كتاب بهج الصباغة
في شرح نهج البلاغة
المجلد الحادي عشر
الشيخ محمد تقي التّستري
المجلد الحادي عشر
الفصل الخامس و الثلاثون في مقتله عليه السلام و وصاياه
١
الخطبة ( ٦٠ ) « و من كلام له عليه السلام لمّا خوّف من الغيلة » وَ إِنَّ عَلَيَّ مِنَ اَللَّهِ جُنَّةً حَصِينَةً فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي اِنْفَرَجَتْ عَنِّي وَ أَسْلَمَتْنِي فَحِينَئِذٍ لاَ يَطِيشُ اَلسَّهْمُ وَ لاَ يَبْرَأُ اَلْكَلْمُ « و من كلام له عليه السلام لمّا خوّف من الغيلة » أي : القتل بغتة ، في ( الأغاني ) عن جعفر بن محمّد عليه السلام : حدّثتني امرأة منّا قالت : رأيت الأشعث بن قيس دخل على أمير المؤمنين عليه السلام فأغلظ عليه السلام له ، فعرض له الأشعث بأن يفتك به ،
فقال عليه السلام له : أبالموت تهددني ؟ فو اللّه ما ابالي وقعت على الموت أو وقع الموت عليّ .
و عن ( جمل أبي مخنف )
بعد ذكر خروجه عليه السلام إلى الزبير في الجمل ،
و انكاره خبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و رجوعه : قال له أصحابه : تبرز إلى الزبير حاسرا
و هو شاك في السلاح ؟ قال عليه السلام : إنّه ليس بقاتلي ، إنّما يقتلني رجل خامل الذكر ضئيل النسب غيلة في غير ما قط حرب و لا معركة رجال ، و يلمّه أشقى البشر ليودّن أنّ امّه هبلت به ، أما إنّه و أحمر ثمود لمقرونان في قرن .
قوله عليه السّلام : « و إنّ عليّ من اللّه جنّة حصينة » تقيه من الهلكة ، و هي المدّة التي قدر تعالى لكلّ بشر أن يعيش في الدنيا .
« فإذا جاء يومي » و انقضى أجلي .
« انفرجت » تلك الجنة .
« عنّي » و ينبغي أن يفسر هذا العنوان بالفارسية هكذا :
روزم كه سپرى شد هيچ سپرى جلوى شمشير تقدير را نميگيرد ، و هيچ زرهى مانع از نشان آمدن تير قضا نميشود ، و هيچ جراحى نتواند زخم قدر را بهبود بخشد . .
« و أسلمتني » إلى المهالك .
« فحينئذ لا يطيش » أي : لا يعدل .
« السّهم » بل يصيب الغرض .
« و لا يبرأ الكلم » أي : الجرح فيهلك و الكلام كلّه : « جنّة حصينة » و « انفرجت عني و أسلمتني » و « لا يطيش السهم و لا يبرأ الكلم » استعارات ، و لا يخفى لطف موقعها .
و في ( الإرشاد )
: لم يخرج عليه السّلام في الليلة التي قتل في صبيحتها إلى المسجد لصلاة الليل على عادته ، فقالت ابنته ام كلثوم : ما هذا الذي قد أسهرك ؟
فقال : إنّي مقتول لو قد أصبحت فأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة ، فمشى غير بعيد ثم رجع فقالت ام كلثوم : مرّ جعدة فليصلّ بالناس قال : نعم مروا جعدة
فليصل بالناس ثم قال : لا مفرّ من الأجل فخرج إلى المسجد و إذا هو الرجل قد سهر ليلته كلّها يرصده ، فلمّا برد السحر نام فحرّكه عليه السّلام برجله و قال له :
الصلاة فقام إليه فضربه .
هذا ، و في السير : قال كاهن لصريم بن معشر : إنّك تموت بثنية يقال لها :
الاهة فخرج مع ركب فضلّوا الطريق ليلا ، فلمّا أصبحوا سألوا عن المكان هم فيه ، فقيل لهم : هذه الاهة فنزل أصحابه و أبى أن ينزل ، و خلّى ناقته ترعى فعلقت بمشقرها أفعى ، فأمالت الناقة رأسها فنهشته فألقى بنفسه ، و أنشأ يقول :
لعمري ما يدري امرؤ كيف يتّقي
|
|
فطأ معرضا إنّ الحتوف كثيرة
|
و إنّك لا تبقي لنفسك باقيا
|
|
كفى حزنا أن يرحل الركب غاديا
|
أحــ و اترك في أعلى الاهة ثاويا
|
|
و مات مكانه فقبر هناك
|
و قد أخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بشهادته عليه السّلام : فروى ( فضائل شهر رمضان الصدوق )
عنه عليه السّلام : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا خطب بخطبته في فضائله قلت له : ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال : الورع عن محارم اللّه ثم بكى فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لمّا يستحل منك في هذا الشهر ، كأنّي بك و أنت تصلّي لربّك و قد انبعث أشقى الأولين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة فخضّب منها لحيتك فقلت : و ذلك في سلامة من ديني : فقال : في سلامة من دينك ثم قال : من قتلك فقد قتلني ، و من أبغضك فقد أبغضني ، و من سبّك فقد سبّني ، لأنّك منّي كنفسي ، روحك من روحي ، و طينتك من طينتي . .
و روى أنّه عليه السّلام خطب في أوّل يوم من الشهر و قال : أيّها النّاس ، إنّ هذا
الشهر شهر فضّله اللّه على ساير الشهور ، كفضلنا أهل البيت على ساير الناس إلى أن قال فقام إليه رجل من همدان فقال : زدنا ممّا حدّثك به حبيبك في شهر رمضان فقال : سمعت سيّد المرسلين و الملائكة المقرّبين يقول : إنّ سيّد الوصيين يقتل في سيّد الشهور فقلت : و ما سيّد الشهور ، و من سيّد الوصيين ؟ قال : أمّا سيد الشهور فشهر رمضان ، و أمّا سيّد الوصيين فأنت .
فقلت : إنّ ذلك لكائن : قال : إي و ربي إنّه ينبعث أشقى أمّتي ، شقيق عاقر ناقة ثمود ، ثم يضربك ضربة على فرقك يخضّب منها لحيتك فأخذ الناس بالبكاء و النحيب ، فقطع عليه السّلام خطبته و نزل ، و قال الميبدي :
اشتر حق كشته أشقى الأولين
|
|
شير حق را كشته أشقى الآخرين
|
و روى ( العلل )
عن الأصبغ : قلت لأمير المؤمنين عليه السّلام : ما منعك من الخضاب و قد اختضب النبي صلّى اللّه عليه و آله ؟ قال : انتظر أشقاها أن يختضب لحيتي من دم رأسي ، بعهد معهود عن حبيبي صلّى اللّه عليه و آله .
و رووا أنّه لمّا وقعت الضربة عليه قال عليه السّلام : هذا ما وعدنا اللّه و رسوله ،
و صدق اللّه و رسوله .
٢
الحكمة ( ٢٠١ ) و قال عليه السّلام :
إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ فَإِذَا جَاءَ اَلْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ وَ إِنَّ اَلْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ أقول : نقلناه في مقتله عليه السّلام مع عموم لفظه ، لمّا رواه سبط ابن الجوزي عن كاتب الواقدي عن إسماعيل بن علية عن عمارة بن أبي حفصة عن أبي
مجلز قال : جاء رجل من مراد إلى عليّ عليه السّلام و هو يصلّي في المسجد ، فقال له :
احترس فإنّ ناسا من مراد يريدون قتلك فقال عليه السّلام : إنّ مع كلّ رجلين ملكين يحفظانه ممّا لم يقدر ، فإذا جاء القدر خلّيا بينه و بينه ، و إنّ الأجل جنّة حصينة .
« إنّ مع كلّ انسان إلى بينه و بينه » في ( صفّين نصر )
عن أبي إسحاق قال : خرج عليّ عليه السّلام يوم صفّين و في يده عنزة ، فمرّ على سعيد بن قيس الهمداني فقال له : أما تخشى أن يغتالك أحد و أنت قرب عدوّك ؟ فقال له عليّ عليه السّلام : إنّه ليس من أحد إلاّ عليه من اللّه حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب أو يخر عليه حائط أو يصيبه آفة ، فإذا جاء القدر خلّوا بينه و بينه .
و في ( توحيد ابن بابويه )
عن أبي حيان التميميّ قال : بينا عليّ عليه السّلام يعبّئ الكتائب في صفّين و معاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تأكلا ،
و هو عليه السّلام على فرس النبي صلّى اللّه عليه و آله المرتجز ، و بيده حربة النبي صلّى اللّه عليه و آله متقلّدا سيفه ذا الفقار ، فقال له عليه السّلام رجل من أصحابه : احترس فإنّا نخشى أن يغتالك هذا اللعين فقال عليه السّلام : لئن قلت ذلك انّه غير مأمون على دينه ، و إنّه لأشقى القاسطين و ألعن الخارجين على الأئمة المهتدين ، و لكن كفى بالأجل حارسا ،
ليس أحد من الناس إلاّ و معه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء ، فإذا حان أجله خلّوا بينه و بين ما يصيبه ،
و كذلك إذا حان أجلي انبعث أشقاها فخضب هذه من هذا و أشار إلى لحيته و رأسه عهدا معهودا .
هذا ، و في ( بيان الجاحظ ) : وقع في الناس و باء جارف و موت ذريع ،
فهرب رجل على حماره ، فلمّا كان في بعض الطريق ضرب وجه حماره راجعا
حيّه و قال :
لن يسبق اللّه على حمار
|
|
و لا على ذي ميعة مطار
|
قد يصبح اللّه امام الساري
و في ( حيوان الجاحظ )
: أنّ طاعونا جارفا في البصرة جاء على أهل دار ، فلم يشك أهل تلك المحلة أنّه لم يبق فيها صغير و لا كبير ، و قد كان فيها صبي مرتضع و يحبو ، فعمد من بقي من المطعونين من المحلة فسدوا باب تلك الدار ، و بعد أشهر تحوّل بعض الورثة إلى الدار ففتحها ، فإذا هو بصبي يلعب مع اجراء كلب ، فراعه ذلك فلم يلبث ان أقبلت كلبة كانت لأهل الدار ، فلمّا رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أطبائها فمصها .
« و إنّ الأجل جنّة حصينة » قال تعالى : و ما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن اللّه كتابا مؤجلا .
، . يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم .
، . لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتلوا ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم .
.
و في ( التوحيد )
: أنّ قنبرا كان يحبه عليه السّلام حبّا شديدا ، فإذا خرج خرج على أثره بالسيف ، فرآه ذات ليلة فقال له : مالك ؟ قال : جئت لأمشي خلفك قال : ويحك أمن أهل السماء تحرسني ، أم من أهل الأرض ؟ فقال :
من أهل الأرض فقال : إنّ أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئا إلاّ بإذن اللّه
من السماء فارجع فرجع .
أيضا روى : أنّه عليه السّلام جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس ، فقال بعضهم له عليه السّلام : لا تقعد جنب هذا الحائط فإنّه معور فقال عليه السّلام : حرس امرئ أجله و لمّا قام عليه السّلام سقط ، و كان عليه السّلام ممّا يفعل هذا و أشباهه
و روى : أنّ الحسين عليه السّلام دخل على معاوية فقال له : ما حمل أباك على أن قتل أهل البصرة ضحى ، ثم دار عشيا في طرقهم في ثوبين ؟ فقال عليه السّلام : علمه أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه
.
و روى ( التوحيد ) : أنّه قيل له عليه السّلام لمّا أراد قتال الخوارج : لو أحرزت .
فقال :
أي يومي من الموت أفر
|
|
يوم ما قدر ام يوم قدر
|
يوم لم يقدر لم أخش الردى
|
|
و إذا قدر لم يغن الحذر
|
٣
الخطبة ( ٦٨ ) و قال عليه السّلام في سحرة اليوم الذي ضرب فيه :
مَلَكَتْنِي عَيْنِي وَ أَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ لِي ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟ فَقُلْتُ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ مَا ذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ اَلْأَوَدِ وَ اَللَّدَدِ فَقَالَ اُدْعُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ أَبْدَلَنِي اَللَّهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي « قال الشّريف : يعني بالأود : الاعوجاج ، و باللّدد : الخصام ، و هذا من أفصح الكلام » .
قول المصنف : « و قال عليه السّلام » هكذا في جميع النسخ ، مع أنّ هذا دأبه في الباب الثالث ، و أمّا الأول فانّما يقول تارة : « و من خطبة له عليه السّلام » و اخرى : « و من كلام له عليه السّلام » .
« في سحرة » بالضم ، و في ( الجمهرة ) : السحرة و السحر واحد ، اليوم الذي ضرب فيه و في ( مروج المسعودي )
: أنّه عليه السّلام ضرب بالليل .
و كيف كان ، فروي العنوان بطرق مختلفة ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة )
روى عن الحسن عليه السّلام قال : أتيت أبي فقال لي : أرقت الليلة ثم ما ملكتني عيني ،
فسنح لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقلت : ماذا لقيت من امّتك من الأود و اللدد فقال : ادع عليهم فقلت : اللهم ابدلني بهم خيرا لي منهم ، و أبدلهم بي شرّا لهم مني ثم خرج إلى الصلاة فاعترضه ابن ملجم .
و في ( إرشاد المفيد )
روى عمّار الدهنيّ عن أبي صالح الحنفيّ قال :
سمعت عليّا عليه السّلام يقول : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في منامي ، فشكوت إليه ما لقيت من امّته من الأود و اللدد و بكيت ، فقال : لاتبك يا عليّ و التفت فالتفت فإذا رجلان مصفّدان و إذا جلاميد ترضخ بهما رؤوسهما قال : فغدوت إليه من الغد كما كنت أغدو إليه في كلّ يوم حتى إذا كنت في الجزّارين لقيت الناس يقولون :
قتل أمير المؤمنين .
و في ( صفّين نصر )
عن الأعمش عن ابراهيم التيميّ عن الحرث بن سعيد عن عليّ عليه السّلام قال : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في النوم ، فشكوت إليه ما لقيت من امّته من الأود و اللدد فقال : انظر فإذا عمرو بن العاص و معاوية معلقين
منكسين ، تشدخ رؤوسهما بالصخر .
و في ( عقد ابن عبد ربه )
قال الحسن عليه السّلام صبيحة التي قتل فيها عليّ عليه السّلام : حدّثني أبي البارحة في هذا المسجد فقال : يا بني إنّي صلّيت البارحة ما رزق اللّه ثم نمت نومة ، فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فشكوت إليه ما أنا فيه من مخالفة أصحابي ، و قلّة رغبتهم في الجهاد ، فقال لي : ادع اللّه أن يريحك منهم فدعوت اللّه و قال الحسن عليه السّلام صبيحة تلك الليلة : أيّها النّاس إنّه قتل فيكم الليلة رجل كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يبعثه فيكتنفه جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره ، فلا ينثني حتى يفتح اللّه تعالى له ، ما ترك إلاّ ثلاثمائة درهم .
و في ( الأغاني ) بأسانيد عن أبي عبد الرحمن السلميّ عن الحسن عليه السّلام :
خرجت أنا و أبي نصلّي في هذا المسجد ، فقال : يا بني إنّي بت الليلة اوقظ أهلي لأنّها ليلة الجمعة صبيحة قدر تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ،
فملكتني عيناي فسنح لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقلت : ماذا لقيت من امّتك من الأود و اللدد فقال لي : ادع عليهم فقلت : اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم ، و أبدلهم بي من هو شرّ لهم مني و جاء ابن النباح فآذنه بالصلاة فخرج ،
و خرجت خلفه فاعتوره الرجلان ، فأمّا أحدهما فوقعت ضربته في الطاق ، و أمّا الآخر فأثبتها في رأسه .
و أمّا مقتله عليه السّلام ففي ( كامل المبرد )
: لمّا قتل عليّ عليه السّلام أهل النهروان كان بالكوفة زهاء ألفين من الخوارج ، ممّن لم يخرج مع عبد اللّه بن وهب و قوم ممّن استأمن إلى أبي أيوب ، فتجمعوا و أمّروا عليهم رجلا و هم بالنخيلة ،
فدعاهم و رفق بهم فأبوا ، فعاودهم فأبوا ، فخرجت طائفة منهم نحو مكة فوجّه
معاوية من يقيم للناس حجّهم ، فناوشه هؤلاء الخوارج فبلغ ذلك معاوية ،
فوجّه بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي فتوافقوا و تراضوا بعد الحرب ،
بأن يصلّي بالناس رجل من بني شيبة لئلا يفوت الناس الحجّ ، فلمّا انقضى قالت الخوارج : إن عليّا و معاوية قد أفسدا أمر الأمّة ، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقّه و قال رجل من أشجع : ما عمرو دونهما ، و إنّه لأصل هذا الفساد فقال عبد الرحمن بن ملجم : أنا أقتل عليّا فقالوا : و كيف به ؟ قال : اغتاله فقال الحجاج بن عبد اللّه الصريميّ و هو البرك : أنا أقتل معاوية و قال زادويه مولى بني العنبر بن عمرو بن تميم : و أنا اقتل عمرا فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة ، فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان ،
فخرج كلّ واحد منهم إلى ناحية ، فأتى ابن ملجم الكوفة فأخفى نفسه ، و تزوّج امرأة يقال لها : قطام بنت علقمة من تيم الرباب و كانت ترى رأي الخوارج .
و الأحاديث تختلف و إنّما يؤثر صحيحها ، و في بعضها : أنّها قالت : لا أقنع منك إلاّ بصداق اسمّيه لك ، و هو ثلاثة آلاف درهم و عبد و أمة و أن تقتل عليّا فقال لها : لك ما سألت ، فكيف لي به ؟ قالت : تروم ذلك غيلة ، و في ذلك يقول :
ثلاثة آلاف و عبد و قينة
|
|
و ضرب عليّ بالحسام المصمم
|
فلا مهر أغلى من عليّ و إن غلا
|
|
و لا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم
|
و ذكروا أنّ القاصد لمعاوية : يزيد بن ملجم ، و إلى عمرو : آخر من بني ملجم ، و أنّ أباهم نهاهم فلمّا عصوه قال : استعدوا للموت و أن امّهم حضتهم على ذلك و الخبر الصحيح ما ذكرت أول .
فأقام ابن ملجم فيقال : إنّ قطام لامته و قالت : ألا تمضي لمّا قصدت ؟
لشدّ ما أحببت أهلك قال : إنّي وعدت صاحبيّ وقتا بعينه و كان هنالك رجل
من أشجع يقال له : شبيب ، فواطأه عبد الرحمن .
و يروى أنّ الأشعث نظر إلى عبد الرحمن متقلّدا سيفا في بني كندة ،
فقال له : أرني سيفك فأراه فرأى سيفا جديدا ، فقال : ما تقلّدك السيف و ليس بأوان حرب ؟ فقال : أردت أن أنحر به جزور القرية فركب الأشعث بغلته و أتى عليّا عليه السّلام فخبره و قال له : قد عرفت بسالة ابن ملجم و فتكه فقال : ما قتلني بعد فخلوا عنه .
و يروى أنّ عليّا عليه السلام كان يخطب مرّة و يذكر أصحابه و ابن ملجم تلقاء المنبر ، فسمع و هو يقول : لأريحنهم منك فلمّا انصرف عليّ عليه السلام إلى بيته اتي به ملببا فأشرف عليهم فقال : ما تريدون ؟ فخبّروه بما سمعوا ، فقال عليه السلام : ما قتلني بعد فخلوا عنه .
و يروى أنّ عليّا عليه السلام كان يتمثّل إذا رآه ببيت عمرو بن معد يكرب في قيس بن مكشوح و اسم المكشوح هبيرة ، ضرب على كشحه فسمّي مكشوحا :
اريد حباءه و يريد قتلي
|
|
عذيرك من خليلك من مراد
|
فينتقي من ذلك حتى أكثر ، عليه فقال له المرادي : إن قضي شيء كان .
فقيل لعلي عليه السلام : كأنّك قد عرفته و عرفت ما يريد بك ، أفلا تقتله ؟ فقال : كيف أقتل قاتلي ؟ فلمّا كان ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان خرج ابن ملجم و شبيب الأشجعي فاعتورا الباب الذي يدخل منه عليّ عليه السلام و كان مغلسا و يوقظ الناس للصلاة فخرج كما كان يفعل ، فضربه شبيب فأخطأه و أصاب سيفه الباب ، و ضربه ابن ملجم على صلعته ، فقال عليّ عليه السلام : فزت و ربّ الكعبة شأنكم بالرجل .
فيروى أنّ بعض من كان بالمسجد من الأنصار قال : سمعت كلمة عليّ عليه السلام و رأيت بريق السيف ، فأمّا ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه ،
فأفرجوا له و تلقّاه المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه ، و احتمله فضرب به الأرض و كان ايدا فقعد على صدره ، و أما شبيب فانتزع السيف منه رجل من حضر موت و صرعه و قعد على صدره ،
و كثر الناس فجعلوا يصيحون : عليكم صاحب السيف ، فخاف الحضرمي أن يكبّوا عليه و لا يسمعوا عذره ، فرمى بالسيف و انسل شبيب بالناس .
و يروى أنّ ابن ملجم بات تلك الليلة عند الأشعث ، و أنّ حجر بن عدي سمع الأشعث يقول له : فضحك الصبح فلمّا قالوا : قتل أمير المؤمنين عليه السلام ،
قال حجر للأشعث : أنت قتلته يا أعور .
و يروى أنّ الذي سمع ذاك أخو الأشعث عفيف بن قيس و أنّه قال لأخيه : عن أمرك كان هذا يا أعور .
قوله عليه السلام :
« ملكتني عيني » أي : غلبتني فحصل لي النوم .
« و أنا جالس فسنح » أي : ظهر لي .
« رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقلت : يا رسول اللّه ماذا لقيت من امتك من الأود و اللدد » و كما شكا إليه عليه السلام في ليلة قتله ، شكا إليه صلّى اللّه عليه و آله عند دفن زوجته سيّدة النساء ،
فقال له بعد السلام عليه : و ستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها ، فأحفها السؤال و استخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا ، و ستقول : و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين
إلى أن قال و لو لا غلبة المسؤولين لجعلت المقام و اللبث لزاما معكوفا ، و لأعولت اعوال الثكلى
على جليل الرزية ، فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا ، و تهضم حقّها و تمنع ارثها ، و لم يتباعد العهد و لم يخلق منك الذكر ، و إلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى ، و فيك يا رسول اللّه أحسن العزاء . .
و كذلك شكا الحسين عليه السلام إلى جدّه لمّا دعوه إلى بيعة يزيد على ما روى محمّد بن أبي طالب الموسوي فقال : خرج في الليل إلى قبر جدّه فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، أنا الحسين بن فاطمة فرخك و سبطك الذي خلّفتني في امّتك ، فاشهد عليهم إنّهم قد خذلوني و ضيّعوني و لم يحفظوني ، و هذه شكو اي إليك حتى ألقاك إلى آخر ما ذكر .
« فقال : ادع عليهم فقلت : أبدلني اللّه بهم خيرا » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن ميثم
و الخطية ) : « خيرا لي » .
« منهم ، و أبدلهم بي شرّا لهم منّي » هو كقوله تعالى : . فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم .
و جزاء سيئة سيئة مثلها .
.
و في ( عكبرية المفيد )
في جواب أبي ليث الحاجب عن هذه الجملة سأل عليه السلام التخلية بين الأشرار من خلقه و بين القوم الظالمين عقوبة لهم و امتهانا ، و سأله أيضا أن لا يعصمهم من فتنة الظالمين بما قدّمت أيديهم ، ممّا يستحقون به من العذاب المهين .
و نظير ذلك قوله تعالى : و إذ تأذن ربك ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة
من يسومهم سوء العذاب .
، و قوله تعالى : . أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا
و لم يرد بذلك البعثة التي هي الرسل و لا الأمر بذلك ،
و إنّما أراد التخلية و التمكين و ترك الحيلولة بينهم و بين المذكورين ، و هذا بيّن .
قول المصنف : « يعني بالأود : الاعوجاج ، و باللدد : الخصام ، و هذا من أفصح الكلام » ليس في ( ابن ميثم )
قول المصنف رأسا ، و لعلّه سقط من النسخة .
٤
من الخطبة ( ١٨٠ ) ثم نادى بأعلى صوته :
اَلْجِهَادَ اَلْجِهَادَ عِبَادَ اَللَّهِ أَلاَ وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ اَلرَّوَاحَ إِلَى اَللَّهِ فَلْيَخْرُجْ « قال نوف : و عقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ، و لقيس بن سعد رحمه اللّه في عشرة آلاف ، و لأبي أيّوب الأنصاريّ في عشرة آلاف ،
و لغيرهم على أعداد اخر ، و هو يريد الرّجعة إلى صفّين ، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه ، فتراجعت العساكر ،
فكنّا كأغنام فقدت راعيها ، تختطفها الذئاب من كلّ مكان » .
« ثم نادى بأعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد اللّه » في ( الكافي )
عن الصادق عليه السلام سئل : هل الجهاد سنّة أو فريضة ؟ فقال عليه السلام : الجهاد على أربعة أوجه : فجهادان فرض ، و جهاد سنّة لا يقام إلاّ مع الفرض ، و جهاد سنّة ، فأمّا
أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن المعاصي و هو من أعظم الجهاد ،
و مجاهدة الذين يلونكم من الكفار ، و أمّا الجهاد الذي هو سنّة لا يقام إلاّ مع فرض فإنّ مجاهدة العدوّ فرض على جميع الامّة ، و لو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب و هذا هو من عذاب الامّة ، و هو سنّة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الامّة فيجاهدهم ، و جهاد السنة : كلّ سنة أقامها الرجل و جاهد في إقامتها . .
« ألا و إنّي معسكر » بكسر الكاف .
« في يومي هذا ، فمن أراد الرواح » أي : الذهاب .
« إلى اللّه » بالجهاد في سبيله .
« فليخرج » إلى المعسكر .
« قال نوف » هو راوي الخطبة الذي قال في أوّلها : خطبنا عليّ عليه السلام بهذه الخطبة و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، و عليه مدرعة من صوف ، و حمائل سيفه ليف ، و في رجليه نعلان من ليف ، و كأنّ جبينه ثفنة بعير .
« و عقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف » في ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : ولد الحسين لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع ، و قتل يوم عاشوراء سنة ( ٦١ ) قتله سنان بن أنس النخعي ، و أجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير و حزّ رأسه و أتى به عبيد اللّه سأل عراقي ابن عمر عن دم البعوض ، فقال : انظروا هذا يسألني عن دم البعوض و قد قتلوا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد سمعته صلّى اللّه عليه و آله يقول : الحسن و الحسين هما ريحانتي من الدنيا ؟ و حجّ عليه السلام خمسا و عشرين حجّة ماشيا .
« و لقيس بن سعد رحمه اللّه في عشرة آلاف » في ( المروج )
: كان قيس من
الزهد و الديانة و الميل إلى عليّ عليه السلام بالموضع العظيم ، و بلغ من خوفه للّه و طاعته أنّه كان يصلّي فلمّا أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطوّق ، فمال عن الثعبان برأسه و سجد إلى جانبه ، فتطوق الثعبان برقبته ، فلم يقصر من صلاته و لا نقّص منها شيئا حتى فرغ فرمى به .
و في ( الطبري )
لمّا عزله عليّ عليه السلام عن مصر جاءه حسّان و كان عثمانيا شامتا به فقال له : نزعك عليّ و قد قتلت عثمان ، فبقي عليك الإثم و لم يحسن لك الشكر فقال له قيس : يا أعمى القلب و البصر لو لا أن القي بين رهطي و رهطك حربا لضربت عنقك .
و في ( الإستيعاب )
: كان له ديون كثيرة على الناس فمرض و استبطأ عوّاده ، فقيل له : إنّهم يستحيون من أجل دينك فأقام مناديا ينادي : من كان لقيس عليه دين فهو له فأتاه النّاس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه .
و فيه
: لمّا بويع أبوبكر خرج أبوه إلى الشام و لم يبايع ، و قسّم ماله بين أولاده ثم توفي عن حمل لم يعلم به ، فكلّم أبوبكر و عمر قيسا حتى ينقض قسمة أبيه ، فقال : نصيبي للمولود و لا اغيّر قسمة أبي .
و في ( المقاتل ) : لمّا تمّ الصلح بين الحسن عليه السلام و معاوية أرسل إلى قيس يدعوه إلى البيعة ، فاتي به و كان رجلا طويلا يركب الفرس المشرف و رجلاه تخطان في الأرض ، و ما في وجهه طاقة شعر ، و كان يسمّى خصي الأنصار فلمّا أرادوا أن يدخلوه إليه قال : إنّي قد حلفت ألاّ ألقاه إلاّ بيني و بينه الرمح أو
السيف فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه و بينه ليبر يمينه .
و في خبر : أنّ معاوية أكبّ على قيس حتى مسح يده على يد قيس ، و ما رفع قيس يده إليه .
و في ( الاستيعاب )
: كان أحد دهاة العرب و أهل الرأي و المكيدة في الحروب ، مع النجدة و البسالة و الشجاعة و الكرم ، و كان شريف قوم غير مدافع هو و أبوه و جدّه و لم يفارق عليّا عليه السلام حتى قتل
.
« و لأبي أيوب الأنصاري » و اسمه خالد بن زيد ، في ( الطبري )
قال ربيعة بن عثمان : جاء سعد القرظ المؤذن إلى عليّ عليه السلام أول يوم حصر فيه عثمان ، فقال : من يصلّي بالناس ؟ فقال : ناد خالد بن زيد فنادى فصلّى بالناس ،
فإنّه أول يوم عرف أنّ أبا أيوب خالد بن زيد ، فكان يصلّي بهم أياما ثم صلّى عليّ عليه السلام بعد ذلك .
و في ( صفين ابن ديزيل ) عن أبي صادق قال : قدم علينا أبو أيوب فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له ، فقلنا : يا أبا أيوب قاتلت المشركين مع سيفك هذا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثم جئت تقاتل المسلمين ؟ فقال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرني بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين ، فقد قاتلت الناكثين و القاسطين ، و أنا مقاتل إن شاء اللّه بالسعفات بالطرقات بالنهروانات ، و ما أدري أين هي ؟
و في ( الاستيعاب )
: و عليه نزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حين قدم المدينة حتى بنى مسجده و بنى مساكنه آخى صلّى اللّه عليه و آله بينه و بين مصعب بن عمير قال : نزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بيتنا الأسفل ، و كنت في الغرفة فاهريق ماء في الغرفة ، فقمت أنا
و ام أيوب بقطيفة نتتبع الماء شفقة أن يخلص إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منه شيء ، و نزلت إليه صلّى اللّه عليه و آله و أنا مشفق و قلت : ليس ينبغي أن نكون فوقك ، انتقل إلى الغرفة مات بالقسطنطينية زمن معاوية سنة ( ٥٠ ) أو ( ٥١ ) أو ( ٥٢ ) و هو الأكثر .
« في عشرة آلاف » هكذا في ( المصرية
و ابن أبي الحديد )
و ليس كلّه في ( ابن ميثم )
.
« و لغيرهم على اعداد اخر ، و هو يريد الرجعة إلى صفين » لقتال معاوية .
« فما دارت الجمعة » بعد خطبته تلك و جعله معسكرا .
« حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه » قالوا : كان في الإسلام ضربتان لم تكن ضربة أيمن من أولاهما ، و هي ضربته عليه السلام عمرا يوم الخندق التي قال فيها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أفضل من عبادة الثقلين و أشأم من اخراهما و هي ضربة ابن ملجم له عليه السلام فما رأى النّاس من بعده عليه السلام عدلا و لا يرونه حتى يظهر القائم عليه السلام .
و في ( تاريخ اليعقوبي )
: قدم ابن ملجم الكوفة لعشر بقين من شعبان سنة أربعين ، فلمّا بلغ عليّا عليه السلام قدومه قال : « أوقد وافي ؟ أما إنّه ما بقي عليّ غيره ، هذا أوانه » فنزل على الأشعث فأقام عنده شهرا يستحد سيفه .
و في ( المناقب ) قال ابن عباس : كان ابن ملجم من ولد قيدار عاقر ناقة صالح و قصّتهما واحدة ، لأنّ قيدار عشق امرأة يقال لها : رباب ، كما عشق ابن ملجم لقطام ، و سمع منه يقول لآخر : لأضربنّ عليّا بسيفي هذا فذهب به إليه عليه السلام ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : عبد الرحمن بن ملجم قال : نشدتك باللّه عن
شيء تخبرني ؟ قال : نعم قال : هل مرّ عليك شيخ يتوكأ على عصاه و أنت في الباب ، فمشقك بعصاه ثم قال : بؤسا لك أشقى من عاقر ناقة ثمود ؟ قال : نعم .
قال : هل كان الصبيان يسمّونك ابن راعية الكلاب و أنت تلعب معهم ؟ قال : نعم .
قال : هل أخبرتك امّك أنّها حملت بك و هي طامث ؟ قال : نعم قال : فبايع فبايع ،
ثم قال : خلوه .
و في ( الإرشاد )
: روى أبو زيد الأحول عن الأجلح قال : سمعت أشياخ كندة أكثر من عشرين مرّة يقولون : سمعنا عليّا عليه السلام على المنبر يقول : ما يمنع أشقاها أن يخضبها بدم ؟ و يضع يده على لحيته .
و فيه
: ذكر عبد اللّه بن محمّد الأزدي قال : إنّي لاصلّي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر ، كانوا يصلّون في ذلك الشهر من أوّله إلى آخره ، إذ نظرت إلى رجال قريبا من السدة ، و خرج عليه السلام لصلاة الفجر فأخذ ينادي الصلاة الصلاة : فما أدري أنادى ، أم رأيت بريق السيوف ؟
و سمعته عليه السلام يقول : لا يفوتنكم الرجل فاذا هو مضروب .
و رواه أبو الفرج
، و في خبره : أم رأيت بريق سيف ثم رأيت بريق سيف آخر .
و في ( الإرشاد )
: كان عليه السلام خرج يوقظ النّاس لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة ، و قد كان قصده ابن ملجم في أوّل الليل ، فلمّا مرّ به و هو متماكر بإظهار النوم في جملة النيام ثار إليه فضربه على امّ رأسه بالسيف ، فمكث عليه السلام إلى نحو الثلث الأوّل ليلة إحدى و عشرين ، و قد كان عليه السلام يعلم ذلك قبل أوانه
و يخبر به النّاس قبل زمانه ، و تولّى غسله و تكفينه و دفنه الحسنان عليهما السلام بأمره ، و حملاه إلى الغري من نجف الكوفة و عفيا موضع قبره بوصيته ، لمّا كان عليه السلام يعلمه من دولة بني امية بعده ، ثم دلّ عليه الصادق عليه السلام في الدولة العباسية ، و زاره عند وروده إلى أبي جعفر و هو بالحيرة ، فعرفته الشيعة و استأنفوا إذ ذاك زيارته ، و كان سنّه عليه السلام ثلاثا و ستين سنة .
و روى عباد بن يعقوب الرواجنيّ عن حيان الغزيّ عن مولى لعليّ عليه السلام ،
قال : لمّا حضرته الوفاة قال للحسنين : إذا أنا متّ فاحملاني على سريري ثم أخرجاني ، و احملا مؤخّر السرير فإنكما تكفيان مقدمه ، ثم ائتيابي الغريين فانّكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا ، فاحتفرا فيها فإنّكما تجدان فيها ساجة فادفناني فيها إلى أن قال فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها هذا ممّا ادّخرها نوح لعليّ بن أبي طالب عليه السلام .
و روى محمّد بن زكريا عن عبد اللّه بن محمّد عن أبي عايشة عن عبد اللّه بن حازم ، قال : خرجنا يوما مع الرشيد من الكوفة نتصيّد ، فصرنا إلى ناحية الغريين و الثوية ، فرأينا ظباء فأرسلنا عليها الصقور و الكلاب ، فجاولتها ساعة ثم لجأت الظباء إلى أكمة فوقف عليها فسقطت الصقور ناحية و رجعت الكلاب ، فعجب الرشيد من ذلك ، ثم إنّ الظباء هبطت من الأكمة فهبطت الصقور و الكلاب عليها ، فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت عنها الصقور و الكلاب فعلت ذلك ثلاثا فقال الرشيد : اركضوا فمن لقيتموه فأتوني به فأتيناه بشيخ من بني أسد ، فقال له : أخبرني ما هذه الأكمة ؟ قال : إن جعلت لي الأمان .
قال : لك عهد اللّه و ميثاقه قال : حدّثني أبي عن آبائه أنّهم كانوا يقولون : إنّ في هذه الأكمة قبر عليّ عليه السلام جعله اللّه حرما ، لا يأوي إليه شيء إلاّ أمن .
« فكنّا كأغنام فقدت راعيها ، تختطفها الذئاب من كلّ مكان » في ( مقاتل
أبي الفرج )
: كتب معاوية بعد مقتله عليه السلام إلى عمّاله نسخة واحدة : إنّ اللّه بلطفه و حسن صنيعه أتاح لعليّ رجلا فاغتاله ، فترك أصحابه متفرّقين مختلفين ، و قد جاءنا كتب أشرافهم و قادتهم ، يلتمسون الأمان لأنفسهم و عشائرهم .
و في ( الطبري )
: قال أبو الأسود الدؤليّ في رثائه عليه السلام :
ألا أبلغ معاوية بن حرب
|
|
فلا قرّت عيون الشامتينا
|
أ في شهر الصيّام فجعتمونا
|
|
بخير النّاس طرّا أجمعينا
|
قتلتم خير من ركب المطايا
|
|
و رحلّها و من ركب السفينا
|
و من لبس النعال و من حذاها
|
|
و من قرأ المثاني و المئينا
|
إذا استقبلت وجه أبي حسين
|
|
رأيت البدر راع الناظرينا
|
لقد علمت قريش حيث كانت
|
|
بأنّك خيرها حسبا و دينا
|
و في ( المقاتل )
: قالت امّ الهيثم النخعية في رثائه عليه السلام :
ألا يا عين ويحك فاسعدينا
|
|
ألا تبكي أمير المؤمنينا
|
و كنّا قبل مقتله بخير
|
|
نرى مولى رسول اللّه فينا
|
يقيم الدين لا يرتاب فيه
|
|
و يقضي بالفرائض مستبينا
|
و يدعو للجماعة من عصاه
|
|
و ينهك قطع أيدي السارقينا
|
و ليس بكاتم علما لديه
|
|
و لم يخلق من المتجبرينا
|
لعمر أبي لقد أصحاب مصر
|
|
على طول الصحابة أوجعونا
|
و غرّونا بأنّهم عكوف
|
|
و ليس كذاك فعل العاكفينا
|
كأن النّاس إذ فقدوا عليّا
|
|
نعام جال في بلد سنينا
|
و لو أنّا سئلنا المال فيه
|
|
بذلنا المال فيه و البنينا
|
شاب ذؤابتي و أطال حزني
|
|
امامة حين فارقت القرينا
|
هذا و لابن بقيلة :
فصرنا بعد هلاك أبي قبيس
|
|
كجرب المعز في اليوم المطير
|
٥
الخطبة ( ١٤٦ ) و من كلام له عليه السلام قبل موته :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ كُلُّ اِمْرِئٍ لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ وَ اَلْأَجَلُ مَسَاقُ اَلنَّفْسِ وَ اَلْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ اَلْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا اَلْأَمْرِ فَأَبَى اَللَّهُ إِلاَّ إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللَّهَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ ؟ مُحَمَّداً ص ؟ فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ اَلْعَمُودَيْنِ وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ اَلْمِصْبَاحَيْنِ وَ خَلاَكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا حُمِّلَ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ وَ خُفِّفَ عَنِ اَلْجَهَلَةِ رَبٌّ رَحِيمٌ وَ دِينٌ قَوِيمٌ وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ أَنَا اَلْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ غَفَرَ اَللَّهُ لِي وَ لَكُمْ إِنْ تَثْبُتِ اَلْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ اَلْمَزَلَّةِ فَذَاكَ وَ إِنْ تَدْحَضِ اَلْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ وَ مَهَبِّ رِيَاحٍ وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اِضْمَحَلَّ فِي اَلْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وَ عَفَا فِي اَلْأَرْضِ مَخَطُّهَا وَ إِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاَءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وَ صَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي وَ خُفُوتُ إِطْرَاقِي وَ سُكُونُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ اَلْمَنْطِقِ اَلْبَلِيغِ وَ اَلْقَوْلِ اَلْمَسْمُوعِ وَدَاعِيْكُمْ وَدَاعُ اِمْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلاَقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَ يُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي
وَ تَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَ قِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي أقول : رواه ( الكافي )
في باب الإشارة و النصّ على الحسن عليه السلام ، رواه عن إبراهيم الأحمريّ مرفوعا و عن الحسين الحسنيّ مرفوعا : لمّا ضرب أمير المؤمنين عليه السلام حف به العوّاد و قيل له : أوص فقال : اثنوا ليّ الوسادة ثم قال :
الحمد للّه حقّ قدره متّبعين أمره ، أحمده كما أحب ، و لا إله إلاّ اللّه الواحد الأحد الصمد كما انتصب ، أيّها النّاس كلّ امرئ لاق في فراره ما منه يفر ، و الأجل مساق النفس إليه ، و الهرب منه موافاته ، كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى اللّه تعالى إلاّ إخفاءه ، هيهات علم مكنون مخزون ، أمّا وصيّتي :
فلا تشركوا باللّه شيئا ، و محمّدا فلا تضيّعوا سنّته أقيموا هذين العمودين ،
و أوقدوا هذين المصباحين ، و خلاكم ذمّ ما لم تشردوا ، حمل كلّ امرئ منكم مجهوده ، و خفف عن الجهلة ربّ رحيم ، و إمام عليم ، و دين قويم ، أنا بالأمس صاحبكم ، و اليوم عبرة لكم ، و غدا مفارقكم ، إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد ، و إن تدحض القدم فإنّا كنّا في أفياء أغصان ، و ذرى رياح ، و تحت ظلّ غمامة اضمحل في الجو ملتفّقها ، و عفا في الأرض مخطّها ، و إنّما كنت جارا جاوركم بدني أياما ، و ستعقبون منّي جثّة خلاء ساكنة بعد حركة ،
و كاظمة بعد نطق ، ليعظكم هدوّي و خفوت إطراقي و سكون أطرافي ، فإنّه أوعظ لكم من الناطق البليغ ، ودّعتكم وداع امرئ مرصد للتلاقي ، غدا ترون أيامي و يكشف اللّه تعالى عن سرائري ، و تعرفوني بعد خلو مكاني و قيام غيري مقامي ، إن أبق فأنا وليّ دمي ، و إن افن فالفناء ميعادي ، العفو لي قربة و لكم حسنة ، فاعفوا و اصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر اللّه تعالى لكم ؟ فيالها حسرة على كلّ ذي غفلة ، أن يكون عمره عليه حجّة ، أو تؤدّيه أيامه إلى شقوة
جعلنا اللّه و إيّاكم ممّن لا يقصر به عن طاعة اللّه تعالى رغبة ، أو يحل به بعد الموت نقمة ، فإنّا نحن له و به ثم أقبل على الحسن عليه السلام فقال : يا بني ضربة مكان ضربة ، و لا تأثم .
و رواه ( مروج المسعودي )
في باب لمع من كلامه عليه السلام فقال : ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن ملجم بعد حمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله عليه السلام : كلّ امرئ ملاقيه ما يفرّ منه ، و الأجل تستاق النفس إليه ، و الهرب منه موافاته ، كم أطردت الأيّام أتحينها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى اللّه عزّ و جلّ إلاّ اخفاءه ، هيهات علم مكنون ، أمّا وصيّتي : فلا تشركوا به شيئا ، و محمّد فلا تضيّعوا سنّته ، أقيموا هذين العمودين ، حمل كلّ امرئ منكم مجهوده ، و خفف عن الجهلة ربّ رحيم ، و دين قويم و إمام عليم ،
كنّا في اعصار و ذرى رياح ، تحت ظلّ غمامة اضمحل راكدها فخطها من الأرض إلى أن قال ليعظكم هدوّي و خفوت أطرافي ، إنّه أوعظ لكم من نطق البليغ ، ودّعتكم وداع امرئ مرصد للتلاق ، و غدا ترون و يكشف عن ساق ،
عليكم السلام إلى يوم المرام ، كنت بالأمس صاحبكم ، و اليوم عظة لكم ، و غدا افارقكم ، إن أفق فأنا وليّ دمي ، و ان أمت فالقيامة ميعادي ، و العفو أقرب للتقوى ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم و اللّه غفور رحيم
و نقل عن ( اثباته ) أيضا .
قول المصنف : « و من كلام له عليه السلام قبل موته » لمّا حف به العواد و قيل له عليه السلام : أوص كما عرفته من خبر ( الكافي ) فقال عليه السلام : اثنوا لي و سادة
ففعلوا و في صبيحة ليلة ضربه ، كما عرفته من المسعودي .
قوله عليه السلام : « أيّها النّاس كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه في فراره » قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل .
و في سورة الجمعة قل إنّ الموت الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم .
.
« و الأجل مساق النفس » فكلّ نفس نتنفّس خطوة إلى الموت .
« و الهرب منه موافاته » في ( تفسير القمي ) عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : و رفعناه مكانا عليّا
: كان لملك منزلة أهبطه اللّه فأتى إدريس فشفع له ، فصلّى ثلاث ليال لا يفتر و صام ثلاثة أيام لا يفطر ، ثم طلب إلى اللّه في السحر له فأذن له في الصعود ، فقال الملك : أحبّ أن اكافيك بحاجة لك قال :
احب أن تريني ملك الموت لعلّي آنس به ، فليس يهنأني مع ذكره شيء فبسط جناحيه و صعده فاستقبل ملك الموت بين السماء الرابعة و الخامسة ، فقال لملك الموت : أراك قاطبا ؟ قال : أتعجب ، كنت تحت ظل العرش حتى امرت أن أقبض روح إدريس بين السماء الرابعة و الخامسة فسمع إدريس بذلك فانتقض ، و قبض روحه مكانه .
و في السير : كان أبو مسلم يتجنّب الروم لأنّه سمع أنّ قتله في الروم ،
فذهب إلى رومية المدائن فقتله المنصور ثمة .
و كان المأمون سمع أنّ موته في الرقة ، فكان يتجنّب المقام برقّة العراق ، و لمّا غزا الروم و وصل إلى موضع مرض ، فسأل عن اسمه فقالوا :
الرقة فتيقّن أنّه موضع موته .
« كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى اللّه إلاّ إخفاءه » قال ابن أبي الحديد
: مراده عليه السلام أنّ تفصيل موته كان عنده غير معلوم و اعترض عليه الخوئي بما رواه هو عنه عليه السلام : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء في ما بينكم و بين الساعة ، و لا عن فئة تهدي مائة و تضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها ، و قائدها و سائقها و مناخ ركابها و حط رحالها ،
و من يقتل من أهلها قتلا و من يموت منهم موتا » .
و بما رواه ( الكافي )
في باب : « إنّ الأئمة يعلمون متى يموتون » عن الحسن ابن جهم قال : قلت للرضا عليه السلام : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام عرف قاتله و الليلة التي يقتل فيها ، و قوله عليه السلام لمّا سمع صياح الأوز في الدار : « صوائح تتبعها نوائح » و قول امّ كلثوم : « لو صلّيت الليلة داخل الدار و أمرت غيرك يصلّي بالناس » فأبى عليها ، و كثر دخوله و خروجه تلك الليلة بلا سلاح و قد عرف أنّ ابن ملجم قاتله بالسيف ، كان هذا ممّا لا يحسن تعرّضه فقال عليه السلام :
ذلك كان و لكنه عليه السلام خيّر ( خ ل ) حين في تلك الليلة لتمضي مقادير اللّه عز و جل .
قلت : الخبر لا ينافي الكلام ، فإنّ المراد من الخبر أنّ اللّه تعالى أخفى تفصيل الأمر عليه عليه السلام لتمضي مقاديره ، و يعقوب وجد ريح يوسف من مسافة بعيدة لمّا أراد اللّه تعالى وصله به ، و لم يره في بئر خارج بلده لمّا أراد اللّه تعالى فصله عنه .
و يشهد أيضا له ما رواه الصفار في ( بصائره )
عن إبراهيم بن أبي
محمود ، قال قلت للرضا عليه السلام : الامام يعلم متى يموت ؟ قال : نعم قلت : أبوك حيثما بعث إليه يحيى بن خالد برطب و ريحان مسمومين علم به ؟ قال : نعم .
قلت : فأكله و هو يعلم فيكون معينا على نفسه فقال : يعلم قبل ذلك ليتقدّم في ما يحتاج إليه ، فاذا جاء الوقت ألقى اللّه على قلبه النسيان ليقضي فيه الحكم .
و رواه في خبر آخر و فيه : أنساه لينفذ فيه الحكم .
و روى الكشي
في عبد اللّه بن طاووس عنه عن الرضا عليه السلام في خبر ،
قال : قلت له : إنّ يحيى بن خالد سمّ أباك قال : نعم ، سمّه في ثلاثين رطبة قلت :
فما كان يعلم أنّها مسمومة ؟ قال : غاب عنه المحدّث قلت : و من المحدّث ؟ قال :
ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع النبيّ و هو مع الأئمة ، و ليس كلّما طلب وجد .
و قال المفيد في ( المسائل العكبرية ) : القول بأن أمير المؤمنين عليه السلام يعلم قاتله و الوقت الذي كان يقتل فيه ، فقد جاء الخبر متظاهرا أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول ، و جاء أيضا بأنّه يعلم قاتله على التفصيل ، فأمّا علمه بوقت قتله فلم يأت أثر على التحصيل ، و لو جاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنّه المعترضون ، إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده اللّه تعالى بالصبر على الشهادة و الاستسلام للقتل ، ليبلغه بذلك علوّ الدرجات ما لا يبلغه إلاّ به ، بأنّه يطيعه في ذلك طاعة لو كلّفها سواه لم يردها ، و لا يكون عليه السلام بذلك ملقيا بيده إلى التهلكة ،
و لا معينا على نفسه معونة تستقبح في العقول .
و قال الجزري في ( اسده )
بعد ذكر رواية أنّه عليه السلام كان ليلة عند الحسن عليه السلام و ليلة عند الحسين و ليلة عند عبد اللّه بن جعفر لإفطاره ، و لا يزيد
على ثلاث لقم و يقول : « إنّما هي ليلة أو ليلتان يأتي أمر اللّه و أنا خميص » .
و رواية صيحة الأوز و طردهم لهن في تلك الليلة ، و قوله عليه السلام : « دعوهن فانهنّ نوائح » : و هذا يدلّ على أنّه عليه السلام علم السنة و الشهر و الليلة التي يقتل فيها .
و روى ( تنبيه البكري ) على أوهام القالي عن العباس بن ميمون عن سليمان ابن داود عن حماد بن زيد عن هشام بن حسان ، قال : قال ابن سيرين :
ان كان يعلم أحد متى أجله فإنّ عليّ بن أبي طالب كان يعلم متى أجله و قال العباس : فحدّثت به ابن عايشة فقال : أنت تعلم يا بن أخي أنّه قاتل يوم الجمل فلم يتكلّم ، و يوم صفين فلم يتكلّم ، و لقد لقى ليلة الهرير ما لقى فلم يتخوّف و لم ينطق بشيء ، فلمّا رجع إلى الكوفة بعد قتله الخوارج قال : ألا ينبعث أشقاها ليخضبن هذه من هذه ؟
و بالجملة إخباره عليه السلام بكون ابن ملجم قاتله متواتر ، كاخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له بذلك ، و من إخباره صلّى اللّه عليه و آله له بذلك في غزوة العشيرة ، ففي ( الطبري )
عن عمار في خبر قال : نمنا في تلك الغزوة تحت صور من النخل في دقعاء من التراب ، فما أيقظنا إلاّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أتانا و قد تتربنا في ذلك التراب ، فحرّك عليّا عليه السلام برجله و قال له : قم أبا تراب ألا اخبرك بأشقى النّاس ؟ أحمر ثمود عاقر الناقة و الذي يضربك على هذا يعني قرنه فتخضب هذه و أخذ بلحيته منها .
و مقتضى الجمع بين الأخبار ما في خبر الصفار .
« هيهات علم مخزون » الظاهر كونه إشارة إلى قوله تعالى : . و ما تدري نفس بأي أرض تموت .
.
« أمّا وصيّتي فاللّه لا تشركوا به شيئا » إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
.
و سئل الباقر عليه السلام عن أدنى ما يكون به العبد مشركا به ، فقال : من قال للنواة : إنّها حصاة و للحصاة هي نواة ثم دان به .
و قال الصادق عليه السلام : لو أنّ قوما عبدوا اللّه تعالى و أقاموا الصلوة و آتوا الزكاة و حجّوا البيت و صاموا شهر رمضان ، ثم قالوا لشيء صنعه اللّه تعالى أو نبيه : ألا صنع بخلاف الذي صنع ؟ أو وجدوا ذلك في قلوبهم ، لكانوا بذلك مشركين ثم تلا : فلا و ربّك لا يؤمنون حتى يحكموك . و يسلّموا تسليما
.
« و محمّدا صلّى اللّه عليه و آله فلا تضيّعوا سنته » قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ليختلجنّ قوم من أصحابي دوني و أنا على الحوض ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فانادي : يا رب أصحابي أصحابي فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
و في ( الكافي )
عن الصادق عليه السلام : ما نعلم حجّا للّه غير المتعة ، إنّا إذا لقينا ربّنا قلنا : ربّنا عملنا بكتابك و سنّة نبيّك و يقول القوم : عملنا برأينا .
فيجعلنا اللّه و إيّاهم حيث يشاء .
« أقيموا هذين العمودين » للدين .
« و أوقدوا هذين المصباحين » للإسلام ، إشارة إلى أنّ الملّة الإسلامية منحصرة في التزام كتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّه فقط ، دون سنّة الشيخين كما يقول المخالفون و كان عليه السلام يقول ذلك أيّام حياته حتى ترك حقّه عليه السلام إتماما
للحجّة على بطلان سنتهما و عدم كونهما على الحقّ .
ففي ( الطبري )
في الشورى : قال ابن عوف لعليّ عليه السلام : عليك عهد اللّه و ميثاقه لتعملن بكتاب اللّه و سنّة رسوله و سيرة الخليفتين من بعده .
فقال عليه السلام : أرجو أن أعمل بمبلغ علمي و دعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ عليه السلام ، قال : نعم فبايعه ، فقال عليّ عليه السلام : حبوته حبوته ، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم علينا ، فصبر جميل .
و في ( الطبري )
أيضا في قصّة الخوارج : و لمّا خرجوا من الكوفة أتى عليّا عليه السلام أصحابه و شيعته فبايعوه و قالوا : نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعميّ و كان شهد معه الجمل و صفّين و معه راية خثعم فقال عليه السلام : بايع على كتاب اللّه و سنّة رسوله فقال ربيعة : على سنّة أبي بكر و عمر فقال له عليّ : ويلك لو أنّ أبابكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله لم يكونا على شيء من الحق فبايعه فنظر إليه عليّ عليه السلام و قال له : أما و اللّه لكأني بك و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت ، و كأنّي بك و قد وطئتك الخيل بحوافرها فقتل يوم النهروان مع خوارج البصرة .
و كذلك عترته ، ففي ( مقاتل أبي الفرج )
: أنّ معاوية أمر الحسن عليه السلام لمّا سلم الأمر إليه أن يخطب و ظنّ أنّه سيحصر ، فقال عليه السلام في خطبته :
إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه و سنّة نبيّه ، و ليس الخليفة من سار بالجور ،
ذلك ملك ملكا يتمتع فيه قليلا ثم تنقطع لذّته و تبقى تبعته و إن أدري لعلّه
فتنة لكم و متاع إلى حين
.
و في ( الطبري )
: و في سنة ( ٤٠ ) بويع للحسن بالخلافة و قيل : إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد بن عبادة و قال له : ابسط يدك ابايعك على كتاب اللّه و قتال المحلين فقال له الحسن عليه السلام : على كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط فبايعه و سكت و بايعه الحسن عليه السلام .
هذا ، و أمّا ولايته عليه السلام و امامته فمن أعظم أركان كتاب اللّه و سنّة نبيّه ،
قال تعالى : إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون
و قد اجمع أنّه عليه السلام هو الذي أقام الصلاة و آتى الزكاة راكعا .
و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المتواتر بعد أن قرر النّاس على أنّه أولى بهم من أنفسهم : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه .
و في ( عيون ابن بابويه )
مسندا عن إسحاق بن راهويه و هو من علماء العامة ، روى عنه مسلم و البخاري و روي عنه من أقرانه أحمد بن حنبل ، قال :
لمّا وافي أبو الحسن الرضا عليه السلام نيسابور ، و أراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له : يابن رسول اللّه ، ترحل عنّا و لا تحدّثنا بحديث نستفيده منك ؟ و كان قعد في العمارية فأطلع رأسه و قال : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول : سمعت أبي محمّد بن عليّ يقول : سمعت أبي عليّ بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن عليّ يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول : سمعت
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : سمعت اللّه عز و جل يقول : « لا إله إلاّ اللّه حصني و من دخل حصني أمن من عذابي » قال : فلمّا مرت الراحلة نادانا : بشروطها و أنا من شروطها .
« و خلاكم ذم » مثل أول من قاله قصير حين أراد الاحتيال على الزباء لطلب ثأر جذيمة الأبرش منها ، فقال لابن اخته عمرو بن عدي : اجدع أنفي و اضرب ظهري و دعني و إيّاها فقال له عمرو و ما أنا بفاعل ذلك ، و لست أنت مستحقا لذلك : فقال له قصير : ( خلّ عنّي إذن و خلاك ذم .
ذكر ذلك الطبري
و الكرماني قال : فذهبت مثلا و قال ابن ميثم
: قال قصير لعمرو : « اطلب الأمر و خلاكم ذم » و هو كما ترى .
« ما لم تشردوا » يقال : شرد البعير ، إذا نفر و المراد لا يحلّ بساحتكم ذم ما لم تتفرّقوا عن أهل بيت نبيّكم .
روى أبو الفرج في ( مقاتله )
بأسانيد عن سفيان بن الليل قال : أتيت الحسن عليه السلام حين بايع معاوية و قلت له : بأبي أنت و أمّي ، أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة ، و سلّمت الأمر إلى اللعين ابن اللعين ابن آكلة الأكباد و معك مائة ألف كلّهم يموت دونك ، و قد جمع اللّه لك أمر النّاس فقال : يا سفيان إنّا أهل البيت إذا علمنا الحق تمسكنا به ، و إنّي سمعت أبي يقول : سمعت النبيّ يقول : لا تذهب الليالي و الأيّام حتى تجتمع أمر هذه الامّة على رجل ، واسع السرم ، ضخم البلعوم ، يأكل و لا يشبع ، و لا ينظر اللّه إليه و لا يموت حتى لا يكون له في السماء ناصر و في الأرض عاذر و إنّه لمعاوية و إنّي عرفت
ان اللّه بالغ أمره .
ثم قال : ما جاء بك يا سفيان ؟ قلت : حبّكم و الذي بعث محمّدا بالهدى و دين الحق قال : فأبشر يا سفيان ، فإنّي سمعت عليّا عليه السلام يقول :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : « يرد عليّ الحوض أهل بيتي و من أحبّهم من امتي كهاتين يعني : السبابة و الوسطى أحدهما تفضل على الاخرى » أبشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البرّ و الفاجر ، حتى يبعث اللّه إمام الحق من آل محمّد .
« حمل كلّ امرئ منكم مجهوده » لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ وسعها .
.
« و خفف عن الجهلة » فعنهم عليهم السلام : يغفر للجاهل سبعين زلّة قبل أن يغفر للعالم زلّة و يحتمل أن يكون المراد بالجهلة في كلامه ضعفة العقول ، و في الخبر : أنّ اللّه تعالى إنّما يداق العباد على قدر ما آتاهم من العقول .
« ربّ رحيم » . و لا تقتلوا أنفسكم ان اللّه كان بكم رحيما
، . يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر .
.
« و دين قويم » قل إنّني هداني ربّي إلى صراط مستقيم دينا قيّما ملّة إبراهيم حنيفا .
، . و ما جعل عليكم في الدين من حرج .
.
« و إمام عليم » في ( مقاتل أبي الفرج )
: استأذن صعصعة عليه عليه السلام عائدا ، فقال للاذن قل له عليه السلام : لقد كان اللّه في صدرك عظيما ، و لقد كنت بذات اللّه عليما فأبلغه عليه السلام الاذن مقالته ، فقال عليه السلام قل له : و أنت كنت خفيف
المؤنة ، كثير المعونة .
و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما روى الخطيب و غيره : أنا مدينة العلم و عليّ بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها و كما روى ابن عساكر و غيره :
عليّ عيبة علمي و قال سلمان الفارسي له صلّى اللّه عليه و آله كما روى الطبراني في معجمه الكبير : يا رسول اللّه ، لكلّ نبي وصي فمن وصيّك ؟ فسكت عنه فلمّا كان بعد رآه قال : يا سلمان فأسرع إليه فقال : لبيك قال له : تعلم من وصيّ موسى ؟ قال : نعم ، يوشع قال له : لم ؟ قال : لأنّه كان أعلمهم يومئذ فقال له : فإنّ وصيي و موضع سرّي و خير من أترك بعدي ، ينجز عدّتي و يقضي ديني : عليّ بن أبي طالب .
و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له كما روى الكنجي الشافعي : ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شربا و نهلته نهلا و قال ابن مسعود كما روى أيضا : انزل القرآن على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلاّ و له ظهر و بطن ، و إنّ عليّا عليه السلام عنده علم الظاهر منه و الباطن .
و روى أيضا عن أبي الطفيل قال : قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام : سلوني عن كتاب اللّه ، فإنّه ليس من آية إلاّ و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم جبل .
و كان عليه السلام يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، فأنا أعلم بطرق السماء من طرق الأرض ، و لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، و بين أهل الفرقان بفرقانهم ، حتى ينطق كلّ منها و يقول : حكم عليّ عليه السلام فيّ كما أنزل اللّه تعالى .
ثم العجب من إخواننا كيف رجّحوا الامام الجهول الذي لمّا أفحمته امرأة في أنفها فطس في صف النساء ، لمّا أوعد على الزيادة على مهر السنة
بقوله تعالى : . و آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا .
قال : « ألا تعجبون من امرأة أصابت و إمام أخطأ » على ذلك الإمام العليم ؟ كيف خالفوا فطرة العقول ؟ . أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فمالكم كيف تحكمون
. هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون إنّما يتذكر اولو الألباب
.
كما أنّ العجب منهم كيف تولوا تلك المرأة التي شمتت بموت هذا الامام و سجدت شكرا لقتله ، و مدحت قاتله أشقى الآخرين ؟
روى أبو الفرج في ( مقاتله )
عن إسماعيل بن راشد في اسناده قال : لمّا أتى عايشة نعي أمير المؤمنين عليه السلام تمثّلت :
فألقت عصاها و استقرّت بها النوى
|
|
كما قرّ عينا بالإياب المسافر
|
ثم قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من بني مراد فقالت :
فإن يك نائيا فلقد بغاه
|
|
غلام ليس في فيه التراب
|
فقالت لها زينب بنت ام سلمة : ألعليّ عليه السلام تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت فذكروني ثم تمثّلت :
ما زال إهداء القصائد بيننا
|
|
شتم الصديق و كثرة الألقاب
|
حتى تركت كأنّ قولك فيهم
|
|
في كلّ مجتمع طنين ذباب
|
و رواه الطبري
مسندا عن أبي البختري قال : لمّا أن جاء عايشة قتل أمير المؤمنين عليه السلام سجدت .
قلت : يقال لها : إذا نسيت جميع أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له عليه السلام في ليله و نهاره إلى احتضاره ، كيف نسيت قوله صلّى اللّه عليه و آله فيه : « اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه » فإن كان أنساها ضغن غلا في صدرها ، كيف نسيه إخواننا ، و أنّه لا يمكن تولّي من عاداه اللّه بمقتضى معاداتها له ، و دعائه صلّى اللّه عليه و آله على معاديه عليه السلام ؟
« أنا بالأمس صاحبكم » و سلطانكم .
« و اليوم عبرة لكم » بما نزلي بي .
« و غدا مفارقكم » بالموت ، و في ( وصايا أبي حاتم السجستاني ) :
و أخبرونا لمّا غيّب الحسن أباه عليه السلام صعد المنبر يريد الكلام فخنقته العبرة ،
قال رجل : فرأيته كذلك و أنا في أصل المنبر أنظر إليه ، و كنت أنزر النّاس دمعة ما أقدر أن أبكي من شيء ، فلمّا رأيت الحسن عليه السلام يريد الكلام تخنقه العبرة صرت بعد من أغزر النّاس دمعة ، ما أشاء أن أبكي من شيء إلاّ بكيت قال : ثم إنّ الحسن عليه السلام انطلق قلت : أي لسانه فقال : الحمد للّه ربّ العالمين و إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، نحتسب عند اللّه مصابنا بأبينا رسول اللّه فإنّا لن نصاب مثله أبدا ، و نحتسب عند اللّه مصابنا بخير الآباء بعد رسول اللّه ، ألا إنّي لا أقول فيه الغداة إلاّ حقّا ، لقد اصيبت به البلاد و العباد و الشجر و الدواب ، فرحم اللّه وجهه و عذّب قاتله .
هذا ، و في ( تاريخ بغداد )
: لمّا احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين :
الموت فيه جميع الخلق مشترك
|
|
لا سوقة يبقى بينهم و لا ملك
|
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم
|
|
و ليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
|
ثم أمر بالبسط فطويت ، و ألصق خدّه بالأرض و جعل يقول : يا من
لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه .
و فيه : قال محمّد الواثقي : كنت أحد من مرّض الواثق في علّته إذ لحقته غشية فما شككنا أنّه قد مات ، فقال بعضنا لبعض : تقدّموا فاعرفوا خبره فما جسر أحد منهم يتقدّم فتقدّمت ، فلمّا صرت عند رأسه و أردت أن أضع يدي على أنفه اعتبر نفسه لحقته إفاقة ففتح عينيه ، فكدت أموت فزعا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي ، فراجعت إلى خلف و تعلّقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس و عثرت به ، فاتكأت عليه فاندق و كاد أن يدخل في لحمي و يجرحني ، ثم خرجت فلبست منطقة اخرى و سيفا ، و جئت حتى وقفت في مرتبتي ساعة ، فتلف الواثق تلفا لم نشك فيه ، فتقدمت فشددت لحيه و غمضته و سجيته و وجهته إلى القبلة ، و جاء الفراشون فأخذوا ما تحته ليردّوه إلى الخزائن ، لأنّ جميعه مثبت علهيم ، و ترك وحده في البيت ، و قال لي ابن أبي داود القاضي : إنّا نريد أن نتشاعل بعقد البيعة ، و لا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن ، فاحبّ أن تكون ذلك الرجل و كنت من أخصهم به في حياته ، و ذلك أنّه اصطنعني و اختصني حتى لقبني الواثقي باسمه ، فقلت :
دعوني و امضوا فرددت باب المجلس و جلست في الصحن عند الباب احفظه ،
و كان المجلس في بستان عظيم أجربة و هو بين بساتين ، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني ، فدخلت أنظر ما هي ؟ فإذا بجرذون من دوابّ البستان قد جاء حتى استلّ عين الواثق فأكلها ، فقلت : لا إله إلاّ اللّه ، العين التي فتحها منذ ساعة فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة و في ( تاريخ الجزري ) في وقايع سنة ( ٤٦٥ ) : في أوّل هذه السنة قصد ألب أرسلان ما وراء النهر ، فعقد على جيحون جسرا و عبر عليه في نيف و عشرين يوما ، و عسكره يزيد على مائتي ألف فارس ، فأتاه أصحابه
بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي و حمل إلى قرب سريره مع غلامين ، فتقدّم أن تضرب له أربعة أوتاد و شدّ أطرافه إليها ، فقال يوسف ، يا مخنث ، مثلي يقتل هذه القتلة ؟ فغضب ألب أرسلان و أخذ القوس و النشّاب و قال للغلامين : خلّياه و رماه بسهم فأخطأه و كان لا يخطي سهمه فوثب يوسف يريده و السلطان على سدّة ، فلمّا رأى يوسف يقصده قام عن السدّة و نزل عنها ، فعثر فوقع على وجهه فبرك عليه يوسف و ضربه بسكين كانت معه في خاصرته ، و كان سعد الدولة واقفا فجرحه أيضا جراحات ، فقال السلطان لمّا جرح : ما من وجه قصدته و عدوّ أردته إلاّ استعنت باللّه عليه ، و لمّا كان أمس صعدت على تلّ فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش و كثرة العسكر فقلت في نفسي : « أنا ملك الدنيا و ما يقدر أحد عليّ » فعجزني اللّه بأضعف خلقه مات في العاشر من ربيع الأول في تلك السنة ، و كان اتّسع ملكه جدّا و دان له العالم ، و بحق قيل له : سلطان العالم .
« غفر اللّه لي و لكم » هكذا في ( المصرية
و ابن أبي الحديد )
و لكن في ( ابن ميثم )
هذا الكلام قبل : « أنا بالأمس صاحبكم » .
« إن ثبتت » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( تثبت ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .
« الوطأة » أي : موضع القدم .
« في هذه المزلّة » بفتح الزاي و كسرها : موضع الزلل جعل عليه السلام الدنيا مزلّة حيث لا ثبات لقدم الإنسان فيها ، و هو فيها في كلّ ساعة مظنّة للوقوع
و السقوط فيها من آفاتها و مصيباتها ، و أتى عليه السلام للثبوت فيها ب ( إن ) الموضوعة للشك ، حيث إنّ ثبوت القدم في المزلّة أمر مشكوك .
« فذاك » و زاد في نسخة ابن ميثم : « المراد » .
« و إن تدحض » أي : تزلق .
« القدم » من موضع الحياة إلى محلّ الممات فلا بعد .
« فإنّا كنّا في أفياء » جمع فيء ، و عن روبة : كلّما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء و ظلّ ، و ما لم تكن عليه الشمس فهو ظلّ و الأصل في الفيء :
الرجوع ، فالظلّ يرجع من جانب إلى جانب .
« أغصان » مثل لعدم ثبات الدنيا ، فإذا استظلّ الإنسان بغصن لم يطل الزمان حتى ينسخه الشمس بحركتها .
« و مهبّ » و في ( ابن ميثم
و الخطية ) : « و مهاب » .
« رياح » مثل آخر لعدم الاعتبار بالحياة الدنيا ، فكما أنّ نارا أو شمعة كانت في محلّ هبوب الرياح تذهب بها ، كذلك حياة الإنسان في مقابل رياح حوادث الدهر ، و لنعم ما قيل بالفارسية :
اين سيل متفق بكند روزى اين درخت و اين باد مختلف بكشد روزى اين چراغ .
« و تحت ظلّ غمام » أي : سحاب .
« اضحمل في الجوّ » و الجو : ما بين السماء و الأرض .
« متلفقها » الشقق المنضمّة من الغمام بعضها إلى بعض .
« و عفا » أي : اندرس .
« في الأرض مخطها » موضع خطها و قوله عليه السلام : و تحت ظلّ غمام . .
قال :
أراها و إن كانت تحب فإنّها
|
|
سحابة صيف عن قليل تقشّع
|
و قال ابن الدهان : ما الإنسان في دنياه إلاّ كبارقة تلوح ، نفسه نفس توالى ، و مدّته مدى ، و الروح ريح .
و قال بعضهم : إقبال الدنيا كإلمامة ضيف ، أو سحابة صيف ، أو زيارة طيف .
و في ( الحلية ) : مات أخ لصلة بن أشيم و هو في بيته يطعم ، فجاء إليه رجل و نعاه ، فقال له : إنّه كان نعي إلينا فقال : ما سبقني إليك أحد ، فمن نعاه ؟
فقال : نعاه اللّه تعالى ، يقول : . إنّك ميت و إنّهم ميتون
.
و اعلم أنّ مرمى كلامه عليه السلام مع كونه ضرب ضربة كما قال ضاربه اللعين : لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم : هو تنبيه الغافلين و هداية الضالين و ردعهم عن محبّة الدنيا المهلكة ، كما كان عليه السلام في جميع أيام حياته في ليله و نهاره كذلك ، فيقول لهم تارة : « أنا بالأمس صاحبكم و سلطانكم ،
و اليوم عبرة لكم بكونه ملقى على الأرض و غدا مفارقكم بالرحلة عن الدنيا » و اخرى يقول لهم : « ان تثبت الوطأة إلى و عفا في الأرض مخطها » فيخبرهم عن الإنسان و الموت ، و أنّه لابدّ لكلّ إنسان أن يموت ، و أنّه لذاك السبع كالقوت ، دون أن يريد شخصه عليه السلام فهو عليه السلام ذكر حكم الكلي و ذكر نفسه فردا له ، بأنّه ان تثبت الوطأة للإنسان في مزلّة الدنيا من آفة أصابته فهو شيء يريده الإنسان ، حيث يحبّ الحياة طبعا ، و ان دئحضت قدم الإنسان و مات فلا عجب و لا غرو و لا بدع ، حيث إنّ الإنسان و ما يريده من الحياة كرجل استظلّ بفيء غصن أو ظلّ غمام ، ليس ظلّهما إلاّ آنات ، و كسراج في
مهب رياح لم يعلم بقاؤه ساعات .
و لم يتفطن ابن أبي الحديد لمغزى مرامه عليه السلام فخبط و خلط و قال :
كلامه عليه السلام : « تثبت الوطأة . » يدلّ على أنّه عليه السلام بعد ضرب ابن ملجم له لا يقطع على أنّه يموت من ضربته .
و معنى قوله : « فذاك » أي : إن سلمت فذاك الذي تطلبونه ، يخاطب أهله و أولاده ، و لا ينبغي أن يقال : فذاك ما أطلبه ، لأنّه عليه السلام كان يطلب الآخرة أكثر من الدنيا .
و قوله عليه السلام : « و غدا مفارقكم » لا يعني غدا بعينه ، و قوله عليه السلام لابن ملجم :
اريد حباءه و يريد قتلي
|
|
عذيرك من خليلك من مراد
|
و قوله عليه السلام لشيعته لمّا قالوا له : فهلاّ تقتله ؟ : « كيف أقتل قاتلي » ،
و قوله عليه السلام في البطّ الصائح خلفه في المسجد ليلة ضرب ابن ملجم له :
« دعوهن فإنّهنّ نوائح » ، و قوله عليه السلام تلك الليلة : « رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فشكوت إليه ما لقيت من امته ، فقال : ادع عليهم » و قوله عليه السلام : « لا اقتل محاربا و إنّما اقتل فتكا و غيلة ، يقتلني رجل خامل الذكر » و ما جاء منه من هذا الباب من آثار كثيرة كلّها لا يدلّ على أنّه يعلم الأمر مفصّلا .
و من الجائز أن يكون علم أنّ ابن ملجم هو الذي يقتله ، و لم يعلم محققا أنّ هذه الضربة تزهق نفسه ، بل كان يجوز أن يفيق ثم يكون قتله بعد على يده و إن طال الزمان .
و قوله في البطّ ، لعلّه علم أنّ تلك الليلة يخرج و إن لم يعلم أنّه يموت منه ،
و النوائح قد ينحن على المجروح . .
فموته عليه السلام من تلك الضربة كان أمرا معلوما لكلّ أحد ، فإنّه ليس في العادة أن يضرب أحد ضربة مثل ضربته و يعيش ، كما ليس في العادة أن
يعيش من قطع رأسه و لو كان قال بدل خبطاته تلك : إنّه لم يكن علم أولا إلاّ أنّه علم بعد بإخبار أثير بن عمرو المتطبب أنّ الضربة و صلت إلى امّ رأسه ، كما رواه أبو الفرج
، و بوصف ابن ملجم لضربته ، فروى أبو الفرج عن عبد اللّه بن محمّد الأزدي قال : ادخل ابن ملجم على عليّ عليه السلام و دخلت عليه السلام في من دخل ، فسمعته يقول : « النفس بالنفس ، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني ، و إن سلمت رأيت فيه رأيي » فقال ابن ملجم : و اللّه لقد ابتعته بألف و سممته بألف فإن خانني فأبعده اللّه و قالت له امّ كلثوم : يا عدوّ اللّه إنّي لأرجو ألا يكون على أبي بأس فقال لها : فأراك إنّما تبكين عليّ إذن و اللّه لقد ضربته ضربة لو قسّمت بين أهل الأرض لأهلكتهم كان له وجه ظاهري ، و إلاّ فتعبيره عليه السلام بقوله : « إن أنا متّ » « و إن سلمت » لبيان آداب الشرع و تعليم النّاس تكاليفهم ، بأنّه بمجرّد ضربة يحتمل اداؤها إلى الموت لا يجوز قتل الضارب ، و كيف و تواتر عنه عليه السلام و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قتله من ضربة على رأسه تخضب منها لحيته ؟ و روى ( الأسد )
مسندا عن عمرو ذي مر قال : لمّا اصيب عليّ عليه السلام بالضربة دخلت عليه و قد عصبت رأسه فقلت : يا أمير المؤمنين أرني ضربتك .
فحلّها فقلت : خدش و ليس بشيء قال : إنّي مفارقكم فبكت امّ كلثوم من وراء الحجاب ، فقال لها : اسكتي فلو ترين ما أرى لمّا بكيت فقلت : يا أمير المؤمنين ماذا ترى ؟ قال : هذه الملائكة و فود و النبيّون ، و هذا محمّد صلّى اللّه عليه و آله يقول : يا عليّ أبشر ، فما تصير إليه خير ممّا أنت فيه .
و في ( مروج المسعودي )
: قيل : إنّ عليّا عليه السلام لم ينم تلك الليلة ، و إنّه لم
يزل يمشي بين الباب و الحجرة و هو يقول : ما كذبت و لا كذبت ، و إنّها الليلة التي وعدت فلمّا صرخ بطّ كان للصبيان صاح بهن بعض من في الدار ، فقال عليّ عليه السلام : ويحك دعهنّ فانّهن نوائح إلى أن قال و خرج إلى المسجد و قد عسر عليه فتح باب داره و كان من جذوع النخل فاقتلعه و جعله ناحية و انحل إزاره فشدّه و جعل ينشد :
اشدد حيازيمك للموت
|
|
فإن الموت لاقيكا
|
و لا تجزع من الموت
|
|
إذا حلّ بواديكا
|
و كيف لم يكن علم عليه السلام ذلك و قد كان عليه السلام أخبر به كرارا ، حتى إنّ شيعته كانوا يخبرونه بذلك من وصفه ؟ ففي ( إرشاد محمّد بن محمّد بن النعمان )
: روى العلماء أنّ جويرية بن مسهر وقف على باب القصر فقال : يا أمير المؤمنين قيل له : نائم فنادى : أيّها النائم ، استيقظ فو الذي نفسي بيده ليضربن ضربة على رأسك يخضب منها لحيتك ، كما أخبرتنا بذلك من قبل فسمعه أمير المؤمنين عليه السلام فنادى : أقبل يا جويرية حتى احدثك بحديثك فأقبل فقال : و أنت و الذي نفسي بيده لتعتلن بك إلى العتل الزنيم ، و ليقطعنّ يدك و رجلك ثم لتصلبنّ تحت جذع كافر فقطع زياد يده و رجله و صلبه تحت جذع ابن مكعبر ، و كان جذعا طويلا .
و بالجملة غاية ما يمكن أن يقال : إنّه تعالى أخفى عليه عليه السلام وقوع الضربة عليه ساعة خروجه ، لجري مقاديره عليه كما على غيره من عباده ،
كما عرفت من الخبر المتقدّم .
« و إنّما كنت جارا جاوركم بدني أياما » و في الخبر : إنّ الإنسان في أهله كضيف نزل بقوم ليلا ، و ارتحل عنهم صباحا .
قال ابن أبي الحديد
في قوله عليه السلام : « جاوركم بدني أياما » : إشعار بما ذهب إليه الأكثر في النفس ، و أنّ هوية الإنسان شيء غير هذا البدن .
قلت : بل فيه إشعار بأنّ روحه عليه السلام غير أرواحهم ، لم يجاورهم بروحه بل جاورهم ببدنه .
روى الكليني
عن جابر قال : سألت أبا جعفر عن علم العالم ، فقال لي :
إنّ في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح : روح القدس ، و روح الإيمان ، و روح القوة و روح الشهوة ، فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى ،
و هذه الأرواح يصيبها الحدثان إلاّ روح القدس فانّه لا تلهو و لا تلعب .
« و ستعقبون مني جثة خلاء » أي : خالية من الروح .
« ساكنة بعد حراك » أي : حركة و المراد شجاعته و قوّته ، و شجاعته كانت كما قال : لو تظاهرت العرب على قتالي لمّا وليت عنها ، و قوّته كانت كما قلع باب خيبر .
« و صامتة بعد نطق » في ( القاموس ) : نطق نطقا و منطقا و نطوقا : تكلّم بصوت و حروف تعرف بها المعاني .
و قد قال معاوية في نطقه عليه السلام : ما سنّ الفصاحة لقريش إلاّ عليّ و قال عمر بن سعد يوم الطفّ لمّا خطبهم الحسين عليه السلام : لو تكلّم يوما و ليلة ما يعيى ،
إنّه ابن عليّ بن أبي طالب .
« ليعظكم هدوّي » أي : سكوني و عدم قدرتي على الشخوص .
« و خفوت » من : خفت الصوت : سكن ، و منه قيل للميت : خفت ، إذا انقطع كلامه .
« أطرافي » هكذا في ( المصرية ) بالفاء ، و الصواب : ( اطراقي ) بالقاف ، كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
من ( أطرق ) : أرخى عينيه ينظر إلى الأرض .
و في ( اسد الغابة )
: بعث الأشعث بن قيس صبيحة ضرب عليّ عليه السلام ابنه قيس بن الأشعث لينظر كيف هو ؟ فرجع و قال له : رأيت عينيه داخلتين في رأسه .
« و سكون أطرافي » أي : الأعضاء الواقعة في الطرف ، كاليدين و الرجلين و الرأس .
« فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ » لأنّه وعظ عملا لا يحتمل كذبه .
« و القول المسموع » و في المثل الفارسي : شنيدن كى بود مانند ديدن .
في ( تاريخ اليعقوبي )
بعد ذكر أنّ الأسكندر غلب على دار ملك فارس و على فور ملك الهند و قتله لهما : ثم رجع إلى أرض بابل بعد أن دوّخ الأرض ،
فلمّا صار في أداني العراق ممّا يلي الجزيرة اعتل و مات ، فصيروه في تابوت ثم وقف عليه عظيم من الفلاسفة فقال : هذا يوم عظيم كشف الملك عنه ، أقبل من شرّه ما كان مدبرا ، و أدبر من خيره ما كان مقبلا ، فمن كان باكيا على ملك فعلى هذا الملك فليبك ، و من كان متعجبا من حادث فمن هذا الحادث فليتعجّب .
ثم أقبل ذاك العظيم على من حضره من الفلاسفة ، فقال : يا معشر الحكماء ،
ليقل كلّ امرئ منكم قولا يكون للخاصة معزيا و للعامة واعظا .
فقام كلّ واحد من تلامذة ارسطاطاليس فضرب بيده على التابوت ، ثم قال أحدهم : أيّها المنطيق ما أخرسك ؟ أيها العزيز ما أذلّك ؟ أيّها القانص أنّى
وقعت موضع الصيد في الشرك ؟ من هذا الذي قنصك ؟ ثم قام آخر ، فقال : هذا القوي الذي أصبح ضعيفا و قام آخر فقال : قد كانت سيوفك لا تجفّ و نقماتك لا تؤمن ، و كانت مدائنك لا ترام ، و كانت عطاياك لا تبرح ، و كان ضياؤك لا يكفّ فأصبح صوتك قد خمد ، و نقماتك لا تخشى و أصبحت عطاياك لا ترجى ،
و أصبحت سيوفك لا تنتضى و أصبحت مدائنك لا تمنع ثم قام آخر فقال : هذا الذي كان للملوك قاهرا فقد أصبح اليوم للسوقة مقهورا و قام آخر فقال : قد كان صوتك مرهوبا و كان ملكك غالبا ، فأصبح الصوت قد انقطع و الملك قد اتضع و قام آخر فقال : ألا امتنعت من الموت إذ كنت من الملوك ممتنعا ؟ و هلاّ ملكت عليه إذ كنت عليهم مملكا ؟ و قام آخر فقال : حرّكنا الإسكندر بسكونه و أنطقنا بصموته .
كان ملك الإسكندر اثنتي عشرة سنة ، و لمّا علم أنّ الموت نزل به كتب إلى امّه يعزيّها عن نفسه ، و كتب في آخره : اصنعي طعاما و اجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة ، و لا يأكل من طعامك من اصيب بمصيبة قط .
فعملت طعاما و جمعت النّاس ، ثم أمرتهم ألا يأكل من اصيب بمصيبة قط فلم يأكل أحد ، فعلمت ما أراد ، و حمل تابوته من العراق إلى الإسكندرية فتلقته امّه بعظماء أهل المملكة ، فلمّا رأته قالت : يا ذا الذي بلغت السماء حكمته ، و حاز أقطار الأرض ملكه ، و دانت الملوك عنوة له ، مالك اليوم نائما لا تستيقظ ،
و ساكتا لا تتكلّم ؟ من يبلّغك عنّي بأنّك و عظتني فاتعظت ، و عزيتني فتعزيت ؟
فعليك السلام حيّا هالكا .
و كان عظم سلطانه و اعانته الحكمة و العقل و المعرفة و كان ارسطاطاليس معلّمه .
و في ( كامل الجزري ) : لمّا مات عضد الدولة و كان عاقلا فاضلا حسن
السياسة ، كثير الإصابة ، شديد الهيبة ، بعيد الهمّة ، ثاقب الرأي ، محبّا للفضائل و أهلها ، باذلا في مواضع العطاء ، مانعا في أماكن الحزم ، ناظرا في عواقب الامور ، فقصده العلماء من كلّ بلد و صنّفوا له الكتب ، و منها الايضاح في النحو ، و الحجّة في القراءات ، و الملكي في الطب ، و التاجي في التاريخ و غيرها ،
و عمل المصالح كالبيمارستانات و القناطر ، و بنى سورا على المدينة بلغ خبره بعض العلماء و عنده جماعة من أعيان الفضلاء ، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء عند موت الاسكندر ، فقال بعضهم : لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤثر عليكم فقال أحدهم : قد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها ، و أعطاها فوق قيمتها ، و طلب الربح فيها ، فخسر روحه فيها .
و قال الثاني : من استيقظ للدنيا فهذا نومه ، و من حلم فيها فهذا انتباهه .
و قال الثالث : ما رأيت عاقلا في عقله ، و لا غافلا في غفلته مثله ، لقد كان ينقض جانبا و هو يظن أنّه مبرم ، و يغرم و هو يظن أنّه غانم .
و قال الرابع : من جدّ للدنيا هزلت به ، و من هزل راغبا عنها جدت له .
و قال الخامس : ترك هذه الدنيا شاغرة ، و رحل عنها بلا زاد و لا راحلة .
و قال السادس : إنّ ماء اطفأ هذه النار لعظيم ، و إنّ ريحا زعرت هذا الركن لعصوف .
و قال السابع : إنّما سلبك من قدر عليك .
و قال الثامن : أما لو كان معتبرا في حياته لمّا صار عبرة في مماته .
و قال التاسع : الصاعد في درجات الدنيا إلى استفال ، و النازل في دركاتها إلى تعال .
و قال العاشر : كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك ؟ و هلاّ اتخذت دونه جنّة تقيك ؟ إنّ في ذلك لعبرة للمعتبرين .
« وداعيكم » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( وداعي لكم ) كما في بن أبي الحديد و ابن ميثم ) .
« وداع امرئ مرصد للتلاقي » قال عليه السلام هذا لشيعته فهو ساقيهم من الكوثر ،
كما أنّه ذائد عنه مخالفيه .
روى المدائني
: أنّ الحسن عليه السلام قال لمولى له : أتعرف معاوية بن حديج ؟ قال : نعم قال : إذا رأيته فاعلمني فرآه خارجا من دار عمرو بن حريث فقال له عليه السلام : هو هذا فدعاه فقال له : أنت الشاتم عليّا عليه السلام عند ابن آكلة الأكباد ؟ أما و اللّه لئن وردت الحوض و لن ترده لترينّ عليّا عليه السلام مشمّرا عن ساقيه حاسرا عن ذراعيه يذود عنه المنافقين و في خبر يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرائب الإبل .
و روى المفيد في ( أماليه )
عن الأصبغ قال : دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السلام في نفر من الشيعة و كنت فيهم فجعل الحارث يتأوّد في مشيته ، و يخبط الأرض بمحجنه و كان مريضا فأقبل عليه السلام عليه و كانت له منزلة عنده فقال : كيف تجدك يا حارث ؟ فقال : نال الدهر مني .
فقال عليه السلام له : ابشّشرك يا حارث تعرفني عند الممات و عند الصراط و عند الحوض و عند المقاسمة قال الحارث و ما المقاسمة ؟ قال عليه السلام : مقاسمة النار ،
اقاسمها قسمة صحيحة ، أقول : هذا وليي فاتركيه ، و هذا عدوّي فخذيه .
رواه عن جميل بن صالح عن الكابلي عن الأصبغ ثم قال : قال جميل :
و أنشدني السيد الحميري في ما تضمنه هذا الخبر :
قول عليّ لحارث عجبا
|
|
كم اعجوبة له حملا
|
يا حار همدان من يمت يرني
|
|
من مؤمن أو منافق قبلا
|
يعرفني طرفه و أعرفه
|
|
بنعته و اسمه و ما عملا
|
و أنت عند الصراط تعرفني
|
|
فلا تخف عثرة و لا زللا
|
أسقيك من بارد على ظمأ
|
|
تخاله في الحلاوة العسلا
|
أقول للنار حين توقف للعر
|
|
ض دعيه لا تقربي الرجلا
|
دعيه لا تقربيه أن له
|
|
حبلا بحبل الوصي متصلا
|
قلت : الظاهر أنّ الحميريّ استند في أشعاره إلى هذا الخبر و خبر الشعبي الآتي ، فلا يخفى أن شعريه الأولين مضمون ذاك الخبر ، فإنّ هذا الخبر و ان تضمّن أنّه عليه السلام قال : « تعرفني عند الممات » لكن اقتصر فيه على محبّيه ،
مثل الحارث دون مخالفيه ، و إنما ذاك الخبر تضمّنهما .
و روى الكشي في ( رجاله ) عن الشعبي : قال : قال الحارث الأعور : أتيت عليّا عليه السلام ذات ليلة فقال : يا أعور ما جاء بك ؟ فقلت جاء بي و اللّه حبّك فقال : أما إنّي ساحدّثك لتشكرها ، أما إنّه لا يموت عبد يحبّني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحبّ ، و لا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره .
روى الشعبي عن الحارث هذا لأبي عمر البزاز ، ثم لكونه ناصبيا قال له :
أما إنّ حبّه لا ينفعك و بغضه لا يضرّك .
و قد ودّعه جمع من شيعته ، روى ( أماليا الشيخين )
عن الأصبغ قال :
لمّا ضربه اللعين عدونا نفر من أصحابنا ، أنا و الحرث و سويد بن غفلة و جماعة معنا فقعدنا على الباب فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا الحسن عليه السلام فقال : يقول لكم أبي : انصرفوا فانصرفوا غيري ، فاشتدّ البكاء في منزله
فبكيت ، و خرج الحسن عليه السلام و قال : ألم أقل انصرفوا ؟ فقلت : لا و اللّه لا يحملني رجلي حتى أراه عليه السلام و بكيت فدخل و خرج فقال : ادخل فدخلت فاذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء و دمه نزف و اصفر وجهه ، ما أدري أوجهه اصفر أم العمامة ؟ فأكببت عليه فقبلته و بكيت فقال لي : لا تبك يا أصبغ فإنّها و اللّه الجنّة فقلت : جعلت فداك إنّي أعلم و اللّه أنّك لتصير إلى الجنّة ، و إنّي أبكي لفقداني إيّاك . .
« غدا ترون أيامي و يكشف لكم عن سرائري و تعرفونني بعد خلوّ مكاني و قيام غيري مقامي » روى أحمد بن أبي طاهر البغدادي في ( بلاغاته ) عن الشعبي ، قال : استأذنت سودة بنت عمارة بن اسك الهمدانية على معاوية ،
فأذن لها فدخلت فقال لها : يا بنت اسك ، ألست القائلة يوم صفّين :
شمر كفعل أبيك يا بن عمارة
|
|
يوم الطعان و ملتقى الأقران
|
و انصر عليّا و الحسين و رهطه
|
|
و اقصد بهند و ابنها بهوان
|
إنّ الإمام أخو النبيّ محمّد
|
|
علم الهدى و منارة الإيمان
|
فقه الحتوف و سر أمام لوائه
|
|
قدما بأبيض صارم و سنان
|
قالت : إي و اللّه ما مثلي من رغب عن الحقّ أو اعتذر بالكذب قال لها : فما حملك على ذلك ؟ قالت حبّ عليّ و اتباع الحق قال : فو اللّه ما أرى عليك من أثر عليّ شيئا قالت : أنشدك اللّه و اعادة ما مضى و تذكار ما قد نسي قال : هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى و ما لقيت من أحد ما لقيت من قومك و أخيك قالت :
صدق فوك ، لم يكن أخي ذميم المقام و لا خفي المكان ، كان و اللّه كقول الخنساء :
و إن صخرا لتأتمّ الهداة به
|
|
كأنّه علم في رأسه نار
|
قال : صدقت لقد كان كذلك فقالت : مات الرأس و بتر الذنب ، و باللّه أسأل
اعفائي ممّا استعفيت منه قال : قد فعلت ، فما حاجتك ؟ قالت : إنّك أصبحت للناس سيّدا و لأمرهم متقلّدا ، و اللّه سائلك عن أمرنا و ما افترض عليك من حقّنا ،
و لا يزال يقدم علينا من ينوء بعزّك و يبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل و يدوسنا دوس البقر و يسومنا الخسيسة و يسلبنا الجليلة ، هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي و أخذ مالي ، يقول لي فوهي بما استعصم اللّه منه و ألجأ إليه فيه ، و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة ، فإمّا عزلته عنّا فشكرناك و إمّا لا فعرفناك فقال لها معاوية : أتهدديني بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردّك إليه ، ينفذ فيك حكمه فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول :
صلّى الإله على جسم تضمّنه
|
|
قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
|
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا
|
|
فصار بالحق و الإيمان مقرونا
|
قال : و من ذلك ؟ قالت : عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه قال : و ما صنع بك حتى صار عندك كذلك قالت قدمت عليه في رجل ولاّه صدقاتنا فكان بيني و بينه ما بين الغث و السمين ، فأتيت عليّا عليه السلام لأشكو إليه ما صنع بنا ، فوجدته قائما يصلّي فلمّا نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة و تعطف : ألك حاجة ؟ فأخبرته الخبر فبكى ثم قال : اللّهم إنّك أنت الشاهد عليّ و عليهم ، إنّي لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقّك ثم أخرج من جيبه قطعة جلد فكتب فيها :
بسم اللّه الرحمن الرحيم قد جاءتكم بيّنة من ربكم
. و افوا الكيل و الميزان بالقسط
و لا تبخسوا النّاس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض
مفسدين بقية اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ
إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك و السلام فأخذته منه ما ختمه بطين و لا خزمه بخزام فقرأته فقال لها معاوية لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان : فبطيئا ما تفطمون .
و رواه ابن عبد ربه في ( عقده )
و فيه : لمظكم ابن أبي طالب الجرأة و غرّكم قوله .
فلو كنت بوّابا على باب جنة
|
|
لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
|
و غرّكم قوله :
ناديت همدان و الأبواب مغلقة
|
|
و مثل همدان سنّى فتحة الباب
|
كالهندواني لم تفلل مضاربه
|
|
وجه جميل و قلب غير وجّاب
|
و في الأوّل أيضا : قال سعيد بن حذافة : حبس مروان غلاما من بني ليث في جناية فأتته جدّته امّ أبيه امّ سنان بنت خيثمة المذحجية فكلّمته في الغلام فأغلظ لها فخرجت إلى معاوية ، فدخلت عليه فانتسبت له ، فقال لها :
مرحبا بك يا بنت خيثمة ، ما أقدمك أرضي و قد عهدتك تشنأين قربي و تحضين عليّ عدوي ؟ قالت إنّ لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة و أعلاما ظاهرة ،
لا يجهلون بعد علم و لا يسفهون بعد حلم و لا يعاقبون بعد عفو ، فأولى النّاس باتباع سنن آبائه لأنت قال : صدقت نحن كذلك ، فكيف قولك :
عزب الرقاد فمقلتي ما ترقد
|
|
و الليل يصدر بالهموم و يورد
|
يا آل مذحج لا مقام فشمّروا
|
|
إنّ العدوّ لآل أحمد يقصد
|
هذا عليّ كالهلال يحفّه
|
|
وسط السماء في الكواكب أسعد
|
خير الخلائق و ابن عمّ محمّد
|
|
و كفى بذلك لمن شناه تهدّد
|
مازال مذ عرف الحروب مظفّرا
|
|
و النصر فوق لوائه ما يفقد
|
قالت : كان كذلك ، و إنّا لنطمع بك خلفا فقال رجل من جلسائه : كيف و هي القائلة :
إمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل
|
|
بالحق تعرف هاديا مهديا
|
فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت
|
|
فوق الغصون حمامة قمريا
|
قد كنت بعد محمّد خلفا لنا
|
|
أوصى إليك بنا فكنت وفيا
|
فاليوم لا خلف تأمل بعده
|
|
هيهات نمدح بعده إنسيّا
|
و روى الثاني عن عكرمة قال : دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكّئة على عكاز ، فسلّمت عليه بالخلافة ثم جلست فقال لها معاوية : الآن صرت عندك خليفة ؟ قالت : نعم ، إذ لا عليّ حي قال : ألست المتقلّدة حمائل السيوف بصفّين إلى أن قال فكأنّي أراك على عصاك هذه و قد انكفأ عليك العسكر أن يقولوا : هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر اللّه إلى أن قال قالت : إنّه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فتردّ على فقرائنا ، و إنّا قد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير و لا ينعش لنا فقير ، فإن كان ذلك على رأيك فمثلك ينبه عن الغفلة ، و إن كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخؤنة و لا استعمل الظلمة قال معاوية : يا هذه ، إنّه ينوبنا عن امور رعيتنا ، امور تنبثق و بحور تنفهق قالت : يا سبحان اللّه و اللّه ما فرض اللّه لنا حقّا فجعل فيه ضررا على غيرنا ، و هو علاّم الغيوب قال معاوية : يا أهل العراق نبّهكم عليّ بن أبي طالب فلم تطاقوا . .
و روى عن أبي سهل التميمي قال : حجّ معاوية فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون ، يقال لها : دارمة الحجونية ، فاحضرت إليه ، فقال :
تدرين لم بعثت إليك ؟ قالت : لا قال : لأسألك لم أحببت عليّا و أبغضتني ، و واليته و عاديتني ؟ قالت : أو تعفيني ؟ قال : لا قالت : إذ أبيت فإنّي أحببت عليّا على عدله في الرعية و قسمه بالسوية ، و أبغضتك على قتال من هو أولى بالأمر منك و طلبك ما ليس لك بحق ، و واليت عليّا على ما عقد له النبيّ صلى اللّه عليه و آله من الولاء في الدين ، و حبه المساكين ، و إعظامه لأهل الدين ، و عاديتك على سفكك الدماء و جورك في القضاء و حكمك بالهوى فقال لها معاوية : يا هذه ، هل رأيت عليّا ؟
قالت : إي و اللّه قال : كيف رأيته ؟ قالت : رأيته و اللّه لم يفتنه الملك الذي فتنك ، و لم تشغله النعمة التي شغلتك قال : فهل سمعت كلامه ؟ قالت : نعم و اللّه ، فكان يجلو القلب من العمى ، كما يجلو الزيت الطست من الصدى قال : صدقت ، فهل من حاجة ؟ قالت : أو تفعل ؟ قال : نعم قالت : تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها و راعيها فأمر لها بذلك ، و قال لها : أما و اللّه لو كان عليّ حيّا ما أعطاك منها شيئا قالت : لا و اللّه و لا وبرة من مال المسلمين .
٦
الكتاب ( ٢٣ ) و من كلام له عليه السلام قاله قبيل موته على سبيل الوصيّة ، لمّا ضربه ابن ملجم لعنه اللّه :
وَصِيَّتِي لَكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً وَ ؟ مُحَمَّدٌ ص ؟ فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ اَلْعَمُودَيْنِ وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ اَلْمِصْبَاحَيْنِ وَ خَلاَكُمْ ذَمٌّ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ اَلْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَ هُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ فَاعْفُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ ٢٤ ٣٠ ٢٤ : ٢٢
وَ اَللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ
اَلْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ وَ لاَ طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ وَ لاَ كُنْتُ إِلاَّ كَقَارِبٍ وَرَدَ وَ طَالِبٍ وَجَدَ وَ ما عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ١٧ ٢٢ ٣ : ١٩٨
« قال الرضي : أقول : و قد مضى بعض هذا الكلام في ما تقدّم من الخطب ،
إلاّ أنّ فيه هاهنا زيادة أوجبت تكريره » أقول : قد عرفت في سابقه أنّ ( الكافي و المروج ) رويا مقدارا من زيادة ذكرت هاهنا إلى قوله : « ان يغفر اللّه لكم » .
قول المصنف : « و من كلام له عليه السلام » إلى « لمّا ضربه ابن ملجم لعنه اللّه » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن ميثم )
: « و من كلام له عليه السلام قاله قبيل موته لمّا ضربه ابن ملجم لعنه اللّه وصية » و في ( ابن أبي الحديد )
:
« و من كلام له عليه السلام قاله قبيل موته لمّا ضربه ابن ملجم على سبيل الوصية » .
هذا ، و في ( الصحاح ) في ( جوب ) : و تجوب قبيلة من حمير ، حلفاء لمراد ،
و منهم ابن ملجم لعنه اللّه ، قال الكميت :
ألا إنّ خير النّاس بعد ثلاثة
|
|
قتيل التجوبي الذي جاء من مصر
|
و هو وهم منه ، و قتيل التجيبي هو عثمان لا هو عليه السلام ، و البيت ليس للكميت و لم يتفّطن لذاك ( القاموس ) مع تهالكه على تخطئته ، و لكن تنبّه له محشي ( الصحاح ) فقال : البيت للوليد بن عقبة ، و صواب انشاده :
قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
و إنّما غلّطه في ذلك أنّه ظن أنّ الثلاثة أبوبكر و عمر و عثمان ، فظنّ أنّه
في عليّ فقال : التجوبي بالواو و إنّما الثلاثة النبيّ و أبوبكر و عمر ، لأنّ الوليد رثى بهذا الشعر عثمان و قاتله كنانة بن بشر التجيبي ، و أمّا قاتل عليّ فهو التجوبي ثم نقل عن البكري أنّ الأبيات لنائلة زوجة عثمان .
قلت : و صرّح ( الطبري )
بأنّها للوليد ، و أنّه ردّ عليه الفضل بن عباس في أبيات و منها :
ألا إنّ خير النّاس بعد محمّد
|
|
وصي النبيّ المصطفى عند ذي الذكر
|
و أوّل من صلّى و صنو نبيّه
|
|
و أول من أردى الغواة لدى بدر
|
قوله عليه السلام : « وصيّتي لكم إلى « و غدا مفارقكم » مرّ في السابق لكن ليس هنا : « و أوقدوا هذين المصباحين » في ( ابن ميثم )
و هو في ( ابن أبي الحديد )
، و نقلته ( المصرية )
عنه ، و في ( ابن ميثم ) أيضا : « أنا بالأمس كنت صاحبكم » .
« إن أبق فأنا وليّ دمي ، و إن أفن فالفناء ميعادي » في ( الإرشاد )
: لمّا ادخل ابن ملجم عليه عليه السلام نظر إليه ثم قال : النفس بالنفس ، فإن أنا متّ فاقتلوه كما قتلني ، و إن أنا عشت رأيت فيه رأيي فقال ابن ملجم : و اللّه لقد ابتعته بألف و سممته بألف ، فإن خانني فأبعده اللّه و نادته امّ كلثوم : يا عدوّ اللّه قتلت أمير المؤمنين قال : إنّما قتلت أباك قالت : يا عدوّ اللّه إنّي لأرجو ألاّ يكون عليه بأس .
قال لها : فأراك إنّما تبكين عليّ إذن ؟ لقد و اللّه ضربته ضربة لو قسّمت بين أهل الأرض لأهلكتهم فاخرج من بين يديه عليه السلام و إنّ النّاس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنّهم سباع و هم يقولون : يا عدوّ اللّه ماذا فعلت ؟ أهلكت أمّة محمّد و قتلت خير النّاس و إنّه لصامت لم ينطق فذهب به إلى الحبس ، و جاء النّاس إليه عليه السلام فقالوا له : مرنا بأمرك في عدوّ اللّه ، لقد أهلك الامة و أفسد الملّة .
فقال عليه السلام لهم : إن أنا عشت رأيت فيه رأيي ، و إن هلكت فاصنعوا ما يصنع بقاتل النبيّ : اقتلوه ثم حرّقوه بعد ذلك بالنار فلمّا قضى عليه السلام نحبه و دفن جلس الحسن عليه السلام و أمر أن يؤتى بابن ملجم فجيء به ، فلمّا وقف بين يديه قال له : يا عدوّ اللّه قتلت أمير المؤمنين و أعظمت الفساد في الدين ثم أمر به فضربت عنقه ، و استوهبت امّ الهيثم بنت الأسود النخعية جثته منه لتتولى احراقها ، فوهبها لها فأحرقتها بالنار .
« و إن أعف » على فرض بقائي .
« فالعفو لي قربة » قال تعالى : . و أن تعفوا أقرب للتقوى .
.
« و هو لكم حسنة فاعفوا » . و إن تعفوا و تصفحوا و تغفروا فإن اللّه غفور رحيم
.
« . ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم . » من الآية ( ٢٢ ) من النور .
« و اللّه ما فجأني من الموت وارد كرهته ، و لا طالع أنكرته » في ( العيون )
نعي إلى الصادق عليه السلام ابنه إسماعيل و هو أكبر أولاده و هو يريد أن يأكل و قد اجتمع ندماؤه ، فتبسّم ثمّ دعا بطعامه و قعد مع ندمائه ، و جعل يأكل
أحسن من أكله ساير الأيام و يحثّ ندمائه و يضع بين أيديهم ، و يعجبون منه ،
لا يرون للحزن أثرا ، فلمّا فرغ قالوا : يابن رسول اللّه لقد رأينا عجبا ، أصبت بمثل هذا الابن و أنت كما نرى قال : و مالي لا أكون كما ترون و قد جاءني خبر أصدق الصادقين : إنّي ميت و إيّاكم ، إنّ قوما عرفوا الموت فجعلوه نصب أعينهم ، لم ينكروا ما يخطفه الموت منهم ، و سلّموا لأمر خالقهم عز و جل .
« و ما كنت إلاّ كقارب » قال الخليل كما في ( الصحاح ) : القارب : طالب الماء ليلا ، و لا يقال ذلك لطالب الماء نهارا قال الجوهري : و قد أقرب القوم : إذا كانت إبلهم قوارب ، فهم قابون ، و لا يقال : مقربون قال أبو عبيد : و هذا الحرف شاذ .
« ورد » الماء .
« و طالب وجد » مطلوبه ، قال الصادق عليه السلام كما في ( العيون )
: الموت للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فينعس لطيبه ، و ينقطع التعب و الألم كلّه عنه .
« . و ما عند اللّه خير للأبرار
» روى الصدوق في ( أماليه )
عن حبيب بن عمرو قال : دخلت على عليّ عليه السلام فقلت له : ما جرحك هذا بشيء و ما بك من بأس فقال لي : يا حبيب أنا و اللّه مفارقكم الساعة فبكيت عند ذلك و بكت امّ كلثوم و كانت قاعدة عنده ، قال لها : ما يبكيك يا بنية ؟ فقالت : ذكرت يا أبه أنّك تفارقنا الساعة فبكيت عند ذلك فقال : يا بنية لا تبكي فو اللّه لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت قال حبيب فقلت : و ما ترى يا أمير المؤمنين ؟ قال : يا حبيب أرى ملائكة السماوات و النبييّن بعضهم في أثر بعض وقوفا إلى أن يتلقوني ، و هذا أخي محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالس عندي يقول : أقدم فإنّ أمامك خير لك ممّا
أنت فيه قال حبيب : فما خرجت من عنده حتى توفي ، فلمّا كان من الغد و أصبح الحسن عليه السلام قام خطيبا على المنبر ، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال : أيّها النّاس في هذه الليلة نزل القرآن ، و في هذه الليلة رفع عيسى ، و في هذه الليلة قتل يوشع ،
و في هذه الليلة مات أمير المؤمنين عليه السلام و اللّه لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء و لا من يكون بعده ، و إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان ليبعثه في السريّة فيقاتل جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره ، و ما ترك صفراء و لا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، كان يجمعها ليشتري بها خادما لأهله .
و رواه ( اسد الغابة )
إلى قوله : فإنّ أمامك خير ممّا أنت فيه عن عمرو ذي مرقال ، و الأصل واحد ، و أحدهما تحريف .
و روى الشيخان في ( أماليهما )
عن الأصبغ قال : لمّا ضربه عليه السلام ابن ملجم غدونا عليه ، انا و الحرث بن سويد و سويد بن غفلة و جماعة معنا ، فقعدنا على الباب فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا الحسن عليه السلام فقال : يقول لكم أمير المؤمنين : انصرفوا إلى منازلكم فانصرف القوم غيري و اشتد البكاء من منزله ، فبكيت فخرج الحسن عليه السلام فقال : ألم أقل لكم انصرفوا ؟ فقلت : لا و اللّه يابن رسول اللّه ، ما تتابعني نفسي و لا تحملني رجلي أن أنصرف ، حتى أرى أمير المؤمنين عليه السلام فلبثت فدخل و لم يلبث أن خرج فقال لي : ادخل فدخلت فإذا هو عليه السلام مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء قد نزف و اصفر وجهه ،
ما أدري وجهه أصفر أم العمامة ؟ فأكببت عليه فقبلته و بكيت ، فقال لي : لا تبك يا أصبغ فها و اللّه الجنّة فقلت له : جعلت فداك إنّي أعلم و اللّه أنّك تصير إلى الجنة ، و إنّما أبكي لفقداني إيّاك . .
و روى
الثاني في خبر : أنّ ابن ملجم ضربه و هو ساجد على الضربة التي كانت من عمرو ، و احتمل عليه السلام فادخل داره ، فقعدت لبابة عند رأسه و جلست امّ كلثوم عند رجليه ، ففتح عينيه فنظر إليهما فقال : الرفيق الأعلى خير مستقرا ، ضربة بضربة أو العفو إن كان ذلك ، ثم عرق ثم أفاق فقال : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يأمرني بالرواح إليه عشاء ثلاث مرات .
و روى الفرحة عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قبر أمير المؤمنين عليه السلام فقال : دفن مع أبيه نوح في قبره قلت : من تولّى دفنه ؟ فقال :
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مع كرام الكاتبين ، بالروح و الريحان .
و في ( مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي ) : و دخل ابن ملجم المسجد و رمى بنفسه بين النيام ، و أذّن عليّ عليه السلام و دخل المسجد فجعل ينبه من بالمسجد من النيام ، ثم صار إلى محرابه فوقف فيه و استفتح و قرأ ، فلمّا ركع و سجد سجدة ضربه على رأسه ضربة وقعت على ضربة عمرو بن عبدود . .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) نقلا مقتله عليه السلام عن جمع من أهل السير منهم محمّد بن إسحاق و هشام بن محمّد و السدي : فلمّا حصل في المحراب هجموا عليه فضربه ابن ملجم و هو يقول و من النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه
و هرب وردان و شبيب . .
و في ( أمالي الشيخ ، الصفحة ٢٣٢ ) و بهذا الاسناد عن السجّاد عليه السلام : لمّا ضرب عليه السلام كان مع ابن ملجم آخر وقعت ضربته على الحايط ، و أمّا ابن ملجم فضربه فوقعت الضربة و هو ساجد على رأسه ، على الضربة التي كانت ،
فخرج الحسن و الحسين عليهما السلام و أخذا ابن ملجم و أوثقاه ، و احتمل عليه السلام فادخل داره فقعدت لبابة عند رأسه و امّ كلثوم عند رجليه ، ففتح عينيه فنظر إليهما فقال : الرفيق الأعلى خير مستقر و أحسن مقيلا . .
و يأتي في الآتي زيادة أعثم الكوفي ، و في ( الاستيعاب )
: فخرج عليه السلام لصلاة الصبح فبدره شبيب إلى أن قال و اختلفوا هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها ؟ و هل استخلف من أتمّ بهم الصلاة أو هو أتمّها ؟ و الأكثر أنّه استخلف جعدة ابن هبيرة فصلّى بهم تلك الصلاة .
و مرّ في العنوان الأول من الفصل خبر فضائل شهر رمضان
عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « كأنّي بك و أنت تصلّي لربّك و قد انبعث أشقى الأولين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة فخضب منها لحيتك » و هو الصحيح ،
يشهد له العقل ، فكان ابن ملجم يصف ضربته بأنّه ضرب ضربة لو ضربها أهل المشرق و المغرب لهلكوا ، و كان شحذ سيفه شهرا و سقاه السمّ شهرا ،
فلا بد أنّه احتاط لتمكنّه من ضربة كاملة ، و لو كان في الطريق كيف أمكنه ذلك ؟
قول المصنف : « قال الرضي : أقول » هكذا في ( المصرية ) و كلّه زائد لعدم وجوده في ( ابن ميثم
و الخطية ) و إنّما اقتصر ابن أبي الحديد على : « قال الرضي » إن شاء من نفسه .
« و قد مضى بعض هذا الكلام » من قوله « وصيتي لكم إلى قوله و غدا مفارقكم » .
« في ما تقدم من الخطب » في ( ١٤٥ ) .
« إلاّ أنّ فيه ها هنا زيادة أوجبت تكريره » من قوله : « ان ابق . » .
٧
الكتاب ( ٤٧ ) و من وصيّة له عليه السلام للحسن و الحسين عليهما السلام لمّا ضربه ابن ملجم لعنه اللّه :
أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ أَلاَّ تَبْغِيَا اَلدُّنْيَا وَ إِنْ بَغَتْكُمَا وَ لاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولاَ بِالْحَقِّ وَ اِعْمَلاَ لِلْأَجْرِ وَ كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وَلَدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ وَ صَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا ص يَقُولُ صَلاَحُ ذَاتِ اَلْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ اَلصَّلاَةِ وَ اَلصِّيَامِ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْأَيْتَامِ فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي ؟ اَلْقُرْآنِ ؟ لاَ يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لاَ تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَ اَلتَّبَاذُلِ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلتَّدَابُرَ وَ اَلتَّقَاطُعَ لاَ تَتْرُكُوا اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ ثُمَّ قَالَ
يَا ؟ بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ؟ لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ اَلْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ ؟ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ قُتِلَ ؟ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ أَلاَ لاَ يُقْتَلُنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي اُنْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَ لاَ يُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص ؟ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَ اَلْمُثْلَةَ وَ لَوْ بِالْكَلْبِ اَلْعَقُورِ أقول : رواه الطبري
و الاصبهاني و الكليني و الصدوق
.
قال الأوّل : دعا عليه السلام حسنا و حسينا عليهما السلام فقال : اوصيكما بتقوى اللّه ،
و ألاّ تبغيا الدنيا و أن بغتكما ، و لا تبكيا على شيء زوى عنكما ، و قولا الحق ،
و ارحما اليتيم ، و أغيثا الملهوف ، و اصنعا للآخرة ، و كونا للظالم خصما و للمظلوم ناصرا ، و اعملا بما في الكتاب و لا تأخذكما في اللّه لومة لائم ثم نظر إلى محمّد بن الحنفية فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم قال :
فإنّي اوصيك بمثله ، و اوصيك بتوقير أخويك العظيم حقّهما عليك ، فاتبع أمرهما و لا تقطع أمرا دونهما ثم قال : اوصيكما به فإنّه شقيقكما و ابن أبيكما ،
و قد علمتما أنّ أباكما كان يحبّه إلى أن قال فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى أن قال قال : ثم اوصيك يا حسن و جميع ولدي و أهلي بتقوى اللّه ربكم و لا تموتن إلاّ و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا
فإنّي سمعت أبا القاسم صلّى اللّه عليه و آله يقول : إنّ صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم ، يهوّن اللّه عليكم الحساب ، اللّه اللّه في الأيتام فلا تعنوا أفواههم و لا يضيعن بحضرتكم ، و اللّه اللّه في جيرانكم
فانّهم وصيّة نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله مازال يوصي بهم حتى ظننا انّه سيورثهم ، و اللّه اللّه في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم ، و اللّه اللّه في الصلاة فانّها عمود دينكم ، و اللّه اللّه في بيت ربّكم فلا تخلّوه ما بقيتم ، فإنّه إن ترك لم تناظروا ، و اللّه اللّه في الجهاد في سبيل اللّه بأموالكم و أنفسكم ، و اللّه اللّه في الزكاة فإنّها تطفئ غضب الرب ، و اللّه اللّه في ذريّة نبيّكم فلا يظلمنّ بين أظهركم ، و اللّه اللّه في أصحاب نبيّكم فإنّ رسول اللّه أوصى بهم ، و اللّه اللّه في الفقراء و المساكين فاشركوهم في معايشكم ، و اللّه اللّه في ما ملكت ايمانكم ثم قال : الصلاة الصلاة ، لا تخافن في اللّه لومة لائم يكفيكم من أرادكم و بغى عليكم ، و قولوا للناس كما أمركم اللّه ، و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيولّى الأمر شراركم ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم ، و عليكم بالتواصل و التباذل ،
و إيّاكم و التدابر و التقاطع و التفرّق و تعاونوا على البرّ و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا اللّه ان اللّه شديد العقاب
حفظكم من أهل بيت و حفظ فيكم نبيّكم ، استودعكم اللّه و اقرأ عليكم السلام و رحمة اللّه ثم لم ينطق إلاّ بلا إله إلاّ اللّه حتى قبض ، و ذلك في شهر رمضان سنة ( ٤٠ ) إلى أن قال و قال عليه السلام يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون :
قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلنّ إلاّ قاتلي ، انظر يا حسن إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ، و لا تمثّل بالرجل فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : إياكم و المثلة و لو أنّها بالكلب العقور .
و روى الثاني عن أبي مخنف عن عطية بن الحرث عن عمر بن تميم و عمرو بن أبي بكار : انّه عليه السلام لمّا ضرب جمع له أطباء الكوفة إلى أن قال في وصيته عليه السلام :
اوصيك يا حسن و جميع ولدي و أهل بيتي و من بلغه كتابي هذا بتقوى اللّه ربّنا و لا تموتن إلاّ و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا
، فإنّي سمعت رسول اللّه يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة و الصيام و إنّ المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البيت ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن اللّه عليكم الحساب ، اللّه اللّه في الايتام فلا تغيّرن أفواههم و لا يضيعوا بحضرتكم ، و اللّه اللّه في جيرانكم فإنّها وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مازال يوصينا بهم حتى ظننا أنّه سيورثهم ، و اللّه اللّه في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم ، و اللّه اللّه في الصلاة فإنّها عماد دينكم و اللّه اللّه في بيت ربكم فلا يخلو منكم ما بقيتم ، فإنّه إن ترك لم تناظروا ، و اللّه اللّه في صيام شهر رمضان فانّه جنّة من النار ، و اللّه اللّه في الجهاد في سبيل اللّه بأموالكم و أنفسكم ، و اللّه اللّه في زكاة أموالكم فإنها تطفئ غضب ربكم ، و اللّه اللّه في ذرية نبيّكم فلا يظلمن بين أظهركم ، و اللّه اللّه في أصحاب نبيّكم فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوصى بهم ، و اللّه اللّه في الفقراء و المساكين فاشركوهم في معايشكم ، و اللّه اللّه في ما ملكت ايمانكم ثم قال :
الصلاة الصلاة ، لا تخافوا في اللّه لومة لائم فانّه يكفيكم من بغى عليكم و أرادكم بسوء قولوا للناس حسنا
كما أمركم اللّه ، و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيولّى الأمر غيركم و تدعون فلا يستجاب لكم ،
عليكم بالتواصل و التباذل و التبار ، و إيّاكم و التقاطع و التفرّق و التدابر و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان
.
و مثله الكليني إلاّ أنّه زاد بعد قوله « و لا يضيعوا بحضرتكم » : فقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : من عال يتيما حتى يستغني أوجب اللّه عز و جل له بذلك الجنّة ، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار .
و زاد بعد قوله « لم تناظروا » : و أدنى ما يرجع به من اللّه أن يغفر له ما قد سلف .
و زاد بعد قوله « بأموالكم و أنفسكم » : و ألسنتكم فإنّما يجاهد رجلان :
إمام هدى ، أو مطيع له مقتد بهداه .
و فيه : اللّه اللّه في ذريّة نبيّكم ، فلا يظلمنّ بحضرتكم و بين ظهرانيكم ،
و أنتم تقتدرون على الدفع عنهم .
و زاد بعد قوله « في أصحاب نبيّكم » : الذين لم يحدثوا حدثا و لم يؤوا محدثا .
و زاد بعد قوله « أوصى بهم » : و لعن المحدث منهم و من غيرهم ،
و المؤوي للمحدث .
و فيه : اللّه اللّه في النساء و ما ملكت أيمانكم فإنّ آخر ما تكلّم به نبيّكم أن قال : اوصيكم بالضعيفين : النساء و ما ملكت ايمانكم .
و فيه : فيولّى الأمر شراركم .
و في آخره : حتى قبض في ثلاث ليال من العشر الأواخر ، ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان ، ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة ، و كان ضرب ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان .
و قال الرابع
في رسم وصية فقيهة : روى عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت وصيّة عليّ عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام ، و أشهد على
وصيته الحسين و محمّدا و جميع ولده و رؤساء أهل بيته و شيعته ، ثم دفع إليه الكتاب و السلاح ثم قال : يا بني أمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن أوصي إليك ، و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي كما أوصى إليّ و دفع إليّ كتبه و سلاحه ، و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين ثم أقبل على ابنه الحسين عليه السلام فقال : و أمرك النبيّ أن تدفع إلى ابنك عليّ بن الحسين ثم أقبل على ابنه عليّ بن الحسين عليه السلام فقال : و أمرك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن تدفع وصيّتك إلى ابنك محمّد بن عليّ ، فأقرئه من رسول اللّه و منّي السلام ثم أقبل على ابنه الحسن فقال : يا بني أنت ولي الأمر و ولي الدم ، فإن عفوت فلك و إن قتلت فضربة مكان ضربة إلى أن قال ثم إنّي اوصيك يا حسن و جميع ولدي و أهل بيتي و من بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى اللّه ربّكم و لا تموتن إلاّ و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا و إذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم
فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول :
« صلاح ذات البيت أفضل من عامة الصلاة و الصيام » إلى أن قال ثم لم يزل يقول : « لا إله إلاّ اللّه » حتى قبض عليه السلام في أول ليلة من العشر الأواخر ، آخر ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان ، ليلة الجمعة لأربعين سنة مضت من الهجرة .
و رواه ( تحف العقول )
إلاّ أنّه قال : « كتابه إلى ابنه الحسن عليه السلام » و عن ( كشف الغمة )
و عن ( أمالي الزجاج ) أيضا روايته .
و روى ( المروج )
صدره و رواه كتاب ( المعمرون ) لأبي حاتم
السجستاني باسناده عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه ، و بآخر صدره هكذا :
اوصيكما بتقوى اللّه ، و لا تبغيا الدنيا و لا تبكيا على شيء منها زوي عنكما ،
قولا الحق و ارحما اليتيم و أعينا الضايع و أضيفا الجائع ، و كونا للظالم خصما و للمظلوم عونا ، و لا تأخذكم في اللّه لومة لائم .
