بن عمران من عامر بن لؤي .

و فيه ذكر ابن الكلبي في ( صفينه ) : أنّ بسرا بارز عليّا عليه السّلام فطعنه عليّ عليه السّلام فصرعه فكفّ عنه ، كما عرض له عليه السّلام مع عمرو بن العاص .

قال الحارث بن النضر السهمي :

أ في كل يوم فارس ليس ينتهي

و عورته وسط العجاجة باديه

يكف لها عنه على سنانه

و يضحك عنه في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه

و عورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا

سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

و لا تحمدا إلاّ الحيا و خصاكما

هما كانتا و اللّه للنفس واقيه

و إنّما انصرف عليّ عليه السّلام عنهما لأنّه كان يرى في قتال الباغين عليه ألاّ

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإستيعاب ٢ : ١٤ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٩ .

( ٣ ) الإستيعاب ١ : ١٥٤ .

يتبع مدبرا ، إلاّ أنّ أبا حنيفة قال : ان انهزم الباغي إلى فئة أتبع و إلى غير فئة لم يتبع .

قلت : لا يدري صاحب ( الإستيعاب ) ما يقول ، فأبو حنيفة و غيره إنّما عرفوا أحكام جهاد الباغين من سيرته عليه السّلام مع أهل الجمل و صفّين ،

فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يبيّن أحكامهم قولا و لا اتّفق له ذلك فعلا ، و إنّما كف عن عمرو بن العاص و بسر بن ارطاة لانّهما كشفا دبرهما ، لا أنّهما أدبرا من الحرب .

و في ( الإستيعاب ) ١ عن أبي مخنف : لمّا توجّه بسر بن أرطاة إلى اليمن هرب عبيد اللّه ، فأتى بسر بابني عبيد اللّه فذبحهما ، فنال امّهما من ذلك أمر عظيم ، فأنشأت تقول:

يا من أحس بابنيّ اللذين هما

سمعي و عقلي فقلبي اليوم مزدهف

حدثت بسرا و ما صدقت ما زعموا

من فعلهم و من الإثم الذي اقترفوا

أنحى على ودجي ابني مرهفة

مشحوذة و كذاك الإثم يقترف

ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر ، و تهيم على وجهها .

و في ( الأغاني ) ٢ قال الاصمعي : و سمع رجل من أهل اليمن و قد قدم مكة امرأة عبيد اللّه تندب ابنيها اللذين قتلهما بسر بن أرطاة بقولها : « يا من أحس . . . » فرقّ لها و اتصل ببسر حتى وثق به ، ثم احتال لقتل ابنيه فخرج بهما إلى وادي أوطاس ، فقتلهما و هرب ، و قال :

يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعت

شمس النهار و لا غابت على الناس

خير من الهاشميين الذين همو

عين الهدى و سمام الأسوق القاس

ــــــــــــ

( ١ ) الإستيعاب ١ : ١٥٦ .

( ٢ ) الأغاني ١٦ : ٢٧٢ .

ماذا أردت إلى طفلي مولّهة

تبكى و تنشد من انكلت في الناس

إمّا قتلتهما ظلما فقد شرقت

من صاحبيك قناتي يوم أوطاس

فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربت

امّ الصبيين أو ذاق ابن عباس

و في ( المروج ) ١ : كان عليّ عليه السّلام حين اتاه خبر قتل بسر ابني عبيد اللّه دعا على بسر فقال : اللهم اسلبه دينه و عقله . فخرف حتى ذهل عقله و كان لا يفارقه السيف ، فجعل له سيف من خشب ، و جعل في يديه زقّ منفوخ كلمّا تخرّق ابدل ، فلم يزل يضرب ذلك الزقّ بذلك السيف حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه ، و ربّما كان يتناول ثم يقبل على من يراه فيقول : انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه . و كان ربّما شدّت يداه إلى وراء منعا من ذلك ، فأنجى ذات يوم في مكانه ثم أهوى بفيه فتناول منه ، فبادروا إلى منعه فقال : أنتم تمنعونني و عبد الرحمن و قثم ابني عبيد اللّه يطعماني . مات في أيام الوليد بن عبد الملك .

و فيه و في ( الأغاني ) ٢ : دخل عبيد اللّه يوما على معاوية و عنده بسر بن أرطاة ، فقال له عبيد اللّه : أنت قاتل الصبيين ؟ قال : نعم . قال : و اللّه لوددت أنّ الأرض انبتتني عندك يومئذ . فقال له بسر : قد أنبتتك الساعة . فقال عبيد اللّه : ألا سيف ؟ فقال : هاك سيفي . فلمّا أهوى عبيد اللّه إلى السيف ليتناوله قبض معاوية على يد عبيد اللّه قبل أن يقبض على السيف ، ثم أقبل على بسر فقال : أخزاك اللّه من شيخ قد كبرت و ذهل عقلك ، تعمد إلى رجل موتور من بني هاشم فتدفع إليه سيفك ؟ إنّك لغافل عن قلوب بني هاشم ، و اللّه لو تمكن من السيف لبدأ بي قبلك . قال عبيد اللّه : ذلك و اللّه أردت .

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ١٧٢ .

( ٢ ) الأغاني ١٦ : ٢٧٢ .

قال ابن أبي الحديد ١ : إنّ الذي هاج معاوية على تسريح بسر إلى اليمن :

أنّ قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظّمون قتله ، و لكن لم يكن لهم رأس فبايعوا لعليّ عليه السّلام على ما في أنفسهم ، و عامله عليه السّلام على صنعاء يومئذ عبيد اللّه ، و على الجند سعيد ، فلمّا اختلف الناس عليه بالعراق ، و قتل محمّد بن أبي بكر بمصر ، و كثرت غارات أهل الشام دعوا إلى الطلب بدم عثمان ، فبلغ ذلك عبيد اللّه فأرسل إلى وجوههم فقال : ما الذي بلغني عنكم ؟ قالوا : إنّا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى عليه . فحبسهم فكتبوا إلى من بالجند من أصحابهم ، فثاروا بسعيد و اخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم ، و خرج إليهم من كان بصنعاء و انضمّ إليهم كلّ من كان على رأيهم ، و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم لكن ارادوا منع الصدقة ، فالتقى عبيد اللّه و سعيد فقال عبيد اللّه لسعيد : لقد اجتمع هؤلاء و إنّهم لنا لمقاربون ، و إن قاتلناهم لا ندري على من تكون الدبرة ؟ فهلمّ فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بخبرهم فكتبا ذلك ،

فكتب عليه السّلام إليهما :

أتاني كتابكما تذكران خروج هذه الخارجة و تعظّمان من شأنها صغيرا ، و تكثّران من عددها قليلا ، و قد علمت أنّ نحب أفئدتكما و صغر أنفسكما ، و عدم ثبات رأيكما و سوء تدبيريكما هو الذي أفسد عليكما من لم يكن عليكما فاسدا ، و جرّأ عليكما من كان عن لقائكما جبانا ، فإذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرئا عليهم كتابي ، و تدعواهم إلى حظهم و تقوى ربهم ، فإن أجابوا حمدنا اللّه و قبلناهم ، و ان حاربوا استعنا باللّه عليهم و نابذناهم على سواء ، إنّ اللّه لا يحب الخائنين .

قالوا : و قال عليه السّلام ليزيد بن قيس الأرحبي : ألا ترى إلى ما صنع قومك ؟

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٢ .

فقال : إنّ ظنّي بقومي لحسن في طاعتك ، فإن شئت خرجت إليهم فكففتهم ، و إن شئت كتبت إليهم فننظر ما يجيبون ؟ و كتب عليه السّلام إليهم : من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من شاقّ و غدر من أهل الجند و صنعاء ، أمّا بعد ، فإنّي أحمد اللّه الذي لا إله إلاّ هو الذي لا يعقب له حكم ، و لا يرد له قضاء و لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، و قد بلغني تجرّيكم و شقاقكم و إعراضكم عن دينكم بعد الطاعة و إعطاء البيعة ، فسألت أهل الدين الخالص و الورع الصادق و اللب الراجح ، عن بدء محرككم و ما نويتم به و ما أحمشكم له ، فحدثت عن ذلك بما لم أر لكم في شي‏ء منه عذرا مبينا ، و لا مقالا جميلا و لا حجة ظاهرة ، فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا و انصرفوا إلى رحالكم ، أعف عنكم و أصفح عن جاهلكم و أحفظ قاصيكم و أعمل فيكم بحكم الكتاب ، فإن لم تفعلوا فاستعدوا لعدو من جيش جمّ الفرسان ، عظيم الأركان يقصد لمن طغى و عصى فتطحنوا كطحن الرحى ، فمن أحسن فلنفسه و من اساء فعليها . . . و ما ربك بظلاّم للعبيد ١ .

و وجّه الكتاب مع رجل من همدان فقدم عليهم بالكتاب فلم يجيبوه إلى خير ،

فقال لهم : إنّي تركت أمير المؤمنين عليه السّلام يريد أن يوجّه إليكم يزيد بن قيس الأرحبي في جيش كثيف ، فلم يمنعه إلاّ انتظار جوابكم ، فقالوا : نحن سامعون مطيعون إن عزل عنا هذين الرجلين : عبيد اللّه و سعيد . فرجع و أخبره عليه السّلام .

قالوا و كتب تلك العصابة حين جاءهم كتاب عليّ عليه السّلام إلى معاوية يخبرونه ، و كتبوا في كتابهم :

معاوي ألاّ تسرع السير نحونا

نبايع عليّا أو يزيد اليمانيا

فلمّا قدم كتابهم دعا بسر بن أبي أرطاة و كان قاسي القلب فظّا غليظا سفّاكا للدماء، لا رأفة عنده و لا رحمة فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة

ــــــــــــ

( ١ ) فصّلت : ٤٦ .

و مكة حتى ينتهى إلى اليمن ، و قال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك ، حتى يروا أنّهم لا نجاء لهم و أنّك محيط بهم ، ثم اكفف عنهم و ادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، و اقتل شيعة عليّ حيث كانوا .

قال : و روى الثقفي ١ عن نمير بن وعلة عن أبي و داك قال : كنت عند عليّ عليه السّلام حين قدم عليه سعيد فعتب عليه و على عبيد اللّه ألاّ يكونا قاتلا بسرا ،

فقال سعيد : قد و اللّه قاتلت و لكن ابن العباس خذلني و أبى أن يقاتل ، و لقد خلوت به حين دنا منه بسر فقلت : إنّ ابن عمك لا يرضى مني و منك بدون الجدّ في قتالهم . قال : لا و اللّه ما لنا بهم من طاقة . فقمت في الناس و قلت : من كان في طاعتنا فإليّ . فأجابني منهم عصابة فقاتلت بهم قتالا ضعيفا ، و تفرّق الناس عني فانصرفت .

قال : و قال الثقفي ٢ : روى عوانة عن الكلبي : أنّ بسرا لمّا خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا و أخذ أموالا ، و بلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامّة أهلها ، و تراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لمّا خرج قثم بن العباس عامل عليّ عليه السّلام عنها هاربا ، فدخل مكة و خطبهم و قال : الحمد اللّه الذي أعزّ دعوتنا و أذلّ عدونا بالقتل و التشريد ، هذا ابن أبي طالب بناحية العراق في ضنك و ضيق قد ابتلاه اللّه بخطيئته و سلمه بجريرته ، فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه و ولي الأمر معاوية الطالب بدم عثمان فبايعوا . و وجه رجلا من قريش إلى تباله و بها قوم من شيعة عليّ عليه السّلام ، و امر بقتلهم فأخذهم و كلّم فيهم و قيل له : هؤلاء قومك فكفّ عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم . فحبسهم و خرج منيع الباهلي من عندهم إلى بسر و هو بالطائف

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٦١٩ .

 ( ٢ ) الغارات للثقفي ٢ : ٦٠٨ .

يستشفع إليه فيهم ، فتحمّل عليه بقوم من الطائف فكلّموه فيهم و سألوه الكتاب بإطلاقهم ، فوعدهم و مطلهم بالكتاب حتى ظن أنّه قتلهم القرشي المبعوث لقتلهم ، و أنّ كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا ، ثم كتب لهم ، فأتى منيع منزله و كان قد نزل على امرأة بالطائف و رحله عندها ، فلم يجدها في منزلها فوطا على ناقته بردائه و ركب ، فسار يوم الجمعة و ليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة و قد أخرج القوم ليقتلوا و استبطى‏ء كتاب بسر فيهم ، فقدّم رجل منهم فضربه شامي فانقطع سيفه ، فقال الشاميون بعضهم لبعض :

شيموا سيوفكم حتى تلين فهزوها . و تبصّر منيع الباهلي بريق السيوف فالمع بثوبه ، فقال القوم : هذا راكب عنده خبر فكفوا . و قام به بعيره فنزل عنه و جاء على رجليه يشدو ، فدفع الكتاب إليهم فاطلقوا . و كان الرجل المقدّم الذي ضرب فانكسر السيف : أخاه .

و خرج بسر من الطائف حتى مرّ ببني كنانة و فيهم ابنا عبيد اللّه بن العباس و امّهما فطلبهما ، فدخل رجل من بني كنانة كان أبوهما أوصاه بهما فأخذ السيف من بيته فخرج فقال له : بسر ما كنا أردنا قتلك فلم عرّضت نفسك للقتل ؟ قال : اقتل دون جاري اعذر لي عند اللّه و الناس . ثمّ شدّ على أصحاب بسر حاسرا و هو يرتجز :

آليت لا يمنع حافات الدار

و لا يموت مصلتا دون الجار

الاّ فتى أروع غير غدّار

فضارب بسيفه حتى قتل ، ثم قدّم الغلامان فقتلا ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : هذه الرجال تقتلها ، فما بال الولدان ؟ فو اللّه ما كانوا يقتلون في جاهلية و لا إسلام ، و اللّه إنّ سلطانا لا يشتدّ إلاّ بقتل الضرع الضعيف و الشيخ الكبير ، و رفع الرحمة و قطع الأرحام ، لسلطان سوء . فقال

بسر : و اللّه لهممت أن أضع فيكن السيف . قالت : و اللّه إنّه لأحبّ إليّ إن فعلت .

و أتى نجران فقتل عبد اللّه بن عبد المدان و كان صهر العبيد اللّه بن العباس ، و قتل ابنه مالكا ثمّ جمعهم و قال : يا أهل نجران يا معشر النصارى و إخوان القرود أما و اللّه إن بلغني عنكم ما أكره ، لأعودنّ إليكم بالتي يقطع النسل و يهلك الحرث و تخرب الديار .

ثم سار حتى أتى أرحب فقتل أبا كرب و كان يتشيع ، و يقال : إنّه سيد من كان بالبادية من همدان ، فقدّمه فقتله .

و أتى صنعاء و قد خرج عنها عبيد اللّه و استخلف عليها عمرو بن أراكة الثقفي ، فمنع بسرا من دخوله و قاتله ، فقتله بسر و دخل فقتل منها قوما ، و أتاه و فد مأرب فقتلهم ، فلم ينج منهم إلاّ رجل واحد رجع إلى قومه و قال : « انعى قتلانا شيوخا و شبانا » .

ثمّ خرج من صنعاء فأتى أهل حبسان و هم شيعة عليّ عليه السّلام فقاتلهم و قاتلوه ، فهزمهم و قتلهم قتلا ذريعا .

ثمّ رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من ابناء فارس ، لإنّ ابني عبيد اللّه كانا مستترين في بيت امرأة من أبناء فارس تعرف بابنة بزرج . و كان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا ، و حرق قوما بالنار .

قال ابن أبي الحديد ١ : كان مسلم بن عقبة ليزيد و ما عمل بالمدينة في وقعة الحرة ، كما كان بسر لمعاوية و ما عمل في الحجاز و اليمن « و من أشبه اباه فما ظلم ».

قلت : و معاوية أشبه صدّيقهم و فاروقهم ، فكتب إلى محمد بن أبي بكر

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٨ .

كما في ( المروج ) ١ و غيره : و قد كنّا و أبوك معنا في حياة نبيّنا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا و فضله مبرزا علينا ، فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده و أتمّ له ما وعده و أظهر دعوته و افلج حجته قبضه إليه ، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه و خالفه و على ذلك اتّفقا و اتّسقا ، ثم دعواه إلى انفسهما فابطأ عنهما و تلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم فبايع و سلّم لهما ، و لا يشركانه في أمرهما و لا يطلعانه على سرهما حتى قبضا و انقضى أمرهما إلى أن قال فخذ حذرك يابن أبي بكر و قس شبرك بفترك تقصر من أن توازي من تزن الجبال حلمه ، الذي أبوك مهد مهاده و بنى ملكه و شاده ، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، و إن يكن جورا فأبوك أسّه و نحن شركاؤه ، و بهديه أخذنا و بفعله اقتدينا ، و لو لا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب و أسلمنا له ،

لكنّا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله و اقتدينا بفعاله ، فعب أباك ما بدا لك أو دع.

و في ( الإستيعاب ) ٢ : ذكر أبو عمرو الشيباني أنّ بسرا في هذه الخرجة أغار على همدان و قتل و سبى نساءهم ، فكن أوّل مسلمات سبين في الإسلام .

و روى ( الإستيعاب ) مسندا عن أبي الرباب و صاحب له : أنّهما سمعا أباذر يتعوّذ في صلاة صلاّها ، فسألناه مم تعوذت ؟ فقال : من يوم البلاء و يوم العورة إلى أن قال و أمّا يوم العورة فإنّ نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن ، فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها ،

فدعوت اللّه ألاّ يدركني هذا الزمان ، و لعلكما تدركانه . قالا : فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسرا إلى اليمن ، فسبى نساء من المسلمات فأقمن في السوق .

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب ٣ : ٢١ .

( ٢ ) الإستيعاب ١ : ١٥٧ .

و في ( الطبري ) ١ : ممّا كان في سنة أربعين توجيه معاوية بسرا في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز ، فذكر عن زياد البكائي عن عوانة قال :

أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسرا و هو رجل من بني عامر بن لؤي في جيش فسار حتى قدم المدينة ، و عامل عليّ عليه السّلام على المدينة يومئذ أبو أيوب ففرّ و أتى الكوفة ، فصعد بسر منبر المدينة و نادى : يا دينار يا نجار يا زريق شيخي شيخي عهدي به بالامس فأين هو ؟ يعني عثمان .

ثمّ قال : يا أهل المدينة لو لا ما عهد اليّ معاوية ما تركت بها محتلما إلاّ قتلته . ثم بايع أهل المدينة ، و أرسل إلى بني سلمة فقال : ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللّه . فانطلق جابر إلى امّ سلمة و قال لها : ماذا ترين ،

خشيت أن اقتل و هذه بيعة ضلالة ؟ قالت : أرى أن تبايع . فإنّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع ، و أمرت ختني عبد اللّه بن زمعة أن يبايع . فأتاه جابر فبايعه ، و هدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة إلى أن قال و لقي بسر ثقل عبيد اللّه باليمن فذبح ابنيه ، و قيل : وجدهما عند رجل من بني كنانة من أهل البادية ، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني : إن كنت قاتلهما فاقتلني معهما .

قال : أفعل . فبدأ به ثم بهما ، و قيل : إنّ الكناني قاتل عنهما حتى قتل .

و قتل في مسيره ذلك جماعة كثيره من شيعة عليّ عليه السّلام باليمن ، و بلغ عليّا عليه السّلام خبر بسر فوجّه جارية بن قدامة في ألفين ، و وهب بن مسعود في ألفين ، فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها ، و أخذ ناسا من شيعة عثمان فقتلهم ، و هرب بسر و أصحابه منه و اتبعهم حتى بلغ مكة ، فقال لهم : بايعونا .

فقالوا : قد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع ؟

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٩ .

و في ( الأغاني ) ١ : و مضى بسر من المدينة إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه ، و أتى نجران فقتل عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي و ابنه ، و كانا من أصهار عبيد اللّه بن عباس إلى أن قال فسرّح عليّ عليه السّلام جارية بن قدامة السعدي في طلبه فخرج مسرعا ، فلمّا وصل المدينة انتهى إليه قتل عليّ عليه السّلام و معه الحسن عليه السّلام ، فركب في السلاح و دعا أهل المدينة إلى البيعة للحسن عليه السّلام فامتنعوا ، فقال : و اللّه لتبايعن و لو باستاهكم .

فلمّا رأى أهل المدينة ذلك بايعوا الحسن عليه السّلام . . . .

« فقام عليه السّلام على المنبر » هكذا في المصرية ٢ و الصواب : ( إلى المنبر ) كما في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ) ٤ .

« ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم في الرأي » قال ابن أبي الحديد ٥ : روى ( غارات الثقفي ) ٦ عن يزيد بن جابر الأزدي قال : سمعت عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري يحدث في خلافة عبد الملك قال : لمّا دخلت سنة أربعين تحدّث الناس بالشام أنّ عليا يستنفر الناس بالعراق فلا ينفرون ،

و تذاكروا أن قد اختلفت اهواؤهم و وقعت الفرقة بينهم ، فقمت في نفر من أهل الشام إلى الوليد بن عقبة فقلنا له : إنّ الناس لا يشكّون في اختلاف الناس على عليّ بالعراق ، فادخل إلى صاحبك فمرّه فليسر بنا إليهم قبل أن يجتمعوا بعد تفرقهم ، أو يصلح لصاحبهم ما قد فسد عليه من أمره . فقال : لقد قاولته في ذلك

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني ١٦ : ٢٧١ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٥٩ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٦ .

( ٦ ) الغارات للثقفي ٢ : ٥٩٩ .

و راجعته حتى لقد برم بي ، و ايم اللّه على ذلك ما ادع أن ابلغه ما مشيتم إليّ فيه .

فدخل عليه فخبّره بمجيئنا إليه و مقالتنا له ، فأذن لنا فدخلنا عليه فقلنا : هذا خبر في الناس سائر فشمّر و اهتبل الفرصة ، فإنّك لا تدري متى تقدر على عدوك .

فقال : إنّ هؤلاء الذين يذكرون تفرّقهم على صاحبهم و اختلاف أهوائهم لم يبلغ عندي بهم أن أكون أطمع في استيصالهم ، و أن أسير إليهم مخاطرا بجندي لا أدري عليّ تكون الدائرة أم لي ؟ فإيّاكم و استبطائي فإنّي آخذ بكم في وجه هو أرفق و أبلغ في هلاكهم ، قد شننت عليهم الغارات من كل جانب ،

فخيلي مرّة بالجزيرة و مرّة بالحجاز ، و قد فتح اللّه ما بين ذلك : مصر ، عزّ بفتحها وليّنا و أذل به عدوّنا و أشراف أهل العراق لمّا يرون من حسن صنيع اللّه لنا يأتوننا على قلائصهم في كل أيام ، و هذا ممّا يزيدكم و ينقصهم و يقويكم و يضعفهم ، فلا تعجلوا فإنّي لو رأيت فرصة لاهتبلتها . فخرجنا من عنده و نحن نعرف الفضل في ما ذكر . و بعث عند خروجنا من عنده بسرا إلى اليمن و قال له : تمرّ بالمدينة إلى أن قال فقال الوليد : أشرنا على معاوية برأينا أن يسير إلى الكوفة ، فبعث الجيش إلى المدينة ، فمثلنا و مثله كما قال الأوّل : اريها السّهى و تريني القمر . فبلغ ذلك معاوية و قال : و اللّه لقد هممت بمساءة هذا الأحمق الذي لا يدري و لا يحسن سياسة الامور .

« فقال » هو توكيد بعد قوله : « و من خطبة له » و زاد ابن ميثم ١ و ابن أبي الحديد ٢ : « عليه السّلام » بعده .

قوله عليه السّلام : « ما هي » أي : مملكتي أو بلادي ، و قال ابن ميثم ٣ : الضمير

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٩ .

للكوفة و لا معنى له . هذا ، و كذلك صار الأمر في أواخر العباسيين .

ففي ( الدميري ) في خلافة الراضي بن المقتدر : كانت البصرة و واسط و الأهواز في يد عبد اللّه البريدي و أخويه ، و فارس في يد عماد الدولة بن بويه ،

و الموصل و ديار بكر و ديار ربيعة و ديار مضر في يد بني حمدان ، و مصر و الشام في يد الاخشيد بن طغج ، و المغرب و إفريقية في يد المهدي ، و الأندلس في يد بني اميّة ، و خراسان و ما والاها في يد نصر بن أحمد الساماني ،

و اليمامة و هجر و البحرين في يد أبي طاهر القرمطي ، و طبرستان و جرجان في يد الديلم ، و لم يبق في يد الراضي سوى بغداد و ما والاها .

« إلاّ الكوفة » قال الحموي : سمّيت الكوفة كوفة لاستدارتها ، أخذا من قولهم : رأيت كوفانا بالضم و الفتح للرملة المستديرة ، و قيل : لاجتماع الناس بها ، من قولهم : تكوّف الرمل . و قيل : من قولهم : القوم في كوفان ، أي : في بلاء و شرّ أو أمر يجمعهم . و قيل : من قولهم : اعطيت فلانا كيفة ، أي : قطعة ، فأعلت ،

و قيل : سمّيت بجبل صغير في وسطها كان يقال له : كوفان ، و عليه اختطت مهره موضعها . و قيل : سمّيت بموضعها لأنّ كلّ رملة يخالطها حصباء تسمى كوفة . و قيل : لأنّ جبل ساتيد ما يحيط بها كالكفاف عليها .

قلت : الأخير باطل قطعا لأنّ ( الكوف ) غير ( الكف ) و الثاني و الثالث و الرابع ظاهرا ، فكلّ بلد يجتمع فيه الناس و لم يكونوا في بلاء ، و لا موجب لمعنى القطعة.

و في ( الجمهرة ) قال المفضل : قال سعد : لمّا ارتاد للناس موضع الكوفة كوّفوا هذا الرمل ، أي : نحّو ارمله .

في ( المعجم ) كتب عمر إلى سعد : أن اختط موضع المسجد الجامع على عدة مقاتلتكم ، فخطّ على أربعين ألف إنسان ، فلمّا قدم زياد زاد فيه عشرين

ألف إنسان ، و جاء بالآجر و جاء بأساطينه من الأهواز ، و ذكر بشر مولى بني امّية قدر الكوفة فكانت ستة عشر ميلا و ثلثي ميل .

« أقبضها و أبسطها » قال ابن ميثم ١ و تبعه الخوئي : « أقبضها و أبسطها » خبر ثان لقوله : « ما هي » أو خبر ل ( أنا ) محذوف .

قلت : بل بدل اشتمال لقوله : « الكوفة » نظير قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه . . . ٢ و لو كان خبرا ثانيا لكان معنى « ما هي إلاّ الكوفة » تاما و ليس كذلك ، فكان تحت يده عليه السّلام بلاد العراق و الحجاز و اليمن كلّها ، فكيف يقول : « ما هي إلاّ الكوفة » و إنّما المراد : ما هي إلاّ قبض الكوفة و بسطها .

قال ابن ميثم ٣ : « أقبضها و أبسطها » كنايتان عن وجوه التصرف فيها .

قلت : بل كناية واحدة .

و قال الخوئي : يحتمل أن يكون المراد : عدم التمكن التام من التصرّف في الكوفة ، كمن لا يقدر على لبس ثوب بل على قبضه و بسطه .

قلت : بل لا مجال لمّا ذكر ، و إنّما المراد : أنّ استيلاءه التام منحصر بالكوفة مركزه ، كما يشهد له قوله عليه السّلام بعد : « ان لم تكوني إلاّ أنت فقبحك اللّه » و لذا كان معاوية لا يجسر أن يغير عليها ، كما في باقي البلاد ممّا بيده عليه السّلام .

و قد عرفت في خبر الثقفي المتقدّم تصريح معاوية لمن أشار عليه بقصد الكوفة بذلك .

« إن لم تكوني إلاّ أنت » في ( الأغاني ) ٤ : بعث معاوية بعد تحكيم الحكمين

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

( ٢ ) البقرة : ٢١٧ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٩ .

( ٤ ) الأغاني ١٦ : ٢٦٦ .

بسر ابن أرطاة و الضحّاك بن قيس الفهري و غيرهما كلاّ في جيش ، و أمرهم ان يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعته عليه السّلام و أصحابه ، و أن يغيروا على ساير اعماله و يقتلوا أصحابه ، و لا يكفّوا أيديهم عن النساء و الصبيان .

« تهبّ أعاصيرك » جمع الإعصار : ريح تثير الغبار فترتفع إلى السماء كأنّه عمود ، قال الشاعر في نعامة و ظليم أرادا الرواح إلى بيضهما سريعا :

إذا اجتهدا الترويح مدا عجاجة

أعاصير ممّا تستثير خطاهما

و الجملة معترضة لبيان مزيد عيبها ، فإنّ هبوب الرياح و الأعاصير دائما في بلد عيب له ، و قالوا إنّ قرية ( اجر ) ذات عيوب ، منها : ريحها العاصفة ،

فقالوا : إذا جئت اجر فعجل ، فإنّ فيه حجرا يبري و أسدا يفري و ريحا تذري.

و قال مطيع بن اياس في بغداد :

بلدة يمطر التراب على النّاس

كما يمطر السماء الرذاذا

« فقبّحك اللّه » أي : أبعدك اللّه ، و قال ابن أبي الحديد ١ : معنى قوله عليه السّلام : « ان لم تكوني إلاّ أنت تهبّ أعاصيرك فقبّحك اللّه » : ان لم يكن لي من الدنيا ملك إلاّ ملك الكوفة ذات الفتن و الآراء المختلفة فأبعدها اللّه ، شبّه عليه السّلام ما كان يحدث من أهلها من الإختلاف و الشقاق بالأعاصير لإثارتها التراب . و تبعه الخوئي .

و هو كما ترى ، فجعله قوله عليه السّلام : « تهب أعاصيرك » استعارة تحتاج إلى قرينة و لا قرينة .

« و تمثل بقول الشاعر » كذا في ( المصرية ) ٢ و هو غلط و الصواب : ( ثم

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٤٢ ٣٤٣ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٠ .

تمثل ) بدون زيادة كما في ( ابن أبي الحديد ١ و ابن ميثم ) ٢ و كذا ( الخطية ).

« لعمر أبيك الخير يا عمرو إنني

على وضر من ذا الإناء قليل »

الوضر :

الدسم ، قال الشاعر :

أباريق لم يعلق بها و ضر الزبد

و عن أبي عمرو : الوضر : ما يشمّه الإنسان من ريح يجده من طعام فاسد . و ( قليل ) : صفة ( وضر ) ، و الأصل : على وضر قليل من هذا الإناء .

و لمّا عصى أهل قلعة اردمشت قرب جزيرة ابن عمر شرقي دجلة الموصل على جبل الجودي على المعتضد و تحصّنوا بها قصدها بنفسه ،

فلمّا افتتحها بعد أن أعيت أصحابه و شاهد قلّة دخلها أمر بخرابها ، و انشد فيها:

إنّ أبا الوبر لصعب المقتنص

و هو إذا حصّل ريح في قفص

و نظير ما تمثّل به عليه السّلام قول آخر :

و أصبحت من ليلى الغداة كناظر

مع الصبح في أعقاب نجم مغرب

و قول الوزير المغربي :

كفى حزنا أنّي مقيم ببلدة

يعللني بعد الأحبة داهر

أي : عبده .

يحدّثني ممّا يجمّع عقله

أحاديث منها مستقيم و حائر

و قول الآخر :

و أصبحت من ليلى الغداة كقابض

على الماء خانته فروج الأصابع

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

« ثم قال عليه السّلام » ليست الفقرة في نسخة ابن ميثم ١ .

« انبئت » أي : اخبرت .

« بسرا قد اطلع » افتعل من ( طلع ) و الأصل من قولهم : طلع الكوكب .

« اليمن ، و إنّي و اللّه لأظنّ أنّ » هكذا في ( المصرية ) ٢ و كلمة ( أنّ ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم و الخطية ) .

« هؤلاء القوم » أي : أهل الشام .

« سيدالون منكم » أي : يغلبونكم و يصير إليهم الدولة منكم .

« باجتماعهم على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم » في ( صفين نصر ) ٤ : لمّا قتل عثمان خرجت الرّكبان إلى الشام بقتله ، فبينما معاوية إذ اقبل رجل متلفف فكشف عن وجهه و خاطبه بالامرة و قال : أتعرفني ؟ قال : نعم ، أنت الحجاج بن خزيمة ، فأين تريد ؟ قال : إليك القربان أنعى إليك ابن عفّان ، إنّك تقوى على عليّ بدون ما يقوى به عليك ، لأنّ معك قوم لا يقولون إذا قلت و لا يسألون إذا امرت ،

و أنّ مع عليّ قوم يقولون إذا قال و يسألون إذا أمر ، فقليل ممّن معك خير من كثير ممّن معه .

و كتب ابن عامر إلى معاوية في حثه على الطلب بدم عثمان : إنّ الناس في هذا الأمر تسعة لك ، و واحد عليك .

« و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ و طاعتهم إمامهم في الباطل » . في ( صفّين نصر ) ٥: بويع معاوية على الخلافة ، فبايعه الناس على كتاب اللّه و سنة نبيّه

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

( ٢ ) المصرية ١ : ٦٠ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٧٧ .

( ٥ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٨٠ .

فأقبل مالك بن هبيرة الكندي فقام خطيبا و كان غائبا من البيعة فقال لمعاوية : أخرجت هذا الملك و أفسدت الناس و جعلت للسفهاء مقالا ، و قد علمت العرب أنّا حيّ فعال و لسنا بحي مقال ، و أنّا نأتي بعظيم فعالنا على قليل مقالنا ،

فأبسط يدك ابايعك على ما أحببنا و كرهنا . فكان أوّل العرب بايع عليها .

و قال الزبرقان السكوني في ذلك :

معاوي أخذت الخلافة بالتي

شرطت فقد بوّى لك الملك مالك

ببيعة فصل ليس فيها غميزة

ألا كلّ ملك ضمّه الشرط هالك

و كانت كبيت العنكبوت مذبذبا

فأصبح محجوبا عليه الأرائك

و أصبح لا يرجوه راج لعلّة

و لا تنتحى فيه الرجال الصعالك

و ما خير ملك يا معاوي مخدج

تجرّع فيه الغيظ و الوجه حالك

إذا شاء ردته السكون و حمير

و همدان و الحي الخفاف السكاسك

« و بادائهم الأمانة إلى صاحبهم و خيانتكم » و زاد ابن أبي الحديد ١ :

« لصاحبكم » .

« و بصلاحهم في بلادهم و فسادكم » في ( كامل المبرد ) ٢ : قال معاوية أعنت على عليّ بأربع : كنت رجلا أكتم سري و كان رجلا ظهرة ، و كنت في أطوع جند و أصلحه و كان في أخبث جند و أعصاه ، و تركته و أصحابه الجمل ، و قلت : إن ظفروا به كانوا أهون عليّ منه ، و إن ظفر بهم اعتدت بها عليه في دينه ، و كنت أحب إلى قريش منه ، فيالك من جامع لي و مفرّق عنه .

و في ( الطبري ) ٣ : بعث عليّ عليه السّلام في اجتماع الحكمين أربعمائة رجل

ــــــــــــ

( ١ ) ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٢ ) الكامل للمبرد ٢ : ٢٣ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٦٧ .

عليهم شريح بن هاني الحارثي ، و بعث معهم ابن عباس و هو يصلّي بهم و يلي امورهم ، و أبو موسى معهم ، و بعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام حتى توافوا بدومة الجندل ، فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول و ذهب لا يدري بما جاء به و لا بما رجع به ، و لا يسأله أهل الشام عن شي‏ء ، و إذا جاء رسول عليّ عليه السّلام جاؤوا إلى ابن عباس فسألوه : ما كتب إليك ؟

فإن كتم ظنوا به الظنون ، و قالوا : ما نراه إلاّ كتب بكذا و كذا . فقال لهم ابن عباس : أما ترون رسول معاوية يجي‏ء لا يعلم بما جاء به و يرجع لا يعلم بما رجع به ، و لا يسمع لهم صياح و لا لغط ، و انتم عندي كلّ يوم تظنّون بي الظنون « فلو ائتمنت احدكم على قعب » أي : قدح من خشب مقعّر . و من أمثالهم :

اتاك ريان بقعب من لبن « لخشيت أن يذهب بعلاقته » بالكسر ، أي : حبله .

« اللّهمّ إنّي قد مللتهم » هكذا في ( المصرية ) ١ و سقط منها : « و ملوني » كما يشهد به ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و ( الخطية ) .

« و سئمتهم و سئموني » في ( مقاتل أبي الفرج ) ٤ : لمّا قرب أن يغلب أبو السرايا على هرثمة صاح هرثمة : يا أهل الكوفة إن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس ، انصبوا إمامكم و اتفقوا معنا نتناظر فيه ، و لا تقتلونا و أنفسكم .

فأمسك أهل الكوفة عن الحرب فغضب أبو السرايا و قال لهم : إنّ هذه حيلة منهم فاحملوا عليهم . فقالوا : لا يحلّ لنا قتالهم : فقال : يا أهل الكوفة يا قتلة عليّ

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٦١ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

( ٤ ) المقاتل لأبي الفرج : ٣٦٣ .

و خذلة الحسين إنّ المغتر بكم لمغرور ، و إنّ المعتمد على نصركم لمخذول ،

و إنّ الذليل لمن اعززتموه ، و اللّه ما حمد عليّ أمركم في حمده و لا رضي مذهبكم ، و لقد حكّمكم فحكمتم عليه ، و ائتمنكم و خنتم أمانته ، و وثق بكم فحلتم عن ثقتة ثم لم تنفكّوا عليه مختلفين و لطاعته ناكثين ، إن قام قعدتم و إن قعد قمتم ، و إن تقدّم تأخّرتم و ان تأخّر تقدمتم خلافا عليه و عصيانا لأمره ،

حتى سبقت فيكم دعوته و خذلكم اللّه بخذلانكم إيّاه .

« فأبدلني بهم خيرا » عن ( غارات الثقفي ) ١ قال أبو صالح الحنفي : رأيت عليّا عليه السّلام يخطب و قد وضع المصحف على رأسه ، حتى رأيت الورق يتقعقع على رأسه و هو يقول : اللهم قد منعوني ما فيه فأعطني ما فيه . اللهم قد أبغضتهم و أبغضوني و مللتهم و ملوني ، و حملوني على غير خلقي و طبيعتي ،

و أخلاق لم تكن تعرف لي . اللهم فأبدلني بهم خيرا . . . .

« و أبدلهم بي شرّا » في ( تنبيه البكري ) على ( أوهام القالي ) قال أبو العباس :

كان عليّ عليه السّلام يأخذ البيعة على أصحابه فجعلوا يقولون : نعام يريدون نعم : فقال عليّ عليه السّلام : إنّ النعام و الباقر في الصحراء لكثير ، ما لكم ؟ أبدلكم اللّه مني من هو شرّ لكم منّي ، و أبدلني اللّه منكم من هو خير لي منكم .

