كتاب بهج الصباغة
في شرح نهج البلاغة
المجلد الثاني عشر
الشيخ محمد تقي التّستري
المجلد الثاني عشر
تتمة الفصل السابع و الثلاثون في ذم الدنيا و فنائها
٣١
الحكمة ( ٤٦٣ ) و قال عليه السّلام :
اَلدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا وَ لَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا قال بعضهم : و نحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ، و قال ابن أبي الحديد : قال أبو العلاء :
خلق النّاس للبقاء فضلّت
|
|
أمّة يحسبونهم للنّفاد
|
انّما ينقلون من دار اعمال
|
|
إلى دار شقوة أو رشاد
|
٣٢
الحكمة ( ١٩٥ ) وَ قَالَ ع وَ قَدْ مَرَّ بِقَذَرٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ هَذَا مَا بَخِلَ بِهِ اَلْبَاخِلُونَ
____________________
وَ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مَا كُنْتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْسِ قول المصنّف : « و قد مرّ بقذر على مزبلة » في الصحاح المزبل بالكسر :
السّرجين ، و موضعه مزبلة و مزبلة أي : بفتح الباء و ضمّها
و في ( عقلاء مجانين النيسابوري ) : كان لجعفر بن سلمان جارية اسمها الخيزران و كان مفتونا بها ، فركب يوما في جماعة من الموالي يريد الجمعة فمرّ بأبي سعيد الضبعي فرفع رأسه و قال يا جعفر تحبّ خيزران ؟ قال : نعم فقال : أبو سعيد :
نبّئتها عشقت حشا فقلت لها
|
|
لا يعشق الحشّ إلاّ كلّ كنّاس
|
فضرب جعفر وجه دابّته ، و مضى حياء من الناس قوله عليه السلام : « هذا ما بخل به الباخلون » قيل بالفارسيّة :
عارفى روزى به راهى ميگذشت
|
|
واله و سرمست چون ميخوارگان
|
ديد گورستان و مبرز روبرو ( گفت )
|
|
اينش نعميت اينش نعمت خوارگان
|
و في ( تاريخ بغداد ) : قالت مولاة داود الطائي : طبخت له دسما ثمّ أتيته به ، فقال ما فعل أيتام فلان ؟ قلت : على حالهم ، قال : إذهبي بهذا إليهم ، فقلت : أنت لم تأكل أدما منذ كذا و كذا فقال : إنّ هذا إذا أكله اليتامى ، كان عند اللّه مذخورا ،
و إذا أكلته كان في الحشّ
هذا ، و قيل لزياد الأعجم ، الا تهجو جريرا ؟ فقال أليس الّذي يقول :
كأنّ بني طهيّة رهط سلمى
|
|
حجارة خارىء يرمى كلابا
|
____________________
قالوا : بلى ، قال : ليس بيني و بين هذا عمل .
قول المصنّف : « و روى في خبر آخر أنّه عليه السّلام قال » ، قلت : و روى في خبر عنه عليه السّلام رواه ابن بابويه في ( فقيهه ) : إنّ الإنسان إذا نظر إلى حدثه بعد فراغه فليقل : ( اللّهمّ ارزقني الحلال و جنّبني الحرام )
فانّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : ما من عبد إلاّ و قد وكّل اللَّه به ملكا يلوي عنقه إذا أحدث ، حتّى ينظر إليه ، فعند ذلك ينبغي أن يسأل اللَّه الحلال فإن الملك يقول : يا ابن آدم هذا ما حرصت عليه بالأمس انظر من أين أخذته و إلى ما ذا صار
« هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس » :
قد أولع النّاس في الدّنيا بأربعة
|
|
أكل و شرب و ملبوس و منكوح
|
و غاية الكلّ ان فكّرت فيه
|
|
روث و بول و مطروح و مفضوح
|
و ليتنافس في نعيم لا يحصل منه شيء و هو نعيم الآخرة قال تعالى إنَّ الأبرار لفي نعيم على الارائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون
هذا ، و في ( المعجم ) قال إبراهيم بن هلال ، كان الحسن بن محمّد المهلّبي يناصف العشرة أوقات خلوته و يبسطنا في المزح إلى أبعد غاية ، فإذا جلس للعمل كان أميرا و قورا آخذا في جدّ كامل ، فاتّفق أن صعد يوما من طيارة إلى داره ، و قد حقنه البول فقصد بعض الأخلية فوجده مقفّلا و كذلك كانت عادته حفاظا لها عن الابتذال ، فقال :
____________________
فهبك طعامك استوثقت منه
|
|
فما بال الكنيف عليه قفل ؟
|
فقلت : إنّه لموضع عجب ، و إذا وقع الإحتياط في الأصل ، فقد استغنى عنه في الفرع ، فضحك ، و قال أوسعتنا هجاء
٣٣
في الحكمة ( ١٠٣ ) إِنَّ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَ سَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ اَلدُّنْيَا وَ تَوَلاَّهَا أَبْغَضَ اَلْآخِرَةَ وَ عَادَاهَا وَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ اَلْآخَرِ وَ هُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ أقول : مراده عليه السلام بالدّنيا التي جعلها مع الآخرة كعدوين و سبيلين مختلفين كالمشرق و المغرب و كالضرّتين ، دنيا لم تجعل مقدّمة للآخرة ،
و معلوم أنّها مع الآخرة كعدوّين ، فلا يمكن أن يكون أحد محبّ الدّنيا و لا يكون مبغض الآخرة و معاديها ، كما قال عليه السّلام و لذا قال تعالى لنبيّه صلى اللَّه عليه و آله فأعرض عن من تولّى عن ذكرنا و لم يرد إلاّ الحياة الدُّنيا .
و كسبيلين كالمشرق و المغرب ، و معلوم أنّه كما قال عليه السّلام كلّما قرب سالك من أحدهما بعد عن الآخر ، قال شاعر :
إلى اللَّه أشكو بالمدينة حاجة
|
|
و بالشّام أخرى كيف تلتقيان
|
هذا ، و لمّا تزوّج سهيل بن عبد الرّحمن بن عوف الثّريا ، امرأة من أميّة الأصغر ، التي كان يشبّب بها عمر بن أبي ربيعة ، قال عمر :
أيّها المنكح الثّريا سهيلا
|
|
عمرك اللَّه كيف يلتقيان
|
____________________
هي شاميّة إذا ما استقلّت
|
|
و سهيل إذا استقلّ يماني
|
شبّه عمر الرّجل المسمّى بسهيل و المرأة المسمّاة بثريّا بالكوكبين المعروفين ( سهيل ) و ( ثريّا ) اللّذين لا يجتمعان .
قلت : و كان لسهيل أن ينقض كلامه عليه بأنّ الثّريّا كوكب و سهيل كوكب ، و الكوكب للكوكب فهي لي .
و في ( مقاتل أبي الفرج ) : قصر الضّرّتين موضع بالكوفة بايع الناس فيه محمّد بن ابراهيم بن اسماعيل بن طباطبا أيّام أبي السّرايا
هذا ، و كأنّه وقع في الكلام تغيّر ، و الأصل ، انّ الدّنيا و الآخرة عدوّان لا يجتمع حبّهما و تولّيهما ، فمن أحبّ الدّنيا و تولاّها أبغض الآخرة و عاداها ،
و بالعكس ، و هما سبيلان مختلفان متفاوتان كالمشرق و المغرب ، كلّما قرب ماش من واحد منهما بعد من الآخر .
و كيف كان ، فالثّالث ممّا شبّهها عليه السّلام به الضّرّتان و من طبعهما المباينة ، فمن وصل أحداهما قطعته الاخرى ، و شبّههما السّجاد عليه السّلام كفّتي ميزان أيّهما رجح ذهب بالاخرى ، ثم تلا عليه السّلام قوله تعالى إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة
أي : خافضة لأعداء اللَّه إلى النّار ، رافعة لأوليائه إلى الجنّة ، و بالجملة حيث إنّهما ضدّان لا يمكن الجمع بينهما كاملا ، و قد ورد أنه ( لم يستكمل لذّة الدّنيا من اهتمّ بمواقيت صلواته ) .
____________________
٣٤
الخطبة ( ٦٠ ) و من خطبة له عليه السّلام :
أَلاَ وَ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا وَ لاَ يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا اُبْتُلِيَ اَلنَّاسُ بِهَا فِتْنَةً فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَ حُوسِبُوا عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَ أَقَامُوا فِيهِ فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي اَلْعُقُولِ كَفَيْءِ اَلظِّلاَلِ بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ وَ زَائِداً حَتَّى نَقَصَ « ألا و انّ الدنيا دار لا يسلم منها إلاّ فيها » هي الدّاء و فيها الدّواء لمن أراد العلاج فمن داوى فيها سلم و من ترك هلك و هذا صراط ربِّك مستقيماً قد فصّلنا الآيات لقومٍ يذّكرون لهم دار السّلام عند ربِّهم و هو وليُّهم بما كانوا يعملون
، الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين يقولون سلامٌ عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون
، و الملائكة يدخلون عليهم من كُلِّ بابٍ سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار
« و لا ينجى بشيء كان لها » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام في مناجاة موسى : يا موسى إنّ الدنيا دار عقوبة ، عاقبت فيها آدم عند خطيئته ، و جعلتها ملعونة : ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي ، يا موسى إنّ عبادي الصّالحين زهدوا في الدّنيا بقدر علمهم ، و ساير الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم ، و ما من أحد عظّمها فقرّت عيناه فيها ، و لم يحقّرها أحد إلاّ انتفع بها
____________________
« ابتلى الناس فيها » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( بها )
كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
« فتنة » أحسب النّاس أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللَّه الّذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين
« فما أخذوه منها لها أخرجوا منه » و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم . .
« و حوسبوا عليه » ثمّ لتسئلنَّ يومئذٍ عن النّعيم
« و ما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه و أقاموا فيه » و ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللَّه هو خيرا و أعظم أجرا
« فانّها عند ذوي العقول كفيء الظل » كلّ فيء ظلّ ، و ليس كلّ ظلّ فيئا ، قال روبة : كلّ ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء و ظلّ ، و ما لم يكن عليه الشمس فهو ظلّ ، و لكون الظّلّ أعمّ صحّ إضافة الفيء إليه .
« بينا تراه » أي : فيء الظّلّ سابغا أي : كاملا وافيا .
« حتّى قلص » أي : نقص ، من قولهم ( ظلّ قالص ) .
« و زائدا حتّى نقص » قال ابن أبي الحديد : قال الشاعر :
١ ألا انّما الدّنيا كظلّ غمامة
|
|
أظلّت يسيرا ثم خفّت فولّت
|
____________________
٢ ظلّ الغمام و أحوال المنام فما
|
|
تدوم يوما لمخلوق على حال
|
و في ( شعراء ابن قتيبة ) قال لبيد :
و ما النّاس إلاّ كالدّيار و أهلها
|
|
بها يوم حلوّها و غدوا بلاقع
|
و ما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه
|
|
يحور رمادا بعد ما هو ساطع
|
٣٥
من الخطبة ( ١٦٨ ) أَلاَ وَ إِنَّ هَذِهِ اَلدُّنْيَا اَلَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِيكُمْ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لاَ مَنْزِلِكُمُ اَلَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لاَ اَلَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ أَلاَ وَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَ لاَ تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا وَ هِيَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى اَلدَّارِ اَلَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا وَ اِنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا وَ لاَ يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ اَلْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا وَ اِسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ اَلْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اِسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ اَلصَّبْرَ « ألاّ و انّ هذه الدّنيا التي أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فيها » قلبا و روحا ،
قال الّذين يريدون الحياة الدُّنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنُّه لذو حظّ عظيم
____________________
« و أصبحت تغضبكم و ترضيكم » و ليست هي متمنّية لكم و لا راغبة فيكم ،
بل تكون كمرأة فارك ، تغضب زوجها ثمّ ترضيه من غضبه بشيء تخدعه .
ليست بداركم و لا منزلكم الّذي خلقتم له » :
طمعت إقامة في دار ظعن
|
|
فلا تطمع فرجلك في الرّكاب
|
« و لا الّذي دعيتم إليه » إنّما هذه الحياة الدُّنيا متاعٌ و إنَّ الآخرة هي دار القرار
« ألا و إنّها ليست بباقية لكم و لا تبقون عليها » قال تعالى بعد ذكر عاد و ثمود : فهل ترى لهم من باقية
، و كم أهلكنا قبلهم من قرنٍ هل تحسّ منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزاً
، ما عندكم ينفد و ما عند اللَّه باقٍ .
.
« و هي و إن غرّتكم منها » يا أيّها الناس انّ وعد اللَّه حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدُّنيا و لا يغرّنّكم باللَّه الغرور
، . و غرّتكم الأماني حتّى جاء أمر اللَّه و غرّكم باللَّه الغرور
، و ما الحياة الدُّنيا إلاّ متاع الغرور
.
« فقد حذّرتكم شرّها » في ( الطبري ) : لمّا أخذ ابن الزبير بالبيعة ليزيد في المدينة من قبل الوليد خرج تحت اللّيل هو و اخوه جعفر ليس معهما ثالث ،
فأخذ طريق الفرع ، و تجنب الطريق الأعظم ، مخافة الطّلب فبينا يسايران تمثّل جعفر بقول صبرة الحنظلي :
____________________
و كلّ بني امّ سيمسون ليلة
|
|
و لم يبق من أعقابهم غير واحد
|
فقال ابن الزّبير : سبحان اللَّه ما أردت يا أخي ؟ قال : و اللَّه ما أردت يا أخي به شيئا ممّا تكره ، فقال : فذاك و اللَّه أكره إليّ أن يكون جاء على لسانك من غير تعمّد ، و كأنّه قد تطيّر منه
« فدعوا غرورها لتحذيرها و إطماعها لتخويفها » :
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة
|
|
و ما هي إن غرّت قرونا بطائل
|
١ تحرّز من الدّنيا فإنّ فناءها
|
|
محلّ فناء لا محلّ بقاء
|
فصفوتها ممزوجة بكدورة
|
|
و راحتها مقرونة بعناء
|
٢ إنّما الدّنيا فناء ليس للدّنيا ثبوت
|
|
إنّما الدّنيا كبيت نسجته العنكبوت
|
٣ قد رأيت القرون كيف تفانت
|
|
درست ثمّ قيل كان و كانت
|
هي دنيا كحيّة تنفث السّمّ
|
|
و ان كانت المجسّة لانت
|
٤ فلم أر كالدّنيا بها اغترّ أهلها
|
|
و لا كاليقين استوحش الدّهر صاحبه
|
____________________
أمرّ على رسم القريب كانّما
|
|
أمرّ على رسم امرىء لا أناسبه
|
اليقين : الموت .
« و انصرفوا بقلوبكم عنها » :
إنّما الدّنيا كظلّ زائل
|
|
أو كضيف بات ليلا فارتحل
|
أو كنوم قد يراه نائم
|
|
أو كبرق لاح في أفق الأمل
|
« و لا يخننّ أحدكم خنين الأمة » في ( الصحاح ) : الخنين كالبكاء في الأنف و الضحك في الأنف
و المراد هنا الأوّل .
« على ما زورى عنه منها » :
هب الدّنيا تساق إليك عفوا
|
|
أليس مصير ذاك إلى الزّوال
|
و ما ترجو لشيء ليس يبقى
|
|
و شيكا قد يغيّره الليالي
|
« و استتّموا نعمة اللّه عليكم بالصّبر على طاعة اللَّه ، و المحافظة على ما استحفظكم من كتابه » فمن لم يصبر على طاعته و عن معصيته يبدّل نعمته بالنقّمة :
باللَّه ربّك كم بيت مررت به
|
|
قد كان يعمر باللّذات و الطّرب
|
____________________
طارت عقاب المنايا في جوانبه
|
|
فصار من بعدها للويل و الخرب
|
« ألا و انّه لا يضرّكم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظ قائمة دينكم » في ( الكافي ) : ( كان رجل من أصحاب الصادق عليه السّلام يدخل عليه في حجّه فغبر زمانا لا يحجّ فدخل بعض معارفه عليه عليه السّلام فقال عليه السّلام له ما فعل فلان ؟ فجعل يضجع الكلام يظنّ انّه عليه السّلام يعني الميسرة و الدّنيا فقال عليه السّلام كيف دينه ؟
فقال هو و اللَّه كما تحبّ فقال عليه السّلام هو و اللَّه الغنى
.
و قال عليه السّلام في قوله تعالى في مؤمن آل فرعون فوقيه اللَّه سيئات ما مكروا .
: أما و اللّه لقد قسطوا عليه و قتلوه و لكن وقاه ان يفتنوه في دينه
.
و في ( الطبري ) : بعد ذكر قبول الحرّ ان يأخذ الحسين عليه السّلام طريقا لا يدخله الكوفة و لا يردّه إلى المدينة نصفا : و أقبل الحرّ يسايره و هو يقول له إنّي اذكّرك اللَّه في نفسك فانّي اشهد لئن قاتلت لتقتلنّ فقال عليه السّلام أفبالموت تخوّفني ؟ أقول لك ما قال أخو الأوس لابن عمّه لمّا لقيه و هو يريد نصرة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقال له فأين تذهب ؟ فانّك مقتول :
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى
|
|
إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما
|
و واسى الرجال الصالحين بنفسه
|
|
و فارق مثبورا يغشّ و يرغما
|
فلمّا سمع الحرّ ذلك منه تنحّى عنه ، و كان يسير بأصحابه في ناحية و الحسين عليه السّلام في ناحية حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات ، و كان هجائن النّعمان ترعى هنالك ، فإذا هم بأربعة نفر قد اقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ، و معهم دليلهم الطّرماح بن عديّ
____________________
على فرسه و هو يقول :
يا ناقتي لا تذعري من زجري
|
|
و شمّري قبل طلوع الفجر
|
بخير ركبان و خير سفر
|
|
حتّى تحلّي بكريم النحر
|
الماجد الحرّ رحيب الصّدر
|
|
أتى به اللَّه لخير أمر
|
ثمّة أبقاه بقاء الدّهر
فقال عليه السّلام أما و اللَّه انّي لأرجو أن يكون خيرا ما أراد اللَّه بنا قتلنا أم ظفرنا
.
« ألا و انّه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم » في ( الكافي ) عنه عليه السّلام : إذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم ، و إذا نزلت نازلة اجعلوا أنفسكم دون دينكم ، و اعلموا انّ الهالك من هلك دينه ، و الحريب من حرب دينه .
« أخذ اللَّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ و ألهمنا و إيّاكم الصبر »
، قال الباقر عليه السّلام : إنّ هذا الدّنيا يعطيها اللَّه البرّ و الفاجر ، و لا يعطي الإيمان إلاّ صفوته من خلقه
.
و قال الصادق عليه السّلام من كان همّه همّا واحدا يعني لدينه كفاه اللَّه همّه ،
و من كان همّه في كلّ واد لم يبال اللَّه بأيّ واد هلك
.
٣٦
من الخطبة ( ١٧٣ ) أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَلدُّنْيَا تَغُرُّ اَلْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ اَلْمُخْلِدَ إِلَيْهَا وَ لاَ تَنْفَسُ بِمَنْ
____________________
نَافَسَ فِيهَا وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا وَ اَيْمُ اَللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلاَّ بِذُنُوبٍ اِجْتَرَحُوهَا لِ أَنَّ اَللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ٦ ١٠ ٣ : ١٨٢ وَ لَوْ أَنَّ اَلنَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ اَلنِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ اَلنِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ « أيّها الناس أنّ الدنيا تغر المؤمّل لها » أي : تخدعه .
« و المخلد إليها » أي : الراكن إليها ، قال تعالى و اتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنّه أخلد إلى الأرض و اتَّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .
.
« و لا تنفس بمن نافس فيها » أي : لا ترغب و لا تضنّ في من و بمن رغب فيها و ضنّ بها .
« و تغلب من غلب عليها » و في ( الكامل ) : بعد ذكر فتح صلاح الدّين حلب في سنة ( ٥٧٩ ) و ذكر مطعونيّة أخيه تاج الملوك الّذي كان فارسا شجاعا كريما حليما جامعا لمحاسن الأخلاق في ذاك الحرب في ركبته ، حضر صلاح الدّين عند أخيه يعوده و قال له : هذه حلب قد أخذناها و هي لك ، فقال : ذلك لو كان و أنا حيّ ، و و اللَّه لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي ، فعمل صلاح الدين دعوة احتفل فيها ، فبيناهم في سرور إذ جاء من أسرّ إليه بموت أخيه
.
و كان المعتمد بن عباد صاحب اشبيليّة نكب و سجن باغمات فجاءه ببناته في عيد فقال :
____________________
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
|
|
فجاءك العيد بالاغمات مأسورا
|
ترى بناتك في الأنظار جائعة
|
|
يغزلن للنّاس ما يملكن قطميرا
|
يطأن في الطّين و الأقدام حافية
|
|
كأنّها لم تطأ مسكا و كافورا
|
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا
|
|
فردّك الدّهر منهيّا و مأمورا
|
من بات بعدك في ملك يسرّ به
|
|
فانّما بات في الأحلام مغرورا
|
و في ( الأغاني ) : قال الشعبي دعاني عبد الملك في علّته التي مات فيها فغصّ بلقمته و أنا بين يديه ، فتساند طويلا ثم قال أصبحت كما قال الشاعر :
كأنّي و قد جاوزت سبعين حجّة
|
|
خلعت بها عن منكبيّ ردائيا
|
فقلت : الشعر للبيد و قد عاش إلى أن بلغ مائة و عشر فقال :
أ ليس في مائة قد عاشها رجل
|
|
و في تكامل عشر بعدها عمر
|
فعاش إلى أن بلغ مائة و عشرين فقال :
و لقد سأمت من الحياة و طولها
|
|
و سؤال هذا النّاس كيف لبيد ؟
|
غلب الرّجال و كان غير مغلّب
|
|
دهر جديد دائم ممدود
|
يوم أرى يأتي عليه و ليلة
|
|
و كلاهما بعد المضاء يعود
|
ففرح عبد الملك و قال : ما أرى بأسا ، و قد وجدت خفّة فأمر لي بأربعة آلاف درهم فقبضتها و خرجت فما بلغت الباب ، حتّى سمعت النّاعية عليه
.
« و ايم اللَّه » قسم مخفّف ( أيمن ) من اليمين و يجوز في همزتها الفتح و الكسر .
« ما كان قوم قطّ في غض نعمة من عيش » أي : طريّ نعمة و نضرتها .
« فزال عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها » إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما
____________________
بأنفسهم .
، كدأب آل فرعون و الّذين من قبلهم كفروا بآيات اللَّه فأخذهم اللَّه بذنوبهم إنّ اللَّه قوي شديد العقاب ذلك بأنّ اللَّه لم يكن مغيّراً نعمةً أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم و انّ اللَّه سميعٌ عليم
.
« لأنّ اللَّه ليس بظلاّم للعبيد » و الأصل فيه قوله تعالى ذلك بما قدّمت أيديكم و انّ اللَّه ليس بظلاّمٍ للعبيد
.
« و لو انّ الناس حين تنزل بهم النقم و تزول عنهم النعم فزعوا إلى ربّهم » روى إنّه إذا تريد أن تعرف قصر البلاء من طوله ، فاعرفه في إلهام الدعاء و عدمه .
« لردّ عليهم كلّ شارد » يقال شرد البعير إذا نفر .
« و أصلح لهم كلّ فاسد » و لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضّرّاء لعلّهم يضرّعون فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا و لكن قست قلوبهم و زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون
، فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس لمَّا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدُّنيا و متّعناهم إلى حين
.
٣٧
من الخطبة ( ١٨٦ ) وَ كُونُوا عَنِ اَلدُّنْيَا نُزَّاهاً وَ إِلَى اَلْآخِرَةِ وُلاَّهاً وَ لاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلتَّقْوَى وَ لاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلدُّنْيَا وَ لاَ تَشِيمُوا بَارِقَهَا وَ لاَ تَسْتَمِعُوا نَاطِقَهَا وَ لاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا وَ لاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا وَ لاَ تُفْتَنُوا
____________________
بِأَعْلاَقِهَا فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَ نُطْقَهَا كَاذِبٌ وَ أَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وَ أَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ أَلاَ وَ هِيَ اَلْمُتَصَدِّيَةُ اَلْعَنُونُ وَ اَلْجَامِحَةُ اَلْحَرُونُ وَ اَلْمَائِنَةُ اَلْخَئُونُ وَ اَلْجَحُودُ اَلْكَنُودُ وَ اَلْعَنُودُ اَلصَّدُودُ وَ اَلْحَيُودُ اَلْمَيُودُ حَالُهَا اِنْتِقَالٌ وَ وَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ وَ عِزُّهَا ذُلٌّ وَ جِدُّهَا هَزْلٌ وَ عُلْوُهَا سُفْلٌ دَارُ حَرَبٍ وَ سَلَبٍ وَ نَهْبٍ وَ عَطَبٍ أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِيَاقٍ وَ لَحَاقٍ وَ فِرَاقٍ قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا وَ أَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا وَ خَابَتْ مَطَالِبُهَا فَأَسْلَمَتْهُمُ اَلْمَعَاقِلُ وَ لَفَظَتْهُمُ اَلْمَنَازِلُ وَ أَعْيَتْهُمُ اَلْمَحَاوِلُ فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ وَ لَحْمٍ مَجْزُورٍ وَ شِلْوٍ مَذْبُوحٍ وَ دَمٍ مَسْفُوحٍ وَ عَاضٍّ عَلَى يَدَيْهِ وَ صَافِقٍ بِكَفَّيْهِ وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ وَ زَارٍ عَلَى رَأْيِهِ وَ رَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ وَ قَدْ أَدْبَرَتِ اَلْحِيلَةُ وَ أَقْبَلَتِ اَلْغِيلَةُ وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ وَ ذَهَبَ مَا ذَهَبَ وَ مَضَتِ اَلدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّماءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ ١ ١٠ ٤٤ : ٢٩ « و كونوا عن الدنيا نزّاها » قال ابن السّكيت : ممّا يضعه النّاس في غير موضعه قولهم : خرجنا نتنزّه ، إذا خرجوا إلى البساتين ، و إنّما التنزّه ، التّباعد عن المياه و الأرياف ، و منه قيل : فلان يتنزّه عن الأقذار و ينزّه نفسه عنها أي :
يباعد عنها
.
قلت : و يصدّق ما قاله مورد كلامه عليه السّلام في الأمر بالتنزّه عن الدنيا و قولهم أنّه تعالى منزَّه عن النقائص .
« و إلى الآخرة ولاّها » الوله : التحيّر من شدّة الوجد ، قال تعالى إنّما هذه الحياة الدُّنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار
، قال الذين يريدون الحياة
____________________
الدُّنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم و قال الّذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللَّه خيرٌ لمن آمن و عمل صالحاً و لا يُلقّيها إلاّ الصابرون فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون اللَّه و ما كان من المنتصرين و أصبح الّذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون و يكانّ اللَّه يبسط الرزّق لمن يشاء من عباده و يقدر لو لا ان منَّ اللَّه علينا لخسف بنا
.
« و لا تضعوا من رفعته التّقوى » و اصبر نفسك مع الّذين يدعون ربّهم بالغداة و العشيّ يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدُّنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و كان أمره فرطا
.
و في ( أسباب نزول الواحدي ) : عن سلمان قال : جاءت المؤلّفة القلوب عيينية بن حصن و الأقرع بن حابس و ذو وهم إلى النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فقالوا : انّك لو جلست في صدر المجلس ، و نحيّت عنّا هؤلاء و أرواح جبابهم يعنون سلمان و أباذر و فقراء المسلمين و كانت عليهم جباب الصّوف جلسنا إليك و حادثناك و أخذنا عنك ، فأنزل تعالى و اصبر نفسك مع الّذين يدعون ربّهم بالغداة و العشيّ الآيات فقام النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يلتمسهم حتّى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون اللَّه تعالى ، فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : الحمد للَّه الذي لم يمتني حتّى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمّتي ، معكم المحيا و معكم الممات
.
« و لا ترفعوا من رفعته الدنيا » و لا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدُّنيا لنفتنهم فيه و رزق ربِّك خيرٌ و أبقى
.
____________________
و لا تشيموا بارقها ، في الصحاح ( شمت البرق ) : إذا نظرت إلى سحابته أين تمطر
.
« و لا تستمعوا ناطقها في ( ابن أبي الحديد ) و غيره ( و لا تسمعوا ناطقها ) فهو الصحيح و المعنى أبلغ .
« و لا تجيبوا ناعقها » من نعق الرّاعي بغنمه : صاح بها قال الأخطل :
انعق بضانك يا جرير فانّما « و لا تستضيئوا باشراقها » أي : اضاءتها و تلألؤها .
« و لا تفتنوا بأعلاقها » قال ابن أبي الحديد : الاعلاق جمع علق و هو الشيء النفيس
.
قلت : بل مطلق المتاع و لو الخسيس و تخصيصه بالنفيس و هم الأصل فيه الجوهري فقال : العلق بالكسر النفيس من كلّ شيء يقال علق مضنّة أي : ما يضنّ به
.
فكلامه كما ترى في معنى العلق النفيس ، لأنّه يقال علق نفيس يضنّ به صاحبه ، ثمّ أيّ نفائس للدنيا حتى يقول عليه السّلام : لا تفتنوا بنفائسها ، و انّما لها أمتعة مموّهة .
« فإن برقها خالب » هو تعليل لقوله عليه السّلام « و لا تشيموا بارقها » و البرق الخلب الّذي لا غيث فيه كأنّه خادع قال الجوهري و منه قيل لمن يعد و لا ينجز انّما أنت كبرق خلّب ، قال : و يقال ( برق خلب ) بالإضافة
.
قلت : و الأصل التوصيف كما في قوله ( لم يكن معروفك برقا خلّبا ، إن خير
____________________
البرق ما الغيث معه .
« و نطقها كاذب » تعليل لقوله عليه السّلام « و لا تسمعوا ناطقها » و ما الحياة الدُّنيا إلاّ متاع الغرور
.
« و أموالها محروبة و أعلاقها مسلوبة » هما معا تعليل لقوله عليه السّلام « و لا تفتنوا بأعلاقها » و حرب المال إذا أخذ و ترك صاحبه بلا شيء ، قال تعالى و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
هذا و كأنّه سقط تعليل قوله عليه السّلام « و لا تجيبوا ناعقها » و قوله عليه السّلام « و لا تستضيئوا باشراقها » من النّسّاخ و لعلّ الأوّل ( و نعقها من الذّئاب ) و الثاني ( و ضياؤها ظلمة ) .
« ألا و هي المتصدّية العنون » في ( الصحاح ) : تصدّى له : أي تعرّض ، و هو الذي يستشرقه ناظرا إليه
.
و عنّ : أي عرض و اعترض ، شبّهها عليه السّلام بمرأة بغيّ تتصدّى للرجال و تعرض نفسها عليهم و لا تبقى عند أحد منهم فقالوا : الدّنيا كعروس مجلوّة تسرّ خطّابها و هي لهم قاتلة ، الدنيا قحبة فيوما عند عطّار و يوما عند بيطار
.
« و الجامحة الحرون » الفرس الجامح : الّذي لا يملكه راكبه ، و الفرس الحرون : الذي لا ينقاد ، شبّهها عليه السّلام بفرس شموس لا ينقاد لصاحبه ، و قيل بالفارسية :
بر ابلق زمانه سوار استى الحذر
|
|
زين اسب سركش بد چشم بد لگام
|
و قال شاعر :
____________________
لقد قال فيها الواصفون و أكثروا
|
|
و عندي لها وصف لعمري صالح
|
سلاف قصاراه ذعاف و مركب
|
|
شهيّ إذا استلذذته فهو جامح
|
« و المائنة الخؤون » المين : الكذب ، شبّهها عليه السّلام بمرأة تكذب مع زوجها في حبّه ، و تخونه في التمكين من غيره ، قال ابن بسّام :
يا عجبا منها و من شأنها
|
|
عدوّة للنّاس معشوقة
|
و قيل بالفارسيّة :
مجو درستى عهد از جهان سست نهاد
|
|
كه اين عجوزه عروس هزار داماد است
|
« و الجحود الكنود » في ( الصّحاح ) : جحد الرجل بالكسر فهو جحد إذا كان ضيّقا قليل الخير
.
و كند ، أي : كفر النّعمة فهو كنود و امرأة كنود أيضا ، شبّهها عليه السّلام بمرأة تجحد احسان زوجها إليها و تكفر نعمته عندها و للنّساء تخصّص في هذا الوصف .
« و العنود الصّدود » في ( الأساس ) : رجل عنيد : يعرف الحقّ فيأباه فيكون منه في شق ، من العند و هو الجانب ، و رجل عنود : يحلّ وحده ، لا يخالط النّاس ،
قال :
و مولى عنود الحقته جريرة
|
|
و قد تلحق المولى العنود الجرائر
|
و الصدّ : الاعراض .
____________________
« و الحيود الميود » حاد عن الشيء مال عنه و ماد الشيء : أي تحرّك و اضطرب ، قال البحتري في محبوبته :
فكم في الدّجى من فرحة بلقائها أي : في النّوم
|
|
و من ترحة بالبين منها لدى الفجر
|
إذا اللّيل أعطانا من الوصل بلغة
|
|
ثنتنا تباشير النّهار إلى الهجر
|
« حالها انتقال » قال ابن أبي الحديد : يجوز أن يعني به أنّ سجيّتها انتقال ،
و يجوز أن يعني به أنّه و إن كان ، إنّما الموجود من الزّمان هو الحاضر لأنّ الماضي و المستقبل لا وجود لهما الآن إلاّ أنّ الذي يحكم عليه العقلاء بالحضور ، أيضا ليس بحاضر بل هو سيّال متغيّر
، و قال باقي الشرّاح قريبا منه .
قلت : قرأوا قوله عليه السّلام « حالها » بتخفيف اللاّم من الحول فوقعوا في أوهام و انّما هو « حالّها » بتشديد اللاّم من الحلول ، و الحلول ضدّ الانتقال أراد عليه السّلام أن يثبت لكل صفة من الدنيا أثر ضدّها فقال عليه السّلام « حلولها انتقال » ،
و يشهد ذلك قوله عليه السّلام بعد « و وطأتها زلزال ، و عزّها ذلّ ، و جدّها هزل ، و علوّها سفل » فترى حمل عليه السّلام على كلّ صفة منها ضدّها و أين كلامه عليه السّلام ممّا قال هذا الزّمان الحاضر ثابت أو سيّال ، ثم حمل ( الانتقال ) على الحال إمّا مبالغة و امّا كان الأصل ( على الانتقال ) .
« و وطأتها زلزال » قال ابن أبي الحديد : الوطأة كالضّغطة و منه قوله صلّى اللَّه عليه و آله :
( اللّهمّ أشدد و طأتك على مضر ) ، و أصلها موضع القدم و الزّلزال : الشدّة
____________________
العظيمة ، و قال الراوندي : ( يريد أنّ سكونها حركة من قولك ( وطؤ الشيء ) أي :
صار وطيئا ذا حال ليّنة و موضع وطي أي : وثير ) و هذا خطأ لأنّ المصدر من ذلك ( وطآءة ) بالمدّ و هنا ( وطأة ) ساكن الطاء فأين أحدهما من الآخر
.
قلت : بل الحقّ مع الرّاوندي من كون المراد من كون ( وطأة الدنيا زلزالا ) ( ان سكونها حركة ) فانّه عليه السّلام في مقام أن يثبت لكلّ صفة منها في الظّاهر ضدّها في الباطن كما عرفت و قوله : الوطأة كالضغطة و منه قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم اللّهمّ اشدد و طأتك على مضر ، و هم تبع فيه الجوهري كقوله : ( و أصلها موضع القدم ) فانّ الأصل في الوطأة وضع القدم ، و انّما موضع القدم ( الموطأ ) قال تعالى و لا يطؤون موطأ يغيظ الكفّار .
، و منشأ و هم الجوهري في قوله « الوطأة موضع القدم و هو أيضا كالضغطة ، و في الحديث : ( اللّهمّ اشدد وطأتك على مضرّ )
جعله معنى : أشدد وطأتك ، جملة الموطأة منفردا نظير جعله معنى ( علق مضنة ) للعلق منفردا ، و لا ريب أنّ ( وطأتها ) في كلامه عليه السّلام من ( صار الشيء وطيئا ) كما قال الراوندي ، لما عرفت من شهادة السياق و هل رأى ابن أبي الحديد ( الوطأة ) بسكون الطاء في خطّه عليه السّلام أو سمعه من لفظه ،
و إنّما رأى خطّ النسّاخ ، و في الخطّ يكتبان على شكل واحد و لم يضع النّاسخ المدّ .
« و عزّها ذل » أهل الدّنيا لم يصيروا ذوي عزّة قطّ فإنّما العزّة للَّه و لرسوله و للمؤمنين ، و انّما قد يصيرون ذوي اقتدار في صورة أهل العزّة ، و سريعا يسلب عنهم مع أنّهم في حال اقتدارهم أذلاّء لكونهم
____________________
منقطعين عن اللَّه تعالى .
« وجدّها هزل » قالت بنت النعمان بن المنذر :
فبيّنا نسوس الناس و الأمر أمرنا
|
|
إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
|
« دار حرب و سلب و نهب و عطب » أي : هلاك ، قالوا : يسار الدّهر في الأخذ أسرع من يمينه في البذل ، لا يعطي بهذه إلاّ ارتجع بتلك ، و لا يؤمن يومه و يخاف غده و يرضع ثديه و يخرج يده
.
« أهلها على ساق و سياق » قال الشاعر :
و ما النّاس إلاّ مثل سيّقة العدا
|
|
ان استقدمت نحر و ان جبأت عقر
|
و ما النّاس في شيء من الدّهر و المنى
|
|
و ما النّاس إلاّ سيّقات المقادر
|
« و لحاق » بالأموات .
« و فراق » من الأحياء قال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لابنته فاطمة عليها السّلام : ( إنّك أوّل أهل بيتي لحوقا بي ) و قال لأزواجه : ( أطو لكنّ يدا أسرعكنّ بي لحوقا )
فكانت زينب بنت جحش .
و في دعاء المقابر : أنتم لنا فرط و انّا انشاء اللَّه بكم لاحقون
.
و قال تعالى : كلاّ إذا بلغت التّراقي و قيل من راق و ظنّ انّه الفراق و التفّت السّاق بالسّاق إلى ربِّك يومئذ المساق
.
____________________
« قد تحيّرت مذاهبها » كالّذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا .
.
« و أعجزت مهاربها » و كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشدّ منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص
.
« و خابت مطالبها » قد أفلح من زكّاها و قد خاب من دسّيها
،
و استفتحوا و خاب كلّ جبار عنيد
، و قال الشاعر :
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة
|
|
و ما هي إن غرّت قرونا بطائل
|
« فاسلمتهم المعاقل » و المعقل : الملجأ ، قال تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروجٍ مشيّدةٍ .
.
« و لفظتهم المنازل » من قولهم لفظت الشيء من فمي أي : رميته .
« و أعيتهم » من داء عياء : صعب لا دواء له ، كأنّه أعيى الأطباء .
« المحاول » من ( حاولت الشيء ) : طلبته بحيلة .
« فمن ناج معقور » أي : مجروح ، قالوا : انحدر أبو العيناء مع ثمانين نفرا في زورق من بغداد إلى البصرة فغرقوا و نجا ، تعلّق بطلال الزّورق فلّما دخل البصرة
مات .
« و لحم مجزور » في ( الصحاح ) : جزر السّباع : اللحّم الذي تأكله السباع
.
____________________
و في ( المروج ) : أصيب كفّ عبد الرحمن بن عتاب من مقتولي الجمل مع عايشة بمنى ألقاها عقاب و فيها خاتم نقشه ( عبد الرحمن بن عتاب ) و كان اليوم الذي وجد فيه الكفّ بعد يوم الجمل بثلاثة أيّام و قطع على خطام جمل عايشة سبعون يدا من بني ضبّة معهم كعب بن سور القاضي متقلّدا مصحفا ،
كلّما قطع يد واحد منهم قام آخر و قال : أنا الغلام الضّبيّ
.
« و شلو مذبوح » في ( الصحاح ) : الشّلو العضو من أعضاء اللحم
.
و الظاهر أنّه هنا بمعنى البقيّة من قولهم « بقيت أشلاء من تميم » : بقايا .
« و دم مسفوح » أي : مسفوك .
في ( خلفاء ابن قتيبة ) : كتب عبد الملك إلى الحجّاج يأمره بالمسير إلى العراق و يحتال لقتلهم فتوجّه و معه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام ، و تحرّى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصّلاة و أمر من معه أن يتفرّقوا على أبواب المسجد على كلّ باب مائة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم و عهد إليهم إن إذا سمعتم الجلبة داخل المسجد فلا يخرجنّ أحد من باب المسجد حتّى يسبقه رأسه إلى الأرض و كان المسجد له ثمانية عشر بابا فبدر ألف و ثمانمائة على كلّ باب مائة و جلسوا مرتدين و دخل الحجّاج و بين يديه مائة و خلفه مائة كلّ منهم مرتد بردائه و سيفه ، قد أفضى به إلى داخل إزاره و قال لهم : إنّي إذا دخلت فسأكلّم القوم في خطبتي و سيحصبوني ، فاذا رأيتموني وضعت عمامتي على ركبتي فضعوا أسيافكم ، فلمّا دخل المسجد و قد حانت الصلاة صعد المنبر ، و قال : إنّ الخليفة ولاّني مصركم و قسمة فيئكم ،
و إنصاف مظلومكم ، و إمضاء الحكم على ظالمكم ، و أخبركم أنّه قلّدني حين
____________________
توليتي بسيفين : سيف رحمة ، و سيف نقمة ، فأمّا سيف الرحمة فسقط منّي في الطريق ، و امّا سيف النقمة فهو هذا و سلّ سيفه فحصبه النّاس ، فلمّا أكثروا عليه خلع عمامته فوضعها على ركبته ، فجعل السّيوف تبري الرقاب ، فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الدّاخلين و تسارع الناس إلى الخروج تلقوهم بالسّيوف فارجعوا الناس إلى جوف المسجد ، و لم يتركوا خارجا يخرج من المسجد فقتل منهم بضعا و سبعين ألفا حتّى سالت الدماء إلى باب المسجد و إلى السّكك
.
« و عاض على يديه » من النّدامة و يوم يعضُّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا يا ليتني لم اتّخذ فلاناً خليلاً لقد أضلّني عن الذّكر بعد إذ جاءني و كان الشّيطان للإنسان خذولا
.
« و صافق بكفيّه » في ( الصحاح ) : الصّفق : الضّرب الذي يسمع له صوت ،
و التّصفيق باليد : التصويت بها
.
« و مرتفق بخدّيه » أي : جعل خدّيه على مرفقه .
« و زار على رأيه » قال أبو عمرو : الزّاري على آخر : الّذي لا يعدّه شيئا و ينكر عليه فعله
.
في ( المروج ) : جرح عبد الملك بن مروان في الجمل طلحة في جبهته و رماه أبوه مروان في أكحله .
قلت : انتقاما لعثمان و كانوا جميعا في عسكر عايشة ، فوقع طلحة صريعا و سمع و هو يقول :
____________________
ندمت ندامة وضلّ حلمي
|
|
و لهفي ثمّ لهف أبي و أمّي
|
ندمت ندامة الكسعي لمّا
|
|
طلبت رضا بني حزم بزعمي
|
« و راجع عن عزمه » رجع الزّبير لمّا ذكّره أمير المؤمنين عليه السّلام قول النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله له بقتاله معه عليه السّلام ظلما و ترك العسكرين .
« و قد أدبرت الحيلة » حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ ارجعون لعلّي أعمل صالحا في ما تركت كلاّ انّها كلمةٌ هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
« و أقبلت العيلة » في ( الصحاح ) : قتله غيلة : إذا ذهب به إلى موضع خدعة فقتله
.
« و لات حين مناص » اقتباس من الآية في سورة ( ص ) كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا و لات حين مناص
قال أبو عبيد ( لات ) هي ( لا ) و ( التّاء ) انّما زيدت في ( حين ) و ان كتبت مفردة ، فقال أبو وحزة : ( العاطفون تحين ما من عاطف ) ، و قال المورج : بل زيدت في لا كما تزاد في ( ربّ )
و ( ابن ميثم ) قلت :
و هو أصحّ لكتابتها مفردة و لوجودها مع عدم ( حين ) في قوله : ( هنّت و لات هنّت ) و ( المناص ) التأخّر أي : ليس ذاك الوقت وقت تأخّر و فرار .
« هيهات هيهات » ذكر الجوهري ( هيهات ) في ( هيه ) و قال : انّها كلمة تبعيد ،
و أقول : و كأنّه لا تستعمل إلاّ مكرّرة كما في كلامه عليه السّلام بتصديق ابن أبي الحديد و كما في قول الشاعر :
____________________
فهيهات هيهات العقيق و أهله
|
|
و هيهات خلّ بالعقيق تحاوله
|
و كما في قول آخر ، في وصف إبل قطعت بلادا و صارت في القفار :
يصبحن في القفر اتاويات
|
|
هيهات من مصحبها هيهات
|
هيهات ( حجر ) من ( صنيعات )
كسر التاء في ( هيهات ) امّا لضرورة الشعر ، و امّا لكونه لغة فيه جعلا له كنون التثنية و كما في قول آخر : ( أيهات منك الحياة ايهاتا )
جعل فيه الهاء ألفا و جعل الثاني اسما معربا مصدرا .
« قد فات ما فات و ذهب ما ذهب » و لن يؤخّر اللَّه نفسا إذا جاء أجلها و اللَّه خبير بما تعملون
.
« و مضت الدنيا لحال بالها » قال ابن أبي الحديد : حال بالها ، أي : إن خيرا و إن شرّا .
قلت : و الأحسن أن يقال المراد لحال قلبها و إرادتها كقولك : ( ما يخطر فلان ببالي ) .
« فما بكت عليهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرين »
الآية المقتبسة في سورة الدّخان في فرعون و قومه و قبلها كم تركوا من جنّات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوما آخرين
.
____________________
٣٨
الحكمة ( ٢٢٨ ) و قال عليه السّلام :
مَنْ أَصْبَحَ عَلَى اَلدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اَللَّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ وَ مَنْ قَرَأَ ؟ اَلْقُرْآنَ ؟ فَمَاتَ فَدَخَلَ اَلنَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اَللَّهِ هُزُواً وَ مَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ اَلدُّنْيَا اِلْتَاطَ مِنْهَا بِثَلاَثٍ هَمٍّ لاَ يُغِبُّهُ وَ حِرْصٍ لاَ يَتْرُكُهُ وَ أَمَلٍ لاَ يُدْرِكُهُ « من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء اللَّه ساخطا » في ( الكافي ) :
قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : يا معشر المساكين طيبوا نفسا و اعطوا الرّضا من قلوبكم يثبكم اللَّه على فقركم ، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم
.
« و من أصبح يشكوا مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو ربّه » هكذا في ( المصرية )
، و لكن في ( ابن أبي الحديد و الخطيّة )
بدل « فقد أصبح يشكو ربّه » : « فانّما يشكو ربّه » .
في ( الكافي ) : إنّ رجلا شكا إلى الصادق عليه السّلام مصيبة أصيب بها فقال عليه السّلام له : ان تصبر تؤجر ، و إلاّ يمض عليك قدر اللَّه الذي قدّر عليك و أنت مأزور
.
« و من أتى غنيا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه » في ( الكافي ) : مرّ عيسى عليه السّلام على قرية مات أهلها و طيرها و دوابها ، فقال : أما إنَّهم لم يموتوا إلاّ
____________________
بسخط و إلاّ لتدافنوا إلى أن قال بعد ذكر نداء عيسى عليه السّلام لهم و جواب أحدهم له قال عيسى عليه السّلام : كيف كان حبّكم للدنيا ؟ قال : كحبّ الصبيّ لامّه ، إذا أقبلت علينا سررنا و إذا أدبرت علينا حزنّا و بكينا .
.
و التواضع للغنيّ إنّما ذمّه لو كان لغناه ، و امّا لو كان لأخلاقه و تقواه فلا .
« و من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممّن كان يتّخذ آيات اللَّه هزوا » في ( الجمهرة ) : كانت قل يا أيُّها الكافرون و قل هو اللَّه أحد تسمّيان في صدر الإسلام المقشقشتين لأنّهما ابرأتا من النفاق
.
و في ( تاريخ بغداد ) : قال محمّد بن علي المادرائي : كنت اجتاز بتربة أحمد بن طولون فأرى شيخا عند قبره يقرأ ملازما للقبر ثمّ إنّي لم أره مدّة ثمّ رأيته بعد ذلك فقلت له : لست الّذي كنت أراك عند قبر أحمد بن طولون و أنت تقرأ عليه ؟ فقال : بلى قد كان وليّنا ، و كان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكلّ فأحببت أن اقرأ عنده و أصله بالقرآن قلت : لم انقطعت عنه ؟ فقال : رأيته في النّوم و قال لي : أحبّ أن لا تقرأ عندي ، فكأنّي أقول له لأيّ سبب ؟ فقال : ما تمرّ بي آية إلاّ قرعت بها ، و قيل لي : أما سمعت هذه ؟
« و من لهج » أي : ولع و حرص .
« قلبه بحبّ الدنيا التاط » أي : لصق قلبه .
« منها بثلاث » هكذا في ( المصرية )
و قلبه ، زائدة لتقدّمه و لعدم وجوده في ( ابن أبي الحديد ) و غيره .
____________________
« همّ لا يغبّه »
أي : لا يكون له فترة و انقطاع ، بل له دوام و اتّصال ، قال الصادق عليه السّلام : مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القزّ كلّما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غمّا
.
« و حرص لا يتركه و أمل لا يدركه » قال الصادق عليه السّلام : مثل الدّنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتّى يقتله
.
٣٩
الحكمة ( ٢٨٦ ) و قال عليه السّلام :
مَا قَالَ اَلنَّاسُ لِشَيْءٍ طُوبَى لَهُ إِلاَّ وَ قَدْ خَبَّأَ لَهُ اَلدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ قال تعالى في قارون فخرج على قومه في زينته قال الّذين يريدون الحياة الدّنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللَّه خيرٌ لمن آمن و عمل صالحاً و لا يُلقّاها إلاّ الصّابرون فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون اللَّه و ما كان من المنتصرين و أصبح الّذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون و يكانَّ اللَّه يبسط الرِّزق لمن يشاء من عباده و يقدر لو لا ان منَّ اللَّه علينا لخسف بنا و يكانّه لا يفلح الكافرون
.
و في ( الأغاني ) : أنّ مطيع بن اياس اضطّر إلى بيع جارية له بالرّيّ لمّا خرج منها ، فلّما وصل إلى حلوان نظر إلى نخلتين هناك فقال :
اسعداني يا نخلتي حلوان
|
|
و ابكيا من ريب هذا الزّمان
|
____________________
و اعلما انّ ريبه لم يزل
|
|
يفرّق بين الالاّف و الجيران
|
و لعمري لو ذقتما ألم الفرقة
|
|
أبكا كما الّذي أبكاني
|
أسعداني و ايقنا انّ نحسا
|
|
سوف يلقاكما فتفترقان
|
ثم روى أنّ المنصور اجتاز بالنخلتين و كانت إحداهما على الطريق فأراد قطعها فأنشد قول مطيع :
و اعلما ما بقيتما انّ نحسا
|
|
سوف يلقاكما فتفترقان
|
فقال : لا و اللَّه ما كنت ذلك النّحس الّذي يفرّق بينهما .
ثمّ روى أنّ المهدي قال : قد أكثر الشعراء في نخلتي حلوان فهممت أن آمر بقطعهما ، فبلغ قوله المنصور فكتب إليه أعيذك أن تكون النحس الّذي تلقاهما .
و روي أنّ الرّشيد لمّا خرج إلى طوس ، هاج به الدّم بحلوان ، فأشار عليه الطبيب بأكل جمّار ، فأحضر دهقان حلوان ، و طلب منه جمّارا فأعلمه أنّ بلده ليس بها نخل و لكن على العقبة نخلتان ، فمر بقطع إحديهما فقطعت ، فأتي بجمارتها ، فأكل منها و راح فلمّا انتهى إلى العقبة ، نظر إلى إحدى النخلتين مقطوعة و الاخرى قائمة و إذا على القائمة مكتوب :
أسعداني يا نخلتي حلوان
|
|
و ابكيا لي من ريب هذا الزّمان
|
أسعداني و ايقنا ان نحسا
|
|
سوف يلقاكما فتفترقان
|
فاغتمّ ، و قال : يعزّ عليّ أن أكون نحسكما ، و لو كنت سمعت بهذا الشعر ما قطعت هذه النخلة و لو قتلني الدّم
.
و في ( تاريخ بغداد ) : ولّى عمر بن أبي عمر الأزدي من آل حماد بن زيد ،
القضاء بمدينة السّلام في حياة أبيه نيابة عنه ثمّ أقر بعده إلى آخر عمره في
____________________
( ١٧ ) سنة و ( ٢٠ ) يوما ، قال المعافى بن زكريا : كنت أحضر مجلسه يوم النّظر ،
فحضرت أنا و جماعة من أهل العلم يوما في الموضع الذي جرت العادة بجلوسنا فيه ننتظره حتى يخرج ، فدخل أعرابي فجلس بقربنا ، فجاء غراب فقعد على نخلة في الدّار ، و صاح ثمّ طار فقال الأعرابي : هذا الغراب يقول إنّ صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام ، فصحنا عليه و زبرناه ، فقام و انصرف ، و احتسب خروج القاضي و إذا قد خرج إلينا الغلام و قال : القاضي يستدعيكم ، فقمنا إليه و إذا به متغيّر اللون مغتمّ ، فقال : انّي رأيت البارحة في المنام شخصا يقول :
منازل آل حمّاد بن زيد
|
|
على أهليك و النّعم السلام
|
فضاق لذلك صدري ، فدعونا له و انصرفنا فلّما كان اليوم السابع دفن ،
كان ذلك في سنة ( ٣٢٨ )
.
و في ( وزراء الجهشياري ) : خلا جعفر البرمكي يوما بندمائه في منزله فتمضّخ بالخلوق و لبس الحرير ، و فعل بندمائه مثل ذلك و تقدّم إلى حاجبه بحفظ الناب إلاّ من عبد الملك بن نجران ، كاتبه فوقع في اذن الحاجب ( عبد الملك ) فقط و بلغ عبد الملك بن صالح العبّاسي مقام جعفر في منزله فركب إليه فوجّه الحاجب إلى جعفر « قد حضر عبد الملك » فقال يؤذن له و هو يظنّه ابن نجران فدخل عبد الملك بن صالح في سواده فلّما رآه جعفر اسوّد وجهه و كان عبد الملك لا يشرب النبيذ و كان ذلك سبب موجدة الرّشيد عليه لأنّه كان يلتمس ندامه فيأبى عليه فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر فدعا غلامه فناوله سواده و قلنسوته و أقبل حتى وقف على باب المجلس فقال ( افعلوا بنا ما فعلتم بأنفسكم ) فدنا منه خادم فألبسه حريرة و جاء فجلس و دعا بطعام ،
____________________
فأكله و دعا بنبيذ فأتوه برطل فشربه ، و قال لجعفر و اللَّه ما شربته قبل اليوم فليخفّف عنّي فدعا له برطليّة جعلت بين يديه و جعل كلّما فعل ذلك شيئا سرّى عن جعفر فلّما أراد الإنصراف قال له جعفر : سل حاجتك ، فما تحيط مقدرتي بمكافأة ما كان منك ، فقال : إنّ في قلب الرّشيد عليّ هنة فتسأله الرّضا عنّي ،
فقال : قد رضي عنك ، قال : و عليّ أربعة آلاف درهم تقضي عنّي قال : انّها عندي حاضرة ، و لكن اجعلها من مال الخليفة ، فانّها أنبل لك ، قال : و ابراهيم ابني أحبّ أن أشدّ ظهره بصهر من أولاد الخليفة ، قال : قد زوّجه الخليفة ( العالية ) قال :
و يحبّ أن يخفق لواء على رأسه ، قال : قد ولاّه مصر ، قال إبراهيم بن المهدي أخو الرّشيد و كان من ندمائه تعجّبنا من إقدام جعفر من غير استئذان و قلنا : لعلّه أن يجاب إلى مال من الحوائج فكيف التّزويج ، فلّما كان من الغدّ وقفنا على باب الرّشيد و دخل جعفر فلم يلبث أن دعى بأبي يوسف القاضي و محمّد بن الحسن مع ابراهيم بن عبد الملك و قد خرج ابراهيم و قد خلع عليه ،
و زوّج و حملت البدر إلى منزل عبد الملك ، و خرج علينا جعفر و أشار علينا باتباعه ، و قال : تعلّقت قلوبكم بأوّل الحديث من أمر عبد الملك فأحببتم آخره ،
و إنّي لمّا دخلت على الخليفة ابتدأت القصّة ، كيف كان من أوّلها إلى آخرها ؟
فجعل يقول ( أحسن و اللَّه ) حتّى إذا أتممت خبره ، قال ما صنعت به فأخبرت فجعل يقول ( أحسنت أحسنت ) و فيه أيضا : حكي أنّ الرشيد قام عن مجلسه يريد الدخول إلى بعض حجر قصره ، و إنّ جعفر أسرع فرفع له السّتر و إنّ الرشيد جعل يتأمّل عنقه تأمّلا شديدا فرآه جعفر و هو يتأمّل ، فقال : ما متأمّل الخليفة ؟ قال : حسن عنقك و حسن موقع الجرّبان معرّب كريبان منه فقال :
لا و اللَّه ما تأمّلت إلاّ موضع سيفك ، فقال له : أعيذك باللَّه من هذا القول و اعتنقه و قبّله ، ثمّ قال الرّشيد للفضل بن الرّبيع بعد قتل جعفر و ذكر له هذا الخبر
قاتل اللَّه جعفرا ما تأمّلت عنقه إلاّ لموضع السيف منه ، و لم يزل الرّشيد مع جعفر في حاله إلى أن ركب مستهلّ صفر سنة ( ١٨٧ ) إلى الصّيد و جعفر يسايره و انصرف ممسيا إلى القصر الذي كان ينزله بالأنبار ، و هو معه فضمّه إليه و قال : لو لا أنّي أريد الجلوس الليلة مع النساء لم افارقك ، فصار جعفر إلى منزله ، و واصل الرّشيد الرّسل إليه بالألطاف إلى وجه السّحر ، ثم هجم عليه مسرور الخادم فضرب عنقه ، و نصب رأسه و قطّعت جثّته بنصفين و صلبا على الجسرين
.
٤٠
الحكمة ( ٢٩٧ ) و قال عليه السّلام :
مَا أَكْثَرَ اَلْعِبَرَ وَ أَقَلَّ اَلاِعْتِبَارَ عن الصادق عليه السّلام : كان أكثر عبادة أبي ذر التفكّر و الاعتبار .
و للجنيدي في قتل ( حسنك الأمير ) :
أبدى لك الدّهر في أحواله عبرا
|
|
لو كنت يوما بما تلقاه معتبرا
|
انظر بعين النّهى في حسنك لترى
|
|
سحاب كلّ بلاء أرضه مطرا
|
صلب و رجم و خير الرّأس بعدهما
|
|
من يقهر النّاس في سلطانه قهرا
|
و في ( أخبار حكماء القفطي ) : كان أبو البركات هبة اللَّه بن ملكا وقف على كتب المتقدّمين و المتأخّرين في الطّبّ و صنّف فيها كتابا سمّاه ( المعتبر ) و هو أحسن كتاب صنّفه فيه ، و كان الأطباء في وقته يسألونه عن مسائل من الأمراض فيجيب عنها ، فيسطرون ذلك عنه إلى أن صار مؤلّفا يتناقلونه بينهم ،
و نقل عنه معالجة عجيبة لذي سعال و قال : و لم يزل سعيدا إلى أن قلب له
____________________
الدّهر ظهر المجن ، فلما أسنّ عمى و طرش و برص و تجذّم ، و لمّا أحسَّ بالموت أوصى أن يكتب على قبره : ( هذا قبر أوحد الزّمان أبي البركات ذي العبر صاحب المعتبر )
.
و في ( الحلية ) عن أبي عبد اللَّه السّجزي : العبرة أن تجعل كلّ حاضر غائبا ، و الفكرة أن تجعل كلّ غائب حاضرا
.
٤١
الحكمة ( ٤٣١ ) و قال عليه السّلام :
اَلرِّزْقُ رِزْقَانِ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ فَمَنْ طَلَبَ اَلدُّنْيَا طَلَبَهُ اَلْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا وَ مَنْ طَلَبَ اَلْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا في ( الكافي ) : أوحى تعالى إلى الدّنيا أن أتعبي من خدمك و اخدمي من خدمني
.
أيضا عنه عليه السّلام : أما إن زهد الزّاهد في هذه الدّنيا لا ينقصه ممّا قسم اللَّه تعالى له فيها ، و ان حرص الحريص على عاجل زهرة الحياة الدّنيا لا يزيده فيها ، فالمغبون من حرم حظّه من الآخرة
.
و عن الباقر عليه السّلام : قال تعالى : و عزّتي و جلالي لا يؤثر عبد هواي على هواه في شيء من أمر الدّنيا ، إلاّ جعلت غناه في نفسه و ضمنت السماوات و الأرض رزقه ، و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر .
____________________
هذا ، و في ( الكشي ) : أتى عمّار يوم صفّين بلبن فضحك ، و قال : قال لي النبيّ صلى اللَّه عليه و آله : آخر شراب تشربه من الدّنيا مذقة من لبن حتى تموت .
و في خبر آخر : آخر زادك من الدّنيا ضياح من لبن
.
٤٢
الحكمة ( ٣٠٣ ) و قال عليه السّلام :
اَلنَّاسُ أَبْنَاءُ اَلدُّنْيَا وَ لاَ يُلاَمُ اَلرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ في ( طرائف المقدسي ) : قيل لعلي عليه السّلام : ألا ترى حرص النّاس على الدّنيا فقال عليه السّلام : هم ابناؤها ، فأخذ هذا المعنى محمّد بن وهب الحميري فقال :
نراع لذكر الموت ساعة ذكره
|
|
و نعترض الدّنيا فنلهو و نلعب
|
و قد ضمّت الدّنيا إليّ صروفها
|
|
و خاطبني أعجامها و هو معرب
|
و لكنّنا منها خلقنا لغيرها
|
|
و ما كنت منه فهو شيء محبّب
|
و في ( حياة حيوان الدميري ) : قيل لجعفر الصادق عليه السّلام : ما بال الناس في الغلا يزداد جوعهم بخلاف العادة في الرّخص ؟ فقال : لأنّهم خلقوا من الأرض و هم بنوها ، فاذا اقحطت قحطوا و إذا أخصبت أخصبوا
.
« و لا يلام الرّجل على حبّ امّه » في ( القاموس ) : أمّ حباب الدّنيا ، و قال عمر بن أبي ربيعة :
ألام على حبّي كأنّي سننته
|
|
و قد سنّ هذا الحبّ من قبل جرهم
|
و عن الشّعبي : ما أعلم لنا و للدّنيا إلاّ قول كثير :
____________________
اسيئي بنا أو احسني لا ملومة
|
|
لدينا و لا مقليّة ان تقلّت
|
هذا ، و في ( الكافي ) في خبر مرور عيسى عليه السّلام على قرية اهلكوا بالعذاب ،
و طلب الحواريّين سؤالهم عن السّبب حتّى يجتنب ، فسألهم فأجابه واحد لطاعة أهل المعاصي ، و حبّ الدّنيا ، فقال عيسى عليه السّلام له : كيف كان حبّكم للدّنيا ؟ قال : كحبّ الصبيّ لأمّه إذا أقبلت علينا فرحنا و إذا أدبرت عنّا بكينا و حزنّا .
.
و في ( غرائس الثعلبي ) : يحكى أنّ عبد اللَّه بن طاهر لما قدم نيسابور صحبه من أولاد المجوس شابّ متطبّب ، يدّعي تحقيق الكلام ، و أظهر مسئلة تحريق الأنفس بالنّار و كان يزعم أنّ الجسد كثيف منتن في حال الحياة فاذا مات فلا حكمة في دفنه ، و التسبّب إلى زيادة نتنه و إنّ الواجب إحراقه و اذراء رماده ، فقيل لبعض الفقهاء : إنّ النّاس قد افتتنوا بمقالة هذا المجوسي ، فكتب إلى عبد اللَّه بن طاهر ان اجمع بيننا و بين هذا المجوسي لنسمع منه فاجتمعوا عند عبد اللَّه فلمّا تكلّم المجوسي بمقالته تلك قال له الفقيه : أخبرنا عن صبّيّ تدّعيه أمّه و حاضنته أيّهما أولى به ؟ فقال : الام ، فقال : إنّ هذه الأرض هي الامّ منها خلق الخلق فهي أولى بأولادها أن يردّوا إليها ، فأفحم المجوسيّ و أنشد لأمّة بن أبي الصلت :
و الأرض معقلنا و كانت أمّنا
|
|
فيها مقابرنا و فيها نولد
|
شبّه عليه السّلام هنا الدّنيا بأم ، و في قوله عليه السّلام ( و قد طلّقتك ثلاثا ) بزوجة سوء فكلّ منهما من وجه ، فتشبيهها بالزوجة من حيث عشق النّاس لها عشقهم
____________________
للنّساء و بالامّ من حيث نشؤهم و تربيتهم فيها لكنّها امّ غير عاطفة ، و قد قيل بالفارسية :
آبستنى كه اين همه فرزند زاد و كشت
|
|
ديگر كه چشم دارد از او مهر مادرى
|
هذا ، و في ( الطبري ) في أيّام ابن الزبير : كان رجل يقال له أبو هريرة يحمل على الخوارج و يقول :
كيف ترون يا كلاب النّار
|
|
شد أبي هريرة الهرار
|
فلّما طال ذلك على الخوارج من قوله ، كمن له رجل منهم ، فضربه على حبل عاتقه فصرعه ، فاحتمله أصحابه فداووه ، و أخذت الخوارج بعد ذلك يناديهم يقولون : يا أعداء اللَّه ما فعل أبو هريرة الهرار ، فيقولون : يا أعداء اللَّه و اللَّه ما عليه من بأس ، و لم يلبث أبو هريرة أن برىء ، ثمّ خرج عليهم بعد ،
فأخذوا يقولون له : يا عدوّ اللَّه أما و اللَّه لقد رجونا أن نكون قد أزرناك أمّك ،
فيقول لهم : يا فسّاق ما ذكركم أمّي ؟ فأخذوا يقولون : إنّه يغضب لامّه و هو آتيها عاجلا ، فقال له أصحابه : ويحك إنّما يعنون النّار
.
أشار إلى قوله تعالى : و أمّا من خفّت موازينه فاُمّه هاوية و ما أدراك ماهية نارٌ حامية
.
٤٣
الحكمة ( ١٣١ ) وَ قَالَ ع وَ سَمِعَ رَجُلاً يَذُمُّ اَلدُّنْيَا :
أَيُّهَا اَلذَّامُّ لِلدُّنْيَا اَلْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا اَلْمُنْخَدِعُ بِأَبَاطِيلِهَا أَ تَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ
____________________
تَذُمُّهَا أَنْتَ اَلْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ اَلْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ مَتَى اِسْتَهْوَتْكَ أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ اَلْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ اَلثَّرَى كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ وَ كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ تَبْغِي لَهُمُ اَلشِّفَاءَ وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ اَلْأَطِبَّاءَ غَدَاةَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ وَ لاَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ وَ لَمْ تُسْعَفْ بِطَلِبَتِكَ وَ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ وَ قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ اَلدُّنْيَا نَفْسَكَ وَ بِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَ دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اِتَّعَظَ بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اَللَّهِ وَ مُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اَللَّهِ وَ مَهْبِطُ وَحْيِ اَللَّهِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اَللَّهِ اِكْتَسَبُوا فِيهَا اَلرَّحْمَةَ وَ رَبِحُوا فِيهَا اَلْجَنَّةَ فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا وَ نَادَتْ بِفِرَاقِهَا وَ نَعَتْ نَفْسَهَا وَ أَهْلَهَا فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلاَئِهَا اَلْبَلاَءَ وَ شَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى اَلسُّرُورِ رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ وَ اِبْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ تَرْغِيباً وَ تَرْهِيباً وَ تَخْوِيفاً وَ تَحْذِيراً فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ اَلنَّدَامَةِ وَ حَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ذَكَّرَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا وَ حَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا وَ وَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا
أقول : رواه الشيخ في ( أماليه ) عن جابر الأنصاري ، قال : بينا أمير المؤمنين عليه السّلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم ، إذ ذكروا الدنيا و تصرّفها بأهلها ، فذمها رجل فذهب في ذمّها كلّ مذهب ، فقال عليه السّلام له : أيّها الذام للدّنيا أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك ؟ فقال : بل أنا المتجرّم عليها ،
فقال عليه السّلام : فبم تذمّها ؟ أليست منزل صدق لمن صدّقها ؟ و دار غنى لمن تزوّد منها ؟ و دار عافية لمن فهم عنها ؟ و مساجد أنبياء اللَّه ، و مهبط وحيه ، و مصلّى ملائكته ، و متجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرّحمة ، و ربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا
يذمّها و قد أذنت ببينها ، و نادت بانقطاعها ، و نعت نفسها و أهلها ، فمثّلت ببلائها البلاء ، و شوّقت بسرورها إلى سرور ، تخويفا و ترغيبا إذا ابتكرت بعافية راحت بفجيعة ، فذمّها رجال فرّطوا غداة النّدامة ، و حمدها آخرون اكتسبوا فيها الخير فيا أيّها الذّام للدنيا المغترّ بغرورها ، متى استذمّت إليك ، أم متى غرتك ؟ أبمضاجع آبائك من البلى ؟ أم بمصارع أمّهاتك تحت الثّرى ؟ كم مرّضت بيديك ؟ و عالجت بكفّيك ؟ تلتمس لهم الشّفاء و تستوصف لهم الأطباء لم تنفعهم بشفاعتك و لم تسعفهم في طلبتك مثّلت لك ويحك الدّنيا بمصرعهم مصرعك و بمضجعهم مضجعك حين لا يغنى بكاؤك و لا ينفعك احبّاؤك
.
و رواه ابن أبي شعبة في ( تحفه ) مرفوعا عن جابر الأنصاري أبسط ،
فقال : قال جابر كنّا مع أمير المؤمنين عليه السّلام بالبصرة ، فلمّا فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا من آخر الليل ، فقال : فيهم أنتم ؟ قلنا : في ذمّ الدّنيا فقال : على م تذّم الدّنيا يا جابر ؟ ثمّ حمد اللَّه و أثنى عليه و قال : أما بعد فما بال أقوام يذمّون الدّنيا انتحلوا الزهد فيها ، الدّنيا منزل صدق لمن صدّقها ، و مسكن عافية لمن فهم عنها ، و دار غنى لمن تزوّد فيها ، مسجد أنبياء اللَّه ، و مهبط وحيه ، و مصلّى ملائكته ، و مسكن أحبّائه ، و متجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرّحمة و ربحوا منها الجنّة فمن ذا يذمّ الدّنيا يا جابر و قد آذنت ببينها و نادت بانقطاعها و نعت نفسها بالزّوال و مثلت ببلائها البلاء و شوّقت بسرورها إلى سرور راحت بفجيعة و ابتكرت بنعمة و عافية ترهيبا و ترغيبا يذمّها قوم عند النّدامة حدّثتهم جميعا فصدقتهم و ذكّرتهم فذكروا و وعظتهم فاتّعظوا و خوّفتهم فخافوا و شوّقتهم فاشتاقوا فأيّها الذّامّ للدّنيا المغترّ بغرورها متى استذمّت
____________________
إليك بل متى غرّتك بنفسها بمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمّهاتك من الثّرى كم مرّضت بيديك و علّلت بكفّيك تستوصف لهم الدّواء و تطلب لهم الأطباء لم تدرك فيه طلبتك و لم تسعف فيه بحاجتك بل مثّلت الدّنيا به نفسك و بحاله حالك غداة لا ينفعك أحبّاؤك و لا يغني عنك نداءك حين يشتدّ من الموت أعالين المرض و أليم لو عات المضض حين لا ينفع الأليل و لا يدفع العويل يحفز بها الحيزوم و يغصّ بها الحلقوم لا يسمعه النّداء و لا يروّحه الدّعاء فياطول الحزن عند انقطاع الأجل ثمّ يراح به على شرجع نقله أكفّ أربع فيضجع في قبره في طول لبث و ضيق جدث فذهبت الجدّة ، و انقطعت المدّة و رفضته العطفة اللّطفة لا تقاربه الأخلاّء و لا يلّم به الزّوّار و لا اتّسقت به الدّار انقطع دونه الأثر و استعجم دونه الخبر و بكّرت ورثته و اقتسمت تركته و لحقه الحوب و احاطت به الذّنوب فإن يكن قدّم خيرا طاب مكسبه و ان يكن قدّم شرّا تب منقلبه و كيف ينفع نفسا فرارها و الموت قصارها و القبر مزارها فكفى بهذا و اعطا كفى » ثم قال : يا جابر امض معي ، فمضيت معه حتّى أتينا القبور فقال : يا أهل التربة و يا أهل الغربة امّا المنازل فقد سكنت و امّا المواريث فقد قسمت و امّا الأزواج فقد نكحت ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ، ثمّ أمسك عنّي مليّا ثمّ رفع رأسه فقال : و الّذي أقلّ السّماء ، فعلت ، و سطح الأرض فدحت ، لو أذن للقوم في الكلام لقالوا : إنّا وجدنا خير الزّاد التقوى ، ثم قال : يا جابر إذا شئت فارجع
.
( بيان ) شرجع : الجنازة .
و رواه ( كمال الدّين الشافعي في مطالب سؤوله ) فقال : و قال عليه السّلام : أيّها الذّامّ للدنيا أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك ؟ فقال قائل من
____________________
الحاضرين أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين فقال له : فلم ذممتها أليست دار صدق لمن صدقها و دار غنى لمن تزوّد منها و دار عافية لمن فهم عنها مسجد أحبّائه و مصلّى أنبيائه و مهبط الملائكة و متجر أوليائه اكتسبوا فيها الطاعة و ربحوا فيها الجنّة فمن ذا يذمّها و قد أذنت بانتهائها و نادت بانقضائها و أنذرت ببلائها فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى و ان أعصرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى إلى أن قال و إذا قتك شهدا و صبرا فإن ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها و إلاّ فاطرحها لا مدح و لا ذمّ .
.
و رواه ( أمالي المفيد ) كما يأتي في شرح بعض الفقرات .
و رواه الخطيب في الحسن بن ابان مسندا عنه عن بشير بن زإذان عن جعفر بن محمّد الصّادق عن آبائه عليهم السّلام قالوا كان علي عليه السّلام في مسجد الكوفة فسمع رجلا يشتم الدّنيا و يفحش في شتمها فقال له اجلس فجلس فقال : مالي أسمعك تشتم الدّنيا ، و تفحش في شتمها أو ليس هو اللّيل و النّهار و الشّمس و القمر سامعين مطيعين ، فأنشا يقول : إنَّ الدّنيا لمنزل صدق لمن صدقها و دار بلاء لمن فهم عنها ، و عافية لمن تزوّد منها ، منزل أحبّاء اللَّه ، و مهبط وحيه ، و مصلّى ملائكته ، و متجر أوليائه ، اكتسبوا الجنة و ربحوا فيها المغفرة ،
فذمّها أقوام غداة النّدامة و حمدها آخرون ذكّرتهم الدّنيا فذكّروا و حدّثتهم فصدّقوا فمن ذا يذمّها و قد أذنت ببينها ، و نادت بانقطاعها ، راحت بفجيعة ،
و ابتكرت بعافية ، تخويف و ترهيب ، يا أيّها الذّامّ للدّنيا المقبل بتغريرها متى استدنت إليك أم متى غرّتك ؟ أبمضاجع آبائك من الثّرى أو بمنازل أمّهاتك من البلى أم ببواكر الصّريخ من اخوانك أم بطوارق النّعي من أحبابك ؟ هل رأيت إلاّ ناعيا منعيا ، أو رأيت إلاّ وارثا موروثا ؟ كم علّلت بيديك أم كم مرّضت
____________________
بكفّيك ؟ تبتغي له الشّفاء و تستوصف الأطباء لم تنفعه بشفاعتك و لم تنجح له بطلبتك بل مثّلت لك به الدّنيا نفسك و بمضجعه مضجعك غداة لا يغني عنك بكاؤك و لا ينفعك أحبّاؤك فهيهات أيّ مواعظ للدّنيا لو نصتّ لها ؟ و أيّ دار لو فهمت عنها ؟ و أيّ عافية لو تزوّدت منها ؟ انصرف إذا شئت
.
و رواه ابن قتيبة في ( زهد عيونه ) فقال : ذمّ رجل الدّنيا عند عليّ عليه السّلام فقال له : الدّنيا دار صدق لمن صدّقها و دار نجاة لمن فهم عنها و دار غنى لمن تزوّد منها مهبط وحي اللَّه و مصلّى ملائكته و مسجد أنبيائه و متجر أوليائه ربحوا منها الرّحمة و احتسبوا فيها الجنّة فمن ذا يذمّها و قد آذنت ببينها و نادت بفراقها و شبّهت بسرورها السّرور و ببلاءها البلاء ترغيبا و ترهيبا فيا أيّها الذّام للدّنيا المعلّل نفسه متى خدعتك الدّنيا أم متى استذمت إليك أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمّهاتك في الثّرى كم مرّضت بيديك و علّلت بكفّيك تطلب له الشّفاء و تستوصف له الأطباء غداة لا يغني عنه دواؤك و لا ينفعه بكاؤك
.
و رواه المسعودي في ( مروجه ) فقال : كان علي عليه السّلام يقول : الدّنيا دار صدق لمن صدّقها و دار عافية لمن فهم عنها و دار غنى لمن تزوّد منها ، الدّنيا مسجد أحبّاء اللَّه و مصلّى ملائكة اللَّه و مهبط وحيه و متجر أوليائه اكتسبوا فيها الرحمة و ربحوا فيها الجنّة فمن ذا يذمّها و قد أذنت ببينها و نادت بفراقها و نعت نفسها و أهلها و مثّلت لهم ببلاءها البلاء و شوّقت بسرورها إلى السّرور راحت بفجيعة و ابتكرت بعافية تحذيرا و ترغيبا و تخويفا فذمّها رجال غداة النّدامة و حمدها آخرون غبّ المكافأة ذكّرتهم فذكّروا تصاريفها و صدقتهم
____________________
فصدّقوا حديثها فيا أيّها الذامّ للدّنيا المغترّ بغرورها متى استذامّت لك الدّنيا ؟
بل متى غرّتك من نفسها ؟ أبمضاجع آبائك من البلى ؟ أم بمصارع أمّهاتك من الثّرى ؟ كم قد علّلت بكفّيك و مرّضت بيديك ؟ من تبغي له الشّفاء و تستوصف له الأطباء لم تنفعه بشفائك .
.
« قول المصنّف و قال عليه السّلام و قد سمع رجلا يذم الدنيا » قد عرفت من رواية ( تحف العقول ) : أنّ الرّجل كان من البصرة بعد الجمل ، و من رواية ( تاريخ بغداد ) انّه كان بالكوفة ، و لعلّه كان كلّ منهما فتكرار مثله غير بعيد .
و في ( اليتيمة ) فصل لأبي النّضر العتبي في الإنكار على من يذمّ الدّهر ( عتبك على الدهر داع إلى العتب عليك و استبطاؤك إيّاه صارف عنان اللّوم إليك فالدّهر سهم من سهام اللَّه منزعه عن مقابض أحكامه و مطلعه من جانب ما صرّرته مجاري أقلامه و الوقيعة فيه تمرس بحكم خالقه و باريه و مجاري الأشياء على قدر طباعها و بحسب ما في قواها و أوضاعها و من ذا الّذي يلوم الأراقم على النّهش بالأنياب و العقارب على اللّسع بالأذناب و انّى لها أن تذمّ و قد أشربت خلقتها السّم و حكم اللَّه في كلّ حال مطاع و بأمره رضا و اقتناع فاعف الزّمان عن قوارض لسانك و اضرب عليها حجاب القرص بأسنانك و اذكر قول النبيّ صلى اللَّه عليه و آله : لا تسبّوا الدّهر فانّ اللَّه هو الدّهر ، و عليك بالتسليم بحكم العليّ العظيم و ذاك أحمد عاقبة و أرشد دنيا و دين
.
و قال ابن أبي الحديد : هذا الفصل كلّه لمدح الدّنيا و هو ينبىء عن اقتداره عليه السّلام على ما يريد من المعاني لأنّ كلامه كلّه في ذمّ الدّنيا و هو الآن
____________________
يمدحها و هو صادق في ذاك و في هذا
.
قلت : و في ( الاستيعاب ) : قدم عمرو بن الأهتم في وجوه قومه من بني تميم على النبي صلى اللَّه عليه و آله في سنة تسع ، و كان في من معه الزّبرقان بن بدر ،
فقال الزّبرقان : يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله أنا سيّد تميم ، و المطاع فيهم ، و المجاب فيهم آخذ لهم بحقوقهم و أمنعهم من الظلم ، و هذا ، يعني عمرو بن الأهتمّ ، يعلم ذلك فقال عمرو : إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في دينه ، فقال الزّبرقان :
و اللَّه لقد كذب يا رسول اللَّه و ما منعه ان يتكلّم إلاّ الحسد ، فقال عمرو : أنا أحسدك ، فو اللَّه إنّك لئيم الخال ، حديث المال ، أحمق الولد ، مبغض في العشيرة ،
و اللَّه ما كذبت في الأولى و لقد صدقت في الثانية فقال النبيّ صلى اللَّه عليه و آله : إنّ من البيان لسحرا
.
و في ( المعجم ) : روى أنّ خالد بن صفوان و كان عمرو بن الاهتمّ جدّ أبيه أكل يوما خبزا وجبنا فرآه أعرابي فسلّم عليه فقال له خالد : هلّم إلى الخبز و الجبن فإنّه حمض العرب ، و هو يسيغ اللّقمة و يفيق الشهوة ، و تطيب عليه الشربة ، فانحطّ الأعرابيّ فلم يبق شيئا فقال خالد : يا جارية زيدينا خبزا وجبنا ، فقالت : ما بقي عندنا من الجبن شيء فقال خالد : الحمد للَّه الّذي صرف عنّا معرّته و كفانا مؤنته ، و اللَّه إنّه ما علمته ليقدح في السّن ، و يخشن الحلق ،
و يربو في المعدة ، و يعسر في المخرج فقال الأعرابي : و اللَّه ما رأيت قطّ قرب مدح من ذمّ أقرب من هذا
.
قوله عليه السّلام : « أيها الذّام للدنيا المغترّ بغرورها المخدوع باباطيلها » هكذا في
____________________
( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
: « المنخدع » بدل « المخدوع » فهو الصحيح .
« أ تغتر بالدنيا ثمّ تذمّها » و في ( ابن أبي الحديد ) : « اتفتتن بها ثمّ تذمّها »
.
أنكر عليه السّلام ذمّه للدّنيا لكون الذامّ من محبّيها و عبدتها ، و الذمّ إنّما يحسن من الزّاهدين فيها و أغلب الناس هكذا يذمّون الدّنيا مع شغفهم بها حبّا ، قال شاعر :
قد أجمع الناس على ذمّها
|
|
و ما أرى منهم لها تاركا
|
لا تأمن الدّنيا على غدرها
|
|
كم غدرت قبل بامثالكا
|
و قال آخر :
إذا نصبوا للقول قالوا فاحسنوا
|
|
و لكن حسن القول خالفه الفعل
|
و ذمّوا لنا الدّنيا و هم يرضعونها
|
|
افاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل
|
و قال أبو إسحاق التّيمي كما في الحلية :
ننافس في الدّنيا و نحن نعيبها
|
|
و قد حذرتناها لعمري خطوبها
|
و ما نحسب الأيّام تنقص مدّة
|
|
على انّها فينا سريع دبيبها
|
كأنّي برهط يحملون جنازتي
|
|
إلى حفرة يحثى عليّ كثيبها
|
و كم ثمّ من مسترجع متوجّع
|
|
و نائحة يعلو عليّ نحيبها
|
و باكية تبكي عليّ و انّني
|
|
لفي غفلة من صوتها ما اجيبها
|
____________________
« أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك » التجرّم : ادّعاء الذّنب على من لم يذنب ، قال الشاعر :
تعد علي الذنب ان ظفرت به
|
|
و ان لم تجد ذنبا عليّ تجرّم
|
روى ( عيون ابن بابويه ) عنه عليه السّلام قال : قال عبد المطلب :
يعيب النّاس كلّهم زمانا
|
|
و ما لزماننا عيب سوانا
|
نعيب زماننا و العيب فينا
|
|
و لو نطق الزّمان بنا هجانا
|
و إنّ الذّئب يأكل لحم ذئب
|
|
و يأكل بعضنا بعضا عيانا
|
« متى استهوتك أم متى غرّتك » أي : حملتك على الهوى أو خدعتك .
« أ بمصارع آبائك من البلى » من ( بلى الثّوب ) و ( بلى الميّت ) : أفنته الأرض روى محمد بن أبي العتاهية عن ابن عبّاس ، قال : وجدت جمجمة في الجاهلية مكتوب عليها :
اذن الحيّ فاسمعي
|
|
اسمعي ثمّ عي و عي
|
أنا رهن بمصرعي
|
|
فاحذري مثل مصرعي
|
و قال الحسن : إنّ امرأ ليس بينه و بين آدم إلاّ أب قد مات لمعرق في الموت .
« أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثّرى » الضجع : وضع الجنب على الأرض ،
و الثّرى : التراب النّدي .
في ( عرائس الثعالبي ) : يروى أنّ ملك الموت ، لمّا ورد على داود قال أفجئت داعيا أم ناعيا ؟ قال بل ناعيا فقال فهلاّ أرسلت إليّ قبل ذلك و آذنتني لأستعدّ للموت فقال : كم أرسلت إليك ؟ فقال : و من أرسلت ؟ قال أين أبوك ،
____________________
و أين أمّك ، و أين أخوك ، و أين جارك ، و أين قهارمتك ، و أين فلان و فلان ؟ قال :
كلّهم ماتوا فقال : أما علمت أنّهم رسلي إليك ؟
« كم علّلت بكفّيك » أي : كم عالجت المعلولين و خدمتهم بشخصك .
« و كم مرضت بيديك » أي ، التمريض : القيام على المريض .
« تبغي لهم الشفاء » أي : تطلب لهم الشّفاء .
« و تستوصف لهم الأطباء » أي : تطلب منهم وصف علاجه ، قال إبراهيم بن محمّد بن عرفة : رأيت عليّ بن العبّاس الرّومي يجود بنفسه ، فقلت له : ما حالك ؟ فأنشد :
غلط الطيبب عليّ غلطة مورد
|
|
عجزت موارده عن الاصدار
|
و الناس يلحون الطبيب و انّما
|
|
خطأ الطبيب إصابة المقدار
|
و قال عتاهية محمّد بن أبي العتاهية :
علل المريض من المنيّة
|
|
لا يعالجها الطبيب
|
هذا ، و قال عيسى بن محمّد الطّوماري : دخلنا على إبراهيم الحربي و هو مريض و قد كان يحمل ماءه إلى الطبيب و كان يجيء إليه و يعالجه فجائت الجارية و ردّت الماء و قالت : مات الطبيب ، فبكى إبراهيم و أنشأ يقول :
إذا مات المعالج من سقام
|
|
فيوشك للمعالج أن يموت
|
و لبعضهم في طبيب :
عليله المسكن من شؤمه
|
|
في بحر هلك ماله ساحل
|
ثلاثة تدخل في دفعة
|
|
طلعته و النّعش و الغاسل
|
في ( الأغاني ) ، عن إسحاق الموصلي : لمّا مات أبوه قال : قال لي برصوما
____________________
الزّامر و كان خرّيج أبيه أما في حقّي و خدمتي و ميلي اليكم و شكري لكم ما استوجب به أن تهب لي يوما من عمرك تفعل فيه ما أريد و لا تخالفني في شيء ؟ فقلت : بلى و وعدته بيوم فأتاني فقال : مرلي بخلعة ففعلت و جعلت فيها جبّة و شيء ، فلبسها ظاهرة ، و قال : إمض بنا إلى المجلس الّذي كنت آتي أباك فيه فمضينا جميعا إليه و قد خلّقته و طيّبته ، فلّما صار على باب المجلس رمى بنفسه إلى الأرض فتمرّغ في التراب ، و بكى و أخرج نايه و جعل ينوح في زمره ،
و يدور في المجلس و يقبّل المواضع التي كان أبي يجلس فيها و يبكي و يزمر ،
حتّى قضى من ذلك و طرا ثمّ ضرب بيده إلى ثيابه يشقّها و جعلت أسكته و أبكي معه ، فما سكن إلاّ بعد حين ، ثم دعا بثيابه فلبسها ، و قال : انّما سألتك أن تخلع عليَّ لئلاّ يقال انّ برصوما أنّما خرّق ثيابه ليخلع عليه إسحاق خيرا منها
.
« لم ينفع أحدهم إشفاقك » أي : خوفك من حلول مكروه به في ( الأغاني ) :
ركب الرّشيد حمارا و دخل على إبراهيم الموصلي يعوده ، فقال له : كيف أنت ؟
قال : أنا و اللَّه كما قال الشاعر :
سقيم ملَّ منه أقربوه
|
|
و أسلمه المداوي و الحميم
|
و قال ابنه إسحاق الموصلي لمّا اشتدّ أمر القولنج على أبي و لزمه و كان يعتاده أحيانا قعد في الابزن عن خدمة الخليفة و عن نوبته في داره ،
فقال في ذلك :
ملّ و اللَّه طبيبي
|
|
عن مقاساة الّذي بي
|
سوف أنعى عن قريب
|
|
لعدوّ و حبيب
|
____________________
فقال هارون : ( انّا للَّه ) و خرج فلم يبعد حتّى سمع الناعية عليه
.
« و لم تسعف بطلبتك » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
« و لم تسعف فيه بطلبتك » فهو الصحيح .
قال ابن نباتة :
نعلّل بالدّواء إذا مرضنا
|
|
و هل يشفى من الموت الدّواء
|
و نختار الطبيب و هل طبيب
|
|
يؤخّر ما يقدّمه القضاء
|
و ما أنفاسنا إلاّ حساب
|
|
و لا حركاتنا إلاّ فناء
|
« و لم تدفع عنه بقوّتك » قال أبو هلال العسكري : فتأهّب لسقام ليس يشفيه طبيب .
« قد مثّلت لك به الدنيا نفسك » قال أبو العتاهية :
يا نفس قد مثّلت حا
|
|
لي هذه لك بعد حين
|
و شككت انّي ناصح
|
|
لك فاستملت إلى الظنّون
|
فتأمّلي ضعف الحرا
|
|
ك و كلّه بعد السّكون
|
و تيقَّني انّ الّذي
|
|
بك من علامات المنون
|
و قال المرتضى :
كم ذا تطيش سهام الموت مخطئة
|
|
عنّي و تصمي اخلاّئي و اخواني
|
و لو فطنت و قد أردى الزّمان أخي
|
|
علمت انّ الّذي أصماه أصماني
|
« و بمصرعه مصرعك » في ( تاريخ بغداد ) عن ابن عباس قال : وجدت
____________________
جمجمة في الجاهلية مكتوب عليها : اذن الحيّ فاسمعي اسمعي ثم عي و عي أنا رهن بمضجعي فاحذري مثل مصرعي
.
و عن المبرّد قال : دخلت على الجاحظ في آخر أيّامه و هو عليل فقلت له :
كيف أنت ؟ فقال : كيف يكون من نصفه مفلوج و لو نشر بالمناشير ما حسّ به ،
و نصفه الآخر منقرس لو طار الذّباب بقربه لآلمه ، و قال محمّد بن أبي العتاهية :
لربّما غوفص ذو شره
|
|
أصحّ ما كان و لم يسقم
|
يا واضع الميّت في قبره
|
|
خاطبك اللّحد فلم تفهم
|
و في ( كامل المبرّد ) عن صاحب له قال : وجدت رجلا في طريق مكّة معتكفا على قبر و هو يردّد شيئا و دموعه تكفّ على لحيته فقيل له : أ كان ابنك ؟
قال : لا كان عدوّا لي خرج إلى الصيد اياس ما كنت من عطبه و أكمل ما كان من صحته فرمى ظبيا فأقصده فذهب ليأخذه فعثر فتلقى بفؤاده ظبّة السهم و قد نجم من صفحة الظّبي فلحقه أولياؤه فاتنزعوا السهم و هو و الظّبي ميّتان فنمى إليّ خبره فأسرعت إلى قبره مغتبطا بفقده و انّي لضاحك السنّ إذ وقعت عيني على صخرة فرأيت عليها كتابا فهلّم فأقرأه و أومى إلى الصّخرة فاذا عليها :
و ما نحن إلاّ مثلهم غير اننّا
|
|
أقمنا قليلا بعدهم و تقدّموا
|
فقلت : أشهد انّك تبكي على من بكاؤك عليه أحقّ من النّسيب أي : تبكي على نفسك و هي أحقّ بالبكاء عليها من الأنسباء و الأقرباء الّذين يبكي النّاس عليهم .
« إنّ الدنيا دار صدق لمن صدَّقها » قال لبيد :
____________________
فقولا له ان كان يضمر أمره
|
|
المّا يعظك الدّهر امّك هابل
|
فان أنت لم تصدقك نفسك فانتسب
|
|
لعلّك تهديك القرون الأوائل
|
فان لم تجد من دون عدنان باقيا
|
|
و دون معدّ فلترعك العوازل
|
و كلّ امرىء منّا سيعلم سعيه
|
|
إذا جمعت عند الإله المحاصل
|
« و دار عافية لمن فهم عنها » قد عرفت انّ في بعض روايات أسانيده بدله ( و أي دار لمن فهم عنها ) .
« و دار غنى لمن تزوّد منها » بالأعمال الصالحة .
« و دار موعظة لمن اتّعظ بها » في ( تاريخ بغداد ) : لمّا حضر أبو نؤاس الموت قال اكتبوا هذه الأبيات على قبري :
وعظتك اجداث صمت
|
|
و نعتك ازمنة خفت
|
و تكلّمت عن أوجه
|
|
تبلى و عن صور سبت
|
و أرتك قبرك في القبور
|
|
و أنت حيّ لم تمت
|
و للخاقاني بالفارسية :
پرويز كنون كم شد ، زان گمشده كمتر گوى
|
|
زرّين تره كو برخوان ، رو كم تركوا برخوان
|
« مسجد أحبّاء اللَّه » قال عيسى عليه السّلام ساعة قدم الدّنيا و أوصاني بالصّلاة و الزكاة ما دُمتُ حيّاً
.
و قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث إلى أن قال و قرّة
____________________
عيني الصّلاة »
.
« و مصلّى ملائكة اللَّه » روى ابن قولويه عن الصادق عليه السّلام : ما خلق اللَّه خلقا أكثر من الملائكة و انّه ينزل من السماء كلّ مساء سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت الحرام نهارهم فاذا غربت الشمس انصرفوا إلى قبر الرسول صلَّى اللَّه عليه و آله فيسلّمون عليه ثمّ يأتون قبر أمير المؤمنين عليه السّلام فيسلّمون عليه ثمّ يأتون قبر الحسين عليه السّلام فيسلّمون عليه ثمّ يعرجون إلى السماء قبل أن تغيب الشمس .
و روى عن إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : إنّي كنت بالبحيرة ليلة عرفة و كنت أصلّي و ثمّ نحو خمسين ألفا من النّاس جميلة وجوههم طيّبة أرواحهم و أقبلوا يصلّون الليل أجمع ، فلما طلع الفجر سجدت ثمّ رفعت فلم أر منهم أحدا إلى أن قال قال عليه السّلام له : إنّهم الملائكة الموكَّلون بقبر الحسين عليه السّلام
.
« و مهبط وحي اللَّه » من آدم إلى الخاتم عليهم السّلام .
« و متجر أولياء اللَّه ، اكتسبوا فيها الرّحمة و ربحوا فيها الجنّة » إنَّ اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنَّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللَّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقّا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من اللَّه فاستبشروا ببيعكم الّذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم
.
« فمن ذا يذمّها و قد أذنت ببينها » أي : أعملت بفراقها و الأصل في الإيذان الإيصال إلى الأذن ، و يترجم بالفارسية بقولهم ( گوشزد )
ننافس في الدنيا و نحن نعيبها
|
|
و قد حذّرتنا لعمري خطوبها
|
____________________
« و نادت بفراقها » قال جحظة :
قد نادت الدّنيا على نفسها
|
|
لو كان في العالم من يسمع
|
كم واثق بالعمر واريته
|
|
و جامع بدّدت ما يجمع
|
« و نعت » من النّعي رفع الصّوت بذكر الموت .
« نفسها و أهلها » في ( عيون القتيبي ) قيل : كنّا أجنّة في بطون امّهاتنا فسقط من سقط ، و كنّا في من بقي ثمّ كنّا مراضع فهلك منّا من هلك ، و بقي من بقى و كنّا إيفاعا و ذكر مثل ذلك ثمّ صرنا شبّانا و ذكر مثل ذلك ثمّ صرنا شيوخا لا أبالك فما تنتظر ؟ فهل بقيت حالة تنتقل إليها
.
« فمثّلت لهم ببلائها البلاء » إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين فمنّ اللَّه علينا و وقانا عذاب السّموم
.
« و شوّقتهم بسرورها الى السرور » و بشِّر الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات انّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار كلّما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الّذي رزقنا من قبل و أتوا به متشابها .
.
« راحت بعافية » في ( الصحاح ) : الروّاح نقيض الصّباح ، و هو اسم للوقت من زوال الشمس إلى اللّيل و قد يكون مصدر راح يروح نقيض ( غدا )
.
« و ابتكرت بفجيعة » قال الفيومي : ( قال ابن جنّي ) ( بكر و بكرّ و أبكر ) بمعنى الإسراع أي : وقت كان
.
____________________
قلت : بل الأصل في البكور الشّروع أوّل النّهار في مقابل الرّواح و الشّروع أوّل النهار يستلزم الاسراع ، فانّ من أراد الاسراع في عمل ابتكر به ،
و الفجيعة : المصيبة الموجعة ، قال شاعر :
ان صفا عيش امرىء في صبحها
|
|
جرّعته ممسيا كأس القذي
|
« ترغيبا و ترهيبا و تخويفا و تحذيرا » مفاعيل لها لقوله ( فمثلّت ) و ( شوّقتهم ) و ( راحت ) و ( ابتكرت ) .
« فذمّها رجال غداة النّدامة » أي : صبح القيامة لأنّه يندم المجرمون فيها .
« و حمدها آخرون يوم القيامة ذكّرتهم فتذكّروا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « فذكّروا » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« و حدّثتهم فصدّقوا و وعظتهم فاتّعظوا » روى ( أمالي المفيد ) مسندا عن ابن عبّاس قال : سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله تعالى ألا إنّ أولياء اللَّه لا خوفٌ عليهم و لا هم يحزنون
من هم ؟ فقال هم قوم أخصلوا للَّه تعالى في عبادته و نظروا إلى باطن الدّنيا حين نظر النّاس إلى ظاهرها فعرفوا آجلها حين غرّ سواهم بعاجلها فتركوا منها ما علموا انّه سيتركهم و أماتوا منها ما علموا انّه سيميتهم ثم قال أيّها المعلّل نفسه بالدّنيا الرّاكض على حبائلها المجتهد في عمارة ما سيخرب منها ألم تر إلى مصارع آبائك في البلاء و مضاجع ابناءك تحت الجنادل و الثّرى كم مرّضت بيديك و علّلت بكفّيك تستوصف لهم الأطبّاء و تستعتب لهم الأحبّاء فلم يغن غناؤك و لا ينجع فيهم دواؤك ، و قال بعضهم « بينا هذه الدّنيا تصرح بزبدتها و تلحف فضل جناحها و تعزّ بركود رياحها إذ
____________________
عطفت عطف الضّروس و طرحت طرح الشموس و شنّت غارات الهموم و أراقت ما حلبت من النّعيم فالسّعيد من لم يغترّ بنكاحها و استعد لو شك طلاقها
.
و روى ( أمالي الشيخ ) مسندا عن ابن عباس عنه عليه السّلام في خطبة له :
« أيّها الناس ، إنّكم سيّارة قد حدا بكم الحادي ، و حد الخراب الدّنيا حادي و ناداكم للموت منادي فلا تغرّنكم الحياة الدّنيا و لا يغرّنّكم باللَّه الغرور
ألا و انّ الدّنيا دار غرّارة خدّاعة تنكح في كلّ يوم بعلا ، و تقتل في كلّ ليلة أهلا و تفرّق في كلّ ساعة شملا فكم من منافس فيها و راكن إليها من الامم السالفة قد قذفتهم في الهاوية ، و دمّرتهم تدميرا و تبرّتهم تتبيرا ، و أصلتهم سعيرا ، اين من جمع فأوعى ؟ و شدّ فأوكى و منع فأكدى ؟ بل أين من عسكر العساكر و دسكر الدّساكر و ركب المنابر ؟ أين من بنى الدّور و شرّف القصور و جمهر الألوف ؟ قد تداولتهم أيّامها و ابتلعتهم أعوامها فصاروا أمواتا و في القبور رفاتا ، قد نسوا ما ( يئسوا عمّا ) خلّفوا و وقفوا على ما أسلفوا ، ثمّ ردّوا إلى اللَّه مولاهم الحقّ ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين ، و كأنّي بها و قد أشرفت بطلائعها و عسكرت بفظائعها فأصبح المرء بعد صحّته مريضا و بعد سلامته نقيضا يعالج كربا و يقاسي تعبا في حشرجة السّباق و تتابع الفراق و تردّد الأنين و الذّهول عن البنات و البنين و المرء قد اشتمل عليه شغل شاغل و هول هائل قد اعتقل منه اللّسان و تردّد منه البنان فأصاب مكروبا و فارق الدّنيا مسلوبا لا يملكون له نفعا و لا لما حلّ به دفعا يقول اللَّه عزّ و جلّ في كتابه
____________________
فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين
، ثم من دون ذلك أهوال القيامة و يوم الحسرة و النّدامة يوم تنصب الموازين و تنشر الدّواوين باحصاء كلّ صغيرة و اعلان كلّ كبيرة يقول اللَّه في كتابه و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربّك أحدا
.
أيّها النّاس الآن الآن من قبل النّدم و من قبل أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللَّه و إن كنت لمن السّاخرين
، أو تقول لو انّ اللَّه هداني لكنتُ من المتّقين أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من المحسنين
، فيردّ الجليل جلّ ثناؤه بلى قد جاءتك آياتي فكذّبت بها و استكبرت و كنت من الكافرين
، فو اللَّه ما سأل الرجوع إلاّ ليعمل صالحا . و لا يشرك بعبادة ربِّه أحدا
، أيّها الناس ، الآن الآن ما دام الوثاق مطلقا و السّراج منيرا ، و باب التّوبة مفتوحا ، و من قبل أن يجف القلم و تطوى الصحيفة فلا رزق ينزل ، و لا عمل يصعد ، المضمار اليوم و السّباق غدا فانّكم لا تدرون إلى جنّة أو نار ، و استغفر اللَّه لي و لكم
.
و مرّ في ( ١١ ) فصل الموت كتابه عليه السّلام لشريح في وصف دور الدّنيا .
هذا ، و ممّا يدخل في هذا الفصل و لو كان الرّضي نقله كان من موضوع كتابه ما رواه ( الكافي ) في باب بعد باب استدراجه ، أنّ رجلا جاء إليه عليه السّلام فقال
____________________
أوصني بوجه من وجوه الخير أنج به ، فقال عليه السّلام : أيّها السّائل ، افهم ثمّ استفهم ، استعلم ثم استيقن ، ثمّ استعمل ، إعلم أنّ النّاس ثلاثة : زاهد ، و صابر ،
و راغب ، امّا الزّاهد : فقد خرجت الأحزان و الأفراح من قلبه ، فلا يفرح بشيء من الدّنيا ناله و لا ييأس على شيء منها فاته فهو مستريح ، و أمّا الصابر فانه يتمنّاها بقلبه فاذا نال منها ألجم نفسه عنها لسوء عاقبتها و شنارها ، و لو اطّلعت على قلبه عجبت من عفّته و تواضعه و حزمه ، و امّا الرّاغب فلا يبالي من أين جاءت الدّنيا من حلّها أو حرامها و لا يبالي ما دنس فيها عرضه ، و أهلك نفسه ، و أذهب مروّته فهم في غمرتهم يعمهون و يضطربون
.
و انّه قيل له عليه السّلام عظنا و أوجز فقال : الدّنيا حلالها حساب ، و حرامها عقاب و إنّي لكم بالرّوح ، و لم تأسّوا بسنّة نبيّكم تطلبون ما يطغيكم و لا ترضون بما يكفيكم
.
____________________
الفصل الثامن و الثلاثون في القيامة و النّار و الجنّة
١
من الخطبة ( ١٩٠ ) أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا اَلزِّمَامُ وَ اَلْقِوَامُ فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا وَ اِعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُولُ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ اَلدَّعَةِ وَ أَوْطَانِ اَلسَّعَةِ وَ مَعَاقِلِ اَلْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ اَلْعِزِّ فِي يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ اَلْأَبْصَارُ وَ تُظْلِمُ لَهُ اَلْأَقْطَارُ وَ تُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ اَلْعِشَارِ وَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ وَ تَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَةٍ وَ تَذِلُّ اَلشُّمُّ اَلشَّوَامِخُ وَ اَلصُّمُّ اَلرَّوَاسِخُ فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً فَلاَ شَفِيعٌ يَشْفَعُ وَ لاَ حَمِيمٌ يَدْفَعُ وَ لاَ مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ « أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه فإنّها الزّمام » من الاطّراح في الهلكات و أمّا من خاف مقام ربِّه و نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
.
____________________
« و القوام » في أموركم . إنّما يتقبّل اللَّه من المتّقين
.
« فتمسّكوا بوثائقها » فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .
.
« و اعتصموا بحقائقها » الاعتصام بحقائقها : هو الاتّصاف بأوصاف أهلها قال تعالى في وصفهم الّذين ينفقون أموالهم في السّرّاء و الضّرّاء و الكاظمين الغيظ و العافين عن النّاس و اللَّه يحبُّ المحسنين و الّذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لِذنوبهم و من يغفر الذّنوب إلاّ اللَّه و لم يصرّوا على ما فعلوا و هو يعلمون
.
« تؤل بكم » مضارع آل أي : ترجع بكم .
« إلى أكنان الدّعة » أي : مساكن الاستراحة ، قال تعالى فأمّا من أعطى و اتّقى و صدّق بالحُسنى فسنيسّره لليسرى
، و من يتّق اللَّه يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب
.
« و أوطان السّعة » و سيق الّذين اتّقوا ربَّهم إلى الجنّة زُمراً حتّى إذا جاؤها و فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين و قالوا الحمد للَّه الّذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبوَّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين
، و سارعوا إلى مغفرة من ربِّكم و جنّةٍ
____________________
عرضها السماوات و الأرض أُعدّت للمُتّقين
، سابقوا إلى مغفرة من ربِّكم و جنّةٍ عرضها كعرض السماء و الأرض أُعدّت للّذين آمنوا باللَّه و رسله .
.
« و معاقل الحرز » الأخلاءُ يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوّ إلاّ المتّقين يا عبادِ لا خوفٌ عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون
، فوقيهم اللَّه شرّ ذلك اليوم و لقّاهم نضرةً و سروراً و جزاهم بما صبروا جنّة و حريراً متّكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمساً و لا زمهريراً .
.
« و منازل العزّ » و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً و مُلكاً كبيراً عاليهم ثياب سندسٍ خضرٌ و إستبرق و حُلّوا أساور من فضّةٍ و سقاهم ربُّهم شراباً طهوراً إنَّ هذا كان لكم جزاءً و كان سعيكم مشكوراً
، . و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ بابٍ سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عُقبى الدّار
.
« في يوم تشخص فيه الأبصار » الظرف متعلّق بقوله قبل ( تؤل بكم ) و هو ناظر إلى قوله تعالى و اقترب الوعد الحقّ فإذا هي شاخصة أبصارُ الّذين كفروا يا ويلنا قد كنّا في غفلةٍ من هذا بل كنّا ظالمين
.
و لا تحسبن اللَّه غافلاً عمّا يعمل الظالمون إنّما يؤخّرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء
.
____________________
« و تظلم » من أظلم اللّيل .
« له الأقطار » إذا الشمس كوّرت و إذا النّجوم انكدرت
، فإذا برق البصر و خسف القمر و جمع الشّمس و القمر يقول الإنسان يومئذٍ أين المفرّ
.
« و تعطّل فيه صروم العشار » الأصل فيه قوله تعالى و إذا العشارُ عُطِّلت
، ( و فسّر ) « إذا النّوق الحوامل تركت بلا راع أو بلا حلب لما دهاهم من الأمر و لم يكن حال أعجب إليهم منها » و الصّروم جمع الصّرمة : القطعة من الإبل نحو الثّلاثين و العشار جمع العشراء : النّوق أتت عليها عشرة أشهر من حملها .
« و ينفخ في الصّور فتزهق كلّ مهجة » قيل المهجة دم القلب قلوبٌ يومئذٍ واجفةٌ أبصارها خاشعةٌ
، و نَفِخَ في الصّور فصعق من في السماوات و الأرض إلاّ من شاء اللَّه ثم نُفِخَ فيه اُخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون
و في الإرشاد قدم عمرو بن معد يكرب على النبي صلَّى اللَّه عليه و آله بعد تبوك فقال صلَّى اللَّه عليه و آله أسلم يؤمنك اللَّه من الفزع الأكبر قال و ما الفزع الأكبر ؟ فانّي لا أفزع فقال ليس كما تحسب ، إنّ النّاس يصاح بهم صيحة فلا يبقى حيّ إلاّ مات ثمّ يصاح بهم أخرى فينشر من مات و يصفّون جميعا و تنشقّ السّماء و تهدّ الأرض و تخرّ الجبال و ترى النّار بمثل الجبال شررا فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه ، و شغل بنفسه ، إلاّ ما شاء اللَّه فأين أنت يا عمرو من هذا ؟ قال ألا انّي أسمع
____________________
أمرا عظيما ، فآمن
.
« و تبكم كل لهجة » أي : كلّ لسان و لغة ، و خشعت الأصوات للرّحمن فلا تسمع إلاّ همساً
.
« و تذل الشّمّ الشّوامخ » أي : الجبال الشّواهق ، فاذا نُفخ في الصّور نفخةٌ واحدةٌ و حُملت الأرض و الجبال فدكّتا دكّةً واحدة
.
« و الصُّمّ الرّواسخ » أيضا وصف الجبال ، و الأول وصف ارتفاعها في السّماء ، و هذا وصف استحكامها و رسوخها في الأرض كالأوتاد .
« فيصير صلدها سرابا رقرقا » و سُيّرت الجبال فكانت سراباً
، يوم يكون النّاسُ كالفراش المبثوث و تكون الجبال كالعِهن المنفوش
،
و الصلد : الصّلب الأملس ، و السّراب : الذي يرى نصف النّهار من بعيد كأنّه ماء و ليس بشيء و الرّقرق المتلألأ .
« و معهدها قاعا سملقا » و المعهد موضع كنت تعهد به شيئا و القاع المستوى من الأرض ، و السّملق الفضاء الواسع قال تعالى و يسألونك عن الجبال فقل ينسِفها رَبّي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً و لا أمتاً يومئذٍ يتّبعون الدّاعي لا عوج له .
، و بُسَّت الجبال بسّاً فكانت هباءً مُنبثّاً
، يومَ ترجف الأرض و الجبالُ و كانت الجبال كثيباً مهيلاً
.
____________________
« فلا شفيع يشفع » فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نردّ فنعمل غير الّذي كنّا نعمل .
، هذا ، و مورد كلامه عليه السّلام و الآية غير المؤمنين فلا ينافيان قبول الشّفاعة لهم قال تعالى لنبيّه صلَّى اللَّه عليه و آله عسى أن يبعثَك ربُّك مقاماً محموداً
، و قال في ملائكته . و لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى .
، و كم من مَلَكٍ في السماوات لا تُغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من بعد أن يأذن اللَّه لِمن يشاءُ و يرضى
.
« و لا حميم يدفع » و يعبّر عن الحميم في الفارسية بقولهم ( جانسوز ) فما لنا من شافعين و لا صديقٍ حميمٍ
، يوم تكون السّماء كالمهل و تكونُ الجِبال كالعهن و لا يسئل حميمٌ حميماً
.
« و لا معذرة تنفع » لا تعتذروا اليوم إنّما تجزون ما كنتم تعملون
،
فيومئذٍ لا ينفع الّذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون
.
٢
من الخطبة ( ١١٦ ) اِعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ فِيهِ اَلذَّخَائِرُ وَ تُبْلَى فِيهِ اَلسَّرَائِرُ وَ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ وَ اِتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ أَلاَ وَ إِنَّ اَللِّسَانَ اَلصَّالِحَ
____________________
يَجْعَلُهُ اَللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي اَلنَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ اَلْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لاَ يَحْمَدُهُ أقول : قوله عليه السّلام « إعملوا ليوم تذخر فيه الذّخائر » قال تعالى ما عندكم ينفد و ما عند اللَّه باقٍ .
، و ما تُقدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند اللَّه هو خيراً و أعظم أجراً .
، و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ
.
« و تبلى فيه السّرائر » أي : تكشف ضمائر القلوب ، قال تعالى إنّه على رجعه لقادرٌ يوم تُبلى السّرائر فماله من قوّةٍ و لا ناصر
.
« و من لا ينفعه حاضر لبّه » اللّبّ : العقل و هو مجاز ، و أصله لبّ الجوز و اللّوز و مثلهما .
« فعازبه عنه أعجز » و العازب البعيد و الخفيّ .
« و غائبه أعوز » عوز الشيء : إذا لم يوجد ، قيل و في معنى كلامه عليه السّلام ( و زاجر من النّفس خير من عتاب العواذل ) .
« و اتّقوا نارا حرّها شديد » فاتّقوا النّار التي وقودها النّاسُ و الحجارة .
، عليهم نارٌ مؤصدةٌ
، و أمّا من خفّت موازينه فأمّه هاويةٌ و ما أدريك ماهية نارٌ حامية
، و جيء يومئذٍ بجهنّم يومئذٍ يتذّكر الإنسان و أنّى له الذكرى
.
« و قعرها بعيد » كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أُعيدوا فيها
____________________
و ذوقوا عذاب الحريق
.
و في ( تفسير القمي ) : أنّ أهل النار إذا دخلوا جهنّم هووا فيها مسيرة سبعين عاما إلى أن قال فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع من حديد ، و اعيدوا في دركها ، هذه حالهم
.
« و حليتها حديد » خذوه فغلّوه ثمَّ الجحيم صلّوه ثمّ في سلسلة ذرعها سبعون ذِراعاً فاسلكوه
قطّعت لهم ثيابٌ من نارٍ يُصبُّ من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم و الجلود و لهم مقامع من حديد
.
« و شرابهم صديد » و خاب كلّ جبّارٍ عنيدٍ من ورائه جهنّم و يُسقى من ماء صديد
يتجرّعه و لا يكاد يسيغه و يأتيه الموت من كلّ مكان و ما هو بميّت و من ورائه عذابٌ غليظٌ
.
« ألا و انّ اللِّسان الصّالح يجعله اللَّه للمرء في النّاس خير له من المال يورثه من لا يحمده » قال ابن أبي الحديد في الخبر : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فأخبره أنّ مالا له قد انفجرت فيه عين خّرارة فقال عليه السّلام مكرّرا بشّر الوارث ،
و كتب في تلك الساعة كتاب وقفه
.
____________________
٣
من الخطبة ( ١٤٩ ) منها :
حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ وَ اِسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلاَبِيبِ غَفْلَتِهِمُ اِسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَ اِسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ وَ لاَ بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ وَ إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ وَ نَفْسِي هَذِهِ اَلْمَنْزِلَةَ فَلْيَنْتَفِعِ اِمْرُؤٌ بِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا اَلْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ وَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ اِنْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ اَلصَّرْعَةَ فِي اَلْمَهَاوِي وَ اَلضَّلاَلَ فِي اَلْمَغَاوِي وَ لاَ يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ اَلْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ فَأَفِقْ أَيُّهَا اَلسَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ وَ اِسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ وَ اِخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وَ أَنْعِمِ اَلْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ ؟ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ ص ؟ مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَ لاَ مَحِيصَ عَنْهُ وَ خَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ وَ دَعْهُ وَ مَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ وَ ضَعْ فَخْرَكَ وَ اُحْطُطْ كِبْرَكَ وَ اُذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ وَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَ كَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ وَ مَا قَدَّمْتَ اَلْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَ قَدِّمْ لِيَوْمِكَ فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ أَيُّهَا اَلْمُسْتَمِعُ وَ اَلْجِدَّ اَلْجِدَّ أَيُّهَا اَلْغَافِلُ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ١٧ ٢١ ٣٥ : ١٤ أقول : و رواه ( تحف العقول ) في عنوان ( و من حكمه عليه السّلام ) مرفوعا مع اختلاف قوله عليه السّلام « حتّى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم » قال تعالى لا يذوقون فيها برداً و لا شراباً إلاّ حميماً و غسّاقاً جزاءً وفاقاً إنّهم كانوا لا يرجون حِساباً
.
____________________
« و استخرجهم من جلابيب غفلتهم » قال تعالى و نفخ في الصّور ذلك يوم الوعيد و جاءت كلّ نفسٍ معها سائقٌ و شهيدٌ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
.
« استقبلوا مدبرا و استدبروا مقبلا » قيل : أي استقبلوا أمرا كان في ظنّهم مدبرا عنهم و هو الشّقاء و العذاب و استدبروا ما كانوا خوّلوه من الأولاد و الأموال .
« فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم » أ فرأيت إن متّعناهم سنين ثمّ جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتّعون
.
« و لا بما قضوا من وطرهم » و زاد ( التحف ) « و صار ذلك وبالا عليهم فصاروا يهربون ممّا كانوا يطلبون »
.
و في ( المعجم ) في عليّ بن محمّد التّنوخي : ( يحكى انّه كان من جملة القضاة الّذين ينادمون الوزير المهلبيّ و يجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطّراح الحشمة و التبسّط في القصف و الخلاعة و هم ابن قريعة و ابن معروف و القاضي الايذجي و غيرهم و ما منهم إلاّ أبيض اللّحية طويلها فاذا لذّ السّماع و أخذ الطّرب منهم مأخذه و هبوا ثوب الوقار للعقار و تقلّبوا في أعطاف العيش بين الخفّة و الطّيش و وضع في يد كلّ منهم طاس ذهب من ألف مثقال مملوّا شرابا قطر بليا و عكبريّا فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ثمّ يرشّ بها بعضهم على بعض و يرقصون بأجمعهم و عليهم المصبّغات و فحانق البرم و يقولون كلّما كثر شربهم ( هرهر ) و إيّاهم عني
____________________
السّري في قوله :
مجالس ترقص القضاة بها
|
|
إذا انتشوا في فحانق البرم
|
فاذا أصبحوا عادوا إلى التحفّظ بأبّهة القضاء و حشمة الكبراء
.
« و انّي احذركم و نفسي هذه المنزلة » قال ابن أبي الحديد : و روي « و هذه المزلّة »
، قال عليه السّلام : « و نفسي » ليكونوا إلى الانقياد أقرب .
« فلينتفع امرؤ بنفسه » قال تعالى عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم .
، و ما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند اللَّه
.
« فإنّما البصير من سمع فتفكّر ، و نظر فأبصر » لا كلّ من كان له بصر .
« و انتفع بالعبر » قال تعالى حاكيا عن فرعون فقال أنا ربّكم الأعلى فأخذه اللَّه نكال الآخرة و الاُولى إنَّ في ذلك لعبرةً لمن يخشى
.
« ثمّ سلك جددا واضحا » في ( الصحاح ) : الجدد : الأرض الصّلبة ، و في المثل :
( من سلك الجدد أمن العثار ) قال تعالى إنَّ الّذين قالوا ربُّنا اللَّه ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
.
« يتجنّب فيه الصّرعة في المهاوي » في ( الصحاح ) : المهوى و المهواة ما بين الجبلين و نحو ذلك ، و تهاوى القوم في المهواة : سقط بعضهم في أثر بعض ، قال تعالى و أمّا من خاف مقام ربِّه و نهى النّفس عن الهوى فإنَّ
____________________
الجنّة هي المأوى
.
« و الضّلال في المغاوي » كطلحة و الزّبير في خروجهما عليه عليه السّلام فصرع الأوّل في الحرب ممّن كان معه و هو مروان ، و صرع الثّاني في البيداء قتله عمرو بن جرموز ، و قال زهير :
أ لم تر للنعمان كان بنجوة
|
|
من الشّرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا
|
فغيّر عنه ملك عشرين حجّة
|
|
من الدهر و يوم واحد كان غاويا
|
و في ( الصحاح ) : المغوّيات بفتح الواو و مشدّدة : جمع المغوّاة و هي حفرة كالزبية يقال : ( من حفر مغوّاة وقع فيها )
.