و روى بعده باسناده عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السلام هكذا : و إنّي اوصيك يا حسن و جميع ولدي و من بلغه كتابي هذا بتقوى اللّه ربكم و لا تموتن إلاّ و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرّقوا فإنّي سمعت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : صلاح ذات البين أفضل من عام الصيام و الصلاة انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن اللّه عليكم الحساب ، و اللّه اللّه في الأيتام فلا تغيرن أفواههم بحضرتكم ، و اللّه اللّه في الضعيفين فإنّ آخر ما تكلّم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن قال : اوصيكم بالضعيفين خيرا ، و اللّه اللّه في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم ، و اللّه اللّه في الصلاة فإنّها عمود دينكم ، و اللّه اللّه في الزكاة فإنّها تطفئ غضب ربّكم عنكم ، و اللّه اللّه في صيام رمضان فإنّ صيامه جنّة لكم من النار ، و اللّه اللّه في الحج فإنّ بيت اللّه إذا خلا لم تناظروا ،
و اللّه اللّه في الفقراء و المساكين فشاركوهم في معايشكم و أموالكم ، عليكم يا بني بالبرّ و التواصل و التبارّ ، و إيّاكم و التقاطع و التدابر و التفرّق ، و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان
حفظكم اللّه من أهل بيت .
و روى ذيله هكذا : و أخبرونا أنّ الحسن عليه السلام قال لابن ملجم لمّا أراد قتله : إنّ أبي قال : يا بني إيّاكم أن تخوضوا في دماء المسلمين و أن تقولوا : قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يقتلنّ فيّ إلاّ قاتلي ، و ضربة بضربة ، فإيّاك يا حسن
و المثلة ، فإنّ رسول اللّه نهى عنها و لو بالكلب العقور .
قال : قال : ابن ملجم و اللّه أن كان أبوك ما علمنا لعدلا في الرضاء و الغضب إلاّ ما كان من يوم صفّين حين حكّم في دين اللّه ، أفشكّ أبوك في دينه ؟ قال : فضربه ضربة تلقاه بخنصره فقطعها ، ثم ضربه اخرى في الموضع الذي ضرب أباه فقتله .
قول المصنف : « لمّا ضربه ابن ملجم » في ( الإرشاد )
قال أبوبكر بن أبي عياش : لقد ضرب عليّ عليه السلام ضربة ما كان في الإسلام أعزّ منها يعني :
ضربته عمرو بن عبدود يوم الخندق و لقد ضرب عليه السلام ضربة ما ضرب في الإسلام أشأم منها يعني : ضربة ابن ملجم له عليه السلام و لو كان المصنف قال :
« بعد ضربه عند احتضاره » كان أولى ، فقد عرفت من الطبري أنّه لم ينطق بعد الوصيه إلاّ بالهيللة حتى قبض ، و كذلك من رواية ( الفقيه )
.
قوله عليه السلام اوصيكما بتقوى اللّه » . و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا .
و يرزقه من حيث لا يحتسب .
و لو أنّ أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض .
، . انّما يتقبّل اللّه من المتّقين
، تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيّا
،
و إن منكم إلاّ واردها كان على ربّك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتّقوا
و نذر الظالمين فيها جثيّا
.
« و أن لا تبغيا » أي : تطلبا .
« الدنيا و ان بغتكما » . و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
، . مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح .
أفرأيت ان متّعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتّعون
.
و في الخبر : تمثّلت الدنيا للمسيح عليه السلام في زيّ امرأة زرقاء ، فقال لها : كم تزوجت ؟ قالت : لا احصي قال : اطلّقوك ؟ قالت : لا ، بل كلاّ قتلت قال : ويح أزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين ؟
و لنعم ما قيل بالفارسية :
چه طفل با همه با زيد بى وفايى كرد
|
|
عجبتر آنكه نگشتند ديگران استاد
|
أيضا :
مجو درستى عهد از جهان سست نهاد
|
|
كه اين عجوزه عروس هزار داماد است
|
أيضا :
بعشوه كه سپهرت دهد ز ره مرو
|
|
ترا كه گفت كه اين زال ترك دستان گفت
|
أيضا :
برو از خانه گردون به در و نان مطلب
|
|
كين سيه كاسه در آخر بكشد مهمانرا
|
و حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة .
« و لا تأسفا على شيء منها زوي عنكما » لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم .
« ودع عنك من همومها لمّا أيقنت به من فراقها » .
« و قولا للحق » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( بالحق ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية ) .
كنوا قوامين بالقسط شهداء للّه و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين .
.
و في ( الاستيعاب )
: قدم قيس بن خرشة القيسي على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال له : ابايعك على ما جاءك من اللّه و على أن أقول بالحق فقال له : يا قيس عسى أن يمرّ بك الدهر أن يليك ولاة لا تستطيع ان تقول لهم الحق قال : لا و اللّه إلاّ وفيت .
فقال صلّى اللّه عليه و آله إذن لا يضرّك بشر قال : فكان قيس يعيب زيادا و ابنه عبيد اللّه بعده ،
فبلغ ذلك عبيد اللّه فأرسل إليه ، فقال : أنت الذي تفتري على اللّه و على رسوله ؟
فقال : لا و اللّه و لكن ان شئت أخبرتك بمن يفتري على اللّه و رسوله قال و من هو ؟ قال : من ترك العمل بكتاب اللّه و سنّة نبيه قال : و من ذلك ؟ قال : أنت و أبوك و من أمّركما قال : و أنت الذي تزعم أنّه لا يضرّك بشر ؟ قال : نعم ، قال : لتعلمنّ
اليوم أنّك كاذب ، إيتوني بصاحب العذاب فمال قيس عند ذلك فمات .
و قال الصادق عليه السلام : ثلاث من المنجيات : القصد في الغنى و الفقر ،
و الخوف من اللّه في السرّ و العلن ، و القول بالحق في الرضا و السخط .
أيضا : ثلاثة هم أقرب الخلائق إلى اللّه عز و جل يوم القيامة ، حتى يفرغ النّاس من الحساب : رجل لم يدعه غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده ،
و رجل مشى بين اثنين فلم يمل من أحدهما على الآخر بشعيرة ، و رجل قال الحق في ماله و عليه .
« و اعملا للأجر » هكذا في ( المصرية
و ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
و لكن في الخطية : « للآخرة » .
و المراد واحد ، فإنّ المراد بالأجر ثواب الآخرة : قال تعالى : . و إنّ الدار الآخرة لهي الحيوان .
، و إنّ الآخرة هي دار القرار
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين
.
و في الخبر : إذا دعيت إلى وليمة و جنازة فأجب الجنازة ، لأنّها تذكرك الآخرة ، و لا تجب الوليمة لأنّها تذكرك الدنيا .
من أصلح أمر آخرته أصلح اللّه أمر دنياه .
أيضا : ليس ذئبان ضاريان أفسد لقطيعة غنم من حبّ مال الدنيا
و جاهها لدين امرئ مسلم .
« و كونا للظالم خصما » . فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّه .
، و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار .
.
و في الخبر : أنّ قوما من بني إسرائيل ممّن آمن بموسى جاؤا إلى فرعون لينتفعوا من دنياه إلى أن يفرّج اللّه لموسى عليه السلام و أصحابه ، فبقوا عنده حتى أذن اللّه تعالى في هلاكهه و غرقه ، فركبوا خيولهم ليلحقوا بموسى فبعث اللّه تعالى ملكا ضرب وجوه خيولهم ، و ردّهم إلى فرعون حتى غرقوا معه .
و في الخبر : أنّ الصادق عليه السلام قال لعذافر : نبئت أنّك تعامل أبا أيوب و الربيع ، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ فوجم . فقال عليه السلام له :
خوّفتك بما خوّفني اللّه به
.
أيضا : من عذر ظالما سلّطه اللّه عليه ، و يكون شريكه في الوزر و يشهد له قوله تعالى : فعقروها
، و قوله . فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين
.
« و للمظلوم عونا » في الخبر : ما من مؤمن يخذل أخاه و هو يقدر على نصرته إلاّ خذله اللّه في الدنيا و الآخرة .
أيضا : إغاثة المظلوم من الفرائض ، فمن لم يقدر على إغاثته فلا يحضر مشهد ظلمه .
و في ( الكشي )
: عن الرضا عليه السلام : أنّ حذيفة لمّا حضرته الوفاة و كان آخر الليل قال لابنته : أيّة ساعة هذه ؟ قالت : آخر الليل قال : الحمد للّه الذي بلّغني هذا المبلغ و لم اوال ظالما على صاحب حق ، و لم اعاد صاحب حقّ .
« اوصيكما و جميع ولدي و أهلي و من بلغه كتابي بتقوى اللّه » كرّر عليه السلام الأمر بالتقوى لأهميّتها ، و كان عليه السلام قلّما يستقر به المنبر إلاّ أمر بها و في الخبر :
التقى رئيس الأخلاق و يكفي في أهميّتها قوله تعالى : . كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون
، و قال تعالى : . إنّ الأرض يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين
.
« و نظم أمركم » و عنهم عليهم السلام : من أصبح لا يهتمّ بأمر المسلمين فليس منّا .
« و صلاح ذات بينكم ، فإنّي سمعت جدّكما صلّى اللّه عليه و آله » هكذا في ( المصرية
و ابن أبي الحديد )
و لكن في ( ابن ميثم
و الخطية ) : « جدّكما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله » و زاد ( المصرية ) : « و سلم » و ليس في غيرها .
« يقول صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام » و كان عليه السلام يقول :
« لئن أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدّق بدينارين » و يكفي في أهميّته قولهم عليهم السلام : « المصلح ليس بكاذب » مع تسمية الكذب فسوقا .
و كان الصادق عليه السلام يقول للمفضّل : إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي .
و عن أبي حنيفة سائق الحاج : مرّ بنا المفضّل و أنا و ختني نتشاجر في ميراث ، فقال : تعالوا معي إلى المنزل فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم ،
و قال : إنّها ليست من مالي و لكن أمرني أبو عبد اللّه عليه السلام إذا نازع رجلان منّا أن أصلح بينهما من ماله .
و مرّ أنّ رواية أبي الفرج و الكليني زاد : و ان المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين .
« اللّه اللّه في الأيتام » في ( مجالس ثعلب ) : قيل : أصل اليتم : الغفلة ، و منه سميّ اليتيم لأنّه يغفل عنه .
« فلا تغبوا » قال الجوهري : فلان لا يغبنا عطاؤه ، أي : لا يأتينا يوما دون يوم ، بل يأتينا كلّ يوم .
« أفواههم » و قد عرفت أنّ في رواية أبي الفرج و الكليني : فلا تغيرن أفواههم قيل : أي لا تغيرن أفواهم بالجوع أو تكرار السؤال ، لأنّ السائل ينضب ريقه و تنشف لهواته ، فيتغيّر ريح فمه .
قلت : و الظاهر أنّ المراد بغب الأفواه : ما يعبّر عنه بالفارسية بقولهم :
« دهن آب كندن » فإنّهم إذا رأوا الأغنياء يأكلون الأطعمة اللذيذة و لا يطعمونهم ، أو يذهبون بالفواكه المتنوّعة إلى بيوتهم و لا يعطونهم منها ،
يحصل لهم تلك الحالة .
« و لا يضيعوا بحضرتكم » و في الخبر : اتي إليه عليه السلام عسل و تين من همدان و حلوا ، فأمر العرفاء أن يأتوا باليتامى ، فأمكنهم من رؤوس الازقاق يلعقونها و هو يقسمها للناس قدحا قدحا ، فقيل له : ما لهم يلعقونها ؟ فقال عليه السلام : إنّ الامام أبو اليتامى ، و إنّما ألعقتهم هذا برعاية الآباء .
و قد عرفت أنّ في رواية أبي الفرج و الكليني
: قال عليه السلام : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله :
من عال يتيما حتى يستغني أوجب اللّه تعالى له بذلك الجنّة ، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار .
« و اللّه اللّه في جيرانكم ، فإنّها وصية نبيّكم ، مازال يوصي بهم حتى ظننا أنّه سيورّثهم » .
قال ابن أبي الحديد في خبر جابر : الجيران ثلاثة : جار له حق ، و جار له حقّان ، و جار له ثلاثة حقوق ، فصاحب الحق الواحد جار مشرك لا رحم له ،
فحقّه حق الجوار ، و صاحب الحقّين جار مسلم ليس بذي رحم ، و ذو الثلاثة جار مسلم ذو رحم ، و أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقتا قدرك أي :
شمّه إلاّ أن تقتدح له منها .
قلت : و عن الكاظم عليه السلام : كان في بني إسرائيل رجل مؤمن ، و كان له جار كافر ، فكان يرفق بالمؤمن و يوليه المعروف ، فلمّا أن مات الكافر بنى اللّه له بيتا في النار من طين ، و قيل له : هذا بما كنت تفعل في الدنيا بجارك فلان بن فلان من الرفق و توليه المعروف .
و في ( اعطاء أمان جهاد الكافي )
عن الصادق عن أبيه عليه السلام : قرأت في كتاب لعليّ عليه السلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كتب كتابا بين المهاجرين و الأنصار و من لحق بهم من أهل يثرب إلى أن قال إنّ الجار كالنفس غير مضار و لا آثم ، و حرمة الجار على الجار كحرمة امّه و أبيه . .
هذا ، و في ( تاريخ بغداد )
: لمّا رجع عبد اللّه بن طاهر ذو اليمينين من
الشام بغداد نظر إلى دخان مرتفع في جواره فقال : ما هذا الدخان ؟ قيل :
يخبزون فقال : و يحتاج جيراننا أن يتكلّفوا ذلك ؟ ثم دعا حاجبه فقال : امض و معك كاتب و احص جيراننا ممّن لا يقطعهم عنّا شارع فمضى فأحصاهم فبلغ عدد صغيرهم و كبيرهم أربعة آلاف نفس ، فأمر لكلّ واحد منهم في كلّ يوم بمنوين خبزا و منّا لحم و من التوابل في كلّ شهر عشرة دراهم ، و الكسوة في الشتاء مائة و خمسين درهما و في الصيف مائة درهم ، و كان ذلك دأبه مدّة مقامه ببغداد ، فلمّا خرج انقطعت الوظائف إلاّ الكسوة ما عاش .
و في ( فتوح البلاذري ) : أراد رجل من بني دارم بيع داره فقال : أبيعها بعشرة آلاف درهم ثمنها ، و خمسة آلاف لجوار فيروز حصين فبلغ ذلك فيروز فقال له : امسك عليك دارك و أعطاه عشرة آلاف .
و في ( عيون القتيبي )
: بلغ ابن المقفع أنّ جارا له يبيع دارا له لدين ركبه ، و كان يجلس في ظلّ داره ، فقال : ما قمت إذن بحرمة ظلّ داره إن باعها .
فحمل إليه ثمن الدار و قال له : لا تبعها .
و في ( كنايات الجرجاني ) : الأصل في قولهم : « جار أبي داود » أنّ كعب بن مامة الايادي كان إذا جاوره رجل فمات و أراه ، و إن هلك له شاة أو بعير أخلف عليه ، فجاوره أبو داود الايادي الشاعر فصار يفعل به ذلك ، فصارت العرب حمدت جارا حسن جواره قالوا : جار أبي داود ، قال قيس بن زهير العبسي حين جاور قرط بن أبي ربيعة الكلابي :
اطوّف ما اطوّف ثم آوي
|
|
إلى جار كاجار أبي داود
|
« و اللّه اللّه في القرآن لا يسبقنّكم بالعمل به غيركم » و لو لا العمل لكان مثلهم
مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا .
و لو كانوا عملوا لعمرت دنياهم و آخرتهم ، و لو انّهم أقاموا التوراة و الإنجيل و ما انزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم .
.
و يشكو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من عدم عملهم في القيامة : و قال الرسول يا ربّ إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا
و قد وصّي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله به أيضا مثله عليه السلام فقال للناس : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه ، و عترتي أهل بيتي ، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، و إنّهما حبلان ممدودان بينكم و بين اللّه ، و إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا » و لو كان حيّا لقاتل مسلمي اليوم كما قاتل الكفّار في حياته ، لعدم عملهم بكتاب اللّه ، قال تعالى : يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه و رسوله .
.
روى الواحدي عن ابن عباس : أنّ اللّه تعالى لمّا أظهر رسوله على مكّة أتى بنو عمرو بن عمير من ثقيف و بنو المغيرة من مخزوم و كانوا يربون لثقيف إلى عتاب بن اسيد عامل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على مكة ، فقال بنو المغيرة : وضع على النّاس غيرنا و قال بنو عمرو : صولحنا على أنّ لنا ربانا فكتب عتّاب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فنزلت الآية . .
و لمّا فتح مكّة قال : ألا إنّ كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع ، و أول ربا أضعه ربا عمّي العباس .
و في ( ذيل الطبري )
: قال زياد بن لبيد : ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله شيئا و قال : ذاك عند أوان ذهاب العلم فقلنا : و كيف يذهب العلم و نحن نقرأ القرآن ، و نقرئه أبناءنا و أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثكلتك امّك زياد ان كنت لأراك أفضل رجل بالمدينة ، أو ليس هذه اليهود و النصارى يقرؤون التوراة و الإنجيل و لا يعملون بشيء ممّا فيها ؟ و روى ( سنن أبي داود ) عن ديلم الحميريّ : قلت للنبي صلّى اللّه عليه و آله : إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا ، و إنّا نتّخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا و برد بلادنا فقال : هل يسكر ؟ قلت : نعم قال : فاجتنبوه قلت : إنّ النّاس غير تاركيه قال : فإن لم يتركوه فقاتلوهم .
و في ( تاريخ بغداد )
: قال محمّد بن عليّ المادراني وزير خمارويه بن أحمد ابن طولون : كنت اجتاز بتربة أبيه ابن طولون فأرى شيخا عنده يقرأ ملازما للقبر ، ثم لم أره مدّة ثم رأيته فقلت : ألست الذي كنت أراك عند قبر أحمد بن طولون تقرأ ؟ فقال : بلى ، كان وليّنا في هذا البلد ، و كان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكلّ فأحببت أن أصله بالقرآن فقلت : فلم انقطعت عنه ؟ فقال :
رأيته في النوم و هو يقول : احبّ أن لا تقرأ عندي ، ما تمرّ بي آية ممّا تقرأ إلاّ قرعت بها ، و يقال لي : أما سمعت هذه الآية ؟
« و اللّه اللّه في الصلاة فإنّها عمود دينكم » قال تعالى حكاية عن عيسى :
و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حّا
، و قال لنبيه صلّى اللّه عليه و آله : و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها .
.
و في الخبر : أحبّ الاعمال إلى اللّه الصلاة ، و هي آخر وصايا الأنبياء :
أيضا : لا تضيّعوا صلاتكم ، فإنّ من ضيّع صلاته حشر مع قارون و هامان ، و يدخل النار مع المنافقين .
أيضا : لا تنال شفاعتنا مستخفا بالصلاة .
« و اللّه اللّه في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا » في ( تنبيه المسعودي )
: بطل الحج سنة ( ٣١٧ ) أيّام المقتدر ، فلم يحج أحد لدخول أبي طاهر القرمطي صاحب البحرين مكة ، و لم يبطل الحج منذ كان الإسلام غير تلك السنة .
في ( التهذيب )
عن ابراهيم بن ميمون قال : كنت عند أبي حنيفة جالسا فسأله رجل فقال : ما ترى في رجل قد حجّ حجّة الإسلام ، الحج أفضل أو العتق ؟ قال أبو حنيفة : العتق فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : كذب و اللّه و أثم ، الحجة أفضل من عتق رقبة و رقبة حتى عدّ عشر رقبات ثم قال : ويحه أي عتق رقبة فيه طواف بالبيت و سعي بين الصفا و المروة و وقوف بعرفة و حلق الرأس و رمي الجمار ، فلو كان كما قال لعطل النّاس الحجّ ، و لو فعلوا لكان ينبغي للإمام أن يجبرهم على الحجّ ، إن شاؤا و إن أبوا ، فإنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ .
و في ( الكافي )
عن الصادق عليه السلام : من خرج من مكة و هو لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله و دنا عذابه .
و عنه
عليه السلام : لا يزال الدين قائما ما دامت الكعبة .
و عن
إسحاق بن عمار : أنّ رجلا استشارني في الحجّ ، و كان ضعيف الحال فأشرت عليه ألاّ يحجّ ، فحكى ذلك لأبي عبد اللّه عليه السلام فقال لي : ما أخلقك أن تمرض سنة فمرضت سنة .
« و اللّه اللّه في الجهاد بأموالكم و أنفسكم و ألسنتكم في سبيل اللّه » عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : من ترك الجهاد ألبسه اللّه عز و جل ذلاّ و فقرا في معيشته ، و محقا في دينه .
و عنه عليه السلام ما صلحت دنيا و لا دين إلاّ بالجهاد .
و في الخبر : جهاد النفس الجهاد الأكبر ، و إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لقوم رجعوا من جهاد العدو : مرحبا بقوم قضوا الأصغر و بقي عليهم الأكبر .
« و عليكم بالتواصل و التباذل ، و إيّاكم و التدابر و التقاطع » عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا يزال امتي بخير ما لم يتخاذلوا و أدوا الأمانة و آتوا الزكاة ، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط و السنين .
و في الخبر : إذا تهاجر اثنان ثلاثة أيّام برئ الإمام منهما ، و يغفر ليلة القدر لجميع النّاس إلاّ لأصناف منهم ، من كان مهاجرا لأخيه .
و في الخبر : ليس شيء انكأ لابليس و جنوده من زيارة الإخوان في اللّه بعضهم لبعض ، و إنّ المؤمنين يلتقيان فيذكران اللّه تعالى ، ثم فضلنا أهل البيت ، فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلاّ تحدرت ، حتى إنّ روحه لتستغيث من شدّة ما تجد من الألم .
أيضا : لا يزال ابليس فرحا ما تهاجر المسلمان ، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه و تخلعت أوصاله و نادى : يا ويله ما لقي من الثبور .
و روى ( سنن أبي داود ) : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دخل المسجد و هم حلق ، فقال :
مالي أراكم عزين ؟ قال الأعمش : كأنّه يحبّ الجماعة .
« لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فيولّى عليكم شراركم ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم » في ( تاريخ اليعقوبي )
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، لتأمرنّ بالمعروف و لتنهين عن المنكر ، أو لأولينّ عليكم شراركم و لأجعلنّ أموالكم في أيدي بخلائكم و لأمنعنكم قطر السماء ، ثم ليدعوني خياركم فلا استجيب لهم ، و يسترحموني فلا أرحمهم ، و يستسقوني فلا أسقيهم .
و في ( الأغاني )
عن حماد الرواية : ادخلت على أبي مسلم فاستنشدني فانشدته قول الأفوه :
تهدي الامور بأهل الرشد ما صلحت
|
|
و ان تولت فبالاشرار تنقاد
|
قال : أنا ذلك الذي تنقاد به النّاس و قالوا : إنّه قتل ستمائة ألف صبرا سوى ما في حروبه .
و عن الصادق عليه السلام : ما قرب المنكر بين أظهر قوم لا يغيّرونه إلاّ أوشك اللّه أن يعمّهم بعقاب من عنده .
و عنه عليه السلام : الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خلقان من خلق اللّه ، فمن نصرهما نصره اللّه و من خذلهما خذله اللّه ، و إذا ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فليؤذن بوقاع من اللّه تعالى .
و في الخبر : أنّ اللّه تعالى ليعذّب الجعل في جحرها بحبس المطر من الأرض ، لخطايا من بحضرته و قد جعل اللّه له السبيل و المسلك إلى محل أهل الطاعة .
و في ( بيان الجاحظ ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أنّ قوما ركبوا سفينة في البحر
فاقتسموا فصار لكلّ رجل منهم موضع ، فنقر رجل منهم موضعه بفأس ،
فقالوا له : ما تصنع ؟ فقال : هو مكاني أصنع فيه ما شئت فإن أخذوا على يديه نجا و نجوا ، و ان تركوه هلك و هلكوا .
و في ( تفسير القمي )
عن الصادق عليه السلام : لمّا عملت بنو إسرائيل المعاصي و عتوا عن أمر ربهم ، أراد أن يسلّط عليهم من يذلّهم ، فأوحى إلى إرميا : ما بلد انتخبته من بين البلدان و غرست فيه من كرائم الشجر ، فأخلف فأنبت خرنوبا ؟ فأخبر إرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا : راجع ربّك ليخبرنا ما معنى هذا المثل ؟ فصام إرميا سبعا فأوحى تعالى إليه : أمّا البلد فبيت المقدس ،
و أمّا ما أنبت فيها فبنو إسرائيل الذين أسكنتهم فيها ، فعملوا بالمعاصي و غيّروا ديني و بدّلوا نعمتي كفرا ، فبي حلفت لا بتلينّهم بفتنة يظلّ الحكيم فيها حيرانا ، و لاسلّطن عليهم شر عبادي ولادة و طعاما ، يسلّط عليهم بالحيرة ،
فيقتل مقاتليهم و يسبي حريمهم و يخرّب بيتهم الذي يغترون به ، و يلقي حجرهم الذي يفتخرون به على النّاس في المزابل مائة سنة فأخبر إرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له : راجع ربّك ، إنّه ما ذنب المساكين و الضعفاء ؟
فصام إرميا ثم أكل أكلة فلم يوح إليه ، ثم صام سبعا فأوحى إليه : لتكفّن عن هذا أو لأردّن وجهك في قفاك ثم أوحى إليه : قل لهم : لأنّكم رأيتم المنكر فلم تنكروه فقال إرميا : ربّ أعلمني متى هو ؟ حتى آتيه و آخذ لنفسي و أهل بيتي أمانا منه قال : إيت موضع كذا و كذا فانظر إلى غلام : أشدّهم زمانة و أخبثهم ولادة و شرّهم غذاء ، فهو ذاك فأتى إرميا ذلك البلد فاذا هو بغلام زمن في خان ، على مزبلة وسط الخان ، و إذا له امّ تربي بالكسر و تفتها في القصعة و تحلب عليه خنزيرة لها ، ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله ، فقال إرميا : إن كان
في الدنيا الذي وصفه اللّه تعالى فهو هذا فدنا منه فقال له : ما اسمك ؟ قال : بخت النصر فعرفه أنّه فعالجه حتى برئ ثم قال له : تعرفني ؟ قال : لا ، إلاّ أنّك رجل صالح قال : أنا إرميا نبيّ بني إسرائيل ، أخبرني اللّه أنّه سيسلّطك على بني إسرائيل ، فتقتل رجالهم و تفعل بهم ما تفعل فتاه في نفسه في ذلك الوقت ، ثم قال له إرميا : اكتب لنا كتابا بأمان منك فكتب له كتابا ، و كان يخرج في الجبل و يحتطب و يبيعه في البلد ، فدعا إلى حرب بني إسرائيل فأجابوه و كان مسكنهم في بيت المقدس و اجتمع إليه بشر كثير ، فلمّا بلغ إرميا اقباله نحو بيت المقدس ، استقبله على حمار له و معه الأمان الذي كتبه له ، فلم يصل إليه من كثرة جنوده و أصحابه ، فصيّر الأمان على قصبة و رفعها ، فقال : من أنت ؟
فقال : إرميا النبيّ الذي بشّرتك بأنّك سيسلّطك اللّه على بني إسرائيل ، و هذا أمانك لي قال : أمّا أنت فقد آمنتك ، و أمّا أهل بيتك فأنا أرمي من هاهنا بيت المقدس ، فإن وصلت رميتي إليه فلا أمان لهم عندي ، و إن لم تصل فهم آمنون .
و انتزع قوسه و رمى نحو بيت المقدس ، فحملت الريح النشابة حتى علقها في بيت المقدس ، فقال : لا أمان لهم عندي فلمّا وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة ، فإذا دم يغلي وسطه ، كلّما القي عليه التراب خرج يغلي ، فقال : ما هذا ؟
قالوا : هذا نبيّ كان للّه فقتله ملوك بني إسرائيل ، و دمه يغلي ، و كلّما ألقينا عليه التراب خرج يغلي فقال : لأقتلنّ بني إسرائيل أبدا حتى يسكن هذا الدم و كان دم يحيى ، كان في زمانه ملك جبّار يزني بنساء بني إسرائيل ، و كان يمرّ بيحيى فقال له يحيى : اتّق اللّه أيها الملك ، لا يحلّ لك هذا ، فقالت له مرأة ممّن يزني بهن حين سكرا : اقتله فأمر أن يؤتى برأسه فأتوه به في طشت ، فكلّمه الرأس و قال له : يا هذا ، اتّق اللّه ، لا يحلّ لك هذا ثم غلى الدم في الطشت حتى فاض إلى الأرض ، فخرج يغلي و لا يسكن ، و كان بين قتل يحيى و خروج بخت
النصر مائة سنة ، و لم يزل يقتلهم ، و كان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال و النساء و الصبيان و كلّ حيوان ، و الدم يغلي حتى أفناهم فقال : بقي أحد من هذه البلاد ؟ فقالوا : عجوز في موضع كذا و كذا فبعث إليها فضرب عنقها على ذلك الدم فسكن ، و كانت آخر من بقي .
« ثم قال : يا بني عبد المطلب لا ألفينكم » أي : لا أجدنّكم .
« تخوضون دماء المسلمين خوضا » فلو قتل جميع النّاس رجلا بغير حق لأكبّهم اللّه جميعا في النار .
« تقولون قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين » فأهل الدنيا إذا قتل أحد كبرائهم يقتلون به عدّة القاتل ، و غير القاتل و المحقق ، و غير المحقق كان سويد بن ربيعة التميميّ قتل أخا لعمرو بن هند ملك الحيرة و هرب ، فقتل عمرو سبعة من ولده و حلف ليقتلنّ مائة من قومه ، فقتل ثمانية و تسعين منهم إحراقا بالنار ، فرأى رجلا من براجم تميم الدخان يرتفع فقال : إنّ الملك يطعم النّاس فقصده فلمّا دنا قال له : من أنت ؟ قال : من البراجم قال : الشقيّ وافد البراجم و أمر به فالقي في النار ، ثم أتى بالحمراء بنت ضمرة فأحرقها ، و تحلّل من يمينه .
و لمّا قتل أبو لؤلؤة عمر ، اتّهم عبيد اللّه الهرمزان ملك تستر بشركته فقتله ، فطلب أمير المؤمنين عليه السلام من عثمان أن يقوده فأبى : فلمّا بويع عليه السلام هرب عبيد اللّه إلى معاوية حتى قتل في صفّين ، و اتّهم أيضا نصرانيا من أهل الحيرة فقتله مع ابنيه قال البلاذري : قال عبيد اللّه للهرمزان : مرّ بنا إلى فرس لي فمضى و عبيد اللّه خلفه فضربه بالسيف و هو غافل فقتله و قال الواقدي :
و كان جفينة العبادي من أهل الحيرة نصرانيا ظئرا لسعد بن أبي وقاص ،
فاتهمه عبيد اللّه بمشايعة أبي لؤلؤة ، فقتله و قتل ابنيه .
و في ( الطبري )
كان عبيد اللّه يقول :
و اللّه لأقتلنّ رجالا ممّن شرك في دم أبي يعرّض بالمهاجرين و الأنصار و نزع سعد السيف من يده ، بعد قتل جفينة ظئره و الهرمزان و ابنة أبي لؤلؤة .
و لمّا قتل مصعب أخا عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان ، نذر عبيد اللّه ليقتلنّ به مائة من قريش ، فقتل ثمانين ثم قتل مصعبا و جاء برأسه حتى وضعه بين يدي عبد الملك ، فسجد عبد الملك ، فهمّ أن يفتك به أيضا فارتدع و قال :
هممت و لم أفعل وكدت وليتني
|
|
فعلت و وليت البكاء حلائله
|
و قال :
قتلت من حي فهر بن مالك
|
|
ثمانين منهم ناشئون و شيّب
|
و كفى بهم رهن بعشرين أو يرى
|
|
على من الاصباح نوح مسلّب
|
و في ( الطبري )
: في حرب تميم و عبد اللّه بن خازم بخراسان في سنة ( ٦٥ ) و كان الأشعث بن ذؤيب العدوي أخو زهير قتل في تلك الحرب ، فقال زهير لأخيه و به رمق : من قتلك ؟ قال : لا أدري ، طعنني رجل على بر ذون أصفر .
فكان زهير لا يرى أحدا على بر ذون أصفر إلاّ حمل عليه ، فمنهم من يقتله و منهم من يهرب ، فتحامى أهل العسكر البراذين الصفر ، فكانت مخلاة في العسكر لا يركبها أحد .
« ألا لا يقتلن بي إلاّ قاتلي » روى ( اسد الغابة )
عن عبد اللّه بن سبع قال :
خطبنا عليّ فقال : و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة ، لتخضبن هذه من هذه فقال
رجل : لا يفعل ذلك أحد إلاّ أبرنا عترته فقال : اذكر اللّه و أنشد ألاّ يقتل بي إلاّ قاتلي .
و في ( الطبري )
قالت قطام لابن ملجم : إنّي أطلب لك من يشدّ ظهرك و يساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب ، يقال له :
وردان ، فكلّمته فأجابها ، و أتى ابن ملجم رجلا من أشجع ، يقال له : شبيب بن بجرة ، فقال له : هل لك في شرف الدنيا و الآخرة ؟ قال : ما ذاك ؟ قال : قتل عليّ .
قال : ثكلتك امّك لقد جئت شيئا إدّا ، كيف تقدر عليه ؟ قال : أكمن له في المسجد ، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه ، فإن نجونا شفينا أنفسنا و أدركنا ثأرنا ، و إن قتلنا فما عند اللّه خير قال : ويحك لو كان غير عليّ لكان أهون عليّ ،
قد عرفت بلاءه في الإسلام و سابقته مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ما أجدني أنشرح لقتله .
قال : أما تعلم أنّه قتل أهل النهروان العباد الصالحين ؟ قال : بلى قال : فنقتله بمن قتل من إخواننا فأجابه ، فجاؤا قطام و هي في المسجد الأعظم معتكفة فقالوا لها : قد اجمع رأينا على قتل عليّ قالت : فإذا أردتم ذلك فأتوني ثم عاد إليها ابن ملجم في الليلة التي قتل في صبيحتها فقال : هذه الليلة التي و اعدت فيها صاحبيّ فدعت لهم بحرير فعصبتهم به ، و أخذوا أسيافهم و جلسوا مقابل السدّة التي يخرج منها عليّ ، فلمّا خرج ضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق ، و ضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف ، و هرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أبيه و هو ينزع الحرير عن صدره ،
فقال : ما هذا الحرير و السيف ؟ فأخبره بما كان ، فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله ، و خرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس ، و صاح النّاس فلحقه رجل من حضر موت ، يقال له : عويمر ، و في يد شبيب السيف فأخذه و جثم
عليه الحضرمي : فلمّا رأى النّاس قد أقبلوا في طلبه و سيف شبيب في يده خشي على نفسه ، فتركه و نجا شبيب في غمار النّاس ، فشدّوا على ابن ملجم فأخذوه ، إلاّ أنّ رجلا من همدان يكنّى أبا ادماء أخذ سيفه فضرب رجله فصرعه ، و تأخر عليّ عليه السلام فرفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ،
فصلّى بالناس الغداة ، ثم قال عليّ عليه السلام : عليّ بالرجل فادخل عليه عليه السلام قال : أي عدوّ اللّه ، ألم أحسن إليك ؟ قال : بلى قال : فما حملك على هذا ؟ قال : شحذته أربعين صباحا ، و سألت اللّه أن يقتل به شرّ خلقه فقال عليه السلام : لا أراك إلاّ مقتولا به ، و لا أراك إلاّ من شرّ خلقه .
و رواية الطبري هذه دالة على قتل وردان مع ابن ملجم وفلت شبيب ،
و روى ( إرشاد المفيد )
العكس ، فقال : و مضى شبيب هاربا حتى دخل منزله و دخل عليه ابن عم له ، فرآه يحل الحرير عند صدره ، فقال له : ما هذا ؟ لعلّك قتلت أمير المؤمنين ؟ فأراد أن يقول : لا ، قال : نعم فمضى و اشتمل على سيفه ،
ثم دخل عليه فضربه به حتى قتله إلى أن قال و أفلت الثالث و انسل بين النّاس .
و مثله أبو الفرج
، و كذا المسعودي في ( المروج )
إن لم يكن في النسخة تصحيف ، و الصواب رواية الطبري من عدم قتل شبيب ، ففي ( كامل الجزري ) : لمّا أتى معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرّب إليه و قال له : أنا و ابن ملجم قتلنا عليّا فوثب معاوية من مجلسه مذعورا حتى دخل منزله ، و بعث إلى أشجع بأنّي رأيت شبيبا أو بلغني أنّه ببابي ، لأهلكنكم ، أخرجوه عن بلدكم .
و كان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحدا إلاّ قتله ، فلمّا ولي المغيرة الكوفة خرج عليه بالطف قريب الكوفة ، فبعث إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفط و قيل : معقل بن قيس فاقتتلوا ، فقتل شبيب و قتل أصحابه .
و قريب منه في ( تاريخ اليعقوبي )
، و روى ( الكامل للمبرد )
أيضا :
قلت : شبيب ، و كذا ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) نقلا مقتله عليه السلام عن محمّد بن إسحاق و هشام بن محمّد و السدي و غيرهم ، و كذا ( كشف الغمّة )
نقلا عن ( مناقب الخوارزمي ) مرفوعا إلى إسماعيل بن راشد .
و رواية الطبري أيضا تضمّنت أنّ النّاس أخذوا ابن ملجم ، فأخذ أبو ادماء الهمداني سيفه فضرب رجله فصرعه .
و في ( المقاتل )
قال أبو مخنف : ذكرت همدان أنّ أبا ادماء منهم أخذه .
و قال يزيد بن أبي زياد : أخذه المغيرة بن الحرث بن عبد المطلب و طرح عليه قطيفة ، ثم صرعه و أخذ السيف من يده و جاء به .
و المسعودي جمع بينهما فقال : قال عليّ عليه السلام : لا يفوتنّكم الرجل فشدّ النّاس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء و يتناولونه و يصيحون ، فضرب ساقه رجل من همدان برجله ، و ضرب المغيرة بن نوفل بن الحرث وجهه فصرعه ، و أقبل به إلى الحسن عليه السلام .
و روى ( قرب الاسناد )
: أنّه عليه السلام لمّا ضرب وقع على ركبتيه و أخذه فالتزمه ، حتى أخذه النّاس .
و رواية الطبري و أبي الفرج تضمّنت أنّ اللعين ضربه عليه السلام لمّا ورد المسجد .
و روى ( أمالي الشيخ )
: أنّه عليه السلام ضرب و هو ساجد ، و كذا ذكر ( تاريخ أعثم الكوفي ) و فيه : أنّ ابن ملجم فرّ فأخذه رجل من عبد القيس ، و كذا في ( مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي ) ، و كذا روى ( فضائل شهر رمضان )
كما في أوّل الفصل .
ثمّ ما في ( البحار )
عن بعض الكتب : أنّهم قتلوا قطام أيضا ، لم يذكره غيره ، بل روى ( أغاني أبو الفرج )
في عمرو بن بانه : أنّ كثيّرا الشاعر كان غاليا في التشيّع و اخبر عن قطام صاحبة ابن ملجم في قدمة قدمها الكوفة ،
فأراد الدخول عليها ليوبخها . .
هذا و في ( أخبار الدينوري )
: خطب ابن ملجم إلى قطام ابنتها الرباب ،
و كان عليّ عليه السلام قتل أباها و أخاها و عمّها يوم النهر ، فقالت : لا ازوجك إلاّ على ثلاثة آلاف درهم و عبد وقينة و قتل عليّ عليه السلام فأعطاها ذلك و أملكها .
« انظروا » من الإنظار أي : امهلوا .
« إذا أنا متّ من ضربته هذه » و قد وصف اللعين ضربته كما في ( كامل المبرد ) فقال : اشتريت سيفي بألف درهم ، و ما زلت أعرضه فما يعيبه أحد إلاّ أصلحت ذلك العيب ، و لقد أسقيته السمّ حتى لفظه ، و لقد ضربته ضربة لو قسّمت على من بالمشرق و المغرب لأتت عليهم و قال اللعين : لقد ابتعته بألف
و سممته بألف ، فإن خانني فأبعده اللّه و قال لامّ كلثوم لمّا قالت : ارجو ألاّ يكون عليه بأس : لقد ضربته ضربة لو قسّمت بين أهل الأرض لأهلكتهم .
« فاضربوه ضربة بضربة » و لابد أنّه عليه السلام قال بسيفه لمّا مرّ من خبر الطبري أن اللعين قال له عليه السلام : شحذته أربعين صباحا و سألت اللّه أن يقتل به شرّ خلقه ، فقال عليه السلام له : لا أراك إلاّ مقتولا به و أنت من شرّ خلقه .
و في ( كامل المبرد )
: أنّ الحسن عليه السلام دعا بعد أبيه باللعين ، فقال له عليه السلام : إنّ لك عندي سرّا فقال الحسن عليه السلام : أتدرون ما يريد ؟ يريد أن يقرب من وجهي فيعض اذني فيقطعها .
و روى الكليني عن عليّ بن إبراهيم العقيليّ : أنّه عليه السلام قال للحسن عليه السلام :
إذا أنا متّ فاقتل ابن ملجم و احفر له في الكناسة ثم ارم به ، فإنّه واد من أودية جهنّم .
و في ( الطبري )
: أخذه النّاس بعد قتله فأدرجوه في بواري ، ثم أحرقوه بالنار و في ( المقاتل )
: استوهبت امّ الهيثم النخعية جيفته من الحسن عليه السلام فوهبها لها فأحرقتها .
و في ( المروج )
: و لمّا أرادوا قتله قال عبد اللّه بن جعفر : دعوني حتى اشفي نفسي منه فقطع يديه و رجليه ، و أحمى له مسمارا حتى إذا صار جمرة كحّله به ، فقال : إنّك لتكحل عمّك بملمول بصاص ثم إنّ النّاس أدرجوه في بواري ثم طلوها بالنفط ، و أشعلوا فيها النار فاحترق .
« و لا يمثّل بالرجل فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : إيّاكم و المثلة و لو
بالكلب العقور » في ( الطبري )
: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حين رأى بحمزة أنّ بطنه بقر عن كبده و جدع أنفه و اذناه قال : لئن أظهرني اللّه على قريش في موطن من المواطن ، لامثّلنّ بثلاثين رجلا منهم فلمّا رأى أصحابه غيظه صلّى اللّه عليه و آله على ما فعل بعمّه قالوا : لئن ظهرنا عليهم يوما من الدهر ، لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل تعالى في قوله صلّى اللّه عليه و آله و قول أصحابه : و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين
فعفا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و نهى عن المثلة .
هذا ، و روى ( أمالي الشيخ )
عن الحسن بن عمران بن حصين قال : ما خطبنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خطبة أبدا إلاّ أمرنا فيها بالصدقة و نهانا عن المثلة قال : إلاّ و إنّ من المثلة أن ينذر الرجل أن يخرم أنفه ، و من المثلة أن ينذر الرجل أن يحجّ ماشيا ، فمن نذر ذلك فليركب و ليهد بدنة .
و عنهم عليهم السلام : حلق اللحية من المثلة ، و من مثّل فعليه لعنة اللّه .
هذا ، و روي ( مقاتل أبي الفرج )
بأسانيد : أنّ الحسن عليه السلام خطب بعد أبيه فقال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ، و لا يدركه الآخرون بعمل ، و لقد كان يجاهد مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيقيه بنفسه ، و لقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه ، و لقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى عليه السلام و توفي فيها يوشع وصي موسى عليه السلام ، و ما خلّف صفراء و لا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم بقيت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ثم خنقته العبرة فبكى و بكى النّاس معه ،
ثم قال : أيّها النّاس ، من عرفني فقد عرفني ، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد ، أنا ابن البشير النذير ، أنا ابن الداعي إلى اللّه باذنه ، أنا ابن السّراج المنير ،
أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا ، و الذين افترض مودّتهم في كتابه إذ يقول : . و من يقترف حسنة نزد له فيها حسنا .
، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت .
و رواه المسعودي
إلى قوله : « يشتري بها خادما لأهله » .
و أقول : في قوله عليه السلام « و لقد يجاهد مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيقيه بنفسه » وقاه صلّى اللّه عليه و آله في مواضع و منها في احد حتى تعجب جبرئيل كما في الطبري
من عمله عليه السلام فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّ هذه لهي المواساة فقال صلّى اللّه عليه و آله : و ما يمنعه من مواساتي ؟ فإنّه منّي و أنا منه فقال جبرئيل : و أنا منكما فسمعوا صوتا :
لا سيف إلاّ ذو الفقار
|
|
و لا فتى إلاّ عليّ
|
و في قوله : « أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا » أنّ أئمتهم صاروا سببا لتقديم الشّجرة الملعونة في القرآن معاوية و باقي بني اميّة على ذاك البيت المقدّس .
و في قوله عليه السلام : « و الذين افترض مودّتهم في كتابه ، أنّ الثلاثة صاروا سببا لتقديم من فرض لعنه حسبما لعنهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المواطن و البراءة منهم على من افترض مودتهم و الصلوات عليهم ، و قد اعترف بذلك معاوية في كتابه إلى الحسن عليه السلام ، كما رواه ( مقاتل أبي الفرج )
.
هذا ، و في ( تاريخ أعثم الكوفي ) عن الحسن عليه السلام قال : كنت جالسا على
باب الدار ساعة وفاة أبي عليه السلام فسمعت هاتفا يقول لآخر : أفمن يلقى في النار خير أمّن يأتي آمنا يوم القيامة فأجابه الآخر : بل من يأتي آمنا يوم القيامة
، فسمعت هاتفا آخر يقول : حان وفاة وصيّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و خرب ركن الإسلام فدخلت إلى أبي فاذا هو قد قضى .
و في ( أخبار الدينوري )
: و دفن عليّ عليه السلام ليلا ، و صلّى عليه الحسن عليه السلام و كبّر خمسا ، فلم يعلم أحد أين دفن ؟
هذا و قال عليه السلام : لا يمثّل بالرجل لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال كذا و لكن لعن اللّه عبيد اللّه بن زياد كتب إلى عمر بن سعد في جواب كتابه إليه : هذا حسين قد أعطاني عهدا أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى : إنّي لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه و لا لتطاوله ، و لا لتمنّيه السلامة و البقاء ، و لا لتقعد له عندي شافعا ،
انظر فإن نزل حسين و أصحابه على الحكم و استسلموا ، فابعث إليّ بهم سلما ،
و ان أبو فازحف إليهم حتى تقتلهم و تمثّل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقون ، فإذا قتلته فأوطئ الخيل صدره و ظهره ، فإنّه عاق مشتاق قاطع ظلوم ، و ليس دهري في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئا ، و لكن عليّ قول لو قد قتلته فعلت هذا به .
٨
الكتاب ( ٢٤ ) و من وصيّة له عليه السلام بما يعمل في أمواله ، كتبها بعد منصرفه من صفّين :
هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اَللَّهِ ؟ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ فِي مَالِهِ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ لِيُولِجَهُ بِهِ اَلْجَنَّةَ وَ يُعْطِيَهُ اَلْأَمَنَةَ .
مِنْهَا فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذَلِكَ ؟ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ؟ يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ حَدَثَ ؟ بِحَسَنٍ ؟ حَدَثٌ وَ ؟ حُسَيْنٌ ؟ حَيٌّ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَ أَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ وَ إِنَّ لِبَنِى ؟ فَاطِمَةَ ؟ مِنْ صَدَقَةِ ؟ عَلِيٍّ ؟ مِثْلَ اَلَّذِي لِبَنِي ؟ عَلِيٍّ ؟ وَ إِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ اَلْقِيَامَ بِذَلِكَ إِلَى اِبْنَيْ ؟ فَاطِمَةَ ؟ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ وَ قُرْبَةً إِلَى ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ؟ وَ تَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ وَ تَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ وَ يَشْتَرِطُ عَلَى اَلَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ اَلْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ وَ يُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَ هُدِيَ لَهُ وَ أَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلِ هَذِهِ اَلْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً وَ مَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي اَللاَّتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ لَهَا وَلَدٌ أَوْ هِيَ حَامِلٌ فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَ هِيَ مِنْ حَظِّهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَ هِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا اَلرِّقُّ وَ حَرَّرَهَا اَلْعِتْقُ قال الرّضى :
قوله عليه السلام في هذه الوصيّة : « أن لاّ يبيع من نخيلها وديّة » الوديّة :
الفسيلة ، و جمعها ودىّ .
و قوله عليه السلام « حتى تشكل أرضها غراسا » هو من أفصح الكلام ،
و المراد به أنّ الأرض يكثر فيها غراس النّخل ، حتّى يراها النّاظر على غير تلك الصّفة الّتي عرفها بها ، فيشكل عليه أمرها ، و يحسبها غيرها أقول : الأصل فيها و في ما اسقط منها كما يشهد له قوله : « منها » ما
رواه كتاب ( وصيايا الكافي )
باب صدقاتهم عليهم السلام عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : بعث إليّ أبو الحسن عليه السلام بوصية أمير المؤمنين عليه السلام و هي :
بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به في ماله عبد اللّه على ابتغاء وجه اللّه ، ليدخلني به الجنّة و يصرفني به عن النار ، و يصرف النار عني يوم تبيض وجوه و تسود وجوه إنّه ما كان لي من مال بينبع يعرف لي فيها و ما حولها صدقة و رقيقها ، غير أنّ رباحا و أبا نيزر و جبيرا عتقاء ليس لأحد عليهم سبيل ، فهم موالي يعملون في المال خمس حجج ، و فيه نفقتهم و رزقهم و أرزاق أهاليهم مع ذلك ، و ما كان لي بوادي القرى كلّه من مال لبني فاطمة و رقيقها صدقة ، و ما كان لي بديمة و أهلها صدقة ، غير أنّ زريقا له مثل ما كتبت لأصحابه و ما كان بآدينه و أهلها صدقة و الفقيرين كما قد علمتم صدقة في سبيل اللّه ، و إنّ الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة حيّا أنا أو ميتا ، ينفق في كلّ نفقة يبتغي بها وجه اللّه في سبيل اللّه و وجهه ، و ذوي الرحم من بني هاشم و بني المطلب و القريب و البعيد ، و إنّه يقوم على ذلك الحسن بن عليّ ، يأكل منه بالمعروف و ينفقه حيث يراه اللّه عز و جل ، في حل محلل لا حرج عليه فيه فإن أراد أن يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين ،
فليفعل ان شاء و لا حرج عليه فيه ، و إن شاء جعله سرى الملك ، و إنّ ولد عليّ و مواليهم و أموالهم إلى الحسن بن عليّ ، و إن كانت دار الحسن بن عليّ غير دار الصدقة فبدا له أن يبعيها ، فليبع إن شاء لا حرج عليه فيه ، و إن باع فإنّه يقسم ثلاثة أثلاث ، فيجعل ثلثها في سبيل اللّه ، و يجعل ثلثا في بني هاشم و بني المطلب ، و يجعل الثلث في آل أبي طالب ، و إنّه يضعه فيهم حيث يراه اللّه ، و ان حدث بحسن حدث و حسين حّ فإنّه إلى حسين بن عليّ ، و إنّ حسينا يفعل فيه
مثل الذي أمرت به حسنا ، مثل الذي كتبت للحسن ، و عليه مثل الذي على الحسن ، و إنّ لبني ابني فاطمة من صدقة على مثل الذي لبني عليّ ، و إنّي إنّما جعلت الذي لبني فاطمة ابتغاء وجه اللّه عز و جل و تكريم حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تعظيمها و تشريفها و رضاها ، و إن حدث بحسن و حسين فإنّ الآخر منهما ينظر في بني عليّ ، فان وجد فيهم من يرضى بهداه و اسلامه و امانته ، فإنّه يجعله إليه إن شاء ، و ان لم يرفيهم بعض الذي يريده ، فإنّه يجعله إلى رجل من آل أبي طالب يرضى به ، فإن وجد آل أبي طالب قد ذهب كبراؤهم و ذوو رأيهم ،
فإنّه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم .
و إنّه يشرط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على اصوله ، و ينفق ثمره حيث أمرته به ، من سبيل اللّه و وجهه و ذوي الرحم من بني هاشم و بني المطلب و القريب و البعيد ، لا يباع منه شيء و لا يوهب و لا يورث ، و إنّ مال محمّد بن علي إلى ناحية و هو إلى بني فاطمة و إنّ رقيقي الذين في صحيفة صغيرة التي كتبت لي عتقاء .
هذا ما قضى به عليّ بن أبي طالب في أمواله هذه الغد من يوم قدم مسكن ابتغاء وجه اللّه و الدار الآخرة ، و اللّه المستعان على كلّ حال ، و لا يحلّ لامرئ مسلم يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يقول في شيء قضيته من مالي ، و لا يخالف فيه أمري من قريب و لا بعيد أما بعد ، فإنّ ولائدي اللاتي أطوف عليهن السبعة عشر منهن امهات أولاد معهن أولادهن ، و منهن حبالى و منهن من لا ولد لها ، فقضائي فيهن إن حدث بي حدث : أنّه من كان منهن ليس لها ولد و ليست بحبلى ، فهي عتيق لوجه اللّه عز و جل ليس لأحد عليهن سبيل ، و من كان منهن لها ولد أو حبلى ، فتمسك على ولدها و هي من حظّه ، فإن مات ولدها و هي حيّة فهي عتيق ليس لأحد عليها سبيل هذا ما قضى به عليّ في ماله الغد
من يوم قدم مسكن شهد أبو سمر بن أبرهة و صعصعة بن صوحان و يزيد بن قيس و هياج بن أبي هياج ، و كتب عليّ بن أبي طالب بيداه لعشر خلون من جمادى الاولى ، سنة سبع و ثلاثين .
و رواه ( التهذيب )
في أول وقوفه و صدقاته .
قول المصنف : « و من وصيّة له عليه السلام بما يعمل في أمواله » المفهوم من رواية ( الكافي ) و ( التهذيب ) المتقدمة أنّ بعض أمواله عليه السلام كان بينبع ، و بعضها بوادي القرى ، و بعضها بديمة و بعضها بآدينة ، و بعضها بالقصيرة أو الفقيرين ، على اختلاف ( التهذيب ) و ( الكافي ) ، و الصواب : الثاني .
ففي ( المعجم ) عن جعفر بن محمّد عليه السلام : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أقطع عليّا أربع أرضين : الفقيرين و بئر قيس و الشجرة .
و من صدقاته عليه السلام : سويقة ، فقال أبو الفرج : لمّا خرج محمّد بن صالح الحسني على المتوكّل فظفر به ، أخرب سويقة و هي منزل للحسنيين ، و هي من صدقات أمير المؤمنين عليه السلام و عقربها نخلا كثيرا و حرق منازل لهم بها ،
و أثر فيهم و فيها آثارا قبيحة .
و من صدقاته عليه السلام : ينبع ، ففي ( الكافي )
عن الصادق عليه السلام : قسم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الفيء فأصاب عليّ عليه السلام أرضا ، فاحتفر بها عينا فخرج ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير فسمّاها ينبع ، فجاء البشير يبشر ، فقال عليه السلام : بشر الوارث هي صدقة بتة بتلاء في حجيج بيت اللّه و عابر سبيل اللّه .
و من صدقاته عليه السلام : داره في المدينة ، و كتب في وقتها : تصدّق بداره في بني زريق صدقة لا تباع و لا توهب و لا تورث ، حتى يرثها الذي يرث السماوات
و الأرض ، و اسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن و عاش عقبهن ، فإذا انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين رواه ( الفقيه )
.
و روى ابن طاووس
: إنّه عليه السلام وقف أمواله ، و كانت غلته أربعين ألف دينار ، و باع سيفه و قال : من يشتري سيفي ؟ و لو كان عندي عشاء ما بعته .
و روى أحمد بن حنبل في ( مسنده )
أيضا بلوغ غلات صدقاته أربعين ألفا « كتبها بعد منصرفه من صفّين » انصرافه عليه السلام من صفّين كان في صفر ( ٣٧ ) فكان رحيلهم بعد كتابة الصلح .
و في ( الطبري )
: كتبت الصحيفة في ما قيل يوم الأربعاء ( ١٣ ) صفر سنة ( ٣٧ ) و منه يظهر أنّ الأصح في تاريخ الخبر سنة سبع و ثلاثين ، كما في ( الكافي ) دون تسع و ثلاثين ، كما في ( التهذيب ) .
و يشهد له أيضا قول المبرد في ( كامله )
: رووا أنّ عليّا عليه السلام لمّا أوصى إلى الحسن عليه السلام في وقف أمواله و أن يجعل فيها ثلاثة من مواليه ، وقف فيها عين أبي نيزر و البغيبغة ، هذا غلط لأنّ وقفه لهذين الموضعين لسنتين من خلافته .
قوله عليه السلام : « هذا ما أمر به عبد اللّه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين » هكذا في ( المصرية ) أخذا من ( ابن أبي الحديد )
و ليس في ( ابن ميثم )
كلمة « عبد اللّه » .
« ابتغاء وجه اللّه ليولجه » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) و لكن في ( ابن ميثم
و الخطية ) : « ليولجني » .
« به الجنة ، و يعطيه » و في ( ابن ميثم ) : « و يعطيني » .
« به » هكذا في ( المصرية ) و ليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) .
« الامنة » في ( كامل المبرد )
قال أبو نيزر : جاءني عليّ عليه السلام و أنا أقوم بالضيعتين : عين أبي نيزر و البغيبغة إلى أن قال ثم أخذ عليه السلام المعول و عاد إلى العين ، فأقبل يضرب فيها و جعل يهمهم ، فانثالت كأنّها عنق جزور فخرج مسرعا فقال : اشهد اللّه أنّها صدقة ، عليّ بدواة و صحيفة فعجّلت بها إليه فكتب بعد البسملة : هذا ما تصدّق به عليّ أمير المؤمنين ، تصدّق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر و البغيبغة على فقراء أهل المدينة و ابن السبيل ،
ليقي اللّه بهما وجهه حرّ النار يوم القيامة لا تباعا و لا توهبا حتى يرثهما اللّه و هو خير الوارثين إلاّ أن يحتاج إليهما الحسن و الحسين فهما طلق و ليس لأحد غيرهما فركب الحسين عليه السلام دين فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي الف دينار ، فأبى أن يبيع و قال : إنّما تصدّق بها أبي ليقي اللّه بها وجهه حرّ النار ، و لست بائعها بشيء و صحّ عندي أنّ أبا نيزر من ولد النجاشي فرغب في الإسلام صغيرا ، فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأسلم و كان معه في بيوته ، فلمّا توفى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صار مع فاطمة و ولدها عليها السلام .
« منها » قد عرفت من الرواية ما حذف منها .
« و إنّه يقوم بذلك الحسن بن عليّ ، يأكل منه بالمعروف و ينفق في المعروف » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و ينفق منه في المعروف ) كما في ( ابن أبي
الحديد
و ابن ميثم و الخطية ) .
ثم قد عرفت أنّ رواية ( الكافي ) بدّلت قوله : « و ينفق في المعروف » بقوله :
« و ينفقه حيث يراه اللّه عز و جل ، في حل محلل لا حرج عليه فيه » و مثله ( التهذيب ) لكن فيه : « و ينفقه حيث يريد اللّه . » .
« فإن حدث بحسن حدث » أي : موت .
« و حسين حي ، قام بالأمر بعده و أصدره مصدره » في رواية ( الكافي ) و ( التهذيب ) بدّل قوله : « قام بالأمر بعده . » بقوله : « فإنّه إلى حسين بن عليّ و إنّ حسينا يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسنا ، و له مثل الذي كتبت للحسن و عليه مثل الذي على الحسن » .
« و إنّ لبني فاطمة » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( و إنّ لابني فاطمة ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم )
و في رواية ( الكافي ) : « و ان لبني ابني فاطمة » .
« من صدقة عليّ مثل الذي لبني عليّ » و بنو عليّ عليه السلام من غير فاطمة عليها السلام العباس و جعفر و عبد اللّه و عثمان من امّ البنين بنت حزام الكلابي ، قتلوا مع الحسين عليه السلام بالطف ، و عبيد اللّه و أبوبكر من ليلى بنت مسعود النهشلي ، قتل عبيد اللّه بالمذار ، قتله أصحاب المختار ، و قتل أبوبكر بالطف ، و يحيى من أسماء بنت عميس ، و منها أيضا في قول عون ، و في آخر محمّد الأصغر ، و عمر من امّ حبيب بنت ربيعة التغلبية ، و محمّد الأوسط من امامة بنت ابن العاص
العبشمي كما في الطبري )
و محمّد الأكبر و هو ابن الحنيفة من خولة بنت جعفر الحنفي ، و العقب إنّما كان لثلاثة منهم : ابن الحنفية و العباس و عمر .
« و إنّي إنّما جعلت القيام بذلك إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه اللّه ، و قربة إلى رسول اللّه ، و تكريما لحرمته ، و تشريفا لوصلته » قال ابن أبي الحديد
: في هذا رمز و إزراء بمن صرف الأمر عن أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مع وجود من يصلح للأمر منهم ، أي : كان الأليق بالمسلمين و الأولى أن يجعلوا الرياسة لأهله بعده قربة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و تكريما لحرمته و طاعة له ، و أنفة لقدره أن تكون ورثته سوقة يليهم الأجانب و من ليس من شجرته و أصله ، ألا ترى أنّ هيبة الرسالة و النبوّة في صدور النّاس أعظم إذا كان السلطان و الحاكم في الخلق من بيت النبوّة ، و ليس يوجد مثل هذه الهيبة و الجلال في نفوس النّاس إذا كان السلطان الأعظم بعيد النسب من صاحب الدعوة ؟
قلت : إنّ إخواننا بدّلوا الناموس الإلهي في الأنبياء و خلفائهم ، ألم يقل اللّه تعالى فيهم عامة : ذريّة بعضها من بعض
؟
ألم يقل في ابني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع أبيهما و امهما : . إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا
؟
ألم يقل فيهم : فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين
؟
ألم يقل نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ،
و أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، و ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا ؟
أو لم يقل نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله : مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح : من ركبها نجا و من تركها غرق ؟
إلى غير ذلك ممّا يكفي كلّ واحد منها في إتمام الحجّة عليهم .
و أمّا ما في ( الطبري )
: « ذكر أنّ جندب بن عبد اللّه دخل على عليّ عليه السلام فقال له : إن فقدناك و لا نفقدك نبايع الحسن ؟ فقال : ما آمركم و لا أنهاكم ، أنتم أبصر » فالإمام إمام بايعه النّاس أم لم يبايعه كالنبيّ نبي بايعه النّاس أم لا ،
و إنّما البيعة التزام و تعهّد بنصرهم كما بايع الأنصار النبي صلّى اللّه عليه و آله ليلة العقبة ،
و كما بايعه المهاجرون و الأنصار تحت الشجرة ، مع أنّه عليه السلام قال لهم : « أنتم أبصر ، إنّا أهل بيت نبيّكم و انّا كنّا أحق من غيرنا » و علم عدم وفائهم ببيعتهم لو بايعوه ، كما لم يفوا ببيعته عليه السلام ، و كيف ، و نكث طلحة و الزبير من عشرتهم و ستتهم ببيعته عليه السلام .
و قد روى أبو الفرج في ( مقاتله )
: أنّ الحسن عليه السلام خطب النّاس بعد أبيه عليه السلام و قال لهم بعد وصف أبيه بأنّه كان يقاتل جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره ، و لم يسبقه الأوّلون بعمل و لا يدركه الآخرون بعمل :
أيّها النّاس ، من عرفني فقد عرفني ، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد ، أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الداعي إلى اللّه بإذنه ، أنا ابن السراج المنير ، أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا ، و من الذين
افترض اللّه مودتهم في كتابه : . و من يقترف حسنة نزد له فيها حسنا .
فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت .
و روى أبو الفرج أيضا : أنّ الحسن عليه السلام لمّا سلم الأمر إلى معاوية أمره أن يخطب و ظن انّه سيحصر ، فقال في خطبته : إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله ، و ليس الخليفة بالجائر ، ذلك ملك ملك ملكا يتمتّع فيه قليلا ثم تنقطع لذّته و تبقى تبعته : و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين
.
و روى : أنّ الحسن عليه السلام قال لسفيان بن الليل : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : « يرد عليّ الحوض أهل بيتي و من أحبّهم كهاتين يعني : السبابتين أو كهاتين يعني : السبابة و الوسطى إحدهما على الاخرى » أبشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البرّ و الفاجر حتى يبعث اللّه إمام الحق من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله .
و روى أبو الفرج : أنّ الحسن عليه السلام كتب إلى معاوية كتابا و في كتابه بعد ذكر وفاة جدّه صلّى اللّه عليه و آله و دفع قريش باقي العرب عن ادّعاء خلافته بكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من قريش : ثم حاججنا قريشا بمثل ما حاجّت به العرب فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها ، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج ، فلمّا صرنا أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و أولياؤه إلى محاجتهم و طلب النصف منهم ، باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا ، فالموعد اللّه و هو الولي النصير ، و قد تعجّبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبينا إلى أن قال كتب معاوية في جوابه : رأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين . فتنبّه لحقيقة الأمر إن كنت لا تتناوم .
و روى محمّد بن يعقوب في ( كافيه )
مسندا عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال : فرض اللّه على العباد خمسا أخذوا أربعا و تركوا واحدة إلى أن قال بعد ذكر الأربع : الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج التي أخذوها ،
و الواحدة التي تركوها : الولاية ، و أنّ عليّا لمّا حضره الموت دعا ولده :
و كانوا اثني عشر ذكرا فقال لهم : يا بني إنّ اللّه تعالى قد أبى الاّ أن يجعل فيّ سنة من يعقوب ، و إنّ يعقوب دعا ولده و كانوا اثنى عشر ذكرا فأخبرهم بصاحبهم ، ألا و إنّي اخبركم بصاحبكم : ألا إنّ هذين الحسن و الحسين ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاسمعوا لهما و أطيعوهما و وازروهما ، فإنّي قد ائتمنتهما على ما ائتمنّي عليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من دينه الذي ارتضاه لنفسه .
هذا و في ( الإرشاد )
عن الزبير بن بكار قال : كان الحسن بن الحسن واليا على صدقات عليّ عليه السلام في عصره ، فصار يوما الحجاج و هو إذ ذاك أمير المدينة فقال له الحجاج : أدخل عمر بن عليّ معك في صدقة أبيه فإنّه عمك و بقية أهلك فقال له الحسن : لا اغيّر شرط عليّ عليه السلام و لا ادخل فيها من لم يدخله فقال له الحجاج : إذن ادخله أنا معك فنكص الحسن عنه حين غفل ثم توجه إلى عبد الملك ، فوقف ببابه يطلب الإذن فمرّ به يحيى بن ام الحكم ، فسأله عن مقدمه فأخبره ، فقال له : إنّي سأنفعك عند عبد الملك فلمّا دخل الحسن على عبد الملك رحّب به ، و كان الحسن قد أسرع إليه الشيب ، و يحيى في المجلس ،
فقال له عبد الملك : لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمّد ، فقال له يحيى : و ما يمنعه ؟ شيّبه أماني أهل العراق ، يفد عليه الركب يمنونه الخلافة فأقبل إليه الحسن و قال له : بئس و اللّه الرفد رفدت ، ليس كما قلت و لكنّا أهل بيت يسرع
إلينا الشيب و عبد الملك يسمع فأقبل عليه و قال له : هلمّ بما قدّمت له فأخبره بقول الحجاج ، فقال : ليس ذلك له ، سأكتب إليه كتابا لا يتجاوزه فكتب إلى الحجاج : و أحسن صلة الحسن فلمّا خرج من عنده لقيه يحيى ، فقال له الحسن :
ما هذا الذي وعدتني به ؟ فقال يحيى : ايها عنك فو اللّه لا يزال يهابك ، و لو لا هيبتك ما قضى لك حاجة ، و ما ألوتك رفدا .
هذا ، و كما جعل عليه السلام أمر صدقاته إليهما عليهما السلام لكونهما ابني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إلى بنيهما بعدهما ، كذلك جعلت الصدّيقة عليها السلام أمر صدقاتها إليهما عليهما السلام و إلى بنيهما بعده عليه السلام : ففي ( الكافي )
عن أبي بصير : قال لي أبو جعفر : ألا اقرئك وصيّة فاطمة عليها السلام ؟ قلت : بلى فأخرج كتابا فقرأه : هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوصت بحوايطها السبعة :
العواف و الدلال و البرقة و المثيب و الحسنى و الصافية و ما لام إبراهيم إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فان مضى عليّ عليه السلام فإلى الحسن عليه السلام فإن مضى الحسن عليه السلام فإلى الحسين عليه السلام فإن مضى الحسين ، فإلى الأكبر من ولدي ،
شهد اللّه على ذلك و المقداد بن الأسود و الزبير بن العوام ، و كتب عليّ بن أبي طالب .
« و يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على اصوله » حسب قضية الوقف .
« و ينفق من ثمره حيث أمر به ، و هدي له » و الوقف على حسب ما يوقفها صاحبها .
« و ألاّ يبيع من أولاد نخيل هذه القرى » ينبع و ديمة و وادي القرى و غيرها .
« وديّة » أي : نخلة صغيرة .
« حتى تشكل أرضها غراسا » و قد فسّره المصنّف .
« و من كان من إمائي اللائي أطوف عليهن » قال الواقدي كما في ( تذكرة السبط : ترك عليّ عليه السلام أربعة حرائر : امامة و أسماء و امّ البنين و ليلى التميمية ، و ثماني عشرة امّ ولد .
« لها ولد أو هي حامل فتمسك » بلفظ المجهول ، أي : تحبس تلك السرية .
« على ولدها » أي : تباع عليه .
« و هي من حظّه » قد عرفت أنّ رواية الكليني : فان ولائدي اللاتي أطوف عليهن السبع عشرة منهنّ امّهات أولاد معهن أولادهن ، و منهنّ حبالى ، و منهنّ من لا ولد له ، فقضائي فيهنّ إن حدث بي أنّه من كان منهنّ ليس لها ولد و ليست بحبلى ، فهي عتيق لوجه اللّه عز و جل ، ليس لأحد عليهنّ سبيل ، و من كان منهنّ لها ولد أو حبلى فتمسك على ولدها ، و هي من حظه فأسقط المصنّف على تلك الرواية بين قوله : « أطوف عليهن » و قوله : « لها ولد » فقرات .
هذا ، وعد مصعب الزبيري في ( نسب قريشه ) إحدى عشرة بنتا بناته عليه السلام كلّ واحدة لامّ ولد ، و هن : زينب الصغرى و امّ كلثوم الصغرى و رقية و امّ هاني و امّ الكرام و امّ جعفر و اسمها جمانة و امّ سلمة و ميمونة و خديجة و فاطمة و امامة كما أنّه عد في بنيه عليه السلام محمّد الأصغر ، و قال : درج .
و لابد بمقتضى كلامه عليه السلام أنّ بعضا من البنات كانت وقت وفاته عليه السلام حملا ،
و لم يعيّن ذلك في التاريخ .
و لا يبعد أن يكون ثماني عشر في خبر الواقدي المتقدّم مصحف « اثنتي عشرة » فيتّفق كلام الواقدي و الزبيري .
ثم إذا كانت اثنتا عشرة من إمائه امّهات أولاد وقت وفاته عليه السلام و كان الجميع سبع عشرة ، تكون خمس منهنّ غير ذات ولد و غير حامل ،
أعتقهن عليه السلام معجلات بمقتضى تلك الرواية .
« فإن مات ولدها و هي حيّة فهي عتيقة ، قد افرج عنها الرّق ، و حررها العتق » و ليست كالتي مات ولدها في حياة سيدها تعود رقا ، و أمّا ما نسبوا إليه عليه السلام من بيع امّهات الأولاد بعد مواليهن فبهتان ، و إنّما فعل عليه السلام ذلك في من اشترى جارية نسيّة و أولدها ، و مات و لم يخلف بقدر ثمنها ، فتباع في ثمن رقبتها .
قول المصنف : « قال الرضي » هكذا في ( المصرية )
و ليس من كلام المصنّف بدليل خلّو ( الخطية ) عنه ، و إنّما هو من انشاء الشرّاح ، و في ( ابن ميثم )
: « قال السيد » و في ( ابن أبي الحديد )
: « قال السيد الرضي » .
« قوله عليه السلام في هذه الوصيّة : ( أن ) » هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
( و ان ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .
« لا يبيع من نخيلها » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( من نخلها ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .
« و ديّة الودية » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( فإن الوديّة ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية ) .
« الفسيلة » أي : صغير النخل ، و قالوا : الفحل من الفصيل و الفحال من الفسيل .
« و جمعها » ودي على وزن فعيل ، و الظاهر أنّ مراده بالجمع الجنس .
« و قوله عليه السلام ( حتى تشكل أرضها غراسا ) هو » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « فهو » و حينئذ فهو بتوهم امّا ، ( ابن أبي الحديد ) :
« و في قوله عليه السلام : حتى تشكل أرضها غراسا هو » .
« من أفصح الكلام إلى و يشكل عليه أمرها و يحسبها غيره » قال جرير :
فما زالت القتلى تمج دماءها
|
|
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
|
و الأشكل دم فيه بياض و حمرة سمّي به لالتباسه .
الفصل السادس و الثلاثون في الموت
مرّ في آخر عناوين النبوّة العامّة قوله : ( و لو أنّ أحدا يجد إلى البقآء سلّما و إلى دفع هول الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود ) إلى آخر ما مرّ ،
و فيه عناوين .
١
الخطبة ( ٢٠ ) و من كلام له عليه السلام :
فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَ وَهِلْتُمْ وَ سَمِعْتُمْ وَ أَطَعْتُمْ وَ لَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا وَ قَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ اَلْحِجَابُ وَ لَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ وَ هُدِيتُمْ إِنِ اِهْتَدَيْتُمْ وَ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ اَلْعِبَرُ وَ زُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ وَ مَا يُبَلِّغُ عَنِ اَللَّهِ بَعْدَ رُسُلِ اَلسَّمَاءِ إِلاَّ اَلْبَشَرُ أقول : رواه ( الكافي ) في أواخر كتاب حجّته في ( باب ما يجب من حقّ
الإمام و حقّ الرّعية ) مع زيادة و نقصان
.
روي عن محمد بن يحيى ، عن بعض أصحابنا عن هارون بن مسلم عن مسعدة ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : لا تختانوا ولاتكم و لا تغشّوا هداتكم و لا تجهّلوا أئمّتكم و لا تصدعوا عن حبلكم فتفشلوا و تذهب ريحكم ، و على هذا فليكن تأسيس أموركم ، و ألزموا هذه الطريقة فإنّكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم ممّن خالف ما تدعون إليه ، لبدرتم ، و خرجتم و لسمعتم ، و لكن محجوب عنكم ما قد عاينوا ، و قريب ما يطرح الحجاب و قال ( الخوئي ) : المستفاد من الكافي أنّ هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة
و هو كما ترى .
« فإنّكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم و وهلتم » بكسر الهاء أي :
فزعتم ، و في ( الصحاح ) : و هل يوهل ، و هو وهل ، و مستوهل ، قال القطامي يصف إبلا
:
و ترى لجيضتهنّ عند رحيلنا
|
|
و هلا كأنّ بهنّ جنّة أولق
|
روى ( الكافي )
في نوادر جنائزه عن السّكوني عن الصادق عليه السلام : إنّ الميّت إذا حضره الموت أوثقه ملك الموت و لو لا ذلك ما استقرّ
.
و روى
عن الصادق عليه السلام أيضا في خبر في سؤال الملكين بعد ذكر
سؤال المؤمن قال : و ينادي مناد كذب عبدي ، افرشوا له في قبره من النار و ألبسوه من ثياب النار ، و افتحوا له بابا من النار حتى يأتينا و ما عندنا شرّ له ،
فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ، ليس منها ضربة إلاّ تطاير قبره نارا ، لو ضربت بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميما ثمّ قال عليه السلام : و يسلّط اللّه عليه في قبره الحيّات تنهشه نهشا ، و يسمع عذابه من خلق اللّه إلاّ الجنّ و الإنس ، قال :
و إنّه ليسمع خفق نعالهم و نفض أيديهم و هو قوله عزّ و جلّ : يثبّت اللّه الذين آمنوا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا و في الآخرة و يضلّ اللّه الظالمين .
.
و روى عنه عليه السلام : أنّه سئل عن المصلوب يصيبه عذاب القبر ؟ فقال : انّ ربّ الأرض هو ربّ الهواء فيوحي اللّه عزّ و جلّ الى الهواء ، فيضغطه ضغطة أشدّ من ضغطة القبر
.
و روى عنه عليه السلام : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام اشتكى عينه فعاده النّبي صلّى اللّه عليه و آله فإذا هو يصيح فقال له : أجزعا أم و جعا ؟ فقال : ما وجعت قطّ أشدّ منه فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّ ملك الموت إذا نزل لقبض روح الكافر ، نزل و معه سفّود من نار ،
فينزع روحه به فتصيح جهنّم فاستوى عليّ عليه السلام جالسا فقال : يا رسول اللّه أعد عليّ حديثك فلقد أنساني وجعي ، هل يصيب ذلك أحدا من امّتك ؟ قال : نعم ،
حاكم جائر ، و آكل مال اليتيم ظلما ، و شاهد زور
.
و عن أبي جعفر عليه السلام : أنّ فتية من أولاد ملوك بني اسرائيل كانوا متعبّدين ، و كانت العبادة فيهم ، و انّهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا ،
فمرّوا بقبر على ظهر الطريق قد سفى عليه الساقي ليس يتبيّن منه إلاّ رسمه ،
فقالوا : لو دعونا اللّه الساعة ، فينشر لنا صاحب هذا القبر ، فسألناه كيف وجد طعم الموت ؟ فدعوا اللّه ( الى أن قال ) : فخرج رجل أبيض الرأس و اللّحية ينفض رأسه من التراب فزعا شاخصا بصره الى السماء ، فقال لهم : ما يوقفكم على قبري ؟ فقالوا : دعوناك فنسألك ، فقال لهم : لقد سكنت في قبري تسع و تسعين سنة ما ذهب عنّي ألم الموت و كربه ، و لا خرج مرارة طعم الموت من حلقي فقالوا له : أنت يوم متّ على ما نرى أبيض الرأس و اللّحية ؟ قال : لا ، و لكن سمعت الصيحة ، اخرج ، و اجتمعت تربة عظامي الى روحي خرجت فزعا شاخصا بصري مهطعا الى صوت الدّاعي فابيّض لذلك رأسي و لحيتي
و في ( عرائس الثعلبي ) : أنّ يحيى بعد لبسه برنس الصّوف ، و مدرعة الشّعر و إقباله على العبادة حتى أكلت المدرعة لحمه ، نظر الى نحل جسمه فبكى ، فأوحى تعالى إليه : أتبكي على ما نحل من جسمك ؟ و عزّتي و جلالي لو اطّلعت على النّار اطّلاعة لتدرّعت مدارع الحديد فضلا عن المسوح فبكى حتى أكل الدّمع لحم خدّيه و بدت أضراسه
.
« و لكن محجوب عنكم ما عاينوا » مرّ في خبر ( و يسمع عذابه من خلق اللّه إلاّ الجن و الإنس )
و كان عليه السلام نفسه يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا
و كان عليه السلام يعبد اللّه تعالى عبادة رجل وجهه بين الجنّة و النّار .
« و قريب ما يطرح الحجاب » بوصول الموت ، فليس بين الإنسان و ما وعده اللّه من الثواب و العقاب إلاّ أن يبلغ النّفس الحلق ، و الموت قريب .
و في ( الأغاني ) : دخل أرطاة بن سهيّة على عبد الملك ، فقال له : كيف
حالك ؟ و قد كان اسنّ فقال : ضعفت أوصالي ، و قلّ مالي ، و قلّ منّي ما كنت أحبّ كثرته و كثر منّي ما كنت أحبّ قلّته قال : فكيف أنت في شعرك ؟ فقال :
و اللّه ما أطرب ، و لا أغضب ، و لا أرغب ، و لا أرهب و ما يكون الشعر إلاّ من نتائج هذه الأربع ، و على أنّي القائل :
رأيت المرء تأكله اللّيالي
|
|
كأكل الأرض ساقطة الحديد
|
و ما تبغي المنيّة حين تأتي
|
|
على نفس ابن آدم من مزيد
|
و أعلم أنّها ستكرّ حتّى
|
|
توفّي نذرها بأبي الوليد
|
فارتاع عبد الملك ثم قال : بل توفّي نذرها بك ويلك مالي و لك فقال : لا ترع ، فإنّما عنيت نفسي و كان أرطأة أيضا يكنّى أبا الوليد ، فسكن عبد الملك ، ثم استعبر باكيا ثم قال : أما و اللّه على ذلك ، لتلمّنّ بي
.
و المراد ، أنّ بعد طرح الحجاب تعاينون ما عاينوا قال ابن أبي الحديد
:
هذا الكلام يدلّ على صحّة القول بعذاب القبر ، و أصحابنا كلّهم يذهبون إليه ،
و ان شنّع عليهم أعداؤهم من الأشعرية و غيرهم قال : و يمكن أن يعنى به ما كان يقوله عن نفسه أنّه لا يموت ميّت حتّى يشاهده حاضرا ، و الشّيعة تذهب الى هذا القول و تعتقده و تروى عنه عليه السلام شعرا قاله للحارث الأعور الهمداني :
يا حار همدان من يمت يرني
|
|
من مؤمن أو منافق قبلا
|
يعرفني طرفه و أعرفه
|
|
بعينه و اسمه و ما فعلا
|
أقول للنّار و هي توقد
|
|
للعرض ذرية لا تقربي الرّجلا
|
ذريه لا تقربيه إنّ له
|
|
حبلا بحبل الوصيّ متّصلا
|
قال : و ليس هذا بمنكر ، إن صحّ أنّه عليه السلام قاله عن نفسه ، ففي الكتاب العزيز ما يدلّ على أنّ أهل الكتاب لا يموت منهم ميّت حتّى يصدّق بعيسى عليه السلام ، و ذلك قوله تعالى : و إن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا
.
قال كثير من المفسّرين : معنى ذلك أنّ كلّ ميّت من اليهود و غيرهم من أهل الكتب السالفة إذا احتضر رأى المسيح عليه السلام عنده فيصدّق به من لم يكن في أوقات التكليف مصدّقا به
.
قلت : لم يرو الشيعة نفس الشعر له عليه السلام بل مضمونه ، و انّما نظّم الحميري مضمون كلامه عليه السلام فروى الشيخان ( المفيد و الطوسي ) باسنادهما عن جميل بن صالح عن الكلبي عن الأصبغ : أنّ الحارث دخل عليه عليه السلام و كانت له منزلة ، فقال عليه السلام له : و ابشرّك يا حارث تعرفني عند الممات ،
و عند الصراط ، و عند الحوض ، و عند المقاسمة ، قال : و ما المقاسمة ؟
قال عليه السلام : مقاسمة النار ، أقول : هذا وليّي فاتركيه ، و هذا عدوّي فخذيه ثمّ قال جميل : و أنشدني السيّد الحميري في ما تضمّنه هذا الخبر ثم نقل أبياته و أوّلها :
قول عليّ لحارث عجب
|
|
كم ثمّ أعجوبة له حملا
|
يا حار همدان من يمت يرني
|
|
من مؤمن أو منافق قبلا
|
و أنت عند الصّراط تعرفني
|
|
فلا تخف عثرة و لا زللا
|
اسقيك من بارد على ظمأ
|
|
تخاله في الحلاوة العسلا
|
و كيف كان ، قال محمد بن علي بن بابويه في ( اعتقاداته ) :
اعتقادنا في المساءلة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها ، فمن أجاب بالصّواب فاز بروح و ريحان في قبره و جنّة نعيم في الآخرة ، و من لم يأت بالصّواب فله نزل من حميم في قبره و تصلية جحيم في الآخرة ، و أكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة ، و سوء الخلق ، و الاستخفاف بالبول ، و أشدّ ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين ، أو شرطه حجّام ، و يكون ذلك كفّارة ما بقي عليه من الذّنوب التي تكفّرها الهموم و الغموم و الأمراض ، و شدّة الفزع عند الموت ، فانّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كفّن فاطمة بنت أسد في قميصه عند ما فرغت النساء من غسلها ، و حمل جنازتها على عاتقه فلم يزل تحت جنازتها حتّى أوردها قبرها ، ثمّ وضعها و دخل القبر و اضطجع فيه ثمّ قام فأخذها على يديه ، و وضعها في قبرها ، ثمّ انكبّ عليها يناجيها طويلا و يقول لها : ابنك ، ابنك ثمّ خرج و سوّى عليها التراب ثم انكبّ على قبرها ، فسمعته و هو يقول : اللّهم إنّي استودعتها إيّاك ، ثمّ انصرف ،
فقال المسلمون : يا رسول اللّه انّا رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل اليوم ، فقال : اليوم فقدت برّ أبي طالب إنّها كانت تكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها ، و ولدها و أنّي ذكرت القيامة و انّ الناس يحشرون عراة فقالت : و اسوأتاه فضمنت لها أن يبعثها اللّه كاسية و ذكرت ضغطة القبر فقالت : و اضعفاه و كفّنتها بقميصي و اضطجعت في قبرها لذلك ،
و انكببت عليها فلقّنتها ما تسأل عنه ، و انّها سئلت عن ربّها فقالت : اللّه ،
و سئلت عن نبيّها فأجابت ، و سئلت عن وليّها و إمامها فارتجّ عليها فقلت لها :
« ابنك ابنك »
.
هذا ، و رفع « قريب » لكونه خبرا لقوله : ( ما يطرح الحجاب ) بمعنى طرحه و يجوز نصب قريب بالمصدريّة بأن يكون الأصل ( و يطرح الحجاب قريبا ما ) .
« و لقد بصّرتم إن أبصرتم » و المراد : أنّه و ان كان ما توعدون به محجوبا عنهم بالعين إلاّ أنّهم قد انذروا به ، بما يرفع العذر و الإبصار قد يجيء بمعنى البصيرة كما في قوله تعالى : فلما جاءتهم آيتنا مبصرة
و قد يجيىء بمعنى الرّؤية بالبصر كما في هذا المورد .
« و اسمعتم إن سمعتم و هديتم إن اهتديتم » و أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و احذروا فإن تولّيتم فاعلموا أنّما على رسولنا البلاغ المبين
.
و في الأثر أنّ شابّا من الأنصار كان يأتي ابن عباس ، فيكرمه فقيل له :
إنّه شابّ سوء يأتي القبور فينبشها بالليالي ، فقال : إذا كان ذلك فأعلموني ،
فخرج الشابّ في بعض الليالي يتخلّل القبور ، فأعلم ابن عباس ، فخرج لينظر ما يكون من أمره و وقف ناحية حيث لا يراه الشابّ ، فدخل قبرا قد حفر ، ثمّ اضطجع في لحده و نادى بأعلى صوته : يا ويلي إذا دخلت لحدي وحدي ،
و نطقت الأرض من تحتي و قالت : لا مرحبا بك و لا أهلا كنت أبغضتك و أنت على ظهري ، فكيف و قد صرت في بطني ، ويحي إذا نظرت الى الأنبياء وقوفا ،
و الملائكة صفوفا فمن عدلك غدا من يخلّصني ، و من المظلومين من يستنقذني ، و من عذاب النّار من يجيرني ؟ عصيت من ليس بأهل أن يعصى ،
عاهدت ربّي مرّة بعد اخرى ، فلم يجد عندي صدقا و لا وفاء ، قال : و جعل يردّد هذا الكلام و يبكي ، ثمّ خرج ، فلمّا خرج إلتزمه ابن عبّاس ، و عانقه ، ثم قال له : نعم
النبّاش أنت ، ما أنبشك للذنوب و الخطايا
.
« بحقّ أقول لكم لقد جاهرتكم العبر » في ( الصحاح ) : المجاهرة : المبادأة ،
و العبرة بالكسر ، الاسم من الاعتبار و مجاهرة العبر : مشاهدة الإنسان تقلّب الدنيا بأهلها صباحا و مساء ، و تغيّراتها ليلا و نهارا .
« و زجرتم بما فيه مزدجر » في ( الصحاح ) : الزّجر : المنع و النّهي ، يقال :
زجره و ازدجره فانزجر و ازدجر
الخ ، و الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى :
و لقد جآءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر
و قال تعالى بعد قصّة كلّ من قوم نوح و عاد و ثمود و لوط : و لقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر
.
« و ما يبلّغ عن اللّه بعد رسل السّماء إلاّ البشر » أي : رسل الأرض و خلفاؤهم و قالوا لولا انزل عليه ملك و لو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثمّ لا ينظرون ، و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون
.
٢
الخطبة ( ٦٢ ) و من خطبة له عليه السلام :
فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَ اِبْتَاعُوا مَا يَبْقَى بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ وَ تَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ وَ اِسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ وَ كُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وَ عَلِمُوا أَنَّ اَلدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ
فَاسْتَبْدَلُوا فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى وَ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَ اَلْجَنَّةِ أَوِ اَلنَّارِ إِلاَّ اَلْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ وَ إِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اَللَّحْظَةُ وَ تَهْدِمُهَا اَلسَّاعَةُ لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ اَلْمُدَّةِ وَ إِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ اَلْجَدِيدَانِ اَللَّيْلُ وَ اَلنَّهَارُ لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ اَلْأَوْبَةِ وَ إِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ اَلشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ اَلْعُدَّةِ فَتَزَوَّدُوا فِي اَلدُّنْيَا مِنَ اَلدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ وَ اَلشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُزَيِّنُ لَهُ اَلْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا وَ يُمَنِّيهِ اَلتَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا حَتَّى تَهْجُمَ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً وَ أَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى شِقْوَةٍ نَسْأَلُ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ وَ لاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ وَ لاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَ لاَ كَآبَةٌ أقول : نسبها ابن قتيبة في ( عيونه ) الى المأمون في خطبة الجمعة
و تبعه ابن عبد ربّه في ( عقده ) إلاّ انّه بعد نقل ذلك عنه عليه السلام يعلم أنّ المأمون حفظها من خطبه كما كان غيره من الخطباء يحفظون خطبه عليه السلام ، و يخطبون بها و عدم النّسبة أعمّ ، و هذا نظير أن يخطب الخطباء بعد تأليف النّهج بخطبه بدون نسبة
.
« و اتّقوا اللّه عباد اللّه » ذكر عباد اللّه لبيان وجوب اتّقائه تعالى ، فانّ العبد يجب عليه اتّقاء مولاه و الأمر باتّقائه تعالى في الكتاب العزيز كثير ، منها :
و اتّقوا اللّه الذي إليه تحشرون
. و اتّقوا اللّه الذي أنتم به مؤمنون
. و اتقوا اللّه إن كنتم مؤمنين
. و اتّقوا اللّه إنّ اللّه خبير بما تعملون
. و اتقوا اللّه ان اللّه سريع الحساب
. و اتقوا اللّه ان اللّه شديد العقاب
. و اتقوا اللّه لعلّكم ترحمون
. و اتقوا اللّه لعلّكم تفلحون
.
« و بادروا آجالكم بأعمالكم » و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخّرجتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين ، و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
و اتّبعوا أحسن ما انزل إليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون ، أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب اللّه و إن كنت لمن السّاخرين ، أو تقول لو أنّ اللّه هداني لكنت من المتّقين ، أو تقول حين ترى العذاب لو انّ لي كرّة فأكون من المحسنين ، بلى قد جاءتك آياتي فكذّبت بها و استكبرت و كنت من الكافرين
.
« و ابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم » ابتاعوا هنا : أمر ، و إن كان لفظ الماضي مثله ، و الأصل فيه إفتعلوا بالكسر و أصل الماضي أفتعلوا بالفتح ما عندكم
ينفد و ما عند اللّه باق .
و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
و الباقيات الصالحات خير عند ربّك ثوابا و خير أملا
.
« و ترحّلوا فقد جدّ بكم » قال ابن أبي الحديد
: جدّ بفلان إذا ازعج و حثّ على الرّحيل .
قلت : لم يذكر ما قاله لغة ، و الأقرب انّه نظير قوله تعالى : إنّه لقول فصل ، و ما هو بالهزل
أي : ما قيل لكم من المبادرة و ابتياع الباقي و الترحّل ، عن جدّ لا هزل .
« و استعدّوا للموت فقد أظلّكم » في الديوان المنسوب إليه عليه السلام :
الام تجرّ أذيال التّصابي
|
|
و شيبك قد نضا برد الشباب
|
بلال الشّيب في فوديك نادى
|
|
بأعلى الصوت حيّ على الذّهاب
|
خلقت من التراب و عن قريب
|
|
تغيّب تحت أطباق التراب
|
طمعت إقامة في دار ظعن
|
|
و لا تطمع فرجلك في الرّكاب
|
و أرخيت الحجاب فسوف يأتي
|
|
رسول ليس يحجب بالحجاب
|
أعامر قصرك المرفوع أقصر
|
|
فانّك ساكن القبر الخراب
|
و للأخطل :
و نفس المرء ترصدها المنايا
|
|
و تحدّ رحوله حتى يصابا
|
إذا أمرت به التفت عليه
|
|
أحدّ سلاحها ظفرا و نابا
|
و اعلم أنّني عمّا قليل
|
|
ستكسوني جنادل أو ترابا
|
« و كونوا قوما صيح بهم فانتبهوا » فانتبهوا بفتح الباء و لا تكونوا كالّذين قال تعالى فيهم : و لو أنّنا نزّلنا اليهم الملائكة و كلّمهم الموتى و حشرنا عليهم كلّ شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا .
.
لنا ملك ينادي كلّ يوم
|
|
لدوا للموت و ابنوا للخراب
.
|
و لنعم ما قيل بالفارسيّة :
مرا در منزل جانان چه جاى امن چون هر دم
|
|
جرس فرياد ميدارد كه بربنديد محملها
|
« و علموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا » قال مؤمن آل فرعون لقومه :
يا قوم إنّما هذه الحياة الدنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
، و قال صالح عليه السلام لقومه : أتتركون في ما ها هنا آمنين ، في جنّات و عيون ، و زروع و نخل طلعها هضيم ، و تنحتون من الجبال بيوتا فارهين ، فاتّقوا اللّه و أطيعون ،
و لا تطيعوا أمر المسرفين ، الّذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون
.
« فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا » أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا و أنّكم إلينا لا ترجعون
.
« و لم يترككم سدى » في ( الصحاح ) : السّدى بضمّ السين : المهمل ، يقال إبل
سدى أي : مهملة ، و بعضهم يقول : سدى بالفتح .
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منيّ يمنى ثمّ كان علقة فخلق فسّوى فجعل منه الزّوجين الذكر و الانثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
.
« و ما بين أحدكم و بين الجنّة و النّار إلاّ الموت أن ينزل به » أن ينزل به ، بدل اشتمال من الموت ، قال تعالى بعد ذكر نزول الموت بالإنسان : فأمّا إن كان من المقرّبين فروح و ريحان و جنّة نعيم ، و أمّا إن كان من أصحاب اليمين ،
فسلام لك من أصحاب اليمين ، و أما إن كان من المكذّبين الضّاليّن فنزل من حميم و تصلية جحيم ، إنّ هذا لهو حقّ اليقين
.
« و إنّ غاية تنقصها اللّحظة و تهدمها الساعة لجديرة بقصر المدّة » في ( الصحاح ) الغاية : مدى الشيء ، و الجمع : غاي مثل ساعة ، و ساع
و الساعة :
الوقت الحاضر ، و الجمع : الساع و الساعات ، قال القطامي :
و كنّا كالحريق لدى كفاح
|
|
فيخبو ساعة و يهبّ ساعا
|
في ( المصباح ) : الساعة : الوقت من ليل أو نهار ، و العرب تطلقها و تريد بها الوقت
و الحين و إن قلّ و عليه قوله تعالى : لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون
و في ( الصحاح ) : فلان جدير بكذا ، أي : خليق
. .
شبّه عليه السلام بقاء الإنسان في الدّنيا بغاية قصيرة ، و بلغ من قصرها أن
تؤثر فيها اللحظة ، و في تفسير إنّما نعدّ لهم عدّا
المراد : انّه تعالى يعدّ أنفاسهم الباقية في الدّنيا فلا يجاوزون نفسا ممّا قدّرت لهم ، و قال البحتري :
و ما لبث من يغدو و في كلّ لحظة
|
|
له أجل في مدّة العمر قاتل
|
« و انّ غائبا يحدوه » في ( الصحاح ) : الحدو : سوق الإبل و الغناء لها ، و قد حدوت الإبل حدوا و حداء ، و يقال للشّمال : حدواء لأنّها تحدو السّحاب أي تسوقه
، الجديدان الليل و النهار في الصحاح قولهم : لا أفعله ما اختلف الجديدان و ما اختلف الأجدّان ، يعني الليل و النهار
.
و كلّ يوم مضى أو ليلة سلفت
|
|
فيها النفوس الى الآجال تزدلف
|
« لحريّ بسرعة الأوبة » في ( الصحاح ) : هو حري أن يفعل بالفتح أي : خليق و جدير ، لا يثنّى ، و لا يجمع ، و إذا قلت هو حر بكسر الراء أو حريّ على فعيل تثنيّت و جمعت ، و آب أي : رجع أوبا و إيابا و أوبة ، قال ابن أبي الحديد :
الغائب المشار إليه هو الموت و قيل : هو الإنسان يسوقه الجديدان الى الدار التي هي داره الحقيقيّة و هي الآخرة ، و هو في الدّنيا غائب على الحقيقة عن داره التي خلق لها
، و قال ابن ميثم : المراد به الإنسان ، و أمّا الموت فلا يحتمله لفظ الأوبة لأنّه لم يكن ، حتّى يرجع
، و قال ( الخوئي ) : لمّا كان الإنسان مسبوقا بالعدم ، سمّى حلول الموت بالأوبة ، إلاّ أنّ توصيفه بكون الليل
و النهار حاديين له لا يخلوا عن بعد
. .
قلت : التحقيق أنّ الإنسان لمّا كان خلق للموت ، فالموت من أوّل وجوده كان مقارنا له ، إلاّ أنّ الأجل أي : مدّة قدّر له فيها العيش في الدّنيا حال بينه و بينه ، فكانّه غاب بالأجل عنه ، فاذا حدا الجديدان الأجل يصدق سرعة أوبة الموت من غيبته و بالجملة كما أنّه عليه السلام شبّه في الفقرة السابقة مدّة بقاء الإنسان في الدنيا بغاية قصيرة جدا شبّه عليه السلام هنا الموت بمن غاب عنك من أعداءك ثم يرجع إليك سريعا بحدو الجديدين له ، و في عنوان وصيّته عليه السلام لابنه : و اعلم ، أنّ من كانت مطيّته الليل و النهار ، فانّه يسار به ، و إن كان واقفا ،
و يقطع المسافة و إن كان مقيما و ادعا .
« و إنّ قادما يقدم بالفوز و الشقوة » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « أو الشّقوة » ، كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية )
.
« لمستحقّ لأفضل العدّة » قال ابن ميثم
: القادم : الإنسان حين يقدم على ربّه ، و تبعه ( الخوئي )
.
قلت : بل المراد به الموت أيضا ، فكما شبّهه فيما سبق تارة بغاية قصيرة و اخرى بغائب عنك يرجع إليك ، شبّهه عليه السلام هنا بمن يقدم عليك من محلّ آخر بالفوز إن أحسنت الإستعداد له ، و الشّقوة ، إن أسأت الإستعداد له قال تعالى :
فامّا من أعطى و اتّقى ، و صدّق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى ، و أمّا من بخل و استغنى ، و كذّب بالحسنى ، فسنيسره للعسرى ، و ما يغني عنه ماله إذا تردّى
.
يآ أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه ، فامّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ، و ينقلب إلى أهله مسرورا ، و أمّا من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا و يصلى سعيرا
.
« فتزّودوا في الدنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا » الذين آمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن و هم مهتدون
.
« فاتقى عبد ربّه » تفريع تبييني لتزوّد في اليوم يكون محرزا به النفس في الغد ، قال تعالى : و لتنظر نفس ما قدّمت لغد
، و تزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى و اتقون يا أولي الألباب
يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون
و إن منكم إلاّ واردها كان على ربّك حتما مقضيّا ، ثم ننجي الّذين اتّقوا و نذر الظالمين فيها جثيّا
لكن الذين اتّقوا ربهم لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند اللّه و ما عند اللّه خير للأبرار
لكن الذين اتّقوا ربّهم لهم غرف من فوقها غرف مبنيّة
تجري من تحتها الأنهار وعد اللّه لا يخلف اللّه الميعاد
و سيق الّذين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا حتّى إذا جآءوها و فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين و قالوا الحمد للّه الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبّوأ من الجنّة حيث نشآء فنعم أجر العاملين
هذا و قال ابن أبي الحديد : و روي « اتّقى عبد ربّه » بلا فاء ، بتقدير هلاّ .
قلت : إنّما معنى هلاّ مراد ، لا أنّه يقدّر لفظه « نصح نفسه » في ( الصّحاح ) عن ابن الأعرابي : نصحت الإبل الشّرب تنصح نصوحا ، إذا صدقته و أنصحتها أنا : أرويتها ، و أنشد :
هذا مقامي لك حتى تنصحي
|
|
ريّا ، و تجتازي بلاط الأبطح
|
و منه : التوبة النصوح و هي الصّادقة ، يا أيّها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس و الحجارة عليها ملائكة غلائظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون
.
« قدّم توبته » في نسخة ( ابن أبي الحديد )
( و قدّم ) ، لكن في ( ابن ميثم )
و ( الخوئي )
بدون واو فيكون تفسيرا لنصح النفس ، و ليست التوبة .
يا أيها الذين آمنوا توبوا الى اللّه توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار .
.
« و غلب شهوته » هكذا في نسخة ( ابن أبي الحديد )
و في ( ابن ميثم )
و ( الخوئي )
، غلب شهوته ، و امّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى ، فإنّ الجنّة هي المأوى
.
« فإنّ أجله مستور عنه » و أجل مسمّى عنده
في ( الطبري ) : لمّا احتضر المعتصم جعل يقول : إنّي اخذت من بين هذا الخلق
.
« و أمله خادع له » ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
في ( الطبري ) : قال المعتصم : لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت
، و كان عمره ستّا و أربعين أو سبعا و أربعين أو ثمانيا و أربعين ، قال هو ثامن الخلفاء و الثّامن من ولد العبّاس و مات عن ثمانية بنين و ثماني بنات و ملك ثمان سنين و ثمانية أشهر « و الشيطان موكّل به » قال ابن ميثم
: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ما من مولود يولد إلاّ و يولد معه قرين من الشّيطان .
قلت : و روى القمي
، في قوله تعالى : الوسواس الخنّاس الذي
يوسوس في صدور الناس
، للشيطان على قلب ابن آدم خرطوم مثل خرطوم الخنزير ، يوسوس لابن آدم إذا أقبل على الدّنيا و ما لا يحبّ اللّه ، فاذا ذكر اللّه تعالى انخنس ، ( يريد يرجع ) ثم أخبر أنّه من الجنّ و الإنس فقال : من الجنّة و النّاس
قال : و قال أيضا : ما من قلب إلاّ و له اذنان على إحديهما ملك مرشد ، و على الاخرى شيطان مفتّن ، هذا يأمره ، و هذا يزجره ، و كذلك من النّاس شيطان يحمل النّاس على المعاصي كما يحمل الشّيطان من الجنّ
.
و في الخبر : إنّ إبليس تراءى لموسى عليه السلام في الطّور حين أراد مناجاة اللّه تعالى فقال له : أتطمع فيّ و أنا في هذا المقام ؟ قال : نعم كما طمعت في أبيك آدم و هو في الجنّة .
« يزيّن له المعصية ليركبها » و لعلّه محرّف ( ليرتكبها ) ، قال ربّ بما أغويتني لأزيّننّ لهم في الأرض و لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط عليّ مستقيم إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين و إنّ جهنّم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكلّ باب منهم جزء مقسوم
تاللّه لقد أرسلنا الى امم من قبلك فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فهو وليّهم اليوم و لهم عذاب أليم
.
« و يمنيّه التّوبة ليسوّفها » في ( الصحاح ) : تقول : سوّفته ، إذا قلت له مرّة بعد مرّة ( سوف أفعل ) ، و قولهم : فلان يقتات السّوف ، أي : يعيش بالأماني ،
و حكى أبو زيد سوّفت الرّجل أمري إذا ملّكته أمرك .
.
قال ابن أبي الحديد : و قد روى « ليسوّفها » بكسر الواو و فتحها ،
و الضمير في الرواية الاولى يرجع إلى نفسه ، و قد تقدّم ذكرها بكلمات يسيرة .
و يجوز أن يعني به : ليسوّف التوبة ، إلى أن قال : و من روى بفتح الواو جعله فعل ما لم يسمّ فاعله ، و تقديره : و يمنّيه الشّيطان التوبة ، أي : يجعلها في امنيّته ليكون مسوّفا إيّاها ، أي : يعدّ من المسوّفين المخدوعين
. .
قلت : بل يتعيّن كون ( ليسوّفها ) بكسر الواو بصيغة المعلوم كما في ( ليركبها ) في الفقرة قبل ، و إنّما المعنى ليسوّف التوبة ، و إنّما وقع ابن أبي الحديد في هذا الحيص بيص أنّه رأى أنّ ( الصحاح ) قال : سوّفته . كما مرّ فتوهّم أنّ التوبة لم يمكن أن تكون مسوّفة ، بل يسوّف شخص بها و لذا قال بعد : و يجوز أن يعني به : ليسوّف التوبة ، كأنّه جعلها مخاطبة فيقول لها :
سوف أوقعك . فتكلّف تصحيحه بما قال ، مع أنّه لا دلالة في ( الصحاح ) على الحصر ، فكما يقال : سوّف فلان فلانا يقال : سوّف فلان الأمر الفلانيّ ، و أمّا قوله : ( من روى بفتح الواو ) . فمع كون ما قاله بلا محصّل ، يلزم أن يكون ( يسوّف ) متعدّيا إلى مفعولين مع انّه بمعنى ( سوف افعل ) يكون متعدّيا الى واحد ، و امّا بمعنى تمليك غيرك أمرك إن تحقّقت حكاية أبي زيد و إن كان متعدّيا الى مفعولين ، إلاّ أنّه لا ربط له هنا ، و كيف كان فروى الصّدوق
عن الصادق عليه السلام قال : لما نزلت و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم
صعد إبليس جبلا يقال له ( ثور ) فصرخ بأعلى
صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا : يا سيّدنا لم دعوتنا ؟ قال : نزلت هذه الآية فمن لها ، فقام عفريت فقال : أنا لها بكذا و كذا قال : لست لها فقام آخر فقال مثل ذلك ، فقال : لست لها ، فقام الوسواس الخنّاس ، و قال : أنا لها قال : بماذا ؟ قال :
أعدهم و امنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار ، فقال : أنت لها فوكّله بها إلى يوم القيامة
.
« حتى تهجم منيّته عليه » في ( الصحاح ) : المنا : القدر ، و المنيّة : الموت ، لأنّها مقدّرة
.
« اغفل ما يكون عنها » قال ابن ميثم
: أغفل حال
، و قال ( الخوئي ) :
منصوب بنزع الخافض ، أي : في أغفل حاله
.
قلت : بل الصواب كونه مفعولا فيه فلا يحتاج إلى تقدير ( في ) ، و قالوا في قولهم : ( إنتظرته صلاة العصر ) إنّ ( صلاة ) ، مفعول فيه ، أي : في وقت صلاة العصر ، و في قولهم : ( لا أكلّمك هبيرة بن قيس ) ( هبيرة ) مفعول فيه أي : مدّة غيبة هبيرة ، و أمّا الحاليّة ، فالحال يجب أن تكون نكرة و ( اغفل ما يكون عنها ) في معنى ( اغفل كونه عنهما ) .
« فيا لها حسرة على ذي غفلة » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( على كلّ ذي غفلة ) كما في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطيّة )
.
« أن يكون عمره عليه حجّة » يقال في ( يا ) هنا ، أنّها لنداء ما لا يجيب ، تشبيها بمن يعقل نحو قوله تعالى : يا حسرة على العباد .
و زيادة الضمير مع الجار هنا للتعظيم و التعجب ، و قال ابن أبي الحديد : لها في ( فيالها ) امّا منادى مستغاث و إمّا مستغاث لأجله ، و المستغاث محذوف ، أي : أدعوكم أيّها الرّجال لتقضوا العجب من هذه الحسرة
.
قلت : الأحسن ألاّ يسمّى مثله مستغاثا به ، و لا لأجله بل هو للتعجّب ،
كقول الشاعر : ( يالك من قبّرة بمعمر ) فصرّح الجوهري بأنّه نداء تعجب ، قال ( الخوئي ) ( أن يكون ) بدل من ( كلّ ذي غفلة ) قلت : بل بدل من ( حسرة ) كما لا يخفى و كيف كان فقال تعالى : و أنيبوا الى ربّكم و أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثمّ لا تنصرون
، و اتّبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون ، أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللّه و ان كنت لمن السّاخرين
.
« و تؤدّيه أيّامه إلى شقوة » قال تعالى : و هم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنّا نعمل أو لم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر و جاءكم النّذير فذوقوا فما للظالمين من نصير
.
« نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا و إيّاكم ممّن لا تبطره نعمة » في ( الصحاح ) البطر : الأشر
، و هو شدّة المرح ، و قد بطر بالكسر يبطر أي : بالفتح و أبطره
المال . قال تعالى : و كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلاّ قليلا و كنّا نحن الوارثين
.
« و لا تقصّر به عن طاعة ربّه غاية » الغاية و ان كانت بمعنى النهاية ، إلاّ أنّ المراد بها ها هنا المقاصد و الثمرات ، لإنّها نهايات الأفعال و الأعمال ، قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحبّ اليكم من اللّه و رسوله و جهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللّه بأمره .
.
« و لا تحلّ به بعد الموت ندامة و لا كآبة » في ( المصباح ) : كئب يكأب من باب تعب كآبة بمدّ الهمزة ، و كأبا و كأبة مثل سبب و تمرة ، أي : حزن أشدّ الحزن
،
قال تعالى : و لو ترى إذ وقفوا على النّار فقالوا ياليتنا نردّ و لا نكذّب بآيات ربّنا و نكون من المؤمنين
، و لو ترى إذ وقفوا على ربّهم قال أليس هذا بالحقّ ؟ قالوا : بلى و ربّنا قال : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون
، قد خسر الّذين كذّبوا بلقاء اللّه حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها و هم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون
، و ما الحياة الدّنيا إلاّ لعب و لهو و للدّار الآخرة خير للّذين يتّقون أفلا تعقلون
.
هذا و روى ( الإرشاد ) عنه عليه السلام خطبة اخرى و في ذيلها
، جعلنا اللّه و إيّاكم
ممّن لا تبطره نعمة و لا تحلّ به بعد الموت نقمة فإنّما نحن به و له و بيده الخير و هو على كلّ شيء قدير
.
٣
الخطبة ( ٧٤ ) و من خطبة له عليه السلام :
رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى وَ دُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً اِكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اِجْتَنَبَ مَحْذُوراً رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ اَلصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ اَلتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ اَلطَّرِيقَةَ اَلْغَرَّاءَ وَ لَزِمَ اَلْمَحَجَّةَ اَلْبَيْضَاءَ اِغْتَنَمَ اَلْمَهَلَ وَ بَادَرَ اَلْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ اَلْعَمَلِ أقول : كلّ فقرة من الخطبة و هي عشرون درّة يتيمة و جوهرة غالية ،
روى ( روضة الكافي ) في خطبة فيها بعض هذه الفقرات مسندة عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال : الحمد للّه الخافض الرافع ،
الضّار النافع الجواد الواسع ، الى أن قال : أيّها الناس إنّ الدّنيا ليست لكم بدار و لا قرار إنّما أنتم فيها كركب عرّسوا فأناخوا ثم استقلّوا ، فغدوا و راحوا ،
و خلوا خفافا لم يجدوا عمّا مضى نزوعا ، و لا إلى ما تركوا رجوعا ، جدّ بهم فجدّوا ، و ركنوا إلى الدّنيا فما استعدّوا ، حتّى إذا أخذ بكظمهم و خلصوا إلى دار قوم جفّت أقلامهم لم يبق من أكثرهم خبر ، و لا أثر ، قلّ في الدّنيا لبثهم و عجّل إلى الآخرة بعثهم ، فأصبحتم حلولا في ديارهم ظاعنين على آثارهم ، و المطايا تسير بكم سيرا ما فيه أين و لا تفتير نهاركم بأنفسكم دؤب ، و ليلكم بأرواحكم
و هوب ، فأصبحتم تحلّون من حالهم حالا و تحتذون من مسلكهم مثالا . فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا
فإنّما أنتم فيه سفر ، حلول الموت بكم نزول ، تنتضل فيكم مناياه ، و تمضي بأخباركم مطاياه ، الى دار الثواب و العقاب ، و الجزاء و الحساب ، فرحم اللّه امرأ راقب ربّه ، و تنكّب ذنبه ، و كابر هواه ، و كذّب مناه ،
امرأ أزمّ نفسه من التّقوى بزمام ، و ألجمها من خشية ربّها بلجام ، فقادها الى الطاعة بزمامها ، و قرعها عن المعصية بلجامها ، رافعا الى المعاد طرفه ،
متوقعا في كلّ آن حتفه ، دائم الفكر ، طويل السهر ، عزوفا عن الدّنيا ، سإما كدوحا ، لآخرته متحافظا ، امرأ جعل الصبر مطيّة نجاته ، و التقوى عدّة وفاته ،
و دواء أجوائه ، فاعتبر وقاس ، و ترك الدنيا و النّاس ، يتعلّم للتفقّه و السّداد ، و قد و قرّ قلبه ذكر المعاد ، و طوى مهاده ، و هجر و ساده ، منتصب على أطرافه ،
داخل في أعطافه ، خاشعا للّه عزّ و جلّ يراوح بين الوجه و الكفّين خشوع في السّرّ لربّه ، لدمعه صبيب و لقلبه وجيب ، شديدة آساله ، و ترتعد لخوف اللّه جلّ ذكره أوصاله ، قد عظمت في ما عند اللّه رغبته و اشتدّت منه رهبته ،
راضيا بالكفاف من أمره ، يظهر دون ما يكتم ، و يكتفي بأقلّ ممّا يعلم ، اولئك و دائع اللّه في بلاده ، المدفوع بهم عن عباده ، لو أقسم أحدهم على اللّه جلّ ذكره و تعالى لأبرّه ، أو دعا على أحد نصره ، يسمع إذا ناجاه ، و يستجيب له إذا دعاه ، جعل اللّه العاقبة للتقوى ، و الجنّة لأهلها مأوى ، دعاؤهم فيها أحسن الدّعاء سبحانك اللّهمّ
..
قوله عليه السلام : « رحم اللّه امرأ سمع حكما فوعى » أي : سمع حكمة من العلوم فحفظها و جعل أذنه و عاء لها ، قال تعالى : فبشّر عباد الذين يستمعون القول
فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللّه و اولئك هم أولو الألباب
.
« و دعي إلى رشاد فدنا » قال تعالى : قل أوحي إليّ أنّه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرّشد فامنّا به و لن نشرك بربّنا أحدا
و ذمّ تعالى قوما فقال : و إن يروا سبيل الرّشد لا يتّخذوه سبيلا و إن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا .
.
« و أخذ بحجزة هاد فنجا » قال الجوهري : حجزة الأزار : معقده ، و حجزة السراويل التي فيها التّكة
روى ( أمالي الصدوق ) : أنّ الصادق عليه السلام كان كثيرا ما يقول :
علم المحجّة واضح لمريده
|
|
و أرى القلوب عن المحجّة في عمى
|
و لقد عجبت لهالك و نجاته
|
|
موجودة و لقد عجبت لمن نجا
|
و قال تعالى : أولئك الّذين هدى اللّه فبهداهم اقتده
.
« راقب ربّه » قال تعالى : إنّ اللّه كان عليكم رقيبا
أفمن هو قائم على كلّ نفس بما كسبت
، و عن الصادق عليه السلام : من أشدّ ما افترض اللّه على عباده ، ذكره على كلّ حال ، ليس سبحان اللّه ، و الحمد للّه ، و لا إله إلاّ اللّه ، و اللّه أكبر فقط ، و لكن إذا ورد عليك شيء من أمر اللّه أخذت به ، و إذا ورد عليك شيء نهى
اللّه عنه تركته
، و عنه عليه السلام : العبد بين ثلاثة بلاء و قضاء و نعمة ، فعليه في البلاء من اللّه الصبر فريضة ، و عليه في القضاء من اللّه التسليم ، و عليه في النّعم منه تعالى الشكر
.
« و خاف ذنبه » في ( الخصال ) عن الصادق عليه السلام : إنّ ابليس قال لجنوده ، إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم ابال ما عمل فانّه منه غير مقبول : إذا استكثر عمله ، و دخله العجب و نسي ذنبه
.
« قدّم خالصا » إلاّ عباد اللّه المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه و هم مكرمون في جنّات النّعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذّة للشاربين لا فيها غول و لا هم عنها ينزفون و عندهم قاصرات الطّرف عين كأنّهنّ بيض مكنون
.
« و عمل صالحا » قال تعالى : فمن يعمل من الصّالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و إنّا له كاتبون
.
« اكتسب مذخورا » ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باق .
و ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا و أعظم أجرا .
.
« و اجتنب محذورا » و الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون
و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، الذين يجتنبون
كبائر الإثم و الفواحش إلاّ اللّمم إنّ ربّك واسع المغفرة .
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم و ندخلكم مدخلا كريما .
.
« رمى غرضا و أحرز عوضا » قال ابن أبي الحديد : رمى غرضا أي : قصد الحق كمن يرمي غرضا يقصده ، لا من يرمي في عمياء لا يقصد شيئا بعينه
.
قلت : بل كلامه عليه السلام استعارة في تشبيه من استبق الى الخيرات و استحقّ الجنّات بمن رمى في وقت الرّماية ، و أصاب الهدف و استحقّ العوض الّذي جعلوه لمصيب الهدف فالغرض الهدف الّذي يرمي فيه و هو مفعول به ، و ابن أبي الحديد توهّمه مفعولا له ، قال تعالى : و السابقون السابقون أولئك المقرّبون
و منهم سابق بالخيرات بإذن اللّه ذلك هو الفضل الكبير ، جنّات عدن يدخلونها يحلّون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير .
و قالوا الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن انّ ربّنا لغفور شكور الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيه نصب و لا يمسّنا فيها لغوب
.
« كابر هواه » قال تعالى : و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
و في ( باب اتّباع هوى الكافي ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : يقول اللّه تعالى : و عزّتي و جلالي لا يؤثر عبد هواه على هواي الاّ شتّتّ عليه أمره ، و لبّست عليه دنياه ، و شغلت قلبه بها ، و لم أعطه منها إلاّ ما قدّرت له ، و عزّتي و جلالي لا يؤثر عبد هواي على هواه إلاّ استحفظته ملائكتي
و كفّلت السموات و الأرض رزقه ، و كنت له وراء تجارة كلّ تاجر و أتته الدنيا راغمة
، و عن الصادق عليه السلام : إحذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم ، فليس شيء أعدى للرّجال من اتّباع الهوى و حصائد ألسنتهم
، و كان عليه السلام يقول :
لا تدع النّفس و هواها
|
|
فإنّ هواها في رداها
|
و ترك النفس و ما تهوى أذاها
|
|
و كفّ النّفس عمّا تهوى دواها
|
« و كذّب مناه » لإنّ تصديق المنى سبب الهلاك ، يوم يقول المنافقون و المنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنة فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى و لكنّكم فتنتم أنفسكم و تربصّتم و ارتبتم و غرّتكم الأمانيّ حتّى جاء أمر اللّه و غرّكم باللّه الغرور
.
« جعل الصبر مطيّة نجاته » في ( الصحاح ) : المطيّة مأخوذ من المطو و هو المد ، في ( الكافي ) عن الباقر عليه السلام قال : الجنّة محفوفة بالمكاره و الصبر ، فمن صبر
على المكاره في الدّنيا دخل الجنّة ، و جهنّم محفوفة باللّذات و الشهوات ، فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النار
، و عن الصادق عليه السلام : إذا دخل المؤمن قبره ، كانت الصلاة عن يمينه و الزكاة عن يساره و البرّ مظلّ عليه و تنحىّ الصبر ناحية ، فإذا دخل عليه الملكان اللّذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة و الزكاة و البرّ : دونكم صاحبكم ، فإن
عجزتم عنه فأنا دونه
، و عنه عليه السلام : إنّ اللّه تعالى أنعم على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم و بالا ، و ابتلى قوما بالمصائب فصبروا ، فصارت عليهم نعمة .
و عنه عليه السلام من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه ، كان له أجر مثل ألف شهيد
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : سيأتي على النّاس زمان لا ينال الملك إلاّ في القتل و التجبّر ، و لا الغني إلاّ بالغصب و البخل ، و لا المحبّة إلاّ باستخراج الدّين و اتّباع الهوى ، فمن أدرك ذلك الزّمان فصبر على الفقر و هو يقدر على الغنى و صبر على البغضة و هو يقدر على المحبّة ، و صبر على الذّل و هو يقدر على العزّ آتاه اللّه ثواب خمسين صدّيقا ممّن صدّق بي
.
« و التّقوى عدّة وفاته » إنّ الذين قالوا ربّنا اللّه ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
،
نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدّعون نزلا من غفور رحيم
.
« ركب الطريقة الغرّاء » في ( المصباح ) : الغرّة في الجبهة : بياض فوق الدّرهم ، و رجل أغرّ صبيح أو سيّد في قومه
قال تعالى : فأمّا من أعطى و اتقى و صدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى
.
« و لزم المحجّة البيضاء » في ( الصحاح ) : المحجّة : جادة الطريق ، قال
تعالى : و انّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه و لا تتبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
« إغتنم المهل » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : كان أبي يقول : إذا هممت بخير فبادر فإنّك لا تدري ما يحدث
، و عنه عليه السلام : إذا همّ أحدكم بخير أو صلة فانّ عن يمينه و شماله شيطانين فليبادر لا يكفّاه عن ذلك
.
« و بادر الأجل » و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين ، و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
« و تزوّد من العمل » في ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السلام : إنّ اللّه تعالى ثقّل الخير على أهل الدّنيا كثقله في موازينهم يوم القيامة و ان اللّه تعالى خفّف الشرّ على أهل الدّنيا كخفّته في موازينهم يوم القيامة
.