و في خطبة أبي السرايا المتقدمة : اما و اللّه لاستبدلن بكم قوما يعرفون اللّه حق معرفته ، و يحفظون محمدا صلّى اللّه عليه و آله في عترته ثم قال :

و مارست أقطار البلاد فلم أجد

لكم شبها في ما وطئت من الأرض

خلافا و جهلا و انتشار عزيمة

و وهنا و عجزا في الشدائد و الخفض

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة

فلا فيكم راض و لا فيكم مرضي

سابعد داري عن قلى من دياركم

فذوقوا إذا ولّيت عاقبة النقض

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٥٨ .

و مرّ أنّ ( المروج ) روى : أنّه عليه السّلام قال بعد قوله : « و أبدلهم بي شرّا مني »:

« اللهم عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيّال الميّال ، يأكل خضراها و يلبس فرواها و يحكم فيها بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنها و لا يتجاوز عن مسيئها » يعني عليه السّلام : الحجّاج . و ما كان الحجّاج ولد يومئذ .

قال ابن أبي الحديد ١ : بعد قوله عليه السّلام : فأبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرّا منّي » : لم يكن خير فيهم و لا شرّ فيه عليه السّلام ، و إنّ أفعل هاهنا بمنزلة قوله تعالى : . . . أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة . . . ٢ ، و قوله تعالى : . . . أ ذلك خير أم جنة الخلد . . . ٣ .

قلت : ( أفعل ) إذا كان بعده ( من ) يكون للافضلية لا غير ، بخلاف ما إذا لم يكن ، و في آلايتين لم تكن ( من ) بخلاف كلامه عليه السّلام ، و إنّما كلامه عليه السّلام بمنزلة قوله تعالى : و جزاء سيّئة مثلها . . . ٤ ، مع أنّ الجزاء ليس بسيّئة ، و إنّما اطلق عليه السيّئة لكونه في شكل السيّئة و على صورتها ، و حيث إنّه عليه السّلام كان يكلّفهم بجهاد العدو و يؤنّبهم على تقاعدهم و كان ذلك كلفة عليهم فكأنّهم اعتقدوا أنّ فيه عليه السّلام شرّا بذلك ، فدعا عليه السّلام عليهم أن يبدّلهم اللّه منه عليه السّلام بمن لم يقنع منهم على التحريض و التأنيب ، بل ينكّلهم باقسام النكال ، كزياد و ابنه عبيد اللّه و الحجاج و ابن عمه يوسف بن عمر .

و أمّا قول ابن ميثم ٥ و الخوئي : « يحتمل أن يكون المراد بمن هو شرّ غيري » ففي غاية السقوط .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٧ .

( ٢ ) فصّلت : ٤٠ .

( ٣ ) الفرقان : ١٥ .

( ٤ ) الشورى : ٤٠ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

« اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء » أي : كما يذاب فيه . اقتدى عليه السّلام في الدعاء عليهم بنبيى : ن نوح عليه السّلام حيث قال : . . . ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا ١ ، و موسى عليه السّلام حيث قال : . . . ربّنا اطمس على أموالهم و اشدد على قلوبهم . . . ٢ . و أشار أبو السرايا إلى دعائه عليه السّلام عليهم في قوله :

لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة

كما مرّ ، و يحتمل أن يكون أبو السرايا أشار إلى دعاء الحسين عليه السّلام عليهم ، فإنّه عليه السّلام أيضا دعا على أهل الكوفة كأبيه ، و يقرّ به مصراعه الأخير :

فلا فيكم راض و لا فيكم مرضي .

فإنّه عليه السّلام دعا عليهم بعدم رضاء الولاة عنهم .

« أما و اللّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس » قال رجل من بني العنبر :

فليت لي بهم قوما إذا ركبوا

شنّوا الإغارة فرسانا و ركبانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا

لكن يطيرون أشتاتا إذا فزعوا

و ينفرون إلى الغارات وحدانا

و من هذه الأبيات :

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

إذن لقام بنصري معشر خشن

عند الكريهة إن ذو لوثة لانا

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم

طاروا إليه زرافات و وحدانا

لكنّ قومي و إن كانوا ذوي عدد

ليسوا من الشرّ في شي‏ء و إن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة

و من إساءة أهل السوء إحسانا

كأنّ ربك لم يخلق لخشيته

سواهم من جميع الناس إنسانا

ــــــــــــ

( ١ ) نوح : ٢٦ .

( ٢ ) يونس : ٨٨ .

و في ( اللسان ) قال عبيد بن الأبرص :

دعا معاشر فاستكّت مسامعهم

يا لهف نفسي لو يدعو بني أسد

و في ( الجمهرة ) قال الراجز :

لقد علمت يابن امّ صحصح

أنّنا إذا صيح بنا لم نبرح

حتى ترى جماجما تطوح

إنّ الحديد بالحديد يقلح

أي : يشقّ و يقطع .

« من بني فرس » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( فراس ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« بن غنم » بالفتح فالسكون : حي في كنانة ، و قال ابن قتيبة : و من بني فراس بن غنم بنو القعقاع بن حكيم الذين يكونون بالبصرة ، و منهم بنو بحر الأطباء بالكوفة .

و في ( العقد ) ٤ : و بنو مالك من كنانة بطن ، منهم : جندل الطعان ، و من ولد جندل الطعان ربيعة بن مكدم ، و هو أشجع بيت في العرب ، و فيهم يقول عليّ عليه السّلام لأهل الكوفة : « وددت و اللّه أن لي بمائة ألف منكم ثلاثمائة من فراس بن غنم بن ثعلبة » .

و في ( البيان ) ٥ : قالت امرأة من غامد في هزيمة ربيعة بن مكدم لغامد وحده :

ألا هل أتاها على نايها

بما فضحت قومها غامد

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٦١ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٣ .

( ٣ ) ابن ميثم ٢ : ١٧ .

( ٤ ) العقد ١ : ١٠٥ .

( ٥ ) البيان ١ : ٢٦٨ .

تمنيتم مائتي فارس

فردكم فارس واحد

فليت لنا بارتباط الخيول

ضانا لها حالب قاعد

و ربيعة بن مكدم هو الذي قالوا فيه : هو حامي الظعن حيّا و ميتا ، و لم يحم ميت الحريم غيره ، عرض له فارسان من بني سليم و معه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعنهم فرماه أحدهما بسهم أصاب قلبه ، فنصب رمحه في الأرض و اعتمد عليه و هو ثابت في سرجه ، و أشار إلى الظعائن بالرواح فسرن حتى بلغن بيوت الحي ، و بنو سليم قائم بإزائه لا يقدمون عليه و يظنّونه حيّا حتى قال قائل منهم : إنّي لا أراه إلاّ ميتا و لو كان حيّا لتحرّك . فرموا فرسه بسهم فوثيت فوقع ، وفاتتهم الظعائن .

هذا و في السمعاني : فراس بن غنم بن مالك بن كنانة . مع أنّه فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة كما في ( العقد ) .

و في ( ابن أبي الحديد ) ١ في طبعين منه : « و بنو فراس بن غنم بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر » و لا معنى له ، و لعل ( بن خزيمة ) مصحف ( من خزيمة ) بالميم ، مع أنّه كالتعريف بالجنس البعيد ، فإنّهم قالوا : إنّ فراسا من كنانة و هو جعله من أبيه خزيمة .

و في ( ابن ميثم ) : « و فراس ابن غنم بن تغلب بن وائل » و هو خطاء منه فإنّه من غنم كنانة لا غنم تغلب ، و منشأ خطئه اقتصار ( الصحاح ) على غنم تغلب .

و في ( الصحاح ) و ( القاموس ) في ( غنم ) : « و غنم ابن تغلب بن وائل » و اقتصرا عليه و هو خبط ، فلم ينحصر ( غنم ) بغنم تغلب ، فقال السمعاني : غنم :

اسم لعدة بطون من قبائل شتى . و عدّ منها غنم الأزد غنم بن دوس ، و غنم طي

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٤٠ .

غنم بن ثوب ، و غنم الأنصار غنم بن سرى ، و غنم أسد بن خزيمة غنم بن دودان ، و غنم كندة غنم بن عوز .

و قال الجزري في ( لبابه ) : فاته غنم الخزرج غنم بن مالك ، و غنم عبد القيس بن وديعة .

قلت : وفات الجزري أيضا هذا غنم كنانة .

« هنا لك لو دعوك أتاك منهم

فوارس مثل أرمية الحميم »

كأنّ هنا سقطا و الأصل : ( ثم تمثّل ) كما في بيت قبله ، قال ابن أبي الحديد ١ البيت لأبي جندب الهذلي ، و أول الأبيات :

ألا يا امّ زنباع أقيمي

صدور العيس نحو بني تميم

قلت : و في ( الأساس ) أيضا نسب البيت إلى أبي جندب الهذلي ، و قريب من البيت قول الشاعر في نهار بن عامر من مراد :

لو كنت جار بني نهار لم ترم

داري و قوتل دونها بسلاح

و قول سلامة بن جندل :

كنا إذا ما أتانا صارخ فزع

كان الصراخ له قرع الظّنابيب

و قول بشامة النهشلي في وصف قومه :

إنّا بني نهشل لا ندعى لأب

عنه و لا هو بالأبناء يشرينا

إن تبتدر غاية يوما لمكرمة

تلق السوابق منا و المصلينا

إنّا لمن معشر أفنى أوائلهم

قيل الكماة ألا أين المحامونا

لو كان في الألف منا واحد فدعوا

من فارس خالهم إيّاه يعنونا

قوله : « ثم نزل عليه السّلام من المنبر » إنّما في ( ابن ميثم ) ٢ : « ثم نزل » .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٤٨ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٧ .

في ( تاريخ أعثم ) : لمّا أنّبهم عليه السّلام فلم يجيبوه قال لهم : إنّي و إيّاكم كنوح و قومه كما حكى تعالى عنه : . . . ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا . فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا ١ . ما لكم صموت كالحوت إن شرّ الدوابّ عند اللّه الصمّ البكم الذين لا يعقلون ٢ .

« قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) ٣ ، و في ( ابن أبي الحديد ) ٤ : « قال الرضي » و في ( ابن ميثم ٥ و الخطية ) : « قال السيد » و هو دليل على أنّ أصل الكلام ليس من المصنف .

« أقول » هكذا في ( المصرية ) و هو زائد ، فليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« الأرمية جمع رمي و هو السحاب » و في ( الجمهرة ) : رمي : ضرب من سحاب الخريف سود ، قال أبو ذؤيب الهذلي :

يمانية احيالها مظّ مائد

و آل قراس صوب ارمية كحل

و قال الجوهري : الرّمي : السقيّ و هي السحابة العظيمة القطر ، الشديدة الوقع من سحائب الحميم و الخريف ، قال أبو ذؤيب يصف عسلا يمانية :

و نقل بيت ( الجمهرة ) .

و في ( الأساس ) : الرّمي : السحاب الخريفي العظيم القطر و نقل بيت العنوان و بيتا آخر :

حنين اليماني هاجه بعد سلوه

و ميض رميّ آخر الليل يبرق

ــــــــــــ

( ١ ) نوح : ٥ ٦ .

( ٢ ) الأنفال : ٢٢ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ١ : ٦١ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٣ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٨ .

« و الحميم هاهنا » ليس ( هاهنا ) في نسخة ابن ميثم .

« وقت الصيف » و يأتي بمعنى الماء الحار ، كما في قوله تعالى :

يطوفون بينها و بين حميم آن ١ ، و الصديق الصميمي ، كما في قوله تعالى :

و لا يسأل حميم حميما ٢ .

« و إنّما خصّ الشاعر سحاب الصيف بالذكر لانه أشد جفولا » أي :

إسراعا .

« و أسرع خفوفا » أي : قلة .

« لأنّه لا ماء فيه » لكن عرفت أنّ الجوهري و الزمخشري جعلا ( الأرمية ) سحابا عظيم القطر ، و الأصح ما قاله المصنّف ، و لا ينافيه كلام ابن دريد .

« و إنّما يكون السحاب ثقيل السير » هكذا في ( المصرية ) ٣ و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) : « ثقيلا » و إنّما نسب الأول « ثقيل السير » إلى نسخة .

« لامتلائه بالماء ، و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشتاء » هكذا في ( المصرية ) ٤ و لكن في ( ابن أبي الحديد و الخطية ) : « إلاّ في أزمان الشتاء » و في ( ابن ميثم ) : « إلاّ في الشتاء » .

« و إنّما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا و الإغاثة إذا استغيثوا ، و الدليل على ذلك قوله ( هنالك لو دعوت أتاك منهم ) » ليس في ( ابن ميثم ) ٥ قوله :

« و الدليل . . . » رأسا .

ــــــــــــ

( ١ ) الرحمن : ٤٤ .

( ٢ ) المعارج : ١٠ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٢ .

( ٤ ) المصدر نفسه .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٨ .

٢

الخطبة ( ١١٧ ) و من كلام له عليه السّلام و قد جمع الناس و حضّهم على الجهاد فسكتوا مليّا ، فقال عليه السّلام :

أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ فَقَالَ ع مَا بَالُكُمْ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ وَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِي بَأْسِكُمْ وَ لاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ اَلْمِصْرَ وَ اَلْجُنْدَ وَ بَيْتَ اَلْمَالِ وَ جِبَايَةَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْقَضَاءَ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلنَّظَرَ فِي حُقُوقِ اَلْمُطَالِبِينَ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ اَلْقِدْحِ فِي اَلْجَفِيرِ اَلْفَارِغِ وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ اَلرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وَ أَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهَا اِسْتَحَارَ مَدَارُهَا وَ اِضْطَرَبَ ثِفَالُهَا هَذَا لَعَمْرُ اَللَّهِ اَلرَّأْيُ اَلسُّوءُ وَ اَللَّهِ لَوْ لاَ رَجَائِي اَلشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي اَلْعَدُوَّ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اِخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اِجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ اَلَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ هَالِكٌ مَنِ اِسْتَقَامَ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى اَلنَّارِ أقول : لم يتفطّن الشراح ابن أبي الحديد و غيره أنّ هذا العنوان في أيّ غارة صدر ، فقالوا : « قاله عليه السّلام في بعض غارات أهل الشام على اطراف اعماله بالعراق » ، و إنّما قاله عليه السّلام في غارة بسر على الحجاز .

ففي ( غارات الثقفي ) ١ : من حديث الكوفيين عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال : قدم زرارة بن قيس فخبر عليا عليه السّلام بالعدّة التي خرج فيها بسر ،

فصعد المنبر إلى أن قال « إنّ بسر بن أرطاة وجّه إلى الحجاز ، و ما بسر لينتدب إليه منكم عصابة حتى تردوه عن شننه ، فإنّما خرج في ستمائة أو يزيدون . فسكت الناس مليّا لا ينطقون ، فقال عليه السّلام : « ما لكم أ مخرسون أنتم لا تتكلمون ؟ » فذكر عن الحرث بن حضيرة عن مسافر بن عفيف قال : قام أبو بردة بن عوف الأزدي فقال له : إن سرت سرنا معك . فقال : « ما لكم لا سدّدتم لمقال الرشد ؟ أ في مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ؟ إنّما يخرج في مثل ذلك رجل ممّن ترضون من فرسانكم و شجعانكم ، و لا ينبغي لي أن أدع الجند و المصر و بيت المال و جباية الأرض و القضاء بين المسلمين و النظر في حقوق الناس ،

ثم أخرج في كتيبة أتبع اخرى في الفلوات و شعف الجبال ، هذا و اللّه الرأي السوء ، و اللّه لو لا رجائي ( الشهادة ظ ) عند لقائهم لو قد حمّ لقاؤهم لضربت ركابي ثم لشخصت عنكم ، فلا أطلبكم ما اختلف جنوب و شمال ، و اللّه إنّ فراقكم لراحة للنفس و البدن » . فقام إليه جارية بن قدامة السعدي فقال له عليه السّلام :

لا أعدمنا اللّه نفسك و لا أرانا فراقك ، أنا لهؤلاء القوم فسرحني إليهم . قال :

فتجهّز فإنّك ما علمت : ميمون النقيبة . و قام إليه وهب بن مسعود الخثعمي فقال له عليه السّلام : أنا انتدب إليهم . فقال عليه السّلام : فانتدب بارك اللّه فيك . فنزل و دعا جارية فأمره أن يسير إلى البصرة و يخرج منها في الفين ، و ندب مع الخثعمي من الكوفة ألفين و قال لهما : أخرجا في طلب بسر حتى تلحقاه ، و أينما لحقتماه فناجزاه ، فإذا التقيتما فجارية على الناس .

نقله في عنوان : « مسير جارية بن قدامة » في خبره الثاني ، و رواه في

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٦٢٤ .

خبره الأوّل عن الكلبي و أبي مخنف بلفظ أخصر ، فروى عنهما : أنّه عليه السّلام ندب الناس فتثاقلوا عنه فقال : « ا تريدون أن أخرج بنفسي في كتيبة تتبع كتيبة في الفيافي و الجبال ؟ ذهب و اللّه اولو النهى و الفضل الذين كانوا يدعون فيجيبون و يؤمرون فيطيعون ، لقد هممت أن أخرج عنكم فلا أطلب بنصركم ما اختلف الجديدان ».

قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام و قد جمع الناس و حضهم » أي :

رغبهم .

« على الجهاد » مع سرايا معاوية في سرية بسر .

« فسكتوا مليا » أي : زمنا طويلا ، قال تعالى : . . . و اهجرني مليّا ١ .

« فقال عليه السّلام » توكيد بعد قوله : « و من كلام له عليه السّلام » .

قوله عليه السّلام : « أ مخرسون أنتم » أي : صرتم أخرسين ، حيث لم يجيبوه عليه السّلام بشي‏ء .

« فقال قوم منهم : يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك » قد عرفت من رواية الثقفي أنّ القائل له عليه السّلام : « ان سرت سرنا معك » إنّما هو أبو بردة بن عوف الأزدي ، و كان منافقا يكاتب باخباره عليه السّلام إلى معاوية كما في ( صفين نصر بن مزاحم ) ٢.

« فقال عليه السّلام : ما بالكم » و في ( ابن ميثم ) ٣ : « ما لكم » و هو لفظ مستنده .

« لا سدّدتم لرشد و لا هديتم لقصد » حيث تشيرون عليّ هكذا .

« أ في مثل هذا » خروج بسر من قبل معاوية .

ــــــــــــ

( ١ ) مريم : ٤٦ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١٠ .

« ينبغي » و زاد ابن أبي الحديد ١ و ( الخطية ) : « لي » و هو الموافق مستنده.

« أن أخرج » كما خرج عليه السّلام في قبال طلحة و الزبير ، و في قبال معاوية.

« إنّما يخرج في مثل هذا رجل ممّن أرضاه من شجعانكم » كجارية السعدي و وهب الخثعمي اللذين أجاباه إلى الخروج ، و نظرائهما .

« و لا ينبغي لي أن أدع المصر و الجند » هكذا في ( المصرية ) ٢ و الصواب :

( الجند و المصر ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ٣ و الخطية ) و كما في مستنده . و المراد بالمصر : الكوفة .

« و بيت المال » فيكون في معرض النّهب .

« و جباية الأرض » فتكون في معرض التّعطيل .

« و القضاء بين المسلمين و النظر في حقوق المطالبين » فتصير امور الناس مختلّة ، أدع جميع ذلك ؟

« ثم أخرج في كتيبة » في ( القاموس ) : الكتيبة : الجيش أو الجماعة المستخيرة من الخيل ، أو جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف .

« أتبع اخرى » أي : كتيبة اخرى من العدو .

« أ تقلقل » أي : اضطرب .

« تقلقل القدح » بالكسر : السهم قبل أن يراش و يركّب عليه نصله .

« في الجفير » في ( القاموس ) : الجفير : جعبة من جلود لا خشب فيها ، أو من خشب لا جلود فيها .

« الفارغ » أي : الخالي .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٨٥ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٢٣١ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١١ .

« و إنّما أنا قطب الرحى » استعارة عن كون مدار امور الناس عليه .

« تدور علي و أنا بمكاني » فما دام الوالي في المركز تكون امور المملكة منظمة .

« فإذا فارقتها » هكذا في ( المصرية ) ١ و هو غلط ، و الصواب : ( فارقته ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) أي : فارقت الرحى القطب .

« استحار » أي : صار حائرا .

« مدارها و اضطرب ثفالها » بالكسر ، أي : الحجر الأسفل من الرحى الذي يصبّ عليه الدّقيق .

« هذا لعمر اللّه الرأي السوء » رأيتموه لي .

« و اللّه لو لا رجائي الشهادة عند لقائي العدو » و كان عدوّه يومئذ معاوية .

« لو قد حمّ » أي : قدّر .

« لي لقاؤه » لكن لم يكن مقدّرا ، فأراد عليه السّلام الشخوص إليه و خرج عسكره إلى ظاهر البلاد ، فضربه اللعين ابن ملجم .

« لقرّبت ركابي » الركاب : الإبل التي يسار عليها .

« ثم شخصت » أي : ارتحلت .

« عنكم » إلى غيركم .

« فلا أطلبكم ما اختلف جنوب و شمال » أي : أبد الآبدين .

ثم الغريب أنّ ابن ميثم اقتصر من العنوان إلى هنا ، و أنّ ابن أبي الحديد ٤ زاد على العنوان بعد ما مرّ : « طعّانين عيّابين حيّادين روّاغين » .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٢٣١ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٨٦ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ١١١ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٢٨٥ .

و نسخة ابن ميثم و إن كانت بخط المصنّف كما صرح به مرارا لكن لا يبعد أنّها كانت النسخة الاولى ، و أنّ ابن أبي الحديد نقل من نسخة ثانية كتبها المصنّف و زاد و نقّص .

و عليه فما زاده ابن أبي الحديد زيادة بيان لعلّة شخوصه عليه السّلام عنهم و عدم طلبه عليه السّلام لهم ، بكونهم ذوي هذه الرذائل الأربع ، مضافا إلى ما يأتي من قوله عليه السّلام .

« إنّه لا غناء في كثرة عددكم مع قلّة اجتماع قلوبكم » فرجلان متّفقان قلبا أكثر غناء من ألف مختلفين .

« لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها » أي : على مخالفتها و مجاوزتها .

« إلاّ هالك » كونه عليه السّلام كذلك لا يحتاج إلى بيان ، و قد أقرّ به عمر يوم شوراه .

و روى الخطيب ١ في ( يوسف بن محمد بن علي ) عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال : دخلت على امّ سلمة فرأيتها تبكي و تذكر عليا عليه السّلام و قالت : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : « عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ ، و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة » .

« من استقام فإلى الجنّة ، و من زلّ فإلى النار » فأمّا من طغى . و آثر الحياة الدنيا . فإنّ الجحيم هي المأوى . و أمّا من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى . فإنّ الجنّة هي المأوى ٢ .

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١٤ : ٣٢١ .

( ٢ ) النازعات : ٣٧ ٤١ .

٣

الخطبة ( ٢٧ ) و من خطبة له عليه السّلام :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ اَلْجَنَّةِ فَتَحَهُ اَللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَ هُوَ لِبَاسُ اَلتَّقْوَى وَ دِرْعُ اَللَّهِ اَلْحَصِينَةُ وَ جُنَّتُهُ اَلْوَثِيقَةُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اَللَّهُ ثَوْبَ اَلذُّلِّ وَ شَمِلَتْهُ اَلْبَلاَءُ وَ دُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَ اَلْقَمَاءِ وَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْأَسْدَادِ وَ أُدِيلَ اَلْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ اَلْجِهَادِ وَ سِيمَ اَلْخَسْفَ وَ مُنِعَ اَلنَّصَفَ أَلاَ وَ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ لَيْلاً وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَ إِعْلاَناً وَ قُلْتُ لَكُمُ اُغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ اَلْغَارَاتُ عَلَيْكُمُ وَ مُلِكَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَوْطَانُ وَ هَذَا أَخُو ؟ غَامِدٍ ؟ وَ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ ؟ اَلْأَنْبَارَ ؟ وَ قَدْ قَتَلَ ؟ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ اَلْبَكْرِيَّ ؟ وَ أَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ اَلرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى اَلْمَرْأَةِ اَلْمُسْلِمَةِ وَ اَلْأُخْرَى اَلْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلاَئِدَهَا وَ رُعَاثَهَا مَا تَمْنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ وَ اَلاِسْتِرْحَامِ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ وَ لاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ اِمْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً فَيَا عَجَباً وَ اَللَّهِ يُمِيتُ اَلْقَلْبَ وَ يَجْلِبُ اَلْهَمَّ اِجْتِمَاعُ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَ تَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ تُغِيرُونَ وَ تُغْزَوْنَ وَ لاَ تَغْزُونَ وَ يُعْصَى اَللَّهُ وَ تَرْضَوْنَ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ اَلْصَّيْفِ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ اَلْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا اَلْحَرُّ وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي اَلشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ اَلْقُرِّ

أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا اَلْبَرْدُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ اَلْحَرِّ وَ اَلْقُرِّ فَأَنْتُمْ وَ اَللَّهِ مِنَ اَلسَّيْفِ أَفَرُّ يَا أَشْبَاهَ اَلرِّجَالِ وَ لاَ رِجَالَ حُلُومُ الْأَطْفَالِ وَ عُقُولُ رَبَّاتِ اَلْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَ لَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً وَ اَللَّهِ جَرَّتْ نَدَماً وَ أَعْقَبَتْ سَدَماً قَاتَلَكُمُ اَللَّهُ لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وَ جَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ اَلتَّهْمَامِ أَنْفَاساً وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَ اَلْخِذْلاَنِ حَتَّى قَالَتْ ؟ قُرَيْشٌ ؟ إِنَّ ؟ اِبْنَ أَبِي طَالِبٍ ؟ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَ لَكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ لِلَّهِ أَبُوهُمْ وَ هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وَ أَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَ مَا بَلَغْتُ اَلْعِشْرِينَ وَ هَا أَنَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى اَلسِّتِّينَ وَ لَكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ و الحكمة ( ٢٦١ ) بعد فصل غريبه : انقضى هذا الفصل و رجع إلى سنن الغرض الأول .

وَ قَالَ ع لَمَّا بَلَغَهُ إِغَارَةُ أَصْحَابِ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ عَلَى ؟ اَلْأَنْبَارِ ؟ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ مَاشِياً حَتَّى أَتَى ؟ اَلنُّخَيْلَةَ ؟ فَأَدْرَكَهُ اَلنَّاسُ وَ قَالُوا يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ نَحْنُ نَكْفِيكَهُمْ فَقَالَ :

مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ إِنْ كَانَتِ اَلرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا وَ إِنَّنِي اَلْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي كَأَنَّنِي اَلْمَقُودُ وَ هُمُ اَلْقَادَةُ أَوِ اَلْمَوْزُوعُ وَ هُمُ اَلْوَزَعَةُ فلمّا قال عليه السّلام هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب تقدّم إليه رجلان من أصحابه ، فقال أحدهما : إنّي لا أملك إلاّ نفسي و أخي ١ فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين ننقد له .

فقال عليه السّلام :

ــــــــــــ

( ١ ) المائدة : ٢٥ .

وَ أَيْنَ تَقَعَانِ مما أُرِيدُ أقول : رواه الخطيب في ( تاريخ بغداده ) ١ في عنوان ( ربيعة بن ناجذ الأسدي ) ، و رواه البلاذري في ( أنسابه ) في عنوان ( أمر الغارات بين علي و معاوية ) ، فذكر الأوّل غارة الضحّاك بن قيس الفهري ، و جعل غارة الغامدي هذا الثاني منها فقال : قالوا : و دعا معاوية سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي ،

فسرّحه في ستة آلاف من أهل الشام ذوي بأس ، و أمره أن يلزم جانب الفرات الغربي حتى يأتي هيت ، فيغير على مسالح عليّ عليه السّلام و أصحابه بها و بنواحيها ،

ثم يأتي الأنبار فيفعل بها مثل ذلك حتى ينتهى إلى المدائن ، و حذّره أن يقرب الكوفة و قال له : إنّ الغارة تنخب قلوبهم و تكسر حدهم و تقوّي أنفس أوليائنا و منتهم . فشخص سفيان في الستة آلاف المضمومين إليه ، فلمّا بلغ أهل هيت قربه قطعوا الفرات إلى العبر الشرقي ، فلم يجد بها أحدا ، و أتى الأنبار فأغار عليها فقاتله من بها من قبل عليّ عليه السّلام فأتى على كثير منهم و أخذ أموال الناس ،

و قتل أشرس بن حسان البكري عامل عليّ عليه السّلام ثم انصرف ، و أتى عليّا عليه السّلام علج فأخبره الخبر ، و كان عليلا لا يمكنه الخطبة فكتب كتابا قرى‏ء على الناس ،

و قد أدنى عليّ عليه السّلام من السدة التي كان يخرج منها ليسمع القراءة ، و كانت نسخة الكتاب : أمّا بعد ، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة . . .

و ذكره ( الأغاني ) ٢ في عنوان ( ذكر الخبر في مقتل ابني عبيد اللّه بن العباس ) في جزئه الخامس عشر ، و روى مسندا عن أبي عمر الوقاصي : أنّ معاوية بعث إلى بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين و بعث معه جيشا ،

و وجه برجل آخر من غامد ضم إليه جيشا آخر ، و وجه الضحّاك بن قيس

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ بغداد للخطيب ٨ : ٤٢٠ .

( ٢ ) الأغاني ١٦ : ٢٦٦ .

الفهري في جيش آخر ، و أمرهم : أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوا من شيعة عليّ عليه السّلام و أصحابه ، و أن يغيروا على ساير أعماله و يقتلوا أصحابه ، و لا يكفوا أيديهم عن النساء و الصبيان ، فمرّ بسر لذلك على وجهه إلى أن قال و فعل مثل ذلك ساير من بعث ، فقصد الغامدي إلى الأنبار إلى أن روى مسندا عن أبي صادقة قال : أغارت خيل لمعاوية على الأنبار فقتلوا عاملا لعليّ عليه السّلام يقال له : حسّان بن حسّان ، و قتلوا رجالا كثيرا و نساء ، فبلغ ذلك عليا عليه السّلام فخرج حتى أتى المنبر فرقيه إلى أن قال بعد ذكر خطبته عليه السّلام فقام إليه رجل و قال : أنا كما قال تعالى : . . . لا أملك إلاّ نفسي و أخي . . . ١ فمرنا بأمرك ، فلنطيعنّك و لو حال بيننا و بينك جمر الغضى و شوك القتاد . قال :

و أين تبلغان ممّا اريد ؟

و رواه المبرّد في أوائل ( كامله ) ٢ بعد ذكر كلمات عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثم عن الثلاثة ، فقال : و تحدّث ابن عايشة في اسناد ذكره : أنّ عليّا رضى اللّه عنه انتهى إليه أنّ خيلا لمعاوية وردت الأنبار فقتلوا عاملا له ، يقال له : حسّان بن حسّان ، فخرج مغضبا يجر ثوبه حتى أتى النّخيلة و اتّبعه الناس ، فرقى رباوة من الأرض إلى أن قال : و لكن لا رأي لمن لا يطاع . يقولها ثلاثا فقام إليه رجل و معه أخوه الرجل و أخوه يعرفان بابني عفيف من الأنصار فقال : أنا و أخي هذا كما قال تعالى : . . . رب إنّي لا أملك إلاّ نفسي و أخي . . . فمرنا بأمرك ، فو اللّه لننتهين إليه و لو حال بيننا و بينه جمر الغضى و شوك القتاد . فدعا لهما بخير ثم قال لهما : و أين تقعان . . .

ــــــــــــ

( ١ ) المائدة : ٢٥ .

( ٢ ) الكامل للمبرد ١ : ٢٢ ٢٥ .

و رواه إبراهيم الثقفي في ( غاراته ) ١ في عنوان : « غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار ، و لقيه أشرس بن حسّان البكري و سعيد بن قيس » .

و روى عن عبد اللّه بن يزيد عن أبي الكنود عن سفيان الغامدي قال : دعاني معاوية إلى أن قال و قتل صاحبهم في رجال من أصحابه .

ثم روى ٢ عن جندب بن عفيف قال : و اللّه إنّي لفي جند الأنبار مع أشرس ابن حسّان البكري إذ صبحنا سفيان بن عوف إلى أن قال ثم نزل صاحبنا و هو يتلو . . . فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلا ٣ . ثم قال لنا : من كان لا يريد لقاء اللّه و لا يطيب نفسا بالموت ، فليخرج عن القرية مادمنا نقاتلهم ، فإنّ قتالنا إيّاهم شاغل لهم عن طلب هارب ، و من أراد ما عند اللّه فما عند اللّه خير للابرار . ثمّ نزل في ثلاثين رجلا . قال : فهممت و اللّه بالنزول ثم إنّ نفسي أبت . . .

ثمّ روى ٤ عن محمد بن مخنف : أنّ سفيان بن عوف لمّا أغار على الأنبار قدم علج من أهلها على عليّ عليه السّلام فأخبره الخبر فصعد المنبر فقال : أيّها الناس إنّ أخاكم البكري قد اصيب بالأنبار و هو معتز لا يخاف ما كان ، فاختار ما عند اللّه على الدنيا ، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم إلى أن قال فلمّا رأى صمتهم نزل فخرج يمشي راجلا حتّى أتى النّخيلة ، و الناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا : ارجع نحن نكفيك . فقال : ما تكفونني و لا تكفون أنفسكم . فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله و هو واجم كئيب ، و دعا سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النّخيلة بثمانية آلاف إلى أن قال فلبث

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات لإبراهيم الثقفي ٢ : ٤٦٤ ٤٦٨ .

( ٢ ) الغارات لإبراهيم الثقفي ٢ : ٤٦٩ .

( ٣ ) الأحزاب : ٢٣ .

( ٤ ) الغارات لإبراهيم الثقفي ٢ : ٤٧٠ .

عليّ عليه السّلام ترى فيه الكآبة و الحزن حتى قدم عليه سعيد بن قيس ، فكتب كتابا، و كان في تلك الأيّام عليلا فلم يطق على القيام في الناس بكل ما أراد من القول،

فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد و معه الحسنان عليهما السّلام و عبد اللّه بن جعفر ، فدعا سعدا مولاه فدفع الكتاب إليه فأمره أن يقرأه ، فقام سعد بحيث يسمع عليّ عليه السّلام قراءته و ما يردّ عليه الناس إلى أن قال فيه أمّا بعد ، فإنّي قد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت ( و ظ ) . ارجعتموني بالهزء من قولكم حتى برمت ، هزء من القول لا يعاديه ، و خطل لا يعز أهله ، و لو وجدت بدّا من خطابكم و العتاب إليكم ما فعلت ، و هذا كتابي يقرأ عليكم فردّوا خيرا و افعلوه ، و ما أظنّ أن تفعلوا ، فاللّه المستعان ، أيّها الناس إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصة أوليائه إلى أن قال و هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار فقتل بها أشرس بن حسّان إلى أن قال فأنتم و اللّه من حرّ السيوف أفرّ ، لا و الذي نفس ابن أبي طالب بيده السيف تحيدون ، فحتّى متى ؟ و إلى متى يا أشباه الرجال و لا رجال و يا طغام الأحلام أحلام الأطفال إلى أن قال فقام إليه رجل من الأزد يقال له : حبيب بن عفيف ، آخذا بيد ابن أخ له يقال له : عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عفيف ، فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين عليه السّلام بباب السدة و قال : ها أنذا لا أملك إلاّ نفسي و أخي فمرنا بأمرك . . . .

و رواه الجاحظ في ( بيانه ) ١ في جزئه الثاني فقال : و من خطب عليّ أيضا رضى اللّه عنه : قالوا : أغار سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي على الأنبار ،

و عليها ابن حسّان أو حسّان البكري فقتله ، و أزال تلك الخيل عن مسالحها ،

فخرج علي حتى جلس على باب السدّة ثم قال : أمّا بعد ، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة إلى و قتل حسّان أو ابن حسّان البكري و أزال خيلكم عن

ــــــــــــ

( ١ ) البيان للجاحظ ٢ : ٥١ .

مسالحها ، و قتل منكم رجالا صالحين إلى أن قال فقام رجل من الأزد يقال له فلان بن عفيف ثم أخذ بيد أخ له . . .

و ذكره ابن قتيبة في ( عيونه ) ١ فقال : خطب عليه السّلام حين قتل عامله بالأنبار فقال : يا عجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم و فشلكم عن حقكم فقبحا لكم و ترحا حين صرتم غرضا يرمي . . .

و ذكره أبو حنيفة الدينوري في ( طواله ) ٢ فقال و لمّا رأى عليّ عليه السّلام تثاقل أهل الكوفة عن المسير معه إلى قتال أهل الشّام ، و انتهى إليه ورود خيل معاوية الأنبار و قتلهم مسلحته بها و الغارة عليها ، كتب و دفع ما كتب إلى رجل يقرؤه يوم الجمعة إذا فرغوا من الصلاة : أمّا بعد ، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة إلى أن قال و قتل ابن حسّان البكري . . .

و ذكره ابن عبد ربه في ( عقده ) ٣ فقال : لمّا أغار سفيان بن عوف على الأنبار، و عليها حسّان البكري فقتله و أزال الخيل عن مسالحها ، خرج عليّ عليه السّلام حتى جلس على باب السدة ثم قال بعد الحمد : أمّا بعد ، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة . ..

و رواه ( الكافي ) ٤ في الباب الأوّل من كتاب جهاده مسندا عن أبي عبد الرحمن السّلمي ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : أمّا بعد ، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة إلى أن قال و قتل حسّان بن حسّان الكبري . . . .

و رواه ( معاني أخبار الصدوق ) ٥ في بابه ( ١٦١ ) مسندا عن ابن عايشة

ــــــــــــ

( ١ ) العيون لأبن قتيبة ٢ : ٢٣٦ .

( ٢ ) الطوال للدينوري : ٢١١ .

( ٣ ) العقد لأبن عبد ربه ٤ : ١٦٠ .

( ٤ ) الكافي ٥ : ٤ ح ٦ .

( ٥ ) معاني الأخبار للصدوق : ٣٠٩ .

باسناد ذكره : أنّ عليّا عليه السّلام انهي إليه أنّ خيلا لمعاوية وردت الأنبار ، فقتلوا عاملا له يقال له : حسّان بن حسّان ، فخرج مغضبا يجر ثوبه حتى أتى النّخيلة و اتّبعه الناس فرقى رباوة من الأرض ثم قال بعد الحمد : إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة . . . .

و روى ( إرشاد المفيد ) ١ كلاما طويلا عنه عليه السّلام في عنوان : « فصل و من كلامه عليه السّلام في مقام آخر » . و فيه : فقبحا لكم يا أشباه الرّجال و لا رجال حلوم الأطفال و عقول ربات الحجال إلى أن قال و اللّه لوددت أنّي لم أعرفكم و لم تعرفوني ، فإنّها معرفة جرّت ندما ، لقد وزئتم صدري غيظا ، و أفسدتم عليّ أمري بالخذلان و العصيان حتى لقد قالت قريش : إنّ عليّا رجل شجاع لكن لا علم له بالحرب . للّه أبوهم هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا منّي ، و أشدّ لها مقاساة ؟ لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين ، و ها أناذا قد ذرفت على الستين و لكن لا أمر لمن لا يطاع ، أما و اللّه لوددت أنّ ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه ، و أنّ المنيّة لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها و ترك يده على رأسه و لحيته عهدا عهده إلي النبي الامّي . . . و قد خاب من افترى ٢ و نجا من اتّقى و صدّق بالحسنى .