« و لا يعين على نفسه الغواة بتعسّف في حقّ » في ( الصحاح ) : العسف :
الأخذ على غير الطريق و كذلك التعسّف و الاعتساف
.
« أو تحريف في نطق » لا يبعد أن يكون عليه السّلام خطب بهذه الخطبة في أمر أهل الجمل حيث انّ في آخره ذمّ النساء و انّ همّن الزّينة و الفساد ، فلا يبعد أن يكون المراد تحريف ابن الزّبير في أمر الجواب ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا انتهوا إلى ماء الحوأب نبحها كلاب الحوأب فقالت عايشة لمحمّد بن طلحة : أيّ ماء هذا ؟ قال : الحوأب قالت : إنّي أراني راجعة قال : و لم ؟ قالت : سمعت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يقول لنسائه : كأنّي بإحداكن قد نبحتها كلاب الحوأب و إيّاك أن تكوني أنت يا حميراء فقال لها : تقدّمي و دعي هذا القول ، و أتى عبد اللَّه بن الزّبير فحلف لها أنّها خلّفت الحوأب في أوّل اللّيل و أتاها ببيّنة زور من الاعراب فشهدوا بذلك .
____________________
« أو تخوّف من صدق » لمّا أمر معاوية بالتّسليم على ابنه يزيد بولاية العهد سكت الأحنف فقال له : ما بالك لا تقول ؟ قال : أخاف اللَّه إن كذبتك و أخافك إن صدقتك
.
« فأفق أيّها السّامع من سكرتك » في ( التحف ) : « أيّها المستمتع » و هو الأصحّ فالخطاب للمستمتع من شراب شهوات الدّنيا بقرينة قوله ( فأفق ) و أفق من أفاق المريض : رجع إلى صحّته و قولهم فلان مدمن الخمر لا يستفيق من الشّراب
.
« و استيقظ من غفلتك » فالغافل كالنّائم .
« و اختصر من عجلتك » أي : أقلّ منها .
« و أنعم الفكر في ما جاءك على لسان النّبي الأمّيّ صلّى اللَّه عليه و سلّم » في ( الصحاح ) : نعم الشيء بالضمّ نعومة أي : صار ناعما ليّنا ، و أنعم اللَّه صباحك من النّعومة
.
و لعلّ المراد ما جاء على لسان النّبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله في أهل الجمل من كونهم النّاكثين ، و من حديث كلاب الحوأب و من قتال الزّبير معه عليه السّلام ظلما .
« و خالف من خالف ذلك إلى غيره و دعه و ما رضى لنفسه » من مخالفته قول النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و عدم اكتراثه لخلافه .
« و ضع فخرك ، و احطط كبرك » فانّ الفخر و الكبر رذيلتان مرديتان و النّاس كلّهم بنو آدم و آدم من تراب .
« و اذكر قدرك » هكذا في ( المصرية )
و الصحيح : ( و اذكر قبرك ) كما في
____________________
( ابن أبي الحديد ) و غيره
و يدلّ عليه قوله بعد .
« فإنَّ عليه ممرّك » فممرّ الإنسان على قبره لا قدره .
هذا ، و تفرّد ابن أبي الحديد بالنقل في
( ٣ ) و قال عليه السّلام : « ضع فخرك و احطط كبرك و اذكر قبرك »
، و نقلته ( المصرية ) عنه
( ٣٣٩٨ ) فان صحّ كونه من المصنّف فهو ممّا كرّره سهوا .
« و كما تدين تدان » هو كالمثل و قال الشّاعر : دنّاهم كما دانو ، و في ( الصحاح ) : « كما تدين تدان : أي : كما تجازي تجازي
و قوله تعالى ءَ إنّا لمدينون
أي : مجزيون محاسبون ، و منه الدّيّان في صفته تعالى .
« و كما تزرع تحصد » هو أيضا كالمثل : ( فمن زرع الخير حصد السّلامة و من زرع الشّرّ حصد النّدامة ) .
« و كما قدّمت اليوم تقدم عليه غدا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( و ما ) لا ( و كما ) كما يشهد له ابن أبي الحديد و غيره .
قال تعالى : و ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللَّه .
، يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً و ما عملت من سوءٍ تودُّلو أنّ بينها و بينه أمداً بعيداً
.
« فامهد لقدمك و قدّم ليومك » قال تعالى . و لتنظر نفسٌ ما
____________________
قدّمت لغدٍ .
.
« فالحذر الحذر أيّها المستمع » :
هي الدّنيا تقول بملء فيها
|
|
حذار حذار من بطشي و فتكي
|
« و الجدّ الجدّ أيّها الغافل » الجدّ : مقابل الهزل ، يقال : أجادّ أنت أم هازل ؟
« و لا ينبئك مثل خبير » اقتباس من قوله تعالى في ( ١٤ ) من فاطر .
٤
من الخطبة ( ١٥١ ) المكرّر ( و منه ) :
قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ اَلْأَجْدَاثِ وَ صَارُوا إِلَى مَصَايِرِ اَلْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا لاَ يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَ لاَ يُنْقَلُونَ عَنْهَا أقول : قوله ( و منه ) هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ( منها )
فهو الصحيح .
« قد شخصوا من مستقرّ الأجداث » في ( الصحاح ) : ( شخص بصره إذا فتح عينيه و جعل لا يطرف و يقال للرّجل إذا ورد عليه أمر أقلقه شخص به و شخص شخوصا أي : ذهب ) و الجدث : القبر ، و الجمع : أجدث و اجداث ، قال :
( عرفت بأجدث فنعاف عرق . ) .
قلت : بل جمعه أجداث فقط و ( اجدث ) في البيت موضع كنعاف عرق كما لا يخفى قال تعالى إنّما يؤخّرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار مهطعين
____________________
مقنعي رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء
، و نفخ في الصّور فإذا هم من الأجداث إلى ربِّهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرّحمن و صدق المرسلون
، يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنّهم إلى نصب يوفضون خاشعةً أبصارهم ترهقهم ذِلّةٌ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون
، يخرجون من الأجداث كأنّهم جرادٌ منتشر مهطعين إلى الدّاعي يقول الكافرون هذا يومٌ عسرٌ
.
« و صاروا الى مصائر الغايات » فريقٌ في الجنّة و فريقٌ في السّعير
.
« لكلّ دار أهلها لا يستبدلون بها و لا ينقلون عنها » في ( تفسير القمّي ) عن الصادق عليه السّلام قال ما خلق اللَّه خلقا إلاّ جعل له في الجنّة منزلا و في النّار منزلا فاذا دخل أهل الجنّة الجنّة ، و أهل النّار النّار ، ينادي مناد : يا أهل الجنّة أشرفوا فيشرفون على أهل النّار و ترفع لهم منازلهم فيها ثمّ يقال لهم هذه منازلكم الّتي لو عصيتم اللَّه لدخلتموها فلو انّ أحدا مات فرحا لمات أهل الجنّة في ذلك اليوم فرحا لما صرف عنهم من العذاب ثمّ ينادي مناد يا أهل النّار ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنّة و ما فيها من النّعيم فيقال لهم هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم لدخلتموها فلو ان أحدا مات حزنا لمات أهل النّار حزنا فيورث هؤلاء منازل هؤلاء و يورث هؤلاء منازل هؤلاء
و ذلك قوله تعالى أولئك هم الوارثون الذين يرثون
____________________
الفردوس هم فيها خالدون
.
٥
من الخطبة ( ١٧٨ ) وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ٢٩ ٣٤ ٦٥ : ٢ مِنَ اَلْفِتَنِ وَ نُوراً مِنَ اَلظُّلَمِ وَ يُخَلِّدْهُ فِيمَا اِشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَ يُنْزِلْهُ مَنْزِلَةَ اَلْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اِصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ وَ زُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ أقول : قوله عليه السّلام : « و اعلموا انّ من يتّق اللَّه يجعل له مخرجا من الفتن » قال تعالى و من يتّق اللَّه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب .
،
و من يتّقِ اللَّه يجعل له من أمره يسراً
، و من يتّق اللَّه يكفّر عنه سيّئاته و يعظم له أجراً
، قال أنا يوسف و هذا أخي قد مَنَّ اللَّه علينا إنّه من يتّق و يصبر فإنَّ اللَّه لا يضيع أجر المحسنين
.
« و نورا من الظلم » قال تعالى اللَّه وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظّلمات إلى النور .
، و قال تعالى هو الّذي يصلّي عليكم و ملائكته ليخرجكم من الظُّلمات إلى النّور و كان بالمؤمنين رحيما
.
« و يخلّده في ما اشتهت نفسه » جنّاتُ عدنٍ التي وعد الرّحمن عباده
____________________
بالغيب انّه كان وعدهُ مأتياً لا يسمعون فيها لغواً إلاّ سلاماً و لهم رِزقهم فيها بكرةً و عشيّاً
، إنَّ الّذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها و هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر و تتلقّاهم الملائكة هذا يومكم الّذي كنتم توعدون
، إنّ الّذين قالوا ربّنا اللَّه ثمّ استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدّنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدّعون نُزلا من غفور رحيم
،
الأخِلاّء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلاّ المتّقين يا عبادي لا خوفٌ عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون الّذين آمنوا بآياتنا و كانوا مسلمين ادخلوا الجنّة أنتم و أزواجكم تحبرون يُطاف عليهم بصحافٍ من ذهبٍ و أكوابٍ و فيها ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين و أنتم فيها خالدون و تلك الجنّة الّتي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ منها تأكلون
، على سررٍ موضونةٍ متّكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدانٌ مخلّدون بأكوابٍ و أباريق و كأسٍ من معينٍ لا يصدّعون عنها و لا ينزفون و فاكهةٍ ممّا يتخيّرون و لحم طيرٍ ممّا يشتهون و حورٌ عينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاءً بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغواً و لا تأثيماً إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً
، إنّ المتّقين في جنّاتٍ و نعيمٍ فاكهين بما آتاهم ربّهم و وقاهم ربُّهم عذاب الجحيم كلوا و اشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون متّكئين على
____________________
سررٍ مصفوفةٍ و زوّجناهم بحورٍ عين . و أمددناهم بفاكهة و لحمٍ ممّا يشتهون يتنازعون فيها كأساً لا لغوٌ فيها و لا تأثيمٌ
.
« و ينزله منزلة » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( منزل ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« الكرامة عنده » قال تعالى نُزلاً من غفورٍ رحيم
، تحيّتهم يوم يلقونه سلام و أعدّ لهم أجراً كريماً
.
« في دار اصطنعها لنفسه » تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض و لا فساداً و العاقبة للمتّقين
، تلك الجنّة التي نورثُ من عبادنا من كان تقيّا
.
« ظلّها عرشه » قالوا كلامه عليه السّلام هذا يدلّ على انّ الجنّة فوق السماوات السّبع و تحت العرش .
« و نورها بهجته » اللَّه نور السماوات و الأرض .
.
« و زوّارها ملائكته » قال تعالى . إنّما يتذكّر أولوا الألباب الّذين يوفون بعهد اللَّه و لا ينقضون الميثاق و الّذين يصلون ما أمر اللَّه به أن يوصل و يخشون ربّهم و يخافون سوء الحساب و الّذين صبروا ابتغاء وجه ربِّهم و أقاموا الصّلاة و انفقوا ممّا رزقناهم سرّاً و علانيةً و يدرؤون بالحسنة
____________________
السّيئة أولئك لهم عقبى الدّار جنّات عدن يدخلونها و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذُرِّياتهم و الملائكة يدخلون عليهم من كُلّ بابٍ سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار
.
« و رفقاؤها رسله » قال تعالى و من يطع اللَّه و الرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين و الصّدّيقين و الشهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقا
.
٦
الحكمة ( ٢٨٠ ) و قال عليه السّلام :
مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ اَلسَّفَرِ اِسْتَعَدَّ أي : استعدّ بقدر بعده قال تعالى يا أيُّها الّذين آمنوا اتَّقوا اللَّه و لتنظرْ نفسٌ ما قدّمت لغدٍ و اتّقوا اللَّه إنّ اللَّه خبير بما تعملون و لا تكونوا كالّذين نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون
، كلاّ إذا دُكّت الأرض دكّاً دكّاً و جاء ربُّك و الملك صفّاً صفّاً و جيء يومئذٍ بجهنّم يومئذٍ يتذكّر الإنسان و أنّى له الذّكرى يقولُ يا ليتني قدّمت لحياتي فيومئذ لا يُعذّب عذابه أحدٌ و لا يوثق وثاقه أحدٌ يا أيّتها لنفس المطمئنة ارجعي إلى ربِّك راضيةً مرضيّةً فادخلي في عبادي و ادخلي جنَّتي
.
____________________
٧
الخطبة ( ٢٧ ) و من خطبة له عليه السّلام :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْيَوْمَ اَلْمِضْمَارَ وَ غَداً اَلسِّبَاقَ وَ اَلسَّبَقَةُ اَلْجَنَّةُ وَ اَلْغَايَةُ اَلنَّارُ أَ فَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ أَ لاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ أَلاَ وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي اَلرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي اَلرَّهْبَةِ أَلاَ وَ إِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَ لاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا أَلاَ وَ إِنَّهُ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ اَلْحَقُّ يَضُرُّهُ اَلْبَاطِلُ وَ مَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهِ اَلْهُدَى يَجُرُّ بِهِ اَلضَّلاَلُ إِلَى اَلرَّدَى أَلاَ وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَ دُلِلْتُمْ عَلَى اَلزَّادِ وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اِثْنَتَانِ اِتِّبَاعُ اَلْهَوَى وَ طُولُ اَلْأَمَلِ فَتَزَوَّدُوا مِنَ اَلدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزّهد في الدّنيا ، و يضطرّ إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، و كفى به قاطعا لعلائق الآمال ، و قادحا زناد الإتّعاظ و الإزدجار و من أعجبه قوله عليه السّلام : « ألا و إنّ اليوم المضمار ، و غدا السّباق ،
و السّبقة الجنّة ، و الغاية النّار » فانّ فيه مع فخامة اللّفظ ، و عظم قدر المعنى ،
و صادق التمثيل ، و واقع التشبيه ، سرّا عجيبا ، و معنى لطيفا ، و هو قوله عليه السّلام « و السّبقة الجنّة و الغاية النّار » ، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، و لم يقل : « السبقة النّار » كما قال : « السّبقة الجنّة » لأنّ الاستباق انّما يكون إلى أمر محبوب ، و غرض مطلوب ، و هذه صفة الجنّة و ليس هذا المعنى موجودا في
النّار ، نعوذ باللَّه منها فلم يجز أن يقول : و السّبقة النّار » بل قال : « و الغاية النّار » لأنّ الغاية قد ينتهي إليها من لا يسّره الانتهاء إليها ، و من يسرّه و لا يصلح أن يعبّر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل ، قال تعالى . قل تمتّعوا فإنّ مصيركم إلى النّار
و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال ( سبقتكم ) بسكون الباء إلى النّار ، فتأمّل ذلك فباطنه عجيب ، و غوره بعيد ، و كذلك أكثر كلامه عليه السّلام و في بعض النّسخ : و قد جاء في رواية اخرى « و السّبقة الجنّة » بضمّ السّين و السّبقة عندهم : اسم لما يجعل للسّابق إذا سبق من مال أو عرض ، و المعنيان متقاربان ، لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم و إنّما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .
أقول : هذه الخطبة رواها ابن قتيبة في ( خلفائه ) و الجاحظ في ( بيانه ) و إبراهيم الثقفي في ( غاراته ) و محمّد بن بابويه في ( فقيهه ) و ابن أبي شعبة في ( تحفه ) و محمّد بن محمّد بن النّعمان في ( إرشاده ) و المسعودي في ( مروجه ) مع اختلاف و زيادة و نقص .
قال الأول : ذكروا أنّ البيعة لمّا تمّت له عليه السّلام بالمدينة : خرج إلى المسجد فصعد المنبر إلى أن قال قال عليه السّلام : و اعلموا أنّ الدّنيا قد أدبرت و الآخرة قد أقبلت ألا و إنّ المضمار اليوم و السّبق غدا ألا و إنّ السّبقة الجنّة و الغاية النّار ،
ألا إنّ الأمل يسهي القلب و يكذب الوعد و يأتي بغفلة و يورث حسرة فهو غرور و صاحبه في عناء فافزعوا إلى قوام دينكم و اتمام صلاتكم و أداء زكاتكم و النصيحة لإمامكم و تعلّموا كتاب اللَّه و أصدقوا الحديث عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و أوفوا بالعهد إذا عاهدتم و أدّوا الأمانات إذا ائتمنتم و ارغبوا في ثواب اللَّه
____________________
و ارهبوا عذابه و اعملوا الخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدّم الخير
.
و قال الثاني : و خطب عليه السّلام فقال : أمّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بوداع و إنّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطّلاع و إنّ المضمار اليوم و السّباق غدا ،
ألا و إنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله و لم يضرّه أمله ، و من قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أمله ألا فاعملوا للَّه في الرغبة كما تعملون له في الرّهبة ،
ألا و انّي لم أر كالجنّة نام طالبها و لا كالنّار نام هاربها ، ألا و إنّه من لم ينفعه الحقّ يضرّه الباطل و من لم يستقم بالهدى يجرّ به الضّلال ، ألا و إنّكم قد أمرتم بالظعن و دللتم و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى و طول الأمل و مثله الأخير مع أدنى اختلاف
.
و قال الثالث : كما نقل ( البحار ) عن عبد الرحمن بن نعيم عن أشياخ قومه أنّ عليّا عليه السّلام كان كثيرا ما يقول في خطبته : أيّها النّاس انّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت أهلها بوداع و انّ الآخرة قد أقبلت و آذنت باطّلاع ألا و إنّ المضمار اليوم و السّباق غدا ، ألا و إنّ السَّبق الجنّة و الغاية النّار ، ألا و إنّكم في أيّام مهل من وراءه أجل يحثّه العجل فمن عمل في أيام مهله قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرّه أمله ، ألا و إنّ الأمل يسهي القلب و يكذب الوعد و يكثر الغفلة و يورث الحسرة فاعزبوا عن الدّنيا كأشدّ ما أنمت عن شيء تعزبون فإنّها من ورود صاحبها منها في غطاء معنى و أفزعوا إلى قوام دينكم بإقامة الصّلاة لوقتها و اداء الزكاة لحلّها و التضرّع إلى اللَّه و الخشوع له وصلة الرّحم و خوف المعاد و اعطاء السائل و إكرام الضّيف ، و تعلّموا القرآن و اعملوا به و اصدقوا الحديث
____________________
و آثروه و اوفوا بالعهد إذا عاهدتم و أدّوا الأمانة إذا أئتمنتم و ارغبوا في ثواب اللَّه و خافوا عقابه فانّي لم أر كالجنّة نام طالبها و لا كالنّار نام هاربها ، فتزوّدوا من الدّنيا ما تحرزوا به أنفسكم غدا من النّار ، و اعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز أهل الخير بالخير
.
و قال الرابع : خطب عليه السّلام يوم الفطر إلى أن قال ألا أنّ الدّنيا قد تنكّرت و أدبرت و أحلولت و آذنت بوداع ألا و إنّ الآخرة قد رحلت فأقبلت و أشرفت و أذنت باطّلاع ألا و انّ المضمار اليوم و السّباق غدا ، ألا و إنّ السّبقة الجنّة و الغاية النّار ، أ فلا تائب من خطيئته قبل يوم منيّته ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه و فقره جعلنا اللَّه و إيّاكم ممّن يخافه و يرجو ثوابه .
.
و قال الخامس : خطبته عليه السّلام المعروفة بالدّيباج الحمد للَّه فاطر الخلق ،
و فالق الإصباح ، ( إلى أن قال ) و اعلموا عباد اللَّه ، أنّ الأمل يذهب العمل ، و يكذب الوعد ، و يحثّ على الغفلة ، و يورث الحسرة ، فأكذبوا الأمل فإنّه غرور و انّ صاحبه مأزور فاعملوا في الرغبة و الرّهبة ، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا و اجمعوا معها رغبة ، فإنّ اللَّه قد تأذّن للمسلمين بالحسنى ، و لمن شكر بالزّيادة ، فإنّي لم أر مثل الجنّة ، نام طالبها ، و لا كالنّار نام هاربها ، و لا أكثر مكتسبا ممّن كسبه ليوم تذخر فيه الذّخائر و تبلى فيه السرائر ، و إنّ من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، و من لا يستقم به الهدى تضرّه الضّلالة ، و من لا ينفعه اليقين يضرّه الشك ، و إنّكم قد أمرتم بالظّعن و ددلتم على الزاد ، ألا إنّ أخوف ما أتخوّف عليكم اثنان طول الأمل و اتّباع الهوى ، ألا و انّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بانقلاع ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت و آذنت باطّلاع ، ألا و إنّ المضمار
____________________
اليوم و السّباق غدا ، ألا و انّ السّبقة الجنّة و الغاية النّار ، ألا و إنّكم في أيّام مهل من وراءه أجل يحثّه عجل فمن أخلص للَّه عمله في أيّامه قبل حضور أجله ،
نفعه عمله و لم يضرّه أمله ، و من لم يعمل في أيّام مهله ضرّه أمله و لم ينفعه عمله ، عباد اللَّه افزعوا إلى قوام دينكم بإقام الصّلاة لوقتها ، و إيتاء الزكاة لحينها ، و التّضرّع و الخشوع ، و صلة الرّحم ، و خوف المعاد ، و إعطاء السائل و إكرام الضّعيفة ، و الضعيف و تعلّم القرآن و العمل به ، و صدق الحديث ،
و الوفاء بالعهد ، و أداء الأمانة إذا أئتمنتم ، و ارغبوا في ثواب اللَّه و ارهبوا عذابه ،
و جاهدوا في سبيل اللَّه بأموالكم و أنفسكم ، و تزوّدوا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم ، و اعملوا بالخير يوم يفوز بالخير ، من قدّم الخير أقول قولي و أستغفر اللَّه لي و لكم
.
و قال السادس عليه السّلام : أمّا بعد ، أيّها النّاس : فإنّ الدّنيا قد آدبرت و أذنت بوداع و انّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطّلاع ، ألا و إنّ المضمار اليوم و غدا السباق و السبقة الجنّة و الغاية النّار ، ألا و انّكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثّه عجل ، فمن أخلص للَّه عمله لم يضرّه أمله و من أبطأ به عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أمله ، ألا فاعملوا في الرّغبة و الرّهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا اللَّه و اجمعوا معها رهبة ، و إن نزلت بكم رهبة فاذكروا اللَّه و اجمعوا معها رغبة ، فإنّ اللَّه قد تأذّن للمحسنين بالحسنى ، و لمن شكره بالزّيادة ، و لا كسب خير من كسب ليوم تذخر فيه الذّخائر و تجمع فيه الكبائر و تبلى فيه السّرائر ، و إنّي لم أر مثل الجنّة نام طالبها ، و لا مثل النّار نام هاربها ، ألا و إنّه من لا ينفعه اليقين يضرّه الشّك و من لا ينفعه حاضر لبّه و رأيه
____________________
فغائبه عنه أعجز ألا و انّكم قد أمرتم بالظّعن و دللتم على الزّاد .
.
و قال السابع : كان عليه السّلام يقول : الدّنيا دار صدق لمن صدقها و دار عافية لمن فهم عنها و دار غنى لمن تزوّد منها ، الدّنيا مسجد أحبّاء اللَّه ، و مصلّى ملائكته ، و مهبط وحيه ، و متجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة و ربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها و قد آذنت ببينها ، و نادت بفراقها ، و نعت نفسها و أهلها و مثّلت لهم ببلائها البلاء ، و شوّقت بسرورها إلى السرور راحت بفجيعة و ابتكرت بعافية ترغيبا و تخويفا فذمّها رجال غبّ الندامة و حمدها آخرون غبّ المكافاة ذكّرتهم فذكروا تصاريفها و صدقتهم فصدّقوا حديثها فيا أيها الذامّ للدّنيا المغتر بغرورها .
.
و ممّا ذكرنا من مدارك الخطبة ظهر لك ما في قول ابن ميثم بعد العنوان « هذا من الخطبة الّتي في أوّلها : ( الحمد للَّه غير مقنوط من رحمته ) و ستجيىء بعد ، و إنّما قدّمه الرّضيّ عليها لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب ، من أنّه لا يراعى التّتالي و النسق في كلامه عليه السّلام .
فمن أين ، إنّ الرّضي لم يأخذه إلاّ ممّا قال ؟ و هو رواية الصّدوق ، و من أين إنّه لم يأخذه من ( بيان الجاحظ ) أو ( مروج المسعودي ) بل الأخذ منهما مقطوع لأقربيّة عنوانه إليهما ، كما انّ عدم الأخذ من رواية الصّدوق مقطوع ، لخلوّ روايته عن كثير ممّا في العنوان و اختلاف كثير من ألفاظه معها كما إنّ قوله ( لما سبق من اعتذاره . ) غلط فإنّ الرّضيّ لم يقل إنّ ما يختاره لا يراعي فيه النسق و إنّما قال انّه ليس ملتزما بنقل جميع الخطبة من خطبة عليه السّلام أو الكتاب من كتبه أو كلام آخر من حكمه
____________________
و أدبه ، لأنّ غرضه منها ما في غاية البلاغة فيختار من خطبة واحدة و كتاب واحد و كلام آخر فصولا غير متّسقة يفرّق بينها بلفظ ( و منها و منها ) كما عرفت في أوّل الكتاب بمعنى انّه يحذف من البين فيخرج الكلام من موضوع إلى موضوع آخر لا أنّه في ما يختار يؤخّر المقدّم و يقدّم المؤخّر كما توهّم ، ثمّ يمكن رفع اختلاف نقله جزء الوصيّة بالعشرة كما في ( الخلفاء ) أو جزء الخطبة في الفطر كما في ( الفقيه ) أو جزء الدّيباج كما في ( التّحف ) أو مستقلا كما في غيره انّ الثقفي كما عرفت قال : روى انّه عليه السّلام كان كثيرا ما يقول في خطبته الفقرات فالظّاهر أنّه عليه السّلام في بعض المقامات اقتصر عليها و في بعضها جعلها جزء باقي اغراضه .
« أما بعد ، فإنّ الدّنيا قد أدبرت و أذنت بوداع » في ( الصحاح ) : آذنتك بالشيء أعلمتكه و آذن و تأذّن بمعنى ، كما يقال أيقن و تيقّن .
.
و قد عرفت أنّ ( التّحف ) بدّل قوله « بوداع » بقوله « بانقلاع » .
« و إنَّ الآخرة قد أشرفت » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : ( قد أقبلت و أشرفت ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« باطّلاع » في ( الصحاح ) : أشرفت عليه : اطلعت عليه من فوق ، و قال اطّلعت على باطن أمره : انتقلت ، يقال أين مطّلع هذا الأمر أي : مأتاه و هو موضع الإطّلاع من إشراف إلى انحدار و في الحديث ( من هول المطلع ) شبّه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بذلك .
.
يمكن أن يريد عليه السّلام بإدبار الدّنيا و إقبال الآخرة لكلّ شخص فانّ
____________________
الإنسان من ساعة تولّد كلّما تنفّس نفسا يدبر من دنياه و يقبل إلى آخرته التي تحصل له بالموت و يمكن أن يريد بهما الدّنيا و الآخرة الكلّيتين فبمضيّ كلّ يوم تدبر الدّنيا و تقبل الآخرة .
« ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق » هكذا في جميع نسخ النّهج ، و قد عرفت انّ جميع مدارك العنوان من القتيبي و الثّقفي و الجاحظ و المسعودي و ابن بابويه و المفيد و الحلبي متّفقة على تقديم المضمار و السّباق على اليوم و غدا فهو الصحيح و المصنّف و هم و يأتي عين اللّفظ من حذيفة و نظيره من النبي صلّى اللَّه عليه و آله بالتّقديم و في ( الصحاح ) : تضمير الفرس ان يعلفه حتّى يسمن ثمّ تردّه إلى القوت و ذلك في أربعين يوما و هذه المدّة تسمّى المضمار و الموضع الّذي تضمر فيه الخيل أيضا مضمار الخ و السّباق مصدر سابق كالمسابقة ،
قال ابن أبي الحديد : المضمار منصوب لأنّه اسم انّ و اليوم ظرف و موضعه رفع لأنّه خبر انّ ، و غدا السّباق على هذا الوجه
، و يجوز الرفع في الموضعين على ان تجعلهما خبر أنّ بأنفسهما . .
و مراده كما ترى أنّ المضمار و السّباق منصوبان معّينا لكونهما أسمى انّ و امّا اليوم و غدا و ان كانا خبري انّ و خبرها مرفوع لكن يجوز نصبهما على الظّرفية و يكونان في موضع رفع و يجوز رفعهما لفظا باسقاطهما عن الظّرفيّة و لم يتفطّن ابن ميثم و الخوئي لمراده
، فقالا : ورد المضمار و السّباق مرفوعين و منصوبين . .
ثمّ لا وجه لرفع المضمار و السّباق لكونهما مسندا عنهما كما لا وجه لإلغاء الظّرفيّة لأنّ المضمار ليس عين اليوم بل فيه كما انّ السّباق ليس عين
____________________
الغد بل فيه و على ما قلنا من نقل غير المصنّف له بلفظ « إنّ المضمار اليوم و السّباق غدا » لا مجال لاحتمال ما قالوا ، و كيف كان فالأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربِّكم و جنّة عرضها كعرض السّماء و الأرض أعدّت للّذين آمنوا باللَّه و رسله ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء و اللَّه ذو الفضل العظيم
، فاستبقوا الخيرات اينما تكونوا يأت بكم اللَّه جميعا .
، فاستبقوا الخيرات إلى اللَّه مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون
.
و روى الخطيب عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال جمّعت مع حذيفة بالمدائن فسمعته يقول : إن اللَّه تعالى يقول اقتربت السّاعة و انشقّ القمر
ألا و انّ القمر انشقّ على عهد النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و انّ السّاعة اقتربت ، ألا انّ المضمار اليوم و السّبق غدا قال فقلت لأبي غدا تجري الخيل قال انّك لغافل أما سمعته يقول السّابق من سبق إلى الجنّة .
.
و قالوا استقبل رجل عامر بن عبد قيس في يوم حلبه فسأله من سبق ؟
فقال المقرّبون و قريب من كلامه عليه السّلام هذا ما روي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله ( ألا و انّ العواري اليوم و الهبات غدا )
.
هذا ، و في ( المروج ) : كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل
____________________
و القصب تسعة و لا يدخل الحجر المحجّر من الخيل إلاّ ثمانية و هذه اسماؤها الأوّل المجلى لأنّه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب و الشّدة و قال الفرّاء لأنّه يجلي عن وجه صاحبه و الثّاني المصلّى لأنّه وضع جحفلته على قطاة المجلى و هي صلاة و الصّلاة عجب الذّنب بعينه و الثّالث المسلّى لأنّه كان شريكا في السّبق و كانت العرب تعدّ من كلّ ما يحتاج ثلاثة أو لأنّه سلّى عن صاحبه بعض همّه بالسّبق و الرّابع التّالي سمّى بذلك لأنّه تلا هذا المسلّى في حال دون غيره و الخامس المرتاح و هو المفتعل من الرّاحة لأنّ في الرّاحة خمس أصابع لا يعد منها غيرهنّ فلمّا كان الخامس مثل خامسة الأصابع و هي الخنصر سمّي مرتاحا ، و سمّي السّادس حظيّا لأنّ له حظّا و سمّي السابع العاطف لدخوله الحجرة لأنّه قد عطف بشيء و ان قلّ و حسن إذ كان قد دخل المحجور و سمّي الثامن المؤمّل على القلب و التفّأل كما سمّوا الفلاة مفازة و اللّديغ سليما و كنّوا الحبشيّ أبا البيضاء و نحو ذلك ، أي : انّه يؤمّل و ان كان خائبا لأنّه قرب من بعض ذوات الحظوظ ، و التّاسع اللّطيم لأنّه لو رام الحجرة للطم ، و العاشر السّكيت لأنّ صاحبه يعلوه خشوع و ذلّة و يسكت حزنا و عيّا و كانوا يجعلون في عنق السّكيت حبلا و يحملون عليه قردا و يدفعون للقرد سوطا فيركضه القرد ليعيّر بذلك صاحبه .
إذا أنت لم تسبق و كنت مخلّفا
|
|
سبقت إذا لم تدع بالقرد و الحبل
|
و ان تك حقّا بالسّكيت مخلّفا
|
|
فتورث مولاك المذمّة بالنّبل
|
أمّا ذكره النّبل فانّ بعضهم كان يفعل ذلك ، ينصب فرسه ثمّ يرميه بالنّبل حتّى يتعجّف و قد كان فعل ذلك النّعمان بفرسه النّهب
.
« و السَّبقة الجنّة و الغاية النّار » المفهوم من قول المصنّف بعد ( و لم يقل
____________________
السّبقة النّار كما قال السّبقة الجنّة لأنّ الاستباق انّما يكون إلى أمر محبوب ) انّه جعل السّبقة بالفتح مصدرا لأنّه فسّرها بالاستباق مع انّ المصدر السّبق بدون الهاء و يشكل ان يجيىء مع الهاء بمعناه بل لا يعلم كونه مع الهاء بغير الضّمّ و قد جعل كونها بالضّمّ رواية اخرى و معناها ما قال و هو المعين لأنّه ذكرها بعد السّباق جزاء له .
و في ( بلاغات أحمد بن أبي طاهر ) : كانت السّبقة عند بني اميّة مائة ناقة حمراء و لا يمنعون أحدا قاد إليهم فرسا فأرسل الوليد بن عبد الملك في الحلبة العظمى فلّما مدّت الحبال في صدور الخيل جاءت عجوز من بني نمير تقود فرسا لها و عليها غرارة و هي تقول :
فتاتنا المنسوبة الكريمة
|
|
ميمونة الطّلعة لا مشومة
|
ثمّ قالت للوليد : ادخل فرسي ، قال : أدخلوها قال : ما هذه الغرارة على عنقك قالت : فيها عقل السّبقة ، قال : انّك لو اثقة بفرسك ، قالت : ثقتي بهذه صيّرني تحت هذه ، قال : فجاءت فرسها سابقة فأخذت المائة قال : فالنّسل من خيلها معروف يقال لها خيل العجوز
.
« أ فلا تائب من خطيئته قبل منيّته » استدلّ له بقوله تعالى انّما التوبة على اللَّه للّذين يعملون السوء بجهالةٍ ثمّ يتوبون من قريب فأولئك يتوب اللَّه عليهم و كان اللَّه عليماً حكيماً
، و ليست التّوبة للذين يعملون السّيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن .
.
و في ( الصحاح ) : منى له ، أي : قدّر ، و المنيّة : الموت لأنّها مقدّرة
.
____________________
« ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه » قد عرفت أنّ في رواية القتيبي
و الثقفي
، و الحلبي
ذكر عليه السّلام العمل فقال كما هو لفظ الأوّل : « فافزعوا إلى قوام دينكم و اتمام صلاتكم و إداء زكاتكم و النصيحة لإمامكم . » قال تعالى و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو لا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق و أكن من الصالحين و لن يؤخّر اللَّه نفساً إذا جاء أجلها و اللَّه خبيرٌ بما تعملون
، ان تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللَّه و إن كنت لمن السّاخرين
، أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّةً فأكون من المحسنين
.
و في ( معارف ابن قتيبة ) : كان لنعمان بن منذر يومان يوم بؤس ، و يوم نعيم ، و كان إذا ركب يوم بؤسه يقتل من يلقاه و يغري بدمه الغريّين ، و أتاه عبيد بن الأبرص الشّاعر يمتدحه يوم بؤسه و لم يعلم أنّه يوم بؤسه فقتله
.
« ألا و إنّكم في أيّام أمل من وراءه أجل » اعلموا انّما الحياة الدّنيا لعبٌ و لهوٌ و زينةٌ و تفاخرٌ بينكم و تكاثرٌ في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتريه مصفرّاً ثم يكون حُطاماً .
.
« فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرره أجله » هكذا في نسخ النهج و في المدارك المتقدّمة « و لم يضرره أمله » لكن ليس في
____________________
( الخلفاء ) و ( الفقيه ) الفقرة رأسا .
« و من قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أجله » هنا أيضا في ( البيان ) و ( المروج ) و ( التحف ) و ( الإرشاد ) : « و ضرّه أمله » فهو الصحيح .
و في الخبر عن الرّضا عليه السّلام :
انّك في دار لها مدّة
|
|
يقبل فيها عمل العامل
|
ألا ترى الموت محيطا بها
|
|
يكذب فيها أمل الآمل
|
تعجّل الذّنب بما تشتهي
|
|
و تأجل التوبة في قابل
|
و الموت يأتي أهله بغتة
|
|
ما ذاك فعل الحازم العاقل
|
« ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة » مدح تعالى أنبيائه فقال فيهم : انّهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغباً و رهباً و كانوا لنا خاشعين
، و ذمّ اناسا لا يعرفونه إلاّ في الرّهبة فقال و إذا مسّ الإنسان الضُّرُّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلمّا كشفنا عنه ضرّه مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرّ مسّهُ كذلك زُيّن للمسرفين ما كانوا يعملون
.
« ألا و انّي لم أر كالجنّة نام طالبها و لا كالنّار نام هاربها » قال المبرّد : قال النّابغة الذّبياني لمّا هدّده النّعمان بن المنذر :
و عيد أبي قابوس في غير كنهه
|
|
أتاني و دوني راكس فالضّواجع
|
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة
|
|
من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
|
يسهّد من نوم العشاء سليمها
|
|
كحلي النّساء في يديه قعاقع
|
____________________
تناذرها الرّاقون من سوء سمّها
|
|
تطلّقه طورا و طورا تراجع
|
و قال ابن قتيبة : لمّا سخط عبد الملك على الحجّاج تمثّل بقول النّابغة :
نبئت انّ أبا قابوس أو عدني
|
|
و لا قرار على زأر من الأسد
|
و في ( الأغاني ) حضر الجحّاف عند عبد الملك و الأخطل حاضر في مجلسه ينشد :
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر
|
|
بقتلي أصبت من سليم و عامر
|
فقال له الجحّاف :
نعم سوف نبكيهم بكلّ مهنّد
|
|
و نبكي عميرا بالرّماح الخواطر
|
ثمّ قال له : ظننت يابن النصرانيّة انّك لم تكن لتجترىء عليّ ، و لو رأيتني لك مأسورا و أوعده فما برح الأخطل حتّى حمّ فقال له عبد الملك : أنا جارك منه قال هذا أجرتني منه يقظان فمن يجيرني منه نائما فجعل عبد الملك يضحك
.
و في ( الأغاني ) : بلغ عبد الصّمد بن المعذّل شعر للحمدوي فقال : أنا له ففزع الحمدوي و قال :
هيهات أن أجد السبيل إلى الكرى
|
|
و ابن المعذّل من مزاحي حارد
|
فرضي عنه .
هذا ، و في ( البلاذري ) : كان عبيد اللَّه بن الحرّ الجعفي محبوسا عند مصعب بن الزبير فكلّمه الأحنف بن قيس فأطلقه فقال للأحنف : ما أدري ما أكافئك به الاّ أن أقتلك فتدخل الجنّة و أدخل النّار فضحك الأحنف و قال : لا
____________________
حاجة لي في مكافأتك يا ابن أخي
.
« ألا و إنّه من لم ينفعه الحقّ يضرره الباطل » أنزل من السّماء ماءً فسالت أو ديةٌ بقدرها فاحتمل السّيل زبداً رابياً و مِمّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثله كذلك يضرب اللَّه الحق و الباطل فامّا الزّبد فيذهب جفاءً و أمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض كذلك يضرب اللَّه الأمثال
.
« و من لم يستقم به الهدى يجرّ به الضّلال الى الرّدى » يجرّ بتشديد الرّاء من الجرّ كما في ( الخطية و ابن أبي الحديد )
و في ( المصرية الاولى )
يجر بتخفيفها مع كسرها من الجري بالجيم و الرّاء و امّا ( البيان )
و ( المروج )
فحيث ليس فيهما كلمة ( إلى الرّدى ) يمكن أن يقرأ ما فيهما مع كلمة ( به ) كلمة واحدة من الخزي بالخاء و الزّاي و في ( الصحاح ) : ردى بالكسر ، أي : هلك
.
« ألا و انّكم قد أمرتم بالظّعن » ( بتسكين العين و فتحها ) قال الجوهري : ظعن أي : سار ظعنا و ظعنا بالتّحريك و قرىء بهما قوله تعالى
يوم ظعنكم .
قال تعالى يا أيُّها الذين آمنوا اتّقوا اللَّه و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ .
.
« و دللتم على الزّاد » أي : في هذا السفر و هو التّقوى .
____________________
( ١٠ ) الحشر : ١٨ .
« و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى » فلا تتّبعوا الهوى ان تعدلوا .
، و قال تعالى في من انسلخ من آياته و لكنّه أخلد إلى الأرض و اتّبع هواه فمثله كمثل الكلب .
، و قال تعالى و لا تطع من أغفلنا قلبه عنه ذكرنا و اتّبع هواه و كان أمره فرطا
، فان لم يستجيبوا لك فاعلم انّما يتّبعون أهوائهم و من أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدىً من اللَّه إن اللَّه لا يهدي القوم الظالمين
.
« و طول الأمل » ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا و يلههم الأمل فسوف يعلمون
.
« تزوّدوا من الدنيا ما تحرزون أنفسكم به غدا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « فتزوّدوا في الدّنيا من الدُّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و كذا الخطية
.
و في ( المصباح ) : أحرزت الشيء احرازا ضممته و منه قولهم : أحرز قصب السّبق إذا سبق إليها فضمّها دون غيره .
.
عليكم أنفسكم لا يضرّكم مَن ضلّ إذا اهتديم إلى اللَّه مرجعكم جميعاً .
.
____________________
قول المصنّف : « قال الشّريف : أقول » هكذا في ( المصرية )
و قوله : « قال الشريف » إنّما من الشّرّاح ، لا من النّهج ، و أمّا « أقول » فمحرّف « و أقول » كما يظهر من ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
.
« لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدّنيا و يضطرّ إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام » أي : كلام العنوان و لبعضهم في وصف تأثير الكلام :
« لو أنّ كلاما أذيب به صخر أو اطفىء به جمر أو عوفي به مريض أو جبر به مهيض لكان كلامه الّذي يعوّد سامعيه الى السّجود و يجري في القلوب مجرى الماء في العود ألفاظه أنوار و معانيه ثمار » .
« و كفى به قاطعا لعلائق الآمال » بعد فهم أنّ الدّنيا أدبرت ، و الآخرة أقبلت .
« و قادحا زناد الاتّعاظ و الإزدجار » بعد كون السَّبقة الجنّة ، و الغاية النّار .
« و من أعجبه » أي : أعجب هذا الكلام .
« و لم يقل السّبقة » و في ( ابن ميثم )
و السّبقة .
« النّار كما قال السّبقة » و الصواب : « و السّبقة » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« لأنّ الغاية ينتهي » الصواب : « و قد ينتهي » كما في الثلاثة .
« اليها من لا يسرّه الانتهاء » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « لانتهاء اليها » كما في الثلاثة أيضا .
« و لا يجوز في هذا الموضع » أي : موضع الآية . قل تمتّعوا فإنّ
____________________
مصيركم إلى النار
.
« أن يقال سبقتكم » و هكذا في ( المصرية )
و الصواب : أن يقال « فانّ سبقتكم » بسكون الياء هكذا في ( المصريتين ) و ليس قول ( بسكون الباء ) في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
و هو غلط لأنّه يصير مفهومه انّ قول ( تمتَّعوا فانّ سبقتكم بالتحريك إلى النّار ) صحيح مع أنّه أراد أنّ الواجب هنا قول ( مصيركم ) دون سبقتكم رأسا .
« إلى النّار فتأمّل ذلك فباطنه عجيب و غوره بعيد » هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
« بعيد لطيف » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
.
« و كذلك أكثر كلامه عليه السّلام » في غاية العجب من حيث الفصاحة .
« و في بعض النسخ و قد جاء في رواية أخرى » هكذا في ( المصريتين )
و ليس قول « و في بعض النسخ » في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
و هو غلط فاحش ، لأنّه لا معنى لأن يقول مصنّف عن كتابه : « و في بعض النّسخ » و انّما الشّراح و المحشّون يقولون ذلك ، أو المصنّف عن غير كتابه ،
فلابدّ أنّه من تخليط الحاشية بالمتن ، ثمّ بعد تصديق ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) لقوله « و قد جاء . » الخ لا يبقى شكّ في كونه جزء الكتاب ، و من كلام الرّضيّ قطعا و أنّ الخالية ناقصة ، و قد رأيت نسخة خطّيّة قديمة خالية .
« و السّبقة الجنّة بضمّ السّين » هكذا في ( المصريتين )
و في ( ابن أبي
____________________
الحديد و ابن ميثم )
« و السّبقة بضمّ السّين » و كلمة « الجنّة » هنا لغو يجلّ المصنّف من مثله .
« و السبقة عندهم اسم لما يجعل للسّابق إذا سبق » و كذلك السّبق بالتّحريك و السّبق بالسّكون على ما قال ابن دريد ، فقال : و السّبق : الرّهن بين السّابقين و السَّبق ( فاز فلان سبقه و سبقه ) .
، و أمّا الجوهري و الفيروز آبادي و الجزري فلم يذكروا غير السّبق بالتحريك
.
« من مال أو عرض » في ( المصباح ) : العرض ( بالسّكون ) : المتاع ، قالوا :
الدّراهم و الدّنانير عين و ما سواهما عرض ، و الجمع عروض ، مثل فلس و فلوس ، و قال قوم و أبو عبيد : العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل و لا وزن و لا يكون حيوانا و لا عقارا
.
٨
في الخطبة ( ٨١ ) و منها في صفة الجنّة دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ لاَ يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا وَ لاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَ لاَ يَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لاَ يَبْأَسُ سَاكِنُهَا أقول : قول المصنّف : « في صفة الجنّة » مثلُ الجنّة التي وعد المتّقون فيها أنهارٌ من ماءٍ غير آسنٍ و أنهارٌ من لبنٍ لم يتغيّر طعمه و أنهارٌ من خمرٍ لذّةٍ
____________________
للشّاربين و أنهارٌ من عسلٍ مصفّى و لهم فيها من كُلّ الثّمرات .
.
قوله عليه السّلام : « درجات متفاضلات » و السّابقون السّابقون أولئك المقرّبون في جنّات النّعيم ثُلَّةٌ من الأوّلين و قليلٌ من الآخرين على سررٍ موضونةٍ متّكئين عليها متقابلين يطوفُ عليهم ولدان مخلّدون بأكوابٍ و أباريق و كأسٍ من معين لا يصدّعون عنها و لا ينزِفون و فاكهةٍ ممّا يتخيّرون و لحم طيرٍ ممّا يشتهون و حورٌ عينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاءً بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغواً و لا تأثيماً إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً و أصحابُ اليمين ما أصحاب اليمين في سدرٍ مخضودٍ و طلحٍ منضود و ظِلِّ ممدودٍ و ماءٍ مسكوبٍ و فاكهةٍ كثيرةٍ لا مقطوعةٍ و لا ممنوعةٍ و فرشٍ مرفوعةٍ إنّا أنشأناهنَّ إنشاءً فجعلناهنَّ أبكاراً عُرباً أتراباً لأصحاب اليمين
.
« و منازل متفاوتات » ان الأبرار يشربون من كأسٍ كان مِزاجها كافوراً عيناً يشربُ بها عباد اللَّه يفجّرونها تفجيراً يوفون بالنّذر و يخافون يوماً كان شرّه مستطيراً و يطعمون الطّعام على حبّه مسكيناً و يتيماً و أسيرا إنّما نُطعمكم لوجه اللَّه لا نُريد منكم جزاءً و لا شكوراً إنّا نخافُ مِنْ رَبِّنا يوماً عبوساً قمطريرا فوقيهم اللَّه شرّ ذلك اليوم و لقيّهم نضرةً و سرورا و جزاهم بما صبروا جنّةً و حريرا متّكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمساً و لا زمهريرا و دانيةً عليهم ظلالها و ذلّلت قطوفها تذليلاً و يطاف عليهم بآنيةٍ من فضّةٍ و أكوابٍ كانت قوارير قوارير من فضّةٍ قدّروها تقديراً و يسقون فيها كأساً كان مِزاجها زنجبيلاً عيناً فيها تسمّى
____________________
سلسبيلاً و يطوف عليهم ولدانٌ مخلّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً و مُلكاً كبيراً عليهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ و استبرقٍ و حلّوا أساور من فِضّةٍ و سقاهم ربُّهم شراباً طهوراً إنَّ هذا كان لكم جزاءً و كان سعيكم مشكوراً
.
« لا ينقطع نعيمها » إنَّ الّذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها و هم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر و تتلقيّهم الملائكة هذا يومكم الّذي كنتم توعدون
و استشهد أيضا بقوله تعالى إنَّ هذا لرزقنا ماله من نفادٍ
، مَثَلُ الجنّة التي وعد المتّقون تجري من تحتها الأنهار اُكلُلها دائمٌ و ظِلّها .
.
« و لا يظعن مقيمها » في ( الصحاح ) : ظعن أي : سار .
الّذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
، و أمّا الّذين سُعدوا ففي الجنَّة خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلاّ ما شاء ربُّك عطاءً غير مجذوذٍ
، قُل أذلكَ خيرٌ أم جنّة الخلد الّتي وُعد المتّقون كانت لهم جزاءً و مصيراً لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربِّك وعداً مسئولاً
قال ابن أبي الحديد : و على قوله عليه السّلام اتّفاق أهل الملّة إلاّ ما يحكى عن أبي الهذيل انّ حركات أهل الجنّة تنتهي إلى سكون دائم و زعم بعضهم أنّه لم يقل بانقطاع النَّعيم ، لكن بانقطاع
____________________
الحركة مع دوام النّعيم ، حمله على ذلك ، إنّه لمّا استدل على أنّ الحركة الماضية يستحيل ألاّ يكون لها أوّل ، عورض بالحركات المستقبلة لأهل الجنّة و النّار فالتزم أنّها متناهية .
.
قلت : قال الشّهرستاني : انفرد أبو الهذيل عن أصحابه بعشر قواعد إلى أن قال الخامسة : أنّ حركات أهل الخالدين تنقطع و إنّهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا ، و تجتمع اللّذات في ذلك السّكون لأهل الجنّة و تجتمع الآلآم في ذلك السّكون لأهل النّار و هذا قريب من مذهب جهم ، إذ حكم بفناء الجنّة و النّار و إنّما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنّه لمّا ألزم في مسألة حدوث العالم ، انّ الحوادث التي لا أوّل لها كالحوادث التي لا آخر لها إذ كلّ واحدة لا تنتهي قال :
إنّي لا أقول بحركات لا تتناهى بل يصيرون إلى سكون دائم و كأنّه ظنّ أنّ ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السّكون
.
« و لا يهرم خالدها » عن ( نوادر الرّاوندي ) : أبصر النّبي صلّى اللَّه عليه و آله امرأة عجوزا درداء فقال : أمّا إنّه لا يدخل الجنّة عجوز درداء فبكت فضحك النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و قال :
لا تدخلين الجنّة على حالك ، و أبصر صلَّى اللَّه عليه و آله امرأة رمصاء العينين فقال صلَّى اللَّه عليه و آله اما انّه لا تدخل الجنّة رمصاء العينين فبكت فقال صلَّى اللَّه عليه و آله : لا تدخلين الجنّة على مثل صورتك هذه ، ثم قال : لا يدخل الجنّة أعور و لا أعمى
.
و في ( المناقب ) : قالت عجوز للنّبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : ادع لي بالجنّة فقال صلَّى اللَّه عليه و آله : إنّ الجنّة لا تدخلها العجز ، فبكت فضحك و قال لها : أما سمعت قوله تعالى إنّا أنشأناهنَّ إنشاءً فجعلناهنَّ أبكاراً
.
____________________
و قال صلَّى اللَّه عليه و آله للعجوز الأشجعية : يا أشجعيّة لا تدخل العجوز الجنّة .
فرآها بلال باكية ، فوصفها للنبي صلَّى اللَّه عليه و آله فقال : و الأسود كذلك فجلسا يبكيان فرآهما العبّاس فذكرهما له ، فقال : و الشّيخ كذلك ، ثمّ دعاهم و طيّب قلوبهم ،
و قال : ينشئهم اللَّه كأحسن ما كانوا ، و ذكر أنّهم يدخلون الجنّة شبّانا منوّرين و قال : إنّ أهل الجنّة جرد مرد مكحّلون
.
و روى ( العيون ) عن إسحاق بن حمّاد بن زيد في قصّة مجادله المأمون مع فقهاء العامّة في إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام : ( فقال آخر منهم فقد جاء انّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله قال : أبو بكر و عمر سيّدا كهول أهل الجنّة ، قال المأمون : هذا الحديث محال لأنّه لا يكون في الجنّة كهل ، قال و يروى ، أنّ أشجعيّة كانت عند النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله فقال : لا يدخل الجنّة عجوز فبكت ، فقال لها النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : إنّ اللَّه تعالى يقول إنّا أنشأناهنّ إنشاءً
. .
قلت : وضعوا الخبر لهما في قبال قول النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في المتواتر « الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة »
، و اللَّه يفضح الجاعل و يخزي الواضع .
« و لا يبأس ساكنها » يبأس بالفتح و ماضيه بالكسر ، و في ( الصحاح ) :
بئس الرّجل ، يبئس بؤسا و بئيسا اشتدّت حاجته فهو بائس
. .
لا يرون فيها شمساً و لا زمهريراً
، إنَّ الّذين قالوا ربُّنا اللَّه ثمّ استقاموا تتنزَّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنّة الّتي
____________________
كنتم توعدون نحن أولياءكم في الحياة الدُّنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدّعون نُزُلاً من غفورٍ رحيم
، و استشهد له أيضا بقوله تعالى و قالوا الحمد للَّه الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفورٌ شكورٌ الّذي أحلّنا دار المُقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصبُ و لا يمسّا فيها لغوب
.
٩
من الخطبة ( ١٦٠ ) منها في صفة الجنّة :
فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى اَلدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اِصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ اَلْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وَ فِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اَللُّؤْلُؤِ اَلرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَ أَفْنَانِهَا وَ طُلُوعِ تِلْكَ اَلثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ اَلْمُصَفَّقَةِ وَ اَلْخُمُورِ اَلْمُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ اَلْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ اَلْمُقَامَةِ وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ اَلْأَسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا اَلْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ اَلْمَنَاظِرِ اَلْمُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ اَلْقُبُورِ اِسْتِعْجَالاً بِهَا جَعَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ سَعَى إِلَى مَنَازِلِ اَلْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ
____________________
إلى أن قال المصنّف في ( تفسير غريبه ) و قوله عليه السّلام : « كبائس اللّؤلؤ الرّطب » الكباسة : العذق ، و العساليج : الغصون واحدها عسلوج » .
أقول : قوله عليه السّلام « فلو رميت ببصر قلبك » قال الخوئي الباء زائدة قلت : إنّ ( رمى ) و ان كان متعدّيا بنفسه فتقول ( رميت الصّيد ) إلاّ أنّه بالنسبة إلى الأوّل ،
و أمّا الثاني فلا ، تقول ( رميت الصّيد بالسّهم ) و البصر هنا المفعول الثّاني ،
و الأوّل ( نحو ما يوصف )
.
و في ( المصباح ) : رميت بالقول : قذفته
.
« نحو ما يوصف لك منها » النَّحو كالنّاحية ، بمعنى الجانب .
« لعزفت نفسك » في ( الصحاح ) : عرفت نفسي عن الشيء تعزف و تعزف عزوفا أي : زهدت فيه و انصرفت
.
« من بدايع ما اخرج إلى الدّنيا » هكذا في ( المصرية ) و في ( ابن أبي الحديد ) ( عن بدايع ) و هو الصحيح لما عرفت من أنّه يقال : ( عزفت نفسي عن الشيء ) لا من الشيء
.
« من شهواتها و لذّاتها » في ( مروج المسعودي ) : استسقى أمير المؤمنين عليه السّلام يوم الجمل فأتي بعسل و ماء فحسا منه حسوة و قال : هذا الطائفي و هو غريب البلد ، فقال له عبد اللَّه بن جعفر : ما شغلك ما نحن فيه عن علم هذا ، قال : إنّه و اللَّه يا نبيّ ، ما حلا بصدر عمّك شيء قط من أمر الدنيا
.
« و زخارف مناظرها » في ( الصحاح ) : الزّخرف : الذّهب ، ثمّ يشبه به
____________________
كلّ مموّه و مزوّر
.
« و لذهلت » بسكون التاء عطفا على « لعزفت » أي : لذهلت نفسك ، و في ( المصباح ) : ذهلت عن الشيء أذهل بفتحتين ذهولا : غفلت
.
« في اصطفاق أشجار » نقله ابن أبي الحديد في ( اصطفاف أشجار ) بالفاء و قال : و يروي ( في اصطفاق أغصان . )
.
و في ( الصحاح ) : صففت القوم فاصطفّوا إذا أقمتهم في الحرب صفّا
.
قال : و الرّيح تصفق الأشجار فتصطفق ، أي : تضطرب
.
« غيبّت عروقها » في ( الصحاح ) : العروق : عروق الشّجر ، الواحد عرق ،
و في الحديث : من أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حقّ
.
« في كثبان المسك » في ( الصحاح ) : انكثب الرّمل أي : اجتمع ، و كلّ ما انصب في شيء فقد انكثب فيه ، و منه سمّي الكثيب من الرّمل لأنّه انصب في مكان فاجتمع فيه ، و الجمع الكثبان و هي تلال الرّمل
.
قال : و المسك من الطيّب ، فارسيّ معرّب ، و كانت العرب تسمّيه المشموم و قول الشّاعر :
و من أردانها المسك تنفح
|
|
فإنّما أنّثه لأنّه ذهب به إلى ريح المسك
.
|
____________________
« على سواحل أنهارها » في ( الجمهرة ) : السحّيل : الرّخو ، و ساحل البحر مقلوب في اللّفظ ، لأنّ الماء سحله فهو مسحول ، و قالوا ساحل كما قالوا :
عيشة راضية في معنى مرضيّة
.
« و في تعليق كبائس اللؤلؤ الرّطب » في ( المصباح ) : الكباسة : عنقود النخل ،
و الجمع الكبائس
.
« في عساليجها » قد عرفت أنّ المصنّف فسّرها بالغصون .
« و أفنانها » في ( الصحاح ) : الفنن جمعه أفنان ثمّ الأفانين ، قال الرّاجز يصف رحى .
لها زمام من أفانين الشّجر
.
« و طلوع تلك الثّمار مختلفة » كلّما رزقوا منها من ثمرةٍ رزقاً قالوا هذا الّذي رُزِقنا من قبل و أُتُوا به متشابهاً .
.
« في غلف أكمامها » في ( المصباح ) غلاف السّكّين و نحوه ، جمعه غلف مثل كتاب و كتب
.
و في ( الصحاح ) : و الكمّ ( بالكسر ) و الكمامة : و عاء الطّلع ، و غطاء النّور و الجمع كمام و أكمّة و أكمام و أكاميم
.
« تجنى من غير تكلّف » في ( الصحاح ) : جنيت الثَّمرة اجنيها جنيّا و جنى
____________________
و اجتنيتها بمعنى .
.
و لمن خاف مقام ربِّه جنّتان
إلى أن قال و جنى الجنّتين دانٍ
.
« فتأتي على منية مجتنيها » في ( المصباح ) : تمنّيت كذا ، قيل : إنّه مأخوذ من المنا و هو القدر لأنّ صاحبه يقدّر حصوله ، و الاسم المنية و الامنيّة ، و جمع الأولى منى مثل غرفة و غرف ، و جمع الثاني الأماني .
.
و أمددناهم بفاكهةٍ و لحمٍ ممّا يشتهون
، إنّ المتّقين في ظلالٍ و عيونٍ و فواكه ممّا يشتهون كلوا و اشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون
.
« و يطاف على نزّالها في أفنية قصورها » في ( المصباح ) : الفناء
مثل الكتاب : الوصيد ، و هو سعة أمام البيت ، و ما امتدّ من جوانبه و الجمع أفنية
.
و يطاف عليهم بآنيةٍ من فضّةٍ و أكوابٍ كانت قوارير ، قوارير من فضّةٍ قدّروها تقديراً
، يُطافُ عليهم بكأسٍ من معينٍ بيضاء لذَّةٍ للشّاربين لا فيها غولٌ و لا هم عنها ينزفون
.
« بالاعسال المصفّقة » نائب الفاعل لقوله « يطاف على نزّالها » كما انّ قوله
____________________
( ١٠ ) الصافات : ٤٥ ٤٧ .
تعالى بآنيةٍ من فضّةٍ في الآية نايب الفاعل لقوله تعالى يطاف عليهم .
في ( الصحاح ) : تصفيق الشّراب أن تحوّله من اناء إلى اناء .
و أنهارٌ من عسلٍ مصفّىً .
.
« و الخمور المروّقة » في ( الصحاح ) : راق الشّراب يروق روقاً و روّقته أنا ترويقا .
.
و سقاهم ربّهم شراباً طهوراً
، و أنهارٌ من خمرٍ لذّةٍ للشاربين .
.
« قوم لم تزل الكرامة بهم » أي : نزّالها قوم لم تزل كرامة اللَّه عزّ و جلّ بهم قال تعالى إلاّ المصلّين الّذين هم على صلاتهم دائمون و الّذين في أموالهم حقٌّ معلومٌ للسائل و المحروم و الّذين يصدِّقون بيوم الدّين و الّذين هم من عذاب ربِّهم مشفقون إنَّ عذاب ربِّهم غير مأمونٍ و الّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون و الّذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون و الّذين هم بشهاداتهم قائمون و الّذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك في جنّاتٍ مكرمون
، إلاّ عِباد اللَّه المخلصين أولئك لهم رزقٌ معلوم فواكه و هم مكرمون في جنّات النّعيم على سررٍ متقابلين
.
____________________
« تتمادى بهم » في ( المصباح ) تمادى فلان في غيّه إذا لجّ و دام على فعله
.
« حتّى حلّوا دار القرار و أمنوا نقلة الأسفار » و منهم سابقً بالخيرات بإذن اللَّه ذلك هو الفضل الكبير جنّاتُ عدنٍ يدخلونها يُحلّون فيها من أساور من ذهبٍ و لؤلؤاً و لباسهم فيها حريرٌ و قالوا الحمد للَّه الّذي أذهب عنّا الحَزَن إنّ ربّنا لغفورٌ شكورٌ الّذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسَّنا فيها نصب و لا يمسّنا فيها لغوب
، و هذا صراط ربِّك مستقيماً قد فصَّلنا الآيات لقومٍ يذّكرون لهم دار السّلام عند ربّهم و هو وليُّهم بما كانوا يعملون
.
و في ( تفسير البرهان ) عن الباقر عليه السّلام في قوله تعالى و اللَّه يدعو إلى دار السلام
: السّلام هو اللَّه عزّ و جلّ و داره التي خلقها لأوليائه الجنّة
،
و عن ابن عبّاس ، دار السّلام : الجنّة ، و أهلها لهم السّلامة من جميع الآفات و العاهات و الأمراض و الأسقام و لهم السّلامة من الهرم و الموت و تغيّر الأحوال عليهم فهم المكرمون الّذين لا يهانون أبدا ، و هم الأعزّاء الذين لا يذلّون أبدا و هم الأغنياء الذين لا يفتقرون أبدا و هم السعداء الّذين لا يشقون أبدا و هم الفرحون المسرورون الّذين لا يغتمّون و لا يهتمّون أبدا و هم الأحياء الّذين لا يموتون أبدا فهم في قصور الدّرّ و المرجان أبوابها مشرّفة إلى عرش الرّحمن و الملائكة يدخلون عليهم من كلِّ بابٍ سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار
.
____________________
« فلو شغلت قلبك أيها المستمع بالوصول الى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة » في ( الصحاح ) : آنقني الشيء : أعجبني
.
« لزهقت نفسك » في ( الصحاح ) : ( زهقت نفسه تزهق زهوقا ) أي : خرجت ،
و حكى بعضهم زهقت نفسه بالكسر
.
« شوقا إليها » عن بلال قال : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : إنّ سور الجنّة لبنة من ذهب ،
و لبنة من فضّة ، و لبنة من ياقوت ، و ملاطها المسك الأذفر و شرفها الياقوت الأحمر ، و الأخضر ، و الأصفر ، قال : قيل له : إذا دخلوا الجنّة ما يصنعون ؟ قال :
يسيرون على نهرين في مصاف في سفن الياقوت مجاذيفها اللّؤلؤ فيها ملائكة من نور عليهم ثياب خضر شديدة خضرتها ، قال : فأمّا جنّة عدنٍ فسورها ياقوت أحمر ، و حصباؤها الّلؤلؤ ، قال : ثمّ بكى بلال و شهق ثلاث شهقات ، فظننّا أنّه قد مات
.
« و لتحمّلت من مجلسي هذا » في ( الصحاح ) : تحمّلوا و احتملوا بمعنى ، أي :
ارتحلوا
.
« إلى مجاورة أهل القبور استعجالا بها » في خبر وفاة موسى عليه السّلام بعد ذكر كراهة موسى عليه السّلام لقبض روحه : و غاب موسى عليه السّلام عن قومه فمرَّ في غيبته برجل و هو يحفر قبراً فقال له موسى عليه السّلام ألا أعينك ؟ قال الرّجل : بلى ، فأعانه حتّى حفر قبرا و سوّى اللّحد ثمّ اضطجع موسى عليه السّلام فيه لينظر كيف هو ،
فكشف له الغطاء فرأى مكانه من الجنّة ، فقال : يا ربّ اقبضني إليك فقبض ملك الموت روحه مكانه ، و دفنه في القبر و سوّى عليه التُّراب ، و كان الّذي يحفر
____________________
القبر ملكا في صورة آدميّ ، و كان ذلك في التّيه .
.
و ورد أيضا أنّ المؤمن لا يكره على قبض روحه و لكن يكشف له عن درجته فيختار الموت
.
و ما عند اللَّه خيرٌ للأبرار
.
« جعلنا اللَّه و إيّاكم ممن سعى إلى منازل الأبرار برحمته » امّا السّعي فقد قال تعالى : و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمنٌ فأولئك كان سعيهم مشكوراً
، و أمّا منازل الأبرار فقد قال تعالى : كلاّ إنَّ كتاب الأبرار لفي علّيّين و ما أدراك ما علّيّون كتابٌ مرقوم يشهده المقرّبون إنَّ الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيقٍ مختوم ختامه مسكٌ و في ذلك فليتنافس المتنافسون و مزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقرّبون
، إنَّ الأبرار يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً عيناً يشرب بها عباد اللَّه يفجّرونها تفجيراً يوفون بالنّذر و يخافون يوماً كان شرّه مستطيراً و يطعمون الطعام على حبّه مسكيناً و يتيماً و أسيراً إنّما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاءً و لا شكوراً إنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عبوساً قمطريراً فوقاهم اللَّه شرَّ ذلك اليوم و لقاهم نضرةً و سروراً و جزاهم بما صبروا جنّةً و حريراً متّكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً و لا زمهريراً و دانيةً عليهم ظِلالها و ذُلِّلت قطوفها تذليلاً و يطافُ عليهم بآنيةٍ من فضّةٍ و أكوابٍ كانت قوارير قوارير
____________________
من فضّةٍ قدّروها تقديراً و يسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً عيناً فيها تسمّى سلسبيلاً و يطوف عليهم ولدانٌ مخلّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً و مُلكاً كبيراً عليهم ثيابُ سُندسٍ خُضرٌ و إستبرقٍ و حُلّوا أساور من فضّةٍ و سقاهم ربُّهم شراباً طهوراً إنَّ هذا كان لكم جزاءً و كان سعيكم مشكوراً
.
و روى ( الرّوضة ) عن أبي جعفر عليه السّلام : إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله سئل عن قوله عزّ و جلّ : يوم نحشرُ المتّقين إلى الرّحمن وفداً
، فقال : إنّ الوفد لا يكونون إلاّ ركبانا أولئك رجال اتّقوا اللَّه فأحبّهم اللَّه و اختصَّهم و رضى أعمالهم ، و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة انّهم ليخرجون من قبورهم و إنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ ، عليها رحائل الذّهب ، مكلّلة بالدّرّ و الياقوت و جلائلها الإستبرق و السّندس و خطمها جدل الارجوان تطير بهم إلى الحشر مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدّامه و عن يمينه و عن شماله يزفّونهم زفّا حتّى ينتهوا بهم إلى باب الجنّة الأعظم و على باب الجنّة شجرة انّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من النّاس و عن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكيّة قال : فيسقون منها شربة فيطهّر اللَّه بها قلوبهم من الحسد و يسقط عن أبشارهم الشّعر و ذلك قوله تعالى . و سقاهم ربُّهم شراباً طهوراً
من تلك العين المطهّرة ثمّ يصرفون إلى عين اخرى عن يسار الشّجرة فيغتسلون فيها و هي عين الحياة فلا يموتون أبدا ثمّ يوقف بهم قدّام العرش و قد سلموا من الآفات و العاهات و الحرّ و البرد فيقول الجبّار جلّ ذكره للملائكة الّذين
____________________
معهم : احشروا أوليائي إلى الجنّة فإذا انتهوا إلى باب الجنّة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة تصرّ صريرا فبلغ صوت صريرها كلّ حوراء أعدّها اللَّه تعالى لأوليائه في الجنان فيتباشرون بهم فيقول بعضهم لبعض : قد جاءنا أولياء اللَّه فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنّة و يشرف عليهم أزواجهم من الحور العين و الآدميّين فيقلن مرحبا بكم فما كان أشدّ شوقنا إليكم و يقول لهنّ أولياء اللَّه مثل ذلك ، فقيل أخبرنا يا رسول اللَّه عن قوله تعالى غرفٌ من فوقها غرف .
بماذا بنيت ؟ فقال تلك غرف بنى اللَّه تعالى لأوليائه بالدّر و الياقوت و الزّبرجد سقوفها الذّهب محبوكة بالفضّة لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب على كلّ باب منها ملك موكّل به فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير و الدّيباج بألوان مختلفة و حشوها المسك و العنبر و الكافور و ذلك قوله تعالى و فرشٍ مرفوعةٍ
، إذا دخل المؤمن إلى منازله في الجنّة و وضع على رأسه تاج الملك و الكرامة ألبس حلل الذّهب و الفضّة و الياقوت و الدّر منظومة في الإكليل تحت التّاج و ألبس سبعين حلّة حرير بألوان مختلفة و ضروب مختلطة منسوجة بالذّهب و الفضّة و اللّؤلؤ و الياقوت الأحمر فذلك قوله تعالى يُحلَّونَ فيها من أساور من ذهبٍ و لؤلؤاً و لباسهم فيها حرير
، فاذا جلس المؤمن على سريره اهتزّ سريره فرحاً فاذا استقرّ وليّ اللَّه في الجنان استأذن عليه الملك الموكّل بجنانه ليهنّيه بكرامة اللَّه عزّ و جلّ إيّاه فيقول له خدّام المؤمن من الوصفاء و الوصائف مكانك فانّ وليّ اللَّه قد اتّكأ على اريكته و زوجته الحوراء تهيّأ له فاصبر لوليّ اللَّه ، قال فيخرج عليه
____________________
زوجته الحوراء من خمية له تمشي مقبلة و حولها وصائفها و عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و اللّؤلؤ و الزّبرجد من مسك و عنبر و على رأسها تاج الكرامة و عليها نعلان من ذهب مكلّلتان بالياقوت و اللؤلؤ شراكهما ياقوت أحمر فاذا دنت من وليّ اللَّه فهمّ أن يقوم إليها شوقا فتقول له يا وليّ اللَّه ليس هذا يوم تعب و لا نصب فلا تقم أنا لك و أنت لي قال فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدّنيا لا يملُّها و لا تملُّه قال : فاذ أفتر بعض الفتور من غير ملال نظر إلى عنقها فاذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحة درّة مكتوب فيها أنت يا وليّ اللَّه حبيبي ، و أنا الحوراء حبيبك ، إليك تناهت نفسي و إليّ تناهت نفسك ، ثمّ يبعث اللَّه تعالى ألف ملك يهنّئونه بالجنّة و يزوّجونه فينتهون إلى أوّل باب من جنانه فيقولون للملك الموكّل بأبواب جنانه استأذن لنا على ولّي اللَّه فانّ اللَّه بعثنا إليه نهنّيه فيقول لهم الملك حتّى أقول للحاجب فيعلم مكانكم فيدخل الملك إلى الحاجب و بينه و بين الحاجب ثلاث جنان حتّى ينتهي إلى أوّل باب فيقول للحاجب انّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين ليهنّئوا وليّ اللَّه و قد سألوني ان اذن لهم عليه فيقول الحاجب انّه ليعظم عليّ أن استأذن لأحد على وليّ اللَّه و هو مع زوجته الحوراء قال و بين الحاجب و بين وليّ اللَّه جنّتان فيدخل الحاجب إلى القيّم فيقول له انّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العزّة فاعلموه بمكانهم فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على وليّ اللَّه و هو في الغرفة و لها ألف باب و على كلّ باب من أبوابها ملك موكّل به فاذا اذن فتح كلّ ملك بابه الموكّل به فيدخل القيّم كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة فيبلغون رسالة الجبّار عزّ و جلّ و ذلك قوله تعالى و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب
من أبواب الغرفة سلامٌ
____________________
عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار
و ذلك قوله تعالى و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً و ملكاً كبيراً
يعني بذلك وليّ اللَّه و ما هو فيه من الكرامة و النّعيم و الملك العظيم الكبير ، انّ الملائكة من رسله تعالى يستأذنون عليه فلا يدخلون عليه إلاّ باذنه ، قال و الأنهار تجري من تحت مساكنهم و ذلك قوله تعالى تجري من تحتهم الأنهار .
و الثّمار دانية منهم و هو قوله تعالى و دانيةً عليهم ظِلالها و ذُلّلت قطوفها تذليلاً
من قربها منهم يتناول المؤمن من النّوع الّذي تشتهيه من الثمار بعينه و هو متّكىء و انّ الأنواع من الفاكهة ليقلن لوليّ اللَّه يا وليّ اللَّه كلني قبل أن تأكل هذا قبلي ، قال و ليس من مؤمن في الجنّة إلاّ و له جنان كثيرة معروشات و انهار من خمر و أنهار من ماء و أنهار من لبن و أنهار من عسل فاذا دعا وليّ اللَّه بغداءه أتى بما تشتهي نفسه عند طلبه من غير أن يسمّى شهوته قال ثمّ يتخلّى مع اخوانه و يزور بعضهم بعضاً و يتنّعمون في جنّاتهم في ظلّ ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس و أطيب من ذلك لكلّ مؤمن سبعون زوجة حوراء و أربع نسوة من الآدميّين و المؤمن ساعة مع الحوراء و ساعة مع الآدميّة و ساعة يخلو بنفسه على الارائك متّكئا ينظر بعض المؤمنين إلى بعض ، و إنّ المؤمن يغشاه شعاع نور و هو على اريكته و يقول لخدّامه ما هذا الشّعاع اللاّمع لعلّ الجبّار لحظني فتقول له خدّامه قدّوس قدّوس بل هذه حوراء من نساءك ممّن تدخل بها بعد أن أشرقت عليك من خيمتها شوقاً إليك و قد تعرّضت لك و أحبّت لقاءك فلما ان رآك متّكئاً على سريرك تبسّمت نحوك شوقاً فالشّعاع الذي رأيت
____________________
و النّور الذي غشيك هو من بياض ثغرها و صفاءه و نقاءه فيقول وليّ اللَّه :
ايذنوا لها ، فتنزل إليه فيبتدر إليه ألف وصيف و ألف وصيفة يبشّرونها بذلك فتنزّل إليه من خيمتها و عليها سبعون حلّة منسوجة بالذّهب و الفضّة مكلّلة بالدّرّ و الياقوت و الزّبرجد صبغهن بالمسك و العنبر بألوان مختلفة يرى مخّ ساقها من وراء سبعين حلّة طولها سبعين ذراعاً و عرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فإذا دنت من ولي اللَّه أقبل الخدّام بصحائف الذهب و الفضة فيها الدرّ و الياقوت و الزبرجد فينثرونها عليها ثمّ يعانقها و تعانقه فلا يملّ و لا تملّ ،
ثمّ قال عليه السّلام : أمّا الجنان المذكورة في الكتاب فانّهنَّ جنّة عدن ، و جنّة الفردوس ،
و جنّة المأوى ، قال : و إنّ للَّه عزّ و جلّ جنانا محفوفة بهذه الجنان و إنّ المؤمن ليكون له من الجنان ما أحبّ و اشتهى يتنعّم فيهنّ كيف يشاء و إذا أراد المؤمن شيئا إنّما دعواه إذا أراد أن يقول سبحانك اللّهم فاذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلب منهم أو أمر به و ذلك قوله عزّ و جلّ دعواهم فيها سبحانك اللّهمّ و تحيّتهم فيها سلام .
( يعني الخدّام ) و آخر دعواهم إنّ الحمدُ للَّه ربِّ العالمين
يعني بذلك عند ما يقضون من لذّاتهم من الجماع و الطّعام و الشراب يحمدون اللَّه عزّ و جلّ عند فراغهم و امّا قوله أُولئك لهم رِزقٌ معلومٌ
يعلمه الخدّام فيأتون به أولياء اللَّه قبل ان يسألوهم إيّاه و امّا قوله عزّ و جلّ فواكه و هم مكرمون
فانّهم لا يشتهون شيئا في الجنّة إلاّ اكرموا به
.
قول المصنّف : الكباسة : العذق ، الكباسة بكسر الكاف ، و العذق الّذي
____________________
بمعنى الكباسة الّذي من التّمر كالعنقود من العنب ايضا بالكسر ، و امّا العذق ( بالفتح ) فالنّخلة بحملها .
١٠
من الخطبة ( ١٧١ ) و من خطبة له عليه السّلام :
اِنْتَفِعُوا بِبَيَانِ اَللَّهِ وَ اِتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اَللَّهِ وَ اِقْبَلُوا بنَصِيحَةِ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ وَ أَخَذَ عَلَيْكُمُ اَلْحُجَّةَ وَ بَيَّنَ مَحَابَّهُ مِنَ اَلْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ فَإِنَّ ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص ؟ كَانَ يَقُولُ إِنَّ اَلْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَ حُفَّتِ اَلنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اَللَّهِ شَيْءٌ إِلاَّ يَأْتِي فِي كُرْهٍ وَ مَا مِنْ مَعْصِيَةِ اَللَّهِ شَيْءٌ إِلاَّ يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اَللَّهُ رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ فَإِنَّ هَذِهِ اَلنَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً وَ إِنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ لاَ يُمْسِي وَ لاَ يُصْبِحُ إِلاَّ وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ فَلاَ يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَ مُسْتَزِيداً لَهَا فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ وَ اَلْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ قَوَّضُوا مِنَ اَلدُّنْيَا تَقْوِيضَ اَلرَّاحِلِ وَ طَوَوْهَا طَيَّ اَلْمَنَازِلِ أقول : قوله عليه السّلام : « انتفعوا ببيان اللَّه » قد خلت من قبلكم سننٌ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المُكذّبين هذا بيانٌ للنّاس و هدىً و موعظةٌ للمتّقين
، هو الذي ينزِّل على عبده آياتٍ بيّناتٍ ليخرجكم من الظّلمات إلى النُّور و إنّ اللَّه بكم لرؤفٌ رحيم
، يا أيها الذين آمنوا لا
____________________
تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتّم قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات ان كنتم تعقلون
.
« و اتّعظوا بمواعظ اللَّه » إنّ اللَّه يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلّكم تذكّرون
،
و اقبلوا بنصيحة اللَّه ، هكذا في ( المصرية الاولى )
، و في ( ابن أبي الحديد ) و غيره : « و اقبلوا نصيحة اللَّه »
و هو الصّحيح .
و في ( المصباح ) : نصحت لزيد أنصح له نصحا و نصيحة ، هذه اللّغة الفصيحة و عليها قوله تعالى إن أردت أن أنصح لكم
و في لغة يتعدّى بنفسه و هو الاخلاص و الصّدق في المشورة و العمل
.
و في ( الصحاح ) : نصحتك نصحا و نصحة و الاسم النصيحة .
.
و قبول نصيحة الناصح من الواجبات العقليّة و كان الأنبياء يقولون لاممهم : انّا لكم ناصحون أمينون .
« فإنّ اللَّه قد أعذر اليكم بالجليّة » في ( الصحاح ) : الجليّة الخبر اليقين .
.
و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً
، إنّا هديناه السبيل إمّا
____________________
شاكراً و إمّا كفوراً
.
« و أخذ عليكم الحجّة » في ( الصحاح ) : الحجّة : البرهان .
.
لئلاّ يكون للنّاس على اللَّه حجّةٌ بعد الرُّسل .
، ليهلك من هلك عن بيّنةٍ و يحيى من حيّ عن بيّنةٍ .
.
« و بين محابّة من الأعمال و مكارهة منها » و قضى ربُّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه و بالوالدين إحساناً إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقلّ لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولاً كريماً
إلى أن قال : و آت ذا القربى حقّه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذِّر تبذيراً
إلى أن قال : و لا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك و لا تبسطها كلَّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً
إلى أن قال : و لا تقربوا الزِّنى إنّه كان فاحشةً و ساء سبيلاً و لا تقتلوا النّفس التي حرّم اللَّه إلاّ بالحقّ و من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنّه كان منصوراً و لا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه و أوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسئولاً و أوفوا الكيل إذا كِلتم وزِنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيرٌ و أحسن تأويلاً و لا تقفُ ما ليس لك به علمٌ إنَّ السّمع و البصر و الفؤاد كُلُّ أولئك كان عنه مسئولاً و لا تمشِ في الأرض مرحاً إنّك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولاً كلّ ذلك كان سيّئه عند ربِّك
____________________
مكروهاً
، إنّ اللَّه يحبّ التّوّابين و يحبّ المتطهِّرين
، و سارعوا إلى مغفرة من ربِّكم و جنّةٍ عرضها السماوات و الأرض أعدّت للمُتّقين الّذين ينفقون في السّراء و الضّرّاء و الكاظمين الغيظ و العافين عن النّاس و اللَّه يحبّ المحسنين و الّذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبِهم و من يغفر الذّنوب إلاّ اللَّه و لم يصرّوا على ما فعلوا و هم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربِّهم و جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و نِعم أجر العاملين
، و كأيّن من نبيّ قاتل معه ربّيّون كثيرٌ فما و هنوا لِما أصابهم في سبيل اللَّه و ما ضعفوا و ما استكانوا و اللَّه يحبُّ الصّابرين و ما كان قولهم إلاّ أن قالوا ربّنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا و ثبّت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين فأتاهم اللَّه ثواب الدُّنيا و حسن ثواب الآخرة و اللَّه يحبُّ المحسنين
، بلى من أوفى بعهده و اتّقى فإنّ اللَّه يحبّ المتّقين
،
فاذا عزمت فتوكّل على اللَّه إنّ اللَّه يحبّ المتوكّلين
، و إن حكمتَ فاحكم بينهم بالقِسط إنَّ اللَّه يحبّ المقسطين
، إنَّه لا يحبُّ المستكبرين
،
و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنّه لا يحبُّ المسرفين
، لا تحرّموا طيّبات
____________________
ما أحلّ اللَّه لكم و لا تعتدوا إنّ اللَّه لا يحبُّ المعتدين
، ادعوا ربّكم تضرّعاً و خفيةً إنّه لا يحبُّ المعتدين و لا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها و ادعوه خوفاً و طمعاً إنَّ رحمة اللَّه قريبٌ من المحسنين
، إذ قال له قومه لا تفرح إنّ اللَّه لا يحبُّ الفرحين و ابتغ في ما آتاك اللَّه الدّار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدُّنيا و احسن كما أحسن اللَّه إليك و لا تبغ الفساد في الأرض إنّه لا يحبّ المفسدين
، إنَّ اللَّه لا يحبّ كلّ خوّانٍ كفور .
و اللَّه لا يحبُّ كلّ كفّارٍ أثيم
، و لا تُصعِّر خدّك للناس و لا تمش فيي الأرض مرحاً انّ اللَّه لا يحبّ كلّ مختالٍ فخور و اقصد في مشيك و اغضض من صوتك إنَّ أنكر الأصوات لصوت الحمير
، ان اللَّه لا يحبُّ من كان مختالاً فخوراً الّذين يبخلون و يأمرون النّاس بالبخل و يكتمون ما آتاهم اللَّه من فضله و اعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً و الّذين ينفقون أموالهم رئاء النّاس و لا يؤمنون باللَّه و لا باليوم الآخر و من يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً
.
« لتتّبعوا هذه » قل ان كنتم تحبّون اللَّه فاتّبعوني يحببكم اللَّه و يغفر لكم ذنوبكم .
.
« و تجتنبوا هذه » إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم
____________________
و يدخلكم مدخلاً كريماً
.
« فإنَّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله كان يقول حفّت الجنّة بالمكاره و حفّت النار بالشهوات » :
روى ( سنن أبي داود ) : أنّ اللَّه تعالى لمّا خلق الجنّة قال لجبرئيل : اذهب فانظر إليها فذهب فنظر فقال أي ربّ و عزّتك لا يسمع بها أحد إلاّ دخلها ، ثمّ حفّها بالمكاره ، و قال لجبريل : اذهب فانظر إليها فذهب فنظر فقال : أي ربّ و عزّتك لقد خشيت ألاّ يدخلها أحد فلّما خلق النّار قال يا جبريل : اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال : و عزّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فحفّها بالشّهوات ثمّ قال له : اذهب فانظر إليها فنظر فقال و عزّتك لقد خشيت ألا يبقى أحدا إلاّ دخلها
.
و من المكاره : الصّوم لكونه كفّا عن الطعام الشراب و النساء ، حتّى سمّي الصبر و فسّر في قوله تعالى و استعينوا بالصّبر و الصّلاة
بالصّوم .
و في ( زيادات صوم المقنعة ) : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : دخلت الجنّة فرأيت أكثر أهلها الّذين يصومون ثلاثة أيام في كلّ شهر فقلت : كيف خصّ به الأربعاء و الخميسان فقال : إنّ من قبلنا من الامم كان إذا نزل عليهم العذاب انزل في هذه الأيام فصام النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله الأيّام المخوفة
.
و في الخبر : الصوم جنّة من النار
.
____________________
و روي نصر بن مزاحم في ( صفيّنه ) : أنّ أبا عرفاء جبلة بن عطيّة الذّهلي قال للحصين : هل لك أن تعطيني رايتك أحملها فيكون لك ذكرها و يكون لي أجرها فقال له الحصين : و ما غناي عن أجرها مع ذكرها قال له : لا غناء لك عن ذلك أعيرها عنك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك فعلم انّه يريد أن يستقتل قال :
فما شئت فأخذ الراية أبو عرفاء فقال : يا أهل هذه الرّاية انّ عمل الجنّة كره كلّه و انّ عمل النّار خفّ كلّه و انّ الجنّة لا يدخلها إلاّ الصابرون الذين صبّروا أنفسهم على فرائض اللَّه و أمره و ليس شيء ممّا افترض اللَّه على العباد أشدّ من الجهاد و هذا أفضل الأعمال ثوابا و إذا رأيتموني قد شددت فشدّوا ، و يحكم أما تشتاقون إلى الجنّة ؟ أما تحبّون أن يغفر اللَّه لكم ؟ قال فقاتل حتّى قتل
.
و روى ابن بابويه في ( عيونه ) عن محمّد بن يحيى الصّولي عن جدّته أم أبيه المسمّاة بغدر قال : قالت لي : اشتريت مع عدّة جوار من الكوفة و كنت من مولّداتها فحملنا إلى المأمون فكنّا في داره في جنّة من الأكل و الشرب و الطّيب و كثرة الدّنانير فوهبني المأمون للرضا عليه السّلام فلّما صرت في داره فقدت جميع ما كنت فيه من النّعيم و كانت علينا قيّمة تنبّهنا من اللّيل و تأخذنا بالصلاة و كان ذلك من أشدّ شيء علينا فكنت أتمنّى الخروج من داره إلى أن وهبني لجدّك عبد اللَّه بن العباس فلما صرت إلى منزله كنت كأنّي قد ادخلت الجنّة و كان الرّضا عليه السّلام يصلّي الغداة في أوّل الوقت ثمّ يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس
.
« و اعلموا انّه ما من طاعة اللَّه شيء إلاّ يأتي في كره » العبادة ثقيلة على الإنسان كما انّها في ميزان العمل ثقيلة .
____________________
« و ما من معصية اللَّه شيء إلاّ يأتي في شهوة » المعصية على الإنسان خفيفة كما انّها في ميزان العمل كذلك .
« فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته » في ( الصحاح ) : نزع عن الأمر نزوعا :
انتهى عنه ، و نزعت الشيء من مكان : قلعته .
.
و قول ابن أبي الحديد : نزع شهوته أي : قلع ، خلط
.
« و قمع هوى نفسه » في ( الصحاح ) : قمعته و أقمعته بمعنى ، أي : قهرته و أذللته .
و أمّا من خاف مقام ربِّه و نهى النّفس عن الهوى فانّ الجنّة هي المأوى
.
« فإنَّ هذه النّفس أبعد شيء منزعا » قال ابن أبي الحديد : منزعا أي :
مذهبا
.
قلت : إنّ الجوهري و ان قال ( نزع إلى أبيه في الشَّبه ) أي : ذهب . إلاّ ان مورده في ما تعدّى نزع بالى و هنا متعدّ بعن في التّقدير لقوله عليه السّلام قبله « نزع عن شهوته » و مع عن بمعنى الانتهاء و قال تعالى إنّ النفس لأمّارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربّي .
.
« و انّها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى » في ( الصحاح ) : نزع إلى أهله ينزع نزاعا أي : اشتاق و بعير نازع و ناقة نازع إذا حنّت إلى أوطانها و مرعاها .
.
____________________
قال ابن أبي الحديد : و من الكلام المرويّ عنه عليه السّلام و يروى عن غيره :
« أيّها النّاس انّ هذه النّفوس طلعه فألاّ تقذعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية » و قال الشاعر :
و ما النّفس إلاّ حيث يجعلها الفتى
|
|
فان اطمعت تاقت و إلاّ تسلّت
|
« و اعلموا عباد اللَّه انّ المؤمن لا يمسي و لا يصبح إلاّ و نفسه ظنون عنده » قال ابن أبي الحديد : الظّنون البئر الّتي لا يدرى فيها ماء أم لا .
.
قلت : كأنّه جعل كلامه عليه السّلام مجاز أو استعارة و تشبيه النّفس ببئر قال لكنّه كما ترى و الصواب : كون المعنى حقيقة و انّ المراد انّ المؤمن سيّيء الظّنّ بنفسه قال الجوهري : الظّنون الرجل السّيّيء الظنّ
.
« فلا يزال زاريا عليها » في ( الصحاح ) : قال أبو عمرو ( الزّاري ) على الإنسان الذي لا يعدّه شيئا و ينكر عليه فعله
.
« و مستزيدا لها » إنَّ الّذين هم من خشية ربِّهم مشفقون و الّذين هم بآيات ربِّهم يؤمنون و الّذين هم بربِّهم لا يشركون و الّذين يؤتون ما اتوا و قلوبم وجِلةٌ انّهم إلى ربِّهم راجعون اُولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« فكونوا كالسّابقين قبلكم و الماضين أمامكم » أولئك الّذين آتيناهم الكتاب و الحكم و النّبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين أولئك الّذين هداهم اللَّه فبهداهم اقتده .
.
____________________
« قوّضوا من الدُّنيا تقويض الرّاحل » في ( الصحاح ) : قوّضت البناء تقويضا نقضته من غير هدم
.
« و طووها طيّ المنازل » في ( الكافي ) عن الكاظم عليه السّلام ، قال لهشام بن الحكم : إنّ العقلاء زهدوا في الدّنيا و رغبوا في الآخرة ، لأنّهم علموا أنّ الدُّنيا طالبة و مطلوبة و أنّ الآخرة طالبة مطلوبة فمن طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتّى يستوفي منها رزقه و من طلب الدّنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه و آخرته ، يا هشام إنّ العاقل نظر إلى الدّنيا و إلى أهلها فعلم أنّها لا تنال إلاّ بالمشقّة ، و نظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلاّ بالمشقّة ، فطلب المشقة أبقاها
.
١١
من الخطبة ( ١٧٨ ) وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا اَلْجِلْدِ اَلرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى اَلنَّارِ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ اَلدُّنْيَا فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ وَ اَلْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ وَ اَلرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ضَجِيعَ حَجَرٍ وَ قَرِينَ شَيْطَانٍ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى اَلنَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ أَيُّهَا اَلْيَفَنُ اَلْكَبِيرُ اَلَّذِي قَدْ لَهَزَهُ اَلْقَتِيرُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا اِلْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ اَلنَّارِ بِعِظَامِ اَلْأَعْنَاقِ وَ نَشِبَتِ اَلْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ اَلسَّوَاعِدِ فَاللَّهَ اَللَّهَ مَعْشَرَ اَلْعِبَادِ وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي اَلصِّحَّةِ قَبْلَ اَلسُّقْمِ وَ فِي اَلْفُسْحَةِ قَبْلَ اَلضِّيقِ فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ
____________________
رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ وَ اِسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ لاَ تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنْ تَنْصُرُوا اَللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ٥ ١١ ٤٧ : ٧ ١ وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١ ١٣ ٥٧ : ١١ ٢ فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ وَ لَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ اِسْتَنْصَرَكُمْ وَ لَهُ جُنُودُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ وَ اِسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ١٧ ١٩ ١١ : ٧ فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اَللَّهِ فِي دَارِهِ رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلاَئِكَتَهُ وَ أَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً ذلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ١٩ ٢٩ ٥٧ : ٢١ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعانُ ١٥ ١٧ ١٢ : ١٨ عَلَى نَفْسِي وَ أَنْفُسِكُمْ وَ هُوَ حَسْبِي وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ ١٧ ١٩ ٣ : ١٧٣ أقول : قوله عليه السّلام « و اعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النّار » في دعاء كميل مشيرا إلى عذابه تعالى : و هذا ما لا تقوم له السماوات و الأرض ،
فكيف بي و أنا عبدك الضعيف الذّليل الحقير المسكين المستكين .
و قال تعالى : فما أصبرهم على النّار
.
« فارحموا نفوسكم » عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم .
.
____________________
« فانّكم قد جرّبتموها في مصائب الدُّنيا » في دعاء كميل : ( و أنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدُّنيا و عقوباتها و ما يجري فيها من المكاره على أهلها ) .
« أ فرأيتم » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « فرأيتم » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« جزع أحدكم من الشوكة تصيبه » في ( المصباح ) : شوك الشّجر معروف ،
الواحدة شوكة
.
« و العثرة تدميه » في ( الصحاح ) : العثرة : الزّلّة
، و أدميته أنا و دمّيته تدمية : إذا ضربته حتّى خرج الدّم .
« و الرّمضاء تحرقه » في ( الصحاح ) : الرّمض : شدّة وقع الشمس على الرّمل و غيره ، و الأرض رمضان .
.
في ( الطبري ) في خلع المعتزّ : فجرّوا برجله فأقاموه في الشمس في الدّار في وقت شديد الحرّ فجعل يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الّذي قد أقيم فيه و بعضهم يلطمه و هو يتّقي بيده و جعلوا يقولون اخعلها
.
« فكيف إذا كان بين طابقين من نار » قال ابن أبي الحديد : الطّابق بالفتح
____________________
الآجرة الكبيرة و هو فارسي معرّب
.
قلت : أخذ ما قاله عن ( الصحاح ) ، و قال في ( القاموس ) : الطابق كهاجر ،
و صاحب الآجر الكبير كالطّاباق و العضو أو نصف الشّاة و ظرف يطبخ فيه معرَّب ( تابه ) جمعه طوابق و طوابيق
.
و قال في ( النّهاية ) في حديث عمران بن حصين : إنّ غلاما أبق له فقال :
لأقطعنّ منه طابقا إن قدرت عليه ، أي : عضوا قال ثعلب : الطّابق و الطابق :
العضو من أعضاء الإنسان كاليد و نحوها ، و منه حديث عليّ عليه السّلام : انّما أمر في السّارق بقطع طابقه ( أي : يده ) و حديثه الآخر : فخبزت خبزا و شويت طابقا من شاة .
.
و قال في ( الجمهرة ) : و كلّ شيء طوبق بعضه على بعض فالأعلى طبق الأسفل و السماوات الطّباق بعضهنّ فوق بعض .
.
و من كلام الأخير يعلم أنّ المراد بين طبقتين من نار و لا معنى لما قاله ابن أبي الحديد بين آجرتين من نار كما عرفت من ثعلب أنّه يجوز فيه الكسر أيضا
، فكلامه عليه السّلام مساوق لقوله تعالى : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم و من تحت أرجلهم .
.
و في ( تفسير القمّي ) في قوله تعالى فالّذين كفروا قُطّعت لهم ثيابٌ من نارٍ يصبّ من فوق رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم و الجلود و لهم
____________________
مقامع من حديد كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أُعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق
، قال : تشويه النّار فتسترخي شفته السّفلى حتّى تبلغ سرّته و تتقلّص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه و روي عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : خوّفني فانّ قلبي قد قسا فقال : انّ جبرئيل جاء إلى النّبي صلَّى اللَّه عليه و آله و هو قاطب و قد كان يجيء قبل هو متبسّم فقال له النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله :
جئتني اليوم قاطبا قال : قد وضعت منافخ النّار فقال : و ما منافخ النّار ؟ قال : انّ اللَّه تعالى أمر بالنّار فنفخ عليها ألف عام حتّى أبيضّت و نفخ عليها ألف عام حتّى احمرّت ثمّ عليها ألف عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة و لو انّ قطرة من الضّريع قطرت في شراب أهل الدّنيا لمات أهلها من نتنها و لو انّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدّنيا لذابت من حرّها و لو انّ سربالا من سرابيل أهل النّار علّق بين السماء و الأرض لمات أهل الأرض من ريحه إلى أن قال : انّ جهنّم إذا دخلوها هو و افيها مسيرة سبعين عاما إلى أن قال : فاذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد و اعيدوا في دركها هذه حالهم و هو قوله تعالى كُلّما أرادوا أن يخرجوا منها مِن غمّ أُعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق
ثمّ تبدّل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم .
.
« ضجيع حجر » هو كما قالوا : اشارة إلى قوله تعالى وقودها النّاس و الحجارة .
قالوا المراد بالحجارة حجارة الكبريت
.
____________________
« و قرين شيطان » قالوا : اشارة إلى قوله تعالى و من يعش عن ذكر الرّحمن نُقيّض له شيطاناً فهو له قرينٌ
، قال قرينه ربَّنا ما أطغيته و لكن كان في ظلالٍ بعيدٍ
.
و في ( تفسير القمّي ) في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى و إذا النّفوسُ زُوِّجت
أما أهل الجنّة فزوّجوا الخيّرات الحسان ،
و امّا أهل النّار فمع كلّ انسان منهم شيطان يعني قرنت نفوس الكافرين و المنافقين بالشّياطين فهم قرناء
.
« ا علمتم انّ مالكا اذا غضب على النّار حطم بعضها بعضا لغضبه » في ( الصحاح ) : حطمته حطما أي : كسرته و الحطمة اسم من أسماء جهنّم و هي النّار لأنّها تحطّم ما يلقى فيها .
.
و نادوا يا مالك ليقض علينا ربُّك قال إنّكم ماكثون
، كلاّ ليُنبذَنَّ في الحطمة و ما أدراك ما الحطمة نار اللَّه الموقدة الّتي تطّلِعُ على الأفئدة انّها عليهم مؤصدةٌ في عمدٍ ممدّدةٍ
.
و في ( تفسير القمّي ) : إذا مدّت العمد عليهم أكلت و اللَّه الجلود
.
في ( عرائس الثّعلبي ) : كان زكريا إذا أراد أن يعظ بني اسرائيل التفت يمينا و شمالا فاذا رأى يحيى لم يذكر جنّة و لا نارا فجلس يوما يعظ بني
____________________
اسرائيل و أقبل يحيى قد لفّ رأسه بعباءة و جلس في غمار القوم فالتفت زكريا يمينا و شمالا فلم ير يحيى فأنشأ يقول حدّثني حبيبي جبرئيل عن اللَّه عزّ و جلّ : إنّ في جهنّم جبل يقال له السّكران و في أصل ذاك الجبل واد يقال له الغضبان خلق لغضب الرّحمن و في ذلك الوادي جبّ قامته مائة عام فيه توابيت من نار و فيها صناديق من نار و ثياب من نار و أغلال من نار فرفع يحيى رأسه و قال و اغفلتاه عن السّكران و عن غضب الرّحمان ثمّ خرج هائما على وجهه .
.
« و اذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعا من زجرته » و أعتدنا لمن كذَّب بالسّاعة سعيراً إذا رأتهم من مكانٍ بعيد سمعوا لها تغيّظاً و زفيراً و إذا اُلقوا منها مكاناً ضيّقاً مقرّنين دعوا هنالك ثبوراً لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً و ادعوا ثبوراً كثيراً
، إذا اُلقوا فيها سمعوا لها شهيقاً و هي تفور تكادُ تميّز من الغيظ .
.
و في ( تفسير القمّي ) عن الباقر عليه السّلام قال : لمّا نزل و جييء يومئذٍ بجنّم يومئذٍ يتذكّر الإنسان و أنّى له الذّكرى
سئل عنه النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله فقال :
أخبرني الرّوح الأمين انّ اللَّه تعالى إذا جمع الأوّلين و الآخرين أتى بجهنّم تقاد بألف زمام لكلّ زمام الف ملك من الغلاظ الشّداد لها هدّة و غضب و زفير و شهيق و انّها لتزفر الزّفرة فلو لا انّ اللَّه أخّرهم للحساب لأهلكت الجميع ثمّ يخرج منها عنق فيحيط بالخلايق
.
____________________
« أيُّها اليفن الكبير » في ( الصحاح ) : اليفن : الشيخ الكبير
، قال الأعشى :
و ما أن أرى الدّهر في ما مضى
|
|
يغادر من شارف أو يفن
|
« الّذي قد لهزه القتير » في ( الصحاح ) : لهزه القتير أي : خالطه الشّيب ،
و اللّهز : الضّرب بجيمع اليد في الصّدر مثل اللّكز عن أبي عبيدة .
.
و ممّا قيل في الشّيب و كونه بريد الموت قول بعضهم ( الموت ساحل و الشّيب سفينة تقرب من السّاحل )
و قول الشاعر :
سألت من الأطبّة ذات يوم
|
|
طبيبا عن مشيبي قال بلغم
|
فقلت له على غير احتشام
|
|
لقد أخطأت في ما قلت بل غم
|
و قال محمود الورّاق ( الشيّب غمام قطره الغمّ )
و قال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر :
هذا غمام للرّدى
|
|
و دمع عيني مطرة
|
و قال ابن دريد :
من لاح في عارضيه القتير
|
|
فقد أتاه بالبلى نذير
|
ثم إلى ذي العزّة المصير
و قال النّظامي بالفارسية :
ز پنبه شد بناگوشت كفن پوش
|
|
هنوز اين پنبه بيرون نارى از گوش
|
و قال البهائي أيضا :
____________________
در سياهيّت سفيدى شد پديد
|
|
يعنى از ره قاصد مرگت رسيد
|
و قال البحتري :
يرفضّ عن ساطع المشيب كما
|
|
أرفضّ دخان الضّرام عن لهبه
|
أيضا :
نظرت اليّ الأربعون فأصرخت
|
|
مشيبي و هزّت للحنوّ قناتي
|
و في ( الجمهرة ) : قال الرّاجز :
الآن إذ لاح بك القتير
|
|
و الأمس قد صار له شكير
|
و الشّكير شعر ضعيف ينبت خلال الشيب ، و عنه عليه السّلام :
بلال الشّيب في فوديك نادى
|
|
بأعلى الصّوت حيّ على الرّواح
|
و للبحتري :
و من يطلع شرف الاربعين
|
|
يحيى من الشّيب زورا غريبا
|
« كيف أنت » خصّه بالخطاب لأنّ اليفن أقرب إلى المآب و أشدّ في الحساب ، فعن الصادق عليه السّلام انّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه و بين أربعين سنة ، فاذا بلغ أربعين أوحى عزّ و جلّ إلى ملكيه انّي قد عمّرت عبدي عمرا فغلّظا عليه و شدّدا و اكتبا عليه قليل عمله و كثيره و صغيره و كبيره
.
« إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق » أي : جعلت النّار لكونها طوقا على عظام الأعناق كاللّحم لها ، و قال تعالى إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى
____________________
الأذقان فهم مقمحون
.
« و نشبت الجوامع » في ( الصحاح ) : نشب الشيء في الشيء ( بالكسر ) نشوبا أي : علق فيه و الجامعة الغلّ لأنّها تجمع اليدين إلى العنق
.
« حتّى أكلت لحوم السّواعد » اختلف أهل اللّغة في معنى السّاعد ، ففي ( الجمهرة ) و ( الصحاح ) : ساعدا الإنسان : عضداه
، و في ( القاموس ) ساعداك :
ذراعاك
، و في ( المغرب ) : السّواعد جمع ساعد و هو من اليد ما بين المرفق و الكتف ثمّ سمّي بها ما يلبس عليها من حديد أو صفر أو ذهب
، و في ( المصباح ) السّاعد من الإنسان ما بين المرفق و الكتف و هو مذكّر سمّي ساعدا لأنّه يساعد الكفّ في بطشها و عملها و السّاعد هو العضد و الجمع السّواعد .
.
في ( تفسير القمّي ) في قوله تعالى : لها سبعة أبوابٍ لكلِّ بابٍ منهم جزءٌ مقسوم
، بلغني و اللَّه ما أعلم انّ اللَّه تعالى جعل جهنّم سبع درجات أعلاها الحجّة يقوم أهلها على الصّفا منها تغلي أدمغتهم فيها كغلي القدر بما فيها ، و الثانية : لظى نزّاعة للشّوى تدعو من أدبر و تولّى و جمع فأوعى ،
و الثّالثة : سقر لا تبقي و لا تذر لوّاحة للبشر عليها تسعة عشر و الرّابعة :
الحطمة و منها يثور شرر كالقصر كأنّه جمالة صفر تدّق من صار إليها مثل
____________________
الكحل فلا تموت الرّوح كلّما صاروا مثل الكحل عادوا ، و الخامسة : الهاوية فيها يدعون يا مالك أغثنا فإذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيها صديد يسيل من جلودهم كأنّه مهل فاذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرّها و هو قوله تعالى و ان يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه بئس الشّراب و ساءت مرتفقاً
، و من هوى فيها هوى سبعين عاما و كلّما احترق جلده بدل جلدا غيره ، و السّادسة : هي السّعير فيها ثلاثمائة سرادق من نار في كلّ سرادق ثلاثمائة قصر من نار في كلّ قصر ثلاثمائة بيت من نار و في كلّ بيت ثلاثمائة لون من عذاب النّار فيها حيّات من نار و عقارب من نار و جوامع من نار و سلاسل من نار و أغلال من نار و هو الّذي يقول تعالى فيه إنّا اعتدنا للكافرين سلاسلاً و أغلالاً و سعيراً
، و السابعة : جهنّم و فيها الفلق و هو جبّ في جهنّم إذا فتح سعر النّار سعراً و هو أشدّ النّار عذاباً و امّا سعود فجبل من صفر من نار وسط جهنّم ، و امّا اثام فهو واد من صفر مذاب يجري حول الجبل و هو أشدّ النّار عذابا
.
« فاللَّه اللَّه معشر العباد و أنتم سالمون في الصّحة قبل السّقم » في الخبر :
اغتنموا خمسا قبل خمس صحّتك قبل سقمك و شبابك قبل هرمك و غناك قبل فقرك و فراغك قبل شغلك و حياتك قبل موتك
.
« و في الفسحة قبل الضيّق » في ( الصحاح ) : الفسحة السّعة .
« فاسعوا في فكاك رقابكم » في الخبر : بينما النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله مستظلّ بظلّ
____________________
شجرة في يوم شديد الحرّ إذ جاء رجل فنزع ثيابه ثم جعل يتمرّغ في الرّمضاء يكوي ظهره مرّة و جبهته مرّة و يقول يا نفس ذوقي فما عند اللَّه أعظم ممّا صنعت بك و النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله ينظر إلى ما يصنع ثمّ انّ الرّجل لبس ثيابه ثمّ أقبل فأومى إليه النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله بيده و دعاه فقال له : يا عبد اللَّه لقد صنعت شيئا ما رأيت أحدا من النّاس صنعه فما حملك على ذلك ؟ قال : حملني عليه مخافة اللّه تعالى فقال لقد خفت اللّه حقّ مخافته .
.
« من قبل أن تغلق رهائنها » في ( الصحاح ) : غلق الرّهن غلقا أي : استحقّه المرتهن و ذلك إذا لم يفتكّ في الوقت المشروط و في الحديث لا يغلق الرّهن
،
قال زهير :
و فارقتك برهن لا فكاك له
|
|
يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
|
و كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة
.
هذا ، و في ( الأغاني ) : رهن عروة بن الورد امرأته الغفاريّة على الشراب قال انّما جاء بها إلى بني النّضير و كان صعلوكا يغير فسقوه الخمر فلّما انتشى منعوه و لا شيء معه إلاّ امرأته فرهنها و لم يزل يشرب حتى غلقت فلمّا قال لها انطلقي قالت لا سبيل إلى ذلك قد أغلقتني فبهذا صارت عند بني النّضير و لمّا أجلا النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله بني النّضير عن المدينة كانت فيهم سلمى
.
« اسهروا عيونكم » في ( المصباح ) : السّهر : عدم النّوم في الليل .
.
____________________
كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون و بالأسحار هم يستغفرون
،
تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً و طمعاً و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ ما اُخفي لهم من قرّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون
.
« و أضمروا بطونكم » في ( الصحاح ) : الضمر و الضُمّر مثل العسر و العسر الهزال و خفّة اللّحم .
.
في ( الفقيه ) : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : ألا أخبركم بشيء ان فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما تباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا بلى قال الصّوم يسودّ وجهه و الصّدقة تكسر ظهره و الحبّ في اللّه تعالى و المؤازرة على العمل الصّالح يقطع دابره و الاستغفار يقطع و تينه و لكلّ شيء زكاة و زكاة الأبدان الصّيام و قال تعالى الصّوم لي و أنا أجزي به و للصائم فرحتان حين يفطر و حين يلقى ربّه و الّذي نفس محمّد بيده لخلوق فم الصائم عن اللَّه أطيب من ريح المسك
.
« و استعملوا أقدامكم » روى ( ثواب الأعمال ) و نقله الخوئي أيضا عن الصادق عليه السّلام قال : إنّ اللَّه تعالى ليهمّ ان يعذّب أهل الأرض جميعا حتّى لا يتحاشى منهم أحدا إذا عملوا بالمعاصي و اجترحوا السيئات فاذا نظر إلى الشّيب ناقلي أقدامهم إلى الصلاة و الولدان يتعلّمون القرآن رحمهم فأخّر ذلك عنهم
.
« و انفقوا أموالكم » و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت
____________________
فيقول ربِّ لو لا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق و أكن من الصّالحين و لن يؤخّر اللَّه نفساً إذا جاء أجلها و اللَّه خبيرٌ بما تعملون
.
« و خذوا من أجسادكم فجدّدوا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب :
« تجودوا » كما في ( ابن ميثم و الخطيّة )
أو « فجودوا » كما في ( ابن أبي الحديد )
.
« بها على أنفسكم » يا أيها الذين آمنوا اتّقوا اللَّه و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ .
.
« و لا تبخلوا بها عنها » و من يبخل فانّما يبخل عن نفسه
.
« فقد قال اللَّه سبحانه » في الآية السابعة من سورة محمّد صلَّى اللَّه عليه و آله : يا أيها الذين آمنوا :
« إن تنصروا اللَّه ينصركم و يثبّت أقدامكم و قال تعالى » : في ( ١١ ) من الحديد :
« من ذا الّذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً فيضاعفه له و له أجرٌ كريم » و في ( ٢٤٥ ) من البقرة : من ذا الّذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرةً و اللَّه يقبض و يبسط و إليه ترجعون .
« و لم يستنصركم من ذلّ » كما هو شأن المستنصرين من المخلوقين .
« و لم يستقرضكم من قلّ » في ( الصحاح ) : القلّ و القلّة ، مثل الذّل و الذّلّة ،
____________________
يقال : الحمد للَّه على القلّ و الكثر و ماله قلّ و لا كثر ، و في الحديث : الرّبا و ان كثر فهو إلى قلّ ، و أنشد الأصمعي :
و قد يقصر القلّ الفتى دون همّه
|
|
و قد كان لو لا القلّ طلاّع أنجد
|
و يقال : هو قلّ بن قلّ إذا كان لا يعرف هو و لا أبواه .
« إستنصركم و له جنود السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم » الأصل فيه قوله تعالى في الفتح و للَّه جنود السماوات و الأرض و كان اللَّه عليماً حكيماً
و للَّه جنود السماوات و الأرض و كان اللَّه عزيزاً حكيماً
.
« و استقرضكم و له خزائن السّماوات و الأرض و هو الغنيّ الحميد » الأصل فيه قوله تعالى هم الّذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه حتّى ينفضّوا و للَّه خزائن السماوات و الأرض و لكنّ المنافقين لا يفقهون
.
« أراد أن يبلوكم أيّكم أحسن عملا » هكذا في ( المصرية )
و في ( ابن أبي الحديد ) : و غيره
« و انّما أراد . » و لنبلونّكم حتّى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و نبول أخباركم
إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيُّهم أحسن عملاً
الّذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً .
و ليبتلي اللَّه ما في صدوركم و ليمحّص ما في قلوبكم و اللَّه عليم
____________________
بذات الصّدور .
و لو يشاء اللَّه لانتصر منهم و لكن ليبلو بعضهم ببعض .
و لو شاء اللَّه لجعلكم اُمّة واحدة و لكن ليبلوكم في ما آتاكم
و رفع بعضكم فوق بعضٍ درجاتٍ ليبلوكم في ما آتاكم
، و حكى تعالى عن سليمان مشيرا إلى عرش ملكة سبأ فلّما رآه مستقرّاً عنده قال هذا من فضل ربّي ليبلوني ء أشكر أم أكفر و من شكر فانّما يشكر لنفسه و من كفر فإنّ ربّي غنيٌّ كريم
.
« فبادروا بأعمالكم » . فاستبقوا الخيرات إلي اللَّه مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون
.
« تكونوا مع جيران اللَّه في داره رافق بهم رسله » هكذا في النسخ الخطية لكنّ الظاهر كون ( في داره )
مصحّف ( في دار ) و كون قوله « رافق بهم رسله » مصحّف ( رافق فيها رسله ) ، و من يطع اللَّه و الرّسول فاُولئك مع الّذين أنعم اللَّه عليهم من النّبييّن و الصّديقين و الشهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقاً
.
« و أزارهم ملائكته » جنّاتُ عدنٍ يدخلونها و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرّياتهم و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ بابٍ سلامٌ عليكم بما
____________________
صبرتم فنعم عقبى الدّار
.
« و أكرم أسماعهم أن تسمع حسيس نار أبدا » في ( الصحاح ) : الحسّ و الحسيس الصّوت الخفيّ
.
قال تعالى : لا يسمعون حسيسها و يشهد للفقرتين قوله تعالى مشيرا إلى جهنّم إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها و هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر و تتلقّاهم الملائكة هذا يومكم الّذين كنتم توعدون
.
« و صان أجسادهم أن تلقى لغوبا و نصبا » في ( الصحاح ) : اللّغوب التّعب و الاعياء تقول منه ( لغب يلغب بالضّمّ لغوبا و لب بالكسر يلغب لغوبا ، لغة ضعيفة و نصب الرّجل بالكسر نصبا تعب و انصبه غيره و همّ ناصب أي : ذو نصب مثل رجل تأمر و لابن و يقال هو فاعل بمعنى مفعول فيه لأنّه ينصب فيه و يتعب كقولهم ليل نائم أي : ينام فيه و يوم عاصف أي : يعصف فيه الريح .
.
كلامه عليه السّلام إشارة إلى قوله تعالى في ( ٣٥ ) فاطر حكاية عن أهل الجنّة و قالوا الحمد للَّه الّذي أذهب عنّا الحزن إنَّ ربّنا لغفورٌ شكورٌ الّذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصبٌ و لا يمسّنا فيها لغوبٌ
و في فاطر يحلّون فيها من أساور من ذهبٍ و لؤلؤاً و لباسهم فيها حرير
.
____________________
« أقول ما تسمعون » قال تعالى و في ذلك فليتنافس المتنافسون
.
« و اللَّه المستعان على نفسي و أنفسكم » إيّاك نعبد و إيّاك نستعين
،
و ربُّنا الرّحمان المستعان على ما تصفون
.
« و هو حسبي » هكذا في ( المصرية )
، و الصواب : « حسبنا » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« و نعم الوكيل » قال تعالى الّذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايماناً و قالوا حسبنا اللَّه و نِعم الوكيل فانقلبوا بنعمةٍ من اللَّه و فضلٍ لم يمسسهم سوءٌ و اتّبعوا رضوان اللَّه و اللَّه ذو فضلٍ عظيم
.
١٢
من الخطبة ( ١٨٥ ) فَاللَّهَ اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ وَ أَنْتُمْ وَ اَلسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ وَ كَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا وَ أَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا وَ وَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا وَ كَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلاَزِلِهَا وَ أَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا وَ اِنْصَرَمَتِ اَلدُّنْيَا بِأَهْلِهَا وَ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى أَوْ شَهْرٍ اِنْقَضَى وَ صَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً وَ سَمِينُهَا غَثّاً فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ اَلْمَقَامِ وَ أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ وَ نَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا عَالٍ لَجَبُهَا سَاطِعٍ لَهَبُهَا مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا بَعِيدٍ خُمُودُهَا ذَاكٍ وُقُودُهَا
____________________
مَخِيفٍ وَعِيدُهَا غَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا حَامِيَةٍ قُدُورُهَا فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً ١ ٨ ٣٩ : ٧٣ قَدْ أُمِنَ اَلْعَذَابُ وَ اِنْقَطَعَ اَلْعِتَابُ وَ زُحْزِحُوا عَنِ اَلنَّارِ وَ اِطْمَأَنَّتْ بِهِمُ اَلدَّارُ وَ رَضُوا اَلْمَثْوَى وَ اَلْقَرَارَ اَلَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي اَلدُّنْيَا زَاكِيَةً وَ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً وَ كَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً تَخَشُّعاً وَ اِسْتِغْفَارًا وَ كَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً تَوَحُّشاً وَ اِنْقِطَاعاً فَجَعَلَ اَللَّهُ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ مَآباً وَ اَلْجَزَاءَ ثَوَاباً وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها ٢٢ ٢٧ ٤٨ : ٢٦ فِي مُلْكٍ دَائِمٍ وَ نَعِيمٍ قَائِمٍ فَارْعَوْا عِبَادَ اَللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ وَ كَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ اَلْمَخُوفُ فَلاَ رَجْعَةً تُنَالُونَ وَ لاَ عَثْرَةً تُقَالُونَ اِسْتَعْمَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ عَفَا عَنَّا وَ عَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ أقول : قوله عليه السّلام « فاللّه اللّه » نصبه واجب ، إمّا بالتحذير نحو الضّيغم الضّيغم ، أي : اتّقوه ، و إمّا بالاغراء نحو أخاك أخاك ، أي : الزموه .
« عباد اللَّه » مناد حذف نداءه و التعبير به لكونه كالبرهان لأمره أوّلا مؤكّدا لوجوب رعايته تعالى فانّ العبد يجب عليه عقلا رعاية مولاه .
« فانّ الدّنيا ماضية بكم على سنن » في ( الصحاح ) : السّنن الطريقة يقال استقام فلان على سنن واحد .
.
و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل
.
____________________
« و أنتم و السّاعة في قرن » في ( الصحاح ) : السّاعة : القيامة و القرن بالتّحريك جعل يقرن به العيران قال :
إنّي لدى الباب كالمشدود في قرن
|
|
اقتربت السّاعة و انشقّ القمر
.
|
« و كأنّها قد جاءت بأشراطها » في ( الصحاح ) : اشراط السّاعة علاماتها .
.
في ( ١٨ ) من سورة محمّد : فهل ينظرون إلاّ الساعة ان تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها فانّى لهم إذا جاءتهم ذكراهم .