٤
في الخطبة ( ٨١ ) و منها :
جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وَ أَشْلاَءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا مُلاَئِمَةً لِأَحْنَائِهَا فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا فِي مُجَلِّلاَتِ نِعَمِهِ وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ وَ قَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ
وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ اَلْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهِمْ وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ أَرْهَقَتْهُمُ اَلْمَنَايَا دُونَ اَلْآمَالِ وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ اَلْآجَالِ لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلاَمَةِ اَلْأَبْدَانِ وَ لَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ اَلْأَوَانِ فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ اَلشَّبَابِ إِلاَّ حَوَانِيَ اَلْهَرَمِ وَ أَهْلُ غَضَارَةِ اَلصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ اَلسَّقَمِ وَ أَهْلُ مُدَّةِ اَلْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ اَلْفَنَاءِ مَعَ قُرْبِ اَلزِّيَالِ وَ أُزُوفِ اَلاِنْتِقَالِ وَ عَلَزِ اَلْقَلَقِ وَ أَلَمِ اَلْمَضَضِ وَ غُصَصِ اَلْجَرَضِ وَ تَلَفُّتِ اَلاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ اَلْحَفَدَةِ وَ اَلْأَقْرِبَاءِ وَ اَلْأَعِزَّةِ وَ اَلْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ اَلْأَقَارِبُ أَوْ نَفَعَتِ اَلنَّوَاحِبُ وَ قَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ اَلْأَمْوَاتِ رَهِيناً وَ فِي ضِيقِ اَلْمَضْجَعِ وَحِيداً قَدْ هَتَكَتِ اَلْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ وَ أَبْلَتِ اَلنَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ وَ عَفَتِ اَلْعَوَاصِفُ آثَارَهُ وَ مَحَا اَلْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ وَ صَارَتِ اَلْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا وَ اَلْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا وَ اَلْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا وَ لاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئِ زَلَلِهَا أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ اَلْقَوْمِ وَ اَلْآبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ اَلْأَقْرِبَاءَ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا لاَهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ اَلْمَعْنِيَّ سِوَاهَا وَ كَأَنَّ اَلرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا إلى أن قال ( و منها في صفة خلق الإنسان ) أَمْ هَذَا اَلَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ اَلْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ اَلْأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وَ عَلَقَةً مِحَاقاً وَ جَنِيناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِيداً وَ يَافِعاً ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لاَفِظاً وَ بَصَراً لاَحِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اِعْتِدَالُهُ وَ اِسْتَوَى مِثَالُهُ نَفَرَ مُسْتَكْبِراً وَ خَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ ثُمَّ لاَ يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً
وَ لاَ يَخْشَعُ تَقِيَّةً فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً وَ عَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً لَمْ يُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ اَلْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ فَظَلَّ سَادِراً وَ بَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ اَلْآلاَمِ وَ طَوَارِقِ اَلْأَوْجَاعِ وَ اَلْأَسْقَامِ بَيْنَ أَخٍ شَقِيقٍ وَ وَالِدٍ شَفِيقٍ وَ دَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً وَ لاَدِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً وَ اَلْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِيَةٍ وَ غَمْرَةٍ كَارِثَةٍ وَ أَنَّةٍ مُوجِعَةٍ وَ جَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً وَ جُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى اَلْأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ وَ نِضْوَ سَقَمٍ تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ اَلْوِلْدَانِ وَ حَشَدَةُ اَلْإِخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ حَتَّى إِذَا اِنْصَرَفَ اَلْمُشَيِّعُ وَ رَجَعَ اَلْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ اَلسُّؤَالِ وَ عَثْرَةِ اَلاِمْتِحَانِ وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ اَلْحَمِيمِ وَ تَصْلِيَةُ اَلْجَحِيمِ وَ فَوْرَاتُ اَلسَّعِيرِ وَ سَوْرَاتُ اَلزَّفِيرِ لاَ فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ وَ لاَ دَعَةٌ مُزِيحَةٌ وَ لاَ قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ وَ لاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَ لاَ سِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ بَيْنَ أَطْوَارِ اَلْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ اَلسَّاعَاتِ إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ عِبَادَ اَللَّهِ أَيْنَ اَلَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا وَ أُنْظِرُوا فَلَهَوْا وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا أُمْهِلُوا طَوِيلاً وَ مُنِحُوا جَمِيلاً وَ حُذِّرُوا أَلِيماً وَ وُعِدُوا جَسِيماً اِحْذَرُوا اَلذُّنُوبَ اَلْمُوَرِّطَةَ وَ اَلْعُيُوبَ اَلْمُسْخِطَةَ أُولِي اَلْأَبْصَارِ وَ اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْعَافِيَةِ وَ اَلْمَتَاعِ هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلاَصٍ أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلاَذٍ أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ أَمْ لاَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ١٦ ١٧ ١٠ : ٣٤ أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ ذَاتِ اَلطُّوْلِ وَ اَلْعَرْضِ قِيدُ قَدِّهِ مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ اَلْآنَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ اَلْخِنَاقُ مُهْمَلٌ وَ اَلرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي فَيْنَةِ اَلْإِرْشَادِ وَ رَاحَةِ اَلْأَجْسَادِ وَ بَاحَةِ اَلاِحْتِشَادِ وَ مَهَلِ اَلْبَقِيَّةِ وَ أُنُفِ اَلْمَشِيَّةِ وَ إِنْظَارِ اَلتَّوْبَةِ وَ اِنْفِسَاحِ اَلْحَوْبَةِ قَبْلَ اَلضَّنْكِ وَ اَلْمَضِيقِ
وَ اَلرَّوْعِ وَ اَلزُّهُوقِ وَ قَبْلَ قُدُومِ اَلْغَائِبِ اَلْمُنْتَظَرِ وَ أَخْذَةِ اَلْعَزِيزِ اَلْمُقْتَدِرِ و في الخبر أنّه لمّا خطب بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود ، و بكت العيون و رجفت القلوب ، و من الناس من يسمّي هذه الخطبة الغرّاء
.
أقول : « جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها » الأصل في الوعي : جعل الأذن وعاء لما سمع قال تعالى : و تعيها اذن واعية
و عناها أي : أهمّها و في الخبر : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
.
« و أبصارا لتجلو عن عشاها » قال تعالى : و جعل لكم السمّع و الأبصار و الأفئدة لعلّكم تشكرون
. و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة قليلا ما تشكرون
و في ( المصباح ) : عشى أي : ضعف بصره ، فهو أعشى ،
و المرأة عشواء
.
« و أشلاء جامعة لأعضائها » قال ابن أبي الحديد : أراد بالأشلاء : الأعضاء الظاهرة ، و بالأعضاء : الجوارح الباطنة
، و هو كما ترى فالضمير في ( أعضائها ) راجعة الى ( الأشلاء ) و الباطنة ليست للظّاهرة حتى يضاف اليها بل كلّ منهما مضاف الى الإنسان و الصواب أن يقال : إنّ المراد بالأشلاء ، الأعضاء الكبيرة ، و بالأعضاء : الأعضاء الصغيرة كاليد الجامعة للعضد و الذراع و الكفّ ، و الأصل في الشّلو عضو يرفعه ، فقال الفيروز ابادي
شلا : سار و رفع شيئا
.
« ملائمة لأحنائها » أي : لجوانب تلك الأشلاء ، قال المفضّل للصادق عليه السلام :
صف لي نشو الأبدان في نموّها حالا بعد حال حتى يبلغ التّمام و الكمال قال عليه السلام : أوّل ذلك تصوير الجنين في الرّحم حيث لا تراه عين و لا تناله يد تدبّره ، حتّى يخرج سويّا مستوفيا جميع ما فيه قوامه و صلاحه من الأحشاء و الجوارح و العوامل إلى ما في تركيب أعضائه ، من العظام و اللّحم و الشّحم و العصب و المخ و العروق و الغضاريف ، فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمو بجميع أعضائه و هو ثابت على شكل و هيئة لا تتزايد و لا تنقض ، إلى أن يبلغ أشدّه أن يدم عمره أو يستوفي مدّته قبل ذلك ، هل هذا إلاّ من لطيف التدبير و الحكمة
؟ « في تركيب صورها و مدد عمرها » قال الصادق عليه السلام : فكّر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع و تدبير كلّ منها للمآرب ، فاليدان للعلاج ، و الرّجلان للسعيّ ، و كذلك جميع الأعضاء إذا ما تأمّلتها و أعملت فكرك فيها وجدت كلّ شيء منها قد قدّر لشيء على صواب و حكمة
« بأبدان قائمة بأرفاقها » قال الصادق عليه السلام : فكّر يا مفضّل في وصول الغذاء الى البدن ، و ما فيه من التدبير ، فإنّ الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه و تبعث بصفوه الى الكبد في عروق دقاق و اشجة بينها ، قد جعلت كالمصفّى للغذاء لكيلا يصل الى الكبد منه شيء فينكاها ، و ذلك أنّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف ، ثمّ انّ الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما ، و ينفذه الى البدن كلّه في
مجار مهيّأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيّأ للماء ليطرد في الأرض كلّها و ينفذ ما يخرج منه من الخبث و الفضول الى مغائص قد اعدّت لذلك ، فما كان منه من جنس المرّة الصفراء جرى إلى المرارة ، و ما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال ، و ما كان من البلّة و الرطوبة جرى الى المثانة ، تأمّل حكمة التدبير في تركيب البدن ، و وضع هذه الأعضاء منه مواضعها ، و إعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلاّ تنتشر في البدن ، فتسقمه و تنهكه ، فتبارك من أحسن التقدير و أحكم التدبير
.
« و قلوب رائدة » أي : طالبة ، من راد الكلاء ، أي : طلبه .
« لأرزاقها » في ( العلل ) عن الصادق عليه السلام : إنّ منزلة القلب من الجسد ،
بمنزلة الإمام من الناس ، الواجب الطاعة عليهم ، ألا ترى أنّ جميع جوارح الجسد شرط للقلب و تراجمة له مؤدية عنه ، الاذنان و العينان و الأنف و الفم و اليدان و الرّجلان و الفرج ، فإنّ القلب إذا همّ بالنظر فتح الرّجل عينيه ، و إذا همّ بالاستماع فتح مسامعه فسمع ، و إذا همّ بالشمّ استنشق بأنفه ، فأدّى تلك الرائحة الى القلب ، و إذا همّ بالنّطق تكلّم باللّسان ، و إذا همّ بالحركة سعت الرّجلان ، و إذا همّ بالشهوة تحرّك الذّكر ، فهذه كلّها مؤدية عن القلب
.
« في مجلّلات نعمه » في ( الصحاح ) : جلّل الشيء تجليلا ، أي : عمّ
، قال الصادق عليه السلام : اعتبر يا مفضّل بعظم النعمة على الإنسان في مطعمه و مشربه و تسهيل خروج الأذى ، أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع منها ، فكذا جعل سبحانه المنفذ للخلاء من الإنسان في أستر
موضع منه ، فلم يجعله بارزا من خلفه ، و لا ناشزا من بين يديه ، بل هو مغيّب في موضع غامض من البدن ، مستور محجوب ، يلتقي عليه الفخذان ، و يحجبه الاليتان بما عليهما من اللّحم يتواريانه ، فاذا احتاج الإنسان إلى الخلاء ، و جلس تلك الجلسة ، ألقى ذلك المنفذ منه منصبّا مهيّأ لإنحدار الثقل ، فتبارك من تظاهرت آلاؤه و لا تحصى نعماؤه
« و موجبات مننه » روي ( الخصال ) عن الصادق عليه السلام : يقول عزّ و جلّ : إنّي تطوّلت على عبادي بثلاث : ألقيت عليهم الرّيح بعد الرّوح ، و لو لا ذلك ما دفن حميم حميما ، و ألقيت عليهم السّلوة بعد المصيبة ، و لو لا ذلك لم يتهنّ أحد منهم بعيشه ، و سلّطت هذه الدّابة على الحنطة و الشّعير و إلاّ ذلك لكنزوها كما يكنزون الذّهب و الفضة
، و في خبر آخر منّ عليهم بالسّتر و لولاه لما دفن كثير من الناس و لألقوهم على المزابل
.
« و حواجز عافية » هكذا في ( المصرية )
و هو غلط ، و الصواب : ما في غيرها .
« عافيته » ثم ( عافيته ) بلفظ المفرد في النسخ و مقتضى الفقرات التي قبله كونه مصحّف عافياته ، و كيف كان ففي ( الصحاح ) : ( العافية دفاع اللّه تعالى عن العبد )
و في الخبر : ( إذا نظرت إلى مبتلى تقول في نفسك من دون أن تسمعه : الحمد للّه الذي عافاني ممّا ابتلاك به و لو شاء لفعل بي ذلك )
و في
الخبر : أنّ يوسف عليه السلام لو كان سأل ربّه العافية من المصريّات بدون سجن لعافاه و لكنّه قال ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه
، فصرف عنه كيدهن بما سأل .
« و قدّر لكم أعمارا سترها عنكم » قال تعالى : و أجل مسمّىً عنده .
و قال الصادق عليه السلام : تأمّل يا مفضّل في ما ستر عن الإنسان من علمه بمدّة حياته فانّه لو عرف مقدار عمره و كان قصير العمر ، لم يتهنّأ بالعيش مع ترقّب الموت و توقّعه لوقت قد عرفه ، بل كان بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر و الوجل من فناء ماله ، على أنّ الّذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال ، لأنّ من يقلّ ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك ، و من أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس ، و إن كان طويل العمر ثمّ عرف ذلك ، وثق بالبقاء ، و انهمك في اللّذات و المعاصي ، و عمل على أنّه يبلغ من ذلك شهوته ثمّ يتوب في آخر عمره ، و هذا مذهب لا يرضاه تعالى من عباده ، ألا ترى لو أنّ عبدا لك عمد على أنّه يسخطك سنة و يرضيك يوما لم تقبل ذلك منه ، و لم يحلّ عندك محلّ العبد الصالح ، فإن قلت : أو ليس قد يقيم الإنسان على المعصية حينا ثمّ يتوب فتقبل توبته ؟ قلنا :
إنّ ذلك شيء يكون لغلبة الشهوات ، و تركه مخالفتها من غير أن يقدّرها في نفسه ، و يبني عليه أمره ، فيصفح اللّه عنه ، و يتفضّل عليه بالمغفرة ، فأمّا من قدّر أمره على أن يعصي ما بداله ثمّ يتوب آخر ذلك ، فانّما يحاول خديعة من لا يخادع بأن يتسلّف التلذّذ في العاجل ، و يعد نفسه التوبة في الآجل ، و لأنّه قد لا يفي ، فإنّ النّزوع من الترفّه و التلذّذ و لا سيما عند الكبر و ضعف البدن أمر
صعب ، مع أنّه لا يؤمن على الإنسان مع مدافعته بالتوبة ، أن يرهقه الموت فيخرج من الدّنيا غير تائب .
فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقّب الموت ، فيترك المعاصي و يؤثر العمل الصالح ، فإن قلت : و ها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته يقارف الفواحش و ينتهك المحارم قلنا : إنّ وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الأمر ، فإن كان الإنسان مع ذلك لا يرعوي و لا ينصرف عن المساوئ ، فانّما ذلك من مرحه و قساوة قلبه لا من خطأ في التدبير كما أنّ الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به ، فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لم تكن الإساءة للطبيب بل للمريض ، و لئن كان مع ترقّبه للموت كلّ ساعة لا يمتنع عن المعاصي ، لو كان وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج الى الكبائر الفظيعة ، ثمّ إنّه و إن كان صنف يلهون عنه فإنّ صنفا ينزعون به عن المعاصي و يؤثرون العمل الصالح و يجودون بالأموال و العلائق النفيسة في الصدقة فلم يكن من العدل ان يحره هؤلاء به لتضييع أولئك
.
« و خلّف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم » قال تعالى بعد ذكر طوفان نوح :
و لقد تركناها آية فهل من مدّكر
.
« و من مستمتع خلاقهم » في ( الصحاح ) : الخلاق : النصيب
.
« و متفسح خناقهم » و الفسحة : السعة ، و الخناق : مجرى النفس و الحلق و يقال : أخذ بخناقه و مخنقه
، و في ( القاموس ) : خانقين بلد بسواد بغداد لأنّ
النعمان خنق به عديّ بن زيد العبادي
، قال تعالى في فرعون و قومه : كم تركوا من جنات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء و الأرض و ما كانوا منظرين
.
« أرهقتهم المنايا دون الآمال » في ( الصحاح ) : رهقه بالكسر غشيه
و المنيّة : الموت ، لانّها مقدّرة و الجمع المنايا .
« و شذّبهم عنها تخرّم الآجال » في الطبعتين المصريتين جعل « شذّ بهم » كلمتين ( شذّ ) كلمة و ( بهم ) كلمة
و الصواب : كونه كلمة واحدة من التشذيب كما في ( ابن أبي الحديد ) و غيره
من قولهم شذّب الشجرة ، و نخل مشذب ،
و تشذّبوا أي : تفرّقوا ، و التخرّم : الاستيصال ، قال تعالى : و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنّهم كانوا في شكّ مريب
.
« لم يمهدوا في سلامة الأبدان » و في الخبر : إغتنموا خمسا قبل خمس ،
الصحّة قبل السّقم .
.
« و لم يعتبروا في انف الأوان » في ( الصحاح ) : ( انف كلّ شيء أوّله و الأوان الحين )
.
في الخبر : إنّ آدم عليه السلام لمّا أكل من الشجرة المنهيّة ذكر أنّه نهي عنها ،
فذهب لينتحي من الشجرة ، فأخذت الشجرة برأسه فجرّته اليها و قالت له : أفلا كان فرارك منّي قبل أن تأكل منّي
« فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حواني الهرم » في ( الصحاح ) : رجل بضّ أي : رقيق الجلد ممتل
، و الحواني : جمع الحين روى الخطيب عن جعفر البرمكي ، أنّ السّفّاح نظر في المرآة ، و كان من أجمل النّاس وجها فقال : اللّهم إنّي لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك : ( أنا الملك الشابّ ) و لكنّي أقول :
( اللّهم عمّرني طويلا في طاعتك ممتّعا بالعافية ) فما استتمّ كلامه حتّى سمع غلاما يقول لآخر : ( الأجل بيني و بينك شهران و خمسة أيام ) فتطيّر فما مضت الأيام حتّى أخذته الحمّى حتّى مات بعد شهرين و خمسة أيّام توفّي و هو ابن ثلاث و ثلاثين
.
« و أهل غضارة الصحّة إلاّ نوازل السّقم » في ( الصحاح ) : الغضارة : طيب العيش
فإذا لم يبادر في وقت صحّته فأيّ شيء يستطيع وقت ابتلائه بالأسقام .
« و أهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء » الآونة : جمع أوان مثل أزمنة و زمان ،
و في الخبر اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك و حياتك قبل موتك
الخبر و هل تنتظر أن يأتيك : جبرئيل و يقول لك : يأتيك في السّاعة الفلانيّة عزرائيل ؟
« مع قرب الزّيال » في ( الصحاح ) : زايله مزايلة و زيالا إذا فارقه
.
« و أزوف الانتقال » أي : دنوّه .
« و علز القلق » في ( الصحاح ) : مات فلان علزا : أي وجعا قلقا لا ينام
.
« و ألم المضض » في ( الصحاح ) : أمضنّي الجرح إذا وجعك
.
« و غصص الجرض » جرض بريقه أي : ابتلعه على همّ و حزن ، و في ( شعراء القتيبي ) : لقي عبيد بن الأبرص النعمان في يوم بؤسه و كان يقتل كلّ من لقيه ذاك اليوم فقال له : هلاّ كان ذا لغيرك ، أنشدني فربّما أعجبني شعرك قال : ( حال الحريض دون القريض ) قال انشدني : ( اقفر من أهله ملحوب ) فقال :
أقفر من أهله عبيد
|
|
فاليوم لا يبدي و لا يعيد
|
فقتله و لطّخ بدمه الغريّين و كان بناهما على نديميه له
« و تلفّت الاستغاثة » في ( القاموس ) : « لفته ، لوّاه و صرفه عن رأيه و منه الالتفات و التلفّت »
و في ( الجمهرة ) : الأصل في الالتفات ليّ العنق
.
« بنصرة الحفدة و الأقرباء » في ( الصحاح ) الحفدة : الأعوان و الخدم و قيل :
ولد الولد
.
« و الأعزّة و القرناء » من كان لا يفارقه ، و في ( الكافي ) عنه عليه السلام : إنّ
ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا و أوّل يوم من أيّام الآخرة ، مثّل له ماله و ولده و عمله ، فيلتفت الى ماله فيقول له : و اللّه إن كنت عليك حريصا شحيحا فمالي عندك ؟ فيقول : خذ منّي كفنك ، فيلتفت إلى ولده فيقول : و اللّه إنّي كنت لكم محبّا و عنكم محاميا فمالي عندكم ؟ فيقولون نؤدّيك إلى حفرتك ،
نواريك فيها فيلتفت إلى عمله و يقول له : كنت فيك زاهدا و كنت عليّ ثقيلا فمالي عندك ؟ فيقول : أنا قرينك في قبرك و حشرك حتّى اعرض أنا و أنت على ربّك
.
« فهل دفعت الأقارب أو نفعت النّواحب » في ( الصحاح ) : ( النحيب رفع الصوت بالبكاء )
قالوا : احتضر رجل فصاحت ابنته ففتح عينيه ، و هو يكيد بنفسه فقال :
عزاء لا أبا لك إنّ شيئا
|
|
تولّى ليس يرجعه الحنين
|
و في ( المعجم ) : ما رؤي أحد و فّي من الإعظام و الإجلال بعد موته ، ما وفّيه الصاحب ، فانّه لمّا جهّز و وضع في تابوته و اخرج على أكتاف حامليه للصلاة عليه ، قام الناس ، بأجمعهم فقبّلوا الأرض بين يديه ، و خرّقوا ثيابهم و لطموا وجوههم و بلغوا في النحيب عليه جهدهم
.
« و قد غودر في محلّة الأموات » في ( الطبري ) : كسرت الأتراك على قبر محمد بن بغا ألف سيف ) و كذا يفعلون بالسيّد منهم إذا مات
.
« رهينا » لنعم ما قيل بالفارسيّة : ( عاقبت منزل ما وادى خاموشان است ) .
« و في ضيق المضجع وحيدا » قال تعالى : و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
.
« قد هتكت الهوامّ جلدته » في ( الصحاح ) : الهامّة واحدة الهوامّ و لا يقع هذا الاسم إلاّ على المخوف من الأحناش
.
« و أبلت النّواهك جدّته » في ( المصباح ) : بلي الثوب خلق فهو بال و نهكته الحمى هزلته ، و جدّ الشيء صار جديدا
.
« و عفّت العواصف آثاره » يجوز في ( عفّت ) التخفيف و التّشديد و هو هنا متعدّ و يجوز مجيئه لازما ، ففي ( الصحاح ) : عفت الرّيح المنزل ، و عفا المنزل يعفو درسته ، و درس يتعدّى و لا يتعدّى و عفّت الريح الدّار شدّد للمبالغة
.
« و محا الحدثان معالمه » في ( الصحاح ) : المعالم ، الأثر ليستدلّ به على الطريق
.
« و صارت الأجساد شحبة بعد بضّتها » في ( الصحاح ) : شحب جسمه إذا تغيّر
، و مرّ أنّ البضّ : امتلاء الجلد .
« و العظام نخرة بعد قوّتها » نخر العظم بالكسر بلي و تفتّت .
« و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها » قال في ( الصحاح ) : العبء بالكسر الحمل ،
و الجمع الأعباء أنشد أبو زيد :
الحامل العبء الثّقيل عن
|
|
الجاني بغير يد و لا شكر
|
قال تعالى : كلّ نفس بما كسبت رهينة
.
« موقنة بغيب أنبائها » قال متمّم بن نويرة في أخيه مالك :
فلمّا تفرقنا كأنّي و مالكا
|
|
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
|
و في الديوان :
أمرّ على رسم القريب كأنّما
|
|
أمرّ على رسم امرئ ما أناسبه
|
« لا تستزاد من صالح عملها و لا تستعتب من سيّئ زللها » فإنّما الاستزادة و الاستعتاب قبل الموت ، فكلّ يوم ملك ينادي الأحياء : « يا صاحب الخير أتمّ و أبشر ، و يا صاحب الشرّ انزع و أقصر » .
« أو لستم أبناء القوم و الآباء » المراد بالقوم ، المقبورون الموصوفون .
« و اخوانهم و الأقرباء » قال الأمير الميكالي :
و كيف يلذّ طعم العيش نفس
|
|
غدات أترابها تحت التّراب
|
« تحتذون أمثلتهم » في ( الصحاح ) : احتذى مثاله أي : اقتدى به
.
« و تركبون قدّتهم » في ( الصحاح ) : القدّة : الطريقة .
« و تطؤون جادّتهم »
في ( الصحاح ) : الجدد : الأرض الصلبة ، و الجادّة :
معظم الطريق
.
« فالقلوب قاسية عن حظّها لاهية عن رشدها سالكة في غير مضمارها » قال تعالى : و لدينا كتاب ينطق بالحقّ و هم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا و لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون
.
« كأنّ المعنيّ سواها »
و الموت يأتي بعد ذلك كلّه
|
|
و كأنّه يعني بذاك سوانا
|
« و كأنّ الرّشد في إحراز دنياها » فيؤمّنون معاشهم و يخوّفون معادهم مع أنّه يجب أن يقولوا : ( اللّهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا و لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ) و في ( الروضة ) عن جابر الأنصاري : « مرّ بنا النبي صلّى اللّه عليه و آله حين رجع من حجّة الوداع و هو على ناقته و نحن في نادينا فوقف و قال : « ما لي أرى حبّ الدّنيا غلب على كثير من الناس حتّى كأنّ الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب ، و كأنّ الحقّ في هذه الدّنيا على غيرهم وجب ، و حتّى كأنّ لم يسمعوا و يروا الأموات قبلهم ، سبيلهم سبيل قوم سفر عمّا قليل إليهم راجعون يبوّئونهم أجداثهم و يأكلون تراثهم فيظنّون أنّهم مخلّدون بعدهم هيهات هيهات ما يتّعظ آخرهم بأوّلهم لقد جهلوا و نسوا كلّ واعظ في كتاب اللّه و أمنوا شرّ كلّ عاقبة سوء ، و لم يخافوا نزول فادحة و بوائق حادثة
. .
قوله عليه السلام : « أم هذا الّذي أنشأه في ظلمات الأرحام » في الآية السادسة من سورة الزمر يخلقكم في بطون امّهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم اللّه ربّكم له الملك لا إله إلاّ هو فانّى تصرفون
.
« و شغف الاستار » في ( الصحاح ) : « الشغاف : غلاف القلب و هو جلدة دونه
كالحجاب » و المراد بها البطن و الرحم و المشيمة
.
« نطفة دهاقا » قيل : و يروى ( دفاقا ) و هو الأنسب لفظا قال تعالى :
فلينظر الإنسان ممّ خلق خلق من مآء دافق
، و إلاّ فالدّهاق أيضا يأتي بمعناه ، ففي ( الصحاح ) : ( أدهقت الماء أفرغته إفراغا شديدا )
كما يأتي بمعنى الإمتلاء ، كما في قوله تعالى : و كأسا دهاقا
و حيث أنّ المراد نطفة في الرّحم ، فالدّهاق بمعنى الإمتلاء أنسب معنى لأنّ فيه تجتمع نطفة الرّجل و المرأة قال تعالى : إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج .
، و قال عزّ و جلّ :
يخرج من بين الصلب و الترائب
.
« و علقة محاقا » يجوز في ميم المحاق الحركات الثلاث ، و المحق : تلف الشيء و نقصانه كما في ( الجمهرة )
، فإن قيل : إنّ المحق لا يختصّ بالعلقة ،
بل يلحق النطفة قبلها و المضغة بعدها و إنّما لا يلحق العظام ، قال تعالى : و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثمّ جعلناه نطفة في قرار مكين ثمّ خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك اللّه أحسن الخالقين
فلم اقتصر فيه عليها ؟
قلت : لأنّه عليه السلام اقتصر من مراتب التحوّل على النطفة و العلقة و وصف النطفة بالدّهق فبقى المحق للعلقة ، فإن قيل : لم اقتصر عليه السلام عليهما مع تعدّد
التحوّلات حسبما ذكر في تلك الآية ؟
قلت : لأنّه اقتصر بهما على خلق الإنسان في مواضع اخر دون المضغة و ما بعدها ، قال تعالى : خلق من ماء دافق
و قال : من أيّ شيء خلقه من نطفة خلقه .
، خلق الإنسان من علق
.
فإن قيل : لم جعل العاطف في تلك الآية في جعل النطفة في قرارها و في خلقها علقة ( ثمّ ) و في خلق العلقة مضغة و خلق المضغة عظاما و كسوة العظم اللّحم ( الفاء ) مع أنّ المدّة في صيرورة النطفة علقة أربعين يوما كما في كلّ من صيرورة العلقة مضغة و المضغة عظاما و كسوة العظام اللّحم ، و لذا قال القميّ بعد الآية : ستّة أجزاء و ستّ استحالات و في كلّ جزء و استحالة دية محدودة ففي النّطفة عشرون دينارا ، و في العلقة أربعون ، و في المضغة ستّون ، و في العظم ثمانون ، و في كسوته مائة ، فإذا استهلّ فالدية كاملة .
قلت : ليس المراد بجعل النّطفة في قرارها الرّحم بل الصّلب و الترائب ،
و بين النطفة ثمّة و صيرورتها بعد انتقالها في الرحم علقة مدّة متراخية فأتى بثمّ كما أنّ في صيرورة السلالة و هي الخلاصة من الطعام نطفة ، أيضا مدّة متراخية ، أمّا إنشاؤه خلقا آخر ، بمعنى نفخ الرّوح فيه و إن كان بعد كسوة العظام اللحم بلا فصل إلاّ أنّه لما كان من واد اخر أتى أيضا بثمّ .
« و جنينا » الجنين : الولد ما دام في البطن ، و الجمع الأجنّة قال تعالى : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض و إذ أنتم أجنّة في بطون امّهاتكم فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى
.
« و راضعا » قال تعالى : و الوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة و على المولود له رزقهنّ و سكوتهنّ بالمعروف
.
و حمله و فصاله ثلاثون شهرا
و يستفاد من الجمع بين الآيتين أقلّ مدّة الحمل و هو ستّة أشهر إذا أتمّت الرّضاعة حولين و أكثرها و هو تسعة أشهر إذا لم تتمّ و اقتصر على أحد و عشرين شهرا
.
« وليدا و يافعا » في ( فقه لغة الثعالبي ) : « قال ابن الأعرابي : يقال للصبي إذا ولد : رضيع و طفل ثم فطيم ثم دارج ثمّ حفر ثمّ يافع ثم شرخ ثم مطبخ ثم كوكب ( أيضا ) ما دام في الرحم فهو جنين و إذا ولد فهو وليد و ما دام لم يستتمّ سبعة أيّام فهو صديغ لأنّه لا يشتدّ صدغه إلى تمام السبّعة و ما دام يرضع فهو رضيع ثم إذا قطع عنه اللّبن فهو فطيم ثمّ إذا غلظ و ذهبت عنه فزارة الرّضاع فهو جحوش » و المفهوم منه أنّ الوليد في أوّل التولّد مع أنّ كلامه عليه السلام دال على أنّه بعد الرّضاع
.
« ثمّ منحه قلبا حافظا » أي : أعطاه .
« و لسانا لافظا » هكذا في ( المصرية )
، و فيها سقط فزاد ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية )
بعده .
« و بصرا لاحظا » قال تعالى : ألم نجعل له عينين و لسانا و شفتين
و هديناه النجدين
.
« ليفهم معتبرا » قال تعالى : يقلّب اللّه الليل و النّهار إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
، و اللّه أخرجكم من بطون امّهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلّكم تشكرون
.
« و يقصر مزدجرا » في ( الصحاح ) : « أقصرت عنه : كففت و نزعت مع القدرة ، و الزّجر : المنع و النّهي ، يقال زجره و ازدرجه فانزجر و ازدجر »
و لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر
.
« حتّى إذا قام اعتداله و استوى مثاله » ورد في ( الصحاح ) : استوى الرّجل إذا انتهى شبابه
.
« نفر مستكبرا » في ( الصحاح ) : نفار الشيء من الشيء : تجافيه عنه و تباعده منه
.
« و خبط سادرا » في ( الصحاح ) : « خبط البعير الأرض بيده : ضربها ، و منه قيل : ( خبط عشواء ) و هي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقّى شيئا
، و السادر : المتجبّر و الذي لا يبالي ما صنع في الخبر في تفسير قوله تعالى : أو لم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر
إنّه توبيخ لابن ثماني عشر
سنة
، و قال تعالى : أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين و ضرب لنا مثلا و نسي خلقه قال من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة و هو بكلّ خلق عليم
، و كان الإنسان كفورا
.
« ماتحا فى غرب هواه » المتح : الاستقاء ، و الغرب بالتّحريك : الّدلو العظيمة قال تعالى : أفرأيت من اتّخذ الهه هواه
.
« كادحا سعيا لدنياه » في ( الصحاح ) : الكدح : العمل و السعي و الخدش و الكسب يقال : هو يكدح في كذا ، أي : يكدّ
.
« في لذّات طربه » قال تعالى و كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلاّ قليلاً و كنّا نحن الوارثين
.
و في ( الأغاني ) : قيل لأبي طمحان القيني ، و كان فاسقا : ما أدنى ذنوبك ؟
قال : ليلة الدّير نزلت بديرانيّة فأكلت عندها طفيشلا بلحم خنزير و شربت من خمرها و زنيت بها و سرقت كساها ثمّ انصرفت عنها و الطفيشل : نوع من المرق
.
و فيه : اجتمع يحيى بن زياد و مطيع بن اياس و جمع ، فشربوا أيّاما تباعا ،
فقال لهم يحيى ليلة و هم سكارى : ويحكم ما صلّينا منذ ثلاثة أيّام ، فقوموا بنا
حتّى نصلّي ، فقالوا : نعم ، فقام مطيع فأذّن و أقام ، ثمّ قال : من يتقدّم ؟ فتدافعوا ذلك ، فقال مطيع للمغنيّة : تقدّمي فصلّي بنا فتقدّمت تصلّي بهم ، عليها غلالة رقيقة مطيّبة بلا سراويل ، فلمّا سجدت بان هنها ، فوثب مطيع و هي ساجدة ،
فكشف عنه و قبّله ، فقطعوا صلاتهم و ضحكوا و عادوا إلى مشربهم
« و بدوات أربه » في ( الصحاح ) : « بدا له بداء ، أي : نشأ له فيه رأي ، و هو ذو بدوات »
و الأرب : الحاجة قال أبو الطّمحان :
الا علّلاني قبل نوح النّوائح
|
|
و قبل نشوز النفس بين الجوانح
|
و قبل غد يالهف نفسي على غد
|
|
إذا راح أصحابي و لست برائح
|
« لا يحتسب رزيّة » الأصل في الرزيّة الهمز ، قال الجوهري : المرزئة :
المصيبة و كذلك الرزيئة ، و الجمع الرزايا
، قال تعالى : و بدالهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون
.
« و لا يخشع تقيّة » ألم يأن للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه و ما نزل من الحقّ و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثير منهم فاسقون
.
« فمات في فتنته » أي : مفتونيّته ، و عكسه قالوا في بأيّكم المفتون
المفتون بمعنى الفتنة .
« غريرا » أي : مغرورا غافلا .
|
|
« و عاش في هفوته » أي : زلّته .
|
« يسيرا » جعله ( الخوئي ) ظرف زمان ، أي : زمانا يسيرا ، و الأقرب كونه مصدرا أي : عاش عيشا يسيرا .
« لم يفد عوضا » من حياته التي سلبت منه .
« و لم يقض مفترضا » ممّا فرضه خالقه عليه ، و الأصل فيه قوله تعالى :
قتل الإنسان ما أكفره من أيّ شيء خلقه من نطفة خلقه فقدّره ثمّ السبيل يسّره ثم أماته فأقبره ثمّ إذا شاء أنشره كلاّ لمّا يقض ما أمره
.
« دهمته المنيّة » أي : فاجأه الموت .
« في غبرّ جماحه » في ( الجمهرة ) : غبر كلّ شيء باقيه و كذلك غبّره و الجموح من الرّجال : الذي يركب هواه فلا يمكن ردّه
قال الشاعر :
خلعت عذاري جامحا ما يردّني
|
|
عن البيض أمثال الدّمى زجر زاجر
|
« و سنن مراحه » في ( الصحاح ) : امض على سننك و سننك أي : على وجهك ، و المرح شدّة الفرح و النشاط و الاسم المراح بكسر الميم
.
« فظلّ سادرا » أي : يمضي نهاره بالتحيّر .
« و بات ساهرا » أي : يقضي ليله بعدم النوم .
« في غمرات الآلام » أي : شدائد الأوجاع .
« و طوارق الأوجاع و الأسقام » في ( الصحاح ) : أتى فلان طروقا أي : بليل
.
« بين أخ شقيق » في ( الصحاح ) : إذا انشقّ الشيء بنصفين فكلّ نصف شقيق الآخر و منه قيل ( فلان شقيق فلان ) أي : أخوه
.
« و والد شفيق » أي : عطوف في ( الأغاني ) مات ابن لإرطأة بن سهية فجزع عليه حتّى كاد عقله يذهب ، فأقام على قبره ، و ضرب بيته عنده لا يفارقه حولا و قال :
هل أنت ابن سلمى إن نظرتك رائح
|
|
مع الرّكب أو غاد غداة معي
|
و عن أبي عبيدة ، أنّ ارطأة كان يجيء الى قبر ابنه عشيّا فيقول : هل أنت رائح معي يا ابن سلمى ؟ ثمّ ينصرف ، فيغدو عليه ، و يقول له مثل ذلك حولا ، ثمّ تمثّل قول لبيد :
الى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما
|
|
و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر
.
|
« و داعية بالويل جزعا » من امّه و اخته .
« و لادمة للصدر قلقا » من امرأته و ابنته ، و في ( الصحاح ) : « لدمت المرأة وجهها ، ضربته و التدام النّساء ضربهنّ صدورهنّ في النّياحة و امّ ملدم ، كنية الحمّى »
.
« و المرء في سكرة ملهية » عن امّه و أبيه و امرأته و بنيه ، و في رواية ( ملهثة ) و هو أقرب لفظا الى قوله بعد ( كارثة ) ، و الملهثة ، المعطشة .
« و غمرة كارثة » أي : شدّة بالغة النّهاية قال تعالى : و لو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون
عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ و كنتم عن آياته تستكبرون
و قوله : ( كارثة ) يردّ قول الأصمعي « لا يقال كرثه بل أكرثه و كذلك يردّه قول رؤبة ( و قد يجلي الكرب الكوارث ) .
« و أنّة موجعة » للعوّاد ، قال ذو الرّمّة : ( كما أنّ المريض الى عوّاده الوصب )
.
« و جذبة مكربة » قال ابن ميثم أي : جذب الملائكة للروح و تلك الجذبة تعود الى ما يجده الميّت حال النزع و هو عبارة عن ألم ينزل بنفس الروح فيستغرق جميع أجزائه المنتشرة في جميع أعماق البدن من كلّ عرق و عصب و جزء ، و من أصل كلّ شعرة و بشرة ، و لا تسألنّ عن بدن يجذب منه كلّ عرق من عروقه و قد يمثّل ذلك بشجرة شوك ادخلت في البدن ثم جذبت منه فهي الجذبة المكربة
.
« و سوقة متعبة » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : إنّ الميت إذا حضره الموت أوثقه ملك الموت و لو لا ذلك ما استقرّ
و عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى : و قيل من راق
: إنّ ابن آدم إذا حلّ به الموت قال هل من طبيب ، و ظنّ انّه الفراق
و أيقن بمفارقة الأحباب و التفّت الساق بالسّاق
إلتفّت الدّنيا بالآخرة ثم إلى ربّك يومئذ المساق
المصير إلى ربّ العالمين
.
« ثمّ ادرج في أكفانه مبلسا » يقال : أبلس فلان ، إذا سكت غمّا .
« و جذب منقادا سلسا » في ( الطبري ) لمّا دخل المنصور آخر منزل نزله من طريق مكة ، نظر في صدر البيت الّذي نزل فيه فإذا مكتوب فيه :
أبا جعفر حانت و فاتك و انقضت
|
|
سنوك و أمر اللّه لابدّ واقع
|
أبا جعفر هل كاهن أو منجّم
|
|
لك اليوم من حرّ المنية مانع
|
فدعا بالمتولّي لإصلاح المنازل فقال له : ألم آمرك ألاّ يدخل المنزل أحد من الدّعار قال : و اللّه ما دخله أحد منذ فرغ منه فقال ، إقرأ ما على صدر البيت مكتوبا ، قال : ما أرى شيئا فدعا برئيس الحجبة فقال : إقرأ ما على صدر البيت ،
قال : ما أرى شيئا فالتفت إلى حاجبه فقال : إقرأ لي آية من كتاب اللّه فتلا :
و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون
فأمر بفكيّه فوجئا ، و قال له ما وجدت شيئا تقرأه غير هذه الآية ؟ فأمر بالرّحيل عن ذلك المنزل تطيّرا و ركب فرسا فلمّا كان في الوادي الّذي يقال له سقر و كان آخر منزل بطريق مكّة كبا به الفرس فدقّ ظهره و مات فدفن ببئر ميمون قال الرّبيع لما قضى المنصور ، أمرت بالخيم فضربت و بالفساطيط فهيّئت ، و عمدت إلى المنصور فألبسته الطويلة و الدّرّاعة و سندته و ألقيت في وجهه كلّة رقيقة يرى منها شخصه و لا يفهم أمره و أدنيت أهله من الكلّة ، حيث لا يعلم بخبره و يرى شخصه ، فوقفت بالموضع الذي أو همتهم أنّه يخاطبني ثمّ خرجت فقلت : إنّ الخليفة مفيق و يقول أحبّ أن تجدّدوا بيعة المهدي فلم يبق أحد إلاّ بايع ثمّ دخلت و خرجت مشقوق الجيب لاطما رأسي ، فقال بعض من حضر ويلي
عليك ابن شاة يريد الربيع لأنّ أمّه ماتت في رضاعه فارضعته شاة فبلغ المهدي ما فعلت ، فقال : يا عبد ألم يمنعك جلالة الخليفة أن فعلت ما فعلت به .
قال محمّد النوفلي دخلنا و هو على سريره في أكفانه مكشوف الوجه فحملناه حتّى أتينا به مكّة ثلاثة أميال فكأنّي أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله فتحرّكت الرّيح فتطير شعر صدغيه و ذلك أنّه قد و فّر شعره للحلق حتى أتينا به حفرته
.
« ثم ألقي على الأعواد » المراد بالأعواد : الجنازة ، و في ( الجمهرة ) : ( و ذو الأعواد رجل من العرب كان قد أسنّ و هو الذي قرعت له العصا و كانت العرب تتحاكم إليه و كان يحمل في محفّة فسمّي ذا الأعواد لذلك ، و صار مثلا ، قال الأسود بن يعفر :
و لقد علمت خلاف ما نبّأتني
انّ السبيل سبيل ذي الأعواد
« رجيع وصب » في ( الصحاح ) : الرجيع من الدّوابّ ما رجعته من سفر إلى سفر و هو الكالّ و الانثى الرجيعة و الجمع الرجائع ، و الوصب : المرض
.
« و نضو سقم » في ( الصحاح ) : النضو بالكسر : البعير المهزول و الجمع أنضاء
.
« تحمله حفدة الولدان » في ( الصحاح ) : الحفدة : الأعوان و الخدم و قيل ولد الولد
.
« و حشدة الإخوان » في ( الصحاح ) : رجل محشود ، إذا كان الناس
يستخفّون لخدمته لأنّه مطاع فيهم
.
« إلى دار غربته » في دعاء أبي حمزة : و ارحم في ذلك البيت الجديد غربتي
.
« و منقطع زورته » ( منقطع ) اسم المكان ، و الزوّرة : مصدر زاره ، كالزّيارة ،
و في ذلك الدّعاء وجد عليّ منقولا قد نزلت بك وحيدا في حفرتي
.
« حتى إذا انصرف المشيّع » لجنازته .
« و رجع المفجّع » هكذا في ( المصرية )
، و نقله ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخوئي ) ( المتفجّع )
و هو الصحيح ، فالمفجّع : الموت و إنّما من يتوجّع للميّت هو المتفجّع و لا يصحّ إطلاق المفجّع عليه بدون التاء إلاّ مع تشديد الفاء بأن يكون معلّل المتفجّع و في ( فهرست النجاشي ) في محمد بن أحمد بن عبد اللّه البصري الشاعر ، و له شعر كثير في أهل البيت عليهم السلام يذكر فيه أسماء الأئمة عليهم السلام و يتفجّع على قتلهم حتى سمّي المفّجّع
و قد قال في بعض شعره :
إن يكن قيل لي المفّجّع نبزا
|
|
فلعمري أنا المفّجّع همّا
|
« اقعد في حفرته نجيّا » في ( الصحاح ) : النجيّ على فعيل : الّذي تسارّه لبهتة السّؤال في ( المصباح ) : ( بهت بالضمّ و الكسر دهش و تحيّر و بهته بالفتح
يبهته بالفتح فبهت
( بالبناء للمفعول )
و بهتة السّؤال ، من إضافة الصّفة أي :
لسؤال باهت .
« و عثرة الامتحان » و العثرة : الزلّة و في ( مسألة قبر الكافي ) عن الصادق عليه السلام : يجيء الملكان حين يدفن ، أصواتهما كالرّعد القاصف و أبصارهما كالبرق الخاطف يخطّان الأرض بأنيابهما و يطآن في شعورهما و يسألان الميّت ، من ربّك ؟ و ما دينك ؟ فإذا كان مؤمنا قال : اللّه ربّي إلى أن قال فيقولان له : نم نومة لا حلم فيها و يفسح له في قبره تسعة أذرع و يفتح له باب إلى الجنّة و يرى مقعده فيها ، و إذا كان الرّجل كافرا دخلا عليه و اقيم الشيطان بين يديه ، عيناه من نحاس فيقولان له : من ربّك ؟ و ما دينك ؟ و ما تقول في هذا الرّجل الّذي بين ظهرانيكم ؟ فيقول : لا أدري فيخلّيان بينه و بين الشيطان فيسلّط عليه في قبره تسعة و تسعين تنينا لو أنّ واحدا منها نفخ في الأرض ما أنتببت شجرا أبدا و يفتح له باب إلى النّار و يرى مقعده فيها
.
و عنه عليه السلام : إنّ المؤمن إذا اخرج من بيته شيّعته الملائكة إلى قبره ، يزدحمون عليه ، و تقول له الأرض : مرحبا بك و أهلا أما و اللّه ، لقد كنت أحبّ أن يمشي عليّ مثلك ، لترينّ ما أصنع بك ، فيوسع له مدّ بصره ، و يدخل عليه في قبره ملكا القبر إلى أن قال فيقولان و من إمامك ؟ فيقول فلان فينادي مناد من السماء صدق عبدي أفرشوا له من الجنّة ، و افتحوا له بابا الى الجنّة و ألبسوه من ثياب الجنّة حتّى يأتينا و ما عندنا خير له ، ثمّ يقال له : نم نومة العروس ، و إن كان كافرا تلعنه الملائكة الى قبره ، و تقول له الأرض : لا مرحبا بك و لا أهلا ، أما
و اللّه ، لقد كنت أبغض أن يمشي عليّ مثلك لا جرم لترينّ ما أصنع بك اليوم فتضيّق عليه حتى تلتقي جوانحه ثم يدخل عليه ملكا القبر فيقعدانه و يلقيان فيه الروح الى حقويه ، فيقولان له من ربّك ؟ إلى أن قال و يسلّط اللّه عليه في قبره الحيّات تنهشه نهشا و الشّيطان يغمّه غمّا و يسمع عذابه من خلق اللّه إلاّ الجنّ و الإنس و إنّه ليسمع خفق نعالهم و نفض أيديهم
و هو قوله تعالى :
يثبّت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و يضلّ اللّه الظالمين و يفعل اللّه ما يشاء
هذا و قال ابن أبي الحديد في قوله عليه السلام : « اقعد في حفرته نجيّا » تصريح بعذاب القبر و قال قاضي القضاة : أنكر المعتزلة أن يكون عذاب القبر دائما ، و الأقرب في الأخبار أنّه في الأوقات المقارنة للدّفن ،
و الذي أعرفه من مذهب كثير من شيوخنا قبله أنّه يكون بين النفختين
، قلت لنا أمران : سؤال ، و عذاب و ثواب ، فالسؤال إنّما يكون بعد الدفن ، و يدلّ عليه كلامه عليه السلام هنا « حتى إذا انصرف المشيّع و رجع المفّجّع اقعد في حفرته نجيّا » و أمّا الثواب و العقاب فيدومان من الدفن الى يوم البعث ففي خبر أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام قال : فما يزال يتحفه من روحها إلى يوم القيامة ،
و يفتح للكافر باب من النار و لا يزال يتحفه من حرّها إلى يوم القيامة ، و أخبارنا دالّة على أنّ السؤال مختصّ بالمؤمن المحض ، و الكافر المحض و الباقون يهملون إلى يوم القيامة ، روى ذلك الكافي في خبر عن أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام و في آخر عن الصادق عليه السلام ، و في خبر عن بكير عن الباقر عليه السلام ،
و في خبر عن محمّد بن مسلم ، و في آخر عن عبد اللّه بن سنان عن
الصادق عليه السلام : فلا بدّ من تقييد المطلقات
، روى ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام قال : يسأل الميّت في قبره عن خمس ، عن صلاته و زكاته و حجّه و صيامه و ولايته أهل البيت ، فتقول الولاية من جانب القبر للأربع ما دخل فيكنّ من نقص فعليّ تمامه
و عنه عليه السلام أنّ المؤمن إذا دخل في قبره كانت الصلاة عن يمينه و الزكاة عن يساره و البرّ مظلّ عليه و يتنحّى الصبر ناحية فإذا دخل عليه الملكان قال الصبر للصلاة و الزكاة دونكما صاحبكما فإن عجزتما عنه فأنا دونه ، هذا و ورد عذاب غير مترتب على السؤال و هو الضغطة
ففي ( الكافي ) عن أحدهما عليه السلام لمّا ماتت رقيّة بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : إلحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون و أصحابه ، و فاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يتلقّاه بثوبه و قال : إنّي لأعرف ضعفها و سألت اللّه تعالى أن يجيرها من ضمّة القبر
، و عن الصادق عليه السلام قال : ما أقلّ من يفلت من ضغطة القبر إنّ رقيّة لمّا قتلها عثمان وقف النبي صلّى اللّه عليه و آله على قبرها فرفع رأسه إلى السماء فدمعت عيناه و قال للناس ذكرت هذه و ما لقيت ، و رققت لها و استوهبتها من ضمّة القبر
، و روى أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله خرج في جنازة سعد بن معاذ و قد شيّعه سبعون ألف ملك فرفع النبي صلّى اللّه عليه و آله رأسه إلى السماء ثم قال :
مثل سعد يضمّ قيل : أيستخفّ بالبول ؟ قال : معاذ اللّه إنّما كان في زعارة من خلقه على أهله ، و عنه عليه السلام : سئل هل يعذّب المصلوب عذاب القبر ، فقال عليه السلام :
إنّ اللّه يأمر الهواء أن يضغطه ضغطة أشدّ من عذاب القبر ، إنّ ربّ الأرض هو
ربّ الهواء
، و في اعتقادات الصدوق و أكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة و سوء الخلق و الاستخفاف بالبول و أشدّ ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين أو شرطة حجام و يكون ذلك كفّارة لما بقي عليه من الذنوب التي لم تكفّرها الهموم و الغموم و الأمراض و شدّة النزع عند الموت ، فإن النبي صلّى اللّه عليه و آله كفّن فاطمة بنت أسد في قميصه و حمل جنازتها على عاتقه و لم يزل تحت جنازتها حتّى أوردها قبرها و اضطجع فيه ، ثم قام فأخذها على يديه حتّى وضعها في القبر ، ثم انكبّ عليها يناجيها طويلا و يقول لها : ابنك ابنك ثمّ خرج و سوّى التراب عليها ثم انكبّ على قبرها و هو يقول : ( لا إله إلاّ اللّه اللّهم إنّي استودعها إيّاك ) فقال له المسلمون : رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل ، فقال : اليوم فقدت برّ أبي طالب إن كانت ليكون عندها شيء فتؤثرني به على نفسها و ولدها و إنّي ذكرت يوم القيامة و حشر الناس عراة فقالت :
و اسوأتاه فضمنت لها أن يبعثها اللّه كاسية و ذكرت ضغطة القبر فقالت :
و اضغطتاه فضمنت لها أن يكفيها اللّه ذلك فكفّنتها بقميصي و اضطجعت في قبرها لذلك و انكببت عليها فلقّنتها ما تسأل عنه ، و إنّها سئلت عن ربّها فأجابت ،
و عن نبيّها فأجابت ، و عن إمامها فارتجّ عليها فقلت : ابنك ابنك فقالت : ولدي إمامي فانصرفا عنها و قالا : لا سبيل لنا عليك نومي كما تنام العروس في خدرها ثمّ ماتت موتة ثانية ، و تصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى : قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين و أحييتنا اثنتين .
.
« و أعظم ما هنالك بليّة نزول » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( نزل ) كما
في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
و أيضا الحميم ليس مكانا ينزل بل شراب أهل العذاب .
« الحميم و تصلية الجحيم » في ( اعتقادات الصدوق ) ( اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ فمن أجاب بالصواب فاز بروح و ريحان في قبره و بجنّة نعيم في الآخرة ، و من لم يجب بالصواب فله نزل من حميم في قبره و تصلية جحيم في الآخرة
.
« و فورات السّعير » في ( الصحاح ) : ( فارت القدر تفور فورا و فورانا :
جاشت ) و منه قولهم : ( ذهبت في حاجة ثمّ أتيت من فوري ) أي : من قبل أن أسكن ، و فورة الحرّ : شدّته و السعير : النار )
و للذين كفروا بربّهم عذاب جهنّم و بئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا و هي تفور تكاد تميّز من الغيظ كلّما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا و قلنا ما نزّل اللّه من شيء إن أنتم إلاّ في ضلال كبير و قالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير
.
« و سورات الزّفير » في الصحاح : ( سورة الشّراب : و ثوبه في الرأس ،
و سورة السلطان : سطوته و اعتداؤه )
، قال تعالى : و أعتدنا لمن كذّب بالسّاعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظا و زفيرا و إذا ألقوا منها مكانا ضيّقا مقرّنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا
و ادعوا ثبورا كثيرا
لكن فقرة « و سورات الزّفير » تفرّدت بها ( المصرية ) و ليست في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« لا فترة مريحة » الفترة : الإنكسار و الضعف يقال : فتر الحرّ ، و يقال أراحه اللّه فاستراح ، في سورة الزخرف : إنّ المجرمين في عذاب جهنّم خالدون لا يفتّر عنهم و هم فيه مبلسون ، و ما ظلمناهم و لكن كانوا هم الظالمين
.
« و لا دعة مزيحة » في ( الصحاح ) الدّعة : الخفض ، و الهاء عوض من الواو تقول منه ودع الرّجل بالضم فهو وديع أي : ساكن ، و رجل متّدع : صاحب دعة و راحة ، و زاح الشيء : بعد و ذهب و أزاحه غيره
.
« و لا قوّة حاجزة » أي : مانعة ، قال تعالى : يوم تبلى السرائر ، فماله من قوّة و لا ناصر
.
« و لا موتة ناجزة » في ( الصحاح ) : نجز الشيء بالكسر أي : انقضى و فنى ،
و النّاجز : الحاضر ، يقال : بعته ناجزا بناجز كقولك : يدا بيد
. قال تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا
و نادوا يا مالك ليقض علينا ربّك قال إنّكم ماكثون
.
« و لا سنة مسلية » في الصحاح : الوسن : النّعاس ، و السّنة مثله ، و سلاّني
من همّ تسلية و أسلاني أي : كشفه
، قال تعالى : و لا يخفّف عنهم من عذابها كذلك نجزي كلّ كفور ، و هم يصطرخون فيها ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الّذي كنّا نعمل أو لم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكر و جاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير
.
« بين أطوار الموتات » و يتجنّبها الأشقى الّذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها و لا يحيا
و لما ألبس امرؤ القيس حلّة مسمومة و أشرف على الموت ، قال :
فلو أنّها نفس تموت جميعة
|
|
و لكنّها نفس تساقط أنفسا
|
« و عذاب السّاعات » أي : ساعة بعد ساعة بلا انقطاع .
« إنّا باللّه عائذون » قال تعالى و الّذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراما إنّها ساءت مستقرّا و مقاما
.
« عباد اللّه أين الذين عمّروا فنعموا » قال تعالى ، في حقّ آل فرعون : كم تركوا من جنّات و عيون ، و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء و الأرض و ما كانوا منظرين
و في ديوان الأعشى :
ألم تروا إرما و عادا
|
|
أودى بها الليل و النهار
|
بادوا فلمّا ان تادوا
|
|
قفّى على آثارهم قدار
|
و قبلهم غالت المنايا
|
|
طسما و لم ينجها الحذار
|
و حلّ بالحي من جديس
|
|
يوم من الشرّ مستطار
|
و أهل غمدان جمعوا
|
|
للدّهر ما يجمع الخيار
|
فصبّحتهم من الدواهي
|
|
جائحة عقبها الدّمار
|
و قد غنوا في ظلال ملك
|
|
مؤيّد عقلهم جفار
|
و أهل جوّ أتت عليهم
|
|
فأفسدت عيشهم فباروا
|
و مرّ حدّ على وبار
|
|
فهلكت جهرة و بار
|
« و علّموا ففهموا » هكذا في جميع النسخ ، و لابدّ من كونه تصحيفا لأنّه عليه السلام في مقام الذّم و لا يبعد كون ( ففهموا ) محرّف ، ( فوهموا ) قال تعالى :
و أمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمي على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون
.
« و أنظروا فلهوا » ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلاّ استمعوه و هم يلعبون ، لاهية قلوبهم
، لا يؤمنون به حتّى يروا العذاب الأليم ،
فيأتيهم بغتة و هم لا يشعرون ، فيقولوا هل نحن منظرون
، الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ، كلاّ سوف تعلمون ، ثمّ كلاّ سوف تعلمون
.
« و سلموا فنسوا » و لا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون
.
« امهلوا طويلا » في ( الخصال ) عن الصادق عليه السلام : انّ اللّه تعالى أهبط ملكا إلى الأرض فلبث فيها دهرا طويلا ثمّ عرّج إلى السماء فقيل له ما رأيت فقال :
عجائب و أعجب ما رأيت عبدا متقلبا في نعمتك يأكل رزقك و يدّعي الربوبيّة فعجبت من جرأته عليك و من حلمك عنه قال تعالى له : من حلمي عجبت ؟ قد أمهلته أربعمائة سنة لا يضرب عليه عرق و لا يريد من الدّنيا شيئا إلاّ ناله و لا يتغيّر عليه فيها مطعم و لا مشرب
و قال تعالى : فمهّل الكافرين أمهلهم رويدا
، و ذرني و المكذّبين أولي النعمة و مهّلهم قليلا إنّ لدينا أنكالا و جحيما و طعاما ذا غصّة و عذابا أليما
.
« و منحوا جميلا » أي : اعطوا ، و قال تعالى في قارون : و آتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوّة .
و في الوليد بن المغيرة : ذرني و من خلقت وحيدا و جعلت له مالا ممدودا و بنين شهودا و مهّدت له تمهيدا
، و في القرون الماضية : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن مكّنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم و أرسلنا السماء عليهم مدرارا و جعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم و أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين
.
« و حذّروا أليما » أي : عذابا اليما ، و الأليم بمعنى المؤلم كما يأتي السميع بمعنى المسمع ، و قال تعالى : و إن من امّةٍ إلاّ خلا فيها نذير
، و قال الّذين
في النار لخزنة جهنّم ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يوما من العذاب قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات قالوا بلى قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال
، و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنّي لكم نذير مبين ألاّ تعبدوا إلاّ اللّه إنّي أخاف عليكم عذاب يوم أليم
.
« و وعدوا جسيما » أي : ثوابا جسيما ، قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون في ما قال لقومه : و من عمل صالحا من ذكر أو انثى و هو مؤمن فأولئك يدخلون الجنّة يرزقون فيها بغير حساب
.
« احذروا الذنوب المورّطة » أورطه و ورّطه : أوقعه في الورطه أي : الهلاك ،
و قال تعالى : كدأب آل فرعون و الّذين من قبلهم كفروا بآيات اللّه فأخذهم اللّه بذنوبهم إنّ اللّه قويّ شديد العقاب
و لقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر
، و لمّا جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنّا مهلكوا أهل هذه القرية إنّ أهلها كانوا ظالمين قال إنّ فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجّينّه و أهله إلاّ امرأته كانت من الغابرين و لمّا أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم و ضاق بهم ذرعا و قالوا لا تخف و لا تحزن إنّا منجوّك و أهلك إلاّ امرأتك كانت من الغابرين إنّا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون
.
« و العيوب المسخطة » فكيف إذا توفّتهم الملائكة يضربون وجوههم
و أدبارهم ذلك بأنّهم اتّبعوا ما أسخط اللّه و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم
، لعن الّذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . .
لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ان سخط اللّه عليهم و في العذاب هم خالدون و لو كانوا يؤمنون باللّه و النبيّ و ما انزل إليه ما اتخذوهم أولياء و لكنّ كثيرا منهم فاسقون
.
« أولي الأبصار و الأسماع و العافية و المتاع » قال ابن ميثم : خصّ أولي المتاع ، لأنّ أهل الاستمتاع بالدّنيا هم المجذوبون عنها من جهة اشتغالهم بمتاعها عن سلوك سبيل اللّه .
قلت : بل خصّهم لأنّهم بالمتاع يتمكّنون من الإنفاق في سبيل اللّه حتّى يستحقّوا الدرجات الرفيعة
قال تعالى : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفا و طمعا و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون
فكما أنّ كونهم أولي الأبصار و الأسماع و العافية أنسب بتوجّههم لتحصيل الآخرة كذلك كونهم أولي المتاع ، فإنّ الكلّ على مساق واحد و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ( الخوئي ) أيضا خصّ أولي المتاع بما منّ به عليهم من المتاع و الأولاد الموجبة للإعراض عن العقبى و الرغبة إلى الدّنيا
. فإنّه و إن كانت علائق الدنيا من المال و الولد
موجبة لنسيان الآخرة ، كما قال تعالى : إنّما أموالكم و أولادكم فتنة
إلاّ أنّه في مقام آخر ، و حينئذ فكلامه عليه السلام هنا نظير ما ورد : ( اغتنموا خمسا قبل خمس : و عدّ منها الغنى قبل الفقر ) .
« هل من مناص أو خلاص » في ( الصحاح ) : ( ناص عن قرنه ينوص نوصا و مناصا أي : فرّ و راغ
قال تعالى : و لآت حين مناص
أي : ليس وقت تأخّر و فرار ، و المناص أيضا الملجأ و المفرّ .
« أو معاذ أو ملاذ » اسما مكان من ( عاذ يعوذ ) و ( لاذيلوذ ) .
« أو فرار أو محار » المحار : المرجع ، قال تعالى : فإذا برق البصر و خسف القمر و جمع الشمس و القمر يقول الإنسان يومئذ أين المفرّ كلاّ لا وزر إلى ربّك يومئذ المستقرّ ينبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم و أخّر
قال ابن أبي الحديد : قال الجاحظ قال ثمامة : سمعت جعفر بن يحيى يقول : ( الكتابة ضمّ اللفظة إلى أختها ، ألم تسمعوا إلى قول شاعر لشاعر و قد تفاخرا : أنا أشعر منك ، لأنّي أقول البيت و أخاه ، و أنت تقول البيت و ابن عمّه
و ناهيك حسنا قول عليّ عليه السلام : ( هل من مناص أو خلاص أو معاذ أو ملاذ أو فرار أو محار ) .
« أم لا ؟ » ليس في ( ابن أبي الحديد ) و لكنّه في ( ابن ميثم و الخوئي المصرية )
و كيف كان قال تعالى : يبصرونهم يودّ المجرم لو يفتدي
من عذاب يومئذ ببنيه و صاحبته و أخيه و فصيلته التي تؤويه و من في الأرض جميعا ثم ينجيه كلاّ انّها لظى نزّاعة للشّوى تدعو من أدبر و تولّى و جمع فأوعى
.
« فانّى تؤفكون » في ( الصحاح ) : الأفك بالفتح مصدر أفكه يأفكه أي : قلبه و صرفه و منه قوله تعالى قالوا أجئتنا لتأفكنا عمّا وجدنا عليه آباءنا
و قال عروة بن اذينة : إن تك عن أحسن الصنيعة مأفوكا ففي آخرين قد افكوا ،
أي : إن لم توفّق لإحسان فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك ، و قال أبو زيد :
المأفوك المأفون : و هو الضعيف العقل و الرّأي ، و قوله تعالى : يؤفك عنه من أفك قال مجاهد : أي : يؤفن عنه من أفن
قال تعالى : اللّه يبدأ الخلق ثمّ يعيده فانّى تؤفكون ٤ ، اللّه الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه و النهار مبصرا انّ اللّه لذو فضل على النّاس و لكن أكثر الناس لا يشكرون
، ذلكم اللّه ربّكم خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو فانّى تؤفكون كذلك يؤفك الّذين كانوا بآيات اللّه يجحدون
، يا أيّها الناس اذكروا نعمة اللّه عليكم هل من خالق غير اللّه يرزقكم من السماء و الأرض لا إله إلاّ هو فأنّى تؤفكون
، و لئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ اللّه فانّى يؤفكون
.
« أم أين تصرفون » ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات اللّه انّى يصرفون
.
« أم بماذا تغترّون » يا أيّها الناس إنّ وعد اللّه حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا و لا يغرّنّكم باللّه الغرور
، يا أيّها الناس اتقوا ربّكم و اخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا إنّ وعد اللّه حقّ فلا تغرنّكم الحياة الدنيا و لا يغرنّكم باللّه الغرور
، اعلموا انّما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتراه مصفرا ثمّ يكون حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من اللّه و رضوان و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
كلّ نفس ذائقة الموت و إنّما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار و ادخل الجنّة فقد فاز و ما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور
.
« و إنّما حظّ أحدكم من الأرض ذات الطول و العرض قيد قدّه » في ( الصحاح ) :
( تقول : بينهما قيد رمح بالكسر و قاد رمح ، أي : قدر رمح
، قال تعالى :
و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم
قال المسعودي : بنى الزبير داره بالبصرة و هي المعروفة في هذا الوقت و هو سنة ( ٣٣٢ ) تنزلها التجّار و أرباب الأموال و أصحاب الجهات من البحرين و غيرهم ، و ابتنى أيضا دورا
بمصر و الكوفة و الإسكندرية ، و بلغ ماله بعد وفاته خمسين ألف دينار و خلّف ألف فرس و ألف عبد و ألف أمة و خططا بحيث ذكرنا من الأمصار و كذلك طلحة ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت بدار الطلحيين و كان غلّته من العراق كلّ يوم ألف دينار ، و قيل : أكثر ، و بناحية سراة أكثر ، و شيّد داره بالمدينة و بناها بالآجر و الجصّ و السّاج و كذلك عبد الرحمن بن عوف ، ابتنى داره و وسّعها ، و كان على مربطه مائة فرس و له ألف بعير و عشرة آلاف من الغنم و بلغ بعده ربع ثمن ماله أربعة و ثمانين ألفا و ذكر سعيد ابن المسيب أنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهب و الفضّة ما كان يكسر بالفؤوس ، غير ما خلّف من الأموال و الضياع بقيمة مائة ألف دينار ، و خلّف يعلى بن امية خمسمائة ألف دينار و ديونا على النّاس و عقارات و غير ذلك من التركة ما قيمته مائة ألف دينار
.
« متعفّرا » هكذا في ( المصرية ) و الصواب
: ( منعفرا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« على خدّه » في ( الصحاح ) : ( انعفر الشيء : تترّب ، و الخدّ في الوجه و هما خدّان )
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : إذا أردت أن تدفن الميّت ،
فليكن أعقل من نزل في قبره عند رأسه ، فليكشف خدّه الأيمن حتّى يفضي به الأرض ، و يدني فمه إلى سمعه و يقول : إسمع ، إفهم ثلاث مرّات اللّه ربّك و محمّد نبيّك ، و الإسلام دينك ، و فلان إمامك ، إسمع و افهم ، أعد عليه
ثلاث مرّات هذا التلقين
.
« الآن عباد اللّه و الخناق مهمل » في ( الصحاح ) : و موضع الخناق من العنق فخنّق بالتشديد يقال : بلغ به المخنّق و أخذت بمخنّقه و كذلك الخناق بالضمّ يقال : أخذ بخناقه و الخناق بالكسر حبل يخنق به
، و على ما ذكره فيجوز في قوله : ( و الخناق مهمل ) الضمّ أي الحلق مهمل لم يأخذه ملك الموت و الكسر أي : الحبل مهمل لم يلقه ملك الموت على الحلق ، و الأوّل أظهر قال تعالى : كلاّ إذا بلغت التراقي ، و قيل من راق و ظنّ أنّه الفراق و التفّت الساق بالساق إلى ربّك يومئذ المساق
.
« و الروح مرسل » في ( الصحاح ) : الروح يذكّر و يؤنّث
.
« في فينة الإرشاد » في ( الصحاح ) : ( الفينات : الساعات ، و يقال : لقيته الفينة بعد الفينة أي : الحين بعد الحين ، و ان شئت قلت : لقيته فينة بعد فينة )
. ثمّ الصواب ( في فينة الارتياد ) كما نسبه ابن أبي الحديد إلى رواية فلا مناسبة للإرشاد هنا ، بل للارتياد ، و ارتياد الكلأ طلبه ، فيكون المراد : جدّوا في ساعات يمكنكم فيها تحصيل خصب لئلاّ تقعوا في جدب و لا معنى لأن يقال : اعملوا في أوقات يمكنكم فيها إرشاد غيركم .
« و راحة الأجساد » و اتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون ، ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت
في جنب اللّه و إن كنت لمن السّاخرين
، أو تقول حين ترى العذاب لو انّ لي كرّة فأكون من المحسنين
.
« و باحة الاحتشاد » في ( الصحاح ) : باحة الدار : ساحتها ، و حشدوا :
إجتمعوا و كذلك احتشدوا ، و ليست فقرة ( و باحة الاحتشاد )
في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية )
، و لعلّ ( المصرية )
أخذتها من حاشية مأخوذة من مستند العنوان .
« و مهل البقيّة » الإضافة بمعنى ( في ) أي : ليعمل في مهل له في بقيّة العمر .
« و انف المشيّة » انّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا
ذلك اليوم الحقّ فمن شاء اتّخذ إلى ربّه مآبا
( و أنف المشيّة ) بالفتح و السكون أوّلها كقولهم : ( أنف الجبل ) و إنّما قولهم : ( روضة أنف ) لم ترع من قبل و ( جارية أنف ) لم تحض من قبل بالضّمّتين لا هنا كما توهّمه ( الخوئي )
.
« و إنظار التّوبة » قال تعالى : إنّما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثمّ يتوبون من قريب فاولئك يتوب اللّه عليهم و كان اللّه عليما حكيما .
و ليست التوبة للّذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن .
.
« و انفساح الحوبة » قال ابن أبي الحديد : الحوبة : الحاجة ، قال الفرزدق :
فهب لي خنيسا و احتسب فيه منّة
|
|
لحوبة أم ما يسوغ شرابها
|
و تبعه ابن ميثم و ( الخوئي )
.
قلت : انّ الحوبة و ان كانت قد تأتي بمعنى الحاجة إلاّ أنّها في كلامه عليه السلام بمعناها الأشهر و هو الإثم بقرينة قرينتها ( التوبة ) و المراد بانفساح الحوبة انفساح التخلّص عن الإثم و سعته و حينئذ فهو نظير دعاء الهلال ( و وفّقنا فيه للتوبة و اعصمنا فيه من الحوبة ) « قبل الضّنك » أي : الشدّة يقال : هو في ضنك من العيش .
« و المضيق » قال تعالى : حتّى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون لا تجئروا اليوم انّكم منّا لا تنصرون
.
« و الرّوع و الزّهوق » في الصحاح : الرّوع بالفتح : الفزع ، و زهقت نفسه زهوقا ، خرجت
، و لو ترى إذ فزعوا فلا فوت و اخذوا من مكان قريب
،
و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ و كنتم عن آياته تستكبرون
.
« و قبل قدوم الغائب المنتظر » قال ابن أبي الحديد و تبعه ابن ميثم
و الخوئي الغائب المنتظر الموت
.
قلت : بل ملك الموت قل يتوفّيكم ملك الموت الذي و كلّ بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون
، و عن الباقر عليه السلام قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : أخبرني جبرئيل عليه السلام انّ ملكا من الملائكة كان له عند اللّه منزلة عظيمة فتعتب عليه فأهبطه ، فأتى إدريس فقال له : انّ لك من اللّه منزلة ، فاشفع لي فصلّى إدريس ثلاث ليال لا يفتر و صام أيّامها لا يفطر ثمّ طلب إليه في السّحر في الملك فقال له الملك : أعطيت سؤلك قد اطلق لي جناحي و أنا أحبّ أن أكافيك ، فأطلب إليّ حاجة ، فقال له :
تريني ملك الموت لعلّي انس به فإنّه ليس يهنأ لي مع ذكره شيء فبسط جناحه ثم قال له اركب فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدنيا فقيل له اصعد ،
فاستقبله بين السماء الرابعة و الخامسة ، فقال الملك : يا ملك الموت مالي أراك قاطبا قال : كنت تحت ظلّ العرش فأمرت أن أقبض روح آدميّ بين السماء الرابعة و الخامسة فامتعض فخرّ من جناح الملك فقبض روحه مكانه
قال عزّ و جلّ : و رفعناه مكانا عليّا
و عن جابر الجعفي سألت أبا جعفر عليه السلام عن لحظة ملك الموت قال : أما رأيت الناس يكونون فتعتريهم سكتة فما يتكلّم أحد منهم فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم
، و عن الصادق عليه السلام ما أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و ملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرات
.
« و أخذه العزيز المقتدر » الأصل فيه قوله تعالى : و لقد جاء آل فرعون
النذر كذّبوا بآياتنا كلّها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر
.
قول المصنّف : « و في الخبر إنّه لمّا خطب عليه السلام بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود » ، اقشعرّت : اضطربت و تزلزلت قال الشاعر في رثاء هشام بن المغيرة المخزومي :
فأصبح بطن مكّة مقشعرا
|
|
كأنّ الأرض ليس بها هشام
|
و لمّا ضرب عمر أبا سفيان بالدرّة قالت له هند : « لربّ يوم لو ضربته لاقشعرّ بطن مكّة »
و تفسير ( النهاية ) الثاني بقوله ( تقبّضت و جمعت )
كما ترى ، ففي ( القاموس ) : اشقعرّ جلده : أخذته رعدة
.
« و بكت العيون و رجفت القلوب » رجفت الأرض اضطربت شديدا .
« و من النّاس من يسمّي هذه الخطبة الغرّاء » في ( الصحاح ) : الغرّة بالضّمّ : بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم ، و الأغرّ : أبيض
، و رجل أغرّ :
شريف .
٥
في الخطبة ( ٨٣ ) و منها :
فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اَللَّهِ بِالْعِبَرِ اَلنَّوَافِعِ وَ اِعْتَبِرُوا بِالْآيِ اَلسَّوَاطِعِ وَ اِزْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ اَلْبَوَالِغِ وَ اِنْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَ اَلْمَوَاعِظِ فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ اَلْمَنِيَّةِ وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلاَئِقُ اَلْأُمْنِيَّةِ وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ اَلْأُمُورِ
وَ اَلسِّيَاقَةُ إِلَى اَلْوِرْدُ اَلْمَوْرُودُ ٩ ١٠ ١١ : ٩٨ وَ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ ٣ ٨ ٥٠ : ٢١ سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا « فاتّعظوا عباد اللّه بالعبر النوافع » قال تعالى : قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا للّه مثنى و فرادى ثمّ تتفكروا ما بصاحبكم من جنّة إن هو إلاّ نذير لكم بين يدي عذاب شديد
، قد كان لكم آية في فئتين التقتافئة تقاتل في سبيل اللّه و اخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين و اللّه يؤيّد بنصره من يشاء إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
، هو الذي أخرج الّذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر ما ظننتم أن يخرجوا و ظنّوا انّهم ما نعتهم حصونهم من اللّه فاتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا و قذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار
.
يقلّب اللّه اللّيل و النّهار إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
.
« و اعتبروا بالآي السّواطع » الآي : جمع الآية ، و الأصل في الآية : الأوية بفتحتين و معناها العلامة قال تعالى في فرعون : فأراه الآية الكبرى فكذّب و عصى ثمّ أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربّكم الأعلى فأخذه اللّه نكال الآخرة و الاولى إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى أ أنتم أشدّ خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسوّاها و أغطش ليلها و أخرج ضحاها و الأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها مآءها و مرعاها و الجبال أرساها متاعا لكم و لأنعامكم
.
« و ازدجروا بالنذر البوالغ » و لقد جآءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النّذر
، هذا نذير من النّذر الأولى
، و ما تغني الآيات و النّذر عن قوم لا يؤمنون
كذّبت ثمود بالنّذر
، كذّبت قوم لوط بالنذر
، و لقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنّذر
، و لقد جاء آل فرعون النذر
، و اذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف و قد خلت النّذر من بين يديه و من خلفه ألاّ تعبدوا إلاّ اللّه إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم
و في سورة القمر بعد ذكر كلّ من قوم نوح و عاد و ثمود فكيف كان عذابي و نذر
و بعد ذكر قوم لوط و لقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي و نذر و لقد صبّحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي و نذر
.
« و انتفعوا بالذّكر و المواعظ » و كلاّ نقصّ عليك من أنباء الرّسل ما نثبّت به فؤآدك و جآءك في هذه الحقّ و موعظة و ذكرى للمؤمنين
و في الآثار :
سل الأرض فقل لها من شقّ أنهارك و غرس أشجارك و جنى ثمارك ؟ فإن لم
تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا
.
« فكان قد علقتكم مخالب المنيّة » المخلب للسّباع بمنزلة الظّفر للإنسان و المنيّة : الموت ، قال الهذلي :
و إذا المنيّة انشبت اظفارها
|
|
الفيت كلّ تميمة لا تنفع
|
« و انقطعت منكم علائق الامنيّة » الامنية واحدة الأمانيّ ، تقول : منه تمنّيت الشيء ، قال تعالى : و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل انّهم كانوا في شلّ مريب
.
« و دهمتكم مفظعات الامور » أي : فاجأتكم الامور المفظعة ، و في المصباح :
فظع الأمر و أفظع : جاوز الحدّ في القبح
و جآءت سكرة الموت بالحقّ ذلك ما كنت منه تحديد
.
« و السّياقة إلى الورد المورود » و سيق الّذين كفروا إلى جهنّم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربّكم و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى و لكن حقّت كلمة العذاب على الكافرين
و قال في فرعون : يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النّار و بئس الورد المورود و اتبعوا في هذه لعنة و يوم القيامة بئس الرّفد المرفود
.
« و كلّ نفس معها سائق و شهيد » هكذا في النسخ ، و لعلّ الأصل : و جآءت كلّ نفس معها سائق و شهيد
، كما هو لفظ الآية .
« سائق يسوقها إلى محشرها » إلى ربّك يومئذ المساق
، و نسوق المجرمين إلى جهنّم وردا
.
« و شاهد يشهد عليها بعملها » قال تعالى : و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين و عن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد
،
و أشرقت الأرض بنور ربّها و وضع الكتاب و جئ بالنبيّين و الشهداء و قضي بينهم بالحقّ و هم لا يظلمون و وفيّت كلّ نفس ما عملت و هو أعلم بما يفعلون
.
٦
الخطبة ( ٢٠٢ ) و من كلام له عليه السلام كان كثيرا ينادي أصحابه :
تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ وَ أَقِلُّوا اَلْعُرْجَةَ عَلَى اَلدُّنْيَا وَ اِنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لاَ بُدَّ مِنَ اَلْوُرُودِ عَلَيْهَا وَ اَلْوُقُوفِ عِنْدَهَا وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَلاَحِظَ اَلْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ وَ كَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ وَ قَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظِعَاتُ اَلْأُمُورِ وَ مُعْضِلاَتُ
اَلْمَحْذُورِ فَقَطِّعُوا عَلاَئِقَ اَلدُّنْيَا وَ اِسْتَظْهِرُوا بِزَادِ اَلتَّقْوَى ( و قد مضى شيء من هذا الكلام في ما تقدّم بخلاف هذه الرّواية ) أقول : رواه الصدوق في ( أماليه ) و المفيد في ( إرشاده و أماليه ) مع اختلاف روى الأول في ( الصحيح ) عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام :
( كان أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة إذا صلّى العشاء الآخرة ينادي النّاس ثلاث مرّات حتّى يسمع أهل المسجد : أيّها الناس تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرحيل فما التعرّج على الدنيا بعد نداء فيها بالرّحيل ، تجهّزوا رحمكم اللّه و انقلبوا بأفضل ما بحضرتكم من الزّاد و هو التقوى ، و اعلموا انّ طريقكم إلى المعاد ، و ممرّكم على الصّراط ، و الهول الأعظم أمامكم على طريقكم عقبة كؤودة و منازل مخوّفة مهولة لابدّ لكم من الممرّ عليها و الوقوف فيها ، فإمّا برحمة من اللّه فنجاة من هولها و عظم خطرها و فظاعة منظرها و شدّة مختبرها ، و إمّا بهلكة ليس بعدها انجبار )
، و رواه المفيد في ( أماليه ) باسناده عن جابر عنه عليه السلام مثله
، و قال في ( إرشاده ) : و من كلام له عليه السلام في التزوّد للآخرة و أخذ الأهبة للقاء اللّه تعالى و الوصيّة للنّاس بالعمل الصالح ما رواه العلماء بالأخبار و نقله أصحاب السيّر و الآثار أنّه عليه السلام كان ينادي في كلّ ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم للمنام بحيث يسمعه كافّة أهل المسجد و من جاوره من النّاس ( تزوّدوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرّحيل و أقلّوا العرجة على الدّنيا و انقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزّاد فإنّ امامكم عقبة كؤودا و منازل مهولة لابدّ من الممرّ بها و الوقوف عليها فإمّا برحمة من اللّه نجوتم من فظاعتها و امّا هلكة ليس بعدها انجبار ، يا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون
عمره عليه حجّة و تؤدّيه أيّامه إلى شقوة ، جعلنا اللّه و إيّاكم ممّن لا تبطره نعمة و لا تحلّ به بعد الموت نقمة ، فإنّما نحن به وله ، و بيده الخير ، و هو على كلّ شيء قدير
.
قول المصنّف : « كان كثيرا ينادي به أصحابه » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ( كثيرا ما )
و قد عرفت من مستنداته أنّه عليه السلام كان ينادي به أصحابه كلّ ليلة بعد العشاء الآخرة .
قوله عليه السلام : « تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرّحيل » و روى ( الاكمال و الغيبة ) : عن محمد بن علي بن الأسود القمّي : أنّ أبا جعفر العمري رضى اللّه عنه حفر لنفسه قبرا و سوّاه بالساج فسألته عن أمره فقال : قد أمرت أن أجمع أمري فمات بعد ذلك بشهرين ، و عن علي بن أحمد الدّلال القميّ قال : دخلت على أبي جعفر محمّد بن عثمان رضى اللّه عنه يوما لأسلّم عليه فوجدته و بين يديه ساجة و نقّاش ينقش عليها و يكتب آيا من القرآن و أسماء الأئمة عليهم السلام على حواشيها فقلت له : يا سيدي ما هذه السّاجة ؟ فقال هي لقبري أوضع عليها أو قال : اسند اليها و أنا في كلّ يوم أنزل فيه فأقرأ جزءا من القرآن فأصعد فإذا كان يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا صرت إلى اللّه تعالى و دفنت فيه و هذه السّاجة معي ،
فأثبت ما ذكره فما تأخّر الأمر حتّى اعتلّ فمات في اليوم الّذي ذكر و دفن فيه
، و في الخبر : سئل عليه السلام عن التجهّز للموت فقال عليه السلام : أداء الفرائض و اجتناب المحارم و الاشتمال على المكارم
و في الخبر : ( عجبا لقوم حبس
أوّلهم عن آخرهم ، ثمّ نودي فيهم بالرّحيل و هم يلعبون )
و في ( عيون القتيبي ) قال إعرابيّ :
و ما نحن إلاّ مثلهم غير أنّنا
|
|
أقمنا قليلا بعدهم و تقدّموا
|
و قال آخر :
و إنّا و اخوانا لنا قد تتابعوا
|
|
لكالمغتدي و الرائح المتهجّر
|
و قال أبو نؤاس :
سبقونا إلى الرحيل و إنّا لبالأثر
« و أقلوا العرجة على الدنيا » أي : إجعلوا عرجتكم قليلا ، يقال : ( عرج فلان على المنزل إذا حبس مطيّته عليه و أقام ) و عنهم عليهم السلام : ( صلّ كلّ صلاة تصلّيها صلاة مودّع و اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا )
.
« و انقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد » يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه و لتنظر نفس ما قدّمت لغد و اتّقوا انّ اللّه خبير بما تعملون
و في خبر :
كان في بني اسرائيل مجاعة حتّى نبشوا الموتى فأكلوهم ، فنبشوا قبرا فوجدوا فيه لوحا فيه : « أنا فلان النبيّ ما قدّمناه وجدناه و ما أكلناه ربحناه و ما خلّفناه خسرناه »
.
« فانّ أمامكم عقبة كؤودا » في ( الصحاح ) : العقبة : واحدة عقاب الجبال
و عقبة كؤود و كأداء : شاقّة المصعد ، في الخبر : أنّ بين الدّنيا و الآخرة ألف
عقبة أهونها و أيسرها الموت
، في ( عرائس الثعلبي ) : عبد اللّه تعالى يحيى حتّى أكلت مدرعة الشعر لحمه ، و بكى حتى أكل الدّمع لحم خدّيه و بدت أضراسه ، فقال له زكريا : ما يدعوك لهذا يا بنيّ ؟ إنّما سألت ربّي أن يهبك لي لتقرّ بك عيني قال : أنت أمرتني بذلك يا أبه قال : و متى ؟ قال : ألست القائل انّ بين الجنّة و النّار عقبة كؤودا لا يقطعها إلاّ الباكون من خشية اللّه تعالى ، قال :
بلى ، فجد و اجتهد
.
و في ( اعتقادات الصدوق ) : ( كلّ عقبة باسم فرض أو أمر أو نهي ، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة فرض و كان قصّر فيه حبس عندها ، و طولب بحقّ اللّه فيها ، فان خرج منه بعمل صالح قدّمه أو برحمة تداركته نجّيّ منها إلى عقبة اخرى ، فلا يزال يدفع من عقبة و يحبس عند كلّ عقبة فيسأل عمّا قصّر من معناها فان سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيا حياة لا يموت فيها أبدا و يسعد سعادة لا شقاوة معها ، و سكن في جوار اللّه مع أنبيائه و حججه و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين من عباده ، و إن حبس على عقبة فطولب بحقّ قصّر فيه فلم ينجّه عمل صالح قدّمه و لا أدركه منه تعالى رحمة زلّت به قدمه على العقبة ، فهوى في نار جهنّم ، و هذه العقبات كلّها على الصّراط ، منها :
عقبة الولاية ، يوقف جميع الخلايق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين و الأئمة عليهم السلام من بعده فمن أتى بها نجا و جاوز ، و من لم يأت بها بقى فهوى ،
و ذلك قوله تعالى : وقفوهم انّهم مسؤولون
و منها : عقبة المرصاد ، و هو قوله تعالى : إنّ ربّك لبالمرصاد
، يقول تعالى : ( لا يجوزني ظلم ظالم )
و منها : عقبة الرّحم و منها : عقبة الأمانة و منها : عقبة الصلاة و باسم كلّ فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل عن كلّ واحدة )
و في الخبر :
جاء عيسى إلى قبر يحيى و كان سأل ربّه أن يجيبه فدعاه فقال له : ما تريد منّي ؟ قال : تؤنسني كما كنت فقال : ما سكنت عنّي حرارة الموت و أنت تريد تن تعيدني إلى الدّنيا و تعود عليّ حرارة الموت فتركه فعاد إلى قبره
.
« و منازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود عليها و الوقوف عندها » و من تلك المنازل الموت ، و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : إنّ الميّت إذا حضر الموت أوثقه ملك الموت و لو لا ذلك ما استقر
، و مرّ خبر عيسى عليه السلام مع يحيى عليه السلام ،
و منها : دخول القبر ، و في ( الكافي ) عن يونس ، قال : حديث سمعته عن الكاظم عليه السلام ما ذكرته و أنا في بيت إلاّ ضاق عليّ ، يقول : إذا أتيت بالميّت إلى شفير قبره فأمهله ساعة فإنّه يأخذ أهبته للسّؤال
، و منها : ضغطة القبر ، و في ( الكافي ) : سئل أبو عبد اللّه عن المصلوب يصيبه عذاب القبر ؟ فقال : إنّ ربّ الأرض هو ربّ الهواء ، فيوحي إلى الهواء فيضغطه ضغطة هي أشدّ من ضغطة القبر
، و عنه عليه السلام : خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في جنازة سعد بن معاذ و قد شيّعه سبعون ألف ملك فرفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله رأسه إلى السّماء ثمّ قال : مثل سعد يضمّ ، قال أبو بصير للصادق عليه السلام : أكان يستخفّ بالبول ؟ فقال : معاذ اللّه انّما كان زعارة في خلقه على أهله
و عنه عليه السلام : إنّ رقيّة لمّا قتلها عثمان قال
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله رافعا رأسه إلى السماء ذكرت هذه و ما لقيت فرققت لها و استوهبتها من ضمّة القبر ، و منها : الخروج إلى المحشر ، و من شدّة هوله يقولون : يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن و صدق المرسلون
.
و روى ( الكافي ) : أن فتية من أولاد ملوك بني اسرائيل كانوا متعبّدين و كانت العبادة في أولاد ملوكهم ، فخرجوا يسيرون ليعتبروا فمرّوا بقبر على ظهر الطريق قد سفى عليه السّافي فقالوا : لو دعونا اللّه الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فسألناه إلى أن قال فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس و اللحية ينفض رأسه من التراب فزعا شاخصا بصره إلى السماء فقالوا له : متّ يوم متّ و أنت على ما نرى ؟ قال : لا ، و لكن لمّا سمعت الصيّحة ( اخرج ) اجتمعت تربة عظامي فخرجت فزعا شاخصا بصري مهطعا إلى صوت الدّاعي فابيضّ لذلك رأسي و لحيتي
.
و منها : طول يوم القيامة و شدّته ، ففي سورة المعارج تعرج الملائكة و الروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا إنّهم يرونه بعيدا و نراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل و تكون الجبال كالعهن و لا يسأل حميم حميما يبصّرونهم يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه و صاحبته و أخيه و فصيلته التي تؤويه و من في الأرض جميعا ينجيه
قال القمي في تفسير الآية الأولى : في القيامة خمسين موقفا كلّ موقف ألف سنة
.
« و اعلموا أنّ ملاحظ المنيّة منكم دانية » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) : ( دائبة )
، فهو الصحيح ، و في ( الكافي ) : عن جابر سألت أبا جعفر عليه السلام عن لحظة ملك الموت فقال : أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السكتة فما يتكلّم منهم أحد فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم
.
« و كأنّكم بمخالبها و قد نشبت فيكم » و المخلب للسباع بمنزلة الظفر للإنسان و نشب الشيء فيه : علق فيه ، قال طرفة :
لعمرك انّ الموت ما أخطأ الفتى
|
|
لكا الطّول المرخى و ثنياه باليد
.
|
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و يتصفّحهم كلّ يوم خمس مرّات
، و عنه عليه السلام الأرض بين يدي ملك الموت كالقصعة يمدّ يده منها حيث يشاء
.
« و قد دهمتكم مفظعات الامور » مرّت الفقرة في سابقه .
« و معضلات المحذور » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
« و مضلعات المحذور » و في ( الصحاح ) : ( الضلع بالتحريك :
الإعوجاج خلقة تقول : منه ضلع بالكسر ، و ضلع بالفتح ، أي : مال ، و جمل مضلع
أي : مثقل
، و المضلعات من ضلع بالفتح لا بالكسر كما توهّمه ابن أبي الحديد فإنّه لا يتعدّى ، و ظلع أي : صار أعرج و أعضل أي : أشكل و في ( الكافي ) في قوله تعالى : كلاّ إذا بلغت التّراقي و قيل من راق
، ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت ، قال : هل من طبيب ؟ و في قوله تعالى : و ظنّ أنّه الفراق
أيقن بمفارقة الأحبّة ، و في قوله تعالى : و التفّت السّاق بالسّاق
التفّت الدنيا بالآخرة و في قوله تعالى : إلى ربّك يومئذ المساق
المصير إلى ربّ العالمين
.
« فقطعوا علائق الدّنيا » يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر اللّه و من يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون
قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحبّ اليكم من اللّه و رسوله و جهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللّه بأمره و اللّه لا يهدي القوم الفاسقين
و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضّوا اليها و تركوك قائما قل ما عند اللّه خير من اللّهو و من التجارة و اللّه خير الرازقين
.
« بزاد التقوى » تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيّا
.
قول المصنّف : و قد مضى شيء من هذا الكلام في ما تقدّم بخلاف هذه الرواية أشار إلى قوله في ( ٨١ ) « فكأن قد علقتكم مخاليب المنيّة و انقطعت منكم علائق الأمنية و دهمتكم مفظعات الامور » . كما مرّ في سابقه
٧
في الخطبة ( ١٣٠ ) منها :
فَإِنَّهُ وَ اَللَّهِ اَلْجِدُّ لاَ اَللَّعِبُ وَ اَلْحَقُّ لاَ اَلْكَذِبُ وَ مَا هُوَ إِلاَّ اَلْمَوْتُ قَدْ أَسْمَعَ دَاعِيهِ وَ أَعْجَلَ حَادِيهِ فَلاَ يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ اَلنَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ اَلْمَالَ وَ حَذِرَ اَلْإِقْلاَلَ وَ أَمِنَ اَلْعَوَاقِبَ طُولَ أَمَلٍ وَ اِسْتِبْعَادَ أَجَلٍ كَيْفَ نَزَلَ بِهِ اَلْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ وَ أَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ اَلْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ اَلرِّجَالُ اَلرِّجَالَ حَمْلاً عَلَى اَلْمَنَاكِبِ وَ إِمْسَاكاً بِالْأَنَامِلِ أَ مَا رَأَيْتُمُ اَلَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً وَ يَبْنُونَ مَشِيداً وَ يَجْمَعُونَ كَثِيراً كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً وَ مَا جَمَعُوا بُوراً وَ صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ وَ أَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لاَ فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ وَ لاَ مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ فَمَنْ أَشْعَرَ اَلتَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ وَ فَازَ عَمَلُهُ فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا وَ اِعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا فَإِنَّ اَلدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا اَلْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ اَلْقَرَارِ فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ وَ قَرِّبُوا اَلظُّهُورَ لِلزِّيَالِ
أقول : قوله : « فإنّه و اللّه الجدّ لا اللّعب » فيه من التأكيد ما لا مزيد عليه لكون المخاطبين عملهم عمل المنكر أشدّ الإنكار و ( الجدّ ) هنا بالكسر لأنّه نقيض الهزل و اللّعب ، و امّا الجدّ بالفتح فهو الحطّ ، و الجدّ بالضّمّ : البئر .
« و الحقّ لا الكذب » في الخبر : لم يخلق اللّه يقينا أقرب إلى الشّك من الموت
.
أؤمّل أن أعيش و انّ يومي
|
|
بأوّل أو بأهون أو جبار
|
أو التالي دبار أو فيومي
|
|
بمونس أو عروبة أو شبار
|
و هي أسماء الأسبوع من أحد إلى السبت في الجاهلية .
« و ما هو إلاّ الموت قد اسمع داعيه » هكذا في ( المصرية )
و الظاهر زيادة ( قد ) لخلوّ ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي ) عنه
، و في ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السلام : ينادي مناد في كلّ يوم ( ابن آدم لد للموت و اجمع للفناء و ابن للخراب )
هذا و واضح ان ( أسمع ) و ( أعجل ) ماضيان و ( داعيه ) و ( حاديه ) بسكون الياء فيهما فاعلان لهما ، و المفعول مقدّر أي : أسمع داعي الموت النّاس و أعجلهم حاديه و قال ( الخوئي ) : « أسمع » و « أعجل » منصوبان على الحال امّا لفظا لو كان ( أفعل ) بصيغة التفضيل فيكون « داعيه » و « حاديه » مجرورين بإضافة ( أفعل ) إليهما من باب اضافة الصفة إلى مفعوله و لو كان
« أسمع » فعلا ماضيا ف « داعيه » منصوب بالمفعولية
. و في كلامه كما ترى أوهام فاحشة ، فأيّ معنى للتفضيل هنا فهل يصحّ أن يقال : الموت أسمع من داعيه و أعجل من حاديه ؟ كما أنّه على الماضي لا معنى لأن يقال : أسمع الموت داعيه و اعجل حاديه ، و في ( الأغاني ) : اصطبح نبيه المغني عند عبيد اللّه بن غسان فقال له : أيّ شيء تشتهي ؟ قال كبد غزال فأطعمه فلما استوفى أكله استلقى لينام فحرّكوه ، فإذا هو ميّت فجزعوا ، و بعث عبيد اللّه إلى أمّه فجاءت فأخبرها بخبره فقالت : لا بأس عليكم هو رابع أربعة ولدتهم كانت هذه ميتتهم جميعا و ميتة أبيهم من قبلهم
. و قيل بالفارسيّة ( ناگهان بانگى برامد خواجه مرد ) و في ( الحلية ) ، عن زيد بن السلمي : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان إذا أنس غفلة أو غرة نادى فيهم بصوت رفيع : أتتكم المنيّة راتبة لازمة امّا بشقاوة و امّا بسعادة
.
« و أعجل حاديه » في ( الصحاح ) : ( الحدو ) سوق الإبل و الغناء لها و يقال للشّمال حدواء لأنّها تحدوا السّحاب أي : تسوقه
، و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : إنّما نعدّلهم عدّا
المراد تعداد عدد الأنفاس لا الأيّام فالآباء و الامّهات يحصون أيّام ولدهما .
« فلا يغرّنّك سواد الناس من نفسك » في ( اسد الغابة ) : عاش حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام هو و أباؤه كلّ منهم مائة و عشرين سنة ، و لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد و عاش كلّ منهم مائة و عشرين سنة ،
و ذكر عند عبد الرحمن بن حسّان عمر أبيه و أجداده فاستلقى على فراشه و ضحك فمات و هو ابن ثمان و أربعين سنة
و في ( الكافي ) : أنّ السجّاد و الباقر عليهما السّلام كانا إذا رأيا جنازة قالا : ( الحمد للّه الذي لم يجعلني من السواد المخترم ) و قال تعالى حاكيا عن المؤمنين قولهم في القيامة للمنافقين :
و غرَّتكم الأماني حتّى جاء أمر اللّه و غرّكم باللّه الغرور .
و في ( الطبري ) :
لما احتضر المعتصم جعل يقول : انّي أخذت من بين هذا الخلق لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت و جعل يقول : ذهبت الحيل ليست حيلة ،
حتّى أصمت ، و سمع الحسن البصري جارية تبكي على قبر أبيها و هي تقول :
يا أبه لم أر مثل يومك فقال : الذي لم يرو اللّه مثل يومه أبوك و سمع عمر بن عبد العزيز خصيّا للوليد على قبره و هو يقول : يا مولاي ماذا لقينا من بعدك فقال له عمر : أما و اللّه لو اذن له في الكلام لأخبر أنّه لقي بعدكم أكثر ممّا لقيتم بعده
، هذا و قال ابن ميثم : يعني لا يغرّنك من نفسك الأمّارة بالسوء وسوستها و استغفالها لك عن ملاحظة الموت سواد الناس
، و قال ابن أبي الحديد : « من » في « من نفسك » بمعنى الباء ، أي : لا يغرّنّك النّاس بنفسك و صحتك و شبابك ، و اما متعلّقة بمحذوف تقديره متمكنا من نفسك و راكنا إليها
، و كلّ منهما كما ترى بلا محصّل ، و واضح أنّ المراد دفع الوهم ، بأنّ الإنسان في كلّ وقت يرى عددا لا يحصون فيقول ، كما لم يمت هؤلاء الجمع الكثير لا أموت أنا بأنّ ذلك لا يصير سببا لاغتراره لأنّ السواد يحصل
من كثير من الناشئين الّذين نشأوا بعده و قليل من الّذين كانوا في سنّه أو أكثر منهم بقليل ، و لو بدّل توجّه بصره إلى السّواد الكلّي بتوجّه بصيرته إلى أشخاص أهل بيته ، و عشيرته ، و أصدقائه ، و أهل حرفته ، و ساير طبقات بلده لتوحّش و تبدّل اغتراره بالاعتبار .
« فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال » مأخوذ من قوله تعالى : الذي جمع مالاً و عدّده يحسبُ أن ماله أخلده
قال ابن ميثم و تبعه الخوئي
:
أنّه بيان لقوله : ( فلا يغرّنّك ) و الصّواب : كونه بياناً لقوله : ( ما هو إلاّ الموت ) كما أنّ قوله : ( لا يغرّنّك ) دفع توهّم يرد على قوله : ( ما هو إلاّ الموت ) .
« و حذر الأقلال » أي : الافتقار .
« و أمن العواقب طول أمل و استبعاد أجل » ( طول و استبعاد ) ، منصوبان تعليلا فإنّه المتبادر ، لا بدل ( من ) كما احتمله ابن أبي الحديد
.
قال أبو العتاهية :
كلّنا نأمل مدّا في الأجل
|
|
و المنايا هنّ آفات الأمل
|
لا يغرنّك أباطيل المنى
|
|
و الزم القصد وضع عنك العلل
|
انّما الدّنيا كظلّ زائل
|
|
حلّ فيها راكب ثمّ رحل
|
« كيف نزل به الموت فازعجه عن وطنه » في ( الصحاح ) : أزعجه : أقلقه و قلعه عن مكانه
.
« و أخذه من مأمنه » قال تعالى حاكيا عن قول صالح لقومه : أتتركون في
ما هاهنا آمنين في جناتٍ و عيونٍ و زروعٍ و نخلٍ طلعها هضيم
قال المخبل السعدي :
و لئن بنيت لي المشقر في
|
|
عنقاء تقصر دونها العصم
|
لتنقّبن عنّي المنيّة
انّ اللّه ليس كحكمه حكم
|
|
« محمولا على أعواد المنايا » :
|
كلّ ابن انثى و ان طالت سلامته
|
|
يوما على آلة الحدباء محمول
|
« يتعاطى به الرّجال الرّجال حملا على المناكب و إمساكا بالأنامل » في ( الكافي ) عن الكاظم عليه السلام : السنّة في حمل الجنازة أن تستقبل السرير بشقّك الأيمن فتلزم الأيسر بكفّك الأيمن ثم تمرّ عليه إلى الجانب الآخر ، و تدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير ، ثمّ تمرّ عليه إلى الجانب الرابع ممّا يلي يسارك
و عن الصادق عليه السلام : تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن ثمّ تمرّ عليه من خلفه إلى الجانب الآخر ثمّ تمرّ حتى ترجع إلى المتقدّم كذلك دوران الرّحى عليه
هذا و الظّاهر أنّ « حملا » و « إمساكا » حالان من الفاعل و المفعول ليتعاطى و أفرادهما لكونهما مصدرين ، و المصدر لا يثنّى و لا يجمع و ان كان بمعنى الوصف ، كما هنا فإنّ الأصل حاملين له على المناكب و ممسكين له بالأنامل و لا مجال لكونهما مفعولا له كما احتمله
الخوئي لأنّ التعاطي لا يكون للحمل و الإمساك بل للإشتراك في فضل الحمل أو لرفع
التعب عمّن حمله قبل
.
« أما رأيتم الذين يأملون بعيدا و يبنون مشيدا » في ( الصحاح ) : المشيد :
المعمول بالشيد ، و الشّيد بالكسر كلّ شيء طليت به الحائط من جصّ أو بلاط و المشيّد بالتشديد : المطوّل ، و قال الكسائي المشيد للواحد من قوله تعالى :
و قصرٍ مشيدٍ
و المشيّد للجمع من قوله تعالى : في بروجٍ مشيّدةٍ
.
« و يجمعون كثيرا » كلاّ إنّها لظى نزّاعة للشّوى تدعو من أدبر و تولّى و جمع فأوعى
و قال تعالى في قارون : فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون اللّه و ما كان من المنتصرين
.
« كيف » هكذا في ( المصرية )
و الكلمة زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« أصبحت بيوتهم قبورا و ما جمعوا بورا » أي : هالكا قال الأسود بن يعفر :
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق
|
|
تركوا منازلهم و بعد اياد
|
أهل الخورنق و السدير و بارق
|
|
و القصر ذي الشّرفات من سنداد
|
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم
|
|
ماء الفرات يجييء من أطواد
|
أرض تخيّرها لطيب مقيلها
|
|
كعب بن مامة و ابن امّ دواد
|
جرت الرياح على محلّ ديارهم
|
|
فكأنّهم كانوا على ميعاد
|
فأرى النعيم و كلّ ما يلهى به
|
|
يوما يصير إلى بلى و نفاد
|
« و صارت أموالهم للوارثين » قال تعالى في فرعون و قومه : كم تركوا من جنّاتٍ و عيونٍ و زروع و مقامٍ كريم و نعمةٍ كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السماء و الأرض و ما كانوا منظرين
هذا و في ( المعمّرين لأبي حاتم ) : سئل عبيد الجرهمي ، و كان عاش ثلاثمائة سنة ، عن أعجب شيء رآه فقال : انّي نزلت بحيّ من قضاعة فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له حريث بن جبلة فخرجت معهم حتّى إذا واروه انتدبت جانبا و عيناي تذر فان ، ثمّ تمثّلت شعرا كنت رويته قبل :
و بينما المرء في الأحياء مغتبطا
|
|
إذ صار في الأمس تعفوه الأعاصير
|
حتّى إذا لم يكن الاّ تذكّره
|
|
و الدهر أيّة ما حال دهارير
|
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
|
|
و ذو قرابته في الحيّ مسرور
|
و ذاك آخر عهدي من أخيك إذا
|
|
ما المرء ضمّنه اللحد الخناسير
|
الخناسير : المشيّعون ، فقال رجل : من قائلها ؟ قلت : لا أدري ، قال : قائلها هذا الّذي دفنّاه و إنّ هذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته ، و انّك الغريب لا تعرفه تبكي عليه
.
« و أزواجهم لقوم آخرين » في ( المعجم ) : كان المتوكّل وهب جارية من جواريه حسنة كاملة يقال لها : ( صاحب ) أحمد بن حمدون ، فلمّا مات تزوجّت ،
قال أبو علي بن يحيى المنجّم : فرأيته في النّوم و هو يقول :
أبا عليّ ما ترى العجائبا
|
|
أصبح جسمي في التّراب غائبا
|
و استبدلت ( صاحب ) بعدي صاحبا
و في ( الأغاني ) تزوّج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو امّ هشام بنت عبد اللّه بن عمر ، و كانت من أجمل نساء قريش و كان يجد بها و جدا شديدا فمرض مرضته التي هلك فيها فجعل يديم النّظر إليها و هي عند رأسه فقالت له :
انّك لتنظر نظر رجل له حاجة قال : أي و اللّه ، إنّي لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان عليّ ما أنا فيه قالت : و ما هي ؟ قال : أخاف أن تزوّجي بعدي قالت : فما يرضيك ؟ قال : أن توثقي لي بالأيمان المغلّظة فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه ثمّ هلك فلّما قضت عدّتها خطبها عمر بن العزيز و هو أمير المدينة فأرسلت إليه ما أراك إلاّ و قد بلغتك يميني ، فأرسل إليها : لك مكان كلّ عبد و أمة عبدان و أمتان ، و مكان كلّ علق علقان ، و مكان كلّ شيء ضعفه فتزوجته
.
« لا في حسنة يزيدون » حتّى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربِّ ارجعونِ لعلّي أعمل صالحا فيما تركت كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نردّ فنعمل غير الّذي كنّا نعمل قد خسروا أنفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون
، و هم يصطرخون فيها ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنّا نعمل أو لم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكّر و جاءكم النّذير فذوقوا فما للظالمين من نصير
.
« و لا من سيئة يستعتبون » أي : يسترجعون قال تعالى : و قيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا و مأواكم النّار و مالكم من ناصرين ذلكم
بأنّكم اتّخذتم آيات اللّه هزوا و غرّتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها و لا هم يستعتبون
، فيومئذ لا ينفع الّذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون
.
« فمن اشعر التقوى قلبه » أي : جعل التقوى شعار قلبه ، و الشعار ما ولي الجسد من الثّياب .
« برّز مهله » قال ابن أبي الحديد : المهل : شوط الفرس
و إنّما قال الجوهري : ( برّز الرجل : فاق على أصحابه و كذلك الفرس إذا سبق )
و هو كما ترى لا يفهم منه أكثر من أنّ ( برّز الفرس ) بمعنى سبق الفرس و الصّواب : أنّ المهل : التقدّم في الخير ، ففي ( المغرب ) : المهل بالتحريك : التقدّم ، و به كنّى أبو مهل عروة بن عبد اللّه ابن قشير الجعفي
، و في ( النهاية ) : فلان ذو مهل ، أي :
تقدّم في الخير ، و لا يقال في الشّرّ ، ثمّ لا وجه لنصب « مهله » بعد كون قوله بعد ذلك : « و فاز عمله » بالرّفع
.
« و فاز عمله » و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة أنّهم إلى ربّهم راجعون اولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« فاهتبلوا هبلها » أي : اغتنموا غنيمتها فيكون « هبلها » مفعولا به و يكون « اهتبلوا هبلها » مساوقا لقوله تعالى : و أعدّوا له عدّة و ممّا ذكرنا يظهر لك
ما في قول ابن أبي الحديد : هبلها منصوب على المصدر كأنّه من هبل مثل غضب غضبا
و ما في قول ابن ميثم : هبلها مصدر مضاف إلى ضمير التقوى مؤكّد للفعل أي : أحكموها إحكامها
فلو كان « هبلها » مفعولا مطلقا لقال : فاهتبلوا لها اهتبالا ، و بالجملة لا ريب أن هبلها مثل عملها في قوله بعد :
« و اعملوا للجنّة عملها » و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فانّ الجنّة هي المأوى
الّذين هم في صلاتهم خاشعون و الّذين هم عن اللّغو معرضون و الّذين هم للزّكاة فاعلون و الّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فإنّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون و الّذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون و الذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
، في جنّة عالية قطوفها دانية ،
كلوا و اشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيّام الخالية
و في الخبر : من أحبّ أن تكون الجنّة مسكنه و مأواه فلا يدع زيارة المظلوم
.
« فإنّ الدنيا لم تخلق لكم دار مقام » بالضمّ أي : إقامة .
« بل خلقت لكم مجازا » في ( الصحاح ) : ( جعل الأمر مجازا إلى حاجته ، أي :
طريقا و مسلكا
.
« لتزوّدوا منها الأعمال إلى دار القرار » يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه و لتنظر نفس ما قدّمت لغد و اتّقوا اللّه إنّ اللّه خبير بما تعملون
.
« فكونوا منها على أوفاز » في ( الصحاح ) : الوفز : العجلة ، يقال : نحن على أو فاز ، أي : على سفر
.
« و قرّبوا الظهور للزّيال » في ( المغرب ) : يستعار الظهر للدّابّة و الرّاحلة ،
و منه ( و لا ظهرا بقى ) ، و الزّيال : مصدر زايل كالمزايلة و هو المفارقة
، قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : مالي و للدّنيا إنّما مثلي و مثلها كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف ، فقال من القيلولة تحتها ، ثمّ راح و تركها .
٨
الخطبة ( ٢١٦ ) و من كلام له عليه السلام بعد تلاوته ألهاكم التّكاثر حتّى زرتم المقابر :
يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اِسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ اَلْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وَ حَرَكَاتٍ سَكَنَتْ وَ لَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً وَ لَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ اَلْعَشْوَةِ وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ وَ لَوِ اِسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ اَلدِّيَارِ اَلْخَاوِيَةِ وَ اَلرُّبُوعِ اَلْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا
فِي اَلْأَرْضِ ضُلاَّلاً وَ ذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ وَ تَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا وَ تَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا وَ إِنَّمَا اَلْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَ نَوَائِحُ عَلَيْكُمْ أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ اَلَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ اَلْعِزِّ وَ حَلَبَاتُ اَلْفَخْرِ مُلُوكاً وَ سُوَقاً سَلَكُوا فِي بُطُونِ اَلْبَرْزَخِ سَبِيلاً سُلِّطَتِ اَلْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لاَ يَنْمُونَ وَ ضِمَاراً لاَ يُوجَدُونَ لاَ يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ اَلْأَهْوَالِ وَ لاَ يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ اَلْأَحْوَالِ وَ لاَ يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لاَ يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ غُيَّباً لاَ يُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لاَ يَحْضُرُونَ وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وَ أُلاَّفاً فَافْتَرَقُوا وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لاَ بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِيَارُهُمْ وَ لَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً وَ بِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً فَكَأَنَّهُمْ فِي اِرْتِجَالِ اَلصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ جِيرَانٌ لاَ يَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لاَ يَتَزَاوَرُونَ بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا اَلتَّعَارُفِ وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ اَلْإِخَاءِ فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعٌ وَ بِجَانِبِ اَلْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلاَّءُ لاَ يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَ لاَ لِنَهَارٍ مَسَاءً أَيُّ اَلْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَ رَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا فَكِلْتَا اَلْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ اَلْخَوْفِ وَ اَلرَّجَاءِ فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَايَنُوا وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَ اِنْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ اَلْعِبَرِ وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ اَلْعُقُولِ وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ اَلنُّطْقِ فَقَالُوا كَلَحَتِ اَلْوُجُوهُ اَلنَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ اَلْأَجْسَامُ اَلنَّوَاعِمُ وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ اَلْبِلَى وَ تَكَاءَدَنَا
ضِيقُ اَلْمَضْجَعِ وَ تَوَارَثْنَا اَلْوَحْشَةَ وَ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا اَلرُّبُوعُ اَلصُّمُوتُ فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا وَ تَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا وَ طَالَتْ فِي مَسَاكِنِ اَلْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً وَ لاَ مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ اَلْغِطَاءِ لَكَ وَ قَدِ اِرْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ وَ اِكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَاب فَخَسَفَتْ وَ تَقَطَّعَتِ اَلْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلاَقَتِهَا وَ هَمَدَتِ اَلْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا وَ عَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلًى سَمَّجَهَا وَ سَهَّلَ طُرُقَ اَلْآفَةِ إِلَيْهَا مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلاَ أَيْدٍ تَدْفَعُ وَ لاَ قُلُوبٌ تَجْزَعُ لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُيُونٍ لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لاَ تَنْتَقِلُ وَ غَمْرَةٌ لاَ تَنْجَلِي فَكَمْ أَكَلَتِ اَلْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي اَلدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَ رَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ وَ يَفْزَعُ إِلَى اَلسَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى اَلدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ اَلدُّنْيَا إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ اَلدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ اَلْأَيَّامُ قُوَاهُ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ اَلْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ فَخَالَطَهُ بَثٌّ لاَ يَعْرِفُهُ وَ نَجِيُّ هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ اَلْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ اَلْحَارِّ بِالْقَارِّ وَ تَحْرِيكِ اَلْبَارِدِ بِالْحَارِّ فَلَمْ يُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلاَّ ثَوَّرَ حَرَارَةً وَ لاَ حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلاَّ هَيَّجَ بُرُودَةً وَ لاَ اِعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ اَلطَّبَائِعِ إِلاَّ أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ اَلسَّاِئِلينَ عَنْهُ وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ فَقَائِلٌ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى
فَقْدِهِ يُذَكِّرُهُمْ أُسَى اَلْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ اَلدُّنْيَا وَ تَرْكِ اَلْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ اَلدُّنْيَا أقول : قول المصنّف : ( و من كلام له عليه السلام بعد تلاوته ألهاكم التكاثر حتّى زرتم المقابر في ( أسباب نزول الواحدي ) : قال مقاتل و الكلبي : نزلت في حيّين من قريش بني عبد مناف و بني سهم ، كان بينهم لحافتعاند السادة و الأشراف أيّهم أكثر فقال بنو عبد مناف : نحن أكثر سيّدا و عزّا و أعظم نفرا ،
و قال بنوسهم مثل ذلك فكثّرهم بنو عبد مناف ثمّ قالوا : نعدّ موتانا حتّى زاروا القبور ، فعدّوا موتاهم فكثّرهم بنو سهم لأنّهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية .
و قال قتادة : نزلت في اليهود ، قالوا : نحن أكثر من بني فلان و بنو فلان أكثر من بني فلان ، ألهاهم ذلك حتّى ماتوا ضلالا
، هذا و قال ابن أبي الحديد بعد عنوان هذه الخطبة : هذا موضع المثل ( ضلعا يا ظليم و إلاّ فالتّخوية ) من أراد أن يعظ و يخوّف و يقرع صفاة القلب ، و يعرّف النّاس قدر الدّنيا و تصرّفها بأهلها ،
فليأت بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح و إلاّ فليمسك ، فإنّ السّكوت أستر ، و العيّ خير من منطق يفضح صاحبه و من تأمّل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه عليه السلام : ( و اللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره ) و ينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس ، و تلي عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرّقاع في قوله : ( قلم أصاب من الدّواة
مدادها ) فقيل لهم في ذلك ، فقالوا : ( إنّا نعرف موضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن ) و إنّي لأطيل التعجّب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مناسب لطباع الأسود و النمور ، ثمّ يخطب في ذلك الموضع بعينه ، إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشاكل لطباع الرّهبان اللابسي المسوح الّذين لم يأكلوا لحما ، و لم يريقوا دما ، فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني و عتيبة بن الحارث اليربوعي ،
و عامر بن الطفيل العامري ، و تارة يكون في صورة سقراط الحبر اليوناني ،
و يوحنّا المعمدان الإسرائيلي ، و المسيح بن مريم الإلهي و أقسم بما يقسم به الامم كلّها به ، لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة و إلى الآن أكثر من ألف مرّة ، ما قرأتها قطّ إلاّ و أحدثت عندي روعة و خوفا و عظة ، و أثّرت في قلبي وجيبا و في أعضائي رعدة ، و لا تأمّلتها إلاّ و ذكرت الموتى من أهلي و أقاربي و أرباب ودّي ، و خيّلت في نفسي انّي أنا ذلك الشخص الذي وصف حاله و كم قد قال الواعظون و الخطباء و الفصحاء في هذا المعنى ، و كم وقفت على ما قالوه و تكرّر وقوفي عليه ، فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي ،
فإمّا أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله ، أو نيّة القائل كانت صالحة ، و يقينه كان ثابتا ، و إخلاصه كان محضا خالصا
.
« يا له مراما ما أبعده » جمع عليه السلام بين نداء التعجّب في قوله : « يا له مراما » و فعل التعجّب في قوله « ما أبعده » تنبيها على أنّ هذا المرام و هذا المقصد من التفاخر بالموتى في غاية التعجّب .
« و زورا ما أغفله » قال ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي ، يعني عليه السلام
بالزّور الزائرين للمقابر
و استندوا إلى قول الجوهري : ( الزّور : الزائرون ) .
قلت : بل « زورا » مصدر زاره ، كما صرّح به الفيروز آبادي ، و لو كان جمعا لقال : ما أغفلهم و أيضا لم يصحّ جمعا إلاّ مع رواية ( يا مراما )
كما قال ( ابن ميثم ) انّ به رواية كما أنّه لا يناسب قوله ( مراما ) قبل بلفظ المفرد و « خطرا » بعد كذلك و في ( المعجم ) : كان سليمان بن عبد الملك عسكر بدابق قرب حلب و عزم ألاّ يرجع حتّى يفتح القسطنطينية أو تؤدّي الجزية ، فشتا بدابق شتاء بعد شتاء ، إذ ركب عشيّة من يوم جمعة ، فمرّ بالتلّ الّذي يقال له اليوم ( تلّ سليمان ) فرأى عليه قبرا ، فقال : قبر من ؟ قالوا : عبد اللّه بن مسافع العبدري فقال : يا ويحه لقد أمسى قبره بدار غربة ، و مرض سليمان في أثر ذلك و مات و دفن إلى جانب ذاك القبر في الجمعة التي تليه
.
« و خطرا ما أفظعه » في الصّحاح : الخطر : الإشراف على الهلاك ، و فظع الأمر ( بالضمّ ) شنيع جاوز المقدار
.
« لقد استخلوا منهم أيّ مدّكر » قال ابن أبي الحديد : قال الراوندي : ( يعني وجدوا موضع التذكّر خاليا من الفائدة )
و الصحيح انّه عليه السلام أراد ذكر من خلا من آبائهم ، أي : مضى ، و استخلى فلان في حديثه ، أي : حدّث عن أمور خالية ، و المعنى أنّه عليه السلام استعظم ما يوجبه حديثهم عمّا خلا و عمّن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير ، فقال عليه السلام أيّ مذكر و واعظ في ذلك
و قال ابن ميثم : ( يعني اتخذوا تخلية الذكر دأبهم و شأنهم )
و قال الخوئي :
المفعول محذوف أي : استخلوا الديار يعني أنّ الزائرين المتفاخرين بالأموات و جدوا الدّيار خالية منهم حال كونهم كاملين في التذكير ، و الكلّ كما ترى .
و الصواب : أن يقال أنّه لمّا كان في الموتى ادّكار عظيم للتوجّه إلى الآخرة و هم جعلوهم سببا للتوجّه إلى الدنيا كأنّهم طلبوا من الموتى أن يجعلوا محلّ ادّكارهم خاليا منه
و في ( الصحاح ) : استخلاه محلّه ، أي : سأله أن يخلّيه له
، و يناسب ما قلناه ، قوله بعد : « و تناوشوهم من مكان بعيد » و ممّا ذكرنا يظهر لك انّ ( مدّكر ) اسم مكان لا اسم فاعل أو مصدر ميمي .
« و تناوشوهم من مكان بعيد » في ( الصحاح ) : التناوش التناول
، و قوله تعالى : . و أنّى لهم التناوش من مكان بعيد
أي : أنّى لهم تناول الإيمان في الآخرة و قد كفروا به في الدّنيا ، يعني لو كانوا أرادوا كون تناوشهم ممكنا لتناوشوهم من مكان قريب
، و هو الاعتبار بهم و أمّا الافتخار بهم ، فهو التناوش من بعيد ، و هو أمر غير معقول « أ فبمصارع آبائهم يفخرون » الأصل في المصرع ما تهدّل من الأغصان ،
و سقط على الأرض ، و يقال لكلّ طريح ، القتيل و غيره .
« أم بعديد الهلكى يتكاثرون » قال الشاعر في افتخار بني تغلب بعمرو بن كلثوم و قصيدته :
الهى بني تغلب عن كلّ مكرمة
|
|
قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
|
يفاخرون بها مذ كان أوّلهم
|
|
يا للرّجال لشعر غير مسئوم
|
« يرتجعون منهم أجسادا خوت » لا يبعد أن يكون ( خوت ) بالتشديد ، من قولهم خوّت النجوم إذا مالت للمغيب ، أي : يرون ارتجاع أجساد مالت للمغيب و الانهدام و أمّا ( خوت ) بالتخفيف فلا مناسبة لها ، فقيل في قوله تعالى : فتلك بيوتهم خاوية .
أي : خالية و ساقطة .
« و حركات سكنت » في ( الطبري ) : هتف بالمنصور هاتف من قصره :
اما و ربّ السّكون و الحرك
|
|
انّ المنايا كثيرة الشّرك
|
ما اختلف الليل و النهار و لا
|
|
دارت نجوم السماء في الفلك
|
الاّ لنقل السّلطان من ملك
|
|
إذا انقضى ملكه إلى ملك
|
حتّى يصيرانه إلى ملك
|
|
ما عزّ سلطانه بمشترك
|
ذاك بديع السماء و الأرض
|
|
و المرسي الجبال المسخّر الفلك
|
فقال : هذا و اللّه أوان أجلي « و لأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا » في ( صفين نصر ) : مضى عليّ عليه السلام نحو ساباط حتّى انتهى إلى مدينة بهر سير ، و إذا رجل من أصحابه يتمثّل بقول التميمي :
جرت الرّياح على محل ديارهم
|
|
فكأنّهم كانوا على ميعاد
|
فقال عليه السلام أفلا قلت : كم تركوا من جنّات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين فما بكت
عليهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرين
إنّ هؤلاء كانوا وارثين ،
فأصبحوا موروثين ، إنّ هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية .
إيّاكم و كفر النّعم لا يحلّ بكم النّقم
.
« و لأن يهبطوا بهم جنات ذلّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة » « يهبطوا » أي : ينزلوا و الجناب : فناء الدار و أحجى ، أي : أجدر و لمّا قالت ام سلمة في موت الوليد بن الوليد المخزومي :
يا عين فابكي للوليد بن الوليد بن المغيرة
|
|
مثل الوليد بن الوليد أبي الوليد كفى العشيرة
|
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لها : لا تقولي هكذا ، و لكن قولي : و جاءت سكرة الموت بالحقّ ذلك ما كنت منه تحيد
.
« و ضربوا منهم في غمرة جهالة » الضرب هنا بمعنى السباحة ، بقرينة الغمرة ، و هو شدّة ماء البحر ، كقول ذي الرمّة : ( كأنّني ضارب في غمرة لعب )
.
« لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة » الأعشى : الذي لا يبصر بالليل ،
و العشواء : الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيدها كل شيء ، و ركب فلان العشوة إذا خبط أمره على غير بصيرة و ضربوا منهم في غمرة جهالة .
« و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية » في ( الصحاح ) : كلّ بقعة بين الدّور واسعة ليس فيها بناء عرصة ، و الجمع العرصات ،
و الخاوية : الساقطة
.
« لقالت ذهبوا في الأرض ضلاّلا » من قوله تعالى : أ إذا ضللنا في الأرض .
أي : خفينا لا يعرف موضعنا ، و قال ابن المعتزّ :
كأنّ خواتيما من الطين بينهم
|
|
فليس لها حتّى القيامة من فضّ
|
« و ذهبتم في أعقابهم جهّالا » الأعقاب : جمع العقب بكسر القاف ، مؤخّر القدم .
« تطأون في هامهم » من وطأ الشيء برجله ، قال ابن أبي الحديد : أخذ أبو العلاء معنى كلامه عليه السلام فقال :
خفّف الوطء ما أظنّ أديم الأ
|
|
رض إلاّ من هذه الأجساد
|
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا
|
|
ضاحك من تزاحم الأضداد
|
و دفين على بقايا دفين
|
|
من عهود الآباء و الأجداد
|
صاح هذي قبورنا تملأ الأرض
|
|
فأين القبور من عهد عاد
|
سر إن اسطعت في الهواء رويدا
|
|
لا اختيالا على رقاب العباد
|
« و تستنبتون في أجسادهم » أي : تطلبون الإثبات في الزرع في أجسادهم و قال ابن أبي الحديد : و روى ( و تستثبتون ) أي : تنصبون الأشياء الثابتة كالعمد و الأساطين للأوطان في أجساد الموتى
.
« و ترتعون فيما لفظوا » من رتعت الماشية : أكلت ما شاءت ، و من لفظ الشيء من فمه : رماه ، قال ابن أبي الحديد : يجوز أن يريد عليه السلام أنّكم تأكلون ما
تركوه و أن يريد انّكم تأكلون الفواكه التي تنبت في أجزاء ترابيّة خالطها الصديد الجاري من أفواههم
.
« و تسكنون ما خرّبوا » قيل : يجوز أن يريد عليه السلام في مساكن خرّبوها بترك العبادة و ان يريد في مساكن أخلوها ، و أطلق الخراب عليه مجازا ، و الثاني أقرب ، و انّما يطلق التخريب بترك العبادة على بيت الآخرة لا بيوت الدنيا .
« و إنّما الأيّام بينكم و بينهم » هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد )
و انما في ( ابن ميثم و الخطية )
« بينهم و بينكم » .
« بواك و نوائح عليكم » في خبر الحسن بن الجهم قلت للرضا عليه السلام : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام عرف قاتله و الليلة التي يقتل فيها ، و قوله لمّا سمع صياح الأوزّ في الدّار : ( صوائح تتبعها نوائح )
. و في ( الطبري ) : كان المهدي جالسا في عليّة في قصر بما سبدان يشرف من منظرة فيها على سفله و كانت جاريته ( حسنة ) قد عمدت إلى كمثراتين كبيرتين فجعلتهما في صينية و سمّت واحدة منهما و هي أحسنهما و أنضجهما في أسفلها ، و ردّت القمع فيها و وضعتها في أعلى الصينية ، و كان المهدي يعجبه الكمّثرى و أرسلت بذلك مع وصيفة لها جارية المهدي يتخطّاها تريد بذلك قتلها فمرّت الوصيفة بالصينية التي فيها تلك الكمّثرى بحيث يراها المهدي من المنظرة فلمّا رأى معها الكمّثرى دعا بها ،
فمدّ يده إلى الكمثرية التي في أعلى الصينية ، فأكلها فلمّا وصلت إلى جوفه صرخ جوفي و سمعت حسنة الصوت فجاءت تلطم وجهها و تبكي و تقول :
أردت أن أنفرد بك فقتلتك ، فهلك من يومه ، فرجعت ( حسنة ) و انّ على قبّتها
المسوح فقال أبو العتاهية في ذلك :
رحن في الوشى و أصبحن عليهنّ المسوح
|
|
كلّ نطّاح من الدهر له يوم نطوح
|
لست بالباقي و لو عمرت ما عمّر نوح
|
|
فعلى نفسك نح ان كنت لا بدّ تنوح
|
و عن علي بن يقطين قال : كنّا مع المهدي بما سبدان فأصبح يوما فقال :
إنّي أصبحت جائعا فأتي بأرغفة و لحم بارد مطبوخ فأكل منه ، ثم قال : إنّي داخل البهو و نائم فيه فلا تنبّهوني حتى أكون أنا الذي أنتبه و دخل البهو فنام ،
و نمنا نحن في الدّار فانتبهنا ببكائه فقمنا إليه مسرعين فقال : أما رأيتم ما رأيت ؟ قلنا ما رأينا شيئا ، قال : وقف على الباب رجل لو كان في مائة ألف ما خفي عليّ و أنشد :
كأني بهذا القصر قد باد أهله
|
|
و أوحش منه ربعه و منازله
|
و صار عميد القوم من بعد بهجة
|
|
و ملك إلى قبر عليه جنادله
|
فلم يبق إلاّ ذكره و حديثه
|
|
تنادي عليه معولات حلائله
|
فما أتت عليه عاشرة حتى مات
.
« أولئك سلف غايتكم » في ( عيون القتيبي ) : سأل زياد رجلا بالبصرة : أين منزلك ؟ قال واسط ، قال : مالك من الولد ؟ قال : ( تسعة ) ، فلمّا قام قيل لزياد :
كذبك في كلّ ما سألته ، ماله إلاّ ابن و منزله بالبصرة ، فلمّا عاد إليه قال له زياد :
قلت لي تسعة و منزلك بواسط ؟ قال : نعم قال : خبّرت بغير ذلك قال : صدقت و صدقوك ، دفنت تسعة بنين فهم لي ، ولي اليوم ابن واحد و لست أدري أيكون
لي أم لا ؟ فإمّا منزلي فإلى جانب الجبّان بين أهل الدّنيا و أهل الآخرة ، فأيّ منزل أوسط منه قال : صدقت و قال الشاعر :
لا يبعد اللّه أقواما لنا ذهبوا
|
|
أفناهم حدثان الدهر و الأمد
|
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا
|
|
و لا يؤوب إلينا منهم أحد
|
هذا و في الخبر : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا مرّ على القبور قال : السلام عليكم من ديار قوم مؤمنين ، و انّا إن شاء اللّه بكم لاحقون
.
« و فرّاط مناهلكم » ، الفرّاط : جمع فارط ، و الفارط : السابق إلى الماء ،
و المناهل : موارد الماء ، و تسمّى المنازل التي في المفاوز على طريق السفّار مناهل لأنّ فيها الماء هذا ، و في الخبر الصلاة على الأطفال : ( اللّهمّ اجعله لأبويه و لنا فرطا )
.
« الذين كانت لهم مقاوم العزّ » في ( الصحاح ) : المقوم : الخشبة التي يمسكها الحرّاث
.
« و حلبات الفخر » في ( الصحاح ) : الحلبة بالتسكين خيل تجمع للسّباق لا تخرج من اصطبل واحد ، كما يقال للقوم إذا جاؤوا للنصر من كلّ أوب ، قد أحلبوا )
.
« ملوكا و سوقا » السّوق جمع السّوقة : الرّعية ، قال زهير : ( نالا الملوك و بذّا هذه السّوقا )
قالوا : مرّ الاسكندر بمدينة قد ملكها سبعة من بيت واحد
و بادوا ، فسأل : هل بقي من نسلهم أحد ؟ قالوا : واحد يلزم المقابر ، فدعا به فقال له : لم تلزم المقابر ؟ قال أردت أن أميّز عظام الملوك من عظام غيرهم فوجدتها سواء ، قال : هل لك أن تلزمني حتى أنيلك بغيتك ؟ قال : لو علمت أنّك تقدر على ذلك للزمتك ، قال : و ما بغيتك ؟ قال : حياة لا موت معها ، قال : لن أقدر على ذلك ،
قال : فدعني أطلبه ممّن يقدر عليه
و قالوا : لمّا فتح خالد بن الوليد عين التمر ،
سأل عن بنت النعمان بن المنذر فدلّ عليها فأتاها و كانت عمياء فسألها عن حالها ، فقالت : لقد طلعت علينا الشمس و ما شيء يدبّ تحت الخورنق إلاّ تحت أيدينا ، ثم غربت و قد رحمنا كلّ من يدور به و ما بيت دخلته حبرة إلاّ و دخلته عبرة ثم قالت :
و بينا نسوس النّاس و الأمر أمرنا
|
|
إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
|
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها
|
|
تقلّب تارات بنا و تصرّف
|
فقال قائل : قاتل اللّه عدي بن زيد لكأنّ ينظر إليها حين يقول :
إن للدهر صرعة فاحذرنها
|
|
لا تبيتنّ قد أمنت الدهورا
|
قد يبيت الفتى معافى فيردى
|
|
و لقد كان آمنا مسرورا
|
و قال عديّ بن زيد :
أين كسرى كسرى الملوك انوشروان
|
|
، أم أين قبله سابور ؟
|
و بنو الأصفر الكرام ملوك الروم
|
|
لم يبق منهم مذكور
|
و اخو الخضر إذ بناه و إذ
|
|
دجلة تجبى إليه و الخابور
|
لم يهبه ريب المنون فباد
|
|
الملك عنه فبابه مهجور
|
شاده مرمرا و جلّله كلسا
|
|
فللطير في ذراه و كور
|
و تبيّن ربّ الخورنق إذ أشرف
|
|
يوما و للهدى تفكير
|
سرّه حاله و كثرة ما يملك
|
|
و البحر معرضا و السدير
|
فأرعوى قلبه و قال فما
|
|
غبطة حيّ إلى الممات يصير
|
ثم بعد الفلاح و الملك و الامرة
|
|
وارتهم هناك القبور
|
ثم أضحوا كأنّهم ورق جفّ
|
|
فألوت به الصّبا و الدّبور
|
و قالوا : دخل ابن عباس على عبد الملك يوم قرّ ، و هو على فرش يكاد يغيب فيها ، فقال : يا ابن عبّاس إنّي لأحسب اليوم باردا قال : أجل ، و انّ ابن هند عاش في مثل ما ترى ، عشرين أميرا و عشرين ملكا ثمّ هو ذاك على قبره ثمامة تهتزّ ، فيقال : انّ عبد الملك أرسل إلى قبر معاوية فوجد عليه ثمامة نابتة
.
« سلكوا في بطون البرزخ سبيلا » في ( الصحاح ) : البرزخ : ما بين الدنيا و الآخرة من وقت الموت إلى البعث ، فمن مات دخل البرزخ
.
« سلّطت الأرض عليهم فيه فأكلت من لحومهم و شربت من دمائهم » لبعضهم :
و المنايا آكلات شاربات للأنام
|
|
شبت يا هذا و ما تترك أخلاق غلام
|
و قالوا : قال الرضيّ :
و لقد مررت ببرزخ فسألته
|
|
أين الأولى ضمّتهم أرجاؤه
|
مثل المطيّ بواركا أجداثه
|
|
يسفي على جنباتها بوغاؤه
|
ناديته فخفى عليّ جوابه
|
|
بالقول إلاّ ما زقت أصداؤه
|
من ناظر مطروقة الحاظه
|
|
أو خاطر مطلولة سوداؤه
|
أو واجد مكظومة زفرائه
|
|
أو حاقد منسيّة شحناؤه
|
و مسنّدين على الجنوب كأنّهم
|
|
شرب تخازل بالطّلى أعضاؤه
|
تحت الصعيد لغير اشفاق إلى
|
|
يوم القيامة يضمّهم أحشاؤه
|
أكلتهم الأرض التي ولدتهم
|
|
أكل الضّروس حلت له اوآؤه
.
|
و قال الشاعر :
ربّ ركب قد أناخوا عندنا
|
|
أكل الدّهر عليهم و شرب
|
« فأصبحوا في فجوات قبورهم » الفجوة : الفرجة و المتّسع بين الشيئين ،
و فجوة الدار : ساحتها .
« جمادا لا ينمون » و الجماد كما لا ينمو ، لا ينقص و لكنّهم ينقصون ، و في ( الكافي ) عن عمّار الساباطي : سئل أبو عبد اللّه عليه السلام عن الميّت يبلى جسده قال :
نعم ، حتّى لا يبقى لحم و لا عظم إلاّ طينته التي خلق منها فإنّها لا تبلى تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أوّل مرّة
، قال ابن أبي الحديد :
و روي « لا ينمّون » من النميمة ، و هي الهمس و الحركة
.
« و ضمارا لا يوجدون » في ( الجمهرة ) : الضمار : خلاف العيان ، و المراد أنّهم مستورون في القبور و لا يوجدون ظاهر أبدا كالأحياء الذين قد يكونون مستورين ثم يوجدون ظاهرين
، هذا و قال ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي ) : كلّ ما لا يرجى من الدين ، و كلّ ما لا تكون منه على ثقة يقال له الضمار ، و هو كما ترى فلا مناسبة له هنا
.
« لا يفزعهم ورود الأهوال » من تسلّط عدوّ أو حدوث قحط أو بروز مرض
أو غيرها من أهوال الدّنيا .
« و لا يحزنّهم تنكّر الأحوال » كما يحزن أهل الدنيا به قال الأعشى :
و أنكرتني و ما كان الّذي نكرت
|
|
من الحوادث إلاّ الشّيب و الصلعا
|
« و لا يحفلون بالرواجف » أي : لا يبالون بالزّلازل .
« و لا يأذنون » أي : لا يستمعون ، و الأصل فيه عمل الاذان عملها .
« للقواصف » أي : الشدائد من ريح قاصف : شديدة الهبوب ، و رعد قاصف : شديد الصوت .
« غيّبا لا ينتظرون »
و كلّ غائب يؤب
|
|
و غائب الموت لا يؤب
|
و في المثل : ( حتّى يؤب القارظان )
قال أبو ذؤيب :
و حتّى يؤوب القارظان كلاهما
|
|
و ينشر في القتلى كليب لوائل
|
القرظ : ورق السّلم يدبغ فيه ، و القارظ : الذي يجتنيه ، قالوا : فخرج رجلان من عنزة في طلبه فلم يرجعا فضرب بهما المثل ، و قال بعضهم لابنته عند الموت :
فرجّي الخير و النتظري إيابي
|
|
إذا ما القارظ العنزيّ آبا
|
و قال سراقة في لبيد :
|
|
و ثمّ إياب القارظين و ذي البرد
|
و كان المثلّم قتل رجلا من الخوارج ، و كان يتّجر في اللّقاح ، فدسّوا له من قال له : فهل لك في لقحة كذا و كذا ، فأخذوه إلى دورهم فقتلوه فقال أبو الأسود :
و آليت لا أسعى إلى ربّ لقحة
|
|
أساومها حتى يؤوب المثلّم
|
« و شهودا لا يحضرون » عن النابغة :
حسب الخليلين انّ الأرض بينهما
|
|
هذا عليها و هذا تحتها بالي
|
و للبحتري :
هجود لم يسلّ بهم حفيّ
|
|
و لم تقلب لضجعتهم جنوب
|
و لمطيع بن اياس في صاحبه يحيى بن زياد :
و ارى عينيّ مذ غاب يحيى
|
|
بدّلت من نومها بالسّهاد
|
و سّدته الكفّ منّي ترابا
|
|
و لقد أرثى له من وساد
|
بين جيران أقاموا صموتا
|
|
لا يحيرون جواب المنادي
|
« و إنّما كانوا جميعا فتشتتوا و الاّفا فاقترقوا » في ( معارف القتيبي ) : قال أبو صالح صاحب التفسير : ما رأينا بني آدم قطّ أبعد قبورا من بني العباس لأمّ الفضل مات الفضل بالشّام و عبد اللّه بالطائف و عبيد اللّه بالمدينة و قثم بسمرقند و معبد بأفريقيّة
، و قال الخوئي : قال الشاعر :
و كنّا باجتماع كالثّريّا
|
|
ففرّقنا الزمان بنات نعش
|
« و ما عن طول عهدهم و لا بعد محلّهم عميت أخبارهم » كما يتفّق للأحياء تعمى أخبارهم ، إمّا عن طول عهدهم و امّا عن بعد محلّهم ، قا متمّم بن نويرة في أخيه مالك :
و كنّا كندماني جذيمة حقبة
|
|
من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا
|
فلمّا تفرّقنا كأنّي و مالكا
|
|
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
|
« و صمّت ديارهم » صمم الديار مجاز ، كعمي الأخبار ، في ( إرشاد المفيد ) :
لمّا مات الحسن بن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين عليه السلام على قبره فسطاطا و كانت تقوم الليل و تصوم النهار ، فلمّا كان رأس السنّة قالت لمواليها : إذا أظلم الليل قوّضوا هذا الفسطاط ، فلمّا أظلم الليل سمعت قائلا يقول : هل وجدوا ما فقدوا ؟ فأجابه آخر : بل يئسوا فانقلبوا
.
« و لكنّهم سقوا كأسا » قيل لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ و فيها الشراب ، و قال الشاعر :
من لم يمت عبطة يمت هرما
|
|
للموت كأس و المرء ذائقها
|
و قالوا بالفارسية :
رهائى نيست كس را
|
|
از اين جام و از اين مى
|
« بدّلتهم بالنّطق خرسا » و لنعم ما قيل بالفارسيّة :
در اين قفس كه بصحراش داده ره صيّاد
|
|
خموشى است چرا طوطى شكر خارا
|
و قال البحتري :
ضجيع مسنّدين بكفر توثي
|
|
خفوت مثل ما خفت الشروب
|
« و بالسّمع صمما و بالحركات سكونا » في المروج : تكلّم ثلاثون فيلسوفا في موت الإسكندر . إلى أن قال : و قال أحدهم : ربّ حريص على سكوتك إذ لا تسكت ، و هو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم ، و قال آخر : انّ الذي كانت
الآذان تنصت له قد سكت ، فليتكلّم الآن كلّ ساكت ، و قال آخر : هذا الذي دار كثيرا و الآن يقرّ طويلا
، و في ( عيون القتيبي ) : كان مالك بن دينار يخرج كلّ خميس إلى القبور و يقول :
ألا حيّ القبور و من بهنّه
|
|
وجوه في القبور أحبّهنّه
|
فلو انّ القبور سمعن صوتي
|
|
اذا لأجبنني من وجدهنّه
|
و لكن القبور صمتن عنّي
|
|
فأبت بحسرة من عندهنّه
|
« فكأنّهم في ارتجال الصفة » ارتجال الشيء : إبتداؤه من غير تهيئة .
« صرعى سبات » صرعى جمع صريع : المطروح على الأرض ، و السبات ( بالضمّ ) : النوم أو خفيّه ، أو ابتداؤه في الرأس حتى يبلغ القلب ، قال ابن أبي الحديد : قال الرضي في هذا المعنى :
مغف و ليس للذّة اغفاؤه
|
|
مغض و ليس لفكرة إغضاؤه
|
« جيران لا يتآنسون و أحبّاء لا يتزاورون » في ( فصول ابن الصبّاغ المالكي ) عن جابر الأنصاري قال : دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فلمّا هممت ان أقوم قال : أنا معك فلبس نعليه و ألقى ازاره على منكبيه ، و خرجنا فذهب بنا إلى الجبّانة ، فسلّم على أهل القبور ، فسمعت ضجّة و هجّة و هدّة فقلت : ما هذا يا أمير المؤمنين فقال : هؤلاء بالأمس كانوا معنا و اليوم فارقونا ، إن تسأل عن أحوالهم فهم اخوان لا يتزاورون و أودّاء لا يتعاودون ثم خلع نعليه و حسر عن ذراعيه ، و قال : يا جابر اعطوا من دنياكم الفانية لآخرتكم الباقية ، و من حياتكم لموتكم ، و من صحتكم لسقمكم ، و من غناكم لفقركم ، اليوم أنتم في
الدّور ، و غدا في القبور ، ثم أنشأ يقول :
سلام على أهل القبور الدوارس
|
|
كأنّهم لم يجلسوا في المجالس
|
و لم يشربوا من بارد الماء شربة
|
|
و لم يأكلوا ما بين رطب و يابس
|
الا فاخبروني أين قبر ذليلكم
|
|
و قبر العزيز الباذخ المتنافس
|
و لبعضهم :
فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري
|
|
إلى دير هند كيف خطّت مقابره
|
تري عجبا ممّا قضى اللّه فيهم
|
|
رهائن حتف أوجبته مقادره
|
بيوت ترى أقفالها فوق أهلها
|
|
و مجمع زور لا يكلّم زائره
|
« بليت بينهم عرى التعارف » « بليت » بالكسر : صارت بالية ، و العرى : جمع العروة ، و تعارفوا : عرف بعضهم بعضا .
« و انقطعت منهم أسباب الاخاء » الإخاء مصدر و اخاه ، كالمواخاة ، و في ( الصحاح ) : أكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء و الإخوة في الولادة
عن المدائني : لم يكن الحجّاج يظهر بشاشة لندمائه إلاّ يوما دخلت عليه ليلى الأخيلية فقال لها : بلغني انّك مررت بقبر توبة و عدلت عنه ، فو اللّه ما وفيت له ،
و لو كان هو بمكانك ما عدل عنك ، قالت : أصلح اللّه الأمير كان معي نسوة سمعن قوله فيّ :
و لو انّ ليلى الأخيلية سلّمت
|
|
عليّ و دوني جندل و صفائح
|
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا
|
|
إليها صدى من جانب القبر صائح
|
فكرهت أن أكذّبه ، فاستحسن قولها و قضى حوائجها ، و لم تر منه
بشاشة مثل ذلك اليوم
.
« فكلّهم وحيد و هم جميع » قال ابن أبي الحديد : قال الرّضيّ :
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم
|
|
من غير اطناب و لا أوتاد
|
ركب أناخوا لا يرجّى منهم
|
|
قصد لاتهام و لا انجاد
|
كرهوا النزول فأنزلتهم رفعة
|
|
للدّهر نازلة بكلّ مفاد
|
فتهافتوا عن رحل كلّ مذلل
|
|
و تطاوحوا عن سرج كلّ جواد
|
بادون في صور الجميع و انّهم
|
|
متفردون تفرّد الاحاد
|
« و بجانب الهجر و هم أخلاّء » قال الشاعر :
هم جيرة الأحياء إمّا جوارهم
|
|
فدان و إمّا الملتقى فبعيد
|
هذا و في ( معارف القتيبي ) في عنوان المتهاجرين : سعد كان مهاجرا لعمّار حتى هلكا ، و عايشة كانت مهاجرة لحفصة حتى ماتتا ، و عثمان كان مهاجرا لعبد الرحمن حتّى ماتا ، و طاووس كان مهاجرا لوهب بن منبه حتّى ماتا ، و سعد بن المسيّب كان مهاجرا لأبيه حتى ماتا ، و جرى بين الحسن و ابن سيرين شيء فمات الحسن و لم يشهد ابن سيرين جنازته ، و كان الثوري يتعلّم من ابن أبي ليلى فمات و لم يشهد الثوري جنازته
.
« لا يتعارفون لليل صباحا و لا لنهار مساء » قال ابن أبي الحديد : قال الشاعر :
لابد من يوم بلا ليلة
|
|
أو ليلة تأتي بلا يوم
|
هذا و في ( مقاتل أبي الفرج ) : ( حبس المنصور عبد اللّه بن الحسن المثنّى
و اخوته بحبس ستين ليلة ، ما يدرون بالليل و لا بالنهار ، و لا يعرفون وقت الصلاة إلاّ بتسبيح علي بن الحسن المثنّى قال موسى بن عبد اللّه : حبسنا في المطبق فما كنّا نعرف أوقات الصلاة إلاّ باجزاء يقرؤها علي بن الحسن
.
« أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا » ظعنوا أي : ساروا و الجديدين :
اللّيل و النّهار و السّرمد : الدّائم ، و ليس ليومهم غد و لا لعامهم قابل ، قال البحتري :
و للمرء يوم لا محالة ما له
|
|
غد وسط عام ماله الدّهر قابل
|
« شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا » و بدالهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون
.
« و رأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا » قال ابن أبي الحديد و تبعه الخوئي أي :
رأى المتّقون من آثار الفضل و الرحمة ، و علامات الثواب و الكرامة ، أعظم ممّا كانوا يقدّرونها بحسبانهم
كما قال تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون
و قال عليه السلام في الخطبة له : « و كلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه و كلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه )
قلت لم يعلم إرادة ما قالا ، لأنّ سياق الكلام في شدائد الآخرة و ليس قبله ذكر مجرم و مؤمن حتى يكون قوله : ( شاهدوا ) للمجرمين و قوله : ( و رأوا ) للمؤمنين فالصّواب : أنّ المراد به كالأول النّاس مطلقا ، و المعنى : أنّهم رأوا من
آيات جبروته في دار الآخرة أعظم ممّا قدّروا و فكّروا في دار الدنيا .
« فكلتا الغايتين » أي : النار و الجنّة .
« مدّت لهم إلى مباءة » في ( الصحاح ) : و المباءة : منزل القوم في كلّ موضع
.
« فأتت مبالغ الخوف و الرّجاء » الجملة وصف لقوله : « مباءة » أي : منزلة كلّ من أهل النّار و الجنّة منزلة لا يبلغها درجات الخوف و الرّجاء ، قال تعالى :
و سيق الذين كفروا إلى جهنّم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربّكم و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى و لكن حقّت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبّرين و سيق الذّين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا حتّى إذا جاءوها و فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين و قالوا الحمد للّه الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين
.
« فلو كانوا ينطقون بها » أي : بتلك « المباءة » .
« لعيوا بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا » و العيّ خلاف البيان و يجوز في ( عيو ) التخفيف و التشديد و كيف لا يعيون عن صفة ما شاهدوا من عذاب لا تقوم له السماوات و الأرض و ثواب لا رأت عين مثله و لا سمعت اذن و لا خطر على قلب .
« و لئن عميت آثارهم و انقطعت أخبارهم و لقد رجعت فيهم أبصار العبر و سمعت عنهم آذان العقول » في ( الأغاني ) : قال ابن الكلبي : خرج النعمان بن
المنذر إلى الصيد و معه عديّ بن زيد فمرّ بشجرة فقال له عديّ : أيّها الملك ،
أتدري ما تقول هذه الشجرة ؟ قال : لا قال : تقول :
ربّ ركب قد أناخوا عندنا
|
|
يشربون الخمر بالماء الزلال
|
عصف الدّهر بهم فانقرضوا
|
|
و كذاك الدهر حال بعد حال
|
ثم جاوزا الشجرة فمرّا بمقبرة فقال له عديّ : أيّها الملك ، أتدري ما تقول هذه المقبرة قال : لا قال : تقول :
أيها الرّكب المخبّون
|
|
على الأرض المجدّون
|
فكما أنتم كنّا
|
|
و كما نحن تكونون
|
فقال : إنّ الشجرة و المقبرة لا تتكلّمان ، و قد علمت انّك انّما أردت عظتي ،
فما السبيل التي تدرك بها النجاة ؟ قال : تدع عبادة الأوثان و تعبد اللّه و تدين بدين المسيح ، فتنصّر يومئذ
، و في ( عيون القتيبي ) : قال مالك بن دينار :
أتيت القبور فناديتهنّ
|
|
أين المعظّم و المحتقر ؟
|
و أين المدلّ بسلطانه
|
|
و أين المزكّى إذا ما افتخر ؟
|
فنوديت من بينها و لا أرى أحدا
تفانوا جميعا فما مخبر
|
|
و ماتوا جميعا و مات الخبر
|
تروح و تغدو بنات الثرى
|
|
و تمحى محاسن تلك الصور
|
فيا سائلي عن اناس مضوا
|
|
أما لك في ما مضى معتبر
|
« و تكلّموا من غير جهات النطق » في ( العيون ) : قال الحارثي في ميّت :
أتيناه زوّارا فأنجدنا قرى
|
|
من البثّ و الدّاء الدّخيل المخامر
|
و أوسعنا علما بردّ جوابنا
|
|
فأعجب به من ناطق لم يحاور
|
« فقالوا كلحت الوجوه النواضر » في ( عيون القتيبي ) : قال محمّد بن كعب :
نظرت إلى عمر بن عبد العزيز فأدمت النّظر فقال : ما تنظر ؟ قلت ما أبيض من شعرك ، و نحل من جسمك ، و تغيّر من لونك فقال : أما و اللّه ، لو رأيتني في القبر بعد ثالثة ، و قد سالت حدقتاي على و جنتي ، و سال منخراي صديدا و دودا ،
لكنت أشدّ نكرة
.
في ( الجمهرة ) : كلح إذا تقلّصت شفتاه من الكرب
و في ( الصحاح ) :
( النّضرة الحسن و الرّونق يقال : نضّر وجهه و نضّر اللّه وجهه ) يتعدّى و لا يتعدّى
.
« و خوت الأجسام » هكذا في ( المصرية ) و نسخة ( ابن أبي الحديد ) و لكن في ( ابن ميثم و الخطية )
« الأجساد » .
« النّواعم » في ( الصحاح ) : خوت النجوم : أمحلت و ذلك إذا سقطت و لم تمطر في نوئها ، و خوّت النجوم إذا مالت للمغيب
و نعم الشيء ( بالضمّ ) نعومة : صار ناعما ليّنا .
في ( الطبري ) : لمّا أعرس سابور بن أردشير بالنضيرة ابنة الضّيزن ملك الجزيرة بعد ظفره بأبيها ذكروا انّه لم تزل ليلتها تضور من خشونة
فرشها و هي من حرير محشوّة بالقزّ ، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملتزقة بعنكة من عكنها قد اثّرت فيها و كان ينظر إلى مخّها من لين بشرتها فقال لها سابور : ويحك بأيّ شيء كان أبوك يغذيك ؟ قالت : بالزبد و المخّ و شهد الابكار من النحل و صفو الخمر
. .
« و لبسنا أهدام البلى » الأهدام جمع هدم بالكسر : الثوب البالي ، و بلى الميّت : أفنته الأرض .
« و تكأدّنا ضيق المضجع » ، في ( الصحاح ) : تكأدّني و تكأءدني أي : شقّ عليّ
.
« و توارثنا الوحشة » في ( المروج ) عن المبرّد سعي بأبي الحسن علي بن محمد عليه السلام إلى المتوكّل ، و قيل له : إنّ في منزله سلاحا و كتبا من شيعته ، فوجّه إليه ليلا من الأتراك و غيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممّن في داره ،
فوجد في بيت وحده مغلق عليه ، و عليه مدرعة من شعر ، و لا بساط في البيت إلاّ الرمل و الحصى ، و على رأسه ملحفة من الصوف متوجّها إلى ربّه يترنّم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد ، فأخذ على ما وجد عليه ، و حمل إلى المتوكّل في جوف الليل فمثل بين يديه و المتوكّل يشرب و في يده كأس ، فلمّا رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه ، و قالوا له : لم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه ،
و لا حالة يتعلّل عليه بها فناوله المتوكّل الكأس الذي في يده ، فقال عليه السلام : ما خامر لحمي و دمي قطّ فأعفني ، فعافاه و قال : أنشدني شعرا استحسنه فقال عليه السلام : إنّي لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لابدّ أن تنشدني ، فأنشده :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
|
|
غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
|
و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم
|
|
فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
|
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا
|
|
أين الأسرّة و التيجان و الحلل
|
أين الوجوه التي كانت منعمة
|
|
من دونها تضرب الأستار و الكلل ؟
|
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
|
|
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
|
قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا
|
|
فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
|
و طالما عمّروا دارا لتحصنهم
|
|
ففارقوا الدّار و الأهلين و انتقلوا
|
و طالما كنزوا الأموال و ادّخروا
|
|
فخلّفوها على الأعداء و ارتحلوا
|
أضحت منازلهم قفرا معطّلة
|
|
و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
|
فو اللّه لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلّت دموعه لحيته و بكى من حضره ثمّ أمر برفع الشراب . .
« و تهكمت علينا » نقله ابن أبي الحديد
« و تهدّمت علينا » و جعل « تهكمّت » رواية و كيف كان فهما بمعنى ، و أمّا في ( المصرية ) : « و تهكعت » فغلط و « تهكّمت » في ( ابن ميثم و الخطية )
.
« الرّبوع الصّموت » الربوع جمع الرّبع : الدار و « الصّموت » : السكوت ،
و الديار الصامتة : القبور ، و لنعم ما قيل بالفارسية : عاقبت منزل ما وادى خاموشان است .
« فانمحت محاسن أجسادنا و تنكّرت معارف صورنا » معارف جمع معرف أي : الوجه و ما يظهر من البدن .
« و طالت في مساكن الوحشة إقامتنا » في ( الكافي ) : وقف أبو جعفر عليه السلام
على قبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة بالبقيع فقال : « اللّهم ارحم غربته ،
و صل وحدته و آنس وحشته ، و اسكن إليه من رحمتك ما يستغني به عن رحمة من سواك ، و ألحقه بمن كان يتولاّه »
.
« و لم نجد من كرب فرجا » الكرب بالسكون : الغمّ الذي يأخذ بالنفس .
« و لا من ضيق متسعا » أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللّه .
.
« فلو مثّلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك » في الكافي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : إنّي كنت انظر إلى الإبل و الغنم و أنا أرعاها و ليس من نبيّ إلاّ و قد رعى الغنم كنت أنظر إليها قبل النبوّة و هي متمكّنة ما حولها بشيء يهيجها حتّى تذعر فتطير فأقول : ما هذا ؟ و أعجب حتّى حدّثني جبرئيل أنّ الكافر يضرب ضربة ما خلق اللّه شيئا إلاّ سمعها و يذعر لها إلاّ الثقلين فقلنا ذلك لضربة الكافر
و عن السجاد عليه السلام : ما ندري كيف نصنع بالنّاس إن حدّثناهم بما سمعنا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ضحكوا ، و إن سكتنا لم يسعنا ، فقال ضمرة بن معبد : حدّثنا فقال : هل تدرون ما يقول عدوّ اللّه إذا حمل على سريره ،
يقول لحملته : أشكوا إليكم عدوّا خدعني و أوردني ثمّ لم يصدرني ، و أشكوا إليكم أولادا حاميت عنهم فخذلوني ، و أشكوا إليكم دارا انفقت فيها حريبتي فصار سكّانها غيري ، فارفقوا بي و لا تستعجلوا فقال ضمرة : ان كان هذا يتكلّم بهذا الكلام يوشك أن يثب على أعناق الذين يحملونه فقال عليه السلام : اللّهم ان كان ضمرة هزأ من حديث رسولك فخذه أخذ اسف فمكث أربعين يوما ثمّ
مات ، فحضره مولى له فلمّا دفن أتى علي بن الحسين عليهما السلام فقال له : من أين جئت ؟ قال : من جنازة ضمرة وضعت وجهي عليه حين سوّي عليه ، فسمعت صوته ، أعرفه و اللّه كما كنت أعرفه و هو حيّ يقول : ويلك يا ضمرة خذلك اليوم كلّ خليل ، و صار في الجحيم مسكنك ، و المقيل ، فقال عليه السلام : هذا جزاء من يهزأ من حديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله
.
« و قد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ » قال ابن أبي الحديد : ليس معنى « ارتسخت » ثبتت كما زعم الراوندي لأنّ الأسماع لم تثبت و إنّما تثبت الهوامّ فيها ، بل الصحيح انّه من رسخ الغدير إذا نشّ ماؤه و نضب ، و يقال : ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته )
.
قلت : لابدّ أنّ الراوندي ذكر معنى مجرّد ارتسخ لأن معنى الباب معلوم ،
و حينئذ فيعلم انّ المراد تثبّتت أسماعهم بالهوامّ و لا يرد عليه شيء و الأصل في استعماليه أيضا الثبوت هذا و يحتمل أن يكون « ارتسخت » مصحّف ( اتّسخت ) من الوسخ بمناسبة قوله بعد « و اكتحلت أبصارهم بالتراب » و تكون ( الرّاء ) حدثت من كسرة الهمزة و الهوام : جمع الهامة : المخوف من الأحناش .
« فأستكّت » أي : صمّت قال النابغة : ( و تلك التي تستكّ منه المسامع ) و قال عبيد بن الأبرس : ( دعا معاشر فاستكّت مسامعهم )
« و اكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت » في ( العيون ) : ( مرّ داود الطائي بامرأة تبكي عند قبر ، و تقول : ( يا أخاه ليت شعري بأيّ خدّيك تبدّي ، البلى و أيّ عينيك اذن سالت ) ، فصعق داود بمكانه و تعبّد
.
« و تقطّعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها » في ( تاريخ اليعقوبي ) : بعد ذكر قتل مروان بن محمّد آخر الخلفاء الأمويّة و حزّ رأسه ، فلّما فوّر جاءه هرّ ، فأخذ لسانه
.
« و همدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها » الهمدة : السكتة ، و همدت النار :
طفئت ، و همد الثوب : بلى قال بعضهم في وصف عضد الدولة : من رآه رأى رجلا في صدره ألف قلب
.
« و عاث في كلّ جارحة منهم جديد بلى » العيث : الإفساد ، و الجارحة : العضو ،
و قوله : « جديد بلى » لا يخلو من لطف ، و قال ابن أبي الحديد : أخذها الشاعر فقال :
يا دار غادرني جديد بلاك
|
|
رثّ الجديد فهل رثيت لذاك
|
« سمّجها » أي : قبّحها ، في ( الطبري ) في موت المنصور في طريق مكّة ،
قال : فحملناه حتّى أتينا به ثلاثة أميال من مكّة ، فكأنّي أنظر إليه ، أدنو من قائمة سريره نحمله ، فتحرّك الرّيح فتطيّر شعر صدغيه
.
« و سهلّ طرق الآفة إليها مستسلمات » قال ابن أبي الحديد : قال ابن نباتة :
( فلو كشفتم عنهم أغطية الأجداث بعد ليلتين أو ثلاث وجدتم الأحداق على الخدود سائلة و الألوان من ضيق اللحود حائلة ، و هو امّ الأرض في نواعم الأبدان جائلة و الرؤوس الموسدة على الايمان زائلة ، ينكرها من كان لها عارفا و يفرّ عنها من لم يزل لها الفا
.
« فلا أيد تدفع و لا قلوب تجزع » قال المتنبيّ :
و مغض كان لا يغضى لخطب
|
|
و بال لا يفكر بالهزال
|
و في ( تاريخ بغداد ) : قال محمد الواثقي : كنت أنا و جماعة من الموالي و الأولياء و الخدم بين يدي الواثق في علّته التي مات فيها ، إذ لحقه غشية فما شككنا أنّه مات ، فقال بعضنا لبعض : تقدّموا فاعرفوا خبره فما جسر أحد منهم يتقدّم فتقدّمت أنا فلّما صرت عند رأسه ، و أردت أن أضع يدي على أنفه ،
اعتبر نفسه لحقته إفاقة ، ففتح عينيه فكدت أموت فزعا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي ، فتراجعت إلى خلف و تعلّقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس ، و عثرت به ، فاتّكأت عليه فاندقّ سيفي ، و كاد أن يدخل في لحمي و يجرحني ، و خرجت فاستدعيت سيفا و منطقة ، فلبستها و جئت حتّى وقفت في مرتبتي ساعة فتلف الواثق تلفا لم نشكّ فيه ، فتقدّمت فشددت لحييه و غمّضته و سجّيته و وجّهته إلى القبلة ، و جاء الفرّاشون فأخذوا ما تحته في المجلس ليردّوه الخزائن ، لأن جميعه مثبّت عليهم و ترك وحده في البيت و قال لي ابن أبي دؤاد القاضي : إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ، و لابدّ أن يكون أحد يحفظ الميّت ، و أحبّ أن أكون لأنّي كنت من أخصّهم به في حياته ، اصطنعني حتّى لقّبني الواثقي باسمه ، فقلت : دعوني و امضوا فرددت باب المجلس ،
و جلست في الصحن عند الباب أحفظه ، و كان المجلس في بستان عظيم أجرذيّة ، و هو بين بساتين ، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني ،
فدخلت فإذا بجرذون من دوابّ البستان قد جاء حتّى استلّ عين الواثق فأكلها فقلت سبحان اللّه ، العين التي فتحها منذ ساعة ، فاندق سيفي هيبة لها ، صارت
طعمة لدابّة ضعيفة
.
« لرأيت أشجان قلوب » أشجان جمع شجن بفتحتين أي : الحزن .
« و أقذاء عيون » قذى العين : ما يسقط فيها ، ثمّ إنّه و ان كان لو مثّلهم بعقله عرض له ما ينغّص عليه لذائذ الدنيا كما قال عليه السلام إلاّ إنّه يهوّن ذلك هموم الدنيا أيضا ، و في ( الكافي ) عن أبي بصير شكا إلى الصادق عليه السلام وسواس الدنيا فقال عليه السلام له : أذكر تقطّع أوصالك في قبرك ، و رجوع أحبّائك عنك إذا دفنوك في حفرتك ، و خروج بنات الماء من منخريك ، و أكل الدود لحمك ، فانّ ذلك يسلّي عنك ما أنت فيه ، قال أبو بصير فما ذكرته إلاّ سلا عنّي ما أنا فيه من هم الدّنيا
.
« لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل » الظاهر أنّ فظاعة مضافة إلى « صفة » و حال مبتدأ لقوله « لهم » بقرينة قوله بعد .
« و غمرة لا تنجلي » و الغمرة : الشدّة .
« و كم أكلت الأرض من عزيز جسد و أنيق لون » شيء أنيق أي : حسن معجب .
« كان في الدنيا غذيّ ترف » غذيّ فعيل من ( غذوت ) بمعنى المفعول .
« و ربيب شرف » كأولاد الملوك و الامراء ، و في ( بلدان الحموي ) :
عن عبد اللّه بن مالك الخزاعي : دخلت مع يحيى بن خالد لمّا خرجنا مع الرّشيد إلى الحيرة و قد قصدناها لنتنزّه بها ، و نرى آثار المنذر ، فدخل دير هند الأصغر فرأى آثار قبر النعمان و قبرها إلى جنبه ثمّ خرج إلى دير هند الكبرى و هو على طرف النجف فرأى في جانب حائطه شيئا مكتوبا فدعا
بسلّم و أمر بقراءته و فيه :
انّ بني المنذر عام انقضوا
|
|
بحيث شاد البيعة الرّاهب
|
تنفح بالمسك ذفاريهم
|
|
و عنبر يقطبه القاطب
|
و القزّ و الكتّان أثوابهم
|
|
لم يجب الصوف لهم جائب
|
و العزّ و الملك لهم راهن
|
|
و قهوة ناجودها ساكب
|
أضحوا و ما يرجوهم طالب
|
|
خيرا و لا يرهبهم راهب
|
كأنّهم كانوا بها لعبة
|
|
سار إلى أين بها الرّاكب
|
فأصبحوا في طبقات الثرى
|
|
بعد نعيم لهم راتب
|
شرّ البقايا من بقى بعدهم
|
|
قلّ و ذلّ جدّه خائب
|
قال : فبكى حتّى جرت دموعه على لحيته و قال : نعم هذا سبيل الدّنيا و أهلها
، و في ( طرائف الثعالبي ) : « اعجوبة في هلاك تسعة أملاك ، متناسقين في مدّة سنتين ٣٨٧ و ٣٨٨ و فيهم قال المؤلّف :
ألم تر مذ عامين أملاك عصرنا
|
|
يصيح بهم للموت و القتل صائح
|
فنوح بن منصور طوته يد الردى
|
|
على حسرات ضمّنته الجوانح
|
و يا بؤس منصور و في يوم سرخس
|
|
تمزّق عنه ملكه و هو طائح
|
و فرّق عنه الشّمل بالسمل فاغتدى
|
|
أسيرا ضريرا تعتريه الجوائح
|
و صاحب مصر قد مضى لسبيله
|
|
و والي الجبال غيّبته الصفائح
|
و صاحب جرجانيّة في ندامة
|
|
ترصّده طرف من الحين طامح
|
تساقوا كؤوس الرّاح ثمّ تشاربوا
|
|
كؤوس المنايا و الدّماء سوافح
|
خوارزم شاه شاه وجه نعيمه
|
|
و عنّ له يوم من النحس طالح
|
و كان علا في الأرض يخبطها أبو
|
|
عليّ إلى أن طوّحته المطاوح
|
فعارضه ناب من الشّرّ أعصل
|
|
و عنّ له طير من الشؤم بارح
|
و صاحب بست ذلك الضيغم الذي
|
|
براثنه للمشرقين مفاتح
|
أناخ به من صدمة الدهر كلكل
|
|
فلم يغن عنه و المقدّر سانح
|
خيول كأمثال السيول سوابح
|
|
فيول كأمثال الجبال سوارح
|
جيوش إذا أربت على عدد الحصى
|
|
تغصّ بها قيعانها و الصّحاصح
|
و دارت على صمصام دولة بويه
|
|
دوائر سوء قبلهنّ فوادح
|
و قد جاز والي الجوزجان قناطر
|
|
الحياة فوافته المنايا الطوامح
|
وفائق المجبوب قد جبّ عمره
|
|
فأمسى و لم يندبه في الأرض نائح
|
مضوا في مدى عامين و اختطفتهم
|
|
عقاب إذا طارت تخرّ الجوارح
|
أما لك فيهم عبرة مستفادة
|
|
بلى انّ نهج الاعتبار لواضح
|
هذا ، و في ( الطبري ) : انّ سابور بن اردشير أقام على حصن ضيزن أربع سنين لا يقدر على هدمه ، ثمّ انّ ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت أي حاضت فأخرجت إلى ربض المدينة أي ما حولها و كذلك كان يفعل بالنساء إذا عركن و كانت من أجمل نساء زمانها ، و كان سابور من أجمل أهل زمانه ، فرأى كلّ واحد منهما صاحبه فعشقته و عشقها فأرسلت إليه ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة و تقتل أبي ، قال : أحكمك و أرفعك على نسائي و أخصّك بنفسي دونهنّ قالت : تكتب في رجل حمامة و رقاء مطوّقة بحيض جارية بكر زرقاء ، ثمّ ترسلها فانّها تقع على حائط المدينة فتداعى المدينة ، و كان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلاّ هذا ، ففعل و تأهّب لهم ،
و قالت : أنا أسقي الحرس الخمر فاذا صرعوا فاقتلهم ، و ادخل المدينة ففعل و تداعت المدينة ففتحها عنوة ، و قتل الضّيزن و أباد أفناء قضاعة الذين كانوا مع الضّيزن ، و أخرب المدينة و احتمل النضيرة ابنة ضيزن فأعرس بها بعين التمر ، فذكر أنّها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها و هي من حرير
محشوّة ، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا ورقة اس ملتزقة بعنكة أي طيّ في البطن من السمّن من عنكها قد أثّرت فيها و كان ينظر إلى مخّها من لين بشرتها ، فقال لها سابور ويحك بأيّ شيء كان يغذوك أبوك ؟ قالت : بالزّبد و المخّ و شهد الأبكار من النحل و صفو الخمر ، قال : و أبيك لأنا أحدث عهدا بك من أبيك الّذي غذّاك بما تذكرين ، فأمر رجلا فركب فرسا جموحا ثمّ عصّب عذائرها بذنبه ثم أستركضها فقطّعها قطعا
.
« يتعلّل بالسرور في ساعة حزنه » في ( الطبري ) : قال زنام الزامر : قد وجد المعتصم في علّته التي توفّي فيها أفاقة فقال هيئوا لي الزّلال لأركب غدا ،
فركب و ركبت معه فمرّ في دجلة بإزاء منازله فقال يا زنام أزمر لي :
يا منزلا لم تبل اطلاله
|
|
حاشى لأطلالك أن تبلى
|
لم أبك أطلالك لكنّني
|
|
بكيت عيشي فيك إذ ولّى
|
و العيش أولى ما بكاه الفتى
|
|
لا بدّ للمحزون ان يسلى
|
فما زلت أزمر هذا الصوت حتّى دعا برطليّة ، فشرب منها قدحا ، و جعلت أزمره و أكرّره و قد تناول منديلا بين يديه ، فما زال يبكي و يمسح دموعه و ينتحب حتّى رجع إلى منزله و لم يستتم شرب الرطليّة ، و فيه أيضا في مقتل المتوكل : لم يكن المتوكل في يوم من الأيام أسرّ منه في ذلك اليوم ، أخذ مجلسه و دعا بالندماء و المغنّين فحضروا ، و أهدت إليه قبيحة امّ المعتزّ مطرف خزّ أخضر لم ير الناس مثله حسنا ، فنظر إليه ، فأطال النظر فاستحسنه و كثر تعجّبه منه ، و أمر به فقطّع نصفين و أمر بردّه عليها ثمّ قال لرسوله : و اللّه انّ نفسي لتحدّثني أنّي لا ألبسه و ما أحبّ أن يلبسه أحد بعدي ، و انّما أمرت بشقّه لئلاّ يلبسه أحد بعدي ، و أخذ في الشراب و اللّهو ، و لهج يقول : أنا مفارقكم
و اللّه عن قليل ، فلم يزل في لهوه و سروره إلى الليل ، و ذكر قتله في الليل
.
« و يفزع إلى السّلوة » في ( الصحاح ) : ( سلى عنّي الهمّ و تسلّى : انكشف و السّلوانه ( بالضمّ ) : خزرة كانوا يقولون إذا صبّ عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا )
.
إن مصيبة نزلت به » و في ( الأغاني ) : عن مسرور الخادم أنّ الرشيد لمّا أراد قتل جعفر لم يطّلع عليه أحد و دخل عليه جعفر في اليوم الذي قتله في ليلته ، فقال له : اذهب فتشاغل اليوم بمن تأنس به و اصطبح فإنّي مصطبح مع الحرم ، فمضى جعفر و لم يزل برّه و ألطافه تتابع إليه لئلاّ يستوحش ، فلمّا كان في الليل دعاني فقال : « اذهب فجئني السّاعة رأس جعفر » و ضمّ إليّ جماعة من الغلمان فمضيت حتّى هجمت عليه منزله و اذا أبو زكار الأعمى يغنّيه بقوله :
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي
|
|
عليه الموت يطرق أو يغادي
|
فقلت له : و اللّه في هذا المعنى و مثله جئتك فأجب ، فوثب و قال : جعلني اللّه فداك ، ما الخبر ؟ قلت قد امرت بأخذ رأسك فأكبّ على رجلي فقبّلها و قال : اللّه اللّه راجعه فيّ ، فقلت : مالي إلى ذلك سبيل ، قال : فاعهد ، قلت : ذاك لك ، فذهب يدخل إلى النساء فمنعته ، و قلت : اعهد في موضعك ، فدعا بدواة و كتب أحرفا على دهش ، ثمّ قال لي : بقيت واحدة ، قلت : هاتها قال : خذني معك إلى الرشيد حتّى أخاطبه ، قلت : مالي إلى ذلك سبيل ، قال : ويحك لا تقتلني بأمره على النبيذ فقلت : هيهات ما شرب اليوم شيئا قال : فخذني و احبسني عندك في الدّار ،
و عاوده في أمري قلت : أفعل ، فأخذته فقال لي أبو زكّار الأعمى : نشدتك اللّه إن قتلته الاّ ألحقتني به قلت : لقد اخترت غير مختار قال : و كيف أعيش بعده
و حياتي كانت به ؟ فمضيت بجعفر ، و دخلت إلى الرشيد فلمّا رآني قال : أين رأسه ويلك ؟ فأخبرته بالخبر ، فقال : يا ابن الفاعلة و اللّه لئن لم تجئني برأسه الساعة لآخذن رأسك فمضيت إليه فأخذت رأسه و وضعته بين يديه ، ثمّ أخبرته بخبره و ذكرت له خبر أبي زكّار الأعمى
.
« ضنّا بغضارة عيشه » أي : بخلا بطيب عيشه .
« و شحاحة بلهوه و لعبه » الشحاحة أشدّ البخل ، قال البحتري في سعد النوشري :
طلب البقاء بكلّ فال صالح
|
|
و بكلّ جاء سانح أو بارح
|
سمّاه سعدا ظنّ ان يحيى به
|
|
عمري لقد ألفاه سعد الذّابح
.
|
و في ( الكشف )
عن أعلام الطبرسي : أو لم بعض أولاد الخلفاء وليمة فدعا أبا الحسن ، أي : الهادي عليه السلام و دعا النّاس ، فلمّا رأوه أنصتوا إجلالا له ،
و جعل شابّ في المجلس لا يوقّره و يتحدّث و يضحك ، فأقبل عليه السلام عليه و قال :
يا هذا أتضحك بملء فيك و تذهل عن ذكر اللّه و أنت بعد ثلاث من أهل القبور ؟ قال : أي : الراوي ، فقلنا : هذا دليل ننظر ما يكون ، فأمسك الفتى و كفّ ، و طعمنا و خرجنا ، فلما كان بعد يوم اعتلّ الفتى ، و مات في اليوم الثالث و دفن فيه
« فبينما » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( فبينا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
.
« هو يضحك إلى الدنيا و تضحك الدّنيا » هكذا في ( المصرية )
و كلمة « الدنيا » زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
و لتقدّم ذكرها .
« إليه » ، قال الكناني في خلع المستعين :
و غدا الخليفة أحمد بن محمّد
|
|
بعد الخلافة و البهاء خليعا
|
كانت به الأيّام تضحك زهرة
|
|
و هو الربيع لمن أراد ربيعا
|
فازاله المقدور من رتب العلى
|
|
فثوى بواسط لا يحسّ رجوعا
|
« في ظلّ عيش غفول » في ( تاريخ الجزري ) : قبض عضد الدولة سنة ( ٣٦٦ ) على أبي الفتح بن عميد وزير أبيه و سمل عينه الواحدة و قطع أنفه ، و كان سبب ذلك أنّ أبا الفتح لمّا كان ببغداد مع عضد الدولة ، على ما شرحنا ، و سار عضد الدولة نحو فارس تقدّم إلى أبي الفتح بتعجيل المسير عن بغداد إلى الرّي ،
فخالفه و أقام و أعجبه المقام ببغداد ، و شرب مع بختيار و مال في هواه و اقتنى ببغداد أملاكا و دورا على عزم العود إليها إذا مات ركن الدولة ثمّ صار يكاتب بختيار بأشياء يكرهها عضد الدولة و كان له نائب يعرضها على بختيار فكان ذلك النائب يكاتب بها عضد الدولة ساعة فساعة ، فلمّا ملك عضد الدولة بعد موت أبيه كتب إلى أخيه فخر الدولة بالرّي يأمره بالقبض عليه و على أهله و أصحابه ، ففعل ذلك و انقرض بيت العميد على يده كما ظنّه أبوه ، و كان ليلة قبض عليه قد أمسى مسرورا ، فأحضر الندماء و المغنّيّن و أظهر من الآلات الذهبيّة و الزجاج المليح و أنواع الطيب ما ليس لأحد مثله و شربوا و عمل شعرا و غنّى له فيه ، و هو :
دعوت المنى و دعوت العلى
|
|
فلمّا أجابا دعوت القدح
|
و قلت لأيّام شرخ الشباب
|
|
إليّ و هذا أوان الفرح
|
إذا بلغ المرء آماله
|
|
فليس له بعدها مقترح
|
فلما غنّى في الشعر استطابه و شرب عليه إلى أن سكر ، و قام و قال لغلمانه : اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا ، و قال لندمائه بكّروا عليّ غدا لنصطبح و لا تتأخّروا ، فانصرف الندماء و دخل هو إلى بيت منامه ،
فلمّا كان في السحر دعاه مؤيّد الدولة فقبض عليه و أرسل إلى داره فأخذ جميع ما فيها و من جملته ذلك المجلس بما فيه
.
إذ وطئ به الدهر حسكه » في ( الصحاح ) : الحسك : حسك السّعدان ،
و السّعدان : نبت له شوك يشبّه به حملة الثدي ، و الحسك أيضا : ما يعمل من الحديد على مثاله و هو من آلات العسكر )
.
« و نقضت الأيّام قواه » القوى ( بالضمّ و الكسر ) : جمع القوّة .
« و نظرت إليه الحتوف » جمع الحتف : الموت .
« من كثب » ، أي : قرب ، و في ( الأغاني ) ( نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشّام و معه حبّابة ، فقال : زعموا أنّه لا تصفوا لأحد عيشة يوما إلى الليّل الاّ يكدّرها شيء عليه ، و سأجرّب ذلك ، ثمّ قال لمن معه : إذا كان غد ، فلا تخبروني بشيء و لا تأتوني بكتاب و خلا هو و حبّابة ، فأتيا بما يأكلان فأكلت رمّانة ،
فشرقت بحبّة منها فماتت ، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتّى تغيّرت و أنتنت و هو يشمّها و يرشفها ، فعاتبه على ذلك ذو و قرابته و أصدقائه و عابوا عليه ما يصنع و قالوا : قد صارت جيفة بين يديك حتى أذن لهم في غسلها و دفنها ،
و أمر فأخرجت في نطع ، و خرج معها لا يتكلّم حتّى جلس على قبرها ، فلمّا دفنت قال : أصبحت و اللّه كما قال كثيّر :
فإن يسل عنك القلب أو يدع الصّبى
|
|
فباليأس يسلو عنك لا بالتجلّد
|
فكلّ خليل رآءني فهو قائل
|
|
من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
|
فما قام إلاّ خمس عشرة ليلة حتّى دفن إلى جنبها
و روى المدائني : أنّه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيّام من دفنها ، فقال : لابدّ أن تنبش ، فنبشت و كشف له عن وجهها و قد تغيّر تغيّرا قبيحا فقيل له : اتق اللّه ، ألا ترى كيف صارت ؟ فقال :
ما رأيتها أحسن منها اليوم ، أخرجوها ، فجاءه مسلمة و وجوه أهله ، فلم يزالوا به حتّى أزالوه عن ذلك و دفنوها ، فانصرف فكمد كمدا شديدا حتّى مات ، فدفن إلى جنبها و روى أنّه لمّا ماتت لم يستطع يزيد الرّكوب من الجزع ، فحمل على منبر على رقاب الرجال
و في ( وصايا أبي حاتم ) عن حصين : إنّي لقائم على رأس سليمان بن عبد الملك أذبّ عنه بمنديل إذ غزا الصائفة إذ تشممّ ، فوجد رائحة خبز فقال : إئتوني من هذا الخبز ، فأتوه بثلاثة أرغفة عظام من خبز الفرني ، فقال : يا غلام انطلق إلى المطبخ فانظر هل تصيب مخّا ، فانطلق فنكت عظاما ممّا طبخ ثمّ أقبل به في شيء ، فلما رآه قال : ويلك ما هذا ؟ فانصرف الغلام فما ترك في المطبخ عظما إلاّ نكته ثمّ أتى به في صحفة ، فأكل تلك الأرغفة الحارّة بذلك المخّ ثم وثب ، فدخل على امّ سلمة بنت عمر بن سهل فما نزل عن بطنها إلاّ و هو مغشيّ عليه ، فأقام يوما و ليلة ثمّ أفاق ، فقال : هو الموت فلم يلبث بعد ذلك إلاّ ستّة أيّام حتى هلك
.
« فخالطه بثّ لا يعرفه » أي : حزن لم يكن له قبل .
« و نجّي همّ ما كان يجده » ، قال الشاعر : ( و همّ يأخذ النجواء منه ) ، في ( الشعراء ) : ( لقي النعمان عبيد بن الأبرص في يوم بؤسه ، و لعبيد أكثر من ثلاثمائة سنة ، فلمّا رآه قال : هلاّ كان هذا لغيرك يا عبيد أنشدني فربّما أعجبني شعرك ، قال : ( حال الجريض دون القريض ) قال أنشدني : ( اقفر من أهله ملحوب ) فقال :
أقفر من أهله عبيد
|
|
فاليوم لا يبدي و لا يعيد
|
فقال : أي قتلة تختار ؟ قال : اسقني الخمر حتّى إذا ثملت ، أفصدني الأكحل ففعل ذلك و لطخ بدمه الغرييّن ، و كان بناهما على نديمين له خالد الفقعسي و عمرو بن مسعود ، و قوله : ( حال الجريض دون القريض ) مثل ،
أصله ، أنّ رجلا نبغ في الشعر ، فنهاه أبوه عنه ، فجاش في صدره و مرض ،
حتّى أشرف على الهلاك فأذن له أبوه فقال : ( حال الجريض دون القريض )
.
« و تولّدت فيه فترات علل » ( فتر الحرّ ) : ضعف و انكسر ، و فتّره اللّه .
« آنس ما كان بصحّته » في ( المروج ) في غزوة المأمون الروم ، و فتحه حصونهم : و انصرف فنزل على عين البديدون ، فأعجبه برد مائها و صفاؤه ،
و طيب حسن الموضع و كثرة الخضرة ، فأمر بقطع خشب طوال و أمر به ،
فبسط على العين كالجسر و جعل فوقه كالأزج من الخشب و ورق الشجر ،
و جلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له و الماء تحته ، و طرح في الماء درهم صحيح فقرأ كتابته و هو في قرار الماء لصفاء الماء ، و لم يجسر أحد يدخل يده في الماء من شدّة برده فبينا هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذّراع كأنّها سبيكة فضّة ، فجعل لمن يخرجها سيفا فبدر بعض الفّراشين فأخذها و صعد ،
فلما صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت و أفلتت من يد الفرّاش فوقعت في الماء كالحجر ، فنضح من الماء على صدر المأمون و نحره و ترقوته فبلّت ثوبه ، ثم انحدر الفرّاش ثانية فأخذها و وضعها بين يدي المأمون في منديل يضطرب فقال المأمون : تقلى الساعة ،
ثمّ أخذته رعدة من ساعته ، فلم يقدر يتحرّك من مكانه ، فغطّى باللّحف و الدّواويج ، و هو يرتعد و يصيح البرد البرد ، ثمّ دثّر ، و أوقدت النيران حوله ،
و هو يصيح البرد البرد ، ثم أتي بالسمكة و قد فرغ من قليها فلم يقدر على الذوق منها ، و شغله ما هو فيه عن تناول شيء منها ، و لمّا اشتدّ به الأمر سأل المعتصم بختيشوع و ابن ماسويه عن المأمون و هو في سكرات الموت ،
ما الذي يدلّ عليه الطبّ من أمره ؟ فأخذ ابن ماسويه احدى يديه و بختيشوع الاخرى ، و أخذ المجسّة من كلتا يديه ، فوجدا نبضه خارجا من الاعتدال ، منذرا بالفناء و الانحلال ، و التزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه ، من ساير جسده ، كالزيّت ، أو كلعاب الأفاعي ، فأخبر المعتصم بذلك ، فسألهما عن ذلك ،
فأنكرا معرفته ، و أنّهما لم يجداه في شيء من الكتب ، و أنّه دالّ على انحلال الجسد ، فأفاق من غشيته ، فأمر بإحضار اناس ، فسألهم عن اسم العين و الموضع فقيل له : القشيرة أي مدّ رجليك فلما سمعها اضطرب و تطيّر ،
فقال : ما اسم الموضع بالعربية ؟ قالوا : الرّقّة ، و كان فيما عمل من مولد المأمون انّه يموت بالموضع المعروف بالرقّة ، و كان كثيرا ما يحيد عن المقام بمدينة الرقّة فرقا من الموت ، فلمّا سمع هذا من أهل الروم علم أنّه الموضع الذي وعد فيه
.
« ففزع إلى ما كان عوّده الأطباء من تسكين الحارّ بالقارّ » القارّ : البارد .
« و تحريك البارد بالحارّ » ، في ( الطبري ) : ( ذكروا أنّ علّة فوت الواثق الاستسقاء ، فعولج بالإقعاد في تنور مسخّن ، فوجد لذلك راحة و خفّة ممّا كان به ، فأمرهم بالغد بزيادة في إسخان التنّور ففعل ذلك ، و قعد فيه أكثر من قعوده في الأمس فحمى عليه ، فاخرج منه و صيّر في محفّة فلم يعلموا بموته حتّى ضرب بوجهه المحفّة فعلموا انّه قد مات
.
« فلم يطفئ ببارد إلاّ ثوّر حرارة » يطفى ، من ( طفأت النار ) و « ثوّر » من ( ثوّر عليهم الشّرّ ) : هيّجه .
« و لا حرّك بحارّ إلاّ هيّج برودة » قالوا بالفارسية :
از قضا سركنگبين صفر أفزود
|
|
روغن بادام خشكى مينمود
|
و في ( الطبري ) : قيل في موت الرشيد أنّ جبرئيل بن بختيشوع غلط عليه في علّته في علاج عالجه به كان سبب منيّته فكان الرشيد همّ ، ليلة مات ، بقتله و أن يفصله كما فصل أخا رافع ، فدعا بجبرئيل ليفعل ذلك به ، فقال له جبرئيل :
أنظرني إلى غد فانّك ستصبح في عافية ، فمات في ذلك اليوم .
قلت : فلابدّ أن يغلط طبيب مثل جبرئيل حتى ينزل عليه عزرائيل و تمضي فيه مقادير الملك الجليل
هذا ، و في ( خلفاء السيوطي ) : قال شمس الدين الجزري : كان الماء الّذي يشربه النّاصر العبّاسي تأتي به الدوّاب من فوق بغداد بسبع فراسخ و يغلي سبع غلوات كلّ يوم غلوة ، ثمّ يحبس في الأوعية سبعة أيام ثمّ يشرب منه ، و مع هذا ما مات حتّى سقى المرقد مرّات ،
و شقّ ذكره و أخرج منه الحصى و مات منه ، مات سنة ٦٢٢
.
« و لا اعتدل بممازج لتلك الطبايع إلاّ أمدّ منها كلّ ذات داء » في ( البيان ) : قيل لعمرو بن العاص في مرض موته : كيف تجدك ؟ قال : أجدني أذوب و لا أثوب ،
و أجد نجوى أكثر من رزئي فما بقاء الشيخ على ذلك ؟ و قيل لإعرابي كانت به أمراض عدّة : كيف تجدك ؟ قال : أمّا الّذي يعمدني فحصر و أسر
، و الحصر ( بالضمّ ) : اعتقال البطن ، و الأسر ( بالضمّ ) : حبس البول .
« حتّى فتر معلّله » أي : ضعف و انكسر من يتصدّى أمر علّته ، و في ( أخبار حكماء القفطي ) : مرض الهادي ، فجمع الأطباء أبو قريش ، و الطيفوري ، و داود بن سرفيون ، فقال لهم : أنتم تأكلون أموالي و جوائزي و في وقت الشدّة تتغافلون عنّي ، فقال له أبو قريش : علينا الإجتهاد ، و اللّه يهب السّلامة ، فاغتاظ من هذا فقال له الربيع : قد وصف لنا ( بنهر صرصر ) طبيب ماهر ، يقال له يشوع بن نضر ، فأمر بإحضاره و بقتل أولئك الأطباء ، فلم يتصدّ الربيع لقتلهم لعلمه باختلاط عقله من شدّة المرض ، و أرسل إلى طبيب ( نهر صرصر ) و أحضره ، فدخل على الهادي ، فقال له : رأيت القارورة ، قال : نعم هوذا أعمل لك دواء نأخذه و إذا كان على تسع ساعات تبرأ و تخلص ، و خرج من عنده ، و قال للأطباء : لا تشغلوا قلوبكم في هذا اليوم ، و كان الهادي أمر له بعشرة آلاف درهم ليبتاع له بها الدّواء ، فأخذها و سيّرها بيته ، و أحضر أدوية و جمع الأطباء بالقرب من موضع الهادي ، و قال لهم : دقّوا حتّى يسمع و يسكن ، فإنّكم في آخر النهار تتخلنصون ، و كلّ ساعة يدعو به الهادي و يسأله عن الدواء فيقول : هوذا تسمع صوت الدّق ، فيسكت و لمّا كان بعد تسع ساعات مات و تخلّص الأطباء
.
ــــــــــــ
« و ذهل ممرّضه » يجوز في « ذهل » الفتح و الكسر و الذّهول : الغفلة .
« و تعايا أهله بصفة دائه » ، في ( الصحاح ) : ( عيّ بأمره و عيي ) إذا لم يهتد لوجهه و تعيّا و تعايا بمعنى
، في ( الشعراء ) : خرج صخر بن عمرو أخو الخنساء في غزاة ، فأصابه جرح رغيب فمرض من ذلك و طال مرضه ، و عاده قومه و كانوا إذا سألوا عنه امرأته قالت : لا هو حيّ فيرجى ، و لا ميّت فينسى
.
« و خرسوا عن جواب السائلين عنه » المراد أنّهم لصعوبة المرض و يأسهم من برئه لا يدرون أيّ شيء يجيبون ، فهم كالأخرس الّذي لا يجيب سؤالك .
« و تنازعوا دونه » ، في انتخاب الطبيب ، و تبديل طبيب بطبيب ، و دواء بدواء .
« شجيّ خبر يكتمونه » في ( الصحاح ) : الشّجو : الهمّ و الحزن ، قال المبرّد في قولهم : ( ويل للشجّي من الخليّ ) ياء ( الشجّي ) مخفّفة ، و ياء ( الخليّ ) مشدّدة
.
« فقائل هو لما به » و هو : من لم يكن له به فضل علاقة .
« و ممنّ لهم إياب عافيته » أي : يتمنّى عود عافيته و في خبر صخر أخي الخنساء المتقدّم بعد ذكر جواب امرأته السائلين عنه بأنّه لا حيّ و لا ميّت و اذا سألوا امّه قالت أصبح صالحا بنعمة اللّه فقال صخر :
أرى امّ صخر لا تملّ عيادتي
|
|
و ملّت سليمى مضجعي و مكاني
|
و ما كنت أخشى أن أكون جنازة
|
|
عليك و من يغترّ بالحدثان
|
و أيّ امرئ ساوى بأمّ حليلة
|
|
فلا عاش إلاّ في شقا و هوان
|
لعمري لقد نبّهت من كان راقدا
|
|
و اسمعت من كانت له اذنان
|
و عاد الوليد بن عبد الملك أباه في مرض موته فقال :
و مستخبر عنّا يريد بنا الردى
|
|
و مستخبرات و العيون سواجم
|
« و مصبّر لهم على فقده » أي : حاملهم على الصبر عليه .
« يذكرّهم أسى الماضين من قبله » في ( الصحاح ) : « أسى » بالضم و الكسر جمع الاسوة بالضمّ و الكسرة : ما يؤتسى به أي : يتسلّى
و في ( ديوان المعاني ) : مات لأعرابيّ ثلاثة بنين في يوم واحد و دفنهم ، و عاد إلى مجلسه و جعل يتحدّث كأن لم يفقد واحدا ، فليم على ذلك فقال : ليسوا في الموت ببدع ،
و لا أنا في المصيبة بأوحد ، و لا جدوى للجزع فعلام تلومونني ؟
« فبينما » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( فبينا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا » في ( الأساس ) : هو في جناح طائر ، إذا وصف بالقلق و الدهش .
« و ترك الأحبّة » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال : يا محمّد عش ما شئت فانّك ميّت ، و أحبّ ما شئت فانّك مفارقه ، و اعمل ما شئت فانّك لاقيه
.
« إذ عرض له عارض من غصصه » في ( الجمهرة ) : الغصّة ما اعترض في الحلق فأشرق ، و ذو الغصّة : لقب رجل من فرسان العرب ، و الغصص بالريّق ،
و الشرق بالماء ، فإذا كان في مرض و ضعف فهو جرض ، و اذا كان من كرب أو بكاء فهو جأز ، قال لبيد :
و ما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه
|
|
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
|
قال ابن أبي الحديد : يقال : إنّ كلّ ميّت من الحيوان لا يموت إلاّ خنقا ، لأنّه من النّفس يدخل ، فلا يخرج عوضه ، أو يخرج فلا يدخل عوضه ، و يلزم من ذلك الاختناق ، لأنّ الرّئة لا تبقى حينئذ مروحة للقلب ، و إذا لم تروحه اختنق
.
« فتحيّرت نوافذ فطنته » من باب اضافة الصفة .
« و يبست رطوبة لسانه » قالوا : إنّ الرطوبة اللعابية التي بها يكون الذّوق ينشف حينئذ ، و يبطل الإحساس باللّسان تبعا لسقوط القوّة .
« فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه » في ( الفقيه ) عن أبي جعفر عليه السلام قال : دخلت على محمّد بن الحنفية و قد اعتقل لسانه فأمرته بالوصيّة فلم يجب فأمرت بطشت فجعل فيه الرمّل ، فقلت له : خطّ بيدك فخطّ وصيّته بيده في الرمل و نسخت أنا في صحيفة
، و عنه عليه السلام : أنّ أمامة بنت أبي العاص ،
و امّها زينب بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله كانت تحت عليّ عليه السلام بعد فاطمة عليها السلام فخلف عليها المغيرة بن نوفل فوجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها ،
فجاءها الحسن و الحسين عليهما السلام و هي لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها و المغيرة كاره أعتقت فلانا ؟ فجعلت تشير برأسها لا ، و كذا كذا ، تشير
برأسها نعم لا تفصح بالكلام فأجازا ذلك لها
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : أنّ فاطمة بنت أسد و كانت أوّل امرأة هاجرت من مكّة إلى المدينة على قدميها قالت للنبي صلّى اللّه عليه و آله : أريد أن أعتق جاريتي هذه ، فقال لها : إن فعلت اعتق اللّه بكلّ عضو منها عضوا منك في النّار ، فلمّا مرضت اعتقل لسانها فجعلت توميء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إيماء ، فقبل وصيّتها
.
« و دعاء مؤلم بقلبه » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( لقلبه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« سمعه » في ( شعراء القتيبي ) : كان صخر أخو الخنساء يسمع امرأته إذا سئلت عنه ، تقول : ( لا هو حيّ فيرجى و لا ميّت فينسى ) فيشقّ عليه ، فقال ،
ناولوني سيفي لأنظر كيف قوّتي و أراد قتلها فناولوه السّيف فلم يطق ، ففي ذلك يقول :
أ همّ بأمر الحزم لو استطيعه
|
|
و قد حيل بين العير و النّزوان
|
« فتصامّ عنه » في ( الصحاح ) : ( أصممته ) وجدته أصمّ و « تصامّ » أرى ذلك من نفسه و ليس به
.
« من كبير كان يعظّمه أو صغير كان يرحمه » قالوا : الكبير كوالده و الصغير كولده .
« و انّ الموت لغمرات » في ( الصحاح ) : غمرات الموت : شدائده
.
« هي أفظع من أن تستغرق بصفة » و إنّما بيّنوا غمراته بالمثل .
« أو تعتدل على قلوب » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( على عقول ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« أهل الدّنيا » في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام : إنّ فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبّدين و كانت العادة فيهم فخرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا ، فمرّوا بقبر على ظهر الطريق إلى أن قال بعد دعائهم لحياته قالوا :
دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت ، فقال : لهم سكنت في قبري تسع و تسعين سنة ما ذهب عنّي ألم الموت ، و لا كربه ، و لا خرجت حرارة طعم الموت من حلقي
. .
٩
الخطبة ( ٢٢٥ ) و من الخطبة له عليه السلام :
فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ وَ ذَخِيرَةُ مَعَادٍ وَ عِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ وَ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا يَنْجَحُ اَلطَّالِبُ وَ يَنْجُو اَلْهَارِبُ وَ تُنَالُ اَلرَّغَائِبُ فَاعْمَلُوا وَ اَلْعَمَلُ يُرْفَعُ وَ اَلتَّوْبَةُ تَنْفَعُ وَ اَلدُّعَاءُ يُسْمَعُ وَ اَلْحَالُ هَادِئَةٌ وَ اَلْأَقْلاَمُ جَارِيَةٌ وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً فَإِنَّ اَلْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ وَ مُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ وَ مُبَاعِدُ
طِيَّاتِكُمْ زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ وَ قِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ وَ وَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ وَ تَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ وَ أَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ وَ عَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ وَ تَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ وَ قَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ وَ اِحْتِدَامُ عِلَلِهِ وَ حَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ وَ غَوَاشِي سَكَرَاتِهِ وَ أَلِيمُ إِرْهَاقِهِ وَ دُجُوُّ أَطْبَاقِهِ وَ جُشُوبَةُ مَذَاقِهِ فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ وَ فَرَّقَ نَدِيَّكُمْ وَ عَفَّى آثَارَكُمْ وَ عَطَّلَ دِيَارَكُمْ وَ بَعَثَ وُرَّاثَكُمْ يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٍّ لَمْ يَنْفَعْ وَ قَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ وَ آخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَ اَلاِجْتِهَادِ وَ اَلتَّأَهُّبِ وَ اَلاِسْتِعْدَادِ وَ اَلتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ اَلزَّادِ وَ لاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِيَةِ وَ اَلْقُرُونِ اَلْخَالِيَةِ اَلَّذِينَ اِحْتَلَبُوا دِرَّتَهَا وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا وَ أَخْلَقُوا جِدَّتَهَا وَ أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وَ أَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً لاَ يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ وَ لاَ يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ وَ لاَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ فَاحْذَرُوا اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ لاَ يَدُومُ رَخَاؤُهَا وَ لاَ يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا وَ لاَ يَرْكُدُ بَلاَؤُهَا أقول : « فإنّ تقوى اللّه مفتاح سداد » يجوز في « سداد » هنا كسر السيّن و فتحها كلّ بمعنى ، ففي ( ديوان المعاني ) : إنّ المأمون ذكر حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : ( إنّ الرّجل اذا تزوّج المرأة لدينها و جمالها كان فيها سداد من عوز ) بفتح السين ، فقال له النضر بن شميل : ( سداد ) بكسر السّين ، فقال له المأمون : فما الفرق ؟ قال السّداد بالفتح القصد في الدين و السبيل ، و السّداد بالكسر البلغة
، أي : ما يسدّ به الخلّة و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا
و يرزقه من حيث لا يحتسب .
.
« و ذخيرة معاد » و تزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى
.
« و عتق من كلّ ملكة » لا يملكه شيء من شهوات الدّنيا و علايقها كأهل الدّنيا لما يعلم من فنائها بما فيها ، و عدم الإعتبار بشيء منها ، و لنعم ما قيل بالفارسية :
غلام همّت آنم كه زير چرخ كبود
|
|
زهر چه رنگ تعلّق پذيرد آزاد است
|
« و نجاة من كلّ هلكة » روى في ( الخصال ) في طريق عامي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال : بينا ثلاثة نفر في من كان قبلكم يمشون ، إذ أصابهم مطر ، فآووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض : و اللّه ، ما ينجيكم إلاّ الصدق فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم عزّ و جلّ انّه قد صدق فيه ، فقال أحدهم : اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ ، فذهب و تركه فزرعته ، فصار من أمره أنّي اشتريت من ذلك بقرا ، ثم أتاني فطلب أجرته فقلت : اعمد على تلك البقرة فسقها فقال : إنّما لي عندك فرقا من أرزّ ، فقلت : فانّها من ذاك فساقها ، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا ، فانساخت الصخرة عنهم شيئا ،
و قال الآخر ، اللّهمّ ان كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم فأبطأت عليهما ذات ليلة ، فأتيتهما و قد رقدا ، و أهلي و عيالي يتضاغون من الجوع ، فكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي ، فكرهت أن أيقظهما من رقدتهما و كرهت أن أرجع فيستيقظا لشربهما ، فلم أزل أنتظرهما حتّى
طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا ، فانساخت الصخرة عنهم حتى نظروا إلى السماء و قال الآخر : اللّهم إن كنت تعلم أنّه كانت لي ابنة عمّ راودتها عن نفسها فأبت عليّ الاّ أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتّى قدرت عليها ، فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها ، فلمّا قعدت بين رجليها قالت : اتقّ اللّه و لا تفضّ الخاتم إلاّ بحقّه ، فقمت عنها و تركت لها المائة ، فان كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا
ففرّج اللّه تعالى عنهم فخرجوا .
« بها ينجح الطالب » أهم المطالب حصول الجنّة ، و قد قال تعالى : تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيّا
.
« و ينجو الهارب » أحقّ الأشياء بالهرب منها النار ، و قد قال تعالى : و إن منكم إلاّ واردها كان على ربّك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتّقوا و نذر الظالمين فيها جثيا
.
« و تنال الرغائب » الرغائب جمع الرغيبة : العطاء الكثير ، و لا رغيبة فوق كون العبد مكرما عند ربّه قال تعالى : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن و فدا
.
« فاعملوا و العمل يرفع » ، فبعد الموت ليس عمل يرفع .
« و التوبة تنفع » قال تعالى : و ليست التوبة للذين يعملون السيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال انّي تبت الآن .
.
« و الدعاء يسمع » حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
.
« و الحال هادئة » أي : ساكنة .
« و الأقلام جارية » لكتابة الحسنات .
« و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا » ، الأصل في النّكس نصل ينكسر ثمّ كثر حتّى سمّوا كلّ ضعيف نكسا ، قال تعالى : و من نعمّره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون
.
« و مرضا حابسا » عن كثير من الأعمال ، فقالوا : إغتنموا صحّتكم قبل سقمكم
.
« أو موتا خالسا » في ( الصحاح ) : خلست الشيء و أخلسته إذا استلبته
،
فليغتنم الحياة قال البحتري :
و كانت حياة الحيّ سوقا إلى الرّدى
|
|
و أيّامه دون الممات مراحل
|
« فإنّ الموت هادم لذاتكم » في ( الطبري ) عن جبرئيل بن بختيشوع قال :
كنت مع الرشيد بالرقّة و كنت أوّل من يدخل عليه في كلّ غداة ، أتعرّف حاله في كلّ ليلة ، فإن كان أنكر شيئا وصفه ، ثم ينبسط ، فيحدّثني بحديث جواريه و ما عمل في مجلسه ، و مقدار شرابه ، و ساعات جلوسه ، ثمّ يسألني عن أحوال العامّة و أخبارها ، فدخلت عليه في غداة يوم فسلّمت فلم يكن يرفع طرفه إليّ ،
و رأيته عابسا مفكّرا مهموما ، فوقفت بين يديه مليّا من النّهار و هو على تلك الحال ، فلمّا كان ذلك أقدمت عليه ، فقلت : يا سيّدي ما حالك هكذا ، أعلّة ؟
فأخبرني ، فلعلّه يكون عندي دواؤها أو حادثة في بعض من تحبّ ؟ فذاك ما لا يدفع و لا حيلة فيه إلاّ التسليم أو فتق ورد في ملكك ؟ فلم تخل الملوك من ذلك و أنا أولى من أفضيت إليه بالخبر ، و تروحت إليه بالمشورة فقال : ويحك يا جبرئيل ليس غمّي لشيء ممّا ذكرت ، و لكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه ، و قد أفزعتني و أقرحت قلبي فقلت : فرّجت عنّي هذا الغمّ كلّه لرؤيا إنّما تكون من خاطر أو بخارات رديّة أو من تهاويل السّوداء و انّما هي أضغاث أحلام بعد هذا كلّه ، فقال : أقصّها عليك : رأيت كأني جالس على سريري هذا ، إذ بدت من تحته ذراع و كفّ أعرفها لا أفهم اسم صاحبها ، و في الكفّ تربة حمراء ، فقال لي قائل أسمعه و لا أرى شخصه : هذه التربة التي تدفن فيها ، فقلت : و أين هذه التربة ؟ قال : بطوس ، و غابت اليد و انقطع الكلام و انتبهت ، فقلت : يا سيّدي أحسبك أخذت مضجعك ففكّرت في خراسان و حرونها و ما قد ورد عليك من انتقاض بعضها ، قال : قد كان ذاك قلت : فلذلك الفكر خالطك في منامك ما خالطك ، فولّد هذه الرؤيا ، ثم قدّر مسيره إلى خراسان حين خرج رافع ، فلمّا صار في بعض الطريق ابتدأت به العلّة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طوس فنزلنا في منزل جنيد بن عبد الرحمن في ضيعة له تعرف بسناباد فبينا هو يمرّض في بستان في ذلك القصر ، إذ ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملا يقوم و يسقط فاجتمعنا إليه كلّ يقول : يا سيدي ما دهاك فقال : يا جبرئيل تذكر رؤيا بالرّقّة في طوس ، ثمّ دفع رأسه إلى مسرور فقال : جئني من تربة هذا البستان ، فمضى مسرور فأتى بالتربة في كفّه ، حاسرا عن ذراعه فلما نظر إليه قال : هذه و اللّه ،
الذّراع الّتي رأيتها في منامي و هذه و اللّه ، الكفّ بعينها ، و هذه و اللّه ، التربة
الحمراء ما خرمت شيئا ، و أقبل على البكاء و النحيب ، ثم مات بها بعد ثلاثة و دفن في ذلك البستان
.
« و مكدّر شهواتكم » ( نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا ) .
« و مباعد طيّاتكم أي : نيّاتكم فإنّ لكلّ إنسان نيّات أعمال كثيرة يحول الموت بينه و بينها ، فيباعده عنها .
« زائر غير محبوب » لمّا احتضر الحطيئة قال :
لكلّ جديد لذّة غير انّني
|
|
وجدت جديد الموت غير لذيذ
|
« و قرن غير مغلوب » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : الأرض بين يدي ملك الموت كالقصعة يمدّ يده منها حيث يشاء و القرن ( بالكسر ) كفوك في الحرب
.
« و واتر غير مطلوب » الواتر : من قتل منك واحدا فتطلبه بدمه ، إلاّ أنّ ذاك لواتر لا يطلبه أحد ، و لنعم ما قيل بالفارسية :
چه شد كز يك كماندار فنا اين لشكر بيحد
|
|
به سر دارند از لوح مزار خود سپرها را
|
« قد أعلقتكم حبائله » جمع الحبالة ما يصاد به .
« و تكنفتكم غوائله » أي : أحاطتكم بلاياه التي تذهب بعقولكم من شدّتها .
« و أقصدتكم معابله » جمع المعبلة : نصل عريض طويل « و أقصدتكم » أي : و أصابتكم و قتلتكم في المكان في ( الكافي ) عن الباقر عليه السلام في جمع جلوس تعتريهم السكتة ، تلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم
.
« و عظمت فيكم سطوته » و السطوة : القهر بالبطش .
« و تتابعت عليكم عدوته » أي : تجاوزه و عن الصادق عليه السلام ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و ملك الموت يتصفّحهم كلّ يوم خمس مرّات
.
« و قلّت عنكم نبوته » نبا السيف ، إذا لم يعمل في الضريبة ، و المراد بقلّة نبوته : دوام تأثيره .
« فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله » يوشك : يقرب ، و « الدّواجي » جمع داجية ، و الأصل في الدّجا : الشمول ، فيقال ( ثوب داج ) : غطّى جسده ، و يقال : ( إنّه لفي عيش داج )
( و ما كان ذلك مذ دجا الاسلام ) و قيل لأعرابي : ( بم تعرف حمل شاتك ؟ فقال : إذا استفاضت خاصرتها و دجت شعرتها ، و لازمه في قولهم ( بدر الدّجى ) و ( ليل داج ) الظلمة ، لا أنّها الأصل .
« و احتدام علله » أي : التهاب أمراضه .
« و حنادس غمراته » في ( الصحاح ) : و الحندس : الليل الشديد الظلمة ،
و الغمرات : الشدائد
.
« و غواشي سكراته » و جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد
.
« و أليم إزهاقه » أي : اخراجه للروح و نقله ابن أبي الحديد : ارهاقه و جعل « ازهاقه » رواية
.
« و دجوّ إطباقه » قال ابن أبي الحديد : إطباقه : جمع طبق ، أي : تكاثف ظلماته
كأنّها طبق فوق طبق
.
قلت : بل الظاهر كون « إطباقه » مصدرا مثل « ازهاقه » و قد عرفت الأصل في ( دجوّ ) ، في « دواجي ظلله » فيكون من باب الصّفة التأكيدية .
« و جشوبة » أي : غلظة .
« مذاقه فكانّ قد أتاكم بغتة » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : مات داود النبيّ مفجوءا ، و أظلّته الطير بأجنحتها ، و مات موسى كليم اللّه في ليلة ، فصاح صائح من السماء : مات موسى ، و أيّ نفس لا تموت ؟ و موت سليمان عليه السلام قائما متّكئا على عصاه مذكور في القرآن
.
« فاسكت نجيّكم » في ( الصحاح ) : النجيّ على فعيل : الّذي تسارّه ، و قد يكون النجيّ و النّجوى اسما و مصدرا
و في ( الطبري ) : لما احتضر المعتصم جعل يقول : ذهبت الحيل ، ليست حيلة حتّى اصمت
.
« و فرّق نديّكم » قال الجوهري : الندي على فعيل ، مجلس القوم ، فإن تفرّق القوم فليس بنديّ ، و منه سمّيت دار الندوة بمكّة التي بناها قصيّ ، لأنّهم كانوا يندون فيها أي : يجمعون للمشاورة
، و لمهلهل في أخيه كليب :
نبّئت أنّ النار بعدك اوقدت
|
|
و استبّ بعدك يا كليب المجلس
|
و تكلّموا في كلّ أمر عظيمة
|
|
لو كنت شاهدها اذا لا ينبسوا
|
و للنّاشي :
و كان لنا أصدقاء حماة
|
|
و أعداء سوء فلم يخلدوا
|
تساقوا جميعا كؤوس الحمام
|
|
فمات الصديق و مات العدوّ
|
و قال لبيد في أخيه أربد :
و هل حدثت عن أخوين داما
|
|
على الأيام إلاّ ابني شمام
|
و إلاّ الفرقدان و آل نعش
|
|
خوالد ما تحدّث بانهدام
|
قال الجوهري : شمام : جبل له رأسان يسمّيان ابني شمام ، و الفرقدان :
نجمان قريبان من القطب ، و المراد بآل نعش كواكب بنات نعش الكبرى ،
و بنات نعش الصغرى ، قال الجوهري : كلّ منهما سبعة كواكب أربعة منها نعش ، و ثلاث بنات
.
قلت : و استثناؤه لرأسي ذاك الجبل و لكوكبي الفرقدين و كواكب بنات من عدم الدّوام على الأيام بالنسبة إلى البشر و إلاّ فتلك أيضا لا تدوم إلى المحشر ، قال تعالى : يوم تبدّل الأرض غير الأرض و السّماوات و برزوا للّه الواحد القهّار
.
« و عفّى آثاركم » قال الجوهري ( عفّت الريح المنزل ) : درسته ، و ( عفا المنزل ) : درس ، يتعدّى و لا يتعدّى ، و ( عفّتها الريح ) شدّد للمبالغة
.
في ( بيان الجاحظ ) : بينا حذيفة و سلمان يتذاكران أعاجيب الدنيا و هما في عرصة أيوان كسرى ، و كان أعرابيّ من غامد يرعى شويهات له نهارا ، فاذا كان الليل صيّرهنّ إلى داخل العرصة ، و في العرصة سرير رخام كان كسرى ربّما جلس عليه فصعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى ، فقال سلمان
و من أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى
.
« و عطّل دياركم » في ( ابن خلكان ) : إجتاز بعض الادباء بدار الرّضيّ رضى اللّه عنه و قد ذهبت بهجتها و اخلقت ديباجتها و بقايا رسومها تشهد لها بالنّضارة و حسن الشارة فوقف عليها متعجّبا من صروف الزّمان و طوارق الحدثان فتمثّل بقول الرضي رضى اللّه عنه :
و لقد وقفت على ربوعهم
|
|
و طلولهم بيد البلى نهب
|
فبكيت حتى ضجّ من لغب
|
|
نضوى و لجّ بعذلي الرّكب
|
و تلفّتت عيني فمذ خفيت
|
|
عنّي الطلول تلفّت القلب
|
فمرّ به شخص و هو ينشد الأبيات فقال له : هل تعرف هذه الدار ؟ قال : لا .
قال : لصاحب الأبيات ، الرّضيّ ، فعجب كلاهما من حسن الاتّفاق
.
« و بعث ورّاثكم يقتسمون ميراثكم » في ( المروج ) : بلغ ربع ثمن أزواج عبد الرحمن بن عوف لمّا قسّموا ميراثه أربعة و ثمانين ألفا ، و خلّف زيد بن ثابت من الذهب و الفضة ما كان يكسّر بالفؤوس في تقسيم ميراثه
.
« بين حميم خاص » الحميم : القريب الذي يهتمّ لك و تهتمّ له و يعبّر عنه في الفارسية ب ( جانسوز ) .
« لم ينفع » في جدّه لك .
« و قريب محزون لم يمنع » من نزول الموت بك ، قال مطيع بن اياس في صاحبه يحيى بن زياد لمّا مات :
راحوا بيحيى و لو تطاوعني
|
|
الأقدار لم تبتكر و لم يرح
|
« و آخر شامت لم يجزع » لعداوته معه ، بل قد يفرح كثيرا ، و في ( مقاتل أبي الفرج ) : لمّا أتى عايشة نعي أمير المؤمنين عليه السلام تمثّلت :
فألقت عصاها و استقرّت بها النّوى
|
|
كما قرّ عينا بالإياب المسافر
|
ثم قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
فإن يك نائيا فلقد بغاه
|
|
غلام ليس في فيه التّراب
|
فقالت لها زينب بنت امّ سلمة : ألعليّ تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت فذكّروني ، ثم تمثّلت :
ما زال إهداء القصائد بيننا
|
|
شتم الصديق و كثرة الألقاب
|
حتّى تركت كأنّ قولك فيهم
|
|
في كلّ مجتمع طنين ذباب
|
و روى عن أبي البختري : انّه لمّا جاءها قتله عليه السلام سجدت فرحا
.
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا توفي الحسن عليه السلام و أتى الخبر معاوية أظهر فرحا و سرورا حتّى سجد و سجد من كان معه ، فبلغ ذلك ابن عباس و كان يومئذ بالشّام ، فدخل على معاوية فلمّا جلس قال معاوية : يابن عبّاس هلك الحسن ، فقال ابن عبّاس : نعم هلك ، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، و رجّع ترجيعا مكرّرا ، و قد بلغني الذي أظهرت من الفرح و السرور ، أما و اللّه ، ما سدّ حفرتك ، و لا زاد نقصان أجله في عمرك ، و لئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فجبر اللّه مصيبته ، و خلّف علينا بعده أحسن الخلافة ، ثمّ شهق فبكى و بكى من حضر و بكى معاوية فما رئي يوم
أكثر باكيا من ذلك اليوم
.
« فعليكم بالجدّ و الاجتهاد » أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللّه .
.
« و التأهّب و الإستعداد » و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين
.
« و التزوّد في منزل الزّاد » و ما تفعلوا من خير يعلمه اللّه و تزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى و اتّقون يا أولي الألباب
.
« و لا تغرّنّكم الحياة الدّنيا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
« و لا تغرّنّكم الدّنيا » يا معشر الجنّ و الإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصّون عليكم آياتي و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا و غرّتهم الحياة الدّنيا
.
« كما غرّت من كان قبلكم من الامم الماضية » أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم و كانوا أشدّ منهم قوّة .
و في آية اخرى بدل ( و كانوا ) كانوا أكثر منهم و أشدّ قوّة و آثارا في الأرض فما أغنى
عنهم ما كانوا يكسبون
.
« و القرون الخالية » أي : الماضية .
« الّذين احتلبوا » في ( الصحاح ) : ( حلب الناقة و احتلبها )
.
« درّتها » ، أي : لبنها كما استمتع الّذين من قبلكم بخلاقهم
.
« و أصابوا غرّتها » و حيث أن الدّنيا لا تدع أحدا يذوق حلوها بدون مرّ فمن اتّفق له صاف بلا كدر في أيّام ، فكأنّه أصاب منها غرّة و غفلة .
« و أفنوا عدّتها » في ( الصحاح ) : العدة ( بالضمّ ) : ما أعددته لحوادث الدهر
.
في السّير : قعد الفضل بن مروان لأشغال الناس فرأى رقعة فيها :
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر
|
|
فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل
|
يعني الفضل بن يحيى البرمكي و الفضل بن الربيع و الفضل بن سهل .
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم
|
|
أبادتهم الأقياد و الحبس و القتل
|
و انّك قد أصبحت في الناس ظالما
|
|
ستودى كما أودي الثّلاثة من قبل
|
« و أخلقوا » في ( الصحاح ) : ( أخلق الثّوب ) بلي ، و ( أخلقته ) يتعدّى و لا يتعدّى
.
« جدّتها » في ( الصحاح ) : ( جدّ الشيء يجدّ ) بالكسر ، أي : صار جديدا
.
« أصبحت مساكنهم اجداثا » قال شاعر في معمّر :
لقد عاش حتّى قيل ليس بميّت
|
|
و أفنى فئاما من كهول و شبّان
|
فأضحى كأن لم يغن في النّاس ساعة
|
|
رهين ضريح في سبائب كثبان
|
« و أموالهم ميراثا » قال تعالى في فرعون : كم تركوا من جنّات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين
.
« لا يعرفون من أتاهم » المراد السواد الأعظم ، و أمّا المؤمن : ففي ( الكافي ) عن إسحاق بن عمّار قال لأبي الحسن عليه السلام : يعلم المؤمن من يزور قبره ؟ قال :
نعم لا يزال مستأنسا به مادام عند قبره ، فإذا انصرف دخله من انصرافه وحشة
.
« و لا يجفلون من بكاهم » أي : لا يبالون به قال البحتري :
و ما علم ثاو في التراب رهين
« و لا يجيبون من دعاهم » في ( الطبري ) : أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقتلى بدر أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلاّ ما كان من اميّة بن خلف ، فإنّه انتفخ في درعه حتى ملأها فذهبوا ليحرّكوه فتزايل فأقرّوه و ألقوا عليه ما غيّبه من التّراب و الحجارة ، فلمّا ألقاهم وقف عليهم ، فقال : يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا ؟ فقال له أصحابه : أتكلّم قوما موتى ؟ قال : لقد علموا انّ ما وعدتهم حقّ ، و النّاس يقولون : قال : لقد سمعوا ما قلت و انّما
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لقد علموا
.
« فاحذروا الدّنيا فانّها غدّارة غرّارة » هكذا في ( المصرية )
و ليست « غدّارة » في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
و الظاهر أنّها كانت في نسخة بدلا عن ( غرّارة ) فجمعت ( المصريّة ) بينهما .
« خدوع » لأهلها .
في ( الأغاني ) : عن علويه قال : كنت مع المأمون لمّا خرج إلى الشام ،
فدخلنا دمشق فطفنا فيها ، و جعل يطوف على قصور بني اميّة و يتّبّع آثارهم ،
فدخل صحنا من صحونهم ، فإذا هو مفروش بالرّخام الأخضر كلّه و فيه بركة ماء يدخلها و يخرج منها من عين تصبّ إليها ، و في البركة سمك ، و بين يديها بستان على أربع زواياه أربع سروات كأنّها قصّت بمقراض من أحسن ما رأيته من السّروات قدّا و قدرا ، فاستحسن ذلك ، و عزم على الصّبوح ، و قال :
هاتوا لي الساعة طعاما خفيفا ، فأتي به بين ماء و ورد فأكل ، و دعا بشراب ،
و أقبل عليّ و قال : غنّني و نشّطني ، فكأن اللّه تعالى أنساني الغناء كلّه إلا هذا الصّوت :
لو كان حولي بنو اميّة لم
|
|
تنطق رجال أراهم نطقوا
|
فنظر إليّ مغضبا و قال : عليك و على بني اميّة لعنة اللّه ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني اميّة إلاّ هذا الوقت ؟ اعدل عن هذا قال : فأنساني اللّه كلّ شيء أحسنه إلاّ هذا الصوت :
الحين ساق إلى دمشق و لم أكن
|
|
أرضى دمشق لأهلنا بلدا
|
فرماني بالقدح فأخطأني فانكسر ، و قال : قم عنّي إلى لعنة اللّه و قام فركب فكانت و اللّه تلك الحال آخر عهدي به حتّى مرض و مات
.
و في ( وزراء الجهشياري ) : قال الربيع للمنصور : كنت عند أبي أيوب فطلب منه عبد اللّه بن مروان بن محمد حاجة ، فقضاها ، فقام عبد اللّه فقبّل رأسه ،
و كان المنصور متّكئا فاستوى جالسا و خرّ ساجدا فأطال ثم قال للربيع :
أتدري أي نعمة جدّد اللّه عندي في هذا الوقت ؟ قال : لا ، فكشف عن ساقه فاذا فيها أثر بيّن ، ثمّ قال : انّي كنت بدمشق في أيّام مروان ، إذ رأيت للناس حركة فقلت : ما هذا ؟ قالوا : ابن الخليفة يركب و ما ركب قبل ذلك و قد أمر الجند بالزّينة و انجفل الناس للنّظر ، فخرجت في من خرج فازدحم الناس على بعض الطرق و كانت دابّتي صعبة ، فسقطت عنها و انكسر ساقي و مكثت دهرا عليلا و ها هو اليوم يقبّل رأس كاتبي
.
« معطية منوع » عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قال : دخلت على امّي يوم أضحى ، فرأيت عندها امرأة في أثواب دنسة فقالت امّي : أتعرف هذه ؟
قلت : لا قالت : هي امّ جعفر البرمكي ، فقلت لها : حدّثيني ببعض أمركم فقالت :
أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر ، لقد هجم عليّ مثل هذا اليوم و على رأسي أربعمائة و صيفة ، و أنا أزعم أنّ ابني جعفر عاقّ لي ، و قد أتيتكم اليوم في جلدي شاتين شعار و دثار
.
و في ( وزراء الجهشياري ) : كان عبد الرحمن بن زياد على خراسان في أيّام يزيد بن عبد الملك ، فاستخلف على عمله و أقبل إلى يزيد و أنكر قدومه
و سأله عمّا حصل له فاعترف بعشرين ألف ألف درهم ، فسوّغه إيّاها و كان معه من العروض أكثر ، فقال يوما لكاتبه : إنّي لأعجب كيف يأتيني النّوم و هذا المال عندي ، إنّي قدّرت ما عندي لمائة سنة في كلّ يوم ألف درهم ، لا أحتاج منه إلى شراء رقيق و لا كراع و لا عرض من العروض ، فقال له : لا تعجب من نومك و هذا المال عندك ، و لكن اعجب من نومك إذا ذهب ، قال : فذهب كلّه ، أو دع بعضه فذهب ، و جحد بعضه ، و سرق بعضه
.
« ملبسة نزوع » في ( لطائف الثعالبي ) : عن بعضهم : ما رأيت ميتة أضيع من ميتة الخلفاء قد شددت لحيي المأمون و المعتصم و الواثق بيدي فما تهيّأ لأحد منهم عند تلك الحال وجود خرقة أشدّ بها لحييه ، و انّما كان معوّلي على الدّراريع التي تكون عليّ أخرّق منها ، و لمّا توفي المكتفي عن ألف ألف دينار بقي يومه ، و تشاغل النّاس عنه بأمر أخيه المقتدر ، فاجتاز به صاحب خزانة الكسوة و على وجهه رداء قصب ، فأخذه و قال : هذا في ما أحصى عليّ و أخاف أن يذهب فأطالب به ، فاجتاز به بعض خدمه فلّما رآه مكشوفا بكى ، فأخذ منديلا كان على رأسه فنشره عليه ، و لمّا نقل إلى دار التغسيل و التكفين لم توجد مجمرة يبخّر فيها قطع ندّ أحضرها من تولّى أمره من منزله ، فأمر الجواري حتّى أخذن غضارة من غضاير الخزف الأحمر ، فبخّر الموضع بها .
و قد كان في ما خلّف الوف من مجامر الذّهب
.
و في ( المروج ) : لمّا احتزّ عامر بن إسماعيل رأس مروان بن محمد آخر الأموية ببوصير و احتوى على عسكره ، دخل الكنيسة التي كان فيها مروان فقعد على فراشه و أكل من طعامه ، فخرجت إليه ابنة مروان ، فقالت : يا عامر إنّ
دهرا أنزل مروان عن فرشه حتى أقعدك عليها حتّى أكلت من طعامه و احتويت على أمره و حكمت في مملكته ، لقادر على أن يغيّر ما بك و بلغ السّفاح فعله و كلامها ، فاغتاظ من ذلك
.
و للبهائي بالفارسية :
عهد جوانى گذشت در غم بود و نبود
|
|
نوبت پيرى رسيد صد غم ديگر فزود
|
كاركنان فلك بر سر دستان شدند
|
|
آنچه بدادند دير باز گرفتند زود
|
« لا يدوم رخاؤها » أي : لينتها .
|
|
« و لا ينقضي عناؤها » أي : تعبها .
|
« و لا يركد بلاؤها » أي : لا يزول و في ( وزراء الجهشياري ) : جاء رجل من أهل الأهواز إلى أبي أيّوب و هو وزير فقال له : إنّ ضيعتي بالأهواز ، و قد حمل عليّ فيها العمّال ، فإن رأى الوزير أن يعيرني اسمه أجعله عليها و أحمل إليه في كلّ سنة مائة ألف درهم ، فقال : قد وهبت لك اسمي فافعل ما بدا لك ، فحال الحول فأحضر الرّجل المال و دخل على أبي أيوب و هو لا يعرفه ، فجلس حتى خفّ الناس ثمّ دنا منه و قصّ عليه قصّته و أعلمه أنّه قد انتفع باسمه و أنّه قد حمل المال ، فأمر بإحضاره ، فادخل و وضع بين يديه ، و نهض الرجل شاكرا داعيا و اندفع أبو أيوب يبكي فقال له أهله و من حضر ما رأينا موضع سرور و فرح عقّب ببكاء و حزن غير هذا ، فقال لهم : و يحكم إنّ شخصا بلغ هذا من
إقباله كيف يكون إدباره فما بعد بين الوقت و بين نكبته
.
١٠
الخطبة ( ٢٣٢ ) و من خطبة له عليه السلام :
فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِي نَفَسِ اَلْبَقَاءِ وَ اَلصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ اَلتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ وَ اَلْمُدْبِرُ يُدْعَى وَ اَلْمُسِيءُ يُرْجَى قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ اَلْعَمَلُ وَ يَنْقَطِعَ اَلْمَهَلُ وَ يَنْقَضِيَ اَلْأَجَلُ وَ يُسَدَّ بَابُ اَلتَّوْبَةِ وَ تَصْعَدَ اَلْمَلاَئِكَةُ فَأَخَذَ اِمْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَ أَخَذَ مِنْ حَيٍّ لِمَيِّتٍ وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ وَ مِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ اِمْرُؤٌ خَافَ اَللَّهَ وَ هُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ وَ مَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ اِمْرُؤٌ لَجَّمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا وَ زَمَّهَا بِزِمَامِهَا فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اَللَّهِ وَ قَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اَللَّهِ « فاعلموا » هكذا و هو محرّف ( فاعملوا ) كما هو واضح و يشهد أيضا ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
له .
« و أنتم في نفس البقاء » أي : سعته .
« و الصحف منشورة » للصحف نشرتان ، نشرة في الدّنيا يكتب الكرام الكاتبون فيها أعمال العباد ، حسناتهم و سيّئاتهم و تطوى بالموت لأنّه لا عمل بعده ، و هي المرادة في كلامه عليه السلام و نشرة في الآخرة لمشاهدة الإنسان أعماله في الدّنيا و هي المرادة في قوله تعالى : و إذا الصّحف نشرت
.
« و التوبة مبسوطة » إنّما التّوبة على اللّه للّذين يعملون السوء بجهالة ثم
يتوبون من قريب فأولئك يتوب اللّه عليهم .
، كتب ربّكم على نفسه الرّحمة أنّه من عمل منكم سوءا بجهالة ثمّ تاب من بعده و أصلح فانّه غفور رحيم
، ثمّ إنّ ربّك للّذين عملوا السوء بجهالة ثمّ تابوا من بعد ذلك و أصلحوا إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم
.
« و المدبر يدعى و المسيء يرجى » في ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السلام : إنّ الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك : ملك ينادي : يا صاحب الخير أتمّ و أبشر ،
و ملك ينادي : يا صاحب الشّرّ انزع و اقصر ، و ملك ينادي : إعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا ، و ملك ينضحها بالماء و لو لا ذلك اشتعلت الأرض
.
« قبل أن يخمد العمل » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( يجمد ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
و لأنّ العمل إنّما يشبّه بالماء في جريانه ، فيجمد بالموت لا بالنار في التهابه فيخمد به ، قال تعالى : حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
.
« و ينقطع المهل » قال تعالى : و ذرني و المكذّبين أولي النّعمة و مهّلهم قليلا إنّ لدينا أنكالا و جحيما و طعاما ذا غصّة و عذابا أليما
.
« و ينقضي الأجل » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( و تنقضي المدّة ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
قال تعالى : . أو لم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر و جاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير
، فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون
.
« و يسدّ باب التوبة » و ليست التوبة للّذين يعملون السيئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن .
.
« و تصعد الملائكة » لأنّهم لكتابة الأعمال ، و بالموت ينقطع العمل .
« فأخذ امرؤ من نفسه لنفسه » و ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا و أعظم أجرا .
.
« و أخذ من حيّ لميّت » و في الخبر : ( اغتنم حياتك قبل موتك )
.
« و من فان لباق » ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باق .
.
« و من ذاهب لدائم » إنّما هذه الحياة الدنيا متاع و أنّ الآخرة هي دار القرار
.
« امرؤ خاف اللّه » قل إنّي أخاف عن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم من
يصرف عنه يومئذ فقد رحمه و ذلك الفوز المبين
.
« و هو معمّر إلى أجله » و ما يعمّر من معمّر و لا ينقص من عمره إلاّ في كتاب .
.
« و منظور إلى عمله » لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت .
.
« امرؤ لجّم نفسه بلجامها » هكذا في ( المصريتين )
و الصواب : ( ألجم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و في اللغة لم يذكر غير ( ألجم ) ، و في ( المصباح ) : ألجمت الفرس : جعلت اللّجام في فيه
، و باسم المفعول سمّى الرجل
.
« و زمّها بزمامها » في ( الصحاح ) : الزّمام : الخيط الذي يشدّ في البرة أو في الخشاش ثمّ يشدّ في طرفه المقود
.
« فأمسكها بلجامها عن معاصي اللّه ، و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النّفس عن الهوى فانّ الجنّة هي المأوى
.
و في ( الفقيه ) : من نظر امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمّض بصره ، لم يرتدّ إليه بصره حتى يزوّجه اللّه من الحور العين
، و في خبر آخر : لم يرتد
إليه طرفه حتّى يعقبه اللّه ايمانا يجد طعمه
.
« و قادها بزمامها إلى طاعة اللّه » تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفا و طمعا و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون
.
١١
الخطبة ( ٣ ) و من كتاب لهّ عليه السلام لشريح بن الحارث قاضيه :
رُوِيَ أَنَّ ؟ شُرَيْحَ بْنَ اَلْحَارِثِ ؟ قَاضِيَ ؟ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ع ؟ اِشْتَرَى عَلَى عَهْدِهِ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَاسْتَدْعَاهُ وَ قَالَ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ اِبْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً وَ كَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً وَ أَشْهَدْتَ شُهُوداً فَقَالَ لَهُ ؟ شُرَيْحٌ ؟ قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرَ اَلْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا ؟ شُرَيْحُ ؟ أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لاَ يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ وَ لاَ يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً وَ يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً فَانْظُرْ يَا ؟ شُرَيْحُ ؟
لاَ تَكُونُ اِبْتَعْتَ هَذِهِ اَلدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ أَوْ نَقَدْتَ اَلثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلاَلِكَ فَإِذَنْ أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ اَلدُّنْيَا وَ دَارَ اَلْآخِرَةِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اِشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ اَلنُّسْخَةِ فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ اَلدَّارِ بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقُ وَ اَلنُّسْخَةُ هَذِهِ هَذَا مَا اِشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ اِشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ اَلْغُرُورِ مِنْ جَانِبِ اَلْفَانِينَ وَ خِطَّةِ اَلْهَالِكِينَ
وَ تَجْمَعُ هَذِهِ اَلدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ اَلْحَدُّ اَلْأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي اَلْآفَاتِ وَ اَلْحَدُّ اَلثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي اَلْمُصِيبَاتِ وَ اَلْحَدُّ اَلثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى اَلْهَوَى اَلْمُرْدِي وَ اَلْحَدُّ اَلرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى اَلشَّيْطَانِ اَلْمُغْوِي وَ فِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ اَلدَّارِ اِشْتَرَى هَذَا اَلْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ مِنْ هَذَا اَلْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ هَذِهِ اَلدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ اَلْقَنَاعَةِ وَ اَلدُّخُولِ فِي اَلطَّلَبِ اَلذُّلِّ وَ اَلضَّرَاعَةِ فَمَا أَدْرَكَ هَذَا اَلْمُشْتَرِي فِيمَا اِشْتَرَى مِنْهُ مِنْ دَرَكٍ فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ اَلْمُلُوكِ وَ سَالِبِ نُفُوسِ اَلْجَبَابِرَةِ وَ مُزِيلِ مُلْكِ اَلْفَرَاعِنَةِ مِثْلِ ؟ كِسْرَى ؟ وَ ؟ قَيْصَرَ ؟ وَ ؟ تُبَّعٍ ؟ وَ ؟ حِمْيَرَ ؟ وَ مَنْ جَمَعَ اَلْمَالَ عَلَى اَلْمَالِ فَأَكْثَرَ وَ مَنْ بَنَى وَ شَيَّدَ وَ زَخْرَفَ وَ نَجَّدَ وَ اِدَّخَرَ وَ اِعْتَقَدَ وَ نَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ اَلْعَرْضِ وَ اَلْحِسَابِ وَ مَوْضِعِ اَلثَّوَابِ وَ اَلْعِقَابِ إِذَا وَقَعَ اَلْأَمْرُ بِفَصْلِ اَلْقَضَاءِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ اَلْمُبْطِلُونَ ٣٣ ٣٦ ٤٠ : ٧٨
شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ اَلْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ اَلْهَوَى وَ سَلِمَ مِنْ عَلاَئِقِ اَلدُّنْيَا أقول : رواه الصدوق في ( أماليه ) عن صالح بن عيسى العجلي عن عبد العظيم عن أبيه عن أبان مولى زيد بن علي عن عاصم بن بهدله قال : قال لي شريح القاضي : اشتريت دارا بثمانين دينارا و كتبت كتابا و أشهدت عدولا فبلغ ذلك عليّا عليه السلام فبعث إليّ مولاه قنبرا فأتيته فلمّا أن دخلت عليه قال :
اشتريت دارا ؟ قلت : نعم ، قال : اتق اللّه فانّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك و لا يسأل عن بيّنتك حتى يخرجك من دارك شاخصا و يسلّمك إلى قبرك خالصا فانظر ألاّ تكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها أو وزنت مالا من غير حلّه فإذن أنت قد خسرت الدارين جميعا الدنيا و الآخرة : ثم قال : يا شريح فلو كنت عندما اشتريت هذه الدّار أتيتني ، فكتبت لك كتابا على هذه النسخة إذن لم
تشترها بدرهمين ، قلت : و ما كنت تكتب ؟ قال كنت أكتب لك هذا الكتاب :
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما اشترى عبد ذليل من ميّت ازعج بالرّحيل اشترى منه دارا في دار الغرور من جانب الفانين إلى عسكر الهالكين و تجمع هذه الدار حدود أربعة فالحدّ الأوّل منها ينتهي إلى دواعي الآفات ،
و الحدّ الثاني منها ينتهي إلى دواعي العاهات ، و الحدّ الثالث منها ينتهي إلى دواعي المصيبات ، و الحدّ الرابع منها ينتهي إلى الهوى المرديّ و الشيطان المغويّ و فيه يشرع باب هذه الدار اشترى هذا المفتون بالأمل من هذا المزعج بالأجل جميع هذه الدّار بالخروج من عزّ القنوع و الدخول في ذلّ الطلب فما أدرك هذا المشتري في ما اشترى منه من درك فعلى مبلبل أجسام الملوك ،
و سالب نفوس الجبابرة مثل كسرى و قيصر و تبّع و حمير ، و من جمع المال إلى المال فأكثر ، و بنى فشيّد ، و زخرف فنجدّ ، و ادّخر بزعمه للولد إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض و الحساب لفصل القضاء و خسر هنالك المبطلون شهد على ذلك العقل إذ اخرج من أسر الهوى و نظر بعين الزوال إلى أهل الدنيا و سمع منادي أهل الزّهد ينادي في عرصاتها ما أبين الحقّ لذي عينين إنّ الرحيل أحد اليومين تزوّدوا من صالح الأعمال ، و قرّبوا الآمال بالآجال فقد دنا الرّحلة بالزّوال
.
و رواه سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) فقال : حكى الشعبي أنّ شريحا اشترى دارا بثمانين دينارا فبلغ ذلك عليّا عليه السلام فاستدعاه فقال له يا ابن الحارث بلغني أنّك اشتريت دارا بكذا و كذا و أشهدت على نفسك شهودا . .
و فيه : ( و فيه يشرع بابها و تجتمع أسبابها ) و فيه : ( و سيقع الأمر بفصل القضاء و يقتصّ للجمّاء من القرناء ) و فيه : ( شهد على ذلك التّواني ابن الفاقة و الغرور
ابن الأمل و الحرص ابن الرّغبة و اللهو ابن اللعب و من أخلد إلى محلّ الثوى و مال إلى الدّنيا و رغب عن الأخرى .
قلت : و لو صحّت روايته في قوله : « شهد على ذلك » إلى آخر ما مرّ كان فيه سقط و لابدّ أنّ الأصل كان : ( شهد على ما كتبت يا شريح التّواني ابن الفاقة . )
و مقتضى الجمع بين الروايتين كون الأصل ( شهد على ما كتبت أنا العقل اذا خرج من أسر الهوى و شهد على ما كتبت أنت التواني ابن الفاقة . ) .
و من الغريب انّ فضيل بن عياض انتحله و أوهم أنّه منشئه ، ففي ( حليّة أبي نعيم ) في عنوان فضيل ذاك : ( قال الفيض بن إسحاق : اشتريت دارا و كتبت كتابا و اشهدت عدولا فبلغ ذلك الفضيل فأرسل إليّ يدعوني فمررت إليه فلمّا رآني قال : يا ابن يزيد بلغني أنّك اشتريت و كتبت كتابا و أشهدت عدولا ، قلت :
قد كان ذلك ، قال : فإنّه يأتيك من لا ينظر في كتابك و لا يسأل عن بيّنتك حتى يخرجك منها شاخصا و يسلّمك إلى قبرك خالصا إلى آخره بعينه
.
قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السلام لشريح بن الحارث قاضيه » ، قال ابن أبي الحديد : هو شريح بن الحارث الكندي و قيل : انّه حليف لكندة من بني رائش و قال ابن الكلبي : ليس اسم أبيه الحارث و انّما هو شريح بن معاوية بن ثور
.
قلت : كلامه خلط و خبط فمن جعله حليف كندة لم يجعله من بني الرّائش فانّهم من كندة ، كما أنّ ابن الكلبي إنّما جعل أباه الحارث و جعل معاوية بن ثور جدّ جدّ جدّه لا أباه و إنّما هو أبو الرائش ، ففي ( استيعاب أبي
عمر ) ، و اعتماد ( ابن أبي الحديد ) من الكتب الصحابيّة عليه ، ( قال ابن الكلبي : هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة )
.
هذا ، و قال : قال أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه : إنّ رجلا أتى عليّا عليه السلام و عنده شريح في قضيّة فقال عليه السلام له : ما تقول أنت أيّها العبد الأبظر ،
قال أبو عبيد : ( قال له : العبد ) لأنّه وقع عليه سبي في الجاهليّة ، ( و الأبظر ) لأنّه الذي في شفته العليا طول و نتو في وسطها محاذي الأنف
.
قلت : و لابدّ إنّه كان كذلك .
قال : و روى الأعمش عن إبراهيم التيمي قال : قال عليّ عليه السلام لشريح و قد قضى قضيّة نقم عليه أمرها : و اللّه لأنفينّك إلى بانقيا شهرين تقضي بين اليهود ، ثمّ قتل عليّ عليه السلام و مضى عليه دهر فلمّا قام المختار قال الشريح : ما قال لك أمير المؤمنين عليه السلام يوم كذا ؟ قال : قال : كذا ، قال : و اللّه لا تقعد حتّى تخرج إلى بانقيا تقضي بين اليهود فسيّره إليها فقضى بين اليهود شهرين
.
قلت : و روى ( حلية أبي نعيم ) عن زيد التيمي قال : وجد عليّ عليه السلام درعا له عند يهودي ، التقطها فعرفها فقال : درعي سقطت عن جمل لي أورق ، فقال اليهودي : درعي و في يدي بيني و بينك قاضي المسلمين ، فأتيا شريحا فلمّا رأى عليّا عليه السلام تحرّف عن مجلسه ، و جلس عليّ عليه السلام فيه ، ثمّ قال عليّ عليه السلام : لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس إلى أن قال : فقال شريح لعليّ عليه السلام : صدقت ، و اللّه إنّها لدرعك ، و لكن لابدّ من شاهدين ، فدعا قنبرا مولاه
و ابنه الحسن عليه السلام فقال شريح : أمّا شهادة مولاك فقد أجزناها ، و امّا شهادة ابنك لك فلا نجيزها فقال عليّ عليه السلام : ثكلتك امّك أما سمعت عمر يقول : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، قال : اللّهم نعم ، قال : أفلا تجيز شهادة سيّد شباب أهل الجنّة ؟ و اللّه ، لأوجهنّك إلى بانقيا تقضي بين أهلها أربعين يوما ، ثم قال اليهودي : خذ الدرع ، فقال اليهودي : أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين ، فقضى عليه و رضى ، صدقت و اللّه إنّها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها ، أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله رسوله ،
فوهبها له عليّ عليه السلام و أجازه بتسعمائة ، و قتل معه بصفين
.
و رواه بإسناد آخر و فيه قال اليهودي : وقع الدّرع منك في توجّهك إلى صفّين و قتل اليهودي معه عليه السلام بالنهروان .
و في ( الفقيه ) عن الباقر عليه السلام : انّ عليا كان في مسجد الكوفة فمرّ به عبد اللّه بن قفل التيمي ، و معه درع طلحة فقال عليّ عليه السلام : هذه درع طلحة أخذت غلولا ، فقال ابن قفل : اجعل بيني و بينك قاضيك الذي ارتضيته للمسلمين ،
فجعل بينه و بينه شريحا ، فقال عليّ عليه السلام : هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة فقال شريح : هات على ما تقول بيّنة فأتاه الحسن عليه السلام ، فشهد أنّها درع طلحة ، فقال : هذا شاهد ، و لا أقضي حتّى يكون معه آخر ، فأتى بقنبر فشهد ،
فقال : هذا مملوك و لا أقضي بشهادته ، فغضب عليّ عليه السلام و قال : خذوا الدّرع ، هذا قضى بجور ثلاث مرّات فتحوّل شريح عن مجلسه ، و قال : لا أقضي حتّى تخبرني من أين فقال عليه السلام : لمّا قلت : إنّها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة قلت : هات بيّنة ، و لقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : حيثما وجدت غلول اخذت بغير بيّنة ،
فقلت : رجل لم يسمع الحديث ، ثمّ أتيتك بالحسن فشهد ، فقلت : هذا واحد و لا
أقضي حتّى يكون معه آخر و قد قضى النبي صلّى اللّه عليه و آله بشاهد و يمين فهاتان اثنتان ، ثمّ أتيتك بقنبر فشهد ، فقلت : هذا مملوك ، و لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا ، فهذه الثالثة يا شريح إنّ إمام المسلمين يؤتمن في امورهم على ما هو أعظم من هذا
.