يا أهل الكوفة دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا و نهارا ، و سرّا و إعلانا و قلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فإنّه ما غزي قوم قطّ في عقر دارهم إلاّ ذلّوا ، فتواكلتم و تخاذلتم و ثقل عليكم قولي و استصعب عليكم أمري ،

و اتخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شنت عليكم الغارات ، و ظهرت فيكم الفواحش و المنكرات ، تمسيكم و تصبحكم كما فعل بأهل المثلات من قبلكم ، حيث أخبر

ــــــــــــ

( ١ ) الإرشاد للمفيد : ٢٧٩ .

( ٢ ) طه : ٦١ .

اللّه عن الجبابرة العتاة الطغاة ، و المستضعفين من الغواة في قوله عزّ و جلّ :

يذبّحون أبناءكم و يستحيون نساءكم و في ذلكم بلاء من ربّكم عظيم ١ إلى أن قال إذا قلت لكم : انفروا في الشتاء . قلتم : هذا أو ان قر و صرد . و إن قلت لكم : انفروا في الصيف . قلتم : هذا حمارّة القيظ انظرنا ينصرم عنا الحرّ . كل ذلك فرارا عن الجنّة ، إذا كنتم عن الحرّ و البرد تعجزون فأنتم و اللّه عن حرارة السيف أعجز و أعجز ، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، قد أتاني الصريخ يخبرني : أنّ أخا غامد قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف ، فأغار عليهم كما يغار على الروم و الخزر ، فقتل بها عاملي حسّان و قتل معه رجالا صالحين ذوي فضل و عبادة و نجدة ، بوّأ اللّه لهم جنات النعيم ، و أنّه أباحها ،

و لقد بلغني أنّ العصبة من أهل الشام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة و الاخرى المعاهدة ، فيهتكون سترها و يأخذون القناع من رأسها و الخرص من أذنها و الاوضاح من يديها و رجليها و عضديها و الخلخال و الميزر عن سوقها ، فما تمتنع إلاّ بالاسترجاع و النداء : يا للمسلمين فلا يغيثها مغيث و لا ينصرها ناصر ، فلو أنّ مؤمنا مات من دون هذا أسفا ما كان عندي ملوما ، بل كان عندي بارّا محسنا ، و اعجبا كلّ العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم ، و فشلكم عن حقكم قد صرتم غرضا يرمى و لا ترمون و تغزون و لا تغزون ، و يعصى اللّه و ترضون ، تربت أيديكم ، أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ،

كلّما اجتمعت من جانب تفرّقت من جانب .

« أمّا بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنه فتحه اللّه لخاصة اوليائه » روى ( باب فضل جهاد الكافي ) ٢ : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : للجنة باب يقال له : باب

ــــــــــــ

( ١ ) البقرة : ٤٩ .

( ٢ ) الكافي ٥ : ٢ ح ٢ .

المجاهدين ، يمضون إليه ، فإذا هو مفتوح و هم متقلدون بسيوفهم و الجمع في الموقف ، و الملائكة ترحب بهم .

و الجهاد معاملة ثمنها الجنّة ، و قبالتها الكتب السماوية ، و مسجلها هو تعالى عزّ اسمه ، قال سبحانه إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم ١ .

« و هو لباس التقوى » في ( الكافي ) ٢ عن الصادق عليه السّلام : أنّ اللّه تعالى بعث رسوله بالإسلام إلى النّاس عشر سنين ، فأبوا أن يقبلوا حتى أمره بالقتال ،

فالخير بالسّيف و تحت السّيف ، و الأمر يعود كما بدأ .

« و درع اللّه الحصينة و جنّته الوثيقة » في ( الكافي ) عنه عليه السّلام : أنّ اللّه تعالى فرض الجهاد و عظّمه و جعله نصره و ناصره ، و اللّه ما صلحت دنيا و لا دين إلاّ به .

« فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّل ، و شملة » هكذا في ( المصرية ) ٣ و الصواب : ( و شمله ) بلفظ الفعل و المفعول كما في ( ابن أبي الحديد ٤ و ابن ميثم ٥ و الخطية ) .

« البلاء و ديث » أي : دلل .

« بالصغار و القماء » أي : الذلة ، في ( الأغاني ) : ذكر مؤرج السدوسي أنّ

ــــــــــــ

( ١ ) التوبة : ١١١ .

( ٢ ) الكافي ٥ : ٧ ح ٧ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٣ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٤ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٢٩ .

أعشى همدان كان في حرب ابن الأشعث شديد التحرض على الحجاج ، فجال أهل العراق جولة ثم غاروا ، فنزل الأعشى عن سرجه و نزعه عن فرسه ، و نزع درعه فوضعها فوق السرج ، ثم جلس عليها فأحدث و الناس يرونه ، ثم أقبل عليهم فقال لهم : لعلّكم أنكرتم ما صنعت ؟ قالوا : أو ليس هذا موضع نكير ؟

فقال : كلكم سلح في سرجه و درعه خوفا و فرقا ، و لكنكم سترتموه و أظهرته.

و نسب بعضهم هذا العمل إلى ابن حلّزة اليشكري .

« و ضرب على قلبه بالاسداد » هكذا في ( المصرية ) و مثله رواية ( الكافي ) ١،

و لكن في المدرك ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) : « بالاسهاب » ، فلا بدّ كون النهج كذلك .

و في ( الجمهرة ) : أسهب الرجل من لدغ الحية ، و هو ذهاب العقل ، و ليس في كلامهم ( أفعل فهو مفعل ) أي : بالفتح إلاّ ثلاثة : أسهب هذا ، و أفلج ، و أحصن،

قال الراجز :

فمات عطشانا و عاش مسهبا .

« و اديل الحقّ منه » أي : يجعل الكرّة للحق عليه ، و في مثل : يدال من البقاع كما يدال من الرجال .

« بتضييع الجهاد » أي : بسبب تضييعه له .

« و سيم الخسف » في ( الصحاح ) : سامه الخسف ، أي : أولاه الذّل .

ثم قد عرقت أنّ الجاحظ و الدينوري نقلاه مثل المتن و كذا ( الكافي ) و رواه المبرد ٢ و الصدوق ٣ ، و اسنادهما واحد عن ابن عايشة بلفظ : « ألبسه

ــــــــــــ

( ١ ) الكافي ٥ : ٤ ح ٦ .

( ٢ ) المبرد ١ : ٢٣ .

( ٣ ) معاني الأخبار للصدوق : ٣٠٩ .

اللّه الذل و سيماء الخسف » و عليه يكون ( سيماء ) عطفا على ( الذل ) كما أنّ ما كان بلفظ « و سيم » يكون عطفا على ( ألبسه ) .

و لذا قال المبرد : و سماعه سيماء ، و معناه العلامة ، و أظنّه سيم .

و قول ابن أبي الحديد : « سماع المبرد غير مرض » في غير محله ، فإنّ سماعه إنّما يكون غير مرض إذا كان بلفظ النهج و ليس في روايته أيضا بعده « و منع منه النصف » ، فاستدلاله لكونه ( سيم ) بافعال قبله و بعده كما ترى .

« و منع النصف » أي : لا يعمل معه بالانصاف .

« ألا و إنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا و سرّا و إعلانا » هو نظير قول نوح عليه السّلام : . . . ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا ١ .

« و قلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم » و من أمثالهم : تغد به قبل ان يتعشى بك.

« فو اللّه ما غزي قوم » و زاد ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و ( الخطية ) :

« قط » ففي ( المصرية ) ٤ سقط .

« في عقر » أي : أصل .

« دارهم إلاّ ذلّوا فتواكلتم » أي : و كل هذا إلى ذاك ، و ذاك إلى هذا ، فلم يتولّه أحد .

« و تخاذلتم حتى شنّت » أي : صبت ، و الأصل فيه : شن عليه الماء .

« الغارات عليكم » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عليكم الغارات ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

ــــــــــــ

( ١ ) نوح : ٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٤ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٢٩ .

( ٤ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٤ .

« و ملكت عليكم الأوطان » و منها مصر .

« و هذا » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « هذا » و في ( ابن أبي الحديد ) : « فهذا » .

« أخو » بيان لهذا لا خبر .

« غامد » قد عرفت من رواية ( العقد ) أنّ الغامدي ذاك سفيان بن عوف ،

و قال المبرد ١ : كان سفيان من بني غامد بن نصر بن الأزد ، و في هذه القبيلة يقول القائل :

ألا هل أتاها على نايها

بما فضحت قومها غامد

تمنيتم مائتي فارس

فردكم فارس واحد

فليت لها بارتباط الخيول

ضانا لها حالب قاعد

و في ( الجمهرة ) اختلفوا في اشتقاق غامد ، فقال ابن الكلبي سمّي به لأنّه تغمّد أمرا كان في عشيرته ، فسمّاه ملك من ملوك حمير : غامدا . فقال غامد :

تغمّدت أمرا كان بين عشيرتي

فاسمّاني القيل الحضوري غامدا

و قال الأصمعي : سمّي غامد من قولهم : غمدت البئر ، إذا كثر ماؤها ،

و غمدت ليلتنا : إذا اظلمت ، و انشد :

و ليلة غامدة غمودا

ظلماء تغشي النجم و الفرقودا

يعني : الفرقد .

« و قد وردت » هكذا في ( المصرية ) ٢ و الصواب : ( قد وردت ) كما في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ٤ و الخطية ) و لأنّه خبر : « و هذا اخو غامد » .

ــــــــــــ

( ١ ) المبرد ١ : ٢٦ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٤ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٤ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٢٩ .

« خيله الأنبار » في ( المعجم ) : الأنبار : مدينة في غربي بغداد بعشرة فراسخ ، و كان أول من عمّرها سابور ذو الإكتاف ثم جددها السفاح ، فتحت أيام أبي بكر على يد خالد ، قال البلاذري : مرّ عليّ عليه السّلام بالأنبار فخرج إليه أهلها بالهدايا إلى معكسره فقال : اجمعوا الهدايا و اجعلوها باجا واحدا . ففعلوا فسمي موضع معسكره بالأنبار الباج إلى الآن .

و في ( الصحاح ) : باجا واحدا ، أي : ضربا واحدا و لونا واحدا .

« و قد قتل حسّان بن حسّان البكري » قال ابن أبي الحديد ١ : قال إبراهيم الثقفي ٢: كان اسم عامل عليّ عليه السّلام على مسلحة الأنبار أشرس بن حسّان .

قلت : لا خلاف في أنّ اسم أبيه حسّان ، و أمّا اسمّه فاختلف فيه بحسّان و أشرس ، فخبر الثقفي الذي نقله ابن أبي الحديد ٣ و خبر عوانة الآتي و أنساب البلاذري و تاريخ أعثم كلها تضمن ( أشرس ) .

و خبر ابن عايشة المروي في ( كامل المبرد ) و ( معاني الصدوق ) و خبر ( الأغاني ) و رواية ( الكافي ) كلها مثل النهج بلفظ حسّان بن حسّان ، و كذا ( الإرشاد ) و ( العقد ) سمّياه حسانا ، و ( الأخبار الطوال ) عبر عنه بابن حسّان ،

و ( بيان الجاحظ ) تردد فقال : حسّان أو ابن حسّان ، و ( الصحيح ) : أشرس ، و أنّ الناقلين ( حسّان ) رأوا ابن حسّان فقرؤه ( حسّان ) .

« و أزال خيلكم عن مسالحها » في ( الصحاح ) : المسلحة : قوم ذوو سلاح ،

و المسلحة كالثغر و المرقب ، و في الحديث : كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٨٥ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٦٤ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٨٥ .

« و لقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة و الاخرى المعاهدة فينتزع حجلها » أي : خلخالها .

« و قلبها » بالضم السوار ، قال خالد بن يزيد :

تجول خلاخيل النساء و لا أرى

لرملة خلخالا يجول و لا قلبا

« و قلائدها » جمع القلادة .

« و رعاثها » جمع رعثة : القرط ، و كان بشار الشاعر يلقب بالمرعث ، لرعثة كانت له في صغره .

« ما تمنع » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( ما تمتنع ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« إلاّ بالاسترجاع » أي : قول . . . إنّا للّه و إنا إليه راجعون ٤ .

« و الإسترحام » أي : طلب الترحم عليها ، و قال ابن أبي الحديد ٥ و ابن ميثم:

أي مناشدة الرحم . و هو كما ترى فلم يعلم رحم بين نساء الأنبار و رجال الشام حتى يناشدهم به .

« ثم انصرفوا و افرين ما نال رجلا منهم كلم » أي : جراحة .

« و لا اريق لهم » هكذا في ( المصرية ) ٦ و الصواب : ( له ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) دم .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٤ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٤ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٢٩ .

( ٤ ) البقرة : ١٥٦ .

( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٨ .

( ٦ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٥ .

في ( الطبري ) ١ قال عوانة : وجّه معاوية سنة ( ٣٩ ) سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل ، و أمره أن يأتي هيت فيقطعها و أن يغير عليها ، ثم يمضي حتى يأتي الأنبار و المدائن فيوقع بأهلها ، فسار حتى اتى هيت فلم يجد بها أحدا ، ثم أتى الأنبار و بها مسلحة لعليّ عليه السّلام تكون خمسمائة رجل و قد تفرقوا فلم يبق منهم إلاّ مائة رجل ، فقاتلهم فصبر لهم أصحاب عليّ عليه السّلام مع قلّتهم ، ثم حملت عليهم الخيل و الرجّالة فقتلوا صاحب المسلحة ، و هو أشرس بن حسّان البكري في ثلاثين رجلا ، و احتملوا ما كان في الأنبار من الأموال و احتملوا ،

أموال أهلها و رجعوا إلى أن قال و سرّح عليّ عليه السّلام سعيد بن قيس في أثر القوم ، فخرج في طلبهم فلم يلحقهم فرجع .

و روى ( غارات الثقفي ) ٢ عن سفيان بن عوف الغامدي قال : دعاني معاوية فقال : إنّي باعثك في جيش كثيف ذي أداة و جلادة ، فالزم جانب الفرات حتى تمرّ بهيت فتقطعها ، فإن وجدت جندا فأغر عليهم ، و إلاّ فامض حتّى تغير على الأنبار ، فإن لم تجد بها جندا فامض حتّى توغل المدائن ، ثم أقبل إلي واتق أن تقرب الكوفة ، و اعلم أنّك إن أغرت على الأنبار و أهل المدائن فكأنّك أغرت على الكوفة ، إنّ هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم و تفرح كلّ من له فينا هوى ، و يدعو إلينا كلّ من له فينا هوى و خاف الدوائر ، فاقتل من لقيته ممّن ليس هو على مثل رأيك ، و أخرب كلّ ما مررت به من القرى و احرب الأموال ، فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل و هو أوجع للقلب . قال سفيان :

فخرجت من عنده فعسكرت ، و قام معاوية في الناس فخطبهم فقال : انتدبوا مع سفيان فإنّه وجه فيه أجر عظيم و سريعة أو بتكم . ثم نزل فما مرّت ثالثة حتى

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٤ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٦٤ .

خرجت في ستة آلاف ، ثم لزمت شاطى‏ء الفرات فأغذذت السير حتى أمرّ بهيت،

فبلغهم أنّي قد غشيتهم فقطعوا الفرات ، فمررت بها و ما بها غريب كأنها لم تحلل قط ، فوطئتها حتى أمرّ بصدوداء ففروا فلم ألق بها أحدا ، فأمضي حتى أفتتح الأنبار و قد انذروا بي فخرج صاحب المسلحة إليّ فوقف لي فلم أقدم عليه ، حتى أخذت غلمانا من أهل القرية فقلت لهم : أخبروني كم بالأنبار من أصحاب عليّ ؟ قالوا : عدة رجال المسلحة خمسمائة و لكنهم قد تبددوا و رجعوا إلى الكوفة ، و لا ندري الذي يكون فيها قد يكون مائتي رجل . فنزلت فكتّبت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة ، فنقاتلهم و نطاردهم و يطاردون في الأزقة ، فلمّا رأيت ذلك أنزلت إليهم نحوا من مائتين و أتبعتهم الخيل ، فلمّا حملت عليهم الخيل و أمامها الرجالة تمشي لم يكن شي‏ء حتى تفرّقوا ، و قتل صاحبهم في نحو من ثلاثين رجلا ، و حملنا ما كان من الأنبار من الأموال ثم انصرفت ، فو اللّه ما غزوت غزاة كانت أقرّ للعيون منها ،

و بلغني أنّها رعبت الناس ، فلمّا عدت إلى معاوية حدّثته الحديث على وجهه ،

فقال : كنت عند ظنّي بك ، لا تنزل في بلد من بلداني إلاّ قضيت فيه ما يقضي أميره ، و إن أحببت أن تولاّه وليتك . فما لبثنا إلاّ يسيرا حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هربا من عسكر علي .

« فلو أنّ امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما ، بل كان به عندي » و في ( ابن ميثم ) ١ : « بل كان عندي به » .

« جديرا » و مرّ في سابقه أنّ أباذر أخبر بسبي نساء مسلمات في غارات بسر ، و استعاذ باللّه من إدراكه ذاك الزمان .

و ممّن مات أسفا مروان بن عبد الملك بن مروان ، ففي ( نسب قريش

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٢٩ .

مصعب الزبيري ) حج مروان مع أخيه الوليد و هو خليفة فلمّا كانا بوادي القرى جرى بينهما محاورة فغضب الوليد فامصه ، فتفوّه مروان بالردّ عليه فأمسك عمر بن عبد العزيز على فيه فمنعه من ذلك ، فقال مروان لعمر : قتلتني رددت غيظي في جوفي . فما راحوا من وادي القرى حتى دفنوه ١ .

« فيا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم » هكذا في ( المصرية ) ٢ و فيها زيادة و نقيصة ، ففي ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ) ٤ :

« فيا عجبا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء » .

« على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم » في ( خلفاء ابن قتيبة ) ٥ بعد ذكر هزيمة زحر ابن قيس من قبله عليه السّلام للضحاك بن قيس من قبل معاوية : أنّ معاوية جمع الناس و قال لهم : أتاني خبر من ناحية من نواحي أمر شديد . فقالوا : لسنا في شي‏ء ممّا أتاك ، إنّما علينا السمع و الطاعة . و بلغ عليّا عليه السّلام قول معاوية و قول أهل الشام ، فأراد أن يعلم ما رأي أهل العراق ؟ فجمعهم فقال : أيّها الناس أتاني خبر من ناحية من نواحي . فقال ابن الكواء و أصحابه : إنّ لنا في كل أمر رأيا في ما أتاك ، فأطلعنا عليه حتى نشير عليك . فبكى عليه السّلام ثم قال : ظفر و اللّه ابن هند باجتماع أهل الشام له و اختلافكم عليّ ، و اللّه ليغلبنّ باطله حقكم ، إنّما أتاني أنّ زحر بن قيس ظفر بالضحاك و قطع الميرة ، و أتى معاوية هزيمة صاحبه فقال : يا أهل الشام ، إنّه أتاني أمر شديد . فقلّدوه أمرهم و اختلفتم عليّ .

ــــــــــــ

( ١ ) نسب قريش لمصعب الزبيري : ١٦٢ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٥ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٤ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٣٠ .

( ٥ ) الخلفاء لأبن قتيبة : ١٠٧ .

و في ( صفين نصر ) ١ قال النجاشي :

كفى حزنا أنّا عصينا إمامنا

عليّا و أنّ القوم طاعوا معاويه

و أنّ لأهل الشام في ذلك فضلهم

علينا بما قالوه فالعين باكيه

أ يعصى إمام أوجب اللّه حقّه

علينا و أهل الشام طوع لطاغيه

« قبحا لكم و ترحا » أي : بعدا لكم و حزنا .

« حين صرتم غرضا » أي : هدفا .

« يرمى ، يغار عليكم و لا تغيرون ، و تغزون و لا تغزون ، و يعصى اللّه و ترضون ،

فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيّام الصيف » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و الصواب:

( الحر ) كما في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ٤ و الخطية ) .

« قلتم : هذه حمارة » بتشديد الراء : شدة حر الصيف ، و أمّا بتشديد الميم فبمعنى أصحاب الحمير في السّفر .

« القيظ » أي : الصيف .

« أمهلنا يسبّخ » أي : يخف و يفتر .

« عنا الحر . و إذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم : هذه صبارّة » بتشديد الراء : شدة البرد .

« القرّ » أي : البرد .

« أمهلنا ينسلخ » أي : ينقضي .

« عنّا البرد . كل هذا » و في ( ابن ميثم ) : « أ كلّ هذا » .

« فرارا » مفعول له .

ــــــــــــ

( ١ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٥٣ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ٦٥ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٤ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٣٠ .

« من الحرّ و القر » بالفتح .

« فأنتم و اللّه من السّيف أفر » هكذا في ( المصرية ) و فيه سقط ، ففي ( ابن أبي الحديد ١ و ابن ميثم ) : « فإذا كنتم من الحرّ و القرّ تفرون ، فأنتم و اللّه من السيف أفرّ » .

في ( غارات الثقفي ) ٢ عن المنهال بن عمرو قال : سمعت عليّا عليه السّلام و نحن بمسكن يقول : « يا معشر المهاجرين ادخلوا الأرض المقدّسة التي كتب اللّه لكم و لا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ٣ . فبكوا و قالوا :

البرد شديد . و كان غزاتهم في البرد ، فقال : إنّ القوم يجدون البرد كما تجدون.

فلم يفعلوا و أبوا فلمّا رأى ذلك منهم قال : أفّ لكم إنّها سنّة جرت عليكم .

و عن فرقد البجلي عنه عليه السّلام في كلام له عليه السّلام : إن قلت لكم : انفروا إلى عدوّكم . قلتم : القرّ يمنعنا . أفترون عدوّكم لا يجدون القرّ كما تجدونه ؟ و لكنّكم أشبهتم قوما قال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « انفروا في سبيل اللّه » . فقال كبراؤهم: « لا تنفروا في الحر » فقال تعالى لنبيه : . . . قل نار جهنم أشد حرّا لو كانوا يفقهون ٤ .

« يا أشباه الرجال و لا رجال » في ( كامل المبرد ) : يروى أنّ رجلا من الخوارج يوم سلى ، حمل على رجل من أصحاب المهلب فطعنه ، فلمّا خالطه الرمح صاح : يا أمّاه . فصاح به المهلب : لا كثّر اللّه بمثلك المسلمين . فضحك الخارجي و قال :

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٥ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٦ ٢٧ .

( ٣ ) المائدة : ٢١ .

( ٤ ) التوبة : ٨١ .

امّك خير لك مني صاحبا

تسقيك محضا و تعل رائبا ١

و في ( تفسير القمي ) : كانت هند بنت عتبة يوم احد في وسط العسكر ،

فكلّما انهزم رجل من قريش رفعت إليه ميلا و مكحلة و قالت له : إنّما أنت امرأة فاكتحل بهذا ٢ .

و في ( تنبيه البكرى ) : قتل رجل من مازن سعد العشيرة أخا عمرو بن معديكرب ، و طلبوا من عمرو قبول الدية لكون القاتل سكران ، فقبل عمرو فقالت اخته كبشة :

فإن أنتم لم تقتلوا و اتديتمو

فمشّوا باذان النعام المصلم

و لا تشربوا إلاّ فضول نسائكم

إذا أنهلت اعقابهن من الدم

فأكب عمرو بالغارة عليهم فأوجع فيهم ٣ .

و في ( الأغاني ) ٤ : كان عمليق الطمسي أمر ألاّ تزوج بكر من جديس حتى يفترعها هو قبل زوجها ليلة زفافها . فلمّا تزوّجت الشموس و هي عفيرة بنت عباد ، اخت الأسود الذي وقع إلى جبل طي ، فقتله طي و سكنوا الجبل من بعده انطلقوا بها إلى عمليق فافترعها ، فخرجت إلى قومها في دماء شاقة درعها من قبل و من دبر و الدم يسيل ، و هي في أقبح منظر ، و هي تقول :

أ يجمل ما يؤتى إلى فتياتكم

و أنتم رجال فيكم عدد النمل

و لو أنّنا كنا رجالا و كنتم

نساء لكنّا لا نقرّ بذا الفعل

و إن أنتم لم تغضبوا بعد هذه

فكونوا نساء لا تعاب من الكحل

و دونكم طيب العروس فإنّما

خلقتم لأثواب العروس و للنسل

ــــــــــــ

( ١ ) الكامل للمبرد ٢ : ٢٣٧ مؤسسة المعارف بيروت .

( ٢ ) تفسير القمّي ١ : ١١٦ .

( ٣ ) ذيل الأمالي للقالي : ١٩٠ دار الآفاق الجديدة بيروت .

( ٤ ) الأغاني ١١ : ١٦٥ دار إحياء التراث العربي بيروت .

فبعدا و سحقا للذي ليس دافعا

و يختال يمشي بيننا مشية الفحل

« حلوم الأطفال » أي : لهم عقول كعقول الأطفال ، قال الشاعر :

ترى الفتيان كالنخل

و ما يدريك ما الدخل

و قال حسّان :

إنّي رأيت من المكارم حسبكم

أن تلبسوا حر الثّياب و تشبعوا

و قال آخر :

الا طعان الا فرسان عادية

الا تجشؤكم حول التنانير

« و عقول ربات الحجال » في ( الصحاح ) : الحجلة بالتحريك : واحدة حجال العروس ، و هي بيت بالثياب و الاسرة و الستور .

و في ( الجزري ) : قال عبيد اللّه بن الحر الجعفي في قصيدة له :

أ لم تر قيسا قيس عيلان برقعت

لحاها و باعت نبلها بالمغازل

و قالوا : قال أبو العتاهية في ابن معن بن زائدة :

فما تصنع بالسّيف

إذا لم تك قتّالا

فكسّر حلية السّيف

وضعها لك خلخالا

فكان ابن معن إذا تقلّد السيف و رمقه واحد تبيّن الخجل عليه .

و قال المبرّد ١ : نسبهم عليه السّلام في قوله هذا إلى ضعف النساء ، قال تعالى :

أو من ينشأ في الحلية و هو في الخصام غير مبين ٢ .

و قال الشاعر :

متى ترعيني مالك و جرانه

و جنبيه تعلم أنّه غير ثائر

حضج كامّ التوأمين توكّأت

على مرفقيها مستهلة عاشر

ــــــــــــ

( ١ ) المبرد ١ : ٢٨ .

( ٢ ) الزخرف : ١٨ .

« لوددت أنّي لم أركم و لم أعرفكم معرفة و اللّه جرّت ندما و أعقبت سدما » أي :

حزنا ، قالوا : نادم سادم ، و في ( الجمهرة ) : قال قوم : السّادم مأخوذ من المياه الاسدام ، و هي المندفنة التي تغيرت لطول المكث ، يقال : ماء أسدام و مياه أسدام . و هو ما وصف واحده بصفة الجمع .

و في ( الطبري ) ١ بعد ذكر إعطاء محمد بن الأشعث الأمان لمسلم و تسليمه : قال مسلم له : إنّي أراك ستعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث رجلا إلى الحسين عليه السّلام يقول له : « ارجع بأهل بيتك و لا يغررك أهل الكوفة ،

فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمني فراقهم بالموت أو القتل ، إنّ أهل الكوفة كذّبوك و كذّبوني و ليس لمكذوب رأي » ؟

« قاتلكم اللّه لقد ملأتم قلبي قيحا » بالفتح : ماء يخرج من الجرح بدون الدم ،

و في ( الجمهرة ) : قاح الجرح ، يقيح و يقوح ، و أقاح يقيح .

« و شحنتم » أي : ملأتم صدري .

« غيظا ، و جرّعتموني نغب » جمع النغبة بالضم ، أي : جرع .

« التهام » أي : الهم ، قال ابن أبي الحديد ٢ التّهمام بفتح التاء ، و كذلك كلّ تفعال ، كالترداد و التكرار و التجوال ، إلاّ التّبيان و التّلقاء فإنّهما بالكسر .

قلت : أخذه من ( الصحاح ) في ( بين ) فقال : « تبيان مصدر و هو شاذ ، لإنّ المصادر إنّما تجي‏ء على تفعال » بفتح التاء ، مثل التّذكار و التّكرار و التوكاف و لم يجى‏ء بالكسر إلاّ التّبيان و التّلقاء و لكنّه كما ترى قال : كلّ مصدر على تفعال إنّما هو بالفتح سوى حرفين لا كلّ تفعال بالفتح كما قال و ان لم يكن مصدرا ، فعن أبي عمرو: « تفعال بالفتح مصدر ، و تفعال بالكسر اسم » و في

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٣٧٤ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٨٠ .

كلامه عليه السّلام ليس بمصدر بل اسما كالهم ، مع أنّ ( الجمهرة ) لم يذكر تفعال بالفتح بل بالكسر ، و عدّ في صيغه التّكلام و التّلقام و التّمساح و التّضراب و التّمراد و التّلفاق و التّجفاف و التّمثال و التّهواء و التّعشار و التّبراك و التّنبال و التّلعاب و التّقصار و التّعمار ، كما عدّ التّبيان و التّلقاء .

« أنفاسا » أي : نفسا نفسا .

« أفسدتم علي رأيي بالعصيان و الخذلان حتى قالت قريش : إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب » في ( المروج ) ١ : بلغ عليّا عليه السّلام عن اناس من قريش ممّن قعد عن بيعته و نافق في خلافته كلام كثير ، فقال عليه السّلام : « و قد زعمت قريش أنّ ابن أبي طالب شجاع و لكن لا علم له بالحروب . تربت أيديهم و هل فيهم أشدّ مراسا لها منّي ؟ لقد نهضت فيها و ما بلغت الثلاثين ، و ها أناذا قد أربيت على نيف و ستين » .

« للّه أبوه و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا » أي : ممارسة .

« و أقدم فيها مقاما مني » و كيف لا علم له عليه السّلام بالحرب و قد بيّن عليه السّلام آداب الحرب للناس ؟

« لقد نهضت » أي : قمت .

« فيها و ما بلغت العشرين » قد عرفت أنّ الكليني و الصدوق و المفيد و الجاحظ أيضا رووه كذلك ، و لكن المسعودي رواه : « و ما بلغت الثلاثين » و الظّاهر صحّته ، فأوّل حروبه عليه السّلام الرّسمية حرب بدر ، و كانت في السّنة الثانية من الهجرة و كان عليه السّلام وقت البعثة ابن عشر على الأصح ، و كان مقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمكة قبل الهجرة ثلاث عشرة سنة .

« و ها أنا اليوم قد ذرّفت » بالتشديد ، أي : زدت .

ــــــــــــ

 ( ١ ) مروج الذهب ٢ : ٤١٤ .

« على الستين » و قد عرفت أنّ الدينوري رواه : « جنفت الستين » ،

و المسعودي : « قد أربيت على نيف و ستين » .

« و لكن » هكذا في ( المصرية ) و نسخة ابن ميثم ١ ، و لكن في ابن أبي الحديد ٢ و الخطية ) : « و لكنه » .

« لا رأي لمن لا يطاع » لإنّه يذهب رأيه هدرا .

قول المصنف في العنوان الثاني « و قال عليه السّلام لمّا بلغه إغارة أصحاب معاوية » بقيادة سفيان بن عوف الغامدي .

« على الأنبار فخرج بنفسه ماشيا » لمّا ندبهم إلى الخروج إليه و دفعه و لم يجيبوه.

« حتى أتى النّخيلة » و نزلها عليه السّلام في طريقه إلى صفّين أيضا ، و دلّهم على قبر يهودا و قبر هود كما رواه نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ٣ .

« فأدركه الناس و قالوا : يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم . فقال عليه السّلام : ما تكفونني » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( و اللّه ما تكفونني ) كما في ( ابن أبي الحديد ٤ و ابن ميثم ٥ و الخطية ) .

« أنفسكم فكيف تكفونني غيركم ؟ » قالوا : إنّ قوما اغير عليهم فاستصرخوا بني عمّهم ، فأبطأوا عنهم حتى اسروا و ذهب بهم ثم جاؤوا يسألون عنهم ،

فقيل لهم : « أ سائر اليوم و قد زال الظهر » فصار مثلا ، أي : أتطمع و قد بان اليأس ؟

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٣٠ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٧٥ .

( ٣ ) صفين لنصر بن مزاحم : ١٢٦ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٨٨ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٣١ .

« إن » مخففة من المثقلة .

« كانت الرّعايا قبلي لتشكو حيف » أي : ظلم .

« رعاتها » جمع الراعي .

« و إنّني اليوم لأشكو حيف رعيّتي كأنني المقود و هم القادة أو الموزوع » أي :

المكفوف .

« و هم الوزعة » أي : الكافة ، قال الحسن البصري : لا بد للناس من وزاع . أي :

سلطان يكفهم .

« فلمّا قال عليه السّلام هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب » في ( ٢٦ ) منها .

« تقدم إليه رجلان من أصحابه » قد عرفت من رواية المبرد و الجاحظ أنّ الرجلين كانا اخوين ، و في ( الكامل ) للمبرد : الرجل و أخوه يعرفان بابني عفيف من الأنصار ، و في ( بيان الجاحظ ) : « فلان بن عفيف ، ثم اخذ بيد أخ له » :

و من رواية الثقفي أنّهما كانا عمّا و ابن أخ ، اسم الأوّل حبيب بن عفيف ، و الثاني عبد الرحمن بن عبد اللّه .

« فقال أحدهما : اني ( لا أملك إلاّ نفسي و أخي ) فمرنا بأمرك ننقد » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( ننفذ ) . كما في غيرها : « له » . و قالا : لنضربنّ دونك و إن حال جمر الغضا و شوك القتاد .

« فقال عليه السّلام : و أين تقعان ممّا اريد ؟ » بعد أن أثنى عليهما و دعا لهما .

٤

الخطبة ( ٣٤ ) و من خطبة له عليه السّلام في استنفار الناس إلى أهل الشّام :

أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ اَلدُّنْيا مِنَ اَلْآخِرَةِ ١٧ ٢٢ ٩ : ٣٨ ١

ــــــــــــ

( ١ ) التوبة : ٣٨ .

عِوَضاً وَ بِالذُّلِّ مِنَ اَلْعِزِّ خَلَفاً إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ وَ مِنَ اَلذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اَللَّيَالِي وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ وَ لاَ زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ اِنْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ لَبِئْسَ لَعَمْرُ اَللَّهِ سُعْرُ نَارِ اَلْحَرْبِ أَنْتُمْ تُكَادُونَ وَ لاَ تَكِيدُونَ وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ غُلِبَ وَ اَللَّهِ اَلْمُتَخَاذِلُونَ وَ اَيْمُ اَللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ اِسْتَحَرَّ اَلْمَوْتُ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ ؟ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ ؟ اِنْفِرَاجَ اَلرَّأْسِ وَ اَللَّهِ إِنَّ اِمْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ وَ يَفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ اَلْهَامِ وَ تَطِيحُ اَلسَّوَاعِدُ وَ اَلْأَقْدَامُ وَ يَفْعَلُ اَللَّهُ ١٧ ١٩ ١٤ : ٢٧ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَشاءُ ٢٠ ٢١ ١٤ : ٢٧ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ وَ تَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ وَ تَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا وَ تَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا وَ أَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ وَ اَلنَّصِيحَةُ فِي اَلْمَشْهَدِ وَ اَلْمَغِيبِ وَ اَلْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ وَ اَلطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ أقول : قال ابن أبي الحديد ١ : خطب عليه السّلام بها بعد فراغه من الخوارج ، و قد كان قام بالنهروان و قال : إنّ اللّه قد أحسن نصركم ، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام . فقالوا : نفدت نبالنا و كلّت سيوفنا و انصلت أسنّة

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١١٩ .

رماحنا ، ارجع بنا إلى مصرنا نستعد بأحسن عدتنا ، و لعلّ يزيد في عددنا مثل من هلك منا ، فإنّه أقوى لنا على عدونا .

قلت : رواه الثقفي في ( غاراته ) ١ في عنوان : « قدوم عليّ عليه السّلام إلى الكوفة عن حرب الخوارج » مسندا عن أبي الوداك و زاد في آخره : « و كان الذي ولي كلام الناس الأشعث بن قيس » . و قال ابن أبي الحديد ٢ بعد ما مرّ : فكان جوابه عليه السّلام يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب لكم و لا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين ٣ فتلكأوا عليه و قالوا : إنّ البرد شديد . فقال : إنّهم يجدونه كما تجدون . فابوا ، فقال : افّ لكم إنّها سنّة جرت . ثم تلا : قالوا يا موسى إنّ فيها قوما جبارين و إنّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون ٤ . فقام منهم جمع فقالوا : الجراح فاش في الناس و كان الخوارج قد أكثروا الجراح في أصحابه عليه السّلام فارجع بنا إلى الكوفة فأقم أيّاما ثم أخرج بنا . فرجع عليه السّلام إلى الكوفة من غير رضا .

قلت : و رواه ( غارات الثقفي ) ٥ عن معلى بن السكن في خبرين و زاد الرواية عن طارق بن شهاب : أنّه عليه السّلام لمّا رجع إلى الكوفة و أقام أيّاما و تفرّق عنه ناس كثير ، فمنهم من أقام يرى رأي الخوارج ، و منهم من أقام شاكا في أمره . و روى عن أبي الوداك : أنّه عليه السّلام لمّا نزل النّخيلة أخذ النّاس يتسللون ، فلا من دخل الكوفة خرج إليه ، و لا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة .

قال : و روى نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن أبي

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٣ ٢٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٩٣ .

( ٣ ) المائدة : ٢١ .

( ٤ ) المائدة : ٢٢ .

( ٥ ) الغارات للثقفي ١ : ٣٠ ٣١ .

وداك قال : لمّا كره القوم المسير إلى الشّام بعد النهروان أقبل عليه السّلام بهم فأنزلهم النّخيلة و أمر الناس أن يلزموا معسكرهم ، و يوطّنوا على الجهاد أنفسهم ، و أن يقلّوا زيارة نسائهم و أبنائهم حتى يسير بهم إلى عدوهم و كان ذلك هو الرأي لو فعلوه و أقبلوا يتسللون و يدخلون الكوفة فتركوه عليه السّلام و ما معه من الناس إلاّ رجالا من وجوههم قليل ، و بقي المعسكر خاليا فلا من دخل الكوفة خرج إليه و لا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس و هي أوّل خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج فقال : أيّها النّاس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى اللّه عزّ و جلّ و درك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه ، موزعين بالجور و الظلم لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، و يتسكّعون في غمرة الضلال ، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ١ و توكلوا على اللّه و كفى باللّه وكيلا ٢ . فلم ينفروا فتركهم أيّاما ثم خطبهم فقال : « اف لكم لقد سئمت عتابكم أ رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ٣ عوضا » إلى آخر الفصل ، و زاد : أنتم اسود الشرى في الدّعة ، و ثعالب رواغة حين البأس . إنّ أخا الحرب اليقظان ، ألا إنّ المغلوب مقهور و مسلوب .