في ( تفسير البرهان ) عن ابن عباس قال : حججنا مع النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل بوجهه فقال : ألا أخبركم بأشراط الساعة إلى أن قال : فقال : من أشراط السّاعة إضاعة الصّلاة و اتّباع الشهوات و الميل إلى الأهواء إلى أن قال : و عندها تشارك المرأة زوجها في التجارة و يكون المطر قيظا و تغيض الكرام غيظا إلى أن قال : انّ عندها يؤتى بشيء من المشرق و شيء من المغرب يلون امّتي فالويل لضعفاء امّتي منهم و الويل لهم من اللَّه لا يرحمون صغيرا و لا يوقّرون كبيرا إلى أن قال :
ان عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع و الكنائس و تكثر أولاد الزّنا يتغنّون بالقرآن و يمطرون في غير أوان المطر و يستحسنون الكوبه و المعازف و ينكرون الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر حتّى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلّ من الامة قال و عندها يتكلّم الرّويبضة قال سلمان : و ما الرويبضة ؟ قال : يتكلّم في أمر العامّة من لم يكن يتكلّم .
.
____________________
« و ازفت بأفراطها » في ( الصحاح ) : أزف الترحّل يأزف ازفا أي : دنا ، و منه قوله تعالى : أزِفت الازفة
يعني القيامة و الفرط بالتّحريك الّذي يتقدّم الواردة فيهيىء لهم الارسان و الدّلاء و يمدر الحياض و يستقي لهم و هو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع إلى أن قال و أفراط الصّبح أيضا أوائل تباشيره .
.
قلت : المناسب لكلامه عليه السّلام المعنى الثاني لافراط أي : أوائل تباشيرها ،
و قول ابن أبي الحديد : « و افراطها هم المتقدّمون السّابقون من الموتى . »
كما ترى فالسّابقون من الموتى افراط لنا لا للسّاعة كما في دعاء زيارة أهل القبور : « أنتم لنا فرط و انّا انشاء اللَّه بكم لاحقون » .
و قال ابن أبي الحديد : أيضا و يجوز ان يفسّر افراط الساعة بمقدّماتها و ما يظهر قبلها من خوارق العادات المزعجة كالدّجال و دابّة الأرض و نحوهما فيرجع إلى معنى اشراطها و انّما يختلف اللّفظ .
.
قال تعالى : أزِفَتِ الآزِفَةُ ليس لها من دون اللَّه كاشفةٌ
، و انذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين .
.
« و وقفت بكم على صراطها » احشروا الّذين ظلموا و أزواجهم و ما كانوا يعبدون من دون اللَّه فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقوفهم إنّهم
____________________
مسئولون مالكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون
.
و في ( تفسير البرهان ) عن ابن عبّاس قال : إذا كان يوم القيامة أمر اللَّه تعالى مالكا ان يسّعر النيران السّبع و يأمر رضوان أن يزخرف الجنان الثمانية و يقول يا ميكائيل مدّ الصّراط على متن جهنّم و يقول يا جبرئيل انصب ميزان العدل تحت العرش و ينادي يا محمّد قرّب امّتك للحساب ثمّ يأمر اللَّه تعالى أن يعقد على الصراط سبع قناطر طول كلّ قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ و على كلّ قنطرة سبعون الف ملك قيام فيسألون هذه الأمّة نساءهم و رجالهم على القنطرة الاولى عن ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام و حبّ أهل بيت محمّد صلَّى اللَّه عليه و آله فمن أتى به جاز على القنطرة الاولى كالبرق الخاطف و من لم يحبّ أهل بيته سقط على أمّ رأسه في قعر جهنّم و لو كان معه من أعمال البرّ عمل سبعين صدّيقا ، و على القنطرة الثانية يسئلون عن الصّلاة و على الثالثة عن الزكاة و على الرابعة عن الصّيام و على الخامسة عن الحجّ و على السادسة عن الجهاد و على السابعة عن العدل فمن أتى بشيء من ذلك جاز على الصّراط كالبرق الخاطف و من لم يأت عذّب .
.
و عن ( تفسير الثعلبي ) عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : لا يزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسئل عن عمره فيم أفناه و عن شبابه فيم أبلاه و عن ماله من أين اكتسبه و فيما أنفقه و عن حبّنا أهل البيت
.
« و كأنّها قد أشرفت بزلازلها » إذا زُلزلت الأرض زلزالها و اخرجت الأرض أثقالها و قال الإنسان مالها يومئذٍ تحدّث أخبارها بأنّ ربّك أوحى
____________________
لها يومئذٍ يصدر النّاس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره
، و في أوّل سورة الحجّ يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعةٍ عمّا أرضعت و تضع كلّ ذات حملٍ حملها و ترى النّاس سكارى و ما هم بسكارى و لكنّ عذاب اللَّه شديد .
« و أناخت بكلاكلها » في ( الصحاح ) : أنخت الجمل فاستناخ : أبركته فبرك .
.
و ظاهره انّ أناخ متعدّ و مقتضى قوله عليه السّلام لزومه ، و يشهد له قول ( الجمهرة ) : و أناخ البعير أناخة ، قال أوس بن حجر :
إذا جعجعوا بين الإناخة و الحس
و لعلّه مشترك ، ففي ( الطبري ) : أنّ الحسين عليه السّلام قال للمحاربي من أصحاب الحرّ : أنخ الراوية .
.
و في ( الصحاح ) : و الكلكل و الكلكال اسم الصّدر .
.
قالوا : يقال للأمر الثقيل قد أناخ علهيم بكلكله أي : هدّهم بكلكله و رضّهم كما يهدّ البعير البارك من تحته بصدره .
« و انصرمت الدّنيا بأهلها » هكذا في ( المصرية )
انصرمت بالميم و في
____________________
( ابن أبي الحديد ) و انصرفت بالفاء و قال و يروى و انصرمت أي : انقضت .
.
ثمّ عطف هذه الفقرة على قوله ( قد أشرفت بزلازلها ) عطف بالمعنى .
« و أخرجتهم من حضنها » في ( الصحاح ) : الحضن ما دون الابط إلى الكشح و حضن الضّبع و جاره و حضن الطائر بيضه إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحه و كذلك المرأة إذا حضنت ولدها .
.
قال تعالى و أخرجت الأرض أثقالها
.
« فكانت كيوم مضى أو شهر » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « و شهر » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« انقضى » و يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعةً من النّهار يتعارفون بينهم .
، كأنّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعةً من نهار .
كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشيةً أو ضحاها
، قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يومٍ فسئل العادّين قال ان لبثتم إلاّ قليلاً لو انّكم كنتم تعلمون
.
« و صار جديدها رثا » في ( الصحاح ) : الرّثّ : الشيء البالي و جمعه : رثاث .
« و سمينها غثّا » في ( الصحاح ) : غثّ اللّحم فهو غثّ و غثيث إذا
____________________
كان مهزولا .
.
قال الخوئي قال ابن ميثم : السّمين و الغثّ يحتمل أن يريد بهما الحقيقة و يحتمل أن يكنّى به عمّا كثر من لذّاتها و خيراتها و تغير ذلك بالموت و الزّوال ،
و اعترض عليه بأنّ جعل الكناية قسما للحقيقة بلا وجه لأنّ الكناية استعمال اللّفظ في غير ما وضع مع جواز إرادة ما وضع له
.
قلت : اعتراضه في غاية السّقوط فانّ تقابل الكناية و الحقيقة أمر واضح فانّ الحقيقة هنا بمعنى عدم الكناية فيكون تقابلهما كتقابل الوجود و العدم .
« في موقف ضنك المقام » في ( الصحاح ) : الضّنك : الضيّق .
.
قيل وصف بالضّنك لكثرة النّاس قال تعالى قل إنَّ الأوّلين و الآخرين لمجموعون إلى ميقات يومٍ معلوم
.
« و أمور مشتبه عظام » المراد امور عظيمة شبيه كلّ منها بالآخر في الفظاعة ، و في سورة القيامة فإذا برق البصر و خسف القمر و جمع الشّمس و القمر يقول الإنسان يومئذٍ أين المفرُّ كلاّ لا وزر إلى ربّك يومئذٍ المستقرّ ينبّوء الإنسان يومئذٍ بما قدّم و أخّر
، و في الحاقّة فإذا نُفخ في الصّور نفخةٌ واحدةٌ و حملت الأرض و الجبال فدكّتا دكّةً واحدةً فيومئذٍ وقعت الواقعة و انشقّت السّماء فهي يومئذٍ واهية
.
« و نار شديد كلبها » في ( الصحاح ) : الكلب بالضم : الشّدّة عند البرد و دفعت
____________________
عنك كلب فلان أي : شرّه .
.
قال تعالى : و رأى المجرمون النّار فظنّوا أنّهم مواقعوها و لم يجدوا عنها مصرفا
عال لجبها ، في ( الصحاح ) : اللّجب : الصوت
.
« ساطع لهبها » سطع النّار و الرّائحة و الصّبح سطوعا إذا ارتفع ، و لهب النّار لسانها قال تعالى سيصلى نارا ذات لهب
، سندع الزّبانية
.
« متغيّظ زفيرها » في ( ١١ ) و ( ١٢ ) من الفرقان و اعتدنا لمن كذّب بالسّاعة سعيراً إذا رأتهم من مكانٍ بعيدٍ سمعوا لها تغيّظاً و زفيراً .
« متأجح سعيرها » في ( الصحاح ) : التأجّج : تلهّب النّار
( و سعرت النّار و الحرب ) هيّجتها و ألهبتها و قرىء و إذا الجحيم سُعرت
و سعّرت بالتّشديد أيضاً للمبالغة .
« بعيد خمودها » في ( الصحاح ) : خمدت النّار يخمد خمودا سكن لهبها و لم يطفىء جمرها و همدت إذا طفىء جمرها و الخمود على وزن التّنّور موضع يدفن فيه النّار لتخمد .
.
و في ( الجمهرة ) : خمدت النّار إذا سكن التهابها
.
« ذاك وقودها » في ( الصحاح ) : ذكت النّار تذكو ذكا مقصور أي : اشتعلت
____________________
و الوقود بالفتح الحطب .
.
و قال ابن أبي الحديد : الوقود الضّمّ مصدر و لا يجوز الفتح لأنّه ما يوقد به كالحطب و نحوه و ذاك لا يوصف بأنّه ذاك
.
قلت : الحطب من حيث الذات لا يوصف بذاك و امّا مع الوصف الوقود به فلم لا يوصف .
« مخيف » هكذا في ( المصرية )
و الصواب : « مخوف » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« وعيدها » في ( الإرشاد ) : لمّا عاد النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله من تبوك قدم عليه عمرو بن معد يكرب فقال له اسلم يا عمر و يؤمنك اللَّه من الفزع الأكبر قال : يا محمّد و ما الفزع الأكبر فأنّي لا أفزع ؟ فقال : يا عمرو انّه ليس كما تظنّ و تحسب انّ النّاس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميّت إلاّ نشر و لا حيّ إلاّ مات إلاّ ما شاء اللَّه ثم يصاح بهم صيحة اخرى فينشر من مات و يصفّون جميعا و تنشقّ الأرض و تهدّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا و ترمي النّار بمثل الجبال شررا فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه و ذكر ذنبه و شغل بنفسه إلاّ ما شاء اللَّه فأين أنت يا عمر و من هذا ؟ قال الا اني أسمع أمرا عظيما فآمن
.
« غمّ قرارها » هكذا في ( المصرية )
غمّ بالمعجمة و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) غمّ بالمهملة و فسّراه بمعنى العمى ، قال الأول : أي
____________________
لا يهتدي فيه لظلمتها .
.
و على ما هنا فيمكن أن يفسّر بما في ( الصحاح ) : يوم غمّ إذا كان يأخذ بالنّفس من شدّة الحر
.
« مظلمة أقطارها » في ( الصحاح ) : القطر بالضّمّ النّاحية و الجانب و الجمع الأقطار
.
« حامية قدورها » و اما من خفّت موازينه فاُمّهُ هاويةٌ و ما أدراك ما هيةٌ نارٌ حاميةٌ
، تصلى ناراً حاميةً تسقى من عينٍ آنيةٍ ليس لهم طعامٌ إلاّ من ضريع لا يُسمن و لا يُغني من جوع
.
« فظيعة أمورها » يوم ترجف الرّاجفة تتبعها الرّادفة قلوبٌ يومئذٍ واجفةٌ أبصارها خاشعةٌ
، القارعة ما القارعة و ما أدراك ما القارعة يوم يكون النّاس كالفراش المبثوث و تكون الجبال كالعِهن المنفوش
.
« و سيق الّذين اتّقوا الى الجنّة زمرا » اقتباس من قوله تعالى في ( ٧٣ ) الزّمر و سيق الّذين اتّقوا إلى الجنّة زُمَراً حتّى إذا جاؤها و فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين .
« قد أمن العذاب » الّذين آمنوا و لم يلبِسوا أيمانهم بظلم أولئك لهم
____________________
الأمن و هم مهتدون
.
« و انقطع العتاب » في ( الصحاح ) : قال الخليل العتاب مخاطبة الأذلال و مذاكرة الموجدة
.
« و زحزحوا عن النّار » في ( الصحاح ) : زحزحته عن كذا أي : باعدته عنه .
.
فمن زُحزح عن النّار و اُدخل الجنّة فقد فاز و ما الحياة الدُّنيا إلاّ متاع الغرور
.
« و اطمأنّت بهم الدّار و رضوا المثوى و القرار » في ( الصحاح ) : ثوى بالمكان :
أقام به و أبو مثوى الرّجل صاحب منزله و امّ مثواه صاحبته منزله .
.
يا أيَّتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربِّك راضيةً مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنّتي
، و هذا صراط ربِّك مستقيماً قد فصّلنا الآيات لقوم يذّكّرون لهم دار السّلام عند ربِّهم و هو وليّهم بما كانوا يعملون
، و منهم سابق بالخيرات باذن اللَّه ذلك هو الفضل الكبير جنّاتُ عدنٍ يدخلوها يحلّون فيها من أساور من ذهبٍ و لؤلؤاً و لباسهم فيها حريرٌ و قالوا الحمد للَّه الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفورُ شكورٌ الّذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصبٌ و لا يمسّنا فيها لغوب
، للّذين
____________________
أحسنوا في هذه حسنةٌ و لدار الآخرة خيرٌ و لنعم دار المتّقين جنّاتُ عدنٍ يدخلونها تجري من تحتها الأنهار و لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي اللَّه المتّقين
، فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إنّي ظننت انّي ملاقٍ حسابيه فهو في عيشةٍ راضيةٍ في جنّةٍ عاليةٍ قطوفها دانيةٌ كلوا و اشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيّام الخالية
، قال اللَّه هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي اللَّه عنهم و رضوا عنه ذلك الفوز العظيم
، و السّابقون الأوّلون من المهاجرين و الأنصار و الّذين اتّبعوهم باحسانٍ رضي اللَّه عنهم و رضوا عنه و أعدّ لهم جنّاتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم
.
لا تجد قوماً يؤمنون باللَّه و اليوم الآخر يوادّون من حادّ اللَّه و رسوله و لو كانوا آبائهم أو ابنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان و أيّدهم بروحٍ منه و يدخلهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي اللَّه عنهم و رضوا عنه أولئك حزب اللَّه ألا إنّ حزب اللَّه هم المفلحون
، و في البيّنة . رضى اللَّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشيَ ربّه
، و في القارعة فأمّا من ثقلت موازينه فهو في عيشةٍ راضية
.
« الّذين كانت أعمالهم في الدُّنيا زاكية » قد أفلح من زكاها
، قد أفلح
____________________
من تزكّى و ذكر اسم ربِّه فصلّى
، إن الّذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البريّة جزاؤهم عند ربِّهم جنّات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً .
.
« و أعينهم باكية » و إذا سمعوا ما اُنزِل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ
.
« و كان ليلهم في دنياهم نهارا تخشّعا و استغفارا ، و كان نهارهم ليلا توحّشا و انقطاعا » قال الخوئي : قال ابن ميثم في نسخة الرّضي بخطّه « كان ليلهم نهار » برواية كانّ للتشبيه و نصب ليل و رفع نهار
و كذا في الفقرة الثانية برواية « كأنّ نهارهم ليل » .
قلت : و ابن أبي الحديد نسبه إلى رواية فقال : و يروي « و كأنّ ليلهم نهار » و كذلك اختها على التشبيه .
.
و تخشّعا و استغفارا تميّزان كتوحّشا و انقطاعا ، يُسبّح له فيها بالغدوّ و الاصال رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ و لا بيعٌ عن ذكر اللَّه و إقام الصلاة و ايتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب و الأبصار ليجزيهم اللَّه أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله و اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب
، و هو الّذي جعل اللّيل و النّهار خلفةً لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكوراً و عبادُ الرّحمن الذين يمشون على الأرض هوناً و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً و الّذين
____________________
يبيتون لربِّهم سجّداً و قياماً و الّذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنَّ عذابها كان غراماً إنّها ساءت مستقرّاً و مقاماً و الّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواماً و الّذين لا يدعون مع اللَّه إلهاً آخر و لا يقتلون النّفس التي حرّم اللَّه إلاّ بالحقّ و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق أثاماً يُضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهاناً إلاّ من تاب و آمن و عمل عملاً صالحاً فأولئك يبدّل اللَّه سيّئاتهم حسناتٍ و كان اللَّه غفوراً رحيماً و من تاب و عمل صالحاً فانّه يتوب إلى اللَّه متاباً و الّذين لا يشهدون الزُوّر و إذا مرّوا باللّغو مرّوا كِراماً و الّذين إذا ذُكّروا بآيات ربّهم لم يخرّوا عليها صمّاً و عمياناً و الذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا و ذرّياتنا قُرّة أعين و اجعلنا للمتّقين إماماً أولئك يجزون الغرفة بما صبروا و يلقّون فيها تحيّةً و سلاماً خالدين فيها حَسُنت مستقرّاً و مقاماً
.
« فجعل اللَّه لهم الجنّة مآبا » في ( الصحاح ) : آب أي : رجع يؤب أوبا و أوبة و إيابا و المآب المرجع و التّأويب ان يسير النّهار أجمع و ينزل اللّيل و ابت إلى فلان و أوّبت إلى بني فلان و تأوّبتهم إذا لقيتهم ليلا .
.
في ( ص ) و إنَّ للمتّقين لحسن مآب جنّات عدنٍ مُفتّحةً لهم الأبواب متّكئين فيها يدعون فيها بفاكهةٍ كثيرةٍ و شرابٍ و عندهم قاصرات الطّرف أترابٌ هذا ما توعدون ليوم الحساب إنّ هذا لرزقنا ماله من نفادٍ
.
« و الجزاء ثوابا » في ( الصحاح ) : الجزاء الطّاعة و كذلك المثوبة .
.
و ما أموالكم و لا أولادكم بالّتي تقرّبكم عندنا زُلفى إلاّ من آمن و عمل
____________________
صالحاً فأولئك لهم جزاء الضّعف بما عملوا و هم في الغرفاتِ آمنون
.
« و كانوا أحقّ بها و أهلها ، في نعيم دائم و ملك قائم » إنّ الأبرار لفي نعيم
، إنّ المتّقين في جنّاتٍ و نعيمٍ فاكهين بما آتاهم ربّهم و وقاهم ربّهم عذاب الجحيم كلوا و اشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون متّكئين على سررٍ مصفوفةٍ و زوّجناهم بحورٍ عين و الّذين آمنوا و اتّبعتهم ذريّتهم بايمانٍ ألحقنا بهم ذرّيهم و ما التناهم من عملهم من شيءٍ كلُّ امريء بما كسب رهينٌ و أمددناهم بفاكهة و لحمٍ ممّا يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغوٌ فيها و لا تأثيمٌ و يطوف عليهم غلمانٌ لهم كأنّهم لؤلؤٌ مكنونٌ و أقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون قالوا إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين فمنَّ اللَّه علينا و وقانا عذاب السّموم إنّا كنّا من قبل ندعوه إنّه هو البرّ الرّحيم
، الّذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل اللَّه بأموالهم و أنفسهم أعظم درجةً عند اللَّه و أولئك هم الفائزون يبشّرهم ربُّهم برحمة منه و رضوان و جنّاتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيم خالدين فيها أبداً إنَّ اللَّه عنده أجرٌ عظيم
، و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً و مُلكاً كبيراً عليهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ و استبرقٍ و حُلّوا أساور من فضّةٍ و سقاهم ربّهم شراباً طهوراً إنّ هذا كان لكم جزاءً و كان سعيكم مشكوراً
.
« فارعوا عباد اللَّه ما برعايته يفوز فائزكم » يا أيُّها الّذين آمنوا إن تتّقوا اللَّه
____________________
يجعل لكم فرقاناً و يكفّر عنكم سيّئاتكم و يغفر لكم و اللَّه ذو الفضل العظيم
،
إنّه كان فريقٌ من عبادي يقولون ربّنا آمنّا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الرّاحمين فاتّخذتموهم سخريّاً حتّى أنسوكم ذكري و كنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا انّهم هم الفائزون
، و من يطع اللَّه و رسوله و يخش اللَّه و يتقه فاولئك هم الفائزون
، و الّذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل اللَّه بأموالهم و أنفسهم أعظم درجةً عند اللَّه و أولئك هم الفائزون يُبشّرهم ربّهم برحمةٍ منه و رضوان و جنّاتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيمٌ خالدين فيها أبداً إنّ اللَّه عنده أجرٌ عظيم
.
« و بإضاعته يخسر مبطلكم » فخلف من بعده خلفٌ أضاعوا الصّلاة و اتّبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً
، يا أيُّها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر اللَّه و من يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون
.
« و بادروا آجالكم بأعمالكم » و أنفقوا من مّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو لا أخّرتني الى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق و أكن من الصّالحين و لن يؤخّر اللَّه نفساً إذا جاء أجلها و اللَّه خبيرٌ بما تعملون
.
« فانّكم مرتهنون بما أسلفتم » كُلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة
.
« و مدينون بما قدّمتم » في ( الصّحاح ) : قوله تعالى إئنّا لمدينون
____________________
أي : مجزيّون محاسبون
. .
قال تعالى فلو لا إذا بلغت الحلقوم و أنتم حينئذٍ تنظرون و نحن أقرب اليه منكم و لكن لا تبصرون فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين
.
« و كان قد نزل بكم المخوف » في ( المصرية ) كانّ بالتشديد و الفتح
و الصحيح التخفيف و السّكون لعدم دخوله على الجملة الاسميّة و في مثله يقدّر الاسم مخفّفة نحو قوله تعالى كأنْ لم تغن بالأمس .
قال تعالى إنّما أنت منذر من يخشاها كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشيّةً أو ضحاها
.
« فلا رجعة تنالون » قال ابن أبي الحديد الرّواية بضمّ التّاء أي تعطون يقال أنلت فلانا مالا أي منحته و قد روي تنالون بفتح التاء
. .
قلت : يؤيّد الأوّل قوله عليه السّلام في الفقرة التالية ( و لا عثرة تقالون ) فانّ تقالون بضمّ التّاء رواية واحدة و تنالون بالضّمّ من النّوال و تنالون بالفتح من النّيل كما انّ تقالون من القيل ، و كيف كان قال تعالى حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ ارجعونِ لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت كلاّ انّها كلمةٌ هو قائلها و من ورائهم برزخٌ الى يوم يبعثون
.
____________________
« و لا عثرة تقالون » في ( الصّحاح ) : اقلته البيع و هو فسحة
.
« استعملنا اللَّه و إيّاكم بطاعته و طاعة رسوله » و من يطع اللَّه و الرسول فأولئك مع الّذين أنعم اللَّه عليهم من النّبيّين و الصّدّيقين و الشهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من اللَّه و كفى باللَّه عليماً
.
« و عفا عنّا و عنكم بفضل رحمته » و هو الّذي يقبل التّوبة عن عباده و يعفو عن السّيئات و يعلم ما تفعلون
.
١٣
الخطبة ( ١٥٢ ) و من خطبة له عليه السّلام :
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ اَلْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ وَ سَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ وَ دَلِيلاً عَلَى آلاَئِهِ وَ عَظَمَتِهِ عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ اَلدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ لاَ يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ وَ لاَ يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ آخِرُ أَفْعَالِهِ كَأَوَّلِهِ مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلاَمُهُ فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ اَلزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي اَلظُّلُمَاتِ وَ اِرْتَبَكَ فِي اَلْهَلَكَاتِ وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ فَالْجَنَّةُ غَايَةُ اَلسَّابِقِينَ وَ اَلنَّارُ غَايَةُ اَلْمُفَرِّطِينَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلتَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ وَ اَلْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لاَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَ لاَ يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ أَلاَ وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ اَلْخَطَايَا وَ بِالْيَقِينِ تُدْرَكُ اَلْغَايَةُ اَلْقُصْوَى عِبَادَ اَللَّهِ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي أَعَزِّ اَلْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ
____________________
وَ أَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ اَلْحَقِّ وَ أَنَارَ طُرُقَهُ فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ اَلْفَنَاءِ لِأَيَّامِ اَلْبَقَاءِ قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى اَلزَّادِ وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَ حُثِثْتُمْ عَلَى اَلْمَسِيرِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لاَ تَدْرُونَ مَتَى تُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ أَلاَ فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ وَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وَ تَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَ حِسَابُهُ عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اَللَّهُ مِنَ اَلْخَيْرِ مَتْرَكٌ وَ لاَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ اَلشَّرِّ مَرْغَبٌ عِبَادَ اَللَّهِ اِحْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ اَلْأَعْمَالُ وَ يَكْثُرُ فِيهِ اَلزِّلْزَالُ وَ تَشِيبُ فِيهِ اَلْأَطْفَالُ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ عُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لاَ تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لاَ يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وَ إِنَّ غَداً مِنَ اَلْيَوْمِ قَرِيبٌ يَذْهَبُ اَلْيَوْمُ بِمَا فِيهِ وَ يَجِيءُ اَلْغَدُ لاَحِقاً بِهِ فَكَأَنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ اَلْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ وَ مَخَطَّ حُفْرَتِهِ فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ وَ مَنْزِلِ وَحْشَةٍ وَ مُفْرَدِ غُرْبَةٍ وَ كَأَنَّ اَلصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ وَ اَلسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ وَ بَرَزْتُمْ لِفَصْلِ اَلْقَضَاءِ قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ اَلْأَبَاطِيلُ وَ اِضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ اَلْعِلَلُ وَ اِسْتَحَقَّتْ بِكُمُ اَلْحَقَائِقُ وَ صَدَرَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ مَصَادِرَهَا فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ وَ اِعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ وَ اِنْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ أقول : قوله عليه السّلام « الحمد للَّه الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره » قال ابن أبي الحديد : لأنّ أوّل القرآن ، الحمد للَّه ربّ العالمين و القرآن الذّكر ، قال تعالى : إنّا نحن نزّلنا الذّكر .
.
و قال ابن ميثم : أي جعل الحمد مفتاحا لذكره في عدّة سور و تبعه
____________________
الخوئي و قال : لعدم معلوميّة كون الفاتحة أوّل القرآن و ان روى انّها أوّل ما أنزلت ثمّ ( اقرء ) فروى أيضا انّ أول ما نزل ( اقرء )
.
قلت : الأولى أن يقال مراده عليه السّلام انّه تعالى جعل حمده مفتاح ذكره في كلّ موضع لوجوب حمده أوّل كلّ امر او في خصوص الصلاة فانّ الأصل في ذكره تعالى الصّلاة قال عزّ و جلّ و أقم الصّلاة لذكري
، « و سببا للمزيد من فضله » قالوا اشارة الى قوله تعالى : . لئن شكرتم لأزيدنّكم .
، « و دليلا على آلائه و عظمته » في ( الصحاح ) : الآلاء النّعم واحدها الى بالفتح و قد يكسر و يكتب بالياء مثاله معي و أمعاء
. .
كأنّه عليه السلام أشار الى انّ حمده تعالى في قولك الحمد للَّه دليل على شيئين الأوّل آلائه تعالى لأنّه لو لم تكن آلاء لم يكن حمد و شكر و الثاني عظمته عزّ اسمه لاختصاص الحمد به .
« عباد اللَّه » ناداهم بوصف كونهم عبيده تعالى ليستشعروا كونهم غير مختارين في حياتهم « إنَّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين » قال ابن أبي الحديد : قال الشاعر :
فما الدّهر إلاّ كالزمان الذي مضى
|
|
و لا نحن إلاّ كالقرون الأوائل
|
« لا يعود ما قد ولّى منه » قال ابن أبي الحديد مثل قول الشاعر :
ما أحسن الأيام إلاّ انّها
|
|
يا صاحبي إذا مضت لم ترجع
|
____________________
« و لا يبقى سرمدا ما فيه » في ( الصحاح ) : السرمد
الدائم . .
قال ابن أبي الحديد قال عدي :
ليس شيء على المنون بباق
|
|
غير وجه المهيمن الخلاّق
|
« آخر أفعاله كأوّله » قال ابن أبي الحديد : و يروى كأوّلها و من رواه ( كأوّله ) أي أوّل الدّهر حذف المضاف
« متسابقة أموره » نقله ( ابن ميثم ) « متشابهة اموره »
و كذلك ابن أبي الحديد إلاّ انّه قال و روى « متسابقة أموره » أي شيء منها قبل كلّ شيء كأنّها خيل متسابق مضمار
« متظاهرة أعلامه » قال ابن أبي الحديد أي دلالاته على سجيّته التي عامل النّاس بها قديما و حديثا متظاهرة يقوي بعضها بعضا
.
« فكأنّكم بالسّاعة تحدوكم حد و الزّاجر بشوله » هكذا « بشوله » بالباء في نسخنا و نسخ ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
و الصّواب : ( لشوله ) باللاّم فانّ زجر متعدّ بنفسه و يحسن في وصفه لام المقوّية و لا وجه للباء .
و في ( الصّحاح ) : السّاعة القيامة
و الحدو سوق الابل و الغناء لها
.
و زجر البعير أي سوقه
و الشّول : النّوق التي جفّ لبنها و ارتفع ضرعها
____________________
( ١٠ ) الصحاح : ( زجر ) .
و أتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية الواحدة شائلة
.
و هو جمع على غير القياس و يقال منه شوّلت النّاقة بالتّشديد أي صارت شائلة . قالوا : خصّ صلَّى اللَّه عليه و آله الشّول لأنّه يعنف بها في السّوق و لا يرفق بها كذات الحمل أو اللّبن ، قال تعالى لموسى : إنَّ السّاعة آتيةٌ أكاد أُخفيها لتجزي كلُّ نفسٍ بما تسعى فلا يصدّنك عنها من لا يؤمن بها و اتّبع هواه فتردى
، و ما أمر السّاعة إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب إنَّ اللَّه على كلّ شيءٍ قديرٌ
، هل ينظرون إلاّ السّاعة ان تأتيهم بغتةً و هم لا يشعرون
، فهل ينظرون إلاّ السّاعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء اشراطها فانّى لهم إذا جاءتهم ذكراهم
، يسألونك عن السّاعة أيّان مرساها قل إنّما علمها عند ربّي لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السّماوات و الأرض لا تأتيكم إلاّ بغتةً يسألونك كأنّك حفيٌّ عنها قل إنّما علمها عند اللَّه و لكن أكثر النّاس لا يعلمون
.
« فمن شغل نفسه بغير نفسه تحيّر في الظلمات و ارتبك في الهلكات » في ( الصّحاح ) : ارتبك الرّجل في الأمر أي : نشب فيه و لم يكد يتخلّص منه
. .
قال ابن أبي الحديد يعني من لا يوفى النّظر حقّه و يميل الى الأهواء و نصرة الاسلاف و الحجاج عمّا ربّى عليه بين الأهل و الاستاذ من الّذين
____________________
زرعوا في قلبه العقائد يكون شغل نفسه بغير نفسه لأنّه لم ينظر لها و لا قصد الحقّ من حيث هو حقّ و إنّما قصد نصرة مذهب معيّن يشقّ عليه فراقه و يصعب عنده الانتقال عنه و يسوءه أن يرد عليه حجّة تبطله فيسّهر عينه و يتعب قلبه في تهوّس تلك الحجّة و القدح فيها بالغثّ و السّمين لا لأنّه يقصد الحقّ بل يقصد نصرة المذهب المعيّن و تشييد دليله لا جرم انّه متحيّر في ظلمات لا نهاية لها
. .
قلت : ما قاله مصداق قوله عليه السّلام في الاصول ، و كلامه عليه السّلام عامّ للفروع أيضا كمن شغل نفسه بغير نفسه في عباداته و أعماله و في إنفاق ماله و في تجنّب شهواته و لذّاته يصير أيضا كما قال عليه السّلام متحيّرا في الظّلمات مرتبكا في الهلكات .
« و مدّت به شياطينه في طغيانه » قال ابن أبي الحديد : و روي « و مدّت له »
. .
كلامه عليه السّلام مأخوذ من قوله تعالى و إخوانهم يمدّونهم في الغيّ ثمّ لا يقصرون
و قال تعالى قل من كان في الضّلالة فليمدد له الرّحمن مدّا .
.
« و زيّنت له سيّىء أعماله » قال ابن أبي الحديد مأخوذ من قوله تعالى أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسنا .
.
قلت : و من قوله تعالى : . و زيّن لهم الشّيطان أعمالهم فصدّهم عن
____________________
السّبيل .
، . زُيّن لهم سوء أعمالهم و اللَّه لا يهدي القوم الكافرين
،
و اذا مسّ الإنسان الضّرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلمّا كشفنا عنه ضُرّه مرّ كأن لم يدعنا إلى ضُرّ مسّهُ كذلك زُيّن للمسرفين ما كانوا يعملون
.
« فالجنّة غاية السّابقين » و امّا من خاف مقام ربِّه و نهى النّفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى
« و النّار غاية المفرّطين » فأمّا من طغى و آثر الحيوة الدُّنيا فإنّ الجحيم هي المأوى
.
« و اعلموا عباد اللَّه ان التّقوى دار حصن عزيز » كأنّه سقط بعده شيء كقولك يعصم المتمسّك به و لا ينفصم للمتمسّك به بقرينة قوله عليه السّلام في الفجور بعد قوله ( دار حصن ذليل ) ( لا يمنع أهله و لا يحرز من لجأ اليه ) و كيف كان ففي المصباح الحصن المكان الّذي لا يقدر عليه لارتفاعه . قال تعالى : . و من يتّقِ اللَّه يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب .
، فأمّا من أعطى و اتّقى و صدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى
« و الفجور دار حصن ذليل لا يمنع أهله و لا يحرز من لجأ اليه » و إنَّ الفجّار لفي جحيم يصلونها يوم الدّين و ما هم عنها بغائبين و ما أدراك ما يوم الدّين ثمّ ما أدريك ما يوم الدين يوم لا تملكُ نفسٌ لنفسٍ شيئاً و الأمر يومئذٍ للَّه
،
ان كتاب الفُجّار لفي سجّين و ما أدراك ما سجّينٌ كتابٌ مرقومٌ ويلٌ
____________________
يومئذٍ للمكذبين
، . أم نجعل المتّقين كالفجّار
« ألا و بالتّقوى تقطع حمة الخطايا » قال ابن ميثم : و روى حمّة الخطايا بالتّشديد
. .
في ( الصّحاح ) : حمّة العقرب سمّها و ضرّها و أصله حمو و حمى و الهاء عوض و امّا حمّة الحرّ و هو معظمه فبالتّشديد
. .
و معنى قوله عليه السّلام « بالتّقوى تقطع حمّة الخطايا » انّ التّقوى بازهر للخطايا ( بازهر معرّب و پازهر مخفّف پاش زهر اى ما يذيب السّمّ ) ، و لو انّهم آمنوا و اتّقوا لكفّرنا عنهم سيّئاتهم و لأدخلناهم جنّات النّعيم
، يا أيُّها الذين آمنوا إن تتّقوا اللَّه يجعل لكم فرقاناً و يكفّر عنكم سيّئاتكم و يغفر لكم و اللَّه ذو الفضل العظيم
، « و باليقين تدرك الغاية القصوى » في ( الصّحاح ) :
قصا المكان يقصو قصوا بعد فهو قصيّ و يقال فلان بالمكان الأقصى و النّاحية القصوى و القصيا بالضّمّ فيهما . الذين يقيمون الصّلاة و يؤتون الزّكاة و بالآخرة هم يوقنون اولئك على هدىً من ربِّهم و اولئك هم المفلحون
« عباد اللَّه » ذكره مقدّمة لتحذيره بعد « اللَّه اللَّه » قال ابن أبي الحديد : منصوبان بالاغراء و تقديره راقبوا اللَّه
. .
قلت : انّ مثله يسمّى تحذيرا لا اغراء « في أعزّ الأنفس عليكم و أحبّها اليكم » أي : في أنفسكم فانّ نفس الانسان أعزّ نفس عليه حتّى من ابنه الّذي كالجزء
____________________
منه . عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ اذا اهتديتم .
، . يودُّ المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذٍ ببنيه و صاحبته و أخيه و فصيلته التي تؤويه و من في الأرض جميعاً ثمّ ينجيه كلاّ .
.
هذا ، و قال ابن ميثم : في قوله عليه السّلام : « في أعزّ الأنفس عليكم » اشارة الى انّ للإنسان نفوسا متعدّدة و هي باعتبار مطمئنة و امّارة بالسّوء و لوّامة و باعتبار عاقلة و شهويّة و غضبيّة و الاشارة الى الثّلاثة الأخيرة و أعزّها النّفس العاقلة .
.
و هو كما ترى .
« فإنّ اللَّه قد أوضح لكم سبيل الحق » بالعقل و النّقل و نفسٍ و ما سوّاها فألهمها فجورها و تقواها
، إنّا هديناه السّبيل إمّا شاكراً و إمّا كفوراً
.
« و أنار طرقه » نقله ابن ميثم : « و أبان طرقه » و قال : و روي : « و أنار طرقه » . قد تبيّن الرّشد من الغيّ .
، « فشقوة لازمة أو سعادة دائمة » قوله : « فشقوة » في الأعراب كقوله تعالى : . فصبرٌ جميلٌ .
، إمّا مبتدأ يقدّر له خبرٌ أو خبرٌ يقدّر له مبتدأ ، و قال الخوئي : و يجوز أن يكون فاعلا لفعل محذوف
.
قلت : انّما يقدّرون الفعل في مثل و إن أحدٌ من المشركين .
و مثل
____________________
إذا السّماء انشقّت
لا كلّ موضع و معنى الكلام انّ بعد ايضاح السّبيل و إبانة الطّريق من سلك السّبيل يكون له السّعادة الدّائمة و من تنكب الطّريق يكون له الشّقوة اللازمة قال تعالى يوم يأت لا تكلّم نفسٌ إلاّ بإذنه فمنهم شقيٌّ و سعيد فامّا الّذين شقوا ففي النّار لهم فيها زفيرٌ و شهيقٌ خالدين فيها ما دامت السّماوات و الأرض إلاّ ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعّالٌ لما يريد و امّا الّذين سعدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السّماوات و الأرض إلاّ ما شاء ربُّك عطاءً غير مجذوذ
.
« فتزوّدوا في أيّام الفناء لأيّام البقاء » يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللَّه و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ و اتّقوا اللَّه إنّ اللَّه خبيرٌ بما تعملون
.
« قد دللتم على الزّاد » أي : زاد هذا السّفر و كونه منحصرا في التّقوى .
« و أمرتم بالظّعن » في ( الصحاح ) : ظعن أي : سار ظعنا و ظعنا بالتّحريك
.
و قرىء بهما قوله تعالى : يوم ظعنكم .
يا قوم إنّما هذه الحياوة الدُّنيا متاعٌ و إنّ الآخرة هي دار القرار
« و حثثتم على المسير » في ( الصّحاح ) :
حثّه على الشّيء و استحثّه حضّه عليه . و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو لا أخّرتني الى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق و أكن من الصّالحين
.
____________________
« فانّما أنتم كركب وقوف لا يدرون متى يؤمرون بالمسير » قال تعالى : أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللَّه و إن كنت لمن السّاخرين أو تقول لو انّ اللَّه هداني لكنت من المتّقين أو تقول حين ترى العذاب لو انَّ لي كرّةً فأكون من المحسنين
« ألا فما يصنع بالدُّنيا من خلق للآخرة » و إنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
« و ما يصنع بالمال من عمّا قليل يسلبه و تبقى عليه تبعته و حسابه » ويلٌ لكلِّ همزةٍ لمزةٍ الّذي جمع مالاً و عَدَّده يحسب أنّ ماله أخلده كلاّ .
.
و روي أنّ عيسى عليه السّلام توجّه في بعض حوائجه و معه ثلاثة نفر من أصحابه فمرّ بلبنات ثلاث من ذهب على ظهر الطّريق فقال عيسى عليه السّلام لأصحابه انّ هذا يقتل النّاس ثم مضى فقال أحدهم انّ لي حاجة فانصرف ثمّ قال آخر انّ لي حاجة فانصرف ثمّ قال الآخر لي حاجة فانصرف فوافوا عند الذّهب ثلاثتهم فقال اثنان لواحد اشتر لنا طعاما فذهب فشرى لهما و جعل فيه سمّا ليقتلهما كيلا يشاركاه في الذّهب و قال الاثنان اذا جاء قتلناه كيلا يشاركنا فلّما جاء قاما اليه فقتلاه ثمّ تغدّيا فماتا فرجع اليهم عيسى عليه السّلام و هم موتى فأحياهم باذن اللَّه ثم قال لهم ألم أقل لكم انّ هذا يقتل النّاس
.
« عباد اللَّه إنه ليس لما وعد اللَّه من الخير مترك » قال تعالى : إنّما يؤمن بآياتنا الّذين إذا ذُكّروا بها خرّوا سُجّداً و سبّحوا بحمد ربِّهم و هم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً و طمعاً و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ ما اُخفي لهم من قرّة أعينٍ جزاءً بما كانوا
____________________
يعملون
، إنّ الأبرار لفي نعيم على الآرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النّعيم يُسقون من رحيقٍ مختومٍ ختامه مسكٌ و في ذلك فليتنافس المتنافسون و مزاجه من تسنيمٍ عيناً يشرب بها المقرّبون
.
و في ( تفسير القمّي ) عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام : أنّ من أدنى نعيم الجنّة ان يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدّنيا و انّ من أدنى أهل الجنّة منزلا له نزل به أهل الثّقلين من الجنّ و الإنس لو سعهم طعاما و شرابا و لا ينقص ممّا عنده شيئا و انّ أيسر أهل الجنّة منزلا من يدخل الجنّة فيرفع له حدائق فاذا دخل ادناهنّ رأى فيها من الأزواج و الخدم و الأنهار و الثّمار ما شاء اللَّه ممّا يملأ عينه قرّة و قلبه مسّرة فاذا دخلها شكر اللَّه تعالى و حمده فيقال افتحو له بابا الى الجنّة و يقال له ارفع رأسك و اذا فتح له باب من الخلد فيرى أضعاف ما كان في ما قبل فيقول عند تضاعف مسرّاته ربّ لك الحمد الّذي لا يحصى إذ مننت عليّ بالجنان و انجيتني من النّيران الى أن قال قلت من أيّ شيء خلقت الحور العين قال من تربة الجنّة النّورانيّة و يرى مخّ ساقيها من وراء سبعين حلّة كبدها مراته و كبده مراتها يكلّمن بكلام لم يسمع الخلائق بمثله يقلن بأصوات رخيمة : « نحن الخالدات فلا نموت و نحن النّاعمات فلا نبؤس و نحن المقيمات فلا نظعن و نحن الرّاضيات فلا نسخط طوبى لمن خلق لنا و طوبى لمن خلقنا له و نحن اللّواتي لو انّ قرن أحدنا علّق في جوّ السّماء لأغشى نوره الأبصار
.
« و لا في ما نهى عنه من الشّرّ مرغب » . كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم
____________________
جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب .
، كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها .
.
و في ( تفسير القمي ) في قوله تعالى : . و انّ للطّاغين لشرّ مآبٍ جهنّم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميمٌ و غسّاقٌ
قال : الغسّاق واد في جهنّم فيه ( ٣٣٠ ) قلّة من سمّ و لو أنّ عقربا منها نضحت سمّها على أهل جهنّم لو سعتهم سمّها ، و فيه أيضا عن الصادق عليه السّلام انّ أهون الناس عذابا يوم القيامة لرجل في ضحضاح من النار عليه نعلان من نار و شراكان من نار يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل ما يرى ، انّ في النّار أشدّ عذابا منه و ما في النّار أحد أهون عذابا منه
.
« عباد اللَّه احذروا يوما تفحص فيه الأعمال » فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره
، و ان تك مثقال حبّةٍ من خردلٍ آتينا بها و كفى بنا حاسبين
، و كلّ صغيرٍ و كبيرٍ مستطرٌ
،
و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً و لا كبيرةً إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضراً .
« و يكثر فيه الزّلزال » في ( الصّحاح ) : زلزل اللَّه الأرض زلزلة و زلزالا بالكسر فتزلزلت هي و الزّلزال بالفتح الاسم
. .
____________________
اذا زُلزلت الأرض زلزالها و أخرجت الأرض أثقالها و قال الإنسان مالها
، و في سورة الحجّ يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم إنَّ زلزلة السّاعة شيءٌ عظيم يوم ترونها تذهل كُلّ مرضعةٍ عمّا أرضعت و تضع كُلُّ ذات حملٍ حملها و ترى النّاس سكارى و ما هم بسكارى و لكنّ عذاب اللَّه شديدٌ
.
« و تشيب فيه الأطفال » قال ابن أبي الحديد : قال تعالى : فكيف تتّقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً
.
و ليس ذلك على حقيقته لأنّ الامّة مجمعة على انّ الأطفال لا يتغيّر حالهم و انّما هو كلام جار مجرى المثل قال أبو الطّيّب :
و الهمّ يخترم الجسيم مخافة
|
|
و يشيب ناحية الصّبيّ و يهرم
|
قلت : الاجماع ليس بمعلوم فقد قال السّيوطي في تفسيره يجوز أن يكون المراد في الآية الحقيقة
« اعلموا عباد اللَّه إنّ عليكم رصدا من أنفسكم » في ( الصّحاح ) : الرّاصد للشّيء الرّاقب له و الرّصد القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد و الجمع و المؤنث
. .
ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديه رقيبٌ عتيدٌ
.
« و عيونا من جوارحكم » ذكروا للعين معاني و منها الجاسوس و هو المراد هنا و في ( ٦٥ ) من يس اليوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أيديهم
____________________
و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون و في ( ٢٠ ) من حم السجدة حتّى اذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون و قالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا اللَّه الذي أنطق كلّ شيءٍ و هو خلقكم أوّل مرّةٍ و اليه ترجعون و ما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم انّ اللَّه لا يعلم كثيراً ممّا تعملون و ذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربِّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين
« و حفّاظ صدق يحفظون أعمالكم » و إنّ عليكم لحافظن كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون
« و عدد أنفاسكم » . إنّما نعدُّ لهم عَدّاً
فسّر بتعداد الأنفاس « لا تستركم منهم ظلمة داج » في ( الصّحاح ) : الدّجى الظّلمة يقال دجا اللّيل يدجو دجواً الى أن قال قال الأصمعي دجا اللّيل انّما هو ألبس كلّ شيء
و ليس هو من الظّلمة و منه قولهم « دجا الاسلام أي قوى و ألبس كلّ شيء » .
« و لا يكنّكم » في ( الصحاح ) : قال الكسائي : كننت الشيء سترته
« منهم باب ذو رتاج » في ( الصّحاح ) : الرتج بالتّحريك الباب العظيم و كذلك الرّتاج و منه رتاج الكعبة و يقال الرّتاج الباب المغلق و عليه باب صغير
. .
قلت : و كلامه عليه السّلام يشهد للأخير قال تعالى : اللَّه يعلم ما تحمل كلّ اُنثى و ما تغيض الأرحام و ما تزداد و كلُّ شيءٍ عنده بمقدار عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال سواءٌ منكم من أسرّ القول و من جهر بهِ وَ مَن هو مستخفٍ
____________________
باللّيل و ساربٌ بالنّهار له معقّباتٌ من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر اللَّه .
.
و روى ( امالي المفيد ) عن الحجّاج بن التميمي قال :
اذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل
|
|
خلوت و لكن قل عليّ رقيب
|
« و إنّ غدا من اليوم قريب » . و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغد .
، انّهم يرونه بعيداً و نراه قريباً
، كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشيّة أو ضحاها
، و يوم تقوم السّاعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعةٍ كذلك كانوا يؤفكون
.
« يذهب اليوم بما فيه و يجيىء الغد لاحقا به » قال تعالى : و قال الّذي آمن يا قوم اتّبعونِ أهدكم سبيل الرّشاد يا قوم انّما هذه الحياة الدُّنيا متاعٌ و إنّ الآخرة هي دار القرار
« فكأنّ كلّ امرىء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته » و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّةٍ و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
، « و مخطّ حفرته » في ( الصّحاح ) المخطّ بالكسر عود يخطّ به
.
« فياله من بيت وحدة و منزل وحشة و مفرد غربة » روى الكافي عن الصادق عليه السّلام قال ما من موضع قبر إلاّ و هو ينطق كلّ يوم ثلاث مرّات أنا بيت التّراب أنا بيت
____________________
البلى أنا بيت الدّود أنا القبر أنا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار
« و كأنّ الصّيحة قد أتتكم » في ( ٤٩ ) يس ما ينظرون إلاّ صيحةً واحدةً تأخذهم و هم يخصّمون فلا يستطيعون توصيةً و لا إلى أهلهم يرجعون و نفخ في الصّور فاذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرّحمان و صدق المرسلون إن كانت إلاّ صيحةً واحدةً فاذا هم جميعٌ لدينا محضرون فاليوم لا تظلم نفسٌ شيئاً و لا تجزون إلاّ ما كنتم تعملون
« و السّاعة قد غشيتكم » قال تعالى : اقتربت السّاعة و انشقّ القمر
، هل أتاك حديث الغاشية وجوهٌ يومئذٍ خاشعةٌ عاملةٌ ناصبةٌ تصلى ناراً حاميةً تسقى من عينٍ آنيةٍ ليس لهم طعامٌ إلاّ من ضريع لا يسمن و لا يغني من جوعٍ وجوهٌ يومئذٍ ناعمةٌ لسعيها راضية في جنّةٍ عالية لا تسمع فيها لاغيةً فيها عينٌ جاريةٌ فيها سررٌ مرفوعة و أكوابٌ موضوعة و نمارق مصفوفةٌ و زرابيّ مبثوثة
.
و روى ( أمالي المفيد ) : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله كان يذكر السّاعة و قيامها حتّى كأنّه منذر جيش يقول صبّحتكم السّاعة مسّتكم الساعة ثمّ يقول بعثت أنا و السّاعة كهاتين ( و يجمع بين سبّابتيه )
.
« و برزتم لفصل القضاء » قال تعالى : إنّ الّذين آمنوا و الذين هادوا و الصّابئين و النّصارى و المجوس و الّذين أشركوا إنّ اللَّه يفصل بينهم يوم
____________________
القيامة إنّ اللَّه على كلّ شيء شهيد
، إنّ ربَّك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون
« قد زاحت عنكم الأباطيل » في ( الصّحاح ) : ( زاح الشّيء يزيح زيحا ) أي بعد و ذهب و الباطل ضدّ الحقّ و الجمع أباطيل على غير قياس كأنّهم جمعوا أبطيلا
. .
قال تعالى : و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون
، فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروجٍ من سبيل
، و للّذين كفروا بربِّهم عذابُ جهنّم و بئس المصير إذا القوا فيها سمعوا لها شهيقاً و هي تفور تكاد تَميّز من الغيظ كلّما اُلقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذيرٌ قالوا بلى قد جاءنا نذيرٌ فكذّبنا و قلنا ما نزّل اللَّه من شيء إن أنتم إلاّ في ضلالٍ كبيرٍ و قالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السّعير
.
« و اضمحلّت عنكم العلل » فسّر الخوئي تبعا و ابن ميثم العلل بالأمراض النفسانيّة و هو عليل فانّ المراد بها المعاذير الباطلة
، قال تعالى يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم و لهم اللّعنة و لهم سوء الدّار
، يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنّما تجزون ما كنتم تعملون
، فيومئذٍ لا ينفع الّذين ظلموا
____________________
معذرتهم و لا هم يستعتبون
.
و روى المفيد في ( أماليه ) عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى . فللّه الحجّة البالغة .
: قال عليه السّلام : إذا كان يوم القيامة قال تعالى للعبد أكنت عالما ؟ فان قال نعم قال له أفلا عملت ؟ و ان قال كنت جاهلا قال أفلا تعلّمت حتّى تعمل فيخصمه ، قال فتلك الحجّة البالغة على خلقه
.
« و استحقّت بكم الحقائق » في الصّحاح الحاقّة القيامة سمّيت بذلك لأنّ فيها حواقّ الامور
الخ قال تعالى الحاقّةُ ما الحاقّة و ما أدراك ما الحاقّة
، يوم يقوم الروح و الملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ مَن أذن له الرّحمان و قال صواباً ذلك اليوم الحقّ فمن شاء اتّخذ الى ربِّه مآباً إنّا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه و يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً
« و صدرت بكم الأمور مصادرها » قال تعالى يومئذٍ يصدر النّاس اشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره من يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره
« فاتّعظوا بالعبر » أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم و لدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا أفلا تعقلون حتّى إذا استيأس الرُّسل و ظنّوا انّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنّجي من نشاء و لا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم
____________________
عبرةٌ لأولي الألباب .
.
« و اعتبروا بالغير » عن محمّد بن عبد الرّحمان الهاشميّ قال : دخلت على أمي يوم الأضحى فرأيت عندها امرأة في أثواب دنسة فقالت لي امّي : أتعرف هذه ؟ قلت : لا قالت : هي امّ جعفر البرمكيّ فسلّمت عليها و قلت لها : حدّثيني ببعض أمركم قالت : اذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر لقد هجم عليّ مثل هذا اليوم و على رأسي أربعمائة وصيفة و أنا أزعم انّ ابني جعفرا عاق لي و قد أتيتكم اليوم أسألكم جلد شاتين بشعار و دثار
« و انتفعوا بالنّذر » حكمةٌ بالغةٌ فما تغن النّذر
، و قال تعالى مشيرا الى غرق قوم نوح و لقد تركناها آيةً فهل من مُدّكرٍ فكيف كان عذابي و نذر و لقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكرٍ
.
١٤
الخطبة ( ٢١٨ ) و من كلام له عليه السّلام : عند تلاوتة يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَريمِ
:
أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّةً وَ أَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ يَا أَيُّهَا اَلْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ وَ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ وَ مَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمِكَ يَقَظَةٌ أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ فَلَرُبَّمَا تَرَى اَلضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ اَلشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ
____________________
أَوْ تَرَى اَلْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وَ جَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ وَ عَزَّاكَ عَنِ اَلْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَ هِيَ أَعَزُّ اَلْأَنْفُسِ عَلَيْكَ وَ كَيْفَ لاَ يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ وَ قَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ اَلْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ وَ مِنْ كَرَى اَلْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ وَ كُنْ لِلَّهِ مُطِيعاً وَ بِذِكْرِهِ آنِساً وَ تَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ وَ يَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَ أَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ وَ تَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ أَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ وَ فِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ وَ لَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ اَلصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي اَلْقُوَّةِ مُتَوَازِيَيْنِ فِي اَلْقُدْرَةِ لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ اَلْأَخْلاَقِ وَ مَسَاوِئِ اَلْأَعْمَالِ وَ حَقّاً أَقُولُ مَا اَلدُّنْيَا غَرَّتْكَ وَ لَكِنْ بِهَا اِغْتَرَرْتَ وَ لَقَدْ كَاشَفَتْكَ اَلْعِظَاتِ وَ آذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ وَ لَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ اَلْبَلاَءِ بِجِسْمِكَ وَ اَلنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وَ أَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ وَ لَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ وَ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي اَلدِّيَارِ اَلْخَاوِيَةِ وَ اَلرُّبُوعِ اَلْخَالِيَةِ لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ وَ بَلاَغِ مَوْعِظَتِكَ بِمَحَلَّةِ اَلشَّفِيقِ عَلَيْكَ وَ اَلشَّحِيحِ بِكَ وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً وَ مَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلاًّ وَ إِنَّ اَلسُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ اَلْهَارِبُونَ مِنْهَا اَلْيَوْمَ إِذَا رَجَفَتِ اَلرَّاجِفَةُ وَ حَقَّتْ بِجَلاَئِلِهَا اَلْقِيَامَةُ وَ لَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ وَ بِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ وَ بِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ فَلَمْ يَجْرِ فِي عَدْلِهِ
وَ قِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي اَلْهَوَاءِ وَ لاَ هَمْسُ قَدَمٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ بِحَقِّهِ فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ وَ عَلاَئِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ وَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ وَ خُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لاَ تَبْقَى لَهُ وَ تَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ وَ شِمْ بَرْقَ اَلنَّجَاةِ وَ اِرْحَلْ مَطَايَا اَلتَّشْمِيرِ أقول : قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته يا أيّها الإنسان ما غرّك بربِّك الكريم هي الآية السادسة من سورة الانفطار و بعدها الذي خلقك فسوّاك فعدلك في أيّ صورةٍ ما شاء ركّبك
قال ابن أبي الحديد لقائل ان يقول لو قال بربّك العزيز أو المنتقم أو نحو ذلك كان أولى لأنّ للإنسان المعاتب أن يقول غرّني كرمك أو ما وصفت به نفسك و جواب هذا :
ان يقال انّ مجموع الصّفات صار كشيء واحد و هو الكريم الّذي خلقك فسوّاك فعدلك في أيّ صورة ما شاء ركّبك و المعنى ما غرّك بربّ هذه صفته و هذا شأنه و هو قادر على أن يجعلك في أيّ صورة شاء فما الّذي يؤمنك من أن يمسخك في صورة القردة و الخنازير و نحوها من الحيوانات العجم و معنى الكريم هاهنا الفيّاض على الموادّ بالصّور و من هذه صفته ينبغي أن يخاف منه تبديل الصورة
. .
و قال الشيخ في ( تبيانه ) : يا أيّها الإنسان خطاب بجميع النّاس من المكلّفين يقول تعالى لكلّ واحد منهم ما غرّك بربِّك الكريم أي أيّ شيء غرّك بخالقك حتّى عصيته في ما أمرك به و نهاك عنه و الغرور ظهور أمر يتوهّم به جهلاً الأمان من المحذور تقول غرّه غروراً و اغترّه اغتراراً ، قال الحارث بن حلزة ( لم يغرركم غروراً و لكن رفع الال جمعهم و الضحاء ) و الكريم القادر
____________________
على التكرّم من غير مانع و من هذه صفته لا يجوز الاغترار به لأنّ تكرّمه على ما تقتضيه الحكمة من مجازاة المحسن باحسانه و المسيىء باسائته و قيل غرّه جهله الوجه في طول الامهال
.
« ادحض مسؤول حجّة » في ( الصحاح ) : مكان دحض و دحض أيضا بالتحريك زلق و دحضت حجّته دحوضا بطلت
. .
إنّما حذف عليه السّلام المبتدء لمعلوميّته من تلاوة الآية فواضح انّ المراد الانسان المخاطب و المعاتب منه تعالى و انّما حكم عليه السّلام بكونه ادحض مسئول حجّة لأنّ له تعالى الحجّة البالغة بإرسال الرّسل و انزال الكتب .
« و أقطع مغترّ معذرة » قال تعالى : لا تعتذروا اليوم إنّما تجزون ما كنتم تعملون
، يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم و لهم اللّعنة و لهم سوء الدار
.
« لقد أبرح جهالة بنفسه » في ( الجمهرة ) : جاء فلان بالبرح اذا جاء بالأمر العظيم و مثل للعرب اذا استعظمها الشيء قالوا : « احدى بنات برح شرك على رأسك » و برح بي هذا الأمر اذا غلظ عليّ و اشتدّ
الى أن قال و للعرب كلمتان عند الرّمي اذا أصاب قالوا مرحى و اذا أخطأ قالوا برحى
.
و قال الجوهري : يقال هذا الأمر أبرح من هذا أي أشدّ و قتلوهم أبرح قتل و لقيت منه برحا بارحا أي شدّة و أذى قال :
____________________
أجدّك هذا عمرك اللَّه كلّما
|
|
دعاك الهوى برح لعينيك بارح
|
و لقد منه بنات برح و بنى برح و لقيت منه البرحين و البرحين بكسر الباء و ضمّها أي الشدائد و الدّواهي
. .
قال ابن أبي الحديد جهالة منصوب على التميّز و قال القطب الرّاوندي :
مفعول به أي جلب جهالة الى نفسه و ليس بصحيح و أبرح لا يتعدّى هاهنا انّما يتعدّى في موضعين أبرحته أي أعجبه و أبرح زيد عمروا أي : أكرمه و أعظمه
. .
و تبعه ( ابن ميثم ) و الخوئي في كون جهالة تميزا
.
قلت : كونه تميزا أيضا غير معلوم بل الظاهر كونه مفعولا له أي أتى بالشّدّة لنفسه للجهالة و يمكن أن يكون مفعولا به كما قال القطب بأن يكون معنى أبرح أعظم أي أكبر جهالة بنفسه و امّا ما قاله من انّ ابرح انّما يتعدّى في موضعين فالأصل في كلامه قول ( الصّحاح ) و أبرحه أي أعجبه يقال ما أبرح هذا الأمر قال الأعشى :
أقول لها حين جدّ الرّحيل
|
|
ابرحت ربّا و أبرحت جارا
|
أي : أعجبت و بالغت و أبرحه أيضا بمعنى أكرمه و أعظمه
. .
إلاّ انّ البيت قد نقله ( الجمهرة ) هكذا :
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيل
|
|
فأبرحت ربا و أبرحت جارا
|
و على نقله يكون الخطاب في أبرحت و ابرحت من بنت الأعشى له و على
____________________
ما نقله ( الصّحاح ) بالعكس و ( الصّحاح ) قال أي أعجبت و بالغت و ( الجمهرة ) قال : أي أكرمت و عظّمت فيكون الأصل في المعنيين البيت و البيت أصله غير معلوم كما انّ ما قالاه في المعنى غير مفهوم من المقام « يا أيُّها الإنسان ما جرأك على ذنبك و ما غرّك بربِّك و ما أنسك بهلكة نفسك » قال ابن أبي الحديد أنّسك بالتّشديد و روى آنسك بالمدّ . .
قلت : و الأصل في الفقرات الثلاث بعد قوله تعالى : ما غرّك بربِّك الكريم قوله تعالى : فما أصبرهم على النّار
« أما من دائك بلول » في ( الصّحاح ) : بلّ الرّجل من مرضه و أبلّ اذا برىء
« أم ليس من نومك » هكذا في ( المصرية )
و الصّواب : ( من نومتك ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
« يقظة » لنعم ما قال الحافظ الشيرازي بالفارسية :
تا كى مى صبوح و شكر خواب صبحدم
|
|
بيدار گرد هان كه نماند اعتبار عمر
|
« أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك » و هي أولى بالرّحم لأنّها أعزّ الأنفس عند الإنسان « فربّما ترى الضّاحي من حرّ الشّمس فتظلّه » هكذا في ( المصريّتين )
: « الضّاحي من حرّ الشّمس » و نقل ابن أبي الحديد و ابن ميثم :
« الضّاحي بحرّ الشمس »
و هو الصحيح ، فالضّاحي البارز و لا يقال البارز
____________________
من حرّ الشمس بل البارز بحرّه .
في ( الصّحاح ) ضحيت بالكسر عرقت و ضحيت أيضا للشّمس ضحاء ممدود اذا برزت و ضحيت بالفتح مثله و المستقبل أضحى من اللّغتين جميعا ،
و في الحديث انّ ابن عمر رأى رجلا محرما قد استظلّ فقال اضح لمن أحرمت هكذا ؟ يرويه المحدّثون بفتح الألف و كسر الحاء من أضحيت قال الأصمعي انّما هو إضح بكسر الألف و فتح الحاء من ضحيت أضحى لأنّه انّما أمره بالبروز للشّمس و منه قوله تعالى و انّك لا تظمؤ فيها و لا تضحى
.
« أو ترى المبتلى بألم يمض جسده فتبكي رحمة له » في ( الصحاح ) : أمضّني الجرح إذا أوجعك و فيه لغة اخرى مضّني الجرح و لم يعرفها الأصمعي و قال :
ثعلب تقول : قد أمضّني الجرح و كان من مضى يقول مضّني بغير ألف الخ و في الجمهرة مضّة الشيء يمضّه مضّا و أمضّه إمضاضا اذا بلغ من قلبه و كان أبو عمرو بن العلا يقول ( مضّني ) كلام قديم قد ترك و كأنّه أراد انّ ( امضّني ) هو المستعمل .
.
« فما صبّرك على دائك » في ( المصباح ) : صبّرت بالتثقيل حمّلته على الصّبر بوعد الأجر
« و جلّدك بمصابك » هكذا في ( المصرية )
و الصّواب :
( على مصابك ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و في ( الخطيّة ) : « على مصائبك » و قال ابن أبي الحديد و روي : « و جلّدك على مصائبك »
. .
____________________
في ( الصّحاح ) : الجلد الصّلابة و الجلادة تقول منه جلد الرّجل بالضّمّ فهو جلد و جليد
و أصابته مصيبة فهو مصاب ، و المصاب الإصابة قال :
أسليم انّ مصابكم رجلا
|
|
أهدى السّلام تحيّة ظلم
|
« و عزّاك عن البكاء على نفسك » في ( الصّحاح ) : العزاء الصّبر يقال عزيته تعزية فتعزّى
« و هي أعزّ الأنفس عليك » ذكروا انّ محتضرا أفاق فرأى امرأته و ولده يبكون عليه فقال لامرأته : لم تبكين ؟ قالت : لأنّك كنت لي قيّما و بعدك أصير أيّما فقال لولده : لم تبكون ؟ فقالوا : لأنّك كنت ممدّ معاشنا و معدّ رياشنا و أثاثنا و فراشنا فقال لهم : قوموا عنّي و دعوني أبكي بنفسي على نفسي فانّكم تبكون على أنفسكم لا عليّ « و كيف لا يوقظك خوف بيات نقمة » في ( الصحاح ) :
بيّت العدوّ أي أوقع بهم ليلا و الاسم البيات
. .
في ( الكافي ) : كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : لا تبدين عن واضحة و قد عملت الأعمال الفاضحة و لا يأمن البيات من عمل السيّئات
.
و في سورة الأعراف أ فأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً و هم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً و هم يلعبون أفامنوا مكر اللَّه فلا يأمن مكر اللَّه إلاّ القوم الخاسرون
و في سورة الاسراء و اذا مسّكم الضُّرُّ في البحر ضلَّ من تدعون إلاّ إيّاه فلّما نجّاكم إلى البرِّ أعرضتم و كان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البرِّ أو يرسل عليكم
____________________
حاصباً ثمّ لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارةً اُخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الرّيح فيغرقكم بما كفرتم ثمّ لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً
.
« و قد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته » في ( الصّحاح ) : قال أبو عبيد أصل الورطة أرض مطمئنة لا طريق فيها و أورطه و ورّطه توريطاً أي أوقعه في الورطة فتورّط هو فيها
و المدرجة المذهب و المسلك قال ساعدة الهذلي يصف سيفا :
ترى أثره في صفحتيه كأنّه
|
|
مدارج شبثان لهنّ هميم
|
و السّطو القهر بالبطش و السّطوة المرّة الواحدة و الجمع السّطوات . .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : تعوّذوا باللَّه تعالى من سطوات اللَّه باللّيل و النّهار قال أبو اسامة قلت له : و ما سطوات اللَّه ، قال : الأخذ على المعاصي
،
« فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة » في ( الصّحاح ) : الفترة : الإنكسار و الضعف ، و عزمت على كذا عزما و عزما ( بالضّمّ ) و عزيما اذا أردت فعله و قطعت عليه
. .
و الفترة داء دويّ و العزيمة شفاء جليّ ، و منشأ ترك الواجبات و ارتكاب المحرّمات داء الفترة ، قال تعالى : و لقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزماً
، كما انّ السّبب في تجرّي العوام على الفجور فترة الخواصّ في الأمر و الزّجر « و من كرى الغفلة في ناظرك بيقظة » في ( الصّحاح ) : الكرى : النعاس
____________________
تقول منه كرى الرّجل بالكسر كرى فهو كر و امرأة كريه على فعلة قال :
لا يشتملّ و لا يكرى مجالسها
|
|
و لا يملّ من النّجوى مناجيها
|
و الناظر في المقلة السّواد الأصغر الّذي فيه انسان العين « و كن للَّه مطيعا » و من يطع اللَّه و رسوله فقد فاز فوزاً عظيماً
« و بذكره انسا » ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب
« و تمثّل في حال تولّيك عنه إقباله عليك » تمثّل أي :
اجعل ذلك ممثّلا عندك « يدعوك الى عفوه » و يعفو عن السيّئات .
.
« و يتغمّدك بفضله » في ( الصحاح ) : الغمد غلاف السيف و تغمّده اللَّه برحمته غمره بها
« و أنت متولّ عنه الى غيره » في ( مصباح الشيخ ) في أدعية نوافل ليالي القدر بعد السّتين منها : فلم أر مولى كريما أصبر على عبد لئيم منك عليّ ياربّ إنّك تدعوني فأولّي عنك و تتحبّب إليّ فأتبغّض اليك و تتودّد إليّ فلا أقبل منك كأنّ لي التّطوّل عليك فلم يمنعك ذلك من الرّحمة بي و الاحسان إليّ و التفضّل عليّ بجودك و كرمك . .
و مثله دعاء كلّ ليلة منه المعروف بالافتتاح « فتعالى من قويّ ما أكرمه » عالم الغيب و الشّهادة الكبير المتعال
« و تواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته » تواضعت هنا للتعجّب كتعالى أي : هو تعالى أيّ متعال قويّ مع ذاك الكرم و أنت أيها الإنسان أيّ وضيع ضعيف مع هذه الجرأة « و أنت في كنف ستره مقيم » في ( الصّحاح ) : الكنف بالتّحريك الجانب و الكنيف حظيرة
____________________
الساتر و يسمّى الترس كنيفا لأنّه يستر و منه قيل للمذهب كنيف و الكنيف حظيرة من شجر يجعل للابل
. .
روى ( الخصال ) عن أبي جعفر عليه السّلام يقول تعالى : يا ابن آدم تطوّلت عليك بثلاث سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك و أوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم خيرا و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرا
« و في سعة فضله متقلّب » . و أسبغ عليكم نعمه ظاهرةً و باطنةً .
.
« فلم يمنعك فضله و لم يهتك عنك ستره » روي عنه عليه السّلام : لو تكاشفتم ما تدافنتم و في ( الكافي ) عن أبي الحسن عليه السّلام : انّ للَّه تعالى منادياً ينادي مهلا مهلا عباد اللَّه من معاصي اللَّه فلو لا بهائم رتّع ، و صبيّة رضّع ، و شيوخ ركّع ،
لصبّ عليكم صبّا ترضّون به رضّا
.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام : ما من عبد إلاّ و عليه أربعون جنّة حتّى يعمل أربعين كبيرة فاذا عمل أربعين كبيرة انكشف عنه الجنن فيوحي تعالى اليهم ان استروا عبدي بأجنحتكم فيستره الملائكة بأجنحتها فما يدع شيئا من القبيح إلاّ قارفه حتّى يمتدح الى الناس بفعله القبيح فتقول الملائكة يا ربّ هذا عبدك ما يدع شيئا إلاّ ركبه و انّا لنستحيي ممّا يصنع فيوحى اللَّه تعالى اليهم ان ارفعوا بأجنحتكم عنه فاذا فعل ذلك أخذ في بغضنا أهل البيت فعند ذلك ينهتك ستره في السّماء و ستره في الأرض فتقول الملائكة : يا ربّ هذا عبدك قد بقى مهتوك السّتر فيوحي تعالى اليهم لو كان للَّه فيه حاجة ما أمركم أن ترفعوا
____________________
أجنحتكم عنه
« بل لم تخل من لطفه مطرف عين » مطرف عين أي طرفة عين و في الصّحاح الطّرف العين و لا يجمع لأنّه في الأصل مصدر فيكون واحدا و جماعة قال تعالى و لا يرتد اليهم طرفهم .
و طرف بصره يطرف طرفا اذا أطبق أحد جفنيه على الآخر الواحدة من ذلك طرفة يقال أسرع من طرفة عين
. .
« في نعمة يحدثها لك أو سيّئة يسترها عليك أو بليّة يصرفها عنك » « في نعمة » متعلّق بقوله « من لطفه » ، و في ( الخصال ) عن أبي جعفر عليه السّلام : العبد بين ثلاثة بلاء و قضاء و نعمة فعليه من البلاء من اللَّه الصّبر فريضة و عليه في القضاء من اللَّه التّسليم فريضة و عليه في النّعمة من اللَّه عز و جل الشّكر فريضة
.
« فما ظنّك به لو أطعته » و لو أنّ أهل القرى آمنوا و اتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السّماء و الأرض .
« و أيم اللَّه » في ( الصحاح ) : أيمن اللَّه اسم وضع للقسم و ربّما حذفوا منه النّون و قالوا : أيم اللَّه و ايم اللَّه بكسر الهمزة و ربّما حذفوا منه الياء و قالوا : ام اللَّه و ربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة فقالوا م اللَّه ثم يكسرونها لانها صارت حرف واحدا فيشبهونها بالباء فيقولون م اللَّه و ربّما قال من اللّه بضمّ الميم و النّون و من اللَّه بفتحهما و من اللّه بكسرهما و قال أبو عبيد و كانوا يحلفون باليمين يقولون يمين اللّه لا أفعل ثمّ يجمع اليمين على أيمن ثمّ حلفوا به فقالوا أيمن اللّه لأفعلنّ كذا فهذا هو الأصل في ايمن اللّه ثمّ كثر
____________________
هذا في كلامهم و خفّف على ألسنتهم حتّى حذفوا منه النّون
. « لو أنّ هذه الصّفة » أي تولّيك و اقباله « كانت في متّفقين في القوّة » كملكين مثلين أو سوقتين متكافيين « متوازيين في القدرة » قال ابن أبي الحديد : و روى ( متوازنين ) بالنون
« لكنت أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق و مساوي الأعمال » في ( الصحاح ) : ساءه يسوءه سوء بالفتح و مسائة و مسائية نقيض سرّه و الاسم السّوء بالضّمّ تقول رجل سوء بالإضافة و رجل السوء قال الأخفش و لا يقال الرّجل السّوء و يقال الحقّ اليقين و حقّ اليقين لأنّ السّوء ليس بالرّجل و اليقين هو الحقّ و لا يقال هذا رجل السّوء بالضّمّ ابن السكيت سؤت به ظنّا و أسأ به الظّنّ يثبتون الألف إذا جاؤا بالألف و اللاّم ، قال سيبويه سألت الخليل عن سؤته سوائيه فقال هي فعالية بمنزلة علانية و الّذين قالوا سوايه حذفوا الهمزة و أصله الهمز و سألته عن مسائيه فقال مقلوبة و أصلها مساوئه فكرهوا الواو مع الهمزة و الّذين قالوا مسايه حذفوا الهمزة تخفيفا و قولهم الخيل تجري على مساوئها أي انّها و ان كانت بها أوصاب و عيوب فانّ كرمها يحملها على الجري
.
« و حقّا أقول ما الدّنيا غرّتك و لكن بها اغتررت » يعني عليه السّلام انّ اسناد الغرّ الى الدّنيا بأنّ الدّنيا غرّت فلانا اسناد مجازيّ و حقيقته انّ النّاس يغترّون بها فيقال مجازا انّ الدّنيا غرّتهم و مثل هذا المجاز كثير في الكلام كقوله تعالى و لقد ذرأنا لجهنّم كثيرا من الجنّ و الإنس .
.
و في الحقيقة ما ذرأهم لجهنّم بل ليعبدوه و يدخلهم جنّته إلاّ انّهم لمّا
____________________
يعملون أعمالا يؤديّهم الى جهنّم فكأنّهم ذرئوا لها و كقوله تعالى فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وَ حَزَناً .
، و ما التقطوه لذلك إلاّ انّه لمّا أدّى الى ذلك كأنّهم التقطوه لذلك و كقولهم ( لدوا للموت و ابنوا للخراب ) « و لقد كاشفتك العظات » قال تعالى : و لقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدَّكِرٍ
قال ابن أبي الحديد : العظات منصوب على حذف الخافض ، أي : كاشفتك بالعظات و روى العظات بالرّفع على انّه فاعل و روى كاشفتك الغطاء ، قلت الوجه النّصب لأنّ قوله بعد « و آذنتك » أي : الدّنيا ، يدلّ على انّ المراد هنا أيضا انّ الدّنيا كاشفة بمواعظها الحاليّة التي فوق المقاليّة لأنّ في المقال يجيء الكذب و لا يجيء في الحال
.
و في ( الصّحاح ) : كاشفة بالعداوة أي : باداه بها
« و اذنتك على سواء » الأصل فيه قوله تعالى : فإن تولّوا فقل آذنتكم على سواء
في ( الصحاح ) تقول آذنته اذا أصبت اذنه و آذنتك بالشيء أعلمتكه
و السّواء العدل قال تعالى : فانبذ إليهم على سواءٍ .
« و لهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك و النّقص في قوّتك أصدق و أوفى من أن تكذّبك أو تغرّك » إنّما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل الناس و الأنعام حتّى اذا أخذت الأرض زخرفها و ازّينت و ظنّ أهلها انّهم قادرون عليها اتاها أمرنا
____________________
ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصّل الآيات لقومٍ يتفكّرون
.
« و لربّ ناصح لها عندك متّهم و صادق من خبرها مكذّب » طبيعة الإنسان اتّهام ناصحه إذا نصحه بما لم يوافق هواه و يكذّب المخبر اذا لم يخبره بما يهواه ، ذكر ( الطبري ) في غزوة بدر : أنّ المسلمين أصابوا قبل التقاء الجيشين رواية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجّاج و عريض غلام بني العاص فأتوا بهما النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و النبيّ قائم يصلّى فسألوهما فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما و رجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلمّا اذ لقوهما قالا : نحن لأبي سفيان فتركوهما ثمّ سلّم النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله فقال : اذا صدقاكم ضربتموهما و اذا كذباكم تركتموها صدقا و اللَّه انّهما لقريش
.
« و لئن تعرّفتها في الدّيار الخاوية » في ( الصحاح ) : قوله تعالى : فتلك بيوتهم خاوية
أي خالية و يقال ساقطة كما قال . فهي خاويةٌ على عروشها .
أي ساقطة على سقوفها
« و الربوع الخالية » في ( الصحاح ) :
الرّبع الدّار بعينها حيث كانت و جمعها رباع و ربوع و ارباع و أربع و الرّبع المحلّة
.
في ( ذيل الطبري ) في ( الشعبي ) قال محمّد بن أبي أميّة أصاب اليمن
____________________
مطر فجحف السّيل موضعا فأبدى عن أزج عليه باب من حجارة فكسر الغلق فاذا بهوّ عظيم فيه سرير من ذهب و اذا عليه رجل طوله اثنى عشر شبرا و عليه جباب من و شي منسوجة بالذّهب و الى جنبه محجن من ذهب على رأسه ياقوتة حمراء و إذا رجل أبيض الرأس و اللّحية له ضفران و الى جنبه لوح مكتوب فيه بالحمرانية : باسمك اللّهمّ ربّ حمير انا حسّان بن عمرو القيل إذ لا قيل إلاّ اللّه عشت بأمل و متّ بأجل أيام و خزهيد هلك فيه اثنى عشر ألف قيل و كنت آخرهم و أتيت جبل ذي شعبين ليجيرني من الموت فأخفرني »
.
« لتجدنّها من حسن تذكيرك و بلاغ موعظتك بمحلّة الشفيق عليك » في ( المصباح ) : اشفقت من كذا حذرت و أشفقت على الصّغير عنوت و عطفت
.
و في ( الصحاح ) : أشفقت فأنا مشفق و شفيق
. .
في ( صفين نصر بن مزاحم ) في شخوص أمير المؤمنين عليه السّلام : ثمّ مضى نحو ساباط حتى انتهى الى مدينة نهر سير و اذا رجل من أصحابه يقال له حريز بن سهم بن طريف من بني ربيعة بن مالك ينظر الى آثار كسرى و هو يتمثّل بقول ابن يعقوب التميمي :
جرت الرّياح على مكان ديارهم
|
|
فكأنّهم كانوا على ميعاد
|
فقال علي عليه السّلام أفلا قلت : كم تركوا من جنّاتٍ و عيونٍ و زورعٍ و مقامٍ كريم و نعمةٍ كانوا فيها فاكهين كذلك و أورثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرين
انّ هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين انّ هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية ،
____________________
إيّاكم و كفر النّعم لا تحلّ بكم النقم .
« و الشحيح بك » في ( الصحاح ) الشّحّ البخل مع حرص تقول شححت بالكسر و شححت أيضا تشحّ و تشحّ و رجل شحيح و قوم شحاح و أشحّة و فلان يشحّ على فلان أي يضيّن به
، « و لنعم دار من لم يرض بها دارا و محلُّ من لم يوطنها محلاّ » يا قوم إنّما هذه الحياة الدُّنيا متاعٌ و إنَّ الآخرة هي دار القرار
، و إنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
« و انّ السّعداء بالدّنيا هم الهاربون منها اليوم » إنَّ الّذين هم من خشية ربِّهم مشفقون و الّذين هم بآيات ربِّهم يؤمنون و الّذين بهم بربِّهم لا يشركون و الّذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم و جلةٌ انّهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« إذا رجفت الرّاجفة » في سورة النازعات يوم ترجف الرّاجفة تتبعها الرّادفة قلوب يومئذٍ واجفةٌ أبصارها خاشعةٌ
.
قال القمّي في ( تفسيره ) : ترجف الرّاجفة أي : تنشقّ الأرض بأهلها
.
و في ( الصحاح ) : الرّجفة : الزلزلة ، و الرّجّاف البحر سمّى به لاضطرابه
، « و حقّت بجلائلها القيامة » في ( الصّحاح ) حقّ الشّيء يحقّ بالكسر أي وجب
. .
____________________
و الجلائل جمع جليلة و هي كلّ صفة عظيمة شديدة و لا وجه لاقتصار الصحاح فيه على معنى الثّمام فقال الجليل الثّمام و هو نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت ، قال :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة
|
|
بمكّة حولي أذخر و جليل
|
الواحدة جليلة و الجمع جلائل قال : يلوذ بجنبي مرخة و جلائل
. .
قال تعالى : يا أيها النّاس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيمٌ يوم ترونها تذهل كلّ مرضعةٍ عمّا أرضعت و تضع كلّ ذات حملٍ حملها و ترى النّاس سكارى و ما هم بسكارى و لكنّ عذاب اللَّه شديد
.
و روى الخطيب في عرفة بن يزيد انّ نافع بن الأزرق جاء الى ابن عبّاس فقال له اخبرني عن قوله تعالى : يوم يجمع اللَّه الرُّسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا .
و قوله تعالى : و نزعنا من كُلِّ اُمّةٍ شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا انّ الحقّ للَّه .
فكيف علموا و قد قالوا لا علم لنا ، قال له و اخبرني عن قوله تعالى : ثمَّ إنّكم يوم القيامة عند ربِّكم تختصمون
، و قوله تعالى :
لا تختصموا لديَّ .
، فكيف يختصمون و قد قال لا تختصموا لديّ ، قال له و اخبرني عن قوله تعالى : اليوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أيديهم و تشهد أرجلهم .
، فكيف شهدوا و قد ختم على الأفواه ، فقال له : إنّ للقيامة أحوالا
____________________
و أهوالا و فظائع و زلازل و ذهلت الامّهات عن الأولاد و قذفت الحوامل ما في البطون و سجّرت البحار و دكدكت الآكام و لم يلتفت والد الى ولد و لا والدة الى ولد و جيء بالجنّة يلوح فيها قباب الدّرّ و الياقوت حتى تنصب عن يمين العرش ثم جيء بجهنّم يقاد بسبعين ألف زمام من حديد ممسك بكلّ زمام سبعون ألف ملك
. .
« و لحق بكلّ منسك أهله » في ( الصّحاح ) المنسك العبادة و النّاسك العابد و النّسيكة الذّبيحة و الجمع نسك و نسّاك تقول منه نسك فيه ينسك و المنسك و المنسك الموضع الّذي تذبح فيه النّسائك و قرىء بهما قوله تعالى لكلِّ اُمةٍ جعلنا منسكاً هم ناسكوه .
.
قلت : ظاهره اختصاص المنسك و المناسك بموضع الذّبائح مع انّ المناسك تجيء لمطلق عبادات الحجّ و مطلق ما في العبادات قال تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللَّه كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً .
، و قال تعالى حكاية عن ابراهيم : ربّنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذرّيتنا اُمّةً مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا انّك أنت التّواب الرحيم
، و كذلك المنسك يجيء لمطلق العبادة كما في قوله تعالى لكلّ اُمّةٍ جعلنا منسكاً هم ناسكوه .
و مثله كلامه عليه السّلام الذي أصله الآية فالمراد به انّه لحق بكلّ شريعة و ملّة أهله فمن كان شرعه شرع اللَّه لحق به و من كان شرعه عن غير اللَّه لحق به أيضا ،
قال تعالى احشروا الّذين ظلموا و أزواجهم و ما كانوا يعبدون من دون اللَّه
____________________
فاهدوهم الى صراط الجحيم
.
و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد في شرح كلامه عليه السّلام و المنسك الموضع الذي تذبح فيه الذبائح و هي ذبائح القربان
. فأيّ ربط لذلك بكلامه لكن سبب خبطه اقتصار الصحاح على ذاك المعنى ، « و بكلّ معبود عبدته » قال ابن أبي الحديد فان قلت فاذا كان يلحق بكلّ معبود عبدته فالنّصارى إذن يلحق بعيسى عليه السّلام و الغلاة بعليّ عليه السّلام و أجاب بأنّ المراد ان يؤمر الاتباع في الموقف بالتحيّز الى الجهة التي فيها الرؤساء ثمّ يقال للرّؤساء أهؤلاء عبدتكم فحينئذ يتبرّؤن منهم فينجو الرّؤساء و يهلك الاتباع كما قال سبحانه أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون .
.
و هو كما ترى .
« و بكلّ مطاع أهل طاعته » و قالوا ربّنا إنّا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلّونا السّبيلا ربّنا آتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعناً كبيراً
.
« فلم يجر في عدله و قسطه يومئذ خرق بصر في الهواء و لا همس قدم في الأرض إلاّ بحقّه » قال ابن أبي الحديد : اختلفت الرّواة في ( يجر ) فرواه قوم يجر مضارع جرى فيكون المعنى فلم يكن و لم يتجدّد في ديوان حسابه ذلك اليوم صغير و لا حقير إلاّ بالحقّ و الإنصاف و هذا مثل قوله تعالى : . لا ظلم اليوم إنّ اللَّه سريع الحساب
و رواه قوم ( يجز ) مضارع جاز أي لم يسغ و لا
____________________
يرخص ذلك اليوم لأحد من المكلّفين في حركة من الحركات المحقّرات المستصغرات إلاّ إذا كانت قد فعلها بالحقّ و رواها قوم فلم يجر من جار أي عدل عن الطّريق أي لم ذهب عنه سبحانه شيء من محقّرات الأمور إلاّ بحقّه إلاّ ما لا فائدة في اثباته نحو الحركات المباحة و العبثيّة التي لا تدخل تحت التكليف
. .
قلت : الأخير بلا وجه لأنّه لا معنى لأن يقال لم يكن يومئذ جور إلاّ بحقّه ،
قال ابن أبي الحديد : أيضا قال الرّاوندي : « خرق بصر » مرفوع لأنّه اسم ما لم يسمّ فاعله و لا أعرف لهذا الكلام معنى
.
قلت : الظّاهر أنّ الراوندي قرأ لم يجز مجهولا من الجزاء نظير قوله تعالى . هل يجزون إلاّ ما كانوا يعملون
و هو الأقرب من سائر ما ذكر و معنى « خرق بصر في الهواء » ممّره فيه و همس قدم في الأرض أخفى ما يكون من صوت القدم قال تعالى . فلا تسمع إلاّ همساً
.
« فكم حجّة يوم ذاك داحضة » في ( الصحاح ) : دحضت حجّة دحوضا بطلت
. .
قال تعالى : و الذين يحاجّون في اللَّه من بعد ما استجيب له حجّتهم داحضةٌ عند ربِّهم و عليهم غضبٌ و لهم عذاب شديدٌ
.
« و علائق عذر منقطعة » قال تعالى : يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم و لهم
____________________
اللّعنة و لهم سوءُ الدّار
« فتحرّ من أمرك ما يقوم به عذرك » في ( الصحاح ) : يقال هو حرى أن يفعل بالفتح أي : خليق و جديد لا يثنّى و لا يجمع و اذا قلت هو حر بكسر الرّاء أو حريّ على فعيل ثنّيت و جمعت و منه اشتقّ التحريّ في الأشياء و هو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غلبة الظنّ
« و تثبت به حجّتك » و إذ قال اللَّه يا عيسى بن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني و اُمّي إلهين من دون اللَّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علاّم الغيوب ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به ان اعبدوا اللَّه ربّي و ربّكم و كنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلّما توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم و أنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ إن تعذّبهم فإنّهم عبادك و ان تغفر لهم فانّك أنت العزيز الحكيم قال اللَّه هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها .
.
و في ( الكافي ) عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله يؤتي يوم القيامة برجل فيقال له : احتجّ فيقول يا ربّ خلقتني و هديتني و أوسعت عليّ فلم أزل أوسّع على خلقك و أيسّر عليهم لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره فيقول الرّب جلّ ثناؤه صدق عبدي ادخلوه الجنّة
.
« و خذ ما يبقى لك ممّا لا تبقى له » ما عندك ينفد و ما عند اللَّه باقٍ .
،
و تركتم ما خّولناكم وراء ظهوركم .
« و تيسّر لسفرك » في ( الصحاح ) :
____________________
تيسّر لفلان الخروج و استيسر له بمعنى ، أي : تهيّأ
. .
قال تعالى : و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ .
« و شم برق النّجاة » في ( الصحاح ) : في وشم أو شم البرق : لمع لمعا خفيفا قال أبو زيد : هو أوّل البرق حين برق و قال في شيم شمت فحائل الشيء إذا تطلعت نحوها ببصرك منتظرا لها و شمت البرق اذا نظرت الى سحابه أين تمطر
. .
و مثله القاموس
، و أظنّ ذكره في وشم و هما ، و لم يذكر ( الجمهرة ) و ( المصباح )
نظر البرق إلاّ في شيم و لفظه عليه السّلام أيضا من شيم لكن ان صحّ ما قال ( الصحاح ) فأوشم لمعانه في نفسه و شام ، نظر الانسان اليه اين يكون و كيف كان ، قال تعالى : يا أيها الّذين آمنوا هل أدلّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليم تؤمنون باللَّه و رسوله و تجاهدون في سبيل اللَّه بأموالكم و أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار و مساكن طيّبةً في جنّات عدنٍ ذلك الفوز العظيم
.
« و أرحل مطايا التّشمير » في ( الصّحاح ) : رحلت البعير أرحله رحلا اذا شددت على ظهره الرّحل ، قال الأعشى :
رحلت سميّة غدوة احمالها
|
|
غضبي عليك فما تقول بدالها
|
و قال المثقب العبدي :
____________________
اذا ما قمت ارحلها بليل
|
|
تأوّه آهة الرجل الحزين
|
و في ( المصباح ) : المطا وزان العصا : الظّهر ، و منه قيل للبعير مطيّة ( فعيله ) لأنّه يركب مطاه ذكرا كان أو انثى و يجمع على مطايا
و التشّمير في الأمر : السّرعة فيه و الخفّة و منه قيل شمّر في العبادة اذا بلغ و اجتهد و شمّر ثوبه رفعه . .
و روى ابن بابويه عن سفيان بن عيينة قال : رأى الزّهري عليّ بن الحسين عليه السّلام في ليلة باردة مطيرة و على ظهره دقيق و حطب و هو يمشي فقال له يا ابن رسول اللَّه ما هذا ؟ قال اريد سفرا اعتدّ له زادا الى موضع حريز فقال الزّهري فهذا غلامي يحمله عنك فأبى ، قال أفأحمله عنك ؟ فإني أرفعك عن حمله فقال عليه السّلام : لكنّي لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري و يحسن وردي على ما أرد عليه أسألك بحقّ اللَّه لما مضيت لحاجتك و تركتني فانصرف عنه فلّما كان بعد أيّام قال له يا ابن رسول اللَّه لست أرى لذلك السّفر الذي ذكرته أثرا قال : بلى يا زهري ليس ما ظننته و لكنّه الموت و له استعدّ و انّما الاستعداد للموت تجنّب الحرام و بذل النّدى
.
١٥
من الخطبة ( ١٧١ ) فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ وَ إِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص ؟ كَانَ يَقُولُ يَا اِبْنَ آدَمَ اِعْمَلِ اَلْخَيْرَ وَ دَعِ اَلشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ أَلاَ وَ إِنَّ اَلظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ فَظُلْمٌ لاَ يُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لاَ يُتْرَكُ وَ ظُلْمٌ
____________________
مَغْفُورٌ لاَ يُطْلَبُ فَأَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اَللَّهُ إِنَّ اَللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ١ ٧ ٤ : ٤٨ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ اَلْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ اَلْهَنَاتِ وَ أَمَّا اَلظُّلْمُ اَلَّذِي لاَ يُتْرَكُ فَظُلْمُ اَلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً اَلْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لاَ ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَ لَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ فَإِيَّاكُمْ وَ اَلتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اَللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ اَلْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَ لاَ مِمَّنْ بَقِيَ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ اَلنَّاسِ وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ وَ اِشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أقول : أمّا قوله عليه السّلام « فاذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه و إذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه » فقد قال تعالى تعاونوا على البرّ و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتّقوا اللَّه انّ اللَّه شديد العقاب
.
و قال الشاعر :
الخير يبقى و ان طال الزّمان به
|
|
و الشّر أخبث ما أوعيت من زاد
|
« فان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله كان يقول يا ابن آدم اعمل الخير و دع الشّرّ فاذا انت جواد قاصد » الجواد يأتي لمعان ، قال في ( الصحاح ) : جاد الرّجل بماله و يجود فهو جواد و كذلك امرأة جواد قال :
صناع باشفاها حصان بشكرها
|
|
جواد بقوت البطن و العرق زافر
|
و تقول : سرنا عقبة جوادا أي : بعيدة و جاد الفرس أي : صار رائعا يجود جودة بالضّمّ فهو جواد للذّكر و الأنثى من خيل جياد و أجياد و أجاويد .
.
____________________
و المراد منه هنا الأخير و كذلك قاصد يأتي لمعان ، قال في ( الصحاح ) :
أيضا القاصد القريب يقال : بيننا و بين الماء ليلة قاصدة أي : هيّنة السّير لا تعب فيه ، و لا بطؤ ، و القصد : بين الاسراف و التّقتير ، و القصد : العدل .
.
و يمكن إرادة كلّ منها ، و يمكن أن يكون كلامه عليه السّلام إشارة الى قوله تعالى انّ الّذين قالوا ربّنا اللَّه ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
.
و روى ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السّلام قال : إنّ الشّمس لتطلع و معها أربعة أملاك ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و ابشر و ملك ينادي يا صاحب الشّرّ انزع و اقصر و ملك ينادي اعط منفقا طلفا وات ممسكا تلفا و ملك ينضحها بالماء و لو لا ذلك اشتعلت الأرض
.
« ألا و انّ الظّلم ثلاثة فظلم لا يغفر و ظلم لا يترك و ظلم مغفور لا يطلب » و رواه ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السّلام أيضا .
« فأمّا الظّلم الّذي لا يغفر فالشّرك باللَّه » جعل عليه السّلام الشّرك من الظّلم لقوله تعالى و إذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بنيّ لا تشرك باللَّه انّ الشّرك لظلمٌ عظيم
و ورد في الخبر : أنّ الشّرك شرك جليّ و شرك خفيّ و الرّياء من الشرك الخفي
.
كما انّ المنافق كالمشرك لا يغفر تعالى له فقال لنبيّه صلَّى اللَّه عليه و آله . ان تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر اللَّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللَّه و رسوله و اللَّه
____________________
لا يهدي القوم الفاسقين
.
« قال اللَّه إنّ اللَّه لا يغفر ان يشرك به » قال تعالى ذلك في موضعين من سورة النساء الأول في الآية ( ٤٨ ) إنَّ اللَّه لا يغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و من يشرك باللَّه فقد افترى إثماً عظيماً و الثاني في الآية ( ١١٦ ) إنّ اللَّه لا يغفر أن يُشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و من يشرك باللَّه فقد ضلّ ضلالاً بعيداً .
« و أمّا الظلم الّذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات » في ( الصحاح ) :
في فلان هنات أي : خصلات شرّ و لا يقال ذلك في الخير
.
و في ( اللّسان ) ما معناه : منهم من يقول أصل هن هنو و تصغيره هنيّ ،
و منهم من يقول أصله هنّ و تصغيره هنين و الجمع هنات ، قال الكميت :
و قالت لي النّفس اشعب الصّدع و اهتبل
|
|
لإحدى الهنات المعضلات اهتبالها
|
و في حديث سطيح ( ثمّ تكون هنات و هنات ) أي شدائد و امور عظام .
.
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم .
، و الذين اذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذّنوب إلاّ اللَّه و لم يصّروا على ما فعلوا و هم يعلمون
، الّذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلاّ اللّمم إنّ ربّك واسع المغفرة .
.
____________________
و المراد بقوله عليه السّلام « عند بعض الهنات » وقوع العصيان منه غفلة ثمّ يتذّكر فورا كما هو مفاد تلك الآيات و امّا من يعص قصدا و يصرّ فهو ممّن قال تعالى بلى من كسب سيّئة و أحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون
و انّما هو ظلم العبد نفسه لا ربّه لأنّه تعالى قال يا أيُّها الناس انّما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدُّنيا ثمّ الينا مرجعكم فننبّئكم بما كنتم تعملون إنّما مثل الحياة الدُّنيا
. .
و في ( الكافي ) عن الصّادق و الكاظم عليهما السّلام عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : من أصبح لا يهمّ بظلم أحد غفر اللَّه له ما اجترم
.
« و أمّا الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا » روى ( الكافي ) عن عبد الأعلى مولى آل سام قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام مبتدئا ( من ظلم سلّط اللَّه عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه فقال فانّ اللَّه تعالى يقول و ليخش الّذين لو تركوا من خلفهم ذُرِّيّةً ضعافاً خافوا عليهم فليتّقوا اللَّه و ليقولوا قولاً سديداً
.
و عنه عليه السّلام : أوحى اللَّه تعالى الى نبيّ من الأنبياء في مملكة جبّار أن ائته و قل له : انّي لم استعملك على سفك الدّماء و اتّخاذ الأموال و انّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين و انّي لم أدع ظلامتهم و ان كانوا كفّارا
.
« القصاص هناك شديد » روى ( الكافي ) عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله قال : من خاف
____________________
القصاص كفّ عن ظلم النّاس
.
« ليس هو جرحا بالمدى » في ( الصحاح ) المدية بالضّمّ : الشفرة و قد تكسر و الجمع مديات و مدى
.
« و لا ضربا بالسّياط » في ( الصحاح ) السّوط الّذي يضرب به و الجمع أسواط و سياط
.
و في ( وزراء الجهشياري ) قلّد يزيد بن عبد الملك عمر بن هبيرة العراق فلمّا صار اليه عزم على الجباية فخاف مكان صالح بن عبد الرحمن عند يزيد فقال لكاتبه هل الى صالح من سبيل قال : لا ، الاّ أن تظلمه قال : و كيف لي بظلمه ،
قال : كان رفع الى يزيد بن المهلّب ستّمأة ألف درهم و لم يأخذ منه بها براءة فكتب ابن هبيرة الى يزيد انّ بي الى صالح حاجة فان رأى ان يوجّهه اليّ فعل فدعا يزيد بصالح فأخبره فقال و اللّه ما به اليّ حاجة و لقد تركت العراق و لو أتاه أبكم أكمه عرف ما فيه فأنفذه اليه فلمّا وصل الى ابن هبيرة أمر به فعذّب فكان كلّما عذّب بضرب من العذاب قال هذا القصاص قد كنت أعذّب الناس بمثل هذا حتّى عذّب بضرب منه كان يدعى الفزاديّة كان اياس بن معاوية دلّ ابن هبيرة عليه فقال صالح هذا ما لم اعذّب به فلمّا ألحّ ابن هبيرة على صالح بالعذاب جاء جبلة بن عبد الرّحمن وجبهان بن محرز و النّعمان السّكسكي و قالوا نحن نضمن صالحا و ما عليه فقال لهم الكاتب احضروا المال فدخل الكاتب على ابن هبيرة فأعلمه فلم يخرج اليهم حتّى أمسوا و انصرفوا و أصبح صالح ميتا
.
____________________
« و لكنّه ما يستصغر ذلك معه » قال ابن أبي الحديد قال الأوزاعي للمنصور روي لي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله لو أنّ ثوبا من ثياب أهل النّار علّق بين السماء و الأرض لأحرق أهل الأرض قاطبة فكيف بمن يتقمّصه و لو انّ ذنوبا من حميم جهنّم صبّ على ماء الأرض كلّه لآجنه حتّى لا يستطيع مخلوق شربه فكيف بمن يتجرّعه و لو انّ حلقة من سلاسل النّار وضعت على جبل لذاب كما يذوب الرّصاص فكيف بمن يسلك فيها و يرد فضلها على عاتقه
.
أبو سعيد الخدري مرفوعا : لو ضرب جبال الدّنيا بمقمع من تلك المقامع من الحديد لصارت غبارا
.
و قال الحسن البصري : الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النّار انّهم أعجزوا الرّبّ و لكن اذا طغا بهم اللّهب أرسبتهم في النّار قال ثمّ خرّ الحسن صعقا و قال و دموعه تتحادر يا بن آدم نفسك فانّما هي نفس واحدة ان نجت نجوت و ان هلكت لم ينفعك من نجا و اللَّه ما يقدر العباد قدر حرّها و لو انّ رجلا كان بالمشرق و جهنّم بالمغرب ثم كشف عن غطاء واحد منها لغلت جمجمته و لو انّ دلوا من صديدها صبّ في الأرض ما بقي على وجهها شيء فيه روح إلاّ مات
.
طاووس أيّها النّاس انّ النّار لمّا خلقت طارت أفئدة الملائكة فلّما خلقتم سكنت
.
مطرف بن الشّخير : انّكم لتذكرون الجنّة و انّ ذكر النّار قد حال بيني و بين أن أسأل اللَّه الجنّة
.
____________________
قلت : و في دعاء كميل : ( و هذا ما لا تقوم له السماوات و الأرض فكيف بي و أنا عبدك الضعيف الذّليل الحقير المسكين المستكين )
.
و روى ( عقاب الأعمال ) عن عيص بن العاصم قال : ذكر عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام قاتل الحسين عليه السّلام فقال بعض أصحابه كنت أشتهي أن ينتقم اللَّه منه في الدّنيا فقال كأنّك تستقلّ له عذاب اللَّه و ما عند اللَّه أشدّ عذابا و أشدّ نكالا
.
« فأيّاكم و التّلوّن في دين اللَّه » في ( الصحاح ) : فلان متلوّن اذا كان لا يثبت على خلق واحد . .
قال الجاحظ في ( سفيانيّته ) كما نقل عنه ( ابن أبي الحديد ) في موضع آخر : قال عمر للزّبير بعد جعله من احدى ستّة الشورى : امّا أنت فوعقة لقس مؤمن الرّضا كافر الغضب يوما إنسان و يوما شيطان و لعلّها لو أفضت اليك ظلّت يومك تلاطم بالبطحاء على مدمن شعير أفرأيت أن أفضت اليك فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا اماما و من تكون يوم تغضب اماما الخ و لتلوّنه في دين اللّه يوما حارب عن أمير المؤمنين عليه السّلام و يوما حاربه و يوما قال لا ابايع غيره يوما كان أوّل من نكث بعد بيعته
.
« فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل » قل تعالوا اتل ما حرّم ربّكم عليكم ألاّ تشركوا به شيئا و بالوالدين احساناً و لا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم و إيّاهم و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و لا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللَّه إلاّ بالحقّ ذلكم وصّاكم به لعلّكم
____________________
تعقلون و لا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلاّ وسعها و اذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى و بعهد اللَّه أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلّكم تذكّرون
، و انَّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و لا تتّبعوا السُّبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون
.
« و إنَّ اللّه سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممّن مضى و لا ممّن بقى » شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحا و الّذي أوحينا اليك و ما وصّينا به ابراهيم و موسى و عيسى ان أقيموا الدّين و لا تتفرّقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه اللَّه يجتبي اليه من يشاء و يهدي اليه من ينيب
.
« يا أيّها النّاس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس » في الخبر قال عزّ و جلّ لموسى عليه السّلام يا موسى احفظ وصيّتي لك بأربعة أوّلهنّ ما دمت لا ترى ذنوبك قد غفرت فلا تشتغل بعيب غيرك و الثّانية ما دمت لا ترى كنوزي قد نفدت فلا تغتمّ بسبب رزقك و الثّالثة ما دمت لا ترى زوال ملكي فلا ترج أحدا غيري و الرّابعة ما دمت لم تر الشيطان ميتا فلا تأمن مكره
.
« و طوبى لمن لزم بيته و أكل قوته » قال ( ابن أبي الحديد ) : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله ان اللَّه يحبّ التقيّ النّقيّ الخفيّ
و كان يقال : الاستيناس بالنّاس من علامات الافلاس
.
____________________
« و اشتغل بطاعة ربِّه و بكى على خطيئته » قال ابن أبي الحديد قيل لبعضهم ما أصبرك على الوحدة ؟ فقال لست وحدي ، أنا جليس ربّي اذا شئت ان يناجيني قرأت كتابه و اذا شئت أن اناجيه صلّيت
.
و قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله لعبد اللَّه بن عامر الجهني لمّا سأله عن طريق النّجاة ،
يسعك بيتك و امسك عليك دينك و ابك على خطيئتك
.
و قيل للحسن هاهنا رجل لم نره قطّ جالسا إلاّ وحده خلف سارية فقال اذا رأيتموه فأخبروني فنظروا اليه ذات يوم فقالوا للحسن فمضى نحوه فقال ما يمنعك من مجالسة النّاس ؟ قال أمر شغلني عنهم ، قال : فما يمنعك أن تأتي هذا الرّجل الّذي يقال له الحسن ، فتجلس اليه قال : أمر شغلني عن النّاس و عن الحسن قال و ما ذاك ؟ قال إنّي أصبح و أمسي بين نعمة و ذنب ، فاشغل نفسي بشكر اللَّه على نعمه و الاستغفار من ذنوبي فقال له الحسن : أنت أفقه عندي من الحسن فالزم ما أنت عليه
.
« فكان من نفسه في شغل و النّاس منه في راحة » قال ابن أبي الحديد : قال الفضل اذا رأيت اللّيل مقبلا فرحت به و قلت اخلو بربّي و اذا رأيت الصّبح أدركني استرجعت كراهيّة لقاء النّاس و ان يجيىء إليّ من يشغلني عن ربّي
.
قال ابن أبي الحديد كلامه عليه السّلام تختلف مناهجه رجّح هنا العزلة على المخالطة و كلامه عليه السّلام في دخوله على العلاء بن زياد الحارثي عائدا نهى عن العزلة و يجب أن يحمل ذلك على انّ من النّاس من العزلة خير له من المخالطة و منهم من هو بالضّدّ من ذلك .
.
____________________
قلت : بل كلامه عليه السّلام متّفق الأطراف و لم ينه العلاء عن العزلة و انّما كان العلاء ترك أهله و ولده و لهم حقوق و ترك الاكتساب له و لهم و هو واجب و كلامه عليه السّلام وارد في التنكّب عن مخالطة أهل الدّنيا الّذين دأبهم النّفاق و يلزمه الاشتغال بذكر عيوب النّاس و ترك عبادة اللَّه تعالى و المخاصمة مع عباده .
١٦
الخطبة ( ٢٠ ) و من خطبة له عليه السّلام :
فَإِنَّ اَلْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ وَرَاءَكُمُ اَلسَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ أقول : إن هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه و بعد كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بكل كلام لمال به راجحا و برز عليه سابقا فأمّا قوله عليه السلام تخففوا تلحقوا فما سمع كلام أقل منه مسموعا و لا أكثر محصولا و ما أبعد غورها من كلمه و أنفع نطفتها من حكمة و قد نبهنا في كتاب ( الخصائص ) على عظم قدرها و شرف جوهرها .
الخطبة ( ١٦٢ ) و من خطبة له عليه السّلام في أوّل خلافته :
إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ اَلْخَيْرَ وَ اَلشَّرَّ فَخُذُوا نَهْجَ اَلْخَيْرِ تَهْتَدُوا وَ اِصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ اَلشَّرِّ تَقْصِدُوا اَلْفَرَائِضَ اَلْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اَللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ إِنَّ اَللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وَ أَحَلَّ حَلاَلاً غَيْرَ مَدْخُولٍ وَ فَضَّلَ حُرْمَةَ اَلْمُسْلِمِ عَلَى اَلْحُرَمِ كُلِّهَا وَ شَدَّ بِالْإِخْلاَصِ وَ اَلتَّوْحِيدِ حُقُوقَ اَلْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ اَلْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لاَ يَحِلُّ أَذَى اَلْمُسْلِمِ إِلاَّ بِمَا يَجِبُ بَادِرُوا
أَمْرَ اَلْعَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَ هُوَ اَلْمَوْتُ فَإِنَّ اَلنَّاسَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ اَلسَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ اِتَّقُوا اَللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلاَدِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ اَلْبِقَاعِ وَ اَلْبَهَائِمِ وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ لاَ تَعْصُوهُ وَ إِذَا رَأَيْتُمُ اَلْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ وَ إِذَا رَأَيْتُمُ اَلشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ أقول : قد تبيّن لك من جمعنا بين الخطبتين انّ الأصل في الأولى ذيل الأخيرة مع يسير اختلاف و لم يتفطّن لذاك المصنّف حتّى لا ينقل الاولى أو يعتذر في الثّانية بإعادتها لاختلافها اليسير ، ثمّ انّ الأصل في الثانية رواية ( الطبري ) قال : كتب إليّ السّدّي عن شعيب عن سيف عن سليمان بن أبي المغيرة عن عليّ بن الحسين عليه السّلام قال : أوّل خطبة خطب عليّ عليه السّلام قال حمد اللَّه و أثنى عليه ، فقال : انّ اللَّه عزّ و جلّ . و زاد في آخره و اذا كروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الأرض .
.
قوله عليه السّلام في الثانية : « إنّ اللَّه أنزل كتابا هاديا بيّن فيه الخير و الشّرّ » هذا بيانٌ للنّاس و هُدى و موعظةٌ للمتّقين
، كتابٌ فُصّلت آياته قُرآناً عربيّاً لقومٍ يعلمون بشيراً و نذيراً فاعرض أكثرهم فهم لا يسمعون
، الحمد للَّه الّذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجاً قيّماً لينذر بأساً شديداً من لدنه و يُبشّر المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات انّ لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً و ينذر الّذين قالوا اتّخذ اللَّه ولداً
.
« فخذوا نهج الخير تهتدوا » اتّبعوا ما اُنزل اليكم من ربِّكم و لا تتّبعوا من
____________________
دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون
.
« و اصدفوا عن سمت الشّرّ تقصدوا » في ( الصحاح ) : صدف عنّي أي أعرض
و السّمت : الطّريق و القصد العدل ، قال :
على حكم المأتيّ يوما اذا قضى
|
|
قضيّته ألاّ يجور و يقصد
|
قال الفّراء رفعه للمخالفة لأنّ معناه مخالف لما قبله فخولف بينهما في الإعراب
.
« الفرائض الفرائض أدوّها إلى اللَّه تؤدّكم الى الجنّة » في الخبر أعبد النّاس من أقام الفرائض
.
« إنّ اللَّه حرّم حراما غير مجهول و أحلّ حلالا غير مدخول » و يحلّ لهم الطّيبات و يُحرّم عليهم الخبائث
، لا تحرّموا طيّبات ما أحَلّ اللَّه لكم و لا تعتدوا إنّ اللَّه لا يحبّ المعتدين و كلوا ممّا رزقكم اللَّه حلالاً طيّباً و اتّقوا اللَّه الّذي أنتم به مؤمنون
.
و انّما وصف عليه السّلام الحرام بكونه غير مجهول لأنّ كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه و ذلك فيما لم يكن علم إجمالي ، و وصف الحلال بكونه غير مدخول لأنّه انّما أحلّ حلالا لم يدخل فيه الحرام فيحرم الحلال أيضا معه كما لو علم الحرام تفصيلا معيّنا و قال ابن أبي الحديد ذكر عليه السّلام انّ الحرام غير مجهول للمكلّف بل معلوم و الحلال غير مدخول أي لا
____________________
عيب و لا نقص فيه . و تبعه باقي الشّراح
و هو كما ترى .
« و فضّل حرمة المسلم على الحرم كلّها قال ابن أبي الحديد لفظ الخبر النبويّ حرمة المسلم فوق كلّ حرمة دمه و عرضه و ماله
.
قلت : و روى ابن سعد في ( طبقاته ) عن نبيط بن شريح الأشجعي قال انّي لرديف أبي في حجّة الوداع إذ تكلّم النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله فقمت على عجز الرّاحلة و وضعت رجلي على عاتقي أبي فسمعته يقول أيّ يوم أحرم ؟ قالوا هذا اليوم قال فأيّ شهر أحرم قالوا هذا الشهر قال فأيّ بلد أحرم ؟ قالوا هذا البلد قال فانّ دماءكم و أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا هل بلّغت ؟ قالوا اللّهمّ نعم قال اللّهمّ اشهد اللّهمّ اشهد اللّهمّ اشهد
.
و روى خبر آخر بمضمونه و في أوّله وقف يوم النحر بين الجمرات ،
و في آخره ثمّ ودّع النّاس ، فقالوا هذه حجّة الوداع
.
و خبر آخر و زاد في ذيله ألا لا ترجعنّ بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض
.
« و شدّ بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين في معاقدها » في ( الصحاح ) شدّه أي : أوثقه يشُدّه يشده أيضا و هو من النّوادر ، قال الفرّاء ما كان على فعلت من ذوات التضعيف غير واقع فانّ يفعل منه مكسور العين مثل عففت أعفّ و ما كان واقعا مثل رددت و مددت فانّ يفعل منه مضموم إلاّ ثلاثة أحرف جاءت نادرة و هي شدّه يشُدّه يشده و علّه يعلّه و يعلّه من العلل و هو الشّرب الثاني و نمّ الحديث و ينُمّه و ينِّمه
و قال عقدت البيع و الحبل و العهد ، و المعاقد
____________________
مواضع العقد . .
و الظّاهر انّ المراد بالإخلاص و التوحيد كلمة الاسلام الموجب لحقن المال و الدّم قال تعالى و لا تقولوا لمن ألقى اليكم السّلام لستَ مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدُّنيا .
قال القمّي لمّا رجع النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله من غزاة خبير بعث اسامة بن زيد في خيل الى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم الى الاسلام و كان رجل منهم يقال له مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى فلّما أحسّ بخيل النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله جمع أهله و ماله في ناحية الجبل فأقبل يقول اشهد ان لا إله إلاّ اللَّه و انّ محمّدا رسول اللَّه فمرّ به اسامة بن زيد فطعنه فقتله فلما رجع الى النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله قال له قتلت رجلا شهد ألاّ إله إلاّ اللَّه و انّي رسوله فقال انما قالها تعوّذا من القتل فقال صلَّى اللَّه عليه و آله أفلا كشفت الغطاء عن قلبه لا ما قاله بلسانه قبلت و لا ما كان في نفسه علمت فحلف بعد ذلك اسامة الاّ يقتل أحدا شهد ألاّ إله إلاّ اللَّه و انّ محمّدا رسوله فتخلّف عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حروبه لذلك ،
فأنزل تعالى في ذلك و لا تقولوا لمن ألقى اليكم السّلام لستَ مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدُّنيا فعند اللَّه مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنَّ اللَّه عليكم فتبيّنوا إنّ اللَّه كان بما تعملون خبيراً
.
« فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده إلاّ بالحقّ » قالوا و هو نظير قوله تعالى و لا تقتلوا النّفس التي حرّم اللَّه إلاّ بالحقّ
.
« و لا يحلّ أذى المسلم إلاّ بما يجب » قال تعالى و جزاء سيّئةٍ سيئةٌ مثلها .
، و الحرمات قصاصٌ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما
____________________
اعتدى عليكم و اتّقوا اللَّه و اعلموا انّ اللَّه مع المتّقين
.
« بادروا أمر العامّة و خاصّة أحدكم و هو الموت » قال ابن أبي الحديد أمر بمبادرة الموت و سمّاه الواقعة العامّة لأنّه يعمّ الحيوان كلّه ثمّ سمّاه خاصّة أحدكم لأنّه و ان كان عامّاً إلاّ انّ له مع كلّ انسان خصوصيّة زائدة على ذلك العموم . .
قلت : تفسيره في غاية البعد بل الظاهر من قوله عليه السّلام « بادروا أمر العامّة » المبادرة في أمر عامّة المسلمين بإصلاح شؤونهم و قضاء حوائجهم
.
و في الخبر : ليس منّا من لم يهتمّ بأمور المسلمين
.
قوله هنا : « فإنَّ النّاس أمامكم و انّ الساعة تحدوكم من خلفكم » و قوله في الاولى ، « فإنَّ الغاية أمامكم و إنّ وراءكم السّاعة تحدوكم » الأصل فيهما واحد قطعا و في أحدهما تصحيف و نقله في ( الخصائص ) : « فخلفكم السّاعة تحدوكم »
.
و قال ابن أبي الحديد في قوله هنا : « فانّ النّاس أمامكم » و روى : « فانّ البأس أمامكم »
يعني الفتنة .
قلت : لو صحّ البأس بالباء من أين انّ المراد به الفتنة ؟ و لعلّ المراد به العذاب فيكون مساوقا لقوله : « فانّ الغاية أمامكم » و قال ابن ميثم في قوله :
« فانّ الغاية أمامكم » الغاية : الثّواب و العقاب و يحتمل ارادة الموت به ، و قال الرّاوندي : يعني انّ الجنّة و النّار خلفكم و معنى ورائكم السّاعة أي : قدّامكم ،
____________________
و لقائل أن يقول امّا الوراء بمعنى القدّام فقد ورد و لكن ما ورد امام بمعنى خلف و لا سمعنا ذلك . .
قلت : امام ضدّ وراء فكما اعترف بأنّ وراء يجيىء بمعنى القدّام لذكر الصّحاح له لابدّ انّ امام أيضا يجييء بمعنى الخلف و التّحقيق انّهما ضدّان و ليس لكلّ منهما إلاّ معنى واحد إلاّ انّهما لما كانا أمرين اعتباريّين يصحّ التّعبير في شيء واحد بكليهما فيمكن أن نقول انّ الجنّة و النار قدّامنا و ان نقول انّهما خلفنا فمن حيث نسير اليهما بأعمالنا و أعمارنا فهما قدّامنا و من حيث انّا في الدّنيا و هما في القيامة فهما خلفنا كما ان الساعة اي القيامة كذلك إلاّ انّه لو أراد الاعتراض على الرّاوندي لكان الاعتراض على قوله وراءكم يعني قدّامكم أولى لأنّ قوله تحدوكم قرينة على انّ المراد بوراء الخلف فانّ الحادي للإبل يكون خلفه قال الجوهري الحد و سوق الإبل و الغناء لها . فاذا شبّهت بالحادي لابدّ أن تكون من خلف و حينئذ فامام بمعناه الأصلي فقد لوحظ سير النّاس اليهما و على ما في أصل الثّانية « فانّ النّاس أمامكم » فلا يصحّ اعتبار غير القدّام و لعلّه الأنسب بالفقرتين بعد لا سيّما الثانية « فانّما ينتظر بأوّلكم آخركم » .
« تخفّفوا تلحقوا » في ( كشكول البهائي ) عن ( المحاسن ) : وقع حريق في المدائن فأخذ سلمان سيفه و مصحفه و خرج من الدّار ، و قال هكذا ينجو المخفّون
.
و في ( الاستيعاب ) : دخل قوم على سلمان و هو أمير المدائن و هو يعمل الخوص فقيل له : لم تعمل هذا و أنت أمير يجري عليك رزق ؟ فقال : انّي أحبّ أن
____________________
آكل من عمل يدي
.
و في ( ذيل الطبري ) عن الحسن قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف و كان على ثلاثين ألفا من النّاس يخطب في عباية يفترش و يلبس فضلها و كان اذا خرج عطاه أمضاه و أكل من سفيف يده
.