و في ( الطبري ) عن أبي مخنف : إنّ الناس قالوا للمختار اجعل شريحا قاضيا ، فسمع الشيعة يقولون : إنّه عثماني و انّه ممّن شهد على حجر و انّه لم يبلغ عن هاني ما أرسله به ، و أنّ عليّا عزله عن القضاء
.
و في ( أذكياء ابن الجوزي ) : سئل الشعبي عن مثل : ( شريح أدهى من الثعلب ) فقال : خرج شريح أيّام الطاعون إلى النجف ، و كان إذا قام يصلّي يجىء ثعلب فيقف تجاهه يحاكيه فيشغله عن صلاته فلمّا طال ذلك عليه نزّع قميصه فجعله على قصبة و أخرج كميّه و جعل قلنسوته و عمامته عليه ، فأقبل الثعلب فوقف على عادته فأتى شريح من خلفه ، فأخذه بغتة
.
« روي أن شريح بن الحارث » إنّ ( الاستيعاب ) و ان نقل في اسم أبيه أقوالا إلاّ أنّ الصحيح كونه حارثا كما ذكر المصنّف
فلم يذكر ابن قتيبة غيره ، و قد عرفت من رواية سبط ابن الجوزي للعنوان أنّه عليه السلام قال له : ( يا ابن الحارث ) .
« قاضي أمير المؤمنين عليه السلام » ، في ( معارف ابن قتيبة ) : أوّل قاض قضى بالكوفة ، أبو قرّة الكندي اختطّ الناس بها و هو قاضيهم ، ثمّ استقضى عمر بعده شريحا فقضى خمسا و سبعين سنة ، لم يتعطّل فيها إلاّ ثلاث سنين في
فتنة ابن الزبير ، فاستعفى الحجّاج فلم يقض حتّى مات سنة تسع و سبعين و يقال ثمانين و هو ابن مائة و عشرين سنة
.
و في ( الفقيه ) في باب اتقاء الحكومة : و قال أمير المؤمنين عليه السلام لشريح :
قد جلست مجلسا ما جلسه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ
.
و قال ابن أبي الحديد : أقرّ عليّ عليه السلام شريحا على القضاء مع مخالفته له في مسائل كثيرة من الفقه مذكورة في كتب الفقهاء و استأذنه شريح و غيره من قضاة عثمان في القضاء أوّل ما وقعت الفرقة ، فقال : اقضوا كما كنتم تقضون حتّى تكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي
.
قلت : مراده عليه السلام بأصحابه شيعته الذين ماتوا في التقية كسلمان ، و أبي ذرّ ، و المقداد ، و لم يقدر عليه السلام على تغيير شريح . لجعل عمر له قاضيا ، كما لم يقدر على تغيير بدعهم ، و كان عليه السلام يقول : لو استوت قدماي لغيّرت أشياء .
« اشترى على عهده » أي : عهده خلافته .
« دارا بثمانين دينارا فبلغه ذلك فاستدعاه » قد عرفت من رواية ( الأمالي ) أنّه عليه السلام استدعاه بواسطة قنبر مولاه .
« و قال له : بلغني انّك ابتعت » أي : اشتريت .
« دارا بثمانين دينارا و كتبت كتابا و اشهدت شهودا » قد عرفت أنّ في رواية ( الأمالي ) : و أشهدت عدولا و وزنت مالا .
« فقال شريح قد كان ذلك يا أمير المؤمنين » و في رواية ( الأمالي ) : قال :
قلت : نعم .
« قال فنظر إليه نظر مغضب » و في ( ابن أبي الحديد ) : « المغضب »
.
« ثمّ قال له : يا شريح أما إنّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك و لا يسألك عن بيّنتك » أي : ملك الموت و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
، و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنّهم كانوا في شكّ مريب .
.
« حتّى يخرجك منها شاخصا » في ( الصحاح ) : شخص بالفتح ارتفع ،
و ذهب
.
« و يسلّمك إلى قبرك خالصا » في ( تاريخ ابن الأثير ) : قتل أمير الجيوش أفضل بن بدر صاحب الأمر و الحكم بمصر سنة ( ٥١٥ ) و كان ركب إلى خزانة السلاح ليفرّقه على الأجناد على جاري العادة في الأعياد ، فسار معه عالم كثير من الرّجّالة و الخيّالة ، فتأذّى بالغبار فأمر بالبعد عنه و سار منفردا معه رجلان ، فصادفه رجلان بسوق الصّياقلة ، فضرباه بالسّكاكين فجرحاه ،
و جاءه ثالث من ورائه فضربه بسكين في خاصرته ، فسقط عن دابته و رجع أصحابه فقتلوا الثلاثة إلى أن قال فتوفّي و نقل الخليفة من أمواله ما لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى و بقي الخليفة في داره أربعين يوما ، و الكتّاب بين يديه و الدواب تحمل و تنقل ليلا و نهارا ، و وجد له من الأعلاق النفيسة و الأشياء الغريبة القليلة الوجود ما لا يوجود مثله لغيره و اعتقل أولاده
.
و عن صاحب ( الدول المتقطّعة ) : خلّف أمير الجيوش ستمائة ألف ألف
دينار و ثلاثين راحلة من حقاق ذهب عراقي و صندوقين كبيرين فيهما ابر ذهب و دواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار و مائة مسمار ذهب على كلّ مسمار منديل مشدود مذهّب و خمسمائة صندوق كسوة من رقّ تنّيس و دمياط ، و من الرّقيق و الخيل ، و المراكب و الطيب ، و التجمّل و الحليّ ما لا يعلم قدره إلاّ اللّه و من البقر و الجواميس و الغنم ما ضمان ألبانها ثلاثون ألف دينار
.
« فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدّار من غير مالك » الظاهر أنّ « مالك » اسم فاعل ( ملك ) لا مركّب من ( مال ) مضاف إلى كاف المخاطب و ان كان المترائي من قوله بعد « حلالك » ذلك لأنّ ( الأمالي ) نقله كما عرفت « من غير مالكها » فيتوافقان ، و لأنّه لولاه لكان بمعنى قوله بعد .
« أو نقدت الثمن من غير حلالك » مع أنّ ( أو ) يمنع من كونه تأكيدا .
« فإذن أنت قد خسرت دار الدنيا و دار الآخرة » خسر دار الدنيا بتركها وراءه ، و دار الآخرة بمؤاخذته في تحصيل دار دنياه من غير الحقّ .
و في الخبر : من أخذ أرضا بغير حقّ كلّف في القيامة أن يحمل ترابها ،
و من خان جاره شبرا جعله اللّه طوقا في عنقه من تخوم الأرض السابعة
.
في ( أدباء الحموي ) : مرّ خالد بن صفوان بأبي نخيلة الشاعر و قد بنى دارا فقال له أبو نخيلة : كيف ترى داري ؟ قال : رأيتك سألت فيها إلحافا ، و أنفقت ما جمعت لها إسرافا جعلت إحدى يديك سطحا و ملأت الاخرى سلحا فقلت :
من وضع في سطحي و إلاّ ملأته سلحي
.
« أما إنّك لو أتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوق » هكذا في ( المصرية )
و الصواب :
( فما فوقه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« و النسخة هذه » كلمة هذه ليست في ( ابن ميثم و الخطية ) و انما هي في ( ابن أبي الحديد )
و الظاهر زيادتها .
« هذا ما اشترى عبد ذليل من عبد قد أزعج بالرّحيل » لما كانوا يكتبون في كتب البيع المتبايعين بالاسم و الوصف ذكر عليه السلام البايع بوصف الإزعاج بالرّحلة من الدّنيا ، حيث باع داره ، و الإزعاج : الإقلاق ، و وصف المشتري بالذّلّة ،
فلا بدّ أن تحملها حتى تمكّن من اشترائها .
« اشترى منه دارا من دار الغرور » أي : من دور الدّنيا الغرّارة . و ما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور
و هو كذكر البلدة في قبالة البيع .
« من جانب الفانين و خطّة الهالكين » هو كذكر المحلّة في القبالة و ( الخطّة ) بالكسر أرض تخطّها لتبنيها دارا ، و لنعم ما قيل بالفارسيّة : عاقبت منزل ما وادى خاموشانست .
« و تجمع هذه الدّار حدود أربعة » ذكر عليه السلام حدودا معنويّة في قبال رسم كتب البيع حدودا ظاهرية ، كما أنّ الكاظم عليه السلام لما قال له الرشيد : حدّ لي فدك حتّى أردّها إليك ، و قال عليه السلام له : إن حددتها لم تردّها ، فقال : بلى أردّها حدّ الحدود لأصلها ، و هي المملكة الإسلامية و خلافتها التي جعلها اللّه تعالى حقّهم عليهم السّلام ، فقال : حدّها الأول : عدن ، و الثاني : سمرقند ، و الثالث : إفريقية ،
و الرابع : سيف البحر ، فاربدّ وجه الرشيد ، فقال عليه السلام : أعلمتك إن حددتها لم تردّها
.
« الحدّ الأول ينتهي إلى دواعي الآفات » الأصل في الآفة ( إيف ) قال الجوهري : ( إيف الزّرع ) أي : أصابته الآفة
و الثاني ، هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
( و الحدّ الثاني ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و لأنّ
بعده ( و الحدّ الثالث ) ( و الحدّ الرابع ) في ( عيون ابن قتيبة ) : نظرت امرأة إلى اخرى و حولها عشرة من ولدها كأنّهم الصقور فقالت : لقد ولدت امّكم حزنا طويلا
.
« و الحدّ الثالث ينتهي إلى الهوى المردي » أي : المهلك أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه .
، و لو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض .
.
« و الحدّ الرابع ينتهي إلى الشيطان المغويّ » أي : المضلّ الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء .
و زيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل
في النمل و العنكبوت .
« و فيه » أي : في الشيطان المغويّ .
« يشرع » أي : يفتح .
« باب هذه الدار » و مرّ أنّ في رواية سبط ابن الجوزي : ( و فيه يشرع بابها و تجتمع أسبابها ) .
و في الخبر ما معناه : أنّ إبليس جاء إلى عيسى عليه السلام و قد اضطجع و وضع تحت رأسه لبنة ، فقال له ما تريد منّي ؟ و ليس لي شيء من متاع الدّنيا ،
فقال له : ما دام لك علاقة بهذه اللّبنة يكون لي فيك مطمع ، فأخذ عيسى عليه السلام اللّبنة و رمى بها .
« اشترى هذا المغتر بالأمل من هذا المزعج بالأجل هذه الدار بالخروج من عزّ القناعة و الدخول في ذلّ الطلب و الضّراعة ، أي : الذّلة و المسكنة ، وصف عليه السلام المتبايعين و المبيع بأوصافها المتقدّمة ، و زاد هنا ذكر الثمن بقوله : « بالخروج من عزّ القناعة و الدّخول في ذلّ الطلب و الضّراعة » .
قالوا : باع رجل أرضا من رجل بدراهم و قال له : دفعتها إليك بطيئة الإجابة عظيمة المؤنة ، فقال له المشتري : دفعتها إليك بطيئة الاجتماع سريعة التفرّق .
« فما أدرك هذا المشتري في ما اشترى منه » هكذا في ( المصرية )
و كلمة « منه » زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« من درك » ، بفتحتين و الأصل فيه قطعة حبل تشدّ في طرف الرّشاء إلى عرقوة الدّلو ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الرّشاء ، ثم استعير لضمان إنسان للمشتري ما يلحقه في المبيع من العيب أو كونه مستحقا لغير البايع ،
و في المبايعات الرياسيّة كالمبايعات المعامليّة الدّرك أيضا غالب .
بايع هارون للأمين و المأمون و المؤتمن ، فأراد الأمين خلع المأمون
فتحاربا ، فقتله المأمون ، و خلع المأمون المؤتمن أيضا ، و بايع المتوكّل للمنتصر و المعتز و المؤيّد ثمّ أراد خلع المنتصر فقتله المنتصر غيلة ، و قتل المعتزّ المؤيّد أيضا .
« فعلى مبلبل أجسام الملوك » أي : من يتتبّعها فلا يدع منها شيئا من ( تبلبلت الإبل الكلاء ) ، في ( بيان الجاحظ ) : قال الحسن البصري : قدم علينا بشر بن مروان أخو الخليفة أي عبد الملك و أمير المصرين أي الكوفة و البصرة و أشبّ النّاس فأقام عندنا أربعين يوما ثمّ طعن في قدمه فمات فأخرجناه إلى قبره فلّما صرنا إلى الجبّانة فإذا نحن بأربعة سودان يحملون صاحبهم إلى قبره ، فوضعنا السّرير فصلّينا عليه و وضعوا صاحبهم فصلّوا ،
عليه ثمّ حملنا بشرا إلى قبره ، و حملوا صاحبهم إلى قبره ، و دفنّا بشرا و دفنوا صاحبهم ، ثم انصرفوا و انصرفنا ، ثمّ التفتّ فلم أعرف قبر بشر من قبر الحبشيّ فلم أر شيئا قطّ كان أعجب منه
و بشر هذا هو الذي يقول فيه الشاعر :
بشر استوى على العراق
|
|
بغير سيف و دم مهراق
|
« و سالب نفوس الجبابرة » في ( الطبري ) : قال الأصمعي : أوّل من نعى المنصور بالبصرة خلف الأحمر ، كنّا في حلقة يونس فمرّ بنا خلف ، فقال : قد طرقت ببكرها أمّ طبق ، قال يونس : و ماذا ؟ قال :
تنتجوها خير أضخم العنق
|
|
موت الإمام فلقة من الفلق
|
« و مزيل ملك الفراعنة » في ( الصحاح ) : فرعون ، لقب الوليد بن مصعب ملك
مصر ، و كلّ عات فرعون
.
« مثل كسرى » لقب ملوك فارس في ( الصحاح ) : كسرى جمع بأكاسرة على غير قياس لأنّ قياسه كسرون ( بفتح الرّاء ) مثل عيسون و موسون ( بفتح السين )
.
« و قيصر » لقب ملوك الروم ، و في ( تنبيه المسعودي ) معنى قيصر شقّ عنه ، ذكروا أنّ امّه ماتت و هي مقرب به ، فشقّ عنه بطنها و استخرج ، و صار ذلك كالسّمة لكثير من ملوكهم فسمّتهم العرب بالقياصرة
.
« و تبّع » اسم لملوك اليمن .
و في ( تنبيه المسعودي ) : قال حسّان أو النّعمان بن بشير :
لنا من بني قحطان سبعون تبّعا
|
|
أقرّت لها بالخرج منها الأعاجم
|
قيل للملك منهم تبّع ، تشبيها بالظّلّ الذي يتفيأ به ، و التّبع في أصل اللّغة :
الظّل ، إذ كانت الملوك السعداء ظلالا لرعيّتهم ، و كهفا لهم ، و استشهادهم بقول ليلى أو سعدى الجهنيّة :
يرد المياه حضيرة و نفيضة
|
|
ورد القطاة إذا اسمأل التّبّع
|
يعني ارتفع الظلّ .
« و حمير » ( بالكسر فالسّكون فالفتح ) في ( الصحاح ) : هو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، و منهم كانت الملوك في الدّهر الأول
.
« و من جمع المال على المال فأكثر » قال تعالى في قارون : و آتيناه من
الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة إذ قال له قومه لا تفرح انّ اللّه لا يحبّ الفرحين و ابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدّنيا و أحسن كما أحسن اللّه إليك و لا تبغ الفساد في الأرض انّ اللّه لا يحبّ المفسدين قال إنّما اوتيته على علم عندي أو لم يعلم أنّ اللّه قد أهلك من قبله من القرون من هو أشدّ منه قوّة و أكثر جمعا و لا يسئل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدّنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللّه خير لمن آمن و عمل صالحا و لا يلقّاها إلاّ الصابرون فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون اللّه و ما كان من المنتصرين و أصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون و يكأنّ اللّه يبسط الرّزق لمن يشاء و يقدر لو لا أن منّ اللّه علينا لخسف بنا و يكأنّه لا يفلح الكافرون تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين
.
« و شيّد » أي : طوّل ، و قال الكسائي : المشيد للواحد ، من قوله تعالى :
و قصر مشيد
، ( و المشيّد ) للجمع من قوله تعالى : في بروج مشيّدة .
.
قلت : و هو كما ترى ، فإنّ الجمعيّة في الثاني من قبل التاء لا التضعيف .
« و زخرف » في ( الصحاح ) : الزّخرف : الذهب ، ثمّ يشبّه به كلّ مموّه و مزوّر .
« و نجد » أي : زيّن
.
« و ادّخر » افتعال من ذخرت الشيء .
« و اعتقد » يمكن أن يكون من ( اعتقد الضّيعة ) أي : اقتناها ، و يمكن أن يكون بمعنى : عقد المال الّذي ادّخره عقدا استحكاما ، قال تعالى : الذي جمع مالا و عدّده يحسب أنّ ماله أخلده
.
و في ( بيان الجاحظ ) : قال صالح المرّي : دخلت دار المورياني أبي أيوب بعد نكبة المنصور له ، فاستفتحت ثلاث آيات من كتاب اللّه تعالى في داره فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلاّ قليلا .
و لقد تركناها آية فهل من مدّكر
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا .
فخرج إليّ أسود من ناحية الدّار فقال : يا فلان ، هذا سخط المخلوق فكيف سخطة الخالق
.
« و نظر بزعمه للولد » لئلاّ يحتاج بعده .
في ( تاريخ بغداد ) : قال محمّد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة : لمّا ولدت دخل أبي على امّي فقال لها : إنّ المنجّمين قد أخذوا مولد هذا الصبّيّ و حسبوه ،
فاذا هو يعيش كذا و كذا ، و قد حسبتها أيّاما و قد عزمت أن أعدّ له لكلّ يوم دينارا مدّة عمره ، فإنّ ذلك يكفي الرّجل المتوسّط له و لعياله ، فأعدي له حبّا فأعدّته و تركه في الأرض و ملأه بالدّنانير ، ثمّ قال لها اعدّي له حبّا آخر اجعل فيه مثل هذا يكون له استظهارا ، ففعلت و ملأه ثم استدعى حبّا آخر و ملأه بمثل
ما ملأ كلّ واحد من الحبيّن و دفن الجميع ، قال ابن شيبة و ما نفعني ذلك مع حوادث الزّمان فقد احتجت إلى ما ترون قال ابن السقطي : رأيناه يجيئنا بلا إزار نقرأ عليه الحديث و نبرّه بالشيء بعد الشيء : توفي سنة ( ٣٣١ )
.
و في السّير : قال المنصور لعمرو بن عبيد عظني ، قال : رأيت عمر بن عبد العزيز و قد مات ، فخلّف أحد عشر ابنا و بلغت تركته سبعة عشر دينارا كفّن منها بخمسة دنانير ، و اشترى موضع قبره بدينارين ، و أصاب كلّ واحد من ولده أقلّ من دينار ، و مات هشام و أصاب كلّ واحد من ولده ألف ألف دينار و رأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل اللّه و رأيت رجلا من ولد هشام يسأل الناس ليتصدّقوا عليه
.
« إشخاصهم » أي : إذهابهم .
« إلى موقف العرض و الحساب » قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّك ميّت و إنّهم ميّتون ثمّ إنّكم يوم القيامة عند ربّكم تختصمون
.
« و موضع الثّواب و العقاب » قال الجوهري : الثواب : جزاء الطاعة
و العقاب : العقوبة .
« إذا وقع الأمر بفصل القضاء » و مرّ في رواية ( التذكرة )
: « و سيقع الأمر بفصل القضاء و تقتص للجماء من القرناء و قضي بينهم بالقسط
و هم لا يظلمون
.
« و خسر هنالك المبطلون » الأصل فيه و في ما قبله قوله تعالى : فإذا جاء أمر اللّه قضى بالحقّ و خسر هنالك المبطلون
.
« شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى و سلم من علائق الدّنيا » فما دام العقل أسير سلطان الهوى لا أثر لحكمه ، و لنعم ما قيل بالفارسيّة :
حديث عقل در ايّام پادشاهى عشق
|
|
چنان شده است كه فرمان حاكم معزول
|
و عن السري السّقطي : رأيت على حجر مكتوبا داؤك هواك فإن غلبت هواك فداؤك دواك و عن بعض الحكماء : المؤمن يخاف على عقله الآفات من الغضب ، و الهوى ، و الشهوة ، و الحرص ، و الكبر ، و الغفلة ، و ذلك أنّ العقل إذا كان هو الغالب ، القاهر ، ملك هذه الأخلاق الرديّة و إذا غلب على العقل واحدة من هذه الأخلاق أورثته المهالك و عدم من اللّه حسن المعرفة .
و من كلامه عليه السلام في هذا العنوان : أخذ جمع منهم سعدون الذي ذكره في ( عقلاء مجانين النيسابوري ) ففيه : قال سعدون للمتوكّل : كأنّي بك و قد أتاك فظّ غليظ فجذبك عن سرير بهائك ، و أخرجك عن مقاصير علائك ، فلم يستأذن عليك حاجبا و لا قهرمانا ، حتّى أخرجك إلى ضيق اللّحد و فراق الأهل و الولد
.
و فيه أيضا : أنّه قال للمتوكّل : في الجنّة مرج من ورق الآس ، في وسط المرج قصر من درر إلى أن قال : لها حدود أربعة ، الحدّ الأوّل : ينتهي إلى ناحية الوجلين ، و الحدّ الثاني : ينتهي إلى نعيم المشتاقين ، و الحدّ الثالث : ينتهي إلى
طريق المريدين ، و الحدّ الرابع : ينتهي إلى غرف مملوّة بتحف و صنايع و وصائف و رفارف و إلى خيام و خدّام و إلى ميدان يطوف في ساحتها الولدان
.
و منهم بهلول الذي ذكره فيه أيضا ، ففيه : قال عبّاس البهلول : نظر بهلول إليّ و أنا أبني دارا لبعض أبناء الدنيا فقال : لمن بنيت له : إسمع إلى صفة دار كوّنها العزيز ، أساسها المسك ، و بلاطها العنبر ، اشتراها عميد قد أزعج للرّحيل ، كتب على نفسه كتابا ، و أشهد على ضمائره شهودا : هذا ما اشترى العبد الجافي من الرّبّ الوافي ، اشترى منه هذه الدار بالخروج من ذلّ الطمع إلى عزّ الورع ، فما أدرك المستحقّ في ما اشتراه من درك ، فعلى المولى خلاص ذلك و تضمينه ، شهد على ذلك العقل ، و هو الأمين على الخواطر ، و ذلك في إدبار الدّنيا و إقبال الآخرة أحد حدودها ينتهي إلى ميادين الصفا ، و الحدّ الثاني : ينتهي إلى ترك الجفا ، و الحدّ الثالث : ينتهي إلى لزوم الوفا ، و الحدّ الرابع :
ينتهي إلى سكون الرّضا في جوار من على العرش استوى ، لها شارع ينتهي إلى دارا السلام ، و خيام قد ملئت بالخدّام
.
و كتابه عليه السلام كتاب بيع للمعاملة الدنيوية ، و في القرآن كتاب شراء للمعاملة الآخروية ، و هو قوله جلّ و علا : إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقّا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم
و لقد عامل هو و أهل بيته عليهم السلام مع
اللّه تعالى هذه المعاملة بنحو الأتمّ و الأكمل ، ففازوا فوزا عظيما و لا سيّما ابنه الحسين عليه السلام .
١٢
الحكمة ( ١٩ ) و قال عليه السلام :
مَنْ جَرَى فِي عِنَان أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ العثرة : الزلّة يقال : ( عثر به فسقط ) شبّه عليه السلام من يستغرق في لذّاته بمن ركب فرسا و أغرق في جريه بتخلية عنانه ، فيعثر به ، فيسقطه و يهلكه .
و المصداق الكامل لكلامه عليه السلام ظاهرا و باطنا ، يزيد بن معاوية و في ( أنساب البلاذري ) : يزيد كان أوّل من أظهر شرب الشّراب ، و الاستهتار بالغناء و الصيد ، و اتّخاذ القيان و الغلمان ، و التفكّه بما يضحك منه المترفون ، من القرود و المعاقرة بالكلاب و الدّيكة ثمّ جرى على يده قتل الحسين عليه السلام و قتل أهل الحرّة و رمي البيت و إحراقه
و فيه : كان ينادم على الشراب سرجون مولى معاوية
.
قلت : و هو الّذي أشار عليه بتولية عبيد اللّه بن زياد على الكوفة لقتل الحسين عليه السلام ، و ينادم على الشرب مسلم بن عمرو الباهلي أبا قتيبة أيضا و يغنيّه مسلم أيضا .
قلت : و هو الذي أرسله يزيد إلى عبيد اللّه بعهده على الكوفة و جاء معه من البصرة إلى الكوفة ، و قال لمسلم بن عقيل لمّا استسقى لا تسقى إلاّ من الحميم .
و فيه : كان ليزيد قرد يجعله بين يديه و يكنّيه ، و يقول : هذا شيخ من بني
إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ .
قلت : استهزاء بالقرآن في حكمه بمسخ قوم من بني إسرائيل باعتدائهم .
قال : و كان يسقيه النبيذ و يضحك ممّا يصنع و كان يحمله على اتان وحشيّة و يرسلها مع الخيل فيسبقها ، فحمله عليه يوما و جعل يقول :
تمسّك أبا قيس بفضل عنانها
|
|
فليس عليها إن هلكت ضمان
|
فقد سبقت خيل الجماعة كلّها
|
|
و خيل أمير المؤمنين أتان
|
قال : و ذكر لي شيخ من أهل الشام أنّ سبب وفاة يزيد أنّه حمل قردة على الاتان و هو سكران ثم ركض خلفها فسقط ، فاندقّت عنقه أو انقطع في جوفه شيء
.
و روى عن ابن عياش قال : خرج يزيد يتصيّد بحوارين ، و هو سكران ،
فركب و بين يديه أتان وحشيّة قد حمل عليها قردا و جعل يركض الأتان و يقول :
أبا خلف احتل لنفسك حيلة
|
|
فليس عليها ان هلكت ضمان
|
فسقط فاندقّت عنقه
.
و فيه : قال ابن عرادة السعدي في موت يزيد :
طرقت منيّته و عند وساده
|
|
كوب و زقّ راعف مرثوم
|
و مرنّة تبكي على نشوانه
|
|
بالصّنج تقعد ساعة و تقوم
|
و فيه : كان يزيد همّ بإتيان اليمن فقال رجل من تنوخ :
يزيد صديق القرد ملّ جوارنا
|
|
فحنّ إلى أرض القرود يزيد
|
فتبّا لمن أمسى علينا خليفة
|
|
صحابته الأدنون منه قرود
|
١٣
الحكمة ( ٧٤ ) و قال عليه السلام :
نَفَسُ اَلْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ أقول : الخطى : جمع خطوة ( بالضّمّ ) أي : مسافة ما بين القدمين في المشي .
قال ابن أبي الحديد بعد نقل العنوان : لا أدري الكلمة له عليه السلام أو لابن المعتزّ أخذها منه ، فإنّه قال : « النّاس وفد البلاء ، و سكان الثرى ، و أنفاس الحيّ خطاه إلى أجله ، و أمله خادع له عن عمله ، و الدّنيا أكذب واعديه ، و النفس أقرب أعاديه ، و الموت ناظر إليه ، و منتظر فيه أمرا يمضيه
.
قلت : قول ابن أبي الحديد له عليه السلام أو لابن المعتزّ أخذها منه عليه السلام ، بلا محصّل ، لأنّ الثاني في معنى الأوّل ، و إنّما كان له محصّل لو كان قال : هل أخذ الكلمة منه عليه السلام ابن المعتزّ أو قالها بتوارد الخواطر ؟
و كيف كان ، فأغلب كلمات من تأخّر عنه عليه السلام تلفيق من كلامه عليه السلام و قد اعترف بذلك عبد الحميد ، كاتب مروان بن محمّد آخر خلفاء بني اميّة ، ففي ( وزراء الجهشياري ) : قيل لعبد الحميد : ما الذي مكّنك من البلاغة و خرّجك فيها ؟ فقال : حفظ كلام الأصلع ، يعني أمير المؤمنين عليه السلام
.
و مرّ في أوّل الكتاب نسبة غير واحدة من خطبه عليه السلام إلى غيره من
الخلفاء و الخوارج ، لأنّهم خطبوا بها من غير نسبة إليه عليه السلام .
و مرّ في أوّل العنوان ( ١١ ) من هذا الفصل : أن فضيل بن عياض أتى بما أوهم انّ ذاك العنوان كلامه ، حتّى إنّ ( الحلية ) نسبه إليه
.
و مرّ أيضا : انّ سعدون و بهلولا أخذا من جملة ذاك العنوان قدرا
.
و نعود إلى ذكر ما يناسب العنوان فنقول :
و في ( الكافي ) عنه عليه السلام : ما من يوم يمرّ على ابن آدم إلاّ قال : أنا يوم جديد ، و عليك شهيد ، فقل فيّ خيرا ، و اعمل فيّ خيرا أشهد لك به يوم القيامة ،
فإنّك لن تراني بعده أبدا
.
و قال بعضهم : ساكن الدّنيا راحل و أنفاسه رواحل و أيّامه مراحل
.
و قال أبو هلال :
في كلّ مجرى نفس تكرّره
|
|
تهدم من عمرك ما لا تعمّره
|
١٤
الحكمة ( ٢٩ ) و قال عليه السلام :
إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَ اَلْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ فَمَا أَسْرَعَ اَلْمُلْتَقَى في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : قل إنّ الموت الّذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم ثمّ تردّون إلى عالم الغيب و الشّهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون
تعدّ السّنون ثمّ تعدّ الشهور ثم تعدّ الأيام ثم تعدّ الساعات ثمّ تعدّ
النّفس فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون
.
و مثال لما قاله عليه السلام السيّارات العصريّة إذا كانتا متواجهتين فقد يكون بعدهما بحيث لا ترى احداهما من الاخرى إلاّ شبحا فلا تمضي إلاّ انات يسيرة تلتقيان .
١٥
الحكمة ( ٢٠٣ ) و قال عليه السلام :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ وَ إِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ وَ بَادِرُوا اَلْمَوْتَ اَلَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَ إِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ وَ إِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ أقول : رواه المبرد في ( كامله ) عنه عليه السلام
.
« أيّها الناس اتّقوا اللّه الذي إن قلتم سمع و إن أضمرتم علم » يستخفون من النّاس و لا يستخفون من اللّه و هو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول و كان اللّه بما يعملون محيطا
إلاّ إنّهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه الا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرّون و ما يعلنون إنّه عليم بذات الصدور
.
و بادروا الموت الذي إن هربتم منه أدرككم ، قل إنّ الموت الّذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم ثمّ تردّون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون
و يكفي التدبّر في هذه الآية صدرها و ذيلها ، لمن أراد التذكّر .
« و إن أقمتم أخذكم » أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيّدة .
.
« و إن نسيتموه ذكركم » قل يتوفّاكم ملك الموت الذي و كلّ بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون
.
و روى ( نوادر جنائز الكافي ) عن أسباط بن سالم ، قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : يعلم ملك الموت نفس من يقبض ؟ قال إنّما هي صكاك تنزل من السماء ، اقبض نفس فلان بن فلان
.
و روى عنه عليه السلام قال : ما أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و ملك الموت يتصفّحهم كلّ يوم خمس مرّات
.
هذا و في ( حمقاء ابن الجوزي ) : مات لرجل قريبه و لم يخرج في جنازته ،
فقيل له في ذلك ، فقال : ويحكم أأكون منسيّا فأذكّر نفسي ؟ يعني إنّ ملك الموت نسيني فإذا خرجت في الجنازة يراني ، فيتذكّرني ، فيقبض روحي ، و لا أفعل هذا أبدا
.
١٦
الحكمة ( ٧٥ ) و قال عليه السلام :
كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ أقول : « كلّ معدود منقض » ، « منقض » منفعل من ( انقضى ) لا مفعل من
( أنقض ) فإنّه لا مناسبة له ، فيقال : انقض الحمل ظهره أي : أثقله حتّى صوّته .
قال ابن أبي الحديد : « كلامه عليه السلام يؤكّد مذهب جمهور المتكلّمين في أنّ العالم كلّه لابدّ أن ينقضي ، لكن قالوا : إنّما علمنا انّ العالم يفنى من طريق السّمع لا العقل فيجب أن يحمل كلامه عليه السلام على أنّ العدد ليس علّة في وجوب الإنقضاء ،
كما يشعر به ظاهر لفظه ، و هو الذي تسمّيه أصحاب أصول الفقه ايماء ، و إنّما مراده كلّ معدود فاعلموا ، أنّه فان و منقض فقد حكم على كلّ معدود بالإنقضاء حكما مجرّدا عن العلّية ، نحو لو قيل : زيد قائم ، ليس يعني أنّه قائم لأنّه يسمّى زيدا »
.
قلت : ما طوّله نفخ في غير ضرام ، فإنّ مراده عليه السلام أنّ سني عيش الإنسان و شهوره ، و أيّامه ، و ساعاته ، و آناته و أنفاسه في الدنيا معدودة محصورة ،
فلا بدّ أن تنقضي ، فهو نظير قوله تعالى : إنّما نعدّ لهم عدّا
، ورد في تفسيره أنّ الآباء و الامّهات يعدّون سنيّه و هو تعالى يعدّ أنفاسه ، و مرّ في العنوان السابق خبر تفسير قوله تعالى : قل إنّ الموت الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم .
.
« و كلّ متوقّع آت » قال ابن أبي الحديد : « يماثل قوله عليه السلام قول العامّة في أمثالها ( لو انتظرت القيامة لقامت ) و القول في نفسه حقّ ، لأنّ العقلاء لا يتوقّعون ما يستحيل وقوعه ، و انّما ينتظرون ما يمكن وقوعه و ما لابدّ من وقوعه ، فقد صحّ أنّ كلّ منتظر فسيأتي »
.
قلت : تطويله هنا أيضا بلا طائل فإن المراد بالمتوقّع الموت ، و الموت
حتم آت و انما أتى عليه السلام بلفظة ( كلّ ) لأنّ المتوقع كلّ حتميّ لا يعلم ساعة وقوعه ، لا ما يمكن وقوعه ، فإنّه لا يجب وقوعه كالمطر في الشتاء و بالجملة :
كلامه عليه السلام استدلال بالعلّة و المعلول ، حتّى يلتزم بالقبول ، و هو جعله ككلام عامّي مرذول .
١٧
الحكمة ( ١٥ ) وَ قِيلَ لَهُ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ ع :
كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ وَ يَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ وَ يُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ أقول : قوله عليه السلام : « كيف يكون حال من يفنى ببقائه » في ( صناعتي أبي هلال ) : قيل لبعض الأوائل : ما كان سبب موت أخيك ، قال : كونه فأحسن ما شاء
و قال الشاعر :
ما حال من آفته بقاؤه
|
|
نغّص عيشي كلّه فناؤه
|
و قال ابن الرومي :
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة
|
|
إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
|
و كيف بقاء العيش فيها و انّما
|
|
ينال بأسباب الفناء بقاؤها
|
و قال محمّد بن عليّ يعني الباقر عليه السلام « مالك من عيشك إلاّ لذّة تزدلف بك إلى حمامك ، و تقرّبك من يومك ، فأيّة أكلة ليس معها غصص ، و شربة ليس معها شرق ، فتأمّل أمرك فكأنّك قد صرت الحبيب المفقود أو الخيال المخترم
.
و قلت :
و المرء ينسى و المنايا تذكره
|
|
يميته بقاؤه فيقبره
|
« و يسقم بصحّته » قال المصنّف في ( مجازاته النبويّة ) في شرح قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « كفى بالسّلامة داء » هذا القول مجاز ، لأنّ السلامة على الحقيقة ليست بداء في نفسها ، و إنّما المراد الهرم و عوادي السّقم ، فحسن من هذا الوجه أن تسمّى داء إذ كانت موقعة فيه ، و مؤدّية إليه ، و قد أكثرت الشّعراء نظم هذا المعنى في أشعارهم إلاّ أنّ كلمة النبي صلّى اللّه عليه و آله أبهى من جميع ما قالوه ، و أبعد منزعا ، و أوجز في تمام ، و أكثر مع قلّة كلام ، فممّا جاء في هذا المعنى قول حميد بن ثور :
أرى بصري قد رابني بعد صحّة
|
|
و حسبك داء أن تصحّ و تسلما
|
و قول لبيد بن ربيعة :
و دعوت ربّي بالسّلامة جاهدا
|
|
ليصحّني فإذا السّلامة داء
|
و قول النمر بن تولب :
يودّ الفتى طول السّلامة و الغنى
|
|
فكيف يرى طول السّلامة يفعل
|
و أني لأستحسن كثيرا الأبيات التي من جملتها هذا البيت و هي :
تغيّر منّي كلّ شيء و رابني
|
|
مع الدّهر ابدالي التي أتبدّل
|
فضول أراها في أديمي بعدما
|
|
يكون كفاف الجسم أو هو أجمل
|
كأنّ مخيطا في يدي حارثيّة
|
|
صناع علت منّي به الجلد منعل
|
يردّ الفتى بعد اعتدال و صحّة
|
|
ينوء إذا رام القيام و يحمل
|
تدارك ما قبل الشّباب و بعده
|
|
حوادث أيّام تمرّ و أغفل
|
يود الفتى . .
و قال أبو العتاهية :
اسرع في نقص امرئ تمامه
« و يؤتى من مأمنه » أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيّدة .
.
١٨
الحكمة ( ١٢٢ ) و تبع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال عليه السلام :
كَأَنَّ اَلْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ وَ كَأَنَّ اَلْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي نَرَى مِنَ اَلْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ نَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَ وَاعِظَةٍ وَ رُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ أقول : رواه ( تفسير القمي ) مرفوعا عنه عليه السلام
« قول المصنّف » .
« و تبع عليه السلام جنازة فسمع رجلا يضحك » عن الصادق عليه السلام : ( كم ممّن كثر ضحكه لاغيا ، يكثر يوم القيامة بكاؤه ، و كم ممّن كثر بكاؤه على ذنبه خائفا ، يكثر يوم القيامة في الجنّة ضحكه و سروره )
.
« كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب ، و كأن الحقّ فيها على غيرنا وجب » في
( الحموي ) : كان الحسن بن علي ، الملقّب بالقاضي المهذّب ، الذي اختصّ بالصّالح بن رزيك وزير المصريّين قرظه عنده القاضي عبد العزيز بن الحباب فلّما مات عبد العزيز شمت به الحسن ، و لبس في جنازته ثيابا مذهّبة فنقص بهذا السبب و استقبحوا فعله و لم يعش بعد الجليس إلاّ شهرا واحدا
.
هذا ، و في ( الأغاني ) : انّ حمادة بنت عيسى بن علي توفيّت ، و حضر المنصور جنازتها ، فلمّا وقف على حفرتها ، قال لأبي دلامة : ما أعددت لهذه الحفرة ؟ قال : بنت عمّك حمادة بنت عيسى يجاء بها الساعة فتدفن فيها ،
فضحك المنصور حتّى غلب ، فستر وجهه ، و في ( عيون القتيبي ) : مات رجل من جند أهل الشام فحضر الحجّاج جنازته لكونه عظيم القدر و كان يلقّب سعنة فصلّى الحجاج عليه و قال لينزل قبره بعض اخوانه فنزل نفر منهم ،
فقال أحدهم و هو يسوّي عليه رحمّك اللّه أبا فلان إن كان ما علمتك لتجيد الغناء ، و تسرع ربّ الكأس ، و لقد وقعت موقع سوء لا تخرج منه إلى الدّكة ، فما تمالك الحجّاج أن ضحك فأكثر و كان لا يكثر الضّحك في جدّ و لا هزل ثمّ قال له : لا أمّ لك أهذا موضع هذا ؟ قال : أصلح اللّه الأمير فرسي حبيس لو سمعه يتغنّى : « يا لبينى أوقدي النارا » لا نتشر الأمير على سعنة و كان من أوحش خلق اللّه صورة فقال الحجّاج : إنّا للّه ، أخرجوه من القبر ثمّ قال : ما أبين حجّة أهل العراق في جهلكم يا أهل الشام و لم يبق أحد حضر القبر إلاّ استفرغ ضحكا .
و حدّثني بعض السّادة : أن امرأة من العرّيفين توفيّت ، فحضر العرّيفون تشييعها فقالوا لذاكر : من زوج هذه المرأة حتى نسلّيه بعد الفراغ من دفنها ، فقال : ما أعرف لها زوجا معيّنا ، فما تمالكوا أنفسهم من الضّحك حتّى
اضطروا إلى الرجوع قبل الفراغ
.
« و كأنّ الذي نرى من الأموات سفر » ( بالفتح فالسكون ) جمع سفر من ( سفر ) : خرج إلى السّفر .
« عمّا قليل إلينا راجعون » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم ثمّ نودي فيهم بالرّحيل و هم يلعبون
.
« نبوّؤهم أجداثهم » و في رواية القمّي : « ننزّلهم أجداثهم » و الأجداث : جمع الجدث ، و هو القبر
.
« و نأكل تراثهم » التراث : الميراث ، و أصله الوراث ، و زاد ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
) بعده « كأنّا مخلّدون بعدهم » و كذلك في المستند من خبر القمي فلا بدّ من سقوطه في ( المصرية
الأولى ) ، ثم هكذا في ( المصرية ) و الكلمة زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد )
و ( ابن ميثم )
و ( الخطية )
.
« قد نسينا كلّ واعظ و واعظة » هكذا في ( المصرية )
و في نسخة ( ابن أبي الحديد )
و الظاهر الأصل في « واعظ » و « واعظة » أحدهما و الآخر كان نسخة
بدليّة فجمعت الطبعة المصرية بينهما فاقتصر ( ابن ميثم )
على الأول ،
و القمّي على الثاني ، و لا معنى للجمع بينهما لأنّه لا مناسبة في أن يقال : « نسينا كلّ رجل واعظ و امرأة واعظة » ثم الظاهر أصحّيتة « واعظة » لكونها قرينة « جائحة » في الفقرة بعدها ، و المراد : كلّ صفة و خصلة واعظة .
« و رمينا بكلّ جائحة » أي : رمينا بكلّ خصلة مهلكة ، و الجائحة : الشدّة التي يحتاج المال ، أي : يستأصله من سنة أو فتنة .
هذا و في ( العيون ) : ( كان الحسن يعني البصري إذا شيّع جنازة لم ينتفع به أهله و ولده و اخوانه ثلاثا )
.
هذا ، و في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم
و الخطية )
جعل ( طوبى لمن ذلّ في نفسه . ) الذي في ( المصرية )
بعد هذا العنوان ، جزء هذا العنوان فهو الصحيح و يشهد له مستنده خبر ( تفسير القمي ) أيضا .
١٩
الحكمة ( ١٣٠ ) و قال عليه السلام و قد رجع من صفّين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة :
يَا أَهْلَ اَلدِّيَارِ اَلْمُوحِشَةِ وَ اَلْمَحَالِّ اَلْمُقْفِرَةِ وَ اَلْقُبُورِ اَلْمُظْلِمَةِ يَا أَهْلَ اَلتُّرْبَةِ وَ يَا أَهْلَ اَلْغُرْبَةِ وَ يَا أَهْلَ اَلْوَحْشَةِ أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ وَ نَحْنُ
لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ أَمَّا اَلدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ وَ أَمَّا اَلْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ وَ أَمَّا اَلْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي اَلْكَلاَمِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ اَلزَّادِ اَلتَّقْوَى أقول : رواه نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ، و ( الطبري في تاريخه ) مع اختلاف ، روى الأوّل في طيّ ذكر رجوعه عليه السلام من صفّين ، عن عبد الرحمن بن جندب قال ثم مضى عليه السلام حتّى جزنا دور بني عوف ، فإذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية ، فقال عليه السلام : ما هذه القبور ؟ فقال له قدامة بن عجلان الأزدي : إنّ خبّاب بن الأرت توّفي بعد مخرجك ، فأوصى أن يدفن في الظّهر ،
و كان الناس يدفنون في دورهم و أفنيتهم ، فقال عليه السلام : رحم اللّه خبّابا إلى أن قال فجاء عليه السلام حتى وقف عليهم ثم قال : « السلام عليكم يا أهل الدّيار الموحشة و المحالّ المقفرة ، من المؤمنين و المؤمنات ، و المسلمين و المسلمات ، أنتم لنا سلف و فرط ، و نحن لكم تبع ، و بكم عمّا قليل لاحقون .
اللّهم اغفر لنا و لهم ، و تجاوز عنّا و عنهم » ثم قال : « الحمد للّه الذي جعل الأرض كفاتا ، أحياء و أمواتا ، الحمد للّه الذي جعل منها خلقنا ، و فيها يعيدنا ، و عليها يحشرنا ، طوبى لمن ذكر المعاد ، و عمل للحساب ، و قنع بالكفاف ، و رضي عن اللّه بذلك » ثمّ أقبل حتّى دخل سكّة الثّوريين
.
و مثله الثاني مع أدنى اختلاف
و رواه ( عقد ابن عبد ربه ) و ( بيان الجاحظ ) فقالا : « كان عليّ كرّم اللّه وجهه إذا دخل المقبرة قال : أما المنازل فقد سكنت ، و أمّا الأزواج فقد نكحت ، فهذا خبر ما عندنا فليت شعري ما عندكم ، ثم
قال : و الذي نفسي بيده لو اذن لهم في الكلام لقالوا : انّ خير الزّاد التقوى ، و كان يقول عليه السلام إذا دخل المقبرة : « السلام عليكم أهل الدّيار الموحشة ، و المحالّ المقفرة ، من المؤمنين و المؤمنات اللّهمّ اغفر لنا و لهم ، و تجاوز بعفوك عنّا و عنهم ، ثم يقول : الحمد للّه الذي جعل الأرض كفاتا احياء و أمواتا ، و الحمد للّه الذي منها خلقنا و إليها يعيدنا و عليها يحشرنا ، طوبى لمن ذكر المعاد و عمل الحسنات و قنع بالكفاف و رضي عن اللّه عزّ و جل »
و رواه ( الفقيه )
مختصرا .
قوله : « و قال عليه السلام و قد رجع من صفّين » بين دور بني عوف و سكّة الثوريّين .
« فأشرف على القبور بظاهر الكوفة » قد عرفت من رواية نصر أنّها قبور حدثت بعد شخوصه عليه السلام إلى الشام و الأوّل منها قبر خبّاب .
و في ( تفسير القمي ) : نظر عليه السلام في رجوعه من صفين إلى المقابر فقال :
« هذه كفات الأموات » أي : مساكنهم ثمّ نظر إلى بيوت الكوفة فقال : « هذه كفات الأحياء » ثم تلا قوله تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء و أمواتا
.
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : زوروا موتاكم فإنّهم يفرحون بزيارتكم ، و ليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه و عند قبر امّه بما يدعو لهما
و عن عليّ بن بلال : و كان مشى إلى قبر محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، قال : قال لي صاحب هذا القبر عن الرضا عليه السلام : من أتى قبر
أخيه ثم وضع يده على القبر و قرأ إنّا أنزلناه في ليلة القدر
سبع مرّات أمن يوم الفزع الأكبر
و عن عمرو بن أبي المقدام : مررت مع أبي جعفر عليه السلام بالبقيع فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة فوقف عليه فقال : « اللّهمّ ارحم غربته ، وصل وحدته ، و آنس وحشته ، و اسكن إليه من رحمتك ما يستغني به عن رحمة من سواك و ألحقه بمن كان يتولاّه »
.
« يا أهل الديار الموحشة » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام في التسليم على أهل القبور : السلام على أهل الديار من المسلمين و المؤمنين ، رحم اللّه المستقدمين منّا و المستأخرين ، و انّا إن شاء اللّه بكم لاحقون
.
« و المحال المقفرة » من ( أقفرت الدّار ) : خلت ، و القفر : مفازة لا نبات فيها و لا ماء .
« و القبور المظلمة يا أهل التربة و يا أهل الغربة و يا أهل الوحشة » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : ما من موضع قبر إلاّ و هو ينطق كلّ يوم ثلاث مرّات : « أنا بيت التّراب ، أنا بيت البلى ، أنا بيت الدّود و زاد في خبر آخر : أنا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران »
.
« أنتم لنا فرط سابق » في ( الصحاح ) : الفرط بالتحريك الذي يتقدّم الواردة فيهيّئ لهم الأرسان و الدّلاء ، و يمدر الحياض ، و يستقي لهم ، و هو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع
، يقال رجل فرط و قوم فرط ، و في الخبر :
« أنا فرطكم على الحوض » و منه قيل للطفل الميّت : « اللّهم اجعله لنا فرطا » أي :
اجرا يتقدّمنا حتّى نرد عليه
.
« و نحن لكم تبع لاحق » في ( الفقيه ) : في التسليم على أهل القبور : السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين ، رحم اللّه المتقدّمين منكم و المتأخّرين ، و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون
.
و في ( المعجم ) : عزّى المازني بعض الهاشميين فقال :
انّي أعزّيك لا أنّي على ثقة
|
|
من الحياة و لكن سنّة الدّين
|
ليس المعزّي بباق بعد ميّته
|
|
و لا المعزّى و إن عاشا إلى حين
|
و في ( الأغاني ) : خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد ، و معه عديّ بن زيد ،
فمرّوا بشجرة ، فقال عديّ : أتدري أيّها الملك ما تقول هذه الشجرة ؟ قال : لا .
قال : تقول :
ربّ ركب قد أناخوا عندنا
|
|
يشربون الخمر بالماء الزّلال
|
عصف الدهر بهم فانقرضوا
|
|
و كذاك الدّهر حالا بعد حال
|
ثم جاوز الشجرة فمرّ بمقبرة ، فقال : أتدري أيّها الملك ما تقول هذه المقبرة ؟ قال : لا قال : تقول :
أيها الرّكب المخبّون
|
|
على الأرض المجدّون
|
فكما أنتم كنّا
|
|
و كما نحن تكونون
|
و في ( العقد ) : قيل للرّقاشي ، و كان قد جلس بين المدينة و المقبرة : ما أجلسك هاهنا ؟ قال : « أنظر إلى هذين العسكرين ، فعسكر يقذف الأحياء
و عسكر ، يلتقم الموتى »
.
« أمّا الدّور فقد سكنت » هذه الفقرة إلى آخر العنوان جعلها المصنّف جزء كلامه عليه السلام في زيارة القبور بعد رجوعه من صفّين مع أنّها ليست في ( كتاب نصر ) و ( تاريخ الطبري ) اللّذين عرفت أنّهما مستندة ، و ( البيان ) و ( العقد ) قد عرفت أنّهما نقلا هذا مستقلاّ كذاك ، و الصواب ، كون هذا جزء كلامه عليه السلام بعد الجمل ، فروى ابن أبي شعبة في ( تحفه ) : قال جابر الأنصاري : كنّا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فلمّا فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا في آخر الليل فقال : ما أنتم فيه ؟ فقلنا : في ذمّ الدّنيا ، فقال : علام تذمّ الدّنيا يا جابر ؟ إلى أن قال :
قال : يا جابر امض معي ، فمضيت معه حتّى أتينا القبور ، فقال : يا أهل التّربة ،
و يا أهل الغربة ، أمّا المنازل فقد سكنت و امّا المواريث فقد قسّمت و أمّا الأزواج فقد نكحت ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟ » ثمّ أمسك عنّي مليّا ثمّ رفع رأسه ، فقال : و الذي أقلّ السماء فعلت ، و سطح الأرض فدحت ، لو أذن للقوم في الكلام لقالوا : إنّا وجدنا خير الزّاد التقوى ثمّ قال : يا جابر إذا شئت فارجع
.
و ممّا قلنا يظهر أنّ المصنّف جمع بين كلاميه عليه السلام بعد صفّين و بعد الجمل في عنوان الأول لكونهما في موضوع واحد .
هذا ، و قوله : « فعلت » و « فدحت » في خبر ( التحف ) الفاء فيهما فاء التعقيب و « علت » و « دحت » فعلان من العلوّ و الدّحو .
« و أمّا الأزواج فقد نكحت » و مرّ في سابع الفصل قوله عليه السلام : « و صارت أموالهم للوارثين و أزواجهم لقوم آخرين » مع شرحه .
و في ( نفحة اليمن ) قيل : إنّ الهادي العبّاسي كان مغرما بجارية تسمّى غادر ، و كانت من أحسن النساء وجها و أكثرهنّ أدبا و ألطفهنّ طبعا و أطيبهنّ غناء ، فبينا هي ذات ليلة تنادمه ، و تغنّيه ، إذ تغيّر لونه و ظهر أثر الحزن عليه فقالت : ما بالك لا أراك اللّه ما تكره فقال : وقع في فكري السّاعة أنّي أموت و أنّ أخي هارون يلي الخلافة بعدي ، و إنّك تكونين معه كما أنت معي الآن فقالت : لا أبقاني اللّه بعدك أبدا و أخذت تلاطفه و تزيل هذا الخيال من خاطره ، فقال : لابدّ أن تحلفي لي أيمانا مغلّظة ألاّ تقربي إليه بعدي ، فحلفت على ذلك و أخذ عليها العهود و المواثيق ، ثمّ خرج و أرسل إلى أخيه هارون و أحلفه ألاّ يخلو بغادر ،
و أخذ عليه من المواثيق الغليظة ما أخذ عليها ، فلم يمض إلاّ شهر حتى مات الهادي ، و انتقلت الخلافة إلى هارون فطلبت الجارية فحضرت ، فأمرها بالأخذ في المنادمة ، فقالت : و كيف تصنع بتلك الأيمان و العهود ؟ فقال : قد كفّرت عنك و عن نفسي ثمّ خلا بها و وقعت من قلبه موقعا عظيما بحيث لم يكن يصبر عنها ساعة ، فبينا هي ذات ليلة نائمة في حجره إذ استيقظت مذعورة فقال : ما بالك فدتك نفسي قالت : رأيت أخاك ينشد :
أخلفت عهدي بعد ما
|
|
جاورت سكّان المقابر
|
و نسيتني و حنثت في
|
|
أيمانك الزّور الفواجر
|
و نكحت غادرة أخي
|
|
صدق الّذي سمّاك غادر
|
لا يهنك الألف الجديد
|
|
و لا تدر عنك الدوائر
|
فقال : فدتك نفسي انّما هي أضغاث أحلام ، فقالت كلاّ ثم ارتعدت و اضطربت بين يديه حتّى ماتت
.
و في ( العيون ) ، قال المدائني : احتضر رجل من العرب و له ابن يدبّ بين
يديه و امّ الصبّيّ جالسة عند رأسه ، و اسم الصبّيّ معمر ، فقال :
و انّي لأخشى أن أموت فتنكحي
|
|
و يقذف في أيدي المراضع معمّر
|
و ترخي ستور دونه و قلائد
|
|
و يشغلكم عنه خلوق و مجمر
|
فما لبث أن مات ثمّ تزوّجت ثمّ صار ابنه معمر إلى ما ذكر
.
و وهب المتوكّل لأحمد بن حمدون جارية يقال لها ( صاحب ) من جواريه ، حسنة كاملة ، و حمل كلّ ما كان لها و كان شيئا كثيرا عظيما فلمّا مات ابن حمدون تزوّجت صاحب ، قال أبو علي بن المنجّم : فرأيته في النوم و هو يقول :
أبا عليّ ما ترى العجائبا
|
|
أصبح جسمي في التّراب غائبا
|
و استبدلت ( صاحب ) بعدي صاحبا
و كان أبوه حمدون ينادم المعتصم ، ثم الواثق ، و كان يعاتب المتوكّل في أيّام أخيه ، و لمّا مات الواثق نادم المتوكّل ، فلما كان في بعض الأيام أمر المتوكّل بإحضار فريدة جارية أخيه الواثق مكرهة ، و دفع إليها عود فغنّت غناء كالنّدبة ، فغضب المتوكّل ، فغنّت بتحزّن و شجى ، فزاد ذلك في طيب غنائها فوجم حمدون للرقّة التي تداخلته ، فغضب المتوكّل و رأى أنّه فعل ذلك بسبب أخيه ، و كان يبغض كلّ من مال إلى أخيه ، فأمر بنفيه إلى السّند و ضربه ثلاثمائة سوط و تزوّج المتوكّل فريدة بعد ذلك
.
و في ( الأغاني ) و العهدة عليه أعطى عبد اللّه بن أبي بكر ، عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل حديقة على ألاّ تتزوّج بعده ، و لما مات من السهم الذي أصابه بالطائف أنشأت تقول :
فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينة
|
|
عليك و لا ينفكّ جلدي أغبرا
|
مدى الدّهر ما غنّت حمامة أيكة
|
|
و ما طرد الليل الصباح المنوّرا
|
فخطبها عمر فقالت : قد كان أعطاني حديقة على ألاّ أتزوّج ، قال عمر :
فاستفتي ، فاستفتت أمير المؤمنين عليه السلام فقال عليه السلام لها : ردي الحديقة على أهله ،
فتزوّجها عمر ، فلما بنى لها دعا عدّة منهم أمير المؤمنين عليه السلام فقال عليه السلام لعمر :
مرها تستتر اكلّمها ، فاستترت فقال عليه السلام لها :
فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينة
|
|
عليك و لا ينفكّ جلدي أغبرا
|
فقال عمر : و ما أردت إلى هذا ؟ فقال عليه السلام : و ما أرادت إلى أن تقول ما لا تفعل ؟
قال تعالى : كبر مقتا عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون
.
هذا ، و في ( زنبيل القاجاري ) : أوصى أحد تجّار البصرة إلى الشيخ عليّ بن كاشف الغطاء مصرف ثلثه ، فأنفذ الشيخ وكيله فأخذ الثلث و أوصله إليه و صرفه إلى المستحقين لكنّه نسي محى الدّين النجفي ، و كان شاعرا أديبا و كان الوكيل تزوّج بزوجة البصريّ أيضا ، فاتفق حضور الوكيل و محيى الدين في درس الشيخ ، و كان دأب الشيخ أن يعطي ( الشرايع ) من كان من الطّلاب جيّد الأدب ليقرأ مسألة ، ثم يشرح هو ، فأعطى ( الشرائع ) محي الدين ليقرأ ، فأخذ الكتاب و فتحه و قرأ إنشاء من نفسه : « مسائل ، الأولى : تركة الميّت حبوة للوصيّ ، و في زوجته تردد ، و الأشبه أنّها جعالة للوكيل » فقال الشيخ : ما تقرأ ؟ فأعاد . فضحك الطّلاّب . و فهم الشيخ مراده فأرضى خاطره
.
« و أمّا الأموال فقد قسمت » في ( كنايات الجرجاني ) : قال الخليل مشيرا
إلى الأيام و الليالي :
و ينكحن أزواج الغيور عدوّه
|
|
و يقسمن ما يحوي الشّحيح من الوفر
|
و في ( صفّين نصر ) : سمع أمير المؤمنين عليه السلام قائلا ينشد أبيات الأسود بن يعفر في أيوان كسرى :
ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق
|
|
تركوا منازلهم و بعد إياد
|
فقال عليه السلام : هلاّ قرأتم : كم تركوا من جنّات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين
و قال الحارث بن حلّزة :
بينا الفتى يسعى و يسعى له
|
|
تاح له من أمره خالج
|
يترك ما رقح من عيشه
|
|
يعيث فيه همج هامج
|
لا تكسع الشول باغبارها
|
|
إنّك لا تدري من النّاتج
|
« هذا خبر ما عندنا » « هذا » اشارة إلى ما مرّ من خبر دورهم و ازواجهم و أموالهم و ما قاله عليه السلام من أخبار الأحياء لهم هو الأكثر ، و عامّ لجميع الناس ،
و قد يخبرون موتاهم بأمور أخرى قال مهلهل في أخيه كليب الّذي يرميه بكونه زيرا لمّا طلب ثأره :
فلو نبش المقابر عن كليب
|
|
فيخبر بالذنائب أيّ زير
|
و قال آخر :
قد كان بعدك أنباء و هنبثة
|
|
لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب
|
« ثمّ التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم إنّ خير الزاد التقوى » روى ( أمالي ابن الشيخ ) مسندا عن صهيب بن عباد عن جعفر بن محمد عليه السلام : أنّ عليا عليه السلام مرّ بمقبرة فسلّم ثم قال : السلام عليكم يا أهل المقبرة و التربة ، اعلموا أنّ المنازل بعدكم قد سكنت ، و أنّ الأموال بعدكم قد قسّمت ، و أنّ الأزواج بعدكم قد نكحت ، فهذا خبر ما عندنا ، فما خبر ما عندكم ؟ فأجاب هاتف يسمع صوته و لا يرى شخصه : و عليك السلام يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته ، أما خبر ما عندنا فقد وجدنا ما عملنا ، و ربحنا ما قدّمنا ، و خسرنا ما خلّفنا ، فالتفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أسمعتم ؟ قالوا :
نعم قال : فتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى
.
و في ( الفقيه ) : وقف النبي صلّى اللّه عليه و آله على القتلى ببدر و قد جمعهم في قليب فقال : يا أهل القليب انّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا ؟ فقال المنافقون : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يكلّم الموتى ، فنظر اليهم فقال : لو اذن لهم في الكلام ، لقالوا : نعم و إنّ خير الزّاد التقوى
.
و في ( جمل المفيد ) بعد ذكر هزيمة أهل الجمل : ثمّ سار عليه السلام حتى وقف على كعب بن سور القاضي و هو مجدّل بين القتلى ، و في عنقه المصحف فقال عليه السلام : نحّو المصحف و ضعوه في مواضع الطّهارة ، ثم قال : أجلسوا إليّ كعبا فأجلس ، فقال : يا كعب قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ؟ ثمّ قال : أضجعوه ، و تجاوز عليه السلام فمرّ على طلحة صريعا ،
فقال : أجلسوه فأجلس ، فقال يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ؟ ثمّ قال : أضجعوه ، فقال رجل من القرّاء : يا أمير المؤمنين ما كلامك ؟ هذه الهامّ قد صديت ، لا تسمع لك كلاما ، و لا تردّ جوابا ،
فقال عليه السلام : إنّهما ليسمعان كلامي ، كما سمع أصحاب القليب كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و لو اذن لهما في الجواب لرأيت عجبا
و روى ( محاسن البرقي ) : أنّ سلمان في جمعة مرّ على مقبرة فقال : السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين و المسلمين هل علمتم أنّ اليوم جمعة ؟ فلمّا رجع و نام أتاه آت ، فقال : و عليك السلام يا أبا عبد اللّه ، تكلّمت فسمعنا ، و سلّمت فرددنا ، و قلت : هل تعلمون أنّ اليوم جمعة ؟ و قد علمنا ما يقول الطير في يوم الجمعة قال : و ما يقول ؟ قال :
يقول : ( قدّوس قدّوس ربّنا الرحمن الملك و ما يعرف عظمة ربّنا من يحلف باسمه كاذبا ) و ذكروا انّ عمر بن عبد العزيز سمع خصيا للوليد بن عبد الملك على قبره و هو يقول : يا مولاي ماذا لقينا بعدك ؟ فقال له : اما و اللّه لو اذن له في الكلام لأخبر أنّه لقي أكثر
.
٢٠
الحكمة ( ١٣٢ ) و قال عليه السلام :
إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَ اِجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ وَ اِبْنُوا لِلْخَرَابِ أقول : « إن للّه ملكا ينادي في كلّ يوم » ينبغي أن يحمل هذا النّداء على لسان الحال لا المقال ، و مثله ما في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : إنّ للقبر كلاما في كلّ
يوم ، يقول : أنا بيت الغربة ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدّود ، أنا القبر ، أنا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار ، فكلام القبر أيضا بلسان الحال
.
« لدوا للموت » اللاّم فيه لام العاقبة كما في « للفناء » و « للخراب » في ما بعد .
قيل لرجل : لم مات فلان ؟ قال : لأنّه ولد و لكلّ سبع قوت ، و ابن آدم قوت سبع الموت ، و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : إنّ النّطفة إذا وقعت في الرّحم ،
بعث اللّه تعالى ملكا فأخذ من التربة التي يدفن فيها ، فماثها في النطفة فلا يزال قلبه يحنّ إليها حتّى يدفن فيها
.
« و اجمعوا للفناء » و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
.
و قيل بالفارسية :
اندك اندك خانمان آراستن
|
|
پس بيكبار از سرش برخاستن
|
و في الخبر : أنّ ابن آدم يمثّل له ماله في آخر يوم من دنياه و أوّل يوم من عقباه ، فيقول له : إنّي و اللّه كنت عليك حريصا شحيحا فمالي عندك ؟ فيقول : خذ منّي كفنك
.
« و ابنوا للخراب » :
ما أنت معتبر بمن خربت
|
|
منه غداة قضى دساكره
|
قيل ليحيى البرمكيّ بعد قتل الرشيد لابنه جعفر : أمر بتخريب ديارك ،
فقال : كذلك تخرّب دياره ، فصار كما قال في قتل الأمين
٢١
الحكمة ( ١٦٨ ) و قال عليه السلام :
اَلْأَمْرُ قَرِيبٌ وَ اَلاِصْطِحَابُ قَلِيلٌ أقول : « الأمر قريب » ، في ( مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي ) قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام : أخبرني عن واجب و أوجب ، و عجب و أعجب ، و صعب و أصعب ، و قريب و أقرب ، فقال عليه السلام :
توب ربّ الورى واجب
|
|
و ترك الذّنوب أوجب
|
و الدهر في صرفه عجيب
|
|
و غفلة الناس عنه أعجب
|
و الصبر في النائبات صعب
|
|
لكن فوت الثّواب أصعب
|
و كلّ ما يرتجى قريب
|
|
و الموت من ذاك أقرب
|
و في ( الكافي ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : سئل أيّ المؤمنين أكيس ؟ فقال : أكثرهم ذكرا للموت ، و أشدّهم له استعدادا
.
« و الإصطحاب قليل » :
و كلّ أخ مفارقه أخوه
|
|
لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
|
و في الخبر : نزل جبرئيل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال له : يا محمّد عش ما شئت فانّك ميّت ، و أحبب من شئت فإنّك مفارقه ، و اعمل ما شئت فإنّك لاقيه
٢٢
الحكمة ( ١٨٢ ) و قال عليه السلام :
اَلرَّحِيلُ وَشِيكٌ الوشيك : ما كان سرعته عجيبا ، قال الشاعر في قتل خالد بن الوليد ، مالك بن نويرة و زناه بإمرأته :
أ تقتلهم ظلما و تنكح فيهم ؟
|
|
لو شكان هذا و الدّماء تصبب
|
و في ( الصحاح ) : يقال عجبت من وشك ذاك الأمر و من وشكه بفتح الواو و ضمّها و ( وشكان ذاك الأمر )
كذلك أيضا ، في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم ثمّ نودي فيهم بالرّحيل و هم يلعبون
.
و قيل بالفارسية : تا بار نهادى كه صداى كوچ است .
أيضا :
مرا در منزل جانان چه جاى امن چون هر دم
|
|
جرس فرياد ميدارد كه بربنديد محملها
|
٢٣
الحكمة ( ٤١٩ ) و قال عليه السلام :
مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ وَ تَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ وَ تُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَةُ
أقول : روى الفقرات الثلاث الأخيرة الدّميري في كتابه عن ( كامل ابن عدي ) عن الأصبغ عنه عليه السلام هكذا : قال عليه السلام في خطبة : ابن آدم و ما ابن آدم تؤلمه بقّة و تنتنه عرقة و تقتله شرقة
.
« مسكين ابن آدم » تقديم الخبر للحصر لإختصاصه دون ساير الحيوانات بمجموع هذه الصفات و لأنّه عليه السلام في مقام بيان مسكنته فتقديم الخبر أهمّ .
« مكتوم الأجل » حتّى الأنبياء إذا لم يعلمهم اللّه تعالى قبل ذلك ، فمات داود عليه السلام فجأة ، خطيبا على المنبر ، و مات سليمان عليه السلام فجأة متّكئا على عصاه ناظرا في ملكه ، فأيّ مسكنة أشدّ منه و الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى : و أجل مسمّى عنده
فلا يعلمه غيره و لنعم ما قيل بالفارسية :
ناگهان بانگى برآمد خواجه مرد .
« مكنون العلل » قال ابن معروف مشيرا إلى قوله عليه السلام هذا ، و قوله :
« مكتوم الأجل » :
يا بؤس للإنسان في
|
|
الدّنيا و إن نال الأمل
|
يعيش مكتوم العلل
|
|
فيها و مكتوم الأجل
|
بينا يرى في صحّة
|
|
مغتبطا قيل اعتلل
|
و بينما يوجد في
|
|
ها ثاويا قيل ارتحل
|
فأوفر الحظّ لمن
|
|
يتبعه حسن العمل
|
و في ( المعجم ) : كان إسحاق الموصلي يسأل اللّه أن لا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه فأري في منامه كأنّ قائلا يقول له : قد أجيبت
دعوتك و لست تموت بالقولنج و لكن تموت بضدّه ، فأصابه ذرب ، فمات منه سنة ( ٢٣٥ ) في خلافة المتوكّل
.
و في ( المعجم ) أيضا : حدّث يموت بن المزرع قال وجّه المتوكّل في السنّة التي قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة ، فقال لمن أراد حمله :
و ما يصنع بامرىء ليس بطائل ، ذي شقّ مائل ، و لغاب سائل ، و فرج بائل ، و عقل حائل
و قال المبرّد دخلت على الجاحظ في آخر أيّامه و قلت له : كيف أنت ؟
فقال : كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير ما شعر ، و نصفه الآخر منقرس لو طار الذّباب بقربه لآلمه و قال لمتطبّب يشكو إليه علّته : اصطلحت هذه الأضداد على جسدي إن أكلت باردا أخذ برجلي ، و إن أكلت حارّا أخذ برأسي
.
« محفوظ العمل » و كلّ صغير و كبير مستطر
، ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد
، يومئذ يصدر النّاس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره
، . و ان كان مثقال حبّة من خردل آتينا بها و كفى بنا حاسبين
و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا .
يا بنيّ إنّها إن تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو
في السماوات أو في الأرض يأت بها اللّه انّ اللّه لطيف خبير
.
« تولمه البقّة » أي : البعوضة ، روي أنّ المنصور آذاه بعوض فكلّما دفعه عنه عاد إليه ، و كان عنده الصادق عليه السلام فقال له : لم خلق اللّه هذا البعوض ؟ قال :
ليذلّ به الجبابرة مثلك .
و قال الدّميري : يقال أنّ البقّ يتولّد من النّفس الحارّ و لشدّة رغبته في الإنسان لا يتمالك إذا شمّ رائحته إلاّ رمى نفسه عليه
.
و قال وهب بن منبّه : لمّا أرسل اللّه تعالى البعوض على النمرود اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى ، فانفرد النمرود عن جيشه ، و دخل بيته ، و أغلق الأبواب ، و أرخى السّتور ، و نام على قفاه مفكّرا ، فدخلت بعوضة في أنفه و صعدت إلى دماغه فعذّب بها أربعين يوما حتّى أنّه كان يضرب برأسه الأرض ، و كان أعزّ النّاس عنده من يضرب رأسه ، ثم سقطت منه كالفرخ و هي تقول كذلك يسلّط اللّه رسله على من يشاء من عباده . ثم هلك حينئذ ، قال الطبرخزي :
و بعوضة قتلت بني كنعان
و كان بعض الجبابرة بالعراق يأخذ من يريد قتله ، فيخرجه مجرّدا إلى بعض الآجام التي بالبطائح و يتركه فيها مكتوفا تقتله البعوض في أسرع وقت .
« و تقتله الشّرقة » ( شرق بريقه ) غصّ به ، قال عديّ بن زيد :
لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
و في ( الأغاني ) : نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشّام و معه
حبّابة فقال : زعموا أنّه لا تصفوا عيشة لأحد يوما إلى الليل إلاّ يكّدرها شيء عليه و سأجرّب ذلك ، ثمّ قال لمن معه : إذا كان غد فلا تخبروني بشيء و لا تأتوني بكتاب ، و قد خلا هو و حبّابة فأتيا بما يأكلان فأكلت حبّابة رمّانة فشرقت بحبّة منها فماتت فأقام لا يدفنها ثلاثا حتّى تغيّرت و أنتنت و هو يشمّها و يرشفها فعابوا عليه ما يصنع حتّى اذن في دفنها فما مضت إلاّ خمس عشرة ليلة حتّى دفن إلى جنبها
.
« و تنتّنه العرقة » « تنتّنه » من باب التفعيل لا الإفعال ، ففي ( الصحاح ) : نتن الشيء و أنتن بمعنى ، و نتّنه : غيره ، تنتينا : جعله منتنا ، و النتن : الرائحة الكريهة
.
و في ( الفقيه ) : قال الصادق عليه السلام : علّة غسل الجمعة أنّ الأنصار كانت تعمل في أموالها فإذا حضروا المسجد تأذّى الناس بأرواح آباطهم و أجسادهم ، فأمرهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالغسل فجرت بذلك السّنّة
.
٢٤
الحكمة ( ٣٣٤ ) و قال عليه السلام :
لَوْ رَأَى اَلْعَبْدُ اَلْأَجَلَ وَ مَصِيرَهُ لَأَبْغَضَ اَلْأَمَلَ وَ غُرُورَهُ رواه ( الكافي )
و ( أمالي المفيد )
عنه هكذا : لو رأى العبد أجله و سرعته إليه لأبغض الأمل و ترك طلب الدّنيا .
و في ( بيان الجاحظ ) : وجد في حجر مكتوب : يابن آدم لو أنّك رأيت يسير ما بقى من أجلك ، لزهدت في طول ما ترجو من أملك ، و لرغبت في الزّيادة في عملك ، و لأقصرت من حرصك و حيلك ، و انّما يلقاك غدا ندمك لو قد زلّت بك قدمك و أسلمك أهلك و حشمك ، و تبرأ منك القريب ، و انصرف عنك الحبيب ، فلا أنت إلى أهلك بعائد ، و لا في عملك بزائد
.
و في ( المعجم ) : قال فضل بن حباب أبو خليفة :
و متعب السّفر مرتاح إلى بلد
|
|
و الموت يرصده في ذلك البلد
|
و ضاحك المنايا فوق هامته
|
|
لو كان يعلم غيبا مات من كمد
|
آماله فوق ظهر النّجم شامخة
|
|
و الموت من تحت اطليه على الرّصد
|
من كان لم يعط علما في بقاء غد
|
|
ماذا تفكّره في رزق بعد غد
|
٢٥
الحكمة ( ٣٦ ) و قال عليه السلام :
مَنْ أَطَالَ اَلْأَمَلَ أَسَاءَ اَلْعَمَلَ أقول : رواه ( الكافي ) هكذا : ( ما أطال عبد الأمل إلاّ أساء العمل )
قال بعضهم :
و منتظر للموت في كلّ ساعة
|
|
يشيّد بيتا دائما و يحصّن
|
له حين يتلوه حقيقة موقن
|
|
و أفعاله أفعال من ليس يوقن
|
عيان و انكار و كالجهل علمه
|
|
بمذهبه في كلّ ما يتيقّن
|
و قال خالد بن صفوان : بتّ ليلتي أتمنّى كلّها فكسيت البحر الأخضر بالذهب الأحمر فإذا الذي يكفيني رغيفان و كوزان و طمران .
٢٦
الحكمة ( ٣٣٥ ) و قال عليه السلام :
لِكُلِّ اِمْرِئٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ اَلْوَارِثُ وَ اَلْحَوَادِثُ قال بعضهم :
يا جامعا للمال يا مانعا
|
|
ألم تثق بالرّازق الباعث
|
من شحّ بالمال على نفسه
|
|
جاد به قهرا على الوارث
|
أيضا :
امهد لنفسك يا أبا الفيّاض
|
|
و اعلم بأنّك عن قليل ماض
|
و يحوز مالك وارث للمال
|
|
أو موصي إليه أو وكيل القاضي
|
٢٧
الحكمة ( ٣٨٠ ) و قال عليه السلام :
رُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ وَ مَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ قال الظاهر : ابن دريد :
ربّ صباح لامرئ لم يمسه
|
|
حتف الفتى موكّل بنفسه
|
حتى يحلّ في ضريح رمسه
|
|
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح
|
و أمر اللّه يطرق كلّ ليلة
|
|
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله
|
انّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
و في ( الحلية ) : كان ابن السّماك يقول :
عجبا لعين تلذّ بالرّقاد
|
|
و ملك الموت معه على وساد
|
و قال معاذ بن معاذ : دخلت على قاضي البصرة أعوده ، فقلت : أراك اليوم صالحا ١ ، فقال :
لا يغرّنّك عشاء سالم
|
|
سوف يأتي بالمنايا السّحر
|
فلّما كان السحر سمعت الواعية عليه .
و قيل بالفارسيّة :
سر شب سر تخت و سر بتاج
|
|
سحرگه نه بر تن سر نه سر بتاج
|
و مصداق هذا الشعر قصّة انقراض ملوكيّة شرفاء العراق : ففي أوّل الليل كانت دولة فيصل الآخر ، و في آخره كانت دولة عبد الكريم قاسم ، و هو من غرائب التاريخ ، كإخراج الإيرانيّين من العراق .
٢٨
في الخطبة ( ٨٢ ) فَلْيَعْمَلِ اَلْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ وَ فِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ وَ فِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ وَ لْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَ قَدَمِهِ وَ لْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ فَاللَّهَ اَللَّهَ أَيُّهَا اَلنَّاسُ فِيمَا اِسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ وَ اِسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى وَ لَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَ لاَ عَمًى قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ وَ عَلِمَ أَعْمَالَكُمْ وَ كَتَبَ آجَالَكُمْ وَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ اَلْكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ٢١ ٢٣ ١٦ : ٨٩ الى أن قال فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ وَ اِصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ اَلْأَيَّامِ اَلَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا اَلْغَفْلَةُ
وَ اَلتَّشَاغُلُ عَنِ اَلْمَوْعِظَةِ وَ لاَ تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَبَ بِكُمُ اَلرُّخَصُ مَذَاهِبَ اَلظَّلَمَةِ وَ لاَ تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ اَلْإِدْهَانُ عَلَى اَلْمُصِيبَةِ عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ اَلنَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ وَ إِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ وَ اَلْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ وَ اَلْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَ اَلسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ اَلشَّقِيُّ مَنِ اِنْخَدَعَ لِهَوَاهُ أقول : « فليعمل العامل منكم قبل إرهاق أجله » من قولهم ( لا ترهقني لا أرهقك اللّه ) أي : ( لا تعسرني لا أعسرك اللّه ) ، و أمّا نقل ابن أبي الحديد هنا قول الشاعر :
تندى أكفّهم و في أبياتهم
|
|
ثقة المجاور و المضاف المرهق
|
فلا ربط ففي ( الأساس ) : ( رجل مرهق ) : مضياف يرهقه الضيوف ، و قال ابن هرمة :
خير الرّجال المرهقون كما
|
|
خير تلاع البلاد اكلؤها
|
لكن الأصل في كلام ابن أبي الحديد ( الصحاح ) و هو كما ترى
.
« و في فراغه قبل أوان شغله » أي : زمان شغله .
« و في متنفّسه » المراد زمان تنفّسه ، قال الشاعر :
و الشيب ان يحلل فإنّ وراءه
|
|
عمرا يكون خلاله متنفّس
|
« قبل أن يؤخذ بكظمه » أي : مخرج نفسه .
« و ليمهّد لنفسه و قدومه » هكذا في ( المصرية )
و في ( ابن أبي الحديد
و ابن ميثم و الخطية )
« و قدمه » .
« و ليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته » الظّعن ( بالسّكون و التحرك ) : مقابل الإقامة ، قال تعالى : يوم ظعنكم و يوم إقامتكم
.
في الخبر : اغتنموا خمسا قبل خمس الغنى قبل الفقر ، و الصحّة قبل السّقم ، و الشباب قبل الهرم ، و الفراغ قبل الشغل ، و الحياة قبل الموت
.
« فاللّه اللّه أيّها الناس في ما استحفظكم من كتابه » من العمل بها ، لا حفظ ألفاظ آياته .
« و استودعكم من حقوقه » و حيث أنّ المال و البدن اللّذين عليهما الحق وديعة منه تعالى ، فكأنّما حقوقهما وديعة ، قال تعالى : أنفقوا ممّا رزقناكم .
.
« فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا » أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا و أنّكم إلينا لا ترجعون
.
« و لم يترككم سدى » أي : مهملا أيحسب الإنسان أن يترك سدى أ لم يك نطفة من منىّ يمنى
.
« و لم يدعكم في جهالة و لا عمى » ان تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين
.
« قد سمّى آثاركم » . و نكتب ما قدّموا و آثارهم و كلّ شيء أحصيناه في إمام مبين
.
« و علم أعمالكم » هكذا في ( المصرية )
و « علّم » بالتشديد و فسّره في الحاشية بقوله : « بيّن لكم أعمالكم و حدّدها »
و هو غلط و الصّواب : و ( علم ) بالتخفيف قال تعالى : و اللّه يعلم أعمالكم
.
« و كتب آجالكم » و أجل مسمّى عنده .
، لكلّ أجل كتاب
،
و نقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى ثمّ نخرجكم طفلا ثمّ لتبلغوا أشدّكم و منكم من يتوفّى و منكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا .
.
« و أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شيء » أي : أنزله على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله لكم ، قال تعالى : و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شيء .
، و في ( الصحاح ) : التبيان ( بالكسر ) مصدر كالتّلقاء ، و القياس ( بالفتح ) كالتكرار
.
« و استدركوا بقيّة أيّامكم » أي : تداركوها .
« و اصبروا لها أنفسكم » أي : احبسوها ، قال تعالى : و اصبر نفسك مع
الّذين يدعون ربّهم بالغداة و العشيّ .
.
« فانّها » أي : الأيام الباقية التي تستدركوها و تصبروا أنفسكم لها .
« قليل في كثير من الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة » قال ابن أبي الحديد :
قال عليه السلام : « فإنّها قليل » مخبرا عن المؤنّث بالمذكر لأنّه في معنى شيء قليل .
قلت : بل لأنّ القليل يأتي للمؤنّث كما يأتي للمذكّر ، كما أتى للجمع ، و في قوله تعالى : و اذكروا إذ أنتم قليل .
.
« و التشاغل عن الموعظة » أي : التذكر بالعواقب .
« و لا ترخّصوا لأنفسكم » الأصل في الرّخص : الناعم يقال هو رخص الجسد ، و الرّخصة في الأمر خلاف التشديد فيه .
« فيذهب بكم الرّخص فيها » هكذا في ( المصرية )
و كلمة ( فيها ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية )
.
« مذاهب الظلمة » فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى و يقولون سيغفر لنا و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألاّ يقولوا على اللّه إلاّ الحق .
.
« و لا تداهنوا » المداهنة : المصانعة ، قال تعالى : ودّوا لو تدهن فيدهنون
.
« فيهجم بكم الادهان على المصيبة » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي )
« على المعصية » بمعنى أنّ المداهن مع أهل المعصية مثلهم و شريك وزرهم ، ففي باب الأمر بالمعروف الكافي عن الباقر عليه السلام : أوحى اللّه تعالى إلى شعيب انّي معذّب من قومك مائة ألف و أربعين ألفا من شرارهم و ستّين ألفا من خيارهم فقال : يا ربّ هؤلاء الأشرار ، فما بال الأخيار ؟ فأوحى إليه : داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي
.
« عباد اللّه إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربّه » ففاز فوزا عظيما .
« و إنّ أغشّ الناس لنفسه أعصاهم لربّه » لأنّه ضلّ ضلالا بعيدا .
« و المغبون من غبن نفسه » لا ماله ، و في ( باب آخر الفقيه ) : بينا أمير المؤمنين عليه السلام يعبّىء أصحابه للحرب ، إذ أتاه شيخ من ناحية الشام ، و قال :
سمعت فيك من الفضل ما لا احصي ، و إنّي لأظنّك ستغتال ، فعلّمني ممّا علّمك اللّه ، قال : نعم يا شيخ ، من اعتدل يوماه فهو مغبون ، و من كانت همّته الدّنيا اشتدّت حسرته عند فراقها ، و من كان غده شرّ يوميه فهو محروم ، و من لم يبال بما رزىء من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك ، و من لم يتعاهد النقّص من نفسه غلب عليه الهوى ، و من كان في نقص فالموت خير له
.
و قال تعالى : يا أيّها الناس إنّما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدّنيا ثمّ إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون
.
« و المغبوط من سلم له دينه » و في الخبر : ( أغبط الناس من صار في التراب ، و أمن العقاب )
.
« و السّعيد من وعظ بغيره » لا من واطأته دنياه .
« و الشقيّ من انخدع لهواه » هكذا في ( المصرية )
و فيها سقط ، و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
بعده « و غروره » ، و من أضلّ ممّن إتّبع هواه بغير هدى من اللّه
.
٢٩
من الخطبة ( ٨٦ ) عِبَادَ اَللَّهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَ حَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا وَ تَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ اَلْخِنَاقِ وَ اِنْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ اَلسِّيَاقِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَ زَاجِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لاَ زَاجِرٌ وَ لاَ وَاعِظٌ « عباد اللّه زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي )
: « من قبل » فهو الصحيح ،
قال عليه السلام : زنوها في الدنيا من قبل زنة اللّه تعالى لها في الآخرة ، حتى تكمل خفّتها و تثقل إن كانت خفيفة ، قال تعالى : و نضع الموازين القسط ليوم
القيامة فلا تظلم نفس شيئا .
.
« و حاسبوها قبل أن تحاسبوا » . و إن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين
و لقد ألّف عليّ بن طاووس رسالة في ( محاسبة النفس ) .
« و تنفّسوا قبل ضيق الخناق » خنقه و خنّقه : إذا عصر حلقه ، و ألقى الحبل في عنقه ، و حرّمت المنخنقة في الإسلام ، قال تعالى : حرّمت عليكم الميتة . .
و المنخنقة .
و الخناق هنا ( بالضّمّ ) يقال : أخذ بخناقه أي : بحلقه ، و أمّا ( الخناق ) بالكسر فهو الحبل الّذي يخنق به و ليس بمراد هنا .
« و إنقادوا قبل عنف السياق » كلاّ إذا بلغت التّراقي و قيل من راق و ظنّ أنّه الفراق و التفّت السّاق بالسّاق إلى ربّك يومئذ المساق
.
« و اعلموا أنّه من لم يعن على نفسه حتّى يكون له منها واعظ و زاجر لم يكن له من غيره زاجر و واعظ » في ( المستطرفات ) عن مشيخة ابن محبوب عن السجّاد عليه السلام قال : يا ابن آدم إنّك لن تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ،
و ما كانت المحاسبة من همّتك ، و ما كان لك الخوف شعارا و الحزن دثارا
.
٣٠
من الخطبة ( ٩٠ ) اِعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ عَلَى أَعْلاَمٍ بَيِّنَةٍ فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُوا إِلى دارِ اَلسَّلامِ ٣ ٦ ١٠ : ٢٥ وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ وَ اَلصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ اَلْأَقْلاَمُ جَارِيَةٌ وَ اَلْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ اَلْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ اَلتَّوْبَةُ
مَسْمُوعَةٌ وَ اَلْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ « اعملوا رحمكم اللّه على أعلام بيّنة » لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرّشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .
.
« فالطريق نهج » أي : و اضح ، إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا
.
« يدعو إلى دار السلام » و هذا صراط ربّك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يذّكّرون . لهم دار السّلام عند ربّهم و هو وليّهم بما كانوا يعملون
.
« و أنتم في دار مستعتب » أي : الدّنيا ، فلا استعتاب أي : استرضاء في الآخرة ، فإن يصبروا فالنّار مثوى لهم و إن يستعتبوا فماهم من المعتبين
.
« على مهل و فراغ » و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
« و الصّحف منشورة » أي : لكتابة الأعمال و أمّا القيامة فإنّما تنشر للقراءة .
« و الأقلام جارية » لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل اللّه و لا يطؤون موطئا يغيظ الكفّار و لا ينالون من عدوّ نيلا إلاّ كتب لهم به عمل صالح إنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا
يقطعون واديا إلاّ كتب لهم ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون
.
« و الأبدان صحيحة و الألسن مطلقة » غير معتقلة بحضور الموت .
« و التوبة مسموعة » و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن .
.
« و الأعمال مقبولة » لو أنّ لهم ما في الأرض جميعا و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم
.
٣١
من الخطبة ( ١٧٨ ) فَبَادِرُوا اَلْمَعَادَ وَ سَابِقُوا اَلْآجَالَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ اَلْأَمَلُ وَ يَرْهَقَهُمُ اَلْأَجَلُ وَ يُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ اَلتَّوْبَةِ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ اَلرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالاِرْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ « فبادروا المعاد » فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم اللّه جميعا إنّ اللّه على كلّ شيء قدير
، فاستبقوا الخيرات إلى اللّه مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
.
« و سابقوا الآجال » و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فاصّدّق و أكن من الصالحين و لن
يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
« فإنّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل » « يوشك » يقرب ، و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل .
.
« و يرهقهم الأجل » أي : يغشاهم ، و أنيبوا إلى ربّكم و اسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثمّ لا تنصرون
، و اتّبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون
.
« و يسدّ عنهم باب التوبة » و ليست التوبة للذين يعملون السّيّئات حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن .
.
« فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم » و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربّهم ربّنا أبصرنا و سمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنّا موقنون
، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
.
« و أنتم بنو سبيل » أي : مسافرون إلى الآخرة .
« على سفر من دار ليست بداركم » إنّما هذه الحياة الدّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
، و ما هذه الحياة الدّنيا إلاّ لهو و لعب و إنّ الدّار الآخرة لهي
الحيوان لو كانوا يعلمون
.
« و قد أوذنتم منها بالإرتحال » الإيذان : الإعلام ، و الأصل فيه إيصال الخبر إلى الأذن و يترجم بالفارسية بقولهم : ( گوشزد ) .
« و أمرتم فيها بالزّاد » يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه و لتنظر نفس ما قدّمت لغد و اتّقوا اللّه إنّ اللّه خبير بما تعملون
، و ما تفعلوا من خير يعلمه اللّه و تزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى
.
٣٢
الخطبة ( ١٨٨ ) و من خطبة له عليه السلام :
أُوصِيكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ كَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلاَئِهِ إِلَيْكُمْ وَ نَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ وَ بَلاَئِهِ لَدَيْكُمْ فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ وَ تَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ وَ تَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ إِقْلاَلِ اَلْغَفْلَةِ عَنْهُ وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ وَ طَمَعُكُمْ فِيمَا لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ وَ أُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً وَ كَأَنَّ اَلْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ وَ أَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ وَ اِشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا وَ أَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ اِنْتَقَلُوا لاَ عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ اِنْتِقَالاً وَ لاَ فِي حَسَنَةٍ يَسْتَطِيعُونَ اِزْدِيَاداً أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ وَ وَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ فَسَابِقُوا
رَحِمَكُمُ اَللَّهُ إِلَى مَنَازِلِكُمُ اَلَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا وَ اَلَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا وَ دُعِيتُمْ إِلَيْهَا وَ اِسْتَتِمُّوا نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ وَ اَلْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ فَإِنَّ غَداً مِنَ اَلْيَوْمِ قَرِيبٌ مَا أَسْرَعَ اَلسَّاعَاتِ فِي اَلْيَوْمِ وَ أَسْرَعَ اَلْأَيَّامَ فِي اَلشُّهُورِ وَ أَسْرَعَ اَلشُّهُورَ فِي اَلسَّنَةِ وَ أَسْرَعَ اَلسِّنِينَ فِي اَلْعُمُرِ « اوصيكم أيّها النّاس بتقوى اللّه » فلا عاقبة إلاّ لهم ، قال تعالى : و العاقبة للمتّقين
و لا نجاة إلاّ لهم ، قال تعالى : ثمّ ننجي الّذين اتّقوا و نذر الظالمين فيها جثيّا
، و لذا وصّى تعالى بها الأولين و الآخرين ، و لقد وصّينا الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم و إيّاكم ان اتّقوا اللّه .
.
« و كثرة حمده على آلائه اليكم » في ( الصحاح ) : الآلآء و هي النعم جمع الألى ( بالفتح ) و قد يكسر و يكتب بالياء ( إلى ) مثل معى و أمعاء
.
« و نعمائه عليكم » عن الصادق عليه السلام : إذا أصبحت و أمسيت فقل عشر مرّات اللّهم ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا ، فمنك وحدك لا شريك لك لك ، الحمد و لك الشكر بها عليّ يا ربّ حتى ترضى ، و بعد الرّضا ،
فإذن كنت أدّيت شكر ما أنعم عليك في ذلك اليوم و تلك الليّلة
.
و كان نوح عليه السلام يقول ذلك إذا أصبح و أمسى فسمّى عبدا شكورا
.
« و بلائه لديكم » قالوا : البلاء : الاختبار بالخير و الشّرّ ، و لكن المفهوم من
كلامه انصرافه إلى الأول .
« فكم خصّكم بنعمة » قال أبو هاشم الجعفري : أصابتني ضيقة شديدة فصرت إلى الهادي عليه السلام فلّما جلست قال : أيّ نعم اللّه تعالى عليك تريد أن تؤدّي شكرها ؟ فوجمت ، فلم أدر ما أقول له عليه السلام ، فابتدأ فقال : رزقك الإيمان فحرّم به بدنك على النّار ، و رزقك العافية فأعانتك على الطاعة ، و رزقك القنوع فصانك عن التبذّل ، يا أبا هاشم إنّما بدأتك بهذا لأنّي ظننت أنّك تريد أن تشكوا إليّ من فعل بك هذا و قد أمرت لك بمائة دينار
.
و عن الصادق عليه السلام : إذا ذكر أحدكم نعمة اللّه تعالى عليه ، فليضع خدّه على التراب شكرا له ، فإن كان راكبا فلينزل و ليضع خدّه ، فإن لم يقدر للنزّول للشهرة ، فليضع خدّه على قربوسه ، فإن لم يقدر فعلى كفّه ، ثم ليحمد اللّه تعالى على ما أنعم عليه
.
« و تدارككم برحمة » و عن الصادق عليه السلام : إذا رأيت الرّجل و قد ابتلي و أنعم اللّه عليك فقل : اللّهمّ إنّي لا أسخر ، و لا أفخر ، و لكن أحمدك على عظيم نعمائك عليّ
.
« أعورتم له فستركم » أي : بدا منكم موضع الخلل و العوار ، و في الخبر :
تطوّل على عباده بثلاث ، و منها : ستره لهم و لولاه لما دفن كثير من النّاس
.
« و تعرّضتم لأخذه فأمهلكم » و لو يؤاخذ اللّه النّاس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة .
.
و عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير
: ما من عرق يضرب و لا نكبة و لا صداع و لا مرض إلاّ بذنب و ما يعفو اللّه أكثر ممّا يؤاخذ به
.
و عنه عليه السلام : تعوّذوا باللّه من سطوات اللّه بالليل و النهار ، قيل : و ما سطوات اللّه ؟ قال أخذه على المعاصي
.
و عن أبي الحسن عليه السلام : ان للّه تعالى مناديا ينادي : مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه ، فلو لا بهائم رتّع و صبيّة رضّع و شيوخ ركّع ، لصبّ عليكم العذاب صبّا ترضّون به رضّا
، و عن الكاظم عليه السلام : كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون ، أحدث لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون
،
و عن الصادق عليه السلام يقول تعالى : إذا عصاني من عبادي من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني
.
« و أوصيكم بذكر الموت و إقلال الغفلة عنه » فإنّ أكيس النّاس من كان أكثر ذكرا له .
« و كيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم و طمعكم فيمن ليس يمهلكم » فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون .
و قال الصادق عليه السلام : ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و ملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات
،
و قال الباقر عليه السلام لجابر الجعفي : أما رأيت الناس يكونون جلوسا ، فتعتريهم سكتة ، فما يتكلّم أحد منهم ، تلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم .
« فكفى واعظا بموتى عاينتموهم حملوا إلى قبورهم غير راكبين » و كانوا رجالا يركبون في مقاصدهم فلم يقدروا فحملوا على أعواد المنايا
، و في الكافي عن الصادق عليه السلام تبدأ في حمل السّرير من الجانب الأيمن ، ثمّ تمرّ عليه من خلفه إلى الجانب الآخر ثمّ تمرّ حتّى ترجع إلى المقدّم كذلك دوران الرّحى عليه
، قال فروة بن عمرو الجذامي الّذي كان عاملا للروم على من يليهم من العرب ، فبعث إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله بإسلامه ، فبلغ ذلك الروم ، فأخذوه و أرادوا صلبه على ماء يقال له عفراء ، مكفيا عن خشبة صلبة :
ألا هل أتى سلمى بأنّ حليلها
|
|
على ماء سلمى فوق إحدى الرواحل
|
على ناقة لم يضرب الفحل امّها
|
|
مشذّبة أطرافها بالمناجل
|
« و انزلوا فيها غير نازلين » و كانوا ينزلون في مآربهم فلم يقدروا فأنزلوا ،
و في الكافي عن الكاظم عليه السلام : إذا أتيت بالميّت شفير قبره ، فأمهله ساعة فإنّه يأخذ أهبته للسؤال
.
« فكأنّهم » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « كأنّهم » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« لم يكونوا في الدنيا عمّارا و كأنّ الآخرة لم تزل لهم دارا » :
كأن لم يغن يوما في رخاء
|
|
إذا ما المرء منّته المنون
|
و في ( الأساس ) : ( منّته المنون ) أي : قطعته القطوع ، و هي المنيّة
.
و في الدعاء : و ارحمني في طول البلى و اذكرني إذا نسيني النّاسون من الورى
.
« أوحشوا ما كانوا يوطنون » أي : صارت ديارهم وحشة لهم بالقهر .
« و أوطنوا ما كانوا يوحشون » من القبور .
« و اشتغلوا بما فارقوا » أي : بحساب ما فارقوا من علائقهم .
« و أضاعوا ما إليه انتقلوا » في ( الكافي ) عنه عليه السلام : أنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا ، و أوّل يوم من أيّام الآخرة ، مثّل له ماله ، و ولده ، و عمله ،
فيلتفت إلى ماله فيقول : و اللّه إنّي كنت عليك حريصا شحيحا فمالي عندك ؟
فيقول : خذ منّي كفنك فليتفت إلى ولده فيقول : و اللّه إنّي كنت لكم محبّا ،
و محاميا ، فمالي عندكم ؟ فيقولون : نؤدّيك إلى حفرتك نواريك فيها ، فيلتفت إلى عمله فيقول : و اللّه إنّي كنت فيك لزاهدا و ان كنت عليّ لثقيلا فماذا عندك ؟
فيقول : أنا قرينك في قبرك و يوم نشرك حتى أعرض أنا و أنت على ربّك ، فإن كان للّه وليّا أتاه أطيب الناس ريحا ، و ان كان عدوّا للّه أتاه أقبح الناس زيّا و أنتنه ريحا
. .
« لا عن قبيح يستطيعون انتقالا و لا في حسنة يستطيعون إزديادا أنسوا بالدّنيا فغرّتهم و وثقوا بفها فصرعتهم » في ( الكافي ) عن السجّاد عليه السلام قال : ما ندري ما نصنع بالنّاس إنّ حدّثناهم بما سمعنا من النبي صلّى اللّه عليه و آله ضحكوا ، و ان سكتنا لم يسعنا ، فقال ضمرة ابن معبد : حدّثنا فقال عليه السلام : يقول عدوّ اللّه إذا
حمل على سريره لحملته : أشكو إليكم عدوّا أوردني ، ثمّ لم يصدرني و إخوانا و اخيتهم و أولادا حاميت عنهم ، خذلوني و دارا صارت لغيري ، فقال ضمرة :
إن كان الميّت يتكلّم بهذا الكلام يوشك أن يثب على أعناق حملته ، فقال عليه السلام :
اللّهمّ إن كان ضمرة هزأ من حديث رسولك فخذه أخذ آسف فمات بعد أربعين ، فأتاه مولاه ، و قال له عليه السلام : وضعت وجهي على قبره حين سوّى عليه فسمعت صوته يقول : ويلك يا ضمرة اليوم خذلك كلّ خليل ، و صار الجحيم مبيتك و المقيل ، فقال عليه السلام : هذا جزاء من يهزأ من حديث رسوله
.
« فسابقوا رحمكم اللّه إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها و التي رغبتم فيها و دعيتم إليها » ثم أورثنا الكتاب الّذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن اللّه ذلك هو الفضل الكبير جنّات عدن يدخلونها يحلّون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير و قالوا الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور الّذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصب و لا يمسّنا فيها لغوب
، سابقوا إلى مغفرة من ربّكم و جنّة عرضها كعرض السماء و الأرض أعدّت للّذين آمنوا باللّه و رسله ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم
.
« و استتمّوا نعم اللّه عليكم بالصّبر على طاعته و المجانبة لمعصيته » و من يطع اللّه و رسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك هو الفوز العظيم و من يعص اللّه و رسوله و يتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين
و من يطع اللّه و رسوله فقد فاز فورا
عظيما
و من يعص اللّه و رسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا
.
« فإنّ غدا من اليوم قريب » أي : كما أنّ الغد قريب من اليوم ، كذلك الآخرة من الدّنيا ، فإنّ من مات قامت قيامته .
« ما أسرع الساعات في اليوم و أسرع الأيام في الشهور و أسرع الشهور في السنين و أسرع السنين في العمر » و حينئذ فعمر الإنسان ساعات معدودة تنقضي مسرعة بل أنفاس في آنات ، قال تعالى : إنّما نعدّ لهم عدّا
أي :
أنفاسهم ، و امّا أعوامهم و شهورهم فيعدّهما آبائهم و امهاتهم و كان الصادق عليه السلام كثيرا ما يقول :
اعمل على مهل فإنّك ميّت
|
|
و اختر لنفسك أيّها الإنسان
|
فكأنّما ما كان لم يك إذ مضى
|
|
و كأنّ ما هو كائن قد كان
|
٣٣
من الخطبة ( ١٨٥ ) فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ وَ مَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وَ بَادِرُوا اَلْمَوْتَ فِي غَمَرَاتِهِ وَ اِمْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ وَ أَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ فَإِنَّ اَلْغَايَةَ اَلْقِيَامَةُ وَ كَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ وَ قَبْلَ بُلُوغِ اَلْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ اَلْأَرْمَاسِ وَ شِدَّةِ اَلْإِبْلاَسِ وَ هَوْلِ اَلْمُطَّلَعِ وَ رَوْعَاتِ اَلْفَزَعِ وَ اِخْتِلاَفِ اَلْأَضْلاَعِ وَ اِسْتِكَاكِ اَلْأَسْمَاعِ وَ ظُلْمَةِ اَللَّحْدِ وَ خِيفَةِ اَلْوَعْدِ وَ غَمِّ اَلضَّرِيحِ وَ رَدْمِ اَلصَّفِيحِ
« فاعتصموا بتقوى اللّه » في ( الصحاح ) : اعصم و اعتصم به إذا استمسك بشيء من أن يصرعه فرسه أو راحلته
قال تعالى : و اعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى و نعم النصير
، و من يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم
.
« فإنّ لها حبلا وثيقا عروته » يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرّقوا .
،
و من يسلم وجهه إلى اللّه و هو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى و إلى اللّه عاقبة الامور
.
« و معقلا منيعا ذروته » المعقل : الملجأ ، و ذروة الشيء : أعلاه ، و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب .
.
« و بادروا الموت في غمراته » أي : شدائده ، و مبادرته بها : منعه عن وروده بها بالاعتصام بالتقوى ، فمن لم يبادره يرد بها ، قال تعالى : و لو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحقّ و كنتم عن آياته تستكبرون
.
« و امهدوا له قبل حلوله ، و أعدّوا له قبل نزوله » إنّ الّذين قالوا ربّنا اللّه ثم
استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
.
« فإنّ الغاية القيامة » يوم يقوم النّاس لربّ العالمين
.
« و كفى بذلك واعظا لمن عقل و معتبرا لمن جهل » في ( الإرشاد ) : قدم عمرو بن معد يكرب بعد تبوك على النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال صلّى اللّه عليه و آله له : أسلم يؤمنك اللّه من الفزع الأكبر قال : و ما الفزع الأكبر ؟ فإني لا أفزع ، فقال صلّى اللّه عليه و آله : ليست كما تحسب ، إنّ النّاس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميّت إلاّ نشر ، و لا حيّ إلاّ مات ، إلاّ ما شاء اللّه ، ثم يصاح بهم اخرى ، فينشر من مات و يصفّون جميعا ،
و تنشقّ السماء و تهدّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا ، و ترمي النّار بمثل الجبال شررا فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه ، و شغل بنفسه إلاّ ما شاء اللّه ، فأين أنت يا عمرو من هذا ؟ قال : ألا إنّي اسمع أمرا عظيما فآمن
.
« و قبل الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس » في ( الأساس ) : الرّمس حثي التراب على الميّت
منها خلقناكم و فيها نعيدكم .
.
« و شدّة الإبلاس » أي : اليأس و الإنكسار و السكوت غمّا ، فلما نسوا ما ذكرّوا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
، و بعد القيامة يصيرا إبلاسهم أشدّ ، قال تعالى : و يوم
تقوم السّاعة يبلس المجرمون
، إنّ المجرمين في عذاب جهنّم خالدون لا يفتّر عنهم و هم فيه مبلسون
.
« و هول المطّلع » بفتح اللام الأصل فيه موضع الاطّلاع من إشراف إلى انحدار ، شبّه ما أشرف عليه من أمر الآخرة به ، قال تعالى في هوله . يوما يجعل الولدان شيبا
.
« وروعات الفزع » أي : بغتات الفزع ، يوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات و من في الأرض إلاّ من شاء اللّه و كلّ أتوه داخرين
.
« و اختلاف الأضلاع » بمجىء ضلع موضع ضلع من شدّة الضغط .
« و استكاك الأسماع » أي : صممها ، قال الشاعر :
و تلك التي تستكّ منها المسامع
« و ظلمة اللّحد » أي : الشقّ في جانب القبر .
« و خيفة الوعد » و نفخ في الصّور فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرّحمن و صدق المرسلون
.
« و غمّ الضّريح » في ( الصحاح ) : يوم غمّ إذا كان يأخذ بالنّفس من شدّة الحر
، و الضّريح : الشقّ في وسط القبر ، و اللّحد في جانبه
.
« و ردم الصفيح » أي : سدّ الحجارة العراض .
٣٤
من الخطبة ( ١٠٥ ) سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً مَشْرَباً وَ مَطْعَماً وَ أَزْوَاجاً وَ خَدَماً وَ قُصُوراً وَ أَنْهَاراً وَ زُرُوعاً وَ ثِمَاراً ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا فَلاَ اَلدَّاعِيَ أَجَابُوا وَ لاَ فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا وَ لاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اِشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ اِفْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا وَ اِصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ اَلشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وَ أَمَاتَتِ اَلدُّنْيَا قَلْبَهُ وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَ لاَ يَزْدَجِرُ مِنَ اَللَّهِ بِزَاجِرٍ وَ لاَ يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ وَ هُوَ يَرَى اَلْمَأْخُوذِينَ عَلَى اَلْغِرَّةِ حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ وَ لاَ رَجْعَةَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ اَلدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ وَ قَدِمُوا مِنَ اَلْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ اَلْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وَ تَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ اِزْدَادَ اَلْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ وَ فِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ وَ يَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وَ أَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبِهَاتِهَا قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وَ أَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا فَيَكُونُ اَلْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ وَ اَلْعِبْءُ عَلَى
ظَهْرِهِ وَ اَلْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ وَ يَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ وَ يَتَمَنَّى أَنَّ اَلَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَ يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ فَلَمْ يَزَلِ اَلْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ سَمْعَهُ فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ وَ لاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ ثُمَّ اِزْدَادَ اَلْمَوْتُ اِلْتِيَاطاً بِهِ فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ وَ خَرَجَتِ اَلرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أُوحِشُوا مِنْ جَانِبِهِ وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لاَ يُسْعِدُ بَاكِياً وَ لاَ يُجِيبُ دَاعِياً ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَحَطٍّ فِي اَلْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ وَ اِنْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ أقول : قال ابن أبي الحديد : لينظر النّاظر إلى ما عليها من البهاء و الجلالة و الرواء و الديباجة ، و ما يحدثه من الروعة و الرهبة و المخافة و الخشية حتّى لو تليت على زنديق ملحد مصمّم على اعتقاد نفي البعث و النّشور لهدّت قواه و رعّبت قلبه و أصعقت على نفسه ، فجزى اللّه قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به وليّا من أوليائه ، في ما بلغ نصرته له تارة بيده و سيفه ، و تارة بلسانه و نطقه ، و تارة بقلبه و فكره ، إن قيل جهاد و حرب هو سيّد المجاهدين و المحاربين ، و إن قيل وعظ و تذكير فهو أبلغ الواعظين و المذكّرين ، و ان قيل فقه و تفسير ، فهو رئيس الفقهاء و المفسّرين ، و ان قيل عدل و توحيد ، فهو إمام العدل و الموحّدين ، و ليس منه تعالى بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
.
« سبحانك خالقا و معبودا » الظاهر أنّ « خالقا و معبودا » تميّزان ، أي : أنت خالق و معبود ، منزّه عن النقص .
« بحسن بلاءك عند خلقك خلقت دارا » أي : دار الآخرة التي قال فيها : و إنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان .
، و خلقة تلك ، كانت بلاء حسنا منه تعالى عند خلقه فقوله : « بحسن » متعلّق بقوله « خلقت » .
« و جعلت فيها مأدبة » في ( المصباح ) : أدب من باب ضرب : صنع صنعا دعا الناس إليه ، و اسم الصّنع المأدبة ( بضمّ الدّال و فتحها )
.
« مشربا و مطعما و أزواجا و خدما و قصورا و أنهارا و زروعا و ثمارا » أي : تلك المأدبة مشتملة على الأقسام الثمانية الّتي لوازم كمال كلّ مأدبة ، أمّا مشربها فقد قال تعالى : إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد اللّه يفجّرونها تفجيرا
و اما مطعمها فقد قال عزّ و جلّ :
و فاكهة ممّا يتخيّرون و لحم طير ممّا يشتهون
، يطاف عليهم بصحاف من ذهب و أكواب و فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين و أنتم فيها خالدون
و أمددناهم بفاكهة و لحم ممّا يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها و لا تأثيم
و أمّا أزواجها فقد قال تعالى : إنّ المتّقين في مقام أمين في جنّات و عيون يلبسون من سندس و إستبرق متقابلين كذلك و زوّجناهم بحور عين
، حور مقصورات في الخيام
، و عندهم
قاصرات الطرف أتراب
و أمّا خدمها فقد قال تعالى : و يطوف عليهم غلمان لهم كأنّهم لؤلؤ مكنون
و أمّا قصورها فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : ( إنّ في الجنّة غرفا يرى ظاهرها من باطنها ، و باطنها من ظاهرها ، يسكنها من امّتي من أطاب الكلام ، و أطعم الطّعام ، و أفشى السلام ، و صلّى بالليل و النّاس نيام ،
فقيل : و من يطيق ذلك ؟ قال : من قال إذا أصبح و أمسى : ( سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر ) عشر مرات ، فقد أطاب الكلام ، أمّا اطعام الطعام فنفقة الرّجل على عياله ، و أمّا الصلاة بالليل و النّاس نيام ، فمن صلّى المغرب و العشاء الآخرة ، و صلّى الغداة في المسجد في جماعة فكأنّما أحيا الليل كلّه ،
و إفشاء السلام ، ألاّ تبخل بالسّلام على أحد من المسلمين و امّا أنهارها فقد قال تعالى : مثل الجنّة التي وعد المتّقون فيها أنهار من ماء غير آسن و أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه و أنهار من خمر لذّة للشّاربين و أنهار من عسل مصفّى .
و امّا زروعها و ثمارها فقد قال تعالى : و لهم فيها من كلّ الثمرات .
، و إنّ للمتّقين لحسن مآب جنّات عدن مفتّحة لهم الأبواب متّكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة و شراب
، و أمددناهم بفاكهة و لحم ممّا يشتهون
.
« ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها » يا أيّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهدا و مبشّرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا و بشّر المؤمنين
بأنّ لهم من اللّه فضلا كبيرا
.
« فلا الدّاعي أجابوا » و قال الرسول يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجورا
.
« و لا فيما رغّبت إليه » هكذا في ( المصرية )
و كلمة « إليه » زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
.
« رغبوا » إنّما هذه الحياة الدّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
.
« و لا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا » إنّ الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون
، فلم يتنافسوا ، بل قلوبهم في غمرة من هذا و لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون
، و الكلام تحسّر منه عليه السلام على النّاس كتحسّر اللّه تعالى عليهم في قوله تعالى : يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يستهزءون
و كتحسّر نوح عليه السلام في قوله : ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا
.
« أقبلوا على جيفة افتضحوا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( قد
افتضحوا ) كما في الثلاثة
.
« بأكلها » قالوا : الدّنيا جيفة و طالبها كلاب .
« و اصطلحوا على حبّها » أي : تصالحوا ، و إنّما اصطلحوا على حبّها حيث إنّها معشوقة جميعهم ، و لذا يبغضون أهل الآخرة حيث أنّهم أعداء محبوبهم و لذا يريدون أهل الدّنيا ، و لو كانوا مزاحميهم في كثير من امورهم ، و يعادون أهل الآخرة و لو لم يزاحموهم في شيء من امورهم .
« و من عشق شيئا أعشى بصره » أي : أضعفه قال الشاعر :
و عين الرّضا عن كلّ عيب كليلة و في ( الأساس ) : اشتقاق العشق من العشقة ، و هي اللّبلاب لأنّه يلتوي على الشّجر و يلزمه
.
هذا و قال بشّار : ( و الأذن تعشق قبل العين أحيانا )
.
« و أمرض قلبه » مرض القلب فوق مرض الجوارح ، قال تعالى في المنافقين : في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا .
.
« فهو ينظر بعين غير صحيحة و يسمع باذن غير سميعة » قال تعالى :
لهم قلوب لا يفقهون بها و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون
.
و في ( تاريخ بغداد ) : سئل أحمد بن يحيى عن حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « حبّك الشيء يعمي و يصمّ » فقال : يعمي العين عن النظر إلى
مساويه و يصمّ الآذان عن استماع العذل فيه ، و أنشأ يقول :
و كذّبت طرفي فيك و الطرف صادق
|
|
و اسمعت أذني منك ما ليس تسمع
|
« قد خرقت الشهوات عقله » يجوز في ( خرقت ) التّخفيف و التّشديد يقال :
( خرقت الثّوب و خرّقته ) .
« و أماتت الدّنيا قلبه » . و ما أنت بمسمع من في القبور
.
« و ولهت عليها نفسه » ( ولهت ) من باب علم ، و الوله : ذهاب العقل و التحيّر من شدّة الوجد في رسالة سهل بن هارون في البخل : قال الحصين بن المنذر :
وددت أنّ لي مثل احد ذهبا لا أنتفع منه بشيء قيل : فما فائدتك منه ؟ قال لكثرة من يخدمني عليه لأنّ المال مخدوم
.
« حيثما زالت زال إليها ، و حيثما أقبلت أقبل عليها » قال ابن أبي الحديد : نظر إليه الشاعر فقال :
ما النّاس إلاّ مع الدّنيا و صاحبها
|
|
فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا
|
يعظّمون أخا الدّنيا فإن وثبت
|
|
يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
|
« و لا يزدجر من اللّه بزاجر » هذا في ( المصريتين )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
: ( لا ينزجر من اللّه بزاجر ) فهو الصحيح لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا
من خشية اللّه
.
« و لا يتّعظ من اللّه بواعظ » سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم اللّه على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة و لهم عذاب عظيم
.
« و هو يرى المأخوذين على الغرّة » فلا يستطيعون توصية و لا إلى أهلهم يرجعون
، فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
، و ما أرسلنا في قرية من نبيّ إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء و الضّرّاء لعلّهم يضّرّعون ثمّ بدّلنا مكان السيئة الحسنة حتّى عفوا و قالوا قد مسّ آباءنا الضّراء و السّرّاء فأخذناهم بغتة و هم لا يشعرون
، و لقد جاء آل فرعون النذر كذّبوا بآياتنا كلّها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر
.
« حيث لا إقالة و لا رجعة » حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
.
« كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون » من غمرات الموت ، و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم اخرجوا أنفسكم اليوم
تجزون عذاب الهون .
.
« و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون » في ( تاريخ بغداد ) : ( لمّا استتمّ للمعتصم غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا و علّق له خمسون ألف مخلاة على فرس و برذون و بغل ، و ذلّل العدوّ بكلّ النواحي ، أتته المنيّة على غفلة ، فقيل : إنّه يقول في حمّاه التي مات فيها
حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
.
« و قدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون » في ( المروج ) : و في سنة ( ٢٨٢ ) ذبح أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بدمشق و كان بنى في سفح الجبل أسفل من دير مروان قصرا ، و كان يشرب فيه في تلك الليلة ، و عنده طغج ، و كان الّذي تولّى ذلك خادما من خدمهم ، و أتى بهم على أميال ، فقتلوا و صلبوا ، و منهم من رمى بالنشّاب ، و منهم من شرح لحم من أفخاذه و عجيزته ، و أكله السّودان من ممالك أبي الجيش و حمل أبو الجيش في تابوت إلى مصر ، و ورد الخبر بذلك إلى مصر ، فأخرج من التابوت ، و جعل على السّرير على باب مصر ، و خرج ولده الأمير جيش و ساير الأمراء و الأولياء ،
فتقدّم القاضي ابن عبدة المعروف بالعبداني و صلّى عليه و حكى أبو بشر الدّولابي عن أبي عبد اللّه البخاري و كان شيعيّا من أهل العراق ، و كان يقرأ في دور آل طولون و مقابرهم انّه كان بات في تلك الليلة ممّن يقرأ عند القبر ،
و قدّم أبو الجيش ليدلّى في القبر ، و نحن نقرأ سورة الدخان ، فأحدر من السرير ، و دلّي في القبر ، و انتهينا من السورة في هذا الوقت إلى قوله عزّ و جلّ
خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثمّ صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنّك أنت العزيز الكريم
فخفضنا أصواتنا و أذعرنا حياء ممّن حضر
.
« فغير موصوف ما نزل بهم » روى أنّ في التوراة : ( مثل الموت كمثل شجرة شوك أدرجت في بدن ابن آدم ، فتعلّقت كلّ شوكة بعرق و عصب ، ثمّ جذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع ، و بقي ما بقي .
« اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت » قالوا : كان هشام بن عبد الملك كساء ظهره و ثياب مهنته لا يحملها إلاّ سبعمائة بعير من أجلد ما يكون من الإبل ، و كان مع ذلك يتقلّلها ، فمات و الوليد غائب ، فأتاه موته ، فأمر بقفل الخزائن فلم يجدوا الهشام ما يكفّنونه ، فلم يدفن إلاّ بعد ثلاثة أيّام كان الوليد قد قدم
.
« ففترت لها أطرافهم » و لو كانت أطرافهم قبل في غاية القوّة ، و في ( تاريخ بغداد ) : قال ابن أبي داود : كان المعتصم يخرج ساعده إليّ و يقول : عضّ ساعدي بأكثر قوّتك فأقول : ما تطيب نفسي لذلك ، فيقول : إنّه لا يضرّني فأروم ذلك ، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فضلا عن الأسنان و انصرف يوما من دار المأمون إلى داره ، و كان شارع الميدان منتظما بالخيم فيها الجند فمرّ بامرأة تبكي و تقول : ابني ابني و إذا بعض الجند قد أخذ ابنها ، فأمره المعتصم أن يردّ ابنها عليها ، فأبى فقبض عليه بيده فسمع صوت عظامه ، ثمّ أطلقه من يده فسقط ، و أمر بإخراج الصبيّ إلى امّه
.
و في ( الأخبار الطوال ) : لمّا خرج الرشيد إلى طوس في سنة ( ١٩٣ )
مرض بها مرضا شديدا فجمع له الأطباء يعالجونه ، فقال :
إنّ الطبيب بطبّه و دوائه
|
|
لا يستطيع دفاع محذور جرى
|
ما للطبيب يموت بالدّاء الذي
|
|
قد كان يشفي مثله فيما مضى
|
فلمّا اشتدّ به الوجع قال للفضل بن الرّبيع : يا عبّاسي ما يقول النّاس ؟
قال : يقولون : إنّ شانئ الخليفة قد مات ، فأمر أن يسرج له حمار ليركبه ،
و يخرج فاسرج له و حمل حتّى وضع على السّرج استرخت فخذاه ، و لم يستطع الثبوت فقال : أرى النّاس قد صدقوا ، ثمّ توفّي
.
« و تغيّرت لها ألوانهم ثم ازداد الموت فيهم ولوجا » ( و لوج ) مصدر ولج يلج أي : دخل قال سيبويه : جاء المصدر فعولا مع أنّ فعولا من مصادر غير المتعدّي ، لأنّه على معنى ولجت فيه
.
« فحيل بين أحدهم و بين منطقه » لسقوط قوّة المنطق قبل السّامعة و الباصرة .
« و إنّه لبين أهله ينظر ببصره و يسمع باذنه على صحّة من عقله و بقاء من لبّه » روى ( الكافي ) : أنّ رجلا قال للصادق عليه السلام : انّي خرجت إلى مكّة مع رجل ،
فمرض في الطريق شديدا فكنت أقوم عليه ، ثمّ أفاق حتّى لم يكن عندي به بأس ، فمات ، فقال عليه السلام : ما من ميّت يحضره الوفاة إلاّ ردّ اللّه تعالى عليه من سمعه و بصره و عقله للوصيّة ، أخذ الوصيّة أو تركها و هي الرّاحة التّي يقال لها راحة الموت ، و هي حقّ على كلّ مسلم
.
« يفكّر فيم أفنى عمره و فيم أذهب دهره » في ( المروج ) : لمّا اشتدّت علّة
معاوية و أيس من برئه أنشأ يقول :
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة
|
|
و لم أك في اللّذّات أعشى النّواظر
|
و كنت كذي طمرين عاش ببلغة
|
|
من الدّهر حتّى زار أهل المقابر
|
« و يتذكر أموالا جمعها أغمض في مطالبها » الأصل فيه غضّ البصر ، كأنّه لم ير الحرام .
« و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها » ( المصرّح ) غير المشتبه من ( يوم مصرّح ) ليس فيه غيم أو من ( تصريح الخمر ) بأن يذهب عنها الزّبد روي أنّ في القيامة يكون جمع لهم أعمال كالجبال ، فتصير هباء منثورا لعدم تورّعهم في الدّنيا عن المحرّمات .
« قد لزمته تبعات جمعها » قيل لرجل : إنّ فلانا مات ، و ترك عشرة آلاف ،
فقال : أمّا العشرة آلاف فلا تتركه .
« و أشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون فيها و يتمتّعون بها » ذكروا ان عمرو بن العاص دخل عليه ابنه في احتضاره فقال له : خذ ذلك الصندوق و هو مملوّ مالا ، وليته كان مملوّا بعرا « فيكون المهنأ لغيره » حيث أتاه من غير تعب في تحصيله ، و العبء بالكسر الحمل الثقيل .
« على ظهره » في ( المروج ) : لمّا حضرت الوفاة معاوية بن يزيد بن معاوية اجتمعت إليه بنو اميّة فقالوا له : اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك ، فقال :
و اللّه ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلّد وزرها و تتحلّون أنتم حلاوتها ،
و اتعجّل أنا مرارتها ؟ اللّهمّ إنّي بريء منها
.