قال : و روى الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال :

سمعت عليّا عليه السّلام على منبر الكوفة و هو يقول : يا أبناء المهاجرين ، انفروا إلى أئمة الكفر و بقية الأحزاب و أولياء الشيطان ، انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا، فو اللّه الذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم

ــــــــــــ

( ١ ) الأنفال : ٦٠ .

( ٢ ) النساء : ٨١ .

( ٣ ) التوبة : ٣٨ .

القيامة و لا ينقص من أوزارهم شيئا .

و أوّله على أنّ المراد بمن يقاتل على دم حمال الخطايا : أهل الشام الذين يقاتلون على دم معاوية ، لا معاوية الذي يقاتل على دم عثمان .

قلت : و هو كما ترى ، ثم ما يفعل بقول عمّار يوم صفّين : اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان و يزعمون أنّه قتل مظلوما ، و اللّه ان كان إلاّ ظالما لنفسه حاكما بغير ما أنزل اللّه . . . فإنّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور ١ .

و رواه الثقفي في ( غاراته ) ٢ عن بكر بن عيسى عن الأعمش . . . مثله .

و كيف كان ، فروى الثقفي ٣ في ( غاراته ) كما في المجلس الثامن عشر من ( أمالي المفيد ) ٤ عن محمّد بن إسماعيل عن زيد بن المعدّل عن يحيى بن صالح عن الحرث بن حضيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد اللّه الأزدي قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول لأصحابه و قد استنفرهم أيّاما إلى الجهاد فلم ينفروا أيّها الناس ، إنّي قد استنفرتكم فلم تنفروا ، و نصحت لكم فلم تقبلوا ، أنتم شهود كاغياب ، و صم ذوو أسماع ، أتلو عليكم الحكمة و أعظكم بالموعظة الحسنة و أحثّكم على جهاد عدوّكم الباغين ، فما آتي على آخر منطقي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ ، فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين ، تضربون الأمثال و تتناشدون الأشعار و تسألون عن الأخبار ، و قد نسيتم الاستعداد للحرب و شغلتم قلوبكم بالأباطيل ، تربت أيديكم اغزوا القوم قبل أن يغزوكم ، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلاّ ذلوا ، و ايم اللّه ما

ــــــــــــ

( ١ ) الحج : ٤٦ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ١ : ٤٠ .

( ٣ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٩٣ ٤٩٤ .

( ٤ ) الأمالي للمفيد : ١٤٥ ١٤٦ ، المجلس ١٨ .

أراكم تفعلون حتى يفعلوا ، و لوددت أنّي لقيتهم على نيّتي و بصيرتي فاسترحت من مقاساتكم ، فما أنتم إلاّ كأبل جمّة ضلّ راعيها ، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب آخر ، و اللّه لكأنّي بكم لو حمى الوغى و حم البأس قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب ( انفراج الرأس و ظ ) انفراج المرأة عن قبلها .

فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال له : فهلاّ فعلت كما فعل ابن عفان ؟ فقال عليه السّلام له : يا عرف النار ويلك إنّ فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه ، فكيف و أنا على بيّنة من ربي و الحق في يدي ؟ و اللّه إنّ امرأ يمكّن عدوّه من نفسه يجدع لحمه و يهشم عظمه و يفري جلده و يسفك دمه ، لضعيف ما ضمّت عليه جوارح صدره . أنت فكن كذلك إن أحببت ، أمّا أنا فدون أن اعطي ذلك ضربا بالمشرفي ، و تطيح منه الأكفّ و المعاصم ، و يفعل اللّه بعد ما يشاء .

فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال : أيّها الناس ،

إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قد أسمع من كانت له اذن واعية و قلب حفيظ ، إنّ اللّه قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حقّ قبولها : إنّه نزّل بين أظهركم ابن عمّ نبيّكم و سيّد المسلمين من بعده ، يفقّهكم في الدين و يدعوكم إلى جهاد الملحدين ،

فكأنّكم صمّ لا تسمعون ، أو على قلوبكم غلف مطبوع عليها فأنتم لا تعقلون ،

أفلا تستحيون ؟ عباد اللّه ، أليس إنّما عهدكم بالجور و العدوان أمس قد شمل البلاء و شاع في البلاد ، فذو حق محروم و ملطوم وجهه ، و موطوء بطنه و ملقى بالعراء يسفى عليه الأعاصير ، لا يكنه من الحرّ و القرّ و صهر الشمس و الضح إلاّ الأثواب الهامدة و بيوت الشعر البالية ، حتّى جاءكم اللّه بأمير المؤمنين عليه السّلام فصدع بالحقّ و نشر العدل و عمل بما في الكتاب ، يا قوم فاشكروا نعمة اللّه عليكم و لا تولوا مدبرين و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا

يسمعون ١ اشحذوا السيوف و استعدوا لجهاد عدوّكم ، و إذا دعيتم فأجيبوا و إذا أمرتم فاسمعوا و اطيعوا . . . .

و في ( الطبري ) ٢ : قال أبو مخنف عمّن ذكره عن زيد بن وهب : إنّ عليّا عليه السّلام قال للناس و هو أوّل كلام قاله لهم بعد النهر :

أيّها الناس ، استعدوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القربة إلى اللّه و درك الوسيلة عنده ، حيارى في الحق ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان و يتسكعون في غمرة الضلال ، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل ٣ و توكلوا على اللّه و كفى باللّه وليّا و كفى باللّه نصيرا ٤ . فلا هم نفروا و لا تيسروا ، فتركهم أيّاما حتى إذا أيس من أن يفعلوا ، دعا رؤساءهم فسألهم عن رأيهم و ما الذي ينظرهم ، فمنهم المعتل و منهم المكره و أقلّهم من نشط ، فقام فيهم خطيبا فقال : عباد اللّه ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ٥ ،

و بالذلّ و الهوان من العزّ ؟ أو كلّما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنّكم من الموت في سكرة ، و كأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ، و كأنّ أبصاركم أكمه فأنتم لا تبصرون ؟ للّه أنتم ما أنتم إلاّ اسود الشرى في الدّعة و ثعالب روّاغة حين تدعون إلى الناس ، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، ما أنتم بركب يصال بكم و لا ذي عز يعتصم اليه ، لعمر اللّه لبئس حشاش الحرب أنتم إنّكم تكادون و لا تكيدون ، ينتقض أطرافكم و لا تتحاشون ، و لا ينام عنكم و أنتم في

ــــــــــــ

( ١ ) الأنفال : ٢١ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ٩٠ .

( ٣ ) الأنفال : ٦٠ .

( ٤ ) النساء : ٤٥ .

( ٥ ) التوبة : ٣٨ .

غفلة ساهون . إنّ أخا الحرب اليقظان ذو عقل ، و ثاب لذلّ من وادع ، و غلب المتجادلون ، و المغلوب مقهور و مسلوب .

ثمّ قال عليه السّلام : أما بعد ، فإنّ لي عليكم حقّا و إنّ لكم عليّ حقّا ، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم ، و توفير فيئكم ، و تعليمكم كيما لا تجهلون ،

و تأديبكم كي تعلموا ، و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة ، و النصح لي في الغيب و المشهد ، و الإجابة حين أدعوكم . و الطاعة حين آمركم ، فإن يرد اللّه بكم خيرا و ترتدعوا عمّا أكره و تراجعوا إلى ما احبّ ، تنالوا ما تطلبون و تدركوا ما تأملون.

و رواه مثله ( غارات الثقفي ) ١ باسناده عن زيد بن وهب .

و رواه ابن قتيبة ٢ مع زيادات : إلى أن قال ويحكم ما أنتم إلاّ كإبل جامحة ضلّ عنها رعاؤها ، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب ، و اللّه لكأنّي أنظر إليكم و قد حمى الوطيس لقد انفرجتم عليّ انفراج الرأس ،

و انفراج المرأة عن قبلها . فقام إليه الأشعث فقال : فهلاّ فعلت كما فعل عثمان؟

فقال عليه السّلام له : ويلك : و كما فعل عثمان رأيتني فعلت ؟ عائذا باللّه من شر ما تقول ،

و اللّه إنّ الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه ، فكيف و أنا على بيّنة من ربي و الحق معي ؟ و اللّه إنّ امرأ مكّن عدوّه من نفسه فنهش عظمه و سفك دمه ، لعظيم عجزه و ضعيف قلبه . أنت يا بن قيس فكن ذلك ، فأمّا أنا فو اللّه دون أن اعطي ذلك ضربا بالمشرفي يطير له فراش الرأس ، و تطيح منه الأكفّ و المعاصم و تجذبه الغلاصم ، و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء .

« افّ لكم » في ( الجمهرة ) : يقال : أتانا على افّ ذلك . أي : أبانه . و افّ لك : إذا

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ١ : ٣٣ ٣٨ .

( ٢ ) خلطاء ابن قتيبة : ١٥٠ ١٥١ .

تضجّرت منه ، و قال أبو زيد في قولهم : اف و تف : ( اف ) الأظفار ، و ( تف ) و سخها . و في ( الصحاح ) : افا له . أي : قذرا ، و التنوين للتنكير .

« لقد سئمت » أي : مللت .

« عتابكم » أي : لومكم ، و إنّما سئم عليه السّلام من عتابهم لأنّه كان يعاتبهم مرة بعد مرة على الشخوص إلى العدوّ بعد الفراغ من الخوارج ، و في النخيلة و في الكوفة فيتقاعدون .

« أ رضيتم بالحياوة الدّنيا من الآخرة عوضا » قال تعالى : يا أيّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدّنيا في الآخرة إلاّ قليل ١ .

« و بالذل من العز خلفا » و كان أهل العراق أعزاء قبل رجوعهم من صفّين ،

و صاروا أذلاّء بعده بتركهم القتال مع أهل الشام .

« إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنّكم من الموت في غمرة » الأصل فيه قوله تعالى : . . . فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت . . . ٢ .

« و من الذهول » أي : الغفلة .

« في سكرة » فلا تعقلون ما يقال لكم .

« يرتج » من : ارتجت الباب : إذا أغلقته .

« عليكم حواري » بالكسر من المحاورة ، أي : خطابي .

« فتعمهون » أي : تتحيّرون .

ــــــــــــ

( ١ ) التوبة : ٣٨ .

( ٢ ) الأحزاب : ١٩ .

« فكأنّ » و في ( ابن ميثم ) ١ : « و كأن » .

« قلوبكم مألوسة » في ( الجمهرة ) : الألس و الآلاس : ذهاب العقل ، رجل مألوس : إذا كان كذلك .

« فأنتم لا تعقلون » فمن اخذ قلبه و ذهب عقله ، كيف يعقل ؟

« ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي » كناية عن الأبد ، قال الشاعر :

هنالك لا أرجو حياة تسرني

سجيس الليالي مبسلا بالجرائر

و مثله سجيس الدهر ، قال :

و لو لا ظلمه مازلت أبكي

سجيس الدّهر ما طلع النجوم

قال ابن دريد يقال : لا آتيك سجيس الليالي ، كما يقال : طوال الليالي ،

و طوال الدهر .

« و ما أنتم بركن يمال بكم » قالوا في قوله تعالى : . . . أو آوي إلى ركن شديد ٢ أي عزّ و منعة . و ركن الشي‏ء جانبه الأقوى .

« و لا زوافر » أي : أسباب .

« عزّ يفتقر إليكم » لمّا كان الحجاج يقاتل شبيب الخارجي ، و أمدّه عبد الملك بسفيان بن الأبرد الكلبي قام الحجاج على المنبر و قال ، يا أهل الكوفة ، لا أعزّ اللّه من أراد بكم العزّ ، و لا نصر من أراد بكم النّصر ، أخرجوا عنّا و لا تشهدوا معنا قتال عدوّنا ، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود و النصارى .

و قال أعشى همدان في انهزام أهل العراق مع ابن الأشعث :

و ينزل ذلاّ بالعراق و أهله كما

نقضوا العهد الوثيق المؤكّدا

فكيف رأيت اللّه فرّق جمعهم

و مزّقهم عرض البلاد و شرّدا

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٧٦ .

( ٢ ) هود : ٨٠ .

بما نكثوا من بيعة بعد بيعة

إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا

و ما أحدثوا من بدعة و عظيمة

من القول لم تصعد إلى اللّه مصعدا

« ما أنتم إلاّ كابل ضلّ رعاتها » الرعاة : جمع الراعي .

« فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر » و قد عرفت أنّ في رواية الثقفي:

« فما أنتم إلاّ كإبل جمّة ضل راعيها . . . » و في رواية القتيبي : « ما أنتم إلاّ كأبل جامحة ضلّ عنها رعاؤها ، فكلّما ضمت من جانب انتشرت من جانب » .

« لبئس لعمر اللّه سعّر » بالضم و التشديد ، جمع ساعر من : سعرت النار :

إذا أوقدتها ، قرى‏ء و إذا الجحيم سعّرت ١ بالتشديد و التخفيف .

و سمّي شاعر أسعر بقوله :

فلا يدعني الأقوام من آل مالك

إذا أنا لم أسعر عليهم و اثقب

« نار الحرب أنتم تكادون و لا تكيدون و تنقص » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و تنتقص ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« أطرافكم فلا تمتعضون » أي : لا يشق عليكم فتغضبون .

« لا ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون » أي : مساهلون .

« غلب » بالضم ، أي : يصير مغلوبا .

« و اللّه المتخاذلون . و ايم اللّه » بمعنى يمين اللّه .

« إنّي لأظنّ أن لو حمس » أي : اشتدّ .

« الوغى » أي : الحرب .

« و استحر » مثل حر ، بمعنى اشتد .

ــــــــــــ

( ١ ) التكوير : ١٢ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٨٩ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٧٦ .

« الموت » و المراد القتل .

« قد انفرجتم » أي : انفصلتم .

« عن ابن أبي طالب انفراج الرأس » قال الشاعر :

تفرّقت القبائل عن رباح

تفرّق بيضة عن ذي جناح

قال ابن أبي الحديد ١ : معنى انفراج الرأس : أي كما ينفلق الرأس ، فيذهب نصفه يمنة و نصفه شامة . و قال الرّاوندي : معناه انفراج من أدنى رأسه إلى غيره ثم حرف رأسه عنه . و قال ابن ميثم : انفراج الرّأس مثل ، قيل : أوّل من تكلّم به أكثم بن صيفي في وصيته لبنيه : لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرّأس ،

فإنّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عزّ . قال ابن دريد : معناه أنّ الرّأس إذا انفرج عن البدن لا يعود إليه . و قال المفضّل : الرّأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها : بيت الرّأس يباع فيه الخمر . قال حسّان :

كأن سبيئة من بيت رأس

يكون مزاجها عسل و ماء

و هذا الرّجل قد انفرج عن قومه و لم يعد ، فضرب به المثل . و قيل : معناه أنّ الرّأس إذا انفرج بعض عظامه كان بعيد الالتيام . و قيل : معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع ، كما في قوله عليه السّلام في موضع آخر : « انفراج المرأة عن قبلها » .

قلت : الأصح قول ابن دريد ، و أمّا ما عن المفضّل فيختلف تعريفا و تنكيرا ، و أمّا الأخير فيردّه أنّ الثقفي و القتيبي جمعا بينهما في روايتيهما .

« و اللّه إنّ امرأ يمكّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه » أي : يأكل جميع لحمه من عظمه . و سمّي شاعر طائي عارقا بقوله :

إن لم يغير بعض ما قد صنعتم

لأنتحين للعظم ذو انا عارقه

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١٩١ .

« و يهشم عظمه » أي : يدقه ، من : هشم الثريد ، و منه سمّي هاشم ، و اسمه عمرو ، قال الشاعر :

عمرو الذي هشم الثريد لقومه

و رجال مكة مسنتون قحاف

« و يفري جلده » من : أفريت الأديم : قطعته على جهة الإفساد ، و أمّا فريته فقطعة على الإصلاح .

« لعظيم عجزه ضعيف ما ضمت عليه جوانح » جمع جانحة : الاضلاع المحيطة بالصدر .

« صدره » أي : ضعيف قلبه ، في ( عيون القتيبي ) ١ : قال الحرسي : استثرنا من مزرعة في بلاد الشام رجلين يذريان حنطة ، أحدهما أصيفر أحيمس و الآخر مثل الجمل عظما ، فقاتلنا الأصيفر بالمذري لا تدنو منه دابة إلاّ نخس أنفها و ضربها حتى شق علينا ، فقتل و لم نصل إلى الآخر حتى مات فرقا ،

فأمرت بهما فوقرت بطونهما ، فإذا فؤاد الضّخم يابس مثل الحشفة ، و فؤاد الاصيفر مثل فؤاد الجمل يتخضخض في مثل كوز من ماء .

و اخرج شبيب الخارجي من الماء بعد غرقه فشقّ بطنه و اخرج فؤاده ،

فاذا هو مثل الكوز ، فجعلوا يضربون به الأرض فينزو .

« و أنت فكن ذاك إن شئت » قد عرفت من رواية الثقفي و رواية القتيبي أنّ المخاطب له عليه السّلام بهذا الكلام : الأشعث بن قيس لمّا قام إليه في خطبته تلك و قال له : هلاّ فعلت كما فعل عثمان ؟ فزجره عليه السّلام و قال له : إنّ الذي فعل لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه ، فكيف و أنا على بيّنة من ربّي و الحق معي ؟ و اللّه ان امرأ مكّن عدوّه . . . و في رواية الثاني : « أنت يابن قيس فكن ذلك » .

ــــــــــــ

( ١ ) العيون للقتيبي ١ : ١٧٢ .

قال أبو عبيدة : سألت بعض بني كليب : ما أشد ما هجيتم به ؟ قال قول البعيث :

ألست كليبيا إذا سيم خطة

أقرّ كإقرار الحليلة للبعل

و كلّ كليبيّ صحيفة وجهه

أذلّ لأقدام الرّجال من النعل

« فأما أنا فو اللّه دون أن اعطي ذلك ضرب بالمشرفيّة » أي : سيوف منسوبة مشارف قرية بها تعمل السيوف .

« تطير منه فراش » أي : عظام دقاق .

« الهام » أي : الرأس ، في ( القاموس ) : لقب ناجية الجرمي : معود الفتيان لأنّه ضرب مصدق نجدة الخارجي فخرق بناجية ، فضربه بالسيف و قتله و قال :

اعوّدها الفتيان بعدي ليفعلوا

كفعلي إذا ما جار في الحكم تابع

« و تطيح » أي : تهلك و تسقط .

« السواعد » سواعد اليد .

« و الأقدام » أخذ كلامه عليه السّلام ثابت قطنة فكتب إلى يزيد بن المهلب يحرّضه على القتال :

إنّ امرأ حدبت ربيعة حوله

و الحيّ من يمن و هاب كؤدا

لضعيف ما ضمنت جوانح صدره

إن لم يلف إلى الجنود جنودا

أيزيد كن في الحرب إذ هيجتها

كأبيك لا رعشا و لا رعديدا

شاورت أكرم من تناول ماجدا

فرأيت همّك في الهموم بعيدا

ما كان في أبويك قادح هجنة

فيكون زندك في الصلود زنودا

إنّا ضاربون في حمس الوغى

رأس المتوج إذ أراد صدودا

و ترى إذا كثر العجاج ترى لنا

في كلّ معركة فوارس صيدا

يا ليت اسرتك الذين تغيبوا

كانوا ليومك بالعراق شهودا

و ترى مواطنهم إذا اختلف القنا

و المشرفية يلتظين وقودا

فلمّا قر يزيد كتابه قال : إنّ ثابتا لغافل عمّا نحن فيه ، لاطيعنّه و سيرى ما يكون ١ .

في ( صفّين نصر ) ٢ : ذكر معاوية يوما صفّين بعد عام الجماعة إلى أن قال فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : أمّا و اللّه لقد رأيت يوما من الأيام و قد غشينا ثعبان مثل الطود الأرعن قد أثار قسطلا حال بيننا و بين الأفق ، و هو على أدهم سائل يضربهم بسيفه ضرب غرائب الإبل ، كاشرا عن أنيابه كشر الحذر الحرب . فقال معاوية : و اللّه إنّه كان يجالد و يقاتل عن ترة له و عليه ، أراه يعني عليّا .

و ممّن لم يمكن عدوّه من نفسه المختار ، ففي ( الطبري ) ٣ : أنّ المختار لمّا حوصر خرج في تسعة عشر رجلا فقال لهم : أ تؤمنوني و أخرج إليكم ؟

فقالوا : لا إلاّ على الحكم . فقال : لا احكّمكم في نفسي أبدا . فضارب بسيفه حتى قتل ، و قد كان قال لأصحابه حين أبوا أن يتابعوه على الخروج معه : إذا أنا خرجت إليهم فقتلت لم تزدادوا إلاّ ضعفا و ذلا فإن نزلتم على حكمهم و ثب أعداؤكم الذين قد وترتموهم ، فقال كلّ رجل منهم لبعضكم : هذا عنده ثأري .

فيقتل و بعضكم ينظر إلى مصارع بعض فتقولون : يا ليتنا أطعنا المختار و عملنا برأيه ، و لو أنّكم خرجتم كنتم إن أخطأتم الظفر متّم كراما ، و إن هرب منكم هارب فدخل في عشيرته يكن أذلّ من على ظهر الأرض فكان كما قال

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني ١٤ : ٢٧٧ ٢٧٨ .

( ٢ ) صفّين لنصر بن مزاحم : ٣٨٧ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٦ : ١٠٧ .

و لمّا كان الغد من قتل المختار قال بجير المسلي من أصحابه لباقيهم : يا قوم قد كان صاحبكم بالأمس أشار عليكم بالرأي فما أطعتموه ، يا قوم إنّكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم ، أخرجوا بأسيافكم حتى تموتوا كراما . فقالوا : لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا فعصيناه . فأمكنوا من أنفسهم و نزلوا إلى الحكم ، فبعث مصعب إليهم عباد الحبطي فكان هو يخرجهم مكتّفين إلى أن قال فقال بجير لمصعب : إنّ حاجتي إليك ألاّ اقتل مع هؤلاء ، إنّي أمرتهم أن يخرجوا مع أسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كراما فعصوني . فقدّم فقتل ، و قال مسافر بن سعيد بن نمران لمصعب لمّا أبى إلاّ قتلهم : قبّح اللّه قوما أمرتهم أن يخرجوا ليلا على حرس سكّة من هذه السكك ،

فنطردهم ثم نلحق بعشائرنا فعصوني حتى حملوني على أن أعطيت التي هي أنقص و أدنى ، و أبوا إلاّ أن يموتوا ميتة العبيد ، فأنا أسألك ألاّ تخلط دمي بدمائهم . فقدّم فقتل ناحية .

و فيه : لمّا حمل عبد الجبار الأزدي إلى المنصور بعد خروجه عليه قال له : قتلة كريمة قد تركتها وراءك يابن اللخناء .

و فيه ١ : إنّ معديكرب بن ذي يزن لمّا استجار بكسرى لينصره حتى يخرج الحبشة من بلاده ، أمر بمن كان في سجنه فاحصوا فبلغوا ثمانمائة ،

فقوّد عليهم قائدا من أساورته يقال له : و هرز ، كان كسرى يعدله بألف أسوار،

و أمر بحملهم في ثماني سفائن في كلّ سفينة مائة ، فغرقت سفينتان و سلمت ست فخرجوا ساحل حضر موت ، و سار إليهم مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة و حمير و الأعراب ، و نزل و هرز على سيف البحر و جعل البحر وراء ظهره ، فلمّا نظر مسروق الحبشي إلى قلّتهم طمع فيهم فأرسل إلى و هرز :

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري : ١٤٠ .

ما جاء بك و ليس معك إلاّ من أرى و معي من ترى ؟ لقد غررت بنفسك و أصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت ، و إن أحببت ناجزتك السّاعة ، و إن أحببت أجّلتك حتى تنظر أمرك . فرأى و هرز أنّه لا طاقة له بهم فقال : بل تضرب بيني و بينك أجلا إلى أن قال فلمّا انقضى الأجل إلاّ يوما أمر بالسّفن التي كانوا فيها فاحرقت بالنار ، و أمر بما كان معهم من فضل كسوة فاحرق ، و لم يدع منه إلاّ ما كان على أجسادهم ، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه . كلوا هذا الزاد . فأكلوا فلمّا انتهوا أمر بفضله فالقي في البحر ، ثم قام فيهم خطيبا فقال : أمّا أن أحرقتم سفنكم فأردت أنّه لا سبيل لكم إلى بلادكم أبدا ، و أمّا أن أحرقت من ثيابكم فإنّه كان يغيظني إن ظفروا بكم أن يصير ذلك إليهم ، و أمّا ما ألقيت من زادكم في البحر فإنّي كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا ، فإن كنتم تقاتلون معي و تصبرون أعلمتموني ذلك ، و إن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري ، فإنّي لم أكن امكّنهم من نفسي أبدا . فقالوا : بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا أو نظفر .

فلمّا كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبّأ أصحابه و جعل البحر خلفه ،

و أقبل عليهم يحضّهم على الصبر و يعلمهم أنّهم معه بين خلتين : إما ظفروا بعدوّهم و إمّا ماتوا كراما ، و أمرهم أن تكون قسيهم موترة و قال : إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان . و لم يكن أهل اليمن رأوا النشّاب قبل ذلك و أقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل ، و على رأسه تاج بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى أنّ دون الظفر شيئا ، و كان وهرز قد كلّ بصره ، فقال : أروني عظيمهم . فقالوا : هو صاحب الفيل . ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا ، فقالوا : قد ركب فرسا . فقال : ارفعوا لي حاجبي .

و كانا قد سقطا على عينيه من الكبر ، فرفعوهما بعصابة ثم أخرج نشابه

فوضعها في كبد قوسه و قال : أشيروا لي إلى مسروق . فأشاروا حتى أثبته ثم قال: ارموا فرموا . و نزع في قوسه حتى إذا ملأها سرّح النشابة فأقبلت كأنها رشا حتى صكت جبهته فسقط عن دابته ، و قتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثيرة ، و انقضّ صفهم لمّا رأوا صاحبهم صريعا فلم يكن دون الهزيمة شي‏ء ،

و غنم من عسكرهم ما لا يحصى ، و جعل الأسوار يأخذ من الحبشة و من حمير و الأعراب الخمسين و الستين فيسوقهم مكتّفين .

« و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء » :

سأغسل عنّي العار بالسّيف جالبا

عليّ قضاء اللّه ما كان جالبا

و أذهل عن داري و أجعل هدمها

لعرضي من باقي المذمة حاجبا

و يصغر في عيني تلادي إذا انثنت

يميني بإدراك الذي كنت طالبا

و لابن المفرغ :

لا ذعرت السوام في فلق الصبح

مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم اعطي من المهانة ضيما

و المنايا يرصدنني أن أحيدا

و للعدواني :

إنّي أبيّ أبيّ ذو محافظة

و ابن أبيّ أبيّ من أبيين

و أنتم معشر زيد ما على مائة

فأجمعوا كيدكم طرا فكيدوني

هذا و مدح جريد الحجاج بقصيدة إلى أن قال :

قل للجبان إذا تأخّر سرجه

هل أنت من شرك المنية ناج

فقال له الحجاج : يابن اللخناء جرّأت عليّ الناس . فقال : ما ألقيت لها بالا إلاّ وقتي هذا .

هذا ، و قد قيل في التشجيع نظما و نثرا عربيا و فارسيا و أكثروا ، و أحسن ما قيل في ذلك أبيات الفردوسي المعروف بالفارسية التي منها :

اگر جز بكام من آيد جواب

من و گرز و ميدان و افراسياب

و لمّا سمعه السلطان محمود الغزنوي قال : لمن هذا البيت الذي يقطر منه ماء الشجاعة ؟ إلاّ إنّه لعمري أين ذاك البيت من كلامه عليه السّلام : « و ان امرؤ يمكّن عدوّه إلى و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء » ؟

« أيّها النّاس ان لي عليكم حقّا و لكم عليّ حقّ ، فأما حقّكم عليّ فالنصيحة لكم ،

و توفير » أي : استيفاء .

« فيئكم » أي : غنائمكم .

« عليكم ، و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصيحة في المشهد و المغيب » و كان عليه السّلام يؤدّي حقّهم إليهم أكثر ممّا لهم ، و كانوا يقصّرون في أداء حقّه .

و في ( الطبري ) ١ : وجّه معاوية في سنة ( ٣٩ ) عبد اللّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة رجل إلى تيماء ، و أمره أن يتصدّق من مرّ به من أهل البوادي ، و أن يقتل من امتنع من الإعطاء ، ثم يأتي مكة و المدينة و الحجاز يفعل ذلك و اجتمع إليه بشر كثير من قومه ، فلمّا بلغ ذلك عليّا عليه السّلام وجّه المسيّب بن نجبة الفزاري فسار حتى لحقه بتيماء ، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس ،

و حمل المسيّب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات كلّ ذلك لا يلتمس قتله ،

و يقول له : النجاء النجاء . فدخل ابن مسعدة و عامّة من معه الحصن و هرب الباقون نحو الشام ، و انتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة ،

و حصره المسيب ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب و ألقى النيران فيه حتى احترق فلمّا أحسّوا بالهلاك اشرفوا على المسيب فقالوا : يا مسيب قومك قومك . فكره هلاكهم فأمر بالنار فاطفئت ، و قال لأصحابه : قد جاءتني عيون فأخبروني أنّ جندا قد أقبل إليكم من الشام ، فانضموا في مكان واحد : فخرج

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٤ .

ابن مسعدة في أصحابه ليلا حتى لحقوا بالشام ، فقال له عبد الرحمن بن شبيب : سر بنا في طلبهم فأبى المسيب ، فقال له : غششت أمير المؤمنين و داهنت .

٥

الخطبة ( ٢٩ ) و من خطبة له عليه السّلام :

أَيُّهَا اَلنَّاسُ اَلْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ كَلاَمُكُمْ يُوهِي اَلصُّمَّ اَلصِّلاَبَ وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ اَلْأَعْدَاءَ تَقُولُونَ فِي اَلْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ فَإِذَا جَاءَ اَلْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ وَ لاَ اِسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ دِفَاعَ ذِي اَلدَّيْنِ اَلْمَطُولِ لاَ يَمْنَعُ اَلضَّيْمَ اَلذَّلِيلُ وَ لاَ يُدْرَكُ اَلْحَقُّ إِلاَّ بِالْجِدِّ أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ وَ مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ اَلْمَغْرُورُ وَ اَللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ وَ اَللَّهِ بِالسَّهْمِ اَلْأَخْيَبِ وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ أَصْبَحْتُ وَ اَللَّهِ لاَ أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ وَ لاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ وَ لاَ أُوعِدُ اَلْعَدُوَّ بِكُمْ مَا بَالُكُمْ مَا دَوَاؤُكُمْ مَا طِبُّكُمْ اَلْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ أَ قَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ غَفْلةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ قال ابن أبي الحديد ١ : روى محمد بن يعقوب الكليني : أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام استصرخ الناس عقيب غارة الضحّاك على أطراف أعماله ،

فتقاعدوا عنه فخطبهم فقال : « ما عزت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم . . . » .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١١٧ .

قلت : و في ( بيان الجاحظ ) ١ بعد ذكر خطبته عليه السّلام في غارة سفيان الغامدي على الأنبار : و له عليه السّلام خطبة اخرى بهذا الاسناد شبية بهذا المعنى ،

قام فيهم خطيبا فقال : « أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ،

كلامكم يوهي الصمّ الصلاب ، و فعلكم يطمع فيكم عدوكم ، تقولون في المجالس : كيت و كيت فاذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد . ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل بأضاليل ، و سألتموني التأخير ،

دفاع ذي الدين المطول ، هيهات لا يمنع الضيم الذليل ، و لا يدرك الحق إلاّ بالجد .

أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ أم مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور من غررتموه ، و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت و اللّه لا اصدق قولكم ،

و لا أطمع في نصرتكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم و أعقبني بكم من هو خير لي منكم ، و لوددت أنّ لي بكلّ عشرة منكم رجلا من بني فراس من غنم ، صرف الدينار بالدرهم » .

و رواه ابن عبد ربه في ( عقده ) مثل ( بيان الجاظ ) إلاّ أنّ فيه : « أعاليل بأباطيل » و فيه : « دفاع ذي الدين الممطول لا يدفع الضيم » .

و في ( مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي ) : و من ذمّه عليه السّلام في أهل الكوفة : « أيّها الفئة المجتمعة أبدانهم ، المتفرّقة أديانهم ، إنّه و اللّه ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ، كلامكم يوهن الصمّ الصلاب ،

و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم المرتاب ، إذا دعوتكم إلى أمر فيه صلاحكم و الذبّ عن حريمكم اعتراكم الفشل و جئتم بالعلل ، ثم قلتم : كيت و كيت ، و ذيت و ذيت .

أعاليل و أضاليل في أقوال الأباطيل ، ثم سألتموني دفاع ذي الدين المطول ،

هيهات هيهات ، إنّه لا يدفع الضيم الذلّ ، و لا يدرك الحقّ إلاّ الجدّ ، فخبروني يا

ــــــــــــ

( ١ ) بيان الجاحظ ٢ : ٥٤ .

أهل العراق مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ أم أيّة دار تمنعون ؟ الذليل و اللّه من نصرتموه ، و المغرور من غررتموه . أصبحت لا أطمع في نصركم و لا أصدق قولكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم ، و أبدلكم بي غيري ، و أبدلني بكم من هو خير لي منكم ، أما ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، و سيوفا قاطعة ، و اثرة قبيحة يتّخذها الظالمون عليكم سنّة ، فتبكي عيونكم و يدخل الفقر بيوتكم و قلوبكم ، و تمنون في بعض حالاتهم أنّكم رأيتموني فنصرتموني و أرقتم دماءكم دوني ، و لا يبعد اللّه إلاّ من ظلم ، يا أهل الكوفة أعظكم فلا تتعظون ، و اوقظكم فلا تستيقظون إنّ من فاز بكم فقد فاز بالخيبة ، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناضل » .

و رواه ابن قتيبة في ( خلفائه ) ١ جزء الخطبة السابقة في النّخيلة بعد الفراغ من الخوارج و أمرهم بالخروج إلى معاوية ، فقال : قال عليه السّلام : « استعدوا للمسير إلى عدوّ جهاده القربة إلى أن قال أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم ،

المختلفة أهواؤهم ، ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ،

كلامكم يوهي الصمّ ، و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم ، إذا أمرتكم بالمسير قلتم :

كيت و كيت ، أعاليل بأضاليل ، هيهات لا يدرك الحق إلاّ بالجد و الصبر ، أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غررتموه و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، و لا اصدّق قولكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم ، و أعقبني بكم من خير لي ، و أعقبكم بعدي من شرّ لكم مني ، أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، و سيفا قاتلا واثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنّة ، تفرّق جماعتكم و تبكي عيونكم و تدخل الفقر بيوتكم . . . » .

ــــــــــــ

( ١ ) الخلفاء لابن قتيبة : ١٥٠ .

و نقله ( أنساب البلاذري ) و رواه باسناده عن أبي مخنف عن الحرث بن حصيرة عن أبي صادق عن جندب الأزدي : أنّ عليّا عليه السّلام خطبهم حين استنفرهم إلى الشّام بعد النهروان فلم ينفروا ، فقال : « أيّها الناس المجتمعة أبدانهم . . . » .

و رواه ( الاحتجاج ) ١ جزء خطبته عليه السّلام في لومهم في تثاقلهم عن قتال معاوية ففيه : « أما و اللّه أيّها الشاهدة أبدانهم ، و الغائبة عنهم عقولهم ،

و المختلفة أهواؤهم ، ما أعزّ اللّه نصر من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ،

و لا قرّت عين من آواكم ، كلامكم يوهن الصمّ الصلاب ، و فعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب ، و يحكم أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غررتموه ، و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ،

أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، و لا اصدق قولكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم . . . ».

و رواه المفيد في ( إرشاده ) ٢ فقال : و من كلامه عليه السّلام في استبطاء من قعد عن نصرته : « أيّها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصمّ الصلاب ، و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم المرتاب ، تقولون في المجالس : كيت و كيت ، فاذا جاء القتال ، قلتم : حيدي حياد . ما عزّت دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل أضاليل ، سألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول ، لا يمنع الضيم الذليل ، و لا يدرك الحق إلاّ بالجدّ . أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ أم مع أيّ إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور و اللّه من غررتموه ،

و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت و اللّه لا اصدّق قولكم ، و لا أطمع في نصرتكم ، فرّق اللّه بيني و بينكم ، و أبدلني بكم من هو خير لي منكم ، و اللّه

ــــــــــــ

( ١ ) الاحتجاج : ١٧٤ .

( ٢ ) الإرشاد للمفيد : ١٤٦ .

لوددت أن لي بكلّ عشرة منكم رجلا من بني فراس ابن غنم ، صرف الدينار بالدرهم » .

هذا ، و قال ابن أبي الحديد ١ : خطب عليه السّلام بهذه الخطبة في غارة الضحاك بن قيس . روى غارات الثقفي ٢ : أنّ غارة الضحاك كانت بعد الحكمين و قبل النهر ، و ذلك أنّ معاوية لمّا بلغه أنّ عليّا عليه السّلام بعد واقعة الحكمين تحمّل إليه مقبلا هاله ذلك ، فخرج من دمشق معسكرا و بعث إلى كور الشام فصاح فيها :

إنّ عليّا قد سار إليكم ، و كتب إليهم نسخة واحدة فقرئت على الناس : أمّا بعد ،

فإنّا كتبنا كتابا بيننا و بين عليّ و شرطنا فيه شروطا ، و حكّمنا رجلين يحكمان عليّ و عليه بحكم الكتاب لا يعدوانه ، و جعلنا عهد اللّه و ميثاقه على من نكث العهد و لم يمض الحكم ، و إنّ حكمي الذي كنت حكّمته أثبتني ، و إنّ حكمه خلعه و قد أقبل إليكم ظالما ، تجهّزوا للحرب و أقبلوا خفافا و ثقالا . و اجتمع إليه الناس من كلّ كور و أرادوا المسير إلى صفّين ، فاستشارهم و قال : إنّ عليّا قد خرج من الكوفة و عهد العاهد به أنّه فارق النخيلة . فقال حبيب بن مسلمة : فإنّي أرى أن تخرج حتى تنزل منزلنا الذي كنّا فيه فانّه منزل مبارك . و قال عمرو بن العاص : إنّي أرى لك أن تسير بالجنود حتى توغلها في سلطانهم من أرض الجزيرة ، فإنّ ذلك أقوى لجندك و أذلّ لأهل حربك . فقال معاوية : ان جهد الناس أن يبلغوا منزلهم الذي كانوا به يعني صفّين فمكثوا يومين أو ثلاثة يجيلون الرأي حتى قدمت عليهم عيونهم و أخبروهم : أنّ عليّا عليه السّلام اختلف عليه أصحابه ، ففارقته فرقة أنكرت أمر الحكومة ، و أنّه قد رجع عنكم إليهم . فكبّر الناس سرورا لانصرافه عنهم و ما ألقى من الخلاف بينهم ، فلم يزل معاوية

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ١١٣ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤١٦ .