و روى ( الكافي ) عن ابن أبي يعفور قال قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام انّ فقراء المؤمنين يتقلّبون في رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ثمّ قال سأضرب لك مثلا انّما مثل ذلك مثل سفينتين مرّ بهما على عاشر فنظر في أحديهما فلم ير فيها شيئا فقال اسربوها و نظر في الاخرى فاذا هي موقرة فقال احبسوها
.
و عن سعدان عنه عليه السّلام : أنّ اللَّه تعالى يلتفت يوم القيامة الى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر اليهم فيقول و عزّتي ما افقرتكم في الدّنيا من هوان بكم عليّ و لترون ما أصنع بكم اليوم فمن زوّدكم في دار الدّنيا معروفا فخذوا بيده و ادخلوه الجنّة فيقول رجل منهم يا ربّ انّ أهل الدّنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء و لبسوا الثياب اللّيّنة و أكلوا الطعام و سكنوا الدّور و ركبوا المشهور من الدوّاب فاعطني مثل ما أعطيتهم فيقول تعالى و لكلّ عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدّنيا منذ كانت الدّنيا الى ان انقضت الدّنيا سبعون ضعفا
.
و عن هشام عنه عليه السّلام اذا كان يوم القيامة قام عنق من النّاس حتّى يأتوا باب الجنّة فيقال لهم من أنتم ؟ فيقولون نحن الفقراء فيقال لهم اقبل الحساب ؟
____________________
فيقولون : ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه فيقول تعالى صدقوا ، ادخلوا الجنّة
« فانّما ينتظر بأوّلكم آخركم » ليس تفريعا على خصوص ( تخفّفوا تلحقوا ) بل على ( و انّ وراءكم السّاعة تحدوكم ) ( و ان السّاعة تحدوكم من خلفكم ) خصوصا أو مع ( تخفّفوا تلحقو ) ، و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام عجبا لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم ثمّ نودي فيهم بالرّحيل و هم يلعبون
.
و عنه عليه السّلام قال : أرواح المؤمنين في حجرات في الجنّة يأكلون من طعامها و يشربون من شرابها و يقولون ربّنا أقم لنا السّاعة و انجز لنا ما وعدتنا و الحق آخرنا بأوّلنا
.
قال : و أرواح المشركين في النّار يعذّبون يقولون ربّنا لا تقم لنا السّاعة و لا تنجز لنا ما وعدتنا و لا تلحق آخرنا بأوّلنا
.
« اتّقوا اللَّه في عباده و بلاده » في سورة القصص آية ( ٨٣ ) تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض و لا فساداً و العاقبة للمتّقين ،
و فرعون ذي الأوتاد الّذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصبّ عليهم ربِّك سوط عذابٍ إنَّ ربّك لبالمرصاد
.
إنّكم مسؤلون حتّى عن البقاع » روى ( الكافي ) : أنّ أبا الحسن عليه السّلام اشترى دارا و أمر مولى له أن يتحوّل إليها و قال انّ منزلك ضيّق فقال قد أحدث هذه الدّار أبي فقال عليه السّلام ان كان أبوك أحمق ينبغي أن تكون مثله
.
____________________
و عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله من بات على سطح غير محجّر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلاّ نفسه
.
و عن أبي جعفر عليه السّلام وجدنا في كتاب عليّ عليه السّلام إنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين
الى أن قال فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤدّ خراجها الى الامام من أهل بيتي و له ما أكل منها فان تركها أو أخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها و أحياها فهو أحقّ بها من الّذي تركها .
.
« و البهائم » روى ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال : للدّابّة على صاحبها ستّة حقوق ، لا يحمّلها فوق طاقتها و لا يتّخذ ظهرها مجلسا يتحدّث عليه و يبدأ بعلفها اذا نزل و لا يمسّها و لا يضربها في وجهها فانّها تسبّح و يعرض عليها الماء اذا مرّ به
.
و عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله اضربوها على النّفار و لا تضربوها على العثار
.
« و أطيعوا اللَّه و لا تعصوه » و من يطع اللَّه و الرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين و الصّديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من اللَّه و كفى به عليماً
، و من يعص اللَّه و رسوله و يتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها و له عذابٌ مهين
.
____________________
« و اذا رأيتم الخير فخذوا به و اذا رأيتم الشّرّ فاعرضوا عنه » فاستبقوا الخيرات الى اللَّه مرجعكم جميعاً فيُنبّئكم بما كنتم فيه تختلفون
، فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره
.
قول المصنّف « قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) ليس الكلام من المصنف بل الشرّاح فليس في ( الخطيّة ) أصلاً و في ( ابن ميثم ) « قال السّيّد » و في ابن أبي الحديد : « قال الرضي » .
أقول : هكذا في ( المصرية ) و الصّواب : ( و أقول ) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم .
« انّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه » و في ( الخطيّة ) : « تعالى » .
و بعد كلام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد ) و بعد كلام النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و في ابن ميثم و كلام رسوله صلَّى اللَّه عليه و آله .
« بكلّ كلام لمال به راجحا » يعني لو وضع كلامه صلَّى اللَّه عليه و آله في كفّة ميزان و كلام كلّ أحد غير اللَّه و رسوله في كفّة اخرى لمال هذا الكلام به راجحا أي أشالت كفّة كلامه عليه السّلام لكفّة كلام غيره و رفعتها ، شبّه كلامه عليه السّلام و كلام غيره بمتاعين وضعا في كفّتين .
« و برّز عليه سابقا » برّز بالتشديد قال في ( الصّحاح ) : برّز الرّجل فاق على أصحابه و كذلك الفرس إذا سبق .
.
شبّه كلامه عليه السّلام و كلام غيره بفرسين تسابقا و انّ كلامه عليه السّلام السّابق في المضمار .
____________________
« فما سمع كلام أقلّ منه مسموعا و لا أكثر محصولا » أي : أقلّ لفظا و أكثر معنى نظير قول النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله خير الأمور أوسطها .
« و ما أبعد غورها من كلمة » أي : يبعد الوصول الى قعرها ، شبّه كلامه عليه السّلام ببحر بعيد القعر لا يوصل اليه ، و في ( الصّحاح ) غور كلّ شيء قعره
.
« و انقع نطفتها من حكمة » في ( الصحاح ) نقع الماء العطش نقعا و نقوعا أي : سكّنه و يقال شرب حتّى نقع أي : شفى غليله و النّطفة الماء الصّافي قلّ أو كثر
.
« و قد نبّهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها و شرف جوهرها »
،
قال ابن ميثم : و ما أقلّ هذه الكلمة و أكثر نفعها و أعظم قدرها و أبعد غورها و أسطع نورها
.
١٧
الخطبة ( ٤١ ) و من كلام له عليه السّلام :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اِثْنَانِ اِتِّبَاعُ اَلْهَوَى وَ طُولُ اَلْأَمَلِ فَأَمَّا اِتِّبَاعُ اَلْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ اَلْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ اَلْأَمَلِ فَيُنْسِي اَلْآخِرَةَ أَلاَ وَ إِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ اَلْإِنَاءِ اِصْطَبَّهَا صَابُّهَا أَلاَ وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ اَلْآخِرَةِ وَ لاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ اَلدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ
____________________
سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ إِنَّ اَلْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لاَ حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لاَ عَمَلَ قال الشريف : أقول الحذاء السريعة و من النّاس من يرويه جذاء .
أقول : رواه نصر بن مزاحم في أوّل كتابه ( صفين ) مع زيادات روى عن عمر ابن سعد الأسدي عن الحارث بن حضيرة عن عبد الرّحمن بن عبيد بن أبي الكنود و غيره قالوا لمّا قدم عليّ عليه السّلام من البصرة الى الكوفة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ستّ و ثلاثين استقبله أهل الكوفة و فيهم قرّآئهم و أشرافهم فدعوا له بالبركة و قالوا له أين تنزل أتنزل القصر ؟
فقال لا و لكن أنزل الرّحبة فنزلها و أقبل حتّى دخل المسجد الأعظم فصلّى فيه ركعتين ثمّ صعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله ثمّ قال امّا بعد يا أهل الكوفة فانّ لكم في الاسلام فضلا ما لم تبدّلوا و تغيّروا دعوتكم الى الحقّ فأجبتم و بدئتم بالمنكر فغيّرتم الاّ انّ فضلكم في ما بينكم و بين اللَّه فامّا في الأحكام و القسمة فأنتم أسوة من أجابكم و دخل فيما دخلتم فيه الاّ انّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى و طول الأمل فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ و امّا طول الأمل فينسي الآخرة إلاّ انّ الدّنيا قد ترحلّت مدبرة و الآخرة قد ترحلّت مقبلة و لكلّ واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل الحمد للَّه الذي نصر وليّه
. .
و رواه المفيد في ( أماليه ) مرّتين الأولى في مجلسه ( ٢٣ ) باسناد له ذكره في أوّله عن عليّ بن مهزيار عن عاصم عن فضيل الرّسّان عن يحيى بن عقيل قال : قال عليّ عليه السّلام : انّما أخاف عليكم اثنتين اتّباع الهوى و طول الأمل فامّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ و امّا طول الأمل فينسي الآخرة ارتحلت الآخرة مقبلة
____________________
و ارتحلت الدّنيا مدبرة و لكل بنون فكونوا من بني الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنيا اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل
.
و رواه في مجلسه ( ٤١ ) عن الجعابي عن محمّد بن الوليد عن عنبر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الطّفيل قال سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول انّ أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل و اتّباع الهوى فامّا طول الأمل فينسي الآخرة و امّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحقّ ألا و انّ الدّنيا قد تولّت مدبرة و الآخرة قد أقبلت مقبلة و لكلّ واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدُّنيا فانّ اليوم عمل و لا حساب و الآخرة حساب و لا عمل
.
و رواه الكليني في ( كافيه ) في باب اتّباع الهوى عن الحسين بن محمّد عن المعلّى بن محمّد عن الوشا عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة عن يحيى بن عقيل قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام انّما أخاف عليكم اثنتنان اتّباع الهوى و طول الأمل امّا اتّباع الهوى فانّه يصدّ عن الحقّ و أمّا طول الأمل فانّه ينسي الآخرة
.
و رواه ( الخصال ) مثله مسندا عن سليم
.
و رواه الكليني في ( روضته ) عن القمّي عن أبيه بن حمّاد عن عيسى عن ابراهيم بن عثمان عن سليم بن قيس قال خطب أمير المؤمنين عليه السّلام ثم قال ألا انّ أخوف ما أخاف عليكم خلّتان اتّباع الهوى و طول الأمل اما اتّباع الهوى فيصدّ عن الحق و أمّا طول الأمل فينسي الآخرة الى أن قال و لا تكونوا من أبناء الدُّنيا فانّ اليوم عمل و لا حساب و انّ غدا حساب و لا عمل و انّما بدء وقوع
____________________
الفتن أهواء تتّبع
. .
و مثله في ( كتاب سليم بن قيس ) و رواه ( تحف العقول ) جزء خطبة الدّيباج الى قوله : « و طول الأمل »
.
و عن ( مناقب ابن الجوزي ) خطبة تعرف بالبالغة : روى ابن أبي ذئب عن أبي صالح العجلي قال شهدت أمير المؤمنين كرّم اللَّه وجهه و هو يخطب فقال بعد أن حمد اللَّه تعالى و صلّى على رسوله : أيّها النّاس انّ اللَّه تعالى أرسل اليكم رسولا ليربح به عليكم و يوقظ به غفلتكم و انّ أخوف ما أخاف اتّباع الهوى و طول الأمل امّا اتّباع الهوى فيصدّكم عن الحقّ و امّا طول الأمل فينسيكم الآخرة ألا و انّ الدّنيا قد ترحّلت مدبرة و انّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة و لكلّ واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنيا فانّ اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل و اعلموا انّكم ميّتون و مبعوثون من بعد الموت و محاسبون على أعمالكم
فلا تغرّنّكم الحياوةُ الدُّنيا و لا يَغُّرنّكم باللَّه الغرور
. .
و ممّا نقلنا من أسانيده يعمل تواتره و لكن رواه ( الخصال ) باسنادين عاميين عن جابر عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و لا غرو فانّ الأصل في كلامهما واحد .
قول المصنّف « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) و الصّواب
:
( و من خطبة له عليه السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
____________________
قوله عليه السّلام « أيُّها النّاس إنَّ أخوف ما أخاف عليكم إثنان » هكذا في ( المصريّتين ) و في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ، و الخوئي « إثنتان »
و هو الصحيح ، فانّ القاعدة في مثله التأنيث لأنّ المراد خصلتان و خلّتان قال :
و قالوا لنا ثنتان لابدّ منهما
|
|
صدور رماح أشرعت أو سلاسل
|
و قد صرّح بالخلّتين في رواية سليم .
هذا ، و قال عليه السّلام انّهما أخوف ما يخاف على النّاس لأنّ هلاك أكثرهم بهما « إتّباع الهوى » و لو اتّبع الحقُّ أهواءهم لفسدت السّماوات و الأرض و من فيهنّ .
، . و لئن اتّبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من اللَّه من وليّ و لا نصيرٍ
، . و لئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنّك إذاً لمن الظالمين
، . قُل لا اتّبع أهواءكم قد ضللت إذاً و ما أنا من المهتدين
، قل فأتوا بكتابٍ من عند اللَّه هو أهدى منهما اتّبعه ان كنتم صادقين فان لم يستجيبوا لك فاعلم انّما يتّبعون أهواءهم و من أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدىً من اللَّه إنّ اللَّه لا يهدي القوم الظالمين
، أفمن كان على بيّنةٍ من ربِّه كمن زُيّن له سوء عمله و اتّبعوا أهواءهم
، . أولئك
____________________
الّذين طبع اللَّه على قلوبهم و اتّبعوا أهواءهم
.
« و طول الأمل » ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
، « فاما اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ » قال تعالى لداود يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين النّاس بالحقِّ و لا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللَّه .
، و قال لنبيّه صلَّى اللَّه عليه و آله ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتّبعها و لا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون إنّهم لن يغنوا عنك من اللَّه شيئاً و إن الظالمين بعضهم أولياء بعضٍ و اللَّه وليّ المتّقين
.
قال ابن أبي الحديد اذا تأمّلت هلاك من هلك من المتكلّمين كالمجبرة و المرجئة مع ذكائهم و فطنتهم و اشتغالهم بالعلوم عرفت انّه لا سبب لهلاكهم إلاّ هوى الأنفس و حبّهم الانتصار للمذهب الّذي قد ألفوه و قد راسوا بطريقه و قد صارت لهم الاتباع و التلامذة و أقبلت الدّنيا عليهم و عدّهم السّلاطين علماء و رؤساء فيكرهون نقض ذلك كلّه و إبطاله فيحبّون الانتصار لتلك المذاهب و الآراء التي نشأوا عليها و عرفوا بها و وصلوا الى ما و صلوا بطريقها و يخافون الانتقال عن المذهب و ان يشتفي منهم الخصوم و يقرعهم الاعداء و من أنصف علم انّ الّذي ذكرناه حقّ و ما زال الهوى مرديا قتّالا و لهذا قال سبحانه و نهى النّفس عن الهوى .
، و قال صلَّى اللَّه عليه و آله ثلاث مهلكات شحّ مطاع و هوى متّبع و اعجاب
____________________
المرء بنفسه
.
.
قلت : و في ذيل الخطبة على رواية سليم و انّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع و أحكام تبتدع يخالف فيها حكم اللَّه يتولّى فيها رجال رجالا . .
« و امّا طول الأمل فينسي الآخرة » و نسيان الآخرة موجب لمفاسد كثيرة قال تعالى إنَّ الّذين يضلّون عن سبيل اللَّه لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب
، فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا .
، فلمّا نسوا ما ذكّروا به أنجينا الّذين ينهون عن السّوء و أخذنا الّذين ظلموا بعذابٍ بئيسٍ بما كانوا يفسقون
.
« ألا و انّ الدُّنيا قد ولّت حذّاء » قال الخوئي حذّاء حال
.
قلت : بل الظاهر كونه مفعول مطلق فانّ الأصل ولّت تولية حذّاء أي سريعة و قد عدّوا من أمثلة المفعول المطلق قولهم اشتمل الصّمّاء و رجع القهقرى .
قال ابن أبي الحديد في الحديث المرفوع أيّها النّاس انّ الأعمال تطوى و الاعمار تفنى و الأبدان تبلى في الثّرى و ان اللّيل و النّهار يتراكضان تراكض الفرقدين يقرّبان كلّ بعيد و يخلقان كلّ جديد و في ذلك ما ألهى عن الأمل و اذكرك بحلول الأجل
.
____________________
« فلم يبق منها إلاّ صبابة كصباة الإناء اصطبّها صابّها » في ( الصّحاح ) :
صببت الماء فانصبّ أي سكبته فانسكب و الصّبابة بالضّمّ البقيّة من الماء في الإناء .
.
و في ( الجمهرة ) : و الاناء واحد الآنية ممدود الّذي يجعل فيه الطّعام و غيره مثل رداء و أردية
.
و في ( الصحاح ) : الاناء معروف و جمعه آنية و جمع الآنية الأواني مثل سقاء و أسقية و اساق
و مثله القاموس
.
هذا ، و قوله عليه السّلام « اصطبّها صابّها » الضميران راجعان الى الاناء فلابدّ من تأنيثه و ارجاعهما الى صبابة بأن يقال صبّب الصّبابة و يراد صبّ الاناء بعيد فاستعمال الجمهرة و الصحاح للإناء مذكّرا في غير محلّه و كيف كان فحيث أنّا بعد مجيئنا الى الدّنيا يكون كلّ نفس نتنفّسه قدّمنا الى مسافة الآخرة و الأعمار قصير طويلها و هو الأقل في أفراد البشر فكيف بقصيرها و هو الأكثر يكون الأمر كما قال عليه السّلام من كون ما بقى من أعمارنا و دنيانا كقطرات ماء بقيت في إناء صبّها صاب .
« ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت » و حيث انّ من مات تقوم قيامته و الموت في غاية القرب منّا فالآخرة قد أقبلت الينا و لو أريد بالآخرة السّاعة فهي أيضا في غاية القرب منّا ، قال تعالى كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشيّةً أوضحاها
،
« فكونوا من أبناء الآخرة » حيث انّها الحياة الباقية .
____________________
« و لا تكونوا أبناء » هكذا في ( المصرية ) و الصّواب : ( من أبناء ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« الدّنيا » حيث إنّها كنبات أرض حصل من ماء أنزل من السّماء ثمّ بعد أيّام يكون كأن لم يغن بالأمس و في الخبر : اذا دعيتم الى وليمة و جنازة فأجيبوا الجنازة لأنّها تذكّر الآخرة و لا تجيبوا الوليمة لأنّها تذكّركم الدّنيا
.
إنّما الحياة الدّنيا متاع و ان الآخرة هي دار القرار
.
« فإن كلّ ولد سيلحق بامّه يوم القيامة » هكذا في ( المصريتين )
و كذا في نسخة ( ابن أبي الحديد ) لكن في ( ابن ميثم و الخوئي )
: « فانّ كلّ ولد سيلحق بأبيه يوم القيامة » .
هذا ، و في الخبر : أنّ كلّ الناس في القيامة يدعون بأسماء امّهاتهم إلاّ شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام فيدعون بأسماء آبائهم لطيب ولادتهم
.
« و ان اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل » في ( كشكول البهائي ) عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله يفتح للعبد يوم القيامة لكلّ يوم من أيّام عمره أربع و عشرون خزانة عدد ساعات الليل و النّهار فخزانة يجدها مملوّة نورا و سرورا فيناله عند مشاهدتها من الفرح و السرور ما لو وزّع على أهل النّار لأدهشهم عن الاحساس بألم النّار و هي السّاعة التي أطاع فيها ربّه ثمّ يفتح له خزانة اخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعة فيناله عند مشاهدتها من الجزع و الفزع ما لو قسّم
____________________
على أهل الجنّة لنغّص عليهم نعيمها و هي السّاعة التي عصى فيها ربّه ثمّ يفتح له خزانة اخرى فيراها فارغة ليس فيها ما يسرّه و لا ما يسوءه و هي السّاعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدّنيا فيناله من الغبن و الأسف على فواتها ما لا يوصف حيث كان متمكّنا من أن يملئها حسنات و من هذا قوله تعالى . ذلك يوم التّغابن
.
و في ( الطبري ) في يوم الطّفّ قال أبو مخنف : و جاء عباس بن أبي شبيب الشاكري و معه شوذب مولى شاكر فقال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع قال ما أصنع أقاتل معك دون ابن بنت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله حتّى أقتل قال ذلك الظّنّ بك امّا الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد اللَّه عليه السّلام حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه و حتّى أحتسبك انا فانّه لو كان معي السّاعة أحد أنا أولى به منّي بك يسّرني أن يتقدّم بين يديّ حتّى احتسبه فانّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما قدرنا عليه فانّه لا عمل بعد اليوم و انّما هو الحساب
.
و في ( مقاتل أبي الفرج ) عن الضّحاك المشرقي : قال العباس بن عليّ عليه السّلام لأخيه من أبيه و امه عبد اللَّه بن علي عليه السّلام : تقدّم بين يديّ حتّى أراك قتيلا و احتسبك
. .
قال الشريف « أقول الحذّاء السّريعة و من النّاس من يرويه جذّاء » هكذا في ( المصرية ) و فيه سقط و تحريف و الصّواب ما نقله ( ابن أبي الحديد و الخوئي )
هكذا : « قوله عليه السّلام حذاء الحذّاء السّريعة و من الناس من يرويه ( جذّاء ) بالجيم و الذّال أي انقطع درّها و خيرها » و مثلهما ( الخطيّة ) لكن بدون
____________________
قوله : قوله عليه السّلام الحذّاء »
.
و من الغريب عدم بيان في ( ابن ميثم ) رأسا
.
ثم الحذّاء بالحاء و المعجمة و الجذّاء بالجيم و المهملة مشدّد ان من الحذذ و الجدد .
و امّا قول المصنّف « الحذّاء السّريعة » فقال ابن دريد حذّ الشيء يحذّه حذّا اذا قطعه قطعا سريعا و الحذذ خفّة و سرعة و قطاة حذّاء سريعة الطيران و ناقة حذّاء سريعة خفيفة و في خطبة عتبة بن غزوان انّ الدّنيا قد أدبرت حذّاء أي سريعة الأدبار و قالوا قطاة حذّاء : قليلة ريش الذّنب الخ و امّا قوله ( و من النّاس من يروي جذّاء بالجيم ) فلم ينحصر الاختلاف بين الحذاء و الجذاء بالحاء و الجيم ) بفقرة الخطبة فمثلها قولهم اليمين الحذّاء و اليمين الجذّاء و رحم حذّاء و رحم جدّاء
.
قال في ( الصحاح ) : اليمين : الحذّاء التي يحلف صاحبها بسرعة و من قال بالجيم يذهب الى انّه جذّها جذّ العير الصليانة و رحم حذّاء و جذّاء عن الفراء اذا لم توصل
. . .
و اما قوله « أي انقطع درّها و خيرها » ففي ( الصحاح ) امرأة جدّاء صغيرة الثّدي و فلاة جدّاء لا ماء بها قال ابن السّكيت النعجة التي ذهب لبنها من عيب
.
____________________
١٨
الحكمة ( ٣٧٠ ) و روى أنّه عليه السّلام قلّما اعتدل به المنبر إلاّ قال أمام خطبته :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا اَللَّهَ فَمَا خُلِقَ اِمْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ وَ لاَ تُرِكَ سُدًى فَيَلْغُوَ وَ مَا دُنْيَاهُ اَلَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ اَلَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ اَلنَّظَرِ عِنْدَهُ وَ لاَ اَلْمَغْرُورُ اَلَّذِي ظَفِرَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالْآخَرِ اَلَّذِي ظَفِرَ مِنَ اَلْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ أقول « و روى انّه قلّما اعتدل به المنبر إلاّ قال أمام الخطبة » هكذا في ( المصرية )
، و الصّواب : « خطبته » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
و روي أيضا أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله كلّما خطب قال في آخر خطبته « طوبى لمن طاب خلقه و طهرت سجيّته و صلحت سريرته و حسنت علانيته و انفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله و انصف الناس من نفسه »
.
و في ( الحلية ) في شعبه عن عبد اللَّه أي : ابن مسعود قال : كان النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله يعلمنا خطبة الى أن قال ثم يقرأ : يا أيُّها الّذين آمنوا اتّقوا اللَّه حق تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون
.
يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ .
الآية ، يا
____________________
أيُّها الذين آمنوا اتّقوا اللَّه و قولوا قولاً سديداً
ثمّ يتكلّم لحاجته
.
و روى أيضا انّ أمير المؤمنين عليه السّلام فلّما اعتدل به المنبر إلاّ صرّح بمظلوميّته .
« أيّها النّاس اتّقوا اللَّه فما خلق امرؤ عبثا فيلهو » قال تعالى كذّبت عادٌ المرسلين إذ قال لهم أخوهم هودٌ ألا تتّقون إنّي لكم رسولٌ أمين فاتّقوا اللَّه و أطيعون و ما أسألكم عليه من أجرٍ ان أجري إلاّ على ربّ العالمين أتبنون بكلِّ ريعٍ آيةً تعبثون و تتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون
، قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادّين قال ان لبثتم إلاّ قليلاً لو انّكم كنتم تعلمون أفحسبتم انّما خلقناكم عبثاً و انّكم الينا لا ترجعون فتعالى اللَّه الملك الحقُّ لا إله إلاّ هو ربُّ العرش الكريم
.
« و لا ترك سدى فيلغوا » في ( الصحاح ) : السّدى بالضّمّ المهمل يقال : ابل سدى أي : مهملة و بعضهم يقول سدى بالفتح أسديتها أهملتها
و لغا يلغو لغوا أي قال باطلا يقال لغوت باليمين قال و لغي بالكسر يلغي لغي مثله
. .
أيحسب الإنسان أن يُترك سدىً ألم يكُ نطفةً من منيّ يمنى ثمّ كان علقةً فخلق فسوّى فجعل منه الزوجين الذكر و الانثى أ ليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى
و قيل :
____________________
و لو انّا اذا متنا تركنا
|
|
لكان الموت راحة كلّ حيّ
|
و لكنّا إذا متنا بعثنا
|
|
و نسئل بعده عن كلّ شيء
|
« و ما دنياه الّتي تحسّنت له بخلف من الآخرة التي قبّحها سوء النّظر عنده » . إنّما هذه الحياة الدُّنيا متاع و انّ الآخرة هي دار القرار
، . و إنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان .
، و اصبر نفسك مع الّذين يدعون ربّهم بالغداة و العشيّ يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدُّنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتّبع هواه و كان أمره فرطاً
، المال و البنون زينة الحياة الدّنيا و الباقيات الصّالحات خيرٌ عند ربّك ثواباً و خيرٌ أملاً
،
إنّا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيُّهم أحسن عملاً و إنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جزراً
، و قال موسى ربّنا إنّك أتيت فرعون و ملأه زينةً و أموالاً في الحياة الدّنيا ربّنا ليضِلّوا عن سبيلك ربَّنا اطمس على أموالهم و اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم
، إعلموا انّما الحياة الدُّنيا لعبٌ و لهوٌ و زينةٌ و تفاخرٌ بينكم و تكاثرٌ في الأموال و الأولاد كمثل غيثٍ أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتراه مصفرّاً ثمّ يكون حُطاماً و في الآخرة عذابٌ شديدٌ و مغفرةٌ من اللَّه و رضوان و ما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور
،
سابقوا الى مغفرةٍ من ربّكم و جنّةٍ عرضها كعرض السماء و الأرض أُعدّت
____________________
للّذين آمنوا باللَّه و رسله ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء و اللَّه ذو الفضل العظيم
، فخرج على قومه في زينته قال الّذين يريدون الحياة الدّنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون انّه لذو حظّ عظيم و قال الّذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللَّه خيرٌ لمن آمن و عمل صالحاً و لا يُلقاها إلاّ الصابرون فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون اللَّه و ما كان من المنتصرين و أصبح الّذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويكانّ اللَّه يبسط الرِّزق لمن يشاء من عباده و يقدر لولا ان منَّ اللَّه علينا لخسف بنا ويكانّه لا يفلح الكافرون تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض و لا فساداً و العاقبة للمتّقين
، من كان يريد الحياة الدُّنيا و زينتها نوفِّ اليهم أعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون أولئك الّذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النّار و حبط ما صنعوا فيها و باطلٌ ما كانوا يعملون
.
« و ما المغرور الّذي ظفر من الدنيا بأعلى همّته » في ( الصحاح ) : يقال فلان بعيد الهمّة و الهمّة أيضاً بالفتح
.
« كالاخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته » في ( الصحاح ) السّهمة بالضّمّ القرابة و السّهمة النصيب
. .
و كيف لا يكون الأمر كما قال عليه السّلام و يؤتى أدنى أهل الجنّة سبعين ضعفا من نعم الدّنيا من أوّلها الى آخرها و قال تعالى زُيّن للنّاس حُبّ الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذّهب و الفضّة و الخيل
____________________
المسوّمة و الأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدُّنيا و اللَّه عنده حسن الماب قل أؤنبكم بخيرٍ من ذلكم للّذين اتّقوا عند ربّهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و أزواجٌ مطهّرةٌ و رضوانٌ من اللَّه و اللَّه بصيرٌ بالعباد الذين يقولون ربّنا إنّنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا و قنا عذاب النّار الصابرين و الصّادقين و القانتين و المنفقين و المستغفرين بالأسحار
، فلّما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فاذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الّذين ظلموا و الحمد للَّه ربّ العالمين
، و ما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدُّنيا و زينتها و ما عند اللَّه خيرٌ و أبقى أفلا تعقلون أ فمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متّعناه متاع الحياة الدّنيا ثمّ هو يوم القيامة من المحضرين
، أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن زُيّن له سوء عمله و اتّبعوا أهواءهم مثل الجنّة التي وعد المتّقون فيها أنهارٌ من ماءٍ غير آسنٍ و أنهارٌ من لبن لم يتغيّر طعمه و أنهارٌ من خمرٍ لذّةٍ للشاربين و انهارٌ من عسلٍ مصفىً و لهم فيها من كلّ الثّمرات و مغفرة من ربهم كمن هو خالدٌ في النّار و سقوا ماءً حميماً فقطّع أمعاءهم
.
١٩
من الخطبة ( ٨٠ ) في خطبة عجيبة :
حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ اَلْأُمُورُ وَ تَقَضَّتِ اَلدُّهُورُ وَ أَزِفَ اَلنُّشُورُ أَخْرَجَهُمْ
____________________
مِنْ ضَرَائِحِ اَلْقُبُورِ وَ أَوْكَارِ اَلطُّيُورِ وَ أَوْجِرَةِ اَلسِّبَاعِ وَ مَطَارِحِ اَلْمَهَالِكِ سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً يَنْفُذُهُمُ اَلْبَصَرُ وَ يُسْمِعُهُمُ اَلدَّاعِي عَلَيْهِمْ لَبُوسُ اَلاِسْتِكَانَةِ وَ ضَرَعُ اَلاِسْتِسْلاَمِ وَ اَلذِّلَّةِ قَدْ ضَلَّتِ اَلْحِيَلُ وَ اِنْقَطَعَ اَلْأَمَلُ وَ هَوَتِ اَلْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً وَ أَلْجَمَ اَلْعَرَقُ وَ عَظُمَ اَلشَّفَقُ وَ أُرْعِدَتِ اَلْأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ اَلدَّاعِي إِلَى فَصْلِ اَلْخِطَابِ وَ مُقَايَضَةِ اَلْجَزَاءِ وَ نَكَالِ اَلْعِقَابِ وَ نَوَالِ اَلثَّوَابِ إلى أن قال وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى اَلصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ وَ أَهَاوِيلِ زَلَلِهِ وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ اَلتَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وَ أَنْصَبَ اَلْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ اَلتَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ وَ أَظْمَأَ اَلرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ وَ ظَلَفَ اَلزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ وَ أَوْجَفَ اَلذِّكْرُ بِلِسَانِهِ وَ قَدَّمَ اَلْخَوْفَ لِأَمَانِهِ وَ تَنَكَّبَ اَلْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ اَلسَّبِيلِ وَ سَلَكَ أَقْصَدَ اَلْمَسَالِكِ إِلَى اَلنَّهْجِ اَلْمَطْلُوبِ وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاَتُ اَلْغُرُورِ وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ اَلْأُمُورِ ظَافِراً بِفَرْحَةِ اَلْبُشْرَى وَ رَاحَةِ اَلنُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ يَوْمِهِ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ اَلْعَاجِلَةِ حَمِيداً وَ قَدَّمَ زَادَ اَلْآجِلَةِ سَعِيداً وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ وَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِي طَلَبٍ وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ وَ رَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَ نَوَالاً وَ كَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالاً وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً وَ كَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً أقول : قوله عليه السّلام « حتّى إذا تصرّمت الامور » في ( الصحاح ) التصرّم التقطّع
. .
____________________
أي : تصرّمت أمور الدّنيا و صار وقت الآخرة .
« و تقضّت الدّهور » الأصل في تقضّت التّقضي من القضاء كما أنّ أصل تولّت التّولي في ( الصحاح ) : انقضى الشيء و تقضّى بمعنى
. .
و يمكن أن يكون من التّقضّض من القضض قال الجوهري : انقضّ الحائط : سقط و انقضّ الطائر هوى من طيرانه و منه انقضاض الكواكب و لم يستعملوا منه تفعّل إلاّ مبدلاً قالوا تقضّى و أصله تقضّض فاستثقلوا ثلاث ضادات فأبدلوا واحداً ياء كما قالوا تظنّى من الظّنّ قال العجاج :
تقضّى البازي إذ البازي كسر
. لكنّ الأوّل أظهر و يؤيده قوله تعالى و قال الشيطان لمّا قُضي الأمر .
. .
و قال الخوئي اللّغة قضّ الشيء يقضّه : قطعه
. و اقتصاره على ما قال غلط لأنّ لازمه كون تقضّت مضارع قضّ و لا معنى له .
« و ازف النشّور » في ( الصّحاح ) ازف الترحّل أي دنا و منه قوله تعالى أزِفت الازفة
يعني القيامة
.
« أخرجهم من ضرائح القبور » في ( الصحاح ) : الضّريح الشّقّ في وسط القبر و اللّحد في الجانب
.
« و أوكار الطّيور » في ( الصحاح ) : وكر الطّائر عشّه و الجمع و كور و أوكار .
____________________
قال أبو يوسف سمعت أبا عمرو يقول الوكر العشّ حيثما كان في جبل أو شجر
. .
و الاخراج من أوكار الطيور ، كأموات المجوس الّذين يدعونها للاغربة و كأغلب قتلى الحروب فانّ أجسادهم لسباع الطّيور و سباع الوحوش « و أوجرة السّباع » في ( الصّحاح ) الوجار و الوجار سرب الضّبع
. .
و الصحيح ما في ( الجمهرة ) : الوجار : سرب الثعلب و الضبّع و ما أشبههما و ربّما استعير لغيرهما
. لتصديق كلامه عليه السّلام له من كونه سر بالعموم السّباع لا خصوص الضّبع « و مطارح المهالك » يعمّ كلامه عليه السّلام من طرح من جبل أو في بئر أو غر في بحر « سراعا الى أمره » يوم يخرجون من الأجداث سِراعاً كأنّهم إلى نُصبٍ يوفضون خاشعةً أبصارهم ترهقهم ذلّةٌ ذلك اليوم الّذي كانوا يوعدون
.
« مهطعين الى معاده » في ( الصحاح ) : اهطع إذا مدّ عنقه و صوّب رأسه و اهطع في عدوه اذا أسرع
. . . يومَ يدعُ الدّاع الى شيءٍ نكرٍ خُشّعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنّهم جرادٌ منتشرٌ مهطعين الى الدّاع يقول الكافرون هذا يوم عسرٌ
.
و حيث إنّ الأصل في كلامه عليه السّلام الآية فالمحتمل كون ( معاده ) مصحّف ( دعاءه ) « رعيلا صموتا » في ( الصحاح ) الرّعلة القطيعة من
____________________
الخيل و كذلك الرّعيل
. .
و الصّواب ما في ( الجمهرة ) : الرّعيل الجماعة من الخيل و الرّجال أيضا قال :
« ثم التمشّي في الرّعيل الأول »
. .
لتصديق كلامه صلَّى اللَّه عليه و آله له من مجيئه لجمع الإنسان أيضا .
و الظّاهر أنّ الصّموت جمع الصّامت كالسجود جمع السّاجد قال تعالى لا تعتذروا اليوم إنّما تجزون ما كنتم تعملون
لا يملكون منه خطاباً
.
« قياما صفوفا » قال تعالى : و نُفخ في الصّور فصعق من في السّماوات و الأرض إلاّ من شاء اللَّه ثم نُفخ فيه اُخرى فاذا هم قيامٌ ينظرون
قياماً في كلامه عليه السّلام كقيام في الآية جمع قائم ، قال السجستاني في غريب تفسيره قيام على ثلاثة معان جمع قائم و مصدر قمت و قوام الأمر
، « ينفذهم البصر » في ( ١٨ ) الحاقّة يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ .
« و يسمعهم الدّاعي » في ( ٤١ ) ق و استمع يوم يناد المنادِ من مكانٍ قريب يوم يسمعون الصّيحة بالحقِّ ذلك يوم الخروج .
« عليهم لبوس الاستكانة » في ( الصحاح ) اللّبوس ما يلبس و انشد ابن السّكيت :
____________________
إلبس لكلّ حالة لبوسها
|
|
إمّا نعيمها و إمّا بؤسها
|
و الاستكانة : الخضوع « و ضرع الاستسلام و الذّلّة » في ( الصحاح ) استسلم أي : انقاد
. ( و ضرع بفتحتين الضّعف ) .
في ( ١١١ ) طه و عنت الوجوه للحيّ القيّوم و قد خاب من حمل ظلماً و في ( ٤٤ ) المعارج خاشعةً أبصارهم ترهقهم ذِلّة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون .
« قد ضلّت الحيل و انقطع الأمل » و قالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير
، . يودّ المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذٍ ببنيه و صاحبته و أخيه و فصيلته التي تؤويه و من في الأرض جميعاً يُنجيه كلاّ
، و لو انّ للّذين ظلموا ما في الأرض جميعاً و مثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة .
.
« و هوت الأفئدة كاظمة » في ( الصحاح ) هوى بالفتح يهوى هويا أي سقط الى أسفل
.
و قوله تعالى : . و أفئدتهم هواء
يقال : انّه لا عقول لهم و كظم الغيظ اجترعه ، « و خشعت الأصوات مهينمة » بتقديم النون على الميم و في الصحاح الهينمة الصّوت الخفيّ الخ في سورة طه و خشعت الأصوات للرّحمن فلا
____________________
تسمع إلاّ همساً
.
« و الجم العرق » قال ابن أبي الحديد في الحديث ان العرق ليجري منهم حتّى ان منهم من يبلغ ركبه و منهم من يبلغ صدره و منهم من يلجمه قال : قال لي قائل ما أرى لقوله عليه السّلام : « المؤذّنون أطول النّاس أعناقا يوم القيامة » كثير فائدة لأنّ طول العنق جدّا ليس ممّا يرغب في مثله فذكرت له الخبر الوارد في العرق و قلت له : اذا كان الإنسان شديد طول العنق يكون له عن الجام العرق أبعد
.
قلت : ما ذكره في غاية الركاكة فانّ المراد بكون المؤذّنين أطول النّاس أعناقا يومئذ كونهم أرفع درجة من باقي النّاس لا طول عنقهم الظاهر و في الفارسيّة يكنّون عن الجبابرة بقولهم ( گردن كشان ) و لا يريدون طول أعناقهم بل يطلقونه على كلّ جبار و إن كان أقصر النّاس عنقا بل و ان لم يكن له عنق أصلا .
« و عظم الشّفق » في ( القاموس ) الشّفق الخوف
.
و في ( الصحاح ) : قال ابن دريد شفقت و أشفقت بمعنى و أنكره جلّ أهل اللغة .
قلت : انّما نقل ابن دريد عن بعضهم و أنكره و هذا نصّه ، زعم قوم انّ شفقت و أشفقت اذا حاذرت بمعنى و أنكره جلّ أهل اللغة و قالوا لا يقال الاّ أشفقت فانا مشفق و شفيق قال و هذا أحد ما جاء على فعيل في معنى مفعل
. .
____________________
يوماً يجعل الولدان شيباً
، يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعةٍ عمّا أرضعت و تضع كلّ ذات حملٍ حملها و ترى النّاس سكارى و ما هم بسكارى و لكنّ عذاب اللَّه شديد
.
« و أرعدت الأسماع » أرعدت بصيغة المجهول و في ( الصحاح ) : أرعد الرّجل أخذته الرّعدة و ارعدت فرائصه عند الفزع
.
« لزبرة الدّاعي » في ( الصحاح ) : الزّبر الزّجر و المنع يقال زبره يزبره ( بالضّمّ ) زبرا إذا انتهره
.
و في ( المصباح ) : و منه اشتقاق الزّبير
.
« الى فصل الخطاب » قال تعالى و نُفخ في الصّور فاذا هم من الأجداث الى ربِّهم ينسلون قالوا يا ولينا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرّحمن و صدق المرسلون إن كانت إلاّ صيحة واحدةً فاذا هم جميعٌ لدينا محضرون فاليوم لا تُظلم نفسٌ شيئاً و لا تجزون إلاّ ما كنتم تعملون
.
« و مقايضة الجزاء » في ( الصّحاح ) : قايضت الرّجل مقايضة أي : عارضته بمتاع و هما قيّضان كما تقول بيّعان
.
« و نكال العقاب و نوال الثّواب » قال تعالى يومئذٍ يصدر النّاس اشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره و من يعمل مثقال
____________________
ذرّةٍ شرّاً يره
.
( قوله عليه السّلام ) « و اعلموا انّ مجازكم على الصّراط » في ( الصحاح ) قولهم ( جعل فلان ذلك الأمر مجازاً إلى حاجته ) أي : طريقاً و مسلكاً
.
« و مزالق دحضه » في ( الصحاح ) المزلق و المزلقة الموضع الذي لا يثبت عليه قدم و مكان دحض و دحض أيضا بالتّحريك أي : زلق
.
« و أهاويل زلله » في ( الصحاح ) هاله الشيء يهوله أي أفزعه الخ قال تعالى : يا أيُّها النّاس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة السّاعة شيءٌ عظيم
، « و تارات أهواله » يوم يفرُّ المرء من أخيه و اُمّه و أبيه و صاحبته و بنيه لكلّ أمرىءٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه
، قال حد ) تارات أهواله كقولك دفعات أهواله و انّما جعل أهواله تارات لأنّ الامور الهائلة اذا استمرّت لم تكن في الازعاج و التّرويع كما يكون اذا طرأت تارة و سكنت تارةً
. .
قلت : ما ذكره عبث و انّما المرام انّ أهواله تتجّدد تارة هذا الهول و اخرى ذاك الهول كما قال عليه السّلام في كلام آخر له فانّ امامكم عقبة كؤدا و منازل مخوفة مهولة .
و قال الصدوق في ( اعتقاداته ) : متى انتهى الانسان الى عقبة اسم فرض و كان قصّر في ذلك الفرض حبس عندها و طولب بحقّ اللَّه فيها فان خرج منها بعمل صالح قدّمه أو برحمة تداركه نجا منها الى عقبة اخرى فلا يزال يدفع من
____________________
عقبة الى عقبة و يحبس عند كلّ عقبة فيسئل عمّا قصّر فيه من معنى اسمها الى أن قال و منها المرصاد و هو قوله تعالى إنَّ ربَّك لبالمرصاد
يقول تعالى و عزّتي و جلالي لا يجوزني ظلم ظالم .
.
« فاتّقوا اللَّه تقيّة ذي لبّ » في ( الصحاح ) : اللّبّ العقل و الجمع الباب
« شغل التفكّر قلبه » في ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول نبّه بالتفكّر قلبك و جاف عن اللّيل جنبك و اتّق اللَّه ربّك
« و انصب الخوف بدنه » في ( الصحاح ) : نصب بالكسر نصبا تعب و أنصبه غيره
« و أسهر التهجّد غرار نومه » في ( المصباح ) : السّهر عدم النّوم في الليل
.
و في ( الصحاح ) : السّهر : الأرق و هجد و تهجّد أي نام ليلا و هجد و تهجّد أي سهر و هو من الأضداد و منه قيل لصلاة الليل التهجّد و الغرار النوم القليل
. .
قال تعالى : كانوا قليلاً من اللّيل ما يهجعون و بالأسحار هم يستغفرون
، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً و طمعاً و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ ما اُخفي لهم من قرّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون
« و أظمأ الرّجاء هواجر يومه » في ( الصّحاح ) : أظمأته
____________________
أعطشته
و الهاجرة نصف النّهار عند اشتداد الحرّ .
« و ظلف الزّهد شهواته » في ( الصحاح ) : ظلف نفسه عن الشيء أي منعها من أن تفعله أو تأتيه قال :
لقد أظلف النفس عن مطعم
اذا مات تهافت ذبانه
« و أرجف الذّكر بلسانه » في ( الجمهرة ) : رجف الشيء اذا اضطرب اضطرابا شديدا و انّما قيل أرجف النّاس بكذا و كذا اذا خاضوا فيه و اضطربوا
.
ثم ( أرجف )
في ( المصرية ) و الصواب : ( و أوجف ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
قال ابن أبي الحديد : و أوجف : أسرع كأنّه جعل الذّكر لشدّة تحريكه اللسان موجفا به كما يوجف النّاقة براكبها و الوجيف ضرب من السير
« و قدّم الخوف لإبّانه » هكذا في ( المصرية )
، و نقله ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم )
لإمانه و هو الصّواب فالمناسب أن يقال قدّم الخوف أي في الدّنيا لامانه أي من عذاب الآخرة و امّا ( قدّم لابّانه ) .
و في ( الصحاح ) : إبّان الشيء بالكسر و التشديد وقته يقال كلّ الفواكه في إبّانها أي في وقتها
. .
____________________
فالتقديم و الإبان متضادان و أيضا محلّ الخوف الدّنيا و لا تقديم فيه و لا خوف على المؤمن في الآخرة .
« و تنكّب المخالج عن وضح السّبيل » في ( الصحاح ) : تنكّبه أي : تجنّبه قال و خلجني كذا أي شغلني يقال خلجته امور الدُّنيا
. .
قال تعالى : و أنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و لا تتّبعوا السُبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
و قال الخوئي أي نحّاه الشّواغل و الصّوارف عن صراطه المستقيم
.
قلت : بل المعنى تجنّب الشّواغل عن الصّراط المستقيم و الخوئي عكس .
« و سلك أقصد المسالك الى النّهج المطلوب » في ( الصحاح ) : القصد العدل و النّهج الطّريق الواضح
« و لم تفتله فاتلات الغرور » في ( الصحاح ) : فتله عن وجهه فانفتل أي صرفه فانصرف . و هو قلب لفت
. .
قال تعالى : يوم يقول المنافقون و المنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسورٍ له بابٌ باطنهُ فيه الرّحمة و ظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى و لكنّكم فتنتم أنفسكم و تربّصتم و ارتبتم و غرّتكم الأمانيّ حتّى جاء أمر اللَّه و غرّكم باللَّه الغرور
.
« و لم تعم عليه مشتبهات الامور » في ( الصّحاح ) : عمى عليه الأمر
____________________
اذا التبس
.
و منه قوله تعالى : فَعَميت عليهم الانباء يومئذٍ .
« ظافرا بفرحة البشرى و راحة النّعمى » إنَّ الّذين قالوا ربّنا اللَّه ثمّ استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة الّتي كنتم توعدون نحن أولياءكم في الحياة الدُّنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدّعون نُزلاً من غفورٍ رحيم
.
« في أنعم نومه » في ( الصّحاح ) : نعم الشيء بالضّمّ نعومة أي : صار ناعما ليّنا و كذلك نعم ينعم مثل حذر يحذر و فيه لغة ثالثة مركّبة بينهما نغم ينعم مثل فضل يفضل و لغة رابعة نعم ينعم بالكسر فيهما و هو شاذّ
« و آمن يومه » قال تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربِّك راضيةً مرضيةً فادخلي في عبادي و ادخلي جنّتي
« قد عبر معبر العاجلة حميدا و قدّم ذات » هكذا في ( المصرية ) و الصواب
« و قدّم زاد » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
« الآجلة سعيدا » قال تعالى : و أقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون قالوا إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين فمنّ اللَّه علينا و وقينا عذاب السّموم إنّا كنّا من قبل ندعوه إنّه هو البرّ الرّحيم
.
____________________
« و بادر من وجل » في ( الصّحاح ) : الوجل الخوف
. .
قال تعالى و الذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلةٌ انّهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« و أكمش في مهل » في ( الصحاح ) : الكمش الرّجل السريع الماضي و انكمش و تكمّش اسرع
« و رغب في طلب و ذهب عن هرب » أي : رغب فيما ينبغي طلبه و ذهب عمّا ينبغي الهرب منه قال تعالى فأمّا من أعطى و اتّقى و صدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى و امّا من بَخِلَ و استغنى و كذّب بالحسنى فسنيسره للعسرى و ما يُغني عنه ماله إذا تردّى
، و لمن خاف مقام ربِّه جنّتان
، و امّا من خاف مقام ربِّه و نهى النفس عن الهوى فانّ الجنّة هي المأوى
« و راقب في يومه غده » في ( الصحاح ) راقب ربّه أي :
خافه
. .
قال تعالى : يا أيُّها الّذين آمنوا اتّقوا اللَّه و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ و اتّقوا اللَّه إنّ اللَّه خبيرٌ بما تعملون
« و نظر قدما امامه » قدما مفعول فيه و امّا امامه فمفعول به و في الكافي عن الصادق عليه السّلام استقبل النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله حارثة بن مالك الأنصاري فقال له كيف أنت ؟ قال مؤمن حقّا فقال صلَّى اللَّه عليه و آله لكلّ شيء حقيقة فما حقيقة قولك ؟ فقال يا رسول اللَّه : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي
____________________
و أظمأت هواجري و كأني أنظر الى عرش ربّي و قد وضع للحساب و كأني أنظر الى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة و كأنّي أسمع عواء أهل النّار في النّار فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله عبد نوّر اللَّه قلبه أبصرت فأثبت فقال يا رسول اللَّه : ادع أن يرزقني اللَّه الشهادة فقال اللّهم ارزق حارثة الشّهادة فلم يلبث إلاّ أيّاما حتى بعث النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله بسريّة فبعثه فيها فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثمّ قتل
.
( و في رواية ) استشهد مع جعفر ابن أبي طالب بعد تسعة نفر و كان هو العاشر .
« فكفى بالجنّة ثوابا و نوالا » فلا تعلم نفسٌ ما اُخفي لهم من قرّة أعينٍ جزاء بما كانوا يعملون
و في ( الطبري ) في قصّة يوم الطفّ لمّا زحف عمر بن سعد قال له الحرّ أمقاتل أنت هذا الرّجل ؟ قال أي و اللَّه قتالا أيسره أن تسقط الرؤس و تطيح الأيدي قال أفمالكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى ؟ قال لو كان الأمر اليّ لفعلت و لكن أميرك قد أبى ذلك ، قال فأقبل حتّى وقف من الناس موقفا و معه رجل يقال له قرّة بن قيس ، فقال : يا قرّة هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال لا قال أ ما تريد أن تسقيه فقلت له : لم أسقه و أنا منطلق فأسقيه ، فو اللَّه لو أنّه اطّلعني على الّذي يريد لخرجت معه فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس ما تريد ؟
أتريد أن تحمل ؟ فسكت و أخذه مثل العرواء فقال له المهاجر : و اللَّه إنّ أمرك لمريب و اللَّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل شيء أراه الآن و لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك فما هذا الّذي أرى منك قال انّي و اللَّه اخيّر نفسي بين الجنّة و النار و و اللَّه لا أختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت و حرّقت ثمّ ضرب
____________________
فرسه و الحق بالحسين عليه السّلام
. .
« و كفى بالنّار عقابا و وبالا » كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب .
، كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أُعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق
.
« و كفى باللَّه منتقما » من المجرمين « و نصيرا » للمؤمنين قال تعالى و للَّه جنود السماوات و الأرض .
، انّما أمره اذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون
، إن يشأ يذهبكم و يأت بخلقٍ جديدٍ و ما ذلك على اللَّه بعزيز
.
« و كفى بالكتاب حجيجا و خصيما » لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعا متصدّعاً من خشية اللَّه .
.
٢٠
في الخطبة ( ١٠٥ ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَ اَلْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ وَ أُلْحِقَ آخِرُ اَلْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وَ جَاءَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ اَلْخَلْقِ أَمَادَ اَلسَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا وَ أَرَجَّ اَلْأَرْضَ وَ أَرْجَفَهَا وَ قَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا وَ دَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ وَ أَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ عَلَى
____________________
إِخْلاَقِهِمْ وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا اَلْأَعْمَالِ وَ خَبَايَا اَلْأَفْعَالِ وَ جَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاَءِ وَ اِنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ فَأَمَّا أَهْلُ طَاعَتِهِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وَ خَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ حَيْثُ لاَ يَظْعَنُ اَلنُّزَّالُ وَ لاَ يَتَغَيَّرُ لَهِمُ اَلْحَالُ وَ لاَ تَنُوبُهُمُ اَلْأَفْزَاعُ وَ لاَ تَنَالُهُمُ اَلْأَسْقَامُ وَ لاَ تَعْرِضُ لَهُمُ اَلْأَخْطَارُ وَ لاَ تُشْخِصُهُمُ اَلْأَسْفَارُ وَ أَمَّا أَهْلُ اَلْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَ غَلَّ اَلْأَيْدِيَ إِلَى اَلْأَعْنَاقِ وَ قَرَنَ اَلنَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ وَ أَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ اَلْقَطِرَانِ وَ مُقَطَّعَاتِ اَلنِّيرَانِ فِي عَذَابٍ قَدِ اِشْتَدَّ حَرُّهُ وَ بَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَ لَجَبٌ وَ لَهَبٌ سَاطِعٌ وَ قَصِيفٌ هَائِلٌ لاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَ لاَ يُفَادَى أَسِيرُهَا وَ لاَ تُفْصَمُ كُبُولُهَا لاَ مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى وَ لاَ أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيَنْقَضِى أقول : « حتى اذا بلغ الكتاب أجله » الأصل في لفظه قوله تعالى و لا تعزموا عقدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب أجله .
و هو كناية عن حضور الوقت « و الأمر مقاديره » قال تعالى : . قد جعل اللَّه لكلِّ شيءٍ قدراً
« و الحقّ آخر الخلق بأوّله » ورد ( انّما ينتظرها بأوّلكم آخركم )
« و جاء من أمر اللَّه ما يريده من تجديد الخلق » قال تعالى : لا يجليّها لوقتها إلاّ هو .
.
« أماد السّماء » قال ( ابن أبي الحديد ) : و يروى أمار .
قلت : الثّاني أصحّ حيث انّه لفظ القرآن
و في ( الصحاح ) : ماد الشيء يميد ميدا : تحرّك ، و ما الشيء يمور مورا أي تحرّك و جاء و ذهب كما يكفأ
____________________
النّخلة العيدانة و التموّر مثله و قوله تعالى يوم تمور السّماء موراً
قال الضّحاك تموج موجا و قال أبو عبيدة تكفأ و الأخفش مثله « و فطرها » قال تعالى :
إذا السماء انفطرت
« و ارجّ الأرض » رجّه أي : حرّكه و زلزله . .
و في سورة الواقعة اذا رجّت الأرض رجّاً
، « و أرجفها » قال تعالى :
يوم ترجف الأرض و الجبال و كانت الجبال كثيباً مهيلاً
« و قلع الجبال و نسفها » في ( الصحاح ) : نسفت البناء نسفا قلعته .
.
في ( ١٠٥ ) طه و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً و لا أمتاً « و دكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته و مخوف سطوته » في ( الصحاح ) : دككت الشيء دكّا إذا ضربته و كسرته حتّى سوّيته بالأرض و منه قوله تعالى : فدكّتا دكّة واحدةً
. .
و تمام الآية فاذا نفخ في الصّور نفخةٌ واحدةٌ و حملت الأرض و الجبال فدكّتا دكّة واحدةً فيومئذٍ وقعت الواقعة و انشقّت السماء فهي يومئذٍ واهيةٌ
.
« و أخرج من فيها » اذا زُلزلت الأرض زلزالها و أخرجت أرض أثقالها و قال الإنسان مالها
« فجدّدهم على اخلاقهم » اخلاقهم بكسر الهمزة مصدر أخلق و في ( الصحاح ) خلق الثوب ( بالضّمّ ) خلوقة أي بلي
____________________
و أخلق الثوب مثله
. .
قال تعالى : قال من يحيى العظام و هي رميمٌ قال يحييها الذي أنشأها أوّل مرّةٍ و هو بكلِّ خلقٍ عليمٌ
« و جمعهم بعد تفرّقهم » و قلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الأرض فاذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً
، أي هم و آل فرعون « ثمّ ميّزهم لما يريد من مسآءلتهم عن خفايا الأعمال » و امتازوا اليوم أيّها المجرمون أ لم أعهد اليكم يا بني ادم أن لا تعبدوا الشيطان انّه لكم عدوٌ مبين و ان اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم
، و قفوهم انّهم مسئولون
.
« و خبايا الأفعال » في ( الصحاح ) : اختبأت استترت
. .
و ان كان مثقال حبّةٍ من خردلٍ آتينا بها و كفى بنا حاسبين
،
ان تك مثقال حبّةٍ من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السّماوات أو في الأرض يأتِ بها اللَّه ان اللَّه لطيفٌ خبيرٌ
« و جعلهم فريقين » فريقٌ في الجنّة و فريقٌ في السّعير
« أنعم على هؤلاء » و من يطع اللَّه و الرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين و الصّدّيقين و الشهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقاً
« و انتقم من هؤلاء » . إنّا من المجرمين
____________________
( ١٠ ) النساء : ٦٩ .
منتقمون
« فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره » إنّ المتّقين في جنّاتٍ و نهرٍ في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ
« و خلّدهم في داره » قال تعالى بعد ذكر عذاب المكذّبين قل أذلك خيرٌ أم جنّة الخلد التي وعد المتّقون كانت لهم جزاءً و مصيراً لهم فيها ما يشآؤن خالدين كان على ربّك وعداً مسؤولاً
،
و عباد الرّحمن الذين يمشون على الأرض هوناً و اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً و الّذين يبيتون لربِّهم سجّداً و قياماً و الّذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراماً إنّها ساءت مستقراً و مقاما و الّذين اذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواماً و الّذين لا يدعون مع اللَّه إلهاً آخر و لا يقتلون النفس التي حرّم اللَّه إلاّ بالحقّ و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهاناً إلاّ من تاب و آمن و عمل عملاً صالحاً فأولئك يبدّل اللَّه سيئاتهم حسناتٍ كان اللَّه غفوراً رحيماً و من تاب و عمل صالحاً فانّه يتوب الى اللَّه متاباً و الّذين لا يشهدون الزّور و اذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً و الذين اذا ذكّروا بآيات ربِّهم لم يخرّوا عليها صُمّاً و عمياناً و الّذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا و ذرّيّاتنا قرّة أعينٍ و اجعلنا للمتقين إماماً أولئك يجزون الغرفة بما صبروا و يلقّون فيها تحيّةً و سلاماً خالدين فيها حسنت مستقراً و مقاماً
، « حيث لا يظعن النّزال » في ( الصحاح ) : ظعن أي : سار
. .
ادخلوها بسلام آمنين و نزعنا ما في صدورهم من غلّ اخواناً على
____________________
سررٍ متقابلين لا يمسّهم فيها نصبٌ و ما هم منها بمخرجين
« و لا يتغيّر لهم الحال » . ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم و لا أنتم تحزنون
« و لا تنوبهم الافزاع » في ( الصحاح ) : النّوبة ( بالضّمّ ) الاسم من قولك نابه أمر و انتابه أي :
أصابه و النائبة المصيبة واحدة نوائب الدّهر
. .
للّذين أحسنوا الحسنى و زيادةٌ و لا يرهق وجوههم قترٌ و لا ذلّةٌ أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون
« و لا تنالهم الأسقام » إنَّ الّذين قالوا ربُّنا اللَّه ثمّ استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون نحن أولياءكم في الحياة الدّنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدّعون نُزلاً من غفورٍ رحيمٍ
« و لا تعرض لهم الأخطار » في ( الصّحاح ) : الخطر الاشراف على الهلاك
، « و لا تشخصهم الأسفار » تشخص من الاشخاص في ( الصحاح ) : شخص من بلد الى بلد ، ذهب و أشخصه غيره
. .
قد أفلح المؤمنون الّذين في صلاتهم خاشعون و الّذين هم عن اللّغو معرضون و الّذين هم للزّكاة فاعلون و الّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون و الّذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون و الّذين هم
____________________
على صلاتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الّذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
« و أما أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار » جهنّم يصلونها و بئس القرار
، فأوردهم النّار و بئس الورد المورود
« و غلّ الأيدي الى الأعناق » في ( الصحاح ) : الغلّ واحد الاغلال يقال في رقبته غلّ من حديد و غللت يده الى عنقه و قد غلّ فهو مغلول
. .
إنّا اعتدنا للكافرين سلاسل و أغلالاً و سعيراً
، و جعلنا الأغلالال في أعناق الّذين كفروا هل يجزون إلاّ ما كانوا يعملون
، فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم و السّلاسل يسحبون في الحميم ثمّ في النار يسجرون
، خذوه فغلّوه ثمّ الجحيم صلّوه ثمّ في سلسلةٍ ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه
، و اما قوله تعالى إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي الى الأذقان فهم مقمحون و جعلنا من بين أيديهم سدّاً و من خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون
، و قد استند اليه الخوئي فهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفّار في الدنيا
« و قرن النّواصي بالاقدام » في ( ٤١ ) الرّحمن يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنّواصي و الاقدام .
____________________
( ١٠ ) الخوئي ٧ : ٣٦٥ ح ١٠٨ .
« و ألبسهم سرابيل القطران » في ( الصحاح ) عن الجاحظ : السّربال :
القميص و القطر بالكسر النحاس ، و منه قوله تعالى : من قطران
. .
و تمام الآية و ترى المجرمين يومئذٍ مقرّنين في الأصفاد سرابيلهم من قطرانٍ و تغشى وجوههم النّار
.
« و مقطّعات النّيران » في سورة الحج ( ١٩ ) : هذان خصمان اختصموا في ربِّهم فالّذين كفروا قُطّعت لهم ثيابٌ من نارٍ . . « و في عذاب قد اشتدّ حرّه » في ( ١٩ ٢١ ) الحجّ يُصبُّ من فوق رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم و الجلود و لهم مقامع من حديد . فلا يخفّف عنهم العذاب و لا هم ينصرون
.
« و باب قد اطبق على أهله » في ( ٢٢ ) الحجّ كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق « في نار كلب و لجب » في ( الصحاح ) :
كلبه بالضّمّ الشدّة من البرد و غيره و كذلك الكلب بالتّحريك و دفعت عنك كلب فلان أي شرّه و اذاه و اللّجب الصّوت
« و لهب ساطع » في ( الصحاح ) : لهب النّار : لسانها و سطع الغبار و الرائحة و الصّبح اذا ارتفعت
« و قصيف هائل » في ( الصحاح ) : وعد قاصف : شديد الصّوت
. .
و اعتدنا لِمن كذّب بالسّاعة سعيراً اذا رأتهم من مكان بعيدٍ سمعوا لها تغيّظاً و زفيراً و اذا اُلقوا منها مكاناً ضيّقاً مقرّنين دعوا هناك
____________________
ثبوراً لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً و ادعوا ثبوراً كثيراً
« لا يظعن مقيمها » كذلك يريهم اللَّه أعمالهم حسراتٍ عليهم و ما هم بخارجين من النّار
،
يريدون أن يخرجوا من النّار و ما هم بخارجين منها و لهم عذابٌ مقيم
،
كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ اُعيدوا فيها و ذوقوا عذاب الحريق
.
« و لا يفادى أسيرها » إنّ الّذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقبل منهم و لهم عذابٌ اليم
« و لا تفصم كبولها » في ( الصّحاح ) : فصم الشّي : كسره من غير أن يبيّن ، و الكبل القيد
.
« و لا مدّة للدّار فتفنى » و من خفّت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون تلفح وجوههم النّار و هم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذّبون قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا و كنّا قوماً ضاليّن ربَّنا اخرجنا منها فان عدنا فإنّا ظالمون قال اخسئوا فيها و لا تكلِّمون
.
« و لا أجل للقوم فينقضى » و قال الّذين في النّار لخزنة جهنّم ادعوا ربّكم يخّف عنّا يوماً من العذاب قالوا ألم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات قالوا بلى قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرين إلاّ في ضلالٍ
، انّ المجرمين في عذاب جهنّم خالدون لا يفتّر عنهم و هم فيه مبلسون و ما ظلمناهم و لكن كانوا هم
____________________
الظّالمين و نادوا يا مالك ليقض علينا ربُّك قال إنّكم ماكثون
.
٢١
من الخطبة ( ٨٠ ) في خطبة عجيبة :
عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اِقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اِقْتِسَاراً وَ مَقْبُوضُونَ اِحْتِضَاراً وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً وَ كَائِنُونَ رُفَاتاً وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِينُونَ جَزَاءً وَ مُمَيَّزُونَ حِسَاباً قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ اَلْمَخْرَجِ وَ هُدُوا سَبِيلَ اَلْمَنْهَجِ وَ عُمِّرُوا مَهَلَ اَلْمُسْتَعْتِبِ وَ كُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ اَلرِّيَبِ وَ خُلُّوا لِمِضْمَارِ اَلْجِيَادِ وَ رَوِيَّةِ اَلاِرْتِيَادِ وَ أَنَاةِ اَلْمُقْتَبِسِ اَلْمُرْتَادِ فِي مُدَّةِ اَلْأَجَلِ وَ مُضْطَرَبِ اَلْمَهَلِ فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً وَ مَوَاعِظَ شَافِيَةً لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً وَ أَسْمَاعاً وَاعِيَةً وَ آرَاءً عَازِمَةً وَ أَلْبَاباً حَازِمَةً فَاتَّقُوا تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اِقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ أَيْقَنَ فَأَحْسَنَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ وَ حُذِّرَ فَحَذِرَ وَ زُجِرَ فَازْدَجَرَ وَ أَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَجَعَ فَتَابَ وَ اِقْتَدَى فَاحْتَذَى وَ أُرِيَ فَرَأَى فَأَسْرَعَ طَالِباً وَ نَجَا هَارِباً فَأَفَادَ ذَخِيرَةً وَ أَطَابَ سَرِيرَةً وَ عَمَّرَ مَعَاداً وَ اِسْتَظْهَرَ زَاداً لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَ وَجْهِ سَبِيلِهِ وَ حَالِ حَاجَتِهِ وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ وَ اِحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَ اِسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ وَ اَلْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ أقول : قوله عليه السّلام « عباد مخلوقون اقتدارا » و من آياته ان خلقكم من ترابٍ
____________________
ثمّ إذا أنتم بشرٌ تنتشرون
، اقرأ باسم ربِّك الذي خلق خلق الإنسان من علق
، و لقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طينٍ ثمّ جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين ثمّ خلقنا النطّفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثمَّ أنشأناه خلقاً آخر فتبارك اللَّه أحسن الخالقين
.
« و مربوبون اقتسارا » في ( الصحاح ) : رببت القوم : سستهم أي ، كنت فوقهم قال أبو نصر هو من الرّبوبية و قسره على الأمر : أكرهه عليه و كذلك اقتسره . .
و للَّه يسجد من في السّماوات و الأرض طوعاً و كرهاً و ظلالهم بالغدوّ و الآصال
، قُل اللّهمّ مالك المُلك تؤتي الملك من تشاء و تنزع المُلك ممّن تشاء و تعزّ من تشاء و تذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شيءٍ قديرٌ تولج الليل في النّهار و تولج النّهار في اللّيل و تخرج الحيّ من الميّت و تخرج الميّت من الحيّ و ترزق من تشاء بغير حساب
، . قل أ فأتخذّتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً و لا ضرّا .
، . و لا يملكون موتاً و لا حياةً و لا نشوراً
، . و له أسلم من في السّماوات و الأرض طوعاً و كرهاً و إليه ترجعون
، . يهب لمن يشاء إناثاً و يهبُ لمن يشاء الذّكور أو يزوّجهم
____________________
ذكراناً و إناثاً و يجعل من يشاء عقيماً .
.
و روى ( توحيد الصّدوق ) عن أحد أصحاب أبي منصور المتطبّب قال :
كنت أنا و ابن أبي العوجاء و عبد اللَّه بن المقفّع في المسجد الحرام فقال ابن المقفّع : أترون هذا الخلق ( و أومى بيده الى موضع الطّواف ) ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة إلاّ ذلك الشيخ الجالس ( يعني جعفر بن محمد عليه السّلام ) فأمّا الباقون فرعاع و بهائم فقال له ابن أبي العوجاء : و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟ قال لأني رأيت عنده ما لم أر عندهم فقال بن أبي العوجاء : لا بدّ من اختبار ذلك فقال له ابن المقفّع : لا تفعل فانّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك فقال : ليس ذا رأيك لكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي في اجلالك إيّاه المحلّ الذي وصفت فقال له : امّا اذ توهّمت عليّ هذا فقم اليه و تحفظ ما استطعت من الزّلل و لا تثن عنانك الى ارسال يسلمك الى عقال و سمّه مالك أو عليك قال : فقام ابن أبي العوجاء و بقيت و ابن المقفّع فرجع الينا فقال : يا ابن المقفّع ما هذا ببشر و ان كان في الدّنيا روحانيّ يتجسّد اذا شاء ظاهراً و يتروّح إذا شاء باطناً فهو هذا فقال : و كيف ؟ قال : جلست عنده فلّما لم يبق عنده غيري ابتدأ بي فقال : ان يكن الأمر على ما يقول هؤلاء و هو على ما يقولون ( يعني أهل الطواف ) فقد سلموا و عطبتم و ان يكن الأمر على ما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم أنتم و هم فقلت له : و أي شيء نقول ؟ و أي شيء يقولون ؟ ما قولي و قولهم إلاّ واحد قال : كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون : انّ لهم معادا و ثوابا و عقابا و يدينون بانّ للسّماء إلها و انّها عمران و أنتم تزعمون انّ السّماء خراب ليس فيها أحد ، قال : فاغتنمتها منه فقلت له : ما منعه ان كان الأمر كما تقول ان يظهر لخلقه و يدعوهم الى عبادته
____________________
حتّى لا يختلف منهم اثنان و لم احتجب عنهم و أرسل اليهم الرّسل و لو باشرهم بنفسه كان أقرب الى الايمان به فقال لي : ويلك و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك و نشأك و لم تكن و كبرك بعد صغرك و قوّتك بعد ضعفك و ضعفك بعد قوّتك و سقمك بعد صحّتك و صحّتك بعد سقمك و رضاك بعد غضبك و غضبك بعد رضاك و حزنك بعد فرحك ، و فرحك بعد حزنك ، و حبّك بعد بغضك ، و بغضك بعد حبّك ، و عزمك بعد إباءك ، و إباءك بعد عزمك ، و شهوتك بعد كراهتك ، و كراهتك بعد شهوتك ، و رغبتك بعد رهبتك ،
و رهبتك بعد رغبتك ، و رجاك بعد يأسك ، و يأسك بعد رجاءك ، و خاطرك بما لم يكن في وهمك ، و غروب ما أنت معتقد عن ذهنك قال : و ما زال يعدّ عليّ قدراته التي هي في نفسي الّتي لا أدفعها حتّى ظننت انّه سيظهر فيما بيني و بينه
.
« و مقبوضون احتضارا » اللَّه يتوفّى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك الّتي قضى عليها الموت و يرسل الاُخرى الى أجلٍ مسمّىً انّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون
، فلو لا إذا بلغت الحلقوم و أنتم حينئذٍ تنظرون و نحن أقرب اليه منكم و لكن لا تبصرون فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين
، هو الذي يتوفاكم باللّيل و يعلم ما جرحتم بالنّهار ثمّ يبعثكم فيه ليقضي أجلٌ مسمّىً ثمّ اليه مرجعكم ثمّ ينبّئكم بما كنتم تعملون
، و هو القاهر فوق عباده و يرسل عليكم حَفَظَةً حتّى اذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا و هم لا يفرّطون ثمّ ردّوا الى اللَّه
____________________
مولاهم الحقّ الا له الحكم و هو أسرع الحاسبين
، قل يتوفاكم ملكُ الموت الّذي وكّل بكم ثمّ إلى ربّكم ترجعون
، قل انّ الموت الّذي تفرّون منه فانّه ملاقيكم ثمّ تردّون الى عالم الغيب و الشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون
،
كلاّ إذا بلغت التّراقي و قيل من راقٍ و ظنَّ انّه الفراق و التفّت السّاق بالسّاق إلى ربِّك يومئذٍ المساق
.
« و مضمّنون اجداثا » فبعثَ اللَّه غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النّادمين
، منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارةً اُخرى
، و في الخبر سئل الباقر عليه السّلام لأيّ علّة يولد الإنسان هاهنا و يموت في موضع آخر فقال عليه السّلام : لأنّ اللَّه تعالى خلق خلقه من أديم الأرض فمرجع كلّ انسان الى تربته
، ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً و أمواتاً
.
و روي عن يحيى بن هرثمة الذي أرسله المتوكّل لاشخاص الهادي عليه السّلام اليه انّه كان معه قائد شامي و كاتب متشيّع فقال له : من قول صاحبكم ليس من الأرض بقعة إلاّ و هي قبر أو ستكون قبراً فمن يموت في هذه البريّة العظيمة حتّى تمتلي قبورا و تضاحكوا منه فانخذل الى أن قال : فسرنا في الرّجوع الى
____________________
موضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة و أرعدت و أبرقت حتّى اذا صارت على رؤسنا أرسلت علينا بردا مثل الصّخور و قد شدّ الهادي عليه السّلام على نفسه و غلمانه الخفاتين و لبسوا اللّبابيد و البرانس قبل و كنّا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ فقال لغلمانه : ادفعوا الى يحيى لبّادة و الى الكاتب برنسا فقتل البرد من أصحابي ثمانين و زالت السّحابة و رجع الحرّ فقال الهادي عليه السّلام : يا يحيى مر من بقي من أصحابك ليدفن من قد مات ، ثمّ قال : يا يحيى هكذا يملأ اللَّه قبورا قال يحيى : فرميت نفسي عن دابتي و قبّلت ركابه و قلت : اشهد انّكم خلفاء اللَّه في أرضه و كنت كافرا و قد أسلمت الآن على يديك و تشيّعت
.
و في ( الصحاح ) الجدث : القبر و الجمع أجدث و أجداث ، قال المتنخّل الهذلي :
عرفت بأجدث فنعاف عرق
|
|
علامات كتحبير النّماط
|
قلت : كون أجدث جمع جدث أيضا غير معلوم و ان تبعه ( القاموس ) فلم يذكر ( المصباح ) و ( النّهاية ) غير ( أجداث )
و الشعر الذي أنشده غلط لأنّ أجدث فيه موضع كنعاف .
« و كائنون رفاتا » في ( الصحاح ) الرّفات : الحطام قال تعالى ءاذا كنّا عظاماً و رفاتاً .
.
و في ( غريب قرآن السّجستاني ) : رفاتا وفتاتا واحد و يقال الرّفات : ما تناثر من كلّ شيء
.
« بلى و مبعوثون أفرادا » . يخرجون من الأجداث كأنّهم
____________________
جرادٌ منتشرٌ
.
« و مدينون جزاء » فلو لا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين
، يومئذٍ يصدر النّاس اشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره
، و نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفسٌ شيئاً و إن كان مثقال حبّةٍ من خردلٍ آتينا بها و كفى بنا حاسبين
، يا بنيّ انّها ان تكُ مثقال حبّةٍ من خردل فتكن في صخرة أو في السّماوات أو في الأرض يأتِ بها اللَّه إنّ اللَّه لطيفٌ خبيرٌ
.
« و مميّزون حسابا » يا أيُّها النّاس اتّقوا ربّكم و اخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده و لا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً إنّ وعد اللَّه حقٌّ فلا تغرّنكم الحياة الدُّنيا و لا يغرّنّكم باللَّه الغرور
، و اتّقوا يوماً لا تجزى نفسٌ عن نفسٍ و لا يقبل منها عدلٌ و لا تنفعها شفاعةٌ و لا هم ينصرون
.
« قد أمهلوا في طلب المخرج » أفحسبتم انّما خلقناكم عبثاً و انّكم الينا لا ترجعون
، أيحسب الإنسان أن يُترك سدى
.
« و هدوا سبيل المنهج » إنّا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه
____________________
فجعلناه سميعاً بصيراً إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً و إمّا كفوراً
،
و نفسٍ و ما سوّاها فألهمها فجورها و تقواها
، بالرسول الباطن و هو العقل كما ذكّرها بالرسول الظاهر .
و في ( الصحاح ) النهج الطريق الواضح و كذلك المنهج و المنهاج
.
« و عمّروا مهل المستعتب » في ( الصحاح ) اعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني قال الخليل العتاب مخاطبة الاذلال و مذاكرة الموجدة
.
قال تعالى ألم يأن للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه و ما نزل من الحقِّ و لا يكونوا كالّذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثيرٌ منهم فاسقون
.
و في الخبر أنّ قوله تعالى أ و لم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر .
خطاب لابن ثماني عشرة سنة
.
و في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام : أنّ الشّمس لتطلع و معها أربعة أملاك ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و ابشر و ملك ينادي يا صاحب الشّرّ انزع و اقصر
. .
« و كشف » هكذا في ( المصرية )
و الصواب ( و كشفت ) كما في ( ابن ابي
____________________
الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« عنهم سدف الرّيب » في ( الصحاح ) : قال الأصمعي السَّدفة و السدفة في لغة نجد : الظّلمة و في لغة غيرهم : الضّوء و كذلك السَّدف بالتّحريك ، و قال أبو عبيد و بعضهم يجعل السّدفة اختلاط الضّوء و الظّلمة معا كوقت ما بين طلوع الفجر و الاسفار و قد أسدف اللّيل أي اظلم ، و منه قول العجاج ( و اقطع الليل اذا ما أسدفا ) و السّدف اللّيل قال الشاعر ( بارعن كالسّدف المظلم )
.
و الرّيب الشّك و الرّيب ما رابك من أمر و الاسم الريبة بالكسر و هي التّهمة و الشّك . ، قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله للنّاس في حجّة الوداع ، ما من شيء يقرّبكم من الجنّة إلاّ أمرتكم به و ما من شيء يقرّبكم من النّار إلاّ نهيتكم عنه
.
و قال تعالى : لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرُّشد من الغيّ
.
« و خلوّ المضمار الجياد » في ( الصحاح ) : تضمير الفرس أن يعلفه حتّى يسمن ثمّ يرده الى القوت ، و ذلك في أربعين يوما و هذه المدّة تسمّى المضمار و الموضع الّذي يضمر فيه الخيل أيضا مضمار
.
و جاد الفرس أي : صار رائعا يجود جودة ( بالضّمّ ) فهو جواد للّذكر و الانثى من خيل جياد و أجياد و أجاويد . .
قال تعالى فاستبقوا الخيرات إلى اللَّه مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون
.
____________________
« و رويّة الارتياد » في ( الصحاح ) : الرّويّة : التفكّر في الأمر جرت في كلامهم غير مهموز
.
قال وراد الكلا يروده رودا و ريادا و ارتاده ارتيادا بمعنى أي طلبه و الرّائد الّذي يرسل في طلب الكلأ يقال : لا يكذب الرّائد أهله . .
قال تعالى يا أيُّها الّذين آمنوا اتّقوا اللَّه و لتنظر نفسٌ ما قدّمت لغدٍ و اتّقوا اللَّه انّ اللَّه خبيرٌ بما تعملون
، و لا تكونوا كالّذين نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النّار و أصحاب الجنّة أصحاب الجنّة هم الفائزون
.
و قال عليه السّلام لكليب الجرمي لمّا بعثه قوم من البصرة اليه عليه السّلام قبل وروده عليه السّلام ليعلم لهم حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبّهة عنهم فبيّن عليه السّلام لهم ما علم به انّه على الحقّ ، ثمّ قال له : بايع فقال انّي رسول قوم و لا أفعل حتى أرجع اليهم و أرى ما يقولون ، فقال عليه السّلام لو انّهم بعثوك رائدا فرجعت اليهم و أخبرتهم عن الماء و الكلاء فخالفوا الى المعاطش و المجادب ما كنت صانعا ؟ قال كنت تاركهم قال عليه السّلام فامدد يدك إذن ، قال فما استطعت الامتناع بعد قيام الحجّة
.
« و أناة المقتبس المرتاد » في ( الصّحاح ) : تأنّى في الأمر أي : ترقق و انتظر و استأنى به أي : انتظر يقال استونى به حولا و الاسم الأناة مثل قناة ، تقول :
تأنّيتك حتّى لا أناة بي و القبس شعلة من النّار و كذلك المقباس
.
____________________
« في مدّة الأجل » و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو لا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق و أكن من الصّالحين و لن يؤخّر اللَّه نفساً إذا جاء أجلها و اللَّه خبيرٌ بما تعملون
.
« و مضطرب المهل » حكم عليه السّلام بكون مهل الانسان مضطربا لأنّ الانسان لا يدري أي وقت يجييء موته أفي شبابه أم كهولته أم شيخوخته .
« فيالها أمثالا صائبة » من قولهم سهم صائب و الأمثال الصّائبة للانسان و الدّنيا على أنحاء منها من حيث فنائها كقوله تعالى . يا أيُّها النّاس إنّما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدُّنيا ثم الينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون انما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السّماء فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل النّاس و الأنعام حتّى اذا أخذت الأرض زخرفها و ازّينت و ظنّ أهلها انّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس .
، و منها من حيث عدم ثبات من يستندون اليه من أهل الدّنيا كقوله تعالى مثل الّذين اتّخذوا من دون اللَّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً و إنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعملون
، و منها من حيث عجز من يعتمدون عليه كقوله تعالى يا أيُّها النّاس ضرب مثلٌ فاستمعوا له انّ الّذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذُباباً و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذّباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطّالب و المطلوب
.
« و مواعظ شافية » من أمراض الأخلاق الرّذيلة يا أيُّها النّاس قد جائتكم
____________________
موعظةٌ من ربِّكم و شفاءٌ لما في الصّدور و هدىً و رحمةٌ للمؤمنين
.
« لو صادفت قلوبا زاكية » يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى اللَّه بقلبٍ سليم
، قد أفلح من زكاها و قد خاب من دسّاها
.
« و أسماعا واعية » في ( الصحاح ) : وعيه أي : حفظه . . . و تعيها أذُنٌ واعيةٌ
.
« و آراء عازمة » في ( الصّحاح ) عزمت على كذا عزما و عزما بالضّمّ و عزيمة و عزيما اذا أردت فعله و قطعت عليه قال تعالى و لم نجد له عزما
.
و في الخبر : المؤمن أشدّ من الجبل لا يعمل في دينه ، و قال الحسين عليه السّلام لو لم يكن لي ملجأ في الدّنيا و لا ناصر لما بايعت يزيد و حضر للجهاد في سبيل الحقّ مع تلك العدّة القليلة
.
« و البابا حازمة » في ( الصحاح ) : اللّب : العقل و الجمع ألباب ، و الحزم : ضبط الرّجل أمره ، و أخذه بالثّقة ، و حزم الرّجل ( بالضّمّ ) حزامة فهو حازم و احتزم و تحزّم بمعنى أي : تلبّب ، و ذلك اذا شدّ وسطه بحبل
. .
الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الّذين هداهم اللَّه و أولئك هم اُولو الألباب
.
____________________
« فاتّقوا » هكذا في ( المصرية )
و الصواب ( فاتّقوا اللَّه ) كما في ( ابن ابي الحديد و ابن ميثم و ( الخطية )
.
« تقيّة من سمع فخشع » و إذا سمعوا ما اُنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقِّ .
، ألم يأن للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه و ما نزل من الحقِّ و لا يكونوا كالّذين اُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثيرٌ منهم فاسقون
.
« و اقترف فاعترف » في ( الصحاح ) : الاقتراف : الاكتساب و قارف فلان الخطيئة أي : خالطها
. .
و الذين اذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم .
.
في ( تفسير القمّي ) لمّا حاصر النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله بني قريظة قالوا ابعث لنا أبا لبابة نستشيره في أمرنا فقال صلَّى اللَّه عليه و آله له ائت حلفاءك فأتاهم فقالوا له ما ترى ؟
أ ننزل على حكمه ؟ فقال نعم و اعلموا انّ حكمه فيكم و أشار الى حلقه أي الذّبح ثمّ ندم فقال خنت اللَّه و رسوله و نزل من حصنهم و لم يرجع اليه صلَّى اللَّه عليه و آله و مرّ الى المسجد و شدّ في عنقه حبلا ثمّ شدّه الى الاسطوانة الّتي تسمّى اسطوانة التّوبة و قال لا أحلّه حتى أموت أو يتوب اللَّه عليّ فبلغ ذلك النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله فقال انّا لو أتانا لاستغفرنا اللَّه له و امّا اذ قصد الى ربّه فاللَّه أولى به
____________________
و كان يصوم النهار و يأكل باللّيل ما يمسك رمقه فكانت بنته تأتيه بعشائه و تحلّه عند قضاء الحاجة فلّما كان بعد ذلك و النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله في بيت امّ سلمة نزلت توبته و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيئاً عسى اللَّه أن يتوب عليهم إنّ اللَّه غفور رحيم
، فقال صلَّى اللَّه عليه و آله لها قد تاب اللَّه عليه فقالت افاوذنه فقال لتفعلنّ فأخرجت رأسها من الحجرة فقالت ابشر يا أبا لبابة قد تاب اللَّه عليك فقال الحمد للَّه فوثب المسلمون يحلّونه فقال لا و اللَّه حتّى يحلّني صلَّى اللَّه عليه و آله فجاء صلَّى اللَّه عليه و آله فقال تاب اللَّه عليك لو ولدت من امّك يومك هذا لكفاك فقال ا فاتصدّق به بمالي كلّه ؟ قال لا قال فبثلثيه قال لا قال فبنصفه قال لا قال فثلثه فقال نعم
.
« و وجل فعمل » إنّ الّذين هم من خشية ربِّهم مشفقون و الّذين هم بآيات ربِّهم يؤمنون و الّذين هم بربِّهم لا يشركون و الّذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجِلةٌ انّهم الى ربِّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
، فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم اللَّه جميعاً .
.
« و أيقن فأحسن » فأما من اعطى و اتّقى و صدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى
.
« و عبّر فاعتبر » أي : رأى اسباب العبرة فاعتبر بها .
« و حذّر فازدجر » قال تعالى في سورة القمر كرارا و لقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مُدّكر .
____________________
« و أجاب فأناب » و الّذين اجتنبوا الطّاغوت أن يعبدوها و أنابوا الى اللَّه لهم البشرى .
، « و رجع » هكذا في ( المصرية )
و الصواب ( و راجع ) كما في ( ابن ابي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« فتاب » . و توبوا الى اللَّه جميعاً أيّه المؤمنون لعلّكم تفلحون
.
« و اقتدى فاحتذى » في ( الصّحاح ) : حذوت النّعل بالنعل حذوا اذا قدّرت كلّ واحدة على صاحبتها
. .
قل ان كنتم تحبّون اللَّه فاتّبعوني يحببكم اللَّه و يغفر لكم ذنوبكم و اللَّه غفور رحيم
.
« و ارى فرأى » هو الّذي يريكم آياته و ينزّل لكم من السّماء رِزقاً و ما يتذكّر إلاّ من يُنيب
.
« فأسرع طالبا » للخير « و نجا هاربا » من الشّرّ « فأفاد ذخيرة » و ما تقدّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند اللَّه هو خيراً و أعظم أجراً و استغفروا اللَّه إنّ اللَّه غفورٌ رحيم
.
« و أطاب سريرة » قد أفلح من زكاها
.
____________________
« و عمّر معادا » و إنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان .
.
« و استظهر زادا » في ( الصحاح ) : استظهر به أي استعان به و استظهر الشّيء حفظه و قرأه ظاهرا
.
« ليوم رحيله ، و وجه سبيله و حال حاجته و موطن فاقته » في ( الفقيه ) عن أمير المؤمنين عليه السّلام : ما من يوم يمرّ على ابن آدم إلاّ قال له ذلك اليوم أنا يوم جديد و أنا عليك شهيد فقل فيّ خيرا شهد لك يوم القيامة فانّك لن تراني بعده أبدا
.
« و قدّم أمامه لدار مقامه » و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو لا أخّرتني إلى أجلٍ قريب فأصّدّق و أكن من الصّالحين
.
« فاتّقوا اللّه عباد اللَّه جهة ما خلقكم له » أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً و انّكم الينا لا ترجعون
، أيحسب الإنسان أن يُترك سدىً
، و ما خلقت الجنّ و الإنس إلاّ ليعبدون ما اُريد منهم من رزقٍ و ما اُريد أن يطعِمون
.
« و احذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه » في ( المصباح ) : كنه الشيء نهايته و حقيقته و الكنه الوقت قال ( و انّ كلام المرء في غير كنهه ) أي في غير وقته و لا يشتقّ منه فعل
.
____________________
قلت : كأنّه مشتقّ من كلمتي كونه أو كيانه فخفّفتا و صارتا كلمة واحدة و كيف كان قال تعالى يا أيُّها الّذين آمنوا اتّقوا اللَّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل اللَّه جميعاً و لا تفرّقوا .
.
« و استحقّوا منه ما أعدّ لكم بالتنجّز لصدق ميعاده » في ( الصحاح ) : نجّز حاجته : قضاها و استنجز الرّجل حاجته و تنجّزها أي استنجحها و النّاجز الحاضر يقال بعته ناجزا بناجز كقولك يدا بيد
.
و الميعاد المواعدة و الوقت و الموضع .
« و الحذر من هول معاده » في ( تفسير القمّي ) عن الصادق عليه السّلام : ما خلق اللَّه خلقا إلاّ جعل له في الجنّة منزلا و في النّار منزلاً فاذا دخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار نادى مناديا أهل الجنّة اشرفوا فيشرفون على أهل النّار و ترفع لهم منازلهم لهم فيها ثمّ يقال لهم هذه منازلكم التي لو عصيتم اللَّه لدخلتموها قال فلو انّ أحدا مات فرحا لمات أهل الجنّة في ذلك اليوم فرحا لما صرف عنهم من العذاب ثمّ يناد مناديا أهل النّار ارفعوا رؤسكم فيرفعون رؤسهم فينظرون الى منازلهم في الجنّة و ما فيها من النّعيم فيقال لهم هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم لدخلتموها فلو انّ أحدا مات حزنا لمات أهل النّار حزنا فيورث هؤلاء منازل هؤلاء و يورث هؤلاء منازل هؤلاء
و ذلك قوله تعالى اُولئك هم الوارِثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
.
____________________
٢٢
الخطبة ( ٩٨ ) و من كلام له عليه السّلام يجري مجرى الخطبة :
وَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اَللَّهُ فِيهِ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ لِنِقَاشِ اَلْحِسَابِ وَ جَزَاءِ اَلْأَعْمَالِ خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ اَلْعَرَقُ وَ رَجَفَتْ بِهِمُ اَلْأَرْضُ فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً أقول : قوله « و من كلام له عليه السّلام يجري مجرى الخطبة » هكذا في ( المصرية )
و في « ( ابن ابي حديد و ابن ميثم )
: ( ( و من خطبة له عليه السّلام تجري هذا المجرى ) ) : و هو الصّحيح و قوله ( ( هذا المجرى ) ) اشارة الى اشتمالها على ذكر الملاحم كسابقتها .
« و ذلك يوم يجمع اللَّه فيه الأوّلين و الآخرين » الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى قل إنّ الأولين و الآخرين لمجموعون الى ميقات يومٍ معلوم
،
إن كانت إلاّ صيحةً واحدةً فاذا هم جميعٌ لدينا محضرون
، يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن .
.
« لنقاش الحساب » النّقاش و المناقشة الاستقصاء في الحساب و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه .
، و كلّ صغيرٍ و كبيرٍ
____________________
مستطرٌ
، و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يُغادر صغيرة و لا كبيرةً إلاّ أحصاها و وجدوا ما عمِلوا حاضراً .
.
« و جزاء الأعمال » فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره
، ليجزي الذين أسآؤا بما عملوا و يجزي الّذين أحسنوا بالحسنى
.
« خضوعا » هنا هو جمع خاضع و خشعت الأصوات للرّحمن فلا تسمع إلاّ همسا
.
« قياما » ( قيام ) يكون مصدر ( قام ) و يكون جمع قائم و هو المراد هنا .
روي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله اذا كان يوم القيامة ادنيت الشّمس حتّى يكون بقدر ميل أو ميلين فيكونون في العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه الى عقبه و منهم من يلجمه إلجاما و أشار بيده الى فيه
.
« و رجفت بهم الأرض » يوم ترجف الأرض و الجبال و كانت الجبال كثيباً مهيلاً
.
« فأحسنهم حالا من وجد لقدميه موضعا و لنفسه متّسعا » يوماً يجعل الولدان شيباً
، يوم ترجف الرّاجفة تتبعها الرّادفة قلوبٌ يومئذٍ
____________________
واجفةٌ أبصارها خاشعةٌ
.
هذا ، و مرّ في فصل إمامته عليه السّلام قوله عليه السّلام « شغل من الجنّة و النّار أمامه » الى آخره .
____________________
الفصل التاسع و الثلاثون في ما قاله عليه السّلام في ما يجب على العبد لربّه
١
الحكمة ( ١٠ ) و قال عليه السّلام :
إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ اَلْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ في ( العيون ) : أمر عبد الملك بقتل رجل فقال له الرّجل : إنّك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون الى اللَّه فاعف له فانّك به تعان و اليه تعود ، فخلّى سبيله
.
و أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل قد كان نذر ان أمكنه اللَّه ليفعلنّ به و ليفعلنّ فقال له رجاء بن حياة : قد فعل اللَّه ما تحبّ من الظّفر فافعل ما يحبّ اللَّه من العفو
.
و أتى الحجّاج بأسارى فأمر بضرب أعناقهم فقال له رجل منهم لمّا أرادوا ضرب عنقه : و اللَّه لئن كنّا أسأنا في الذّنب فما أحسنت في المكافأة فقال
____________________
الحجّاج : أفّ لهذا الجيف ما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا و كفّ عن القتل
.
و أتى الهادي برجل كان في حبسه فجعل يقرعه بذنوبه ، فقال الرّجل اعتذاري ممّا تقرعني به ردّ عليك ، و اقراري بما تعتدّه عليّ يلزمني ذنبا لم أجنه و لكني أقول :
فان كنت ترجو في العقوبة راحة
|
|
فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
|
و في ( العقد ) : قال مبارك بن فضالة كنت عند المنصور إذ أمر برجل ان يقتل فقلت له : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله : اذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي اللَّه ألا من كانت له عند اللَّه يد فليتقدّم ، فلا يتقدّم إلاّ من عفى عن مذنب ، فأمر بإطلاقه
.
و قال : قد ضلّ الأعشى في طريقه فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة فقال : قائده و قد نظر الى قباب الادم ، و اسوء صباحاه يا أبا بصير ، هذه و اللَّه أبيات علقمة فخرج فتيان الحيّ فقبضوا على الأعشى فأتوا به علقمة فمثّل بين يديه فقال :
الحمد للَّه الذي أظفرني بك من غير ذمّة و لا عقد ، قال الأعشى : أ فتدري لم ذلك ؟
قال : نعم لأنتقم اليوم منك بتقوالك الباطل عليّ مع إحساني اليك ، قال : لا و اللَّه و لكن أظفرك اللَّه بي ليبلو قدر حلمك فيّ . فأطرق علقمة فاندفع الأعشى فقال :
أعلقم قد صيّرتني الامور
|
|
اليك و ما كان بي منكص
|
كساكم علاثة أثوابه
|
|
و ورّثكم مجده الأحوص
|
فهب لي ذنوبي فدتك النفوس
|
|
فلا زلت تنمى و لا تنقص
|
فقال : قد فعلت اما و اللَّه لو قلت فيّ ما قلت في عامر لأغنيتك طول حياتك و لو قلت في عامر بعض ما قلت فيّ ما اذا قلت برد الحياة .
____________________
٢
الحكمة ( ١٣ ) و قال عليه السّلام :
إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ اَلنِّعَمِ فَلاَ تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ اَلشُّكْرِ أقول : ذكره ( ابن ابي الحديد ) بعد ( ١٧ )
و لكن في ( ابن ميثم » كما هنا
.
و كيف كان فروى المصنّف في ( مجازاته النبويّة ) قريبا منه عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و لا غرو فهو منه كالصّنو من الصّنو و الذّراع من العضد فقال : و من ذلك قوله صلَّى اللَّه عليه و آله لبعض أزواجه احسني جوار نعم اللَّه فانّها قلّما نفرت عن قوم فكادت ترجع اليهم ، ثمّ قال : و هذه استعارة لأنّه صلَّى اللَّه عليه و آله جعل النّعم المتفاضلة على الإنسان بمنزلة الضّيف النّازل و الجار المجار الّذي يجب أن يعدّ قراه و يكرم مثواه و تصفى مشاربه و تؤمن مساربه فان اخيف سربه و رنق شربه و ضيعت قواصيه و اعتميت مقاربه كان خليقا بأن ينتقل و جديرا بأن يستبدل فكذلك النّعم اذا لم يجعل الشّكر قرى نازلها و الحمد مهاد منزلها كانت و شيكه بالانتقال و خليقة بالزّيال
.
و في رواية اخرى ( ( احسنوا جوار نعم الدّنيا فانّها و حشيّة ) ) و باقي الخبر على لفظه ، فعلى هذه الرّواية كأنّه صلَّى اللَّه عليه و آله شبّه النّعم بأوابد الوحش الّتي تقيم مع الايناس و تنفر مع الايحاش و يصعب رجوع شاردها اذا شرد و دنوّ نافرها اذا بعد .
قلت : بل الظاهر ارادة المعنى الأخير على الرّواية الاولى أيضا فكما انّ
____________________
الوحشيّة قرينة لتشبيه النّعم بالأوايد كذلك قوله ( لا تنفروا ) قال تعالى كأنّهم حُمرٌ مستنفرة فرّت من قسورةٍ
.
و قال الشاعر :
ازجر حمارك انّه مستنفر
|
|
في اثر أحمرة عمدن لغرب
|
و في المثل : كلّ ازبّ نفور
.
قال الجوهري : ينبت على حاجب البعير شعيرات فاذا ضربته الرّيح نفر .
قال الكميت ( او يتناسى الازبّ النفورا )
.
و ممّا يشهد لما قلنا من التّشبيه ما رواه محمّد بن يعقوب عن الرّضا عليه السّلام انّه قال لمحمّد بن عرفة انّ النّعم كالإبل المعتقلة في عطنها على القوم ما أحسنوا جوارها فاذا أساؤا معاملتها و ابالتها نفرت عنهم
.
و كيف كان ، فقال تعالى إنّ اللَّه لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم
، لئن شكرتم لأزيدنّكم و لئن كفرتم إنَّ عذابي لشديد
.
و عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام مكتوب في التوراة : ( اشكر من أنعم عليك و انعم على من شكرك فانّه لا زوال للنّعماء اذا شكرت و لا بقاء لها اذا كفرت الشّكر زيادة للنّعم و أمان من الغير )
.
و عنه عليه السّلام في قوله تعالى لقد كان لسبأ في مساكنهم آيةٌ جنّتان عن يمينٍ
____________________
و شمالٍ كلوا من رزقِ ربّكم و اشكروا له بلدةٌ طيّبةٌ و ربُّ غفورٌ فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم و بدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكلٍ خمط واثلٍ و شيء من سدرٍ قليل ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازي إلاّ الكفور و جعلنا بينهم و بين القرى الّتي باركنا فيها قرىً ظاهرة و قدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و أيّاماً آمنين فقالوا ربّنا باعد بين أسفارنا و ظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث و مزّقناهم كلّ ممزّقٍ إنَّ في ذلك لآياتٍ لكلِّ صبّارٍ شكور
: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم الى بعض و انهار جارية و أموال ظاهرة فكفروا نعم اللَّه و غيّروا ما بأنفسهم من عافية اللَّه فغيّر اللَّه ما بهم من نعمه فأرسل عليهم سيل العرم ففرّق قراهم و خرّب ديارهم و ذهب بأموالهم و أبدلهم مكان جنّاتهم جنّتين ذواتي أكل خمط واثل و شيء من سدر قليل
.
٣
الحكمة ( ٢٤٦ ) و قال عليه السّلام :
اِحْذَرُوا نِفَارَ اَلنِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ مرّ في سابقه كون المراد من نفار النّعم تشبيهها بحيوان نفر و شرد اذا لم يحسن رعايته لأنّ الغالب عدم عوده و ردّه ، و في محاجّة الصّادق عليه السّلام مع سفيان الثّوري و أصحابه الصّوفية قال النّبي صلَّى اللَّه عليه و آله انّ أصنافا من امّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم ، رجل يدعو على والديه و رجل يدعو على غريم له ذهب له بمال فلم يكتب عليه و لم يشهد عليه . و رجل رزقه اللَّه تعالى مالا كثيرا
____________________
فأنفقه ثمّ أقبل يدعو يا ربِّ ارزقني فيقول تعالى ألم أرزقك رزقا واسعا فهلاّ اقتصدت فيه كما أمرتك و لم تسرف
. .
٤
الحكمة ( ٢٤٤ ) و قال عليه السّلام :
إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا وَ مَنْ قَصَّرَ عَنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ اَلنِّعَمِ أقول : هو في معنى قوله تعالى . لئن شكرتم لازيدنكم و لئن كفرتم ان عذابي لشديد
فكفرت بانعم اللَّه فأذاقها اللَّه لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون
.
و في معناه قول الصادق عليه السّلام لحسين الصّحاف على ما رواه ( الكافي ) ما ظاهر اللَّه تعالى على عبد النّعم حتّى ظاهر عليه مؤونة النّاس فمن صبر لهم و قام بشأنهم زاد تعالى في نعمه عليه عندهم و من لم يصبر لهم و لم يقم بشأنهم أزال اللَّه تعالى تلك النعمة
.
٥
الحكمة ( ٢١٠ ) و قال عليه السّلام :
اِتَّقُوا اَللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً وَ جَدَّ تَشْمِيراً وَ كَمَّشَ فِي مَهَلٍ وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ اَلْمَوْئِلِ وَ عَاقِبَةِ اَلْمَصْدَرِ وَ مَغَبَّةِ اَلْمَرْجِعِ
____________________
« اتّقوا اللَّه تقيّة من شمّر » أي : رفع ذيله « تجريدا » عن ساقه « و جدَّ » هكذا في ( المصرية )
و لكن في ( ابن ميثم ) : ( ( و جرّد ) )
و نسبه ابن ابي الحديد الى رواية
و هو أولى لكونه أقرب الى البديع مع كون نسخة ابن ميثم بخطّ مصنّفه .
« تشميرا » بأن يأتي بكلّ ما افترض عليه و ينتهي عن كلّ ما عنه نهى كما قال تعالى . اتّقوا اللَّه حقّ تقاته .
.
« و كمش » هكذا في ( المصرية )
و الصّواب ( انكمش ) كما في ( ابن ابي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
و معنى انكمش : اسرع .
« في مهل » أي : من عمره .
« و بادر عن وجل » أي : خوف قال تعالى و الّذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلةٌ انّهم الى ربِّهم راجعون اُولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« و نظر في كرّة الموئل » أي : المرجع .
« و عاقبة المصدر » و في ( النهاية ) الصدّر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده و مغبّة أي عاقبة المرجع ، يا أيُّها الّذين آمنوا اتّقوا اللَّه و لتنظر نفسٌ ما
____________________
قدّمت لغدٍ و اتّقوا اللَّه إنَّ اللَّه خبيرٌ بما تعملون
.
و عن بعض الحكماء : أنّ اللَّه تعالى جعل ابن آدم بين البلوى و البلى فما دام الروّح في جسده فهو في البلوى و اذا فارقه فهو في البلى ، فأنَّى له السّرور و هو بين البلوى و البلى ؟
٦
الحكمة ( ٢٥ ) و قال عليه السّلام :
يَا اِبْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَ أَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ في ( الكافي ) عن الصّادق عليه السّلام : أنّ اللَّه تعالى اذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا اتبعه بنقمة و يذكّره الاستغفار و اذا أراد بعبد شرّا فأذنب ذنبا اتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار و يتمادى بها
.
و هو قوله تعالى . سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
أي بالنّعم عند المعاصي و قال عزّ و جلّ فلّما نسوا ما ذُكروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى اذا فرِحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتةً فإذاهم مبلسون
.
٧
الحكمة ( ٣٠ ) و قال عليه السّلام :
اَلْحَذَرَ اَلْحَذَرَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَتَرَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ
____________________
امّا ستره تعالى ففي الخبر : « لو لا ستره لما دفنوا أكثر النّاس لسوء أعمالهم و قبح أفعالهم »
.
و أمّا وجوب الحذر من ذلك فعنه عليه السّلام : لا تبديّن عن واضحة و قد علمت الأعمال الفاضحة و لا تأمننّ البيات و قد عملت السيئات
.
و عن الصادق عليه السّلام تعوّذوا باللَّه من سطوات اللَّه باللّيل و النّهار ، قيل : له و ما سطوات اللَّه ؟ قال : الأخذ على المعاصي
.
و عن أبي الحسن عليه السّلام : إنَّ اللَّه تعالى في كلّ يوم و ليلة مناديا ينادي مهلا مهلا عباد اللَّه عن معاصي اللَّه فلو لا بهائم رتّع ، و صبيّة رضّع ، و شيوخ ركّع ،
لصبّ عليكم العذاب صبّا ترضّون به رضّا
.
٨
الحكمة ( ٢٤٢ ) و قال عليه السّلام :
اِتَّقِ اَللَّهَ بَعْضَ اَلتُّقَى وَ إِنْ قَلَّ وَ اِجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ سِتْراً وَ إِنْ رَقَّ لأنّه الرّبّ و النّاس عبيده فيجب عليهم اتّقآؤه كما ينبغي و اَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ .
فان عسر عليه ما ينبغي فما تيسّر فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
.
« و اجعل بينك و بين اللَّه سترا و ان رق » لانّه ليس كملوك الدّنيا فيفرّ منه فلابدّ له من ستر في البين و عنه عليه السّلام كما في ( الكافي ) ما من عبد إلاّ و عليه
____________________
أربعون جنّة حتّى يعمل أربعين كبيرة فاذا عمل أربعين انكشف عنه الجنن فيوحى تعالى الى الملائكة ان استروا عبدي بأجنحتكم فيسترونه فما يدع شيئا من القبيح إلاّ قارفه حتّى يتمدّح الى النّاس بفعله القبيح فتقول الملائكة يا ربّ هذا عبدك ما يدع شيئا إلاّ ركبه و انّا لنستحيي ممّا يصنع فيوحي تعالى اليهم إن ارفعوا أجنحتكم عنه فاذا فعل ذلك أخذ في بغضنا أهل البيت فعند ذلك ينتهك ستره في السّماء و ستره في الأرض فتقول الملائكة يا ربّ هذا عبدك قد بقي مهتوك السّتر فيوحي اليهم لو كان للَّه فيه حاجة ما أمركم أن ترفعوا أجنحتكم عنه
.
و عن أبي جعفر عليه السّلام اتّقوا المحقّرات من الذّنوب فانّ لها طالبا يقول أحدكم أذنب و استغفر ، انّ اللَّه تعالى يقول . و نكتبُ ما قدّموا و آثارهم و كلّ شيءٍ أحصيناه في إمامٍ مبين
، و قال . انّها إن تكُ مثقال حبّة من خردلٍ فتكن في صخرة أو في السّماوات أو في الأرض يأت بها اللَّه إنَّ اللَّه لطيفٌ خبيرٌ
.
و عنه عليه السّلام الذّنوب كلّها شديدة و أشدّها ما نبت عليه اللّحم و الدّم لأنّه امّا مرحوم و امّا معذّب و الجنّة لا يدخلها إلاّ طيّب
.
و عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام من همّ بسيّئة فلا يعملها فانّه ربّما عمل العبد السيّئة فيراه الرّبّ تعالى فيقول : « و عزّتي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا »
.
____________________
و عنه عليه السّلام : ليس من عرق يضرب و لا نكبة و لا مرض إلاّ بذنب
.
قال تعالى و ما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثيرٍ
.
و عنه عليه السّلام ما من شيء أفسد للقلب من خطيئته فما تزال به حتّى يغلب عليه فيصير أعلاه أسفله
.
و عن الكاظم عليه السّلام ان للَّه تعالى في كلّ يوم و ليلة مناديا ينادي مهلا مهلا عباد اللَّه عن معاصيه فلو لا بهائم رتّع و صبية رضّع و شيوخ ركّع لصبّ عليكم صبّا ترضّون به رضّا
.
٩
الحكمة ( ١٦٥ ) و قال عليه السّلام :
لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اَلْخَالِقِ حتى لو كان ذاك المخلوق أحد الوالدين الّذين أوجب طاعتهما ، فقال تعالى إن اشكر لي و لوالديك إليّ المصير و إن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما .
، و اعتذر عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن شهوده صفّين مع معاوية بأنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله قال له : أطع أباك ، فقال له الحسن عليه السّلام : انّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله قال : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، و كذلك
____________________
الحسين عليه السّلام كما رواه الأسد في عبد اللَّه بن عمرو بن العاص
.
و في ( الكافي ) عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من طلب مرضاة النّاس بما يسخط اللَّه كان حامده من النّاس ذامّا له و من آثر طاعة اللَّه تعالى بما يغضب النّاس كفاه اللَّه عدوّ كلّ عدوّ و حسد كلّ حاسد و بغي كلّ باغ و كان له ناصرا و ظهيرا
.
و عنه عليه السّلام من أرضى سلطانا بسخط اللَّه تعالى خرج من دين اللَّه
.
و في ( بيان الجاحظ ) قال معاوية لشدّاد بن أوس ( قم فاذكر عليّا فانتقصه ) فقام شدّاد فقال الحمد للّه الذي افترض طاعته على عباده و جعل رضاه عند أهل التقوى اثر من رضا غيره و على ذلك مضى أولهم و على ذلك مضى آخرهم ايها النّاس انّ الآخره وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر و انّ الدّنيا أكل حاضر يأكل منها البرّ و الفاجر و انّ السامع المطيع للّه لا حجّة عليه و انّ السامع العاصي لا حجّه له و انّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و اذا أراد اللَّه بالناس خيرا استعمل عليهم صلحاءهم و قضى بينهم فقهاءهم و جعل المال في سمحائهم و اذا اراد بالعباد شرّا عمل عليهم سفهاءهم و قضى بينهم جهلاؤهم و جعل المال عند بخلائهم و انّ من اصلاح الولاة ان يصلح قرباها ثم التفت الى معاوية فقال نصحك يا معاوية من أسخطك بالحقّ و غشّك من أرضاك بالباطل فقطع معاوية عليه كلامه و أمر بإنزاله ثمّ لاطفه و أمر له بالمال فلّما قبضه قال ألست من السمحاء الذين ذكرت فقال ان كان لك مال غير مال المسلمين أصبته اقترافا و أنفقته اسرافا فانّ اللَّه تعالى يقول انّ المُبذّرين كانوا اخوان الشّياطين و كان الشيطان لربِّه كفوراً
.
____________________
و في ( كامل الجزري ) : كان نصير أبو موسى بن نصير على حرس معاية فلّما صار معاية إلى صفّين لم يسر معه فقال له ما يمنعك من المسير معي و يدي عندك معروفة فقال لا أشكرك بكفر من هو أولى بالشّكر منك و هو اللَّه عزّ و جلّ فسكت عنه معاوية
.
و في ( المروج ) انّ معاوية سأل صعصعة عن أهل الكوفة و أهل البصرة و أهل الحجاز و عن مضر و ربيعة ، فأجابه ثمّ أمسك معاوية فقال له سل و إلاّ أخبرتك بمما تحيد عنه قال و ما ذاك يا ابن صوحان ، قال أهل الشام ، قال فاخبرني عنهم قال أطوع النّاس لمخلوق و أعصاهم للخالق عصاة الجبّار و خلفة الأشرار فعليهم الدّمار و لهم سوء الدّار ، الخ و فيه انّه أجابه عن أهل الحجاز بأنّهم أسرع النّاس الى فتنة و أضعفهم عنها غير انّ لهم ثباتا في الدّين و تمسّكا بعروة اليقين يتّبعون الأئمة الأبرار و يخلعون الفسقة الفجّار فقال معاوية من البررة و الفسقة ؟ فقال يا ابن أبي سفيان ترك الخداع من كشف القناع عليّ و أصحابه من الأبرار و أنت و أصحابك من أولئك فقال له معاوية و اللَّه يا ابن صوحان انّك لحامل مديتك منذ أزمان إلاّ انّ حلم ابن أبي سفيان يردّ عنك
.
و فيه : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا شايع أبا ذرّ و زجر مروان لمّا كفّه و قد كان عثمان أمره أن لا يدع أحدا يشيّع أباذر قال عثمان من يعذرني من عليّ ، ردّ رسولي عمّا و جهته له و فعل كذا و اللَّه لنعطينه حقّه فلما رجع عليّ عليه السّلام استقبله الناس و قالوا له : إنّ عثمان عليك غضبان لتشييعك أبا ذرّ فقال عليه السّلام :
غضب الخيل على اللّجام ثمّ جاء الى عثمان فقال له : ما حملك على ما صنعت
____________________
بمروان و رددت أمري ؟ فقال عليه السّلام أما مروان فانّه استقبلني بردّتي فرددته عن ردّي و امّا أمرك فلم أردّه قال أو لم يبلغك انّي قد نهيت النّاس عن أبي ذرّ و تشييعه فقال عليه السّلام أو كلّما أمرتنا به من شيء يرى طاعة اللَّه ، و الحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك ، تاللَّه لا نفعل
. .
و هذا المعنى أمر عقليّ كما أنّه لنقل قطعي و هو دليل وجوب العصمة في الامام و إلاّ لزم أن يكون تشييع مثل أبي ذرّ لنهي عثمان عنه حراما ، لهذا في ( الطّبري ) : لمّا خرج ابراهيم بن المهدي على المأمون في سنة ( ٢٠٢ ) قام سهل بن سلامة المطوّعي و دعا النّاس الى العمل بالكتاب و السّنّة و ألاّ طاعة لمخلوق في معصية الخالق فاجتمع اليه عامّة أهل بغداد و كان كلّ من أجابه الى ذلك عمل على باب داره برجا بجصّ و آجر و نصب عليه السلاح و المصاحف
.
و فيه : أنّ يزيد بن الوليد خطب بعد قتل الوليد بن يزيد فقال : إنّي و اللَّه ما خرجت اشرا و لا بطرا و لا حرصا على الدّنيا و لا رغبة في الملك و ما بي إطراء لنفسي إنّي لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربّي ، و لكنّي خرجت غضبا للَّه و لرسوله و دينه داعيا إلى اللَّه و كتابه و سنّة نبيّه لمّا هدمت معالم الهدى و اطفىء نور أهل التّقوى و ظهر الجبّار العنيد المستحلّ لكلّ حرمة و الرّاكب لكلّ بدعة . أيُّها النّاس انّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و لا وفاء لمخلوق بنقض عهد الخالق انّما الطّاعة طاعة اللَّه و أطيعوا المخلوق بطاعة اللَّه
.
____________________
١٠
الحكمة ( ٣٢٤ ) و قال عليه السّلام :
اِتَّقُوا مَعَاصِيَ اَللَّهِ فِي اَلْخَلَوَاتِ فَإِنَّ اَلشَّاهِدَ هُوَ اَلْحَاكِمُ و كلّ شيء فعلوه في الزّبر و كلّ صغيرٍ و كبيرٍ مستطر »
، . .
و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً و لا كبيرةً إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضراً . »
، يستخفون من النّاس و لا يستخفون من اللَّه و هو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول و كان اللَّه بما يعملون محيطا
،
يعلم السّر و أخفى
، يعلم خائنة الأعين و ما تُخفي الصدور
.
و مرّ في ( ٢٢ ) من التوحيد قوله عليه السّلام يعلم عجيج الوحوش في الفلوات و معاصي العباد في الخلوات و اختلاف النّينان في البحار الغامرات و تلاطم الماء بالرّياح العاصفات
.
هذا ، و في ( المروج ) : ورد على الرّشيد يوما كتاب صاحب البريد بخراسان و يحيى بن يديه يذكر أنّ الفضل بن يحيى تشاغل بالصّيد و اللّذّات عن النّظر في أمور الرّعيّة ، فلّما قرأه رمى به الى يحيى و قال له : اقرأ هذا و اكتب اليه كتابا يردعه عن مثل هذا فمدّ يده الى دواة الرّشيد و كتب الى الفضل على ظهر كتاب الرّشيد : قد انتهى الى الخليفة ما أنت عليه من التّشاغل
____________________
بالصّيد و مداومة اللّذّات عن النّظر في أمور الرعيّة ما أنكره فعاود بما هو أزين بك و كتب أسفله هذه الأبيات :
انصب نهارا في طلب العلى
|
|
و اصبر على فقد لقاء الحبيب
|
حتّى اذا اللّيل بدا مقبلا
|
|
و استترت فيه وجوب العيوب
|
فبادر اللّيل بما تشتهي
|
|
فانّما الليل نهار الأريب
|
كم من فتى تحسبه ناسكا
|
|
يستقبل اللّيل بأمر عجيب
|
ألقى عليه اللّيل استاره
|
|
فبات في لهو و عيش خصيب
|
و لذّة الأحمق مكشوفة
|
|
يسعى بها كلّ عدو و رقيب
|
فلّما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا الى أن انصرف عن عمله
.
« فانّ الشاهد هو الحاكم » في ( تاريخ بغداد ) : قيل لأبي العتاهية : ما الّذي صرفك عن قول الغزل الى قول الزّهد ؟ قال لمّا قلت :
اللَّه بيني و بين مولاتي
|
|
أهدت لي الصّدّ و الملالات
|
منحتها مهجتي و خالصتي
|
|
و كان هجرانها مكافاتي
|
هيّمني حبّها و صيّرني
|
|
أحدوثة في جميع جاراتي
|
رأيت في المنام في تلك الليلة كأنّ آتيا أتاني فقال : ما أصبت أحدا تدخله بينك و بين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلاّ اللَّه تعالى فانتبهت مذعورا و تبت الى اللَّه تعالى من قول الغزل
.
و في ( مصباح الشيخ ) : تدعوا بعد الوتر بدعاء الحزين : أناجيك يا موجود في كلّ مكان لعلّك تسمع نداي فقد عظم جرمي و قلّ حيائي مولاي
____________________
يا مولاي أيّ الأهوال أتذكّر و أيّها أنسى و لو لم يكن إلاّ الموت لكفى كيف و ما بعد الموت أعظم و أدهى مولاي يا مولاي حتّى متى إلى متى أقول لك العتبى مرّة بعد اخرى ثمّ لا تجد عندي صدقا و لا وفاء فياغوثاه ثم و اغوثاه بك يا اللّه من هوى قد غلبني و من دنيا قد تزيّنت لي و من نفس أمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي ، مولاي إن كنت رحمت مثلي فارحمني و ان كنت قبلت مثلي فاقبلني يا قابل السّحرة اقبلني يا من لم أزل أتعرّف منه الحسنى يا من يغذيني بالنّعم صباحا و مساء إرحمني يوم آتيك فردا شاخصا اليك بصري مقلّدا عملي قد تبرّأ جميع الخلق منّي نعم و أبي و امّي و من كان له كدّي و سعيي فإن لم ترحمني فمن يرحمني و من يؤنس في القبر وحشتي و من ينطق لساني اذا خلوت بعملي و سألتني عمّا أنت أعلم به منّي فان قلت نعم فأين المهرب من عدلك و إن قلت لم أفعل قلت ألم أكن الشّاهد عليك فعفوك عفوك يا مولاي قبل سرابيل القطران عفوك عفوك يا مولاي قبل أن تغلّ الأيدي الى الأعناق يا أرحم الراحمين
.
هذا ، و في ( وزراء الجهشياري ) : تنازع الفضل بن الربيع و جعفر بن يحيى يوما بحضرة الرّشيد فقال جعفر للفضل : يا لقيط فقال الفضل للرّشيد :
إشهد ، فقال جعفر للرّشيد : تراه عند من يقيمك هذا الجاهل شاهدا و أنت حاكم الحكّام
.