« و المرء قد غلقت رهونه بها » غلق الرّهن : استحقّه المرتهن إذا لم يفتك في الوقت المشروط ، و المراد أنّه كما لو رهن الإنسان علق مضنّة بمال في مدّة و لم يسع في تلك المدّة لتحصيل مال يفكّه به يعلق ذاك العلق ، كذلك هذا الإنسان الّذي رهن نفسه النفيسة بالواجبات التي عليه ، و لم يفكّها بأداء تلك الواجبات في مدّة حياته في الدّنيا ، يصير كذلك ، قال تعالى : كلّ نفس بما كسبت رهينة
.
« فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره » في ( الأساس ) :
اصحر بالأمر و أصحره : أظهره
.
قلت : مقتضى كلامه عليه السلام كون الإصحار بمعنى الظّهور ، لا الإظهار ،
و يوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسّول سبيلا .
.
« و يزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره » في ( الأخبار الطوال ) : لمّا اشتدّ وجع عبد الملك تمثّل ببيت اميّة بن أبي الصّلت :
ليتني كنت قبل ما بدا لي
|
|
في قلال الجبال أرعى الوعولا
|
فلم يمس حتى قضى
.
« و يتمنّى أنّ الذي كان يغبطه بها و يحسده عليها قد حازها دونه » و أصبح الّذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون و يكأنّ اللّه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر لو لا أن منّ اللّه علينا لخسف بنا و يكأنّه لا يفلح الكافرون
.
حافظا ترك جهان گفتن طريق خوش دلى است
|
|
تا نه پندارى كه احوال جهانداران خوش است
|
« فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه » هكذا في ( المصريتين )
و ليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
كلمة « لسانه » و لا مناسبة لها أيضا ، فإنّ اللّسان لا يخالط السمع بل الموت يخالطه .
« فصار بين أهله لا ينطق بلسانه و لا يسمع بسمعه » سقطت قوّة ناطقته و قوّة سامعته و بقيت قوّة باصرته .
« يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم » في ( الصحاح ) : الطرف : العين و لا يجمع لأنّه في الأصل مصدر فيكون واحدا و يكون جماعة ، قال تعالى : لا يرتدّ إليهم طرفهم .
.
« يرى حركات ألسنتهم و لا يسمع رجع كلامهم » أي : حاصل مرادهم .
« ثمّ ازداد الموت التياطا به » أي : لصوقا به في ( كامل المبرّد ) : قال ابن عباس : دخلت على عمرو بن العاص في احتضاره فقلت له : إنّك كنت تقول :
« اشتهي أن أرى عاقلا يموت حتّى أسأله كيف يجد » ، فكيف تجد ؟ قال : أجد السّماء كأنّها مطبقة على الأرض و أنا بينهما ، و أراني كأنّي أتنفّس من خرت أبرة يعني ثقبها
.
« فقبض بصره كما قبض سمعه » قال ابن ميثم
: نبّه عليه السلام على انّ البصر يبطل بعد السمع ، كالسمع بعد النطق لعلمه بأسرار الطبيعة ، و الذي يلوح من
أسبابه أنّه لمّا كان السبب العامّ القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرطوبة الأصليّة التي منها خلقنا و كان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف و التحليل ، كان كلّ عضوا يبس في طبيعته و أبرد ، أسرع إلى البطلان ، و أسبق إلى الفساد فنقول : أمّا أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع ، فلأنّ آلة النّطق مبنيّة على الأعصاب المحرّكة و مركّبة منها ، و آلة السمع من الأعصاب المفيدة للحسّ ، و اتّفق الأطباء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس و أبرد لكونها منبعثة من مؤخّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ ، فإنّ جلّها منبعث من مقدّم الدّماغ فكانت لذلك أقرب إلى البطلان ، و أمّا بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب التي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدّماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة فكانت أيبس و أبرد ، و أقبل لإنطفاء القوّة الغريزية
.
« و خرجت الروّح من جسده فصار جيفة بين أهله » الإنسان أوّله نطفة ،
و آخره جيفة .
« قد أوحشوا من جانبه و تباعدوا من قربه » لكونهم من أهل الدّنيا ، و الميّت من أهل الآخرة ، و أنت يوم ترحل عنهم كضيف بتّ فيهم .
« لا يسعد باكيا و لا يجيب داعيا » في ( المروج ) : ( ذكر المدائني انّ الحجّاج لم يكن يظهر لندمائه بشاشة إلاّ في يوم دخلت عليه ليلى الأخيليّة ، فقال لها :
بلغني أنّك مررت بقبر توبة بن حمير ، و عدلت عنه ، فو اللّه ما وفّيت له ، و لو كان هو بمكانك و أنت بمكانه ما عدا عنك ، قالت : لي عذر قال : و ما هو ؟ قالت :
« سمعته و هو يقول :
و لو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت
|
|
عليّ و دوني جندل و صفائح
|
لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا
|
|
إليها صدى من جانب القبر صائح
|
و كان معي نسوة قد سمعن قوله ، فكرهت أن أكذّبه ، فاستحسن الحجّاج قولها .
و ذكر حماد الرّاوية غير هذا الوجه ، و هو أنّ زوج ليلى حلف عليها و قد أجاز بقبر توبة ليلى أن تنزل و تأتي و تسلّم عليه و تكذّبه في قوله ذاك البيت ،
فأبت أن تفعل فأقسم عليها زوجها ، فنزلت حتّى جاءت إلى القبر و دموعها على صدرها ، فقالت : السلام عليك يا توبة ، فلم تستتمّ النداء حتى انفرج القبر عن طائر كالحمامة البيضاء فضربت صدرها فوقعت ميتة ، فأخذوا في جهازها و كفنها ، و دفنت إلى جانب قبره
.
« ثمّ حملوه إلى محطّ من الأرض » بقدر قامته ، قال الشاعر : ( و كأنّني بك راكبا أجيادهم بدل الجياد ) ، الأجياد جمع الجيد : العنق ، و الجياد جمع الجواد :
الفرس ، روى « محط » بالحاء المهملة ، و الخاء المعجمة ، و الأوّل أحسن فيكون في معنى الحفرة ، و قيل بالفارسيّة :
هر كه را خوابگه آخر بد و مشتى خاك است
|
|
گو چه حاجت كه بر أفلاك كشى ايوان را
|
و نكّره لأنّه لا تدري نفس بأيّ أرض تموت ، و أيّ موضع يدفن قال مطرود الخزاعي في ولد عبد مناف :
قبر بردمان ، و قبر بسلمان ، و قبر عند غزّات
|
|
و ميّت مات قريبا من الحجون عن شرق البنيّات
|
قال البلاذري : أما الّذي بردمان ناحية اليمن المطّلب و الّذي بسلمان نوفل و الّذي بغزّة هاشم ، و الّذي مات بمكّة و دفن بقرب الحجون عبد شمس
.
و في ( معارف ابن قتيبة ) : قال أبو صالح صاحب التفسير ، ما رأينا بني أمّ قطّ أبعد قبورا من بني العباس لأمّ الفضل ، مات الفضل بالشام ، و عبد اللّه بالطائف ، و عبيد اللّه بالمدينة ، و قثم بسمرقند ، و معبد بافريقية
.
« و أسلموه إلى عمله » فالأقرباء إنّما صحابتهم إلى إنزاله في حفرته ، و أمّا الّذي يكون معه أبدا فهو عمله ، إن خيرا فخير ، و ان شرّا فشرّ ، و حينئذ فكأنّ الأقرباء بعد إنزاله أسلموه بيد العمل .
« و انقطعوا عن زورته » في ( الإرشاد ) : لمّا مات الحسن بن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين عليه السلام على قبره فسطاطا إلى سنّة ، فلمّا كان رأس السنة ، قالت لمواليها : قوّضوا هذا الفسطاط في اللّيل ، فلّما أظلم اللّيل سمعت قائلا يقول :
هل وجدوا ما فقدوا ،
فأجابه آخر :
بل يئسوا فانقلبوا
.
الفصل السابع و الثاثون في ذم الدّنيا و فنائها
١
الخطبة ( ٤٤ ) و من خطبة له عليه السلام :
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ وَ لاَ مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَ لاَ مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ اَلَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ وَ لاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ وَ اَلدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا اَلْفَنَاءُ وَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا اَلْجَلاَءُ وَ هِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَ قَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ وَ اِلْتَبَسَتْ بِقَلْبِ اَلنَّاظِرِ فَارْتَحِلُوا عَنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ وَ لاَ تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ اَلْكَفَافِ وَ لاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ اَلْبَلاَغِ أقول : قال ابن أبي الحديد : العنوان مشتمل على فصلين من كلامه عليه السلام ،
الأوّل : في حمده تعالى إلى قوله « و لا تفقد له نعمة » و الثاني : في ذكر الدّنيا إلى آخره و أحدهما مختلط بالآخر ، و الرّضيّ رضى اللّه عنه يلتقط كلامه عليه السلام و لا يقف مع
الكلام المتوالي ، لأنّ غرضه ذكر فصاحته عليه السلام لا غير
.
قلت : بل العنوان كلّه من خطبة واحدة خطب عليه السلام بها يوم الفطر .
و الخطبة كانت طويلة أخذ المصنّف أوّل العنوان إلى قوله « و لا مستنكف عن عبادته » من أوّل الخطبة ، و أخذ قوله : « الّذي لا تبرح منه رحمة و لا تفقد له نعمة » من وسط الخطبة ، و قوله : « و الدّنيا دار مني لها الفناء . » من أواخر الخطبة فقال في ( الفقيه في باب صلاة العيدين ) : خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوم الفطر فقال : ( الحمد للّه الذي له ما في السماوات و الأرض إلى أن قال :
اللّهمّ ارحمنا برحمتك ، و أعممنا بمغفرتك ، إنّك أنت العليّ الكبير ، و الحمد للّه الذي لا مقنوط من رحمته ، و لا مخلو من نعمته ، و لا مؤيس من روحه ، و لا مستنكف عن عبادته ، بكلمته قامت السماوات ، و استقرّت الأرض المهاد ،
و ثبتت الجبال الرّواسي ، و جرت الرّياح اللّواقح ، و سار في جوّ السماء السحاب ، و قامت على حدودها البحار ، و هو إله لها و قاهر يذلّ له المتعزّزون ،
و يتضاءل له المتكبّرون ، و يدين له طوعا و كرها العالمون ، نحمده كما حمد نفسه ، و كما هو أهله ، و نستعينه و نستغفره و نستهديه ، و نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، يعلم ما تخفي النّفوس ، و ما تجنّ البحار و ما توارى منه ظلمة و لا تغيّب عنه غائبة ، و ما تسقط من ورقة من شجرة و لا حبّة في ظلمة إلاّ يعلمها ، لا إله إلاّ هو ، و لا رطب و لا يابس إلاّ في كتاب مبين ، و يعلم ما يعمل العاملون ، و أيّ مجرى يجرون ، و إلى أيّ منقلب ينقلبون إلى أن قال :
أوصيكم بتقوى اللّه ، الذي لا تبرح منه نعمة ، و لا تنفد منه رحمة ، و لا يستغنى العباد عنه ، و لا تجزي أنعمه الأعمال ، الّذي رغّب في التقّوى ، و زهّد في الدّنيا ،
و حذّر المعاصي ، و تعزّز بالبقاء ، و ذلّل خلقه بالموت و الفناء ، و الموت غاية
المخلوقين ، و سبيل العالمين ، و معقود بنواصي الباقين ، لا يعجزه اباق الهاربين و عند حلوله يأسر أهل الهوى ، يهدم كلّ لذّة و يزيل كلّ نعمة ، و يقطع كلّ بهجة و الدّنيا دار كتب اللّه له الفناء ، و لأهلها منها الجلاء ، و أكثرهم ينوي بقاءها ، و يعظم بناءها ، و هي حلوة خضرة ، قد عجّلت للطالب ، و التبست بقلب النّاظر ، و يضنّ بها ذو الثّروة الضّعيف و يحبويها الخائف الوجل ، فارتحلوا منها رحمكم اللّه بأحسن ما بحضرتكم ، و لا تطلبوا منها أكثر من القليل ،
و أضرّوا بأنفسكم فيها ، و إيّاكم و التنعّم و التلهّي و الفكاهات ، فإنّ في ذلك غفلة و اغترارا
. .
قوله : « الحمد للّه غير مقنوط من رحمته » الأصل فيه قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذنوب جميعا انّه هو الغفور الرحيم
.
« و لا مخلوّ من نعمته » و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة .
.
« و لا مأيوس من مغفرته » و لا تيأسوا من روح اللّه إنّه لا ييأس من روح اللّه إلاّ القوم الكافرون
.
« و لا مستنكف عن عبادته » قال عليه السلام : « كفى بي فخرا أن أكون لك عبدا »
،
و في الحديث القدسي : عبدي أطعني أجعلك مثلي
و لنعم ما قيل بالفارسية :
اميد خواجگيم بود بندگىّ تو كردم
|
|
هواى سلطنتم بود خدمت تو گزيدم
|
« الّذي لا تبرح منه رحمة » ( لا تبرح ) : لا تزال .
« و لا تفقد له نعمة » و اللّه جعل لكم من بيوتكم سكنا و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفّونها يوم ظعنكم و يوم إقامتكم و من أصوافها و أوبارها و أشعارها أثاثا و متاعا إلى حين و اللّه جعل لكم ممّا خلق ظلالا و جعل لكم من الجبال أكنانا و جعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ و سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتمّ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون
.
« و الدّنيا دار منى » أي : قدّر لها الفناء ، و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح .
.
« و لأهلها منها الجلاء » قالوا : ساكنها راحل و أنفاسه رواحل و أيّامها مراحل ، أشبه شيء بظلّ الغمام و أضغاث الأحلام
.
« و هي حلوة » في الذّوق الفاسد ، كذوق المريض ، و مرّة في الذوق الصحيح كذوق السالم .
« خضرة » في ظاهر المرأى و سوداء في المعنى .
« و قد عجلّت للطالب » الإنسان عجول ، و الدّنيا عاجلة ، و العجول طالب العاجلة ، قال تعالى : كلاّ بل تحبّون العاجلة ، و تذرون الآخرة
، إنّ هؤلاء يحبّون العاجلة و يذرون وراءهم يوما ثقيلا
لكن العاجلة خزف و الآجلة جوهر ، و لا يختار الخزف و ان كان عاجلا على الجوهر و إن كان آجلا
إلاّ مغفّل ، قال تعالى : من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثمّ جعلنا له جهنّم يصلاها مذموما مدحورا و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلاّ نمدّ هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربّك و ما كان عطاء ربّك محظورا
.
« و التبست بقلب النّاظر » أي : اشتبهت فظنّها خيرا مع كونها شرّا ، كأعمى أضلّ عصاه فوقعت يده على حيّة أسكنها البرد ، فظنّها عصا حسنة .
و في قصة يوذاسف و بلوهر المرويّة في ( اكمال الصدوق في بابه ٥٤ ) :
في ملك عارف مرّ على عارفين عليهما لباس خلق ، فنزل عن مركبه احتراما لهما ، و أنكر ذلك وزراؤه الجاهلون ، فأراد تنبيههم على صواب عمله ، فأمر الملك بأربعة توابيت فصنعت له من خشب ، فطلى تابوتين منها بالذّهب ، و تابوتين بالقار ، ثمّ ملأ تابوتي القار ذهبا و ياقوتا و زبرجدا ،
و ملأ تابوتي الذّهب جيفا و دما و عذرة و شعرا ، ثم جمع الوزراء و الأشراف الذين أنكروا صنيعه بالرّجلين ، فعرض عليهم التوابيت الأربعة و أمرهم بتقويمها ، فقالوا : امّا في مبلغ علمنا فتابوتا الذهب لا ثمن لهما لفضلهما ،
و تابوتا القار لا ثمن لهما لرذالتهما ، فقال الملك : نعم هذا مبلغ علمكم ، ثمّ أمر بتابوتي القار ، فنزعت عنهما صفايحهما فأضاء البيت بما فيها من الجواهر ، فقال : هذان مثل الرّجلين الّذين ازدريتم ظاهرهما و لباسهما ، و هما مملوّان علما و حكمة و صدقا و برّا و ساير مناقب الخير الّذي هو أفضل من الياقوت و اللؤلؤ و الجوهر و الذهب ثمّ أمر بتابوتي الذهب فنزع عنهما أثوابهما فاقشعرّ القوم من سوء منظرهما ، و تأذّوا بريحهما و نتنهما ، فقال الملك :
و هذان مثل القوم المتزيّنين بظاهر الكسوة و اللّباس و أجوافهما مملوّة جهالة
و عمى و كذبا و جورا و ساير أنواع الشّرّ التي هي أفظع و أشنع و أقذر من الجيف
.
« فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزّاد » ولتنظر نفس ما قدّمت لغد .
إنّ الّذين هم من خشية ربّهم مشفقون و الذين هم بآيات ربّهم يؤمنون و الّذين هم بربّهم لا يشركون و الّذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم و جلة أنّهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« و لا تسألوا فيها فوق الكفاف » في ( الصّحاح ) : الكفاف بالفتح من الرّزق القوت ، و هو ما كفّ عن النّاس ، أي : أغنى .
و في الحديث : « اللّهمّ اجعل رزق آل محمّد كفافا » و التكفّف : أن يمدّ كفّه يسأل الناس »
.
« و لا تطلبوا منها أكثر من البلاغ » أي : ما يبلغك مقصدك ، ففي الخبر : ما من أحد من الأولين و الآخرين إلاّ و هو يتمنّى يوم القيامة أنّه لم يعط من الدّنيا إلاّ قوتا ، إنّ الدّنيا لو عدلت عند اللّه تعالى جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة من ماء
، و قال أبو العتاهية :
حسبك ممّا تبتغيه القوت
|
|
ما أكثر القوت لمن يموت
|
الفقر في ما جاوز الكفافا
|
|
من اتّقى اللّه رجا و خافا
|
و كان مع الرشيد في سفر ، فجلس الرّشيد في الطريق في ظلّ ميل ، فقال له :
و ما تصنع بالدّنيا
|
|
و ظلّ الميل يكفيكا
|
٢
من الكتاب ( ٣١ ) وَ اِعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لاَ لِلدُّنْيَا وَ لِلْفَنَاءِ لاَ لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لاَ لِلْحَيَاةِ وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ وَ طَرِيقٍ إِلَى اَلْآخِرَةِ وَ أَنَّكَ طَرِيدُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ وَ لاَ يَفُوتُهُ طَالِبُهُ وَ لاَ بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَ تُفْضِي بَعْدَ اَلْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ وَ لاَ يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلاَدِ أَهْلِ اَلدُّنْيَا إِلَيْهَا وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا فَقَدْ نَبَّأَ اَللَّهُ عَنْهَا وَ نَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا وَ لاَ مُسِيمٌ يُسِيمُهَا سَلَكَتْ بِهِمُ اَلدُّنْيَا طَرِيقَ اَلْعَمَى وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ اَلْهُدَى فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا وَ غَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا وَ اِتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا
وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا رُوَيْداً يُسْفِرُ اَلظَّلاَمُ كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ اَلْأَظْعَانُ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً وَ يَقْطَعُ اَلْمَسَافَةَ وَ إِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً
« و اعلم أنّك انّما خلقت للآخرة لا للدّنيا » و ما هذه الحياة الدّنيا إلاّ لهو و لعب و إنّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
.
« و للفناء لا للبقاء » كلّ من عليها فان و يبقى وجه ربّك ذو الجلال و الإكرام
.
« و للموت لا للحياة » كلّ نفس ذائقة الموت ثمّ إلينا ترجعون
.
« و انّك في منزل قلعة » ( بالضمّ ) أي : غير مستوطن .
« و دار بلغة » ( بالضمّ ) ما يتبلّغ به من العيش ، قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : مثلي و الدّنيا كمن نزل في يوم قيظ تحت شوك ، فلّما أبرد شخص
.
« و طريق إلى الآخرة » : . إنّما هذه الحياة الدّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
.
أرى كلّ حيّ هالك و ابن هالك
|
|
و ذا حسب في الهالكين غريق
|
فقل لمقيم الدّار انّك ظاعن
|
|
إلى سفر نائي المحلّ سحيق
|
« و انّك طريد الموت » أي : صيده .
« الذي لا ينجو منه هاربه » قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل .
.
« و لا يفوته طالبه و لابدّ انّه مدركه » أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيّدة
.
« فكن منه على حذر ان يدركك و أنت على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك و بين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك » و ليست التّوبة للّذين يعملون السّيئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن .
،
و عبقريّة الشيطان حمله ابن آدم على تسويف التوبة حتّى تفوته .
« يا بنيّ أكثر من ذكر الموت و ذكر ما تهجم عليه و تفضي بعد الموت إليه » فأكيس النّاس من كان ذاكرا للموت .
« حتى يأتيك و قد أخذت منه حذرك و شددت له أزرك » أي : ظهرك .
اشدد حيازيمك للموت
|
|
فانّ الموت لاقيكا
|
« و لا يأتيك بغتة فيبهرك » أي : يحيّرك و يغلبك و اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و أنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللّه و إن كنت لمن السّاخرين أو تقول لو أنّ اللّه هداني لكنت من المتّقين أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من المحسنين
.
« و إيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها » أي : ركونهم إليها من
قوله تعالى : و لكنّه أخلد إلى الأرض .
قال تعالى : و لا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه .
.
« و تكالبهم عليها » الدّنيا جيفة و طالبها كلاب .
« فقد نّبا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( فقد نبّأك ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« اللّه عنها » و اضرب لهم مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح .
، إنّما مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل الناس و الأنعام حتّى إذا أخذت الأرض زخرفها و ازّيّنت و ظنّ أهلها انّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكّرون
.
« و نعت » هكذا في ( المصرية
و ابن ميثم )
من النعي « و نعتت » من النّعت كما في ( الخطيّة و ابن أبي الحديد ) .
« لك نفسها » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « هي لك نفسها » كما في ( الخطيّة ) و غيرها قال الشاعر :
هي الدّنيا تقول بملء فيها
|
|
حذار حذار من بطشي و فتكي
|
و لا يغررك طول ابتسامي
|
|
فقولي مضحك و الفعل مبكي
|
« و تكشّفت لك عن مساويها » قال المأمون لو نطقت الدّنيا ما وصفت نفسها بأحسن من قول أبي نؤاس :
و ما النّاس إلاّ هالك و ابن هالك
|
|
و ذو نسب في الهالكين غريق
|
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت
|
|
له عن عدوّ في ثياب صديق
|
و قال آخر : أفّ لدنيا الدنية ، خبثت فعلا و نيّة عيشها بدؤه همّ و عقباه المنيّة .
لمّا تؤذن الدّنيا به من صروفها
|
|
يكون بكاء الطفل ساعة يولد
|
و إلاّ فما يبكيه فيها و انّها
|
|
لأفسح ممّا كان فيها و أرغد
|
إذا أبصر الدّنيا استهلّ كأنّه
|
|
بما سوف يلقي من إذاها يهدّد
|
و قالوا : الدّنيا غدّارة غرّارة إن بقيت لها لم تبق لك .
أيضا : واجد الدّنيا سكران و فاقدها حيران .
أيضا : أفّ من اشغال الدّنيا إذا أقبلت و من حسراتها إذا أدبرت .
أيضا : الدّنيا أشبه شيء بظلّ الغمام و حلم النيّام .
أيضا : الدّنيا في حلالها حساب ، و في حرامها عقاب ، و في شبهاتها عتاب
.
و قال الشاعر :
غمومها لا تنقضي ساعة
|
|
عن ملك فيها و لا سوقه
|
يا عجبا منها و من شأنها
|
|
عدوّة للنّاس معشوقة
|
و قال آخر :
دلّت على عيبها الدّنيا و صدّقها
|
|
ما استرجع الدّهر ممّا كان أعطاني
|
« فانّما أهلها كلاب عاوية » في ( الحلية ) : قال يوسف بن اسباط : قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام : الدّنيا جيفة فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب قتل المنصور عمّه عبد اللّه بن علي ، و قتل عبد الملك ابن عمّه عمرو بن سعيد الأشدق
و في ( الطبري ) : خرج عبد الملك إلى المسجد ، و قال لأخيه عبد العزيز : اقتل عمروا ، فرجع فوجده حيّا فقال لأخيه : ما منعك منه قال : ناشدني الرّحم فرققت له ، فقال له : أخزى اللّه امّك البوّالة على عقبيها فانّك لم تشبه غيرها ثمّ قال : يا غلام إيتني بالحربة ، فأتاه بها فهزّها ثم طعنه بها فلم تجز ، ثمّ ثنّى فلم تجز فضرب بيده إلى عضد عمرو ، فوجد مسّ الدّرع فضحك ، فقال :
و دارع أيضا ، ان كنت لمعدّا يا غلام إيتني بالصّمصامة ، فأتاه بسيفه ثمّ أمر بعمرو فصرع ، و جلس على صدره فذبحه ، و هو يقول :
يا عمرو إن لم تدع شتمي و منقصتي
|
|
أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
|
« و سباع ضارية » متعوّدة بالصّيد ، و في ( الطبري ) في خروج عبد اللّه بن علي على المنصور : كان عبد اللّه خشي ألاّ يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا ، أمر صاحب شرطه فقتلهم
.
و في ( الطبري ) : في قتل مصعب الأسراء من عسكر المختار : « و قال ابن عمر لمصعب : انت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة عش ما استطعت ، فقال مصعب : إنّهم كانوا كفرة سحرة .
قلت : قال ذلك لكونهم شيعة و طالبي ثأر ابن بنت نبيّهم عليه السلام فقال له ابن عمر : و اللّه لو قتلت عدّتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا »
.
« يهرّ بعضهم بعضا » في ( كامل الجزري ) : بيع رحل بني جهير و دورهم بباب العامة في سنه ( ٤٩٣ ) و وصل ثمن ذلك إلى مؤيّد الملك ، ثم قتل في سنة ( ٤٩٤ ) مؤيّد الملك و بيع ماله و تركته ، و أخذ الجميع و حمل إلى الوزير الأعزّ ،
و قتل الوزير الأعزّ في هذه السنّة و بيع رحله و انقسمت أمواله ، و أخذ السلطان و من ولي بعده أكثرها ، و تفرّقت أيدي سبأ
.
و في ( الطبري ) في قتل المنصور أبا مسلم ، و تعداده ما أنكر عليه : فقال المنصور لأبي مسلم : ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا و هو أحد نقبائنا قبلك ، قال : أراد الخلاف و عصاني ، فقتلته ، فقال له المنصور :
حالك حاله ، تعصيني و أنت مخالف عليّ ، قتلني اللّه إن لم أقتلك ، فضربه بعمود و خرج شبيب و حرب من الكمين فقتلاه ، و قال المنصور :
زعمت أنّ الدّين لا يقتضى
|
|
فاستوف بالكيل أبا مجرم
|
سقيت كأسا كنت تسقي بها
|
|
أمرّ في الخلق من العلقم
|
« و يأكل عزيزها ذليلها » في ( لطائف الثعالبي ) : حدّث الصّولي ، قال :
حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب : لما ولي المعتز لم تمض مديدة حتّى أحضر
الناس و اخرج المؤيّد ، أي : أخوه و ولّى عهده ، و قيل : اشهدوا انّه دعي فأجاب ،
و ليس به أثر قتل ، ثمّ مضت أشهر ، فاحضر النّاس ، و اخرج المستعين فقال : إنّ منيّته أتت عليه و هاهو لا أثر به ، فاشهدوا ثمّ مضت مديدة و استخلف المهتدي فاخرج المعتزّ ميّتا ، و قيل : اشهدوا أنّه قد مات حتف أنفه و لا أثر به ، ثم لم تدير السّنة حتى استخلف المعتمد و اخرج المهتدي ميّتا ، و قيل اشهدوا أنّه قد مات من جراحته ، فتعجّب الناس من تلاحقهم في مدّة يسيرة .
فيه : بعث المعتصم ايتاخ إلى الأفشين و قال : قل له : يا عدوّ اللّه فعلت و صنعت ، و كيف رأيت صنع اللّه بك ؟ فقال له الأفشين : قد ذهبت بمثل هذه إلى علي بن هشام ، فقال لي : قد ذهبت بمثل هذه الرسالة إلى عجيف بن عنبسة قال :
انظر من يأتيك بها ؟ أي : بمثل هذه الرسالة و أنا أقول لك : الآن أيضا انظر من يأتيك بها ؟ قال : فما مرّت إلاّ أيام قلائل حتّى حبس إيتاخ ثمّ قتل
.
و في ( المروج ) : سخط المتوكّل على عمرو بن فرج الرّخجي و كان من عليّة الكتّاب فأخذ منه مالا و جوهرا نحو مائة و ألف و عشرين ألف دينار ،
و أخذ من أخيه نحوا من مائة ألف و خمسين ألف ثمّ صولح على أحد و عشرين ألف ألف درهم على أن يردّ عليه ضياعه ، ثمّ غضب عليه غضبة ثانية و أمر أن يصفع كلّ يوم ، فأحصى ما صفع فكان ستّة آلاف صفعة و ألبسه جبّة صوف ،
و سخط عليه ثالثة فأحدر إلى بغداد حتّى مات
.
فيه أيضا : في إسماعيل بن بلبل الذي كان وزير الموفّق ، و كان آذى ابنه المعتضد في أيّام أبيه ، قيّد المعتضد إسماعيل و جعل في عنقه غلاّ فيه رمّانة حديد ، و الغلّ و الرّمّانة مائة و عشرون رطلا ، و البس جبّة صوف قد صيّرت في
و دك الأكارع الودك ، دسم اللّحم و الأكارع جمع الكراع ، مستدقّ السّاق من البقر و الغنم و علّق معه رأس ميّت فلم يزل على ذلك حتّى مات و دفن بغلّه و قيوده
.
و فيه أيضا : في قصّة محمّد بن الحسن بن سهل الّذي أخذ من الناس البيعة لطالبيّ ، و طلب المعتضد منه دلالته عليه و آبائه ، قال : لو شوّيتني على النّار لم أقرّ ، فاصنع ما أنت صانع فقال له : لسنا نعذّبك بعد ذلك إلاّ بما ذكرت إلى أن قال في كيفيّة شوائه و الأشهر أنّه جعل بين رماح ثلاثة ، و شدّ أطرافها و كتّف ، و جعل فوق النار من غير أن يماسّها ، و هو في الحياة يدار عليها كما تشوى الدّجاج إلى أن تفرقع جسمه ، و اخرج فصلب بين الجسرين
.
« و يقهر كبيرها صغيرها » في الخبر : النّاس على ستّ طبقات : أسد ، و ذئب ،
و ثعلب ، و كلب ، و خنزير ، و شاة ، فالأسد : ملوك الأرض يحبّ كلّ واحد أن يغلب ، و الذّئب : التّجار يذمّون إذا اشتروا و يمدحون إذا باعوا ، و الثعلب : الذين لا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم ، و الكلب : من يكرمه النّاس من شرّ لسانه ، و الخنزير : المخنّثون لا يدعون إلى فاحشة إلاّ أجابوا ، و الشّاة :
المؤمنون تجزّ شعورهم و تؤكل لحومهم و تكسّر عظامهم ، كيف تصنع الشاة بين أسد و ذئب و ثعلب و كلب و خنزير
.
« نعم معقّلة » في ( الصحاح ) : النّعم : واحد الأنعام ، قال الفّراء هو الذّكر لا يؤنّث ، يقولون ( هذا نعم وارد ) و الأنعام ، يذكّر و يؤنث
، قال تعالى في
موضع : ممّا في بطونه
و في آخر ممّا في بطونها
.
قلت : ما نقله ( الصحاح ) عن الفرّاء ليس بصحيح ، و الصحيح ما نقله ( المصباح ) عن أبي عبيدة : النّعم : الجمال فقط ، يذكّر و يؤنّث
بشهادة كلامه عليه السلام « معقّلة » ، كما انّ قول ( الصحاح ) واحد الأنعام ليس بصحيح ،
و الصواب : ما في ( المصباح ) من كونه جمعا لا واحد له
أيضا ، لقوله عليه السلام :
« معقّلة » و قالوا : ( عقلت البعير ) و ( عقّلت البعير ) و ( اعتقلته ) كما في ( القاموس ) ،
و عقله أن يثني وظيفه ، أي : مقدّم ساقه ، مع ذراعيه فيشدّهما جميعا بحبل ، هو العقال ، كما في ( الصحاح )
.
« و اخرى مهملة قد أضلّت عقولها » جمع العقال .
« و ركبت مجهولها » من قولهم ( ركب رأسه ) : مضى على وجهه بغير رويّة .
« سروح عاهة » « سروح » جمع السّراح أي : السائمة ، و العاهة : الآفة .
« بواد وعث » سهل تفيث فيه الإقدام .
« ليس لها راع يقيمها و لا مسيم يسيمها » من ( أسمت الماشية ) : أخرجتها إلى الرّعي ، قال تعالى : فيه تسيمون
.
و للعطّار النيسابوري أبيات لطيفة في وصف أهل الدنيا بالفارسية و هي :
با خرد دوش در سخن بودم
|
|
كشف شد بر دلم مثالى چند
|
گفتم اى مايه همه دانش
|
|
دارم الحق ز تو سؤالى چند
|
چيست اين زندگانى دنيا
|
|
گفت خوابى است يا خيالى چند
|
گفتمش چيست مال و ملك جهان
|
|
گفت درد سر و وبالى چند
|
گفتم اهل زمانه در چه رهند
|
|
گفت دربند جمع مالى چند
|
گفتم او را مثال دنيا چيست
|
|
گفت زالى كشيده خالى چند
|
گفتمش چيست كدخدائى گفت
|
|
هفتهاى عيش و غصّه سالى چند
|
گفتم اين نفس رام كى گردد
|
|
گفت چون ياف گوشمالى چند
|
گفتم اهل ستم چه طائفهاند
|
|
گفت گرگ و سگ و شغالى چند
|
گفتم آرى سزاى ايشان چيست
|
|
گفت در آخرت نكالى چند
|
« سلكت بهم الدّنيا طريق العمى و أخذت بأبصارهم عن منار الهدى فتاهوا في حيرتها و غرقوا في نعمتها و اتّخذوها ربّا » في ( المروج ) : في دخول ابن الأشعث الكوفة لمّا خرج على الحجّاج : كتب الحجّاج إلى عبد الملك كتابا يذكر فيه جيوش ابن الأشعث و كثرتها ، و يستنجد عبد الملك ، و يسأله الإمداد و كتب في كتابه : « وا غوثاه يا اللّه » ، وا غوثاه يا اللّه ، وا غوثاه يا اللّه » فأمدّه بالجيوش و كتب إليه : « يا لبيّك ، يا لبّيك ، يا لبّيك »
.
و في الخبر : من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فان كان الناطق يقول عن اللّه فقد عبد اللّه ، و إن كان يقول عن غيره ، فقد عبد غير اللّه
.
قال تعالى : من كان يريد الحياة الدّنيا و زينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون أولئك الّذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النّار و حبط ما
صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون
.
« رويدا » مفعول مطلق ، كقوله تعالى : أمهلهم رويدا
.
« يسفر الظلام » أي : يكشف ، قال تعالى : لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
.
« كان قد وردت الأظعان » أي : الجمال عليها الهوادج ، قال تعالى : كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشيّة أو ضحاها
، كأنّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار .
، و يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم .
.
« يوشك من أسرع أن يلحق » و أن ليس للإنسان إلاّ ما سعى و أنّ سعيه سوف يرى
، وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية
الآيات إنّ هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا
.
قال ابن أبي الحديد : استقرأني أبو الفرج محمّد بن عباد و أنا يومئذ حدث هذه الوصيّة فقرأتها عليه من حفظي فلمّا وصلت إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة و سقط ، و كان جبّارا قاسي القلب
.
« و اعلم أنّ من كان مطيّته الليل و النهار فانّه يسار به و ان كان واقفا و يقطع المسافة و إن كان مقيما وادعا » من ( ودع بالضمّ دعة ) و هي الخفض و الاستراحة و هو الذي يتوفّاكم بالليل و يعلم ما جرحتم بالنّهار ثمّ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمّى ثمّ إليه مرجعكم ثمّ ينبّئكم بما كنتم تعملون
، و قال المتلمّس :
و لن يلبث العصران يوم و ليلة
|
|
إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
|
و في ( لطائف الثعالبي ) : قال لقمان : يابن آدم اللّيل و النّهار يعملان فيك ،
فاعمل فيهما قال : يقال : ليس له و لا لغيره أبلغ و أوجز من قوله ذاك
.
و في قصّة يوذاسف و بلوهر المرويّة في ( الإكمال في بابه ٥٤ ) : قال بلوهر ليوذاسف : بلغنا أنّ رجلا حمل عليه فيل مغتلم ، فانطلق مولّيا هاربا ،
و أتبعه الفيل حتى غشيه ، فاضطرّه إلى بئر ، فتدلّى فيها و تعلّق بغصنين نابتين على شفير البئر ، و وقعت قدماه على رؤوس حيّات فلّما تبيّن له أنّه متعلّق بالغصنين ، فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض ، و الآخر أسود ، فلمّا نظر إلى تحت قدميه ، فإذا رؤوس أربع أفاعي قد طلعن بوجوههنّ ،
فلمّا نظر إلى قعر البئر إذا بتنّين فاغرفاه نحوه ، يريد إلتقامه ، فلما رفع رأسه إلى أعلى الغصنين إذا عليهما شيء من عسل النحل ، فتطعم من ذلك العسل فألهاه ما طعم منه ، و ما نال من لذّة العسل و حلاوته عن التفكّر في أمر الأفاعي اللّواتي لا يدري متى يبادرنّه و ألهاه عن التنّين ، الّذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته أمّا البئر فالدنيا مملوّة آفات و بلايا و شرورا ، و أمّا الغصنان فالعمر ، و أمّا الجرذان فاللّيل و النهار يسرعان في الأجل ، و امّا الأفاعي الأربعة
التي هي السموم القاتلة من المرّة و البلغم و الريح و الدّم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به ، و اما التنّين الفاغر فاه ليلتقمه فالموت الواصل الطّالب ، امّا العسل الذي اغترّ به المغرور فما ينال النّاس من لذّة الدّنيا و شهواتها من المطعم و المشرب و الملبس و المسكن
.
٣
الحكمة ( ٣٩١ ) و قال عليه السلام :
اِزْهَدْ فِي اَلدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اَللَّهُ عَوْرَاتِهَا وَ لاَ تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : من زهد في الدّنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه ، و أنطق بها لسانه و بصّره عيوب الدّنيا داءها و دواءها ، و أخرجه منها سالما إلى دار السلام
.
و عنه عليه السلام : جعل الخير كلّه في بيت و جعل مفتاحه الزّهد في الدّنيا
.
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : لا يجد الرّجل حلاوة الإيمان حتّى لا يبالي من أكل الدّنيا ، و حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتّى تزهد في الدّنيا .
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : انّ صلاح أوّل هذه الامّة بالزهد و اليقين ، و هلاك آخرها بالشّحّ و الأمل
.
و عن السجّاد عليه السلام : إنّ الزّهد في آية من كتاب اللّه لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم .
.
و عن الصادق عليه السلام : ليس الزّهد في الدّنيا بإضاعة المال ، و لا بتحريم الحلال بل ألاّ تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد اللّه
.
و في ( الاكمال ) : في قصّة يوذاسف و بلوهر : كان ملك حسن الإنصاف و له وزير صالح له زهادة ، لقي أهل الدّين ، و كان كلّ منهما لا يكتم الآخر شيئا من أمره إلاّ أنّ الوزير لم يكن يطلع الملك على أمر الدّين و أسرار الحكمة ،
فاستشار أصحابه في ذلك فقالوا : إن رأيته موضعا للكلام فكلّمه ، إلى أن قال الملك للوزير بعد ما هدأت العيون : هل لك أن نركب فنسير في المدينة فننظر في حال النّاس ، فقال : نعم ، فركبا يجولان في نواحيها فمرّا على مزبلة تشبه الجبل فنظر الملك إلى ضوء نار تبدو في ناحية المزبلة فقال للوزير : إنّ لهذه النّار لقصّة فانزل بنا نمشي حتى ندنو منها فنعلم خبرها ، ففعلا حتّى انتهيا إلى مخرج الضوء فوجدا ثقبا شبيها بالغار و فيه مسكين فنظر إليه من حيث لا يراهما فإذا هو مشوّه الخلق عليه ثياب من خلقان المزبلة متّكئ على متّكأ قد هيّأه من المزبل و بين يديه إبريق فخّار فيه شراب ، و في يده طنبور يضرب به ،
و امرأته في خلقه و لباسه قائمة بين يديه ، تسقيه إذا استسقى و ترقص له إذا ضرب ، و تحيّيه بتحيّة الملوك ، و هو يسمّيها سيّدة النساء ، و ملكة الآفاق ، و هما يصفان أنفسهما بالحسن و الجمال و بينهما من السرور و الضحك و الطرب ما لا يوصف ، فقام الملك على رجليه و الوزير ، يتعجبان منهما و من إعجابهما بما هما فيه ، ثم انصرفا ، فقال الملك للوزير : ما أعلم أنّي و إيّاك أصابنا الدّهر من اللّذة و السرور مثل ما رأينا عند هذين ، فاغتنم الوزير الفرصة و قال له : أخاف أيّها الملك ان تكون دنيانا هذه من الغرور ، و يكون ملكك و ما نحن فيه من البهجة و السرور ، في أعين من يعرف ملكوت الدائم مثل هذه المزبلة ، و مثل
هذين الشخصين الّذين رأيناهما و تكون مساكننا و ما شيّدنا منهما عند من يرجو مساكن السّعادة و ثواب الآخرة ، مثل هذه الغار في أعيننا ، و تكون أجسادنا عند من يعرف الطهارة و النضارة الآخروية مثل جسد هذين المشوّهين خلقا في أعيننا ، و يكون تعجّبهم من اعجابنا بما نحن فيه كتعجّبنا من إعجاب هذين الشخصين بما هما فيه ، قال الملك : و هل تعرف لأهل هذه الصفة أهلا ؟ قال : نعم ، قال : من هم ؟ قال : هم الّذين عرفوا ملك الآخرة الّذي لا خوف بعده ، و الحياة التي لا موت بعدها و الملك الذي لا زوال بعده ، و هي دار البقاء و دار الحيوان التي لا انقطاع لها رفع اللّه تعالى عن مساكنها السّقم ،
و الهرم ، و الشّقاء ، و المرض ، و الجوع ، و الظّمأ و الموت ، أيّها الملك هذه صفة ملك الآخرة و خبرها ، قال : هل إلى هذه الدار و دخولها سبيلا ؟ قال : نعم هي مهيّأة لمن طلبها من وجه مطلبها و قال : ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم ؟
قال : الهيبة لسلطانك قال : لئن كان ما وصفت يقينا فلا ينبغي لنا تضييعه
. .
« و لا تغفل فلست بمغفول عنك » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و يتصفّحهم ملك الموت كلّ يوم خمس مرّات
.
٤
الخطبة ( ٥١ ) و من خطبة له عليه السلام :
أَلاَ وَ إِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَ تَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا وَ قَدْ أَمَرَّ مِنْهَا مَا كَانَ حُلْواً وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ
كَسَمَلَةِ اَلْإِدَاوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ اَلْمَقْلَةِ لَوْ تَمَزَّزَهَا اَلصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اَللَّهِ اَلرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ اَلدَّارِ اَلْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا اَلزَّوَالُ وَ لاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا اَلْأَمَلُ وَ لاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ اَلْأَمَدُ فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ اَلْوُلَّهِ اَلْعِجَالِ وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ اَلْحَمَامِ وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي اَلرُّهْبَانِ وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مِنَ اَلْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ اِلْتِمَاسَ اَلْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي اِرْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ وَ حَفِظَهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَ اللَّهِ لَوِ اِنْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ اِنْمِيَاثاً وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي اَلدُّنْيَا مَا اَلدُّنْيَا بَاقِيَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ اَلْعِظَامَ وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ إلَى اَلْإِيمَانِ أقول : رواه المفيد في ( أماليه ) في مجلسه العشرين مع اختلاف يسير مسندا عن المرزباني ، عن أحمد المكّي ، عن أبي العيناء ، عن محمّد بن الحكم ،
عن لوط بن يحيى ، عن الحرث بن كعب ، عن مجاهد هكذا ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : ازهدوا في هذه الدّنيا التي لم يتمتّع بها أحد كان قبلكم و لا تبقى لأحدكم بعدكم ، سبيلكم فيها سبيل الماضين ، قد تصرّمت و أذنت بانقضاء و تنكّر معروفها ، فهي تحفز أهلها بالفناء و سكّانها بالموت ، و قد أمرّ منها ما كان حلوا ، و كدر منها ما كان صفوا فلم تبق منها إلاّ سملة كسملة الأداوة و جرعة الإناء لو تمزّزها العطشان لم ينفع بها ، فازمعوا بالرّحيل من هذه الدّار المقدور على أهلها بالزّوال ، الممنوع أهلها من الحياة المذلّلة فيها أنفسهم بالموت ، فلا حيّ يطمع في البقاء ، و لا نفس إلاّ مذعنة بالمنون ، و لا يغلبنّكم الأمل ، و لا يطول عليكم الأمد ، و لا تغترّوا منها بالآمال ، و لو حننتم حنين الولّه العجّال ، و دعوتم مثل حنين الحمام و جأرتم جأر متبتّل الرّهبان ، و خرجتم إلى
اللّه تعالى من الأموال و الأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع الدرجة عنده ، أو غفران سيّئة أحصتها كتبته ، و حفظتها ملائكته ، لكان لكم قليلا في ما أرجو لكم من ثوابه ، و اتخوّف عليكم من عقابه ، جعلنا و إيّاكم من التائبين
.
و رواه ابن بابويه في ( فقيهه ) في باب صلاة العيدين مرفوعا مع زيادات فقال : و خطب عليه السلام في عيد الأضحى إلى أن قال : فقال : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، زنة عرشه ، و رضا نفسه ، و عدد قطر سمائه و بحاره ، له الأسماء الحسنى و الحمد للّه حتّى يرضى ، و هو العزيز الغفور ، اللّه أكبر كبيرا متكبّرا ،
و إلها متعزّزا و رحيما متحنّنا ، يعفو بعد القدرة ، و لا يقنط من رحمته إلاّ الضّالّون إلى أن قال : أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، و كثرة ذكر الموت ،
و الزّهد في الدّنيا التي لم يتمتّع بها من كان قبلكم و لن تبقى لأحد بعدكم ،
و سبيلكم فيها سبيل الماضين ، ألا ترون أنّها قد تصرّمت و آذنت بانقضاء و تنكّر معروفها و أدبرت حذّاء ، فهي تخبر بالفناء ساكنها تحدّى بالموت ، فقد أمرّ منها ما كان حلوا ، و كدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلاّ سملة كسملة الأداوة ، و جرعة كجرعة الإناء لو يتمزّزها الصّديان لم تنفع غلّته ، فازمعوا عباد اللّه ، بالرحيل من هذه الدّار المقدور على أهلها الزّوال ، الممنوع أهلها من الحياة المذلّلة أنفسهم بالموت ، فلا حيّ يطمع بالبقاء ، و لا نفس إلاّ مذعنة بالمنون ، فلا يغلبنّكم الأمل ، و لا يطل عليكم الأمد ، و لا تغتّروا فيها بالآمال ،
و تعبّدوا اللّه أيّام الحياة فو اللّه لو حننتم حنين الواله العجلان ، و دعوتم بمثل دعاء الانام و جأرتم جؤار متبتّلي الرهبان ، و خرجتم إلى اللّه عزّ و جلّ من الأموال و الأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده ، أو غفران سيّئة أحصتها كتبته ، و حفظتها رسله لكان قليلا في ما أرجو لكم من ثوابه ،
و أتخوّف عليكم من أليم عقابه ، و باللّه لو انماثت قلوبكم انمياثا ، و سالت عيونكم من رغبة إليه و رهبة منه دما ، ثمّ عمّرتم في الدّنيا ما كانت الدّنيا باقية ،
ما جزت أعمالكم و لو لم تبقوا شيئا لنعمه العظام عليكم ، و هداه إيّاكم على الإيمان ، ما كنتم لتستحقّوا أبدا الدّهر ما الدّهر قائم بأعمالكم جنّة ، و لا رحمة ، و لكن برحمته ترحمون و بهداه تهتدون ، و بهما إلى جنّته تصيرون ،
جعلنا اللّه و إيّاكم برحمته من التائبين العابدين ، و إنّ هذا يوم حرمته عظيمة
. .
قول المصنّف : « و من خطبة له عليه السلام » : زاد ابن أبي الحديد : قد تقدّم مختارها برواية و نذكر ما نذكره ها هنا برواية اخرى ، لتعاير الروايتين
لكن ليست الزّيادة في نسخة ابن ميثم
إلاّ أنّ الظاهر سقوطها من النسخة لأنّها غير مصحّحة ، فالزّيادة موجودة أيضا في نسخة خطّية مصحّحة تأريخها ( ١٠٧٥ ) إلاّ أنّ هذه الخطبة لم تتقدّم برواية اخرى بتمامها و إنّما في الخطبة ( ٢٧ ) : « امّا بعد فانّ الدّنيا قد ادبرت و آذنت بوداع » و في الخطبة ( ٤١ ) : « ألا و انّ الدّنيا قد ولّت حذّاء فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء اصطبّها صابّها » و هذا المقدار من الاشتراك لا يصدّق كون الأصل في الخطبتين واحدا حتّى يقول : « تقدّم مختارها برواية اخرى » .
قوله عليه السلام : « ألا و إنّ الدّنيا قد تصرّمت » أي : تقطّعت ، قال ابن السّكيّت : يقال للذّئب و الغراب : أصرمان لأنّهما انصرما من الناس أي : انقطعا
.
و قال امرؤ القيس :
و ان كنت قد ازمعت صرمي فأجملي
« و آذنتك بوداع » أي : أعلمتك ، و أصله الإيصال إلى الأذن ، و يترجم بالفارسيّة بقولهم : ( گوشزد ) :
عمري لقد نصح الزّمان و انّه
|
|
لمن العجائب ناصح لا يشفق
|
« و تنكّر معروفها » أي : تغيّر .
« و أدبرت حذّاء » في ( الصحاح ) : قال الفرّاء : يقال : رحم جذاء و حذاء بالجيم و الحاء ممدودان و ذلك إذا توصل .
« فهي تحفز بالفناء سكّانها » الحفز : الدّفع من خلف ، في الديوان
:
هي الدّنيا تقول بملء فيها
|
|
حذار حذار من بطشي و فتكي
|
فلا يغرركم حسن ابتسامي
|
|
فقولي مضحك و الفعل مبكي
|
« و تحدو بالموت جيرانها » الحدو : سوق الإبل ، و الغناء لها و في ( الديوان ) أيضا :
قد رأيت القرون كيف تفانت
|
|
درست ثمّ قيل كان و كانت
|
هي دنيا كحيّة تنفث السّمّ
|
|
و ان كانت المجسّة لانت
|
الموت لا والدا يبقي و لا ولدا
|
|
هذا السبيل إلى أن لا ترى أحدا
|
« و قد أمرّ منها ما كان حلوا » في الديوان :
دنيا عدمتك ما أمرّك
|
|
للمكثرين و ما أضرّك
|
ما ذاق خيرك ذائق
|
|
إلاّ صببت عليه شرّك
|
« و كدر منها ما كان صفوا » :
أرى الدّنيا ستؤذن بانطلاق
|
|
مشمّرة على قدم و ساق
|
فلا الدّنيا بباقية لحيّ
|
|
و لا حيّ على الدّنيا بباق
|
« فلم يبق منها إلاّ سملة » في ( الجمهرة ) : السّملة أي : بالتحريك الماء القليل في أسفل الحوض
قال صخر الغي :
ممغوثة اعراضهم ممرطلة
|
|
في كلّ ماء آجن و سملة
|
« كسملة الإداوة » أي : المطهرة ، و في ( الحلية ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : ما الدّنيا في الآخرة إلاّ كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع
.
و عنه صلّى اللّه عليه و آله : مثل الدّنيا في الآخرة كمثل ثوب شقّ من أوّله إلى آخره فتعلّق بخيط منها ، فما لبث ذلك الخيط أن ينقطع
.
« أو جرعة » في ( المصباح ) : الجرعة من الماء : كاللّقمة من الطعام ، ما يجرع مرّة واحدة
.
« كجرعة المقلة » في ( النهاية ) ، في حديث عليّ عليه السلام : لم يبق منها إلاّ جرعة كجرعة المقلة ، بالفتح : حصاة يقتسم بها الماء القليل في السّفر ليعرف قدر ما يسقى كلّ واحد منهم .
« لو تمزّزها » تمصّص الماء قليلا قليلا .
« الصديان » أي : العطشان .
« لم تنقع » أي : لم تسكن العطش
.
« فازمعوا » أي : صمّموا .
« عباد اللّه الرحيل عن هذه الدّار » :
طلّقوا الدّنيا ثلاثا
|
|
و اطلبن زوجا سواها
|
انّها زوجة سوء
|
|
لا تبالي من أتاها
|
و إذا نالت منها
|
|
منه ولّته قفاها
|
« المقدور » أي : المقدّر .
« على أهلها الزوال » :
تحرّز من الدّنيا فإنّ فناءها
|
|
محلّ فناء لا محلّ بقاء
|
فصفوتها ممزوجة بكدورة
|
|
و راحتها مقرونة بعناء
|
« و لا يغلبنّكم فيها الأمل » لأنّه ينسي الآخرة فيهلك .
« و لا يطولنّ عليكم الأمد » الأمد كالمدى : الغاية ، قال تعالى : ألم يأن للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه و ما نزل من الحقّ و لا يكونوا كالّذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثير منهم فاسقون
.
« فو اللّه لو حننتم حنين الولّه العجال » أي : الآبال التي فقدت ولدها فصارت و الهة متحيّرة .
« و دعوتم بهديل الحمام » و هديله : صوته ، و ممّا اشتهر عند العرب : أنّ الهديل كان فرخا على عهد نوح عليه السلام فصاده أحد جوارح الطيور فليس من
حمامة إلاّ و تبكي عليه في هديلها ، قال شاعر :
و ما من تهتفين به لنصر
|
|
بأسرع جابة لك من هديل
|
« و جأرتم » في ( الصحاح ) : الجؤار مثل الخوار ، يقال : جأر الثور أي :
صاح
.
« جؤار متبتّل الرّهبان » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : ( متبتّلي الرّهبان ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
، أي : منقطعيهم من الدنيا إلى اللّه تعالى .
« و خرجتم إلى اللّه من الأموال و الأولاد التماس القربة إليه » في ( الجمهرة ) :
أصل اللّمس باليد لتعرف مسّ الشيء ثمّ كثر ذلك في كلامهم حتّى صار كل طالب ملتمسا
.
« في ارتفاع درجة عنده أو غفران سيّئة أحصتها كتبه » و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربّك أحدا
.
« و حفظها رسله » و إنّ عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون
.
« لكان لكم قليلا فيما أرجو من ثوابه و أتخوّف عليكم من عقابه » عن طاووس
اليماني ، قال : كان عليّ بن الحسين عليهما السلام يقول : « الهي و عزّتك و جلالك و عظمتك لو أنّي منذ بدعت فطرتي من أوّل الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيّتك بكلّ شعرة في كلّ طرفة عين سرمد الأمد ، بحمد الخلائق و شكرهم أجمعين ،
لكنت مقصّرا في بلوغ أداء شكر أخفى نعمة من نعمك عليّ ، و لو أنّي كربت معادن حديد الدّنيا بأنيابي ، و حرثت أرضيها بأشفار عيني ، و بكيت من خشيتك مثل بحور السماوات و الأرض دما و صديدا ، لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقّك عليّ ، و لو أنّك إلهي عذّبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين و عظّمت للنّار جسمي و خلقي ، و ملأت جهنّم و أطباقها منّي حتّى لا يكون في النّار معذّب غيري ، و لا يكون لجهنّم حطب سواي ، لكان ذلك بعدلك عليّ قليلا في كثير ما استوجبته من عقوبتك »
.
و في دعاء الصحيفة في استقالته عليه السلام من الذّنوب : الهي لو بكيت إليك حتى تسقط أشفار عيني ، و انتحبت حتّى ينقطع صوتي ، و قمت لك حتّى تنثّر قدماي ، و ركعت لك حتّى ينخلع صلبي ، و سجدت لك حتى تفقا حدقتاي ، و أكلت تراب الأرض طول عمري ، و شربت ماء الرّماد آخر دهري ، و ذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني ، ثمّ لم أرفع طرفي إلى افاق السماء استحياء منك ، ما استوجبت بذلك محو سيّئة واحدة من سيّئاتي و إن كنت تغفر لي حين استوجب مغفرتك و تعفو عني حين استحقّ عفوك فانّ ذلك غير واجب لي باستحقاق ، و لا أنا أهل له باستيجاب ، إذ كان جزائي منك في أوّل ما عصيتك النّار فإن تعذّبني فأنت غير ظالم لي
.
« و اللّه » ، هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : ( و تاللّه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« لو انماثت قلوبكم إنمياثا » في ( الصحاح ) : مثت الشيء في الماء ، أموثه ، إذا دفته فانماث فيه هو انمياثا
.
« و سالت عيونكم من رغبة إليه أو رهبة » هكذا في ( المصرية )
،
و الصّواب : ( و رهبة ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« منه دما » أي : سالت عيونكم كسيلان الأنهار بالماء .
« ثم عمّرتم في الدّنيا ما الدّنيا باقية ما جزت أعمالكم و لو لم تبقوا شيئا من جهدكم » أي : طاقتكم ، و يجوز فيه ( الفتح و الضّمّ ) .
« أنعمه عليكم العظام ، و هداه إيّاكم إلى الإيمان » عن الزهري قال : دخلت مع علي بن الحسين عليهما السلام على عبد الملك ، فاستعظم ما رأى من أثر السّجود بين عينيه ، فقال له : يا أبا محمّد لقد تبيّن عليك الاجتهاد ، و لقد سبق لك من اللّه الحسنى ، و أنت بضعة من رسوله ، قريب النّسب ، و كيد السّبب ، و انّك لذو فضل على أهل بيتك و ذوي عصرك ، و لقد أوتيت من الفضل و العلم و الدّين و الورع ما لم يؤته أحد مثلك و لا قبلك إلاّ من مضى من سلفك ، و أقبل يثني عليه و يطريه فقال عليه السلام له : « كلّ ما وصفته و ذكرته من فضل اللّه سبحانه و تأييده و توفيقه ،
فأين شكره على ما أنعم ؟ كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله يقف في الصلاة حتى ترم قدماه و يظمأ في الصّيام حتى يعصب فوه ، فقيل له : ألم يغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك
و ما تأخّر ؟ فيقول : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) الحمد للّه على ما أبلى و أولى ، و له الحمد في الآخرة و الاولى ، و اللّه لو تقطّعت أعضائي و سالت مقلتاي على صدري ، على أن أقوم للّه تعالى ، لم أشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه ، التي لا يحصيها العادّون و لا يبلغ حدّ نعمة منها جميع حمد الحامدين ، لا و اللّه لا يراني اللّه يشغلني شيء من شكره و ذكره ، في ليل و لا نهار ، و لا سرّ و لا علانية ، و لو لا أنّ لأهلي عليّ حقّا ، و لسائر النّاس من خاصّهم و عامّهم علي حقوقا ، لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع و الطاقة ، حتّى أؤديّها اليهم لرميت بطرفي إلى السّماء و بقلبي إليه تعالى ثمّ لم أرددهما حتّى يقضي اللّه على نفسي ، و هو خير الحاكمين و بكى عليه السلام و بكى عبد الملك ، و قال :
شتّان بين عبد طلب الآخرة و سعى لها سعيها ، و بين من طلب الدّنيا من أين جاءته ، و ما له في الآخرة من خلاق
.
٥
الحكمة ( ٣٩٣ ) و قال عليه السلام :
خُذْ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا أَتَاكَ وَ تَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي اَلطَّلَبِ « خذ من الدّنيا ما أتاك و تولّ عمّا تولّى عنك » في ( الكافي ) عن الرضا عليه السلام :
قال عيسى عليه السلام للحواريّين لا تأسوا على ما فاتكم من الدّنيا كما لا يأسا أهل الدّنيا على ما فاتهم من دينهم إذا اصابوا دنياهم
.
« فإن أنت لم تفعل فاجمل في الطلب » في ( الكافي ) عنه عليه السلام : أما أنّ زهد
الزّاهد في هذه الدّنيا لا ينقصه مما قسم اللّه له فيها و إن زهد ، و إنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الحياة الدّنيا لا يزيده فيها و ان حرص ، فالمغبون من حرم حظّه من الآخرة
.
و عن الباقر عليه السلام : أنزل الدّنيا كمنزل نزلته ثمّ ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت و ليس معك منه شيء ، و إنّها عند أهل العلم كفيء الظّلال
.
٦
الخطبة ( ٧٩ ) و قال عليه السلام في صفة الدّنيا :
مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اِسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ اِفْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ أقول : و إذا تأمّل المتأمّل في قوله عليه السلام : « من أبصر بها بصّرته » وجد تحته من المعنى العجيب ، و الغرض البعيد ، ما لا يبلغ غايته و لا يدرك غوره ،
و لا سيّما إذا قرن إليه قوله : « و من أبصر إليها أعمته » فانّه يجد الفرق بين أبصر بها و أبصر إليها ، واضحا ، نيّرا ، و عجيبا ، باهرا » .
أقول : رواه المبرد في ( كامله ) و المسعودي في ( مروجه ) و ابن طلحة في ( مطالب سؤوله ) مع اختلاف قال الأول : قال رجل لعليّ عليه السلام و هو في خطبته صف لنا الدّنيا ، فقال عليه السلام : « ما أصف من دار أوّلها عناء ، و آخرها فناء ، في
حلالها حساب و في حرامها عقاب ، من صحّ فيها أمن ، و من مرض فيها ندم ،
و من استغنى فيها فتن ، و من افتقر فيها حزن »
.
و قال الثاني : « دخل رجل على عليّ عليه السلام فقال : كيف أصبحت ؟ قال :
أصبحت ضعيفا ، آكل رزقي و أنتظر أجلي » قال : و ما تقول في الدّنيا ؟ قال : « و ما أقول في دار أوّلها غمّ ، و آخرها موت ، من استغنى فيها فتن ، و من افتقر فيها حزن ، حلالها حساب و حرامها عقاب » قال : فأيّ الخلق أنعم ؟ قال : « أجساد تحت التّراب قد أمنت العقاب ، و هي منتظرة الثواب »
.
و قال الثالث : قال عليّ عليه السلام يوما و أحدق الناس به : أحذّركم الدّنيا فانّها منزل قلعة و ليست بدار نجعة ، هانت على ربّها ، فخلط خيرها بشرّها ،
و حلوها بمرّها ، لم يسقها لأوليائه و لم يضربها على أعدائه ، و هي دار ممرّ لا دار مستقرّ ، فيها رجلان : رجل باع نفسه فأوبقها ، و رجل ابتاع نفسه فأعتقها ،
إن أعذوذب منها جانبا فحلالها ، أمرّ منها جانب فأوكى ، أوّلها عناء ، و آخرها فناء ، من استغنى فيها فتن ، و من افتقر فيها حزن ، من ساعاها فاتته ، و من قعد عنها أتته و من أبصر بها بصّرته ، و من أبصر إليها أعمته ، فالإنسان فيها غرض المنايا ، مع كلّ جرعة شرق و مع كلّ أكلة غصص ، لا تنال منها نعمة إلاّ بفراق أخرى
.
« ما أصف من دار أوّلها عناء » أي : التعب ، و أوّلها عناء حيث أنّ الإنسان لابدّ أن يكدّ و يجهد في أوّل عمره حتّى يؤمّن معاشه بمشقّات كثيرة .
« و آخرها فناء » حيث أنّه بعد تحصيل الأموال و العلائق يتركها و يرحل
إلى الآخرة ، قال تعالى : و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
.
و نعم ما قيل بالفارسية :
اندك اندك خانمان آراستن
|
|
پس بيكبار از سرش برخاستن
|
و لكليم الكاشاني بالفارسية :
بدنامى حيات دو روزى نبود بيش
|
|
آنهم كليم با تو بگويم چسان گذشت
|
يكروز صرف بستن دلشد باين و آن
|
|
روز ديگر بكندن دل زين و آن گذشت
|
و في ( الطبري ) عن عليّ بن الحسين عليهما السلام قال : إنّي جالس في تلك الليلة التي قتل ابي في صبيحتها و عمّتي زينب تمرّضني إذ اعتزل أبي أصحابه في خباء له و عنده جون مولى أبي ذرّ و هو يعالج سيفه و يصلحه ، و أبي يقول :
يا دهر افّ لك من خليل
|
|
كم لك بالإشراق و الأصيل
|
من صاحب أو طالب قتيل
|
|
و الدّهر لا يقنع بالبديل
|
و إنّما الأمر إلى الجليل
|
|
و كلّ حيّ سالك السّبيل
|
فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها ، فعرفت ما أراد ، فخنقتني عبرتي ،
فرددت دمعي ، و لزمت السّكوت ، فعلمت أنّ البلاء قد نزل ، فامّا عمّتي فإنّها سمعت ما سمعت و هي امرأة و في النساء الرقّة و الجزع ، فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ ثوبها ، و إنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه فقالت : « وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت فاطمة امّي ، و عليّ أبي ، و حسن أخي ، يا خليفة
الماضين و ثمال الباقين » فنظر إليها أبي عليه السلام فقال : يا اخيّة لا يذهب حلمك الشيطان ، قالت : « بأبي أنت و أمّي استقتلت ، نفسي فداك » فردّ غصّته و ترقرقت عيناه و قال : لو ترك القطا ليلا لنام قالت : يا ويتلتا أفتغتصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي ، و أشدّ على نفسي ، فلطمت وجهها و أهوت إلى جيبها و شقّته و خرّت مغشيا عليها فقام إليها أبي فصبّ على وجهها الماء و قال لها : يا اخيّة اتّقي اللّه و تعزّي بعزاء اللّه ، و اعلمي أنّ أهل الأرض يموتون ، و أنّ أهل السماء لا يبقون ، و أنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجه اللّه ، الذي خلق الأرض بقدرته ، و يبعث الخلق فيعودون ، و هو فرد وحده ، أبي خير منّي ، و امّي خير مني ، و أخي خير منّي ، و لي و لهم و لكلّ مسلم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اسوة حسنة
.
« في حلالها حساب و في حرامها عقاب » عن جنادة بن اميّة قال : دخلت على الحسن عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه بين يديه طست يقذف عليه الدّم و يخرج كبده قطعة ، قطعة ، من السمّ الذي سقاه معاوية ، فقلت : مالك لا تعالج نفسك ، فقال : بماذا أعالج الموت ؟ قلت : انّا للّه و إنّا إليه راجعون ثمّ التفت إليّ فقال : و اللّه لقد عهد الينا النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر من ولد علي و فاطمة عليها السلام : ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول ، ثمّ رفع الطست و بكى ، فقلت له :
عظني يا ابن رسول اللّه قال : نعم ، استعدّ لقبرك ، و حصّل زادك ، قبل حلول أجلك ، و اعلم أنّك إنّما تطلب الدّنيا ، و الموت يطلبك ، و لا تحمل همّ يومك الذي لم يأتك على يومك الذي أنت فيه ، و اعلم أنّك لا تكسب من المال شيئا فوق قوّتك إلاّ كنت فيه خازنا لغيرك ، و اعلم أنّ الدّنيا في حلالها حساب و في حرامها عقاب ، و في شبهاتها عتاب ، فأنزل الدّنيا منك بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك ،
فإن كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها ، و إن كان حراما لم يكن فيه وزر ،
فأخذت كما أخذت من الميتة و إن كان العتاب فإنّ العتاب يسير ، و اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا ، و اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا ، و إذا أردت عزّا بلا عشيرة و هيبة بلا سلطان فاخرج من ذلّ معصية اللّه إلى عزّ طاعته
.
« من استغنى فيها فتن » إنّما أموالكم و أولادكم فتنة
، و منهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ و لنكوننّ من الصالحين فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به و تولّوا و هم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه و بما كانوا يكذبون
، إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
، و لو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض .
و لبعضهم :
فمن يحمد الدّنيا لحسن بلائها
|
|
فسوف لعمري عن قليل يلومها
|
إذا أقبلت كانت على المرء فتنة
|
|
و ان أدبرت كانت كثيرا همومها
|
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : جاء رجل درن الثّوب ، فجلس إلى جنب النبي صلّى اللّه عليه و آله بجنب موسر كان جالسا ، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه ،
فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله : أخفت أن يمسّك من فقره شيء ؟ قال : لا قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء ؟ قال : لا قال فخفت أن توسّخ ثيابك ؟ قال : لا قال : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال إنّ لي قرينا يزيّن لي كلّ قبيح ، و يقبّح لي كلّ حسن ،
و قد جعلت له نصف مالي فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله للمعسر أتقبل ؟ قال : لا فقال الرجل
له : و لم ؟ قال : أخاف أن يدخلني ما دخلك )
.
و عنه عليه السلام : ما كان من ولد آدم مؤمن إلاّ فقيرا ، و لا كافر إلاّ غنيّا حتى جاء إبراهيم عليه السلام فقال : ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا .
فصيّر اللّه في هؤلاء أموالا و حاجة و في هؤلاء أموالا و حاجة
و عنه عليه السلام : لو لا إلحاح المؤمن على اللّه في طلب الرزق ، لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها
.
« و من افتقر فيها حزن » حتى قالوا : « الفقر الموت الأحمر » ، « الفقر الموت الأكبر »
.
هذا ، و نظير قوله عليه السلام في ذكر المفتونيّة و المحزونيّة : أنّ موسى بن عيسى العباسي كان أمير الكوفة فقال لأبي شيبة القاضي : مالك لا تأتيني ؟
فقال : ان أتيتك فقرّبتني فتنتني ، و إن باعدتني أحزنتني و ليس عندي ما أخافك عليه و لا عندك ما أرجوه .
« و من ساعاها » في ( الصحاح ) : ساعاني فلان فسعيته : غلبته ، و تقول :
( زنى الرّجل و عهر ) يكون بالحرّة و الأمة ، و يقال في الزّنا بالأمة : ( ساعاها ) و لا تكون المساعاة إلاّ في الإماء
.
« فاتته » في ( الصحاح ) : تقول : ( هو منّي فوت الرمح ) أي : لا يبلغه
،
و شتم رجل آخر فقال : جعل اللّه رزقه فوت فمه ) أي : حيث لا يراه و لا يصل إليه .
« و من قعد عنها واتته » أي : وافقته و طاوعته ، روى المفضّل عن الصادق عليه السلام قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله : أوحى اللّه تعالى إلى الدّنيا أن أتعبي من خدمك و اخدمي من رفضك
.
و في ( الحلية ) : قال حاتم الأصمّ : مثل الدّنيا كمثل ظلّك ، إن طلبته تباعد ،
و إن تركته تتابع
.
هذا ، و لم يذكر ( الصحاح ) و ( القاموس ) ( وتى ) و إنّما قال الأوّل في ( أتى ) :
آتيته على ذلك الأمر مواتاة
إذا وافقته و طاوعته ، و العامّة تقول : و اتيته . .
و هو قلّة فهم منهما ، فيشهد له كلامه عليه السلام .
و في ( الجمهرة ) : و اتيته : وافقته
و في ( مصباح الفيومي ) بعد ذكر « أتيته على الأمر » : وافقته و في لغة لأهل اليمن تبدل الهمزة واوا فيقال :
« واتيته على الأمر مواتاة » و هي مشهورة على ألسنة الناس
.
« و من أبصر بها بصّرته » الباء في « بها » للسّببيّة أي : من أبصر بسبب تغيّرات الدّنيا و اعتبر بعبرها بصّرته الدّنيا و جعلته بصيرا .
« و من أبصر إليها أعمته » أي : من كان نظره إليها فقط و لتحصيلها تجعله أعمى فلا يرى عيوبها و مهلكاتها ، و اتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنّه أخلد إلى الأرض و اتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه
يلهث .
، و لا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه و رزق ربّك خير و أبقى
.
قول المصنّف : « و إذا تأمّل المتأمّل قوله عليه السلام من أبصر بها بصّرته وجد تحته من المعنى العجيب » لما عرفت من كون الباء فيه للسّببيّة .
« و الغرض البعيد » أي : المقصود العالي ، و الأصل في الغرض : الهدف الّذي يرمى فيه .
« ما لا تبلغ غايته » أي : نهايته .
« و لا يدرك غوره » أي : قعره .
« و لا سيما إذا قرن إليه قوله ( و من أبصر إليها أعمته ) » فانّه يكون في معنى قوله تعالى : قد جاءكم بصائر من ربّكم فمن أبصر فلنفسه و من عمي فعليها .
، و يكون في مفاد قولهم : انّ أولياء اللّه نظروا إلى باطن الدّنيا فاستوحشوا منها فنجوا ، و إنّ أهل الدّنيا نظروا إلى ظاهر الدّنيا فأنسوا بها و هلكوا » .
« فإنّه يجد الفرق بين أبصر بها و أبصر إليها ، واضحا نيّرا و عجيبا باهرا » فإنّ لكلّ حرف جرّ معنى ، و في ( الأغاني ) : قال بشّار في حمّاد عجرد أبياتا منها :
ادع غيري إلى عبادة الاثنين
فانّي بواحد مشغول
فأشاع حمّاد أبياته و جعل المصراع الأخير :
« فانّي عن واحد مشغول »
فما زالت الأبيات تدور في أيدي النّاس ، حتّى انتهت إلى بشّار فاضطرب منها
و جزع ، و قال : أشاع ابن الزّانية بدمي ، و اللّه ما قلت إلاّ
« فانّي بواحد مشغول »
فغيّرها حتى شهر في الناس
.
و في ( العيون ) : ( ذكر أعرابيّ رجلا ، فقال : كان و اللّه إذا نزلت به الحوائج قام إليها ثمّ قام بها و لم تقعد به علاّت النفوس
.
و عن الأصمعي : قال أعرابيّ لرجل : ويحك إنّ فلانا و إن ضحك إليك فإنّه يضحك منك ) .
٧
الخطبة ( ٨٠ ) أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي ضَرَبَ اَلْأَمْثَالَ وَ وَقَّتَ لَكُمُ اَلْآجَالَ وَ أَلْبَسَكُمُ اَلرِّيَاشَ وَ أَرْفَغَ لَكُمُ اَلْمَعَاشَ وَ أَحَاطَكُمْ بِالْإِحْصَاءِ وَ أَرْصَدَ لَكُمُ اَلْجَزَاءَ وَ آثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ اَلسَّوَابِغِ وَ اَلرِّفَدِ اَلرَّوَافِغِ وَ أَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ اَلْبَوَالِغِ فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً وَ وَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ وَ دَارِ عِبْرَةٍ أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا وَ مُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا فَإِنَّ اَلدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا يُونِقُ مَنْظَرُهَا وَ يُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ حَائِلٌ وَ ضَوْءٌ آفِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ سِنَادٌ مَائِلٌ حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا وَ اِطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وَ قَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا وَ أَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا وَ أَعْلَقَتِ اَلْمَرْءَ أَوْهَاقَ اَلْمَنِيَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ اَلْمَضْجَعِ وَ وَحْشَةِ اَلْمَرْجِعِ وَ مُعَايَنَةِ اَلْمَحَلِّ وَ ثَوَابِ اَلْعَمَلِ وَ كَذَلِكَ اَلْخَلَفُ بِعَقْبِ اَلسَّلَفِ لاَ تُقْلِعُ اَلْمَنِيَّةُ اِخْتِرَاماً وَ لاَ يَرْعَوِي اَلْبَاقُونَ اِجْتِرَاماً يَحْتَذُونَ مِثَالاً وَ يَمْضُونَ أَرْسَالاً إِلَى غَايَةِ اَلاِنْتِهَاءِ وَ صَيُّورِ اَلْفَنَاءِ
أقول : هو جزء من خطبة قال الرّضيّ فيها : ( و من خطبة له عليه السلام عجيبة ) و روى ( أمالي الشيخ ) صدرها ، و في ذيلها : ( أوصيكم بتقوى اللّه فانّ التقوى أفضل كنز ، و أحرز حرز ، و أعزّ عزّ ، فيه نجاة كلّ هارب ، و درك كلّ طالب ،
و ظفر كلّ غالب ، و أحثّكم على طاعة اللّه فانّها كهف العابدين ، و فوز الفائزين ،
و أمان المتّقين ، و اعلموا أيّها الناس إنّكم سيّارة قد حدى بكم حادي ، و ناداكم للموت منادي فلا تغرنّكم الحياة الدنيا و لا يغرّنّكم باللّه الغرور ، ألاّ و إنّ الدّنيا دار غرّارة خدّاعة تنكح في كلّ يوم بعلا ، و تقتل في كلّ ليلة أهلا ، و تفرّق في كلّ ساعة شملا ، فكم من منافس فيها و راكن إليها من الامم السالفة ، و قد قذفتهم في الهاوية ، و دمّرتهم تدميرا و تبّرتهم تتبيرا ، و أصلتهم سعيرا ، أين من جمع فأوعى ، و شدّ فأوكى ، و منع فأكدى ، بل أين من عسكر العساكر ، و دسكر الدّساكر ، و ركب المنابر ، أين من بنى الدّور و شرّف القصور و جمهر الألوف ؟
قد تداولتهم أيّاما و ابتلعتهم أعواما فصاروا أمواتا ، و في القبور رفاتا ، قد يأسوا ممّا خلّفوا و وقفوا على ما أسلفوا ثمّ ردّوا إلى اللّه مولاهم الحقّ ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين ، و كأنّي بها و قد أشرفت بطلائعها ، و عسكرت بفظائعها ، فأصبح المرء بعد صحّته مريضا ، و بعد سلامته نقيضا ، يعالج كربا ، و يقاسي تعبا ، في حشرجة السّياق ، و تتابع الفراق ، و تردّد الأنين ،
و الذّهول عن البنات و البنين ، و المرء قد اشتمل عليه شغل شاغل ، و هول هائل ،
قد اعتقل منه اللّسان ، و تردّد منه البيان ، فأصاب مكروبا ، و فارق الدّنيا مسلوبا ، لا يملكون له نفعا ، و لا لما حلّ به دفعا ، يقول عزّ و جلّ في كتابه :
فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين
ثمّ من دون ذلك أهوال يوم القيامة ، و يوم الحسرة و النّدامة ، يوم تنصب الموازين ، و تنشر
الدواوين ، بإحصاء كلّ صغيرة و إعلاء كلّ كبيرة ، يقول تعالى في كتابه :
و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربّك أحدا
أيّها النّاس الآن الآن من قبل النّدم ، و من قبل أن تقول نفس : يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللّه و إن كنت لمن السّاخرين أو تقول لو أنّ اللّه هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من المحسنين
فيردّ الجليل جلّ ثناؤه بلى قد جاءتك آياتي فكذّبت بها و استكبرت و كنت من الكافرين
.
فواللّه لا يسأله الرّجوع إلاّ ليعمل صالحا
. .
« أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه » . و اتّقوا اللّه الذي إليه تحشرون
.
« الذي ضرب الأمثال » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي )
« الذي ضرب لكم الأمثال » و هو الصحيح لنقص الكلام بدونه ، ثمّ أمثاله التي ضربها للنّاس كثيرة ، منها : مثل الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتا و إنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون
، يا أيّها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إنّ الذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذّباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب
، و في سورة الزمر :
و لقد ضربنا للنّاس في هذا القرآن من كلّ مثل لعلّهم يتذكرون قرآنا عربيّا
غير ذي عوج لعلّهم يتّقون
، ضرب اللّه مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد للّه بل أكثرهم لا يعلمون
، لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية اللّه و تلك الأمثال نضربها للنّاس لعلّهم يتفكرون
، مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة و اللّه يضاعف لمن يشاء .
.
« و وقّت لكم الآجال » في سورة الأعراف : و لكلّ امّة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون
.
« و ألبسكم الرّياش » في ( الصحاح ) : الرّيش و الرّياش : اللّباس الفاخر ،
و يقال : المال و الخصب و المعاش
.
قلت : الظاهر الثاني لقوله تعالى : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم و ريشا .
و أمّا كلامه عليه السلام فأعمّ حيث يمكن أن يكون قوله :
( و ألبسكم ) كناية كقوله تعالى قد أنزلنا عليكم .
« و أرفغ لكم المعاش » عيش رفيغ ، أي : واسع طيّب ، قال تعالى : و لقد مكّناكم في الأرض و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون
، و جعلنا
لكم فيها معايش و من لستم له برازقين
.
« و أحاطكم بالاحصاء » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
: « و أحاط بكم الاحصاء » فهو الذي كان في النهج قطعا ثم قال ابن أبي الحديد : يحتمل أن يكون ( الاحصاء ) مفعولا مطلقا من غير لفظ فعله أو مفعولا له أو مفعولا به
، و قال ابن ميثم : يحتمل أن يكون مفعولا مطلقا أو تميزا
، و استظهر الخوئي : كونه مفعولا مطلقا .
قلت : بل هو مفعول به معيّنا كالمعاش و الجزاء في الفقرتين قبل و بعد ،
و التّميز إنّما يصحّ لو كان نكرة كقوله تعالى : و قد أحطنا بما لديه خبرا
.
« و أرصد لكم الجزاء » فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره
، و نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا و إن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين
.
« و آثركم بالنّعم السوابغ » أي : الكوامل ، قال تعالى : و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة .
.
« و الرّفد الرّوافغ » أي : عطايا واسعة .
« و أنذركم بالحجج البوالغ » العقول و الرّسل و الفطرة التي فطرهم عليها ،
قال تعالى : و إذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين أو تقولا إنّما أشرك آباؤنا من قبل و كنّا ذريّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون
.
« و أحصاكم » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( فأحصاكم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« عددا » إن كلّ من في السماوات و الأرض إلاّ آتي الرّحمن عبدا لقد أحصاهم و عدّهم عدّا
.
« و وظّف لكم مددا » قال هود عليه السلام لقومه عاد كما حكى تعالى عنه : و اتّقوا الذي أمدّكم بما تعلمون أمدّكم بانعام و بنين و جنّات و عيون
.
« في قرار خبرة » بالكسر تقول خبرته خبرا بالضمّ و خبرة بالكسر إذ أبلوته و اختبرته ، و المراد دار الدّنيا التي هي دار امتحان .
« و دار عبرة » يعتبر الناس بحوادثها كما اعتبر الذين تمنّوا مكان قارون بما وقع له من الخسف به و بماله .
« أنتم مختبرون فيها و محاسبون عليها » قال ابن أبي الحديد : « الضمير في ( فيها ) يرجع إلى الدّار ، و في ( عليها ) إلى ( النّعم ) و ( الرّفد ) و يجوز أن يرجع إلى الدّار أيضا على حذف المضاف أي : على سكناها »
.
قلت : بل يرجع في ( عليها ) إلى الدّار معيّنا كما في ( فيها ) بدون حذف مضاف بل من قبيل و اسأل القرية .
و المراد فيه أهلها ، و هنا أعمالها قال تعالى : و إن كان مثقال حبّة من خردل اتينا بها و كفى بنا حاسبين
.
« فإنّ الدّنيا رنق مشربها » أي : كدر .
« ردغ مشرعها » الرّدغ بالتحريك : الوحل الشديد ، و المشرع الشريعة أي : مورد الشاربة .
« يونق منظرها » أي : يعجب .
« و يوبق مخبرها » أي : يهلك ، و المخبر خلاف المنظر .
« غرور حائل » من ( حال عن العهد ) : انقلب ، قال تعالى في فاطر و لقمان :
إنّ وعد اللّه حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا و لا يغرّنّكم باللّه الغرور
، و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
.
« و ضوء آفل » أي : زائل .
|
|
« و ظلّ زائل » في الديوان :
|
و من يذق الدّنيا فانّي طعمتها
|
|
و سيق إلينا عذبها و عذابها
|
فلم أرها إلاّ غرورا و باطلا
|
|
كما لاح في أرض الفلاة سرابها
|
« و سناد مائل » السناد : المعتمد .
« حتّى إذا أنس نافرها و اطمأنّ ناكرها قمصت بأرجلها » من ( قمص الفرس ) :
رمح و رمى برجله شبّه عليه السلام الدّنيا بدابّة قامصة .
« و قنصت باحبلها » أي : صادت بحبالاتها ، شبّه عليه السلام الدّنيا بصائد نصب حبالته .
« و أقصدت بأسهمها » ( قصد السّهم ) : أصاب فقتل مكانه ، شبّه عليه السلام الدّنيا برام لا يخطي سهمه القاتل .
« و أعلقت المرء أوهاق المنيّة » في ( الجمهرة ) : « الوهق : الحبل الذي يطرح في أعناق الدواب حتّى تؤخذ ، و الجمع أوهاق »
، و ( أعلق الصائد ) : علق الصيد في حبالته .
« قائدة » حال من ضمير الدّنيا ، و العامل ( و أعلقت ) .
« له إلى ضنك المضجع » أي : ضيقه .
« و وحشة المرجع » ثم إلى ربّكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
.
« و معاينة المحل » حتى إذا رأوا ما يوعدون إمّا العذاب و إمّا الساعة فسيعلمون من هو شرّ مكانا و أضعف جندا
، حتّى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا و أقلّ عددا
.
« و ثواب العمل » الثّواب هنا مثله في قوله تعالى : هل ثوّب الكفّار ما كانوا يفعلون
، في كونه بمعناه الأصلي من مطلق الجزاء .
« و كذلك الخلف يعقب » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : ( بعقب ) كما في
( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« السّلف » يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يستهزؤون
، لتركبنّ طبقا عن طبق
.
« لا تقلع المنيّة اختراما » أي : لا تكفّ عن اقتطاعهم و استيصالهم .
« و لا يرعوي الباقون اجتراما » أي : لا يكفّون عن الذنب و الجريمة .
« يحتذون مثالا » أي : يقتدي الخلف بالسلف ، قال تعالى : تشابهت قلوبهم .
.
« و يمضون أرسالا » أي : متتابعة و قطيعا قطيعا .
« إلى غاية الإنتهاء » في الرجوع إليه تعالى : كلّ نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون
.
« و صيّور الفناء » أي : ما يصير إليه كلّ من عليها فان و يبقى وجه ربّك ذو الجلال و الإكرام
.
٨
الخطبة ( ٩٥ ) و من خطبة له عليه السلام :
نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ وَ نَسْأَلُهُ اَلْمُعَافَاةَ فِي اَلْأَدْيَانِ كَمَا نَسْأَلُهُ اَلْمُعَافَاةَ فِي اَلْأَبْدَانِ عِبَادَ اَللَّهِ أُوصِيكُمْ
بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ اَلدُّنْيَا اَلتَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا وَ اَلْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَادِكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ وَ أَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ وَ كَمْ عَسَى اَلْمُجْرِي إِلَى اَلْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لاَ يَعْدُوهُ وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ يَحْدُوهُ فِي اَلدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا فَلاَ تَنَافَسُوا فِي عِزِّ اَلدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا وَ لاَ تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ نَعِيمِهَا وَ لاَ تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى اِنْقِطَاعٍ وَ إِنَّ زِينَتَهَا وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ وَ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ وَ كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى اِنْتِهَاءٍ وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ أَ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ اَلْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَ فِي آبَائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ تَبْصِرَةٌ وَ مُعْتَبَرٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ وَ لَمْ تَرَوْا إِلَى اَلْمَاضِينَ مِنْكُمْ لاَ يَرْجِعُونَ وَ إِلَى اَلْخَلَفِ اَلْبَاقِينَ لاَ يَبْقَوْنَ أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ اَلدُّنْيَا يُصْبِحُونَ وَ يُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى فَمَيْتٌ يُبْكَى وَ آخَرُ يُعَزَّى وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ يَعُودُ وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَ اَلْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ وَ عَلَى أَثَرِ اَلْمَاضِي مَا يَمْضِي اَلْبَاقِي أَلاَ فَاذْكُرُوا هَادِمَ اَللَّذَّاتِ وَ مُنَغِّصَ اَلشَّهَوَاتِ وَ قَاطِعَ اَلْأُمْنِيَاتِ عِنْدَ اَلْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ اَلْقَبِيحَةِ وَ اِسْتَعِينُوا اَللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ وَ مَا لاَ يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَ إِحْسَانِهِ أقول : خطب عليه السلام بهذه الخطبة في الجمعة ، قال الصدوق في فقيهه :
خطب عليه السلام في الجمعة فقال : الحمد للّه الوليّ الحميد الحكيم المجيد ، الفعّال لما يريد ، علاّم الغيوب ، و خالق الخلق ، و منزل القطر ، و مدبّر أمر الدّنيا و الآخرة ،
و وارث السماوات و الأرض ، الذي عظم شأنه فلا شيء مثله ، تواضع كلّ شيء
لعظمته ، و ذلّ كلّ شيء لعزّته ، و استسلم كلّ شيء لقدرته ، و قرّ كلّ شيء قراره لهيبته ، و خضع كلّ شيء لملكه و ربوبيّته ، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، و ان تقوم السّاعة إلاّ بأمره ، و ان يحدث في السماوات و الأرض شيء إلاّ بعلمه ، نحمده على ما كان ، و نستعينه من أمرنا على ما يكون ، و نستغفره و نستهديه ، ذو الجلال ، و الإكرام ، ديّان يوم الدّين ، ربّ آبائنا الأوّلين ، و نشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، أرسله بالحقّ داعيا إلى الحقّ ،
و شاهدا على الخلق ، فبلّغ رسالات ربّه كما أمره ، لا متعدّيا و لا مقصّرا ، و جاهد في اللّه أعداءه ، لا وانيا و لا ناكلا ، و نصح له في عباده صابرا محتسبا ، فقبضه اللّه إليه و قد رضي عمله ، و تقبّل سعيه ، و غفر ذنبه ، صلّى اللّه عليه و آله .
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه و اغتنام ما استطعتم عملا به من طاعته في هذه الأيام الخالية ، و بالرّفض لهذه الدّنيا التاركة لكم ، و ان لم تكونوا تحبّون تركها ،
و المبلية لكم و إن كنتم تحبّون تجديدها ، فانّما مثلكم و مثلها كركب سلكوا سبيلا ، فكأن قد قطعوه و أفضوا إلى علم فكأن قد تبعوه ، و كم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتّى يبلغها و كم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، و طالب حثيث في الدّنيا يحدوه حتّى يفارقها ، فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا و فخرها ، و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها ، و لا تجزعوا من ضرائها و بؤسها ، فإنّ عزّ الدّنيا و فخرها إلى انقطاع ، و إن زينتها و نعيمها إلى زوال ، و إن ضرّها و بؤسها إلى نفاذ ، و كلّ مدّة منها إلى منتهى ، و كلّ حيّ منها إلى فناء و بلاء ،
أو ليس لكم في آثار الأوّلين و في آبائكم الماضين معتبر و تبصرة ، ان كنتم تعقلون ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون و إلى الخلف الباقين منكم لا يقفون ، قال اللّه تعالى و تقدّس : و حرام على قرية أهلكناها أنّهم لا
يرجعون
، و قال تعالى : كلّ نفس ذائقة الموت و إنّما توفّون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار و ادخل الجنّة فقد فاز و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
أو لستم ترون إلى أهل الدّنيا و هم يصبحون و يمسون على أحوال شتّى فميّت يبكى ، و آخر يعزّى ، و صريع يتلوّى ، و عائد و معود ، و آخر بنفسه يجود ، و طالب الدّنيا و الموت يطلبه ، و غافل و ليس بمغفول عنه ، و على أثر الماضي يمضي الباقي
. .
« نحمده على ما كان » في الخبر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان إذا ورد شيء يوافقه قال الحمد للّه على هذه النّعمة ، و ان كان شيء يخالفه ، قال : الحمد للّه على كلّ حال
.
« و نستعينه من أمرنا على ما يكون » لأنّه لا حول و لا قوّة إلاّ به و لا يكون منّا شيء إلاّ بمعونة ، فكما لا يجوز العباد إلاّ له ، لا تجوز الاستعانة إلاّ به إيّاك نعبد و إيّاك نستعين
.
« و نسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان » فعافية الأبدان راحة الأرواح في الدّنيا ، و عافية الأديان لراحتها في الآخرة ، و إذ كانت الدّنيا موقّتة و الآخرة دائمة فاذا وقع تعارض بينهما فليرجّح عافية الأديان ، ففي الدّعاء : « اللّهمّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا »
، و في ( ذيل الطبري ) : لمّا هاجر الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي انقطعت إصبعه فقال مخاطبا لها :
هل أنت إلاّ إصبع دميت
|
|
و في سبيل اللّه ما لقيت
.
|
« عباد اللّه » ليس هذه الكلمة في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
و انّما هي في ( المصرية )
.
« أوصيكم بالرفض » أي : الترك .
« لهذه الدّنيا التاركة لكم و إن لم تحبّوا تركها » قل إنّ الموت الذي تفرون منه فإنّه ملاقيكم ثمّ تردّون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون
.
« و المبلية لأجسامكم » من بلى الثوب ، قال العجاج :
و المرء يبليه بلاء السّربال
|
|
كرّ الليالي و اختلاف الأحوال
|
و في ديوان الأعشى :
بينما المرء كالرديني ذي
|
|
الجبّة سوّاه مصلح التثقيف
|
أو إناء النضّار لاحمه
|
|
القين و داري صدوعه بالكتيف
|
ردّه دهره المضلّل حتّى
|
|
عاد من بعد مشيه للدليف
|
« و إن كنتم تحبّون تجديدها » في ( أمالي القالي ) : دعا مالك بن أسل بن خارجة جارية له لتخضبه فقالت : كم أرقّع خلقك ؟ فقال :
عيّرتني خلقا أبليت جدّته
|
|
و هل رأيت جديدا لم يعد خلقا
|
و في ( الطبري ) : لمّا ثقل معاوية و حدّث الناس أنّه الموت قال لأهله :
( احشوا عيني أثمدا و أوسعوا رأسي دهنا ) ففعلوا و برّقوا وجهه بالدّهن ، ثمّ مهّد له فجلس و قال : اسندوني ، ثم قال : ( ايذنوا للنّاس ، فليسلّموا قياما و لا يجلس أحدا ) فجعل الرّجل يدخل فيسلّم قائما فيراه مكتحلا مدّهنا فيقول :
« يقول النّاس هو لما به ، و هو أصحّ النّاس » فلمّا خرجوا من عنده قال :
و تجلّدي للشّامتين أريهم
|
|
اني لريب الدّهر لا أتضعضع
|
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها
|
|
ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
|
و كان به النّفاثات ، فمات من يومه ذلك
.
« و إنّما مثلكم و مثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه » ( سفر ) جمع سافر : الخارج إلى السّفر كصاحب و صحب .
« و أمّوا علما فكأنّهم قد بلغوه » قال ابن أبي الحديد : العلم : الجبل أو المنار في الطريق يهتدى به
.
قلت : يتعيّن هنا الثاني لعدم مناسبته للأوّل .
« و كم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتّى يبلغها » المجري و يجري من ( أجريت الفرس ) في ( الطبري ) : كان عامل معاوية إذا أراد أن يبرد بريدا إلى معاوية نادى من له حاجة يكتب إليه فكتب زربن حبيش أو أيمن بن خريم كتابا لطيفا و رمى به في الكتب :
إذا الرّجال ولّدت أولادها
|
|
و اضطربت من كبر أعضادها
|
و جعلت أسقامها تعتادها
|
|
فهي زروع قد دنت حصادها
|
فلمّا قرأ معاوية هذا الكتاب في الكتب قال : نعى إلى نفسي
.
« و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه » أي : يجاوزه و ( ما عسى ) هنا و ( كم عسى ) قبل ، مثل ( عسيتم ) في قوله تعالى : فهل عسيتم إن توليّتم أن تفسدوا في الأرض .
.
« و طالب حثيث يحدوه في الدّنيا حتى يفارقها » الحدو : سوق الإبل و الغناء لها ، هذا ، و في ( ابن أبي الحديد ) : و طالب حثيث من الموت يحدوه ، و مزعج في الدّنيا عن الدّنيا حتى يفارقها رغما
.
« فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا و فخرها » التنافس : الرغبة .
« و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها » أي : لا يكن منكم عجب بهما من ( أعجب فلان برأيه ) .
« و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها » يقال ( يوم بؤس ) في قبال ( يوم نعم ) .
« فإنّ عزّها و فخرها إلى انقطاع » علّة لقوله : « فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا و فخرها » ، في ( الطبري ) : لمّا كان المأمون بدمشق ، ركب يريد جبل الثّلج فمرّ ببركة عظيمة من برك بني اميّة و على جوانبها أربع سروات ، و كان الماء يدخلها سيحا و يخرج منها ، فاستحسن المأمون الموضع فدعا ببزماورد و رطل و ذكر بني اميّة و تنقّصهم فأقبل العلويّة على العود و اندفع يغنّي :
أولئك قومي بعد عزّ و ثروة
|
|
تفانوا فان لا أذرف العين أكمدا
|
فقال له المأمون : يا ابن الفاعلة لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلاّ في هذا الوقت ؟ فقال : مولاكم زرياب عند موإلى كان يركب في مائة غلام ، و أنا
عندكم أموت من الجوع
.
« و إنّ زينتها » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( و زينتها ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« و نعيمها إلى زوال » علّة لقوله « و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها » ، في ( تاريخ بغداد ) : لمّا غضب الرشيد على البرامكة أصيب في خزانة جعفر بن يحيى في جرّة ألف دينار ، في كلّ دينار مائة دينار ، على أحد جانبي كلّ دينار .
و اصفر من ضرب دار الملوك
|
|
يلوح على وجهه جعفر
|
يزيد على مائة واحدا
|
|
متى تعطه معسرا يوسر
|
« و ضرائها و بؤسها إلى نفاد » أي : فناء و آخر ، علّة لقوله : « و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها » .
« و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء و كلّ حيّ فيها إلى فناء » قال لبيد :
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل
|
|
و كلّ نعيم لا محالة زائل
|
و في حديث الباقر عليه السلام مع جابر ( فانزل الدّنيا كمنزل نزلت فيه ، ثمّ ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت و ليس معك منه شيء و انّها عند أهل اللبّ كفيء الظّلال »
و من كلام أبي ذر : ( يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل و لا مال عن نفسك فأنت يوم تفارقهم كضيف بتّ فيهم ثمّ غدوت عنهم إلى غيرهم ، و الدّنيا و الآخرة كمنزل تحوّلت عنه إلى غيره و ما بين
الموت و البعث إلاّ كنومة نمتها ثمّ استيقظت عنها )
.
« أو ليس لكم في آثار الأولين مزدجر » هكذا في ( المصرية )
و ليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) كلمة
: « مزدجر » .
« و في آبائكم الأوّلين تبصرة و معتبر » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
: « الماضين » بدل « الأوّلين » .
« إن كنتم تعقلون » و لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر
.
« أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون و إلى الخلف الباقين » هكذا في ( المصرية )
، و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
: « الباقي » .
« لا يبقون » قد عرفت انّ الفقيه رواه « لا يقفون » و هو أحسن .
« أو لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون و يمسون على أحوال شتّى » هكذا في ( المصرية ) بتقديم « يصبحون » على « يمسون »
، و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
بالعكس .
« فميّت يبكى و آخر يعزّى » أي : يسلّى .
« و صريع مبتلى » الصريع : يقال للقتيل ، و المريض الشديد ، و المراد هنا الثاني ، و الأصل فيه غصن تهدّل و سقط إلى الأرض .
« و عائد يعود و آخر بنفسه يجود » روى ( العيون ) عن يحيى بن محمّد بن جعفر قال مرض أبي مرضا شديدا فاتاه الرضا عليه السلام يعوده ، و عمّي إسحاق جالس يبكي قد جزع عليه جزعا شديدا ، فالتفت الرضا عليه السلام إليّ و قال : ممّا يبكي عمّك ؟ قلت : يخاف عليه ما ترى ، فقال : لا تغتمّنّ فإنّ إسحاق سيموت قبله ، فبرىء أبي محمّد ، و مات عمّي إسحاق
.
« و طالب الدّنيا و الموت يطلبه ، و غافل و ليس بمغفول عنه » في ( الكافي ) عن جابر : سألت الباقر عليه السلام عن لحظة ملك الموت فقال : أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السكتة لا يتكلّم أحد منهم ، تلك لحظة يلحظهم ملك الموت
.
« و على أثر الماضي ما يمضي الباقي » قال ابن أبي الحديد : ما زائدة أو مصدرية و قد أخذ هذا اللفظ الوليد بن يزيد حين مات عمّه مسلمة ، و اجتمع بنو اميّة في جنازته فوقف على هشام ، و قال : انّ عقبي من بقي لحوق من مضى ،
و قد أقفر بعد مسلمة الصّيد لمن رمى ، و اختلّ الثغر فوهى ، و ارتجّ الطود فهوى ، و على أثر من سلف ما يمضي من خلف .
قلت : بل مصدريّة معيّنا أي : على أثر الماضي الباقي و مثله كلام الوليد
.
« ألا فاذكروا هادم اللّذّات و منغّص الشّهوات » أي : مكدّرها ، قال الشاعر :
لا أرى الموت يشبه الموت شيء
|
|
نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا
|
« و قاطع الامنيات » كلّها أوصاف الموت ، فهو هادم و منغّص و قاطع .
« عند المساورة » أي : مواثبة النفس .
« للأعمال القبيحة » لكون ذكره مانعا عن المساورة .
« و استعينوا اللّه على أداء واجب حقّه » في الخبر : حقّ اللّه الأكبر عليك ، أن تعبده بإخلاص ، فيكفيك أمر دنياك و آخرتك
.
« و ما لا يحصى من أعداد نعمه و إحسانه » في ( المناقب ) : قرأ أبيّ عند النبي صلّى اللّه عليه و آله قوله تعالى : و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة .
فقال صلّى اللّه عليه و آله لقوم عنده و فيهم أبوبكر و عمر و عثمان و أبو عبيدة و عبد الرحمن : قولوا الآن : ما أوّل نعمة خصّكم اللّه بها و أبلاكم بها ، فخاضوا في المعاش ، و الرّياش ،
و الذريّة ، و الأزواج ، فلمّا أمسكوا ، قال لأمير المؤمنين عليه السلام : قل يا أبا الحسن :
فقال : إنّ اللّه خلقني و لم أك شيئا مذكورا ، و أن أحسن بي فجعلني حيّا لا مواتا ،
و أن أنشأني في أحسن صورة و أعدل تركيب ، و أن جعلني متفكّرا واعيا لا أبله ساهيا ، و أن جعل لي شواعر أدرك بها ما ابتغيت و جعل فيّ سراجا منيرا ، و أن هداني لدينه و لم يضلّني عن سبيله ، و أن جعل لي مردّا في حياة لا انقطاع لها ، و أن جعلني مالكا لا مملوكا ، و أن سخّر لي سماءه و أرضه و ما فيهما و ما بينهما من خلقه ، و أن جعلنا ذكرانا قوّاما على حلائلنا لا اناثا ،
و يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله في كلّ كلمة : ( صدقت ) ثم قال له : فما بعد هذا ؟ فقال علي عليه السلام : و إن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها .
فتبسّم و قال : ( ليهنك الحكمة ، ليهنك العلم ، يا أبا الحسن أنت وارث علمي و المبيّن لامّتي ما اختلفت فيه بعدي )
.
٩
الخطبة ( ٩٩ ) و من خطبة له عليه السلام :
اُنْظُرُوا إِلَى اَلدُّنْيَا نَظَرَ اَلزَّاهِدِينَ فِيهَا اَلصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَ اَللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ اَلثَّاوِيَ اَلسَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ اَلْمُتْرَفَ اَلآْمِنَ لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَ لاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ جَلَدُ اَلرِّجَالِ فِيهَا إِلَى اَلضَّعْفِ وَ اَلْوَهْنِ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ وَ اِعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ « انظروا إلى الدّنيا نظر الزاهدين فيها » لكيلا تأسوا على مافاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم .
.
« الصادفين عنها » أي : المعرضين عنها ، و في ( غاية السّؤول ) : رأى أمير المؤمنين عليه السلام جابر الأنصاري و قد تنفّس الصعداء فقال عليه السلام له : علام تنفّسك ، أعلى الدّنيا ؟ فقال : نعم ، فقال له : يا جابر ملاذّ الدّنيا سبعة : المأكول ،
و المشروب ، و الملبوس ، و المنكوح ، و المركوب ، و المشموم ، و المسموع ، فألذّ المأكولات العسل و هو بصق من ذبابة ، و أعلى المشروبات الماء و كفى بإباحته و سياحته على وجه الأرض ، و أعلى الملبوسات الديباج و هو من لعاب دودة ، و أعلى المنكوحات النساء و هو مبال في مبال و مثال لمثال ، و إنّما يراد أحسن ما في المرأة لأقبح ما فيها ، و أعلى المركوبات الخيل و هي قواتل ، و أجلّ
المشمومات المسك و هو دم من سرّة دابّة ، و أجلّ المسموعات الغناء و الترنّم و هو إثم ، فما هذه صفته لا ينفّس عليه عاقل قال جابر : فو اللّه ما خطرت الدنيا على قلبي
، و في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله مرّ بجدي اسكّ أي : مقطوع الاذنين ملقى على مزبلة ميتا فقال لأصحابه : كم يساوي هذا ؟ فقالوا : لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : و الذي نفسي بيده إنّ الدّنيا أهون على اللّه تعالى من هذا الجدي على أهله
.
« فانّها و اللّه عمّا قليل تزيل الثّاوي السّاكن » أي : المقيم المطمئن .
« و تفجع المترف الآمن » أي : توجّع المتعوّد باللذائذ و المشتهيات و في ( وزراء الجهشياري ) عن مسرور خادم الرّشيد دخلت على جعفر البرمكيّ في الليلة التي قتله فيها ، و بين يديه أبو زكار الأعمى المغنّي و هو يغنّي :
عداني أن أزورك غير بغض
|
|
مقامك بين مصفحة شداد
|
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي
|
|
عليه الموت يطرق أو يغادي
|
فقلت له : الّذي جئت له و اللّه من ذاك ، قد و اللّه طرقك ، فأجب الخليفة قال :
فدعني حتّى أوصي ، فتركته حتّى أوصى بما أراد و أتتني رسل الرشيد تستحثّني لحمله ، إلى أن قال : فأخذ رأسه في بريكة قبائه و ألقاه بين يدي الرشيد و حملت جثّته و القيد في رجليه قال سلام الأبرش : فدخلت على أبيه في ذاك الوقت ، و قد هتكت السّتور ، و جمعت المتاع فقال لي : هكذا تقوم الساعة
و حبس الفضل و محمّد و موسى بنو يحيى ، و وكّل سلام الأبرش بباب يحيى ، و قطّعت جثّة جعفر بنصفين ، صلبا على الجسرين ، و نصب رأسه .
« لا يرجع منها ما تولّى و أدبر » كما لا يرجع أمس .
« و لا يدري ما هو آت فينتظر » فلعلّ الأجل لم يمهله و لعلّ الفرصة لم تساعده .
« سرورها مشوب بالحزن » فلم ير فيها سرور لم يحصل فيه أسباب حزن .
« و جلد الرجال فيها إلى الضعف و الوهن » الجلد : إظهار الصلابة و القوّة .
« فلا تغرنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها » فمن ألبستها الكفن و من أملاكها اللّحد .
« رحم اللّه امرأ تفكّر فاعتبر » في ( الكافي ) عنه عليه السلام : نبّه بالتفكّر قلبك ،
و جاف عن الليل جنبك و اتّق اللّه ربّك ، و عنه عليه السلام : التفكّر يدعو إلى البرّ
.
« و اعتبر فابصر في ( الكافي ) : سئل الصادق عليه السلام عمّا يروى أنّ ( تفكّر ساعة خير من قيام ليلة ) كيف يتفكّر ؟ قال يمرّ بالخربة أو الدّار فيقول : أين ساكنوك ؟ أين بانوك ؟ مالك لا تتكلّمين ؟
.
« و كأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ، و كأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزد » هو نظير قوله الآخر : « و كأنّ الدّنيا لم تكن لهم دارا و كأنّ الآخرة لم تزل لهم قرارا » .
« و كلّ معدود منقض » بالكسر من الانقضاء .
« و كلّ متوقّع آت و كلّ آت قريب دان » من الدّنوّ قال ابن أبي الحديد : هذا مثل قول قسّ بن ساعدة : مالي أرى النّاس يذهبون ثمّ لا يرجعون أرضوا فأقاموا ؟
أم تركوا فناموا ؟ أقسم قسّ قسما أنّ في السماء لخبرا ، و أنّ في الأرض لعبرا ،
سقف مرفوع ، و مهاد موضوع ، و نجوم تمور ، و بحار لا تغور ، اسمعوا أيّها
النّاس وعوا : من عاش مات و من مات فات و كلّ ما هو آت آت »
.
١٠
الخطبة ( ١٠٧ ) و من خطبة له عليه السلام :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَ تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا وَ لاَ تُؤْمَنُ فَجِيْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لاَ تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ اَلرَّغْبَةِ فِيهَا وَ اَلرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّياحُ وَ كانَ اَللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ٧ ٢٥ ١٨ : ٤٥
لَمْ يَكُنِ اِمْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلاَّ أَعْقَبَتْهَا عَبْرَةً وَ لَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلاَّ هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاَءٍ وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اِعْذَوْذَبَ وَ اِحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لاَ يَنَالُ اِمْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلاَّ أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَ لاَ يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلاَّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا لاَ خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاَّ اَلتَّقْوَى مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اِسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ وَ مَنِ اِسْتَكْثَرَ مِنْهَا اِسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ وَ زَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ قَدْ صَرَعَتْهُ وَ ذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً وَ ذِي نَخْوَةٍ قَدْ
رَدَّتْهُ ذَلِيلاً سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ وَ عَيْشُهَا رَنِقٌ وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ وَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَ مَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً وَ أَبْقَى آثَاراً وَ أَبْعَدَ آمَالاً وَ أَعَدَّ عَدِيداً وَ أَكْثَفَ جُنُوداً تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ وَ آثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ وَ لاَ ظَهْرٍ قَاطِعٍ فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ اَلدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ وَ أَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ وَ وَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ اَلْمَنُونِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا وَ آثَرَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ اَلْأَبَدِ وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاَّ اَلسَّغَبَ أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاَّ اَلضَّنْكَ أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاَّ اَلظُّلْمَةَ أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاَّ اَلنَّدَامَةَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ فَبِئْسَتِ اَلدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَ ظَاعِنُونَ عَنْهَا وَ اِتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ١٠ ١٣ ٤١ :
٥ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً وَ أُنْزِلُوا اَلْأَجْدَاثَ فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ اَلصَّفِيحِ أَجْنَانٌ وَ مِنَ اَلتُّرَابِ أَكْفَانٌ وَ مِنَ اَلرُّفَاتِ جِيرَانٌ فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً وَ لاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً وَ لاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وَ إِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وَ هُمْ آحَادٌ وَ جِيرَةٌ وَ هُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ وَ قَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وَ جُهَلاَءُ قَدْ مَاتَتْ
أَحْقَادُهُمْ لاَ يُخْشَى فَجْعُهُمْ وَ لاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ اِسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ اَلْأَرْضِ بَطْناً وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً وَ بِالْأَهْلِ غُرْبَةً وَ بِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى اَلْحَيَاةِ اَلدَّائِمَةِ وَ اَلدَّارِ اَلْبَاقِيَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ٧
٦ ٢١ : ١٠٤ أقول : قال ابن أبي الحديد : رواها الجاحظ في ( بيانه )
لقطري بن الفجاءة و النّاس يروونها لأمير المؤمنين عليه السلام و قد رأيتها في كتاب المونق لأبي عبد اللّه المرزباني لأمير المؤمنين عليه السلام و هي بكلامه عليه السلام أشبه ، و ليس يبعد عندي أن يكون قطريّ قد خطب بها بعد أن أخذها عن بعض أصحابه عليه السلام ، فانّ الخوارج كانوا أصحابه و أنصاره عليه السلام و قد لقي قطريّ أكثرهم »
.
قلت : و نسبها ابن عبد ربه في ( عقده ) في عنوان خطب الخوارج إلى قطريّ
تبعا للجاحظ و ليس نسبتهما خطبة له عليه السلام إلى غيره منحصرة بهذه الخطبة بل نسبا كثيرا من خطبة عليه السلام إلى غيره و قد قلنا في موضع آخر انّهما نسبا خطبة له عليه السلام إلى المأمون ، فلو كانا لم يفعلا ذلك عنادا رأيا أنّهم خطبوا بخطبه عليه السلام فتوهّموا أنّها من إنشاءاتهم ، كما أنّه لم ينحصر روايتها له عليه السلام بكتاب مونق المرزباني الذي قال : فرواه عنه من الخاصّة ابن أبي شعبة الحلبي في ( تحف عقوله ) في عنوان و من كلامه عليه السلام في الزّهد و ذمّ الدّنيا
و من العامّة ابن طلحة الشافعي في كتابه ( مطالب السّؤول ) في عنوان النوع الثاني من كلامه عليه السلام المنثور
مع اختلاف يسير ، و روي مقدارا منها الكليني في ( روضته )
و أبو هلال العسكري في ( صناعتيه )
و ابن الأثير في ( نهايته )
و له عليه السلام خطبة اخرى شبيهة بهذه الخطبة رواها الشيخ في ( أماليه ) ، فروى مسندا عن شريح القاضي قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام يوما لأصحابه و هو يعظهم : « ترصّدوا مواعيد الآجال و باشروها بمحاسن الأعمال ، و لا تركنوا إلى ذخائر الأموال ، فتخلبكم خدائع الآمال ، إنّ الدّنيا خدّاعة ، ضرّاعة ، مكّارة ، غرّارة ، سحّارة ، ظاهرها سرور ، و باطنها غرور ،
تأكلكم بأضراس المنايا ، و تبيركم باتلاف الرّزايا . »
.
« أما بعد فإنّي أحذّركم الدّنيا » كما تحذّرون ممّن يقتلكم كأعدائكم ، و ممّا يهلككم كالسّباع و السموم .
« فانّها حلوة خضرة » في ظاهرها ، و مرّة سوداء .
« باطنها حفّت بالشّهوات » أي : أحيطت بها .
« و تحبّبت بالعاجلة » كلاّ بل تحبّون العاجلة و تذرون الآخرة
إلاّ أنّ العقلاء يذرون عاجلهم برجاء آجل أكثر منه و لو بجزء ، فكيف بعاجل هو لا شيء و آجل هو كلّ شيء .
« و راقت بالقليل » أي : أعجبت به نمتّعهم قليلا ثمّ نضطرّهم إلى عذاب
غليظ
أرضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدّنيا في الآخرة إلاّ قليل
.
« و تحلّت بالآمال » أي : تزيّنت بها ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
.
« و تزيّنت بالغرور » إعلموا أنّما الحياة الدّنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتراه مصفرّا ثمّ يكون حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من اللّه و رضوان و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
.
و قال ابن سكرة في هجو امرأة :
فقلت للزّوج لا يغررك حمرتها
|
|
فانّها القفل موضوع على خربة
|
« لا تدوم حبرتها » أي : سرورها ، متاع قليل و لهم عذاب أليم
.
و في ( الطبري ) : لمّا قتل عبد الملك مصعبا ، و دخل الكوفة ، أمر بطعام كثير فصنع و أمر به إلى الخورنق و أذن إذنا عامّا فدخل النّاس ، فأخذوا مجالسهم ثمّ جاءت الموائد فأكلوا فقال عبد الملك : ما ألذّ عيشنا لو أنّ شيئا يدوم و لكنّا كما قال الأول :
و كلّ جديد يا أميم إلى بلى
|
|
و كلّ امرىء يوما يصير إلى كان
|
فلما فرغ من الطعام طاف في القصر يقول لعمرو بن حريث لمن هذا البيت و من بنى هذا البيت ، و عمر يخبره ، فقال عبد الملك :
و كلّ جديد يا أميم إلى بلى
|
|
و كلّ امرىء يوما يصير إلى كان
|
ثمّ أتى مجلسه فاستلقى و قال :
إعمل على مهل فانّك ميّت
|
|
و اكدح لنفسك أيّها الإنسان
|
فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى
|
|
و كأنّ ما هو كائن قد كان
|
« و لا تؤمن فجيعتها » أي : رزّيتها .
« غرّارة ضرّارة » و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
، الّذين اتّخذوا دينهم لهوا و لعبا و غرّتهم الحياة الدّنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا .
.
« حائلة زائلة » حائلة من ( حالت القوس ) : انقلبت عن حالها ، و حصل فيها اعوجاج .
« نافدة » من ( نفد الشيء ) : فنى .
« بائدة » من ( باد الشيء يبيد و يبود ) : هلك .
« أكّالة غوّالة » من ( غاله الشيء ) إذا أخذه من حيث لم يدر .
« لا تعدو » أي : لا تجاوز .
« إذا تناهت إلى امنيّة أهل الرّغبة فيها و الرّضاء بها » و أمنيتهم ، تمنيّاتهم كما في البرامكة ، فتناهت الدّنيا بهم إلى أن كانوا يزوّجون بنات هارون بمن يعلمون بدون مراجعته أوّلا .
« أن تكون كما قال اللّه سبحانه و تعالى » هكذا في ( المصرية )
و لم تكن كلمة « سبحانه » في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و كلمة « تعالى » في
( الخطية )
و الظاهر كون النّسخ مختلفة فيهما فجمعت ( المصرية )
بينهما .
« كماء أنزلناه من السّماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما » أي :
يابسا متكسّرا .
« تذروه الرّياح » من ( ذرت الريح التّراب ) .
« و كان اللّه على كلّ شيء مقتدرا » و الآية التي ذكرها عليه السلام ( ٤٥ ) من ( الكهف ) و أوّلها و اضرب لهم مثل الحياة الدّنيا . ، و قريب منها قوله تعالى أيضا في ( يونس ) : إنّما مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل النّاس و الأنعام حتّى إذا أخذت الأرض زخرفها و ازّيّنت و ظنّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكّرون
.
و بدّلت ( روضة الكافي ) تلك بهذه فروت خطبة عنه عليه السلام في الجمعة إلى أن قال لن تعدو الدّنيا إذا تناهت إليها امنيّة أهل الرّغبة فيها المحبّين لها ،
المطمئنين إليها ، المفتونين بها ، ان يكون كما قال اللّه عزّ و جلّ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل النّاس و الأنعام .
.
« لم يكن امرؤ منها في حبرة إلاّ أعقبتها » هكذا في ( المصرية )
، و الصّواب :
« من سّراءها » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
.
« عبرة » فتبدّل ضحكه بالبكاء ، قال البحتري :
إذا عاجل الدّنيا ألمّ بمفرح
|
|
فمن خلفه فجع سيتلوه آجل
|
« و لم يلق في سرائها بطنا » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : « من سّراءها » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية ) .
« إلاّ منحته » أي : أعطته .
« من ضرّائها ظهرا » خصّ عليه السلام البطن بالسّراء ، و الظّهر بالضّراء ، لأنّ سراءها في إقبالها ، و من أقبل عليك يريك بطنه ، و الضّراء في إدبارها و من أدبر عنك يريك ظهره و قال ابن ميثم : يحتمل أن يريد بطن المجن و ظهره ، لأنّ العادة في الحرب أن يلقى الإنسان ظهر المجن و في السّلم بطنه و ما ذكره في غاية السقوط فأين قولهم ( قلّبت لفلان ظهر المجنّ )
من هذا الكلام .
« و لم تطلّه فيها » من ( طلّت الأرض ) : أمطر عليها مطر ضعيف .
« ديمة رخاء » في ( الصحاح ) عن أبي زيد : الدّيمة : مطر ليس فيه رعد و برق ، و أقلّه ثلث النّهار أو الليل
.
« إلاّ هتنت عليه مزنة بلاء » في ( القاموس ) : ( هتنت السّماء ) : إنصبّت أو هو فوق الهطل ، و الضعيف الدائم ، أو مطر ساعة ثمّ يفتر ثم يعود
.
قلت : الأصحّ الأول كما يقتضيه كلامه عليه السلام كما أنّ ما فيه « المزن ( بالضمّ ) : السّحاب أو أبيضه أو ذو الماء ، القطعة : مزنة » الأصحّ الأخير لما قلنا ،
بل كانّ المزن سحاب ذو برد ، فقالوا : البرد : حبّ المزن .
هذا ، و في ( صناعتي أبي هلال العسكري ) : « قال عليّ عليه السلام في بعض
خطبه : إنّ امرأ لم يكن منها في فرحة إلاّ أعقبته بعدها ترحة ، و لم يلق من سرّائها بطنا الاّ منحته من ضرّائها ظهرا ، و لم تظلّه فيها غبابة رخاء إلاّ هبّت عليه مزنة بلاء . »
، و لا يبعد أن يكون ( هبّت ) فيه مصحّف « هتنت » كما لا يخفى .
« و حريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكّرة » قال الرضي رضى اللّه عنه في قصيدته التي يصف فيها القبض على الطائع العبّاسي :
من بعد ما كان ربّ الملك مبتسما
|
|
إلى ادنيه في النّجوى و يدنيني
|
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه
|
|
لقد تقارب بين العزّ و الهون
|
و منظر كان بالسّرّاء يضحكني
|
|
يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني
|
و ( حري ) في كلامه عليه السلام بالفتح ففي ( الصّحاح ) : « هو حري أن يفعل » بالفتح أي : خليق و جدير لا يثنّى و لا يجمع ، أنشد الكسائي :
و هنّ حري ان لا يثبنك نقرة
.
فقول ابن أبي الحديد : « لم يقل عليه السلام حرية مع أنّه يخبر عن الدّنيا لأنّه أراد الشّأن » في غير محلّه ، و لعلّه جعله على فعيل أو فعل ( بالكسر )
.
« و إن جانب منها إعذوذب و احلولى » في ( النهاية ) ( و في كلام عليّ عليه السلام اعذوذب جانب منها و احلولى » هما ( افعوعل ) من العذوبة و الحلاوة ، و هو من أبنية المبالغة ) .
و من الغريب خلوّ باقي كتب اللّغة من ( اعذوذب ) كخلوّ كثير منها
من ( هتن ) المتقدّم
.
« أمرّ » من المرارة .
« منها جانب فأوبى » من الوباء ، قال البحتري :
اعن واجب الاّ يسامح جانب
|
|
من العيش الاّ جانب يتمنّع
|
« و لا ينال امرؤ من غضارتها » أي : طيب عيشها .
« رغبا إلاّ أرهقته » أي : أعسرته .
« من نوائبها تعبا » قال الشاعر :
ألا إنّما الدّنيا غضارة أيكة
|
|
إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب
|
« و لا يمسي منها في جناح امن إلاّ أصبح على قوادم خوف » و ما على قوادم الطائر و هي عشر ريشات في مقاديم كلّ جناح لابدّ أن يسقط و المراد بكونه في جناح الأمن ، كالفرخ الذي تحت جناح امّه ، و رواه أبو هلال
و كذا ( الروضة )
.
« غرّارة غرور ما فيها » :
يا عاشق الدّنيا لغيرك وجهها
|
|
و لتندمنّ إذا أرتك قفاها
|
« فانية فان من عليها » :
تحرّز من الدّنيا فإنّ فناءها
|
|
محلّ فناء لا محلّ بقاء
|
فصفوتها ممزوجة بكدورة
|
|
و راحتها مقرونة بعناء
|
« لا خير في شيء من أزوادها إلاّ التقوى » و ما تفعلوا من خير يعلمه اللّه و تزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى و اتّقون يا اولي الألباب
.
« من أقلّ منها » أي : من الدّنيا .
« إستكثر ممّا يؤمنه » :
بيت و ثوب و قوت يوم
|
|
يكفي لمن في غد يموت
|
و ربّما مات نصف يوم
|
|
و النّصف من قوته يفوت
|
بيت يواري الفتى و ثوب
|
|
ليستر من عورة و قوت
|
هذا بلاغ لمن يحيى
|
|
و ذا كثير لمن يموت
|
« و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه » لأنّه كماء البحر من استكثر منه ازداده عطشا حتّى يهلكه و في ( تحف العقول )
و ( غاية السؤول )
: « و من استكثر منها لم يدم له » .