معسكرا في مكانه منتظرا لمّا يكون من عليّ عليه السّلام و هل يقبل بالناس أم لا؟ فما برح حتى جاء الخبر : أنّ عليّا قد قتل اولئك الخوارج و أنّه أراد بعد قتلهم أن يقبل بالناس ، و أنّهم استنظروه و دافعوه فسرّ بذلك ، فدعا الضخّاك بن قيس الفهري و قال له : سر حتى تمرّ بناحية الكوفة و ترفع عنها ما استطعت ، فمن وجدت من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه ، و إن وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها ، و إذا أصبحت في بلدة فأمس في اخرى ، و لا تقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سرّحت إليك لتلقاها فتقاتلها . فسرّحه في ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة ،

فأقبل الضحّاك فنهب الأموال و قتل من لقي من الأعراب ، حتى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم ، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس الذهلي ابن أخي ابن مسعود ، فقتله عند القطقطانة و قتل معه ناسا من أصحابه ، فروى إبراهيم بن المبارك البجلي عن أبيه عن بكر بن عيسى عن ابن روق عن أبيه :

سمع عليّا عليه السّلام و قد خرج إلى النّاس على المنبر : يا أهل الكوفة أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف ،

أخرجوا فامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين . فردّوا عليه ردّا ضعيفا و رأى منهم عجزا و فشلا ، فقال : و اللّه لوددت أنّ لي بكلّ ثمانية منكم رجلا منهم ، ويحكم أخرجوا معي ثمّ فروّا عنّي ما بدا لكم ، فو اللّه ما أكره لقاء ربي على نيّتي و بصيرتي ، و في ذلك روح لي عظيم و فرج من مناجاتكم و مقاساتكم . . . ثمّ نزل فخرج يمشي حتى بلغ الغريين ، ثمّ دعا حجر بن عدي فعقد له على أربعة آلاف ،

فخرج حجر حتى مرّ بالسماوة و هي أرض كلب فلقي بها امرأ القيس الكلبي و هم أصهار الحسين عليه السّلام فكانوا أدلاّءه في الطريق و على المياه ، فلم يزل مغذّا في أثر الضحاك حتى لقيه بناحية تدمر فوافقه ، فاقتتلوا ساعة فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا و من أصحاب حجر رجلان ، و حجز الليل

بينهم فمضى الضحّاك ، فلمّا أصبحوا لم يجدوا له و لأصحابه أثرا .

قلت : إنّ ابن أبي الحديد كما ترى خلط و خبط ، فقال : إنّ ( غارات الثقفي ) روى : أنّ غارة الضحّاك كانت قبل النهر . ثم نقل عن ( الغارات ) أنّ الخبر لمّا جاء معاوية : أنّ عليّا قتل اولئك الخوارج و بعد قتلهم أراد الشخوص إليه فامتنع عليه أصحابه ، دعا حينئذ الضحّاك و بعثه و وصاه بما مرّ ، و كون غارة الضحّاك بعد ممّا لا ريب فيه ، فواقعة النهروان كانت في سنة ( ٣٧ ) و جعل الطبري غارة الضحّاك في سنة ( ٣٩ ) و قال : لكنّ أكثر أهل السير ذكروها في سنة ( ٣٨ ) . . . فجعل الاختلاف في سنة غارة الضحّاك دون كونها بعد النهر .

و كيف كان ، فكون الخطبة في غارة الضحّاك كما قال غير معلوم ، إنّما كانت خطبته عليه السّلام في غارة الضحاك : « أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس ، و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف » إلى آخره كما مرّ عن ( غارات الثقفي ) و كما صرّح به ( إرشاد المفيد ) و إنّما نسب كون العنوان في غارة الضحاك الكليني و لم نتحققه فليس في ( الكافي ) ، و قد عرفت أنّ الجاحظ و ابن قتيبة و ابن عبد ربّه و ابن طلحة منهم ، و المفيد و الطبرسي منّا رووه و لم يشر أحد منهم إلى كون الخطبة في غارة الضحاك ، بل صرّح بعضهم بكونها في غيرها على ما مرّ .

و بالجملة لا ريب في كون غارة الضحّاك أوّل غارات معاوية ، فروى الثقفي ١ : أنّه خطب على منبر الكوفة و قال : أمّا إنّي صاحبكم الذي أغرت على بلادكم ، فكنت أوّل من غزاها من الإسلام ، و شرب من ماء الثعلبية و من شاطى‏ء الفرات إلى أن قال أنا الضحاك بن قيس ، أنا أبو أنيس ، أنا قاتل عمرو بن عميس . إلاّ أنّ كون هذه الخطبة في غاراته غير معلوم ، و لم يكن غارته بتلك

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٣٧ .

الأهميّة ، فروى الثقفي أيضا : أنّه لمّا خطب بما مرّ قام إليه رجل و قال له : ما أعرفنا بما ذكرت و لقد لقيناك بغربي تدمر فوجدناك شجاعا مجريا . فخزي الضحّاك ، و روى أيضا : أنّه عليه السّلام كتب إلى أخيه عقيل في جوابه في قصّة الضحّاك : « فأمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ و أذلّ من أن يلم بها أو يدنو منها ، و لكنّه قد أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة ،

حتى مرّ بواقصة و شراف و القطقطانة ممّا و إلى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك فرّ هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق و قد أمعن ، و كان ذلك حين رجعت الشمس للاياب فتناوشوا القتال ، كلاّ و لا فلم يصبر لوقع المشرفية و ولّى هاربا ، و قتل من أصحابه بضعة عشر رجلا و نجا جريضا بعد ما اخذ عنه بالمخنق » لكن يأتي في العنوان ( ١٢ ) أنّ للضحاك غارتين ، إحدهما قبل الجمل و فيه كتاب عقيل و الاخرى بعد النهروان ، و أنّ الثقفي خلط في جعل كتاب عقيل في الأخيرة .

« أيّها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم » كتب عبد اللّه بن الحسن إلى زيد بن علي لمّا أراد الخروج : يابن عمّ ، إنّ أهل الكوفة نفخ العلانية ، خور السريرة ، هرج في الرجاء ، جزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم و لا تشايعهم قلوبهم ، لا يبيتون بعدة في الأحداث ، و لا ينيؤن بدولة مرجوة .

و لمحمود الوراق :

يا ناظرا يرنو بعيني راقد

و مشاهدا للأمر غير مشاهد

و قد أخذ معنى كلامه عليه السّلام أبو تمام فدخل على ابن داود في مجلس حكمه و أنشد أبياتا ، فقال له : سيأتيك ثوابها . ثم اشتغل بتوقيعات في يده فأحفظ ذلك أبا تمام فقال له ، احضر أيّدك اللّه فانّك غائب ، و اجتمع فانّك متفرّق .

ثم أنشده :

إنّ حراما قبول مدحتنا

و ترك ما يرتجى من الصفد

كما الدنانير و الدراهم في

الصرف حرام إلاّ يدا بيد

فأمر بتوفير حبائه و تعجيل عطائه .

« كلامكم يوهي » أي : يوهن .

« الصمّ الصلاب » أي : الصخر الغلاظ الصلاب ، أو الجبال الغلاط الصلاب .

« و فعلكم يطمع فيكم الأعداء » في ( عيون القتيبي ) ١ : كان لأبي حيّة النميري سيف ليس بينه و بين الخشبة فرق ، و كان يسمّيه لعاب المنيّة ، قال جار له : أشرفت عليه ليلة و قد انتضاه و شمّر و هو يقول : أيّها المغترّ بنا و المجتري علينا ، بئس و اللّه ما اخترت لنفسك ، خير قليل و سيف صقيل ، لعاب المنيّة الذي سمعت به مشهور ضربته ، و لا تخاف نبوته ، أخرج بالعفو عنك و إلاّ دخلت بالعقوبة عليك ، إنّي و اللّه إن أدع قيسا تملأ الأرض خيلا و رجلا ، يا سبحان اللّه ما أكثرها و أطيبها ثم فتح الباب فاذا كلب قد خرج ، فقال : الحمد للّه الذي مسخك كلبا و كفاني حربا .

و كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له : عروة بن مرثد ، و يكنّى أبا الأغر ، ينزل ببني اخت له في سكّة بني مازن ، و بنو اخته من قريش ، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان ، و خرج النساء يصلين في مسجدهم فلم يبق في الدار إلاّ الاماء ، فدخل كلب يعتس فرأى بيتا فدخله و انصفق الباب ،

فسمع الحركة بعض الاماء فظنّوا أنّ لصا دخل الدار ، فذهبت احداهن إلى أبي الأغر فأخبرته ، فقال أبو الأغر : ما يبتغي اللص ؟ ثم أخذ عصاه فجاء فوقف على باب البيت و قال : إيه يا ملامان أما و اللّه إنّك بي لعارف ، فهل أنت إلاّ من لصوص بني مازن ، شربت حامضا خبيثا حتى إذا دارت القدوح في رأسك

ــــــــــــ

( ١ ) العيون للقتيبي ١ : ١٦٨ .

منتك نفسك الأماني و قلت : أطرق ديار بني عمرو و الرجال خلوف و النساء يصلين في مسجدهن فأسرقهم . سوأة لك ، و اللّه ما يفعل هذا ولد الأحرار ، و ايم اللّه لتخرجنّ أو لأهتفن هتفة مشؤمة يلتقي فيها الحيان : عمرو و حنظلة ،

و تجي‏ء سعد بعدد الحصى و تسيل عليك الرجال من هاهنا و هاهنا ، و لئن فعلت لتكونن أشأم مولود . فلمّا رأى أنّه لا يجيبه أحد أخذ باللين فقال : أخرج بأبي و امي ، أنت مستور ، إنّي و اللّه ما أراك تعرفني و لو عرفتني لقنعت بقولي و اطمأننت إليّ أنا فديتك أبو الأغر النهشلي ، و أنا خال القوم و جلدة بين أعينهم لا يعصونني ، و لن تضار الليلة فأخرج فأنت في ذمّتي ، و عندي قوصرتان أهداهما إليّ ابن اختي البار الوصول ، فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من اللّه و رسوله . و كان الكلب إذا سمع الكلام أطرق ، و إذا سكت وثب يزيغ المخرج ، فتهاتف أبو الأغر ثم تضاحك و قال : يا ألأم الناس و أوضعهم ، لا أرى إلاّ أني لك الليلة في واد و أنت في واد ، أقلب السوداء و البيضاء فتصيح و تطرق و إذا سكتّ عنك و ثبت تزيغ المخرج ، و اللّه لتخرج أو لأولجن عليك البيت . فلمّا طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت : أعرابي مجنون و اللّه ما أرى في البيت شيئا . فدفعت الباب فخرج الكلب شدا ، و حاد عنه أبو الأغر ساقطا على قفاه .

« تقولون في المجالس : كيت و كيت » قال الجوهري : قال أبو عبيدة : كان من الأمر كيت و كيت ، بالفتح و الكسر ، و التاء فيهما هاء في الأصل ، فصارت تاء في الوصل . و في ( القاموس ) معناهما كذا و كذا .

« فاذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد » أي : مل عني مل عني ، و قال الجوهري:

حيدي حياد : كقولهم : فيحي فياح .

و لا بدّ أنّه أراد في الوزن و إلاّ فحيدي حياد يقوله المدبر عن الشي‏ء ، فقال نفسه : فياح مثل قطام : اسم للغارة ، و كان أهل الجاهلية يقولون : فيحي فياح ،

أي : اتسعي . قال :

دفعنا الخيل سائلة عليهم

و قلنا بالضحى فيحي فياح

و توهّم ابن ميثم ١ أنّ مراده أنّه بمعناه ، فقال : معنى حيدي حياد : اعدلي عن الغارة أيّتها الحرب .

في ( الأغاني ) ٢ هجا دعبل المطلب بن عبد اللّه و كان واليا على المصر ،

فقال :

تعلّق مصر بك المخزيات

و تبصق في وجهك الموصل

و عاديت قوما فما ضرّهم

و شرّفت قوما فلم ينبلوا

شعارك عند الحروب النجا

و صاحبك الأخور الأفشل

فأنت إذا ما التقوا آخر

و أنت إذا ما انهربوا أوّل

و لبعضهم : ما فيهم إلاّ مشغول بنفسه ، منكب على مجلس انسه ، يرى السلامة غنيمة ، و إذا عنّ له وصف الحرب لم يسأل إلاّ عن طرق الهزيمة ، أموال تنهب و ممالك تذهب ، لا يبالون بما سلبوا ، و هو كما قيل : إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا .

سريع إلى ابن العم يشتم عرضه

و ليس إلى داعي الندى بسريع

و لقد أجاد من قال في وصف مثلهم بالفارسية :

ما همه شيريم ولى شير علم

حمله‏مان از باد باشد ني قدم

و بالعربية :

و لو أنّ حرقوصا على ظهر قملة

يكرّ على صفّي تميم لولّت

قالوا : الحرقوص دويبة أكبر من البرغوث أو عضّها أشدّ من عضّه ،

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٥٠ .

( ٢ ) الأغاني ٢٠ : ١٦٠ .

و أكثر ما يعض أحراح النساء و خصي الرجال .

في السير : لمّا توجه الخوارج إلى الكوفة و خالطوا سوادها في أيام القباع و كان جبانا تثاقل عن الخروج ، فذمره إبراهيم بن الأشتر و لامه الناس ، فخرج متحاملا حتى أتى النخيلة . ففي ذلك يقول الشاعر :

إنّ القباع سار سيرا نكرا

يسير يوما و يقيم شهرا

أيضا :

إنّ القباع سار سيرا ملسا

بين دباها و دبيري خمسا

و جعل يعد الناس بالخروج و لا يخرج ، و الخوارج يعيثون حتى أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها ثم أرادوا قتلها و كانت جميلة فقالت : أتقتلون . . . من ينشأ في الحلية و هو في الخصام غير مبين ١ . فقال أحدهم : دعوها .

فقالوا له : قد فتنتك . ثم قدّموها فقتلوها ثمّ قدّموا اخرى فقتلوها ، و هم بحذاء القباع و الجسر معقود بينهم ، و هو في ستة آلاف و المرأة تستغيث ، و الناس ينفلتون إلى الخوارج و القباع يمنعهم ، فلمّا خاف أن يعصوه أمر بقطع الجسر ،

و أقام بين دباها و دبيري خمسة أيام و الخوارج بقربه ، و هو يقول للناس في كلّ يوم : إذا لقيتم العدو غدا فأثبتوا أقدامكم و اصبروا فإنّ الحرب أوّلها الترامي ، ثم اشراع الرماح ثم سلّة السيوف ، فثكلت رجلا امّه فرّ من الزحف .

فقال بعضهم لمّا أكثر عليهم : أمّا الصفة فقد سمعناها ، و أمّا الفعل فمتى يقع ؟ فأخذت الخوارج حاجتهم و كان شأن البقاع التحصّن منهم ٢ .

و فيها : بعث المهلّب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أن يخندق و على أصحابه من الخوارج ، فأجابه : أنّهم أهون عليه من ضرطة الجمل ، فبيّته

ــــــــــــ

( ١ ) الزخرف : ١٨ .

( ٢ ) نهج البلاغة ٤ : ١٦٣ ١٦٤ .

قطري فقتل من أصحابه خمسمائة و فرّ لا يلوي على أحد ، فقالوا فيه :

تركت ولداننا تدمى نحورهم

و جئت منهزما يا ضرطة الجمل ١

و فيها : فرّ اميّة بن عبد اللّه بن خالد بن اسيد من أبي فديك الخارجي ،

فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام ، فقال يوما : سرت على فرسي من البحرين إلى البصرة في المهرجان في ثلاثة أيّام . فقال له : بعضهم فلو ركبت في النيروز لسرت إليها في يوم واحد .

و أتى الحجاج بدواب من دواب اميّة هذا ، و قد وسم على أفخاذها : « عده » فأمر أن يكتب تحت « عده » « للفرار » . و قال الشاعر فيه :

إذا صوّت العصفور طار فؤاده

و ليث حديد النّاب عن الثرائد ٢

و في ( الأغاني ) ٣ في خروج عبد اللّه بن يحيى طالب الحق زمن مروان الحمار ، و توجيهه جيشا من مكة إلى المدينة ، قال رجل من قريش : لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء لكنّهم داهنوا ، و اللّه ان ظفرنا لنسيرنّ إلى أهل الطائف فلنسبينّهم . ثم قال : من يشتري مني سبي أهل الطائف ؟ فلمّا انهزم الناس رجع ذاك القرشي في أول المنهزمين ، فدخل منزله و أراد أن يقول لجاريته : اغلقي الباب ، فقال لها : « غاق باق » . دهشا ، و لم تفهم الجارية قوله حتى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب ، فلقّبه أهل المدينة بذلك : ( غاق باق ) .

و فيه : أنّ زيد بن علي لمّا خرج كتب إلى الكميت : أخرج معنا يا اعيمش ،

أ لست القائل :

ما ابالي إذا حفظت أبا القا

سم فيكم ملامة اللوام

ــــــــــــ

( ١ ) نهج البلاغة ٤ : ١٨٧ .

( ٢ ) نهج البلاغة ٦ : ١٠٧ .

( ٣ ) الأغاني ٢٣ : ٢٣١ .

فكتب إليه الكميت :

تجود لكم نفسي بما دون وثبة

تظلّ لها الغربان حولي تحجل

و لقد قالت الشعراء في هذا المعنى فأكثروا ، منها :

تمنيتم مائتي فارس

فردكم فارس واحد

يشمّر للج عن ساقه

و يغمره الموج في الساحل

و أنت أخو السلام و كيف أنتم

و لست أخا الملمات الشداد

أي : أنت أخو السلام اللفظي ، و سؤال كيف أنتم ؟ في المقال دون الفعال .

إذا كان صلح تبخترت فيه

و إن كان هيج دخلت الثقب

أ في السلم أعيارا جفاء و غلظة

و في الحرب أشباه النساء العوارك

أي : الحائضات .

أ في الولائم أولاد الواحدة

و في العبادة أولاد العلات

هذا ، و في ( القاموس ) في ( عروس ) : مات زوج أسماء العذرية و اسمه عروس عنها ، فتزوّجها رجل أعسر أبخر بخيل دميم ، فلمّا أراد أن يظعن بها قالت : لو أذنت لي رثيت ابن عمي . فقال : افعلي . فقالت :

أبكيك يا عروس الأعراس

يا ثعلبا في أهله و أسدا عند الباس

مع أشياء ليس يعلمها الناس

قال : و ما تلك الأشياء ؟ قالت :

كان عن الهمة غير نعاس

و يعمل السيف صبيحات الباس

ثم قالت :

يا عروس الأغر الأزهر

الطيب الخيم الكريم المخصر

مع أشياء له لا تذكر .

قال : و ما تلك الأشياء ؟ قالت :

كان عيوفا للخنا و المنكر

طيب النكهة غير أبخر

أيسر غير أعسر

فعرف أنّها تعرض له ، فلمّا رحل بها قال : ضمّي إليك عطرك . و قد نظر قشوة عطرها مطروحة فقالت : « لا عطر بعد عروس » .

و في ( محاسن الجاحظ ) في الشجاعة الضدّ قيل : هو أجبن من المنزوف ضرطا ، و كان من حديثه أنّ نسوة من العرب لم يكن لهنّ رجل ، فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى ، فإذا انتبه ضربنه و قلن له : قم فاصطبح . فيقول : « لو لعادية نبهتنني » . أي : خيل عادية عليكن مغيرة ،

فأدحضها عنكن . ففرحن و قلن : إنّ صاحبنا لشجاع . ثم قلن : تعالين نجرّبه .

فأتينه كما كنّ يأتينه فأيقظنه فقال : لو لعادية نبهتنني . فقلن له : نواصي الخيل معك . فجعل يقول : الخيل الخيل . و يضرط حتى مات .

و فيه : قال الحجاج لحميد الأرقط و قد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب : يا حميد هل قاتلت قط ؟ قال : لا أيّها الأمير إلاّ في النوم . قال : و كيف كانت وقعتك ؟ قال : انتبهت و أنا منهزم .

« ما عزّت » أي : لا صارت عزيزة .

« دعوة من دعاكم ، و لا استراح قلب من قاساكم » يمكن أن يكون هو ، و ( ما عزت ) دعاء و ان يكونا اخبارا .

« أعاليل بأضاليل » أي : تعتلّون بعلل هي ضلال و باطل ، يقال للباطل : ضلّ بتضلال . كان عليه السّلام لمّا فرغ من أهل النهروان قال لهم : إنّ اللّه قد أحسن بكم و أعزّ نصركم ، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوّكم . فقالوا : نفدت نبالنا وكلّت سيوفنا و نصلت أسنة رماحنا .

« دفاع » مفعول مطلق لعامل مدلول عليه بالمقام .

« ذي الدين » أي : المديون .

« المطول » أي : المماطل . ( المطول ) فعول من : مطل الدين . و الأصل في ( مطل الدين ) : مطل الحديدة ، إذا ضربها لتطول ، و مواعيد عرقوب معروفة . كان عرقوب من العماليق فأتاه أخوه يسأله ، فقال : إذا طلعت هذه النخلة فلك طلعها .

فأتاه للعدة ، فقال له : دعها حتى تصير بلحا . فلمّا أبلحت قال له : حتى تصير رطبا . فلمّا أرطبت قال له : حتى تصير تمرا . فلمّا أتمرت عمد إليها فجزّها و لم يعطه شيئا .

« لا يمنع الضيم » مفعول مقدم ، أي : الذلّة .

« الذليل و لا يدرك الحق إلاّ بالجدّ » في الأمر ، قال الشاعر :

متى تجمع القلب الذّكي و صارما

و أنفا حميّا تجتنبك المظالم

و باه بقيس في الرّخاء و لا تكن

أخاها إذا ما المشرفيّة سلّت

« أي دار بعد داركم تمنعون ؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون » كتب عدي بن ارطاة عمر بن عبد العزيز يخبره بسوء طاعة أهل الكوفة ، فوقع في كتابه : لا تطلب طاعة من خذل عليّا عليه السّلام و كان اماما مرضيّا .

و شكا عامل الكوفة إلى الحجاج من أهلها ، فوقع : ما ظنّك بقوم قتلوا من كانوا يعبدونه ؟

« المغرور » الحقيقي .

« و اللّه من غررتموه » في ( فتوح البلاذري ) : لمّا مات المنذر بن ساوي بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقليل ، ارتدّ من بالبحرين من قيس بن ثعلبة ، و ارتدّ ربيعة و أمّروا عليهم ابنا للنعمان بن المنذر ، و كان يسمّى الغرور ، فلمّا ظهر المسلمون عليهم قال : لست بالغرور و لكنّي المغرور .

« و من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الأخيب » الفوز بالسّهم الأخيب أحسن استعارة ، كقوله تعالى : . . . فبشّرهم بعذاب اليم ١ . و السّهم الأخيب من سهام الميسر الذي فيه الغرم ، و هو شرّ السّهام ، ففي بعضها الغنم و في بعضها لا غنم و لا غرم .

« و من رمى بكم فقد رمى بافوق ناصل » أي : بسهم منكسر لا نصل فيه .

« أصبحت و اللّه لا أصدق قولكم » بعد أن رأيت منكم عدم الفعل كرارا .

« و لا أطمع في نصركم » بعد أن شاهدت منكم الخذلان مرارا .

« و لا أوعد بكم العدو » بعد أن ما وفّيتم بوعدكم لوليّكم ، قال الشاعر :

و لقد طويتكم على بللاتكم

و عرفت ما فيكم من الأذراب

« ما بالكم » أي : نفسكم و حالكم .

« ما دواؤكم » من مرضكم المزمن .

« ما طبّكم » أي : علاجكم ، و الأصل في الطب الكسر ، و يجوز فيه الفتح و الضم.

« القوم رجال أمثالكم » لمّا كان المغلوب يتوهم من ضعف نفسه أنّ الغالب جنس آخر رد عليه السّلام عليهم هذا الوهم ، و كانت الفرس في قتال العرب يظنّون أنّهم ما يموتون ، كما أنّ العرب في قتال التتر كانوا كذلك ، حتى رأى بعضهم موت بعضهم فتعجّب .

« أ قولا بغير علم و غفلة من غير ورع و طمعا في غير حقّ » و في ( الإرشاد ) ٢ :

قال عليه السّلام لهم : حتى إذا تفرّقتم تسألون عن الأشعار جهلة من غير علم ، و غفلة من غير ورع ، و تثبطا من غير خوف ، نسيتم الحرب و الاستعداد لها . . . .

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٢١ ، و التوبة : ٣٤ ، و الانشقاق : ٢٤ .

( ٢ ) الإرشاد ١ : ٢٧٨ .

٦

الخطبة ( ٣٩ ) و من خطبة له عليه السّلام :

مُنِيتُ بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَ لاَ يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ لاَ أَبَا لَكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَ لاَ حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً وَ أُنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً فَلاَ تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً وَ لاَ تُطِيعُونَ لِي أَمْراً حَتَّى تَكَشَّفَ اَلْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ اَلْمَسَاءَةِ فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ وَ لاَ يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ اَلْجَمَلِ اَلْأَسَرِّ وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ اَلنِّضْوِ اَلْأَدْبَرِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ ٧ ١٣ ٨ : ٦ « قال الشريف : أقول : قوله عليه السّلام ( متذائب ) أي : مضطرب من قولهم :

( تذاءبت الريح ) أي : اضطرب هبوبها ، و منه يسمّى الذئب ذئبا لاضطراب مشيته » .

أقول : هذه الخطبة خطب عليه السّلام بها في فتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر ،

روى الطبري ٢ عن أبي مخنف عن جندب عن عبد اللّه بن فقيم عن الحارث بن كعب : أنّ عليّا عليه السّلام قام في الناس فقال : أمّا بعد ، فإنّ هذا صريخ محمد بن أبي بكر و إخوانكم من أهل مصر ، و قد سار إليهم ابن النابغة عدوّ اللّه و ولي من عادى اللّه ، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم ، و الركون إلى سبيل الطاغوت ،

أشدّ اجتماعا منكم على حقّكم هذا ، فإنّهم قد بدؤكم و إخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة و النصر ، عباد اللّه إنّ مصر أعظم من الشام و أكثر خيرا و خير

ــــــــــــ

( ١ ) الأنفال : ٦ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٠٦ .

أهلا ، فلا تغلبوا على أهل مصر فإنّ بقاء مصر في أيدكم عزّ لكم و كبت لعدوّكم ، أخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة و الكوفة فوافوني بها هناك غدا .

فلمّا كان من الغد خرج يمشي فنزلها بكرة ، فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه منهم واحد فرجع ، فلمّا كان من العشي بعث إلى أشراف الناس ، فدخلوا عليه القصر و هو حزين كئيب فقال : الحمد للّه على ما قضى من أمري و قدّر من فعلي ، و ابتلاني بكم أيّتها الفرقة ممّن لا يطيع إذا أمرت ، و لا يجيب إذا دعوت ، لا أبا لغيركم ما تنتظرون بنصركم و الجهاد على حقّكم ؟ الموت و الذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحق؟ فو اللّه لئن جاء الموت و ليأتين ليفرقنّ بيني و بينكم و أنا لصحبتكم قال و بكم غير ضنين ، للّه أنتم لا دين يجمعكم و لا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوّكم يرد بلادكم و يشنّ الغارة عليكم ،

أو ليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء و لا معونة ، و يجيبونه في السنة مرتين و الثلاث إلى أي وجه شاء ، و أنا أدعوكم و أنتم اولو النهى و بقية الناس على المعونة فتقومون عني و تعصونني و تختلفون عليّ ؟ إلى أن قال عليه السّلام بعد ذكر مجي‏ء الخبر بقتل محمد بن أبي بكر و فتح مصر و خطبته الناس و اخبارهم بذلك: إنّي و اللّه ما ألوم نفسي على التقصير و إنّي لمقاساة الحرب مجدّ خبير ، و إنّي لأقدم على الأمر و أعرف وجه الحزم و أقوم فيكم بالرأي المصيب ، فأستصرخكم معلنا و اناديكم نداء المستغيث معربا ، فلا تسمعون لي قولا و لا تطيعون لي أمرا حتى تصير بي الامور إلى عواقب المساءة ، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر و لا ينقض بكم الأوتار ، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين ليلة ، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق ، و تثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نيّة في جهاد العدو و لا اكتساب الأجر ، ثم خرج اليّ منكم جنيد متذائب كأنّما يساقون إلى

الموت و هم ينظرون ١ فافّ لكم . . . .

و مثله الثقفي في ( غاراته ) ٢ و رواه ابن بكار في ( موفقياته ) عن محمد بن الضحّاك عن أبيه : أنّ ابن غزية الأنصاري ثم النجاري قدم على عليّ عليه السّلام من مصر ، و قدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام و كان عينا لعليّ عليه السّلام بها ، فأمّا الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر ، و حدّثه الفزاري : إنّه لم يخرج من الشام حتى قدمت الرسل و البشرى من قبل عمرو بن العاص تترى ، يتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر ، حتى آذن معاوية بقتله على المنبر . و قال له عليه السّلام : ما رأيت سرور قوم قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم قتل محمد بن أبي بكر . فقال له عليه السّلام : حزننا على قتله على قدر سرورهم بقتله ، لا بل يزيد أضعافا . و حزن على قتله حزنا شديدا حتى رئي في وجهه و تبيّن فيه ، و قام على المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال عليه السّلام :

ألا و إنّ محمد بن أبي بكر اصيب رحمه اللّه و عند اللّه نحتسبه ، أما و اللّه أن كان ممّن ينتظر القضاء و يعمل للجزاء و يبغض شكل الفاجر و يحب هدى المؤمنين ، ألا و اللّه لا ألوم نفسي في تقصير و لا عجز ، إنّي بمقاساة الحرب لجدّ خبير ، و إنّي لأتقدم في الأمر فأعرف وجه الحزم ، فأقوم فيكم بالرأي المصيب معلنا و أناديكم نداء المستغيث ، فلا تسمعون لي قولا و لا تطيعون لي أمرا حتى تصير بي الامور عواقب الفساد ، و أنتم لا يدرك بكم الأوتار و لا يشفى بكم الغل ، دعوتكم إلى غياث إخوتكم منذ بضع و خمسين ليلة ، فخرجتم جرجرة الجمل الاسر ، و تثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نيّة في جهاد

ــــــــــــ

( ١ ) الأنفال : ٦ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٩٥ ٢٩٦ .

العدو و لا احتساب الأجر ، ثم خرج منكم جنيد ضعيف كأنّما يساقون إلى الموت و هم ينظرون فافّ لكم . ثم نزل فدخل رحله .

و قال ابن أبي الحديد : خطب عليه السّلام بها في غارة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التمر و تبعه ابن ميثم ١ و الخوئي .

قال ابن أبي الحديد ٢ : ذكر صاحب ( الغارات ) ٣ أنّ النعمان قدم هو و أبو هريرة على عليّ عليه السّلام من عند معاوية بعد أبي مسلم الخولاني ، يسألانه :

أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقيدهم بعثمان لعلّ الحرب أن يطفأ . و إنّما أراد معاوية أن يرجع مثل النّعمان و أبي هريرة من عند عليّ عليه السّلام إلى الناس و هم لمعاوية عاذرون و لعليّ عليه السّلام لائمون ، و قد علم معاوية أنّ عليّا عليه السّلام لا يدفع قتلة عثمان إليه فأراد أن يكون هذان يشهدان له عند أهل الشام بذلك ،

فقال لهما : ائتيا عليّا . فأتياه عليه السّلام فقال له أبو هريرة : إنّ اللّه قد جعل لك في الإسلام فضلا و شرفا إلى أن قال عليه السّلام فقال لهما دعا الكلام : في هذا ، حدّثني عنك يا نعمان أنت أهدى قومك يعني الأنصار سبيلا ؟ قال : لا . قال : فكلّ قومك اتّبعني إلاّ شذاذا منهم ثلاثة أو أربعة فتكون أنت من الشذاذ ؟ فقال : إنّما جئت لأن أكون معك و ألزمك و قد كان معاوية سألني أن اؤدي هذا الكلام .

و لحق أبو هريرة بالشام و أقام النعمان ثم خرج فارّا ، حتى إذا مرّ بعين التّمر أخذه مالك بن كعب الأرحبي و هو عامله عليه السّلام على عين التمر فقال له ما مرّ بك هاهنا ؟ قال : إنّما أنا رسول بلّغت رسالة صاحبي ثم انصرفت . فحبسه و قال له : كن حتى أكتب فيك إلى عليّ عليه السّلام . فأرسل النّعمان إلى قرظة بن كعب

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٩٩ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٣٠١ .

( ٣ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٤٥ ٤٤٦ .

الأنصاري و هو كاتب عين التمر فجاءه مسرعا فقال لمالك : خل سبيل ابن عمي . فقال له : اتّق اللّه و لا تتكلّم في هذا ، فإنّه لو كان من عبّاد الأنصار لمّا هرب من أمير المؤمنين إلى أمير المنافقين . فلم يزل يقسم عليه حتى خلّى سبيله و قال له : لك الأمان اليوم و الغد ، فإن أدركتك بعد لأضربنّ عنقك . فخرج لا يلوي على شي‏ء ، أين هو من الأرض ثلاثة أيام ، حتى سمع امرأة تطحن و تقول :

شربت مع الجوزاء كأسا ردية

و اخرى مع الشعرى إذا ما استقلت

معتقة كانت قريش تصونها

فلمّا استحلوا قتل عثمان حلّت

فعلم أنّه عند حي من أصحاب معاوية ، ثم قدم على معاوية فخبره بما لقي ، ثم غزا الضحّاك بن قيس أرض العراق ثم انصرف ، فقال معاوية : أما من رجل أبعث معه بجريدة خيل حتى يغير على شاطى‏ء الفرات ؟ فإنّ اللّه يرعب بها أهل العراق فقال له النّعمان : فابعثني . فندب معه ألفي رجل و أوصاه : أن يجتنب المدن و الجماعات ، و ألاّ يغير إلاّ على مسلحة ، و أن يعجل الرجوع .

فأقبل النّعمان حتى دنا من عين التمر ، و بها مالك بن كعب الأرحبي الذي جرى له معه ما ذكرنا ، و مع مالك ألف رجل و قد إذن لهم فرجعوا إلى الكوفة فلم يبق معه إلاّ مائة ، فكتب إلى عليّ عليه السّلام : إنّ النعمان نزل بي في جمع كثيف .

فصعد عليه السّلام المنبر و قال لهم : أخرجوا إلى مالك أخيك فإنّ النّعمان قد نزل به في جمع من أهل الشام ، فانهضوا لعلّ اللّه أن يقطع بكم من الكافرين طرفا . ثم نزل فلم يخرجوا فأرسل إلى وجوههم : أن ينهضوا و يحثّوا الناس على المسير . فلم يصنعوا شيئا و اجتمع نحو ثلاثمائة فارس أو دونها ، فقال عليه السّلام :

« ألا إنّي منيت بمن لا يطيع . . . » .

ثم نزل فدخل منزله فقام عدي بن حاتم فقال : هذا و اللّه الخذلان ، على هذا بايعنا أمير المؤمنين . ثم دخل إليه فقال له : إنّ معي من طيّ ألف رجل لا

يعصونني فإن شئت سرت إليهم . فقال عليه السّلام : ما كنت لأعرض قبيلة واحدة للناس ، و لكن اخرج إلى النّخيلة و عسّكر بهم . و فرض عليه السّلام لكلّ رجل سبعمائة فاجتمع إليه ألف فارس عدا طيّ أصحاب عدي ، و ورد الخبر بهزيمة النّعمان و نصرة مالك ، فقرأ الكتاب ثمّ نظر إلى الناس و قال : هذا بحمد اللّه و ذمّ أكثركم .

فأمّا خبر مالك مع النّعمان فقال عبد اللّه بن حوزة الأزدي : كنت مع مالك حين نزل بنا النّعمان و هو في ألفين و ما نحن إلاّ مائة ، فقال لنا : قاتلوهم في الفقرية و اجعلوا الجدر في ظهوركم و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ١ ،

و اعلموا أنّ اللّه تعالى ينصر العشرة على المائة ، و المائة على الألف ، و القليل على الكثير . ثم قال : إنّ من أقرب من هاهنا إلينا من شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام و عمّاله قرظة بن كعب و مخنف بن سليم ، فاركض إليهما و اعلمهما حالنا .

فمررت بقرظة فقال : إنّما أنا صاحب خراج و ليس عندي من أعينه به . فمضيت إلى مخنف فأخبرته فسرّح معي عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا ،

و كان مالك قاتل النّعمان إلى العصر ، فأتيناه و قد كسر هو و أصحابه جفون سيوفهم و استسلموا للموت ، فما هو إلاّ أن رآنا أهل الشّام فأخذوا ينكصون ،

و رآنا مالك و أصحابه فشدّوا عليهم حتى دفعوهم عن القرية ، فاستعرضناهم فصرعنا منهم رجالا ثلاثة ، و ارتفعوا عنّا و ظنّوا أنّ وراءنا مددا ، و لو ظنّوا أنّه ليس غيرنا لأقبلوا علينا و أهلكونا ، و حال الليل بيننا فانصرفوا إلى منازلهم ،

و كتب مالك إلى عليّ عليه السّلام : أمّا بعد ، فإنّه نزل بنا النّعمان في جمع من أهل الشام كالظاهر علينا ، و كان عظم أصحابي متفرّقين ، و كنّا للذي كان منهم آمنين،

فخرجنا إليهم رجالا مصلتين فقاتلناهم حتى المساء ، و استصرخنا مخنف بن سليم فبعث إلينا رجالا من شيعة أمير المؤمنين و ولده ، فنعم الفتى و نعم

ــــــــــــ

 ( ١ ) البقرة : ١٩٥ .

الأنصار كانوا ، فحملنا عليهم فأنزل اللّه تعالى علينا نصره و هزم عدوّه .

و قال ابن أبي الحديد ١ : و روى محمد بن فرات الجرميّ عن زيد بن عليّ في هذه الخطبة : أيها النّاس ، إنّي دعوتكم إلى الحقّ فتوليتم عنّي ، و ضربتكم بالدرّة فأعييتموني ، أما إنّه سيليكم بعدي ولاة لا يرضون منكم بذلك حتى يعذّبوكم بالسياط و بالحديد ، فأمّا أنا فلا اعذّبكم بهما ، إنّه من عذّب النّاس في الدّنيا عذّبه اللّه في الآخرة ، و آية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتّى يحلّ بين أظهركم فيأخذ العمّال و عمّال ( ظ ) العمّال ، رجل يقال له : يوسف بن عمر ،

و يقوم عند ذلك رجل منّا أهل البيت فانصروه فإنّه داع إلى الحق . و كان الناس يتحدّثون : أنّ ذلك الرجل هو زيد .