____________________
١١
الحكمة ( ١٢٩ ) و قال عليه السّلام :
عِظَمُ اَلْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغِّرُ اَلْمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ لأنّه لا حول لأحد و لو كان ملك الملوك إلاّ بمشيّته ، و في السّير : انّ ذا القرنين لمّا فرغ من عمل السّدّ انطلق على وجهه فبينا يسير هو و جنوده إذ مرّ على شيخ يصلّي فوقف عليه بجنوده حتّى انصرف من صلاته فقال له ذو القرنين : كيف لم يرعك ما حضرك من جنودي ، قال : كنت أناجي من هو أكثر منك جنودا و أعزّ سلطانا و أشدّ قوّة و لو صرفت وجهي اليك لا أدرك حاجتي قبله ، فقال له ذو القرنين : هل لك في أن تنطلق معي فأواسيك بنفسي و استعين بك على بعض أمري ؟ قال : نعم ، ان ضمنت لي أربع خصال ، نعيما لا يزول ،
و صحّة لا سقم فيها ، و شبابا لا هرم فيه ، و حياة لا موت فيها ، فقال له ذو القرنين : و أيّ مخلوق يقدر على هذه الخصال ، فقال الشّيخ : فانّي مع من يقدر عليها و يملكها و إيّاك
.
و في الخبر : أنّ عبد الملك كان يطوف بالبيت و عليّ بن الحسين عليه السّلام يطوف بين يديه و لا يلتفت اليه و لم يكن عبد الملك يعرفه بوجهه ، فقال : من هذا الّذي يطوف بين أيدينا و لا يلتفت الينا فقيل هذا عليّ بن الحسين عليهما السّلام فجلس مكانه و قال : ردّوه إليّ فردّوه فقال له : انّي لست قاتل أبيك فما يمنعك من المصير إليّ ؟ فقال عليه السّلام : انّ قاتل أبي أفسد بما فعله دنياه عليه ، و أفسد أبي عليه بذلك آخرته ، فان أحببت أن تكون مثله فكن ، فقال : كلاّ ، و لكن صر إلينا لتنال من دنيانا ، فجلس و بسط رداءه و قال : اللّهمّ أره حرمة أوليائك عندك فاذا
____________________
رداؤه مملوّ درّا يكاد شعاعها يخطف الأبصار و قال له : من يكون هذا حرمته عند ربّه يحتاج الى دنياك ؟ ثمّ قال : اللّهمّ خذها فلا حاجة لي فيها
.
١٢
الحكمة ( ٣٣٠ ) و قال عليه السّلام :
أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ لِلَّهِ أَلاَّ تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله يقول تعالى : يا ابن آدم إن نازعك بصرك الى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فاطبق و لا تنظر و ان نازعك لسانك الى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فاطبق و لا تتكلّم و ان نازعك فرجك الى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فاطبق و لا تأت حراما ، و في دعاء عرفه ( عصيتك بعيني و لو شئت لأعميتني فلم تفعل ذلك بي و عصيتك بسمعي و لو شئت لأصممتني فلم تفعل ذلك بي و عصيتك بيدي و لو شئت و عزّتك لكنعتني فلم تفعل ذلك بي و عصيتك برجلي و لو شئت لجذمتني فلم تفعل ذلك بي و عصيتك بفرجي و لو شئت لعقمتني فلم تفعل ذلك بي و عصيتك بجميع جوارحي و لم يكن جزاؤك هذا منّي
.
و ورد انّ ملك ابراهيم عليه السّلام لمّا أراد أن يمدّ يده الى امرأته ساره دعا عليه فيبست يده
.
و انّ سراقة بن مالك الكناني الّذي بعثته قريش في طلب النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله لمّا هاجر ساخت قوائم فرسه و هو القائل لأبي جهل :
____________________
أباحكم و اللَّه لو كنت شاهدا
|
|
لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
|
علمت و لم تشكك بأنّ محمّدا
|
|
رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
|
و الرّجل ان كان عنيّنا فلامرأته الفسخ ، و المرأة ان كانت رتقاء أو عفلاء أو قرناء كان للرّجل الفسخ .
هذا ، و قال ابن ابي الحديد قال الصّابي في رسالته الى سبكتكين من عزّ الدّولة بختيار : ليت شعري بأيّ قدم تواقفنا و راياتنا خافقة على رأسك و مماليكنا عن يمينك و شمالك و خيلك موسومة باسمائنا تحتك و ثيابنا محوكة في طرازنا على جسدك و سلاحنا المشحوذ لأعدائنا في يدك
. .
١٣
الحكمة ( ٢٩٠ ) و قال عليه السّلام :
لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اَللَّهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَلاَّ يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِهِ أقول : و رواه ابن الجوزي في ( مناقبه ) ثمّ قال و من هاهنا أخذ القائل قيل انّها له عليه السّلام و قيل انّها للمهلّبي :
هب البعث لم يأتنا رسله
|
|
و جاحمة النّار لم تضرم
|
أليس من الواجب المستحقّ
|
|
حياء العباد من المنعم
|
و مثله سبطه في ( تذكرته )
لكن بدون النّسبة الى المهلّبي .
و عنه عليه السّلام قال لرجل ان كنت لا تطيع خالقك فلا تأكل من رزقه و ان كنت
____________________
و اليت عدوّه فاخرج من ملكه و ان كنت غير قانع بقضاه و قدره فاطلب ربّا سواه .
هذا و في ( المعجم ) : قال السيّرافي لخراسانيّ سأله عن المسكر ، لو كان المسكر حلالا في كتاب اللَّه و سنّة رسوله لكان يجب على العاقل تركه بحجّة العقل فانّ شاربه محمول على كلّ معصية مدفوع الى كلّ بليّة مذموم عند كلّ ذي عقل و مروّة يحيله عن مراتب العقلاء و الفضلاء و الادباء و يجعله من جملة السّفهاء و مع ذلك فيضرّ بالدّماغ و الكبد و الذّهن و يولد القروح في الجوف و يسلب شاربه ثوب الصّلاح و المروّة و المهابة حتّى يصير بمنزلة المخبط الخريق و المثبئج يقول بغير فهم و يأمر بغير علم و يضحك من غير عجب و يبكي من غير سبب و يخضع لعدوّه و يصول على وليّه و يعطي من لا يستحقّ العطيّة و يمنع من يستوجب الصّلة و يبذّر في الموضع الّذي يحتاج فيه ان يمسك و يمسك في الموضع الذي يحتاج فيه أن يبذّر يصير حامده ذامّا و أفعاله ملاما عبده لا يوقّره و أهله لا تقربه و ولده يهرب منه و أخوه يفزع منه يتمرّغ في قيئه و يتقلّب في سحله و يبول في ثيابه و ربّما قتل قريبه و شتم نسيبه و طلّق امرأته و كسر آلة البيت و لفظ بالخنى و قال كلّ غليظة و فحش يدعو عليه جاره و يزري به أصحابه عند اللَّه ملوم و عند النّاس مذموم و ربّما يستولي عليه في حال سكره مخايل الهموم فيبكي دما و يشقّ جيبه حزنا و ينسى القريب و يتذكّر البعيد و الصبيان يضحكون منه و النّسوان يفتعلن النّوادر عليه و مع ذلك فبعيد من اللَّه قريب من الشيطان قد خالف الرّحمن في طاعة الشيطان و تمكّن من ناصيته و زيّن في عينه اتيان الكبائر و ركوب الفواحش و استحلال الحرام و إضاعة الصّلاة و الحنث في الايمان سوى ما
حلّ به عند الإفاقة من النّدامة و يستوجب من عذاب اللَّه يوم القيامة
.
و كيف و قد توعّد تعالى حتّى قال لنبيّه صلَّى اللَّه عليه و آله قل انّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يومٍ عظيم
، و قال إذا رأتهم من مكانٍ بعيد سمعوا لها تغيّظا و زفيراً و اذا القوا منها مكاناً ضيّقاً مقرّنين دعوا هنالك ثبوراً لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً و ادعوا ثبوراً كثيراً
، و قال كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب .
.
١٤
الحكمة ( ١٠٥ ) و قال عليه السّلام :
إِنَّ اَللَّهَ اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَ حَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَ نَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَ سَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَ لَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلاَ تَتَكَلَّفُوهَا « انّ اللَّه افترض عليكم الفرائض » هكذا في ( المصرية )
و الصواب ( فرائض ) كما في ( ابن ابي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة )
.
« فلا تضيّعوها » في ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السّلام : أنّ الصّلاة اذا ارتفعت في أوّل وقتها رجعت الى صاحبها و هي بيضاء مشرقة تقول حفظتني حفظك اللَّه و اذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت الى صاحبها و هي سوداء
____________________
مظلمة تقول ضيّعتني ضيّعك اللَّه
.
و قال تعالى بعد ذكر جمع من أنبيائه فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصّلاة و اتّبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً
و فسّر قوله تعالى و الّذين هم عن صلاتهم ساهون
بالتضّييع .
و في الخبر : من ضيّع صلاته حشر مع قارون و هامان و عنهم عليهم السّلام :
أعبد النّاس من أقام الفرائض
.
« و حدّ لكم حدودا فلا تعتدوها » أي : فلا تتعدّوها قال تعالى بعد ذكر ميراث الزّوجين و كلالة الامّ تلك حدود اللَّه و من يطع اللَّه و رسوله يدخله جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك هو الفوز العظيم و من يعص اللَّه و رسوله و يتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها و له عذابٌ مهين
.
و قال بعد ذكر طلاق الأزواج للرجعة . لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ و لا يخرجن إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنةٍ و تلك حدود اللَّه و من يتعدّ حدود اللَّه فقد ظلم نفسه لا تدري لعلّ اللَّه يحدث بعد ذلك أمراً
.
و قال في خلع الأزواج فإن خفتم ألاّ يقيما حدود اللَّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود اللَّه فلا تعتدوها و من يتعدّ حدود اللَّه فأولئك هم الظّالمون
.
____________________
« و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها » و في نسخة ( ابن ميثم ) « فلا تنهتكوها »
و على الأوّل افتعال من النّهك و على الثاني انفعال من الهتك و قال الجوهري الهتك خرق السّتر عمّا وراءه و قد هتكه فانهتك و قال انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحلّ ، قال تعالى يا أيُّها الذين آمنوا إنّما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تُفلحون إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدّكم عن ذكر اللَّه و عن الصّلاة فهل أنتم منتهون
، و قال تعالى انتهوا خيراً لكم
.
« و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها » أي : لم يتركها .
« نسيانا فلا تتكلّفوها » يا أيُّها الّذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم و إن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفى اللَّه عنها و اللَّه غفورٌ حليمٌ قد سألها قومٌ من قبلكم ثمّ أصبحوا بها كافرين
.
١٥
الحكمة ( ٣٨٣ ) و قال عليه السّلام :
اِحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اَللَّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ وَ يَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ فَتَكُونَ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ وَ إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ إِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اَللَّهِ في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : من همّ بخير فليعجّله و لا يؤخّره فإنّ
____________________
العبد ربّما عمل العمل فيقول تعالى : قد غفرت لك و لا أكتب عليك شيئا أبدا ،
و من همّ بسيّئة فلا يعملها فانّه ربّما عمل العبد السّيئة فيراه الرّب سبحانه فيقول و عزّتي و جلالي لا أغفر لك بعدها أبدا
.
و عنه عليه السّلام : من أشدّ ما فرض اللَّه على خلقه ذكره كثيرا لا أعني سبحان اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلاّ اللَّه و اللَّه أكبر و ان كان منه و لكن ذكر اللَّه عند ما أحلّ و حرّم فان كان طاعة عمل بها و ان كان معصية تركها
.
و عنه عليه السّلام في قوله تعالى فما أصبرهم على النّار
، أي : ما أصبرهم على فعل ما يعلمون انّه يصيّرهم الى النّار
.
« فتكون من الخاسرين » و العصر إنّ الإنسان لفي خُسرٍ إلاّ الّذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحقِّ و تواصوا بالصبر
، إستحوذ عليهم الشّيطان فأنساهم ذكر اللَّه أولئك حزب الشّيطان ألا إنّ حزب الشّيطان هم الخاسرون
، أفأمنوا مكر اللَّه فلا يأمن مكر اللَّه إلاّ القوم الخاسرون
، يا أيُّها الذين آمنوا لا تُلهِكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر اللَّه و من يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون
.
« و اذا قويت فاقو على طاعة اللَّه و اذا ضعفت فاضعف عن معصية اللَّه » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : اذا كان يوم القيامة يقوم عنق من النّاس فيأتون
____________________
باب الجنّة فيضربون فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن أهل الصّبر كنّا نصبر على طاعة اللَّه و نصبر عن معاصي اللَّه فيقول تعالى صدقوا ادخلوهم الجنّة
.
و هو قوله تعالى . إنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب
.
و عنه عليه السّلام في قوله تعالى و لمن خاف مقام ربِّه جنّتان
: من علم انّ اللَّه تعالى يراه و يسمع ما يقوله و يفعله من خير و شرّ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الّذي خاف مقام ربِّه و نهى النّفس عن الهوى
.
١٦
الحكمة ( ١٧٠ ) و قال عليه السّلام :
تَرْكُ اَلذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ اَلتَّوْبَةِ أقول ما في ( المصرية )
: ( ( من طلب المعونة ) ) تحريف .
في ( مطالب سؤول ابن طلحة الشّافعي ) : سئل عليّ عليه السّلام عن واجب و أوجب فقال عليه السّلام « توب ربّ الورى واجب عليهم و تركهم للذّنوب أوجب »
.
و وجه ما ذكره عليه السّلام معلوم فانّ ارتكاب الذّنب كاستعمال السّمّ و التوبة كاستعمال التّرياق لدفعه فقد لا يتيسّر استعماله و قد لا يكون مؤثّرا لشدّة السّمّ .
و روى ( روضة الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال : كان عابد في
____________________
بني اسرائيل لم يقارف من أمر الدّنيا شيئا فنخر إبليس نخرة فاجتمع اليه جنوده فقال من لي بفلان ؟ فقال : بعضهم أنا له فقال من أين تأتيه ؟ قال من ناحية النّساء ، قال : لست له ، لم يجرّب النساء ، فقال له آخر فأنا له ، فقال من أين تأتيه ؟ قال من الشّرب و اللّذات قال : لست له ، ليس هذا هو قال آخر : فأنا له ، قال من أين تأتيه ؟ قال من ناحية البرّ قال : انطلق فأنت صاحبه فانطلق الى موضع الرّجل فأقام حينا يصلّي و كان الرّجل ينام و الشيطان يصلّي لا ينام و الرّجل يستريح و الشّيطان لا يستريح ،
فتحوّل اليه الرّجل و قد تقاصرت اليه نفسه و استصغر عمله ، فقال يا عبد اللَّه بأي شيء قويت على ذلك ؟ فلم يجبه ثم أعاد فقال : يا عبد اللَّه اني أذنبت ذنبا و أنا تائب منه فاذا ذكرت الذّنب قويت على الصّلاوة قال فاخبرني بذنبك حتّى أعمل و أتوب و أقوى على الصّلاة قال : ادخل المدينة فسل عن فلانة البغيّة فأعطها درهمين و نل منها قال و من أين لي درهمان و ما أدري ما الدّرهمان فتناول الشيطان من تحت قدميه درهمين ، فناوله إيّاهما فقام فدخل المدينة بجلابيبه فسأل عن منزل فلانة البغيّة فأرشده النّاس و ظنّوا أنّه جاء يعظها فجاء اليها فرمى اليها بالدّرهمين و قال : قومي فقامت و دخلت منزلها و قالت : ادخل ، و قالت : انّك جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها فاخبرني بخبرك فاخبرها فقالت يا عبد اللَّه انّ ترك الذّنب أهون من طلب التّوبة ، و ليس كلّ من طلب التّوبة وجدها و انّما ينبغي أن يكون هذا شيطانا مثّل لك فانصرف فانّك لا ترى شيئا فانصرف
. .
____________________
١٧
الحكمة ( ٢٣٧ ) و قال عليه السّلام :
إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلتُّجَّارِ وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلْعَبِيدِ وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلْأَحْرَارِ في الخبر : أنّ عيسى عليه السّلام مرّ بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم و تغيّرت ألوانهم فقال ما الّذي أرى بكم ؟ قالوا الخوف من النّار قال : حقّ على اللَّه أن يؤمن من يخافه ، ثمّ مرّ على ثلاثة آخرين فاذا هم أشدّ نحولا و تغيّرا فقال : ما الّذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا الشّوق الى الجنّة فقال : حقّ على اللَّه تعالى أن يعطي من رجاه ثمّ مرّ على ثلاثة آخرين فاذا هم أشدّ نحولا و على وجوههم مثل المرائي من النّور فقال ما الّذي بلغ بكم ؟ قالوا : حبّ اللَّه عز و جلّ فقال ثلاثا أنتم المقرّبون
.
و في الخبر : انّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله نظر الى مصعب بن عمير مقبلا و عليه إهاب كبش قد تمنطق به فقال : انظروا الى الرّجل الّذي قد نوّر اللَّه قلبه لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطّعام و الشّراب فدعاه حبّ اللَّه و رسوله الى ما ترون
.
و عابدته عليه السّلام كانت عبادة الأحرار فكان عليه السّلام يقول لم أعبده خوفا و لا طمعا و لكنّي وجدته أهلا للعبادة فعبدته
.
و عنه عليه السّلام أيضا : الجلوس في المسجد عندي أحبّ من الجلوس في
____________________
الجنّة لأنّ في الأوّل رضا ربّي و في الثّاني رضاي
.
و في مناجاة شعبان : « الهي و الحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفا و عن سواك منحرفا و منك خائفا مراقبا »
.
و في دعاء كميل : « و هبني صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر على فراقك »
.
و في الثامنة من المناجاة ( ١٥ ) : « فأنت لا غيرك مرادي و لك لا سواك سهري و سهادي و لقاءك قرّة عيني و وصلك منى نفسي و اليك شوقي و في محبّتك ولهي و الى هواك صبابتي و رضاك بغيتي و رؤيتك حاجتي و جوارك طلبي و قربك غاية سؤلي و في مناجاتك روحي و راحتي و عندك دواء علّتي و شفاء غلّتي و برد لوعتي و كشف كربتي فكن أنيسي في وحشتي و مقيل عثرتي و غافر زلّتي و قابل توبتي و مجيب دعوتي و وليّ عصمتي و مغني فاقتي و لا تقطعني عنك و لا تبعدني منك يا نعيمي و يا دنياي و آخرتي »
.
و في الثانية عشرة : الهي ما ألذّ خواطر الالهام بذكرك على القلوب و ما أحلى المسير اليك بالأوهام في مسالك الغيوب و ما أطيب طعم حبّك و ما أعذب شرب قربك فاعذنا من طردك و ابعادك و اجعلنا من أخصّ عارفيك . .
و في ( ١٣ ) : الهي بك هامت القلوب الوالهة و على معرفتك جمعت العقول المتباينة فلا تطمئنّ القلوب إلاّ بذكراك و لا تسكن النّفوس إلاّ عند رؤياك أنت المسبّح في كلّ مكان و المعبود في كلّ زمان و الموجود في كلّ أوان و المدعوّ بكلّ لسان و المعظّم في كلّ جنان استغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك و من كلّ
____________________
راحة بغير أنسك و من كلّ سرور بغير قربك و من كلّ شغل بغير طاعتك
.
هذا ، و ( في المناقب ) سأل رسول ملك الرّوم أبابكر عن رجل لا يرجو الجنّة و لا يخاف النّار و لا يخاف اللَّه و لا يركع و لا يسجد و يأكل الميتة و الدّم و يحبّ الفتنة و يبغض الحقّ و يشهد بما لا يرى ، فلم يجبه أبو بكر و قال له عمر :
ازددت كفرا الى كفرك ، فأخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السّلام فقال عليه السّلام : هذا رجل من أولياء اللَّه لا يرجو الجنّة و لا يخاف النّار و لكن يخاف اللَّه و يرجوه و لا يخاف اللَّه من جوره و انّما يخاف من عدله و لا يركع و لا يسجد في صلاة الجنازة و يأكل الجراد و السّمك و هما ميتة و يأكل الكبد ، و هو الدّم و يشهد بالجنّة و النّار ، و هو لم يرهما و يحبّ ولده ، و الولد فتنة ، و يبغض الموت ،
و الموت حقّ
.
١٨
الحكمة ( ٣٨٢ ) و قال عليه السّلام :
لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ بَلْ لاَ تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ فَإِنَّ اَللَّهَ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ « لا تقل ما لا تعلم » لأنّه من الكذب ، و في ( أدب ابن المقفّع ) : أكثر النّاس كذبا من يحدّث بما يسمع و لا يبالي ممّن سمع و ذلك مفسدة للصّدق و مزراة بالرّاي فان استطعت ألاّ تخبر بشيء إلاّ و أنت به مصدّق و ألاّ يكون تصديقك إلاّ ببرهان فافعل
.
____________________
« بل لا تقل كلّ ما تعلم » فالغيبة أيضا من القول بما يعلم و من علم من رجل أو امرأة غير معروفين بالفجور و لم تكمل الشّهود الأربعة فقال ذلك ، يكون قاذفا مستحقّا للحدّ ، قال تعالى و الّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون
.
« فان اللَّه فرض » هكذا في ( المصرية )
و الصواب ( فانّ اللَّه سبحانه قد فرض ) كما في ( ابن ابي الحديد و ابن ميثم و الخطية )
.
« على جوارحك كلّها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة » و لا تقف ما ليس لك به علمٌ إنّ السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً
.
تمّت بخير و الحمد للَّه أوّلا و آخرا
____________________
الفصل الاربعون في الاسلام و الكفر و الايمان و النفاق
١
من الخطبة ( ١٧١ ) من خطبة له عليه السّلام :
اَلْعَمَلَ اَلْعَمَلَ ثُمَّ اَلنِّهَايَةَ اَلنِّهَايَةَ وَ اَلاِسْتِقَامَةَ اَلاِسْتِقَامَةَ ثُمَّ اَلصَّبْرَ اَلصَّبْرَ وَ اَلْوَرَعَ اَلْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وَ إِنَّ لِلْإِسْلاَمِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَى اَللَّهِ بِمَا اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَ حَجِيجٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ عَنْكُمْ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْقَدَرَ اَلسَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَ اَلْقَضَاءَ اَلْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ وَ إِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اَللَّهِ وَ حُجَّتِهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ١ ٢١ ٤١ : ٣٠ وَ قُلْتُمْ رَبُّنَا اَللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى اَلطَّرِيقَةِ اَلصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ثُمَّ لاَ تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لاَ تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَ لاَ تُخَالِفُوا
عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ اَلْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اَللَّهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَ تَهْزِيعَ اَلْأَخْلاَقِ وَ تَصْرِيفَهَا وَ اِجْعَلُوا اَللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْيَخْزُنِ اَلرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اَللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ وَ إِنَّ لِسَانَ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَ إِنَّ قَلْبَ اَلْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَ إِنَّ اَلْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لاَ يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَيْهِ وَ لَقَدْ قَالَ ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟ لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَ لاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اَللَّهَ تَعَالَى وَ هُوَ نَقِيُّ اَلرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اَللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ اَلْعَامَ مَا اِسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَ يُحَرِّمُ اَلْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ اَلنَّاسُ لاَ يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ لَكِنَّ اَلْحَلاَلَ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ وَ اَلْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَقَدْ جَرَّبْتُمُ اَلْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ لَكُمْ اَلْأَمْثَالُ وَ دُعِيتُمْ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْوَاضِحِ فَلاَ يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَصَمُّ وَ لاَ يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَعْمَى وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِالْبَلاَءِ وَ اَلتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْعِظَةِ وَ أَتَاهُ اَلتَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ رَجُلاَنِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لاَ ضِيَاءُ حُجَّةٍ « العمل العمل ثم النهاية النهاية » أي : نهاية العمل و هي الجنّة كلوا و اشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون
____________________
سلام عليكم أدخلوا الجنّة بما كنتم تعملون
لمثل هذا فليعمل العاملون
.
« و الاستقامة الاستقامة » و أن هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله .
و هذا صراط ربك مستقيماً .
.
« ثم الصبر الصبر » أي : على الطاعات و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنّة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا و على ربهم يتوكلون
.
« و الورع الورع » أي : عن المعاصي و المحرّمات .
و في الكافي عن أبي جعفر عليه السّلام قال تعالى : يا ابن آدم اجتنب ما حرّمت عليك تكن من أورع الناس و عن الصادق عليه السّلام يقول : ليس من شيعتنا من لا تتحدّث المخدَّرات بورعه في خدورهنَّ ، و ليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم من خلق اللّه أورع منه .
« ان لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم » نهايتنا الآخرة ، و انتهاؤنا إليها العمل لها ، قال مؤمن آل فرعون لقومه : يا قوم ان هذه الحياة الدنيا متاع و ان الآخرة هي دار القرار
.
« و ان لكم علما » بالتحريك و هو العلامة .
« فاهتدوا إلى علمكم » قالوا : كان ابرهة بن الرائش ، من ملوك اليمن أول من
____________________
ضرب المنار على طريقه ، في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع .
قال : ابن أبي الحديد أراد عليه السّلام بعلمهم الذي يجب عليهم الاهتداء إليه نفسه .
قلت : لأنّه تواتر عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله إذا وقع بين أمته اختلاف ، يجب عليهم الرجوع إليه كما تواتر عنه صلَّى اللَّه عليه و آله أنّه عليه السّلام على الحق ، و الحق يدور معه .
« و ان للاسلام غاية » أي : حدودا .
« فانتهوا إلى غايته » و لا تتعدّوا حدوده ، تلك حدود اللَّه فلا تعتدوها و من يتعدَّ حدود اللَّه فأولئك هم الظالمون
و من يعصِ اللَّهَ و رسوله و يتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها و له عذابٌ مهينٌ
.
« و أخرجوا إلى اللَّه بما » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و الخطّيّة ) ( ممّا ) و في ( ابن ميثم ) ( فيما ) .
« افترض عليكم من حقِّه » يا أَيُّها الذين آمنوا اتَّقوا اللَّه حقَّ تُقاتِه ، و لا تموتنَّ إلاّ و أنتم مُسلمون
.
« و بيّن لكم من وظائفه » يا أهل الكتاب قد جائكم رسولُنا يبيّنُ لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ و لا نذيرٍ فقد جائكم بشير و نذير .
.
« أنا شهيد » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( شاهد ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطّية ) .
« لكم و حجيج يوم القيامة عنكم » و نزعنا من كلّ أُمة شهيداً فقلنا هاتوا
____________________
برهانكم فَعلِموا أن الحقَّ للَّه و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون
و يوم نبعث من كلّ أُمة شهيداً ، ثم لا يُؤْذن للذين كفروا و لا هم يُستعتبون
و يوم نبعثُ في كلّ أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم و جئنا بك شهيداً على هؤلاء .
.
و في تفسير القمي ، في قوله تعالى : يوم ندعو كلَّ أُناس بإمامهم .
ينادى يوم القيامة مناد ليقم أبو بكر و شيعته ، و عمر و شيعته ، و عثمان و شيعته ، و علي و شيعته .
و في الاختصاص المنسوب إلى المفيد ، عن الأصبغ ، قال : أمرنا أمير المؤمنين عليه السّلام بالمسير إلى المدائن من الكوفة ، فسرنا يوم الأحد و تخلّف عمرو بن حريث في سبعة نفر ، فخرجوا إلى مكان بالحيرة ، يسمّى الخورنق ،
فقالوا : نتنزّه ، فإذا كان يوم الأربعاء خرجنا ، فلحقنا عليا قبل أن يجمع ، فبيناهم يتغدّون ، إذ خرج عليهم ضبّ فصادوه ، فأخذه عمرو ، فنصب كفّه ، فقال : بايعوا هذا ، هذا أمير المؤمنين ، فبايعه السبعة و عمرو ثامنهم ، و ارتحلوا ليلة الأربعاء ،
فقدموا المدائن يوم الجمعة و أمير المؤمنين عليه السّلام يخطب و لم يفارق بعضهم بعضا ، كانوا جميعا حتى نزلوا على باب المسجد فلما دخلوا نظر اليهم عليه السّلام فقال : أيّها الناس ان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله أسرّ إليّ ألف حديث ، في كلّ حديث ألف باب ، لكلّ باب الف مفتاح و أني سمعت اللَّه يقول : يوم ندعو كلَّ أناس بإمامهم . و اني أقسم لكم باللَّه ليبعثنَّ يوم القيامة ثمانية نفر بإمامهم ، و هو ضبّ ،
و لو أردت أن أسمّيهم لفعلت قال الأصبغ : فلقد رأيت عمرو بن حريث يتنفَّط مثل السعفة رعبا .
____________________
« ألا و ان القدر السابق قد وقع ، و القضاء الماضي قد تورد » أي : ورد قليلا قليلا .
قال ابن أبي الحديد يعني عليه السّلام بالقدر السابق ، و القضاء الماضي خلافته عليه السّلام .
قلت : بل الظاهر إرادته عليه السّلام حدوث الخوارج ، روى ( سنن أبي داود ) ، عن أبي سعيد الخدري ، و أنس بن مالك ، قالا : ان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قال : سيكون في أمتي اختلاف و فرقة يحسنون القيل ، و يسيئون الفعل ، يقرأون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية ، هم شرّ الخلق ،
طوبى لمن قاتلهم و قتلوه ، يدعون إلى كتاب اللَّه ، و ليسوا منه في شيء .
« و اني متكلّم بعدة اللَّه » في ( الصحاح ) قالوا : في الخير الوعد و العدة و في الشر الايعاد و الوعيد .
« و حجّته » أي : برهانه .
« قال اللَّه تعالى : ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزَّل عليهِمُ الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون
الآية في سورة فصِّلت ، و بعدها نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسُكم و لكم فيها ما تدّعون نزلاً من غفورٍ رحيمٍ
.
« و قد قلتم ربنا اللَّه فاستقيموا على كتابه » و لا تكونوا كالذين حكى اللَّه تعالى هجرهم كتابه حتى يشكو نبيّهم منهم يوم القيامة في قوله تعالى :
و قال الرسولُ يا ربِّ إِنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً
.
____________________
« و على منهاج أمره » أي : طريقه الواضح .
« و على الطريقة الصالحة من عبادته » قال تعالى : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتَّبعها ، و لا تتّبع أهواء الذين لا يعلمون
.
« ثمّ لا تمرقوا » قال الجوهري : مرق السهم من الرمية : خرج من الجانب الآخر ، و به سمّيت الخوارج مارقة لقول النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يمرقون من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية .
« منها » أي : من الطريقة الصالحة .
« و لا تبتدعوا فيها » بالادخال في الدين ما ليس منه .
« و لا تخالفوا عنها » . فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم
.
« فان أهل المروق منقطع بهم عند اللَّه » قال الجوهري : فلان منقطع به إذا عجز عن سفره ، بأن ذهبت نفقته أو قامت عليه راحلته أو أتاه أمر لا يقدر على أن يتحرّك .
عن غارات الثقفي سأل ابن الكوّاء عليّا عليه السّلام عن قوله تعالى : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا
فقال عليه السّلام هم كفرة أهل الكتاب فان أولاهم كانوا في حق فابتدعوا في دينهم و أشركوا بربهم ، و هم يجتهدون في العبادة يحسبون أنّهم على شيء ثم رفع صوته و قال : و ما أهل النهروان غدا منهم ببعيد .
« ثم إيّاكم و تهزيع » في الجمهرة الهزع الاضطراب ، يقال : تهزّع الرمح إذا
____________________
اضطرب ، و اهتزّ ، و يقال هزعت الشيء هزعا إذا كسرته و كذلك هزعته تهزيعا .
« الأخلاق و تصريفها » كما كان الزبير ، فكان كما وصفه عمر ، مؤمن الرضا كافر الغضب يوما انسان و يوما شيطان .
« و اجعلوا اللسان واحدا » في الخبر ، قال عز و جل لعيسى عليه السّلام ليكن لسانك في السّر و العلانية واحدا .
« و ليخزن » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و ليختزن ) كما في ( ابن ميثم و الخطّية ) .
« الرجل لسانه » في الخبر ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان .
« فان هذا اللسان جموح بصاحبه » كفرس جموح ، أخذ الاختيار من راكبه قال الشاعر :
خلعت عذاري جامحا ما يردّني
|
|
عن البيض أمثال الدمى زجر زاجر
|
« و اللَّه ما أرى عبدا يتقى تقوى تنفعه حتى يخزن » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « يختزن » كما في ( ابن ميثم و الخطّية ) .
« لسانه » عن الصادق عليه السّلام نجاة المؤمن في حفظ لسانه .
و عن السجاد عليه السّلام لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم على جوارحه ، فيقول :
كيف أصبحتم ، فيقولون بخير ان تركتنا ، و يقولون : اللَّه اللَّه فينا ، و يناشدونه و يقولون انما نثاب بك و نعاقب بك .
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانا له في قفاه و آخر من قدامه يلهبان نارا حتى يلهبا جسده ، ثم يقال : هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين و لسانين يعرف بذلك يوم القيامة .
« و ان لسان المؤمن من وراء قلبه و ان قلب المنافق من وراء لسانه » قال ابن أبي الحديد فان قلت المسموع ( لسان العاقل من وراء قلبه و قلب الأحمق من
وراء لسانه ) فكيف نقله إلى المؤمن و المنافق ثم أجاب بأنّه ، قلَّ ان يكون المنافق إلاّ أحمق ، و قلّ ان يكون العاقل إلاّ مؤمنا ، فلأكثرية ذلك استعمل لفظ المؤمن و أراد العاقل .
قلت : فقرة ( لسان العاقل ) و فقرة ( لسان الأحمق ) أيضا من كلامه عليه السّلام مذكور في قصار النهج لكنّ ذلك في مقام و هذا في مقام و ليس الأمر كما قال من أنّه قلّ ان يكون المنافق إلاّ أحمق بل قلّ ان يكون المنافق أحمق كيف و أكثر المنافقين دهاة و انما مراده عليه السّلام ان المؤمن لسانه من وراء قلبه لا يتكلم لسانه إلاّ بما شهد قلبه انّه ليس مخلا بدينه ، و المنافق لا يراعي الدين إنما يراعي دنياه ، و اما الأحمق فلا يراعي دنياه أيضا ، و قد شرح عليه السّلام الفقرتين بعد قوله .
« لأنَّ المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبّره في نفسه فان كان خيرا » « أي : غير مخلّ بدينه » .
« أبداه » « أي : أظهره و لفظ به » .
« و ان كان شرّا و اراه » أي : أخفاه ، و أبقاه في صدره .
« و ان المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له و ماذا عليه » أي : في أمر دينه ، و أما بالنسبة إلى دنياه فلا يقول إلاّ ما و يميت دينه لاحياء دنياه و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون إلاّ أنّهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون
.
« و لقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله » هكذا في ( المصرية ) و ليست كلمة ( و سلَّم ) في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه » فان الركن الأول من الايمان اعتقاد القلب .
____________________
« و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه » أي : لا يفهم استقامة قلبه إلاّ من استقامة لسانه لمّا مر ان لسانه لا يلفظ بشيء إلاّ بعد مشاورة قلبه .
« فمن استطاع منكم أن يلقى اللَّه » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( ان يلقى اللَّه سبحانه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« و هو نقي الراحة » أي : الكف .
« من دماء المسلمين و أموالهم ، سليم اللسان من أعراضهم ، فليفعل » قال تعالى : الذين آمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الأمن و هم مهتدون
و قال عزَّ اسمه : يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى اللَّه بقلبٍ سليمٍ .
و في الطبري كان ربيعة بن أمية بن خلف صرّخ بقول النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في حجّة الوداع فقال أيها الناس ان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله يقول : هل تدرون أي : شهر هذا ؟ فقالوا الشهر الحرام فقال يقول لكم ان اللَّه قد حرّم عليكم دمائكم و أموالكم أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا ، ثم قال ان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله يقول لكم هل تدرون أي : بلد هذا ، فيقولون البلد الحرام فيقول قال لكم ان اللَّه حرّم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا ، فقال أيّها الناس يقول لكم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله أتدرون أي يوم هذا ، فقالوا يوم الحجّ الأكبر فقال يقول لكم ان اللَّه قد حرّم عليكم دمائكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا .
« و اعلموا عباد اللَّه ان المؤمن يستحلّ العام ما استحل عاما أول و يحرّم العام ما حرّم عاما أوّل » قال الجوهري إذا جعلت أوّل صفة لم تصرفه ، و إذا لم تجعله صفة تقول ( لقيته عاما أولا ) قال ابن السكيت : و لا تقل عام الأول و قال اختلف
____________________
في أول هل هو أفعل و أصله ( أوئل ) ، أو فوعل ، و أصله ( وول ) .
في مختلف حديث ابن قتيبة ، جاء رجل من أهل المشرق ، إلى أبي حنيفة بكتاب و هو بمكة ، فعرضه عليه ، و كان جمعه ممّا سمعه منه عاما أوّل ، فرجع أبو حنيفة عمّا فيه كلّه ، فوضع الرجل التراب على رأسه ، ثم قال يا معشر الناس أتيت هذا الرجل عاما أوّل فأفتاني بهذا الكتاب ، فاهرقت به الدماء ،
و أنكحت به الفروج ثم رجع عنه العام ، ثم قال لأبي حنيفة كيف هذا فقال كان رأيا رأيته ، فرأيت العام غيره ، قال فتأمنني أن لا ترى من قابل شيئا آخر قال لا أدري فقال الرجل لكني أدري ان عليك لعنة اللَّه .
« و ان ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا ممّا حرّم عليكم و لكن الحلال ما أحلّ اللَّه و الحرام ما حرّم اللَّه » لمّا أجبر الخوارج أمير المؤمنين عليه السّلام على منع الأشتر لقتال معاوية بعد رفع المصاحف ، فكف ، و رجع إليهم ، قال لهم أمهلوني عدو الفرس فأني قد طمعت في النصر ، فقالوا : إذن ندخل معك في خطيئتك ، فقال لهم الأشتر حدّثوني عنكم ، و قد قتل أماثلكم ، و بقى أراذلكم ، متى كنتم محقين ، فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم في النار إذن أن صرتم محقين بترك قتالهم ، الخ ، .
« فقد جرّبتم الامور و ضرستموها » أي : عضضتموها باضراسكم ، و ميّزتم بين لينها و شديدها .
« و وعظتم بمن كان قبلكم » قال تعالى : و لقد علمتم الذين أعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالاً لمّا بين يديها و ما خلفها و موعظة للمتقين
.
« و ضربت لكم الأمثال » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « و ضربت الأمثال
____________________
لكم » كما في ( ابن ميثم و الخطّية و إبن أبي الحديد ) .
مثل الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا و ان أوهن البيوت لَبيتُ العنكبوت لو كانوا يعلمون
. يا أيها الناس انما بغيكم على أنفسكم متاعَ الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نباتُ الأرض ممّا يأكلُ الناس و الأنعام حتى إذا أخذت الأرضُ زخرُفَها وَ ازَّيِّنَت و ظنَّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأَن لم تَغنَ بالأمس كذلك نفصّل الآيات لقومٍ يتفكَّرون .
« و دعيتم إلى الأمر الواضح » لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيِّ فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و اللَّه سميع عليم
و اللَّه يدعو إلى دار السلامِ و يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم
.
« فلا يصم عن ذلك إلاّ أصم و لا يعمى عن ذلك إلاّ أعمى » قال تعالى : أ فلَم يسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمَى الأبصار و لكن تعمَى القلوب التي في الصدور
.
« و من لم ينفعه اللَّه بالبلاء و التجارب لم ينتفع بشيء من العظة » فان بعض الناس كما قال تعالى : و لو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة و كلّمهُمُ الموتى و حشرنا عليهم كلَّ شيء قُبُلا ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء اللَّه . . و كما قال عز و جل :
____________________
و لو ردّوا العادوا لمّا نُهوا عنه .
فمثله كيف ينتفع بشيء .
« و أتاه التقصير » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( النقص ) كما في ( ابن ميثم و الخوئي و ابن ابي الحديد ) .
« من امامه » أي : قدّامه .
« حتى يعرف ما أنكر » يعني يبلغ اتيان النقص إليه من قدّامه بحد بصير ،
قائلا بعرفان ما أنكر ، كالخوارج الذين كانوا منكرين لمعاوية و وجوب جهاده فصاروا عارفين به قائلين بحرمة الحرب معه .
« و ينكر ما عرف » فأنكروا أمير المؤمنين عليه السّلام و قد كانوا عارفين بوجوب جهاد أعدائه ، فقالوا له : لو لم تجب إلى التحكيم ، لنقتلنَّك .
« فان الناس رجلان متبع شرعة » تكون سببا لحياته ، و الشرعة الشريعة .
« و مبتدع بدعة » تؤدى به إلى الهلكة و عن الباقر عليه السّلام أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأيا فيحب عليه ، و يبغض عليه .
و عن الصادق عليه السّلام من مشى إلى صاحب بدعة فوقره ، فقد مشى في هدم الاسلام .
« ليس معه من اللَّه برهان سنَّة و لا ضياء حجّة » قال تعالى : و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى و يتّبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نُصْله جهنم و ساءت مصيرا
أفمن كان على بيّنةٍ من ربه كمن زيّن له سوء عمله و اتبعوا أهواءهم
.
____________________
٢
من الحكمة ( ١٢٥ ) و قال عليه السّلام :
لَأَنْسُبَنَّ اَلْإِسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي اَلْإِسْلاَمُ هُوَ اَلتَّسْلِيمُ وَ اَلتَّسْلِيمُ هُوَ اَلْيَقِينُ وَ اَلْيَقِينُ هُوَ اَلتَّصْدِيقُ وَ اَلتَّصْدِيقُ هُوَ اَلْإِقْرَارُ وَ اَلْإِقْرَارُ هُوَ اَلْأَدَاءُ وَ اَلْأَدَاءُ هُوَ اَلْعَمَلُ أقول رواه ( الكافي ) و ( معاني الأخبار ) مع زيادة و اختلاف فروى الأول عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي مرفوعا قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي و لا ينسبه أحد بعدي إلاّ بمثل ذلك ،
ان الإسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين ، و اليقين هو التصديق ، و التصديق هو الاقرار ، و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداء ، ان المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ، و لكن أتاه من ربه فأخذه ، ان المؤمن يرى يقينه في عمله ، و الكافر يرى انكاره في عمله فوالذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم ، فاعتبروا إنكار الكافرين و المنافقين بأعمالهم الخبيثة .
و روى الثاني عنه عن أبيه عن محمّد بن يحيى بن غياث بن إبراهيم عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام ، قال أمير المؤمنين عليه السّلام لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي و لا ينسبه أحد بعدي ، الإسلام هو التسليم ، و التسليم هو التصديق ، و التصديق هو اليقين ، و اليقين هو الاداء ، و الاداء هو العمل ان المؤمن أخذ دينه من ربه ، و لم يأخذه عن رأيه ، أيُّها الناس دينكم دينكم تمسّكوا به ، لا يزيلنكم و لا يردَّنكم أحد عنه ، لأن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره ، لأن السيئة فيه تغفر ، و الحسنة في غيره لا تقبل .
« لأنسبن الاسلام » أي : الإسلام الحقيقي ، و إلاّ فالاسلام الظاهري عبارة
عن مجرّد الإقرار .
« نسبة لم ينسبها » هكذا نقله المصنف و عليه فالضمير راجع إلى النسبة و الأظهر نقل الكليني و الصدوق ، ( لم ينسبه ) كما مر فيكون الضمير راجعا الإسلام .
« أحد قبلي » قد عرفت أن الكليني و الصدوق زادا ، ( و لا ينسبه أحد بعدي ) كما عرفت زيادة الأول ( الا بمثل ذلك ) و عليه ، فيحتمل رجوع الاستثناء ( قبلي ) أيضا .
« الاسلام هو التسليم » كما هو سلم و سلامة ، قال تعالى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة .
و قال صلَّى اللَّه عليه و آله ( المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه ) .
قال الصادق عليه السّلام لو أن قوما عبدوا اللَّه تعالى وحده ، و أقاموا الصلاة ،
و آتوا الزكاة ، و حجّوا البيت ، و صاموا شهر رمضان ، ثم قالوا لشيء صنعه اللَّه تعالى ، أو النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ألا صنع بخلاف الذي صنع ، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ، ثم تلا فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت و يسلّموا تسليماً
، ثم قال عليه السّلام فعليكم بالتسليم .
« و التسليم هو اليقين » هكذا نقل المصنف ، و الكليني و قد عرفت أن الصدوق نقله ( و التسليم هو التصديق ) و الظاهر أصحّيّته كما لا يخفى .
و كيف كان فروى ( الكافي ) أن أناسا أتوا النبي صلَّى اللَّه عليه و آله بعد ما أسلموا فقالوا أيؤخذ الرجل منّا بما كان عمل في الجاهلية ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه و آله من حسن
____________________
إسلامه ، و صحّ يقين إيمانه لم يأخذه تعالى بما عمل في الجاهلية ، و من سخف اسلامه : و لم يصحّ يقين ايمانه يأخذه اللَّه بالأول و الاخر .
« و اليقين هو التصديق » قد عرفت أن ( المعاني ) رواه ، ( و التصديق هو اليقين ) .
و هو الأصح لأن التصديق يستلزم اليقين ، دون العكس ، قال تعالى مشيرا إلى آياته : و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلماً و علواً .
.
« و التصديق هو الاقرار » قد عرفت اختلاف المعاني مع المتن في هذه الفقرة و ما بعدها أيضا .
و كيف كان ففي الطبري ، في قصة يهود بني قريظة و حصر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لهم ، قال كعب بن أسد لهم يا معشر اليهود ، انّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون ،
و اني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيّها شئتم ، قالوا ما هي ؟ قال نتابع هذا الرجل و نصدقه ، فو اللَّه لقد تبيّن لكم أنّه لنبي مرسل ، و انّه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنوا على دمائكم و أموالكم و ابنائكم و نسائكم ، قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا .
« و الاقرار هو الاداء و الاداء هو العمل » قد عرفت ان ( الكافي ) بدّله بقوله « و الاقرار هو العمل ، و العمل هو الاداء » و ان ( المعاني ) بدله بقوله ( و اليقين هو الاداء ، و الاداء هو العمل ) .
و كيف كان فروى ( الكافي ) أن محمد بن مارد قال لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : روي لنا أنك قلت ( إذا عرفت فاعمل ما شئت ) فقال : قد قلت ذلك ،
قال و ان زنوا أو سرقوا ، أو شربوا ، فقال عليه السّلام انا للَّه و إنّا إليه راجعون ، أخذنا بالعمل ، و وضع عنهم ، انما قلت ( إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير ، أو
____________________
كثيره ، فانّه يقبل منك ) .
٣
من الخطبة ( ١٠٢ ) و من خطبة له عليه السّلام :
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي شَرَعَ اَلْإِسْلاَمَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَ نُوراً لِمَنِ اِسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَ عِبْرَةً لِمَنِ اِتَّعَظَ وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ اَلْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ اَلْوَلاَئِجِ مُشْرَفُ اَلْمَنَارِ مُشْرِقُ اَلْجَوَادِّ مُضِيءُ اَلْمَصَابِيحِ كَرِيمُ اَلْمِضْمَارِ رَفِيعُ اَلْغَايَةِ وَ جَامِعُ اَلْحَلْبَةِ وَ مُتَنَافِسُ اَلسُّبْقَةِ شَرِيفُ اَلْفُرْسَانِ اَلتَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ وَ اَلصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَ اَلْمَوْتُ غَايَتُهُ وَ اَلدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَ اَلْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَ اَلْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ أقول رواه الشيخان في أماليهما ، و رواه ( الكافي ) في باب بعد ( باب نسبه الاسلام ) عن القمي عن أبيه و العطار عن الأشعري عن البرقي جميعا عن ابن محبوب عن يعقوب السراج ، عن أبي جعفر عليه السّلام و بأسانيد عن الأصبغ ،
قال خطبنا أمير المؤمنين عليه السّلام في داره ، أو القصر ، ثم أمر فكتب في كتاب و قرىء على الناس ، و روى غيره أن ابن الكواء سأله عليه السّلام عن صفة الإسلام و الايمان و الكفر و النفاق ، فقال أما بعد فان اللَّه تعالى شرع الاسلام ، و سهّل شرائعه لمن ورده ، و أعز أركانه لمن حاربه ، و جعله عزّا لمن تولاّه ، و سلما لمن دخله و هدى لمن ائتمّ به ، و زينة لمن تجلّله ، و عذرا من انتحله ، و عروة لمن
اعتصم به و حبلا لمن استمسك به ، و برهانا لمن تكلّم به ، و نورا لمن استضاء به ، و شاهدا لمن خاصم به ، و فلجا لمن حاجّ به ، و علما لمن وعاه ، و حديثا لمن روى ، و حكما لمن قضى ، و حلما لمن جرّب ، و لباسا لمن تدبّر ، و فهما لمن تفطّن ، و يقينا لمن عقل ، و بصيرة لمن عزم ، و آية لمن توسَّم ، و عبرة لمن اتّعظ ،
و نجاة لمن صدق ، و تؤدة لمن أصلح ، و زلفى لمن اقترب ، و ثقة لمن توكّل ،
و رجاء لمن فوّض ، و سبقة لمن أحسن ، و خيرا لمن سارع ، و جنّة لمن صبر ،
و لباسا لمن اتقى ، و ظهيرا لمن رشد و كهفا لمن آمن ، و أمنة لمن سلم ، و رجاء لمن صدق ، و غنى لمن قنع ، فذلك الحقّ سبيله الهدى ، و مأثرته المجد ، و صفته الحسنى ، فهو أبلغ المناهج ، مشرق المنار ، ذاكي المصباح ، رفيع الغاية ، يسير المضمار ، جامع الحلبة ، سريع السبقة ، أليم النقمة كامل العدّة ، كريم الفرسان ،
فالايمان منهاجه ، و الصالحات مناره ، و الفقه مصابيحه ، و الدنيا مضماره ،
و الموت غايته ، و القيامة حلبته ، و الجنة سبقته و النار نقمته و التقوى عدّته ،
و المحسنون فرسانه ، فبالايمان يستدل على الصالحات ، و بالصالحات يعمّر الفقه ، و بالفقه يرهب الموت و بالموت تختم الدنيا ، و بالدنيا تجوز القيامة ،
القيامة تزلف الجنة ، و الجنّة حسرة أهل النار ، و النار موعظة للمتّقين ، و التّقوى سنخ الايمان و نقله ( الخوئي ) أيضا .
و روى الأوّلان عن المرزباني ، عن أحمد بن سليمان الطوسي عن الزبير ابن بكّار ، عن السدي ، عن عبد خير ، عن قبيصة ، عن جابر الأسدي قال قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فسأله عن الايمان ، فقام خطيبا ، فقال : الحمد للَّه الذي شرع الاسلام فسهّل شرائعه ، و اعزّ أركانه على من حاربه ، و جعله عزّا لمن والاه ، و سلما لمن دخله و برهانا لمن تكلّم به ، و نورا لمن استضاء به ،
و شاهدا لمن خاصم به ، و فلجا لمن حاجّ به و علما لمن وعاه ، و حديثا لمن رواه .
و حكما لمن قضى به ، و حلما لمن جرّب ، و لبّا لمن تدبّر ، و فهما لمن فطن ، و يقينا لمن عقل ، و بصيرة لمن عزم ، و آية لمن توسّم ، و عزة لمن اتّعظ ، و نجاة لمن صدق ، و مودة من اللّه لمن أصلح ، و زلفى لمن ارتقب ، و ثقة لمن توكّل ، و راحة لمن فوّض ، و جنة لمن صبر ، الحقّ سبيله ، و الهدى صفته ، و الحسنى مأثرته ،
فهو أبلج المنهاج ، مشرق المنار ، مضيء المصابيح ، رفيع الغاية ، يسير المضمار ، جامع الحلبة ، متنافس السبقة ، كريم الفرسان ، التصديق منهاجه ،
و الصالحات مناره ، و الفقه مصابيحه ، و الموت غايته ، و الدنيا مضماره ،
و القيامة حلبته ، و الجنة سبقته ، و النار نقمته ، و التقوى عدّته و المحسنون فرسانه ، فبالايمان يستدلّ على الصالحات ، الخ مثل ( الكافي ) لكن في آخره ،
و بالقيامة تزلف الجنّة للمتقين و تبرز الجحيم للغاوين .
و رواه ( تحف عقول ) لإبن أبي شعبة الحلبي ، فقال : قال عليه السّلام ان اللّه ابتدأ الأمور ، فاصطنع لنفسه ما شاء ، و استخلص منها ما أحبّ ، فكان ممّا أحبّ ، أنّه ارتضى الايمان ، فاشتقه فنحله من أحبّ من خلقه ثم بيّنه ، فسهّل شرائعه لمن ورده ، و أعزّ أركانه على من جانبه ، و جعله عزّاً لمن والاه ، و أمنا لمن دخله ،
و هدى لمن ائتم به ، و زينة لمن تحلّى به ، و دينا لمن انتحله ، و عصمة لمن اعتصم به ، و حبلا لمن استمسك به ، و برهانا لمن تكلّم به ، و شرفا لمن عرفه ،
و حكمة لمن نطق به ، و نورا لمن استضاء به ، و حجّة لمن خاصم به ، و فلجا لمن حاجّ به ، و علما لمن وعى ، و حديثا لمن روى ، و حكما لمن قضى ، و حلما لمن حدّث ، و لبّا لمن تدبر ، و فهما لمن تفكر ، و يقينا لمن عقل ، و بصيرة لمن عزم ،
و آية لمن توسّم ، و عبرة لمن اتعظ ، و نجاة لمن آمن به ، و مودة من اللَّه لمن صلح ، و زلفى لمن ارتقب ، و ثقة لمن توكّل ، و راحة لمن فوّض ، و صبغة لمن أحسن ، و خيرا لمن سارع ، و جنة لمن صبر و لباسا لمن اتقى و تطهيرا لمن
رشد ، و أمنة لمن سلم ، و روحا للصادقين ، فالايمان أصل الحق ، سبيله الهدى ،
و صفته الحسنى ، و مأثرته المجد ، فهو أبلج المنهاج ، مشرق المنار ، مضيء المصابيح رفيع الغاية ، و الموت غايته ، و الدنيا مضماره ، و القيامة حلبته ،
و الجنة سبقته ، و النار نقمته ، و التقوى عدته ، و المحسنون فرسانه ، فبالايمان يستدل على الصالحات ، و بالصالحات يعمر الفقه ، و بالفقه يرهب الموت ،
و بالموت تختّم الدنيا ، و بالدنيا تحذر الآخرة ، و بالقيمة تزلف الجنّة ، و الجنة حسرة أهل النار ، و النار موعظة التقوى ، و التقوى سنخ الاحسان ، و التقوى غاية لا يهلك من تبعها ، و لا يندم من يعمل بها ، لأن بالتقوى فاز الفائزون ،
و بالمعصية خسر الخاسرون ، فليزدجر أولوا النهى ، و ليتذكر أهل التقوى .
« الحمد للَّه الذي شرع الاسلام » شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا و الذي أوحينا إليك ، و ما وصّينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرّقوا فيه .
.
« فسهّل شرائعه » جمع الشريعة مشرعة الماء و هي مورد الشاربة ، . .
ما جعل عليكم في الدينِ من حرجٍ ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمينَ من قبل .
و قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله بعثت على الشريعة السمحة السهلة ، روى الخصال في عنوان ( وضع اللَّه تعالى الاسلام على سبعة أسهم ) عن عمّار بن الأحوص قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام ان عندنا أقواما يقولون بأمير المؤمنين عليه السّلام ،
و يفضّلونه على الناس كلّهم و ليس يصفون ما نصف من فضلكم انتولاّهم ؟
فقال لي نعم في الجملة أليس عند اللَّه ما لم يكن عند رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله عند اللَّه ما ليس لنا و عندنا ما ليس عندكم و عندكم ما ليس
____________________
عند غيركم ان اللَّه تعالى وضع الاسلام على سبعة أسهم على الصبر و الصدق و اليقين و الرضا و الوفاء و العلم و الحلم ثم قسّم ذلك بين الناس فمن جعل فيه هذه الأسهم فهو كامل الايمان محتمل و لبعض الناس السهم و لبعض السهمان و لبعض الثلاثة و لبعض الأربعة و لبعض الخمسة و لبعض الستة و لبعض السبعة فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين ، و لا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم ، و لا على صاحب الثلاثة أربعة أسهم ، و لا على صاحب الأربعة خمسة أسهم ، و لا على الخمسة ستة أسهم ، و لا على صاحب الستة سبعة أسهم ، فتثقلوهم و تنفروهم و لكن ترفقوا بهم و سهّلوا لهم المدخل .
و سأضرب لك مثلا تعتبر به انّه كان رجل مسلما ، و كان له جار كافر و كان الكافر يرفق بالمؤمن فحبّب المؤمن للكافر الإسلام فلم يزل يزيّن له الاسلام حتى أسلم فغدا عليه المؤمن فاستخرجه من منزله ، فذهب به إلى المسجد ليصلّي معه الفجر في جماعة فلمّا صلّى قال له : لو قعدنا نذكر اللَّه تعالى حتى تطلع الشمس فقعد معه فقال : لو تعلّمت القرآن إلى أن تزول الشمس و صمت اليوم كان أفضل فقعد معه و صام حتى صلّى الظهر و العصر ، فقال : لو صبرت حتى تصلّي المغرب و العشاء كان أفضل فقعد معه حتى صلّى المغرب و العشاء ثم نهضا و قد بلغ مجهوده و حمل عليه ما لم يطق فلمّا كان من الغد غدا عليه و هو يريد به مثل ما صنع بالأمس فدق عليه بابه ، ثم قال له : أخرج حتى نذهب الى المسجد ، فأجاب : ( اعزب عني فان هذا دين شديد لا أطيقه ) فلا تخرقوا بهم اما علمت أن امارة بني أمية كانت بالسيف و العسف ،
و أمارتنا بالرفق و التآلف و حسن الخلطة و الورع و الاجتهاد فرغّبوا الناس في دينكم و في ما أنتم فيه ) .
« و أعزّ أركانه على من غالبه » أي : جعلها شديدة على من أراد الغلبة عليها
فلا يقدر عليها .
و في المثل « إذا عز أخوك فهن » أي : إذا اشتد هو فكن أنت هينا .
« فجعله أمنا لمن علقه » قال يصف أسدا :
إذا علقت قرنا خطاطيف كفّه
|
|
رأى الموت في عينيه أسود أحمرا
|
و في المثل ( علقت معالقها و صر الجندب ) ، الضمير كما في الأساس للدلو .
قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في حجّة الوداع كما في ( طبقات ) كاتب الواقدي أيّها الناس ان دماءكم و أموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدكم هذا الا لا ترجعن بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض .
« و سلما لمن دخله » . و لا تقولوا لمن القى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند اللَّه مغانم كثيرةٌ كذلك كنتم من قبل فمنَّ اللَّه عليكم فتبيّنوا ان اللَّه كان بما تعملون خبيرا
.
« و برهانا لمن تكلّم به » قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلاّ اللَّه و لا نشرك به شيئاً و لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه .
.
« و شاهدا لمن خاصم عنه » ان الدين عند اللَّه الاسلام و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و من يكفر بآيات اللَّه فان اللَّه سريع الحساب فان حاجّوك فقل اسلمت وجهي للَّه و من اتبعن و قل للذين أُوتوا الكتاب و الأميين ء أسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا و ان تولوا فانما عليك
____________________
البلاغ و اللَّه بصيرٌ بالعباد
.
و قالوا لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هودا أو نصارى تلك أمانيُّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه للَّه و هو محسن فله أجره عند ربه و لا خوفٌ عليهم و لا هم يحزنون
.
« و نورا لمن استضاء به » أفمن شرح اللَّه صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربِّه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللَّه أولئك في ضلالٍ مبين
.
و لكونه نورا لمن استضاء به ، كان المنافقون في إظهارهم الإسلام و عدم التزامهم بمقتضاه كمن له نور ذهب به ، قال تعالى فيهم مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلمّا أضاءت ما حوله ذهب اللَّه بنورهم و تركهم في ظلماتٍ لا يبصرون
.
« و فهما لمن عقل » فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللَّهِ التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيّم و لكن أكثر الناس لا يعلمون
.
« و لبا » و هو ما في القشر .
« لمن تدبر » فيه .
و من أحسن ديناً ممّن أسلم وجهه للَّه و هو محسن و اتبع ملّة إبراهيم حنيفاً .
.
« و آية » أي : علامة للَّه .
____________________
« لمن توسّم » أي : تفرّس لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و اللَّه سميعٌ عليم
.
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل اللَّه و أخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين و اللَّه يؤيد بنصره من يشاء .
.
« و تبصرة لمن عزم » قد عرفت ان ( الكافي ) رواه ( و بصيرة لمن عزم ) و هو أصحّ فمن عزم على أمر لابد أن يكون على بصيرة منه ، و لا يلزم إذا كان هو على بصيرة تبصرة غير له .
« و عبرة لمن اتعظ » و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم و أيّدكم بنصره و رزقكم من الطيبات لعلّكم تشكرون
.
« و نجاة لمن صدق » . و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللَّه لكم آياته لعلّكم تهتدون
.
« و ثقة لمن توكل » في ( الكافي ) قال الحسن عليه السّلام لعبد اللَّه بن جعفر كيف يكون المؤمن مؤمنا و هو يسخط قسمته ، و يحقر منزلته ، و الحاكم عليه اللَّه ،
و أنا الضامن لمن لا يهجس في قلبه إلاّ الرضا ان يدعو اللَّه فيستجاب له .
« و راحة لمن فوّض » في ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السّلام ما يضر رجلا إذا كان على ذي الرأي ما قال الناس و لو قالوا مجنون و ما يضرّه ، و لو كان على رأس جبل يعبد اللَّه حتى يجيئه الموت .
____________________
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قال تعالى لو لم يكن في الأرض إلاّ مؤمن واحد ،
لاستغنيت به عن جميع خلقي ، و لجعلت له من ايمانه انسا لا يحتاج إلى أحد .
« و جنة لمن صبر » في ( الكافي ) شكا رجل إلى أبي عبد اللَّه عليه السّلام الحاجة فقال : اصبر فان اللَّه سيجعل لك فرجا ، ثم مكث ساعة ، فأقبل على الرجل ، و قال :
اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال : ضيّق منتن و أهله بأشدّ حال قال فانما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة اما علمت ان الدنيا سجن المؤمن .
« فهو أبلج » أي : مشرق مضيء قال : العجاج ، « حتى بدت أعناق صبح ابلجا » .
« المناهج » جمع المنهج ، أو المنهاج ، الطريق الواضح ، و ان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
« و أوضح الولائج » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( واضح الولائج ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) و الولائج جمع الوليجة البطانة .
و لائجه مثل محمّد صلَّى اللَّه عليه و آله و علي عليه السّلام الرجل الأول و الثاني في العالم و فيهما قال تعالى : أفمن كان على بيّنة من ربه و يتلوه شاهد منه .
فقال عليه السّلام في المستفيض عنه النبي صلَّى اللَّه عليه و آله على بيّنة و أنا شاهد منه » .
« مشرف المنار » و المنارة ما يوضع فوقها السراج .
« مشرق الجوادّ » جمع الجادّة .
« و مضيء المصابيح » جمع المصباح السراج .
« كريم المضمار » قال الجوهري تضمير الفرس أن يعلفه حتى يسمن ثم
____________________
يردّه إلى القوت ، و ذلك في أربعين يوما و هذه المدّة تسمّى المضمار و الموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضا مضماره .
« رفيع الغاية » المراد الغاية في المسابقة بقرينة قبله و بعده .
« جامع الحلبة » بسكون اللام في الأساس الحلبة مجال الخيل للسباق و الخيل التي تأتي من كل أوب .
« متنافس » أي : متراغب .
« السبقة » بالتحريك الخطر الذي يوضع بين أهل السباق .
ان اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللَّه فيَقتُلون و يُقْتلون وعداً عليه حقّاً في التوراة و الانجيل و القرآن و من أوفى بعهده من اللَّه فاستبشِروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم
.
« شريف الفرسان » ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي اللَّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشى ربه
.
و ما أدريك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا و تواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة أُولئك أصحاب الميمنة
.
« التصديق منهاجه » فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكّموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت و يسلّموا تسليما
.
____________________
« و الصالحات مناره » . فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لا يشرك بعبادة ربه أحداً
.
« و الموت غايته » و اعبد ربِّك حتى يأتيك اليقين
.
« و الدنيا مضماره » يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه و لتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ .
. و تزوَّدوا فان خير الزاد التقوى و اتقون يا أولي الألباب
.
و انفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق و أكن من الصالحين و لن يؤخر اللَّه نفساً إذا جاء أجلها و اللَّه خبير بما تعملون
.
« و القيامة حلبته » يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن .
و إن كُلُّ لَمّا جميعٌ لدينا مُحضَرون
.
« و الجنّة سبقته » و أما من خاف مقام ربه و نهىَ النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى
.
إلاّ من تاب و آمن و عمل صالحاً فاولئك يدخلون الجنّة و لا يُظلَمون شيئاً جناتِ عدنٍ التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنّه كان وعده مأتيّا لا يسمعون فيها لغوا إلاّ سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا تلك الجنّة التي
____________________
نورث من عبادنا من كان تقيا
.
قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلوتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون و الذين هم للزكاة فاعلون و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأُولئِك هم العادون و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون و الذين هم على صَلَواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
.
أدخلوا الجنّة بما كنتم تعملون
، ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
.
هذا و زاد في الكتب الأربعة بعدما مرّ « و النار نقمته » و فقرات أخرى كما مرّ و كان على المصنف نقلها لكمال مناسبتها .
٤
من الحكمة ( ٣٠ ) و سئل عليه السّلام عن الايمان فقال :
اَلْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى اَلصَّبْرِ وَ اَلْيَقِينِ وَ اَلْعَدْلِ وَ اَلْجِهَادِ وَ اَلصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلشَّوْقِ وَ اَلشَّفَقِ وَ اَلزُّهْدِ وَ اَلتَّرَقُّبِ فَمَنِ اِشْتَاقَ إِلَى اَلْجَنَّةِ سَلاَ عَنِ اَلشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ اَلنَّارِ اِجْتَنَبَ اَلْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ زَهِدَ فِي اَلدُّنْيَا اِسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ
____________________
وَ مَنِ اِرْتَقَبَ اَلْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى اَلْخَيْرَاتِ وَ اَلْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى تَبْصِرَةِ اَلْفِطْنَةِ وَ تَأَوُّلِ اَلْحِكْمَةِ وَ مَوْعِظَةِ اَلْعِبْرَةِ وَ سُنَّةِ اَلْأَوَّلِينَ فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي اَلْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ اَلْحِكْمَةُ وَ مَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ اَلْحِكْمَةُ عَرَفَ اَلْعِبْرَةَ وَ مَنْ عَرَفَ اَلْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى غَائِصِ اَلْفَهْمِ وَ غَوْرِ اَلْعِلْمِ وَ زُهْرَةِ اَلْحُكْمِ وَ رَسَاخَةِ اَلْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ اَلْعِلْمِ وَ مَنْ عَلِمَ غَوْرَ اَلْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ اَلْحُكْمِ وَ مَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَ عَاشَ فِي اَلنَّاسِ حَمِيداً وَ اَلْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلصِّدْقِ فِي اَلْمَوَاطِنِ وَ شَنَآنِ اَلْفَاسِقِينَ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ نَهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ اَلْكَافِرِينَ وَ مَنْ صَدَقَ فِي اَلْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَ مَنْ شَنِئَ اَلْفَاسِقِينَ وَ غَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اَللَّهُ لَهُ وَ أَرْضَاهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أقول رواه ( الكافي ) و ( الاماليان ) ، و ( التحف ) أيضا بالسند المذكور في سابقه ، ففي ( الكافي ) بعد ما مر ( باب صفة الايمان ) بالاسناد الأول عن ابن محبوب ، عن يعقوب السراج عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن الايمان مثله مع تغيير يسير و فيه ، ( و الاشفاق ) بدل ( و الشفق ) و فيه ( و معرفة العبرة ) بدل قوله ( و موعظة العبرة ) و فيه ( و من عرف العبرة عرف السنّة ، و من عرف السنّة فكأنما كان مع الأولين و اهتدى للتي هي أقوم ، و نظر إلى من نجا بما نجا ، و إلى من هلك بما هلك و انما أهلك اللَّه من أهلك بمعصيته ، و أنجا من أنجا بطاعته ) بدل قوله ، ( و من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين ) و في ( الأمالي ) ( و من عرف العبرة عرف السنّة و من عرف السنّة فكأنما كان في الأولين ) و مثله ( التحف ) لكنّ فيه ( فكأنما عاش في الأولين ) .
و كيف كان فزاد هذا على سابقه برواية ( الخصال ) له ، ( عن أبيه عن سعد عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و أحمد بن فضال عن ابن اسباط ، عن الحسن ابن زيد عن محمد بن سالم عن سعد بن طريف عن الأصبغ عنه عليه السّلام و رواه ( تنبيه ) البكري عن ابن دريد عن محمد بن عثمان عن منجاب بن الحارث عن بشر بن عثمان عن محمد بن سوقة قال : سأل رجل عليّا عليه السّلام عن الايمان مع اختلاف يسير في آخره فقام الرجل فقبّل رأسه .
« الايمان على أربع دعائم » جمع دعامة عماد البيت .
« على الصبر » جعل الصبر الدعامة الأولى من الايمان لأنّه بمنزلة الرأس من الجسد .
« و اليقين » فعيل .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ان العمل الدائم القليل على اليقين ، أفضل عند اللَّه من العمل الكثير على غير يقين .
و عنه عليه السّلام كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول لا يجد عبدٌ طعم الايمان ، حتى يعلم ان ما أصابه لم يكن ليخطيه ، و أن ما أخطاه لم يكن ليصيبه ، و ان الضار النافع هو اللَّه تعالى .
« و العدل » قال تعالى : . و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها و إذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى و بعهد اللَّه أوفوا ذلكم وصَّاكم به لعلَّكم تذكّرون و ان هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتقون
.
« أعدلوا هو أقرب للتقوى » . فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى
____________________
و ثُلاث و رباعَ فان خفتم ألا تعدلوا فواحدةً .
ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزَّل عليهم الملئكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و أَبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
.
« و الجهاد » و جاهدوا في اللَّه حق جهاده .
.
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ان اللَّه تعالى بعث رسوله بالإسلام إلى الناس عشر سنين فأبوا ان يقبلوا حتى أمره بالقتال فالخير في السيف ، و تحت السيف ، و الأمر يعود كما بدأ .
و في ( الاسد ) عن عمرو بن واثلة ، ضحك النبي صلَّى اللَّه عليه و آله حتى استغرب فقال : أ لا تسألوني مم ضحكت ؟ فقالوا اللَّه و رسوله أعلم قال عجبت من قوم يقادون الجنّة بالسلاسل و هم يتقاعسون عنها ، قالوا و كيف ؟ قال أقوام من العجم سباهم المهاجرون يدخلونهم في الإسلام و هم كارهون .
« و الصبر منها على أربع شعب » جمع شعبة قال الجوهري الشعب الأغصان .
« على الشوق » قال الجوهري الشوق و الاشتياق نزاع النفس إلى الشيء .
« و الشفق » قال الجوهري الشفقة و الشفق الاسم من الاشفاق قال « تهوى حياتي و أهوى موتها شفقا » .
« و الزهد » في ( الكافي ) عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه ، حتى لا يبالي من أكل الدنيا ثم قال عليه السّلام حرام على قلوبكم ان تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا .
____________________
« و الترقب » قال الجوهري الترقب الانتظار .
« فمن اشتاق إلى الجنة ، سلا عن الشهوات » و يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق و بما كنتم تفسُقون
.
« و من أشفق من النار أجتنب المحرّمات » و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى
و قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله « حفّت الجنّة بالمكاره و حفّت النار بالشهوات » .
« و من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات » في ( الكافي ) عن أبي بصير شكوت أبي عبد اللَّه عليه السّلام الوسواس ، فقال يا أبا محمد اذكر تقطّع أوصا لك في قبرك ، و رجوع أحبائك عنك ، إذا دفنوك في حفرتك و خروج بنات الماء من منخريك ، و أكل الدود لحمك فان ذلك يسلّي عنك ، قال فو اللَّه ما ذكرته إلاّ سلا عني .
« و من ارتقب الموت » « سارع إلى » كذا في ( المصرية ) و الصواب : ( في ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« الخيرات » ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون و الذين هم بأيات ربهم يؤمنون و الذين هم بربهم لا يشركون و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انّهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في
____________________
الخيران و هم لها سابقون
.
« و اليقين منها » أي : من دعائم الايمان الأربع .
« على أربع شعب » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال لأبي بصير ليس شيء إلاّ و له حد ، فقال أبو بصير : فما حد التوكل ؟ قال عليه السّلام اليقين ، قال فما حد اليقين ؟ قال ألا تخاف مع اللَّه شيئا .
« على تبصرة الفطنة » الاضافة في التبصرة بمعنى ( في ) كما يشهد له قوله بعد ( فمن تبصّر في الفطنة ) .
قال تعالى : ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد
.
« و تأوّل الحكمة » أي : فهم مآلها ، قال الشاعر :
على انها كانت تؤوِّل حبها
|
|
تأوُّل ربعي السقاب فاصحبا
|
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام من صحّة يقين المرء المسلم ، ألا يرضي الناس بسخط اللَّه ، و لا يلومهم على ما لم يؤته اللَّه ، فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ، و لا يرده كراهية كاره ، و لو أن أحدكم فرَّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه ، كما يدركه الموت .
« و موعظة العبرة » الاضافة في ( الموعظة ) بمعنى ( من ) أو ( في ) .
لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب .
. فأتاهم اللَّه من حيث لم يحتسبوا و قذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار
.
____________________
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل اللَّه و أُخرى كافرةٌ يرونهم مثليهم رأي العين و اللَّه يؤيّد بنصره من يشاء إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
.
يقلّب اللَّه الليل و النهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
فأخذه اللَّه نكال الاخرة و الأولى إن في ذلك لعبرةً لمن يخشى
و أن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ممّا في بطونها و لكم فيها منافع كثيرة و منها تأكلون
و إن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ممّا في بطونه من بين فرثٍ و دمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشّاربين
.
« و سنّة الأولين » قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين
يريد اللَّه ليبيّن لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم و يتوب عليكم و اللَّه عليكم حكيم
.
و لا يحيق المكر السيِّىء إلاّ بأهله فهل ينظرون إلاّ سُنَّتَ الأولين فلن تجد لِسُنَّتِ اللَّه تبديلاً و لن تجد نسلكُهُ اللَّه تحويلاً
.
فلم يكُ ينفعهم أيمانُهم لمّا رأوا بأسنا سُنَّتَ اللَّه الّتي قد خلقت في عباده و خسر هنالك الكافرون
.
____________________
ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف و إن يعودوا فقد مضت سُنَّتُ الأولين
كذلك نَسلكُهُ في قلوب المجرمين لا يؤمنون به و قد خلت سنّة الأولين
.
و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءَهم الهدى و يستغفروا ربّهم إلاّ أن تأتيهم سنّة الأولين أو يأتيهم العذاب قُبُلاً
.
« فمن تبصر » أي : صار ذا بصيرة .
« في الفطنة تبيّنت له الحكمة » قالوا : الحكمة العلم الذي يدفع الإنسان عن فعل القبيح مستعار من حكمة اللجام .
« و من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين » قد عرفت ان ( الكافي ) نقله « و من عرف العبرة عرف السنّة و من عرف السنّة فكأنما كان في الأولين » الخ كما مرَّ .
« و العدل منها » أي : من تلك الدعائم .
« على أربع شعب » الأولى .
« على غائص الفهم » أي : فهم يغوص على الحقائق كمن يغوص على الدرّ ،
و اللؤلؤ و عرفت ان في ( الكافي ) و ( الأمالي ) ( على غامض الفهم ) .
« و غور العلم » أي : قعره .
« و زهرة الحكم » أي : بهجة الفقه و القضاء .
« و رساخة » أي : ثبوت .
« الحلم » .
____________________
و في ( الخصال ) و ( الأمالي ) و ( التحف ) و ( الكافي ) : ( و روضة الحلم ) و هو الأنسب بسابقه ، ( و زهرة الحكم ) .
« فمن فهم علم غور العلم » لأن شرط العلم الفهم .
« و من علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم » و الصدور عن شرائع الحكم كناية عن الإصابة في الحكم ، لأن الشرائع موارد استقاء الناس ، و الصدور عنها : الرجوع عنها .
« و من حلم لم يفرط » من الافراط تجاوز الحد لا التفريط كما في المرآة لعدم مناسبته مع الحلم .
« في أمره و عاش في الناس حميدا » في الخبر : إذا وقعت منازعة بين رجلين نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما : قلت و قلت و أنت أهل لمّا قلت و ستجزى بما قلت و يقولان للحليم : صبرت و حلمت سيغفر اللَّه لك ان أتممت ذلك .
« و الجهاد منها على أربع شعب ، على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر » في ( الكافي ) : كان أبو عبد اللَّه عليه السّلام إذا مرّ بجماعة يختصمون لا يجوزهم حتى يقول ثلاثا : اتقوا اللَّه ( يرفع بها صوته ) .
« و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله : ان اللَّه تعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له .
قيل من هو ؟ قال : الذي لا ينهى عن المنكر » .
و عن الصادق عليه السّلام : الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خلقان من خلق ،
اللَّه فمن نصرهما أعزّه اللَّه و من خذلهما خذله اللَّه .
« و الصدق » في المواطن قولا و عملا ، خوفا و أمنا ، ليس البِرّ أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البِرّ من آمن باللَّه و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة
و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتّقون
.
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : لمّا نزلت إنّ اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة
قام رجل و قال للنبي صلَّى اللَّه عليه و آله : الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلاّ أنّه يقترف من هذه المحارف أشهيد هو ؟ فأنزل تعالى : التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر و الحافظون لحدود اللَّه و بشّر المؤمنين
فبشر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم و حليتهم بالشهادة و الجنّة و قال : التائبون من الذنوب ، العابدون الذين لا يعبدون إلاّ اللَّه و لا يشركون به شيئا ، الحامدون الذين يحمدون اللَّه على كلّ حال في الشدّة و الرخاء ، السائحون و هم الصائمون ، و الراكعون الساجدون الذين يواظبون على الصلوات الخمس ، الحافظون لها و المحافظون عليها بركوعها و سجودها و في الخشوع فيها ، و في أوقاتها ، الآمرون بالمعروف بعد ذلك و العاملون به ، الناهون عن المنكر و المنتهون عنه فبشّر من قتل و هو قائم بهذه الشروط بالشهادة و الجنّة .
« و شنآن » أي : بغض .
« الفاسقين » في ( الكافي ) عن الباقر صلَّى اللَّه عليه و آله أوحى تعالى إلى شعيب عليه السّلام أني معذِّب من قومك مائة ألف ، أربعين ألفا من شرارهم ،
و ستين ألفا من خيارهم ، فقال فما بال الأخيار قال : داهنوا أهل المعاصي
____________________
و لم يغضبوا لغضبي .
« فمن أمر بالمعروف شدّ » أي : أحكم .
« ظهور المؤمنين » قال تعالى : و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تَفيء إلى أمر اللَّه .
.
« و من نهى عن المنكر ارغم » أي : الصق بالرغام ، و هو التراب .
« أنوف الكافرين » هكذا في المصرية و الصواب : ( المنافقين ) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية .
محمّد رسول اللَّه و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .
و قال عليه السّلام أمرنا النبي صلَّى اللَّه عليه و آله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة .
« و من صدق في المواطن قضى ما عليه » من التكليف و الوظائف الإلهية .
و ما أدريك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا و تواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة .
فأما من أعطى و اتقى و صدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى
.
« و من شنىء الفاسقين و غضب للَّه غضب اللَّه له ، و أرضاه يوم القيامة » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ان اللَّه عز و جل بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها ، فوجدا رجلا يدعو اللَّه و يتضرّع ، فقال : أحدهما للآخر أما ترى هذا ؟
فقال بلى و لكن أمضي لمّا أمر به ربي و قال الآخر لكني أراجع ربي ، فعاد ، فقال
____________________
يا رب اني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلانا يدعوك ، و يتضرّع إليك ،
فقال له تعالى : أمض لمّا أمرت فإن ذا رجل لم يتمعر وجهه غيظا للَّه قط .
هذا و كما فصل عليه السّلام في هذا الكلام دعائم الايمان و شعب كلّ دعامة فصل عليه السّلام أرواح الايمان في كلام آخر .
ففي ( الكافي ) عن الأصبغ جاء رجل إليه عليه السّلام فقال ان ناسا زعموا أن العبد يزني و هو مؤمن و لا يسرق و هو مؤمن و لا يشرب الخمر و هو مؤمن ،
و لا يأكل الربا و هو مؤمن ، و لا يسفك الدم الحرام و هو مؤمن ، و قد ثقل هذا عليّ ، و حرج منه صدري حين أزعم ان هذا العبد يصلّي صلاتي ، و يدعو دعائي و يناكحني و أناكحه ، و يوارثني و أوارثه ، و قد خرج من الايمان من أجل ذنب يسير أصابه فقال عليه السّلام صدقت ، سمعت النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يقول : و الدليل عليه كتاب اللَّه خلق اللَّه الناس على ثلاث طبقات ، و أنزلهم ثلاث منازل و ذلك قوله تعالى : في الكتاب « أصحاب الميمنة ، و أصحاب المشأمة ، و السابقون » ، فاما ما ذكره من أمر السابقين ، فانهم أنبياء مرسلون و غير مرسلين ، جعل اللَّه فيهم خمسة أرواح ، روح القدس ، و روح الايمان ، و روح القوة ، و روح الشهوة ، و روح البدن ، فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين و غير مرسلين و بها علموا أشياء و بروح الايمان عبدوا اللَّه و لم يشركوا به شيئا ، و بروح القوّة جاهدوا عدوّهم و عالجوا معاشهم ، و بروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ، و نكحوا الحلال من شباب النساء ، و بروح البدن ، دبوا و درجوا ، قال تعالى : تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم اللَّه ، و رفع بعضهم درجات ، و آتينا عيسى بن مريم البيّنات ، و أيدناه بروح القدس .
ثم قال في جماعتهم . و أيدهم
____________________
بروح منه .
يقول أكرمهم بها ففضّلهم على من سواهم فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ثم ذكر أصحاب الميمنة و هم المؤمنون حقّا بأعيانهم ، جعل تعالى فيهم أربعة أرواح روح الايمان و روح القوّة ، و روح الشهوة ، و روح البدن ، فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى تأتي عليه حالات ، فقال الرجل ما هذه الحالات ؟ قال أما أولاهن فهو كما قال تعالى : . و منكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم بعد علمٍ شيئاً .
فهذا ينتقص منه جميع الأرواح ، و ليس بالذي يخرج من دين اللَّه لأن الفاعل به رده ، إلى أرذل العمر فهو لا يعرف للصلاة وقتا و لا يستطيع التهجد بالليل و لا بالنهار ، و لا القيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الايمان و ليس يضرّه شيئا و فيهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرّت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها و تبقى روح البدن فيه ، فهو يدبّ و يدرج حتى يأتيه ملك الموت ،
فهذا بحال خير لأن اللَّه تعالى هو الفاعل به ، و قد تأتي عليه حالات في قوته و شبابه فيهمّ بالخطيئة فتشجّعه روح القوة و تزيّن له روح الشهوة ، و تقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة فإذا لامسها نقص من الايمان و تقضى عنه ، و ليس يعود فيه حتى يتوب فإذا تاب تاب اللَّه عليه و ان عاد أدخله اللَّه نار جهنم فأما أصحاب المشأمة ، فهم اليهود و النصارى .
يقول اللَّه تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .
يعرفون محمدا صلَّى اللَّه عليه و آله و الولاية في التوراة ، و الانجيل ، كما يعرفون ابناءهم في منازلهم « و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون
____________________
انك الرسول إليهم فلا تكونن من الممترين فلمّا جحدوا ما عرفوا ابتلاهم بذلك فسلبهم روح الايمان ، و أسكن أبدانهم ثلاثة أرواح ، روح القوّة ، و روح الشهوة و روح البدن ، ثم أضافهم إلى الأنعام فقال ان هم إلاّ كالأنعام ، لأن الدابة انما تحمل بروح القوّة ، و تعتلف بروح الشهوة ، و تسير بروح البدن ، فقال السائل أحييت قلبي باذن اللَّه .
هذا و في ٢٦٦ باب الحكم « سأله رجل أن يعرفه ما الايمان فقال عليه السّلام : إذا كان الغد ، فأتني حتى أخبرك على اسماع الناس ، فان نسيت مقالتي حفظها عليك غيرك فان الكلام كالشاردة يثقفها هذا و يخطئها هذا و قد ذكرنا ما أجابه عليه السّلام به في ما تقدّم من هذا الباب و هو قوله عليه السّلام الايمان على أربع شعب » و قد شرحناه في فصل أجوبته التمثيلية و أدب السؤال .
٥
الحكمة ( ٢٢٧ ) و سئل عن الإيمان فقال عليه السّلام :
اَلْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ أقول رواه ( العيون ) باسانيد عنه عليه السّلام عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله .
روي عن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي الحاكم عن أبي بكر محمّد بن خالد المطوعي البخاري عن أبي بكر بن أبي داود عن علي بن حرب الملائي عن أبي الصلت الهروي عن الرضا عليه السّلام عن آبائه واحدا بعد واحد عليهم السّلام عن علي عليه السّلام قال : قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله الايمان معرفة بالقلب ، و اقرار باللسان ، و عمل بالأركان .
و روي عن أبي أحمد محمد بن جعفر البندار بفرغانه ، عن أبي العباس محمد بن محمد بن جمهور الحمادي عن محمد بن عمر بن منصور البلخي
عن أبي يونس أحمد بن محمد الجمحي ، عن أبي الصلت مثله .
و روي عن سليمان بن أحمد اللخمي ، عن علي بن عبد العزيز و معاذ بن المثنى عن أبي الصلت مثله .
و روي عن حمزة بن محمد العلوي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الصلت مثله و قال : قال أبو حاتم : لو قرىء هذا الاسناد على مجنون لبريء .
و رواه الخطيب ، في ( تاريخ بغداد ) في عنوان محمد بن إسحاق بن محمد الهروي بأسانيده عن علي بن غراب و عن محمد بن سهل بن عامر البجلي عن الرضا عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام مثله .
و رواه الهلال بن المحسن الصابي في ( وزرائه ) عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن طاهر عن أبي الصلت عن الرضا عليه السّلام عن الكاظم عن الصادق عن الباقر عن السجاد عن السبط ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله « الايمان عقد بالقلب ، و نطق باللسان ، و عمل بالأركان » و قال : ما هذا الاسناد ؟ فقال له ابن رشيد : هذا سعوط الشيلثا الذي إذا سعط به المجنون برىء
.
و بالجملة ، كلّ ما وقفت عليه في اسناده نسبه عليه السّلام إلى النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و في أوائل الجزء ١٦ من ( أمالي ) ابن الشيخ ، بعد روايته الحديث بطرق قال أبو المفضل ، و هذا حديث لم يحدث به عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام من رواية الرضا عن آبائه عليهم السّلام ، و على هذا القول أئمة أصحاب الحديث في ما أعلم و احتجوا بهذا الحديث ، على المرجئة ، و لم يحدّث به في ما أعلم ، إلاّ موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السّلام ، و كنت لا أعلم ان أحدا رواه عن موسى بن جعفر عليه السّلام إلاّ ابنه الرضا عليه السّلام حتى حدثناه محمد بن علي بن معمر الكوفي ،
____________________
و ما كتبته إلاّ عنه ، عن عبد اللَّه بن سعيد البصري عن محمد بن صدقة و محمد بن تميم عن موسى بن جعفر عليه السّلام عن أبيه باسناده مثله سواء
، الخ فتراه صرّح بأنّه لم يروه عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام كما لم يروه عن أمير المؤمنين عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله إلاّ الكاظم عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام ، و لم يروه عن الكاظم عليه السّلام إلاّ ابنه الرضا عليه السّلام في طرقه المروية و انما روى له ابن معمر طريقا آخر عن الكاظم عليه السّلام و كيف كان فروى أبو المفضل ، عن أبي حاتم ، قال أبو الصلت : لو قرىء هذا الاسناد على مجنون لبرىء باذن اللَّه ، و أن إسحاق بن راهويه قال لأبي الصلت أي اسناد هذا ؟ قال هذا سعوط المجانين هذا عطر الرجال ذوي الألباب و يصح نسبته إليه عليه السّلام لأن ما يقوله ، أوّل المعصومين عليه السّلام يقوله آخرهم ، و لأنّه عليه السّلام و النبي صلَّى اللَّه عليه و آله كنفس واحدة .
و قول المصنف ، و سئل عن الايمان فقال : هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
« و قال عليه السّلام و قد سئل عن الايمان » كما في ( ابن أبي الحديد و الخطيّة ) ،
قوله عليه السّلام .
« الايمان معرفة بالقلب » فما لم يكن معتقدا بالقلب ، لم يكن مؤمنا ، و لو أقرّ و عمل ، قال تعالى : و من الناس من يعبد اللَّه على حرفٍ فأن أصابه خير اطمأن به و أن أصابته فتنة انقلب على وجهه .
.
و في معارف ابن قتيبة كان أمية بن أبي الصلت قد قرأ الكتب ، و رغب عن عبادة الأوثان ، و كان يخبر بأن نبيّا يبعث قد أظل زمانه ، فلمّا سمع بخروج النبي صلَّى اللَّه عليه و آله كفر حسدا له ، و لمّا أنشد النبي صلَّى اللَّه عليه و آله شعره ، قال آمن لسانه و كفر قلبه .
____________________
هذا و في ( تاريخ بغداد ) ، قال عبّاد بن كثير قلت لأبي حنيفة رجل قال أعلم أن الكعبة حق و أنها بيت اللَّه ، و لكن لا أدري هي التي بمكة ، أو هي بخراسان ، أمؤمن هو ؟ قال نعم قلت له فما تقول في رجل قال أنا أعلم أن محمّدا رسول اللَّه ، و لكن لا أدري هو الذي كان بالمدينة ، و من قريش أو محمّد آخر ، أمؤمن هو ؟ قال نعم .
و فيه قال يحيى بن حمزة قال أبو حنيفة لو أن رجلا عبد هذه النعل يتقرّب بها إلى اللَّه لم أر بذلك بأسا .
و فيه ، قال القاسم بن حبيب ، وضعت نعلي في الحصى ، ثم قلت لأبي حنيفة أرأيت رجلا صلّى لهذه النعل حتى مات إلاّ انّه يعرف اللَّه بقلبه فقال مؤمن .
« و اقرار باللسان » فما لم يقرّ باللسان لم يكن مؤمنا و لو تيقن بالقلب قال تعالى و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلماً و علواً .
.
و لمّا أراد النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قتل كعب بن أسيد في جملة بني قريظة ذكره قول حبر لهم بكونه نبيّا فقال له كعب : لو لا ان اليهود تعيّرني اني خشيت عند القتل لامنت بك ، و صدقتك و لكني على دين اليهود عليه أحيى و عليه أموت .
« و عمل بالأركان » فما لم يكن عمل ، لم يكن ايمان و لو كان مقرّا باللسان و معتقدا بالجنان .
قال تعالى انما المؤمنون الذين إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم أيمانا و على ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة و ممّا رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقّاً .
و قال : . فان تابوا
____________________
و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فاخوانكم في الدين .
و قال . و للَّه على الناس حجّ البيت من استطاع سبيلا و من كفر فان اللَّه غني عن العالمين
.
و روى الكراجكي في تفضيله مسندا عن جابر الأنصاري قال لمّا فرغ النبي صلَّى اللَّه عليه و آله من هوازن نزل بالطائف فتحصن أهله أياما فسأله القوم أن يفرج عنهم ليقدم و فدهم فيشترط و يشترطون لأنفسهم ، فسار حتى نزل مكة فقدم عليه نفر منهم باسلام قومهم و لم ينجع له القوم ، بالصلاة و لا بالزكاة فقال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لا خير في دين لا ركوع فيه ، و لا سجود ، اما و الذي نفسي بيده ليقيمنّ الصلاة ، و ليؤتنّ الزكاة أو لأبعثن إليهم رجلا هو مني كنفسي فليضربن أعناق مقاتليهم ، و ليسبين ذراريهم ، هو هذا هو هذا ، ثم أخذ بيد علي عليه السّلام فأشالها
.
و في أسباب نزول الواحدي عن ابن عباس بلغنا و اللَّه أعلم ان آية يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه و ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللَّه و رسوله .
نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف ، و في بني المغيرة بن مخزوم كان بنو المغيرة يربون لثقيف ، فلمّا أظهر اللَّه تعالى رسوله على مكة ، وضع يومئذ الربا كلّه ، فأتى بنو عمرو ، و بنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد و هو على مكة فقال بنو المغيرة : جعلنا أشقى الناس بالربا ، وضع عن الناس غيرنا فقال بنو عمرو صولحنا على ان لنا ربانا فكتب عتاب في ذلك إلى النبي صلَّى اللَّه عليه و آله فنزلت الآية ، فعرف بنو عمرو ان لا يدان لهم بحرب من اللَّه و رسوله .
____________________
هذا و في ( تاريخ بغداد ) ، قال شريك كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب اللَّه تعالى قال عز و جل . و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيامة
و زعم أبو حنيفة ان الصلاة ليست من دين اللَّه .
هذا و أما ما رواه ( العيون ) باسناده ، ( عن محمد بن عبد اللَّه بن طاهر ، قال كنت واقفا على رأس أبي ، و عنده أبو الصلت الهروي ، و إسحاق بن راهويه ،
و أحمد بن محمد بن حنبل فقال أبي ليحدّثني كلّ واحد منكم بحديث فقال أبو الصلت الهروي حدّثني علي بن موسى الرضا عليه السّلام و كان و اللَّه رضى كما سمّي عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السّلام ، قال : قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله : « الايمان قول و عمل » فلمّا خرجنا ، قال ابن حنبل ما هذا الاسناد فقال له أبي هذا سعوط المجانين ، إذا سعط به المجنون أفاق ) فلا ينافي العنوان لأن الغالب ان القول و العمل ، لا يكونان إلاّ عن معرفة بالقلب .
هذا و في ( الكافي ) عن الصادق ان بني أمية اطلقوا للناس تعليم الايمان و لم يطلقوا تعليم الشرك لكي إذا حملوهم على الكفر لم يعرفوه .
و فيه عن سليم بن قيس قال سمعت عليّا عليه السّلام يقول و قال له رجل ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا ؟ و أدنى ما يكون به كافرا ؟ و أدنى ما يكون به ضالاّ ؟ قال سألت فافهم الجواب أما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرّفه اللَّه تعالى نفسه فيقرّ له بالطاعة و يعرّفه نبيّه فيقرّ له بالطاعة و يعرّفه امامه و حجّته في أرضه و شاهده على خلقه ، فيقرّ له بالطاعة ، فقال و ان جهل جميع الأشياء إلاّ ما وصفت ، قال نعم ، إذا أمر أطاع ، و إذا نهى انتهى و أدنى ما يكون به العبد كافرا من زعم ان شيئا نهى اللَّه تعالى عنه انّه تعالى أمر به ، و نصبه
____________________
دينا يتولى عليه و يزعم انّه يعبد الذي أمره به و انما يعبد الشيطان و أدنى ما يكون به العبد ضالا ، ألا يعرف حجّة اللَّه و شاهده على عباده الذي أمر اللَّه بطاعته و فرض ولايته ، فقال صفهم لي ، فقال عليه السّلام الذين قرنهم اللَّه بنفسه و نبيّه ، فقال : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم .
فقال : جعلت فداك أوضح لي فقال : الذين قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في آخر خطبته يوم قبضه اللَّه تعالى إليه اني قد تركت فيكم أمرين ، لن تضلوا بعدي ما ان تمسكتم بهما ، كتاب اللَّه تعالى و عترتي أهل بيتي فان اللطيف الخبير أخبر انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض الخبر .
٦
من غريب كلامه ( ٥ ) و من حديثه عليه السّلام :
إِنَّ اَلْإِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي اَلْقَلْبِ كُلَّمَا اِزْدَادَ اَلْإِيمَانُ اِزْدَادَتِ اَللُّمْظَةُ « ان الايمان يبدو لمظة » أي : يسيرا ، يقال ( عنده لمظة من سمن ) أي يسير تأخذه باصبعك كالجوزة .
« في القلب كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة » في ( الكافي ) عن أبي عمرو الزبيري قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام أي الأعمال أفضل عند اللَّه ، قال ما لا يقبل اللَّه شيئا إلاّ به ، الايمان أعلى الأعمال درجة ، و اشرفها منزلة و أسنادها حظّا .
قلت أقول و عمل أم قول بلا عمل ؟ فقال الايمان عمل كلّه ، و القول بعض ذلك العمل يشهد له به الكتاب ، قلت صفه لي قال الايمان حالات و درجات ،
و طبقات و منازل ، فمنه التام المنتهى تمامه ، و منه الناقص البيّن نقصانه ، و منه الراجح الزائد رجحانه قلت ان الايمان ليتم و ينقص و يزيد ، قال نعم قلت كيف
____________________
ذاك ؟ قال لأن اللَّه تعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم ، و قسّمه عليها و فرّقه فيها ، فليس من جوارحه جارحة إلاّ و قد وكلت من الايمان به ، غير ما وكلت به اختها ، فمنها قلبه الذي به يعقل ، و يفقه و هو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح و لا تصدر إلاّ عن رأيه .
و منها عيناه اللتان يبصر بهما ، و اذناه اللتان يسمع بهما ، و يداه اللتان يبطش بهما ، و رجلاه اللتان يمشي بهما ، و فرجه الذي الباه من قبله ، و لسانه الذي ينطق به ، و رأسه الذي فيه وجهه ، فليس من هذه جارحة إلاّ و قد وكلت من الايمان به غير ما وكلت به اختها ، بفرض من اللَّه ، ففرض على القلب غير ما فرض على السمع و فرض على السمع غير ما فرض على العينين ، و فرض على العينين غير ما فرض على اللسان ، و فرض على اللسان غير ما فرض على اليدين ، و فرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين ، و فرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج ، و فرض على الفرج غير ما فرض على الوجه ، فاما ما فرض على القلب ، فالاقرار و المعرفة و العقل و الرضا و التسليم بأن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له الها واحدا لم يتخذ صاحبة و لا ولدا و ان محمدا عبده و رسوله و الاقرار بما جاء به من عند اللَّه من نبي و كتاب ، فذلك ما فرض اللَّه على القلب و هو عمله و هو قوله تعالى :
إلاّ من أكره و قلبه مطمئن بالايمان و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من اللَّه و لهم عذاب عظيم
و قال . ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب
و قال . من الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم
____________________
و قال : . ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه فيغفر لمن يشاء و يعذِّب من يشاء .
و عمله رأس الايمان و فرض اللَّه على اللسان القول و التعبير عن القلب بما عقد عليه و أقرّ به قال تعالى : . و قولوا للناس حسناً
و قال : . و قولوا آمنا بالّذي أُنزل إلينا و أُنزل إليكم و الهنا و الهكم واحد و نحن له مسلمون
و فرض اللَّه على السمع ، أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرّم اللَّه ، و ان يعرض عمّا لا يحل له ممّا نهى اللَّه تعالى عنه و الاصغاء إلى ما أسخط اللَّه تعالى فقال : و قد نزل عليكم في الكتاب ان إذا سمعتم آيات اللَّه يكفر بها و يستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره .
ثم استثنى تعالى مواضع النسيان فقال : . و إما ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين
و قال : . فبشر عِبادِ الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه أُولئك الذين هداهم اللَّه و أُولئك هم أولوا الألباب
و قال : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلوتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون
و قال : . و إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه .
و قال : . و إذا مروا باللغو مرّوا كراماً
و فرض على البصر ، أن لا ينظر إلى ما حرّم اللَّه عليه ، و ان يعرض عمّا نهى اللَّه عنه ممّا لا يحل له ، فقال
____________________
تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم .
فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم ، و ان ينظر المرء إلى فرج أخيه و يحفظ فرجه ، ان ينظر إليه ، و قال : و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ، و يحفظن فروجهن .
من أن تنظر احداهن إلى فرج اختها و تحفظ فرجها ، من أن ينظر إليه و كل شيء جاء في القرآن في حفظ الفرج فهو التحفظ من الزنا إلاّ هذه الآية فانّها من النظر ثم نظم تعالى ما فرض في آية أخرى فقال و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم .
يعني بالجلود ، الفروج و الأفخاذ ، و قال : و لا تقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولا .
هذا ما فرض اللَّه على العينين من عملهما من الايمان و فرض على اليدين ألا يبطش بهما إلاّ إلى ما أمر اللَّه تعالى به ، و فرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم ، و الجهاد في سبيل اللَّه ، و الطهور للصلاة كما في آية الوضوء و قال : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدّوا الوثاق فاما منا بعد و اما فداء حتى تضع الحرب أوزارها .
و قال في الرجلين : و لا تمش في الأرض مرحاً انك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا
و قال : و اقصد في مشيك و اغضض من صوتك ان أنكر الأصوات لصوت الحمير
و قال في ما
____________________
شهدت الأيدي و الأرجل على تضييعهما ، اليوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون
و فرض على الوجه السجود له سبحانه ، فقال : يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربّكم و افعلوا الخير لعلّكم تفلحون
.
و قال : و ان المساجد للَّه فلا تدعوا مع اللَّه أحداً
.
و لمّا صرف تعالى نبيه عن بيت المقدس إلى الكعبة أنزل الآية . و ما كان اللَّه ليضيع ايمانكم .
فسمّى الصلاة ايمانا فمن لقى اللَّه تعالى حافظا لجوارحه ، موفيا كلما فرض اللَّه تعالى عليها لقي اللَّه تعالى مستكملا لايمانه ،
و هو من أهل الجنة ، و من خان في شيء منها أو تعدّى ما أمر اللَّه تعالى به لقى اللَّه ناقص الايمان .
قلت قد فهمت نقصان الايمان و تمامه فمن أين جاءت زيادته ؟ قال قوله تعالى و إذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه ايماناً فاما الذين آمنوا فزادتهم ايماناً و هم يستبشرون و اما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم .
.
و قال : نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدىً
و لو كان الايمان كلّه واحدا لا زيادة فيه و لا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ، و لكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنّة ، و بالزيادة
____________________
في الايمان يتفاضل المؤمنون بالدرجات عند اللَّه ، و بالنقصان دخل المفرطون النار .
هذا و في تاريخ بغداد ، قال : شريك كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب اللَّه احداهما . ليزدادوا ايماناً مع ايمانهم .
و زعم أبو حنيفة ان الايمان لا يزيد و لا ينقص ، و قال الفزاري قال أبو حنيفة ايمان آدم ، و ايمان ابليس واحد ،
قال ابليس : . ربِّ بما أغويتني .
رب فأنظرني إلى يوم يبعثون
،
و قال آدم : . ربنا ظلمنا أنفسنا .
.
و فيه ، قال القاسم بن عثمان مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما ، فقال له أبو حنيفة : لو بلت جالسا فنظر في وجه أبي حنيفة و قال ألا تمر يا مرجىء فقال له أبو حنيفة هذا جزائي منك ، صيّرت ايمانك كايمان جبرئيل .
قول المصنف « و اللّمظة » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( اللّمظة ) كما في ( ابن ميثم و الخطّية ) و كذا ( ابن أبي الحديد ) .
و اللّمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض ، و اما اللماظة فما يبقى في الفم من الطعام .
و منه قيل ( فرس المظ ) إذا كان بجحفلته ( أي : شفته قالوا الجحفلة للخيل و البغال كالشفة للإنسان ) .
شيء من البياض و قال في ( الجمهرة ) ، و أكثر ما يستعمل إذا كان البياض في جحفلته السفلى ، فإذا كان في العليا فالفرس أرثم .
هذا و في ( العقد ) ، كان خالد بن صفوان يقول ما في قلب بلال بن أبي
____________________
بردة بن أبي موسى من الايمان إلاّ ما في بيت أبي الزرد الحنفي من الجوهر أبو الزرد : رجل مفلس .
٧
من الخطبة ( ١٩٣ ) من خطبة له عليه السّلام (( في فضل الاسلام )) :
ثُمَّ إِنَّ هَذَا اَلْإِسْلاَمَ دِينُ اَللَّهِ اَلَّذِي اِصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اِصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ أَذَلَّ اَلْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ اَلْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْكَانَ اَلضَّلاَلَةِ بِرُكْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ وَ أَتْأَقَ اَلْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لاَ اِنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لاَ فَكَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لاَ اِنْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لاَ زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لاَ اِنْقِلاَعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لاَ اِنْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لاَ عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لاَ جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لاَ ضَنْكَ لِطُرُقِهِ وَ لاَ وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لاَ سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لاَ عِوَجَ لاِنْتِصَابِهِ وَ لاَ عَصَلَ فِي عُودِهِ وَ لاَ وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لاَ اِنْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ وَ لاَ مَرَارَةَ لِحَلاَوَتِهِ فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي اَلْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا وَ مَنَارٌ اِقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلاَمٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا جَعَلَ اَللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اَللَّهِ وَثِيقُ اَلْأَرْكَانِ رَفِيعُ اَلْبُنْيَانِ مُنِيرُ اَلْبُرْهَانِ مُضِيءُ اَلنِّيرَانِ عَزِيزُ اَلسُّلْطَانِ مُشْرِفُ اَلْمَنَارِ مُعْوِذُ اَلْمَثَارِ فَشَرِّفُوهُ وَ اِتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِيعَهُ « ثم ان هذا الاسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه » استدل له بقوله تعالى
ان الدين عند اللَّه الاسلام .
و من يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين
و معنى اصطفاء اللَّه له لنفسه ، اختياره له ليدين عباده به فهو في الحقيقة ، اصطفاه لعباده قال يعقوب لبنيه . يا بني ان اللَّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلاّ و أنتم مسلمون
.
« و اصطنعه على عينه » الأصل فيه قوله تعالى : . و لتصنع على عيني
قال في التبيان : و تقديره انا أراك ، يجري أمرك على ما أريد بك ، من الرفاهية في غذائك .
« و اصفاه » أي : آثر به ، و اخلص .
« خيرة خلقه » من الأولين و الآخرين ، نبينا خاتم النبيين .
روى ( الاكمال ) عن أبان الاحمر عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال لمّا دعا النبي صلَّى اللَّه عليه و آله بكعب بن أسد ليضرب عنقه في بني قريظة نظر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله إليه و قال له يا كعب اما نفعك وصيّة ابن حواش الحبر الذي أقبل من الشام فقال تركت الخمر و الخمير ، و حبئت إلى البؤس و التمور ، لنبي يبعث هذا أو ان خروجه ، يكون مخرجه بمكة ، و هذه دار هجرته ، و هو الضحوك القتال يجتزي بالكسرة و التمرات و يركب الحمار العاري في عينيه حمرة ،
و بين كتفيه خاتم النبوّة ، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي بمن لاقى ، يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر قال كعب قد كان ذلك يا محمد ، و لو لا ان اليهود تعيّرني اني خشيت عند القتل لآمنت بك . .
« و أقام دعائمه على محبّته » جمع الدعامة عماد البيت .
____________________
و اعلموا ان فيكم رسول اللَّه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم و لكن اللَّه حبّب إليكم الايمان و زيّنه في قلوبكم و كره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان .
.
و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما الفت بين قلوبهم و لكن اللَّه الف بينهم انّه عزيز حكيم
.
« أذل الأديان بعزّته » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( بعزّه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) ، و لا يحزنك قولهم ان العزّة للَّه جميعاً هو السميع العليم
.
« و وضع الملل برفعه » استدل بقوله تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون
.
و في خبر بحير الراهب ( قال للنبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله قبل نبوّته ) أنت الذي لا تقوم الساعة حتى تدخل الملوك كلّها في دينك صاغرة قمئة .
و في خبر خالد بن أسيد عن كبير الرهبان لمّا أخبره خالد بأن معهم شابا من بني هاشم يسمّونه يتيم أبي طالب فو اللَّه لقد نخر نخرة كاد أن يغشى عليه ، ثم وثب ، و قال أوه أوه هلكت النصرانية و المسيح .
و في خبر يوسف اليهودي لمّا عرضوا النبي صلَّى اللَّه عليه و آله حين ولادته عليه ،
وقع مغشيا عليه فضحكت قريش منه فقال أتضحكون يا معشر قريش ، هذا نبي السيف ليتبرنكم و قد ذهبت النبّوة من بني اسرائيل إلى الأبد رواها ( الاكمال ) .
____________________
« و أهان أعداءه بكرامته » هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ان يخرجوا و ظنّوا انّهم مانعتهم حصونهم من اللَّه فاتاهم اللَّه من حيث لم يحتسبوا و قذف في قلوبهم الرعب يخرّبون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار
.
« و خذل محاديه بنصره » و قد اعترف محادوه بخذلان اللَّه لهم .
و في الطبري في أمر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله بضرب أعناق بني قريظة و هم ستمائة أو سبعمائة و قيل ثمانمائة أو تسعمائة حتى فرغ منهم و أتى بحي بن أخطب عدوّ اللَّه و عليه حلّة قد شققها عليه من كلّ ناحية كموضع الانملة ، لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلمّا نظر إلى النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قال أما و اللَّه ما لمت نفسي في عداوتك ، و لكن من يخذل اللَّه يخذل ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس لا بأس بأمر اللَّه كتاب اللَّه و قدره و ملحمة قد كتبت على بني اسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه فقال جبل الثعلبي :
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه
|
|
و لكنه من يخذل اللَّه يخذل
|
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها
|
|
و قلقل يبغي العز كلّ مقلقل
|
« و هدم أركان الضلالة بركنه » قال الجوهري ركن الشيء جانبه الأقوى .
« و سقى من عطش من حياضه » من الاحبار و الرهبان الذين كانوا منتظرين له و الأنصار الذين كانوا شائقين إليه .
و في ( معارف ) ابن قتيبة ، كان أبو قيس صرمة بن أبي أنس النجاري قد ترهب قبل الاسلام و فارق الأوثان ، و لبس المسوح ، و اتخذ بيته مسجدا ، لا يدخله جنب و لا طامث ، و قال : اعبد ربّ إبراهيم فلمّا قدم النبي صلَّى اللَّه عليه و آله المدينة أسلم و قال في النبي صلَّى اللَّه عليه و آله :
____________________
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة
|
|
بمكة لا يلقى صديقا مؤاتيا
|
و يعرض في أهل المواسم نفسه
|
|
فلم ير من يوفي و لم ير داعيا
|
فلمّا أتانا أظهر اللَّه دينه
|
|
و أصبح مسرورا بطيبة راضيا
|
و أصبح لا يخشى من الناس واحدا
|
|
بعيدا و لا يخشى من الناس دانيا
|
بذلنا له الأموال في كلّ ملكنا
|
|
و أنفسنا عند الوغى و التأسيا
|
و نعلم ان اللَّه لا ربّ غيره
|
|
و ان رسول اللَّه للحق رائيا
|
نعادي الذي عادى من الناس كلّهم
|
|
جميعا و ان كان الحبيب المصافيا
|
« و اتاق » أي : ملأ .
« الحياض لمواتحه » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( بمواتحه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) أي : مستقيه .
« ثم جعله لا انفصام » أي : لا انكسار .
« لعروته » من عروة الكوز .
« و لا فك لحلقته » بالتسكين من حلقة الدروع .
« و لا انهدام لأساسه » و هو القرآن و قد قال تعالى : انّا نحن نزلنا الذكر و انّا له لحافظون
.
« و لا زوال لدعائمه » أي : أعمدته .
و في ( الكافي ) ، قال عيسى بن السري لأبي عبد اللَّه عليه السّلام حدّثني عمّا بنيت عليه دعائم الاسلام إذا أخذت بها زكا عملي و لم يضرّني جهل ما جهلت بعده ،
فقال شهادة ان لا إله إلاّ اللَّه و ان محمّدا رسوله و الإقرار بما جاء به من عند اللَّه و حق في الأموال و الولاية التي أمر اللَّه بها ولاية آل محمّد عليهم السّلام فان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قال : من مات لم يعرف امامه مات ميتة جاهلية ، و أحوج ما يكون أحدكم إلى
____________________
معرفته إذا بلغت نفسه ههنا و أهوى بيده إلى صدره و قال تعالى : أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول ، و أُولي الأمر منكم .
« و لا انقلاع لشجرته » لاستحكام عروقها قال تعالى : كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أُكلها كلّ حين باذن ربّها .
.
« و لا انقطاع لمدته » لأن حلال محمّد صلَّى اللَّه عليه و آله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة لأنّه لا ناسخ له .
« و لا عفاء » أي : اندراس و انمحاء .
« لشرائعه » مشارع شاربيه .
« و لا جذّ » أي : لا كسر و لا قطع .
« لفروعه » كأصوله .
« و لا ضنك » أي : لا ضيق .
« لطرقه » قال تعالى . ما جعل عليكم في الدين من حرج .
.
« و لا وعوثة » الوعث مكان تفيث فيه الأقدام ، و يشقّ على من يمشي فيه « لسهولته » الذين يتّبعون الرسول النبي الأُمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة و الانجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحلّ لهم الطيبات و يحرّم عليهم الخبائث و يضع عنهم اصرهم و الأغلال التي كانت عليهم .
.
« و لا سواد لوضحه » أي : بياضه .
« و لا عوج لانتصابه » أي : استقامته و استدل له بقوله تعالى : قل انني
____________________
هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيّماً ملّة إبراهيم حنيفاً .
.
« و لا عصل في عوده » قال الجوهري : العصل التواء في عسيب الذنب حتى يبدو بعض باطنه الذي لا شعر عليه .
« و لا وعث لفجه » قال الجوهري الفج الطريق الواسع بين الجبلين .
« و لا انطفاء لمصابيحه » يريدون أن يطفئوا نور اللَّه بأفواههم و يأبى اللَّه إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون
يريدون ليطفئوا نور اللَّه بأفواههم و اللَّه متمّ نوره و لو كره الكافرون
.
« و لا مرارة لحلاوته » . و من كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيام أُخر يريد اللَّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر .
أحل لكم ليلة الصيام الرفث نسائكم هن لباس لكم و أنتم لباس لهن علم اللَّه انّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم .
.
ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين و ان يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً .
ثم نسخ ذلك لصعوبته فقال : الأن خفف اللَّه عنكم و علم ان فيكم ضعفاً فان يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين و ان يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين باذن اللَّه و اللَّه مع الصابرين
.
« فهو دعائم » أي : أعمدة .
____________________
« اساخ » أي : ادخل .
« في الحق أسناخها » أي : اصولها .
هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون .
« و ثبت لها اسسها » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « آساسها » على وزن ( اسناخها ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) و ان كان كلّ منهما جمعاً ( اسس جمع أساس ) و ( آساس ) جمع ( أس ) كما يفهم من الصحاح .
و ما امروا إلاّ ليعبدوا اللَّه مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيامة
.
« و ينابيع غزرت » بتقديم الزاي ، أي : كثرت .
« عيونها » مواضع النبع التي كالعيون .
« و مصابيح شبت نيرانها » أي : أوقدت .
« و منار » قال الجوهري : المنار علم الطريق ، و ذو المنار ملك من اليمن أول من ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع .
« اقتدى بها سفّارها » أي : مسافروها .
« و أعلام » أي : جبال قال : « إذا قطعن علما بدا علم » .
« قصد بها فجاجها » أي : الطريق بينها هينة السير لا تعب فيه .
« و مناهل » قال الجوهري تسمى المنازل التي في المفاوز ، على طرق السفر مناهل لأن فيها ماء .
« روي » من ( روى من الماء ) ، بالكسر و أما ( روى الحديث ) فبالفتح .
« بها ورّادها » و اردوها .
____________________
« جعل اللَّه فيه منتهى رضوانه » و من أحسن ديناً ممّن أسلم وجهه للَّه .
، . فله أجره عند ربه و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون
و من يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه
و من أحسن قولاً ممّن دعا إلى اللَّه و عمل صالحاً و قال انني من المسلمين .
بلى من أسلم وجهه للَّه و هو محسن فله أجره عند ربه و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون
. هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين .
و لكن إذا أكمل بالولاية فقال تعالى بعد إنزال الولاية :
اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام ديناً .
.
« و ذروة دعائمه » أي : أعلى أعمدته و الضمير في ( دعائمه ) راجع إليه تعالى كما في ( رضوانه ) و الاضافة فيه بمعنى اللام و مثله قوله .
« و سنام طاعته » و الأصل في السنام سنام الابل .
« فهو » أي : الاسلام .
« عند اللَّه وثيق الأركان » أي : محكمها . فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و اللَّه سميع عليم
.
« رفيع البنيان » الاسلام يعلو و لا يعلى عليه .
____________________
و في ( الاسد ) قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في ابن بنته زينب علي بن أبي العاص و كان مسترضعا في بني غاضرة و كان أبوه يومئذ مشركا فضمّه إليه من شاركني في بنيي فانا أحق به منه و ايما كافر شارك مسلما في شيء فالمسلم أحقّ به منه .
« مضيء النيران » أفمن شرح اللَّه صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر اللَّه أولئك في ضلال مبين
.
« عزيز السلطان » لقد نصركم اللَّه في مواطن كثيرة .
.
و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآويكم و أيّدكم بنصره .
إنّا فتحنا لكن فتحا مبينا
إذا جاء نصر اللَّه و الفتح و رأيت الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجاً
.
« مشرف المنار » أي : عاليه .
« معوز » من ( أعوزه الشيء ) إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه .
« المثار » من ( اثار الصيد ) هيجه قال :
أثار الليث في عريس غيل
|
|
له الويلات ممّا يستثير
|
« فشرّفوه و اتّبعوه و أدّوا إليه حقّه وضعوه مواضيعه » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( مواضعه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة و لا تتبعوا خطوات الشيطان انّه لكم عدو
____________________
مبين
يمنون عليك ان أسلموا قل لا تمنوا على اسلامكم بل اللَّه يمن عليكم ان هداكم للايمان ان كنتم صادقين
.
٨
الحكمة ( ٣١٠ ) قال عليه السّلام :
لاَ يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اَللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ أقول : الأصل فيه ما رواه المسعودي في ( مروجه ) مرفوعا ، و سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) مسندا قال الأول أنّ سائلا وقف على باب عليّ عليه السلام فقال للحسن عليه السّلام قل لامك تدفع إليه درهما ، فقال انما عندنا ستة دراهم للدقيق فقال عليه السّلام « لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون بما في يد اللَّه أوثق منه بما في يده » ثم أمر للسائل بالستة الدراهم كلّها فما برح عليه السّلام حتى مر به رجل يقود بعيرا ، فاشتراه منه بمائة و أربعين درهما و انسأ أجله ثمانية أيام ، فلم يحل أجله حتى مر به رجل و البعير معقول فقال بكم هذا ؟ فقال بمأتي درهم ، فقال قد أخذته ، فوزن له الثمن فدفع منه مائة و أربعين درهما للذي ابتاعه منه ،
و دخل بالستين الباقية على فاطمة عليها السّلام فسألته من أين هي فقال عليه السلام هذه تصديق لمّا جاء به أبوك صلَّى اللَّه عليه و آله من جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها
.
و روى الثاني مسندا عن أبي أراكة ، جاء سائل إلى علي عليه السّلام فقال لبعض ولده إذهب إلى أمك ، و قل لها هات ذاك الدرهم الذي عندك فمضى ثم عاد ، و قال قالت خبأناه للدقيق ، فقال إذهب و ائتني به ، فأتاه به فدفعه إلى السائل و قال :
____________________
« لا يصدق ايمان عبد حتى يكون بما في يد اللَّه أوثق منه بما في يده » فبينا هو يتحدّث إذ مر به رجل يبيع جملا ، فاشتراه منه بمائة درهم ، ثم باعه بمأتين فدفع المائة إلى ولده ، و قال له إذهب بها إلى امك و قل لها ، هذا ما وعدنا اللَّه على لسان نبيه .
« لا يصدق ايمان عبد حتى يكون بما في يد اللَّه » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط فزاد ( ابن أبي الحديد و الخطّية ) ( سبحانه ) و كذا ( ابن ميثم ) ، لكن في ( الخطّية ) ( تعالى ) .
« أوثق منه بما في يده » لكونه لازم الايمان بكونه رازقا ، و انّه لو لا حفظ اللَّه لسلب ما في يده و قيل لأبي حازم ما مالك ؟ قال ما لان الثقة بما عند اللَّه و اليأس ممّا في أيدي الناس .
و ورد عن عترته عليهم السّلام ما يقرب من كلامه عليه السّلام و علائم أخر فعن الصادق عليه السّلام « لا يجد الرجل حلاوة الايمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا . ، ثم قال حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا ، و ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ، و لا بتحريم الحلال ، بل الزهد في الدنيا الا يكون بما في يدك أوثق منه بما في يد اللَّه عز و جل .
و عن الرضا عليه السّلام لا يكون المؤمن مؤمنا ، حتى يكون فيه ثلاث خصال سنّة من ربّه ، و سنّة من نبيّه ، و سنّة من وليه ، فاما السنّة من ربه ، فكتمان سرّه ،
قال جل جلاله : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسولٍ
و أما السنّة من نبيّه صلَّى اللَّه عليه و آله فمداراة الناس قال تعالى : خذ العفو و أمر بالعُرف و اعرض عن الجاهلين
و أما السنة من وليّه ، فالصبر في
____________________
البأساء و الضراء ، يقول تعالى : . و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس اولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتّقون
.
و عنهم عليهم السّلام من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غضّ بصره لم يرتد إليه طرفه حتى يعقبه اللَّه ايمانا يجد طعمه .
٩
الحكمة ( ٤٥٨ ) و قال عليه السّلام :
عَلاَمَةُ اَلْإِيمَانِ أَنْ تُؤْثِرَ اَلصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى اَلْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَ أَلاَّ يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ وَ أَنْ تَتَّقِيَ اَللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ « الايمان » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ، « علامة الايمان » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« ان تؤثر » أي : تختار .
« الصدق حيث يضرّك في دنياك » .
« على الكذب ، حيث ينفعك » فيها كما ان علامة المريض الذي له شعور ان يؤثر الدواء المرّ على الطعام الحلو .
و كيف لا و قد قال تعالى : انما يفتري الكذِبَ الذينَ لا يؤمنون .
.
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يكون المؤمن جبانا و بخيلا و لا يكون كاذبا .
و في ( الكافي ) عن الأصبغ ، قال أمير المؤمنين عليه السّلام لا يجد عبد طعم الايمان ، حتى يترك الكذب هزله و جدّه .
____________________
و عن أبي جعفر عليه السّلام كان علي بن الحسين عليه السّلام يقول لولده اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير ، في كلّ جد و هزل ، فان الرجل ، إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير ، و قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ما زال العبد يصدق حتى يكتبه اللَّه صدّيقا ، و لا يزال العبد يكذب حتى يكتبه اللَّه كذّابا .
و عنه عليه السّلام ان الكذب هو خراب الايمان ، و ان اللَّه تعالى جعل للشرّ أقفالا ،
و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، و الكذب شرّ من الشراب .
و عنه عليه السّلام ان أوّل من يكذب الكذّاب اللَّه ثم الملكان اللذان معه ، ثم هو يعلم أنّه كاذب .
و عن الصادق عليه السّلام أن ممّا أعان اللّه به على الكذابين النسيان و قال عيسى عليه السّلام من كثر كذبه ذهب بهاؤه .
و قال عليه السّلام لأبي بصير ، ان العبد ليصدق حتى يكتب عند اللَّه من الصادقين ، و يكذب حتى يكتب عند اللَّه من الكاذبين ، فإذا صدق قال تعالى صدق و برّ ، و إذا كذب قال تعالى كذب و فجر .
و يكفي في فضل الصدق قوله تعالى : . و كونوا مع الصادقين
و قول الصادق عليه السّلام ان اللَّه تعالى ، لم يبعث نبيّاً إلاّ بصدق الحديث و اداء الامانة إلى البر و الفاجر ، و بعث عليه السّلام إلى عبد اللَّه بن أبي يعفور انظر ما بلغ به علي عليه السّلام عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله فألزمه ان عليا عليه السّلام انما بلغ ما بلغ بصدق الحديث ،
و اداء الامانة ، و قال عليه السّلام لفضيل بن يسار ان الصادق أوّل من يصدقه هو اللَّه عز و جل .
و في ( تاريخ بغداد ) ، كان لربعي بن خراش العبسي ابنان عاصيان في زمن الحجّاج ، فقيل للحجاج ان أباهما لم يكذب كذبة قط لو أرسلت إليه فسألته
____________________
عنهما ، فأرسل إليه ، أين ابناك ؟ فقال : هما في البيت ، فقال الحجاج قد عفونا عنك بصدقك .
و في ( السير ) أن الحجاج أمر بقتل أحد الأسارى من أصحاب ابن الأشعث ، فقال : لا تقتلني ، فلي عندك يد ، قال : ما هي ؟ قال : سبّك ابن الأشعث يوما ، و أنا دافعت عنك ، قال : هل لك شاهد ؟ قال : نعم فلان رجل آخر من أسارى ابن الأشعث فقال له : هل دافع عني ؟ قال : نعم ، قال : فأنت أيضا دافعت ؟
قال لا : قال لم ؟ قال : لأني كنت أبغضك و أسر بسبك فقال الحجاج عفوت عن الأول بدفاعه عني ، و عفوت عنك بصدقك في بغضي ، و ممّا يقرب من قوله عليه السّلام ( ان تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك ) قولهم ( عليك بالصدق و ان جر عليك المغارم ، و إيّاك و الكذب و ان ساق عليك المغانم ) .
هذا : و من الأكاذيب الهزلية ، ما في ( كامل المبرد ) ( قال تكاذب اعرابيان ،
فقال أحدهما خرجت مرة على فرس لي فإذا بظلمة شديدة فيممتها حتى وصلت إليها ، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى انبهتها فانجابت فقال الآخر لقد رميت ظبيا مرّة بسهم فعدل الظبي يمنة فعدل السهم يمنة خلفه ، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه ، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه ، فانحدر الظبي ، فانحدر السهم خلفه حتى أخذه .
« و ان لا يكون في حديثك فضل عن عملك » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عن علمك ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) قال تعالى : و لا تقفُ ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئُولا
.
و عن الباقر عليه السّلام ( من أفتى الناس بغير علم و لا هدى لعنته ملائكة
____________________
الرحمة و ملائكة العذاب و عليه وزر من عمل بفتياه فان قيل ان ( عن عملك ) أيضا صحيح لأنّه في معنى قوله تعالى كبُرَ مقتاً عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون
.
قلت : بل لا معنى له لأن ( عملك ) يدل على وقوع عمل منه .
« و ان تتقي اللَّه في حديث غيرك حتى لا يكون فيه غيبته و ما يسوؤه لو سمعه » .
قال تعالى : . لا يغتب بعضكم بعضاً أ يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه
.
و قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يا معشر من أسلم بلسانه ، و لم يسلم بقلبه ، لا تتبعوا عثرات المسلمين ، فانّه من يتّبع عثرات المسلمين يتّبع اللَّه عثراته ، و من تتبع اللَّه عثراته يفضحه .
و قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه ، و قال الصادق عليه السّلام من قال في مؤمن ما رأته عيناه ، و سمعته أذناه فهو من الذين قال تعالى فيهم : ان الذين يحبّون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم .
.
١٠
الحكمة ( ٣٠٩ ) و قال عليه السّلام :
اِتَّقُوا ظُنُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ اَلْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ
____________________
أقول : الأصل فيه قول النبي صلَّى اللَّه عليه و آله « اتقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللَّه » .
و روى محمد بن بابويه ، في معاني أخباره ، عن محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة ، قلت لجعفر بن محمّد عليه السّلام في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها ،
فقال ان شئت أخبرتك قبل أن تسألني و ان شئت فسل ، قلت و بأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي ؟ فقال بالتوسم و التفرس أما سمعت قول اللَّه تعالى ان في ذلك لآيات للمتوسّمين
.
و قول النبي صلَّى اللَّه عليه و آله « اتقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللَّه » فقلت له فاخبرني بمسألتي ، قال أردت أن تسألني عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لم لم يطق حمله علي عليه السّلام عند حط الأصنام من سطح الكعبة مع قوّته و شدّته ، و ما ظهر منه ،
من قلع باب خيبر ، و الرمي به إلى ورائه أربعين ذراعا و كان لا يطيق حمله أربعون رجلا ، فقلت له عن هذا أردت و اللَّه أن أسألك فاخبرني فقال : ان عليّا عليه السّلام بالنبي صلَّى اللَّه عليه و آله تشرّف و به ارتفع و به وصل إلى ان اطفأ نار الشرك ،
و أبطل كلّ معبود من دون اللَّه عز و جل و لو علاه النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لحطّ الأصنام لكان بعلي عليه السّلام مرتفعا و شريفا و لو كان ذلك كذلك لكان أفضل منه ألا ترى ان عليا عليه السّلام قال لمّا علوت ظهر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ارتفعت حتى لو شئت أن أنال السماء لنلتها أما علمت ان المصباح هو الذي يهتدى به في الظلمة و انبعاث فرعه من أصله .
و قد قال علي عليه السّلام « أنا من أحمد كالضوء من الضوء » أما علمت ان محمّدا و عليّا صلَّى اللَّه عليه و آله كانا نورين بين يدي اللَّه تعالى قبل خلق الخلق بألفي عام ،
و ان الملائكة لمّا رأت ذلك النور ، رأت له أصلا قد تشعّب منه شعاع لامع فقالت
____________________
إلهنا ، ما هذا النور ؟ فقال تعالى : هذا نور من نوري ، اصله نبوة و فرعه امامة اما النبوة فلمحمّد عبدي ، و اما الإمامة فلعلي حجّتي و وليي ، و لولاهما ما خلقت خلقي ، أما علمت ان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله رفع يد علي عليه السّلام بغدير خم حتى نظر الناس إلى بياض ابطيه ، فجعله مولى المسلمين و امامهم و قد احتمل الحسن و الحسين يوم حظيرة بني النجّار ، فلمّا قال له بعض أصحابه ناولني أحدهما قال نعم الراكبان هما و أبوهما خير منهما .
و ان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله كان يصلّي بأصحابه ، فأطال سجدة من سجداته ، فلما سلّم قيل له قد أطلت هذه السجدة ، فقال : « ان ابني ارتحلني ، فكرهت ان اعاجله حتى ينزل » .
و انما أراد بذلك رفعهم و تشريفهم فالنبي صلَّى اللَّه عليه و آله امام نبي ، و علي عليه السّلام امام ليس بنبي ، فهو غير مطيق لحمل أثقال النبّوة فقلت له زدني يا بن رسول اللَّه فقال انّك لأهل للزيادة ، ان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله حمل عليا عليه السّلام على ظهره ، يريد بذلك أنّه أبو ولده ، و امامة الائمة من صلبه ، كما حول رداءه في صلاة الاستسقاء ،
و اراد أن يعلم بذلك أصحابه أنّه تحوّل الجدب خصبا .
قلت له : زدني فقال : احتمله ليعلم قومه انّه هو الذي يخفف عن ظهر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ما عليه من الدين و العدات و الاداء عنه من بعده .
قلت له : زدني فقال : احتمله ليعلم بذلك انّه قد احتمله ، و ما حمل إلاّ لأنّه معصوم لا يحمل وزرا فتكون أفعاله عند الناس حكمة و صوابا ، و قد قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لعلي عليه السّلام : ان اللَّه تعالى حمّلني ذنوب شيعتك ثم غفرها لي و ذلك قوله تعالى ليغفر لك اللَّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر .
و لمّا أنزل تعالى :
____________________
عليكم أنفسكم .
قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله أيّها الناس عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم ، و علي نفسي و أخي ، أطيعوا عليّا ، فانّه مطهّر معصوم لا يضلّ و لا يشقى ، ثم تلا هذه الآية قل اطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما حمل و عليكم ما حملتم ، و ان تطيعوه تهتدوا و ما على الرسول إلاّ البلاغ المبين
.
ثم قال جعفر بن محمد عليه السّلام لو أخبرتك أيّها الأمير ، بما في حمل النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله عليّا عليه السّلام عند حطّ الأصنام من سطح الكعبة من المعاني التي أرادها لقلت ان جعفر بن محمد مجنون ، فحسبك من ذلك ما قد سمعت فقمت إليه و قبّلت رأسه و قلت . اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته
.
و روى خبر حمل النبي صلَّى اللَّه عليه و آله له عليه السّلام لحط الأصنام الخطيب و في خبره ،
ان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لمّا حمله و نهض به صعد عليه السّلام علي الكعبة و تنحى النبي صلَّى اللَّه عليه و آله فألقى علي عليه السّلام صنمهم و نزل
.
قلت : و يمكن أن يقال ان اصعاده بدون إنزاله للدلالة على انّه كالكعبة له العلو ، و ليس له حط و نزول أصلا .
١١
الحكمة ( ٣٣٣ ) و قال عليه السّلام في صفة المؤمن :
اَلْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وَ أَذَلُّ
____________________
شَيْءٍ نَفْساً يَكْرَهُ اَلرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ اَلسُّمْعَةَ طَوِيلٌ غَمُّهُ بَعِيدٌ هَمُّهُ كَثِيرٌ صَمْتُهُ مَشْغُولٌ وَقْتُهُ شَكُورٌ صَبُورٌ مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ سَهْلُ اَلْخَلِيقَةِ لَيِّنُ اَلْعَرِيكَةِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ اَلصَّلْدِ وَ هُوَ أَذَلُّ مِنَ اَلْعَبْدِ أقول الأصل فيه رواية مجاهد عن ابن عباس على ما في تذكرة سبط ابن الجوزي قال وصف أمير المؤمنين عليه السّلام المؤمن فقال :
« حزنه في قلبه ، و بشره في وجهه ، أوسع الناس صدرا ، و أرفعهم قدرا يكره الرفعة ، و لا يحب السمعة ، طويل غمّه ، بعيد همّه ، كثير صمته مشغول بما ينفعه ، شكور صبور ، قلبه بذكر اللَّه معمور ، سهل الخليقة لين العريكة » .
و في رواية ( الكافي ) جعله جزء خطبة همّام الآتية في ( ١٣ ) .
« المؤمن بشره في وجهه » كما كان عليه السّلام نفسه كذلك حتى عابه فاروقهم الفظ ذو الحوزة الخشناء بذلك و سمّى بشره دعابة فقال لابن عباس في الشورى كما في ( تاريخ اليعقوبي ) أترى صاحبكم لها موضعا ؟ قال له ابن عباس و انى يبعد من ذلك مع فضله و سابقته و قرابته و علمه ، فقال هو و اللَّه كما ذكرت و لو وليهم لحملهم على منهج الطريق و المحجّة الواضحة إلاّ ان فيه الدعابة في المجلس ، و استبداد الرأي ، و التبكيت للناس مع حداثة السن فقال له ابن عباس هلا استحدثتم سنة يوم الخندق قلت و في خبر آخر : انّه قال له :
هلاّ استحدثتم سنه يوم أخذ البراءة من صاحبك .
و في ( المناقب ) كان علي عليه السّلام بشره دائم ، و ثغره باسم ، غيث لمن رغب ،
و غياث لمن رهب ، مآل الآمل و ثمال الأرامل
.
و قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله لبني عبد المطلب انّكم لن تسعوا الناس بأموالكم
____________________
فالقوهم بطلاقة الوجه و حسن البشر .
« و حزنه في قلبه » كما كان عليه السّلام كذلك ففي ( مروج المسعودي ) ، استسقى علي عليه السّلام يوم الجمل ، فاتى بعسل و ماء فحسا منه حسوة و قال هذا الطائفي و هو غريب البلد فقال عبد اللَّه بن جعفر ما شغلك ما نحن فيه عن علم هذا ؟ قال انّه و اللَّه ما حلا بصدر عمك شيء قط من أمر الدنيا .
و فيه في وروده عليه السّلام البصرة قال المنذر بن الجارود لمّا قدم علي عليه السّلام البصرة ، دخل ممّا يلي الطف ، فأتى الزاوية فخرجت انظر إليه إلى أن قال : ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السّلام في أوّله راية كبيرة يقدمهم رجل كانما كسر و جبر قلت : من هؤلاء ؟ قيل : هذا علي بن أبي طالب عليه السّلام و هذان الحسن و الحسين عن يمينه و شماله ، و هذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى و هذا الذي خلفه عبد اللَّه بن جعفر و هؤلاء ولد عقيل و غيرهم من فتيان بني هاشم و هؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين و الأنصار فساروا حتى نزلوا الزاوية فصلّى أربع ركعات و عفر خديه على التراب و قد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعو : اللّهم ربّ السماوات و ما أظلّت ، و الأرضين و ما أقلّت ، و ربّ العرش العظيم ، هذه البصرة أسألك من خيرها ، و أعوذ بك من شرّها ، اللّهم انزلنا فيها خير منزل و أنت خير المنزلين ، اللّهم هؤلاء القوم ، قد خلعوا طاعتي ، و بغوا عليّ و نكثوا بيعتي ، اللّهم احقن دماء المسلمين الخ .
« أوسع شيء صدرا ، و أذلّ شيء نفسا » في ( تاريخ بغداد ) قال ابن ميمون سألت ذا النون عن الصوفي فقال : من إذا نطق ابان نطقه عن الحقائق و إن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق
.
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام كان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله جالسا في المسجد ،
____________________
فجاءت جارية لبعض الأنصار ، فأخذت بطرف ثوبه ، فقام لها النبي صلَّى اللَّه عليه و آله فلم تقل شيئا و لم يقل صلَّى اللَّه عليه و آله لها شيئا ، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات ففي الرابعة أخذت هدبة و رجعت ، فقال لها الناس فعل اللَّه بك حبست النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ثلاث مرات ، لا تقولين شيئا فما حاجتك ؟ قالت ان لنا مريضا فأرسلني أهلي لأخذ هدبة من ثوبه يستشفي بها فاستحييت أن أقول له حتى أخذتها في الرابعة .
و في الخبر مرّت امرأة بذيه على النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و هو يأكل جالسا على الحضيض فقالت يا محمّد ، انّك تأكل أكل العبد و تجلس جلوسه ، فقال لها النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و أي عبد أعبد مني .
و عن الصادق عليه السّلام أوحى اللَّه تعالى إلى موسى ، أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي ؟ قال يا رب لم ؟ قال اني قلبت عبادي ظهر البطن فلم أجد فيهم أحدا أذلّ لي نفسا منك ، انّك إذا صلّيت وضعت خدّك على التراب .
« يكره الرفعة » تلك الدار الآخرة نجعلُها للذين لا يريدون عُلوّاً في الأرضِ و لا فساداً و العاقبة للمتقين
.
و في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام ما ذئبان ضاريان في غنم ليس لها راع هذا في أوّلها و ذاك في آخرها ، أسرع فيها من حب الدنيا و الشرف في دين المؤمن .
« و يشنأ » أي : يبغض .
« السمعة » لأن عباداته خالصة لوجه اللَّه تعالى و يحبّ بقاءها على الخلوص ، و من ذكر عبادته خفية لواحد ينقص أجره من الخفاء إلى الجهر ،
فإذا ذكرها لاثنين تكون كالرياء بلا أجر .
« طويل غمّه » للنجاة من النار .
« بعيد همّه » لتحصيل الجنّة .
____________________
« كثير صمته » في ( الخبر ) ان الصمت باب من أبواب الحكمة و انّه دليل على كلّ خير ، و كان العابد من بني اسرائيل ، لا يتعبّد حتى يصمت عشر سنين .
و عن الباقر عليه السّلام انما شيعتنا الخرس ، و قال المسيح عليه السّلام لا تكثروا الكلام في غير ذكر اللَّه ، فان الذين يكثرون الكلام في غير ذكر اللَّه قلوبهم قاسية ، و لكن لا يعلمون .
و في ( الخبر ) ، ان رجلا قال للنبي صلَّى اللَّه عليه و آله أوصني ثلاث مرات في كلّ مرة يقول له : احفظ لسانك حتى قال له في الثالثة : ويحك و هل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم .
و عن الصادق عليه السّلام في حكمة آل داود ( على العاقل ان يكون عارفا بزمانه مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه ) .
« مشغول وقته » في ( الخبر ) ، للمؤمن ثلاث ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه ، و ساعة يرمّ معاشه ، و ساعة يخلي بين نفسه و لذّتها في ما يحلّ و يجمل ،
و ليس للعاقل أن يكون شاخصا ، إلاّ في ثلاث : مرمة لمعاش ، أو خطوة في معاد ، أو لذّة في غير محرّم .
« شكور » في ( الخبر ) ، كان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في سفر يسير على ناقة له إذ نزل فسجد خمس سجدات ، فقالوا له صنعت شيئا لم تصنعه ، فقال استقبلني جبرئيل فبشّرني ببشارات من اللَّه فسجدت شكرا للَّه لكلّ بشرى سجدة و كان صلَّى اللَّه عليه و آله ورد عليه أمر يسرّه قال : الحمد للَّه على هذه النعمة و إذا ورد عليه أمر يغتم به ، قال : الحمد للَّه على كلّ حال .
و عن الباقر عليه السّلام كان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله عند عايشة في ليلتها فقالت له : لم تتعب نفسك ، و قد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخر ، فقال لها ألا أكون عبدا شكورا ؟
« صبور » لكون الصبر من الايمان ، بمنزلة الرأس من الجسد .
و عن يونس بن يعقوب أمرني أبو عبد اللَّه عليه السّلام ان آتي المفضل و أعزيه باسماعيل و قال اقرىء المفضل السّلام و قال له انا قد أصبنا باسماعيل فصبرنا فاصبر كما صبرنا ، انّا أردنا أمرا و أراد اللَّه تعالى أمرا فسلمنا لأمر اللَّه تعالى .
« مغمور » استعارة عن الانغماس في الماء .
« بفكرته » لأن الفكرة ، توجب العبرة و العبرة توجب الفوز و السعادة ،
و في ( الخبر ) ، سئل الصادق عليه السّلام عمّا روى « ان تفكّر ساعة خير من قيام ليلة » كيف ؟ قال : يمر بالخربة فيقول اين ساكنوك أين بانوك ، و عنه عليه السّلام أفضل العبادة ادمان التفكّر في اللَّه و في قدرته .
و في ( الكافي ) عن علي عليه السّلام « نبّه بالتفكر قلبك ، و جاف عن الليل جنبك ،
و اتق اللَّه ربك » و كان عليه السّلام يقول التفكّر يدعو إلى البرّ .
« ضنين بخلته » بضم الخاء ، فلا يتخذ خليلا لنفسه إلاّ من وثق بديانته و أمانته و عفته ، فقالوا ( عن المرء لا تسأل و سل عن خليله ) .
« سهل الخليقة لين العريكة » أي : الطبيعة .
عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله المؤمن هيِّن ليِّن ، كالجمل الألف ان قيِّد انقاد و ان أنيخ على صخرة استناخ .
« نفسه أصلب » أي : أشدّ .
« من الصلد » أي : الحجر الصلب الايبس .
عن الباقر عليه السّلام المؤمن أصلب من الجبل ، الجبل يستقل منه ، و المؤمن لا يستقل من دينه شيء و عن الصادق عليه السّلام مر النبي صلَّى اللَّه عليه و آله بقوم يربعون حجرا ،
فقال : ما هذا ؟ قالوا : نعرف بذلك أشدّنا ، و أقوانا ، فقال صلَّى اللَّه عليه و آله : ألا أخبركم بأشدّكم ، و أقواكم قالوا : بلى ، قال : أشدّكم و أقواكم الذي إذا رضى لم يدخله
رضاه في إثم ، و لا باطل ، و إذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق ، و إذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق .
« و هو أذل من العبد » عن الصادق عليه السّلام كان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يجلس جلسة العبيد ، و يضع يده على الأرض ، و يأكل بثلاثة أصابع ، لا كالجبارين باصبعين .
و في ( العيون ) عن الرضا عليه السّلام قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله خمس لا أدعهن حتى الممات ، الأكل على الحضيض مع العبد ، و ركوبي الحمار موكفا ، و حلبي العنز بيدي ، و لبسي الصوف ، و التسليم على الصبيان ، لتكون سنّة من بعدي و لبعضهم :
تراه مكينا و هو للهو ماقت
|
|
به عن حديث القوم ما هو شاغله
|
و أزعجه علم عن الجهل كلّه
|
|
و ما عالم شيئا كمن هو جاهله
|
عبوس من الجهّال حين يراهم
|
|
فليس له منهم خدين يهازله
|
تذكر ما يلقى من العيش اجلا
|
|
فاشغله عن عاجل العيش آجله
|
١٢
الخطبة ( ١٨٤ ) و من كلام له عليه السّلام :
فَمِنَ اَلْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي اَلْقُلُوبِ وَ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ اَلْقُلُوبِ وَ اَلصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ اَلْمَوْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ اَلْبَرَاءَةِ قول المصنف :
و من كلام له عليه السّلام هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و من خطبة له عليه السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) .
« فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب » و هم الذين قال تعالى فيهم :
الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر اللَّه ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب
يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي
.
و كان النبي صلَّى اللَّه عليه و آله يقول لأمير المؤمنين عليه السّلام : « الايمان مخالط لحمك و دمك كما هو مخالط لحمي و دمي » .
« و منه ما يكون عواري » جمع العاريّة بالتشديد ، قال الجوهري كانها منسوبة إلى العار ، لأن طلبها عار و عيب و ينشد ، « انما أنفسنا عاريّة ،
و العواري قصاران ترد » .
« بين القلوب و الصدور » في ( الكافي ) قال عيسى شلقان : كنت قاعدا فمرّ أبو الحسن موسى عليه السّلام و معه بهيمة فقلت يا غلام ، ما ترى ما يصنع أبوك ؟
يأمرنا بالشيء ثم ينهانا عنه ، أمرنا أن نتولّى أبا الخطاب ، ثم أمرنا أن نلعنه ،
و نتبرأ منه ، فقال عليه السّلام و هو غلام ، ان اللَّه خلق خلقا للايمان ، لا زوال له ، و خلق خلقا بين ذلك أعارهم الايمان يسمّون المعارين ، إذا شاء سلبهم ، و كان أبو الخطاب ممّن أعير الايمان ، فدخلت على أبيه عليه السّلام فأخبرته بما قلت له و ما قال لي فقال انّه نبعة نبوة » هذا و قال ابن ميثم ابن ابي الحديد في نسخة الرضي بخطه ، و نسخ كثيرة انما ذكر قسمان مستقرا في القلوب و عواري بين القلوب و الصدور ، و لكن نقل ابن أبي الحديد في النسخة التي شرح عليها الكتاب ثلاثة فزاد بينهما ، « و منه ما يكون عواري في القلوب » و قال في شرح الثلاثة الأول : ايمان عن برهان ، و الثاني ايمان عن جدل ، و الثالث ايمان عن تقليد .
____________________
قلت : حيث انّه تفرّد به و لم يوافقه عليه حتى الكيدري كما في تقديم خطبة همّام و خطب أخرى يعلم ان الثاني كان حاشية اجتهادية من بعض المحشين خلطت بالمتن في نسخة ابن أبي الحديد مع ان القول بكون ما في القلب عارية ركيك .
و بعد كون الايمان ثابتا و عارية .
« فإذا كانت لكم براءة من أحد ، فقفوه ، حتى يحضره الموت فعند ذلك » أي :
حضور الموت .
« يقع حد البراءة » منه و يعلم كون ايمانه غير مستقر .
في ( الكافي ) عن إسحاق بن عمّار ، قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام ان اللَّه تعالى جبل النبيين على نبوّتهم ، فلا يرتدُّون أبدا ، و جبل الأوصياء على وصاياهم ، فلا يرتدُّون أبدا ، و جبل بعض المؤمنين على الايمان فلا يرتدّون أبدا و منهم من أعير الايمان عاريّة فإذا هو دعا و ألح في الدعاء مات على الايمان .
و ممّا يشهد لوجوب الوقف في البراءة إلى موته ان كثيرا من السعداء يمشون في طريق الأشقياء و بالعكس ثم يرجع كلّ منهما إلى أصله .
١٣
الخطبة ( ١٨٨ ) و من خطبة له عليه السّلام يصف فيها المتّقين :
رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ع يُقَالُ لَهُ ؟ هَمَّامٌ ؟ كَانَ رَجُلاً عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ صِفْ لِيَ اَلْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ ع عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ يَا ؟ هَمَّامُ ؟ اِتَّقِ اَللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ إِنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ١ ٩ ١٦ : ١٢٨
فَلَمْ يَقْنَعْ ؟ هَمَّامٌ ؟ بِهَذَا اَلْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى ؟ اَلنَّبِيِّ ص ؟ ثُمَّ قَالَ ع أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ اَلْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَ لاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ اَلدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ اَلْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ اَلصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ اَلاِقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ اَلتَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى اَلْعِلْمِ اَلنَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي اَلْبَلاَءِ كَالَّذِي نُزِّلَتْ فِي اَلرَّخَاءِ وَ لَوْ لاَ اَلْأَجَلُ اَلَّذِي كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى اَلثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ اَلْعِقَابِ عَظُمَ اَلْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ اَلْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ اَلنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اَللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ ؟ اَلْقُرْآنِ ؟ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى
اَللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا اَلنَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ اَلْخَوْفُ بَرْيَ اَلْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ اَلنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ اَلْقَلِيلَ وَ لاَ يَسْتَكْثِرُونَ اَلْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اَللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اِجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اِغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلاً فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلاَلٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ اَلْأَعْمَالَ اَلصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ اَلشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ اَلذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ اَلْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ اَلْفَضْلِ وَ اَلرَّحْمَةِ إِنِ اِسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا يَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لاَ يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لاَ يَبْقَى يَمْزُجُ اَلْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ اَلْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلاً زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ اَلْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ اَلشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي اَلْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي اَلذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي اَلذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ اَلْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ
لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلاً خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي اَلزَّلاَزِلِ وَقُورٌ وَ فِي اَلْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي اَلرَّخَاءِ شَكُورٌ لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لاَ يُضِيعُ مَا اُسْتُحْفِظَ وَ لاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لاَ يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لاَ يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لاَ يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لاَ يَدْخُلُ فِي اَلْبَاطِلِ وَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ اَلْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اَللَّهُ هُوَ اَلَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ اَلنَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لاَ دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ ؟ هَمَّامٌ ؟ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ ؟ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ع ؟ أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ قَالَ أَ هَكَذَا تَصْنَعُ اَلْمَوَاعِظُ اَلْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ ع وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لاَ يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لاَ يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلاً لاَ تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ اَلشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ أقول : قد عرفت في أوّل الكتاب اختلاف نسخ النهج من هنا إلى ثماني خطب و به صرّح ( ثم ) فقال بعد هذه اختلف نسخ النهج فكثير منها يكون هذه الخطبة فيها أول المجلد الثاني منه بعد الخطبة المسمّاة بالقاصعة ، و يكون عقيب كلامه للبرج بن مسهر الطائي قوله ( و من خطبة له عليه السّلام ) ( الحمد للَّه الذي لا تدركه الشواهد ) .
و كثير من النسخ تكون هذه الخطبة ، فيها متصلة بكلامه عليه السّلام للبرج
و تتأخر تلك الخطبة ، فيكون بعد قوله ( و من كلام له عليه السّلام و هو يلي غسل رسول اللَّه ) صلَّى اللَّه عليه و آله و يتصل ذلك إلى تمام الخطبة المسمّاة بالقاصعة ثم يليه قوله ( باب المختار من كتبه عليه السّلام ) و عليه جماعة من الشارحين كالامام قطب الدين أبي الحسن الكيدري ، و الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد ، و وافقتهم في هذا الترتيب لغلبة الظن باعتمادهم على النسخ الصحيحة .
قلت : لكن العجب منه انّه كثيرا ما يقول ان نهجه بخط المصنِّف ثم يتبع نسخ غيره و المفهوم منه ان نسخته كانت كنسخنا بل المفهوم منه ، ان نسخة الراوندي أيضا كانت كنسخنا لكن قلنا في أوّل الكتاب ، وجها لاختلاف النسخ بكون المصنّف كتب نسخا و لا أقل من مسودة و مبيضة .
و كيف كان فروى الخطبة ( الكافي ) في ( باب المؤمن و علاماته و صفاته ) ، و رواها سليم بن قيس في كتابه ، و ابن أبي شعبة الحلي في ( تحفه ) ،
و محمد بن بابويه في ( أماليه ) ، و ( صفات شيعته ) ، و سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) ، و ابن طلحة الشافعي في ( مطالب سؤوله )
، و الكراجكي في ( كنزه ) .
روى الأخير باسنادين عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن رجل من قومه يعني يحيى بن أم الطويل عن نوف البكالي ، قال عرضت لي الى أمير المؤمنين عليه السّلام حاجة فاستتبعت إليه جندب بن زهير ، و الربيع بن خيثم و ابن أخيه همّام بن عبادة بن حسم و كان من أصحاب البرانس .
فأقبلنا معتمدين لقاء أمير المؤمنين عليه السّلام فألقيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى و نحن معه إلى نفر متدينين قد أفاضوا في الاحدوثات تفكها ،
و بعضهم يلهى بعضا ، فلمّا أشرف لهم أمير المؤمنين عليه السّلام أسرعوا إليه قياما ،
فسلّموا و ردّ التحية ثم قال : من القوم ؟ قالوا : اناس من شيعتك ، فقال لهم : خيرا
____________________
ثم قال يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا ؟ و حلية أحبتنا أهل البيت ؟ فأمسك القوم حياء فأقبل عليه جندب و الربيع فقالا ما سمة شيعتكم ؟
و صفتهم ؟ فتثاقل عن جوابهما ، فقال : اتقيا اللَّه ، ايها الرجلان و احسنا ، إنَّ اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون
.
فقال همّام بن عبادة و كان عابدا مجتهدا أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت و فضّلكم تفضيلا ، الا انبأتنا بصفة شيعتكم .
فقال لا تقسم فسأنبئكم جميعا و أخذ بيد همّام ، فدخل المسجد و سبّح ركعتين و أوجزهما و أكملهما ، ثم جلس و أقبل علينا ، و حف القوم به ، فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلّى على النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ثم قال :
« أما بعد فان اللَّه جلّ شأنه ، و تقدّست أسماؤه ، خلق خلقه فألزمهم عبادته و كلّفهم طاعته ، و قسّم بينهم معايشهم ، و وضعهم في الدنيا بحيث وضعهم ، و وصفهم في الدين بحيث وصفهم ، و هو في ذلك غني عنهم ، لا تنفعه طاعة من أطاعه ، و لا تضرّه معصية من عصاه منهم .
لكنّه علم تعالى قصورهم ، عمّا يصلح عليه شؤونهم ، و يستقيم به داء أودهم في عاجلهم و آجلهم ، فأدبهم بأدبه في أمره و نهيه ، فأمرهم تخييرا ،
و كلّفهم يسيرا و أماز و أثابهم كثيرا سبحانه بعدل حكمه و حكمته بين الموجب من انامه إلى مرضاته و محبته و بين المبطىء عنها و المستظهر على نعمته ، منهم بمعصيته ، فذلك قوله عز و جل : أم حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون
.
____________________
ثم وضع يده على منكب همّام بن عبادة فقال : ألا من سأل من شيعة أهل البيت ، الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس و طهّرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا ،
فهم العارفون باللَّه ، العاملون بأمر اللَّه ، أهل الفضائل و الفواضل ، منطقهم الصواب : ، و ملبسهم الاقتصاد ، و مشيهم التواضع و بخعوا اللَّه بطاعته ،
و خضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضّين أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذين نزلت منهم في الرخاء رضي عن اللَّه بالقضاء فلو لا الآجال التي كتب اللَّه لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى لقاء اللَّه و الثواب ، و خوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ، و صغر ما دونه في أعينهم ، فهم و الجنة كمن رآها ، فهم على أرائكها متكئون ، و هم و النار كمن دخلها ، فهم فيها معذّبون .
قلوبهم محزونة ، و شرورهم مأمونة ، و أجسادهم نحيفة ، و حوائجهم خفيفة ، و أنفسهم عفيفة ، و معرفتهم في الإسلام عظيمة ، صبروا أياما قليلة ،
فأعقبتهم راحة طويلة و تجارة مربحة ، يسّرها لهم ربّ كريم ، اناس أكياس ارادتهم الدنيا فلم يريدوها و طلبتهم فاعجزوها .
اما الليل فصافّون أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن ، يرتلونه ترتيلا ،
يعظون أنفسهم بأمثاله و يستشفون لدائهم بدوائه تارة و تارة يفترشون جباههم و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم و يمجّدون جبّارا عظيما و يجارون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم هذا ليلهم .
و أما نهارهم فحلماء علماء ، بررة اتقياء براهم خوف بارئهم فهم أمثال القداح يحسبهم الناظر إليهم مرضى .
و ما بالقوم من مرض أو قد خولطوا و قد خالط القوم من عظمة ربهم ،
و شدّة سلطانه ، أمر عظيم طاشت له قلوبهم ، و ذهلت منه عقولهم ، فاذا
استفاقوا من ذلك بادروا إلى اللَّه تعالى بالأعمال الزاكية لا يرضون له بالقليل ،
و لا يستكثرون له الجزيل ، فهم لأنفسهم متّهمون ، و من أعمالهم مشفقون ان زكى أحدهم خاف ممّا يقولون و قال انا أعلم بنفسي من غيري و ربي أعلم بي .
اللّهم لا تؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا ممّا يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون فانّك علاّم الغيوب و ساتر العيوب .
هذا و من علامة أحدهم ان ترى له قوّة في دين و حزما في لين و ايمانا في يقين و حرصا على علم و فهما في فقه و علما في حلم و كيسا في رفق و قصدا في غنى و تجملا في فاقة و صبرا في شدّة و خشوعا في عبادة و رحمة للمجهود و اعطاء في حق و رفقا في كسب و طلبا في حلال و تعففا في طمع و طمعا في غير طبع و نشاطا في هدى و اعتصاما في شهوة و برا في استقامة لا يغيّره ما جهله و لا يدع احصاء ما عمله يستبطىء نفسه في العمل و هو من صالح عمله على وجل يصبح و شغله الذكر و يمسي وهمّه الشكر .
يبيت حذرا من سنّة الغفلة و يصبح فرحا بما أصاب من الفضل و الرحمة ان استصعبت عليه نفسه في ما تركه لم يعطها سؤلها في ما إليه تشره رغبته في ما يبقى و زهادته فيما يفنى قد قرن العمل بالعلم و العلم بالحكم يظلّ دائما نشاطه بعيدا كسله قريبا أمله قليلا زلله متوقعا أجله خاشعا قلبه ذاكرا ربّه قانعة نفسه عازبا جهله محرزا دينه ميتا داؤه كاظما غيظه .
صافيا خلقه آمنا منه جاره سهلا أمره معدوما كبره بيّنا صبره كثيرا ذكره لا يعمل شيئا من الخير رياء و ما يتركه حياء الخير منه مأمول و الشر منه مأمون ان كان بين الغافلين كتب في الذاكرين ، و ان كان مع الذاكرين لم يكتب مع الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، و يعطي من حرمه ، و يصل من قطعه .
قريب معروفه ، صادق قوله ، حسن فعله ، مقبل خيره ، مدبر شره في الزلازل ، وقور ، و في المكاره صبور ، و في الرخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، و لا يأثم في من يحب ، و لا يدّعي ما ليس له ، لا يجحد ما عليه يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه ، لا يضيع ما استحفظه و لا ينابز بالألقاب و لا يبغي على أحد و لا يغلبه الحسد و لا يضار بالجار .
و لا يشمت بالمصاب مؤد للأمانات عامل بالطاعات سريع إلى الخيرات بطيء عن المنكرات يأمر بالمعروف و يفعله ، و ينهى عن المنكر و يجتنبه ، لا يدخل في الأمور بجهل و لا يخرج من الحق بعجز .
ان صمت لم يعيه الصمت ، و ان نطق لم يعله اللفظ و ان ضحك ، لم يعل به صوته قانع بالذي قدر له لا يحج به الغيظ و لا يغلبه الهوى و لا يقهره الشح ،
يخالط الناس بعلم و يفارقهم بسلم يتكلّم ليغنم و يسأل ليفهم نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة أراح الناس من نفسه و اتعبها لاخوته ان بغى عليه صبر ليكون اللَّه تعالى هو المنتصر يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله فهو قدوة لمن خلف من طالب البر بعده أولئك عمّال اللَّه و مطايا أمره و طاعته ،
و سرج أرضه و بريته ، أولئك شيعتنا و أحبتنا و منّا و معنا » .
فصاح همّام بن عبادة صيحة وقع مغشيا عليه فحرّكوه ، فإذا هو قد فارق الدنيا فاستعبر الربيع باكيا ، و قال لأسرع ما أودت موعظتك يا أمير المؤمنين بابن أخي و لوددت اني بمكانه فقال أمير المؤمنين عليه السّلام هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ، أما و اللَّه لقد كنت أخافها عليه .
فقال له عليه السّلام قائل فما بالك أنت ؟ فقال : ويحك ان لكلّ واحد أجلا لا يعدوه و سببا لن يتجاوزه ، فلا تعد بها فإنما نفثها على لسانك الشيطان فصلّى عليه السّلام عليه عشية ذلك اليوم و شهد جنازته ، و نحن معه ، قال الراوي عن
نوف فصرت إلى الربيع بن خثيم فذكرت له ما حدثني نوف ، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تقبض ، و قال : صدق أخي لا جرم ان موعظة أمير المؤمنين عليه السّلام و كلامه ذلك بمرأى مني و مسمع و ما ذكرت من همّام بن عبادة يومئذ و أنا في رفاهية إلاّ كدرها و لا بشدة إلاّ فرّجها .
و مثله في ( مطالب مسؤول ابن طلحة الشافعي مع اختلاف يسير ،
و اختصار غير كثير .
( و تذكرة ) سبط ابن الجوزي في رواية مجاهد عن ابن عباس عنه عليه السّلام مثل المتن لكن فيه ( شوقا إلى جزيل الثواب ، و خوفا من وبيل العقاب ) و فيه أيضا « تالين أغر الكلام و أحسن النظام يحبّرونه تخبيرا ، و يرتلونه ترتيلا » .
و رواه كتاب سليم مثل ما في المتن لكن فيه بعد قوله ، ( و وضعهم من الدنيا مواضعهم ) .
« و انما أهبط آدم إليها عقوبة لمّا صنع حيث نهاه اللَّه فخالفه ، و أمره فعصاه » و فيه بعد قوله ( و أنفسهم عفيفة ) ( و معونتهم في الاسلام عظيمة ) و بعد قوله ( دواء داءهم ) « و تهيج أحزانهم بكاء على ذنوبهم ، و وجع كلوم جوانحهم » .
و بعد قوله ( حانين على أوساتهم ) « يمجدون جبّارا عظيما » و بعد قوله ( و أطراف أقدامهم ) « تجري دموعهم على خدودهم » و بعد قوله ( و قد خالط القوم أمر عظيم ) » إذا هم ذكروا عظمة اللَّه و شدّة سلطانه ، مع ما يخالطهم من ذكر الموت و أهوال القيامة ، فزع من ذلك قلوبهم ، و طاشت له حلومهم ، و ذهلت عنهم عقولهم ، و اقشعرت منها جلودهم ، و إذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى اللَّه بالأعمال الزكية » .
و بعد قوله ( و علما في حلم ) « و شفقة في نفقة ، و كيسا في رفق » و بعد قوله ( و صبرا في شدّة ) « و رحمة للمجهود ، و اعطاء في حق ، و رفقا في كسب ،
و طيبا في الحلال و نشاطا في الهدى ، و تحرجا عن الطمع ، و برّا في استقامة و اعتصاما عند شهوة لا يغره ثناء من جهله ، و لا يدع احصاء عمله ، مستبطي لنفسه في العمل » .
و بعد قوله ( مكظوما غيظه ) « صافيا خلقه ، آمنا منه جاره ، ضعيفا كبره ،
قانعا بالذي قدر له ، متينا صبره ، محكما أمره ، كثيرا ذكره لا يحدث بما ائتمن عليه الأصدقاء ، و لا يكتم شهادته الأعداء ، لا يعمل شيئا من الحق رياء ، و لا يتركه حياء » .
و فيه زيادات أخر و في آخره « فصاح همّام صيحة ثم وقع مغشيا عليه فقال عليه السّلام إلى أن قال ، ثم رفع رأسه فصعق صعقة و فارق الدنيا .
و رواها ( الأمالي ) ، و ( صفات الشيعة ) مثل سليم ، باختلاف يسير عن ابن الوليد عن الصفار عن علي بن حسان عن عمّه عبد الرحمان بن كثير الهاشمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السّلام .
و رواها ( الكافي ) عن محمد بن يحيى عن محمد بن جعفر عن محمد بن إسماعيل عن عبد اللَّه بن زاهر عن الحسن بن يحيى ، عن قثم بن أبي قتادة الحراني عن عبد اللَّه بن يونس عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قام رجل يقال له همّام :
و كان عابدا ناسكا مجتهدا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و هو يخطب ، فقال : صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه فقال : « يا همام :
المؤمن هو الكيس الفطن بشره في وجهه ، و حزنه في قلبه ، أوسع شيء صدرا ، و أذلّ شيء نفسا ، زاجر عن كلّ فان ، حاض على كلّ حسن ، لا حقود و لا حسود و لا وثّاب و لا سبّاب و لا عيّاب و لا مغتاب ، يكره الرفعة و يشنأ السمعة ،
طويل الغمّ ، بعيد الهمّ ، كثير الصمت ، و قور ذكور صبور شكور مغموم بكفره مسرور بفقره ، سهل الخليقة لين العريكة ، رصين الوفاء قليل الأذى .
لا متأفك و لا متهتك ، ان ضحك لم يخرق ، و ان غضب لم ينزق ، ضحكه تبسّم ، و استفهامه تعلّم ، و مراجعته تفهم ، كثير علمه ، عظيم حلمه ، كثير الرحمة ، لا يبخل و لا يعجل و لا يضجر و لا يبطر ، و لا يحيف في حكمه ، و لا يجوز في علمه .
نفسه أصلب من الصلد ، و مكاوحته أحلى من الشهد ، لا خشع و لا هلع ،
و لا عنف و لا صلف و لا متكلّف ، و لا متعمّق ، جميل المنازعة ، كريم المراجعة ،
عدل ان غضب ، رفيق ان طلب ، لا يتهور و لا يتهتك ، و لا يتجبّر ، خالص الود ،
وثيق العهد ، و في العقد شفيق ، وصول حليم خمول ، قليل الفضول .
راض عن اللَّه عز و جل مخالف لهواه ، لا يغلظ على من دونه ، و لا يخوض في ما لا يعنيه ، ناصر للدين ، محام عن المؤمنين ، كهف للمسلمين ، لا يخرق الثناء سمعه ، و لا ينكى الطمع قلبه ، و لا يصرف اللعب حكمه ، و لا يطلع الجاهل علمه ، قوّال عمّال ، حازم لا بفحّاش ، و لا بطيّاش ، وصول في غير عنف ، بذول في غير سرف .
لا بختّال و لا بغدّار ، لا يقتفي أثرا ، و لا يحيف بشرا ، رفيق بالخلق ، ساع في الأرض ، عون للضعيف ، غوث للملهوف ، لا يهتك سترا ، و لا يكشف سرّا ،
كثير البلوى ، قليل الشكوى ، ان رأى خيرا ذكره ، و ان عاين شرّا ستره ، يستر العيب ، و يحفظ الغيب ، و يقيل العثرة ، و يغفر الزلة .
لا يطّلع على نصح فيذره ، و لا يدع جنح حيف فيصلحه ، أمين رصين ،
تقي نقي ، زكي رضي ، يقبل العذر ، و يجمل الذكر ، و يحسن بالناس الظن ، و يتهم على الغيب نفسه ، يحب في اللَّه بفقه و علم ، و يقطع في اللَّه بحزم و عزم ، لا يخرق به فرح ، و لا يطيش به مرح .
مذكّر للعالم ، معلّم للجاهل ، لا يتوقع له بائقة ، و لا يخاف له غائلة ، كلّ
سعي أخلص عنده من سعيه ، و كلّ نفس عنده أصلح من نفسه ، عالم بعيبه ،
شاغل بغمه ، لا يثق بغير ربه ، غريب وحيد ، حزين ، يحب في اللَّه ، و يجاهد في اللَّه ليتبع رضاه ، و لا ينتقم لنفسه بنفسه ، و لا يوالي في سخط ربه .
مجالس لأهل الفقر ، مصادق لأهل الصدق ، مؤازر لأهل الحق ، عون للغريب ، أب لليتيم ، بعل للأرملة ، حفي بأهل المسكنة ، مرجو لكلّ كريهة ،
مأمول لكلّ شدّة ، هشّاش بشّاش ، لا بعبّاس و لا بجسّاس ، صليب كظّام بسام ،
دقيق النظر ، عظيم الحذر ، لا يبخل ، و ان بخل عنه صبر عقل فاستحيى .
و قنع فاستغنى ، حياؤه يعلو شهوته ، و وده يعلو حسده ، و عفوه يعلو حقده ، لا ينطق بغير صواب ، و لا يلبس إلاّ الاقتصاد ، مشيه التواضع ، خاضع لربه بطاعته ، راض عنه في كلّ حالاته ، نيّته خالصة ، أعماله ليس فيها غش ، و لا خديعة ، نظره عبرة ، و سكوته فكرة ، و كلامه حكم .
مناصحا متباذلا متواخيا ، ناصح في السر و العلانية ، لا يهجر أخاه ، و لا يغتابه ، و لا يمكر به ، و لا يأسف على ما فاته ، و لا يحزن على ما أصابه ، و لا يرجو ما لا يجوز له الرجاء ، و لا يفشل في الشدّة ، و لا يبطر في الرخاء ، يمزج العلم بالحلم ، و العقل بالصبر ، تراه بعيدا كسله ، دائما نشاطه ، قريبا أمله ، قليلا زلله ، متوقعا لأجله ، خاشعا قلبه ، ذاكرا ربّه ، قانعة نفسه ، متقيا جهله ، سهلا أمره .
حزينا لذنبه ، ميتة شهوته ، كظوما غيظه ، صافيا خلقه ، آمنا منه جاره ،
ضعيفا كبره ، قانعا بالذي قدّر له ، متينا صبره ، محكما أمره ، كثيرا ذكره ،
يخالط الناس ليعلم ، و يصمت ليسلم ، و يسأل ليفهم ، و يتّجر ليغنم .
لا ينصب للخير ليفخر به ، و لا يتكلم ليتجبر به على سواه ، نفسه منه في عناء ، و الناس منه في راحة ، أتعب نفسه لآخرته ، و أراح الناس من نفسه ، ان
بغي عليه صبر ، حتى يكون اللَّه الذي ينتصر له بعده ممّن تباعد عنه بغض و نزاهة و دنوه ممّن دنا منه لين و رحمة ، ليس تباعده تكبرا و لا عظمة ، و لا دنوه خديعة ، و لا خلابة ، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير ، فهو امام لمن بعده من أهل البر » .
فصاح همّام صيحة وقع مغشيا عليه فقال عليه السّلام : أما و اللَّه لقد كنت أخافها عليه و قال : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ان لكلّ أجلا لن يعدوه ، و سببا لا يجاوزه ، فانما نفث على لسانك شيطان .
قول المصنف : روي ان صاحبا لأمير المؤمنين عليه السّلام الصاحب هنا بمعنى المصاحب الخاص ، و قد وصفوا في كتب الرجال ( محمد بن مسلم ) بكونه صاحب الباقر عليه السّلام و ( أبان بن تغلب ) بكونه صاحب الصادق عليه السّلام و ( زكريا بن إدريس ) بكونه صاحب الكاظم عليه السّلام و ( زكريا بن آدم ) و ( ابن أبي نصر البزنطي ) بكونهما صاحبي الرضا و كلّهم من الأجلّة .
كما انّهم وصفوا في الكتب الصحابية كلثوم بن هرم ، الأنصاري الذي نزل النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في هجرته عليه بقبا أربعة أيام ثم خرج إلى أبي أيوب بصاحب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و قد يجييء بمعنى الطرف كما في قوله تعالى : . إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان اللَّه معنا فأنزل اللَّه سكينته عليه و أيّده بجنود لم تروها .
و كما في قوله تعالى : . فقال لصاحبه و هو يحاوره انا أكثر منك مالاً ، و أعزّ نفراً
إلى قال له صاحبه و هو يحاوره
____________________
أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا
.
« يقال له همّام » قد عرفت من رواية الكراجكي و كذا رواية ابن طلحة الشافعي كون همّام هذا ( همّام بن عبادة بن خيثم ) أبي أخي ( ربيع بن خيثم ) المعروف فيكون من ثور بن عبد مناة بن ادبن طابخة بن الياس بن مضر .
و قال ابن أبي الحديد « هو همّام بن شريح بن يزيد بن مرة بن عمر بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب بن الحرث بن سعد بن عمرو بن ذهل بن سيفي بن سعد العشيرة » و لم يأت لقوله بمستند و لم أدر إلى أي شيء استند .
« كان رجلا عابدا » و مؤمنا حقيقيا كما كان حارثة بن مالك الأنصاري كذلك ففي ( الكافي ) استقبله النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و قال له : كيف أنت ؟ قال مؤمن حقا عرفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي و أظمأت هو اجري و كأني أنظر إلى عرش ربي و قد وضع للحساب ، و كأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنة ، و كأني أسمع عواء أهل النار في النار ، فقال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله هذا عبد نوّر اللَّه قلبه فقال للنبي صلَّى اللَّه عليه و آله : ادع اللَّه لي أن يرزقني الشهادة فبعثه مع جعفر بن أبي طالب فقتل تسعة أو ثمانية ثم قتل و كان الشهيد العاشر .
« فقال : صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم » كان همّام عالما بأنّه عليه السّلام يقتدر على وصف الشيء بما يجعله مشاهدا و لعمري لاتى عليه السّلام فوق ما انتظر .
« فتثاقل عليه السّلام عن جوابه » لمّا يعلم من عاقبة أمره لكن عرفت ان رواية الكراجكي تضمنت انّه عليه السّلام تثاقل عن جواب جندب بن زهير و الربيع بن خيثم عمّ همّام .
« ثم قال يا همّام اتق اللَّه » في الحلية عن ابن عباس ان آخر آية نزلت في
____________________
كتاب اللَّه و اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللَّه .
.
« و احسن » هل جزاء الاحسان إلاّ الاحسان
.
اِنَّ اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون
اقتباس من آخر النحل ان اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون
.
« فلم يقنع همّام بهذا » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( بذلك ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« القول » أي : ( اتق اللَّه و احسن فان اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون ) و ليس ( القول ) في نسخة ( ابن ميثم ) و المعنى يفهم بدونه .
« حتى عزم عليه » قال الجوهري ( عزمت عليك ) أي : أقسمت عليك .
« فحمد اللَّه ، و أثنى عليه ، و صلّى على النبي صلَّى اللَّه عليه و آله » يفهم منه ، انّه ينبغي أن يؤتي قبل كل كلام طويل بحمد و تصلية .
« ثم قال » بعد الحمد و التصلية .
« أما بعد ، فان اللَّه سبحانه و تعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم » . و للَّه جنود السماوات و الأرض .
. و للَّه خزائن السماوات و الأرض .
و قال موسى ان تكفروا أنتم و من في الأرض جميعاً فان
____________________
اللَّه لغني حميد
.
« آمنا من معصيتهم » و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر انّهم لن يضرّوا اللَّه شيئاً .
.
« لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه » . إنّما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون
.
« و لا تنفعه طاعة من أطاعه » من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها .
.
و في ( الأسد ) عن أبي ذر قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله : قال جبرئيل : قال اللَّه تعالى : يا عبادي لو أن أوّلكم و آخركم ، و انسكم و جنّكم كانوا على قلب افجر رجل منكم ، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا ، و لو أن أوّلكم و آخركم و انسكم و جنّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئا .
« فقسّم بينهم معايشهم » أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا .
.
« و وضعهم من الدنيا مواضعهم » ملكا و سوقة غنيا و فقيرا . و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا
.
« فالمتقون فيها هم أهل الفضائل » يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر
____________________
و أُنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند اللَّه أتقاكم .
. انما يتقبّل اللَّه من المتقين
تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
و من يتق اللَّه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب
.
و ما اموالكم و لا اولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى إلاّ من آمن و عمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضِّعْفِ بما عملوا و هم في الغرفات آمنون
.
و في رسالة أبي جعفر عليه السّلام إلى سعد الخير المروي في ( ١٦ ) من ( روضة الكافي ) أوصيك بتقوى اللَّه فان فيها السلامة من التلف و الغنيمة في المنقلب ، ان اللَّه عز و جل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه ، و يجلي بالتقوى عنه عماه و جهله و بالتقوى نجا نوح و من معه في السفينة ، و صالح و من معه من الصاعقة و بالتقوى فاز الفائزون و نجت تلك العصب من المهالك ، و لهم اخوان على تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة ، نبذوا طغيانهم في الايراد بالشهوات ، لمّا بلغهم في الكتاب من المثلات ، حمدوا ربهم على ما رزقهم ، و هو أهل الحمد ، و ذموا أنفسهم و هم أهل الذم .
و من لم يكن من أهل التقوى فأي فضل له ، و لو كان كفرعون في السلطنة فكان يقول . أليس لي ملك مصر و هذه الأنهار تجري من تحتي .
فكان مئاله ان أخذ هو و جنوده فنبذوا في اليم و اغرقوا أو
____________________
كقارون في الثروة ( فكان أوتي من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة فكان عاقبته ان خسف به و بداره الأرض ) و أما المتقي فلو ابتلي بالدنيا بكلّ بلاء من الحبس و القتل و النهب و الأسر ، كأهل بيت النبي صلَّى اللَّه عليه و آله فله في الدنيا العزّة الإلهية في القلوب و النفوس و في العقبى الدرجات الرفيعة عند اللَّه عزّ و جلّ .
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله عجبت للمرء المسلم لا يقضي اللَّه عز و جل له قضاء ، إلاّ كان خيرا له ، ان قرض بالمقاريض ، كان خيرا له ، و ان ملك مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له .
و عن الصادق عليه السّلام ان الحرّ حرّ في جميع أحواله إن تأته نائبة صبر و ان تداكّت عليه المصائب لم تكسره و ان اسر و قهر ، و استبدل باليسر عسرا ، كما كان يوسف الصدّيق لم يضرر حريته ان استعبد و اسر و قهر ، و لم تضرره ظلمة الجبّ و وحشته ، و ما ناله ، ان منّ اللَّه عليه فجعل الجبّار العالي عبدا له بعد أن كان مالكا .
« و منطقهم الصواب » لا يتكلمون إلاّ في موضعه و عن برهان و الذين هم عن اللغو معرضون
. و إذا مرّوا باللغو مرّوا كراما
.
« و ملبسهم الاقتصاد » في ( الخصال ) عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله الاقتصاد جزء من خمسة و أربعين جزء من النبوّة وعد معه الهدى الصالح و السمت الصالح
.
و في ( الخبر ) بلي ثوب النبي صلَّى اللَّه عليه و آله فحمل إليه رجل اثنى عشر درهما ،
فقال لأمير المؤمنين عليه السّلام خذ هذه و اشتر لي بها ثوبا ، فذهب إلى السوق و فعل
____________________
و جاء به إليه ، فنظر إليه فقال غير هذا أحبّ الي أترى صاحبه يقيلنا ؟ فقال : انظر فقال له النبي صلَّى اللَّه عليه و آله : قد كره هذا يريد غيره ، فأقلنا فيه فرد عليه الدراهم ، فجاء بها إليه فمشى معه إلى السوق ليبتاع قميصا آخر فنظر إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي ، فقال لها النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ما شأنك ؟
قالت ان أهلي أعطوني أربعة دراهم ، لأشتري لهم حاجة ، فضلّت فلا أجسر ان أرجع ، فأعطاها النبي صلَّى اللَّه عليه و آله أربعة من الدراهم و قال لها : ارجعي إلى أهلك و مضى إلى السوق فاشترى قميصا بأربعة دراهم و لبسه و حمد اللَّه تعالى و رأى رجلا عريانا ، يقول : من كساني كساه اللَّه من ثياب الجنّة فخلع النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قميصه الذي اشتراه و كساه السائل ، ثم رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة الباقية قميصا آخر فلبسه ، و حمد اللَّه تعالى ، و رجع فإذا الجارية قاعدة على الطريق تبكي ، فقال لها مالك لا تأتين أهلك .
قالت : قد أبطأت و أخاف ، فقال صلَّى اللَّه عليه و آله لها : مري بين يدي و دليني على أهلك و جاء حتى وقف على باب دارهم و قال السّلام عليكم يا أهل الدار فلم يجيبوه ،
فأعاد السّلام فلم يجيبوه ، فأعاد السّلام فقالوا و عليك السّلام يا رسول اللَّه و رحمة اللَّه و بركاته فقال صلَّى اللَّه عليه و آله : ما لكم تركتم اجابتي في السّلام ، الأول و الثاني فقالوا سمعنا سلامك فأحببنا أن نستكثر منه ، فقال صلَّى اللَّه عليه و آله لهم ان هذه الجارية ابطأت عليكم فلا تؤاخذوها فقالوا هي حرّة لمشاك فقال صلَّى اللَّه عليه و آله : الحمد للَّه ما رأيت اثنى عشر درهما أعظم بركة من هذه كسى اللَّه بها عاريين و اعتق بها نسمة .
« و مشيهم التواضع » و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
.
____________________
و المشي متكبرا مبغوض عند اللّه تعالى قال تعالى : و لا تمش في الأرض مرحا انّك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا كلّ ذلك كان سَيِّئُهُ عند ربك مكروها
.
و في ( الخبر ) ارخاء الازار من الخيلاء و من أخلاق قوم لوط و عن الصادق عليه السّلام من مشى على الأرض اختيالا لعنته الأرض و من تحتها و من فوقها .
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله من لبس ثوبا فاختال فيه خسف اللَّه به من شفير جهنم و كان قرين قارون لأنّه أوّل من اختال فخسف اللَّه به و بداره الأرض و لا يجد ريح الجنّة عاقّ و لا قاطع رحم و لا مرخي الازار خيلاء .
« غضوا أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم » في ( الفقيه ) قال الصادق عليه السّلام من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمض بصره لم يرتد إليه بصره حتى يزوّجه اللَّه من الحور العين و في خبر آخر لم يرتد إليه طرفه حتى يعقبه اللَّه إيمانا يجد طعمه .
و فيه قال الصادق عليه السّلام أوّل النظرة لك و الثانية عليك و لا لك و الثالثة فيها الهلاك و في ( الخبر ) النظر سهم من سهام إبليس مسموم و استشهد له بقوله تعالى : قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم .
و يقول الصادق عليه السّلام كلّ عين باكية يوم القيامة إلا ثلاث : عين غضّت عن محارم اللَّه و عين سهرت في طاعة اللَّه و عين بكت في جوف الليل من خشية اللَّه .
« و وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم » . فبشِّر عبادِ الذين
____________________
يستمعون القول فيتبعون أحسنه أُولئك الذين هداهم اللَّه و أُولئك هم أُولوا الألبابِ
.
و في ( الكافي ) عنه عليه السّلام أيّها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به ، ألا و ان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم ، و ضمنه و سيفي لكم و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه .
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ألا و ان اللَّه يحبّ بغاة العلم و دخل النبي صلَّى اللَّه عليه و آله المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال : ما هذا ؟
قالوا : علاّمة ، فقال : و ما العلاّمة ؟ قالوا أعلم الناس بانساب العرب و وقايعها و أيام الجاهلية ، و الأشعار و العربية فقال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله ذاك علم لا يضرّ من جهله و لا ينفع من علمه انما العلم ثلاثة : آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة و ما خلاهن فهو فضل .
و عن الصادق عليه السّلام لوددت ان أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط ،
حتى يتفقهوا ، و عنه عليه السّلام ان العلماء ورثة الأنبياء و ذاك ان الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و انما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه فان فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأوّل الجاهلين .
و عن أبي جعفر عليه السّلام عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد و من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به و لا ينقص أولئك من أجورهم شيئا و من علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ، و لا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا .
____________________
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله من سلك طريقا يطلب فيه علم سلك اللَّه به طريقا إلى الجنّة و ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضى به و انّه ليستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الأرض حتى الحوت في البحر و فضل العالم على العابد كفضل القمر على النجوم ليلة البدر .
و عن السجاد عليه السّلام لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ، و لو بسفك المهج و خوض اللجج ، ان اللَّه تعالى أوحى إلى دانيال ان أمقت عبيدي إلى الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للافتداء بهم و ان أحبّ عبيدي الى التقيّ الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء ، التابع للحلماء ، القابل عن الحكماء .
و عن الصادق عليه السّلام من تعلم العلم و عمل به و علّم للَّه دعى في ملكوت السماوات عظيما ، فقيل تعلّم للَّه و عمل للَّه و علم للَّه .
و عن الكاظم عليه السّلام محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي و في مرفوع يونس قال لقمان لابنه : يا بني اختر المجالس على عينك ، فان رأيت قوما يذكرون اللَّه تعالى فاجلس معهم فان تك عالما نفعك علمك ، و ان تك جاهلا علموك و لعلّ اللَّه ان يظلّهم برحمة فيعمّك معهم و إذا رأيت قوما لا يذكرون اللَّه فلا تجلس معهم فان تك عالما لم ينفعك علمك و ان كنت جاهلا يزيدوك جهلا و لعلّ اللَّه ان يظلّهم بعقوبة فيعمّك معهم .
و عن النبي صلَّى اللَّه عليه و آله اف لرجل لا يفرغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه .
فيتعاهده و يسأل عن دينه .
« نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي » هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
( كالذي ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي ) بل و في الراوندي و الكيدري على نقل المجلسي عنهما و كذا في كثير من أسانيده ( التحف ) و ( الصفات ) و كتاب سليم و مطالب ابن طلحة و بالجملة لا ريب ان في النهج
( كالذي ) و ما في ( المصرية ) تصحيف .
ثمّ أوّل الشراح ( كالذي ) بكونه مثل قوله تعالى : . و خضتم كالذي خاضوا .
و قوله تعالى : . كمثل الذي استوقد نارا فلمّا اضاءت ما حوله ذهب اللَّه بنورهم .
و قوله تعالى : و مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق .
و قوله تعالى : و الذي جاء بالصدق و صدّق به اولئك هم المتّقون
و بيت الحماسة :
عسى الأيام أن يرجعن
|
|
يوما كالذي كانوا
|
و قول الشاعر :
و ان الذي حانت بفلج دمائهم
|
|
هم القوم كلّ القوم يا أم خالد
|
« نزلت في الرخاء » روى صفات الشيعة عن الرضا عليه السّلام قال لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال : سنّة من ربّه و سنّة من نبيّه ،
و سنّة من وليّه إلى أن قال : و أما السنّة من وليّه فالصبر على البأساء و الضراء يقول تعالى : . و الصابرين في البأساء و الضَّرّاء .
.
« و لو لا الأجل الذي كتب عليهم » و ما كان لنفس أن تموت إلاّ باذن اللَّه كتابا مؤجلا .
.
« لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب ، و خوفا من العقاب » في الطبري عن غلام لعبد الرحمن الأنصاري قال : كنت مع مولاي في
____________________
الطف فلمّا أقبل الناس إلى الحسين عليه السّلام أمر بفسطاط فضرب ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة ثم دخل فتطلى بالنورة و مولاي و برير على باب الفسطاط تحتك مناكبهما فازدحما أيّهما يطلّ على أثره فجعل برير يهازل مولاي فقال له : مولاي دعنا فو اللَّه ما هذه بساعة باطل فقال له برير و اللَّه لقد علم قومي اني ما أحببت الباطل شابا و لا كهلا و لكن و اللَّه اني لمستبشر بما نحن لاتون و اللَّه ان بيننا و بين حور الجنّة إلاّ أن تميل علينا هؤلاء باسيافهم و لوددت انّهم مالوا علينا بأسيافهم الخ .
و كان عليه السّلام يقول : انا آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ، و قد يموت الإنسان شوقا إلى زخارف الدنيا و خوفا من مخاوفه فكيف لا يموت لو كان من أهل الحقيقة شوقا إلى ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا على قلب خطر .
و في ذلك فليتنافس المتنافسون
و خوفا من عقاب لا تقوم به السماوات و الأرض و قد مات همّام لمّا حضره أجله بسبب شوقه إلى الثواب و خوفه من العقاب بسبب تذكره عليه السّلام هذا .
و عن ( در منثور ) الشيخ علي سبط الشهيد الثاني كان لي ابن في سن اثنتين و عشرين توفي و كان في غاية التقوى و العبادة و الذكاوة فرآه بعد مدّة ابن عمه في المنام و انّه جاء إلى بيتهم و دقّ الباب فخرجت إليه فرأيته راكبا فرسا حسناء فقلت له ادخل فقال : الآن بيوتكم لا تعجبني و أنا في بيوت من اللؤلؤ و الجوهر ، و لكن جئت أخبركم ان عندي كتابا عارية لرجل اسمه ملاّ أفضل فاني لم أوص به ففتح صندوقه فكان كما قال
.
____________________
« عظم الخالق في أعينهم فصغر ما دونه في أعينهم » .
قل اللّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممّن تشاء و تعزّ من تشاء و تذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شيء قدير تولج الليل في النهار و تولج النهار في الليل و تخرج الحيَّ من الميِّت و تخرج الميِّت من الحيِّ و ترزق من تشاء بغير حسابٍ
.
و اللَّه غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون
غلب أمره تعالى على أمر فرعون في ذبح أبناء بني اسرائيل لئلا يوجد موسى فربّاه بنفسه و على اخوة يوسف في يوسف فألقوه في غيابة الجبّ حتى قالوا له . تاللَّه لقد آثرك اللَّه علينا و ان كنّا لخاطئين
بعد صيرورته ملك مصر و في نمرود إبراهيم قالوا حرِّقوه و انصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني برداً و سلاماً على إبراهيم
.
ان الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضَعفَ الطالبُ و المطلوبُ
.
مثل الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً و أن أَوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون
قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربِّي و لو جئنا بمثله مدداً
.
____________________
و مرّ ملك على عارف فما قام له العارف فقال له الملك : لم ما قمت لي و أنت رعيتي و عبدي فقال له العارف بل انت عبد عبدي قال : و كيف ؟ قال : لأنك عبد هواك و أنا جعلت الهوى عبدي .
« فهم و الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذبون » كان عليه السّلام و هو سيّد المتقين يعبد اللَّه كما كان احدى صفحتي وجهه إلى الجنة و أخرى إلى النار و مر قول حارثة بن مالك للنبي صلَّى اللَّه عليه و آله كاني انظر إلى أهل الجنّة حين يتزاورون فيها و إلى أهل النار حين يتعاوون فيها .
و رواه ( ذيل الطبري ) عن الحارث بن مالك و لمّا رأى الحر تصميم ابن سعد على قتال الحسين عليه السّلام أخذ يدنو منه عليه السّلام قليلا قليلا فقال له رجل من قومه أتريد أن تحمل ؟ فسكت و أخذه مثل العرواء ، فقال له لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك ؟ قال : اني و اللَّه أخيّر نفسي بين الجنّة و النار و اللَّه لا اختار على الجنّة شيئا و لو قطعت و حرقت ثم ضرب فرسه و لحق به عليه السّلام .
هذا و كأنّه وقع تقديم و تأخير في الفقرات فالأنسب أن يكون ( فهم و الجنة إلى فيها معذبون ) بعد ( و خوفا من العقاب ) و كون ( عظم الخالق إلى في أعينهم ) الثاني بعد ( نزلت إلى في الرخاء ) .
« قلوبهم محزونة » روى الخطيب عن الحارث الغنوي قال آلى الربيع ان لا يفتر اسنانه ضاحكا حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلاّ بعد موته و آلى أخوه ربعي بعده ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النار قال الحارث فلقد أخبرني غاسله انّه لم يزل متبسما على سريره ، و نحن نغسله حتى فرغنا منه
.
____________________
و أيضا قلوبهم محزونة لمّا يرون من غلبة الباطل و مغلوبية الحق من أهل الدنيا و ظلم الظلمة و فجور الفسقة و عدم عبادة الناس لربهم قال تعالى لنبيّه صلَّى اللَّه عليه و آله لعلّك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
.
« و شرورهم مأمونة » و في ( الإرشاد ) روي ان علي بن الحسين عليهما السّلام دعا مملوكه مرتين فلم يجبه فلمّا أجابه في الثالثة قال له يا بني أما سمعت صوتي ؟ قال بلى قال فمالك لم تجبني ؟ قال أمنتك قال الحمد للَّه الذي جعل مملوكي يا منني .
« و أجسادهم نحيفة » روى ( أمالي الشيخ ) ان فاطمة بنت أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها علي بن الحسين عليه السّلام بنفسه من الدأب في العبادة أتت جابر الأنصاري فقالت له : يا صاحب رسول اللَّه ان لنا عليكم حقوقا و منها إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا ان تذكروه اللَّه و تدعوه إلى البقيا على نفسه و هذا علي بن الحسين عليه السّلام بقية أخي الحسين عليه السّلام قد انخرم أنفه و ثفنت جبهته و ركبتاه و راحتاه ادآبا منه لنفسه في العبادة .
فأتاه عليه السّلام جابر فوجده في محرابه قد انضته العبادة ، فقال له : يا ابن رسول اللَّه أما علمت ان اللَّه تعالى خلق الجنّة لكم و لمن أحبّكم و خلق النار لمن عاداكم ، و أبغضكم فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك فقال عليه السّلام له يا صاحب رسول اللَّه أما علمت ان جدّي النبي صلَّى اللَّه عليه و آله قد غفر اللَّه ما تقدّم من ذنبه و ما تأخر فلم يدع الاجتهاد بأبي هو و أمي حتى ورم قدمه و انتفخ ساقه و قيل له تفعل هذا و قد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر فقال أفلا أكون عبدا شكورا ؟
فلمّا رأى جابر لا يغني قوله قال له يا ابن رسول اللَّه البقيا على نفسك فانّك من اسرة بهم يستدفع البلاء و يستكشف اللاواء و بهم يستمطر السماء
____________________
فقال له يا جابر لا أزال على منهاج أبوي محمّد و عليّ صلَّى اللَّه عليه و آله مؤتسيا بهما حتى ألقاهما .
« و حاجاتهم خفيفة » دخل الصادق عليه السّلام حماما فقال له صاحبه نحميه لك ؟
فقال عليه السّلام لا أريد ( ان المؤمن خفيف المؤنة ) و قال أمير المؤمنين عليه السّلام لصعصعة بن صوحان انك خفيف المؤنة كثير المعونة .
« و أنفسهم عفيفة » و راودته التي هو في بيتها عن نفسِه و غلِّقتِ الأبوابَ و قالت هَيت لك قال معاذَ اللَّه انّه ربي أحسن مثواي انّه لا يفلح الظالمون
و أيضا . و لقد راودته عن نفسه فاستعصم و لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن و ليكوناً من الصاغرين قال رب السجن أحب اليَّ أحب اليَّ ممّا يدعونني إليه .
.
و عدم العفة في البطن و الفرج يوجب النار قال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله أكثر ما يلج به أمتي النار البطن و الفرج .
« صبروا أياما قليلة أعقبتهم راحة طويلة » كانوا عليهم السّلام يقولون لشيعتهم الخلّص ما بين أحدكم و الجنة الا ان يبلغ النفس ههنا أي الحلق .
و جزاهم بما صبروا جنّة و حريراً متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً و لا زمهريرا و دانيةً عليهم ظلالُها و ذُلّلت قطوفها تذليلا و يطاف عليهم بآنية من فضّة و أكوابً كانت قواريرا قواريرا من فضة قدّروها تقديرا و يسقون فيها كأساً كان مِزاجها زنجبيلا عيناً فيها تسمى سلسبيلا و يطوف عليهم ولدان مخلّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً و إذا رأيت ثم رأيت نعيماً و ملكاً كبيراً عاليهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ و استبرقٌ و حلّوا أساور من فضة و سقاهم ربّهم شراباً طهوراً ان هذا كان لكم جزاءً
____________________
و كان سعيكم مشكوراً
.
« تجارة مربحة » أي : هذه الأيام القصيرة .
« يسّرها لهم ربّهم » الدنيا مزرعة الآخرة و في الخبر تقول الملائكة كلّ ليلة من شهر رمضان لصائميه لقد جعتم قليلا و ستشبعون كثيرا .
« ارادتهم الدنيا » بتمكينهم منها .
« فلم يريدوها و اسرتهم » بشهواتها .
« ففدوا أنفسهم منها » بعدم حصول علقة لهم بها لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم .
.
و في الديوان المنسوب إليه عليه السّلام :
لقد خاب من غرته دنيا دنية
|
|
و ما هي ان غرت قرونا بطائل
|
اتتنا على زي العزيز بثينة
|
|
و زينتها في مثل تلك الشمائل
|
فقلت لها غري سواي فانني
|
|
عزوف عن الدنيا و لست بجاهل
|
فغري سواي انني غير راغب
|
|
لمّا فيك من عزّ و ملك و نائل
|
و قد قنعت نفسي بما قد رزقته
|
|
فشانك يا دنيا و أهل الغوائل
|
فاني أخاف اللَّه يوم لقائه
|
|
و أخشى عتابا دائما غير زائل
|
و كان عليه السّلام يخاطب الدنيا بقوله « الي تعرضت ؟ أم اليّ تشوّقت ؟ لا حان حينك ، غرّي غيري فعيشك قصير و خطرك يسير و أملك حقير .
و قوله عليه السّلام ( اسرتهم ففدوا أنفسهم منها ) مع ان العارفين لا يقعون في حبالتها حتى يطلقوا أنفسهم منها نظير قوله عليه السّلام ( قد طلقتك ثلاثا ) مع انّه عليه السّلام لم يتزوجها حتى يطلقها و انما قال عليه السّلام ذلك لأن البشر لمّا كان بطبعه و قواه
____________________
في مظنّة الأسر و الوقوع في حبالتها زين للناس حبّ الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسوَّمة و الأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدنيا و اللَّه عنده حسن المآب قل أؤنبئُكم بخيرٍ من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها و أزواجٌ مطهّرة و رضوانٌ من اللَّه و اللَّه بصير بالعباد الذين يقولون ربَّنا اننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا و قنا عذاب النار الصابرين و الصادقين و القانتين و المنفقين و المستغفرين بالاسحار
و دفعوا تلك المقتضيات الناسوتية بالموانع اللاهوتية فكأنهم فدوا أنفسهم منها و طلقوها .
« أما الليل فصافّون أقدامهم » عن الصادق عليه السّلام كان في ما ناجى اللَّه تعالى موسى عليه السّلام كذب من زعم انّه يحبني فإذا جنّه الليل نام عني أليس كلّ حبيب يحب خلوة حبيبه ؟ ها أنا ذا يا ابن عمران مطّلع على أحبائي فإذا جنّهم الليل مثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة يا ابن عمران هب لي من قبلك الخشوع و من بدنك الخضوع و من عينيك الدموع و ادعني تجدني قريبا .
« و قال تعالى : تتجافى جُنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً و طمعاً و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قُرَّةِ أعينٍ جزاء بما كانوا يعملون
.
« تالين لأجزاء القرآن » في ( الكافي ) عنه عليه السّلام البيت الذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللَّه تعالى فيه تكثر بركته و تحضره الملائكة و تهجره الشياطين و يضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض و ان البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر اللَّه تعالى فيه تقلّ بركته و تهجره
____________________
الملائكة و تحضره الشياطين .
و عن الصادق عليه السّلام البيت الذي يتلو المسلم فيه القرآن يتراياه أهل السماء كما يترايا أهل الأرض الكوكب الدريّ في السماء .
« يرتلونه ترتيلا » قال القمي في قوله تعالى : . و رتل القرآن ترتيلا
بيّنه تبيانا و لا تنثره نثر الرمل و لا تهذه هذّ الشعر و لكن اقرع به القلوب القاسية .
« يحزنون به أنفسهم » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ان القرآن نزل بالحزن فاقرأوه بالحزن .
« و يستثيرون » أي : يثيرون من ( أثار الأرض ) ( به ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) و سقط من ( المصرية ) .
« دواء دائهم » يا أيها الناس قد جاءَتكم موعظةٌ من ربكم و شفاءٌ لمّا في الصدور و هدىً و رحمة للمؤمنين
و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين .
.
في ( تاريخ الطبري ) عن جابر الأنصاري قال خرجنا مع النبي صلَّى اللَّه عليه و آله في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل من المسلمين إمرأة من المشركين ، فلمّا انصرف النبي صلّى اللَّه عليه و آله قافلا أتى زوجها و كان غائبا فحلف ألا ينتهي حتى يهرق في أصحاب محمّد دما فخرج يتّبع أثر النبي صلّى اللَّه عليه و آله فنزل النبي صلّى اللَّه عليه و آله منزلا فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ فانتدب رجل من المهاجرين و رجل من الأنصار فقالا نحن ، قال فكونا بفم الشعب ، و كان صلّى اللَّه عليه و آله و أصحابه قد نزلوا الشعب من
____________________
بطن الوادي ، فلمّا خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري أي الليل تحب أن اكفيكه أوّله أو آخره ؟ قال أوّله فاضطجع المهاجري و قام الأنصاري يصلّي ، و أتى زوج المرأة فلمّا رأى شخص الرجل عرف انّه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه فنزعه الأنصاري و ثبت قائما يصلّي ثم رماه بآخر فوضعه فيه فنزعه أيضا و ثبت قائما يصلّي ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه ثم ركع و سجد ثم أهب صاحبه ، فقال اجلس فقد أتيت فوثب المهاجري فلمّا رآهما الرجل عرف انّهم قد نذروا به و لمّا رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء ، قال سبحان اللَّه أفلا أهببتني أوّل ما رماك ؟ قال كنت في سورة أقرأها فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها ، فلمّا تتابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك و أيم اللَّه لو لا ان اضيع ثغرا أمرني النبي صلّى اللَّه عليه و آله بحفظه لقطع نفسي قبل أن اقطعها أو انفدها .
« فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا و تطلعت نفوسهم إليها شوقا » .
( ما ذكرت يوما لها من سمية
|
|
من الدهر إلاّ اعتاد عيني و اشل )
|
« و ظنّوا انها نصب أعينهم » برفع نصب ، و جوز بعضهم فيه النصب على الظرفية قال الفيروز آبادي ( و هذا نصب عيني ) بالضم و الفتح و الفتح لحن .
« و إذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا » أي أمالوا إليها .
« مسامع قلوبهم » و من آداب التلاوة السؤال عند آيات الوعد و الاستعاذة عند آيات الوعيد .
هذا و قال الجاحظ روى محمد بن علي عليه السّلام عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال إذا سألتم اللَّه فسلوه بباطن الكفين ، و إذا استعذتموه فاستعيذوه بظاهرهما
.
« و ظنوا ان زفير جهنم و شهيقها » قال الجوهري : الزفير أوّل صوت الحمار
____________________
و الشهيق آخره ، لأن الزفير إدخال النفس ، و الشهيق اخراجه و يقال الشهيق رد النفس ، و الزفير اخراجه .
« في أصول آذانهم » أي : أسفلها .
« فهم حانون » من ( حنيت ظهري ) .
« على أوساطهم » الكلام كناية عن الركوع فيجب فيه الانحناء بحد تصل به الكفان إلى الركبتين ، و من آدابه أن يكون بحيث لو صبّ الدهن على ظهره يبقى عليه .
« مفترشون لجباههم و أكفهم و ركبهم و أطراف أقدامهم » الكلام كناية عن السجود فيجب فيه وضع الأعضاء السبعة : الجبهة و الكفّين و الركبتين و إبهامي الرجلين على الأرض .
قال تعالى : محمّد رسول اللَّه و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من اللَّه و رضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود .
.
« يطلبون إلى اللَّه تعالى في فكاك رقابهم » و الذين يبيتون لربهم سجداً و قياماً و الذين يقولون ربنا اصرف عنّا عذاب جهنم ان عذابها كان غراماً انها ساءَت مستقراً و مقاماً
.
« و أما النهار فحلماء » عن الجهّال و عن الصادق عليه السّلام كان بالمدينة رجل بطّال يضحك الناس منه ، فقال : قد أعياني هذا الرجل يعني علي بن الحسين عليهما السّلام أن اضحكه ، فمر عليه السّلام و خلفه موليان له فجاء الرجل حتى انتزع رداءه من رقبته ثم مضى فلم يلتفت عليه السّلام إليه فاتبعوه ، و أخذوا الرداء منه
____________________
و جاؤوا به إليه عليه السّلام فقال لهم : من هذا ؟ قالوا : بطّال يضحك أهل المدينة ، فقال :
قولوا له ان للَّه يوما يخسر فيه المبطلون .
« علماء » عن ايضاح العلاّمة عن خط محمد بن معد الموسوي مسندا عن سفيان بن عيينة ان الصادق عليه السّلام دخل على المنصور و عنده رجل من ولد الزبير و قد سأله فأمر له بشيء فاستقله فاغضب المنصور ذلك فأقبل الصادق عليه السّلام على المنصور و قال لقد حدثني أبي عن أبيه علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب قال قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : من أعطى عطية طيبة بها نفسه بورك للمعطي و المعطى ، فقال المنصور : و اللَّه لقد أعطيت و أنا غير طيب النفس بها و لقد طابت بحديثك هذا ، ثم أقبل على الزبيري فقال حدثني أبي عن أبيه عن جده قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله من استقل قليل الرزق حرم كثيره ، فقال الزبيري و اللَّه لقد كان قليلا و لقد كثر عندي بحديثك هذا ، قال سفيان فلقيت الزبيري فسألته عن تلك العطية ، فقال : لقد كانت قليلة فبلغت في يدي خمسين ألف درهم ، قال سفيان مثل هؤلاء مثل الغيث حيث وقع نفع .
و في ( الأمالي ) كان أمير المؤمنين عليه السّلام كلّ بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا ، و معه الدرة على عاتقه و كان لها طرفان و كانت تسمّى السبية فيقف على سوق سوق فينادي يا معشر التجار « قدموا الاستخارة ،
و تبركوا بالسهولة ، و اقتربوا من المبتاعين ، و تزيّنوا بالحلم ، و تناهوا عن الكذب و اليمين ، و تجافوا عن الظلم ، و انصفوا المظلومين و لا تقربوا الربا ، . .
أَوْفوا المكيال و الميزان بالقسط و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثَوْا في الأرضِ مفسدين
و يطوف في جميع الأسواق فيقولها ثم يقول :
تفني اللذاذة ممّن نال صفوتها
|
|
من الحرام و يبقى الاثم و العار
|
____________________
تبقى عواقب سوء في مغبتها
|
|
لا خير في لذة من بعدها النار
|
« أبرار أتقياء » عن الباقر عليه السّلام كان علي عليه السّلام إذا صلّى الفجر لم يزل معقبا إلى ان تطلع الشمس فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء و المساكين فيعطيهم و يعلّم باقي الناس الفقه و القرآن و قالوا دخل عقيل بعده عليه السّلام على معاوية فقال له اخبرني عن عسكري و عسكر أخيك فقد وردت عليهما فقال عقيل : مررت بعسكر أخي فإذا ليل كليل النبي صلّى اللَّه عليه و آله و نهار كنهار النبي صلّى اللَّه عليه و آله ما رأيت إلاّ مصلّيا و لا سمعت إلاّ قاريا و مررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفر بالنبي صلّى اللَّه عليه و آله ليلة العقبة .
« قد براهم » من « بريت السهم » .
« الخوف برى القداح » جمع القدح بالكسر السهم قبل أن يراش و يركب عليه نصله .
في ( الكافي ) مر أمير المؤمنين عليه السّلام بمجلس فاذا هو بقوم بيض ثيابهم صافية ألوانهم كثير ضحكهم يشيرون إلى من يمر بهم ثم مر بمجلس الأوس و الخزرج فإذا قوم بليت منهم الأبدان و دقت منهم الرقاب و اصفرت منهم الألوان و قد تواضعوا فتعجب و دخل على النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال :
مررت بمجلس لآل فلان ثم وصفهم و مررت بمجلس للأوس و الخزرج فوصفهم ثم قال : و جميع مؤمنون فاخبرني بصفة المؤمن فقال :
عشرون خصلة في المؤمن فان لم تكن فيه لم يكمل ايمانه ان من أخلاق المؤمنين الحاضرون للصلاة ، و المسارعون إلى الزكاة ، و المطعمون المسكين ، و المحاسون على رأس اليتيم ، المطهرون أطهارهم ، المتزرون على أوساطهم ، الذين ان حدّثوا لم يكذبوا ، و إذا وعدوا لم يخلفوا ، و إذا ائتمنوا لم يخونوا ، و ان تكلّموا صدقوا ، رهبان بالليل ، أشداء بالنهار ، قائمون الليل ،
صائمون النهار ، لا يؤذون جارا ، و لا يتأذى بهم جار ، الذين مشيهم على الأرض هون ، و خطاهم إلى بيوت الأرامل و على أثر الجنائز .
« ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض » روى ( صفات الشيعة ) عن أبي جعفر عليه السّلام قال : شيعة علي الشاحبون الناحلون الذابلون
.
« و يقول قد خولطوا » أي : فسد عقلهم .
« و لقد خالطهم » أي : شوشهم .
« أمر عظيم » ذكر النار و الجنة و خوف اللَّه تعالى .
ابى حب لبنى ان يرى بي صحة
|
|
مدى الدهر أو يرجو حياتي آمل
|
في الحلية في الثوري عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله كان الناس يعودون داود عليه السّلام يظنون به مرضا و ما به شيء إلاّ الخوف من اللَّه و الحياء
.
و في ( الكشي ) بكى أبو ذر من خشية اللَّه حتى اشتكى عينيه فخافوا عليهما فقيل له يا أبا ذر لو دعوت اللَّه في عينيك فقال اني عنهما لمشغول و ما عناني أكثر فقيل له و ما شغلك عنهما ؟ قال العظيمتان : الجنّة و النار .
و فيه مر سلمان على الحدادين بالكوفة و إذا شاب قد صرع و الناس قد اجتمعوا حوله فقالوا له : هذا الشاب قد صرع فلو جئت فقرأت في اذنه فجاء سلمان ، فلمّا دنا منه رفع رأسه فنظر إليه فقال ليسي في شيء ممّا يقول هؤلاء لكني مررت بهؤلاء الحدادين فذكرت قوله تعالى و لهم مقامع من حديد
فاتخذه سلمان أخا فلم يزل معه حتى مرض الشاب فجاء سلمان فجلس عند رأسه في الموت فقال : يا ملك الموت ارفق بأخي فقال يا أبا عبد اللَّه : اني بكلّ
____________________
مؤمن رفيق و في دعاء عرفة لأبي عبد اللَّه الحسين عليه السّلام حاجتي التي ان أعطيتني لا يضرني ما منعتني فكاك رقبتي .
« لا يرضون من أعمالهم القليل ، و لا يستكثرون الكثير » عن الفتح قال الزهري دخلت مع علي بن الحسين عليه السّلام على عبد الملك ، فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عينيه ، فقال له : لقد بيّن عليك الاجتهاد ، و لقد سبق لك من اللَّه الحسنى و أنت بضعة من النبي صلّى اللَّه عليه و آله قريب النسب ، و كيد السبب ، و أنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك ، و ذوي عصرك و لقد أوتيت من الفضل و العلم و الدين و الورع ما لم يؤته أحد مثلك و لا قبلك ، إلاّ من مضى من سلفك ، و أقبل يثني عليه و يطريه ، فقال عليه السّلام له كلّ ما وصفته و ذكرته من فضل اللَّه سبحانه و تأييده و توفيقه ، فأين شكره على ما أنعم ؟ كان النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقف في الصلاة حتى ترم قدماه ، و يظمأ في الصيام حتى يعصب فوه ، فقيل له : ألم يغفر لك اللَّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخر ؟ فيقول : « أ فلا أكون عبدا شكورا ؟ » و اللَّه لو تقطعت أعضائي و سالت مقلتاي على صدري لن أقوم للَّه تعالى بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادّون ، و يبلغ حد نعمة منها على جميع حمد الحامدين ، لا و اللَّه لا يراني اللَّه يشغلني شيء من شكره و ذكره في ليل و لا نهار ، و لا اعلان و لا اسرار ، و اللَّه لو لا أن لأهلي عليَّ حقا ، و لساير الناس من خاصهم و عامّهم عليّ حقوقا لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع و الطاقة ، لرميت بطرفي إلى السماء ، و بقلبي إلى اللَّه ثم لم أرددهما حتى يقضي اللَّه على نفسي ، و هو خير الحاكمين و بكى عليه السّلام فبكى عبد الملك و قال شتان بين عبد طلب الآخرة و سعى لها سعيها ، و بين من طلب الدنيا لم يبال من أين جاءته و ماله في الآخرة من خلاق
.
____________________
« فهم لأنفسهم متهمون » و أصل ( متهمون ) ( موتهمون ) .
قال مثل يوسف الصديق و ما أُبرىء نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي ان ربي غَفورٌ رحيم
.
« و من أعمالهم مشفقون » أي : حذرون لتعديه بمن .
ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون و الذين هم بايت رَبهم يؤمنون و الذين هم بربهم لا يشركون و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انّهم إلى ربهم راجعون أُولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« إذا زكي أحدهم خاف ممّا يقال له ، فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري و ربي أعلم بي من نفسي » أثنى رجل على عارف ، فقال : أن عبدك هذا تقرّب الي بمقتك ، و أنا أشهدك على مقته و قال ابن أبي الحديد هذا مثل قوله عليه السّلام لمن زكّاه نفاقا « أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك » و هو كما ترى فان هذا في مقام و ذاك في مقام .
هذا و كان المقداد عند عثمان فجعل رجل يثني على عثمان و جعل المقداد يحثو في وجه الرجل التراب ، فقال عثمان للمقداد : ما تفعل ؟ فقال المقداد سمعت النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقول « احثوا في وجوه المداحين التراب » .
« اللّهم لا تؤاخذني بما يقولون و اجعلني أفضل ممّا يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون » قال : إبن أبي الحديد هذا مفرد مستقل بنفسه منقول عنه عليه السّلام انّه قال لقوم مر عليهم ، و هم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له ، و منهم الذام ، فقال :
« اللّهم لا تؤاخذني » الخ و معناه اللّهم ان كان ما ينسبه الذامون اليّ من
____________________
الأفعال الموجبة للذم حقا فلا تؤاخذني بذلك ، و أغفر لي ما لا يعلمونه من أفعالي ، و ان كان ما يقوله الحامدون حقّا فاجعلني أفضل ممّا يظنون » .
قلت : بل لا ريب انّه غير مستقل ، و انّه جزء مقول المتقين كقولهم ( أنا أعلم بنفسي من غيري و ربي أعلم بي من نفسي ) و قد عرفت من أسانيد الخطبة انّه جزؤها و قال : ابن أبي الحديد ما قال لزعمه ان الرضي لا يراعي الربط ، فقال ما قال باجتهاده ، و ان فرض انّه رأى خبرا بما قال من مروره عليه السّلام بجمع بعضهم حامد له ، و بعضهم ذام ، و قال هذا الكلام فهو لأن قول هذا الكلام من صفات جميع المتقين ، و هو امامهم لا ان المراد به هنا ما قال إلاّ ان هذا الكلام لا يناسب ان يقال إلاّ لمن زكي ، و أما لو ذم أحدهم باطلا فالمناسب له هو ما قاله السجاد عليه السّلام للمثنّى .
ففي ( الإرشاد ) ، وقف الحسن بن الحسن على علي بن الحسين عليه السّلام فاسمعه فلمّا انصرف قال لجلسائه لقد سمعتم ما قال هذا الرجل ؟ و أنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردي عليه ، فقالوا : نفعل و كنّا نحب أن تقول له و تقول فأخذ نعليه و مشى و هو يقول : . و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و اللَّه يحب المحسنين
فعلموا أنّه لا يقول له سيئا فخرج حتى أتى منزل الرجل فصرخ به ، فقالوا له هذا علي بن الحسين عليه السّلام فخرج متوثبا للشرّ و هو لا يشك انّه انما جاء مكافيا له على بعض ما كان منه فقال عليه السّلام له يا أخي كنت وقفت على آنفا و قلت فان كنت قلت ما في فاستغفر اللَّه منه ، و ان كنت قلت ما ليس في فغفر اللَّه لك فقبّل الرجل بين عينيه ، و قال بل قلت فيك ما ليس فيك و أنا أحق به .
« فمن علامة أحدهم انك ترى له قوّة في دين » أرادت قريش منع النبي صلّى اللَّه عليه و آله
____________________
عن دعوته بتزويجه أجمل بناتهم و اعطاءه أكثر أموالهم ، و جعله ملكهم ، فقال :
لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي ما أدع دعوتي كما رواه الطبري و قال الحسين عليه السّلام لو لم يبق لي ملجأ في الدنيا لا أبايع يزيد بن معاوية .
و أراد عثمان أن يكفّ أبا ذر عن أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر بإرسال مال له فلم يتيسر له ذلك كما رواه الكشي .
« و حزما في لين » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ان العلم خليل المؤمن و الحلم وزيره ، و الصبر أمير جنوده ، و الرفق أخوه ، و اللين ولده .
« و ايمانا في يقين » في ( الكافي ) صلّى النبي صلّى اللَّه عليه و آله الصبح بالناس فنظر إلى شاب مصفرا لونه قد نحف جسمه ، و غارت عينه فقال له : كيف أصبحت ؟ قال أصبحت موقنا ، فقال صلّى اللَّه عليه و آله لكلّ يقين حقيقة ، قال يقيني أحزنني ، و أسحر ليلي ،
و أظمأ هواجري فقال صلّى اللَّه عليه و آله هذا عبد نوّر اللَّه قلبه بالايمان .
« و حرصا في علم » قال تعالى لنبيّه صلّى اللَّه عليه و آله . و قل رب زدني علما
و كما لا يشبع طالب الدنيا منها كذلك لا يشبع طالب العلم منه ، و قال تعالى :
يرفع اللَّه الذين آمنوا مِنْكُمْ و الذين اوتوا العلم درجات .
، . هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون انما يتذكر أولوا الألباب
.
« و قصدا في غنى » في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله من الثلاث المنجيات :
القصد في الغنى و عنه عليه السّلام القصد مثراة و السرف متواة .
و عن الصادق عليه السّلام لو أن رجلا انفق ما في يديه في سبيل من سبل اللَّه ما
____________________
كان أحسن ، و لا وفق ، أليس يقول تعالى : . و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و احسنوا ان اللَّه يحبّ المحسنين
يعني المقتصدين .
و عنه عليه السّلام في قوله تعالى : . و آتوا حقّه يومَ حصاده ، و لا تسرفوا انّه لا يحب المسرفين
كان لرجل أنصاري حرث و كان اخذا أخذه يتصدّق به و يبقى هو و عياله بغير شيء ، فجعل تعالى ذلك سرفا .
و عنه عليه السّلام ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلاّ أعطاه ،
فأرسلت إليه امرأة أبنا لها و قالت له انطلق إليه و أسأله فان قال لك ليس عندنا شيء ، فقل اعطني قميصك ، ففعل فرمى النبي صلّى اللَّه عليه و آله بقميصه إليه فأدبه اللَّه عز و جل على القصد فقال : و لا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك و لا تبسطها كلَّ البسطِ فتقعدَ ملوماً محسوراً
.
و عنه عليه السّلام أربعة لا يستجاب لهم ، أحدهم رجل كان له مال فأفسده فيقول يا رب ارزقني فيقول عز و جل ألم آمرك بالاقتصاد .
« و خشوعا في عبادة » في ( الكافي ) : كان علي بن الحسين عليه السّلام إذا قام في الصلاة تغيّر لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفضّ عرقا و كان كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه شيء إلاّ ما حرّكت الريح منه .
و عن أبي جعفر عليه السّلام إذا قمت في الصلاة فعليك بالاقبال على صلاتك فانما يحسب لك منها ما أقبلت عليه .
« و تجمّلا في فاقة » و لا يبعد كون هذا بعد ( و قصدا في غنى ) فاخر و كيف كان ففي الأسد طوى مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري ثلاثا و لم يسأل
____________________
أحدا شيئا فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله من أراد أن ينظر إلى العفيف المسألة فلينظر إلى مالك و في المجمع في قوله تعالى : للفقراء الذين احصروا في سبيل اللَّه لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا .
قال أبو جعفر عليه السّلام نزل في أصحاب الصفة و كذلك رواه الكلبي عن ابن عباس و هم نحو من أربعمأة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة و لا عشائر يأوون إليهم فجعلوا أنفسهم في المسجد و قالوا نخرج في كلّ سرية يبعثها النبي صلّى اللَّه عليه و آله فحث اللَّه الناس عليهم ، فكان الرجل إذا أكل و عنده فضل أتاهم به إذا أمسى
.
« و صبرا في شدّة » . و الصابرين في البأساء و الضرّاء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتّقون
.
« و طلبا من حلال » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام لا خير في من لا يحب جمع المال من حلال يكفّ به وجهه و يقضي به دينه و يصل به رحمه .
و عنه عليه السّلام أوحى اللَّه تعالى إلى داود عليه السّلام انك نعم العبد لو لا انك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا فبكى أربعين صباحا فأوحى اللَّه تعالى إلى الحديد ان لن لعبدي فلان له فكان يعمل كلّ يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمائة و ستين درعا فباعها بثلاثمائة و ستين ألفا و استغنى من بيت المال .
و عن اسباط بن سالم قال سألني أبو عبد اللَّه عليه السّلام عن عمر بن مسلم فقلت صالح و لكنه ترك التجارة .
____________________
فقال عليه السّلام عمل الشيطان ثلاثا أما علم ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله اشترى عيرا أتت من الشام فاستفضل فيها ما قضى دينه و قسّم في قرابته يقول عز و جل :
رجال لا تلهيهم تجارةٌ و لا بيعٌ عن ذكر اللَّه و إِقامِ الصلاة و إِيتاءِ الزكاة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوبُ و الأبصارُ ليجزيَهُم اللَّهُ أحسنَ ما عملوا و يزيدَهم من فضله .
يقول القصّاص ان القوم لم يكونوا يتّجرون كذبوا و لكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها و هو أفضل ممّن حضر الصلاة و لم يتّجر .
و عن محمد بن عذافر أعطى أبو عبد اللَّه عليه السّلام أبي الفا و سبعمائة دينار فقال له اتّجر لي بها ثم قال اما انّه ليس له رغبة في ربحها و ان كان الربح مرغوبا فيه و لكني أحببت ان يراني اللَّه تعالى معترضا لفوائده فربحت له فيه مائة دينار ثم لقيته فأخبرته ففرح فرحا شديدا ثم قال اثبتها في رأس مالك .
و عن أبي بصير ، سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول اني لأعمل في بعض ضياعي حتى أعرق و ان لي من يكفيني ليعلم اللَّه عز و جل اني أطلب الرزق الحلال .
و عنه عليه السّلام : ان أمير المؤمنين عليه السّلام اعتق ألف مملوك من كديده عليه السّلام .
و عنه عليه السّلام ان محمد بن المنكدر كان يقول ما كنت أرى ان علي بن الحسين عليه السّلام يدع خلفا أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن علي فاردت أن أعظه فوعظني كنت خرجت في ساعة حارة إلى بعض نواحي المدينة فلقيته و كان رجلا بادنا ثقيلا و هو متّكىء على غلامين أسودين أو موليين فقلت في نفسي سبحان اللَّه شيخ من قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أما لأعظنه فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ علي بنهر و هو يتصابّ عرقا
____________________
فقلت شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أرأيت لو جاءك أجلك و أنت على هذه الحال ما كنت تصنع ؟ فقال :
لو جاءني الموت و أنا على هذه الحال جاءني و أنا في طاعة من طاعة اللَّه أكفّ بها نفسي و عيالي عنك و عن الناس و انما كنت أخاف ان لو جاءني الموت و أنا على معصية من معاصي اللَّه عز و جل فقلت : صدقت يرحمك اللَّه أردت أن أعظك فوعظتني .
و عن علي بن أبي حمزة قال : رأيت أبا الحسن عليه السّلام يعمل في أرض له ، قد استنقعت قدماه في العرق ، فقلت : جعلت فداك أين الرجال ؟ فقال : قد عمل باليد في أرضه من هو خير مني و من أبي ؟
فقلت : و من هو فقال : النبي و أمير المؤمنين و آبائي عليهم السّلام كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم ، و هو من عمل النبيين و المرسلين و الأوصياء و الصالحين .
و عن أبي جعفر عليه السّلام من طلب الدنيا استغناء عن الناس و سعيا على أهله و تعطفا على جاره لقي اللَّه تعالى يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر .
و عن خالد بن نجيح ، قال قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : اقرئوا من لقيتم من أصحابكم السّلام ، و قولوا لهم : ان فلان بن فلان يقرئكم السّلام ، و يقول لكم عليكم بتقوى اللَّه و ما ينال به ما عند اللَّه اني و اللَّه ما آمركم إلاّ بما نأمر به أنفسنا فعليكم بالجد و الاجتهاد و إذا صليتم الصبح فانصرفتم فبكروا في طلب الرزق و اطلبوا الحلال فان اللَّه عز و جل سيرزقكم و يعينكم عليه .
و عن أبي جعفر عليه السّلام قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال و في الخبر طلب العلاء بن كامل و كليب الصيداوي من أبي عبد اللَّه عليه السّلام ان يدعو لهما للرزق فقال عليه السّلام لا أدعو لكما اطلبا كما أمركما اللَّه تعالى و قال عليه السّلام من قعد في بيته و قال لأصلِّينَّ و أصومنّ و أعبد ربي فاما
رزقي فسيأتيني ، فهو أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم .
« و نشاطا في هدى » لا كالمنافقين الذين قال تعالى فيهم . و إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى .
.
هذا و في الصحاح « و الناشطات نشطا » يعني النجوم تنشط من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد و النشيطة ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل البلوغ إلى الموضع الذي قصدوه ، و الانشوطة عقد يسهل انحلالها مثل عقدة التكة .
« و تحرجا عن طمع » لادائه إلى الطبع .
و في ( الكافي ) عن أبي جعفر عليه السّلام بئس العبد عبد له طمع يقوده .
و عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ما أقبح بالمؤمن ان تكون له رغبة تذلّه .
« يعمل الأعمال الصالحة و هو على و جل » أي : خوف ، قال الجوهري المستقبل من ( و جل ) يوجل و يأجل و ييجل و يبجل بكسر الياء و كذلك في ما أشبهه من المثال .
و الأصل في كلامه عليه السّلام قوله تعالى : و الذين يُؤتونَ ما آتوا و قلوبهم وجلة انهم إلى ربِّهم راجعون
.
« يمسي و همّه الشكر » في الكشاف كان نوح إذا أكل قال الحمد للَّه الذي أطعمني و لو شاء أجاعني ، و إذا احتذا قال الحمد للَّه الذي حذاني و لو شاء أحفاني ، و إذا قضى حاجته قال الحمد للَّه الذي أخرج عني أذاه في عافية ، و لو شاء حبسه قال تعالى فيه : . انه كانَ عبداً شكوراً
.
____________________
« و يصبح و همّه الذكر » عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقول اللَّه تعالى يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة و بعد العصر ساعة أكفك ما أهمك .
« يبيت حذرا » و عنه عليه السّلام ان المؤمن لا يصبح إلاّ خائفا ، و ان كان محسنا ،
و لا يمسي إلاّ خائفا و ان كان محسنا لأنّه بين أمرين وقت قد مضى لا يدري ما اللَّه صانع به ، و بين أجل قد اقترب لا يدري ما يصيبه من الهلكات الخبر و لنعم ما قيل بالفارسية :
رس كشته از بسكه شب راندهاند
|
|
سحرگه خروشان كه وا ماندهاند
|
« و يصبح فرحا » و يقول الحمد للَّه الذي رد علي روحي أحمده و أعبده .
« حذرا لمّا حذر من الغفلة » بيان لقوله ( يبيت حذرا ) و اشارة إلى قوله تعالى : أ فأَمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً و هم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً و هم يلعبون أفامنوا مكر اللَّه فلا يأمن مكر اللَّه إلاّ القوم الخاسرون
.
« و فرحا بما أصاب من الفضل و الرحمة » استدل له بقوله تعالى : قل ان الفضل بيد اللَّه يؤتيه من يشاء و اللَّه واسع عليم يختص برحمته من يشاء و اللَّه ذو الفضل العظيم
.
« و ان استصعبت عليه نفسه في ما يكره لم يعطها سؤلها في ما تحب » في تاج الجاحظ كان اردشير قد وكل غلامين ذكيين لا يفارقان مجلسه بحفظ الفاظه عند الشرب و المنادمة ، أحدهما يملي و الآخر يكتب حرفا حرفا و هذا انما يفعلانه إذا غلب على الملك السكر فإذا أصبح و رفع عن وجهه الحجاب قرأ عليه الكاتب كلّ ما لفظ به في مجلسه إلى أن نام فإذا قرىء عليه ما أمر به الزامر
____________________
و مخالفة الزامر أمره دعا بالزامر فخلع عليه و جزاه الخير و قال أصبت في ما فعلت و اخطأ الملك في ما أمرك به فهذا ثواب صوابك و كذلك العقوبة لمن أخطأ و عقوبتي ان لا نزمزم اليوم إلاّ على خبز الشعير و الجبن فلم يطعم في يومه ذلك غيرهما .
« قرّة عينه في ما لا يزول » كان النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقول : قرّة عيني في الصلاة .
« و زهادته في ما لا يبقى » زيِّن للناس حبّ الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسوّمة و الأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدنيا .
و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً و خير أملاً
.
« يمزج الحلم بالعلم » في ( الكافي ) عن الرضا عليه السّلام لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما » .
و عن الصادق عليه السّلام إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما قلت و قلت و أنت أهل لمّا قلت و ستجزي بما قلت و يقولان للحليم منهما صبرت و حلمت و سيغفر اللَّه لك ان أتممت فان رد الحليم ارتفع الملكان .
و عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله ما جمع شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم .
« و القول بالعمل » قالوا لئلا يدخل في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون
.
و ما ورد في تفسير قوله تعالى : فكبكبوا فيها هم و الغاون
ان
____________________
الغاوين قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره و قال ابن أبي الحديد هو كقول الأحوص .
و أراك تفعل ما تقول و بعضهم
|
|
مذق اللسان يقول ما لا يفعل
|
« تراه قريبا أمله » قالوا لأن بعد الأمل من نسيان الآخرة ، و هو متذكرها أبدا .
« قليلا زلله » . و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش إلاّ اللمم .
.
« خاشعا قلبه » اللَّه نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر اللَّه .
.
« قانعة نفسه » في ( الكافي ) عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : و قور عند الهزاهز ، صبور عند البلاء ، شكور عند الرخاء ،
قانع بما رزقه اللَّه ، لا يظلم الاعداء ، و لا يتحامل للأصدقاء ، بدنه منه في تعب ،
و الناس منه في راحة .
« منزورا » أي : قليلا .
« أكله » في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله المؤمن يأكل في معاء واحد و المنافق في سبعة أمعاء .
و عنه صلّى اللَّه عليه و آله أطولكم جشاء في الدنيا أطولكم جوعا في الآخرة ، و في ( الاسد ) أكل أبو جحيفة ثريدة بلحم فأتى النبي صلّى اللَّه عليه و آله و هو يتجشأ فقال صلّى اللَّه عليه و آله :
اكفف جشاءك أبا جحيفة فان أكثرهم شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة قال فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا كان إذا تعشى لا
____________________
يتغدّى و إذا تغدى لا يتعشى .
و عن الصادق الأكل على الشبع يورث البرص .
و عنه عليه السّلام كلّ داء من التخمة ما خلا الحمّى فانها ترد ورودا و قال عليه السّلام ثلث البطن للطعام ، و ثلث للشراب ، و ثلث للنفس ، و لا تسمنوا تسمن الخنازير للذبح .
و عنه عليه السّلام أقرب ما يكون العبد من اللَّه تعالى إذا خف بطنه و أبغض ما يكون العبد إذا امتلأ بطنه .
و عنه عليه السّلام علامات المؤمن أربع نومه كنوم الغرقى و أكله كأكل المرضى و بكاؤه كبكاء الثكلى و قعوده كقعود المواثب و قال ابن أبي الحديد قال أعشى باهلة :
تكفيه فلذة لحم ان ألم بها
|
|
من الشواء و يكفي شربه الغمر
|
و قال متمم بن نوير :
لقد كفن المنهال تحت ردائه
|
|
فتى غير مبطان العشيات أروعا
|
« سهلا أمره » في ( الكافي ) أتى حارث بن الأعور أمير المؤمنين عليه السّلام و قال له : أحب أن تكرّمني بأن تأكل عندي فقال عليه السّلام له على أن لا تتكلّف لي شيئا و دخل فأتاه الحارث بكسر فجعل عليه السّلام يأكل فقال الحارث ان معي دراهم و أظهرها في كميه فان أذنت اشتريت شيئا ، فقال عليه السّلام هذه ممّا في بيتك و رواه الكشي و فيه قال عليه السّلام : على شرط ألا تدخرني شيئا ممّا في بيتك ، و لا تكلّف لي شيئا ممّا وراء بابك ، قال نعم فدخل يتحرّف و يحب أن يشتري له و هو يظن انّه لا يجوز له إلى أن قال قال : فهذه ممّا في بيتك
.
« حريزا » أي : حصينا .
____________________
« دينه » في ( الخبر ) المؤمن دينه أشدّ من الجبال الراسية و ذلك لضنته بدينه و شحه عليه .
« ميتة شهوته » و الذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون
.
و في ( الخبر ) أكثر ما يدخل به أمتي النار الأجوفان : البطن و الفرج .
« مكظوما غيظه » و سارعوا إلى مغفرة من ربكم ، و جنّة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و اللَّه يحبّ المحسنين
.
و عن السجاد عليه السّلام ما أحب ان لي بذل حمر النعم ، و ما تجرعت من جرعة أحب اليّ من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها .
« و الخير منه مأمول » في ( المناقب ) كان علي بن الحسين عليه السّلام إذا جنّه الليل و هدأت العيون قام إلى منزله فجمع ما بقي فيه من قوت أهله ، و جعله في جراب و رمى به في عاتقه و خرج إلى دور الفقراء ، و هو متلثم و يفرّق عليهم و كثيرا ما كانوا قياما على أبوابهم ينتظرونه فإذا رأوه تباشروا به و قالوا جاء صاحب الجراب و كان عليه السّلام يتصدّق بالكسر و اللوز فسئل عن ذلك فقرأ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممّا تحبون .
.
و عن ( الكافي ) احتضر عبد اللَّه بن عباس فاجتمع غرماؤه فطالبوه بدين لهم ، فقال لا مال عندي أعطيكم و لكن ارضوا بمن شئتم من ابني عمي علي بن
____________________
الحسين عليه السّلام و عبد اللّه بن جعفر فقال الغرماء عبد اللَّه بن جعفر متمول و علي بن الحسين عليه السّلام رجل لا مال له صدوق فهو أحبّ إلينا فارسل إليه فأخبره الخبر فقال عليه السّلام أضمن لكم المال إلى غلة و لم يكن له غلة فقال القوم قد رضينا و ضمنه فلمّا أتت الغلة أتاح اللَّه له المال فأوفاه .
« و الشر منه مأمون » في ( صفات الشيعة ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله سمّي المؤمن مؤمنا لائتمان الناس إيّاه على أنفسهم و أموالهم ألا أنبئكم من المسلم ، المسلم من سلم الناس من يده و لسانه ألا أنبئكم من المهاجر ؟ المهاجر من هجر السيئات و ما حرّم اللَّه تعالى
.
و في ( الخصال ) عنه صلّى اللَّه عليه و آله ما عبد اللَّه بشيء أفضل من العقل و لا يكون المؤمن عاقلا حتى تجتمع فيه عشر خصال ، الخير منه مأمول ، و الشرّ منه مأمون ، يستكثر قليل الخير من غيره ، و يستقل كثير الخير من نفسه ، و لا يسأم من طلب العلم طول عمره ، و لا يتبرم بطلب الحوائج قبله ، و الذلّ أحبّ إليه من العزّ ، و الفقر أحب إليه من الغنى ، نصيبه من الدنيا القوت ، و لا يرى أحدا إلاّ قال هو خير مني ، فإن رأى من هو خير منه تواضع له ليلحق به ، و إذا لقى الذي شرّ منه ، قال عسى خير هذا باطن و شره ظاهر ، و عسى ان يختم له بالخير ، فاذا فعل ذلك فقد ساد أهل زمانه .
« ان كان في الغافلين كتب في الذاكرين » لأن غفلته انما كانت لسانا و أما قلبا فهو ذاكرا للَّه أبدا ، و الأصل ذكر القلب لأنّه المنتج ، و ان كان خاليا عن ذكر اللسان .
« و ان كان في الذاكرين لم يكتب في الغافلين » لعدم كون ذكره بمجرد اللسان حتى يكون غير مفيد .
____________________
« يعفو عمّن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ثلاث من مكارم الدنيا و الآخرة : تعفو عمّن ظلمك ، و تصل من قطعك ، و تحلم إذا جهل عليك .
و عن أبي جعفر عليه السّلام أتي النبي صلّى اللَّه عليه و آله باليهودية التي سمّت الشاة له فقال لها ما حملك على ما صنعت ؟ قالت : قلت ان كان نبيا لم يضره ، و ان كان ملكا أرحت الناس منه فعفا عنها .
و عن معتب كان الكاظم عليه السّلام في حايط له يصرم فنظرت إلى غلام له قد أخذ كارة من تمر ، فرمى بها وراء الحائط فأتيته فأخذته و ذهبت به إليه ، فقال له أتجوع ؟ قال لا ، قال افتعرى ؟ قال لا قال فلأي شيء أخذت هذا ؟ قال اشتهيت ذلك ، قال اذهب فهي لك و قال خلوا عنه .
« بعيدا فحشه » كناية عن عدم صدور الفحش منه .
« لينا قوله » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام حد حسن الخلق ان تلين جناحك ، و تطيب كلامك ، و تلقى أخاك ببشر حسن .
« غائبا منكره حاضرا معروفه » و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و يطيعون اللَّه و رسوله أُولئك سيرحمهم اللَّه ان اللَّه عزيزٌ حكيمٌ .
« مقبلا خيره مدبرا شره » انما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكّروا بها خروا سجّداً و سبّحوا بحمد ربهم و هم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً و طمعاً و ممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاءً بما كانوا يعملون
. و إذا مروا باللغو
____________________
مروا كراما
و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
.
« في الزلازل وقور » قال ابن أبي الحديد يقال ان علي بن الحسين عليهما السّلام كان يصلّي فوقعت عليه حية فلم يتحرّك لها ثم انسابت بين قدميه ، فما حرّك أحديهما عن مكانه و لا تغيّر لونه .
« و في المكاره صبور » و لمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللَّه و رسوله و صدق اللَّه و رسوله و ما زادهم إلاّ ايماناً و تسليماً
.
« و في الرخاء » مقابل الشدّة .
« شكور » لأن شكر المنعم واجب .
« لا يحيف » أي : لا يجور .
« على من يبغض » . و لا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى .
.
« و لا يأثم في من يحب » يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للَّه و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين ان يكن غنياً أو فقيراً فاللَّه أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا و ان تلووا أو تعرضوا فان اللَّه كان بما تعملون خبيرا
.
« يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه » في ( الأغاني ) قال دعبل بلغني ان ثابت قطنته قال هذا البيت في نفسه و خطر بباله يوما :
لا يعرف الناس منه غير قطنة
|
|
و ما سواها من الأنساب مجهول
|
____________________
و قال : هذا بيت سوف أهجي به أو معناه و أنشده جماعة من أصحابه و أهل الرواية و قال : اشهدوا اني قائله فقالوا له ويحك ما أردت ان تهجو نفسك به ؟ و لو بالغ عدوك ما زاد على هذا ؟ فقال : لابد من أن يقع على خاطر غيري فأكون قد سبقته إليه فقالوا له : أما هذا فشر قد تعجلته و لعلّه لا يقع لغيرك فلمّا هجاه به حاجب الفيل استشهدهم على انّه هو قائله فشهدوا على ذلك فقال يرد على حاجب الفيل .
هيهات ذلك بيت قد سبقت له
|
|
فاطلب له ثانيا يا حاجب الفيل
|
« لا يضيع ما استحفظ » قيل أي : لا يضيع ما أودع عنده من الأموال بالتفريط و الخيانة ، و من الأسرار بالافشاء و الاذاعة و يحتمل شموله لمّا استحفظه اللَّه من دينه و كتابه و قيل في أمر الصلاة قال تعالى : و الذين هم على صلواتهم يحافظون
حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى .
.
« و لا ينسى ما ذكر » فليسوا ممّن قال تعالى فيهم : استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللَّه .
. نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم .
بل ممّن قال تعالى : و ذكّر فان الذكرى تنفع المؤمنين
و الذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم .
« و لا ينابز بالألقاب » في الجمهرة « تنابر القوم إذا تعايروا و لقب بعضهم
____________________
بعضا و في الأساس قال الحماسي :
اكنيه حين اناديه لأكرمه
|
|
و لا القبه و السوأة اللقبا
|
و الأصل فيه قوله تعالى : . و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان و من لم يتب فأولئك هم الظالمون
.
« و لا يضار بالجار » قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله بالنسبة إلى جميع الناس ( لا ضرر و لا ضرار ) فكيف بالنسبة إلى الجار الذي وصّى اللَّه تعالى به في قوله :
و بالوالدين احساناً و بذي القربى و اليتامى و المساكين و الجار ذي القربى و الجار الجنب .
.
و استشهد له بما روي ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله كتب بين المهاجرين و الأنصار و من لحق بهم من أهل يثرب ان الجار كالنفس غير مضار و ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله أمر عليّا عليه السّلام و سلمان و أباذر و المقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى صوتهم ، « لا ايمان لمن لا يأمن جاره بوائقه » فنادوا بها ثلاثا ثم أومأ النبي صلّى اللَّه عليه و آله إلى كلّ أربعين دارا من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال من آذى جاره حرم اللَّه عليه ريح الجنة و مأواه جهنم و بئس المصير و من ضيّع حق جاره فليس منّا ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت انّه سيورثه .
« و لا يشمت بالمصائب » استشهد له بما روي عن الصادق عليه السّلام ان من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يبتلى بمثلها .
« و لا يدخل في الباطل » قيل أي : في مجالس الفسق و اللهو و الفساد و قيل المراد عدم ارتكاب الباطل .
____________________
« و لا يخرج من الحق » قيل أي : من مجالسه أو عدم ترك الحق .
« ان صمت لم يغمّه صمته » فان من يغمّه صمته انما هو لعدم اقتداره على الكلام في مقام يقتضي التكلّم و المتقي انما يصمت إذا لم يكن مقتضيا لتكلمه و إذا أراد الكلام تكلّم بلسان كالحسام .
« و ان ضحك لم يعل صوته » ، و من كلامه عليه السّلام ( لا تبدين عن واضحة و قد عملت الأعمال الفاضحة و لا تأمنن البيات و قد عملت بالسيئات ) و استشهد له بما عنه عليه السّلام ان ضحك النبي صلّى اللَّه عليه و آله كان تبسما و انه اجتاز ذات يوم بفتية من الأنصار و إذا هم يتحدثون و يضحكون ملء أفواههم فقال صلّى اللَّه عليه و آله مه يا هؤلاء من غره منكم أمله و قصّر به في الخير عمله فليطلع القبور و ليعتبر بالنشور و اذكروا الموت فانّه هادم اللذات .
« و ان بغى عليه صبر ، حتى يكون اللَّه هو الذي ينتقم له » في الخبر قيل للرضا عليه السّلام لم لم يسترجع أمير المؤمنين عليه السّلام فدك لمّا ولي أمر الناس ؟ فقال :
لأنّا أهل البيت وليّنا اللَّه عز و جل لا يأخذ لنا حقوقنا إلاّ هو و نحن أولياء المؤمنين انما نحكم لهم و نأخذ لهم حقوقهم ممّن ظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا .
و استشهد له أيضا بقوله تعالى و ان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين
.
« نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة » عن الباقر عليه السّلام كان أمير المؤمنين عليه السّلام ليطعم الناس خبز البر و اللحم و ينصرف إلى منزله و يأكل خبز الشعير و الزيت و الخل ، و ما ورد عليه أمران كلاهما للَّه رضى إلاّ أخذ بأشدهما .
و قال معاوية لضرار بن ضمرة صف لي عليّا قال : كان و اللَّه صوّاما
____________________
بالنهار قوّاما بالليل يحبّ من اللباس أخشنه و من الطعام أجشبه ، و كان يجلس فينا ، و يبتدىء إذا سكتنا ، و يجيب إذا سألنا يقسّم بالسويّة و يعدل في الرعيّة لا يخاف الضعيف جوره و لا يطمع القوي في ميله و اللَّه لقد رأيته مسبلا للدموع على خده قابضا على لحيته يخاطب دنياه فيقول يا دنيا أبي تشوّقت أم إليّ تعرضت لا حان حينك فقد ابنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك الخبر .
« بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة » . و إذا مروا باللغو مرّوا كراما
.
و في ( ذيل الطبري ) لمّا قدم أبو موسى الأشعري لقى أباذر فجعل يلزمه و يقول له أبوذر : إليك عني و يقول أبو موسى مرحبا بأخي ، و يقول له أبوذر :
لست بأخيك انما كنت أخاك قبل أن تستعمل ثم لقي أبا هريرة فالتزمه و قال :
مرحبا بأخي فقال له أباذر إليك عني
الخ .
« و دنوه ممّن دنا منه لين و رحمة » استشهد له بقوله محمد رسول اللَّه و الذين آمنوا معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم .
.
« ليس تباعده بكبر و عظمة » في ( المناقب ) مرّ الحسن عليه السّلام على فقراء و قد وضعوا كسيرات على الأرض و هم قعود يلتقطونها و يأكلونها فقالوا له هلم يا ابن بنت رسول اللَّه إلى الغداء فنزل و قال ان اللَّه لا يحب المستكبرين و جعل يأكل معهم حتى اكتفوا و الزاد على حاله ببركته ثم دعاهم إلى ضيافته و أطعمهم و كساهم .
« و لا دنوه بمكر و خديعة » قالوا : كان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية فقتلهم و أخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله أما الاسلام فأقبل و أما
____________________
المال فلست منه في شيء .
و قالوا كان بين المغيرة و مصقلة بن هبيرة تنازع فضرع له المغيرة و تواضع في كلامه حتى طمع فيه مصقلة و استعلى عليه فشتمه و قذفه فقدمه المغيرة إلى شريح و هو القاضي يومئذ فأقام عليه الحد فآلى مصقلة ان لا يقيم ببلدة فيها المغيرة ما دام حيا و قال الشعبي ان مصقلة قال للمغيرة : و اللَّه اني لأعرف شبهي في غرّة ابنك فاشهد عليه بذلك وحده الحد .
« قال فصعق همّام صعقة » قال الجوهري صعق صعقة أي : غشي عليه و قوله تعالى . فصعق من في السماوات و من في الأرض .
أي : مات .
« كانت نفسه » أي : روحه .
« فيها » أي : في تلك الصعقة التي فارق الدنيا .
هذا و في ( عرائس الثعلبي ) روي ان لقمان لمّا قال لابنه هذه الكلمة أي يا بني انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها اللَّه ان اللَّه لطيف خبير
انفطرت مرارته من هيبتها و مات
و في عيون ابن قتيبة ، قال بهز بن حكيم صلّى بنا زرارة بن أوفى الغداة فقرأ فاذا نقر في الناقور فذلك يومئذٍ يوم عسير
فخر مغشيا عليه فحملناه ميتا .
و في ( تاريخ بغداد ) ، عن ابن مقاتل الحريري لمّا وافى ذو النون إلى بغداد اجتمع إليه جماعة من الصوفية و معهم من يقول : فاستأذنوه ان يقول
____________________
شيئا من عنده فقال ، نعم فابتدأ القوّال :
صغير هواك عذّبني
|
|
فكيف به إذا احتنكا
|
و أنت جمعت من قلبي
|
|
هوى قد كان مشتركا
|
أما ترثى لمكتئب
|
|
إذا ضحك الخليّ بكى
|
فقام ذو النون قائما ثم سقط على وجهه ترى الدم يجري منه و لا يسقط إلى الأرض منه شيء .
و فيه عن ذي الكفل أخى ذي النون دخل غلام لذي النون إلى بغداد فسمع قوّالا يقول : فصاح غلام ذى النون صيحة خرّ ميتا فاتصل الخبر بذي النون فدخل إلى بغداد ، فقال عليّ بالقوّال و استرد الأبيات فصاح ذو النون صيحة فمات القوّال ثم خرج ذو النون و هو يقول : النفس بالنفس و الجروح قصاص » .
و في ( كامل الجزري ) اجتمع جماعة من الصوفية في رجب ( ٦٠٠ ) برباط شيخ الشيوخ ببغداد ، و فيهم صوفي اسمه أحمد بن إبراهيم الداري من أصحاب شيخ الشيوخ عبد الرحمن بن اسماعيل و معهم مغن يغني :
أعاذلتي اقصري
|
|
كفى بمشيبي عذل
|
شباب كان لم يكن
|
|
و شيب كان لم يزل
|
و حق ليالي الوصل
|
|
و آخرها و الأول
|
و صفرة لون المحب
|
|
عند استماع العذل
|
لئن عاد عيشي بكم
|
|
خلا العيش لي و اتصل
|
فتحرك الجماعة عادة الصوفية في السماع و طرب الشيخ المذكور و تواجد ، ثم سقط مغشيا عليه فحرّكوه فإذا هو ميّت .
هذا و كما مات بموعظته رجل مات كما روي بمعجزته أيضا رجل
ففي المناقب روى زيد و صعصعة ابنا صوحان و البراء بن سبرة ، و الأصبغ بن نباتة و جابر بن شرحبيل ، و محمود بن الكوّاء انّه ذكر بدير الديلم من أرض فارس لأسقف و قد أتت عليه مائة و عشرون سنة ان رجلا يعنون عليّا عليه السّلام .
قد فسّر الناقوس فقال سيروا بي إليه فاني أجده أنزع بطينا فلمّا وافاه عليه السّلام قال قد عرفت صفته في الانجيل ، و انا أشهد انّه وصي ابن عمه فقال عليه السّلام له جئت لتؤمن ء أزيدك رغبة في ايمانك ؟ قال : نعم قال انزع مدرعتك فار أصحابك الشامة التي بين كتفيك فقال اشهد ان لا إله إلاّ اللّه ، و ان محمّدا عبده و رسوله و شهق شهقة فمات فقال عليه السّلام عاش في الاسلام قليلا و ينعم في جوار اللّه كثيرا
.
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام أما و اللَّه لقد كنت أخافها عليه » و لذا تثاقل عليه السّلام على رواية أولا عن جوابه ، و أجمل له في وصفه .
« ثم قال أ هكذا » هكذا في ( المصرية ) ( هكذا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« تصنع المواعظ البالغة بأهلها » و ذكّر فان الذكرى تنفع المؤمنين
.
عن يحيى بن معاذ الرازي ( العيش في حبه أعجب من الموت في حبه ) .
و عن الشبلي الموت على ثلاثة أضرب موت في حب الدنيا و موت في حب العقبى و موت في حب المولى فمن مات في حب الدنيا مات منافقا ، و من مات في حب العقبى مات زاهدا و من مات في حب المولى مات عارفا .
و الموت من حب المخلوق كثير ، حتى صنّف فيه الكتب ، و منها ( كتاب مصارع العشاق ، و من العشاق جمع معروف و منهم عبد اللَّه بن عجلان
____________________
صاحب هند الذي قال فيه الشاعر :
ان مت من الحب
|
|
فقد مات ابن عجلان
|
هذا و قد عرفت ان في رواية الكراجكي و ابن طلحة الشافعي
( فاستعبر الربيع باكيا و قال لأسرع ما أودت موعظتك يا أمير المؤمنين بابن أخي و لوددت اني بمكانه فقال عليه السّلام هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها إلى أن قال قال الراوي عن نوف هذه القصة ( فصرت إلى الربيع بن خثيم و ذكرت له ما حدّثني نوف فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تقبض و قال صدق أخي نوف لا جرم ان موعظة أمير المؤمنين و كلامه ذلك بمرأى مني و مسمع و ما ذكرت من همام يومئذ و أنا في رفاهية إلاّ كدرها و لا بشدّة إلاّ فرّجها .
« فقال له قائل فما بالك » أي : حالك و زاد في ( ابن ميثم و الخطّية ) ( أنت ) .
« يا أمير المؤمنين ؟ فقال ( ويحك ) قيل ويحك بمعنى ويلك للعذاب و قيل كلمة رحمة .
« ان لكلّ أجل وقتا لا يعدوه » أي : لا يجاوزه .
« و سببا لا يتجاوزه » . و لا يملكون لأنفسهم ضَرّاً و لا نَفْعاً و لا يَملِكُونَ موتاً و لا حياة و لا نُشورا
.
« فمهلا لا تعدل لمثلها » أي : مثل المقالة .
« فانما نفث » قال الجوهري النفث شبيه بالنفخ .
« الشيطان على لسانك » .
هذا و نظير خطبته عليه السّلام هذه في وصف المتّقين ، كلامه عليه السّلام في وصف أصحابه الخواصّ .
____________________
روى الصدوق في ( صفات شيعته ) عن محمد بن الحنفية قال لمّا قدم أمير المؤمنين عليه السّلام البصرة بعد قتال أهل الجمل دعاه الأحنف بن قيس و اتخذ له طعاما فبعث إليه عليه السّلام و إلى أصحابه فأقبل عليه السّلام ثم قال يا أحنف ادع لي أصحابي فدخل عليه قوم متخشعون كأنّهم شنآن بوال فقال الأحنف ما هذا الذي نزل بهم ؟ أمن قلّة الطعام ؟ أو من هول الحرب ؟
فقال عليه السّلام « يا أحنف ان للَّه سبحانه أقواما تنسكوا إليه في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة من قبل ان يشاهدوها فحملوا أنفسهم على مجهودها ، و كانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللَّه تعالى توهموا خروج عنق تخرج من النار يحشر الخلائق إلى ربهم تعالى ،
و كتاب يبدو فيه على رؤوس الأشهاد فضائح دونهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا ، و تفارقهم عقولهم ( إذا خلت بهم من له الرجل المجرد إلى اللَّه سبحانه غليانا » .
فكانوا يحنّون حنين الواله في دجى الظلم ، و كانوا يفجعون ما أوقفوا عليه أنفسهم ، فمضوا ذبل الأجسام حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم خامصة بطونهم ، تراهم سكارى اسمارا ، في وحشة الليل متخشعون ، كأنّهم شنآن بوال ، قد اخلصوا للَّه سبحانه أعمالهم سرّا و علانية ،
فلم يناموا من فزع قلوبهم ، بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم ، فلو رأيتهم في ليلتهم ، و قد نامت العيون ، و هدأت الأجساد و سكنت الحركات ، من الطير في الوكور ، و قد نبههم خوف يوم القيامة و الوعيد كما قال سبحانه : أَ فأَمِنَ أهلُ القرى ان يأتيهم بأسُنا بَياتاً و هم نائمون
فاستقبلوا لها فزعين و قاموا إلى صلاتهم ، معولين باكين تارة و أخرى مسبّحين يبكون في
____________________
محاريبهم ، و يرنون يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون ، فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياما على أطرافهم منحنية ظهورهم ، يتلون أجزاء القرآن لصلاتهم ،
قد اشتدت أعوالهم و نحيبهم و زفيرهم ، فإذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم حلاقيمهم ، و إذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم ، فلو رأيتهم في نهارهم اذن رأيت قوما يمشون على الأرض هونا ، و يقولون للناس حسنا ،
و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، و إذا مروا باللغو مروا كراما ، قد قيّدوا أقدامهم من التهمات ، و أبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس ،
و سجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض ، و كحلوا أبصارهم بغض النظر إلى المعاصي ، و انتجعوا دار السّلام التي من دخلها كان آمنا من الريب و الأحزان ، فلعلّك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الأسقام بناضرة وجهها ، و دار قد اشغلت بنقش رواقها ، و ستور قد علقتها و الريح و الاحنام موكلة حبرها ، و ليست دارك دار البقاء ، فأحبك له الدار التي خلقها سبحانه من لؤلؤة بيضاء ، فشقّ فيها أنهارها ، و غرس فيها أشجارها ، و أذلّ عليها بالنضج من ثمارها ، و كبسها بالعواتق من حورها ، ثم سكّنها أولياءه و أهل طاعته ، فلو رأيتهم يا أحنف و قد قدموا على زيادات ربهم سبحانه ، فاذا ضربت خباءهم صوتت رواحلهم بأصوات لم يسمع السامعون بأحسن منها ، و أظلتهم غمامة فأمطرت عليهم المسك و الوردان ، و صهلت خيولهم بين أغراس تلك الجنان ، و تخللت بهم نوقهم بين كثب الزعفران ، و تلألأ من تحت أقدامهم اللؤلؤ و المرجان ، و استقبلتهم قهارمتها بمنابر الريحان ، و هاجت لهم ريح من قبل العرش فنثرت عليهم الياسمين و الاقحوان ، و لمّا ذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان ، ثم يسجدون للَّه في فناء الجنان ، فقال لهم الجبّار :
ارفعوا رؤوسكم ، فاني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة ، و اسكنتم جنّة الرضوان ،
فان فاتك يا أحنف ما ذكرت لك في صدر كلامي لتتركن في سرابيل القطران ،
و لتطوفن بينها و بين حميم آن ، و لتسقين شرابا حار الغليان في انضاجه فكم يومئذ في النار من صلب محطوم ، و وجه مهشوم ، و مشوه مضروب على الخرطوم .
قد أكلت الجامعة كفّه ، و التحم الطوق بعنقه فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون أوديتها و يصعدون جبالها ، و قد البسوا المقطعات من القطران ،
و اقترنوا مع فجّارها و شياطينها ، و إذا استغاثوا يغاثوا أحدث من حريق شدنت عليهم عقاربها و حيّاتها ، و لو رأيت مناديا ينادي و هو يقول : يا أهل الجنّة و نعيمها و أهل حليها و حليها خلدوا فلا موت .
ينقطع رجاؤهم ، و تغلق الأبواب ، و تنقطع بهم الأسباب فكم من شيخ يومئذ ينادي و اشيبتاه و كم من شاب ينادي و اشباباه و كم من امرأة تنادي وافضيحتاه ، هتكت عنهم الستور ، فكم يومئذ من مغموس ، بين أطباقها محبوس ، يا لك غم البسك بعد لباس الكتان ، و الماء المبّرد على الجدران ، و أكل الطعام ألوانا بعد ألوان ، لباسا لم يدع لك شعرا ناعما كنت مطيّبه إلاّ بيّضه ، و لا عينا كنت تبصر بها إلى حبيب إلاّ فقأها ، هذا و اللَّه ما أعد اللَّه للمجرمين و ذلك ما اعد اللَّه للمتقين
.
و النسخة كانت سقيمة فمن وقف على سليمة صحّح .
١٤
الحكمة ( ٩٥ ) و قال عليه السّلام :
لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ اَلتَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ
____________________
أقول : جعلته ( المصرية ) عنوانا مستقلا و الصواب جعله ذيل سابقه كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) و رواه تذكرة سبط ابن الجوزي أيضا جزء سابقه « و سئل عن الخير » و إلى الأصل في روايته استند المصنف و ان كان ( أمالي المفيد ) رواه مستقلا و رواه أواخر حلية أبي نعيم في عنوان ابن خفيف عن عبد خير عنه عليه السّلام جزء سابقه و رواه باسناده عن قيس بن أبي حازم قال قال علي بن أبي طالب عليه السّلام كونوا لقبول العمل أشد اهتماما بالعمل فانّه لن يقبل عمل إلاّ مع التقوى و كيف يقل عمل يتقبل » .
« لا يقل » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و لا يقل ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) و أيضا عرفت انّه ذيل سابقه فلابد أن يعطف على ما قبله .
« عمل مع التقوى » قال الشاعر :
« قليلك لا يقال له قليل »
كما لا يكثر عمل مع الفجور ، قال تعالى : و قد منا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا
.
« و كيف يقل ما يتقبل » قال تعالى حاكيا عن لسان هابيل لقابيل : . انما يتقبل اللَّه من المتقين
.
١٥
الحكمة ( ٢٨٩ ) و قال عليه السّلام :
كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اَللَّهِ وَ كَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ اَلدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلاَ يَشْتَهِي مَا لاَ يَجِدُ وَ لاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ وَ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ اَلْقَائِلِينَ وَ نَقَعَ غَلِيلَ اَلسَّائِلِينَ وَ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِنْ جَاءَ اَلْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابٍ وَ صِلُّ
____________________
وَادٍ لاَ يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً وَ كَانَ لاَ يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ اَلْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اِعْتِذَارَهُ وَ كَانَ لاَ يَشْكُو وَجَعاً إِلاَّ عِنْدَ بُرْئِهِ وَ كَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ وَ لاَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُ وَ كَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى اَلْكَلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى اَلسُّكُوتِ وَ كَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ وَ كَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى اَلْهَوَى فَيُخَالِفُهُ فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ اَلْخَلاَئِقِ فَالْزَمُوهَا وَ تَنَافَسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ اَلْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ اَلْكَثِيرِ أقول : لم أدر من أين نسب المصنف هذا الكلام إليه عليه السّلام و قد اتفقت الخاصة و العامة على انّه كلام ابنه الحسن عليه السّلام رواه عنه الكليني و ابن أبي شعبة من الخاصة ، و ابن قتيبة و الخطيب من العامة ففي ( الكافي ) ( عدة عن أحمد البرقي عن بعض أصحابه من العراقيين رفعه قال خطب الناس الحسن بن علي عليه السّلام فقال :
أيها الناس أنا أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني ، و كان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه ، كان خارجا من سلطان بطنه ،
فلا يشتهي ما لا يجد ، و لا يكثر إذا وجد ، و كان خارجا من سلطان فرجه فلا يستخف له عقله و لا رأيه .
كان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يمد يده إلاّ على ثقة لمنفعته ، كان لا يتشهى و لا يتسخط و لا يتبرم ، كان أكثر دهره صمّاتا ، فإذا قال بذا القائلين كان لا يدخل في مراء ، و لا يشارك في دعوى و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا و كان لا يغفل عن اخوانه .
و لا يخص نفسه بشيء دونهم ، كان ضعيفا مستضعفا ، فاذا جاء الجد
كان ليثا عاديا ، كان لا يلوم أحدا في ما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا ،
و كان يفعل ما يقول ، و يفعل ما لا يقول ، كان اذا ابتزه أمران لا يدري أيّهما افضل ، نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه ، كان لا يشكو وجعا إلاّ عند من يرجو عنده البرء و لا يستشير إلاّ من يرجو عنده النصيحة ، كان لا يتبرم و لا يتسخط و لا يتشكى و لا يتشهى و لا ينتقم ، و لا يغفل عن العدو فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة ان اطقتموها ، فان لم تطيقوها كلّها فأخذ القليل خير من ترك الكثير .
و في ( التحف ) قال الحسن عليه السّلام في ما روي عنه :
كان من أعظم الناس في عيني و كان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه ، كان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يمد يدا إلاّ على ثقة لمنفعة ،
كان لا يتشكى و لا يتسخط و لا يتبرم كان أكثر دهره صامتا فاذا قال بذ القائلين كان ضعيفا مستضعفا ، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا ، كان إذا جامع العلماء على أن يستمع أحرص منه على أن يقول .
كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، كان لا يقول ما لا يفعل ،
و يفعل ما لا يقول ، كان إذا عرض له أمران لا يدري أيّهما اقرب إلى ربه ، نظر أقربهما من هواه فخالفه ، كان لا يلوم أحدا على ما يقع العذر في مثله .
و في ( العيون ) حدّثني محمد بن داود عن أبي شريح الخوارزمي ، قال :
سمعت أبا الربيع الأعرج عمرو بن سليمان يقول : قال الحسن بن علي : ألا أخبركم عن صديق كان لي من أعظم الناس في عيني ، و كان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه .
كان خارجا من سلطان بطنه ، فلا يتشهى ما لا يحل ، و لا يكثر إذا وجد ،
و كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمديدا إلاّ على ثقة لمنفعة ، كان لا يتشكى
و لا يتبرم ، كان أكثر دهره صامتا ، فاذا قال بذ القائلين كان ضعيفا مستضعفا ،
فاذا جاء الجد فهو الليث عاديا ، كان إذا جامع العلماء على ان يسمع أحرص منه على أن يقول ، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت .
كان لا يقول ما يفعل ، و يفعل ما لا يقول ، كان إذا عرض له أمران لا يدري أيّهما أقرب إلى الحق نظر أقربهما من هواه فخالفه ، كان لا يلوم أحدا على ما يقع العذر في مثله زاد في غيره كان لا يقول حتى يرى قاضيا و شهودا عدولا .
و في ( تاريخ بغداد ) في عيثم الزاهد أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن إبراهيم بن شاذان ، عن محمد بن الحسين بن حميد اللخمي عن خضر بن أبان بن عبيدة الواعظ عن عيثم البغدادي الزاهد عن محمد بن كيسان أبو بكر الأصم .
قال : قال الحسن بن علي عليهما السّلام : ذات يوم لأصحابه اني أخبركم عن أخ لي ، و كان من أعظم الناس في عيني ، و كان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه ، كان خارجا من سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، و لا يكثر إذا وجد .
و كان خارجا من سلطان فرجه ، فلا يستخف له عقله و لا رأيه ، و كان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يمد يدا إلاّ على ثقة المنفعة ، كان لا يتسخط و لا يتبرم ، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلّم ،
كان اذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت ، كان أكثر دهره صامتا .
فاذا قال بذ القائلين كان لا يشارك في دعوى و لا يدخل في مراء ، و لا يدلي بحجّة حتى يرى قاضيا ، كان يقول ما يفعل ، و يفعل ما لا يقول ، تفضّلا و تكرّما ، كان لا يغفل عن اخوانه ، و لا يختص بشيء دونهم ، كان لا يلوم أحدا
في ما يقع العذر في مثله ، كان إذا بدهه أمران لا يدري أيّهما أقرب ، نظر في ما هو أقرب إلى هواه فخالفه .
ثم العجب ان ابن المقفع أخذ الكلام سرقة في أدبه الكبير ، جاعلا له من نفسه فقال في آخر كتاب ( و اني مخبرك عن صاحب لي كان من أعظم الناس في عيني و كان رأس ما اعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه .
كان خارجا من سلطان بطنه ، فلا يتشهى ما لا يجد ، و لا يكثر إذا وجد ،
و كان خارجا من سلطان فرجه ، فلا يدعو إليه ريبة ، و لا يستخف له رأيا و لا بدنا ، و كان خارجا من سلطان لسانه ، لا يقول ما لا يعلم ، و لا ينازع في ما يعلم ،
و كان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يقدم أبدا إلاّ على ثقة بمنفعة ، كان أكثر دهره صامتا ، فاذا نطق بذّ الناطقين .
كان يرى متضاعفا مستضعفا ، فاذا جاء الجد فهو الليث عاديا ، كان لا يدخل في دعوى و لا يشترك في مراء ، و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا عدلا ،
و شهودا عدولا ، و كان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله ، حتى يعلم ما اعتذاره ، و كان لا يشكو وجعا إلاّ إلى من يرجو عنده البرء .
و كان لا يستشير صاحبا إلاّ من يرجو عنده النصيحة و كان لا يتبرم و لا يتسخط و لا يتشهّى و لا يتشكّى و كان لا ينتقم على الولي و لا يغفل عن العدو و لا يخص نفسه دون اخوانه بشيء من اهتمامه و حيلته و قوّته فعليك بهذه الأخلاق ان اطقت و لن تطيق و لكن أخذ القليل خير من ترك الجميع
.
فتراه قد سرق كلام الإمام عليه السّلام لفظا و معنى و ما ترى من يسير اختلاف نظير اختلاف تلك الروايات الأربع ، و اما سرقة ابن كناسة مضمون كثير من فقراته في أبياته : خاله ابن أدهم كما سيأتي فسرقات الشعراء أمر متداول .
____________________
« كان لي في ما مضى أخ في اللّه » قال إبن أبي الحديد اختلفوا في مراده عليه السّلام بهذا الأخ فقيل النبي صلّى اللَّه عليه و آله و استبعد لقوله « و كان ضعيفا مستضعفا » و قيل أبو ذر و استبعد لقوله « فان جاء الجد فهو ليث غاب و صلّ واد » و أبو ذر لم يكن معروفا بالبسالة و الشجاعة ، و قيل المقداد ، و قيل ليس باشارة إلى أخ معين ،
و لكنه خارج مخرج المثل ، و عادة العرب جارية بمثله كقولهم في الشعر ( فقلت لصاحبي و يا صاحبي ) و هذا عندي أقوى .
قلت : قد عرفت ما في أصل نسبته إليه عليه السّلام و على فرض صحتها فما قاله من منافاة قوله ( فان جاء الجد فهو ليث عاد و صلّ واد ) لارادة أبي ذر غلط ،
فانّه في غاية الانطباق ، فابو ذر مع كونه ضعيفا لا سيما بعد ارجاع معاوية له من الشام على جمل بلا قتب يسوقه ليلا و نهارا ، حتى سقط لحم فخذيه و ظن الناس انّه يموت ، فقال لهم :
انّه لا يموت من ذلك حسبما أخبره النبي صلّى اللَّه عليه و آله بموته من شيء آخر و مستضعفا أخرجه عثمان تارة إلى الشام ، و أخرى إلى الربذة ، كان كليث عاد على عثمان ، حتى إجترأ ان يقول له مع كونه سلطانا جبّارا ، ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال :
فيه و في بني أمية .
« إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللَّه دولا و عباده خولا » .
و كان صلّ واد على معاوية حتى جسر أن يقول له : سمعت النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقول فيك إذا ولّى الأمة ، الأعين ، الواسع البلعوم الذي يأكل و لا يشبع ، فلتأخذ الأمة حذرها منه ، و سمعته يقول : و قد مررت به « اللّهم العنه و لا تشبعه إلاّ بالتراب » و سمعته يقول :
« است معاوية في النار » و هل قام أحد مثل قيامه في قبال حكومة عثمان الجائرة ؟
و لم لم يذكر سلمان ، و لم يذكر عمارا و حذيفة ، و اقتصر على أبي ذر و المقداد فكلّهم كانوا اخوان الصفا له عليه السّلام و متصفين بتلك الصفات ، و عمار قام على عثمان إلى قتله و حتى ان جمعا من أصحابه لمّا كتبوا بدع عثمان في كتاب .
و كانوا عشرة منهم المقداد و منهم عمّار ، فلمّا خرجوا بالكتاب كما في الخلفاء ليدفعوه إلى عثمان و الكتاب في يد عمّار ، جعلوا يتسللون عنه ، حتى بقي وحده فمضى حتى دخل على عثمان و عنده مروان و أهله من بني أمية ،
فدفع إليه الكتاب فقرأه ، فقال له : أنت كتبت هذا ؟ قال : نعم ، قال : و من كان معك ؟
قال نفر تفرّقوا عنك فرقا منك ، قال : فلم اجترأت عليّ من بينهم ؟
و قال مروان ان هذا العبد الأسود قد جرأ عليك الناس و انّك ان قتلته نكلت به من ورائه ، فقال اضربوه فضربوه ، و ضربه معهم حتى فتقوا بطنه فغشي عليه فجروه حتى طرحوه على باب الدار إلاّ انّه ينفي إرادة أبي ذر و اخوانه قوله عليه السّلام :
( كان لي في ما مضى أخ في اللَّه ) فانّهم كانوا قريب العهد به عليه السّلام و ان ماتوا قبله ، و كأنّه على فرض صحّة النسبة أراد وصف أخ له في عهد الرسول صلّى اللَّه عليه و آله و لا يبعد إرادة عثمان بن مظعون الذي لمّا مات قبل النبي صلّى اللَّه عليه و آله وجهه و لمّا ماتت إحدى بناته صلّى اللَّه عليه و آله قال لها الحقي بسلفك الصالح عثمان بن مظعون و سمّى عليه السّلام أحد بنيه من أم البنين عثمان باسمه .
و أما ما قاله في إرادة النبي صلّى اللَّه عليه و آله فينفيه سوى ما نقله من عدم مناسبة قوله عليه السّلام ( و كان ضعيفا مستضعفا ) ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله و ان كان أخاه حيث انّه صلّى اللَّه عليه و آله عقد الأخوة بين أصحابه و تركه عليه السّلام لنفسه إلاّ انّه عليه السّلام لا يعبّر عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله بلفظ ( اخ لي ) ، و لا يقتصر على اخوّته بل يقول : ( أخي و حبيبي
و خليلي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ) .
كما ان ما قاله من عدم إرادة أخ معيّن ، و قواه في غاية السقوط فالكلام كالصريح في إرادة شخص معين ، نظير كلامه عليه السّلام في ارادة جمع معين ممّا رواه الكافي انّه عليه السّلام صلّى الصبح بالعراق فلمّا انصرف وعظهم ، و قال : ( لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و انهم ليصبحون و يمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب المعز ) الخبر .
و ما يفعل بتنكير الأخ كما ان ما قاله من انّهم يقولون في الشعر : ( فقلت لصاحبي و يا صاحبي ) أيضا لم يعلم صحته هذا .
و في الكشي كان ليونس بن عبد الرحمن أربعون أخا يدور عليهم في كلّ يوم مسلّما ثم يرجع إلى منزله فيأكل و يتهيأ للصلاة ثم يجلس للتصنيف و تأليف الكتب .
و كيف كان فمما ينسلك في الباب من مدح الأخ الصميمي ما في البيان عن المدائني قيل لرجل أراه خالد بن صفوان مات صديقك فقال : رحمه اللَّه لقد كان يملأ العين جمالا ، و الاذن بيانا و لقد كان يرجى و لا يخشى ، و يغشى و لا يغشى و يعطي و لا يعطى قليلا لدى الشر حضوره سليما للصديق ضميره .
و ما فيه وقف جبار بن سليمان بن مالك بن جعفر بن كلاب على قبر عامر بن الطفيل ، فقال : كان و اللَّه لا يضلّ حتى يضلّ النجم ، و لا يعطش حتى يعطش البعير ، و لا يهاب حتى يهاب السيل ، و كان و اللَّه خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا .
« و كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه » في مناجاة اللَّه تعالى لموسى عليه السّلام : ان الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته ، و جعلتها
ملعونة ، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي .
يا موسى ان عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم ، و ساير الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم ، و ما من أحد عظّمها فقرت عيناه فيها ، و لم يحقرها أحد إلاّ انتفع بها و عن الصادق عليه السّلام رأس كلّ خطيئة حبّ الدنيا .
هذا و أخذ بعضهم كلامه عليه السّلام في مدح أخ له و عكسه فجعله للذم فقال :
« صغر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه » .
« و كان خارجا من سلطان بطنه » قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله أكثر ما يدخل أمتي به النار الأجوفان الفرج و البطن .
و قال ابن أبي الحديد أكل علي عليه السّلام قليلا من تمر دقل و شرب عليه ماء و أمر يده على بطنه ، و قال من أدخله بطنه النار فأبعده اللَّه ثم تمثّل :
فانك مهما تعط بطنك سؤله
|
|
و فرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
|
« فلا يشتهي » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( فلا يتشهّى ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) .
« ما لا يجد » روى ( ثواب الأعمال ) ان الصادق عليه السّلام قال لبعض أصحابه : اما تدخل السوق اما ترى الفاكهة تباع ، و الشيء ممّا تشتهيه ؟ فقال بلى : فقال عليه السّلام :
اما ان لك بكلّ ما تراه و لا تقدر على شرائه و تصبر عليه حسنة .
« و لا يكثر إذا وجد » في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله بئس العون على الدين قلب نحيب و بطن رغيب و نعظ شديد .
و عنه صلّى اللَّه عليه و آله أطولكم جشأ في الدنيا أطولكم جوعا في الآخرة و عنه صلّى اللَّه عليه و آله يأكل المؤمن في معاء واحد ، و يأكل الكافر في سبعة أمعاء .
و عن أبي جعفر عليه السّلام ما من شيء أبغض إلى اللَّه من بطن مملوء ، و إذا شبع البطن طغى و عن الصادق عليه السّلام الأكل على الشبع يورث البرص ، و قال :
كلّ داء من التخمة ما خلا الحمّى .
و عنه عليه السّلام ليس لابن آدم بد من أكلة يقيم بها صلبه فاذا أكل أحدكم طعاما فليجعل ثلث بطنه للطعام ، و ثلث بطنه للشراب ، و ثلثه للنفس ، و لا تسمنوا تسمن الخنازير للذبح .
و قال الشاعر :
ترى أهله في نعمة و هو شاحب
|
|
طوى البطن مخماص الضحى و الاصائل
|
و قال ابن أبي الحديد قال أعشى باهله يرثي المنتشر بن وهب :
طاوي المصير على الغرّاء منصلت
|
|
بالقوم ليلة لا ماء و لا شجر
|
تكفيه فلذة لحم إن ألمّ بها
|
|
من الشواء و يروي شربه الغمر
|
و لا ينادي لمّا في القدر يرقبه
|
|
و لا تراه أمام يعتفر
|
لا يغمز الساق من أين و لا وصب
|
|
و لا يعضّ على شرسوفه الصفر
|
و قال الشنفري :
و أطوى على الخمص الحوايا كما انطوت
|
|
خطوطة ماري تغار و تفتل
|
و ان مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن
|
|
بأعجلهم إذا جشع القوم أعجل
|
و ما ذاك إلاّ بسطة عن تفضّل
|
|
عليهم و كان الافضل المتفضّل
|
و قال ابن دريد العرب تعيّر بكثرة الأكل و أنشد :
لست بأكّال كأكل العبد
|
|
و لا بنوّام كنوم الفهد
|
أيضا :
إذا لم أزر الا لآكل أكلة
|
|
فلا رفعت كفّي إلى طعامي
|
فما أكلة نلتها بغنيمة
|
|
و لا جوعة ان جعتها بغرام
|
و قال حاتم :
و اني لأستحيي صحابي ان يروا
|
|
مكان يدي من جانب الزاد أقوعا
|
أقصّر كفّي ان تنال أكفّهم
|
|
إذا نحن أهوينا و حاجاتنا معا
|
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا
|
|
حياء أخاف الذمّ ان اتضلّعا
|
فإنك ان أعطيت بطنك سؤله
|
|
و فرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
|
و قال عمرو بن العاص لأصحابه يوم حكم الحكمان اكثروا لأبي موسى من الطعام الطيّب فو اللَّه ما بطن قوم قط إلاّ فقدوا عقولهم أو بعضها و دعا عبد الملك رجلا إلى الغذاء فقال : ما في فضل ؟ فقال : اني لا أحب الرجل حتى لا يكون فيه فضل ، فقال : عندي مستزاد و لكني أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحتها .
« وصف لسابور ذي الاكتاف رجل من اصطخر للقضاء ، فاستقدمه فدعاه إلى الطعام ، فأخذ الملك دجاجة من بين يديه فنصفها و جعل نصفها بين يدي ذلك الرجل فأتى عليه قبل أن يفرغ الملك من أكل النصف الآخر فصرفه إلى بلده و قال : ان سلفنا كانوا يقولون من شره إلى طعام الملك كان إلى أموال الرعية أشره .
و قيل لسميرة بن حبيب : ان ابنك أكل طعاما فاتخم و كاد يموت ، فقال : لو مات منه ما صلّيت عليه و قيل ليوسف عليه السّلام مالك لا تشبع و في يديك خزائن مصر ؟ قال : اني إذا شبعت نسيت الجائعين .
و قال أبو هريرة : ما شبع النبي صلّى اللَّه عليه و آله و أهله ثلاثة أيام متوالية من خبز حنطة حتى فارق الدنيا و روى عون بن أبي جحيفة عن أبيه ، قال : أكلت يوما
ثريدا و لحما سمينا ثم أتيت النبي صلّى اللَّه عليه و آله و أنا اتجشأ فقال : احبس جشأك يا أبا جحيفة ان أكثركم شبعا في الدنيا أكثركم جوعا في الآخرة فما أكل أبو جحيفة بعدها ملاء بطنه إلى ان قبضه اللَّه .
« و كان أكثر دهره صامتا » عن الرضا عليه السّلام كان العابد من بني اسرائيل لا يتعبّد حتى يصمت عشر سنين .
و عن المسيح عليه السّلام : لا تكثروا الكلام في غير ذكر اللَّه ، فإنّ الذين يكثرون الكلام في غير ذكر اللَّه قاسية قلوبهم و لكن لا يعلمون .
« فان قال بذّ » أي : غلب .
« القائلين » قال افلاح بن حزن المنقري في مثجور بن غيلان بن خرشة كما في البيان :
إذا قال بذّ القائلين مقالة
|
|
و يأخذ من أكفائه بالمخنق
|
و قال محمد بن كناسة في خاله إبراهيم بن أدهم :
رأيتك ما يغنيك ما دونه الغنى
|
|
و قد كان يغنى دون ذاك آبن أدهما
|
و كان يرى الدنيا صغيرا عظيمها
|
|
و كان لحق اللَّه فيها معظّما
|
و أكثر ما تلقاه في القوم صامتا
|
|
فان قال بذّ القائلين و أحكما
|
« و نقع » من ( نقع الماء العطش ) سكّنه .
« غليل » أي : حرارة العطش .
« السائلين » قال بعضهم :
لقد وارى المقابر من شريك
|
|
كثير تحلم و قيل عاب
|
صموتا في المجالس غير عي
|
|
جديرا حين ينطق بالصواب
|
و في ( الكافي ) عن عبد اللَّه بن مصعب الزبيري قال جلسنا إلى موسى بن جعفر عليه السّلام في مسجد النبي صلّى اللَّه عليه و آله فتذاكرنا أمر النساء فأكثرنا الخوض و هو
ساكت لا يدخل في حديثنا حرف فلمّا سكتنا قال :
اما الحرائر فلا تذكروهنّ و لكن خير الجواري ما كان لك فيها هوى و كان لها عقل و أدب فلست تحتاج إلى ان تأمر و تنهى ، و دون ذلك ما كان لك فيها هوى و لها عقل ، و ليس لها أدب فأنت تحتاج إلى الأمر و النهي و دونها ما كان لك فيها هوى و ليس لها عقل و لا أدب فتصبر عليها لمكان هواك فيها ،
و جارية ليس لك فيها هوى و ليس لها عقل و لا أدب فتعجل في ما بينك و بينها البحر الأخضر قال الزبيري :
فأخذت بلحيتي فأردت أن اضرط فيها لكثرة خوضنا في ما لم نقم فيه على شيء و لجمعه الكلام فقال لي : مه ان فعلت لم أجالسك .
« و كان ضعيفا » في بدنه .
« مستضعفا » يعدّه الناس ضعيفا .
« فان جاء الجدّ فهو ليث » كالأسد .
« غاب » ليث غاب ، و ان كان صحيحا فالغاب الاجام إلاّ ان الصواب : ( عاد ) من عداء كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) .
« و صلّ » بالكسر الحية لا ينفع معها الرقية .
« واد » و يقال أيضا ( صل اصلال ) قال :
ماذا زرئنا به من حية ذكر
|
|
نضناضة بالرزايا صلّ أصلال
|
و قال الحافظ الشيرازي : في معنى ( ليث عاد و صل واد ) بالفارسية :
رنگ تزوير پيش ما نبود
|
|
شير سر خيم و افعى سيهيم
|
و قد عرفت مصداقه في أبي ذر و عمّار و نظرائهما و أخذ معنى جميع الكلام من قوله : ( و كان ضعيفا في ( بدنه ) الخ محمد بن كناسة في خاله في قوله :
يرى مستكينا خاضعا متواضعا
|
|
و ليثا إذا لاقى الكتيبة ضيغما
|
و للحلم سلطان على الجهل عنده
|
|
فما يستطيع الجهل ان يتزمزما
|
« لا يدلي » أي : لا يحتج .
« بحجة حتى يأتي قاضيا » لكون ادلائه بها قبل اتيانه لغوا .
« و كان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره » .
قال الشاعر :
فتى مثل صفو الماء ليس بباطل
|
|
عليك و لا مهد ملاما لباخل
|
و لا قائل عوراء تؤذي رفيقه
|
|
و لا رافع راسا بعوراء قائل
|
و لا مسلم مولى لأمر يصيبه
|
|
و لا خالط حقّا مصيبا بباطل
|
و لا رافع احدوثة السوء معجبا
|
|
بها بين أيدي المجلس المتقابل
|
« و كان لا يشكو وجعا إلاّ عند برئه » و بعد البرء يكون حكاية لا شكاية ففي الحقيقة لم يكن منه شكوى أصلا .
و في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال تعالى : ما من عبد ابتليته ببلاء فلم يشك إلى عواده إلاّ أبدلته لحما خيرا من لحمه ، و دما خيرا من دمه فان قبضته قبضته إلى رحمتي و ان عاش عاش و ليس له ذنب .
و عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام من مرض ليلة فقبلها بقبولها كتب اللَّه له عبادة ستين سنة قلت ما معنى قبولها قال لا يشكو ما أصابه فيها إلى أحد .
و عنه عليه السّلام و قد سئل عن حد الشكوى للمريض فقال : ان الرجل يقول حممت اليوم و سهرت البارحة و قد صدق و ليس هذا شكوى و انما الشكوى ان يقول لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد ، و يقول لقد أصابني ما لم يصب أحدا .
« و كان يقول ما يفعل » فوعد المؤمن نذر .
« و لا يقول ما لا يفعل » كبر مقتاً عند اللَّه ان تقولوا ما لا تفعلون
.
« و كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت » لأن المقتضى للسكوت أكثر منه للكلام ، حسب أكثرية الاعدام من الوجودات .
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال لقمان لابنه ان كنت زعمت ان الكلام من فضة فان السكوت من ذهب .
« و كان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم » و المراد إذا حضر مجلس عالم أو أعلم منه و السماع للإستفادة ، و التكلّم للإفادة و الاستفادة مقدّمة بالطبع على الإفادة .
« و كان إذا بدهه » أي : فاجأه .
« أمران ينظر » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( نظر ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه » هو ميزان صحيح لفهم الحق من الباطل ،
قال تعالى : و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى
و قال تعالى : أ فرأيت من اتخذ الهه هواه .
في ( الأغاني ) عن مصعب الزبيري قلت لمحمد بن كناسة الأسدي بباب الخليفة أنت الذي تقول في إبراهيم بن أدهم و أنشد الأبيات الثلاثة المتقدمة فقال نعم أنا قلتها و تركت أجودها و هو :
أهان الهوى حتى تجنَّبه الهوى
|
|
كما اجتنب الجاني الدم الطالب دما
|
____________________
« فعليكم بهذه الخلائق » أي : الأخلاق العالية .
« فالزموها » .
قال الشاعر :
إنّي رأيتك للمكارم عاشقا
|
|
و المكرمات قليلة العشّاق
|
« و تنافسوا » أي : ارغبوا .
« فيها » قال تعالى : . و في ذلك فليتنافس المتنافسون
و ان هذه الصفات مؤدية إلى تلك الدرجات و في الحض على المكارم قال الشاعر :
هذي المكارم لا قعبان من لبن
|
|
شيبت بماء ثمّ عادت بعد أبوالا
|
« فان لم تستطيعوها فاعلموا ان أخذ القليل خير من ترك الكثير » فما لا يدرك كلّه لا يترك كله ، و الميسور لا يسقط المعسور .
و عن الصادق عليه السّلام الايمان عشر درجات بمنزلة السلّم له عشر مراقي و ترتقي منه مرقاة بعد مرقاة ، فلا يقولن صاحب الواحدة لصاحب الثانية لست على شيء حتى انتهي إلى العاشرة و كان سلمان في العاشرة و أبو ذر في التاسعة و المقداد في الثامنة .
هذا و عكس قوله عليه السّلام في أخ له قول بعضهم في ابن حمّاد الكاتب « هو و اللّه عيث في دينه قذر في دنياه ، رث في مروته ، سمج في هيئته ، منقطع إلى نفسه ، راض عن عقله ، بخيل بما وسع اللَّه عليه من رزقه ، كتوم لمّا آتاه اللَّه من فضله ، لجوج لا ينصف إلاّ صاغرا ، و لا يعدل إلاّ راغما ، و لا يرفع نفسه عن منزله إلاّ ذلّ بعد تعززه فيها » .
____________________
١٦
الخطبة ( ٢١٥ ) و من كلام له عليه السّلام :
قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ اَلْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ اَلطَّرِيقَ وَ سَلَكَ بِهِ اَلسَّبِيلَ وَ تَدَافَعَتْهُ اَلْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ اَلسَّلاَمَةِ وَ دَارِ اَلْإِقَامَةِ وَ ثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ اَلْأَمْنِ وَ اَلرَّاحَةِ بِمَا اِسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ أَرْضَى رَبَّهُ « قد احيى عقله » باماتة نفسه ، قيل للصادق عليه السّلام كما في ( الكافي ) ما العقل ؟ قال : ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ، قالوا فالذي كان في معاوية ؟ قال : تلك النكراء تلك الشيطنة شبيهة بالعقل و ليست بالعقل .
و قيل له عليه السّلام كما فيه أيضا فلان من عبادته و دينه و فضله كذا و كذا ،
فقال : كيف عقله ، ان الثواب على قدر العقل ، ان رجلا من بني اسرائيل كان يعبد اللَّه في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة الشجر ظاهرة الماء ، و ان ملكا من الملائكة مر به فقال يا رب ارني ثواب عبدك هذا ، فأراه فاستقله فأوحى إليه ان أصحبه فاتاه الملك في صورة انسي ، فقال له من أنت ؟ قال :
أنا رجل عابد بلغني مكانك و عبادتك في هذا المكان ، فاتيتك لأعبد اللَّه معك فكان معه يومه ذلك فلمّا أصبح قال له الملك : ان مكانك لنزه ، و ما يصلح إلاّ للعبادة فقال العابد :
ان لمكاننا هذا عيبا قال ما هو ؟ قال : ليس لربنا بهيمة فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع ، فان هذا الحشيش يضيع ، فقال له الملك : و ما لربك حمار فقال لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا ، فأوحى اللَّه تعالى إلى الملك انما اثيبه على قدر عقله .
و عنه عليه السّلام ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله ما كلّم العباد بكنه عقله قط ، و قال انّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس بقدر عقولهم .
و عنه عليه السّلام ( في خبر جنود العقل و الجهل ) ( ٧٥ ) فكان ممّا اعطى العقل الخير و هو وزيره و جعل ضده الشر وزير الجهل ، و منها الايمان و ضده الكفر و التصديق و ضده الجحود ، و الرجاء و ضده القنوط ، و العدل و ضدّه الجور ،
و الرضا و ضدّه السخط ، و الشكر و ضده الكفران ، و الطمع و ضده اليأس ،
و التوكل و ضده الحرص ، و الرأفة و ضدها القسوة ، و الرحمة و ضدها الغضب ،
و العلم و ضده الجهل ، و الفهم و ضده الحمق ، و العفة و ضدها التهتك ، و الزهد و ضده الرغبة .
و الرفق و ضده الخرق ، و الرهبة و ضدها الجرأة ، و التواضع و ضده الكبر ، و التؤدة و ضدها التسرع ، و الحلم و ضده السفه ، و الصمت و ضدّه الهدر ،
و الاستسلام و ضدّه الاستكبار ، و التسليم و ضده الشك ، و الصبر و ضده الجزع ، و الصفح و ضده الانتقام .
و الغنى و ضده الفقر ، و التذكّر و ضده السهو ، و الحفظ و ضده النسيان ،
و التعطف و ضده القطيعة ، و القنوع و ضده الحرص ، و المواساة و ضدها المنع ،
و المودة و ضدها العداوة ، و الوفاء و ضده الغدر ، و الطاعة و ضدها المعصية .
و الخضوع و ضدّه التطاول ، و السلامة و ضدها البلاء ، و الحب و ضده البغض ، و الصدق و ضده الكذب ، و الحقّ و ضده الباطل ، و الأمانة و ضدها الخيانة ، و الاخلاص و ضده الشوب ، و الشهامة و ضدها البلادة ، و الفهم و ضده الغباوة ، و المعرفة و ضدها الانكار .
و المداراة و ضدها المكاشفة ، و سلامة الغيب و ضدها المماكرة ،
و الكتمان و ضده الافشاء ، و الصلاة و ضدها الاضاعة ، و الصوم و ضده
الإفطار ، و الجهاد و ضده النكول ، و الحجّ و ضده نبذ الميثاق ، و صون الحديث و ضده النميمة .
و برّ الوالدين و ضدّه العقوق ، و الحقيقة و ضدها الرياء ، و المعروف و ضده المنكر ، و الستر و ضده التبرج ، و التقيّة و ضدها الاذاعة ، و الانصاف و ضده الحميّة ، و التهيئة و ضدها البغي .
و النظافة و ضدها القذر ، و الحياء و ضدها الخلع ، و القصد و ضده العدوان ، و الراحة و ضدها التعب ، و السهولة و ضدها الصعوبة ، و البركة و ضدها المحق ، و العافية و ضدها البلاء ، و القوام و ضده المكابرة ، و الحكمة و ضدها الهوى ، و الوقار و ضده الخفّة ، و السعادة و ضدها الشقاوة .
و التوبة و ضدها الاصرار ، و الاستغفار و ضده الاغترار ، و المحافظة و ضدها التهاون ، و الدعاء و ضده الاستنكاف ، و النشاط و ضده الكسل ، و الفرح و ضده الحزن و الألفة و ضدها الفرقة ، و السخاء و ضده البخل .
قال عليه السّلام لسماعة بن مهران لا تجتمع هذا الخصال من أجناد العقل إلاّ في نبيّ أو وصيّ نبيّ ، أو مؤمن قد امتحن اللَّه قلبه للايمان ، و اما ساير موالينا فانّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود ، حتى يستكمل ، و ينقى من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا .
« و أمات نفسه » بتغليب جنود العقل على جنود الجهل ، و هو الجهاد الأكبر ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله لقوم رجعوا من حرب الكفّار بلباس الحرب : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر و بقي عليهم الجهاد الأكبر .
كيف لا و قد قال سليمان عليه السّلام « الغالب لهواه أشدّ من الذي يفتح البلاد وحده ، و قال يوسف الصدّيق و ما ابرىء نفسي ان النفس لأمارة بالسوء إلاّ
ما رحم ربّي ان ربّي غفورٌ رحيمٌ
.
« حتى دقّ جليله » من كلفة اتيان العبادات بواسطة احياء عقله .
« و لطف غليظه » من شدّة ترك الشهوات بواسطة اماتة نفسه و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى
.
« و برق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق » أي : أوضحه أو اتضح كما في قوله :
لو دبّ ذر فوق ضاحي جلدها
|
|
لأبان من آثارهن حدور
|
و عليه فالطريق مرفوع و على الأول منصوب ، قال الجوهري : ابان و استبان و تبين تتعدى و لا تتعدى .
« و سلك به السبيل » استشهد له بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به .
.
« و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة » استشهد له بقوله تعالى : و هذا صراط ربك مستقيما قد فصّلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السّلام عند ربهم و هو وليهم بما كانوا يعملون
و اللَّه يدعو إلى دار السّلام و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
.
ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة أ لا تخافوا و لا
____________________
تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
.
« و دار الاقامة » استشهد له بقوله تعالى : جنات عدنٍ يدخلونها يُحلّون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤاً و لباسهم فيها حرير و قالوا الحمد للَّه الذي أذهب عنّا الحزن ان ربنا لغفور شكور الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصب و لا يمسنا فيها لغوب
.
ثم قوله عليه السّلام ( و برق له لامع كثيرا لبرق إلى و دار الاقامة ) استعارة و مثل و محصله ان العارفين باللَّه مثلهم كمثل من أراد مقصدا في ليل مظلم فبرق له سحاب لامع يتصل برقه فانكشف له الطريق فسلك مبصرا حتى وصل إلى مقصده سالما .
أخذ عليه السّلام مثله من عكس ما ضربه اللَّه تعالى للمنافقين في قوله تعالى :
مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلمّا اَضاءَت ما حوله ذهب اللَّه بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيّب من السماء فيه ظلماتٌ و رعدٌ و برقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت و اللَّه محيط بالكافرين
.
يكاد البرق يخطَفُ أبصارهم كلّما أضاء لهم مشَوا فيه و إذا أظلم عليهم قاموا و لو شاء اللَّه لذهب بسمعهم و أبصارهم ان اللَّه على كلّ شيءٍ قديرٌ
.
هذا و المشبه به في كلامه عليه السّلام معقول ، و قد وقع محسوسا في ( مناقب السبطين ) كما روي ففي ( عيون ) ابن بابويه ، ان الحسن و الحسين عليهما السّلام كانا
____________________
يلعبان عند النبي صلّى اللَّه عليه و آله حتى مضى عامة الليل ، ثم قال لهما انصرفا إلى امكما فبرقت برقة فما زالت تضيىء لهما حتى دخلا على فاطمة عليها السّلام و النبي صلّى اللَّه عليه و آله ينظر إلى البرقة ، فقال الحمد للَّه الذي أكرمنا أهل البيت .
و روى ( أماليه ) عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله مرض فعادته فاطمة و معها الحسنان عليهما السّلام فما أفاق من نومه ، فقالت لهما انصرفا حتى يفيق جدكما فقالا لسنا ببارحين فاضطجعا على عضدي النبي صلّى اللَّه عليه و آله فغفيا و انتبها قبل النبي صلّى اللَّه عليه و آله و قد كانت فاطمة عليه السّلام لمّا ناما انصرفت .
فقالا لعايشة ما فعلت أمّنا ؟ قالت لمّا نمتما رجعت فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد و برق ، و قد أرخت السماء عزاليها فسطع لهما نور فلم يزالا يمشيان في ذلك النور و يتحدثان حتى أتيا حديقة بني النجار الخبر بطوله هذا و قال ابن أبي الحديد بعد قوله عليه السّلام ( و برق له لامع ) الخ قال ابن سينا في ( اشاراته ) في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان ثم انّه إذا بلغت به الرياضة و الإرادة حدّا ما عنت له ( خلسات ) من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنّها بروق تومض إليه ، ثم تخمد عنه .
و هي التي تسمّى عندهم أوقاتا ، و كلّ وقت يكتنفه وجد إليه و وجد عليه ثم انّه ليكثر عليه هذه الغواشي ، إذا أمعن في الارتياض ثم انّه ليتوغل حتى يغشاه غير الارتياض ، فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جانب القدس فتذكر من أمره أمرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كلّ شيء و لعلّه إلى هذا الحد تستولي عليه غواشيه و يزول عن سكينته ، و يتنبه جليسه لاستنفاره عن قراره .
فاذا طالت عليه الرياضة لم يستنفره غاشية ، و هدى للتانس بما هو فيه ،
ثمّ انّه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوب ، مألوفا و الوميض شهابا بيّنا ، و يحصل له معارفه مستقره كأنّها صحّة مستمرة .
و يستمتع فيها ببهجته ، فإذا انقلب عنها انقلب حيران اسفا و قال القشيري لما ذكر الحال و الأمور الواردة على العارفين ، هي بروق تلمع ثم تخمد و أنوار تبدو ثم تخفى ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها .
و هي ثلاث مراتب : اللوائح ، ثم اللوامع ، ثم الطوالع ، فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال :
فافترقنا حولا فلمّا التقينا
|
|
كان تسليمه عليّ و داعا
|
و اللوامع أظهر من اللوائح و ليس زوالها بتلك السرعة ، و لكن كما قيل :
و العين باكية
|
|
لم تشبع النظرا
|
ثم الطوالع و هي أبقى وقتا قال ابن أبي الحديد و كلاهما يتبعان ألفاظ أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّه حكيم الحكماء ، و عارف العارفين ، و معلّم الصوفية و لو لا أخلاقه و كلامه و تعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله و تارة بفعله ، لمّا اهتدى أحد من هذه الطائفة و لا علم كيف يورد و لا كيف يصدر .
و قال ابن ميثم بعده آخذا معنى كلام ( الاشارات ) أشار عليه السّلام باللامع إلى ما يعرض للسالك عند بلوغ الإرادة بالرياضة به حدّا ما من الخلسات إلى الجناب الأعلى فيظهر له أنوار إلهية لذيذة شبيهة بالبرق في سرعة لمعانه و اختفائه .
و تلك اللوامع مسمّاة عند أهل الطريقة أوقاتا و كلّ وقت فانّه محفوف بوجد إليه ما قبله ، و وجد عليه ما بعده ، لأنّه لمّا ذاق تلك اللذة ثم فارقها حصل فيه حنين و أنين إلى ما فات منها ثم ان هذه اللوامع في مبدأ الأمر تعرض له قليلا فإذا أمعن في الارتياض كثرت فأشار عليه السّلام باللامع إلى نفس ذلك النور
و بكثرة برقه إلى كثرة عروضه بعد الامعان في الرياضة و كلّ منهما كما ترى .
و نقل ( الخوئى ) بعده المناجاة التاسعة من الخمس عشرة ، « يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة ، و سبحات وجهه لقلوب عارفيه شائفة » و الثانية عشر .
« الهي فاجعلنا من الذين توشجت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم ، و أخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم ، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، و في رياض القرب و المكاشفة يرتعون ، و من حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون ، و شرائع المصافاة يردون .
قد كشف الغطاء عن أبصارهم ، و انجلت ظلمة الريب عن عقائدهم في ضمائرهم و انتفت مخالجة الشك عن قلوبهم و سرائرهم ، و انشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم و علت لسبق السعادة في الزهادة هممهم ، و عذب في معين المعاملة شربهم .
و طاب في مجلس الأنس سرّهم ، و امن في موطن المخافة سربهم ،
و اطمأنت بالرجوع إلى ربّ الأرباب أنفسهم ، و تيقنت بالفوز و الفلاح أرواحهم ،
و قرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم ، و استقر بإدراك السؤل و نيل المأمول قرارهم » .
« و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة » استشهد له بقوله تعالى : اولئك يجزون الغرفة بما صبروا و يلقون فيها تحية و سلاما خالدين فيها حسنت مستقراً و مقاما
و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ
____________________
باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار
.
ان المتقين في جناتٍ و عيونٍ ادخلوها بسلام آمنين
.
« بما استعمل قلبه » هكذا في النسخ و فسّر باستعمال قلبه في ذكر ربه و حبسه عن إرادة سوى إرادته و يحتمل كونه محرف ( بما استغل قلبه ) من قولهم « استغل عبده » أي : كلّفه ان يغل عليه .
« و أرضى ربه » استشهد له بقوله تعالى : يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي
.
ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربّهم جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي اللَّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربه
و بقول الشعراء :
عند الصباح يحمد القوم السرى
|
|
و تنجلي عنهم غيابات الكرى
|
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا
|
|
و لم تدر اني للمقام أطوف
|
ما أبيض وجه المرء في طلب العلى
|
|
حتى تسوّد وجهه البيداء
|
فاطلب هدوا بالتقلقل و استثر
|
|
بالعيس من تحت السهاد هجودا
|
ما ان ترى الاحساب بيضا وضحا
|
|
إلاّ بحيث ترى المنايا سودا
|
هذا و في ( تاريخ بغداد ) ، لمّا مات داود بن نصير الطائي جاء ابن السماك فجلس على قبره ، ثم قال : ايها الناس ان أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الراحة على أبدانهم مع يسير الحساب غدا عليهم و ان أهل الرغبة تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب عليهم غدا و الزهادة راحة
____________________
لصاحبها في الدنيا و الآخرة .
رحمك اللَّه يا أبا سليمان ما كان أعجب شأنك لزمت نفسك الصبر حتى قويتها عليها أجعتها و أنت تريد شبعها ، و اظمأتها و أنت تريد ريّها ، أخشنت المطعم و انما تريد أطيبه و خشنت الملبس و انما تريد لينه .
أما كنت تشتهي في الطعام طيبه ، و من الماء بارده و من اللباس ليّنه بلى و لكنك أخّرت ذلك الخ و عن ذي النون المصري ان للَّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب و سقوها بماء التوبة فأثمرت ندما و حزنا ، فجنوا من غير جنون ، و تبلدوا من غير عي و لا بكم الخ .
و في ( عرائس ) الثعلبي روي ان اللَّه تعالى أوحى إلى إبراهيم انّك لمّا سلمت مالك إلى الضيفان ، و ابنك إلى القربان ، و نفسك إلى النيران ، و قلبك إلى الرحمن اتخذناك خليلا
.
١٧
الحكمة ( ٣٩٠ ) و قال عليه السّلام :
لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَ سَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ وَ سَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَ بَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَ يَجْمُلُ وَ لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ أقول و في ( عرائس ) الثعلبي عن أبي ذر قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : ممّا في صحف إبراهيم عليه السّلام على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له أربع ساعات :
____________________
ساعة يناجي فيها ربه ، و ساعة يتفكّر في صنع اللَّه تعالى ، و ساعة يحاسب فيها نفسه على ما قدّم و أخّر ، و ساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال و ترك الحرام في المطعم و المشرب و غيرهما »
.
و على العاقل ألا يكون ظاعنا إلاّ في ثلاث تزوّد لمعاده ، و مؤنة لمعاشه ،
و لذّة في غير محرّم .
« للمؤمن ثلاث ساعات » روى محمد بن بابويه في ( خصاله ) عن مالك بن أنس فقيه المدينة ، قال : كنت أدخل على الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام فيقدم لي مخدة و يعرف لي قدرا و كان عليه السّلام لا يخلو من احدى ثلاث خصال :
أما صائما ، و أما قائما ، و أما ذاكرا ، و كان من عظماء العباد ، و أكابر الزّهاد و الذين يخشون اللَّه تعالى و كان كثير الحديث طيب المجالسة ، كثير الفوائد ، فاذا قال قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أخضر مرّة ، و أصفر أخرى ، حتى ينكره من يعرفه .
و لقد حججت معه سنة فلمّا استوت به راحلته عن الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه و كاد يخر من راحلته فقلت قل يا ابن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فلابد لك من أن تقول فقال عليه السّلام :
يا ابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول « لبيك اللّهم لبيك » و أخشى أن يقول عز و جل لا لبيّك و لا سعديك .
« فساعة يناجي فيها ربه » في ( العيون ) عن محمد بن يحيى الصولي عن جدته قالت اشتريت مع عدّة جوار من الكوفة و كنت من مولداتها فحملنا إلى المأمون فكنّا في داره في جنّة من الأكل و الشرب و الطيب و كثرة الدنانير ،
فوهبني للرضا عليه السّلام .
____________________
فلمّا صرت في داره فقدت جميع ما كنت فيه من النعيم و كانت علينا قيّمة تنبهنا من الليل و تأخذنا بالصلاة و كان ذلك من أشدّ شيء علينا .
فكنت أتمنى الخروج من داره إلى ان وهبني لجدّك عبد اللَّه بن العباس فلمّا صرت إلى منزله كنت كأني قد أدخلت الجنّة .
و كان الرضا عليه السّلام إذا صلّى الغداة و كان يصليها في أول وقت ثم يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس ثم يقوم فيجلس للناس أو يركب و لم يكن يقدر أحد أن يرفع صوته في داره كائنا ما كان ، انما يتكلّم الناس قليلا قليلا .
« و ساعة يرمّ » بضم العين و كسره أي : يصلح .
« معاشه » فالعبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال .
« و ساعة يخلّى بين نفسه و بين لذّته في ما يحل و يجمل » في ( العيون ) كان الرضا عليه السّلام ضحكه التبسّم و كان إذا خلا و نصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه و مواليه حتى البوّاب البائس .
« و ليس للعاقل أن يكون شاخصا إلاّ في ثلاث مرمة لمعاش » رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللَّه و اقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب و الأبصار
.
« أو خطوة في معاد » في ( العيون ) كان الرضا عليه السّلام كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر و يقول : ذلك صوم الدهر و كان عليه السّلام كثير المعروف و الصدقة في السرّ ، و أكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة فمن زعم انّه رأى مثله في فضله فلا يصدّق .
و عن أبي الصلت : جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا عليه السّلام
____________________
بسرخس و قد قيّد فاستأذنت عليه السجّان فقال لا سبيل لك عليه قلت و لم ؟ قال لكونه ربما صلّى في يومه و ليله ألف ركعة .
و انما ينفلت من صلاته ساعة في صدر النهار و قبل الزوال ، و عند اصفرار الشمس فهو في هذه الأوقات قاعد في مصلاّه يناجي ربه .
« أو لذّة في غير محرم » في الاستيعاب زار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة ، فقال : ما شأنك قالت : ان أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا ، فلمّا جاء سلمان و جاء بطعام إلى سلمان قال له سلمان : اطعم قال : اني صائم ، قال أقسمت عليك ألا طعمت اني لست بآكل حتى تطعم .
و بات عنده فقام أبو الدرداء في الليل فحبسه سلمان و قال له ان لربك عليك حقّا ، و لأهلك عليك حقا ، و لجسدك عليك حقا ، فاعط كلّ ذي حق حقّه .
فلمّا كان وجه الصبح قال قم الآن فقاما فصليا ثم خرجا إلى الصلاة فأخبر أبو الدرداء بما قال سلمان النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله مثل سلمان .
و في ( تاريخ بغداد ) ، كان زيد بن صوحان يقوم الليل و يصوم النهار و إذا كانت ليلة الجمعة أحياها .
فكان يكرهها ممّا يلقى فيها ، فبلغ سلمان ما كان يصنع فأتاه ، فقال أين هو ؟ قالت امرأته ليس ههنا .
قال فاني اقسم عليك ، لمّا صنعت طعاما و لبست محاسن ثيابك ثم بعثت إليه فجاء فقرب الطعام فقال سلمان : كلّ يا زييد قال : اني صائم .
قال يا زييد لا ينقص دينك ، ان شرّ السير الحقحقة ، ان لعينك عليك حقا ،
و ان لبدنك عليك حقّا ، و ان لزوجتك عليك حقّا كل يا زييد فأكل و ترك ما كان يصنع .
١٨
الخطبة ( ٣٨ ) و من خطبة له عليه السّلام :
عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اَللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اَللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ اَلْحُزْنَ وَ تَجَلْبَبَ اَلْخَوْفَ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ اَلْهُدَى فِي قَلْبِهِ وَ أَعَدَّ اَلْقِرَى لِيَوْمِهِ اَلنَّازِلِ بِهِ فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ اَلْبَعِيدَ وَ هَوَّنَ اَلشَّدِيدَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ ذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ وَ اِرْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ فَشَرِبَ نَهَلاً وَ سَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ اَلشَّهَوَاتِ وَ تَخَلَّى مِنَ اَلْهُمُومِ إِلاَّ هَمّاً وَاحِداً اِنْفَرَدَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ اَلْعَمَى وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ اَلْهَوَى وَ صَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ اَلْهُدَى وَ مَغَالِيقِ أَبْوَابِ اَلرَّدَى قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ وَ سَلَكَ سَبِيلَهُ وَ عَرَفَ مَنَارَهُ وَ قَطَعَ غِمَارَهُ وَ اِسْتَمْسَكَ مِنَ اَلْعُرَى بِأَوْثَقِهَا وَ مِنَ اَلْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا فَهُوَ مِنَ اَلْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ اَلشَّمْسِ قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ اَلْأُمُورِ مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ وَ تَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ كَشَّافُ عَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ دَفَّاعُ مُعْضِلاَتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ يَقُولُ فَيُفْهِمُ وَ يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ اَلْعَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ اَلْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ يَصِفُ اَلْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلاَّ أَمَّهَا وَ لاَ مَظِنَّةً إِلاَّ قَصَدَهَا قَدْ أَمْكَنَ اَلْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ أقول : قال : ابن أبي الحديد هذا الكلام من الكلام الذي له ظاهر و باطن ،
فظاهره ان يشرح حال العارف المطلق ، و باطنه ان يشرح حال عارف معين
و هو نفسه و سيأتي في آخر الخطبة ما يدل على ذلك .
قلت : بل الظاهر انّه عليه السّلام أراد نفسه و أهل بيته ، و هو عليه السّلام و ان قال في طي الخطبة « و اعذروا من لا حجّة لكم عليه و هو انا ، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر و أترك فيكم الثقل الأصغر .
قد ركّزت فيكم راية الايمان و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام ،
و ألبستكم العافية من عدلي و فرشتكم المعروف من قولي و فعلي و أريتكم كرائم الأخلاق من نفسي » إلاّ أن قبله .
« فأين يتاه بكم و كيف تعمهون ، و بينكم عترة نبيّكم ، و هم أزمّة الحقّ و ألسنة الصدق ، فانزلوهم بأحسن منازل القرآن ، و ردّوهم ورود الهيم العطاش ، ايها الناس خذوا عن خاتم النبيين انّه يموت من مات منّا و ليس بميت ، و يبلى من بلى منّا و ليس ببال » .
بل و يمكن إضافة خواص أصحابه عليه السّلام كسلمان و أبي ذر و المقداد و عمّار و حذيفة و نظرائهم .
« عباد اللَّه ان من أحبّ عباد اللَّه عبد أعانه اللَّه على نفسه » حتى يمنعه من هواها قال يوسف الصديق عليه السّلام : . ان النفس لامارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي ان ربي غفورٌ رحيم
.
« فاستشعر الحزن » أي : جعل الحزن شعارا له كاللباس المباشر للجسد ،
و حزنه لماضيه لما أكثر فيه من العمل الصالح و لمّا يرى من غفلة الناس عن اللَّه تعالى قال تعالى لنبيّه صلّى اللَّه عليه و آله : فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا
.
____________________
« و تجلبب الخوف » أي : جعل الخوف من اللَّه جلبابا و ملحفة له .
« فزهر » أي : أضاء .
« مصباح الهدى في قلبه » في مناجاة المحبين : « يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة و سبحات وجهه لقلوب عارفيه شائفة » .
« و أعدّ القرى » القرى طعام الضيف .
« ليومه النازل به » عنه عليه السّلام طوبى لكلّ عبد نومة لا يؤبه له ، يعرف الناس و لا يعرفه الناس ، يقربه اللَّه منه برضوان أولئك مصابيح الهدى ، و ينابيع العلم ،
يتجلى عنهم كلّ فتنة مظلمة ليسوا بالمذاييع البذور ، و لا بالجفاة المرائين .
« فقرّب على نفسه البعيد » أي : يوم القيامة انهم يرونه بعيداً و نراه قريباً
.
« و هوّن الشديد » الصبر في الطاعة و عن المعصية و على المصيبة .
و في مناجاة المريدين : « قرّب علينا البعيد ، و سهّل علينا العسير الشديد » .
« نظر فأبصر » ليس كالذين قال تعالى فيهم : . لهم أعين لا يبصرون بها .
الآية .
« و ذكر » و زود الموت .
« فاستكثر » من الأعمال الصالحة .
« و ارتوى » من ( روى من الماء ) .
« من عذب » في ( الجمهرة ) « العذب ضد الملح ، و العذب كلّ مستسيغ من طعام أو شرب » قال ذو الأصبغ العدواني :
____________________
لو كنت ماء كنت لا
|
|
عذب المذاق و لا مسوسا
|
و المسوس كالشروب ما كان بين الملح و العذب .
« فرات » في غريب السجستاني ( فرات أعذب العذوبة ) .
« سهلت له موارده » أي : طرق ورود ذلك الماء العذب الفرات .
« فشرب نهلا » أي : شربا سكّن عطشه ، قال الشاعر :
نهلنا من دماء بني لؤيّ
|
|
و انهلنا القنا حتى روينا
|
« و سلك سبيلا جددا » بالفتح الأرض الصلبة ، و في المثل ( من سلك الجدد أمن العثار ) .
و في مناجاة المريدين : « سبحانك ما أضيق الطرق على من لم تكن دليله ، و ما أوضح الحق عند من هديته سبيله ، فاسلك بنا سبل الوصول إليك ،
و سيّرنا في أقرب الطرق للوفود عليك .
« قد خلع سرابيل » أي : قمص .
« الشهوات » المحرمة و المكروهة ، و لم يكن كمن قال تعالى فيه : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا
و اللَّه يريد أن يتوب عليكم و يريد الذين يتّبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً
زين للناس حبّ الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدنيا و اللَّه عنده حسن المآب
.
« و تخلى من الهموم إلاّ همّا واحدا انفرد به » أي : بذاك الهمّ .
____________________
و في مناجاة المريدين : « فأنت لا غيرك مرادي و لك لا لسواك سهري و سهادي ، و لقاؤك قرّة عيني ، و وصلك مني نفسي ، و إليك شوقي ، و في محبتك و لهي ، و إلى هواك صبابتي ، و رضاك بغيتي ، و رؤيتك حاجتي ، و جوارك طلبي ،
و قربك غاية سؤلي ، و في مناجاتك روحي و راحتي ، و عندك دواء علتي ، و شفاء غلتي ، و برد لوعتي و كشف كربتي » .
و في الكشي بكى أبو ذر من خشية اللَّه ، حتى اشتكى عينيه ، فخافوا عليهما ، فقيل له : يا أباذر لو دعوت اللَّه لهما فقال اني عنهما لمشغول ، قيل له و ما شغلك عنهما ؟ قال : العظيمتان الجنّة و النار .
« فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى » باتصافه بما مرّ .
« و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى » و في ( سفيانية ) الجاحظ : أن أبا ذر لمّا كان بالشام يأتي كلّ يوم على باب قصر معاوية و ينادي : أتاكم القطار يحمل النار ، اللّهم العن الآمرين بالمعروف ، التاركين له ،
اللّهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له
.
« قد أبصر طريقه و سلك سبيله » و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
« و عرف مناره » . و اتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون
و في ( الصحاح ) المنار علم الطريق ، و ذو المنار اسم ملك من اليمن ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع .
« و قطع غماره » قال الجوهري : ( غمار جمع الغمرة الزحمة من الناس
____________________
و الماء ) قال تعالى : و إذا مروا باللغو مروا كراما
.
و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
.
« استمسك من العرى بأوثقها » . فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .
.
« و من الحبال بأمتنها » قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله « اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه و عترتي حبلان ممدودان من السماء ، و انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » .
« فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس » كان عليه السّلام يقول لو كشف الغطاء ما أزددت يقينا و قالوا لا يجوز لك الشهادة إذا لم يكن ما تشهد به عندك مثل ضوء الشمس .
« قد نصب نفسه للَّه سبحانه في أرفع الأمور » قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : ان العلماء ورثة الأنبياء ، و ان الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر .
« من اصدار كلّ وارد عليه » يقال ورد الماء و صدر عن الماء ( و فلان يورد و يصدر ) إذا كان يتم ما أخذ فيه ( و يورد و لا يصدر ) إذا كان لا يتمه .
« و تصيير كلّ فرع إلى أصله » روى الثلاثة انّه عليه السّلام أتى بأخرس فادّعى عليه دين ، و لم يكن للمدعي بيّنة فقال : الحمد للَّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للأمة جميع ما تحتاج إليه ثم قال :
____________________
إئتوني بمصحف ، فأتي به فقال للأخرس ما هذا ؟ فرفع رأسه إلى السماء و أشار إلى انّه كتاب اللَّه تعالى فكتب عليه السّلام و اللَّه الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب و الشهادة ، الرحمن الرحيم ، الطالب الغالب ، الضار النافع ، المهلك المدرك ، الذي يعلم السر و العلانية ، ان فلان بن فلان المدّعي ليس له قبل فلان بن فلان حق و لا طلبة بوجه و لا بسبب ثم غسله و أمر الأخرس ان يشربه فامتنع فالزمه الدين .
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ و له أصل في كتاب اللَّه و في خبر آخر كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم و خبر ما بعدكم و فصل ما بينكم و نحن نعلمه .
« مصباح الظلمات » أي : سراجها قالت الخنساء :
خطاب معضلة فراج مظلمة
|
|
ان جاء مفظعة هيأ لها بابا
|
« كشاف عشاوات » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عشوات ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئى ) و قال الجوهري : العشوة ان تركب أمرا على غير بيان .
« مفتاح مبهمات » أي : مغلقات و كان عليه السّلام يقول كرارا على المنبر « سلوني قبل أن تفقدوني أنا أعلم بطرق السماء من الأرض ، و لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و أهل الانجيل بانجيلهم و أهل الفرقان بفرقانهم » .
« دفّاع معضلات » في النهاية قال عمر : « أعوذ باللَّه من كلّ معضلة ليس لها أبو الحسن » و جاءت معاوية مسألة مشكلة فقال : « معضلة و لا أبا الحسن » .
« دليل فلوات » البراري و القفار .
« يقول فيفهم » لأنّه لا يقول إلاّ شيئا تقبله العقول و تهش إليه النفوس .
« و يسكت » في موضع يكون القول ضارا .
« فيسلم » من مفاسد الكلام .
« قد أخلص للَّه فاستخلصه » كما قال تعالى لموسى عليه السّلام : و اصطنعتك لنفسي
.
« فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه » في الباطن كما ان الجبال أوتادها في الظاهر قال الصادق عليه السّلام لو بقيت الأرض بغير امام لساخت .
« قد ألزم نفسه العدل » . اعدلوا هو أقرب للتقوى
.
« فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه » و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى
.
« يصف الحق و يعمل به » بخلاف كثير من الناس يقتصرون على الوصف بدون العمل .
« لا يدع للخير غاية إلاّ أمِّها » أي : أرادها ، كما قال احد الشعراء :
إذا ما رأية رفعت لمجد
|
|
تلقّاها عرابة باليمين
|
« و لا مظنة » قال الجوهري مظنة الشيء موضعه الذي يظن كونه فيه قال النابغة ( فان مظنة الجهل الشباب ) .
« إلاّ قصدها » قال تعالى : ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون و الذين هم بآيات ربِّهم يؤمنون و الذين هم بربهم لا يشركون و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انّهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
____________________
انهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و رهبا و كانوا لنا خاشعين
.
« قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده و إمامه » ذاك العبد .
« يحلّ حيث حل ثقله » أي : ثقل الكتاب .
« و ينزل حيث كان منزله » قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله في أهل بيته و كتاب ربه انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض .
و في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام إذا حدثتكم بشيء فاسألوني أين هو من كتاب اللَّه ، ثم قال عليه السّلام : نهى النبي صلّى اللَّه عليه و آله عن القيل و القال ، و فساد المال و كثرة السؤال .
فسألوه اين هي منه فقال عليه السّلام في قوله تعالى : لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس . و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل اللَّه لكم فيها قياما .
و لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم .
.
و فيه خطب النبي صلّى اللَّه عليه و آله بمنى فقال : أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب اللَّه فأنا قلته ، و ما جاءكم يخالف كتاب اللَّه فلم أقله ، و قال الصادق عليه السّلام كلّ حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو زخرف .
و لمّا أراد عبد الرحمن بن عوف من أمير المؤمنين عليه السّلام أن يبايعه و يجعل الأمر له لجعل عمر له حكما بشرط عمله بسنّة الشيخين قال : لا أعلم و لا أعمل إلاّ بكتاب اللَّه و سنّة رسوله و كذلك لمّا أراد الخثعمي منه عليه السّلام
____________________
ذلك بعد خروج الخوارج ، قال ابن قتيبة في ( خلفائه ) ، أبى الخثعمي إلاّ سنّة أبي بكر و عمر و أبي عليّ عليه السّلام إلاّ كتاب اللَّه و سنّة نبيّه فقال له علي عليه السّلام :
أما و اللَّه لكأني بك قد نفرت في هذه الفتنة ، و كأني بحوافر خيلي قد شدخت وجهك قال قبيصة فرأيته يوم النهروان قتيلا و قد وطأت الخيل وجهه و شدخت رأسه فذكرت قول علي عليه السّلام و قلت للَّه در أبي الحسن ما حرّك شفتيه قطّ بشيء إلاّ كان كذلك .
١٩
الخطبة ( ١٥١ ) منها :
سَبِيلٌ أَبْلَجُ اَلْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ اَلسِّرَاجِ فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلصَّالِحَاتِ وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلْإِيمَانِ وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ اَلْعِلْمُ وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ اَلْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ اَلدُّنْيَا وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ اَلْآخِرَةُ وَ إِنَّ اَلْخَلْقَ لاَ مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ اَلْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى اَلْغَايَةِ اَلْقُصْوَى قول المصنف ( منه ) هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ( منها ) قوله عليه السّلام .
« سبيل » خبر و مبتدؤه ضمير راجع إلى المذكور قبله الذي حذفه المصنف و لعلّه الدين و يحتمل أن يكون المراد الايمان لقوله بعد ( فبالايمان ) .
« أبلج » أي : مشرق مضيء .
« المنهاج » أي : الطريق الواضح .
و ان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
____________________
« أنور السراج » . و جعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها .
.
« فبالايمان يستدل على الصالحات و بالصالحات يستدل على الايمان » جعل ابن أبي الحديد الايمان الأول بالمعنى اللغوي و هو التصديق و الثاني بالمعنى الشرعي العقد بالجنان و القول باللسان و العمل بالأركان لئلا يلزم الدور .
إلاّ ان ما توهمه و هم فالاستدلال بالايمان على الصالحات قياس لمى و بالعكس اني نظير ان يقال يستدل بالنار على الدخان و بالدخان على النار و لا دور ، و المراد ان كلاّ منهما يدلّ على الآخر و للاستلزام بين الايمان و عمل الصالحات كرره اللَّه تعالى في كتابه ، فورد الجمع بينهما في الآيات : ( البقرة ) ( ٢٥ ) ( ٨٢ ) ( ٢٧٧ ) ( آل عمران ) ( ٥٧ ) ( النساء ) ( ٥٧ ) ( ١٢٢ ) ( ١٧٣ ) ( المائدة ) ( ٩ ) ( ٩٣ ) ( ٩٣ ) أيضا ( الأعراف ) ( ٤٢ ) ( يونس ) ( ٤ ) ( ٩ ) ( هود ) ( ٢٣ ) ( الرعد ) ( ٢٩ ) ( إبراهيم ) ( ٢٣ ) .
( الكهف ) ( ٣٠ ) ( ١٠٧ ١٠٨ ) ( الحج ) ( ١٤ ) ( ٢٣ ) ( ٥٠ ) ( ٥٦ ) ( العنكبوت ) ( ٧ ) ( ٩ ) ( ٥٨ ) ( الروم ) ( ١٥ ) ( ٤٥ ) ( لقمان ) ( ٨ ٩ ) ( السجدة ) ( ١٩ ) ( سبأ ( ٤ ) ( فاطر ) ( ٧ ) ( ص ) ( ٢٤ ) ( ٢٨ ) ( المؤمن ) ( ٥٨ ) .
( الشورى ) ( ٢٢ ) ( ٢٣ ) ( ٢٦ ) ( الجاثية ) ( ٢١ ) ( ٣٠ ) ( محمّد ) ( ٢ ) ( ١ ) ( الفتح ) ( ٢٩ ) ( الطلاق ) ( ١١ ) ( الانشقاق ) ( ٢٥ ) ( البروج ) ( ١١ ) ( التين ) ( ٥ ٦ ) ( البينة ) ( ٧ ٨ ) ( العصر ) ( ٣ ) و ها ننقلها .
١ و بشر الذين آمنوا و عملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار .
.
____________________
٢ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون
.
٣ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات و اقاموا الصلاة و آتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون
.
٤ و اما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم و اللَّه لا يحبّ الظالمين
.
٥ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهّرة و ندخلهم ظلاًّ ظليلا
.
٦ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وعد اللَّه حقّاً و من أصدق من اللَّه قيلا
.
٧ فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم و يزيدهم من فضله .
.
٨ وعد اللَّه الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة و أجر عظيم
.
٩ ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح في ما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و أحسنوا
____________________
و اللَّه يحبّ المحسنين
.
١٠ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون
.
١١ . ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات بالقسط .
.
١٢ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجري من تحتِهمُ الأنهار في جنات النعيم
.
١٣ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات و اخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون
.
١٤ الذين آمنوا و عملوا الصالحات طوبى لهم و حسن مآب
.
١٥ و ادخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام
.
١٦ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات انّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً
.
١٧ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات كانت لهم جنّات الفردوس نزلاً خالدين فيها لا يبغون عنها حولا
.
____________________
١٨ ان اللَّه يُدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنّات تجري من تحتها الأنهار ان اللَّه يفعل ما يريد
.
١٩ ان اللَّه يُدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤاً و لباسهم فيها حرير
.
٢٠ فالذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة و رزق كريم
.
٢١ . فالذين آمنوا و عملوا الصالحات في جنات النعيم
.
٢٢ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنكفّرن عنهم سيئاتهم و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون
.
٢٣ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين
.
٢٤ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنّة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين
.
٢٥ فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون
.
٢٦ ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات من فضله .
.
____________________
٢٧ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد اللَّه حقّاً و هو العزيز الحكيم
.
٢٨ اما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم جنّات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون
.
٢٩ ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة و رزقٌ كريم
.
٣٠ . و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة و أجر كبير
.
٣١ . و ان كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم .
.
٣٢ أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار
.
٣٣ و ما يستوي الأعمى و البصير و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و لا المسيء قليلاً ما تتذكرون
.
٣٤ ترى الظالمين مشفقين ممّا كسبوا و هو واقع بهم و الذين آمنوا و عملوا الصالحات في روضات الجنّات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير
.
____________________
٣٥ ذلك الذي يبشّر اللَّه عباده الذين آمنوا و عملوا الصالحات .
.
٣٦ و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله .
.
٣٧ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون
.
٣٨ فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين
.
٣٩ و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و آمنوا بما نزل على محمّد و هو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم و أصلح بالهم
.
٤٠ ان اللَّه يدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار .
.
٤١ . وعد اللَّه الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و أجراً عظيما
.
٤٢ . ليخرج الذين آمنوا و عملوا الصالحات من الظلمات إلى النور
.
____________________
٤٣ إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون
.
٤٤ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير
.
٤٥ ثم رددناه أسفل سافلين إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون
.
٤٦ ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جَنّاتُ عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضى اللَّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربّه
.
٤٧ و العصر إِنَّ الانسانَ لفي خسرٍ إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحقِّ و تواصوا بالصبر
.
هذا ما ورد بلفظ « آمنوا و عملوا الصالحات » و ورد بلفظ آخر .
١ عن ذي القرنين : و أما من آمن و عمل صالحاً فله جزاء الحسنى و سنقول له من أمرنا يسراً
.
٢ و اني لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحاً ثم اهتدى
.
٣ و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق اثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا إلاّ من تاب و آمن و عمل عملاً صالحاً فأولئك يبدّل
____________________
اللَّه سيئاتهم حسنات و كان اللَّه غفوراً رحيما
.
٤ فأما من تاب و آمن و عمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين
.
٥ و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللَّه خير لمن آمن و عمل صالحاً و لا يُلقّاها إلاّ الصابرون
.
٦ و ما أموالكم و لا أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى إلاّ من آمن و عمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا و هم في الغرفات آمنون
.
٧ . و من يؤمن باللَّه و يعمل صالحاً يكفّر عنه سيئاته و يدخله جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم
.
٨ ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم و يبشّرُ المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجراً كبيراً
.
٩ . و يبشّرَ المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً
.
١٠ إلاّ من تاب و آمن و عمل صالحاً فاولئك يدخلون الجنّة و لا يظلمون شيئاً
.
____________________
١١ . و من يؤمن باللَّه و يعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن اللَّه له رزقاً
.
١٢ مَنْ عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى و هو مؤمنٍ فلنحيينَّه حياةً طيبةً .
.
١٣ . فمن كان يرجو لقاء ربِّه فليعمل عملاً صالحاً و لا يشرك بعبادة ربه احداً
و المجموع ستون .
« و بالايمان يعمر العلم » في ( الكافي ) قال عيسى عليه السّلام للحواريين :
بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبّر ، و كذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل .
و فيه جاء رجل إلى السجّاد عليه السّلام فسأله عن مسائل فأجابه ، ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال عليه السّلام مكتوب في الانجيل ، لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ،
و لمّا تعملوا بما علمتم ، فان العلم إذا لم يعمل به صاحبه لم يزدد صاحبه إلاّ كفرا و لم يزدد من اللَّه إلاّ بعدا .
و عن الصادق عليه السّلام قيل له عليه السّلام بم يعرف الناجي من الهالك ؟ فقال عليه السّلام :
من كان فعله لقوله موافقا .
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام ان العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله ، بل الحجّة عليه أعظم .
« و بالعلم يرهب الموت » و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انّهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« و بالموت تختم الدنيا » يمكن أن يراد بموت كلّ انسان يختم دنياه ، و ان
____________________
يراد بموت كلّ الناس تختم دنياهم ، يومَ هُم بارزون لا يخفى على اللَّه منهم شيء لِمن المُلك اليوم للَّه الواحد القهّار
.
« و بالدنيا تحرز الآخرة » فان الدنيا مزرعة الآخرة ، و متجرة الآخرة ، و زاد ابن أبي الحديد و ابن ميثم و ( حو ) « و بالقيامة تزلف الجنّة للمتّقين و تبرَّز الجحيمُ للعاوين فلابد من حصول سقط في ( المصرية ) .
« و ان الخلق لا مقصر » بكسر الصاد .
« لهم عن القيامة » ثم انّكم بعد ذلك لميتون ثم انّكم يوم القيامة تبعثون
.
« مرقلين » من ( الرقل الجمل ) اسرع قال النابغة :
إذا استنزلوا للطعن عنهن ارقلوا
|
|
إلى الموت ارقال الجمال المصاعب
|
« في مضمارها » أي : مضمار الدنيا ، و المضمار الموضع الذي تجري فيه الخيل .
« إلى الغاية القصوى » أي : البعيدة . فاستبقوا الخيرات اينما تكونوا يأتِ بكم اللَّه جميعاً .
. فاستبقوا الخيرات إلى اللَّه مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
.
سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنّة عرضها كعرض السماء و الأرض أُعدت للذين آمنوا باللَّه و رسله .
و السابقون السابقون اولئك
____________________
المقرّبون في جنات النعيم
.
٢٠
في الخطبة ( ١٨٦ ) أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ اَلْمُوجِبَةُ عَلَى اَللَّهِ حَقَّكُمْ وَ أَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ وَ تَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اَللَّهِ فَإِنَّ اَلتَّقْوَى فِي اَلْيَوْمِ اَلْحِرْزُ وَ اَلْجُنَّةُ وَ فِي غَدٍ اَلطَّرِيقُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ وَ سَالِكُهَا رَابِحٌ وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً إِذَا أَعَادَ اَللَّهُ مَا أَبْدَى وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا أُولَئِكَ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً وَ هُمْ أَهْلُ صِفَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ اَلشَّكُورُ ١٩ ٢٣ ٣٤ : ١٣ فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا وَ كُظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا وَ اِعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ وَ اِقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ وَ أَشْعِرُوا بِهَا قُلُوبَكُمْ وَ اِرْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ وَ دَاوُوا بِهَا اَلْأَسْقَامَ وَ بَادِرُوا بِهَا اَلْحِمَامَ وَ اِعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا وَ لاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا أَلاَ فَصُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا « أوصيكم بتقوى اللَّه » لأنها مدار قبول الأعمال ، قال تعالى : . انما يتقبّل من المتقين
.
« فانها حق اللَّه عليكم و الموجبة على اللَّه حقكم » في الفقيه عن السجّاد عليه السّلام في خبر طويل في الحقوق :
____________________
« حق اللَّه الأكبر عليك أن تعبده ، و لا تشرك به شيئا ، فإذا فعلت ذلك بإخلاص ، جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا و الآخرة » .
« و ان تستعينوا عليها باللَّه » أي : على تحصيلها .
« و تستعينوا بها على اللَّه » أي : على تحصيل رضاه .
و استعينوا بالصبر و الصلاة و انها لكبيرة إلاّ على الخاشعين الذين يظنون انّهم ملاقوا ربهم و انّهم إليه راجعون
يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة ان اللَّه مع الصابرين
.
« فان التقوى في اليوم الحرز » أي : الحصن .
« و الجنّة » بالضم أي : الترس .
و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض .
. و من يتق اللَّه يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب .
، فأما من أعطى و اتقى و صدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى
، ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح في ما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و احسنوا و اللَّه يحبّ المحسنين
.
« و في غد الطريق إلى الجنّة » الذين آمنوا و كانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة لا تبديل لكلمات اللَّه ذلك هو
____________________
الفوز العظيم
.
تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
. للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و أزواج مطهّرة و رضوان من اللَّه و اللَّه بصير بالعباد ٣ الذين يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين و الصادقين و القانتين و المنفقين و المستغفرين بالأسحار
.
« مسلكها واضح » و ان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله
.
« و سالكها رابح » قد أفلح من زكّاها و قد خاب من دسّاها
قد أفلح من تزكى و ذكر اسم ربه فصلّى
قد أفلح المؤمنون
إلى أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
.
ان اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنّة . إلى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم
.
« و مستودعها » أي : مستحفظها .
____________________
( ١٠ ) التوبة : ١١١ .
قال الشاعر :
استودع العلم قرطاساً فضيّعه
|
|
فبئس مستودع العلم القراطيس
|
و مستودعها و هو اللَّه تعالى .
« حافظ » قال تعالى : . انّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً
. و ما كان اللَّه ليضيع ايمانكم .
.
« لم تبرح » أي : لم تزل التقوى .
« عارضة نفسها » قال الفراء في قوله تعالى و عرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا
أي ابرزناها لهم حتى نظروا إليها و قال الأساس في قول الكميت :
ليالينا إذ لا تزال تروّعنا
|
|
معرضة منهم بكر و ثيب
|
يعرضون الجارية على الخاطب ثم يحجبونها ليرقب فيها .
« على الامم الماضين منكم و الغابرين » أي : الباقين .
« لحاجتهم إليها غدا » يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه و لتنظر نفس ما قدمت لغدٍ و اتقوا اللَّه ان اللَّه خبير بما تعملون
.
و ان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا
.
« إذا أعاد اللَّه ما أبدى » منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم
____________________
تارة اُخرى
.
« و أخذ ما أعطى » و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم .
.
« و سأل عمّا أسدى » إلى الخلق .
أنعم عليهم قال تعالى : ثمَّ و لتسئلن يومئذ عن النعيم
.
« فما أقل من قبلها و حملها حق حملها » نظير قوله تعالى . و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان اللَّه فما رعوها حق رعايتها .
.
« أولئك » أي : القابلون للتقوى الحاملون لها حق حملها .
« الأقلون عددا ، و هم أهل صفة اللَّه سبحانه إذ يقول » :
و قليلٌ من عبادي الشكور
الآية ( ١٣ ) من سبأ و قبلها . اعملوا آل داود شكرا .
.
و نظيرها أيضا قوله سبحانه : . و ان كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم .
في قصّة الملكين و قول أحدهما لداود ان هذا أخي له تسع و تسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها و عزَّني في الخطاب
.
____________________
« فاهطعوا » قال الجوهري : اهطع إذا مد عنقه و صوّب رأسه .
« بأسماعكم إليها » و قال ابن أبي الحديد و ابن ميثم و يروي بدل ( فاهطعوا باسماعكم إليها ) ( فانقطعوا باسماعكم إليها ) .
« و كظوا » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و واكظوا ) أو ( و الظوا ) نقل ابن ميثم الأول و جعل الثاني رواية و ابن أبي الحديد عكس و معناهما قريب ،
فالمواكظة المداومة ، و الألظاظ الإلحاح و لا معنى لكظ فكظه أي غمّه .
« بجدكم عليها و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا و من كلّ مخالف موافقا » لأن الإنسان إذا كان معه التقوى لا يضرّه ذهاب ماله و أهله و اقتداره بل و مخالفة جميع أهل الدنيا معه ، كما انّه مع مفارقته عنها لا ينفعه جميع ذلك ، لأنّه بالتقوى يكون اللَّه تعالى معه .
ان اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون
و اللَّه خلف عن كلّ شيء و ليس شيء خلفا عنه .
و في ( الطبري ) ان الحرّ في الطريق كان يساير الحسين عليه السّلام و يقول : لئن قاتلت لتقتلن فقال عليه السّلام أفبالموت تخوفني ؟ أقول لك : ما قال أخو الأوس لابن عمه لقيه و هو يريد نصرة النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال له أين تذهب فانك مقتول فقال :
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى
|
|
إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما
|
و لمّا انتهى الحسين عليه السّلام إلى عذيب الهجانات إذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم مع دليلهم الطرماح بن عدي و هو ينشد أبياتا منها :
أتى اللَّه به لخير أمر
|
|
ثمت ابقاه بقاء الدهر .
|
فقال عليه السّلام أما و اللَّه اني لأرجو أن يكون خيرا ما أراد اللَّه بنا قتلنا أم ظفرنا
____________________
و لنعم ما قيل بالفارسية كالعربية :
هزار دشمنم ار ميكنند قصد هلاك
|
|
گرم تو دوستى از دشمنان ندارم باك
|
و ما نبالي إذا ما كنت جارتنا
|
|
الا يجاورنا الاك ديار
|
« و اقطعوا بها يومكم » . و سبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها و من آناء الليل فسبّح و أطراف النهار لعلّك ترضى
.
« و اشعروا بها قلوبكم » أي : اجعلوا التقوى شعارا لكم لا دثارا ، و المراد اجعلوها حقيقية لا ظاهرية ، قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله له عليه السّلام اشهد ان الايمان خالط لحمك و جسدك كما خالط لحمي و جسدي .
« و ارحضوا » من ( رحض ثوبه ) غسله .
« بها ذنوبكم » . و من يتق اللَّه يكفّر عنه سيئاته و يعظّم له أجرا
.
« و داووا بها الأسقام » من الصفات الذميمة . قد جاءتكم موعظه من ربكم و شفاء لمّا في الصدور .
.
« و بادروا بها الحمام » بالكسر الموت المقدر ، و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم و جلة انهم إلى ربّهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
« و اعتبروا بمن أضاعها » فأخذه اللَّه نكال الآخرة و الأولى ان في ذلك
____________________
لعبرة لمن يخشى
.
« و لا يعتبرن بكم من أطاعها » قالوا ء انَّك لاَنتَ يوسف قال أنا يوسف و هذا أخي قد منَّ اللَّه علينا انّه من يتق و يصبر فان اللَّه لا يضيع أجر المحسنين قالوا تاللَّه لقد آثرك اللَّه علينا و ان كنّا لخاطئين
.
قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه و انّه لمن الصادقين
.
« ألا و صونوها » كما تصونون ذهبكم و نفائس أمتعتكم .
« و تصونوا بها » كما تتصونون في الحرب بأسلحتكم ، و كما تتصونون عن الأعداء بحصونكم و معاقلكم .
٢١
الخطبة ( ١٩٣ ) أَمَّا بَعْدُ فَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي اِبْتَدَأَ خَلْقَكُمْ وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ فَإِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اَللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ وَ دَخِيلاً دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاَعِكُمْ وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلاً لِحِينِ وُرُودِكُمْ وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ
____________________
قُبُورِكُمْ وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ فَإِنَّ طَاعَةَ اَللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ اَلشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ اِحْلَوْلَتْ لَهُ اَلْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ اِنْفَرَجَتْ عَنْهُ اَلْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ اَلصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ اَلْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ اَلنِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ اَلْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ اِمْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَ اُخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ « أما بعد فأوصيكم » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( فاني أوصيكم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« بتقوى اللَّه الذي ابتدأ خلقكم » قال شعيب لقومه : و اتقوا الذي خلقكم و الجبلَّة الأولين
.
« و إليه يكون معادكم » . و تناجوا بالبر و التقوى و اتقوا اللَّه الذي إليه تحشرون
.
« و به نجاح طلبتكم » قال هود لقومه : و اتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون أمدكم بأنعام و بنين و جنّات و عيون
.
« و إليه منتهى رغبتكم » و إذا مسّكم الضرّ في البحر ضلّ من تدعون إلاّ إيّاه .
.
____________________
« و نحوه قصد سبيلكم » أمن يهديكم في ظلمات البر و البحر و من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ءإِله مع اللَّه .
.
« و إليه مرامي مفزعكم » أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء .
.
و إلى هنا عدّد ست صفات توجب اتّقاءه تعالى .
« فان تقوى اللَّه » و من هنا إلى الثامنة من الفوائد عد أيضا عللا لوجوب الاتقاء و الاتصاف بالتقوى أيضا .
« دواء داء قلوبكم » فالقلوب تمرض كما تمرض الأبدان كما قال تعالى في المنافقين : في قلوبهم مرض .
و دواء مرضها التقوى . و من يعظم شعائر اللَّه فانها من تقوى القلوب
.
« و بصر عمى أفئدتكم » فان الأفئدة تعمى كما تعمى العيون قال تعالى :
أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور
.
« و شفاء مرض أجسادكم » قيل لأن مرض الأجساد في الأغلب من كثرة الأكل و المتقي أكله قليل .
قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله المنافق يأكل في سبعة أمعاء و المؤمن في معاء واحد و ورد ان كافرا ورد على النبي صلّى اللَّه عليه و آله ضيفا فحلب له سبع شياة فشربها ثم أسلم في غده فما أتمّ حلب واحدة .
____________________
« و صلاح فساد صدوركم » فمن يُّرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للاسلام و من يُّرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنما يصَّعَّد في السماء كذلك يجعل اللَّه الرجس على الذين لا يؤمنون
.
« و طهور دنس أنفسكم » . فنصف ما فرضتم إلاّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح و ان تعفو أقرب للتقوى و لا تنسوا الفضل بينكم ان اللَّه بما تعملون بصير
.
« و جلاء غشاء أبصاركم » فمع عدم التقوى تكون على الأبصار غشاوة كما قال تعالى في المنافقين : . و على أبصارهم غشاوة .
و بها تجلى تلك الغشاوة .
« و أمن فزع جأشكم » أي : قلبكم و الأصل فيه الاضطراب قال :
أقول لها إذا جشأت و جاشت
|
|
مكانك تحمدي أو تستريحي
|
فمن اتقى و أصلح فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون
من جاء بالحسنة فله خير منها و هم من فزع يومئذ آمنون
لا يحزنهم الفزع الأكبر و تتلقاهم الملئكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون
.
« و ضياء سواد ظلمتكم » أو من كان ميتاً فأحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما
____________________
كانوا يعملون
.
« فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا دون دثاركم » يعني إذا كانت التقوى بتلك المرتبة من الوجوب و هذه الدرجة من الفوائد فلا تجعلوها دثارا بل شعارا و الشعار ما ولى الجسد من الثياب و الدثار ما كان من الثياب فوق الشعار .
« و دخيلا دون شعاركم » بالغ عليه السّلام في الالتزام بها بأن الشعار لا يكتفى به لها بل ينبغي جعلها دخيلا في البدن كالروح .
« و لطيفا بين أضلاعكم » يعني مطلق الدخيل أيضا لا ينبغي لها بل تجعل كالقلب من ساير الأعضاء الباطنية .
« و أميرا فوق أموركم » بمعنى إذا دار الأمر بين الأخذ بالتقوى و اختلال امور دنياه و تركه و نجاح امورها فاجعلوها أميرا فوقها فخذوا بالتقوى و ذروا أمور الدنيا كما كان عليه السّلام نفسه ترك سلطنته الظاهرية يوم الشورى لئلا يلزم بسنّة النفرين المخالفة سنّتها للكتاب و حكم اللَّه و رضى بتفرّق الناس عنه و لحوقهم بمعاوية دون ان يفضّل الاشراف كما فعل عمر ذلك خلافا للنبي صلّى اللَّه عليه و آله فعود الناس به .
« و منهلا » أي : المورد في الماء .
« لحين ورودكم » الماء ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون
.
« و شفيعا لدرك طلبتكم » يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه و ابتغوا إليه الوسيلة و جاهدوا في سبيله لعلّكم تفلحون
.
____________________
« و جنة ليوم فزعكم » و ان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا
و عن الصادق عليه السّلام قال : ألا أخبركم بأبواب الخير ؟ قالوا بلى ، قال : الصوم جنّة من النار الخبر .
« و مصابيح لبطون قبوركم » لم يقل عليه السّلام ( مصباحا ) كما قال ( و جنة ) لأن المطلوب تعدّد المصباح .
« و سكنا لطول وحشتكم » في البرزخ و المحشر .
و عن الصادق عليه السّلام إذا بعث المؤمن من قبره خرج معه مثال من قبره يقدمه امامه ، و كلّما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة ، قال له مثال لا تحزن و لا تفزع و ابشر بالسرور و الكرامة حتى يقف بين يديه تعالى فيحاسبه حسابا يسيرا ، و يؤمر له إلى الجنّة و المثال أمامه فيقول له : نعم الخارج كنت معي من قبري ، و ما زلت تبشّرني فمن أنت ؟ فيقول : السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن خلقني منه لأبشرك .
« و نفسا لكرب مواطنكم » و في الكافي عن الصادق عليه السّلام من أعان مؤمنا نفّس اللَّه عنه ثلاثا و سبعين كربة ، واحدة في الدنيا و ثنتين و سبعين عند كربه العظمى حيث يتشاغل الناس بأنفسهم .
و عنه عليه السّلام من نفّس عن مؤمن كربة نفّس اللَّه عنه كرب الآخرة ، و خرج من قبره و هو ثلج الفؤاد .
« فان طاعة اللَّه حرز » أي : حفظ .
« من متالف » أي : موجبات التلف .
« مكتنفة » أي : محيطة .
« و مخاوف » أي : أسباب خوف .
____________________
« متوقعة » أي : منتظرة الوقوع ، و من يطع اللَّه و الرسول فاولئك مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من اللَّه و كفى باللَّه عليما
.
« واوار » بالضم أي : حرارة ، قال ملغزا : « و النار قد تشفي من الاوار » و المراد ان سمات الابل التي تكون بالنار تكون سببا لأن يعرف الناس ان الابل لأحد من الشرفاء فيقدمونها في السقي فتبخو من حرارة العطش و ينبغي أن يترجم بالفارسية ( كاهى آتش از عطش نجات ميدهد ) .
« نيران موقدة » قال تعالى بعد ذكر أهل الجنّة و نعيمهم فأقبل بعضهم على بعض يتساءَلون قال قائل منهم اني كان لي قرين يقول ءانَّك لمن المصدقين ءإذا متنا و كنّا تراباً و عظاما ء انا لمدينون قال هل أنتم مطّلعون فاطّلع فرآه في سواء الجحيم قال تاللَّه ان كدت لتردين و لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين
.
« فمن أخذ بالتقوى عزبت » أي : بعدت .
« عنه الشدائد بعد دنوها » أي : قربها . و من يتق اللَّه يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب .
.
« و أحلولت » من الحلاوة .
« له الامور بعد مرارتها » و في الخبر مرارة الدنيا حلاوة الآخرة .
« و انفرجت عنه الامور بعد تراكمها » أي : اجتماعها .
و في ( الكافي ) عن الكاظم عليه السّلام لهشام بن الحكم قال لقمان لابنه : ان
____________________
الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير ، قتلك سفينتك فيها تقوى اللَّه و حشوها الايمان ، و شراعها التوكل ، و قيّمها العقل و دليلها العلم و سكّانها الصبر .
« و أسهلت له الصعاب بعد انصابها » بالكسر أي اتعابها .
« و هطلت » من ( هطل المطر ) تتابع .
« عليه الكرامة بعد قحوطها » من ( قحط المطر ) إذا احتبس .
في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام قال تعالى : و عزتي و جلالي و عظمتي و بهائي ، لا يؤثر عبد هواي على هواه في شيء من أمر الدنيا إلاّ جعلت غناه في نفسه و همّه في آخرته ، و ضمنت السماوات و الأرض رزقه ، و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر .
« و تحدبت » أي : تعطفت .
« عليه الرحمة بعد نفورها » من ( نفرت الدابة ) أو ( نفرت المرأة ) .
« و تفجّرت » من ( تفجّر الماء ) .
« عليه النعم بعد نضوبها » من ( نضب الماء ) أي : غار .
« و وبلت » أي : أمطرت شديدا .
« عليه البركة بعد ارذاذها » من ( ارذت السماء ) أمطرت ضعيفا .
و عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله من أصبح و أمسى و الآخرة أكبر همّه جعل اللَّه القناعة في قلبه ، و جمع له أمره ، و لم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه ، و من أصبح و أمسى و الدنيا أكبر همّه جعل اللَّه الفقر بين عينيه ، و شتت عليه أمره و لم ينل من الدنيا إلاّ ما قسم له .
« فاتقوا اللَّه الذي نفعكم بموعظته » و ذكّر فان الذكرى تنفع المؤمنين
.
____________________
« و وعظكم برسالته » رسلاً مبشرين و منذرين لئلا يكون على اللَّه حجّة بعد الرسل .
.
« و امتن عليكم بنعمته » يمنون عليك ان أسلموا قل لا تمنوا عليّ اسلامكم بل اللَّه يمنّ عليكم إن هداكم للايمان إن كنتم صادقين
.
« فعبدوا » التعبيد التذليل .
« أنفسكم لعبادته » كان النبي صلّى اللَّه عليه و آله يجلس جلسة العبيد ، فمرت به امرأة بذية ، فقالت له انك لتجلس كالعبيد ؟ فقال صلّى اللَّه عليه و آله : و أي عبد أعبد مني و كان موسى عليه السّلام لا يقوم من صلاته حتى يضع خدّه على التراب .
و قال تعالى في كلّ من سليمان و أيوب . نعم العبد انّه أوّاب
و قال عز و جل : وَ اذكُرْ عبادنا إبراهيم و إسحاق و يعقوب أولي الأيدي و الأبصار انّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار و انّهم عندنا لمن المصطفين الأخيار
.
« و أخرجوا إليه من حق طاعته » يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه حق تقاته و لا تموتن إلاّ و أنتم مسلمون
.
٢٢
في الخطبة ( ٢٠٩ ) أَلاَ وَ إِنَّ اَللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اَللَّهِ يَقُولُ عَلَى اَلْأَلْسِنَةِ وَ يُثَبِّتُ اَلْأَفْئِدَةَ
____________________
فِيهِ كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ يَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ يُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلاَيَةِ وَ يَتَلاَقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ وَ يَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ وَ يَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ لاَ تَشُوبُهُمُ اَلرِّيبَةُ وَ لاَ تُسْرِعُ فِيهِمُ اَلْغِيبَةُ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلاَقَهُمْ فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ اَلْبَذْرِ يُنْتَقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَ يُلْقَى قَدْ مَيَّزَهُ اَلتَّخْلِيصُ وَ هَذَّبَهُ اَلتَّمْحِيصُ فَلْيَقْبَلِ اِمْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا وَ لْيَنْظُرِ اِمْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ وَ قَلِيلِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَ أَصَابَ سَبِيلَ اَلسَّلاَمَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ اَلْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ وَ اِسْتَفْتَحَ اَلتَّوْبَةَ وَ أَمَاطَ اَلْحَوْبَةَ فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى اَلطَّرِيقِ وَ هُدِيَ نَهْجَ اَلسَّبِيلِ
« الا و ان اللّه قد جعل للخير أهلا » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة يقال لهم ان ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم .
و عنه عليه السّلام ان للجنّة بابا ، يقال له المعروف ، لا يدخله إلاّ أهل المعروف ،
و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة .
و عن الباقر عليه السّلام ان اللَّه تعالى جعل للمعروف أهلا من خلقه حبّب إليهم فعاله و وجه لطلاب المعروف الطلب إليهم و يسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيث للأرض المجدبة ليحييها و يحيي أهلها .
و ان اللَّه تعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف ،
و بغّض إليهم فعاله و حظر على طلاّب المعروف الطلب إليهم ، و حظر عليهم قضاءه كما يحرم الغيث على الأرض المجدبة ليهلكها و يهلك أهلها .
« و للحق دعائم » أي : عمد .
و هو عليه السّلام كان مدار الحق خبرا و خبرا و قولا و عملا ، كما ان مخالفيه كانوا بالعكس كما قال تعالى فيهم : . و أكثرهم للحق كارهون
و قال تعالى : و لو اتّبع الحقُّ أهواءَهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن .
.
« و للطاعة عصما » جمع العصام رباط القربة و سيرها الذي تحمل به .
قال تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع اللَّه و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا
و قال نبيه صلّى اللَّه عليه و آله اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه و عترتي أهل بيتي و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض .
و في ( عيون ) ابن بابويه ، عن إسحاق بن راهويه لمّا وافى أبو الحسن الرضا عليه السّلام نيشابور و أراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا : يا ابن رسول اللَّه أترحل عنّا و لا تحدثنا بحديث نستفيده منك ؟
و كان عليه السّلام قعد في العمارية فاطلع رأسه و قال :
سمعت أبي موسى بن جعفر عليه السّلام يقول سمعت أبي جعفر بن محمد عليه السّلام يقول سمعت أبي محمد بن علي عليه السّلام يقول سمعت أبي علي بن الحسين عليه السّلام يقول سمعت أبي الحسين بن علي عليه السّلام يقول سمعت أبي عليّا عليه السّلام يقول سمعت النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقول سمعت اللَّه تعالى يقول : « لا إله إلاّ اللَّه
____________________
حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي « فلمّا مرّت الراحلة نادانا ( بشروطها و انا من شروطها ) .
« و ان لكم عند كلّ طاعة عونا من اللَّه » و الّذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا و ان اللَّه لمع المحسنين
.
« يقول على الألسنة » فانما يسّرناه بلسانك لتبشر به المتقين و تنذر به قوماً لدُاً
.
« و يثبت الأفئدة » يثبّت اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و يضل اللَّه الظالمين و يفعل اللَّه ما يشاء
.
« فيه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف » قال ابن أبي الحديد قال عليه السّلام ( كفاء ) للازدواج بينه و بين ( شفاء ) كما في قولهم ( الغدايا و العشايا ) و إلاّ فالأصل فيه كفاية .
« و اعلموا ان عباد اللَّه المستحفظين علمه » قال ابن أبي الحديد ذكر عليه السّلام العارفين و الكلام في العرفان لم تأخذه ملّة الإسلام إلاّ عنه عليه السّلام ثم نقل ابن أبي الحديد كلمات جمع منهم كالشبلي و سهل التستري و أبو يعقوب السوسي و البسطامي و جنيد البغدادي و غيرهم .
و أقول : و ان كان أولئك الصوفية الذين يدّعون العرفان يدّعون انتسابهم إليه عليه السّلام و أخذهم عنه إلاّ ان الأمر فيه كما قيل :
و كلّ يدّعي وصلا بليلى
|
|
و ليلى لا تقرّ لهم بذاكا
|
فهو عليه السّلام بريء منهم لخروجهم عن طريقته عليه السّلام كخروجهم عن طريقة
____________________
النبي صلّى اللَّه عليه و آله فنقل عن الجامي ان سهل بن عبد اللَّه رأى ابليس فقال له هل ترجو رحمة من عنده تعالى فقال نعم لأن رحمته وسعت كلّ شيء فقال سهل لكنّه قيدها بقوله : . فسأكتبها للذين يتّقون .
.
فقال إبليس يا سهل التقييد صفتك لا صفته تعالى و قد قال الجامي نفسه في أبياته الفارسية :
پور عمران بدل آن غرقه نور
|
|
مىشد از بهر مناجاة بطور
|
ديد در راه سر دوران را
|
|
قائد لشگر مهجوران را
|
گفت كز سجده آدم بچه روى
|
|
تافتى سوى رضا راست بگوى
|
گفت عاشق كه بود كامل سير
|
|
پيش جانان نبرد سجده غير
|
گفت موسى كه بفرموده دوست
|
|
سر نهد هر كه بجان بنده اوست
|
گفت مقصود از آن گفت و شنود
|
|
امتحان است محب را نه سجود
|
گفت موسى كه اگر اين حال است
|
|
لعن و طعن تو چراش آئين است
|
بر تو چون از غضب سلطانى
|
|
شد لباس ملكى شيطانى
|
گفت گين هر دو صفت عاريتاند
|
|
مانده از ذات بيك ناحيتاند
|
گر بيايد صد از اين يا برود
|
|
حال ذاتم متغير نشود
|
ذات من بر صفت خويشتن است
|
|
عشق او لازمه ذات من است
|
تاكنون عشق من آميخته بود
|
|
در غرضهاى من آويخته بود
|
داشت بخت سيه و روى سفيد
|
|
هر دمم دستخوش بيم و اميد
|
اين دم از كشمكش آن رستم
|
|
پس زانوى وفا بنشستم
|
لطف و قهرم همه يكرنگ شده
|
|
كوه و كاهم همه هم سنگ شده
|
عشق شست از دل من نقش هوس
|
|
عشق با عشق همى بازم و بس
|
____________________
و عن الشبستري في گلشن رازه بالفارسية :
هر آنكس را كه مذهب غير جبر است
|
|
نبى فرموده كو مانند گبر است
|
و هو افتراء ، فانما عنه عليه السّلام ( القدرية مجوس هذه الأمة ) .
« يصونون مصونه » أي : ما صانه اللَّه تعالى .
« و يفجرون عيونه » في ( الكافي ) قيل للباقر عليه السّلام ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار فقال عليه السّلام فهلك اذن مؤمن آل فرعون ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللَّه نوحا فليذهب الحسن يمينا و شمالا فو اللَّه ما يوجد العلم إلاّ ههنا .
« يتواصلون بالولاية » أي : تواصلهم ليس للدنيا بل للَّه يتولى من يجب ولايته في قوله تعالى : انما وليكم اللَّه و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون و من يتول اللَّه و رسوله و الذين آمنوا فان حزب اللَّه هم الغالبون
و في قول رسوله صلّى اللَّه عليه و آله بعد تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه » .
« و يتلاقون بالمحبة » أي : تلاقيهم بالحب في اللَّه .
روى الصدوق عن الباقر عليه السّلام ان ملكا من الملائكة مر برجل قائم على باب دار ، فقال له الملك يا عبد اللَّه ما وقوفك على باب هذه الدار ؟ فقال له : اخ لي فيها أردت أن أسلّم عليه ، فقال له الملك هل بينك و بينه رحم ماسّة ، أو هل دعتك إليه حاجة ؟
قال : لا ، بيني و بينه قرابة ، و لا يرغبني إليه حاجة إلاّ أخوّة الإسلام و حرمته فانما اتعهده أسلم عليه في اللَّه ربّ العالمين ، فقال له الملك اني رسول
____________________
اللَّه إليك و هو يقرئه السّلام ، و يقول انما إيّاي أردت و تعاهدت و قد أوجبت لك الجنّة و أعفيتك من غضبي و آجرتك من النار .
« و يتساقون بكأس » الكأس مؤنثة قال تعالى : . بكأسٍ من معين بيضاء .
قال ابن الأعرابي : لا تسمّى الكأس كأسا إلاّ و فيها الشراب .
« روية » أي : مروية من ( رويت لأهلي ) إذا أتيتهم بالماء .
« و يصدرون » من ( صدرت عن الماء ) .
« برية » أي : بالارتواء من الماء .
و في مناجاة العارفين لسيد الساجدين عليه السّلام :
« الهي فاجعلنا من الذين توشّجت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم ، و أخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم ، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، و في رياض القرب و المكاشفة يرتعون ، و من حياض المحبّة بكأس الملاطفة يكرعون ، و شرائع المصافاة يردون ، قد كشف الغطاء عن أبصارهم ،
و انجلت ظلمة الريب عن عقائدهم و ضمائرهم ، و انتفت مخالجة الشك عن قلوبهم و سرائرهم ، و انشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم ، و علت لسبق السعادة في الزهادة هممهم ، و عذب في معين المعاملة شربهم و طاب في مجلس الأنس سرّهم ، و أمن في مواطن المخافة سربهم ، و اطمأنت بالرجوع إلى ربّ الأرباب أنفسهم و تيقنت بالفوز و الفلاح أرواحهم ، و قرّت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم ، و استقر بإدراك المسئول و نيل المأمول قرارهم ، و ربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم ، إلهي ما ألذّ خواطر الالهام بذكرك على القلوب ،
و ما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب ، و ما أطيب طعم حبك ، و ما أعذب شرب قربك ، فأعذنا من طردك و ابعادك ، و اجعلنا من أخصّ عارفيك ،
____________________
و أصلح عبادك و أصدق طائعيك ، و أخلص عبادك ، يا عظيم يا جليل ، يا كريم يا منيل برحمتك » .
« لا تشوبهم الريبة ، و لا تسرع فيهم الغيبة » كأصدقاء الدنيا يرتاب هذا من ذاك ، و يغتاب ذاك هذا .
« على ذلك عقد خلقهم و اخلاقهم ، فعليه يتحابون و به يتواصلون » .
فتصير سجيتهم في الدنيا كسجيتهم في الآخرة ، قال تعالى : و نزعنا ما في صدورهم من غلٍ اخوانا على سررٍ متقابلين
.
« فكانوا » بالقياس إلى باقي الناس .
« كتفاضل البذر » بعضه أفضل من بعض .
« ينتقي فيؤخذ منه و يلقى » قال الجوهري الانتقاء الاختيار و النقاه مثل القناه ما يرمى من الطعام إذا نقّي حكاه الاموي .
روى النعماني عن الصادق عليه السّلام ان نوحا سأل ربه ان ينزّل على قومه العذاب فأوحى إليه ان يغرس نواة من النخل فإذا بلغت فأثمرت و أكل منها أهلك قومه و أنزل عليهم العذاب ، فغرس نوح النواة و أخبر أصحابه بذلك ، فلمّا بلغت النخلة و أثمرت و اجتنى نوح منها فأكل و أطعم أصحابه ، فقالوا وعدك فدعا ربه فأوحى إليه أن يعيد الغرس ثانية حتى إذا بلغ و أثمر فأخبر نوح عليه السّلام أصحابه بذلك فصاروا ثلاثة فرق ، فرقة ارتدت ، و فرقة نافقت ، و فرقة ثبتت .
ففعل نوح ما أمر ، فأوحى إليه ان يغرس الثالثة ، فافترقوا أيضا ثلاث حتى فعل نوح ذلك عشر مرّات فلمّا كان في العاشرة جاء إليه رجال من أصحابه الخلّص و المؤمنين فقالوا : أنت نبي مرسل صادق لا شك فيك و لو فعلت ذلك بنا مرّات أخرى فعند ذلك أهلكهم اللَّه الظالمين ، و أدخل الخلّص مع نوح في السفينة
____________________
فنجّاهم بعد ما وصفوا و ذهب الكدر منهم
.
« قد ميّزه التخليص » أي : التصفية .
« و هذّبه التمحيص » من ( محصت الذهب بالنار ) إذا خلصته ممّا يشوبه .
« فليقبل امرؤ كرامة بقبولها » هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين و آخرين منهم لمّا يلحقوا بهم و هو العزيز الحكيم
.
لقد منَّ اللَّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين
.
« ليحذر قارعة » أي : شديدة .
« قبل حلولها » ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللَّه .
.
« و لينظر امرؤ في قصير ايامه » في الدنيا .
« و قليل مقامه في منزله » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( في منزل ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« حتى يستبدل به منزلا » . و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم .
.
« فليصنع لمتحوله » . و لتنظر نفس ما قدّمت لغد .
.
____________________
« و معارف منتقله » من موته و برزخه و محشره و مئاله .
« فطوبى » من الطيب قلبوا الياء واوا الضمة ما قبلها .
« أطاع من يهديه » ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم .
.
« و تجنب من يرديه » يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان و من يتبع خطوات الشيطان فانّه يأمر بالفحشاء و المنكر .
.
« و أصاب سبيل السلامة ببصر من بصره و طاعة هاد أمره » . قد جاءكم من اللَّه نور و كتاب مبين يهدي به اللَّه من اتبع رضوانه سبل السّلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه و يهديهم إلى صراط مستقيم
.
« و بادر الهدى قبل ان تغلق أبوابه و تقطع أسبابه » و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حَضَر أحدَهم الموتُ قال اني تُبت الآن و لا الذين يموتون و هم كفّار .
.
« و استفتح التوبة » يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً عسى ربّكم ان يكفّر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار .
.
« و أماط » أي : نحّى .
« الحوبة » أي : الخطيئة .
« فقد اقيم على الطريق و هدي نهج السبيل » إنّا هديناه السبيل اما شاكراً و اما كفورا
.
____________________
٢٣
الخطبة ( ٢١٧ ) و من كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته . يُسَبِّح لَهُ فِيهَا بالغُدُوِّ و الآصَال رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ . إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى جَعَلَ اَلذِّكْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ اَلْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ اَلْعَشْوَةِ وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ اَلْمُعَانَدَةِ وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلاَؤُهُ فِي اَلْبُرْهَةِ بَعْدَ اَلْبُرْهَةِ وَ فِي أَزْمَانِ اَلْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ وَ كَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي اَلْأَبْصَارِ وَ اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْأَفْئِدَةِ يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اَللَّهِ وَ يُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ اَلْأَدِلَّةِ فِي اَلْفَلَوَاتِ مَنْ أَخَذَ اَلْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ وَ مَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَ شِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ اَلطَّرِيقَ وَ حَذَّرُوهُ مِنَ اَلْهَلَكَةِ وَ كَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ اَلظُّلُمَاتِ وَ أَدِلَّةَ تِلْكَ اَلشُّبُهَاتِ وَ إِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ اَلدُّنْيَا بَدَلاً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْهُ يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ اَلْحَيَاةِ وَ يَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ فِي أَسْمَاعِ اَلْغَافِلِينَ وَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ يَأْتَمِرُونَ بِهِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا اَلدُّنْيَا إِلَى اَلْآخِرَةِ وَ هُمْ فِيهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا اِطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ اَلْبَرْزَخِ فِي طُولِ اَلْإِقَامَةِ فِيهِ وَ حَقَّقَتِ اَلْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لاَ يَرَى اَلنَّاسُ وَ يَسْمَعُونَ مَا لاَ يَسْمَعُونَ فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ اَلْمَحْمُودَةِ وَ مَجَالِسِهِمُ اَلْمَشْهُودَةِ وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَ كَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيهَا وَ حَمَّلُوا ثِقَلَ
أَوْزَاِرِهمْ ظُهُورَهُمْ فَضَعُفُوا عَنِ اَلاِسْتِقْلاَلِ بِهَا فَنَشَجُوا نَشِيجاً وَ تَجَاوَبُوا نَحِيباً يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَ اِعْتِرَافٍ لَرَأَيْتَ أَعْلاَمَ هُدًى وَ مَصَابِيحَ دُجًى قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّكِينَةُ وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ وَ أُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ اَلْكَرَامَاتِ فِي مَقَامٍ اِطَّلَعَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَ حَمِدَ مَقَامَهُمْ يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ اَلتَّجَاوُزِ رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ جَرَحَ طُولُ اَلْأَسَى قُلُوبَهُمْ وَ طُولُ اَلْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ يَسْأَلُونَ مَنْ لاَ تَضِيقُ لَدَيْهِ اَلْمَنَادِحُ وَ لاَ يَخِيبُ عَلَيْهِ اَلرَّاغِبُونَ فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ اَلْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ قول المصنف « و من كلام له عليه السّلام قال عند تلاوته رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللَّه .
أقول : و نقل المصنف كلامه عليه السّلام عند تلاوته الهاكم التكاثر
قبل هذا و كلامه عليه السّلام عند تلاوته :
يا أيها الانسان ما غرّك بربك الكريم
بعد هذا و له عليه السّلام في معنى قوله تعالى فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا .
و معنى قوله تعالى : . .
ان اللَّه لا يغيّر ما بقوم .
رواهما ( الروضة ) و لم ينقلهما المصنف .
ثم جعله عليه السّلام أول الآية ( رجال ) يدل على صحّة قراءة . يسبّح له فيها
____________________
بالغدو و الآصال
قبله بالبناء للمفعول دون قراءة ( يسبّح ) بالبناء للفاعل كما لا يخفى .
و الآية في سورة النور ( ٣٧ ) و آخر الآية . و اقام الصلاة و ايتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب و الأبصار
و بعد الآية ليجزيهم اللَّه أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله و اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب
.
روى ( الكافي ) عن اسباط بن سالم ، قال : دخلت على أبي عبد اللَّه عليه السّلام فسألني عن عمر بن مسلم فقلت صالح و لكنه ترك التجارة ، فقال عليه السّلام عمل الشيطان ثلاثا أما علم ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله اشترى عيرا أتت من الشام فاستفضل فيها ما قضى دينه و قسّم في قرابته ، يقول اللَّه عزّ و جلّ رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللَّه .
يقول القصاص : القوم لم يكونوا يتّجرون كذبوا و لكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها ، و هو أفضل ممّن حضر الصلاة و لم يتّجر .
قوله عليه السّلام « ان اللَّه سبحانه و تعالى جعل الذكر جلاء القلوب » هكذا في المصرية و الصواب : ( للقلوب ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) كما ان الصواب ترك كلمة ( و تعالى ) لخلوها عنها .
و قال تعالى : . ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب
فبذكره تعالى تجلو من الصدأ ، و تطمئن من التزلزل في أمر الدنيا ، و أما بالنسبة إلى عظمته فتضطرب قال تعالى : انما المؤمنون الذين إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم
____________________
آياته زادتهم ايماناً و على ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة و ممّا رزقناهم ينفقون أُولئك هم المؤمنون حقّاً .
.
و بشر المخبتين الذين إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم و الصابرين على ما أصابهم و المقيمي الصلاة و ممّا رزقناهم ينفقون
.
« تسمع » أي : القلوب .
« به » أي : بسبب ذكره تعالى .
« بعد الوقرة » أي : بعد ثقل اذنها .
« و تبصر » أي : القلوب ( به ) أي : بسبب ذكره تعالى .
« بعد العشوة » أي : ضعف بصرها ان الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون
.
« و تنقاد به بعد المعاندة » و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلاّ اللَّه و لم يصرّوا على ما فعلوا و هم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و نعم أجر العاملين
.
« و ما برح » أي : ما زال .
« للَّه » خبر لقوله بعد ( عباد ) .
« عزّت آلاؤه » كقولك ( عزّ اسمه ) .
« في البرهة بعد البرهة » أي : المدة .
« و في أزمان الفترات » ضعف أهل الحق في الماضي و الحال و الآتي .
____________________
« عباد ناجاهم في فكرهم » بالكسر فالفتح جمع فكر بالكسر فالسكون .
« و كلّمهم في ذات عقولهم » و في مناجاة شعبان : « الهي و اجعلني ممّن ناديته فأجابك و لا حظته فصعق لجلالك فناجيته سرا و عمل لك جهرا » « فاستصبحوا بنور يقظة » قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : اتقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللَّه .
« في الأبصار و الأسماع » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( في الأسماع و الأبصار ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« و الأفئدة » بالضد من أهل الدنيا الذين قال تعالى فيهم : . لهم قلوب لا يفقهون بها و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم اذان لا يسمعون بها .
.
« يذكّرون بأيام اللَّه » و لقد أرسلنا موسى بآياتنا ان أخرج قومك من الظلمات إلى النور و ذكّرهم بأيام اللَّه
.
« و يخوّفون مقامه » و قال الذي آمن اني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح و عاد و ثمود و الَّذين من بعدهم و ما اللَّه يريد ظلماً للعباد و يا قوم اني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من اللَّه من عاصم و من يضلل اللَّه فماله من هادٍ و لقد جاءكم يوسف من قبل بالبيّنات فما زلتم في شك ممّا جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث اللَّه من بعده رسولاً كذلك يضلّ اللَّه من هو مسرف مرتاب
.
و تعبيره عليه السّلام بالتخويف من مقامه دون التخويف منه تعالى نفسه لكونه أبلغ قال تعالى : و أما من خاف مقام ربِّه و نهى النفس عن الهوى فان
____________________
الجنّة هي المأوى
.
و التعبير هنا نظير التعبير في قوله تعالى حكاية عن العزيز لامرأته في يوسف : . أكرمي مثواه .
دون اكرميه .
« بمنزلة الأدلّة في الفلوات » قيل لابرهة بن الحارث الرائش من ملوك اليمن ذو المنار لأنّه أوّل من ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع « من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه و بشّروه بالنجاة » كما قال تعالى في الآخذين بالقصد : ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدعون نزلاً من غفورٍ رحيمٍ
.
« و من أخذ يمينا و شمالا ذموا إليه الطريق و حذّروه من الهلكة » كما قال تعالى : و ان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله .
.
و أما من طغى و آثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى
.
« و كانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات و أدلّة تلك الشبهات » في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله طوبى لعبد نومه عرفه اللَّه و لم يعرفه الناس ، أولئك مصابيح الهدى و ينابيع العلم تنجلي عنهم كلّ فتنة مظلمة ليسوا بالمذاييع البذور و لا بالجفاة المرائين .
____________________
« و ان للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا » في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام مرّ النبي صلّى اللَّه عليه و آله برجل يغرس غرسا في حايط له فوقف عليه و قال : ألا أدلّك على غرس أثبت أصلا و أسرع ايناعا و أطيب ثمرا قال بلى ، قال : إذا أصبحت و أمسيت فقل « سبحان اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلاّ اللَّه و اللَّه أكبر » فان لك ان قلته بكلّ تسبيحة عشر شجرات في الجنّة من أنواع الفاكهة ، و هو من الباقيات الصالحات فقال الرجل له عليه السّلام فاني اشهدك ان حايطي هذا صدقة مقبوضة على فقراء المسلمين فانزل تعالى فيه فأما من أعطى و اتقى و صدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى
.
« فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه » كما قال تعالى و قد مر .
« يقطعون به أيام الحياة » ان في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون اللَّه قياماً و قعوداً و على جنوبهم و يتفكّرون في خلق السماوات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ربنا انّك من تدخل النار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي للايمان ان آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا و كفّر عنّا سيئاتنا و توفَّنا مع الأبرار ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد فاستجاب لهم ربهم اني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى .
.
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ما من شيء إلاّ و له حد ينتهي إليه إلاّ الذكر فليس له حد ينتهي إليه فرض اللَّه الفرائض فمن أداهن فهو حدّهن ، و من صام شهر رمضان فهو حدّه و من حجّ فهو حدّه إلاّ الذكر ، فانّه تعالى لم يرض
____________________
منه بالقليل و لم يجعل له حدّا ينتهي إليه ثم تلا : يا أيها الذين آمنوا اذكروا اللَّه ذكراً كثيراً و سبّحوه بكرة و أصيلا
و كان أبي عليه السّلام كثير الذكر لقد كنت أمشي معه و انّه ليذكر اللَّه و آكل معه الطعام و انّه ليذكر اللَّه ، و لقد كان يحدّث القوم و ما يشغله ذلك عن ذكر اللَّه ، و كنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول :
لا إله إلاّ اللَّه و كان يجمعنا و يأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس ، و يأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ، و من كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر و البيت الذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللَّه تعالى فيه تكثر بركته ، و تحضره الملائكة ، و تهجره الشياطين ،
و يضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدريّ لأهل الأرض ، و البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر اللَّه تعالى فيه ، تقلّ بركته و تهجره الملائكة و تحضره الشياطين و قد قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله ألا أخبركم بخير أعمالكم و أرفعها في درجاتكم ، و أزكاها عند مليككم و خير لكم من الدينار و الدرهم و خير لكم من ان تلقوا عدوّكم فتقتلوهم و يقتلوكم ؟ قالوا : بلى قال ذكر اللَّه تعالى كثيرا .
و فيه جاء رجل إلى النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال : من خير أهل المسجد فقال : أكثرهم للَّه ذكرا و قال النبي صلّى اللَّه عليه و آله من أعطى لسانا ذاكرا فقد أعطى خير الدنيا و الآخرة و قال صلّى اللَّه عليه و آله من أكثر ذكر اللَّه تعالى أحبّه اللَّه و فيه أيضا عن الصادق عليه السّلام شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا اللَّه كثيرا .
و يكفي في شموخ مقام الذكر قوله تعالى : فاذكروني اذكركم و اشكروا لي و لا تكفرون
و في ( الكافي ) قال تعالى لعيسى عليه السّلام : اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي و اذكرني في ملأ اذكرك في ملأ خير من ملأ الادميّين .
____________________
و عن الباقر عليه السّلام أوحى تعالى إلى موسى عليه السّلام : أنا جليس من ذكرني فقال موسى عليه السّلام : فمن في سترك يوم لا ساتر إلاّ سترك قال الذين يذكروني فأذكرهم و يتحابون فيّ فاحبّهم فأولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فارفع بهم عنهم .
و عنه عليه السّلام مكتوب في التوراة التي لم تغير ان موسى قال : يا إلهي يأتي عليّ مجالس أجلّك أن أذكرك فقال تعالى : يا موسى ان ذكري حسن على كلّ حال .
و عن الصادق عليه السّلام أوحى تعالى إلى موسى عليه السّلام : لا تفرح بكثرة المال ،
و لا تدع ذكري على حال فان كثرة المال تنسي الذنوب ، و ان ترك ذكري يقسي القلوب .
و عنه عليه السّلام يموت المؤمن غرقا و بالهدم و يبتلى بالسبع و يموت بالصاعقة و لا تصيب الصاعقة ذاكرا اللَّه تعالى .
و عن أحدهما عليهما السّلام لا تكتب المئكة إلاّ ما تسمع و قال تعالى : و اذكر ربك في نفسك تضرّعاً و خفية و دون الجهر من القول بالغدو و الاصال و لا تكن من الغافلين
و لا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير اللَّه تعالى لعظمته .
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام من ذكر اللَّه تعالى في السرّ فقد ذكره كثيرا ، ان المنافقين كانوا يذكرونه علانية و لا يذكرونه في السرّ قال تعالى : . يراؤن الناس و لا يذكرون اللَّه إلاّ قليلا
.
« و يهتفون » أي : يصيحون .
____________________
« بالزواجر عن محارم اللَّه في أسماع الغافلين » عن اللَّه .
( في المروج ) : حضر أبوذر مجلس عثمان ذات يوم ، فقال عثمان : أرأيتم من زكّى ماله هل فيه حق لغيره ؟ فقال كعب الأحبار : لا فدفع أبو ذر في صدر كعب ، و قال له : كذبت يا ابن اليهودي ثم تلا : ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن باللَّه و اليوم الآخر و الملئكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب .
فقال عثمان : أترون بأسا ان نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه في ما ينوبنا من أمورنا و نعطيكموه ، فقال كعب الأحبار :
لا بأس بذلك فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب ، و قال : يا ابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا .
فقال له عثمان : ما أكثر أذاك لي غيّب وجهك عني فقد آذيتني فخرج أبو ذر إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان ، ان أبا ذر يجمع إليه الجموع و لا آمن أن يفسدهم عليك فان كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك فكتب إليه عثمان بحمله فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه ، و كاد أن يتلف فقيل له : انك تموت من ذلك ، فقال هيهات لن أموت حتى انفى و ذكر جوامع ما نزل به بعد من يتولى دفنه فجلس في داره أياما ثم دخل على عثمان فجلس على ركبتيه و تكلّم بأشياء و ذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد اللَّه خولا و كان في ذلك اليوم أتى بتركة عبد الرحمان بن عوف فنضت البدر حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائم فقال عثمان : اني لأرجو لعبد الرحمان خيرا لأنّه كان يتصدّق و يقري
____________________
الضيف و ترك ما ترون فقال كعب الأحبار : صدقت فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب و لم يشغله ما كان فيه من الألم ، و قال : يا ابن اليهودي تقول لرجل مات و ترك هذا المال ان اللَّه أعطاه خير الدنيا و خير الآخرة ، و تقطع على اللَّه بذلك ، و أنا سمعت النبي صلّى اللَّه عليه و آله يقول « ما يسرني أن أموت و أدع ما يزن قيراطا » فقال له عثمان : و ارعني وجهك فقال : أسير إلى مكة قال : لا و اللَّه ، قال :
فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت ؟ قال : أي و اللَّه ، قال : فالى الشام ،
قال : لا و اللَّه قال البصرة ، قال : لا و اللَّه ، فاختر غيرها ، قال : ما اختار غيرها و لو تركتني في دار هجرتي ما أردت بلدا آخر ، فسيّرني حيث شئت ، قال : فاني مسيّرك إلى الربذة قال أبو ذر : اللَّه أكبر صدق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله قد أخبرني بكلّ ما أنا لاق ، قال عثمان : و ما قال لك ؟ قال : أخبرني بأني أمنع عن مكة و المدينة و أموت بالربذة ، و يتولى مواراتي نفر ممّن يردون من العراق نحو الحجاز الخ « و يأمرون بالقسط » بالكسر العدل و أما بالفتح فالجور ، و في الأساس نقول أمر اللَّه بالقسط و نهى عن القسط .
« قل أمر ربي بالقسط » ( و يأتمرون به ) . و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط .
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للَّه و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فاللَّه أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا و ان تلوا أو تعرضوا فان اللَّه كان بما تعملون خبيرا
.
و القيام بالقسط وصفه تعالى : شهد اللَّه انّه لا إله إلاّ هو و الملائكة
____________________
و أولوا العلم قائماً بالقسط .
و بعث رسله لذلك لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط .
.
« و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه » التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر و الحافظون لحدود اللَّه .
.
فلمّا نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلمّا عتوا عن مّا نُهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين
.
لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيراً منهم يتولوَّنَ الّذين كفروا لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أَن سَخِط اللَّه عليهم و في العذاب هم خالدون
.
« فكانما قطعوا الدنيا إلى الآخرة و هم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك » قال : ابن أبي الحديد هو شرح حاله عليه السّلام فقال : ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) .
« فكأنّما » هكذا ( في المصرية و ابن أبي الحديد ) و الصواب : ( و كانما ) كما في ( ابن ميثم ) .
« اطلعوا عيوب أهل البرزخ في طول الاقامة فيه و حققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس
____________________
و يسمعون ما لا يسمعون » .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : استقبل حارثة بن مالك الأنصاري النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال له كيف أنت يا حارثة ؟ قال : مؤمن حقّا فقال صلّى اللَّه عليه و آله له لكلّ شيء حقيقة فما حقيقة قولك ؟ قال عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي و اظمأت هواجري و كأني انظر إلى عرش ربي و قد وضع للحساب ، و كأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنة و كأني أسمع عواء أهل النار في النار ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : هذا عبد نوّر اللَّه قلبه ، أبصرت فأثبت فقال : ادع اللَّه أن يرزقني الشهادة فقال صلّى اللَّه عليه و آله : اللّهم ارزقه فلم يلبث حتى بعثه صلّى اللَّه عليه و آله مع سرية فقتل تسعة أو ثمانية فقتل و في خبر استشهد مع جعفر بعد تسعة .
« فلو مثلتهم » أي : جسمتهم .
« لعقلك في مقاومهم » جمع المقام و أصله المقوم .
« المحمودة » عند اللَّه تعالى .
« و مجالسهم المشهودة » لملائكته .
« و قد نشروا دواوين » جمع الديوان .
« أعمالهم و فرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة و كبيرة أمروا بها فقصروا عنها » بترك بعضها .
« أو نهوا عنها ففرطوا فيها » بارتكاب بعضها .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فان للقيامة خمسين موقفا كلّ موقف مقداره ألف سنة ثم تلا تعرج الملائكة و الروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
.
« و حملوا ثقل أوزارهم ظهورهم » و الأصل فيه قوله تعالى . حتى إذا
____________________
جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها و هم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون
.
« فضعفوا » تفريع على تحميل ثقل أوزارهم على ظهورهم .
« عن الاستقلال بها » أي : الاطاقة و الرفع لها .
« فنشجوا نشيجا » في ( الصحاح ) ( نشج الباكي نشجا و نشيجا ) إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب .
« و تجاوبوا » هكذا في النسخ و الظاهر كونه محرّف ( و نحبوا ) و النحيب رفع الصوت بالبكاء و لا معنى للتجاوب هنا لأن كلاّ منهم يبكي على نفسه و لقوله « نحيبا » فيكون ( نحبوا نحيبا ) مثل ( نشجوا نشيجا ) .
و في ( ثواب الأعمال ) عن الصادق عليه السّلام ما من شيء إلاّ و له كيل و وزن إلاّ الدموع فان القطرة منها تطفىء بحارا من نار ، و إذا اغرو رقت العين بمائها لم يرهق وجهه قتر و لا ذلة فإذا فاضت حرّمه اللَّه على النار و لو ان باكيا بكى في أمة لرحموه .
و عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله طوبى لصورة نظر اللَّه إليها تبكي عن ذنب من خشية اللَّه لم يطّلع على ذلك الذنب غيره تعالى .
« يعجون » أي : يرفعون صوتهم .
« إلى ربهم من مقام ندم و اعتراف » بجنايتهم .
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام ان الرجل ليذنب الذنب فيدخله اللَّه تعالى به الجنة قلت يدخله بالذنب الجنّة ؟ قال : نعم ، انّه ليذنب الذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه اللَّه فيدخله الجنّة .
و عنه عليه السّلام من أذنب ذنبا و علم ان اللَّه تعالى مطّلع عليه ان شاء عذبه و ان
____________________
شاء غفره غفر له و ان لم يستغفر .
« لرأيت أعلام هدى و مصابيح » جمع المصباح السراج .
« دجى » أي : ظلمة .
« قد حفت » أي : أحاطت .
« بهم الملائكة » ان الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة .
.
« و تنزلت عليهم السكينة » هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ايماناً مع ايمانهم .
.
و قال تعالى في حنين و الفتح : ثم انزل اللَّه سكينته على رسوله و على المؤمنين .
و في ( الشجرة ) لقد رضى اللَّه عن المؤمنين إلى فأنزل السكينة عليهم .
« و فتحت لهم أبواب السماء و أعد لهم مقاعد الكرامات » ان المتقين في جنات و نهر في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر
.
« في مقام اطلع اللَّه عليهم فيه فرضي سعيهم و حمد مقامهم » و إذا رأيت ثم رأيت نعيماً و ملكاً كبيراً عاليهم ثياب سندس خضر و استبرق و حلوا أساور من فضة و سقاهم ربهم شراباً طهورا ان هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا
.
____________________
« يتنسمون » أي : يجدون نسيما .
« بدعائه روح » بالفتح الاستراحة .
« التجاوز » . ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين
قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم .
.
و في الكافي عنه عليه السّلام الدعاء مفتاح النجاح و مقاليد الفلاح ، و خير الدعاء ما صدر عن صدر تقي و قلب نقي ، و في المناجاة سبب النجاة ، و بالاخلاص يكون الخلاص ، فاذا اشتد الفزع فالى اللَّه المفزع .
رهائن فاقة إلى فضله و اسارى ذلّة لعظمته » في الكافي : ان اللَّه تعالى أوحى إلى داود ان ائت عبدي دانيال فقل له : انك عصيتني فغفرت لك ، و عصيتني فغفرت لك ، و عصتني فغفرت لك ، فان عصيتني الرابعة لم أغفر لك ، فقال له دانيال قد بلغت يا نبي اللَّه فلمّا كان في السحر قام دانيال فناجى ربه فقال :
يا رب ان داود نبيّك أخبرني عنك اني قد عصيتك فغفرت لي و عصيتك فغفرت لي و عصيتك فغفرت لي و اخرني عنك اني ان عصيتك الرابعة لم تغفر لي ،
و عزّتك و جلالك لئن لم تعصمني لأعصينك ثم لأعصينك ثم لأعصينك .
« جرح طول الأسى » أي : الحزن .
« قلوبهم و طول البكاء عيونهم » في الكافي عن الصادق عليه السّلام : كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاثا : عين غضّت عن محارم اللَّه ، و عين سهرت في طاعة اللَّه ،
و عين بكت في جوف الليل من خشية اللَّه .
و عنه عليه السّلام أوحى اللَّه تعالى إلى موسى عليه السّلام : البكاءون من خشيتي في الرفيع الأعلى لا يشاركهم أحد و عن الباقر عليه السّلام : ما من قطرة أحبّ إلى اللَّه
____________________
تعالى من قطرة دموع في سواد الليل مخافة من اللَّه تعالى لا يراد بها غيره .
« لكلّ باب رغبة إلى اللَّه منهم يد قارعة » يقال « من قرع بابا و لجّ ولج » انهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و رهبا و كانوا لنا خاشعين
و عنه عليه السّلام الدعاء ترس المؤمن و متى تكثر قرع الباب يفتح لك .
« يسألون من لا تضيق لديه المنادح » قال الجوهري المنادح : المفاوز و المنتدح المكان الواسع ولى عن هذا الأمر مندوحة و منتدح أي سعة .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : ادع و لا تقل ان الأمر فرغ منه ان عند اللَّه منزلة لا تنال إلاّ بمسألة فسل تعط انّه ليس من باب يقرع الا يوشك أن يفتح لصاحبه .
« و لا يخيب عليه الراغبون » في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : ما أبرز عبد يده إلى الله العزيز الجبار إلاّ استحيى أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسحها على وجهه و رأسه .
و عنه عليه السّلام لا تتركوا صغيرة ان تدعوا بها ان صاحب الصغار هو صاحب الكبار .
« فحاسب نفسك لنفسك » في ( الكافي ) عن الكاظم عليه السّلام ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم ، فان عمل حسنة استزاد الله تعالى و ان عمل سيئة استغفر اللَّه منها و تاب إليه .
و قال : ابن ميثم كان توبة بن الصمة محاسبا لنفسه فحسب يوما فاذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فاذا هي أحد و عشرون ألف و خمسمائة يوم ، فصرخ و قال : يا ويلتي ألفي الملك بأحد و عشرين ألف ذنب ، ثم خرّ مغشيا عليه فاذا هو ميت و لو رمى العبد بكلّ معصية حصاة في داره
____________________
لامتلأت في مدّة يسيرة و لكنه يتساهل في حفظها ، و الملكان يحفظان عليه كما قال تعالى : . أحصاه اللَّه و نسوه .
.
« فان غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك » قال تعالى : . عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم إلى اللَّه مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون
.
فأمّا من أُوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه اني ظننت اني ملاقٍ حسابيه فهو في عيشةٍ راضيةٍ في جنّة عاليةٍ قطوفها دانيةٍ كلوا و اشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية و أما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه و لم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه
.
٢٤
الخطبة ( ٢٢٥ ) منها في صفة الزهاد :
كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ اَلدُّنْيَا وَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ وَ بَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ اَلْآخِرَةِ وَ يَرَوْنَ أَهْلَ اَلدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ « كانوا قوما من أهل الدنيا و ليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها » .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : صلّى النبي صلّى اللَّه عليه و آله الصبح فنظر إلى شاب
____________________
في المسجد ، و هو يخفق و يهوي برأسه مصفرّا لونه قد نحف جسمه ، و غارت عيناه في رأسه ، فقال صلّى اللَّه عليه و آله له كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت موقنا فعجب النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من قوله ، و قال ان لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ قال : ان يقيني هو الذي أحزنني و أسهر ليلي و أظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا و ما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي ، و قد نصب للحساب و حشر الخلائق لذلك و أنا فيهم ، و كأني أنظر إلى أهل الجنّة يتنعمون فيها و إلى أهل النار و هم فيها يعذبون فيصطرخون فقال صلّى اللَّه عليه و آله لأصحابه : هذا عبد نوّر اللَّه قلبه بالايمان .
« عملوا فيها بما يبصرون و بادروا فيها ما يحذرون » و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون
.
( تقلب ) واصله ( تتقلب ) .
« أبدانهم بين ظهراني » بفتح النون .
« أهل الآخرة » اما لعدم خلطتهم مع أهل الدنيا و اما لأن يقينهم جعلهم كأنّهم في المحشر كما مر في الخبر .
« يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم » . يود أحدهم لو يعمّر ألف سنة .
.
« و هم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم » لأن الحياة الحقيقية الحياة القلب .
قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للَّه و للرسول إذا دعاكم لمّا
____________________
يحييكم .
.
و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتاً بل احياءٌ عند ربهم يرزقون
.
و في ( السيرة ) في غزوة مؤتة فأخذ عبد اللَّه بن رواحة الراية أي بعد قتل جعفر و زيد بن حارثة و هو يقول :
أقسمت يا نفس لتنزلنه
|
|
لتنزلن أو لتكرهنه
|
ان أجلب الناس و شدوا الرنة
|
|
مالي أراك تكرهين الجنة
|
قد طال فيما كنت مطمئنة
|
|
هل انت إلاّ نطفة في شنة
|
قالوا الشنة السقاء البالي ، و النطفة الماء القليل الصافي أي يوشك أن ينخرق السقاء و يهرق ماؤه ، ضرب ذلك مثلا لنفسه في جسده .
و في ( الاستيعاب ) حبسوا الوليد بن الوليد بمكة في المستضعفين فكان النبي صلّى اللَّه عليه و آله يدعو له فأفلت من اسارهم فخرج على رجليه فطلبوه فلم يدركوه شدا و نكبت أصبع من أصابعه فجعل يقول :
هل أنت إلاّ اصبع دميت
|
|
و في سبيل اللَّه ما لقيت
|
قالوا : فمات منه .
٢٥
الكتاب ( ٥٦ ) من وصية له وصى بها شريح بن هانىء لمّا جعله على مقدمته إلى الشام :
اِتَّقِ اَللَّهَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ وَ خَفْ عَلَى نَفْسِكَ اَلدُّنْيَا اَلْغَرُورَ وَ لاَ
____________________
تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ وَ اِعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ اَلْأَهْوَاءُ مَخَافَةَ مَكْرُوهٍ سَمَتْ بِكَ اَلأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ اَلضَّرَرِ فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً وَ لِنَزْوَتِكَ عِنْدَ اَلْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً قول المصنف « و من وصيّة له عليه السّلام وصى بها » هكذا في المصرية ،
و الصواب : « و من كلام له عليه السّلام وصى به » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« شريح بن هاني » في ( الاسد ) كان من أعيان أصحاب علي عليه السّلام و شهد معه حروبه و شهد الحكمين بدومة الجندل ، و بقي دهرا طويلا قيل : انّه عاش مائة و عشرين سنة ، و خرج إلى سجستان غازيا ، فأخذ الكفار عليهم الطريق فقتل في عامة الجيش و قال في ذلك اليوم :
أصبحت ذابث أقاسي الكبرا
|
|
قد عشت بين المشركين أعصرا
|
ثمت أدركت النبي المنذرا
|
|
و بعده صديقه و عمرا
|
و يوم مهران و يوم تسترا
|
|
و الجمع في صفينهم و نهرا
|
و بالخميرات و المشقرا
|
|
هيهات ما اطول هذا عمرا
|
« لمّا جعله على مقدمته إلى الشام » المفهوم من صفين نصر بن مزاحم انّه عليه السّلام ما جعل شريحا على جميع مقدمته بل على طائفة منها و انما جعل زياد بن النضر أميرا على جميع المقدمة ، و شريح كان على طائفة ما لم يجتمع مع زياد و انّه عليه السّلام دعاهما و جعل المخاطب بالكلام الذي وصى به زيادا لكونه الأمير على الكل ففيه قال يزيد بن خالد بن قطن :
ان عليّا عليه السّلام لمّا أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر و شريح بن هانىء و كانا على مذحج و الاشعريين فقال يا زياد اتق اللَّه في كلّ ممسى و مصبح ، و خف على نفسك الدنيا الغرور و لا تأمنها على حال من البلاء ، و اعلم
انك ان لم تزع نفسك عن كثير ممّا تحب مخافة مكروهه سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرّ فكن لنفسك مانعا و ادعا من البغي و الظلم و العدوان فاني قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلن عليهم ، و ان خيركم عند اللّه اتقاكم و تعلّم من عالمهم و علّم جاهلهم و احلم عن سفيههم فانك انما تدرك الخير بالحلم و كفّ الأذى و الجهد .
و فيه أيضا انّه عليه السّلام لمّا وصى زيادا بذاك الكلام قال زياد له عليه السّلام « أوصيت حافظا لوصيتك مؤدبا بأدبك يرى الرشد في نفاذ أمرك ، و الغي في تضييع عهدك » .
و فيه بعثهما في اثنى عشر ألفا على مقدمته و شريح على طائفة و زياد على جميعهم و أمرهما أن يأخذا في طريق واحد و لا يختلفا قال فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حده و لا يقرب بزياد فكتب زياد إلى الإمام عليه السّلام انّك ولّيتني أمر الناس ، و ان شريحا لا يرى لي عليه طاعة و ذلك من فعله بي استخفافا بأمرك و تركا لعهدك قال : و كتب شريح إليه عليه السّلام « ان زيادا حين أشركته في أمرك و ولّيته جندا من جنودك تنكّر و استكبر ، و مال به العجب و الخيلاء و الزهوّ إلى ما لا يرضاه الربّ تعالى من القول و الفعل ، فان رأى ان يعزله عنّا و يبعث مكانه من يحبّ فليفعل فانّا له كارهون الخ .
قوله عليه السّلام « اتق اللّه في كلّ صباح و مساء » هكذا في ( المصرية ) و نسخة ( ابن ميثم ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و الخطّية ) ( مساء و صباح ) و كيف كان فقال تعالى :
و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الاثم و العدوان و اتقوا اللَّه ان اللَّه شديد العقاب
.
____________________
و اتقوا اللَّه الذي إليه تحشرون
. و اتقوا اللَّه إن كنتم مؤمنين
. و اتقوا اللَّه الذي أنتم به مؤمنون
. و اتقوا اللَّه ان اللَّه خبير بما تعملون
. و اتقوا اللَّه ان اللَّه سريع الحساب
. و اتقوا لعلّكم ترحمون
. و اتقوا اللَّه لعلّكم تفلحون
.
« و خف على نفسك الدنيا الغرور » يا أيها الناس اتقوا ربّكم و اخشوا يوماً لا يَجزي والد عن ولده و لا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً ان وعد اللَّه حقٌّ فلا تَغُرَّنَكم الحياةُ الدنيا و لا يغرَّنّكم باللَّه الغَرور
.
« و لا تأمنها على حال » . و ما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور
.
« و اعلم انك ان لم تردع » أي : تنهى و تمنع .
« نفسك عن كثير ممّا تحب مخافة مكروه » هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
( مكروهه ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) و في الأصل المستند صفين نصر .
« سمت » أي : علت .
« بك الأهواء » و ميول النفس .
« إلى كثير من الضرر » في العاجل و الآجل قال الشاعر :
____________________
فانك ان أعطيت بطنك سؤلها
|
|
و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا
|
قال تعالى . كونوا قوّامين بالقسط شهداء للَّه و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فاللَّه أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أَن تعدلوا .
.
و لا تتبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللَّه ان الذين يضلّون عن سبيل اللَّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب
.
كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذّبوا و فريقاً يقتلون
. و لئن اتبعت أَهْواءَهُم من بعد ما جاءك من العلم انك اذن لمن الظالمين
.
« فكن لنفسك مانعا رادعا » و اما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى
.
« و لنزوتك » أي : توثبك .
« عند الحفيظة » أي : الغضب و الحمية .
« واقما » جاذبا لعنانها رادا لها عن مرادها .
٢٦
الحكمة ( ٣١ ) وَ اَلْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى اَلتَّعَمُّقِ وَ اَلتَّنَازُعِ وَ اَلزَّيْغِ وَ اَلشِّقَاقِ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ مَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ اَلْحَقِّ
____________________
وَ مَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ اَلْحَسَنَةُ وَ حَسُنَتْ عِنْدَهُ اَلسَّيِّئَةُ وَ سَكِرَ سُكْرَ اَلضَّلاَلَةِ وَ مَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ وَ أَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَ ضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ وَ اَلشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلتَّمَارِي وَ اَلْهَوْلِ وَ اَلتَّرَدُّدِ وَ اَلاِسْتِسْلاَمِ فَمَنْ جَعَلَ اَلْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ وَ مَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَ مَنْ تَرَدَّدَ فِي اَلرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ اَلشَّيَاطِينِ وَ مَنِ اِسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا قال الرضي : و بعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة و الخروج عن الغرض المقصود في هذا الباب .
أقول : رواه ( الخصال ) و ( التحف ) و ( الكافي ) ، و في ( الأول ) و الكفر على أربع دعائم : على الفسق و العتو و الشك و الشبهة ، فالفسق على أربع شعب :
على الجفاء و العمى و الغفلة و العتو ، فمن جفا حقر الحقّ و مقت الفقهاء و أصرّ على الحنث العظيم ، و من ( عمى ط ) نسى الذكر و اتبع الظن و الح عليه الشيطان ، و من غفل غرّته الأماني و أخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء ، و بدا له من اللَّه ما لم يكن يحتسب ، و من عتا عن سرّ اللَّه تعالى أذلّه بسلطانه ، و صغّره بجلاله كما فرّط في جنبه و عتا عن أمر ربه الكريم ، و العتوّ على أربع شعب :
على التعمق و التنازع و الزيغ و الشقاق ، فمن تعمّق لم ينب إلى الحق و لم يزدد إلاّ غرقا في الغمرات ، و لم تحتبس عنه فتنة إلاّ غشيته أخرى ، و الخرق أخرى فهو يهيم في أمر مريج ، و من نازع و خاصم قطع بينهم الفشل ، و ذاقوا و بال أمرهم ( و من زاغ ط ) ساءت عنده الحسنة و حسنت عنده السيئة ( و من شاق ط ) اعتور عليه طرقه و اعترض عليه أمره و ضاق مخرجه ، و حري أن يرجع من دينه ، و يتبع غير سبيل المؤمنين و الشك على أربع شعب : على الهول و الريب و التردد و الاستسلام ، فبأي آلاء ربك يتمارى المتمارون ، و من هاله ما
بين يديه نكص على عقبيه ، و من تردد في الريب سبقه الأولون ، و أدركه الآخرون و قطعته سنابك الشياطين و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك في ما بينهما .
و في ( الثاني ) : و الكفر على أربع دعائم على الفسق و الغلو و الشك و الشبهة فالفسق من ذلك على أربع شعب الجفاء و العماء و الغفلة و العتو ، فمن جفا حقر المؤمن و مقت الفقهاء و أصرّ على الحنث ، و من عمى نسى الذكر بذي خلقه و بارز خالقه و ألح عليه الشيطان ، و من غفل جنى على نفسه و أثقل على ظهره ، و حسب غيّه رشدا و غرّته الأماني و أخذته الحسرة إذا انقضى الأمر و انكشف عنه الغطاء و بدا له من اللَّه ما لم يكن يحتسب ، و من عتا عن أمر اللَّه شك و من شك تعالى اللَّه عليه ثم أذلّه بسلطانه و صغّره بجلاله كما فرط في حياته و اغتر بربه الكريم و الغلو على أربع شعب : على التعمق ، و التنازع ،
و الزيغ ، و الشقاق ، فمن تعمّق لم ينته إلى الحقّ و لم يزده إلا غرقا في الغمرات ،
و لا يبخسه عنه فتنة إلاّ غشيته أخرى فهو يهوي في أمر مريج و من نازع و خاصم قطع بينهم الفشل و بلى أمرهم من طول اللجاج ، و من زاغ سيئت عنده الحسنة و حسنت عنده السيئة و سكر سكر الضلال ، و من شاق أعورت عليه طرقه و اعترض عليه أمره و ضاق مخرجه ، و حرام ان ينزع من دينه من اتبع غير سبيل المؤمنين و الشك على أربع شعب : على المرية ، و الهول ، و التردد ،
و الاستسلام ، فبأي آلاء ربك يتمارى الممترون ، و من هاله ما بين يديه نكص على عقبيه و من تردّد في دينه سبقه الأولون و أدركه الآخرون و وطئته سنابك الشياطين ، و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك فيهما و من نجا من ذلك فبفضل اليقين .
و في الثالث : بنى الكفر على أربع دعائم : الفسق ، و الغلو ، و الشك ،
و الشبهة ، و الفسق على أربع شعب : على الجفاء و الغماء و الغفلة و العتو ، فمن جفا احتقر الخلق و مقت الفقهاء و أصر على الحنث العظيم ، و من عمى نسى الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه و ألح عليه الشيطان و طلب المغفرة بلا توبة و لا استكانة ، و من غفل جنى على نفسه و انقلب على ظهره و حسب غيّه رشدا و غرّته الأماني و أخذته الحسرة و الندامة إذا قضى الأمر و انكشف عنه الغطاء و بداله من اللَّه ما لم يكن يحتسب و من عتا عن أمر اللَّه شك و من شك تعالى اللَّه عليه فأذلّه بسلطانه و صغّره بجلاله كما اغتر بربّه الكريم ففرّط في أمره و العلو على أربع شعب : على التعمق في الرأي و التنازع فيه و الزيغ و الشقاق .
فمن تعمّق لم ينب إلى الحق ، و لم يزدد إلاّ غرقا في الغمرات و لم تبخسه عنه فتنة إلاّ غشيته أخرى و انخرق دينه فهو يهوى في أمر مريج ، و من نازع في الرأي و خاصم شهر بالعتل من طول اللجاج و من زاغ قبحت عنده الحسنة ،
و حسنت عنده السيئة و من شاق أو عرت عليه طرقه و اعترض عليه أمره و ضاق عليه مخرجه إذ لم يتبع سبيل المؤمنين .
و الشك على أربع شعب : المرية و الهوى و التردد و الاستسلام ، و هو قول اللَّه تعالى ، فبأي آلاء ربك تتمارى
و في رواية أخرى على المرية و الهول من الحق و التردد و الاستسلام للجهل و أهله ، فمن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه و من امترى في الدين تردد في الرَّيب و سبقه الأوّلون من المؤمنين و أدركه الآخرون ، و وطئته سنابك الشياطين ، و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك ما بينهما من نجا من ذلك فمن فضل اليقين .
و رواه الثقفي في ( غاراته ) في عنوان « كلام من كلامه » عليه السّلام عن أبي زكريا عن أهل العلم من أصحابه جزء كلام طويل له عليه السّلام .
____________________
قول المصنف : « و قال عليه السّلام الكفر » هكذا في ( المصرية ) و الصواب :
( و الكفر ) بدون كلمة ( و قال عليه السّلام ) بكونه جزء سابقه الماضي في ( ٤ ) من الباب كما يشهد له ابن أبي الحديد و ابن ميثم و ( الخطّية ) ، و لأن ( الخصال ) و ( التحف ) و ( الغارات ) رووا هذا مع سابقه خبرا واحدا و ( الكافي ) و ان جزأه على حسب ترتيب كتابه و روى ( الثاني ) باسناد آخر عن سليم إلاّ انّه قال في ( الأول ) بعد روايته عن الأصبغ و قال غيره ان ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السّلام عن صفة الاسلام و الايمان و الكفر و النفاق فقال الخ و ليس ثمة جواب الكفر و النفاق .
« على أربع دعائم » جمع دعامة عماد البيت .
و في خبر « أصول الكفر ثلاثة : الحرص و الاستكبار و الحسد ، فاما الحرص فان آدم حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها ، و اما الاستكبار فابليس حين أمر بالسجود لآدم استكبر ، و اما الحسد فابنا آدم قتل أحدهما صاحبه حسدا » .
« على التعمق و التنازع و الزيغ و الشقاق » قد عرفت من روايات ( الكافي ) و ( التحف ) و ( الخصال ) للعنوان كون هذه الأربعة شعب الدعامة الثانية من دعائم الكفر لا دعائمه الأولى ، و انما دعائمه الأولى فيها « الفسق و الغلو و الشك و الشبهة » .
« فمن تعمّق لم ينب إلى الحق » قد عرفت ان الكتب الثلاثة زادت « و لم يزدد إلاّ غرقا في الغمرات لم تبخسه عنه فتنة إلاّ غشيته أخرى و انخرق دينه فهو يهوي في مريج » .
و بالجملة فمن تعمّق ولج و لم يكتف بالبرهان غرق كما كان الزنادقة يقولون لو كان إله لوجب ان نراه بأبصارنا و في ( توحيد ) الصدوق قال
هشام بن الحكم : دخل أبو شاكر الديصاني على الصادق عليه السّلام فقال له انك أحد النجوم الزواهر و كان آباؤك بدورا بواهر ، و أمهاتك عقيلات عباهر و عنصرك من أكرم العناصر و إذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر فخبرني ايها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم فقال عليه السّلام نستدل عليه بأقرب الأشياء و دعا ببيضة فوضعها على راحته فقال هذا حصن ملموم داخله غرقى لطيف فيه فضة سائلة و ذهبة مائعة ثم تنفلق عن مثل الطاووس ادخلها شيء فقال :
لا ، قال : فهذا الدليل على حدوث العالم ، قال : أخبرت فأوجزت و قلت فأحسنت لكن علمت انّا لا نقبل إلاّ ما أدركناه بأبصارنا أو سمعناه بآذاننا أو شممناه بمناخرنا أو ذقناه بأفواهنا أو لمسناه بأكفّنا أو تصور في القلوب بيانا أو استنبطه الروايات ايقانا فقال عليه السّلام : ذكرت الحواس الخمس و هي لا تنفع شيئا بغير دليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح .
و في ( توحيد المفضل ) و اعجب منهم جميعا المعطلة الذين راموا ان يدركوا بالحس ما لا يدرك بالعقل فلمّا أعوزهم ذلك خرجوا إلى الجحود و التكذيب فقالوا : و لم لا يدرك بالعقل ؟ قيل : لأنّه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته ، فانك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت ان راميا رمى به فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل لأن العقل هو الذي يميّزه فيعلم ان الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه أفلا ترى كيف وقف البصر على حده ؟ فلم يتجاوزه فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق فلا يعدوه و لكن يعقله كما يقرّ ان في الانسان نفسا و لم يعاينها و لم يدركها بحاسة من الحواس و على حسب هذا أيضا نقول : ان العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الاقرار و لا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته فان قالوا :
فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف و لا يحيط به ؟ قيل لهم : انما
كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، و هو ان يوقنوا به و يقفوا عند أمره و نهيه ، و لم يكلفوا الإحاطة بصفته كما ان الملك لا يكلّف رعيته ان يعلمها أطويل هو ام قصير و أبيض هو أم أسمر ، و انما يكلّفهم الاذعان لسلطانه و الانتهاء إلى أمره ، ألا ترى لو أن رجلا أتى باب الملك فقال : اعرض على نفسك حتى اتقصّى معرفتك ، و إلاّ لم أسمع لك كان قد أحل نفسه بالعقوبة ، فكذا القائل انّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه يكون متعرّضا لسخطه فان قالوا أ و ليس قد نصفه فنقول : هو العزيز الحكيم ، الجواد الكريم ، قيل لهم كلّ هذه صفات إقرار و ليست صفات إحاطة فانّا نعلم انّه حكيم و لا نعلم بكنه ذلك منه ، و كذلك قدير و جواد و سائر صفاته كما قد نرى السماء فلا ندري ما جوهرها و نرى البحر و لا ندري اين منتهاه .
و عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام يا ابن آدم لو أكل قبلك طائر لم يشبعه ، و بصرك لو وضع عليه خرق أبر لغطّاه تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات و الأرض ، فان كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق اللَّه فان قدرت ان تملأ عينيك منها فهو كما تقول .
و عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله : و من كان في هذه أعمى .
أي لم يدله خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار ، و دوران الفلك و الشمس و القمر و الآيات العجيبات على ان وراء ذلك أمرا أعظم منه فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلا » .
« و من كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق » الذين يجادلون في آيات اللَّه بغير سلطان اتاهم كبر مقتاً عند اللَّه و عند الذين آمنوا كذلك يطبع اللَّه على كلّ
____________________
قلب متكبّر جبّار
.
ان الذين يجادلون في آيات اللَّه بغير سلطان اتاهم ان في صدورهم إلاّ كبر ما هم ببالغيه فاستعذ باللَّه انّه هو السميع البصير
.
« و من زاغ ساءت » و في ( الكافي ) ( قبحت ) و هو الأنسب بقوله بعد ( و حسنت ) .
« عنده الحسنة و حسنت عنده السيئة » . فلمّا زاغوا أزاغ اللَّه قلوبهم .
.
« و سكر سكر الضلالة » قال تعالى : . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله .
.
أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً .
و لذا حكي عن أمير المؤمنين دعاؤهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا .
.
« و من شاق و عرت » بالضم أي : صعبت .
« عليه طرقه و اعضل » أي : اشتد .
« عليه أمره » حتى لا يهتدي لوجه .
« و ضاق عليه » هكذا في ( المصرية ) و كلمة ( عليه ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) .
« مخرجه » و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير
____________________
سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا
.
« و الشك على أربع شعب » : على نقل المصنف يكون الشك غير الكفر و على نقل ( الكتب الثلاثة ) و ( الغارات ) هو الدعامة الثالثة من دعائم الكفر .
« على التماري » و هو المريّة أي : الجدل .
« و الهول » أي : الفزع و في ( الصحاح ) قال أبو عبيدة كان في الجاهلية لكلّ قوم نار و عليها سدنة فكان إذا كان بين رجلين خصومة جاءوا بالرجل إلى النار فيحلف عندها و كان السدنة يطرحون فيها ملحا من حيث لا يشعر يهولون بها عليه ، قال أوس :
كما صدر عن نار المهول حالف .
و اسم تلك النار ( الهولة ) بالضم قال الكميت :
كهولة ما أوقد المحلفون
|
|
لدى الحالفين و ما هولوا
|
و في الأساس : قال حميد يصف الفيل :
ان الذي يركبه محمول
|
|
على تهاويل لها تهويل
|
و قال بشر و ذكر الظعائن :
عليهن أمثال الخداري خلقة
|
|
من الريط و الرقم التهاويل كالدم
|
« و التردد » قال في المرآة : « أي التردد بين الحق و الباطل لأن الشاك متردد بينهما قد يختار هذا و قد يختار ذاك » الخ و الأظهر كون المراد التردد في الشكوك الباطلة .
« و الاستسلام » أي : الانقياد .
« فمن جعل المراء دينا » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( ديدنا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) اي عادة .
____________________
« لم يصبح ليله » أي : لم يخرج من ليل العقائد الباطلة إلى صبح العقائد الحقة ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات اللَّه انّى يصرفون
.
« و من هاله ما بين يديه نكص » أي : رجع .
« على عقبيه » و كلامه عليه السّلام قياس مضمر أي : الكافر لكونه شاكّا يهوله ما بين يديه من الوظائف الدينية من الصلاة و الزكاة و الصيام و الحجّ و الجهاد ،
و كلّ من هاله ما بين يديه نكص على عقبيه فهو أيضا ينكص إلى الانهماك في شهوات الدنيا قال تعالى : فاعرض عمّن تولّى عن ذكرنا و لم يرد إلاّ الحياة الدنيا
.
« و من تردد في الريب وطئته » من ( وطئت الشيء برجلي ) .
« سنابك » جمع سنبك طرف مقدّم الحافر .
قال تعالى : و إذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم و قال لا غالب لكم اليوم من الناس و اني جار لكم فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه .
.
و من يتخذ الشيطان وليّا من دون اللَّه فقد خسر خسراناً مبيناً يعدهم و يمنيهم و ما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً
.
« و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك فيهما » و من الناس من يعبد اللَّه على حرف فان أصابه خير اطمأن به و ان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين
.
قال الرضي : الظاهر عدم كونه كلام المصنف حيث ليس في ( الخطّية )
____________________
رأسا و في ( ابن ميثم ) ( قال السيد ) .
« و بعد هذا كلام » زاد ابن ميثم ( طويل ) « تركنا ذكره » قد عرفت انّه كان قبل هذا أيضا كلام ترك ذكره الدعامة الأولى من الكفر و هي الفسق مع شعبه الأربع ، الجفاء و العماء و الغفلة و العتو ،
كما ترك بينها فقرئت كما عرفت .
و أما ما تركه بعد هذا الكلام فالدعامة الرابعة من الكفر ، و هي الشبهة مع شعبه الأربع ففي ( التحف ) بعد ما مر « و الشبهة على أربع شعب : على اعجاب بالزينة و تسويل النفس و تأوّل العوج و لبس الحق بالباطل ، و ذلك ان الزينة تصدف عن البيّنة ، و تسويل النفس تقحم إلى الشهوة ، و العوج يميل بصاحبه ميلا عظيما ، و اللبس ظلمات بعضها فوق بعض فذلك الكفر و دعائمه و شعبه » و مثله ( الكافي ) و ( الخصال ) و ( الغارات ) .
و بعده أيضا في ( الثلاثة ) و ( الغارات ) ( و النفاق على أربع دعائم : على الهوى و الهوينا و الحفيظة و الطمع و الهوى من ذلك على أربع شعب : على البغي و العدوان و الشهوة و الطغيان ، فمن بغى كثرت غوائله و غلابه ، و من اعتدى لم تؤمن بوائقه و لم يسلم قلبه ، و من لم يعدل نفسه عن الشهوات خاض في الخبيثات ، و من طغى ضلّ على غير يقين و لا حجّة .
و الهوينا على أربع شعب : الهيبة و الغرة و المماطلة و الأمل ، و ذلك لأن الهيبة ترد عن الحق ، و المماطلة تفرط في العمل حتى يقدم عليه الأجل ، و لو لا الأمل علم الانسان حساب ما هو فيه ، و لو علم حساب ما هو فيه مات خفاتا من الهول و الوجل و الحفيظة على أربع شعب : الكبر و الفخر و الحميّة و العصبية ،
فمن استكبر أدبر عن الحق ، و من فخر فجر و من حمى أصرّ على الذنوب ، و من أخذته العصبية جار فبئس الأمر أمر بين الاستكبار و الادبار و فجور و جور
و الطمع على أربع شعب : الفرح و المرح و اللجاجة و التكبر ( التكاثر ط ) فالفرح مكروه عند اللّه عز و جل ، و المرح خيلاء و اللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حبائل الآثام ، و التكاثر لهو و لعب و شغل و استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ،
فذلك النفاق و دعائمه و شعبه » .
« خوف الاطالة » إذا كان شيء داخلا في موضوع كتاب لا وجه لتركه خوف الاطالة .
« و الخروج عن الغرض المقصود في هذا الباب » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( الكتاب ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) ، و كيف كان فلم يعلم كون ما ترك أدون ممّا نقل في جامعيته للبلاغة الكاملة .
٢٧
الخطبة ( ١٨٩ ) أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ اَلنِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ اَلضَّالُّونَ اَلْمُضِلُّونَ وَ اَلزَّالُّونَ اَلْمُزِلُّونَ يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ يَفْتَنُّونَ اِفْتِنَاناً وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ يَمْشُونَ اَلْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ اَلضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ اَلدَّاءُ اَلْعَيَاءُ حَسَدَةُ اَلرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو اَلْبَلاَءِ وَ مُقْنِطُو اَلرَّجَاءِ لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ يَتَقَارَضُونَ اَلثَّنَاءَ وَ يَتَرَاقَبُونَ اَلْجَزَاءَ إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وَ إِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلاً وَ لِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلاً وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً يَتَوَصَّلُونَ إِلَى اَلطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاَقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا اَلطَّرِيقَ
وَ أَضْلَعُوا اَلْمَضِيقَ فَهُمْ لُمَةُ اَلشَّيْطَانِ وَ حُمَةُ اَلنِّيرَانِ أُولئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطانِ هُمُ اَلْخاسِرُونَ ٧
٥ ٥٨ : ١٩ « أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه » لأنّه لا نجاة لغيرهم و ان منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا
.
« و احذّركم أهل النفاق » في ( غريب قرآن ) السجستاني ، النفاق مأخوذ من النفق و هو السرب
: أي : يتستر بالإسلام كما يتستر الرجل في السرب و يقال هو من « نافق اليربوع و نفق » إذا دخل نافقاءه فإذا طلب من النافقاء خرج من القاصعاء ، و إذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء ، و النافقاء و القاصعاء و الراهطاء و الداماء اسماء جحر اليربوع .
« فانهم الضالون المضلون و الزالون المزلون » في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله مثل المنافق مثل جذع النخل أراد صاحبه ان ينتفع به في بعض بنائه فلم يستقم له في الموضع الذي أراد ، فحوله في موضع آخر فلم يستقم له فكان آخر ذلك ان أحرقه بالنار .
« يتلونون الوانا » في ( عيون ) ابن قتيبة : أقبل عيينة بن حصن إلى المدينة قبل إسلامه فلقيه ركب خارجون منها ، فقال : أخبروني عن هذا الرجل يعني النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقالوا : الناس فيه ثلاثة رجال : رجل أسلم فهو معه ، يقاتل قريشا و افناء العرب ، و رجل لم يسلم فهو يقاتله ، و رجل يظهر الاسلام إذا لقي أصحابه و يظهر لقريش انه معهم إذا لقيهم ، فقال : ما يسمّى هؤلاء ؟ قالوا :
____________________
المنافقون قال : فاشهدوا اني منهم ، فما في من وصفتم أحزم من هؤلاء .
« و يفتنّون افتنانا » في ( الاستيعاب ) : كان الجد بن قيس ممّن يغمص عليه النفاق ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله : للناس اغزوا الروم تنالوا بنات الأصفر ، فقال : قد علمت الأنصار اني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى افتتن و لكن أعينك بمالي فنزل و منهم من يقول ائذن لي و لا تفتني ألا في الفتنة سقطوا .
و كان قد ساد في الجاهلية جميع بني سلمة فانتزع النبي صلّى اللَّه عليه و آله سودده و سود فيهم عمرو بن الجموع و في ( الاسد ) اصابت يزيد بن حاطب بن عمرو الأشهلي يوم أحد جراحة فأتي به إلى دار قومه و هو بالموت فجعل المسلمون من الرجال و النساء يقولون له : ابشر بالجنّة فقال أبوه : و نجم نفاقه يومئذ بأيّ شيء تبشّرونه بالجنّة من حرمل غررتم هذا الغلام عن نفسه ) و حرمل حبّ يدخن به .
« و يعمدونكم » من ( عمدت الشيء ) أقمته .
« بكلّ عماد » لتساعدوهم على أغراضهم .
« و يرصدونكم بكلّ مرصاد » لاهلاككم .
و ارصاد المنافقين ليلة العقبة لإهلاك النبي صلّى اللَّه عليه و آله في منصرفه من تبوك ،
و اخبار النبي صلّى اللَّه عليه و آله بهم حذيفة معروف ففي ( الخصال ) مسندا عن حذيفة قال :
الذين نفروا بالنبي صلّى اللَّه عليه و آله ناقته في منصرفه من تبوك أربعة عشر : أبو الشرور ،
و أبو الدواهي ، و أبو المعازف و أخوه طلحة و سعد و أبو عبيدة و أبو الأعور و المغيرة و سالم مولى أبي حذيفة و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و أبو موسى و عبد الرحمن بن عوف و هم الذين أنزل تعالى فيهم : . و همّوا بما لم
____________________
ينالوا .
.
و عن ( الجامع الكبير ) ، قال أبو الطفيل : كان بين حذيفة و بين رجل من أهل العقبة ما يكون بين الناس ، فقال : أنشدك اللَّه كم كان أصحاب العقبة ؟ قال أبو موسى : قد كنّا نخبر انّهم أربعة عشر ، فقال حذيفة و ان كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر .
و في ( الاستيعاب ) كان جلاس بن سويد ممّن تخلّف من المنافقين في غزوة تبوك ، و كان يثبّط الناس عن الخروج و يقول : ان كان محمّد صادقا لنحن شرّ من الحمير ، فسمعه عمير بن سعد و كان يتيما في حجر جلاس و أمه تحته فقال : لجلاّس كنت أعزّ الناس على أن يدخل عليه شيء يكرهه و قلت مقالة ان ذكرتها لأفضحنك ، و ان كتمتها هلكت و احداهما أهون عليّ فذكر للنبي صلّى اللَّه عليه و آله كلامه فبعث النبي صلّى اللَّه عليه و آله إلى الجلاس فسأله فحلف ما تكلّم به و عمير كاذب و كان حاضرا فقام و قال : اللّهم انزل على نبيك بيان ما تكلمت به فانزل تعالى : يحلفون باللَّه ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر .
الآية « قلوبهم دوية » بالتخفيف أي : فاسدة من الداء .
« و صفاحهم » أي : بشرة جلدهم .
« نقية » أي : نظيفة قال تعالى في المنافقين :
و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خشب مسندة .
.
هذا ، و في قصّة يوذاسف و بلوهران ملكا كان خيّرا أراد تنبيه وزرائه
____________________
على خطأ لهم فأمر بأربعة توابيت ، فصنعت له من خشب فطلى تابوتين منها بالقار و تابوتين منها بالذهب ، فلمّا فرغ منها ملأ تابوتي القار ذهبا و ياقوتا و زبرجدا ، و ملأ تابوتي الذهب جيفا و دما و عذرة ، ثم جمع وزراءه فعرضها عليهم ، و أمرهم بتقويمها فقالوا في مبلغ علمنا ان تابوتي الذهب لا ثمن لهما لفضلهما و تابوتي القار لا ثمن لهما لرذالتهما فأمر الملك بتابوتي القار فنزعت عنهما صفائحهما فأضاء البيت ممّا فيهما من الجواهر فقال لهم : هذا مثل قوم ازدريتم بلباسهم و ظاهرهم و هم مملوؤون علما و حكمة و صدقا و برّا و ساير مناقب الخير التي هي أفضل من الياقوت و اللؤلؤ و الجوهر و الذهب ثم أمر بتابوتي الذهب فنزع عنهما أبوابهما فاقشعروا من سوء منظرهما و تأذوا بريحهما و نتنهما فقال الملك : هذا مثل القوم المتزينين بظاهر الكسوة و اللباس و أجوافهم مملوءة جهالة و عمى و كذبا و جورا و ساير أنواع الشر التي هي أفظع و أشنع و أقذر من الجيف و العذرة و لشاعر جاهلي :
ان يغدروا أو يكذبوا
|
|
أو يختروا لا يحفلوا
|
يغدوا عليك مرجلين
|
|
كأنّهم لم يفعلوا
|
« يمشون الخفاء » قال ابن أبي الحديد الخفاء منصوب بنزع الخافض .
قلت : بل الظاهر انّه مفعول مطلق كما في قولهم ( رجعت القهقرى ) .
« و يدبون » من قولهم ( دب الشيخ ) مشى رويدا .
« الضراء » قال : ابن أبي الحديد الضراء شجر الوادي الملتف و هذا مثل يضرب لمن يختل صاحبه ، يقال : ( هو يدب له الضرّاء و يمشي له الخمر ) و تبعه ابن ميثم فقال ( و الضراء ما واراك من الشجر الملتف ) و تبعه الخوئي فقال : ( يقال « فلان يدب له الضراء » إذا أراد بصاحبه سوء و أذى من حيث لا يعلم كمن يمشي في الشجر الملتف الساتر للاصطياد ) .
قلت : ( الضراء ) انما هي نقيض السراء و لا تجيء إلاّ بمعنى الشدّة ، و لم يذكر ( الصحاح ) و ( القاموس ) و ( الأساس ) و ( المصباح ) و غيرها معنى لها غير ذلك ، و هذا نص ( الصحاح ) ( البأساء و الضراء الشدّة و هما اسمان مؤنثان من غير تذكير ) و ما قاله ابن أبي الحديد خلط عجيب من قول الجوهري في ( الخمر ) فقال ثمة : « الخمر بالتحريك ما واراك من شجر يقال : ( توارى الصيد مني في خمر الوادي ) قال ابن السكيت :
خمره ما واراه من جرف أو حبل من حبال الرمل أو شجر أو شيء و منه قولهم : ( دخل فلان في خمار الناس ) أي في ما يواريه و يستره منهم ، و يقال للرجل : إذا اختل صاحبه ( هو يدب له الضراء و يمشي له الخمر ) فرأى ابن أبي الحديد كلام الصحاح في ( خمر ) و ذكره المثل الجامع للخمر و للضراء فتوهّم ان المعنى للضراء مع انّه الخمر كما ان تبعية ابن ميثم و الخوئي له تقليد غريب كيف لم يراجعا كتاب لغة حتى يريا ان أحدا لم يقل ذلك .
ثم ان ابن أبي الحديد قال : نصب ( الضراء ) أيضا بنزع الخافض مثل ( الخفاء ) مع انّك قد عرفت ثمة ان النصب بالمفعول المطلق النوعي و هذا مثله .
هذا ، و في كتاب بديع الهمداني إلى مسكويه « قصاراهم نار يشببونها أو عقرب يدببونها » .
« وصفهم دواء و قولهم شفاء و فعلهم الداء العياء » الذي يعجز الطبيب عن علاجه .
و في ( الأغاني ) ، كان بين المغيرة بن شعبة و مصقلة بن هبيرة تنازع فضرع له المغيرة و تواضع في كلامه حتى طمع فيه مصقلة و استعلى عليه فشتمه و قذفه فقدّمه المغيرة إلى شريح و هو القاضي يومئذ فأقام عليه الحد فضربه الحد فآلى مصقلة ألا يقيم ببلدة فيها المغيرة ما دام حيّا .
و خرج إلى بني شيبان فنزل فيهم إلى ان مات المغيرة ثم دخل الكوفة فتلقاه قومه و سلّموا عليه فما فرغ من التسليم حتى سألهم عن مقابر ثقيف فارشدوه إليها فجعل قوم من مواليه يلتقطون له الحجارة فقال : ما هذا ؟ قالوا :
ظننا انّك تريد أن ترجم قبره فقال : القوا ما في أيديكم ، فتلقوه و انطلق حتى وقف على قبره ثم قال مشيرا إلى قبر المغيرة : « أما و اللَّه لقد كنت ما علمت نافعا لصديقك ضارا لعدوّك و ما مثلك إلاّ كما قال مهلهل في أخيه كليب :
ان تحت الأحجار حزما و عزما
|
|
و خصيما ألد ذا معلاق
|
حية في الوجار أربد لا
|
|
ينفع منه السليم نفث الراقي
|
« حسدة الرخاء » استدل له بقوله تعالى : ان تمسسكم حسنة تسؤهم و ان تصبكم سيئة يفرحوا بها .
.
« و مؤكدوا البلاء » قال تعالى في الأحزاب و المنافقين : و إذا يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا اللَّه و رسوله إلاّ غرورا و إذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا و يستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة و ما هي بعورة ان يريدون إلاّ فرارا و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها و ما تلبَّثوا بها إلاّ يسيرا و لقد كانوا عاهدوا اللَّه من قبل لا يولون الأدبار و كان عهد اللَّه مسؤولا
.
« لهم بكل طريق صريع » أي : هالك .
و في ( الطبري ) ، قال محمد بن سليم : سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة بن جندب قتل أحدا ؟ قال : و هل يحصى من قتله سمرة استخلفه زياد على البصرة و أتى الكوفة فجاء و قد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له : هل
____________________
تخاف أن تكن قد قتلت أحدا بريئا ؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت .
و عن أبي سوار العدوي ، قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة و أربعين رجلا قد جمع القرآن .
و عن عوف قال : أقبل سمرة من المدينة فلمّا كان عند دور بني أسد خرج رجال من بعض أزقّتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة ثم مضت الخيل ، فأتى عليه سمرة و هو متشحط في دمه فقال :
ما هذا ؟ فقيل : أصابته أوائل خيل الأمير ، قال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا .
و عن مسلم العجلي قال : مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدّى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلّي في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد و بدنه ناحية فمر أبو بكرة فقال : يقول سبحانه تعالى قد أفلح من تزكى و ذكر اسم ربه فصلّى
قال فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شرّ ميتة .
و عنه شهدت سمرة و أتى بناس كثير و اناس بين يديه فيقول للرجل ما دينك ؟ فيقول : ( اشهد ان لا إله إلاّ اللّه و ان محمّدا رسول اللّه و اني بريء من الحرورية ) فيقدم فيضرب عنقه حتى مربضعة و عشرون .
و فيه مات زياد و سمرة على البصرة خليفته فأقرّه معاوية ثمانية عشر شهرا ثم عزله ، فقال سمرة : لعن اللّه معاوية و اللّه لو أطعت اللّه كما أطعت معاوية ما عذّبني أبدا .
« و إلى كلّ قلب شفيع » لانجاح مقاصدهم .
و في ( الطبري ) قدم المغيرة على معاوية و استعفاه و شكا إليه الضعف
____________________
فأعفاه ، و أراد أن يولّي سعيد بن العاص و بلغ كاتب المغيرة ذلك فأتى سعيدا فأخبره و عند سعيد رجل فأتى المغيرة و قال له : رأيت كاتبك عند سعيد يخبره ان معاوية يوليه الكوفة ؟ قال المغيرة : أفلا يقول كما قال :
أم غاب ربك فاعترتك خصاحه
|
|
و لعلّ ربك أن يعود مؤيدا
|
رويدا ادخل على يزيد فدخل عليه فعرض له بالبيعة فأدّى ذلك يزيد إلى أبيه فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة فأمره ان يعمل في بيعة يزيد فشخص المغيرة إلى الكوفة و عمل في بيعة يزيد و أوفد في ذلك وافدا إلى معاوية .
« و لكل شجو » أي : الهمّ و الحزن ، قال ابن داود :
من لعين بدمعها موليه
|
|
و لنفس بما عناها شجية
|
و قال آر : « اني أتاني خبر فاشجان » .
« دموع » كاذبة فجاؤا أباهم عشاءً يبكون
و بعض السائلين يستعملون أدوية لاجراء الدموع حتى يرقّ الناس لهم و يعطونهم .
« يتقارضون الثناء و يتراقبون الجزاء » على ثنائهم .
في ( الطبري ) في ذكر يوم السقيفة في خبر قال أبو بكر : هذا عمر ، و هذا أبو عبيدة أيّهما شئتم فبايعوا ، فقالا : لا نتولّى هذا الأمر عليك فانّك أفضل المهاجرين و ثاني اثنين إذ هما في الغار و خليفة النبي على الصلاة ، و الصلاة أفضل ما في دين الاسلام ، فمن ذا ينبغي له أن يتقدّمك أو يتولى هذا الأمر عليك و في خبر آخر قال عمر لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك ، فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر أقوى لها مني و كان كلّ واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر و قال : ان لك قوّتي مع قوّتك .
و في ( العقد ) : ان عثمان لمّا أراد أن يقرأ عهد أبي بكر قال له رجل : اقرأه ،
____________________
و ان كان فيه عمر فقال له عمر : و بم علمت ذلك ؟ فقال وليته أمس فولاّك اليوم .
و في ( الطبري ) بعد ذكر بيعة عبد الرحمن بن عوف لعثمان قال علي عليه السّلام لعبد الرحمن حبوته حبو دهر ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل ، و اللّه المستعان على ما تصفون و اللّه ما وليت عثمان إلاّ ليرد الأمر إليك و اللّه كلّ يوم هو في شان .
« ان سألوا الحفوا » أي : الحوا و في ( الأساس ) : « يجوز أن يكون الحاف السائل من ( الحف ظفره ) استأصله » .
و هو صفة ذم قال تعالى : . لا يسألون الناس الحافاً .
.
« و ان عذلوا » أي : لاموا .
« كشفوا » قيل أي : إذا عذلك أحدهم كشف عيوبك في ذلك العذل و جبهك بها .
« و ان حكموا أسرفوا » في ( الأغاني ) ، قال إبراهيم الموصلي : كنّا يوما عند الهادي و عنده ابن جامع و معاذ بن الطبيب و كان أوّل يوم دخل علينا معاذ و كان حاذقا بالأغاني عارفا بأقدمها فقال الهادي : من اطربني منكم فله حكمه فغناه ابن جامع فلم يحركه و فهمت غرضه في الأغاني فقال هات يا إبراهيم فغنيّته :
سليمى اجمعت بينا
|
|
فأين نقولها اينا
|
فطرب حتى قام من مجلسه و رفع صوته و قال : أعد فأعدت فقال : هذا غرضي فاحتكم فقلت : حايط عبد الملك و عينه الخرارة ، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنّهما جمرتان ، و قال : يا ابن اللخناء أردت أن تسمع العامة أنّك
____________________
أطربتني و اني حكمتك فاقطعتك اما و اللّه لو لا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك لضربت الذي فيه عيناك ثم أطرق هنيئة فرأيت ملك الموت بيني و بينه ينتظر أمره ثم دعا إبراهيم الحرّاني فقال : خد بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال فليأخذ منه ما شاء فأدخلني و قال : كم تأخذ ؟ قلت مائة بدرة ،
قال : دعني أوامره فعلمت ما أراد فقلت : سبعين لي و ثلاثين لك ، و قال الآن جئت بالحق فشانك فانصرفت بسبعمائة ألف .
« قد أعدوا لكل حق باطلا » في ( تفسير القمي ) : ان قوما من الأنصار من بني أبيرق ، أخوة ثلاثة كانوا منافقين بشير و بشر و مبشر فنقبوا على عم قتادة بن النعمان و كان قتادة بدريا و أخرجوا طعاما كان أعدّه لعياله و سيفا و درعا فشكاهم قتادة إلى النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال بنو أبيرق لقتادة هذا عمل لبيد بن سهل و كان مؤمنا فبلغه ذلك فأخذ سيفه و خرج عليهم فقال : يا بني أبيرق أترمونني بالسرقة و أنتم أولى بها مني و أنتم المنافقون تهجون النبي صلّى اللَّه عليه و آله و تنسبونه إلى قريش لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم فداروه و قالوا : ارجع انّك بريء من ذلك و مشوا إلى رجل من رهطهم يقال له اسيد بن عروة و كان منطيقا بليغا فمشى إلى النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال : ان قتادة عمد إلى أهل بيت منّا أهل شرف و حسب فرماهم بالسرقة و اتهمهم بما ليس فيهم فاغتم النبي صلّى اللَّه عليه و آله لذلك ،
و جاء إليه قتادة فعاتبه النبي صلّى اللَّه عليه و آله فاغتم من ذلك و رجع إلى عمه ، و قال ليتني متّ و لم أكلّم النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقد كلّمني بما كرهته فقال عمّه اللَّه المستعان فأنزل تعالى في ذلك لنبيّه صلّى اللَّه عليه و آله إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اللَّه و لا تكن للخائنين خصيما
.
____________________
« و لكلّ قائم مائلا » له عن القيام في مجالس ثعلب قال معاوية لعتبة يوم الحكمين يا أخي أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه و نشر أذنيه و لو قدر أن يتكلّم بها فعل و غفلة أصحابه مجبورة بفطنته و هي ساعتنا الطولى فاكفنيه قال عتبة بجهدي قال فقعدت بجنب ابن عباس فلمّا أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث فقرع يدي و قال ليست ساعة حديث فأظهرت غضبا ، و قلت : يا ابن عباس ان ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا و قد و اللَّه تقدّم فيك العذر و كثر منها الصبر ، ثم اقذعته فجأش بي مرجله و ارتفعت أصواتنا فجاء القوم فأخذوا بأيدينا فنحوه عني و نحوني عنه فجئت فقربت من عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينه أي ما صنعت ؟ فقلت له : كفيتك التقواله ، فحمحم كما تحمحم الفرس للشعير .
و في ( الطبري ) استعمل معاوية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص على الكوفة فأتاه المغيرة و قال له استعملت ابن عمرو بن العاص على الكوفة و هو على مصر فتكون أنت بين لحيي الأسد فعزله عنها و استعمل المغيرة على الكوفة و بلغ عمرو بن العاص ما قال المغيرة لمعاوية فدخل عليه فقال له اجعلت المغيرة على الكوفة ؟ قال : نعم قال : أجعلته على الخراج ؟ قال : نعم ، قال :
تستعمل المغيرة على الخراج فيغتال المال فيذهب به فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئا استعمل على الخراج من يخافك و يتقيك فعزل المغيرة عن الخراج و استعمله على الصلاة فلقى المغيرة عمرا فقال له أنت المشير على معاوية بما أشرت به في عبد اللَّه ؟ قال : نعم هذه بتلك .
و في ( عيون القتيبي ) قدم معاوية من الشام و عمرو بن العاص من مصر على عمر فأقعدهما بين يديه و جعل يسألهما عن أعمالهما إلى ان اعترض عمرو في حديث معاوية فقال له معاوية أعليّ تعيب و إليّ تقصد هلم
حتى أخبر الخليفة عن عملك و تخبره عن عملي قال عمرو فعلمت انّه بعملي أبصر مني بعمله و ان عمر لا يدع أوّل هذا الحديث حتى يأتي على آخره فأردت أن أفعل شيئا أقطع به ذلك فرفعت يدي فلطمت معاوية فقال عمر تاللَّه يا معاوية الطمه رجلا اسفه منك ما رأيت فقال معاوية ان لي أميرا لا أقضي الأمور دونه فأرسل عمر إلى أبي سفيان فأتاه ثم قص عليه ما جرى بين عمرو و معاوية فقال : ألهذا بعثت إلى أخيه و ابن عمه و قد أتى غير كبير و قد وهبت له ذلك .
« و لكل حي قاتلا » في ( الطبري ) كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عظم شأنه بالشام و مال إليه أهلها لمّا كان عندهم من آثار أبيه و لغنائه عنهم في أرض الروم حتى خافه معاوية و خشي على نفسه منه لميل الناس إليه ، فأمر ابن اثال ان يحتال في قتله و ضمن له ان هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش و أن يولّيه جباية خراج حمص فلمّا قدم عبد الرحمن حمص منصرفا من بلاد الروم دس إليه ابن اثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات .
و فيه بعد ذكر فساد مصر على عهد محمد بن أبي بكر قال علي عليه السّلام لمالك الأشتر انت لها ، فتهيأ مالك للخروج و أتت معاوية عيونه فأخبروه فعظم ذلك عليه و قد كان قد طمع في مصر فعلم ان الأشتر ان قدمها كان أشدّ عليه من محمّد بن أبي بكر فبعث إلى الجايستار رجل من أهل الخراج ان الاشتر قدولّي مصر فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى قلزم و أقام به و خرج الاشتر من العراق فلمّا انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار ، و قال : هذا منزل و هذا طعام و علف و أنا رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمّا فسقاه إيّاه ، فلمّا شربها مات رحمه اللَّه .
و أقبل معاوية يقول لأهل الشام : ان عليّا وجّه الأشتر إلى مصر فادعوا اللَّه أن يكفيكموه ، فكانوا كلّ يوم يدعون عليه و أقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلكه فقام معاوية خطيبا و قال كانت لعلي يدان يمينان قطعت احداهما يعني عمّارا يوم صفين و قطعت الاخرى يعني الأشتر اليوم .
و في ( مقاتل ) أبي الفرج أرسل معاوية إلى ابنة الاشعث اني مزوجك يزيد ابني على ان تسمّي الحسن بن علي و بعث إليها بمائة ألف درهم الخ و فيه أيضا ان معاوية أراد البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي عليهما السّلام و سعد بن أبي وقاص ، فدسّ إليهما سمّا فماتا منه الخ سمّ الحسن عليه السّلام لأنّه شرط له ان يرجع الأمر بعده إلى أهله ، و أما سعد فسمّه لأن عمر كان جعله من ستة الشورى فكان يقوم في قبال معاوية لذلك .
« و لكل باب مفتاحا » في ( الطبري ) بلغ المغيرة و هو أمير على الكوفة ان زيادا ينتظر أن تجيء امارته على الكوفة فخرج إلى معاوية فسأله ان يعزله ،
و ان يقطع له منازل بقرقيسا بين ظهري قيس فلمّا سمع بذلك معاوية خاف بائقته ، و قال له : لترجعن إلى عملك فأبى عليه فلم يزده ذلك إلاّ تهمة فردّه إلى عمله ، قال عيينة العجلي : فطرقنا المغيرة ليلا و اني لفوق القصر أحرسه فلمّا قرع الباب أنكرناه فلمّا خاف أن ندلي عليه حجرا تسمّى لنا فنزلت إليه فرحبت به و سلّمت عليه فتمثل :
بمثلي فاذعري يا ام عمرو
|
|
إذا ما هاجني السفر النعور
|
و قال : إذهب إلى ابن سمية فرحله حتى لا يصبح الا من وراء الجسر فخرجنا فأتينا زيادا فأخرجناه حتى طرحناه من وراء الجسر قبل أن يصبح .
« و لكلّ ليل مصباحا » في الطبري قال : أشياخ من ثقيف دخل المغيرة على
معاوية ، فقال معاوية ، حين نظر إليه :
انما موضع سرّ المرء ان باح
|
|
بالسر أخوه المنتصح
|
فاذا بحت بسرّ فالى
|
|
ناصح يسره أو لا تبح
|
فقال : ان تستودعني تستودع ناصحا شفيقا ورعا وثيقا فما ذاك ؟ قال ذكرت زيادا و اعتصامه بأرض فارس و امتناعه بها فلم أنم ليلتي فأراد المغيرة أن يطأطىء من زياد فقال : ما زياد هناك ؟ فقال معاوية « بئس الوطء العجز » زياد داهية العرب و معه الأموال متحصن بقلاع فارس يدبّر و يربص الحيل ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعاد على الحرب .
فقال المغيرة أتأذن لي في إتيانه ؟ قال : نعم و تلطف له فأتى المغيرة زيادا فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة : ما قدم إلاّ لأمر ثم اذن له فدخل عليه و هو في بهوله مستقبل الشمس فقال زياد : ( أفلح رائد ) فقال : إليك ينتهي الخبر أبا المغيرة ان معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك و لم يكن تعلم أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن بن علي عليه السّلام و قد بايع معاوية فخذ لنفسك فيها التوطين فيستغني عنك معاوية ، قال : زياد اشر عليّ و ارم الغرض الأقصى ،
و دع عنك الفضول فان المستشار مؤتمن ، فقال المغيرة : ( في مخض الرأي بشاعة و لا خير في المذيق ) أرى ان تصل حبلك بحبله و نشخص إليه قال : أرى و يقضي اللَّه .
و فيه أيضا قدم زياد على معاوية فسأله عن أموال فارس فقال : دفعتها في ارزاق و اعطيات و حمالات و بقيت بقية أودعتها قوتا فمكث بذلك يردده و كتب زياد كتبا إلى قوم منهم شعبة بن قلعم : « قد علمتم ما لي عندكم من الأمانة فتدبروا كتاب اللَّه أنّا عرضنا السماوات و الأرض و الجبال الآية فاحتفظوا بما قبلكم و سمى في الكتب بالمبلغ الذي أقرّ به معاوية و دسّ
الكتب مع رسوله و أمره أن يعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية فتعرّض رسوله حتى انتشر ذلك و أخذ فأتى به معاوية ، فقال معاوية لزياد : لئن لم تكن مكرت بي ان هذه الكتب من حاجتي فقرأها فاذا هي بمثل ما أقربه فقال معاوية : أخاف ان تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت فصالحه على شيء ممّا ذكره انّه عنده فحمله .
و فيه أيضا كان عبد الرحمن بن أبي بكرة يلي ما كان لزياد بالبصرة فبلغ معاوية ان لزياد أموالا عند عبد الرحمن و خاف زياد على أشياء له كانت في يد عبد الرحمن فكتب إليه يأمره باحرازها و بعث معاوية إلى المغيرة لينظر في أموال زياد فقدم المغيرة فأخذ عبد الرحمن فقال : لئن كان أساء إلى أبيك لقد أحسن زياد قلت : أشار إلى إقامة أبي بكرة شهادته على زنا المغيرة محصنا و تلجلج زياد باشارة عمر حتى دفع عن المغيرة الرجم .
فكتب المغيرة إلى معاوية اني لم أصب في يد عبد الرحمن شيئا يحل لي أخذه ، فكتب إليه معاوية ان عذبه ، فعذّبه إذ كان معاوية قد كتب إليه و أراد أن يعذر و يبلغ معاوية فقال له : احتفظ بما أمرني به عمك فألقى على وجهه حريرة و نضحها بالماء فكانت تلتزق بوجهه فغشى عليه ، ففعل ذلك ثلاث مرات ثم خلاّه و كتب إلى معاوية اني عذبته فلم أصب عنده شيئا فحفظ لزياد يده عنده أي في عدم شهادته .
و في صفين نصر بعد ذكر بعث معاوية قبل صفين إلى عمرو بن العاص و قدومه عليه و لمّا دخل عمرو عليه قال له معاوية طرقتنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس فيها ورد و لا صدر قال : و ما ذاك ؟ قال : ان محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو و أصحابه و هو من آفات هذا الدين أي دين الدعوة إلى أخذ ثأر عثمان الذي كان رأس مال معاوية و ان قيصر زحف
بجماعة الروم الي ليغلب على الشام ، و منها ان عليّا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلي قال : ليس كلّ ما ذكرت عظيما اما ابن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه ان تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به ، و ان فاتك لا يضرّك ، و أما قيصر فاهد له من وصفاء الروم و وصائفها و آنية الذهب و الفضة و سلمه الموادعة فانّه إليها سريع .
و أما علي فلا و اللَّه يا معاوية ما تستوي العرب بينك و بينه إلى أن قال قال عمرو معاوية : فما تجعل لي أن شايعتك على حربه و أنت تعلم ما فيه من الوزر و الخطر ؟ قال حكمك قال : مصر طعمة فتلكأ عليه ثم أعطاه و كتب له بها كتابا فقال له عمرو : امض الرأي الأول فبعث معاوية مالك بن هبيرة الكندي في طلب ابن أبي حذيفة فأدركه فقتله و بعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه .
ثم قال له عمرو : رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي و هو عدوّ لجرير البجلي الذي أرسله علي إليك لبيعته فأرسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس ان عليّا قتل عثمان و ليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فانها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب و ان تعلق بقلبه لم يخرجه شيء أبدا إلى أن قال بعد ذكر عمل معاوية بما قال له عمرو دخل شرحبيل على معاوية و قال له : أبى الناس إلاّ أن عليا قتل عثمان و اللَّه لئن بايعت له لنخرجنّك من الشام أو لنقتلنك ، قال معاوية : ما كنت لأخالف عليكم ما أنا إلاّ رجل من أهل الشام قال فرد هذا الرجل إلى صاحبه إذن فعرف معاوية ان شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق و ان الشام كلّه مع شرحبيل .
و فيه أيضا بعد ذكر ليلة الهرير ان عليّا عليه السّلام قام خطيبا و قال قد بلغ الأمر بكم و بعدوّكم ما قد رأيتم ، و لم يبق منهم إلاّ آخر نفس و ان الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأوّلها ، و قد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم
ما بلغنا ، و انا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى اللّه تعالى فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص و قال له : انما هي الليلة حتى يغدو علينا ( علي ) بالفيصل فما ترى ؟ قال : أرى ان رجالك لا يقومون لرجاله ، و لست مثله ، هو يقاتلك على أمر و أنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء ، و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم و أهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم ، و لكن الق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا و ان ردوه اختلفوا ، ادعهم إلى كتاب اللّه حكما في ما بينك و بينهم فانك بالغ به حاجتك في القوم فاني لم أزل أؤخر هذا الأمر لحاجتك إليه فعرف ذلك معاوية فقال : صدقت .
« يتوصلون إلى الطمع باليأس » في ( الكافي ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول تعالى ( ويل للذين يختالون الدنيا بالدين ) .
و عنه صلّى اللَّه عليه و آله سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم ، و تحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف يعمّهم اللَّه بعقاب .
« ليقيموا به أسواقهم » من الوقفة .
في ( العقد ) ( مثل في الرياء ) قال وهب بن منبه نصب رجل من بني إسرائيل فخا فجاءت عصفورة فنزلت عليه فقالت مالي أراك منحنيا ؟ قال :
لكثرة صلاتي انحنيت قالت : فمالي أرى عظامك بادية ؟ قال : لكثرة صيامي قالت : فمالي أرى هذا الصوف عليك ؟ قال : لزهادتي في الدنيا قالت : فما هذه العصا عندك ؟ قال : اتوكأ عليها و أقضي حوائجي ، قالت فما هذه الحبة في يدك ؟ قال : قربان ان مربي مسكين ناولته إيّاها ، قالت : فاني مسكينة قال فخذيها فدنت فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها فجعلت تقول ( قعي قعي ) تفسيره لا غرني ناسك مراء بعدك أبدا .
« و ينفقوا به أعلاقهم » أي : أمتعتهم قال في ( الجمهرة ) : « العلق الثوب و نحوه تقول هذا علق حسن و هذا علق سوء و علق نفيس و علق خسيس » .
و توهم الجوهري فاحشا و أغرب في الاستدلال ، فقال ( و العلق بالكسر النفيس من كلّ شيء يقال ( علق مضنه ) أي ما يضن به الخ فانّه استند في كون معنى العلق المتاع النفيس بقولهم : ( علق مضنه ) فانّه نظير ان تقول معنى ( رجل ) حسن لأنّك تقول رجل حسن .
و من الغريب أن الفيروز آبادي مع تهالكه على تغليطه لم يتفطن فتبعه في الوهم كما ان النهاية أيضا تبعه ، فقال : معنى حديث حذيفة ( ما بال هؤلاء الذين يسرقون أعلاقنا ) أي نفائس أموالنا و لم يتفطن انّه معنى غلط فان الناس ينكرون سرقة مطلق أموالهم و أمتعتهم لا خصوص نفائسها و نظير كلامه عليه السّلام قول البختري في مدح الفتح بن خاقان :
كفى رايه الجلي و القى سماحه
|
|
نفاقا على علق من الشعر كاسد
|
و قوله في مدح أبي الصقر :
نفق الشعر بعد ما كان علقا
|
|
فاحش الرخص مكسدين تجارة
|
كما ان ابن أبي الحديد و ابن ميثم تبعا الجوهري و لم يتفطنا انّه يصير معنى كلامه عليه السّلام ليروجوا نفائس أمتعتهم و ليس للمنافق متاع نفيس و المتاع النفيس لا يكسد حتى يروج و تبعه الخوئي أيضا لكن أوّل كلامه عليه السّلام غلطا ،
فقال العلق النفيس من كلّ شيء أي ترويج ما لديهم من متاع الضلال الذي يزعمون انّه متاع نفيس الخ فانّه من قبيل ما قيل بالفارسية
( لفظ ميگوئى
و معنى ز خدا ميطلبى )
« و يصفون فيوهمون » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( فيموهون ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) من موّهت الشيء طليته بفضة أو
ذهب و تحت ذلك نحاس أو حديد .
لمّا قال معاوية ( ان الهاشمي إذا لم يكن سخيّا فليس بهاشمي ،
و المخزومي إذا لم يكن بتائه فليس بمخزومي ، و الاموي إذا لم يكن حليما فليس باموي ) بلغ ذلك الحسن عليه السّلام فقال أراد معاوية بكلامه ذاك أن يبذل الهاشميون كلّ ما عندهم فيفتقرون و يتيه المخزوميون فيبغضهم الناس و يحلم الامويون فيحبّهم الناس .
و في وزراء الجهشياري مر معاوية بسعد في طريق مكة بعد صلاة الصبح و معه أهل الشام فوقف و سلّم عليه فلم يرد سعد عليه السلام فقال معاوية لأهل الشام أتدرون من هذا ؟ هذا سعد صاحب رسول اللَّه لا يتكلّم حتى تطلع الشمس فبلغ سعدا ذلك فقال : ما كان ذلك مني و اللَّه على ما قال و لكني كرهت أن أكلمه .
« قد هونوا » هكذا في ( المصرية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) ( قد هيئوا ) .
« الطريق » لنيل مقاصدهم .
في ( كامل ) المبرد كان ( معاوية ) إذا أتاه عن بطريق من بطارقة الروم كيدا احتال له و كاتبه حتى يغري به ملك الروم فكانت رسله تأتيه فتخبره بأن هناك بطريقا يؤذي الرسل و يطعن عليهم و يسيىء عشرتهم ، فقال معاوية أي شيء في عمل المسلمين أحب إليه ؟ فقيل له : الخفاف الحمر و دهن البان ، فألطفه بهما ، ثم عرفت رسله باعتياده ثم كتب إليه كتابا كانه جواب كتاب منه يعلمه فيه ، انّه وثق بما وعده به من نصره و خذلان ملك الروم ، و أمر الرسول بأن يتعرّض لأن يظهر على الكتاب فلمّا ذهبت رسله في أوقاتها رجعت إليه قال : ما حدث هناك ؟ قالوا فلان البطريق رأيناه مصلوبا ، فقال
معاوية و أنا أبو عبد الرحمن .
« و أضلعوا » قال ابن دريد : ( اضلع الرجل بالشيء ) إذا أطاق حمله .
« المضيق » في ( الطبري ) قال قبيصة الأسدي لو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلّها إلاّ بالغدر لخرج منها .
« فهم لمة » قال الجوهري في ( لمى ) ( لمة ) الرجل تربه و شكله .
« الشيطان » في الخبر عن جابر : تمثّل إبليس أربع صور تصور : يوم قبض النبي صلّى اللَّه عليه و آله في صورة المغيرة بن شعبة ، فقال أيها الناس لا تجعلوها كسرانية و لا قيصرانية و سعوها تتسع ، فلا تردوها في بني هاشم فينتظر بها الحبالى الخبر .
« و حمة النيران » قال الجوهري في ( حمم ) .
« الحمة بالضم السواد و حمة الحر معظمه و أما حمة العقرب أي سمّها فهي مخففة الميم و الهاء عوض » و جعله ابن أبي الحديد بالتخفيف من حمة العقرب و لا معنى لسم النيران فلابد انّه بالتشديد بمعنى شدّة حرّها قال تعالى : . فما أصبرهم على النار
.
هذا و قالوا أتى امرؤ القيس حارث بن أسوم اليشكري و اخويه قتادة و أبا شريح فقال امرؤ القيس : يا حارث اجز
« أ حار ترى بريقا هب و هنا »
فقال الحارث : «
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال قتادة :
أرقت له و نام أبو شريح
|
|
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
|
فقال أبو شريح :
كأن هزيره يوراء غيث
|
|
عشار و وله لاقت عشارا
|
فقال الحارث أيضا :
____________________
فلمّا ان علا شرجي أضاخ وهبت
|
|
أعجاز ريقه فحارا
|
فقال قتادة أيضا :
فلم يترك ببطن الشر ظبيا
|
|
و لم يترك لقاعته حمارا
|
فقال امرؤ القيس : اني لأعجب من بيتكم هذا كيف لا يحترق من جودة بيتكم ، فسمّوا بني النار يومئذ .
هذا ، و روى ( أمالي الشيخ ) مسندا عنه عليه السّلام قال لرجل من شيعته : اجهد ألا يكون لمنافق عندك يد فان المكافي ( عنكم ط ) اللَّه عز و جل بجنته و محمّد صلّى اللَّه عليه و آله بشفاعته ، و الحسن و الحسين بحوض جدّهما
.
٢٨
الحكمة ( ٧٩ ) خُذِ اَلْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ فَإِنَّ اَلْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ اَلْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ اَلْمُؤْمِنِ و الحكمة ( ٨٠ ) و قال عليه السّلام :
اَلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ اَلْمُؤْمِنِ فَخُذِ اَلْحِكْمَةَ وَ لَوْ مِنْ أَهْلِ اَلنِّفَاقِ أقول : رواه ( أمالي الشيخ ) عن أبي المفضل عن عبيد اللَّه بن الحسين العلوي النصيبي عن الجواد عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام هكذا : ( الهيبة خيبة و الفرصة خلسة و الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها و لو عند المشرك تكونوا أحق بها و أهلها ) .
و روي عنه عن جعفر بن محمد العلوي الحسني عن أحمد بن عبد المنعم الصيداوي عن حمّاد بن عثمان عن حمران بن أعين عن السجاد عليه السّلام
____________________
عنه عليه السّلام ان الكلمة من الحكمة لتلجلج في صدر المنافق نزاعا إلى مظانها حتى يلفظ بها فيسمعها المؤمن فيكون أحقّ بها و أهلها فيلفقها .
« خذ الحكمة » يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا و ما يذّكر إلاّ أولوا الألباب
.
و في ( الخصال ) : تبع حكيم حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات ، فلمّا لحق به قال له : يا هذا ما أرفع من السماء ، و أوسع من الأرض ، و أغنى من البحر ، و أقسى من الحجر ، و أشدّ حرارة من النار ، و أشدّ بردا من الزمهرير ،
و أثقّل من الجبال الراسيات ؟ فقال له : يا هذا ، الحق أرفع من السماء ، و العدل أوسع من الأرض ، و غنى النفس أغنى من البحر ، و قلب الكافر أقسى من الحجر ، و الحريص الجشع أشدّ حرارة من النار ، و اليأس من روح اللَّه تعالى أبرد من الزمهرير ، و البهتان على البريء أثقل من الجبال الراسيات .
هذا و في ( عيون ابن قتيبة ) ، قال بزرجمهر لأهل الحبس : سلوا الملك ان يرزقكم مكان الادم الاترج ليكون القشر لطيبكم و لحمته لفاكهتكم ، و الحماض لصباغكم ، و الحب لدهنكم فكان ذلك أوّل ما عرفت من حكمته .
« اني » أي : أين .
« كانت » و لا تتركها و لو كانت من عدوك .
و في ( المروج ) : كان إبراهيم بن المدبر مع محله في العلم و الأدب و المعرفة سيء الرأي في أبي تمام ، و يحلف انّه لا يحسن شيئا فقال له محمد بن أبي الأزهر : ما تقول في قوله ؟ :
غدا الشيب مختطا بفوديّ خطة
|
|
سبيل الردى منها إلى النفس مهيع
|
فو اللَّه لكأني أغريته به حتى سبّه و لعنه قال : فقلت إذا فعلت ذلك فقد
____________________
حدثني عمر بن أبي الحسين الطوسي أن أباه وجّه به إلى ابن الأعرابي يقرأ عليه أشعار هذيل فمرت بنا أراجيز فأنشدته ارجوزة لأبي تمام لم أنسبها إليه و هي :
عاذل عذلته من عذله
|
|
فظن اني جاهل ، من جهله
|
الخ فقال لابنه : اكتبها فكتبها على ظهر كتاب من كتبه فقلت له جعلت فداك انها لأبي تمام فقال ، خرّق خرّق قال المسعودي : و هذا من ابن المدبر قبيح لأن الواجب أن لا يدفع احسان محسن عدوا كان أو صديقا ، و ان تؤخذ الفائدة من الوضيع و الرفيع فقد روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام انّه قال : الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك و لو من أهل الشرك و قد ذكر عن بزرجمهر و كان من حكماء الفرس انّه قال : أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب و الهرة و الخنزير و الغراب ، قيل ما أخذت من الكلب ؟ قال : ألفه لأهله ، و ذبّه عن صاحبه قيل فما أخذت من الغراب ؟ قال : شدّة حذره قيل فمن الخنزير ؟ قال :
بكوره في حوائجه ، قيل : فمن الهرة ؟ قال : حسن نغمتها و تملقها لأهلها عند المسألة و من عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب و تحرّك بها النفوس و تصغي إليها الأسماع و تشحذ لها الأذهان و يعلم كلّ من له قريحة ،
و فضل و معرفة ان قائلها قد بلغ في الإجادة أبعد غاية و أقصى نهاية فانما غض من نفسه و طعن على معرفته و اختياره .
« فان الحكمة انما تكون في صدر المنافق فتلجلج » أي : تدار و تردد .
« في صدره حتى تخرج » من صدره .
« فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن » قالوا : خرج ابن المبارك مرابطا فبينما يمشي في أزقة المصيصة إذ لقى سكران قد رفع عقيرته يتغنى و يقول :
أذلني الهوى و أنا الذليل
|
|
و ليس إلى الذي أهوى سبيل
|
فأخذ برنامجا من كمه ، فكتب البيت فقيل له : أتكتب شعرا سمعته من سكران ؟ فقال : أما سمعتم المثل ؟ « ربّ جوهرة في مزبلة » قالوا نعم ، قال فهذه جوهرة في مزبلة .
قول المصنف في الثاني « و قال عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط ففي ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم الخطّية ) ( و قال عليه السّلام في مثل ذلك ) و يشهد له المقام .
قوله عليه السّلام « الحكمة ضالّة المؤمن فخذ الحكمة و لو من أهل النفاق » قد عرفت ان المسعودي رواه ( الحكمة ضالّة المؤمن فخذ ضالتك و لو من أهل الشرك ) و رواه ( التحف ) : ( و الحكمة ضالة المؤمن فليطلبها و لو في أيدي أهل الشر )
.
قال ابن أبي الحديد خطب الحجاج فقال : ( ان اللَّه أمرنا بطلب الآخرة و كفانا مؤنة الدنيا ، فليتنا كفينا مؤنة الآخرة و أمرنا بطلب الدنيا ) فسمعها الحسن فقال هذه ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق .
قال : و كان سفيان الثوري يعجبه كلام أبي حمزة الخارجي و يقول ضالة المؤمن على لسان المنافق « تقوى اللَّه أكرم سريرة و تفضل ذخيرة ،
منها ثقة الواثق ، و عليها مقة الوامق ، ليعمل كلّ امرىء في مكان نفسه و هو رخي البال ، طويل السبب و ليعرف ممد يده و موضع قدمه ، و ليحذر الزلل و العلل المانعة من العمل ، رحم اللَّه عبدا آثر التقوى ، و استشعر شعارها و اجتنى ثمارها ، باع دار الفناء بدار الأبد الدنيا كروضة تونق مرعاها ،
و تعجب من رآها تمج عروقها الثرى ، و تنطف فروعها بالندى ، حتى إذا بلغ الشعب اناه ، و انتهى الزبرج منتهاه ، ضعف العمود و ذوي العود ، و تولّى من الزمان ما لا يعود ، فحتت الرياح الورق ، و فرّقت ما كان اتسق ، فأصبحت
____________________
هشيما ، و أمست رميما .
قلت : و يمكن أن يجعل من مصاديق كلامه عليه السّلام قول زياد بن أبيه ، لو ان لي ألف درهم و لي بعير أجرب لقمت عليه قيام من لا يملك غيره ، و لو ان عندي عشرة دراهم لا أملك غيرها و لزمني حق لوضعتها فيه .
هذا ، و في الكشي قال أبو عمر البزاز : قال الشعبي لي ذات يوم و كان إذا راح إلى القضاء و رجع جلس عندي ان لك عندي حديثا أحدثك به ، فقلت ما زال لي ضالة عندك ؟ فقال : لي لا أم لك فأي ضالة تقع لك عندي و أبى أن يحدّثني يومئذ ثم سألته بعد فقال : سمعت الحرث الأعور يقول : أتيت عليّا عليه السّلام ذات ليلة فقال : يا أعور ما جاء بك ؟ فقلت : حبّك و اللَّه ، فقال : اما انّه لا يموت عبد يحبني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحبّ و لا يموت عبد يبغضني فخر نفسه حتى يراني حيث يكره .
ثم قال : قال لي الشعبي بعد اما ان حبّه لا ينفعك ، و بغضه لا يضرّك .
٢٩
الحكمة ( ٤٣ ) و قال عليه السّلام في ذكر خبّاب بن الأرتّ :
رَحِمَ اَللَّهُ ؟ خَبَّابَ بْنَ اَلْأَرَتِّ ؟ فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً وَ هَاجَرَ طَائِعاً وَ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اَللَّهِ وَ عَاشَ مُجَاهِداً و الحكمة ( ٤٤ ) و قال عليه السّلام :
طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ اَلْمَعَادَ وَ عَمِلَ لِلْحِسَابِ وَ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اَللَّهِ أقول هكذا في ( المصرية ) ، جعلهما عنوانين ، و الصواب جعلهما واحدا
مع زيادة ( و قنع بالكفاف و رضي عن اللَّه ) في الأول كزيادة ( و قال ) في الثاني كما يشهد لذلك كلّه ابن ميثم و ابن أبي الحديد و ( الخطّية ) و مستنده .
ثم الأصل فيه ما رواه صفين نصر بن مزاحم في خبر رجوعه عليه السّلام عن صفين عن عبد الرحمن بن جندب بعد جوازه عليه السّلام النخيلة ، و رؤيتهم بيوت الكوفة ، و لقائه عليه السّلام عبد اللَّه بن وديعة الأنصاري و سؤاله عن قول الناس في أمره عليه السّلام ( ثم مضى حتى جزنا دور بني عوف ، فاذا نحن عن ايماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال عليه السّلام ما هذه القبور ؟ فقال له : قدامة بن عجلان الأزدي ان خباب بن الأرت توفى بعد مخرجك ، فأوصى ان يدفن في الظهر و كان الناس يدفنون في دورهم و أفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه فقال عليه السّلام : ( رحم اللَّه خبابا قد أسلم راغبا و هاجر طائعا و عاش مجاهدا ، و ابتلى في جسده أحوالا ، و لن يضيع اللَّه أجر من أحسن عملا ) ، إلى أن قال : طوبى لمن ذكر المعاد و عمل للحساب و قنع بالكفاف و رضي عن اللَّه بذلك ) و رواه تاريخ ( الطبري )
قول المصنف : في ذكر خباب بن الأرت » خباب بتشديد الباء و الارت بتشديد التاء ، قال البلاذري : قال الواقدي : كان الأرت الكن إذا تكلّم بالعربية فسمي الارت ، قال : كان في ما يقول ولده من سعد بن زيد مناة بن تميم وقع عليه سباع فصار إلى ام أنمار بنت سبأ فاعتقته الخ لكن غيره قال : ان خبابا نفسه وقع عليه سبأ .
قال ابن أبي الحديد ( مات خباب سنة ( ٣٧ ) و قيل : ( ٣٩ ) بعد أن شهد مع علي عليه السّلام صفين و النهروان و صلّى عليه علي عليه السّلام ) و مثله ابن ميثم فقال :
( و مات خباب بعد انصرافه عليه السّلام من صفين بالكوفة ، و هو أوّل من قبره عليه السّلام بها .
____________________
قلت قد عرفت من رواية نصر بن مزاحم انّه لم يشهد صفين و انّه مات قبل انصرافه و انما الأصل في وهم ابن أبي الحديد استيعاب ابن عبد البر و في و هم الثاني معارف ابن قتيبة و أما قول البلادري قال الواقدي : توفي خباب بالكوفة سنة ( ٣٧ ) و هو ابن ( ٧٣ ) و صلّى عليه علي عليه السّلام منصرفه من صفين ) فأعم و يمكن حمل قوله ( و صلّى عليه ) على ان المراد وقوفه على قبره منصرفه و الترحم عليه و السلام عليه حسبما تضمنه خبره و قال ابن قتيبة :
علي عليه السّلام أوّل من قبره بظهر الكوفة مع ان البلادري روى انّه نفسه وصّى ابنه بدفنه بالظهر فدفنه ابنه به .
قوله عليه السّلام « يرحم اللَّه » هكذا في ( المصرية ) ، و الأحسن ( رحم اللَّه ) كما في ( ابن أبي الحديد ) و في خبر مستنده .
« خباب بن الارت » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( خبابا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
« فلقد أسلم راغبا » روى أنساب البلاذري انّه أسلم سادس ستة و مع بني مظعون و أبي سلمة بن عبد الأسد قبل دخول دار الأرقم .
« و هاجر طائعا » في أنساب البلاذري لمّا هاجر النبي صلّى اللَّه عليه و آله و هاجر خباب نزل هو و المقداد على كلثوم بن الهدم ، فلم يبرحا منزله حتى توفي قبل بدر بيسير ، فتحولا على سعد بن عبادة فلم يزالا عنده حتى فتحت قريظة و آخا النبي صلّى اللَّه عليه و آله بين خباب و جبر بن عتيك الأوسي .
« و عاش مجاهدا » قال البلاذري : لم يتخلّف خباب عن مشهد من مشاهد النبي صلّى اللَّه عليه و آله .
ثم قد عرفت ان رواية نصر زادت في وصفه عليه السّلام له ( و ابتلى في جسده أحوالا ) روى ( أنساب البلادري ) عن الشعبي قال : اعطوهم ما أرادوا حين
عذبوا إلا خبابا فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف حتى ذهب ماء متنه و عن قيس بن أبي حازم : دخلنا على خباب نعوده و قد اكتوى في بطنه سبعا و قال : لو لا ان النبي صلّى اللَّه عليه و آله نهانا أن ندعو بالموت لدعوت بالموت .
و عن أبي صالح قال : كان خباب قينا و كان قد أسلم فكان النبي صلّى اللَّه عليه و آله يألفه و يأتيه فأخبرت بذلك مولاته فكانت تأخذ الحديدة و قد أحمتها فتضعها على رأسه ، فشكا ذلك إلى النبي صلّى اللَّه عليه و آله فقال : اللّهم انصر خبابا فاشتكت مولاته و هي أم أنمار رأسها فكانت تعوي مع الكلاب فقيل لها اكتوي فكان خباب يأخذ الحديدة قد أحماها فكان يكوي بها رأسها .
و عن خباب قد أوقد المشركون لي نارا ثم سلقوني فيها ثم وضع رجل رجله على صدري فما أتيت الأرض إلاّ بظهري ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص .
« طوبى لمن ذكر المعاد ، و عمل للحساب » لأنّه هيأ أسباب فلاحه و في أسباب نزول الواحدي مسندا عن خباب قال فينا نزلت و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه .
، الآية كنّا ضعفاء عند النبي صلّى اللَّه عليه و آله بالغداة و العشي يعلّمنا القرآن و الخير و كان يخوفنا بالجنّة و النار و ما ينفعنا و بالموت و البعث .
فجاء الأقرع بن حابس التميمي و عيينة بن حصن الفزاري فقالا إنّا من أشراف قومنا و إنّا نكره أن يرونا معهم فأطردهم إذا جالسناك قال نعم قالوا لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا فأتى بأديم و دواة فنزلت الآيات .
و في أنساب البلاذري أيضا مسندا عن خباب قال كنت قينا و كان لي
____________________
على العاص بن وائل دين فأتيته أقتضيه ، فقال لن أفضيك حتى تكفر بمحمّد فقلت لن أكفر حتى تموت و تبعث ، فقال و اني لمبعوث بعد الموت ، فان كان ذلك فلسوف أقضيك إذا رجعت إلى مالي و ولدي فنزلت فيه أفرأيت الذي كفر بآياتنا و قال لأوتينَّ مالاً و ولداً إلى قوله فرداً
.
« وقنع بالكفاف » لأن فوقه وزر و دونه خزي .
روى ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال اللّهم ارزق محمّدا و آل محمد و من أحبّ محمّدا و آل محمّد العفاف و الكفاف ، و ارزق من أبغض محمّدا و آل محمّد المال و الولد ، لكن روى البلاذري ان خبابا صار أخيرا ذا مال كثير فروى عن حارثة بن مضرب قال دخلت على خباب أعوده إلى أن قال : و اتى بكفنه قباطي فبكى و قال لكن حمزة كفن في بردة إذا مدت على قدميه قصرت عن رأسه و إذا مدت على رأسه قصرت عن قدميه حتى جعل عليهما ادخر و لقد رأيتني مع النبي صلّى اللَّه عليه و آله و ما أملك دينارا و لا درهما انّ في بيتي في تابوت لأربعين ألف واف و خشيت أن يكون عجلت لنا طيباتنا في الدنيا .
« و رضى عن اللَّه » ان الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضى اللَّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربّه
.
و روى ( الكافي ) عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال يا معشر المساكين طيبوا نفسا و اعطوا اللَّه الرضا من قلوبكم يثيبكم اللَّه تعالى على فقركم فان لم تفعلوا فلا ثواب لكم .
و روى ( أسد الغابة ) عن أبي موسى في يزيد بن عبد اللَّه الشخيري قال
____________________
و أظنه قد رأى النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال ان اللَّه يبتلي العبد في ما أعطاه فان رضي بما قسم له بارك له فيه و ان لم يرض بما أعطاه لم يبارك له و لم يسعه .
٣٠
الحكمة ( ٤٢٧ ) و قال عليه السّلام :
مَنْ شَكَا اَلْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا شَكَاهَا إِلَى اَللَّهِ وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اَللَّهَ أقول هكذا في ( المصرية ) و الصواب في الأول أيضا ( فكأنما ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) .
قالوا و وجه كلامه عليه السّلام في الشكاية من المرض أيضا حد للمذموم و غيره ، ففي ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام سئل عن حد الشكاة للمريض فقال ان الرجل يقول حممت اليوم و سهرت البارحة و قد صدق و ليس هذا شكاه ، و انما الشكوى ان يقول لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد ، و يقول لقد أصابني ما لم يصب أحدا .
الفهرست
كتاب بهج الصباغة ١
في شرح نهج البلاغة ١
المجلد الثاني عشر ١
الشيخ محمد تقي التّستري. ١
المجلد الثاني عشر ٢
تتمة الفصل السابع و الثلاثون في ذم الدنيا و فنائها ٣
٣١. ٣
٣٢. ٣
٣٣. ٦
٣٤. ٨
٣٥. ١٠
٣٦. ١٥
٣٧. ١٨
٣٨. ٣٢
٣٩. ٣٤
٤٠. ٣٨
٤١. ٣٩
٤٢. ٤٠
٤٣. ٤٢
الفصل الثامن و الثلاثون في القيامة و النّار و الجنّة ٦٤
١. ٦٥
٢. ٧٠
٣. ٧٣
٤. ٧٩
٥. ٨١
٦. ٨٤
٧. ٨٥
٨. ١٠٣
٩. ١٠٨
١٠. ١٢٢
١١. ١٣١
١٢. ١٤٨
١٣. ١٦٦
١٤. ١٨٥
١٥. ٢٠٨
١٦. ٢١٨
١٧. ٢٢٩
١٨. ٢٤٠
١٩. ٢٤٤
٢٠. ٢٥٩
٢١. ٢٦٨
٢٢. ٢٨٥
الفصل التاسع و الثلاثون في ما قاله عليه السّلام في ما يجب على العبد لربّه ٢٨٨
١. ٢٨٩
٢. ٢٩١
٣. ٢٩٣
٤. ٢٩٤
٥. ٢٩٤
٦. ٢٩٦
٧. ٢٩٦
٨. ٢٩٧
٩. ٢٩٩
١٠. ٣٠٣
١١. ٣٠٦
١٢. ٣٠٧
١٣. ٣٠٨
١٤. ٣١٠
١٥. ٣١٢
١٦. ٣١٤
١٧. ٣١٦
١٨. ٣١٨
الفصل الاربعون في الاسلام و الكفر و الايمان و النفاق ٣٢٠
١. ٣٢١
٢. ٣٣٤
٣. ٣٣٧
٤. ٣٤٨
٥. ٣٦١
٦. ٣٦٧
٧. ٣٧٣
٨. ٣٨٣
٩. ٣٨٥
١٠. ٣٨٨
١١. ٣٩١
١٢. ٣٩٧
١٣. ٣٩٩
١٤. ٤٦٣
١٥. ٤٦٤
١٦. ٤٨٠
١٧. ٤٨٩
١٨. ٤٩٣
١٩. ٥٠٢
٢٠. ٥١٣
٢١. ٥٢٠
٢٢. ٥٢٨
٢٣. ٥٣٨
٢٤. ٥٥٥
٢٥. ٥٥٧
٢٦. ٥٦١
٢٧. ٥٧٢
٢٨. ٥٩٣
٢٩. ٥٩٧
٣٠. ٦٠٢
|