« و زال عمّا قليل عنه » إنّما هذه الحياة الدّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
.
« كم واثق بها فجعته » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : « قد فجعته » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية
) .
في ( الطبري ) : لبس سليمان بن عبد الملك يوم جمعة ثيابا خضراء من خزّ و نظر في المرآة فقال : أنا و اللّه الملك الشابّ فخرج إلى الصلاة فلم يرجع حتّى وعك فلمّا ثقل عهد .
.
« و ذي طمأنينة » زاد ( ابن ميثم و الخطية )
« إليها » .
« قد صرعته » في ( الطبري ) : كانت خلافة المعتصم ثماني سنين و ثمانية أشهر و لمّا احتضر جعل يقول : إنّي أخذت من بين هذا الخلق ، لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت
.
« و ذي ابّهة قد جعلته حقيرا و ذي نخوة قد ردّته ذليلا » زاد ( التحف )
و ( الغاية )
: « و كم ذي تاج قد أكبّته لليدين و الفم » .
في ( الطبري ) : استوزر الواثق محمد بن عبد الملك الزّيّات ، و فوّض إليه الامور ثم غضب عليه المتوكّل ، فقبض ما في منزله من متاع و دواب و جوار و غلمان ، و وجّه راشد المولى إلى بغداد في قبض ما هنا لك من أمواله و خدمه ،
و أمر بقبض ضياعه و ضياع أهل بيته حيث كانت و حبس و كان أوّلا في حبسه مطلقا ثمّ قيّد فامتنع من الطعام ، و كان شديد الجزع في حبسه ، كثير البكاء ، قليل الكلام ، فمكث أيّاما ثمّ سوهر و منع من النوم ، يساهر و ينخس بمسلة ، ثمّ ترك يوما و ليلة ، فنام و انتبه فاشتهى فاكهة و عنبا ، فاتي به فأكل ثمّ أعيد إلى المساهرة ثم بتنّور من خشب فيه مسامير من حديد ، و كان هو أوّل من أمر بعمل ذلك ، فعذّب به ابن أسباط المصري حتّى استخرج منه جميع ما
عنده ، ثم ابتلي به فعذّب به أيّاما ، قال المتوكّل به : كنت أخرج و أقفل الباب عليه ،
فيمدّ يديه إلى السماء جميعا ، حتّى يدقّ موضع كتفيه ثمّ يدخل التنّور ، فيجلس و التنّور فيه مسامير من حديد و في وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذّب إذا أراد أن يستريح فيجلس على الخشبة ساعة ثم يجيء الموكّل به ،
فاذا هو سمع صوت الباب يفتح ، قام قائما كما كان ، ثمّ شدّدوا عليه قال المعذّب له : خاتلته يوما و أريته أنّي أقفلت ، و لم أقفله إنّما أغلقته ثمّ مكثت قليلا ثم دفعت الباب غفلة ، فاذا هو قاعد في التنّور على الخشبة فقلت : أراك تعمل هذا العمل ، فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه فكان لا يقدر على القعود و استللت الخشبة حتّى كادت تكون بين رجليه ، فما مكث بعد ذلك إلاّ أيّاما حتّى مات ، و قيل في قتله : إنّه بطح فضرب على بطنه خمسين مقرعة ، ثمّ قلب فضرب على استه مثلها ، فمات و هو يضرب و هم لا يعلمون فأصبح ميتا ، قد التوت عنقه و نتفت لحيته ، و عن مبارك العرفي : ما أظنّه أكل في طول حبسه إلاّ رغيفا واحدا و كان يأكل العنبة و العنبتين ، و كنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه : يا محمّد بن عبد الملك لم يقنعك النّعمة و الدّواب الفره و الدّار النظيفة و الكسوة الفاخرة و أنت في عافية حتّى طلبت الوزارة ، ذق ما عملت بنفسك ، فكان يكرّر ذلك على نفسه ، فلمّا مات أحضر ابناه و كانا محبوسين و قد طرح على باب من خشب في قميصه الّذي حبس فيه و قد اتّسخ ، فغسلاه على الباب و دفناه و حفرا له فلم يعمّقا ، فذكر أنّ الكلاب نبشته و أكلت لحمه
.
« سلطانها دول » و تلك الأيام نداولها بين الناس .
، قل اللّهمّ مالك
الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممّن تشاء و تعزّ من تشاء و تذلّ من تشاء بيدك الخير إنّك على كلّ شيء قدير
.
و في ( الطبري ) : هتف بالمنصور هاتف من قصره بالمدينة ، فسمعه يقول :
أما و ربّ السّكون و الحرك
|
|
انّ المنايا كثيرة الشّرك
|
عليك يا نفس ان اسأت و ان
|
|
أحسنت بالقصد كلّ ذاك لك
|
ما اختلف الليل و النهار و لا
|
|
دارت نجوم السماء في الفلك
|
إلاّ لنقل السلطان عن ملك
|
|
إذا انقضى ملكه إلى ملك
|
حتّى يصيرا به إلى ملك
|
|
ما عزّ سلطانه بمشترك
|
ذاك بديع السماء و الأرض و
|
|
المرسي الجبال المسخّر الفلك
|
فقال هذا و اللّه أوان أجلي
.
و فيه : وجد المعتصم في علّته التي توفّي فيها افاقة فقال : هيّئو الي الزلاّل لأركب غدا فركب ، و ركب معه زنام الزّامر ، فمرّ في دجلة بأزاء منزله ، فقال يا زنّام أزمر لي :
يا منزلا لم تبل اطلاله
|
|
حاشى لا طلالك أن تبلى
|
لم أبك أطلالك لكنّني
|
|
بكيت عيشي فيك إذ ولّى
|
و العيش أولى ما بكاه الفتى
|
|
لابدّ للمخزون أن يسلى
|
قال زنّام : فما زلت أزمر هذا الصوت ، حتّى دعا برطليّة فشرب منها قدحا و جعلت أزمره ، و اكرّره ، و قد تناول منديلا بين يديه فما زال يبكي
و يمسح دموعه فيه و ينتحب حتّى رجع إلى منزله و لم يستتمّ شرب الرّطليّة
« و عيشها رنق » أي : كدر .
« و عذبها اجاج » أي : ماؤها الطيّب ملح مرّ .
« و حلوها صبر » بكسر الباء : دواء مرّ .
« و غذاؤها سمام » جمع سمّ .
« و أسبابها رمام » أي : حبالها حبال بالية .
« حيّها بعرض موت » عنه عليه السلام : لكلّ ذي رمق قوت ، و لكلّ حبّة آكل ، و أنت قوت الموت
.
« و صحيحها بعرض سقم » و زاد ( التّحف )
و ( الغاية )
: « و منيعها بعرض اهتضام » .
في ( الطبري ) : قال سعيد العلاّف : دخلت على المأمون لمّا كان ببلاد الروّم ، فوجدته جالسا على شاطئ البدندون ، و المعتصم جالس عن يمينه و هما مدليان أرجلهما في الماء ، و قال : أدل رجليك في هذا الماء و ذقه ، فهل رأيت قطّ أشدّ بردا و أعذب و أصفى منه ، ففعلت ، و قلت : ما رأيت مثله قطّ فقال :
أيّ شيء يطيب أن يؤكل ثمّ يشرب هذا الماء عليه ؟ فقلت : أنت أعلم ، فقال : رطب الآزاد ، فبينا هو يقول إذ سمع وقع لجم البريد ، فالتفت فإذا بغال من بغال البريد على اعجازها حقاب فيها الألطاف ، فقال لخادم له : اذهب فانظر هل في هذه الألطاف رطب فانظر فان كان آزاد فأت به ؟ فجاء يسعى بسلّتين فيهما رطب آزاد كأنّما جني من النخل في تلك الساعة فكثر تعجّبنا منه ، فقال : الآن فكل ،
فأكل هو و المعتصم و أكلت ، و شربنا جميعا من ذلك الماء فما قام منّا أحد إلاّ و هو محموم فكانت ميتة المأمون من تلك العلّة ، و لم يزل المعتصم عليلا حتى دخل العراق و لم أزل عليلا حتى كان قريبا
.
« و ملكها مسلوب و عزيزها مغلوب » في ( تاريخ بغداد ) : لما احتضر الواثق ،
جعل يردّد هذين البيتين :
الموت فيه جميع الخلق مشترك
|
|
لا سوقة بينهم يبقى و لا ملك
|
ما ضرّ أهل قليل في تنافرهم
|
|
و ليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
|
ثمّ أمر بالبسط فطويت ، و ألصق خدّه بالأرض و جعل يقول : يا من لا يزول ملكه ، إرحم من قد زال ملكه .
« و موفورها منكوب » في ( الصحاح ) : النكبة : واحد من نكبات الدهر
.
« و جارها محروب » زاد ( التحف ) : « و من وراء ذلك سكرات الموت ،
و زفراته ، و هول المطلع ، و الوقوف بين يدي الحاكم العدل »
، ليجزي الذين أساؤا بما عملوا و يجزي الّذين أحسنوا بالحسنى
، و المحروب من سلب ماله ، و قال تعالى : مثل الذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتا و إنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون
.
« ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا » في ( غيبة الشيخ ) : روى من ذكر أخبار العرب : أنّ لقمان بن عاد كان أطول الناس عمرا عاش ثلاثة آلاف
و خمسمائة سنة و يقال عاش عمر سبعة أنسر ، و كان يأخذ فرخ النّسر الذّكر ،
فيجعله في الجبل ، فيعيش النّسر ما عاش ، فإذا مات أخذ آخر فربّاه حتّى كان آخرها ( لبد ) و كان أطولها عمرا فقيل : « طال العمر على لبد » و فيه يقول الأعشى :
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر
|
|
إذا ما مضى نسر خلدت إلى نسر
|
فعمّر حتّى خال انّ نسوره
|
|
خلود و هل تبقى النّفوس على الدّهر
|
و قال لأدناهنّ إذ حلّ ريشه
|
|
هلكت و أهلكت ابن عاد و ما تدري
|
و من المعمّرين ربيع بن ضبيع الفزاري عاش ثلاثمائة و أربعين سنة
،
و منهم المستوغر عاش ثلاثمائة و ثلاثين سنة
، و عاش أكثم بن صيفي الأسدي ثلاثمائة و ثلاثين سنة أدرك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و آمن به و مات قبل أن يلقاه
، و له أخبار كثيرة ، و حكم و أمثال ، و عاش أبوه مائتين و سبعين سنة لا ينكر من عقله شيء ، و هو المعروف بذي الحلم الذي قال فيه المتلمّس :
لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا
|
|
و ما علّم الإنسان إلاّ ليعلما
|
و عاش ضبيرة بن سعيد مائتين و عشرين سنة و لم يشب ، أدرك الإسلام و لم يسلم
و عاش دريد بن الصمّة مائتي سنة أدرك الإسلام و لم يسلم ، كان أحد قوّاد المشركين يوم حنين فقتل يومئذ
، و عاش محصن بن
عتبان الزبيدي ( ٢٥٦ ) سنة
، و عاش عمرو بن حممة الدّوسي أربعمائة سنة
، و هو الذي يقول :
كبرت و طال العمر حتّى كأنني
|
|
سليم افاع ليلة غير مودع
|
فما الموت أفناني و لكن تتابعت
|
|
عليّ سنون من مصيف و مربع
|
ثلاث مائة قد مررن كواملا
|
|
وها أنا هذا أرتجي منه أربع
|
و عاش الحارث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة و هو القائل :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا
|
|
أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
|
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا
|
|
صروف الليالي و الجدود العواثر
|
و عاش عبد المسيح الغسّاني ( ٣٥٠ ) سنة كان نصرانيّا أدرك الإسلام و لم يسلم
، و خبره مع خالد بن الوليد لمّا نزل الحيرة معروف ، قال له خالد :
ما أدركت ؟ قال : أدركت سفن البحر ترقا إلينا في هذا الجرف ، و رأيت المرأة من أهل الحيرة تضع مكتلها على رأسها لا تزوّد إلاّ رغيفا واحدا حتّى تأتي الشام و قد أصبحت خرابا و ذلك دأب اللّه في العباد و البلاد ، و من قوله :
النّاس أبناء علاّت لمن علموا
|
|
ان قد أقلّ فمجفوّ و محقور
|
و هم بنون لامّ ان رأو نشبا
|
|
فذاك بالغيب محفوظ و محصور
|
و عاش ذو الأصبع العدواني ( ٣٠٠ ) سنة و هو أحد حكّام العرب في الجاهلية
، و أخباره و أشعاره و حكمه معروفة ، و عاش زهير بن الحباب
الحميري ( ٤٢٠ ) سنة
و واقع مائتي وقعة ، و كان سيّدا مطاعا عاش شريفا في قومه و يقال كان فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه ، كان سيّد قومه ، و خطيبهم ، و شاعرهم ، و وافدهم إلى الملوك ، و طبيبهم ، و فارسهم ،
و له البيت فيهم ، و العدد منهم ، و أوصى إلى بنيه فقال : إنّي كبرت سنّي و بلغت خرسا من دهري ، فاحكمتني التجارب ، فاحفظوا عنّي ما أقول ، إيّاكم و الخور عند المصائب و التواكل عند النوائب فانّ ذلك داعية الغمّ ، و شماتة العدوّ ،
و سوء الظنّ بالرّبّ ، و إيّاكم أن تكونوا بالأحداث مغترّين ، و لها آمنين ، و منها ساخرين ، فانّه ما سخر قوم قط إلاّ ابتلوا ، و لكن توقّعوها فإنّ الإنسان غرض تعاوره الرّماة ، فمقصّر دونه ، و مجاوز موضعه ، و واقع عن يمينه و شماله ، ثمّ لابدّ أن يصيبه
، و عاش رويد بن زيد القضاعي ( ٤٥٦ ) سنة و من قوله :
ألقى عليّ الدهر رجلا و يدا
|
|
و الدّهر ما أصلح يوما أفسدا
|
يفسد ما أصلحه اليوم غدا
و من المعمّرين : يعرب بن قحطان أبو اليمن كلّها ، و أوّل من تكلّم بالعربيّة على ما ذكره أبو الحسن النسّابة الأصفهاني في كتابه الفرع و الشجر
و من المعمّرين : عمرو بن عامر مزيقيا روي عن شرقي بن قطامي أنّه عاش ( ٨٠٠ ) سنة ( ٤٠٠ ) سنة سوقة و ( ٤٠٠ ) سنة ملكا ، و كان في سنيّ ملكه يلبس في كلّ يوم حلّتين ، فإذا كان بالعشيّ مزّقت الحلّتان عنه لئلا يلبسهما غيره ، فسمّي مزيقيا و قيل : إنّما سمّي بذلك لأنّ على عهده تمزّقت الأزد ، فصاروا إلى أقطار الأرض و كان ملك سبأ ، فحدّثته الكهّان بأنّ اللّه
يهلكها بالسيّل العرم ، فاحتال حتّى باع ضياعه و خرج في من أطاعه من أولاده و أهله قبل سيل العرم و منه انتشرت الأزد كلّها و الأنصار كلّها من ولده .
و من المعمّرين : جلهمة بن أدد ، و إليه ينسب طيّ كلّها ، و كان له ابن أخ يقال له يحابر بن مالك ، و كان قد أتى على كلّ واحد منهما خمسائة سنة ، وقع بينهما ملاحاة بسبب مرعى ، فخاف جلهمة هلاك عشيرته ، فرحل عنه و طوى المنازل فسمّي طيّا و هو صاحب أجا ، و سلمى جبلين بطيّ .
و من المعمّرين : عمرو بن لحي
كان رئيس خزاعة في حربها مع جرهم ، و هو الذي سنّ السّائبة و الوصيلة و الحام و نقل صنمي ( هبل ) و ( مناة ) من الشام إلى مكّة فسلّم ( هبل ) إلى خزيمة بن مدركة فقيل : هبل خزيمة ، و صعد على أبي قبيس و وضع مناة بالمشلل و كان يلي من أمر الكعبة ما كان يليه جرهم قبله حتّى هلك و هو ابن ( ٣٤٥ ) سنة و بلغ ولده و أعقابهم ألف مقاتل في ما يذكرون .
و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : « رفعت لي النّار فرأيت عمرو بن لحي يجرّ قصبه في النار فقلت : من هذا ؟ قيل عمرو بن لحي »
.
هذا طرق من أخبار معمّري العرب ، و استيفاؤه في الكتب المصنّفة في .
هذا المعنى و امّا الفرس فانّها تزعم أنّ في ما تقدّم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم ، فيروون أنّ الضحاك صاحب الحيّتين عاش ألفا و مائتي سنة ،
و أفريدون العادل عاش فوق ألف سنة
، و يقولون : إنّ الملك الّذي أحدث المهرجان عاش ألفين و خمسمائة سنة
. .
هذا ، و قوله عليه السلام : « من كان قبلكم أطول أعمارا » خبر كان « قبلكم » لا « أطول » كما توهمه ابن أبي الحديد ، و إنّما هو حال .
« و أبقى آثارا » الأصل في كلامه عليه السلام قوله تعالى : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشدّ منهم قوّة و آثارا في الأرض فأخذهم اللّه بذنوبهم و ما كان لهم من اللّه من واق
و قال تعالى في قارون مع إيتائه من الكنوز : ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوّة .
، أو لم يعلم أنّ اللّه قد أهلك قبله من القرون من هو أشدّ منه قوّة و أكثر جمعا .
.
و قال الأسود النهشلي :
ماذا تؤمّل بعد آل محرّق
|
|
تركوا منازلهم ، و بعد اياد
|
أهل الخورنق و السدير و بارق
|
|
و القصر ذي الشرفات من سنداد
|
كانوا بانقرة يفيض عليهم
|
|
ماء الفرات يخرّ من أطواد
|
جرت الرّياح على رسوم ديارهم
|
|
فكأنّهم كانوا على ميعاد
|
فإذا النّعيم و كلّ ما يلهى به
|
|
يوما يصير إلى بلى و نفاد
|
و في ( مروج المسعودي ) : كان عبد العزيز عاملا لأخيه عبد الملك على مصر فأتاه رجل متنصّح فقال له : بالقبّة الفلانية كنز عظيم ، قال عبد العزيز :
و ما مصداق ذلك ؟ قال : هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر و الرخام عند يسير من الحفر ، ثمّ ينتهي بنا الحفر إلى قلع باب من الصفر تحت عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدّنيا و جناحاه مضرّجان بالياقوت
و الزمرّد على رأسه صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود ، فأمر له عبد العزيز بنفقة ألوف من الدنانير لأجرة من يحفر من الرّجال في ذلك ، و يعمل فيه ، و كان هناك تلّ عظيم فاحتفروا حفرة عظيمة في الأرض و الدلائل المقدّم ذكرها من الرّخام و المرمر تظهر فازداد عبد العزيز حرصا على ذلك ، و أوسع في النفقة و أكثر من الرجال فانتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الدّيك فبرق عند ظهوره لمعان عظيم كالبرق الخاطف لما في عينيه من الياقوت و شدّة نوره و لمعان ضيائه ، ثم بان جناحاه ثمّ بانت قوائمه ، و ظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع من الأحجار و الرّخام و قناطر مقنطرة ، و طاقات على أبوابه معقودة ، و لاحت منها تماثيل و صور أشخاص من أنواع الصور و الذهب و أجربة من الأحجار ، قد أطبقت عليها أغطيتها و سبكت ، و قيّد ذلك بأعمدة الذهب ، فركب عبد العزيز حتّى أشرف على الموضع فنظر إلى ما ظهر من ذلك ، فأسرع بعضهم فوضع قدمه على درجة منسكبة من نحاس تنتهي إلى ما هنالك فلمّا استقرّت قدمه على المرقاة الرابعة ، ظهر سيفان عظيمان عاديان عن يمين الدرجة و شمالها ، فالتّفا على الرجل فلم يدرك حتّى جزّتاه قطعا و هوى جسمه سفلا ، فلمّا استقرّ جسمه على بعض الدّرج اهتزّ العمود ،
و صفّر الديك تصفيرا عجيبا سمعه من كان بالبعد من هنالك ، و حرّك جناحه فظهرت من تحته أصوات عجيبة ، قد عملت بالكواكب و الحركات إذا ما وقع على بعض تلك الدّرج شيء أو ماسّها ، تهافت من هنالك من الرجال إلى أسفل تلك الحفيرة ، و كان فيها ممّن يحفر و يعمل و ينقل التراب و يبصر و يتحرّك و يأمر و ينهى نحو ألف رجل فهلكوا جميعا فجزع عبد العزيز ، و قال : هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النّيل نعوذ باللّه منه و أمر جماعة من الناس ، فطرحوا ما أخرج من هناك من التراب على من هلك من الناس فكان الموضع قبرا لهم .
و قد كان جماعة ممّن أغرى بحفر الحفائر ، و طلب الكنوز ، و ذخائر الملوك المستودعة ، وقع إليهم كتاب ببعض الأقلام السالفة ، فيه وصف موضع ببلاط على أذرع من الأهرام بأن فيه مطلبا عجيبا ، فأخبروا الأخشيد محمد بن طغج بذلك فأذن لهم في حفره ، و أباحهم استعمال الحيلة في إخراجه فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى إزج و أقباء و حجارة مجوّفة ، في صخر منقور ، فيه تماثيل قائمة على أرجلها من أنواع الخشب قد طلّيت بالأطلية المانعة من سرعة البلى و تفرّق الأجزاء ، و الصور مختلفة منها صورة شيوخ و شبّان و نساء و أطفال ، أعينهم من أنواع الجواهر ، كالياقوت ، و الزمرّد ،
و الفيروزج ، و الزّبرجد ، و منها ما وجوهها ذهب و فضّة ، فكسروا بعض تلك التماثيل فوجدوا في أجوافها رمما بالية و أجساما بالية ، و إلى جانب كلّ تمثال منها نوع من الأبنية كالبرابي و غيرها من الآلات من المرمر و الرخام و فيه نوع من الطّلاء الذي قد طلي منه ذلك الميّت ، الموضوع في تمثال الخشب ، و ما بقي من الطّلاء متروك في ذلك الاناء ، و الطّلاء دواء مسحوق و أخلاط معمولة لا رائحة لها ، فجعل منه على النّار ففاح منه روائح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من أنواع الطيب ، و قد جعل كلّ تمثال من الخشب على صورة ما فيه من الناس على اختلاف أسنانهم و مقادير أعمارهم و تباين صورهم ، و بإزاء كلّ تمثال منها تمثال من الحجر المرمر أو الرّخام الاخفّه على هيئة الصّنم حسب عبادتهم للتّماثيل و الصور عليها أنواع من الكتابات لم يقف على استخراجها أحد ، و كان ذلك في سنة ( ٣٢٨ ) و قد كان لمن سلف و خلف من ولاة مصر إلى أحمد بن طولون و غيره إلى هذا الوقت ، و هو سنة ( ٣٣٢ ) أخبار عجيبة في ما استخرج في أيّامهم من الدّفائن و الأموال و الجواهر و ما أصيب في هذه المطالب من القبور و الخزائن ، و طول الأهرام عظيم و بنيانها عجيب ، عليها
أنواع من الكتابات بأقلام الامم السالفة ، و الممالك الداثرة ، لا يدرى ما تلك الكتابة و لا ما المراد بها ، و قد قال : من عني بتقدير ذرعها أنّ مقدار ارتفاع ذهابها في الجوّ نحو من أربعمائة ذراع ، أو أكثر ، و كلّما علا به الصّعداء دقّ ذلك ، و أنّ من تلك الكتابة : إنّا بنيناها فمن يدّعي موازاتنا في الملك ، و بلوغنا في القدرة ، و انتهاءنا من السلطان ، فليهدمها و ليزل رسمها ، فانّ الهدم أيسر من البناء ، و التفريق أيسر من التأليف ، و قد ذكر أنّ بعض ملوك الإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر و غيرها لا يفي بقلعها و هي من الحجر و الرّخام
.
و في ( الطبري ) : ( خطّ خالد بن برمك مدينة المنصور له ، و أشار بها عليه فلمّا احتاج إلى الأنقاض قال له : ما ترى في نقض بناء مدينة أيوان كسرى بالمدائن و حمل نقضه إلى مدينتي هذه ؟ قال : لا أرى ذلك قال : و لم ؟ قال لأنّه علم من علم الإسلام يستدلّ به النّاظر إليه على أنّه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا و إنّما هو على أمر دين و مع هذا فانّ فيه مصلّى علي بن أبي طالب عليه السلام قال : هيهات يا خالد أبيت إلاّ الميل بأصحابك العجم ، و أمر أن ينقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه ، و حمل نقضه ، فنظر في مقدار ما يلزمهم النقص و الحمل ، فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عمل ، فرفع ذلك إلى المنصور فدعا بخالد فأعلمه ما يلزمه ، في نقضه و حمله و قال له : ما ترى ؟
قال : قد كنت أرى قبل ألاّ تفعل ، فامّا إذ فعلت فانّي أرى أن تهدم الآن حتّى تلحق بقواعده ، لئلاّ يقال أنّك عجزت عن هدمه ، فأعرض المنصور عن ذلك و أمر ألا تهدم
.
و قال البحتري أبياتا في أيوان كسرى ، و منها :
مشمخرّ تعلو له شرفات
|
|
رفعت في رؤوس رضوى و قدس
|
ليس يدري أصنع إنس لجنّ
|
|
صنعوه أم صنع جنّ لانس
|
غير أنّي أراه يشهد ان لم
|
|
يك بانيه في الملوك بنكس
|
« و أبعد آمالا و أعدّ عديدا » أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم و أشدّ قوّة و آثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون
.
« و أكثف جنودا » ألم تر كيف فعل ربّك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد و ثمود الّذين جابوا الصخر بالواد و فرعون ذي الأوتاد الّذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصبّ عليهم ربّك سوط عذاب
، هل أتاك حديث الجنود فرعون و ثمود
، فاتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليمّ ما غشيهم و أضلّ فرعون قومه و ما هدى
.
قال الشاعر :
ألم يخبرك أنّ الدّهر غول
|
|
ختور العهد يلتقم الرجالا
|
أزال عن المصانع ذا رياش
|
|
و قد ملك السّهولة و الجبالا
|
و أنشب في المخالف ذا منار
|
|
و للزّرّاد قد نصب الحبالا
|
« تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام مرّ عيسى عليه السلام
على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابّها ، فقال : أما إنّهم لم يموتوا إلاّ بسخط و لو ماتوا متفرقين لتدافنوا ، فقال الحواريون : يا روح اللّه ادع اللّه تعالى أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها ، فدعا عيسى عليه السلام ربّه فنودي من الجوّ أن نادهم فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الأرض فقال : يا أهل هذه القرية فأجابه مجيب منهم ، لبيّك يا روح اللّه فقال : ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت و حبّ الدّنيا مع خوف قليل ، و أمل بعيد ، و غفلة في لهو ، فقال : كيف كان حبّكم للدّنيا ؟ قال كحبّ الصبيّ لامّه ، إذا أقبلت علينا فرحنا و سررنا ، و إذا أدبرت عنّا بكينا و حزنا ، قال : فكيف كان عبادتكم للطاغوت ؟ قال : الطاعة لأهل المعاصي قال : كيف كان عاقبة أمركم ؟ قال بتنا ليلة في عافية و أصبحنا في الهاوية إلى أن قال : فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريّين ، فقال لهم : أكل الخبز اليابس ، بالملح الجريش ، و النّوم على التراب ،
خير كثير مع عافية الدّنيا و الآخرة
.
« و آثروها أي إيثار » لمّا خرج محمّد بن عبد اللّه المحض بالمدينة على المنصور بعث إليه جندا فقتلوه ، و قال : لو خرج عليّ صاحب القبر أي :
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقتلته .
« ثمّ ظعنوا » أي : ارتحلوا .
« عنها بغير زاد مبلغّ » و في ( التحف )
و ( الغاية )
: ثمّ ظعنوا عنها بالصغار .
« و لا ظهر قاطع » أي : راحلة أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في
جنب اللّه و إن كنت لمن الساخرين
، حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا فيما تركت .
، و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدّق و أكن من الصالحين و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
« فهل بلغكم انّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية » إنّ الذين كفروا و ماتوا و هم كفّار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم و ما لهم من ناصرين
.
« أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة » بدّله ( الغاية )
( أو أغنت عنهم فيما أهلكهم من خطب ) و كيف كان ، قال تعالى فما بكت عليهم السماء و الأرض و ما كانوا منظرين
.
« بل أرهقتهم » نقله ابن ميثم هكذا بالرّاء ، أي : « غشيتهم »
و نقله ابن أبي الحديد : « أوهقتهم » بالواو ، قال أي : جعلتهم في الوهق و هو حبل كالطول
.
( بالقوادح ) بالقاف ، و هي آفة تظهر في الشجر و صدوع تظهر في الأسنان
.
« و أوهنتهم بالقوارع » أي : الشدائد .
« وضعضعتهم بالنوائب » أي : المصائب .
« و عفرّتهم للمناخر » أي : ألصقت ثقب انافهم بتراب الأرض .
« و وطئتهم بالمناسم » أي : توطأتهم باخفافها كدوس البقر البيد .
« و أعانت عليهم ريب المنون » أي : حوادث الدهر .
« فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها » أي : كان مطيعا لها يعني شاهدتم بأعينكم معاملتها مع أهل عصركم فضلا عن سماع أخبار الماضين .
« و آثرها » أي : اختارها على آخرته .
« و أخلد لها » هكذا في ( المصرية )
، و الصّواب : ( و أخلد إليها ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
من قوله تعالى و لكنّه أخلد إلى الأرض .
.
« حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد » :
و كلّ غائب يؤوب
|
|
و غائب الموت لا يؤوب
|
« و هل » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : ( هل ) كما في الثلاثة .
« زوّدتهم إلاّ السغب » أي : الجوع .
« أو أحلّتهم إلاّ الضّنك » أي : الضّيق .
« أو نوّرت لهم إلاّ الظّلمة » الثلاثة ، نظير قوله تعالى فبشّرهم بعذاب أليم
.
« أو أعقبتهم إلاّ الندامة » و لو أنّ لكلّ نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به و أسرّوا النّدامة لمّا رأوا العذاب و قضي بينهم بالقسط و هم لا يظلمون
.
« فهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام ، قال تعالى لموسى عليه السلام : يا موسى إنّ الدّنيا دار عقوبة ، عاقبت فيها آدم عند خطيئته و جعلتها ملعونة ، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي ، يا موسى إنّ عبادي الصّالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم ، و سائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم ، و ما من أحد عظّمها فقرّت عيناه فيها ، و لم يحقّرها أحد إلاّ انتفع بها
، و عنه عليه السلام من أصبح و أمسى و الدّنيا أكبر همّه جعل اللّه تعالى الفقر بين عينيه ، و شتّت أمره و لم ينل من الدّنيا إلاّ ما قسم له ، و من أصبح و أمسى و الآخرة أكبر همّه جعل اللّه تعالى الغناء في قلبه ، و جمع له أمره
.
« فبئست الدّار لمن لم يتّهمها و لم يكن فيها على وجل » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : من زهد في الدّنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه ، و أنطق بها لسانه ،
و بصّره عيوب الدّنيا داءها و دواءها ، و أخرجه من الدّنيا سالما
.
و عنه عليه السلام : خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو محزون ، فأتاه ملك و معه مفاتيح خزائن الأرض ، فقال : يا محمّد هذه مفاتيح خزائن الأرض ، يقول لك ربّك :
افتح و خذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله :
الدّنيا دار من لا دار له ، و لها يجمع من لا عقل له ، فقال له الملك : و الذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السّماء الرابعة
حين أعطيت المفاتيح
.
و عنه عليه السلام : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : مالي و للدّنيا ، و ما أنا و الدّنيا ، إنّما مثلي و مثلها ، كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف ، فقال من القيلولة تحتها ثمّ راح و تركها
.
و عنه عليه السلام : مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بجدي أسكّ ملقى على مزبلة ميّتا ، فقال :
و الّذي نفسي بيده الدّنيا أهون على اللّه من هذا الجدي على أهله
.
و عنه عليه السلام : مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان إزداد عطشا حتّى يقتله
.
و عنه عليه السلام : مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ كلّما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا
.
« فاعلموا و أنتم تعلمون بانّكم تاركوها و ظاعنون عنها » أي : مرتحلون .
عنها ، و زاد ( التحف )
« و انّما هي كما نعت اللّه لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد
.
و انّما قال عليه السلام : « فاعلموا » مع علم المخاطبين بمعلومه و لذا استدركه بقوله ( و أنتم تعلمون ) لعدم جريهم على مقتضى علمهم .
و قالوا في علم البيان : ينزّل العالم التّارك لمقتضى علمه منزلة الجاهل
فيخاطب خطابه فيقال لتارك الصلاة مع كون وجوبها ضروريا يعلمه كلّ أحد : الصلاة واجبة .
و في الخبر : ما خلق اللّه يقينا أشبه بالشّك من الموت
.
« و اتّعظوا بالّذين قالوا : من أشدّ منّا قوّة ؟ » إشارة إلى قوله تعالى في سورة حم السجدة فأمّا عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحقّ و قالوا من أشدّ منّا قوّة أو لم يروا انّ اللّه الّذي خلقهم هو أشدّ منهم قوّة و كانوا بآياتنا يجحدون
.
« حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا و انزلوا الأجداث » هكذا في ( المصرية )
، و كلمة « الأجداث » زائدة لعدم وجودها في الثلاثة ، و لأنّ البلاغة تقتضي تركها و لابدّ أنّها كانت حاشية في بيان المراد ، فخلطت بالمتن .
« فلا يدعون ضيفانا » قال ابن ميثم : يعني أنّهم مختلفون مع الأحياء إذ كان من عادة الأحياء إذا حملوا أن يسمّوا ركبانا ، و إذا نزلوا أن يدعوا ضيفانا
.
و قال الخوئي : يعني انّهم مختلفون مع الأحياء ، إذ كانت عادة العرب أنّهم إذا ركبوا يسمّون ركبانا ، و إذا نزلوا يسمّون ضيفانا
.
قلت : ما ذكراه مضحك ، فكون من ركب راكبا ، توضيح واضح ، و كون من نزل عن مركبه يسمّى ضيفا لم يقله أحد لا عرب و لا عجم ، و إنّما المراد أنّهم لمّا رفعوا نعشهم ، و حملوهم على أكتافهم فيكونوا ركبوا أكتاف الناس ،
إلاّ أنّهم لا يسمّون بهذا ركبانا كما أنّهم لمّا أنزلوا من الأكتاف إلى القبور
لا يسمّون ضيفانا ، و إنّما الضيفان من انزل من مركبه في قرية للضيافة .
« و جعل لهم من الصّفيح » أي : الحجارة العراض .
« أجنان » أي : أستار ، قال الشاعر :
عداني أن أزورك غير بغض
|
|
مقامك بين مصفحة شداد
|
و قيل بالفارسية :
چه شد كز يك كماندار فنا اين لشكر بيحدّ
بسر دارند از لوح مزار خود سپرها را
هذا ، و قال الخوئي : « أي : جعل لهم من وجه الأرض العريض قبور »
.
و هو كما ترى بلا معنى ، و مثله قول ابن أبي الحديد : إلاّ جنان القبور .
« و من التراب أكفان » هكذا في النسخ ، و نقله ابن أبي الحديد « أكنان » فقال :
« الأكنان : جمع كنّ و هو السّترة »
و هو الأنسب ، لأنّه كان لهم أكفان من الملبوس ، فلم نقول من التراب ؟ و إنّما يقولون لميّت ، لم يجعل له كفن ، و لا عجّل دفنه حتّى نسفت الرياح عليه التراب ، إنّه كفّن من تراب ، و لأنّ الأكفان أمر مرغوب عنه ، يشمئزّ عنه الأحياء ، و لو كان من الملبوس .
« و من الرّفاة » أي : الحطام .
« جيران » و إنّما خصّ عليه السلام الرّفاة بجيرانه دونه لأنّه أوّل إنزاله سالم الجسد ، و إنّما يصير رفاتا بعد .
« فهم جيرة لا يجيبون داعيا » :
فلو نبش المقابر عن كليب
|
|
فيخبر بالذّنائب أي : زير
|
« و لا يمنعون ضيما » أي : تحمّل ظلم .
« و لا يبالون مندبة » من يندبهم ، يعدّد محاسنهم و يبكي عليهم .
« إن جيدوا » أي : جاد المطر عليهم .
« لم يفرحوا » كالأحياء .
« و إن قحطوا لم يقنطوا » كناس في الدّنيا .
« جميع و هم آحاد ، و جيرة و هم أبعاد ، متدانون لا يتزاورون و قريبون لا يتقاربون » قال ابن أبي الحديد : قال الرضيّ في رثاء أبي إسحاق الصّابي :
أعزز عليّ بان نزلت بمنزل
|
|
متشابه الأمجاد بالأوغاد
|
في عصبة جلبوا إلى آجالهم
|
|
و الدّهر يعجلهم عن الإرواد
|
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم
|
|
من غير اطناب و لا أوتاد
|
ركب أناخوا لا يرجّى منهم
|
|
قصد لاتهام و لا انجاد
|
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة
|
|
للدهر نازلة بكلّ مقاد
|
فتهافتوا عن رحل كلّ مذلّل
|
|
و تطاوحوا عن سرح كلّ جواد
|
بادون في صور الجميع و انّهم
|
|
متفرّقون تفرّق الآحاد
|
« حلماء قد ذهبت أضغانهم ، و جهلاء قد ماتت أحقادهم » كانت أضغانهم بحيث يقولون لخصمائهم :
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم
|
|
كما دماؤهم للغيظ لا ترويني
|
و كانت أحقادهم بحيث لا يقدرون أن يكالموهم ، فقالوا : كان عبد الرحمن بن عوف مهاجرا لعثمان حتّى مات ، و طاووس مهاجرا لوهب بن منبّه حتى مات ، و هجر سعيد بن المسيّب أباه فلم يكلّمه إلى أن مات ، و جرى بين الحسن و ابن سيرين شيء فمات الحسن و لم يشهد ابن سيرين جنازته .
و كان الثّوري يتعلّم من ابن أبي ليلى فمات ابن أبي ليلى و لم يشهد جنازته .
و في ( الكامل ) : مات يعقوب بن الليث الصفّار في سنة ( ٢٦٥ ) بجند نيسابور من القولنج ، و كان أمره الأطباء بالاحتقان ، فلم يفعل ، و اختار الموت ،
و كان المعتمد أنفد إليه رسولا يستميله و يقلّده أعمال فارس ، فجعل عنده سيفا و رغيفا من الخبز الخشكار و بصلا و قال للرّسول : قل للمعتمد : إنّي عليل ،
فإن متّ استرحت أنا و أنت ، و ان عوفيت فليس بيني و بينك إلاّ هذا السيف ، أمّا آخذ ثأري ، و أمّا أرجع إلى هذا الخبز و البصل ، فمات و كان الحسن بن زيد العلوي يسمّيه السّندان لثباته
.
و في ( تقريب المعاهد ) بعد ذكر بشّار و حمّاد عجرد و ما بينهما من الهجاء و موت حمّادا أوّلا و دفن بشّار بعده إلى جنبه مرّ بقبرهما أبو هاشم فقال :
قد تبع الأعمى قفا عجرد
|
|
فأصبحا جارين في دار
|
قالت بقاع الأرض لا مرحبا
|
|
بقرب حمّاد و بشّار
|
تجاورا بعد تنائيهما
|
|
ما أبغض الجار إلى الجار
|
و امّا قول مهلهل في أخيه كليب وائل ، و تمثّل به مصقلة بن هبيرة على قبر المغيرة بن شعبة :
انّ تحت الأحجار خرما و غرما
|
|
و خصيما ألدّ ذا معلاق
|
حيّة في الوجار أربد لا
|
|
ينفع منه السّليم نفثّ الرّاقي
|
فالمراد به أنّه كان كذلك في الدّنيا و إنّ من تحت الأحجار كان شخصا هكذا .
هذا ، و في ( كنايات الجرجاني ) : قال بعضهم رأيت قبرين مكتوبا على أحدهما : « من رآني فلا يصغّر قدري ، أنا كنت أجلب الرّيح و افرّقها » و على الآخر : « كذب ابن الفاعلة إنّما كان يجمع الرّياح في الزّق ينفخ فيه » فما رأيت مشاجرة بين موتى غيرهما .
قلت : إنّما كانت بينهم صورة ، و إلاّ فلابدّ أنّ الأوّل وصّى بأن يكتب على قبره أو كتب بنفسه على لوح ما على الأوّل و الثاني ، كذلك ما على الثاني
.
« لا يخشى فجعهم و لا يرجى دفعهم » قال ابن أبي الحديد : قال الرضيّ رضى اللّه عنه :
متوسّدين على الخدود كأنّما
|
|
كرعوا على ظمأ من الصّهباء
|
صور ضنت على العيون بحسنها
|
|
أمست فوقرها من البوغاء
|
و نواظر كحل التّراب جفونها
|
|
قد كنت أحرسها من الأقذاء
|
قربت ضرائحهم على زوّارها
|
|
و نأوا عن الطّلاّب أيّ تناء
|
« استبدلوا بظهر الأرض بطنا و بالسّعة ضيقا و بالأهل غربة و بالنور ظلمة » .
روي أنّ هذه الأبيات وجدت مكتوبة على قبر سيف بن ذي يزن آخر ملوك اليمن :
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم
|
|
غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
|
و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم
|
|
فأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
|
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا
|
|
أين الأسرّة و التيجان و الحلل ؟
|
أين الوجوه التي كانت محجّبة
|
|
من دونها تضرب الأستار و الكلل
|
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم
|
|
تلك الوجوه عليها الدود تنتقل
|
قد طالما أكلوا شيئا و ما شربوا
|
|
فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا
|
و لمّا أحضر المتوكّل الهادي عليه السلام لمّا اتّهمه بممالاته عليه أمره بالتّغني فتمثّل عليه السلام بهذه الأبيات ، فبكى المتوكّل حتّى ابتلّت لحيته و اعتذر إليه من فعله « فجاؤها كما فارقوها حفاة » جمع الحافي ، الماشي بلا نعل .
« عراة » جمع العاري ، و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
.
« قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة و الدّار الباقية » و إنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان .
.
« كما قال سبحانه » في ( ١٤ ) ( الأنبياء ) كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنّا كنّا فاعلين
و قال تعالى أيضا أو لم يروا كيف يبدىء اللّه الخلق ثم يعيده إنّ ذلك على اللّه يسير
قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثمّ اللّه ينشئ النّشأة الآخرة إنّ اللّه على كلّ شيء قدير
، و ادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون
، إليه مرجعكم جميعا وعد اللّه حقا إنّه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات بالقسط
و الّذين كفروا لهم شراب من حميم و عذاب أليم بما كانوا يكفرون
.
١١
الخطبة ( ١٠٩ ) و من خطبة له عليه السلام :
وَ أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلاَلَهَا بِحَرَامِهَا وَ خَيْرَهَا بِشَرِّهَا وَ حَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يُصْفِهَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ وَ لَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ وَ جَمْعُهَا يَنْفَدُ وَ مُلْكُهَا يُسْلَبُ وَ عَامِرُهَا يَخْرَبُ فَمَا خَيْرُ دَارٍ يُنْقَضُ نَقْضَ اَلْبِنَاءِ وَ عُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ اَلزَّادِ وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ اِنْقِطَاعَ اَلسَّيْرِ اِجْعَلُوا مَا اِفْتَرَضَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلِبَتِكُمْ وَ اِسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ كَمَا سَأَلَكُمْ وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ اَلْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ اَلزَّاهِدِينَ فِي اَلدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِكُوا وَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا وَ يَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اِغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ اَلْآجَالِ وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ اَلْآمَالِ فَصَارَتِ اَلدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ اَلْآجِلَةِ وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اَللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاَّ خُبْثُ اَلسَّرَائِرِ وَ سُوءُ اَلضَّمَائِرِ فَلاَ تَوَازَرُونَ وَ لاَ تَنَاصَحُونَ وَ لاَ تَبَاذَلُونَ وَ لاَ تَوَادُّونَ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ اَلدُّنْيَا تَمْلِكُونَهُ وَ لاَ يَحْزُنُكُمُ اَلْكَثِيرُ مِنَ اَلْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَ يُقْلِقُكُمُ اَلْيَسِيرُ مِنَ اَلدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ وَ قِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَ كَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ
عَلَيْكُمْ وَ مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلاَّ مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ اَلْآجِلِ وَ حُبِّ اَلْعَاجِلِ وَ صَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَ أَحْرَزَ رِضَا سَيِّدِهِ « و احذّركم الدّنيا » فانها كما قال العباس بن الأحنف في ذات الخال :
وصالكم صرم و حبّكم قلى
|
|
و عطفكم صدّ و سلمكم حرب
|
« فإنّها منزل قلعة » بالضمّ أي : ليس بمستوطن .
« و ليست بدار نجعة » بالضمّ أي : طلب الكلأ قال ذو الرّمة :
رأيت النّاس ينتجعون غيثا
|
|
فقلت لصيدح انتجعي بلالا
|
« قد تزيّنت بغرورها و غرّت بزينتها » لا يخفى لطفه حيث ردّ العجز على الصّدر و الفقرة الثانية عكس الاولى لفظا ، و متّحدة معها معنى ، أمّا تزيّنها بغرورها ، فقد قال تعالى إنّما الحياة الدّنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثم يهيج فتراه مصفرّا ثم يكون حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من اللّه و رضوان و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
و امّا عزّتها بزينتها ، فقد قال تعالى يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم و اخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا إنّ وعد اللّه حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا و لا يغرّنّكم باللّه الغرور
.
« هانت على ربّها » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
: ( دار هانت على ربّها ) فهو الصحيح و يلزمه حسن الكلام و روى ( الكافي ) في باب حبّ الدّنيا عن الصادق عليه السلام قال في مناجاة موسى : « يا موسى إنّ الدّنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته ، و جعلتها ملعونة ، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي ، يا موسى إنّ عبادي الصالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم ، و سائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم ، و ما من أحد عظّمها فقرّت عيناه فيها ، و لم يحقّرها أحد إلاّ انتفع بها »
و في باب ذمّ الدّنيا : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّ بجديّ أسكّ ملقى على مزبلة ميّا فقال للصحابة : كم يساوي هذا ؟ فقالوا : لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما ، فقال : و الذي نفسي بيده الدّنيا أهون على اللّه تعالى من هذا الجدي على أهله
.
« فخلط حلالها بحرامها » و جعل في حلالها الحساب و في حرامها العقاب .
« و خيرها بشرّها » و إن يمسسك اللّه بضرّ فلا كاشف له إلاّ هو إن يردك بخير فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور الرحيم
.
« و حياتها بموتها » يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزّي لو كانوا عندنا ما ماتوا و ما قتّلوا ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم و اللّه يحيي و يميت
و اللّه بما تعملون بصير
.
« و حلوها بمرّها » و في الخبر : أحلى امور الدنيا مشي الشابّ بين يدي أبيه .
و أمرّها موت الولد الشابّ منه .
« لم يصفها اللّه تعالى » من ( أصفى ) من قولهم ( ماء صاف ) : ليس فيه كدر .
« لأوليائه » حتّى لأنبيائه حتّى لنبيّه المصطفى صلّى اللّه عليه و آله .
« و لم يضنّ » بفتح الضّاد و الكسر ، لغة من ( ضنّ ) إذا بخل .
« بها على أعدائه » و لو لا أن يكون النّاس امّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن لبيوتهم سقفا من فضّة و معارج عليها يظهرون و لبيوتهم أبوابا و سررا عليها يتّكئون و زخرفا و ان كلّ ذلك لمّا متاع الحياة الدّنيا و الآخرة عند ربّك للمتّقين
.
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : ما كان من ولد آدم مؤمن إلاّ فقيرا ، و لا كافر إلاّ غنيّا حتّى جاء إبراهيم عليه السلام فقال : ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا .
فصيّر اللّه في هؤلاء أموالا و حاجة و في هؤلاء أموالا و حاجة
.
« خيرها زهيد » قل متاع الدّنيا قليل و الآخرة خير لمن اتّقى و لا تظلمون فتيلا
.
« و شرّها عتيد » أي : حاضر مهيّأ .
« و جمعها ينفد » ما عندكم ينفد و ما عند اللّه باق .
.
« و ملكها يسلب » لمن الملك اليوم للّه الواحد القهّار
، قل اللّهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممّن تشاء .
.
« و عامرها يخرب » :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
|
|
أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
|
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا
|
|
صروف الليالي و الجدود العواثر
|
« فما خير دار ينقض نقض البناء » أفلا يرون أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون
، أو لم يروا إنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها و اللّه يحكم لا معقّب لحكمه .
.
« و عمر » بضمّتين جمع عمر بسكون الثاني .
« يفنى فيها فناء الزّاد » هكذا في ( المصرية )
، و لكن ليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
كلمة « فيها » و لا وجه لها فانّها تجعل الكلام ركيكا و قال تعالى و من نعمّره ننكّسه في الخلق أفلا يعقلون
.
« و مدّة تنقطع إنقطاع السّير » فكما أنّ كلّ مسافة طويلة أو قصيرة معيّنة تنقطع بالسّير إليها قدما قدما ، كذلك مدّة بقاء الإنسان في الدّنيا معيّنة ، فكلّ نفس يتنفّس يكون خطوة إلى انقضائها .
« اجعلوا ما افترض اللّه عليكم من طلبتكم » بكسر اللاّم يعني اجعلوا
مفترضات اللّه تعالى مطلوبات أنفسكم ، كمطلوباتكم في أمور الدّنيا التي تجدّون في تحصيلها .
« و اسألوه من أداء حقّه ما سألكم » سؤالنا إيّاه تعالى بالدّعاء و سؤاله تعالى إيّانا بالأمر ، قال سبحانه يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون
، و جاهدوا في اللّه حقّ جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدّين من حرج .
.
« و اسمعوا » من الإسماع .
« دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم »
هي الدّنيا تقول بملء فيها
|
|
حذار حذار من بطشي و فتكي
|
و لا يغرركم حسن ابتسامي
|
|
فقولي مضحك و الفعل مبكي
|
و كان السجّاد عليه السلام يقول في الليلة ( ٢٧ ) من شهر رمضان من أوّلها إلى آخرها : اللّهمّ ارزقني التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الإستعداد للموت قبل حلول الفوت
.
« إنّ الزّاهدين في الدّنيا تبكي قلوبهم و إن ضحكوا و يشتدّ حزنهم و إن فرحوا » في ( الكافي ) عن جابر قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال : يا جابر و اللّه إنّي لمحزون و إنّي لمشغول القلب ، قلت : جعلت فداك ، و ما شغلك ؟ و ما حزن قلبك ؟
فقال : يا جابر إنّه من دخل قلبه صافي خالص دين اللّه ، شغل قلبه عمّا سواه ، يا جابر ما الدّنيا و ما عسى أن تكون الدّنيا هل هي إلاّ طعام أكلته ، أو ثوب لبسته أو امرأه أصبتها ، يا جابر إنّ المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدّنيا ببقائهم فيها ، و لم
يأمنوا قدومهم الآخرة ، يا جابر الآخرة دار قرار و الدّنيا دار فناء و زوال ، و لكن أهل الدّنيا أهل غفلة ، و إنّ المؤمنين أهل فكر و عبرة ، لم يصمّهم عن ذكر اللّه تعالى ما سمعوا بآذانهم و لم يعمهم عن ذكر اللّه ما رأوا من الزّينة بأعينهم ،
ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك ، و اعلم ، يا جابر أنّ أهل التقوى من أيسر أهل الدّنيا مؤونة ، و أكثرهم لك معونة ، تذكر فيعينونك و إن نسيت ذكّروك قوّالون بأمر اللّه ، قوّامون على أمر اللّه ، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربّهم و وحشوا من الدنيا بطاعة مليكهم ، و نظروا إلى اللّه تعالى بقلوبهم ، و علموا أنّ ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه ، فأنزل الدّنيا كمنزل نزلته ثمّ ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت و ليس معك منه شيء ، إنّما ضربت لك هذا مثلا لأنّها عند أهل اللبّ و العلم كفيء الظّلال
.
« و يكثر مقتهم أنفسهم و إن اغتبطوا بما رزقوا » من عبادة اللّه فيرون أنفسهم مقصّرين .
« قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال » و لا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون
، فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
.
« و حضرتكم كواذب الآمال » ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
.
« فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة » فأمّا من طغى و آثر الحياة الدّنيا
فإنّ الجحيم هي المأوى
، بل تؤثرون الحياة الدّنيا و الآخرة خير و أبقى
و لنعم ما قيل بالفارسية :
در ره آن ميدوى از جان و دل
|
|
در ره اين ميروى چون خر بگل
|
در ره آن موشكافى اى شقى
|
|
در ره اين كند فهم و احمقى
|
قال ابن أبي الحديد : قوله « أملك بكم » مثل ( أولى بكم ) .
قلت : بل بمعنى أكثر تسلّطا و سلطانا عليكم من باب تسمية المسبّب باسم السبّب ، فانّ الملك سبب التّسلط
.
« و العاجلة أذهب بكم من الآجلة » كلا بل تحبّون العاجلة و تذرون الآخرة
.
و إنّما أنتم إخوان على دين اللّه ، ما فرّق بينكم إلاّ خبث السرائر ، و سوء الضمائر ، ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطيّب .
.
و في ( عقاب الأعمال ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله سيأتي على امّتي زمان تخبث فيه سرائرهم ، و تحسن علانيتهم طمعا في الدّنيا ، لا يريدون به ما عند اللّه يكون أمرهم رياء لا يخالطهم خوف ، يعمّهم اللّه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم
.
و عن الباقر عليه السلام : إنّ اللّه تعالى أنزل على نبيّ من أنبيائه كتابا فيه : يكون من خلقي من يجلبون الدّنيا بالدّين يلبسون مسوك الضّأن على قلوب كقلوب الذّئاب قلوبهم أشدّ مرارة من الصبر ، و ألسنتهم أحلى من العسل ، و أعمالهم الباطنة أنتن من الجيف ، أبي يغترّون ؟ أم إيّاي يخادعون ؟ أم عليّ يجترون ؟
فبعزّتي حلفت لأبعثنّ عليهم فتنة تطأ في خطامها حتّى تبلغ أطراف الأرض ،
تترك الحليم فيها حيران
.
« فلا توازرون و لا تناصحون و لا تباذلون و لا توادّون » في ( عقاب الأعمال ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : إذا ظهر العلم و احترز العمل و ائتلفت الألسن و اختلفت القلوب و تقاطعت الأرحام ، هنا لك لعنهم اللّه فأصمّهم و أعمى أبصارهم
.
و عنه صلّى اللّه عليه و آله : إذا تصامّت أمّتي عن سائلها ، و مشت بتبختر ، حلف ربّي عزّ و جلّ أن يعذّب بعضهم ببعض
.
« ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا تملكونه » هكذا في ( المصرية )
،
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
: « تدركونه » فهو المعيّن و هو المناسب للمقام ، فانّ أهل الدّنيا يفرحون بما يدركونه ، و لو لم يكن ملكهم .
« و لا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه » مع أنّه كان الواجب العكس ، و في الدّعاء : اللّهمّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا و لا تجعل الدّنيا أكثر همّنا و لا مبلغ
علمنا
و للبهائي بالفارسيّة مشيرا إلى عمل النّاس لدنياهم و لآخرتهم :
در ره اين مو شكافى اى شقى
|
|
در ره آن كند فهم و احمقى
|
در ره اين ميدوى از جان و دل
|
|
در ره آن ميروى چون خر بگل
|
و لبعضهم :
باعوا جديدا جميلا باقيا أبدا
|
|
بدارس خلق يا بئس ما اتّجروا
|
هذا ، و قال الأقيشر الشّاعر ، في ابن عمّ له موسر ، سأله فمنعه ، فشكاه إلى قومه فوثب إليه فلطمه :
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه
|
|
و ليس إلى داعي النّدى بسريع
|
حريص على الدّنيا مضيع لدينه
|
|
و ليس لما في بيته بمضيع
|
و قال ابن أبي الحديد : قال الرّضيّ رضى اللّه عنه :
نقص الجديدين من عمري يزيد على
|
|
ما ينقصان من الأيام من حالي
|
دهر تؤثّر في جسمي نوائبه
|
|
فما اهتمامي أن أودى بسربالي
|
« و يقلقكم اليسير من الدّنيا يفوتكم حتّى يتبيّن ذلك في وجوهكم » مثل أهل الجاهليّة ، الّذين كان إذا بشّر أحدهم بالانثى ظلّ وجهه مسودّا و هو كظيم
.
« و قلّة صبركم عمّا زوي منها عنكم » مع أنّ اللّه تعالى قال ، ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على اللّه يسير لكيلا تأسوا على مافاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم و اللّه
لا يحبّ كلّ مختال فخور
.
« كأنّها دار مقامكم » مع أنّها دار مجاز .
« و كأنّ متاعها باق عليكم » مع أنّه ينفد ، و ما عند اللّه باق .
« و ما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلاّ مخافة أن يستقبله بمثله » هكذا في النسخ ، و لا يبعد أن تكون كلمة « يخاف » محرّف ( يخفي ) كما لا يخفى ، فالمراد أنّ كلّهم معيوبون فلا يستطيع أحد منهم أن يقول لصاحبه : لك عيب كذا تخفيه لئلاّ يقول صاحبه له و أنت أيضا لك عيب كذا تخفيه .
« قد تصافيتم على رفض الآجل و حبّ العاجل » روى ( عقاب الأعمال ) عن الصادق عليه السلام قال : بينما عيسى عليه السلام في سياحته إذ مرّ بقرية أهلها موتى في الطريق و الدّور فقال : إنّ هؤلاء ماتوا بسخطه تعالى و لو ماتوا بغيرها تدافنوا ،
فقال أصحابه : و ددنا أن تعرّفنا قصّتهم فقيل له : نادهم يا روح اللّه فقال : يا أهل القرية فأجابه مجيب لبيّك قال : ما قصّتكم ؟ قال : أصبحنا في عافية و بتنافي الهاوية فقال : ما الهاوية ؟ قال : بحار من نار ، فيها جبال من نار ، قال : و ما بلغ بكم ما أرى ؟ قال : حبّ الدّنيا و عبادة الطاغوت ، كانوا إذا أمرونا أطعناهم قال :
فكيف أجبتني من دونهم ؟ قال : لأنّهم ملجمون بلجم من نار ، و عليهم ملائكة غلاظ شداد و انّني كنت فيهم ، و لم أكن منهم فلمّا أصابهم العذاب أصابني معهم ، و أنا معلّق بشعرة أخاف أن أنكبّ في النار ، فقال عليه السلام لأصحابه : النّوم على المزابل ، و أكل خبز الشعير يسير ، مع سلامة الدّين
.
« و صار دين أحدكم لعقة على لسانه » في ( الأساس ) : ( لعق العسل بالملعقة و اللعقة ، اسم ما تأخذه بالملعقة ) .
قال ابن أبي الحديد : قال الفرزدق للحسين عليه السلام و قد لقيه قادما إلى العراق و سأله عن النّاس : « أمّا قلوبهم فمعك ، و امّا سيوفهم فعليك ، و الدّين لعقة على ألسنتهم فإذا امتحنوا قلّ الدّيّانون »
.
قلت : و في ( المناقب ) : لمّا نزل الحسين عليه السلام كربلاء أقبل على أصحابه فقال : الناس عبيد الدّنيا ، و الدّين لعقة على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون
.
« صنيع من فرغ عن عمله و أحرز رضا سيّده » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية )
« من عمله » فهو الصحيح ، و لا وجه لمعنى التجاوز هنا ، ثمّ كأنّه سقط قبل قوله « صنيع . » شيء ، لأنّه لا ربط كامل له بقوله قبل ( و صار ) لكن يمكن أن يكون مستأنفا بأن يكون الأصل ( صنعكم صنيع من ) أو ( و تصنعون صنيع ) فيجوز فيه الرّفع و النّصب .
١٢
الخطبة ( ١١٠ ) و من خطبة له عليه السلام :
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْوَاصِلِ اَلْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَ اَلنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ اَلنُّفُوسِ اَلْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ اَلسِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُ
كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ وَ كِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ اَلْغُيُوبَ وَ وَقَفَ عَلَى اَلْمَوْعُودِ إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ اَلشِّرْكَ وَ يَقِينُهُ اَلشَّكَّ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ ؟ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ اَلْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ اَلْعَمَلَ لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ وَ لاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّتِي هِيَ اَلزَّادُ وَ بِهَا اَلْمَعَادُ زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ وَ وَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَ فَازَ وَاعِيهَا عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ مَحَارِمَهُ وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ فَأَخَذُوا اَلرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَ اَلرِّيَّ بِالظَّمَإِ وَ اِسْتَقْرَبُوا اَلْأَجَلَ فَبَادَرُوا اَلْعَمَلَ وَ كَذَّبُوا اَلْأَمَلَ فَلاَحَظُوا اَلْأَجَلَ ثُمَّ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ فَمِنَ اَلْفَنَاءِ أَنَّ اَلدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ وَ لاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي اَلْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَ اَلصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ وَ اَلنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ وَ مِنَ اَلْعَنَاءِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ وَ يَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَ لاَ بِنَاءً نَقَلَ وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى اَلْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ اَلْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ اَلْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْطَعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ وَ لاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا وَ أَضْحَى فَيْئَهَا لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَ لاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَقْرَبَ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَ أَبْعَدَ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ اَلشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ وَ لَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ اَلْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ اَلدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وَ كُلُّ
شَيْءٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ اَلْعِيَانِ اَلسَّمَاعُ وَ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْخَبَرُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ زَادَ فِي اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ اَلْآخِرَةِ وَ زَادَ فِي اَلدُّنْيَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِيدٍ خَاسِرٍ إِنَّ اَلَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ اَلَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ وَ مَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اِتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلاَ يَكُونَنَّ اَلْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ اَلْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ وَ اَللَّهِ لَقَدِ اِعْتَرَضَ اَلشَّكُّ وَ دَخَلَ اَلْيَقِينُ حَتَّى كَأَنَّ اَلَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ فَبَادِرُوا اَلْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَةَ اَلْأَجَلِ فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلرِّزْقِ مَا فَاتَ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ اَلْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ اَلْيَوْمَ رَجْعَتُهُ اَلرَّجَاءُ مَعَ اَلْجَائِي وَ اَلْيَأْسُ مَعَ اَلْمَاضِي فَ اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٥ ١٥ ٣ : ١٠٢ الحمد للّه الواصل الحمد بالنّعم » و قالوا الحمد للّه الّذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه .
، و قالوا الحمد للّه الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين
، و قالوا الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور الّذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصب و لا يمسّنا فيها لغوب
، الحمد للّه الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا قيّما لينذر بأسا شديدا من لدنه و يبشّر
المؤمنين الّذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا و ينذر الّذين قالوا اتّخذ اللّه ولدا
، الحمد للّه الذي خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور .
.
« و النّعم بالشّكر » و اشكروا نعمة اللّه إن كنتم إيّاه تعبدون
، ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ و على والديّ .
، لئن شكرتم لأزيدنّكم و لئن كفرتم إنّ عذابي لشديد
.
« نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه » لأنّ بلاءه إنّما هو عن حكمة ،
فيستحقّ الحمد عليه كما عليها و في الخبر أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله إذا كانت نعمة قال :
الحمد للّه على هذه النّعمة ، و إذا كانت بليّة ، قال : الحمد للّه على كلّ حال ، و ما قاله عليه السلام من الحمد على آلائه و بلائه درجة العارفين و أنّهم يريدون ما يريد اللّه تعالى بهم
قال الباقر عليه السلام لجابر الأنصاري : نحن أهل البيت لو أحبّ تعالى لنا المرض و الفقر و الموت ، تكون هي أحبّ إلينا من أضدادها و بالعكس بالعكس .
« و نستعينه على هذه النفوس البطاء عمّا أمرت به ، السّراع إلى ما نهيت عنه » الأصل فيه قوله تعالى حكاية عن الصدّيق و ما ابرىء نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي إنّ ربّي غفور رحيم
.
« و نستغفره ممّا أحاط به علمه » اللّه الذي خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهنّ يتنزّل الأمر بينهنّ لتعلموا أنّ اللّه على كلّ شيء قدير و أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما
.
« و أحصاه كتابه » و كلّ شيء أحصيناه كتابا
.
« علم غير قاصر » و ما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض و لا في السماء و لا أصغر من ذلك و لا أكبر إلاّ في كتاب مبين
، عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات و لا في الأرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر إلاّ في كتاب مبين
، و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو و يعلم ما في البرّ و البحر و ما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها و لا حبّة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلاّ في كتاب مبين
.
« و كتاب غير مغادر » و وضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربّك أحدا
.
« و نؤمن به إيمان من عاين الغيوب و وقف على الموعود » قال ابن أبي الحديد : إشارة إلى إيمان العارفين و الذي يعتبر عليه الصلاة و السلام سيّدهم و رئيسهم ، و لذلك قال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا
.
« ايمانا نفى إخلاصه الشرك » روى ( ثواب الأعمال ) عن الصادق عليه السلام قال « من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنّة ، و إخلاصه بها أن يحجزه لا إله إلاّ اللّه عمّا حرّم اللّه »
.
« و يقينه الشّك » عطف على « إخلاصه الشّرك » روي عن حذيفة قال : « لا إله إلاّ اللّه » تردّ غضب الرّبّ عن العباد ، ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم ، فإذا كانوا لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم ، ثمّ قالوها ردّت عليهم ، و قيل كذبتم و لستم بها صادقين
.
« و نشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له » شهد اللّه انّه لا إليه إلاّ هو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم
.
« و انّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم » هو الّذي ينزّل على عبده آيات بيّنات ليخرجكم من الظلمات إلى النّور .
، هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه و كفى باللّه شهيدا محمد رسول اللّه .
.
« شهادتين تصعدان القول و ترفعان العمل » و رواه ( روضة الكافي ) مسندا جزء خطبة الوسيلة ، هكذا : ( شهادتان ترفعان القول و تضاعفان العمل ، خفّ ميزان ترفعان عنه ، و ثقل ميزان توضعان فيه ، و بهما الفوز بالجنّة ، و النّجاة من النّار ، و الجواز على الصّراط ، و بالشّهادة تدخلون الجنّة ، و بالصلاة تنالون
الرّحمة ، فأكثروا من الصلاة على نبيّكم )
إنّ اللّه و ملائكته يصلّون على النبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما
.
قال ابن أبي الحديد : « قوله عليه السلام إشارة إلى قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيّب و العمل الصّالح يرفعه .
و يروي ( يسعدان ) بالسين .
قلت : إنّ الآية و قوله عليه السلام بعد ( و ترفعان ) يؤيّدان ( تصعدان ) بالصّاد ،
و روى ( ثواب الأعمال ) عن أبي الطفيل عنه عليه السلام قال : ( ما من عبد مسلم يقول لا إله إلاّ اللّه إلاّ صعدت تخرق كلّ سقف لا تمرّ بشيء من سيّئاته إلاّ طمستها حتّى تنتهي إلى مثلها من الحسنات فتقف )
.
هذا ، و قوله عليه السلام : « شهادتين » مفعول مطلق عددي و نوعي ، أمّا عدديّته فواضح ، و أمّا نوعيته فلو صفه بقوله : « تصعدان القول و ترفعان العمل » و هو يفيد على أنّه ليس كلّ شهادة مفيدا بل مع اجتماع شرائطها .
و روى ( عيون ابن بابويه ) عن إسحاق بن راهويه أنّ الرضا عليه السلام لمّا وافى نيسابور و أراد أن يرحل منها إلى المأمون ، اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له : يا ابن رسول اللّه ترحل عنّا و لا تحدّثنا بحديث نستفيده منك ، و كان قد قعد في عمارية فأطلع رأسه و قال : سمعت أبي موسى بن جعفر ، يقول :
سمعت أبي جعفر بن محمّد ، يقول : سمعت أبي محمّد بن عليّ ، يقول : سمعت أبي عليّ بن الحسين ، يقول : سمعت أبي الحسين بن عليّ ، يقول : سمعت أبي عليّ بن أبي طالب ، يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، يقول : سمعت جبرئيل ،
يقول : سمعت اللّه عزّ و جلّ ، يقول : ( لا إله إلاّ اللّه حصني ، و من دخل حصني أمن
من عذابي ) قال إسحاق فلما مرّت الرّاحلة نادى : بشروطها ، و أنا من شروطها
و روى عن أبي سعيد الخدري قال : كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم جالسا في نفر من أصحابه فيهم عليّ عليه السلام إذ قال : من قال ( لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة ) فقال : رجلان من أصحابه ، فنحن نقول لا إله إلاّ اللّه فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : انّما تقبل شهادة لا إله إلاّ اللّه من هذا ، و وضع يده على رأس عليّ عليه السلام ، و شيعته الذين أخذ ربّنا ميثاقهم ، ثمّ قال : علامة ذلك ألاّ تحلاّ عقده ، و لا تجلسا مجلسه ،
و لا تكذّبا حديثه
.
« لا يخفّ ميزان توضعان فيه » و في خبر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أنا عند الميزان يوم القيامة فمن ثقلت سيّئاته جئت بالصلاة عليّ حتّى أثقل بها حسناته
.
« و لا يثقل ميزان ترفعان منه » و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا
.
« أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه التي هي الزّاد » الإتيان بالجملة الإسميّة مع تعريف الخبر للدلالة على حصر زاد الآخرة فيها .
« و بها المعاد » من العائدة يقال : ( هذا الشيء أعود عليك من كذا ) أي : أنفع ،
و قال ابن أبي الحديد مصدر من ( عدت بكذا ) أي : لجأت إليه و اعتصمت
.
قلت : لم أقف على من قال بما قال في ( عاد ) و إنّما قالوه في ( عاذ ) و لعلّه قرأه ( و بها المعاذ ) إلاّ أنّه يأباه قوله بعد ( و معاد منجح ) و لا يناسبه قوله قبل
( هي الزّاد ) و جعله الخوئي من الإعادة حيث قال : « أي : و بها المرجع »
و هو أيضا كما ترى ، فالإعادة في القيامة للكلّ المتّقي و الفاجر .
« زاد مبلّغ » بخلاف زاد الدّنيا فانّها لا تبلّغ المقصد في الأغلب .
« و معاد منجح » من ( أنجح ) : صار ذا نجح و هو الظّفر بالحوائج ، و عوائد الدّنيا غير منجحة في الأكثر .
« دعا إليها أسمع داع » قال ابن أبي الحديد : بناء ( أفعل ) هنا من الرّباعي كما جاء ( ما أعطاه للمال )
.
قلت : بل الظاهر أنّه من الثّلاثي و أنّ السّمع إذا جاء مع الدّاعي يكون بمعنى الإسماع سواء كان بلفظ التفضيل كما في كلامه عليه السلام أو بلفظ آخر ، كما في قول عمرو بن معد يكرب .
أمن ريحانة الدّاعي السميع
أي : المسمع ، و امّا منفردا فانّما هو على أصله كقوله :
أغرّ طويل الباع اسمع من سمع
و السّمع : ولد الذّئب من الضّبع و به يضرب المثل في شدّة السّمع ،
كالقراد ، فقالوا : يسمع صوت إخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرّك و كالفرس فقالوا : يسمع سقوط الشّعرة منه
.
« و وعاها خير واع » أي : مستمع ، يجعل أذنه كالوعاء لدعوته ، تعالى و يترجم بالفارسية بقولهم ( گوش گير ) قال تعالى . و تعيها أذن واعية
.
« فاسمع داعيها » فقال صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع : ( ما من شيء يقربّكم من
الجنّة إلاّ أمرتكم به و ما من شيء يقرّبكم من النار إلاّ نهيتكم عنه ) .
« و فاز واعيها » و من يطع اللّه و رسوله فقد فاز فوزا عظيما
، قال ابن أبي الحديد : قيل أراد عليه السلام به نفسه ، لأنّه نزل فيه عليه السلام
و تعيها اذن واعية
.
« عباد اللّه إنّ تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه » و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
.
« و ألزمت قلوبهم مخافته » و أنذر به الّذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ليس لهم من دونه وليّ و لا شفيع لعلّهم يتّقون
.
« حتّى أسهرت لياليهم » و السهر عدم مجيء النّوم ، و نسبته إلى الليالي مجاز ، و انما المراد سهر المتّقين في لياليهم قال تعالى : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفا و طمعا و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون
.
« و أظمأت هواجرهم » جمع الهاجرة : نصف النّهار عند اشتداد الحرّ ،
و المراد صومهم في الأيام الحارّة ، و تحمّلهم الظّمأ لريّ آخرتهم ، قال تعالى إنّ المسلمين و المسلمات ، و المؤمنين و المؤمنات ، و القانتين و القانتات ،
و الصادقين و الصّادقات ، و الصّابرين و الصابرات ، و الخاشعين و الخاشعات ،
و المتصدّقين و المتصدّقات ، و الصّائمين و الصّائمات ، و الحافظين فروجهم
و الحافظات ، و الذّاكرين اللّه كثيرا و الذّاكرات ، أعدّ اللّه لهم مغفرة و أجرا عظيما
.
و روى ( الكافي ) : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله استقبل حارثة بن مالك الأنصاري فقال له : كيف أنت ؟ قال : مؤمن حقّا قال : فما حقيقة قولك ؟ قال : عزفت نفسي عن الدّنيا فأسهرت ليلي ، و أظمأت هو اجري ، و كأنّي أنظر إلى عرش ربّي و قد وضع للحساب ، و كأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة ، و كأنّي أسمع عواء أهل النار في النّار ، فقال صلّى اللّه عليه و آله : عبد نوّر اللّه قلبه ، فقال : ادع اللّه أن يرزقني الشهادة فقال : اللّهمّ ارزقه ، فلم يلبث حتّى بعث سريّة فبعثه فيها فقتل سبعة أو ثمانية فقتل
.
« فأخذوا الرّاحة » أي : راحة الآخرة .
« بالنّصب » أي : بتعب الدّنيا ، في ( العقد ) : قالت الحكماء لا يواظب أحد على باب السّلطان فيلقي عن نفسه الأنفة و يحتمل الأذى و يكظم الغيظ ، إلاّ وصل إلى حاجته و نظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشّمس ، فقيل له في ذلك فقال : ليطول وقوفي في الظلّ ، و نظر آخر إلى الحسن بن عبد الحميد يزاحم النّاس على باب محمد بن سليمان فقال له : مثلك يرضى بهذا ؟ فقال :
اهين لهم نفسي لأكرمها بهم
|
|
و لا يكرم النّفس الذي لا يهينها
|
« و الرّيّ بالظّمأ » من ( روى من الماء ) فأصل الرّيّ : الرّوي ، و في الخبر ، قال تعالى : الصوم لي ، و أنا أجزي به
، و في آخر : للصّائم فرحتان فرحة عند
إفطاره و فرحة عند لقاء ربّه
.
« و استقربوا الأجل فبادروا العمل و كذّبوا الأمل فلاحظوا الأجل » إنّ الّذين هم من خشية ربّهم مشفقون و الّذين هم بآيات ربّهم يؤمنون و الّذين هم بربّهم لا يشركون و الّذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم و جلة أنّهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
و في الدعاء :
و أعنّي على استغفارك و استقالتك قبل أن يفنى الأجل ، و ينقطع العمل ، و أعنّي على الموت و كربته ، و على القبر و وحشته ، و على الميزان و خفّته ، و على الصّراط و زلّته ، و على يوم القيامة و روعته ، و أسألك نجاح العمل قبل انقطاع الأجل
.
« ثم إنّ الدّنيا دار فناء و عناء و غير و عبر » رواه ( أمالي الشيخ )
إلى آخر الخطبة مع اختلاف يسير .
« فمن الفناء انّ الدّهر مؤتّر قوسه » و زاد ( الأمالي ) « مفوّق نبله » .
« لا تخطئ سهامه » في ( الطبري ) : وقع الطاعون في الكوفة ، فهرب المغيرة بن شعبة ، فلمّا ارتفع الطاعون ، قيل له : لو رجعت ؟ فقدمها فطعن فمات
.
« و لا تؤسى جراحه » من ( أسوت الجرح ) : داويته في ( عيون القتيبي ) : قدم رجل من عبس ، ضرير محطوم الوجه على الوليد ، فسأله عن سبب ضرّه ،
فقال : بتّ ليلة في بطن واد و لا أعلم عبسيّا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل ،
فأذهب ما كان لي من أهل و مال و ولد إلاّ صبيّا رضيعا و بعيرا صعبا ، فندّ
البعير ، و الصبيّ معي ، فوضعته و اتّبعت البعير ، فاستدار فرمحني رمحة حطّم بها وجهي ، و أذهب عيني فأصبحت لا ذا مال و لا ذا ولد فقال الوليد : إذهبوا به إلى عروة بن الزبير و كان أصيب بابن له ، و أصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها ليعلم أنّ في النّاس من هو أعظم بلاء منه
.
« يرمي الحيّ بالموت و الصّحيح بالسّقم » روى ( الكافي ) عن سيف بن اللّيث قال : خلّفت أبنا لي عليلا بمصر عند خروجي منها ، و ابنا لي آخر أسنّ منه كان وصيّي و قيّمي على عيالي و في ضياعي ، فكتبت إلى أبي محمّد عليه السلام أسأله الدعاء لابني العليل ، فكتب عليه السلام : تدعو في ابنك المعتلّ ، و مات الكبير وصيّك و قيّمك فاحمد اللّه و لا تجزع فيحبط أجرك ، فورد الخبر عليّ ، أنّ ابني قد عوفي من علّته ، و الكبير مات يوم ورد عليّ جوابه
.
و في ( الطبري ) : دخل سلمة بن زيد الفهمي على عبد الملك فقال له عبد الملك : أي : الزّمان أدركت أفضل ، و أيّ الملوك أكمل ؟ قال : أمّا الملوك فلم أر إلاّ ذامّا و حامدا و أمّا الزّمان فيرفع أقواما و يضع أقواما و كلّهم يذمّ زمانه ، لأنّه يبلي جديدهم ، و يهرم صغيرهم ، و كلّ ما فيه منقطع إلاّ الأمل قال : فاخبرني عن ( فهم ) ؟ قال : هم كما قال ، من قال :
درج الليل و النهار على
|
|
فهم بن عمرو فأصبحوا كالرّميم
|
دخلت دارهم فأضحت يبابا
|
|
بعد عزّ و ثروة و نعيم
|
و كذلك الزّمان يذهب بالنّاس
|
|
و تبقى ديارهم كالرّسوم
|
« و النّاجي بالعطب » أي : الهلاك .
« آكل لا يشبع و شارب لا ينقع » لا يشبع من لحومهم ، و لا يشفى غليله من دمائهم .
« و من العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل ، و يبني ما لا يسكن » في ( الكافي ) : أنّ ركبا لقوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في سفر ، فسلّموا عليه فقال : من أنتم ؟ قالوا : مؤمنون ،
قال : ما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا : الرّضا بقضاء اللّه ، و التفويض إلى اللّه ، و التسليم لأمر اللّه ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : علماء ، حكماء ، كانوا أن تكونوا من الحكمة أنبياء ،
فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ، و لا تجمعوا ما لا تأكلون ، و اتّقوا اللّه الذي إليه ترجعون
.
هذا ، و في ( المعجم ) : البيضاء ، دار عمّرها عبيد اللّه بن زياد بالبصرة ، و لمّا تمّ بناؤها أمر و كلاءه ألاّ يمنعوا أحدا من دخولها ، و ان يتحفّظوا كلامهم ،
فدخل فيها أعرابيّ و كان فيها تصاوير ، فقال : لا ينتفع بها صاحبها ، و لا يلبث فيها إلاّ قليلا ، فاتي به ابن زياد ، و اخبر بمقالته ، فقال له : لم قلت هذا ؟ قال : فلأنّي رأيت فيها أسدا كالحا و كلبا نابحا و كبشا ناطحا ، فكان الأمر كما قال و لم يسكنها إلاّ قليلا حتّى أخرجه أهل البصرة إلى الشام و لم يعد إليها
.
« ثمّ يخرج إلى اللّه لا مالا حمل ، و لا بناء نقل » في ( تاريخ بغداد ) : أشرف أحمد بن يوسف و هو من أفاضل كتّاب المأمون و هو بالموت على بستان له على شاطئ دجلة ، فجعل يتأمّله و يتأمّل دجلة ثم تنفّس فقال متمثّلا :
ما أطيب العيش لو لا موت صاحبه
|
|
ففيه ما شئت من عيب لعائبه
|
فما انزل حتّى مات .
« و من غيره أنّك ترى المرحوم مغبوطا » في ( العيون ) عن الحسين بن موسى بن جعفر عليه السلام قال : كنّا حول الرضا عليه السلام ، و نحن شبّان من بني هاشم إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي و هو رثّ الهيئة ، فنظر بعضنا إلى بعض و ضحك من هيئة جعفر ، فقال الرّضا عليه السلام : لترونه عن قريب كثير المال ، كثير التّبّع فما مضى الاّ شهر أو نحوه حتّى ولّي المدينة ، و حسنت حاله و كان يمرّ بنا و معه الخصيان و الحشم
.
« و المغبوط مرحوما ، ليس ذلك إلاّ نعيما زلّ و بؤسا نزل » لما مات الحجّاج خرجت عجوز من داره ، و هي تقول :
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا
|
|
و اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
|
و في ( الكامل ) : كان قتال بين مراد و همدان ، فظفرت همدان ، و أكثروا القتل في مراد ، فقال فروة بن مسيك المرادي :
فان نغلب فغلاّبون قدما
|
|
و ان نهزم فغير مهزّمينا
|
و ما ان طبّنا جبن و لكن
|
|
منايانا و دولة آخرينا
|
كذاك الدّهر دولته سجال
|
|
تكرّ صروفه حينا و حينا
|
فبينا ما يسرّ به و يرضى
|
|
و لو لبست غضارته سنينا
|
إذا انقلبت به كرّات دهر
|
|
فألقى للأولى غبطوا طحينا
|
و من يغبط بريب الدهر منهم
|
|
يجد ريب الزّمان لهم خؤنا
|
فلو خلد الملوك اذن خلدنا
|
|
و لو بقي الكرام إذن بقينا
|
فأفنى ذلكم سروات قوم
|
|
كما أفنى القرون الأولينا
|
و في السير : في سنة ( ٣٨١ ) سأل بهاء الدولة ( الطائع ) أن يجدّد عهده فلما دخل عليه جاء بعض الديلم ليقبّل يده ، فأمسكها و أنزله عن سريره و هو يسترجع فخلع ، و كانت خلافته ( ١٧ ) سنة ، و كان من جملة الحاضرين الشريف الرّضيّ فأنشد :
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه
|
|
لقد تقارب بين العزّ و الهون
|
و بعد ما كان بالسرّاء يضحكني
|
|
يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني
|
و في سنة ( ٥٥٠ ) ملك الغزّ نيسابور و قتلوا نحوا من ثلاثين ألفا و كان السّلطان سنجر له اسم السلطنة ، و هو معتقل لا يلتفت إليه ، حتّى أنّه أراد كثيرا من الأيام أن يركب ، فلم يكن له من يحمل سلاحه فيشدّه على وسطه و يركب ،
و كان إذا قدّم إليه طعام ، يدّخر منه ما يأكله وقتا آخر خوفا من انقطاعه عنه ،
لتقصيرهم في واجبه .
و في ( الطبري )
: كان عثمان بن حيّان المرّي على المدينة من قبل سليمان بن عبد الملك ، و كان أبوبكر بن حزم استأذنه أن ينام في غدوّ تسع بقين من شهر رمضان ، ليقوم ليلة إحدى و عشرين فأذن له ، و كان عنده أيّوب بن سلمة المخزومي و كان بينه و بين ابن حزم شيء ، فقال لعثمان : هذا منه رياء ، فقال عثمان : لست لأبي إن أرسلت إليه غدوة ، و لم أجده جالسا لأجلدنّه مائة و لأحلقنّ رأسه و لحيته ، فقال أيّوب : فجاءني أمر أحبّه ، فعجّلت من السحر فإذا شمعة في الدار ، فقلت : عجّل المرّي ، فاذا رسول سليمان قد قدم على ابن حزم بتأميره و عزل عثمان وحدّه ، قال : فدخلت دار الإمارة ، فإذا عثمان جالس و إذا بابن حزم على كرسيّ يقول للحدّاد : إضرب في رجل هذا
الحديد ، و نظر إلى عثمان فقال :
آبوا على أدبارهم كشفا
|
|
و الأمر يحدث بعده الأمر
|
و في ( البلاغات ) قيل لابنة النّعمان بن المنذر : صفي ما كنتم فيه ؟ قالت :
أصبحنا و النّاس يغبطوننا ، فلم نمس حتى رحمنا عدوّنا
.
و في ( البيان ) : بينا حذيفة و سلمان يتذاكران أعاجيب الزمان و تغيّر الأيّام ، و هما في عرصة إيوان كسرى ، و أن أعرابيّ من غامد يرعى شويهات له نهارا ، فإذا كان الليل صيّرهن إلى داخل العرصة ، و في العرصة سرير رخام كان كسرى ربّما جلس عليه ، إذ صعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى فقال سلمان : و من أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى ، و كانت ملوك الزّمان إذا وصلوا إلى قرب سريره طرحوا أنفسهم على التراب
.
و عن صالح المورياني قال : دخلت دار أبي أيّوب المورياني بعد نكبة المنصور له ، فتذكّرت ثلاث آيات من الكتاب فيها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلاّ قليلا .
، و لقد تركناها آية فهل من مدّكر
، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا .
، فخرج إليّ أسود من ناحية الدار ، فقال : هذا سخط المخلوق فكيف سخط الخالق
و في ( وزراء الجهشياري ) : طلب المنصور يوما الربيع فلم يجده ، فلما دخل عليه سأله عن خبره ، فقال : كنت عند سليمان الكاتب يعني أبا أيّوب فقال : و من رأيت عنده ؟ قال : عبد اللّه بن مروان بن محمّد ، و قد طلب منه حاجة فقضاها ، و قام عبد اللّه فقبّل رأس سليمان ، و كان المنصور متّكئا فاستوى جالسا ، و قال : يا ربيع قبّل عبد اللّه رأس سليمان ؟ فقال : نعم ، فقال : الحمد للّه و خرّ ساجدا ، فأطال ، ثمّ قال : يا ربيع أتدري ، أيّ نعمة جدّد اللّه عندي في هذا الوقت ؟ قال : لا فكشف المنصور عن ساقه ، فإذا فيها أثر بيّن ، ثم قال : كنت بدمشق في أيّام مروان ، إذ رأيت للنّاس حرك ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل لي : عبد اللّه بن الخليفة يركب و ما ركب قبل ذلك و قد أمر الجند بالزّينة ، و انجفل الناس للنظر ، فخرجت فيمن خرج ، فازدحم النّاس على بعض الطرق زحمة شديدة و كانت دابّتي صعبة فسقطت عنها ، و انكسرت ساقي و غشينا النّاس و مكثت دهرا عليلا ، و هاهو اليوم يقبّل رأس كاتبي
.
و في ( لطائف الثعالبي ) قال الصولي : لا يعرف خليفة قبّل يد خليفة ، ثم قبّل ذلك الخليفة بعينه يده ، إلاّ ما كان من فعل المعتصم بإبراهيم بن المهدي ثمّ فعل إبراهيم بالمعتصم مثله ، قال : و من عجائب الزّمان التي رأيتها و شاهدتها أنّي بكّرت يوم الأربعاء إلى دار الوزير القاسم بن عبيد اللّه ،
و هو لمّا به ، فرأيت ابنيه أبا علي الحسين ، و أبا جعفر محمّدا ، قد خرجا فقام النّاس إليهما ، و دنا العبّاس بن الحسن فقبّل أيديهما ، و مات القاسم في ذلك اليوم ، و استوزر العباس فرأيت العبّاس قد ركب إلى دار القاسم معزّيا ،
و خرج ابنا القاسم اللّذان قبّل العباس أيديهما ذلك اليوم ، فقبّلا يد العبّاس
في عشيّته ، أي : في مسائه
.
و في ( المعجم ) : قال أبو علي التنوخي : كنت في سنة ( ٣٥٢ ) ببغداد فحضر أوّل يوم من شهر رمضان فاصطبحت أنا و أبو الفتح الكاتب في دار أبي الغنائم ابن الوزير أبي محمّد المهلّبي لنهنئه بالشهر عند توجّه أبيه إلى عمّان ، و بلغ أبوه إلى موضع من أنهار البصرة يعرف بعليا باذ ، ففترت نيّته عن الخروج و استوحش معزّ الدولة منه ، و فسد رأيه فيه ، و اعتلّ المهلبي هناك ثمّ أمره معزّ الدّولة بالرّجوع و قد اشتدّت علّته ، و النّاس بين مرجف بأنّه يقبض عليه إذا حصل بواسط ، أو عند دخوله بغداد ، و مرجف بوفاته ، و خليفته إذ ذاك على الوزارة ببغداد ، أبو الفضل و أبو الفرج ، فدخلنا على ابن الوزير و هو جالس في عرضيّ داره التي كانت لأبيه على دجلة على الصّراط عند شبّاك على دجلة ، و هو في دست كبير عال و بين يديه النّاس على طبقاتهم ، فهنّأناه بالشّهر ، و جلسنا و هو إذ ذاك صبيّ غير بالغ إلاّ أنّه محصّل ، فلم يلبث أن جاءه أبو الفضل و أبو الفرج فدخلا إليه و هنّاه بالشهّر ، فأجلس أحدهما عن يمينه و الآخر عن يساره على طرف دسته في الموضع الذي فيه فضلة المخادّ إلى الدّست و ما تحرّك لأحدهما و لا شاركاه في الدّست ، و أخذا معه في الحديث و أبو الفضل يستدعي خادم الحرم فيسارّه فيمضي و يعود ، و يخاطبه سرّا ،
إلى أن جاءه بعد ساعة ، فسارّه فنهض و كان زوج بنت بنت الوزير فحين دخل و اطمأنّ قليلا وقع الصّراخ و تبادر الخدم و الغلمان ، و دعي الصبي و كان يتوقّع أن يرد عليه خبر موت أبيه ، لأنّه كان عالما بشدّة علّته فقام فأمسكه أبو الفرج ، و قال : إجلس ، و قبض عليه ، و خرج أبو الفضل و قد قبض على امّ الصّبيّ ، و وكّل بها خدما و ختم الأبواب ، ثمّ قال للصّبيّ : قم إلى مولانا يعني
معزّ الدولة فقد طلبك ، و قد مات أبوك ، فبكى الصّبي و سعى إلى أبي الفضل و علق بدرّاعته و قال : يا عمّ اللّه اللّه يكرّرها فضمّه أبو الفضل إليه و استعبر و قال : ليس عليك بأس ، و انحدروا إلى زبازبهم ، فجلس أبو الفرج في زبزبه ،
و جلس أبو الفضل في زبزبه ، و أجلس الغلام بين يديه ، و أصعدت الزّبازب تريد معزّ الدّولة بباب الشماسيّة ، فقال أبو الفتح : ما رأيت مثل هذا قطّ و لا سمعت لعن اللّه الدّنيا ، أليس الساعة كان هذا الغلام في الصّدر معظّما و كان خليفتا أبيه بين يديه و ما افترقا حتّى صار بين أيديهما ذليلا حقيرا ؟ ثمّ جرى من المصادرات على أهله و حاشيته ما لم يجر على أحد
.
و في ( الكامل ) : لمّا قبض محمّد بن محمود الغزنوي على أخيه مسعود الملك أرسل إليه يطلب منه مالا ينفقه فأنفذ له خمسمائة درهم فبكى مسعود ،
و قال : كان بالأمس عليّ ثلاثة آلاف جمل من الخزائن ، و اليوم لا أملك الدرهم الفرد فأعطاه الرسول من ماله ألف دينار
.
هذا و في ( أدب الكاتب للصّولي ) قال عديّ بن الرّقاع في تشبيه قرن ولد الظّبي بالقلم :
تزجى أغنّ كأنّ أبرة روقه
|
|
قلم أصاب من الدّواة مدادها
|
و يروى أن جريرا كان حاضرا عند عديّ ، و هو ينشد قصيدته ، قال : فلّما أنشد صدر البيت :
تزجى أغنّ كأنّ ابرة روقه
رحمته ، و قلت : هلك فلّما قال :
قلم أصاب من الدواة مدادها
حالت الرحمة حسدا
.
و دعا أبو العيناء ضريرا ليعشّيه فلم يدع شيئا إلاّ أكله فقال : يا هذا دعوتك رحمة ، فتركتني رحمة ، و قال البحتري في أبي الصّقر :
جزتك جوازي الخير عن متهضّم
|
|
تكفا عليه جائر الحكم قاسطه
|
و لمّا أتاه الغوث من عدلك انثنى
|
|
و راحمه من ذلك الجور غابطه
|
و قال عبيد بن شبرمة الجهني و قد عاش ثلاثمائة سنة لمعاوية :
مررت يوما بقوم يدفنون ميّتا لهم ، فلما انتهيت إليهم اغر و رقت عيناي ،
فتمثّلت بقول الشاعر :
و بينما المرء في الأحياء مغتبط
|
|
إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
|
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
|
|
و ذو قرابته في الحيّ مسرور
|
فقال لي رجل : أتعرف قائل الشعر ؟ قلت : لا ، قال : قائله هذا المدفون و أنت غريب تبكي عليه و لا تعرفه ، و هذا الذي خرج من قبره أقرب النّاس إليه و هو أسرّهم بموته
« و من عبرها أنّ المرء يشرف على أمله فيقطعه حضور أجله » في ( المعجم ) :
غلب الدّين على يحيى الحنفي من يمامه فهرب ، و كان غاية أمله أن يؤدّي دينه و أن يرجع إلى وطنه ، فقال في ذلك أشعارا غنّى بها عند الرشيد ،
فأمر بردّه و قضاء دينه ، لكنّه كان مات قبل أمر الرشيد بشهر و في الخبر :
أنّ علي بن اسماعيل بن جعفر ، و أخوه محمّد سعى إلى الرشيد في عمّه موسى بن جعفر عليه السلام ، طمعا في جائزة عظيمة منه ، أمر له الرشيد
بشيء فوصل إليه حين نزعه
.
و في السيّر : أنّ مروان بن محمد نقف بعد قتله برأسه ، و نفض مخّه ،
و قطع لسانه ، و ألقي مع لحم عنقه ، فجاء كلب فأخذ اللسان ، فقال قائل : إنّ من عبر الدّنيا أن رأينا لسان مروان في فم كلب
.
و لكن في ( تاريخ خلفاء السيوطي ) عن الصولي عن محمد بن صالح : لمّا قتل مروان الحمار قطع رأسه و وجّه به إلى عبد اللّه بن عليّ ، فنظر إليه و غفل ،
فجاءت هرّة فاقتلعت لسانه و جعلت تمضغه ، فقال عبد اللّه بن علي : لو لم يرنا الدّهر من عجابه إلاّ لسان مروان في فم هرّة لكفانا
.
« فلا أمل يدرك و لا مؤمّل يترك » في ( الكامل ) : حادثة يعتبر بها ، بيع في سنة ( ٤٩٣ ) رحل ابن جهير و دورهم بباب العامّة ، و وصل ثمن ذلك إلى مؤيّد الملك ثمّ قتل مؤيّد الملك في سنة ( ٤٩٤ ) و بيع ماله و تركته ، و أخذ الجميع و حمل إلى الوزير الأغر و قتل الوزير الأغرّ هذه السنّة ، و بيع رحله و اقتسمت أمواله و أخذ السلطان و من ولّي بعده أكثرها و تفرّقت أيدي سبا
.
و في ( مقاتل أبي الفرج ) : نعي عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن المثنّى إلى المتوكّل ثم نعي بعده أحمد بن عيسى ، فاغتبط بوفاتهما ، و سرّ و كان يخافهما خوفا شديدا ، و يحذر حركتهما لما يعلمه من فضلهما ،
و استنصار الشيعة الزيدية بهما ، و طاعتها لهما لو أراد الخروج عليه ، فلما ماتا أمن و اطمأنّ ، فما لبث بعدهما إلاّ اسبوعا حتى قتل
« فسبحان اللّه ما أعزّ سرورها » ( عزّ الشيء : إذا قلّ لا يكاد يوجد ) عن المدائني : دخلت امرأة من بني مروان على عبد اللّه بن عليّ بالشّام ، فبكت فقال ،
ممّ تبكين ؟ أجزعا لأهلك على ما أصابهم ؟ قالت : لا و اللّه و لكنّه ما كان يوم سرور إلاّ و هو رهن بيوم مكروه .
« و أظمأ ريّها » فالدّنيا كماء البحر ، كلّما ازداد إنسان من شربه ، إزداد عطشه و ظمأه .
« و أضحى فيئها » من ( ضحى بالكسر و الفتح للشمس ) : برزلها ،
و ( الفيء ) : الظلّ الحادث .
« لا جاء يردّ و لا ماض يرتدّ » قال ابن أبي الحديد : أخذه أبو العتاهية فقال :
فلا أنا راجع ما قد مضى لي
|
|
و لا أنا دافع ما سوف يأتي
|
« فسبحان اللّه ما أقرب الحيّ من الميّت للحاقه به و أبعد الميّت من الحي لإنقطاعه عنه » كلّ شيء كان قريبا من شيء آخر كان الآخر مثله ، و كذلك كلّ شيء كان بعيدا لكن تخلّف هذا الأصل في الحيّ و الميت فالحي في غاية القرب من الميّت للحاقه به تقول في زيارة القبور ( و إنّا إنشاء اللّه بكم لاحقون ) و الميّت في غاية البعد لاستحالة رجوعه .
« إنّه ليس شيء بشرّ من الشّر إلاّ عقابه و ليس شيء بخير من الخير إلاّ ثوابه » قال ابن أبي الحديد : و قال الشّاعر :
فالخير خير و خير منه فاعله
|
|
و الشرّ شرّ و شرّ منه صانعه
|
« و كلّ شيء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، و كلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه » و لذا عبّر تعالى في وصف شدائد الآخرة في مواضع بلفظ
( و لو ترى ) فقال سبحانه : و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربّهم ربّنا أبصرنا و سمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنّا موقنون
، و لو ترى إذ فزعوا فلا فوت و أخذوا من مكان قريب
، و قد كفروا به من قبل و يقذفون بالغيب من مكان بعيد
، و لو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربّهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لو لا أنتم لكنّا مؤمنين
، و لو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ و لا نكذّب بآيات ربّنا و نكون من المؤمنين
، و لو ترى إذ وقفوا على ربّهم قال أليس هذا بالحقّ قالوا بلى و ربّنا .
، و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحق و كنتم عن آياته تستكبرون
.
و قال عليه السلام في موضع آخر في وصف المحتضرين : « فغير موصوف ما نزل بهم اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت » .
« فليكفكم من العيان » أي : من رؤية تلك الامور بالعيان السّماع من الرسل .
« و من الغيب الخبر » فالخبر إذا كان من صادق بالبرهان ، يحكم العقل بوجوب تصديقه و العمل بمقتضى خبره .
« و اعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا و زاد في الآخرة خير ممّا نقص في الآخرة »
هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « من الآخرة » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« و زاد في الدّنيا » لأنّ الحياة الدّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار .
« فكم من منقوص رابح و مزيد خاسر » فمن يزرع بذره ينقص في العاجل ماله ، و يربح في الآجل أضعاف ما نقص إذا قام بسقيه و قمع دغله كما أنّ من زاد زرعه بالنّباتات الدّغلية يخسر و لا يحصل له كثير حاصل .
« إنّ الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه » فكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالا طيّبا و اشكروا نعمة اللّه إن كنتم إيّاه تعبدون إنّما حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به فمن اضطرّ غير باغ و لا عاد فإنّ اللّه غفور رحيم
، كلوا من طيّبات ما رزقناكم .
.
« و ما احلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم » يا أيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالا طيّبا و لا تتّبعوا خطوات الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين
، يسألونك ماذا أحلّ لهم قل احلّ لكم الطيّبات .
، قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيّبات من الرزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدّنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و البغي بغير الحقّ و أن تشركوا باللّه ما لم ينزّل به
سلطانا و أن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون
.
« فذروا ما قلّ لما كثر و ما ضاق لما اتّسع » مثلا أحلّ لنا استعمال الأواني من كلّ فلزّ و معدن و جنس سوى الذّهب و الفضّة ، و أحلّ للرّجال منّا الزّينة بكلّ لبس و حلية سوى الحرير و الذّهب ، فالواجب علينا أن نشكره تعالى حيث وسّع علينا في التمتّع و لم يجعل علينا حرجا فيما أوجب علينا منه التمنّع ، مع أنّه منع ما منع لمفاسد و مضارّ ، و قال ابن أبي الحديد : دخل إنسان على عليّ بن موسى الرضا عليه السلام و عليه ثياب مرتفعة القيمة ، فقال : يا ابن رسول اللّه أتلبس مثل هذا ؟ فقال عليه السلام له : . من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيّبات من الرزق .
.
و روى ( الكافي ) : أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بعث ابن عباس إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه و تطيّب بأفضل طيبه ، و ركب أفضل مراكبه ، فلمّا وافقهم قالوا : يا ابن عبّاس بينا أنت أفضل النّاس ، إذ أتيتنا في لباس الجبابرة و مراكبهم ، فتلا عليهم هذه الآية قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق .
.
و روي أنّ سفيان الثوري رأى الصادق عليه السلام في المسجد الحرام و عليه ثياب كثيرة القيمة حسان ، فقال : يا ابن رسول اللّه ما لبس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لا عليّ عليه السلام مثل هذا اللباس فقال عليه السلام : كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في زمان قتر مقتر ، و كان يأخذ لقتره و إقتاره ، و إنّ الدّنيا بعد أرخت عز إليها فأحقّ أهلها بها أبرارها ثم تلا الآية
.
كما أنّه روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كسا اسامة بن زيد حلّة حرير فخرج فيها ، فقال : مهلا يا اسامة انّما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة فاقسمها بين نساءك
.
« قد تكفّل لكم بالرزق » هكذا في ( الخطية )
و الظاهر أنّ الأصل ( و قد تكفّل ) فانّ المقام مقام الوصل ، و كيف كان فقال تعالى و لا تقتلوا أولادكم خشية املاق نحن نرزقهم و إيّاكم . .
« و أمرتم بالعمل » فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربّه أحدا
.
« فلا يكونن المضمون لكم » و هو الرّزق .
« أولى بكم من المفروض عليكم عمله » في ( توحيد ابن بابويه ) عنه عليه السلام :
« إنّ الاهتمام بالرزق غير زائد في الموظوف و فيه يضيع الزّاد ، و الإقبال على الآخرة غير ناقص من المقدور و فيه إحراز المعاد » و أنشد عليه السلام :
لو كان في صخرة في البحر راسية
|
|
صمّاء ملمومة ملس نواصيها
|
رزق لنفس براها اللّه لانفلقت
|
|
عنه فادّت إليه كلّ ما فيها
|
أو كان بين أطباق السبع مجتمعة
|
|
لسهّل اللّه في المرقى مراقيها
|
حتّى يوافي الذي في اللّوح خطّ له
|
|
ان هي أتته و إلاّ فهو آتيها
|
و في ( الكافي ) عنه عليه السلام أيضا : أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم ، و العمل به ، ألا و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، إنّ المال
مقسوم مضمون قد قسمه عادل بينكم ، و ضمنه ، و سيفي لكم ، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه
.
« مع أنّه و اللّه لقد اعترض الشّكّ » أي : عرض و حال دون العمل .
« و دخل اليقين » أي : صار دخيلا و معيوبا .
« حتّى كأن الذي ضمن لكم قد فرض عليكم » قال عليه السلام : كان في ما وعظ لقمان ابنه أن قال : يا بنيّ ليعتبر من قصر يقينه و ضعفت نيّته ، و طلب الرّزق أنّ اللّه تعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره ، و آتاه رزقه و لم يكن له في واحدة منها كسب و لا حيلة أنّه تعالى سيرزقه في الحالة الرابعة ، أمّا أوّل ذلك فانّه كان في رحم امّه يرزقه هناك لا يؤذيه في حرّ و لا برد ، ثمّ أخرجه من ذلك و أجرى له رزقا من لبن امّه يكفيه به و يربّيه و ينعشه من غير حول و لا قوّة ، ثم فطم من ذلك فأجرى له رزقا من كسب أبويه برأفة له و رحمة من قلوبهما ، لا يملكان غير ذلك حتّى أنّهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة حتّى إذا كبر و عقل ، و اكتسب بنفسه ضاق به أمره و ظنّ الظنون بربّه ، و جحد الحقوق في ماله ، و أقتر على نفسه و على عياله مخافة إقتار رزق ، و سوء ظنّ ، و يقين بالخلف من اللّه تعالى في العاجل و الآجل فبئس العبد هذا يا بنيّ
.
« فبادروا العمل » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : إذا همّ أحدكم بخير أو صلة فإنّ عن يمينه و شماله شيطانين فليبادر لا يكفّاه عن ذلك
.
و عنه عليه السلام : إذا هممت بشيء من الخير فلا تؤخّره فإنّه تعالى ربّما اطّلع على العبد ، و هو على شيء من الطاعة فيقول : و عزّتي و جلالي لا اعذّبك بعدها
أبدا ، و إذا هممت بسيئة فلا تعملها فانّه ربّما اطّلع على العبد و هو على شيء من المعصية ، فيقول و عزّتي و جلالي لا أغفر لك بعدها أبدا
.
قلت : و يمكن تفسير الخبر بأنّ بعض الأعمال الحسنة يؤدّي إلى ما فوقه كما في تأدّب الحرّ مع الحسين عليه السلام ، و بالعكس كما في كتابة عمر بن سعد إلى يزيد يخبره بورود مسلم الكوفة ، و عدم كفاية النعمان و إفشائه سرّ مسلم لمّا وصّى إليه فأدّياه إلى تصدّيه لقتل الحسين عليه السلام الموجب لهلاكه الابد مع أنّه كان ساعيا في التنكّب عنه .
و عن الصادق عليه السلام أيضا : لا تستقل ما تتقرّب به إليه تعالى و لو بشقّ تمرة .
« و خافوا بغتة الأجل » و ما أرسلنا في قرية من نبيّ إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء و الضرّاء لعلّهم يضّرّعون ثمّ بدّلنا مكان السّيئة الحسنة حتّى عفوا و قالوا قد مسّ آباءنا السّراء و الضّراء فأخذناهم بغتة و هم لا يشعرون
.
« فإنّه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق » و أنفقوا من مّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصّالحين و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
« ما فات من الرّزق رجي غدا زيادته » هكذا في ( المصرية )
، و فيه سقط و الأصل « ما فات اليوم من الرزق رجي غدا زيادته » كما في
( ابن أبي الحديد ) و غيره
.
« و ما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته » فيجب أن يغتنم الفرصة .
« الرّجاء مع الجائي ، و اليأس مع الماضي » هو كالتعليل لقوله قبل « لا يرجى . » و « مافات . » .
« ف اتقوا اللّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون » الأصل فيه قوله تعالى يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون
.
١٣
الخطبة ( ١٢٩ ) منها :
وَ إِنَّمَا اَلدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ اَلْأَعْمَى لاَ يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً وَ اَلْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ وَ يَعْلَمُ أَنَّ اَلدَّارَ وَرَاءَهَا فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ وَ اَلْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ وَ اَلْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ وَ اَلْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ « و إنّما الدّنيا منتهى بصر الأعمى » أي : أعمى القلب عن رؤية الآخرة ، قال تعالى : فانّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصّدور
.
قال ابن قتيبة : صار ابن عباس و أبوه و جدّه مكافيف في آخر عمرهم ،
فقال معاوية لابن عبّاس : أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال ابن عبّاس : و أنتم يا بني أميّة تصابون في بصائركم
.
« لا يبصر ممّا وراءها شيئا » يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا و هم عن
الآخرة غافلون
، فأعرض عن من تولّى عن ذكرنا و لم يرد إلاّ الحياة الدّنيا ذلك مبلغهم من العلم .
.
« و البصير ينفذها بصره و يعلم أنّ الدّار وراءها » إنّ في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النّهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكّرون في خلق السماوات و الأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النّار ربّنا إنّك من تدخل النّار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار ربنا إنّنا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربّكم فآمنّا ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا و كفّر عنّا سيئاتنا و توفّنا مع الأبرار ربّنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد فاستجاب لهم ربّهم أنّي لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى .
.
« فالبصير منها شاخص » في ( الجمهرة ) : شخص من مكان : إذا سار في ارتفاع ، فإن سار في انحدار فهو هابط
.
تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفا و طمعا و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون
.
« و الأعمى إليها شاخص » ويل لكلّ همزة لمزة الذي جمع مالا و عدّده يحسب أنّ ماله أخلده كلاّ لينبذنّ في الحطمة و ما أدراك ما الحطمة نار اللّه الموقدة التي تطلّع على الأفئدة إنّها عليهم مؤصدة
في عمد ممدّدة
.
« و البصير منها متزوّد ، و الأعمى لها متزوّد » فأمّا من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية و أمّا من خفّت موازينه فامّه هاوية و ما أدراك ماهيه نار حامية
، فأمّا من أعطى و اتّقى و صدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى و أمّا من بخل و استغنى و كذّب بالحسنى فسنيسّره للعسرى و ما يغني عنه ماله إذا تردّى
مثله كمثل الأعمى الذي افتقد عصاه فتفقّدها بيده فوقعت على حيّة اسكنتها البرد فسرّ بها بدلا .
١٤
الخطبة ( ١٤١ ) و من خطبة له عليه السلام :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي اَلدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ اَلْمَنَايَا مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى وَ لاَ يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ وَ لاَ تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلاَّ بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ وَ لاَ يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلاَّ مَاتَ لَهُ أَثَرٌ وَ لاَ يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ وَ لاَ تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلاَّ وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ وَ قَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ
من الحكمة ( ١٩١ ) و قال عليه السلام :
إِنَّمَا اَلْمَرْءُ فِي اَلدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ اَلْمَنَايَا وَ نَهْبٌ تُبَادِرُهُ اَلْمَصَائِبُ وَ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ وَ لاَ يَنَالُ اَلْعَبْدُ نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى وَ لاَ يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ فَنَحْنُ أَعْوَانُ اَلْمَنُونِ وَ أَنْفُسُنَا نَصْبُ اَلْحُتُوفِ فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو اَلْبَقَاءَ وَ هَذَا اَللَّيْلُ وَ اَلنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً إِلاَّ أَسْرَعَا اَلْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا وَ تَفْرِيقِ مَا جَمَعَا أقول : ترى أنّ الثاني تكرار مع اختلاف يسير ، و لم يتفطّن له المصنّف حتى ينبّه عليه كما هو دأبه في مثله ، و تفطّن له ابن أبي الحديد أيضا ، و رواه ( الأمالي ) هكذا « أيّها النّاس أصبحتم أغراضا ، تنتضل فيكم المنايا ، و أموالكم نهب للمصائب ما طعمتم في الدّنيا من طعام ، فلكم فيه غصص ، و ما شربتموه من شراب ، فلكم فيه شرق ، و أشهد باللّه ما تنالون من الدّنيا نعمة تفرحون بها إلاّ بفراق اخرى تكرهونها ، ايّها الناس : إنّا خلقنا و إيّاكم للبقاء لا للفناء ، و لكنّكم من دار تنقلون فتزوّدوا لما أنتم صائرون إليه و خالدون فيه
.
قوله عليه السلام فيهما : « أيّها الناس إنّما أنتم في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ،
إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا » في ( الصحاح ) : انتضلوا : رموا للسبق ، و الغرض : الهدف ، قال زهير بن جناب الذي عدّوه في المعمّرين ، لبنيه في وصيّته : إنّما الإنسان غرض تعاوره الرّماة فمقصّر دونه ، و مجاوز موضعه ، و واقع عن يمينه و شماله ، ثمّ لابدّ أن يصيبه
.
قوله عليه السلام في الثاني « و نهب تبادره المصائب » قال الشاعر :
و كنت إذا أصابتني سهام
|
|
تكسّرت النّصال على النّصال
|
قوله عليه السلام فيهما : « مع كلّ جرعة شرق » قالوا : إنّ يزيد بن عبد الملك خلا مع محبوبته حبابة ، فأكلت عنبا فشرقت فماتت ، فجزع عليها ، و منع من دفنها حتى أنتنت .
« و في كلّ أكلة غصص » بالفتح قالوا : كان الحصين بن يزيد الحارثي الذي رأس بني الحارث بن كعب مائة سنة ، يقال له ذو الغصّة ، لأنّه كان بحلقه غصّة لا يبيّن بها الكلام
.
و في ( الحلية ) عن أبي تراب النخشبي ، قال : ما تمنّت عليّ نفسي قطّ إلاّ مرّة ، تمنّت عليّ خبزا و بيضا و أنا في سفر ، فعدلت من الطريق إلى قرية فلمّا دخلتها و ثب إليّ رجل ، فتعلّق بي و قال : إنّ هذا كان مع اللصوص فبطحوني و ضربوني سبعين جلدة ، فوقف علينا رجل فصرخ : هذا أبو تراب ، فأقاموني و اعتذروا إلى و أدخلني الرّجل منزله ، و قدّم إلى خبزا و بيضا ، فقلت : كلها بعد سبعين جلدة
.
« لا تنالون منها نعمة إلاّ بفراق اخرى ، و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق اخرى » ففي الأغلب ، النّاس لا ينالون نعمة الثروة إلاّ بعد سلب نعمة الشّباب ، و صحّة المزاج منهم .
« و لا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلاّ بهدم آخر من أجله ، و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ بفراق آخر من أجله » فكلّ نفس ينتفسّه الإنسان خطوة منه إلى قبره .
قوله عليه السلام في الأول : « و لا تجدّد له زيادة في أكلة إلاّ بنفاد ما قبلها من رزقه »
حتى الغنيّ و إن تمكّن من أكل ما شاء ، لا يمكنه أن يأكل أكثر من متعارفه من الأكل ، ثلاث مرّات في يوم و ليلة فما دام لم يهضم طعامه الذي أكله قبلا لا يشتهي طعاما ، و ان كان لذيذا .
« و لا يحيا له أثر إلاّ مات له أثر » كأصحاب السيف و القلم لا يحيا لهم أثر من هزيمة عسكر أو تصنيف إلاّ بعد أن يموت أثرهم السابق في ذلك .
« و لا يتجدّد له جديد إلاّ بعد أن يخلق له جديد » قالوا : كان عمرو بن عامر من ملوك اليمن ، يقال له مزيقيا ، لأنّه كان يلبس كلّ يوم حلّتين فيمزّقهما بالعشيّ يكره أن يعود فيهما ، و يأنف أن يلبسهما غيره
.
« و لا تقوم له نابتة إلاّ و تسقط منه محصودة » كما أنّ الأرض لا يمكن إنباتها نباتا جديدا إلاّ بعد أن يحصد نباتها القديم .
« و قد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله » قال ابن أبي الحديد : قال أبو العتاهية :
كلّ حياة إلى ممات
|
|
و كلّ ذي جدّة يحول
|
كيف بقاء الفرع يوما
|
|
و قد ذوت قبلها الاصول
|
قلت : و قال أبو نؤاس :
ألا يابن الذين فنوا و بادوا
|
|
أما و اللّه ما ذهبوا لتبقى
|
أخي ما بال قلبك ليس يتقى
|
|
كأنّك لا تظنّ الموت حقّا
|
و في الخبر عن الصادق عليه السلام : « عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم ثمّ نودي فيهم بالرّحيل و هم يلعبون »
.
قوله عليه السلام في الثاني : « فنحن أعوان المنون » أصل المنّ القطع و النقص ،
و المراد المنيّة لأنّها تقطع المدد ، و تنقص العدد .
« و أنفسنا نصب الحتوف » أي : منصوبة لترمى بالهلاكات ، قال الشاعر :
فنفسك أحرز فانّ الحتوف
|
|
ينبّأن بالمرء في كلّ واد
|
« فمن أين نرجو البقاء و هذا الليل و النّهار لم يرفعا من شيء شرفا إلاّ أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا » قيل : لما فتحت الشام ، أصيب جبل فيه غار عليه قفل فكسر فوجد فيه لوح من حديد مكتوب عليه بماء الذهب :
ما اختلف اللّيل و النّهار و لا
|
|
دارت نجوم السماء في الفلك
|
الاّ لنقل النّعيم عن ملك
|
|
قد انقضى ملكه إلى ملك
|
و ملك ذي العرش دائم أبدا
|
|
ليس بفان و لا بمشترك
.
|
و قال ابن نباتة :
و تأخذ من جوانبنا الليالي
|
|
كما أخذ المساء من الصّباح
|
اما في أهلها رجل لبيب
|
|
يحسّ فيشتكي ألم الجراح
|
أرى التشمير فيها كالتواني
|
|
و حرمان العطية كالنجاح
|
و من تحت التّراب كمن علاه
|
|
فلا يغررك أنفاس الرياح
|
و كيف يكدّ مهجته حريص
|
|
يرى الأرزاق في ضرب القداح
|
و في ( أدب الصّولي ) يروى للمستوغر :
و لقد سئمت من الحياة و طولها
|
|
و ازددت من عدد السنين سنينا
|
مئة أتت من بعدها مائتان لي
|
|
و ازددت من عدد الشهور مئينا
|
هل ما بقى إلاّ كما قد فاتنا
|
|
يوم يكرّ و ليلة تحدونا
|
و في ( طبقات كاتب الواقدي ) عن سعيد بن المسيب : كانت ( قصواء ناقة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله تسبق كلّما رفعت في سباق ، فسبقت ، فكانت على المسلمين كأبة أن سبقت فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله : إنّ النّاس إذا رفعوا شيئا ، أو أرادوا رفع شيء وضعه اللّه
.
و روى ( الإكمال ) : أنّ في ليلة مولد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ارتجس إيوان كسرى و سقطت منه أربعة عشر شرفا ، و غاضت بحيرة ساوة ، و خمدت نار فارس ،
و لم تخمد قبل ذلك ألف سنة ، إلى أن قال : بعد ذكر بعث كسرى عبد المسيح إلى سطيح و وروده عليه و إنشاد عبد المسيح أبياتا ، فلما سمع سطيح شعره فتح عينيه فقال : « عبد المسيح على جمل يسيح إلى سطيح و قد أوفى على الضّريح ،
بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الأيوان و خمود النيران و رؤيا الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا ، قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادها ، و غاضت بحيرة ساوة إلى أن قال يملك منهم ملوك و ملكات على عدد الشّرفات و كلّ ما هو آت آت ، ثمّ قضى سطيح مكانه إلى أن قال : فلمّا قدم على كسرى و أخبره بما قال سطيح قال : « إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور » فملك منهم عشرة في أربع سنين و ملك الباقون إلى إمارة عثمان
.
« و تفريق ما جمعا » :
تقاضاك دهرك ما اسلفا
|
|
و كدّر عيشك بعد الصّفا
|
فلا تنكرنّ فانّ الزّمان
|
|
جدير بتشتيت ما ألّفا
|
١٥
من الخطبة ( ١٧٠ ) و من خطبة له عليه السلام :
أَيُّهَا اَلْغَافِلُونَ غَيْرُ اَلْمَغْفُولِ عَنْهُمْ وَ اَلتَّارِكُونَ اَلْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اَللَّهِ ذَاهِبِينَ وَ إِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ وَ مَشْرَبٍ دَوِيٍّ إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لاَ تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلاّ و ملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات
.
و عن الباقر عليه السلام : سئل عن لحظة ملك الموت فقال : أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السّكتة فما يتكلّم أحد منهم فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم
.
و قال البحتري :
غفلنا عن الأيّام أطول غفلة
|
|
و ما خوفها المخشيّ عنّا بغافل
.
|
« و التاركون المأخوذ منهم » يعني : من يتركون اللّه تعالى ، و لكنّه تعالى لا يتركهم و يأخذهم و يؤاخذهم ، قال تعالى أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا و أنّكم إلينا لا ترجعون
، أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منيّ
يمنى ثم كان علقة فخلق فسوّى فجعل منه الزّوجين الذّكر و الانثى
،
أفنضرب عنكم الذّكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين
.
و عن الصادق عليه السلام : الأرض بين يدي ملك الموت ، كالقصعة يمدّ يده إليها حيث يشاء
« ما لي أراكم عن اللّه ذاهبين و إلى غيره راغبين » و إذا ذكر اللّه وحده اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة و إذا ذكر الّذين من دونه إذا هم يستبشرون
.
« كأنّكم نعم » في ( الصحاح ) : النّعم : واحد الأنعام ، و هي المال الرّاعية و أكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل ، قال الفرّاء هو للمذكّر لا يؤنّث يقولون ( هذا نعم وارد ) و يجمع على نعمان مثل جمل و جملان ، و الأنعام تذكّر و تؤنّث ، قال تعالى في موضع « ممّا في بطونه » و في موضع آخر « ممّا في بطونها . »
.
قلت : أمّا ما قاله نفسه من كونه واحد الأنعام فيأباه قول البريق الهذلي كما في ( الأساس ) :
قد أشهد الحيّ جميعا بها
|
|
لهم نعام و عليهم نعم
|
فإنّ مفاده في البيت مفاد الأنعام ، و أمّا ما نقله عن الفرّاء فيردّه قوله عليه السلام ( أراح بها ) و قول ابن دريد في ( جمهرته ) : و النّعم اسم يلزم الإبل خاصّة يذكّر و يؤنث فيقال ( هذه النّعم و هذا النّعم . ) .
« أراح بها » في ( الصحاح ) أراح إبله : ردّها إلى المراح ، و لا يكون إلاّ بعد الزوال
.
« سائم إلى مرعى وبيّ » الظاهر أنّ المراد بالسّائم : الرّاعي ، لكن في ( الجمهرة ) : ( سام الرّجل ماشيته يسومها سوما ، إذا رعاها ، فالماشية سائمة ،
و الرّجل مسيم ، و لم يقولوا سائم خرج هذا من القياس )
.
« و مشرب دويّ » من الداء ، قال الشاعر :
هي دنيا كحيّة تنفث السّمّ
|
|
و إن كانت المجسّة لانت
|
« إنّما هي كالمعلوفة للمدى » بالضم جمع المدية : السّكين .
« لا تعرف ماذا يراد بها » شبّه عليه السلام الغافلين أوّلا بإبل وصفها ، و ثانيا بغنم نعمتها ، قال تعالى : فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنّما يريد اللّه ليعذّبهم بها في الحياة الدّنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون
، و لا يحسبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خير لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين
.
« إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها و شبعها أمرها » قال الخوئي : الظاهر أنّ « يومها » مفعول ثان و كذلك « شبعها » يعني تظنّ أنّ دهرها مقصور على ذلك اليوم و انحصار شأنها في الشّبع .
قلت : بل المفعولان بالترتيب ، و المراد أنّها تحسب أنّ في جميع دهرها مثل يومها و انّ شبعها هو أمرها ، و لا تعرف أنّ لها يوما تجعل المدية على حلقها و تشبع لأكل لحمها
، قال تعالى أفرأيت إن متّعناهم سنين ثمّ
جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتّعون
،
قل تمتّع بكفرك قليلا إنّك من أصحاب النار
، ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
، و الذين كفروا يتمتّعون و يأكلون كما تأكل الأنعام و النار مثوى لهم
.
١٦
من الخطبة ( ١٩١ ) أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ وَ مَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ اَلسَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا اَلْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ اَلْبِحَارِ فَمِنْهُمُ اَلْغَرِيقُ اَلْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ اَلنَّاجِي عَلَى بُطُونِ اَلْأَمْوَاجِ تَحْفِزُهُ اَلرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ عِبَادَ اَللَّهِ فَاعْلَمُوا وَ اَلْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ اَلْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ اَلْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ وَ اَلْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ وَ اَلْمَجَالُ عَرِيضٌ قَبْلَ إِرْهَاقِ اَلْفَوْتِ وَ حُلُولِ اَلْمَوْتِ فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ وَ لاَ تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ « أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه » و لا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلاّ وسعها و إذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى و بعهد اللّه أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلّكم تذكرون و إنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه و لا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم
عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون
.