قلت : و لا بد أنّ ابن أبي الحديد خلط و لم ينقل لفظ الثقفي في الخطبة ، بل قال : قال : « إنّي منيت بمن لا يطيع إلى آخر الفصل . و كيف ، و قد عرفت أنّ الثقفي روى العنوان في قتل محمد بن أبي بكر ، و قد نقله ابن أبي الحديد ثمة عنه هنا ،

و إن غفل عنه هنا ، و أيضا فقرات العنوان تشهد لعدم كونها في غارة النّعمان ،

فقوله : « دعوتكم إلى نصر إخوانكم . . . » يدل أنّه عليه السّلام كان قبل دعاهم ، فخرج منهم من لم يكن أثر فيه حتى وقع ما خافه ، و لم يكن ذاك إلاّ في قتل محمّد بن أبي بكر ، و أمّا في غارة النّعمان فبنقله : خرج جمع كثير برياسة عدي و أتاه الخبر بالفتح .

و بالجملة لا ريب في كون العنوان في قتل محمد بن أبي بكر ، و أنّ من قوله عليه السّلام : « منيت » إلى « و لا حميّة تحمشكم » مأخوذ من خطبته عليه السّلام في الدّعاء و الحثّ إلى الخروج إلى نصر محمّد بن أبي بكر ، و من قوله : « أقوم فيكم مستصرخا » إلى آخر العنوان ، مأخوذ من خطبته عليه السّلام بعد مجي‏ء الخبر بقتله

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٣٠٦ .

و فتح مصر ، كما عرفته من رواية الطبري ، و المصنّف جمع بينهما كما هو دأبه في الكتاب ، و أمّا خطبته عليه السّلام في غارة النّعمان على عين التمر فشي‏ء آخر .

راجع الغارات صفحة ( ٤٥١ ) ١ .

« منيت » أي : ابتليت .

« بمن لا يطيع إذا أمرت » و ذلك بلاء عظيم ، و في ( حيوان الجاحظ ) ٢ قال يزيد بن الصعق لبني سليم حين صنعوا بسيّدهم العباس ما صنعوا و كانوا توّجوه و ملّكوه فلمّا خالفهم في بعض الأمر و ثبوا عليه لقلّة رهطه :

و إن اللّه ذاق حلوم قيس

فلمّا ذاق خفّتها قلاها

رآها لا تطيع لها أميرا

فخلاّها تردد في خلاها

« و لا يجيب إذا دعوت »

فما من تهتفين به لنصر

بأسرع إجابة لك من هذيل

و في ( أمثال الكرماني ) بعد ذكر البيت : زعمت العرب أنّ هذيلا كان فرخا على عهد نوح فصاده جارح ، فما من حمامة إلاّ و هي تبكيه و تدعوه فلا يجيبها .

« أما دين يجمعكم » فالدين يجمع بين العرب و العجم ، و أهل المشرق و المغرب .

« و لا حمية تحمشكم » أي : تغضبكم .

« أقوم فيكم إلى عن عواقب المساءة » لقتل مثل محمّد بن أبي بكر ،

و تصرّف العدوّ مثل مصر .

« فما يدرك بكم ثأر » لعدم حمية لكم .

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات : ٢ : ٤٥١ .

( ٢ ) الحيوان للجاحظ ٥ : ٣٠ .

« و لا يبلغ بكم مرام » أي : مقصد .

« دعوتكم إلى نصر إخوانكم » من أهل مصر .

« فجرجرتم » الجرجرة : صوت يردّده البعير في حنجرته .

« جرجرة الجمل الأسر » قال الجوهري : بعير أسر إذا كانت بكركرته دبرة ،

قال الشاعر :

إن جنبي عن الفراش لناب

كتجافي الأسر فوق الظراب

« و تثاقلتم تثاقل النّضو » البعير المهزول .

« الأدبر » كالدّبر ذو القرحة . قال : و هان على الأملس ما لاقى الدّبر .

« ثم خرج إليّ منكم جنيد » تصغير الجند .

« متذائب ضعيف » و في نسخة ابن ميثم ١ : « ضعيف متذائب » .

« كأنّما يساقون إلى الموت و هم ينظرون » اقتباس من قوله تعالى :

يجادلونك في الحقّ بعد ما تبيّن كأنّما يساقون إلى الموت و هم ينظرون ٢ .

في ( البلاذري ) سار القباع لقتال الخوارج من الكوفة إلى باجوا شهرا ،

فقال الشاعر :

سار بنا القباع سيرا نكرا

يسير يوما و يقيم شهرا

قول المصنف : « قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) ٣ و في ( ابن أبي الحديد ) ٤ : « قال الرضي رضى اللّه عنه » ، و في ( الخطية ) : « قال السيد » .

« أقول » هكذا في ( المصرية ) و هو زائد لعدم وجوده في ( ابن أبي الحديد و الخطية ) .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٩٩ .

( ٢ ) الأنفال : ٦ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ١ : ٨٦ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٣٠٠ .

« قوله عليه السّلام ( متذائب ) أي : مضطرب من قولهم : ( تذاءبت الريح ) أي :

اضطرب هبوبها » و من قولهم : « تذاءبت الريح » أيضا سمّيت الذؤابة بالذؤابة،

كما صرّح به في ( الجمهرة ) .

« و منه يسمّى » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( سمّى ) كما في ( ابن أبي الحديد و الخطية ) .

« الذئب ذئبا » هكذا في ( المصرية ) و ليس ( ذئبا ) في ( الخطية ) و في ( أصل ابن أبي الحديد ) و إنّما كتب في الحاشية .

« لاضطراب مشيته » و الأصمعي عكس . قال الجوهري : تذاءبت الريح أى : اختلفت و جاءت مرّة كذا و مرّة كذا . قال الأصمعي أخذ من فعل ( الذئب ) لأنّه يأتي كذلك .

هذا ، و ليس في ( ابن ميثم ) بيان الرضي هنا رأسا ، كما في الشقشقية ،

هذا و يأتي في الآتي أنّ الأصل في هذا و ذاك واحد .

٧

الخطبة ( ١٧٨ ) و من خطبة له عليه السّلام في ذم أصحابه :

أَحْمَدُ اَللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ وَ عَلَى اِبْتِلاَئِي بِكُمْ أَيَّتُهَا اَلْفِرْقَةُ اَلَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وَ إِنِ اِجْتَمَعَ اَلنَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ وَ إِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ . لاَ أَبَا لِغَيْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَ اَلْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ اَلْمَوْتَ أَوِ اَلذُّلَّ لَكُمْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي وَ لَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَ بَيْنِكُمْ وَ أَنَا لَكُمْ قَالٍ وَ بِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَ لاَ حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ أَ وَ لَيْسَ عَجَباً أَنَّ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟

يَدْعُو اَلْجُفَاةَ اَلطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَ لاَ عَطَاءٍ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِيكَةُ اَلْإِسْلاَمِ وَ بَقِيَّةُ اَلنَّاسِ إِلَى اَلْمَعُونَةِ وَ طَائِفَةٍ مِنَ اَلْعَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضًا فَتَرْضَوْنَهُ وَ لاَ سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لاَقٍ إِلَيَّ اَلْمَوْتُ قَدْ دَارَسْتُكُمُ اَلْكِتَابَ وَ فَاتَحْتُكُمُ اَلْحِجَاجَ وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ لَوْ كَانَ اَلْأَعْمَى يَلْحَظُ أَوِ اَلنَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ اَلْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ ؟ مُعَاوِيَةُ ؟ وَ مُؤَدِّبُهُمُ ؟ اِبْنُ اَلنَّابِغَةِ ؟ أقول : الأصل فيه و في سابقه واحد ، لكنّه لمّا اختلفت الرواية في نقل كلامه عليه السّلام اختلفا .

قال المصنّف في أول الكتاب : « إنّ روايات كلامه عليه السّلام تختلف اختلافا شديدا » و هو و ان قال : « إنّه قد يعيد كلامه عليه السّلام استظهارا للاختيار و غيرة على عقايل الكلام » إلاّ أنه لم يتفطّن هنا و غفل ، كما قال : « و ربّما بعد العهد بما اختير أو لا فاعيد بعضه سهوا و نسيانا » . و لم يتفطّن الشرّاح أيضا ، و إنّما زاد المصنّف ثمة كلامه عليه السّلام بعد مجي‏ء الخبر بقتل محمد بن أبي بكر و أصحابه ،

من قوله : « دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر ،

و تثاقلتم تثاقل النضو الادبر ، ثم خرج إليّ منكم جنيد متذائب . . . » و هنا زاد امورا اخر .

و نقلنا الأصل في العنوان ثمة من خبر الطبري ، و ننقله هنا من خبر الثقفي ، و الأصل في الخبرين واحد ، روى الثقفي ١ عن المدائني عن الحرث بن كعب عن جندب بن عبد اللّه قال : و اللّه إنّي لعند عليّ عليه السّلام إلى أن قال قال عليه السّلام

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٩٠ .

على المنبر : فهذا صريخ محمد بن أبي بكر و إخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة إلى أن قال فقال عليه السّلام : الحمد للّه على ما قضى و قدر من فعل ،

و ابتلائي بكم أيّتها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتها و لا تجيب إذا دعوتها ، لا أبا لغيركم ما تنتظرون بنصركم و الجهاد على حقكم ؟ الموت خير من الذل في هذه الدنيا بغير الحق ، و اللّه إن جاءني الموت و ليأتينّي و يفرّقن بيني و بينكم و إنّي لصحبتكم لقال ، ألا دين يجمعكم ؟ ألا حمية تغيظكم ؟ ألا تسمعون بعدوكم ينتقض بلادكم و يشن الغارة عليكم ؟ أو ليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغاة الظلمة ، فيتّبعونه على غير عطاء و لا معونة ، فيجيبونه في السنة المرّة و المرتين و الثلاث إلى أي وجه شاء ، ثم أنا أدعوكم و أنتم اولو النهى و بقية الناس تختلفون و تفترقون عنّي و تعصونني و تخالفون عليّ . . . .

قول المصنف : « و من خطبة له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب :

( و من كلام له عليه السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« الحمد للّه على ما قضى من أمر و قدّر من فعل » لأنّه يجب حمده في الضرّاء كما في السرّاء ، و المراد على ما قضى و قدر من فتح العدو لمصر و قتل عامله و شيعته .

« و على ابتلائي بكم ، أيّتها الفرقة التي إذا أمرت » بلفظة المتكلّم المعلوم .

« لم تطع ، و إذا دعوت لم تجب » عن ( غارات الثقفي ) ٤ : كان لعليّ عليه السّلام صديق يكنّى أبا مريم من أهل المدينة ، فلمّا سمع بتشتت الناس عليه أتاه ، فلمّا رآه قال عليه السّلام : أبو مريم ؟ قال : نعم . قال : ما جاء بك ؟ قال : لم آتك لحاجة ، و لكنّي

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٢ : ١٢١ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ١٦٧ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٧٥ .

( ٤ ) الغارات للثقفي ١ : ٦٨ .

أرى لو ولوك أمر هذه الامّة أجزأته . قال : يا أبا مريم ، أنا صاحبك الذي عهدت ،

و لكنّي منيت بأخبث قوم على وجه الأرض ، أدعوهم إلى الأمر فلا يتّبعوني ،

فإذا تابعتهم على ما يريدون تفرّقوا عنّي .

« إن امهلتم خضتم » الأصل في الخوض : الدخول في الماء ، و يأتي للدخول في حديث الناس .

« و إن حوربتم خرتم » من : خار يخور ، أي : ضعفتم و انكسرتم .

« و إن اجتمع النّاس على إمام طعنتم » و في نسخة ابن ميثم ١ : « ظعنتم » .

« و إن اجئتم » أي : جي‏ء بكم .

« إلى مشاقّة » أي : مغالظة العدو .

« نكصتم » أي : رجعتم على أعقابكم .

« لا أبا لغيركم » أي : الرداءة لغيركم .

« ما تنظرون » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( ما تنتظرون ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« بنصركم ربّكم » هكذا في ( المصرية ) ، و كلمة ( ربّكم ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« و الجهاد على حقكم » لأنّهم كانوا هم المسلمين دون معاوية و أصحابه ،

فبلاد الإسلام كان واجبا أن تكون تحت أيديهم ، يعني مع إمارته عليه السّلام .

« لئن جاء يومي » جاء عليه السّلام ب ( إن ) الموضوعة للشك لكون جوابه « ليفرّقن . . . » غير متحقق الوقوع دون شرطه ، و لذا جاء بالاستدراك و قال :

« و ليأتينّي » بالتشديد .

« ليفرّقن بيني و بنيكم و أنا » الواو للحالية .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٧٥ .

« لكم » هكذا في ( المصرية ) ١ ، و الصواب : ( لصحبتكم ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« قال » من القلى ، أي : مبغض .

« و بكم غير كثير » قال الكراجكي في ( كنزه ) : روى أنّ هذه الأبيات له عليه السّلام :

أخذتكم درعا حصينا لتدفعوا

سهام العدى عنّي فكنتم نصالها

فإن أنتم لم تحفظوا لمودّتي

ذماما فكونوا لا عليها و لا لها

قفوا موقف المعذور عنّي بجانب

و خلّوا بنا للعدى و نبالها

« للّه أنتم أما دين يجمعكم ، و لا حمية تشحذكم » من : شحذت السكين ، إذا حددته ، و مرّ في سابقه بلفظ « تحمشكم » .

« أ و ليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة » جمع الجافي ، أي : الغلاظ .

« الطغام » أرذال الناس و أوغادهم ، قال :

فما فضل اللبيب على الطغام

« فيتبعونه على غير معونة و لا عطاء » قال ابن أبي الحديد ٤ : المعونة للجند : شي‏ء يسير برسم ترميم أسلحتهم و إصلاح دوابّهم ، و يكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا .

قلت : العطاء أيضا أعمّ من فرض الشهر ، إنّما فرض الشهر يقال له :

الرزق ، و لازم ما قال من كون العطاء الشي‏ء المفروض أن يكون جند معاوية بدون أرزاق ، و هو غير ممكن ، و إنّما لم يكن يعطيهم عطايا زائدة و معونات زائدة .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٢ : ١٢١ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٦٧ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٣ : ٣٧٥ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٧١ .

« و أنا أدعوكم و أنتم تريكة الإسلام » قال ابن أبي الحديد ١ : التريكة : بيضة النعام تتركها في مجتمها ، أي : أنتم خلف الإسلام و بقيّته كالبيضة التي يتركها النعامة .

و تبعه من تأخّر عنه و هو خطأ ، فبيضة النعامة رذيلة لا فضيلة ، فمن أمثال العرب : أرذل من بيضة النعامة . قال الكرماني في ( أمثاله ) تترك النعامة بيضتها في فلاة من الأرض فلا ترجع إليها . . . .

و الصواب : أنّها بمعنى البقيّة ، ففي ( النهاية ) ٢ في حديث الحسن : « ( إنّ للّه ترائك في خلقه ) أراد امورا أبقاها اللّه في العباد . . . » فيكون المعنى : أنتم الذين ترككم الإسلام من أفراده و ملّته .

« و بقية الناس » قال ابن أبي الحديد ٣ : هذا الكلام في غاية اللطف ، و معناه :

أنّ باقي الناس غير اتباعه لا يقال لهم : الناس ، لعدم وجود الإنسانية فيهم ،

فكأنّ الناس انقرضوا إلاّ أتباعه عليه السّلام فهم بقيّتهم التي بقوا منهم .

« إلى المعونة و طائفة من العطاء ، فتتفرقون عنّي و تختلفون عليّ » روى ( غارات الثقفي ) ٤ خطبته عليه السّلام في غارة بسر إلى أن قال إنّ من ذلّ المسلمين و هلاك الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأرذال و الأشرار فيجاب ،

و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون ، ما هذا بفعل المتّقين .

قال ابن أبي الحديد ٥ : كان معاوية يعطي الرؤساء و لا يعطي الأتباع ،

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٧١ .

( ٢ ) النهاية ١ : ١٨٨ .

( ٣ ) لم نعثر على نص العبارة في الفصل .

( ٤ ) الغارات للثقفي ٢ : ٦٢٥ .

( ٥ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٧١ .

و أمّا هو عليه السّلام فكان يقسم بين الرؤساء و الأتباع ، و لا يرى لشريف على مشروف فضلا .

قلت : روى الثقفي ١ : أنّ أشراف الكوفة كانوا غاشّين له عليه السّلام و كان هواهم مع معاوية لأنّه عليه السّلام كان لا يعطي أحدا من الفي‏ء أكثر من حقّه ، و كان معاوية جعل الشرف في العطاء ألفي درهم .

ثمّ كان عجبا كما قال عليه السّلام و فوق العجب أنّ معاوية و كان معدن كلّ فجور و كفر ، و منكرا للكتاب و السنّة لمّا أراد بالصورة و الخدعة أن يبايعه الناس على الكتاب و السنة يقول له مالك بن هبيرة الكندي من رجال الشام :

جعلت للسفهاء مقالا ، ابسط يدك ابايعك على ما أحببنا و كرهنا :

ألا كلّ ملك ضمّه الشرط هالك

و ينكر جمع منهم بيعة عدّة له عليه السّلام على أنّهم أولياء من و إلى و أعداء من عادى ، مع أنّه عليه السّلام كان مظهر الكتاب و السنّة قولا و عملا .

« إنّه لا يخرج إليكم من أمري رضا فترضونه ، و لا سخط فتجتمعون عليه » قال ابن أبي الحديد ٢ : يعني أنّكم لا تقبلون ممّا أقول لكم شيئا ، سواء كان ممّا يرضيكم أو يسخطكم .

قلت : بل يعني عليه السّلام أنّه كلّ ما خرج إليكم من أمري شي‏ء فيه رضاي ،

و كان الواجب عليكم الرضا به لا ترضونه ، و كلّ ما خرج إليكم من أمري شي‏ء فيه سخطي ، و كان الواجب عليكم أن تسخطوا منه جميعا لا تجتمعون على السخط منه ، و ما قاله من عدم رضاهم بما يرضيهم لا معنى له .

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ١ : ٤٤ ٤٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد : ٧١ .

و روى ( غارات الثقفي ) ١ في غارة الغامدي : أنّه عليه السّلام قال في خطبته : قد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت ، و راجعتموني بالهزء من قولكم حتى برمت ،

هزء من القول لا يعاذ به ، و خطل لا يعزّ أهله ، و لو وجدت بدّا من خطابكم و العتاب إليكم ما فعلت ، فردوا خيرا و افعلوه ، و ما أظن أن تفعلوا .

« و إنّ أحبّ ما أنا لاق إليّ الموت » هكذا في النسخ ، و كأنّه محرف : ( و إنّ أحب ما أنا لاقيه الموت ) .

و كيف كان ، ففي ( العقد ) قالت الحكماء : أشدّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت ، و أطيب من العيش ما إذا فارقته أبغضت له العيش .

« قد دارستكم الكتاب » قال ابن أبي الحديد ٢ : أي دارسته عليكم . دارست الكتب و تدارستها و ادرستها و درستها بمعنى ، و هي من الألفاظ القرآنية .

قلت : لم نقف على من ذكر ( ادرس ) و إنّما في القرآن مجردة : ( درست و درسوا و تدرسون ) ثم الظاهر أنّ المراد : علّمتكم درس القرآن و تفسيره ، فإنّ الأصل في تفسيره هو عليه السّلام .

« و فاتحتكم الحجاج » أي : فتحت لكم أبواب المحاجّة في الدين ، و هو عليه السّلام أوّل من علّم الناس الاحتجاج في دين اللّه ، و قال ابن أبي الحديد ٣ : أي حاكمتكم بالمحاجّة ، و هو كما ترى .

« و عرّفتكم ما أنكرتم » ممّا لبسه المتقدّمون عليه ، على الناس .

« و سوغتكم » الأصل فيه : ساغ الشراب : سهل مدخله في الحلق .

« ما مججتم » و الأصل في المج : مج الشراب من فيه ، إذا رمى به ، و المراد :

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٧٤ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٧٢ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٧٢ .

ردّهم إلى السنن من بدع المتقدّمين عليه .

« لو كان الأعمى يلحظ » أي : يبصر .

« و النائم يستيقظ » أي : يسمع و يفهم ، أي : كما أنّ لحظ الأعمى و تيقّظ النائم محال ، كذلك محال أن تفهموا بعد أن دارستكم الكتاب ، و فاتحتكم الحجاج و عرّفتكم ما أنكرتم و سوّغتكم ما مججتم مقامي و أنّي من جعله اللّه إماما للناس ، و أنّ المتقدّمين عليه كانوا ضالّين . . . أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ١ .

و قال ابن أبي الحديد ٢ : أيضا : معنى الكلام قد فعلت معكم ما يقتضي حصول الاعتقادات الحقيقية في أذهانكم ، لو أزلتم عن قلوبكم ما يمنع من حصولها ، من الهوى و العصبية و الإصرار على اللجاج ، و محبّة نصرة عقيدة قد سبقت إلى القلب ، و زرعها فيه التعصّب و مشقّة مفارقة الاسلاف الذين قد انغرس في النفس تعظيمهم ، و مالت القلوب إلى تقليدهم لحسن الظن بهم .

« و أقرب بقوم من الجهل باللّه قائدهم معويه ، و مؤدّبهم ابن النابغة » أي :

عمرو بن العاص ، و في ( الطبري ) ٣ عن زيد بن وهب : مرّ عليّ عليه السّلام في صفّين على جماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة و هم يشتمونه ، فخبر بذلك فوقف في من يليهم من أصحابه فقال : انهدوا إليهم و عليكم السكينة و وقار الإسلام و سيماء الصالحين ، فو اللّه لأقرب قوم من الجهل قوم قائدهم و مؤدبهم معاوية و ابن النابغة و أبو أعور السلمي ، و ابن أبي معط شارب الخمر المجلود حدّا في الإسلام ، و هم أوّل من يقومون فينقصونني .

ــــــــــــ

( ١ ) يونس : ٣٥ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٠ : ٧٢ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٤٥ .

و في ( طرائف ابن طاووس ) عن بعضهم في معاوية و عمرو في تغييرهما السنّة في التختم من اليمين إلى الشمال :

سنّ التختّم في اليمين محمّد

للقائلين بدعوة الإخلاص

فسعى ابن هند في إزالة رسمه

و أعانه في ذلك ابن العاص

هذا ، و لابن أبي نعيم في يحيى بن أكثم القاضي و الخليفة العباسي و امرائهم :

أميرنا يرتشي و حاكمنا

يلوط و الراس شرّ ما راس

قاض يرى الحدّ في الزنا و لا

يرى على من يلوط من باس

ما أحسب الجور ينقضي و على

الامّة وال من بني العبّاس

٨

الخطبة ( ٦٦ ) و من كلام له عليه السّلام لمّا قلّد محمّد بن أبي بكر مصر فملكت عليه فقتل :

وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ ؟ مِصْرَ ؟ ؟ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ ؟ وَ لَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ اَلْعَرْصَةَ وَ لاَ أَنْهَزَهُمُ اَلْفُرْصَةَ بِلاَ ذَمٍّ ؟ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ؟ فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً وَ كَانَ لِي رَبِيباً أقول : قال ابن أبي الحديد ١ : روى المدائني : أنّ عليّا عليه السّلام قال : رحم اللّه محمدا ، كان غلاما حدثا ، لقد كنت أردت أن اولّي المرقال هاشم بن عتبة مصرا ، فإنّه و اللّه لو وليها ما خلّى لابن العاص و أعوانه العرصة ، و لا قتل إلاّ و سيفه في يده ، بلا ذمّ لمحمّد ، فلقد أحمد نفسه و قضى ما عليه .

قلت : و روى الطبري ٢ عن أبي مخنف مثله ، لكن فيه : « و أعوانه الفجرة » ،

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ٩٣ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ١١٠ .

و فيه : « فقد اجتهد نفسه » .

قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام لمّا قلّد » قال الجوهري : « قلّدت المرأة فتقلدت هي » . و منه التقليد في الدين ، و تقليد الولاة الأعمال .

« محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه فقتل » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( و قتل ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد ٤ نقل مقتله من ( غارات الثقفي ) ٥ ، و أنقله من ( تاريخ الطبري ) ٦ ، فروى عن أبي مخنف : أنّ أهل الشام لمّا انصرفوا من صفّين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان ، فلمّا انصرفا و تفرّقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة و لم يزدد إلاّ قوّة ، و اختلف الناس بالعراق على عليّ عليه السّلام ، فما كان لمعاوية هم إلاّ مصر ، و كان لأهلها خائفا لقربهم منه و شدّتهم على من كان على رأي عثمان ، و قد كان على ذلك علم أنّ بها قوما ساءهم قتل عثمان و خالفوا عليّا عليه السّلام ، و كان يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب عليّ لعظم خراجها ، فدعا من كان معه من قريش : عمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة و بسر بن أبي أرطاة و الضحّاك بن قيس و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، و من غيرهم : أبا الأعور السلمي و حمزة بن مالك الهمداني و شرحبيل الكندي ، فقال لهم : أتدرون لم دعوتكم ؟ فقال عمرو : أهمّك أمر هذه البلاد الكثير خراجها و الكثير عددها ، فاعزم و اقدم ، و نعم الرأي رأيت .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ١١٣ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ٥٣ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٨٦ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ٨٤ ٨٧ .

( ٥ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٧٠ .

( ٦ ) تاريخ الطبري ٥ : ٩٧ .

فقال معاوية : رأيتم كيف صنع اللّه بكم ؟ جاءكم عدوّكم و هم لا يرون إلاّ أنّهم سيقيضون بيضتكم و يخرّبون بلادكم . فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري و إلى معاوية بن حديج الكندي و كانا خالفا عليّا عليه السّلام :

فاصبروا و صابروا عدوّكما ، و ادعوا المدبر هداكما و كأن الجيش قد أظل عليكما ، فانقشع كلّ ما تكرهان و كان كلّ ما تهويان إلى أن قال في جواب مسلمة لمعاوية عجّل علينا خيلك و رجلك فإنّ عدوّنا قد كان علينا حربا و كنّا فيهم قليلا ، فقد أصبحوا لنا هائبين و أصبحنا لهم مقرنين ، فإن يأتنا اللّه بمدد من قبلك يفتح اللّه عليكم إلى أن قال فبعث معاوية عمرا في ستة آلاف رجل فخرج يسير حتى نزل أدنى أرض مصر ، فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم و كتب إلى محمّد بن أبي بكر : تنحّ عنّي بدمك يا بن أبي بكر فإنّي لا احب أن يصيبك منّي ظفر ، إنّ النّاس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك و رفض أمرك و ندموا على اتباعك ، فهم مسلّموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإنّي لك من الناصحين . و بعث عمرو كتابه مع كتاب معاوية إلى محمّد ، و في كتاب معاوية : إنّ غب البغي و الظلم عظيم الوبال ، و إنّ سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا و من التبعة الموبقة في الآخرة ، و إنّا لا نعلم أحدا كان على عثمان أعظم بغيا و لا أسوأ له عيبا و لا أشدّ خلافا عليه منك ، سعيت عليه في الساعين و سكفت دمه في السافكين ، ثمّ تظنّ أنّي عنّك نائم أو ناس لك ، حتى تؤمّر فتأمر على بلاد أنت فيها جاري و جلّ أهلها أنصاري ، يرون رأيي و يرقبون قولي و يستصرخوني عليك ؟ و قد بعثت إليك أقواما خناقا عليك ، يستسقون دمك و قد أعطوا اللّه عهدا ليمثّلن بك ، و لو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك و لا أنذرتك و لا أحببت أن يقتلوك بظلمك و قطيعتك و عدوك على عثمان ، يوم تطعن بمشاقصك بين خششائه و أوداجه ، و لكن

أكره أن امثّل بقرشي ، و لن يسلّمك اللّه من القصاص أبدا أينما كنت . فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما و بعث بهما إلى عليّ عليه السّلام و كتب معهما : إنّ ابن العاص قد نزل أدنى أرض مصر في لجب من جيش خرب ، و إنّ من كان بها على مثل رأيه خرج إليه ، و قد رأيت ممّن قبلي بعض الفشل ، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال و الأموال . فكتب إليه عليّ عليه السّلام : جاءني كتابك تذكر أنّ ابن العاص نزل بأدنى أرض مصر ، و أنّ من كان بها على مثل رأيه خرج إليه ، و خروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك ، و ذكرت أنّك قد رأيت في بعض ممّن قبلك فشلا ، فلا تفشل و إن فشلوا ، حصّن قريتك و اضمم إليك شيعتك ، و اندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنّصيحة و النجدة و البأس ، فإنّي نادب إليك النّاس على الصعب و الذلول ، فاصبر لعدوّك و امض على بصيرتك ، و قاتلهم على نيّتك و جاهدهم صابرا محتسبا ، و إن كانت فئتك أقل الفئتين فإنّ اللّه قد يعزّ القليل و يخذل الكثير . و قد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية و الفاجر ابن الكافر عمرو ، المتحابّين في عمل المعصية و المتوافقين المرتشين في الحكومة ، المنكرين في الدنيا ( قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم ) ١ ، فلا يهلك إرعادهما و إبراقهما و أجبهما ، إن كنت لم تجبهما بما هما أهله فإنّك تجد مقالا ما شئت .

فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه : أتاني كتابك تذكّرني من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه ، و تأمرني بالتنحّي عنك كأنّك لي ناصح ،

و تخوّفني المثلة كأنّك شفيق ، و أنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقعة ، و أن تؤتوا النصر و يكن لكم الأمر في الدنيا ، فكم لعمري ما من

ــــــــــــ

( ١ ) اقتباس من سورة التوبة : ٦٩ .

ظالم قد نصرتم ، و كم من مؤمن قد قتلتم و مثّلتم به ، و إلى اللّه مصيركم و مصيرهم ، و إلى اللّه مرد الامور و هو أرحم الراحمين و هو المستعان على ما تصفون .

و كتب إلى عمرو : زعمت أنّك تكره أن يصيبني منك ظفر ، و أشهد أنّك من المبطلين ، و تزعم انّك لي نصيح ، و اقسم أنك عندي ظنين ، و تزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي و ندموا على اتباعي ، فاولئك لك و للشيطان الرجيم أولياء ، و حسبنا اللّه رب العالمين .

فأقبل عمرو حتى قصد مصر ، فقام محمد في الناس فقال : معاشر المسلمين و المؤمنين ، إنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة و ينعشون الضلال ، و يشبّون نار الفتنة و يتسلّطون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة و ساروا إليكم بالجنود . عباد اللّه ، فمن أراد الجنّة و المغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم . فلمّا دنا عمرو من كنانة سرّح الكتائب كتيبة بعد كتيبة ،

فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلاّ شدّ عليها بمن معه حتى يقربها بعمرو ، فعل ذلك مرارا ، فلمّا رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج فأتاه في مثل الدّهم ،

فأحاط بكنانة و أصحابه و اجتمع أهل الشام عليهم من كلّ جانب ، فلمّا رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه و نزل أصحابه و كنانة يقول : و ما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن اللّه كتابا مؤجّلا و من يرد ثواب الدنيا نؤته منها و من يرد ثواب الآخرة نؤته منها و سنجزي الشاكرين ١ . فضاربهم بسيفه حتى استشهد .

و أقبل عمرو نحو محمّد و قد تفرّق عنه أصحابه لمّا بلغهم قتل كنانة حتى بقي و ما معه أحد من أصحابه ، فلمّا رأى ذلك خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها ، و جاء عمرو حتى دخل

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ١٤٥ .

الفسطاط ، و خرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق ، فسألهم : هل مرّ بكم أحد تنكرونه ؟ فقال أحدهم : إنّي دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس . فقال ابن حديج : هو و ربّ الكعبة . فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه و قد كاد يموت عطشا ، فأقبلوا به نحو فسطاط مصر ، و وثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو و كان في جنده فقال : أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه . فبعث إليه عمرو يأمره أن يأتيه بمحمد ، فقال : قتلتم كنانة و اخلّي أنا عن محمد ؟ هيهات أ كفاركم خير من اولئكم أم لكم براءة في الزبر ١ ؟ فقال لهم محمد :

اسقوني . فقال ابن حديج : لا سقاه اللّه ان سقاك قطرة أبدا ، إنّكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما ، فتلقاه اللّه بالرحيق المختوم ، و اللّه لأقتلنّك يا بن أبي بكر فيسقيك اللّه الحميم و الغسّاق . فقال له محمد : يابن اليهودية النسّاجة ، ليس ذلك إليك و لا إلى من ذكرت ، إنّما ذلك إلى اللّه عز و جل ،

يسقي أولياءه و يظمى‏ء أعداءه أنت و ضرباؤك و من تولاه ، أما و اللّه لو كان سيفي في يدي ما بلغتم منّي هذا . قال له ابن حديج : أتدري ما أصنع بك ؟ ادخلك في جوف حمار ثم احرقه عليك بالنار . فقال له محمد : إن فعلتم ذلك بي فطالما فعل ذلك بأولياء اللّه ، و إنّي لأرجو هذه النار التي تحرقني بها ، أن يجعلها اللّه عليّ بردا و سلاما كما جعلها على خليله إبراهيم عليه السّلام ، و إن يجعلها عليك و على أوليائك كما جعلها على نمرود و أوليائه ، إنّ اللّه يحرقك و من ذكرته قبل يعني : عثمان و امامك يعني : معاوية و هذا و أشار إلى عمرو بنار تلظى عليكم كلّما خبت زادها اللّه سعيرا . قال له ابن حديج : إنّي إنّما أقتلك بعثمان . قال له محمد . و ما أنت و عثمان ؟ إنّ عثمان عمل بالجور و نبذ حكم القرآن ، و قد قال

ــــــــــــ

 ( ١ ) القمر : ٤٣ .

تعالى : و من لم يحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الفاسقون ١ فنقمنا عليه ذلك ،

و حسنت أنت و نظراؤك له ذلك ، فقد برّأنا اللّه تعالى من ذنبه ، و أنت شريكه في إثمه و عظم ذنبه و جاعلك على مثاله . فغضب ابن حديج فقدمه فقتله ، ثمّ ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار .

قوله عليه السّلام : « و قد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة » إنّ هاشما و إن كان قتل في صفّين سنة ( ٣٧ ) و قتل محمّد بن أبي بكر في مصر كان في سنة ( ٣٨ ) إلاّ أنّ توليته عليه السّلام لمحمّد كان قبل صفّين بعد عزل قيس بن سعد بن عبادة عنها ،

و أراد عليه السّلام تولية هاشم فطلب منه عليه السّلام ابن أخيه عبد اللّه بن جعفر أخو محمّد لامّه تولية محمّد .

« و لو ولّيته » أي : هاشما .

« إيّاها » يعني : مصر .

« لما خلّى لهم العرصة » قال ابن دريد : عرصة الدار : ما لا بناء فيه . و مثله الجوهري ، و في ( الأساس ) : قال النضر : لو جلست في بيت من بيوت الدار كنت جالسا في العرصة ، بعد ألاّ تكون في العلو .

و كيف كان ، فعدم تخلية العرصة كناية عن عدم اعطائهم المهلة .

« و لا أنهزهم الفرصة » يعني : لا يعطيهم فرصة يغتنمونها ، هذا ، و قد عرفت أنّ الطبري و المدائني رويا بدل « و لا أنهزهم الفرصة » : « و لمّا قتل إلاّ و سيفه في يده » .

هذا ، و هاشم ابن أخي سعد بن أبي وقاص و في ( الاستيعاب ) ٢ كانت راية عليّ عليه السّلام على الرجّالة يوم صفّين بيده ، و هو القائل يوم صفّين :

ــــــــــــ

( ١ ) المائدة : ٤٧ .

( ٢ ) الاستيعاب ٣ : ٦١٩ ٦٢٠ .

أعور يبغي أهله محلاّ

قد عالج الحياة حتى ملاّ

لا بد أن يفلّ أو يفلاّ

و قطعت رجله يومئذ ، فجعل يقاتل من دنا منه و هو بارك و يقول :

الفحل يحمي شوله معقولا

و قاتل حتى قتل .

و في ( صفّين نصر ) ١ : و لمّا سقط هاشم من طعنة شقّت بطنه رفع رأسه فاذا هو بعبيد اللّه بن عمر بن الخطاب قتيلا إلى جانبه ، فجثا حتى دنا منه فعضّ على ثديه حتى تبيّنت فيه أنيابه ، ثمّ مات و هو على صدر عبيد اللّه .

و فيه ٢ : كان عليّ عليه السّلام قال لهاشم كهيئة المازح : أبا هاشم ، أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا ؟ فقال : ستعلم يا أمير المؤمنين ، و اللّه لألفنّ بين جماجم القوم لفّ رجل ينوي الآخرة . . . .

و فيه ٣ : مرّ عليّ عليه السّلام يوم صفّين على هاشم و على عصابة من أسلم من القراء اصيبوا معه فقال :

جزى اللّه خيرا عصبة أسلمية

صباح الوجوه صرّعوا حول هاشم

و في ( الاستيعاب ) ٤ : فقئت عينه يوم اليرموك ، و افتتح جلولاء الذي يقال له : فتح الفتوح ، و كان سبب الفتح على المسلمين في القادسية .

« بلا ذم لمحمّد » لأنّه جاهد حتى لم يبق معه أحد .

« فلقد كان إليّ حبيبا و كان لي ربيبا » هكذا رواية المصنّف ، و قد عرفت أنّ المدائني و الطبري رويا بدل هذا الكلام : « فلقد اجتهد نفسه و قضى ما عليه »

ــــــــــــ

( ١ ) صفّين لنصر بن مزاحم : ٣٥٥ .

( ٢ ) صفّين لنصر بن مزاحم : ٣٢٧ .

( ٣ ) صفّين لنصر بن مزاحم : ٣٥٦ .

( ٤ ) الاستيعاب ٣ : ٦١٧ .

و هو الأنسب بقوله : « بلا ذم لمحمّد » دون ما نقله المصنّف ، فحبيب الإنسان كربيبه قد يكون مذموما ، قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله : إنّك لا تهدي من أحببت . . . ١ .

و الظاهر أنّه عليه السّلام قال هذا الكلام ، غير متصل بذلك الكلام فقال المدائني:

قيل لعليّ عليه السّلام : لقد جزعت على محمّد بن أبي بكر ؟ فقال : و ما يمنعني ؟ إنّه كان لي ربيبا ، و كان لي أخا ، و كنت له والدا . أعدّه ولدا و مثله المسعودي ٢ فقال :

قال عليه السّلام : ما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه ، كان لي ربيبا و كنت أعدّه ولدا ، كان بي برّا . . . .

و كيف كان ، كان محمّد ربيبه عليه السّلام لأنّه تزوّج بامّه أسماء بنت عميس و ربّاه عليه السّلام لأنّه كان يوم موت أبيه ابن ثلاث ، و في ( الكشي ) : كانت نجابته من قبل امّه أسماء .

و في ( المروج ) ٣ : لمّا وصل محمّد إلى مصر بعد قيس كتب إلى معاوية بعد ذكر بعث اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله : فكان أوّل من أجاب و أناب و آمن و صدّق و أسلم و سلّم : أخوه و ابن عمّه عليّ بن أبي طالب ، صدّقه بالغيب المكتوم و آثره على كلّ حميم ، و وقاه بنفسه كلّ هول و حارب حربه و سالم سلمه ، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل و النهار و الخوف و الجوع ، حتى برز سابقا لا نظير له في من اتّبعه و لا مقارب له في فعله ، و قد رأيتك تساميه و أنت أنت و هو هو ، أصدق الناس نيّة و أفضل الناس ذرية ، و خير الناس زوجة و أفضل الناس ابن عمّ و أخوه الشاري بنفسه يوم موته ، و عمّه سيد الشهداء

ــــــــــــ

( ١ ) القصص : ٥٦ .

( ٢ ) المسعودي ٢ : ٤٠٩ .

( ٣ ) مروج الذهب ٣ : ١١ .

يوم احد و أبوه الذابّ عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و عن حوزته ، و أنت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت و أبوك تبغيان للنبي صلّى اللّه عليه و آله الغوائل ، و تجهدان في إطفاء نور اللّه ،

تجمعان على ذلك الجموع و تبذلان فيه المال و تؤلّبان عليه القبائل ، على ذلك مات أبوك و عليه خلفته ، و الشهيد عليك من يدنى و يلجأ إليك من بقية الأحزاب و رؤساء النفاق ، و الشاهد لعليّ عليه السّلام مع فضله المبين القديم انصاره الذين معه ، الذين ذكرهم اللّه بفضلهم و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار ، فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعليّ عليه السّلام و هو وارث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و وصيّه و أبو ولده ، أوّل الناس له اتباعا و أقربهم به عهدا ، يخبره بسرّه و يطلعه على أمره ،

 أنت عدوّه ؟ فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك و ليمددك ابن العاص في غوايتك ، فكأنّ أجلك قد انقضى إلى أن قال فكتب : من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمّد بن أبي بكر : أتاني كتابك و لأبيك فيه تعنيف ، ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب و قديم سوابقه و قرابته إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و مواساته إيّاه في كلّ هول و خوف ، فقد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب و حقّه لازما لنا مبرورا علينا ، فلمّا قبض اللّه نبيّه كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه حقّه و خالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا و اتّسقا ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما ، فأبطأ عنهما و تلكأ عليهما ، فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم ، ثم إنّه بايع لهما و سلّم لهما ، و أقاما لا يشركانه في أمرهما و لا يطلعانه على سرّهما حتى قبضا ، ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما و سار بسيرهما إلى أن قال و قس شبرك بفترك تقصر أن توازن من يزن الجبال بحلمه ، أبوك مهّد مهاده و بنى له ملكه و شاده ، فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك استبد به و نحن شركاؤه ، و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلّمنا إليه ، و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثاله ، فعب أباك بما بدا لك ، أو دع ذلك .

٩

الكتاب ( ٣٥ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ ؟ مِصْرَ ؟ قَدِ اِفْتُتِحَتْ وَ ؟ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ؟ رَحِمَهُ اَللَّهُ قَدِ اُسْتُشْهِدَ فَعِنْدَ اَللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً وَ عَامِلاً كَادِحاً وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ رُكْناً دَافِعاً وَ قَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ اَلنَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ اَلْوَقْعَةِ وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً فَمِنْهُمُ اَلْآتِي كَارِهاً وَ مِنْهُمُ اَلْمُعْتَلُّ كَاذِباً وَ مِنْهُمُ اَلْقَاعِدُ خَاذِلاً وَ أَسْأَلُ اَللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلاً فَوَاللَّهِ لَوْ لاَ طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي اَلشَّهَادَةِ وَ تَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى اَلْمَنِيَّةِ لَأَحْبَبْتُ أَلاَّ أَبْقَى مَعَ هَؤُلاَءِ يَوْماً وَاحِداً وَ لاَ أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً أقول : رواه الطبري في ( تاريخه ) ١ و الثقفي في ( غاراته ) ٢ بدون قوله :

« ولدا ناصحا و عاملا كادحا و سيفا قاطعا و ركنا دافعا » .

و رويا ٣ أيضا جواب ابن عباس لكتابه عليه السّلام : رحم اللّه محمّد بن أبي بكر و آجرك فيه ، و قد سألت اللّه أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا و مخرجا ، و أن يعزّك بالملائكة عاجلا بالنصرة ، فإنّ اللّه صانع لك ذلك و معزّك و مجيب دعوتك و كابت عدوّك ، اخبرك يا أمير المؤمنين أنّ الناس ربّما تثاقلوا ثم ينشطون ، فارفق بهم . قال الثاني و روي أنّ ابن عباس قدم

ــــــــــــ

( ١ ) التاريخ للطبري ٥ : ١٠٩ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٩٩ .

( ٣ ) الغارات للثقفي ١ : ٣٠٠ .

من البصرة عليه عليه السّلام فعزّاه به .

و رويا ١ أيضا : أنّه عليه السّلام قام في الناس خطيبا و قال : ألا إنّ مصر قد افتتحها الفجرة اولو الجور و الظلم ، الذين صدوا عن سبيل الإسلام و بغوا الإسلام عوجا ، ألا و إنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمه اللّه فعند اللّه نحتسبه ، أما و اللّه أن كان ما علمت : لممّن ينتظر القضاء و يعمل للجزاء و يبغض شكل الفاجر و يحب هدى المؤمن .

و روى الكليني في ( رسائله ) : أنّ الناس سألوه عن أبي بكر و عمر و عثمان فغضب عليه السّلام و قال : قد تفرغتم للسؤال عمّا لا يعنيكم ، و هذه مصر قد افتتحت و قتل معاوية بن حديج محمّد بن أبي بكر ، فيالها من مصيبة ما أعظمها فو اللّه ما كان إلاّ كبعض بني . و قريب منه في ( خلفاء القتيبي ) .

قول المصنف : « و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس » هكذا في ( المصرية ) ٢ و زاد ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ٤ بعده : « رحمه اللّه » .

« بعد مقتل محمّد بن أبي بكر » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط فزاد ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) بعده : « بمصر » .

قوله عليه السّلام : « أمّا بعد ، فإنّ مصر قد افتتحت » و كان فتحها في سنة ( ٣٨ ) .

« و محمّد بن أبي بكر قد استشهد » قتل صبرا ثم احرق ، و إنّما قتلوه هكذا لكونه شيعته ، و ما دافع عنه أخوه لأبيه عبد الرحمن بن أبي بكر لذلك ، و إنّما قال لفظا لابن العاص : أتقتلون أخي صبرا . و لو لم يكن شيعته عليه السّلام لمّا قتلوه لكونه ابن أبي بكر و لأخيه عبد الرحمن و لاخته عايشة .

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ١ : ٢٩٥ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٣ : ٦٧ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ١٤٥ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٧٦ .

« فعند اللّه نحتسبه » فقد عرفت أنّ مصيبته كانت عليه عليه السّلام عظيمة حتى رؤي ذلك في وجهه .

« ولدا ناصحا » فإنّ الربيب كالولد .

« و عاملا كادحا » أي : مجدّا .

« و سيفا قاطعا و ركنا دافعا » كما عرفت في سابقه من كتابه إلى معاوية في شأنه .

« و قد كنت حثثت النّاس على لحاقه » و دركه .

« و أمرتهم بغياثه قبل الوقعة » أي : إيقاع العدوّ به .

« و دعوتهم سرّا و جهرا و عودا و بدءا » فقال عليه السّلام لهم لمّا جاءه صريخ محمّد:

أخرجوا إلى الجرعة و هي قرية بين الحيرة و الكوفة فوافوني بها هناك غدا .

ثم خرج عليه السّلام يمشي من الغد بكرة إلى الجرعة فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه أحد ، فرجع بالعشي إلى أشرافهم و أنّبهم ، فقام مالك بن كعب الأرحبي و قال : اندب الناس معي . فأمر مناديه أن ينتدبوا فخرج معه قليل نحو ألفي رجل ، فقال عليه السّلام له : سر فو اللّه ما أخا لك تدركوا القوم حتى ينقضي أمرهم . و قال عليه السّلام في خطبته بعد شهادة محمّد و أصحابه : و قد دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين ليلة ، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق .

« فمنهم الآتي كارها و منهم المعتل » أي : الآتي بالعلّة لتخلّفه كاذبا .

« و منهم القاعد خاذلا و أسأل اللّه » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( اسأل اللّه ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ) ٣ .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ٣ : ٦٧ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ١٤٥ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٧٦ .

« أن يجعل منهم » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( أن يجعل لي منهم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) .

« فرجا عاجلا ، فو اللّه لو لا طمعي عند لقائي عدوّي في الشهادة و توطيني نفسي على المنية » أي : الموت .

« لأحببت ألاّ أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ، و لا التقي بهم أبدا » و كان عليه السّلام غير مسرور من الناس بعد عملهم معه يوم السقيفة و لو كانوا مجدين معه ،

فقال عليه السّلام : « لو لا ما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أوّلها » و كيف و قد عاملوه عليه السّلام تلك المعاملة ، و كان عملهم جزاء من اللّه تعالى لهم بعملهم في السقيفة و في يوم الدار . . . و ما ربك بظلام للعبيد ١ فأبدلهم اللّه به و بأهل بيته أهل بيت الرحمة بني اميّة الشجرة الملعونة في القرآن .

١٠

الخطبة ( ٦٧ ) و من كلام له عليه السّلام :

كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى اَلْبِكَارُ اَلْعَمِدَةُ وَ اَلثِّيَابُ اَلْمُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ أَ كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ وَ اِنْجَحَرَ اِنْجِحَارَ اَلضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا وَ اَلضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا اَلذَّلِيلُ وَ اَللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَ مَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ إِنَّكُمْ وَ اَللَّهِ لَكَثِيرٌ فِي اَلْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ اَلرَّايَاتِ وَ إِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَ يُقِيمُ أَوَدَكُمْ وَ لَكِنِّي لاَ أَرَى إِصْلاَحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي أَضْرَعَ اَللَّهُ خُدُودَكُمْ وَ أَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لاَ

ــــــــــــ

 ( ١ ) فصّلت : ٤٦ .

تَعْرِفُونَ اَلْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ اَلْبَاطِلَ وَ لاَ تُبْطِلُونَ اَلْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ اَلْحَقَّ أقول : لم يهتد أحد من الشرّاح إلى الأصل في هذه الخطبة ، و قد عرفت في السادس أنّ الأصل فيها في غارة النّعمان بن بشير على عين التمر ، و أنّ ابن أبي الحديد توهّم أنّ تلك الخطبة كانت في غارة النّعمان ، مع أنّ تلك كانت في مقتل محمّد بن أبي بكر في فتح مصر .

روى اليعقوبي في ( تاريخه ) ١ : أنّ معاوية وجّه النّعمان بن بشير فأغار على مالك بن كعب الأرحبي ، و كان عامل عليّ عليه السّلام على مسلحة عين التمر ،

فندب عليّ عليه السّلام الناس فقال : يا أهل الكوفة انتدبوا إلى أخيكم مالك بن كعب، فإنّ النّعمان بن بشير قد نزل به في جمع ليس بكثير ، لعلّ اللّه أن يقطع من الظالمين طرفا . فأبطؤوا و لم يخرجوا فصعد المنبر فتكلّم كلاما خفيّا لم يسمع ، فظنّ الناس أنّه عليه السّلام يدعو اللّه ، ثم رفع صوته فقال : أما بعد ، يا أهل الكوفة ، أكلّما أقبل منسر من مناسر أهل الشام أغلق كلّ امرى‏ء منكم بابه ،

و انجحر في بيته انجحار الضب و الضبع في و جاره ؟ افّ لكم لقد لقيت منكم برحا ، يوما اناجيكم و يوما اناديكم ، فلا إخوان عند النجاء و لا أحرار عند النداء .

ثم دخل بيته فقام عدي بن حاتم و قال للناس : هذا و اللّه الخذلان القبيح .

و روى الطبري ٢ مسندا عن شيخ من بني فزارة قال : بعث معاوية النّعمان بن بشير في ألفين فأتوا عين التمر إلى أن قال فانتهيت إلى عليّ عليه السّلام على المنبر ، و قد سبقني بالتشهد و هو يقول : يا أهل الكوفة ، كلّما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام أظلكم الجحر كلّ امرى‏ء منكم في بيته و أغلق بابه ، انجحار الضب في جحره و الضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩٥ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٣ .

و من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، لا أحرار عند اللقاء و لا إخوان ثقة عند النجاء ، ما ذا منيت به منكم ؟ عمى لا تبصرون و بكم لا تنطقون و صمّ لا تستمعون ، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون .

لكنّ المستندين خاليان من صدر العنوان إلى « تهتكت من آخر » و إنّما ذكره ( الإرشاد ) ١ في غارة الضحّاك لا هنا .

« و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ٢ و فيها سقط ، فبعده « في ذمّ أصحابه » كما يشهد له ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ٤ و ( الخطية ) .

قوله عليه السّلام : « كم اداريكم كما تدارى البكار » بالكسر : جمع البكر ، بالفتح:

الفتي من الإبل .

« العمدة » أي : المنفضخ داخل سنامها من الركوب و ظاهره صحيح ،

خص عليه السّلام من الإبل البكار المريضة لأن مداراتها أشدّ من مداراة المسنّة المريضة ، و قد شبّههم عليه السّلام في موضع آخر بالآبال من حيث آخر فقال : يا أشباه الإبل غاب عنها رعاؤها ، كلّما اجتمعت من جانب تفرّقت من جانب .

« و الثياب المتداعية » أي : ثياب تدعو كلّ قطعة منها الاخرى إلى الخرق .

« كلّما حيصت » أي : خيطت .

« من جانب تهتكت » أي : تخرّقت .

« من آخر » أي : من جانب آخر ، و للحمدوني في وصف طيلسان خرق منعق .

طيلسان لابن حرب

يتداعى لا مساسا

ــــــــــــ

( ١ ) الإرشاد ١ : ٢٧١ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ١١٣ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٠٢ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٨٨ .

قد طوى قرنا فقرنا

و اناسا فاناسا

كبس الأيّام حتى

لم يدع فيه لباسا

و لمّا خاف نصر بن مسلم عامل مروان بن محمّد على خراسان خروج أبي مسلم كتب إلى مروان يستنصره ، فأبطأ فأعاد عليه :

و الثوب إن أنهج فيه البلى

أعيى على ذي الحيلة الصانع

كنّا نداريها فقد مزّقت

و اتسع الخرق على الراقع

« كلّما أطل » بالمهملة ، أي : أشرف ، قال الشاعر :

انا البازي المطل على نمير

« عليكم منسر » بالكسر : قطعة من الجيش يمرّ قدام الجيش الكثير ، قاله الجوهري . و قال ابن دريد : المنسر : ما بين الأربعين إلى الخمسين من الخيل .

« من مناسر أهل الشام أغلق كلّ رجل منكم بابه » و في ( الأغاني ) ١ في وقعة ذي قار : أقبلت الأعاجم يسيرون على تعبيد ، فلمّا رأتهم بنو قيس بن ثعلبة انصرفوا فلحقوا بالحي ، فاستخفوا فسمّي حي بني قيس بن ثعلبة : خفيا .

« و انجحر » بتقديم الجيم ، أي : اختفى .

« انجحار الضبة في جحرها » بتقديم الجيم : ثقبتها في الأرض التي تأوي إليها .

« و الضبع في وجارها » بالكسر و الفتح : سرب الضبع في الأرض ، و في ( أنساب البلاذري ) خرج الياس بن مضر منتجعا و معه أهله و ماله ، فدخلت بين إبله أرنب فنفرت الإبل ، فخرج عمرو بن الياس في طلبها فأدركها ، فسمّاه أبوه :

مدركة ، و خرجت ليلى خلف ابنها مهرولة فقال لها إلياس : إلى اين تخندفين ؟

فسمّيت : خندف ، و خرج عامر في طلب الأرنب فصادها و طبخها ، فقال له أبوه:

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني ٢٤ : ٦٨ .

أنت طابخة ، و رأى عميرا قد انقمع في المظلّة فهو يخرج رأسه منها ، فقال له :

أنت قمعة .

« و الذليل و اللّه من نصرتموه ، و من رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصل » و مرّ في العنوان الخامس : « المغرور و اللّه من غررتموه ، و من فاز بكم فقد فاز و اللّه بالسّهم الأخيب ، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل » و مرّ أنّ معنى أفوق ناصل : سهم منكسر لا نصل فيه .

في ( الأغاني ) : قال الحجاج يوما لجلسائه : ما حرّض عليّ أحد في خروج ابن الأشعث عليّ كما حرض أبو كلدة ، فإنّه نزل عن سرجه في وسط عسكر ابن الأشعث ثم نزع سراويله فوضعه و سلح فوقه و الناس ينظرون إليه ، فقالوا له ويلك أجننت ؟ ما هذا الفعل ؟ قال : كلكم قد فعلتم مثل هذا إلاّ أنّكم سترتموه و أظهرته . فشتموه و حملوا عليّ ، فما أنساهم و هو يقدمهم و يقول :

نحن جلبنا الخيل من زرنجا

مالك يا حجاج منّا منجى

لتبعجنّ بالسيوف بعجا

أو لنفرقن بذاك أحجى

فلقد كاد أهل الشام يومئذ يتضعضعون .

« و إنكم » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( إنّكم ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

« و اللّه لكثير في الباحات » أي : ساحات الديار .

« قليل تحت الرايات » قال ابن أبي الحديد ٤ : نظيره قول عويف القوافي :

أ لستم أقلّ الناس عند لوائهم

و أكثرهم عند الذبيحة و القدر

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ١١٤ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٠٢ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٨٨ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٠٦ .

و خرج ١ ابن سعيد العجلي في ثلاثين رجلا بظهر الكوفة فعطعطوا ،

و خالد القسري أمير العراق يخطب على المنبر ففرق و جعل يقول : اطعموني ماء. فقال ابن نوفل :

أخالد لا جزاك اللّه خيرا

و اير في حرامك من أمير

تروم الفخر في أعراب قسر

كأنّك من سراة بني جرير

جرير من ذوي يمن أصيل

كريم الأصل ذو خطر كثير

و امّك علجة و أبوك و غد

و ما الأذناب عدل للصدور

و كنت لدى المغيرة عبد سوء

تبول من المخافة للسرير

لا علاج ثمانية و شيخ

كبير السن ليس بذي ضرير

صرخت من المخافة اطعموني

شرابا ثم بلت على السرير

قلت : و قال الفرزدق كما في ( الأساس ) :

يستيقظون إلى نهاق حميرهم

و تنام أعينهم عن الأوتار

و قال ابن حرثان في اميّة بن خالد بن عبد اللّه بن اسيد :

إذا هتف العصفور طار فؤاده

و ليث حديد النّاب عند الثّرائد

و قال ثابت قطنة كما في ( الأغاني ) ٢ في من فر عن يزيد بن المهلب حتى قتل :

عصافير تنزو في الفساد و في الوغى

إذا راعها روع جماميح بروق

فأنتم على الأدنى اسود مخيفة

و أنتم على الأعداء خزان سملق

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ١١١ .

( ٢ ) الأغاني ١٤ : ٢٨٠ .

و في ( كامل المبرد ) ١ : يروى أنّ أسديا و هذليا تفاخرا فرضيا برجل فقال : إنّي ما أقضي بينكما إلاّ أن تجعلا لي عقدا وثيقا : ألا تشتماني و لا تضرباني ، فإنّي لست في بلاد قومي . ففعلا فقال : أمّا أنت يا أخا بني أسد فكيف تفاخر العرب و أنت تعلم أنّه ليس حي أحبّ إلى الجيش و لا أبغض إلى الضيف و لا أقلّ تحت الرايات منكم ؟ و أمّا أنت يا أخا هذيل فكيف تكلّم الناس و فيكم خلال ثلاث : كان منكم دليل الحبشة على الكعبة ، و منكم خولة ذات النحيين ،

و سألتم النبي صلّى اللّه عليه و آله أن يحل لكم الزّنا ؟ و لكن إن أردتما بيتي مضر فعليكما بهذين الحيين من تميم و قيس ، قوما في غير حفظ اللّه .

هذا ، و وصف النبي صلّى اللّه عليه و آله كما في الخبر الأنصار بضد ما وصف عليه السّلام أهل الكوفة ، فقال لهم : إنّكم لتكثرون عند الفزع ، و تقلّون عند الطمع .

« و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم » أي : عوجكم ، قالوا : كان عمرو من بعده إلى زياد إذا أخذوا العصاة نزعوا عمائمهم و أقاموهم للناس ، و أمّا زياد فيضربهم بالسياط ، فجاء بعده مصعب فحلق مع الضرب بالسياط ، فجاء بعده بشر بن مروان فكان يصلب تحت الإبطين و يضرب الأكفّ بالمسامير ،

فأخرج بشر رجلا إلى الرّي فكتب أهله إليه يتشوّقونه ، فأجابهم :

لو لا مخافة بشر أو عقوبته

أو أن يرى شانئي كفي بمسمار

إذن لعطّلت ثغري ثم زرتكم

إنّ المحبّ المعنّى جدّ زوار ٢

فلمّا جاء الحجاج قال : كلّ هذا لعب . فقتل العصاة بالسيف ، فلمّا ولي في سنة ( ٧٥ ) العراق دخل الكوفة قبل البصرة فخطبهم و تهددهم ، ثم قال : ما كانت الولاة تفعل بالعصاة قبلي ؟ فقالوا : كانت تضرب و تحبس . فقال : و لكن ليس

ــــــــــــ

( ١ ) الكامل للمبرد ١ : ٤٠٧ .

( ٢ ) نهج البلاغة ١٢ : ٤٥ .

لهم عندي إلاّ السيف ، إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ،

و لو ساغت المعصية لأهلها ما كان قوتل عدو و لا جبي في‏ء . ثم جلس لتوجيه الناس فقال : قد أجّلتكم ثلاثا و اقسم باللّه لا يتخلّف أحد من أصحاب المهلب بعدها و لا من أهل الثغور إلاّ قتلته . ثم قال لصاحب حرسه و صاحب شرطته :

إذا مضت ثلاثة أيام فاتخذا سيوفكما . فجاءه عمير بن صابى‏ء البرجميّ بابنه فقال : إنّ هذا أنفع لكم منّي ، هو أشدّ بني تميم أيدا و أجمعهم سلاحا و أربطهم جأشا ، و أنا شيخ كبير عليل . و استشهد جلساءه ، فقال الحجاج : عذرك لواضح ،

و إنّ ضعفك لبيّن و لكنّي أكره أن يجترى‏ء بك الناس عليّ ، و بعد فأنت ابن صاحب عثمان . ثم أمر به فقتل ، فاحتمل الناس و أنّ أحدهم ليتبع بزاده و سلاحه ، و أتى الحجاج البصرة فكان عليهم أشدّ إلحاحا و قد كان أتاهم خبره بالكوفة فتحمّل الناس قبل قدومه فأتاه رجل من بني يشكر و قد كان شيخا كبيرا أعور ، و كان يجعل على عينه العوراء صوفة ، فكان يلقّب ذا الكرسفة فقال للحجاج : إنّ بي فتقا و قد عذرني بشر ، و قد رددت العطاء . فقال :

إنّك عندي لصادق . ثم أمر به فضربت عنقه ، ففي ذلك قال الشاعر :

لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة

تقرقر منها بطن كلّ عريف ١

و عن ابن سبرة قال : إنّا لنتغدّى مع الحجاج إذ جاءه رجل من سليم برجل يقوده ، فقال له : إنّ هذا لعاص . فقال : أنشدك اللّه في دمي ، فو اللّه ما قبضت ديوانا قط و لا شهدت عسكرا ، و إنّي لحائك اخذت من تحت الخف . فقال الحجاج : اضربوا عنقه . فلمّا أحسّ بالسّيف سجد فلحقه السّيف و هو ساجد ،

فامسكنا عن الطعام فأقبل علينا فقال : ما لي صفرت أيديكم و اصفرت

ــــــــــــ

( ١ ) نهج البلاغة ٤ : ١٨٤ .

وجوهكم و حدّ نظركم من قتل رجل واحد ١ .

« و لكنّي » هكذا في ( المصرية ) ٢ و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « و لكني و اللّه » .

« لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي » و في ( الإرشاد ) ٣ قال عليه السّلام : و ما كنت متحرّيا صلاحكم بإفساد نفسي ، و لكن سيسلّط عليكم بعدي سلطان صعب ،

لا يوقر كبيركم و لا يرحم صغيركم و لا يكرم عالمكم و لا يقسم الفي‏ء بالسوية بينكم ، و ليضربنّكم و ليذلنّكم و يجهزنّكم في المغازي و ليقطعنّ سبيلكم ،

و ليحجبنكم على بابه حتى يأكل قويكم ضعيفكم ، ثم لا يبعد اللّه إلاّ من ظلم منكم ، و لقلمّا أدبر شي‏ء ثم أقبل ، و إنّي لأظنّكم في فترة و ما عليّ إلاّ النصح لكم .

و روى ( غارات الثقفي ) ٤ عن فرقد البجلي قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول :

يا معاشر أهل الكوفة ، و اللّه لقد ضربتكم بالدرّة التي أعظ بها السفهاء فما أراكم تنتهون ، و لقد ضربتكم بالسياط التي اقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون ، فما بقي إلاّ سيفي ، و إنّي لأعلم الذي يقوّمكم بإذن اللّه ، و لكنّي لا احب أن آتي تلك منكم .

و روى ( روضة الكافي ) ٥ عن الأصبغ قال أتى ابن عمرو ولد أبي بكر و سعد بن أبي وقاص إلى عليّ عليه السّلام و طلبوا منه التفضيل لهم ، فصعد المنبر و قال في خطبته : فلا يقولنّ رجال غمرتهم الدنيا إلى أن قال و قد عاتبتكم بدرّتي التي اعاتب بها أهلي فلم تتالوا، و ضربتكم بسوطي الذي اقيم به حدود

ــــــــــــ

( ١ ) المصدر نفسه .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ١١٤ .

( ٣ ) الإرشاد ١ : ٢٨١ .

( ٤ ) الغارات للثقفي ١ : ٤٢ .

( ٥ ) روضة الكافي ٨ : ٣٦٠ ح ٥٥١ .

ربي فلم ترعووا ، و تريدون أن أضربكم بسيفي ، أما إنّي أعلم الذي تريدون و يقيم أودكم ، و لكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي ، بل يسلّط اللّه عليكم قوما فينتقم لي منكم ، فلا دنيا استمتعتم بها و لا آخرة صرتم إليها ، فبعدا و سحقا لأصحاب السعير .

و روى الثقفي ١ عن زيد بن عليّ قال : قال عليّ عليه السّلام : إنّي دعوتكم إلى الحقّ فتولّيتم عني ، و ضربتكم بالدرّة فأعييتموني ، أما إنّه سيليكم بعدي ولاة لا يرضون منكم بذلك حتى يعذبوكم بالسياط و بالحديد ، فأمّا انا فلا اعذّبكم بهما ، إنّه من عذّب النّاس في الدنيا عذّبه اللّه في الآخرة ، و آية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتى يحلّ بين أظهركم فيأخذ العمال و عمال العمال رجل يقال له يوسف بن عمر ، و يقوم عند ذلك رجل منّا أهل البيت . . . .

« أضرع اللّه » أي : أذلّ اللّه .

« خدودكم » الخدّ : يمين الوجه و شماله .

« و أتعس جدودكم » هكذا في ( المصرية ) ٢ و ليست الفقرة في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ) ٤ رأسا .

و كيف كان ، فمعناها أهلك اللّه حظوظكم . و أصل التعس : الكب ضد الانتعاش ، قال مجمع :

تقول و قد أفردتها من حليلها

تعست كما أتعستني يا مجمع

« لا تعرفون الحقّ كمعرفتكم الباطل ، و لا تبطلون الباطل كابطالكم الحق » هذا الكلام لا قيمة له و لا يعادله كلام ، فإنّ أهل الدنيا يكونون في كلّ عصر كذلك ،

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٥٨ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ١١٤ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ١٠٢ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٨٨ .

و لهذه العلّة يتقدّم أهل الباطل و يتأخّر أهل الحق ، ففرعون كان يقول للناس :

أنا ربّكم الأعلى ١ . فقبلوا منه ، و قال لهم موسى : إنّي رسول ربكم . و أراهم تسع آيات بيّنات فلم يقبلوا منه ، و الثلاثة المتقدمون على أمير المؤمنين عليه السّلام جاؤوا بتلك البدع المذكورة في مطاعنهم ، و لم ينكروا عليهم .

و أمّا إنكارهم على ثالثهم أخيرا فإنّما كان لأنّه خص الأموال و الولايات بأقاربه و بني اميّة ، و إلاّ فلو كان فعل أضعاف ما فعل ، و كان يشرك النّاس معهم فيهما لمّا أنكروا عليه أصلا ، كما أنّهم اليوم مع تواتر تلك الشنايع التي يتورّع عنها الفجّار و الكفّار يقبلون إمامته .

و أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فمع كونه مظهر كلّ فضيلة كالنبي صلّى اللّه عليه و آله حتى إنّه لم ير أحد منه لفظة أو لحظة على خلاف الشريعة في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و في أيّام الثلاثة و في أيّامه عليه السّلام ، و كيف و هو نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله بنص القرآن ، و رأوا منه عليه السّلام آيات بيّنات ، لا سيّما في الجمل في قصة كلاب الحوأب ، و في صفّين في قصة عمار ، و في النهروان في قصة ذي الثدية ؟ فكانوا يعاملون معه عليه السّلام تلك المعاملة ، فذاك خوارجهم و هذا دواخلهم .

١١

من الخطبة ( ٩٥ ) و من خطبة له عليه السّلام :

وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اَلظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وَ بِمَوْضِعِ اَلشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ أَمَا وَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ

ــــــــــــ

( ١ ) النازعات : ٢٤ .

اَلْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اِسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ اَلْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ اَلْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ اَلْحَيَّةِ عَجَزَ اَلْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ اَلْمُقَوَّمُ أَيُّهَا اَلشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ اَلْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ اَلْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اَللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَ صَاحِبُ أَهْلِ ؟ اَلشَّامِ ؟ يَعْصِي اَللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَ اَللَّهِ أَنَّ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ اَلدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ يَا أَهْلَ ؟ اَلْكُوفَةِ ؟ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَثٍ وَ اِثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلاَمٍ وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ لاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اَللِّقَاءِ وَ لاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ اَلْبَلاَءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ اَلْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَ اَللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ حَمِيَ اَلضِّرَابُ وَ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ ؟ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ ؟ اِنْفِرَاجَ اَلْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي وَ إِنِّي لَعَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً قول المصنف : « و من خطبة له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب :

ــــــــــــ

 ( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ١٨٨ .

( و من كلام له عليه السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد ١ و ابن ميثم ٢ و الخطية ) .

قوله عليه السّلام : « و لئن أمهل » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و لئن أمهل اللّه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« الظالم فلن يفوت أخذه » و لا تحسبنّ اللّه غافلا عمّا يعمل الظالمون إنّما يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء ٣ .

و عن الصادق عليه السّلام : أنّ اللّه عز و جل أهبط ملكا إلى الأرض فلبث فيها دهرا ثم عرج ، فقيل له : ما رأيت ؟ فقال : رأيت عجائب و من أعجب ما رأيت : أنّي رأيت عبدا متقلّبا في نعمتك ، يأكل رزقك و ادّعى الربوبية ، فعجبت من جرأته عليك و من حلمك عنه فقال تعالى : فمن حلمي عجبت ؟ قد امهلته أربعمائة سنة ، لا يضرب عليه عرق و لا يريد شيئا من الدنيا إلاّ ناله ، و لا يتغيّر عليه فيها مطعم و لا مشرب ٤ .

« و هو له بالمرصاد » قال ابن دريد : فلان لفلان بمرصد و مرصاد ، أي :

حيث يرقبه و يرى فعله .

« على مجاز » أي : مسلك .

« طريقه و بموضع الشّجا » قال الجوهري : الشّجا ما ينشب في الحلق من عظم و غيره .

« من مساغ » قال الجوهري : ساغ الشراب : سهل مدخله في الحلق .

« ريقه » ماء فمه ، قال تعالى : . . . و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧٠ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٤٠٢ .

( ٣ ) إبراهيم : ٤٢ ٤٣ .

( ٤ ) البحار ٧٣ : ٣٨١ .

و الملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون . . . ١ .

و الأصل في العنوان إلى هنا ما رواه ( الإرشاد ) ٢ : أنّ معاوية لمّا نقض شرط الموادعة و أقبل يشنّ الغارات على أهل العراق قال عليه السّلام : قاتل اللّه معاوية ، لقد أرادني على أمر عظيم : أراد أن أفعل كما يفعل ، فأكون قد هتكت ذمتي و نقضت عهدي ، فيتّخذها عليّ حجّة فيكون عليّ شينا إلى يوم القيامة كلّما ذكرت ، فإن قيل له : أنت بدأت . قال : ما علمت و لا امرت . فمن قائل يقول :

صدق . و من قائل يقول : كذب . أم و اللّه إنّ اللّه لذو أناة و حلم عظيم ، لقد حلم عن كثير من فراعنة الأولين و عاقب فراعنة ، فإن يمهله اللّه فلن يفوته ، و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه ، فليصنع ما بدا له ، فإنّا غير غادرين بذمّتنا و لا ناقضين لعهدنا ، و لا مروعين لمسلم و لا معاهد حتى ينقضي شرط الموادعة بيننا .

« أما و الذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنهم أولى بالحق منكم و لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم ، و إبطائكم عن حقي » روى أبو مخنف في قصة يوم الحرة : أنّ مسلم بن عقبة ركب فرسا فأخذ يسير في أهل الشام و يحرّضهم و يقول : يا أهل الشام إنّكم لستم بأفضل العرب في أحسابها و لا أنسابها ، و لا أكثرها عددا و لا أوسعها بلدا ، و لم يخصصكم اللّه بالذي خصّكم به من النصر على عدوّكم ، و حسن المنزلة عند أئمتكم إلاّ بطاعتكم و استقامتكم ، و إنّ هؤلاء القوم أشباههم من العرب غيّروا فغيّر اللّه بهم إلى أن قال قال ابن الغسيل لأهل المدينة : و اللّه ما أظن ربّكم أصبح عن أهل بلد من

ــــــــــــ

( ١ ) الأنعام : ٩٣ .

( ٢ ) الإرشاد ١ : ٢٧٥ .

بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ، و لا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط من هؤلاء القوم الذين كانوا يقاتلونكم .

« و لقد أصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها » جمع الراعي .

« و أصبحت أخاف ظلم رعيتي » في ( المروج ) ١ كان المعتمد أوّل خليفة قهر و حجر عليه ، و كان أخوه الموفق غلب على الامور ، و كان المعتمد هرب الموصل فبعث الموفق من رده و وكل به في فم الصلح .

« و استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، و أسمعتكم فلم تسمعوا ، و دعوتكم سرّا و جهرا فلم تستجيبوا » هو نظير قول نوح عليه السّلام . . . ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا . فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا ٢ .

« و نصحت لكم فلم تقبلوا » كان عليه السّلام ناصحا للناس كالأنبياء ، قال نوح عليه السّلام لقومه : و لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم . . . ٣ .

« أشهود كغياب » حيث لا يحصل منكم جواب .

« و عبيد كأرباب » حيث لا تبالون العتاب و لا تخافون العقاب .

« أتلو عليكم الحكم » بالكسر فالفتح : جمع الحكمة .

« فتنفرون منها » قال تعالى : كأنّهم حمر مستنفرة . فرّت من قسورة ٤ .

« و أعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها » قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله:

وعظهم و قل لهم في أنفسهم قولا بليغا ٥ .

ــــــــــــ

( ١ ) المروج ٤ : ٢١١ .

( ٢ ) نوح : ٥ ٦ .

( ٣ ) هود : ٣٤ .

( ٤ ) المدّثر : ٥٠ ٥١ .

( ٥ ) النساء : ٦٣ .

« و أحثّكم » أي : ارغّبكم .

« على جهاد أهل البغي » كما أمر اللّه تعالى به : . . . فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر اللّه . . . ١ .

« فما آتي على آخر القول » هكذا في ( المصرية ) ٢ ، و الصواب : ( قولي ) كما في ( ابن أبي الحديد ٣ و ابن ميثم ٤ و الخطية ) .

« حتى أراكم متفرّقين أيادي سبأ » قال الجوهري : سبأ : اسم رجل ولد عامة قبائل اليمن ، يصرف و لا يصرف ، و قولهم : ذهبوا أيدي سبأ ، و أيادي سبأ ، أي :

متفرّقين اسمان جعلا واحدا .

و في ( الميداني ) ، روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : ولد سبأ عشرة ، تيامن منهم ستة و تشاءم منهم أربعة ، فأمّا الذين تيامنوا : فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و انمار منهم بجيلة ، و أمّا الذين تشاءموا : فعاملة و غسان و لخم و جذام و هم الذين أرسل عليهم سيل العرم ، و ذلك أنّ الماء كان يأتي أرض سبأ من الشجر و أودية اليمن ، فردموا ردما بين جبلين و حبسوا الماء ، و جعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم الثالث ، فأخصبوا و كثرت أموالهم ، فلمّا كذّبوا رسولهم بعث اللّه جرذا نقبت ذلك الردم حتى انتقض ، فدخل الماء جنّتيهم فغرقهم و دفن السيل بيوتهم ،

فذلك قوله تعالى : . . . فأرسلنا عليهم سيل العرم . . . ٥ .

و روى عن أبي صالح قال : ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر

ــــــــــــ

( ١ ) الحجرات : ٩ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ١ : ١٨٨ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧٠ .

( ٤ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٤٠٣ .

( ٥ ) سبأ : ١٦ .

الذي يقال له : مزيقيا بن ماء السماء أنّ سد مأرب سيخرب ، و أنّه سيأتي سيل العرم فيخرّب الجنّتين ، فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتى انتهوا إلى مكة ، فأقاموا بمكة و ما حولها ، فأصابتهم الحمّى و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى ؟ فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم ، فقالت لهم : قد أصابني الذي تشكون و هو مفرّق بيننا . قالوا : فماذا تأمرين ؟ قالت : من كان منكم ذا همّ بعيد و حمل شديد و مزاد حديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت : من منكم ذا جلد و قسر و صبر على أزمات الدهر فعليه بالاراك من بطن مرّ فكانت خزاعة ثم قالت : من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس و الخزرج ثم قالت : من كان منكم يريد الخمر و الخمير و الملك و التأمير و يلبس الديباج و الحرير فليلحق ببصرى و غوير و هما من أرض الشام ، و كان الذي سكنوها آل جفنة من غسان ثم قالت : من كان منكم يريد الثياب الرقاق و النخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدم المهراق فليلحق بأرض العراق . فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش و من كان بالحيرة و آل محرق .

« ترجعون إلى مجالسكم و تتخادعون عن مواعظكم » و تجعلونها أساطير .

« اقوّمكم » أي : أجعلكم مستقيما .

« غدوة » أي : صباحا .

« و ترجعون إليّ عشية » أي : مساء .