« و احذّركم الدّنيا » فانّها عدوّة غرّارة .
« فانّها دار شخوص » من قولهم ( شخص من البلد ) .
« و محلّة تنغيص ، من ( عيش منغّص ) : مكدّر ، و من شواهده ما في ( الكامل ) في حوادث ( ٦١٢ ) : في هذه السنة أرسل أوزبك رأس ( منكلي ) صاحب همدان و اصفهان و الرّي و ما بينهما من البلاد إلى بغداد ، و كان يوم دخولها يوما مشهورا إلاّ أنّه لم تتمّ المسرّة للخليفة بذلك ، فإنّه وصل ، و مات ولده في تلك الحال فأعيد و دفن ، و كان الخليفة رشّح ولده للخلافة ، فأصابه إسهال ،
فتوفّي و حزن أبوه عليه حزنا لم يسمع بمثله ، حتّى أنّه أرسل إلى أصحاب الأطراف ينهاهم عن إنفاذ رسول إليه يعزّيه بولده ، و لم يقرأ كتابا ، و لا سمع رسالة ، و انقطع و خلا بهمومه و رئي عليه من الحزن و الجزع ما لم يسمع بمثله ، و لمّا توفّي اخرج نهارا ، و مشى جميع النّاس بين يدي تابوته إلى تربة جدّته عند قبر معروف الكرخي ، و لمّا ادخل التابوت اغلقت الباب ، و سمع الصّراخ العظيم من داخل التربة ، فقيل : إنّ ذلك صوت الخليفة و أمّا العامّة ببغداد فإنّهم وجدوا عليه وجدا شديدا ، و دامت المناحاة عليه ليلا و نهارا في أقطار بغداد و لم تبق محلّة إلاّ و فيها النّوح ، و ما سمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان و حديثه
.
و هذا دأب الدّنيا أبدا .
« ساكنها ظاعن » أي : سائر ، الناس كركب يسار بهم و هم نيام .
« و قاطنها بائن » أي : مقيمها مفارق ، قال عنترة :
ظعن الّذين فراقهم أتوقّع
|
|
و جرى ببينهم الغراب الأبقع
|
« تميد » أي : تتحرّك .
« بأهلها ميدان السّفينة » ميدان : مفعول مطلق نوعي لقوله ( تميد ) .
« تقصفها » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « تصفقها » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
، و في ( الصحاح ) الصّفق : الضّرب الذي يسمع له صوت ، و كذلك التّصفيق يقال : ( صفقته الرّيح و صفّقته )
.
« العواصف » أي : الرياح الشديدة .
« في لجج البحار » و لجّة البحر أمواجه و غمرته .
« فمنهم الغريق الوبق » أي : الهالك .
« و منهم النّاجي على بطون الأمواج » :
ألم تر بالنّعمان كان بنجوة
|
|
من الشّر لو أنّ امرأ كان ناجيا
|
« تحفزه الرّياح بأذيالها » أي : تدفعه و تسوقه .
« و تحمله على أهوائها » معلوم أنّ جريان النّاجي على لوح منكسر ليس على إرادته و هواه ، بل على حسب ميل الرّياح فهو يريد السّاحل و الرّيح تدفعه إلى الوسط .
« فما غرق منها فليس بمستدرك » معلوم أنّ الغريق في البحر لا يستدركه أحد .
« و ما نجا منها فإلى مهلك » كمن نجا من الغرق فهلك بالحرق ، فمهلكات الدّنيا لا تحصى ، قال شاعر :
يا هاربا من جنود الموت منهزما
|
|
عنها توقّف إلى أين المفرّ لكا
|
هب عشت أكثر من نوح فحين نجا
|
|
بقدرة اللّه من طوفانه هلكا
|
لو كان حيّ في الحياة مخلّد
|
|
في الدّهر أدركه أبو يكسوم
|
بكتائب خرس تعوّد كبشها
|
|
نطح الكباش شبيهة بنجوم
|
شبّه عليه السلام هنا الدّنيا مع أهلها ببحر ، ركب الإنسان فيه سفينة ، وصفها ما ذكر عليه السلام و قد يشبّه ببحر يريد الإنسان قطعه ، فلا يقطع إلاّ بسفينة صالحة جامعة لجميع مصالحها ، قال لقمان لابنه كما في ( الكافي ) عن الكاظم عليه السلام :
يا بنيّ إنّ الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى اللّه ، و حشوها الايمان ، و شراعها التوكّل ، و قيّمها العقل ، و دليلها العلم ،
و سكّانها الصّبر
.
« عباد اللّه فاعملوا و الألسن مطلقة » و أوّل ما يحتبس من المحتضر لسانه .
« و الأبدان صحيحة » فالأبدان المريضة لا يأتي منها كثير من الأعمال ، كما أنّ ما يأتي منها كالذّكر له تعالى و الصلاة قاعدا و مضطجعا ، يمنعه المرض من أن يكون له فيه إقبال ، و توجّه حال .
« و الأعضاء لدنة » بسكون الدّال أي : ليّنة ، تقدرون أن تمدّوا يدا و رجلا و تعملوا عملا .
« و المنقلب فسيح » أي : مكان التحرّك متّسعا و في الخبر : أنّ ملك الموت يحبس المحتضر و إلاّ لما استقرّ
.
« و المجال عريض » أي : مكان جولانه فتقدر أن تجول و تكون من السّابقين الفائزين بالسّبقة .
« قبل إرهاق الفوت » أي : إعساره .
« و حلول الموت » و ليست التوبة للذين يعملون السّيئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن
.
« فحققوا عليكم نزوله » في الخبر : لم يخلق يقين أقرب إلى الشك من الموت .
« و لا تنتظروا قدومه » أي : للعمل ، فبعد قدومه لا يمكنه العمل ، و ان طلب المهلة يقال له : قد مضت سنوك و شهورك و أيّامك و لياليك و ساعاتك و آناتك .
١٧
الخطبة ( ١٩٨ ) و من كلام له عليه السلام :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا اَلدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ اَلْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لاَ تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ وَ أَخْرِجُوا مِنَ اَلدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِيهَا اُخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ إِنَّ اَلْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ اَلنَّاسُ مَا تَرَكَ وَ قَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ مَا قَدَّمَ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً فَيَكُونُ لَكُمْ وَ لاَ تُخْلِفُوا كُلاًّ فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ أقول : رواه الصدوق في ( أماليه ) مرفوعا مع زيادات و اختلاف فقال :
قال عليه السلام في بعض خطبه : أيّها الناس إنّ الدّنيا دار فناء ، و الآخرة دار بقاء ،
فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم ، و أخرجوا من الدّنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففي الدّنيا حييتم و للآخرة خلقتم ، إنّما الدّنيا كالسّمّ يأكله من لا يعرفه ، إنّ العبد إذا
مات ، قالت الملائكة : ما قدّم ؟ و قال النّاس : ما أخّر ؟ فقدّموا فضلا لكم يكن لكم ، و لا تؤخّروا كلاّ يكن عليكم ، فانّ المحروم من حرم خير ماله ، و المغبوط من ثقل بالصّدقات و الخيرات موازينه ، و أحسن في الجنّة بها مهاده ، و طيّب على الصّراط بها مسلكه
.
و رواه المفيد في ( إرشاده ) مرفوعا هكذا : « خذوا رحمكم اللّه من ممرّكم لمقرّكم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم ،
و أخرجوا من الدّنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، فللآخرة خلقتم ، و في الدّنيا حبستم ، إنّ المرء إذا هلك قالت الملائكة : ما قدّم ؟ و قال النّاس ما خلّف ؟
فللّه آباؤكم قدّموا بعضا يكن لكم ، و لا تخلّفوا كلاّ فيكن عليكم ، فإنّما مثل الدّنيا مثل السمّ يأكله من لا يعرفه »
و نقلهما الخوئي أيضا .
« أيّها النّاس إنّما الدّنيا دار مجاز » اسم مكان من ( جاز الموضع ) : سلكه و تجاوز عنه ، و ( ذو المجاز ) كان موضعا بمنى ، كان به سوق في الجاهلية .
« و الآخرة دار القرار » قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون : يا قوم إنّما هذه الحياة الدّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
.
« فخذوا من ممرّكم لمقرّكم » كما هو القاعدة عند العقلاء .
« و لا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم » سواء منكم من أسرّ القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنّهار
.
و روى ( الكافي ) عنه عليه السّلام قال : لا تبدين عن واضحة ، و قد عملت الأعمال
الفاضحة ، و لا يأمن البيات من عمل السيّئات
.
و عن الصادق عليه السّلام : من همّ بسيئة فلا يعملها ، فإنّه ربّما عمل العبد سيّئة فيراه الرّب ، فيقول : و عزّتي و جلالي لا أغفر لك بعد ذلك
.
و عن أبي الحسن عليه السلام : إنّ للّه تعالى في كلّ يوم و ليلة مناديا ينادي : مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه ، فلولا بهائم رتّع ، و صبية رضّع ، و شيوخ ركّع لصبّ عليكم العذاب ترضّون به رضّا
.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام : ما من عبد إلاّ و عليه أربعون جنّة حتّى يعمل أربعين كبيرة فإذا عمل انكشف عنه الجنن ، فيوحي تعالى إلى الملائكة أن استروا عبدي بأجنحتكم فتستره الملائكة بأجنحتها فما يدع شيئا من القبيح إلاّ قارفه ، حتّى يتمدّح إلى الناس بفعله القبيح ، فتقول الملائكة : يا ربّ هذا عبدك ما يدع شيئا إلاّ ركب ، و إنّا لنستحيي ممّا يصنع ، فيوحي تعالى إليهم أن ارفعوا أجنحتكم عنه ، فإذا فعل ذلك أخذ في بغضنا أهل البيت ، فعند ذلك ينتهك ستره في السماء ، و ستره في الأرض ، فتقول الملائكة : يا ربّ هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر ، فيوحي تعالى إليهم لو كان للّه فيه حاجة ما أمركم أن ترفعوا أجنحتكم عنه
.
« و أخرجوا من الدّنيا قلوبكم ، من قبل أن تخرج منها أبدانكم » إخراج القلوب عن الدّنيا كناية عن الزهد فيها ، كما أنّ إخراج الأبدان عنها كناية عن الموت .
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : من زهد في الدّنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه ، و أنطق بها لسانه ، و بصّره عيوب الدّنيا داؤها و دواؤها ، و أخرجه من الدّنيا
سالما إلى دار السلام
.
و عنه عليه السّلام : إذا أراد اللّه بعبد خيرا زهّده في الدّنيا و فقّهه في الدّين ،
و بصّره عيوبها ، و من أوتيهنّ فقد أوتي خير الدّنيا و الآخرة إلاّ أنّه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتّى تزهدوا في الدّنيا
.
« ففيها اختبرتم » أي : امتحنتم .
« و لغيرها خلقتم » الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا
.
« إنّ المرء إذا هلك قال الناس ما ترك ؟ و قالت الملائكة ما قدّم ؟ » فلابدّ أنّ ما يسأل عنه الملائكة شريف نفيس ، و ما يسأل عنه أهل الدّنيا دون و خسيس ،
فليعمل ما يجاب به الملائكة دون السّفلة روى الكشي : أنّه قيل لأبي ذرّ عند الموت : ما مالك ؟ قال عملي ، قالوا : إنّا نسألك عن الذّهب و الفضّة ، قال : ما أصبح فلا أمسي ، و ما أمسي فلا أصبح ، لنا كندوج ندع فيه خير متاعنا ، و سمعت حبيبي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : كندوج المرء قبره
.
« للّه آباؤكم فقدّموا بعضا يكن لكم » قد عرفت أنّ ( الأمالي ) نقله « فقدّموا فضلا لكم يكن لكم » و هو أحسن ، ليكون مضمون قوله تعالى و يسألونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبيّن اللّه لكم الآيات لعلّكم تتفكّرون في الدّنيا و الآخرة
، فانّ المراد بالعفو هنا ، الفاضل عن الحاجة ، و العفو هو الإنفاق الذي حثّ عليه الشرع حتى أنّهم سألوا عن جنس ينفقونه ، فأجيبوا بما كان
صلاحهم أن يسألوه من مقداره ، و إن كان ما في المتن أنسب بقوله عليه السّلام بعد « كلاّ » ، و كيف كان قال بعضهم :
فلا تحسبنّ الوفر مالا جمعته
|
|
و لكنّ ما قدّمت من صالح وفر
|
مضى جامعوا الأموال لم يتزوّدوا
|
|
سوى الفقر يا بؤسي لمن زاده الفقر
|
« و لا تخلّفوا كلاّ يكون عليكم » و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصّالحين و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون
.
و في الخبر : كان في بني اسرائيل مجاعة حتى نبشوا الموتى ، فنبشوا قبرا فوجدوا فيه لوحا مكتوب فيه : « أنا فلان النبيّ ينبش قبري حبشي ، ما قدّمناه وجدناه ، و ما أكلناه ربحناه ، و ما خلّفناه خسرناه »
.
١٨
الخطبة ( ٢٢١ ) و من الخطبة له عليه السّلام :
دَارٌ بِالْبَلاَءِ مَحْفُوفَةٌ وَ بِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لاَ تَدُومُ أَحْوَالُهَا وَ لاَ تَسْلَمُ نُزَّالُهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَ تَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ اَلْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَ اَلْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ وَ إِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا وَ تُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّكُمْ وَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ اَلدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً وَ أَعْمَرَ دِيَاراً وَ أَبْعَدَ آثَاراً أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً وَ رِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً وَ أَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً وَ دِيَارُهُمْ خَالِيَةً وَ آثَارُهُمْ عَافِيَةً فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ
اَلْمُشَيَّدَةِ وَ اَلنَّمَارِقِ اَلْمُمَهَّدَةِ اَلصُّخُورَ وَ اَلْأَحْجَارَ اَلْمُسَنَّدَةَ وَ اَلْقُبُورَ اَللاَّطِئَةَ اَلْمُلْحَدَةَ اَلَّتِي قَدْ بُنِيَ بِالْخَرَابِ فِنَاؤُهَا وَ شُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ وَ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ وَ أَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ لاَ يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ وَ لاَ يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ اَلْجِيرَانِ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ اَلْجِوَارِ وَ دُنُوِّ اَلدَّارِ وَ كَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ وَ قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ اَلْبِلَى وَ أَكَلَتْهُمُ اَلْجَنَادِلُ وَ اَلثَّرَى وَ كَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ وَ اِرْتَهَنَكُمْ ذَلِكَ اَلْمَضْجَعُ وَ ضَمَّكُمْ ذَلِكَ اَلْمُسْتَوْدَعُ فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ وَ بُعْثِرَتِ اَلْقُبُورُ هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلاهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ١ ١٨ ١٠ : ٣٠ أقول : رواها ابن الجوزي في ( مناقبه ) جزء الخطبة المعروفة بالبالغة ،
كما نقل عنه المجلسي هكذا : فانّها دار بالبلاء محفوفة ، و بالعناء و الغدر موصوفة ، و كلّ ما فيها إلى زوال ، و هي بين أهلها منها في رخاء و سرور ، إذا هم في بلاء و غرور ، العيش فيها مذموم ، و الرّخاء فيها لا يدوم ، أهلها فيها أغراض مستهدفة ، كلّ حتفه فيها مقدور ، و حظّه من نوائبها موفور ، و أنتم عباد اللّه على محجّة من قد مضى ، و سبيل من كان ثمّ انقضى ، ممّن كان منكم أطول أعمارا ، و أشدّ بطشا و أعمر ديارا ، أصبحت أجسادهم بالية ، و ديارهم خالية ، و استبدلوا بالقصور المشيّدة و النمارق الموسّدة ، بطون اللّحود ،
و مجاورة الدّود ، في دار ساكنها مغترب ، و محلّها مقترب ، بين قوم مستوحشين ، متجاورين غير متزاورين ، لا يستأنسون بالعمران ، و لا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، و دنّو الدار ، و كيف يكون بينهم تواصل ، و قد طحنتهم البلى ، و أظلّتهم الجنادل و الثرى ، فأصبحوا
بعد الحياة أمواتا ، و بعد غضارة العيش رفاتا ، قد فجع بهم الأحباب ، و اسكنوا التّراب و ظعنوا و ليس إياب ، و تمنّوا الرّجوع فحيل بينهم و بين ما يشتهون كلاّ إنّها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
.
قال : و قد أخرج أبو نعيم طرفا من هذه الخطبة في كتابه المعروف ب ( الحلية )
و نقله ( البحار ) أيضا عن ( عيون الواسطي ) جزء خطبة طويلة مع اختلافات
، و قد نقلهما الخوئي عن ( البحار ) أيضا
.
« دار بالبلاء محفوفة » في ( نسب قريش الزبير بن بكار ) : لمّا جاء نعي أهل قديد ، نعي لامّ حكيم بنت عكاشة بن مصعب بن الزبير ، خالها صالح بن عبد اللّه بن عروة بن الزبير ، فبكت عليه في داره ، فبينا هي تبكي عليه قد أقامت المناحة ، إذ جاءها نعي عمّها حمزة بن مصعب بن الزبير و ابن عمّها عمارة بن حمزة ، فخرجت في سترين فأقامت عليهما المناحة في منزلها ، فبينما هي تبكي عليهما ، إذ جاءها نعي أخيها مصعب بن عكاشة ، فاستترت و خرجت إلى منزله ، فبكته فيه ، فبينا هي تبكي عليه إذ جاءها نعي زوجها عثمان بن عبد اللّه بن حكيم بن حزام ، فرجعت إلى منزلها ، فأقامت المناحة فيه على زوجها و كان ممّا ندبتهم به ، قول الهذليّ :
و كأنّ قلبي للحوادث مروة
|
|
بقفا المشقّر كلّ يوم تقرع
|
و روى ( أمالي الشيخ ) أنّ عروة بن الزبير قدم على الوليد بن عبد الملك و معه ابنه ، فدخل ابنه دار الدّواب فضربته دابّة فخرّ ميّتا ، و وقعت في رجل عروة الآكلة ، و لم تدع وركه تلك الليلة ، فقال له الوليد : إقطعها ، فقال : لا ، فترقّت إلى ساقه ، فقال له : إقطعها و إلاّ أفسدت عليك جسدك ، فقطعها بالمنشار و هو شيخ كبير لم يمسكها أحد و قال لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا .
و قدم على الوليد تلك السنّة قوم من عبس ، فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن سبب عماه ؟ فقال : بتّ ليلة في بطن واد ، و لا أعلم عبسيّا يزيد ماله على مالي فطرقنا سيل ، فذهب ما كان لي من أهل و ولد و مال غير بعير و صبّي مولود ، و كان البعير صعبا فندا ، فوضعت الصّبيّ و اتّبعت البعير ، فلم أجاوز إلاّ قليلا ، حتّى سمعت صيحة ابني ، و رجعت إليه و رأس الذئب في بطنه يأكله ،
فلحقت البعير لأحتبسه فرمحني برجله في وجهي فحطّمه و ذهب بعيني ،
فأصبحت لا أهل و لا مال و لا ولد و لا بصر ، فقال الوليد : إنطلقوا به إلى عروة ليعلم انّ في النّاس من هو أعظم منه بلاء
.
« و بالغدر معروفة » في ( الطبري ) : قال أبو نؤاس في البرامكة :
ان يغدر الزّمن الخؤون بنا فقد
|
|
غدر الزّمان بجعفر و محمّد
|
و قال بعضهم : الدهر لا يؤمن يومه ، و يخاف غده ، و يرضع ثديه ، و تجرح يده
.
أيضا :
أيّ خير يرجو بنو الدّهر في
|
|
الدّهر و ما زال قاتلا لبنيه
|
من يعمّر يفجع بفقد الأخلاء
|
|
و من مات فالمصيبة له
|
أيضا :
يا خاطب الدّنيا إلى نفسه
|
|
تنحّ عن خطبتها تسلم
|
إنّ التي تخطب غدّارة
|
|
قريبة العرس من المأتم
|
و في الخبر : كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يسمّي الدّنيا امّ الدّفر
، و الدّفر : النّتن و في ( كنايات الجرجاني ) : يقال للدّنيا امّ خنّور و هي الضّبع ، و لمّا استقام الأمر لعبد الملك قال : « اليوم تمكّنّا من امّ خنّور » فما أتت عليه سبعة أيّام حتّى مات
.
و كان الأصمعي يستحسن قول من قال :
ما عذر مرضعة بكأس
|
|
الموت يفطم من غذت
|
و نظيره بالفارسية :
آبستنى كه اين همه فرزند زاد و كشت
|
|
ديگر كه چشم دارد از او مهر مادرى
|
أيضا :
برو از خانه گردون بدر و نان مطلب
|
|
كاين سيه كاسه در آخر بكشد مهمان را
|
و في الخبر : تمثّلت الدّنيا للمسيح في صورة زرقاء ، فقال : كم تزوّجت ؟
قالت : لا أحصي ، قال : كلّ طلّقك ؟ قالت : بل كلاّ قتلت ، قال : ويح أزواجك الباقين
كيف لا يعتبرون من الماضين
.
و قيل بالفارسية :
چو طفل با همه بازيد و بى وفائى كرد
|
|
عجب تر آنكه نگشتند ديگران استاد
|
« لا تدوم أحوالها » قيل لابنة النّعمان ، صفي ما كنتم فيه ؟ قالت : أقول موجزا : أصبحنا و النّاس يغبطوننا ، فلم نمس حتّى رحمنا عدوّنا و في ( المعجم ) : قدم عبيد ابن سرية الجرهمي على معاوية فقال له : كم أتى عليك ؟
قال : مائتان و عشرون سنة قال : و ما أدركت ؟ قال : يوما إثر يوم ، و ليلة إثر ليلة ، متشابها كتشابه الحذف بالتحريك غنم سود صغار بلا أذناب و لا آذان يحدوان بقوم في ديار قوم يكدحون في ما يبيد عنهم ، و لا يعتبرون بمن مضى ، منهم حيّهم يتلف و مولودهم يخلف ، في دهر أيّامه تقلّب بأهلها كتقلّبها بدهرها ، بينا أخوها في الرّخاء إذ صار في البلاء ، و بينا هو في الزّيادة إذ أدركه النقصان ، و بينا هو حرّ إذ أصبح قنّا ، لا يدوم على حال بين مسرور بمولود و محزون بمفقود ، فلو لا أنّ الحيّ يتلف لم يسعهم بلد ، و لو لا أنّ المولود يخلف لم يبق أحد
.
« و لا تسلم نزّالها » في ( الطبري ) : في غارة خالد بن الوليد على مضيح بني البرشاء في ليلة واعد مع أصحابه ، فأغاروا على الهذيل و من معه و من آوى إليه ، و هم نائمون من ثلاثة أوجه ، فقتلوهم و امتلأ الفضاء قتلى ، فما شبهوا بهم إلاّ غنما مصرعة ، قال عدي بن حاتم : أغرنا على أهل المضيح ، و إذا رجل يدعى باسمه حرقوص بن النعمان من النّمر ، و إذا حوله بنوه و امرأته ، و بينهم جفنة
من خمر و هم عليها عكوف ، يقولون له : و من يشرب هذه الساعة و في اعجاز الليل ؟ فقال : اشربوا شرب و داع ، فما أرى أن تشربوا بعدها ، هذا خالد بعين التّمر و جنوده بحصيد ، و قد بلغه جمعنا و ليس بتاركنا ، فسبق إليه بعض الخيل و هو في ذلك فضرب رأسه ، فاذا هو في جفنته و أخذنا بناته و قتلنا بنيه
.
« أحوال مختلفة » في ( الطبري ) : خرج هشام يوما و هو كئيب ، يعرف ذلك فيه ، مسترخ عليه ثيابه ، و قد أرخى عنان دابّته ، فسار ساعة ثمّ انتبه ، فجمع ثيابه و أخذ بعنان دابّته ، فقال له الأبرش : رأيتك قد خرجت على حال غمّني ،
قال : و كيف لا أغتمّ و زعم أهل العلم إنّي ميّت إلى ثلاثة و ثلاثين يوما ، فلمّا كان في الليلة التي استكمل فيها المدّة سمع الصّراخ عليه ، فلمّا مات أغلق الخزّان الأبواب ، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله ، فما وجدوا حتّى استعاروا قمقما من بعض الجيران فقال بعض من حضر : إنّ في هذا المعتبرا لمن اعتبر ،
و كانت وفاته بالذبحة ، و كان هشام حبس عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد ، فلمّا صار في حدّ لا ترجى له الحياة لمثله ، أرسل عياض إلى الخزّان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء ، و أفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعوه ، فقال : أرانا كنّا خزّانا للوليد ، و مات من ساعته ، فخرج عياض من السّجن ، فختم أبواب الخزائن و أمر بهشام فأنزل عن فرشه ، فما وجدوا له قمقما حتّى استعاروه ، و لا وجدوا كفنا من الخزائن فكفّنه غالب مولى هشام ،
و كتب الوليد إلى بعضهم أن يأتي الرّصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام و ولده و يأخذ عمّا له و حشمه و قال :
ليت هشاما كان حيّا يرى
|
|
مجلسه الأوفر قد اترعا
|
كلناه بالصّاع الّذي كاله
|
|
و ما ظلمناه به إصبعا
|
و ما اتينا ذاك عن بدعة
|
|
أحلّه الفرقان لي أجمعا
|
و قال البحتري :
و ما أهل المنازل غير ركب
|
|
مناياهم رواح و ابتكار
|
لنا في الدهر آمال طوال
|
|
نرجّيها و أعمار قصار
|
و في ( لطائف الثعالبي ) : يقال ما جمعه السّفاح و المنصور و المهدي و الرشيد فرّقه الأمين ، و ما جمعه المأمون و المعتصم و الواثق فرّقه المتوكّل
.
« و تارات متصرّفة » من قولهم تارة كذا ، و تارة كذا ، في ( المروج ) : لما وفد سعد بن وقاص القادسية أميرا عليها أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر في حفدة من قومها و جواريها عليهنّ المسوح و المقطّعات السّود ، مترهّبات تطلب صلته ، فلمّا وقفن بين يديه أنكرهنّ سعد ، فقال : أيّتكن حرقة ؟ قالت ها أنا ذه ، ثمّ قالت : إنّ الدّنيا دار زوال ، و لا يدوم على حال تنتقل بأهلها انتقالا ،
و تعقبهم بعد حال حالا ، كنّا ملوك هذا المصر يجبى لنا خراجه ، و يطيعنا أهله مدى المدّة و زمان الدولة ، فلّما أدبر الأمر و انقضى صاح بنا صائح الدّهر ،
فصدع عصانا و شتّت شملنا ، و كذلك الدّهر ليس يأتي قوما بمسّرة ، إلاّ و يعقبهم بحسرة ، ثمّ أنشأت تقول :
فبينا نسوس النّاس و الأمر أمرنا
|
|
إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف
|
فافّ لدنيا لا يدوم نعيمها
|
|
تقلّب تارات و تصرّف
|
فقال سعد : قاتل اللّه عديّ بن زيد كأنّه ينظر إليها حيث يقول :
انّ للدّهر صولة فاحذرنّها
|
|
لا تبيتنّ قد أمنت الدّهورا
|
قد يبيت الفتى معافى فيردى
|
|
و لقد كان آمنا مسرورا
|
و كأنّي زمان أبيها إذا خرجت إلى بيعتها ، يفرش لها طريقها بالحرير و الديباج ، مغشّى بالخزّ و الوشي ، ثمّ تقبل في جواريها حتّى تصل إلى بيعتها و ترجع إلى منزلها
.
و عن الذهبي : هلك نوح بن منصور ملك ما وراء النهر ، و فخر الدولة ملك الرّيّ و الجبال ، و العزيز العبيدي صاحب مصر على نسق في ( ٣٨٧ و ٣٨٨ ) فقال الثعالبي :
فنوح بن منصور طوته يد الرّدى
|
|
على حسرات ضمّنتها الجوانح
|
و يا بؤس منصور ففي يوم سرخس
|
|
تمزّق عنه ملكه و هو طائح
|
و فرّق عنه الشّمل بالسّمل و اغتدى
|
|
أميرا ضريرا تعتديه الجوائح
|
و صاحب مصر قد مضى لسبيله
|
|
و والي الجبال غيّبته الضّرائح
|
و صاحب جرجانيّة في ندامة
|
|
ترصّده طرف من الحين طامح
|
و خوارزمشاه شاه وجه نعيمه
|
|
و عزّ له يوم من النّحس طائح
|
و كان علا في الأرض يخطبها أبو
|
|
عليّ إلى أن طوّحته الطوائح
|
و صاحب بست ذلك الضيغم الذي
|
|
براثنه للمشرقين مفاتح
|
أناخ به من صدمة الدّهر كلكل
|
|
فلم تغن عنه و المقدّر سانح
|
جيوش إذا أربت على عدد الحصى
|
|
تغصّ بها قيعانها و الصّحاصح
|
و دارت على صمصام دولة بويه
|
|
دوائر سوء سلبهن فوادح
|
و قد جاز والي الجوزجان قناطر
|
|
الحياة فوافته المنايا الطّوافح
|
و في السّير : تنفّس الأمين يوما أيّام حصاره في مجلسه فالتفت إلى أحد جلسائه فقال : أتراني ما تذكّرت ؟ قال : قول الشاعر :
ذكر الهوى فتنفّس المشتاق
|
|
و بدا عليه الذّل و الإطراق
|
فقال : لا و اللّه ، ثم التفت إلى آخر فقال : ما تذكّرت ؟ قال : قول الشاعر :
تذكرت بالرّيحان منك شمائلا
|
|
و بالرّاح عذبا من مقبّلك العذب
|
قال : لا و اللّه ، فالتفت إلى كوثر الخادم ، و قال : ما تذكّرت ؟ قال : قول ابن نفيلة الغسّاني :
إن كان دهر بني ساسان فرّقهم
|
|
فانّما الأمر أطوار دهارير
|
و ربّما أصبحوا يوما بمنزلة
|
|
تهاب صولتها الأسد المهاصير
|
قال : صدقت .
و في ( الطبري ) : قال بشّار التركي : خرج الرّشيد إلى الصّيد في اليوم الذي قتل جعفر البرمكيّ و جعفر معه قد خلا به دون ولاة العهد ، و هو يسير معه و قد وضع يده على عاتقه ، و قبل ذلك ما غلّفه بالغالية بيد نفسه و لم يزل معه ما يفارقه ، حتّى انصرف مع المغرب فلّما أراد الدّخول ضمّه إليه ، و قال له :
لو لا أنّي على الجلوس اللّيلة مع النساء لم افارقك ، فأقم أنت في منزلك و اشرب و اطرب لتكون أنت في مثل حالي ، فقال : ما اشتهي ذلك إلاّ معك ، فقال له :
بحياتي لمّا انصرفت فانصرف عنه إلى منزله ، فلم تزل رسل الرّشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال و الأبخرة و الرّياحين حتّى ذهب الليل ثمّ بعث إليه مسرورا ، و أمره بقتله ، و حبس الفضل و محمّد و موسى ، و وكّل سلاما
الأبرش بباب يحيى أبيه ، فقال سلام : لمّا دخلت على يحيى في ذلك الوقت و قد هتكت الستور ، و جمع المتاع ، قال لي : هكذا تقوم السّاعة و قال السندي : قدم عليّ هرثمة بن أعين ، و معه جعفر مضروب العنق على بغل بلا أكاف ، و إذا كتاب هارون يأمرني أن أشطره بإثنين ، و ان أصلبه على ثلاثة جسور ، ففعلت ما أمرني به حتى أراد هارون الخروج إلى خراسان ،
فلمّا صار بالجانب الشرقي قال للسندي : ينبغي أن يحرق هذا يعني جعفرا فلّما مضى جمع السندي له شوكا و حطبا و أحرقه
، و في ( المروج ) : قال علي بن أبي معاذ في البرامكة :
يا أيّها المغترّ بالدّهر
|
|
و الدّهر ذو صرف و ذو غدر
|
لا تأمن الدّهر و صولاته
|
|
و كن من الدّهر على حذر
|
إن كنت ذا جهل بتصريفه
|
|
فانظر إلى المصلوب بالجسر
|
فانّ فيه عبرة فاعتبر
|
|
يا ذا الحجا و العقل و الفكر
|
و خذ من الدّنيا صفي عيشها
|
|
و اجر مع الدّهر كما يجري
|
كان وزير القائم المرتضى
|
|
و ذا الحجا و الفضل و الذكر
|
و كانت الدّنيا باقطارها
|
|
إليه في البرّ و في البحر
|
يشيّد الملك بآرائه
|
|
و كان فيه نافذ الأمر
|
فبينما جعفر في ملكه
|
|
عشيّة الجمعة بالعمر
|
يطير في الدّنيا باجناحه
|
|
يأمل طول الجلد و العمر
|
إذ عثر الدّهر به عثرة
|
|
يا ويلنا في عثرة الدّهر
|
و زلّت النّعل به زلّة
|
|
كانت له قاصمة الظهر
|
فغودر البائس في ليلة
|
|
السّبت قتيلا مطلع الفجر
|
و أصبح الفضل بن يحيى و قد
|
|
أحيط بالشيخ و ما يدري
|
و جيء بالشيخ و أولاده
|
|
يحيى معا في الغلّ و الأسر
|
و البرمكيّين و اتباعهم
|
|
من كان في الآفاق و المصر
|
كأنّما كانوا على موعد
|
|
كموعد النّاس إلى الحشر
|
فأصبحوا للنّاس احدوثة
|
|
سبحان ذي السلطان و الأمر
|
أيضا : قال أبو مسلم النّخعي : دخلت على عبد الملك في قصر دار الإمارة بالكوفة ، و قد كان رأس مصعب وضع بين يديه ، فرأى منّي اضطرابا ، فسألني فقلت : دخلت هذه الدّار فرأيت رأس الحسين عليه السّلام بين يدي عبيد اللّه بن زياد ، ثمّ رأيت رأس عبيد اللّه بين يدي المختار في هذا الموضع ، ثمّ دخلتها فرأيت رأس المختار بين يدي مصعب ، و هذا رأس مصعب بين يديك ، فوقاك اللّه ، فوثب عبد الملك و أمر بهدم الطّاق الّذي على المجلس
.
و في ( المعجم ) : قال البيهقي : من العجائب أنّ آلات تناسل الوزير أبي نصر الكندري الذي قتله السلطان ألب أرسلان مدفونة بخوارزم ، و دمه مصبوب بمرو الرّوذ ، و جسده مقبور بقرية كندر ، و جمجمته و دماغه مدفونان بنيسابور ، و شواته أي : جلده رأسه محشوّة بالتّبن دفنت في كرمان ، فقال الباخرزي :
مفترقا في الأرض أجزاؤه
|
|
بين قرى شتّى و بلدان
|
جبّ بخوارزم مذاكيره
|
|
طغرلبك ذاك الملك الغاني
|
و مصّ مرو الرّوذ من جيده
|
|
معصفرا يخضبها قان
|
فالشّخص في كندر مستبطن
|
|
وراء ارماس و أكفان
|
و رأسه طار و لهفي على
|
|
مجثمه في خير جثمان
|
حلّوا بنيسابور مضمونه
|
|
و قحفه الخالي بكرمان
|
و الحكم للجبّار في ما مضى
|
|
و كلّ يوم هو في شان
|
« العيش فيها مذموم » لامتزاجه بالسّقم و الهرم و الخوف و القحط و الحاجة و الآلام و الآفات :
و من يحمد الدّنيا بعيش يسرّه
|
|
فسوف لعمري عن قليل يلومها
|
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة
|
|
و ان أقبلت كانت كثيرا همومها
|
و قال عروة بن أذينة في أخيه بكر بن أذينة :
و أيّ العيش يصلح بعد بكر
« و الأمان منها معدوم » قيل : الدّنيا أمل بين يديك ، و أجل مظلّ عليك ،
و شيطان فتّان ، و أماني جرّارة العنان ، تدعوك فتستجيب ، و ترجوها فتخيب .
« و إنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة » الغرض الهدف .
« ترميهم بسهامها و تفنيهم بحمامها » بالكسر الموت المقدّر ، في ( كامل المبرّد ) : روى أنّ يزيد بن عبد الملك قال يوما : إنّ الدّنيا لم تصف لأحد قطّ يوما ،
فاذا خلوت يوما فاطووا عنّي الأخبار ، و دعوني و لذّتي و ما خلوت له ، ثمّ دعا بحبابة فقال : اسقيني و غنّيني فخلوا في أطيب عيش ، فتناولت حبابة حبّة رمّان فوضعتها في فيها ، فغصّت بها فماتت ، فجزع يزيد جزعا أذهله و منع من دفنها ، حتّى قال له مشايخ بني أميّة : إنّ هذا عيب لا يستقال ، و إنّما هذه جيفة فأذن في دفنها و تبع جنازتها فلمّا و اراها ، قال : أمسيت و اللّه فيك كما قال كثير :
فان تسل عنك النفس أو تدع الهوى
|
|
فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
|
و كل خليل رآني فهو قائل
|
|
من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
|
فعدّ بينهما خمسة عشر يوما
.
يا دهر افّ لك من خليل
|
|
كم لك بالإشراق و الأصيل
|
من صاحب أو طالب قتيل
|
|
و الدهر لا يقنع بالبديل
|
« و اعلموا عباد اللّه أنّكم و ما تأملون من هذه الدّنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممّن كان منكم أطول أعمارا و أعمر ديارا » قال البحتري :
قصّر فإنّ الدهر ليس بمقصر
|
|
حتّى يلفّ مقدّما بمؤخّر
|
أودى بلقمان بن عاد بعد ما
|
|
أودت شبيبة بسبعة أنسر
|
و تناول الضّحاك من خلف القنا
|
|
و المشرفيّة و العديد الأكثر
|
و جذيمة الوضّاح عطّل تاجه
|
|
منه و أتبع تبّعا بالمنذر
|
و إذا ذكرت بني عبيد عبّدوا
|
|
حرّ الدّموع للوعة المتذكّر
|
أكلتهم دول الزمان و فلّلت
|
|
من حدّ شوكتهم صروف الأدهر
|
من بعد ما كانوا ذؤابة طيّىء
|
|
عددا غدوا و هم أهلّة بحتر
|
و قالوا : بنى عضد الدولة دارا بشيراز مشتملة على ثلاثمائة و ستين حجرة ، قال المقدسي في وصفها : لم أر في شرق و لا غرب مثلها ، ما دخلها عامّي إلاّ افتتن بها ، و لا عارف إلاّ استدلّ بها على نعيم الجنّة و طيبها
.
و في ( الطبري ) : خرج القعقاع بن عمرو يوم القادسية في الطّلب ، فلحق بفارسي يحمي الناس ، فاقتتلا فقتله ، و إذا مع المقتول جنيبة عليها عيبتان و علاقان ، و في العيبتين أدراع و إذا الأدراع درع كسرى ، و مغفره ، و ساقاه ،
و ساعداه ، و درع هرقل ، و درع خاقان ، و درع داهر ، و درع بهرام شوبين ، و درع سياوخش ، و درع النّعمان ، استلبوها أيّام غزاتهم خاقان و هرقل و داهر ، و أمّا النعمان و بهرام فحين هربا و خالفا كسرى ، و أمّا أحد العلاقين ففيه سيف كسرى و هرمز و قباد و فيروز ، و إذا السّيوف الاخرى سيف هرقل و خاقان و داهر و بهرام و سياوخش و النّعمان
.
و لنعم ما قيل بالفارسية :
تكيه بر اختر شبگرد مكن كاين عيّار
|
|
تاج كاوس ربود و كمر كيخسرو
|
« و أبعد آثارا » في ( المعجم ) : قرطاجنة بلد قديم ، من نواحي إفريقيّة ، كانت مدينة عظيمة شامخة ، أسوارها من الرّخام الأبيض ، و بها من العمد الرّخام المتنوّع الألوان ما لا يعدّ و لا يحصى ، و قد بنى المسلمون من رخامها لمّا خربت عدّة مدن و لم يزل الخراب فيها منذ زمان عثمان ، و إلى هذه الغاية على حالها عمودان أحمران من الحجر المانع في مجلس الملك ، أحدهما قائم و الآخر واقع ، دور كلّ منها ستّة و ثلاثون شبرا و طوله فوق أربعين ذراعا ،
و عمرت تونس من خراب قرطاجنة و حجارتها ، و قد بقى من حجارتها ما يعمّر به مدينة اخرى ، و من نظر إلى هذه المدينة عرف عظم شأن بانيها ،
و سبّح مبيد أهلها و مفنيها
.
« أصبحت أصواتهم هامدة » أي : ساكتة ، و قيل بالفارسية : عاقبت منزل ما وادى خاموشانست .
هذا ، و في ( عيون ابن قتيبة ) : كان شبث بن ربعي يتنحنح في داره
فيسمع تنحنحه بالكناسة ، و يصيح براعيه ، فيسمع نداؤه على فرسخ و سمعه أبو المجيب النّهدي في أذانه لسجاح المتنبيه ، فقال : ما سمع له بصوت أبعد من صوته بأذانه
.
« و رياحهم راكدة » أي : ساكنة من قولهم ( ركدت ريحهم ) إذا زالت دولتهم و أخذ أمرهم يتراجع ، كقوله تعالى و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم .
.
« و أجسادهم بالية » من ( بلي الثّوب ) بالكسر .
« و ديارهم خالية » و كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلاّ قليلا و كنّا نحن الوارثين
و لأحمد بن موسى الثقفي كما في الحلية :
جهول ليس تنهاه النواهي
|
|
و لا تلقاه إلاّ و هو ساهي
|
يسّر بيومه لعبا و لهوا
|
|
و لا يدري و في غده الدّواهي
|
مررت بقصره فرأيت أمرا
|
|
عجيبا فيه مزدجر و ناهي
|
بدا فوق السرير فقلت من ذا ؟
|
|
فقالوا ذلك الملك المباهي
|
رأيت على الباب سود الجواري
|
|
ينحن و هنّ يكسرن الملاهي
|
تبيّن أيّ دار أنت فيها
|
|
و لا تسكن إليها وادر ماهي ؟
|
و لخيثم العجلي كما فيه :
يا خاطب الدّنيا على نفسها
|
|
انّ لها في كلّ يوم حليل
|
ما أقتل الدّنيا لخطّابها
|
|
تقتلهم قدما قتيلا قتيل
|
تستنكح البعل و قد وطّئت
|
|
في موضع آخر منه بديل
|
انّي لمغترّ و انّ البلى
|
|
يعمل في جسمي قليلا قليل
|
تزوّدوا للموت زادا فقد
|
|
نادى مناديه الرّحيل الرّحيل
|
« و آثارهم عافية » من ( عفا المنزل ) : درس يستعمل متعدّيا و لازما .
« فاستبدلوا بالقصور المشيّدة » أي : المطوّلة .
« و النّمارق الممهّدة » ذكر ( المصباح ) و ( الأساس ) : النّمارق في ( نمر ) فكأنّهما جعلا قافه زائدة
، و أمّا ( الصحاح ) و ( القاموس ) فذكراه في ( نمرق ) كما أنّ الأوّلين فسّراه بمطلق الوسائد ، و الأخيرين بالوسادة الصغيرة
.
و الصحيح الأول ، كما هو مقتضى كلامه عليه السّلام و فسّره أيضا به السجستاني في ( تفسير غريبه )
، و الجزري في ( نهايته )
.
« الصخور » الحجارة العظام .
« و الأحجار المسنّدة » المرفوعة .
و قيل بالفارسية :
چه شد كز يك كماندار فنا اين لشكر بيحدّ
|
|
بسر دارند از لوح مزار خود سپرها را
|
« و القبور الّلاطئة » من ( لطىء بالأرض ) : لصق بها .
« الملحدة » من ( الحدت للقبر ) : جعلت له لحدا ، أي : شقّا في جانبه ، قال الشاعر :
أضحت منازلهم قفرا معطّلة
|
|
و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
|
و في ( الأغاني ) : عن ابن شيخة قال : كان رسمنا ألاّ يحضر أحد منّا في خدمة الواثق إلاّ في يوم نوبته ، و انّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي ، إذ أرسل إليّ و قد هجموا عليّ و قالوا لي : إحضر ، فقلت : الخير ، قالوا : خير ، فقلت : إنّ هذا يوم لم يحضرني فيه الخليفة قطّ ، و لعلّكم غلطتم ، فقالوا : لا تطوّل و بادر ، فقد أمرنا ألاّ ندعك تستقرّ على الأرض ، فداخلني فزع شديد ، و خفت أن يكون سعي بي ، فتقدّمت بما أردت ، حتّى وافيت الدّار ، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل ، فمنعت و أخذ بيدي الخدم فأدخلوني ، و عدلوا بي إلى ما لا أعرفه ،
فزاد ذلك في جزعي ، ثمّ لم يزل الخدم يسلّمونني من خدم إلى خدم حتّى أفضيت إلى دار مفروشة الصّحن ملبّسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب ثمّ أفضيت إلى رواق أرضه و حيطانه ملبّسة بمثل ذلك ، و إذا الواثق في صدره ،
على سرير مرصّع بالجوهر ، و عليه ثياب منسوجة بالذّهب ، و إلى جانبه ( فريدة ) جاريته عليها مثل ثيابه و في حجرها عود ، فلمّا رآني قال : طلبت ثالثا يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك ، فبحياتي بادر ، فكل شيئا و بادر إلينا ، فقلت : قد أكلت و شربت ، قال : فاجلس فجلست ، فقال : هاتوا له رطلا في قدح ، فأحضرت ذلك ، و اندفعت ( فريدة ) تغني :
أهابك إجلالا و ما بك قدرة
|
|
عليّ و لكن ملء عين حبيبها
|
و ما هجرتك النفس ياليل انّها
|
|
قلتك و ما أن قلّ منك نصيبها
|
فجاءت و اللّه بالسّحر و جعل الواثق يجاذبها و في خلال ذلك تغنّي الصّوت بعد الصّوت و أغنّي أنا في خلال ذلك ، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد فإنّا لكذلك إذ رفع الواثق رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض ، و تفتّت عودها ، و مرّت تعدو و تصحيح ، و بقيت أنا
كالمنزوع الرّوح ، و لم أشكّ في أنّ عينه وقعت عليّ و قد نظرت إليها و نظرت إليّ ، فأطرق ساعة إلى الأرض متحيّرا و أطرقت أتوقّع ضرب العنق ، فانّي لكذلك إذ قال لي : يا محمّد فوثبت فقال : ويحك أرأيت أغرب ممّا تهيّأ علينا ،
فقلت : يا سيدي الساعة و اللّه يخرج روحي ، فعلى من أصابنا بالعين لعنة اللّه ،
فما كان السّبب ؟ ألذنب ؟ قال : لا و اللّه ، و لكن فكّرت أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد و يقعد معها كما هي قاعدة معي ، فلم أطق الصّبر و خامرني ما أخرجني إلى ما رأيت ، فسرى عنّي ، و قلت : بل يقتل اللّه جعفرا و يحيى الخليفة أبدا ، و قبّلت الأرض ، و قلت : يا سيّدي اللّه اللّه ارحمها ، و مر بردّها ، فقال لبعض الخدم الوقوف : من يجيء بها فلم يكن بأسرع من أن خرجت ، و في يدها عود ، و عليها غير الثياب التي كانت عليها ، فلمّا رآها جاذبها و عانقها ، فبكت و جعل هو يبكي ،
و اندفعت أنا في البكاء ، فقالت : ما ذنبي يا سيدي ، و بأيّ شيء استوجبت هذا ؟
فأعاد عليها ما قاله و هو يبكي و هي تبكي ، فقالت : سألتك باللّه ألاّ ضربت عنقي الساعة و أرحت قلبك من الهمّ بي ، و جعلت تبكي و يبكي ثمّ مسحا أعينهما و رجعت إلى مكانها و أومى الواثق إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه ، فمضوا و أحضروا أكياسا فيها عين و ورق ، و رزما فيها ثياب كثيرة ، و جاء خادم بدرج ففتحه و أخرج منه عقدا ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه فألبسها إيّاه ،
و أحضرت بدرة فيها عشرة الآف درهم فجعلت بين يدي ، و خمسة تخوت فيها ثياب ، وعدنا إلى أمرنا أحسن ما كنّا فيه ، فلم نزل كذلك إلى اللّيل ثمّ تفرّقنا ،
و ضرب الدّهر ضربة ، و تقلّد المتوكّل فو اللّه انّي لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم عليّ رسل المتوكّل ، فما أمهلوني حتّى ركبت ، و صرت إلى الدار فادخلت و اللّه الحجرة بعينها و إذا بالمتوكّل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه و إلى جانبه ( فريدة ) فلمّا رآني قال : ويحك أما ترى ما أنا فيه من
هذه ؟ أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنّيني فتأبى ذلك فقلت لها : يا سبحان اللّه أتخالفين سيّدك و سيّدنا و سيّد البشر ، بحياته غنّي فعزفت و اللّه ثمّ اندفعت تغنّي :
مقيم بالمجازة من قنونا
|
|
و أهلك بالأجيفر فالثّماد
|
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي
|
|
عليه الموت يطرق أو يغادي
|
ثمّ ضربت بالعود الأرض ، ثمّ رمت بنفسها عن السّرير ، و مرّت تعدو و هي تصيح واسيّداه فقال لي : ويحك ما هذا ؟ فقلت : لا أدري و اللّه يا سيدي فقال : فما ترى ؟ فقلت : أرى أن أنصرف ، أنا ، و تحضر هذه و معها غيرها ، فإنّ الأمر يؤول إلى ما تريد قال : فانصرف ، فانصرفت و لم أدر ما كانت القصّة
.
« الّتي قد بنى بالخراب فنائها » ( بالكسر ) و فناء الدّار : ما امتدّ من جوانبها .
« و شيد بالتّراب بناؤها » أي : رفع و طوّل بالفارسية :
هر كه را خوابگه آخر بدو مشتى خاك است
|
|
گو چه حاجت كه بر افلاك كشى ايوان را
|
« فمحلّها مقترب ، و ساكنها مغترب » :
غريب و أطراف البيوت تحوطه
|
|
ألا كلّ من تحت التراب غريب
|
« بين أهل محلّة موحشين » فالقبر ينادي كلّ يوم بلسان حاله أنا بيت الوحشة .
و أهل فراغ متشاغلين ، كلّ نفس بما كسبت رهينة
.
و لو أنّا إذا متنا تركنا
|
|
لكان الموت راحة كلّ حيّ
|
« لا يستأنسون بالأوطان و لا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار و دنوّ الدّار » كما هو قاعدة الأحياء ، كما أنّ مع قرب جوارهم و دنوّ دارهم قد يكون أحدهم مصداق قوله تعالى فأمّا إن كان من المقرّبين فروح و ريحان و جنّة نعيم
، و آخر مصداق قوله تعالى و أمّا إن كان من المكذّبين الضّاليّن فنزل من حميم و تصلية جحيم
.
و كان الرضا عليه السّلام يقول كرارا : أنا و هارون كهاتين
، و يشير إلى سبّابته و وسطاه ، فلم يفهموا مراده عليه السّلام حتّى دفنه المأمون إلى جنب قبر أبيه « و كيف يكون بينهم تزاور و قد طحنهم بكلكله » أي : صدره .
« البلى » بالكسر من بلى الثّوب .
« و أكلتهم الجنادل » أي : الأحجار الكبيرة .
« و الثّرى » أي : ندى التّراب .
ابعد الّذي بالنّعف نعف كويكب
|
|
رهينة رمس ذي تراب و جندل
|
« و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه » و من سرعته كأنّه وقع .
« و أرتهنكم ذلك المضجع و ضمّكم ذلك المستودع » و يعبّر عن هذا المعنى بالفارسية ( شما هم پاك مانند آنها اسيران خاك بشويد ) .
و في ( المروج ) : قيل للمتوكّل : إنّ في منزل الهادي عليه السّلام سلاحا و كتبا من شيعته فوجّه إليه ليلا من هجم عليه على غفلة ، فوجد في بيت وحده مغلق عليه ، و عليه مدرعة من شعر ، و لا بساط في البيت إلاّ الرمل و الحصى ، يترنّم
بآيات في الوعد و الوعيد ، فاخذ على ما وجد عليه إلى المتوكّل ، و كان يشرب و في يده كأس فلمّا رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه ، و قالوا له لم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه ، فناوله المتوكّل الكأس الذي في يده ، فقال عليه السّلام له : ما خامر لحمي و دمي قطّ فقال : أنشدني شعرا استحسنه ؟ فقال عليه السّلام : إنّي قليل الرواية للأشعار ، فقال لابدّ فأنشده :
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم
|
|
غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
|
و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم
|
|
فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
|
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا
|
|
أين الأسرّة و التّيجان و الحلل
|
أين الوجوه التي كانت منعّمة
|
|
من دونها تضرب الأستار و الكلل
|
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم
|
|
تلك الوجوه عليها الدّود يقتتل
|
قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا
|
|
فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
|
فأشفق الحاضرون عليه عليه السّلام من المتوكّل ، و و اللّه لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتّى بلّلت دموعه لحيته ، و بكى من حضره ، و أمر برفع الشّراب و ردّه مكرّما
.
و في ( الكافي ) عن أبي بصير ، قال : شكوت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام الوسواس ، فقال : يا أبا محمّد اذكر تقطّع أوصالك في قبرك و رجوع أحبابك عنك إذا دفنوك في حفرتك ، و خروج بنات الماء من منخريك ، و أكل الدّود لحمك ، فإنّ ذلك يسلّي عنك ما أنت فيه ، قال أبو بصير : ما ذكرته إلاّ سلا عنّي ما أنا فيه من همّ الدّنيا
.
« فكيف بكم إذا تناهت بكم الامور و بعثرت القبور » يعني ما شرحت حال
برزخكم ، فكيف إذا تناهى الأمر من البرزخ إلى المحشر ، فمن شدّة أهواله تظنّون البرزخ نوم راحة ، و نفخ في الصّور فإذاهم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرّحمن و صدق المرسلون
، إذا السماء انفطرت و إذا الكواكب انتثرت و إذا البحار فجّرت و إذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدّمت و أخّرت
، أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور و حصّل ما في الصّدور إنّ ربّهم بهم يومئذ لخبير
، أي : أثيرت القبور و اخرج ما فيها .
« هنا لك تبلو كلّ نفس ما أسلفت و ردّوا إلى اللّه مولاهم الحقّ و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون » اقتباس الآية الثلاثين من سورة يونس ، و في قراءة ( هنا لك تتلو . ) يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم
.
١٩
الكتاب ( ٤٩ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى غيره :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا وَ لَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلاَّ فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا وَ لَهَجاً بِهَا وَ لَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ نَقْضُ مَا أَبْرَمَ وَ لَوِ اِعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ وَ اَلسَّلاَمُ أقول : قوله و من كتاب له عليه السّلام إلى غيره هكذا في ( المصرية )
و في ( ابن
أبي الحديد ) « إلى معاوية » بدل « إلى غيره » و في ( الخطية )
، بدله ( إليه ) أي : إلى معاوية و في ( ابن ميثم ) بياض
.
و كيف كان فالكتاب إنّما كان منه عليه السّلام إلى عمرو بن العاص كما ذكره الدينوري في ( أخبار طواله ) ، و نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) ، قال الأول :
كتب عليه السّلام إلى عمرو : أما بعد فإنّ الدّنيا مشغلة عن غيرها ، صاحبها منهوم فيها ، لا يصيب منها شيئا إلاّ ازداد عليها حرصا ، و لم يستغن بما نال عمّا لا يبلغ ، و من وراء ذلك فراق ما جمع و السعيد من اتّعظ بغيره ، فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية في باطله ، فانّه سفّه الحق و اختار الباطل .
و قال الثاني : كتب عليه السّلام إلى عمرو : أمّا بعد ، فإنّ الدّنيا مشغلة عن غيرها ،
و صاحبها مقهور فيها ، لم يصب منها شيئا قطّ إلاّ فتحت له حرصا ، و أدخلت عليه مؤونة تزيده رغبة ، و لن يستغني صاحبها بما نال عمّا لا يبلغه ، و من وراء ذلك فراق ما جمع ، و السّعيد من وعظ بغيره ، فلا تحبط أجرك أبا عبد اللّه و لا تجارينّ معاوية في باطله ، فانّ معاوية غمص النّاس و سفه الحقّ ، ذكره مرّتين تارة من النخيلة ، و اخرى بعد التحكيم
.
و زاد في الثّاني : انّ عمرا أجابه : ( إنّا جعلنا القرآن حكما بيننا فأجبنا إليه ) فكتب عليه السّلام إليه : ( أمّا بعد فإنّ الذي أعجبك من الدّنيا ممّا نازعتك إليه نفسك ،
و وثقت به منها لمنقلب عنك و مفارق لك ، فلا تطمئنّ إلى الدّنيا فإنّها غرّارة ، و لو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقى و انتفعت بما وعظت به ) و ممّا نقلنا يظهر أنّ نقل المصنّف مختاره من كتابيه عليه السّلام إلى عمرو
.
« أمّا بعد فإنّ الدّنيا مشغلة عن غيرها و لم يصب صاحبها منها شيئا إلاّ فتحت له حرصا عليها » في ( الكافي ) عن الكاظم عليه السّلام قال لهشام بن الحكم : ( مثل الدّنيا مثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتّى يقتله )
.
« و لهجا بها » أي : حرصا و ولوعا بها .
« و لن يستغني صاحبها بما نال فيها عمّا لم يبلغه منها » قال الباقر عليه السّلام :
« مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ كلّما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج »
.
و نظم البستي معنى كلامه عليه السّلام فقال :
ألم تر انّ المرء طول حياته
|
|
معنّى بأمر لا يزال يعالجه
|
تراه كدود القزّ ينسج دائبا
|
|
و يهلك غمّا وسط ما هو ناسجه
|
« و من وراء ذلك فراق ما جمع و نقض ما أبرم » . و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
، و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة .
.
و قيل بالفارسية :
اى خداوند آن طاق و طمطراق
|
|
صحبت دنيا نيرزد با فراق
|
اندك اندك خانمان آراستن
|
|
پس به يك بار از سرش برخاستن
|
« و لو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقى » قد عرفت من رواية نصر انّه عليه السّلام زاد عليه : « و انتفعت ممّا وعظت به » .
٢٠
الكتاب ( ٦٨ ) و من كتاب له عليه السّلام إلى سلمان الفارسي رحمه اللّه قبل ايّام خلافته :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ اَلدُّنْيَا مَثَلُ اَلْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا وَ ضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا لِمَا أَيْقَنْتَ مِنْ فِرَاقِهَا وَ كُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اِطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ الحكمة ( ١١٩ ) و قال عليه السّلام :
مَثَلُ اَلدُّنْيَا كَمَثَلِ اَلْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَ اَلسَّمُّ اَلنَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا يَهْوِي إِلَيْهَا اَلْغِرُّ اَلْجَاهِلُ وَ يَحْذَرُهَا ذُو اَللُّبِّ اَلْعَاقِلُ من الخطبة ( ١٥٦ ) وَ أَتَوَكَّلُ عَلَى اَللَّهِ تَوَكُّلَ اَلْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَ أَسْتَرْشِدُهُ اَلسَّبِيلَ اَلْمُؤَدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ اَلْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ طَاعَتِهِ فَإِنَّهَا اَلنَّجَاةُ غَداً وَ اَلْمَنْجَاةُ أَبَداً رَهَّبَ فَأَبْلَغَ وَ رَغَّبَ فَأَسْبَغَ وَ وَصَفَ لَكُمُ اَلدُّنْيَا وَ اِنْقِطَاعَهَا وَ زَوَالَهَا وَ اِنْتِقَالَهَا فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اَللَّهِ وَ أَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اَللَّهِ فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ غُمُومَهَا وَ أَشْغَالَهَا لِمَا أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَ تَصَرُّفِ حَالِهَا فَاحْذَرُوا حَذَرَ اَلشَّفِيقِ اَلنَّاصِحِ وَ اَلْمُجِدِّ اَلْكَادِحِ وَ اِعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ اَلْقُرُونِ قَبْلَكُمْ قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ وَ زَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَ أَسْمَاعُهُمْ وَ ذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَ عِزُّهُمْ وَ اِنْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَ نَعِيمُهُمْ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ اَلْأَوْلاَدِ فَقْدَهَا
وَ بِصُحْبَةِ اَلْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا لاَ يَتَفَاخَرُونَ وَ لاَ يَتَنَاسَلُونَ وَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ وَ لاَ يَتَحَاوَرُونَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ حَذَرَ اَلْغَالِبِ لِنَفْسِهِ اَلْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ اَلنَّاظِرِ بِعَقْلِهِ فَإِنَّ اَلْأَمْرَ وَاضِحٌ وَ اَلْعَلَمَ قَائِمٌ وَ اَلطَّرِيقَ جَدَدٌ وَ اَلسَّبِيلَ قَصْدٌ أقول : و روى الأوّل المفيد في ( إرشاده ) بدون ذكر كونه كتابا إلى سلمان مع تبديل قوله عليه السّلام « قاتل سمّها » بقوله « شديد سمّها »
، و روى الثاني الكليني في ( كافيه ) عن الصادق عليه السّلام هكذا : « انّ في كتاب عليّ عليه السّلام انّما مثل الدّنيا كمثل الحيّة ما ألين مسّها و في جوفها السمّ الناقع يحذرها الرّجل العاقل و يهوى إليها الصّبيّ الجاهل »
.
قول المصنّف : « و من كتاب له إلى سلمان الفارسي » قال المصنّف في ( مجازاته النبويّة ) قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله « سلمان ابن الإسلام ، و سلمان جلدة بين عينيّ » و جلدة بين العينين كناية عن الأنف
.
و قال ابن أبي الحديد : ( توفّي آخر خلافة عثمان آخر سنة ( ٣٥ ) أو أوّل ( ٣٦ ) ، و قيل : توفّي في خلافة عمر ، و الأوّل أكثر )
.
قلت : بل الثاني أظهر حيث ليس منه أيّام عثمان ذكر في السّير كما من أبي ذرّ ، و قال ابن أبي الحديد كان سلمان من شيعة عليّ عليه السّلام و خاصّته و تزعم الإمامية انّه أحد الأربعة الذين حلقوا رؤوسهم و أتوه متقلّدي سيوفهم و أصحابنا لا يخالفونهم في انّه من الشيعة و انّما يخالفونهم في أمر أبي بكر و امّا ما يذكره المحدّثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة « كرديد و نكرديد »
فمحمول عند أصحابنا على ان المراد « صنعتم شيئا و ما صنعتم » : أي :
استخلفتم خليفة و نعم ما فعلتم ، لا أنّكم عدلتم عن أهل البيت فلو كان الخليفة منهم كان أولى ، و الإمامية تقول معناه ( أسلمتم و ما أسلمتم ) و اللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطي هذا المعنى و انّما يدلّ على الفعل و العمل لا غير و يدلّ على صحّة قول أصحابنا ان سلمان عمل لعمر على المدائن ، فلو كان ما تنسبه إليه الإماميّة حقا لم يعمل » قلت بل قوله في تفسير قول سلمان « كرديد و نكرديد » « يعني استخلفتم خليفة و نعم ما فعلتم » من قبيل ما قيل بالفارسيّة « لفظ ميگوئى و معنى ز خدا ميطلبى » و انّما من الواضح ان معنى كلام سلمان « انّكم فعلتم شيئا عند أنفسكم الاّ انّه في الواقع ما فعلتم شيئا أصلا » و لازمه ما نقله عن الامامية من كون المراد انّكم و ان اسلمتم أوّلا إلاّ انّه كانّه ما أسلمتم بفعلكم أخيرا ، و امّا عمله لعمر على المدائن فلو كان دالاّ على صحّة خلافته كان عدم أكله من عطائه دليلا على عدم صحّة خلافته فقال نفسه
( قال ابن عبد البركان سلمان يسفّ الخوص و هو أمير على المدائن و يبيعه و يأكل منه و يقول لا أحب أن آكل إلاّ من عمل يدي ) و قال الحسن البصري كان عطاء سلمان خمسة آلاف و كان إذا خرج عطائه تصدّق به و يأكل من عمل يده و كانت له عبائة يفرش بعضها و يلبس بعضها )
مع انّه روى ابو عبد اللّه محمّد بن علي السّراج في كتابه كما في الطّرائف باسناده عن ابن مسعود قال قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يا ابن مسعود قد انزلت عليّ و اتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة .
و أنا مستودعكها و مسمّ لك خاصّة
الظّلمة فكن لما أقول لك واعيا و عنّي له مؤدّيا ( من ظلم عليّا مجلسي هذا كمن جحد نبوّتي و نبوّة من كان قبلي ) فقال له الراوي يا أبا عبد الرحمن أسمعت هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : نعم قال : فكيف ولّيت للظالمين قال : لا جرم جلبت عقوبة عملي و ذلك أنّي لم استأذن إمامي كما استأذنه جندب و عمّار و سلمان و أنا استغفر اللّه
.
قال ابن أبي الحديد : قال ابن عبد البر روى من حديث بريدة ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : ( أمرني ربّي بحبّ أربعة و أخبرني انّه يحبّهم عليّ و أبوذرّ و المقداد و سلمان ) و قد روينا عن عايشة قالت : ( كان لسلمان مجلس من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يتفرّد به بالليل حتّى كاد يغلبنا على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ) و قد روى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من وجوه قال : ( لو كان الدّين في الثّريّا لنا له سلمان ) و روى الأعمش عن عمرو بن مرّة عن أبي البختري عن عليّ عليه السّلام انّه سئل عن سلمان فقال : ( علم العلم الأوّل و العلم الآخر ، ذاك بحر لا ينزف و هو منّا أهل البيت ) و في رواية زاذان عن عليّ عليه السّلام قال : ( سلمان الفارسي كلقمان الحكيم ) و روى قتادة عن أبي هريرة قال : ( سلمان صاحب الكتابين : يعني الإنجيل و القرآن ) و قال كعب الأخبار : ( سلمان حشى علما و حكمة ) و في الحديث المروي انّ أبا سفيان مرّ على سلمان و صهيب و بلال في نفر من المسلمين فقالوا : ( ما أخذت السيوف من عنق عدوّ اللّه مأخذها ) فقال لهم أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش و سيّدها ؟ و أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أخبره فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ( يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت اللّه تعالى ) و روى في خبر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اشترى سلمان من أربابه و هم يهود بدراهم و على أن يغرس لهم من النخل كذا و كذا و يعمل فيها حتّى تدرك فغرس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذلك النخل كلّه بيده إلاّ
نخلة واحدة غرسها عمر ، فأطعم النخل كلّه إلاّ تلك النخلة فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من غرسها ؟ قيل عمر ، فقلعها و غرسها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيده فأطعمت ) .
قلت : و لا غرو ان يكون للفاروق آيات كآيات صاحب حنيفة كما أنّ الصّديق كان يؤكّد أسباب صداقته مع قريش أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليعاضدوه بعده على الوصيّ و قد فعلوا
.
و روى أبو نعيم في ( حليته ) مسندا عن ابن عباس قال : قدم سلمان من غيبة له فتلقّاه عمر فقال : أرضيك عبدا للّه تعالى ، قال سلمان فزوّجني ، فسكت عنه عمر فقال له سلمان : ( أترضاني للّه عبدا و لا ترضاني لنفسك ؟ ) فلما أصبح أتاه قوم عمر فقال : ألكم حاجة ؟ قالوا نعم تضرب عن هذا الأمر
.
« قبل أيّام خلافته » قد عرفت انّ سلمان لم يدرك أيام خلافته و مات زمان عمر أو عثمان و الظاهر أنّ كتابه عليه السّلام إليه كان أيّام ولايته على المدائن من قبل عمر .
« قوله عليه السّلام في الأول أمّا بعد فانّما مثل الدّنيا مثل الحيّة ليّن مسّها قاتل سمّها » قال شاعر :
إذا تبرّجت الدّنيا فعاهرة
|
|
خضابها من دم تصبى فتغتال
|
كأنّها حيّة راقت منقّشة
|
|
و لان ملمسها و السمّ قتّال
|
هذا ، و في ( الأذكياء ) : بلغ عضد الدولة خبر قوم من الأكراد يقطعون الطريق و يقيمون في جبال لا يقدر عليهم فدفع إلى تاجر بغلا عليه صندوقان فيهما حلوى شيبت بالسّمّ و أكثر طيبها و ترك في الظروف الفاخرة و أمره أن يسير مع القافلة و يظهر انّ هذه هديّة لإحدى نساء أمراء الأطراف فلمّا قربت
القافلة من جبالهم نزلوا و أخذوا الأموال و فتحوا الصندوقين و وجدوا الحلوى يضوع طيبها فأمعنوا في الأكل عقيب مجاعة فانقلبوا فهلكوا عن آخرهم فبادر التّجار إلى أخذ أموالهم و أمتعتهم
.
« و قوله عليه السّلام في الثاني مثل الدّنيا كمثل الحيّة لين مسّها و السمّ النّاقع في جوفها » في ( الأساس ) : نقع السمّ في ناب الحيّة : اجتمع قال النابعة ( في أنيابها السمّ ناقع ) ( و سمّ نقيع و منقّع مربي )
.
قال ابن أبي الحديد قال أبو العتاهية :
إنّما الدهر أرقم ليّن المسّ
|
|
و في نابه السّمام العقام
|
« يهوى إليها الغرّ الجاهل » الغرّ بالكسر : غير المجرّب .
« و يحذرها ذو اللّبّ العاقل » قد عرفت أنّ في خبر ( الكافي ) « يحذرها الرّجل العاقل و يهودى إليها الصّبيّ الجاهل » .
و في ( تاريخ بغداد ) : لمّا قدم الرشيد الكوفة أمر لقوم من القرّاء بألفين ألفين فكان داود الطائي ممّن كتب فيهم و دعى باسمه فقال : ( داود لا يجيئكم أرسلوها إليه ) فذهب بها إليه ابن السماك و حمّاد بن أبي حنيفة و قالا في الطريق ننشرها بين يديه ، رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم لا يردّها ،
فلمّا دخلا نثراها بين يديه فقال شوه إنّما يفعل هذا بالصّبيان ، و أبي أن يقبلها
.
و ما قاله عليه السّلام أحد أمثال الدّنيا و أهلها ، و من أمثالها مع أهلها قول الباقر عليه السّلام : ( مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ كلّما ازدادت على نفسها
لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا )
، و قول الصادق عليه السّلام : ( مثل الدّنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتّى يقتله )
.
روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّ على جدي اسكّ مقطوع الاذن ملقى على مزبلة و لم يك في حياته يساوي درهما فقال « الدّنيا أهون على اللّه تعالى من هذا الجدي على أهله » و عنه صلّى اللّه عليه و آله : ( مثلي و مثل الدّنيا كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال من القيلولة تحتها ثمّ راح و تركها ) و قالوا : هي كفيء الظّلال ، و قال أبوذرّ : ( أنت يوم تفارقهم ، كضيف بتّ فيهم ثمّ غدوت عنهم إلى غيرهم ) و شبّهها هو عليه السّلام أيضا ( باللّماظة اي ما يبقى في الفمّ من الطعام ) و بعرق خنزير في يد مجذوم
.
« قوله عليه السّلام في الأول : فاعرض عمّا يعجبك فيها لقلّة ما يصحبك منها ، و في الثالث فاعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها » لبعضهم ( تعزّ عن الشيء إذا ما منعته لقلّة ما يصحبك إذا أعطيته و ما خفّف الحساب و قلّله خير ممّا كثّره و ثقّله ) و في ( الإرشاد ) : عن محمّد بن الفرج ،
إنّ الهادي عليه السّلام كتب إليه ، اجمع أمرك ، فجمعت أمري و لست أدري مراده حتّى ورد عليّ من حملني مصفّدا بالحديد و ضرب على ما أملك ، فمكثت في السجن ثماني سنين فورد عليّ كتابه عليه السّلام لا تنزل في ناحية الجانب الغربي ،
فعجبت فما مكثت إلاّ أيّاما حتّى أفرج عنّي ، و خرجت فكتبت إليه عليه السّلام بعد خروجي أسأله أن يسأل تعالى ردّ ضياعي فكتب : سوف يردّ عليك ضياعك و ما يضرّك ألاّ يردّ عليك ، قال الراوي : فلمّا شخص إلى العسكر كتب له بردّ
ضياعه فلم يصل الكتاب حتّى مات
.
« قوله عليه السّلام في الأوّل : و ضع عنك من همومها لما أيقنت من فراقها » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( لما أيقنت به ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
.
« قوله في الثّالث : فغضّوا عنكم عباد اللّه غمومها و أشغالها لما أيقنتم به من فراقها و تصرّف حالها » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( حالاتها )
كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
في ( الكافي ) عن أبي بصير ، قال : شكوت إلى الصادق عليه السّلام الوسواس فقال : ( اذكر تقطّع أوصالك في قبرك و رجوع أحبّائك عنك إذا دفنوك في حفرتك و خروج بنات الماء من منخريك و أكل الدّود لحمك فانّ ذلك يسلّي عنك ما أنت فيه ) فما ذكرته إلاّ سلا عنّي ما أنا فيه من همّ الدّنيا
.
و في ( كامل المبرّد ) : طالب يعقوب بن الربيع حاجب المنصور جارية سبع سنين يبذل فيها جاهه و ماله و اخوانه حتّى ملكها فأقامت عنده ستّة أشهر ثم ماتت ، فقال :
انّما حسرتي إذا ما تذكّرت
|
|
عنائي بها و طول طلابي
|
لم أزل في الطّلاب سبع سنين
|
|
أتأنّى لذاك من كلّ باب
|
فاجتمعنا على اتّفاق و قدر
|
|
و غنينا عن فرقة باصطحاب
|
أشهرا ستّة صحبتك فيها
|
|
كنّ كالحلم أو كلمع السّراب
|
و أتاني النّعي منك مع البشرى
|
|
فيا قرب أوبة من ذهاب
|
« و كن انس ما تكون بها أحذر ما تكون منها » قالوا الدّنيا كعدوّ موتور و قالت الحكماء : جانب الموتور و كن أحذر ما تكون له ألطف ما يكون لك
و قالوا :
و كذاك الدّهر مأتمه
|
|
أقرب الأشياء من عرسه
|
و قال يعقوب المتقدّم في تلك الجارية :
يا ملك فيّ و فيك معتبر
|
|
و مواعظ توحش ذا الأنس
|
« فإنّ صاحبها كلّما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور » .
في ( المروج ) : لبس سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة في ولايته لباسا شهر به ، و تعطّر و دعا بتخت فيه عمائم و بيده مرآة ، فلم يزل يعتمّ بواحدة بعد واحدة ، حتّى رضى منها واحدة فأرخى من سدولها و أخذ بيده مخصرة و علا المنبر ناظرا في عطفيه ، و خطب خطبته التي أرادها فأعجبته نفسه ، فقال : أنا الملك الشابّ ، السيّد المهاب ، الكريم الوهّاب فتمثّلت أي : صارت ممثّلة له جارية من بعض جواريه كان يتخطّاها فقال لها كيف ترينني ؟ قالت أراك منى النّفس لو لا ما قال الشاعر :
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
|
|
غير الاّ بقاء للإنسان
|
ليس فيما بدا لنا منك عيب
|
|
يا سليمان غير أنّك فان
|
فدمعت عيناه و خرج على الناس باكيا ، فلّما فرغ دعا بالجارية ، فقال : ما دعاك إلى ما قلت لي ؟ قالت : و اللّه ما رأيتك اليوم و لا دخلت عليك ، فأكبر ذلك
و دعا بقيّمة جواريه فصدّقتها في قولها ، فراع ذلك سليمان و لم ينتفع بنفسه ،
و لم يمكث بعد ذلك إلاّ مدّة حتّى توفّى
.
فيه أيضا : و لم يكن المتوكّل أشدّ سرورا منه في اليوم الّذي قتل فيه ،
فلقد أصبح في ذلك اليوم نشيطا فرحا مسرورا و قال كأنّي أجد حركة الدّم فاحتجم في ذلك اليوم ، و أحضر النّدماء و الملّهين فاشتدّ سروره ، و كثر فرحه فانقلب ترحا و حزنا
و فيه : كان يزيد بن عبد الملك ذات يوم في مجلسه و قد غنّته حبّابة و سلامة فطرب طربا شديدا ثمّ قال أريد أن أطير فقالت له حبّابة فعلى من تدع الامّة و تدعنا ، و اعتلّت حبّابة فأقام يزيد أيّاما لا يظهر إلى الناس ثمّ ماتت فأقام أيّاما لا يدفنها جزعا عليها حتّى جيفت فقيل له انّ النّاس يتحدّثون عنك بذلك فدفنها و أقام بعدها أيّاما قلائل و مات
.
هذا و زاد ابن أبي الحديد بعد ما مرّ : « أو إلى ايناس أزالته عنه إلى إيحاش »
و ليس في ( ابن ميثم ) كما ليس في ( المصرية )
.
« قوله عليه السّلام في الثّالث : و أتوكّل على اللّه توكّل الإنابة إليه » في ( الصحاح ) : ( أناب إلى اللّه ) أي : أقبل و تاب .
« و استرشده السبيل المؤدّية إلى جنّته » في ( الصحاح ) : السبيل يذكّر و يؤنّث
قال تعالى : هذه سبيلي .
و قال تعالى و إن يروا سبيل
الرّشد لا يتّخذوه سبيلا .
.
« القاصدة إلى محلّ رغبته » قال تعالى ، بعد نهيه عن الشرك ، و أمره بإحسان الوالدين ، و نهيه عن قتل الأولاد للإملاق ، و عن قرب الفواحش ظاهرة و باطنة ، و عن قتل النّفس المحرّمة ، و عن قرب مال اليتيم ، و أمره بايفاء الكيل و الميزان ، و بالعدل في القول و لو على القربى ، و بالايفاء بعهده تعالى ذلكم وصّاكم به لعلّكم تذكّرون و أنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّيكم به لعلّكم تتّقون
.
« أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه و طاعته » لأنّه تعالى وصّى بهما .
« فانّها » قالوا أي : تقواه و طاعته ، و توحيد الضمير لكونهما في المعنى واحدا .
« النّجاة غدا » أي : القيامة ، قال تعالى : و إن منكم إلاّ واردها كان على ربّك حتما مقضيّا ثمّ ننجي الذين اتّقوا و نذر الظالمين فيها جثيّا
.
« و المنجاة أبدا » أي : اليوم و غدا ، قال تعالى : و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب .
، و الظاهر أنّ ( المنجاة ) هنا اسم مكان مثله في قول أبي شيبة الباهلي :
فهل تأوى إلى المنجاة انّي
أخاف عليك معتلج السّيول
كما أنّ المراد ( بالنجاة ) قيل المحلّ المرتفع الّذي تظنّ أنّه نجاؤوك لا يعلوه السّيل لا النّاقة التي ينجى عليها لأنّه لا قرينة لإرادتها ، و ممّا ذكرنا يظهر
لك ما في قول ابن أبي الحديد : « المنجاة مصدر نجا ينحو نجاءا و منجاة و النّجاة النّاقة ينجى عليها استعارها للطاعة و التقوى »
.
« رهّب فأبلغ » إنّما هو إله واحد فإيّاي فارهبون
.
« و رغّب فأسبغ » فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون
، . و في ذلك فليتنافس المتنافسون
.
« و وصف لكم الدّنيا و إنقطاعها و زوالها و إنتقالها » و اضرب لهم مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرّياح .
.
« أقرب دار من سخط اللّه و أبعدها من رضوان اللّه » في ( الكافي ) عن السجّاد عليه السّلام سئل أيّ الأعمال أفضل عند اللّه تعالى ؟ فقال : ما من عمل بعد معرفة اللّه تعالى و رسوله أفضل من بغض الدّنيا
.
و عن الصادق عليه السلام في ما ناجى اللّه تعالى موسى عليه السلام : ( لا تركن يا موسى إلى الدّنيا ركون الظّالمين و ركون من اتّخذها أبا و أمّا إلى أن قال و اعلم انّ كلّ فتنة بدؤها حبّ الدّنيا »
.
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أنّه مرّ على جدي مقطوع الاذن ميت ، فقال الدّنيا أهون على اللّه تعالى من هذا على أهله
، و روى انّها لو كانت تساوي عندة تعالى
جناح بعوضة ما سقي كافرا شربة منها .
« فاحذرها حذر الشفيق النّاصح » قيل أي : فاحذروها على أنفسكم لأنفسكم كما يحذر الشفيق النّاصح على صاحبه .
« و المجدّ الكادح » قيل أي : و كما يحذر المجدّ الكادح أي : الساعي من خيبة سعيه و في الصحاح يقال جدّ و اجدّ قال الأصمعي يقال ( انّه جادّ مجدّ ) باللّغتين
.
« و اعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم » قال تعالى بعد ذكر أهلاكه كلاّ من قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و لقد يسّرنا القرآن للّذكر فهل من مدّكر
، و قال تعالى بعد ذكر قوم فرعون : فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر
، و قال تعالى أيضا و لقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر
.
« قد تزايلت أوصالهم » مرّ قول الصادق عليه السلام لأبي بصير لمّا شكا إليه وسواس الدّنيا « اذكر تقطّع أوصالك في قبرك » .
« و زالت أبصارهم و أسماعهم » أي : عيونهم و آذانهم .
« و ذهب شرفهم و عزّهم و انقطع سرورهم و نعيمهم » في ( معارف ابن قتيبة ) :
كان جذيمة الأبرش لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه و ينادم الفرقدين فاذا شرب قدحا صبّ لهذا قدحا و لهذا قدحا ، و كان لنعمان بن المنذر يوم بؤس و يوم نعيم و هو صاحب الغريّين و كان يغريهما بدم من يقتله ممّن رآه يوم بؤسه
.
« فبدّلوا بقرب الأولاد فقدها و بصحبة الأزواج مفارقتها » و في ( الكافي )
عنه عليه السلام : ( تدارك ما بقي من عمرك و لا تقل غدا و بعد غد فانّما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني و التسويف حتّى أتاهم أمر اللّه بغتة و هم غافلون فنقلوا على أعوادهم إلى القبور المظلمة الضيّقة و قد أسلمهم الأولاد و الأهلون »
.
« لا يتفاخرون و لا يتناسلون » كما كانوا في حياتهم قال تعالى : اعلموا انّما الحياة الدّنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد
.
هذا ، و في ( شعراء ابن قتيبة ) : قال عمرو بن هند ملك الحيرة ذات يوم :
هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمّه من خدمة امّي ؟ قالوا : لا نعلمها إلاّ ليلى امّ عمرو بن كلثوم ، قال و كيف ؟ قالوا لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة و عمّها كليب وائل أعزّ العرب و بعلها كلثوم بن عتاب فارس العرب و ابنها عمرو سيّد من هو منه ، فأرسل إلى عمرو بن كلثوم يستزيره و سأله ان يزير امّه فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة في جماعة من بني تغلب و أقبلت ليلى في ظعن من بني تغلب و أمر عمرو بن هند برواقة فضرب ما بين الحيرة و الفرات و أرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا و دخل عمرو بن كلثوم رواقة و دخلت ليلى امّه على هند امّ ( عمرو بن هند ) قبّتها فدعا عمرو بن هند بمائدة فنصبها ثمّ دعا بالطّرف فقالت هند : يا ليلى ناوليني ذلك الطّبق ، فقالت : لتقم صاحب الحاجة إلى حاجتها ، فأعادت عليها فلّما ألّحت صاحت ليلى و اذلاّه يا لتغلب فسمعها عمرو بن كلثوم ، فثار الدّم في وجهه ، فقام إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرّواق و ليس هناك سيف غيره فضرب به رأس عمرو بن هند حتّى قتله ،
و نادى بني تغلب فانتهبوا جميع ما في الرّواق ، و استاقوا نجائبه و ساروا نحو الجزيرة
.
و في ( معارفه ) : يقال وقع إلى الأرض من صلب المهلّب ثلاثمائة ولد ،
أيضا توفّي أبو بكرة عن أربعين ولدا من بين ذكر و انثى
.
« و لا يتزاورون و لا يتحاورون » بالحاء من المحاورة و قيل بالجيم من المجاورة حتى الّذين ماتوا معا ، و في ( تاريخ خلفاء السيوطي ) : أنّ المتوكّل قال للبختري : إنّي أحبّ أنّ يحيى الفتح بن خاقان معي ، و لا أفقده ، فيذهب عيشي و لا يفقدني ، فقل في هذا شعرا ، فقال :
لا أرتني الأيّام فقدك يا فتح
|
|
و لا عرّفتك ما عشبت فقدي
|
أعظم الرزء ان تقدّم قبلي
|
|
و من الرّزء أن تؤخّر بعدي
|
حذرا أن تكون إلفا لغيري
|
|
إذ تفرّدت بالهوى فيك وحدي
|
فقتلا معا « فاحذروا عباد اللّه حذر الغالب لنفسه المانع لشهوته النّاظر بعقله » و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
،
و الّذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلة انّهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« فإنّ الأمر واضح و العلم قائم » إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا
كفورا
، قد تبيّن الرّشد من الغيّ .
.
« و الطريق جدد » بالفتح أي : صلب ، و في المثل ( من سلك الجدد أمن العثار )
.
« و السبيل قصد » بالتحريك ضد الجور و انّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
٢١
الحكمة ( ٦٤ ) و قال عليه السلام :
أَهْلُ اَلدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَ هُمْ نِيَامٌ أقول : و زيد عليه « فإذا ماتوا انتبهوا » و قال شاعر :
عجبا لمنتبه يضيّع ما
يحتاج فيه ليوم رقدته
و عن الصادق عليه السلام : ( عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم و هم يلعبون )
و المقصود من هذا التشبيه انّه كما لا يحسّ النائم في المحمل سيره و لو كان في غاية السّرعة كذلك النّاس لا يحسّون بانقضاء أيّام حياتهم و عمرهم مع دوام مرورها ليلا و نهارا ، و قد شبّه أيضا انقضاء العمر مع عدم احساس صاحبه بجري النهر فيرى النّاظر النهر باقيا إلاّ أنّ كلّ ماء مضى لا يرجع ، فقيل بالفارسية :
بنشين بر لب جوى و گذر عمر ببين
|
|
كاين اشارت زجهان گذران ما را بس
|
٢٢
الحكمة ( ٧٢ ) و قال عليه السلام :
اَلدَّهْرُ يُخْلِقُ اَلْأَبْدَانَ وَ يُجَدِّدُ اَلْآمَالَ وَ يُقَرِّبُ اَلْمَنِيَّةَ وَ يُبَاعِدُ اَلْأُمْنِيَّةَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصِبَ وَ مَنْ فَاتَهُ تَعِبَ « الدّهر يخلق الأبدان » في ( الأغاني ) : قال محمّد بن الحجّاج الأسدي مرّت عليّ ( ميّة ) و هي ابنة ابن قيس بن عاصم المنقري و قد أسنّت فوقفت عليها و أنا يومئذ شابّ فقلت : يا ميّة ما أرى ذا الرّمّة إلاّ ضيّع فيك قوله :
أما أنت عن ذكراك ميّة مقصر
|
|
و لا أنت ناسي العهد منها فتذكر
|
تهيم بها ما تستفيق و دونها
|
|
حجاب و أبواب و ستر مستّر
|
فضحكت و قالت : رأيتني يا ابن أخي و قد ولّيت و ذهبت محاسني و يرحم اللّه غيلان فلقد قال هذا فيّ و أنا أحسن من النّار الموقدة في الليلة القرّة في عين المقرور و لن تبرح حتّى أقيم عندك عذره ، ثم صاحت : يا أسماء فخرجت جارية كالمهاة ما رأيت مثلها فقالت : أما لمن شبّب بهذه و هواها عذر ؟ فقلت : بلى ، فقالت : و اللّه لقد كنت زمان كنت مثلها أحسن منها و لو رأيتني يومئذ لازدريت هذه ازدراءك اليوم إيّاي انصرف راشدا
.
و قال أبو العتاهية :
المرء في تأخير مدّته
|
|
كالثوب يخلق بعد جدّته
|
و لبعضهم :
ألم تر انّ الدّهر يوم و ليلة
|
|
يكرّان من سبت عليك إلى سبت
|
فقل لجديد الدّهر لابدّ من بلى
|
|
و قل لاجتماع الشّمل لابدّ من شتّ
|
« و يجدّد الآمال » يشيب ابن آدم و يشبّ فيه خصلتان : الحرص و طول الأمل .
« و يقرب المنيّة » أي : الموت ، قال الشاعر :
كيف يهوى امرؤ لذاذة أيّام
|
|
عليه الأنفاس فيها تعدم
|
حياتك أنفاس تعدّ فكلّما
|
|
مضى نفس منها نقصت به جزءا
|
« و يباعد الامنيّة » أمل الآمال و ما تتمنّى ( أفّ للدّهر ما أكدر صافيه و أخيب راجيه و أعدى أيّامه و لياليه ) ( يسار الدهر في الأخذ أسرع من يمينه في البذل ، لا يعطي بهذه إلاّ ارتجع بتلك ) .
« من ظفر به نصب » ( الصاحب ) « الزّمان حديد الظّفر لئيم الظّفر » و في ( وزراء الجهشياري ) : « كان عمارة بن حمزة يقول يخبز في داري كلّ يوم ألفا رغيف يؤكل منها ألف و تسعمائة و تسع و تسعون رغيفا حلالا و آكل رغيفا واحدا حراما » و كان يقول « ما أعجب قول الناس « فلان ربّ الدّار » انّما هو كلب الدار
.
« و من فاته تعب » ( الصاحب ) « أثر الدّهر عند المرء كأثر السيف في
الضريبة و اللّيث في الفريسة » .
٢٣
الحكمة ( ١٣٣ ) و قال عليه السلام :
اَلدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ إِلَى دَارُ مَقَرٍّ وَ اَلنَّاسُ فِيهَا رَجُلاَنِ رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا هكذا في ( المصريّة )
و كلمة « فيها » زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« نفسه فأوبقها » أي : اهلكها ، أولئك الّذين اشتروا الحياة الدّنيا بالاخرة فلا يخفّف عنهم العذاب و لا هم ينصرون
بئسما اشتروا به انفسهم ان يكفروا بما انزل اللّه بغيا ان ينزّل اللّه من فضله على من يشاء من عباده .
.
« و رجل ابتاع نفسه فأعتقها » و من النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرصاة اللّه و اللّه رؤف بالعباد
.
هذا ، و لا يخفى لطف قوله عليه السلام « و النّاس فيها رجلان رجل باع فيها نفسه فأوبقها و رجل ابتاع نفسه فأعتقها » و تقابل كلماته و كأنّه نظر إليه عبد الحميد كاتب مروان في قوله « النّاس أصناف مختلفون و أطوار متباينون منهم علق مضنّة لا يباع و منهم غلّ مظنّة لا يبتاع » فلّما قيل له ما الذي مكّنك من البلاغة ؟
فقال ( حفظ كلام الأصلع )
يعنيه عليه السلام و تمنّى ابراهيم بن عبّاس الكاتب
كلام عبد الحميد ذاك أن يكون له .
٢٤
الحكمة ( ٢٥١ ) و قال عليه السّلام :
مَرَارَةُ اَلدُّنْيَا حَلاَوَةُ اَلْآخِرَةِ وَ حَلاَوَةُ اَلدُّنْيَا مَرَارَةُ اَلْآخِرَةِ أقول : قال تعالى فأمّا من طغى و آثر الحياة الدّنيا فإنّ الجحيم هي المأوى و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النّفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
.
و في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : « انّ في طلب الدّنيا إضرارا بالآخرة ، و في طلب الآخرة إضرارا بالدّنيا ، فأضرّوا بالدّنيا فإنّها أحقّ بالإضرار » .
و لبعضهم : طلاق الدّنيا مهر الجنّة
.
٢٥
الحكمة ( ٢٦٩ ) و قال عليه السلام :
اَلنَّاسُ فِي اَلدُّنْيَا عَامِلاَنِ عَامِلٌ لِلدُّنْيَا قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام « في مواعظ لقمان لابنه إنّ الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا لهم ، و لم يبق من جمعوا له ، و إنّما أنت عبد مستأجر ، قد امرت بعمل و وعدت عليه أجرا ، فأوف عملك و استوف
أجرك ، و لا تكن في هذه الدّنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر ، فأكلت حتّى سمنت فكانت حتفها عند سمنها »
.
و في ( العقد ) : دخل الحسن البصري على ابن الأهتمّ يعوده في مرضه فرآه يصوّب بصره في صندوق في بيته و يصعده ، ثم قال : يا أبا سعيد ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة و لم أصل منها رحما ؟ قال : ثكلتك امّك و لمن كنت تجمعها ؟ قال : لروعة الزّمان و جفوة السّلطان و مكاثرة العشيرة ، ثمّ مات فشهده الحسن ، فلّما فرغ من دفنه ، قال : انظروا إلى هذا المسكين أتاه شيطانه ، فحذّره روعة زمانه ، و جفوة سلطانه ، و مكاثرة عشيرته ، عمّا رزقه اللّه إيّاه ، و غمره فيه ، انظروا كيف خرج منها مسلوبا محروبا ، ثمّ التفت إلى الوارث فقال : أيّها الوارث لا تخدعنّ اليوم كما خدع صويحبك بالأمس ، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك و بالا ، أتاك عفوا صفوا ممّن كان له جموعا منوعا ، من باطل جمعه ، و حقّ منعه ، قطع فيه لجج البحار ، و مفاوز القفار ، لم تكدح أنت فيه بيمين ، و لم يعرق لك فيه جبين ، إنّ يوم القيامة يوم ذو حسرات و إنّ من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك ، فيالها عثرة لا تقال ، و توبة لا تنال
.
و قالوا : إذا أمسكت المال فأنت للمال ، و إن أنفقته فالمال لك
.
« و عامل عمل في الدّنيا لما بعدها فجاءه الذي له من الدّنيا بغير عمل ، فأحرز الحظّين معا ، و ملك الزّادين جميعا ، فأصبح وجيها عند اللّه ، لا يسأل اللّه حاجة فيمنعه » في ( الكافي ) عن الباقر عليه السلام : إنّ اللّه عزّ و جل يقول : و عزّتي و جلالي و عظمتي لا
ــــــــــــ
يؤثر عبد هواي على هوى نفسه إلاّ كففت عليه ضيعته و ضمنت السماوات و الأرض رزقه ، و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر
.
و عن الصادق عليه السلام : من أصبح و أمسى و الدّنيا أكبر همّه ، جعل اللّه الفقر بين عينيه ، و شتّت أمره ، و لم ينل من الدّنيا إلاّ ما قسم له ، و من أصبح و أمسى و الآخرة أكبر همّه ، جعل اللّه الغنى في قلبه و جمع له أمره
.
٢٦
الحكمة ( ٣٥٩ ) و قال عليه السلام :
يَا أَسْرَى اَلرَّغْبَةِ أي : أسراء الرّغبة في الدّنيا ، و الحرص عليها ، و في الخبر : أغنى الغنآء من لم يكن للحرص أسيرا
.
« اقصروا » أي : انزعوا عن الرّغبة في الدّنيا .
« فانّ المعرّج على الدّنيا » أي المقيم عليها ، يقال : « عرج فلان عن المنزل » إذا حبس مطيّته عليه و أقام .
« لا يروعه منها » أي : لا يفزعه منها .
« إلاّ صريف انياب الحدثان » الصّريف : الصّوت ، و الانياب : جمع النّاب و هو المحدّد من الأسنان و الحدثان بالتّحريك حوادث الدّهر قال الشّاعر :
كنت لهم في الحدثان نابا
|
|
انفى العدى و ضيغما وثّابا
|
كان جعفر البرمكيّ في مجلس لهوه يغنّيه مغنّيه :
و لو فوديت من حدث اللّيالي
|
|
فديتك بالطّريف و بالتّلاد
|
إذ هجم عليه مسرور خادم الرّشيد و قال له جئتك لأخذ رأسك فأكبّ عليه يقبّل رجليه أن يؤخّر ذلك و يحضره حيّا عنده ، ثمّ يرى فيه رأيه ، فلم يلتفت إليه و أخذ رأسه في ذيل قبائه ، و لمّا و كلّ بأبيه يحيى البرمكيّ بعد قتله في داره حتّى هتكت ستوره و جمعت أمواله ، قال للموكّل به : هكذا تقوم السّاعة
.
« أيّها النّاس تولّوا عن أنفسكم تأديبها » فانّ النّفس امّارة بالسّوء فما لم تجدّ في تأديبها تهلك كدابّة شموس و عدوّك الشّديد الّذي لو لم تحاربه و تقتله قتلك .
« و اعدلوا بها عن ضراوة عاداتها » في ( الجمهرة ) : ضرى على الشّي يضرى ضراء و ضراوة ، إذا اعتاده
.
و في الحديث : له ضراوة كضراوة الخمر .
و في ( النهاية ) : ( ضرى بالشيء يضري ضراء و ضراوة فهو ضار : إذا اعتاده ) و منه الحديث : إنّ للاسلام ضراوة ، أي : عادة و لهجا به لا يصبر عنه
.
و قال الأزهري في قول عمر : إنّ لللّحم ضراوة كضراوة الخمر » أي : له .
عادة طلاّبة لآكله كعادة الخمر مع شاربها فمن اعتاد الخمر أسرف في النّفقة و لم يتركها فكذلك من اعتاد اللّحم لم يكد يصبر عنه
.
قال تعالى : و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النّفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
.
هذا ، و ابن أبي الحديد نقله : « عن ضراية عاداتها » و الصّواب : ما هنا كما هو المفهوم
ممّا نقل عن الراوندي في ( تفسيره ) ، و كما في ( ابن ميثم )
و ان نسب الضّراية أيضا إلى نسخة .
٢٧
الحكمة ( ٣٦٧ ) و قال عليه السلام :
يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ مَتَاعُ اَلدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِئٌ فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاةً قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا وَ بُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا حُكِمَ عَلَى مُكْثِرِيهَا بِالْفَاقَةِ وَ أُعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ وَ مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً وَ مَنِ اِسْتَشْعَرَ اَلشَّغَفَ بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ هَمٌّ يَشْغَلُهُ وَ هَمٌّ يَحْزُنُهُ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ هَيِّناً عَلَى اَللَّهِ فَنَاؤُهُ وَ عَلَى اَلْإِخْوَانِ إِلْقَاؤُهُ وَ إِنَّمَا يَنْظُرُ اَلْمُؤْمِنُ إِلَى اَلدُّنْيَا بِعَيْنِ اَلاِعْتِبَارِ وَ يَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ اَلاِضْطِرَارِ وَ يَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ اَلْمَقْتِ وَ اَلْإِبْغَاضِ إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى وَ إِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ هَذَا وَ لَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ فِيهِ يُبْلِسُونَ « يا أيّها الناس » هكذا في ( المصرية )
، و لكن في ( ابن أبي الحديد ) : « أيّها النّاس »
و هو الصحيح .
« متاع الدّنيا حطام » الحطام : ما تكسّر من اليبيس .
« موبىء » من أوبأت الأرض صارت ذات و باء .
« فتجنّبوا مرعاة » في ( الصحاح ) : الرّعي بالكسر الكلاء ، و بالفتح المصدر ، و المرعي : الرّعي ، و الموضع و المصدر
.
قلت : الأوّل و الثاني واحد فالكلاء موضع الرّعي و بالجملة المرعى يكون اسم مكان و مصدرا ميميّا .
« قلعتها » بالضمّ أي : عدم استيطانها .
« أحظى » أي : أكثر منزلة من ( حظيت المرأة عند زوجها ) .
« من طمأنينتها » أي : السكون إليها لم يقل عليه السلام : ( من نجعتها ) مع انّه أنسب لفظا و النجعة : طلب الكلاء في موضع الكلأ ، لأنّ الإنسان مادام في الدّنيا لابدّ له من نجعة له منها إلاّ أنّ الواجب ألاّ يكون له طمأنينة إليها ، قال تعالى إنّ الذّين لا يرجون لقاءنا و رضوا بالحياة الدّنيا و اطمأنّوا بها و الّذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النّار بما كانوا يكسبون
.
و قال البحتري :
و من يعرف الأيام لا ير خفضها
|
|
نعيما و لا يعدد تصرّفها بلوى
|
« و بلغتها » بالضّمّ أي : ما يتبلّغ به من العيش .
« أزكى من ثروتها » و لا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه و رزق ربّك خير و أبقى
، أيحسبون أنّ ما نمدّهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون
.
« حكم على مكثريها بالفاقة » لأنّها كماء البحر كلّما شرب منه العطشان إزداد عطشا حتّى يقتله ، و من كانت الدّنيا همّه شتّت اللّه أمره و جعل الفقر بين عينيه ، و قال عليه السلام : منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا
.
« و أعين من غنى عنها بالرّاحة » و لنعم ما قال الشيرازي بالفارسيّة :
حافظا ترك جهان گفتن طريق خوشدلى است
|
|
تا نه پندارى كه احوال جهانداران خوش است
|
هذا ، و بدّل ابن أبي الحديد
« و أعين » بقوله : « و أغنى » ، و جعل « و أعين » رواية .
« و من » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
: « من » بدون واو .
« راقه » أي : أعجبه .
« زبرجها » أي : زينتها .
« أعقبت ناظريه » الناظر سواد العين .
« كمها » بفتح العين مصدر ( كمه ) بالكسر و الاكمه من ولد أعمى قال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنّها لا تعمي الأبصار و لكن تعمي القلوب الّتي في الصّدور
.
« و من استشعر الشّعف بها » أي : جعل الشّعف بها شعاره و الشّعف حبّ محرق للقلب .
« ملأت ضميره اشجانا » أي : أحزانا .
« لهنّ رقص » الرّقص حركة مع رفع و خفض فكما يقال رقص المخنّث يقال رقص البعير و رقص النبيذ ، قال حسّان :
بزجاجة رقصت بما في قعرها
|
|
رقص القلوص براكب مستعجل
.
|
« على سويداء قلبه » في الطبري : بعث عبيد اللّه بن زياد عمر بن سعد على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبي و كانت الدّيلم غلبوا عليها ،
فكتب عهده على الرّيّ فخرج معسكرا بحمام أعين ، فلّما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان و أقبل إلى الكوفة دعاه فقال له : سر إلى الحسين فاذا فرغت منه سرت إلى عملك ، قال : ان رأيت تعفيني قال على أن تردّ عهدنا فقال :
امهلني اليوم انظر فانصرف يستشير نصحائه فلم يكن ليستشير أحدا إلاّ نهاه و جاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة ابن اخته فقال : يا خال أنشدك اللّه أن تسير فو اللّه لئن تخرج من دنياك و مالك و سلطان الأرض كلّها لو كان لك خير من أن تلقى اللّه بدم الحسين عليه السلام فقال له : أفعل ، و قال : عبد اللّه بن يسار الجهني .
دخلت على عمر و قد أمر بالمسير فقال : إنّ الأمير أمرني و أبيت ، فقلت : أصبت ،
أحل و لا تسر فخرجت من عنده فأتاني آت ، و قال : هذا ابن سعد يندب النّاس إلى الحسين عليه السلام فأتيته فاذا هو جالس ، فلّما رآني أعرض بوجهه فعرفت أنّه قد عزم
.
« همّ يشغله و همّ يحزنه » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « همّ يشغله و غمّ يحزنه » كما في ( ابن أبي الحديد )
.
« حتّى يؤخذ بكظمه » أي : مخرج نفسه .
« فيلقى بالفضاء » أي : الساحة و ما اتّسع من الأرض .
« منقطعا ابهراه » عرقان مستبطنا الصّلب إذا انقطعا لم يبق الشّخص .
« هيّنا على اللّه فناؤه » قال تعالى في فرعون و قومه : كم تركوا من جنّات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرين
.
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : مرّ عيسى عليه السلام على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابها فقال : اما انّهم لم يموتوا إلاّ بسخط و إلاّ لتدافنوا فقال الحواريّون له : ادع اللّه تعالى أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها فنادى عيسى عليه السلام ربّه فنودي من الجوّ ان نادهم فقام على شرف من الأرض فقال : يا أهل هذه القرية فأجاب مجيب : ( لبيّك يا روح اللّه ) فقال : ويحكم ما كانت أعمالكم قال : عبادة الطّاغوت و حبّ الدّنيا مع خوف قليل و أمل بعيد و غفلة في لهو فقال : كيف كان حبّكم للدّنيا ؟ قال : كحبّ الصّبيّ لأمّه إذا أقبلت علينا فرحنا و سررنا و إذا أدبرت بكينا و حزنّا ، قال :
فكيف كان عبادتكم للطاغوت ؟ قال الطّاعة لأهل المعاصي قال : كيف كان عاقبة أمركم ؟ قال : بتنا ليلة في عافية و أصبحنا في الهاوية ، جبال من نار توقد علينا إلى يوم القيامة ، فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريّين فقال : ( أكل الخبز الشّعير مع الملح الجريش و النّوم على التّراب خير كثير مع عافية الدّنيا و الآخرة )
.
« و على الاخوان القاؤه » في ( الكافي ) عنه عليه السلام : انّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا و أوّل يوم من أيّام الآخرة مثّل له ماله و ولده و عمله فيلتفت إلى ماله فيقول و اللّه انّي كنت عليك حريصا شحيحا فمالي عندك ؟ فيقول : خذ منّي كفنك فليتفت إلى ولده فيقول : و اللّه انّي كنت لكم محبّا و عنكم محاميا فماذا لي عندكم ؟ فيقولون نؤديك إلى حفرتك نواريك فيها
.
« و إنّما ينظر المؤمن إلى الدّنيا بعين الاعتبار » في ( الكشّي ) : مرّ سلمان بالكوفة على الحدّادين و إذا شاب قد صرع و النّاس اجتمعوا حوله ، فقالوا له لو جئت فقرأت في أذنه فدنا منه فرفع رأسه و قال لسلمان : ليس فيّ شيء ممّا يقول هؤلاء ، لكنّي مررت بهؤلاء الحدّادين و هم يضربون بالمرازب فذكرت له قوله تعالى : و لهم مقامع من حديد
فاتّخذه سلمان أخا فلم يزل معه حتّى مرض الشابّ فجاءه سلمان و هو في الموت ، فقال : يا ملك الموت إرفق بأخي ،
فقال : يا أبا عبد اللّه إنّي بكلّ مؤمن رفيق
.
« و يقتات منها » أي : يأخذ قوته منها .
« ببطن الاضطرار » في ( الكشي ) قال أبوذرّ : من جزى اللّه عنه الدّنيا خيرا فجزاها عنّي شرّا بعد رغيفي شعير أتغدّى بأحدهما و أتعشّى بالآخر و بعد شملتي صوف أتّزر بأحدهما و أرتدي بالاخرى
.
« و يسمع فيها باذن المقت و الإبغاض » في ( ابن أبي الحديد ) : زارت رابعة العدوية أصحابها ، فذكروا الدّنيا فأقبلوا على ذمّها ، فقالت : اسكتوا عن ذكرها .
و كفّوا ، فلو لا موقعها في قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ، إنّ من أحبّ شيئا أكثر من ذكره
.
« إن قيل أثرى قيل أكدى » قال ابن أبي الحديد و غيره : يعني بينا يقال أثرى ،
قيل : افتقر لأنّ هذه صفة الدّنيا في تقلّبها بأهلها ، و هو كما ترى فانّ ( أكدى ) ليس بمعنى افتقر بل بمعنى بخل الغنيّ
.
ففي ( الجمهرة ) : كدى الرّجل و أكدى : إذا بخل ، و كدى المعدن و أكدى : إذا لم يخرج منه شيء
و قال تعالى : أفرأيت الّذي تولّى و أعطى قليلا و أكدى
.
قال الجوهري : أي : فقطع القليل
أيضا .
و حينئذ فالمراد ذمّ الدّنيا بكون مثري أهلها بخيلا منوعا مع ثروته .
« و إن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء » قال ابن أبي الحديد : يعني : إن فرح له بالبقاء و دوامها قيل مات و عدم
.
قلت : بل الظّاهر إنّ المعنى أنّ أهله و إن فرحوا ببقائه لهم لكن يحزنون دائما من خوف موته و فنائه ، فقالوا : كان لامرأة ابن واحد فمات ، فقالت : ليس لي بعدك همّ فإنّما كان همّي لك .
« هذا » أي : خذ هذا أو احفظ هذا ، الّذي شرحت من وصف دنياهم الحاضرة .
« و لم يأتهم يوم فيه يبلسون » أي : برزخهم و محشرهم ، و الإبلاس : عدم القدرة على التّكلّم من الدّهشة ، قال تعالى : فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذاهم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد للّه ربّ العالمين
، و قال عزّ و جلّ و يوم تقوم السّاعة يبلس المجرمون
، إنّ المجرمين في عذاب جهنّم خالدون لا يفتّر عنهم و هم فيه مبلسون و ما ظلمناهم و لكن كانواهم الظالمين و نادوا يا مالك ليقض علينا ربّك قال إنّكم ماكثون لقد جئناكم بالحقّ و لكن أكثركم للحقّ كارهون
.
٢٨
الحكمة ( ٣٨٥ ) و قال عليه السلام :
مِنْ هَوَانِ اَلدُّنْيَا عَلَى اَللَّهِ أَنَّهُ لاَ يُعْصَى إِلاَّ فِيهَا وَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِتَرْكِهَا أقول : قال ابن أبي الحديد : نسبه الغزالي في ( إحيائه ) الى أبي الدّرداء ،
و الصحيح كونه من كلامه عليه السلام ذكره الجاحظ في غير موضع من كتبه
.
قلت : لعلّه وقف على نسبته إليه عليه السلام في غير بيانه من كتبه و إلاّ ففي بيانه نسبه تارة إلى أبي الدرداء و اخرى إلى عيسى عليه السلام ، و كيف كان ، فإن ثبت تكلّم أبي الدّرداء به ، لا يبعد أن يكون أخذه منه عليه السلام .
« من هوان الدّنيا على اللّه انّه لا يعصى إلاّ فيها » في ( اللّهوف ) : جاء عبد اللّه بن
عمر إلى الحسين عليه السلام لمّا أراد الخروج من مكّة إلى الكوفة ، فأشار عليه بصلح أهل الضّلال و حذّره من القتل و القتال ، فقال له : أما علمت أنّ من هو ان الدّنيا على اللّه تعالى أنّ رأس يحيى أهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل ، أما تعلم أنّ بني اسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون و يشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجّل اللّه تعالى عليهم بل أخذهم بعد ذلك
.
و في ( الإرشاد ) : قال عليّ بن الحسين عليهما السلام : خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزل منزلا و لا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريّا و قال يوما : و من هو ان الدّنيا على اللّه عزّ و جلّ أن رأس يحيى أهدي إلى بغيّ من بغايا بني اسرائيل ،
و امّا في القيامة ، فخشعت الأصوات للرّحمن فلا تسمع إلاّ همسا و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، فكيف يتأتّى من أحد عصيانه
يا أيّها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها النّاس و الحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون
، لمن الملك اليوم للّه الواحد القهّار
.
« و لا ينال ما عنده إلاّ بتركها » و رحمة ربّك خير ممّا يجمعون
،
و لو لا أن يكون الناس امّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن لبيوتهم سقفا من فضّة و معارج عليها يظهرون و لبيوتهم أبوابا و سررا عليها يتّكئون
و زخرفا و إن كلّ ذلك لمّا متاع الحياة الدّنيا و الآخرة عند ربّك للمتقين
.
و في ( الكافي ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لا يجد الرّجل حلاوة الايمان في قلبه حتّى لا يبالي من أكل الدّنيا ، حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتّى تزهد في الدّنيا
.
و عن الصادق عليه السلام : خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو محزون فأتاه ملك و معه مفاتيح خزائن الأرض فقال : يا محمّد هذه مفاتيح خزائن الأرض يقول لك ربّك : افتح و خذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، الدّنيا دار من لا دار له ، و لها يجمع من لا عقل له ، فقال له الملك :
و الذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقوله في السّماء الرّابعة حين أعطيت المفاتيح
.
و عنه عليه السلام : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : مالي و للدّنيا و ما أنا و الدّنيا انّما مثلي و مثلها كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال من القيلولة تحتها ثمّ راح و تركها
.
و مرّ في فصل زهده عليه السلام قوله : و اللّه لدنياكم هذه أهون في عيني من عرق خنزير في يد مجذوم ) ، ( و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ) ،
( و إنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ، ما لعليّ و لنعيم يفنى و لذّة لا تبقى ، نعوذ باللّه من سبات العقل و قبح الزّلل
.
٢٩
الحكمة ( ٤١٥ ) و قال عليه السلام في صفة الدّنيا :
تَغُرُّ وَ تَضُرُّ وَ تَمُرُّ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ وَ لاَ عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ وَ إِنَّ أَهْلَ اَلدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا « تغرّ و تضرّ و تمرّ » الثّلاثة بضمّ العين و ( تمرّ ) من المرور ، لا المرارة ،
شبّه عليه السلام الدّنيا بمن جاءك فغرّك و ضرّك ثمّ مرّ و تركك ، أمّا غرّتها الإنسان ،
فقد قال تعالى : و ذر الّذين اتّخذوا دينهم لعبا و لهوا و غرّتهم الحياة الدّنيا
، يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم و اخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا إنّ وعد الّه حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا و لا يغرنّكم باللّه الغرور
، و قيل اليوم ننسيكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا و مأواكم النّار و ما لكم من ناصرين
، و أمّا ضرّها للإنسان فلأنّ الغرّ يستلزم الضّرّ ، و قال تعالى : قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا
، أولئك الّذين اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب و لا هم ينصرون
، و أمّا مرورها فكناية عن عدم مبالاتها بما أصيب به من أصيب بواسطتها ، و قال ابن ميثم : « تمرّ » بضمّ التّاء من الإمرار لما يستلزمه فراقها
من ألم الحزن و الجزع كألم المرار ، و روى « و تمرّ » بفتح التّاء أي : تذهب »
.
قلت : أمّا ما قاله أوّلا من كون ( تمرّ ) من المرارة فيسقط الكلام عن الفصاحة ، و أمّا ما قاله ثانيا من تعيّن كون ( تمرّ ) بفتح التّاء لمعنى الذّهاب فمطلقا ممنوع ، و إنّما هو مع ضمّ الميم ، و أمّا مع فتحها أيضا فهو بمعنى المرارة أيضا ففي ( الصحاح ) : ( أمرّ الشّيء ) : صار مرّا ، و كذلك ( مرّ الشّيء يمرّ بالفتح مرارة فهو مرّ و أمرّه غيره و مرّه ) .
« إنّ اللّه لم يرضها ثوابا لأوليائه » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : ( لو لا إلحاح المؤمنين و في خبر ( هذه الشيعة ) على اللّه في طلب الرّزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق
.
و عنه عليه السلام : ( ما كان من ولد آدم مؤمن إلاّ فقيرا و لا كافرا إلاّ غنيّا حتّى جاء ابراهيم عليه السلام ، فقال : ربّنا لا تجعلنا فتنة للّذين كفروا .
، فصيّر اللّه في هؤلاء أموالا و حاجة و في هؤلاء أموالا و حاجة ) و عنه عليه السلام : ( انّ اللّه تعالى يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر اليهم فيقول ، و عزّتي ما أفقرتكم في الدّنيا من هوان بكم عليّ ، و لترون ما أصنع بكم اليوم ، فمن زوّركم في دار الدّنيا معروفا فخذوا بيده ، و أدخلوه الجنّة ، فيقول رجل منهم يا ربّ إنّ أهل الدّنيا تنافسوا في دنياهم ، فنكحوا النّساء ، و لبسوا الثّياب اللّيّنة ،
و أكلوا الطّعام ، و سكنوا الدّور ، و ركبوا المشهور من الدّوابّ ، فأعطني مثل ما أعطيتهم ، فيقول تعالى : و لكلّ منكم مثل ما أعطيت أهل الدّنيا منذ كانت إلى أن انقضت سبعين ضعفا ) ، و عنه عليه السلام : انّه تعالى ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج
في الدّنيا ، كما يعتذر الأخ إلى أخيه فيقول : و عزّتي ما أحوجتك في الدّنيا من هوان بك عليّ فارفع هذا السّجف فانظر إلى ما عوّضتك من الدّنيا ، فيرفع فيقول : ما ضرّني ما منعتني مع ما عوضتني
.
« و لا عقابا لاعدائه » في ( عقاب الأعمال )
: ذكر عند الصادق عليه السلام قاتل الحسين عليه السلام ، فقال بعض أصحابه كنت اشتهي أن ينتقم اللّه منه في الدّنيا فقال عليه السلام : كأنّك تستقل له عذاب اللّه تعالى و ما عند اللّه أشدّ عذابا و أخشى نكالا ، و في الدّنيا يموتون بأدنى عذاب ، و لا يموتون في القيامة من أشدّ عذاب فيقولون لمالك ليقض علينا ربّك قال إنّكم ماكثون
، و عذاب الدّنيا ألمه في الأوّل ، و عذاب الآخرة ألمه إلى الأزل كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
.
« و إنّ أهل الدّنيا كركب بينا هم حلّوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا » و قال الأعشى :
انّ محلاّ و انّ مرتحلا
|
|
و ان السّفر إذ مضوا مهلا
.
|
و قال البحتري :
و ما أهل المنازل غير ركب
|
|
مناياهم رواح و ابتكار
|
لنا في الدّهر آمال طوال
|
|
نرجّيها و أعمار قصار
|
و قيل بالفارسية :
مرا منزل جانان چه جاى امن چون هر دم
|
|
جرس فرياد ميدارد كه بربنديد محملها
|
أيضا :
تا بار نهادى كه صداى كوچ است
و قال ابن أبي الحديد : قال أبو العتاهية :
انّ دارا نحن فيها لدار
|
|
ليس فيها لمقيم قرار
|
كم و كم قد حلّها من أناس
|
|
ذهب اللّيل بهم و النّهار
|
فهم الرّكب أصابوا مناخا
|
|
فاستراحوا ساعة ثمّ ساروا
|
و كذا الدّنيا على ما رأينا
|
|
يذهب النّاس و تخلوا الدّيار
|
هذا ، و قال ابن أبي الحديد : أكثر أهل العربيّة يمنعون من مجيء ( إذ ) و ( إذا ) بعد ( بينا ) و ( بينما ) و بعضهم يجيزه و عليه جاء كلامه عليه السلام و أنشدوا :
بينما النّاس على عليائها
|
|
إذ هووا في هوّة منها فغاروا
|
و قالت بنت النعمان :
و بينا نسوس الناس و الأمر أمرنا
|
|
إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
|
و قال :
استقدر اللّه خيرا و ارضينّ به
|
|
فبينما العسر إذ دارت مياسير
|
و بينما المرء في الأحياء مغتبط
|
|
إذ صار في اللّحد تعفوه الأعاصير
|
قلت : لم أدر من منع من أهل العربية ما قال ، بل قال ابن هشام : و من وجوه ( إذ ) أن تكون للمفاجأة و هي الواقعة بعد ( بينا ) أو ( بينما ) . و قال الجوهري : « إذ ، لا يليها إلاّ الفعل نحو قولك بينما أنا كذا إذ جاء زيد » .
٣٠
الحكمة ( ٤٥٦ ) و قال عليه السلام :
أَلاَ حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اَللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلاَّ اَلْجَنَّةَ فَلاَ تَبِيعُوهَا إِلاَّ بِهَا في ( الصحاح ) : اللّماظة بالضّمّ ما يبقى في الفم من الطّعام و منه قول الشاعر يصف الدّنيا ( لماظّة أيّام كأحلام نائم )
.
و دعها الحرّ ، و لذا قال له الحسين عليه السلام : ما أخطأت أمّك حيث سمّتك حرّا ،
أنت حرّ في الدّنيا و الآخرة .
و في ( غاية السؤول ) : « نقل أنّ أمير المؤمنين عليه السلام رأى جابر الأنصاري يتنفّس الصّعداء فقال عليه السلام له : علام تنفّسك ، أعلى الدّنيا ؟ قال : نعم ، فقال عليه السلام :
ملاذ الدّنيا سبعة : المأكول ، و المشروب ، و الملبوس ، و المنكوح ، و المركوب ،
و المشموم ، و المسموع ، فألذّ المأكولات ، العسل و هو بصاق من ذبابة ، و أجلّ المشروبات الماء ، و كفى بإباحته سياحته على وجه الأرض ، و أعلى المركوبات الخيل ، و هي قواتل ، و أجلّ المشمومات المسك ، و هو دم من سرّة دابّة ، و أجلّ المسموعات الغناء ، و الترنّم ، و هو إثم ، فما هذه صفته لم يتنّفس عليه عاقل قال جابر : فو اللّه ما خطرت الدّنيا بعد على قلبي
.
و كان عليه السلام يقول : و هو سيّد الأحرار و أمير الفتيان : الدّنيا عندي بمنزلة عرق خنزير في يد مجذوم
.
« إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة فلا تبيعوها إلاّ بها » كان عليه السلام يقول : إذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم ، و إذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم ، اعلموا أنّ الهالك من هلك دينه ، و الحريب من سلب دينه ، ألاّ و إنّه لا فقر بعد الجنّة ، و لا غنى بعد النّار
.
و في ( الطبري ) : لمّا زحف ابن سعد يوم عاشوراء إلى الحسين عليه السلام قال له الحرّ : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال أي : و اللّه إلى أن قال فأخذ الحرّ يدنو من الحسين عليه السلام قليلا قليلا فقال له رجل من قومه يقال له مهاجر بن أوس : أتريد أن تحمل ؟ فسكت و أخذه مثل العرواء فقال له المهاجر : انّ أمرك لمريب ، و اللّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل شيء أراه الآن و لو كان قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك ، فما هذا الّذي أرى منك ؟ قال : انّي و اللّه اخيّر نفسي بين الجنّة و النّار ، و و اللّه لا اختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت و حرّقت ، ثم ضرب فرسه و التحق بالحسين عليه السلام
.
الفهرست
المجلد الحادي عشر ١
الفصل الخامس و الثلاثون في مقتله عليه السلام و وصاياه ٣
١. ٤
٢. ٧
٣. ١٠
٤. ١٧
٥. ٢٥
٦. ٥٧
٧. ٦٥
٨. ٩٧
الفصل السادس و الثلاثون في الموت.. ١١٣
١. ١١٤
٢. ١٢٢
٣. ١٣٨
٤. ١٤٥
٥. ١٩٢
٦. ١٩٦
٧. ٢٠٥
٨. ٢١٦
٩. ٢٦٦
١٠. ٢٨٥
١١. ٢٨٩
١٢. ٣٠٩
١٣. ٣١١
١٤. ٣١٢
١٥. ٣١٣
١٦. ٣١٤
١٧. ٣١٦
١٨. ٣١٨
١٩. ٣٢١
٢١. ٣٢٩
٢٢. ٣٢٩
٢٣. ٣٢٩
٢٤. ٣٢٩
٢٥. ٣٢٩
٢٦. ٣٢٩
٢٧. ٣٢٩
٢٨. ٣٢٩
٢٩. ٣٢٩
٣٠. ٣٢٩
٣١. ٣٢٩
٣٢. ٣٢٩
٣٣. ٣٢٩
٣٤. ٣٢٩
الفصل السابع و الثاثون في ذم الدّنيا و فنائها ٣٢٩
١. ٣٢٩
٢. ٣٢٩
٣. ٣٢٩
٤. ٣٢٩
٥. ٣٢٩
٦. ٣٢٩
٧. ٣٢٩
٨. ٣٢٩
٩. ٣٢٩
١٠. ٣٢٩
١١. ٣٢٩
١٢. ٣٢٩
١٣. ٣٢٩
١٤. ٣٢٩
١٥. ٣٢٩
١٦. ٣٢٩
١٧. ٣٢٩
١٨. ٣٢٩
١٩. ٣٢٩
٢٠. ٣٢٩
٢١. ٣٢٩
٢٢. ٣٢٩
٢٣. ٣٢٩
٢٤. ٣٢٩
٢٥. ٣٢٩
٢٦. ٣٢٩
٢٧. ٣٢٩
٢٨. ٣٢٩
٢٩. ٣٢٩
٣٠. ٣٢٩
|