« كظهر الحية » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( الحنية ) أي : القوس ،

كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

ــــــــــــ

( ١ ) الطبعة المصرية ١ : ١٨٨ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧٠ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٤٠٣ .

« عجز المقوّم » و المراد نفسه عليه السّلام عن التقويم .

« و أعضل » أي : أشكل .

« المقوّم » و المراد أصحابه عن قبول التقويم ، في ( العقد ) ١ قال نافع بن كليب : دخلت الكوفة للتسليم على عليّ عليه السّلام فإنّي لجالس تحت منبره و عليه عمامة سوداء إلى أن قال ثم نزل عليه السّلام تدمع عيناه فقال : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ٢ أقوّمهم و اللّه غدوة و يرجعون إليّ عشية مثل ظهر الحنية ، حتى متى ، و إلى متى ؟

« أيّها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم امراؤهم » مرّ في العنوان ( ٥ ) : « أيّها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم » .

« صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه ، و صاحب أهل الشّام يعصي اللّه و هم يطيعونه » و مرّ في الأوّل : « و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، و طاعتهم إمامهم في الباطل » .

« لوددت و اللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ منّي عشرة منكم و أعطاني رجلا منهم » فكان الصرف بين الدينار و الدرهم في عصره عليه السّلام كذلك ، ثم صعد الدينار ، و في ( البلدان ) ٣ في الجعفري : كان في أيّام المتوكل كلّ خمسة و عشرين درهما بدينار .

و مرّ في الأول قوله عليه السّلام : لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم.

ــــــــــــ

( ١ ) العقد ٤ : ١٦٢ .

( ٢ ) البقرة : ١٥٦ .

( ٣ ) البلدان ٢ : ١٤٣ .

هنالك لو دعوت أتاك منهم

فوارس مثل أرمية الحميم

و قال ابن أبي الحديد ١ أخذ ابن الزبير لفظه عليه السّلام هنا ، فلمّا وفد أهل البصرة و فيهم الأحنف تكلّم منهم أبو حاضر الأسدي و كان خطيبا جميلا فقال له ابن الزبير : اسكت ، فو اللّه لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام ، صرف الدينار بالدرهم . فقال له : إنّ لنا و لك مثلا قول الأعشى :

علقتها عرضا و علقت رجلا

غيري و علق اخرى غيرها الرجل

أحبّك أهل العراق ، و أحببت أهل الشام ، و أحبّ أهل الشام عبد الملك .

هذا ، و في ( الأذكياء ) : سئل أبو العيناء عن حماد بن زيد بن درهم ، و حمّاد بن سلمة بن دينار ، فقال : بينهما في القدر ما بين آبائهما في الصرف .

قلت : أي : ما بين جديهما درهم و دينار .

و في ( المعجم ) كان الحسن بن الرجاء و أحمد بن هشام و عليّ بن هشام و دينار بن عبد اللّه و يحيى بن أكثم ينزلون المخرم محلّة ببغداد فقال دعبل الخزاعي يهجوهم:

ألا فاشتروا منّي دروب المخرم

أبع حسنا و ابني هشام بدرهم

و اعطي رجاء بعد ذاك زيادة

و أدفع دينارا بغير تندم

فإن ردّ من عيب عليّ جميعهم

فليس يرد العيب يحيى بن أكثم

قلت : و لا بد أنّه هجا أبا الحسن بن رجاء أيضا لقوله : « و اعطي رجاء » و لم يذكره الحموي .

« يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث و اثنتين : صم ذوو أسماع ، و بكم ذوو كلام ،

و عمي ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللقاء ، و لا إخوان ثقة عند البلاء » قال ابن أبي

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧٥ .

الحديد ١ : لم يقل عليه السّلام : بخمس ، لأنّ الثلاث إيجابية و الاثنتين سلبية ، فأحبّ أن يفرّق بين الإثبات و النفي .

قلت : ليس التفريق من حيث الإثبات و النفي ، بل من حيث إنّ الثلاث من واد و الاثنتين من آخر ، و في مثله مقتضى البلاغة أن يفرّق بينهما .

روى الكليني ٢ و الصدوق ٣ في أسانيد : أنّ عمر لمّا استخلف أقبل يهودي فسأله عن مسائل عجز عن جوابها ، فارشد إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له عليه السّلام : أخبرني عن ثلاث و ثلاث و واحدة : أخبرني عن أوّل حجر وضع في الأرض ، و أوّل شجرة غرست على وجه الأرض ، و أوّل عين نبعت على وجه الأرض ، و أخبرني كم لهذه الامّة من إمام هدى ؟ و أين منزل نبيّكم في الجنّة ؟ و من معه في منزله ؟ و أخبرني عن وصيّ : محمّد كم يعيش بعده ؟ . . .

فكلّها إيجابية إلاّ أنّها لاختلاف ثلاث منها مع اخرى ، و اختلاف واحدة منها معهما ، فرّق بينهما بما فيه .

« تربت أيديكم » سقطت هذه الفقرة من ( المصرية ) ٤ بدليل ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية و الخوئي ) .

هذا ، و في ( الطبري ) ٥ : رفع إلى المنصور أنّ أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم يطعنون على عاملهم ، و يتظلّمون من أميرهم ، و يتكلّمون في سلطانهم .

فقال للربيع : أخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة فقل لهم : إنّ الخليفة يقول لكم :

لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقن رؤوسهما و لحاهما و لأضربن

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧٦ .

( ٢ ) الكليني ١ : ٥٣١ ح ٨ .

( ٣ ) الخصال للصدوق ٢ : ٤٧٦ ح ٤٠ .

( ٤ ) الطبعة المصرية ١ : ١٨٩ .

( ٥ ) تاريخ الطبري ٨ : ٧٩ .

ظهورهما ، فالزموا منازلكم و أبقوا على أنفسكم . فخرج اليهم الربيع بهذه الرسالة ، فقال له ابن عيّاش : يا شبه عيسى بن مريم أبلغ الخليفة عنّا كما أبلغتنا عنه ، فقل له : و اللّه ما لنا بالضرب طاقة ، فأمّا حلق اللحى و كان ابن عياش منتوفا ، كما كان الربيع لقيطا فاذا شئت . فأبلغه فضحك فقال : قاتله اللّه ما أدهاه و أخبثه .

« يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلّما جمعت من جانب تفرّقت من جانب آخر » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد ١ : « من آخر » و في ( ابن ميثم ) ٢ :

« من جانب » .

و كيف كان ، فمرّ أيضا : « ما أنتم إلاّ كإبل ضلّ رعاتها ، فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر » .

« و اللّه لكأنّي بكم في ما اخال » أي : أظن .

« أن لو » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « لو » بدون ( أن ) و في ( ابن أبي الحديد ) : « الو » بدون النون ، و قال : « أصله أن لو » .

« حمس » أي : اشتد .

« الوغى » أي : الحرب .

« و حمي » بالكسر من : حمى التنور : اشتدّ حرّه .

« الضّراب » مصدر ضارب ، أي : المجالدة في الحرب .

« و قد » هكذا في ( المصرية ) ٣ و الصواب : ( قد ) كما في ( ابن أبي الحديد ٤

ــــــــــــ

 ( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧١ .

( ٢ ) ابن ميثم ٢ : ٤٠٣ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ١ : ١٨٩ .

( ٤ ) ابن أبي الحديد ٧ : ٧١ .

و ابن ميثم ١ و الخطية ) و لأنّه جواب ( لو ) .

« انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها » مرّ في العنوان الرابع عنه عليه السّلام : « و ايم اللّه إنّي لأظن بكم أن لو حمس الوغى و استحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس » .

و مرّ عن ( غارات الثقفي ) ٢ عنه عليه السّلام : « و اللّه لكأني بكم لو حمس الوغى و احمرّ البأس قد انفرجتم عن عليّ انفراج الرأس و انفراج المرأة عن قبلها » .

و مرّ قريبا منه عن ( خلفاء القتيبي ) و مرّ ثمة المراد به .

و ممّا قيل في الانفراج عن الرئيس قول دختنوس بنت لقيط بن زرارة في تخلية بني أسد و هوازن أباها ، و قول شاعر في تخلية أصحاب زيد الشهيد له :

فرّت بنو أسد فرا

ر الطير عن أربابها

و هوازن أصحابهم

كالفأر في أذنابها

أولاد درزة أسلموك و طاروا

« و إنّي » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) : « اني » .

« لعلى بيّنة من ربّي » هذا صريح في إمامته عليه السّلام بالمعنى الذي يقوله الإمامية من كون الإمام كالنبي صلّى اللّه عليه و آله من قبل اللّه لا من قبل الناس ، و قد قال تعالى في نبيّه صلّى اللّه عليه و آله : أفمن كان على بيّنة من ربه . . . ٣ .

« و منهاج » أي : طريق واضح .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن ميثم ٢ : ٤٠٤ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٩٥ .

( ٣ ) هود : ١٧ .

« من نبيي » فإنّه عليه السّلام كان يسلك بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله على حسب دستوره قدما بقدم ، فأخبره بأنّ الامّة ستغدر به بعده ، و أمره بالتسليم أيّام الثلاثة ،

و بيّن صلّى اللّه عليه و آله له قيام الناكثين و القاسطين و المارقين عليه ، و أمره بقتالهم فامتثل ما مثل له ، و كل ذلك ممّا يشهد لغير المكابر كونه عليه السّلام حجّة من قبل اللّه تعالى .

« و إنّي لعلى الطريق الواضح » و قد أقرّ فاروقهم أنّه لو ولي الخلافة ليحملنّ النّاس على المحجّة البيضاء .

« ألقطه لقطا » قال ابن أبي الحديد ١ : يريد أنّ الضلال غالب على الهدى ،

فيلتقط طريق الهدى من بين طرق الضلال ، كما يسلك الانسان طريقا دقيقة قد اكتنفها الشوك و العوسج من جانبيها كليهما ، فهو يلتقط المنهج التقاطا .

قلت : يمكن أن يكون الضمير في ( ألقطه ) إلى الحق المفهوم من المقام ،

بمعنى : أنّه عليه السّلام يلقط الحقّ كما يلقط السّنبل .

١٢

من الكتاب ( ٣٦ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب ، في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء ، و هو جواب كتاب كتبه إليه عقيل :

فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَكَصَ نَادِماً فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ اَلطَّرِيقِ وَ قَدْ طَفَّلَتِ اَلشَّمْسُ لِلْإِيَابِ فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلاَ وَ لاَ فَمَا كَانَ إِلاَّ كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ اَلرَّمَقِ فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا قول المصنف : « و من كتاب له عليه السّلام . . . » هكذا في ( المصرية )٢ و الصواب :

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٧٦ .

( ٢ ) الطبعة المصرية ٣ : ١٦٧ .

في ما ( ابن أبي الحديد ١ و ابن ميثم ) ٢ : « و من كتاب له عليه السّلام في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء ، و هو جواب كتاب كتبه إليه أخوه عقيل بن أبي طالب ».

« في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء » و هو الضحّاك بن قيس ،

و روي : أنّ عقيلا ورد على معاوية و حوله عمرو و أبو موسى و الضحّاك ، فقال لمعاوية لمّا سأله عنهم : استقبلني قوم من المنافقين ممّن نفّر بالنبي صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة إلى أن قال و أمّا الضحّاك منهم فقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس .

و في كتاب عقيل إليه : « فافّ لحياة في دهر جرؤ عليك الضحّاك ، و ما الضحّاك الا فقع بقرقر » أي : كمأة رخوة في قاع أملس تطأها كلّ دابة .

« و هو جواب كتاب كتبه إليه أخوه عقيل » المفهوم من ابن قتيبة ٣ أنّ عقيلا كتب إليه في أوّل خلافته كتابا فأجابه بما في العنوان ، ففي ( خلفائه ) ٤ ذكروا أنّ عليّا عليه السّلام تردد بالمدينة أربعة أشهر ينتظر جواب معاوية فأتاه على غير ما يجب ، فشخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين و الأنصار ، فلمّا كان في بعض الطريق أتاه كتاب أخيه عقيل : إنّي خرجت معتمرا فلقيت عايشة معها طلحة و الزبير ، قد أظهروا الخلاف و نكثوا البيعة ،

ثمّ مرّ ابن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني امية ليلحقوا بمعاوية ، ثم قدمت مكة فسمعت أهلها يتحدّثون : أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة و اليمامة فأصاب ما شاء من أموالهما ، ثم انكفأ راجعا إلى الشّام إلى أن قال في جواب كتابه عليه السّلام له و أمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ١٤٨ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٧٧ .

( ٣ و ٤ ) الخلفاء لابن قتيبة : ٥٤ ٥٦ .

على الحيرة و اليمامة ، فهو أذلّ و ألأم من أن يكون مرّ بهما فضلا عن الغارة ،

و لكن جاء في خيل جريدة ، فسرّحت إليه جندا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك ولّى هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق حين همت الشمس للإياب ، فاقتتلوا و قتلوا من أصحابه بضعة عشر رجلا ، و نجا هاربا بعد أن أخذ منه بالمخنق ،

فلو لا الليل ما نجا . . . و هو كما ترى دالّ على أنّه كان قبل الجمل أيضا .

و جعله الطبري ١ بعد صفّين في سنة ( ٣٩ ) فقال : و فيها أيضا وجّه معاوية الضحّاك بن قيس و أمره أن يمرّ بأسفل و اقصة ، و أن يغير على كلّ من مرّ به ممّن هو في طاعة عليّ من الأعراب ، و وجّه معه ثلاثة آلاف رجل ، فأخذ أموال الناس و قتل من لقي من الأعراب ، و مرّ بالثعلبية فأغار عليّ مسالح عليّ عليه السّلام و أخذ أمتعتهم ، و مضى حتى انتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس و كان في خيل لعليّ عليه السّلام و أمامه أهله يريد الحجّ فأغار على من كان معه و حبسه عن المسير ، فلمّا بلغ ذلك عليّا عليه السّلام سرّح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف و أعطاهم خمسين خمسين ، فلقي الضحّاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا و قتل من أصحابه رجلان ، و حال بينهم الليل فهرب الضحّاك و أصحابه و رجع حجر و من معه .

و جعله الثقفي ٢ أيضا بعد صفّين إلاّ أنّه قال كما نقل ابن أبي الحديد في ( ٢٨ ١ ) : و كتب في أثر هذه الوقعة عقيل إليه عليه السّلام : إنّي خرجت إلى مكة معتمرا ، فلقيت عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، فعرفت المنكر في وجوههم فقلت : أبمعاوية تلحقون ؟ عداوة و اللّه منكم غير مستنكرة ، فلمّا قدمت مكة سمعت أهلها يتحدّثون : أنّ الضحّاك بن

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٥ .

( ٢ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٢٩ .

قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء ثم انكفأ إلى أن قال في جوابه عليه السّلام تذكر في كتابك أنّك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من قديد ، في نحو أربعين فارسا من أبناء الطلقاء متوجّهين إلى جهة الغرب ، و ان ابن أبي سرح طالما كاد اللّه و رسوله و كتابه ، و صدّ عن سبيله و بغاها عوجا إلى أن قال و أمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ و أذلّ من أن يلمّ بها أو يدنو منها ، و لكنّه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة ، حتى مرّ بواقصة و شراف و القطقطانة ممّا و إلى ذلك الصقع ، فوجّهت إليه جندا كثيفا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك فرّ هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق و قد أمعن ، و كان ذلك حين طفلت الشمس للاياب ، فتناوشوا القتال قليلا كلا و لا فلم يصبر لوقع المشرفية و ولّى هارابا ، و قتل من أصحابه بضعة عشر رجلا و نجا جريضا بعد ما اخذ منه بالمخنق فلأيا بلأي ما نجا . . .

و هو و إن لم يذكر ما ذكره ابن قتيبة من كتابة عقيل إليه عليه السّلام في كتاب:

إنّه لقي في طريقه عايشة و طلحة و الزبير ، إلاّ أنّه ذكر ما ذكره من لقائه ابن أبي سرح مع أربعين من أبناء الطلقاء ليفروا إلى معاوية ، و لا بدّ أنّهم فرّوا إلى معاوية في أوّل خلافته عليه السّلام .

و أيضا روى الثقفي ١ عن محمّد بن مخنف : أنّ الضحّاك قال على منبر الكوفة في أيام معاوية : أما إنّي صاحبكم الذي أغرت على بلادكم ، فكنت أوّل من أغارها في الإسلام و شرب من ماء الثعلبية و من شاطى‏ء الفرات . . . .

و التحقيق أنّ بعث معاوية للضحاك كان مرتين ، أولاهما : في أول خلافته قبل الجمل و اقتصر عليه ابن قتيبة ، و فيها كان كتاب عقيل إليه عليه السّلام و ثانيتهما : بعد صفّين و الحكمين و اقتصر عليها الطبري و قد مرّ كلامهما ،

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٣٦ ٤٣٧ .

يشهد لكون بعثه مرتين أنّ ( الأغاني ) ١ في الجزء الخامس عشر من ( ٢١ ) جزءا في عنوان : « ذكر الخبر في مقتل ابني عبيد اللّه بن العباس » ذكر الأخيرة مجملا بأسانيد ، فروى عن القلاس عن الخراز عن المدائني عن أبي مخنف و جويرية بن أسماء و الصقب بن زهير و أبي بكر الهذلي عن أبي عمر الوقاصي : أنّ معاوية بعث إلى بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين و عليّ عليه السّلام يومئذ حي و بعث معه جيشا ، و وجّه برجل من عامر ضم إليه جيشا آخر ، و وجّه الضحّاك بن قيس الفهري في جيش آخر ، و أمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كلّ من وجدوه من شيعة عليّ ، و أن يغيروا على ساير أعماله و يقتلوا أصحابه ، و لا يكفّوا أيديهم عن النساء و الصبيان ، فمرّ بسر لذلك إلى أن قال و ذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية ، و فعل مثل ذلك ساير من بعث معه ، و قصد العامري إلى الأنبار فقتل ابن حسان البكري . . . .

و لم يذكر تفصيل أفعال الضحّاك ، ثم روى ٢ الأولى عن محمّد بن العباس اليزيدي عن عبد اللّه بن محمّد عن جعفر بن بشير عن صالح بن يزيد الخراساني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن أبي الكنود عن عبد الرحمن بن عبيد قال : كتب عقيل إلى أخيه عليّ عليه السّلام : أمّا بعد فإنّ اللّه جارك من كلّ سوء و عاصمك من المكروه ، إنّي خرجت معتمرا فلقيت عبد اللّه بن أبي سرح في نحو أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، فقلت لهم و عرفت المنكر في وجوههم : يا أبناء الطلقاء ، العداوة و اللّه لنا منكم غير مستنكرة، قديما تريدون بها إطفاء نور اللّه و تغيير أمره ، فأسمعني القوم و أسمعتهم ، ثم قدمت

ــــــــــــ

( ١ ) الأغاني ١٦ : ٢٦٦ .

( ٢ ) الأغاني ١٦ : ٢٦٨ .

مكة و أهلها يتحدّثون : أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أهلها ثم انكفأ راجعا ، فافّ لحياة في دهر قد امّر عليكم الضحّاك ، و ما الضحّاك و هل هو إلاّ فقع قرقرة و قد طنت ؟ و بلغني أنّ أنصارك قد خذلوك فاكتب اليّ يابن ام برأيك ، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أبيك و ولد أخيك ، فعشنا ما عشت و متنا معك ، فو اللّه ما احبّ أن أبقى بعدك فواقا ، فاقسم باللّه الأعزّ الأجلّ ،

إنّ عيشا أعيشه في هذه الدنيا بعدك لعيش غير هني‏ء و لا مري‏ء و لا نجيع ،

و السلام .

فأجابه عليّ عليه السّلام : أمّا بعد ، كلأنا اللّه و إيّاك كلاءة من يخشاه بالغيب إنّه حميد مجيد ، فقد قدم عليّ عبد الرحمن بن عبيد الأزدي بكتابك تذكر أنّك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من قديد في نحو أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، و أنّك تنبى‏ء عن ابن أبي سرح طالما كاد اللّه و رسوله و كتابه ، و صدّ عن سبيله و بغاها عوجا ، فدع ابن أبي سرح عنك ، و دع قريشا و تركاضهم في الضلال و تجوالهم في الشّقاق ، فإنّ قريشا قد أجمعت على حرب أخيك ، إجماعها على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه و جحدوا فضله ، و كادوه بالعداوة و نصبوا و جهدوا عليه كلّ الجهد ، و سألوا إليه جيش الامرين ، اللّهم فاجز عنّي قريشا الجوازي ، فقد قطعت رحمي و تظاهرت عليّ ، و الحمد للّه على كلّ حال ، و أمّا ما ذكرت من غارة الضحّاك بن قيس على الحيرة ، فهو أقلّ و أذلّ من أن يقرب من الحيرة ، و لكنّه جاء في بريدة فأخذ على السماوة ، و مرّ بواقصة و شراف و ما و إلى ذلك الصقع ، فسرّحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ، فلمّا بلغه ذلك جاز هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق ، و قد أمعن في السير و قد طفلت الشمس للإياب فاقتتلوا ، و أمّا ما سألت عنه أكتب إليك فيه فرأيي قتال المحلين حتى ألقى اللّه ، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة

و لا تفرّقهم عنّي وحشة ، لأنّي محقّ و اللّه مع المحقّ و أهله ، و ما أكره الموت على الحق ، و ما الخير كلّه إلاّ بعد الموت لمن كان محقا ، و أمّا ما عرضته عليّ من مسيرك اليّ ببني أبيك و ولد أخيك فلا حاجة لي في ذلك ، فأقم راشدا مهديا ،

فو اللّه ما احبّ أن تهلكوا معي إن هلكت ، و لا تحسبنّ ابن أبيك لو أسلمه الزمان و الناس متضرّعا متخشعا ، و لكن أقول كما قال أخو بني سليم :

فإن تسأليني كيف أنت فإنّني

صبور على ريب الزّمان صليب

يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة

فيشمت باغ أو يساء حبيب

و أوّل من خلط في ما أعلم إبراهيم الثقفي في ( غاراته ) ١ فقال ، كما في ( ابن أبي الحديد ) ( ٨٣ ) : فعند ذلك أي : قتل الخوارج ، و وقوع الاختلاف بين أصحابه دعا معاوية الضحّاك بن قيس الفهري ، و قال له : سر حتى تمرّ بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت ، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه ، و إن وجدت له مسلحه أو خيلا فأغر عليها ، و إذا أصبحت في بلدة فأمس في اخرى إلى أن قال فأقبل الضحّاك فنهب الأموال و قتل من لقي من الأعراب ، حتى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم ، ثمّ أقبل عمرو بن عميس ابن أخي عبد اللّه بن مسعود فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة و قتل معه ناسا من أصحابه إلى أن قال قال : و كتب في هذه الوقعة عقيل إلى أخيه . . . .

و يمكن أن يكون هو المفهوم من ( الأغاني ) حيث ذكره في العنوان المتقدم ، و يحتمل بعيدا أن يكون ذكره لوقوع الضحّاك في خبره الأول مع بسر ، فذكره تتميما .

و كيف كان ، فكتاب عقيل و كتابه عليه السّلام يشهدان أنّه كان في أوّل خلافته

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٢١ .

قبل الجمل ، و أمّا بعد النهروان فلم يختص اللحوق بمعاوية بأبناء الطلقاء ، بل كان كثير من أصحابه عليه السّلام يلحقون به و يكاتبونه ، لمّا يرون من ضعف أمره عليه السّلام و قوّة أمر معاوية ، و لأنّ بعد التحكيم كان له أثر عظيم فأغار على مسالحه و أغار على الحاج ، و قتل عمرو بن عميس و ناسا من أصحابه ، حتى خرج عليه السّلام إلى الناس و قال : يا أهل الكوفة ، أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف ، أخرجوا فقاتلوا عدوّكم و امنعوا حريمكم ان كنتم فاعلين . فردوا عليه عليه السّلام ردا ضعيفا و رأى منهم عجزا و فشلا ، فقال : و اللّه وددت أن لي بكل ثمانية منكم رجلا ، ويحكم أخرجوا معي ثم فروا عني ما بدا لكم ، فو اللّه ما أكره لقاء ربي على نيّتي و بصيرتي ،

و في ذلك روح لي عظيم و فرج من مناجاتكم و مقاساتكم . ثم نزل فخرج يمشي حتى بلغ الغريين .

قال الثقفي ١ : روى ذلك إبراهيم بن مبارك البجلي عن أبيه عن بكر بن عيسى عن أبي روق عن أبيه كما في ( ابن أبي الحديد ) فكيف يقول عليه السّلام في جواب عقيل ما قال من عدم أثر للضحاك ؟

قوله عليه السّلام : « فسرحت » أي : ارسلت .

« إليه » إلى الضحّاك .

« جيشا كثيفا » أي : غليظا .

« من المسلمين » و مفهومه أنّ معاوية و أصحابه لم يكونوا من المسلمين ،

و قد عرفت من رواية الطبري أنّه عليه السّلام سرّح إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف .

« فلمّا بلغه ذلك » أي : تعاقب جيش منه عليه السّلام له .

« شمّر » أي : رفع ذيله .

ــــــــــــ

( ١ ) الغارات للثقفي ٢ : ٤٢٣ .

« هاربا » أي للفرار .

« و نكص » أي : رجع على عقبيه .

« نادما فلحقوه ببعض الطريق » في تدمر .

« و قد طفّلت » أي : مالت .

« الشمس للإياب » أي : الغياب ، قال الجوهري : آبت الشمس : لغة في ( غابت الشمس ) . فلا يحتاج إلى ما طوله ابن أبي الحديد ١ فقال : للاياب ، أي : للرجوع إلى ما كانت عليه في الليلة قبلها . يعني غيبوبتها تحت الأرض ، و هذا الخطاب إنّما هو على قدر أفهام العرب ، كانوا يعتقدون أنّ الشمس مقرّها تحت الأرض ،

و أنّها تخرج كلّ يوم فتسير على العالم ثم تعود إلى منزلها ، كما يأوي الناس إلى منازلهم . . . .

« فاقتتلوا شيئا كلا و لا » كناية عن القصر ، قال ابن هاني المغربي على نقل ابن ميثم ٢ :

و أسرع في العين من لحظة

و أقصر في السمع من لا و لا

و لكنّ ابن أبي الحديد ٣ نقله : « من لا و ذا » و هو الأصح ، قال الطرمّاح :

كذا و كلا إذا حبست قليلا

تعللها بمسود الدرين

قال في ( الأساس ) : أي كان قليلا مثل هذه الكلمة .

و قال الجوهري : قال الكميت :

كلا و كذا تغميضة ثم هجتم

لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا

أي : كان نومهم في القلّة و السرعة ، كقول القائل : « لا » و « ذا » .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ١٤٩ .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٧٧ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ١٤٨ .

و ممّا قيل في الاستقصار قول الصولي :

كوميض برق عرض فأسرع ، و لمع فأطمع ، حتى انحسرت مغاربه ،

و أيقن مطالبه . لا ملاذ و لا وزر ، و لا مورد و لا صدر .

« فما كان » أي : القتال .

« إلاّ كموقف ساعة حتى نجا » أي : الضحّاك .

« جريضا » أي : مبتلعا ريقه على هم و حزن ، قال امرؤ القيس :

و أفلتهن علباء جريضا

و لو أدركنه صفر الوطاب

و قال رؤبة :

أصبح أعداء تميم مرضى

ماتوا جوى و المفلتون جرضى

« بعد ما اخذ منه بالمخنّق » بالتشديد : موضع الخناق من العنق .

« و لم يبق منه غير الرمق » أي : بقية الروح .

« فلأيا بلأي » أي : شدّة مختلطة بشدّة .

« ما نجا » يمكن أن تكون ما مصدرية أي : نجاته و أن تكون وصفا للأي ، أي: بلأي عظيم .

و كيف كان ، يجاء ب ( ما ) هذه بعد لأي غالبا ، ففي ( الجمهرة ) يقولون : بعد لأي ما عرفته .

و في ( الأساس ) قال الشاعر :

فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا

على ظهر محبوك شديد مراكله

هذا ، و قال ابن أبي الحديد ١ : قد تقدم ذكر هذا الكتاب في اقتصاصنا ذكر بسر بن أرطاة و غاراته على اليمن في أوّل الكتاب .

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٦ : ١٤٩ .

و قال الراوندي ١ : « هذه القصة و هذا الهارب جريضا و بعد لأي ما نجا هو معاوية ، و قيل : إنّ معاوية بعث امويّا فهرب على هذه الحال ، و الأوّل أصح » و هذا مضحك و ما وددت له شرح الكتاب .

قلت : و كما أنّ الراوندي و هم ، هو أيضا و هم ، فالعنوان غير مربوط ببسر بل بالضحاك كما عرفت و غارة بسر على اليمن مذكورة في ( ٢٤ ١ ) النهج ، و لم يذكر فيه شيئا مربوطا بالعنوان ، و إنّما ذكر قصة الضحّاك و كتاب عقيل إليه عليه السّلام و جوابه في العنوان ( ٢٨ ) و قلنا ثمة : إنّه توهم أيضا في كون ذاك العنوان في الضحّاك ، مع أنّه كان في طلب الشخوص إلى معاوية ثانيا .

هذا ، و ابن ميثم لم يتفطّن فتوقّف .

هذا ، و ذكرنا غارة هيت في ( ١٣ ) في فصل آداب الحرب في عنوان « و من كتاب له عليه السّلام إلى كميل » .

ــــــــــــ

( ١ ) الراوندي ٣ : ١٢٥ .

فهرس المطالب

العنوان

رقم الصفحة

تتمّة الفصل الثلاثون في بيعته عليه السّلام

العنوان ١٤ من الحكمة ٣٢١ : « . . . لك أن تشير عليّ و أرى فإن عصيتك فأطعني . . . » ١

العنوان ١٥ من الخطبة ٢١٢ : « اللّهمّ أيّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة ٥

الفصل الواحد و الثّلاثون في الجمل و هم النّاكثون ٩

العنوان ١ الحكمة ١٠٧ : « ربّ عالم قد قتله جهله و علمه معه لا ينفعه . . . » ١١

العنوان ٢ من الخطبة ١٤٨ : « . . . كلّ واحد منهما يرجو الأمر له . . . » ١٤

العنوان ٣ من الخطبة ٦ : « . . . و اللّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللّدم . . . » ٢٣

العنوان ٤ من الخطبة ٣١ : « . . . لا تلقينّ طلحة ، فانّك إن تلقه تجده كالثّور . . . » ٣١

العنوان ٥ من الخطبة ١٦٩ : « إنّ اللّه بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق . . . » ٤٠

العنوان ٦ من الخطبة ١٧٢ : « . . . فخرجوا يجرّون حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم . . . » ٤٦

من الخطبة ٢١٨ : « . . . فقدموا على عمّالي بها و خزّان بيت مال المسلمين . . . » ٤٦

العنوان ٧ من الكتاب ٥٧ : « . . . أمّا بعد ، فإنّي خرجت من حيّي هذا أمّا ظالما . . . » ٦٣

العنوان ٨ من الخطبة ٦٣ : « . . . من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه . . . » ٦٨

العنوان ٩ من الخطبة ١٧٠ : « . . . أرأيت لو أنّ الّذين وراءك بعثوك رائدا . . . » ٨٤

العنوان ١٠ من الخطبة ١٥٦ : « . . . فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه . . . » ٩٤

العنوان ١١ من الخطبة ٢١٩ : « . . . لقد أصبح أبو محمّد بهذا المكان غريبا . . . » ١٤٤

العنوان ١٢ من الخطبة ١٢ : « . . . أهوى أخيك معنا ؟ . . . » ١٦٥

العنوان ١٣ من الخطبة ٩ : « . . . و قد أرعدوا و أبرقوا ، . . . » ١٧٢

العنوان ١٤ من الخطبة ١١٨ : « . . . أنتم الأنصار على الحقّ . . . » ١٧٨

العنوان ١٥ من الكتاب ٢٩ : « . . . و قد كان من انتشار حبلكم و شقاقكم . . . » ١٨١

الفصل الثّاني و الثّلاثون في القاسطين و ما يتعلّق بصفّين ١٨٩

العنوان ١ من الكتاب ٨ : « . . . أمّا بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية . . . » ١٩١

العنوان ٢ من الخطبة ٤٨ : « الحمد للّه كلّما وقب ليل و غسق . . . » ١٩٤

العنوان ٣ من الكتاب ١٠ : « . . . و كيف أنت صانع إذا تكشّفت عنك . . . » ٢٠١

العنوان ٤ من الخطبة ٥١ : « . . . قد استطعموكم القتال ، فأقرّوا على مذلّة . . . » ٢١٤

العنوان ٥ من الخطبة ٢٦ : « . . . و لم يبايع حتّى شرط أنّ يؤتيه على البيعة ثمنا . . . » ٢٢٤

العنوان ٦ من الكتاب ١٧ : « . . . فأمّا طلبك إليّ الشّام فانّي لم أكن لأعطيك . . . » ٢٣٠

العنوان ٧ من الخطبة ٥٥ : « . . . أمّا قولكم أكلّ ذلك كراهية الموت ؟ . . . » ٢٦٥

العنوان ٨ من الخطبة ٢٤ : « و لعمري ما عليّ من قتال من خالف الحقّ . . . » ٢٧٧

العنوان ٩ من الخطبة ١٠٥ : « و قد رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم . . . » ٢٧٩

العنوان ١٠ من الخطبة ١٨٠ : « ألا انّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا . . . » ٢٨٦

العنوان ١١ من الحكمة ٣٢٢ : « . . . أتعلبكم نساؤكم على ما أسمع . . . » ٣٠٩

العنوان ١٢ من الخطبة ٢٠٦ : « . . . أيّها النّاس انّه لم يزل أمري معكم . . . » ٣١٣

الفصل الثّالث و الثّلاثون في المارقين ٣٢١

العنوان ١ من الخطبة ٣٥ : « الحمد للّه و ان أتى الدّهر بالخطب الفادح . . . » ٣٢٣

العنوان ٢ من الخطبة ١٢٣ : « . . . فإن أبيتم أن تزعموا إلاّ أنّي أخطأت . . . » ٣٣٧

من الخطبة ١٧٥ : « . . . فاجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين . . . » ٣٣٨

العنوان ٣ من الخطبة ١٢٣ : « . . . إنّا لم نحكّم الرّجال ، و انّما حكّمنا القرآن . . . » ٣٦٢

العنوان ٤ من الخطبة ١٢٠ : « . . . أكلّكم شهد معنا صفّين ؟ . . . » ٣٧١

العنوان ٥ من الخطبة ١١٩ : « . . . هذا جزاء من ترك العقدة . . . » ٣٨٠

العنوان ٦ من الخطبة ٤٠ : « . . . كلمة حقّ يراد بها الباطل . . . » ٣٩٧

من الحكمة ١٩٨ : « . . . كلمة حقّ يراد بها باطل . . . » ٣٩٨

من الحكمة ٣٣٢ : « السّلطان وزعه اللّه في أرضه » ٣٩٨

العنوان ٧ من الخطبة ١٨٢ : « . . . اسكت قبّحك اللّه يا أثرم . . . » ٤١١

العنوان ٨ من الحكمة ٩٧ : « نوم على يقين خير من صلاة في شكّ . . . » ٤١٥

العنوان ٩ من الخطبة ٧٧ : « . . . لا تخاصمهم بالقرآن . . . » ٤١٩

العنوان ١٠ من الخطبة ١٩٠ : « . . . ألا و قد أمرني اللّه بقتال أهل البغي . . . » ٤٣٦

الفصل الرّابع و الثّلاثون : في ما يتعلّق بالغارات ٤٥١

العنوان ١ من الخطبة ٢٥ : « . . . ما هي إلاّ الكوفة ، اقبضها و ابسطها . . . » ٤٥٣

العنوان ٢ من الخطبة ١١٧ : « . . . أمخرسون أنتم ؟ . . . » ٤٨٥

العنوان ٣ من الخطبة ٢٧ : « أمّا بعد ، فانّ الجهاد باب من أبواب الجنّة . . . » ٤٩١

من الحكمة ٢٦١ : « . . . ما تكفونني أنفسكم ، فكيف تكفونني غيركم ؟ . . . » ٤٩٢

العنوان ٤ من الخطبة ٣٤ : « . . . افّ لكم سئمت عتابكم . . . » ٥١٦

العنوان ٥ من الخطبة ٢٩ : « أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم . . . » ٥٣٥

العنوان ٦ من الخطبة ٣٩ : « . . . منيت بمن لا يطيع إذا امرت . . . » ٥٥٢

العنوان ٧ من الخطبة ١٧٨ : « . . . أحمد اللّه على ما قضى من أمر . . . » ٥٦١

العنوان ٨ من الخطبة ٦٦ : « . . . و قد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة . . . » ٥٧٠

العنوان ٩ من الخطبة ٣٥ : « أمّا بعد ، فانّ مصر قد افتتحت و . . . » ٥٨٠

العنوان ١٠ من الخطبة ٦٧ : « كم أداريكم كما تدارى البكار العمدة . . . » ٥٨٣

العنوان ١١ من الخطبة ٩٥ : « . . . و لئن أمهل الظّالم فلن يفوت أخذه . . . » ٥٩٣

العنوان ١٢ من الكتاب ٣٦ : « . . . فسرّحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين . . . » ٦٠٥

فهرس الكتاب

المجلد العاشر ١

تتمة الفصل الثلاثون. ١

١٤. ١

١٥. ٥

الفصل الواحد و الثلاثون في الجمل و هم الناكثون  ٩

١. ١٠

٢. ١٣

٣. ٢٢

٤. ٣٠

٥. ٣٩

٦. ٤٥

٧. ٦٣

٨. ٦٨

٩. ٨٤

١٠. ٩٤

١١. ١٤٤

١٢. ١٦٥

١٣. ١٧٢

١٤. ١٧٨

١٥. ١٨١

الفصل الثاني و الثلاثون في القاسطين و ما يتعلق بصفين  ١٨٩

١. ١٩٠

٢. ١٩٣

٣. ٢٠٠

٤. ٢١٣

٥. ٢٢٣

٦. ٢٢٩

٧. ٢٦٤

٨. ٢٧٧

٩. ٢٧٩

١٠. ٢٨٦

١١. ٣٠٩

١٢. ٣١٣

الفصل الثالث و الثلاثون في المارقين. ٣٢١

١. ٣٢٢

٢. ٣٣٦

٣. ٣٦١

٤. ٣٧٠

٥. ٣٧٩

٦. ٣٩٦

٧. ٤١٠

٨. ٤١٤

٩. ٤١٨

١٠. ٤٣٥

الفصل الرابع و الثلاثون في ما يتعلق بالغارات.. ٤٥٠

١. ٤٥١

٢. ٤٨٣

٣. ٤٨٩

٤. ٥١٤

٥. ٥٣٣

٦. ٥٥٠

٧. ٥٥٩

٨. ٥٦٨

٩. ٥٧٨

١٠. ٥٨١

١١. ٥٩١

١٢. ٦٠٣

مؤلف: الشيخ محمد تقي التّستري
الصفحات: