بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة- الجزء 8
التجميع أمير المؤمنين عليه السلام
الکاتب الشيخ محمد تقي التّستري
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404
 شبكة الحسنين عليهما السلام الثقافية -

كتاب بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

المجلد الثامن

الشيخ محمد تقي الشيخ التّستري (الشوشتري)

الفصل الثالث و العشرون في عتاباتهعليه‌السلام لعمّاله و غيرهم و فيه حالات الاشعث و زياد و ابي موسى و أحوال ابن عباس و المنذر

١ - الكتاب (٥) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى؟ أشعث بن قيس؟ عامل؟ أذربيجان؟:

وَ إِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَ لَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ وَ أَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ وَ لاَ تُخَاطِرَ إِلاَّ بِوَثِيقَةٍ وَ فِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ وَ لَعَلِّي أَلاَّ أَكُونَ شَرَّ وُلاَتِكَ لَكَ وَ اَلسَّلاَمُ أقول: رواه نصر بن مزاحم في (صفينه) و ابن قتيبة في (خلفائه) و ابن عبد ربه في (عقده) مع زيادة قبله، ففي الأوّل محمّد بن عبيد اللّه عن الجرجاني قال لما بويع عليّ عليه السلام و كتب إلى العمال كتب إلى الأشعث مع زياد بن مرحب الهمداني و الأشعث على آذربيجان عامل لعثمان و كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث قبل ذلك «أما بعد لولا هنات فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، و لعل أمرك يحمل بعضه بعضا ان اتقيت اللّه، ثم انه كان من بيعة

الناس اياي ما قد بلغك، و كان طلحة و الزبير ممن بايعاني، ثم نقضا بيعتي على غير حدث، و سارا إلى البصرة، فسرت إليهما، فالتقينا، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه، فأبوا، فأبلغت في الدعاء و أحسنت في البقية، و ان عملك ليس لك بطعمة الخ( ١) .

و مثله الثاني و الثالث مع اختلاف يسير، و زاد الاخير بعد «و أحسنت في البقيا»: «و أمرت أن لا يذفف على جريح، و لا يتبع منهزم، و لا يسلب قتيل، و من ألقى سلاحه و اغلق بابه فهو آمن( ٢) .

قول المصنف: (و من كتاب لهعليه‌السلام إلى الأشعث بن قيس) في (الاستيعاب): الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور بن غفير بن عدي بن مرة بن ادد بن زيد الكندي و كندة ولد ثور بن عفير( ٣) .

و مثله في (ذيل الطبري)، لكن زاد بين الحارثين معاوية، كما أنه استقطا مرتعا قبل ثور، و قال (ثور بن مرتع بن كندة و اسمه ثور)( ٤ ) و مثل الذيل هشام الكلبي على نقل الاسد لكن قال: «ثور بن مرتع و اسمه عمرو بن معاوية بن ثور و هو كندة بن عفير»، و نسب إلى الاستيعاب مثله لكن الّذي وجدت ما عرفت( ٥) .

و كيف كان ففي (الأغاني): تنازع عمرو بن معديكرب و الأشعث بن

____________________

(١) وقعة صفين: ٢٠.

(٢) الامامة و السياسة ١: ٩١.

(٣) الاستيعاب ١: ١٠٩.

(٤) منتخب ذيل المذيل: ٤٤.

(٥) اسد الغابة ١: ٩٧ و ٩٨.

قيس في شي‏ء، فقال عمرو للأشعث: نحن قتلنا أباك و نكنا امك.

(و هو عامل آذربيجان) هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)، و لكن في (ابن ميثم): «و هو عامله على آذربيجان»( ١) .

و كيف كان ففي (فتوح البلاذري): قال ابن الكلبي: ولّى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام آذربيجان سعيد بن سارية الخزاعي، ثم الأشعث بن قيس الكندي و فيه عن مشايخ من أهل آذربيجان قالوا: قدم الوليد بن عقبة أي في زمن عثمان آذربيجان و معه الأشعث بن قيس، فلما انصرف الوليد ولاه آذربيجان، فانتقضت فكتب إليه يستمده، فأمده بجيش عظيم من أهل الكوفة، فتتبع الأشعث حانا حانا، ففتحها على مثل صلح حذيفة و عتبة بن فرقد الخ( ٢) .

ثم ان (بلدان الحموي): نقل عن ابن المقفع في معنى «أذربيجان» أقوالا إلى أن قال و قال «آذر» اسم النار بالبهلوية و «بايكان» معناه الحافظ و الخازن، فكأن معنى «آذربيجان» بيت النار أو خازن النار، و هذا أشبه بالحق، لان بيوت النار في هذه الناحية كانت كثيرة( ٣) .

قلت: و يؤيده ما رواه البلاذري: ان المغيرة لما قدم الكوفة من قبل عمر كان معه كتابا من عمر إلى حذيفة و كان بنهاوند بولاية آذربيجان، فأنفذ الكتاب إليه، فسار حذيفة حتى أتى أردبيل و هي مدينة آذربيجان و بها مرزبانها و إليه جباية خراجها فصالحه المرزبان عن جميع أهل آذربيجان على ثمانمائة ألف درهم وزن ثمانية على

____________________

(١) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٣، و شرح ابن ميثم ٤: ٣٥٠، مثل المصرية.

(٢) فتوح البلدان: ٣٢٣ و ٣٢٤.

(٣) معجم البلدان ١: ١٢٨.

أن لا يقتلوا و لا يهدم بيت نار الخ( ١) .

قولهعليه‌السلام «و ان عملك ليس لك بطعمة» كان عثمان عود الأشعث كون عمله طعمة له.

ففي (تاريخ الطبري) بعد ذكر شراء مصقلة سبي بني ناجية من عاملهعليه‌السلام ، و عتقه لهم بدون أخذ شي‏ء منهم، و عجزه عن أداء ثمنهم فقال مصقلة لذهل بن الحارث: و اللّه ان أمير المؤمنين يسألني هذا المال و الا أقدر عليه، أما و اللّه لو أن ابن هند هو طالبني بها أو ابن عفان لتركها لي. ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج آذربيجان مائة ألف في كل سنة الخ( ٢) .

كما أنه جعل أكثر البلاد طعمة لأقاربه، فقال سعيد بن العاص لما كان واليا على الكوفة من قبل عثمان في بعض الايام و كتب به إلى عثمان انما هذا السواد فطير لقريش. فقال له الأشتر: أ تجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا و مراكز رماحنا بستانا لك و لقومك.

«و لكنه في عنقك أمانة» يجب عليك ردها إلى أهلها «و أنت مسترعي لمن فوقك» الّذي ولاك و جعلك راعيا في بلد «ليس» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)، و لكن في (ابن ميثم) (و ليس)( ٣ ) «لك أن تفتات» افتعال من الفوت، أي:

تسبق إلى شي‏ء بدون مراجعة من فوقك «في رعية و لا تخاطر» أي: تقدم على عمل عظيم له خطر و قيمة «الا بوثيقة» و اطمينان بالنجاح.

«و في يديك مال من مال اللّه عزّ و جلّ» ممّا جباه من الخراج «و أنت من خزّانه»

____________________

(١) فتوح البلدان: ٣٢١.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ١٠٠، سنة ٣٨.

(٣) لم توجد الواو في شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٣، و شرح ابن ميثم ٤: ٣٥٠.

هكذا في (المصرية)، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ١ ) (من خزاني).

«حتى تسلمه إلي» فأضعه موضعه «و لعليّ لا أكون شر ولاتك» ولاّه عمر و عثمان قبل «لك» و زاد في رواية نصر «ان استقمت»( ٢) .

في (صفين نصر): لما كتبعليه‌السلام إلى الأشعث قال لاصحابه: ان كتابه قد أوحشني و هو آخذني بمال آذربيجان، و أنا لاحق بمعاوية، فقالوا له: الموت خير لك من ذلك، أ تدع مصرك و جماعة قومك و تكون ذنبا لأهل الشام، فسار حتى قدم عليه عليه السلام إلى أن قال و مما قيل على لسانه:

أنا الرسول رسول الوصي

عليّ المهذب من هاشم

رسول الوصيّ وصي النبيّ

و خير البرية من قائم

وزير النبي و ذو صهره

و خير البرية في العالم

له الفضل و السبق بالصالحات

لهدي النبيّ به ياتم

أجبنا عليّا بفضل له

و طاعة نصح له دائم

فقيه حليم له صولة

كليث عرين بها سائم( ٣)

٢ - الخطبة (١٩) و من كلام لهعليه‌السلام قاله للأشعث بن قيس و هو على منبر الكوفة يخطب، فمضى في بعض كلامه شي‏ء اعترضه الأشعث فيه فقال: يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك. فخفضعليه‌السلام إليه بصره ثم قال:

وَ مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي عَلَيْكَ لَعْنَةُ اَللَّهِ وَ لَعْنَةُ اَللاَّعِنِينَ حَائِكٌ اِبْنُ

____________________

(١) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٣، و شرح ابن ميثم ٤: ٣٥٠، مثل المصرية.

(٢) وقعة صفين: ٢١.

(٣) وقعة صفين: ٢٤.

حَائِكٍ مُنَافِقٌ اِبْنُ كَافِرٍ وَ اَللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ اَلْكُفْرُ مَرَّةً وَ اَلْإِسْلاَمُ أُخْرَى فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَ لاَ حَسَبُكَ وَ إِنَّ اِمْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ اَلسَّيْفَ وَ سَاقَ إِلَيْهِمُ اَلْحَتْفَ لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ اَلْأَقْرَبُ وَ لاَ يَأْمَنَهُ اَلْأَبْعَدُ قول المصنّف: (و من كلام لهعليه‌السلام قاله) هكذا في (المصرية) و كذا (ابن أبي الحديد) و لكن في نسخة ابن ميثم (خاطب به)( ١) .

(للأشعث) و في (ابن ميثم) (الأشعث)( ٢ ) . قال ابن أبي الحديد: اسمه كان معديكرب و كان أبدا أشعث الرأس، فغلب عليه الأشعث حتى نسي اسمه( ٣) .

(ابن قيس) قال ابن أبي الحديد: و يقال له الاشج لانه شجّ في بعض حروبهم( ٤ ) (و هو على منبر الكوفة يخطب) الناس (فمضى في بعض كلامه شي‏ء) هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)، و لكن في (ابن ميثم) (فمضى في كلامه شي‏ء)( ٥) .

(اعترضه الأشعث و قال: يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك فخفضعليه‌السلام إليه بصره ثم قال ما يدريك) و في ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٦ ) (و ما يدريك).

«ما عليّ مما لي» قال ابن أبي الحديد: كان اعتراض الأشعث أنهعليه‌السلام لما خطب بعد انقضاء أمر الخوارج و ذكر امر الحكمين قام رجل و قال: نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فما ندري أي الأمرين أرشد. فصفقعليه‌السلام بإحدى يديه على الاخرى و قال: هذا جزاء من ترك العقدة، و كان مرادهعليه‌السلام هذا جزاؤكم إذ

____________________

(١) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩١ و شرح ابن ميثم ١: ٣٢٢، مثل المصرية.

(٢) ان كان الفعل «خاطب به» يجب ان يكون المفعول بلا حرف جر و لكن الفعل في نسختنا «قاله» كما في المصرية و المفعول «للاشعث» راجع شرح ابن ميثم ١: ٣٢٢.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٢.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٢.

(٥) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩١ و شرح ابن ميثم ١: ٣٢٢، مثل المصرية.

(٦) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩١ و شرح ابن ميثم ١: ٣٢٢، مثل المصرية.

تركتم الرأي و الحزم، و أصررتم على اجابة القوم إلى التحكيم، فظن الأشعث أنه أراد هذا جزاي حيث تركت الرأي و الحزم و حكمت، فقال لهعليه‌السلام هذه عليك لا لك. و تبعه ابن ميثم و الخوئي( ١) .

قلت: لو كان راجع مستند العنوان لما قال ما قال، ففي (الأغاني) في امية ابن الاسكر عن ابن عمار و الجوهري عن ابن شبة عن محمّد بن أبي رجاء عن إبراهيم بن سعد، قال عبد اللّه بن عدي بن الخيار: شهدت الحكمين ثم أتيت الكوفة و كانت لي إلى عليّعليه‌السلام حاجة، فدخلت عليه، فلما رآني قال: مرحبا بك يا ابن ام قتال أ زائرا جئتنا ام لحاجة، فقلت: كلاهما جئت لحاجة، و أحببت أن أجدد بك عهدا، و سألته عن حديث فحدثني على ألا أحدث به، فبينا أنا يوما بالمسجد في الكوفة إذا هوعليه‌السلام متنكب قرنا له، فجعل يقول الصلاة جامعة و جلس على المنبر، فاجتمع الناس و جاء الأشعث فجلس، فقامعليه‌السلام و قال بعد الثناء: انكم تزعمون أن عندي من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ما ليس عند الناس، ألا و انه ليس عندي الا ما في قرني هذا، ثم نكب كنانته، فأخرج منها صحيفة فيها «المسلمون تتكافأ دماؤهم، و هم يد على من سواهم، من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس اجمعين».

فقال له الأشعث: هذه و اللّه عليك لا لك دعها تترحل، فخفضعليه‌السلام إليه بصره و قال: ما يدريك ما عليّ مما لي، عليك لعنة اللّه و لعنة اللاعنين، حائك ابن حائك، منافق ابن منافق كافر ابن كافر، و اللّه لقد أسرك الاسلام مرة و الكفر مرة، فلا فداك من واحد منهما حسبك و لا مالك. ثم رفع إلى بصره فقال: يا عبد اللّه:

أصبحت قنا لراعي الضان يلعب بي

ما ذا يريبك منّي راعي الضان

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٦، و شرح الخوئي ١: ٣٧٢.

فقلت: بأبي أنت و أمي قد كنت و اللّه أحب أن اسمع هذا منك. قال: هو و اللّه ذلك. قال:

فما قيل لي بعدها من مقالة

و لا علقت مني جديد و لا درسا

و قال ابن أبي الحديد نفسه في شرح قولهعليه‌السلام «أما انه سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم» روى أبو بكر الهذلي عن الزهري عن عبيد اللّه بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف قال: قام الأشعث إلى عليّ فقال: ان الناس يزعمون ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عهد إليك عهدا لم يعهده إلى غيرك. فقال: انه عهد إليّ ما في قرابة سيفي لم يعهد إليّ غير ذلك. فقال الأشعث: هذه ان قلتها فهي عليك لا لك، دعها ترحل عنك. فقالعليه‌السلام له: و ما علمك بما عليّ مما لي، منافق ابن كافر حائك ابن حائك، اني لاجد منك بنة الغزل». ثم التفت إلى عبيد اللّه بن عدي فقال: انك لتسمع خلافا و ترى عجبا، ثم انشد:

أصبحت هزأ لراعي الضأن اتبعه

ما ذا يريبك منّي راعي الضان( ١)

ثم ان الخبر مجمل، لكن الظاهر ان مراد الأشعث بقوله «هذه عليك لا لك» انهعليه‌السلام لما قال عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله «من آوى محدثا» كان ممن آوى محدثا و هو قتلة عثمان، فغضب عليه السلام بأنهم لم يكونوا محدثين، كيف و أحدهم عمار الميزان بين الحق و الباطل و قال: قتلناه لانه أراد أن يغير ديننا( ٢ ) ، فولى مثل الوليد صلى سكران بالناس الصبح أربعا و نزل القرآن بفسقه( ٣ ) ، و ولي ابن عامر الّذي اباح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دمه، و منهم عمرو بن الحمق العابد الزاهد، و منهم محمّد ابن أبي بكر العارف المجتهد، و انما عثمان أحدث أحداثا استحق بها

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٧٥.

(٢) وقعة صفين: ٣٣٩.

(٣) النظر إلى الآيتين الحجرات: ٦ و السجدة: ١٨.

القتل، و هذا من أوضح الواضحات عند جمهور المسلمين في زمان الصحابة و التابعين.

هذا، و اعتراضات الأشعث عليهعليه‌السلام كانت كثيرة و لم تنحصر بما في الخبر، و منها ما رواه ابن بابويه: انه جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأقر بالسرقة، فقال له: ا تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة. قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة. فقال الأشعث له: أ تعطل حدا من حدود اللّه؟ فقال له: و ما يدريك ما هذا إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو و إذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام ان شاء عفا و ان شاء قطع( ١) .

و منها ما رواه أبو الفرج في (مقاتله) عن موسى بن أبي النعمان أن الأشعث جاء إلى عليّعليه‌السلام يستأذن عليه، فرده قنبر فأدمى أنفه، فخرجعليه‌السلام و هو يقول: ما لي و لك يا أشعث، أما و اللّه لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك قيل: يا أمير المؤمنين و من عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب الا أدخلهم ذلا. قيل: كم يلي و كم يمكث؟ قال: عشرين ان بلغها( ٢) .

و انما قالعليه‌السلام له «لو بعبد ثقيف تمرست» لأن الأشعث لم يدرك الحجاج، فقالوا مات بعدهعليه‌السلام بأربعين يوما، و انما تمرس ابن ابنه محمّد ابن عبد الرحمن بالحجاج، فاقشعرت شعيراته و فوقه، و قصته في خروجه معروفة.

و منها ما رواه أبو الفرج في (مقاتله) أيضا ان الأشعث دخل عليهعليه‌السلام فأغلظ له، فعرض له الأشعث بأن يفتك به، فقال له: أبا لموت تهددني فو اللّه

____________________

(١) اخرجه الصدوق في الفقيه ٤: ٤٤ ح ٩.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٢٠.

ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت عليّ( ١) .

و روي ان ابن ملجم أتى إلى الأشعث في الليلة الّتي أراد أن يفتك بالإمامعليه‌السلام و الأشعث في بعض نواحي المسجد، فسمع حجر بن عدي الأشعث يقول لابن ملجم: النجا النجا فقد فضحك الصبح. فقال له حجر: قتلته يا أعور و خرج مبادرا إليهعليه‌السلام و سبقه ابن ملجم و ضربه( ٢) .

و روى المبرد: أن ابن ملجم بات تلك الليلة عند الأشعث، و ان حجرا سمعه يقول لابن ملجم: فضحك الصبح، فلما قالوا قتلعليه‌السلام قال: للاشعث:

قتلته يا أعور.

و قال: و يروى أن الّذي سمع ذلك من الأشعث عفيف بن قيس أخوه و انه قال: لاخيه: عن امرك كان هذا يا أعور( ٣) .

قلت: و لا تنافي بين الخبرين، و انه سمع ذلك من الأشعث حجر و أخوه و كل منهما قال: له: كنت دخيلا في دمهعليه‌السلام .

و منها ما رواه المبرد في (كامله) و العياشي في (تفسيره) و أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه و اللفظ للاول قال: أتى الأشعث يتخطى رقاب الناس و عليّعليه‌السلام على المنبر، فقال له: غلبتنا عليك هذه الحمراء على قربك، فركض عليعليه‌السلام المنبر برجله، فقال صعصعة بن صوحان العبدي: ما لنا و لهذا يعني الأشعث ليقولن أمير المؤمنين في العرب قولا لا يزال يذكر.

فقالعليه‌السلام : من يعذرني من هؤلاء الضياطرة يتمرّغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمير، و يهجر قوم للذكر فيأمرني أن أطردهم، ما كنت أطردهم فأكون من الجاهلين، و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة ليضربنكم على الدين عودا

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٢٠.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٢٠.

(٣) كامل المبرد ٧: ١٨٣.

كما ضربتموهم عليه بدءا.

قال: المبرد: الضياطرة جمع ضيطر و ضيطار، و هو الأحمر الفاحش.

و قال أبو عبيد «الحمراء» العجم و الموالي لأن الغالب على ألوانهم البياض و الحمرة، كما أن الغالب على العرب السمرة، و «الضياطرة» الضخام الذين لا نفع عندهم و لا غناء( ١) .

و منها ما رواه (خلفاء ابن قتيبة) انّهعليه‌السلام خطب بعد قتل الخوارج و حض الناس على حرب معاوية، فتخاذلوا فجعل يؤنّبهم و يشكو من تخاذلهم، فقام الأشعث فقال: فهلا فعلت كما فعل عثمان. فقالعليه‌السلام له: ويلك و كما فعل عثمان رأيتني فعلت، عائذا باللّه من شر ما تقول، و اللّه ان الّذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه، فكيف و أنا على بيّنة من ربي و الحق معي، و اللّه ان امرءا يمكّن عدوّه من نفسه فينهش عظمه و يسفك دمه لعظيم عجزه و ضعيف قلبه، أنت يا ابن قيس فكن ذلك، فأما أنا فو اللّه دون أن اعطي ذلك ضربا بالمشرفي يطير له فراش الرأس و تطيح منه الأكف و المعاصم و تجذّ به الغلاصم و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء( ٢) .

و منها ما رواه الصدوق في (توحيده) أنّهعليه‌السلام خطب بعد بيعة الناس له و قال: سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سقط العلم، هذا لعاب النبيّ، هذا ما زقني النبيّ زقا فسلوني فان عندي علم الأولين و الآخرين الى أن قال فقام إليه الأشعث و قال: كيف تؤخذ الجزية من المجوس و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث اليهم نبي؟ فقالعليه‌السلام : بلى يا أشعث قد أنزل اللّه عليهم كتابا و بعث اليهم

____________________

(١) رواه المبرد في الكامل ٤: ٩٦، و العياشي في تفسيره ١: ٣٦٠ ج ٢٦٠، و أبو عبيد في غريب الحديث ٣: ٤٨٤، و الثقفي في الغارات ٢: ٤٩٨.

(٢) الامامة و السياسة ١: ١٥١.

رسولا حتى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته الى فراشه الخبر( ١) .

«عليك لعنة اللّه» و قد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعنه و سرت اللعنة في أعقابه، فروى (الكافي): ان الباقرعليه‌السلام قال لسدير: بلغني عن نساء أهل الكوفة جمال و حسن تبعل، فابتغ لي امرأة ذات جمال في موضع. فقال: قد أصبتها جعلت فداك، فلانة بنت فلان بن محمد بن الأشعث، فقالعليه‌السلام : ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أقواما، فجرت اللعنة في أعقابهم الى يوم القيامة، و أنا أكره أن يصيب جسدي جسد أحد من أهل النار( ٢) .

و روى الكشي: ان رجلين من ولد الأشعث استأذنا على الصادقعليه‌السلام ، فلم يأذن لهما، فقيل له: ان لهما ميلا و مودة. فقالعليه‌السلام : ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أقواما، فجرى اللعن فيهم و في أعقابهم الى يوم القيامة( ٣) .

حتى ان مسجده كان ملعونا، ففي الكافي عن أبي جعفرعليه‌السلام : ان بالكوفة مساجد ملعونة و مساجد مباركة الى أن قال و أما المساجد الملعونة فمسجد ثقيف و مسجد الأشعث الخبر.

و عنهعليه‌السلام : جددت أربعة مساجد بالكوفة فرحا لقتل الحسينعليه‌السلام :

مسجد الأشعث، و مسجد جرير الخبر.

و عن الصادقعليه‌السلام : ان أمير المؤمنين نهى عن الصلاة بالكوفة في خمسة مساجد: مسجد الأشعث، و مسجد جرير، و مسجد سماك، و مسجد شبث و مسجد التيم( ٤) .

«و لعنة اللاعنين» قال: ابن أبي الحديد: قال الطبري في (تاريخه): كان

____________________

(١) توحيد الصدوق: ٣٠٤ ح ١.

(٢) الكافي ٥: ٥٦٩ ح ٥٦.

(٣) اختيار معرفة الرجال: ٤١٢ ح ٧٧٧.

(٤) الكافي ٣: ٤٨٩ و ٤٩٠ ح ١ ٣.

المسلمون يلعنون الأشعث، و يلعنه الكافرون أيضا و سبايا قومه( ١) .

«حائك ابن حائك» في السير كما قال ابن أبي الحديد في موضع آخر ان الأشعث خطب إليهعليه‌السلام ابنته فزبره و قال: يا ابن الحائك أغرك ابن أبي قحافة( ٢) .

و في (الأغاني): كان المغيرة و الأشعث و جرير يوما متوافقين بالكناسة، فطلع عليهم اعرابي، فقال لهم المغيرة: دعوني أحركه. قالوا: لا تفعل، فان للاعراب جوابا يؤثر. قال: لا بد. قالوا: فأنت أعلم. فقال له: يا اعرابي هل تعرف المغيرة؟ قال: نعم أعرفه أعور زانيا، فوجم ثم تجلد فقال: هل تعرف الأشعث قال: نعم ذاك رجل لا يعدي قومه لأنّه حائك ابن حائك.

قال ابن أبي الحديد: قالعليه‌السلام للأشعث «حائك ابن حائك» لأن أهل اليمن يعيرون بالحياكة، و ليس هذا ممّا يخص الأشعث. و من كلام خالد بن صفوان:

ما أقول في قوم ليس فيهم إلاّ حائك برد، أو دابغ جلد، أو سائس قرد، ملكتهم امرأة، و أغرقتهم فأرة، و دل عليهم هدهد( ٣) .

قلت: ان سلم ذلك فيه فلا يسلم في أبيه، بل فيه أيضا، ففي (النهاية): قال الأشعث لعليعليه‌السلام : ما أحسبنك عرفتني. فقال: بلى و اني لأجد بنة الغزل منك أي: ريح الغزل رماه بالحياكة.

قيل كان أبو الأشعث يولع بالنساجة، و في حديث عليعليه‌السلام أيضا قال للأشعث «ان أبا هذا كان ينسج الشمال باليمين» الشمال جمع شملة أي: الكساء، و قولهعليه‌السلام «الشمال بيمينه» من أحسن الألفاظ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٤٨، سنة ١١، و شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٧٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٧.

و ألطفها بلاغة و فصاحة الخ( ١) .

و استشهاده بكلام خالد في غير محله، لأنّه أراد الحائك حقيقة، لأنّه قسّم عملهم الى ثلاثة أشياء: الحياكة و الدباغة و ساسة القرد.

و مما يؤيد إرادة الحائكية حقيقة في الأشعث و أبيه انّهعليه‌السلام لم يكن كباقي الناس لا يبالون في أقوالهم عن تجاوز الحقيقة، و انهعليه‌السلام طعن في أبي موسى الأشعري بكونه ابن حائك دون ان يجعله حائكا، مع كون أبي موسى أيضا من أهل اليمن، فأي استبعاد أن يكون الأشعث قبل هجرته كأبيه حائكا.

و كلامهعليه‌السلام في أبي موسى ما رواه (المروج): انّهعليه‌السلام لما بلغه يوم الجمل ان أبا موسى يثبط الناس عنه كتب إليه «اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموما مدحورا، فما هذا بأوّل يومنا منك، و ان لك فينا لهنات و هنيات»( ٢) .

هذا، و أخذ بديع الزمان الهمذاني لفظهعليه‌السلام «حائك ابن حائك» في اظهاره توليهعليه‌السلام فقال كما في (تذكرة السبط) مخاطبا له:

يا دار منتجع الرسالة

بيت مختلف الملائك

يا ابن الفواطم و العواتك

و الترائك و الارائك

انا حائك ان لم أكن

مولى ولائك و ان حائك( ٣)

هذا، و أراد خالد القسري تصحيح نسبه في اليمن بكونه حائك ابن حائك، مع ان المشهور كون جدّه عبدا لأهل هجر، فروى أبو الفرج عن أبي عبيدة: ان الفرزدق أتى خالد بن عبد اللّه القسري يستحمله في ديات حملها، فقال له خالد: ايه يا فرزدق كأني بك قد قلت: «آتى الحائك ابن الحائك، فأخدعه

____________________

(١) النهاية ١: ١٥٧ مادة (بنّ)، و ٢: ٥٠٢ مادة (شمل).

(٢) مروج الذهب ٢: ٣٥٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٣٤.

عن ماله ان اعطاني، أو أذمه ان منعني» فأنا حائك ابن حائك و لست أعطيك شيئا، فاذممني كيف شئت، فهجاه الفرزدق.

و صنعة الحياكة صنعة مذمومة، قال الجاحظ في رسالته الى الفتح بن خاقان: ان أصحاب الخلقان و السماكين و النخاسين و الحاكة في كلّ بلد و من كلّ جنس شرار خلق اللّه في المبايعة و المعاملة، فعلمنا بذلك ان ذلك خلقة في هذه الصناعات، و بنية في هذه التجارات، حتى صاروا من بين جميع الناس كذلك.

و نقل الخوئي عن السيد الجزائري عن البهائي حديثا في ذم الحاكة لم ننقله لأنّه ركيك لا يبعد اختلاقه( ١) .

و في (المعجم): قال أبو هلال العسكري:

اذا كان مالي من يلتقط العجم

و حالي فيكم حال من حاك أو حجم

فأين انتفاعي بالاصالة و الحجى

و ما ربحت كفي من العلم و الحكم

و في (عيون القتيبي): قال كعب لا تستشيروا الحاكة، فان اللّه سلبهم عقولهم، و نزع البركة من كسبهم.

و في (تفسير القمي) في قوله تعالى: و هزي إليك بجذع النخلة( ٢ ) و نقله الخوئي أيضا ان النخلة كانت نخلة يابسة، فاستقبل مريم الحاكة على بغال شهب و كانت الحياكة أنبل صناعة ذاك اليوم فقالت لهم: أين النخلة اليابسة، فاستهزأوا بها و زجروها، فقالت لهم: جعل اللّه كسبكم نزرا، و جعلكم في الناس عارا، ثم استقبلها قوم من التجار، فدلوها على النخلة اليابسة، فقالت

____________________

(١) شرح الخوئي ١: ٣٧٣.

(٢) مريم: ٢٥.

لهم: جعل اللّه البركة في كسبكم، و أحوج الناس اليكم( ١) .

و ذكروا ان رجلا قال للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال:

لا بأس بها على غير الوضوء. قال: فما تقول في شهادته؟ فقال: تقبل مع شهادة عدلين.

هذا، و روى (الكافي) في باب كذبه أنّه ذكر لأبي عبد اللّهعليه‌السلام أن الحائك ملعون، فقال: انما ذاك الّذي يحوك الكذب على اللّه و رسوله( ٢) .

«منافق ابن كافر» في (المناقب): روى عن الحسنعليه‌السلام ان الأشعث بنى في داره مأذنة، فكان اذا سمع الأذان من جامع الكوفة يصيح من على مأذنته:

يا رجل انّك لكاذب ساحر يعني أمير المؤمنين( ٣) .

و روى يحيى بن عيسى الرملي و قد نقله ابن أبي الحديد عند قولهعليه‌السلام «أما انه سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم» عن الأعمش ان جريرا و الأشعث خرجا الى الجبان بالكوفة، فمر بهما ضب يعدو و هما في ذم علي فنادياه يا أبا حسل هلم يدك نبايعك بالخلافة، فبلغ عليّا قولهما فقال: أما انهما يحشران يوم القيامة و أمامهما ضب( ٤) .

و في (خلفاء ابن قتيبة) و غيره: قال أبو بكر في احتضاره: و اللّه ما آسي إلاّ على ثلاث فعلتهن ليتني كنت تركتهن و ثلاث تركتهن ليتني فعلتهن الى أن قال ليتني كنت حين أتيت بالأشعث أسيرا قتلته و لم استحيه، فاني سمعت منه و أراه لا يرى غيا و لا شرا إلاّ أعان عليه، و كان

____________________

(١) تفسير القمي ٢: ٤٩، و شرح الخوئي ١: ٣٧٣.

(٢) الكافي ٢: ٣٤٠ ح ١٠.

(٣) مناقب السروي ٢: ٢٦٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٧٥.

أبو بكر عفا عنه و زوّجه بنته( ١) .

و في تاريخ الطبري في قصة التحكيم قال الأشعث و أولئك الذين صاروا خوارج بعد فانا قد رضينا بأبي موسى. قال علي: انكم عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن، اني لا أرى أن اولي أبا موسى. فقال الأشعث و نفران: لا نرضى إلا به، فانه كان يحذّرنا ما وقعنا فيه. قال علي: ليس أبو موسى لي بثقة قد فارقني و خذل الناس عني، و لكن هذا ابن عباس نوليه ذلك.

قالوا ما نبالي كنت أنت أم ابن عباس، لا نريد إلاّ رجلا هو منك و من معاوية سواء. فقال علي: فاني أجعل الأشتر. فقال الأشعث. و هل نحن إلاّ في حكم الأشتر. قال: علي: و ما حكمه؟ قال الأشعث: ان يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت و أراد، قال: فهل أبيتم إلاّ أبا موسى. قالوا: نعم. قال:

فاصنعوا ما أردتم الى أن قال لما كتبت الصحيفة قال الاشتر: لا صحبتني يميني و لا نفعتني بعدها شمالي ان خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح و لا موادعة، أو لست على بينة من ربي و ضلال عدوّي، أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الخور. فقال له الأشعث: انك ما رأيت ظفرا و لا خورا هلم الينا، فانه لا رغبة بك عنّا. فقال له الاشتر: بلى و اللّه لرغبة بي عنك في الدنيا للدنيا، و في الآخرة للآخرة، و لقد سفك اللّه تعالى بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خيرا منهم و لا أحرم دما. فنظر الى الأشعث و كأنما قصع على أنفه الحمم( ٢) .

و يكفي في نفاقه شركته في دم أمير المؤمنينعليه‌السلام كما مر من

____________________

(١) رواه ابن قتيبة في الامامة و السياسة ١: ١٨، و الطبري في تاريخه ٢: ٦١٩ سنة ١٣، و الجوهري في السقيفة: ٣٩ و غيرهم.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٦ و ٣٩، سنة ٣٧.

مساعدته ابن ملجم كما ان ابنته جعدة كانت قاتلة الحسنعليه‌السلام بسم أرسله اليها معاوية، و شرك ابنه محمّد بن الاشعث في دم مسلم بن عقيل قاتله فيمن قاتله، و أعطاه الأمان، و لم يدافع عنه حتى قتله ابن زياد، و شرك ابنه الآخر قيس بن الأشعث في دم الحسينعليه‌السلام ، مع انه كان ممن كتب إليه و دعاه، ثم شهد قتله و سلبه، ففي (تاريخ الطبري): نادى الحسينعليه‌السلام يوم الطف: يا قيس بن الأشعث و يا فلان و فلان ألم تكتبوا إليّ قد أينعت الثمار، و اخضرت الجناب، و طمت الجمام، و انما تقدم على جند لك مجند فأقبل؟ قالوا: لم نفعل.

قال: بلى و اللّه لقد فعلتم. ثم قال: اذ كرهتموني دعوني انصرف الى مأمني من الأرض. فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك، فانهم لن يروك إلاّ ما تجب. فقال له الحسين: أنت أخو أخيك أ تريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل، لا و اللّه لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل( ١) .

و فيه: لما قتل الحسينعليه‌السلام جاءت كندة بثلاثة عشر رأسا ممّن قتل مع الحسين الى عبيد اللّه، و صاحبهم قيس بن الأشعث( ٢) .

و فيه: و أخذ قيس بن الأشعث بعد قتل الحسينعليه‌السلام قطيفته و كانت من خز و كان قيس يسمى بعد قيس قطيفة( ٣) .

و في (المقاتل): كانت اخته جعدة التي سمّت الحسنعليه‌السلام تسمّى بعد مسمة الأزواج( ٤) .

و في (تاريخ الطبري) في قصة من قتله مصعب من أصحاب المختار بعد قتله ثم مر عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بعبد اللّه بن قراد من

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٢٣، سنة ٦١.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٨، سنة ٦١.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٤٦، سنة ٦١.

(٤) مقاتل الطالبيين: ٤٨.

أصحاب المختار و كان أخرج مكتفا فقال: قدموه اليّ أضرب عنقه. فقال له عبد اللّه: أنا على دين جدك الّذي آمن ثم كفر ان لم أكن ضربت أباك بسيفي حتى فاظ( ١) .

«و اللّه لقد أسرك الكفر مرة» قال ابن أبي الحديد: ذكر ابن الكلبي في (جمهرة النسب): ان مرادا لما قتلت قيسا الأشج خرج الأشعث طالبا بثأره، فخرجت كندة متساندين على ثلاثة ألوية، على أحدها كبش بن هاني، و على الاخرى القشعم، و على أحدها الأشعث فأخطأوا مرادا و وقعوا على بني الحارث بن كعب، فقتل كبش و القشعم و أسر الأشعث، ففدى بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربي بعده و لا قبله، فقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:

فكان فداؤه ألفي بعير

و ألفا من طريفات و تلد( ٢)

قلت: و قبله.

و هم قتلوا بذات الجار قيسا

و أشعث سلسلوا في غير عقد

أتانا ثائرا بأبيه قيس

فأهلك جيش ذلكم السمغد

و قال عمرو بن معديكرب أيضا كما في أمالي القالي:

و الأشعث الكندي حين سمالنا

من حضرموت مجنب الذكران

قاد الجياد على وجاها شزبا

قب البطون نواحل الأبدان

حتى اذا أسرى و أوس دوننا

من حضرموت الى قضيب يمان

أضحى و قد كانت عليه بلادنا

محفوفة كحظيرة البستان

فدعا فسوّمها و أيقن انّه

لا شك يوم تسايف و طعان

لما رأى الجمع المصبح خيله

مبثوثة ككواسر العقبان

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٥٧١، سنة ٦٧.

(٢) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه ١: ٢٩٣.

فزعوا الى الحصن المذاكى عندهم

وسط البيوت يردن في الأرسان

الى أن قال:

فأصيب في تسعين من أشرافهم

أسرى مصفدة الى الأذقان

«و الاسلام أخرى» قال ابن أبي الحديد: ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لما قدمت كندة حجابا قبل الهجرة، عرض نفسه عليهم، كما كان يعرض نفسه على أحياء العرب، فدفعه بنو وليعة من بني عمرو بن معاوية و لم يقبلوه، فلما هاجر النبيّ و تمهدت دعوته، و جاءته وفود العرب، جاءه وفد كندة فيهم الأشعث و بنو وليعة فأسلموا، فأطعم النبيّ بني وليعة من صدقات حضرموت و كان قد استعمل زياد بن لبيد البياضي الأنصاري على الصدقات، فدفعها زياد اليهم فأبوا أخذها و قالوا: لا ظهر لنا، فابعث بها الى بلادنا على ظهر من عندك، فأبى زياد، و حدث بينه و بينهم شر كاد أن يكون حربا، فرجع منهم قوم الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و كتب زياد الى النبيّ يشكوهم.

و في هذه الواقعة كان الخبر المشهور عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لبني وليعة:

لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن عليكم رجلا عديل نفسي يقتل مقاتلتكم و يسبي ذراريكم. قال عمر: فما تمنيت الامارة إلاّ يومئذ و جعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا، فأخذ بيد عليعليه‌السلام و قال: هو هذا. ثم كتب لهم كتابا الى زياد، فوصلوا إليه بالكتاب، و قد توفي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، و طار الخبر بموته الى قبائل العرب، فارتدت بنو وليعة و غنت بغاياهم و خضبن أيديهن.

قال الطبري: فأمر أبو بكر زيادا على حضرموت، و أمره بأخذ البيعة على أهلها و استيفاء صدقاتهم، فبايعوه إلاّ بني وليعة، فلما خرج ليقبض الصدقات من بني عمرو بن معاوية أخذ ناقة لغلام منهم يعرف بشيطان بن حجر و كانت صفية نفيسة اسمها شذرة فمنعه الغلام عنها و قال: خذ

غيرها، فأبى زياد ذلك و لجّ فاستغاث شيطان بأخيه، فقال لزياد: دعها و خذ غيرها، فأبى و لجّ الغلامان و لج زياد و قال لهما: لا تكونن شذرة عليكما كالبسوس، فهتف الغلامان: يا لعمرو أنضام و نضطهد، ان الذليل من أكل في داره، و هتفا مسروق بن معديكرب فقال لزياد: اطلقها، فأبى فقال مسروق:

يطلقها شيخ بخديه الشيب

ملمعا فيه كتلميع الثوب

ماض على الريب اذا كان الريب

ثم قام فأطلقها، فاجتمع الى زياد أصحابه، و اجتمع بنو وليعة و أظهروا أمرهم، فبيّتهم زياد و هم غارون، فقتل منهم جمعا كثيرا و نهب و سبى و لحق فلهم بالأشعث، فقال لا أنصركم حتى تملّكوني، فملكوه و توّجوه كما يتوج الملك من قحطان، فخرج الى زياد في جمع كثيف، و كتب ابو بكر الى المهاجرين ابي امية و هو على صنعاء أن يسير بمن معه الى زياد، فاستخلف و سار، فلقوا الأشعث و هزموه، و قتل مسروق و لجأ الأشعث و الباقون الى الحصن المعروف بالنجير، فحاصرهم المسلمون حصارا شديدا حتى ضعفوا، و نزل الأشعث ليلا الى المهاجر و زياد، فسألهما الأمان على نفسه حتى يقدما به على أبي بكر، فيرى فيه رأيه على أن يفتح لهم الحصن و يسلّم إليهم من فيه، و قيل بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث فآمناه و أمضيا شرطه، ففتح لهم الحصن، فدخلوه و استنزلوا كلّ من فيه، و أخذوا أسلحتهم، و قالوا للأشعث:

اعزل العشرة، فعزلهم فتركوهم و قتلوا الباقين و كانوا ثمانمائة و قطعوا أيدي النساء اللاتي شمتن بالنبي، و حملوا الأشعث الى أبي بكر موثقا في الحديد هو و العشرة، فعفا عنه و عنهم و زوّجه اخته ام فروة بنت أبي قحافة و كانت عمياء فولدت للأشعث محمّدا و اسماعيل و إسحاق، خرج الأشعث يوم البناء عليها الى سوق المدينة، فما مر بذات أربع إلا عقرها و قال للناس:

هذه وليمة البناء و ثمن كلّ عقيرة في مالي الخ( ١) .

و في (أمثال الكرماني) في عنوان «أولم من الأشعث»: ارتد الأشعث في جملة أهل الردة، فأتى به أبو بكر أسيرا، فأطلقه و زوّجه اخته رغبة منه في شرفه، فخرج من عند أبي بكر و دخل السوق، فاخترط سيفه ثم لم تلقه ذات أربع إلاّ عرقبها من عقير و بقر و فرس، و مضى فدخل دارا من دور الأنصار، فصار الناس حشدا الى أبي بكر و قالوا: هذا الأشعث قد ارتد ثانية، فبعث ابو بكر إليه فأشرف الى السطح و قال: يا أهل المدينة اني غريب ببلدكم و قد أولمت بما عرقبت فليأكل كلّ انسان ما وجد و ليغد علي من كان له قبلي حق، فلم يبق دار من دور المدينة إلاّ دخلها من ذلك اللحم و لا رؤي أشبه بيوم الأضحى من ذلك اليوم، فضرب أهل المدينة به المثل فقالوا «أولم من الأشعث»، و قال الأصبغ بن حرملة الليثي لأبي بكر في مصاهرته هذه:

أتيت بكندي قد ارتد و انتهى

الى غاية من نكث ميثاقه كفرا

فكان ثواب النكث احياء نفسه

و كان ثواب الكفر تزويجه البكرا

و لو أنه رام الزيادة مثلها

لأنكحته عشرا و اتبعته عشرا

فقل لأبي بكر لقد شنت بعدها

قريشا و أخملت النباهة و الذكرا

أما كان في تيم بن مرة واحد

تزوجه لو لا أردت به الفخرا

و لو كنت لما أن أتاك قتلته

لأحرزتها ذكرا و قدمتها ذخرا

فأضحى يرى ما قد فعلت فريضة

عليك فلا حمدا حويت و لا أجرا( ٢)

قلت: و كانت وليمته وليمة جاهلية، و ما عقره ما أهلّ به لغير اللّه، و قد حكم أمير المؤمنينعليه‌السلام بحرمة مثله في قضية أبي الفرزدق التي كانت في

____________________

(١) رواه ابن أبي الحديد في شرحه ١: ٢٩٣ ٢٩٦، و الطبري في تاريخه ٢: ٥٤٢، سنة ١١.

(٢) مجمع الأمثال ١: ٣٧٩.

زمانه، و لم يتكلّم في قضية الأشعث تقية من أبي بكر لأنّه فعل ذلك في وليمة اخته.

و لما زوّجه أبو بكر للمفاخرة و أولم الأشعث بما فعل للمفاخرة كانت نتيجة تلك المصاهرة المشؤومة تولد قاتلين لابن رسول اللّه و سيد شباب أهل الجنة.

«فما فداك من واحدة منهما ما لك و لا حسبك» قال ابن أبي الحديد: لا يريدعليه‌السلام به الفداء الحقيقي، فان الأشعث فدي في الجاهلية بفداء يضرب به المثل، فيقال «أعلى فداء من الأشعث»، و انما يريدعليه‌السلام ما دفع عنك الأسر مالك و لا حسبك( ١) .

قلت: انما المثل «أوفى فداة من الأشعث» و الأمثال لا تغير، ذكره العسكري في (أمثاله)، و المراد به أسره الأول، و أما الثاني فقد عرفت أن أبا بكر جعل فداءه تزويجه اخته، و انما في الثاني يضرب المثل بوليمته التي عرفت.

و انما قالعليه‌السلام (فما فداك من واحدة منهما ما لك و لا حسبك) لأن ذوي الكمال يمنعهم كمالهم من أسرهم أو أخذ الفدية منهم.

و لقد أسر متمم بن نويرة، ففداه جمال أخيه مالك و مقاله، ففي الأغاني:

دخل متمم على عمر، فقال له عمر: ما أرى في أصحابك مثلك. فقال: أما و اللّه اني مع ذلك لأركب الجمل الثفال و اعتقل الرمح المثلوب، و لقد أسرتني بنو تغلب في الجاهلية، فبلغ ذلك أخي مالكا، فجاء ليفديني منهم، فلما رآه القوم أعجبهم جماله، و حدثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقوني له بغير فداء.

هذا، و في (الأغاني): كان أعشى همدان ممّن أغزاه الحجاج بلد الديلم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٢.

و نواحي دستبي، فأسر فلم يزل أسيرا في أيدي الديلم مدة، ثم ان بنتا للعلج الّذي أسره هويته، فصارت إليه ليلا، فمكّنته من نفسها، فأصبح و قد واقعها ثماني مرات، فقالت له: أ هكذا تفعلون بنسائكم؟ قال: هكذا يفعل كلّنا. فقالت له:

بهذا العمل نصرتم، أ فرأيت ان خلصتك اتصطفيني لنفسك. فقال لها: نعم و عاهدها، فلما كان الليل حلت قيوده، و أخذت به طرقا تعرفها، حتى خلصته و هربت معه، فقال شاعر من أسرى المسلمين:

فمن كان يفديه من الأسر ماله

فهمدان تفديها الفداة ايورها

و فيه أيضا: أسر عتيبة بن الحارث بن شهاب يوم شعب جبلة، فقيد في القد، فكان يبول على قده حتى عفن، فلما دخل الشهر الحرام هرب، فأفلت منهم بغير فداء.

و في تعليق السيرافي على كتاب سيبويه: ان ابن الصعق و صعق جده قيل له الصعق لأنه كان يطعم الناس بتهامة، فهبت ريح، فسفت في جفانه التراب، فشتمها، فرمي بصاعقة فقتلته كان أسر و برة بن روماس الكلبي أخا النعمان بن المنذر لامه، فأرسل إليه النعمان ان يطلقه، فأبى حتى يحكّم، فحكمه، فاحتكم مائة فرس و مائة بعير و مائة شاة و مائة سيف و مائة رمح و ألف قوس و ألف درع، فأرسل إليه بذلك فخلّى سبيله( ١) .

«و ان امرءا دل على قومه السيف و ساق اليهم الحتف» أي: الهلك «لحري» أي:

جدير «ان يمقته» أي: يبغضه «الأقرب و لا يأمنه الأبعد» بعد عمله مع القريب بما أهلكه، أشارعليه‌السلام بعمله مع قومه حيث فتح باب حصن النجير لزياد البياضي و المهاجر حتى قتلا من فيه.

و في (الأغاني): لما انهزم ابن الأشعث و اسر أصحابه كان فيهم أعشى

____________________

(١) راجع ما نقله عنه ابن منظور في لسان العرب ١٠: ١٩٩، مادة (صعق).

همدان، فأتي به الحجاج أنشده قصيدة من أبياتها:

لقد شمت يا ابن الأشعث العام مصرنا

فظلوا و ما لاقوا من الطير أسعدا

كما شاءم اللّه النجير و أهله

بجدك من قد كان أشقى و أنكد

هذا، و (المصرية) اقتصرت على العنوان و فيها سقط، فان (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و الخطية) نقلوا بعد العنوان بيانا للسيد على ما تعرف( ١) .

قول المصنّف: (يريدعليه‌السلام انّه أسر في الكفر مرة و في الاسلام مرة) هكذا في (ابن أبي الحديد و الخوئي و الخطية)، و لكن (ابن ميثم) خال عن هذا الكلام( ٢ ) . و كيف كان فالمراد ان قوله «أسرك الكفر مرة و الاسلام اخرى» مجاز و نظير قول الشاعر:

أشاب الصغير و أفنى الكبير

كرّ الغداة و مرّ العشي

 (و أما قولهعليه‌السلام ) هكذا في (ابن أبي الحديد و الخوئي و الخطية)، و لكن في (ابن ميثم) «أراد بقولهعليه‌السلام »( ٣ ) (دل على قومه السيف فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد) هكذا في (ابن أبي الحديد و الخوئي و الخطية)، و لكن في (ابن ميثم): «دل على قومه السيف ما جرى له مع خالد بن الوليد»( ٤) .

«باليمامة غرّ فيه قومه» هكذا في (ابن أبي الحديد و الخوئي و الخطية)،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩١، و شرح ابن ميثم ١: ٤٢٢، و شرح الخوئي ١: ٣٧١.

(٢) المصدر السابق.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩١، و شرح ابن ميثم ١: ٣٢٢، و شرح الخوئي ١: ٣٧١.

(٤) المصدر السابق.

و لكن في (ابن ميثم) (باليمامة فانه غر قومه و مكر بهم حتى أوقع بهم خالد)( ١) ، من هنا الى آخره اتفق الجمع عليه.

و كيف كان فقال ابن أبي الحديد: لم يعرف في التواريخ ان الأشعث جرى له باليمامة مع خالد هذا و لا شبهه، و أين كندة و اليمامة، كندة باليمن و اليمامة لبني حنيفة و لا أعلم من أين نقل الرضي هذا( ٢) .

و قال ابن ميثم: لم أقف على شي‏ء من ذلك في وقايع خالد باليمامة، و حسن الظن بالسيد يقتضي تصحيح نقله، و لعل ذلك في وقعة لم أقف على أصلها، و نقله الخوئي و قرره( ٣) .

قلت: حسن الظن بالرضي بل علو مقامه يمنع من أن يختلق شيئا و لا يمنع من أن يحصل له و هم، فكان في باله وقائع خالد باليمامة، فتوهم كونها مع الأشعث، و انما كانت مع مسيلمة الكذاب.

و قوله «و لعل ذلك في وقعة لم أقف على أصلها» في غير محله، فانه نظير أن يقال لك «فلان في الدار الفلانية» و دخلت و لم تره، فلا يبقى لك ريب في عدم كونه فيها. نعم ابن ميثم من حيث انّه لم يكن مضطلعا بالتاريخ ليس له إذا لم يقف على شي‏ء أن يعترض من قبل نفسه، و عدم علمه لا يبطل علم آخر.

«و كان قومه بعد ذلك يسمّونه عرف النار» و الأصل في العرف شعر عنق الديك و الفرس.

و في (الأغاني) في قيس بن عاصم قال علان بن الحسن الشعوبي: بنو

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩١، و شرح ابن ميثم ١: ٣٢٣، و شرح الخوئي ١: ٣٧١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٩٦.

(٣) شرح ابن ميثم ١: ٣٢٥، و شرح الخوئي ١: ٣٧٥.

منقر قوم غدر، يقال لهم «الكوادن» و يلقبون أيضا أعراف البغال.

و في (لطايف الثعالبي): أغرة الناس في الغدر عبد الرحمن بن محمّد بن أشعث بن قيس بن معديكرب، غدر عبد الرحمن بالحجاج لما ولاّه البلاد و خرج عليه و واقعه زهاء ثمانين وقعة، و كانت دائرة السوء في آخرها عليه، و غدر محمّد بن أشعث بأهل طبرستان و كان عبيد اللّه ولاّه إياها، فصالح و عقد لهم، ثم عاد اليهم، فأخذوا عليه الشعاب و قتلوا ابنه أبا بكر و فضحوه.

و غدر الأشعث ببني الحارث بن كعب غزاهم، فأسروه، ففدى نفسه بمائتي بعير و أعطاهم مائة و بقيت عليه مائة، فلم يؤدها حتى جاء الاسلام، فهدم ما كان في الجاهلية، و كان بين قيس بن معديكرب و مراد عهد الى أجل، فغزاهم في آخر يوم من الأجل و كان ذلك يوم الجمعة و كان يهوديا، فقال: غدا السبت و لا يحل لي القتال، فقاتلهم فقتلوه و مزقوا جيشه.

و غدر معديكرب بمهره و كان بينه و بينهم عهد، فغزاهم ناقضا للعهد، فقتلوه و شقوا بطنه، فملأوه حصى.

قلت: ذكر فدية الأشعث هنا في بابه الخامس في ذكر الاعرقين من كلّ طبقة هكذا، و قال في بابه الأول في الأوائل: أول من مشى بين يديه الرجال و هو راكب الأشعث، و أسر مرة، فافتدي بثلاثة آلاف ناقة، و هو أوّل من فادى بهذه الفدية، و الظاهر أصحية الثاني لما مر من النقل عن (جمهرة ابن الكلبي).

«و هو اسم للغادر عندهم» أي: عند قومه الذين كانوا أهل اليمن، ففي تاريخ الطبري بعث بالأشعث الى أبي بكر مع السبي، فكان معهم يلعنه المسلمون و يلعنه سبايا قومه، و سمّاه نساء قومه عرف النار كلام يمان يسمون به الغادر( ١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٤٨، سنة ١١.

و كما أن «عرف النار» اسم للغادر عند أهل اليمن، كذلك «كيسان» اسمه عند بني سعد بن تميم، فعن ابي عمرو بن العلاء: كانت بنو سعد بن تميم أغدر العرب، و كانوا يسمّون الغدر في الجاهلية «كيسان»، فقالوا فيهم:

إذا كنت في سعد و خالك منهم

غريبا فلا يغررك خالك من سعد

إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم

الى الغدر أولى من شبابهم المرد

و كما أن قوم الأشعث كانوا يسمّونه عرف النار على ما مر يسمّيهعليه‌السلام عنق النار كما في الخبر، ففي (المناقب) في باب اخبارهعليه‌السلام بالغيب: روي ان الحسن بن عليعليه‌السلام قال: كان أبي يسمي الأشعث «عنق النار» فسئل عن ذلك فقال: ان الأشعث اذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء فتحرقه فلا يدفن إلاّ و هو فحمة سوداء، فلما توفي نظر سائر من حضر الى النار و قد دخلت عليه كالعنق الممدود حتى أحرقته و هو يصيح بالويل و الثبور( ١) .

هذا، و روى (أمالي الصدوق و خصاله) في باب الأربعة عن جابر قال:

خطبنا عليعليه‌السلام ثم قال: ان قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنس بن مالك، و البراء بن عازب، و الأشعث بن قيس الكندي، و خالد ابن يزيد البجلي. ثم أقبل على أنس فقال: ان كنت سمعت من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

«من كنت مولاه فعلي مولاه» ثم لم تشهد لي فلا أماتك اللّه حتى يبتليك ببرص لا تغطيه العمامة، و أما أنت يا أشعث فان كنت سمعت ذلك و لم تشهد لي فلا أماتك اللّه حتى يذهب بكريمتيك، و أما أنت يا خالد بن يزيد فان كنت سمعت و لم تشهد لي فلا أماتك اللّه إلاّ ميتة الجاهلية، و أما أنت يا ابن عازب فان كنت سمعت و لم تشهد لي فلا أماتك اللّه إلاّ حيث هاجرت. قال جابر: و اللّه لقد رأيت

____________________

(١) مناقب السروي ٢: ٢٦٣.

أنسا و قد ابتلي ببرص يغطيه بالعمامة فما تستره، و لقد رأيت الأشعث ذهبت كريمتاه و هو يقول «الحمد للّه الّذي جعل دعاء علي بالعمى في الدنيا، و لم يدع عليّ بالعذاب في الآخرة»، و أما خالد فانه مات، فأراد أهله أن يدفنوه، فسمعت بذلك كندة، فجاءت بالخيل و الابل، فعقرتها على باب منزله، فمات ميتة جاهلية، و أما البراء فولاّه معاوية اليمن، فمات بها و منها هاجر».

و قلنا في كتابنا في الأحاديث المحرّفة و كتابنا في الرجال ان ابن بابويه و ان نقله في كتابين إلاّ انّه حرّف منه أو من أحد الرواة قبله في الثلاثة الأخيرة، فان المدعو عليه بالعمى البراء بن عازب كما رواه العامة و الخاصة، و قد نسبه الى الأشعث، و انما الأشعث كان أعور الى موته، فقد عرفت من أخبار مساعدته لابن ملجم خطاب حجر و أخيه عفيف له بالأعور، و لم يبق بعدهعليه‌السلام على الأصح إلاّ أربعين يوما( ١) .

ثم اذا كان شريكا في دمهعليه‌السلام و لم يبال بذلك و كان نفاقه متحققا كيف يحمد اللّه على عدم دعائهعليه‌السلام عليه بعذاب الآخرة، و انما رجع البراء بعد عماه إليهعليه‌السلام و قال بإمامته و حمد اللّه تعالى بذلك، و انما دعاعليه‌السلام على الأشعث بموت الجاهلية لعدم ايمانه، و الدليل عليه قوله فيه «فسمعت بذلك كندة، فجاءت بالخيل و الابل، فعقرتها على باب منزله» فكندة انما كانت قوم الأشعث، و حينئذ فكما كانت وليمته بعقر خيل و ابل من عمل الجاهلية، كذلك كان موته، و أي مناسبة لكندة بخالد البجلي.

و قلنا ثمة ان خالد البجلي في الخبر محرف «جرير البجلي» لعدم وجود خالد بجلي في الصحابة، و ان عن (أنساب البلاذري) رواية الخبر عن «جرير

____________________

(١) الاخبار الدخيلة ١: ٢٠.

البجلي»( ١ ) ، و يشهد له ان في صدر الخبر عد البراء ثانيا و الأشعث ثالثا و البجلي رابعا، فما ذكر ثانيا و ثالثا و رابعا لا بد أن يكون لهم كذلك فينطبق مع ما قلنا.

و يشهد لموته ميتة جاهلية ما في لطائف معارف الثعالبي: الأشعث أوّل من دفن في داره و لم ينقل الى موسم الموتى، و ذلك أنّه لما مات لم يقدر على اخراجه و دفنه من كثرة الزحام، و لم يقدر الحسن بن علي أن يدخل عليه، فدخل من بعض دور جيرانه و رأى الرجل ينزل عن دابته فيعقرها، و الآخر يجى‏ء براحلته فينحرها، فخاف الحسن أن يعقر الناس على قبره، فأمر بدفنه في داره.

قلت: فقد عقروا على ميته قبل دفنه، و ان صح ما نقل فأرادعليه‌السلام ان لا يزيدوا بعد على عملهم الشنيع اذا كان قبره خارجا.

٣ - الكتاب (٧٨) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى أبي موسى الأشعريّ جوابا في أمر الحكمين ذكره سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي:

فَإِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمْ فَمَالُوا مَعَ اَلدُّنْيَا وَ نَطَقُوا بِالْهَوَى وَ إِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا اَلْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً اِجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ فَإِنِّي أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً وَ لَيْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ؟ مُحَمَّدٍ ص؟ وَ أُلْفَتِهَا مِنِّي أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ اَلثَّوَابِ وَ كَرَمَ اَلْمَآبِ وَ سَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي

____________________

(١) جاء الخبر في أنساب الأشراف ٢: ١٥٦، و فيه أنس بن مالك و البراء بن عازب و جرير بن عبد اللّه لا رابع لهم و جاء في مناقب السروي ٢: ٢٧٩، نقلا عن البلاذري و غيره أنس و البراء و الأشعث و خالد بن يزيد.

وَ إِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ فَإِنَّ اَلشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ اَلْعَقْلِ وَ اَلتَّجْرِبَةِ وَ إِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ وَ أَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اَللَّهُ فَدَعْ مَا لاَ تَعْرِفُ فَإِنَّ شِرَارَ اَلنَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ اَلسُّوءِ وَ اَلسَّلاَمُ قول المصنّف: (الى أبي موسى الأشعري جوابا في أمر الحكمين) هكذا في (المصرية)، و الصواب: «أجاب به أبا موسى الأشعري عن كتاب كتبه إليه من المكان الّذي اتعدوا فيه للحكومة» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١ ) ، و المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة هو دومة الجندل، و هو المنصف بين العراق و الشام، كما قال الدينوري في (أخباره).

(ذكره) هكذا في (المصرية)، و الصواب: (و ذكر هذا الكتاب) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢ ) (سعيد بن يحيى الاموي) هو سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان ابن سعيد بن العاص بن امية.

(في كتاب المغازي) و يروى عن أبيه كتاب مغازي محمّد بن إسحاق، و يروى عنه مسلم و البخاري و البغوي، مات سنة (٢٤٩) كما يظهر من (تاريخ بغداد)، فيه و في أبيه.

قولهعليه‌السلام «فان الناس» الظاهر ان المصنف أسقط صدر الكتاب «قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم فمالوا مع الدنيا و نطقوا بالهوى» أكثر الناس في أكثر الأزمنة هكذا، قال تعالى: و لقد ضلّ قبلهم أكثر الأولين( ٣ ) ، و لو انّهم أقاموا التوراة و الانجيل و ما أنزل اليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم و من تحت

____________________

(١) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٧٤، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٥ مثل المصرية.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٧٤، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٥ مثل المصرية.

(٣) الصافات: ٧١.

أرجلهم منهم أمة مقتصدة و كثير منهم ساء ما يعملون( ١ ) ، و أكثرهم الفاسقون( ٢ ) ، أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون. أم يقولون به جنّة بل جاءهم بالحق و أكثرهم للحق كارهون( ٣) .

«و اني نزلت من هذا الأمر منزلا معجبا اجتمع به» أي: بذاك المنزل «أقوام أعجبتهم أنفسهم» فلا يقبلون نصح غيرهم و رأيه، و المراد الحال التي انتهىعليه‌السلام اليها مع أصحابه في أمر الحكومة من الأشعث و الخوارج.

«فأنا أداوي منهم قرحا» قال الجوهري: قيل لامرى‏ء القيس «ذو القرح» لأن ملك الروم بعث إليه قميصا مسموما، فتقرح منه جسده فمات.

«أخاف أن يكون» هكذا في (المصرية)، و الصواب: (أن يعود) كما في (ابن ميثم و الخطية) و نسخة من ابن أبي الحديد( ٤) .

«علقا» أي: دما غليظا، أجبروهعليه‌السلام أولا على التحكيم، ثم على جعل أبي موسى حكما، فقبل منهم لاستصلاحهم، فكفروا و خرجوا عليه و كفّروه.

«و ليس رجل فاعلم أحرص على امة» هكذا في (المصرية)، و الصواب:

«على جماعة امة» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله و ألفتها مني ابتغي بذلك حسن الثواب و كرم المآب» أي:

المرجع، و لاهتمامهعليه‌السلام على بقاء الامة على الملة رضي يوم السقيفة بترك حقه لئلا يرتد الناس رأسا و يضمحل الاسلام كلية، و كيف لا يكون مهتما

____________________

(١) المائدة: ٦٦.

(٢) آل عمران: ١١٠، و التوبة: ٨.

(٣) المؤمنون: ٦٩ و ٧٠.

(٤) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٧٤، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٥ مثل المصرية.

(٥) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٧٤، لكن لفظ شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٦ «على الفة جماعة».

كذلك و هو كنفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بصريح القرآن( ١ ) و استقرار الاسلام كان بمجاهداته و مساعيه بشهادة العيان.

«و سأفي بالذي وأيت» أي: وعدت «على نفسي» من قبول حكم الحكمين إذا حكما بحكم القرآن «و ان تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه» من الحكم بحكم الكتاب أو السنة القطعية، ففي (الأخبار الطوال): كان في كتاب عقد التحكيم «أخذ على عمرو بن العاص و عبد اللّه بن قيس عهد اللّه و ميثاقه و ذمته و ذمة رسوله ان يتخذا القرآن اماما، و لا يعدوا به الى غيره بما وجداه فيه مسطورا، و ما لم يجداه في الكتاب رداه الى سنّة الرسول الجامعة، لا يتعمدان لها خلافا، و لا يبغيان فيها بشبهة».

«فان الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل و التجربة» فخدعه عمرو بن العاص و قال له: ما كنت أتقدمك في الحكم و أنت أفضل مني. فقال أبو موسى:

حذرني ابن عباس غدر عمرو فاطمأننت إليه.

«اني لأعبد» بفتح العين أي: الباء أي: آنف، قال الفرزدق.

و أعبد أن أهجو كليبا بدارم( ٢)

«أن يقول» قال ابن أبي الحديد: و روى «ان قال»( ٣ ) «قائل بباطل» فيّ «و ان أفسد» قال ابن أبي الحديد: و روى «و يفسد»( ٤ ) «امرا قد أصلحه اللّه، فدع» أي: اترك «ما لا تعرف» فانّه واجب على كلّ عاقل «فان شرار الناس طائرون» أي:

مستعجلون «اليك بأقاويل السوء».

قال ابن أبي الحديد: قد أحسن من قال:

____________________

(١) تنظر الآية ٦١ من سورة آل عمران.

(٢) أورده لسان العرب ٣: ٢٧٥، مادة (عبد).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٧٥.

(٤) المصدر السابق.

ان يسمعوا الخير يخفوه و ان سمعوا

شرا اذاعوا و ان لم يسمعوا كذبوا

و من قال:

ان يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا

و ان ذكرت بخير عندهم دفنوا( ١)

٤ - الكتاب (٢٠) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى زياد بن أبيه و هو خليفة عامله عبد اللّه بن عباس على البصرة، و عبد اللّه عامل أمير المؤمنينعليه‌السلام يومئذ عليها و على كور الأهواز و فارس و كرمان:

وَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْ‏ءِ اَلْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ اَلْوَفْرِ ثَقِيلَ اَلظَّهْرِ ضَئِيلَ اَلْأَمْرِ وَ اَلسَّلاَمُ أقول: رواه اليعقوبي في (تاريخه) فقال: كتب عليعليه‌السلام الى زياد و كان عامله على فارس: أما بعد، فان رسولي أخبرني بعجب. زعم انك قلت له فيما بينك و بينه: ان الاكراد هاجت بك، فكسرت عليك كثيرا من الخراج، و قلت له: لا تعلم بذلك أمير المؤمنين. يا زياد و اقسم باللّه انّك لكاذب، و لئن لم تبعث بخراجك لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر، الا ان تكون لما كسرت من الخراج محتملا. و نقل عن تاريخ ابن واضح ايضا( ٢) .

قول المصنّف: (و هو خليفة عامله عبد اللّه بن عباس على البصرة) قد

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٧٦.

(٢) رواه اليعقوبي في تاريخه ٢: ٢٠٤، و ابن واضح صاحب تاريخ هو اليعقوبي نفسه و اشتبه الامر على الشارح حيث فرّق بينه.

عرفت من رواية اليعقوبي أن الكتاب إليه لما كان على فارس.

(و عبد اللّه عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها و على كور الأهواز و فارس و كرمان) هكذا في (المصرية)، و لكن في (ابن ميثم) (و عبد اللّه عامل له يومئذ) الخ مثلها و في (ابن أبي الحديد) (و عبد اللّه يومئذ خليفة أمير المؤمنين عليها و على كور الأهواز و فارس و كرمان و غيرها)( ١ ) و في (الخطية) (و عبد اللّه يومئذ عامل أمير المؤمنين عليها) الخ.

و كيف كان، فكور بالضم فالفتح جمع كورة أي: المدينة، و المراد بالأهواز الخوزستان كلا بقرينة اضافة «كور» اليها لا خصوص بلد سوق الأهواز، قال صاحب العين: الأهواز سبع كور بين البصرة و فارس لكل كورة منها اسم، و يجمعهن الأهواز، و لا يفرد الواحد منها بهوز، و كور الأهواز:

سوق الأهواز، و رامهرمز، و ايذج، و عسكرمكرم، و تستر، و جنديسابور، و سوس، و سرق، و نهرتيري، و مناذر، و كان خراجها ثلاثين ألف ألف درهم، و كانت الفرس يقسط عليها خمسين ألف ألف درهم( ٢) .

و أما «فارس» ففي (البلدان): أقليم فسيح أول حدودها من جهة العراق أرجان، و من جهة كرمان أسيرجان، و من جهة ساحل الهند سيراف، و من جهة السند مكران، و كورها المشهورة خمس، فأوسعها كورة اصطخر، ثم اردشير خره، ثم كورة دارابجرد، ثم كورة سابور، ثم قباد خره( ٣) .

و أما «كرمان» ففي (المعجم): ناحية كبيرة شرقيها مكران، و غربيها فارس، و شمالها مفازة خراسان، و جنوبها بحر فارس، قال البشاري: كرمان

____________________

(١) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٣٨، مثل المصرية بزيادة «و غيرها» و لفظ شرح ابن ميثم ٤: ٣٩٩ «و عبد اللّه خليفة أمير المؤمنين على البصرة و الأهواز و فارس و كرمان».

(٢) نقله عنه الحموي في معجم البلدان ١: ٢٨٥.

(٣) معجم البلدان ٤: ٢٦٦.

أقليم يشاكل فارس في أوصاف، و البصرة في أسباب، و خراسان في أنواع، لأنّه قد تأخم البحر، و اجتمع فيه البرد و الحر، و الجوز و النخل، و كثرت فيه التمور و الأرطاب، و الأشجار و الثمار، و من مدنه المشهورة جيرفت، و موقان، و خبيص، و بم، و السيرجان، و نرماسير، و بردسير، و بها يكون التوتيا، و يحمل الى جميع البلاد( ١) .

و كان زياد قبل كاتب أبي موسى أيام عمر، قال الجهشياري: استكتب ابو موسى زيادا، فكتب إليه عمر يستقدمه، فاستخلف زيادا على عمله، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم عليه سأله عمن استخلف فأعلمه، فقال استخلفت غلاما حدثا. فقال: انّه ضابط لما ولي. فكتب إليه عمر يأمره بالقدوم عليه و الاستخلاف على العمل، فاستخلف زياد عمران بن حصين. فقال عمر:

لئن كان أبو موسى استخلف حدثا لقد استخلف الحدث كهلا. ثم دعا بزياد فقال له: ينبغي أن تكتب الى خليفتك، بما يجب أن يعمل به. فكتب إليه كتابا و دفعه الى عمر، فنظر فيه ثم قال: أعد، فكتب غيره، فقال له: أعد، فكتب الثالث، فقال عمر: لقد بلغ ما أردت في الأول، و لكني ظننت أنّه قد روّى فيه، ثم بلغ في الثاني ما أردت، فكرهت أن أعلمه ذلك، و أردت أن أضع منه لئلا يدخله العجب.

و فيه: كان عمر يملي على كاتب بين يديه، فكتب الكاتب غير ما قال عمر، فقال له زياد: قد كتب غير ما قلت، فنظر في الكتاب، فكان كما قال زياد، فقال له عمر: اني علمت هذا. فقال: رأيت رجع فيك و خطه، فرأيت ما أحارت كفّه غير ما رجعت به شفتك.

و فيه: قال عمر لزياد: هل أنت حامل كتابي الى أبي موسى في عزلك عن كتابته؟ قال: نعم ان لم يكن ذلك عن سخط. قال: ليس عن سخط. و لكني أكره

____________________

(١) معجم البلدان ٤: ٤٥٤.

أن أحمل فضل عقلك على الرعية.

قولهعليه‌السلام «و اني أقسم باللّه قسما صادقا لئن بلغني انك خنت من في‏ء المسلمين» قال الجوهري: الفي‏ء الخراج و الغنيمة «شيئا صغيرا أو كبيرا» و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كلّ نفس ما كسبت و هم لا يظلمون( ١ ) «لأشدن عليك» قال الجوهري: شدّ عليه أي: حمل عليه «شدة» أي: حملة «تدعك» أي: تتركك «قليل الوفر» قال ابن دريد: الوفر الغنى، قال حاتم الطائي:

و قد علم الأقوام لو أن حاتما

أراد ثراء المال كان له وفر

«ثقيل الظهر» يأخذه بما خان «ضئيل الأمر» أي: صغيره و نحيفه و خفيه.

هذا، و نظير كتابهعليه‌السلام الى زياد في معنى الخيانة في الفي‏ء كتابه الى النعمان بن عجلان، فروى اليعقوبي ان النعمان ذهب بمال البحرين، فكتبعليه‌السلام إليه «أما بعد فانه من استهان بالامانة، و رغب في الخيانة، و لم ينزه نفسه و دينه، أخل بنفسه في الدنيا، و ما يشفى عليه بعد أمرّ و أبقى و أشقى و أطول، فخف اللّه، انك من عشيرة ذات صلاح، فكن عند صالح الظن بك، و راجع ان كان حقّا ما بلغني عنك، و لا تقلبنّ رأيي فيك، و استنظف خراجك، ثم اكتب اليّ ليأتيك رأيي و أمري انشاء اللّه. فلما جاءه كتابهعليه‌السلام و علم انّه قد علم حمل المال، و لحق بمعاوية( ٢) .

٥ - الكتاب (٢١) و من كتاب لهعليه‌السلام إليه أيضا:

فَدَعِ اَلْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً وَ اُذْكُرْ فِي اَلْيَوْمِ غَداً وَ أَمْسِكْ مِنَ اَلْمَالِ بِقَدْرِ

____________________

(١) آل عمران: ١٦١.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠١.

ضَرُورَتِكَ وَ قَدِّمِ اَلْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ أَ تَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اَللَّهُ أَجْرَ اَلْمُتَوَاضِعِينَ وَ أَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ اَلْمُتَكَبِّرِينَ وَ تَطْمَعُ وَ أَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي اَلنَّعِيمِ تَمْنَعُهُ اَلضَّعِيفَ وَ اَلْأَرْمَلَةَ أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ اَلْمُتَصَدِّقِينَ وَ إِنَّمَا اَلْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ وَ قَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ وَ اَلسَّلاَمُ أقول: رواه اليعقوبي فقال: وجّه علي رجلا الى بعض عمّاله مستحثا، فاستخف به فكتب إليه: أما بعد، فانك شتمت رسولي و زجرته و بلغني انك تبخر، و تكثر من الأدهان و ألوان الطعام، و تتكلم على المنبر بكلام الصديقين، و تفعل اذا نزلت أفعال المحلّين، فان يكن ذلك كذلك فنفسك أضررت، و أدبي تعرضت، ويحك ان اللّه تعالى يقول: العظمة و الكبرياء ردائي، فمن نازعنيهما سخطت عليه، بل ما عليك أن تدهن رفيها، فقد أمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك، و ما حملك أن تشهد الناس عليك بخلاف ما تقول على المنبر حيث يكثر عليك الشاهد، و يعظم مقت اللّه لك، بل كيف ترجو و أنت متهوع في النعيم، جمعته من الأرملة و اليتيم، ان يوجب اللّه لك أجر الصالحين، بل ما عليك ثكلتك أمك لو صمت للّه أياما، و تصدقت بطائفة من طعامك، فانها سيرة الأنبياء و أدب الصالحين، أصلح نفسك، و تب من ذنبك، و ادِّ حقّ اللّه عليك، و السّلام( ١) .

و رواه ابن أبي الحديد في موضع آخر، فقال: أخرج عليعليه‌السلام سعدا مولاه الى زياد يحثّه على حمل مال البصرة الى الكوفة، و كان بين سعد و زياد ملاحاة، و عاد سعد فشكاه الى عليعليه‌السلام ، فكتب الى زياد: أما بعد فان سعدا ذكر انّك شتمته ظلما، و هددته و جبهته تجبرا و تكبرا، فما دعاك الى التكبر و قد قال النبيّ «الكبر رداء اللّه فمن نازع اللّه رداءه قصمه» و قد أخبرني انك تكثر من الألوان المختلفة في الطعام في يوم واحد و تدهن كلّ يوم، فما عليك لو صمت

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٢.

للّه أياما، و تصدّقت ببعض ما عندك محتسبا، و أكلت طعامك مرارا قفارا، فان ذلك شعار الصالحين، أ فتطمع و أنت متمرغ في النعيم تستأثر به على الجار و المسكين و الضعيف و الفقير و الأرملة و اليتيم أن يحسب لك أجر المتصدقين، و أخبرني انك تتكلم بكلام الأبرار و تعمل عمل الخاطئين، فان كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت، و عملك أحبطت، فتب الى ربك يصلح لك عملك، و اقتصد في أمرك، و قدم الى ربك الفضل ليوم حاجتك، و ادهن غبا فاني سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ادهنوا غبا و لا تدهنوا رقما.

فكتب زياد إليهعليه‌السلام ان سعدا قدم عليّ فأساء القول و العمل، فانتهرته و زجرته، و كان أهلا لأكثر من ذلك، و أما ما ذكرت من الاسراف و اتخاذ الألوان من الطعام و النعم، فان كان صادقا فأثابه اللّه ثواب الصالحين، و ان كان كاذبا فوفّاه اللّه أشد عقوبة الكاذبين، و اما قوله اني أصف العدل و اخالفه الى غيره، فاني اذن من الأخسرين أعمالا، فخذ يا أمير المؤمنين بمقالة قلتها في مقام قمته «الدعوى بلا بينة كالسهم بلا نصل»، فان أتاك بشاهدي عدل، و الا تبين لك كذبه و ظلمه( ١) .

قول المصنّف: (و من كتاب لهعليه‌السلام إليه أيضا) هكذا في (المصرية و ابن ميثم) أي: زياد، و لكن في ابن أبي الحديد (الى زياد أيضا)( ٢) .

قولهعليه‌السلام «فدع الاسراف مقتصدا» و لا تبذّر تبذيرا. انّ المبذرين كانوا اخوان الشياطين( ٣) .

«و اذكر في اليوم و غدا» و لتنظر نفس ما قدمت لغد( ٤) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٩٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٣٩، و شرح ابن ميثم ٤: ٤٠٠.

(٣) الاسراء: ٢٦ و ٢٧.

(٤) الحشر: ١٨.

«و امسك من المال بقدر ضرورتك و قدم الفضل ليوم حاجتك» يسألونك ما ذا ينفقون قل العفو( ١ ) و ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا و أعظم أجرا( ٢) .

«أ ترجو أن يعطيك اللّه أجر المتواضعين و أنت عنده من المتكبرين» أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون( ٣) .

عن الصادقعليه‌السلام : أوحى اللّه تعالى الى داود: يا داود كما أن أقرب الناس من اللّه تعالى المتواضعون، كذلك أبعد الناس من اللّه المتكبرون( ٤) .

و المراد ان اللّه تعالى ليس كالناس، فانهم يعطون أجرا لأحد باسم عمل لم يعمله اما للالتباس عليهم و أما لهوى.

«و تطمع و أنت متمرغ في النعيم» استعارة من تمرغ الحمير في التراب «تمنعه الضعيف» عن تحصيل قوت «و الأرملة» المراة التي لا زوج لها «أن يوجب لك ثواب المتصدقين» جزافا.

ترجو النجاة و لم تسلك مسالكها

ان السفينة لا تجري على اليبس

«و انما المرء مجزي بما أسلف» ان خيرا فخير و ان شرا فشر «و قادم على ما قدم» يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء( ٥) .

٦ - الحكمة (٤٧٦) و قالعليه‌السلام لزياد بن أبيه وَ قَدِ اِسْتَخْلَفَهُ؟ لِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ؟ عَلَى

____________________

(١) البقرة: ٢١٩.

(٢) المزّمّل: ٢٠.

(٣) السجدة: ١٨.

(٤) أخرجه الكليني في الكافي ٢: ١٢٣ ح ١١.

(٥) آل عمران: ٣٠.

فَارِسَ؟ وَ أَعْمَالِهَا فِي كَلاَمٍ طَوِيلٍ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهَاهُ فِيهِ عَنْ تَقْدِيمِ اَلْخَرَاجِ:

اِسْتَعْمِلِ اَلْعَدْلَ وَ اِحْذَرِ اَلْعَسْفَ وَ اَلْحَيْفَ فَإِنَّ اَلْعَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلاَءِ وَ اَلْحَيْفَ يَدْعُو إِلَى اَلسَّيْفِ قول المصنّف: (و قالعليه‌السلام لزياد بن أبيه و قد استخلفه لعبد اللّه بن العباس على فارس و أعمالها) في تاريخ الطبري لما قتل ابن الحضرمي بالبصرة، و اختلف الناس على عليعليه‌السلام ، طمع أهل فارس و أهل كرمان في كسر الخراج، فغلب أهل كلّ ناحية على ما يليهم، و أخرجوا عمّالهم.

و عن الشعبي قال: لما انتفض أهل الجبال، و طمع أهل الخراج في كسره، و أخرجوا سهل بن حنيف عامل عليعليه‌السلام على فارس، قال ابن عباس لهعليه‌السلام :

اكفيك فارس، فقدم البصرة و وجه زيادا الى فارس في جمع كثير، فوطأ بهم أهل فارس، فأدوا الخراج، ضرب بعضهم ببعض، فقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس، و فعل مثل ذلك بكرمان، و كانوا يقولون ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى من سيرة هذا العربي في اللين، و المداراة، و العلم بما يأتي( ١) .

(في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقدم الخراج) هكذا في (المصرية)، و الصواب: (عن تقديم الخراج) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢ ) . و من المضحك ان محشي (المصرية) فسّر التقدم بالزيادة، فزاد غلطا على غلط.

نهاهعليه‌السلام عن تقديم الخراج لأن عمال عثمان كانوا يفعلون ذلك، قال ابن أبي الحديد: كانت عادة أهل فارس في أيام عثمان ان يطلب الوالي منهم خراج

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ١٠٥، سنة ٣٩.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٢٤٥، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٤٦٦ مثل المصرية.

أملاكهم قبل بيع الثمار على وجه الاستسلاف، أو لأنهم كانوا يظنون أن أوّل السنة القمرية هو مبدأ وجوب الخراج كأجرة العقار، فكان ذلك يجحف بالناس و يدعو الى عسفهم و حيفهم( ١) .

قولهعليه‌السلام «استعمل العدل» العدل عدلان: عدل في الشريعة، و عدل في السياسة، و مقصودهعليه‌السلام الأول، إلاّ ان زيادا كان من أهل الثاني.

و عن المدائني: قدم زياد أيام معاوية البصرة، و الفسق فيها فاش جدا، و أموال الناس منتهبة، و السياسة ضعيفة، فصعد المنبر ثم قال: فان الجاهلية الجهلاء و الضلالة العمياء، و الغي الموقد على أهله النار، ما فيه سفهاؤكم، و يشتمل عليه حلماؤكم، من الامور العظام، ينبت فيها الصغير، و لا يتحاشى منها الكبير، كأنكم لم تقرأوا كتاب اللّه، و لم تسمعوا ما أعد من الثواب الكثير لأهل طاعته، و العذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الّذي لا يزول.

أ تكونون من طرفت عينه الدنيا، و سدت مسامعه الشهوات. لا تذكرون انكم أحدثتم في الاسلام الحدث الّذي لم تسبقوا به، من ترككم الضعيف يقهر و يؤخذ ماله، و الضعيفة المسلوبة في النهار، هذا و العدد غير قليل. أ لم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل و غارة النهار، و كلّ امرى‏ء منكم يذب عن سفيهه، صنيع لا يخاف عاقبة، و لا يرجو معادا، ما أنتم بالحلماء، و قد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما يرون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرمة الاسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب، حرم علي الطعام و الشراب حتى أسويها بالأرض هدما و إحراقا. اني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلاّ بما صلح به أوله. لين في غير ضعف، و شدّة في غير عنف، و أنا اقسم باللّه لآخذنّ الولي بالولي، و الظاعن بالظاعن، و المقبل بالمدبر، و الصحيح منكم في نفسه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٢٤٥.

بالسقيم، حتى يلقى الرجل أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. ان كذبة المنبر تلفي مشهورة، فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، من نقب عليه منكم فأنا ضامن لما ذهب منه، فإياكم و دلج الليل، فاني لا أوتي بمدلج إلاّ سفكت دمه. و قد أجلتكم بقدر ما يأتي الخبر الكوفة، و يرجع اليكم. إياكم و دعوى الجاهلية، فاني لا أجد أحدا دعا بها إلاّ قطعت لسانه، و قد أحدثتم احداثا، و قد أحدثنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غرّق بيوت قوم غرّقناه، و من حرّق على قوم حرّقناه، و من نقب على أحد بيتا نقبنا عن قلبه، و من نبش قبرا دفنّاه فيه حيّا. كفوا عني أيديكم و ألسنتكم، أكفّ عنكم يدي و لساني، و لا يظهرن من أحد خلاف ما عليه عامتكم فاضرب عنقه، و قد كانت بيني و بين أقوام أحن فقد جعلت ذلك وراء اذني، و تحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزد احسانا، و من كان مسيئا فلينزع عن اساءته، اني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلال من بغضي لم اكشف عنه قناعا، و لم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أنظره. رب مبتئس بقدومنا سيسر، و مسرور بقدومنا سيبأس، انا أصبحنا لكم ساسة، و عنكم ذادة، بسلطان اللّه الّذي أعطانا، فلنا عليكم السمع و الطاعة فيما أحببنا، و لكم علينا العدل و الإنصاف فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا و فيئنا بمناصحتكم لنا، و اعلموا أني مهما قصرت عن شي‏ء فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم، و لا حابسا عطاء، و لا مجمرا بعثا، و أدعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم فانهم ساستكم المؤدبون، و متى يصلحوا تصلحوا، فلا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ غيظكم، و يطول حزنكم، و أيم اللّه ان لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كلّ امرى‏ء منكم أن يكون من صرعاي.

فقام عبد اللّه بن الاهتم فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة و فصل

الخطاب. فقال: كذبت ذاك نبي اللّه داود.

فقام الأحنف فقال: انما الثناء بعد البلاء، و الحمد بعد العطاء، و أنا لا نثني حتى نبتلى، و لا نحمد حتى نعطى، فقال زياد: صدقت.

فقام أبو بلال مرداس يهمس و يقول: أنبأنا اللّه بغير ما قلت و ابراهيم الّذي و في. ألا تزر وازرة وزر اخرى( ١ ) فسمعها زياد فقال: يا أبا بلال، إنّا لا نبلغ ما نريد بأصحابك حتى نخوض اليهم الباطل خوضا( ٢) .

و عن الشعبي: لما خطب زياد خطبته البتراء بالبصرة و نزل سمع تلك الليلة أصوات الناس يتحارسون، فقال: ما هذا؟ قالوا: ان البلد مفتونة، و ان المرأة من أهل المصر لتأخذها الفتيان الفسّاق فيقال لها: نادي ثلاثة أصوات، فان أجابك أحد و إلاّ فلا لوم علينا فيما نصنع. فغضب و قال: ففيم أنا و فيم قدمت؟ فلما أصبح أمر فنودي في الناس، فاجتمعوا فقال: أيّها الناس، اني قد نبّئت بما أنتم فيه و سمعت ذروا منه، و قد أنذرتكم و أجلتكم شهرا مسير الرجل الى الشام، و مسيره الى خراسان، و مسيره الى الحجاز، فمن وجدناه بعد شهر خارجا من منزله بعد العشاء الآخرة فدمه هدر.

فانصرف الناس يقولون: هذا القول كقول من تقدمه من الامراء، فلما كمل الشهر دعا صاحب شرطته عبد اللّه بن حصين اليربوعي و كانت رجال الشرطة معه أربعة آلاف فقال له: هيى‏ء خيلك و رجلك، فإذا صليت العشاء الآخرة و قرأ القارى‏ء مقدار سبع آيات من القرآن، فسر و لا تلقين أحدا، عبيد اللّه بن زياد فمن دونه إلاّ جئتني برأسه، و ان راجعتني في أحد ضربت عنقك.

فصبح على باب القصر تلك الليلة سبعمائة رأس، ثم خرج الليلة الثانية فجاء

____________________

(١) النجم: ٣٧ و ٣٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٢٠٠.

بخمسين رأسا، ثم خرج الليلة الثالثة فجاء برأس واحد، ثم لم يجي‏ء بعدها بشي‏ء. و كان الناس اذا صلوا العشاء الآخرة احضروا الى منازلهم شدا حثيثا، و قد يترك بعضهم نعاله( ١) .

«و احذر العسف» قال الجوهري: العسف الأخذ على غير الطريق «و الحيف» أي: الجور و الظلم «فان العسف يعود بالجلاء» أي: العسف بالناس يوجب جلاءهم عن وطنهم.

و في (تاريخ الطبري): كان خروج الحسن بن زيد الحسني في سنة (٢٥٠) و كان سببه ان المستعين أقطع محمّد بن عبد اللّه بن طاهر لوقوع قتل يحيى بن عمر العلوي علي يده من صوافي السلطان بطبرستان، و فيها قطيعة كان بحذائها أرض لأهل تلك الناحية فيها مرافقهم محتطبهم، و مراعي مواشيهم، و مسرح سارحتهم، صحراء ذات غياض و أشجار وكلاء، و عامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد اللّه أخوه، و كان المستولي على سليمان محمّد بن أوس البلخي الّذي فرّق ولده و هم أحداث سفهاء في مدن طبرستان، و وتر الديلم بدخوله أقرب بلادهم و سبيه و قتله منهم على غفلة.

و بعث محمّد بن عبد اللّه بن طاهر، جابر بن هارون النصراني أخا كاتبه لحيازة الصوافي، فحازها و حاز معها ما اتصل بها مما يرتفق به أهل تلك الناحية و رام حيازة كلار و سالوس ثغري طبرستان من قبل الديلم و كان محمّد و جعفر ابنا رستم مذكورين قديما بضبط تلك الناحية ممن رامها من الديلم، و باطعام الناس بها، فأنكرا فعل جابر و استنهضا من في ناحيتهما، فهرب جابر و لحق بسليمان، فراسلا الديلم، فأجابوهما و تعاقدوا هم و أهل كلار و سالوس على التعاون، فأرسلا الى الحسن بن زيد بالري و أشخصاه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٢٠٤.

الى طبرستان، فوافاهم و قد صارت كلمة الديلم و أهل كلار على بيعته، و قتال سليمان و أخذه.

الى أن قال: فاجتمعت للحسن بن زيد مع طبرستان الري الى حد همدان( ١) .

و في وزراء الجهشياري: صرف الرشيد الفضل بن يحيى عن خراسان و قلد علي بن عيسى بن ماهان، لأنّه تعهد التكثير على الفضل، فقتل علي بن عيسى وجوه أهل خراسان و ملوكها، و جمع أموالا جليلة، فحمل الى الرشيد ألف بدرة معمولة من ألوان الحرير و فيها عشرة آلاف ألف درهم، فلما وصلت إليه سر بها و أحضر يحيى بن خالد فقاله: يا أبة أين كان الفضل عن هذا؟ فقال:

ان خراسان سبيلها أن يحمل اليها الأموال و لا تحمل منها، و الفضل أصلح نيات رؤسائها و استجلب طاعتهم، و علي بن عيسى قتل صناديد أهل خراسان و طراخنتها و حمل أموالهم، و لو قصدت لدرب من دروب الصيارف بالكرخ لوجدت فيه أضعاف هذه و ستنفق مكان كلّ درهم منها عشرة، فثقل هذا القول منه على الرشيد، فلما نتقض أمر خراسان و خرج رافع بن الليث، احتاج الى النهوض اليها بنفسه حتى صار الى طوس يتذكر هذا الحديث و يقول: صدقني و اللّه يحيى و نصح لي فلم أقبل منه، و اللّه لقد أنفقت مائة ألف ألف و ما بلغت شيئا.

و فيه: حمل الحجاج الى عبد الملك هدية و مالا عظيما و هو بحمص، فأبرز سريره و جمع الناس و كان فيمن حضر خالد بن عبد اللّه بن أسيد و أخوه امية، فلما نظر الى الهدية و المال قال: هذه و اللّه الأمانة و الحزم و النصيحة ثم أشار الى خالد و قال: اني استعملت هذا على البصرة، فاستعمل كلّ فاسق،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٤٢٩ ٤٣٣، سنة ٢٥٠.

فجبى عشرة و اختان تسعة و رفع الى هذا درهما، فدفع الى هذا من الدرهم سدسا، و استعملت هذا يعني أخاه على خراسان و سجستان، فبعث الي بمفتاح من ذهب زعم انّه مفتاح مدينة و فيل و برذونين حطيمين، و استعملت الحجاج، ففعل كذا فاذا استعملتكم ضيعتم، و اذا عزلتكم قلتم قطع أرحامنا.

فأراح خالد اراحة الفرس ثم قال: استعملتني على البصرة و أهلها رجلان: مطيح مناصح، و مخالف مشايح، فأما المطيع فاني جزيته بطاعته فازداد رغبة، و أما المخالف فاني داويت عداوته، و استللت ضغينته، و حشوت صدره ودا، و علمت اني متى أصلح الرجال أجب الأموال، و استعملت الحجاج، فجبى لك المال، و كنز العداوة في قلوب الرجال، فكأنك بالعداوة التي كنزها قد ثارت و أنفقت الأموال، و لا مال و لا رجال، فسكت عبد الملك، فلما هيج الجماجم جلس عبد الملك على باب ذي الاكارع و معه خاله يندب الناس الى الفريضة و يتأمل خالدا و يذكر قوله و يضحك.

«و الحيف» أي: الجور «يدعو الى السيف» قالوا: تراهن قيس بن زهير العبسي و حذيفة بن بدر الذبياني على خطر عشرين بعيرا، و جعلا الغاية مائة غلوة و المضمار أربعين ليلة، و المجرى من ذات الاصاد، فأجرى قيس داحسا و الغبراء اسما فرسيه و أجرى حذيفة الخطار و الحنفاء اسما فرسيه فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا على الطريق، فردوا الغبراء و لطموها و كانت سابقة فهاجت الحرب بين عبس و ذبيان أربعين سنة.

و في (فتوح البلاذري) بعد ذكر أخذ سعيد بن عثمان من السغد رهنا من أبناء عظمائهم في فتح سمرقند مضى سعيد بالرهن حتى ورد بهم المدينة، فدفع ثيابهم و مناطقهم الى موإليه، و ألبسهم جباب الصوف، و ألزمهم

السقي و السواني و العمل، فدخلوا عليه مجلسه، ففتكوا به ثم قتلوا أنفسهم( ١) .

و في (تاريخ الطبري) بعد ذكر فتح ابن أبي سرح في سنة (٢٧) افريقية ما زال أهل أفريقية من أسمع أهل البلدان الى زمان هشام، فدبّ اليهم أهل العراق، فقالوا لهم جناية عمالكم. من أمر خلفائكم، فخرج ميسرة منهم في بضعة عشر انسانا على هشام و قالوا للأبرش أبلغ هشاما أن أميرنا يغزو بنا و بجنده، فإذا أصاب غنيمة نفلهم دوننا، و قال هم أحقّ به، فقلنا هو أخلص لجهادنا لا نأخذ منه شيئا ان كان لنا فهم منه في حل، و ان لم يكن لنا لم نرده، و اذا حاصرنا مدينة قال تقدموا و أخّر جنده، فقلنا تقدّموا، فوقيناهم بأنفسنا و كفيناهم، ثم انهم عمدوا الى ماشيتنا، فجعلوا يبقرونها عن السخال يطلبون الفراء البيض للخليفة، فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا ما أيسر هذا للخليفة، ثم انهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا، فقلنا لم نجد هذا في كتاب و لا سنة و نحن مسلمون، فأحببنا أن نعلم أ عن رأي الخليفة ذلك أم لا، فطال عليهم الجواب و نفدت نفقاتهم، فكتبوا أسماءهم في رقاع، ثم رجعوا الى افريقية، فخرجوا على عامل هشام، فقتلوه و استولوا على افريقية و بلغ هشاما الخبر و سأل عن النفر، فرفعت إليه اسماؤهم، فإذا هم الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا( ٢) .

و فيه أيضا: و قتل في سنة (١٠٢) يزيد بن أبي مسلم بأفريقية، و سببه انّه كان فيما ذكر عزم أن يسير بهم بسيرة الحجاج في أهل الأمصار الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة، فأسلم بالعراق ممن ردّهم الى قراهم و رساتيقهم، و وضع الجزية على رقابهم على نحو ما

____________________

(١) فتوح البلدان: ٤٠٢.

(٢) تاريخ الطبري ٣: ٣١٣ سنة ٢٧.

كانت تؤخذ منهم و هم على كفرهم، فلما عزم على ذلك تأمروا في أمره، فأجمع رأيهم على قتله، فقتلوه و ولوا على أنفسهم الوالي الذي كان عليهم قبل يزيد بن أبي مسلم و هو محمّد بن يزيد مولى الأنصار و كان في جيش يزيد بن أبي مسلم و كتبوا الى يزيد ابن عبد الملك: انا لم نخلع أيدينا من الطاعة، و لكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى اللّه و المسلمون، فقتلناه و أعدنا عاملك السابق، فأقره يزيد( ١) .

و في الأغاني: كان عمليق الطسمي أمر ألا تزوج بكر من جديس الى زوجها حتى يفترعها هو قبل زوجها، فلقوا من ذلك بلاء و ذلا حتى زوجت الشموس أخت الأسود الّذي دفع الى جبل طي، فقتله طي و سكنوا الجبل بعده، فلما دخلت عليه و افترعها خرجت الى قومها في دمائها شاقة درعها من قبل و هي تقول:

لا أحد أذلّ من جديس

أ هكذا يفعل بالعروس

فقال أخوها الأسود و كان سيدا مطاعا لقومه: يا معشر جديس، ان هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم، و قال لهم: اني اصنع للملك طعاما ثم أدعوهم جميعا، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل ثرنا الى سيوفنا و هم غارون فأهمدناهم بها. قالوا: افعل، فصنع طعاما كثيرا و خرج به الى ظهر بلدهم و دعا عمليقا و سأله أن يتغدّى عنده هو و أهل بيته، فأجابهم و خرج إليه مع أهله يرفلون في الحلي و الحلل، حتى اذا أخذوا مجالسهم و مدوا أيديهم الى الطعام أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشد الأسود على عمليق فقتله و كلّ رجل منهم على جليسه حتى أماتوهم، فلما فرغوا من الاشراف شدوا على السفلة فلم يدعوا منهم أحدا. و قال الأسود في ذلك:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٣٥٨، سنة ١٠٢.

ذوقي ببغيك يا طسم مجللة

فقد أتيت لعمري أعجب العجب

و فيه في مقتل خالد بن جعفر بن كلاب أغار خالد على رهط الحارث بن ظالم اليربوعي في واد يقال له حراض، فقتل الرجال و الحارث يومئذ غلام و بقيت النساء و كانت نساء بني ذبيان لا يحلبن النعم فلما بقين بغير رجال طفقن يدعون الحارث، فيشد عصاب الناقة، ثم يحلبنها و يبكين رجالهن و يبكي الحارث معهن و أردف ذلك قتل خالد بن زهير بن جذيمة، قال: فمضى الحارث الى خالد و هو نائم، فضربه بالسيف حتى قتله.

و في (المعجم): قال أبو سعيد الآبي في (تاريخه): كان قابوس بن وشمكير أسرف في القتل، و تجاوز الحد في سفك الدماء و لم يكن يعرف حدا في التأديب و إقامة السياسة غير ضرب الأعناق و اماتة الأنفس، و كان يأتي ذلك في الأقرب فالأقرب، و الأخص فالأخص من الجند و الحاشية حتى أفنى جميعهم، و أتى على جلّهم، و أذلّ الخيل و أصناف العسكر للرعية، و جرأهم عليهم، و لم يتظلم أحد من أهل البلد من واحد من أكابر أهل عسكره إلاّ قتله، و أتى على نفسه من غير أن يتفحص عن الشكوى أ صحيحة أم باطلة، فتبرم به عسكره و حاشيته و خافوا سطوته، فمشى بعضهم الى بعض، و تمالؤوا عليه و تحالفوا، و خفي الأمر، لأنه كان خرج الى حصن بناه سمّاه شمر آباد و عزم القوم أن يتسلقوا عليه و يغتالوه و قد واطأهم على الأمر جميع من كان معه في الحصن، فتعذر عليهم الصعود إليه و علموا انّه لو أصبح و عرف الخبر لم ينج منهم أحد، فنعوه الى الناس و ذكروا انّه قد قضى نحبه، فانتهبت اصطبلاته و سيقت دوابه و بغاله و لم يقدر هو على مفارقة الموضع لاعواز الظهور التي تحمل و تنقل عليها خزائنه، و كان عنده وزيره أبو العباس الغانمي، فاتهمه بممالأة القوم، فأوقع به و قتله، فاستدعوا منوجهر ابنه

و كتبوا إليه متى تأخر قدموا غيره، فبادر اليهم فقلدوه الأمر، و بلغ ذلك قابوس، فجمع أمراء الرستاق و فارق المكان، و صحبه طائفة من العرب و غيرهم من الجند، و خرج الى بسطام مع خزائنه و أسبابه، و تبعه ابنه منوجهر مع العسكر، فحصره و امتنع هو عليه، ثم أمكن من نفسه عند الضرورة، فقبض عليه و حمل الى بعض القلاع، و تقرر أمر ابنه و لقب بفلك المعالي. و كان أبوه يلقب شمس المعالي، ثم ورد الخبر بموته في جمادى الآخرة سنة (٤٠٣).

و ذكر انه اعتيل، و حمل تابوته الى جرجان، و دفن في مشهد عظيم كان بناه لنفسه و أنفق عليه الأموال العظيمة، و بالغ في تحصيله و تحصينه( ١) .

٧ - الكتاب (٤٤) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى زياد بن أبيه و قد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه:

وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ؟ مُعَاوِيَةَ؟ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ وَ يَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ اَلشَّيْطَانُ يَأْتِي اَلْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ وَ يَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ وَ قَدْ كَانَ مِنْ؟ أَبِي سُفْيَانَ؟ فِي زَمَنِ؟ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ؟ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ اَلنَّفْسِ وَ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ اَلشَّيْطَانِ لاَ يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَ لاَ يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ وَ اَلْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ اَلْمُدَفَّعِ وَ اَلنَّوْطِ اَلْمُذَبْذَبِ فَلَمَّا قَرَأَ؟ زِيَادٌ؟ اَلْكِتَابَ قَالَ شَهِدَ بِهَا وَ رَبِّ؟ اَلْكَعْبَةِ؟ وَ لَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِهِ حَتَّى اِدَّعَاهُ؟ مُعَاوِيَةُ؟ قال الرّضيّ: قوله عليه السلام «الواغل» هو الذي يهجم على الشّرب ليشرب

____________________

(١) قال الشارح في الهامش: و هو المعروف في عصرنا ب «گنبد قابوس».

معهم و ليس منهم فلا يزال مدفّعا محاجزا. و «النوط المذبذب» هو ما يناط برحل الرّاكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك، فهو أبدا يتقلقل إذا حثّ ظهره و استعجل سيره. أقول: رواه (الاستيعاب) مع اختلاف يسير( ١ ) . و قال ابن أبي الحديد: قال المدائني: لما كان زمن عليعليه‌السلام ولّى زيادا فارس أو بعض أعمال فارس، فضبطها ضبطا صالحا، وجبى خراجها و حماها، و عرف ذلك معاوية فكتب إليه: أما بعد فانه غرتك قلاع تأوي اليها ليلا، كما تأوي الطير الى وكرها، و أيم اللّه لو لا انتظاري بك ما اللّه أعلم به لكان لك مني ما قاله العبد الصالح:

فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها و لنخرجنّهم منها أذلّة و هم صاغرون( ٢) .

و كتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته:

تنسى أباك و قد شالت نعامته

اذ يخطب الناس و الوالي لهم عمر

فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس، و قال: العجب من ابن آكلة الأكباد، و رأس النفاق، يهددني و بيني و بينه ابن عم رسول اللّه، و زوج سيدة نساء العالمين، و أبو السبطين، و صاحب الولاية و المنزلة و الاخاء في مائة ألف من المهاجرين و الأنصار و التابعين لهم باحسان. أما و اللّه لو تخطّى هؤلاء أجمعين إليّ لوجدني أحمر ضرابا بالسيف.

ثم كتب الى عليعليه‌السلام و بعث بكتاب معاوية في كتابه، فكتب إليه علي: أما بعد فاني قد وليتك ما وليتك و أنا أراك لذلك أهلا، و انه قد كان من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه و كذب النفس، لم تستوجب بها ميراثا، و لم تستحق بها نسبا، و ان معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه

____________________

(١) الاستيعاب ١: ٥٧٠.

(٢) النمل: ٣٧.

و من خلفه و عن يمينه و عن شماله، فاحذره ثم احذره ثم احذره( ١) .

قول المصنّف: (و من كتاب لهعليه‌السلام الى زياد بن أبيه و قد بلغه ان معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه) ان معاوية كتب الى زياد لاستلحاقه مرتين، تارة في زمانهعليه‌السلام كما مر و اخرى بعده، و استلحقه فصار بلية على شيعته.

قال ابن أبي الحديد: روى ابو جعفر محمد بن حبيب قال: كان عليعليه‌السلام قد ولّى زيادا قطعة من أعمال فارس و اصطنعه لنفسه، فلما قتل عليّعليه‌السلام بقي زياد في عمله، و خاف معاوية جانبه، و علم صعوبة ناحيته، و أشفق من ممالأته الحسنعليه‌السلام ، فكتب إليه: أما بعد فانك عبد قد كفرت النعمة، و استدعيت النقمة، و لقد كان الشكر أولى بك من الكفر، و ان الشجرة لتصرف بعرقها، و تتفرع من أصلها، انك لا ام لك بل لا أب لك قد هلكت و أهلكت، و ظننت انك تخرج من قبضتي، و لا ينالك سلطاني، هيهات ما كل ذي لب يصيب رأيه، و لا كلّ ذي رأي ينصح في مشورته، أمس عبد و اليوم أمير خطه، ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية، و اذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة و البيعة و اسرع الاجابة، فانك ان تفعل فدمك حقنت و نفسك تداركت، و إلاّ اختطفتك بأضعف ريش و نلتك بأهون سعي، و أقسم قسما مبرورا ألا أوتي بك الا في زمارة تمشي حافيا من أرض فارس الى الشام، حتى اقيمك في السوق، و أبيعك عبدا، و أردّك الى حيث كنت فيه و خرجت منه.

فلما ورد الكتاب على زياد غضب غضبا شديدا و جمع الناس و صعد المنبر، فحمد اللّه ثم قال: ان ابن آكلة الأكباد، و قاتلة أسد اللّه، و مظهر الخلاف و مسير النفاق، و رئيس الأحزاب، و من أنفق ماله في اطفاء نور اللّه، كتب الي

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٨١.

يرعد و يبرق عن سحابة جفل لا ماء فيها، و عمّا قليل تصيّرها الرياح قزعا، و الذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة، أ فمن اشفاق علي ينذر و يغدر، كلا و لكن ذهب الى غير مذهب، و قعقع لمن روى بين صواعق تهامة كيف أرهبه، و بيني و بينه ابن بنت رسول اللّه، و ابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين و الأنصار. و اللّه لو اذن لي فيه أو ندبني إليه لأريته الكواكب نهارا، و لأسعطته ما الخردل، دونه الكلام اليوم، و الجمع غدا، و الثورة بعد ذلك.

ثم نزل و كتب الى معاوية: أما بعد فقد وصل إليّ كتابك يا معاوية و فهمت ما فيه، فوجدتك كالغريق يغطيه الموج، فيتشبث بالطحلب، و يتعلق بأرجل الضفادع طمعا في الحياة. انما يكفر النعم و يستدعي النقم من حادّ اللّه و رسوله و سعى في الأرض فسادا، فأما سبّك لي فلو لا علم لي يبهضني عنك، و خوفي أن ادعى سفيها لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء، و أما تعييرك لي بسمية فإن كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة، و امّا زعمك انك تخطفني بأضعف ريش، و تتناولني بأهون سعي، فهل رأيت بازيا يفزعه صغير القنابر، أم هل سمعت بذئب أكله الخروف، فامض الآن لطيتك، و اجتهد جهدك، فلست أنزل إلاّ بحيث تكره، و لا اجتهد إلاّ فيما يسوؤك و ستعلم أيّنا الخاضع لصاحبه الطالع إليه.

فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمّه و بعث الى المغيرة، فخلا به و قال له: اني أريد مشاورتك في أمر أهمني، فانصحني فيه و اشر عليّ برأي المجتهد و كن لي أكن لك، فقد خصصتك بسري و آثرتك على ولدي. قال المغيرة:

فما ذاك و اللّه لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدور، و من ذي الرونق في كف البطل الشجاع.

قال: يا مغيرة ان زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي، و هو

رجل ثاقب الرأي، ماضي العزيمة، جوال الفكرة، مصيب اذا رمى، و قد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيّا، و أخشى ممالأته حسنا، فكيف السبيل إليه، و ما الحيلة في اصلاح رأيه؟

قال المغيرة: أنا له ان لم أمت، ان زيادا رجل يحب الشرف و الذكر و صعود المنابر، فلو لا طفته المسألة و ألنت له الكتاب لكان لك أميل و بك أوثق، فاكتب إليه و انا الرسول، فكتب إليه: من معاوية بن أبي سفيان الى زياد بن أبي سفيان، أما بعد فان المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب، و انك للمرء المضروب به المثل، قاطع الرحم، و واصل العدو، حملك سوء ظنّك بي و بغضك لي على ان عققت قرابتي، و قطعت رحمي، و بتتت نسبي و حرمتي، حتى كأنّك لست أخي، و ليس صخر بن حرب أباك و أبي، و شتان ما بيني و بينك، أطلب بدم ابن أبي العاص و أنت تقاتلني، و لكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء.

فكنت كتاركة بيضها بالعراء

و ملحفة بيض اخرى جناحا

و قد رأيت أن أعطف عليك، و لا اؤ اخذك بسوء سعيك، و ان أصل رحمك، و ابتغي الثواب في امرك، فاعلم أبا المغيرة لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلاّ بعدا، فان بني عبد شمس أبغض الى بني هاشم من الشفرة الى الثور الصريع، و قد أوثق للذبح، فارجع الى أصلك، و اتصل بقومك، و لا تكن كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب، و لعمري ما فعل بك ذلك إلاّ اللجاج، فدعه عنك، فقد أصبحت على بينة من أمرك، و وضوح من حجتك، فان أحببت جانبي و وثقت بي فامرة بامرة، و ان كرهت جانبي و لم تثق بقولي ففعل جميل لا عليّ و لا لي.

فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس، فلما رآه زياد قربه و أدناه

و لطف به، فدفع إليه الكتاب، فجعل يتأمله و يضحك، فلما فرغ وضعه تحت قدمه ثم قال: حسبك يا مغيرة، فاني اطّلع على ما في ضميرك، و قد قدمت من سفرة بعيدة، فقم و أرح ركابك. قال: أجل. فدع عنك اللجاج، و ارجع الى قومك، و صل أخاك، و انظر لنفسك، و لا تقطع رحمك. قال زياد: اني رجل صاحب أناة، و لي في أمري روية، فلا تعجل علي و لا تبدأني بشي‏ء حتى أبدأك.

ثم جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة، فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس ادفعوا البلاء عنكم ما اندفع عنكم، و ارغبوا الى اللّه في دوام العافية لكم، فقد نظرت في امور الناس منذ قتل عثمان و فكرت فيهم، فوجدتهم كالاضاحي في كلّ عيد يذبحون، و لقد أفنى هذان اليومان يوم الجمل و يوم صفين ما ينيف على مائة ألف، كلّهم يزعم انّه طالب حق و تابع امام و على بصيرة من أمره، فان كان الأمر هكذا فالقاتل و المقتول في الجنة كلا ليس كذلك، و لكن أشكل الأمر، و التبس على القوم، و اني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ، فكيف لأمرى‏ء بسلامة دينه، و قد نظرت في أمر الناس، فوجدت أحمد العاقبتين العافية، و سأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته و مغبته، فقد حمدت طاعتكم.

ثم نزل و كتب جواب الكتاب: أما بعد فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة و فهمت ما فيه، فالحمد للّه الذي عرّفك الحق، و ردّك الى الصلة، و لست ممن يجهل معروفا و لا يغفل حسبا، و لو أردت أن اجيبك بما أوجبته الحجة، و احتمله الجواب لطال الكتاب، و كثر الخطاب، و لكنك ان كان كتابك هذا عن عقد صحيح و نيّة حسنة، و أردت بذلك برا فستزرع في قلبي مودة و قبولا، و ان كنت انما أردت مكيدة و مكرا و فساد نيّة فان النفس تأبى ما فيه العطب، و لقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعيى به الخطيب المدره، فتركت من حضر لا أهل ورد و لا صدر كالمتحيرين بمهمة ضلّ بهم الدليل، و أنا على أمثال ذلك قدير.

و كتب في أسفل الكتاب:

اذا معشري لم ينصفوني وجدتني

ادافع عنّي الضيم ما دمت باقيا

و كم معشر أعيت قناتي عليهم

فلاموا و ألفوني لدى العزم ماضيا

أدافع بالحلم الجهول مكيدة

و اخفي له تحت العضاه الدواهيا

فان تدن منّي أدن منك و ان تبن

تجدني اذا لم تدن مني نائيا

فأعطاه معاوية جميع ما سأله، و كتب إليه بخط يده ما وثيق به، فدخل إليه الشام، فقرّبه و أدناه، و أقرّه على ولايته، ثم استعمله على العراق( ١) .

و في (مروج المسعودي): قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ان عليّاعليه‌السلام كان ولّى زيادا فارس حين أخرجوا منها سهل بن حنيف، فضرب زياد ببعضهم بعضا حتى غلب عليها، و ما زال ينتقل في كورها حتى أصلح أمر فارس، ثم ولاّه على اصطخر و كان معاوية يتهدده، ثم أخذ بسر بن أرطأة عبيد اللّه و عبادا ولديه، و كتب إليه يقسم ليقتلنهما ان لم يدخل في طاعة معاوية، فقدم زياد على معاوية و كان المغيرة قد قال لزياد قبل قدومه إرم الغرض الأقصى و دع عنك الفضول، فان هذا الأمر لا يمد إليه أحد يدا إلاّ الحسن بن علي و قد بايع معاوية، فخذها لنفسك قبل التوطين.

قال له زياد: فأشر عليّ. قال: أرى ان تنقل أصلك الى أصله، و تصل حبلك بحبله، و تعير الناس منك أذنا صمّاء. فقال زياد: يا ابن شعبة أغرس عودا في غير منبته، و لا مدرة فتحييه، و لا عرق فيسقيه.

ثم ان زيادا عزم على قبول الدعوى، و أخذ برأي المغيرة، و أرسلت إليه جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها، فأتاها، فأذن له و كشفت عن شعرها

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٨٢ ١٨٦.

بين يديه و قالت: أنت أخي، أخبرني بذلك أبو مريم( ١) .

«و قد عرفت ان معاوية كتب اليك يستزل» أي: يطلب زلة «لبك» أي: عقلك «و يستفل» من فللت السيف اذا ثلمت حدّه، و كلّ شي‏ء رددت حده أو ثلمته فقد فللته.

«غربك» أي: حدك «فاحذره فانما هو الشيطان يأتي» المؤمن» هكذا في (المصرية)، و الصواب: «المرء» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله» حكى تعالى عن الشيطان قال لربه تعالى: لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينّهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن ايمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين( ٣) .

فالشيطان ان لم يقدر أن يحمل أحدا على المخالفة عن طريق المعصية حمله عليها عن طريق العبادة، و كذلك كان معاوية يأتي خصومه عن طريق الوعيد و التهديد، فان لم يؤثر كان يأتيهم عن طريق التملق و التحبب كما فعل بزياد.

و قال ابن أبي الحديد قال شقيق البلخي: ما من صباح إلاّ قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، و من خلفي، و عن يميني، و عن شمالي، أما من بين يدي فيقول: لا تخف فان اللّه غفور رحيم، فأقرأ و اني لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى( ٤ ) ، و اما من خلفي فيخوفني

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٦.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٧٧، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٩٥ «المومن».

(٣) الاعراف: ١٦ و ١٧.

(٤) طه: ٨٢.

الضيعة على مخلفي، فأقرأ و ما من دابّة في الأرض إلاّ على اللّه رزقها( ١) ، و اما من قبل يميني فيأتيني من جهة الثناء، فأقرأ و العاقبة للمتقين( ٢ ) ، و أما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ و حيل بينهم و بين ما يشتهون( ٣) .

«ليقتحم» الاقتحام ارتكاب الشديد، قال تعالى: فلا اقتحم العقبة( ٤ ) و قال الشاعر:

أقول و الناقة بي تقحم

و أنا منها مكلئز معصم

ويحك ما اسم امها يا علكم( ٥)

قالوا: الناقة النادة تسكن اذا سمّيت امها، و الجمل الناد اذا سمي أبوه.

«غفلته و يستلب» افتعال من السلب أي: يختلس «غرته» و لعمر اللّه كان خال مؤمني اخواننا كان كما وصفهعليه‌السلام شيطانا ثانيا يأتي المرء من بين يديه و من خلفه، و عن يمينه و عن شماله، ليقتحم غفلته، و يستلب غرته، فقال خطيبهم في (أول تاريخ بغداده): معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب النبيّ، فاذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه.

و كيف كان فقال الجزري في (كامله) مع نصبه: لم يذكر الطبري في استلحاق معاوية لزياد حقيقة الحال، انما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه، و أنا أذكر سبب ذلك و كيفيته فان من الامور المشهورة الكبيرة في الاسلام و كان استلحاقه أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية، فان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) هود: ٦.

(٢) الاعراف: ١٢٨ و القصص: ٨٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٧٨، و الآية ٥٤ من سورة سبأ.

(٤) البلد: ١١.

(٥) أورده أساس البلاغة: ٣٥٦، مادة (قحم) و لسان العرب ١٢: ٤٦٤، مادة (قحم).

قضى بالولد للفراش، و للعاهر الحجر و كان ابتداء حاله ان سمية ام زياد كانت لدهقان زند رود بكسكر، فمرض الدهقان، فدعا الحرث بن كلدة الطبيب الثقفي، فعالجه فبرأ، فوهبه سمية فولدت عند الحرث أبا بكرة و اسمه نفيع فلم يقر به ثم ولدت نافعا، فلم يقر به أيضا، فلما نزل أبو بكرة الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حين حصر الطائف قال الحرث لنافع: أنت ولدي، و كان الحرث زوّج سمية من غلام له اسمه عبيد و هو رومي، فولدت له زيادا و كان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية الى الطائف فنزل على خمّار يقال له أبو مريم السلولي.

الى أن قال: فلما رأى معاوية أن يستميل زيادا باستلحاقه، و أحضر الناس و حضر من يشهد لزياد و كان فيمن حضر أبو مريم فقال له معاوية:

بم تشهد؟ قال: أنا أشهد ان أبا سفيان حضر عندي و طلب مني بغيّا، فقلت له:

ليس عندي إلاّ سمية. فقال: ايتني بها على قذرها و وضرها، فأتيته بها، فخلا معها، ثم خرجت من عنده و ان اسكتيها ليقطران منيا، فقال له زياد: مهلا أبا مريم، انما بعثت شاهدا، و لم تبعث شاتما، فاستلحقه معاوية( ١) .

و في (العقد): أول دعيّ كان في الاسلام و اشتهر زياد بن عبيد دعيّ معاوية، و كانت سمية ولدت زيادا و أبا بكرة و نافعا، فكان زياد ينسب في قريش، و أبو بكرة في العرب، و نافع في الموالي، فقال فيهم يزيد بن مفرغ:

ان زيادا و نافعا و ابا

بكرة عندي من أعجب العجب

ان رجالا ثلاثة خلقوا

من رحم انثى مخالفي النسب

ذا قرشي فيما يقول و ذا

مولى و هذا ابن عمّه عربي

و في (الاستيعاب): كان أبو بكرة يقول: انا من اخوانكم في الدين و ان

____________________

(١) كامل ابن الأثير ٣: ٤٤٣، سنة ٤٤.

أبي الناس إلاّ ان تسبوني فأنا نفيع بن مسروح( ١) .

و في (تاريخ الطبري): آل أبي بكرة ردهم المهدي في سنة (١٦٠) من نسبهم في ثقيف الى نفيع بن مسروح( ٢ ) . قلت: يفهم منه انهم انتسبوا الى الحرث بن كلدة الثقفي حتى ردهم.

«و قد كان من أبي سفيان في زمن عمر بن الخطاب فلتة» أي: فجأة «من حديث النفس» أي: الحكاية عن شخصه.

و في (نسب قريش مصعب الزبيري): المنذر بن الزبير هو الّذي شهد على قول عليعليه‌السلام في زياد، قال: سمعت أبا سفيان بن حرب مقدم زياد من تستر من عند أبي موسى حين قدم على عمر و أمره أن يتكلم يخبر الناس بفتح تستر، فقام زياد فتكلم فأبلغ، فعجب الناس من بيانه و قالوا: ان ابن أبي عبيد لخطيب. قال عليعليه‌السلام : فسمع ذلك أبو سفيان فأقبل عليّ و قال: ليس بابن عبيد و أنا و اللّه أبوه ما أقره في رحم امه غيري. قلت: فما يمنعك عنه؟ قال: خوف هذا يعني عمر فكان آل زياد يشكرون ذلك للمنذر، و كان المنذر منقطعا الى معاوية، و أوصى معاوية أن يحضر غسله و أمر له بمال، فكتب يزيد الى عبيد اللّه، فدفعه إليه، و أقطعه الدار التي تنسب الى الزبير بكلاء البصرة، و أقطعه منزلا بالبصرة، ثم بدا ليزيد فكتب الى عبيد اللّه يأمره بحبس ذلك المال عن المنذر و ان لا يدع المنذر يخرج من البصرة، و ذلك حين خالفه عبد اللّه بن الزبير، فخاف ان يلحق بأخيه فيكون ذلك المال عونا له، فأرسل إليه ابن زياد فأخبره الخبر و قال: قد أجلتك ثلاثا و خذ من وراء أجلي ما شئت، فانطلق المنذر قبل مكة و سار سيرا شديدا قال الراجز:

____________________

(١) الاستيعاب ٤: ٢٣.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ٣٦٣، سنة ١٦٠.

تركن بالرمل قياما حسرا

لو يتكلمن اشتكين المنذرا

فكان مع أخيه حتى قتل في حصار الحصين بن نمير حصار ابن الزبير الأول. «و نزغة من نزغات الشيطان» في (الأساس): نزغه اذا طعنه و نخسه، و من المجاز «نزغه الشيطان» كأنه ينخسه ليحثه على المعاصي( ١) .

«لا يثبت بها نسب و لا يستحق بها ارث» قال الشاعر:

زياد لست أدري من أبوه

و لكن الحمار أبو زياد

العرب تكنّي الحمار بأبي زياد، و قال آخر:

حمار في الكتابة يدّعيها

كدعوى آل حرب في زياد

و في (تاريخ الطبري): ذكر علي بن سليمان ان أباه حدثه قال: حضرت المهدي و هو ينظر في المظالم، اذ قدم عليه رجل من آل زياد يقال له الصغدي بن سلم بن حرب، فقال له: من أنت؟ قال: ابن عمك. قال: أي: ابن عمي أنت؟

فانتسب الى زياد، فقال له المهدي: يا ابن سمية الزانية متى كنت ابن عمي، و غضب و امر به، فوجى‏ء في عنقه و اخرج الى أن قال: فأمر المهدي بالكتاب الى هارون والي البصرة من قبله أن يخرج آل زياد من قريش و ديوانهم و العرب.

الى أن قال: ثم ان آل زياد بعد ذلك رشوا الديوان حتى ردهم الى ما كانوا عليه. الى أن قال بعد ذكر نسخة كتاب المهدي في كون استلحاق معاوية لزياد على خلاف كتاب اللّه و سنة رسوله: فلما وصل الكتاب الى محمد بن سليمان وقّع بانفاذه، ثم كلّم فيهم، فكف عنهم، و قد كان كتب الى عبد الملك بن أيوب النميري بمثل ما كتب به الى محمد، فلم ينفذه لموضعه من قيس،

____________________

(١) أساس البلاغة: ٤٥٣، مادة (نزغ).

و كراهته ان يخرج أحد من قومه الى غيرهم( ١) .

و في العقد: لما طالت خصومة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و نصر بن الحجاج عند معاوية في عبد اللّه بن حجاج مولى خالد أمر معاوية حاجبه أن يؤخر مجلسه حتى يحتفل، فجلس معاوية و قد تلفع بمطرف خز أخضر و أمر بحجر فأدني منه و ألقى عليه طرف المطرف، ثم اذن لهما و قد احتفل المجلس فقال نصر: أخي و ابن أبي عهد إلى إنّه منه، و قال عبد الرحمن: مولاي و ابن عبد أبي و أمته ولد على فراشه. فقال معاوية: خذ هذا الحجر و كشف عنه فادفعه الى نصر، و قال: هذا مالك في حكم النبيّ. فقال نصر: أ فلا أجريت هذا الحكم في زياد. قال: ذاك حكم معاوية و هذا حكم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

و قال ابن أبي الحديد: قال الحسن البصري: ثلاث كن في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهن لكانت موبقة: ابتزازه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها، و قتله حجرا و يا ويله من حجر و أصحاب حجر، و استلحاقه زيادا مراغمة لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الولد للفراش و للعاهر الحجر( ٢) .

و قال: روى الشرقي بن القطامي ان سعيد بن أبي سرح مولى حبيب بن عبد شمس كان من شيعة عليعليه‌السلام ، فلما قدم زياد الكوفة طلبه و أخافه، فأتى الحسنعليه‌السلام مستجيرا به، فوثب زياد على أخيه و ولده و امرأته، فحبسهم، و أخذ ماله، و نقض داره، فكتب الحسن الى زياد: عمدت الى رجل من المسلمين له مالهم و عليه ما عليهم، فهدمت داره، و أخذت ماله، و حبست أهله و عياله، فاذا أتاك كتابي هذا فابن له داره، و اردد عليه عياله، و ماله و شفعني فيه فقد أجرته.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٦: ٣٦٣ ٣٦٦ سنة ١٦٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٩٣.

فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان الى الحسن بن فاطمة: أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، و أنت طالب حاجة، و أنا سلطان و أنت سوقة، و تأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته، كتبت الي في فاسق آويته اقامة منك على سوء الرأي، و رضى منك بذلك، و أيم اللّه لا تسبقني به و لو كان بين جلدك و لحمك، و ان نلت بعضك غير رفيق بك و لا مرع عليك، و ان أحب لحم علي ان آكله للحم الّذي أنت منه، فسلمه بجريرته الى من هو أولى به منك، فان عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، و ان قتلته لم أقتله إلاّ لحبه أباك الفاسق.

فلما ورد الكتاب على الحسنعليه‌السلام تبسم و كتب بذلك الى معاوية و جعل كتاب زياد عطفه و كتب جواب زياد كلمتين لا ثالثة لهما «من الحسن بن فاطمة الى زياد بن سمية، اما بعد فان رسول اللّه قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر».

فلما قرأ معاوية كتاب زياد الى الحسنعليه‌السلام ضاقت به الشام، و كتب الى زياد ان الحسن بن علي بعث إلي بكتابك إليه جوابا عن كتاب كتبه اليك في ابن سرح، فأكثرت العجب منك، و علمت ان لك رأيين: أحدهما من أبي سفيان و الآخر من سمية، فأما الّذي من أبي سفيان فحلم و حزم، و أما الّذي من سمية فما يكون من رأي مثلها، من ذلك كتابك الى الحسن تشتم أباه و تعرض له بالفسق، و لعمري انك الأولى بالفسق من أبيه، فأما ان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعا عليك، فان ذلك لا يضعك لو عقلت، و أما تسلطه عليك بالأمر، فحق لمثل الحسن أن يتسلّط، و أما تركك تشفيعه فيما شفع فيه اليك، فحظ دفعته عن نفسك الى من هو أولى به منك، و أما كتابك الى الحسن باسمه و اسم امه و لا تنسبه الى أبيه، فان الحسن ويحك من لا يرمي به الرجوان و الى أي ام وكلته

لا ام لك، أما علمت انها فاطمة بنت رسول اللّه، فذلك أفخر له لو كنت تعقل، و كتب شعرا من جملته:

أما حسن فابن الّذي كان قبله

اذا سار الموت حيث يسير

و هل يلد الرئبال إلاّ نظيره

و ذا حسن شبه له و نظير

و لكنه لو يوزن الحلم و الحجا

بأمر لقالوا يذبل و ثبير

فإذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد، و ابن له داره، و أردد عليه ماله و لا تعرض له( ١) .

و قال: كتبت عائشة الى زياد كتابا، فلم تدر ما تكتب عنوانه، ان كتبت زياد ابن عبيد أو ابن أبيه أغضبته و ان كتبت زياد بن أبي سفيان أثمت، فكتبت من ام المؤمنين الى ابنها زياد، فلما قرأه ضحك، و قال: لقد لقيت من هذا العنوان نصبا( ٢) .

قلت: و في (فتوح البلاذري) في انهار البصرة و من نسبت إليه قال ابو اليقظان: نسب نهر مرة الى مرة بن ابي عثمان مولى عبد الرحمن بن أبي بكر و كان سريا سأل عائشة ان تكتب له الى زياد و تبدأ به في عنوان كتابها، فكتبت له و عنونته «الى زياد بن أبي سفيان من عائشة ام المؤمنين»، فلما رأى زياد أنها قد كاتبته و نسبته الى ابي سفيان سر بذلك و أكرم مرة و ألطفه و قال للناس: هذا كتاب ام المؤمنين إلى في مرة و عرض الكتاب عليهم ليقرأوا عنوانه، ثم اقطعه مائة جريب على نهر الابلة و أمر فحفر لها نهرا فنسب إليه( ٣) .

«و المتعلق بها كالواغل» قال الجوهري: الواغل في الشراب مثل الوارش

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٩٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٢٠٤.

(٣) فتوح البلدان: ٣٥٤.

في الطعام، قال امرؤالقيس:

و اليوم فاشرب غير مستحقب

اثما من اللّه و لا واغل

و قال ابن دريد: الواغل الداخل في القوم و هم يشربون و لم يدع إليه، كما ان الوارش و الراشن الداخل الى القوم و هم يأكلون و لم يدع إليه.

«المدفّع» قال الجوهري: المدفع بالتشديد الفقير و الذليل، لأن كلا يدفعه عن نفسه. و قال ابن دريد: الضيف المدفع الذي يتدافعه الحي فيحيله هذا على هذا، و رجل مدفّع اذا دفع عن نسبه.

في (الأغاني): كان الحجاج ينفي آل زياد من آل ابي سفيان و يقول:

آل أبي سفيان سته حمش

و آل زياد رسح خدل

و معنى «سته» ضخم الالية و مقابلها «الرسح»، و «الحمش» دقة الساق و مقابله «الخدل» و المراد أن السفيانيين ذوو أستاه عظيمة، و أسوق دقيقة، و الزياديين بالعكس.

و في (أنساب البلاذري) قال عقيبة الأسدي:

نجار فهر مبين في توسّمهم

لكن نجار زياد غير معروف

لستم قريشا و لكن أنتم نبط

صهب اللحى و النواصي ضهية الليف

فكان ابن زياد يذكر هذا البيت و يقول كذب ابن الفاعلة( ١) .

«و النوط» قال الجوهري: كل ما علق من شي‏ء فهو نوط، و في المثل «عاط بغير أنواط» أي: يتناول و ليس هناك شي‏ء معلق، و هذا نحو قولهم: «كالحادي و ليس له بعير» و «تجشأ لقمان من غير شبع»

____________________

(١) انساب الأشراف ٤: ق ٨٧٢.

«المذبذب» أي: المتحرك.

لما كتبوا الشهود على حجر كان فيهم «ابن بزيعة»، و هو شداد بن المنذر الذهلي، قال زياد: ألقوا هذا من الشهود، اما لهذا أب ينسب إليه، فقال:

ويلي على ابن الزانية، أو ليست أمه أعرف من أبيه، و اللّه ما ينسب إلاّ الى امة سمية.

و أتي زياد بعروة بن ادية و هو أول من سل سيفه من الخوارج و كان نجا من النهروان فسأله عن معاوية، فسبه سبّا قبيحا، ثم سأله عن نفسه، فقال: أو لك لزنية، و آخرك لدعوة، و أنت بعد عاص لربك، فأمر زياد به فضربت عنقه. و لكن في (أنساب البلاذري): أمر فقطعوا يديه و رجليه ثم امر بصلبه( ١) .

و فيه: كان عروة هرب فطلبه أشد طلب و جعل فيه جعلا، فوجد في سرب في دار، فقرأ عبيد اللّه قصته أنا وجدنا عروة يشرب في دار، فضحك و قال: كذبتم ليته كان يشرب. فقال له بعض من حضر: انما وجد بسرب( ٢) .

في (البلاغات): أتى زياد بامرأة من الخوارج، فلما همّ بقتلها تسترت بثوبها، فقال لها زياد: أ تسترين و قد هتك اللّه سترك، و أهلكك و أهلك قومك.

قالت: أي و اللّه أ تستر و لكن اللّه أبدى عورة امك على لسانك إذ أقررت بأن أبا سفيان زنى بها.

و أتى عبيد اللّه بن زياد بامرأة من الخوارج، فقطع رجلا لها، ثم قطع رجلها الاخرى و جذبها، فوضعت يدها على فرجها، فقال: لتسترينه. فقالت:

لكن سمية امك لم تكن تستره.

____________________

(١) أنساب الأشراف ٤: ق ٨٨٢ و ٨٩.

(٢) أنساب الأشراف ٤: ق ٨٧٢.

و في (شعراء ابن قتيبة): لما هجا ابن مفرغ عباد بن زياد أخذه عبيد اللّه بن زياد، و سقاه الزبد في النبيذ، و حمله على بعير، و قرن به خنزيره، و أمشاه بطنه مشيا شديدا، فكان يسيل ما يخرج منه على الخنزيرة فتصي‏ء، فكلما صاءت قال ابن مفرغ:

ضجّت سمية لما مسّها القرن

لا تجزعي انّ شرّ الشيمة الجزع

فطيف به في أزقة البصرة و جعل الناس يقولون له: اين چيست؟ أي: ما هذا؟

و هو يقول:

اين است نبيد است

سميه رو سفيد است

فلما ألح عليه ما يخرج قيل لعبيد اللّه انه يموت، فأمر به فانزل و اغتسل، فلما خرج من الماء قال:

يغسل الماء ما فعلت و قولي

راسخ منك في العظام البوالي

و في (العقد): قال زياد ما هجيت ببيت أشد عليّ من قول الشاعر:

فكّر ففي ذاك ان فكّرت معتبر

هل نلت مكرمة إلاّ بتأمير

عاشت سمية ما عاشت و ما علمت

ان ابنها من قريش في الجماهير

و في (الاستيعاب) في زياد: دخل بنو امية على معاوية و فيهم عبد الرحمن بن الحكم أيام استلحق زيادا، فقال له عبد الرحمن: يا معاوية لو لم تجد إلاّ الزنج لاستكثرت بهم علينا يعني على بني أبي العاص قلّة و ذلّة. فقال معاوية لأخيه مروان: أخرج عنّا هذا الخليع، أ لم يبلغني شعره فيّ و في زياد:

ألا أبلغ معاوية بن صخر

لقد ضاقت بما تأتي اليدان

أ تغضب ان يقال أبوك عفّ

و ترضى أن يقال أبوك زان

فأشهد أن رحمك من زياد

كرحم الفيل من ولد الاتان

و قال لمروان: لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا فيترضى عنه، فأتاه و أنشده:

اليك أبا المغيرة تبت مما

جرى بالشام من جور اللسان

زياد من أبي سفيان غصن

تهادى ناضرا بين الجنان

أراك أخا و عمّا و ابن عمّ

فما أدري بعيني من تراني

و أنت زياد في آل حرب

أحبّ إلي من وسطى بناني

فكتب له رضى، فأخذه و ذهب به الى معاوية، فلما قرأه قال: قبح اللّه زيادا أ لم يتنبه له إذ قال:

و أنت زياد في آل حرب( ١ ) و الى قول عبد الرحمن ينظر من قال في ابن أبي دؤاد كما في (تاريخ بغداد):

الى كم تجعل الاعراب طرا

ذوي الارحام منك بكلّ واد

تضم على لصوصهم جناحا

لتثبت دعوة لك في أياد

فأقسم ان رحمك في أياد

كرحم بني امية من زياد

أي: في كونه كرحم الفيل من ولد الاتان.

و في (تاريخ الطبري) بعد ذكر أمر عبيد اللّه بن زياد بقتل مسلم قال مسلم لعبيد اللّه: أما و اللّه يا ابن زياد لو كانت بيني و بينك قرابة ما قتلتني( ٢) .

و فيه في دخول أهل بيت الحسينعليه‌السلام مجلس يزيد قال ابو مخنف:

ثم دعا يزيد بالنساء و الصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئة قبيحة فقال: قبح اللّه ابن مرجانة لو كانت بينه و بينكم رحم أو قرابة ما فعل

____________________

(١) الاستيعاب ١: ٥٧٠ و ٥٧٣ و ٥٧٤.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٢٨٣ سنة ٦٠.

هذا بكم و لا بعث بكم هكذا( ١) .

و في (الوفيات): خرج المأمون يوما من باب البستان ببغداد، فصاح به رجل بصري اني تزوجت بامرأة من آل زياد و ان أبا الرازي فرّق بيننا و قال:

هي امرأة من قريش. فكتب إليه: بلغني ما كان من الزيادية و خلعك اياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت اليك العرب في أنسابها، و متى وكلتك قريش يا ابن اللخناء بأن تلصق بها من ليس منها، فخل بين الرجل و امرأته، فلئن كان زياد من قريش انه لابن سمية بغي عاهرة لا يفتخر بقرابتها، و لا يتطاول بولادتها، و لئن كان ابن عبيد لقد باء بأمر عظيم إذ ادعي الى غير أبيه بحظ تعجله، و ملك قهره.

(فلما قرأ زياد الكتاب) هكذا في (المصرية و ابن ميثم)، و لكن في (ابن أبي الحديد و الخطية) (كتابه)( ٢) .

قول المصنّف: (قوله عليه السلام الواغل) هكذا في (المصرية)، و لكن في (ابن ميثم و الخطية): «قوله كالواغل المدفّع الواغل» و في (ابن أبي الحديد) «الواغل»( ٣) .

(هو الذي يهجم على الشرب) بالفتح جمع شارب، كصحب جمع صاحب (ليشرب معهم و ليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا).

و في (تاريخ الطبري) أقبل مالك و عقيل و هما اللذان صارا نديمي جذيمة يريد انه من الشام، فلما كانا ببعض الطريق نزلا منزلا و معهما قينة لهما يقال لها أم عمرو، فقدمت اليهما طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٣ سنة ٦١.

(٢) كذا في شرح ابن ميثم ٥: ٩٦، و لفظ شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٧٧ مثل المصرية.

(٣) راجع شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٧٧، و شرح ابن ميثم ٥: ٩٨.

عريان شاحب قد تلبد شعره، و طالت أظفاره، و ساءت حاله و هو عمرو بن عدي ابن اخت جذيمة الذي استطارته الجن، فضرب له جذيمة في الآفاق لا يقدر عليه فجاء حتى جلس ناحية منهما، فمد يده يريد الطعام، فناولته القينة كراعا، فأكلها، ثم مد يده اليها، فقالت تعطي العبد الكراع فيطمع في الذراع فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها و أوكت زقها، فقال عمرو بن عدي:

صددت الكأس عنّا ام عمرو

و كان الكأس مجراها اليمينا

و ما شر الثلاثة ام عمرو

بصاحبك الذي لا تصبحينا

فسأله مالك و عقيل من أنت؟ فعرّف نفسه، فقالا: ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس منه الخ( ١) .

(و النوط المذبذب هو ما يناط) أي: يعلق (برحل الراكب من قعب). قال الجوهري: القعب قدح من خشب مقعر الخ. و في المثل: «أتاك ريان بقعب من لبن»( ٢) .

(أو قدح) قال الجوهري: واحد الأقداح التي للشرب (أو ما أشبه ذلك) من الأمتعة.

(فهو أبدا يتقلقل اذا حث طهره و استعجل سيره) و المراد حال العدو و شبهه، قال حسان:

و أنت دعيّ نيط في آل هاشم

كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

و يقال للدعي العربي من القوارير و ابن الزئبق و الملصق، قال بشار في عمرو الباهلي:

____________________

(١) تاريخ الطبري ١: ٤٤٢.

(٢) أورده الميداني في مجمع الأمثال ١: ٤٢ و الزمخشري في المستقصى ١: ٣٧.

أرفق بعمرو اذا حركت نسبته

فانه عربي من قوارير

و قال آخر:

و تنقل من والد الى والد

فكان امك أو أباك الزئبق

و قال أبو فراس:

أيها المدعي سليما سفاها

لست منها و لا قلامة ظفر

انما أنت ملصق مثل واو

ألصقت في الهجاء ظلما بعمرو

٨ - الكتاب (٤٣) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ و هو عامله على أردشير خرّة:

بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ وَ أَغْضَبْتَ إِمَامَكَ أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْ‏ءَ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَ خُيُولُهُمْ وَ أُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اِعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ فَوَالَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَاناً وَ لَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً فَلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ وَ لاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً أَلاَ وَ إِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَ قِبَلَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا اَلْفَيْ‏ءِ سَوَاءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ وَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ أقول: رواه اليعقوبي مع جوابه، ففي (تاريخه): كتب عليعليه‌السلام الى مصقلة و بلغه أنه يفرق و يهب أموال اردشير خره و كان عليها أما بعد، فقد بلغني عنك أمر أكبرت أن أصدقه، انك تقسم في‏ء المسلمين في قومك، و من اعتراك من السألة و الأحزاب و أهل الكذب من الشعراء، كما تقسم الجوز، فو الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لافتشن عن ذلك تفتيشا شافيا، فإن وجدته حقا لتجدن

بنفسك عليّ هوانا، فلا تكوننّ من الخاسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.

فكتب مصقلة إليهعليه‌السلام : أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين، فليسأل ان كان حقّا فليعجل عزلي بعد نكالي، و كل مملوك لي حر، و علي أيام ربيعة و مضر ان كنت رزأت من عملي دينارا و لا درهما و لا غيرهما منذ وليته الى أن ورد علي كتاب أمير المؤمنين، و لتعلمن أن العزل أهون علي من التهمة. فلما قرأ كتابه قال: ما أظن أبا الفضل إلاّ صادقا( ١) .

و نقل عن (تاريخ ابن واضح) روايته و رواه (أنساب اشراف البلاذري) في عنوان القول في ما كتبهعليه‌السلام الى ولاته( ٢) .

و مر في فصل اخبارهعليه‌السلام بالغيب قوله في مصقلة لما كان اشترى سبي بني ناجية من عامله و أعتقهم و لم يؤد الثمن و هرب الى معاوية قبّح اللّه مصقلة، فعل فعل السادة، و فر فرار العبيد الخ( ٣) .

قول المصنّف: (الى مصقلة) قال البلاذري: ولّى معاوية مصقلة طبرستان، فأخذوا عليه المضائق، فهلك مع جيشه، فضرب به المثل فقالوا:

حتى يرجع مصقلة من طبرستان( ٤) .

(و هو عامله في أردشير خرّه) قال الحموي: أردشير خرّه اسم مركب معناه بهاء اردشير، و هي من أجل كور فارس، و منها مدينة شيراز( ٥) .

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠١.

(٢) رواه البلاذري في أنساب الأشراف ٢: ١٦٠، و اما تاريخ ابن واضح فهو نفس كتاب تاريخ اليعقوبي.

(٣) مر في العنوان ١٠ في فصل أخباره (ع) بالملاحم و هو الفصل التاسع.

(٤) فتوح البلدان: ٣٣٠.

(٥) معجم البلدان ١: ١٤٦.

و في (أنساب البلاذري): و كان على أردشير خرّه من قبل ابن عباس( ١) .

قولهعليه‌السلام «بلغني عنك أمر ان كنت فعلته فقد أسخطت الهك و أغضبت امامك» ان اللّه لا يحبّ الخائنين( ٢ ) و ان اللّه لا يهدي كيد الخائنين( ٣ ) ان اللّه لا يحب كلّ خوّان كفور( ٤ ) ان اللّه لا يحب من كان خوّانا أثيما( ٥ ) و لا تكن للخائنين خصيما( ٦ ) ، و البلاذري بدل «فقد اسخطت الهك و أغضبت امامك».

«فقد أتيت شيئا ادا»( ٧) .

«انك» ليس في نسخة ابن ميثم( ٨ ) «تقسم في‏ء المسلمين» قال الجوهري:

الفي‏ء: الخراج و الغنيمة «الذي حازته» قال الجوهري: من ضم الى نفسه شيئا فقد حازه «رماحهم و خيولهم» أي: حازوه بهما «و أريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك» هكذا في (المصرية)، و لكن في ثم «اعتماك»، و نسبه ابن أبي الحديد الى رواية( ٩ ) ، و المعنى واحد. قال الجوهري: و اعتميت الشي‏ء اخترته، و هو قلب الاعتيام.

«من أعراب قومك» و في (أنساب البلاذري) بدله «من أعراب بكر بن وائل»( ١ ) ٠.

____________________

(١) انساب الاشراف ٢: ١٦٠.

(٢) الانفال: ٥٨.

(٣) يوسف: ٥٢.

(٤) الحج: ٣٨.

(٥) النساء: ١٠٧.

(٦) النساء: ١٠٥.

(٧) انساب الأشراف ٢: ١٦٠.

(٨) توجد في نسختنا من شرح ابن ميثم ٥: ٩٤.

(٩) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٧٥، لكن لفظ شرح ابن ميثم ٥: ٩٤ مثل المصريّة.

(١٠) انساب الأشراف ٢: ١٦٠.

و في (المروج): استبد سعيد بن العاص لما كان واليا على الكوفة من قبل عثمان بالأموال و قال بعض الايام و كتب به الى عثمان انما هذا السواد فطير لقريش، فقال له الاشتر: أ تجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا و مراكز رماحنا بستانا لك و لقومك( ١) .

«فو الذي فلق الحبة» و في بعض الأدعية «يا فالق الحب و النوى»( ٢) .

«و برأ» أي: خلق «النسمة» أي: الإنسان، و زاد البلاذري: و أحاط بكلّ شي‏ء علما( ٣) .

«لئن كان ذلك حقا لتجدن بك» هكذا في (المصرية و ابن ميثم)، و نقله ابن أبي الحديد: «لك» و نسب «بك» الى رواية( ٤) .

«علي هوانا و لتخفن عندي ميزانا» و في (عيون ابن قتيبة): كان زياد اذا ولّى رجلا قال له: خذ عهدك و سر الى عملك، و اعلم انك مصروف الى رأس سنتك، و انك تصير الى أربع خلال فاختر لنفسك: انا ان وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك و سلمتك من معرتنا أمانتك، و ان وجدناك خائنا قويا استهنا بقوتك و أحسنا على خيانتك أدبك، فأوجعنا ظهرك و أثقلنا غرمك، و ان جمعت علينا الحرمين جمعنا عليك المضرين، و ان وجدناك أمينا قويا رددناك في عملك و رفعنا لك ذكرك و كثرنا مالك و أوطأنا عقبك.

«فلا تستهن» أي: لا تستخف «بحق ربك» فلا حق فوق حقه «و لا تصلح دنياك بمحق» أي: محو «دينك» فتكون كمن محا نفيسا بخسيس «فتكون من الأخسرين أعمالا» أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٣٣٧.

(٢) رواه ابن الأثير في النهاية ٣: ٤٧١، مادة (فلق).

(٣) انساب الأشراف ٢: ١٦٠.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٧٥، و شرح ابن ميثم ٥: ٩٤.

تجارتهم و ما كانوا مهتدين( ١) .

و في رواية اليعقوبي و البلاذري زيادة الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون انّهم يحسنون صنعا( ٢ ) قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون انّهم يحسنون صنعا( ٣) .

«ألا و ان حق من قبلك و قبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفي‏ء سواء» فيه اشارة الى كون عمل عمر في تفضيل الأشراف على خلاف الشريعة (يردون عندي عليه و يصدرون عليه) و لا يمكن تبديله و تغييره.

٩ - الكتاب (٤٠) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى بعض عماله:

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ وَ عَصَيْتَ إِمَامَكَ وَ أَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ اَلْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ وَ أَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ اَلنَّاسِ أقول: جعله عقد ابن عبد ربه كتابهعليه‌السلام الى ابن عباس فيما اشتهر عنه من الخيانة لما كان في البصرة، و جعل ما ننقله بعد في العنوان الآتي كتابهعليه‌السلام إليه بعد رحلته من البصرة الى مكة. فقال: روى أبو مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن عبد الرحمن بن عبيد ان ابن عباس مر على أبي

____________________

(١) البقرة: ١٦.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٢، و انساب الأشراف ٢: ١٦١.

(٣) الكهف: ١٠٣ و ١٠٤.

الأسود فقال له: لو كنت من البهائم كنت جملا و لو كنت راعيا ما بلغت. فكتب أبو الأسود الى عليعليه‌السلام : ان اللّه جعلك واليا و مؤتمنا و راعيا مسئولا، و قد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحا للامة توفر لهم فيأهم و تكفّ نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم و لا ترتشي بشي‏ء في أحكامهم، و ابن عمك قد أكل ما تحت يديه من غير علمك فلم يسعني كتمانك ذلك.

قال: فكتبعليه‌السلام إليه: أما بعد فمثلك نصح الإمام و الامة و والى على الحق و فارق الجور، و قد كتبت لصاحبك بما كتبت إلي فيه و لم أعلمه بكتابك الي، فلا تدع اعلامي ما يكون بحضرتك مما النظر فيه للامة صلاح، فانك بذلك جدير و هو حق واجب للّه عليك.

و كتبعليه‌السلام الى ابن عباس: اما بعد، فقد بلغني عنك أمران كنت فعلته فقد أسخطت اللّه و أخزيت امانتك و عصيت امامك و خنت المسلمين، بلغني انك خربت الأرض و أكلت ما تحت يدك، فارفع الي حسابك و اعلم ان حساب اللّه أعظم من حساب الناس.

و في (أنساب البلاذري): قالوا و استعمل عليعليه‌السلام عبد اللّه بن عباس على البصرة، و استعمل أبا الأسود على بيت مالها، فمر ابن عباس بأبي الأسود الخ مثله( ١) .

قول المصنّف: (و من كتاب لهعليه‌السلام الى بعض عمّاله) قد عرفت من (مستنده) أن المراد به ابن عباس كالعنوان الآتي، الا ان الكلام في صحته، و لعله لذا أجمله المصنف مع انك عرفت في أوّل الكتاب ان ابن ميثم لم ينقله رأسا.

قولهعليه‌السلام «أما بعد فقد بلغني» بكتابة أبي الأسود، و لم يذكرهعليه‌السلام لئلا

____________________

(١) انساب الأشراف ٢: ١٦٩.

يوجب تشديد العداوة بينهما.

«عنك أمر ان كنت فعلته فقد أسخطت ربك و عصيت إمامك و أخزيت أمانتك» في (عيون ابن قتيبة): دخل مالك بن دينار على بلال بن أبي بردة و هو أمير البصرة، فقال له: اني قرأت في بعض الكتب عن اللّه تعالى: أيا راعي السوء دفعت اليك غنما سمانا سحاحا، فأكلت اللحم، و شربت اللبن، و ائتدمت بالسمن، و لبست الصوف، و تركتها عظاما تتقعقع.

و فيه أيضا: في كتاب ابرويز الى ابنه: اجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فاذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترى‏ء عليك في الكبير.

و فيه أيضا: قال أبرويز لصاحب بيت ماله: اني لا احتملك على خيانة درهم، و لا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنك انما تحقن بذلك دمك، و تعمّر به أمانتك، فانك ان خنت قليلا خنت كثيرا، و احترس من الخصلتين:

النقصان فيما تأخذ، و الزيادة فيما تعطي.

«بلغني أنك جردت الأرض» أي: أكلتها كالجراد تأكل نبت الأرض من جردت الجراد الأرض، و به سمي الجراد.

«فأخذت ما تحت قدميك و أكلت ما تحت يديك» لا يخفى لطف الكلام.

و في (العيون): ذكر اعرابي رجلا خائنا فقال: ان الناس يأكلون أماناتهم لقما، و ان فلانا يحسوها حسوا.

و ولّى حارثة بن بدر، فسرق، فكتب إليه أنس الدؤلي:

أحار بن بدر قد وليت ولاية

فكن جرذا فيها تخون و تسرق

و قدم بعض عمّال السلاطين من عمل، فدعا قوما فأطعمهم و جعل يحدثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال تعالى: سمّاعون

للكذب أكّالون للسّحت( ١) .

«فارفع الي حسابك و اعلم أن حساب اللّه أعظم من حساب الناس» و في (العيون): قدم معاذ بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من اليمن على أبي بكر فقال له: ارفع حسابك. فقال: احسابان حساب من اللّه و حساب منكم، لا ألي لكم عملا أبدا.

١٠ - الكتاب (٤١) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى بعض عمّاله:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي وَ جَعَلْتُكَ شِعَارِي وَ بِطَانَتِي وَ لَمْ يَكُنْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لِمُوَاسَاتِي وَ مُوَازَرَتِي وَ أَدَاءِ اَلْأَمَانَةِ إِلَيَّ فَلَمَّا رَأَيْتَ اَلزَّمَانَ عَلَى اِبْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ وَ اَلْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ وَ أَمَانَةَ اَلنَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ وَ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ قَدْ فَتَكَتْ وَ شَغَرَتْ قَلَبْتَ لاِبْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ اَلْمِجَنِّ فَفَارَقْتَهُ مَعَ اَلْمُفَارِقِينَ وَ خَذَلْتَهُ مَعَ اَلْخَاذِلِينَ وَ خُنْتَهُ مَعَ اَلْخَائِنِينَ فَلاَ اِبْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ وَ لاَ اَلْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ وَ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اَللَّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ وَ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ كَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ وَ تَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ اَلشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ اَلْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ اَلْكَرَّةَ وَ عَاجَلْتَ اَلْوَثْبَةَ وَ اِخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ اَلْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَ أَيْتَامِهِمُ اِخْتِطَافَ اَلذِّئْبِ اَلْأَزَلِّ دَامِيَةَ اَلْمِعْزَى اَلْكَسِيرَةَ فَحَمَلْتَهُ إِلَى؟ اَلْحِجَازِ؟ رَحِيبَ اَلصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ كَأَنَّكَ لاَ أَبَا لِغَيْرِكَ حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَاً مِنْ أَبِيكَ وَ أُمِّكَ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ أَ مَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ أَ وَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ اَلْحِسَابِ

____________________

(١) المائدة: ٤٢.

أَيُّهَا اَلْمَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ ذُوِي اَلْأَلْبَابِ كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَ طَعَاماً وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً وَ تَشْرَبُ حَرَاماً وَ تَبْتَاعُ اَلْإِمَاءَ وَ تَنْكِحُ اَلنِّسَاءَ مِنْ مَالِ اَلْيَتَامَى وَ اَلْمَسَاكِينِ وَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُجَاهِدِينَ اَلَّذِينَ أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ اَلْأَمْوَالَ وَ أَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ اَلْبِلاَدَ فَاتَّقِ اَللَّهَ وَ اُرْدُدْ إِلَى هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اَللَّهُ مِنْكَ لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اَللَّهِ فِيكَ وَ لَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي اَلَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ اَلنَّارَ وَ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ؟ اَلْحَسَنَ؟ وَ؟ اَلْحُسَيْنَ؟ فَعَلاَ مِثْلَ اَلَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ وَ لاَ ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ حَتَّى آخُذَ اَلْحَقَّ مِنْهُمَا وَ أُزِيحَ اَلْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلاَلٌ لِي أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي فَضَحِّ رُوَيْداً فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ اَلْمَدَى وَ دُفِنْتَ تَحْتَ اَلثَّرَى وَ عُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ اَلَّذِي يُنَادِي اَلظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ وَ يَتَمَنَّى اَلْمُضَيِّعُ فِيهِ اَلرَّجْعَةَ وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ ٨ ١١ ٣٨: ٣ أقول: هذا الكتاب على فرض صحة نسبته إليهعليه‌السلام جمع من المصنف بين كتابين منهعليه‌السلام الى ابن عباس لما لحق بالحجاز على ما يظهر من خبري (عقد ابن ربه) و (رجال الكشي) و (تذكرة سبط ابن الجوزي).

ففي الأول: قال سليمان بن أبي راشد عن عبد اللّه بن عبيد عن أبي الكنود قال: كنت من أعوان عبد اللّه بالبصرة، فلما كان من أمره ما كان أتيت عليّاعليه‌السلام فأخبرته، فقال و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين( ١ ) ثم كتب معي إليه: أما بعد فاني كنت أشركتك

____________________

(١) الاعراف: ١٧٥.

في أمانتي و لم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك بمواساتي و مؤازرتي بأداء الامانة، فلما رأيت الزمان قد كلب على ابن عمك و العدو قد حرد و أمانة الناس قد خرجت و هذه الأمة قد فتنت، قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع القوم المفارقين و خذلته أسوء خذلان و خنته مع من خان، فلا ابن عمك آسيت و لا الامانة إليه أديت، كأنك لم تكن على بينة من ربك، و انما كنت خدعت امة محمد عن دنياهم و غدرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الامة أسرعت الغدرة و عاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم و انفلت بها الى الحجاز، كأنك انما حزت على أهلك ميراثك من أبيك و امك، سبحان اللّه أو ما تؤمن بالمعاد، أما تخاف الحساب، أما تعلم انك تأكل حراما و تشرب حراما و تشتري الاماء و تنكحهن بأموال اليتامى و الأرامل و المجاهدين في سبيل اللّه التي أفاء اللّه عليهم، فاتق اللّه و أد الى القوم أموالهم، فانك ان لم تفعل و أمكنني اللّه منك لاعذرن الى اللّه فيك، فو اللّه لو ان الحسن و الحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة و لما تركتهما حتى آخذ الحق منهما.

و السّلام.

فكتب إليه ابن عباس: فقد بلغني كتابك تعظّم عليّ أمانة المال الذي أصبت من بيت مال البصرة، و لعمري ان حقي في بيت مال اللّه أكثر من الذي أخذت.

فكتب إليه عليعليه‌السلام : أما بعد فان العجب كل العجب منك اذ ترى لنفسك في بيت مال اللّه أكثر مما لرجل من المسلمين، قد أفلحت ان كان تمنيك الباطل و ادعاءك ما لا يكون ينجيك من الاثم و يحل لك ما حرم اللّه عليك عمرك انك لأنت البعيد، قد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا و ضربت بها عطنا تشتري المولدات من المدينة و الطائف تختارهن على عينك و تعطي بها مال غيرك،

و اني أقسم باللّه ربي و ربك ربّ العزة ما أحب أن ما أخذت من أموالهم لي حلالا أدعه ميراثا لعقبى فما بال اغتباطك به تأكله حراما، ضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى و عرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة و يتمنى المضيع التوبة و الظالم الرحبة.

فكتب إليه ابن عباس: و اللّه لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنه الى معاوية يقاتلك به.

فكفّ عنه عليعليه‌السلام .

و في الثاني: ذكر شيخ من أهل اليمامة عن معلى بن هلال عن الشعبي قال: لما احتمل عبد اللّه بن عباس بيت مال البصرة و ذهب به الى الحجاز كتب إليه عليعليه‌السلام : أما بعد فاني كنت أشركتك في أمانتي، و لم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي و مؤازرتي و اداء الامانة الي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، و العدو عليه قد حرب، و أمانة الناس قد عزت، و هذه الامور قد فشت، قلبت لابن عمك ظهر المجن، و فارقته مع المفارقين، و خذلته أسوأ خذلان الخاذلين، فكأنك لم تكن تريد اللّه بجهادك، و كأنك لم تكن على بيّنة من ربك، و كأنك انما كنت تكيد امة محمد على دنياهم و تنوي غرتهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة امة محمد أسرعت الوثبة و عجلت العدوة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الازل رمية المعزى الكثير، كأنك لا أبا لك جررت الى أهلك تراثك من أبيك و امك، سبحان اللّه، أو ما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف سوء الحساب، أو ما يكبر عليك أن تشتري الاماء و تنكح النساء بأموال الأرامل و المهاجرين الذين أفاء اللّه عليهم هذه البلاد؟ أردد الى القوم أموالهم، فو اللّه لئن لم تفعل ثم امكنني اللّه منك لأعذرن اللّه فيك، فو اللّه لو أن حسنا و حسينا فعلا مثل الذي فعلت لما كان لهما عندي في ذلك هوادة و لا

لواحد منهما عندي رخصة، حتى آخذ الحق و ازيح الجور عن مظلومها.

فكتب إليه ابن عباس: أتاني كتابك تعظم عليّ اصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة، و لعمري ان لي في بيت مال اللّه أكثر مما أخذت.

فكتب إليه عليعليه‌السلام : أما بعد فالعجب كلّ العجب من تزيين نفسك أن لك في بيت مال اللّه أكثر مما أخذت، و أكثر مما لرجل من المسلمين. فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل و ادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الاثم، و يحل لك ما حرم اللّه عليك عمرك اللّه انك لأنت العبد المهتدي اذن فقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا و ضربت بها عطنا، تشتري مولدات مكة و الطائف، تختارهن على عينك و تعطي فيهن مال غيرك، و اني لاقسم باللّه ربي و ربك ربّ العزة ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبى ميراثا، فلا غرور أشدّ من اغتباطك تأكله. رويدا رويدا، فكأن قد بلغت المدى و عرضت على ربك في المحل الذي يتمنى (فيه المجرم) الرجعة و المضيع التوبة، كذلك و ما ذلك و لات حين مناص.

فكتب إليه ابن عباس: فقد أكثرت علي، فو اللّه لئن ألقى اللّه بجميع ما في الأرض من ذهبها و عقيانها أحب اليّ من أن ألقى اللّه بدم رجل مسلم( ١) .

و في الثالث: و لما مضى ابن عباس الى مكة كتبعليه‌السلام إليه: اما بعد فاني أشركتك في أمانتي، و لم يكن أحد من أهل بيتي أوثق في نفسي منك لمؤازرتي و أداء الامانة الي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد حرب، و العدو قد كلب، و أمانة الناس قد خربت، و الامة قد افتتنت، قلبت لابن عمك ظهر المجن بمفارقته مع المفارقين و خذلانه مع الخاذلين، و اختطفت ما قدرت عليه من مال الامة اختطاف الذئب فاردة المعزى، أما توقن بالمعاد و لا تخاف ربّ

____________________

(١) اختيار معرفة الرجال: ٦٠ ح ١١٠.

العباد، أما يكبر عليك انك تأكل الحرام و تنكح الحرام و تشتري الاماء بأموال الأرامل و الايتام، أردد الى المسلمين أموالهم، و و اللّه لئن لم تفعل لاعذرن اللّه فيك، فان الحسن و الحسين لو فعلا ما فعلت لما كان لهما عندي هوادة.

فكتب إليه ابن عباس: حقي في بيت المال أكثر مما أخذت منه.

فكتب إليه عليعليه‌السلام العجب العجب من تزيين نفسك لك أنك أخذت أقلّ مما لك، و هل أنت إلاّ رجل من المسلمين، و قد علمت بسوابق أهل بدر و ما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم، و كفى بك أنك اتخذت مكة وطنا و ضربت بها عطنا، تشتري من مولدات الطائف و مكة و المدينة ما تقع عليه عينك و تميل إليه نفسك، تعطي فيهن مال غيرك، و اني أقسم باللّه ما احب أن ما أخذت من أموالهم حلالا أدعه بعدي ميراثا، فكانّ قد بلغت المدى و عرضت عليك أعمالك غدا بالمحل الأعلى الذي يتمنى فيه المضيّع التوبة و الخلاص و لات حين مناص.

فكتب إليه ابن عباس: لأن ألقى اللّه بكل ما على ظهر الأرض و بطنها أحب اليّ من أن ألقاه بدم امرى‏ء مسلم.

فكتب إليه عليعليه‌السلام : ان الدماء التي أشرت اليها قد خضتها الى ساقيك، و بذلت في اراقتها جهدك، و وضعت باباحتها حظّك، و تقشعت عنها فتياك، و اذ لم تستحي فافعل ما شئت( ١) .

و نقله القتيبي في عيونه مرفوعا في باب خيانات العمال، فقال: و وجدت في كتاب لعليعليه‌السلام الى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: اني اشركتك في أمانتي و لم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب و العدو قد حرب، قلبت لابن عمك ظهر المجن

____________________

(١) تذكرة الخواص: ١٥١ و ١٥٢.

بفراقه مع المفارقين و خذ لانه مع الخاذلين، و اختطفت ما قدرت عليه من أموال الامة اختطاف الذئب الازل دامية المعزى.

قال: و في الكتاب: وضح رويدا فكأن قد بلغت المدى و عرضت عليك أعمالك بالمحل الذي به ينادي المغتر بالحسرة و يتمنى المضيع التوبة و الظالم الرجعة.

و في (أنساب البلاذري): قالوا لما قدم ابن عباس مكة ابتاع من جبيرة مولى بني كعب من خزاعة ثلاث مولدات: حورا و فوز و شادن بثلاثة آلاف دينار، فكتب إليه علي بن أبي طالب: أما بعد فاني كنت اشركتك الخ( ١) .

قول المصنّف: (و من كتاب لهعليه‌السلام الى بعض عماله) قال ابن أبي الحديد اختلفوا في المكتوب إليه: فقال الأكثر انه ابن عباس، و رووا في ذلك روايات و استدلوا بألفاظ من الكتاب، كقوله: «اشركتك في أمانتي، و جعلتك بطانتي و شعاري، و انه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك» و قوله: «رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب» و هذه كلمة لا تقال إلاّ لمثله، فأما غيره من افناء الناس فان عليّا كان يقول له: «لا أبا لك» و قوله: «أيها المعدود عندنا من اولي الألباب» و قوله: «لو أن الحسن و الحسين» فهذا يدل على ان المكتوب إليه قريب ان يجري مجراهما.

و قد روى أرباب هذا القول ان ابن عباس كتب إليه جواب هذا الكتاب: فقد أتاني كتابك تعظّم عليّ ما أصبت الى أن قال كتبعليه‌السلام فقد أفلحت أن كان تمنيك الباطل و ادعاك ما لا يكون ينجيك من المأثم، و يحل لك المحرم، انك لأنت المهتدي السعيد اذن الى أن قال و أخرج الى المسلمين من أموالهم، فعما قليل تفارق من ألفت، و تترك ما جمعت، و تغيب في صدع من الأرض غير

____________________

(١) انساب الأشراف ٢: ١٧٤.

موسّد و لا ممهد، قد فارقت الأحباب، و سكنت التراب، و واجهت الحساب، غنيا عمّا خلقت، فقيرا الى ما قدمت.

و قال الآخرون: هذا لم يكن، و لا فارق عبد اللّه عليّاعليه‌السلام و لا خالفه، و لم يزل أميرا على البصرة الى أن قتل علي، قالوا: و يدل على ذلك ما رواه ابو الفرج الاصبهاني من كتابه الذي كتبه الى معاوية من البصرة لما قتل عليعليه‌السلام و قد ذكرناه قبل، قالوا و كيف يكون ذلك و لم يختدعه معاوية و لم يجره الى جهته، فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمالهعليه‌السلام و استمالهم إليه بالأموال، فمالوا و تركوا عليّا، فما بال معاوية و قد علم النبوة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عباس و لا اجتذبه الى نفسه، و كلّ من قرأ السير و عرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة عليعليه‌السلام فيما كان يلقاه من قوارع الكلام و شديده، و ما كان يثني به عليهعليه‌السلام ، و يذكر خصائله و فضائله، و يصدع به من مناقبه و مآثره، فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك، بل كانت الحال بالضد.

قال: و قد أشكل عليّ أمر هذا الكتاب، فان أنا كذبت النقل و قلت هذا كلام موضوع عليهعليه‌السلام خالفت الرواة، فانهم قد اطبقوا على رواية هذا الكلام عنه و قد ذكر في أكثر كتب السير، و ان صرفته الى عبد اللّه صدني عنه ما أعلم من ملازمته لطاعتهعليه‌السلام في حياته، و ان صرفته الى غيره لم أعلم الى من أصرفه، فانا في هذا الموضع من المتوقفين( ١) .

قلت: المصنّف أيضا كأنه توقف حيث قال هنا: و في كتاب قبله قد ذكرناه في العنوان السابق «و من كتاب لهعليه‌السلام الى بعض عماله» و لم يقل «الى ابن عباس»، مع انّه رأى ان من نقل الكتابين عيّنهما في عبد اللّه.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٩ ١٧٢.

كما أن ظاهر ابي زيد التوقف، ففي (تاريخ الطبري): قال ابو زيد: زعم أبو عبيدة ان ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل عليعليه‌السلام ، فشخص الى الحسن، فشهد الصلح بينه و بين معاوية. قال أبو زيد: ذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، و زعم ان عليّا قتل و ابن عباس بمكة، و ان الذي شهد الصلح عبيد اللّه( ١) ، فتراه اقتصر على نقل قول ابي عبيدة و أبي الحسن، و لم يفت بشي‏ء و جعل قول كلّ منهما زعما.

و كيف كان فيقال في جواب ابن أبي الحديد انّه قاعدة عقلية اذا تعارض العقل و النقل يقدم العقل، فإذا كان معلوما ملازمته لطاعة أمير المؤمنينعليه‌السلام في حياته، و استمالة معاوية مع انتهازه الفرصة في مثل ذلك، نقطع بأن النقل باطل، و قد ابطل النقل بما قلنا عمرو بن عبيد أيضا.

ففي (غرر المرتضى) قال أبو عبيدة: دخل عمرو بن عبيد على سليمان بن علي العباسي، فقال له سليمان: أخبرني عن قول علي في ابن عباس:

يفتينا في القملة و القميلة

و طار بأموالنا في ليلة

فقال له عمرو: كيف يقول علي هذا و ابن عباس لم يفارق عليّاعليه‌السلام حتى قتل و شهد صلح الحسن، و أي مال يجتمع في بيت مال البصرة مع حاجة عليعليه‌السلام الى الأموال و هو يفرغ بيت مال الكوفة كل خميس و يرشه، و قالوا انّه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة، و هذا باطل( ٢) .

و من أين اتفق النقل عليه، فقد عرفت في سابقه ان الأصل فيه رواية أبي مخنف عن جمع، مع انّه روى أيضا كونه بالبصرة لما قتلعليه‌السلام ، و لحوقه بالحسن بالكوفة، ففي المقاتل: لما خطب الحسنعليه‌السلام في صبيحة وفاة أبيه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ١٠٩ سنة ٤٠.

(٢) أمالي الشريف المرتضى و هو كتاب الغرر ٢: ١٢٣ المجلس ١٢.

قال أبو مخنف عن رجاله: قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس الى بيعته، فاستجابوا له و قالوا: ما أحبه الينا و أحقه بالخلافة فبايعوه، ثم نزل عن المنبر، و دس معاوية رجلا من حمير الى الكوفة و رجلا من بني القين الى البصرة يكتبان إليه بالأخبار.

الى أن قال: و كتب عبد اللّه بن العباس من البصرة الى معاوية: أما بعد فانك و دسك أخا بني قين الى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت من يمانيتك لكما قال امية بن اشكر:

لعمرك اني و الخزاعي طارقا

كنعجة غار حفرها تتحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها

فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمت بقوم من صديقك أهلكوا

أصابهم يوم من الدهر أعسر

فأجابه معاوية: اما بعد فان الحسن بن علي قد كتب الي بنحو ما كتبت الخ( ١) .

و أما رواية الكشي للكتاب بسند آخر عرفته فنسخة كتابه مصحفة مختلطة سندا و متنا بحيث لا يوجب الاعتماد على ما تفرد به كما برهنا عليه في الرجال كخبر آخر رواه، فقال روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني عن عبد العزيز بن محمد بن عبد الأعلى الجزري عن خلف المخزومي البغدادي عن سفيان بن سعيد عن الزهري عن الحرث: استعمل عليعليه‌السلام على البصرة عبد اللّه بن العباس، فحمل كلّ ما في بيت مال البصرة و لحق بمكة و ترك عليّا، و كان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليعليه‌السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى و قال: هذا ابن عم النبي في علمه و قدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٣ و ٣٤.

دونه، اللّهم اني قد مللتهم و اقبضني اليك غير عاجز و لا ملول( ١ ) مضافا الى مجهولية رواته.

و أما ما في نسخنا من مقاتل ابي الفرج في ترك عبيد اللّه بن العباس عسكر الحسنعليه‌السلام و لحوقه بمعاوية، خطبهم قيس بن سعد بن عبادة فقال:

ان هذا و أباه و أخاه لم يأتوا بيوم خير الى أن قال و أن أخاه ولاّه عليعليه‌السلام على البصرة، فسرق مال اللّه و مال المسلمين، فاشترى به الجواري و زعم ان ذلك له حلال الخ( ٢ ) . فالظاهر كونه من تصرف المحشين أخذا من تلك الأخبار المتقدمة، فخلط بالمتن، بدليل ان ابن أبي الحديد نقل عند عنوان النهج «و من وصيته للحسن» جميع كلام ابي الفرج و ليس فيه أثر من ذلك، بل اقتصر على أن قيسا خطبهم، فثبتهم و ذكر عبيد اللّه، فنال منه ثم أمرهم بالصبر( ٣ ) و لم يذكر ذلك في تاريخ آخر.

مع ان اليعقوبي روى ان ابن عباس تصرف مقدارا من بيت المال، فكتب أمير المؤمنينعليه‌السلام برده فرده، و هذا لفظه: و كتب أبو الأسود و كان خليفة ابن عباس بالبصرة الى عليعليه‌السلام يعلمه أن عبد اللّه أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب إليه يأمره بردها، فامتنع، فكتب يقسم له باللّه لتردنها، فلما ردها أورد أكثرها كتبعليه‌السلام إليه: أما بعد، فان المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدنيا فلا تكثير به فرحا، و ما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا، و اجعل همّك لما بعد الموت( ٤) .

و مثله نقل سبط ابن الجوزي عن السدي و أبي اراكة، فروى مسندا عن

____________________

(١) اختيار معرفة الرجال: ٦٠ ح ١٠٩.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٤٢.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٤٢، و قد لخّص كلام ابي الفرج.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٥.

المأمون عن آبائه عن ابن عباس قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانتفاعي بكلام كتب أمير المؤمنين به الي، كتب: سلام عليك، أما بعد فان المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه و يسره درك ما لم يكن ليفوته الى أن قال و قد روى السدي هذا عن أشياخه و قال عقيبة: كأن الشيطان قد نزغ بين ابن عباس و بين عليعليه‌السلام مدة ثم عاد الى موالاته و سببه ان أمير المؤمنين ولى ابن عباس البصرة الى أن قال بعد ذكر الكتب المذكورة ثم ندم ابن عباس و اعتذر الى عليعليه‌السلام و قبل عذره، و قيل انه عاد الى الكوفة( ١) .

و رواه أعثم الكوفي في (تاريخه) بطريق آخر، فقال: ما معناه ان عليّا عليه السلام ولى ابن عباس لما كان من قبله على البصرة الموسم، فطلب ابن عباس زيادا و أبا الأسود و قال لهما: استخلفكما على البصرة حتى أرجع و جعل أبا الأسود على الصلاة بالناس و زيادا، على الخراج، فوقع بينهما بعد خروج ابن عباس تنافر، فهجا أبو الأسود زيادا، فلما رجع ابن عباس شكاه زياد و قرأ عليه أهاجيه فيه، فغضب ابن عباس و سب أبا الأسود، فاحتال أبو الأسود، فكتب إليهعليه‌السلام ان ابن عمك خان في بيت المال، فكتبعليه‌السلام الى ابن عباس: بلغني عنك أمور اللّه أعلم بها و هي غير منتظرة منك، فاكتب الي بمقدار بيت المال. فأجابه ان ذلك باطل، و اني أعلم من كتب اليك و لا أتصدى بعد ذلك لعمل و اعتزل في بيته فكتبعليه‌السلام إليه: لا تكن واجدا مما كتبت اليك، فان ذلك كان من اعتمادي عليك، و تبين لي ان ما كتبوا إلي فيك باطل، فارجع الى عملك.

فلما وصل الكتاب الى ابن عباس سر و اشتغل بعمله( ٢) .

و قد عرفت انكار عمرو بن عبيد لذلك بكونه خلاف الدراية و بطلان خبر

____________________

(١) تذكرة الخواص: ١٥٠.

(٢)

رووا انّهعليه‌السلام قال: «يفتينا في القملة و النملة، و طار بأموالنا في ليلة»، ثم كيف يقولعليه‌السلام : «يفتينا»، فهل كان ابن عباس يفتيه عليه السلام، و كيف يقول: «و طار بأموالنا»، فان تلك الأموال كانت من بيت المال لا ماله.

و قد أنكره ابو عبيدة، ففي (تاريخ الطبري) قال أبو عبيدة: ان ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل عليعليه‌السلام ، فشخص الى الحسنعليه‌السلام ، فشهد الصلح بينه و بين معاوية، ثم رجع الى البصرة و ثقله بها، فحمله و ما لا من بيت المال قليلا و قال هي أرزاقي( ١) .

و بالجملة النقل فيه مختلف و متعارض، و خبر الخصم خلاف العقل و الدراية، فأي عبرة بمثله من الرواية حتى يقول ابن أبي الحديد ان كذبت النقل و قلت هذا كلام موضوع خالفت الرواة، و كم من روايات لهم مخالفة للدرايات.

و منها: كون زيد بن حارثة أميرا على جعفر الطيار( ٢ ) ، فكيف تصح مع كونها على خلاف العقل، فأين جلال جعفر و أين زيد، مع انه يكذبها أشعار حسان و غيره.

و منها: ان أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب بنت أبي جهل، و ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله غضب لذلك( ٣ ) ، فانها مخالفة لما علم بالتواتر من عدم مخالفة أمير المؤمنين للنبي طرفة عين، فيعلم بقضية العقول أن جميعها مجعول.

و الوجه في جعل خبر تأمير زيد دفع الطعن عن تأمير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ابنه اسامة على ابي بكر و عمر، و في جعل خبر خطبة بنت أبي جهل دفع الطعن عن فاروقهم في اغضابه النبي غير مرة يوم صلاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ابن ابي، و يوم

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ١٠٩، سنة ٤٠.

(٢) رواه الواقدي في المغازي ٢: ٧٥٦، و ابن سعد في الطبقات ٢: ق ٩٢١، و ابن هشام في السيرة ٤: ٧، و الطبري في تاريخه ٢: ٣١٩ سنة ٨.

(٣) رواه البخاري في صحيحه ٢: ١٨٩ و ٣٠٣ و ٣: ٢٦٥ و مسلم في صحيحه ٤: ١٩٠٢ ١٩٠٤ ح ٩٣ ٩٦.

الحديبية، و يوم وصيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله و نسبته الى الهجر، فوضعوا ذلك دفعا للطعن عن فاروقهم و لم يبالوا بورود الطعن على النبيّ على فرض صحته، فإذا كان النبيّ سخط من ذلك يكون الطعن عليه حيث انّه لم يرض بما في شريعته و بما أنزله تعالى عليه في كتابه في قوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع( ١ ) . كما ان الوجه في جعل خبر ابن عباس دفع الطعن عن عمر في عدم توليته لأقارب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في الظاهر لئلا يأخذوا الخمس من الغنائم، و في الباطن لئلا يوجب ذلك انتقال الأمر اليهم، ففي العقد الفريد: قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان ابن عباس من أحب الناس الى عمر و كان يقدمه على الأكابر من الصحابة و لم يستعمله قط، فقال له يوما: كدت أستعملك و لكن أخشى أن تستحل الفي‏ء على التأويل، فلما صار الأمر الى عليعليه‌السلام استعمله على البصرة، فاستحل الفي‏ء على تأويل قوله تعالى: و اعلموا انّما غنمتم من شي‏ء فانّ للّه خمسة و للرسول و لذي القربى( ٢ ) استحله من قرابته من الرسول.

و في (المروج): ان عمر أرسل الى ابن عباس و قال له: ان عامل حمص هلك، و كان من أهل الخير، و هم قليل و قد رجوت ان تكون منهم، و في نفسي منك شي‏ء لم أره منك و أعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك. قال: و ما تريد من ذلك؟ قال: أريده فان كان شي‏ء أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الّذي خشيت، و ان كنت بريئا من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فاني قلما رأيت أو ظننت شيئا إلاّ عاينته. فقال: يا ابن عباس ان يأتي عليّ الّذي هو آت و أنت في عملك فتقول هلم

____________________

(١) النساء: ٣.

(٢) الانفال: ٤١.

الينا و لا هلم اليكم دون غيركم.

الى أن قال: قال له عمر فأشر عليّ. قال: أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك( ١) .

ثم الظاهر ان الجعل كان بعد وفاة ابن عباس زمان المروانيين، و لم يجترئوا على جعل مثله في حياته بدليل انّه لم ينقل طعن أحد فيه بذلك، مع كون معاوية و خواصه بصدد الطعن عليه و على باقي بني هاشم بما استطاعوا، بل نرى ان ابن عباس طعن في عمّال معاوية بالخيانة، و انه و باقي عمّال أمير المؤمنينعليه‌السلام من أمثاله كانوا في غاية رعاية الأمانة.

فروى ابن عبد ربه الّذي روى خبر خيانته في كتاب أجوبة (عقده) انّه اجتمعت قريش الشام و الحجاز عند معاوية و فيهم ابن عباس و كان جريئا على معاوية حقارا له فبلغه عنه بعض ما غمّه، فقال معاوية: رحم اللّه أبا سفيان و العباس كانا صفين دون الناس، فحفظت الميت في الحي و الحي في الميت، استعملك عليّ يا ابن عباس على البصرة، و استعمل أخاك عبيد اللّه على اليمن، و استعمل أخاك قثما على المدينة، فلما كان من الأمر ما كان هنأتكم ما في أيديكم، و لم أكشفكم عمّا وعت غرائركم، و قلت: آخذ اليوم و اعطي غدا مثله، و قلت: ان بدأ اللؤم يضر بعاقبة الكرم و لو شئت لأخذت بحلاقيمكم و قيأتكم ما أكلتم، و لا يزال يبلغني عنكم ما لا تبرك له الابل، و ذنوبكم الينا أكثر من ذنوبنا اليكم، خذلتم عثمان بالمدينة و قتلتم أنصاره يوم الجمل و حاربتموني بصفين، و لعمري لبنو تيم و عدي أعظم ذنوبا منّا اليكم إذ صرفوا عنكم هذا الأمر و سنوا فيكم هذه السنة، فحتى متى أغضى الجفون على القذى و أسحب الذيول على الأذى و أقول لعل و عسى.

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٣٢١.

فتكلم ابن عباس الى ان قال: و لكن من هنأ أباك بأخاء أبي أكثر ممن هنأ أبي باخاء ابيك، نصر ابي أباك في الجاهلية و حقن دمه في الاسلام.

و أما استعمال عليعليه‌السلام إيانا فلنفسه دون هواه، و قد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرمي على البصرة فقتل، و بسر بن ارطأة على اليمن فخان، و حبيب بن مرة على الحجاز فرد، و الضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب، و لو طلبت ما عندنا لو قينا أعراضنا، و ليس الّذي يبلغك عنّا بأعظم من الّذي يبلغنا عنك، و لو وضع أصغر ذنوبكم على مائة حسنه لمحقها، و لو وضع أدنى عذرنا على مائة سيئة اليكم لحسنها، و أما خذلاننا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه، و أما قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم مما دخلوا فيه، و أما حربنا إيّاك بصفين فعلى ترك الحق و ادعائك الباطل، و اما اغراؤك ايانا بتيم و عدي فلو أردناها ما غلبونا عليها، و سكت، فقال في ذلك ابن أبي لهب:

كان ابن حرب عظيم القدر في الناس

حتى رماه بما فيه ابن عباس

ما زال يهبطه طورا و يصعده

حتى استقاد و ما بالحقّ من باس

لم يتركن خطة مما يذلله

الاكواه بها في فروة الراس( ١)

و أما ما قاله ابن أبي الحديد في ترجمة ابن الزبير خطب ابن الزبير فقال: ان ها هنا رجلا قد أعمى اللّه قلبه كما أعمى بصره، يزعم ان متعة النساء حلال من اللّه و رسوله، يفتي في القملة و النملة، و قد احتمل بيت مال البصرة بالأمس، و ترك المسلمين يرتضخون النوى الى أن قال في جواب ابن عباس له أما حملي المال فانه كان مالا جبيناه و أعطينا كلّ ذي حق حقّه و بقيت بقية دون حقنا في كتاب اللّه فأخذنا بحقنا، و أما المتعة فاسأل امك اسماء عن بردي

____________________

(١)

عوسجة. فمع ارساله خبر دخيل، فان اسماء لم تكن زوجة الزبير متعة بل دواما، و انما كان ابن الزبير طعن في ابن عباس بمتعة الحج لكون عمر نهى عنها، فرد عليه ابن عباس بما قال من ان أباه و امه حجّا تمتعا و تمتع أبوه من امه بعد العمرة( ١) .

و المسعودي روى الخبر بدون ذكر من بيت المال، كما انّه قال: قال ابن الزبير «يفتون في المتعة» ثم حملها على متعة الحج لكون نكاح أسماء دواما، ورد على من حمله على متعة النساء. و بالجملة خبر خطبة ابن الزبير لم يكن فيه اسم من بيت المال كمتعة النساء( ٢) .

و كيف كان فالعنوان كلامهعليه‌السلام كان أم لا نشرحه لكونه من النهج.

«أما بعد فاني كنت أشركتك في أمانتي» قال ابن أبي الحديد: سمّىعليه‌السلام الخلافة كما سمّى اللّه تعالى التكليف أمانة في قوله إنّا عرضنا الأمانة( ٣) .

قلت: بل كما سمّى اللّه تعالى الخلافة أيضا أمانة في قوله ذاك، ففسر عترتهعليهم‌السلام «انا عرضنا الأمانة» بالخلافة، و قوله و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا( ٤ ) بالمتصدين لها بغير حق( ٥) .

«و جعلتك شعاري» الشعار ما ولي الجسد من الثياب «و بطانتي» أي:

وليجتي.

____________________

(١) شرح ابن ابي الحديد ٢٠: ١٢٩.

(٢) مروج الذهب ٣: ٨١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٨. و الآية ٧٢ من سورة الأحزاب.

(٤) الاحزاب: ٧٢.

(٥) رواه الصفار في البصائر: ٩٦ ح ٣، و ابن طاووس في سعد السعود: ١٢٢، عن الباقرعليه‌السلام و الكليني في الكافي ١: ٤١٣ ح ٢، و الصفار في البصائر: ٩٦ ح ٢، و الصدوق في معاني الأخبار: ١١٠ ح ٢، و محمد بن العباس في تفسيره عنه تأويل الآيات ٢: ٤٧٠ ح ٤٠ عن الصادقعليه‌السلام و الصدوق في المعاني: ١١٠ ح ٣، و العيون ١: ٢٣٨ ح ٦٦ عن الرضاعليه‌السلام .

«و لم يكن رجل من أهلي» هكذا في (المصرية)، و الصواب: «و لم يكن في أهل رجل» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١) .

«أوثق منك في نفسي لمواساتي و مؤازرتي» و الوزر الملجأ، و الأصل فيه الجبل، قال الشاعر:

و أخوان اتخذتهم دروعا

فكانوها و لكن للأعادي

و خلتهم سهاما صائبات

فكانوها و لكن في فؤادي

و قالوا قد صفت منا قلوب

لقد صدقوا و لكن من ودادي

«و اداء الأمانة الي فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب» من «كلب الشتاء» اشتد برده، و قال الشاعر:

لما رأت أبلى قلّت حلوبتها

و كل عام عليها عام تجتنب

«و العدو قد حرب» من حرب الرجل: اشتد غضبه، و قال ثابت قطنة:

و صار كلّ صديق كنت آمله

البا علي ورثّ الحبل من جاري

«و أمانة الناس قد خزيت» أي: ذلت و هانت «و هذه الامة قد فتكت» أي:

تجرأت علي «و شغرت» أي: يدعيها كلّ أحد، من «بلدة شاغرة برجلها» اذا لم تمتنع من غارة أحد، و قد عرفت ان (العقد) رواه «و هذه الامة قد فتنت».

و في الخبر المستفيض ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: «ان الامة ستغدر بك بعدي»( ٢) .

«قلبت لابن عمك ظهر المجن» أي: الترس، و قلب ظهر المجن كناية عن الحرب مع من تحارب عنه.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٧، و شرح ابن ميثم ٥: ٨٧ و ٨٨.

(٢) أخرجه جمع منهم الحاكم في المستدرك ٣: ١٤٠ و ١٤٢، و البخاري في تاريخه ١: ق ١٧٤٢، و الخطيب في تاريخ بغداد ١١: ٢١٦.

و في (كامل المبرد): كتب الحجاج الى المهلب في حرب الخوارج: انك أقبلت على جباية الخراج و تركت قتال العدو، و اني وليتك و أرى مكان عبد اللّه بن حكيم المجاشعي، و عباد بن الحصين الحبطي، و اخترتك و أنت من أهل عمان، ثم رجل من الأزد فالقهم يوم كذا في مكان كذا، و الا أشرعت اليك صدر الرمح.

فكتب إليه المهلب: ورد عليّ كتابك تزعم اني اقبلت على جباية الخراج و تركت قتال العدو، و زعمت انك وليتني، و أنت ترى مكان عبد اللّه و عباد، و لو وليتهما لكانا مستحقين لذلك في فصلهما و غنائهما و بطشهما، و اخترتني و أنا رجل من الأزد، و لعمري ان شرا من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهن، و زعمت اني ان لم ألقهم في يوم كذا في مكان كذا أشرعت إليّ صدر الرمح، فلو فعلت لقلبت اليك ظهر المجن( ١) .

«ففارقته مع المفارقين و خذلته مع الخاذلين و خنته مع الخائنين» قال البحتري:

حاربتني الأيام حتى لقد أصبح

حربي من كنت أعتد سلمي

أيضا:

و كنت أرى عاصما عاصما

من الخطب أرهب أعضاله

و في (العقد): لما أراد عبد اللّه المسير من البصرة دعا أخواله بني هلال بن عامر بن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحاك بن عبد اللّه الهلالي، فأجاره و معه رجل منهم يقال له رزين بن عبد اللّه و كان شجاعا بئيسا فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هوازن، و قالت هوازن: لا غنى بنا عن بني سليم، ثم أتتهم قيس، فلما رأى اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة و كان فيما

____________________

(١) كامل المبرد ٨: ٧٦.

زعموا ستة آلاف ألف، فجعله في الغرائر، فحدثني الأزرق اليشكري قال:

سمعت أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لما وضع المال في الغرائر ثم مضى به تبعته الأخماس كلّها بالطف على أربع فراسخ من البصرة فواقعوه، فقالت لهم قيس: و اللّه لا تصلوا الينا و عين منا تطرف. فقال ضمرة و كان رئيس الأزد:

و اللّه ان قيسا لاخواننا في الاسلام، و جيراننا في الدار، و أعواننا على العدو، ان الّذي يذهبون به لورد عليكم لكان نصيبكم منه الأقل، و هم خير لكم من المال.

قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم. فقال بكر بن وائل و عبد القيس: نعم الرأي رأي ضمرة و اعتزلوهم، فقالت بنو تميم: و اللّه لا نفارقهم و نقاتلهم عليه، فقال الأحنف: أنتم و اللّه أحق ألا تقاتلوهم، و قد ترك قتالهم من هو أبعد رحما منكم، قالوا: و اللّه لنقاتلنهم. فقال: و اللّه لا نشايعكم على قتالهم و انصرف عنهم الى أن قال حتى قدموا الحجاز، فنزل مكة فجعل راجز لابن عباس يسوق له في الطريق و يقول:

صبحت من كاظمة القصر الخرب

مع ابن عباس بن عبد المطلب

و جعل ابن عباس يرتجز و يقول:

آوي الى أهلك يا رباب

آوي فقد حان لك الاياب

و يقول:

و هن يمشين بنا هميسا

ان يصدق الطير ننك لميسا

فقيل له أمثلك يرفث في هذا الموضع. قال: انما الرفث ما يقال عند النساء الخ.

«فلا ابن عمك آسيت و لا الأمانة أديت» كتب ابراهيم الصولي الى ابن الزيات:

و كنت أخي باخاء الزمان

فلما نبا صرت حربا عوانا

و كنت أذم اليك الزمان

فأصبحت فيك أذم الزمانا

و كنت أعدك للنائبات

فها أنا أطلب منك الأمانا

«و كأنك لم تكن اللّه تريد بجهادك، و كأنك لم تكن على بينة من ربك، و كأنك انما كنت تكيد هذه الامة عن دنياهم، و تنوي غرتهم عن فيئهم، فلما امكنتك الشدة» بالفتح أي: الحملة «في خيانة الامة أسرعت الكرة» قال ابن أبي الحديد: لا يجوز أن يقال الكرة إلاّ بعد فرة، فكأنه لما كان مقلعا في ابتداء الحال عن التعرض لأموالهم كان كالفار عنها، فلذلك قال: «اسرعت الكرة»( ١) .

قلت: على ما قاله «فلان كرار غير فرار» ليس بصحيح، و انما ما قال معنى «كر بعد ما فر» لا معنى مطلق الكر، قال في القاموس: كرّ عليه عطف، و الكرة الحملة كالكرّى كبشرى الخ( ٢ ) . و قال امرؤ القيس في وصف فرسه:

مكر مفرّ مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل

أي: يصلح للكر و الفر «و عاجلت الوثبة و اختطفت» أي: استلبت «ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم» قال ابن السكيت: الأرامل المساكين من رجال و نساء «و أيتامهم اختطاف الذئب» و لاختطافه كثيرا سمي خاطفا «الأزل» أي: الخفيف الوركين، و في المثل «هو أسمع من الذئب الأزل»( ٣ ) ، قال الجوهري: و السمع الأزل الذئب الارسح يتولد بين الذئب و الضبع، و هذه الصفة لازمة له كما يقال «الضبع العرجاء».

«دامية» اختلف في الدم هل أصله دمو بالتحريك كما قال بعضهم، أو دمي بالسكون كما قال سيبويه لجمعه على دماء، فيكون مثل ظبي و ظباء،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٩.

(٢) القاموس المحيط ٢: ١٢٥ و ١٢٦، مادة (كرّ).

(٣) أورده لسان العرب ١١: ٣٠٨، مادة (زلل).

و دلو و دلاء، أو دمى بالتحريك كما قال المبرد لكون تثنيته دميان( ١) .

«المعزى» أي: المعز، قال سيبويه: معزى مذكر ملحق بدرهم، و قال الفراء: مؤنثة و يشهد له وصفه( ٢ ) «الكسيرة فحملته الى الحجاز» أي: مكة «رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه».

دخل اعرابي على هشام فقال له: عظني. فقال له: كفى بالقرآن واعظا، ثم أخذ في قراءة سورة المطففين الى قوله تعالى: يوم يقوم الناس لربّ العالمين( ٣ ) . ثم قال له: هذا جزاء من يطفف في الكيل و الميزان، فما ظنك بمن أخذه كلّه.

«كأنك لا أبا لغيرك حدرت» أي: أنزلت «الى» هذا في (المصرية) و نسخة ابن أبي الحديد، و في (ابن ميثم و الخطية) «على»( ٤ ) «اهلك تراثا» هكذا في (المصرية)، و الصواب: «تراثك» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥ ) «من أبيك و امك» في حليته «فسبحان اللّه أما تؤمن بالمعاد» يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا( ٦ ) (أو ما تخاف نقاش الحساب) أي: استقصاءه و به فسر قوله تعالى: و يخافون سوء الحساب( ٧) .

«أيّها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب» الذين لا يلتفتون الى القشريات،

____________________

(١) رواه عنهما ابن منظور في لسان العرب ١٤: ٢٦٨، مادة (دمى).

(٢) رواه عنهما ابن منظور في لسان العرب ٥: ٤١٠ و ٤١١، مادة (معز).

(٣) المطففين: ٦.

(٤) لفظ شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٧، و شرح ابن ميثم ٥: ٨٨ «الى».

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٧، و شرح ابن ميثم ٥: ٨٨.

(٦) آل عمران: ٣٠.

(٧) الرعد: ٢١.

قال الشاعر:

حسبتك لب الجود بذلا و همة

فأدخلت فيما كنت أحسبه و هنا

و كنت كما قدرت لب سماحة

و لكن كلب الجوز اذ فارق الدهنا

و قال آخر:

باللّه يا ناقض العهود من

بعدك من أهل ودنا نثق

«كيف تسيغ» قال الجوهري: يقال ساغ الشراب يسوغ أي: سهل مدخله في الحلق، و سغته أسوغه و أسيغه يتعدى و لا يتعدى الخ، و تبعه (القاموس)( ١) .

و قال ابن دريد: ساغ لي الشراب يسوغ اذا سهل لك شربه، و أسغته اذا شربته، و مثله الأساس( ٢ ) ، و الصواب: ما قال الأخيران. و عليه فتسيغ بضم التاء، قال تعالى: و لا يكاد يسيغه( ٣ ) و مقتضى كلام الأولين جواز الفتح.

«شرابا و طعاما و أنت تعلم انك تأكل حراما و تشرب حراما» كمن يسيغ شرابا و طعاما و هو يعلم انّه يأكل و يشرب مسموما.

«و تبتاع الاماء» في خبر (العقد) المتقدم: فلما نزل مكة اشترى من عطاء ابن جبير مولى بني كعب ثلاث مولدات حجازيات، يقال لهن شادن و حوراء و فتون بثلاثة آلاف دينار.

«و تنكح النساء من مال اليتامى و المساكين و المؤمنين و المجاهدين الذين أفاء اللّه عليهم هذه الأموال و أحرز بهم هذه البلاد» روى (الاستبصار) أن الصفار كتب الى أبي محمدعليه‌السلام : رجل اشترى ضيعة أو خادما بمال أخذه من قطع

____________________

(١) صحاح اللغة، و القاموس المحيط ٣: ١٠٨، مادة (سوغ).

(٢) جمهرة اللغة، و أساس البلاغة: ٢٢٤ مادة (سوغ).

(٣) ابراهيم: ١٧.

الطريق أو من سرقة، هل يحل له ما يدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة، أو يحل له أن يطأ هذا الفرج الذي اشتراه من سرقة أو قطع الطريق؟ فوقّع: لا خير في شي‏ء أصله حرام، و لا يحل له استعماله( ١) .

«فاتق اللّه و أردد الى هؤلاء القوم أموالهم، فانك ان لم تفعل ثم امكنني اللّه منك لاعذرن الى اللّه فيك، و لأضربنك بسيفي الّذي ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النار» قال شباب التستري بالفارسية و أجاد:

قضا ز قهر خدا چونكه گشت آبستن

بيك شكم دو پسر زاد ذوالفقار و سقر

هذا، و في (الطبري) في غزوة احد: قال طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين: يا معشر أصحاب محمد، انكم تزعمون ان اللّه يعجلنا بسيوفكم الى النار، و يعجلكم بسيوفنا الى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي الى الجنة، أو يعجلني بسيفه الى النار. فقام إليه عليعليه‌السلام فقال: و الّذي نفسي بيده لا افارقك حتى اعجلك بسيفي الى النار، أو تعجلني بسيفك الى الجنة، فضربه، فقطع رجله، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: انشدك اللّه و الرحم يابن عم، فتركه فكبّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الخ( ٢) .

«و اللّه لو ان الحسن و الحسين فعلا مثل الّذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة» أي: صلح و ميل «و لا ظفرا مني بإرادة».

هذا نظير ما روي أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لو سرقت فاطمة لقطعتها يدها.

ففي (المناقب) عن صحيح الدار قطني: أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بقطع لص فقال:

قدمته في الاسلام و تأمره بالقطع. فقال: لو كانت ابنتي فاطمة، فسمعت

____________________

(١) الاستبصار ٣: ٦٧ ح ٢، و التهذيب ٧، ١٣٨ ح ٨٥.

(٢) تاريخ الطبري ٢: ١٩٤، سنة ٣.

فحزنت، فنزل جبرئيل بقوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك( ١) ، فحزن النبيّ فنزل: لو كان فيهما آلهة إلاّ اللّه لفسدتا( ٢ ) ، فتعجب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من ذلك فنزل جبرئيل و قال: لو كانت فاطمة حزنت من قولك فهذه الآيات لموافقتها( ٣) .

«حتى آخذ الحق منهما و أزيل» هكذا في (المصرية)، و الصواب: «و ازيح» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤ ) و ان كانا بمعنى‏.

«الباطل عن مظلمتهما، و أقسم باللّه رب العالمين ما يسرني ان ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي» فيكون حسابه عليّ و التمتع به لغيري.

«فضحّ رويدا» قال الجوهري: ضح رويدا أي: لا تعجل، قال زيد الخيل:

و لو أن نصرا أصلحت ذات بينها

لضحّت رويدا عن مطالبها عمرو

و نصر و عمر ابنا قعين بطنان من بني أسد.

و في (النهاية) ان العرب كانوا يسيرون في ظعنهم، فاذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلاء و عشب قال قائلهم: ألا ضحوا رويدا، أي: ارفقوا بالابل حتى يتضحى، أي: تنال من هذا المرعى الخ( ٥) .

و في (أمثال العسكري): ضح رويدا، أي: ارفق بالأمر، و ضحّ من الضحى، و هو ارتفاع النهار، و أصل المثل في رعي الابل ضحى، و الضحى للابل بمنزلة الغداء للإنسان.

____________________

(١) الزمر: ٨١.

(٢) الأنبياء: ٢٢.

(٣) مناقب السروي ٣: ٣٢٤.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٨، و شرح ابن ميثم ٥: ٨٩.

(٥) النهاية ٣: ٧٦، مادة (ضحا).

و في (أمثال الميداني): ضح رويدا، ضح أمر من التضحية، أي: لا تعجل في ذبحها، ثم استعير في النهي عن العجلة في الأمر، و يقال: ضح رويدا لم ترع، أي: لم تفزع، و يقال: ضح رويدا يدرك الهيجاء حمل، يعني حمل بن بدر، قال زيد الخيل:

فلو أن نصرا أصلحت ذات بينها

لضحت رويدا عن مطالبها عمرو

و لكن نصرا ارتعت و تخاذلت

و كانت قديما من خلائقها الغفر( ١)

«فكأنك قد بلغت المدى» أي: نهاية أجلك و انقضاء أيامك «و دفنت تحت الثرى» أي: التراب «و عرضت عليك أعمالك» و كل انسان ألزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا( ٢) .

«بالمحل الّذي ينادي الظالم فيه بالحسرة» ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب اللّه( ٣ ) «و يتمنى المضيّع فيه» أخذت المصرية «فيه» عن ابن أبي الحديد، و ليست في (ابن ميثم)( ٤ ) «الرجعة» أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين( ٥) .

«و لات حين مناص» و الأصل فيه قوله تعالى‏: كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا و لات حين مناص( ٦) .

____________________

(١) مجمع الأمثال ١: ٤١٩.

(٢) الاسراء: ١٣ و ١٤.

(٣) الزمر: ٥٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦٨، و شرح ابن ميثم ٥: ٨٩.

(٥) الزمر: ٥٨.

(٦) ص: ٣.

١١ - الكتاب (٧١) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى المنذر بن الجارود العبديّ و قد خان في بعض ما ولاّه من أعماله:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ وَ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ وَ تَسْلُكُ سَبِيلَهُ فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَ تَدَعُ لِهَوَاكَ اِنْقِيَاداً وَ لاَ تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ وَ تَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ وَ لَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَ شِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ وَ مَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى خِيَانَةٍ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ قال؟ الرضي؟ و؟ المنذر؟ هذا هو الذي قال فيه؟ أمير المؤمنين ع؟ إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه تفال في شراكيه أقول: رواه اليعقوبي مع زيادات و اختلاف، فقال: و كتب عليعليه‌السلام الى المنذر بن الجارود و هو على اصطخر: أما بعد، فان صلاح أبيك غرني منك، فإذا أنت لا تدع انقيادا لهواك أزري ذلك بك. بلغني انك تدع عملك كثيرا، و تخرج لاهيا متنزها، تطلب الصيد، و تلعب بالكلاب، أقسم لئن كان حقا لنثيبنك فعلك، و جاهل أهلك خير منك، فأقبل إلى حين تنظر في كتابي. فأقبل، فعزله و أغرمه ثلاثين ألفا، ثم تركها لصعصعة بعد أن أحلفه عليها فحلف، و ذلك ان عليّا دخل على صعصعة يعوده و قال له: انك ما علمت حسن المعونة خفيف المؤنة.

فقال صعصعة: و أنت و اللّه يا أمير المؤمنين بذات اللّه عليم، و ان اللّه في صدرك عظيم. فقال له علي: لا تجعلها ابهة على قومك ان عادك امامك. قال: لا و لكنه منّ

من اللّه علي ان عادني أهل البيت و ابن عم رسول ربّ العالمين. فقال له صعصعة: هذه ابنة الجارود تعصر عينيها كل يوم لحسبك أخاها المنذر، فأخرجه و أنا أضمن ما عليه من أعطيات ربيعة. فقالعليه‌السلام له: و لم تضمنها و زعم لنا انّه لم يأخذها، فليحلف و نخرجه. فقال له صعصعة: أراه و اللّه سيحلف. فقالعليه‌السلام : و أنا و اللّه أظن ذلك، أما انّه نظّار في عطنيه، مختال في برديه، تفال في شراكيه، فليحلف بعد أو ليدع. فحلف، فخلى سبيله. و نقل عن تاريخ ابن واضح أيضا( ١) .

قول المصنّف: (و من كتاب لهعليه‌السلام الى المنذر بن الجارود العبدي) أي:

المنسوب الى عبد القيس، قال ابن أبي الحديد: قال أبو عبيدة في تاجه: لعبد القيس ست خصال فاق بها العرب: منها أسود العرب بيتا، و أشرفهم رهطا الجارود هو و ولده. و منها أشجع العرب حكيم بن جبلة، قطعت رجله يوم الجمل، فأخذها بيده و زحف على قاتله، فضربه بها حتى قتله و هو يقول:

يا نفس لا تراعي

ان قطعت كراعي

ان معي ذراعي

فلا يعرف في العرب أحد صنع صنيعه، و منها أعبد العرب هرم بن حيان صاحب أويس القرني، و منها أجود العرب عبد اللّه بن سوار بن همام، غزا السند في أربعة آلاف، ففتحها و أطعم الجيش كلّه ذاهبا و قافلا، فبلغه ان رجلا من الجيش مرض، فاشتهى خبيصا، فأمر باتخاذ الخبيص لأربعة آلاف انسان، فأطعمهم حتى فضل، و تقدم اليهم ألا يوقد أحد منهم نارا لطعام في عسكره مع ناره. و منها أخطب العرب مصقلة بن رقية به يضرب المثل، فيقال أخطب من مصقلة، و منها أهدى العرب في الجاهلية، و أبعدهم نفرا و أثرا في

____________________

(١) رواه اليعقوبي في تاريخه ٢: ٢٠٣، و تاريخ ابن واضح هو نفس كتاب تاريخ اليعقوبي.

الأرض في عدوه، و هو دعيميس الرمل كان يعرف بالنجوم هداية، و كان أهدى من القطا، يدفن بيض النعام في الرمل مملوا ماء ثم يعود إليه فيستخرجه( ١) .

قلت: لم لم يذكر في أخطبهم صعصعة فلم يكن أحد أخطب منه. و كيف كان فكما كان مصقلة خطيبا كان أبناه كرز و رقبة أيضا خطيبين كما في معارف ابن قتيبة، قال: و كان لكرز خطبة يقال لها العجوز.

«و قد خان في بعض ما ولاّه من أعماله» هكذا في (المصرية)، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم): «و قد كان استعمله على بعض النواحي فخان الأمانة»، و زاد الأول «في بعض ما ولاّه من أعماله»( ٢ ) . و كيف كان فقد عرفت من رواية اليعقوبي أنّهعليه‌السلام استعمله على اصطخر.

قولهعليه‌السلام «أما بعد فان صلاح أبيك» قال أبو عمر في استيعابه قال ابن إسحاق: قدم الجارود بن عمرو في سنة عشر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وفد عبد القيس و كان نصرانيا، فأسلم و حسن اسلامه( ٣) .

قال ابن أبي الحديد: قال أبو عبيدة قال عمر: لو لا اني سمعت النبيّ يقول:

ان هذا الأمر لا يكون إلاّ في قريش لما عدلت بالخلافة عن الجارود الخبر( ٤) .

قلت: قول عمر في الجارود مما قالعليه‌السلام فيه: «فمني الناس لعمر اللّه بخبط و شماس و تلوّن و اعتراض»( ٥ ) ، فتارة يقول فيه هكذا و اخرى يعمل معه شططا، فرووا ايضا ان عمر كان قاعدا و الدرة معه و الناس حوله إذ أقبل

____________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه ١٨: ٥٦.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٧ مثل المصرية.

(٣) الاستيعاب ١: ٢٤٨.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٦.

(٥) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة ١: ٣٣، ضمن الخطبة الشقشقية.

الجارود، فقال رجل: هذا سيد ربيعة، فسمعها عمر و من حوله و سمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدرة، فقال: ما لي و لك؟ قال: ويلك سمعتها؟ قال:

و سمعتها فمه؟ قال: خشيت أن تخالط القوم و يقال هذا أمير، فأحببت أن اطأطى‏ء منك( ١) .

و اختلف في اسمه و اسم أبيه، و الجوهري قال: بشر بن عمرو، و اختلفوا في وجه تلقيبه بالجارود، ففي الاستيعاب: قيل له الجارود لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم فجردهم، و قد ذكر ذلك الفضل العبدي في شعره فقال:

و دسناهم بالخيل من كل جانب

كما جرّد الجارود بكر بن وائل( ٢)

و في (الصحاح): سمّى الجارود لأنّه فر بابله الى أخواله بني شيبان و بابله داء، ففشا ذلك الداء في ابل أخواله فأهلكها، و فيه قال: «كما جرد الجارود بكر بن وائل» و لا يبعد صحة الثاني، و شيبان أخوال الجارود أيضا من بكر بن وائل، فالشعر لا ينافيه.

ثم ان الأول قال الشعر للفضل العبدي( ٣ ) ، و قال ابن دريد: الشعر للمفضل النكري، إلاّ انّه لا تنافي بين النكري و العبدي، لأن نكرة من عبد القيس، و الفضل و المفضل أحدهما تصحيف الآخر.

و كيف كان فقال ابن دريد: قتل بفارس بعقبة الطين شهيدا، و في الاسد:

و قيل ان عثمان بن أبي العاص بعث الجارود في بعث الى ساحل فارس، فقتل بموضع يعرف بعقبة الجارود( ٤) .

____________________

(١) رواه ابن أبي الحديد في شرحه ١٢: ٧٣.

(٢) الاستيعاب ١: ٢٤٨.

(٣) الاستيعاب ١: ٢٤٨، و لفظه أيضا «المفضل».

(٤) اسد الغابة ١: ٢٦١.

«ما» هكذا في (المصرية)، و هي زائدة لخلو غيرها عنها( ١ ) ، و لأنه لا معنى لها «غرّني منك و ظننت أنك تتبع هديه» أي: سيرته، و في الخبر: «و اهدوا هدي عمار»( ٢ ) . «و تسلك سبيله».

«فإذا أنت فيما رقي» أي: رفع «إلى عنك لا تدع لهواك انقيادا» و هو شر خصلة قال تعالى‏: ا فرأيت من اتخذ الهه هواه( ٣ ) «و لا تبقى لآخرتك عتادا» أي: عدة «تعمر دنياك بخراب آخرتك» فتكون من الذين قال تعالى فيهم: أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون( ٤) .

«و تصل عشيرتك بقطيعة دينك» كما كان عثمان، قال تعالى‏: قل ان كان آباؤكم و ابناؤكم و اخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب اليكم من اللّه و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي اللّه بأمره( ٥) .

«و لئن كان ما بلغني عنك حقا لحمل» هكذا في (المصرية)، و الصواب:

«لجمل» كما في غيرها( ٦ ) «أهلك» قالعليه‌السلام : «جمل أهلك» لأنّه أهون جمل يستعمله كلّ أحد، و قال ابن أبي الحديد: يضرب المثل بالجمل في الهوان، قال الشاعر:

لقد عظم البعير بغير لب

و لم يستغن بالعظم البعير

يصرّفه الصبي بكل وجه

و يحبسه على الخسف الجرير

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤، و شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٧.

(٢) رواه ابن الأثير في النهاية ٥: ٢٥٣، مادة (هدا).

(٣) الجاثية: ٢٣.

(٤) البقرة: ٨٦.

(٥) التوبة: ٢٤.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤، و شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٧.

و تضربه الوليدة بالهراوي

فلا غير لديه و لا نكير

 (١) و هو كما ترى، لأن كلامهعليه‌السلام في مقام و الشعر في مقام، فان الشاعر انما أراد أن يقول ان الطول و العرض في الجسم ليس بمغن اذا لم يكن قرينا بلب كالبعير الطويل العريض، فهو مثل للانسان ذي الجسم بلا عقل.

و كيف كان فمثل جمل الأهل في الهوان بغير الاستقاء، و من أمثالهم «أذل من بعير سانية»( ٢ ) و أيضا «سير السواني سفر لا ينقطع»( ٣ ) . قال الجوهري: السانية الناضحة، و هي الناقة التي يستقى عليها.

«و شسع نعلك خير منك» و نظير كلامهعليه‌السلام في الجمع بين الجمل و النعل في الهوان قول الطرماح:

قبيلته أذلّ من السواني

و أعرف للهوان من الخصاف

الخصاف النعل، و في التشبيه بالنعل فقط قول البعيث:

و كل كليبي صفيحة وجهه

أذل على مس الهوان من النعل

و كما يضرب المثل في الهوان بجمل الأهل و شسع النعل، كذلك يضرب بحمار الأهل و الوتد، قال الشاعر:

ان الهوان حمار الأهل يعرفه

و الحر ينكره و الحرة الأجد

و لا يقيم بدار الذل يعرفها

إلاّ الأذلان غير الأهل و الوتد

هذا على الخسف معكوس برمته

و ذا يشج فلا يرثى له أحد

و يضرب المثل بشسع النعل أيضا للمرأة في سهولة انفصالها بالطلاق، فرووا انّهعليه‌السلام قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عائشة لما رميت: «ان هي إلاّ شسع نعلك»( ٤) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٨.

(٢) أورده الميداني في مجمع الأمثال ١: ٢٨٢، و الزمخشري في المستقصي ١: ١٣٢.

(٣) أورده المداني في مجمع الأمثال ١: ٣٤٢.

(٤) رواه ابن أبي الحديد في شرحه ٩: ١٩٤.

«و من كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر» فان سداد الثغور و انفاذ الامور انما يكونا بالرجال اللائقين، قال العرجي:

أضاعوني و أي فتى أضاعوا

ليوم كريهة و سداد ثغر

«أو يعلى له قدر» فان اعلاء القدر انما يكون لرجال متسلطين على هواهم لا مقهورين له.

«أو يشرك في أمانة أو يؤمن على خيانة» هكذا في (المصرية)، و نقله ابن أبي الحديد «على جباية» من جباية الخراج، و قال: نقله الراوندي «على خيانة» و لم يرو الرواية الصحيحة التي ذكرناها( ١ ) . قلت: و ابن ميثم( ٢ ) أيضا مثل الراوندي و نسخته بخط المصنف، و عليه «على» بمعنى مع كقوله تعالى‏ و يطعمون الطعام على حبّه( ٣) .

«فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا ان شاء اللّه» ان شاء اللّه قيد «يصل» لا «أقبل».

قول المصنّف: (قال الرضي) هكذا في (المصرية) و ليس الكلام من المصنف بل من ابن أبي الحديد، لخلو (ابن ميثم و الخطية) عنه( ٤ ) (و المنذر) هكذا في (المصرية)، و الصواب: «و المنذر بن الجارود» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥ ) (هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين) الحق مع المصنف من كون القائل في المنذر ما يأتي هوعليه‌السلام في المنذر، و توهم الجاحظ أن القائل في المنذر صعصعة، فقال في بيانه: وصف صعصعة

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤ و ٥٨، و شرح الراوندي ٢: ٢٤٩.

(٢) شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٧ و ٢٢٨.

(٣) الانسان: ٨.

(٤) يوجد الكلام في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤، و شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٧.

(٥) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤، لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٧ مثل المصرية.

المنذر عند علي كرم اللّه وجهه، فقال: «أما و اللّه انّه مع ذلك لنظّار في عطفيه، تفال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه»( ١) .

(انّه لنظّار في عطفيه) قال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن رأسه الى وركيه.

و كونه نظارا في عطفيه كناية عن كبره كقوله تعالى‏ ثاني عطفه( ٢) .

و نظيره في الكناية عن الكبر قولهم «فلان يضرب أصدريه و أزدريه».

قال المبرد في كامله: لا يتكلم منه بواحد. و قولهم «فلان ينفض مذوريه» أي:

ناحيتيه، قال: و الكل وصف الخيلاء( ٣) .

(مختال في برديه) قد عرفت أن الجاحظ بدله بقوله «تعجبه حمرة برديه»، الا ان اليعقوبي نقله كالمتن( ٤ ) . قال الجوهري: الخال و الخيلاء، و الخيلاء الكبر، تقول منه اختال، و قال العجاج: «و الخال ثوب من ثياب الجهال».

و في (الكافي): أوصى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلا من تميم، فقال له: إيّاك و اسبال الازار و القميص، فان ذلك من المخيلة، و اللّه لا يحب المخيلة( ٥) .

(تفّال) في الصحاح: التفل شبيه بالبزق و هو أقل منه، أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفح. (في شراكيه) أي: شراكي نعله.

ثم ان (المصرية و ابن أبي الحديد) اقتصرا في كلام المصنف على ما

____________________

(١) البيان و التبيين ١: ١٢٢ و ٣: ١١٢.

(٢) الحج: ٩.

(٣) كامل المبرد ٢: ٤٣.

(٤) البيان و التبيين ١: ١٢٢ و ٣: ١١٢، و تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٤.

(٥) الكافي ٦: ٤٥٦ ح ٥.

مر، و زاد ابن ميثم (يعني انه ينفض التراب من شراكيه اذا اصابهما الغبار)( ١) .

هذا، و في الخبر: ما لبس النعل السوداء أحد إلاّ اختال فيها( ٢) .

و المنذر بن الجارود هذا هو الذي أتى بكتاب الحسينعليه‌السلام إليه لما كتب إليه فيمن كتب إليه من أشراف البصرة يدعوهم الى نصرته الى ابن زياد مع رسولهعليه‌السلام فقتله ابن زياد.

ففي (تاريخ الطبري): كتب الحسينعليه‌السلام مع مولى لهم يقال له سليمان، كتب بنسخة الى رؤوس الأخماس بالبصرة مالك بن مسمع البكري، و الأحنف بن قيس، و المنذر بن الجارود، و مسعود بن عمرو، و قيس بن الهيثم، و عمرو بن عبيد اللّه بن معمر، فجاءت منه نسخة واحدة الى أشرافها «أما بعد فان اللّه اصطفى محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله على خلقه، و أكرمه بنبوته، و اختاره لرسالته، ثم قبضه اللّه إليه، و قد نصح لعباده، و بلّغ ما ارسل به، و كنّا أهله و أولياءه و أوصياءه، و ورثته، و أحقّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا، و كرهنا الفرقة، و أحببنا العافية، و نحن نعلم انّا أحقّ بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه الى أن قال و قد بعثت رسولي اليكم بهذا الكتاب، و أنا أدعوكم الى كتاب اللّه و سنّة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فان السنّة قد اميتت و البدعة قد احييت، و ان تسمعوا قولي و تطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد» فكل من قرأ الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود، فانّه خشي بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيد اللّه، فجاءه بالرسول من العشية التي يريد في صبيحتها أن يسبق الى الكوفة و اقرأه كتابه، فقدم الرسول،

____________________

(١) راجع شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٥٤، و شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٧.

(٢) اخرجه الكليني في الكافي ٦: ٤٦٥ ح ١.

فضرب عنقه، و كفاه بذلك خزيا( ١) .

هذا، و في الأغاني: كان الفرزدق في حلقة في المسجد الجامع و فيها المنذر بن الجارود، فقال المنذر للفرزدق من الذي يقول:

وجدنا في كتاب بني تميم

أحق الخيل بالركض المعار

فقال له الفرزدق: الذي يقول:

لشارب قهوة و خدين زير

و عبديّ لنسوته يخار

وجدنا الخيل في أبناء بكر

و أفضل خيلهم خشب وقار

فخجل المنذر حتى ما قدر على الكلام.

و ذكر عتابهعليه‌السلام لكميل في فصل آداب الحرب( ٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٥ سنة ٦٠.

(٢) ذكر في العنوان ١٣ من الفصل الثامن و الأربعين.

الفصل الرابع و العشرون في حلفهعليه‌السلام و تعليمه إحلاف الظالم و تقيّته

١ - الحكمة (٢٧٧) وَ قَالَ ع: لاَ وَ اَلَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبَّرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ تَكْشِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغَرَّ مَا كَانَ كَذَا وَ كَذَا «لا و الذي» الذي يظهر من استعمالات لغة العرب في مثل كلامهعليه‌السلام من كون الجواب منفيا لزوم زيادة لا في أول القسم إيذانا بكون الجواب منفيا، قال تعالى: فلا و ربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم( ١ ) و قالوا:

قسم العرب «لا بذي تسلم ما كان كذا و كذا». قال ابن السكيت: و تأويله: لا و اللّه الذي يسلّمك ما كان كذا و كذا( ٢ ) . و قال الجوهري: قولهم «لا و الذي أخرج النار من الوثيمة» أي: من الصخرة( ٣ ) . و في تنبيه البكري على أوهام القالي تقول

____________________

(١) النساء: ٦٥.

(٢) عن لسان العرب ٦٢: ٢٦١، مادة (سلم).

(٣) صحاح الجوهري ٥: ٢٠٤٨.

العرب «لا و الذي أخرج قابية من قوب» صوابه «قوبا من قابية» أي: فرخا من بيضة( ١ ) ، و قال الشاعر:

فلا و أبيك ابنة العامري

لا يدّعي القوم أني أفر

و قال ابن نهشل:

فلا و أبيك لا أنساك حتى

تجاوب هامتي في القبر هاما

و قال أعرابي أغير على إبله، كما في (العيون)( ٢) :

لا و الذي أنا عبد في عبادته

لو لا شماتة أعداء ذوي إحن

ما سرّني أنّ إبلي في مباركها

و أنّ شيئا قضاه اللّه لم يكن

ولد عبل في بخيل:

صدّق أليّته إن قال مجتهدا

لا و الرغيف فذاك البرّ من قسمه( ٣)

و قال جبان:

لا و الذي منع الأبصار رؤيته

ما يشتهي الموت عندي من له إرب

و قال اميّة بن حرثان:

فلا و أبيك ما باليت وحدي

و قال عوف التيمي:

فلا و أبيك لا تكفي سهيلا( ٤)

و قال عبد اللّه بن يزيد عامل ابن الزبير على الكوفة في سليمان بن صرد و أصحابه لما طلبوا بدم الحسينعليه‌السلام : لا و الذي هو ربهم لا يقتلهم

____________________

(١) التنبيه على أوهام أبي علي القالي في أماليه: ٤١ و ٤٢.

(٢) عيون الأخبار ٣: ١١٤.

(٣) عيون الأخبار ٢: ٣٦، و فيه «... إذ قال مجتهدا...» و ٣: ٢٤٦، و فيه «إن...» و انظر ديوان أبي تمام، باب الهجاء، قافية الميم.

(٤) معجم الشعراء للمرزباني: ١٢٤.

عدوّهم حتى تشتدّ شوكتهم( ١) .

و قال المختار لما دعا الناس إلى بيعته: فلا و الذي جعل السماء سقفا محفوظا و الأرض فجاجا سبلا ما بايعتم بعد بيعة عليّعليه‌السلام و آل عليّ بيعة أهدى منها( ٢) .

و في خبر نفي عمر لنصر بن الحجّاج و لأبي ذؤيب ابن عمّ نصر لافتتان النساء بجمالهما قال عمر لنصر: لا و اللّه لا تساكنني بأرض أنابها، و لأبي ذؤيب: لا و الذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا( ٣) .

و في خبر أبي طلحة الأنصاري الذي وكّله عمر باجراء دستوره في ستة الشورى إلى ثلاثة أيام فإن لم يقبلوه يضرب أعناقهم: لا و الذي ذهب بنفس محمد لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر بها عمر( ٤) .

و كان عمرو بن العاص وصف البحر لعمر فقال له: راكب البحر كدود على عود، فلما استأذنوه لغزو البحر قال: لا و الذي بعث محمدا لا أحمل فيه مسلما أبدا( ٥) .

و في (أذكياء ابن الجوزي) عن أعرابي قال: أسرت طي شابا، فقدم أبوه و عمه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء و لم يرضوا بما أعطى أبوه، فقال: لا و الذي جعل الفرقدين يصبحان و يمسيان على جبل طي لا أزيدكم على ما أعطيتكم، ثم انصرف مع أخيه و قال له: لقد ألقيت إلى ابني كلمة لئن كان فيه خير لينجونّ، فما لبث أن جاء و طرد قطعة من أبلهم كان قال له الزم الفرقدين

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٥٩٣، احداث سنة ٦٥ ه، طبعة دار سويدان، بيروت.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ٣٢، احداث سنة ٦٦ ه، طبعة دار سويدان، بيروت.

(٣) عيون الأخبار ٤: ٢٤.

(٤) العقد الفريد ٥: ٣٠.

(٥) تاريخ الطبري ٤: ٢٥٨ ٢٥٩، احداث سنة ٢٨ ه.

على جبل طي، فإنهما طالعان عليه و لا يغيبان عنه( ١) .

كما أن المفهوم من استعمالاتها في مثل قوله تعالى: تا اللّه تفتؤ تذكر يوسف( ٢ ) حذف «لا» من الجواب المنفي المستقبل، كقول أمرى‏ءالقيس:

فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا

و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي( ٣)

و قول الهذلي:

تا للّه يبقى على الأيام ذو حيد

بمشمخرّ به الظيان و الآس( ٤)

و قول رجل نزل على امرأة من بني ثعلبة بن يربوع:

فإني امرؤ أعطيت ربّي أليّة

أرى زانيا ما لاح لي وضح الفجر

و قول ليلى الأخيلية في رثاء توبة:

فتا للّه تبني بيتها أمّ عاصم

على مثله إحدى الليالي الغوابر( ٥)

أيضا:

فأقسمت أبكي بعد توبة هالكا

و أحفل من نالت صروف المقادر( ٦)

و قول عتّاب بن ورقاء الشيباني للمأمون:

آليت أشرب راحا

ما حجّ للّه ركب( ٧)

و بالجملة: في كلام العرب خصوصيات لم ينبّه على كثير منها أئمة

____________________

(١) الأذكياء لابن الجوزي: ١٠١، طبعة دار الكتب العلمية.

(٢) يوسف: ٨٥.

(٣) ديوان أمرى‏ءالقيس: ١٤١.

(٤) لسان العرب ٤: ٤٢٩ ط. دار صادر بيروت.

(٥) الأغاني ١١: ٢٣٠، و فيه «على مثله اخرى الليالي الغوابر»، و قال المصحح في هامشه: (في الاصول: «احدى الليالي» و التصويب من منتهى الطلب).

و هذا البيت من القصيدة الرائية المعروفة لليلي الاخيليّة في رماء توبة و كان عاشقا لها.

(٦) الأغاني ١١: ٢٣١.

(٧) راجع معجم الادباء ١٢: ٨١، و في هامشه «التقدير: لا أشرب».

الأدب كما ها هنا، و منها استعمال السمع بمعنى الإسماع إذا جاء مع الداع، كقول عمرو ابن معديكرب:

أمن ريحانة الداعي السميع( ١)

و في (النهج) «دعا إليها أسمع داع»( ٢) .

و منها عدم مجي‏ء فاعل «ما راعني» إلاّ جملة بعد «إلاّ»، و نبّه عليه المغني، كقوله:

و ما راعني إلاّ يسير بشرطة

و عهدي به قينا يفشّ بكير( ٣)

«أمسينا منه في غبّر» أي: بقايا.

«ليلة دهماء» أي: مظلمة سوداء.

«تكشّر» من كشر البعير عن نابه، أي: كشف عنها، و «كشّر الرجل» بدت منه الأسنان.

«عن يوم أغر» أي: أبيض.

«ما كان كذا و كذا».

قال ابن أبي الحديد بعد العنوان: هذا الكلام إمّا أن يكون قالهعليه‌السلام على جهة التفؤّل، أو أن يكون إخبارا بغيب، و الأوّل أوجه( ٤) .

قلت: ليس بتفؤّل، و لا إخبارا بالغيب، بل يمينا على نفي وقوع شي‏ء معهود فيما مضى، و إنما كان محتملا للإخبار عن غيب لو كان بلفظ: «ما يكون كذا و كذا».

____________________

(١) لسان العرب، طبع دار إحياء التراث العربي بتحقيق و تنسيق علي شيري ٦: ٣٦٥، مادة (سمع)، و فيه:

امن ريحانة الداعي السميع

يورّقني و أصحابي هجوع؟

 (٢) نهج البلاغة ١: ٢٢٢، من الخطبة ١١٤.

(٣) مغني اللبيب: ٥٥٩، و شواهد المغني ٢: ٨٤٠.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٦٨.

و كيف كان، فأخذ حلفهعليه‌السلام إسماعيل بن عبد اللّه، فحلف لرجل في آخر يوم من شعبان، فقال: «لا و الذي أنا في غبّر يوم عظيم منه و تلقاء ليلة تفتر عن أيام عظام ما كان ما بلغك هكذا».

هذا، و في الخبر: إنّ يمين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان «لا و مقلّب القلوب»( ١ ) ، و قالوا:

كان حكيم بن حزام إذا اجتهد في يمينه قال: «لا و الذي نجّاني يوم بدر»( ٢) .

و في (تاريخ اليعقوبي): كان شيث و قومه إذا أراد أحدهم أن يحلف قال:

«لا و دم هابيل»( ٣) .

هذا، و من حلف الأخطل و جرير ما في (العقد): إنّ جريرا وفد على عبد الملك و عنده الأخطل، فقال عبد الملك للأخطل: أ تعرفه؟ قال: لا. قال: هذا جرير. فقال الأخطل له: و الذي عرّفني أعيار أمك ما عرفتك. فقال له جرير:

و الذي أعمى بصيرتك و أدام خزيتك لقد عرفتك بسيماك سيما أهل النار( ٤) .

و الظاهر كون قول الأخطل «أعيار أمّك» إشارة إلى اشتهار جرير بابن المراغة.

٢ - الحكمة (٢٥٣) و كانعليه‌السلام يقول:

أَحْلِفُوا اَلظَّالِمَ إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ بِأَنَّهُ بَرِي‏ءٌ مِنْ حَوْلِ اَللَّهِ وَ قُوَّتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا

____________________

(١) أخرجه البخاري ٤: ١٤٧، ١٤٨، ٢٧٦، و الترمذي ٤: ١١٣ ح ١٥٤٠، و النسائي ٧: ٢، و ابن ماجه ١: ٦٧٦ ح ٢٠٩٢، و الدارمي ٢: ١٨٧، و مالك: ٤٨٨، و مسند زيد: ٢١٩، و أحمد ٢: ٢٥ ٢٦، ٦٧، ٦٨، ١٢٧).

(٢) في اسد الغابة ٢: ٤١، و الإصابة ١: ٣٤٩: «و الذي مجأني...».

(٣) تاريخ اليعقوبي ١: ٨.

(٤) في العقد الفريد ٦: ١٤٨،... قال الأخطل: و الذي أعمى رأيك يا جرير ما عرفتك قال له جرير: و الذي أعمى بصيرتك....

حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ اَلْعُقُوبَةَ وَ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ لِأَنَّهُ قَدْ وَحَّدَ اَللَّهَ تَعَالَى أقول: في (مروج المسعودي): قال الفضل بن الربيع: صار إليّ عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير، فقال: إنّ موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ قد أرادني على البيعة له، فجمع الرشيد بينهما، فقال الزبيري لموسى: سعيتم علينا و أردتم نقض دولتنا. فالتفت إليه فقال: و من أنتم؟ فغلب الرشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف حتى لا يظهر منه، ثم قال موسى للرشيد: هذا الذي يشنّع علي بالخروج خرج و اللّه مع أخي محمد بن عبد اللّه بن الحسن على جدك المنصور، و هو القائل من أبيات:

قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا

إن الخلافة فيكم يا بني حسن

في شعر طويل، و ليس سعايته حبا لك، و لا مراعاة لدولتك، و لكن بغضا لنا جميعا أهل البيت، و لو وجد من ينتصر به علينا جميعا لكان معه، و قد قال باطلا، و أنا مستحلفه، فإن حلف إني قلت ذلك فدمي لك حلال. فقال الرشيد:

إحلف له يا عبد اللّه. فلما أراده موسى على اليمين تلكّأ و امتنع، فقال له الفضل:

لم تمتنع و قد زعمت آنفا أنّه قال لك ما ذكرته؟ قال: أحلف. قال له موسى: قل «تقلّدت الحول و القوة دون حول اللّه و قوته إلى حولي و قوتي إن لم يكن ما حكيته عنه حقا»، فحلف له. فقال موسى: اللّه أكبر حدّثني أبي عن جدّي عن جدّه عليّعليه‌السلام عن النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ما حلف أحد بهذه اليمين و هو كاذب إلاّ عجّل اللّه له العقوبة قبل ثلاث، ما كذبت و لا كذّبت و ها أنا في قبضتك، فإن مضت ثلاثة أيام و لم يحدث على عبد اللّه بن مصعب حادث فدمي لك حلال.

فقال الرشيد للفضل: خذ بيد موسى فليكن عندك حتى أنظر في أمره.

قال الفضل: فو اللّه ما صلّيت العصر من ذلك اليوم حتى سمعت الصراخ

من دار عبد اللّه بن مصعب، فأمرت من يتعرّف خبره، فعرفت أنه قد أصابه الجذام و أنّه قد تورّم و اسودّ، فصرت إليه، فو اللّه ما كدت أعرفه، لأنّه قد صار كالزقّ العظيم، ثم اسودّ حتى صار كالفحم، فصرت إلى الرشيد، فعرّفته خبره، فما انقضى كلامي حتى أتى خبر وفاته، فبادرت بالخروج و أمرت بتعجيل أمره، و الفراغ منه و تولّيت الصلاة عليه، فلمّا دلّوه في حفرته لم يستقرّ فيها حتى انخسفت به، و خرجت منه رائحتة مفرطة النتن، فرأيت أحمال شوك تمر في الطريق، فقلت: عليّ بألواح ساج، فطرحت على موضع قبره، ثم طرح التراب عليها، و انصرفت إلى الرشيد، فعرّفته الخبر، فأكثر التعجّب، و أمرني بتخلية موسى، و أن أعطيه ألف دينار، و أحضره و قال له: لم عدلت عن اليمين المتعارفة بين الناس؟ قال: لأنّا روينا عن جدنا عليّعليه‌السلام أنّه قال: من حلف بيمين مجّد اللّه تعالى فيها استحى اللّه من تعجيل عقوبته، و ما من أحد حلف بيمين كاذبة نازع اللّه فيها حوله و قوّته إلاّ عجّل اللّه له العقوبة قبل ثلاث.

قال المسعودي: و قيل إنّ صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد اللّه أخو موسى( ١) .

و روى أبو الفرج و ابن بابويه كون صاحب القصة يحيى، فروى الأول في (مقاتله) و نقله ابن أبي الحديد أيضا أنّ يحيى بن عبد اللّه بن الحسن لمّا أمّنه الرشيد بعد خروجه بالديلم و صار إليه بالغ في إكرامه، فسعى به بعد مدّة عبد اللّه بن مصعب الزبيري إلى الرشيد و كان يبغضه و قال له: إنّه عاد يدعو إلى نفسه سرا، و حسّن له نقض أمانه، فأحضره و جمع بينه و بين عبد اللّه بن مصعب ليناظره فيما رفعه إليه، فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد، و ادّعى عليه الحركة في الخروج، فقال يحيى للرشيد: أ تصدّق هذا عليّ و هو

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٣٤٠ ٣٤٢.

ابن عبد اللّه ابن الزبير الذي أدخل أباك عبد اللّه و ولده الشعب، و أضرم عليهم النار حتى خلّصه أبو عبد اللّه الجدلي صاحب عليّعليه‌السلام منه عنوة، و هو الذي ترك الصلاة على النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين جمعة في خطبته، فلما التاث عليه الناس قال: إنّ له أهيل سوء إذا صلّيت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم و اشربوا لذكره، فأكره أن أسرّهم أو أقرّ أعينهم، و هو الذي كان يشتم أباك و يلصق به العيوب و حسى و دكّ كبده، و لقد ذبحت بقرة يوما لأبيك فوجد كبدها سوداء قد نقبت فقال عليّ ابنه: أما ترى كبد هذه يا أبه. فقال: هكذا يا بنيّ ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلمّا حضرته الوفاة قال لعليّ: يا بنيّ إذا متّ فألحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، و لا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد اللّه بن الزبير، و و اللّه إن عداوة هذا لنا جميعا سواء، و لكنّه قوي عليّ بك، و ضعف عنك، فتقرّب بي إليك ليظفر منك بي بما يريد إذ لم يقدر على مثله منك، و ما ينبغي لك أن تسوّغه على ذلك فيّ، فإن معاوية بن أبي سفيان و هو أبعد نسبا منك إلينا ذكر يوما الحسن بن عليّعليه‌السلام ، فسبّه، فساعده عبد اللّه بن الزبير، فانتهره معاوية، فقال له ابن الزبير: إنّما ساعدتك. فقال معاوية: إنّ الحسن لحمي آكله و لا أوكله، و مع هذا فهو الخارج مع أخي محمد على أبيك المنصور، و القائل لأخي في قصيدة طويلة يحرّض فيها أخي و يمدحه، منها:

لا عزّ ركنا نزار عند سطوتها

إن أسلمتك و لا ركنا ذوي يمن

أ لست أكرمهم عودا إذا انتسبوا

يوما و أطهرهم ثوبا من الدرن

و أعظم الناس عند الناس منزلة

و أبعد الناس من عيب و من وهن

قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا

إن الخلافة فيكم يا بني حسن

إلى أن قال:

و تنقضي دولة أحكام قادتها

فينا كأحكام قوم عابدي وثن

فطالما قد بروا بالجور أعظمنا

بري الصناع قداح النبع بالسفن

فتغيّر وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر، و تغيّظ على ابن مصعب، فابتدأ ابن مصعب يحلف باللّه الذي لا إله إلاّ هو، و بأيمان البيعة أنّ هذا الشعر ليس له، و أنه لسديف، فقال يحيى: و اللّه ما قاله غيره و ما حلفت كاذبا و لا صادقا قبل هذا، و إنّ اللّه عزّ و جلّ إذا مجّده العبد في يمينه فقال «و اللّه الطالب الغالب الرحمن الرحيم» استحى أن يعاقبه، فدعني أحلّفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلاّ عوجل.

قال: فحلّفه، قال: قل: «برئت من حول اللّه و قوته، و اعتصمت بحولي و قوتي، و تقلّدت الحول و القوة من دون اللّه، استكبارا على اللّه و استعلاء عليه و استغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر»، فامتنع، فغضب الرشيد و قال للفضل بن الربيع: ما له لا يحلف إن كان صادقا؟ فهذا طيلساني عليّ و هذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين أنّها لي لحلفت، فوكز الفضل عبد اللّه برجله و كان له فيه هوى و قال له: إحلف ويحك، فجعل يحلف و وجهه متغيّر و هو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه و قال له: يا ابن مصعب قطعت عمرك لن تفلح بعدها أبدا. فما برح عن موضعه حتى عرض له أعراض الجذام، استدارت عينه و تفقّأ وجهه، و قام إلى بيته، فتشقّق لحمه، و انتثر شعره، و مات بعد ثلاثة أيام، فلمّا جعل في القبر انخسف به حتى خرجت منه غبرة شديدة، و جعل الفضل يقول: التراب التراب فيطرح، و هو يهوي حتى سقف بخشب و طمّ عليه، فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب( ١) .

و روى (عيون ابن بابويه) عن عليّ بن محمد النوفلي قال: استحلف

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣١٥ ٣١٨، شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٩١ ٩٤.

الزبير بن بكّار رجل من الطالبيين على شي‏ء بين القبر و المنبر، فحلف فبرص، فأنا رأيته و بساقيه و قدميه برص كثير، و كان أبوه بكّار قد ظلم الرضاعليه‌السلام في شي‏ء، فدعاعليه‌السلام عليه، فسقط في وقت دعائه عليه من قصر، فاندقّت عنقه.

و أما عبد اللّه بن مصعب فإنه مزّق عهد يحيى بن عبد اللّه بين يدي الرشيد و قال له: أقتله، فإنّه لا أمان له. فقال يحيى للرشيد: خرج مع أخي بالأمس و أنشده أشعارا له فأنكرها فحلّفه يحيى بالبراءة و تعجيل العقوبة، فحمّ من وقته و مات بعد ثلاث، و انخسف قبره مرّات( ١) .

و كيف كان، ففعل ذلك قبله الصادقعليه‌السلام ، أحلف من سعى به إلى المنصور بيمين البراءة، فعجّل اللّه له النقمة، ففي (فصول ابن الصباغ المالكي) عن الفضل بن الربيع قال: حجّ المنصور سنة (١٤٧) و قدم المدينة، فقال لأبي:

ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتينا به سعيا، قتلني اللّه إن لم أقتله، فتغافل ربيع عنه، فأعاد عليه في اليوم الثاني و أغلظ له، فأرسل، فلمّا حضر قال له: إنّه أرسل إليك بما لا دافع له غير اللّه، و إنّي أتخوّفه عليك. فقال: لا حول و لا قوة إلاّ باللّه، فلمّا أدخل عليه قال له: يا عدوّ اللّه اتّخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم، تلحد في سلطاني و تبتغي لي الغوائل إنّ فلانا أخبرني عنك بما قلت. فقال: أحضره، فأحضره و قال له: أحقّ ما حكيت لي عن جعفر؟ قال: نعم.

قالعليه‌السلام : فاستحلفه، فبدر الرجل و قال: و اللّه الذي لا إله إلاّ هو و أخذ يعدّد صفاته تعالى فقالعليه‌السلام : ليحلف بما أستحلفه و يترك يمينه هذا. فقال له المنصور: أحلفه بما تختار. فقالعليه‌السلام له: قل: «برئت من حول اللّه و قوته، و التجأت إلى حولي و قوّتي لقد فعل جعفر كذا و كذا». فامتنع الرجل، فنظر إليه المنصور نظر منكر، فحلف بها، فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض،

____________________

(١) عيون الأخبار للصدوق ٢: ٢٢٦ ح ١.

و قضى ميتا مكانه في المجلس. فقال المنصور: جرّوا برجله و أخرجوه لعنه اللّه، ثم قال: لا عليك يا أبا عبد اللّه أنت البري‏ء الساحة إلى أن قال فقال الربيع لهعليه‌السلام : منعت الساعي بك أن يحلف يمينه، و أحلفته أنت تلك اليمين. فقال: إن في يمينه بتوحيد اللّه و تمجيده يؤخر العقوبة عنه، و أحببت تعجيلها عليه، فأحلفته بما سمعت، فأخذه اللّه لوقته( ١) .

و روى (الكافي) عن صفوان الجمّال قال: حملت أبا عبد اللّهعليه‌السلام الحملة الثانية إلى الكوفة و المنصور فيها، فلمّا أشرف على الهاشمية مدينة المنصور نزل من الراحلة، و ركب بغلة شهباء، و لبس ثيابا بيضا، فلمّا دخل على المنصور قال له: تشبّهت بالأنبياء؟ فقالعليه‌السلام : و أنّى تبعدني من أبناء الأنبياء؟

فقال المنصور: لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها، و يسبي ذريتها. فقالعليه‌السلام : و لم؟ فقال: رفع إلي أنّ مولاك المعلّى بن خنيس يدعو إليك، و يجمع لك الأموال. فقالعليه‌السلام : و اللّه ما كان كذا. فقال المنصور: لست أرضى إلاّ بالطلاق و العتاق، و الهدي و المشي. فقالعليه‌السلام أبا لأنداد من دون اللّه تأمرني أن أحلف. من لم يرض باللّه فليس من اللّه في شي‏ء. فقال له المنصور: أ فتتفقّه عليّ.

فقال: و أنّى تبعدني من الفقه و أنا ابن النبيّ؟ فقال: فإنّي أجمع بينك و بين من سعى بك. قال: فافعل. فجاء الرجل و قال لهعليه‌السلام : و اللّه الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم لقد فعلت. فقالعليه‌السلام : ويلك تمجّد اللّه، فيستحي من تعذيبك، و لكن قل: «برئت من حول اللّه و قوّته، و ألجأت إلى حولي و قوّتي»، فحلف بها الرجل، فلم يستتمّها حتى وقع ميتا، فقال له المنصور: لا أصدّق عليك بعده( ٢) .

____________________

(١) الفصول المهمة: ٢٢٥ ٢٢٦.

(٢) الكافي ٦: ٤٤٥، ٣.

هذا، و في (الطبري): حجّ الوليد بن عبد الملك، و حجّ محمد بن يوسف من اليمن، و حمل هدايا للوليد، و فقالت أمّ البنين للوليد: إجعل لي هدايا محمد بن يوسف، فأمر بصرفها إليها، فأرسلت رسلها إليه فيها، فأبى و قال: حتى ينظر إليها الوليد، فيرى رأيه و كانت هدايا كثيرة فقالت للوليد: إنّك أمرت بها أن تصرف إليّ و لا حاجة لي بها. قال: و لم؟ قالت: بلغني أنّه غصبها الناس، و كلّفهم عملها و ظلمهم، فحملها إلى الوليد، فقال له: بلغني أنك أصبتها غصبا.

قال: معاذ اللّه، فأمر، فاستحلف بين الركن و المقام خمسين يمينا أنه ما غصب شيئا منها، و لا ظلم أحدا فيها، و لا أصابها إلاّ من طيّب. فحلف، فقبلها الوليد و دفعها إلى أم البنين، فمات محمد بن يوسف باليمن، أصابه داء تقطّع منه( ١) .

و في (نسب قريش مصعب الزبيري): إتّهم بنو عبد مناف خداش العامري بقتل عمرو بن علقمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف و كان أجيرا لخداش خرج معه إلى الشام، ففقد خداش حبلا، فضرب عمرا بعصا، فمرض منها، فكتب إلى أبي طالب بخبره، فمات منها، فتحاكموا فيه إلى الوليد بن المغيرة، فقضي أن يحلف خمسون رجلا من بني عامر بن لؤي عند البيت «ما قتله خداش»، فحلفوا إلاّ حويطب بن عبد العزّى، فإن أمّه افتدت يمينه، فيقال:

إنّه ما حال عليهم الحول حتى ماتوا كلهم إلا حويطبا، و انقرض أولاد خداش( ٢) .

و في (وزراء الجهشياري): في تحالف الأمين و المأمون في الكعبة ألاّ يتناكثا إن جعفر البرمكي طالب الأمين أن يقول: خذلني اللّه إن خذلت

____________________

(١) تاريخ الطبري (تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، طبع بيروت) ٦: ٤٩٨.

(٢) نسب قريش: ٤٢٤، و نقل المصنّف لا يخلو من تصرف. لأبي عبد اللّه المصعب بن عبد اللّه بن المصعب الزبيري (١٥٦ ٣٦ ه ق). (بتحقيق إ. ليفي بروفنسال طبعة دار المعارف للطباعة و النشر).

المأمون ففعل، و لما خرج الأمين من البيت قال للفضل بن الربيع: أجد في نفسي أن أمري لا يتمّ. فقال له: و لم ذاك أعزّ اللّه الأمير قال: لأنّي كنت أحلف و أنا أنوي الغدر. فقال له: سبحان اللّه أ في هذا الموضع؟ فقال له: هو ما قلت لك( ١) .

هذا، و في بعض كتب الأدب: إن أعرابيّين اختصما إلى بعض الولاة في دين لأحدهما، فجعل المدّعى عليه يحلف بالطلاق و العتاق، فقال المدّعي: دعني من هذه الايمان، و احلف بما أقول لك. قل: «لا يترك اللّه لي خفا يتبع خفا، و لا ظلفا يتبع ظلفا، و حتّني من أهلي و مالي حتّ الورق من الشجر، إن كان لك قبلي هذا الحق»، فلم يحلف، و أعطاه حقه. و الخفّ: كناية عن الإبل، و الظّلف: كناية عن البقر و الشاة.

و في (يتيمة الثعالبي): قال أبو إسحاق الصابي: طلب منّي رسول سيف الدولة، و كان قدم إلى الحضرة شيئا من شعري، و ذكر أن صاحبه رسم له ذلك، فدافعته أياما، ثم ألحّ علي وقت خروجه، فأعطيته هذه الأبيات:

إن كنت خنتك في الأمانة ساعة

فذممت سيف الدولة المحمودا

و زعمت أن له شريكا في العلى

و جحدته في فضله التوحيدا

قسما لو أني حالف بغموسها

لغريم دين ما أراد مزيدا

فلما عاد الرسول إلى الحضرة أخرج إليّ كيسا بختم سيف الدولة مكتوبا عليه اسمي و فيه ثلاثمئة دينار( ٢) .

و في (الأغاني): قال محمد بن سلام: أنشدني ابن قنبر لنفسه:

____________________

(١) انظر الوزراء و الكتاب (أبو عبد اللّه محمد بن عبدوس الجهشياري) بتصحيح و تحقيق عبد اللّه اسماعيل الصاوي، ط القاهرة: ١٧٥.

(٢) يتيمة الدهر للثعالبي ١: ٢٣.

صرمتني ثم لا كلّمتني أبدا

إن كنت خنتك في حال من الحال

و لا اجترمت الذي فيه خيانتكم

و لا جرت خطرة منه على بالي

فقلت له و أنا أضحك: يا هذا لقد بالغت في اليمين. فقال: هي عندي كذاك و إن لم تكن عندك كما هي عندي( ١) .

و في (الطبري): غنّي علوية بدمشق المأمون:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذي

أتاك به الواشون عنّي كما قالوا

و لكنّهم لمّا رأوك سريعة

إليّ تواصوا بالنميمة و احتالوا

فقال له: لمن هذا الشعر؟ فقال: لقاضي دمشق. فقال: يا أبا إسحاق اعزله، فما كنت أولّي رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام.

ثم قال: يا علوية لا تقل: «برئت من الإسلام» قل:

حرمت مناي منك إن كان ذا الذي

أتاك به الواشون عنّي كما قالوا( ٢)

و قالوا: كان بعض أهل البصرة يتشيّع و يوافقه على مذهبه رجل، فأودعه مالا، فجحده، فاضطرّ إلى أن قال لمحمد بن سليمان و سأله أن يحضره و يحلفه بحق عليّعليه‌السلام ، ففعل ذلك. فقال الرجل: أعزّ اللّه الأمير، هذا الرجل صديقي، و هو أعزّ عليّ، و أجلّ من أن أحلف بالبراءة من مختلف في ولايته و إيمانه، و لكنّي أحلف له بالبراءة من المتفق على إيمانهما و ولايتهما أبي بكر و عمر. فضحك محمد بن سليمان، و التزم المال، و خلّى عن الرجل.

و في (الأذكياء) عن غلام ابن المزوّق البغدادي: زوّجني مولاي جارية أحببتها حبا شديدا، و أبغضتني بغضا شديدا، و كنت أحتمل تنافرها إلى أن أضجرتني. فقلت لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن خاطبتني بشي‏ء إلاّ خاطبتك

____________________

(١) الأغاني لأبي الفرج ١٤: ١٦٥ ١٦٦.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ٦٥٦ (تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، ط بيروت)، بتصرف.

بمثله، فقد أفسدك احتمالي لك. فقالت في الحال: «أنت طالق ثلاثا بتاتا» فأبلست و لم أدر ما اجيبها به خوفا أن أقول لها مثل ما قالت، فتصير بذلك طالقا مني، فارشدت إلى أبي جعفر الطبري، فأخبرته بما جرى، فقال: أقم معها بعد أن تقول لها «أنت طالق ثلاثا إن أنا طلّقتك» فتكون وفيت بيمينك و لم تطلقها و لا تعاود الأيمان( ١) .

قلت: و هذا على مذهب العامة.

و في (أخبار حكماء القفطي): لما تقرّر الصلح بين عضد الدولة و ابن عمه بختيار عزّ الدولة، تقدّم بختيار إلى أبي إسحاق الصابي بإنشاء نسخة يمين فأنشأها و استوفى فيها الشروط حق الاستيفاء فلم يجد عضد الدولة مجالا في نكثها، و ألزمته الضرورة الحلف بها، فلما عاد إلى العراق و ملكها حبس الصابي مده طويلة( ٢) .

هذا، و كما علّم أمير المؤمنينعليه‌السلام الناس إحلاف الظالم كذلك علمهم إحلاف الأخرس، قال الصادق: سئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن حلف الأخرس فقال: الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للامة جميع ما تحتاج إليه. ثم قال: إيتوني بمصحف. فاتي به فقال للأخرس: ما هذا، فرفع رأسه إلى السماء أشار إلى انه كتاب اللّه تعالى ثم قال: إيتوني بوليه فأتي بأخ له فأقعده إلى جنبه ثم قال: يا قنبر عليّ بداوة و صحيفة فأتاه بهما ثم قال لأخي الأخرس قل لأخيك بينك و بينه إنه علي، فتقدم إليه بذلك، ثم كتبعليه‌السلام «و اللّه الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذي يعلم السرّ و العلانية إنّ فلان بن فلان المدّعي ليس

____________________

(١) الأذكياء لابن الجوزي: ١١٢، نقله المصنّف بتصرف.

(٢) إخبار العلماء بأخبار الحكماء: ٥٤، (جمال الدين أبو الحسن علي بن القاضي يوسف القفطي) المتوفى سنة (٦٤٦).

له قبل فلان بن فلان يعني الأخرس حقّ و لا طلبة بوجه من الوجوه، و لا بسبب من الأسباب، ثم غسله و أمر الأخرس أن يشربه، فامتنع. فألزمه الدين( ١) .

و كذا إحلاف أهل الكتاب، فروى (الكافي): أنّهعليه‌السلام استحلف يهوديّا بالتوراة التي انزلت على موسىعليه‌السلام ( ٢ ) ، لكن في طريقه السكوني العامي.

و في (الصحيح) عن الصادقعليه‌السلام : لا يحلف اليهودي و لا النصراني و لا المجوسي بغير اللّه، إن اللّه تعالى يقول: فاحكم بينهم بما أنزل اللّه( ٣) .

و يمكن حمل ذاك الخبر على جواز إحلاف الكتابي بكتابه إذا كان ارتداعه به أكثر من ارتداعه بالحلف به تعالى.

«احلفوا الظالم» إلى «عوجل العقوبة» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و ليست كلمة «العقوبة» في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«و إذا حلف» إلى «لم يعاجل لأنّه قد وحّد اللّه تعالى» هكذا في (المصرية)( ٦ ) و الصواب: «سبحانه» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٧) .

٣ - الخطبة (٢٧٢) و قالعليه‌السلام :

لَوْ قَدِ اِسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ اَلْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٣: ٦٥ ٦٦، ح ٢، و التهذيب ٦: ٣١٩، ح ٨٦.

(٢) الكافي ٧: ٤٥١، ٣.

(٣) الكافي ٧: ٤٥١، ٤. و الآية ٤٨ من سورة المائدة.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٢٠٩، الحكمة ٢٥٣.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٩١، هكذا ابن ميثم، الطبعة الحجرية ٣: ٤٩٦.

(٦) نهج البلاغة ٣: ٢٠٩، الحكمة ٢٥٣.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٩١، هكذا ابن ميثم ٣: ٤٩٦، السطر الخامس هكذا.

هكذا في (المصرية)( ١ ) و (ابن أبي الحديد)( ٢ ) و لكن في (ابن ميثم)( ٣ ) «في هذه المداحض» و هو أصح.

و كيف كان فقال ابن أبي الحديد: لسنا نشكّ أنهعليه‌السلام كان يذهب في الأحكام الشرعية و القضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة، نحو قطعه السارق من رؤوس الأصابع، و بيعه امهات الأولاد، و غير ذلك، و إنّما كان يمنعه من تغيير أحكام من تقدّمه اشتغاله بحرب البغاة و الخوارج، و إلى ذلك يشير بالمداحض الّتي كان يؤمّل استواء قدميه منها، و لهذا قال لقضاته:

«أقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة»( ٤) .

قلت: تمثيله بقطع السارق من رؤوس الأصابع و بيع امهات الأولاد في غير محله، فإنّ مذهبهعليه‌السلام و مذهب عترته إبقاء الابهام و قطع باقي الأصابع في السارق، و أما امهات الأولاد فعدم جواز بيعهن إلاّ إذا مات مواليهن و كان ثمنهن دينا و لم يخلّفوا شيئا سواهن.

و قوله «كان يمنعه من التغيير اشتغاله بحرب البغاة» في الجملة صحيح، و قد قالت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لمعاوية كما في (بلاغات أحمد بن أبي طاهر البغدادي) فيما قالت له: «و دعانا أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى أخذ حقّنا الذي فرض اللّه لنا فشغل بحربك عن وضع الامور مواضعها»( ٥ ) ، إلاّ أنّ الأصل و الحقيقة كون أصحابهعليه‌السلام غير عارفين به، فلو لم تكن البغاة لم يتمكنعليه‌السلام أيضا من تغيير ما أراد، فروى (روضة الكافي) عن سليم بن قيس

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ٢١٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦١، هكذا.

(٣) ابن ميثم ٣: ٤٩٩، و فيه «من هذه المداحض».

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٦١، هكذا.

(٥) بلاغات النساء لأحمد بن أبي طاهر البغدادي: ٢٩، طبعة النجف الأشرف سنة ١٣٦١ ه

الهلالي أنهعليه‌السلام خطب فقال: سمعت النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير و يهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها و يتّخذونها سنّة، فإذا غيّر منها شي‏ء قيل قد غيّرت السنّة و قد أتى الناس منكرا» ثم أقبلعليه‌السلام بوجهه و حوله ناس من أهل بيته و خاصته و شيعته إليهم و قال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها النبيّ متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيّرين لسنته، و لو حملت الناس على تركها و حوّلتها إلى مواضعها و إلى ما كانت في عهد النبيّ لتفرّق عنّي جندي حتى أبقى وحدي، أو مع قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللّه و سنّة رسوله.

أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيمعليه‌السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه النبيّ، و رددت فدك إلى ورثة فاطمة، و رددت صاع النبيّ كما كان، و أمضيت قطائع أقطعها النبيّ لأقوام لم تمض لهم و لم تنفّذ، و رددت دار جعفر إلى ورثته و هدمتها من المسجد، و رددت قضايا من الجور قضي بها، و نزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن و استقبلت بهن الحكم في الفروج و الاحكام، و سبيت ذراري بني تغلب، و رددت ما قسّم من أرض خيبر، و محوت دواوين العطاء، و أعطيت كما كان النبيّ يعطي بالسوية، و لم أجعلها دولة بين الأغنياء، و ألقيت المساحة، و سوّيت بين المناكح، و أنفذت خمس الرسول كما أنزل اللّه و فرضه، و رددت مسجد النبيّ إلى ما كان عليه، و سددت ما فتح من الأبواب و فتحت ما سدّ منه، و حرّمت المسح على الخفّين، و حددت على النبيذ، و أمرت بإحلال المتعتين، و أمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و أخرجت من أدخل مع النبيّ ممّن كان أخرجه، و أدخلت من أخرج بعد النبيّ، و حملت الناس على حكم القرآن في الطلاق، و أخذت الصدقات على أصنافها و حدودها، و رددت

الوضوء و الغسل و الصلاة إلى مواقيتها و شرائعها و مواضعها، و رددت أهل نجران إلى مواضعهم، و رددت سبايا فارس و سائر الامم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه، إذن لتفرّقوا عنّي. و اللّه لقد أمرت الناس ألاّ يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادي بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا.

إلى أن قال: و ما لقي أهل بيت نبيّ من أمّته ما لقينا بعد نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، و اللّه المستعان على من ظلمنا( ١) .

و روى الجوهري في (سقيفته) و قد نقله ابن أبي الحديد( ٢ ) في موضع آخر عن محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي قلت: أ رأيت عليّاعليه‌السلام حين ولي أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك بهم طريق أبي بكر و عمر. قلت: و كيف و لم و أنتم تقولون؟ قال: أما و اللّه ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه. فقلت: فما منعه؟ قال: كان يكره أن يدّعى‏ عليه مخالفة أبي بكر و عمر( ٣) .

و روي أيضا في (زيادات سقيفته) و قد نقله ابن أبي الحديد( ٤ ) في موضع آخر عن سهل الساعدي قال: مشيت وراء عليّعليه‌السلام حيث انصرف من عند عمر في الشورى، و العباس يمشي في جانبه، فسمعته يقول للعباس:

ذهبت منا و اللّه أي: الخلافة فقال له العباس: كيف علمت؟ قال: ألا تسمعه أي: عمر يقول كونوا في الجانب الذي فيه عبد الرحمن و سعد و ابن عمر؟

____________________

(١) الكافي ٨: ٥٨ ٦٢ ح ٢١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٢٣١، و فيه: «أ رأيت عليّاعليه‌السلام حين ولي العراق و ما ولي من أمر الناس...».

(٣) السقيفة للجوهري: ١١٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٥٠ ٥١، نقله مع فرق يسير.

و عبد الرحمن نظير عثمان و هو صهره فإذا اجتمع هؤلاء فلو أن الرجلين الباقيين كانا معي لم يغنيا عني شيئا، دع إنّي لست أرجو أحدهما و مع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلا علينا، لا، لعمر اللّه ما جعل اللّه ذلك لهم علينا كما لم يجعل لأولادهم على أولادنا، أما و اللّه لئن لم يمت عمر لأذكّرنّه ما أتى إلينا قديما و لأعلمنه سوء رأيه فينا و ما أتى إلينا حديثا، و لئن مات و ليموتنّ ليجمعنّ هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنّا، و لئن فعلوها و ليفعلنّ ليرونّي حيث يكرهون، و اللّه ما بي رغبة في السلطان و لا حب الدنيا، و لكن لإظهار العدل و القيام بالكتاب و السنة. ثم التفت فرآني وراءه فعرفت انه قد ساءه ذلك، فقلت: لا ترع أبا حسن لا و اللّه لا يسمع أحد ما سمعت منك ما اصطحبنا، فو اللّه ما سمعه مني أحد حتى قبضعليه‌السلام ( ١) .

و روى (شورى عوانة) عن الشعبي قال: خرج المقداد من غد بيعة عثمان فلقي عبد الرحمن بن عوف فأخذ بيده و قال له: إن كنت أردت بما صنعت وجه اللّه فأثابك اللّه ثواب الدنيا و الآخرة، و إن كنت إنّما أردت الدنيا فأكثر اللّه مالك. فقال عبد الرحمن: إسمع رحمك اللّه اسمع. قال: لا أسمع و اللّه، و جذب يده من يده و مضى حتى دخل على عليّعليه‌السلام فقال: قم فقاتل حتى نقاتل معك. قال علي: فبمن أقاتل رحمك اللّه، و أقبل عمّار ينادي:

يا ناعي الإسلام قم فانعه

قد مات عرف و بدا نكر

أما و اللّه لو أن لي أعوانا لقاتلتهم، و اللّه لئن قاتلهم واحد لأكوننّ له ثانيا. فقال عليّعليه‌السلام : «يا أبا اليقظان و اللّه لا أجد عليهم أعوانا، و لا أحب أن أعرّضكم لما لا تطيقون»، و بقي عليّ في داره و عنده نفر من أهل بيته و ليس

____________________

(١) السقيفة: ٨٢.

يدخل إليه أحد مخافة عثمان( ١) .

و المأمون مع استقرار سلطنته الوسيعة أراد إعلان حلّيّة المتعة و نشر لعن معاوية فما قدر، فكيف كانعليه‌السلام يقدر مع تلك السلطنة المتزلزلة المحدودة حتى قالعليه‌السلام «إن هي إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها»( ٢) .

و قال الكراجكي في (كتاب تعجبه): و من العجب أنهم قالوا إذا كان أبو بكر و عمر و عثمان تركوا كثيرا من الأحكام و أظهروا البدع في الاسلام فلم لم يغيّر ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام لما انتهى الأمر إليه بعد عثمان؟ أو لا يرون أنهعليه‌السلام نهاهم عن الجماعة في صلاة نوافل شهر رمضان فتفرقوا عنه و صاحوا و اعمراه نهيتنا عن سنة عمر بن الخطاب، فإذا كانت هذه حاله معهم في النهي عن أمر يعلمون أنّ عمر ابتدعه، و يتحقّقون أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى‏ عنه و أنكره، و يجعلون البدعة من عمر سنة، فكيف لو غيّرعليه‌السلام أكثر من هذا، بل لو غيّر بدعهم كلها و جاهر بمخالفتهم في الامور التي استحدثوها؟ فكيف ينكر تقيّته منهم و هذه حاله معهم؟ أ لم يسمعوا قولهعليه‌السلام «أما و اللّه لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الفرقان بفرقانهم حتى ينطق كل كتاب و يقول: يا ربّ قضى عليّ فينا بقضائك، و قوله: «أما و اللّه لو ثبتت قدماي لغيّرت امورا كثيرة»( ٣) .

و روى محمد بن يعقوب في (كافيه) عن معمر بن يحيى قال: سألت أبا جعفرعليه‌السلام عمّا يروي الناس عن عليّعليه‌السلام في أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها و لا ينهى عنها إلاّ أنه ينهى عنها نفسه و ولده، فقلت: و كيف يكون ذلك؟ قال:

____________________

(١) السقيفة: ٨٧.

(٢) نهج البلاغة ١: ٦٠ من الخطبة ٢٥ و فيه «ما هي...».

(٣) التعجب: ٢٤.

قد أحلّتها آية و حرّمتها آية اخرى. قلت: فهل يصير إلاّ أن يكون إحداهما قد نسخت الاخرى أو هما محكمتان جميعا ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: قد بين لكم إذ نهى نفسه و ولده عنها. قلت: ما منعه أن يبيّن ذلك للناس؟ فقال: خشي ألاّ يطاع، و لو أن عليّا ثبتت له قدماه أقام كتاب اللّه و الحق كله( ١) .

و روي عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد اللّهعليه‌السلام فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، أ يتزوج بأمها؟ فقال: قد فعله رجل منّا فلم ير به بأسا. فقلت له: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلاّ بقضاء عليّعليه‌السلام في هذه الشمخية التي أفتاها ابن مسعود أنه لا بأس بذلك، ثم أتى عليّا فقال له: من أين أخذتها؟ قال: من قوله تعالى: و ربائبكم اللاّتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم( ٢ ) ، فقال علي: إنّ هذه مستثناة و آية و امهات نسائكم( ٣ ) مرسلة.

إلى أن قال: فقلت لأبي جعفر: ما تقول أنت فيها؟ فقال: تخبرني أنّ عليّا قضى بها و تسألني ما تقول فيها( ٤ ) ؟

و روي عن سيف بن عميرة قال: مرّ أمير المؤمنينعليه‌السلام برجل يصلّي الضحى في مسجد الكوفة، فغمز جنبه بالدرة و قال: نحرت صلاة الأوّابين نحرك اللّه قال: فأتركها؟ فقال: أ رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلّى( ٥ ) . قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام و كفى بإنكار عليّعليه‌السلام نهيا( ٦) .

و روى (الفقيه) عن ابن عباس قال: كتب إليّ عليّعليه‌السلام في ستة إخوة

____________________

(١) الكافي ٥: ٥٥٦، ٨.

(٢) النساء: ٢٣.

(٣) النساء: ٢٣.

(٤) الكافي ٥: ٤٢٢، ٤.

(٥) العلق: ٩ و ١٠.

(٦) الكافي ٣: ٤٥٢، ٨.

و جدّ أن اجعله كأحدهم و امح كتابي. قال: فجعله عليّعليه‌السلام سابعا، و قوله «و أمح كتابي» كره أن يشنع عليه بالخلاف على من تقدمه( ١) .

و روى (غارات الثقفي) في آخر عنوانه الثاني «في غنيّ و باهلة» مسندا عن الحارث بن حصيرة عن أصحابه عن عليّعليه‌السلام قال: «أدعوا لي غنيّا و باهلة و حيّا آخر قد سمّاهم فليأخذوا اعطياتهم، فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما لهم في الإسلام نصيب، و إني لشاهد لهم في منزلي عند الحوض و عند المقام المحمود أنهم أعدائي في الدنيا و الاخرة، و لئن ثبتت قدماي لأردّنّ قبيلة إلى قبيلة و لأبهرجنّ ستين قبيلة ما لهم في الإسلام من نصيب» ثم قال: و عن يوسف بن كليب عن يحيى بن سالم عن عمرو بن عمير عن أبيه عنه مثله( ٢) .

____________________

(١) الفقيه ٤: ٢٠٨ ح ٢٩.

(٢) الغارات ١: ٢٠ ٢٢.

الفصل الخامس و العشرون في شكايتهعليه‌السلام من أهل عصره

١ - الخطبة (٣١) و من خطبة لهعليه‌السلام :

أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ كَنُودٍ يُعَدُّ فِيهِ اَلْمُحْسِنُ مُسِيئاً وَ يَزْدَادُ اَلظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً لاَ نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا وَ لاَ نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا وَ لاَ نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا فَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ مَنْ لاَ يَمْنَعُهُ اَلْفَسَادَ إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَ كَلاَلَةُ حَدِّهِ وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ وَ مِنْهُمْ اَلْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ وَ اَلْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ وَ اَلْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ وَ لَبِئْسَ اَلْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى اَلدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً وَ مِمَّا عِنْدَ اَللَّهِ عِوَضاً وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ اَلدُّنْيَا بِعَمَلِ اَلْآخِرَةِ وَ لاَ يَطْلُبُ اَلْآخِرَةَ بِعَمَلِ اَلدُّنْيَا قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ وَ اِتَّخَذَ سِتْرَ اَللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى اَلْمَعْصِيَةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ

طَلَبِ اَلْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ وَ اِنْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ اَلْحَالُ عَلَى حَالِهِ فَتَحَلَّى بِاسْمِ اَلْقَنَاعَةِ وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ اَلزَّهَادَةِ وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَ لاَ مَغْدًى وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ اَلْمَرْجِعِ وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ اَلْمَحْشَرِ فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَكْلاَنَ مُوجَعٍ قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ اَلتَّقِيَّةُ وَ شَمِلَتْهُمُ اَلذِّلَّةُ فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ وَ قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا وَ قُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا فَلْتَكُنِ اَلدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ اَلْقَرَظِ وَ قُرَاضَةِ اَلْجَلَمِ وَ اِتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ وَ اُرْفُضُوهَا ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ قال المصنّف: هذه الخطبة ربّما نسبها من لا علم له إلى معاوية و هي من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام الّذي لا يشكّ فيه، و أين الذّهب من الرّغام، و العذب من الأجاج، و قد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت، و نقده النّاقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ، فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التبيين، و ذكر من نسبها إلى معاوية ثمّ قال: هي بكلام عليّ أشبه، و بمذهبه في تصنيف النّاس و بالإخبار عمّا هم عليه من القهر و الإذلال، و من التقيّة و الخوف أليق. قال: و متى وجدنا معاوية فى حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهّاد و مذاهب العبّاد. «أصبحنا في دهر عنود» عند عن الطريق: عدل. لابن لنكك البصري:

نحن و اللّه في زمان غشوم

لو رأيناه في المنام فزعنا

يصبح الناس فيه من سوء حال

حقّ من مات منهم ان يهنّا( ١)

«و زمن كنود» رجل كنود: كافر النعمة، و أرض كنود: لا تنبت شيئا. لابن لنكك البصري:

يا زمانا ألبس الأحرار ذلاّ و مهانة

لست عندي بزمان إنّما أنت زمانه( ٢)

قال البحتري:

و خلّفني الزمان على أناس

وجوههم و أيديهم حديد

لهم حلل حسنّ فهن بيض

و أخلاق سمجن فهن سود

و أخلاق البغال فكلّ يوم

يعنّ لبعضهم خلق جديد

و أكثر ما لسائلهم لديهم

إذا ما جاء قولهم تعود

و وعد ليس يعرف من عبوس

انقباضهم أوعد أم وعيد

اناس لو تأمّلهم لبيد

بكى الخلف الذي يشكو لبيد( ٣)

«يعد فيها المحسن مسيئا» الذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات و الذين لا يجدون إلاّ جهدهم فيسخرون منهم.( ٤ ) «و يزداد الظالم فيه عتوّا» و نخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغيانا كبيرا( ٥) .

«لا ننتفع بما علمنا» في (الكافي) عنهعليه‌السلام : العالم العامل بغيره كالجاهل

____________________

(١) انظر معجم الأدباء لياقوت الحموي ١٩: ٧.

(٢) انظر معجم الادباء ١٩: ٩، و الشعر هكذا:

يا زمانا البس الأح

رار ذلاّ و مهانه

لست عندي بزمان

إنّما أنت زمانه

() الزمانة: العاهة و تعطيل القوى. (هامش المعجم).

(٣) ديوان البحتري ٢: ١٢ ١٣ طبعة دار صعب، بيروت.

(٤) التوبة: ٧٩.

(٥) الاسراء: ٦٠.

الذي لا يستفيق من جهله، بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم( ١) .

«و لا نسأل عمّا جهلنا» أيضا: و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم و ضمنه، و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه( ٢) .

«و لا نتخوف قارعة حتى تحلّ بنا» القارعة: الشديدة من الشدائد، و لذا سميت بها القيامة. و عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : شيّبتني قوارع القرآن( ٣) .

«فالناس على أربعة أصناف» المراد الناس المذمومون.

«منهم من لا يمنعه الفساد إلاّ مهانة نفسه» هكذا في (المصرية)( ٤) ، و الصواب: «منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلاّ مهانة نفسه» كما في (ابن أبي الحديد) و غيره( ٥ ) . و مهانة نفسه: حقارتها. و «الفساد» منصوب بنزع الخافض.

قالوا: لما أرادوا البيعة لمروان بعد يزيد قام روح بن زنباع فقال:

تذكرون عبد اللّه بن عمر و صحبته و لكنه رجل ضعيف مهين و ليس مثله بصاحب الامة( ٦) .

«و كلالة حدّه» من كلّ السيف: إذا لم يقطع.

«و نضيض وفره» من نضّ الماء: سال قليلا قليلا، و سقاء أوفر: لم ينقص من أديمه شي‏ء، و هذا الصنف هم الأكثرون من الناس، و في طبعهم الفساد في

____________________

(١) الكافي ١: ٤٥، ح ٦.

(٢) الكافي للكليني ١: ٣٠ ح ٤، بتقطيع.

(٣) نقله بهذا اللفظ الزمخشري في الأساس: ٣٦٣ مادة (قرع)، لكن المشهور غير هذا اللفظ.

(٤) نهج البلاغة ١: ٧٣، من الخطبة ٣٢، و فيه «منهم من لا يمنعهم...».

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٧٦ و ابن ميثم الطبع الحجري ٢: ١٤٥، و فيه «منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض».

(٦) تاريخ الطبري ٥: ٥٣٦، احداث سنة ٦٤ ه، طبعة دار سويدان، بيروت.

الأرض، إلاّ أنّ مهانة نفسه و قلة ماله تمنعانه ممّا في باطنه، فإن صار يوما ذا مكنة و رياسة يظهر مكنونه و يعلم خبثه، كالحجّاج في أول أمره لما كان معلما بالطائف و آخره لما لحق بعبد الملك.

«و منهم المصلت لسيفه» أي: المجرّد له من غمده. خرج عبد اللّه بن علي على المنصور في أهل خراسان، فخشي ألاّ يناصحوه فأمر صاحب شرطته فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، و قتل مصعب بن الزبير من المستسلمين من عسكر المختار سبعة آلاف صبرا، فقال له ابن عمر: أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة؟ عش ما استطعت. فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة سحرة سموهم كفرة سحرة لمّا طالبوا بدم ابن بنت نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له ابن عمر: و اللّه لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا( ١) .

«و المعلن بشرّه» في الخبر: شر الناس من أكرمه الناس اتّقاء شره( ٢) .

«و المجلب عليهم بخيله و رجله» و الاجلاب كذلك كناية عن صرف غاية جهده، و الخيل: الفرسان و الرّجل: الرجالة، قال تعالى في الشيطان و استفزز من استطعت منهم بصوتك و أجلب عليهم بخيلك و رجلك( ٣) .

«قد اشرط نفسه» أي: أعذها و جعل لها علامة يعرفونه بها.

«و أوبق دينه» أي: أهلكه.

«لحطام ينتهزه» أي: يغتنمه، و الحطام: ما تكسّر من اليبس.

«أو مقنب يقوده» في (الصحاح) المقنب: ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل( ٤) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٦: ١١٢ ١١٣، احداث سنة ٦٧ ه، طبعة دار سويدان، بيروت.

(٢) الكافي ٢: ٣٢٦ ٣٢٧، ح ٢ و ٤، بتصرف.

(٣) الاسراء: ٦٤.

(٤) الصحاح ١: ٢٠٦.

روى (اسد الغابة) عن ابن حاطب أنه ذكر ابن الزبير فقال: طالما حرص على الامارة. أتي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بلص فأمر بقتله، فقيل له: إنه سرق. فقال: إقطعوه.

ثم أتي به بعد إلى أبي بكر و قد سرق و قد قطعت قوائمه فقال: ما أجد لك شيئا إلاّ ما قضى فيك النبيّ يوم أمر بقتلك، فانه كان أعلم بك، ثم أمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم. فقال ابن الزبير: أمّروني عليكم فأمّرناه علينا ثم انطلقنا به فقتلناه( ١) .

«أو منبر يفرعه» أي: يصعده، للفرزدق في فقيمي صار أميرا:

بكى المنبر الشرقي إذ قام فوقه

خطيب فقيميّ قصير الدوارج( ٢)

و في (ديوان البحتري) في مدح المعتز و هجو المستعين:

بكي المنبر الشرقي إذ خار فوقه

على الناس ثور قد تدلّت غباغبه( ٣)

و في (المروج): لما ولّي سعيد بن العاص الكوفة بعد الوليد بن عقبة الذي صلّى الصبح أربعا في سكره، أبى أن يصعد المنبر حتى يغسل، و قال: إنّ الوليد كان رجسا نجسا( ٤) .

«و لبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا، و ممّا عند اللّه عوضا» بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه( ٥ ) ، أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون( ٦) .

«و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا» في

____________________

(١) أسد الغابة ١: ٣٢٢.

(٢) لسان العرب ٢: ٢٦٧، طبعة ايران، نشر أدب الحوزة، مادة (درج).

(٣) ديوان البحتري ١: ٩٠، طبعة دار صعب، بيروت.

(٤) مروج الذهب ٢: ٣٣٦.

(٥) البقرة: ٩٠.

(٦) البقرة: ٨٦.

(الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهره اللّه له أكثر مما أراد، و من أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه و سهر من ليله أبى اللّه تعالى إلاّ أن يقلله في عين من سمعه( ١) .

و في (المروج): أظهر ابن الزبير الزهد في الدنيا و العبادة مع الحرص على الخلافة و قال: انما بطني شبر فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا، و أنا العائذ بالبيت و المستجير بالرب، و كثرت أذيته لبني هاشم مع شحّه بالدنيا على سائر الناس، فقال أبو حرة:

لو كان بطنك شبرا قد شبعت و قد

أفضلت فضلا كثيرا للمساكين

فيا راكبا إما عرضت فبلغن

كبير بني العوام إن قيل من تعني

تخبّر من لاقيت أنك عائذ

و تكثر قتلا بين زمزم و الركن

تخبّرنا أن سوف تكفيك قبضة

و بطنك شبر أو أقلّ من الشبر

و أنت إذا ما نلت شيئا قضمته

كما قضمت نار الغضا حطب السدر( ٢)

«قد طامن من شخصه» أي: سكن منه «و قارب من خطوه» في (الصحاح) الخطوة بالضم ما بين القدمين( ٣) .

____________________

(١) الكافي ٢: ٢٩٦، ح ١٣.

(٢) مروج الذهب ٣: ٧٥ و البيت الأخير لفيروز الديلمي لا لأبي مرة.

(٣) الصحاح للجوهري ٦: ٢٣٢٨.

«و شمّر من ثوبه» أي: رفع منه. في خبر (الكافي): رأى سفيان الثوري الصادقعليه‌السلام في المسجد الحرام و عليه ثياب حسان، فقال له ما لبس النبيّ و علي مثل هذا اللباس. فقال: كان النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله في زمان قتر مقتر، و كان يأخذ لقتره و إقتاره، و إن الدنيا بعد ذلك أرخت عز اليها، فأحق أهلها بها أبرارها ثم تلا قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق( ١ ) ، و نحن أحق من أخذ منها ما أعطاه اللّه، غير أني يا ثوري ما ترى عليّ من ثوب إنما ألبسه للناس، ثم اجتذب يد سفيان فجرّها إليه ثم رفع الثوب الأعلى و أخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا و قال: ألبسه لنفسي و ما رأيته للناس ثم جذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ خشن و داخل ذلك ثوب ليّن و قال: لبست هذا الأعلى للناس و لبست هذا لنفسك تسرّها( ٢) .

و في (البيان): ان الحسنعليه‌السلام قال: إن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، و كبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة أشد فرحا بمدرعته من صاحب المطرف بمطرفه( ٣ ) . و لبعضهم:

يرى الناس الهيئة كالمسيح بن مريم

و في ثوبه المسيّح او هو اغدر

أغرّكم منه تقلّص ثوبه

و ذلك حبّ تحته الفخّ فاحذروا( ٤)

«و زخرف من نفسه للأمانة» أي: زين و موّه.

و في خبر (الكافي): بينا يطوف الصادقعليه‌السلام إذ جذب عبّاد بن كثير البصري ثوبه و قال له: تلبس مثل هذا اللباس مع المكان الذي أنت فيه من عليّعليه‌السلام فقال: كان علي في زمان يستقيم له ما لبس فيه، و لو لبست مثل ذلك

____________________

(١) الأعراف: ٣٢.

(٢) الكافي ٦: ٤٤٢، ح ٨.

(٣) البيان و التبيين ٣: ١٥١، و فيه «... حتى لصاحب المدرعة بمدرعته أشد فرحا من...».

(٤) أي: الشيطان.

اللباس لقال الناس: هذا مراء مثل عباد( ١) .

«و اتخذ ستر اللّه ذريعه إلى المعصية» يستخفون من الناس و لا يستخفون من اللّه و هو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول و كان اللّه بما يعملون محيطا( ٢) .

و قالعليه‌السلام : لا تبدين عن واضحة و قد عملت الأعمال الفاضحة، و لا يأمن البيات من عمل السيئات( ٣) .

«و منهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه» أي: حقارتها «و انقطاع سببه» أي: وسيلته و وصلته «فقصر به الحال على حاله» أي: لم يقدر على طلب امارة لضؤولته.

«فتحلّى باسم القناعة» أي: جعل اسم القناعة حلية له.

«و تزين بلباس أهل الزهادة» أي: جعل لباس أهل الزهادة زينة له.

و أنت بالليل لا حريم له

و بالنهار على سمت ابن سيرين( ٤)

«و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى» كناية عن أنه ليس من الزهد و القناعة في شي‏ء، كما أن قولهم «ما ترك فلان من أبيه مغدى و لا مراحا»( ٥ ) كناية عن كمال شباهته به، و المراد بالصنف الأخير الذي ذكرهعليه‌السلام : الصوفية الضالّة المضلّة كعمرو بن عبيد و الثوري.

«و بقي رجال» غير الأصناف المذمومين، و هم الذين لا أثر لسوء الزمان فيهم لكونهم عارفين باللّه تعالى و بجلاله، و بفناء هذه الدنيا، و أنهم

____________________

(١) الكافي ٦: ٤٤٣، ح ٩.

(٢) النساء: ١٠٨.

(٣) أخرجه الكافي ٢: ٢٦٩، ح ٥.

(٤) ربيع الابرار ١: ٨١٢، و البيت لموسى العجلي.

(٥) انظر لسان العرب (دار احياء التراث العربي، بتحقيق و تنسيق علي شيري) ٥: ٣٦٣، مادة (روح).

لدار أخرى و هم شيعتهعليه‌السلام .

«غضّ أبصارهم ذكر المرجع» و قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون( ١) .

«و أراق دموعهم خوف المحشر» أي: صبّها.

روى الكشي، أن أباذر بكى من خشية اللّه حتى اشتكى عينيه فخافوا عليهما فقيل له: لو دعوت اللّه في عينيك. فقال: إني عنهما لمشغول و ما عناني أكثر. فقيل له: و ما شغلك عنهما؟ قال: العظيمتان: الجنّة و النار( ٢) .

«فهم بين شريد ناد» الشريد: الطريد، و نادّ من «ندّ» إذا انفرد و ذهب على وجهه.

روى الطبري عن إسحاق الهمداني قال: إجتمع نفر بالكوفة يطعنون على عثمان من أشراف أهل العراق مالك الأشتر، و ثابت بن قيس النخعي، و كميل ابن زياد الأزدي، و عروة بن الجعد، و عمرو بن الحمق الخزاعي، فكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب إليه أن سيّرهم إلى الشام و ألزمهم الدروب( ٣) .

و روى خبرا آخر عن الواقدي و زاد فيهم صعصعة بن صوحان، و في خبره، أن معاوية كتب إلى عثمان بعد تسيير سعيد لهم إلى الشام: إني لست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم فارددهم إلى مصرهم.

فكتب عثمان إلى معاوية بردّهم إلى سعيد بالكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان يضج منهم، فكتب عثمان إليه أن سيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد

____________________

(١) المؤمنون: ٦٠.

(٢) الكشي: ٢٨ ح ٥٤.

(٣) تاريخ الطبري (تحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم، طبع بيروت) ٤: ٣٢٦، نقله المصنّف بتصرف.

بحمص، و كتب عثمان إلى الأشتر و أصحابه: إني سيّرتكم إلى حمص فإذا أتاكم كتابي هذا فانصرفوا إليها فانكم لستم تألون الاسلام و أهله شرا. فلما قرأ الأشتر الكتاب قال: اللهم أسوأنا نظرا للرعية و أعملنا فيهم بالمعصية فعجل له النقمة( ١) .

و روى الواقدي عن صهبان مولى الأسلميين قال: رأيت أباذر يوم أدخل على عثمان فقال له عثمان: أنت الذي فعلت و فعلت. فقال له أبوذر:

نصحتك فاستغششتني، و نصحت صاحبك فاستغشّني. قال عثمان: كذبت.

و لكنك تريد الفتنة، قد أنغلت الشام علينا إلى أن قال قال عثمان: أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب، أضربه أو أحبسه أو أقتله. فإنه قد فرّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام؟ فتكلم عليّعليه‌السلام و كان حاضرا فقال:

أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون و ان يك كاذبا فعليه كذبه و ان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ان اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب( ٢ ) فأجابه عثمان بجواب غليظ، و أجابه علي بمثله...( ٣) .

و روى الجوهري في (سقيفته) عن ابن عباس قال: لما خرج أبوذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: الا يكلّم أحد أباذر و لا يشيّعه، و أمر مروان أن يخرج به، فخرج به و تحاماه الناس إلاّ عليّاعليه‌السلام إلى أن قال فقال أبوذر لهعليه‌السلام : إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، و كره عثمان أن أجاور أخاه و ابن خاله يعني الوليد بن عقبة و ابن عامر بالمصرين يعني الكوفة و البصرة فأفسد الناس عليهما فسيّرني إلى بلد

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٢٥ ٣٢٦.

(٢) غافر: ٢٨.

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٥٦، و ٨: ٢٥٩، (طبعة القاهرة بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم).

ليس لي به ناصر و لا دافع إلاّ اللّه، و و اللّه ما أريد إلاّ اللّه صاحبا و لا أخشى مع اللّه وحشة( ١) .

«و خائف مقموع» أي: مذلل، روى الواقدي أن ابن مسعود لما قدم المدينة دخلها ليلة جمعة، فقال عثمان: أيّها الناس قد طرقكم الليلة دويبة إلى أن قال و صاحت عائشة: يا عثمان أ تقول هذا لصاحب النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال لها: اسكتي.

ثم قال لابن زمعة: أخرجه إخراجا عنيفا، فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان( ٢) .

«و ساكت مكعوم» من كعمت البعير، إذا جعلت في فمه شيئا تشدّه به، في (تاريخ اليعقوبي) عن بعضهم قال: دخلت مسجد النبيّ‏ّّصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها و هو يقول:

و اعجبا لقريش و دفعهم هذا الأمر عن أهل بيتهم و فيهم أوّل المؤمنين باللّه و ابن عم رسول اللّه، أعلم الناس باللّه و أفقههم في دين اللّه و أعظمهم عناء في الاسلام و أبصرهم بالطريق، و أهداهم للصراط المستقيم، و اللّه لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقي و ما أرادوا اصلاحا للامة و لا صوابا في المذهب، و لكنهم آثروا الدنيا على الآخرة فبعدا و سحقا للقوم الظالمين.

فدنوت منه فقلت: من أنت يرحمك اللّه؟ و من هذا الرجل؟ فقال: أنا المقداد بن عمرو، و هذا الرجل علي بن أبي طالب. فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه؟

فقال: يا ابن أخي إنّ هذا الأمر لا يجزي فيه الرجل و لا الرجلان. فخرجت فلقيت

____________________

(١) السقيفة و فدك للجوهري: ٧٦ ٧٧.

(٢) أورده ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة ٣: ٤٣ و ٤٤، و نقله المصنف بتصرف.

أباذر فذكرت له ذلك فقال: صدق أخي المقداد...( ١) .

«وداع مخلص» أي: للفرج من شرّ الجبابرة، فكان الناس أيّام عثمان و استيلاء بني اميّة عليهم ينتظرون بالغير انتظار المجدب المطر و يدعون اللّه تعالى بإخلاص خاص للخلاص.

«و ثكلان موجع» كان عثمان سجن ضابئا أبا عمير بن ضابى‏ء حتى مات في سجنه، و لما أرادوا دفن عثمان أقبل عمير و عثمان موضوع على باب فنزا عليه و كسر ضلعا منه و قال له: سجنت أبي حتى مات( ٢) .

«قد أخملتهم التقية» كان عبد اللّه بن شداد الليثي يقول: وددت ان أترك فأحدّث بفضائل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام و أن عنقي ضربت بالسيف( ٣) .

«و شملتهم الذلة» فكان عثمان و بنو اميّة اتخذوا عباد اللّه خولا كما أخبر به النبيّ‏ّّصلى‌الله‌عليه‌وآله ( ٤ ) ، و يبيعهم زياد أيام امارته.

«فهم في بحر أجاج» أي: ملح مرّ.

«أفواههم ضامزة» في (الصحاح) ضمز: إذا سكت و لم يتكلم، و كذلك البعير إذا أمسك جرّته في فيه و لم يجترّ( ٥) .

«و قلوبهم قرحة» في نقض (عثمانية الاسكافي): أن بني اميّة كانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر عليّ و ولدهعليهم‌السلام ، و يطفئوا نورهم و يكتموا فضائلهم و مناقبهم و سوابقهم، و يحملوا على سبّهم و لعنهم

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٣.

(٢) انظر تاريخ الطبري ٤: ٤١٤، في وقائع سنة ٣٥ ه. ق.

(٣) سير اعلام النبلاء ٣: ٤٨٨ ٤٨٩، طبعة بيروت، مؤسسة الرسالة.

(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ٤٧٩، و أبو ليلى في مسنده، عنه المطالب العالية ٤: ٣٣٢ ح ٤٥٣١، و مصعب الزبيري في نسب قريش: ١٠٩، و غيرهم.

(٥) الصحاح ٣: ٨٨٢، بدون كلمة «إذا».

على المنابر، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلة عددهم و كثرة عدوّهم، فكانوا بين قتيل و أسير، و شريد و هارب، و مستخف ذليل، و خائف مترقب، حتى أن الفقيه و المحدّث و القاص و المتكلم ليتقدم إليه و يتوعد بغاية الإيعاد و أشد العقوبة ان لا يذكروا شيئا من فضائلهم و لا يرخصوا لأحد أن يطيف بهم، و حتى بلغ من تقية المحدّث أنه إذا ذكر حديثا عن عليّعليه‌السلام كنى عن ذكره فقال: قال رجل من قريش. و فعل رجل من قريش و لا يذكر عليّا و لا يتفوه باسمه، ثم رأينا جميع المتخلفين قد حاولوا نقض فضائله، و وجهوا الحيل و التأويلات نحوها من خارجي مارق، و ناصبي حنق، و نابت مستبهم، و ناشى‏ء معاند، و منافق مكذب و عثماني حسود يعترض فيها و يطعن، و معتزلي قد نظر في الكلام و أبصر علم الاختلاف، و عرف الشبه و مواضع الطعن و ضروب التأويل، قد التمس الحيل في إبطال مناقبه، و تأوّل مشهور فضائله، فمرة يتأوّلها بما لا يحتمل، و مرّة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض. قال: و لا يزداد مع ذلك إلاّ قوة و رفعة و وضوحا و استنارة... و ذلك من آيات اللّه تعالى فيهعليه‌السلام و في أهل بيته( ١) .

«و قد وعظوا حتى ملّوا» مثل امامهم. و في (الطبري) عن كثير بن عبد اللّه الشعبي قال: لما زحفنا إلى قتل الحسين خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح فقال: يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب اللّه نذار. إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، و نحن حتى الآن إخوة و على دين واحد و ملة واحدة ما لم يقع بيننا و بينكم السيف، و أنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، و كنّا أمّة و أنتم أمّة إلى أن قال فناداه رجل: إن أبا عبد اللّه يقول: أقبل. فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه و أبلغ

____________________

(١) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣: ٢١٩.

في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء و أبلغت لو نفع النصح و الإبلاغ( ١) .

«و قهروا حتى ذلوا» فكان زياد من قبل معاوية، و الحجّاج من قبل عبد الملك يقتلان الشيعة تحت كل حجر و مدر، و يسملان أعينهم، و يقطعان أيديهم و أرجلهم، و يخرّبان دورهم، و يكبلانهم بالأصفاد، و يدفنانهم أحياء.

«و قتلوا حتى قلوا» قتلوا جمعا منهم في الجمل، و جمعا منهم في صفين، و قتلوا من قدروا منهم بأي وسيلة، فقتلوا محمد بن أبي بكر في مصر إحراقا و قتلوا الأشتر في قلزم بالسم دسيسة.

في (الكشي) ارتد الناس بعد قتل الحسينعليه‌السلام إلاّ ثلاثة: أبو خالد الكابلي، و يحيى ابن ام الطويل...( ٢) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): ان الحسينعليه‌السلام كتب إلى معاوية: أ لست قاتل حجر و أصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة و العهود المؤكدة جرأة على اللّه و استخفافا بعهده؟ أ و لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقته العبادة و اصفرت لونه، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو أعطيته العصم نزلت من شعف الجبال؟ أ و لست المدعي زيادا في الاسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان و قد قضى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الولد للفراش و للعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم و يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يصلبهم على جذوع النخل؟ سبحان اللّه يا معاوية لكأنّك لست من هذه الامة و ليسوا منك، أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه زياد: انه على دين علي، و دين علي هو دين ابن عمهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٢٦ ٤٢٧.

(٢) الكشي: ١٢٣ ح ١٩٤.

أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، و لو لا ذلك كان أفضل شرفك و شرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء و الصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا منة منا عليكم...( ١) .

و روى المفيد أنهعليه‌السلام أخبر جويرية بن مسهر بقطع زياد يده و رجله، ثم صلبه على جذع نخل طويل، و أخبر ميثما بصلب ابن زياد له على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة و أقربهم من المطهرة أي: الأرض لقصر جذعه و كونه أول من ألجم في الاسلام، و أخبر رشيد الهجري بقطع زياد يده و رجله و لسانه و صلبه، و أخبر كميلا بقتل الحجاج له بضرب عنقه، و أخبر ميثما بقتل الحجاج له ذبحا فوقع الجميع كما أخبرعليه‌السلام ( ٢) .

«فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر» هكذا في (المصرية)( ٣ ) و (ابن أبي الحديد)( ٤ ) و لكن في (ابن ميثم و الخطية) «فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم»( ٥) .

«من حثالة القرظ» الحثالة: الردي‏ء من كل شي‏ء بحيث يسقط، و القرظ:

ورق السلم يدبغ به.

«و قراضة الجلم» القراضة: ما سقط بالقرض، أي: القطع، و الجلم الذي يجز به.

أمرعليه‌السلام بعد ذكر كون أهل الدنيا و هم أعداؤه كما شرح و أهل الآخرة و هم شيعته كما وصف بكون الدنيا عند طالبي النجاة كتلك الحثالة و القراضة في قلة القيمة و عدم الرغبة، حيث إنّ ذلك دليل على

____________________

(١) الإمامة ١: ١٨١.

(٢) الارشاد: ١٧٠ و ١٧٢.

(٣) نهج البلاغة ١: ٧٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٧٥.

(٥) ابن ميثم ٢: ١٤٥، هكذا (الطبع الحجري).

عدم قدرها عند اللّه تعالى.

و في الخبر: لو كان للدنيا عند اللّه تعالى قدر بقدر جناح بعوضة ما أعطى الكافر منها شربة ماء( ١ ) ، و قد كانت الدنيا عندهعليه‌السلام أهون من عراق خنزير في يد مجذوم، و من عفطة عنز( ٢) .

«و اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم» فكل من كان له لب رأى من وقت صار مميزا تلعّب الدنيا بمن كان جديا في هواها، و تقلّبها بمن كان مطمئنا بها، فيعرف أن عملها معه عملها معهم، حيث إنّ ذلك مقتضى طبعها.

«و ارفضوها ذميمة» أي: أتركوها مذمومة، يجوز في العين من «و ارفضوها» و هو الفاء الضم و الكسر.

في (الكشي): قال أبوذر: من جزى اللّه عنه الدنيا خيرا فجزاه اللّه عني بعد رغيفي شعير أ تغدّى بأحدهما و أ تعشّى بالأخرى، و بعد شملتي صوف أتّزر بأحدهما، و أرتدي بالآخر شرا( ٣) .

«فانها رفضت» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: «قد رفضت» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«من كان أشغف بها منكم» يجوز كون «أشغف» بالعين و الغين كما في قوله تعالى... قد شغفها حبا( ٦ ) و يقال شغفه الحب: إذا بلغ شغافه،

____________________

(١) أخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك ٤: ٣٠، و ابن ماجه في سننه ٢: ١٣٧٧ ح ٤١١٠.

(٢) أشار به إلى ما جاء في نهج البلاغة في الخطبة: ٣، و الحكمة: ٢٣٦.

(٣) الكشي: ٢٨ ح ٤٥.

(٤) نهج البلاغة ١: ٧٥.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٧٥، ابن ميثم ٢: ١٤٥، فيه «فانها قد رفضت».

(٦) يوسف: ٣٠.

و الشغاف غلاف القلب، و هو جلدة دونه كالحجاب.

في (الجهشياري): قال المنصور للمهدي ابنه: عزمت عليك ان أوليك الأمر و أرده إليك، فخرج المهدي مستبشرا إلى وزيره أبي عبيد اللّه فقال له: انما سبرك بما عرض عليك، فلما عرف ذلك المنصور قال له: كيف فهمت أني قلته سبرا له؟ قال: لاني سمعتك تقول: اني لأستيقظ بالليل فأدعو بالكتب فأضعها بين يدي و ادعو بالجارية فآمرها أن تمرخ ظهري بالدهن، فتفعل ذلك و أنا مقبل على كتبي و تدبيري، فعلمت أنك لا تدع شيئا يكون موقعه منك هذا الموقع و تؤثر به غيرك فقال له: أصبت و أحسنت( ١) .

و لما خرج عليه محمد بن عبد اللّه الحسني بالمدينة قال: لو خرج علي صاحب القبر يعني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أقتله.

قال الشريف «أقول» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و كله زائد.

أقول رأسا و قال الشريف: جعله من النهج و انما يصح من الشراح «هذه» هكذا في (المصرية)( ٣ ) و الصواب: و هذه كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤ ) «الخطبة نسبها من لا علم له إلى معاوية» و منهم ابن قتيبة في (عيونه)( ٥ ) و ابن عبد ربه في (عقده)( ٦) .

«و هي من كلام أمير المؤمنين الذي لا شك فيه» بشهادة متنه.

«و اين الذهب من الرغام» بالفتح التراب.

«و العذب» الماء الطيب.

____________________

(١) الوزراء و الكتاب للجهشياري: ٩١ ٩٢.

(٢) نهج البلاغة ١: ٧٥.

(٣) نهج البلاغة ١: ٧٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٧٥، ابن ميثم ٢: ١٤٥، هكذا.

(٥) عيون الأخبار لابن قتيبة ٢: ٢٣٧ و ٢٣٨.

(٦) العقد الفريد لابن عبد ربه ٤: ١٧٦.

«من الاجاج» الماء الملح المر.

«و قد دل على ذلك الدليل الخريّت» أي: الحاذق.

«و نقده الناقد البصير» من نقدت الدراهم: إذا أخرجت منها الزيف.

«عمرو بن بحر الجاحظ» لقب الرجل بالجاحظ لنتوء مقلة عينيه، قال الحموي في (ادبائه): صار الجاحظ إلى منزل بعض اخوانه فاستأذن عليه فخرج إليه غلام أعجمي فقال: من أنت؟ قال الجاحظ: فدخل الغلام: فقال الجاحد على الباب، و سمعها الجاحظ، فقال صاحب الدار للغلام: أنظر من الرجل، فخرج و سأل عن اسمه. فقال: أنا الحدقي لأن حدقته كانت ناتئة عن محجر العين و لذلك لقب فدخل الغلام فقال: «الحلقي»، و سمعها الجاحظ فصاح به في الباب: ردنا إلى الأول يريد أن قوله الجاحد مكان الجاحظ أسهل عليه من «الحلقي» مكان «الحدقي»( ١) .

و المصنّف و إن وصف الجاحظ هنا بما قال لنقده الخطبة إلاّ أنّ الرجل كان مخلطا، فكما صنّف كتاب (العباسية) و كشف فيه عن حقائق صنف كتاب (العثمانية) و كتاب (المروانية) و أتى فيهما بما كشف عن خافيه من نصبه و عداوته للّه و لرسوله.

قال المسعودي في (مروجه): صنّف الجاحظ كتابا استقصى الحجاج فيه عند نفسه، و عضده بالأدلّة فيما تصور من عقله، ترجمه بكتاب (العثمانية) يحلّ فيه عند نفسه فضائل عليّعليه‌السلام و مناقبه طلبا لإماتة الحق و مضادة أهله و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون( ٢ ) ، ثم لم يرض بهذا حتى أعقب

____________________

(١) معجم الادباء لياقوت الحموي ١٥: ٨٥، نقله عن المرزباني و نقل المصنف لم يخل عن التصرف.

(٢) الصف: ٨.

بتصنيف كتاب آخر في امامة المروانية( ١ ) ، و نقض كتابه جمع من العامة منهم أبو جعفر الاسكافي و للّه دره فقد بيّن في نقضه مخازيه و فضحه و ذكر مساويه، و أظن ان الرجل أي: الجاحظ كان راعيا لسلطان وقته، و أنه صنف (عباسيته) زمان المأمون المنصف الطالب للحقائق، و أراد نشر حلّيّة المتعة ناقما على عمر في تحريمه ما أحل اللّه، و صنف (عثمانيته) زمان المتوكل الذي كان ناصبيا و يقرب الاموية و من كان هواه هواهم و أراد كرب قبر الحسين، و الا كان الرجل زنديقا لا عقيدة له أصلا و مع نصبه كان وضّاعا.

قال المسعودي في (التنبيه و الإشراف): كان الجاحظ يؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، فينسبه إلى نفسه فلا يرى الأسماع تصغي إليه، و لا الارادات تيمم نحوه، ثم يؤلف ما هو أنقص منه رتبة و أقل فائدة، ثم ينحله عبد اللّه بن المقفع، أو سهل بن هارون، أو غيرهما من المتقدمين، و من طارت أسماؤهم في المصنفين، فيقبلون على كتبها، و يسارعون إلى نسخها( ٢) .

قلت: و أظن ان الكتاب المعروف بكتاب (آداب ابن المقفع) أحد مصاديق ما قاله المسعودي في (التنبيه) من كونه للجاحظ و نسبه إلى ابن المقفع، فابن المقفع كان ملحدا ظاهرا و باطنا فأين هو من مثل ذاك الكتاب، و الكتاب كتاب من كان واردا في علم التوحيد و آداب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و الأئمة ظاهرا مثل الجاحظ و ان كان باطنا مثل ابن المقفع.

فانه ذكر هذه الخطبة في كتاب (البيان و التبيين) ذكر فيه خطبا لأمير المؤمنينعليه‌السلام ثم خطبة لابن مسعود، ثم خطبة لعتبة بن

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٢٣٧.

(٢) التنبيه و الاشراف: ٦٦.

غزوان ثم ذكر هذه( ١) .

«و ذكر من نسبها إلى معاوية» فقال: خطبة لمعاوية رواها شعيب بن صفوان و زاد فيها اليقطري و غيره قالوا: لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك. فقال: و يحك و لم؟

قال: لا أدري. قال: فو اللّه ما لهم بعدي إلاّ الذي يسوؤهم، و أذن للناس فدخلوا فحمد اللّه و أثنى عليه و أوجز ثم قال: أيها الناس قد أصبحنا في دهر عنود...( ٢) .

ثم قال و هي بكلام علي أشبه و بمذهبه في تصنيف الناس و بالاخبار) هكذا في (المصرية)( ٣ ) و الصواب: «و في الأخبار» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤) .

عمّا هم عليه إلى آخر ما تقدم. قال الجاحظ: و في هذه ضروب من العجب منها ان هذا الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية، و منها ان هذا المذهب في تصنيف الناس و في الأخبار عنهم و عمّا هم عليه من القهر و الاذلال و من التقية و الخوف أشبه بكلام عليّعليه‌السلام و بمعانيه و بحاله منه بحال معاوية و منها انا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسالك الزهّاد، و لا يذهب مذاهب العباد و إنما نكتب لكم و نخبر بما سمعناه( ٥) .

قلت: ما ذكره شواهد قطعية على كذب دعوى شعيب المذكور، و يفهم من روايته أنه ناصبي وضّاع مثل سيف الذي يكثر الطبري عنه في أسانيده بقوله: كتب إليّ السرّيّ عن شعيب عن سيف. و اللّه يفضح المفتعل بذكر سبب

____________________

(١) البيان و التبيين للجاحظ ٢: ٥٨ و ٥٩.

(٢) البيان و التبيين للجاحظ ٢: ٥٨ و ٥٩.

(٣) نهج البلاغة ١: ٧٦، و فيه «ثم قال هي...» بدون الواو.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٧٦، ابن ميثم (الطبع الحجري) ٢: ١٤٥، هكذا.

(٥) البيان و التبيين للجاحظ ٢: ٦١، و نقله المصنف بتصرف.

غير مربوط كما عرفت من الجاحظ.

٢ - خطبة (١٢٥) و من خطبة لهعليه‌السلام في ذكر المكاييل:

عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّكُمْ وَ مَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ اَلدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ وَ مَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ وَ رُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لاَ يَزْدَادُ فِيْهِ اَلْخَيْرُ إِلاَّ إِدْبَاراً وَ اَلشَّرُّ إِلاَّ إِقْبَالاً وَ اَلشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ اَلنَّاسِ إِلاَّ طَمَعاً فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ وَ عَمَّتْ مَكِيدَتُهُ وَ أَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ اِضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ اَلنَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاَّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اَللَّهِ كُفْراً أَوْ بَخِيلاً اِتَّخَذَ اَلْبُخْلَ بِحَقِّ اَللَّهِ وَفْراً أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ اَلْمَوَاعِظِ وَقْراً أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَ صُلَحَاؤُكُمْ وَ أَحْرَارُكُمْ وَ سُمَحَاؤُكُمْ وَ أَيْنَ اَلْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ وَ اَلْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ اَلدُّنْيَا اَلدَّنِيَّةِ وَ اَلْعَاجِلَةِ اَلْمُنَغِّصَةِ وَ هَلْ خُلِّفْتُمْ إِلاَّ فِي حُثَالَةٍ لاَ تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ اَلشَّفَتَانِ اِسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَ ذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٦ ١١ ٢: ١٥٦ ظَهَرَ اَلْفَسَادُ فَلاَ مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ وَ لاَ زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ أَ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اَللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وَ تَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ هَيْهَاتَ لاَ يُخْدَعُ اَللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ وَ لاَ تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ لَعَنَ اَللَّهُ اَلْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ اَلتَّارِكِينَ لَهُ وَ اَلنَّاهِينَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ اَلْعَامِلِينَ بِهِ قول المصنّف: (و من خطبتهعليه‌السلام في ذكر المكاييل) هكذا في

(المصرية)( ١ ) و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢ ) «و من خطبة له في ذكر المكاييل و الموازين» ثم قال ابن أبي الحديد: و لست أرى في هذه الخطبة ذكرا للمكاييل و الموازين، اللهم إلاّ أن يكون قوله: «و أين المتورّعون في مكاسبهم»، أو قوله: «ظهر الفساد» و دلالتهما على الموازين و المكاييل بعيدة( ٣) .

و قال الخوئي: و قد يقال: إنّ ذلك ابتناء على ما هو دأب السيد و عادته في الكتاب من التقطيع و الالتقاط، فلعله أسقط ما اشتمل على ذكر المكاييل و الموازين، و لا يبعد أن يكون ذكر عنده تطفيف الناس في المكاييل و الموازين، فخطب بهذه الخطبة نهيا لهم عن ذلك المنكر( ٤) .

قلت: و هو أيضا بعيد كحمل ابن أبي الحديد، لأنه لو كان كما قال لقال:

«و من جملة خطبة كانت في ذكر المكاييل و الموازين» و لم يكن يعبّر بما هو ظاهر في الاشتمال عليهما فعلا.

و أقول: و لا يبعد أن يكون قوله: «المكاييل» محرف «المكايد» لقربهما خطا و يكون ذكر «الموازين» ان صحت نسخة ابن أبي الحديد و ابن ميثم من اضافات المحشين بمناسبة «المكاييل» خلطت بالمتن، و اشتمال الخطبة على ذكر كيد الشيطان و مكايد أتباعه من قولهعليه‌السلام : «و عمت مكيدته»، و قوله: «هل تبصر الا فقيرا يكابد فقرا» إلى آخر ما ذكر، واضح.

قولهعليه‌السلام «عباد اللّه انكم و ما تأملون من هذه الدنيا» أي: إنكم مع ما تأملون من الخلود في هذه الدنيا و بقاء الأموال.

«أثوياء مؤجلون» أي: مقيمون بآجال معيّنة شابا و كهلا و شيخا، فليس

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ١٥، و فيه: و من خطبة لهعليه‌السلام ...

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٤٤، ابن ميثم: ١٩٠، و فيه: «و من كلام لهعليه‌السلام في ذكر المكاييل و الموازين».

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٤٦.

(٤) شرح الخوئي ٤: ٤٦.

الأمر كما تأملون من الخلود يا أيّها الناس ان كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة و غير مخلّقة لنبيّن لكم و نقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدّكم و منكم من يتوفّى و منكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا...( ١ ) ،... انما هذه الحياة الدنيا متاع...( ٢ ) و قال:... فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون( ٣ ) و قال:... انما نعدّ لهم عدا( ٤ ) أي: أنفاسهم.

«و مدينون مقتضون» أي: مقرضون مطالبون بردّ الديون، فليس الأمر كما تأملون من بقاء الأموال في أيديكم، قال تعالى: و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم( ٥ ) و قال الأفوه الأودي في المعنيين:

إنّما نعمة قوم متعة

و حياة المرء ثوب مستعار( ٦)

و قال البحتري:

أصاب الدهر دولة آل وهب

و نال الليل منها و النهار

أعارهم رداء العزّ حتى

تقاضاهم فردّوا ما استعاروا( ٧)

و في (الطبري): لما قتل عبد الملك مصعبا و دخل الكوفة أمر بطعام كثير

____________________

(١) الحج: ٥.

(٢) غافر: ٣٩.

(٣) الاعراف: ٣٤.

(٤) مريم: ٨٤.

(٥) الانعام: ٩٤.

(٦) الشعر و الشعراء: ١٢٩، طبعة بيروت، دار الكتب العلمية.

(٧) ديوان البحتري ٢: ١٩٩، طبعة بيروت، دار صعب.

فصنع، و أمر به إلى الخورنق و أذن إذنا عاما، فدخل الناس، فأخذوا مجالسهم، فدخل عمرو بن حريث المخزومي، فقال له عبد الملك: إليّ و على سريري، فأجلسه معه، ثم جاءت الموائد، فأكلوا، فقال عبد الملك: ما ألذّ عيشنا لو أن شيئا يدوم و لكنّا كما قال الأول:

و كل جديد يا أميم إلى بلى

و كل امرى‏ء يوما يصير إلى كان

في (الطبري): فلما فرغ من الطعام طاف عبد الملك في القصر... ثم أتى مجلسه فاستلقى و قال:

اعمل على مهل فإنّك ميت

و اكدح لنفسك أيّها الانسان

فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى

و كأنّ ما هو كائن قد كان( ١)

أيضا: شهد سليمان بن عبد الملك جنازة بدابق قد دفنت في حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول: ما أحسن هذه التربة ما أطيبها، فما أتى عليه جمعة أو كما قال حتى دفن إلى جنب ذلك القبر( ٢) .

أيضا: لبس سليمان بن عبد الملك ثيابا خضرا من خزّ و نظر في المرآة فقال: أنا و اللّه الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة فصلّى بالناس الجمعة، فلم يرجع حتى وعك فلما ثقل عهد( ٣) .

«أجل منقوص» فكلّما تنفس نفسا خطا خطوة إلى قبره.

و عن الحسن: يا ابن آدم إنّما أنت عدد، فإذا مضى يوم فقد قضى بعضك.

«و عمل محفوظ» و كل صغير و كبير مستطر( ٤ ) ، ما يلفظ من قول إلاّ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٦: ١٦٧.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ٥٤٩.

(٣) تاريخ الطبري ٦: ٥٤٧.

(٤) القمر: ٥٣.

لديه رقيب عتيد( ١ ) ، و يقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا( ٢) .

«فربّ دائب» من الدأب، و الدائبان الليل و النهار.

«مضيع» يعني إذا كان الاجل ينقص دائما و العمل يحفظ كلّه فربّ ساع جاد يكون مضيعا لعمره و أيام مهلته، لأنه يجعل سعيه وجده في أمر دنياه الفانية، قال تعالى: بل قلوبهم في غمرة من هذا و لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون. حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون. لا تجأروا اليوم إنّكم منّا لا تنصرون. قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون( ٣) .

«و رب كادح خاسر» الكادح: الساعي الجاد، فإذا كان كدحه لغير عقباه يكون خاسرا يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه. فأمّا من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا. و ينقلب إلى أهله مسرورا. و أمّا من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورا. و يصلّى سعيرا. إنّه كان في أهله مسرورا. إنّه ظن أن لن يحور. بلى إنّ ربه كان به بصيرا( ٤) .

قال ابن أبي الحديد: و مثل قولهعليه‌السلام :

«فربّ دائب مضيع، و ربّ كادح خاسر» قول الشاعر:

إذا لم يكن عون من اللّه للفتى

فأكثر ما يجني عليه اجتهاده

و مثله:

____________________

(١) ق: ١٨.

(٢) كهف: ٤٩.

(٣) المؤمنون: ٦٣ ٦٦.

(٤) الانشقاق: ٦ ١٥.

إذا لم يكن عون من اللّه للفتى

أتته الرزايا من وجوه الفوائد( ١)

قلت: لا ربط لهما بقولهعليه‌السلام هذا مطلقا، و إنّما هما نظير قوله: تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير( ٢) .

«و قد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدبارا، و الشرّ إلاّ إقبالا» لأنّ من تقدم عليه من الثلاثة كانوا أهل دنيا، و ربّوا الناس لا سيما الأخير بطريقة لم يتمكن هوعليه‌السلام من اصلاحهم لعدم بسط يده، و قيام طلحة و الزبير و عائشة عليه في البصرة و معاوية و باقي بني أميّة في الشام في قباله، فكان الخير يزداد ادبارا و الشرّ إقبالا.

روى محمد بن يعقوب في (روضته) مسندا عن الأصبغ قال: أتى أمير المؤمنينعليه‌السلام ابن عمر و ولد أبي بكر و سعد بن أبي وقّاص يطلبون منه التفضيل لهم، فصعد المنبر و قال: أيّها الناس لا يقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم فاتخذوا العقار و فجّروا الأنهار و ركبوا أفره الدواب و لبسوا ألين الثياب فصار ذلك عليهم عارا و شنارا إن لم يغفر لهم الغفار، إذا ما منعتهم ما كانوا فيه يخوضون و صيرتهم إلى ما يستوجبون فيفقدون ذلك فيسألون و يقولون: ظلمنا ابن أبي طالب و حرمنا إلى أن قال يسلط اللّه عليكم قوما فينتقم لي منكم، فلا دنيا استمتعتم بها و لا آخرة صرتم إليها، فبعدا و سحقا لأصحاب السعير( ٣) .

قلت: سنّ التفضيل لهم على خلاف كتاب اللّه تعالى و سنة رسوله عمر ثم عثمان و عوّدهم عثمان الترف أيضا، فلم يرضوا بخلافتهعليه‌السلام و تخلفوا عن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٤٥.

(٢) نهج البلاغة، الحكمة ١٥.

(٣) روضة الكافي ٣٦٠ ٣٦٢، و نقله بتصرف.

نصرته، فعاقبهم اللّه بالخلافة السفيانية ثم المروانية.

و في (الطبري): قام الحسينعليه‌السلام بذي حسم إلى أن قال «ألا ترون أن الحق لا يعمل به و أن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقا، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة و لا الحياة مع الظالمين إلاّ برما». فقام زهير و قال لأصحابه: تكلمون أم أتكلّم؟ قالوا: بل تكلّم. فقال: قد سمعنا يا ابن رسول اللّه مقالتك، و اللّه لو كانت الدنيا لنا باقية و كنّا فيها مخلدين الا أن فراقها في نصرك و مواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها. قال فدعاعليه‌السلام له خيرا( ١) .

و في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام : إن الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك:

ملك ينادي يا صاحب الخير أتم و أبشر، و ملك ينادي يا صاحب الشر إنزع و أقصر، و ملك ينادي أعط منفقا خلفا لا آت ممسكا تلفا، و ملك ينضحها بالماء و لو لا ذلك اشتعلت الأرض( ٢) .

هذا، و للخالدي في بغداد:

بغداد صار خيرها شرّا

صيّرها اللّه مثل سامرّا

«و الشيطان في هلاك الناس إلاّ طمعا» فكان من يوم رجمه طامعا في اهلاكهم حيث قال للّه تعالى: لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينّهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين( ٣ ) و قال له أيضا:... لأغوينّهم أجمعين. إلاّ عبادك منهم المخلصين( ٤ ) و قد قال تعالى: و لقد صدّق عليهم إبليس ظنه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٠٤.

(٢) الكافي ٤: ٤٢، ١.

(٣) الأعراف: ١٦، ١٧.

(٤) الحجر: ٣٩ ٤٠.

فاتّبعوه إلاّ فريقا من المؤمنين( ١) .

«فهذا أوان قويت عدته» لمساعدة شياطين الإنس له.

«و عمّت مكيدته» للعالم و الجاهل و العام و الخاص.

«و امكنت فريسته» و لا سيّما بالنساء فإنهنّ فخّه، و النظر سهم مسموم من سهامه.

و في (تاريخ بغداد): قال أبو الفرج الرستمي البغدادي: سمعت المحترق البصري يقول: رأيت إبليس في النوم فقلت: كيف رأيتنا عزفنا عن الدنيا و لذّاتها و أموالها فليس لك إلينا طريق؟ فقال: كيف رأيت ما استملت فيه قلوبكم باستماع السماع و من شره الاحداث( ٢) .

و في (الحلية) عن وهب بن منبه ان رجلا من بني إسرائيل صام سبعين أسبوعا يفطر في كل سبعة أيام يوما و هو يسأل اللّه تعالى أن يريه كيف يغوي الشيطان الناس، فلما أن طال ذلك عليه و لم يجب قال: لو أقبلت على خطيئتي و ما بيني و بين ربي لكان خيرا لي، فأرسل تعالى إليه ملكا و قال: أرسلني تعالى إليك و هو يقول: ان كلامك هذا الذي تكلمت به أعجب إليّ ممّا مضى من عبادتك و قد فتح بصرك فانظر، فإذا أحبولة لإبليس قد أحاطت بالأرض و إذا ليس أحذ من بني آدم إلاّ و حوله شياطين مثل الذباب، فقال: أي رب من ينجو من هذا؟ قال: الورع اللين( ٣) .

«اضرب بطرفك حيث شئت من الأرض» الطرف: العين، أي: إستعمل عينك بقدر ما ترى من أطراف الأرض، قال شاعر:

____________________

(١) سبأ: ٢٠.

(٢) تاريخ بغداد ١٤: ٤٢٩.

(٣) حلية الاولياء ٤: ٣٢، و نقله المصنف بتصرف و تلخيص.

أقلّب الطرف تصعيدا و منحدرا

فما أقابل إنساني بإنسان

«هل» هكذا في (المصرية)( ١ ) و الصواب: (فهل) كما في الثلاثة( ٢) .

«تبصر إلاّ فقيرا يكابد فقرا» كأبي دلامة و امرأته أم دلامة، دخل الرجل على المهدي و قال له: ماتت امرأته و خلّفت صغارا، و دخلت المرأة على الخيزران و قالت لها: مات زوجها و خلّف صغارا، فأخذ كل منهما بهذا الكيد قدرا( ٣) .

و في الخبر: من فتح على نفسه باب مسألة، فتح اللّه عليه باب فقر، و انه لو علم الناس ما في السؤال لما سأل أحد أحدا، و إن من سأل و عنده قوت ثلاثة أيام لقي اللّه يوم القيامة و لا لحم لوجهه( ٤ ) ، و ان المؤمن و الشيعة لا يمكن أن يكونا من أهل السؤال. و قال المعري:

قالوا فلان جيد فأجبتهم

لا تكذبوا ما في البرية جيد

فغنيهم نال الغناء ببخله

و فقيرهم بصلاته يتصيّد( ٥)

«أو غنيا بدّل نعمة اللّه كفرا» و تجعلون رزقكم أنّكم تكذبون( ٦ ) ، و ان

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ١٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٤٤، ابن ميثم (الطبع الحجري): ١٩٠، السطر ٣٣ هكذا.

(٣) الأغاني ١٠: ٢٥٥.

(٤) هذا تأليف ثلاثة أحاديث أخرجها الكليني ٤: ١٩، ح ٢ و ٢٠، ح ٢، و عقاب الأعمال: ٣٢٥، ح ١.

(٥) في لزوم ما لا يلزم ١: ٤٤٥، طبعة سورية دمشق، دار طلاس. ورد البيتان هكذا:

قالوا فلان جيّد لصديقه

لا يكذبوا ما في البرية جيّد

فأميرهم نال الإمارة بالخنا

و تقيهم بصلاته يتصيّد

(٦) الواقعة: ٨٢.

اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم( ١ ) ، فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون( ٢ ) ،... لئن شكرتم لأزيدنّكم و لئن كفرتم إنّ عذابي لشديد( ٣) .

«أو بخيلا اتخذ البخل بحق اللّه وفرا» في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : من منع حقّا للّه عزّ و جلّ أنفق في باطل مثليه( ٤) .

و عن الباقرعليه‌السلام : ان اللّه تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم، مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيد أنملة، معهم ملائكة يعيّرونهم تعييرا شديدا، يقولون: هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤلاء الذين أعطاهم اللّه فمنعوا حق اللّه في أموالهم( ٥) .

و عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة( ٦ ) ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلاّ جعل اللّه عزّ و جلّ ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار، مطوقا في عنقه، ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب( ٧) .

و عنهعليه‌السلام : ما أدّى أحد الزكاة فنقصت من ماله، و لا منعها أحد فزادت في ماله( ٨) .

____________________

(١) الرعد: ١١.

(٢) النحل: ١١٢.

(٣) إبراهيم: ٧.

(٤) الكافي للكليني ٣: ٥٠٦ ح ٢١.

(٥) الكافي للكليني ٣: ٥٠٦ ح ٢٢.

(٦) آل عمران: ١٨٠.

(٧) الكافي للكليني ٣: ٥٠٢ ح ١.

(٨) الكافي للكليني ٣: ٥٠٤ ح ٦.

و عنهعليه‌السلام : ملعون ملعون مال لا يزكى( ١) .

و عن النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما محق الاسلام محق الشح شي‏ء. ثم قال: إنّ لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل، و شعبا كشعب الشوك( ٢) .

و عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : إذا لم يكن للّه في عبد حاجة، ابتلاه بالبخل( ٣) .

و عنهعليه‌السلام قال لرجل قال: الشحيح أعذر من الظالم: كذبت، إن الظالم قد يتوب و يستغفر و يرد الظلامة على أهلها، و الشّحيح إذا شحّ منع الزكاة و الصدقة، و صلة الرحم، و قرى الضيف، و النفقة في سبيل اللّه و أبواب البر، و حرام على الجنة أن يدخلها شحيح( ٤) .

«أو متمردا كأنّ باذنه عن سمع المواعظ وقرا» أي: ثقلا، قال تعالى و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و كلّمهم الموتى و حشرنا عليهم كل شي‏ء قبلا ما كانوا ليؤمنوا( ٥) .

و في (تفسير القمي): قال أبوذر: بشّر المتكبّرين بكيّ في الصدور، و سحب على الظهور.

«أين خياركم و صلحاؤكم» لبعضهم:

ذهب الرجال فما أحسّ رجالا

و أرى الإقامة بالعراق ضلالا( ٦)

«و أحراركم» هكذا في (المصرية)( ٧ ) و الصواب: (و أين أحراركم)

____________________

(١) الكافي للكليني ٣: ٥٠٥ ح ١٣.

(٢) الكافي للكليني ٤: ٤٥ ح ٥.

(٣) الكافي للكليني ٤: ٤٤، ١ ٢.

(٤) الكافي ٤: ٤٤، ١ و ٢.

(٥) الأنعام: ١١١.

(٦) هذا البيت لابن المولى الشاعر، أنظر تاريخ بغداد ٦: ٣٣٠.

(٧) نهج البلاغة ٢: ١٦، من الخطبة ١٢٩.

كما في الثلاثة( ١) .

«و سمحاؤكم» أي: أجوادكم.

و في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام : ان اللّه عزّ و جلّ جعل للمعروف أهلا من خلقه حبّب إليهم فعاله، و وجّه لطالب المعروف الطلب إليهم، و يسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيث للأرض المجدبة، ليحييها و يحيي به أهلها، و إن اللّه عزّ و جلّ جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف و بغض إليهم فعاله، و حظر على طلاب المعروف الطلب إليهم، و حظر عليهم قضاءه، كما حرّم الغيث على الأرض المجدبة، ليهلكها و يهلك أهلها، و ما يعفوا اللّه أكثر( ٢) .

و في (الأغاني): قال الأصمعي: مرّ أسماء بن خارجة الفزاري على الفرزدق و هو يهنا بعيرا له لنفسه فقال له: يا فرزدق كسد شعرك و اطرحتك الملوك فصرت إلى مهنة إبلك فقد أمرت لك بمائة بعير. فقال الفرزدق يمدحه: الأبيات( ٣) .

و قال أبو عبيدة: دخل الفرزدق على بلال بن أبي موسى فأنشده قصيدة. فقال له بلال: هلكت و اللّه أين مثل شعرك في سعيد و العباس بن الوليد؟ و سمّى قوما آخرين فقال: جئني بحسب مثل أحسابهم حتى أقول فيك كقولي فيهم، فغضب بلال حتى دعى له بطشت فيه ماء بارد فوضع يده فيه حتى سكن.

«و أين المتورعون في مكاسبهم» في (الكافي): قال النبيّ:صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي هذه المكاسب الحرام، و الشهوة الخفيّة، و الربا.

____________________

(١) في نسختنا من شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٤٤ «و احراركم»، و في شرح ابن ميثم: ١٩٠، «و اين احراركم».

(٢) الكافي للكليني ٤: ٢٥، ٢.

(٣) راجعها في الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني ٢١: ٣٦٢.

و قال الصادقعليه‌السلام : إذا اكتسب الرجل مالا من غير حلّه ثم حجّ فلبّى، نودي «لا لبيك و لا سعديك»، و إن كان من حله فلبّى، نودي «لبيك و سعديك».

و قالعليه‌السلام : كسب الحرام يبين في الذرية.

و قالعليه‌السلام في قوله تعالى و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا( ١ ) فقال: ان كانت أعمالهم لأشد بياضا من القباطي، فيقول تعالى لها:

كوني هباء، و ذلك انهم إذا شرع لهم الحرام أخذوه( ٢) .

في (الحلية): قالت أخت بشر الحافي لأحمد بن حنبل: إنّا نغزل بالليل و معاشنا منه، و ربما يمرّ بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد و نحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة و الطاقتين أ فتحله لنا أم تحرمه؟ فقال: لا عدمتكم يا آل بشر، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم( ٣) .

«و المتنزهون في مذاهبهم» في (الكافي) قيل للصادقعليه‌السلام : فلان و فلان و فلان يسألونك الدعاء. فقال: و ما لهم. قيل: حبسهم المنصور. فقال: و ما لهم و ما له؟ قيل: استعملهم فحبسهم. فقال: و ما لهم و له، أ لم أنههم؟ أ لم أنههم؟ أ لم أنههم؟ هم النار. هم النار. هم النار. ثم قال: اللّهم اجدع عنهم سلطانه. قال ابن مهاجر: فانصرفنا عن مكة فسألنا عنهم فإذا هم قد أخرجوا بعد ذلك الكلام بثلاثة أيام.

و قال الصادقعليه‌السلام بعد ذكر سؤال زرارة عن الدخول في أعمال الظلمة: متى كانت الشيعة تسأل عن أعمالهم؟ إنما كانت الشيعة تقول: نأكل من طعامهم و نشرب من شرابهم و نستظل بظلهم، متى

____________________

(١) الفرقان: ٢٣.

(٢) الكافي للكليني ٥: ١٢٤ ١٢٦ ح ١ و ٣ و ٤ و ١٠.

(٣) حلية الأولياء ٨: ٣٥٣، طبعة بيروت، دار الكتاب العربي.

كانت الشيعة تسأل عن هذا؟( ١ ) و في (النجاشي): حكى بعض أصحابنا أنّ صفوان بن يحيى كلفه رجل حمل دينارين إلى أهله بالكوفة، فقال: إن جمالي مكرية و أنا أستأذن الاجراء( ٢) .

«أ ليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنيّة» الظعن في مقابل الإقامة، قال تعالى يوم ظعنكم و يوم اقامتكم( ٣) .

«و العاجلة المنغصة» أي: المكدّرة العيش.

«و هل خلفتم إلاّ في حثالة» في (الصحاح) الحثالة: كأنه الردي‏ء من كل شي‏ء( ٤ ) ، و لأبي الأسود:

ذهب الرّجال المقتدى بفعالهم

و المنكرون لكل أمر منكر

و بقيت في خلف يزكّي بعضهم

بعضا ليدفع معور عن معور( ٥)

و للببغاء:

و شاع البخل في الأشياء حتى

يكاد يشح بالريح الهبوب

فكيف نخص باسم العيب شيئا

و أكثر ما نشاهده معيب

و لعبد الحميد الكاتب:

ترحّل ما ليس بالقافل

و أعقب ما ليس بالزائل

فلهفي على الخلف النازل

و لهفي على السلف الراحل

أبكي على ذا و أبكي لذا

بكاء مولّهة ثاكل

____________________

(١) الكافي للكليني ٥: ١٠٥ ١٠٧، ح ٢ و ٨.

(٢) النجاشي: ١٤٠.

(٣) النحل: ٨٠.

(٤) الصحاح للجوهري ٤: ١٦٦٩.

(٥) انظر معجم الادباء ١٢: ٣٨.

تبكي من ابن لها قاطع

و تبكي على ابن لها واصل

فليست تفتر عن عبرة

لها في الضمير و من هائل

و للبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

و بقيت في خلف كجلد الأجرب

يتأكّلون مغالة و خيانة

و يعاب قائلهم و ان لم يشغب( ١)

و قال البحتري:

و خلّفني الزمان على أناس

وجوههم و أيديهم حديد

لهم حلل حسنّ فهنّ بيض

و أخلاق سمجن فهن سود

و أخلاق البغال فكل يوم

يعنّ لبعضهم خلق جديد

و أكثر ما لسائلهم لديهم

إذا ما جاء قولهم تعود

و وعد ليس يعرف من عبوس

انقباضهم أوعد أو وعيد؟

أناس لو تأمّلهم لبيد

بكى الخلف الذي يشكو لبيد( ٢)

و لبعضهم في قتل ابن حازم:

فقد بقيت كلاب نابحات

و ما في الأرض بعدك من زئير

و لبعضهم:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

و هم الكرام السادة الأشراف

و بقيت في خلف كأن وجوههم

خبز الشعير إذا علاه جفاف

أيضا:

زماني كله ضيم و ضير

و ناس كلهم ديم و دام

و ما فيهم سوى نحر لئيم

شحاح الزند ما فيه ضرام

____________________

(١) ديوان لبيد بن ربيعة العامري: ٣٤، طبعة بيروت، دار صادر.

(٢) ديوان البحتري ٢: ١٢ ١٣، طبعة بيروت، دار صعب.

و أعراض لها جيها حلال

و أموال لراجيها حرام

أيضا:

فسد الزمان فما ترى

إلاّ ذبابا أو دبابا

هذا يصول و ان يصب

لم يأل عقرا و انتهابا

و يحوم ذاك على أذاك

فلا تزال به مصابا

و في (البيان): قال أبوذر: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه( ١) .

في (المستجاد) عن الشافعي قال: كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء، فولد لبعضهم ولد. قال: فجئت إليه فقلت: ولد لي مولود و ليس معي شي‏ء. فقام معي و دخل على جماعة فلم يفتح عليه بشي‏ء، فجاء إلى قبر رجل كان يعرفه و جلس عنده، و قال: رحمك اللّه كنت تفعل و تصنع، و اني درت اليوم و طلبت جماعة في شي‏ء لمولود فلم يتفق لي شي‏ء. ثم قام و أخرج دينارا فكسره نصفين و ناولني نصفه، و قال: هذا دين عليك إلى أن يفتح اللّه لك بشي‏ء، فأخذته و انصرفت و أصلحت ما اتفق لي به، فرأى تلك الليلة ذلك الشخص صاحب القبر في منامه، و هو يقول: قد سمعت جميع ما قلت و ليس لنا إذن في الجواب، و لكن احضر منزلي و قل لأولادي يحفرون مكان الكانون و يخرجون قربة فيها خمسمئة دينار فاحملها إلى هذا الرجل، فلما كان من الغد تقدّم إلى منزل الميت و قصّ القصة فقالوا له: اجلس، و حفروا الموضع و أخرجوا الدنانير و جاءوا بها فوضعوها بين يديه. فقال: هذا ما لكم. فقالوا: هو يتسخّى ميتا و نحن لا نتسخّى أحياء؟ و اللّه لا تمسّكنا منها بشي‏ء، فلما ألحّوا

____________________

(١) البيان و التبيين ٢: ٢٢٥، و أيضا قد أورد الجاحظ نظير هذا الكلام عن أبي الدرداء هكذا: «و قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه و هم اليوم شوك لا ورق فيه»، البيان و التبيين ٣: ١٢٧.

عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود و ذكر له القصة، فأخذ منها دينارا فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه، و حمل النصف الآخر و قال: هذا يكفيني. و تصدق بالباقي على الفقراء( ١) .

«لا تلتقي بذمّهم الشفتان استصغارا لقدرهم و ذهابا عن ذكرهم» للبحتري في ابن الجرجاني:

و أثقل من أهجو علي مغمر

أظل باسفا في هجوه أهجى( ٢)

و له أيضا في طماس:

و إذا عددت على طماس عيبه

لم أرض ألحاظي و لا أنفاسي( ٣)

في (الأذكياء): قيل لأبي العيناء: هل بقي من يلقى؟ قال: نعم في البئر( ٤) .

قلت: حمل (يلقى) المجهول من اللقاء على الالقاء، و لدعبل:

أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه

و المدح عنك كما علمت جليل

فاذهب فأنت عتيق عرضك إنه

عرض عززت به و أنت ذليل( ٥)

و لآخر:

اللؤم أكرم من وبر و والده

و اللؤم اكرم من وبر و ما ولدا

قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا

من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا

أيضا:

____________________

(١) المستجاد: ١٧٦ ١٧٧.

(٢) ديوان البحتري ٢: ٨٤، طبعة بيروت، دار صعب.

(٣) وردت مقطوعة على نفس الورن و القافيه و في هجاء طماس، ديوان البحتري ٢: ٢٢٤، و لكن لم يرد البيت المذكور فيها.

(٤) الأذكياء لابن الجوزي ١١٢، و ليست كلمة (هل) فيه.

(٥) انظر كتاب «شعر دعبل بن علي الخزاعي» للدكتور عبد الكريم الاشتر: ٤١٢، و فيه «... فاذهب فانت طليق عرضك...»، نقله عن أدب النديم ٢٥، و تاريخ دمشق ٣، ورقة ٢٩ ظ...

لو كان يخفى على الرحمن خافية

من خلقه خفيت عنه بنو اسد

و في (كنايات الجرجاني): تعرّض رجل لموسى بن عبد اللّه الحسني و سبّه، فقال موسى متمثلا:

تمنت و ذاكم من سفاهة رأيها

لا هجوها لما هجتني محارب

معاذ الإله إنّني بعشيرتي

و نفسي عن ذاك المقام لراغب

هذا، و حيث إنّ الانسان قد لا يذم الخصم المذموم لرذالته واقعا، قد يترك ذم الخصم الشريف بادّعاء أنّه رذل، فقالوا: كان مالك بن إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي و الورد بن عبد اللّه السعدي ممّن خرجا مع يزيد بن المهلّب على يزيد بن عبد الملك، و كان الورد خرج مع ابن الأشعث أيضا، فطلبا الأمان من مسلمة بن عبد الملك أمير جيش أخيه، فاستشفع للورد ابن اخي مسلمة و ختنه و أوقفه عنده للعفو، فشتمه مسلمة، فقال: صاحب خلاف و شقاق، و نفاق و نفار في كل فتنة، مرّة مع حائك كندة، و مرّة مع ملاح الأزد، ما كنت بأهل أن تؤمن. ثم قال له: انطلق. و استشفع ابن رستم الحضرمي لابن الاشتر، فأوقفه بين يديه و قال له: هذا مالك بن إبراهيم بن مالك الأشتر. فقال له مسلمة: إنطلق. فقال له ابن رستم: لم لا تشتمه كما شتمت صاحبه. قال:

أجللتكم عن ذلك و كنتم أكرم عليّ من أصحاب الآخر و أحسن طاعة. قال ابن رستم لمسلمة: فإنّه أحبّ إلينا أن تشتمه، فهو و اللّه أشرف أبا و جدّا من الورد و أسوأ أثرا في أهل الشام منه. فكان ابن رستم يقول بعد أشهر: ما تركه إلاّ حسدا من أن يعرف صاحبنا فأراد ان يرينا أنه قد حقره.

«فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون» هذا الاسترجاع في غاية الارتفاع هنا، لأنّه دالّ بالالتزام على أن صيرورة الناس الأحياء إلى كذا و كذا مصيبة معنوية عظيمة جدا، و ينبغي الاسترجاع منها.

«ظهر الفساد فلا منكر متغير» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد) (مغير)( ٢ ) ، فهو الصحيح.

و في (البيان): قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟ فقال: هو مكاني، أصنع فيه ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا و نجوا، و إن تركوه هلك و هلكوا.

و في (الطبري): قام الحسينعليه‌السلام بذي حسم فقال: أ لا ترون أن الحق لا يعمل به و أن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقا فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة و لا الحياة مع الظالمين إلاّ برما»( ٣) .

و فيه أيضا خطب الحسينعليه‌السلام أصحابه و أصحاب الحر بالبيضة فقال:

أيها الناس إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه، ناكثا لعهد اللّه، مخالفا لسنّة رسوله، يعمل في عباده بالإثم و العدوان، فلم يغيّر عليه بفعل و لا قول، كان حقّا على اللّه أن يدخله مدخله. ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، و تركوا طاعة الرحمن، و أظهروا الفساد، و عطلوا الحدود، و استأثروا بالفي‏ء، و أحلوا حرام اللّه و حرموا حلاله، و أنا أحق من غيّر، و قد أتتني كتبكم و رسلكم أنّكم لا تسلموني و لا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن عليّ و بن فاطمة بنت رسول اللّه، نفسي مع أنفسكم، و أهلي مع أهليكم، فلكم فيّ أسوة، و إن لم تفعلوا و نقضتم عهدكم و خلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ١٧، من الخطبة ١٢٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٤٤، الخطبة ١٢٩.

(٣) تاريخ الطبري ٥: ٤٠٤.

منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي و أخي و ابن عمي مسلم، و المغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، و نصيبكم ضيّعتم، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه...( ١) .

و روى بعض المقاتل: أنهعليه‌السلام كتب بهذا إلى سليمان بن صرد و جماعة معه كانوا كتبوا إليه دعوة.

«و لا زاجر مزدجر» ازدجر: يأتي لازما و متعديا، و هنا لازم ففي (الصحاح) الزجر المنع و النهي، يقال زجره و ازدجره فانزجر و ازدجر( ٢) .

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من اللّه.

و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، و فسق شبّانكم و لم تأمروا بالمعروف، و لم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: و يكون ذلك يا رسول اللّه؟ فقال:

و شرّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر و نهيتم عن المعروف؟ فقيل له:

و يكون ذلك يا رسول اللّه؟ قال: نعم، و شرّ من ذلك، إذا رأيتم المعروف منكرا و المنكر معروفا( ٣) .

«أ فبهذا تريدون أن تجاوروا اللّه في دار قدسه و تكونوا أعز أوليائه عنده» كاليهود الذين كانوا يقولون: نحن أولياء اللّه و أحباؤه.

قال يحيى بن معاذ: عمل كالسراب، و قلب من التقوى خراب، و ذنوب بعدد الرمل و التراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟ هيهات، أنت سكران بغير شراب.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٠٣.

(٢) الصحاح للجوهري ٢: ٦٦٨.

(٣) الكافي ٥: ٥٩ ح ١٣ و ١٤.

«هيهات لا يخدع اللّه عن جنته» أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لمّا يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين( ١ ) ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء و الضرّاء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر اللّه ألا إنّ نصر اللّه قريب( ٢) .

«و لا تنال مرضاته إلاّ بطاعته» و إن تطيعوا اللّه و رسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا( ٣) .

«لعن اللّه الآمرين بالمعروف التاركين له» أ تأمرون الناس بالبرّ و تنسون أنفسكم( ٤) .

«و الناهين عن المنكر العاملين به» و ما اريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت( ٥) .

و في (الحلية) عن النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يجاء بالأمير يوم القيامة فيلقى في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار بطاحونته، فيقال له: أ لم تكن تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر؟ قال: بلى، و لكن لا أفعله( ٦) .

٣ - الخطبة (٢٢٨) وَ اِعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ اَلْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ وَ اَللِّسَانُ عَنِ اَلصِّدْقِ كَلِيلٌ وَ اَللاَّزِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى اَلْعِصْيَانِ

____________________

(١) آل عمران: ١٤٢.

(٢) البقرة: ٢١٤.

(٣) الحجرات: ١٤.

(٤) البقرة: ٤٤.

(٥) هود: ٨٨.

(٦) حلية الأولياء ٤: ١١٢، و فيه: «... بلى و لكن لم أكن أفعله».

مُصْطَلِحُونَ عَلَى اَلْإِدْهَانِ فَتَاهُمْ عَارِمٌ وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ وَ قَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ لاَ يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ وَ لاَ يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ «و اعلموا رحمكم اللّه» الخطاب فيه لأصحابه.

«أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل» عن الصادقعليه‌السلام : ما ناصح اللّه عبد مسلم في نفسه فأعطى الحق منها و أخذ الحق لها إلاّ أعطي خصلتين: رزقا من اللّه تعالى يقنع به، و رضى عن اللّه ينجيه.

و عن الباقرعليه‌السلام : المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم و لا باطل، و إذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، و إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدّي و إلى ما ليس له بحق( ١) .

و حكى تعالى عن داود و إن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم...( ٢ ) و قلة قول الحق بمقدار غلبة سلطان الباطل، فكلما كانت أكثر كان أقل.

و في (الطبري): بلغ المغيرة و كان أميرا على الكوفة من قبل معاوية أن صعصعة بن صوحان يعيب عثمان و يكثر ذكر عليّعليه‌السلام و يفضّله، فدعاه و قال له: اياك أن يبلغني عنك أنّك تعيب عثمان عند أحد من الناس، و إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تظهر شيئا من فضل عليّ علانية، فإنّك لست بذاكر من فضل علي شيئا أجهله، بل أنا أعلم بذلك، و لكن هذا السلطان قد ظهر و قد أخذنا بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا ممّا أمرنا به، و نذكر الشي‏ء الذي لا نجد بدّا منه، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة، فإن كنت ذاكرا فضيلة فاذكرها

____________________

(١) أخرجه الكليني في الكافي ٢: ٢٢٤، ١٢.

(٢) ص: ٢٤.

بينك و بين أصحابك و في منازلكم سرّا، و أمّا علانية في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله السلطان لنا و لا يعذرنا فيه. فكان يقول له: نعم أفعل، ثم يبلغه عنه أنه قد عاد إلى ما نهاه عنه...( ١) .

«و اللسان عن الصدق كليل» من كلّ السيف: نبا.

في (الكافي): قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه اللّه صدّيقا، و لا يزال العبد يكذب حتى يكتبه اللّه كذّابا.

و قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله و جده.

و قال الباقرعليه‌السلام : الكذب هو خراب الايمان.

و قالعليه‌السلام : جعل تعالى للشر أقفالا، و مفاتيح تلك الأقفال الشراب، و الكذب شرّ من الشراب.

و قالعليه‌السلام : أول من يكذّب الكذاب اللّه عزّ و جلّ، ثم الملكان اللّذان معه، ثم هو يعلم أنه كاذب( ٢) .

«و اللازم للحقّ ذليل» لنفرة الناس عن الحق، و هو سبب عدم استحكام أمر سلطنتهعليه‌السلام ، لأنه كان ملتزما الحق في أقواله و أعماله، فتركوه يوم السقيفة لتنمّره في ذات اللّه تعالى، كما قالت الصدّيقةعليها‌السلام ( ٣ ) ، و لم يبايعوه يوم الشورى لعدم قبوله سنّة صدّيقهم و فاروقهم، و هجروه أيّام قيامه لتسويته بين الأشراف و غيرهم.

«أهله معتكفون على العصيان» روى (عقاب الأعمال) عن الصادقعليه‌السلام قال:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ١٨٨ ١٨٩، طبعة بيروت، دار سويدان.

(٢) الكافي للكليني ٢: ٣٣٨ ٣٤٠ ح ٢، ٣، ٤، ٦، ١١.

(٣) رواه الجوهري في السقيفة: ١١٨، و ابن بابويه في معاني الأخبار: ٣٥٥، و ابن رستم في الدلائل: ٤٠.

إذا أخذ القوم في معصية اللّه تعالى فإن كانوا ركبانا كانوا من خيل إبليس، و إن كانوا رجّالة كانوا من رجّالته( ١) .

«و مصطلحون على الإدهان» روى (عقاب الأعمال) عن الصادقعليه‌السلام قال: ما أقرّ قوم بالمنكر بين أظهرهم لا يعيّرونه إلاّ أوشك أن يعمّهم اللّه بعقاب من عنده.

و قالعليه‌السلام : قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : سيأتي على أمّتي زمان تخبث فيه سرائرهم، و تحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا، لا يريدون به ما عند اللّه تعالى، يكون أمرهم رياء لا يخالطهم خوف، يعمّهم اللّه بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق، فلا يستجاب لهم( ٢) .

الإدهان: المصانعة، قال تعالى ودّوا لو تدهن فيدهنون( ٣) .

«فتاهم عارم» أي: شرس سيى‏ء الخلق.

«و شائبهم آثم» في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : الرجم في القرآن: إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة فانهما قضيا الشهوة( ٤) .

و قال الشاعر:

سواء كأسنان الحمار فلا ترى

لذي شيبة منهم على ناشى‏ء فضلا

«و عالمهم منافق» في (عقاب الأعمال) عن الصادقعليه‌السلام قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

سيأتي على أمتي زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، و من الإسلام إلاّ اسمه، يسمّون به و هم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة و هي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت

____________________

(١) عقاب الأعمال: ٣٠١ ح ٥.

(٢) عقاب الأعمال: ٣١٠ ح ١ و: ٣٠١ ح ٣.

(٣) القلم: ٩.

(٤) الكافي ٧: ١٧٧ ح ٣.

الفتنة و إليهم تعود( ١) .

«و قارئهم مماذق» الأصل في المذق: اللبن الممزوج بالماء. قال الجوهري:

و منه «فلان يمذق الود» اذا لم يخلصه، فهو مذّاق و مماذق( ٢) .

في (العقاب) عن الصادقعليه‌السلام : ان عليّاعليه‌السلام قال: إنّ في جهنّم رحى تطحن، أ فلا تسألوني ما طحنها؟ فقيل: ما طحنها يا أمير المؤمنين؟ فقال: العلماء الفجرة، و القرّاء الفسقة، و الجبابرة الظلمة، و الوزراء الخونة، و العرفاء الكذبة( ٣) .

و قال شاعر:

تصوّف كي يقال له أمين

و ما يعني التصوّف و الأمانة

.................. و لكن

اراد به الطريق إلى الخيانه

«لا يعظّم صغيرهم كبيرهم» من جوامع كلمات النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليس منّا من لم يرحم صغيرنا و يوف حق كبيرنا( ٤) .

و في (ثواب الأعمال): قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من عرف فضل شيخ كبير فوقّره لسنّه آمنه اللّه من فزع يوم القيامة. و قال: من تعظيم اللّه إجلال ذي الشيبة المؤمن( ٥) .

«و لا يعول غنيهم فقيرهم» و لم نك نطعم المسكين( ٦) .

هذا، و روي عن النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه

____________________

(١) عقاب الأعمال: ٣٠١ ح ٤.

(٢) الصحاح للجوهري ٤: ١٥٥٣.

(٣) عقاب الأعمال: ٣٠٢ ح ١.

(٤) أخرجه الكافي ٢: ١٦٥ ح ٢، عن الصادقعليه‌السلام لا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٥) ثواب الأعمال: ٢٢٤ ح ١.

(٦) المدثر: ٤٤.

الآدميين و قلوبهم قلوب الشياطين، سفّاكين للدماء لا يرعوون عن قبيح، إن بايعتهم أربوك، و إن أئتمنتهم خانوك، صبيّهم عارم، و شائبهم شاطر، و شيخهم لا يأمر بمعروف و لا ينهى عن منكر، السّنّة فيهم بدعة و البدعة فيهم سنة، و ذو الأمر منهم غاو، فعند ذلك يسلّط اللّه عليهم شرارهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم( ١) .

٤ - خطبة (٤١) و من خطبة لهعليه‌السلام :

إِنَّ اَلْوَفَاءَ تَوْأَمُ اَلصِّدْقِ وَ لاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ وَ لاَ يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ اَلْمَرْجِعُ وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اِتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ اَلْغَدْرَ كَيْساً وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ اَلْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ اَلْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اَللَّهُ قَدْ يَرَى اَلْحُوَّلُ اَلْقُلَّبُ وَجْهَ اَلْحِيلَةِ وَ دُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ وَ نَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ اَلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَ يَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي اَلدِّينِ «ان الوفاء توأم الصدق» التوأم: أصله ولد تضعه امّه مع آخر في بطن.

قال الخليل: هو فوعل، لأنّ أصله و وأم، فأبدل من الاولى تاء كما في (تولج) بالفتح( ٢) .

ذكرعليه‌السلام صفتين شريفتين: الوفاء و الصدق، و جعلهما توأمين لأنّ كلاّ منهما شعبة من الآخر، فالوفاء بالعهد صدق عملي، و منشؤهما واحد و هو شراف النفس، فكأنهما كما قيل:

____________________

(١) جامع الأخبار: ٣٥٥، ٩٩٢. باختلاف يسير، مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام قم، مجمع الزوائد ٧: ٢٨٦، باختلاف يسير، دار الكتاب العربي، بيروت.

(٢) لسان العرب لابن منظور ١٢: ٦٢، ٦٢٨، مادة (تأم، و أم).

رضيعي

لبان ثدي أم تحالفا

بأسحم داج عوض لا يتفرق

و الصدق شرافه معلوم، و يكفى فيه قوله تعالى: و كونوا مع الصادقين( ١ ) ، يوم ينفع الصادقين صدقهم( ٢ ) ، و الوفاء مثله. و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :

بعثت بوفاء العهد مع البرّ و الفاجر.

و في (تنبيه المسعودي): ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه الموسوم ب (الديباج) أوفياء العرب، فعدّ السموأل بن عاديا الغساني، و الحارث بن ظالم المرّي، و عمير بن سلمى الحنفي. و لم يذكر هانيا، و هو أعظم العرب وفاء، و أعزّهم جوارا، و أمنعهم جارا، لأنه عرّض نفسه و قومه للحتوف، و نعمهم للزوال، و حرمهم للسبي، و لم يخفر أمانته، و لا ضيع وديعته( ٣) .

و في (أمثال الكرماني): يقال «أوفى من الحرث بن ظالم»، كان من وفائه أنّ عياض بن ديهث مر برعاء الحرث و هم يسقون، فسقى فقصر رشاؤه فاستعار من أرشية الحرث فوصل رشاءه فأروى إبله، فأغار عليه بعض جشم النعمان فاطردوا إبله، فصاح عياض يا «حار» يا جاراه فقال له الحرث:

و متى كنت جارك؟ قال: وصلت رشائي برشائك فسقيت إبلي و أغير عليها، أ فلا تشدّ ما و هى من أديمك؟ يريد أن الحارث قتل خالد بن جعفر بن كلاب في جوار الأسود ابن المنذر فقال الحرث: هل تعدون الحلبة إلى نفسي؟

فأرسلها مثلا أي: إنّك لا تهلك إلاّ نفسي إن قتلتها فتدبّر النعمان كلمته فردّ على عياض أهله و ماله، و قال الفرزدق في ذلك، يضرب مثلا لسليمان بن

____________________

(١) التوبة: ١١٩.

(٢) المائدة: ١١٩.

(٣) التنبيه و الاشراف: ٢٠٩.

عبد الملك حين وفى ليزيد ابن المهلب:

لعمري لقد أوفى و زاد وفاؤه

على كل حال جار آل المهلّب

كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث

و صرمته كالمغنم المتنهّب

فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم

و كان متى ما يسلل السيف يضرب( ١)

و يقال «أوفى من الحرث بن عبادة» أسر عدي بن ربيعة في يوم قضة و لم يعرفه، فقال له: دلّني على عديّ. فقال له: إن أنا دللتك عليه تؤمنني؟ قال:

نعم. فقال: أنا عديّ، فخلاّه و قال:

لهف نفسي على عديّ و قد

أشعب للموت و أحتوته اليدان( ٢)

«و أوفى من السموأل» إستودعه امرؤ القيس لما أراد الخروج إلى قيصر دروعا، فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام، فتحرز منه السموأل فأخذ الملك ابنا له و كان خارجا من الحصن فصاح به: هذا ابنك في يدي و امرؤ القيس ابن عمي و من عشيرتي، فإن دفعت إليّ الدروع و إلاّ ذبحت ابنك. قال: أجّلني. فأجّله، فجمع أهل بيته و نساءه فشاورهم فكل أشار إليه أن يدفع الدروع و يستنقذ ابنه، فأشرف عليه و قال: ليس إلى دفع الدروع سبيل، فاصنع ما أنت صانع، فذبح الملك ابنه و هو مشرف ينظر إليه، ثم انصرف الملك بالخيبة فوافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرى‏ء القيس و قال:

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٧٦ ٣٧٧.

(٢) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٧٨.

وفيت بأدرع الكندي إنّي

إذا ما خان أقوام وفيت

و قالوا إنه كنز رغيب

و لا و اللّه أغدر ما مشيت

بنى لي عاديا حصنا حصينا

و بئرا كلما شئت استقيت( ١)

«عاديا»: جدّه.

«أوفى من عوف بن محلم و ابنته خماعة» غزا مروان القرظ سمّي بالقرظ لأنه كان يغزو اليمن و هي منابت القرظ بكر بن وائل فقصوا أثر جيشه فأسره رجل منهم و هو لا يعرفه، فأتى به امه فقالت له: إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ. فقال لها مروان: و ما ترتجين من فدائه؟ قالت: مئة بعير. قال: ذلك لك على أن تؤديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم، و كان السبب في ذلك أن خماعة كانت امرأة ليث بن مالك، و لما مات ليث أخذت بنو عبس ماله و أهله، و كان الذي أصاب أهله خماعة عمرو بن قارب و ذؤاب بن أسماء، فسألها مروان القرظ من أنت؟ قالت: خماعة بنت عوف، فانتزعها من عمرو و ذؤاب لأنه كان رئيس القوم و قال لها: غطي وجهك حتى أردّك إلى أبيك، و قيل: اشتراها منهما بمئة من الإبل، فحملها إلى عكاظ، فلما انتهى إلى منازل بني شيبان قالت: هذه منازل قومي و هذه قبة أبي. قال: فانطلقي إلى أبيك، و قال:

رددت على عوف خماعة بعد ما

خلاها ذؤاب غير خلوة خاطب

فمضت به إلى خماعة و كان عمرو بن هند وجد على مروان في أمر فآلى أن لا يعفو عنه حتى يضع يده في يده، فبعث عمرو إلى عوف أن يأتيه به، فقال: قد أجارته ابنتي و ليس إليه سبيل. فقال عمرو: قد آليت كذا و كذا. فقال

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٧٤.

عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو إلى ذلك( ١) .

«و لا أعلم جنة أوقى منه» الجنة بالضم ما يوقيك عن الأسلحة.

قال الخوئي في الأثر: ان النعمان بن المنذر قد جعل له يومين يوم بؤس من صادفه فيه قتله، و يوم نعيم من لقيه فيه أحسن إليه و أغناه، و كان رجل من طي قد خرج ليطلب الرزق لأولاده، فصادفه النعمان في يوم بؤسه، فعلم الطائي أنه مقتول فقال: حيّا اللّه الملك إن لي صبية صغارا و لم يتفاوت الحال بين قتلي أول النهار و آخره، فإن رأى الملك أن أوصل إليهم هذا القوت و أوصي بهم أهل المروة من الحي ثم أعود. فقال النعمان: فإن يضمنك رجل إن لم ترجع قتلناه، و كان شريك بن عدي نديم النعمان. فقال: أنا أضمنه، فمضى الطائي مسرعا و صار النعمان يقول لشريك: جاء وقتك فتأهّب للقتل.

فقال: ليس عليّ سبيل حتى يأتي المساء، فلما قرب المساء قال: تأهّب. قال: هذا شخص قد لاح مقبلا، فلمّا قرب إذا هو الطائي قد اشتد في عدوه. و قال: خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي، مر بأمرك أيها الملك. فأطرق النعمان ثم رفع رأسه فقال: ما رأيت أعجب منكما، أما أنت يا طائي فما تركت في الوفاء مقاما لأحد يفتخر به، و أمّا أنت يا شريك، فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة، ألا و إني رفعت يوم بؤسي عن الناس بوفاء الطائي و كرم شريك( ٢) .

قلت: و في (الطبري) في وقائع (٥٨) حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن اديه، فكان السجّان يرى عبادته و اجتهاده و كان يأذن له في الليل فينصرف، فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، و كان صديق لمرداس يسامر ابن

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٧٥ ٣٧٦.

(٢) شرح الخوئي ٢: ٤٩.

زياد، فذكر ابن زياد ليلة الخوارج، فعزم على قتلهم إذا أصبح فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس، فأخبرهم و قال: أرسلوا إليه في السجن فليعهد فإنه مقتول فسمع ذلك مرداس و بلغ الخبر صاحب السجن، فبات بليلة سوء إشفاقا من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به قد طلع فقال له السجان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم. قال: ثم غدوت؟ قال: نعم و لم يكن جزاؤك مع احسانك أن تعاقب بسببي، و أصبح عبيد اللّه فجعل يقتل الخوارج ثم دعا بمرداس، فلما حضر وثب السجّان و كان ظئرا لعبيد اللّه فأخذ بقدمه ثم قال: هب لي هذا. و قصّ عليه قصته، فوهبه له و أطلقه( ١) .

«و لا يغدر» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و الصواب: (و ما يعذر) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣) .

«من علم كيف المرجع» أي: كيف مرجع الغادر في الدنيا من الخزي و في الاخرة من العقاب، أما خزي الدنيا ففي (وزراء الجهشياري): لما قوي أمر بني العباس قال مروان بن محمد لعبد الحميد كاتبه: إنّا نجد في الكتب أنّ هذا الأمر زائل عنّا لا محالة، و سيضطر إليك هؤلاء يعني بني العباس فصر إليهم فإنّي أرجو أن تتمكن منهم فتنفعني في مخلفي و في كثير من أسبابي. فقال له:

و كيف لي بأن يعلم الناس أنّ هذا عن رأيك و كلهم يقول إني غدرت و سرت إلى عدوك، و الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك و أقبحهما لي، و أنشد:

أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة

فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره( ٤)

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٣١٣، نقله المصنف بتصرف.

(٢) نهج البلاغة ١: ٨٨، من الخطبة ٤١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣١٢، ابن ميثم (الطبع الحجري) ٢: ١٥٨، هكذا في السطر الخامس.

(٤) الوزراء و الكتاب للجهشياري: ٥١.

و في (أمثال الكرماني): نزل أنيس بن مرداس السلمي في صرم من بني سليم بعتيبة بن الحارث، فشدّ على أموالهم فأخذها و ربط رجالها حتى افتدوا، فقال العباس بن مرداس أخوه:

كثر الضجاج و ما سمعت بغادر

كعتيبة بن الحارث بن شهاب

جللت حنظلة الدناءة كلها

و دنست آخر هذه الأحقاب( ١)

و أما عقاب الآخرة ففي (الكافي) قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ألا إنّ كلّ غدرة فجرة و كلّ فجرة كفرة، ألا و ان الغدر و الفجور و الخيانة في النار( ٢ ) . و زاد النهج: و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة( ٣) .

و عن (غارات الثقفي): ذكر المغيرة بن شعبة عند عليّعليه‌السلام فقال: و ما المغيرة؟ إنما كان إسلامه لفجرة و غدرة بنفر من قومه، فهرب، فأتى النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله كالعائذ بالإسلام، و اللّه مارئي عليه منذ ادّعى الإسلام خضوع و لا خشوع( ٤) .

و في (النهج) قالعليه‌السلام في مروان لما أخذ أسيرا و كلّمه الحسنانعليهما‌السلام في أن يبايعه: لا حاجة لي في بيعته إنّها كفّ يهودية لو بايعني بكفه لغدر بسبته، أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه، و هو أبو الأكبش الأربعة، و ستلقى الامة منه و من ولده يوما أحمر( ٥) .

و فيه أيضا قالعليه‌السلام للأشعث: و ان امرأ دلّ على قومه السيف، و ساق إليهم

____________________

(١) مجمع الأمثال للكرماني: ٤٤٠.

(٢) الكافي للكليني ٢: ٣٣٨، ٦.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٢٠٦، من الخطبة رقم ٢٠٠.

(٤) الغارات للثقفي ٢: ٥١٦، و فيه: خضوعا و لا خشوعا (بالنصب).

(٥) نهج البلاغة ١: ١٢٠، الخطبة رقم ٧٣.

الحتف، لحريّ أن يمقته الأقرب، و لا يأمنه الأبعد.

قال الرضي: و كان قومه بعد ذلك يسمّونه «عرف النار»، و هو اسم للغادر عندهم( ١) .

«و لقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا» عن عمرو بن العلاء كانت بنو سعد بن تميم أغدر العرب، و كانوا يسمّون الغدر في الجاهلية كيسان فقيل فيهم:

إذا كنت في سعد و خالك منهم

غريبا فلا يغررك خالك من سعد

إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم

إلى الغدر أولى من شبابهم المرد( ٢)

و قال الأخطل في نابغة بني جعدة:

قبيلة يرون الغدر مجدا

و لا يدرون ما نقل الجفان

قالوا: أشار إلى قتل ورد و الرقاد الجعديين لشراحيل الجعفي غدرا، و قال آخر:

إذا أشرف المعجان ركب بدت له

بيوت بني ورد مجاورها الغدر

و في (مقاتل أبي الفرج): قال أبو إسحاق: سمعت معاوية بالنخيلة يقول:

ألا إنّ كلّ شي‏ء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين. قال أبو إسحاق:

و كان و اللّه غدّارا( ٣) .

هذا، و في (عيون ابن بابويه) عن محمد بن يحيى الصولي: إن العباس بن الأحنف خال جدّه قال في جدّته لأبيه المسمّاة بغدر:

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ٥٢ و ٥٣، من الخطبة ١٩، و لم يكن فيه كلام السيد الرضي رضى اللّه عنه، و وجدناه في نهج البلاغة بتحقيق الدكتور صبحي الصالح: ٦٢.

(٢) لسان العرب ١٢: ٢٠١، بتحقيق علي شيري.

(٣) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني: ٤٥.

يا غدر زيّن باسمك الغدر( ١)

«و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم اللّه قد يرى الحوّل القلّب» الحوّل بتشديد الواو: البصير بتحويل الامور.

«وجه الحيلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه فيدعها، رأي عين بعد القدرة عليها و ينتهز» أي: يغتنم.

«فرصتها من لا حريجة» اسم مصدر لقولهم «تحرّج فلان» إذا فعل فعلا يخرج به من الحرج، أي: الإثم و الحرام.

«له في الدين» في زيارتهعليه‌السلام الغديرية «و كم من أمر صدّك عن إمضاء عزمك فيه التّقى، و اتبع غيرك في مثله الهوى، فظن الجاهلون أنك عجزت عمّا إليه انتهى، ضلّ و اللّه الظانّ لذلك و ما اهتدى، و لقد أوضحت ما أشكل من ذلك لمن توهم و امترى، بقولك صلّى اللّه عليك «قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونه حاجز من تقوى اللّه فيدعها رأي عين و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين» صدقت، و خسر المبطلون( ٢) .

٥ - من الخطبة (٩٩) و منها:

وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ اَلْهُدَى وَ أَعْلاَمُ اَلسُّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَ لاَ اَلْمَذَايِيعِ اَلْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اَللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَ يَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ

____________________

(١) عيون الصدوق ٢: ١٧٧.

(٢) البحار ١٠٠: ٣٦٥.

اَلْإِسْلاَمُ كَمَا يُكْفَأُ اَلْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَ لَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَ قَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ١ ٨ ٢٣: ٣٠ قال الشريف قولهعليه‌السلام «كل مؤمن نومة» أراد به الخامل الذكر القليل الشر، و «المساييح» جمع مسياح، و هو الذي يسيح بين الناس بالفساد و النمائم و «المذاييع» جمع مذياع، و هو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها و نوّه بها، و «البذر» جمع بذور، و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه. أقول: و رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في (غريبه) مع اختلاف يسير( ٢) .

(و منها) هكذا في (المصرية)( ٣ ) و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤ ) (منها) و هو الصحيح و إن كان العطف فيه لكونه ثانيا صحيحا.

«و ذلك زمن» هكذا في (المصرية)( ٥ ) و الصواب: زمان كما في الثلاثة( ٦) .

«لا ينجو فيه الا كل مؤمن نومة» في (نهاية ابن الأثير): في حديث عليّعليه‌السلام «انه ذكر آخر الزمان و الفتن ثم قال: خير أهل ذلك الزمان كل مؤمن نومة» النومة بوزن الهمزة، الخامل الذي لا يؤبه له، و قيل الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر و أهله، و قيل النومة بالتحريك الكثير النوم، و أما الخامل الذي لا يؤبه به، فهو بالتسكين، فمن الاول حديث ابن عباس قال لعليّعليه‌السلام : ما النومة؟

____________________

(١) المؤمنون: ٣٠.

(٢) غريب الحديث ٢: ١٤٥، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٣) نهج البلاغة ١: ١٩٨، من الخطبة رقم ١٠٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٧: ١٠٩، و ابن ميثم (الطبع الحجري): ١٥٦، هكذا.

(٥) نهج البلاغة ١: ١٩٨، من الخطبة رقم ١٠٣.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ٧: ١٠٩، و ابن ميثم (الطبع الحجري): ١٥٦، هكذا.

قال: الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شي‏ء( ١) .

«ان شهد لم يعرف و ان غاب لم يفتقد» هو تفسير للمراد من «النومة».

و عن الصادقعليه‌السلام : طوبى لعبد نومة، عرف الناس فصاحبهم ببدنه و لم يصاحبهم في أعمالهم بقلبه، فعرفهم في الظاهر و لم يعرفوه في الباطن.

«أولئك مصابيح الهدى» المصباح: السراج. «و أعلام السرى» في (النهاية):

في حديث جابر قال له: ما السّرى يا جابر؟ أي: ما أوجب مجيئك في هذا الوقت «السرى»: السير بالليل( ٢) .

«ليسوا بالمساييح» في (النهاية): في الخبر «لا سياحة في الاسلام» ساح في الأرض يسيح سياحة: إذا ذهب فيها، و أصله من السيح، و هو الماء الجاري المنبسط على الأرض، أراد مفارقة الأمصار، و قيل أراد الذين يسيحون في الأرض بالشرّ و النميمة و الإفساد بين الناس، و منه حديث عليّعليه‌السلام «ليسوا بالمساييح البذر» أي: الذين يسعون بالشرّ و النميمة، و قيل: هو من التسييح في الثوب، و هو أن يكون فيه خطوط مختلفة( ٣) .

«و المذاييع البذر» في (النهاية) في ذاع: في حديث عليّعليه‌السلام في وصف الأولياء «ليسوا بالمذاييع البذر» المذاييع جمع مذياع من أذاع الشي‏ء إذا أفشاه، و قيل أراد الذين يشيعون الفواحش، و هو بناء مبالغة. و في «بذر» في حديث فاطمةعليها‌السلام عند وفاة النبيّ قالت لعائشة: «إني إذن لبذرة» البذر الذي يفشي السرّ و يظهر ما يسمعه، و منه حديث عليّعليه‌السلام «ليسوا بالمذاييع البذر» جمع بذور، و يقال: بذرت الكلام بين الناس

____________________

(١) النهاية ٥: ١٣١، (نوم).

(٢) النهاية ٢: ٣٦٤، (سرى).

(٣) النهاية ٢: ٤٣٢، (يسح).

كما تبذر الحبوب» أي: أفشيته و فرّقته( ١) .

و في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا معشر من أسلم بلسانه و لم يسلم بقلبه لا تتّبعوا عثرات المؤمنين، فإنه من تتبّع عثرات المسلمين تتبّع اللّه عثراته، و من تتبّع اللّه عثراته يفضحه( ٢) .

«أولئك يفتح اللّه لهم أبواب رحمته، و يكشف عنهم ضرّاء نقمته» في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام : إن اللّه ليدفع بالمؤمن من الواحد عن القرية الفناء.

و عن الصادقعليه‌السلام : قيل له إذا نزل العذاب بقوم يصيب المؤمنين؟ قال: نعم و لكن يخلصون بعده( ٣) .

«أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الاسلام كما يكفأ الإناء بما فيه» في (النهاية): في الحديث «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفى‏ء ما في إنائها» هو تفتعل من «كفأت القدر» إذا كببتها لتفرغ ما فيها، يقال «كفأت الإناء و أكفأته» إذا كببته و إذا أملته. و هذا تمثيل لإمالة الضرّة حقّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها إذا سألت طلاقها( ٤) .

«أيها الناس إنّ اللّه» هكذا في (المصرية)( ٥ ) و الصواب: (ان اللّه تعالى) كما في الثلاثة( ٦ ) «قد أعاذكم من أن يجور عليكم» و ما ربك بظلام للعبيد( ٧ ) ، إنّ اللّه لا يظلم الناس شيئا و لكنّ الناس أنفسهم يظلمون( ٨ ) ، و ما أصابكم من

____________________

(١) النهاية ٢: ١٧٤ و ١: ١١٠.

(٢) الكافي ٢: ٣٥٥، ٤.

(٣) الكافي ٢: ٢٤٧، ١ و ٣.

(٤) نهج البلاغة ١: ١٩٨، من الخطبة رقم ١٠٣.

(٥) النهاية ٤: ١٨٢، (كفأ).

(٦) شرح ابن أبي الحديد ٧: ١١٠، و ابن ميثم (الطبع الحجري): ١٥٦، هكذا.

(٧) فصلت: ٤٦.

(٨) يونس: ٤٤.

مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير( ١) .

«و لم يعذكم من أن يبتليكم» أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون. و لقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين( ٢) .

«و قد قال جل من قائل: إنّ في ذلك لآيات و إن كنّا لمبتلين( ٣ ) » و الآية التي ذكرهاعليه‌السلام في سورة المؤمنون و الآية بعد ذكر قصة نوح. فقوله تعالى: ان في ذلك إشارة إلى ما ذكر في قصة نوح، قال تعالى: خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا( ٤ ) و بلوناهم بالحسنات و السيّئات لعلّهم يرجعون( ٥) .

«قال الشريف» هكذا في (المصرية)( ٦ ) و ليس في (الخطية المصححة) أصلا و بدله (ابن أبي الحديد) بقول: «قال الرضي» و لعله إنشاء منه( ٧) .

(قولهعليه‌السلام «و كل مؤمن نومة» أراد به الخامل الذكر القليل الشر) لو قيل «الذي لا يعرف الشر» كان أحسن.

(و المساييح: جمع مسياح و هو الذي يسيح بين الناس بالفساد و النمائم) قد عرفت أن الأصل فيه سيح الماء أو تسييح الثوب.

(و البذر: جمع بذور و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه) قال ابن أبي

____________________

(١) الشورى: ٣٠.

(٢) العنكبوت: ٢ و ٣.

(٣) المؤمنون: ٣٠.

(٤) الملك: ٢.

(٥) الاعراف: ١٦٨.

(٦) نهج البلاغة ١: ١٩٨، من الخطبة رقم ١٠٣.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ٧: ١١٠.

الحديد: بذور كصبور الّذي يذيع الأسرار، و ليس كما قال الرضي( ١) .

قلت: قد عرفت أنه من «بذرت الكلام كما تبذر الحبوب»، و حينئذ فما قاله المصنف ليس بذلك البعد. هذا و لو كان المصنف نقل هذا في فصل غريبه كان أنسب.

٦ - الخطبة (١١٣) و من كلام لهعليه‌السلام :

فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا وَ لاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لاَ تُكْرِمُونَ اَللَّهَ فِي عِبَادِهِ فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ اِنْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ «فلا أموال بذلتموها للذي رزقها» و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين( ٢) .

و في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام قال: جاء رجل إلى أبيعليه‌السلام فقال: أخبرني عن قوله تعالى في أموالهم حق معلوم. للسائل و المحروم( ٣ ) ما هذا الحق المعلوم؟ قالعليه‌السلام : هو الشي‏ء يخرجه الرجل من ماله إن شاء أكثر و إن شاء أقلّ على قدر ما يملك، يصل به رحما، و يقري به ضيفا، و يحمل به كلاّ، أو يصل به أخا له في اللّه، أو لنائبة تنوبه. فقال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.

و عن البزنطي قال: قال الرضاعليه‌السلام : إن صاحب النعمة على خطر أنه تجب

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٧: ١١٠.

(٢) المنافقون: ١٠.

(٣) المعارج: ٢٤ ٢٥.

عليه حقوق للّه، و اللّه إنه لتكون عليّ النعم من اللّه تعالى، فما زال عليّ منها و جل و حرك يده حتى أخرج من الحقوق التي تجب للّه عليّ فيها. قلت: جعلت فداك أنت في قدرك تخاف هذا؟ قال: نعم. فأحمد ربي على ما منّ به عليّ.

و عن الصادقعليه‌السلام : إن اللّه تعالى فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلاّ بأدائها، و هي الزكاة، و بها حقنوا دماءهم، و بها سمّوا المسلمين، و لكنه تعالى فرض في أموال الاغنياء حقوقا غير الزكاة، فقال: و الذين في أموالهم حق معلوم. للسائل و المحروم فالحق المعلوم غير الزكاة، و قال تعالى و أقرضوا اللّه قرضا حسنا( ١ ) ، و هذا غير الزكاة، و قال تعالى أيضا:

و أنفقوا مما رزقناهم سرّا و علانية( ٢ ) . و الماعون أيضا غير الزكاة، و هو القرض يقرضه، و المتاع يعيره و المعروف يصنعه، و مما فرض اللّه عزّ و جلّ في المال غير الزكاة و الذين يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل( ٣) .

و في الخبر: إنّ الدينار و الدرهم أهلكا من كان قبلكم و هما مهلكاكم( ٤) .

و في الخبر: يا ابن آدم ما من يوم جديد إلاّ و يأتي فيه برزقك من عندي، و ما من ليلة إلاّ و يأتي الملائكة من عندك بعمل قبيح، خيري إليك نازل و شرك إلي صاعد.

و في (الحلية) عن وهب بن منبه أن سائحا وردنا أي: تبيعا له كان يأتي طعامهما في كل ثلاثة أيام مرة، فإذا هما لم يأتهما طعام إلاّ لأحدهما فقال الكبير لردنه لقد أحدث أحدنا حدثا منع به برزقه فتذكر ما صنعت. قال الردن:

ما صنعت شيئا، ثم تذكر فقال: بلى قد جاءنا مسكين إلى الباب فأجفت الباب

____________________

(١) المزمل: ٢٠.

(٢) الرعد: ٢٢.

(٣) الكافي ٣: ٤٩٨ ٥٠٢ ح ٨ و ١١ و ١٩. و الآية ٢١ من سورة الرعد.

(٤) الكافي ٢: ٣١٦ ح ٦.

في وجهه. فقال الكبير: من ثم أتينا فاستغفرا فجاءهما رزقهما بعد كما كان يأتيهما( ١) .

«و لا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها» و الناس يخاطرون بأنفسهم للملوك و الامراء فكيف لا يخاطرون بها لخالقها و هي ملكه، و هو أمر قبيح كعدم بذل المال لرازقه، فيكون حاله حال من ينكر خالقيّته و رازقيّته.

و في (الحلية) عن وهب: قال تعالى لموسىعليه‌السلام : و عزّتي يا ابن عمران لو أن هذه النفس التي وكزتها فقتلتها اعترفت لي ساعة من ليل أو نهار بأنّي لها خالق أو رازق لأذقتك فيها طعم العذاب، و لكنّي عفوت عنك أنها لم تعترف لي ساعة أني لها خالق أو رازق( ٢ ) ، و قد قال تعالى إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم( ٣) .

و بعد كونه تعالى هو المشتري و الثمن الجنة و كتاب البيع التوراة و الانجيل و القرآن في كون المعاملة بتلك المثابة التي هي الفوز العظيم الذي ينبغي الاستبشار بها يكون الراغب عن تلك المعاملة بالبخل بالمال و النفس اللذين هما عارية عندك على مالكهما موردا للملامة و في غاية اللآمة، و لذا قالعليه‌السلام ما قال توبيخا.

«تكرمون باللّه على عباده و لا تكرمون اللّه في عباده» و هو أيضا قبيح عقلا كعدم بذل المال و النفس للرازق و الخالق، بل من يكرم على العباد للّه يكون

____________________

(١) حلية الأولياء ٤: ٥٧.

(٢) حلية الأولياء ٤: ٦٠.

(٣) التوبة: ١١١.

إكرامه للّه في عباده ألزم عليه ممن لا يكرم باللّه، و وجه خطابهعليه‌السلام للذين كانوا يدّعون منزلة لأنفسهم بكونهم صحابة النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله كطلحة و الزبير و سعد و نظرائهم، و يطّرد في جميع طبقات الاشراف.

و في (عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ) قال: إنّا أهل البيت وجب حقّنا برسول اللّه، فمن أخذ بهصلى‌الله‌عليه‌وآله حقا و لم يعط من نفسه مثله فلا حق له( ١) .

و عن الصادقعليه‌السلام : كان عليّ بن الحسين لا يسافر إلاّ مع رفقة لا يعرفونه، و يشترط عليهم أن يكون من مساعدي الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم، فرآه رجل، فعرفه، فقال لهم، أ تدرون من هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا علي بن الحسينعليهما‌السلام ، فوثبوا إليه و قبّلوا يده و رجله و قالوا: يا ابن رسول اللّه، أردت أن تصلينا نار جهنّم، لو بدرت منّا إليك يد أو لسان أما كنّا هلكنا إلى آخر الدهر، فما الذي يحملك على هذا؟ فقال: إنّي سافرت مرّة مع قوم يعرفونني، فأعطوني بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ما لا أستحق، فإنّي أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحبّ إلي( ٢) .

«فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم» في (صفين نصر) في مسيرهعليه‌السلام إلى صفّين: ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة (بهر سير) و إذا رجل من أصحابه يقال له جرير بن سهم بن طريف من بني مالك بن ربيعة ينظر إلى آثار كسرى و هو يتمثل بقول ابن يعقوب التميمي:

جرت الرياح على مكان ديارهم

فكأنّهم كانوا على ميعاد

فقالعليه‌السلام : أ فلا قلت: كم تركوا من جنات و عيون. و زروع و مقام كريم.

و نعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك و أورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم

____________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢: ٣٢٨ ح ٩.

(٢) أخرجه ابن بابويه، في عيون أخبار الرضا ٢: ١٤٣ ح ١٣.

السماء و الأرض و ما كانوا منظرين( ١ ) ان هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية، إيّاكم و كفر النعم لا تحل بكم النقم( ٢) .

و قال ابن أبي الحديد: أنّ الأصل في قولهعليه‌السلام قوله تعالى و سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم و تبيّن لكم كيف فعلنا بهم و ضربنا لكم الأمثال( ٣) .

«و انقطاعكم عن أوصل اخوانكم» و الظاهر أن المراد اعتبروا بانقطاعكم عن إخوانكم الذين كانوا في كمال الوصل معكم ليلا و نهارا كما تعتبرون بمساكن من كان قبلكم، و الحاصل: إعتبروا بآثار المتقدمين عليكم و بأشخاص المعاشرين معكم، و إنكم لا بدّ أن تسلكوا مسلكهم و تهلكون كمهلكهم.

و مرت شكايتهعليه‌السلام من قريش في ١٨ ٨، في الإمامة الخاصة.

____________________

(١) الدخان: ٢٥ ٢٩.

(٢) وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ١٤٢.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٧: ٢٨٢ ٢٨٣. و الآية ٤٥ من سورة إبراهيم.

الفصل السادس و العشرون في نقص الناس و اختلافهم و عجائب قلوبهم و صفة ارذالهم

١ - الحكمة (٣٤٣) و قالعليه‌السلام :

اَلْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ وَ اَلسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ وَ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ١ ٥ ٧٤: ٣٨ وَ اَلنَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اَللَّهُ سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ وَ مُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ اَلرِّضَا وَ اَلسُّخْطُ وَ يَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اَللَّحْظَةُ وَ تَسْتَحِيلُهُ اَلْكَلِمَةُ اَلْوَاحِدَةُ مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ اِتَّقُوا اَللَّهَ فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لاَ يَبْلُغُهُ وَ بَانٍ مَا لاَ يَسْكُنُهُ وَ جَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ وَ لَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ وَ مِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ أَصَابَهُ حَرَاماً وَ اِحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً فَبَاءَ بِوِزْرِهِ وَ قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ آسِفاً لاَهِفاً قَدْ خَسِرَ اَلدُّنْيا وَ اَلْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ اَلْخُسْرانُ اَلْمُبِينُ ٢١ ٢٨ ٢٢: ١١ «الأقاويل محفوظة» و لقد خلقنا الانسان و نعلم ما توسوس به نفسه

و نحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقّى المتلقيان عن اليمين و عن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد. و جاءت سكرة الموت بالحقّ ذلك ما كنت منه تحيد. و نفخ في الصور ذلك يوم الوعيد. و جاءت كلّ نفس معها سائق و شهيد. لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد( ١) .

«و السرائر مبلوة» في الدنيا و الآخرة، أمّا الدنيا فعن الصادقعليه‌السلام : ما من عبد يسرّ خيرا فذهبت الأيّام حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسرّ شرا فذهبت الأيّام حتى يظهر اللّه له شرا( ٢ ) . و أما الآخرة فقوله تعالى يوم تبلى السرائر( ٣ ) أي: تكشف هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى اللّه مولاهم الحق و ظل عنهم ما كانوا يفترون( ٤) .

«و كلّ نفس بما كسبت رهينة» هو عين قوله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة( ٥ ) و في التفسير: مرهونة، كلّ نفس مأخوذة بعملها في النار( ٦) .

«و الناس منقوصون مدخولون» في عقولهم كغش يدخل في الذهب و الفضة.

و قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة( ٧) .

و في الديوان و نسب إلى دعبل أيضا:

____________________

(١) ق: ١٦ ٢٢.

(٢) الكافي ٢: ٢٢٤ ح ١٢، منشورات المكتبة الإسلامية، طهران.

(٣) الطارق: ٩.

(٤) يونس: ٣٠.

(٥) المدثر: ٣٨.

(٦) مجمع البيان ١٠: ٣٦١.

(٧) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٢١ ح ٣٩٩٠.

ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم

و اللّه يعلم أنّي لم أقل فندا

إنّي لأفتح عيني حين أفتحها

على كثير و لكن لا أرى أحدا( ١)

و في شرحه الفارسي:

دم جمعى كه بصورت مردمند

و به حقيقت حيوان بى دمند

«إلاّ من عصم اللّه» و إنّ كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم( ٢) .

في (عيون القتيبي): كان بين حاتم طي و أوس بن حارثة ألطف ما يكون بين اثنين، فقال النعمان بن المنذر لجلسائه: و اللّه لأفسدنّ ما بينهما. فقالوا: لا تقدر على ذلك. قال: بلى فقلّما جرّبت الرجال في شي‏ء إلاّ بلغته، فدخل عليه أوس فقال له: ما الذي يقول حاتم؟ قال: و ما يقول؟ قال: يقول: إنه أفضل منك و أشرف. قال: أبيت اللعن، صدق و اللّه لو كنت أنا و أهلي و ولدي لحاتم لانهبنا في مجلس واحد، ثم خرج و هو يقول:

يقول لي النعمان لا من نصيحة

أرى حاتما في قوله متطاولا

له فوقنا باع كما قال حاتم

و ما النصح فيما بيننا كان حاولا

ثم دخل عليه حاتم و قال له مثل مقالته لأوس قال: صدق. أين عسى أن أقع من أوس، له عشرة ذكور أخسّهم أفضل مني، ثم خرج و هو يقول:

يسائلني النّعمان كي يستزلني

و هيهات لي أن استضام فأصرعا

كفاني نقصا أن أضيم عشيرتي

بقول أرى في غيره متوسّعا

فقال النعمان: ما سمعت بأكرم من هذين الرجلين( ٣) .

____________________

(١) انظر كتاب «شعر دعبل بن علي الخزاعي» للدكتور عبد الكريم الاشتر: ١٢١، نقله عن العقد ١: ٣٢٥.

(٢) ص: ٢٤.

(٣) عيون الأخبار ٢: ٢٣ ٢٤، نقله بتصرف.

و روى (الروضة) عن الصادقعليه‌السلام : الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة، فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الاسلام أصل( ١) .

«سائلهم متعنت» أي: يريد ايقاع مجيبه في العنت، أي: المشقة و يظهر زلّته و جهله.

و في السير: قال رجل من العمال لأعرابي: ما أحسبك تعرف كم تصلّي في اليوم و الليلة؟ قال: فإن عرفت، أ تجعل لي على نفسك مسألة. قال: نعم. قال:

ان الصلاة أربع و أربع

ثم ثلاث بعدهن أربع

ثم صلاة الفجر لا تضيّع

قال: صدقت هات مسألتك. فقال كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري. قال:

فتحكم بين الناس و تجهل هذا من نفسك؟

و عن (صفوة الأخبار): قام ابن الكوّا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال: أخبرني عن بصير بالليل بصير بالنهار، و عن بصير بالنهار أعمى بالليل، و عن بصير بالليل أعمى بالنهار. فقالعليه‌السلام له: سل عمّا يعنيك و دع ما لا يعنيك، أمّا بصير بالليل بصير بالنهار فهذا رجل آمن بالرسل الّذين مضوا، و أدرك النبيّ فآمن به، فأبصر في ليله و نهاره، و أما أعمى بالليل بصير بالنهار فرجل جحد الأنبياء الّذين مضوا و أدرك النبيّ فآمن به، فعمى بالليل و أبصر بالنهار، و أما أعمى بالنهار بصير بالليل فرجل آمن بالأنبياء و جحد النبيّ، فأبصر بالليل و أعمى بالنهار( ٢) .

«و مجيبهم متكلف» في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل لا أدري و لا يقل «اللّه أعلم» فيوقع في قلب صاحبه شكا.

____________________

(١) الكافي ٨: ١٧٧، ١٩٧.

(٢) نقله عن عيون الأخبار، بحار الأنوار ٤٠: ٢٨٣ ح ٤٥، نقلا عن كتاب: صفوة الأخبار.

و عنهعليه‌السلام : للعالم إذا سئل عن شي‏ء و هو لا يعلم أن يقول «اللّه أعلم» و ليس لغير العالم أن يقول ذلك.

و عنهعليه‌السلام : من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، و المحكم من المتشابه، فقد هلك و أهلك( ١) .

«يكاد أفضلهم رأيا يرده عن فضل رأيه الرضا و السخط» في (الخصال) عن النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ثلاث خصال من كنّ فيه استكمل خصال الايمان: الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم و لا باطل، و إذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، و إذا قدر لم يتعاط ما ليس له( ٢ ) ، و قال تعالى: و لا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى( ٣ ) ، و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين( ٤) .

و في (المعجم) عن إسحاق الموصلي: دخلت على الأصمعي فأنشدته أبياتا قلتها و نسبتها إلى بعض الأعراب، و هي:

هل إلى أن تنام عيني سبيل

إنّ عهدي بالنوم عهد طويل

غاب عنّي من لا اسمّي فعيني

كل يوم وجدا عليه تسيل

إنّ ما قلّ منك يكثر عندي

و كثير ممّن تحبّ القليل

فجعل يعجب بها و يرددها، فقلت له: إنّها بنات ليلتها. فقال: لا جرم إنّ أثر التوليد فيها بيّن. فقلت: و لا جرم إنّ أثر الحسد فيك ظاهر( ٥) .

ثم إن المذموم من اختلاف حال الرضا و السخط أن يدّعي في الرّضا

____________________

(١) الكافي ١: ٤٢ ٤٣، ح ٥، ٦، ٩.

(٢) الخصال: ١٠٥ ح ٦٦.

(٣) المائدة: ٨.

(٤) النساء: ١٣٥.

(٥) معجم الادباء ٦: ٤٣.

لصاحبه الباطل و ينكر في السخط له الحق، و أما لو تحرّى الحق في كل منهما فلا، فقالوا: وفد عمرو بن الأهتم و الزبرقان بن بدر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسأل عمرا عن الزبرقان فقال: مطاع في عشيرته، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره.

فقال الزبرقان: انه ليعلم مني أكثر من هذا و لكنه حسدني. فقال عمرو: أما و اللّه انه لزمر المروة، ضيّق العطن، أحمق الوالد، لئيم الخال، و اللّه يا رسول اللّه ما كذبت في الاولى، و لقد صدقت في الاخرة، و لكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت، و سخطت فقلت أقبح ما وجدت. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ من البيان لسحرا( ١) .

«و يكاد أصلبهم عودا» صلب العود كناية عن الشدة في الامور، قال الشاعر:

و من يك ذا عود صليب

ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره

«تنكؤه» من نكأت القرحة: إذا قشرتها.

«اللحظة» النظر بمؤخر العين.

«و تستحيله» أي: تقلبه عن الحالة التي كان عليها «الكلمة الواحدة».

و كان خالد بن المعمر من أصلب أصحابهعليه‌السلام عودا فاستحاله كلمة واحدة من معاوية، ففي (صفين نصر) قام و قال: من يبايع على الموت و شرى نفسه للّه، فبايعه سبعة آلاف على ان لا ينظر رجل منهم حتى يرد سرادق معاوية، فاقتتلوا قتالا شديدا و كسروا جفون سيوفهم إلى أن قال فخلّى معاوية عن سرادقه و خرج فارّا لائذا إلى بعض مضارب العسكر، فدخل فيه و بعث إلى خالد: أنت قد ظفرت، و لك إمرة خراسان إن لم تتم، فطمع في ذلك و لم يتم، فأمّره معاوية حين بايعه الناس على خراسان،

____________________

(١) أخرجه اسد الغابة ٢: ١٩٤، بفرق في اللفظ.

فمات قبل أن يصل إليها( ١) .

و قيل: الهدية تفقأ عين الحكيم و تسفّه عقل الحليم.

و في (الحلية) عن وهب: إذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكوّة( ٢) .

و في (عيون القتيبي): إستعمل الحجاج المغيرة بن عبيد اللّه الثقفي على الكوفة، فكان يقضي بين الناس، فأهدى إليه رجل، سراجا من شبه، و بلغ ذلك خصمه فبعث إليه ببغلة، فلما اجتمعا عنده جعل يحمل على صاحب السراج و جعل صاحب السراج يقول إن امري أضوء من السراج، فلما أكثر عليه قال له: ويحك ان البغلة رمحت السراج فكسرته( ٣) .

و مرّ طارق صاحب شرطة خالد القسري في موكبه على ابن شبرمة فقال ابن شبرمة:

أراها و إن كانت تحبّ كأنّها

سحابة صيف عن قريب تقشّع

اللّهمّ لي ديني و لهم دنياهم، فاستعمل بعد ذلك على القضاء فقال له ابنه:

أ تذكر يوم مرّ بك طارق في موكبه و قلت ما قلت؟ فقال: يا بني إنّهم يجدون مثل أبيك و لا يجد مثلهم أبوك، إنّ أباك أكل من حلوائهم و حطّ في أهوائهم( ٤) .

و تقدمت كلثم بنت سريع و أخوها الوليد إلى عبد الملك بن عمير قاضي الكوفة و كان ابنه يرمى بها، فقضى لها فقال هذيل الأشجعي:

أتاه رفيق بالشهود يسوقهم

على ما ادّعت من صامت المال و الخول

____________________

(١) صفين لنصر بن مزاحم: ٣٠٦.

(٢) حلية الأولياء ٤: ٦٤.

(٣) عيون الأخبار ١: ٥٢، و نقله المصنف بتصرف يسير.

(٤) عيون الأخبار ١: ٥٦، نقله بتصرف يسير.

فأدلى وليد عند ذاك بحقه

و كان وليد ذا مراء و ذا جدل

ففتّنت القبطيّ حتى قضى لها

بغير قضاء اللّه في السّور الطّول

إذا ذات دلّ كلّمته لحاجة

فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل

و كان عبد الملك يقول بعد ذلك: ربما جاءتني السعلة أو التنحنح و أنا في المتوضأ فأكفّ عن ذلك( ١) .

«معاشر الناس اتقو اللّه فكم من مؤمل ما لا يبلغه» فلا يبيع آخرته لأمل من دنياه لعله لا يبلغه.

«و بان ما لا يسكنه» فلا يخرب دار بقائه لدار إن سكنها سكنها أيّاما و لعله لا يسكنها ساعة.

«و جامع ما سوف يتركه» و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم( ٢) .

فجمع عمرو بن العاص قناطر من ذهب، فلما مات أخذها معاوية.

«و لعله من باطل جمعه و من حق منعه» عن الرضاعليه‌السلام : لا يجتمع المال إلاّ بخمس خصال: ببخل شديد، و أمل طويل، و حرص غالب، و قطيعة الرحم، و إيثار الدّنيا على الآخرة( ٣) .

و عن الباقرعليه‌السلام : ليس من شيعتنا من له مئة ألف، و لا خمسون ألفا، و لا أربعون ألفا، و لو شئت أن أقول ثلاثون ألفا لقلت، و ما جمع رجل قط عشرة

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٦٣.

(٢) الأنعام: ٩٤.

(٣) اخرجه الخصال ١: ٢٨٢ ح ٣٩.

آلاف من حلها. قال ابو الحسن: من دراهم.

و عن أويس القرني: ان حقوق اللّه لم تترك عند مسلم درهما.

«أصابه حراما و احتمل به أثاما» بالفتح أي: جزاء اثمه، قال تعالى: يلق أثاما( ١) .

«فباء» أي: رجع.

«بوزره» أي: إثمه و ثقله.

«و قدم على ربه آسفا لاهفا» إلى.

«ذلك هو الخسران المبين» لا من يبيع متاعه بأقلّ ممّا شراه.

و في (الطبري) عن عوانة، قال عبيد اللّه لعمر بن سعد بن قتله الحسينعليه‌السلام : أين الكتاب الّذي كتبت به إليك في قتل الحسين؟ قال: مضيت لأمرك و ضاع الكتاب. قال: لتجيئنّ به. قال: ضاع. قال: و اللّه لتجيئني به. قال:

ترك و اللّه يقرأ على عجائز قريش اعتذارا إليهن بالمدينة، أما و اللّه لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها إلى سعد بن أبي وقاص كنت قد أدّت حقّه.

قال عثمان بن زياد أخو عبيد اللّه: صدق و اللّه لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلاّ و في أنفه خزامة إلى يوم القيامة، و أنّ حسينا لم يقتل...( ٢) .

٢ - الحكمة (٢٨٣) و قالعليه‌السلام :

جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ وَ عَالِمُكُمْ مُسَوِّفٌ «جاهلكم مزداد» أي: من الخطأ لجهله بكونه خطأ أو بعقوبة عمله.

____________________

(١) الفرقان: ٦٨.

(٢) تاريخ الطبري ٥: ٤٦٧.

«و عالمكم مسوّف» أي: بالأعمال الصالحة و بالتوبة من القبيحة لطول أمله، و كل منهما هالك: الجاهل بترك تعلّمه مع إتمام الحجة عليه، و العالم بترك عمله.

٣ - الخطبة (٢٢٩) و من كلام لهعليه‌السلام : روى اليمانيّ عن أحمد بن قتيبة عن عبد اللّه بن يزيد عن مالك بن دحية قال: كنّا عند أمير المؤمنينعليه‌السلام و قد ذكر عنده اختلاف الناس فقال:

إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِيْنَتِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ وَ عَلَى قَدْرِ اِخْتِلاَفِهِمْ يَتَفَاوَتُونَ فَتَامُّ اَلرُّوَاءِ نَاقِصُ اَلْعَقْلِ وَ مَادُّ اَلْقَامَةِ قَصِيرُ اَلْهِمَّةِ وَ زَاكِي اَلْعَمَلِ قَبِيحُ اَلْمَنْظَرِ وَ قَرِيبُ اَلْقَعْرِ بَعِيدُ اَلسَّبْرِ وَ مَعْرُوفُ اَلضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ اَلْجَلِيبَةِ وَ تَائِهُ اَلْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اَللُّبِّ وَ طَلِيقُ اَللِّسَانِ حَدِيدُ اَلْجَنَانِ أقول: قول المصنّف: «و من كلام لهعليه‌السلام » ليس في نسخة ابن ميثم رأسا «روى اليماني» هكذا في (المصرية( ١ ) الاولى)، و نقله (ابن أبي الحديد و الخطية) «روى ذعلب اليمامي» نسبة إلى اليمامة، و نقله (ابن ميثم) على ما في النسخة «روى ابو محمد اليماني» نسبة إلى اليمن( ٢) .

«عن محمد بن قتيبة عن عبد اللّه بن يزيد عن مالك بن دحية» قال ابن أبي

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢٥٥، من الخطبة ٢٣٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ١٨، و ابن ميثم ٣١٤، (الطبع الحجري) و فيه: «و من كلام لهعليه‌السلام روى ابو محمد اليماني»

الحديد: ذعلب و أحمد و عبد اللّه و مالك من رجال الشيعة و محدثيهم، و تبعه (ابن ميثم)( ١ ) ، لكن لم أقف على أثر من واحد منهم في كتب رجال الشيعة. نعم عنون (لسان ميزان ابن حجر) عدّة مسمّاة بعبد اللّه بن يزيد( ٢ ) و لم يعلم كون من في السند أحدهم أم لا نعم في ١٧٤ (النهج) «و من كلام لهعليه‌السلام و قد سأله ذعلب اليماني هل رأيت ربك؟» و مرّ في الفصل الأول( ٣ ) و هو غير «ذعلب» هذا على نقله لتأخر هذا و تقدم ذاك، و ليس ذاك أيضا من رجال الشيعة، فروى توحيد الصدوق عن ذاك أنه قال لما قالعليه‌السلام : «سلوني قبل أن تفقدوني»:

لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنّه اليوم( ٤ ) . فهو أعلم و ما قال.

«قد ذكر» هكذا في (المصرية)( ٥ ) و الصواب: ما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) «فقال و قد ذكر»( ٦) .

«عندهعليه‌السلام اختلاف الناس» أي: في الحالات و الصفات، قال الشاعر:

و القوم أشباه و بين حلومهم

بون كذاك تفاضل الأشياء

و قال آخر:

الناس أصناف و شتى في الشيم

و كلهم يجمعهم بيت الأدم

و قال عبد الحميد: الناس أصناف مختلفون، و أطوار متباينون، منهم علق مضنة لا يباع، و منهم غل مظنة لا يبتاع( ٧ ) . و قال الشافعي:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ١٨.

(٢) لسان الميزان ٣: ٣٧٧ ٣٧٩.

(٣) نهج البلاغة ٢: ١٢٠، من الخطبة رقم ١٧٩.

(٤) التوحيد للصدوق: ٣٠٥.

(٥) نهج البلاغة ٢: ٢٥٥، من الخطبة رقم ٢٣٤.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ١٨، و ابن ميثم (الطبع الحجري): ٣١٤، و فيه: «قال: كنّا عند أمير المؤمنينعليه‌السلام و قد ذكر عنده اختلاف الناس فقال: انما...».

(٧) وفيات الأعيان (بتحقيق الدكتور احسان عباس طبعة منشورات الشريف الرضي قم) ٣: ٢٢٩، و فيه: «و في

و الناس يجمعهم شمل و بينهم

في العقل فرق و في الآداب و الحسب( ١)

و قال الشاعر:

للحرب أقوام لها خلقوا

و للدواوين كتّاب و حسّاب

و قال آخر:

و القوم كالعيدان يفضل بعضهم

بعضا كذاك يفوق عود عودا

و لبعضهم:

الناس اخوان و شتى في الشيم

و كلهم يجمعهم بيت الادم

و في الديوان:

الناس من جهة التمثال أكفاء

أبوهم آدم و الام حواء

 (فقال) هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الكلمة زائدة و ليست في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٣ ) و الخطية).

«انما فرّق بينهم مبادي طينتهم» في (معارف ابن قتيبة) قالوا: كان لأبي الجعد أبي سالم ابن أبي الجعد ستة بنين اثنان يتشيّعان، و اثنان مرجئان، و اثنان خارجيّان، فقال ابراهيم: لقد خالف اللّه بينكم.

و في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام : لو علم الناس كيف ابتداء هذا الخلق ما اختلف اثنان...

و عن الصادقعليه‌السلام : ان اللّه تعالى خلق المؤمن من طينة الجنة و خلق الكافر من طينة النار، و إذا أراد اللّه بعبد خيرا طيّب روحه و جسده، فلا يسمع ((ر))سالة له: و الناس أخياف مختلفون، و أطوار متباينون، منهم علق مضنّة لا يباع و غل مظنة لا يبتاع».

____________________

(١) معجم الادباء ١٧: ٣١٩.

(٢) نهج البلاغة ٢: ٢٥٥، من الخطبة رقم ٢٣٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ١٨، ابن ميثم (الطبع الحجري): ٣١٤، و فيه «قال كنا عند أمير المؤمنينعليه‌السلام و قد ذكر عنده اختلاف الناس فقال انما...».

شيئا من الخير إلاّ عرفه، و لا يسمع شيئا من الشرّ إلاّ أنكره...( ١ ) و قال البحتري:

و الأرض لو لا العذاة واحدة

و الناس لو لا الفعال أمثال

أيضا:

و إن الأنفس اختلفن فما

يغني اتّفاق الأسماء و الألقاب

«و ذلك أنهم كانوا فلقة» أي: كسرة و مقدارا.

«من سبخ أرض و عذبها» السبخة الملحة، و العذب ضد السبخ.

«و حزن تربة» الحزن بالسكون ما غلظ من الأرض، و السهل خلافه.

في (معارف ابن قتيبة): أتى حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له: أنت سهل؟ قال: بل أنا حزن ثلاثا قال: فأنت حزن. قال سعيد بن المسيب: فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا.

و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : هلك رجل في عهد النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأتى الحفّارين فإذا بهم لم يحفروا شيئا و شكوا ذلك إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا: ما يعمل حديدنا في الأرض فكأنما يضرب به في الصفا. فقال: و لم؟ إن كان صاحبكم لحسن الخلق، إيتوني بقدح من ماء، فأتوا به فأدخل يده فيه ثم رشّه على الأرض رشّا ثم قال: إحفروا فحفروا فكأنما كان رملا يتهايل عليهم( ٢) .

«فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون و على قدر اختلافها يتفاوتون» قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف( ٣) .

و قال أيضا: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة.

____________________

(١) الكافي ٢: ٣ ح ٢، و ٢: ٦ ح ١.

(٢) الكافي ٢: ١٠١ ح ١٠.

(٣) أخرجه مسلم ٤: ٢٠٣١ ح ١٥٩ ١٦٠، و أبو داود ٤: ٢٦٠ ح ٤٨٣٤.

و في (الكافي) عن عبد اللّه بن كيسان، قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : اخالط الرجل فأرى له حسن السّمت و حسن الخلق و أمانة، ثم افتشه فأتبيّنه عن عداوتكم، و أخالط الرجل فأرى فيه سوء الخلق، و قلّة الأمانة، و زعارة، ثم افتّشه فأتبينه عن ولايتكم، فكيف يكون ذلك؟ قال: أما علمت أنّ اللّه أخذ طينة من الجنة و طينة من النار فخلطهما جميعا ثم نزع هذه من هذه و هذه من هذه، فما رأيت في أولئك من الأمانة و حسن الخلق و حسن السمت فممّا مسّهم من طينة الجنة و هو يعودون إلى ما خلقوا منه، و ما رأيت من هؤلاء من قلّة الأمانة و سوء الخلق و الزّعارة فممّا مسّهم من طينة النار و هم يعودون إلى ما خلقوا منه( ١) .

و عن حبيب السجستاني عن أبي جعفرعليه‌السلام : ان اللّه تعالى لما أخرج ذرية آدم من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له، و بالنبوّة لكل نبي، كان أول من أخذ له عليهم الميثاق بنبوته، محمد بن عبد اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال لآدم: انظر ما ذا ترى؟ فنظر إلى ذريته و هم ذر قد ملأوا السماء فقال: يا ربّ ما أكثر ذرّيّتي و لأمر ما خلقتهم، فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟ قال: يعبدونني لا يشركون بي شيئا، و يؤمنون برسلي و يتبعونهم. قال: يا رب فما لي أرى بعض الذرّ أعظم من بعض، و بعضهم له نور كثير، و بعضهم له نور قليل، و بعضهم ليس له نور. فقال تعالى: كذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم. قال:

يا رب فتأذن لي في الكلام. قال: تكلم، فإنّ روحك من روحي، و طبيعتك خلاف كينونيتي. قال: يا رب لو كنت خلقتهم على مثال واحد و قدر واحد و طبيعة واحدة، و جبلة واحدة و أرزاق سواء، لم يبغ بعضهم على بعض، و لم يكن بينهم تحاسد و لا تباغض و لا اختلاف في شي‏ء من الأشياء. قال: يا آدم

____________________

(١) الكافي ٢: ٣ ح ٥، منشورات المكتبة الإسلامية، طهران.

بروحي نطقت، و بضعف طبيعتك تكلفت ما لا علم لك به، و أنا الخالق العالم، بعلمي خالفت بين خلقهم، و بمشيّتي يمضي فيهم أمري، و إلى تدبيري و تقديري صائرون، لا تبديل لخلقي و ما خلقت الجنّ و الإنس إلاّ ليعبدون( ١ ) ، و خلقت الجنة لمن عبدني و أطاعني منهم و اتبع رسلي و لا أبالي، و خلقت النار لمن كفر بي و عصاني و لم يتبع رسلي و لا أبالي، و خلقتك و خلقت ذريتك من غير فاقة بي إليك و إليهم، و إنّما خلقتك و خلقتهم لأبلوك و أبلوهم أيكم أحسن عملا في دار الدنيا في حياتكم، و لذلك خلقت الدنيا و الآخرة و الحياة و الموت، و الطاعة و المعصية، و الجنة و النار، و كذلك أردت في تقديري و تدبيري و بعلمي النافذ فيهم، خالفت بين صورهم و أجسادهم و ألوانهم و أعمارهم، و أرزاقهم و طاعتهم و معصيتهم، فجعلت منهم الشقي و السعيد، و البصير و الأعمى، و القصير و الطويل، و الجميل و الدميم، و العالم و الجاهل، و الغني و الفقير، و المطيع و العاصي، و الصحيح و السقيم، و من به الزّمانة و من لا عاهة به، فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة، فيحمدني على عافيته، و ينظر الذي به العاهة إلى الصحيح، فيدعوني و يسألني ان أعافيه، و يصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي، و ينظر الغنيّ إلى الفقير، فيحمدني و يشكرني، و ينظر الفقير إلى الغني، فيدعوني و يسألني، و ينظر المؤمن إلى الكافر، فيحمدني على ما هديته، فلذلك خلقتهم و كلّفتهم لأبلوهم في السرّاء و الضراء، و فيما أعافيهم و فيما أبتليهم، و فيما أعطيهم و فيما امنعهم، و أنا اللّه الملك القادر، و لي ان أمضي جميع ما قدّرت على ما دبّرت( ٢) .

«فتام الرواء» بالضم: من له منظر.

____________________

(١) الذاريات: ٥٦.

(٢) الكافي ٢: ٤ ح ٥ و ٢: ٨ ح ٢.

«ناقص العقل» في (مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي): قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : الإنسان عقل و صورة، فمن أخطأه العقل و لزمه الصورة لم يكن كاملا و كان بمنزلة من لا روح فيه، فمن طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الاصول و يحذف الفضول، فإنّ كثيرا من الناس يطلبون الفضول و يضيّعون الاصول.

و في (تاريخ بغداد): قال ثعلب كان يحضر مجلس الزبير بن بكار رجل من بني هاشم له رواء و هيئة، حسن الثوب طيّب الرائحة، و كان الزبير يكرمه و يرفع مجلسه، فقال يوما للزبير: الفرزدق كان جاهليا أو تميميا؟ فولاّه الزبير ظهره و قال: اللهمّ اردد على قريش أخطارها( ١ ) ، و قال العباس بن مرداس:

و يعجبك الطرير فتبتليه

فيخلف ظنك الرجل الطرير

و قال آخر:

و ان طرّة راقتك فانظر فربما

أمرّ مذاق العود و العود أخضر

و قال آخر:

و كائن ترى من تلمعيّ مخطرب

و ليس له عند العزائم جوّل

«و مادّ القامة قصير الهمّة» قال بنو الديان الحارثيون لحسان بن ثابت: كنّا نطول بأجسامنا على العرب حتى قلت:

لا بأس بالقوم من طول و من عظم

جسم البغال و أحلام العصافير

فتركتنا لا نرى أجسامنا شيئا، و قال الشاعر:

ترى الفتيان كالنخل

و ما يدريك ما الدخل

و هذه القضايا قضايا غالبية لا كلية، فقد يكون تام الرواء تام العقل، قال بعضهم: من تمنّى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنّى شيئا

____________________

(١) تاريخ بغداد ٨: ٤٧٠.

عسيرا، و قد اجتمع ذلك كله في العتابي. كما قد يكون طويل القامة عاقلا عالي الهمة.

فلما ألحّ المنصور على أبي مسلم حضوره عنده شاور نيزك الطويل فقال له: يا نيزك إنّي و اللّه ما رأيت طويلا أعقل منك فما ترى؟ قال: لا أرى أن تأتيه و أرى ان تأتي الري فتقيم بها فيصير ما بين خراسان و الري لك( ١) .

و حكيم الهند الذي جرى بينه و بين الاسكندر رموز كان طويلا، ففي (المروج): جلس الاسكندر جلوسا خاصا و دعا بالحكيم و لم يكن رآه قبل ذلك فلما نظر إلى صورته و تأمّل قامته نظر إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية فقال في نفسه: هذه بنية تضاد الحكمة، فإذا اجتمع حسن الصورة و حسن الفهم كان أوحد زمانه، فتأمّله الفيلسوف فأدار أصبعه السبابة على وجهه و وضعه على أرنبة أنفه، فسأله الاسكندر عن سرّ فعله فقال: تأملتك بنور عقلي فتبيّنت فكرتك فيّ و أن هذه الصورة فلمّا تجتمع مع الحكمة، فإذا كان صاحبها ذلك كان أوحد زمانه، فأدرت أصبعي مصداقا لما سنح لك، و أريتك مثالا شاهدا أنه كما ليس في الوجه إلاّ أنف واحد، كذلك ليس في دار مملكة الهند غيري، و لا يلحق أحد بي في حكمتي( ٢) .

«و ذاكي العمل قبيح المنظر» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤ ) (و زاكى) بالزاي و هو الصحيح، من قوله تعالى قد أفلح من زكاها( ٥ ) و أما «ذاكي» فلا مناسبة له هنا، يقال ذكا الرجل: إذا كان حديد

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٤٨٥.

(٢) مروج الذهب ١: ٣٢٨.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٢٥٥، من الخطبة رقم ٢٣٤.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ١٨، و ابن ميثم (الطبع الحجري): ٣١٤، السطر السادس عشر هكذا.

(٥) الشمس: ٩.

الفؤاد، و ذكت النار: إذا اشتعلت.

من أمثالهم «جاورينا و أخبرينا»( ١ ) و عن يونس: إنّ رجلين كانا يتعشّقان امرأة و كان أحدهما جميلا، فيقول لها «عاشرينا و انظري إلينا»، و الآخر دميما يقول لها المثل، فقالت لأختبرنّهما، فقالت لهما: لينحرا جزورا، فأتتهما متنكّرة، فبدأت بالجميل، فوجدته عند القدر يلحس الدسم و يأكل الشحم، فاستطعمته، فأمر لها بثيل الجزور أي: وعاء قضيبه، ثم أتت الدميم، فإذا هو يقسم اللحم و يعطي كل من يسأله، فسألته، فأمر لها بأطائب الجزور، فلما أصبحا غدوا عليها، فوضعت بين يدي كلّ منهما ما أعطاها، فأقصت الجميل و قرّبت الدميم( ٢ ) ، قال أبو محجن:

أ لم تسأل فوارس من سليم

بنضلة و هو موتور مشيح

رأوه فازدروه و هو خرق

و ينفع أهله الرجل القبيح

فلم يخشوا مصالته عليهم

و تحت الرغوة اللبن الصريح

فكرّ عليهم بالسيف صلتا

كما عضّ الشبا الفرس الجموح

فأطلق غلّ صاحبه و أردى

جريحا منهم و نجا جريح

و لآخر:

ترى الرجل النحيف فتزدريه

و في أثوابه رجل عزيز

و يعجبك الطرير فتبتليه

فيخلف ظنك الرجل الطرير

هذا، و هجا مسلم بن الوليد قوما فقال:

قبحت مناظرهم فحين خبرتهم

حسنت مناظرهم لقبح المخبر( ٣)

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ١: ١٦٣.

(٢) نقله عن يونس الميداني في مجمع الأمثال ١: ١٦٢.

(٣) الأغاني ١٩: ٣٤، و فيه: و هجا رجلا بقبح الوجه و الأخلاق فقال:

قبحت مناظره فحين خبرته حسنت مناظره لقبح المخبر

«و قريب القعر بعيد السبر» من سبرت الجرح: إذا نظرت ما غوره.

في (تاريخ بغداد): قال صافي الحرمي مولى المعتضد: مشيت يوما بين يديه و هو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب (شغب) أم المقتدر وقف يسمع و يطّلع من خلل في الستر، فإذا هو بالمقتدر و له إذ ذاك خمس سنين أو نحوها و هو جالس و حواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن و بين يديه طبق فضة فيه عنقود في وقت فيه العنب عزيز جدا، و الصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى أفنى العنقود، و المعتضد يتميّز غيظا، فرجع و لم يدخل الدار و رأيته مهموما، فقلت: يا مولاي ما سبب ما فعلته و ما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي و اللّه لو لا النار و العار لقتلت هذا الصبي اليوم، فإنّ في قتله صلاحا للامّة. فقلت:

يا مولاي حاشاه. أي شي‏ء عمل، يا مولاي إلعن إبليس. فقال: ويحك أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الامور و أصلحت الدنيا بعد فساد شديد، و لا بد من موتي، و أعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي و سيجلسون ابني عليّا يعني المكتفي و ما أظن عمره يطول للعلة التي به يعني الخنازير التي كانت في حلقه فيتلف عن قرب، و لا يرى الناس إخراجها عن ولدي و لا يجدون بعده أكبر من هذا فيجلسونه و هو صبي، و له من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل، و ساوى بينه و بينهم و شي‏ء عزيز في العالم و الشح على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النسوان لقرب عهده بهن فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسّم العنب، و يبذر ارتفاع الدنيا و يخربها، فتضيع الثغور و تنتشر الامور، و يخرج الخوارج و تحدث الاسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا. فقلت: بل يبقيك اللّه حتى يتأدّب بآدابك. قال: إحفظ عني ما أقوله، فكنت كلّما وقفت على رأس

المقتدر و هو يشرب و قد دعا بالأموال فأخرجت إليه و جعل يفرقها على الجواري و النساء و يمحقها و يهبها، ذكرت مولاي المعتضد و بكيت( ١) .

هذا، و قال ابن أبي الحديد: المراد بقرب قعره تقارب طرفيه بقصر قامته( ٢) .

و قيل لبعض الحكماء: ما بال القصار أدهى و أحذق؟ قال: لقرب قلوبهم من أدمغتهم.

«و معروف الضريبة، منكر الجليبة» في (الصحاح): الضريبة: الطبيعة، تقول فلان كريم الضريبة و فلان لئيم الضريبة( ٣ ) ، و الجليب: الذي يجلب من بلد إلى غيره، قال زهير:

و مهما تكن عند امرى‏ء من خليقة

و إن خالها تخفى على الناس تعلم

و قال ذو الأصبع:

كل امرى‏ء راجع يوما لشيمته

و إن تخلّق أخلاقا إلى حين( ٤)

و قال كثير:

و من يبتدع ما ليس من سوس نفسه

يدعه و يغلبه على النفس خيمها( ٥)

هذا، و في (الحلية) عن الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها و جمعتها، ثم لمّا حان انصرافي مررت على رجل في الطريق محتب بفناء داره أزرق العين ناتى‏ء الجبهة سناط و هذا النعت أخبث

____________________

(١) تاريخ بغداد ٧: ٢١٦ و ٢١٧.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ٢١، بالمعنى.

(٣) الصحاح للجوهري ١: ١٦٩.

(٤) الشعر لحرثان بن الحارث ذي الأصبع العدواني (كان يعيش نحو ٢٢ ه. ق). انظر الأغاني ٣: ١٠٥، السطر الثالث عشر و فيه: «كل امرى‏ء صائر يوما...»

(٥) حلية الأولياء ٩: ١٤٤، و نقله المصنف بتصرف.

ما يكون في الفراسة فقلت له: هل من منزل؟ فقال: نعم فأنزلني فرأيته اكرم ما يكون من رجل، بعث إليّ بعشاء و طيب و علف لدابتي و فراش و لحاف، فجعلت أ تقلب الليل ما أصنع بهذه الكتب إذ رأيت النعت في هذا الرجل، فقلت:

أرمي بهذه الكتب، فلما أصبحت قلت للغلام: أسرج، فأسرج فركبت و مررت عليه و قلت له: إذا قدمت مكة و مررت بذي طوى فاسأل عن محمد بن ادريس الشافعي. فقال: أ مولى لأبيك أنا؟ قلت: لا. قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ قلت:

لا. قال: أين ما تكلفت لك البارحة. قلت: و ما هو. قال: أشتريت طعاما لك بدرهمين و إداما بكذا و كذا و عطرا بثلاثة دراهم و علفا لدابتك بدرهمين و كراء الفرش و اللحاف درهمان. قلت: يا غلام أعطه. فهل بقي شي‏ء؟ قال: كراء البيت فاني قد وسعت عليك و ضيقت على نفسي. قال: فغبطت بتلك الكتب، فقلت له:

هل بقي لك من شي‏ء؟ قال: امض أخزاك اللّه فما رأيت قط شرا منك( ١) .

إذا ما طلبت شيمة غير شيمة

طبعت عليها لم تجبك الطبائع

«و تائه القلب» أي: متحيّرة.

«متفرّق اللب» أي: العقل.

في (الطبري): و في سنة (٦٧) عزل ابن الزبير أخاه مصعبا عن البصرة و ولّى ابنه حمزة، فقدم البصرة و كان يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه، و يمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، فظهرت منه بالبصرة خفّة و ضعف، فعزله أبوه فاحتمل مالا كثيرا من مال البصرة و أتى المدينة و ترك أباه، فأودع ذلك المال رجالا فذهبوا به إلاّ يهوديا كان أودعه فوفى له، و علم أبوه بما فعل فقال: أبعده اللّه أردت ان أباهي به بني مروان فنكص( ٢) .

____________________

(١) حلية الأولياء ٩: ١٤٤، و نقله المصنّف بتصرّف.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ١١٧ و ١١٨، و نقله المصنف بتصرف كثير.

و قال سوار: ما أعلم أحدا أفضل من عطاء السلمي، و لو شهد عندي على فلسين لم أجز شهادته يذهب إلى تفرق لبه.

«و طليق اللسان حديد الجنان» بالفتح القلب، قال الجوهري: قال موسى بن جابر الجعفي:

فما نفرت جنّي و لا فل مبردي

و لا أصبحت طيري من الخوف وقعا

و اراد بالجن القلب و بالمبرد اللسان. و قالوا: المرء بأصغريه قلبه و لسانه( ١) .

و في (المروج): لما حصل شبيب الخارجي على جسر دجيل نفر به فرسه و عليه الحديد الثقيل من درع و مغفر، فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه أغرقا؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم( ٢ ) . فألقاه دجيل ميتا بشطه، فحمل على البريد إلى الحجّاج فأمر بشق بطنه و استخراج قلبه، فاستخرج فإذا هو كالحجر إذا ضرب به الأرض نبا عنه، فشقّ فإذا في داخله قلب صغير كالكرة، فشقّ فأصيب علقة الدم في داخله( ٣) .

هذا، و في (الكافي): كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: إذا كان الغلام ملتاث الادرة صغير الذكر، ساكن النظر، فهو ممّن يرجى خيره و يؤمن شرّه، و إذا كان شديد الادرة كبير الذكر حاد النظر فهو ممّن لا يرجى خيره و لا يؤمن شرّه( ٤) .

هذا و قد قيل في كنانة:

فما كنانة في خير بخائرة

و لا كنانة في شر باشرار

____________________

(١) الصحاح للجوهري ٥: ٢٠٩٣.

(٢) فصلت: ١٢.

(٣) مروج الذهب ٣: ١٣٩ ١٤٠.

(٤) الكافي ٦: ٥١ ح ١.

و هو أقبح ذم.

٤ - الحكمة (١٠٨) و قالعليه‌السلام :

لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هَذَا اَلْإِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وَ ذَلِكَ اَلْقَلْبُ وَ لَهُ مَوَادَّ مِنَ اَلْحِكْمَةِ وَ أَضْدَاداً مِنْ خِلاَفِهَا فَإِنْ سَنَحَ لَهُ اَلرَّجَاءُ أَذَلَّهُ اَلطَّمَعُ وَ إِنْ هَاجَ بِهِ اَلطَّمَعُ أَهْلَكَهُ اَلْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ اَلْيَأْسُ قَتَلَهُ اَلْأَسَفُ وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ اَلْغَضَبُ اِشْتَدَّ بِهِ اَلْغَيْظُ وَ إِنْ أَسْعَدَهُ اَلرِّضَا نَسِيَ اَلتَّحَفُّظَ وَ إِنْ نَالَهُ اَلْخَوْفُ شَغَلَهُ اَلْحَذَرُ وَ إِنِ اِتَّسَعَ لَهُ اَلْأَمْرُ اِسْتَلَبَتْهُ اَلْغِرَّةُ وَ إِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ اَلْغِنَى وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ اَلْجَزَعُ وَ إِنْ عَضَّتْهُ اَلْفَاقَةُ شَغَلَهُ اَلْبَلاَءُ وَ إِنْ جَهَدَهُ اَلْجُوعُ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ وَ إِنْ أَفْرَطَ بِهِ اَلشِّبَعُ كَظَّتْهُ اَلْبِطْنَةُ فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ أقول: رواه الكليني في (روضته) و المسعودي و أبو طلحة الشافعي في (مطالب سؤوله)، روى الأول عن محمد بن علي بن معمر عن محمد بن علي بن عكاشة عن الحسين بن النضر الفهري عن أبي عمرو الأوزاعي عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: إن أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، و ذلك حين فرغ من جمع القرآن و تأليفه، فقال: الحمد للّه الذي منع الأوهام أن تنال الا وجوده إلى أن قال أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه و له مواد من الحكمة و أضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، و إن هاج به الطمع أهلكه الحرص، و إن ملكه اليأس قتله الأسف، و إن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، و إن أسعد بالرّضا نسي التحفّظ، و إن ناله الخوف شغله الحذر، و إن اتّسع له الأمن

استلبته الغرّة، و إن جددت له النعمة أخذته الغرّة، و ان أفاد مالا أطغاه الغنى، و ان عضّته فاقة شغله البلاء جهده البكاء و إن أصابته مصيبة فضحه الجزع، و إن أجهده الجوع قعد به الضعف، و إن أفرط في الشبع كظّته البطنة، فكل تقصير به مضر و كل إفراط له مفسد( ١) .

و قال الثاني: دخل ضرار بن ضمرة و كان من خواصّ عليّعليه‌السلام على معاوية وافدا، فقال له: صف لي عليا. قال: أعفني. قال معاوية: لا بدّ من ذلك.

فقال: أمّا إذا كان لا بدّ من ذلك فإنه كان و اللّه بعيد المدى شديد القوى إلى أن قال فقال له معاوية: زدني شيئا من كلامه. فقال: كان يقول: أعجب ما في الانسان قلبه، و له مواد من الحكمة و أضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أماله الطمع، و إن مال به الطمع أهلكه الحرص، و إن ملكه القنوط قتله الأسف، و إن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، و إن أسعده الرضا نسي التحفّظ، و إن أماله الخوف فضحه الجزع، و إن أفاد مالا أطغاه الغنى، و ان عضته فاقة فضحه الفقر، و ان جهده الجوع أقعده الضعف، و ان أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضرّ، و كل إفراط له مفسد، فقال له معاوية: زدني ما وعيته من كلامه. قال: هيهات أن آتي على جميع ما سمعته منه( ٢) .

و قال الثالث: نقل البيهقي باسناده عن الشافعي عن يحيى بن سليم عن الامام جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن جعفر عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: أعجب ما في الانسان قلبه، فيه مواد من الحكمة و أضداد لها من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، و إن هاج به الطمع أهلكه الحرص، و إن ملكه اليأس قتله الأسف، و إن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، و إن أسعده الرضا نسي

____________________

(١) الكافي ٨: ١٨ و ٢١.

(٢) مروج الذهب ٢: ٤٢١ ٤٢٢.

التحفّظ، و إن ناله الخوف شغله الحزن، و إن أصابته المصيبة فضحه الجزع، و إن وجد مالا أطغاه الغنى، و إن عضّته فاقة شغله البلاء، و إن أجهد به الجوع قعد به الضعف، و إن أفرط به الشبع كظّته البطنة، فكل تقصير به مضرّ، و كل إفراط له مفسد.

«لقد علق بنياط هذا الانسان» في (الصحاح): النياط: عرق علق به القلب من الوتين، فإذا قطع مات صاحبه( ١) .

و مراده نوع الانسان الشامل لجميع الافراد.

و عن أرسطاطاليس في تفاوت أفراد الانسان كلام، و هو: ليس فيما خلق تعالى أشد من الانسان، يوجد فيه ما في كل حيوان، يكون شجاعا كالاسد، و جبانا كالأرنب، و سخيّا كالديك، و بخيلا كالكلب، و فجورا كالغراب، و وحشيّا كالنمر و انسيّا كالحمام، و خبيثا كالثعلب، و سليما كالغنم، و سريعا كالغزال، و بطيئا كالدبّ، و عزيزا كالفيل، و ذليلا كالحمار، و لصا كالعقعق، و تائها كالطاوس، و هاديا كالقطا، و ضالاّ كالنعامة، و شرورا كالتيس، و كدودا كالثور، و شموسا كالبغل، و أخرس كالحوت، و منطيقا كالهزار، و جهولا كالخنزير، و ميشوما كالبوم، و نفّاعا كالفرس، و مضرا كالفأرة.

«بضعة» في (الصحاح) القطعة من اللحم، و هي بالفتح، و أخواتها مثل القطعة و الفلذة و الفدرة و الكسفة و الخرقة و ما لا يحصى بالكسر( ٢) .

«هي أعجب ما فيه» و كل ما فيه عجب، فقالعليه‌السلام أيضا: إعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحم، و يتكلّم بلحم، و يسمع بعظم( ٣ ) ، بل كله عجب.

____________________

(١) الصحاح للجوهري ٣: ١١٦٦.

(٢) الصحاح ٣: ١١٨٦.

(٣) نهج البلاغة ٣: ٤ الحكمة ٧.

أ تزعم أنك جرم صغير

و فيك انطوى العالم الأكبر

«و ذلك القلب» قالوا ما سمّي القلب إلاّ من تقلبه.

هذا، و قيل في عضد الدولة: له صدر فيه ألف قلب.

«و له مواد من الحكمة و أضداد من خلافها» و عنهعليه‌السلام أيضا: الفضائل أربعة أجناس: أحدها الحكمة و قوامها في الفكرة، و الثاني العفّة و قوامها في الشهوة، و الثالث القوّة و قوامها في الغضب، و الرابع العدل و قوامه في اعتدال قوى النفس( ١) .

قال ابن ميثم: أرادعليه‌السلام : بقوله «مواد من الحكمة» الفضائل الخلقية، فإنّها بأسرها من الحكمة، و هي العلم بما ينبغي أن يفعل، و هو الأصلح في كل باب، و هي مواد كمال القلب. و أراد بقوله: «و أضداد من خلافها» الرذائل المضادة للفضائل، و هي التي أطراف التفريط و الإفراط منها، فالاولى الطمع و هو رذيلة الإفراط من رضا الانسان بما يحصل عليه من دنياه.

إلى أن قال: الخامسة رذيلة الإفراط من عروض الخوف، و هي الاشتغال بالحذر عما ينبغي عند عروضه، و الذي ينبغي فيه الأخذ بالحزم، و ترك الافراط من الخوف و العمل للأمر المخوف. السادسة رذيلة التفريط في عروض ضده و هو الأمن حتى لا يفكّر في مصلحته و حفظ ما هو عليه من الأمن.

إلى أن قال: ثم ختم ذلك بالتنفير عن طرفي الإفراط و التفريط فيها إجمالا بما يلزم التفريط من مضرّة القلب بعدم الفضيلة و يلزم الإفراط فيها من إفساده لخروجه عنها( ٢) .

____________________

(١) بحار الانوار ٧٨: ٨١ ح ٦٨.

(٢) ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٧٨ و ٤٧٩، و قول المصنف «... من رضا الانسان بما يحصل عليه من دنياه» ليس من

و عرّض ابن ميثم في كلامه ذاك بابن أبي الحديد حيث قال: ليست الأمور التي عدّدهاعليه‌السلام شرحا لما قدّمه من هذا الكلام المجمل، و إن ظنّ قوم أنه أراد ذلك( ١) .

«فان سنح» أي: عرض.

«له الرجاء أذله الطمع» الرجاء ان لم يكن فيه افراط يؤدي إلى الطمع فضيلة و حكمة لأنه مادة الحياة للدين و الدنيا، و أما إن أدى إليه فهو طبع.

و في (مجازات نبوية المصنّف) في قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله «استعيذوا باللّه من طمع يهدي إلى طبع» المراد أن الطمع يصيّر بصاحبه إلى معائب الأفعال و مدانسها، و يوقعه في مذامّها و مناقصها، و الطبع الدنس و العيب مأخوذ على ما سمعته من أبي الفتح النحوي من الطابع و هو الخاتم، كأنه يسم صاحبه بالمعائب( ٢ ) ، فلما كانت عواقب الطمع صائرة إلى مدارن الطبع جعلصلى‌الله‌عليه‌وآله الطمع كأنه هاد إليها على المجاز و الاتساع.

و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذلّه.

و عنهعليه‌السلام : الذي يثبّت الإيمان الورع، و الذي يخرجه الطمع.

و عن السجادعليه‌السلام : رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عمّا في أيدي النّاس( ٣) .

و قالوا: تقطع أعناق الرجال المطامع، و ان الطير ليصاد بالمطامع.

و أشعب الطماع و قصصه معروفة.

((ك))لام ابن ميثم فانه قال: «فالاولى الطمع و هي رذيلة الإفراط من الرجاء و نفرّ عنها بما يلزمها من الذلة: المطموع فيه و بما يلزم اشتداد الطمع من الحرص المهلك في الدارين».

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٧١.

(٢) المجازات: ٢٣٩.

(٣) الكافي ٢: ٣٢٠ ١ و ٣ و ٤.

«و ان هاج به الطمع أهلكه الحرص» فالحرص إفراط في إفراط، فالطمع يذل و الحرص يهلك.

و في (عيون ابن قتيبة): لا يكثر الرجل على أخيه الحوائج، فان العجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحته و نحّته. و قال الشاعر:

كم من حريص على شي‏ء ليدركه

و علّ ادراكه يدني إلى عطبه

و قال آخر:

و ربّ ملحّ على بغية

و فيها منيّته لو شعر( ١)

و قال ابن المقفع: الحرص محرمة، أنظر من يطلب إليك بالإجمال و التكرّم أحق أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب ذلك بالشره و الحرص( ٢) .

و دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بمال عليه و قيّد، فقال له الرجل: أما ترى ما نحن فيه من هذه القيود، فرفع مالك رأسه فرأى سلّة فقال: لمن هذه؟ قال: لي فأمر بها أن تنزل، فأنزلت و إذا دجاج و أخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود في رجلك( ٣) .

و قالت الحكماء: الحريص الجشع أشد حرارة من النار.

«و إن ملكه اليأس قتله الأسف» هو التفريط من فضيلة الرجاء، فاليأس يمنع العمل للدنيا و الدين.

و في (الخصال) عن الصادقعليه‌السلام : تبع حكيم حكيما سبعمئة فرسخ في سبع كلمات، فلما لحق به قال: يا هذا ما أرفع من السماء، و أوسع من الأرض،

____________________

(١) عيون الأخبار ٣: ١٩١.

(٢) عيون الأخبار ٣: ١٩١، نقله بالتقطيع.

(٣) عيون الأخبار ٣: ١٩٢، نقله بتصرف يسير.

و أغنى من البحر، و أقسى من الحجر، و أشد حرارة من النار، و أشد بردا من الزمهرير، و أثقل من الجبال الراسيات؟ فقال له: يا هذا الحق أرفع من السماء، و العدل أوسع من الأرض، و غنى النفس أغنى من البحر، و قلب الكافر أقسى من الحجر، و الحريص الجشع أشدّ حرارة من النار، و اليأس من روح اللّه أشدّ بردا من الزمهرير، و البهتان على البري‏ء أثقل من الجبال الراسيات( ١) .

و قالوا: عاقب الزهري رجلا، فمات فخرج هاربا و توحّش و ضرب فسطاطا، فقال له علي بن الحسينعليه‌السلام : اني أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك( ٢) .

«و ان عرض له الغضب اشتد به الغيظ» في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام : إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، و إنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه و انتفخت أوداجه و دخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض، فإنّ رجس الشيطان يذهب عنه عند ذلك.

و عن الصادقعليه‌السلام قال رجل للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : علّمني. قال: إذهب و لا تغضب.

فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا و لبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم ثم ذكر قول النبيّ «لا تغضب» فرمى السلاح ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه، فقال: يا هؤلاء ما كان لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعليّ في مالي أنا أو فيكموه. فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم، فاصطلح القوم و ذهب الغضب.

و عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل.

____________________

(١) الخصال: ٣٤٨ ح ٢١.

(٢) أخرجه ذيل الطبري: ١١٦.

و عن الباقرعليه‌السلام : ان الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار، و أيّما رجل غضب على قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلك فانه سيذهب عنه رجس الشيطان، و أيّما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسّه فإنّ الرحم إذا مست سكنت( ١) .

هذا، و في (نسب قريش مصعب الزبيري): حجّ مروان بن عبد الملك مع أخيه الوليد بن عبد الملك و الوليد يومئذ خليفة فجرى بينهما محاورة، فغضب الوليد فأمصّه فتفوه مروان بالرد عليه، فأمسك عمر بن عبد العزيز على فيه فمنعه من ذلك، فقال لعمر: «قتلتني رددت غيظي في جوفي»، فما راحوا من وادي القرى حتى دفنوه، فقال الشاعر:

لقد غادر القوم اليمانون إذ غدوا

بوادي القرى جلد الجنان مشيّعا

فسيروا فلا مروان للقوم إذ شقوا

و للركب إذ أمسوا مكلّين جوّعا( ٢)

و الرذيلة ما إذا استتبع الغضب غيظا يؤدي إلى الانتقام بأكثر مما يستحقه الخصم، و أما ان ترك الانتقام رأسا فهو فضيلة، قال تعالى و ما عند اللّه خير و أبقى للذين آمنوا و على ربهم يتوكلون. و الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون( ٣ ) كما انه إذا انتقم بقدر الاستحقاق يكون عدالة، قال تعالى: و جزاء سيئة سيئة مثلها( ٤) .

«و إن أسعده الرضا نسي التحفّظ» في (الطبري) في محاربة نصر بن سيّار و الكرماني في خراسان بعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرماني و نصر إلى الكرماني «إني معك»، فقبل و انضم إليه، فاشتد ذلك على نصر

____________________

(١) الكافي ٢: ٣٠٢ ٣٠٤ ١ و ٢ و ١١ و ١٢.

(٢) نسب قريش لمصعب الزبيري: ١٦٢، و نقله بتصرف.

(٣) الشورى: ٣٦ و ٣٧.

(٤) الشورى: ٤٠.

فأرسل إلى الكرماني: ويلك لا تغترر فو اللّه إنّي لخائف عليك و على أصحابك منه، و لكن هلم إلى الموادعة فندخل مرو، فنكتب بيننا كتابا بصلح و هو يريد أن يفرق بينه و بين أبي مسلم فدخل الكرماني منزله و أقام أبو مسلم في المعسكر و خرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في مئة فارس و عليه قرطق خشكشونة، ثم أرسل نصر: أخرج لنكتب بيننا الكتاب فأبصر نصر منه غرة فوجّه إليه ابن سريع في نحو من ثلاثمئة فارس فالتقوا في الرحبة، فاقتتلوا بها طويلا، ثم ان الكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته و حماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به فقتل نصر الكرماني و صلبه( ١) .

«و ان ناله» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و الصواب: (و إن عاله) كما في (ابن ميثم و الخطية)( ٣) .

«الخوف شغله الحذر» في (الطبري) في غزوة حنين كان جماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري، فلما نزل بأوطاس إجتمع إليه الناس و فيهم دريد بن الصمة، فلما نزل دريد قال: ما لي أسمع رغاء البعير، و نهاق الحمير، و يعار الشاء، و بكاء الصبي؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم و نساءهم و أموالهم. فقال: اين مالك؟ فدعي له. فقال له: إنك أصبحت رئيس قومك، مالي أسمع رغاء البعير، و نهاق الحمير، و يعار الشاء، و بكاء الصغير؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم و نساءهم و أموالهم قال: و لم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله و ماله ليقاتل عنهم. قال: هل يرد المنهزم شي‏ء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلاّ رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك...( ٤) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٣٧٠ و ٣٧١.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٧٥، من الكلام رقم ١٠٨.

(٣) ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٧٨، و فيه «و ان غاله» و كتب في الهامش «ناله صح».

(٤) تاريخ الطبري ٣: ٧١، و نقله المصنّف بتصرف.

و المذموم ما إذا كان له قدرة على تدبير و حيلة و الا فلا، فكان هشام بن الحكم بعد وقوف هارون على حجاجه في الامامة أراد قتله، و كان قدّم ليضرب عنقه و اتفق ان نجا فاعتلّ من الخوف، فكان إذا وصف طبيب له علته يكذبه و يقول له: علتي فزع القلب مما أصابني.

«و إن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة» أي: اختلسته، كان علي بن الكرماني استأمن إلى أبي مسلم، فأمره أبو مسلم أن يسمّي له خاصته ليولّيهم و يأمر لهم بجوائز و كسا، فسمّاهم له فقتلهم جميعا( ١) .

«و ان أفاد مالا أطغاه الغني» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب: كون هذه الفقرة (و ان أفاد مالا أطغاه الغنى) بعد فقرة «و ان أصابته مصيبة فضحه الجزع» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)( ٣ ) ، و لأن المناسب أن يكون: «و إن عضّته الفاقة» بعد «و إن أفاد مالا». إنّ الانسان ليطغى. أن رآه استغنى( ٤ ) ، و لو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض و لكن ينزّل بقدر ما يشاء( ٥ ) ، و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون( ٦) .

«و ان أصابته مصيبة فضحه الجزع» إنّ الانسان خلق هلوعا. إذا مسّه الشر جزوعا. و إذا مسّه الخير منوعا( ٧) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٣٨٨.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٧٥، من الكلام رقم ١٠٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٣٧١، ابن ميثم ٣: ٤٧٨.

(٤) العلق: ٦ و ٧.

(٥) الشورى: ٢٧.

(٦) الزخرف: ٣٣.

(٧) المعارج: ١٩ ٢١.

و في (المروج): إعتلّت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، فأقام يزيد أياما لا يظهر للناس، ثم ماتت، فأقام أياما لا يدفنها جزعا عليها حتى جيفت، فقالوا:

إنّ النّاس يتحدّثون عنك بجزعك، و إنّ الخلافة تجل عن ذلك، فدفنها و أقام على قبرها فقال:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى

فباليأس تسلو النفس لا بالتجلّد

ثم أقام بعدها أياما قلائل ثم مات( ١) .

«و إن عضّته الفاقة شغله البلاء» في (العقد): كان أبو الشمقمق الشاعر أديبا طريفا محارفا صعلوكا متبرّما قد لزم بيته في أطمار مسحوقة، و كان إذا استفتح عليه أحد بابه خرج فنظر من فرج الباب، فإن أعجبه الواقف فتح له و إلاّ سكت، فدخل عليه بعض إخوانه، فلمّا رأى سوء حاله قال: إنّا روينا في بعض الحديث «ان العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة». قال: إن كان ما تقول حقا لأكوننّ بزازا يوم القيامة( ٢) .

و في كتاب ما للهند: من لا مال له إذا أراد أن يتناول أمرا قعد به العدم فيبقى مقصّرا عما أراد كالماء الذي يبقى في الأودية من مطر الصيف فلا يجري إلى بحر و لا نهر بل يبقى مكانه حتى تنشفه الأرض( ٣) .

«و ان جهده الجوع قعد به الضعف» في (شعراء ابن قتيبة) في أعشى قيس كان ابوه يدعى قتيل الجوع، و ذلك أنه كان في جبل، فدخل غارا فوقعت صخرة من الجبل فسدت فم الغار فمات فيه جوعا( ٤) .

هذا، فقيل لعقيل بن علقمة، لو زوّجت بناتك، فإنّ النساء لحم على وضم

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ١٩٨.

(٢) العقد الفريد ٢: ٣٥٢، نقله بتصرف في العبارة.

(٣) العقد الفريد لابن عبد ربه ٢: ٣٥٣.

(٤) الشعر و الشعراء لابن قتيبة (طبعة دار صادر بيروت): ١٣٥.

إذا لم يكنّ غانيات. قال: كلاّ إنّي أجيعهنّ فلا يأثرن، و اعرّيهنّ فلا يظهرن.

«و ان أفرط به الشبع كظته البطنة» الكظّة بالكسر: ما يعتري الانسان من الامتلاء من الطعام، قال حاتم:

يرى الخمص تعذيبا و إن نال شبعة

يبت قلبه من قلة الهمّ مبهما

و في (العقد) قال أبو اليقظان: كان هلال بن سعد التميمي اكولا، فيزعمون انه أكل جملا و أكلت امرأته فصيلا، فلما أراد أن يجامعها لم يصل إليها، فقالت له: و كيف تصل اليّ و بيني و بينك بعيران( ١ ) ؟

و قال المدائني: كان سليمان بن عبد الملك بدابق فأتي بسلّين أحدهما مملو بيضا و الآخر تينا. فقال: إقشروا البيض، فجعل يأكل بيضة و تينة حتى فرغ من السلين، ثم أتوه بقصعة مملوة مخّا بسكر، فأكله فأتخم و مرض فمات( ٢) .

هذا، و في (المروج) رحل رجل من بني هاشم من الكوفة إلى ابن عمّه بالمدينة، فأقام عنده حولا لم يدخل مستراحا، فلما كان بعد الحول أراد الرجوع إلى الكوفة فحلف عليه أن يقيم عنده أياما أخر، فأقام و كان للرجل قينتان فقال لهما: أما رأيتما ابن عمي و ظرفه، أقام عندنا حولا و لم يدخل مستراحا. فقالتا له: فعلينا أن نصنع له شيئا لا يجد معه بدّا من الخلاء. قال شأنكما و ذلك، فعمدتا إلى خشب العشر و هو مسهل فدقّتاه و طرحتاه في شرابه، فلما حضر وقت شرابهما قدمتاه إليه و سقتا مولاهما من غيره، فلما أخذ الشراب منهما تناوم المولى و تمغّص الفتى، فقال للّتي تليه: يا سيدتي أين الخلاء؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك. قالت: يسألك ان تغنيه:

____________________

(١) العقد الفريد ٨: ١٣، و فيه «كان هلال بن الاسعر التميمي... فيزعمون أنه أكل فصيلا و أكلت امرأته فصيلا...».

(٢) العقد الفريد ٨: ١٥، و فيه «اقبل نصراني إلى سليمان بن عبد الملك و هو بدابق بسلّين أحدهما مملوء بيضا...».

خلا من آل فاطمة الديار

فمنزل أهلها منها قفار

فغنته فقال الفتى: أظنهما مكيتين و ما فهمتا، ثم التفت إلى الاخرى فقال:

يا سيدتي أين الحش. فقالت لها صاحبتها: ما يقول؟ قالت: يسألك ان تغنيه:

أوحش الدقرات و الدير منها

فعناها بالمنزل المغمور

فغنته، فقال الفتى: أظنهما عراقيتين و ما فهمتا عني، ثم التفت إلى الاخرى فقال لها: أعزك اللّه أين المتوضأ. فقالت لها صاحبتها: ما يقول؟ قالت:

يسألك أن تغنيه:

توضأ للصلاة و صل خمسا

و أذن بالصلاة على النبيّ

فغنته فقال: أظنهما حجازيتين و ما فهمتا عني. ثم التفت إلى الاخرى فقال: يا سيدتي أين الكنيف؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك. قالت: يسألك ان تغنيه:

تكنّفني الواشون من كل جانب

و لو كان واش واحد لكفانيا

فقال: أظنهما يمانيتين و ما فهمتا عني، ثم التفت إلى الاخرى فقال: يا هذه أين المستراح؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول؟ قالت يسألك ان تغنيه:

ترك الفكاهة و المزاحا

و قلى الصبابة و استراحا

فغنته و المولى يسمع ذلك و هو متناوم، فلما اشتدّ به الأمر أنشأ يقول:

تكنفني السلاح و أضجروني

على ما بي بتكرير الأغاني

فلما ضاق عن ذاك اصطباري

ذرقت به على وجه الزواني

ثم انه حل سراويله و سلح عليهما، و انتبه المولى في أثر ذلك، فلما رأى ما نزل بجواريه قال: يا أخي ما حملك على هذا الفعل؟ قال: يا ابن الفاعلة لك جوار يرين المخرج صراطا مستقيما لا يدللني عليه، فلم أجد

لهن جزاء غير هذا، ثم رحل عنه( ١) .

«و كل تقصير به مضر و كل افراط له مفسد» قال تعالى و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما( ٢) .

و قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في (جوامع كلماته): خير الامور أوساطها( ٣) .

هذا، و عن المأمون: الناس ثلاثة، فمنهم مثل الغذاء لا بدّ منه على كل حال، و منهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، و منهم كالداء مكروه على كل حال.

٥ - الحكمة (٧٠) و قالعليه‌السلام :

لاَ تَرَى اَلْجَاهِلَ إِلاَّ مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً الافراط، تجاوز الحد، و التفريط، التقصير و التضييع له حتى يفوت، و كلاهما مذمومان، و إنّما الممدوح الحد الوسط.

و من كلمات النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله الجامعة: خير الامور أوساطها( ٤ ) ، و قال الشاعر:

و إنّ بين التفريط و الإفراط

مسلكا منجيا من الإيراط

الإيراط مصدر أورطه، أي: أوقعه فيما لا خلاص له منه.

و صدقعليه‌السلام : فالجاهل إمّا ان يبخل و لا ينفق أصلا. أو ينفق و يسرف مع أنّ اللّه تعالى قال: و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان

____________________

(١) المروج ٤: ٢٤٠ ٢٤٢.

(٢) الفرقان: ٦٧.

(٣) رواه النهاية ٥: ١٨٤، وسط.

(٤) رواه النهاية ٥: ١٨٤ مادة (وسط).

بين ذلك قواما( ١) .

و كذلك الجاهل إمّا أن يترك آخرته لدنياه، و إمّا دنياه لآخرته، و قالواعليهم‌السلام : ليس منّا من ترك آخرته لدنياه و من ترك دنياه لآخرته، و الجاهل إمّا لا يكسب و يكون كلا على الناس و إمّا يحرص و لا يجمل في كسبه، و كلاهما ضلال.

و في (بيان الجاحظ): قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يؤتى يوم القيامة بالوالي جلد فوق ما أمر اللّه به، فيقول له الرب: عبدي لم جلدت فوق ما أمرتك به؟ فيقول: رب غضبت لغضبك. فيقول: أ كان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي؟ ثم يؤتى بالمقصّر فيقول له: عبدي لم قصّرت عمّا أمرتك به؟ فيقول: رب رحمته.

فيقول: أ كان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي؟ فيصيّرهما إلى النار( ٢) .

و في (تاريخ بغداد): ذكر عند أبي حنيفة جهم و مقاتل فقال: كلاهما مفرّط، أفرط جهم حتى قال انه تعالى ليس بشي‏ء، و أفرط مقاتل حتى جعله مثل خلقه( ٣) .

هذا، و أنشد شاعر نصر بن يسار بخراسان أرجوزة تشبيبها مئة و مديحها في نصر عشرة، فقال له نصر: و اللّه ما تركت كلمة عذبة و لا معنى لطيفا الا و قد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فان أردت مديحي فاقتصد، فأتاه فأنشده:

هل تعرف الدار لامّ عمرو

دع ذا و حبّر مدحة في نصر

____________________

(١) الفرقان: ٦٧.

(٢) البيان و التبيين ٢: ٢٥، باختلاف في اللفظ.

(٣) تاريخ بغداد ١٣: ١٦٦، نقله بتصرف.

فقال له نصر: لا هذا و لا ذاك، و لكن أمر بين الأمرين( ١) .

و في (المعجم): قال الجاحظ: يجب للرجل أن يكون سخيّا لا يبلغ التبذير، شجاعا لا يبلغ الهوج( ٢ ) ، محترسا لا يبلغ الجبن، ماضيا لا يبلغ القحة( ٣ ) ، قوّالا لا يبلغ الهذر( ٤ ) ، صموتا لا يبلغ العيّ، حليما لا يبلغ الذلّ، منتصرا لا يبلغ الظلم وقورا لا يبلغ البلادة، ناقدا لا يبلغ الطيش، ثم وجدنا النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد جمع ذلك كله في كلمة واحدة، و هو قوله «خير الامور أوساطها»، فعلم أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أوتي جوامع الكلم و علم فصل الخطاب( ٥) .

٦ - الحكمة (١٩٩) و قالعليه‌السلام في صفة الغوغاء:

هُمُ اَلَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا غَلَبُوا وَ إِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ قِيلَ بَلْ قَالَعليه‌السلام هُمُ اَلَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا ضَرُّوا وَ إِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا فَقِيلَ قَدْ عَرَفْنَا مَضَرَّةَ اِجْتِمَاعِهِمْ فَمَا مَنْفَعَةُ اِفْتِرَاقِهِمْ فَقَالَعليه‌السلام يَرْجِعُ أَصْحَابُ اَلْمِهَنِ إِلَى مِهْنَتِهِمْ فَيَنْتَفِعُ اَلنَّاسُ بِهِمْ كَرُجُوعِ اَلْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ وَ اَلنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ وَ اَلْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ أقول: قول المصنّف: (في صفة الغوغاء) في (الصحاح)، قال الأصمعي:

الجرادة إذا صارت لها أجنحة و كادت تطير قبل أن تستقلّ فتطير، غوغاء، و به شبّه الناس.

____________________

(١) العقد الفريد ٧: ١٨٦.

(٢) الهوج: الحمق و الطيش: و التسرّع.

(٣) القحة: بكسر القاف و فتحها: قلة الحياء.

(٤) الهذر: مصدر هذر كلامه، كثر في الخطأ و الباطل.

(٥) معجم الادباء ١٦: ١١٠ ١١١.

و قال أبو عبيدة: الغوغاء شي‏ء شبيه بالبعوض إلاّ أنّه لا يعضّ و لا يؤذي و هو ضعيف، فمن صرفه و ذكره جعله بمنزلة قمقام، و الهمزة مبدلة من واو، و من لم يصرفه جعله بمنزلة عوراء( ١) .

قال المسعودي في (مروجه): من أخلاق العامة أن يسوّدوا غير السيّد، و يفضّلوا غير الفاضل، و يقولوا بعلم غير العالم، و هم أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين الفاضل و المفضول، و الفضل و النقصان، و لا معرفة للحق من الباطل عندهم.

و قال الجاحظ: سمعت رجلا من العامة و هو حاج و قد ذكر له البيت يقول: إذا أتيته من يكلمني؟ و أخبره صديق له أن رجلا من العامة قال له و قد سمعه يصلي على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ما تقول في محمد هذا أربنا هو؟ و ذكر لي بعض اخواني: ان رجلا من العامة بمدينة السّلام رفع إلى بعض الولاة الطالبين لأصحاب الكلام على جار له أنه يتزندق، فسأله الوالي عن مذهب الرجل فقال: انه مرجى‏ء قدري إباضي رافضي يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل علي بن العاص. فقال له الوالي: ما أدري على أيّ شي‏ء أحسدك؟ على علمك بالمقالات، أو على بصرك بالأنساب.

و أخبرني رجل من اخواننا من أهل العلم قال: كنا نقعد نتناظر في أبي بكر و عمر و علي و معاوية و ما يذكره أهل العلم فيهم، و كان قوم من العامة يأتون فيستمعون منّا فقال لي يوما بعضهم و كان من أعقلهم و اكبرهم لحية كم تطنبون في علي و معاوية و فلان و فلان. فقلت: فما تقول أنت؟ قال:

من تريد؟ قلت: علي. قال: أو ليس هو أبو فاطمة. قلت: و من كانت فاطمة؟ قال:

امرأة النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله بنت عائشة أخت معاوية. قلت: فما كانت قصة علي؟ قال: قتل

____________________

(١) الصحاح للجوهري ٦: ٢٤٥٠.

في غزاة حنين مع النبيّ.

و ذكر ثمامة بن أشرس قال: كنت مارّا في السوق ببغداد، فإذا أنا برجل اجتمع الناس عليه فنزلت عن بغلتي و قلت: لشي‏ء ما هذا الاجتماع و دخلت بين الناس، فإذا أنا برجل يصف كحلا معه أنّه ينجع من كل داء يصيب العين، فنظرت إليه فاذا عينه الواحدة برشاء و الاخرى ما سوكة، فقلت له: يا هذا لو كان كحلك كما تقول، نفع عينيك. فقال لي: أ هاهنا اشتكت عيناي؟ انما اشتكتا بمصر. فقال كلهم: صدق و ما انفلتّ من نعالهم إلاّ بعد كدّ.

و كان في أيام الرشيد ببغداد متطبب يطبب العامة بصفاته و كان دهريا يظهر أنه من أهل السنة و الجماعة و يلعن أهل البدع و يعرف بالسنّيّ تنقاد إليه العامة فكان يجتمع إليه في كل يوم بقوارير الماء خلق. فإذا اجتمعوا وثب قائما على قديمه فقال لهم: يا معشر المسلمين قلتم لا ضار و لا نافع الا اللّه فلأيّ شي‏ء تسألوني عن مضاركم و منافعكم الجؤوا إلى ربكم و توكّلوا على بارئكم حتى يكون فعلكم مثل قولكم. فيقولون: اي و اللّه صدقنا فكم من مريض لم يعالج حتى مات( ١) .

قولهعليه‌السلام في الأوّل (هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، و إذا تفرّقوا لم يعرفوا) و في الثاني (هم الذين إذا اجتمعوا ضرّوا، و إذا تفرّقوا نفعوا) في (كامل الجزري): جرت في سنة (٦٠١) ببغداد بين أهل باب الازج و أهل المأمونية محاربة بسبب أن الأولين قتلوا سبعا، فأرادوا أن يطوفوه فمنعهم الاخيرون فقتل جمع و خرج جمع و نهب دور، و كذلك بين أهل قطفتا و الغريبة من محال غربي بغداد جرت محاربة بسبب قتل سبع أراد الأوّلون طوفه فمنعهم

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٣٢ ٣٤.

الاخرون فقتل بينهم قتلى حتى أرسل إليهم عسكر( ١) .

«فقيل قد عرفنا» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و الصواب: (قد علمنا) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣) .

«مضرة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم» هذا السؤال إنّما على الرواية الثانية، و أمّا الرواية الاولى فالمراد من شقّي الكلام غلبتهم في اجتماعهم على كل قوة، و عدم معروفيتهم في تفرقهم واضح.

«فقالعليه‌السلام : يرجع أصحاب المهن إلى مهنتهم» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: «إلى مهنهم» كما في غيرها( ٥ ) ، و المهنة: الحذق بالعمل، و الخدمة و هي بفتح الميم و كسرها حكى الكسر الكسائي و ان أنكره الاصمعي( ٦) .

«فينتفع الناس بهم...».

قالوا: كتب كتاب حكمة فبقيت منه. فقالوا: ما نكتب فيه؟ فقيل: يكتب «يسأل عن كل صناعة أهلها».

٧ - الحكمة (٢٠٠) و قالعليه‌السلام :

وَ أُتِيَ بِجَانٍ وَ مَعَهُ غَوْغَاءُ فَقَالَ لاَ مَرْحَباً بِوُجُوهٍ لاَ تُرَى إِلاَّ عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ

____________________

(١) الكامل لابن الأثير ١٢: ٢٠٣ س ٦٠١.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٩٨، من الحكمة رقم ١٩٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٨، ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٩٠.

(٤) نهج البلاغة ٣: ١٩٨، من الحكمة ١٩٩.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٨، ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٩٠.

(٦) لسان العرب ١٣: ٤٢٤ مادة (مهن).

أقول: رواه الشيخ في (زيادات حدود تهذيبه) مسندا عن اليعقوبي عن أبيه هكذا، قال: أتي أمير المؤمنينعليه‌السلام و هو بالبصرة برجل يقام عليه الحد، فأقبل جماعة من الناس، فقالعليه‌السلام : أنظر يا قنبر ما هذه الجماعة؟ قال:

إجتمعوا لرجل يقام عليه الحد، فلما قربوا نظرعليه‌السلام في وجوههم و قال: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلاّ في كلّ سوأة، هؤلاء فضول الرجال، أمطهم عنّي يا قنبر( ١) .

قول المصنّف: «و اتيعليه‌السلام » هكذا في (المصرية)( ٢ ) و الصواب: (و قد أتي) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣) .

«بجان» أي: بذي جنّة إلاّ أن الجوهري قال: الجان ابو الجن و حية بيضاء( ٤) .

قولهعليه‌السلام : «لا مرحبا بوجوه لا ترى إلاّ عند كل سوأة» في (الصحاح) السوأة: العورة و الفاحشة( ٥) .

قال ابن أبي الحديد: أخذ هذا اللفظ المستعين. و قد أدخل عليه ابن أبي الشوارب القاضي و معه الشهود ليشهدوا عليه أنه قد خلع نفسه من الخلافة و بايع للمعتز، فقال: لا مرحبا بهذه الوجوه الّتي لا ترى إلاّ يوم سوء( ٦) .

قلت: و قال المسعودي في (مروجه): تقصد العامة في احتشادها و جموعها فلا تراهم الدهر إلاّ مرقلين إلى قائد دب، و ضارب دف، على سياسة

____________________

(١) التهذيب ١٠: ١٥٠ ح ٣٤.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٩٨، الحكمة رقم ٢٠٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٢٠، ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٩٠، و فيه «و قد اوتي».

(٤) الصحاح ٥: ٢٠٩٤.

(٥) الصحاح ١: ٥٦.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٢٠.

قرد، و متشوّقين إلى اللهب و اللعب، أو مختلفين إلى مشعبد منمّس مخرّف، أو مستمعين إلى قاصّ كذّاب، أو مجتمعين حول مضروب، أو وقوفا عند مصلوب، ينعق بهم و يصاح فلا يرتدعون، لا ينكرون منكرا، و لا يعرفون معروفا، و لا يبالون أن يلحقوا البار بالفاجر و المؤمن بالكافر، و قد بيّن ذلك النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم حيث يقول: «الناس أثنان: عالم أو متعلم، و ما عدا ذلك همج رعاع لا يعبأ اللّه بهم».

و سئل عليّعليه‌السلام عن العامة فقال: همج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق.

و قد صنّف أبو عقال الكاتب كتابا في أخلاق العوام يصف فيه شيمهم و مخاطباتهم و سمّاه بالملهى...( ١ ) . و قال الشاعر:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم

طاروا إليه زرافات و وحدانا

و في (الأغاني): قال عثمان الورّاق: رأيت العتابي يأكل خبزا على الطريق بباب الشام، فقلت له: ويحك أما تستحي. فقال لي: أ رأيت لو كنا في دار فيها بقر كنت تستحي و تحتشم أن تأكل و هي تراك. فقلت:

لا. قال: فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر، فقام فوعظ و قصّ و دعا حتى كثر الزحام عليه، ثم قال لهم: روى لنا غير واحد أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار. فما بقي واحد إلاّ و أخرج لسانه يومى‏ء به نحو أرنبة أنفه و يقدّره حتى يبلغها أم لا، فلما تفرقوا قال لي العتابي: أ لم أخبرك أنهم بقر( ٢) .

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٣٥ ٣٦.

(٢) الأغاني ١٣: ١١٤.

٨ - الحكمة (١٥٠) و قالعليه‌السلام لرجل سأله أن يعظه:

لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو اَلْآخِرَةَ بِغَيْرِ العَمَلِ وَ يُرَجِّي اَلتَّوْبَةَ بِطُولِ اَلْأَمَلِ يَقُولُ فِي اَلدُّنْيَا بِقَوْلِ اَلزَّاهِدِينَ وَ يَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ اَلرَّاغِبِينَ إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وَ إِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ وَ يَبْتَغِي اَلزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ يَنْهَى وَ لاَ يَنْتَهِي وَ يَأْمُرُ بِمَا لاَ يَأْتِي يُحِبُّ اَلصَّالِحِينَ وَ لاَ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ وَ يُبْغِضُ اَلْمُذْنِبِينَ وَ هُوَ أَحَدُهُمْ يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَ يُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ مِنْ أَجْلِهِ إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً وَ إِنْ صَحَّ أَمِنَ لاَهِياً يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ وَ يَقْنَطُ إِذَا اُبْتُلِيَ وَ إِنْ أَصَابَهُ بَلاَءٌ دَعَا مُضْطَرّاً وَ إِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ وَ لاَ يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ وَ يَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ إِنِ اِسْتَغْنَى بَطِرَ وَ فُتِنَ وَ إِنِ اِفْتَقَرَ قَنِطَ وَ وَهَنَ يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ وَ يُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ اَلْمَعْصِيَةَ وَ سَوَّفَ اَلتَّوْبَةَ وَ إِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ اِنْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ اَلْمِلَّةِ يَصِفُ اَلْعِبْرَةَ وَ لاَ يَعْتَبِرُ وَ يُبَالِغُ فِي اَلْمَوْعِظَةِ وَ لاَ يَتَّعِظُ فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ وَ مِنَ اَلْعَمَلِ مُقِلٌّ يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى وَ يُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى يَرَى اَلْغُنْمَ مَغْرَماً وَ اَلْغُرْمَ مَغْنَماً يَخْشَى اَلْمَوْتَ وَ لاَ يُبَادِرُ اَلْفَوْتَ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى اَلنَّاسِ طَاعِنٌ وَ لِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ اَللَّهْوُ مَعَ اَلْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ اَلذِّكْرِ مَعَ اَلْفُقَرَاءِ يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَ يُغْوِي نَفْسَهُ فَهُوَ يُطَاعُ وَ يَعْصِي

وَ يَسْتَوْفِي وَ لاَ يُوفِي وَ يَخْشَى اَلْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ وَ لاَ يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ قال الرضيّ: و لو لم يكن في هذا الكتاب إلاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة و حكمة بالغة و بصيرة لمبصر و عبرة لناظر مفكّر. أقول: قول المصنّف: (و قالعليه‌السلام لرجل سأله ان يعظه) رواه (تحف العقول) عنهعليه‌السلام أبسط، فقال: موعظة لهعليه‌السلام في وصف المقصرين...( ١) .

و رواه الجاحظ في (بيانه) عنهعليه‌السلام أخصر، و أخذه عنه عبد اللّه بن عباس فوعظ به ابنه علي بن عبد اللّه بن عباس كما رواه المفيد في (أماليه)( ٢) .

قولهعليه‌السلام : «لا تكن ممّن يرجوا الآخرة بغير العمل» هكذا في (المصرية)( ٣ ) و الصواب: (بغير عمل) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤) ، نهىعليه‌السلام عن رجاء الآخرة بدون عمل، لأنه كمن رجا ضرب البيدر بدون زرع، و قد قال تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون( ٥ ) و قد قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يدّع مدّع و لا يتمنّ متمنّ أنّه ينجو إلاّ بعمل و رحمة، لو عصيت هويت، اللّهمّ هل بلّغت.

و من الشعر المنسوب إليهعليه‌السلام كما قال ابن أبي الحديد في غير هذا الموضع:

غرّ جهولا أمله

يموت من جا أجله

و من دنا من حتفه

لم تغن عنه حيله

____________________

(١) تحف العقول: ١٥٧.

(٢) أمالي المفيد: ٣٢٩ ح ٢ م ٣٩٢.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٨٩، من الكلام ١٥٠.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٣٥٦.

(٥) النحل: ٣٢.

و ما بقاء آخر

قد غاب عنه أوله

و المرء لا يصحبه

في القبر إلاّ عمله( ١)

و في (الأغاني): قال الرشيد لأبي العتاهية: عظني. قال: أخافك. فقال له:

أنت آمن فأنشده:

ترجو النجاة و لم تسلك طريقتها

إنّ السفينة لا تجري على اليبس

فبكى حتى بلّ كمه( ٢) .

«و يرجى‏ء التوبة» أي: يؤخرها من «أرجأ» أو «أرجى».

«بطول الأمل» و هذا أحد عبقريات إبليس في إهلاك الناس، و قد هلك من هلك قبل بذا.

هذا، و لما بعث عبد الملك بن مروان خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد إلى البصرة و كان عليها مصعب من قبل أخيه كان طائفة مع ذا و طائفة مع ذا، و كان قيس السلمي مع مصعب، و كان يستأجر الرجال يقاتلون معه، فتقاضاه رجل أجرة فقال: غدا أعطيكها. فقال بعضهم لقيس و كان قيس يعلم في عنق فرسه جلاجل:

لبئس ما حكمت يا جلاجل

النقد دين و الطعان عاجل

«يقول في الدنيا بقول الزاهدين و يعمل فيها بعمل الراغبين» في (المروج):

أظهر ابن الزبير الزهد في الدنيا مع الحرص على الخلافة و قال: إنّما بطني شبر فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا و انا العائذ بالبيت، و كثرت أذيته لبني هاشم مع شحّه بالدنيا على سائر الناس، فقال بعضهم:

تخبّر من لا قيت أنك عائذ

و تكثر قتلا بين زمزم و الركن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٠، في شرح الخطبة ٤٢.

(٢) الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني ٤: ١٠٦، نقله المصنف بتصرف.

أيضا:

لو كان بطنك شبرا قد شبعت و قد

أفضلت فضلا كثيرا للمساكين( ١)

و كان الحسن البصري يقول في الحجاج: يتكلم على المنبر بكلام الأولياء و ينزل و يعمل عمل الجبابرة.

و قال بعضهم لسليمان بن عبد الملك: كان الحجاج يتزين تزين المومسة و يصعد المنبر و يتكلم بكلام الأخيار، فإذا نزل عمل عمل الفراعنة.

و في (المعجم): كان قاضي القضاة عبد الجبار شيخ المعتزلة يزعم أن المسلم يخلد في النار على ربع دينار، و صادره فخر الدولة على ثلاثة آلاف ألف درهم قيل باع في مصادرته ألف طيلسان مصري، و جميع هذا المال من قضاء الظلمة بل الكفرة عنده و على مذهبه( ٢) .

و في الخبر: قال المسيحعليه‌السلام للحواريين: لا تكونوا كالمنخل يخرج الدّقيق الطيب و يمسك النّخالة، قولكم شفاء و عملكم داء( ٣ ) . و قال شاعر:

و منتظر للموت في كل ساعة

يشيّد بيتا دائما و يحصّن

له حين يتلوه حقيقة موقن

و أفعاله أفعال من ليس يوقن

أيضا:

إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا

و لكن حسن القول خالفه الفعل

و ذمّوا لنا الدنيا و هم يرضعونها

أفاويق حتى ما يدرّ لها ثعل

أيضا:

إذا وصف الاسلام أحسن وصفه

بفيه و يأبى قلبه و يهاجره

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٧٥.

(٢) معجم الادباء ٦: ٣٠٠، نقله المصنف بتصرف.

(٣) رواه تحف العقول: ٥١٠.

و ان قام قال الحق ما دام قائما

نقي اللسان كافر بعد سايره

أيضا:

لا يعجبك من خطيب قوله

حتى يكون مع اللسان دخيلا

أيضا:

و لفظه يأمرنا بالتقى

و لحظه يأمرنا بالخنا

«إن اعطي منها لم يشبع» لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا( ١) .

«و إن منع منها لم يقنع» و تذهب أعمال من كان كذلك في القيامة هباء منثورا، و ان كانت كالجبال.

«يعجز عن شكر ما أوتي» فقالواعليهم‌السلام : إنّ كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها( ٢) .

و في (تاريخ بغداد): خرج دعبل إلى خراسان فنادم عبد اللّه بن طاهر فأعجب به، فكان في كل يوم ينادمه يأمر له بعشرة آلاف درهم، و كان ينادمه في الشهر خمسة عشر يوما، و كان ابن طاهر يصله في كل شهر بمئة و خمسين ألف درهم فلما كثرت صلاته له توارى دعبل عنه في يوم منادمته في بعض الخانات، فطلبه فلم يقدر عليه، فشق ذلك عليه، فلما كان من الغد كتب إليه دعبل:

هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة

و هل يرتجى نيل الزيادة بالكفر

____________________

(١) الجامع الصغير للسيوطي ٢: ١٣١.

(٢) تحف العقول: ٣٩٤، مؤسسة النشر الاسلامي، قم.

و لكنني لما أتيتك زائرا

فأفرطت في بري عجزت عن الشكر

فملان( ١ ) لا آتيك الا معذرا

أزورك في الشهرين يوما و في الشهر

فان زدت في بري تزيدت جفوة

و لم تلقني حتى القيامة و الحشر( ٢) .

قلت: فإذا كان الانسان في احسان واحد من مخلوق كذلك فكيف يجب أن يكون في نعمه عزّ و جلّ التي لا تحصى أبدا.

«و يبتغي الزيادة فيما بقي» في (الكافي) عن الرضاعليه‌السلام : من لم يقنعه من الرزق إلاّ الكثير لم يكفه من العمل إلاّ الكثير، و من كفاه من الرزق القليل فإنّه يكفيه من العمل القليل( ٣) .

«ينهى و لا ينتهي» في المثل: تنهانا أمّنا عن الغيّ (( البغاء )) و تغدو فيه( ٤) .

لا تنه عن خلق و تأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

و عدم الانتهاء عن المنكر مذموم مطلقا، قال تعالى لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرا منهم يتولّون الذين كفروا لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم و في العذاب هم خالدون و لو كانوا يؤمنون باللّه و النبيّ و ما أنزل إليه ما

____________________

(١) أي: فمن الآن.

(٢) تاريخ بغداد ٩: ٤٨٧ و ٤٨٨، نقله بتصرف.

(٣) الكافي ٢: ١٣٨ ٥.

(٤) مجمع الأمثال للميداني ١: ١٢٧، الزمخشري ٢: ٣٢.

أتخذوهم أولياء و لكنّ كثيرا منهم فاسقون( ١) .

«و يأمر بما لا يأتي» أ تأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم( ٢) .

يا آمر الناس بالمعروف مجتهدا

و إن رأى عاملا بالمنكر انتهره

ابدأ بنفسك قبل الناس كلهم

فأوصها و أتل ما في سورة البقرة

اشارة إلى الآية، و قيل بالفارسية:

«توبه فرمايان چرا خود توبه كمتر مى‏كنند»

(٣) . و قال الشاعر:

و غير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى

و طبيب يداوي و الطبيب مريض

لا تركبنّ الصنيع الذي

تلوم أخاك على مثله

و لا يعجبنك قول امرىّ

يخالف ما قال في فعله

«يحب الصالحين و لا يعمل عملهم، و يبغض المذنبين و هو أحدهم» المراد أنه كما يحب الصالحين ليعلم الصالحات و كما يبغض المذنبين ليجتنب السيئات لا انه لا يحب الصالحين و لا يبغض المذنبين، فمن لم يكن محب الصالحين و مبغض المذنبين فهو كافر.

«يكره الموت لكثرة ذنوبه و يقيم على ما يكره الموت له» يود أحدهم لو يعمّر ألف سنة و ما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر( ٤) .

«إن سقم ظلّ نادما، و ان صحّ أمن لاهيا» و كان عليه أن يغتنم الفرصة في سلامته في هذه المرة فلا بدّ أن يسقم مرّة أخرى و لا يسلم.

«يعجب بنفسه إذا عوفي» في الخبر: أوحى تعالى إلى داودعليه‌السلام بشّر المذنبين و أنذر الصّدّيقين. قال: كيف يا ربّ؟ قال: بشّر المذنبين أنّي أقبل

____________________

(١) المائدة: ٧٨ ٨١.

(٢) البقرة: ٤٤.

(٣) ديوان حافظ، چاپ غنى و قزوينى.

(٤) البقرة: ٩٦.

التوبة و أعفو عنهم، و أنذر الصدّيقين ألاّ يعجبوا بأعمالهم، فليس عبد أنصبه للحساب إلاّ هلك( ١) .

أيضا: ظهر إبليس لموسىعليه‌السلام و عليه برنس ذو ألوان، فقال له: ما هذا؟

قال: اختطف به قلوب بني آدم. فقال له: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه. قال: إذا أعجبته نفسه، و استكثر عمله، و صغر في عينه ذنبه( ٢) .

أيضا: دخل عابد و فاسق المسجد، فخرجا و الفاسق صدّيق لكون فكره في التندم على فسقه و استغفاره من ذنبه، و العابد فاسق لكونه مدلاّ بعبادته و فكرته في ذلك( ٣) .

«و يقنط إذا ابتلي» إنّ الإنسان خلق هلوعا. إذا مسّه الشرّ جزوعا.

و إذا مسّه الخير منوعا( ٤) .

«إن أصابه بلاء دعا مضطرا، و إن أصابه رخاء أعرض مغترّا» فإذا ركبوا في الفلك دعوا اللّه مخلصين له الدين فلما نجّاهم إلى البر إذا هم يشركون( ٥) ، و إذا مس الانسان ضرّ دعا ربّه منيبا إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل( ٦) .

«تغلبه نفسه على ما تظن» من الآمال البعيدة «و لا يغلبها على ما يستيقن» من الموت و القيامة «يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، و يرجو لنفسه بأكثر من عمله» مع أنه لو عكس فكان عمله أكثر من غيره، و ذنبه أقل من غيره لكان عليه

____________________

(١) أخرجه الكافي ٢: ٣١٤ ح ٦، و نقله المصنّف بتصرّف في العبارة.

(٢) أخرجه الكافي ٢: ٣١٤ ح ٧ و ٨، و نقله المصنف بتصرف في العبارة.

(٣) أخرجه الكافي ٢: ٣١٤ ح ٧ و ٨، و نقله المصنف بتصرف في العبارة.

(٤) المعارج: ١٩ ٢١.

(٥) العنكبوت: ٦٥.

(٦) الزمر: ٨.

أن يخاف على نفسه أكثر و يرجو لغيره أكثر.

و في (المروج) عن ابن عياش المنتوف، قال المنصور يوما و نحن عنده:

أ تعرفون جبّارا أول اسمه عين قتل جبارا أول اسمه عين؟ و جبارا أول أسمه عين، و جبارا أول اسمه عين؟ قلت: نعم. عبد الملك قتل عمرو بن سعيد الأشدق و عبد اللّه بن الزبير و عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. فقال: أ تعرفون خليفة أول اسمه عين قتل جبارا أول اسمه عين؟ و جبارا أول اسمه عين، و جبارا أول اسمه عين؟ قلت: نعم أنت قتلت عبد الرحمن بن مسلم أي: أبا مسلم و عبد الجبار بن عبد الرحمن و كان عامله على خراسان فخلع فأسر فأمر بقطع يديه و رجليه ثم ضرب عنقه و عبد اللّه بن علي سقط عليه البيت.

قال: فما ذنبي إن كان سقط عليه البيت؟ قلت: لا ذنب لك( ١ ) . فسمّى عبد الملك جبارا و نفسه خليفة مع أنه كان أشدّ في الجبّارية، فعبد الملك كتب إلى الحجاج أن يرعى السجّادعليه‌السلام لأنّ بني أبي سفيان انقرضوا بتعرّضهم لبيته، و هو مع ان الصادقعليه‌السلام كان أخبره بصيرورة الأمر إليهم حتى يلعب به صبيانهم أحضره مرّات لقتله، و كانعليه‌السلام يدعو لدفع شره حتى وافق الأخير الأجل.

«إن استغنى بطر» و البطر: شدّة المرح.

«و فتن» إنّ الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى( ٢ ) ، و كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلاّ قليلا( ٣ ) ، و لا تمدنّ عينيك الى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه( ٤) .

«و إن افتقر قنط» فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعّمه فيقول

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٣٠٦.

(٢) العلق: ٧.

(٣) القصص: ٥٨.

(٤) طه: ١٣١.

ربيّ أكرمن. و أمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربّي أهانن( ١) .

«يقصر إذا عمل» و الحال إنّه تعالى قال: فاستبقوا الخيرات( ٢) ، سابقوا الى مغفرة من ربّكم و جنّة عرضها كعرض السماء و الأرض( ٣) .

«و يبالغ إذا سأل» عن الصادقعليه‌السلام : إيّاك و سؤال الناس فإنّه ذلّ في الدنيا و حساب طويل يوم القيامة.

و عن الباقرعليه‌السلام : لو يعلم السائل ما في المسألة، ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المعطي ما في العطية، ما ردّ أحد أحدا.

و عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن الأرزاق دونها حجب، فمن شاء قنى حياءه و أخذ رزقه، و من شاء هتك الحجاب و أخذ رزقه، و الذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلا ثم يدخل عرض هذا الوادي فيحتطب حتى لا يلتقي طرفاه ثم يدخل به السوق فيبيعه بمدّ من تمر يأخذ ثلثه و يتصدّق بثلثيه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو حرموه( ٤) .

«ان عرضت له شهوة أسلف المعصية و سوّف التوبة» مع أنّه تعالى قال و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى. فإنّ الجنّة هي المأوى( ٥ ) و قالواعليهم‌السلام : اذكروا انقطاع اللذّات و بقاء التبعات.

«و إن عرته المحنة انفرج عن شرائط الملّة» فيعلم أنّه ليس بكامل الإيمان و إلاّ فالمؤمن الكامل دينه أشدّ من الجبل يؤثر في الجبل المعول و لا يؤثر في

____________________

(١) الفجر: ١٥ ١٦.

(٢) البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨.

(٣) الحديد: ٢١.

(٤) أخرجه الكافي ٤: ٢٠، ١ ٣.

(٥) النازعات: ٤٠ ٤١.

دينه شي‏ء، و السحرة لما قال لهم فرعون و لأصلّبنّكم في جذوع النخل( ١ ) لايمانهم بموسى قالوا له فاقض ما أنت قاض إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا.

انّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا و ما أكرهتنا عليه من السّحر( ٢) .

«يصف العبرة و لا يعتبر» كما ان أكثر الناس يصفون الحق و لا يعملون به «و يبالغ في الموعظة و لا يتعظ» قال الشاعر:

ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك تعذر إن وعظت و يقتدى

بالقول منك و يقبل التعليم

و قيل بالفارسية:

واعظان كاين جلوه در محراب و منبر ميكنند

چون بخلوت ميروند آن كار ديگر ميكنند( ٣)

«فهو بالقول مدلّ» من الدلال.

«و من العمل مقلّ» في (تاريخ بغداد): لقي رجل يحيى بن أكثم و هو يومئذ على قضاء القضاة فقال له: كم آكل؟ قال: دون الشبع. قال: فكم أضحك؟ قال: لا يعلو صوتك. قال: فكم أبكي؟ قال: لا تملّ البكاء من خشية اللّه.

قال: فكم أخفي من عملي: قال: ما استطعت. قال: فكم أظهر منه؟ قال: ما يقتدي بك البرّ الخيّر، و يؤمن عليك قول الناس. فقال الرجل: سبحان اللّه قول قاطن و عمل ظاعن( ٤) .

قلت: قال الرجل ذلك لأن يحيى كان بالعكس عملا، و كان معروفا بعمل اللواط بل القول بحليته.

____________________

(١) طه: ٧١.

(٢) طه: ٧٢ ٧٣.

(٣) ديوان حافظ. چاپ غنى و قزوينى.

(٤) تاريخ بغداد ١٤: ٢٠٠، و النقل بتصرف.

«ينافس ما يفنى، و يسامح ما يبقى» على العكس ممّا قال تعالى إنّ الأبرار لفي نعيم. على الأرائك ينظرون. تعرف في وجوههم نضرة النعيم.

يسقون من رحيق مختوم. ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون( ١ ) ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم( ٢) .

«يرى الغنم مغرما و الغرم مغنما» و من الأعراب من يتّخذ ما ينفق مغرما و يتربّص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء( ٣ ) ، إنّ الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون( ٤) .

و في (المناقب): فرّق الرضاعليه‌السلام بخراسان ماله كلّه في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ان هذا المغرم. فقال: بل هو المغنم، لا تعدّنّ مغرما ما ابتغيت به أجرا و كرما( ٥) .

«يخشى الموت و لا يبادر الفوت» مع أن الفرصة تمرّ مرّ السحاب و يجب اغتنام الحياة قبل الممات و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين.

و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون( ٦ ) ، أو لم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكر( ٧) .

____________________

(١) المطفّفين: ٢٢ ٢٦.

(٢) الحديد: ٢٣.

(٣) التوبة: ٩٨.

(٤) الأنفال: ٣٦.

(٥) المناقب ٤: ٣٦١.

(٦) المنافقون: ١٠ ١١.

(٧) فاطر: ٣٧.

«يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر من نفسه».

و تعذر نفسك إمّا أسأت

و غيرك بالعذر لا تعذر

و تبصر في العين منه القذى

و في عينك الجذع لا تبصر

«و يستكثر من طاعته ما يحقر من طاعة غيره» و الواجب أن يحكم في غيره إذا كان أكبر منه بأنّه أكثر طاعة، و أصغر أقلّ معصية، و تراه في شك من معصيته و يقينه في معصية نفسه.

«فهو على الناس طاعن و لنفسه مداهن» في (الأغاني): لمّا مات إبراهيم الموصلي كان إبراهيم بن المهدي يشرب و جواريه يغنين و كان كالشامت بموته و اندفع يغنّي:

ستبكيه المزامر والملاهي

و تسعدهن عاتقة الدنان

و تبكيه الغويّة إذ تولّى

و لا تبكيه تالية القران

فقال بعض من حضر في نفسه: أفتراه هو إذا مات من يبكيه؟ المحراب أم المصحف؟ مع أنّه كان كما اعترف تلميذ إبليس في الغناء، ظهر له و علّمه( ١ ) . و قال دعبل فيه لمّا قام في مجلس المأمون لمّا جعل الرضاعليه‌السلام ولي عهده:

إن كان إبراهيم مضطلعا بها

فلتصلحن من بعده لمخارق( ٢)

«اللهو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء» و قالواعليه‌السلام : من تواضع لغنيّ لغناه ذهب ثلثا دينه( ٣) .

و عن الكاظمعليه‌السلام : محادثة العالم على المزابل، خير من محادثة

____________________

(١) الأغاني ٥: ٢٥٦، بتصرف.

(٢) الأغاني ٢٠: ١٨١.

(٣) ميزان الحكمة لري شهري ١٠: ٥٠٥ ٥٠٦، و النقل بالمعنى.

الجاهل على الزرابيّ( ١) .

و في (تفسير القمي) في و لا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة و العشيّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شي‏ء و ما من حسابك عليهم من شي‏ء فتطردهم فتكون من الظالمين( ٢ ) كان بالمدينة فقراء مؤمنون أمرهم البنيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يكونوا في صفه يأوون إليها، و كان البنيّ‏ّ يتعاهدهم بنفسه، و ربّما حمل إليهم ما يأكلون، و كانوا يختلفون إلى البنيّ‏ّ فيقرّبهم و يقعد معهم و يؤنسهم، و كان إذا جاء الأغنياء و المترفون من أصحابه أنكروا عليه ذلك و قالوا له اطردهم عنك، فجاء يوما رجل من الأنصار اليهصلى‌الله‌عليه‌وآله و عنده رجل من أصحاب الصّفّة قد لزق بالنبي و البنيّ يحدّثه، فقعد الأنصاري بالبعد منهما، فقال له البنيّ: تقدّم فلم يفعل، فقال له البنيّ: لعلّك خفت أن يلزق بك فقره. قال:

اطرد عنك هؤلاء، فنزلت الآيات( ٣) .

و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : جاء رجل موسر الى البنيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نقيّ الثوب فجلس، فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى البنيّ بجنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له البنيّ: أخفت أن يمسّك من فقره شي‏ء؟ قال: لا. قال: فما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنّ لي قرينا يزيّن لي كلّ قبيح و يقبّح لي كلّ حسن، و قد جعلت له نصف مالي. فقال البنيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمعسر:

أ تقبل؟ قال: لا. قال له الرجل: لم؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك( ٤) .

«يحكم على غيره لنفسه و لا يحكم عليها لغيره» من أنصف الناس فهو

____________________

(١) الكافي ١: ٣٩ ح ٢.

(٢) الأنعام: ٥٢.

(٣) تفسير القمي ١: ٢٠٢.

(٤) الكافي ٢: ٢٦٢ و ٢٦٣، و نقله بحذف بعض الرواية.

المؤمن حقا و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين( ١) .

و في (الأغاني): لقي الفرزدق كثّيرا بقارعة البلاط فقال له: يا أبا صخر أنت أنسب العرب حيث تقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما

تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل

قال له كثّير: و أنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

و إن نحن أومأنا إلى النّاس وقّفوا

قال الراوي: و هذان البيتان جميعا لجميل، سرق أحدهما الفرزدق و سرق الآخر كثّير. فقال له الفرزدق: هل كانت أمك ترد البصرة. قال: لا و لكن أبي كان كثيرا يردها، فعرّض بكثّير في سرقته و نسي سرقة نفسه، و أعتقد شاعرية بيته فقط( ٢) .

في (العيون): كان رجل من المتوقّرين لا يزال يعيب النبيذ و شرابه، فإذا وجده سرّا شربه، فقال بعض جيرانه:

و عيّابة للشّرب لو أنّ أمّه

تبول نبيذا لم يزل يستبيلها( ٣)

و في (العقد): قيل للحجاج كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو أدركت بها أربعا لتقرّبت الى اللّه بدمائهم. قيل: و من هم؟ قال: مقاتل بن مسمع ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط الناس له أرديتهم، فقال لمثل هذا فليعمل العاملون، و عبيد اللّه بن ظبيان خطب خطبة أوجز فيها، فنادى رجل من أعراض الناس: كثّر اللّه فينا من أمثالك، قال:

لقد سألتم اللّه شططا، و معن بن زرارة كان ذات يوم جالسا على الطريق فمرّت

____________________

(١) النساء: ١٣٥.

(٢) الأغاني ٨: ٩٦، و نقله المصنف بتصرف كثير.

(٣) عيون الأخبار ٢: ١٩.

به امرأة فقالت: يا عبد اللّه أين الطريق الى مكان كذا؟ فغضب و قال: ألمثلي يقال يا عبد اللّه؟ و أبو سمّاك الحنفي أضل ناقته فقال: لئن لم يردها عليّ لا صلّيت له أبدا، فلما وجدها قال: علم أن يميني كانت برا. قال الراوي: و نسي الحجاج نفسه و هو خامس الأربعة بل هو أفسقهم و أطغاهم و أعظمهم إلحادا، كتب الى عبد الملك: ان خليفة اللّه في أرضه أكرم عليه من رسوله اليهم( ١) .

و لما سمع الحجاج بظفر ابن خازم على الكفار قال: الحمد للّه الذي نصر المنافقين على الكفار( ٢) .

«يرشد غيره و يغوي نفسه) و «و يرشد» في (المصرية) تحريف( ٣) .

في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى: فكبكبوا فيها هم و الغاون( ٤ ) هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره( ٥) .

و عن الصادقعليه‌السلام : أوحى تعالى الى داود: لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم( ٦) .

«فهو يطاع و يعصي» في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى: إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء( ٧ ) من لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم( ٨) .

و عن البنيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الحواريون لعيسى: من نجالس؟ قال: من يذكّركم

____________________

(١) العقد الفريد ٢: ١٩٨ و ١٩٩ و نقله بتصرف كثير.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ٤٠٥.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٩١ من الكلام ١٥٠.

(٤) الشعراء: ٩٤.

(٥) الكافي ١: ٤٦ ح ٤ و ١: ٤٧ ح ٤.

(٦) المصدر نفسه.

(٧) فاطر: ٢٨.

(٨) الكافي ١: ٣٦ ح ٢، و ١: ٣٩ ح ٢.

اللّه رؤيته، و يزيد في علمكم منطقه، و يرغّبكم في الآخرة عمله.

«و يستوفي و لا يوفي» ويل للمطفّفين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون( ١) .

«يخشى الخلق في غير ربه» مع أنّه تعالى قال: و لا يخافون لومة لائم( ٢) .

و شاور معاوية الأحنف في استخلاف يزيد، فسكت فقال: مالك لا تقول؟ فقال: إن صدقناك أسخطناك، و إن كذبناك أسخطنا اللّه، و سخطك أهون من سخط اللّه. قال: صدقت.

و قال ابن هبيرة للحسن البصري: تأتينا كتب يزيد بن عبد الملك، فإن أنفذتها وافق سخط اللّه و إن لم أنفذها خشيت على دمي. فقال: هذا الشعبي فقيه الحجاز عندك فاسأله، فسأله فقال: إنّما أنت عبد مأمور. فقال للحسن: ما تقول أنت؟ فقال: يا ابن هبيرة خف اللّه في يزيد و لا تخف يزيد في اللّه، إنّ اللّه مانعك من يزيد، و إنّ يزيد لا يمنعك من اللّه، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فانظر ما كتب اليك يزيد، فاعرضه على كتاب اللّه، فإن وافقه فأنفذه، و إن خالفه فلا تنفذه، فإنّ اللّه أولى بك من يزيد، و كتاب اللّه أولى بك من كتاب يزيد. فقال ابن هبيرة: هذا الشيخ صدقني و ربّ الكعبة.

«و لا يخشى اللّه في خلقه» قالواعليهم‌السلام : إتّقوا من لا يجد ملجأ إلاّ اللّه.

و في (الطبري): أقرّ معاوية بعد زياد سمرة بن جندب ستة أشهر ثم عزله، فقال سمرة: لعن اللّه معاوية لو أطعت اللّه كما أطعت

____________________

(١) المطففين: ١ ٣.

(٢) المائدة: ٥٤.

معاوية ما عذّبني أبدا( ١) .

و في (الخلفاء): قال طاووس لسليمان بن عبد الملك: أبغض الخلق إلى اللّه عبد أشركه اللّه في سلطانه، فعمل فيه بمعاصيه، فحك سليمان رأسه حتى كاد أن يجرح( ٢) .

(قال الرضي: و لو لم يكن في هذا الكتاب إلاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة) من نجع فيه الدواء: أثّر (و حكمة بالغة، و بصيرة لمبصر، و عبرة لناظر مفكّر).

مرّ أن ابن عباس أخذه منهعليه‌السلام و وصّى به ابنه ثم قال له: ليكن هذا كنزك الذي تدّخره، و كن به أشدّ اغتباطا منك بكنز الذهب الأحمر، فإنّك إن وعيته اجتمع لك به خير الدنيا و الآخرة.

هذا، و في (ذيل الطبري): أتى صعصعة عمّ الفرزدق البنيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقرأ البنيّ عليه فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره. و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره( ٣ ) فقال صعصعة: حسبي لا أسمع غيرها( ٤)

٩ - الحكمة (٢٨٥) و قالعليه‌السلام :

كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ اَلْإِنْظَارَ وَ كُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيفِ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٢٩١ في وقائع سنة ٥٣، و نقله المصنف بتصرف.

(٢) الامامة و السياسة ٢: ١٠٥.

(٣) الزلزلة: ٧ و ٨.

(٤) ذيل المذيل: ٦٥. المراد نقص الناس بأنّ من عليه حقّ معجّل يسأل من ذي الحق إنظاره و إمهاله، و من عليه حقّ مؤجّل يتعلّل بالتسويف بعد الأجل.

الفصل السابع و العشرون في القضاء و القدر

١ - الحكمة (٧٨) و من كلامهعليه‌السلام للسائل لما سأله: «أ كان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّه و قدر» بعد كلام طويل هذا مختاره:

وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً وَ قَدَراً حَاتِماً وَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ وَ سَقَطَ اَلْوَعْدُ وَ اَلْوَعِيدُ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يَسِيراً وَ لَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً وَ أَعْطَى عَلَى اَلْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مَكْرُوهاً وَ لَمْ يُرْسِلِ اَلْأَنْبِيَاءَ لَعِباً وَ لَمْ يُنْزِلِ اَلْكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً وَ لاَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنَّارِ ١١ ١٩ ٣٨: ٢٧ أقول: رواه المفيد في (إرشاده) و الكليني في (كافيه) و الصدوق في (توحيده)، قال الأول: روى الحسن البصري أن رجلا جاء الى أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد انصرافه من حرب صفّين فقال: خبّرني عمّا كان بيننا

و بين هؤلاء القوم من الحرب أ كان بقضاء من اللّه و قدر؟ فقالعليه‌السلام له: ما علوتم تلعة و لا هبطتم واديا إلاّ و للّه فيه قضاء و قدر. فقال الرجل: فعند اللّه أحتسب عنائي. فقال له: و لم؟ قال: إذا كان القضاء و القدر إلى العمل فما وجه الثواب لنا على الطاعة؟ و ما وجه العقاب لنا على المعصية؟ فقالعليه‌السلام : أو ظننت يا رجل أنّه قضاء حتم و قدر لازم، لا تظنّ ذلك، فإن القول به مقال عبدة الأوثان، و حزب الشيطان، و خصماء الرحمن، و قدرية هذه الامة و مجوسها، ان اللّه جل جلاله أمر تخييرا، و نهى تحذيرا، و كلّف يسيرا، و لم يطع مكرها، و لم يعص مغلوبا، و لم يخلق السماء و الأرض و ما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار( ١ ) . فقال الرجل: فما القضاء و القدر الذي ذكرته؟

قالعليه‌السلام : الأمر بالطاعة و النهي عن المعصية، و التمكّن من فعل الحسنة و ترك السيئة، و المعونة على القربة إليه و الخذلان لمن عصاه، و الوعد و الوعيد، كلّ ذلك قضاء اللّه في أفعالنا و قدره لأعمالنا، فأمّا غير ذلك فلا تظنّه، فإن الظنّ له محبط للأعمال. فقال الرجل: فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك، و أنشأ يقول:

أنت الامام الذي نرجو بطاعته

يوم المآب من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا

جزاك ربك بالإحسان احسانا

قال: و هذا الحديث موضح عن قولهعليه‌السلام في معنى العدل و نفي الجبر و إثبات الحكمة في أفعاله تعالى و نفي العبث عنها( ٢) .

و قال الثاني: علي بن محمد عن سهل بن زياد و اسحاق بن محمد و غيرهما رفعوه قال: كان أمير المؤمنينعليه‌السلام جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه ثم قال له: أخبرنا عن مسيرنا الى أهل

____________________

(١) ص: ٢٧.

(٢) إرشاد المفيد: ١٢٠.

الشام بقضاء من اللّه و قدر؟ فقالعليه‌السلام له: أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه و قدر. فقال له الشيخ: فعند اللّه أحتسب عنائي. فقال له: مه، فو اللّه لقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم و أنتم سائرون، و في مقامكم و أنتم مقيمون، و في منصرفكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين، و لا إليه مضطرين. فقال له الشيخ: و كيف لم نكن في شي‏ء من حالاتنا مكرهين و لا إليه مضطرين، و كان بالقضاء و القدر مسيرنا و منقلبنا و منصرفنا؟ فقالعليه‌السلام له: و تظن أنّه كان قضاء حتما و قدرا لازما؟ انّه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، و الأمر و النهي. و الزجر من اللّه، و سقط معنى الوعد و الوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، و لا محمدة للمحسن، و لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، و خصماء الرحمن، و حزب الشيطان، و قدرية هذه الامة و مجوسها، إنّ اللّه تعالى كلّف تخييرا، و نهى تحذيرا، و أعطى على القليل كثيرا، و لم يعص مغلوبا، و لم يطع مكرها، و لم يملّك مفوضا، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، و لم يبعث النبيين مبشّرين و منذرين عبثا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فأنشأ الشيخ...( ١) .

و روى الثالث مسندا عن السكوني عن الصادقعليه‌السلام عن آبائه و عن الهادي عن آبائهعليهم‌السلام قال: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال: أخبرنا عن خروجنا الى أهل الشام أ بقضاء من اللّه و قدر؟ فقال له: أجل يا شيخ، فو اللّه ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه و قدر؟ فقال الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي. فقالعليه‌السلام : مهلا يا شيخ لعلك تظن قضاء حتما

____________________

(١) الكافي ١: ١٥٥، ١.

و قدرا لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، و الأمر و النهي و الزجر، و لسقط معنى الوعيد و الوعد، و لم يكن على مسي‏ء لائمة، و لا لمحسن محمدة، و لكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، و المذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، و خصماء الرحمن، و قدرية هذه الامة و مجوسها. يا شيخ إنّ اللّه عزّ و جلّ كلّف تخييرا، و نهى تحذيرا، و أعطى على القليل كثيرا، و لم يعص مغلوبا، و لم يطع مكرها، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فنهض الشيخ و هو يقول الى أن قال زائدا على ما مرّ من الشعر:

فليس معذرة في فعل فاحشة

قد كنت راكبها فسقا و عصيانا

لا لا و لا قائلا ناهية أوقعه

فيها عبدت إذن يا قوم شيطانا

فلا أحبّ و لا شاء الفسوق و لا

قتل الولي له ظلما و عدوانا

و رواه مسندا عن عبد اللّه بن نجيح عن جعفر عن محمد عن آبائهعليهم‌السلام ، و عن عكرمة عن ابن عباس الى أن قال و ذكر الحديث مثله سواء إلاّ أنّه زاد:

فقال الشيخ: فما القضاء و القدر اللذان ساقانا و ما هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلاّ بهما؟ فقالعليه‌السلام : الأمر من اللّه و الحكم، ثم تلا هذه الآية و قضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه و بالوالدين إحسانا( ١) .

و قال ابن أبي الحديد: ذكره أبو الحسين في (غرره) في بيان أن القضاء و القدر قد يكون بمعنى الحكم و الأمر.

و روى عن الأصبغ قال: قام شيخ إلى عليّعليه‌السلام فقال: أخبرنا عن مسيرنا الى الشام أ كان بقضاء اللّه و قدره؟ فقال: و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما وطئنا موطئا و لا هبطنا واديا إلاّ بقضاء اللّه و قدره. فقال الشيخ: فعند اللّه

____________________

(١) التوحيد: ٣٨٠ ٣٨٢. و الآية ٣٣ من سورة الاسراء.

احتسب عنائي ما أرى عليّ من الأجر شيئا. فقال: مه، لقد عظّم اللّه أجركم في مسيركم و أنتم سائرون، و في منصرفكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين و لا اليها مضطرين. فقال: و كيف و القضاء و القدر ساقانا؟ فقال: ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما و قدرا حتما، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب، و الوعد و الوعيد، و الأمر و النهي، و لم تك لائمة من اللّه لمذنب، و لا محمدة لمحسن، و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسي‏ء، و لا المسي‏ء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبّاد الأوثان، و جنود الشيطان، و شهود الزور، و أهل العمى عن الصواب، و هم قدرية هذه الامة و مجوسها، إن اللّه سبحانه أمر تخييرا و نهى تحذيرا، و كلّف يسيرا، و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكرها، و لم يرسل الرسل الى خلقه عبثا و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فقال الشيخ: فما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلاّ بهما؟ فقال: هو الأمر من اللّه و الحكم، ثم تلا قوله سبحانه و قضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إيّاه( ١) .

قلت: و رواه الزمخشري في (فائقه) مثله( ٢) .

قلت: شتان بينهعليه‌السلام و بين فاروقهم. روى الخطيب عن ابن مسعود قال:

خطب عمر الناس بالجابية فقال في خطبته: ان اللّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء. فقال قس من القسوس: ما يقول أميركم؟ هذا. قالوا: يقول: إنّ اللّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء. فقال القس: برقست. اللّه أعدل من أن يضلّ أحدا فبلغ عمر ذلك فبعث اليه: بل اللّه أضلّلك و لو لا عهدك لضربت عنقك( ٣) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٢٧ ٢٢٨ و الآية: ٢٣ من سورة الاسراء.

(٢) أورد الزمخشري أجوبة الامام عليعليه‌السلام على بعض الأسئلة المحيرة راجع ١: ٧١ و ٢: ٣٣٥ من الفائق، دار المعرفة، تحقيق محمد ابي الفضل.

(٣) أورد أبو عبيد عن علي بن رباح عن أبيه: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية، فقال: من أراد أن يسأل عن

قول المصنّف: (و من كلام لهعليه‌السلام للسائل) هكذا في (المصرية الأولى)( ١ ) و لكن في ابن أبي الحديد: و من كلامهعليه‌السلام للسائل الشامي. و في (ابن ميثم): و من كلام له للشامي( ٢ ) . فالظاهر ان أصل النهج كان هكذا لصحّة نسختهما، فيرد عليه ان السائل لم يكن شاميا بل عراقيا شهد معه صفّين، كما صرّح به في طريق الصدوق. نعم ورد ورود شيخ شامي عليهعليه‌السلام في خبر آخر و سؤاله و سؤالات أخر، فروى (الفقيه): أنه بينا أمير المؤمنينعليه‌السلام يعبّى‏ء أصحابه للحرب إذ أتاه شيخ عليه سجية السفر، فقال له: إنّي أتيتك من ناحية الشام، و أنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضائل، و إنّي أظنّك ستغتال، فعلّمني ممّا علّمك اللّه. قال: نعم يا شيخ، من اعتدل يوماه فهو مغبون الى أن قال فقال الشيخ: فأين أذهب و أدع الجنّة، و أرى الجنّة و أهلها معك...( ٣) .

(لمّا سأله أ كان مسيرنا الى الشام بقضاء و قدر بعد كلام طويل هذا مختاره) إشارة الى قولهعليه‌السلام «ما علوتم تلعة و لا هبطتم واديا إلاّ و للّه فيه قضاء و قدر» و قوله: «مه يا شيخ فو اللّه لقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم و أنتم سائرون و في مقامكم و أنتم مقيمون و في منصرفكم و أنتم منصرفون و لم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين و لا إليه مضطرين».

«ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما و قدرا حاتما» قد عرفت أن لفظ الروايات «و قدرا حتما» و هو أحسن، فلم نر استعمال «حاتم» إلاّ بمعنى الغراب الأسود، كقوله:

((ا))لقرآن فليأت أبيّ بن. كعب، و من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، و من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، و من أراد أن يسأل عن المال فليأتني. (كتاب الأموال لأبي عبيد: ٩٩ ح ٥٤٨).

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ١٦٧ من الكلام ٧٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٢٧ ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٧٤ و فيه: و من كلام لهعليه‌السلام للشامي.

(٣) الفقيه ٤: ٢٧٣ ح ٩.

و لقد غدوت و كنت لا

أغدو على واق و حاتم

و قوله:

و ليس بهيّاب إذا شدّ رحله

يقول عداني اليوم واق و حاتم( ١)

هذا، و روى (مجالس المفيد) عن عيسى بن عمر قال: كان ذو الرمّة يذهب الى النفي في الأفعال، و كان رؤبة يذهب الى الإثبات فيها، فاجتمعا يوما عند بلال ابن أبي بردة و هو والي البصرة و كان يعرف ما بينهما من الخصومة فحضّهما على المناظرة، فقال رؤبة: و اللّه لا يفحص طائر فحوصا و لا يقرمص سبع قرموصا إلاّ كان ذلك بقضاء اللّه و قدره. فقال له ذو الرمّة: ما أذن اللّه للذئب أن يأخذ حلوبة عالة عيايل صرايل. فقال له رؤبة: أ فبمشيته أخذها أم بمشية اللّه؟ فقال ذو الرمة: بل بمشيته. فقال رؤبة: هذا و اللّه الكذب على الذئب. فقال ذو الرمة: و اللّه الكذب على الذئب أهون من الكذب على ربّ الذئب( ٢) .

«و لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم): «لو كان ذلك كذلك»( ٤ ) . و هو الصحيح. هذا و قال محمود الوراق:

أعاذل لم آت الذنوب على جهل

و لا انها من فعل غيري و لا فعلي

و لا جرأة مني على اللّه جئتها

و لا أن جهلي لا يحيط به عقلي

و لكن بحسن الظن منّي بعفو من

تفرّد بالصنع الجميل و بالفضل

فإن صدق الظنّ الذي قد ظننته

ففي فضله ما صدّق الظن من مثلي

____________________

(١) لسان العرب ١٥: ٤٠٥ مادة (وقى).

(٢) أمالي المفيد: ١٠٧ ح ١٢٣٧.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٦٧ من الكلام ٧٨.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٢٧، و ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٧٤.

و إن نالني منه العقاب فإنّما

أتيت من الإنصاف في الحكم و العدل

و في (الطرائف): رووا أن أبا حنيفة اجتاز على موسى بن جعفرعليه‌السلام فأراد امتحانه فقال له: المعصية ممن؟ فقال له: إجلس حتى أخبرك، فجلس بين يديه فقال له: لا بد أن تكون من العبد أو من ربه أو منهما، فان كانت من اللّه فهو أعدل و أنصف من أن يظلم عبده الضعيف و يأخذه بما لم يفعله، و إن كانت منهما فهو شريكه و القوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، و إن كانت من العبد فعليه وقع الأمر و إليه توجّه النهي، و له حق الثواب و العقاب، و وجبت له الجنّة أو النار. فقال أبو حنيفة: ذرّيّة بعضها من بعض( ١) .

«و سقط الوعد و الوعيد» عن (المنية و الأمل): كتب ابن عباس الى مجبّرة الشام: أ تأمرون الناس بالتقوى و بكم ضلّ المتقون؟ و تنهون الناس عن المعاصي و بكم ظهر العاصون؟ يا أبناء سلف المقاتلين و أعوان الظالمين، و خزّان مساجد الفاسقين، و عمّار سلف الشياطين، هل منكم إلاّ مفتر على اللّه يحمل اجرامه عليه و ينسبها علانية اليه؟ و هل منكم إلاّ السيف قلادته و الزور على اللّه شهادته؟ أ على هذا تواليتم أم عليه تماليتم؟ حظكم منه الأوفر، و نصيبكم منه الأكبر، عمدتم إلى موالاة من لم يدع للّه مالا إلاّ أخذه، و لا منارا إلاّ هدمه، و لا مالا ليتيم إلاّ سرقه أو خانه، فأوجبتم لأخبث خلق اللّه أعظم حق اللّه، و تخاذلتم أهل الحق حتى ذلّوا و قلوا، و أعنتم أهل الباطل حتى غروا و كثروا( ٢) .

أيضا: كتب غيلان إلى عمر بن عبد العزيز: هل وجدت حكيما يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيدا يدعو الى الهدى ثم يضل عنه؟ أم هل وجدت رحيما يكلف

____________________

(١) الطرائف ٢: ٣٢٨. و الآية ٣٤ من سورة آل عمران.

(٢) المنية و الأمل: ١٢٩.

العباد فوق الطاقة أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلا يحمل الناس على الظلم و التظالم؟ و هل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب و التكاذب بينهم؟

كفى بهذا بيانا، و بالعمى عنه عمى( ١) .

هذا، و في (الطبري): إن المهدي كتب الى جعفر بن سليمان عامل المدينة أن يحمل إليه جماعة اتّهموا بالقدر، فحمل إليه رجالا منهم عبد اللّه بن محمد بن عمّار بن ياسر و عبد اللّه بن يزيد بن قيس الهذلي، و عيسى بن يزيد بن داب الليثي، و إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأسامي، فأدخلوا على المهدي: فانبرى له من بينهم عبد اللّه بن محمد بن عمّار فقال له: هذا دين أبيك و رأيه. قال: لا ذاك عمي داود. قال: لا الا أبوك، على هذا فارقنا، و به كان يدين، فأطلقهم( ٢) .

«إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييرا» إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا( ٣ ) و أما ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى( ٤) .

«و نهاكم تحذيرا» و يحذّركم اللّه نفسه( ٥) .

«و كلّف يسيرا و لم يكلّف عسيرا» ما جعل عليكم في الدين من حرج( ٦) ، يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر( ٧) .

«و أعطى على القليل كثيرا» من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها( ٨) ، مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كلّ

____________________

(١) المنية و الأمل: ١٣٨.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ١٧٨.

(٣) الإنسان: ٣.

(٤) فصلت: ١٧.

(٥) آل عمران: ٢٨ و ٣٠.

(٦) الحج: ٧٨.

(٧) البقرة: ١٨٥.

(٨) الأنعام: ١٦٠.

سنبلة مئة حبة و اللّه يضاعف لمن يشاء( ١) .

«و لم يعص مغلوبا» في (كنز الكراجكي): سأل أهل العدل المجبّرة عن مسألة ألزموهم بها، فقالوا لهم: أخبرونا عن رجل نكح إحدى المحرّمات عليه في أحد المساجد العظيمة في نهار شهر رمضان و هو عالم غير جاهل أ تقولون ان اللّه تعالى أراد منه هذا الفعل على هذه الصفة. قالت المجبرة: بلى للّه إرادة. قال لهم أهل العدل: أخبرونا عن إبليس هل أراد ذلك أم كرهه؟ قالت المجبرة: بلى هذا إنّما يريده إبليس و يؤثره. قال لهم أهل العدل: فأخبرونا لو حضر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و علم بذلك أ كان يريده أم يكرهه. قالت المجبرة: بل يكرهه و لا يريده. قال لهم أهل العدل: فقد لزمكم على هذا أن تثنوا على إبليس و تقولوا إنّه محمود لموافقة إرادته لإرادة اللّه تعالى، و تذمّوا النبيّ لمخالفة إرادته لإرادة اللّه تعالى.

و قد كنت أوردت هذه المسألة في مجلس بعض الرؤساء و عنده جمع فقال أحدهم و كان يميل الى الجبر ان كانت هذه المسألة لا حيلة للمجبّرة فيها فعليكم أيضا مسألة أخرى لا خلاص لكم ممّا يلزمكم منها. فقلت: و ما هي؟ فقال: إذا كان اللّه لا يشاء المعصية و إبليس يشاؤها ثم وقعت معصية من المعاصي فقد لزم من هذا أن تكون مشية إبليس غلبت مشية اللّه. فقلت له: انما تصح الغلبة عند الضعف و عدم القدرة، و لو كنّا نقول ان اللّه تعالى لا يقدر أن يجبر العبد على الطاعة و يضطرّه إليها و ان يحول بينه و بين المعصية بالقسر و الالجاء لزمنا ما ذكرت، و قد أبان تعالى ذلك فقال و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة( ٢ ) و قال و لو شئنا لاتينا كلّ نفس هداها( ٣ ) و إنّما لم

____________________

(١) البقرة: ٢٦١.

(٢) هود: ١١٨.

(٣) السجدة: ١٣.

يفعل لما فيه الخروج عن سنن التكليف و بطلان استحقاق العباد للمدح و الذم( ١) .

و في (الطبري): قال هشام بن عبد الملك لغيلان: ويحك قد أكثر الناس فيك فنازعنا بأمرك فان كان حقّا اتّبعناك، و إن كان باطلا نزعت عنه. قال: نعم.

فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلّمه، فقال له غيلان: أ شاء اللّه أن يعصى؟ فقال له ميمون: أ فعصي كارها، فسكت فقال هشام: أجبه فلم يجبه فقال هشام: لا أقالني اللّه إن أقلته، و أمر بقطع يديه و رجليه( ٢) .

«و لم يرسل الأنبياء لعبا و لم ينزّل الكتاب للعباد عبثا» قال الكراجكي: ممّا يدل على أنّه سبحانه لا يريد المعاصي و القبائح و لا يجوز أن يشاء شيئا منها و انّه كاره لها ساخط لجميعها، فهو أنّه تعالى نهى عنها، و النهي إنّما يكون بكراهة الناهي للفعل المنهيّ عنه، ألا ترى أن أحدنا لا يجوز أن ينهى إلاّ عمّا يكرهه، فلو كان النهي في كونه نهيا غير مفتقر إلى الكراهية، لم يجب ما ذكرناه، لأنّه لا فرق بين قول أحدنا لغيره: «لا تفعل كذا» و قوله: «أنا كاره له»، كما لا فرق بين قوله: «افعل» أمرا له و قوله: «إنّي مريد منك أن تفعل»، و إذا كان سبحانه كارها لجميع المعاصي و القبائح من حيث كان ناهيا عنها استحال أن يكون مريدا لها لاستحالة أن يكون مريدا و كارها لأمر واحد على وجه واحد.

و يدلّ على ذلك أيضا أنّه لو كان مريدا للقبيح لوجب أن يكون على صفة نقص و ذم إن كان مريدا له بلا إرادة، و ان كان مريدا بإرادة وجب أن يكون فاعلا لقبيح، لأن إرادة القبيح قبيحة. و قد دل السمع من ذلك على مثل ما دل

____________________

(١) كنز الكراجكي: ٤٥ ٤٦.

(٢) تاريخ الطبري ٧: ٢٠٣.

عليه العقل، قال عز و جل: و ما اللّه يريد ظلما للعباد( ١ ) ، و ما اللّه يريد ظلما للعالمين( ٢ ) كلّ ذلك كان سيئه عند ربك مكروها( ٣ ) ، يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر( ٤ ) و نعلم أنّ الكفر أعظم العسر، و قال تعالى و ما خلقت الجن و الإنس إلاّ ليعبدون( ٥ ) فإذا كان خلقهم للعبادة فلا يجوز أن يريد منهم غيرها، و قال تعالى: و لا يرضى لعباده الكفر و إن تشكروا يرضه لكم( ٦) .

و في (الطرائف): سأل رجل من المجبّرة بعض أهل العدل عن آية ظاهرها أنّ اللّه أضلّهم. فقال له: تفصيل الجواب يطول عليك و ربما لا تفهمه و لا تحفظه و لكن عرّفني: أما تعتقد أنت و سائر المسلمين أن القرآن نزل حجّة لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فلو كانت هذه الآيات التي تتعلّق بها باطنها مثل ظاهرها في أنّه تعالى منع الكفار و العصاة من الطاعة كان القرآن نزل حجّة للكفار و العصاة للنبي على النبيّ، فكانوا يستغنون بهذه الآيات عن محاربته و قتل أنفسهم و يقولون له: إن ربّك الذي جئت برسالته و كتابك الذي جئت به، يشهدان أنّه قد منعنا عن الاسلام و قد لزمك تركنا، فكان القرآن يصير حجّة لهم عليه( ٧) .

«و لا خلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا و ذلك» هكذا في (المصرية)( ٨ ) و الصواب: (ذلك) بلا واو كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٩ ) ذلك

____________________

(١) غافر: ٣١.

(٢) آل عمران: ١٠٨.

(٣) الاسراء: ٣٨.

(٤) البقرة: ١٨٥.

(٥) الذاريات: ٥٦.

(٦) كنز الكراجكي: ٤٤ ٤٥. و الآية ٧ من سورة الزمر.

(٧) الطرائف ٢: ٣٢٨.

(٨) نهج البلاغة ٣: ١٦٧ من الكلام ٧٨.

(٩) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٢٧ ابن ميثم (الطبع الحجري) ٣: ٤٧٤.

ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار( ١) .

قال الكراجكي: ان جناية المجبّرة على الإسلام كثيرة، بحملها المعاصي على اللّه تعالى و قولها: إنّه لا يكون ما أراده تعالى، و إنّه لا قدرة للكافر على الخلاص من كفره، و لا سبيل للفاسق إلى ترك فسقه، و إن اللّه قضى بالمعاصي على قوم و خلقهم لها و جعلها فيهم ليعاقبهم عليها، و قضى بالطاعات على قوم و خلقهم لها و فعلها فيهم ليثيبهم عليها، و هذا الاعتقاد القبيح يسقط عن المكلف الحرص على فعل الطاعة و الاجتناب عن المعصية، لأنّه يرى أنّ اجتهاده لا ينفع، و حرصه لا يغني. نعوذ باللّه ممّا يقولون.

و أنشدت بعض أهل العدل:

سألت المخنّث عن فعله

على م تخنثت يا ماذق

فقال ابتلاني بداء العضال

و أسلمني القدر السابق

و لمت الزناة على فعلهم

فقالوا بهذا قضى الخالق

و قلت لآكل مال اليتيم

و أنت امرؤ فاسق

فقال و لجلج في قوله

أكلت و أطعمني الرازق

و كلّ يحيل على ربّه

و ما فيهم أحد صادق( ٢)

و في (الطرائف): كان ثمامة في مجلس الخليفة و أبو العتاهية حاضر، فالتمس أبو العتاهية من الخليفة مناظرة ثمامة، فأذن له، فحرّك أبو العتاهية يده و كان مجبّرا و قال: من حرّك هذه؟ قال ثمامة و كان يقول بالعدل من أمّه زانية. فقال أبو العتاهية للخليفة: شتمني ثمامة في مجلسك.

فقال ثمامة للخليفة: ترك مذهبه، يزعم أن اللّه حرّكها فلأي شي‏ء غضب

____________________

(١) ص: ٢٧.

(٢) كنز الكراجكي: ٤٦.

و ليس له أمر، فانقطع( ١) .

هذا، و روى ابن شعبة في (تحفه): أن الحسن البصري كتب الى الحسن بن عليعليه‌السلام : أما بعد فانّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللّجج الغامرة و الأعلام النيّرة الشاهرة، و كسفينة نوح التي نزلها المؤمنون و نجا فيها المسلمون، كتبت إليك يا ابن رسول اللّه عند اختلافنا في القدر و حيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك و رأي آبائك، فإنّ من علم اللّه علمكم و أنتم شهداء على الناس، و اللّه الشاهد عليكم ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم( ٢) .

فأجابه الحسنعليه‌السلام : وصل إليّ كتابك، و لو لا ما ذكرت من حيرتك و حيرة من مضى قبلك إذن ما أخبرتك، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه و أنّ اللّه يعلمه فقد كفر، و من أحال المعاصي على اللّه فقد فجر، إنّ اللّه لم يعص مكرها و لم يعص مغلوبا، و لم يهمل العباد سدى من المهلكة، بل هو المالك لما ملّكهم و القادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييرا و نهاهم تحذيرا، فان ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادّا، و إن انتهوا إلى المعصية فشاء أن يمنّ عليهم بأن يحول بينهم و بينها فعل، و ان لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا و لا ألزموها كرها، بل منّ عليهم بأن بصّرهم و عرّفهم و حذّرهم و أمرهم و نهاهم، لا جبلا لهم على أمرهم به فيكونوا كالملائكة، و لا جبرا لهم على ما نهاهم عنه، و للّه الحجّة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين( ٣) .

و رواه (المنية و الأمل) مع اختلاف على نقل (جمهرة الرسائل)( ٤) .

____________________

(١) الطرائف ٢: ٣٤١.

(٢) آل عمران: ٣٤.

(٣) تحف العقول: ٢٣١.

(٤) المنية الأمل: ١٣٠، عن جمهرة الرسائل ٢: ٢٥ الرسالة ٢٥.

٢ - الحكمة (٢٨٧) و سئلعليه‌السلام عن القدر فقال:

طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلاَ تَسْلُكُوهُ وَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ وَ سِرُّ اَللَّهِ فَلاَ تَتَكَلَّفُوهُ أقول: الأصل فيه ما رواه ابن بابويه في (توحيده) باسناده عن عبد الملك بن عنترة عن أبيه عن جده قال: جاء رجل الى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال:

أخبرني عن القدر. فقال: بحر عميق فلا تلجه. قال: أخبرني عن القدر. فقال:

طريق مظلم فلا تسلكه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر. قال: سرّ اللّه فلا تكلفه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر. فقال أمير المؤمنين: أما إذا أبيت فإني سائلك، أخبرني أ كانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللّه. فقال له الرجل: بل كانت رحمة اللّه لهم قبل أعمالهم.

فقال: قوموا فسلّموا على أخيكم فقد أسلم و قد كان كافرا. و انطلق الرجل غير بعيد ثم انصرف اليهعليه‌السلام فقال: أبا المشية الأولى نقوم و نقعد و نقبض و نبسط، فقال: و انك لبعد في المشية، اما اني سائلك عن ثلاث لا يجعل اللّه لك في شي‏ء منها مخرجا: أخبرني أ خلق اللّه العباد كما شاء أو كما شاءوا. فقال: كما شاء.

قال: فخلق اللّه العباد لما شاء أو لما شاءوا. فقال: لما شاء. قال: يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاؤا. فقال: كما شاء. فقال: قم فليس لك من المشية شي‏ء( ١) .

و روى ابن طلحة الشافعي في (مطالب سؤوله) باسناده عن عبد اللّه بن جعفر عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: أعجب ما في الانسان قلبه الى أن قال فقام اليه رجل شهد وقعة الجمل فقال له: أخبرنا عن القدر. فقال: بحر عميق فلا

____________________

(١) توحيد المفضل: ٣٦٥ ح ٣.

تلجه. فقال، أخبرنا عن القدر. فقال: سرّ اللّه فلا تبحث عنه. فقال: أخبرنا عن القدر. فقال: لما أبيت أمر بين الأمرين لا جبر و لا تفويض. فقال: ان فلانا لرجل حاضر يقول بالاستطاعة. فقالعليه‌السلام : عليّ به، فلما رآه قال له الاستطاعة تملكها مع اللّه أو من دون اللّه و إيّاك أن تقول واحدة منهما فترتد قال: فما أقول؟ قال: قل أملكها باللّه ان شاء ملّكنيها...( ١) .

و روى قريبا منه في (الفقه الرضوي) و زاد ثم قيل لهعليه‌السلام الرابعة:

انبئنا عن القدر. فقال: ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما يمسك فلا مرسل له من بعده( ٢) .

و روى المصنّف: في (مجازاته النبوية) قريبا من معنى العنوان عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: و من ذلك قوله و قد سمع ناسا من أصحابه يتذاكرون القضاء و القدر انكم قد أخذتم في شعبين بعيدي الغور( ٣) .

هذا القول مجاز لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله شبه القضاء و القدر حقيقة علمهما و معرفة كنههما بالشعبين اللذين غورهما بعيد و اقتحامهما شديد و طالب غايتهما مجهود، يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : ان علمهما كالماء الغائر الذي لا يقدر عليه و لا يهتدى إليه.

قولهعليه‌السلام «طريق مظلم فلا تسلكوه، و بحر عميق فلا تلجوه، و سرّ اللّه فلا تتكلّفوه» روى (توحيد الصدوق) مسندا عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في القدر: ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اللّه، و ستر من ستر اللّه، و حرز من حرز اللّه، مرفوع في حجاب اللّه، مطويّ عن خلق اللّه، مختوم بخاتم اللّه، سابق في علم اللّه، وضع اللّه عن العباد علمه، و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ

____________________

(١) مطالب السؤول: ٢٦ ٢٧.

(٢) فقه الرضا: ٤٠٨، و الآية ٢ من سورة فاطر.

(٣) المجازات: ٣١٣.

عقولهم، لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربانيّة، و لا بقدرة الصمديّة، و لا بعظم النورانيّة، و لا بعزّة الوحدانيّة، لأنّه بحر زاخر خالص للّه تعالى، عمقه ما بين السماء و الأرض، عرضه ما بين المشرق و المغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيّات و الحيتان، تعلو مرة و تسفل اخرى، في قعره شمس تضي‏ء لا ينبغي أن يطّلع عليها إلاّ اللّه الواحد الفرد، فمن تطّلع إليها فقد ضادّ اللّه تعالى في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن ستره و سره( ١) .

و سئل بعضهم عن القدر فقال: الناظر في قدر اللّه كالناظر في عين شمس، يعرف ضوءها و لا يقف على حدودها.

و سئل آخر عنه فقال: فلم اختصمت فيه العقول، و تقاول فيه المختلفون، و حق علينا أن نرد ما التبس علينا الى ما سبق علينا من حكمه.

هذا، و في (اعتقادات الصدوق): روي أن أمير المؤمنينعليه‌السلام عدل عن حائط مائل الى مكان آخر، فقيل له: أ تفرّ من قضاء اللّه؟ فقال: أفر من قضاء اللّه الى قدره.

و سئلعليه‌السلام أيضا عن الرقية هل تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر( ٢) .

هذا، و ممّا ورد عنهعليه‌السلام في ذلك غير العنوانين ما رواه (التحف و التوحيد) عنه قال: الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، و فضائل، و معاصي، أما الفرائض فبأمر اللّه تعالى و رضائه، و قضائه و تقديره، و مشيته و علمه، و أما الفضائل فليست بأمر اللّه، و لكن برضاء اللّه، و قضائه و قدره، و مشيته و علمه، و أما المعاصي فليست بأمر اللّه، و لكن

____________________

(١) التوحيد: ٣٨٣ ح ٣٢.

(٢) اعتقادات الصدوق: ٧.

بقضائه و قدره و علمه، ثم يعاقب عليها( ١) .

و في (طرائف ابن طاوس): روى جماعة من العلماء أنّ الحجّاج كتب الى الحسن البصري و إلى عمرو بن عبيد و إلى واصل بن عطاء و الى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم في القضاء و القدر. فكتب إليه الحسن: إن أحسن ما انتهى الينا ما سمعت من أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: «إنّ الذي نهاك دهاك، إنّما دهاك أسفلك و أعلاك، و اللّه بري‏ء من ذلك». و كتب إليه عمرو: أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قول عليعليه‌السلام «لو كان الوزر في الأصل محتوما كان الموزور في القصاص مظلوما». و كتب إليه واصل: أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قول عليعليه‌السلام «أ يدلّك على الطريق و يأخذ عليك المضيق». و كتب اليه الشعبي:

أحسن ما سمعت في القضاء و القدر قول أمير المؤمنينعليه‌السلام «كل ما استغفرت اللّه منه فهو منك، و كلّما حمدت اللّه عليه فهو منه». فلما وصلت كتبهم الى الحجاج قال: لقد أخذوها من عين صافية( ٢) .

____________________

(١) التوحيد: ٣٦٩، ح ٩ و تحف العقول: ٢٠٦.

(٢) الطرائف ٢: ٣٢٩.

الفصل الثامن و العشرون في كلامهعليه‌السلام الجامع لمصالح الدين و الدنيا

١ - الكتاب (٢٢) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى عبد اللّه بن العبّاس و كان ابن عبّاس يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانتفاعي بهذا الكلام:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَ يَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ وَ لْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا وَ مَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلاَ تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً وَ مَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلاَ تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً وَ لْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ الكتاب (٦٦) و من كتاب له عليه‏السّلام إلى عبد اللَّه بن العباس، و قد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْ‏ءِ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَ يَحْزَنُ عَلَى اَلشَّيْ‏ءِ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَلاَ يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ

دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ وَ لَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ وَ لْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ وَ أَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ وَ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ أقول: رواه نصر بن مزاحم في (صفينه)، و الكليني في (روضته)، و اليعقوبي في (تاريخه)، و سبط ابن الجوزي في (تذكرته)، و نقل عن (مجالس ثعلب) و (أمالي القالي) و (محاضرات الراغب)( ١ ) و (دستور القاضي القضاعي)( ٢) .

قال الأول: و كتبعليه‌السلام إليه: أمّا بعد، فإن الإنسان قد يسرّه ما لم يكن ليفوته، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه و إن جهد. فليكن سرورك فيما قدّمت من حكم أو منطق أو سيرة، و ليكن أسفك على ما فرّطت فيه من ذلك، و دع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزنا، و ما أصابك فيها فلا تبغ به سرورا، و ليكن همّك فيما بعد الموت( ٣) .

و قال الثاني: عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن علي بن اسباط رفعه قال: كتب أمير المؤمنينعليه‌السلام الى ابن عباس: أما بعد، فقد يسرّ المرء ما لم يكن ليفوته، و يحزنه ما لم يكن ليصيبه أبدا و إن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم أو قول، و ليكن أسفك على ما فرّطت فيه من ذلك، و دع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزنا، و ما أصابك منها فلا تنعم به سرورا، و ليكن همّك فيما بعد الموت. و السّلام( ٤) .

و قال الثالث: و كتب أبو الأسود و كان خليفة ابن عباس بالبصرة الى عليعليه‌السلام يعلمه أن عبد اللّه أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتبعليه‌السلام

____________________

(١) المحاضرات للراغب الاصفهاني ٢: ١٧٣.

(٢) دستور القضاعي: ٩٦، أمالي القالي ٢: ٩٤، و عبارة الأمالي تختلف عن النهج.

(٣) وقعة صفين: ١٠٧.

(٤) روضة الكافي ٨: ٢٤٠، ٣٢٧.

إليه يأمره بردها، فامتنع فكتب يقسم له باللّه ليردّنّها، فلما ردّها أو ردّ أكثرها كتب إليه: أما بعد، فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحا، و ما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا، و اجعل همّك لما بعد الموت. و السّلام( ١) .

فكان ابن عباس يقول: ما اتّعظت بكلام قط اتّعاظي بكلام أمير المؤمنين( ٢) .

روى الرابع مسندا عن المأمون عن آبائه عن ابن عباس قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كانتفاعي بكلام كتب به أمير المؤمنينعليه‌السلام إليّ: أمّا بعد، فإنّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، و يسره درك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، و ليكن أسفك على ما فاتك منها، و ما فاتك من الدنيا فلا تأسفنّ عليه، و ليكن همّك فيما بعد الموت.

و روى السدّي هذا عن أشياخه، و قال عقيبه: كان الشيطان قد نزغ بين ابن عباس و بينهعليه‌السلام ثم عاد إلى موالاته( ٣) .

قول المصنّف: في الأول (و كان ابن عباس) هكذا في (المصرية)( ٤ ) أخذا عن (ابن أبي الحديد) و في (ابن ميثم): «و كان عبد اللّه»( ٥ ) (يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه) و من كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله له الذي انتفع به ما رواه اليعقوبي عنه قال: أردفني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال لي: يا غلام ألا أعلّمك كلمات ينفعك اللّه بهنّ. قلت: بلى. قال: إحفظ اللّه يحفظك، إحفظ اللّه تجده

____________________

(١) مجالس ثعلب ١: ١٥٥.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٥.

(٣) تذكرة الفقهاء: ١٥٠.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٢٣ من الكتاب رقم ٢٢.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٤٠، و شرح ابن ميثم: ٣٨٤ السطر الثالث هكذا.

أمامك، أذكر اللّه في الرخاء يذكرك في الشدّة، و إذا سألت فاسأل اللّه، و إذا استعنت فاستعن باللّه، جفّ القلم بما هو كائن، و لو جهد الخلق على أن ينفعوك بشي‏ء لم يكتبه اللّه لم يقدروا عليه، و لو جهدوا أن يضرّوك بشي‏ء لم يكتبه اللّه عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، إنّ في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، و اعلم أنّ النصر مع الصبر، و أنّ الفرج مع الكرب، و أنّ مع العسر يسرا( ١) .

(كانتفاعي بهذا الكلام) قد عرفت أنّه روى هذا الكلام عنه سبط بن الجوزي و كذا اليعقوبي.

قوله في الثاني (و قد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية) هكذا في (المصرية)( ٢ ) و لكن في (ابن أبي الحديد) «و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم بخلاف هذه الرواية» و مثله (ابن ميثم) لكن فيه (هذا الكتاب)( ٣ ) و قد عرفت أن المقدم رواية الأخيرين، و هذه رواية الأوّلين ممّن نقلنا كلامه.

قولهعليه‌السلام في الأول «أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه» و في الثاني (أما بعد فان المرء) هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (العبد) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«ليفرح بالشي‏ء الذي لم يكن ليفوته، و يحزن على الشي‏ء الذي لم يكن ليصيبه» معناهما واحد و إنّما اختلف لفظهما، و المراد أنّ سروره و فرحه و كذا

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٦٣.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٣٩ من الكتاب رقم ٦٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٨.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٢٣ من الكتاب رقم ٢٢.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢٨، ابن ميثم (الطبع الحجري) ٤٥٨ هكذا.

مساءته و حزنه كانا هدرا و في غير محلهما.

و في (مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي) قال عليعليه‌السلام : الشي‏ء شيئان شي‏ء قصر عنّي لم ارزقه فيما مضى و لا أرجوه فيما بقي، و شي‏ء لا أناله دون وقته و لو استعنت عليه بقوّة أهل السماوات و الأرض، فما أعجب أمر هذا الانسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، و لو أنّه فكّر لأبصر، و لعلم أنّه مدبر، و اقتصر على ما تيسّر و لم يتعرّض لما تعسّر، و استراح قلبه ممّا استوعر، فبأيّ هذين أفني عمري، فكونوا أقل ما تكونون في الباطن أحوالا أحسن ما تكونون في الظاهر أحوالا، فان اللّه تعالى أدّب عباده المؤمنين أدبا حسنا فقال جلّ من قائل يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا( ١) .

و في الأول «فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك» و ان الدار الآخرة لهي الحيوان( ٢) .

«و ليكن أسفك على ما فاتك منها» و من أسماء يوم القيامة التغابن لأن الانسان يرى مغبونيته فيما فاته من الآخرة.

«و ما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا و ما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا» قال تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم( ٣) .

و في (الأغاني) قال أعشي همدان:

فلا تأسفنّ على ما مضى

و لا يحزننّك ما يدبر

فإن الحوادث تبلي الفتى

و إنّ الزمان به يعثر

____________________

(١) البقرة: ٢٧٣.

(٢) العنكبوت: ٦٤.

(٣) الحديد: ٢٣.

فيوما يساء بما نابه

و يوما يسرّ فيستبشر

و من كلّ ذلك يلقى الفتى

و يمنى له منه ما يقدر( ١)

و في الثاني «فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك بلوغ لذة أو شفاء غيظ» فانّه يشارك في ذلك البهائم و السباع.

«و لكن» اطفاء نار «باطل أو احياء حق» ميت الذي هو عمل الأنبياء و الأوصياء و هم العلماء و الحكماء.

«و ليكن سرورك بما قدمت» و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا و أعظم أجرا( ٢) .

«و أسفك على ما خلفت» و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم( ٣) .

و في الأول «و ليكن همّك» و في الثاني «و همك» و فيهما «فيما بعد الموت» فأغبط الناس من نام تحت التراب و أمن العقاب و لتنظر نفس ما قدّمت لغد( ٤) .

هذا، و نظير وعظه لعبد اللّه بن عباس وعظ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأخيه الفضل بن العباس، روى (الفقيه في نوادر آخره) عن الصادق عن أبيهعليهما‌السلام قال: قال الفضل: أهدي إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بغلة أهداها له كسرى أو قيصر، فركبها بحبل من شعر و أردفني خلفه، ثم قال: يا غلام احفظ اللّه( ٥ ) ... مثل ما مرّ عن اليعقوبي في قول النبيّ لعبد اللّه بن عباس نفسه، و الظاهر أصحّيّة ما في (الفقيه) من كون قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله للفضل و لعل عبد اللّه سمعه من أخيه.

____________________

(١) الأغاني ٦: ٣٨ (في أخبار أعشى همدان).

(٢) المزمل: ٢٠.

(٣) الانعام: ٩٤.

(٤) الحشر: ١٨.

(٥) فقيه ٤: ٢٩٦ ح ٧٦.

و قوله: «ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه» لا يستلزم أن يكون هو المخاطب، فيصدق مع كون أخيه المخاطب.

و كيف كان فقوله في هذا الخبر «كسرى أو قيصر» الترديد من الرواة، و الصواب: قيصر بشهادة التاريخ، فإن كسرى غضب من كتاب النبيّ إليه و مزّق كتابه و إنما قيصر أهدى إليه هدايا.

و يمكن تأييد خبر اليعقوبي بما رواه كاتب الواقدي عن ابن عباس، قال:

اهدي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بغلة شهباء، فبعثني الى أم سلمة، فأتيته بصوف و ليف الى أن قال ثم أردفني خلفه( ١) .

٢ - الكتاب (٣١) و من وصية له للحسن بن عليّعليه‌السلام كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين:

مِنَ اَلْوَالِدِ اَلْفَانِ اَلْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ اَلْمُدْبِرِ اَلْعُمُرِ اَلْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ اَلذَّامِّ لِلدُّنْيَا اَلسَّاكِنِ مَسَاكِنَ اَلْمَوْتَى وَ اَلظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً إِلَى اَلْمَوْلُودِ اَلْمُؤَمِّلِ مَا لاَ يُدْرِكُ اَلسَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ غَرَضِ اَلْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ اَلْأَيَّامِ وَ رَمِيَّةِ اَلْمَصَائِبِ وَ عَبْدِ اَلدُّنْيَا وَ تَاجِرِ اَلْغُرُورِ وَ غَرِيمِ اَلْمَنَايَا وَ أَسِيرِ اَلْمَوْتِ وَ حَلِيفِ اَلْهُمُومِ وَ قَرِينِ اَلْأَحْزَانِ وَ نُصُبِ اَلْآفَاتِ وَ صَرِيعِ اَلشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ اَلْأَمْوَاتِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ اَلدُّنْيَا عَنِّي وَ جُمُوحِ اَلدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ اَلْآخِرَةِ إِلَيَّ مَا يُرَغِّبُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ وَ اَلاِهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ اَلنَّاسِ هَمُّ نَفْسِي فَصَدَّقَنِي

____________________

(١) ابن سعد ١: ٢، ١٧٥.

رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ وَ صِدْقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَ كَأَنَّ اَلْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ اَلاِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ اَلدُّنْيَا وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ اَلدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اَللَّيَالِي وَ اَلْأَيَّامِ وَ اِعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ اَلْمَاضِينَ وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا اِنْتَقَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ اِنْتَقَلُوا عَنِ اَلْأَحِبَّةِ وَ حَلُّوا دِيَارَ اَلْغُرْبَةِ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لاَ تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ وَ دَعِ اَلْقَوْلَ فِيمَا لاَ تَعْرِفُ وَ اَلْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ فَإِنَّ اَلْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ اَلضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ اَلْأَهْوَالِ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَ أَنْكِرِ اَلْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ وَ جَاهِدْ فِي اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ لاَ تَأْخُذْكَ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ وَ خُضِ اَلْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَ تَفَقَّهْ فِي اَلدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ اَلتَّصَبُّرَ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ وَ نِعْمَ اَلْخُلُقُ اَلتَّصَبُرُ فِي اَلْحَقِّ وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي اَلْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ وَ أَخْلِصْ فِي اَلْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ اَلْعَطَاءَ وَ اَلْحِرْمَانَ وَ أَكْثِرِ

اَلاِسْتِخَارَةَ وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لاَ تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً فَإِنَّ خَيْرَ اَلْقَوْلِ مَا نَفَعَ وَ اِعْلَمْ أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَ لاَ يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لاَ يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ وَ أَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ اَلْهَوَى أَوْ فِتَنِ اَلدُّنْيَا فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ اَلنَّفُورِ وَ إِنَّمَا قَلْبُ اَلْحَدَثِ كَالْأَرْضِ اَلْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ اَلْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ اَلتَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ اَلطَّلَبِ وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلاَجِ اَلتَّجْرِبَةِ فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ وَ اِسْتَبَانَ لَكَ مَا قَدْ رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ بَلْ كَأَنِّي بِمَا اِنْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي اَلْوَالِدَ اَلشَّفِيقَ وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَ أَنْتَ مُقْبِلُ اَلْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ اَلدَّهْرِ ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اَللَّهِ وَ تَأْوِيلِهِ وَ شَرَائِعِ اَلْإِسْلاَمِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلاَلِهِ وَ حَرَامِهِ لاَ أُجَاوِزُ لَكَ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اِخْتَلَفَ اَلنَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ مِثْلَ اَلَّذِي اِلْتَبَسَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ

إِلَيَّ مِنْ إِسْلاَمِكَ إِلَى أَمْرٍ لاَ آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ اَلْهَلَكَةَ وَ رَجَوْتُ أَنْ يُعَرِّفَكَ اَللَّهُ لِرُشْدِكَ وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اَللَّهِ وَ اَلاِقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اَللَّهُ عَلَيْكَ وَ اَلْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ اَلْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ وَ اَلصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى اَلْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا وَ اَلْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ لاَ بِتَوَرُّطِ اَلشُّبُهَاتِ وَ عُلُوِّ اَلْخُصُوصِيَّاتِ وَ اِبْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاِسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ وَ اَلرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلاَلَةٍ فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ اَلْعَشْوَاءَ وَ تَتَوَرَّطُ اَلظَّلْمَاءَ وَ لَيْسَ طَالِبُ اَلدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ وَ اَلْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي وَ اِعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ اَلْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ اَلْحَيَاةِ وَ أَنَّ اَلْخَالِقَ هُوَ اَلْمُمِيتُ وَ أَنَّ اَلْمُفْنِيَ هُوَ اَلْمُعِيدُ وَ أَنَّ اَلْمُبْتَلِيَ هُوَ اَلْمُعَافِي وَ أَنَّ اَلدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلاَّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اَللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ اَلنَّعْمَاءِ وَ اَلاِبْتِلاَءِ وَ اَلْجَزَاءِ فِي اَلْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ نَعْلَمُ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ به فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ اَلْأَمْرِ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ

وَ لْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اَللَّهِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ اَلرَّسُولُصلى‌الله‌عليه‌وآله فَارْضَ بِهِ رَائِداً وَ إِلَى اَلنَّجَاةِ قَائِداً فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي اَلنَّظَرِ لِنَفْسِكَ وَ إِنِ اِجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ إلى أن قال:

يَا بُنَيَّ اِجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اِكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَ لاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَ اِسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ وَ اِرْضَ مِنَ اَلنَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلْإِعْجَابَ ضِدُّ اَلصَّوَابِ وَ آفَةُ اَلْأَلْبَابِ فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ وَ لاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ وَ إِذَا كُنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ:

وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ أَنَّهُ لاَ غِنَى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ اَلاِرْتِيَادِ وَ قَدْرِ بَلاَغِكَ مِنَ اَلزَّادِ مَعَ خِفَّةِ اَلظَّهْرِ فَلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ اَلْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلاَ تَجِدُهُ وَ اِغْتَنِمْ مَنِ اِسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً اَلْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِنَ اَلْمُثْقِلِ وَ اَلْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ اَلْمُسْرِعِ وَ أَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لاَ مَحَالَةَ عَلَى

جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَ وَطِّئِ اَلْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ فَلَيْسَ بَعْدَ اَلْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَ لاَ إِلَى اَلدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي اَلدُّعَاءِ وَ تَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ وَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْكَ وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ اَلتَّوْبَةِ وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ اَلْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ اَلْإِنَابَةِ وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ اَلرَّحْمَةِ بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ اَلذَّنْبِ حَسَنَةً وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ اَلْمَتَابِ وَ بَابَ اَلاِسْتِعْتَابِ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاءَكَ وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ وَ اِسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ وَ اِسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ اَلْأَعْمَارِ وَ صِحَّةِ اَلْأَبْدَانِ وَ سَعَةِ اَلْأَرْزَاقِ ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ فَمَتَى شِئْتَ اِسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ وَ اِسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ فَلاَ يُقْنِطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ فَإِنَّ اَلْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ اَلنِّيَّةِ وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ اَلْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ اَلسَّائِلِ وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ اَلْآمِلِ وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ اَلشَّيْ‏ءَ فَلاَ تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَ لاَ تَبْقَى لَهُ

إلى أن قال:

وَ اِعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ فِي اَلطَّلَبِ وَ أَجْمِلْ فِي اَلْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ وَ لاَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى اَلرَّغَائِبِ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً وَ لاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اَللَّهُ حُرّاً وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِشَرٍّ وَ يُسْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِعُسْرٍ وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا اَلطَّمَعِ فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ اَلْهَلَكَةِ وَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ وَ إِنَّ اَلْيَسِيرَ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ مِنَ اَلْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ وَ تَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ وَ حِفْظُ مَا فِي اَلْوِعَاءِ بِشَدِّ اَلْوِكَاءِ وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ وَ مَرَارَةُ اَلْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ اَلطَّلَبِ إِلَى اَلنَّاسِ وَ اَلْحِرْفَةُ مَعَ اَلْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ اَلْغِنَى مَعَ اَلْفُجُورِ وَ اَلْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَ مَنْ فَكَّرَ أَبْصَرَ قَارِنْ أَهْلَ اَلْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ وَ بَايِنْ أَهْلَ اَلشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ بِئْسَ اَلطَّعَامُ اَلْحَرَامُ وَ ظُلْمُ اَلضَّعِيفِ أَفْحَشُ اَلظُّلْمِ إِذَا كَانَ اَلرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ اَلْخُرْقُ رِفْقاً رُبَّمَا كَانَ اَلدَّوَاءُ دَاءً وَ اَلدَّاءُ دَوَاءً وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ اَلنَّاصِحِ وَ غَشَّ اَلْمُسْتَنْصَحُ وَ إِيَّاكَ وَ اتِّكَالَكَ عَلَى اَلْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ اَلنَّوْكَى وَ اَلْعَقْلُ حِفْظُ اَلتَّجَارِبِ وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ بَادِرِ اَلْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ وَ لاَ كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ وَ مِنَ اَلْفَسَادِ إِضَاعَةُ اَلزَّادِ وَ مَفْسَدَةُ اَلْمَعَادِ وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ

سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ اَلتَّاجِرُ مُخَاطِرٌ وَ رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ لاَ خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ وَ لاَ فِي صَدِيقٍ ظَنِينٍ سَاهِلِ اَلدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ وَ لاَ تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اَللَّجَاجِ اِحْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى اَلصِّلَةِ وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اَللَّطَفِ وَ اَلْمُقَارَبَةِ وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى اَلْبَذْلِ وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى اَلدُّنُوِّ وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اَللِّينِ وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى اَلْعُذْرِ حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ أَنْ تَفْعَلَ بِغَيْرِ أَهْلِهِ لاَ تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ وَ اِمْحَضْ أَخَاكَ اَلنَّصِيحَةَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً وَ تَجَرَّعِ اَلْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَ لاَ أَلَذَّ مَغَبَّةً وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحَدُ اَلظَّفَرَيْنِ وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ وَ لاَ تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اِتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ وَ لاَ يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى اَلْخَلْقِ بِكَ وَ لاَ تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ وَ لاَ يَكُونَنَّ أَخُوكَ عَلَى مَقَاطِعَتِكَ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ وَ لاَ يَكُونَنَّ عَلَى اَلْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى اَلْإِحْسَانِ وَ لاَ يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ اَلرِّزْقَ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ مَا أَقْبَحَ اَلْخُضُوعَ عِنْدَ اَلْحَاجَةِ وَ اَلْجَفَاءَ عِنْدَ اَلْغِنَى إِنَّ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ وَ إِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ

فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ اِسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ فَإِنَّ اَلْأُمُورَ أَشْبَاهٌ وَ لاَ تَكُونَنَّ مِمَّنْ لاَ تَنْفَعُهُ اَلْعِظَةُ إِلاَّ إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلاَمِهِ فَإِنَّ اَلْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ وَ اَلْبَهَائِمَ لاَ تَتَّعِظُ إِلاَّ بِالضَّرْبِ.

اِطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ اَلْهُمُومِ بِعَزَائِمِ اَلصَّبْرِ وَ حُسْنِ اَلْيَقِينِ مَنْ تَرَكَ اَلْقَصْدَ جَارَ وَ اَلصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ وَ اَلصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ وَ اَلْهَوَى شَرِيكُ اَلْعِنَاءِ وَ رُبَّ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ وَ اَلْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ مَنْ تَعَدَّى اَلْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ وَ مَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ وَ مَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ قَدْ يَكُونُ اَلْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ اَلطَّمَعُ هَلاَكاً لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لاَ كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ اَلْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ اَلْأَعْمَى رُشْدَهُ أَخِّرِ اَلشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ وَ قَطِيعَةُ اَلْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ اَلْعَاقِلِ مَنْ أَمِنَ اَلزَّمَانَ خَانَهُ وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ إِذَا تَغَيَّرَ اَلسُّلْطَانُ تَغَيَّرَ اَلزَّمَانُ سَلْ عَنِ اَلرَّفِيقِ قَبْلَ اَلطَّرِيقِ وَ عَنِ اَلْجَارِ قَبْلَ اَلدَّارِ إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ اَلْكَلاَمِ مَا كَانَ مُضْحِكاً وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ اَلنِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ وَ اُكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ فَإِنَّ شِدَّةَ اَلْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ وَ لاَ تُمَلِّكِ اَلْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَإِنَّ اَلْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ وَ لاَ تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا وَ لاَ تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا وَ إِيَّاكَ وَ اَلتَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو اَلصَّحِيحَةَ إِلَى

اَلسَّقَمِ وَ اَلْبَرِيئَةَ إِلَى اَلرِّيَبِ وَ اِجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلاَّ يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ اَلَّذِي بِهِ تَطِيرُ وَ أَصْلُكَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ وَ يَدُكَ اَلَّتِي بِهَا تَصُولُ اِسْتَوْدِعِ اَللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ وَ اِسْأَلْهُ خَيْرَ اَلْقَضَاءِ لَكَ فِي اَلْعَاجِلَةِ وَ اَلْآجِلَةِ وَ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلسَّلاَمُ قول المصنّف: (و من وصيّة لهعليه‌السلام ) في (محجّة ابن طاووس): قال أبو أحمد العسكري في كتاب (زواجره): و لو كان من الحكم ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه الوصية( ١) .

(للحسن بن عليعليه‌السلام ) كون الوصية لهعليه‌السلام أحد القولين و احدى الروايتين ذهب إليه كالمصنف ابن شعبة في (تحفه) و رواه الكليني في (رسائله)( ٢ ) ، و قول آخر إنها لابنه محمد بن الحنفية، ذهب إليه الشيخ و النجاشي في (فهرستيهما)، و الصدوق في (نوادر آخر فقيهه)( ٣) .

قال الأول: روى الأصبغ عهد مالك الأشتر و وصية أمير المؤمنينعليه‌السلام الى ابنه محمد بن الحنفية الى أن قال و أمّا الوصية فأخبرنا بها الحسين بن عبيد اللّه، عن الدوري، عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن علي بن عبدك الصوفي، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة المجاشعي قال: كتب أمير المؤمنينعليه‌السلام الى ولده محمد بن الحنفية( ٤) .

و قال الثاني أيضا فيه: روى الأصبغ عنهعليه‌السلام عهد الأشتر و وصيته إلى

____________________

(١) كشف المحجة: ١٥٧.

(٢) كشف المحجة: ١٥٩ نقلا عن رسائل الكليني، و تحف العقول: ٦٨.

(٣) الفقيه ٤: ٢٧٥ ح ١٠.

(٤) فهرست الطوسي: ٣٧ ٣٨.

ابنه محمد، أخبرنا عبد السّلام بن الحسين الأديب، عن أبي بكر الدوري عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج الخ مثل (الفهرست)( ١) .

و روى (الكافي) الروايتين فقال في باب إكرام الزوجة: أبو علي الأشعري عن بعض أصحابنا عن جعفر بن عنبسة عن عباد بن زياد الأسدي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفرعليه‌السلام ، و أحمد بن محمد العاصمي عمّن حدّثه عن معلى بن محمد البصري عن علي بن الحسّان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال: في رسالة أمير المؤمنين الى الحسن: لا تملّك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإنّ ذلك أنعم بحالها و أرخى لبالها و أدوم لجمالها، فإنّ المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة، و لا تعد بكرامتها نفسها، و اغضض بصرها بسترك و اكففها بحجابك، و لا تطمعها في أن تشفع لغيرها فيميل من شفعت له عليك معها، و استبق من نفسك بقية، فإنّ إمساكك نفسك عنهن و هو يرين أنّك ذو اقتدار خير من أن يرين منك حالا على انكسار.

أحمد بن محمد بن سعيد عن جعفر بن محمد الحسني عن علي بن عبدك عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ عن أمير المؤمنينعليه‌السلام مثله إلاّ انّه قال: كتبعليه‌السلام بهذه الرسالة إلى ابنه محمّد( ٢) .

و رواها أبو أحمد العسكري في (زواجره) كما نقل عنه علي بن طاووس في الفصل (١٦٣) من (محجته) بأربعة طرق:

أولها: جماعة عن علي بن الحسين بن إسماعيل عن الحسن بن أبي عثمان الادمي عن أبي حاتم عن يوسف بن يعقوب عن بعض أهل العلم.

____________________

(١) فهرست النجاشي: ٦.

(٢) الكافي ٥: ٥١٠ ح ٣.

و ثانيها: أحمد بن عبد العزيز عن سليمان بن الربيع عن كادح بن رحمة الزاهد عن صباح بن يحيى المزني، و علي بن عبد العزيز الكاتب عن جعفر بن هارون بن زياد عن محمد بن علي الرضا عن آبائه عن جدّهعليه‌السلام .

و ثالثها: علي بن محمد بن إبراهيم التستري عن جعفر بن عنبسة عن عباد بن زياد عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفر محمد بن عليعليه‌السلام .

و رابعها: محمد بن علي عن محمد بن العباس عن عبد اللّه بن زاهر عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائهعليهم‌السلام ، كلّ هؤلاء حدّثونا أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كتب بهذه الرسالة الى الحسن. قال و روى بطريق واحد أحمد بن عبد الرحمن بن فضّال القاضي عن الحسن بن محمد و أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين عن جعفر بن محمد الحسني عن الحسن بن عبدك عن الحسن ابن ظريف عن الحسن بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ قال: كتبعليه‌السلام الى ابنه محمّد( ١) .

و طرق كونها الى الحسنعليه‌السلام و ان كانت أكثر فقد عرفت أن أبا أحمد العسكري رواها بأربعة طرق، و الكليني رواه بطريق آخر في طريقه الثاني، و أما طريقه الأول فمتّحد مع طريق أبي أحمد فتصير الطرق فيه خمسة، و أما كونها الى محمد بن الحنفية فطريقة واحد، فان الطرق كلّهم من العسكري و الكليني و الطوسي و النجاشي «جعفر الحسني عن ابن عبدك» الى آخر السند، إلاّ أن الأول فسّر ابن عبدك بالحسن و الثلاثة بعلي، الا أن الذي يبعد كونها الى الحسنعليه‌السلام فضلا عن مقام إمامته و عدم احتياجه الى تلك الوصية بل الى عهد الامامة أنّهعليه‌السلام كان في ذاك الوقت ابن ست و ثلاثين سنة، لأن مولده كان في سنة اثنتين أو ثلاث، و صفّين كانت في سنة (٣٧)، و في الوصية

____________________

(١) كشف المحجة: ١٥٧ ١٥٨.

أنها كانت بعد صفّين، و من فقرات الوصية «و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية»، و رواه (العقد) في كتاب (الزمردة) في المواعظ منه في عنوان «مواعظ الآباء»( ١) .

هذا، و قال ابن ميثم: روى جعفر بن بابويه أن هذه الوصية كتبهاعليه‌السلام إلى ابنه محمد بن الحنفية( ٢) .

قلت: ليس لنا جعفر بن بابويه بل أبو جعفر بن بابويه أي: محمد بن علي بن الحسين، و قد عرفت أنّه قال ذلك في (نوادر آخر فقيهه)، و لا يبعد أن يكون بعض الفقرات قالهاعليه‌السلام للحسن فخلطوهما فحصل هذا الاختلاف.

و يشهد لذلك أن في نقل (نوادر آخر الفقيه) بعد قوله: «فإنّ المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة» «فدارها على كلّ حال، و أحسن الصحبة لها فيصفو عيشك، إحتمل القضاء بالرضا، و إن أحببت أن تجمع خير الدنيا و الآخرة فاقطع طمعك ممّا في أيدي الناس، و السّلام عليك يا بنيّ و رحمة اللّه و بركاته» و قال: هذا آخر وصيته لمحمد بن الحنفية( ٣ ) ، و قد عرفت أن النهج نقل بعد ذلك القول أمورا أخر.

و كيف كان ففي روايات (الفقيه) زيادات( ٤) .

(كتبها إليه بحاضرين) قال ابن أبي الحديد: كنّا نقرأه قديما بالحاضرين على صيغة التثنية، يعني حاضر حلب و حاضر قنّسرين، و هي الأرياض و الضواحي المحيطة بهذه البلاد، ثم قرأناه بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام و لم يفسّروه، و منهم من يذكره بصيغة الجمع و منهم من يقول

____________________

(١) العقد الفريد ٣: ١٠٠ ١٠١.

(٢) شرح ابن ميثم: ٣٩٨.

(٣) الفقيه ٤: ٢٨٠.

(٤) الفقيه ٤: من السطر ١٧ من ص ٢٧٥ الى السطر ٧ من ص ٢٨٠.

بخناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها، و قد طلبت هذه الكلمة في الكتب المصنفة، سيما في البلاد فلم أجدها، و لعلّي أظفر بها( ١) .

قلت: الظاهر أن «حاضرين» محرّف «قنسرين»، يشهد له طريق أبي أحمد الأول عن بعض أهل العلم قال: لما انصرف عليعليه‌السلام من صفين الى قنسرين كتب به الى ابنه الحسن «من الوالد الفان...»، و يجوز من حيث التقارب اللفظي أن يكون «بقاصرين»، ففي (فتوح البلاذري)، بعث أبو عبيدة جيشا عليه حبيب بن مسلمة الى قاصرين و قدم مقدمته الى بالس، و كانت بالس و قاصرين لأخوين من أشراف الروم أقطعا القرى التي بالقرب منهما و جعلا حافظين لما بينهما من مدن الروم بالشام الى أن قال فلمّا كان مسلمة بن عبد الملك توجه غازيا للروم من نحو الثغور الجزرية عسكر ببالس فأتاه أهلها و أهل بولس و قاصرين و عابدين و صفّين و هي قرى منسوبة اليها...( ٢) .

ثم لا معنى لما قاله من كون «حاضرين» بصيغة التثنية بمعنى حاضر حلب و حاضر قنسرين، فالإنسان لا يكون بمحلين. و كيف كان ففي بلدان البلاذري كان حاضر قنسرين لتنوخ منذ ما تنخوا بالشام نزلوه و هم في خيم الشعر ثم ابتنوا به المنازل.

و روى أيضا عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة قنسرين الى أن قال و كان حاضر طي قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزلوا الجبلين الى أن قال و كان بقرب مدينة حلب حاضر تدعى حاضر حلب، تجمع أصنافا من العرب تنوخ و غيرهم...( ٣) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٥٢.

(٢) فتوح البلدان للبلاذري: ١٥٥.

(٣) فتوح البلاذري: ١٥٠.

و في (الصحاح): الحاضر: الحيّ العظيم، يقال: حاضر طيّ‏ء، و هو جمع كما يقال سامر للسمّار و حاجّ للحجّاج( ١) .

و أما قوله: «و منهم من يقول بخناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها» ففيه أن خناصرة ليس لها تثنية أو جمع، قال الحموي: خناصرة بليدة من أعمال حلب و جعلها جران العود خناصرات، كأنّه جعل كلّ موضع منها خناصرة فقال «نظرت و صحبتي بخناصرات»( ٢ ) . و بالجملة ليس لنا موضع يقال له حاضرين أو خناصرين بلفظ التثنية أو الجمع.

(منصرفا من صفين) هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و الصواب: (عند انصرافه من صفين) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤) .

قولهعليه‌السلام «من الوالد الفان» نقله (المحجة) عن (رسائل الكليني) «من الوالد الفاني»( ٥ ) و هو الأصل، و ما هنا للازدواج مع قوله بعد «المقر للزمان».

هذا، و من جيد ما قيل في الفناء:

دبّ فيّ الفناء علوا و سفلا

و أراني أموت عضوا فعضوا

ليس من ساعة مضت بي إلاّ

نقصتني بمرّها بي حذوا

«المقرّ للزمان» قال الشاعر:

ليس الأمان من الزمان بممكن

و من المحال وجود ما لا يمكن

معنى الزمان على الحقيقة كأسمه

فعلى م ترجو أنّه لا يزمن

و قال آخر:

____________________

(١) الصحاح ٢: ٦٣٢.

(٢) معجم البلدان ٢: ٣٩٠.

(٣) نهج البلاغة ٣: ٤٢ رقم ٣١.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩ ابن ميثم: ٣٩٨ هكذا.

(٥) كشف المحجة: ١٥٩.

كانت قناتي لا تلين لغامز

فألانها الإصباح و الإمساء

و قال البحتري:

إنّ الزمان إذا تتابع خطوه

سبق الطّلوب و أدرك المطلوبا

«المدبر العمر» في (تاريخ بغداد): سأل أبو بكر بن أبي الدنيا يوسف بن يعقوب القاضي عن قوته فقال: أجدني كما قال سيبويه:

لا ينفع الهليون و الطويفل

إنخرق الأعلى و جار الأسفل

فكيف تجدك أنت فقال:

أراني في انتقاص كلّ يوم

و لا يبقى مع النقصان شي

طوى العصران ما نشراه مني

فأخلق جدّتي نشر و طيّ( ١)

«المستسلم للدهر» في ديوان النابغة لما بلغه مرض النعمان مشيرا إلى النفس:

تكلّفني أن أفعل الدهر همها

و هل وجدت قبلي على الدهر قادرا( ٢)

و لآخر:

و ما الناس في شي‏ء من الدهر و المنى

و ما الناس إلاّ سيقات المقادر

و قيل في غلبة الدهر أبيات كثيرة منها:

الدهر يلعب بالفتى

لعب الصوالج بالكره

أو لعب ريح عاصف

عصفت بكف من ذره

الدهر قنّاص و ما

الإنسان إلاّ قنبره

و منها:

____________________

(١) تاريخ بغداد ١٤: ٣١١، بتصرف.

(٢) ديوان النابغة الذبياني: ٥٥، طبعة مصر سنة ١٩١١.

برتني صروف الدهر من كلّ جانب

كما ينبري دون اللحاء عسيب

و منها:

و من يك ذا عظم صليب يعدّه

ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره

و منها:

الدهر أبلاني و ما أبليته

و الدهر غيّرني و ما يتغيّر

و الدهر قيّدني بخط مبرم

فمشيت فيه و كلّ يوم يقصر

و منها:

حنتني حانيات الدهر حتّى

كأنّي خاتل يدنو لصيد

و ما أجاد ابن المعتز في قوله للوزير ابن الفرات:

أبا حسن ثبّتّ في الأرض وطأتي

و أدركتني في المعضلات الهزاهز

و ألبستني درعا عليّ حصينة

فناديت صرف الدهر هل من مبارز؟

فابن الفرات نفسه لم يسلم من صروف الدهر، إذ خلع عن الوزارة ثلاث مرات و نكب فيها و قتل أخيرا، فكيف آمنك يا ابن المعتز و أنت خليفة ليلة.

و في (الأغاني): لما نعي النعمان بن المنذر إلى النابغة الذبياني و حدث بما صنع به كسرى أي: من إلقائه تحت أرجل الفيلة قال: طلبه من الدهر طالب الملوك، ثم تمثّل:

من يطلب الدهر تدركه مخالبه

و الدهر بالوتر ناج غير مطلوب

ما من أناس ذوي مجد و مكرمة

إلاّ يشدّ عليهم شدة الذيب

حتى يبيد على عمد سراتهم

بالنافذات من النّبل المصابيب

إنّي وجدت سهام الموت معرضة

بكل حتف من الآجال مكتوب( ١)

و لما مات جعفر بن أبي جعفر المنصور أنشدوا للمنصور قصيدة أبي

____________________

(١) الأغاني ٢: ١٤٦.

ذؤيب الهذلي في بنيه:

أمن المنون و ريبه تتوجّع

و الدهر ليس بمعتب من يجزع

فاستنشد المنشد أن ينشده قوله «و الدهر ليس بمعتب من يجزع» مئة مرّة( ١) .

و في (الدميري): يحكى أنّ عضد الدولة خرج إلى بستان له متنزّها فقال:

ما أطيب يومنا هذا لو ساعدنا فيه الغيث، فجاء المطر في الوقت فقال:

ليس شراب الراح إلاّ في المطر

و غناء من جوار في السّحر

ناعمات سالبات للنّهى

ناغمات في تضاعيف الوتر

عضد الدولة و ابن ركنها

ملك الأملاك غلاّب القدر

فلم يفلح بعد هذه الأبيان و عوجل بقوله: «غلاّب القدر»( ٢) .

«الذام للدنيا» في (المعجم): دخل خيار النهدي على معاوية فقال له: ما صنع بك الدهر؟ فقال: صدع قناتي و شيّب سوادي و أفنى لذاتي و جرأ عليّ أعدائي و لقد بقيت زمانا آنس بالأصحاب و أسبل الثياب و آلف الأحباب، فباعدوا عني و دنا الموت مني( ٣) .

و في (بيان الجاحظ): دخل الهيثم بن الأسود العريان و كان خطيبا شاعرا على عبد الملك، فقال له: كيف تجدك؟ قال: أجدني قد ابيضّ مني ما كنت أحبّ أن يسوّد، و أسودّ منّي ما كنت أحبّ أن يبيضّ، و أشتدّ منّي ما كنت أحب أن يلين، و لان منّي ما كنت أحبّ أن يشتدّ، ثم أنشد:

اسمع انبّئك بآيات الكبر

نوم العشاء و سعال بالسحر

____________________

(١) الأغاني ٦: ٢٧١ ٢٧٢، بتصرّف.

(٢) حياة الحيوان للدميري ١: ١٣٣.

(٣) معجم الادباء ١١: ٩٠.

و قلّة النوم إذا الليل اعتكر

و قلّة الطعم إذا الزاد حضر

و سرعة الطرف و تحميج النظر

و حذرا أزداده إلى حذر

و تركي الحسناء في قبل الطهر

و الناس يبلون كما يبلى الشّجر( ١)

قلت: أشار في قوله: «إبيضّ و أسودّ و اشتدّ» إلى شعره و سنّه و جلده و عظمه.

و قال آخر:

تنكّر لي مذ شبت دهري فأصبحت

معارفه عندي من النكرات

و قال آخر أيضا:

ألقى عليّ الدهر رجلا و يدا

و الدهر ما أصلح يوما فسدا

يصلحه اليوم و يفسده غدا

و في (الأغاني) عن مطرف بن عبد اللّه الهذلي عن أبيه عن جده قال: بينا أنا أطوف بالبيت و معي أبي إذ أنا بعجوز كبيرة يضرب أحد لحييها الآخر، فقال لي أبي: أ تعرف هذه؟ قلت: لا. قال: هذه التي يقول فيها الأحوص:

يا سلم ليت لسانا تنطقين به

قبل الذي نالني من حبّكم قطعا

يلومني فيك أقوام أجالسهم

فما أبالي أطار اللّوم أم وقعا

أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني

حتى إذا قلت هذا صادق نزعا

فقلت له: يا أبه ما أرى أنّه كان في هذه خير قط، فضحك ثم قال: يا بنيّ هكذا يصنع الدهر بأهله( ٢) .

«السّاكن مساكن الموتى» قال الأعشى:

أزال أذينة عن ملكه

و أخرج من حصنه ذا يزن

____________________

(١) البيان و التبيين ٢: ٧٠.

(٢) الأغاني ٤: ٣٠٠ دار احياء التراث العربي.

و خان النعيم أبا مالك

و أيّ امرى‏ء لم يخنه الزمن

أزال الملوك فأفناهم

و أخرج من بيته ذا حزن( ١)

و قال في سيل العرم:

رخام بنته لهم حمير

إذا جاءه ماؤهم لم يرم

فأروى الزروع و أعنابها

على سعة ماؤهم إذ قسم

فعاشوا بذلك في غبطة

فجار بهم جارف منهزم

فطار القيول و قيلاتها

بيهماء فيها سراب يطم

فطاروا سراعا و ما يقدرو

ن منه لشرب صبّي فطم( ٢)

و قال أبو العتاهية:

أنساك محياك المماتا

فطلبت في الدنيا الثباتا

أوثقت بالدنيا و أن

ت ترى جماعتها شتاتا

و عزمت منك على الحيا

ة و طولها عزما بتاتا

يا من رأى أبويه في

من قد رأى كانا فماتا

هل فيهما لك عبرة

أم خلت أنّ لك انفلاتا( ٣)

«و الظاعن» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (الظاعن) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥ ) ، و الظاعن أي: المرتحل (عنها غدا) و قال الشاعر:

____________________

(١) ديوان الأعشى: ٣٠٦.

(٢) ديوان الأعشى: ٢٠١. و القيول: الواحد قيل لقب ملوك حمير، و يطم: يعلو.

(٣) الأغاني ٤: ٥٢.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٢ رقم ٣١.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩، شرح ابن ميثم ٣٩٨ هكذا (الطبع الحجري).

كلّ تصبّحه المنية

أو تبيّته بياتا( ١)

هذا، و ما أبعد البون بين هذا الرجل الذي هو سلطان الدين يصف نفسه بهذه الأوصاف و بين سلاطين الدنيا و عجبهم و اغترارهم حتى ينسلخوا من الإنسانية و يدّعوا الربوبية، فكتب قابوس بن وشمكير إلى أصبهد له هجره كما في ديوان معاني العسكري و كيف تهجر من تضاءلت الأرض تحت قدمه فصارت له في الانقياد كبعض خدمه، إذا رأت منه هشاشة أعشبت، و إن أحسّت منه بجفوة أجدبت، و كيف تستغني عمّن خيله العزمات و الأوهام و أنصاره الليالي و الأيام، من هرب منه أدركه مكائدها و من طلبه وجده في مراصدها، و كيف يعرض عمّن تعرض رفاهية العيش بإعراضه، و تنقبض الأرزاق بانقباضه، و أضاء نجم الإقبال إذا أقبل، و أهلّ هلال المجد إذا تهلّل، و كيف يزهى على من تحقر في عينه الدنيا و ترى تحته السماء العلياء، و قد ركب عنق الفلك و استوى على ذات الحبك، فتبرجت له البروج و تكوكبت لعبادته الكواكب و استجارت بعزته المجرّة و آثرت لمحاسنه أوضاح الثريا، بل كيف يهون من لو شاء عقد الهواء و جسم الهباء و فصل تراكيب الأشياء و ألّف بين النار و الماء، و أخمد ضياء الشمس و القمر و كفاهما عناء السير و السفر، و سد مناخر الزعازع و أطبق أجفان البروق اللوامع، و قطع ألسنة الرعود بسيفه من الوعيد و نظم صوب الغمام نظم الفريد، و رفع عن الأرض سطوة الزلازل و قضى ما يراه على القضاء النازل، و عرض الشيطان بمعرض الإنسان و كحل العيون بصور الغيلان، و أنبت العشب على البحار و ألبس الليل ضوء النهار إلى أن قال فإنّي لو علمت أن الأرض لا تسف تراب قدمي لما وضعت عليها جانبا و ان السماء لا تتوق إلى تقبيل

____________________

(١) الأغاني ٤: ٥٢، و البيت لأبي العتاهية.

هامتي لما رفعت اليها طرفا...( ١) .

«إلى المولود» أي: الولد «المؤمل ما لا يدرك» فمحال أن يدرك أحد جميع آماله، و من أدرك شيئا منها فإنّما يدرك قليلا من كثير.

تمنّيت أن تحيى حياة هنيئة

و أن لا ترى كرّ الزمان بلا بلا

رويدك هذي الدار سجن و قلّما

يمرّ على المسجون يوما بلابلا

و أيضا:

و أرجو من الأيام بالوصل عودة

و تلك أماني النفوس الكواذب

«السالك سبيل من قد هلك» قال لقمان لابنه: إنّ الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبق ما جمعوه، و لم يبق من جمعوا له، و إنّما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل و وعدت عليه أجرا، فأوف عملك و استوف أجرك، و لا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر، فأكلت حتى سمنت، فكان حتفها عند سمنها، و لكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها و تركتها، و لم ترجع اليها آخر الدهر...( ٢) .

«غرض الأسقام» أي: تجعله الأسقام هدفا لها.

في (المروج): كان الجاحظ في علّته التي مات فيها يطلي نصفه الأيمن بالصندل و الكافور لشدّة حرارته، و النصف الآخر لو قرض بالمقاريض ما شعر به من خدره و برده( ٣) .

«و رهينة الأيام» قال حميد بن ثور النميري:

و لا يلبث العصران يوما و ليلة

إذا طلبا أن يدركا ما تمنّيا

____________________

(١) انظر ديوان المعاني لأبي هلال العسكري: ٨٦ ٨٧.

(٢) الكافي ٢: ١٣٤ ح ٢.

(٣) مروج الذهب ٤: ١٠٩.

إذا ما تقاضى المرء يوما و ليلة

تقاضاه شي‏ء لا يملّ التقاضيا

و قال الأعشى:

لعمرك ما طول هذا الزمن

على المرء إلاّ عناء معن

يظلّ رجيما لريب المنون

و للسقم في أهله و الحزن

و هالك أهل يجنّونه

كآخر في قفرة لم يجن

و ما إن أرى الدهر في صرفه

يغادر من شارخ أو يفن( ١)

«و رمية المصائب» كصيد رماه الصائد، قال عمرو بن قميئة من طبقة حجر أبي أمرى‏ء القيس:

رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى

فكيف بمن يرمي و ليس برام

فلو أنّني أرمى بنبل رأيتها

و لكنني أرمى بغير سهام( ٢)

«و عبد الدنيا و تاجر الغرور» و ما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور( ٣ ) «و غريم» أي: مديون «المنايا» أي: الحوادث المقدرة، قال:

سأعمل نص العيس حتى يكفنى

غنى المال يوما أو منى الحدثان

«و أسير الموت» أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيّدة( ٤ ) قل إنّ الموت الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم( ٥) .

«و حليف الهموم و قرين الأحزان» فإن الإنسان في كلّ وقت له مقاصد

____________________

(١) ديوان الأعشى: ٢٠٥.

(٢) الأغاني ١٨: ١٤٢، و فيه:

فما بال من يرمى و ليس برام

فلو أنّ ما أرمى بنبل رميتها

و لكنما أرمى بغير سهام

(٣) آل عمران: ١٨٥، و الحديد: ٢٠.

(٤) النساء: ٧٨.

(٥) الجمعة: ٨.

لا تتيسر له فهو دائما رهين همّ و قرين حزن.

و إذا عددت سني ثم نقصتها

زمن الهموم فتلك ساعة مولدي

«و نصب الآفات» أي: جعل منصوبا في مقابلها «و صريع الشهوات» أي:

مهلكها الطريح على الأرض.

و قد عدّد اللّه تعالى شهوات الدنيا في قوله عزّ و جل زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسوّمة و الأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدنيا و اللّه عنده حسن المآب( ١) ، و لا سيما حبّ النساء، و قد هلك جمع فيهن، و قد ألّف فيه بعضهم كتابا سمّاه «مصارع العشّاق» جمع فيه من مات منهم بحبّهن( ٢) .

هذا، و من الشعراء موسى شهوات، قال ابن قتيبة في (شعرائه): لقّب «شهوات» لأن عبد اللّه بن جعفر كان يتشهى عليه الشهوات فيشتريها له و يتربّح عليه( ٣) .

و في (زهر آداب الحصري): لقّب مسلم بن الوليد الأنصاري صريع الغواني و الصريع لقوله:

صريع غوان راقهنّ و رقنه

لدن شبّ حتّى أبيضّ سود الذوائب

هل العيش إلاّ أن تروح مع الصبا

صريع حميّا الكأس و الحدق النجل

و في (وزراء الجهشياري): خلف المنصور في بيوت الأموال تسعمئة ألف ألف درهم و ستين ألف ألف درهم، و كان أبو عبيدة وزير المهدي أوّلا يشير عليه بالاقتصاد و حفظ الأموال، و لما صار يعقوب بن داود وزيره زيّن

____________________

(١) آل عمران: ١٤.

(٢) انظر مصارع العشاق تأليف الشيخ أبي محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السّراج القاري (رحمة اللّه).

(٣) الشعر و الشعراء لابن قتيبة: ٣٦٦، طبعة دار صادر بيروت.

له هواه فأنفق المال و أكبّ على اللذّات و الشرب و سماع الغناء، ففي ذلك يقول بشار:

بني أمية هبوا طال نومكم

إنّ الخليفة يعقوب بن داود

ضاعت خلافتكم يا قوم فاطّلبوا

خليفة اللّه بين الزّقّ و العود( ١)

«و خليفة الأموات» قيل إنّ صوفيّا أراد دخول قصر إبراهيم بن أدهم أيام ملكه فمنعه الحاجب فقال: لم تمنعني و هذا خان. قال: تسمّي قصر الملوك خانا. قال: من كان قبل الملك فيه؟ قال: أبوه. قال: و قبله. قال: جدّه. فقال: و هل الخان إلاّ من يرحل منه إنسان و ينزله آخر، فسمع ذلك إبراهيم من فوق قصره فترك ملكه.

هذا، و في (المروج) قال المنصور يوما للربيع: ما أطيب الدنيا لو لا الموت. فقال له الربيع: و ما طابت إلاّ بالموت. قال: و كيف ذلك؟ قال: لو لا الموت لم تقعد هاهنا. قال: صدقت( ٢) .

سل الدور تخبر و أفصح بها

بأن لا بقاء لأربابها

هذا، و قال ابن أبي الحديد: عدّعليه‌السلام من صفات نفسه سبعا و من صفات ولده أربع عشرة، فجعل بازاء كلّ واحدة ممّا له، إثنتين ممّا لولده. و من جيّد ما وصف شاعر نقص الدهر من قواه قول عوف بن محلّم الشيباني في عبد اللّه بن طاهر أمير خراسان:

يا ابن الّذي دان له المشرقان

و ألبس الأمن به المغربان

إنّ الثمانين و بلّغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

و من الشعر القديم الجيّد في هذا المعنى قول سالم بن عونة الضبّي:

____________________

(١) الوزراء و الكتّاب: ١١٨.

(٢) مروج الذهب ٣: ٣٠٢.

لا يبعدنّ عصر الشباب و لا

لذّاته و نباته النضر

إلى أن قال:

أو لم تري لقمان أهلكه

ما اقتات من سنة و من شهر

جعل الزمان كالقوت له، و من اقتات الشي‏ء أكله، و الأكل سبب المرض و المرض سبب الهلاك( ١) .

قلت: أما قوله «جعل بإزاء كلّ واحدة مما له اثنتين مما لولده» فليس بجيّد، لأنّه لم يجعل وصفا أزاء وصف و مقابلا له، بل الكلّ من واد واحد للتنبيه على نقص الدنيا حتى لا يغترّ بها، و إنّما ضاعفعليه‌السلام أوصاف ولده لأن الشابّ آماله أكثر.

كما أن ما نقله من أبيات الشاعرين ليست في معنى كلامهعليه‌السلام ، فإنّ الشاعرين في مقام مدح الشباب و ذم الشيب، و هوعليه‌السلام بصدد ذمّ أصل الدنيا شبابها و شيبها و أصلها و فرعها.

كما ان ما فسّر به المصراع الأخير بادر، و إنّما المراد أنّ لقمان أكل سنته و شهره و كانا قوته و مادة حياته، فبقي بعد أكله لهما بلا قوت فهلك.

«أمّا بعد فإنّ فيما تبيّنت من أدبار الدنيا عنّي و جموح» من جمح الفرس براكبه: إذا صار بحيث لا يملكه.

«الدهر عليّ و إقبال الآخرة إليّ ما» من الغريب أن محشّي (المصرية) كتب «ما» خبر( ٢ ) «إن» مع أنّه واضح كونها أسمها، كما أنّ قوله و روي فإنّني فيما تبيّنت، و عليه فما مفعول «تبيّنت» أيضا بلا معنى «يرغبني» هكذا في

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٥٤ ٥٦.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٤٣، الهامش رقم ٣.

(المصرية)( ١ ) و الصواب: (يزعني) أي: يمنعني كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«عن ذكر من سواي و الاهتمام بما ورائي».

في (وزراء الجهشياري): لما مات عمر بن داود أخو يعقوب بن داود وزير المهدي بحبّتي عنب اعترضتا في حلقه، صار إليهم سفيان بن عيينة معزّيا، فأنشدهم بيت عمران بن حطان:

و كيف أعزّيك و الأحداث مقبلة

فيها لكل امرى‏ء من نفسه شغل( ٣)

و في (البيان) غمّضت أعرابية ميّتا ثم قالت: ما أحق من ألبس العافية و أطيلت له النظرة، ألاّ يعجز عن النظر لنفسه قبل الحلول بساحته، و الحيالة بينه و بين نفسه( ٤) .

و رأى إياس بن قتادة شعرة بيضاء في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني و أراني لا أفوته، أعوذ بك يا ربّ من فجئات الامور، يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي. و لزم بيته.

هذا، و واضح أن المراد بقولهعليه‌السلام «و الاهتمام بما ورائي» من أمور الدنيا و أهلها، و أغرب محشّي المصرية الأولى فقال: أي: عن الاهتمام بما ورائي من أمر الآخرة( ٥) .

«غير أنّي حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي» عليكم أنفسكم لا

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ٤٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٥٧ شرح ابن ميثم (الطبعة الحجرية): ٣٩٩ هكذا.

(٣) الوزراء و الكتّاب: ١١٦.

(٤) البيان و التبيين للجاحظ ٣: ٤٠٦، بتصرف.

(٥) نهج البلاغة ٣: ٤٣.

يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم( ١) .

«فصدّقني رأيي» و من أمثالهم «صدقني سن بكرة»، و أصله أنّ رجلا ساوم رجلا في بكر فقال: ما سنّه؟ فقال: صاحبه: بازل، ثم نفر البكر فقال له صاحبه «هدع هدع»، و هذه لفظة تسكن بها صغار الإبل، فلّما سمعه المشتري قال: صدقني سن بكرة.

و من أمثال الميداني قال أبو عبيدة: يروى عن عليعليه‌السلام أنّه أتي فقيل له:

إنّ بني فلان و بني فلان اقتتلوا، فغلب بنو فلان، فأنكر ذلك. ثم أتاه آت فقال: بل غلب بنو فلان للقبيلة الاخرى فقالعليه‌السلام : صدقني سن بكرة.

قال أبو عمرو: دخل الأحنف على معاوية بعد عليعليه‌السلام فقال له معاوية:

أما إنّي لم أنس اعتزالك يوم الجمل ببني سعد و نزولك بهم سفوان و قريش تذبح بناحية البصرة ذبح الحيران، و لم أنس طلبك إلى ابن أبي طالب أن يدخلك في الحكومة لتزيل عنّي أمرا جعله اللّه لي، و لم أنس تحضيضك بني تميم يوم صفّين على نصرة عليّ، فلما خرج من عنده قيل للأحنف: ما قال لك معاوية؟

قال: صدقني سن بكرة أي: خبّرني بما انطوت عليه ضلوعه( ٢) .

«و صرفني عن هواي» و لا تتبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه( ٣ ) و قالوا «من هوي هوى»( ٤) .

«و صرح لي» من «لبن صريح» ذهبت رغوته.

____________________

(١) المائدة: ١٠٥.

(٢) الميداني ١: ٣٩٢.

(٣) ص: ٢٦.

(٤) الروايات بهذا المعنى كثيرة كقول أمير المؤمنينعليه‌السلام من أطاع هواه هلك (غرر الحكم) و لكن لم أجد رواية بهذا اللفظ في البحار و لا في الغرر و لا في وسائل الشيعة و لا في النهج و لا في ميزان الحكمة.

«محض أمري» و من أمثالهم «صرّح الحق عن محضه»( ١ ) ، «صرّح المخض عن الزبد»( ٢ ) ، «صرحت بجلذان»( ٣ ) قيل جلذان موضع بالطائف مستو لا خمر فيه يتوارى به.

«فأفضى» أي: جر.

«بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب، و صدق لا يشوبه كذب، و وجدتك» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (وجدتك) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥ ) ، و لأنّه جواب «حيث» فلا وجه للواو.

«بعضي بل وجدتك كلّي» فقالوا «أولادنا أكبادنا»( ٦) .

و في الخبر قيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما بالنا نجد بأولادنا ما لا يجدون بنا؟ قال:

لأنهم منكم و لستم منهم( ٧) .

و في (نسب قريش مصعب الزبيري): لما حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسينعليه‌السلام رأت أم الفضل امرأة العباس كأنّ عضوا من أعضاء النبيّ في بيتها، فأخبرت النبيّ بذلك فقال لها: تلد فاطمة غلاما فترضعينه

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ١: ٣٩٨، الزمخشري ٢: ١٤٠.

(٢) مجمع الأمثال للميداني ١: ٤٠٥.

(٣) مجمع الأمثال للميداني ١: ٤٠٥، الزمخشري ٣: ١٤٠.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٣.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٥٧، و شرح ابن ميثم: ٣٩٩ السطر العشرون هكذا.

(٦) هذه العبارة جزء ممّا روى عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه قال: أولادنا، أكبادنا، صغراؤهم امراؤنا، كبراؤهم أعداؤنا، فان عاشوا فتنونا و ان ماتوا أحزنونا.

راجع بحار الأنوار (طبع المكتبة الإسلامية «ايران») ١٠٤: ٩٧ ح ٥٨ نقله المجلسي (ره) عن جامع الأخبار: ١٠٥.

(٧) انظر بحار الأنوار ١٠٤: ٩٣، نقله المجلسي رحمة اللّه عن مكارم الأخلاق ١: ٢٥٣ هكذا: «سأل رجل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: ما لنا...».

بلبان ابنك قثم( ١) .

و في (تاريخ بغداد): حضر مجلس ابن السراج يوما بنيّ له صغير، فأظهر من المحبّة له ما يكثر، فقال له بعض الحاضرين: أ تحبّه؟ فقال متمثلا:

أحبّه حبّ الشحيح ماله

قد كان ذاق الفقر ثم ناله( ٢)

«حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني» ممّا قيل في الاتحاد قول جرير:

و كأني بالأباطح من صديق

يراني لو أصبت هو المصابا

و قال آخر:

مزجت روحك في روحي كما

يمزج الخمرة بالماء الزلال

فإذا مسّك شي‏ء مسّني

فإذا أنت أنا في كلّ حال

و قال آخر:

جعلت روحك في روحي كما

يجعل العنبر في المسك الفتق

فإذا مسّك شي‏ء مسّني

فإذا أنت أنا لا نفترق

«و كأن الموت لو أتاك أتاني» دفن اعرابي ابنه ثم قال:

دفنت بنفسي بعض نفسي فأصبحت

و للنفس منها دافن و دفين

«فعناني» أي: أهمّني.

«من أمرك ما يعنيني من نفسي، فكتبت إليك كتابي» هكذا في (المصرية)( ٣ ) أخذا «كتابي» من (ابن أبي الحديد) و كان عليه أن يأخذ منه بعده «هذا» أيضا.

____________________

(١) انظر نسب قريش: ٢٤، و لعلّ نقل المصنّف بتصرف كبير أخلّ بالمعنى، فان ام الفضل امرأة العباس رأت فيما يرى النائم كأنّ عضوا...

(٢) تاريخ بغداد ٥: ٣٢٠ بتصرف.

(٣) نهج البلاغة ٣: ٤٣.

و الكلمتان في (ابن ميثم و الخطية) أيضا( ١) .

«مستظهرا به ان أنا بقيت لك أو فنيت» فيكون الكتاب خلفا منه لو فني، و المعين لو بقي. قال الشاعر:

أبنيّ إنّ أباك كارب يومه

فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل

«فاني أوصيك بتقوى اللّه» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و فيها سقط فبعدها «أي بني» قال تعالى فاتقوا اللّه ما استطعتم( ٣) .

«و لزوم أمره» قال تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم( ٤) .

«و عمارة قلبك بذكره» ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب( ٥) .

«و الاعتصام بحبله» و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا( ٦) .

«و أيّ سبب» أي: حبل.

«أوثق» أي: أحكم.

«من سبب بينك و بين اللّه إن أنت أخذت به» فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و اللّه سميع عليم( ٧) .

«أحي قلبك بالموعظة» إستجيبوا للّه و للرسول إذا دعاكم لما

____________________

(١) في شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٥٧ (فكتبت اليك كتابي) و في ابن ميثم، الطبعة الحجرية ٣٩٩ (فكتبت اليك كتابي هذا).

(٢) نهج البلاغة ٣: ٤٣.

(٣) التغابن: ١٦.

(٤) النور: ٦٣.

(٥) الرعد: ٢٨.

(٦) آل عمران: ١٠٣.

(٧) البقرة: ٢٥٦.

يحييكم( ١ ) و ما أنت بمسمع من في القبور( ٢) .

«و أمته بالزهادة» لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم( ٣) .

و لا يخفى لطف قولهعليه‌السلام «أحي قلبك و أمته»، و المراد إحياؤه بالنسبة إلى الآخرة و إماتته بالنسبة إلى الدنيا، و أكثر الناس بالعكس. و زاد في رواية الكليني «و أسكنه بالخشية و أشعره بالصبر»( ٤) .

«و قّوّه باليقين» كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم( ٥) .

«و نوّره بالحكمة» و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا( ٦) .

«و ذللّه بذكر الموت» قل إنّ الموت الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم ثم تردّون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون( ٧) .

«و قرّه بالفناء» إنما هذه الحياة متاع و ان الآخرة هي دار القرار( ٨) .

«و بصّره فجائع الدنيا و حذّره صولة الدهر و فحش تقلّب الليالي و الأيام» في (الأغاني): كانت خرقاء بنت النعمان إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقا بالحرير و الديباج مغشّى بالخزّ و الوشي ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها و ترجع إلى منزلها، فلما هلك النعمان نكبها الزمان فأنزلها من الرفعة إلى الذلّة، فلما وفد سعد القادسية أميرا عليها و انهزم الفرس و قتل رستم، أتته في حفدة من قومها و جواريها عليهن المسوح و المقطعات السود تطلب

____________________

(١) الانفال: ٢٤.

(٢) فاطر: ٢٢.

(٣) الحديد: ٢٣.

(٤) كشف المحجة: ١٦٠.

(٥) التكاثر: ٥، ٦.

(٦) البقرة: ٢٦٩.

(٧) الجمعة: ٨.

(٨) غافر: ٣٩.

صلته، فقال لهن: أيتكن خرقاء؟ قالت: ها أنا ذه إنّ الدنيا دار زوال و لا تدوم على حال، كنّا ملوك هذا المصر يجبى لنا خراجه و يطيعنا أهله مدى المدة و زمان الدولة، فلما أدبر الأمر صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا و شتّت شملنا، و كذلك الدهر ليس يأتي قوما بمسرّة إلاّ و يعقبهم بحسرة، ثم قالت:

فبينا نسوس الناس و الأمر أمرنا

اذا نحن فيهم سوقة ليس تعرف

فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها

تقلب تارات بنا و تصرّف

و قال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: دخلت على أمي يوم أضحى و عندها امرأة في أثواب دنسة، فقالت: أ تعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هي عنابة أم جعفر البرمكي، فسلّمت عليها و قلت لها: حدّثيني ببعض أمركم. فقالت: أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر، لقد هجم عليّ مثل هذا اليوم و على رأسي أربعمئة وصيفة و أنا أزعم أن ابني جعفر عاق لي، و قد أتيتكم اليوم أسألكم جلدي شاتين بشعار و دثار.

و كان الفضل بن مروان وزير المعتصم جالسا يوما لاشغال الناس، فرفعت إليه قصص العامة، فرأى فيها رقعة مكتوبا فيها هذه الأبيات:

تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر

فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل

ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم

أبادتهم الأقياد و الحبس و القتل

و إنّك قد أصبحت في الناس ظالما

ستودي كما أودى الثلاثة من قبل

أراد الفضل بن يحيى و الفضل بن الربيع و الفضل بن سهل، ثم نكبه المعتصم فقالوا:

ليبك على الفضل بن مروان نفسه

فليس له باك من الناس يعرف

لقد صحب الدنيا منوعا لخيرها

و فارقها و هو الظلوم المعنف

إلى النار فليذهب و من كان مثله

على أيّ شي‏ء فاتنا منه نأسف

و لأبي الفتح المعرّي:

الدهر خداعة خلوب فلا

تغرنك الليالي فبرقها خلب كذوب

و أكثر الناس فاعتزلهم

قوالب ما لهم قلوب

«و أعرض عليه أخبار الماضين و ذكّره بما أصاب قبلك من الأولين» في (الأغاني) عن عدي بن زيد:

لم أر مثل الفتيان في غبن الأ

يّام ينسون ما عواقبها

ينسون إخوانهم و مصرعهم

و كيف تعتاقهم مخالبها

ما ذا ترجي النفوس من طلب الخير

و حبّ الحياة كاربها

تظنّ ان لن يصيبها عنت الدّهر

و ريب المنون صائبها( ١)

«و سر في ديارهم و آثارهم» قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين( ٢ ) ، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين( ٣) .

«فانظر فيما فعلوا» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (ما فعلوا) بدون «في» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«و عمّا انتقلوا و أين حلّوا و نزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا» هكذا في (المصرية)( ٦ ) و الصواب: (انتقلوا) بدون قد كما في (ابن أبي الحديد

____________________

(١) الأغاني ٢: ١٤٧ طبعة دار الكتب.

(٢) الانعام: ١١.

(٣) النمل: ٦٩.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٤.

(٥) في شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٢ و الطبعة المصرية، و ابن ميثم الطبعة الحجرية ٤٠٠ السطر السادس (فانظر ما فعلوا).

(٦) نهج البلاغة ٣: ٤٤ السطر الثامن.

و ابن ميثم و الخطية)( ١) .

«عن الأحبة و حلوا ديار الغربة» و زاد ابن شعبة في روايته «و ناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك ثم قف على قبورهم، فقل: أيّتها الأجساد البالية، و الأعضاء المتفرّقة، كيف وجدتم الدار التي أنتم بها»( ٢) .

في (كامل المبرد): نزل النعمان بن المنذر في ظلّ شجرة مونقة ليلهو و معه عدي بن زيد، فقال له: أبيت اللعن أ تدري أيّها الملك ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا. قال تقول:

من رآنا فليحدّث نفسه

أنّه موف على قرن زوال

و صروف الدهر لا تبقى لها

و لما تأتى به صمّ الجبال

ربّ ركب قد أناخوا حولنا

يمزجون الخمر بالماء الزلال

و الأباريق عليها فدم

و جياد الخيل تردى في الجلال

عمّروا الدهر بعيش حسن

قطّعوا دهرهم غير عجال

ثم أضحوا عصف الدهر بهم

و كذاك الدهر حالا بعد حال( ٣)

و في (الجهشياري): خرج عمر بن داود أخو يعقوب بن داود وزير المهدي متنزها و معه جماعة من أهله و أقاربه و معه سفرة و فواكه، فقدمت إليه سلّة فيها عنب، فأخذ منها حبتين فألقاهما في فيه فاعترضتا في حلقه، فلم ينزلا و لم يصعدا حتى مات، فقال ابن أخيه داود بن علي:

غدا صحيحا مع الأحياء مغتبطا

و الآن ميتا بقربي أهله عمر

فاحتلّ قبرا لدى قبر أبوه به

يعلوهما نضد الأحجار و المدر( ٤)

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٢، السطر السادس (قد انتقلوا).

(٢) تحف العقول: ٦٩.

(٣) الكامل للمبرد ١: ٣٩٩ ٤٠٠ بتصرف.

(٤) الوزراء و الكتّاب: ١١٦.

و في (الأغاني): عن رجل من أهل صنعاء قال: حفروا حفيرا في زمن مروان فوقفوا على أزج له باب، فإذا هم على سرير كأعظم ما يكون من الرجال عليه خاتم من ذهب و عصابة من ذهب و عند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه «أنا علس ذو جدن القيل كان لخليلي مني النيل و لعدوّي مني الويل، طلبت فأدركت و أنا ابن مئة سنة من عمري، و كانت الوحش تأذن لصوتي، و هذا سيفي ذو الكف عندي، و درعي ذوات الفروج، و رمحي الهزبري، و قوسي الفحواء، و قرني ذات الشرّ فيها ثلاثمئة حشر من صنفه ذي نمر، أعددت كلّ ذلك لدفع الموت عني فخانني» قال: فنظرنا فجميع ذلك عنده.

«و كأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم» روى (الأغاني) عن ابن بسخنّر قال:

كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كلّ جمعة إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده و ان لم ينشط انصرفت، و كان رسمنا ألاّ يحضر أحد منّا إلاّ في يوم نوبته، فإنّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذ رسل الواثق قد هجموا عليّ و قالوا لي إحضر، فقلت: الخير. قالوا: خير. فقلت: إنّ هذا يوم لم يحضرني فيه الخليفة قط و لعلّكم غلطتم. فقالوا: لا تطوّل و بادر. فقد أمرنا أن لا ندعك تستقر على الأرض، فداخلني فزع شديد و خفت أن يكون ساع سعى بي، فتقدّمت بما أردت و ركبت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت و أخذ بيدي الخدم فأدخلوني و عدلوا بي إلى مبرمات لا أعرفها، فزاد ذلك في غمّي و جزعي، ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه و حيطانه ملبسة بمثل ذلك، و اذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر و عليه ثياب منسوجة بالذهب و إلى جانبه فريدة جارية عليها من ثيابه و في حجرها عود، فلما رآني

قال: جوّدت و اللّه يا محمّد الينا، فقبّلت الأرض ثم قلت: خيرا. قال: خيرا ما ترى، و إني طلبت ثالثا يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئا و بادر الينا. قلت: يا سيدي أكلت و شربت. قال: فاجلس، فجلست فقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك و اندفعت فريدة تغني:

أهابك إجلالا و ما بك قدرة

عليّ و لكن مل‏ء عين حبيبها

و ما هجرتك النفس يا ليل إنّها

قلتك و لا ان قلّ منك نصيبها

فجاءت و اللّه بالسحر و جعل الواثق يجاذبها، و في خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت و أغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد، فإنّا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض و تفتّت عودها و مرّت تعدو و تصيح و بقيت أنا كالمنزوع الروح، و لم أشك في أن عينه وقعت إليّ و قد نظرت إليها و نظرت إليّ، فأطرق ساعة إلى الأرض متحيّرا و أطرقت أتوقّع ضرب العنق، فإنّي لكذلك إذ قال لي يا محمد فوثبت، فقال: ويحك أ رأيت أغرب ممّا تهيأ علينا. فقلت: يا سيدي الساعة و اللّه تخرج روحي، فعلى من أصابنا بالعين لعنة اللّه. فما كان السبب؟ ألذنب؟ قال: لا و اللّه و لكن فكّرت أن جعفرا يقعد هذا المقعد و يقعد معها كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر، و خامرني ما أخرجني إلى ما رأيت.

فسرّي عنّي و قلت: بل يقتل اللّه جعفرا، و يحيي الخليفة أبدا، و قبّلت الأرض و قلت: يا سيدي اللّه اللّه إرحمها و مر بردّها. فقال لبعض الخدم الوقوف: من يجي‏ء بها، فلم يكن بأسرع من أن خرجت و في يدها عود و عليها غير الثياب التي كانت عليها، فلما رآها جذبها و عانقها، فبكت و جعل هو يبكي و اندفعت أنا أبكي، فقالت: ما ذنبي يا مولاي و يا سيدي؟ و بأيّ شي‏ء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي و هو يبكي و هي تبكي، فقالت له: سألتك باللّه إلاّ ضربت عنقي

الساعة و أرحتني من الفكر في هذا و أرحت قلبك من الهمّ لي، و جعلت تبكي و يبكي ثم مسحا أعينهما و رجعت إلى مكانها، و أومى إلى الخدم الوقوف بشي‏ء لا أعرفه، فمضوا و أحضروا أكياسا فيها عين و ورق، و رزما فيها ثياب كثيرة، و جاء خادم بدرج ففتحه و أخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهر كان فيه فألبسها إياه، و أحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي و خمسة تخوت فيها ثياب. و عدنا إلى أمرنا و إلى أحسن ممّا كنّا، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرّقنا و ضرب الدهر ضربته و تقلّد المتوكل، فو اللّه إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم عليّ رسله فما أمهلوني حتى ركبت و صرت إلى الدار، فأدخلت و اللّه الحجرة بعينها و اذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه و إلى جانبه فريدة، فلما رآني قال: ويحك أما ترى ما أنا فيه من هذه، أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنيني فتأبى ذلك فقلت لها: يا سبحان اللّه أ تخالفين سيدك و سيدنا و سيد البشر بحياته غنّي، فعزفت و اللّه ثم اندفعت تغني:

مقيم بالمجازة من قنونا

و اهلك بالاجيفر فالثماد

فلا تبعد فكل فتى سيأتي

عليه الموت يطرق أو يغادي

ثم ضربت بالعود الأرض ثم رمت بنفسها عن السرير و مرت تعدو و هي تصيح: وا سيداه، فقال لي: ويحك ما هذا؟ فقلت: لا أدري و اللّه يا سيدي.

فقال: فما ترى. فقلت: أرى أن أنصرف أنا و تحضر هذه و معها غيرها فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد الخليفة. قال: فانصرف في حفظ اللّه. فانصرفت و لم أدر ما كانت القصة( ١) .

«فأصلح مثواك» أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في

____________________

(١) الأغاني ٤: ١١٥ ١١٨.

جنب اللّه( ١) .

«و لا تبع آخرتك بدنياك» فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين( ٢) .

«و دع القول فيما لا تعرف» و لا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا( ٣ ) ، إن يتّبعون إلاّ الظنّ و ما تهوى الأنفس( ٤) .

«و الخطاب فيما لا تكلف» و ما أنا من المتكلفين( ٥) .

و قال الصادقعليه‌السلام : حض اللّه تعالى عباده بآيتين من كتاب اللّه ان لا يقولوا حتى يعلموا و لا يردوا ما لم يعلموا، قال تعالى أ لم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللّه إلاّ الحق( ٦ ) ، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه( ٧) .

«و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الكف عن حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال» كما أن طعاما أو شرابا يحتمل كونه ممزوجا بالسم يجب اجتنابه لئلا يوجب هلاكه.

«و أمر بالمعروف تكن من أهله» فإن من يكون عمله فقط معروفا و لم يكن له قول في ذلك يأمر غيره به لا يعدّ من أهل المعروف.

«و أنكر المنكر بيدك و لسانك» و ذلك أكمل الإنكار لا أن يقتصر على اللسان و لتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن

____________________

(١) الزمر: ٥٦.

(٢) البقرة: ١٦.

(٣) الاسراء: ٣٦.

(٤) النجم: ٢٣.

(٥) ص: ٨٦.

(٦) الاعراف: ١٦٩.

(٧) يونس: ٣٩.

المنكر( ١) .

«و باين من فعله بجهدك» أي: بطاقتك، قالعليه‌السلام : أمرنا النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة.

«و جاهد في اللّه حق جهاده» و الأصل فيه قوله تعالى و جاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج( ٢) .

«و لا تأخذك في اللّه لومة لائم» من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم و يحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللّه و لا يخافون لومة لائم( ٣) .

«و خض الغمرات» أي: الشدائد.

«للحق» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (إلى الحق) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«حيث كان» الحق. في كلام الصديقة فيهعليه‌السلام «و كلّما نجم قرن للضلال و فغرت فاغرة من المشركين قذف أبي بأخيه في لهواتها فلا ينكفى‏ء حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحدّه، مكدودا في ذات اللّه»( ٦) .

«و تفقّه في الدين» قال تعالى ليتفقهوا في الدين( ٧) .

«و عوّد نفسك التصبّر» هكذا في (المصرية)( ٨ ) و الصواب: (الصبر) كما

____________________

(١) آل عمران: ١٠٤.

(٢) الحج: ٧٨.

(٣) المائدة: ٥٤.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٥ السطر الأول.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٥، و ابن ميثم: ٤٠٠ السطر العاشر هكذا.

(٦) رواه الجوهري في السقيفة (عنه كشف ٢: ١١٢)، و الدلائل: ٢٤ و...

(٧) التوبة: ١٢٢.

(٨) نهج البلاغة ٣: ٤٥ السطر الثاني.

في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١) .

«على المكروه» عند النفس.

«و نعم الخلق» بالضم أي: الطبيعة.

«التصبّر» أي: الصبر على المكروه، قال أبو الأسود:

تعوّدت مسّ الضرّ حتى ألفته

و أسلمني طول البلاء الى الصّبر

و وسّع صدري للأذى كثرة الأذى

و كان قديما قد يضيق به صدري

إذا أنا لم أقبل من الدّهر كلّ ما

ألاقيه منه طال عتبي على الدّهر( ٢)

و قال آخر:

تحلم عن الادنين و استبق و دهم

و لن تستطيع الحلم حتى تحلما

أيضا:

تلقّ بالصبر ضيف الهمّ حيث أتى

إنّ الهموم ضيوف أكلها المهج

و في (المروج): أمر هارون ذات يوم بحمل أبي العتاهية و أمر أن لا يتكلّم في طريقه و لا يعلم ما يراد منه، فلما صار في بعض الطريق قال له بعض من معه: انما يراد قتلك. فقال أبو العتاهية:

و لعلّ ما تخشاه ليس بكائن

و لعلّ ما ترجوه سوف يكون

و لعلّ ما هوّنت ليس بهيّن

و لعلّ ما شددت سوف يهون( ٣)

و عن أكثم بن صيفي قال: ما أحب أني مكفى كلّ أمر الدنيا، قالوا: و ان أسمنت. قال: نعم أكثره عادة العجز.

«في الحق» هكذا في (المصرية)( ٤ ) أخذا عن (ابن أبي الحديد) و ليس في

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٤ و ابن ميثم: ٤٠٠ السطر العاشر من الطبعة الحجرية.

(٢) معجم الادباء ١٢: ٣٨.

(٣) مروج الذهب ٣: ٤٥٠.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٥ السطر الثاني.

(ابن ميثم)( ١ ) و الظاهر زيادته.

«و الجى‏ء نفسك في الامور كلّها إلى إلهك فإنّك تلجئها إلى كهف» قال الجوهري:

الكهف كالبيت المنقور في الجبل، و فلان كهف أي: ملجأ( ٢) .

«حريز» أي: حصين.

«و مانع عزيز» أي: قوي غالب، و في المثل «من عزّ بزّ» أي: من غلب سلب( ٣ ) ، قال البستي:

وثقت بربّي و فوّضت أمري

إليه و حسبي به من معين

فلا تبتئس لصروف الزمان

و دعني فإنّ يقيني يقيني

في (وزراء الجهشياري): كان إبراهيم الحرّاني خاصّا بالمهدي و أنفذه مع ابنه الهادي إلى جرجان، فخصّ به و بلغ المهدي عنه أشياء زاد فيها عليه أعداؤه فكتب إلى الهادي في حمله، فتعلل في حمله، فكتب: إن لم تحمله خلعتك من العهد، فحمله مع بعض خدمه مرفّها و قال له: إذا دنوت من محل المهدي فقيّده، فامتثل و اتفق أن ورد و المهدي يريد الركوب للصيد، فبصر بالموكب فسأل عنه فقيل خادم موسى الهادي و معه إبراهيم الحرّاني، فقال: و ما حاجتنا إلى الصيد؟ و هل صيد أطيب من صيد إبراهيم، فأدني منه و هو على ظهر فرسه، فقال له: و اللّه لأقتلنّك، ثم و اللّه لأقتلنّك، ثم و اللّه لأقتلنّك، ثم و اللّه لأقتلنّك، إمض به يا خادم إلى المضرب إلى أن انصرف. قال إبراهيم: فيئست من نفسي ففزعت إلى اللّه تعالى بالدّعاء و الصلاة، فانصرف المهدي و أكل من اللوز المسموم المشهور خبره فمات من وقته( ٤) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٤ و ابن ميثم: ٤٠٠ هكذا.

(٢) الصحاح ٤: ١٤٢٥.

(٣) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٠٧، الزمخشري ٢: ٣٥٧.

(٤) الوزراء و الكتّاب: ١٢٦.

و فيه: قال الوضاح بن خيثمة أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج قوم من السجن، فأخرجتهم و تركت يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فحقد ذلك علي و نذر دمي، فإني لبافريقية إذ قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم من قبل يزيد بن عبد الملك بعد عمر بن عبد العزيز، فهربت منه و علم بمكاني، فأمر بطلبي فظفر بي و صيرني إليه، فلما رآني قال: سألت اللّه أن يمكّنني منك. فقلت: و أنا لطالما سألت اللّه أن يعيذني منك. قال: فو اللّه ما أعاذك مني، و اللّه لأقتلنّك ثم و اللّه لأقتلنّك، ثم و اللّه لو سابقني اليك ملك الموت لسبقته. ثم دعا بالسيف و النطع، فأتي بهما و أمر بي فأقمت في النطع و كتّفت و قام ورائي رجل بسيف و أقيمت الصلاة، فخرج إليها فلما سجد أخذته السيوف، و دخل إليّ من قطع كتافي و قال: انطلق( ١) .

«و أخلص في المسألة لربك» عن الرضاعليه‌السلام : إنّما اتّخذ اللّه إبراهيم خليلا لأنّه لم يرد أحدا غير اللّه، و لم يسأل أحدا قطّ غير اللّه( ٢) .

«فإنّ بيده العطاء و الحرمان» و في الخبر: أغرق اللّه تعالى فرعون لأنّه استغاث بموسى و لم يستغث باللّه( ٣) .

و قالوا: كان عامر بن عبد القيس العنبري يقول: أربع آيات من كتاب اللّه إذا قرأتها مساء لم أبال على ما أمسي، و إذا تلوتهن صباحا لم أبال على ما أصبح: ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما يمسك فلا مرسل له من بعده( ٤ ) ، و ان يمسسك اللّه بضرّ فلا كاشف له إلاّ هو و إن يردك بخير

____________________

(١) الوزراء و الكتّاب: ٣٥.

(٢) عيون الأخبار ٢: ٧٥ ح ٤.

(٣) عيون الأخبار ١: ٥٩ ح ٢ عن الرضاعليه‌السلام .

(٤) فاطر: ٢.

فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده( ١ ) و ما من دابة في الأرض إلاّ على اللّه رزقها و يعلم مستقرها و مستودعها كل في كتاب مبين( ٢) ، سيجعل اللّه بعد عسر يسرا( ٣) .

«و اكثر الاستخارة» أي: طلب الخيرة من اللّه تعالى بالدعاء و الصلاة.

و روى الكافي عن الصادقعليه‌السلام في خبر قال: صلّ ركعتين و استخر اللّه، فو اللّه ما استخار اللّه مسلم إلاّ خار له البتة.

و في آخر: اذا أراد أحدكم شيئا يصلّي ركعتين ثم يحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على نبيه و آله ثم يقول: اللّهم ان كان هذا الأمر خيرا لي في ديني و دنياي فيسّره لي و اقدره، و ان كان غير ذلك فاصرفه عنّي.

و في آخر: عنهعليه‌السلام في أمر يأمر به بعض و ينهى عنه بعض، صلّ ركعتين و استخر اللّه مئة مرّة و مرّة ثم انظر أجزم الأمرين لك فافعله فان الخيرة فيه...( ٤) .

و روى (الفقيه) عنهعليه‌السلام في خبر أنّه إذا أراد الشي‏ء اليسير استخار اللّه سبع مرّات، فإذا كان جسيما استخار اللّه مئة مرة. و في آخر: ما استخار اللّه أحد سبعين مرّة بهذه الاستخارة «يا أبصر الناظرين و يا أسمع السامعين و يا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين و يا أحكم الحاكمين، صلّ على محمّد و أهل بيته و خر لي في كذا و كذا» إلاّ رماه اللّه بالخيرة.

و في آخر: يستخير اللّه في آخر سجدة من ركعتي الفجر مئة مرة و مرة، و يحمد اللّه و يصلّي على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم يستخير اللّه خمسين مرة، ثم يحمد اللّه

____________________

(١) يونس: ١٠٧.

(٢) هود: ٦.

(٣) الطلاق: ٧.

(٤) الكافي ٣: ٤٧٠ ٤٧٢، ١ و ٦ و ٧.

و يصلّي على نبيّه و يتمّ المئة و الواحدة.

و نقل عن رسالة أبيه: صلّ ركعتين و استخر اللّه مئة مرة و مرة، فما عزم لك فافعل و قل في دعائك «لا إله إلاّ اللّه الحليم الكريم، لا إله إلاّ اللّه العلي العظيم، ربّ بحقّ محمّد و آله صلّ على محمّد و آله و خر لي في كذا و كذا للدنيا و الآخرة خيرة في عافية»( ١) .

«و تفهم وصيتي» بالعمل بها.

«و لا تذهبن عنها» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و في (ابن أبي الحديد) عنك و ليس في (ابن ميثم و الخطيّة) رأسا( ٣) .

«صفحا» و المراد لا تعرض بوجهك عنها.

«فإنّ خير القول ما نفع» الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه( ٤) .

«و اعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع» عن الكاظمعليه‌السلام «دخل النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: ما هذا؟ فقيل: علاّمة. قال: و ما العلاّمة. قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها و أيام الجاهلية و الأشعار و العربية. فقال النبيّ‏ّ: ذاك علم لا يضرّ من جهله و لا ينفع من علمه، إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة و ما خلاهن فهو فضل»( ٥) .

«و لا ينتفع بعلم لا يحق تعلّمه» الذي نهت الشريعة عنه كعلم السحر و الكهانة.

و ما في الدعاء «و أعوذ بك من علم لا ينفع» الظاهر أن المراد عدم نفعه

____________________

(١) الفقيه ١: ٣٥٥ و ٣٥٦.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٤٥ السطر الخامس.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٤ و ابن ميثم: ٤٠٠ و فيه «لا تذهبنّ عنك» الطبعة الحجرية.

(٤) الزمر: ١٨.

(٥) الكافي ١: ٣٢، ١.

لعدم العمل به لا من حيث هو كما توهمه ابن ميثم( ١) .

«أي بنيّ إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا» فزادعليه‌السلام بعد صفّين على الستين.

«و رأيتني أزداد وهنا» اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوّة ثم جعل من بعد قوّة ضعفا و شيبة( ٢) .

«بادرت بوصيّتي إليك» في الخبر: لأن يؤدّب أحدكم ولده خير له من أن يتصدّق كلّ يوم بنصف صاع.

«و أوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي» أي: أظهر.

«إليك بما نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي» قالعليه‌السلام ذلك عاما، قال تعالى و اللّه خلقكم ثم يتوفّاكم و منكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا( ٣) .

«أو يسبقني اليك بعض غلبات الهوى» في (الفقيه) عن الصادقعليه‌السلام : «دع ابنك يلعب سبع سنين، و يؤدّب سبع سنين، و ألزمه نفسك سبع سنين، فإن أفلح و إلاّ فلا خير فيه»( ٤) .

و عن (المحاسن) قال النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الولد سيّد سبع سنين، و عبد سبع سنين، و وزير سبع سنين، فإن رضيت أخلاقه لإحدى و عشرين و إلاّ فاضرب على جنبه فقد أعذرت»( ٥) .

«أو فتن الدنيا فتكون كالصعب» مركب غير ذلول، و كان المنذر بن ماء السماء يلقب «ذو القرنين الصعب» قال لبيد:

____________________

(١) شرح ابن ميثم: ٤٠١.

(٢) الروم: ٥٤.

(٣) النحل: ٧٠.

(٤) الفقيه ٣: ٣١٨ ح ١.

(٥) عن المحاسن مكارم الأخلاق: ٢٢٢.

و الصعب ذو القرنين أصبح ثاويا بالحنو في جدث أميم، مقيم( ١ ) يعني أصبح المنذر ذاك مقيما في قبر في حنو ذي قار يا اميم.

«النّفور» من نفرت الدابة نفورا و نفارا، قال الشاعر:

إذا المرء أعيته المروّة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد و قال آخر:

إذا المرء جاز الأربعين و لم يكن له دون ما يأتي حياء و لا ستر فدعه و لا تنفس عليه الذي أتى و لو جرّ أرسان الحياة له الدهر «و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شي‏ء قبلته» قال ابن أبي الحديد: كان يقال: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، و في الكبر كالخطّ على الماء.

و في المثل: «الغلام كالطّين يقبل الختم ما دام رطبا»، قال الشاعر:

إختم و طينك رطب إن قدرت فكم قد أمكن القوم من ختم فما ختموا( ٢ ) قلت: و ممّا قيل في المعنى:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكّنا و قال آخر:

خذ فؤادي فقد أتاك بودّ و هو بكر ما افتضه ودّ قطّ «فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك و يشتغل لبك» مما قيل في ذلك: و ليس الفتى يرجى إذا ابيضّ رأسه.

و قال الآخر:

يقوّم من ميل الغلام المؤدّب و لا ينفع التأديب و الرأس أشيب

____________________

(١) أورده لسان ١: ٥٢٤ مادة (صعب).

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٧.

و قال آخر:

و تروض عرسك بعد ما هرمت و من العناء رياضة الهرم و قال آخر:

ان الكبير اذا تناهت سنه أعيت رياضته على الرّوّاض و قال آخر:

قد ينفع الأدب الأحداث في مهل و ليس ينفع بعد الكبرة الأدب إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت و لن تلين إذا قوّمتها الخشب و لما أراد المهدي العبّاسي قتل بشّار على الزندقة قال: تبت منها. قيل له:

و كيف، و أنت القائل:

و الشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضّنى عاد إلى نكسه «لتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته» أي: البحث عنه.

«و تجربته فتكون قد كفيت مؤونة الطلب، و عوفيت من علاج التجربة. فأتاك من ذاك ما قد كنّا نأتيه» هكذا في النسخ( ١ ) ، و كأنّه وقع فيه تصحيف.

«و استبان لك ما ربما أظلم علينا منه» قال الشاعر:

ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا و يأتيك بالأخبار من لم تزوّد «أي بنيّ إنّي و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي» في (الصحاح): عمر الرجل (بالكسر) عمرا و عمرا على غير قياس، لأن قياس مصدره التحريك، أي:

عاش زمانا طويلا( ٢ ) . و مراده ان مصدر الفعل اللازم فعل بفتحتين كفرح فرحا،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٦، نهج البلاغة ٣: ٤٦، ابن ميثم: ٤٠١ و فيه «فتستقبل...».

(٢) الصحاح ٢: ٧٥٦.

و هنا المصدر بالضم أو الفتح فالسكون.

«فقد نظرت في أعمالهم و فكّرت في أخبارهم و سرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم» في رسالة علي بن طاوس إلى ولده المسمّاة بالمحجة: قد هيّأ اللّه تعالى كتبا كثيرة عندي في تاريخ الخلفاء و الملوك و غيرهم من الذين طلبوا سراب الدنيا الزائل و سوروا وجوه العقل و الفضل بخسران العاجل و الآجل و رحلوا من الدنيا بأحمال الذنوب و أثقال العيوب، و كانوا كأنّهم في أحلام و منام و باعوا بتلك الأيام ما لا يبيعه ذوو الهمم العالية الباهرة من سعادة الدنيا و الآخرة، فأحذرهم على دينك و مولاك، فاللّه اللّه أن تتقرّب اليهم أو تقرّب منهم مهما أمكنك، ففي قربهم السمّ الناقع و الهلاك، و انما ذخرت لك تواريخهم لتنظر أوّل أمورهم و آخرها و ظاهرها و باطنها، ترى ما ضرّوا بنفوسهم بلذات ساعات يسيرة و أعمار قصيرة، و كيف خدعهم الشيطان في دنياهم و آخرتهم( ١) .

«بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره و نفعه من ضرره» في (المعجم) قالت الحكماء: الكتاب يجمع لك الأول و الاخر و الناقص و الوافر و الغائب و الحاضر و الشكل و خلافه و الجنس و ضده، و هو ميّت ينطق عن الموتى و يترجم عن الأحياء و تعرف منه في شهر ما لا تعرف من أفواه الرجال في دهر( ٢) .

و في (الكامل) في فوائد التاريخ: فمن دنيويتها أن الإنسان يحبّ البقاء و يؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فأيّ فرق بين ما رآه أمس أو سمعه و ما قرأه في الكتب المتضمّنة أخبار الماضين، فإذا طالعها فكأنّه عاصرهم، و إذا

____________________

(١) كشف المحجة: ١٢٨.

(٢) معجم الادباء ١: ٩٣.

علمها فكأنّه حاضرهم، و إن الملوك و من إليه الأمر و النهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور و رأوها مدونة يرويها خلف عن سلف، و ما أعقبت من سوء الذكر و خراب البلاد و هلاك العباد و ذهاب الأموال و فساد الأحوال، إستقبحوها و أعرضوا عنها، و إذا رأوا سيرة الولاة العادلين و حسنها و ما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، و أن ممالكهم و بلادهم عمرت و أموالها درّت، إستحسنوا ذلك و رغبوا فيه و ثابروا مضرة الأعداء و خلصوا بها من المهالك، و استصانوا نفائس المدن و عظيم الممالك، و لو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخرا.

و منها، ما يحصل من التجارب و المعرفة بالحوادث و ما تصير إليه عواقبها، فإنّه لا يحدث أمر إلاّ و قد تقدّم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلا و يصبح لأن يقتدى به أهلا.

و منها، ما يتجمّل به الإنسان في المحافل من ذكر شي‏ء من معارفها و طريفة من طرائفها، فترى الأسماع مصغية إليه و الوجوه مقبلة عليه.

و أما الفوائد الاخروية: فمنها أن اللبيب إذا تفكّر فيها و رأى تقلّب الدنيا بأهلها و تتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، و أنها سلبت نفوسهم و ذخائرهم و أعدمت أصاغرهم و أكابرهم، فلم تبق على جليل و لا حقير و لم يسلم من نكدها غني و لا فقير، زهد فيها و أعرض عنها، و أقبل على التزود للآخرة و رغب في دار تنزهت عن هذه الخسائس.

و منها، التخلّق بالصبر و التأسّي، و هما من محاسن الأخلاق، فإنّ العاقل إذا رأى أنّ مصائب الدنيا لم يسلم منها نبيّ مكرّم و لا ملك معظّم علم أنّه يصيبه ما أصابهم، و لهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد...( ١) .

____________________

(١) الكامل ١: ٦ ٩ بتلخيص.

«فاستخلصت» أي: عملت الخلاصة.

«لك من كلّ أمر نخيله» هكذا في (المصرية)( ١ ) و في (ابن أبي الحديد) جليله، و في (ابن ميثم و الخطية) نخليته( ٢ ) ، و هو الصحيح من النهج، و ان كانت رواية (الرسائل) أيضا بلفظ «جليله»( ٣ ) و أما «نخيله» كما في (المصرية) فغلط مطلقا، و معنى النخيلة الخيرة قال عمارة:

تبحّثتم سخطي فغيّر بحثكم نخيلة نفس كان نصحا ضميرها( ٤ ) و جمعها النخائل، و في الحديث: «لا يقبل اللّه إلاّ نخائل القلوب»( ٥) .

«و توخيت» أي: تحريت.

«لك جميله، و صرفت عنك مجهوله» ببيانه لك.

«و رأيت حيث عناني» أي: أهمّني.

«من أمرك ما يعني» أي: يهمّ.

«الوالد الشفيق» أي الرؤوف.

«و أجمعت» أي: عزمت. عطف على «عناني» لا «يعني» كما قال (ابن ميثم)( ٦) .

«عليه من أدبك» أي: تعليمك الآداب.

«أن يكون ذلك» أي: تعليمك.

«و أنت مقبل العمر و مقتبل الدهر» أي: مستأنفه، كأنّه يستأنف الدهر كلّ

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ٤٦ السطر التاسع.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٧، و في ابن ميثم: ٤٠١ السطر ٢٢ (نخيلة).

(٣) كشف المحجة: ١٦١.

(٤) أورده أساس البلاغة: ٤٥١، مادة (نخل).

(٥) النهاية ٥: ٢٢، مادة (نخل).

(٦) شرح ابن ميثم: ٤٠١ و فيه «أجمعت عطف على يعني».

ساعة.

«و ان أبتدئك بتعليم كتاب اللّه» زاد (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١ ) «عز و جل»، ففي (المصرية) سقط، و في (الكافي) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من علّم ولده القرآن دعي في القيامة بالأبوين فكسيا حلّتين تضي‏ء من نورهما وجوه أهل الجنّة( ٢) .

و روى ابن بابويه عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّ اللّه عزّ و جلّ ليهمّ بعذاب أهل الأرض جميعا لا يحاشى منهم أحدا إذا عملوا بالمعاصي و اجترحوا السّيئات، فإذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلاة، و الولدان يتعلّمون القرآن، رحمهم فأخّر ذلك عنهم.

«و تأويله» و نسبته إلى التنزيل نسبة المعنى إلى اللفظ، و لفظ القرآن يعلمه كلّ أحد، و أما تأويله فلا يعلمه إلاّ اللّه و الراسخون في العلم.

«و شرائع الاسلام و أحكامه و حلاله و حرامه» في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام في الغلام يلعب سبع سنين و يتعلّم الكتاب سبع سنين و يتعلّم الحلال و الحرام سبع سنين( ٣) .

«و لا أجاوز لك إلى غيره» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (لا أجاوز ذلك بك إلى غيره) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«ثم أشفقت» أي: خفت.

«أن يلتبس» أي: يشتبه.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٠٦: ٦٨، و ابن ميثم: ٤٠١ السطر ٢٤.

(٢) الكافي ٦: ٤٩ ح ١.

(٣) الكافي ٦: ٤٧ ح ٣.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٧ السطر الثالث.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٨، و ابن ميثم: ٤٠١ و فيه «و لا أجاوز بك و لا إلى غيره».

«عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الذي التبس عليهم» كان الصادقعليه‌السلام يقول لشيعته: بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة( ١) .

و قال الشهرستاني في (ملله): الاختلافات في الاصول: حدثت في آخر أيام الصحابة بدعة، معبد الجهني و غيلان الدمشقي و يونس الأسواري في القول بالقدر، و نسج على منوالهم واصل بن عطاء و كان تلميذ الحسن البصري و تلمذ له عمرو بن عبيد و زاد عليه في مسائل القدر و الوعيدية من الخوارج و المرجئة من الجبرية و القدرية، ابتدأت بدعتهم في زمان الحسن، و اعتزل واصل عنهم و عن استاذه بالقول بين المنزلتين و سمّي هو و أصحابه معتزلة.

ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فسّرت أيام المأمون إلى أن قال و نبغ رجل متنمّس بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد اللّه بن الكرام قليل العلم قد قمش من كلّ مذهب ضغثا و أثبته في كتابه، و روّجه على أغنام غزنة و غور و سواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه و صار ذلك مذهبا قد نصره محمود بن سبكتكين السلطان، و صبّ البلاء على أصحاب الحديث و الشيعة من جهتهم، و هو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج و هم مجسّمة...( ٢) .

«فكان إحكام ذلك» أي: جعله محكما.

«على ما كرهت من تنبيهك له» لأنّ كثيرا من غير المستعدّين يحصل لهم في هذا الطريق العثرة و الزلّة.

____________________

(١) الكافي ٦: ٤٧ ح ٥.

(٢) الملل و النحل الشهرستاني ١: ٣٥ ٣٨.

«أحبّ الي من إسلامك» أي: تركك و تفويضك.

«إلى أمر لا آمن عليك به» هكذا في (المصرية)( ١ ) و الصواب: (فيه) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«الهلكة» بتأثير شبهات أهل الشبهة.

«و رجوت أن يوفقك اللّه لرشدك» و في (ابن أبي الحديد و الخطية) «فيه لرشدك»( ٣) .

«و أن يهديك لقصدك» أي: عدلك، قال الشاعر:

على حكم المأتيّ يوما إذا قضى قضيته أن لا يجور و يقصد «فعهدت إليك وصيتي هذه» للوجوه المذكورة.

«و اعلم يا بنيّ أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ» متعلّق بقوله: «أحب».

«من وصيّتي تقوى اللّه» فإنّ خير الزاد التقوى و اتّقون يا أولي الألباب( ٤) .

«و الاقتصار على ما فرضه عليك» فعنهمعليهم‌السلام اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه.

«و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك، و الصالحون من أهل بيتك» و في رواية ابن شعبة: «و الصالحون من أهل ملّتك»( ٥) .

«فانهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، و فكّروا كما أنت مفكّر» كانعليه‌السلام يقول: التفكّر يدعو إلى البرّ و العمل به، و كانعليه‌السلام يقول: نبّه بالتفكّر

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ٤٧ السطر الخامس و السادس.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٨، و ابن ميثم: ٤٠١ السطر ٢٦ هكذا.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٦٨.

(٤) البقرة: ١٩٧.

(٥) تحف العقول: ٧١.

قلبك، و جاف عن الليل جنبك، و اتّق اللّه ربك( ١) .

«ثم ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، و الإمساك عمّا لم يكلّفوا» كانعليه‌السلام يقول: إنّ على كلّ حق حقيقة و على كلّ صواب نورا.

و في (الكافي) عن الفتح بن يزيد: سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن أدنى المعرفة فقال: الإقرار بأنّه لا إله غيره و لا شبه له و لا نظير، و أنّه قديم موجود غير فقيد( ٢) .

«فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبك ذلك بتفهّم و تعلّم لا بتورّط الشبهات» و الورطة: الهلكة، قال:

إن تأت يوما مثل هذي الخطه تلاق من ضرب نمير ورطه( ٣ ) و أصلها الهوة الغامضة، و يقال تورّطت الماشية أي: وقعت في موحل و مكان لا يتخلّص منه.

«و علو الخصوصيات» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و لكن في (ابن أبي الحديد) «و علق الخصومات»، و (ابن ميثم و الخطية) «و غلو الخصومات»( ٥) .

في (الكافي) عن السجّادعليه‌السلام سئل عن التوحيد فقال: إنّ اللّه تعالى علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل: قل هو اللّه أحد( ٦ ) و أنزل الآيات في سورة الحديد إلى قوله عليم بذات الصدور( ٧)

____________________

(١) الكافي ١: ٥٤ ٥٥ ١ و ٥.

(٢) الكافي ١: ٨٦ ١.

(٣) لسان العرب ١٥: ٢٧١ «قال ابو عمرو: هي (( أي الورطة )) الهلكة و أنشد:

ان تأت يوما مثل هذي الخطّه تلاق من ضرب نمير ورطه

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٨ السطر الثاني.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٧٠، و ابن ميثم: ٤٠١ السطر ٣١ هكذا.

(٦) التوحيد: ١.

(٧) الحديد: ٦.

فمن رام وراء ذلك هلك( ١) .

قلت: و أشارعليه‌السلام من آيات الحديد إلى قوله تعالى سبح للّه ما في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم له ملك السماوات و الأرض يحيي و يميت و هو على كلّ شي‏ء قدير هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكلّ شي‏ء عليم هو الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أينما كنتم و اللّه بما تعملون بصير له ملك السماوات و الأرض و إلى اللّه ترجع الأمور يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و هو عليم بذات الصدور( ٢) .

و عن الصادقعليه‌السلام : من عبد اللّه بالتوهّم فقد كفر، و من عبد الإسم دون المعنى فقد كفر، و من عبد الإسم و المعنى فقد أشرك، و من عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه و نطق به لسانه في سرائره و علانيته، فأولئك أصحاب أمير المؤمنين حقّا( ٣) .

«و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك» فإن المعونة إنّما منه تعالى و لا يستعان إلاّ به جل و علا إيّاك نعبد و إيّاك نستعين( ٤) .

«و الرغبة إليه في توفيقك» قال شعيب: و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب( ٥) .

«و ترك كلّ شائبة» الشوائب: الأقذار و الأدناس.

____________________

(١) الكافي ١: ٩١، ٣.

(٢) الحديد: ١ ٦.

(٣) الكافي ١: ٦٨، ح ١. ط الاسلامية.

(٤) الفاتحة: ٥.

(٥) هود: ٨٨.

«أولجتك» أي: أدخلتك.

«في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة» و يقال: «وقعوا في وادي تضلّل» إذا هلكوا «و فلان ضلّ ابن ضل» إذا لم يعرف هو و أبوه، قال:

فإنّ إيادكم ضلّ ابن ضلّ

و إنّا من إيادكم براء( ١)

«فإذا أيقنت أن صفا قلبك» من الكدورات.

«فخشع» لقبول الحق.

«و تمّ رأيك فاجتمع» بدون شعث.

«و كأن همّك في ذلك همّا واحدا» بلا تفرّق.

«فانظر ما فسّرت لك» لأنّ الذين لا يؤثر فيهم كلام الحق إنّما هو لعدم اجتماع الشرائط فيهم من صفاء قلبهم و اجتماع لبّهم.

«و ان أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك» بصفاء قلبك.

«و فراغ نظرك و فكرك» و نظرت في المقاصد العالية و المعاني العلية.

«فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء» كالناقة العشواء التي في بصرها ضعف فتخبط و لا تتوقّى شيئا في مشيها، و الأصل (تخبط خبط العشواء) فحذف المصدر، و قد يحذف الفعل قال زهير:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته و من تخطى‏ء يعمّر فيهرم( ٢)

«و تتورط الظلماء» أي: في الظلمة.

«و ليس طالب الدين من خبط أو خلط» أو من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها( ٣) .

____________________

(١) لسان العرب: ٢٧١ مادة (ضل).

(٢) لسان العرب ٧: ٢٨١، مادة (خبط).

(٣) الانعام: ١٢٢.

«و الإمساك عن ذلك أمثل» أي: أقرب إلى الحق بحكم العقل في مثله.

«فتفهم يا بني وصيتي و اعلم ان مالك الموت هو مالك الحياة» خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا( ١) .

(و ان الخالق هو المميت) و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك اللّه أحسن الخالقين. ثم إنّكم بعد ذلك لميّتون( ٢) .

«و أنّ المفني هو المعيد» ثم انّكم يوم القيامة تبعثون( ٣ ) ، و لا يملكون لأنفسهم ضرّا و لا نفعا و لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا( ٤) .

«و أن المبتلى هو المعافى» و إن يمسسك اللّه بضر فلا كاشف له إلاّ هو و إن يردك بخير فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور الرحيم( ٥) .

«و أنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها اللّه عليه من النعماء و الابتلاء» في (الكافي): روى أنّ قوما من أصحابهعليه‌السلام خاضوا في التجوير و التعديل فخرج حتى صعد المنبر و قال: أيّها الناس إنّ اللّه تعالى لمّا خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة و أخلاق شريفة، فعلم انّهم لم يكونوا كذلك إلاّ بالأمر و النّهي، و هما لا يجتمعان إلاّ بالوعد و الوعيد، و هما لا يكونان إلاّ بالترغيب و الترهيب، و هما لا يكونان إلاّ بما تشتهيه أنفسهم و تلذ أعينهم، و بضد ذلك

____________________

(١) الملك: ٢.

(٢) المؤمنون: ١٢ ١٥.

(٣) المؤمنون: ١٦.

(٤) الفرقان: ٣.

(٥) يونس: ١٠٧.

فخلقهم في دار الدنيا و أراهم طرفا من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم ألا و هي الجنّة، و أراهم طرفا من الآلام ليستدلّوا به على ما وراءهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذّة ألا و هي النار فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها و سرورها ممزوجا بغمومها( ١) .

«و الجزاء في المعاد أو ما شاء ممّا لا نعلم» الظاهر كونه إشارة إلى قوله تعالى فأمّا الذين شقوا ففي النّار لهم فيها زفير و شهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلاّ ما شاء ربّك إنّ ربك فعّال لما يريد. و أما الذين سعدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلاّ ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ( ٢) .

«فإن أشكل عليك شي‏ء من ذلك فاحمله على جهالتك به» قال جميل لبثينة:

بثين الزمي (لا) إنّ (لا) ان لزمته

على كثرة الواشين أيّ معون

«فإنك أوّل ما خلقت جاهلا ثم علمت» و اللّه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا( ٣ ) و ما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا( ٤) .

و عن أبي جعفرعليه‌السلام : أنّ موسى قال: يا ربّ رضيت بما قضيت، تميت الكبير و تبقي الصغير. فقال تعالى: يا موسى أما ترضاني لهم رازقا و كفيلا؟

قال: بلى يا رب، فنعم الوكيل أنت و نعم الكفيل( ٥) .

و في (المعجم): حضر محمد بن علي الواسطي و هو يرتعش من الكبر عزاء طفل فتغامز عليه الحاضرون يشيرون إلى موت الطفل و طول

____________________

(١) بحار الأنوار ٥: ٣١٦، ١٣. نقلا عن الاحتجاج و لم نعثر عليه في الكافي.

(٢) هود: ١٠٦ ١٠٨.

(٣) النحل: ٧٨.

(٤) الاسراء: ٨٥.

(٥) التوحيد لابن بابويه: ٣٧٤ ح ١٨، ٤٠١ ٤٠٢ ح ٧.

حياته فتفطّن لهم و قال:

إذا دخل الشيخ بين الشباب

عزاء و قد مات طفل صغير

رأيت اعتراضا على اللّه إذ

توفّى الصغير و عاش الكبير

فقل لابن شهر و قل لابن دهر

و ما بين ذلك هذا المصير( ١)

و في (توحيد المفضل): قال الصادقعليه‌السلام : إتخذ اناس من الجهّال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان ذريعة إلى جحود الخلق و الخالق و العمد و التدبير، و أنكرت المعطلة و المانوية المكاره و المصائب و الموت و الفناء، فيقال في جواب من أنكر هذه الآفات كمثل الوباء و اليرقان و البرد و الجراد: إنّه إن لم يكن خالق و مدبّر فلم لا يكون ما هو أكثر من هذا و أفظع، فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض و تهوي الأرض و تذهب سفلا، و تتخلف الشمس عن الطلوع أصلا، و تجفّ الأنهار و العيون حتى لا يوجد ماء للشفة، و تركد الريح حتى تحمّ الأشياء، و تفسد و يفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها.

ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء و ما أشبهه ما بالها لا تدوم و تمتدّ حتى تجتاح كلّ ما في العالم، بل تحدث في الأحايين ثم لا تلبث أن ترفع، أ فلا ترى أن العالم يصان و يحفظ من تلك الأحداث الجليلة التي لو حدث عليه شي‏ء منها كان فيه بواره، و يلذع أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس و تقويمهم ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم، فيكون وقوعها بهم موعظة و كشفها عنهم رحمة.

و أنكرت المنانيّة( ٢ ) أيضا المكاره و المصائب التي تصيب الناس، فكلاهما يقول إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلم تحدث فيه هذه الأمور

____________________

(١) معجم الادباء ١٨: ٢٥٨.

(٢) كذا في النسخ، و الظاهر: المانوية.

المكروهة؟ و القائل بهذا القول يذهب إلى أنّه يجب أن يكون عيش الإنسان في هذه الدنيا صافيا من كلّ كدر، و لو كان هكذا كان الإنسان يخرج من العتوّ و الأشر إلى ما لا يصلح له في دين و لا دنيا، كالذي ترى كثيرا من المترفين و من نشأ في الجدة و الأمن يخرجون إليه، حتى ان أحدهم ينسى أنّه بشر و أنّه مربوب، أو أن ضررا يمسّه أو أن مكروها ينزل به، أو أنّه يجب عليه أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقيرا أو يرثي لمبتلى أو يتحنّن على ضعيف أو يتعطّف على مكروب، فإذا عضّته المكاره و وجد مضضها اتّعظ و أبصر كثيرا ممّا كان جهله و غفل، و رجع إلى كثير ممّا كان يجب عليه.

و المنكرون لهذه الامور المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة، و يتسخّطون من منعهم من الأطعمة الضارة، و يتكرّهون الأدب و العمل، و يحبّون أن يتفرّغوا للّهو و البطالة و ينالوا كلّ مطعم و مشرب و لا يعرفون ما تؤدّيهم إليه البطالة من سوء النشوّ و العادة، و ما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء و الأسقام، و ما لهم في الأدب من الصلاح و في الأدوية من المنفعة.

و قد يتعلق هؤلاء بالآفات الّتي تصيب الناس فتعمّ البر و الفاجر، أو يبتلى بها البر و يسلم الفاجر منها، فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم و ما الحجّة فيه؟ فيقال لهم: إنّ هذه الآفات و إن كانت تنال الصالح و الطالح فإنّه تعالى جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما، أمّا الصالحون فإن الذي يصيبهم من هذا يزدهم( ١ ) نعم ربهم عندهم في سالف أيامهم فيحدوهم ذلك على الشكر و الصبر، و أمّا الطالحون فان مثل هذا اذا نالهم كسر شرّتهم و ردعهم عن المعاصي و الفواحش، و كذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في

____________________

(١) في البحار ٣ ١٣٩ يردّهم، و الظاهر أنه: يذكّرهم.

ذلك، أمّا الأبرار فإنّهم يغتبطون بما هم عليه من البرّ و الصلاح و يزدادون فيه رغبة و بصيرة، و أمّا الفجّار فإنّهم يعرفون رأفة ربّهم و تطوّله عليهم بالسلامة من غير استحقاق، فيحضهم ذلك على الرأفة بالناس و الصفح عمّن أساء اليهم.

و لعلّ قائلا يقول هذه الآفات التي تصيب الناس في أموالهم فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم، فيكون فيه تلفهم كمثل الحرق و الغرق و السيل و الخسف؟

فيقال له: إنّ اللّه تعالى جعل في هذا صلاحا للصنفين جميعا، أمّا الأبرار فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها و النجاة من مكارهها، و أمّا الفجّار فلما لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم و حبسهم عن الازدياد منها.

و جملة القول: إنّ الخالق تعالى ذكره بحكمته و قدرته قد يصرف هذه الامور كلّها إلى الخير و المنفعة، فكما انّه إذا قطعت الريح شجرة أخذها الصانع الرفيق و استعملها في ضروب المنافع، فكذلك يفعل المدبّر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم و أموالهم، فيصيرها جميعا إلى الخير و المنفعة.

فإن قال: و لم تحدث على الناس؟ قيل له: لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة، فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي و يفتر الصالح عن الاجتهاد في البر، فإن هذين الأمرين جميعا يغلبان على الناس في حال الخفض و الدّعة، و هذه الحوادث التي تحدث عليهم تردعهم و تنبّههم على ما فيه رشدهم، فلو خلوا منها لغلوا في الطغيان و المعصية كما غلا الناس في أوّل الزمان حتى وجب عليهم البوار بالطوفان و تطهير الأرض منهم.

و ممّا ينتقده الجاحدون للعمد و التقدير، الموت و الفناء، فإنّهم يذهبون إلى أنّه ينبغي أن يكون الناس مخلّدين في هذه الدنيا مبرّئين من هذه الآفات، فينبغي أن يساق هذا الأمر إلى غاية فينتظر ما محصوله، أ فرأيت لو كان كلّ من دخل العالم و يدخله يبقون و لا يموت أحد منهم، أ لم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن و المزارع و المعايش، فإنّهم و الموت يفنيهم أولا فأولا يتنافسون في المساكن و المزارع حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب و تسفك منهم الدماء، فكيف كانت حالهم لو كانوا يولدون و لا يموتون و كان يغلب عليهم الحرص و الشّره و قساوة القلوب، فلو وثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشي‏ء يناله، و لا أفرج لأحد عن شي‏ء يسأله و لا سلا عن شي‏ء ممّا يحدث عليه، ثم كانوا يملّون الحياة و كلّ شي‏ء من أمور الدنيا، كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتى يتمنّى الموت و الراحة من الدنيا.

فان قالوا: انّه كان ينبغي أنّه يرفع عنهم المكاره و الأوصاب حتى لا يتمنّوا الموت و لا يشتاقوا إليه. فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو و الأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدنيا و الدين.

و ان قالوا: انّه كان ينبغي ألاّ يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن و المعايش. قيل لهم: إذن كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم و الاستمتاع بنعمه تعالى و مواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل إلاّ قرن واحد لا يتوالدون و لا يتناسلون.

فإن قالوا: إنّه كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق و يخلق إلى انقضاء العالم. يقال لهم: رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن و المعايش عنهم.

ثم لو كانوا لا يتوالدون و لا يتناسلون لذهب موضع الانس بالقرابات

و ذوي الأرحام و الانتصار بهم عند الشدائد و موضع تربية الأولاد و السرور بهم، ففي هذا دليل على أن كلّ ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ و سفه من الرأي و القول.

و لعلّ طاعنا يطعن على التدبير من جهة اخرى فيقول: كيف يكون ههنا تدبير و نحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزّ بزّ، فالقوي يظلم و يغصب و الضعيف يظلم و يسام الخسف، و الصالح فقير مبتلى و الفاسق معافى موسع عليه، و من ركب فاحشة أو انتهك محرما لم يعاجل بالعقوبة، فلو كان في العالم تدبير لجرت الامور على القياس القائم، فكان الصالح هو المرزوق و الطالح هو المحروم و كان القوي يمنع من ظلم الضعيف و المنتهك للمحارم يعاجل بالعقوبة. فيقال في جواب ذلك: ان هذا لو كان هكذا لذهب موضع الاحسان الذي فضّل به الإنسان على غيره من الخلق، و حمل النفس على البرّ و العمل الصالح احتسابا للثواب وثقة بما وعد اللّه تعالى، و لصار الناس بمنزلة الدوابّ التي تساس بالعصا و العلف و يلمع فيها بكلّ واحد منها ساعة فساعة فتستقيم على ذلك، و لم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب، حتى كان هذا يخرجهم عن حد الإنسانية إلى حد البهائم، ثم لا يعرف ما غاب و لا يعمل إلاّ على الحاضر من نعيم الدنيا، و كان يحدث من هذا أن يكون الصالح إنّما يعمل للرزق و السعة في هذه الدنيا، و يكون الممتنع من الظلم و الفواحش إنما يكفّ عن ذلك لترقّب عقوبة تنزل به من ساعته حتى تكون أفعال الناس كلّها تجري على الحاضر لا يشوبه شي‏ء من اليقين بما عند اللّه و لا يستحقون ثواب الآخرة و النعيم الدائم فيها.

مع أنّ هذه الامور التي ذكرها الطاعن من الغنى و الفقر و العافية و البلاء ليست بجارية على خلاف قياسه، بل تجري على ذلك أحيانا و الأمر مفهوم،

فقد نرى كثيرا من الصالحين يرزقون المال بضروب من التدبير، وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفّار هم المرزوقون و الأبرار هم المحرومون فيؤثرون الفسق على الصلاح، و ترى كثيرا من الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم و عظم ضررهم على الناس و على أنفسهم، كما عوجل فرعون بالغرق و بختنصر بالتيه و بلبيس بالقتل، و إن أمهل بعض الأشرار بالعقوبة و أخرّ بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لأسباب تخفى على العباد. و لم يكن هذا مما يبطل التدبير، فإنّ مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض، و لا يبطل تدبيرهم، بل يكون تأخيرهم ما أخّروه و تعجيلهم ما عجّلوه داخلا في صواب الرأي و التدبير.

و اذا كانت الشواهد تشهد و قياسهم يوجب أن للأشياء خالقا حكيما قادرا فما يمنعه أن يدبّر خلقه، فإنّه لا يصلح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلاّ بإحدى ثلاث خلال: إمّا عجز، و إمّا جهل، و إمّا شرارة. و كلّ هذا محال في صنعته عزّ و جل و تعالى ذكره. و ذلك أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة، و الجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب: و الحكمة، و الشرّير لا يتطاول لخلقها و إنشائها.

و إذ كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبّرها لا محالة، و ان كان لا يدرك كنه ذلك التدبير و مخارجه، فان كثيرا من تدابير الملوك لا تعرفه العامة و لا تعرف أسبابه، لأنّها لا تعرف دخلة أمر الملوك و أسرارهم، فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب: و الشاهد لمحنه.

و لو شككت في بعض الأدوية و الأطعمة فتبين لك من جهتين أو ثلاث انّه حار أو بارد، أ لم تكن تقضي عليه بذلك و تنفي الشكّ فيه عن نفسك، فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخلق و التدبير مع هذه الشواهد الكثيرة

و أكثر منها ممّا لا يحصى كثرة.

و لو كان نصف العالم و ما فيه مشكلا صوابه لما كان من حزم الرأي و سمت الأدب أن يقضي على العالم بالإهمال، لأنّه كان في النصف الآخر و ما يظهر فيه من الصواب و الإتقان ما يردع الوهم عن التسرّع إلى هذه القضية، كيف و كل ما كان فيه إذا فتّش وجد على غاية الصواب: حتى لا يخطر بالبال شي‏ء إلاّ وجد ما عليه الخلقة أصحّ و أصوب منه.

و اعلم يا مفضل أن اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجاري المعروف عندهم قوسموس و تفسيره الزينة، و كذلك سمّته الفلاسفة و من ادّعى الحكمة، أ فكانوا يسمّونه بهذا الاسم إلاّ لما رأوا فيه من التقدير و النظام؟ فلم يرضوا أن يسمّوه تقديرا و نظاما حتى سمّوه زينة ليخبروا أنّه مع ما هو عليه من الصواب: و الإتقان على غاية الحسن و البهاء.

أعجب يا مفضل من قوم لا يقضون على صناعة الطب بالخطأ و هم يرون الطبيب يخطى‏ء و يقضون على العالم بالإهمال و لا يرون شيئا مهملا، بل أعجب من أخلاق من ادّعى الحكمة و جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذم للخالق جلّ و علا، بل العجب من المخذول حين ادّعى علم الأسرار و عمي عن دلائل الحكمة في الخلق حتى نسبه إلى الخطأ و نسب خالقه إلى الجهل، تبارك الحليم الكريم( ١) .

«و ما أكثر ما تجهل من الأمر و يتحيّر فيه رأيك و يضلّ فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك» كما اتّفق لموسىعليه‌السلام من جهله و تحيّره و عدم بصره حكمة أعمال الخضر من خرق السفينة و قتل الغلام و إقامة الجدار.

في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام قال: في كتاب عليعليه‌السلام ان داود قال: يا

____________________

(١) توحيد المفضل: ١٦٧ ١٧٦، بحار الأنوار، ط مؤسسة الوفاء بيروت ٣: ١٣٧ ١٤٦. باختلاف في بعض الألفاظ.

ربّ أرني الحق كما هو عندك حتى أقضي به. فقال: انك لا تطيق ذلك، فألحّ على ربه حتى فعل، فجاءه رجل يستدعي على رجل أنّه أخذ ماله، فأوحى إلى داود أنّ هذا المستدعي قتل أبا هذا و أخذ ماله، و أمر داود بالمستدعي فقتل و أخذ ماله فدفعه إلى المستدعى عليه، فعجب الناس و تحدّثوا حتى بلغ داود و دخل عليه من ذلك ما كره، فدعا ربه أن يرفع ذلك ففعل، ثم أوحى إليه أن احكم بينهم بالبيّنات و أضفهم إلى اسمي يحلفون( ١) .

و عن أبي جعفرعليه‌السلام : ان داود سأل ربه أن يريه قضية من قضايا الآخرة فأوحى تعالى إليه: إن الذي سألتني لم أطلع عليه أحدا من خلقي و لا ينبغي لأحد أن يقضي به غيري، فلم يمنعه ذلك أن عاد في سؤاله، فأتاه جبرئيل و قال له: لقد سألت ربّك شيئا لم يسأله قبلك نبيّ و لا ينبغي لأحد أن يقضي به غير اللّه قد أجاب اللّه دعوتك و أعطاك ما سألت، إن أوّل خصمين يردان عليك غدا القضية فيهما من قضايا الآخرة، فلما أصبح داودعليه‌السلام أتاه شيخ متعلّق بشاب و مع الشاب عنقود من عنب، فقال الشيخ: إنّ هذا الشاب دخل بستاني و خرّب كرمي و أكل منه بغير إذني و هذا العنقود أخذه بغير إذني. فقال داود للشاب: ما تقول: فأقرّ الشاب أنّه قد فعل ذلك، فأوحى إليه تعالى إنّي إن كشفت لك عن قضية من قضايا الآخرة فقضيت بها بين الشيخ و الغلام لم يحتملها قلبك و لم يرض بها قومك، يا داود إنّ هذا الشيخ اقتحم على أبي هذا الغلام في بستانه فقتله و غصب بستانه و أخذ منه أربعين ألف درهم فدفنها في جانب بستانه فادفع إلى الشاب سيفا و أمره أن يضرب عنق الشيخ و ادفع إليه البستان و مره أن يحفر في موضع كذا و كذا و يأخذ ماله.

ففزع من ذلك داود و جمع إليه علماء أصحابه و أخبرهم الخبر و أمضى القضية

____________________

(١) فروع الكافي ٧: ٤١٤، حديث ٣، باب ان القضاء بالبينات و الأيمان.

على ما أوحى تعالى إليه( ١) .

و عن (عجائب المخلوقات): أن موسىعليه‌السلام اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ منها ثم ارتقى الجبل ليصلّي إذ أقبل فارس فشرب من ماء العين و ترك عنده كيسا فيه دراهم، و ذهب مارّا، فجاء بعده راعي غنم فرأى الكيس فأخذه و مضى، ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس و على رأسه حزمة حطب فوضعها هنا ثم استلقى ليستريح، فما كان إلاّ قليلا حتى عاد الفارس فطلب كيسه فلم يجده، فأقبل على الشيخ يطالبه به فلم يزل يضربه حتى قتله، فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الامور. فأوحى اللّه تعالى إليه: ان الشيخ كان قتل أبا الفارس و كان على أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس، فجرى بينهما القصاص و قضي الدين و أنا حكم عادل.

«فاعتصم بالذي خلقك» و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرّقوا( ٢) ، و اعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى و نعم النصير( ٣ ) ، يا أيّها الناس قد جاءكم برهان من ربكم و أنزلنا اليكم نورا مبينا. فأمّا الّذين آمنوا باللّه و اعتصموا به فسيدخلهم ربّهم في رحمة منه و فضل و يهديهم إليه صراطا مستقيما( ٤ ) ، و من يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم( ٥) .

«و رزقك» اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي‏ء سبحانه و تعالى عمّا يشركون( ٦) .

____________________

(١) فروع الكافي ٧: ٤٢١، باب النوادر، ح ١.

(٢) آل عمران: ١٠٣.

(٣) الحج: ٧٨.

(٤) النساء: ١٧٤ ١٧٥.

(٥) آل عمران: ١٠١.

(٦) الروم: ٤٠.

«و سوّاك» و نفس و ما سوّاها. فألهمها فجورها و تقواها. قد أفلح من زكّاها. و قد خاب من دسّاها( ١) .

«و ليكن له تعبّدك و إليه رغبتك و منه شفقتك» أي: خوفك، و تقديم الظرف في الثلاثة للحصر، و انه لا يجوز التعبّد لغيره و لا الرغبة إلى غيره و لا الشفقة من غيره تعالى.

هذا، و قال الجوهري: قال ابن دريد: شفقت و أشفقت بمعنى، و أنكره أهل اللغة( ٢) .

قلت: بل نقل ذلك عن بعض و أنكره فقال، زعم قوم أنّ شفقت و أشفقت بمعنى، و أنكره جلّ أهل اللغة و قالوا لا يقال إلاّ أشفقت فأنا مشفق، فأمّا قول الشاعر:

فإنّي ذو محافظة أبيّ

كما شفّقت للزاد العيال

فذاك بمعنى بخلت و ضنت( ٣) .

«و اعلم يا بنيّ أنّ أحدا لم ينبى‏ء» أي: لم يخبر «عن اللّه» هكذا في (المصرية) بلا زيادة، و الصواب: زيادة (سبحانه) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤) .

«كما أنبأ عنه الرسول» هكذا في (المصرية) و الصواب: (نبينا) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥ ) ، و ما ينطق عن الهوى. إن هو إلاّ وحي يوحى( ٦ ) ، و لو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم

____________________

(١) الشمس: ٧ ١٠.

(٢) الصحاح ٤: ١٥٠٢، طبعة بيروت.

(٣) كتاب جمهرة اللغة ٣: ٨٧٤.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٧٦، و ابن ميثم ٥: ١٥.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٧٦، و ابن ميثم ٥: ١٥.

(٦) النجم: ٣ ٤.

لقطعنا منه الوتين( ١) .

«فارض به رائدا» و في المثل «لا يكذب الرائد أهله»( ٢ ) ، و الرائد من يرسل في طلب الكلأ.

«و إلى النجاة قائدا» يا أيّها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون باللّه و رسوله( ٣) .

«فاني لم آلك نصيحة» أي: لم أقصّر لك في النصيحة.

«و إنّك لن تبلغ في النظر لنفسك و إن اجتهدت مبلغ نظري لك» فإنّ من المعلوم أن ابنه ابن الحنفية على الأصح في كون الوصية إليه كان ناقص الاستعداد بمراتب عنهعليه‌السلام حسب الفرق بين الامام و غيره.

إلى أن قال: «يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك» في (موفقيات زبير بن بكار) عن المدائني، قال سلمة بن زياد لطلحة بن عبد اللّه الخزاعي: أريد أن أصل رجلا له حق عليّ و صحبة بألف ألف درهم فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل هذه العشر. قال: فأصله بخمسمئة ألف.

قال: كثير. فلم يزل حتى وقف على مئة ألف. قال: أفترى مئة ألف يقضى بها ذمام رجل له انقطاع و صحبة و مودة و حق واجب، قال: نعم. قال: هي لك و ما أردت غيرك. قال: أقلني. قال: لا أفعل و اللّه.

و في (الطبري): ذكر عن عبد اللّه بن مالك قال: كنت أتولّى الشرطة للمهدي و كان المهدي يبعث إلى ندماء الهادي و مغنّيه و يأمرني بضربهم، و كان الهادي يسألني الرفق بهم و الترفيه لهم و لا التفت إلى ذلك، و أمضي لما

____________________

(١) الحاقة: ٤٤ ٤٦.

(٢) مجمع الأمثال ٢: ٢٣٣، الزمخشري ٢: ٢٧٤، صحاح اللغة ٢: ٤٧٨.

(٣) الصف: ١٠ و ١١.

أمرني به المهدي فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف، فبعث إليّ يوما فدخلت عليه متكفّنا متحنّطا و إذا هو على كرسيّ و السيف و النطع بين يديه، فسلّمت فقال: لا سلم اللّه على الآخر، تذكر يوما بعثت اليك في أمر الحرّاني و ما أمر به أبي من ضربه و حبسه فلم تجبني، و في فلان و فلان و جعل يعدّد ندماءه فلم تلتفت إلى قولي و لا أمري. قلت: نعم. أ فتأذن لي في استيفاء الحجّة. قال: نعم. قلت: ناشدتك باللّه أيسرّك أنّك ولّيتني ما ولاّني أبوك فأمرتني بأمر فبعث إليّ بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك فاتبعت أمره و عصيت أمرك؟ قال: لا. قلت: فكذلك أنا لك و كذا كنت لأبيك، فاستدناني فقبّلت يده فأمر بخلع فصبّت عليّ و قال: ولّيتك ما كنت تتولاّه( ١) .

«و أكره له ما تكره لها» في (عيون القتيبي) قال الرياشي: كان أبو ذؤيب يهوى امرأة من قومه، و كان رسوله إليها رجلا يقال له خالد بن زهير، فخانه فيها فقال أبو ذؤيب:

تريدين كيما تجمعيني و خالدا

و هل تجمع السيفان ويحك في غمد

أ خالد ما راعيت منّي قرابة

فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي

و كان أبو ذؤيب خان فيها ابن عمّ له يقال له مالك بن عويمر، فأجابه خالد:

فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها

و أوّل راض سنّة من يسيرها

أ لم تتنقّذها من ابن عويمر

و أنت صفي نفسه و وزيرها( ٢)

«و لا تظلم كما لا تحب أن تظلم» في الخبر: أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ٢١٦، دار التراث بيروت.

(٢) عيون الأخبار لابن قتيبة ٤: ١٠٩، دار الكتاب العربي.

بظلم أحد( ١ ) ، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده( ٢ ) ، و من ظلم ظلم، و كذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون( ٣) .

و في (المعجم): قال أحمد بن عبيد بن ناصح: لما أراد المتوكل أن يعقد للمعتز ولايته حططته عن مرتبته قليلا و أخّرت غداءه عن وقته، فلما كان وقت الانصراف قلت: إحمله. و ضربته من غير ذنب، فكتب بذلك إلى المتوكل، فأنا في الطريق منصرفا إذ لحقني صاحب رسالته فقال. الخليفة يدعوك، فدخلت عليه و هو جالس على كرسي و الغضب بيّن في وجهه و الفتح قائم بين يديه متكئا على السيف، فقال: ما هذا الذي فعلته. قلت: أقول يا أمير المؤمنين؟ فقال:

قل، إنّما سألتك لتقول. قلت: بلغني ما عزم عليه الخليفة فدعوت وليّ عهده و حططت منزلته ليعرف هذا المقدار من الحط فلا يعجل بزوال نعمة أحد و أخّرت غداءه ليعرف هذا المقدار من الجوع فإذا شكي إليه الجوع عرف ذلك، و ضربته من غير ذنب ليعرف مقدار الظلم فلا يعجل على أحد. فقال: أحسنت، و أمر لي بعشرة آلاف درهم، ثم لحقني رسول قبيحة بعشرة آلاف اخرى، فانصرفت بعشرين ألف( ٤) .

قلت: و نقل نظيره عن معلم انوشيروان معه في صباوته.

«و أحسن كما تحبّ أن يحسن إليك» في الخبر جاء أعرابي إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذ بغرز راحلته و قال: علّمني شيئا أدخل به الجنة؟ فقال النبيّ له: ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم خلّ سبيل الراحلة إنّ اللّه لا يضيع أجر

____________________

(١) بحار الأنوار ٧٥: ٣١٤، عن المحاسن: ٢٩٢.

(٢) بحار الأنوار ٦٧: ٣٢١، صحيح البخاري ١: ١٣ ح ١٠ و ١١ باب ٣ ٥، المستدرك على الصحيحين ١: ١١.

(٣) الانعام: ١٢٩.

(٤) معجم الادباء لياقوت الحموي ٢: ٢٣٠ و ٢٣١، دار الفكر، بيروت.

المحسنين( ١ ) ان اللّه مع الذين اتّقوا و الّذين هم محسنون( ٢) .

«و استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك» قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : أما يخشى الذين ينظرون في أدبار النساء أن يبتلوا بذلك في نسائهم( ٣) .

«و أرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك» عن المفضل، قال لي أبو عبد اللّهعليه‌السلام : أ تدري لم قيل من يزن يوما يزن به؟ قلت: لا. قال: كانت بغيّ في بني إسرائيل و كان فيهم رجل يكثر الاختلاف إليها، فلما كان في آخر ما أتاها أجرى اللّه على لسانها: أما إنّك سترجع إلى أهلك فتجد معها رجلا، فخرج و هو خبيث النفس، فدخل منزله على غير الحال التي كان يدخله قبل، دخل بغير إذن فوجد على فراشه رجلا، فارتفعا إلى موسىعليه‌السلام فنزل جبرئيل و قال: يا موسى من يزن يوما يزن به. فنظر موسى إليهما فقال: عفّوا تعفّ نساؤكم( ٤) .

و في (الأغاني): عن ميمون بن هارون قال: كان محمد بن عبد الملك الزيات يقول: الرحمة خور في الطبيعة و ضعف في المنة، ما رحمت شيئا قط.

فلمّا وضع في الثقل و الحديد قال إرحموني، فقالوا له: و هل رحمت شيئا قط فترحم، هذه شهادتك على نفسك و حكمك عليها.

و فيه: عن الأصمعي: قدم رجل من أهل اليمن مكة فسمع امرأة عبيد اللّه بن العباس تندب ابنيها اللذين قتلهما بسر بقولها:

يا من أحس با بني اللذين هما

كالدرّتين تشظّى عنهما الصدق

فرق لها و اتصل ببسر حتى وثق به ثم احتال لقتل ابنيه فخرج بهما الى وادي أوطاس فقتلهما و هرب و قال:

____________________

(١) التوبة: ١٢٠، يوسف: ٩٠.

(٢) بحار الأنوار ٧٧: ١٢٦، رواية ٤٥، باب ٦. و الآية ١٢٨ من سورة النحل.

(٣) فروع الكافي ٥: ٥٥٣، ح ٣، من لا يحضره الفقيه ٤: ١٩، رواية ٤٩٧٢.

(٤) الكافي ٥: ٥٥٣ ح ٣.

يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعت

شمس النهار و لا غابت على الناس

خير من الهاشميّين الذين همو

عين الهدى و سهام الأسوق القاس

ما ذا أردت إلى طفلي مولّهة

تبكي و تنشد من أنكلت في الناس

أما قتلتهما ظلما فقد شرقت

من صاحبيك قناتي يوم أوطاس

فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربت

أمّ الصبيّين أو ذاق ابن عباس( ١)

و قال تعالى و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتّقوا اللّه و ليقولوا قولا سديدا( ٢) .

«و لا تقل ما لا تعلم و ان قلّ ما تعلم» أم تقولون على اللّه ما لا تعلمون( ٣) .

«و لا تقل ما لا تحب أن يقال لك» في (المعجم): كان أبو نزار ملك النحاة إذا ذكر عنده أحد النحاة يقول: كلب من الكلاب. فقال له رجل يوما: فلست إذن ملك النحاة، إنّما أنت ملك الكلاب، فاستشاط غضبا و قال: أخرجوا عنّي هذا الفضولي( ٤) .

و في (الخصال) عنهعليه‌السلام قال لبنيه: إيّاكم و معاداة الرجال، فإنهم لا يخلون من ضربين: من عاقل يمكر بكم، أو جاهل يعجّل عليكم، و الكلام ذكر و الجواب أنثى، فإذا اجتمع الزوجان فلا بدّ من النتاج، ثم أنشأ يقول:

سليم العرض من حذر الجوابا

و من دارى الرجال فقد أصابا

و من هاب الرجال تهيّبوه

و من حقر الرجال فلن يهابا( ٥)

و في (الأغاني): بعث بشّار يوما إلى صديق له يقال له أبو زيد يطلب منه

____________________

(١) الأغاني ١٦: ٢٧٢ دار احياء التراث العربي بيروت.

(٢) النساء: ٩.

(٣) البقرة: ٨٠.

(٤) معجم الادباء لياقوت الحموي ٨: ١٣٢، دار الفكر بيروت.

(٥) الخصال: ٧٢ ١١١.

ثيابا بنسيئة، فلم يصادفها عنده، فقال يهجوه:

ألا إنّ أبا زيد

زنى في ليلة القدر

و لم يرع تعالى اللّه

ربّه حرمة الشهر

و كتبها في رقعة و بعث بها إليه، و لم يكن أبو زيد ممّن يقول الشعر، فقلبها و كتب في ظهرها:

ألا إنّ أبا زيد

له في ذلكم عذر

أتته أمّ بشّار

و قد ضاق به الأمر

فواثبها و جامعها

و ما ساعدها الصبر

فلما قرى‏ء على بشّار غضب و ندم على تعرّضه لرجل لا نباهة له، فجعل ينطح الحائط برأسه غيظا ثم قال: لا تعرّضت لهجاء سفلة مثل هذا أبدا.

و فيه: كان عبد اللّه بن الحسن الاصبهاني يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، فكتب إلى خالد بن يزيد: إن الخليفة المعتصم ينفخ منك من غير فحم و يخاطب أمرء صلّى من غير ذي فهم. فقال محمد بن عبد الملك الزيّات: هذا كلام ساقط سخيف، جعل الخليفة ينفخ بالزق كأنّه حداد و أبطل الكتاب. ثم كتب ابن الزيات إلى عبد اللّه بن طاهر: أنت تجري أمرك على الأربح فالأربح و الأرجح فالأرجح، لا تسعى بنقصان و لا تميل برجحان. فقال الاصبهاني:

الحمد للّه قد أظهر من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته من التجارة بذكره ربح السلع و رجحان الميزان و نقصان الكيل و الخسران من رأس المال، فضحك المعتصم و قال: ما أسرع ما انتصف الاصبهاني منه( ١) .

و في الخبر: ورد الزهري و هو كئيب على السجادعليه‌السلام فقال له:

ما لك؟ قال: هموم تتو إلى عليّ من جهة حسّاد نعمتي و ممّن

____________________

(١) الأغاني ٣: ١٨٨ و ٢٣: ٥٣، دار احياء التراث العربي بيروت.

أحسنت إليه فتخلف ظنّي.

فقالعليه‌السلام له: إحفظ عليك لسانك تملك به اخوانك، و إيّاك أن تعجب بنفسك، و إيّاك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره و إن كان عندك اعتذاره، فليس كلّ من تسمعه نكرا يمكنك أن توسعه عذرا. ثم قال لهعليه‌السلام : من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه، و ما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك و صغيرهم بمنزلة ولدك و تربك بمنزلة أخيك، فأي هؤلاء تحب أن تظلمه؟ و أيّ هؤلاء تحب أن تدعو عليه؟ و أي هؤلاء تحب أن تهتك ستره؟ و إن عرض لك ابليس بأن لك فضلا على أحد فانظر ان كان أكبر منك فقل سبقني بالإيمان و العمل الصالح فهو خير مني، و إن كان أصغر منك فقل ذنبي أكثر منه، و إن كان تربك فقل أنا على يقين من ذنبي و في شك من أمره فمالي أدع يقيني لشكّي.

يا زهري ان رأيت المسلمين يعظّمونك فقل هذا فضل أخذوا به، و إن رأيت منهم جفاء و انقباضا عنك فقل هذا لذنب أحدثته، فإنّك إذا فعلت ذلك سهّل اللّه عيشك و كثر أصدقاؤك و قلّ أعداؤك، و فرحت بما يكون من برهم و لم تأسف على ما يكون من جفائهم.

و اعلم أنّ أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فائضا و كان عنهم مستغنيا متعفّفا، و أكرم الناس عليهم بعده من كان عنهم متعفّفا و ان كان إليهم محتاجا فانما أهل الدنيا يعتقّبون الأموال فمن لم يزاحمهم فيما يعتقّبونه كرم عليهم، و من لم يزاحمهم فيها و مكّنهم من بعضها كان أعزّ و أكرم( ١) .

و عن الصادقعليه‌السلام : عليك بتقوى اللّه و الورع و الاجتهاد، و صدق الحديث

____________________

(١) بحار الأنوار ٧٤: ١٥٥، رواية ١.

و اداء الأمانة، و حسن الخلق و حسن الجوار، و كونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم( ١) .

و عنهعليه‌السلام صاحب عليعليه‌السلام ذميّا فقال له الذميّ: يا عبد اللّه أين تريد؟

قال: الكوفة، فلما عدل الطريق بالذميّ عدلعليه‌السلام معه، فقال له الذميّ: أ لست قلت أريد الكوفة؟ قال: بلى. قال: فقد تركت الطريق. فقال قد علمت. قال: فلم عدلت معي و قد علمت ذلك؟ قال: من تمام حسن الصحبة أن يشيّع الرجل أخاه هنيهة إذا فارقه، هكذا أمرنا نبيّنا. فقال، هكذا أمر نبيّكم، لا جرم إنّما تبعه لأفعاله الكريمة، و أنا أشهدك أنّي على دينك، فرجع الذميّ مع عليعليه‌السلام فلما عرفه أسلم( ٢) .

و عن زكريا بن إبراهيم قلت للصادقعليه‌السلام : إنّي كنت نصرانيا و إنّ أبي و امّي على النصرانية و أمّي مكفوفة البصر أكون معهم و آكل في آنيتهم.

قالعليه‌السلام : يأكلون لحم الخنزير؟ قلت: لا و لا يمسّونه. فقال: لا بأس، و انظر أمّك فبرّها، ثم ذكر أنّه زاد في برّها على ما كان يفعل و هو نصراني، فسألته فأخبرها أنّ إمامه أمره بذلك، فأسلمت( ٣) .

«و اعلم أنّ الإعجاب» أي: العجب بالنفس.

«ضد الصواب و آفة الألباب» في (عيون القتيبي): قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة. قال أخشى أن لا يحمل الجسر شرفي. و قيل له: البس شيئا فان البرد شديد. فقال: حسبي يدفئني.

و مدّ أعرابي يده في الموقف و قال: اللّهم إن كنت ترى يدا

____________________

(١) الكافي ٢: ٧٧ ح ٩. بحار الأنوار ٧٠: ٢٩٩ رواية ٩ باب ٥٧.

(٢) الكافي ٢: ٦٧٠ ح ٥. بحار الأنوار ٤١: ٥٣ رواية ٥ باب ١٠٤.

(٣) الكافي ٢: ١٦٠ ح ١١ بتلخيص.

أكرم منها فاقطعها.

و كان جذيمة الأبرش سمّي بذلك لبرص فيه، فقالوا الأبرش خوفا منه، كان لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه و قال: أنا أعظم من أن أنادم إلاّ الفرقدين، فكان يشرب كأسا و يصب لكلّ واحد منهما في الأرض كأسا( ١) .

«فاسع في كدحك» قال ابن أبي الحديد: الكدح هنا المال الذي كدح في حصوله، و السعي فيه إنفاقه، و هذه كلمة فصيحة( ٢) .

قلت: هو كما ترى، و كيف كان فقد قال تعالى: يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحا فملاقيه. فأمّا من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا. و ينقلب إلى أهله مسرورا. و أما من أوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورا. و يصلّى سعيرا. إنّه كان في أهله مسرورا. إنّه ظن أن لن يحور. بلى إنّ ربّه كان به بصيرا( ٣) .

و قال الزمخشري: الكدح جهد النفس في العمل و الكد فيه حتى يؤثر فيها من (كدح جلده) إذا خدشه، و معنى «كادح إلى ربك» جاهد إلى لقاء ربك، و هو الموت و ما بعده( ٤) .

«و لا تكن خازنا لغيرك» بجمع المال و تركه للوارث، و لذا قالوا «الناس أموال غيرهم أحب اليهم من أموالهم» لأنّ مالهم ما قدّموه و أمّا ما خلّفوه فمال غيرهم.

و في (الطبري): لمّا مات هشام أغلق الخزّان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه حتى استعاروا قمقما من بعض الجيران،

____________________

(١) عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ٣٨٦ دار الكتب العلمية.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٥.

(٣) الانشقاق: ٦ ١٥.

(٤) الكشاف للزمخشري ٤: ٧٢٦.

فقال بعض من حضر: إنّ في هذا لمعتبرا.

و فيه: قال عقال بن شبّه: دخلت على هشام و عليه قباء فنك أخضر، فوجّهني إلى خراسان و جعل يوصيني و أنا أنظر إلى القباء، ففطن فقال: هو ذاك مالي قباء غيره، و أما ما ترون من جمعي هذا المال و صونه فانّه لكم.

و فيه: كان الوليد بن يزيد أيام هشام خرج فنزل بالأزرق على ماء يقال له «الأغدف» و خلّف كاتبه عياض بن مسلم بالرصافة ليكتب له بما يحدث، فلمّا أتته البشارة بموت هشام و صيرورته خليفة سأل عن كاتبه عياض فقيل له: لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر اللّه، فلما صار في حد لا ترجى فيه الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد منه إلى شي‏ء، و أفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعوه، فقال: أرانا كنّا خزّانا للوليد، و مات من ساعته، و خرج عيّاض من السجن بختم أبواب الخزائن، و أمر بهشام فانزل عن فراشه فما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، و لا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولى هشام( ١) .

«و إذا كنت» هكذا في (المصرية) و الصواب: (أنت) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك» في الخبر أوحى تعالى إلى موسىعليه‌السلام : أ تدري لم خصصتك بوحيي و كلامي. قال: لا. قال: إنّي أطّلعت إلى خلقي اطّلاعة فلم أر فيهم أشد تواضعا منك، و كان موسى إذا صلّى لا ينفتل حتى يلصق خدّه الأيمن و الأيسر بالأرض( ٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٢١٧ و ٢١٨ و ٢٢٥، دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٤.

(٣) الكافي ٢: ١٢٣، ٧، بحار الأنوار ١٣: ٣٥٧ رواية ٦١، و ٨٦: ٢٠٠ رواية ٩.

«و اعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة و مشقّة شديدة و أنّه لا غنى لك» هكذا في (المصرية) و الصواب: (بك) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١) .

«فيه عن حسن الارتياد» أي: طلب الكلأ.

«و قدر بلاغك من الزاد» في (عيون ابن قتيبة): أراد قوم سفرا فحاروا عن الطريق و انتهوا إلى راهب منفرد في ناحية، فنادوه فأشرف عليهم فقالوا: إنّا ضللنا فكيف الطريق؟ فقال لهم: هاهنا و أومى إلى السماء فعلموا الذي أراد، فقالوا: إنّا سائلوك أ فتجيبنا أنت؟ قال: سلوا و لا تكثروا، فإن النهار لن يرجع، و العمر لن يعود، و الطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد. قالوا: ما الخلق عليه غدا عند مليكهم؟ فقال: على نيّاتهم. فقالوا: فإلى م المؤمّل؟ قال: إلى المقدم. قالوا:

أوصنا. قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فإنّ خير الزّاد ما بلغ المحل، ثم أرشدهم إلى المحجة و انقمع.

«مع خفة الظهر فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا عليك» و المراد حمل أوزار الذنوب و أثقال الآثام لا حمل المال كما توهمه ابن أبي الحديد( ٢ ) ، قال تعالى: و لا تزر وازرة وزر اخرى و ان تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شي‏ء و لو كان ذا قربى( ٣ ) ، من أعرض عنه فإنّه يحمل يوم القيامة وزرا. خالدين فيه و ساءلهم يوم القيامة حملا( ٤ ) ، حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها و هم يحملون أوزارهم على

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٨٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٦.

(٣) فاطر: ١٨.

(٤) طه: ١٠٠ ١٠١.

ظهورهم ألا ساء ما يزرون( ١) .

«و إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه و حمّله و أكثر من تزويده و أنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده» و المراد الإنفاق في سبيل اللّه، و كان جعفر الطيار من كثرة إنفاقه على أهل الفاقة يسمّى أبا المساكين( ٢ ) ، كما ان زينب بنت خزيمة احدى أزواج النبيّ أيضا لذلك تسمّى أم المساكين( ٣) .

و روى (العلل): أنّ الزّهري رأى علي بن الحسينعليه‌السلام في ليلة باردة مطيرة و على ظهره دقيق و حطب و هو يمشي، فقال له: يا بن رسول اللّه ما هذا؟

قال: أريد سفرا أعدّ له زادا أحمله إلى موضع حريز. فقال الزهري: فهذا غلامي يحمل عنك، فأبى، فقال: أنا أحمله عنك فإنّي أرفعك عن حمله. فقالعليه‌السلام : لكني لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري و يحسن ورودي على ما أراد عليه، أسألك بحق اللّه لما مضيت لحاجتك و تركتني، فانصرف عنه. فلما كان بعد أيام قلت له: يا بن رسول اللّه لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثرا. قال: بلى يا زهري، ليس ما ظننته و لكنه الموت و له أستعد، و الاستعداد له تجنّب الحرام و بذل الندى و الخير.

و روى أيضا: انّهعليه‌السلام لما وضع على السرير ليغسل نظر إلى ظهره و عليه مثل ركب الإبل ممّا كان يحمل على ظهره إلى منازل المساكين( ٤) .

«و اغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك» في الخبر: إغتنم شبابك قبل هرمك، و فراغك قبل شغلك، و صحتك قبل سقمك

____________________

(١) الأنعام: ٣١.

(٢) اسد الغابة ١: ٢٨٧، بحار الأنوار ٢٠: ١٢.

(٣) اسد الغابة ٥: ٤٦٦، بحار الأنوار ٢٠: ١٢ رواية ٨ باب ١١.

(٤) علل الشرائع: ٢٣١ ح ٥ و ٦.

و حياتك قبل موتك، و غناك قبل فقرك( ١) .

«و اعلم أنّ أمامك عقبة كؤودا» أي: شاقة المصعد.

«المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل و البطي‏ء» هكذا في (المصرية) و الصواب: (و المبطى‏ء) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«عليها أقبح حالا» هكذا في (المصرية) و الصواب: (أمرا) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣) .

«من المسرع، و إنّ مهبطك بها» هكذا في (المصرية) و الصواب: (مهبطها بك) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤) .

«لا محالة» أي: بلا حيلة.

«على جنّة أو على نار» هكذا في (المصرية) و لكن في (ابن ميثم) أو نار، و في (ابن أبي الحديد) «إمّا على جنّة أو على نار»( ٥) .

في (اعتقادات الصدوق): و أمّا العقبات التي على الجسر فاسمها اسم فرض و أمر و نهي، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسم فرض و كان قد قصّر في ذلك الفرض حبس عندها و طولب بحق اللّه فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه أو برحمة تداركته نجا منها إلى عقبة أخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى أخرى و يحبس عند كلّ عقبة فيسأل عمّا قصّر فيه من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيى حياة لا موت فيها أبدا، و سعد سعادة لا شقاوة معها أبدا، و سكن جوار اللّه مع أنبيائه و حججه و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين من عباده، و إن حبس في عقبة فطولب بحق قصّر فيه إن لم ينجه عمل صالح قدمه و لا أدركته من اللّه رحمة زلّت به قدمه

____________________

(١) بحار الأنوار ٧٧: ٧٧ رواية ٣ باب ٤، بحار الأنوار ٨١: ١٧٣ رواية ١١ باب ١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٥.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٥.

عن العقبة و هوى في جهنم( ١) .

«فارتد» من راد الكلأ و ارتاده أي: طلبه.

«و وطى‏ء المنزل» يقال وطّأت الفراش أي: جعلته وطيئا.

«قبل حلوله» حتى لا يحصل لك تعب بعده.

«فليس بعد الموت مستعتب» أي: استرضاء فإن يصبروا فالنّار مثوى لهم و إن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ٢ ) ، و إنّما الاستعتاب في الدنيا.

و في (الكافي) عن أبي جعفرعليه‌السلام : إنّ الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك، ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و أبشر، و ملك ينادي يا صاحب الشر إنزع و أقصر...( ٣) .

«و لا إلى الدنيا منصرف» قال رب ارجعون. لعلّي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنّها كلمة هو قائلها( ٤) .

«و اعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات و الأرض» و للّه خزائن السماوات و الأرض و لكن المنافقين لا يفقهون( ٥) .

«قد أذن لك في الدعاء و تكلّف لك بالإجابة» ادعوني أستجب لكم( ٦) ، و إذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون( ٧) .

____________________

(١) اعتقادات الصدوق: ٢٥ بتصرف يسير.

(٢) فصلت: ٢٤.

(٣) الكافي ٤: ٤٢، ١.

(٤) المؤمنون: ٩٩ ١٠٠.

(٥) المنافقون: ٧.

(٦) غافر: ٦٠.

(٧) البقرة: ١٨٦.

«و أمرك أن تسأله فيعطيك، و تسترحمه ليرحمك» قال النمر بن تولب:

و متى تصبك خصاصة فارج الغني

و إلى الذي يهب الرغائب فارغب

و في الدعاء: «الحمد للّه الذي أسأله فيعطيني و إن كنت بخيلا حين يستقرضني»( ١) .

و عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يزيد في العمر إلاّ البر، و لا يرد القدر إلاّ الدعاء( ٢) .

«و لم يجعل بينك و بينه من يحجبه عنك، و لم يلجئك إلى من يشفع لك إليه» في (المروج): كتب ابن الحنفية إلى عبد الملك: إنّ الحجّاج قد قدم بلادنا و أحبّ ألاّ تجعل له عليّ سلطانا بيد و لا لسان. فكتب عبد الملك إلى الحجّاج: إنّ محمد ابن علي كتب إليّ يستعفيني منك و قد أخرجت يدك عنه فلم أجعل لك عليه سلطانا بيد و لا لسان فلا تتعرّض له، فلقي الحجّاج ابن الحنفية في الطواف فعضّ على شفته ثم قال: لم يأذن لي فيك الخليفة. فقال له محمد: ويحك أو ما علمت أنّ للّه تعالى في كلّ يوم و ليلة ثلاثمئة و ستين لحظة أو قال نظرة لعلّه أن ينظر إليّ منها بنظرة أو قال بلحظة فيرحمني فلا يجعل لك عليّ سلطانا بيد و لا لسان. فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك، فكتب بها عبد الملك إلى ملك الروم و قد كان توعّده، فكتب إليه ملك الروم: ليست هذه من سجيتك و لا سجية آبائك، ما قالها إلاّ نبي أو رجل من أهل بيت نبي( ٣) .

«و لم يمنعك إن أسأت من التوبة» و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيّئات( ٤) .

«و لم يعاجلك بالنقمة» و لو يؤاخذ اللّه الناس بما كسبوا ما ترك على

____________________

(١) كتاب مهج الدعوات بحار الأنوار ٩٤: ٢٨١ رواية ٢ باب ٤٤.

(٢) بحار الأنوار ٧٧: ١٦٨ رواية ٣.

(٣) مروج الذهب ٣: ١١٦.

(٤) الشورى: ٢٥.

ظهرها من دابة( ١) .

«و لم يعيّرك بالانابة» الباء فيه بمعنى «في»، أي: لم يعيّرك وقت إنابتك إليه لم عصيته.

«و لم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(حيث تعرضت للفضيحة) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و كذا (الخطية)( ٢) .

ورد في الدعاء: يا من أظهر الجميل، و ستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة و لم يهتك الستر.

«و لم يشدّد عليك في قبول الإنابة» و يهدي إليه من أناب( ٣ ) ، و اتّبع سبيل من أناب إليّ( ٤) .

«و لم يناقشك» في (الصحاح): المناقشة: الاستقصاء في الحساب( ٥ ) ، و في الحديث «من نوقش الحساب عذّب»( ٦) .

«بالجريمة» أي: بالذنب.

«و لم يؤيسك من الرحمة» قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه ان اللّه يغفر الذنوب جميعا( ٧ ) ، و لا تيأسوا من روح اللّه انّه لا ييأس من روح اللّه إلاّ القوم الكافرون( ٨) .

____________________

(١) فاطر: ٤٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٨٧.

(٣) الرعد: ٢٧.

(٤) لقمان: ١٥.

(٥) الصحاح ٣: ١٠٢٣.

(٦) أخرجه الكافي ٥: ١٠٦.

(٧) الزمر: ٥٣.

(٨) يوسف: ٨٧.

«بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة» و الذين لا يدعون مع اللّه إلها آخر و لا يقتلون النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحق و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق أثاما.

يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا. إلاّ من تاب و آمن و عمل عملا صالحا فأولئك يبدل اللّه سيّئاتهم حسنات( ١) .

«و حسب سيئتك واحدة و حسب حسنتك عشرا» من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها و من جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها و هم لا يظلمون( ٢) .

«و فتح لك باب المتاب» من تاب و عمل صالحا فانه يتوب إلى اللّه متابا( ٣) .

«و باب الاستيعاب» هكذا في (المصرية) و الصواب: (الاستعتاب) كما في (ابن ميثم)( ٤ ) ، و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيّئات( ٥) .

و في الخبر: إن آدمعليه‌السلام قال: يا رب سلّطت عليّ الشيطان و أجريته مني مجرى الدم، فقال: يا آدم جعلت لك أن من همّ من ذريتك بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه، و من همّ منهم بحسنة فإن هو لم يعملها كتبت له حسنة و إن عملها كتبت له عشرا. قال: يا رب زدني. قال: جعلت: لك أنّ من عمل سيئة ثم استغفر غفرت له. قال: يا رب زدني. قال: جعلت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه( ٦) .

____________________

(١) الفرقان: ٦٨ ٧٠.

(٢) الأنعام: ١٦٠.

(٣) الفرقان: ٧١.

(٤) بحار الأنوار ٥١: ٣٠٣، رواية ١٩، باب ١٥.

(٥) الشورى: ٢٥.

(٦) الكافي ٢: ٤٤٠، ١.

«فإذا ناديته سمع نداءك، و إذا ناجيته علم نجواك» يعلم السرّ و أخفى( ١) ، قد سمع اللّه قول الّتي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى اللّه و اللّه يسمع تحاوركما ان اللّه سميع بصير( ٢) .

«فأفضيت إليه بحاجتك» أي: خصصته بإظهار حاجتك له.

«و ابثثته» أي: نشرت له.

«ذات نفسك» أي: مقاصدك. و قال السجستاني (ذات الصدور) أي: حاجة الصدور.

قلت: و كلامه ليس بمطّرد، فإنّه لا يناسب قوله تعالى و أصلحوا ذات بينكم( ٣ ) بل لا يناسب أيضا قوله تعالى قل موتوا بغيظكم ان اللّه عليم بذات الصدور( ٤ ) ، و ليبتلي اللّه ما في صدوركم و ليمحّص ما في قلوبكم و اللّه عليم بذات الصدور( ٥) .

«و شكوت إليه همومك» أي: أحزانك.

«و استكشفته كروبك» أي: غمومك.

و ورد لدفع الظالم في السجود بعد ركعتي المغرب «يا شديد القوى يا شديد المحال يا عزيز أذللت بعزتك جميع من خلقت، فصل على محمد و آل محمّد و أكفني مؤنة فلان بما شئت»، فدعا به بعضهم على ظالمه فلم يرعه إلاّ الواعية بالليل على الظالم و موته فجأة( ٦) .

____________________

(١) طه: ٧.

(٢) المجادلة: ١. بحار الأنوار ٧: ٩٦، باب ٥.

(٣) الأنفال: ١.

(٤) آل عمران: ١١٩.

(٥) آل عمران: ١٥٤.

(٦) بحار الأنوار ٨٧: ١٠٣، رواية ٣٠ بتغيير قليل.

«و استعنته على أمورك» قال الباقرعليه‌السلام كما في بيان الجاحظ: إذا أنعم اللّه عليك نعمة فقل: «الحمد للّه» و إذا أحزنك أمر فقل: «لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه» و إذا أبطأ عنك الرزق فقل: «أستغفر اللّه».

«و سألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار و صحّة الأبدان و سعة الأرزاق» في (الاسد) عن أبي ذر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن جبرئيل عن اللّه تعالى: يا عبادي لو أنّ أوّلكم و آخركم، و إنسكم و جنّكم كانوا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كلّ إنسان ما سأل لا ينقص ذلك من ملكي شيئا، إلاّ كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة( ١) .

و في (العيون): إحتبس القمر عن بني إسرائيل فأوحى تعالى إلى موسى أن أخرج عظام يوسف من مصر، و وعده طلوع الفجر إذا أخرج عظامه، فسأل موسى عمّن يعلم موضعه فقيل له: إنّ هاهنا عجوزا تعلم علمه، فبعث إليها فأتي بها مقعدة عمياء، فقال لها: تعرفين موضع قبر يوسف؟ قالت: نعم. قال:

فأخبريني به. قالت: لا حتى تعطيني أربع خصال: تطلق لي رجلي، و تعيد لي شبابي، و تردّ إليّ بصري، و تجعلني معك في الجنّة. فكبر ذلك على موسىعليه‌السلام فأوحى تعالى إليه: أعطها ما سألت فإنّك إنّما تعطي عليّ. ففعل فدلّته عليه فاستخرجه من شاطى‏ء النيل في صندوق مرمر، فلما أخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام، فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشام( ٢) .

و في الخبر: إن موسىعليه‌السلام قال: يا ربّ إنّك لتعطيني أكثر من أملي. قال:

لأنّك تكثر من قول ما شاء اللّه لا قوّة إلاّ باللّه( ٣) .

____________________

(١) اسد الغابة ١: ٣٠١ ٣٠٢.

(٢) عيون الصدوق ١: ٢٠٣ ح ١٨.

(٣) الكهف: ٣٩.

«ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مساءلته، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته» في (الكافي) عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : الدعاء مفاتيح النجاح و مقاليد الفلاح، و خير الدعاء ما صدر عن صدر تقيّ و قلب نقيّ، و في المناجاة سبب النجاة و بالاخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتد الفزع فإلى اللّه المفزع( ١) .

و عن الصادقعليه‌السلام : الدعاء كهف الإجابة كما أن السحاب كهف المطر، و ما أبرز عبد يده إلى اللّه العزيز الجبّار إلاّ استحى أن يردّها صفرا حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء، فإذا دعا أحدكم فلا يردّ يده حتى يمسحها على وجهه و رأسه، و ان العبد إذا عجّل فقام لحاجته يقول تعالى أما يعلم عبدي أنّي أنا اللّه الذي أقضي الحوائج، و إنّ اللّه تعالى كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة و أحب ذلك لنفسه، إنّ اللّه تعالى يحب أن يسأل و يطلب ما عنده( ٢) .

«و استمطرت» أي: طلبت عطاء كالمطر، قال الفرزدق:

و استمطروا من قريش كلّ منخدع( ٣)

«شآبيب» جمع الشؤبوب، الدفعة من المطر.

«رحمته فلا يقنطنك» أي: لا يؤيسنك.

«ابطاء» أي: تأخير.

«إجابته» و في (الكشي): قال يونس بن عبد الرحمن: صمت عشرين سنة، و سألت عشرين سنة، ثم أجبت( ٤) .

____________________

(١) الكافي ٢: ٤٦٨ ح ٢.

(٢) الكافي ٢: ٤٧١ ح ١ و ٢، ٢: ٤٧٤ ح ٢ و ٤٧٥ ح ٤. من لا يحضره الفقيه ١: ٣٢٥ رواية ٩٥٣.

(٣) لسان العرب ٥: ١٧٩، مادة (مطر).

(٤) الكشي: ٤٨٥، ح ٩١٨.

«فإنّ العطية على قدر النيّة» لا بمجرد لفظ الدعاء.

و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : لمّا استسقى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و سقي الناس حتى قالوا إنّه الغرق، و قال: «اللّهم حوالينا و لا علينا» فتفرّق السحاب، قالوا لهصلى‌الله‌عليه‌وآله إستسقيت لنا فلم نسق، ثم استستقيت فسقينا. قال: إنّي دعوت و ليس لي في ذلك نيّة ثم دعوت و لي في ذلك نيّة.

و عنهعليه‌السلام : إن اللّه تعالى لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك( ١) .

«ثم استيقن بالإجابة و ربما أخرّت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، و أجزل» أي: أعظم و أكثر «لعطاء الأمل».

في الخبر: بينا إبراهيمعليه‌السلام في جبل بيت المقدس يطلب مرعى غنمه إذ سمع صوتا، فإذا هو برجل قائم يصلّي، طوله نحو اثني عشر شبرا، فقال له: يا عبد اللّه لم تصلّي؟ قال: لإله السماء. قال: فمن أين تأكل؟ قال: أجتني من هذا الشجر في الصيف و آكل في الشتاء. قال له: فأين منزلك؟ فأومى بيده إلى جبل، فقال له إبراهيم: هل لك أن تذهب بي معك فأبيت عندك الليلة؟ فقال: إنّ قدّامي ماء لا يخاض. قال: كيف تصنع. قال: أمشي عليه. قال فاذهب بي معك لعل اللّه يرزقني ما رزقك. فأخذ العابد بيده فمضيا حتى انتهيا إلى الماء فمشى و مشى ابراهيمعليه‌السلام معه حتى انتهيا إلى منزله، فقال له إبراهيم: أيّ الأيام أعظم؟ فقال العابد: يوم الدين، يوم يدان الناس بعضهم من بعض. فقال: هل لك أن ترفع يدك و أرفع يدي فندعوا اللّه أن يؤمننا من شر ذلك اليوم. فقال: و ما تصنع بدعوتي، فو اللّه إنّ لي لدعوة منذ ثلاث سنين ما أجبت فيها بشي‏ء. فقال له ابراهيم: أو لا أخبرك لأي شي‏ء احتبست دعوتك؟ قال: بلى. قال: إنّ اللّه تعالى

____________________

(١) الكافي ٢: ٤٧٣ ٤٧٤، ١ و ٥.

إذا أحبّ عبدا احتبس دعوته ليناجيه و يسأله و يطلب إليه، و إذا أبغض عبدا عجّل له دعوته أو ألقى في قلبه اليأس منها. ثم قال له: و ما كانت دعوتك؟ قال:

مرّ بي غنم و معه غلام له ذؤابة فقلت: يا غلام لمن هذا الغنم؟ قال: لإبراهيم خليل الرحمن. فقلت: اللّهم ان كان لك. في الأرض خليل فأرنيه. فقال له إبراهيم: فقد استجاب اللّه لك أنا إبراهيم خليل الرحمن فعانقه. قال: فلما بعث اللّه محمّدا جاءت المصافحة( ١) .

«و ربما سألت الشي‏ء فلا تؤتاه» أي: لا تعطاه «و أوتيت» أي: اعطيت «خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرف» ذلك الشي‏ء «عنك لما هو خير لك» قال البحتري:

و الشي‏ء تمنعه تكون بفوته

أجدى من الشي‏ء الذي تعطاه

هذا، و في (الأغاني): قال بعض أصدقاء الحسين بن الضحّاك يوما له:

تأخرت أرزاقك، و نفقتك كثيرة، فكيف يمشي أمرك؟ فقال له: ما قوام أمري إلاّ ببقايا هبات الأمين و هبات جارية له أغنتني للأبد، لشي‏ء ظريف جرى على غير تعمّد، و هو أن الأمين دعاني يوما فقال: ان جليس الرجل موضع سره، إنّ جاريتي فلانة أحسن الناس وجها و غناء و هي مني بمحل نفسي و نغصت النعمة عليّ بتجنّيها عليّ و إدلالها بما تعلم من حبي إيّاها، و إنّي محضرها و محضر صاحبة لها ليست منها في شي‏ء لتغنّي معها، فإذا غنّت جاريتي فلا تحسّن غناءها و لا تشرب عليه، و إذا غنّت الاخرى فاشرب و اطرب و اشقق ثيابك، و عليّ مكان كلّ ثوب مئة ثوب. فقلت: السمعة و الطاعة، فجلس في الخلوة فأحضرني و سقاني و خلع عليّ، فغنّت المحسنة و قد أخذ الشراب منّي فما تمالكت أن استحسنت و طربت و شربت، فأومى إلىّ و قطب في وجهي، ثم غنّت الاخرى فجعلت أ تكلّف ما أقول و أفعله، ثم غنّت المحسنة ثانية فأتت بما

____________________

(١) أخرجه امالي الصدوق ٢٤٤ ٢٤٥، المجلس ٤٩، ح ١١.

لم أسمع مثله، فما ملكت نفسي أن صحت و شربت و طربت و الأمين ينظر إلي و يعض شفتيه غيظا، و قد زال عقلي فما أفكر فيه حتى فعلت ذلك مرارا، فغضب و أمر بجر رجلي من عنده، فجررت و أمر بأن أحجب بعد، ثم بعد شهر أمر بإحضاري فحضرت و أنا خائف، فضحك إليّ و قام و قال: إتبعني، و دخل الى تلك الحجرة بعينها و لم يحضر غيري و غنت المحسنة التي نالني من أجلها ما نالني، فسكتّ، فقال لي: قل ما شئت و لا تخف لقد خار اللّه لك بخلافي و جرى القدر بما تحب، إنّ هذه الجارية عادت إلى الحال التي أريد منها فسألتني الرضا عنك و قد فعلت و وصلتك بعشرة آلاف دينار و وصلتك هي بدون ذلك لو كنت فعلت ما قلت لك حتى تعود إلى مثل هذه الحال ثمّ تحقد ذلك عليك فتسألني ألاّ تصل إليّ لأجبتها، فدعوت له و حمدت اللّه على توفيقه و انصرفت، فما كان يمضي اسبوع إلاّ و ألطافها تصل إليّ من الجوهر و الثياب و المال، و ما جالست الأمين مجلسا بعد ذلك إلاّ سألته أن يصلني، فكل شي‏ء أنفقه إلى هذه الغاية من فضل مالها و ما ادّخرت من صلاتها( ١) .

«فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته» فكان بنو إسرائيل يقولون لموسىعليه‌السلام : أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا( ٢ ) فقال لهم موسى عسى ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون( ٣ ) ، فلما أهلك اللّه تعالى فرعون و صاروا خلفاء الأرض صاروا مثل فرعون، فكانوا يقتلون أنبياء اللّه و عبدوا العجل.

و في (عيون ابن قتيبة): قال عبد الصمد بن يزيد: استخيروا اللّه و لا تخيروا عليه، فكم من عبد تخيّر لنفسه أمرا كان فيه هلاكه، أما رأيتم من سأل

____________________

(١) الأغاني ٧: ٢٠٥، دار احياء التراث العربي بيروت.

(٢) الأعراف: ١٢٩.

(٣) الأعراف: ١٢٩.

ربّه طرسوس فأعطيها فأسر فصار نصرانيا.

و في (الكافي) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال تعالى: إنّ من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلاّ بالغنى و السعة و الصحة في البدن فيصلح عليهم أمر دينهم بها، و إنّ من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلاّ بالفاقة و المسكنة و السقم فيصلح عليهم أمر دينهم فأبلوهم بها، و إنّ من عبادي لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده و لذيذ و ساده فيتهجّد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنّعاس اللّيلة و اللّيلتين نظرا منّي له و إبقاء عليه فينام حتى يصبح و هو ماقت لنفسه زار عليها، و لو أخلّي بينه و بين ما يريد لدخله العجب، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه( ١) .

«فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله و ينفى عنك وباله» من المعنويات و الامور الدنيوية التي لا تضرّ بدينك.

«و المال لا يبقى لك» إن بقيت.

«و لا تبقى له» إن بقي و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم( ٢) .

إلى أن قال: «و اعلم يقينا انك لم تبلغ أملك» لعدم حدّ لآمال الإنسان.

«و لن تعدو» أي: لن تجاوز.

«أجلك» فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون( ٣) .

«و انك في سبيل من كان قبلك» «و كلّ حيّ سالك السّبيل».

«فخفّض» أي: خفف.

«في الطلب و أجمل» و لا تأت بما يستقبح.

____________________

(١) الكافي ٢: ٦٠، رواية ٤.

(٢) الأنعام: ٩٤.

(٣) النحل: ٦١.

«في المكتسب، فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب» أي: سلب المال، و مثله قولهم «ربّ طمع أدنى إلى عطب» أي: هلاكه، و في ديوان النابغة:

و اليأس ممّا فات يعقب راحة

و لرب مطمعة تعوذ ذباحا

«فليس كلّ طالب بمرزوق، و لا كلّ مجمل بمحروم» علّة لقولهعليه‌السلام : «خفّض في الطلب و أجمل في المكتسب» و بدله رواية الكليني بقوله «و ليس كلّ طالب بناج و لا كلّ مجمل بمحتاج»( ١ ) . و كيف كان فقال ابن عبدل:

قد يرزق الخافض المقيم و ما

شدّ بعنس رحلا و لا قتبا

و يحرم الرزق ذو المطيّة و الرح

ل و من لا يزال مغتربا

و لآخر:

و ليس رزق الفتى من فضل حيلته

لكن حظوظ بأرزاق و أقسام

كالصيد يحرمه الرامي المجيد و قد

يرمي فيحرزه من ليس بالرام

و قال البحتري:

خفض أسى عمّا شاءك طلابه

ما كلّ شائم بارق يسقاه

و قد تتناهى الأسد من دون صيدها

شباعا و تغشى صيدها و هي جوّع

و في (المعجم): دخل الناشي الأحصى على سيف الدولة فأنشده قصيدة له فيه، فأعتذر سيف الدولة بضيق اليد يومئذ، فخرج من عنده فوجد على بابه كلابا تذبح لها السخال و تطعم لحومها، فعاد إليه و أنشده:

رأيت بباب داركم كلابا

تغذّيها و تطعمها السّخالا

فما في الأرض أدبر من أديب

يكون الكلب أحسن منه حالا

ثم اتفق أن حمل إلى سيف الدولة أموال من بعض الجهات على بغال، فضاع منها بغل بما عليه و هو عشرة آلاف دينار، و جاء هذا البغل حتى وقف

____________________

(١) كشف المحجة: ١٦٦.

على باب الناشي بالاحص، فسمع حسّه فظنّه لصا فخرج إليه بالسلاح فوجده بغلا موقرا بالمال، فأخذ ما عليه من المال و أطلقه، ثم دخل حلب و دخل على سيف الدولة و أنشد قصيدة يقول فيها:

و من ظن أن الرزق يأتي بحيلة

فقد كذبته نفسه و هو آثم

يفوت الغنى من لا ينام على السرى

و آخر يأتي رزقه و هو نائم

فقال له سيف الدولة: بحياتي وصل اليك مال كان على البغل. قال: نعم.

قال: خذه بجائزتك مباركا لك فيه، فقيل لسيف الدولة: كيف عرفت ذلك؟ قال:

عرفته من قوله «و آخر يأتي رزقه و هو نائم» بعد قوله «يكون الكلب منه أحسن حالا»، و قال البحتري:

و عجبت للمحدود يحرم ناصبا

كلفا و للمجدود يغنم قاعدا

«و اكرم نفسك عن كل» صفة «دنيّة و إن ساقتك إلى الرّغائب» جمع الرغيبة العطاء الكثير.

رأى أعرابي إبل رجل قد كثرت بعد قلة، فسأل عن العلة قيل له: إنّه زوّج أمّه فجاءته بنافجة. فقال: اللّهم إنّا نعوذ بك من بعض الرزق. قال البحتري:

خلّ الثراء إذا أخزت مغبّته

و اختر عليه على نقصانه العدما

«فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا» قال الشاعر:

إنّ الهوى دنس النفوس فليتني

طهّرت هذي النفس من أدناسها

و مطامع الدنيا تذلّ و لا أرى

شيئا أعزّ لمهجة من ياسها

أيضا:

إذا أظمأتك أكفّ اللّئام

كفتك القناعة شبعا و ريّا

فكن رجلا رجله في الثرى

و هامة همّته في الثّريّا

أبيّا لنائل ذي ثروة

تراه بما في يديه أبيا

فإنّ إراقة ماء الحياة

دون إراقة ماء المحيّا

«و لا تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرّا» في (شعراء ابن قتيبة): أصاب عروة بن الورد العبسي في الجاهلية في بعض غاراته امرأة من كنانة فاتّخذها لنفسه فأولدها و حجّ بها و لقيه قومها و قالوا: فادنا بصاحبتنا فإنّا نكره أن تكون سبيّة عندك. قال: على شريطة. قالوا: و ما هي؟ قال: على أن تخيّروها بعد الفداء، فإن اختارت أهلها أقامت فيهم، و ان اختارتني خرجت بها.

و كان يرى أنّها لا تختار عليه، فأجابوه إلى ذلك و فادوه بها، فلما خيّروها اختارت قومها، ثم قالت له: اما إنّي لا أعلم امرأة ألقت سترا على خير منك أغفل عينا و أقل فحشا و أحمى لحقيقة، و لقد أقمت معك و ما من يوم يمضي إلاّ و الموت أحبّ إليّ من الحياة فيه، و ذلك أنّي كنت أسمع المرأة من قومك تقول:

«قالت أمة عروة كذا، و فعلت أمة عروة كذا» و اللّه لا نظرت في وجه غطفانية، فارجع راشدا و أحسن إلى ولدك( ١) .

و في (أدب كتاب الصولي): كتب رجل إلى المهدي كتابا عنوانه «عبده فلان» فقال: لا أعلمن أحدا نسب نفسه إلى عبودة في كتاب فإنّه ملق كاذب و ليس يقبله إلاّ متكبّر أو غبيّ.

و رأى طاهر بن الحسين رقعة كتبها ابنه عبد اللّه إلى المأمون عليها «عبده» فقال: يا بنيّ سميتك عبد اللّه و كذلك أنت فلا تشركنّ في الملك أحدا، فإنّه جعلك بإنعامه حرّا لا مولى لك سواه.

و كان أحد العرفاء وزيرا لسلطان، فاستوحش منه فكتب إليه السلطان يستعطفه، فأجابه بأنّي كنت حرّا في جبلّتي فعبّدني إحسان السلطان و رجعني استيحاشه إلى أصل الفطرة، فلا أعود بعد إلى العبودية

____________________

(١) الشعر و الشعراء: ٤٥٠، دار الكتب العلمية بيروت.

لمّا أنقذني اللّه منها.

و لبعضهم: لرد أمس بالحبال، و حبس عين الشمس بالعقال، و نقل ماء البحر بالغربال، أهون عليّ من ذلّ السؤال، واقفا على باب مثلي أرتجي منه النوال. و قيل بالفارسية:

گر بخارد پشت من انگشت من

خم شود از بار منّت پشت من

و كان عارف مقيما على نهر يقتات من الأعلاف التي يجي‏ء بها الماء، فمر به جندي فقال: لو كنت مثلي تخدم السلاطين لما كان قوتك مثل هذا. فقال له: لو كنت قانعا مثلي لما صرت عبدا و خادما للناس.

«و ما خير خير لا ينال إلاّ بشرّ، و يسر لا ينال إلاّ بعسر» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد) و لكن في نسخة ابن ميثم «و ما خير خير لا يوجد إلاّ بشرّ و لا ينال إلاّ بعسر»( ١) .

و كيف كان، ففي (أمثال العسكري): كان أهل بيت زرارة حضان الملوك، فافتخر بذلك حاجب بن زرارة فقال:

حللنا بأثناء العذيب و لم تكن

تحل بأثناء العذيب الركائب

لنكسب مالا أو نصيب غنيمة

و عند ابتلاء النفس تدنو الرغائب

حضنّا ابن ماء المزن و ابن محرّق

إلى أن بدت منهم لحى و شوارب

فعابه الناس و قالوا: ما رأينا من يفتخر بالمعائب، و ذلك أن الظئر خادمة و الخدمة تضع و لا ترفع. و قيل: تجوع الحرّة و لا تأكل بثديها، و قالوا: العبد حرّ ما قنع، و الحرّ عبد ما طمع( ٢) .

و قال أخو ذي الرّمّة لمن أراد سفرا: إنّ لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩٣.

(٢) جمهرة الأمثال ١: ٢٦١، دار الجيل بيروت.

الزاد و يهر دونهم، فإن قدرت ألاّ تكون كلب الرفقة فافعل.

«و إيّاك أن توجف بك» الإيجاف: السّير السريع، قال تعالى: فما أوجفتم عليه من خيل و لا ركاب( ١) .

«مطايا» أي: دوابّ.

«الطمع فتوردك مناهل» في (الصحاح) المنهل: عين ماء ترده الابل في المرعى، و تسمّى المنازل التي في المفازة على طريق السفار، مناهل، لأن فيها ماء( ٢) .

«الهلكة» قال الشاعر:

طمعت بليلى أن تريع و إنّما

تقطّع أعناق الرجال المطامع

أيضا:

و ارفض دنيئات المطامع إنّها

شين يعرّ و حقّها أن ترفضا

أيضا:

رأيت مخيّلة فطمعت فيها

و في الطمع المذلّة للرّقاب

و في (الطبري) في وقايع سنة (٢٨٧) أسر إسماعيل بن أحمد الساماني عمرو ابن الليث الصفّار، و كان من خبرهما أن عمرا سأل السلطان أن يولّيه ما وراء النهر، فولاّه ذلك و وجّه إليه و هو مقيم بنيسابور بالخلع و اللّواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربة إسماعيل، فكتب إليه إسماعيل، إنّك قد وليت دنيا عريضة و إنّما في يدك ما وراء النهر و أنا في ثغر فاقنع بما في يدك و اتركني مقيما بهذا الثغر، فأبى إجابته، فذكر له أمر نهر بلخ و شدّة عبوره فقال: لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال و أعبره لفعلت. فلما أيس اسماعيل من انصرافه

____________________

(١) الحشر: ٦.

(٢) الصحاح ٥: ١٨٣٧، دار العلم للملايين بيروت.

عنه جمع من معه و التنّاء و الدّهاقين و عبر النهر إلى الجانب الغربي، و جاء عمرو فنزل بلخ و أخذ عليه اسماعيل النواحي، فصار كالمحاصر و طلب المحاجزة فيما ذكر فأبى اسمعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى انهزم عمرو فولى هاربا و مرّ بأجمة في طريقه قيل له إنّها أقرب، فقال لعامة من معه امضوا في الطريق الواضح، و مضى في نفر يسير فدخل الأجمة، فوحلت دابته فوقعت و لم يكن له في نفسه حيلة، و مضى من معه و لم يلووا عليه، و جاء أصحاب اسماعيل فأخذوه أسيرا( ١) .

«فان استطعت ألاّ يكون بينك و بين اللّه ذو نعمة فافعل» في (القصص): لما سلب سليمانعليه‌السلام ملكه خرج على وجهه فضاف رجلا عظيما فأضافه و أحسن إليه و نزل منه منزلا عظيما لما رأى من صلاته و فضله و زوّجه بنته، فقالت له بنت الرجل: بأبي أنت و أمي ما أطيب ريحك و أكمل خصالك لا أعلم فيك خصلة أكرهها إلاّ أنّك في مؤونة أبي. فخرج سليمان حتى أتى الساحل، فأعان صيّادا ثمة فأعطاه السمكة التي وجد في بطنها خاتمه( ٢) .

و قال الجاحظ: عليّة أصحاب السلطان و مصاصهم و ذوو البصائر منهم يعترفون بفضيلة التجار و يتمنّون حالهم و يحكون لهم بسلامة الدين و طيب الطعمة و يعلمون أنّهم أودع الناس بدنا و أهنأهم عيشا و آمنهم سربا، لأنّهم في أفنيتهم كالملوك على أسرتهم يرغب إليهم أهل الحاجات و ينزع إليهم ملتمسو البياعات، لا تلحقهم الذلّة في مكاسبهم و لا يستعبدهم الضرع لمعاملاتهم، و ليس هكذا من لابس السلطان بنفسه و قاربه بخدمته، فإنّ أولئك لباسهم الذلّة و شعارهم الملق و قلوبهم ممن هم لهم خول مملوءة، قد لبسها

____________________

(١) تاريخ الطبري ١٠: ٧٦، دار سويدان بيروت.

(٢) أخرجه امالي الطوسي ٢: ٢٧٢، المجلس ١٧. بحار الأنوار ٢: ٦٩، باب ٥، رواية ٣.

الرعب و ألفها الذلّ و صحبها ترقّب الاجتياح، و هم مع هذا في تكدير و تنغيص خوفا من سطوة الرئيس و تنكيل الصاحب و تغيّر الدولة و اعتراض حلول المحن، فإن هي حلت بهم و كثيرا ما تحلّ فناهيك بهم مرحومين يرقّ لهم الأعداء فضلا عن الأولياء، فكيف لا يميّز بين من هذا ثمرة اختياره و غاية تحصيله و من قد نال الوفاء عنه و الدعة و سلم من البوائق مع كثرة الأثر و قضاء اللذات من غير منّة لأحد، و من استرقّه المعروف و استعبده الطمع و لزمه ثقل الصنيعة، و طوّق عنقه الامتنان و استرهن بتحمّل الشكر.

«فإنّك مدرك قسمك و آخذ سهمك» في (تاريخ بغداد): قال المأمون يوما و هو مقطّب لأبي دلف: أنت الذي يقول فيه الشاعر:

إنّما الدنيا أبو دلف

عند باديه و محتضره

فإذا ولّى أبو دلف

ولّت الدنيا على أثره

فقال له أبو دلف: شهادة زور و قول غرور و ملق معتب و طالب عرف، و أصدق منه ابن اخت لي حيث يقول:

دعني أجوب الأرض ألتمس الغنى

فلا الكرج الدنيا و لا الناس قاسم

فضحك المأمون و سكن غضبه( ١) .

«و ان اليسير من اللّه سبحانه أعظم و أكرم» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(أكرم و أعظم) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«من الكثير من خلقه و إن كان كلّ منه» زاد في رواية (التحف) (و لو نظرت و للّه المثل الأعلى فيما يطلب من الملوك و من دونهم من السفلة، لعرفت أنّ لك في يسير ما تصيب من الملوك افتخارا، و أنّ عليك في

____________________

(١) تاريخ بغداد ١٢: ٤٢١، دار الكتاب العربي بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩٣.

كثير ما تصيب من الدناة عارا)( ١) .

سير النواعج في بلاد مضلّة

يمسي الدليل بها على ملمال

خير من الطمع الدنيّ و مجلس

بفناء لا طلق و لا مفضال

فاقصد لحاجتك المليك فإنّه

يغنيك عن مترفّع مختال

«و تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك على ما فات من منطقك» هذا أحد الأدلّة على أفضلية الصمت على النطق، و قالوا في مثله: «الندم على السكوت خير من الندم على القول»( ٢ ) ، أيضا «عيّ صامت خير من عيّ ناطق»( ٣) .

هذا، و زاد في رواية (التحف) قبله: (و في الصمت السلامة من الندامة)( ٤) .

«و حفظ ما في الوعاء» أي: الظرف و الآنية.

«بشدّ» أي: بعقد.

«الوكاء» قال الجوهري: الوكاء، الذي يشدّ به رأس القربة( ٥) .

و في الخبر: إنّ من أعطاه اللّه تعالى مالا و لم يقم عليه كما ينبغي فذهب ماله ثم دعا بأن يعطيه ثانيا كان ممّن لا يستجاب له، و يقال له قد أعطيت فلم لم تحفظ( ٦) .

و في (الأغاني): قال اسحاق الموصلي: قال ابو المحبب أو غيره دعا رجل من الحي يقال له أبو سفيان، القتّال الكلابي إلى وليمة، فجلس القتّال ينتظر رسوله و لا يأكل حتى ارتفع النهار و كانت عنده فقرة

____________________

(١) تحف العقول: ٧٨، مؤسسة النشر الإسلامي قم.

(٢) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٤٦، الزمخشري ١: ٣٥٣.

(٣) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٢٩، الزمخشري ٢: ١٧٥.

(٤) تحف العقول: ٧٩، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي قم.

(٥) الصحاح للجوهري ٦: ٢٥٢٨، دار العلم للملايين بيروت.

(٦) أخرجه الكافي ٢: ٥١٠ ٥١١، ١ ٣.

من حوار فقال لامرأته:

فإنّ أبا سفيان ليس بمولم

فقومي فهاتي فقرة من حوارك

قال إسحاق: فقلت له ثم مه. قال: لم يأت بعده بشي‏ء. فقلت له: أ فلا أزيدك إليه بيتا آخر ليس بدونه. قال: بلى. قلت:

فبيتك خير من بيوت كثيرة

و قدرك خير من وليمة جارك

فقال: و اللّه لقد أرسلته مثلا و ما يلام الخليفة أن يدنيك و يؤثرك( ١) .

هذا، و زاد في رواية (التحف) قبله: «و لا تحدّث إلاّ عن ثقة، فتكون كاذبا و الكذب ذلّ»( ٢) .

«و حفظ ما في يديك أحبّ إلي من طلب ما في يد غيرك» من أمثالهم «عمّك خرجك»( ٣ ) ، و أصله أن رجلا سافر بلا زاد برجاء خرج عمه، فمنعه منه و قال له عمك خرجك.

و في الخبر: لو يعلم الناس ما في السّؤال لما سأل أحد أحدا( ٤ ) . و قال بعضهم: أحفظ مالي و يصير بعدي إلى أعدائي أحبّ إليّ من أن يذهب مالي فأحتاج إلى أصدقائي. و قال:

إستغن أو مت و لا يغررك ذو نشب

من ابن عمّ و لا عمّ و لا خال

إنّي أكبّ على الزوراء أعمرها

إنّ الكريم على الأقوام ذو المال

و لأبي هلال العسكري:

فلو أنّي جعلت أمير جيش

لما قاتلت إلاّ بالسّؤال

فإنّ الناس ينهزمون منه

و قد ثبتوا لأطراف العوالي

____________________

(١) الأغاني ٥: ٢٧٥ دار احياء التراث العربي بيروت.

(٢) تحف العقول: ٧٩، طبعة دار النشر الاسلامي قم.

(٣) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٢٧، الزمخشري ٢: ١٦٨.

(٤) الكافي ٤: ٢٠ ح ٢.

«و مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس» و زاد في رواية (التحف) «و حسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف» قال قتال الكلابي «و في الصرم إحسان إذا لم ينوّل»( ١) .

و قالوا: دعا حذيفة ابنه عند موته فقال له: أظهر اليأس ممّا في أيدي الناس فإنّ فيه الغنى، و إيّاك و طلب الحاجات إلى الناس فإنّه فقر حاضر.

و قال اعرابي لرجل مطله في حاجته: إنّ مثل الظفر بالحاجة، تعجّل اليأس منها إذا عسر قضاؤها، و إنّ الطلب و إن قلّ، أعظم قدرا من الحاجة و إن عظمت. و قالوا:

و تركك مطلب الحاجات عز

و مطلبها يذلّ عرى الرقاب

و قالوا:

لئن طبت نفسا عن ثنائي فإنّني

لأطيب نفسا عن نداك على عسري

«و الحرفة» قالوا محارف بفتح الراء خلاف مبارك، قال الراجز:

محارف بالشّاء و الأباعر

مبارك بالقلعيّ الباتر

«مع العفة، خير من الغنى مع الفجور» لأنّ الفجور مستتبع لفقر الآخرة الذي هو أصل الفقر.

هذا، و قريب من قولهعليه‌السلام قولهم: «قرب الدار في إقتار، خير من العيش الموسع في اغتراب».

«و المرء أحفظ لسره» و كانعليه‌السلام كما في (عيون ابن قتيبة) يتمثّل بهذين البيتين:

و لا تفش سرك إلاّ اليك

فإنّ لكل نصيح نصيحا

____________________

(١) تحف العقول: ٧٩، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي قم.

فإنّي رأيت غواة الرجا

ل لا يتركون أديما صحيحا( ١)

و قيل لاعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: ما قلبي له إلاّ قبر.

و كانت الحكماء تقول: سرّك من دمك. و قال الشاعر:

و لو قدرت على نسيان ما اشتملت

منّي الضلوع من الأسرار و الخبر

لكنت أوّل من ينسى سرائره

إذ كنت من نشرها يوما على خطر

أيضا:

إذا ما ضاق صدرك عن حديث

فأفشته الرجال فمن تلوم؟

إذا عاتبت من أفشى حديثي

و سرّي عنده فأنا الظلوم

أيضا:

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها

فسرّك عند الناس أفشى و أضيع

و فيه: قرأت في (التاج): أن بعض ملوك العجم استشار وزراءه فقال أحدهم: ليس للملك أن يستشير منّا أحدا إلاّ خاليا به، فإنّه أموت للسرّ و أحزم للرأي، و أجدر بالسلامة و أعفى لبعضنا من غائلة بعض، فإنّ إفشاء السرّ إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين، و افشاءه إلى ثلاث كإفشائه إلى العامّة، لأن الواحد رهن بما أفشي إليه، و الثاني يطلق عنه ذلك الرهن، و الثالث علاوة فيه، و إذا كان سرّ الرجل عند واحد كان أحرى ألاّ يظهره رهبة منه و رغبة إليه، و إذا كان عند اثنين دخلت على الملك الشّبهة و اتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد و إن أتّهمهما اتّهم بريئا بجناية مجرم، و ان عفا عنهما كان العفو عن أحدهما و لا ذنب له و عن الآخر و لا حجّة معه( ٢) .

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٩٧، دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) عيون الأخبار ١: ٨٢، دار الكتب العلمية بيروت.

و عن عمرو بن العاص: إذا أنا أفشيت سرّي إلى صديق فاذاعه فهو في حلّ. قيل له: و كيف؟ قال: لأنّي كنت أحقّ بصيانته.

هذا، و أما قول جميل بثينة:

أموت و ألقى اللّه يا بثن لم أبح

بسرّك و المستخبرون كثير

فإنّه و إن قال لفظا إنه لا يبوح بسرّها إلاّ أن شعره هذا كان نشرا لسرّها لأهل عصرها جميعا و لكلّ عصر بعده، فهو أنشر للسر من أعرابي قال:

و لا أكتم الأسرار لكن أنمّها

و لا أدع الأسرار تغلي على قلبي

و إنّ قليل العقل من بات ليله

تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب

«و رب ساع فيما يضره» و قالوا: «رب طائر بجناحه إلى موضع اجتياحه».

في (أذكياء ابن الجوزي): خرج ابن أبي الطيّب القلانسي الكاتب النصراني في سنة نيّف و أربعين و ثلاثمئة من جنديسابور إلى بعض شأنه في الرستاق، فأخذه الأكراد و عذّبوه و طالبوه أن يشتري نفسه منهم، فلم يفعل و كتب إلى أهله: أنفذوا إلي أربعة دراهم أفيون و اعلموا أنّي أشربها فتلحقني سكتة فلا يشك الأكراد أنّي متّ، فيحملوني إليكم فإذا حصلت عندكم فأدخلوني الحمّام و اضربوني ليحمى بدني و سوّكوني بالأرياح، و كان سمع أن من شرب أفيونا أسكت فإذا أدخل الحمام و ضرب و سوك بالارياج برأ و لم يعلم مقدار الشرب فشرب أربعة دراهم فلم يشك الأكراد في موته فلفوه في شي‏ء و أنفذوه إلى أهله فلما حصل عندهم أدخلوه الحمّام و ضربوه و سوّكوه فما تحرّك، و أقيم في الحمّام أياما و رآه أهل الطب فقالوا: قد تلف كم شرب؟

قالوا: أربعة دراهم. قالوا: لو شوي هذا في جهنم ما عاش، إنّما يجوز هذا عن شرب أربعة دوانيق أو حوالي درهم، فلم يفعل أهله و تركوه في الحمام حتى

أراح و تغيّر ثم دفنوه( ١) .

و فيه: روي أنّ بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري كان في حبس الحجاج و كان يعذّبه، و كان كلّ من مات في الحبس رفع خبره إلى الحجاج فيأمر باخراجه و تسليمه إلى أهله، فقال بلال للسجان: خذ مني عشرة آلاف درهم و أخرج اسمي إلى الحجاج في الموتى فإذا أمرك بتسليمي إلى أهلي هربت في الأرض فلم يعرف الحجاج خبري، و إن شئت أن تهرب معي فافعل و عليّ غناك أبدا، فأخذ السجان المال و رفع اسمه في الموتى، فقال الحجاج مثل هذا لا يجوز تسليمه إلى أهله حتى أراه، فعاد إلى بلال فقال: أعهد ان الحجاج قال كيت و كيت فإن لم أحضرك إليه ميتا قتلني و علم أني أردت الحيلة عليه و لا بدّ أن أقتلك خنقا، فبكى بلال و سأله ألا يفعل فلم يكن إلى ذلك طريق فأوصى فأخذه السجان و خنقه و أخرج إلى الحجاج، فلما رآه ميّتا قال سلمه إلى أهله، فكان اشترى القتل لنفسه بعشرة آلاف درهم( ٢) .

هذا، و قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام: كتب عبد الحميد الكاتب إلى أبي مسلم: «لو أراد اللّه بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا»( ٣ ) . و هو كما ترى، فالكلام في السعي فيما يضرّ، و نبت الجناح للنّمل ليس سعيا منها.

«من أكثر أهجر» قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في (مجازات المصنّف): ألا أخبركم بأبغضكم إليّ، و أبعدكم منّي مجالس يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون. قال المصنف في شرحه: المراد، الذين يكثرون الكلام، و يتعمّقون فيه طلبا للتكلّف، و خروجا عن القصد، و أصل الثرثار مأخوذ من العين الثرثارة، و هي الواسعة

____________________

(١) كتاب الأذكياء: ١٢٥ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) كتاب الأذكياء: ١٢٦ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩٦.

الأرجاء، الغزيرة الماء، و «متفيهق» من قولهم فهق الغدير و يفهق إذا كثر ماؤه( ١ ) . و يأتي الإهجار أيضا بمعنى الهجر و الهذيان و الخناء. قال الشماخ:

كما جدة الأعراق قال ابن ضرّة

عليها كلاما جار فيه و أهجرا( ٢)

«و من تفكّر أبصر» العاقبة، و لذا ورد: تفكّر ساعة خير من عبادة سنة.

«قارن أهل الخير تكن منهم و باين أهل الشر تبن» أي: تنفصل «عنهم» من وصايا لقمان لابنه: يا بنيّ كن عبدا للأخيار و لا تكن ولدا للأشرار( ٣) .

و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم.

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : المرء على دين خليله و قرينه( ٤) .

«بئس الطعام الحرام» و عنهعليه‌السلام كما في (الفقيه) ما من عبد إلاّ و به ملك موكّل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه، ثم يقول له الملك: يا بن آدم هذا رزقك، فانظر من أين أخذته، و إلى ما صار، فينبغي للعبد عند ذلك أن يقول:

«اللّهم ارزقني الحلال و جنّبني الحرام»( ٥) .

و قال ابن أبي الحديد: كلامه هذا من قوله تعالى: إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا( ٦ ) و هو كما ترى، فإنّ الكلام في مطلق طعام الحرام و لو من كبير، مع أن أكل مال اليتيم الذي يستتبع تلك العقوبة ليس منحصرا بأكل طعامه، بل يشمل

____________________

(١) مجازات: ١٨٧.

(٢) لسان العرب ٥: ٢٥٣، مادة (هجر).

(٣) معاني الأخبار: ٢٥٣ ح ١. بحار الأنوار ٧٤: ١٨٦ رواية ٤ باب ١٣.

(٤) الكافي ٢: ٦٤٢، الرواية ١٠ و ٢: ٣٧٥ الرواية ٣.

(٥) من لا يحضره الفقيه ١: ١٦ ح ٣.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٠. و الآية ١٠ من سورة النساء.

ما لو غصب مساكنه أو ملابسه أو مراكبه. و بالجملة خصص ما هو غير خاص و عمّم ما هو غير عام من الكلام.

«و ظلم الضعيف أفحش الظلم» كظلم النساء و الصبيان، فإنّه أفحش من ظلم الرجال و الكبار.

قال الصادقعليه‌السلام كما في (الفقيه) اتقوا اللّه في الضعيفين، يعني بذلك اليتامى و النساء( ١) .

«إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا» في (شعراء القتيبي): أتى النابغة الجعدي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و أنشده:

و لا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمى صفوه أن يكدرا

و لا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال له النبيّ: لا يفضض اللّه فاك فغبر دهره لم ينقض له سن و كان معمّرا نادم المنذر و أدرك الأخطل( ٢) .

و في رجز لبيد على زياد العبسي لما طعن في بني جعفر الكلاب و هم بنو ابي لبيد عند النعمان بن المنذر «يا ربّ هيجا هي خير من دعه».

و قال ابن أبي الحديد: قال عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجلهن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و في المثل «إنّ الحديد بالحديد يفلح»، و قال زهير:

و من لا يذد عن حوضه بسلاحه

يهدّم و من لا يظلم الناس يظلم( ٣)

و هو كما ترى، فان المثل و البيتين في مقام و كلامهعليه‌السلام في مقام.

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٣: ٢٤٨ ح ١.

(٢) الشعر و الشعراء: ١٧٧، دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠١.

نعم نقله بيت المتنبّي:

و وضع الندى في موضع السيف بالعلا

مضرّ كوضع السيف في موضع النّدى( ١)

مربوط.

«ربما كان الدواء داء و الداء دواء» في (وزراء الجهشياري): كان للبرامكة عند الحسن بن عيسى (كاتب عمرو بن مسعدة) معروف، فلما حملوا إلى الرقة استقبل الحسن و هو يسير يحيى، فلما بصر به قال لا يراني اللّه أمنعه من نفسي في هذا الوقت شيئا كنت أبذله له قبل ذلك اليوم، فنزل عن دابته مترجّلا له فصاح به إيّاك إيّاك، فلم يلتفت إلى زجره، فلما دنا قال له يحيى: إفهم عنّي أنّ هذا الأمر لو بقي فيمن كان قبلنا لم يصل الينا، و لو بقي فينا لم يصل إلى من بعدنا، و لا بدّ للأعمال من تصرف و للامور من تنقل، قد كنّا قبل اليوم دواء فأصبحنا داء، فلا تعد. قال: فكنت أراه بعد ذلك فلا أفعل ما أنكره.

و قالوا: الضبع إذا وقعت في الغنم عاثت و لم يكتف بما يكتفي به الذئب، فإذا اجتمع الذئب و الضبع في الغنم سلمت، لأن كلّ واحد منهما يمنع صاحبه، و العرب تقول في دعائها: «اللّهم ضبعا و ذئبا» أي: إجمعهما في الغنم لتسلم.

و منه قول الشاعر:

تفرّقت غنمي يوما فقلت لها

يا ربّ سلّط عليها الذّئب و الضّبعا

و قالوا: خرج قوم إلى الصيد فطردوا ضبعا فتبعوها حتى ألجأوها إلى خباء اعرابي، فاقتحمته فخرج إليهم فقالوا: صيدنا و طريدتنا. قال: كلاّ، لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي في يدي، فرجعوا و تركوها، فقام الاعرابي إلى لقحة له فحلبها و قرب إليها الحليب و قرّب إليها ماء، فأقبلت مرة تلغ من هذا و مرّة تلغ من هذا حتى سمنت، فبينما الاعرابي نائم إذ و ثبت عليه فبقرت بطنه

و شربت دمه و أكلت حشوته و خرجت، فجاء ابن عم له فوجده على تلك الصورة فالتفت إلى موضع الضبع و كنيتها أم عامر فأخذ كنانة و اتبعها حتى أدركها فقتلها، و قال:

و من يصنع المعروف مع غير أهله

يلاقي الذي لاقى مجير أمّ عامر

و منه المثل «كمجير أمّ عامر»( ١) .

و في (الطبري): جلس المنصور للمدنيّين مجلسا عامّا و كان وفد إليه منهم جمع فقال: لينتسب كلّ من دخل، فقام شاب من ولد عمرو بن حزم فانتسب ثم قال: قال الأحوص فينا شعرا امنعنا أموالنا من أجله منذ ستين سنة. قال: أنشدنيه، فأنشده:

لا تأوينّ لحزميّ رأيت به

فقرا و إن ألقي الحزميّ في النار

الناخسين بمروان بذي خشب

و الداخلين على عثمان في الدار

و كان الأحوص مدح الوليد بن عبد الملك في قصيدة أنشده، فلما بلغ إلى هذا الموضع قال له الوليد: أذكرتني ذنب آل حزم، فأمر باستصفاء أموالهم.

فقال له المنصور: أعد علي الشعر، فأعاد ثلاثا فقال له المنصور: لا جرم أنّك تحتظي بهذا الشعر كما حرمت به، ثم أمر أن يعطى عشرة آلاف درهم، و ان يكتب إلى عمّاله أن ترد ضياع آل حزم عليهم و يعطوا غلاّتها في كلّ سنة من ضياع بني أميّة و تقسّم أموالهم بينهم على كتاب اللّه على التناسخ، و من مات منهم و فّر على ورثته، فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد( ٢) .

«و ربّما نصح غير الناصح و غشّ المستنصح» أي: من تعده ناصحا لك، قال الشاعر:

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ٢: ١٤٤، الزمخشري ٢: ٢٣٢.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ٨٥. دار سويدان بيروت.

ربّ مستنصح يغشّ و يردي

و ظنين بالغيب يلفى نصيحا

أيضا:

ألا ربّ من تغتشه لك ناصح

و مؤتمن بالغيب غير أمين

هذا، و في (الأغاني): إستودع رجل من عمّال ابن هبيرة رجلا ناسكا ثلاثين ألف درهم، و استودع مثلها رجلا نبيذيا، فأما الناسك فبنى بها داره و تزوّج النساء و أنفقها و جحدها، و أما النبيذي فأدّى الأمانة، فقال ابن بيض:

ألا لا يغرّنك ذو سجدة

يظلّ بها دائبا يخدع

كأنّ بجبهته جلبة

يسبّح طورا و يسترجع

و ما للتقى لزمة وجهه

و لكن ليغترّ مستودع

و لا تنفرنّ من أهل النبيذ

و إن قيل يشرب لا يقلع( ١)

و قال ابن أبي الحديد: كان المغيرة يبغض عليّاعليه‌السلام و أشار عليه يوم بويع أن يقرّ معاوية على الشام، فإذا خطب له في الشام و توطأت دعوته، دعاه إليه كما كان عمر و عثمان يدعوانه إليهما و صرفه، فلم يقبل، و كان ذلك نصيحة من عدوّ كاشح( ٢) .

قلت: المغيرة كان منافقا داهية و لم يكن من مبغضيه المخصوصين كبني اميّة و جمع آخر، و إنّما يصحّ أن يقال له كان مبغضا لهعليه‌السلام من حيث إنّ المنافق و المؤمن متباغضان بالطبع، و إلا فالمغيرة اعتزل معاوية كما اعتزلهعليه‌السلام فلكونه داهية اعتزلهما حتى يرى أيّهما يظهر فيلحق به، و بعد شهادتهعليه‌السلام و ظهور معاوية لحق به. و كيف يصحّ ما قال من كونه مبغضا و قد قال الطبري: إن المغيرة لمّا بلغه عن صعصعة أنّه يكثر ذكر عليّ و يعيب

____________________

(١) الأغاني ١٦: ٢٠٧ دار احياء التراث العربي بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٢.

عثمان دعاه و قال له: إيّاك أن يبلغني أنّك تعيب عثمان عند أحد من الناس، و إيّاك أن يبلغني عنك انّك تظهر شيئا من فضل عليّ علانية، فإنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك، و لكن هذا السلطان قد ظهر و قد أخذنا بإظهار عيبه للنّاس، فنحن ندع كثيرا ممّا أمرنا به و نذكر الشي‏ء الذي لا نجد بدّا منه، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة( ١) .

كما أن ما قاله من كون إشارة المغيرة عليهعليه‌السلام نصيحة ليس كذلك، فلم يكن ذاك الرأي نصيحة دينية بل سياسة دنيوية يعتقدها المغيرة نصيحة لا هوعليه‌السلام و قد صرّح بأنّه قال ذلك عن نصيحة عنده.

و قال ابن أبي الحديد أيضا: استشار الحسينعليه‌السلام عبد اللّه بن الزبير و هما بمكة، فليس بها من يبايعك، و لكن دونك العراق، فإنّهم متى رأوك لم يعدلوا بك أحدا، فخرج إلى العراق، حتّى كان من أمره ما كان( ٢) .

قلت: ما قاله أيضا غير صحيح، فلم يستشر الحسينعليه‌السلام ابن الزبير و لا ظنّ انّه ناصحه و لا خرج إلى العراق بإشارته، كيف و في (الطبري): أتى ابن الزبير إلى الحسينعليه‌السلام و قال له: ما تركنا هؤلاء القوم و كفّنا عنهم و نحن أبناء المهاجرين و ولاة هذا الأمر دونهم، خبّرني ما تريد أن تصنع؟ قالعليه‌السلام لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، و لقد كتبت إلي شيعتي بها و أشراف أهلها و أستخير اللّه. فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها، ثم خشي أن يتهمه فقال: أما انّك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ما خولف عليك، ثم قام فخرج فقال الحسينعليه‌السلام : إنّ هذا الرجل ليس شي‏ء يؤتاه من

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ١٨٩ دار سويدان بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٢.

الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق لأنّه علم أنّه ليس له من الأمر معي شي‏ء فودّ أنّي خرجت منها لتخلو له...( ١) .

و بالجملة ليس واحد مما ذكر شاهدا لكلامهعليه‌السلام من نصح غير الناصح أحيانا و غش المستنصح، و من الشاهد للثاني ما في (المروج) و غيره: أنّ مروان الجعدي دعا اسماعيل بن عبد اللّه القشيري و قد كان مروان وافى على الهزيمة إلى حران فقال له: قد ترى ما جاء من الأمر و أنت الموثوق به و لا مخبأ بعد بؤس، فما الرأي؟ فقال اسماعيل: على ما أجمعت؟ قال: على أن أرتحل بمواليّ و من تبعني من الناس حتى أقطع الدرب و أميل إلى مدينة من مدن الروم فأنزلها و أكاتب صاحبها و أستوثق منه، فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم و ليس هذا عارا بالملوك فلا يزال يأتيني الخائف و الهارب و الطائع فيكثر من معي و لا أزال على ذلك حتى يكشف اللّه أمري و ينصرني على عدوّي. قال اسماعيل: فلما رأيت أن ما أجمع عليه هو الرأي و رأيت آثاره و نكاياته في قوم من قحطان قلت: أعيذك باللّه من هذا الرأي تحكم أهل الشرك في بناتك و حرمك و هم الروم و لا وفاء لهم و لا تدري ما تأتي به الأيام، و ان حدث عليك حادث و أنت بأرض النصرانية ضاع من بعدك، و لكن اقطع الفرات ثم استنفر الشام جندا فإنّك في كنف و عزّة، و لك في كل جند صنايع يسيرون معك حتى تأتي مصر فإنّها أكثر أرض اللّه مالا و خيلا و رجالا، ثم الشام أمامك و أفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحبّ انصرفت إلى الشام، و إن كانت الاخرى مضيت إلى أفريقية. قال: صدقت. فقطع الفرات و واللّه ما قطعه من قيس إلاّ رجلان: أحدهما أخوه من الرضاعة، و لم ينفع مروان تعصبه مع النزارية شيئا بل غدروا به و خذلوه، فلما اجتاز ببلاد قنّسرين و الحاضر أوقعت تنوخ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٣٨٣ دار سويدان بيروت.

القاطنة بقنّسرين بساقته و وثب به أهل حمص و سار إلى دمشق، فوثب به الحرث بن عبد الرحمن الحرشي، ثم أتى الأردن فوثب به هاشم العنسي و المذحجيون جميعا، ثم مر بفلسطين فوثب به الحكيم بن روح بن زنباع لما رأوا من ادبار الأمر عنه، و علم مروان ان اسماعيل قد غشه في الرأي و لم يمحضه النصيحة و أنّه فرّط في مشورته إيّاه إذ شاور رجلا من قحطان متعصّبا من قومه على أضدادهم من نزار، و أن الرأي هو الذي همّ به من قطع الدرب و نزول بعض حصون الروم و مكاتبة ملكها( ١) .

«و إيّاك و اتكّالك» هكذا في (المصرية) و الصواب: (و الاتكال) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢ ) ، أي: الاعتماد.

«على المنى» أي: على التمنيات.

«فإنّها» أي: المني.

«بضائع» قال الجوهري: البضاعة طائفة من مالك تبعثها للتجارة( ٣) .

«النوكى» بالفتح أي: الحمقاء( ٤ ) ، و في (المصرية) (الموتى) و هو غلط.

في (عيون ابن قتيبة): في كتاب للهند، ان ناسكا كان له عسل و سمن في جرة، ففكّر يوما فقال: أبيع الجرّة بعشرة دراهم و أشتري خمسة أعنز فأولدهن في كلّ سنة مرّتين و يبلغ النتاج في سنتين مئتين، و أبتاع بكلّ أربع بقرة و أصيب بدرا فأزرع و ينمى المال في يدي فأتّخذ المساكن و العبيد و الإماء و الأهل و يولد لي ابن فأسمّيه كذا و آخذه بالأدب فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه و كانت في يده عصا فرفعها حاكيا للضرب فأصابت

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٢٤٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩٧.

(٣) الصحاح ٣: ١١٨٦ دار العلم للملايين بيروت.

(٤) الصحاح ٤: ١٦١٢ دار العلم للملايين بيروت.

ضربت بعصاي رأسه و كانت في يده عصا فرفعها حاكيا للضرب فأصابت الجرّة فانكسرت و انصبّ العسل و السمن على رأسه.

و فيه: قال الأصمعي: قال شيخ من بني القحيف تمنّيت دارا فمكثت أربعة أشهر مغتمّا للدرجة أين أضعها( ١) .

و في (بيان الجاحظ): مرض فتى فقال له عمّه: أيّ شي‏ء تشتهي؟ قال:

رأس كبشين. قال: هذا لا يكون. قال: فرأس كبش. و من الشعر في ذلك:

إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطا

إنّ المنى رأس أموال المفاليس

أيضا:

أعلّل نفسي بما لا يكون

كما يفعل المائق الأحمق

هذا، و قالوا: ان الوليد بن عبد الملك قال لبديح المغني: خذ بنا في التمنّي، فو اللّه لأغلبنّك. قال: و اللّه لا تغلبني أبدا. قال: بلى. فإنّي أتمنّى كفلين من العذاب و أن يلعنني اللّه لعنا كثيرا فخذ ضعفي ذلك. قال: غلبتني لعنك اللّه.

«و العقل حفظ التجارب» زاد في رواية (التحف) قبله «و تثبّط عن خير الدنيا و الآخرة، ذكّ قلبك بالأدب كما تذكّى النار بالحطب، و لا تكن كحاطب الليل، و عثاء السيل، و كفر النعمة لؤم، و صحبة الجاهل شؤم»( ٢) .

عنهعليه‌السلام : ما عبد اللّه بشي‏ء أفضل من العقل، و ما تم عقل امرى‏ء حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر و الشر منه مأمونان، و الخير و الرشد منه مأمولان، و فضل ماله مبذول، و فضل قوله مكفوف، و نصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، و الذل مع اللّه أحبّ إليه من العزّ مع غيره، و التواضع أحبّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، و يستقلّ كثير

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٣٧٣ و ٣٧٤ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) تحف: ٨٠. طبعة مؤسسة النشر الإسلامي قم.

المعروف من نفسه، و يرى الناس كلّهم خيرا منه، و أنّه شرّهم في نفسه و هو تمام الأمر( ١) .

و عن الصادقعليه‌السلام : العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان. قيل:

فالذي كان في معاوية. قال: تلك النكراء، تلك الشيطنة، و هي شبيهة بالعقل، و ليست بالعقل( ٢) .

و عن بعضهم: العقل الإصابة بالظنون و معرفة ما لم يكن بما قد كان.

هذا، و سئل شريك عن أبي حنيفة فقال: أعلم الناس بما لا يكون، و أجهل الناس بما يكون.

«و خير ما جرّبت ما وعظك» هو نظير قولهعليه‌السلام المذكور في القصار «لم يذهب من مالك ما وعظك»( ٣ ) و وجه قولهعليه‌السلام أن التجربة مفيدة لحصول شي‏ء لك بفهمه، فإذا كان فهم أمر من أمور الدنيا يكون حسنا، و إذا كان فهم أمر من الآخرة و وعظ له كان أحسن.

و زادت رواية الكليني بعده: «و من الكرم لين الشيم»( ٤) .

«بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة» في (الأغاني) قال رجل كان يديم الأسفار: سافرت مرّة إلى الشام على طريق البر فجعلت أتمثل بقول القطامي:

قد يدرك المتأنّي بعض حاجته

و قد يكون مع المستعجل الزلل

و معي أعرابي قد استأجرت منه مركبي، فقال: ما زاد قائل هذا الشعر على أن يثبط الناس عن الحزم، فهلاّ قال بعد بيته هذا:

____________________

(١) الكافي ١: ١٨ رواية ١٢.

(٢) الكافي ١: ١١ ٣.

(٣) نهج البلاغة ٤: ٤٥ الحكمة ١٩٦.

(٤) كشف المحجة: ١٦٧.

و ربّما ضر بعض الناس بطؤهم

و كان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا( ١)

هذا و قال ابن أبي الحديد هنا: حضر ابن زياد عند هانى‏ء عائدا، و قد كمن له مسلم، و أمره أن يقتله إذا جلس، فلما جلس جعل مسلم يؤامر نفسه على الوثوب به فلم تطعه، و جعل هانى‏ء يترنم «ما الانتظار بسلمى لا تحيّيها» و يكرر ذلك، فأوجس عبيد اللّه خيفة و نهض، و فات مسلما ما كان يؤمّله بإضاعة الفرصة( ٢) .

قلت: ان هانيا لم يأمر مسلما بقتل عبيد اللّه بل نهاه في عيادة عبيد اللّه له و في عيادته لشريك بن الاعور الذي كان نازلا على هاني، و إنّما شريك أمره بقتله، و هو الذي يترنم و أمره، ففي (الطبري) عن أبي مخنف عن المعلّى بن كلب عن أبي الودّاك قال: مرض هاني قبل أن يدخل عين عبيد اللّه على مسلم، فجاء عبيد اللّه عائدا له فقال له عمارة بن عبيد السلولي: انما جماعتنا و كيدنا قتل هذا الطاغية فقد أمكنك اللّه منه فاقتله. قال هاني: ما أحب أن يقتل في داري، فخرج فما مكث إلاّ جمعة حتى مرض شريك بن الأعور و كان كريما على ابن زياد و على غيره من الامراء و كان شديد التشيّع فأرسل إليه عبيد اللّه إني رائح إليك العشيّة. فقال لمسلم: إنّ هذا الفاجر عائدي العشيّة، فإذا جلس فأخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك و بينه، فإذا برأت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة و كفيتك أمرها، فلمّا كان من العشيّ أقبل عبيد اللّه لعيادة شريك، فقام مسلم ليدخل فقال له شريك: لا يفوتنّك إذا جلس. فقام هاني إليه فقال: إني لا أحبّ أن يقتل في داري كأنّه استقبح ذلك فجاء عبيد اللّه و جعل يسأله عن حاله، فلمّا طال سؤاله و رأى أن مسلما لا

____________________

(١) الأغاني ٢٤: ٢١. دار احياء التراث العربي بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٢ ١٠٣ بتصرف.

يخرج، خشي أن يفوته فأخذ يقول: «ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها» اسقونيها و إن كانت فيها نفسي. قال ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال عبيد اللّه: ما شأنه أ ترونه يهجر؟ قال له هاني: نعم...( ١) .

هذا، و زاد في رواية الكليني بعده: «و من الحزم العزم، و من سبب الحرمان التواني»( ٢) .

«ليس كلّ طالب يصيب» قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:

ما كل وقت ينال المرء ما طلبا

و لا يسوغه المقدار ما وهبا

«و لا كلّ غائب يؤب» أي: يرجع، قال ابن أبي الحديد: كقول عبيد:

و كلّ ذي غيبة يؤوب

و غائب الموت لا يؤوب( ٣)

قلت: و قالوا في المثل «حتى يؤوب القارظان» و «يعود المثلم»( ٤ ) و المراد لا يؤوب فلان كما لا يؤوب القارظان و لا يرجع فلان كما لا يرجع المثلم، أمّا القارظان فقالوا كانا رجلين من عنزة خرجا لطلب القرظ أي ورق السلم للدباغ فلم يرجعا، قال أبو ذؤيب:

و حتى يؤوب القارظان كلاهما

و ينشر في القتلى كليب لوائل

و أمّا المثلم فكان من شرطة عبيد اللّه بن زياد، فقتل بأمره خالد السدوسي من الخوارج و كان المثلّم مغرما باشتراء اللقاح فجاءه رجل من الخوارج و قال له: لك ما تحب فامض معي، فذهب به إلى داره و أغلق عليه الباب و ثاروا به فقتلوه، فقال أبو الأسود:

آليت لا أغدو إلى ربّ لقحة

اساومه حتى يعود المثلّم

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٣٦٣ دار سويدان بيروت.

(٢) كشف المحجة: ١٦٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٣.

(٤) مجمع الأمثال للميداني ١: ٢١١، أساس البلاغة للزمخشري ٢: ٥٨.

و في (أمثال الكرماني): «لا أفعله حتى ترجع ضالّة غطفان» يعنون سنان بن أبي حارثة المرّي، و كان قومه عنّفوه على الجود فقال: لا أراني يؤخذ على يدي، فركب ناقته و رمى بها الفلاة فلم ير بعد.

ثم إنّ نفي أوب الكل لا يلزم نفي أوب البعض، و عن الحلية في سفيان بن عيينة قال مسعر بن كدام: إنّ رجلا ركب البحر فانكسرت السفينة فوقع في جزيرة فمكث ثلاثة أيام لم ير أحدا و لم يأكل و لم يشرب، فتمثل بقول القائل:

إذا شاب الغراب أتيت أهلي

و صار القار كاللبن الحليب

فأجابه صوت:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه

يكون وراءه فرج قريب

فإذا سفينة قد أقبلت، فلوّح إليها فأتوه فحملوه( ١) .

«و من الفساد إضاعة الزّاد» أي: زاد الآخرة.

«و مفسدة المعاد» أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرّطت في جنب اللّه( ٢) .

هذا، و ليس «مفسدة المعاد» في رواية الكليني و الحلبي( ٣) .

«و لكل أمر عاقبة» هكذا في (النسخ)( ٤ ) و الصواب: رواية الكليني (و لكل امرى‏ء عاقبة).

«و سوف يأتيك ما قدر لك» قال ابن أبي الحديد هذا من قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : و إن يقدّر لأحدكم رزق في قلّة جبل أو حضيض بقاع يأته( ٥) .

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٢٣٣.

(٢) الزمر: ٥٦.

(٣) كشف المحجّة: ١٦٧.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٩٧، كشف المحجّة: ١٦٧، تحف العقول: ٨٠، ط مؤسسة النشر الإسلامي قم.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٣.

قلت: مورد كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الرزق المقدّر، و مورد كلامهعليه‌السلام كلّ أمر مقدّر لا خصوص الرزق كما قيل:

استقدر اللّه خيرا و ارضينّ به

فبينما العسر إذ دارت مياسير

«التاجر مخاطر» قال ابن أبي الحديد هذا الكلام ليس على ظاهره بل له باطن، و هو أنّ من مزج الأعمال الصالحة بالأعمال السّيئة مثل قوله تعالى:

خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا( ١ ) فإنّه مخاطر لأنّه لا يأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة، كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفّر تلك السيئات، و المراد أنّه لا يجوز للمكلّف أن يفعل إلاّ الطّاعة أو المباح( ٢) .

قلت: أين ربط (التاجر مخاطر) بآية خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و ما ذكره من بيان المراد من قبيل ما قيل بالفارسية «لفظ ميگوئى و معنى ز خدا ميطلبى»

مع أن قوله «كما لا يؤمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفّر تلك السيئات» تعبير غلط، فقولهم: «لا يؤمن» إنّما يقال في مقام الخوف، و احتمال تكفير السيئة بالعمل الصالح رجاء، و إنّما الظاهر و المتبادر من قولهعليه‌السلام «التاجر مخاطر» أن التاجر و إن يتّجر بقصد الربح إلاّ انّه لا يعلم هل يربح أم يخسر، و كم تاجر خسر حتى هلك رأس ماله، هذا هو المعنى المتبادر منه.

و يمكن أن يراد به المخاطرة من حيث الآخرة إذا لم يعرف مسائل المعاملة فتصدر منه معاملات غير مشروعة كالربا و غيره، أو يحمله الحرص على الخيانة و الكذب و البخس، ففي (الكافي) عن الأصبغ: سمعت أمير

____________________

(١) التوبة: ١٠٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٣ ١٠٤.

المؤمنينعليه‌السلام يقول على المنبر: يا معشر التّجّار الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، و اللّه للرّبا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا أيمانكم بالصدق، التاجر فاجر و الفاجر في النار إلاّ من أخذ الحق و أعطى الحق.

(و فيه): ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارته حتى ضمن له إقالة النادم و إنظار المعسر و أخذ الحق وافيا و غير واف.

(و فيه): عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال و إلاّ فلا يشترينّ و لا يبيعنّ: الربا، و الحلف، و كتمان العيب، و المدح إذا باع، و الذمّ إذا اشترى( ١) .

«و ربّ يسير أنمى» أي: أكثر نموا.

«من كثير» يتفق ذلك في الزرع كثيرا و في كثير من الأشياء كالتجارة و في الأغنام و الاحشام و في النسل، و في تفسير قوله تعالى: و أمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا و كفرا. فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا منه زكاة و أقرب رحما( ٢ ) أبدل اللّه والديه به بعد قتل الخضر له بنتا ولدت سبعين نبيا.

و قد يقع ذلك في الكلام، ففي (تاريخ بغداد) رئي مروان بن أبي حفصة واقفا بباب الجسر كئيبا آسفا ينكت بسوطه في معرفة دابته فقيل له: ما الذي نراه بك؟ قال أخبركم بالعجب، فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفيها و وصفت الفيافي من اليمامة إلى بابه، أرضا أرضا و رملة رملة حتى إذا

____________________

(١) الكافي ٥: ١٥٠ ١٥١ ١ و ٢ و ٤. التهذيب ٧: ٦ رواية ١٨، باب ٢٢، من لا يحضره الفقيه ٣: ١٢٠ ١٢١، الحكمة ١١.

(٢) الكهف: ٨٠ ٨١.

أشفيت منه على غناء الدهر، جاء ابن بيّاعة النخاخير يعني أبا العتاهية فضعضع بهما شعري و سوّاه في الجائزة بي. فقيل له: و ما البيتان؟ قال:

إنّ المطايا تشتكيك لأنها

تطوي إليك سبا سبا و رمالا

فإذا رحلن بنا رحلن مخفّة

و إذا رجعن بنا رجعن ثقالا( ١)

و قال البحتري:

أصل النزر إلى النزر و قد

يبلغ الحبل إذا الحبل وصل

من لفا هذا إلى مخسوس ذا

و من الذود إلى الذود ابل

«و لا خير» هكذا في (المصرية) و الصواب: (لا خير) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«في معين» من الاعانة.

«مهين» بالفتح من المهانة أي: الضعف و الذلة.

«و لا في صديق ظنين» أي: متهم، قال عبد الرحمن بن حسان:

لا خير في الود ممّن لا تزال له

مستشعرا أبدا من خيفة وجلا

إذا تغيّب لم تبرح تسي‏ء به

ظنّا و تسأل عمّا قال أو فعلا

و قال المثقب العبدي:

فإمّا أن تكون أخي بصدق

فأعرف منك غثّي من سميني

و إلاّ فاجتنبني و اتّخذني

عدوّا أتّقيك و تتّقيني

و من شواهد عدم الخير في الصديق الظنين ما ذكره المسعودي في (مروجه) أنّه كان للقاهر في بعض الحصون بستان من ريحان و غرس من النارنج قد حمل إليه من البصرة و عمان و الهند قد اشتبكت أشجاره، و لاحت

____________________

(١) تاريخ بغداد ٦: ٢٥٨ دار الكتاب العربي بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٤.

ثماره كالنجوم من أحمر و أصفر، و بين ذلك أنواع الغروس و الرياحين و الزهر، و قد جعل مع ذلك في الصحن أنواع الأطيار من القماري و الدبابي و الشحاري و الببغا ممّا جلب إليه من الممالك و الأمصار و كان في غاية الحسن، و كان القاهر كثير الشرب عليه و الجلوس في تلك المجالس، فلمّا أفضت الخلافة إلى الراضي اشتدّ شغفه بذلك الموضع، فكان يداوم الجلوس و الشرب فيه، ثم إن الراضي رفق بالقاهر و أعلمه بما هو فيه من مطالبة الرجال بالأموال و لا شي‏ء قبله منها و سأله إن يسعفه بما عنده منها إذا كانت الدولة له و أن يتدبّر تدبيره و يرجع في كلّ الامور إلى قوله، و حلف له بالايمان الوكيدة ألا يسعى في قتله و لا الإضرار به و لا بأحد من ولده، فأنعم له القاهر بذلك و قال له: ليس لي مال إلاّ في بستان النارنج، فصار به الراضي إلى البستان و سأله عن الموضع فقال له القاهر: قد حجب بصري فلست أعرف موضعه، و لكن مر بحفره فإنّك تظهر على الموضع و لا يخفى عليك مكان ذلك، فحفر الراضي البستان و قلع تلك الأشجار و الغرس و الأزهار حتى لم يبق منه موضع إلاّ حفره و بولغ في حفره فلم يجد شيئا، فقال له الراضي فما هاهنا شي‏ء ممّا ذكرت فما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال له القاهر: و هل عندي من المال شي‏ء، إنّما كانت حسرتي جلوسك في هذا الموضع و تمتعك به و كانت لذتي من الدنيا فتأسفت على أن يمتع به بعدي غيري. فتأسّف الراضي على ما توجه عليه من الحيلة في أمر ذاك البستان و ندم على قبوله، منه، و أبعد القاهر فلم يكن يدنو منه خوفا على نفسه أن يتناول بعض أطرافه( ١) .

«ساهل الدهر ما ذل لك قعوده» بالفتح البعير الذي يقتعده الراعي في كلّ حاجة، قال الجوهري: و هو بالفارسية «رخت» و بتصغيره جاء المثل «اتخذوه

____________________

(١) مروج الذهب ٤: ٢٤٣ ٢٤٤.

قعيد الحاجات» إذا امتهنوا الرجل في حوائجهم، و جمعه «قعدات» قال الأخطل:

فبئس الظاعنون غداة شالت

على القعدات أشباه الزباب( ١) .

قال ابن أبي الحديد: و مثل قولهعليه‌السلام المثل «من ناطح الدهر أصبح أجم»، «و در مع الدهر كيفما دار»، و قوله:

و من قامر الأيّام عن ثمراتها

فأحر به أن تنجلي و لها القمر( ٢)

قلت: و هو كما ترى، فإن كلامهعليه‌السلام في مقام و ما نقله في مقام. نعم نقله بيتا آخر:

إذا الدهر أعطاك العنان فسر به

رويدا و لا تعنف فيصبح شامسا( ٣)

له ربط.

«و لا تخاطر بشي‏ء رجاء أكثر منه» كمن يعطي ماله مضاربة لمن لا يعرفه فيمكن ألاّ يردّ عليه رأس ماله فضلا عن عدم حصول ربح له، و كمن يبيع نسيئة بأكثر من ثمن المثل ممّن لا يثق به.

«و اياك أن تجمح» من جمح الفرس براكبه.

«بك مطية» أي: دابة.

«اللجاج».

في الخبر: أنّ موسىعليه‌السلام حين أراد أن يفارق الخضر قال له: أوصني، فكان ممّا أوصاه أن قال له: إيّاك و اللجاجة أو أن تمشي في غير حاجة( ٤) .

هذا، و في (العيون): قال معاوية في صفين لمّا قتل العباس بن ربيعة

____________________

(١) الصحاح ٢: ٥٢٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٦.

(٣) النفس المصدر.

(٤) أخرجه الراوندي في قصص الانبياء: ١٥٧، بحار الأنوار ١٣: ٢٩٤ رواية ٧ باب ١٠.

الهاشمي عرّار بن أدهم و كان من فرسان الشام متى ينطف فحل بمثله أيطل دمه لا و اللّه إلاّ رجل يطلب بدمه، فانتدب له رجلان من لخم فقال لهما:

أيّكما قتل العباس فله كذا، فأتياه و دعواه إلى البراز فقال: إنّ لي سيّدا اريد أن اؤامره، فأتى عليّاعليه‌السلام فأخبره، فقال: لودّ معاوية أنّه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه إطفاء لنور اللّه، و أخذعليه‌السلام سلاح العباس و وثب على فرس العباس و قتل اللخميّين. و نمي الخبر إلى معاوية فقال: قبّح اللّه اللّجاج، إنّه لقعود ما ركبته قطّ إلاّ خذلت، فقال له عمرو بن العاص: المخذول و اللّه اللّخميان لا أنت( ١) .

«احمل نفسك من أخيك عند صرمه» أي: قطعه.

«على الصلة» عن ابن الأنباري:

و كم من قائل قد قال دعه

فلم يك وده لك بالسليم

فقلت إذا جزيت الغدر غدرا

فما فضل الكريم على اللئيم؟

و أين الإلف يعطفني عليه

و أين رعاية الحق القديم؟

و لآخر:

إذا ما صديقي رابني سوء فعله

و لم يك عمّا ساءني بمفيق

صبرت على أشياء منه تريبني

مخافة أن أبقى بغير صديق

«و عند صدوده» أي: إعراضه.

«على اللّطف» بالضم، مصدر لطف بالفتح، قال الفيروز آبادي: لطف كنصر لطفا: رفق و دنا، فقول ابن أبي الحديد اللطف بفتح اللام و الطاء، الاسم من ألطفه بكذا( ٢ ) في غير محله.

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٢٧٦ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٦.

«و المقاربة» قال الشاعر:

نفسك لا تعطيك كلّ الرضا

فكيف ترجو ذاك من صاحب

أجلّ مصحوب حياة صفت

فهل خلت من هرم عائب

و قال النابغة:

و استبق ودّك للصديق و لا تكن

قتبا يعض بغارب ملحاحا

و لبعضهم:

إذا ما خليلي ساءني سوء فعله

و لم يك عما ساءني بمفيق

صبرت على ما كان من سوء فعله

مخافة أن ابقى بغير صديق

«و عند جموده على البذل و عند تباعده على الدنو و عند شدّته على اللين و عند جرمه على العذر» قال بعضهم:

إنّي إذا ما صاحبي تعدّى

في اللوم و العذل عليّ حدّا

لم أوله بالعذل عذلا قصدا

و لم ابقّ في احتمال جهدا

فإن أبي إلاّ التعدّي عمدا

أوسعته بالحلم منّي صدّا

حتى يرى وجه اختياري سدّا

و يرجع الذمّ إليّ حمدا

و قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:

و إن الذي بيني و بين بني أبي

و بين بني امّي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم

و إن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

و ان زجروا طيرا بنحس تمرّ بي

زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا

و لا أحمل الحقد القديم عليهم

و ليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

أيضا:

إنّي و إن كان ابن عمّي كاشحا

لمقاذف من خلفه و ورائه

«حتى كأنّك له عبد و كأنّه ذو نعمة عليك» قال إبراهيم الصولي:

أميل مع الصديق على ابن عمي

و أقضي للصديق على الشقيق

و أفرق بين معروفي و منّي

و أجمع بين مالي و الحقوق

فإن ألفيتني حرّا مطاعا

فإنّك واجدي عبد الصديق

«و إيّاك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله» فإنّ بعض الناس كالضبع، و مرت قصة من أجارها و أحسن إليها بعد نجاتها ممّن أراد صيدها، و أشار إلى قصتها ابن عم مجيرها فقال:

و من يصنع المعروف مع غير أهله

يلاقي الذي لاقى مجير امّ عامر

أدام لها حين استجارت بقربه

قراها من البان اللقاح الغزائر

و اشبعها حتى إذا ما تملّأت

فرته بأنياب لها و أظافر

فقل لذوي المعروف هذا جزاء من

غدا يصنع المعروف مع غير شاكر

و في الخبر: أربعة تذهبن ضياعا: البذر في سبخة، و السراج في القمر، و الأكل على الشبع، و المعروف إلى من ليس بأهله.

و في الخبر آخر: أربعة تذهبن ضياعا: علم عند من لا استماع له، و سرّ تودعه عند من لا حصانة له، و مودّة تمنحها من لا وفاء له، و معروف عند من لا يشكره( ١) .

و أكثر الشعراء في ذلك، قال بعضهم:

و لمّا رأيتك تنسى الذمام

و لا قدر عندك للمعدم

و تجفو الشريف إذا ما أخلّ( ٢)

و تدني الدنيّ على الدرهم

وهبت إخاءك للأعميين

و للاثرمين و لم أظلم

و في (اللسان) الأعميان: السيل و النّار، و الأثرمان الدهر و الموت( ٣) .

إذا كنت تأتي المرء تعرف حقه

و يجهل منك الحق فالترك أجمل

____________________

(١) الخصال ٢٦٣ ٢٦٤ الحكمة ١٤٢ و ١٤٤.

(٢) أي: صار به خلة و حاجة.

(٣) لسان العرب ١٢: ٧٧، ط. دار صادر، بيروت، مادة: (ثرم).

و في العيش منجاة و في الهجر راحة

و في الأرض عمّن لا يؤاتيك مرحل

أيضا:

لا نائل منك و لا موعد

و لا رسول فعليك السّلام

أيضا:

له حق و ليس عليه حق

و مهما قال فالحسن الجميل

و قد كان الرسول يرى حقوقا

عليه لغيره و هو الرسول

أيضا:

و دع العتاب إذا استربت بصاحب

ليست تنال مودة بخصام

أيضا:

إذا كان خراجا أخوك من الهوى

موجهة في كلّ أوب ركائبه

فخلّ له وجه الفراق و لا تكن

مطية رحّال بعيد مذاهبه

أخوك الذي إن تدعه لملمّة

يجبك و إن عاتبته لان جانبه

«لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك» في الباب الأخير و قالعليه‌السلام : أصدقاؤك ثلاثة، و أعداؤك ثلاثة، فأصدقاؤك صديقك، و صديق صديقك، و عدوّ عدوّك، و أعداؤك عدوّك، و عدوّ صديقك، و صديق عدوّك( ١) .

و قال ابن أبي الحديد أكثروا في المعنى:

إذا صافي صديقك من تعادي

فقد عاداك و انقطع الكلام( ٢)

«و امحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(أم) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٣) .

____________________

(١) نهج البلاغة ٤: ٧١ الحكمة ٣٩٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٥ ١٠٨.

«قبيحة» و عن النبيّعليه‌السلام : أعن أخاك ظالما أو مظلوما، فإن كان مظلوما فخذ له بحقّه و ان كان ظالما فخذ له من نفسه.

كان أبو مسلم استشار مالك بن الهيثم حين كتب إليه المنصور في القدوم عليه مريدا لقتله، فأشار عليه مالك بعدم القدوم، فلمّا قتل المنصور أبا مسلم أذكر مالكا ذلك فقال له مالك: إنّ أخاك إبراهيم الإمام حدّث عن أبيه قال:

لا يزال الرجل يزاد في رأيه إذا نصح لمن استشاره، و إنّي لكم اليوم كذلك.

و في (الطبري) كتب زياد إلى معاوية: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي و يميني فارغة فأشغلها بالحجاز إلى أن قال فخرجت طاعونة على أصبعه فأرسل إلى شريح و كان قاضيه فقال له: حدث بي ما ترى و قد أمرت بقطعها فأشر علي. فقال له: أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتموت أجذم أو يكون في الأجل تأخير و قد قطعت يدك فتعيش أجذم و تعير ولدك، فتركها. و خرج شريح فسألوه فأخبرهم بما أشار به فلاموه و قالوا له: هلاّ أشرت عليه بقطعها، فقال: قال النبيّ «المستشار مؤتمن»( ١) .

«و تجرّع الغيظ فإنّي لم أر جرعة أحلى منها عاقبة، و لا ألذّ مغبة» أي: عاقبة في (العيون) عن الرضاعليه‌السلام : أوحى اللّه تعالى إلى نبي: إذا أصبحت فأوّل شي‏ء يستقبلك فكله، و الثاني فاكتمه، و الثالث فاقبله، و الرابع فلا تؤيسه، و الخامس فاهرب منه. فلمّا أصبح مضى فاستقبله جبل أسود عظيم فوقف و قال أمرني ربي أن آكل هذا و إنّه لا يأمرني إلاّ بما أطيق، فمشى إليه ليأكله، فكلّما دنا منه صغر حتى انتهى إليه فوجده لقمة فأكلها فوجدها أطيب شي‏ء أكله، ثم مضى فوجد طستا من ذهب فقال أمرني ربي أن أكتم هذا، فحفر له حفيرة و جعله فيها و ألقى عليه التراب، ثم مضى فالتفت فإذا الطست قد ظهر فقال قد فعلت ما

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٢٨٩ دار سويدان بيروت.

أمرني ربي فمضى فإذا هو بطير و خلفه بازي فطاف الطير حوله فقال أمرني ربي أن أقبل هذا، ففتح كمه فدخل الطير فيه، فقال له البازي أخذت صيدي و أنا خلفه منذ أيام، فقال أمرني ربي ألا أؤيس هذا، فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه، ثم مضى فإذا هو لحم ميتة منتن مدوّد فقال أمرني ربي أن أهرب من هذا فهرب منه و رجع، و رأى في المنام كأنّه قيل له: إنّك قد فعلت ما امرت به فهل تدري ما ذاك؟ قال: لا. قيل له: أما الجبل فهو الغضب، إن العبد إذا غضب لم ير نفسه و جهل قدره من عظم الغضب، فإذا عرف نفسه و عرف قدره و سكن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلها، و أما الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد و أخفاه أبى اللّه إلاّ أن يظهره ليزينه به مع ما يدّخر له من ثواب الآخرة، و أما الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فأقبله و اقبل نصيحته، و أمّا البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه، و أمّا اللحم المنتن فهو الغيبة فاهرب منها( ١) .

و قال ابن أبي الحديد قال المبرّد في (كامله): أوصى علي بن الحسين ابنه محمدا فقال: يا بني عليك بتجرّع الغيظ من الرجال، فإنّ أباك لا يسرّه بنصيبه من تجرّع الغيظ من الرجال حمر النّعم، و الحليم أعزّ ناصرا و أكثر عددا( ٢) .

«و لن لمن غالظك فانّه يوشك» أي: يكاد.

«أن يلين لك» قال العسكري في (أمثاله): كان هذيل بن هبيرة أغار على بني ضبة فأقبل بما غنم فقال أصحابه: إقسم بيننا غنيمتنا. فقال: أخاف الطلب، فأبوا إلاّ القسم، فقال: «إذا عزّ أخوك فهن» فصار مثلا، و معناه إذا صعب أخوك

____________________

(١) عيون أخبار الرضا ١٧: ٢٧٥ ح ١٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٨.

فلن، فإنّك إن صعبت أيضا كانت الفرقة.

و أخذ معاوية معنى المثل، فقال: لو أن بيني و بين الناس شعرة ممدودة ما انقطعت، لأنّي إذا مدّوا أرسلت و إذا أرسلوا مددت.

و قال زياد: إيّاكم و معاوية فإنّه إذا طار الناس وقع، و إذا وقعوا طار( ١) .

هذا، و قال العسكري قال الزجاج: «هن» في المثل بالضم، و هو خطأ إنّما هو بالكسر، فإنّه بالضم من الهوان، مع أنّه من الهون بمعنى الرفق و اللين، قال تعالى يمشون على الأرض هونا( ٢) .

قلت: لم نقف على من قال هان يهين حتى يكون الأمر «هن» بالكسر، و كيف و هو أجوف واوي و لم يجى‏ء إلاّ على يفعل بالضم، و انما الفعل مشترك و يفرق بين المعنيين بالمصدر، قال الفيروز آبادي: هان هونا بالضم و هوانا و مهانة: ذل، و هونا بالفتح سهل فهو هيّن.

هذا، و في (عيون ابن قتيبة) في باب المشورة قال معاوية: لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أنّ في قلبه ضغنا عليّ فأستشيره فيثير إليّ منه بقدر ما يجده في نفسه، فلا يزال يوسعني شتما و أوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستعين به فيعينني و أستنجده فينجدني( ٣) .

قلت: نقله في باب المشورة غلط كنقله «فأستشيره»، و انما هو «فأستثيره» بشهادة قوله «فيثير إليّ منه بقدر ما يجده في نفسه» و لا ربط للمشورة هنا و لا ربط للخبر بالمشورة.

«و خذ على عدوّك بالفضل فانّه أحلى الظفرين» قال تعالى ادفع بالّتي

____________________

(١) جمهرة الأمثال ١: ٦٥ دار الجيل بيروت.

(٢) الفرقان: ٦٣.

(٣) عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ٨٥ دار الكتب العلمية بيروت.

هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنّه وليّ حميم( ١) .

و في (مقاتل أبي الفرج): ان رجلا من آل عمر كان يشتم عليّاعليه‌السلام إذا رأى موسى بن جعفر و يؤذيه إذا لقيه، فقال له بعض مواليه: دعنا نقتله. فقال:

لا، ثم مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتوطّأها بحماره، فصاح: لا تدس زرعنا فلم يصغ إليه و أقبل حتى نزل عنده و جعل يضاحكه و قال له: كم غرمت على زرعك هذا. قال: مائة دينار. قال: فكم ترجو أن تربح. قال: لا أدري. قال:

إنّما سألتك كم ترجو. قال: مائة اخرى. فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له، فقام فقبّل رأسه. فلمّا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه و جعل يقول:

«اللّه أعلم حيث يجعل رسالته» فوثب أصحابه عليه و قالوا: ما هذا فشاتمهم، فقالعليه‌السلام لأصحابه: أيّما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت( ٢ ) ؟

و قالوا: وقف رجل عليه مقطّعات على الأحنف يسبّه، و كان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفه الأحنف، فجعل لا يألو أن يسبّه سبا يغضب، و الأحنف مطرق صامت، فلمّا رآه لا يكلمه جعل الرجل يعض إبهاميه و يقول: يا سوأتاه و اللّه ما يمنعه من جوأبي إلاّ هواني عليه، و قال الشاعر:

كم صديق بالعتب صار عدوّا

و عدوّ بالحلم صار صديقا

«و إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها إن بدا له» هكذا في النسخ( ٣ ) و الظاهر كونه مصحف «لك» فإن القطيعة كانت أوّلا منه لا من أخيه.

«ذلك يوما ما» في (عيون ابن قتيبة) كان يقال: لا يكن حبك كلفا

____________________

(١) فصلت: ٣٤.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٣٣٢.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٥.

و لا بغضك تلفا.

و قال الحسن: أحبّوا هونا، فإن أقواما أفرطوا في حب قوم فهلكوا( ١) .

و في الكتاب (٢٢٦) «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، و أبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما».

و قال ابن أبي الحديد و كانعليه‌السلام يقول: «إذا هويت فلا تكن غاليا، و إذا تركت فلا تكن قاليا».

«و من ظن بك خيرا فصدّق ظنّه» في (تاريخ بغداد): ولّى المنصور رجلا من بني العباس يقال له قثم، فأتاه أعرابي فقال:

يا قثم الخير جزيت الجنّه

اكس بنيّاتي و أمّهنّه

اقسم باللّه لتفعلنّه

فقال قثم: و اللّه لا أفعل. فقال الأعرابي: لكن لو أقسمت على معن بن زائد لأبرّ قسمي، فبلغت الكلمة معنا فبعث إليه ألف دينار( ٢) .

و قال الشاعر:

لا تجبهن بالردّ وجه مؤمّل

فبقاء عزّك أن ترى مأمولا

«و لا تضيعنّ حق أخيك اتّكالا على ما بينك و بينه، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه» قال البحتري في عتاب بن بسطام:

و كما يسرّك لين مسّي راضيا

فكذاك فاخش خشونتي غضبانا

و مع كون جميل صاحب بثينة من العشّاق المعروفين و قال فيها:

خليليّ في ما عشتما هل رأيتما

قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي

فقد دعا غليها لمّا رأى منها الأذى فقال:

____________________

(١) عيون الأخبار لابن قتيبة ٣: ١٣ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) تاريخ بغداد ١٣: ٢٣٨ دار الكتاب العربي بيروت.

رمى اللّه في عيني بثينة بالقذى

و في العرّ من أنيابها بالقوادح

في (المعجم): قيل لإبراهيم بن العباس الصولي: إنّ فلانا يحب أن يكون لك وليّا. فقال: أحبّ أن يكون الناس جميعا إخواني، و لكنّي لا آخذ منهم إلاّ من أطيق قضاء حقّه و إلاّ استحالوا أعداء، و ما مثلهم إلاّ كمثل النار قليلها مقنع و كثيرها محرق( ١) .

و في (كامل المبرد): قال سعيد بن سلم الباهلي: عرض لي أعرابي فمدحني فبلغ فقال:

ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة

سعيد بن سلم ضوء كلّ بلاد

لنا سيّد أربى على كلّ سيد

جواد حثا في وجه كلّ جواد

فتأخرت عن برّه قليلا فهجاني فبلغ فقال:

لكلّ أخي مدح ثواب يعدّه

و ليس لمدح الباهلي ثواب

مدحت ابن سلم و المديح مهزّة

فكان كصفوان عليه تراب( ٢)

و ممّا قيل في ذلك من الشعر:

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته

على طرف الهجران إن كان يعقل

و يركب حدّ السيف من أن تضيمه

إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل

و قيل أيضا:

أحسن صحابتنا فإنّك مدرك

بعض اللّبانة باصطناع الصاحب

و إذا جفوت قطعت عنك لبانتي

و الدّرّ يقطعه جفاء الحالب

و قيل بالفارسية:

گرت روا است كه با دوست نگسلى پيوند

نگاهدار سر رشته تا نگهدارد

____________________

(١) معجم الأدباء للحموي ١: ١٨٨ دار الفكر.

(٢) الكامل ٣: ٧ دار نهضة مصر القاهرة.

«و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك» فيتمنّون موتك و زوال نعمتك.

هذا، و في (الأغاني) عن الحسين بن الضحّاك الشاعر: شربنا يوما مع الأمين في بستان، فسقانا على الريق و جدّ بنا في الشرب و تحرّز من أن نذوق شيئا، فاشتدّ الأمر عليّ و قمت لأبول فأعطيت خادما من الخدام ألف درهم على أن يجعل لي تحت شجرة أو مأت إليها رقاقة فيها لحم، فأخذ الألف و فعل ذلك و وثب محمد فقال: من يكون منكم حماري، فكل واحد منهم قال له أنا لأنّه كان يركب الواحد منّا عبثا ثم يصله، ثم قال: يا حسين أنت أضلع القوم فركبني و جعل يطوف و أنا أعدل به من الشجرة و هو يمرّ بي إليها حتى صار تحتها.

فرأى الرقاقة فتطأطأ فأخذها فأكلها على ظهري و قال: هذه جعلت لبعضكم، ثم رجع إلى مجلسه و ما وصلني بشي‏ء، فقلت لأصحابي: أنا أشقى الناس ركب ظهري و ذهب ألف درهم مني و فاتني ما يمسك رمقي و لم يصلني كعادتي، ما أنا إلاّ كما قال الشاعر:

و مطعم الصيد يوم الصيد مطعمه

أنّى توجّه و المحروم محروم( ١)

«و لا ترغبنّ في من زهد عنك» هكذا في (المصرية) و الصواب: (فيك) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية( ٢) .

في (عيون ابن قتبة): قال ابن الزبير يوما: و اللّه لوددت أن لي بكلّ عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم. فقال له أبو حاضر: مثلنا و مثلك كما قال الأعشى:

علقتها عرضا و علقت رجلا

غيري و علق اخرى غيرها الرجل

____________________

(١) الأغاني ٧: ٢٠٨ دار احياء التراث العربي.

(٢) متن شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٥.

أحبك أهل العراق و أحببت أهل الشام، و أحب أهل الشام عبد الملك( ١) .

و أكثر الشعراء في ذلك، فقال أبو بكر الخوارزمي:

و لمّا أن غرست إليك ودي

فلم يثمر لديك زكيّ غرسي

أردت ملالة و أردت هجرا

فصنتك عنهما فهجرت نفسي

لأن الذنب ذنبي حين أهدي

إلى من يريد الانس انسي

و قال ابن أبي الحديد قال العباس بن الأحنف:

ما زلت أزهد في مودّة راغب

حتى ابتليت برغبة في زاهد

هذا هو الداء الّذي ضاقت به

حيل الطبيب و طال يأس العائد

و قيل:

و في الناس إن رثّت حبالك واصل

و في الأرض عن دار القلى متحوّل( ٢)

«و لا يكوننّ أخوك على مقاطعتك أقوى» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(و لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية( ٣) .

«منك على صلته، و لا يكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان».

روى أبو الفرج في (مقاتله) و المفيد في (إرشاده) و الصدوق في (عيونه): أنّ الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث و كان يقول بالإمامة فحسده يحيى البرمكي فقال يوما لبعض ثقاته أ تعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال فيعرفني ما أحتاج إليه، فدلّ على عليّ بن إسماعيل بن جعفر، فحمل إليه مالا و أنفذ إليه يرغبه في قصد الرشيد

____________________

(١) عيون الأخبار لابن قتيبة ٣: ١٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٠ ١١١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٠٥.

و يعده بالإحسان إليه. فعمل على ذلك و أحس به عمّه موسى بن جعفرعليه‌السلام فدعاه فقال له: يا بن أخي إلى أين؟ قال: إلى بغداد. قال: و ما تصنع؟ قال: عليّ دين و أنا مملق. فقال له: فأنا أقضي دينك و أفعل بك و أصنع فلم يلتفت إلى ذلك و عمل على الخروج، فاستدعاه موسىعليه‌السلام و قال له: أنت خارج؟ قال: نعم، لا بدّ لي من ذلك. فقال له: أنظر يا بن أخي و اتّق اللّه و لا تيتمنّ أولادي و أمر له بثلاثمائة دينار و أربعة آلاف درهم، فلمّا قام من بين يديه قال موسى لمن حضره: و اللّه ليسعينّ في دمي و لييتمن أولادي. فقالوا: تعلم هذا من حاله و تعطيه و تصله، فقال لهم: نعم حدّثني أبي عن آبائه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الرحم إذا قطعت فوصلت فقطعت قطعها اللّه، و إنّي أردت أن أصله بعد قطعه لي حتى إذا قطعني قطعه اللّه، فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى يحيى فعرف منه خبر موسى بن جعفرعليه‌السلام و رفعه إلى الرشيد فسأله عن عمّه فسعى به إليه و قال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق و المغرب. فأمر له الرشيد بمائتي ألف درهم يسبب له بها على بعض النواحي فاختار بعض كور المشرق، و مضت رسله لقبض المال و أقام وصوله فدخل في بعض تلك الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة خرجت منها حشوته كلّها و جهدوا في ردّها فلم يقدروا، و جاءه المال و هو ينزع فقال: ما أصنع به و أنا في الموت( ١) .

و روى الكليني و الكشي القصة ناسبا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر( ٢ ) ، و الظاهر أصحية الأول لتضمّن السّير بقاء محمد بن إسماعيل إلى زمان المأمون.

هذا، و زاد في رواية الرسائل «و لا على البخل أقوى منك على البذل، و لا

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٣٣ ٣٣٤ بتصرف، و عيون الصدوق ١: ٥٧ الحكمة ١، و إرشاد المفيد: ٢٩٩.

(٢) الكشي: ٢٦٣ ح ٤٧٨: الكافي ١: ٤٨٥ الحكمة ٨.

على التقصير أقوى منك على الفضل»( ١) .

«و لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك فإنّه يسعى في مضرّته و نفعك» فيوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم، و ما يأخذ المظلوم من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من دنيا المظلوم.

«و ليس جزاء من سرّك أن تسوءه» فالعقل يحكم بأنّ جزاء من سرّك أن تسرّه هل جزاء الاحسان إلاّ الإحسان( ٢ ) و الكلام مستقل، و توهم ابن أبي الحديد كونه تعليلا لسابقه.

«و اعلم يا بنيّ أنّ الرزق رزقان: رزق تطلبه و رزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك) في (شعراء ابن قتيبة): وفد عروة بن اذينة على هشام بن عبد الملك فقال له هشام أ لست القائل:

لقد علمت و ما الإسراف من خلقي

أنّ الذي هو حظّي سوف يأتيني

أسعى له فيعنّيني تطلّبه

و لو قعدت أتاني لا يعنّيني

قال: بلى. قال: فما أقدمك علينا. قال: سأنظر في ذلك، و خرج و ارتحل من ساعته و بلغ هشاما فأتبعه بجائزة( ٣) .

و مرّت قصة الناشى‏ء الشاعر و أنّه مدح سيف الدولة فلم يعطه شيئا و رأى انّه يطعم كلابه لحوم السّخال فقال له: الكلب عندكم أحسن من الأديب، ثم ضلّ بغل موقر بالمال حمل إلى سيف الدولة فذهب ليلا على باب الناشى‏ء فأخذ ماله و أطلقه ثم دخل على سيف الدولة و أنشده:

و من ظن ان الرزق يأتي بحيلة

فقد كذبته نفسه و هو آثم

____________________

(١) كشف المحجّة: ١٦٩.

(٢) الرحمن: ٦٠.

(٣) الشعر و الشعراء: ٣٨٤ دار الكتب العلمية بيروت.

يفوت الغنى من لا ينام عن السرى

و آخر يأتي رزقه و هو نائم

ففطن سيف الدولة من شعره انّه وجد البغلة و أخذ المال.

و لبعضهم:

اتق اللّه لا الأعداء و اعلم يقينا

بأنّ الذي لم يقضه لن يصيبكا

و حظّك لا يعدوك ان كنت قاعدا

و لا أنت تعدو حين تعدو نصيبكا

«ما أقبح الخضوع عند الحاجة و الجفاء عند الغنى» زاد في رواية الكليني «و اعلم يا بنيّ أنّ الدهر ذو صروف، فلا تكن ممّن يشتدّ لائمته، و يقلّ عند الناس عذره»( ١) .

و نظير كلامهعليه‌السلام ما عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أقبح الفقر بعد الغنى، و أقبح الخطيئة بعد المسكنة، و أقبح من ذلك العابد للّه ثم يدع عبادته( ٢ ) . و من شواهد كلامهعليه‌السلام قول بعضهم:

و ما الموت قبل الموت غير أنني

أرى ضرعا بالعسر يوما لدى اليسر

و مدح إبراهيم الصولي رجلا بضد ذلك فقال:

يعرف الأبعد ان أثرى و لا

يعرف الأدنى إذا ما افتقرا

و قال ابن أبي الحديد قال الشاعر:

خلقان لا أرضاهما لفتى

تيه الغنى و مذلّة الفقر

فإذا غنيت فلا تكن بطرا

و إذا افتقرت فته على الدّهر

و قال: كلامهعليه‌السلام من قوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك و جرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها ريح عاصف و جاءهم الموج من كلّ مكان و ظنّوا أنّهم احيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلمّا نجّاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق( ٣) .

____________________

(١) كشف المحجة: ١٦٩.

(٢) الكافي ٢: ٨٤ ح ٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٥، و الآيتان من سورة يونس: ٢٢ ٢٣.

قلت: بل الآية في مقام، و كلامهعليه‌السلام في مقام، فهل الخضوع للّه وقت الإحاطة بهم في البحر قبيح؟ و إنّما يقبح الخضوع للناس وقت الحاجة، و المراد من الآية نقض الناس عهودهم مع اللّه تعالى في الاضطرار بعد رفعه.

«ان لك من دنياك ما أصلحت به مثواك» أي: محل إقامتك، و زاد في رواية التحف و الرسائل «فأنفق في حقّ، و لا تكن خازنا لغيرك»( ١) .

قال ابن أبي الحديد كلامهعليه‌السلام مأخوذ من كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا ابن آدم ليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأبقيت».

و قال أبو العتاهية:

ليس للمتعب المكادح من دنياه

إلاّ الرّغيف و الطّمران( ٢)

 (و ان جزعت) كذا في (المصرية) و الصواب: (و ان كنت جازعا) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣ ) «على ما تفلّت» أي: خرج بغتة.

«من يديك فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك» لكونه نظيره في عدم تقدير أحدهما له، و هو أيضا نظير أن يخرج الإنسان في يقظته على فوت ما حصل بيده في النوم.

«استدل على ما لم يكن بما قد كان فان الامور أشباه» فتعرف ما لم يكن ممّا كان. قال ابن أبي الحديد يقال: إذا شئت أن تنظر إلى الدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك، و قال المتنبي في سيف الدولة:

ذكيّ تظنّيه طليعة عينه

يرى قلبه في يومه ما يرى غدا( ٤)

____________________

(١) كشف المحجة: ١٦٩، و تحف العقول: ٨٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٢.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٦.

قلت: البيت غير مربوط بكلامهعليه‌السلام ، فإنّه في الاعتبار للآتي بالماضي و البيت وصف الذكاء، كقول الآخر:

الألمعيّ الّذي يظنّ بك الظّنّ

كأن قد رأى و قد سمعا

و كيف كان فزاد في رواية الرسائل: «و لا تكفر ذا نعمة، فإن كفر النعمة من ألأم الكفر، و اقبل العذر»( ١) .

«و لا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلاّ إذا بالغت في إيلامه فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب» هكذا في (المصرية) و الصواب: (بالأدب) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«و البهائم لا تتعظ إلاّ بالضرب» و زاد في رواية الكليني «اعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أو وضيعا»( ٣ ) ، قال بشار:

الحر يلحى و العصا للعبد

و ليس للملحف مثل الرد

و قال ابن أبي الحديد كان يقال: اللئيم كالعبد، و العبد كالبهيمة عتبها ضربها، و قال الشاعر:

العبد يقرع بالعصا

و الحرّ تكفيه الملامه( ٤)

«اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر و حسن اليقين» و اصبر على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الامور( ٥ ) ، قال الشاعر:

خفّض عليك من الهموم فإنّما

يحظى براحة دهره من خفّضا

أيضا:

____________________

(١) كشف المحجة: ١٦٩.

(٢) متن شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٣.

(٣) كشف المحجة: ١٦٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١: ١١٧.

(٥) لقمان: ١٧.

إذا تضايق أمر فانتظر فرجا

فأضيق الأمر أدناه من الفرج

أيضا:

إنّ الامور إذا انسدّت مسالكها

فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا

لا تيأسنّ و إن طالت مطالبه

إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته

و مدمن القرع للأبواب أن يلجا

أيضا:

إنّي رأيت و للأيّام تجربة

للصبر عاقبة محمودة الأثر

و قلّ من جدّ في أمر يطالبه

و استصحب الصبر إلاّ فاز بالظّفر

أيضا:

فصبرا معين الملك إن عنّ حادث

فعاقبة الصبر الجميل جميل

و لا تيأسن من صنع ربّك إنّه

ضمين بأن اللّه سوف يديل

فإن اللّيالي إذ يزول نعيمها

تبشّر أنّ النائبات تزول

أ لم تر أن الشمس بعد كسوفها

لها منظر يغشي العيون صقيل

و ان الهلال النضو يغمر بعد ما

بدا و هو شخت الجانبين ضئيل

و لا تحسبنّ السيف يقصر كلّما

تعاوده بعد المضاء كلول

و لا تحسبنّ الدوح يقلع كلّما

يمرّ به نفح الصبا فيميل

فقد يعطف الدهر الأبيّ عنانه

فيشفى عليل أو يبلّ غليل

و يرتاش مقصوص الجناحين بعد ما

تساقط ريش و استطار نسيل

و يستأنف الغصن السليب نضارة

فيورق ما لم يعتوره ذبول

و للنجم من بعد الرجوع استقامة

و للحظّ من بعد الذهاب قفول

«من ترك القصد» أي: العدل، قال الشاعر:

على حكم المأتيّ يوما إذا قضى

قضيته ألاّ يجور و يقصد

«جار» كان غريب بن عمليس مبذّرا، و من أمثالهم «و من يطع عريبا يمس غريبا»، «من يطع عكّبا يمس منكّبا»( ١ ) ، «من يطع نمرة يفقد ثمرة»( ٢) .

و زاد في رواية (الرسائل) «و نعم حظ المرء القنوع، و من شر ما صحب المرء الحسد، و في القنوط التفريط، و الشح يجلب الملامة»( ٣) .

«و الصاحب مناسب» أي: يجب أن يكون صاحبك مناسبك، قال الشاعر:

نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه

و جارك من صافيته لا المصاقب

و في (عيون ابن قتيبة) قال بختيوع للمأمون: لا تجالس الثقلاء فإنّا نجد في الطب مجالسة الثقيل حمّى الروح( ٤) .

و كتب رجل على خاتمه «أبرمت فقم» فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إيّاه، و قال بعضهم:

إنّي اجالس معشرا

نوكى أخفّهم ثقيل

قوم إذا جالستهم

صدأت بقربهم العقول

لا يفهموني قولهم

و يدقّ عنهم ما أقول

فهم كثير بي و أعلم

أنّني بهم قليل

أيضا:

ألا إنّ خير الودود تطوعت

به النفس لا ودّ أتى و هو متعب

أيضا:

ذو الود منّي و ذو القربى بمنزلة

و إخوتي اسوة عندي و إخواني

عصابة جاورت آدابهم أدبي

فهم و ان فرقوا في الأرض جيراني

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٢٩٨.

(٢) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٢٩٨.

(٣) كشف المحجة: ١٦٩.

(٤) عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ٤٢٧ دار الكتب العلمية بيروت.

أرواحنا في مكان واحد و غدت

أبداننا بشآم أو خراسان

أيضا:

أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا

كمثلك إنّي مبتغ صاحبا مثلي

عزيز اخائي لا ينال مودّتي

من القوم إلاّ مسلم كامل العقل

و ما يلبث الإخوان أن يتفرّقوا

إذا لم يؤلّف روح شكل إلى شكل

و كتب رجل إلى صديقه: إني صارفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام، لأن النفس يتبع بعضها بعضا، و قالوا:

«طير السماء على إلفه من الأرض يقع» و قيل:

و قائل كيف تهاجرتما

فقلت قولا فيه إنصاف

لم يك من شكلي فتاركته

و الناس أشكال و الآف

هذا، و في (تاريخ بغداد): إجتمع ثمامة بن أشرس و يحيى بن أكثم عند المأمون، فقال ليحيى: العشق ما هو؟ فقال: سوانح تسنح للعاشق يؤثرها و يهتم بها. فقال ثمامة: أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا، و نحن بهذا أحذق.

فقال له المأمون: فهات ما عندك. قال: إذا امتزجت جواهر النفس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع يستضي‏ء به بواصر العقل و تهز لاشراقه طبائع الحياة، و يتصوّر من ذلك اللمح نور خاص بالنفس متصل بجوهرها يسمّى «عشقا» فقال له المأمون: هذا و أبيك الجواب( ١) .

(و فيه): إن الرشيد لمّا غضب على ثمامة دفعه إلى سلام الأبرش و أمره أن يضيق عليه و يدخله بيتا و يطين عليه و يترك فيه ثقبا، ففعل دون ذلك و كان يدسّ إليه الطعام، فجلس سلام عشية يقرأ في المصحف فقرأ ويل يومئذ

____________________

(١) تاريخ بغداد ٧: ١٤٧ دار الكتاب العربي بيروت.

للمكذّبين( ١ ) بالفتح، فقال له ثمامة انما هو «للمكذّبين» و جعل يشرحه و يقول: المكذّبون هم الرسل و المكذّبون الكفار. فقال: قد قيل لي انّك زنديق و لم أقبل. ثم ضيّق عليه أشدّ الضيق، ثم رضي الرشيد عنه و جالسه فقال لمن معه: أخبروني عن أسوأ الناس حالا، فقال كلّ واحد شيئا، فقال ثمامة: أسوأ الناس حالا عاقل يجري عليه حكم جاهل. فتبيّن الغضب في وجهه فقال ثمامة:

ما أحسب وقعت بحيث أردت. قال: فاشرح، فحدّثه بحديث سلام، فجعل يضحك حتى استلقى و قال: صدقت و اللّه لقد كنت أسوأ الناس حالا( ٢) .

«و الصديق من صدق غيبه».

خير إخوانك المشارك في المر

و اين الشريك في المرّ أينا

الذي ان شهدت سرّك في القوم

و إن غبت كان اذنا و عينا

مثل تبر العقيان ان مسّه النا

رجلاه الجلاء فازداد زينا

في (تاريخ بغداد) قال الواقدي: أضقت مرة و أنا مع يحيى البرمكي و حضر عيد فجاءتني جارية فقالت لي: ليس عندنا شي‏ء، فمضيت إلى صديق لي من التجّار فعرّفته حاجتي إلى القرض، فأخرج إليّ كيسا مختوما فيه ألف و مائتا درهم، فأخذته و انصرفت إلى منزلي، فما استقررت فيه حتى جاءني صديق لي هاشميّ فشكا إليّ تأخّر غلّته و حاجته إلى القرض، فدخلت إلى زوجتي فقالت: أيّ شي‏ء عزمت؟ قلت: على أن اقاسمه الكيس. قالت: ما صنعت شيئا أتيت رجلا سوقة فأعطاك ألفا و مأتي درهم و جاءك رجل له من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رحم ماسة تعطيه نصف ما أعطاك السوقة أعطه الكيس كلّه، فأخرجت الكيس كله فدفعته إليه، و مضى صديقي التاجر إلى الهاشمي و كان

____________________

(١) الطور: ١١.

(٢) تاريخ بغداد ٧: ١٤٨ دار الكتاب العربي بيروت.

له صديقا، فسأله القرض فأخرج إليه الهاشمي الكيس، فلمّا رأى خاتمه عرفه و انصرف اليّ فخبرني بالأمر و جاءني رسول يحيى يقول: إنّما تأخّر رسولي عنك لشغلي بحاجات الخليفة، فركبت إليه فأخبرته بخبر الكيس فقال: يا غلام هات تلك الدنانير، فجاءه بعشرة آلاف فقال: خذ ألفي دينار لك و ألفين لصديقك و ألفين للهاشمي و أربعة آلاف لزوجتك فإنّها أكرمكم( ١) .

«و الهوى شريك العناء» هكذا في (المصرية) و الصواب: (العمى) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢ ) ، بل و في رواية الكليني و زاد في روايته: «و من التوفيق الوقوف عند الحيرة، و نعم طارد للهموم اليقين، و عاقبة الكذب الندم، و في الصدق السلامة»( ٣) .

و المراد أنّه كما أن ذا العمى لا يبصر، كذلك ذو الهوى في شي‏ء. قال أبو العتاهية:

يا عتب ما أنا من صنيعك بي

أعمى و لكنّ الهوى أعماني

و قال ابن أبي الحديد هذا مثل قولهم: «حبّك الشي‏ء يعمي و يصمّ»، و قال الشاعر:

و عين الرّضا عن كلّ عيب كليلة

كما أنّ عين السخط تبدي المساويا( ٤)

«و ربّ قريب أبعد من بعيد، و ربّ بعيد أقرب من قريب» هكذا في (المصرية) و الصواب: (رب بعيد أقرب من قريب و قريب أبعد من بعيد) كما في ابن أبي

____________________

(١) تاريخ بغداد ٣: ١٩ دار الكتاب العربي بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٣.

(٣) كشف المحجة: ١٦٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٧ ١١٨.

الحديد و ابن ميثم و الخطية( ١) .

في (تاريخ بغداد) في محمد بن علي الأنباري أن عليا كان يقول:

«القريب من قرّبته المودة و إن بعد نسبه، و البعيد من بعدّته العداوة و إن قرب نسبه».

(و فيه) في كلثوم بن عمرو العتابي كتب طوق بن مالك إلى كلثوم يستزيره و يدعوه إلى أن يصل القرابة بينه و بينه، فردّ عليه كلثوم: إنّ قريبك من قرب إليك خيره، و إنّ عمّك من عمّك نفعه، و إن عشيرتك من أحسن عشرتك، و إنّ أخصّ الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك، و لذلك أقول:

و لقد بلوت الناس ثم سبرتهم

و خبرت ما فتلوا من الأسباب

فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا

و إذا المودّة أكبر الأسباب( ٢)

و قال أبو الأسود:

فلا تشعرنّ النفس يأسا فإنّما

يعيش بجدّ حازم و بليد

و لا تطمعن في مال جار لقربه

فكلّ قريب لا ينال بعيد

و في المعمّرين لأبي حاتم قال الأضبط بن قريع:

وصل وصال البعيد ما وصل الحب

ل و أقص القريب إن قطعه

و قال ابن أبي الحديد ما قالهعليه‌السلام معنى مطروق، قال الأحوص:

إنّي لأمنحك الصدود و إنّني

قسما إليك مع الصدود لأميل

و قال البحتريّ:

و نازحة و الدّار منها قريبة

و ما قرب ثاو في التراب مغيّب

و قال الشاعر:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٣، ١١٨.

(٢) تاريخ بغداد ١٢: ٤٨٨ دار الكتاب العربي بيروت.

لعمرك ما يضرّ البعد يوما

إذا دنت القلوب من القلوب( ١)

قلت: معنى ما نقل غير كلامهعليه‌السلام ، و انما يصحّ جعله قريبا من كلامه.

«و الغريب من لم يكن له حبيب» و قالوا أيضا «الغريب من لم يكن له مال» و قيل بالفارسية:

منعم بكوه و دشت و بيابان غريب نيست

هر جا كه رفت خيمه زد و بارگاه كرد

«من تعدّى الحق ضاق مذهبه» فإنّ الحق كالجادة و متعدّيه كالمتعدّي من الجادة، و في المثل «من سلك الجدد، أمن العثار»( ٢ ) ، و قال تعالى و أنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله( ٣) .

«و من اقتصر على قدره كان أبقى له» قال ابن أبي الحديد: هذا مثل قوله «رحم اللّه امرأ عرف قدره، و لم يتعدّ طوره» و قال: «من جهل قدره قتل نفسه»( ٤) .

قلت: الظاهر أن معنى كلامهعليه‌السلام : «من اقتصر على قدره كان أبقى له» أنّ من اقتصر على قدر ماله في إنفاقاته و وجوه مصارفه كان أبقى له من أن يتلف كلّ ماله، فالاقتصار على قدره غير عرفان قدره و جهله كما فهم.

و في (العيون) دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بمال عليه و قيّد، فقال له: أما ترى ما نحن فيه من هذه القيود، فرفع مالك رأسه فرأى سلة فقال: لمن هذه؟ فقال: لي، فأمر بها أن تنزل، فانزلت و إذا دجاج و أخبصة، فقال

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٨.

(٢) مجمع الأمثال للميداني ٢: ٣٠٦، الزمخشري ٢: ٣٥٦.

(٣) الانعام: ١٥٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٨.

له: هذه وضعت القيود في رجلك( ١) .

«و أوثق سبب أخذت به سبب» الأصل في معنى السبب الحبل و الوسيلة.

«بينك و بين اللّه» هكذا في (المصرية) و فيها سقط فزاد ابن أبي الحديد و الخطية «سبحانه» و لكن في نسخة ابن ميثم «تعالى»( ٢ ) . قال ابن أبي الحديد:

هو مأخوذ من قوله تعالى فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها( ٣ ) ( ٤) .

قلت: و كذا قوله تعالى: و من يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم( ٥) .

و السبب بين الخلائق و الخالق كان أولا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و كتابه تعالى و بعده كتابه تعالى و عترة نبيّه، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في مسند أحمد بن حنبل إنّي تارك فيكم الخليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء، و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض( ٦) .

و بمعنى آخر: الفصل عن غيره تعالى و الوصل به عزّ و جلّ، ففي (الكافي) أوحى تعالى إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته ثم تكيده السماوات و الأرض و من فيهن إلاّ جعلت له المخرج من بينهن، و ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من

____________________

(١) عيون الاخبار ٣: ٢١٥ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٣.

(٣) البقرة: ٢٥٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١١٦.

(٥) آل عمران: ١٠١.

(٦) حديث الثقلين أخرجه أحمد في مسنده ٢: (١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩) عن طريق أبي و فيه (٤ ح ٣٦٦) عن زيد بن ارقم و فيه (٥ ١٨١ ١٨٩) عن زيد بن ثابت.

نيّته إلاّ قطعت أسباب السماوات من بين يديه و أسخت الأرض من تحته و لم ابال من أيّ واد هلك.

و في خبر آخر: و من اعتصم باللّه عصمه اللّه، و من عصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض، أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة كان في حرز اللّه تعالى بالتقوى من كلّ بلية، أ ليس اللّه تعالى يقول: إنّ المتّقين في مقام أمين( ١) .

و في آخر: عن الحسين بن علوان: كنّا في مجلس نطلب فيه العلم و قد نفدت نفقتي في بعض أسفاري، فقال لي بعض أصحابنا: من تؤمّل بما قد نزل بك. فقلت: فلانا. فقال: إذن و اللّه لا يسعف حاجتك. قلت: و ما علمك؟ قال: إنّ أبا عبد اللّهعليه‌السلام حدّثني أنّه قرأ في بعض الكتب أن اللّه تعالى يقول: و عزّتي و جلالي و مجدي و ارتفاعي على عرشي لأقطعن أمل كل آمل غيري باليأس، و لأكسونه ثوب المذلّة عند الناس، و لأنحّينّه من قربي و لابعدنّه من وصلي، أ يؤمّل غيري في الشدائد و الشدائد بيدي؟ و يرجو غيري و يقرع بالفكر باب غيري و بيدي مفاتيح الأبواب و هي مغلقة و بابي مفتوح لمن دعاني؟ فمن ذا الذي أمّلني لنوائبه فقطعته دونها؟ و من ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي، و ملأت سماواتي ممّن لا يملّ من تسبيحي و أمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني و بين عبادي فلم يثقوا بقولي، أ لم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنّه لا يملك كشفها أحد غيري الا من بعد اذني؟ فما لي أراه لاهيا عنّي أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته منه فلم يسألني ردّه و سأل غيري، أفتراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثم اسأل فلا اجيب سائلي؟ أ بخيل أنا فيبخّلني عبدي؟ أو ليس

____________________

(١) الدخان ٥١، الكافي ٢: ٦٥ روايه ٤.

الكرم لي؟ أ و ليس العفو و الرحمة بيدي؟ أ و ليس أنا محل الآمال فمن يقطعها دوني؟ أ فلم يخش المؤمّلون أن يؤمّلوا غيري؟ فلو أن أهل سماواتي و أهل أرضي أمّلوا جميعا ثم أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، و كيف ينقص ملك أنا قيّمه، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، و يا بؤسا لمن عصاني و لم يراقبني( ١) .

«و من لم يبالك فهو عدوك» قال أبو العيناء:

لعمرك ما حقّ امرى‏ء لا يعدّ لي

على نفسه حقّا عليّ بواجب

و ما أنا للنّائي عليّ بوده

بودّي و صافي خلّتي بمقارب

و لكنّه إن مال يوما بجانب

من الصدّ و الهجران ملت بجانبي

هذا، و في (الأغاني) نهق حمار ذات يوم بقرب بشّار فخطر بباله بيت فقال:

ما قام أير حمار فامتلا شبعا

إلاّ تحرّك عرق في است تسنيم

و لم يرد تسنيما بالهجاء و لكنه لمّا بلغ إلى قوله «الا تحرك عرق» قال في است من، و مر به تسنيم و كان صديقه فسلّم عليه فقال: في است تسنيم.

فقال: أيش ويحك، فأنشده البيت. فقال له: عليك لعنة اللّه، فما عندك فرق بين صديقك و عدوك، أي شي‏ء حملك على هذا؟ ألا قلت «في است حمار» الذي فضحك و أعياك و ليست قافيتك على الميم فأعذرك. قال: صدقت و اللّه في هذا كلّه و لكن ما زلت أقول «في است من في است من» و لا يخطر ببالي أحد حتى مررت و سلمت فرزقته. فقال له تسنيم: إذا كان هذا جواب التسليم عليك فلا سلّم اللّه عليك و لا عليّ حين سلمت عليك. و جعل بشّار

____________________

(١) الكافي ٢: ٦٢ ٦٦ ح ١ و ٤ و ٧.

يضحك و يصفق بيديه و تسنيم يشتمه( ١) .

«قد يكون اليأس ادراكا إذا كان الطمع هلاكا» قال امرؤ القيس:

و قد سافرت في الآفاق حتى

رضيت من الغنيمة بالإياب

و قال البحتري:

إذا بدا بخلاء الناس عارفة

يتبعها المن فالمرزوق من حرما

و قال آخر:

اللّيل داج و الكباش تنتطح

فمن نجا برأسه فقد ربح

«ليس كلّ عورة تظهر و لا كل فرصة تصاب» و لو كان كل عورة و العورة موضع خلل يتخوف منه تظهر لأمكن لكثير من الناس استيصال أعدائهم، و لو كان كلّ فرصة تصاب لأصلح الناس كثيرا من أمور دينهم و دنياهم.

«و ربما أخطأ البصير قصده، و أصاب الأعمى رشده» و قالوا: لكلّ جواد كبوة، و لكل صارم نبوة، و لكل عالم هفوة. و قال محمد بن بشير:

تخطي النفوس مع العيان

و قد تصيب مع المظنّه

كم من مضيق في الفضا

ء و مخرج بين الأسنّه

و لأبي العتاهية:

و قد يهلك الانسان من باب أمنه

و ينجو باذن اللّه من حيث يحذر

و من أمثالهم: «رب رمية من غير رام». قال الميداني: و أول من قاله الحكم ابن عبد يغوث المنقري و كان أرمى أهل زمانه و آلى يمينا ليدجن على الغبغب مهاة أي يقطع عرق ما تدلّى تحت حنك بقرة وحشية بالرمي فحمل قوسه و كنانته فلم يصنع يومه ذلك شيئا، فرجع كئيبا و بات ليلته على ذلك، ثم خرج إلى قومه فقال، ما أنتم صانعون، فإنّي قاتل نفسي أسفا إن لم

____________________

(١) الأغاني ٣: ١٧٣ دار احياء التراث العربي.

أدجها اليوم. فقال له أخوه: دج مكانها عشرة من الإبل و لا تقتل نفسك. قال:

و اللاّت و العزى لا أظلم عاترة و أترك النافرة. فقال له ابنه: احملني معك أرفدك.

فقال له أبوه: و ما أحمل من رعش و هل، جبان فشل. فضحك الغلام و قال: إن لم تر أوداجها يخالط أمشاجها فاجعلني وداجها. فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها الحكم فأخطأها ثم مرّت به اخرى فأخطأها ثم مرّت به اخرى فرماها فأخطأها، فقال له ابنه: أعطني القوس، فأعطاها فرماها و لم يخطئها فقال أبوه «ربّ رمية من غير رام»( ١ ) يضرب لصدور الفعل من غير أهله.

«أخّر الشر فإنّك إذا شئت تعجلته» قريب من كلامهعليه‌السلام قول هدبة العذري:

و لا أتمنى الشر و الشر تاركي

و لكن متى أحمل على الشر أركب

و يجب العمل بكلامهعليه‌السلام في المتهم بالقتل و غيره فما لم يتبيّن جرمه لم تجز عقوبته، فلعلّه كان بريئا فلا ترد العقوبة، فإن تحقق جرمه عاقبه عقيبه.

«و قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل» في (عيون ابن بابويه) قال عمير بن يزيد: كنت عند الرضاعليه‌السلام ، فذكر محمد بن جعفر بن محمد، فقال: إنّي جعلت على نفسي ألاّ يظلّني و إيّاه سقف بيت أبدا. فقلت في نفسي: هذا يأمرنا بالبرّ و الصلة و يقول هذا لعمه. فنظر إليّ، فقال: هذا من البرّ و الصلة، إنّه متى يأتني و يدخل عليّ فيقول فيّ فيصدقه الناس، و إذا لم يدخل عليّ و لم أدخل عليه لم يقبل قوله إذا قال( ٢) .

و في (المروج) قال المتوكل لأبي العيناء: بلغنا عنك بذاء. فقال: قد مدح

____________________

(١) مجمع الأمثال للميداني ١: ٢٩٩ بتصرف.

(٢) عيون ٢: ٢٠٤ ح ١.

اللّه تعالى و ذم، فقال تعالى نعم العبد إنّه أوّاب( ١ ) و قال جل و علا همّاز مشّاء بنميم. عتلّ بعد ذلك زنيم( ٢ ) ، فان لم يكن البذاء بمنزلة العقرب يلدغ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و الذّمّيّ فلا ضير فيه. قال الشاعر:

إذا أنا بالمعروف لم أك صادقا

و لم أشتم النّكس اللّئيم المذمّما

ففيم عرفت الخير و الشرّ باسمه

و شقّ لي اللّه المسامع و الفما( ٣)

و قال الآخر:

أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى

و للحلم أحيانا من الجهل أقبح

إذا كان حلم المرء عون عدوه

عليه فإن الجهل أعفى و أروح

«من أمن الزمان خانه» عن أكثم بن صيفي: الدهر لا يغترّ به، و من مأمنه يؤتى الحذر.

«و من أعظمه أهانه» في الخبر: ما من أحد عظّم الدنيا فقرّت عيناه فيها، و لم يحقّرها إلاّ انتفع بها( ٤) .

«ليس كلّ من رمى أصاب» و قالوا: «ما كل رامي غرض يصيب».

«إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان» و قالوا: «الناس على دين ملوكهم» و كان الناس في زمان الوليد بن عبد الملك حريصين على العمارات مثله، و في زمان سليمان أخيه على أكل الطيبات مثله، و في زمان يزيد أخيه على قضاء الوطر من الشهوات مثله، و في زمان هشام أخيه على الشحّ و ترك الإطعام و سدّ باب المضيفات مثله.

و في (العقد): اطلع مروان بن الحكم على ضيعته بالغوطة فأنكر منها

____________________

(١) ص: ٣٠، ٤٤.

(٢) القلم: ١١ و ١٣.

(٣) المروج ٤: ١٤٨.

(٤) الكافي ٢: ٣١٧ رواية ٩.

شيئا فقال لوكيله: ويحك إنّي لأظنّك تخونني. قال: أ تظن ذلك و لا تستيقنه. قال و تفعل. قال: نعم و اللّه اني لأخونك و إنّك لتخون الخليفة و الخليفة ليخون اللّه فلعن اللّه شر الثلاثة.

و قالوا: صنفان إذا صلحا صلح الناس: الأمراء و الفقهاء، و إذا فسدا فسد الناس.

و قال ابن أبي الحديد جمع أنو شروان عمّال السواد و بيده درّة يقلبها، فقال: أيّ شي‏ء أضرّ بارتفاع السواد و أدعى إلى محقه؟ و أيّكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرة في فيه. فقال بعضهم انقطاع الشرب، و قال بعضهم احتباس المطر، و قال بعضهم استيلاء الجنوب و عدم الشمال. فقال لوزيره: قل أنت فإنّي أظن عقلك يعادل عقول الرعية كلّها أو يزيد عليها. فقال: تغيّر رأي السلطان في رعيته، و إضمار الحيف لهم و الجور عليهم. فقال: للّه أبوك، بهذا العقل أهّلك آبائي لمّا أهّلوك، و جعل الدرّة في فيه( ١) .

«سل عن الرفيق قبل الطريق» في (الاستيعاب) قال خفّاف: أتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت: أين تأمرني أن أنزل، على قرشي أم أنصاري، أم أسلم أم غفار؟ فقال: يا خفاف ابتغ الرفيق قبل الطريق، فإن عرض لك أمر نصرك، و ان احتجت إليه رفدك( ٢) .

«و عن الجار قبل الدار» في (تاريخ بغداد): كان لمحمد بن ميمون أبي حمزة السكري جار أراد أن يبيع داره، فقيل له: بكم. قال: بألفين عن الدار، و ألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة فوجّه إليه بأربعة آلاف فقال: خذ هذه و لا تبع دارك.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٢١.

(٢) الاستيعاب ١: ٤٣٧.

(و فيه): كان إذا مرض الرجل من جيرانه تصدّق بمثل نفقة المريض لمّا صرف عنه من العلّة.

(و فيه): كان إذا مرض عنده من قد رحل إليه ينظر إلى ما يحتاج إليه من الكفاية فيأمر بالقيام به.

كان لرجل جار حسن فاحتاج إلى بيع داره فلمّا نقده المشتري الثمن قال له: هذا ثمن الدار فأين ثمن جاري، فسمع ذلك جاره فبعث إليه بمال لئلا يبيع داره.

و يضربون المثل بجار أبي دؤاد، يعنون كعب بن مامة، قالوا كان كعب إذا جاوره رجل فمات و داه، و إن هلك له بعير أو شاة أخلف عليه، فجاوره أبو دؤاد فكان يفعل به ذلك فقال قيس بن زهير:

اطوّف ما اطوّف ثم آوي

إلى جار كجار أبي دؤاد

كما انّهم يضربون المثل بجار لا يحمى جاره بلحم ظبي، قال الشاعر:

فجارك عند بيتك لحم ظبي

و جاري عند بيتي لا يرام

هذا، و في (الأذكياء) في خبر قال رجل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ لي جارا يؤذيني فقال: إنطلق و أخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني فذكرت ذلك للنبي فقال لي: إنطلق و أخرج متاعك إلى الطريق، فجعلوا يقولون «اللّهم العنه اللّهم أخزه» فبلغه فأتاه فقال: إرجع إلى منزلك فو اللّه لا نؤذيك( ١) .

«إيّاك أن تذكر من الكلام ما كان مضحكا و ان حكيت ذلك عن غيرك» لأنّ ذلك يحطّ الرجل الجليل عن منزلته، بل من كان له مضحكة تسقط هيبته.

و في (تاريخ الجزري): كان للسلطان ملكشاه مسخرة يعرف

____________________

(١) الأذكياء: ٢٧ دار الكتب العلمية بيروت.

ب: (جعفرك) يحاكي نظام الملك و يذكره في خلواته مع السلطان، فبلغ ذلك جمال الملك بن نظام الملك و كان يتولى مدينة بلخ و أعمالها فسار من وقته يطوي المراحل إلى والده و السلطان و هما باصبهان، فاستقبله أخواه فخر الملك و مؤيد الملك، فأغلظ لهما القول في إغضائهما على ما بلغه عن «جعفرك»، فلمّا وصل إلى حضرة السلطان رأى «جعفرك» يسارّه، فانتهره و قال: مثلك يقف هذا الموقف و ينبسط بحضرة السلطان في هذا الجمع، فلمّا خرج من عند السلطان أمر بالقبض على «جعفرك» و أمر بإخراج لسانه من قفاه و قطعه فمات، ثم أمر السلطان سرّا بقتل جمال الملك لقتله مضحكته( ١) .

(و فيه): قتل في سنة (٥٥٦) سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملك شاه، كان يجمع المساخر و لا يلتفت إلى الامراء، فأهمل العسكر أمره و صاروا لا يحضرون بابه و كان قد رد جميع الامور إلى (كرد بازو) من مشائخ خدمهم فكان الامراء يشكون إليه و هو يسكّنهم، فاتّفق أنّ السلطان شرب يوما بظاهر همدان في الكشك، فحضر عنده (كرد بازو) و لامه، فأمر من عنده من المساخرة فعبثوا بكرد بازو حتى أن بعضهم كشف له سوأته إلى أن قال فأحضر كرد بازو الامراء و كانوا كارهين لسليمان فاستحلفهم على طاعته فحلفوا له، فأوّل ما عمل أن قتل المساخرة الذين لسليمان و قال له: إنّما أفعل ذلك لملكك، ثم عمل دعوة عظيمة حضرها السلطان و الامراء، فلمّا صار السلطان في داره قبض عليه ثم أرسل إليه من خنقه...( ٢) .

«و اياك و مشاورة النساء» ففي الخبر كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد الحرب دعا

____________________

(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ١٠: ١٢٣ ١٢٤، سنة ٤٧٥.

(٢) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ١١ ٢٦٦، سنة ٥٥٦.

نساءه فاستشارهن ثم خالفهن( ١) .

و قالوا: لا تستشيروا معلّما و لا راعي غنم و لا كثير القعود مع النساء.

و قال ابن أبي الحديد قال الفضل بن الربيع يصف الأمين بالعجز أيام محاربته المأمون إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء و يعتزم على الرؤيا( ٢) .

«فإنّ رأيهن إلى أفن» بفتحتين أي: الضعف.

«و عزمهن إلى وهن» قال كعب ابن زهير:

و ما تدوم على العهد الذي زعمت

كما تلوّن في أثوابها الغول

و لا تمسّك بالوعد الذي زعمت

إلاّ كما تمسك الماء الغرابيل

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا

و ما مواعيدها إلاّ الأباطيل

و قال آكل المرار:

إنّ من غره النساء بشي‏ء

بعد هند لجاهل مغرور

حلوة العين و اللسان و مر

كلّ شي‏ء يجن منها الضمير

كلّ انثى و إن بدا لك منها

آية الحب حبها خيتعور

و قال طفيل الغنوي:

إنّ النساء متى ينهين عن خلق

فإنّه واجب لا بدّ مفعول

و قال نهشل بن حري:

و عهد الغانيات كعهد قين

ونت عنه الجعائل مستذاق

كبرق لاح يعجب من بعيد

و لا يغني الحرائم من لماق

و قال آخر:

____________________

(١) الكافي ٥: ٥١٨ ح ١١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٢٣.

فلا تحسبنّ هندا لها الغدر وحدها

سجية نفس كلّ غانية هند

و في (الأغاني): بلغ ملك ضيزن الخزاعي صاحب الحضر و الحضر قصر بحيال تكريت بين دجلة و الفرات الشام و أغار فأصاب اختا لسابور ذي الأكتاف، فجمع له سابور و سار إليه، فأقام على الحضر أربع سنين لا يستغل منهم شيئا. ثم ان النضيرة بنت ضيزن و كانت من أجمل أهل دهرها حاضت فأخرجت إلى الربض و كذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن و كان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها و رأته و عشقها و عشقته فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة و تقتل أبي، قال: أحكمك و أرفعك على نسائي و أخصك بنفسي دونهن. قالت: عليك بحمامة مطوّقة ورقاء فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر تكون زرقاء ثم ارسلها فانها تقع على حائط المدينة فتتداعى و كان ذلك طلسمها لا يهدمها إلاّ هو ففعل و تأهب لهم و قالت له: أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم و ادخل المدينة، ففعل، فتداعت المدينة و فتحها سابور عنوة، فقتل الضيزن و أخرب المدينة و احتمل النضيرة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر من خشونة في فرشها و هي من حرير محشو بالقز، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنتها قد أثرت فيها، و كان ينظر إلى مخها من لين بشرتها، فقال لها سابور: ويحك بأيّ شي‏ء كان أبوك يغذيك؟ قالت: بالزبد و المخ و شهد الأبكار من النحل و صفوة الخمر. فقال:

و كيف آمنك و قد فعلت بأبيك الذي غذّاك بما تذكرين ما فعلت؟ فأمر رجلا فركب فرسا جموحا و ضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا، فذلك قول الشاعر:

أقفر الحضر من نضيرة فالمرباع

منها فجانب الثرثار

و قال عدي بن زيد في أبيها:

و أخو الحضر إذ بناه و إذ

دجلة تجبى إليه و الخابور

شاده مرمرا و جلّله كأسا

فللطير في ذراه و كور

لم يهبه ريب المنون فباد

الملك عنه فبابه مهجور( ١)

و في (العقد): قال الهيثم بن عدي: غزا الحارث بن عمرو الغسّاني آكل المرار الكندي فلم يصبه في منزله فأخذ ما وجد له و استاق امرأته، فلمّا أصابها أعجبت به فقالت له: انج فو اللّه لكأني أنظر إليه يتبعك فاغرا فاه كأنّه بعير آكل مرار، فاتبعه حتى لحقه فقتله و أخذ امرأته فقال لها: هل أصابك؟

قالت: نعم و اللّه ما اشتملت النساء على مثله قط، فأمر بها فأوقفت بين فرسين ثم استحضرهما حتى تقطعت ثم قال:

كل انثى و ان بدا لك منها

آية الود حبها خيتعور( ٢)

«و اكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إيّاهن فإن شدّة الحجاب أبقى عليهن» و في رواية (الرسائل) «فإنّ شدّة الحجاب خير لك و لهن من الإرتياب»( ٣ ) . قيل لابنة الخس: لم زنيت و أنت سيدة نساء قومك؟ قالت: لقرب الوساد و طول السواد.

و عن الصادقعليه‌السلام : ما أخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على النساء في بيعتهن ألاّ يختبين و لا يقعدن مع الرجال في الخلاء.

و عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : انما هلك نساء بني إسرائيل من قبل القصص و نقش الخضاب( ٤) .

____________________

(١) الأغاني ٢: ١٣٩ ١٤٠ دار احياء التراث العربي بيروت.

(٢) العقد الفريد ٧: ١٣٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) كشف المحجة: ١٧١.

(٤) الكافي ٥: ٥١٩ ح ١ و ٦.

و قالعليه‌السلام : يا أهل العراق نبئت أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق، أما تستحون( ١) .

و عن أبي جعفرعليه‌السلام استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة و كانت النساء يتقنّعن خلف آذانهن فنظر إليها و هي مقبلة فلمّا جازت نظر إليها و دخل في زقاق فجعل ينظر خلفها و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة فإذا الدماء تسيل على صدره و ثوبه، فقال: و اللّه لآتينّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و لاخبرنّه، فأتاه فهبط جبرئيل بآية قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنّ اللّه خبير بما يصنعون( ٢ ) ( ٣) .

«و ليس خروجهن بأشد من ادخالك من لا يوثق به عليهن» و في الخبر: إنّ أحسن شي‏ء للنساء أن لا يراهن الرجال و لا يرين الرجال( ٤) .

«و إن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل» عن بعضهم لئن يرى حرمتي ألف رجل على حال تكشّف منها و هي لا تراهم أحب إلي من أن ترى رجلا واحدا غير متكشّف.

هذا، و في (الأغاني): كان في جوار أبان اللاّحقي رجل من ثقيف يقال له محمد بن خالد تزوج بعمارة الثقفية و كانت موسرة و كان محمد عدوا لأبان، فقال أبان يحذرها منه:

لمّا رأيت البز و الشاره

و الفرش قد ضاقت به الحاره

و اللوز و السكر يرمى به

من فوق ذي الدار و ذي الداره

____________________

(١) الكافي ٥: ٥٣٦ ح ٦.

(٢) النور: ٣٠.

(٣) الكافي ٥: ٥٢١ ح ٥.

(٤) مكارم الأخلاق: ٢٣٣.

و أحضروا اللاّهين لم يتركوا

طبلا و لا صاحب زمّاره

قلت لمّا ذا؟ قيل اعجوبة

محمّد زوج عماره

لا عمّر اللّه بها بيته

و لا رأته مدركا ثاره

ما ذا رأت فيه و ما ذا رجت

و هي من النسوان مختاره

اسود كالسّفّود ينسى لدى

التنوّر بل محراك قيّاره

يجري على أولاده خمسة

أرغفة كالريش طيّاره

و أهله في الأرض من خوفه

إن أفرطوا في الأكل سيّاره

ويحك فرّي و اعصبي ذاك بي

فهذه اختك فرّاره

إذا غفا بالليل فاستيقظي

ثم اطفري إنّك طفّاره

فلمّا بلغت قصيدته عمارة هربت و خرم من جهتها مالا عظيما، و قال أبان في فرارها:

فصعدت نائلة سلما

تخاف أن تصعده الفاره( ١)

«و لا تملك المرأة ما جاوز نفسها» في (الأغاني): بلغ دريد بن الصمة أنّ امرأته سبّت أخاه فطلقها و قال:

معاذ اللّه أن يشتمن رهطي

و أن يملكن إبرامي و نقضي( ٢)

«فإنّ المرأة ريحانة» و قد عبّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عنهن بالقوارير، فقال لانجشه لمّا حدا بأزواجه في حجّة الوداع فأسرعت الإبل: «رفقا بالقوارير»( ٣) .

هذا، و رأى رجل امرأة فأنشد:

إنّ النساء شياطين خلقن لنا

نعوذ باللّه من شرّ الشياطين

____________________

(١) الأغاني ٢٣: ١٦٣ دار احياء التراث العربي.

(٢) الأغاني ١٠: ١١ دار احياء التراث العربي.

(٣) الكافي ٤: ٢٩ قرّ و اسد ١ ح ١٢١.

فأنشدت المرأة:

إنّ النساء رياحين خلقن لكم

لا بدّ للناس من شمّ الرياحين

و في (الأغاني) عن علي بن يحيى قال الحسين بن الضحاك: أنشدت ابن مناذر قصيدتي التي أقول فيها «لفقدك ريحانة العسكر» و كانت أول ما قلته من الشعر، فأخذ رداه و رمى به إلى السقف و تلقاه برجله و جعل يردد هذا البيت، فقلنا له: أ تراه فعل ذلك استحسانا لمّا قلت؟ إنّما فعله طنزا بك. فشتمه و شتمنا و كنّا بعد ذلك نسأله إعادة هذا البيت فيرمي بالحجارة، و يجدّد شتم ابن مناذر بأقبح ما يقدر عليه( ١) .

قلت: وجه عيب بيته أنّه لا مناسبة لإضافة الريحانة إلى العسكر.

«و ليست بقهرمانة» في النهاية: في الخبر «كتب إلى قهرمانه» هو كالخازن و الوكيل الحافظ لمّا تحت يده و القائم بامور الرجل بلغة الفرس( ٢) .

في تنبيه المسعودي: كانت في أيام المقتدر أمور لم يكن مثلها في الاسلام، منها غلبة النساء على الملك و التدبير، حتى أن جارية لامّه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة و العامة، و يحضرها الوزير و الكاتب و القضاة و أهل العلم( ٣) .

و في (كامل الجزري) في سنة (٣١٠) قبض المقتدر على ام موسى القهرمانة بسبب أنّها زوجت ابنة اختها من أحمد بن محمد بن إسحاق بن المتوكل، و اكثرت من النثار و الدعوات و صرفت أموالا جليلة، فسعت أعداؤها بها إلى المقتدر و قالوا له قد سعت في الخلافة لأحمد، فقبض عليها و أخذ منها

____________________

(١) الأغاني ٧: ٢١٤ دار احياء التراث العربي.

(٢) النهاية ٤: ١٢٩ قهرم.

(٣) التنبيه و الاشراف: ٣٢٨.

أموالا عظيمة و جواهر نفيسة( ١) .

هذا، و في (عيون القتيبي) قال خالد الحذّاء: خطبت امرأة من بني أسد فجئت لأنظر إليها و بيني و بينها رواق يشف، فدعت بجفنة مملوة ثريدا مكلّلة باللحم فأتت على آخرها، و اتيت بإناء مملوّ لبنا أو نبيذا فشربته حتى كفأته، ثم قالت: يا جارية ارفعي السجف فإذا هي جالسة على جلد أسد و إذا شابة جميلة فقالت: يا عبد اللّه أنا أسدة من بني أسد على جلد أسد و هذا مطعمي و مشربي، فإن أحببت أن تتقدّم فافعل، فقلت: أنظر. فخرجت و لم أعد( ٢) .

«و لا تعد» بضم الدّال، أي: لا تتجاوز.

«بكرامتها نفسها، و لا تطمعها في أن تشفع لغيرها» و «بغيرها» في (المصرية) غلط. في (الطبري): قيل إن وفاة الهادي كانت من قبل جوار لامّه الخيزران كانت أمرتهن بقتله، فذكروا أنّ الهادي نابذ امّه و نافرها لمّا صارت إليه الخلافة، فصارت «خالصته» إليه يوما فقالت: إن امك تستكسيك فأمر لها بخزانة مملوة كسوة و وجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقر و كانت الخيزران في أوّل خلافة ابنها تقتات عليه في أموره و تسلك به مسلك أبيه من قبل في الاستبداد بالأمر و النهي، فأرسل إليها ألاّ تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاءة التبذّل فإنّه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، و عليك بصلاتك و تسبيحك و تبتّلك و لك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك، و كانت كثيرا ما تكلّمه في الحوائج فكان يجيبها إلى كلّ ما تسأله حتى مضت أربعة أشهر من خلافته و انثال الناس عليها و طمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها، فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا،

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٨: ١٣٧ س ٣١٠.

(٢) عيون الأخبار لابن قتيبة ٤: ٩ دار الكتب العلمية بيروت.

فاعتلّ بعلّة فقالت: لا بدّ من اجابتي. قال: لا أفعل. قالت: فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد اللّه بن مالك، فغضب موسى و قال: ويل عليّ بن الفاعلة قد علمت أنّه صاحبها و اللّه لاقضيتها لك. قالت: إذن و اللّه لا أسألك حاجة أبدا. قال: إذن و اللّه لا ابالي. و حمي و غضب، فقامت مغضبة فقال: مكانك حتّى تستوعبي كلامي، و اللّه لئن بلغني أنّه وقف ببابك أحد من قوّادي أو أحد من خواصّي أو خدمي لأضربنّ عنقه و أقبضنّ ماله، فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو و تروح إلى بابك كلّ يوم؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إيّاك ثم إيّاك ما فتحت بابك لملّيّ و لا ذمّيّ. فانصرفت ما تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلوة و لا مرة بعدها.

و قال بعض الهاشميين: ان سبب موته أنّه لمّا جد في خلع هارون و البيعة لابنه جعفر خافت الخيزران على هارون منه، فدست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم و الجلوس على وجهه، و وجهت إلى يحيى بن خالد أن الرجل قد توفي فاجدد في أمرك و لا تقصر( ١) .

هذا، و قد أخذ الحجّاج أكثر فقرات كلامهعليه‌السلام في قصة له مع الوليد ففي (المروج): وفد الحجّاج على الوليد فوجده في بعض نزهه فاستقبله، فلمّا رآه ترجل له و جعل يمشي و عليه درع و كنانة و قوس عربية، فقال له الوليد: إركب.

فقال: دعني استكثر من الجهاد، فإنّ ابن الزبير و ابن الأشعث شغلاني عنك، فعزم عليه الوليد حتى ركب و دخل الوليد داره و تفضّل في غلاله ثم أذن للحجّاج فدخل عليه في حاله تلك و أطال الجلوس عنده، فبينما هو يحادثه إذ جاءت جارية فسارّت الوليد و مضت ثم عادت فسارته ثم انصرفت، فقال الوليد للحجّاج: أ تدري ما قالت هذه؟ قال: لا. قال: بعثتها إليّ ابنة عمّي امّ البنين

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ٢٠٥ دار سويدان بيروت.

بنت عبد العزيز تقول: ما مجالستك لهذا الأعرابي المتسلح و أنت في غلالة، فأرسلت إليها: إنّه الحجّاج، فراعها ذلك و قالت: و اللّه ما أحب أن يخلو بك و قد قتل الخلق. فقال له الحجّاج: دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنّما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة، و لا تطلعهن على سرّك و لا مكايدة عدوك، و لا تطمعهن في غير أنفسهن و لا تشغلهن بأكثر من زينتهن، و إيّاك و مشاورتهن في الأمور فإنّ رأيهن إلى أفن و عزمهن إلى وهن، و اكفف عليهنّ من أبصارهن بحجبك و لا تملّك الواحدة منهن من الامور ما تجاوز نفسها، و لا تطمعها في أن تشفع عندك لغيرها و لا تطل الجلوس معهن فان ذلك أوفر لعقلك و أبين لفضلك. ثم نهض فخرج و دخل الوليد على امّ البنين، فقالت: احبّ أن تأمره غدا بالتسليم عليّ. فقال: أفعل. فلمّا غدا الحجّاج عليه قال له: سر إلى امّ البنين فسلّم عليها فقال: أعفني من ذلك. فقال: لا بدّ من ذلك، فمضى إليها فحجبته طويلا ثم أذنت له فأقرّته قائما و لم تأذن له في الجلوس، ثم قالت له: أيه يا حجّاج أنت الممتن بقتل ابن الزبير و ابن الاشعث، أما و اللّه لو لا أن اللّه جعلك أهون خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة. و قالت له فيما قالت: لقد استعلى عليك ابن الأشعث حتى عجعجت و والى عليك الهرار حتى عويت، فلو لا أن الخليفة نادى في أهل اليمن و أنت في أضيق من القرن فأظلّتك رماحهم و علاك كفاحهم لكنت مأسورا قد أخذ الذي فيه عيناك، و على هذا فإن نساء الخليفة قد نفضن العطر عن غدائرهن و بعنه في أعطية أوليائه، و أما ما أشرت على الخليفة من قطع لذاته و بلوغ أو طاره من نسائه، فإن ينفرجن عن مثل الخليفة فغير مجيبك إلى ذلك، و ان ينفرجن عن مثل ما انفرجت به امّك البظراء عنك من قبح المنظر يا لكع، فما أحقه أن يقتدي بقولك، قاتل اللّه الذي يقول:

أسد عليّ و في الحروب نعامة

فتخاء تنفر من صفير الصافر

هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى

بل كان قلبك في جناحي طائر

ثم أمرت جارية لها فأخرجته، فلمّا دخل على الوليد قال له: ما كنت فيه؟

قال: و اللّه ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظهرها. قال: انها بنت عبد العزيز( ١) .

هذا، و لمّا تخاصم الفرزدق و امرأته إلى ابن الزبير إستشفع خبيب بن عبد اللّه إبن الزبير للفرزدق عند أبيه، و استشفعت امرأة ابن الزبير لامرأة الفرزدق عنده، فقضى ابن الزبير لامرأة الفرزدق، فقال الفرزدق:

ليس الشفيع الذي يأتيك متّزرا

مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

و قال آخر:

و نبئت ليلى أرسلت بشفاعة

إليّ فهلا نفس ليلى شفيعها؟

«و إيّاك و التغاير في غير موضع غيرة فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم و البريئة إلى الريب» في (عيون ابن قتيبة) قال الخريمي:

ما أحسن الغيرة في حينها

و أقبح الغيرة في غير حين

من لم يزل متّهما عرسه

مناصبا فيها لرجم الظنون

يوشك أن يغريها بالذي

يخاف أو ينصبها للعيون( ٢)

هذا، و نسب (عيون ابن قتيبة) كلامهعليه‌السلام في هذه الوصية في النساء من أوله إلى هنا إلى ابن المقفع( ٣ ) ، و هل ذلك إلاّ جهل منه أو عناد، فإنّ كون ذلك كلامهعليه‌السلام ثبت بالأسانيد المستفيضة كما عرفت، ثم كيف كون الأصل فيه ابن المقفع و قد عرفت أن الحجّاج استعمل أكثره في قصته مع الوليد.

«و اجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به فإنّه أحرى ألاّ يتواكلوا في

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ١٥٨ ١٦٠.

(٢) عيون الاخبار ٤: ٧٨ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) عيون الاخبار ٤: ٧٨ دار الكتب العلمية بيروت.

خدمتك» قال ابن أبي الحديد: قال ابرويز لولده شيرويه: انظر إلى كتّابك، فمن كان منهم ذا ضياع قد أحسن عمارتها فولّه الخراج، و من كان منهم ذا عبيد قد أحسن سياستهم و تثقيفهم فولّه الجند، و من كان منهم ذا سراري و ضرائر قد أحسن القيام عليهنّ فولّه النفقات و القهرمة، و هكذا فاصنع في خدم دارك، و لا تجعل أمرك فوضى بين خدمك، فيفسد عليك ملكك( ١) .

«و أكرم عشيرتك فإنّهم جناحك الذي به تطير، و أصلك الذي إليه تصير و يدك الّتي بها تصول» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد) و لكن ليس في (ابن ميثم) و الخطية فقرة «و أصلك الذي إليه تصير»( ٢) .

و كيف كان فزاد في رواية الكليني و الحلبي بعدها «و بهم تصول و هم العدّة عند الشدة، فأكرم كريمهم، و عد سقيمهم، و أشركهم في أمورهم، و تيسّر عند معسورهم»( ٣) .

قال ابن أبي الحديد روى أبو عبيدة أنّ الفرزدق كان لا ينشد بين يدي الخلفاء و الامراء إلاّ قاعدا، فدخل على سليمان يوما فأنشده شعرا فخر فيه بآبائه و قال من جملته:

تاللّه ما حملت من ناقة رجلا

مثلي إذا الريح لفّتني على الكور

فقال سليمان: هذا المدح لي أو لك؟ قال: لي و لك، فغضب سليمان و قال:

قم فأتمم و لا تنشد بعده إلاّ قائما. فقال: لا و اللّه أو تسقط على الأرض أكثري شعرا( ٤ ) فقال سليمان: ويلي على الأحمق ابن الفاعلة، لا يكنّي. و ارتفع صوته، فسمع الضوضاء بالباب فقال: ما هذا. قيل: بنو تميم على الباب يقولون:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٢٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٢٢.

(٣) كشف المحجة: ١٧٣، و تحف العقول: ٨٨. و لفظ الكشف: «بهم تصول و بهم تطول اللذة عند الشدة».

(٤) يقصد به رأسه. أي: يقتله.

لا ينشد الفرزدق قائما و أيدينا في مقابض سيوفنا. قال: فلينشد قاعدا.

قال: و روى المرزباني قال: كان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي ممّن وفد على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأسلم ثم صحب علياعليه‌السلام و شهد معه صفّين و كان من رجاله المشهورين، ثم وفد على معاوية في الاستقامة و كان معاوية لا ينسبه معرفة بعينه، فدخل عليه في جملة الناس، فلمّا انتهى إليه استنسبه فانتسب له فقال: أنت صاحب ليلة الهرير؟ قال: نعم. قال: و اللّه ما تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة و قد علا صوتك أصوات الناس و أنت تقول:

شدوا فداء لكم أمي و أب

فإنّما الأمر غدا لمن غلب

هذا ابن عمّ المصطفى و المنتجب

تنميه للعلياء سادات العرب

ليس بموصوم إذا نصّ النّسب

أوّل من صلّى و صام و اقترب

قال: نعم أنا قائلها. قال: فلما ذا قلتها؟ قال: لأنّا كنّا مع رجل لا يعلم خصلة توجب الخلافة و لا فضيلة تصير إلى التقدمة إلاّ و هي مجموعة له، كان أوّل الناس سلما و أكثرهم علما و أرجحهم حلما، فات الجياد فلا يشق غباره و يستولي على الأمد فلا يخاف عثاره، و أوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره و سلك القصد فلا تدرس آثاره، فلمّا ابتلانا اللّه تعالى بافتقاده، و حوّل الأمر إلى من شاء من عباده، دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يدا عن طاعة، و لم نصدع صفاة جماعة، على أنّ لك منّا ما ظهر و قلوبنا بيد اللّه و هو أملك بها منك، فاقبل صفونا و أعرض عن كدرنا و لا تثركوا من الأحقاد فإنّ النار تقدح بالزناد. فقال له معاوية: و إنّك تهدّدني يا أخا طي بأوباش العراق أهل النفاق و معدن الشقاق فقال: يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق و حبسوك في المضيق، و ذادوك عن سنن الطريق حتى لذت منهم بالمصاحف و دعوت إليها من صدق بها و كذبت، و آمن بمنزلها و كفرت و عرف من تأويلها ما أنكرت.

فغضب معاوية و أدار طرفه في من حوله فإذا جلّهم من مضر و نفر قليل من اليمن فقال: أيّها الشقيّ الخائن إنّي لأخال أنّ هذا آخر كلام تفوه به، و كان عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ، فعرف موقف الطائي و مراد معاوية فخافه عليهم فهجم عليه الدار و أقبل على اليمانية فقال: شاهت الوجوه ذلاّ و قلاّ، كشم اللّه هذه الانوف كشما مرعبا، ثم التفت إلى معاوية فقال: إنّي و اللّه يا معاوية ما أقول قولي هذا حبّا لأهل العراق و لا جنوحا إليهم و لكن الحفيظة تذهب الغضب، و لقد رأيتك بالأمس خاطبت أخا ربيعة يعني صعصعة بن صوحان و هو أعظم جرما عندك من هذا و أذكى لقلبك و أصدع لصفاتك و أجد في عداوتك ثم أثبته و سرحته، و أنت الآن مجمع على قتل هذا زعمت استصغارا لجماعتنا و إنّا لا نمرّ و لا نخلى، و لعمري لو وكلتك أبناء قحطان إلى قومك لكان جدك العاثر و ذكرك الداثر و حدك المفلول و عرشك المثلول، فأربع على ظلعك و اطونا على بلالتنا، ليسهل لك حزننا و يتطامن لك شاردنا، فانّا لا نرأم بوقع الضيم و لا نتلمظ جرع الخسف، و لا نغمز بغماز الفتن و لا نذر على الغضب. فقال معاوية: الغضب شيطان فأربع نفسك أيّها الانسان فإنّا لم نأت إلى صاحبك مكروها فدونكه فانّه لم يضق عنه حلمنا و يسع غيره. فأخذ عفير بيد الوليد إلى منزله و قال له: و اللّه لتؤوبن بأكثر ممّا آب به معديّ من معاوية و جمع من بدمشق من اليمانيّة و فرض على كلّ رجل دينارين في عطائه فبلغت أربعين ألفا فتعجّلها من بيت المال و دفعها إلى الوليد و ردّه إلى العراق( ١) .

قلت: و في (الطبري) بعد ذكر أن زيادا بعث حجر بن عدي و الأرقم الكندي و شريك الحضرمي و صيفي، و قبيصة العبسي و كريم الخثعمي،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٢٩ ١٣١.

و عاصم البجلي و ورقاء البجلي، و كدام العنزي و عبد الرحمن العنزي، و محرز المنقري و ابن حوية السعدي، و عتبة الأخنس و سعد بن نمران إلى معاوية ليقتلهم فقام يزيد ابن أسد البجلي إلى معاوية و قال له: هب لي ابني عمّي يعني عاصم البجلي و ورقاء البجلي و قد كان جرير بن عبد اللّه كتب فيهما أنّ امرأين من قومي من أهل الجماعة و الرأي الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد، فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجّه بهم زياد و هما ممّن لا يحدث حدثا في الإسلام و لا بغيا على الخليفة فلينفعهما ذلك، فلمّا سأل لهما يزيد، ذكر معاوية كتاب جرير، فقال: قد كتب إليّ فيهما ابن عمك جرير محسنا عليهما الثناء و هو أهل أن يصدق قوله و قد سألتني ابني عمك فهما لك و طلب وائل بن حجر في الأرقم فتركه له، و طلب ابن الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فوهبه له، و طلب حمزة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران الهمداني فوهبه له، و كلّمه حبيب ابن مسلمة في ابن حوية فخلّى سبيله.

إلى أن قال بعد ذكر قتل حجر و من أبى من أصحابه التبرّي منهعليه‌السلام حتى قتلوا ستة: فقال عبد الرحمن العنزي و كريم الخثعمي: إبعثوا بنا إلى معاوية فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته، فبعثوا بهما إليه فقال معاوية للخثعمي: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك تبرّأ من دين علي الذي كان يدين اللّه به، فسكت معاوية و كره أن يجيبه، فقال له شمر بن عبد اللّه: هب لي ابن عمي. قال: هو لك غير أنّي حابسه شهرا. ثم قال لعبد الرحمن العنزي: يا أخا ربيعة ما قولك في عليّ؟ قال: دعني و لا تسألني فإنّه خير لك. قال: و اللّه لا أدعك حتى تخبرني عنه. قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا و من الآمرين بالحق و القائمين بالقسط و العافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أوّل من فتح باب الظلم و أرتج أبواب الحق. قال: قتلت نفسك.

قال: بل إيّاك قتلت و لا ربيعة بالوادي. قال: هذا حين كلّم شمر الخثعمي في كريم الخثعمي صاحبه فسلم و لم يكن له أحد من قومه يكلّم فيه، فبعث به معاوية إلى زياد و كتب إليه: إنّ هذا العنزي شر من بعثت فعاقبه و اقتله شرّ قتلة، فبعث به زياد إلى قس الناطف فدفن حيّا( ١) .

«استودع اللّه دينك و دنياك» حتى يحفظهما لك.

«و أسأل اللّه خير القضاء لك في العاجلة و الآجلة» زاد في رواية الكليني و الحلبي «و استعن باللّه على امورك، فإنّه أكفى معين»( ٢) .

«و السّلام» هكذا في (المصرية) و الصواب: ما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم):( ٣ ) هذا و زاد (الرسائل و التحف) في مطاوي الفقرات فقرات اخرى لم نستقصها و إنّما نقلنا بعضها، فمن أرادها فليراجعها.

٣ - الكتاب (٥٣) و من كتاب لهعليه‌السلام كتبه للأشتر النخعي لمّا ولاّه على مصر و أعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن:

بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اَللَّهِ؟ عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ؟

مَالِكَ بْنَ اَلْحَارِثِ اَلْأَشْتَرَ؟ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاَّهُ؟ مِصْرَ؟ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا وَ اِسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلاَدِهَا أَمَرَهُ بِتَقْوَى اَللَّهِ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٢٧٤ دار سويدان بيروت.

(٢) كشف المحجة: ١٧٣، و تحف العقول: ٨٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٦، و في تحف العقول: ٨٨ «و أسأله خير القضاء لك في الدنيا و الآخرة. و السّلام».

وَ إِيْثَارِ طَاعَتِهِ وَ اِتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ اَلَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا وَ لاَ يَشْقَى إِلاَّ مِنْ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا وَ أَنْ يَنْصُرَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَ يَدِهِ وَ لِسَانِهِ فَإِنَّهُ جَلَّ اِسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ مِنَ اَلشَّهَوَاتِ وَ يَزَعَهَا عِنْدَ اَلْجَمَحَاتِ فَإِنَّ اَلنَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ اَللَّهُ أقول: رواه ابن شعبة في (تحفه) مرسلا( ١ ) و الشيخ و النجاشي في (فهرستيهما) مسندا. قال الشيخ في عنوان الأصبغ روى عهد مالك الأشتر، أخبرنا ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن عن الحميري عن هارون بن مسلم و الحسن بن طريف جميعا عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ( ٢) .

و قال النجاشي في الأصبغ روى عهد مالك الأشتر، أخبرنا ابن الجندي، عن علي بن همام، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بالعهد( ٣) .

قول المصنف (و من كتاب لهعليه‌السلام ) هكذا في (المصرية) و الصواب:

(و من عهد له) كما في الخطية و ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٤) .

(كتبه للاشتر النخعي) المذحجي، قال ابن ميثم روي أنّ الطّرمّاح لمّا دخل على معاوية قال له: قل لابن أبي طالب إنّي جمعت من العساكر بعدد حب جاورس الكوفة و ها أنا قاصده. فقال له الطّرمّاح: إنّ لعليّ ديكا أشتر يلتقط جميع ذلك، فانكسر معاوية.

____________________

(١) تحف العقول: ١٢٦.

(٢) فهرست الطوسي: ٣٨.

(٣) النجاشي: ٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٠.

قلت: خبر الطّرمّاح خبر رواه الاختصاص لكنه خبر منكر( ١) .

(لمّا ولاّه) هكذا في (المصرية) و الكلمتان زائدتان فليستا في (الخطية و ابن أبي الحديد( ٢ ) و ابن ميثم) «على مصر و أعمالها» أي: توابعها (حين اضطرب أمر محمد ابن أبي بكر) هكذا في (المصرى) ه و الصواب: (أمر أميرها محمد بن أبي بكر)، و زاد (ابن ميثم) و الخطية «رحمه اللّه».

«و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن» و الصواب: «و هو أطول عهد كتبه و أجمعه للمحاسن» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣) .

قولهعليه‌السلام «بسم اللّه الرحمن الرحيم» حيث إن هذا العهد كان ككتاب مستقل افتتحه بالبسملة و إلاّ فليس في باقي كتبه و وصاياه و عهوده بسملة.

«هذا ما أمر به عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحرث» بن عبد يغوث ابن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن سعد بن مالك بن النخع من مذحج كما في (ذيل الطبري)( ٤) .

«في عهده إليه» و ايصائه إليه «حين ولاّه مصر جباية» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد( ٥ ) و لكن في ابن ميثم و الخطية (جبوة) و كلاهما صحيح، فالجباية مصدر جبيت الخراج، و الجبوة مصدر، جبوت الخراج.

«و جهاد عدوها» العثمانيّة.

«و استصلاح أهلها» بالرفق مع المخالفين.

«و عمارة بلادها» بإفشاء الزرع و الغرس.

____________________

(١) اختصاص: ١٣٨ ١٤١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٠.

(٣) نفس المصدر.

(٤) ذيل المذيل: ١٤٨.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٠.

«أمره بتقوى اللّه» قال تعالى: و اتّقون يا اولي الألباب( ١) .

هذا، و في (كامل الجزري): كان عبد الملك أوّل من نهى عن الأمر بالمعروف، فقال بعد قتل ابن الزبير: و لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه( ٢) .

«و ايثار» أي: اختيار.

«طاعته» على طاعة الناس لأنّهم عبيده و تحت يده.

«و اتّباع ما أمر به في كتابه من فرائضه و سننه» الفريضة و السنة تأتيان بمعان:

أحدها الفريضة ما علم وجوبه من القرآن، و السنة ما علم وجوبه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الصدوق في الفقيه: و قد يجزي الغسل من الجنابة عن الوضوء لأنّهما فرضان اجتمعا فأكبرهما يجزي عن أصغرهما، و من اغتسل لغير الجنابة فليبدأ بالوضوء ثم يغتسل و لا يجزيه الغسل عن الوضوء لأن الغسل سنّة و الوضوء فرض و لا تجزي سنّة عن فرض( ٣ ) و هما بهذا المعنى في معنى الكتاب و السنة.

و ثانيها الفرض الواجب و السنة المسنونة، و هما بهذا المعنى في معنى الواجب و المستحب.

و ثالثها، الفرض: الواجبات العظيمة كتابا و سنة، و السنن: الواجبات التي ليست بتلك الدرجة كتابا و سنة، و لعلّهما بهذا المعنى وردا في كلامهعليه‌السلام .

____________________

(١) البقرة: ١٩٧.

(٢) الكامل في التاريخ ٤: ٥٢٢ ح ٨٦.

(٣) فقيه من لا يحضره الفقيه ١: ٤٦.

«التي لا يسعد أحد إلاّ باتّباعها» و من يطع اللّه و الرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من اللّه و كفى باللّه عليما( ١ ) ، و من يطع اللّه و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك الفوز العظيم( ٢) .

«و لا يشقى إلاّ مع جحودها و إضاعتها» و من يعص اللّه و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا( ٣ ) ، و من يعص اللّه و رسوله و يتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين( ٤ ) ، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتّبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا( ٥) .

«و أن ينصر اللّه سبحانه بقلبه و يده» هكذا في (المصرية) و الصواب: (بيده و قلبه) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية( ٦) .

«و لسانه» حتى يكون نصره كاملا بإنكار قلبه للمنكر و مقال لسانه في النهي عن المنكر و جهاد يده لرفعه، قال تعالى: و جاهدوا في اللّه حقّ جهاده( ٧) .

«فإنّه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره و إعزاز من أعزّه» إنّ تنصروا اللّه ينصركم و يثبّت أقدامكم( ٨) .

«و أمره أن يكسر نفسه من الشهوات» هكذا في (المصرية) و الصواب: (من

____________________

(١) النساء: ٦٩ ٧٠.

(٢) النساء: ١٣.

(٣) الاحزاب: ٣٦.

(٤) النساء: ١٤.

(٥) مريم: ٥٩.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٠.

(٧) الحج: ٧٨.

(٨) محمّد: ٧.

نفسه عند الشهوات) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية( ١ ) عنهمعليهم‌السلام : اذكروا انقطاع اللذّات و بقاء التبعات( ٢) .

«و يزعها» أي: يكفّها.

«عند الجمحات» من جمح الفرس براكبه: ذهب يجري حربا غالبا و اعتزّ فارسه و غلبه، يقال: «دابة ما بها رمحة و لا جمحة» قال الشاعر:

خلعت عذاري جامحا لا يردّني

عن البيض أمثال الدّمى زجر زاجر( ٣)

قال تعالى و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى. فإنّ الجنّة هي المأوى( ٤) .

«فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم اللّه» زاد في رواية (التحف): «إنّ ربّي غفور رحيم» و أن يعتمد كتاب اللّه عند الشّبهات فإنّ فيه تبيان كلّ شي‏ء و هدى و رحمة لقوم يؤمنون، و أن يتحرّى رضا اللّه و لا يتعرّض لسخطه و لا يصرّ على معصيته فإنّه لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه( ٥) .

«ثمّ اعلم يا مالك أنّي قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل و جور» في (المروج): الذي اتفقت عليه التواريخ مع تباين ما فيها أنّ عدّة ملوك مصر من الفراعنة و غيرها اثنان و ثلاثون فرعونا، و من ملوك بابل ممّن تملّك على مصر خمسة، و من العماليق الذين ظهروا إليها من بلاد الشام أربعة، و من الروم سبعة، و من اليونانيين عشرة، و ذلك قبل المسيحعليه‌السلام ،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٠.

(٢) البحار ٧٣: ٣٦٤، رواية ٩٦، باب ١٣٧.

(٣) أورده أساس: ٦٣ جمح، و لسان العرب ٢: ٤٢٦، جمح.

(٤) النازعات: ٤٠ ٤١.

(٥) تحف العقول: ١٢٦.

و ملكها من الفرس من قبل الأكاسرة، و كانت مدّة من ملك مصر من الفراعنة و الروم و العماليق و اليونانيين ألف سنة و ثلاثمائة( ١) .

هذا، و في (الأنوار) أن الخضرعليه‌السلام سئل عن أعجب شي‏ء رآه فقال: إنّي مررت على مدينة و لم أر على وجه الأرض أحسن منها فسألت بعضهم متى بنيت هذه المدينة فقالوا: سبحان اللّه ما تذكر آباؤنا و لا أجدادنا متى بنيت، ثم غبت عنها نحوا من خمسمائة سنة و عبرت عليها بعد ذلك فإذا هي خاوية على عروشها و لم أر أحدا أسأله، و إذا رعاة غنم فسألتهم عنها فقالوا: لا نعلم، فغبت نحوا من خمسمائة سنة ثم انتهيت إليها فإذا موضع تلك المدينة بحر و إذا غوّاصون يخرجون منها اللؤلؤ، فقلت لبعضهم: منذ كم هذا البحر هاهنا؟ فقالوا: سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا و لا أجدادنا إلاّ أنّ هذا البحر هاهنا، ثم غبت عنه نحوا من خمسمائة سنة ثم انتهيت إليه فإذا ذلك البحر قد غاض و إذا مكانه أجمة ملتفة بالقصب و البردي و بالسباع، و إذا صيّادون يصيدون السمك في زوارق صغار، فقلت لبعضهم: أين البحر الذي كان هاهنا. فقالوا:

سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا و لا أجدادنا أنّه كان بحر هاهنا قطّ، فغبت عنه نحوا من خمسمائة سنة ثم انتهيت إليه فإذا هو مدينة على حالته الاولى و الحصون و القصور و الأسواق قائمة فقلت لبعضهم أين الأجمة التي كانت، فقال، سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا و لا أجدادنا إلاّ أنّ هذه على حالها، فغبت عنها نحوا من خمسمائة سنة فإذا هي عاليها سافلها و هي تدخن بدخان شديد و لم أر أحدا إلاّ راعيا، فسألته أين المدينة التي كانت هاهنا و متى حدث هذا الدخان؟

فقال: سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا و لا أجدادنا إلاّ أنّ هذا الموضع كان هكذا( ٢) .

____________________

(١) مروج الذهب ١: ٤٠٦.

(٢) الأنوار النعمانية ٣: ٣٠٨.

«و أنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك» من حسن و قبيح.

«و يقولون فيك ما كنت تقول فيهم» من خير و شر.

و لأبي عبيدة كتاب في «من شكر من العمال و حمد»، و في (ميزان الذهبي) قال أبو حاتم: كان عنبسة بن خالد الايلي على خراج مصر و كان يعلق النساء بثديهن( ١) .

و في (السير) انّ الفضل بن مروان وزير المعتصم جلس يوما لأشغال الناس، فرفعت إليه قصص العامة مكتوبا فيها هذه الأبيات:

تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر

فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل

ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم

أبادتهم الأقياد و الحبس و القتل

و انّك قد أصبحت في الناس ظالما

ستودي كما أودى الثلاثة من قبل

أراد بقوله «فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل بن يحيى البرمكي و الفضل بن الربيع و الفضل بن سهل، و ذكروا أن الفضل بن مروان هذا هو الذي أخذ البيعة للمعتصم و المعتصم بالروم فاستوزره لذلك و غلب عليه، فكان المعتصم يأمر بإعطاء المغنّي و النديم فلا ينفّذ الفضل ذلك، فحقد المعتصم عليه لذلك و نكبه و أهل بيته و جعل مكانه ابن الزيّات، فشمت به الناس لرداءة أفعاله فقالوا:

لتبك على الفضل بن مروان نفسه

فليس له باك من الناس يعرف

و قال المعتصم: عصى اللّه في طاعتي فسلّطني عليه( ٢) .

و في (كامل الجزري): و في سنة (٤١٣) قتل المعز بن باديس صاحب

____________________

(١) ميزان الاعتدال ٣: ٢٩٨ ٦٤٩٩ دار المعرفة بيروت.

(٢) وفيات الأعيان ٤: ٤٥ دار صادر بيروت، شذرات الذهب: ٢: ١٢٢ دار الآفاق الجديدة بيروت.

افريقية وزيره و صاحب جيشه أبا عبد اللّه محمد بن الحسن، و يحكى عن وزيره قال: سهرت ليلة افكّر في شي‏ء أحدثه في الناس و اخرجه عليهم من التي التزمتها، فنمت فرأيت عبد اللّه بن محمد الكاتب و كان وزير والد المعز و كان عظيم القدر و هو يقول لي: اتق اللّه في الناس كافة و في نفسك خاصة فقد أسهرت عينيك و أبرمت حافظيك، و قد بدا لي منك ما خفي عليك، و عن قليل ترد ما وردنا و تقدم على ما قدمنا، فاكتب عنّي ما أقول و لا أقول إلاّ حقّا فأملى عليّ:

وليت و قد رأيت مصير قوم

هم كانوا السماء و كنت أرضا

سموا درج العلا حتى اطمأنّوا

و مدّ بهم فعاد الرفع خفضا

و أعظم اسوة لك بي لأنّي

ملكت و لم أعش طولا و عرضا

فلا تغترّ بالدنيا و أقصر

فان أوان أمرك قد تقضّى

فانتبهت مرعوبا و رسخت الأبيات في حفظي و لم يبق بعد هذا المقام غير شهرين حتى قتل( ١) .

«و إنّما يستدل على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده» يقال «ألسنة الخلق أقلام الحق»، و امّا ما يتّفق من ثناء الناس لبعض امراء الباطل و العلماء المرائين المتصنّعين فإنّما هو على لسان العوام و من في قلبه مرض، و أمّا العارفون المستقيمون فحاشا و كلاّ.

«فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح» قال تعالى: المال و البنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا( ٢) .

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٩: ٣٢٧ ٤١٣.

(٢) الكهف: ٤٦.

«فاملك هواك» قال تعالى: و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى. فإنّ الجنّة هي المأوى( ١) .

«و شحّ نفسك عمّا لا يحلّ لك» و في رواية (التحف) (و لتسخ نفسك عمّا لا يحلّ لك)( ٢) .

«فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت» هكذا في (المصرية) و الصواب: (و كرهت) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية( ٣) .

روى (الخصال) أنّ عمر بن عبد العزيز دخل المدينة فأمر مناديا ينادي من كانت له ظلامة فليأت الباب، فدخل عليه الباقرعليه‌السلام فقال له: إنّما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج قوم بما ينفعهم و منها خرج قوم بما يضرّهم، و كم من قوم قد ضرّهم بمثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا ملومين لمّا لم يأخذوا لمّا أحبّوا من الآخرة عدّة و لا ممّا كرهوا منه جنة، قسم ما جمعوا من لا يحمدهم و صاروا إلى من لا يعذرهم، و نحن و اللّه محقوقون ان ننظر إلى تلك الأعمال التي كنّا نغبطهم بها فنوافقهم فيها و ننظر إلى تلك الأعمال التي كنّا نتخوّف عليهم منها فنكفّ عنها، فاتّق اللّه و اجعل في قلبك اثنتين: تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فقدّمه بين يديك، و تنظر الذي تكره أن يكون معك، إذا قدمت على ربّك فابتغ فيه البدل، و لا تذهبنّ إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك، و اتّق اللّه و افتح الأبواب و سهّل الحجاب و انصر المظلوم و ردّ الظالم. ثم قال: ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان باللّه، فجثا عمر على ركبتيه ثم قال: إيه يا أهل بيت

____________________

(١) النازعات: ٤٠ و ٤١.

(٢) تحف العقول: ١٢٦ في طبعتنا «و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك».

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣١.

النبوّة. فقال: نعم من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل و إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له. فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب: بسم اللّه الرحمن الرّحيم، هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي فدك...( ١) .

«و أشعر قلبك الرحمة للرّعيّة و المحبّة لهم و اللّطف بهم» روى (الفقيه) خبرا عن السجّادعليه‌السلام في الحقوق إلى أن قال و أمّا حقّ رعيّتك فأنّ تعلم أنّهم صاروا رعيتك لضعفهم و قوّتك، فيجب أن تعدل فيهم و تكون لهم كالوالد الرحيم و تغفر لهم جهلهم و لا تعاجلهم بالعقوبة و تشكر اللّه عزّ و جلّ على ما آتاك من القوّة عليهم( ٢) .

«و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا» معتادا للصيد.

«تغتنم أكلهم» قال (ابن قتيبة في عيونه): دخل مالك بن دينار على بلال بن أبي بردة و هو أمير البصرة فقال له: أيّها الأمير إنّي قرأت في بعض الكتب من أحمق من السلطان و من أجهل ممّن عصاني و من أغرّ ممّن أغرّني أيا راعي السوء دفعت إليك غنما سمانا سحاحا فأكلت اللّحم و شربت اللّبن، و ائتدمت بالسّمن و لبست الصوف، و تركتها عظاما تتقعقع( ٣) .

«فإنّهم صنفان إمّا أخ لك في الدّين» إذا كان مؤمنا قال تعالى: إنّما المؤمنون إخوة( ٤) .

«أو» هكذا في (المصرية) و الصواب: «و إمّا» كما في ابن أبي الحديد

____________________

(١) الخصال: ١٠٤ ح ٦٤.

(٢) من لا يحضره الفقيه ٢: ٣٧٧.

(٣) عيون الاخبار ١: ١١٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) الحجرات: ١٠.

و ابن ميثم و الخطية( ١) .

«نظير لك في الخلق» إن لم يكن بمؤمن، و السباع لا تؤذي نوعها فكيف يسوغ لبني آدم أن يؤذوا نوعهم.

«يفرط» أي: يصدر.

«منهم الزّلل و تعرض لهم العلل» أي: العوارض.

«و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ» أي: يحصل خبط من أيديهم إمّا عمدا و إمّا خطأ لعدم كمال عقولهم.

و قال ابن أبي الحديد: قولهعليه‌السلام «يؤتي على أيديهم» مثل قولك «و يؤخذ على أيديهم» أي يهذّبون و يثقّفون، يقال أخذ الحاكم على يده...( ٢ ) . و هو كما ترى ضدّ المراد، فانّهعليه‌السلام ذكر ذلك علّة لقوله: «و أشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا» و ذكره في رديف «يفرط منهم الزلل و تعرض لهم العلل» فكيف يكون المعنى ما قال؟ «فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الّذي تحبّ أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه، فإنّك فوقهم و والي الأمر عليك فوقك و اللّه فوق من ولاّك، و قد استكفاك أمرهم و ابتلاك بهم» في (عيون ابن قتيبة): أسر معاوية في صفّين رجلا من أصحاب عليعليه‌السلام فلمّا اقيم بين يديه قال: الحمد للّه الّذي أمكنني منك. قال: لا تقل ذلك فإنّها مصيبة. قال معاوية: و أيّة نعمة أعظم من أن يكون اللّه أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحابي. إضربا عنقه. فقال الرجل: اللّهم اشهد أنّ معاوية لم يقتلني فيك، و لا لأنّك ترضى قتلي، و لكن قتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، و إن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٣.

فقال: قاتلك اللّه لقد سببت فأوجعت في السبّ، و دعوت فأبلغت في الدعاء. خلّيا سبيله( ١) .

«و لا» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)، و في (ابن ميثم) و الخطية (لا)( ٢ ) «تنصبنّ نفسك لحرب اللّه» بظلم عباده. في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا اسري بي و أوحى تعالى إليّ من وراء الحجاب ما أوحى و شافهني إلى أن قال لي يا محمّد من أذلّ لي وليّا فقد أرصدني بالمحاربة، و من حاربني حاربته. قلت: يا ربّ و من وليّك هذا؟ قال: من أخذت ميثاقه لك و لوصيك و ذرّيّتكما بالولاية( ٣) .

«فإنّه لا يدى لك» أي: لا طاقة لك، يحذفون النون من اليدين في مثله تخفيفا، و من أمثالهم «لا يدي لواحد بعشرة».

«بنقمته» و لا يدي للسماء و الأرض بنقمته فكيف لإنسان ضعيف.

«و لا غنى بك عن عفوه و رحمته» فلا بدّ أن يعفو عن عباد اللّه الذين تحت يده و يرحمهم حتى يعفو اللّه تعالى عنه و يرحمه.

«و لا تندمنّ على عفو» فالعفو أقرب للتقوى.

«و لا تبجّحنّ» بتقديم الجيم أي: تباهينّ و لا تفاخرنّ.

«بعقوبة» فإنّه كالافتخار بنقص، و الافتخار إنّما يكون بالكمال.

«و لا تسرعنّ إلى بادرة» أي: حدة، و المراد ما توجبه الحدّة من العقوبة «وجدت منها» هكذا في (المصرية) و الصواب: (عنها) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٤ ) ، و لأن المندوحة انما تستعمل مع عن.

____________________

(١) عيون الاخبار ١: ١٧٤ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٢.

(٣) الكافي ٢: ٢٦٣ ١٠ المكتبة الإسلامية طهران.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٢.

«مندوحة» يقال: لي عن هذا الأمر مندوحة أي: سعة، و إنّما نهىعليه‌السلام عن الإسراع إلى بادرة لأنّه يؤدي غالبا إلى كشف الخلاف فيتبعه الندم و الانفعال.

«و لا تقولنّ إنّي مؤمّر آمر فاطاع فإنّ ذلك» الخيال.

«ادغال» أي: فساد في القلب و منهكة» من «نهكته الحمى» إذا أضنته و نقصت لحمه.

«للدين و تقرّب من الغير» أي: التغيّرات و الحوادث.

في (العقد) قال الاصمعي: لمّا ولي بلال بن أبي برده البصرة بلغ ذلك خالد بن صفوان فقال: سحابة صيف عن قليل تقشّع فبلغ ذلك بلالا فقال: أنت القائل «سحابة صيف عن قليل تقشع»؟ أما و اللّه لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، فضربه مائة سوط و كان خالد يقول: ما في قلب بلال من الإيمان إلاّ ما في بيت أبي الزرد الحنفي من الجوهر و أبو الزرد رجل مفلّس( ١) .

«و إذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك ابّهة» أي: عظمة.

«أو مخيلة» أي: كبرا، يقال فلان ذو خال و ذو مخيلة، قال العجاج:

«و الخال ثوب من ثياب الجهّال»(٢) .

«فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك».

في (الكافي): دخل جعفر بن أبي طالب في الحبشة على النجاشي و هو في بيت له جالس على التراب و عليه خلقان الثياب، فقال له جعفر: أيّها الملك إنّي أراك جالسا على التراب و عليك هذه الخلقان، فقال: يا جعفر إنّا نجد فيما

____________________

(١) العقد الفريد ٤: ١٢٢ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) لسان العرب ١١: ٢٢٨ خيل، و عجز البيت: و الدهر فيه غفلة للغفّال.

انزل اللّه تعالى على عيسىعليه‌السلام أنّ من حق اللّه على عباده أن يحدثوا له تواضعا عند ما يحدث لهم نعمة، فلمّا أحدث اللّه لي نعمة...( ١) .

و في (المروج): أخرج المنصور محمد بن مروان من حبسه و سأله عن قصته مع ملك نوبة لمّا كان هرب مع عدّة من بني امية إليه فقال: أتاني ملكها فقعد على الأرض و قد أعددت له فراشا، فقلت له: ما منعك من القعود على فراشنا؟ فقال: لأنّي ملك و حقّ لكل ملك أن يتواضع لعظمة اللّه تعالى إذا رفعه اللّه...( ٢) .

(و فيه): انّه سأله لم تشربون الخمر و تلبسون الحرير و تفسدون في الأرض و كلّ ذلك حرام عليكم في دينكم( ٣ ) ؟

«و قدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك» في سنن أبي داود عن أبي مسعود الأنصاري: كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا مرّتين «اللّه أقدر عليك منك عليه»، فالتفتّ فإذا هو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت: هو حرّ لوجه اللّه.

فقال: أما لو لم تفعل للفقتك النار.

و في (كتابة أبي هلال) قال بعض الولاة لأعرابي: قل الحق و إلاّ أوجعتك ضربا.

فقال الأعرابي: و أنت أيضا فاعمل بالحق فو اللّه لمّا أوعدك اللّه به منه أعظم ممّا أوعدتني به منك.

و في (عيون القتيبي): كان أردشير الملك دفع إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابا و قال له: إذا رأيتني قد اشتدّ غضبي فأدفعه إليّ، و في الكتاب «أمسك فلست بإله إنّما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا و يصير عن

____________________

(١) الكافي ٢: ١٢١ ١ بتلخيص.

(٢) مروج الذهب ٣: ٢٨٤.

(٣) مروج الذهب ٣: ٢٨٤.

قريب للدود و التراب».

(و فيه): و كان للسندي و الي الجسر غلام صغير قد أمره بأن يقوم إليه إذا ضرب الناس بالسياط فيقول له: ويلك يا سندي اذكر القصاص( ١) .

و في (تاريخ بغداد): كان شريك القاضي لا يجلس للقضاء حتى يخرج رقعة من قمطره فينظر فيها ثم يدعو بالخصوم، و إنّما كان يقدّمهم الأوّل فالأوّل، فقيل لابن شريك: نحبّ أن نعلم ما في هذه الرقعة، فأخرجها إليها فإذا فيها «يا شريك ابن عبد اللّه أذكر الصّراط و حدّته، يا شريك بن عبد اللّه اذكر الموقف بين يدي اللّه تعالى»( ٢) .

«فإن ذلك يطامن إليك» أي: يسكن إليك.

«من طماحك» أي: ارتفاعك و ابعادك، من «طمح بصره إلى الشي‏ء».

«و يكفّ عنك من غربك» أي: حدّتك. في (الكافي) عن أبي جعفرعليه‌السلام :

مكتوب في التوراة فيما ناجى اللّه تعالى به موسى: يا موسى أمسك غضبك عمّن ملّكتك عليه أكفّ عنك غضبي( ٣) .

و في (تاريخ بغداد) عن مبارك بن فضالة قال: دخل ابن سوار في وفد من أهل البصرة على المنصور ذات يوم و أنا عنده إذ اتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين و أنا حاضر. فقلت: ألا احدّثك بحديث. قال: و ما هو؟ قلت: قال الحسن البصري قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا كان يوم القيامة جمع اللّه تعالى الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الدّاعي و ينفذهم البصر، فيقوم مناد من عند اللّه فيقول: ليقومنّ من له على اللّه يد، فلا يقومن إلاّ

____________________

(١) عيون الاخبار ١: ٣٨٥ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) تاريخ بغداد ٩: ٢٩٣ دار الكتاب العربي بيروت.

(٣) الكافي ٢: ٣٠٣ ٧.

من عفا، فأقبل المنصور عليّ فقال: اللّه سمعته من الحسن؟ قلت: اللّه سمعته من الحسن. قال: خلّيا عنه( ١) .

«و يفى‏ء» من فاء أي: يرجع، و قال ابن أبي الحديد: من أفاء( ٢ ) ، و لا وجه له بعد تعديته بالباء.

«بما عزب» أي: خفي و بعد.

«عنك من عقلك» و إلاّ فكيف يحصل له مخيلة، و هو إنسان ضعيف مكتوم الأجل مكنون العلل محفوظ العمل، تقتله الشرقة و تنتنه العرقة و تؤلمه البقة، و لو كان سلطان كلّ وجه الأرض.

«إيّاك و مساماة اللّه» أي: مقابلته في العلو.

«في عظمته و التشبّه به في جبروته» قاهريته التي لا تنال.

«فإنّ اللّه يذلّ كلّ جبار) أي: متطاول.

«و يهين كلّ مختال» أي: متكبّر يخال أنّه عظيم.

و في الخبر: الكبر رداء اللّه فمن نازع اللّه رداءه لم يزده اللّه تعالى إلاّ سفالا، إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ في بعض طريق المدينة و سوداء تلقط السرقين، فقيل لها تنحّي عن طريق النبيّ، فقالت: إنّ الطريق لمعرض، فهمّ بعض القوم أن يتناولها فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله دعوها فإنّها جبّارة.

و في خبر آخر: العزّ رداء اللّه و الكبر إزاره، فمن تناول شيئا منهما أكبّه اللّه في جهنم.

و في آخر: إنّ المتكبّرين يجعلهم اللّه في صور الذر يتوطّأهم النّاس حتى يفرغ اللّه من الحساب.

____________________

(١) تاريخ بغداد ١٣: ٢١٢ دار الكتاب العربي بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٤.

و في آخر: ما من عبد إلاّ و في رأسه حكمة و ملك يمسكها فإذا تكبّر قيل له اتّضع وضعك اللّه، فلا يزال أعظم الناس في نفسه و هو أصغر الناس في أعين الناس، فإذا تواضع رفعه اللّه، ثم قال: إنتعش نعشك اللّه فلا يزال أصغر الناس في نفسه و أرفع الناس في أعينهم.

و في آخر: الكبر أدنى الإلحاد( ١) .

«أنصف اللّه و أنصف الناس من نفسك) في (الأغاني): جلس ابن الزيّات يوما للمظالم، فلمّا انقضى المجلس رأى جالسا فقال له: أ لك حاجة؟ قال: نعم.

تدنيني إليك، فأدناه فقال: إنّي مظلوم و قد أعوزني الإنصاف. قال: و من ظلمك؟

قال: أنت، و لست أصل إليك فأذكر حاجتي. قال: و من يحجبك عنّي و قد ترى مجلسي مبذولا. قال: يحجبني عنك هيبتي لك و طول لسانك و اطّراد حجبك.

قال: فيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها و أنا أؤدّي خراجها و هذا ممّا لم يسمع في الظلم مثله. فقال له: هذا قول تحتاج عليه إلى بيّنة و شهود و أشياء. فقال الرجل: أ يؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب. قال: نعم. قال: البينة هم الشهود و إذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شي‏ء فما معنى قولك بيّنة و شهود و أشياء، أيش هذه الأشياء إلاّ الغيّ و التغطرس. فضحك ابن الزيّات و قال: صدقت ثم وقّع له بردّ ضيعته( ٢) .

«من خاصة أهلك و من لك فيه هوى من رعيّتك فإنّك إلاّ تفعل تظلم، و من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده» في (المروج): قال أنوشروان لبزرجمهر: من

____________________

(١) الكافي ٢: ٣٠٩ ٣١٢ ح ١ و ٢ و ٣ و ١١ و ١٦.

(٢) الأغاني ٢٣: ٤٧ دار احياء التراث العربي.

يصلح من ولدي للملك فأظهر ترشحه. فقال: لا أعرف ذلك، و لكنّي أصف لك من يصلح للملك، أسماهم للمعالي و أطلبهم للأدب، و أجزعهم من العامة و أرأفهم بالرعية، و أوصلهم للرحم و أبعدهم من الظلم، فمن كانت هذه صفته فهو حقيق بالملك( ١) .

و في (تاريخ بغداد): وجّهت الخيزران رجلا نصرانيا على الطراز، فخرج يوما عليه جبّة خزّ و طيلسان على برذون فاره و معه جماعة من أصحابه و بين يديه مكتوف و هو يقول: وا غوثاه باللّه ثم بالقاضي. و إذا آثار سياط في ظهره، فسلّم على شريك و جلس إلى جانبه و قال: أنا رجل أعمل هذا الوشي و كراء مثلي مائة في الشهر أخذني هذا مذ أربعة أشهر فاحتبسني في طراز يجري علي القوت و لي عيال قد ضاعوا فأفلتّ منه اليوم فلحقني ففعل بظهري ما ترى. فقال شريك للنصراني: قم يا نصراني فاجلس مع خصمك. فقال:

أصلحك اللّه هذا من خدم السيدة، مر به إلى الحبس. قال: قم ويلك فاجلس معه كما يقال لك، فجلس معه فقال: ما هذه الآثار التي بظهر هذا الرجل. قال: إنّما ضربته بيدي أسواطا و هو يستحق أكثر من هذا، مر به إلى الحبس فألقى شريك كساءه و دخل داره فأخرج سوطا ربذيّا ثم ضرب بيده إلى مجامع ثوب النصراني و قال للرجل: رح إلى أهلك، ثم رفع السوط فجعل يضرب به النصراني، فهمّ أعوانه أن يخلّصوه فقال هاهنا: خذوا هؤلاء إلى الحبس، فهربوا و أفردوه، فضربه أسواطا فجعل النصرانيّ يبكي و يقول: ستعلم، و قام إلى البرذون يركبه فاستعصى عليه و لم يكن له من يأخذ بركابه، فقال له شريك: إرفق به ويلك فإنّه أطوع للّه منك، فمضى إلى موسى بن عيسى فقال:

____________________

(١) مروج الذهب ١: ٢٩٦.

من فعل بك هذا؟ فقال: شريك. قال: لا و اللّه لا أتعرض لشريك( ١) .

(و فيه) أيضا: أتت شريك يوما امرأة من ولد جرير البجلي فقالت: أنا باللّه ثم بالقاضي: امرأة من ولد جرير صاحب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و رددت الكلام فقال: ايها عنك الآن، من ظلمك؟ قالت: الأمير موسى بن عيسى، كان لي بستان على شاطى‏ء الفرات لي فيه نخل ورثته عن آبائي و قاسمت إخوتي و بنيت بيني و بينهم حائطا و جعلت فيه فارسيا يحفظ النخل و يقوم ببستاني، فاشترى الأمير موسى ابن عيسى من جميع إخوتي و ساومني و أرغبني فلم أبعه، فلمّا كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل فاقتلعوا الحائط فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئا و اختلط بنخل إخوتي. فقال: يا غلام طيّنه. فختم، ثم قال لها:

امضي إلى بابه حتى يحضر معك، فذهبت إلى بابه فدخل الحاجب على موسى و قال: اعدى شريك عليك، فدعا بصاحب الشرط و قال: امض إلى شريك و قل له: ما رأيت أعجب من أمرك امرأة ادّعت دعوى لم تصب أعديتها علي فقال صاحب الشرط: ان رأى الأمير أن يعفيني. قال: ويلك امض، فخرج، و أمر غلمانه أن يتقدّموا إلى الحبس بفراش و غيره من آلة الحبس، ثم ذهب إلى شريك فأدّى الرسالة فأمر أن يحبس، فقال: قد عرفت أنّك تفعل بي هذا فقدّمت ما يصلحني إلى الحبس. و بلغ الخبر موسى بن عيسى فوجّه الحاجب إلى شريك و قال له: قل له هذا من ذاك رسول، أيّ شي‏ء عليه؟ فلمّا أدّى الرسالة قال: الحقوه بصاحبه، فحبس أيضا. فبعث موسى إلى جماعة من أصدقاء شريك فقال: امضوا إليه و أبلغوه السّلام و أعلموه أنّه استخف بي و أنّي لست كالعامّة، فلمّا أدّوا الرسالة قال: ما لي لا أراكم جئتم في غيره من الناس كلمتموني من هاهنا؟ فيأخذ كلّ واحد بيد رجل فيذهب به إلى الحبس لا ينم

____________________

(١) تاريخ بغداد ٩: ٢٨٩ ٢٩١ دار الكتاب العربي بيروت.

و اللّه إلاّ فيه و كان بعد العصر قالوا أجادّ أنت؟ قال: حقا حتى لا تعودوا برسالة ظالم، فحبسهم.

و ركب موسى بن عيسى في اللّيل إلى باب الحبس ففتح الباب و أخرجهم جميعا، فلمّا كان الغدو و جلس شريك للقضاء جاء السجّان فأخبره، فدعا باقمطر فختمها و وجّه بها إلى منزله و قال لغلامه: إلحقني بثقلي إلى بغداد، و اللّه ما طلبنا هذا الأمر منهم و لكن أكرهونا عليه و لقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه، و مضى نحو قنطرة الكوفة إلى بغداد و بلغ الخبر موسى بن عيسى فركب في موكبه فلحقه و جعل يناشده اللّه و يقول: تثبّت انظر اخوانك تحبسهم؟ دع اعواني. قال: نعم لأنّهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه و لست ببارح أو يردوا جميعا إلى الحبس و إلاّ مضيت إلى الخليفة فاستعفيت منه، فأمر موسى بردّهم جميعا إلى الحبس و شريك واقف مكانه حتى جاءه السجّان و قال: قد رجعوا إلى الحبس. فقال شريك لأعوانه: خذوا بلجامه و قودوه بين يدي جميعا إلى مجلس الحكم، فمرّوا به بين يديه حتى ادخل المسجد و جلس مجلس القضاء قال: أين الجويريرة المتظلّمة من هذا، فجاءت فقال: هذا خصمك قد حضر و هو جالس معها بين يديه. فقال موسى:

أولئك يخرجون من الحبس قبل كلّ شي‏ء. فقال شريك: أمّا الآن فنعم أخرجوهم، ثم قال: ما تقول فيما تدّعيه هذه؟ قال: صدقت. قال: فردّ جميع ما أخذت منها و ابن حائطها سريعا. قال: أفعل. قال: بقي لك شي‏ء؟ قال: تقول المرأة بيت الفارسي و متاعه. قال: و يردّ ذلك. بقي لك شي‏ء تدعينه؟ قال: تقول المرأة: لا. قال لها شريك: فقومي، ثم وثب شريك من مجلسه فأخذ بيد موسى بن عيسى فأجلسه مجلسه ثم قال: السّلام عليك أيّها الأمير تأمر بشي‏ء؟ قال:

أيّ شي‏ء آمر؟ و ضحك( ١) .

(و فيه): تقدّم إلى شريك وكيل لمؤنسة مع خصم له، فجعل يستطيل خصمه إدلالا بموضعه من مؤنسة، فقال له شريك: كفّ لا أبا لك. قال: أ تقول هذا و أنا وكيل مؤنسة، فأمر شريك به فصفع عشر صفعات( ٢) .

«و من خاصمه اللّه أدحض حجّته» أي: أبطلها «و كان للّه حربا حتى ينزع و يتوب».

في (الكافي): صعد أمير المؤمنينعليه‌السلام المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنّ الذنوب ثلاثة ثم أمسك فقال له حبة العرني: قلت: الذنوب ثلاثة ثم أمسكت. فقالعليه‌السلام : ما ذكرتها إلاّ و أنا أريد أن افسرها، و لكن عرض لي بهر حال بيني و بين الكلام، نعم. الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، و ذنب غير مغفور، و ذنب يرجى لصاحبه و يخاف عليه. قال حبة: فبيّنها لنا. قال: نعم. أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبة اللّه تعالى على ذنبه في الدنيا و اللّه تعالى أحلم و أكرم من أن يعاقب عبده مرّتين، و أمّا الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم لبعض، إنّ اللّه تعالى إذا برز للخليقة أقسم قسما على نفسه فقال: و عزتي و جلالي لا يجوزني ظلم ظالم و لو كفّا بكف و لو مسحة بكف و لو نطحة ما بين القرناء إلى الجمّاء، فيقتصّ للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة ثم يبعثهم اللّه للحساب، و أمّا الذنب الثالث فذنب ستره اللّه تعالى على خلقه و رزقه التوبة منه فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربّه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة و نخاف عليه العقاب( ٣) .

____________________

(١) تاريخ بغداد ٩: ٢٨٩ دار الكتاب العربي بيروت.

(٢) تاريخ بغداد ٩: ٢٩٢ دار الكتاب العربي بيروت.

(٣) الكافي للكليني ٢: ٤٤٣ الباب ١٩٥، ح ١.

«و ليس شي‏ء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ اللّه سميع دعوة المضطهدين» هكذا في (المصرية) و الصواب: (المظلومين) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ١) .

في (كامل الجزري) بعد ذكر قتل المقتدر لابن الفرات لم يكن في ابن الفرات عيب إلاّ أنّ أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون و يظلمون فلا يمنعهم، فمن ذلك أنّ بعضهم ظلم امرأة في ملك لها، فكتبت إليه تشكو منه غير مرّة و هو لا يردّ لها جوابا، فلقيته يوما و قالت له: أسألك باللّه أن تسمع منّي كلمة، فوقف لها فقالت: قد كتبت إليك في ظلامتي غير مرّة و لم تجبني فتركتك و كتبتها إلى اللّه تعالى. فلمّا كان بعد أيام و رأى تغيّر حاله قال لمن معه من أصحابه: ما أظن إلاّ جواب رقعة تلك المرأة المظلومة قد خرج، فكان كما قال( ٢) .

و في (الطبري): لمّا رأى وجوه الفرس و أشرافهم أن يزدجرد الأثيم أبى إلاّ تتابعا في الجور، اجتمعوا فشكوا ما نزل بهم من ظلمه و تضرّعوا إلى ربّهم و ابتهلوا إليه بتعجيل إنقاذهم منه، فزعموا أنّه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا لم ير مثله في الخيل في حسن صورة و تمام خلق أقبل حتى وقف على بابه، فتعجّب الناس منه لأنّه كان متجاوز الحال، فاخبر يزدجرد خبره فأمر به أن يسرج و يلجم و يدخل عليه، فحاول صاحب مراكبه ذلك فلم يمكن أحدا منهم من ذلك، فانهي إليه امتناع الفرس عليهم، فخرج بنفسه فألجمه بيده و ألقى لبدا على ظهره و وضع فوقه سرجا و شدّ حزامه و لبد، فلم يتحرّك الفرس بشي‏ء من ذلك حتى إذا رفع ذنبه لينفره، إستدبره

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٤.

(٢) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ٨: ١٥٥ س ٣١٢.

الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس.

و يقال: إنّ الفرس ملأ فروجه جريا فلم يدرك و لم يوقف على السبب فيه، و خاضت الرعية بينها و قالت: هذا من صنع اللّه لنا و رأفته بنا( ١) .

و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : أوحى اللّه تعالى إلى نبيّ من الأنبياء في مملكة جبّار من الجبابرة أن ائت هذا الجبّار و قل له: إنّي لم أستعملك على سفك الدماء و اتّخاذ الأموال، و إنّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين، و إنّي لم ادع ظلامتهم و ان كانوا كفارا( ٢) .

و في (تاريخ بغداد) عن بعض ولد يحيى البرمكي قال لأبيه و هم في القيود و الحبس: يا أبة بعد الأمر و النهي و الأموال العظيمة أصارنا الدهر إلى القيود و لبس الصوف و الحبس. فقال له أبوه: يا بنيّ دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها و لم يغفل اللّه عنها، ثم أنشأ يقول:

ربّ قوم قد غدوا في نعمة

زمنا و الدهر ريّان غدق

سكت الدهر زمانا عنهم

ثم أبكاهم دما حين نطق( ٣)

و في (الكافي) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ان أعجل الشر عقوبة البغي( ٤) .

و عن الصادقعليه‌السلام : يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد و البغي فإنّهما يعدلان عند اللّه تعالى الشرك( ٥) .

«و ليكن أحبّ الامور إليك أوسطها») أي: أعدلها.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٦٤ دار سويدان بيروت.

(٢) الكافي ٢: ٣٣٣ الباب ١٣٦، ح ١٤.

(٣) تاريخ بغداد ١٤: ١٣٢ دار الكتاب العربي بيروت.

(٤) الكافي ٢: ٢٤٦ ١ المكتبة الإسلامية طهران.

(٥) الكافي ٢: ٣٢٧ ١ و ٢.

«في الحقّ و أعمّها في العدل» اعدلوا هو أقرب للتقوى( ١) .

«و أجمعها لرضى الرعيّة» فحيث لا يمكن جلب رضا الجميع ينتخب الاوفق برضا أكثرهم.

«فإنّ سخط العامّة» و عدم رضاهم بأمر.

«يجحف» من أجحف به: ذهب «برضى الخاصة» لأقلّيّتهم.

«و إنّ سخط الخاصّة يغتفر» و لا يضرّ.

«مع رضى العامّة» لأنّهم الأكثرون، و الأقلّ يترك للأكثر.

«و ليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرّخاء و أقلّ معونة له في البلاء، و أكره للإنصاف و أسأل بالإلحاف، و أقلّ شكرا عند الإعطاء و أبطأ عذرا عند المنع، و أضعف صبرا عن ملمات الدهر» أي: نوازله.

«من أهل الخاصة» و كلّ ذلك يوجب عدم الاكتراث بهم.

أمّا ثقل مؤونتهم في الرّخاء فمثله مثل مؤونة أبي دلامة عند السفّاح، ففي (الأغاني) أن السفاح قال له يوما: سلني حاجتك. قال: كلب أ تصيّد به. قال:

أعطوه إيّاه. قال: و دابّة أ تصيّد عليها. قال: أعطوه. قال: و غلام يصيد بالكلب و يقوده. قال: أعطوه غلاما. قال: و جارية تصلح لنا الصّيد و تطعمنا منه. قال:

أعطوه جارية. قال: هؤلاء عبيدك و إماؤك فلا بدّ لهم من دار يسكنونها. قال:

أعطوه دارا تجمعهم. قال: فإن لم تكن ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أعطيتك مائة جريب عامرة و مائة جريب غامرة. قال: و ما الغامرة؟ قال: ما لا نبات فيه. فقال للسفاح: قد أقطعتك أنا خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد. فضحك و قال: إجعلوها كلّها عامرة( ٢) .

____________________

(١) المائدة: ٨.

(٢) الأغاني ١٠: ٢٣٦ دار احياء التراث العربي.

و أما قلّة معونتهم في البلاء فمثلهم ما فيه أيضا عن أبي دلامة قال: اتي بي المنصور أو المهدي و أنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلّبي لقتال الشراة، فلمّا التقى الجمعان قلت لروح: أما و اللّه لو أن تحتي فرسك و معي سلاحك لأثّرت في عدوّك اليوم أثرا ترتضيه، فضحك و قال: و اللّه العظيم لأدفعنّ ذلك إليك و لآخذنك بالوفاء بشرطك. و نزل عن فرسه و نزع سلاحه و دفعهما إليّ و دعا بغيرهما فاستبدل بهما، فلمّا حصل ذلك في يدي و زال عنّي حلاوة الطمع قلت: أيّها الأمير هذا مقام العائذ بك، و قلت:

إنّي استجرتك أن اقدّم في الوغى

لتطاعن و تنازل و ضراب

فهب السيوف رأيتها مشهورة

فتركتها و مضيت في الهرّاب

ما ذا تقول لمّا يجي‏ء و ما يرى

من واردات الموت في النشّاب

فقال: دع عنك هذا. و برز رجل من الخوارج فقال: اخرج إليه. فقلت:

أنشدك اللّه أيها الأمير في دمي. قال: و اللّه لتخرجنّ. فقلت: أيّها الأمير فإنّه أوّل يوم من الآخرة و آخر يوم من الدنيا و أنا و اللّه جائع ما شبعت منّي جارحة من الجوع. فأمر لي بشي‏ء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين و دجاجة، فأخذت ذلك و برزت عن الصف، فلمّا رآني الشاري أقبل نحوي و أسرع، فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت. فوقف فقلت: أ تقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أ تقتل رجلا على دينك؟ قال: لا. قلت: أ فتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقتله إلى دينك؟

قال: لا فاذهب عني إلى لعنة اللّه. قلت: لا أفعل أو تسمع منّي. قال: قل. قلت: هل كانت بيننا عداوة قطّ أو ترة، أو تعرفني بحال تحفظك عليّ أو تعلم بين أهلي و أهلك وترا. قال: لا و اللّه. قلت: و لا أنا و اللّه لك إلاّ جميل الرأي، و إنّي لأهواك و أنتحل مذهبك و ادين دينك و اريد السوء لمن أراده لك. قال: يا هذا جزاك اللّه

خيرا فانصرف. قلت: إنّ معي زادا احبّ أن آكله معك و أحب مؤاكلتك لتتأكد المودة بيننا و يرى أهل العسكر هوانهم علينا. قال: فافعل. فتقدّمت إليه حتى اختلف أعناق دوابنا و جمعنا أرجلنا على معارفها و الناس قد غلبوا ضحكا، فلمّا استوفينا و دّعني ثم انصرف و انصرفت، فقلت لروح: أما و قد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك...( ١) .

(و فيه) انّ عبد اللّه بن علي عمّ المنصور لمّا أظهر الخلاف عليه بناحية الشام أمر المنصور أبا دلامة أن يخرج إليه في الجند، فقال له: إنّي اعيذك باللّه أن أخرج معهم، فو اللّه اني المشؤوم. فقال: إمض فإنّ يمني يغلب شؤمك.

فقلت: و اللّه ما أحبّ لك أن تجرب ذلك منّي على مثل هذا العسكر، فإنّي لا أدري أيّهما يغلب أيمنك أم شؤمي إلاّ أنّي بنفسي أوثق و أعرف و أطول تجربة. قال:

دعني من هذا فمالك في الخروج بدّ. فقلت: الآن اصدقك، أنا شهدت و اللّه تسعة عشر عسكرا كلّها هزمت و كنت سببها فإن شئت الآن أن يكون عسكرك العشرين فافعل فاستغرق ضحكا و أعفاه( ٢) .

و أما مثل أكرهيّتهم للإنصاف (ففيه أيضا) قال المدائني: شهد أبو دلامة بشهادة لجارة له عند ابن أبي ليلى على أتان نازعها فيها رجل، فلمّا فرغ من الشهادة قال: إسمع ما قلت قبل أن آتيك ثم اقض ما شئت. قال: هات فأنشده:

إن الناس غطّوني تغطّيت عنهم

و ان بحثوا عني ففيهم مباحث

و ان حفروا بئري حفرت بئارهم

ليعلم يوما كيف تلك النبائث

فقال ابن أبي ليلى للمرأة: اتبيعيني الاتان. قالت: نعم. قال: بكم. قالت بمائة درهم. قال: إدفعوها إليها، ففعلوا و أقبل على الرجل فقال: قد وهبت الأتان

____________________

(١) الأغاني ١٠: ٢٤٣ دار احياء التراث العربي.

(٢) الأغاني ١٠: ٢٤١ دار احياء التراث العربي.

لك، و قال لأبي دلامة: قد أمضيت شهادتك و لم أبحث عنك، و ابتعت ممّن شهدت له و وهبت ملكي لمن رأيت، أرضيت؟ قال: نعم. و انصرف( ١) .

و لمّا طولب البحتري بمال التقسيط قال:

و ما أنا و التقسيط إذ تكتبونني

و تكتب قبلي جلة القوم أو بعدي

سبيلي أن أعطى الذي تطلبونه

و شرطي أن يجدى عليّ و لا أجدي

صحبت اناسا أطلب المال عندهم

فكيف يكون المال مطّلبا عندي

و أما أسأليّتهم بالإلحاف فمثله ما (فيه أيضا) ان مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي:

تشابه يوما بأسه و نواله

فما أحد يدري لأيّهم الفضل

فقال له: أيّهما أحبّ إليك: أ ثلاثون ألفا معجّلة أم مائة ألف تدوّن في الدواوين فقال له: أنت تحسن ما هو خير من هذا و لكنك نسيته، أ فتأذن لي أن اذكّرك. قال: نعم. قال: تعجّل لي الثلاثين ألفا و تدوّن لي المائة ألف في الدواوين. فضحك و قال: بل يعجّلان جميعا. فحمل المال إليه أجمع.

و أما أقلّيّة شكرهم عن الإعطاء فمثله مثل قلّة شكر الحطيئة عطاء عتيبة بن النّهاس العجلي، ففي (شعراء ابن قتيبة): دخل الحطيئة على عتيبة فسأله فقال: ما أنا في عمل فأعطيك من مدده، و ما في مالي فضل عن قومي فأعطيك من فضله، فخرج من عنده فقال له رجل من قومه: أ تعرفه؟ قال: لا. قال هذا الحطيئة، فأمر بردّه. فلمّا رجع قال: إنّك لم تسلم تسليم السّلام، و لا استأنست استيناس الجار، و لا رحّبت ترحيب ابن العم. قال: هو ذلك. قال: إجلس فلك عندنا ما تحبّ، و قال لغلامه: اذهب به إلى السوق فلا يشيرنّ إلى شي‏ء إلاّ اشتريته له، فانطلق به الغلام فجعل يعرض عليه الحبرة و اليمنة و بياض

____________________

(١) الأغاني ١٠: ٢٣٨ دار احياء التراث العربي.

مصر و هو يشير إلى الكرابيس و الأكسية الغلاظ، فاشترى له بمائتي درهم و أوقر راحلته برّا و تمرا، فقال له الغلام: هل من حاجة غير هذا. قال: لا حسبي.

قال: إنّه قد أمرني ألاّ أجعل لك علّة فيما تريد. قال: حسبك. لا حاجة لي أن يكون لهذا يد على قومي أعظم من هذه، ثم ذهب فقال:

سئلت فلم تبخل و لم تعط طائلا

فسيّان لا ذمّ عليك و لا حمد

و أنت امرؤ لا الجود منك سجيّة

فتعطي و قد يعدو على النائل الوجد( ١)

و أمّا أضعفيّة صبرهم عند الملمات فمثله فعل حسان بن ثابت في خيبر، ففي (الطبري) كانت صفيّة بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان و كان حسان فيه مع النساء و الصبيان. قالت صفية: فمرّ بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن و قد حاربت بنو قريظة و قطعت ما بينها و بين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليس بيننا و بينهم أحد يدفع عنّا و النبيّ و المسلمون في نحور عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت، فقلت: يا حسّان إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، و إنّي و اللّه ما آمنه أن يدلّ على عوراتنا من وراءنا من يهود و قد شغل عنّا النبيّ و أصحابه فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر اللّه لك يا بنت عبد المطلب، و اللّه لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلمّا قال ذلك و لم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته، فلمّا فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسّان انزل إليه فاسلبه فإنّه لم يمنعني من سلبه إلاّ أنّه رجل. قال: يا بنت

____________________

(١) الشعر و الشعراء: ٢٠٠ دار الكتب العلمية بيروت.

عبد المطلب ما لي بسلبه حاجة( ١) .

«و إنّما عماد» هكذا في (المصرية) و الصواب: (عمود) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«الدّين و جماع المسلمين» أي: مجمعهم.

«و العدّة للأعداء» أي: القوة في قبالهم.

«العامّة من الامّة، فليكن صغوك» أي: ميلك.

«لهم و ميلك معهم».

في (المروج): كان هرمز بن انوشروان متحاملا على خواص الناس مائلا إلى عوامهم مقوّيا لهم، و قيل إنّه قتل في مدّة ملكه و كان ملكه اثنتي عشرة سنة ثلاثة عشر ألف رجل مذكور من خواص الفرس( ٣) .

«و ليكن أبعد رعيتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإنّ في الناس عيوبا الوالي أحقّ من سترها فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها» في (عيون القتيبي) قال بعض ملوك العجم: إنّي إنّما أملك الأجساد لا النيّات، و أحكم بالعدل لا بالرّضا، و أفحص عن الأعمال لا عن السّرائر( ٤) .

و عن الصادقعليه‌السلام قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ألا انبّئكم بشراركم؟ قالوا: بلى. قال:

المشّاؤون بالنميمة، و المفرّقون بين الأحبّة، و الباغون للبرآء العيب( ٥) .

«فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك، و اللّه يحكم على ما غاب عنك» كما في الحدود فإذا ظهرت للوالي بالبينة أو الإقرار فاحشته كان عليه تطهيره بالحدّ، و ما لم

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٧٧ دار سويدان بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٥.

(٣) مروج الذهب ١: ٢٩٨.

(٤) عيون الاخبار ١: ٦١، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٥) الخصال ١: ١٨٣ ح ٢٤٩، و الفقيه ٤: ٣٧١.

يظهر كذلك ليس له سبيل عليه بل جعل الحد على من نسبها إليه، قال تعالى و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون( ١) .

«فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحبّ ستره» في الخبر: «من أشرف أعمال الكريم غفلته عمّا يعلم»( ٢) .

و في (عيون ابن قتيبة) كانت جامات كسرى التي يأكل فيها من ذهب، فسرق رجل من أصحابه جاما و كسرى ينظر إليه، فلمّا رفعت الموائد افتقد الطباخ الجام فرجع يطلبها فقال كسرى: لا تتعنّ فقد أخذها من لا يردّها، و رآه من لا يفشي عليه. ثم دخل عليه الرجل بعد و قد حلّى سيفه و منطقته ذهبا، فقال له كسرى: هذا و أشار إلى سيفه و هذا و أشار إلى منطقته من ذاك؟ قال:

نعم( ٣) .

«أطلق عن الناس عقدة كل حقد، و اقطع عنك سبب كل وتر» زاد (التحف) بعده «و اقبل العذر، و ادرأ الحدود بالشبهات»( ٤) .

في (السير) لمّا أعيد المقتدر إلى الخلافة و خلع ابن المعتز، أمر وزيره ابن الفرات بقبض ما في دور الذين بايعوا ابن المعتز و كانت أمتعتهم تقبض و تحمل فيراها و ينفذها إلى خزائن المقتدر، فجاءوه يوما بصندوقين فقالوا له:

هذان وجدناهما في دار ابن المعتز. فقال: أعلمتم ما فيهما. قالوا: نعم جرائد من بايعه الناس بأسمائهم و أنسابهم. فقال: لا تفتح. ثم قال: يا غلمان هاتوا نارا، فجاء الفرّاشون بفحم و أمرهم فأجّجوا النار، فأقبل على من حضر فقال: و اللّه

____________________

(١) النور: ٤.

(٢) نهج البلاغة ح ٢٢٢.

(٣) عيون الاخبار ١: ٤٦١، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٤) تحف العقول: ١٢٨.

لو رأيت من هذين الصندوقين ورقة واحدة لظن كل من له فيها اسم اني عرفته فتفسد نيات العالم كلهم عليّ و على الخليفة، و ما هذا رأي، حرّقوهما، فطرحا بأقفالهما في النار، فلمّا احترقا بحضرته أقبل على ابن مقلة و كان كاتبه فقال له: قد آمنت كل من بايع ابن المعتز، أمرني بذلك الخليفة فاكتب للناس الأمان منّي. ثم قال لمن حضر: أشيعوا هذا الخبر، فأشاعوه فطلب المستترون الامان فكتب في ذلك مائة ألف أو نحوها.

«و تغابّ» أي: تغافل.

«عن كلّ ما لا يصحّ لك، و لا تعجلنّ إلى تصديق ساع فإنّ الساعي غاشّ و إن تشبّه بالنّاصحين» و التحرّز من الغاشّ المتشبّه بالناصح واجب.

في (العقد) كان المأمون إذا ذكر عنده السعاة قال: ما ظنّكم بقوم يلعنهم اللّه على الصدق؟ و قال ذو الرياستين: قبول النميمة شر من النميمة لأنّ النميمة دلالة و القبول إجازة و ليس من دلّ على شي‏ء كمن قبله.

و عاتب مصعب بن الزبير يوما الأحنف بن قيس في شي‏ء فأنكره، فقال:

أخبرني الثقة. قال: كلاّ إنّ الثقة لا يبلغ، و قد جعل اللّه السامع شريك القائل فقال سمّاعون للكذب أكّالون للسحت( ١) .

و في (سير العجم): ان رجلا وشى برجل إلى الاسكندر فقال: أ تحب أن يقبل منه عليك و منك عليه. قال: لا. قال: فكفّ الشرّ عنه يكفّ عنك الشرّ. و قال شاعر:

إذا الواشي بغى يوما صديقا

فلا تدع الصديق لقول واش

أيضا:

____________________

(١) المائدة: ٤٢.

لا تقبلنّ نميمة بلّغتها

و تحفّظنّ من الذي أنباكها

لا تنقشن برجل غيرك شوكة

فتقي برجلك رجل من قد شاكها

إنّ الذي أنباك عنه نميمة

سيذبّ عنك بمثل ما قد حاكها

هذا، و في (الطبري): لمّا نقض اصبهبد طبرستان العهد بينه و بين المسلمين وجّه إليه المنصور خازم بن خزيمة و روح بن حاتم و أبا الخصيب مولاه، فأقاموا على حصنه محاصرين له و هو يقاتلهم حتى طال عليهم المقام، فاحتال أبو الخصيب و قال لأصحابه: اضربوني و احلقوا رأسي و لحيتي، ففعلوا ذلك به فلحق بالاصبهبد و قال له: ركب منّي أمر عظيم ضربت و حلق رأسي و لحيتي و إنّما فعلوا ذلك تهمة منّي لهم أن يكون هواي معك، و أخبره أنه معه و أنه دليل على عورة عسكرهم، فقبل منه ذلك الاصبهبد و جعله في خاصته و ألطفه، و كان باب مدينتهم من حجر يلقى القاء يرفعه الرجال و تضعه عند فتحه و اغلاقه و جعل ذلك نوبا بينهم، فقال له أبو الخصيب: ما أراك وثقت بي و لا قبلت نصيحتي قال: و كيف ظننت ذلك؟ قال: لتركك الاستعانة بي فيما يعنيك و توكيلي فيما لا تثق به إلاّ بثقاتك، فجعل يستعين به بعد ذلك فيرى منه ما يحب إلى أن وثق به فجعله فيمن ينوب في فتح باب مدينته و إغلاقه، فتولّى ذلك حتى أنس به ثم كتب إلى روح و خازم و صيّر الكتاب في نشابة و رماها إليهم و أعلمهم أن قد ظفر بالحيلة و وعدهما ليلة سمّاها لهما في فتح الباب، فلمّا كان في تلك الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة و سبوا الذراري و ظفر بالبحترية و هي أمّ المنصور بن المهدي و بشكلة أمّ ابراهيم بن المهدي، فمص الاصبهبد خاتما له فيه سم فقتل نفسه( ١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٥١٢، دار سويدان، بيروت.

«و لا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل و يعدك الفقر» كالشيطان. في (الكافي) انّ امير المؤمنينعليه‌السلام بعث إلى رجل بخمسة أو ساق من تمر البغيبغة و كان الرجل ممّن يرجو نوافلهعليه‌السلام و يؤمل نائله و رفده و كان لا يسأل عليّاعليه‌السلام و لا غيره شيئا فقال رجل لهعليه‌السلام : و اللّه ما سألك فلان، و لقد كان يجزيه من خمسة الأوساق وسق واحد. فقال له: لا كثّر اللّه في المؤمنين ضربك، اعطي أنا و تبخل أنت إذا أنا لم اعط الذي يرجوني إلاّ من بعد المسألة ثم أعطيه بعد المسألة فلم أعطه ثمن ما أخذت منه، و ذلك لأني عرضته أن يبذل لي وجهه الّذي يعفّره في التّراب لربّه عند تعبّده له و طلب حوائجه إليه، فمن فعل هذا بأخيه المسلم و قد عرف أنّه موضع لصلته و معروفه فلم يصدق اللّه تعالى في دعائه له حيث يتمنّى له الجنة بلسانه و يبخل عليه بالحطام من ماله فيقول في دعائه «اللّهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات» فإذا دعا لهم بالمغفرة فقد طلب لهم الجنة، فما أنصف من فعل هذا بالقول و لم يحققه بالفعل( ١) .

و في (العقد) قال أبو الأسود: لو أطمعنا المساكين لكنا أسوأ منهم. و قال لبنيه: لا تطمعوا المساكين في أموالكم فإنّهم لا يقنعون منكم حتى يرونكم مثلهم، و لا تجاودوا اللّه فإنّه لو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل، و لكنه علم أنّ قوما لا يصلحهم الغنى و لا يصلح لهم إلاّ الفقر. و قال: ما بيدك خير من طلب ما بيد غيرك، و أنشد:

يلومونني في البخل جهلا و ضلّة

و للبخل خير من سؤال بخيل( ٢)

«و لا جبانا يضعفك عن الامور» في (أخبار جبناء عيون ابن قتيبة): شهد

____________________

(١) الكافي للكليني ٤: ٢٢ ح ١ بتصرف.

(٢) العقد الفريد ٧: ٢١٧، دار الكتب العلمية، بيروت.

أبو دلامة حربا مع روح بن حاتم المهلبي فقال له: تقدّم فقاتل، فقال:

إنّي أعوذ بروح أن يقدّمني

إلى القتال فتخزى بي بنو أسد

إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم

و لم أورّث حبّ الموت عن أحد( ١)

و قال آخر:

أضحت تشجّعني هند و قد علمت

أنّ الشجاعة مقرون بها العطب

لا و الذي منع الأبصار رؤيته

ما يشتهي الموت عندي من له أدب

للحرب قوم أضل اللّه سعيهم

إذا دعتهم إلى حوبائها وثبوا

و لست منهم و لا أبغي فعالهم

لا القتل يعجبني منها و لا السلب( ٢)

و قيل لأعرابي: ألا تغزو...؟ قال: إنّي لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي إليه ركضا( ٣) .

و أرسل ابن زياد رجلا مع ألفين إلى مرداس بن اديّة و هو في أربعين فهزمه مرداس فعنّفه ابن زياد و أغلظ له فقال: يشتمني الأمير و أنا حيّ أحبّ إليّ من أن يدعو لي و أنا ميّت( ٤) .

و كان خالد القسري من الجبناء، خرج عليه المغيرة بن سعيد صاحب المغيّريّة فقال من الدهش: أطعموني ماء. فذكّره بعضهم فقال:

عاد الظلوم ظليما حين جدّ به

و استطعم الماء لمّا جدّ في الهرب

و قال ابن زياد: إمّا للكنة فيه أو لجبن أو لدهشة: إفتحوا سيوفكم، فقال فيه أبو مفرّغ:

____________________

(١) عيون الاخبار ١: ٢٥٤، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٢) عيون الاخبار ١: ٢٥٥، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٣) عيون الاخبار ١: ٢٥٧، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٤) عيون الاخبار ١: ٢٥٣، دار الكتب العلمية، بيروت.

و يوم فتحت سيفك من بعيد

أضعت و كلّ أمرك للضياع( ١) .

و قال ابن المقفع: الجبن مقتلة فانظر فيما رأيت و سمعت أمن قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا( ٢ ) ؟

«و لا حريصا يزيّن لك الشره بالجور» قال ابن المقفع: الحرص محرمة أنظر من يطلب إليك بالإجمال و التكرّم أحق أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب إليك بالشره و الحرص( ٣ ) ؟

و قالوا: لا يكثر الرجل الحوائج على أخيه، فإنّ العجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحته و نحّته، و قال:

كم من حريص على شي‏ء ليدركه

و علّ إدراكه يدني إلى عطبه

«فإنّ البخل و الجبن و الحرص غرائز» أي: طبائع.

«شتى» أي: مختلفة.

«يجمعها سوء الظن باللّه» أما كون منشأ البخل سوء الظن باللّه في عدم إخلافه ما ينفعه فواضح.

و في (العقد): كتب رجل من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه و يخوّفه بالفقر، فردّ عليه: الشّيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء و اللّه يعدكم مغفرة منه و فضلا( ٤ ) و إنّي أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعله لا يقع( ٥) .

و في (الطبري) قيل لجعفر بن محمدعليه‌السلام : إنّ المنصور يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة و إنّه يرقّع قميصه. فقال: الحمد للّه الذي لطف له حتى

____________________

(١) عيون الاخبار ١: ٢٥٦، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٢) و (٣) عيون الاخبار ١: ٢٥٨، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٣) عيون الاخبار ١: ٢٥٨، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٤) البقرة: ٢٦٨.

(٥) العقد الفريد ١: ١٨٩، دار الكتب العلمية، بيروت.

ابتلاه بالفقر في ملكه( ١) .

(و فيه) قرأ الهيثم عند المنصور الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل( ٢ ) فقال: لو لا أن الاموال حصن السلطان و دعامة للدين و الدنيا و عزهما و زينهما، ما بتّ ليلة و أنا أحرز منه درهما و لا دينارا، لمّا أجد من اللّذاذة لبذل المال، و لمّا أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة( ٣) .

و قال الشاعر:

من ظن باللّه خيرا جاء مبتدئا

و البخل من سوء ظن المرء باللّه

و أمّا كون الجبن منشؤه أيضا سوء الظن باللّه، أنه يخال إن لم يحضر الجهاد لا يموت، و قد ردّ تعالى عليهم في قوله: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل و إذن لا تمتّعون إلاّ قليلا. قل من ذا الذي يعصمكم من اللّه إن أراد بكم سوء أو أراد بكم رحمة( ٤) .

و كان كسرى يقول: عليكم بأهل السخاء و الشجاعة، فإنّهم أهل حسن الظن باللّه، و لو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرّ بخلهم و مذمّة الناس لهم و إطباق القلوب على بغضهم إلاّ سوء ظنّهم بربّهم في الخلف، لكان عظيما.

و أما كون منشأ الحرص سوء الظن باللّه، فلأنه لو تيقّن أنه لا يصل إليه من الرزق إلاّ ما قدّر اللّه تعالى له، لم يحرص، بل الحرص كالحسد و الكبر أحد أصول الكفر باللّه.

و في (عيون ابن قتيبة): لمّا قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابا: إذا كان القدر حقا فالحرص باطل. و قال عدي بن زيد:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ٨١، دار سويدان، بيروت.

(٢) النساء: ٣٧، الحديد: ٢٤.

(٣) تاريخ الطبري ٨: ٨٨، دار سويدان، بيروت.

(٤) الاحزاب: ١٦ ١٧.

قد يدرك المبطى‏ء من حظّه

و الرّزق قد يسبق جهد الحرص( ١)

«ان شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، و من شركهم في الاثام فلا يكوننّ لك بطانة) في (وزراء الجهشياري): سأل عمر بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجّاج فقيل له: إنّه غزا الصائفة، فأمر بالكتاب إليه بردّه و قال: لا استنصر بجيش هو فيهم، فردّه من الدرب.

و قال ابن أبي الحديد: اتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له: ما تقول في الحجّاج؟ قال: و ما عسيت أن أقول فيه، هل هو إلاّ خطيئة من خطاياك، و شرر من نارك، فلعنك اللّه و لعن الحجّاج معك. فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال: ما تقول في هذا؟ فقال: ما أقول فيه؟ هذا رجل يشتمكم، فإمّا أن تشتموه كما شتمكم، و إمّا أن تعفوا عنه. فغضب الوليد و قال لعمر: ما أظنّك إلاّ خارجيا. فقال عمر: و ما أظنّك إلاّ مجنونا. و قام و خرج مغضبا، و لحقه خالد ابن الرّيّان صاحب شرطة الوليد، فقال له: ما دعاك إلى ما كلّمت به الخليفة، لقد ضربت بيدي إلى قائم سيفي أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك؟ قال: أو كنت فاعلا لو أمرك. قال: نعم. فلمّا استخلف عمر جاءه خالد، فوقف على رأسه متقلّدا سيفه، فنظر إليه و قال له: يا خالد، ضع سيفنا، فإنّك مطيعنا في كلّ أمر نأمرك به و كان بين يديه كاتب كان للوليد أيضا فقال له:

وضع أنت أيضا قلمك، فإنّك كنت تضرّبه و تنفع و قال: «اللّهم إنّي وضعتهما فلا ترفعهما» و ما زالا وضيعين حتى ماتا( ٢) .

«فإنّهم أعوان الأثمة» و قد قال تعالى: و تعاونوا على البر و التقوى

____________________

(١) عيون الاخبار ٣: ٢١٣، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد: ١٧ ٤٣.

و لا تعاونوا على الاثم و العدوان( ١) .

«و إخوان الظّلمة» في (الطبري): أقطع هشام أرضا يقال لها «دورين» فأرسل في قبضها فإذا هي خراب، فقال لذويد كاتب كان بالشام ويحك كيف الحيلة؟ قال: ما تجعل لي. قال: اربعمائة دينار، فكتب: «دورين و قراها» ثم أمضاها في الدواوين، فأخذ شيئا كثيرا، فلمّا ولي هشام دخل عليه ذويد فقال له هشام: «دورين و قراها»؟ لا تلي لي ولاية أبدا، و أخرجه من الشام( ٢) .

في (الكافي) عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند الصادقعليه‌السلام إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: إنّه ربما أصاب الرجل منّا ضيق فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسنّاة يصلحها فما تقول في ذلك؟ فقالعليه‌السلام : ما أحب أنّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و ان لي ما بين لابتيها، لا، و لا مدة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه عزّ و جلّ بين العباد.

و عن أبي بصير: سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن أعمالهم فقال: لا، و لا مدة قلم، إنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلاّ أصابوا من دينه مثله( ٣) .

«و أنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم و نفاذهم» في الأمور «و ليس عليه مثل آصارهم» أي: ذنوبهم.

«و أوزارهم» أي: أثقالهم و أحمالهم من الآثام، قال تعالى: و لا تزر وازرة وزر اخرى( ٤ ) قال الأخفش: أي: لا تأثم آثمة بإثم اخرى( ٥) .

____________________

(١) المائدة: ٢.

(٢) تاريخ الطبري ٧: ٢٠٥ دار سويدان بيروت.

(٣) الكافي ٥: ١٠٦ ١٠٧ ٥ و ٧.

(٤) فاطر: ١٨.

(٥) لسان العرب ٥: ٢٨٣ وزر دار صادر، بيروت.

في (وزراء الجهشياري) لمّا توفّي سليمان بن عبد الملك كتب عمر بن عبد العزيز و هو على قبره بعزل اسامة بن زيد و يزيد بن أبي مسلم، فقال الناس ألا صبر حتى يدفن الرجل. فقال: إنّي خفت اللّه تعالى و استحييته أن اقرّهما يحكمان في امور الناس طرفة عين و قد وليت أمورهم.

«ممّن لا يعاون ظالما على ظلمه و لا آثما على إثمه» في (العقد) قال أبو عوانة: بعث إليّ الحجاج فقال: إنّي اريد أن أستعين بك في عملي. قلت: ان تستعن بي تستعن بكبير أخرق ضعيف يخاف أعوان السوء، و إن تدعني فهو أحبّ إليّ و إن تقحمني أقحم. قال: إن لم أجد غيرك أقحمتك. قلت: و اخرى إنّي ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك، و اللّه إنّي لا تعارّ من الليل فما يأتيني النوم من ذكرك حتى أصبح و لست لك على عمل. قال: كيف؟ قلت: فأعدت عليه. فقال: إنّي و اللّه لا أعلم على وجه الأرض خلقا هو أجرأ على دم منّي، إنصرف. فقمت فعدلت عن الطريق كأنّي لا ابصر، فقال: أرشدوا الشيخ( ١) .

و في (الجهشياري): كان الرشيد بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان قلد علي بن عيسى بن ماهان ليكثر على الفضل في الأموال، فقتل وجوه أهل خراسان و ملوكها و جمع أموالا جليلة فحمل إلى الرشيد ألف بدرة معمولة من ألوان الحرير و فيها عشرة آلاف ألف درهم. فسرّ بها و قال ليحيى:

أين كان الفضل عن هذا. فقال يحيى: إنّ خراسان سبيلها أن تحمل إليها الأموال و لا تحمل منها و الفضل أصلح نيّات رؤوسها و استجلب طاعتهم، و عليّ بن عيسى قتل صناديدهم و طراخنتهم و حمل أموالهم، و لو قصدت لدرب من دروب الصيارف بالكرخ لوجدت فيه أضعاف هذه و ستنفق مكان كلّ درهم منها عشرة. فثقل هذا القول على الرشيد، فلمّا انتقض أمر خراسان

____________________

(١) العقد الفريد ٢: ٥٠ دار الكتب العلمية بيروت.

و خرج رافع بن الليث و احتاج الرشيد إلى النهوض إليها بنفسه جعل يتذكّر هذا الحديث و يقول: صدقني و اللّه يحيى، لقد أنفقت مائة ألف ألف و ما بلغت شيئا.

«أولئك أخف عليك مؤنة و أحسن لك معونة» في (عيون ابن قتيبة) قال بعض الخلفاء: دلّوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمّني. قالوا: كيف تريده؟ قال: إذا كان في القوم و ليس أميرهم كان كأنّه أميرهم، و إذا كان أميرهم كان كأنّه رجل منهم. قالوا: لا نعلمه إلاّ الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم هو لها( ١) .

و في (المقاتل): انّهعليه‌السلام لمّا ضرب أتاه صعصعة عائدا و قال للآذن: قل لهعليه‌السلام : يرحمك اللّه حيّا و ميتا، فو اللّه لقد كان اللّه في صدرك عظيما و لقد كنت بذات اللّه عليما، فأبلغه الآذن مقالة صعصعة فقالعليه‌السلام : قل لصعصعة و أنت يرحمك اللّه لقد كنت خفيف المؤونة كثير المعونة( ٢) .

«و أحنى» أي: أشفق.

«عليك عطفا» أي: توجّها.

«و أقلّ لغيرك إلفا» في (المعجم): كان صاحب خراسان نوح بن منصور الساماني قد أرسل إلى الصاحب بن عباد وزير فخر الدولة بن ركن الدولة يستدعيه إلى حضرته و يرغّبه في خدمته و بذل البذول السنية، فكان من جملة اعتذاره أن قال: كيف يحسن لي مفارقة قوم بهم ارتفع قدري و شاع بين الأنام ذكري؟ ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي و عندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر.

«فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك و حفلاتك» أي: اجتماعاتك.

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٦٩ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) مقاتل الطالبيين: ٣٧ دار المعرفة بيروت.

«ثم ليكن آثرهم» أي: أكثرهم مختارا.

«عندك أقولهم بمرّ الحق لك» في (العقد) قال مالك ابن أنس: بعث المنصور إليّ و إلى ابن طاوس، فأتيناه و دخلنا عليه فإذا هو جالس على فرش قد نضدت و بين يديه نطاع قد بسطت و جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومى إلينا أن اجلسا، فجلسنا فأطرق عنّا قليلا ثم رفع رأسه و التفت إلى ابن طاوس فقال له: حدثني عن أبيك. قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله، فأمسك ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه. ثم التفت إليه فقال: عظني. قال: نعم إنّ اللّه تعالى يقول: أ لم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد... ان ربك لبالمرصاد( ١ ) . قال مالك فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأ ثيابي من دمه، فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا و بينه، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه ثم قال ناولني هذه الدواة، فأمسك فقال: ما يمنعك أن تناولنيها، قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلمّا سمع ذلك قال: قوما عنّي. فقال ابن طاوس: ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله( ٢) .

«و أقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع» و زاد في (رواية التحف): «فإنّهم يقفونك على الحق، و يبصّرونك ما يعود عليك نفعه»( ٣) .

____________________

(١) الفجر: ٦ ١٤.

(٢) العقد الفريد ١: ٥٢ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) تحف العقول: ١٣٠.

في (العقد) قال الشعبي: إن زيادا كتب إلى الحكم بن عمرو الغفاري و كان على الصائفة ان معاوية كتب إليّ أن أصفي له الصفراء و البيضاء فلا تقسم بين الناس ذهبا و لا فضة، فكتب إليه: وجدت كتاب اللّه قبل كتاب معاوية، و لو ان السماوات و الأرض كانتا على عبد رتقا فاتّقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجا. ثم نادى في الناس فقسّم لهم ما اجتمع من الفي‏ء( ١) .

(و فيه): أرسل ابن هبيرة إلى الحسن البصري و الشعبي، فقال للحسن:

ما ترى في كتب تأتينا من عند يزيد بن عبد الملك فيها بعض ما فيها، فإذا أنفذتها وافقت سخط اللّه و إن لم أنفذها خشيت على دمي؟ فقال له الحسن: هذا الشعبي فقيه الحجاز عندك. فسأله فرفق له الشعبي و قال له: قارب و سدّد، فإنّما أنت عبد مأمور. فالتفت ابن هبيرة إلى الحسن و قال: ما تقول أنت؟ فقال له: يا بن هبيرة خف اللّه في يزيد و لا تخف يزيد في اللّه، يا بن هبيرة إنّ اللّه مانعك من يزيد و إنّ يزيد لا يمنعك من اللّه، يا بن هبيرة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فانظر ما كتب إليك فيه يزيد فاعرضه على كتاب اللّه فما وافقه فأنفذه و ما خالفه فلا تنفذه، فإنّ اللّه أولى بك من يزيد و كتاب اللّه أولى بك من كتابه. فضرب ابن هبيرة بيده على كتف الحسن و قال: هذا صدقني و رب الكعبة، و أمر له بأربعة آلاف و للشعبي بألفين، فأمّا الحسن فأرسل إلى المساكين فلمّا اجتمعوا فرّقها، و أمّا الشعبي فقبلها و شكر عليها( ٢) .

(و فيه): شاور معاوية الأحنف بن قيس في استخلاف ابنه يزيد، فسكت عنه فقال: إن صدقناك أسخطناك و إن كذبناك أسخطنا اللّه و سخطك أهون

____________________

(١) العقد الفريد ١: ٥٥ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) العقد الفريد ١: ٥٥ دار الكتب العلمية بيروت.

علينا من سخط اللّه. فقال له معاوية: صدقت( ١) .

(و فيه): و دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك فقال له: ما حديث يحدثنا به أهل الشام. قال: و ما هو؟ قال: يحدثوننا أن اللّه إذا استرعى عبدا رعيّته كتب له الحسنات و لم يكتب عليه السيئات. قال: باطل. أ نبي خليفة اللّه أكرم على اللّه أم خليفة غير نبي. قال: بل خليفة نبي. قال: فإن اللّه تعالى يقول لنبيّه داودعليه‌السلام يا داود انّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه ان الذين يضلون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب( ٢ ) فهذا وعيد لنبي خليفة، فما ظنّك بخليفة غير نبي. قال: إنّ الناس ليغروننا عن ديننا( ٣) .

«و الصق بأهل الورع و الصدق» زاد في رواية (التحف) «و ذوي العقول و الأحساب»( ٤) .

و في (عيون ابن قتيبة): إستشار عمر بن عبد العزيز في قوم يستعملهم فقال له بعض أصحابه: عليك بأهل العذر. قال: و من هم؟ قال: هم الذين إن عدلوا فهو ما رجوت منهم، و إن قصروا قال الناس قد اجتهد عمر( ٥) .

«ثمّ رضهم» من راض المهر يروضه رياضة و رياضا.

«على ألا يطروك» أي: لا يمدحوك.

«و لا يبجّحوك» بتقديم الجيم و تشديدها، أي: لا يفرّحوك.

«بباطل لم تفعله فإن كثرة الإطراء» و المدح.

____________________

(١) العقد الفريد ١: ٥٦ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) ص: ٢٦.

(٣) العقد الفريد ١: ٥٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) تحف العقول: ١٣٠.

(٥) عيون الاخبار ١: ٧١ دار الكتب العلمية بيروت.

«تحدث الزهو» أي: الكبر.

«و تدني» أي: تقرّب «من الغرة» أي: الاغترار، و زاد في خبر (التحف) «و الإقرار بذلك يوجب المقت من اللّه»( ١ ) قالوا المدح وافد الكبر.

و في (عيون ابن قتيبة) قال ابن المقفع: إيّاك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حب المدح و التزكية و ان يعرف الناس ذلك منك، فتكون ثلمة من الثلم يقتحمون عليك منها و بابا يفتتحونك منه، و غيبة يغتابونك بها و يضحكون منك لها، و اعلم أنّ قابل المدح كمادح نفسه، و المرء جدير أن يكون حبّه المدح هو الذي يحمله على ردّه، فإن الراد له ممدوح و القابل له معيب( ٢) .

«و لا يكوننّ المحسن و المسي‏ء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان و تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة» قال الجوهري: درب بالشي‏ء إذا اعتاده( ٣) .

«و ألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه» من الإحسان و الإساءة: من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها( ٤ ) . و زاد في رواية (التحف) «أدبا منك ينفعك اللّه به، و تنفع به أعوانك»( ٥) .

في (المعجم) قال المتوكل لأبي العيناء: بلغني عنك بذاء في لسانك.

فقال: قد مدح اللّه تعالى و ذم فقال: نعم العبد إنّه أوّاب( ٦ ) و قال: همّاز

____________________

(١) تحف: ١٣٠.

(٢) عيون الاخبار ١: ٢٨٩ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) الصحاح ١: ١٢٤ دار العلم للملايين بيروت.

(٤) فصلت: ٤٦، و الجاثية: ١٥.

(٥) تحف العقول: ١٣٠.

(٦) ص: ٤٤.

مشّاء بنميم( ١ ) و قال الشاعر:

إذا أنا بالمعروف لم اثن صادقا

و لم أشتم النكس اللئيم المذمّما

ففيم عرفت الخير و الشر باسمه

و شقّ لي اللّه المسامع و الفما

و قيل لأبي العيناء: إلى متى تمدح الناس و تهجوهم؟ فقال: ما دام المحسن يحسن و المسي‏ء يسي‏ء، و أعوذ باللّه أن أكون كالعقرب تلسب النبيّ‏ّ و الذمّيّ.

«و اعلم أنّه ليس شي‏ء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم و تخفيفه المؤونات عنهم» في (عيون ابن قتيبة): قام رجل من مجلس خالد القسري، فقال خالد: إنّي لأبغض هذا الرجل و ما له إليّ ذنب. فقال رجل: أوله أيّها الأمير معروفا، ففعل فما لبث أن خفّ على قلبه و صار أحد جلسائه( ٢) .

و في (وزراء الجهشياري): قال المنصور لأبي العباس الطوسي و عيسى بن علي و العباس بن محمد و غيرهم من خواصّه: إنّي قد عزمت على تقليد المهدي السواد و كور دجلة، فاستصوب جميعهم رأيه خلا الطوسي فإنّه استخلاه ثم قال له: أ رأيت إن سلك المهدي غير سيرتك و استعمل التسهيل أ ترضى بذلك؟ قال: لا و اللّه. قال: فأنت تريد أن تحبّبه إلى الرعية و تقليدك إيّاه يبغضه إليهم لا سيما ما قرب منك، و لكن تولّي هذه الولاية عيسى بن موسى و تجعل المهدي الناظر في ظلامات الناس و تأمره بأخذه بإنصافهم، فضحك منه حتى فحص برجليه.

و في (الطبري): كان المنصور لا يولّي أحدا ثم يعزله إلاّ ألقاه في دار خالد البطين على شاطى‏ء دجلة ملاصقا لدار صالح المسكين فيستخرج من

____________________

(١) القلم: ١١.

(٢) عيون الأخبار ٣: ١٩٨ دار الكتب العلمية بيروت.

المعزول مالا فما أخذ من شي‏ء أمر به فعزل و كتب عليه اسم من أخذ منه و عزل في بيت من المال و سماه بيت مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال و المتاع، ثم قال للمهدي: إنّي قد هيّأت لك شيئا ترضي به الخلق و لا تغرم من مالك شيئا، فإذا أنا متّ فادع هؤلاء الذين أخذت منهم هذه الأموال التي سمّيتها مظالم فاردد عليهم كلّ ما أخذ منهم فإنّك تستحمد إليهم و إلى العامة، ففعل ذلك المهدي لمّا ولي( ١) .

«و ترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم» هكذا في نسختي ابن أبي الحديد و ابن ميثم و لا يبعد أن الأصل «به قبلهم»( ٢ ) فقال الجوهري: و ما لي به قبل أي: طاقة( ٣) .

في (عيون ابن قتيبة) قالت العجم: أسوس الملوك من قاد أبدان الرعية إلى طاعته بقلوبها، و لا ينبغي للوالي أن يرغب في الكرامة التي ينالها من العامة كرها، و لكن في التي يستحقها بحسن الأثر و صواب الرأي و التدبير( ٤) .

«فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظنّ برعيّتك فإن حسن الظنّ يقطع عنك نصبا» أي: شرا و بلاء.

«طويلا» زاد في رواية (التحف): «فاعرف هذه المنزلة لك و عليك، لتزدك بصيرة في حسن الصنع، و استكثار حسن البلاء عند العامة، مع ما يوجب اللّه بها لك في المعاد»( ٥) .

في (العيون) كان ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلاّ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ٨١ دار سويدان بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٤٦.

(٣) الصحاح ٥: ١٧٩٦ دار العلم للملايين بيروت.

(٤) عيون الاخبار ١: ٦١ دار الكتب العلمية بيروت.

(٥) تحف العقول: ١٣٠.

أضاء ما بيني و بينه، و لا رأيت رجلا أوليته سوء إلاّ أظلم ما بيني و بينه.

«و إنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده، و إنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده» في (العيون في كتب العجم): قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعتها من شي‏ء فليعلم أنّه فيها( ١) .

و في (الطبري) قال المنصور لاسماعيل بن عبد اللّه: أيّ الولاة أفضل؟

قال: الباذل للعطاء و المعرض عن السيئة. قال: فأيّهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية و أتبعهم لها بالخرق و العقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: الطاعة عند الخوف تسرّ الغدر و تبالغ عند المعاينة، و الطاعة على المحبة تضمر الإجتهاد و تبالغ عند الغفلة. قال: فأيّ الناس أولى بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرّة و المنفعة. قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة و بذل النفس( ٢) .

و في (وزراء الجهشياري): لمّا غضب المنصور على أبي أيوب المورياني قال صالح بن سليمان: انّه سيقتل أبا أيوب و جميع أسبابه لأنّه سمعه يتحدّث أن ملكا من الملوك كان يساير وزيرا له فضربت دابة الوزير رجل الملك فغضب و أمر بقطع رجل الوزير فقطعت ثم ندم فأمر بمعالجته حتى برأ ثم قال الملك في نفسه: هذا لا يحبني أبدا و قد قطعت رجله فقتله، ثم قال: و أهل هذا الوزير لا يحبّونني و قد قتلته فقتلهم جميعا. قال صالح: فعلمت أنّه سيفعل ذلك في المورياني ففعله، و ما عدا ظني فقتله و أخاه بالضعطة و العذاب و قتل بني أخيه صبرا.

«و لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الامّة و اجتمعت بها الالفة

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٦٤ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ٧١ دار سويدان بيروت.

و صلحت عليها الرعية» فإنّ سنن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كفرائض اللّه تعالى العمل بها واجب.

«و لا تحدثنّ سنّة تضرّ بشي‏ء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنّها و الوزر عليك بما نقضت منها» و قد أحدث الثلاثة سننا كذلك مذكورة في محلها و أما من جاء بعدهم من أتباعهم فأحداثهم أكثر من أن تحصى، و لو لا أن أصل الإسلام كان معلوما لجعلته أرذل الملل كما أنّهم أنفسهم صاروا بها أخسّ الامم من حيث العمل.

قال الطبري في (تاريخه): و لمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى علياعليه‌السلام أصحابه و شيعته فبايعوه و قالوا نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاءه ربيعة بن أبي شدّاد الخثعمي و كان شهد معه الجمل و صفين و معه راية خثعم فقال له: بايع على كتاب اللّه و سنّة رسوله فقال ربيعة: على سنّة أبي بكر و عمر. قال له علي: ويلك لو أن أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله لم يكونا على شي‏ء من الحق.

فبايعه فنظر إليه عليعليه‌السلام و قال: أما و اللّه لكأني بك و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، و كأنّي بك و قد وطئتك الخيول بحوافرها، فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة( ١) .

و في الخبر: من سن سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، و من سنّ سنّة سيئة كان عليه مثل وزر من عمل بها( ٢) .

و في الخبر: أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة. قيل: و كيف ذلك؟ قال: لأنّه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ١١٦ (دار الكتب العلمية).

(٢) البحار ٧٤: ٢٠٤ رواية ٤١ باب ١٤.

قد اشرب قلبه حبّها( ١ ) ، و من مشى إلى صاحب بدعة فوقره فقد مشى في هدم الإسلام( ٢) .

«و أكثر مدارسة العلماء» في الطبري قال المنصور للمهدي: لا تجلس مجلسا إلاّ و معك من أهل العلم من يحدّثك، فإن محمد بن شهاب الزهري قال «الحديث ذكر و لا يحبه إلاّ ذكور الرجال و لا يبغضه إلا مؤنثوهم» و صدق أخو زهرة( ٣) .

«و منافثة الحكماء» أي: الإستقصاء في استخراج ما عندهم من الحكمة.

«في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك و إقامة ما استقام به الناس قبلك» زاد في رواية (التحف): «فان ذلك يحقّ الحقّ، و يدفع الباطل، و يكتفى به دليلا و مثالا، لأنّ السنن الصالحة هي السبيل إلى طاعة اللّه»( ٤ ) ، فأقام ارسطاطاليس الحكيم لاسكندر خارج ملكه و داخله.

ففي (أخبار طوال الدينوري) قال الإسكندر لمؤدبه ارسطاطاليس: إنّي قد وترت أهل الأرض جميعا لقتلي ملوكهم و احتوائي على بلادهم و أخذي أموالهم، و قد خفت أن يتظافروا على أهل أرضي من بعدي فيقتلونهم و يبيدونهم لحنقهم عليّ، و قد رأيت أن أرسل إلى كلّ نبيه و شريف و من كان من أهل الرياسة في كلّ أرض و إلى أبناء الملوك فاقتلهم. فقال له مؤدبه: ليس ذلك رأي أهل الورع و الدين، مع أنّك إن قتلت أبناء الملوك و أهل النباهة و الرياسة كان الناس عليك و على أهل أرضك أشدّ حقّا من بعدك، و لكن لو بعثت إلى أبناء الملوك و أهل النباهة فتجمعهم إليك فتتوّجهم بالتّيجان و تملّك

____________________

(١) الكافي ١: ٥٤ ح ٤.

(٢) الكافي ١: ٥٤ ح ٢.

(٣) تاريخ الطبري ٨: ٧٢ دار سويدان بيروت.

(٤) تحف العقول: ١٣١.

كلّ رجل منهم كورة واحدة و بلدا واحدا فإنّك تشغلهم بذلك بتنافسهم في الملك و حرص كلّ واحد منهم على أخذ ما في يدي صاحبه عن أملاك بلادك، فتلقي بأسهم بينهم و تجعل شغلهم بأنفسهم، فقبل الإسكندر ذلك منه و فعله و هم الذين يقال لهم ملوك الطوائف( ١) .

و في (وزراء الجهشياري): كان أرسطاطاليس أدّب الإسكندر، فلمّا نشأ الإسكندر و علا و عرف من ارسطاطاليس ما عرفه من الحكمة كان شبه الوزير له و كان يعتمد عليه في الرأي و المشورة، فكتب إليه يخبره أنّه قد كثر في خواصّه و عسكره قوم ليس يأمنهم على نفسه لمّا يرى من بعد هممهم و شجاعتهم و شذوذ آلتهم و ليس يرى لهم عقولا تفي بهذه الفضائل التي فيها بقدر هممهم، فكتب إليه ارسطاطاليس: فهمت ما ذكرت عن القوم الذين ذكرت، فأمّا هممهم فمن الوفاء بعد الهمّة، و أمّا ما ذكرت من شجاعتهم مع نقص عقولهم فمن كانت هذه حاله فرفّهه في العيش و اخصصه بحسان النساء، فإن رفاهية العيش توهي العزم و إن حبّ النساء يحبب السلامة و يباعد من ركوب المخاطرة، و ليكن خلقك حسنا تستدعي به صفو النيات و اخلاص المقالات، و لا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط أصحابك مثله، فليس مع الإستيثار محبة و لا مع المواساة بغضة.

و في (عيون ابن قتيبة): قرأت كتابا من ارسطاطاليس إلى الإسكندر:

إملك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإنّ طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك، و اعلم أنك إنّما تملك الأبدان، فتخطّها إلى القلوب بالمعروف و اعلم أنّ الرعيّة إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد أن لا تقول، تسلم من أن تفعل.

____________________

(١) الأخبار الطوال: ٣٨.

(و فيه): كان أنوشروان إذا ولّى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيه بخطه، فإذا أتي بالعهد وقع فيه «سس خيار الناس بالمحبة و أخرج للعامة الرغبة بالرهبة، و سس سفلة الناس بالإخافة»( ١) .

و في (المروج): كتب ملك الروم إلى سابور الجنود بن اردشير: بلغني من سياستك لجندك و ضبطك ما تحت يدك و سلامة أهل مملكتك بتدبيرك ما أحببت أن أسألك فيه طريقتك و اركب مناهجك. فكتب إليه سابور: نلت ذلك بثمان خصال: لم أهزل في أمر و لا نهي قطّ، و لم اخلف وعدا و لا وعيدا قطّ، و حاربت للغنى لا للهوى، و اجتلبت قلوب الناس مقة بلا كره و خوفا بلا مقت، و عاقبت للذنب لا للغضب، و عممت بالقوت، و حسمت الفضول.

(و فيه): أحضر يزدجرد بن بهرامجور رجلا من حكماء عصره في أقاصي مملكته و قال له: أيّها الحكيم الفاضل ما صلاح الملك؟ فقال: ألرّفق بالرعيّة، و أخذ الحق منهم من غير مشقة، و التودّد إليهم بالعدل، و أمن السبل، و إنصاف المظلوم من الظالم. فقال له: فما صلاح أمر الملك؟ فقال: وزراؤه و أعوانه، فإنّهم إن صلحوا صلح، و ان فسدوا فسد. فقال له: فما الذي يشبّ الفتن و ينشئها و ما الذي يسكّنها و يدفنها؟ قال: يشبها ضغائن و جرأة العامة و الإستخفاف بالخاصة، و انبساط الألسن بضمائر القلوب و اشفاق موسر و أمل معسر، و غفلة ملتذّ و يقظة محروم، و الذي يسكّنها أخذ العدّة لمّا يخاف قبل حلوله و إيثار الجد حين يلتذ الهزل، و العمل بالحزم في الغضب و الرضا( ٢) .

«و اعلم أنّ الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، و لا غنى ببعضها عن

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٦١ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) مروج الذهب ١: ٢٧٣ و ٢٨٨ ٢٨٩.

بعض» كأعضاء الإنسان، فالرأس لا يصلح إلاّ بالبدن مثلا، و العينان لا تغنيان عن الاذنين، و لا يغني الأنف عن الفم و اليدان عن الرجلين.

في (مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي) قالعليه‌السلام : العالم حديقة سياجها الشريعة، و الشريعة سلطان تجب له الطاعة، و الطاعة سياسة يقوم بها الملك، و الملك راع يعضدها الجيش، و الجيش أعوان يكفلهم المال و المال رزق يجمعه الرعية، و الرعية سواد يستعبدهم العدل، و العدل أساس به قوام العالم.

«فمنها جنود اللّه، و منها كتّاب العامّة و الخاصّة، و منها قضاة العدل، و منها عمّال الإنصاف و الرّفق، و منها أهل الجزية و الخراج من أهل الذمة و مسلمة الناس، و منها التجّار و أهل الصناعات، و منها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة و المسكنة».

في (وزراء الجهشياري): كان أول من صنّف طبقات الناس و صنّف طبقات الكتّاب و بنى منازلهم جمشيد، و كان لهراسب اوّل من دوّن الدواوين و حصّن الأعمال و الحسبانات، و انتخب الجنود و جدّ في عمارة الأرضين و جباية الخراج لأرزاق الجيش و بنى مدينة بلخ.

«و كلاّ قد سمّى اللّه سهمه و وضع على حدّه فريضة» هكذا في (المصرية) و الصواب: «و فريضته» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١) .

«في كتابه أو سنّة نبيه» وضع على حد الطبقة السابعة و هي الأخيرة فريضة في كتابه فقال عزّ و جلّ إنّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلّفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل...( ٢ ) و على حدّ الطبقات الست الأولى فريضة في سنّة نبيّه.

«عهدا منه عندنا محفوظا» لمّا لم يوضع في السنّة على حدّ كثير من

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٤٨.

(٢) التوبة: ٦٠.

الطبقات الست الاولى شي‏ء يعرفه الناس قالعليه‌السلام : إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله خصّ بعلم ذلك عترتهعليهم‌السلام .

و في (بصائر درجات محمد بن الحسن الصفار) مسندا أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلتا إلى أبويهما، فلمّا رآهما أعرض عنهما بوجهه، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله ادعوا لي خليلي، فأرسلوا إلى عليّ، فلمّا جاء أكبّ عليه فلم يزل يحدّثه و يحدّثه، فلمّا خرج من عنده قالتا لهعليه‌السلام : ما حدّثك؟ قال: حدّثني بباب يفتح ألف باب كلّ باب يفتح ألف باب( ١) .

«فالجنود بإذن اللّه حصون الرعية و زين الولاة و عزّ الدين و ليس تقوم الرعية إلاّ بهم» في (عيون ابن قتيبة): كان يقال: لا سلطان إلاّ برجال، و لا رجال إلاّ بمال و لا مال إلاّ بعمارة، و لا عمارة إلاّ بعدل و حسن سياسة( ٢) .

و في (المروج): كانت سياسة يعقوب بن الليث الصفار لجيوشه سياسة لم يسمع بمثلها فيمن سلف من الملوك، لمّا كان قد شملهم من إحسانه و غمرهم من برّه و ملأ قلوبهم من هيبته، كان بأرض فارس و أباح للناس أن يرتعوا ثم حدث أمر أراد الرحيل فنادى مناديه بقطع الدواب عن الرتع، فرئي في أصحابه رجل أخرج الحشيش من فم الدابّة مخافة أن تلوكه بعد سماع النداء، و خاطب الدابّة قائلا بالفارسية: «أمير دواب را از تر بريده» أي: أمر بقطع الدواب عن الرطبة. و رئي أيضا في عسكره رجل من قوّاده ذو مرتبة و الدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه و بين بشرته، فقيل له في ذلك فقال: نادى منادي الأمير: البسوا السّلاح و كنت أغتسل من الجنابة فلم يسعني التشاغل

____________________

(١) بصائر الدرجات: ٣٣٣ ح ٣ بتصرف في اللفظ و ٣٢٤ ح ٨.

(٢) عيون الأخبار ١: ٦٣ دار الكتب العلمية بيروت.

بلبس الثياب عن السلاح( ١) .

«ثم لاقوام للجنود إلاّ بما يخرج اللّه لهم من الخراج الذين يقوون به في جهاد عدوّهم و يعتمدون عليه في ما يصلحهم و يكون من وراء حاجتهم» في (العيون) كان جعفر بن يحيى يقول الخراج عماد الملك، و ما استغزر بمثل العدل و لا استنزر بمثل الظلم( ٢) .

و في (وزراء الجهشياري) في عهد سابور بن اردشير إلى ابنه و اعلم أنّ قوام أمرك بدرور الخراج، و درور الخراج بعمارة البلاد، و بلوغ الغاية في العمارة يكون باستصلاح أهله بالعدل عليهم و المعاونة لهم، فإنّ بعض الامور لبعض سبب، و عوام الناس لخواصهم عدة، و لكل صنف منهم إلى الآخر حاجة، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتابك و من يكونون من أهل البصر و العفاف و الكفاية، و أسند إلى كلّ امرى‏ء منهم شقصا يضطلع به و يمكنه الفراغ منه، فان اطّلعت على أنّ أحدا منهم خان أو تعدّى فنكّل به و بالغ في عقوبته.

«ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة و العمّال و الكتّاب» في (الطبري) قال المنصور: ما أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعفّ منهم. قيل له: من هم؟ قال: هم أركان الملك و لا يصلح الملك إلاّ بهم كما أنّ السرير لا يصلح إلاّ بأربع قوائم إن نقصت واحدة و هي، أمّا أحدهم: فقاض لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و الآخر: صاحب شرطة ينصف الضعيف، و الثالث: صاحب خراج يستقصي و لا يظلم الرعيّة( ٣) .

____________________

(١) مروج الذهب ٤: ١١٤ ١١٥.

(٢) عيون الأخبار ١: ٦٦ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) تاريخ الطبري ٨: ٦٧ دار سويدان بيروت.

«لمّا يحكمون من المعاقد» و في رواية (التحف): «لمّا يحكمون من الامور، و يظهرون من الإنصاف»( ١ ) ، و كيف كان فالأحكام للقضاة.

«و يجمعون من المنافع» جمع المنافع عمل العمّال.

«و يؤتمنون عليه من خواص الامور و عوامها» الايتمان: على ما قال للكتّاب، ثم عدم قوام الجند و الخراج إلاّ بالعمال و الكتّاب واضح، و أما بالقضاة فللفصل بينهم مع حصول الإختلاف.

«و لا قوام لهم جميعا إلاّ بالتجار و ذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم» و في رواية (التحف) «فيما يجمعون من مرافقهم»( ٢) .

«و يقيمون من أسواقهم و يكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم» و في رواية (التحف) «ممّا لا يبلغه رفق غيرهم»( ٣) .

عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يلتقي أحدكم تجارة خارجا من المصر و لا يبيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض( ٤) .

و عن الصادقعليه‌السلام : الكيمياء الأكبر الزراعة( ٥ ) ، و الزارعون يدعون المباركين( ٦ ) . و قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: لا يظلم الفلاّحون بحضرتك( ٧) .

و عنهعليه‌السلام : أتت الموالي أمير المؤمنينعليه‌السلام فقالوا: نشكو إليك هؤلاء العرب. إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعطينا معهم العطايا بالسوية و زوّج سلمان و بلالا و صهيبا و أبوا علينا هؤلاء و قالوا لا نفعل، فكلّمهم فيهم فصاح الأعاريب أبينا

____________________

(١) تحف العقول: ١٣١.

(٢) تحف العقول: ١٣١.

(٣) تحف العقول: ١٣٢.

(٤) الكافي للكليني ٥: ٨ ح ١٦١.

(٥) الكافي للكليني ٥: ٢٦١ ح ٦.

(٦) الكافي للكليني ٥: ٢٦١ ح ٧.

(٧) الكافي ٥: ٢٨٤، رواية ٢، ج ٧: ١٥٤، رواية ٢٩.

ذلك يا أبا الحسن أبينا ذلك، فخرج و هو مغضب يجر رداءه و هو يقول: يا معشر الموالي إنّ هؤلاء قد صيّروكم بمنزلة اليهود و النصارى يتزوجون إليكم و لا يزوجونكم و لا يعطونكم مثل ما يأخذون، فاتّجروا بارك اللّه لكم فإنّي سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الرزق عشرة أجزاء تسعة أجزاء في التجارة و واحد في غيرها( ١) .

«ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة و المسكنة الذين يحق رفدهم» أي:

إعطاؤهم (و معونتهم) و هو حكم عقلي و لذا قال به جميع الامم و يقتضيه كرم الأخلاق، و لذا كان كلّ كريم ملتزما به حتى في الجاهلية.

فقالوا: مرّ حاتم في سفر له على عنزة و فيهم أسير فاستغاث به فلم يحضره فكاكه، فساومهم و أقام مكانه في القيد حتى أدّى فداءه.

«و في اللّه لكلّ سعة» في نقل المصنف سقط و الأصل «و في في‏ء اللّه لكلّ سعة» كما في (التحف)( ٢ ) ، و يدل عليه سياق الكلام.

روى (الكافي) عن أبي جعفر الأحول قال: سألني رجل من الزنادقة فقال: كيف صارت الزكاة كلّ ألف درهم خمسة و عشرين. فقلت له: إنّما ذلك مثل الصلاة ثلاث و ثنتان و أربع فقبل ذلك مني، ثم لقيت بعد ذلك أبا عبد اللّهعليه‌السلام فسألته عن ذلك فقال: ان اللّه تعالى حسب الأموال و المساكين فوجد ما يكفيهم من كلّ ألف خمسة و عشرين و لو لم يكفهم لزادهم، فرجعت إليه فأخبرته فقال: جاءت هذه المسألة على الإبل من الحجاز، لو أني أعطيت أحدا طاعة لأعطيت صاحب هذا الكلام( ٣) .

____________________

(١) الكافي ٥: ٣١٨ ح ٥٩.

(٢) تحف العقول: ١٣٢.

(٣) الكافي ٣: ٥٠٩ ح ٤.

«و لكلّ على الوالي حق بقدر ما يصلحه» قال الشاعر:

فلو كنت تطلب شأو الكرام

فعلت كفعل أبي البختري

تتبّع إخوانه في البلاد

فأغنى المقلّ عن المكثر

و روى (الكافي) عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام أنّه قال لعمرو بن عبيد لمّا كان يدعو إلى امامة محمد بن عبد اللّه الحسني: ما تقول في آية الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل كيف تقسم الصدقة؟ قال: أقسمها على ثمانية أجزاء فاعطي كلّ جزء من الثمانية جزءا. قال: و إن كان صنف منهم عشرة آلاف و صنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم. قال: و تجمع صدقات أهل الحضر و أهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ قال: نعم. قال: فقد خالفت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلّ ما قلت في سيرته، كان النبيّ يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر، و لا يقسّمها بينهم بالسوية و إنّما يقسّمها على قدر ما يحضرها منهم و ما يرى و ليس في ذلك شي‏ء موقت موظّف( ١) .

«و ليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللّه من ذلك إلاّ بالاهتمام و الإستعانة باللّه، و توطين نفسه على لزوم الحق و الصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل» هكذا في (المصرية) إلاّ أن الكلام بجملته ليس في (النهج) لخلو ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية عنه( ٢ ) ، و إنّما هو في رواية (تحف العقول)( ٣ ) ، فالظاهر أن بعضهم ألحقه بالنهج حاشية و المصرية أو النسخة التي نقلت المصرية عنها

____________________

(١) الكافي ٥: ٢٦ ٢٧.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٤٩.

(٣) تحف العقول: ١٣٣.

خلطت الحاشية بالمتن، و بالجملة الكلام كلامه إلاّ أنّه ليس من النهج.

و كيف كان ففي (الخصال) عن الصادقعليه‌السلام : ثلاثة هم أقرب الخلق إلى اللّه تعالى يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده، و رجل مشى بين اثنين، فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة، و رجل قال الحق في ماله و عليه( ١) .

و عنهعليه‌السلام : أشدّ الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى لها منهم بشي‏ء إلاّ رضيت لهم منها بمثله، و مواساتك الأخ في المال، و ذكر اللّه على كلّ حال، ليس «سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلاّ اللّه، و اللّه أكبر» فقط، و لكن إذا ورد عليك شي‏ء من أمر اللّه أخذت به، و إذا ورد عليك شي‏ء نهى اللّه تعالى عنه تركته( ٢) .

و روى (عقاب الأعمال) عن أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من ولي عشرة، فلم يعدل فيهم، جاء يوم القيامة و يداه و رجلاه و رأسه في ثقب فأس.

و عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : أيّما وال احتجب عن حوائج الناس، إحتجب اللّه عزّ و جلّ عنه يوم القيامة و عن حوائجه، و إن أخذ هديّة كان غلولا، و إن أخذ رشوة فهو مشرك( ٣) .

«فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك للّه و لرسوله و لإمامك» كان المتقدمون عليهعليه‌السلام إنّما يولّون من كان ناصحا لهم دون اللّه و رسوله، فكان أبو بكر يولّي مثل خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة مؤمنا متعمّدا غادرا به و زنى بامرأته حتى أنكر ذلك عمر عليه، و كان عمر يولّي مثل المغيرة بن

____________________

(١) الخصال ١: ٨١ ٥ جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم.

(٢) الخصال ١: ١٣٢ ١٣٩ جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم.

(٣) بحار الأنوار ٧٥: ٣٤٥ ٤٢ مؤسسة الوفاء بيروت. و ثواب الأعمال: ٣١٠ ١ الكتبي النجفي قم.

شعبة الذي كان منافقا باعتراف عثمان لمّا اعترض عليه بتولية المنافقين، و باعتراف عبد الرحمن بن عوف لمّا هنأ المغيرة عثمان بعد اختياره له و قد زنا المغيرة محصنا بالبصرة و قام عليه الشهود و منع عمر الشاهد الرابع من أداء شهادته ثم ولاّه الكوفة، و عثمان كان يولّي مثل الوليد بن عقبة الذي كان يصلّي بهم الصبح أربعا سكران و يتغنّى في صلاته و يقول لهم في صلاته لو شئتم أزيد صلاة صبحكم على الأربع، و كان يولّي مثل ابن عامر الذي نزل القرآن بكفره كالوليد بفسقه، و كان النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله أهدر دمه و لو كان لاصقا بثوب الكعبة، مع أنّ مقتضى الديانة ألاّ يولّى إلاّ من كان متديّنا ناصحا للّه و الرسول.

«و أنقاهم جيبا» أي: أكثرهم أمانة.

«و أفضلهم حلما ممّن يبطى‏ء عن الغضب و يستريح إلى العذر» هكذا نقل المصنف، و الصواب: (و يسرع إلى العذر) كما في (التحف)( ١ ) و يشهد له السياق.

في الخبر قال رجل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصني. قال: لا تغضب، ثم أعاد فقال: لا تغضب، ثم أعاد فقال: لا تغضب( ٢) .

و عن النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليس الشديد بالصرعة، إنّما الشديد من يملك نفسه عند الغضب( ٣) .

و قالوا: سمّى اللّه يحيى سيّدا بالحلم.

و شتم رجل الأحنف و ألحّ عليه، فلمّا فرغ قال له: يا ابن أخي هل لك في

____________________

(١) تحف العقول: ١٣٢.

(٢) الكافي ٢: ٣٠٣ ح ٥.

(٣) صحيح مسلم، أحمد (الجامع الصغير ٢: ١٣٥).

الغذاء فإنّك منذ اليوم تحدو بجمل ثقال.

و استطال رجل على أحدهم فقال: أستغفر اللّه من الذنب الذي سلّطت به عليّ.

و في (العيون) نزل رجل بتغلبي فأتاه بقرى فما انفلت منه أن قال:

و التغلبيّ إذا تنحنح للقرى

حك استه و تمثّل الامثالا

فانقبض فقال: كل أيّها الرجل فإنّما قلت كلمة مقولة( ١) .

و قال رجل لآخر: و اللّه لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا. فقال الآخر: لكنك ان قلت عشرا لم تسمع واحدة.

و كان يقال: إيّاك و عزة الغضب فإنّها مصيّرتك إلى ذلّ الإعتذار.

هذا، و كان المنصور ولّى سلم بن قتيبة البصرة و ولّى مولى له كور البصرة، فورد كتاب مولاه أنّ سلما ضربه بالسياط، فاستشاط المنصور و قال: علي تجرّأ سلم لأجعلنّه نكالا. فقال له ابن عيّاش و كان عليه جريئا إنّ سلما لم يضرب مولاك بقوته و لا قوّة أبيه و لكنّك قلّدته سيفك و أصعدته منبرك و أراد مولاك أن يطأطى‏ء منه ما رفعت و يفسد ما صنعت فلم يحتمل ذلك، إنّ غضب العربي في رأسه فاذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أويد، و إنّ غضب النبطيّ في استه فإذا غضب خرى‏ء و ذهب غضبه. فضحك المنصور و قال: فعل اللّه بك يا منتوف و فعل. و كفّ عن سلم.

«و يرأف بالضعفاء و ينبو» من نبا السيف: إذا لم يعمل في الضريبة، و من نبا عليه صاحبه: إذا لم ينفذ له، قال:

أنا السيف إلاّ أنّ للسيف نبوة

و مثلي لا تنبو عليك مضاربه( ٢)

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٣٩٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) أساس البلاغة: ٤٤٥، مادة: (نبو).

«على الأقوياء» و الأصل في قولهعليه‌السلام «و يرأف بالضعفاء و ينبو على الأقوياء» قوله تعالى في أهل الايمان أشدّاء على الكفار رحماء بينهم( ١ ) و كان هذا وصفهعليه‌السلام يعرفه منه كلّ وليّ و عدوّ.

«و ممّن لا يثيره العنف و لا يقعد به الضعف» قالوا: قال عمر: إنّ هذا الأمر لا يصلح له إلاّ اللّيّن في غير ضعف، و القويّ في غير عنف.

قلت: إلاّ أنّ عمر نفسه كان في غاية العنف حتى كلّم الناس كما في (عيون ابن قتيبة) عبد الرحمن بن عوف أن يكلّمه في أن يلين لهم فإنّه قد أخافهم حتى أنّه قد أخاف الأبكار في خدورهنّ. فقال: إنّي لا أجد لهم إلاّ ذلك، إنّهم لو يعلمون ما لهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي(٢) . و قالوا: كان سوط عمر أهيب من سيف الحجاج.

«ثم ألصق بذي المروءات الاحساب» هكذا في (المصرية) أخذ كلمة «المروءات» من (ابن أبي الحديد) حيث جعلتها بين قوسين كما هو دأبها، لكن ليست الكلمة في (ابن ميثم) و لا في رواية (التحف)( ٣ ) ، فالظاهر زيادتها و ان كانت في (ابن أبي الحديد) مع انّه قال «و الأحساب» فكان على (المصرية) أن تأخذ منه الواو أيضا.

«و أهل البيوتات الصالحة و السوابق الحسنة» في (العيون): قال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القرّاء اولّهم. فقال له: القرّاء ضربان: ضرب يعملون للآخرة فهم لا يعملون لك، و ضرب يعملون للدنيا فما ظنّك بهم إذا أنت ولّيتهم فمكّنتهم منها. قال: فما أصنع؟ قال: عليك بأهل

____________________

(١) الفتح: ٢٩.

(٢) عيون الأخبار ١: ٦٥ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٥١.

البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم( ١) .

«ثم أهل النجدة» أي: النصرة. قال الشاعر:

إذا استنجدتهم و دعوت بكرا

لنصرتنا كسرت بهم همومي

«و الشجاعة و السخاء و السماحة» قال الجوهري: السماحة، الجود، إلاّ أنّ الظاهر أنّ الأصل فيها المسامحة، قال المتلمّس:

صبا من بعد سلوته فؤادي

و سمح للقرينة بانقياد( ٢)

في (عيون ابن قتيبة) كتب أنوشروان إلى مرازبته: عليكم بأهل الشجاعة و السخاء فإنّهم أهل حسن الظن باللّه( ٣) .

و كان الأحنف على جيش خراسان، فبيّتهم العدو و فرّقوا جيوشهم أربع فرق و أقبلوا معهم الطبل، ففزع الناس فكان أوّل من ركب، الأحنف، فأخذ سيفه و مضى نحو الصوت و هو يقول:

إنّ على كلّ رئيس حقّا

أن يخضب الصعدة أو تندقّا

ثم حمل على صاحب الطبل فقتله، فلمّا فقد أصحاب الصوت الطبل انهزموا ففتح مرو الروذ( ٤) .

«فانهم جماع من الكرم و شعب من العرف» زاد في رواية (التحف) «يهدون إلى حسن الظنّ باللّه، و الإيمان بقدره»( ٥) .

«ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد» هكذا في (المصرية) و الصواب: (يتفقده)

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٧١ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) الصحاح ١: ٣٧٦.

(٣) عيون الأخبار ١: ٢٦٦ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) عيون الأخبار ١: ٢٦٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٥) تحف العقول: ١٣٢.

كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ١) .

«الولدان من ولدهما» في (العقد) كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: الإمام العدل كالامّ الشفيقة البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها و وضعته كرها و ربّته طفلا، تسهر بسهره و تسكن بسكونه، ترضعه تارة و تفطمه اخرى، و تفرح بعافيته و تغتمّ بشكاته.

و في (كامل المبرد): انّ المهلب لمّا قتل عبد ربه الخارجي و استولى على عسكره بعث رسولا بالفتح إلى الحجّاج، فسأله الحجّاج فيما سأله: كيف كان لكم المهلّب و كنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد و له منّا برّ الولد.

«و لا يتفاقمن» أي: لا يعظمن «في نفسك شي‏ء قوّيتهم به، و لا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به» أي: جدّدت عهدهم به، و قال الجوهري: التعهد التحفّظ بالشي‏ء و تجديد العهد به، و تعهّد فلانا و تعهّدت ضيعتي، و هو أفصح من قولك «تعاهدته» لأنّ التعاهد إنّما يكون بين اثنين( ٢) .

قلت: إن سلّم كون «تعهدت ضيعتي» أفصح من «تعاهدتها» فلا نسلّم أفصحية «تعهدت فلانا» من «تعاهدته»، بدليل كلامهعليه‌السلام ، و ليس التفاعل مطلقا بين اثنين كقوله تعالى: تساقط عليك رطبا جنيا( ٣ ) و كقولهم: تجاهل زيد و تمارض عمرو.

«و إنّ قلّ فإنّه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك و حسن الظنّ بك» في (عيون ابن قتيبة) سئل بعض الحكماء عن أشدّ الامور تدريبا للجنود و شحذا لها فقال:

استعادة القتال و كثرة الظفر، و أن تكون لها مواد من ورائها و غنيمة فيما

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٥١.

(٢) الصحاح ٢: ٥١٦.

(٣) مريم: ٢٥.

أمامها، ثم الإكرام للجيش بعد الظفر و الإبلاغ بالمجتهدين بعد المناصبة و التشريف للشجاع على رؤوس الناس( ١) .

و في (الطبري): أراد معن بن زائدة أن يوفد إلى المنصور قوما يسلّون سخيمته و يستعطفون قلبه عليه و قال: قد أفنيت عمري في طاعته و أفنيت رجالي في حرب اليمن ثم يسخط عليّ أن أنفقت المال في طاعته فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة، فكان فيمن اختار مجاعة بن الأزهر إلى أن قال فقال مجاعة للمنصور: معن عبدك و سيفك و سهمك، رميت به عدوّك فضرب و طعن و رمى حتى سهل ما حزن و ذلّ ما صعب و استوى ما كان معوجا من اليمن، فأصبحوا من خولك، فان كان في نفسك هنة من ساع أو واش أو حاسد فأنت أولى بالتفضل على عبده و من أفنى عمره في طاعته.

فقبل العذر من معن، فلمّا صار إلى معن و قرأ الكتاب بالرضى قبّل بين عينيه فقال مجاعة:

آليت في مجلس من وائل قسما

ألاّ أبيعك يا معن بأطماع

يا معن إنّك قد أوليتني نعما

عمّت لجيما و خصت آل مجّاع

فلا أزال إليك الدهر منقطعا

حتى يشيد بهلكي هتفه الناعي

و كانت نعم معن على مجاعة أنّه سأله ثلاث حوائج: منها أنّه كان يتعشّق امرأة من أهل بيته سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجها أحد بعد و كانت إذا ذكر لها قالت بأي شي‏ء يتزوجني؟ أبجبته الصوف أم بكسائه؟ فلمّا رجع إلى معن كان أوّل شي‏ء سأله أن يزوّجه بها، و كان أبوها في جيش معن فقال:

أريد زهراء و أبوها في عسكرك. فزوّجه إيّاها على عشرة آلاف درهم و أمهرها من عنده، و منها أنّه قال له: الحائط الذي فيه منزلي صاحبه في عسكرك،

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ١٩٥ دار الكتب العلمية بيروت.

فاشتراه منه و صيّره له، و منها أنّه أمر له بثلاثين ألف درهم و صرفه( ١) .

و في (كامل المبرد) قال الحجاج للمهلب بعد ظفره بالخوارج: اذكر لي القوم الذين أبلوا وصف لي بلاءهم، فوصف جمعا ذكر في جملتهم الرقّاد، فقال الحجّاج: فأين الرقّاد، فدخل رجل طويل فقال المهلب: هذا فارس العرب.

فقال الرقّاد للحجّاج: إنّي كنت أقاتل مع غير المهلّب، فكنت كبعض الناس، فلمّا صرت مع من يلزمني الصبر و يجعلني أسوة نفسه، و ولده و يجازيني على البلاء صرت فارسا( ٢) .

«و لا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها، فإنّ لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به» في (العيون) لم يكن لخالد بن برمك أخ إلاّ بنى له دارا على قدر كفايته، و وقف على أولاد الإخوان ما يعيشهم أبدا، و لم يكن لإخوانه ولد إلاّ من جارية وهبها هو لهم( ٣) .

«و ليكن آثر رؤوس جندك عندك» أي: أكثرهم مختارا عندك.

«من واساهم» قال في الجمهرة يقال: آسيت الرجل و واسيته مواساة( ٤) .

«في معونته و أفضل» أي: تفضل.

«عليهم من جدته» في (سر عربية الثعالبي): «وجد» كلمة مبهمة ليس للعرب كلمة مثلها فيختلف معانيها باختلاف مصدرها، ففي ضد العدم يقال «وجودا» و في الغضب «موجدة» و في الضالّة «وجدانا» و في الحزن «وجدا» و في المال «وجدا» و «جدة».

«بما يسعهم و يسع من وراءهم من خلوف» بالفتح.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ٦٥ دار سويدان بيروت.

(٢) الكامل ٣: ٤٠٩ دار النهضة القاهرة.

(٣) عيون الأخبار ١: ٤٦٢ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) جمهرة اللغة ١: ٢٣٨ دار العلم للملايين بيروت.

«أهليهم» قال ابن دريد حي خلوف: إذا غزا الرجال و بقي النساء( ١) .

«حتى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ» قال المنصور لبعض قوّاده:

صدق الذي قال: «أجع كلبك يتبعك و سمّنه يأكلك» فقال له أبو العباس الطوسي: إن أجعته يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه و يدعك.

«فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك» زاد قبله في رواية (التحف) «ثمّ واتر أعلامهم ذات نفسك في إيثارهم، و التكرمة لهم، و الإرصاد بالتوسعة، و حقّق ذلك بحسن الفعال، و الأثر و العطف»( ٢) .

في (العقد) قالت الحكماء: أسوس الناس لرعيته من قاد أبدانها بقلوبها و قلوبها بخواطرها، و خواطرها بأسبابها من الرغبة و الرهبة( ٣) .

«و إنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، و ظهور مودة الرعية، و إنّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم» هذا الكلام بجملته من «و إن» إلى «صدورهم» نظير ما مرّ من قوله: «و ليس يخرج الوالي إلى في ما خفّ عليه أو ثقل» في كونه من كلامهعليه‌السلام لكن ليس من النهج بشهادة (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية به لخلوها عنه و هي النسخ الصحيحة من النهج، و إنّما أخذه بعضهم من رواية (التحف) فألحقه حاشية بالنهج فخلطت (المصرية) أو من قبلها الحاشية بالمتن مع تحريف «الإستفاضة» بالاستقامة( ٤) .

و كيف كان ففي (تاريخ اليعقوبي) قال الزهري: دخلت يوما على عمر بن عبد العزيز فبينا أنا عنده إذ أتاه كتاب من عامل أنّ مدينته قد احتاجت إلى مرّمة، فقلت له: ان بعض عمّال علي بن أبي طالبعليه‌السلام كتب إليه بمثل هذا،

____________________

(١) جمهرة اللغة ١: ٦١٦ دار العلم للملايين بيروت.

(٢) تحف العقول: ١٣٣.

(٣) العقد الفريد ١: ٢٦ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) تحف العقول: ١٣٣، حد ١٧: ٥١.

فكتبعليه‌السلام إليه: «أمّا بعد فحصّنها بالعدل، و نقّ طرقها من الجور» فكتب بذلك إلى عامله( ١) .

«و لا تصحّ نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة الامور» هكذا في (المصرية) و الصواب: (أمورهم) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

في (العقد) قال أردشير لابنه: إنّ الملك و العدل لا غنى بأحدهما عن صاحبه فالملك اسّ و العدل حارس، و ما لم يكن له أسّ فمهدوم، و ما لم يكن له حارس فضائع. يا بنيّ اجعل حديثك مع أهل المراتب، و عطيّتك لأهل الجهاد، و بشرك لأهل الدين، و سرّك لمن عناه ما عناك من ذوي العقول.

و قالت الحكماء: ممّا يجب على السلطان العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، و في باطن ضميره لإقامة أمر دينه، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان و مدار السياسة كلّها على العدل و الإنصاف، لا يقوم سلطان لأهل الكفر و الإيمان إلاّ بهما، و لا يدور إلاّ عليهما مع ترتيب الامور مراتبها و إنزالها منازلها( ٣) .

و خطب سعيد بن سويد بحمص فقال: أيّها الناس إنّ الإسلام حائط منيع و باب وثيق، فحائط الإسلام الحقّ و بابه العدل، و لا يزال الإسلام منيعا ما اشتدّ السلطان، و ليس اشتداد السلطان قتلا بالسيف و لا ضربا بالسوط، و لكن قضاء بالحق و أخذا بالعدل( ٤) .

«و قلّة استثقال دولهم، و ترك استبطاء انقطاع مدتهم» في (العقد) كتب أبرويز لابنه شيرويه يوصيه: ليكن من تختاره لولايتك امرأ كان في ضعة

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٣٠٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٥١.

(٣) العقد الفريد ١: ٢٣ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) العقد الفريد ١: ٢٧ دار الكتب العلمية بيروت.

فرفعته أو ذا شرف كان مهملا فاصطنعته، و لا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتضع لها و لا أحدا ممّن يقع بقلبه أنّ إزالة سلطانك أحبّ إليه من ثبوته( ١) .

و في (الأغاني): لمّا ظفر ابن الزبير بالعراق و أخرج عنها عمّال بني امية خرج ابن عبدل معهم إلى الشام، و كان ممّن يدخل على عبد الملك و يسمر عنده فقال له ليلة:

يا ليت شعري و ليت ربما نفعت

هل ابصرن بني العوّام قد شملوا

بالذل و الأسر و التشريد انهم

على البريّة حتف حيثما نزلوا

أم هل أراك بأكتاف العراق و قد

ذلّت لعزّك أقوام و قد نكلوا

فقال عبد الملك:

إن يمكن اللّه من قيس و من جرش

و من جذام و يقتل صاحب الحرم

نضرب جماجم أقوام على حنق

ضربا ينكّل عنّا ساير الامم( ٢)

«فأفسح» أي: أوسع «في آمالهم و واصل في حسن الثّناء عليهم» أي: أدم حسن الثناء عليهم وصل ثاني الثناء بالأوّل و هكذا «و تعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم» أي: تفصّل بالعد أفعالهم الحسنة.

في (كامل المبرد): قدم المهلب بعد ظفره بالخوارج على الحجّاج فأجلسه إلى جانبه و أظهر إكرامه و برّه و قال: يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب، ثم قال: أنت و اللّه كما قال لقيط الأيادي:

و قلّدوا أمركم للّه درّكم

رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا يطعم النّوم إلاّ ريث يبعثه

همّ يكاد حشاه يقصم الضلعا

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده

و لا إذا عضّ مكروه به خشعا

____________________

(١) العقد الفريد ١: ٢٧ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) الأغاني ٢: ٤٢٠ دار احياء التراث العربي.

ما زال يحلب هذا الدهر أشطره

يكون متبعا طورا و متبعا

حتى استمرت على شزر مريرته

مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا

فقام إليه رجل فقال للحجّاج: و اللّه لكأنّي أسمع الساعة قطريا و هو يقول في المهلب كما قال لقيط الأيادي، ثم أنشد هذه الأشعار فسّر الحجّاج به، حتى امتلأ سرورا( ١) .

«فإنّ كثرة الذّكر لحسن أفعالهم» هكذا في (المصرية) و الصواب: (فعالهم) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«تهزّ» أي: تحرّك.

«الشجاع» في مقاتل الطالبيين في حرب إبراهيم بن عبد اللّه الحسني، قال المفضل الضبّي: لمّا التحمت الحرب و اشتدّت بينه و بين عسكر المنصور قال لي: حرّكني بشي‏ء، فذكرت أبياتا لعويف القوافي:

ألا يا أيّها النّاهي فزارة بعد ما

أجدّت بسير إنّما أنت حالم

ترى كلّ حرّ أن يبيت بوتره

و يمنع منه النوم إذ أنت نائم

أقول لفتيان كرام تروّحوا

على الجرد في أفواههنّ الشكائم

قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها

و من يخترم لا تتّبعه اللّوائم

و هل أنت إن باعدت نفسك منهم

لتسلم في ما بعد ذلك سالم

فقال: أعد، و تبيّنت في وجهه انّه سيقتل، فتنبّهت و قلت: أو غير ذلك؟

قال: لا بل أعد الأبيات، فأعدتها، فتمطّى في ركابيه، فقطعهما و حمل، فغاب عني، و أتاه سهم غائر، فقتله، و كان آخر عهدي به( ٣) .

____________________

(١) الكامل ٣: ٤٠٥ دار النهضة القاهرة.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٥٢.

(٣) مقاتل الطالبيين: ٢٤٩.

«و تحرّض» أي: ترغّب.

«الناكل» أي: الجبان الضعيف.

«إن شاء اللّه» زاد بعده في رواية (التحف): «ثم لا تدع أن يكون لك عليهم عيون من أهل الأمانة، و القول بالحقّ عند الناس، فيثبتون بلاء كلّ ذي بلاء منهم ليثق أولئك بعلمك ببلائهم»( ١) .

«ثم أعرف لكل امرى‏ء منهم ما أبلى» في (كامل المبرد): لمّا ظفر المهلّب بالخوارج وجّه كعب بن معدان الأشقري إلى الحجّاج فقال له الحجّاج: أخبرني عن بني المهلّب. قال: المغيرة فارسهم و سيّدهم و كفى بيزيد فارسا و شجاعا و جوادهم و سخيهم قبيصة، و لا يستحي الشجاع أن يفر من «مدرك»، و عبد الملك سم ناقع، و حبيب موت زعاف، و محمد ليث غاب، و كفاك بالمفضّل نجدة قال: فكيف كانوا فيكم؟ قال: كانوا حماة السرح نهارا فإذا أليلوا ففرسان البيات قال: فأيّهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها( ٢) .

«و لا تضيفن» هكذا في (المصرية) و الصواب: (و لا تضمّنّ) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية بل و في رواية (التحف)( ٣) .

«بلاء امرى‏ء إلى غيره» فتكون ظلمت ذا البلاء.

«و لا تقصرن به دون غاية بلائه» زاد في رواية (التحف) «و كاف كلاّ منهم بما كان منه، و اخصصه منك بهزّه»( ٤) .

في (كامل المبرد): ان الحجاج قال للمهلب بعد ظفره بالخوارج و قدومه

____________________

(١) تحف العقول: ١٣٣ و ١٣٤.

(٢) الكامل للمبرد ٣: ٤٠٣ دار النهضة القاهرة.

(٣) تحف العقول: ١٣٤.

(٤) تحف العقول: ١٣٤.

عليه اذكر لي القوم الذين أبلوا، وصف لي بلاءهم. فذكرهم على مراتبهم في البلاء و تفاضلهم في الغناء، و قدم بنيه المغيرة و يزيد و مدركا و حبيبا و قبيصة و المفضل و عبد الملك و محمدا و قال: انّه و اللّه لو تقدّمهم أحد في البلاء لقدّمته عليهم و لو لا أن أظلمهم لأخّرتهم. قال الحجاج: صدقت و ما أنت بأعلم بهم مني و ان حضرت و غبت، إنّهم لسيوف من سيوف اللّه( ١) .

«و لا يدعونّك شرف امرى‏ء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا، و لا ضعة امرى‏ء إلى ان تستصغر من بلائه ما كان عظيما» هذا الكلام في غاية النفاسة، فإن أكثر الناس ينظرون إلى مراتب الرجال لا إلى مقادير الأعمال، و هو من سخافة عقولهم.

هذا و زاد في رواية (التحف) «و لا يفسدنّ امرأ عندك علّة إن عرضت له، و لا نبوة حديث له، قد كان له فيها حسن بلاء، فإنّ العزة للّه يؤتيه من يشاء و العاقبة للمتقين، و إن استشهد أحد من جنودك، و أهل النكاية في عدوك، فاخلفه في عياله بما يخلف به الوصي الشفيق الموثق به، حتّى لا يرى عليهم أثر فقده، فإنّ ذلك يعطف عليك قلوب شيعتك، و يستشعرون به طاعتك، و يسلسون لركوب معاريض التلف الشديد في ولايتك»( ٢) .

«و أردد إلى اللّه و رسوله ما يضلعك» أي: يثقلك ثقلا يميلك. قال الأعشى:

عنده البر و التّقى و أسى الصّدع

و حمل لمضلع الأثقال

«من الخطوب» أي: الأمور العظيمة، قال ابن دريد: الخطب، الأمر العظيم( ٣ ) «و يشتبه عليك من الأمور، فقد قال اللّه تعالى) هكذا في (المصرية) و الصواب:

____________________

(١) الكامل للمبرد ٣: ٤٠٩ دار النهضة مصر القاهرة.

(٢) تحف العقول: ١٣٤.

(٣) جمهرة اللغة ١: ٢٩١ دار العلم للملايين بيروت.

(سبحانه) كما في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية( ١) .

«لقوم أحب ارشادهم: يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و اولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى اللّه و الرسول»( ٢ ) ، و بعده ان كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا( ٣) .

و زاد في رواية (التحف): «و قال تعالى: و لو ردّوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم و لو لا فضل اللّه عليكم و رحمته لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليلا»( ٤) .

«فالردّ إلى اللّه الأخذ بمحكم كتابه، و الردّ إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة» و زاد في رواية (التحف): «و نحن أهل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذين نستنبط المحكم من كتابه، و نميّز المتشابه منه، و نعرف الناسخ ممّا نسخ اللّه، و وضع إصره، فسر في عدوّك بمثل ما شاهدت منّا في مثلهم من الأعداء»( ٥) .

و يظهر من كلامهعليه‌السلام أنّ الحجّة تنحصر في محكم الكتاب و السنة المجمع عليها، و أنّ إجماع الناس على شي‏ء من غير إحراز كونه سنّة، لا عبرة به.

«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك» في (تاج الجاحظ): يقال إن سابور ذا الإكتاف لمّا مات موبدان موبد وصف له رجل من كورة إصطخر أنّه يصلح لقضاء القضاة في العلم و التألّه و الأمانة، فوجّه إليه فلمّا قدم دخل عليه و دعا بالطعام و دعاه إليه فدنا فأكل معه، فأخذ سابور دجاجة فنصّفها

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٥٢.

(٢) النساء: ٥٩.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) تحف العقول: ١٣٤، و الآية ٨٣ من سورة النساء.

(٥) تحف العقول: ١٣٥.

و وضع نصفها بين يدي الرجل و نصفها بين يديه، و أومى إليه أن كل من الدجاجة و لا تخلط بها طعاما فإنّه أمرأ لطعامك و أخفّ على معدتك، و أقبل سابور على النصف فأكل كنحو ما كان يأكل، ففرغ الرجل من النصف قبل سابور ثم مدّ يده إلى طعام آخر و سابور يلحظه، فلمّا رفعت المائدة قال له:

ودّع و انصرف إلى بلدك، فإن سلفنا من الملوك كانوا يقولون: من شره بين يدي الملوك إلى الطعام كان إلى أموال الرعيّة و السّوقة و الوضعاء أشدّ شرها.

«ممّن لا تضيق به الأمور و لا تمحّكه الخصوم» أي: يحملونه على اللجاج.

في العقد: تنازع إبراهيم بن المهدي و بختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دؤاد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فزرى عليه إبراهيم و أغلظ له، فأحفظ ذلك القاضي فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا تعلينّ ما رفعت عليه صوتا و لا تشر إليه بيد، و ليكن قصدك أمما و طريقك نهجا و ريحك ساكنة، و وفّ مجالس الحكومة حقوقها( ١) .

و في (العيون): قال علقمة بن مرثد لمحارب بن دثار و كان على القضاء إلى كم تردد الخصوم؟ فقال: إنّي و الخصوم كما قال الأعشى:

أرقت و ما هذا السهاد المؤرق

و ما بي من سقم و ما بي معشق

و لكن أراني لا أزال بحادث

اغادي بما لم يمس عندي و أطرق

و سأل رجل إياس بن معاوية عن مسألة فطوّل فيها فقال له أياس: إن كنت تريد الفتيا فعليك بالحسن معلمي و معلّم أبي، و إن كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى و كان على قضاء البصرة يومئذ و إن كنت تريد الصلح فعليك بحميد الطويل و تدري ما يقول لك يقول لك: حطّ شيئا و يقول لصاحبك: زده شيئا حتى نصلح بينكما، و ان كنت تريد الشغب فعليك بصلح

____________________

(١) العقد الفريد ١: ٧٩ دار الكتب العلمية بيروت.

السدوسي و تدري ما يقول، يقول لك: اجحد ما عليك، و يقول لصاحبك ادّع ما ليس لك و ادع بيّنة غيبا( ١) .

و قال ابن أبي الحديد: إرتفعت جميلة بنت عيسى و كانت جميلة كاسمها مع خصم لها إلى الشّعبي و هو قاضي عبد الملك فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي:

فتن الشّعبيّ لمّا

رفع الطّرف إليها

فتنته بثناياها

و قوسي حاجبيها

و مشت مشيا رويدا

ثم هزّت منكبيها

فقضى جورا على الخصم

و لم يقض عليها

فقبض الشعبي عليه و ضربه ثلاثين سوطا، ثم انصرف يوما من مجلس القضاء و قد شاعت الأبيات و تناشدها الناس و جمع معه، فمرّ بخادم تغسل الثياب و تقول «فتن الشعبي لمّا» و لا تحفظ تتمة البيت، فوقف عليها و لقّنها «رفع الطرف إليها»، ثم ضحك و قال: أبعده اللّه، و اللّه ما قضينا لها إلاّ بالحق( ٢) .

قلت: و في (العقد) ان المرأة لمّا أدلت بحجتها قال الشعبي للزوج: هل عندك من مدفع، فأنشأ «فتن الشعبي» الأبيات ثم دخل الشعبي على عبد الملك فلمّا نظر إليه تبسّم و قال: «فتن الشعبي لمّا رفع الطرف إليها» ثم قال له:

ما فعلت بقائل هذه الأبيات؟ فقال: أوجعته ضربا بما انتهك من حرمتي في مجلس الحكومة و بما افترى به عليّ. قال: أحسنت.

«و لا يتمادى في الزّلّة» في (مختلف أخبار ابن قتيبة) قال حمّاد بن يزيد:

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ١٢٨ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٦٦ ٦٧.

شهدت أبا حنيفة و قد سئل عن محرم لم يجد إزارا، فلبس سراويل، فقال: عليه الفدية. فقلت: سبحان اللّه، حدّثنا عمرو بن دينار عن جابر بن يزيد عن ابن عباس قال سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول في المحرم: إذا لم يجد إزارا لبس سراويل، و إذا لم يجد نعلين لبس خفين. فقال: دعنا من هذا، حدّثنا حمّاد عن إبراهيم أنّه قال: عليه الكفارة( ١) .

«و لا يحصر» أي: لا يضيق صدرا (من الفي‏ء) أي الرجوع.

«إلى الحق إذا عرفه» روى ابن قتيبة أيضا عن أبي عوانة قال: كنت عند أبي حنيفة، فسئل عن رجل سرق وديا. فقال: عليه القطع. فقلت له: حدّثنا يحيى بن سعيد عن ابن حبّان عن رافع بن خديج عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لا قطع في ثمر و لا كثر. فقال: ما بلغني هذا. فقلت: فالرجل الذي أفتيته ردّه. قال: دعه، فقد جرت به البغال الشهب( ٢) .

«و لا تشرف نفسه على طمع» قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : الرشاء في الحكم هو الكفر باللّه( ٣) .

«و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه» في الموضوعات و الأحكام، قال بعضهم: إذا أتاك الخصم و قد فقئت عينه فلا تحكم له حتى يأتي خصمه فلعله قد فقئت عيناه جميعا.

«و أوقفهم في الشبهات و آخذهم في الحجج» عن الشعبي قال: كنت جالسا عند شريح إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها و هو غائب و تبكي بكاء شديدا.

فقلت: ما أراها إلاّ مظلومة. قال: و ما علمك؟ قلت: لبكائها. قال: لا تفعل فإن إخوة

____________________

(١) تأويل مختلف الحديث: ٥٢.

(٢) تأويل مختلف الحديث: ٥٢.

(٣) الكافي ٥: ١٢٧ ح ٣.

يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون و هم له ظالمون( ١) .

«و أقلّهم تبرّما» أي: ضجرا و ملالا.

«بمراجعة الخصم» في (العيون) قدم أياس الشام و كان غلاما فقدّم خصما له شيخا كبيرا إلى قاض لعبد الملك، فقال له القاضي: أ تقدّم شيخا كبيرا إليّ؟ فقال أياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟

قال: ما أظنّك تقول حقّا حتى تقوم. قال: أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: إقض حاجته و أخرجه من الشام لا يفسد عليّ الناس( ٢) .

«و أصبرهم على تكشّف الأمور» في (أذكياء ابن الجوزي) قال أبو السائب:

كان ببلدنا همدان رجل مستور فأحبّ القاضي قبول قوله، فسأل عنه فزكّي له سرّا و جهرا، فراسله في حضور المجلس ليقبل قوله و أمر بأخذ خطّه في كتب ليحضر فيقيم الشهادة فيها، و جلس القاضي و حضر الرجل مع الشهود، فلمّا أراد إقامة الشهادة لم يقبله القاضي، فسئل عن سبب ذلك فقال: إنكشف لي أنّه مراء فلم يسعني قبول قوله، فقيل له: و كيف؟ قال: كان يدخل إليّ في كلّ يوم فأعد خطواته من حيث تقع عيني عليه من داري إلى مجلسي، فلمّا دعوته اليوم للشهادة جاء فعددت خطاه من ذلك المكان فإذا هي قد زادت خطوتين أو ثلاثا فعلمت أنّه متصنّع فلم أقبله( ٣) .

«و أصرمهم» أي: أقطعهم.

«عند اتّضاح الحكم» في (الأذكياء) أيضا: باع رجل من أهل خراسان

____________________

(١) ربيع الأبرار ١: ٦٩٦ انتشارات الشريف الرضي قم.

(٢) عيون الأخبار ١: ١٣٩ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) الأذكياء: ٨٠ دار الكتب العلمية بيروت.

جمالا بثلاثين ألف درهم من وكيل زبيدة فمطله بثمنها، فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره فقال له: اذهب إليه فقل له: أعطني ألف درهم و أحيل عليك بالمال الباقي و أخرج إلى خراسان، فإذا فعل هذا فأتني حتى أشاور عليك. ففعل فأعطاه ألف درهم فرجع فأخبره، فقال: عد إليه فقل له: إذا ركبت غدا فطريقك على القاضي فأحضر و أوكل رجلا بقبض المال و أخرج فإذا جلس إلى القاضي فادّع عليه بما بقي لك. ففعل، فحبسه القاضي فقالت زبيدة لهارون: قاضيك حبس وكيلي فمره لا ينظر في الحكم، فأمر لها بالكتاب و بلغ حفصا الخبر فقال للرجل: أحضر لي شهودا حتى اسجّل لك على الوكيل قبل ورود كتاب الخليفة، فحضر فقال للرجل: مكانك فلمّا فرغ من السجل أخذ الكتاب فقرأه فقال للخادم: قل للخليفة إنّ كتابه ورد و قد أنفذت الحكم( ١) .

«ممّن لا يزدهيه» أي: لا يستخفّه، قال عمر بن أبي ربيعة:

فلمّا توافقنا و سلّمت أقبلت

وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا( ٢)

«اطراء» أي: مدح، في (الجهشياري): كان يحيى بن خالد يقول: لست ترى أحدا تكبّر في إمارة إلاّ و قد دلّ على أن الذي نال فوق قدره، و لست ترى أحدا تواضع في إمارة إلاّ و هو في نفسه أكثر ممّا نال في سلطانه.

«و لا يستميله إغراء» أي: تحضيض و تحريص، في (العيون) كان المغيرة بن عبيد اللّه الثقفي قاضيا على الكوفة فأهدى إليه رجل سراجا من شبه و بلغ ذلك خصمه فبعث إليه ببغلة، فلمّا اجتمعا عنده جعل يحمل على صاحب السراج و جعل صاحب السراج يقول: إن أمري أضوء من السراج، فلمّا أكثر

____________________

(١) الأذكياء: ٧٩ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) لسان العرب ١٤: ٣٦١، مادة: (زها).

عليه قال: ويحك إنّ البغلة رمحت السراج فكسرته( ١) .

«و أولئك قليل» و في رواية (التحف): «فولّ قضاءك من كان كذلك و هم قليل»( ٢) .

و كلامهعليه‌السلام مأخوذ من قوله تعالى و إنّ كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم( ٣) .

«ثم أكثر تعاهد» و في رواية (التحف) «تعهّد»( ٤) .

«قضائه و افسح» أي: أوسع «له في البذل ما يزيل» و في رواية (التحف) «يزيح».

«علته» زاد في (التحف) «و يستعين به»( ٥) .

«و تقلّ معه حاجته إلى الناس، و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال» أي: شرّهم.

«له عندك فانظر في ذلك نظرا بليغا فإنّ هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى و يطلب به الدنيا».

قال ابن أبي الحديد: هذه إشارة إلى قضاة عثمان و حكّامه و أنّهم لم يكونوا يقضون بالحق عنده، بل بالهوى لطلب الدنيا، و أمّا أصحابنا فيقولون:

إنّ عثمان كان ضعيفا و استولى عليه أهله، و قطعوا الامور دونه، فإثمهم عليهم و عثمان بري‏ء منهم( ٦) .

قلت: لم يعلم إرادتهعليه‌السلام لخصوص زمان عثمان، و من أين إنّه لم يرد

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ١١٤ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) تحف العقول: ١٣٥ و ١٣٦.

(٣) ص: ٢٤.

(٤) تحف العقول: ١٣٦.

(٥) تحف العقول: ١٣٦.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٦٠.

زمان جميع المتقدّمين عليه، و تشهد له كلماتهعليه‌السلام فيهم في غير مقام، و منها في الشقشقية، كما أن المسلم من ضعف عثمان عدم قدرته الدفع عن نفسه لمّا أجمع المهاجرون و الأنصار على قتله و استحلوا دمه و خذله معاوية لحبه صيرورة دمه وسيلة لنيل الأمر إليه، و أمّا استيلاء أهله عليه فلا فمن ولاّهم و كان راضيا بأفعالهم حتى بفعل أخيه لامه الوليد بن عقبة الذي شرب و صلّى بالناس الصبح أربعا في سكره و غنى في صلاته و تكلّم فيها فقال للناس: ان شئتم أزيدكم الصبح على الأربع، فلم يرد إقامة الحد عليه بعد إقامة أهل الكوفة الشهود على شربه حتى اقامه أمير المؤمنينعليه‌السلام عليه رغما لأنفه.

و قال ابن عبد البرفي (استيعابه) قال الحسن البصري: إن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه فقال: قد صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة و اجعل أوتادها بني امية، فإنّما هو الملك و لا أدري ما جنّة و لا نار...( ١ ) . و قد قبل منه عثمان ذلك فعالا و ان رووا أنّه أنكر قوله في الظاهر مقالا.

و قال ابن أبي الحديد نفسه في موضع آخر: مرّ أبو سفيان أيّام عثمان بقبر حمزة، فضربه برجله و قال: يا أبا عمارة إنّ الأمر الّذي اجتلدنا عليه بالسيف، أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به( ٢) .

و أما ما نقله عن أصحابه من كون إثمهم عليهم و عثمان لا إثم عليه، فقد قال محمد بن أبي بكر لمعاوية بن حديج لمّا أراد قتله و قال له: أقتلك بعثمان:

ما أنت و عثمان؟ إنّ عثمان عمل بالجور و نبذ حكم القرآن و قد قال تعالى

____________________

(١) الإستيعاب ٤: ٨٧.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٣٦.

و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون( ١ ) فنقمنا ذلك عليه فقتلناه و حسّنت أنت له ذلك و نظراؤك فقد برّأنا اللّه تعالى إن شاء اللّه من ذنبه و أنت شريكه في عظم ذنبه و جاعلك على مثاله.

«ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا» في (العيون) عن معمّر: قال والي اليمن لابن شبرمة: قد دعيت لأمر عظيم للقضاء. قال: ما أيسر القضاء.

فقال له ابن شبرمة: فنسألك عن شي‏ء يسير منه. قال: سل. قال: ما تقول في ضرب بطن شاة حامل فألقت ما في بطنها. فسكت الرجل فقال له: انّا بلوناك فما وجدنا عندك شيئا. قال: فما القضاء فيها. فقال: تقوّم حاملا و حائلا و يغرم قدر ما بينهما( ٢) .

هذا، و (فيه أيضا) كان يحيى بن أكثم يمتحن من يريدهم للقضاء فقال لرجل: ما تقول في رجلين زوج كلّ واحد منهما الآخر أمه فولد لكل واحد امرأته ولد ما قرابة بين الوالدين، فلم يعرفها فقال له يحيى: كلّ واحد من الولدين عم الآخر لامه( ٣) .

«و لا تولّهم محاباة» قال (الجوهري): الحباء العطاء، قال الفرزدق:

«و إليه كان حبا جفنة ينقل» و حابيته في البيع محاباة( ٤) .

«و أثرة» بفتحتين، أي: استبدادا.

في (العيون): السلطان الحازم ربما أحبّ الرجل فأقصاه و اطّرحه مخافة ضرّه فعل الذي يلسع الحية إصبعه فيقطعها لئلاّ ينتشر سمّها في جسده، و ربّما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته و تقريبه لغناء يجده

____________________

(١) المائدة: ٤٧.

(٢) عيون الأخبار ١: ١٣١ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) عيون الأخبار ١: ١٣١ دار الكتب العلمية بيروت.

(٤) الصحاح ٦: ٢٣٠٨.

عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه.

و في (العقد) في مجاوبة ابن عباس و معاوية قال معاوية لابن عباس:

استعملك عليّ على البصرة و قد استعمل أخاك عبيد اللّه على اليمن و استعمل أخاك قثما على المدينة، فلمّا كان من الأمر هنأتكم ما في أيديكم و لم أكشفكم عمّا وعت غرائزكم إلى أن قال فقال له ابن عباس: و أمّا استعمال عليّعليه‌السلام إيّانا فلنفسه دون هواه، و قد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك منهم ابن الحضرمي على البصرة فقتل، و بسر بن أرطأة على اليمن فخان، و الضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب، و لو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا( ١) .

«فانهم» هكذا في (المصرية) و هو غلط و الصواب: (فانهما) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢ ) ، و الضمير راجع إلى المحاباة و الأثرة، و به صرّح في رواية (التحف ففيه): «فإنّ المحاباة و الأثرة»( ٣) .

«جماع من شعب الجور و الخيانة» و في رواية (التحف) «جماع الجور و الخيانة، و إدخال الضرورة على الناس، و ليست تصلح الأمور بالإدغال»( ٤) .

في (العيون): قدم بعض عمّال السلطان من عمل فدعا قوما فأطعمهم و جعل يحدثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال عزّ و جلّ: سمّاعون للكذب أكّالون للسحت( ٥) .

و فيه: ولي حارثة بن بدر «سرّق» فكتب إليه أبو الأسود الدّؤلي:

أحار بن بدر قد وليت ولاية

فكن جرذا فيها تخون و تسرق

و بارز تميما بالغنى إنّ للغنى

لسانا به المرء الهيوبة ينطق

____________________

(١) العقد الفريد ٤: ٩٣ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٦٨.

(٣) تحف العقول: ١٣٧.

(٤) تحف العقول: ١٣٧.

(٥) عيون الأخبار ١: ١٢٢ دار الكتب العلمية بيروت، و الآية من سورة المائدة: ٤٢.

فان جميع الناس اما مكذب

يقول بما يهوى و اما مصدق

يقولون أقوالا و لا يعلمونها

و ان قيل هاتوا حققوا لم يحققوا

و لا تحقرن يا حار شيئا أصبته

فحظك من ملك العراقين سرّق

فقال حارثة: لا يعمى عليك الرشد( ١) .

و كان عبيد اللّه بن أبي بكرة قاضيا و كان يميل في الحكم إلى اخوانه، فقيل له في ذلك فقال: و ما خير رجل لا يقطع من دينه لإخوانه( ٢ ) ؟

و في (كامل الجزري): ان أهل أفريقية كانوا أطوع أهل البلدان إلى زمن هشام و كانوا يقولون: لا نخالف الأئمة بما يجني العمّال، فقال لهم أهل العراق الذين دبّوا فيهم: إنّما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا: حتى نختبرهم، فخرج ميسرة في بضع و عشرين رجلا فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم، فدخلوا على الأبرش فقالوا: أبلغ الخليفة أنّ أميرنا يغزو بنا و بجنده فإذا غنمنا نفلهم و حرمنا و يقول: هذا أخلص لجهادكم، و إذا حاصرنا مدينة قدّمنا و أخّرهم و يقول: هذا ازدياد في الأجر، ثم إنّهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء الأبيض للخليفة فيقتلون ألف شاة في جلد فاحتملنا ذلك، ثم إنّهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا فقلنا: لم نجد هذا في كتاب و لا سنّة و نحن مسلمون، فأحببنا أن نعلم أ عن رأي الخليفة هذا؟

فطال عليهم المقام و نفدت نفقاتهم فرجعوا و خرجوا على عامل هشام فقتلوه و استولوا على أفريقية( ٣) .

و في (المروج): ركب أحمد بن الخصيب وزير المنتصر ذات يوم فتظلّم

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ١٢٤ دار الكتب العلمية بيروت، معجم البلدان للحموي ٣: ٢١٤ بتفصيل أكثر و تغيير في ترتيب الأبيات، إضافة إلى أبيات جوابية لحارثة. فراجعها إن شئت.

(٢) عيون الأخبار ١: ١٣٨ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ٣: ٩٢ ٩٣، (عام ٢٧).

إليه متظلم بقصة، فأخرج رجله من الركاب فزجّ بها في صدر المتظلم فقتله( ١) ، فتحدّث الناس بذلك فقال بعض الشعراء:

قل للخليفة يا ابن عمّ محمّد

أشكل وزيرك إنّه ركّال

 (و فيه): كان المنصور جالسا في مجلسه المبني على طاق باب خراسان من مدينته مدينة المنصور مشرفا على دجلة و كان بنى على كلّ باب من أبواب المدينة في الأعلى من طاقه المعقود مجلسا يشرف منه على ما يليه من البلاد أوّلها باب الدولة باب خراسان ثم باب الشام ثم باب الكوفة ثم باب البصرة كل تلقاء بلده يوما إذ جاءه سهم عائر حتى سقط بين يديه، فذعر فأخذه فإذا عليه مكتوب «همذان منها رجل مظلوم في حبسك» فبعث من فوره ففتشوا الحبوس فوجدوا شيخا في بنية من الحبس فيه سراج يسرج و على بابه بارية مسبلة، و إذا الشيخ موثق بالحديد متوجه نحو القبلة يردد و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون( ٢ ) فسألوه عن بلده فقال «همذان» فحمل و وضع بين يدي المنصور فسأله فقال: أنا رجل من أرباب نعم همذان، ولي ضيعة في بلدي تساوي ألف ألف درهم أراد و إليك أخذها منّي فامتنعت فكبّلني في الحديد و حملني و كتب إليك إنّه عاص فطرحت في هذا المكان. فقال: منذكم؟ قال: مذ أربعة أعوام، فأمر بفكّ الحديد عنه و قال له: رددت عليك ضيعتك بخراجها ما عشّت و عشت( ٣) .

«و توخّ» أي: تحرّ.

«منهم أهل التجربة و الحياء من أهل البيوتات الصالحة و القدم في الإسلام

____________________

(١) مروج الذهب ٤: ٤٨.

(٢) الشعراء: ٢٢٧.

(٣) مروج الذهب ٣: ٢٨٧ ٢٨٨.

المتقدمة) صفة القدم بفتحتين فإنّها مؤنّث، قال ذو الرّمّة:

لكم قدم لا ينكر الناس أنّها

مع الحسب العادي تطمّ على البحر

في (ابن خلكان): لمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس:

إن أردت أن يكون عملك خيرا كلّه فاستعمل أهل الخير. فقال عمر: كفى بي موعظة( ١) .

«فإنّهم أكرم أخلاقا و أصحّ أعراضا و أقلّ في المطامع اشرافا و أبلغ في عواقب الامور نظرا» زاد في رواية (التحف) «من غيرهم فليكونوا أعوانك على ما تقلّدت»( ٢) .

في (العيون): أحضر الرشيد رجلا ليولّيه القضاء فقال له: إنّي لا احسن القضاء و لا أنا فقيه. فقال له: فيك ثلاث خصال: لك شرف و الشرف يمنع صاحبه من الدناءة، و لك حلم يمنعك من العجلة و من لم يعجل قلّ خطأه، و أنت رجل تشاور في أمرك و من شاور كثر صوابه، و أما الفقه فسينضم إليك من تتفقه به، فولي فما وجدوا فيه مطعنا( ٣) .

و في (الجهشياري): كان يحيى بن خالد يقول لولده: لا بدّ لكم من كتّاب و عمّال و أعوان فاستعينوا بالأشراف، و إيّاكم و سفلة الناس فإنّ النعمة على الأشراف أبقى و هي بهم أحسن و المعروف عندهم أشهر و الشكر منهم أكثر.

و في (الطبري): قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قال لي المعتصم: في قلبي أمر أنا مفكّر فيه منذ مدّة طويلة. فقلت: يا سيدي فإنّي إنّما عبدك و ابن عبدك. قال: نظرت إلى أخي المأمون و قد اصطنع أربعة أنجبوا، و اصطنعت أنا

____________________

(١) وفيات الأعيان ٢: ٥٠٩ دار صادر بيروت.

(٢) تحف العقول: ١٣٧.

(٣) عيون الأخبار ١: ٧١ دار الكتب العلمية بيروت.

أربعة لم يفلح أحد منهم. قلت: و من الذين اصطنعهم أخوك. قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت و سمعت، و عبد اللّه بن طاهر فهو الرجل الذي لم ير مثله، و أنت فأنت و اللّه لا يعتاض السلطان منك أبدا، و أخوك محمد و أين مثل محمد، و أنا اصطنعت الافشين فقد رأيت إلى ما صار أمره، و اشناس ففشل آيه، و إيتاخ فلا شي‏ء، و وصيف فلا مغنى فيه. فقلت: أجيب على أمان من عضبك؟

قال: قل. قلت: نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، و استعملت فروعا لم تنجب إذ لا أصول لها. قال: يا إسحاق لمقاساة ما مرّ بي من طول هذه المدة أسهل عليّ من هذا الجواب( ١) .

«ثم أسبغ» أي: أكمل.

«عليهم الأرزاق فإن ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم و غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم و حجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا» أي: أوقعوا خللا.

«أمانتك» في (العيون) كان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته فقصّر في الرأي دعا الموكّلين بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون تخطى‏ء مرازبتك و تعاقبنا؟ فيقول: نعم. إنّهم لم يخطؤوا إلاّ لتعلّق قلوبهم بأرزاقهم و إذا اهتموا أخطؤوا، و كان يقول: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنّت( ٢) .

«ثم تفقّد أعمالهم و ابعث العيون من أهل الصدق و الوفاء عليهم فإنّ تعاهدك في السرّ لأمورهم حدوة» أي: سوق لهم.

«على استعمال الأمانة و الرفق بالرعية» في (تاريخ اليعقوبي): كتب أمير المؤمنين إلى كعب بن مالك: أمّا بعد فاستخلف على عملك و اخرج في طائفة من أصحابك حتى تمرّ بأرض كورة السواد فتسأل عن عمّالي و تنظر

____________________

(١) تاريخ الطبري ٩: ١٢٢ دار سويدان بيروت.

(٢) عيون الأخبار ١: ٨٧ دار الكتب العلمية بيروت.

سيرتهم فيما بين دجلة و العذيب، ثم ارجع إلى البهقباذات فتولّ معونتها و اعمل بطاعة اللّه في ما ولاّك منها، و اعلم أنّ كل عمل ابن آدم محفوظ عليه مجزيّ به، فاصنع خيرا صنع اللّه بنا و بك خيرا و أعلمني الصدق فيما صنعت( ١) .

«و تحفّظ» بلفظ الأمر من التحفظ.

«من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه، و أخذته بما أصاب من عمله» شرطعليه‌السلام اجتماع أخبار العيون ليأمن بذلك من التصنّع.

و في (وزراء الجهشياري): صرف المنصور خالد بن برمك عن الديوان و قلّده أبا أيوب و قلّد خالدا فارس، فأقام بها خالد سنين و أبو أيوب يسعى عليه و يحضّ المنصور على مكروهه و يسعى به ليسقطه من عينه لأنّه كان يعرف فيه من الفضل ما يتخوفه على محله و أن يرده المنصور إلى الديوان الذي كان يتقلده، فلمّا كثر ذلك على المنصور صرف خالدا عن فارس و نكبه و ألزمه ثلاثة ألف ألف درهم فلم يكن عنده إلاّ سبعمائة ألف درهم، فصدقه عن ذلك فلم يصدقه و أمر بمطالبته بالمال فأسعفه صالح صاحب المصلّى بخمسين ألف دينار و أسعفه مبارك التركي بألف ألف درهم و وجهت الخيزران بجوهر قيمته ألف ألف و مائتا ألف درهم رعاية للرضاع بين الفضل ابن ابنه و بين هارون ابنها، و اتصل ذلك بالمنصور فتحقق عنده قوله أنّه لا يملك إلاّ ما حكى، فصفح له عن المال فشق ذلك على أبي أيوب و أحضر بعض الجهابذة و دفع إليه مالا و أمره أن يعترف أنّه لخالد، و دسّ إلى المنصور من سعى بالمال، فاحضر الجهبذ فسئل عن المال فاعترف به فأحضر خالدا فسأله عن ذلك فحلف أنّه لم

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٤.

يجمع مالا قط و لا ادّخره و انّه لا يعرف هذا الجهبذ و دعا إلى كشف الحال.

فتركه المنصور بحضرته و أحضر النصراني فقال له: أ تعرف خالدا إن رأيته؟

قال: نعم. فالتفت المنصور إلى خالد و قال: قد أظهر اللّه براءتك و هذا مال أصبناه بسببك. ثم قال للنصراني: هذا الجالس خالد فكيف لم تعرفه. فقال، الأمان و أخبره الخبر، فكان بعد ذلك لا يقبل من أبي أيوب شيئا في خالد.... و أما مع الإجتماع فلا تحصل التوطئة.

في (الجهشياري): كان موسى بن عيسى الهاشمي يتقلّد للرشيد و كثر التظلم منه و اتصلت السعايات به، و قيل انّه قد استكثر من العبيد و العدة، فقال الرشيد ليحيى: اطلب لي كاتبا عفيفا يكمل لمصر و يستر خبره فلا يعلم موسى حتى يفجأه قال: قد وجدته. قال: من هو؟ قال: عمر بن مهران و كان يكتب للخيزران و لم يكتب لغيرها قط و كان من عينيه أحول مشوه الخلق خسيس اللباس فأمر بإحضاره فعرّفه يحيى ما جرى و راح به الرشيد. قال: فاستدناني و نحّى الغلمان و أمرني أن استر خبري حتى افاجى‏ء موسى فأتسلّم العمل منه. فأعلمته انّه لا يقرأ لي ذكرا في كتب أصحاب الأخبار حتى اداني مصر. ثم كتب لي كتابا بخطه إلى موسى بالتسليم، فعدت إلى منزلي فخرجت منه من غد بكرة على بغلة لي و معي غلام أسود على بغل استأجرته معه خرج فيه قميص و مبطنة و طيلسان و شاشية و خف و مفرش صغيرة، و اكتريت لثلاثة من أصحابي أثق بهم ثلاثة أبغل مياومة و ليس يعرف أحد خبري من أهل البلدان التي أمرّ بها في نزولي و نفوذي، حتى وافيت الفسطاط فنزلت جنابا و خرجت منه و حدي في زي متظلّم تاجر، فدخلت دار الإمارة و ديوان البلد و بيت المال و سألت و بحثت عن الأخبار و جلست مع المتظلّمين و غيرهم، فمكثت ثلاثة أيام أفعل ذلك حتى عرفت جميع ما احتجت إليه، فلمّا

نام الناس في ليلة اليوم الرابع دعوت أصحابي فقلت للّذي أردت استكتابه على الديوان: قد رأيت مصر و قد استكتبتك على الديوان فبكّر إليه فاجلس فيه، فإذا سمعت الحركة فاقبض على الكاتب و وكّل به و بالكتّاب و الأعمال و لا يخرج أحد من الديوان حتى أوافيك، و دعوت بآخر فقلّدته بيت المال و أمرته بمثل ذلك، و قلّدت الآخر عملا بالحضرة، و بكّرت فلبست ثيابي و وضعت الشاشية على رأسي و مضيت إلى دار الإمارة، فأذن موسى للناس إذنا عاما فدخلت فيمن دخل، فاذا موسى على فرش و القوّاد وقوف عن يمينه و شماله و الناس يدخلون فيسلّمون و يخرجون و أنا جالس بحيث يراني و يقيمني حاجبه ساعة بساعة و يقول لي تكلّم بحاجتك، فأعتلّ عليه حتى خفّ الناس، فدنوت منه و أخرجت إليه كتاب الرشيد فقبّله و وضعه على عينه ثم قرأه فامتقع لونه و قال: السّمع و الطاعة تقرى‏ء أبا حفص السّلام و تقول له ينبغي أن تقيم بمنزلك حتى نعدّ لك منزلا يشبهك و يخرج غدا أصحابنا يستقبلونك فتدخل مدخل مثلك فقلت له: أنا عمر بن مهران و قد أمرني الخليفة بإقامتك للناس و انصاف المظلوم منك و أنا فاعل ذلك، فمن أوضح ظلامته و وجب له عليك حق غرمته عنك من مالك، و من وجدته كاذبا عاملته بحسب ما يستحقه.

فقال: أنت عمر بن مهران. قلت: نعم. فقال: لعن اللّه فرعون حيث يقول: «أ ليس لي ملك مصر» و اضطرب الصوت في الدار فقبض كاتبي على الديوان و صاحبي الآخر على بيت المال و ختما عليهما و وردت عليه رقاع أصحاب أخباره بذلك، فنزل عن فرشه و قال: لا إله إلاّ اللّه هكذا تقوم الساعة، ما ظننت أن أحدا بلغ من الحزم و الحيلة ما بلغت، قد تسلّمت الأعمال و أنت في مجلسي. ثم نهضت إلى الديوان فقطعت أمور المتظلمين منه و أزلت ظلاماتهم.

«ثم نصبته» أي: أقمته.

«بمقام الذلّة و وسمته» من وسم دابته بالميسم، قال الفرزدق:

لقد قلّدت جلف بني كليب

مواسم في السوالف ثابتات

أيضا:

إنّي امرؤ أسم القصائد للعدا

إنّ القصائد شرّها أغفالها( ١)

«بالخيانة و قلّدته» أي: جعلته كقلادة في عنقه.

«عار التّهمة» في (العيون): قرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه: إجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترى‏ء عليك في الكبير( ٢) .

و قرأت أن ابرويز قال لصاحب بيت المال: إنّي لا أحتملك على خيانة درهم و لا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم لأنّك إنّما تحقن بذلك دمك و تعمر به أمانتك فإنّك إن خنت قليلا خنت كثيرا.

و في (وزراء الجهشياري): حكي أنّ الجور كثر في أيام أنوشروان، فقال له موبدان: أيّها الملك إنّي سمعت فقهاءنا يقولون: إنّه متى لم يغمر العدل الجور في بلدة ابتلي أهلها بعدوّ يغزوهم، و خيف تتابع الآفات، و قد خفنا ذلك بشي‏ء فشا من الجور، فنظر أنوشروان في ذلك فاستقرّ عنده أنّ ظلما و جورا قد جرى، فصلب ثمانين رجلا، من الكتّاب خمسين، و من العمّال ثلاثين.

هذا، و صدّيقهم كان بالضدّ من ذلك، فإن سيفه خالد بن الوليد قتل مسلما ظلما و زنى بامرأته فابلغ صديقهم بعض من مع خالد هذه الخيانة العظمى التي لا خيانة أعظم منها، فغضب على المبلّغ و ردّه إلى الخائن. و حتى أن عمر مع كونه كنفس واحدة مع أبي بكر أنكر ذلك عليه و ألحّ عليه في

____________________

(١) أساس البلاغة: ٤٩٩، مادة: (و هم).

(٢) عيون الأخبار ١: ١٢٤ دار الكتب العلمية بيروت.

مؤاخذة خالد فلم يفعل أبو بكر و قال: لا أشيم هذا السيف.

ففي (الطبري): ان خالدا لمّا قتل مالك بن نويرة و قال له أبو قتادة هذا عملك زبره خالد فغضب أبو قتادة و أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر حتى كلّمه عمر فيه فلم يرض إلاّ أن يرجع إلى خالد، فرجع إلى خالد حتى قدم المدينة مع خالد إلى أن قال و أقبل خالد قافلا حتى دخل المسجد و عليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجرا بعمامة له قد عرز في عمامته أسهما، فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال له: قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، و اللّه لأرجمنّك بأحجارك، و خالد لا يكلّمه و لا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر و اعتذر إليه فعذره أبو بكر و تجاوز عمّا كان في حربه تلك، فخرج خالد حين رضي أبو بكر عنه و عمر جالس في المسجد فقال لعمر:

هلمّ إليّ يا ابن امّ شلمة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلّمه و دخل بيته( ١) .

«و تفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإنّ في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم، و لا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج و أهله».

في (العيون) قرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: انتخب لخراجك أحد ثلاثة: إمّا رجلا يظهر زهدا في المال و يدّعي ورعا في الدين فإنّ من كان كذلك عدل على الضعيف و أنصف من الشريف و وفّر الخراج و اجتهد في العمارة، فإن هو لم يرع و لم يعفّ إبقاء على دينه و نظرا لأمانته كان حريّا أن يخون قليلا و يوفر كثيرا استسرارا بالرّياء و اكتتاما بالخيانة، فإن ظهرت على ذلك منه عاقبته على ما خان و لم تحمده على ما وفّر، و إن هو جلح في الخيانة

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٨ دار سويدان بيروت.

و بارز بالرّياء نكّلت به في العذاب و استنظفت ماله مع الحبس، و إمّا رجلا عالما بالخراج غنيّا في المال مأمونا في العقل، فيدعوه علمه بالخراج إلى الإقتصاد في الجلب و العمارة للأرضين و الرفق بالرعية، و يدعوه غناه إلى العفة، و يدعوه عقله إلى الرغبة فيما ينفعه و الرهبة ممّا يضرّه، و إمّا رجلا عالما بالخراج مأمونا بالأمانة مقترا من المال فتوسّع عليه في الرزق فيغتنم لحاجته الرزق، و يستكثر لفاقته اليسير، و يزجي بعلمه الخراج، و يعفّ بأمانته عن الخيانة( ١) .

هذا، و في كتاب (فضل هاشم على عبد شمس) للجاحظ قال هاشم: لو لم يكن من بركة دعوتنا إلاّ أنّ تعذيب الامراء لعمال الخراج بالتعليق و الرهق و التجريد و التسهير و المسال و النورة و الجورتين و العذراء و الجامعة و التشطيب قد ارتفع لكان ذلك خيرا كثيرا.

«و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد و لم يستقم أمره إلاّ قليلا» في (الجهشياري): في عهد سابور بن أردشير ابنه: و اعلم أنّ قوام الملك بدرور الخراج و دروره بعمارة البلاد، و بلوغ الغاية في ذلك يكون باستصلاح أهله بالعدل عليهم و المعاونة لهم، فإنّ بعض الامور لبعض سبب، و عوام الناس لخواصهم عدة، و بكلّ صنف منهم إلى الآخر حاجة، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتّابك و ما يكونوا من أهل البصر و العفاف و الكفاية، و أسند إلى كلّ امرى‏ء شقصا يضطلع به...

و في (المروج): أقبل بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير في أول ملكه على القصف و اللذات و الصيد و النزهة لا يفكّر في مهلكه و لا ينظر في

____________________

(١) عيون الأخبار ١: ٧٠ دار الكتب العلمية بيروت.

أمور رعيته، و أقطع الضّياع لخواصه و من لاذ به من خدمه و حاشيته، فخربت الضّياع و خلت من عمّارها، فقلّت العمارة إلاّ ما أقطع من الضياع و سقطت عنهم المطالبة و الخراج بممايلة الوزراء و خواص الملك، و كان تدبير الملك مفوّضا إلى وزرائه، فخربت البلاد و قلّ ما في بيوت الأموال فضعف القويّ من الجنود و هلك الضعيف منهم، فلمّا كان في بعض الأيام ركب الملك إلى بعض متنزهاته و صيده فجنّه الليل و هو يسير نحو المدائن و كانت ليلة قمراء فدعا بالموبذان لأمر خطر بباله فلحق به و سايره و أقبل على محادثته مستخبرا له عن سير أسلافه، فتوسطوا في مسيرهم خرابات كانت من امّهات الضّياع قد خربت في مملكته و لا أنيس بها إلاّ البوم، و إذا بوم يصيح و آخر يجاوبه من بعض تلك الخرابات، فقال الملك للموبدان: أ ترى أحدا من الناس اعطي فهم منطق هذا الطير المصوّت في هذا الليل الهادى‏ء. فقال له الموبدان: أنا ممّن خصه اللّه بفهم ذلك، فقال له: فما يقول هذا الطائر؟ و ما الذي يقول الآخر؟

قال الموبدان: هذا بوم ذكر يخاطب بومة و يقول لها: أمتعيني من نفسك حتى يخرج منّا أولاد يسبّحون اللّه و يبقى لنا في هذا العالم عقب يكثرون ذكرنا و الترحّم علينا، فأجابته البومة: إن الذي دعوتني إليه هو الحظّ الأكبر إلاّ أنّي اشترط عليك خصالا. قال: و ما تلك؟ قالت: اولاها أن تعطيني من خرابات امّهات الضياع عشرين قرية ممّا قد خرب في أيام هذا الملك السعيد. فقال له الملك: فما الذي قال لها الذكر؟ قال: قال: إن دامت أيام هذا الملك السعيد أعطيتك ممّا يخرّب من الضياع ألف قرية فما تصنعين بها؟ قالت: نقطع كلّ واحد من أولادنا قرية من هذه الخرابات. قال لها: هذا أسهل أمر فهاتي ما بعد ذلك. فلمّا سمع الملك هذا الكلام من الموبذان استيقظ من نومه و فكّر فيما خوطب به، فنزل من ساعته و خلا بالموبذان فقال له: أيّها القيّم بالدّين

و الناصح للملك، اكشف لي عن هذا الغرض الذي رميت. قال: أيّها الملك إن الملك لا يتمّ عزّه إلاّ بالشريعة و القيام للّه بطاعته و التصرف تحت أمره و نهيه، و لا قوام للشريعة إلاّ بالملك، و لا عزّ للملك إلاّ بالرجال، و لا قوام للرجال إلاّ بالمال، و لا سبيل للمال إلاّ بالعمارة، و لا سبيل للعمارة إلاّ بالعدل، و العدل الميزان المنصوب بين الخلق نصبه الرب. قال الملك: أمّا ما وصفت فحق فأبن لي عمّا تقصد، و أوضح لي في البيان. قال نعم أيها الملك. عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها و عمّارها و هم أرباب الخراج و من يؤخذ منهم الأموال فأقطعتها الحاشية و الخدم و أهل البطانة، فعمدوا إلى ما تعجّل من غلاتها و تركوا العمارة و النظر في العواقب و ما يصلح الضياع، و سومحوا في الخراج لقربهم من الملك و وقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج و عمّار الضياع فانجلوا عن ضياعهم و رحلوا عن ديارهم و اووا إلى ما تعزّز من الضياع بأربابه فسكنوه، فقلّت العمارة و خربت الضياع و قلّت الأموال فهلكت الجنود و الرعية و طمع في ملكنا من طاف بها من الامم لعلمهم بانقطاع المواد التي بها تستقيم دعائم الملك. فلمّا سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثا و أحضر الوزراء و الكتّاب و أرباب الدواوين، و أحضرت الجرائد فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة و الحاشية، و ردّت على أربابها على رسومهم السالفة، و أخذوا في العمارة فأخصب البلاد و كثرت الأموال عند جباية الخراج، و قويت الجنود و قطعت مواد الأعداء و شحنت الثغور، و أقبل الملك يباشر الامور بنفسه في كلّ وقت، فحسنت أيامه حتى كانت تدعى عيدا لمّا عمّ الناس من الخصب و شملهم من العدل( ١) .

و قال ابن أبي الحديد: رفع إلى أنوشروان أنّ عامل الأهواز قد حمل من

____________________

(١) مروج الذهب ١: ٢٧٥ ٢٧٨.

مال الخراج ما يزيد على العادة و ربّما يكون ذلك قد أجحف بالرعية فوقّع بردّ هذا المال على من استوفي منه، فإنّ تكثير الملك ماله بأموال رعيّته بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه( ١) .

«فإنّ شكوا ثقلا في الخراج، أو علّة أو انقطاع شرب أو بالّة» أي: قلّة شرب، يقال ما في سقائه بلال، و هو ما يبلّ به، و يقال: «لا يبلّك عندي بالّة» أي: لا يصيبك مني شي‏ء حتى قليل، و فسّره (ابن أبي الحديد) بالمطر( ٢ ) فلا بدّ أنّه قرأها مجرورة عطفا على «شرب» و لم نقف على من فسر البالة بالمطر.

و كيف كان فرواية (التحف) خالية من الكلمة كما أنها بدلت ب «أو انقطاع شرب» بقوله «من انقطاع شرب» و هو الأصح حتى يكون انقطاع الشرب كالذي بعده «إحالة الأرض» بيانا للعلة، ففي الرواية «فإن كانوا شكوا ثقلا أو علّة من انقطاع شرب أو إحالة أرض»( ٣) .

«أو إحالة أرض» أي: تغيّرها عن سابقها.

«اغتمرها غرق أو أجحف» أي: أضرّ و ذهب.

«بها عطش خففت» جواب «فإن شكوا».

«عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم» و زاد في رواية (التحف). «و إن سألوا معونة على إصلاح ما يقدرون عليه بأموالهم فاكفهم مؤونته، فإنّ في عاقبة كفايتك إيّاهم صلاحا»( ٤) .

و في (تاريخ اليعقوبي): إنّهعليه‌السلام كتب إلى قرظة بن كعب الأنصاري: أمّا بعد فإنّ رجالا من أهل الذمّة من عملك ذكروا نهرا في أرضهم قد عفى و ادّفن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٧١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٧٢.

(٣) تحف العقول: ١٣٨.

(٤) تحف العقول: ١٣٨.

و فيه لهم عمارة على المسلمين فانظر أنت و هم و اعمر و أصلح النهر، فلعمري لئن يعمروا أحبّ إلينا من أن يخرجوا و أن يعجزوا أو يقصّروا في واجب من صلاح البلاد( ١) .

في (وزراء الجهشياري): زاد الماء في أيام الرشيد و كان غائبا في بعض متصيّداته و يحيى البرمكي ببغداد، فركب يحيى و معه القوّاد ليفرّقهم على المواضع المخوفة من الماء يحفظونها، ففرّق القوّاد و أمر بإحكام المسنّيات و صار إلى الدور فوقف ينظر إلى قوّة الماء و كثرته، فقال قوم: ما رأينا مثل هذا المدّ. فقال يحيى: قد رأيت مثله في سنة كان أبو العباس أبي قد وجّهني عمارة بن حمزة في أمر رجل كان يعني به من أهل خراسان و كانت له ضياع بالريّ، فورد عليه كتابه يعلمه أن ضياعه تحيّفت فخربت، و إنّ نعمته قد نقصت و إنّ صلاح أمره في تأخيره بخراجه لسنته و كان مبلغه مائتي ألف درهم ليتقوّى بها على عمارة ضيعته و يؤديه في السنة المستقبلة، فلمّا قرأ الكتاب غمّه و بلغ منه و كان بعقب ما ألزمه المنصور من المال الذي خرج عليه فخرج به عن كلّ ما يملكه و استعان بجميع إخوانه فيه، فقال لي: يا بني من هاهنا يفزع إليه في أمر هذا الرجل فقلت: لا أدري. فقال: بلى. عمارة بن حمزة، فصر إليه و عرّفه حال الرجل، فصرت إليه و قد مدت دجلة و كان ينزل الجانب الغربي، فدخلت عليه و هو مصطجع على فراشه، فأعلمته ذلك فقال: قف لي غدا بباب الجسر. و لم يزد على ذلك فنهضت ثقيل الرجلين و عدت إلى أبي بالخبر.

فقال: يا بني تلك سجيّته، فإذا أصبحت فاغد لموعده، فغدوت فوقفت بباب الجسر و قد جاءت دجلة تلك الليلة بمدّ عجيب قطع الجسور و انتظم الناس من الجانبين جميعا ينظرون إلى زيادة الماء، فبينا أنا واقف أقبل زورق و الموج

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٣.

يخفيه مرة و يظهره اخرى و الناس يقولون: غرق غرق نجا نجا، حتى دنا من الشاطى‏ء فإذا عمارة و ملاّح معه و قد خلّف غلمانه و دوابّه في الموضع الذي ركب منه، فلمّا رأيته نبل في عيني و ملأ صدري، فنزلت فعدوت إليه و قلت:

جعلت فداك في هذا اليوم و أخذت بيده. فقال: أ كنت أعدك و اخلف يا بن أخي، اطلب لي برذونا أتكاراه. فقلت له: فاركب برذوني. قال: فأيّ شي‏ء تركب. قلت:

برذون الغلام. فقال: هات فركب و توجّه يريد أبا عبيد اللّه و هو إذ ذاك على الخراج، و المهدي ببغداد خليفة للمنصور و المنصور في بعض أسفاره، فلمّا طلع عمارة على حاجب أبي عبيد اللّه دخل بين يديه إلى نصف الدار، فلمّا رآه أبو عبيد اللّه قام من مجلسه و أجلسه فيه و جلس بين يديه، فأعلمه عمارة حال الرجل و سأله إسقاط خراجه و هو مائتا ألف درهم، و إسلامه من بيت المال مائتي ألف درهم يردّها في العام المقبل. فقال، هذا لا يمكنني، و لكنّي أؤخره بخراجه إلى العام المقبل. فقال: لست أقبل غير ما سألت. فقال له: فاقنع بدونه لتوجد لي السبيل إلى قضاء الحاجة، فأبى عمارة و تلوّم أبو عبيد اللّه قليلا، فنهض عمارة فأخذ أبو عبيد اللّه بكمّه و قال: إنّي أتحمل ذلك من مالي، فعاد لمجلسه و كتب أبو عبيد اللّه إلى عامل الخراج بإسقاط خراج الرجل لسنته و الإحتساب به على أبي عبيد اللّه و إسلافه مائتي ألف درهم ترتجع منه العام المقبل، فأخذت الكتاب و خرجنا، فقلت: لو أقمت عند أخيك و لم تعبر في هذا المد. فقال: لست أجد بدّا من العبور، فصرت معه إلى الموضع و وقفت حتى عبر.

«و لا يثقلنّ عليك شي‏ء خففت به المؤونة عنهم فانّه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك و تزيين و لايتك مع استجلابك حسن ثنائهم و تبجّحك» بتقديم الجيم أي: تفاخرك، يقال «النساء يتباجحن فيما بينهن» إذا

تفاخرن بينهن بعد حظوتهن.

«باستفاضة» أي: شيوع العدل.

«فيهم».

في (الجهشياري): قال الجاحظ قال ثمامة: كان أصحابنا يقولون: لم يكن يرى لجليس خالد البرمكي دار إلاّ و خالد بناها له، و لا ضيعة إلاّ و خالد ابتاعها له، و لا ولد إلاّ و خالد ابتاع امّه إن كانت أمة أو أدّى مهرها إن كانت حرّة، و لا دابة إلا و خالد حمله عليها اما من نتاجه أو من غير نتاجه، و كان أوّل من سمّى المستميحين الزوّار، و كانوا من قبل يسمّون السؤّال، فقال: أستقبح لهم هذا الإسم و فيهم الأحرار و الأشراف، فقال بعضهم:

حذا خالد في جوده حذو برمك

فجود له مستطرف و أثيل

و كان بنو الأعلام يدعون قبله

باسم على الاعدام فيه دليل

فسمّاهم الزوّار سترا عليهم

فأستاره في المجتدين سدول

«معتمدا فضل قوتهم» الظاهر كون «معتمدا» حالا من «خففت».

«بما ذخرت عندهم من إجمامك» أي: إراحتك، من أجمّ الفرس إذا ترك أن يركب، أو من «استجمّ البئر» إذا تركها حتى يجتمع ماؤها.

«و الثّقة منهم» الظاهر كونه عطفا على «فضل قوتهم».

«بما عوّدتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم».

في (وزراء الجهشياري): كان أهل الخراج قبل خلافة المهدي يعذّبون بصنوف من العذاب من السباع و الزنابير و السنانير، فلمّا تقلّد الخلافة شاور محمد بن مسلم و كان خاصّا به فيهم فقال له: هذا موقف له ما بعده و هم غرماء المسلمين فالواجب أن يطالبوا مطالبة الغرماء، فتقدم المهدي إلى وزيره أبي عبيد اللّه بالكتاب إلى جميع العمال برفع العذاب عن أهل الخراج.

«فربّما حدث من الامور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد احتملوه طيّبة أنفسهم به» لتخفيفك المؤونة عنهم و إفاضة العدل فيهم و تسبيبك عمران بلادهم «فإن العمران محتمل ما حمّلته» من الأثقال.

و في (المروج) في مكاتبات أردشير التي حفظت هذه: من أردشير بن بهمن ملك الملوك إلى الكتّاب الذين بهم تدبير المملكة، و الفقهاء الذين هم عماد الدين، و الأساورة الذين هم حماة الحرب، و الحرّاث الذين هم عمرة البلاد.

سلام عليكم. قد رفعنا أتاوتنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا و رحمتنا، و نحن كاتبون إليكم بوصية فاحفظوها، و لا تستشعروا الحقد فيكم فيدهمكم العدو، و لا تحبوا الإحتكار فيشملكم القحط، و كونوا لأبناء السبيل مأوى ترووا غدا في المعاد، و تزوجوا في الأقارب فإنّه أمس للرحم و أقرب للنسب، و لا تركنوا للدنيا فإنّها لا تدوم لأحد، و لا تهتمّوا لها فلم يكن إلاّ ما شاء اللّه، و لا ترفضوها مع ذلك فإنّ الآخرة لا تنال إلاّ بها( ١) .

«و إنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز» أي: افتقار.

«أهلها، و إنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع و سوء ظنّهم بالبقاء» على العمل.

«و قلّة انتفاعهم بالعبر» من الدنيا.

و زاد في رواية (التحف) «فاعمل فيما ولّيت عمل من يحبّ أن يدّخر حسن الثناء من الرعية، و المثوبة من اللّه تعالى، و الرضا من الإمام، و لا قوة إلاّ باللّه»( ٢) .

في (الطبري): كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد أنّ أهل الكوفة قد

____________________

(١) مروج الذهب ١: ٢٧٢.

(٢) تحف العقول: ١٣٨.

أصابهم بلاء و شدّة و جور في أحكام اللّه و سنّة خبيثة استنّها عليهم عمّال السوء، و أنّ قوام الدين، العدل و الإحسان، فلا يكوننّ شي‏ء أهمّ إليك من نفسك فإنّه لا قليل من الإثم، و لا تحمل خرابا على عامر و لا عامرا على خراب، انظر الخراج فخذ منه ما أطاق و أصلحه حتى يعمر، و لا يؤخذ من العامر وظيفة الخراج إلاّ في رفق، و لا تأخذنّ في الخراج إلاّ وزن سبعة ليس لها آيين، و لا أجور الضرّابين و لا هدية النيروز و المهرجان، و لا ثمن الصحف و لا أجور الفيوج و لا أجور البيوت، و لا دراهم النكاح و لا خراج على من أسلم( ١) .

و في (الجهشياري): كان الحجّاج حمل إلى عبد الملك هدية و مالا عظيما، فلمّا نظر إلى المال و الهدية قال: هذا و اللّه الأمانة و الحزم و النصيحة، إنّي استعملت هذا و أشار إلى خالد بن عبد اللّه بن أسيد على البصرة فاستعمل كلّ فاسق فجبى عشرة و اختان تسعة و رفع إلى هذا درهما و دفع هذا من الدراهم إليّ سدسا، و استعملت هذا و أشار إلى أخيه امية على خراسان و سجستان فبعث اليّ بمفتاح من ذهب زعم انّه مفتاح مدينة، و بفيل و برذونين حطيمين، و استعملت الحجاج ففعل كذا فإن استعملتكم ضيّعتم و إذا عزلتكم قلتم قطع أرحامنا، فقال خالد: استعملتني على البصرة و أهلها رجلان: مطيع ناصح و مخالف مشايح، فأمّا المطيع فإنّي جزيته بطاعته فازداد رغبة، و أمّا المخالف فإنّي داويت عداوته و استللت ضغينته و حشوت صدره ودّا، و علمت أنّي متى اصلح الرجال أجب الأموال، و استعملت الحجّاج فجبى لك الأموال و كنز العداوة في قلوب الرجال فكأنّك بالعداوة الّتي كنزها قد ثارت و أنفقت الأموال و لا مال و لا رجال. فسكت عبد الملك، فلمّا كان هيج الجماجم جلس عبد الملك على باب ذي الأكارع و معه خالد يندب الناس إلى الفريضة و يتأمّل

____________________

(١) تاريخ الطبري ٦: ٥٦٩ دار سويدان بيروت.

خالدا و يذكر قوله و يضحك «ثم انظر في حال كتّابك» زاد في رواية (التحف): «فاعرف حال كلّ امرى‏ء منهم فيما يحتاج إليه منهم، فاجعل لهم منازل و رتبا»( ١) .

«فولّ على أمورك خيرهم، و اخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك و أسرارك بأجمعهم» أي: أكثرهم جمعا متعلّق بقوله «و اخصص».

«لوجود صالح الأخلاق» و في رواية (التحف): «صالح الأدب» و زاد بعده «ممّن يصلح للمناظرة في جلائل الامور من ذوي الرأي و النصيحة و الذهن، أطواهم عندك لمكنون الأسرار كشحا»( ٢) .

«ممّن لا تبطره» أي: لا تحمله على شدّة المرح.

«الكرامة» منك له، و زاد في رواية (التحف) «و لا تمحق به الدالّة»( ٣) .

«فيجترى‏ء بها عليك في خلاف لك بحضرة ملاء» في رواية (التحف) «فيجترى‏ء بها عليك في خلاء، أو يلتمس إظهارها في ملاء» و روايته أنسب من رواية النهج، و الظاهر أن «في خلاف» في النهج محرّف «في خلاء» و ان «لك بحضرة» مصحف «أو يلتمس اظهارها في» كما لا يخفى.

في (الطبري): ظفر المنصور برجل من كبار بني امية فقال له: من أين أتى بنو امية حتى انتشر أمرهم. قال: من تضييع الأخبار.

و قالوا: الملوك تحتمل كلّ شي‏ء إلاّ التعرّض للحرمة و القدح في الملك و إفشاء السر.

في (وزراء الجهشياري): كان عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم ارتدّ و لحق بالمشركين و قال: إنّ محمّدا ليكتب بما شئت، فسمع

____________________

(١) تحف العقول: ١٣٨.

(٢) تحف العقول: ١٣٩.

(٣) تحف العقول: ١٣٩.

بذلك رجل من الأنصار فحلف باللّه إن أمكنه اللّه منه ليضربنه ضربة بالسيف، فلمّا كان يوم فتح مكة جاء به عثمان إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و كان بينهما رضاع و قال: أقبل تائبا و الأنصاري يطيف به و معه سيفه، فأعاد عليه عثمان القول فمد النبيّ يده فبايعه و قال للأنصاري: لقد تلومتك أن توفي بنذرك. فقال: هلاّ أومضت إليّ. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا ينبغي لي أن اومض.

و في (الإستيعاب) أنّه لمّا ارتدّ قال لقريش بمكة: إنّي كنت أصرف محمدا حيث اريد، كان يملي علي «عزيز حكيم» فأقول أو «عليم حكيم» فيقول:

نعم كلّ صواب( ١) .

«و لا تقصر به الغفلة عن ايراد مكاتبات عمّالك عليك و إصدار جواباتها على الصواب: عنك فيما يأخذ لك» من الناس.

«و يعطي منك» لهم.

«و لا يضعف عقدا اعتقده» أي: عقده.

«لك و لا يعجز عن اطلاق» أي: حل.

«ما عقد عليك و لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل».

في (وزراء الجهشياري): كانت ملوك فارس تسمي كتّاب الرسائل تراجمة الملوك، و كانوا يقولون لهم: لا تحملكم الرغبة و تخفيف الكلام على حذف معانيه و ترك ترتيبه و الإبلاغ فيه و توهين حججه، و كان الرسم جاريا في أيّام الفرس أن تجتمع أحداث الكتّاب من نشأتهم بباب الملوك متعرّضين للأعمال، فيأمر الملك رؤساء كتّابه بامتحانهم و التفتيش عن عقولهم، فمن ارتضى منهم عرض عليه اسمه و أمر بملازمة الباب ليستعان به، ثم يأمر

____________________

(١) الإستيعاب ٢: ٣٧٥.

الملك بضمّهم العمال و تصريفهم في الأعمال و تنقّلهم على قدر آثارهم و كفاياتهم من حال إلى حال حتى ينتهي بكلّ واحد منهم إلى ما يستحقه من المنزلة، و لم يكن يتهيّأ لأحد ممّن عرفه الملك و عرض عليه اسمه أن يتصرف مع أحد من الناس إلاّ عن أمر الملك و إذنه، و كانت الملوك تقدّم الكتّاب و تعرف فضل صنعة الكتابة و تحظي أهلها لمّا يجمعونه من فضل الرأي إلى الصناعة و تقول هم نظام الامور و كمال الملك و بهاء السلطان، و هم الألسنة الناطقة عن الملوك و خزّان أموالهم و أمناؤهم على رعيتهم و بلادهم، و كان ملوك فارس إذا أنفذوا جيشا أنفذوا معه وجها من وجوه كتّابهم و أمروا صاحب الجيش ألاّ يحل و يرتحل إلاّ برأيه يبتغون بذلك فضل رأي الكاتب و حزمه، ثم يقول الملك للكاتب المندوب للنفوذ معه: قد علمت أن الأساورة سباع الإنس و إنّه لا عقوبة عليهم إلاّ في خلع يد عن طاعة أو فشل عن لقاء أو هرب من عدو و ما سوى ذلك فلا لوم عليهم فيه، و عليك أعتمد في تدبير هذا الجيش. فينفذ الكاتب مدبّرا له فإذا احتاج إلى مكاتبة بإعذار أو إنذار أو إخبار أو استخبار كتب فيه عن صاحب الجيش.

«ثم لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك» بكسر الفاء الإسم من قولك «تفرّست فيه خيرا» «و استنامتك» أي: سكونك سكون النائم.

«و حسن الظن منك، فإنّ الرجال يتعرّفون لفراسات الولاة بتصنّعهم و حسن خدمتهم و ليس وراء ذلك من النصيحة و الأمانة شي‏ء».

في (الطبري): لمّا هزم أبو مسلم عبد اللّه بن علي و جمع ما كان في عسكره من الأموال صيّره في حظيرة و كان أصاب عينا و متاعا و جوهرا كثيرا فكان منثورا في تلك الحظيرة و وكل بحفظها قائدا من قوّاده، قال أبو حفص الأزدي: فكنت في أصحابه فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من

الحظيرة فتشه، فخرج أصحابي يوما من الحظيرة و تخلّفت، فقال لهم الأمير:

ما فعل أبو حفص؟ فقالوا: هو في الحظيرة، فجاء فاطّلع من الباب و فطنت له فنزعت خفي و هو ينظر فنفضتها و هو ينظر و نفضت سراويلي و كمي ثم لبست خفي و هو ينظر، ثم قام و قعد في مجلسه و خرجت فقال: ما حبسك؟

قلت: خير، فخلا بي فقال: قد رأيت ما صنعت فلم صنعت هذا. قلت: إنّ في الحظيرة لؤلؤا منثورا و دراهم منثورة و نحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خفي منها شي‏ء، فنزعت جوربي و خفي فأعجبه ذلك و قال: إنطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم فأجعل بعضها في خفي و يخرج أصحابي فيفتشون و لا افتش حتى جمعت مالا( ١) .

و في (وزراء الجهشياري): كان سليمان بن عبد الملك ولّى الخراج بمصر رجلا من موالي معاوية يقال له اسامة بن زيد من أهل دمشق و كان كاتبا بليغا فبلغه أن عمر بن عبد العزيز يغمض عليه في سيرته، فقدم على سليمان بمال اجتمع عنده و توخّى وقتا يكون فيه عمر عند سليمان، فقال لسليمان: إنّي ما جئتك حتى نهكت الرعية و جهدت، فإن رأيت أن ترفق بها و ترفّه عليها و تخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها و صلاح معايشها فافعل فإنّه يستدرك ذلك في العام المقبل. فقال له سليمان: هبلتك امّك إحلب الدرّ فإذا انقطع فاحلب الدم. فخرج اسامة فوقف لعمر حتى خرج فقال له: بلغني أنّك تذمّني، سمعت مقالتي لابن عمك و ما ردّ علي. فقال: سمعت كلام رجل لا يغني عنك من اللّه شيئا، فلمّا توفي سليمان كتب عمر و هو على القبر بعزله.

«و لكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد» أي: اقصد.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٤٨١ دار سويدان بيروت.

«لأحسنهم كان في العامة أثرا و أعرفهم بالأمانة وجها فإن ذلك» أي: عمدك لمن وصف.

«دليل على نصيحتك للّه و لمن وليت أمره».

قال ابن أبي الحديد: قالوا: ليس الحرب الغشوم بأسرع في اجتياح الملك من تضييع مراتب الكتّاب حتّى يصيبها أهل النذالة، و يزهد فيها أولو الفضل( ١) .

«و اجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها و لا يتشتت عليه كثيرها» في (الوزراء) كان لملوك فارس ديوانان: أحدهما ديوان الخراج و الآخر ديوان النفقات. و من عهد سابور بن اردشير إلى ابنه «و أسند إلى كلّ امرى‏ء من كتّابك شقصا يضطلع به و يمكنه الفراغ منه».

«و مهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت» أي: تغافلت.

«عنه ألزمته» يعني يصير ذلك العيب لازما لك دون كاتبك.

في (الجهشياري) في عهد سابور بن أردشير إلى ابنه ليس شي‏ء أفسد لسائر العمّال و الكتّاب إلى خراب أماناتهم و هلاك ما تحت أيديهم من جهالة الملك و قلّة معرفته بحالهم، و تركه مكافأة المحسن بإحسانه و المسي‏ء بإساءته فأكثر الفحص.

(و فيه): كان الفضل و الحسن ابنا سهل و المأمون ولي عهد عند بعض الخدم المتقلدين للأعمال من قبل الرشيد، فدخل على الخادم فتى كان يلي له شيئا، فلمّا رآه ضحك ثم قال له: هذه مشية تعلمتها بعدك فانظر أ هي أحسن أم ما كنت أمشي حتى أنتقل عنها، ثم غيّر مشيته و جاء فجلس فأتى برعونات كثيرة، فلم يزل الخادم يحتال له حتى خرج ثم قال لهما: ان بعض

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٠.

الناس يحب أن يظهر خاصية ليست له، فلمّا خرجا من عنده قال الحسن للفضل: تعذب نفسك ثلاثين سنة من ذي قبل بالصيانة و المروة و طلب الأدب و مثل هذا يلي الأعمال. فقال له الفضل: لو حمل هذا على الصلاح و ضرب استه بالدرة خرج منه عون صدق، ان الناس جميعا لو حملوا على صلاح صلحوا و لكنّهم يؤتون من قلّة التفقّد و الترك بغير أدب.

و حكي أنّ الفضل ولّى إنسانا شيئا فأساء فيه فأمر بحمله فضرب استه بالدرّة ثم قال له: أدّبتك بهذا فإن صلحت و إلاّ اطّرحناك.

هذا، (و فيه): أمر الرشيد لحمدونة باقطاع غلة مائة ألف درهم و ألف ألف درهم صلة، فصار كاتبها بالتوقيع إلى ديوان الضياع ففارقهم على برّ دافعهم عنه و لم يف لهم بحمله، فزاد بعضهم في التوقيع عند موضع الواو من «و ألف ألف درهم» ألفا فصارت «أو ألف ألف درهم» فذكر الكاتب ذلك لحمدونة فشكته إلى الرشيد فقال لها: أحسب ان كاتب هذا لجاهل لم يبر الكتاب و أعاد التوقيع و أمرها أن ترضيهم.

(و فيه) دخل الرشيد على امّ جعفر فقال لها: قد تهتّك كاتب سعدان فاعزليه. قالت: و بأيّ شي‏ء تهتّك. قال: بالمرافق و الرشا حتى قال فيه الشاعر:

صب في قنديل سعد مع التسليم زيتا

و قنديل بنيه قبل أن تحفى الكميتا

قالت: و قال الشاعر في كاتبك أبي صالح أشنع. قال: و ما قال؟ قالت: قال:

قنديل سعد على ضوئه

خرج لقنديل أبي صالح

تراه في مجلسه أخوصا

من لمحه للدرهم اللائح

فقال لها: كذب عليّ كاتبي و كاتبك.

و قيل: انها قالت هذا الشعر في تلك الساعة.

«ثمّ استوص بالتجّار و ذوي الصناعات» كالحدّادين و الصفّارين و الصائغين و النسّاجين و الخيّاطين و النّدافين و غيرهم.

«و أوص بهم خيرا، المقيم منهم و المضطرب بماله» و أصل المضطرب المضترب فقلب التاء طاء كما هو القاعدة في الإفتعال من مثله، و المراد منه الضرب في الأرض بماله، و لذا جعل مقابل المقيم، و منه مال المضاربة.

«و المترفّق ببدنه» كعملة البناء الذين يحصلون ببدنهم مرافق الإنسان في سكناه، و قال تعالى في الجنّة و النار و حسنت مرتفقا( ١ ) و ساءت مرتفقا( ٢) .

«فانهم» أي: التجّار و ذوي الصناعات و المترفّقين بأبدانهم.

«مواد المنافع و أسباب المرافق» و قال تعالى حاكيا عن أهل الكهف فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربّكم من رحمته و يهيّى‏ء لكم من أمركم مرفقا( ٣) .

في (الكافي) عنهعليه‌السلام : إن اللّه تعالى يحبّ المحترف الأمين.

و إنّ سدير الصيرفي قال للباقرعليه‌السلام : بلغني أنّ الحسن البصري كان يقول: لو غلى دماغه من حرّ الشمس ما استظلّ بحائط صيرفي، و لو تفرّث كبده عطشا لم يستسق ماء من دار صيرفي و إنّي الصرف عملي و تجارتي و فيه نبت لحمي و دمي و منه حجّي و عمرتي. فقالعليه‌السلام : كذب الحسن. خذ سواء و أعط سواء، فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك و انهض إلى الصلاة، أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة( ٤) .

____________________

(١) الكهف: ٣١.

(٢) الكهف: ٢٩.

(٣) الكهف: ١٦.

(٤) الكافي ٥: ١١٣ ١ و ٢.

و عن الصادقعليه‌السلام : التجارة تزيد في العقل، و تسعة أعشار الرزق في التجارة( ١) .

«و جلاّبها» أي: جلاب المرافق.

«من المباعد» جمع المبعد المكان البعيد «و المطارح» جمع المطرح، و الأصل فيه المكان الخفض، و هو كناية عن المكان الصعب و يعبّر عنه في الفارسية بقولهم «پرتگاه» و قال ذو الرمة:

ألمّا بميّ قبل أن تطرح النوى

بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها( ٢)

«في برك و بحرك» في الخبر: إن معلّى بن خنيس سأل الصادقعليه‌السلام عن سفر البحر فقال: كان أبي يقول: إنّه يضرّ بدينك هو ذا الناس يصيبون أرزاقهم و معيشتهم( ٣) .

«و سهلك و جبلك» و في الخبر: إنّ رجلا قال للباقرعليه‌السلام : إنّا نتّجر إلى هذه الجبال فنأتي منها على أمكنة لا نقدر أن نصلّي إلاّ على الثلج. فقال: ألا تكون مثل فلان يرضى بالدون و لا يطلب تجارة لا يستطيع أن يصلّي إلاّ على الثلج( ٤ ) ؟

«و حيث لا يلتئم الناس لمواضعها و لا يجترئون عليها» زاد في رواية (التحف) «من بلاد أعدائك من أهل الصناعات التي أجرى اللّه الرفق منها على أيديهم، فاحفظ حرمتهم، و آمن سبلهم، و خذلهم بحقوقهم»( ٥) .

قال ابن بطوطة في (رحلته) و العهدة عليه و بين بلغار و أرض الظّلمة

____________________

(١) الكافي ٥: ١٤٨ ٢ و ٣.

(٢) أساس البلاغة: ٢٧٧ طرح.

(٣) الكافي ٥: ٢٥٧ ح ٥.

(٤) الكافي ٥: ٢٥٧ ح ٦.

(٥) تحف العقول: ١٤٠.

أربعون يوما و السفر إليها لا يكون إلاّ في عجلات صغار تجرّها كلاب كبار، فإنّ تلك المفازة فيها الجليد فلا يثبت قدم الآدمي و لا حافر الدابة فيها، و الكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها في الجليد، و لا يدخلها إلاّ الأقوياء من التجّار الذين يكون لأحدهم مائة عجلة أو نحوها موفرة بطعامه و شرابه و حطبه فإنها لا شجر فيها و لا حجر و لا مدر، و الدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي قد سار فيها مرارا كثيرة، و تنتهي قيمته إلى ألف دينار و نحوها، و تربط العربة إلى عنقه و يقرن معه ثلاثة من الكلاب و يكون هو المقدّم و تتبعه سائر الكلاب بالعربات، فإذا وقف وقفت، و هذا الكلب لا يضربه صاحبه و لا ينهره و إذا حضر الطعام أطعم الكلاب أولا قبل بني آدم و إلاّ غضب الكلب و فرّ و ترك صاحبه للتلف.

فإذا كملت للمسافرين بهذه الفلاة أربعون مرحلة نزلوا عند الظلمة و ترك كلّ واحد منهم ما جاء به من المتاع هنالك و عادوا إلى منزلهم المعتاد، فإذا كان من الغد عادوا لتفقد متاعهم، فيجدون بأزائه من السمّور و السنجاب و القاقم، فإن رضي صاحب المتاع ما وجده أزاء متاعه أخذه و إن لم يرضه تركه فيزيدونه و ربّما رفعوا أي أهل الظلمة متاعهم و تركوا متاع التجار و هكذا بيعهم و شراؤهم و لا يعلم الذين يتوجهون إلى هنالك من يبايعهم و يشاريهم أمن الجن هو أم من الانس، و لا يرون أحدا. و القاقم هو أحسن أنواع الفراء و تساوي الفروة منهم ببلاد الهند ألف دينار، و صرفها من ذهبنا مائتان و خمسون، و هي شديدة البياض من جلد حيوان صغير في طول الشبر و ذنبه طويل يتركونه في الفروة على حاله. و السمّور دون ذلك تساوي الفروة منه أربعمائة دينار فما فوقها، و من خاصّيّة هذه الجلود أنّها لا يدخلها القمل، و أمراء الصين و كبارها يجعلون منه الجلد الواحد متصلا بفرواتهم

عند العنق و كذلك تجّار فارس و العراقين.

«فإنّهم سلم لا تخاف بائقته» أي: شرّه.

«و صلح لا تخشى غائلته» أي: داهيته و منكريّته بخلاف سلم الدول و صلحهم فقد يتفق فيهما بائقة و غائلة.

«فتفقد أمورهم بحضرتك و في حواشي» أي: جوانب.

«بلادك، و اعلم مع ذلك» أي: مع ما يترتب على وجودهم من الفوائد.

«أنّ في كثير منهم ضيقا فاحشا و شحّا» أي: بخلا.

«قبيحا، و احتكارا» أي: حبسا.

«للمنافع و تحكّما في البياعات» من دون رعاية ميزان للربح.

«و ذلك باب مضرّة للعامّة» أي: العموم.

«و عيب على الولاة».

روى (الكافي) أن أبا عبد اللّهعليه‌السلام أعطى مولى له يقال له مصادف ألف دينار و قال له تجهّز حتى تخرج إلى مصر فإن عيالي قد كثروا، فتجهّز بمتاع و خرج مع التجار إلى مصر، فلمّا دنوا منها استقبلتهم قافلة خارجة منها، فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة و كان متاع العامة فأخبروهم أنّه ليس بمصر منه شي‏ء، فتحالفوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار دينارا فلمّا انصرفوا دخل مصادف عليهعليه‌السلام و معه كيسان في كلّ واحد ألف دينار، فقال لهعليه‌السلام : هذا رأس المال و هذا الآخر ربح. فقال: ان هذا الربح كثير و لكن ما صنعتم في المتاع، فحدّثه كيف صنعوا و كيف تحالفوا، فقال: سبحان اللّه تحلفون على قوم مسلمين ألاّ تبيعوهم إلاّ بربح الدينار دينارا. ثم أخذ أحد الكيسين و قال: هذا رأس مالي و لا حاجة لي في هذا الربح،

ثم قال: يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال( ١) .

«فامنع من الاحتكار فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله منع منه» روى (الكافي) أن حكيم بن حزام كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كلّه، فمرّ عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له:

إيّاك أن تحتكر. و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله الجالب مرزوق و المحتكر ملعون.

و روى عن الصادقعليه‌السلام : الحكرة في الخصب أربعون يوما و في الشدّة ثلاثة أيّام، فما زاد على الأربعين في الخصب و على الثلاثة في العسرة فصاحبه ملعون. و قالعليه‌السلام : ليس الحكرة إلاّ في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن( ٢) .

في (وزراء الجهشياري): كان ابن مهران كاتب الخيزران يأمر الوكلاء و العمّال الذين يعملون معه أن يكتبوا على الرشوم التي يرشمون بها الطعام «اللّهم احفظ من يحفظه».

«و ليكن البيع بيعا سمحا بموازين العدل و أسعار لا تجحف» بتقديم الجيم أي: لا تضر.

«بالفريقين من البائع و المبتاع» كلامهعليه‌السلام أعمّ من التقويم، روى (توحيد ابن بابويه) ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج بطون الأسواق و حيث تنظر الأبصار إليها، فقيل لهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لو قوّمت عليهم فغضب حتى عرف في وجهه و قال: انا أقوّم عليهم إنّما السعر إلى اللّه عز و جل يرفعه إذا شاء و يخفضه إذا شاء.

و قيل لهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لو أسعرت لنا سعرا فإن الأسعار تزيد و تنقص. فقال:

ما كنت لألقى اللّه تعالى ببدعة لم يحدث لي فيها شيئا، فدعوا عباد اللّه

____________________

(١) الكافي ٥: ١٦١ ح ١.

(٢) الكافي ٥: ١٦٤ ١٦٥ ١ و ٤ و ٦ و ٧.

يأكل بعضهم من بعض( ١) .

و روى (كافي الكليني) أنّ الطعام نفد على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ عند رجل، فقال المسلمون له: مره ببيعه. فقال له: يا فلان إنّ المسلمين ذكروا أنّ الطعام قد نفد إلاّ شيئا عندك فأخرجه و بعه كيف شئت و لا تحبسه( ٢) .

و روي أنّ يوسف لمّا صارت الأشياء له جعل الطعام في بيوت و أمر بعض وكلائه فكان يقول بع بكذا و السعر قائم. فلمّا علم أنّه يزيد في ذلك اليوم كره أن يجري الغلاء على لسانه، فذهب الوكيل فجاء أوّل من اكتال فلمّا كان دون ما كان بالأمس بمكيال قال: حسبك إنّما أردت بكذا و كذا، فعلم الوكيل أنّه قد غلا بمكيال، ثم جاء آخر فقال له «كل لي» فكال فلمّا كان دون الذي كال للأول بمكيال قال له المشتري حسبك إنّما أردت بكذا و كذا، فعلم الوكيل انّه قد غلا بمكيال حتى صار إلى واحد بواحد( ٣) .

هذا، و فصل الصدوق تفصيلا فقال: الغلاء هو الزيادة في أسعار الأشياء حتى يباع الشي‏ء بأكثر ممّا كان يباع في ذلك الموضع، و الرّخص هو النقصان في ذلك، فما كان من الرخص و الغلاء عن سعة الأشياء و قلّتها فإن ذلك من اللّه تعالى يجب الرضا به و التسليم له، و ما كان من الغلاء و الرخص ممّا يؤخذ به الناس لغير قلّة الأشياء و كثرتها من غير رضى منهم به أو كان من جهة شراء واحد من الناس جميع طعام بلد فذلك من المسعّر و المتعدّي بشراء طعام المصر كما فعله حكيم بن حزام...( ٤) .

«فمن قارف» أي: ارتكب.

____________________

(١) التوحيد: ٣٨٨ ح ٣٣.

(٢) الكافي ٥: ١٦٤ ٢.

(٣) الكافي ٥: ١٦٣ ٥.

(٤) توحيد: ٣٨٩.

«الحكرة بعد نهيك إيّاه فنكّل به و عاقب في غير إسراف» زاد في رواية (التحف): «فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فعل ذلك»( ١) .

هذا، و في (الطبري) كان في عهد المنصور ولاة البريد في الآفاق كلّها يكتبون إليه كلّ يوم بسعر القمح و الحبوب و الأدم و بسعر كلّ مأكول، و بكلّ ما يقضي به القاضي في نواحيهم و بما يعمل به الوالي، و بما يرد بيت المال من المال و كلّ حدث كانوا إذا صلّوا المغرب يكتبون إليه بما كان في اليوم، و إذا صلّوا الغداة يكتبون بما كان في كلّ ليلة، فإذا وردت كتبهم فإن رأى الأسعار على حالها أمسك، و إن تغيّر شي‏ء منها عن حاله كتب إلى الوالي و العامل هناك و سأل عن العلّة التي نقلت ذاك عن سعره، فإذا ورد الجواب بالعلّة تلطّف لذلك برفقه حتى يعود سعره إلى حاله، و إن شك في شي‏ء ممّا قضى به القاضي كتب إليه و سأل من بحضرته فإن أنكر شيئا كتب إليه يوبّخه.

«ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين و المحتاجين» فقد قال تعالى في وصف أهل الجحيم: و لا يحضّ على طعام المسكين( ٢ ) و قال في المكذبين بالدّين فذلك الذي يدع اليتيم. و لا يحض على طعام المسكين( ٣ ) و حكى عن أهل سقر في علل انسلاكهم فيها: و لم نك نطعم المسكين( ٤) .

«و أهل البؤسى» و في رواية (التحف) «و ذوي البؤس»( ٥) .

____________________

(١) تحف العقول: ١٤١.

(٢) الماعون: ٣.

(٣) الماعون: ٢ ٣.

(٤) المدثر: ٤٤.

(٥) تحف العقول: ١٤١.

و عن الصادقعليه‌السلام : الفقير الذي لا يسأل، و المسكين أجهد منه، و البائس أجهدهم( ١) .

«و الزمنى» جمع الزمن، و عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى: فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير( ٢ ) البائس الفقير الزمن الذي لا يستطيع أن يخرج من زمانته( ٣) .

«فإنّ في هذه الطبقة قانعا و معترا» و قد قال تعالى: و البدن جعلناها لكم من شعائر اللّه لكم فيها خير فاذكروا اسم اللّه عليها صوافّ فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها و أطعموا القانع و المعتر( ٤ ) و القانع الذي يقنع بما رزق و لا يعتري لك، قال:

و قالوا: قد زهيت، فقلت: كلاّ

و لكنّي أعزّني القنوع( ٥)

و المعترّ الذي يعترض لك لتعطيه و لا يسأل.

«و احفظ للّه ما استحفظك» أي: طلب منك الحفظ.

«من حقوقهم» أي: المساكين و من ذكر بعدهم، و في رواية (التحف) «من حقه فيها»( ٦ ) فيكون المعنى من حق اللّه تعالى في القلانع و المعتر، و مرّ قوله تعالى: و أطعموا القانع و المعترّ.

«و اجعل لهم قسما من بيت مالك» يا مالك يمكن أن يراد به من بيت المال الذي بيدك و قد فرض اللّه تعالى لهم سهما في بيت المال، فقال تعالى: انما

____________________

(١) الكافي ٣: ٥٠١، رواية ١٦.

(٢) الحج: ٢٨.

(٣) الكافي ٤: ٤٦ رواية ٤.

(٤) الحج: ٣٦.

(٥) لسان العرب ٨: ٢٩٨، مادة: (قنع).

(٦) تحف العقول: ١٤١.

الصدقات للفقراء و المساكين...( ١ ) . و يمكن أن يراد به من مال شخصك.

و في (وزراء الجهشياري): أنفذ ملك الروم رسولا إلى المنصور فورد عليه عند فراغه من الجانبين من مدينة السّلام، و أمر المنصور عمارة بن حمزة أن يركب معه إلى المهدي و هو نازل بالرصافة، فلمّا صار إلى الجسر رأى رسول الروم من عليه من الزمنى و السؤال، فقال لترجمانه: قل لهذا يعني عمارة إنّي أرى عندكم قوما يسألون و قد كان يجب على صاحبك أن يرحم هؤلاء و يكفيهم مؤونتهم و عيالاتهم. فقال له عمارة: إنّ الأموال لا تسعهم، و مضى إلى المهدي و عاد فخبّر المنصور بذلك فقال له: كذبت.

الأموال واسعة فأحضرنيه، فأحضر فقال له: بلغني ما قلت لصاحبنا و ما قال لك و كذب لأن الأموال واسعة و لكني أكره أن أستأثر على أحد من رعيتي و أهل سلطاني بشي‏ء من حظ أو فضل في دنيا أو آخرة، و أحبّ أن يشركوني في ثوابي السؤّال و الزمنى و أن يسألوهم من ذوات أيديهم ليكون ذلك نجاة لهم في آخرتهم.

قلت: و لكن كما كذب عمارة كذب المنصور، و إن عذره في عدم كفايته لاولئك المساكين بخله الشديد، و من بخله أنّه ولّى رجلا كما في (الطبري) باروسما فلمّا انصرف أراد أن يتعلل عليه لئلا يعطيه شيئا، فقال له:

أشركتك في أمانتي و وليتك فيئا من في‏ء المسلمين فخنته. فقال: أعيذك باللّه ما صحبني من ذلك شي‏ء إلاّ درهم منه مثقال صررته في كمي إذا خرجت من عندك أكريت به بغلا إلى عيالي فأدخل بيتي ليس معي شي‏ء لا من مال اللّه و لا من مالك. فقال له: ما أظنّك إلاّ صادقا هلم درهمنا، فأخذه منه فوضعه تحت لبده فقال: ما مثلي و مثلك إلاّ مجير أم عامر و ذكر قصة الضبع

____________________

(١) التوبة: ٦٠.

و مجيرها لئلا يعطيه شيئا.

«و قسما من غلاّت صوافي الإسلام في كلّ بلد» الظاهر أنّ المراد بها غلاّت الأراضي المفتوحة عنوة.

و في رواية حماد: «و الأرض التي اخذت عنوة بخيل و رجال فهي موقوفة متروكة في يد من يعمّرها و يحييها و يقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي إلى أن قال بعد ذكر عشر الصدقات و يؤخذ بعد ما بقي من العشر، فيقسم بين الوالي و بين شركائه الّذين هم عمّال الأرض و أكرتها، فيدفع إليهم أنصباؤهم على قدر ما صالحهم عليه، و يؤخذ الباقي، فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين اللّه، و في مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام و تقوية الدين في وجوه الجهاد، و غير ذلك ممّا فيه مصلحة العامة ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير...( ١) .

و ضبط ابن أبي الحديد فقال: صوافي الإسلام، الأرضون الّتي لم توجف عليها بخيل و لا ركاب كانت صافية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا قبض صارت لفقراء المسلمين، و لمّا يراه الإمام من مصالح الإسلام( ٢ ) ، كما أنّه خبط فقال:

و إنّهم من الأصناف المذكورين في قوله تعالى و اعلموا أنّما غنمتم من شي‏ء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين( ٣ ) إلاّ انّه استند في مقاله إلى فعال أئمته في تصرّفهم في فدك و الخمس باسم مصالح الإسلام و مصرف المساكين.

«فإنّ للأقصى منهم» عن بلد الغلة.

____________________

(١) تهذيب ٤: ١٣٠ الكافي ١: ٥٤١، رواية ٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٦، و الآية من سورة الانفال: ٤١.

«مثل الذي للأدنى، و كلّ» و من الأدنى و الأقصى.

«قد استرعيت حقّه فلا يشغلنّك عنهم بطر» أي: شدّة المرح، و في رواية (التحف) «نظر»( ١ ) و هو الأنسب.

«فإنّك لا تعذر بتضييعك التافه» أي: الحقير اليسير.

«لإحكامك» بكسر الهمزة أي: جعله محكما.

«الكثير المهمّ فلا تشخص» أي: لا تذهب.

«همّك عنهم» فمن أصبح و لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم.

«و لا تصعّر» أي: لا تمل من الكبر.

«خدّك لهم» و زاد في رواية (التحف): «و تواضع للّه يرفعك اللّه، و اخفض جناحك للضعفاء»( ٢) .

«و تفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه» أي: تنظره نظر الهوان.

«العيون و تحقره الرجال» و يمكن أن يكون عند اللّه جليلا.

«ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية و التواضع» حتى يهتمّ في البحث عنهم.

«فليرفع إليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالإعذار» أي: تعمل معهم عملا يكون عذرك بعده مقبولا.

«إلى اللّه» هكذا في (المصرية) و فيها سقط فزاد (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية بعد لفظ الجلالة «سبحانه»( ٣) .

«يوم تلقاه» يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم.

«فإنّ هؤلاء من بين الرعية» لضعفهم و عدم اكتراث الناس بهم.

«أحوج إلى الإنصاف من غيرهم» من الأقوياء.

____________________

(١) تحف العقول: ١٤١.

(٢) تحف العقول: ١٤١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٥.

«و كلّ» من الضعيف و القوي.

«فاعذر إلى اللّه في تأدية حقّه إليه» لوجوب أن يؤتى كل ذي حقّ حقّه.

قال ابن أبي الحديد: كان بعض الأكاسرة يجلس للمظالم بنفسه، و لا يثق إلى غيره، و يقعد بحيث يسمع الصوت، فإذا سمعه أدخل المتظلّم فاصيب بصمّم في سمعه، فنادى مناديه إنّ الملك يقول: أيّها الرعية إن أصبت بصمّم في سمعي فلم أصب في بصري، كلّ ذي ظلامة فليلبس ثوبا أحمر، ثم جلس لهم في بيت مستشرف له. و كان لأمير المؤمنينعليه‌السلام بيت سمّاه بيت القصص، يلقي الناس فيه رقاعهم، و كذلك كان فعل المهدي محمد بن هارون الواثق( ١) .

«و تعهّد أهل اليتم و ذوي الرقة» أي: الضعف، قال الشاعر:

لم تلق في عظمها و هنا و لا رققا( ٢)

«ممّن لا حيلة له و لا ينصب نفسه للمسألة» لأنّه ذل في الدنيا و حساب طويل في العقبى، قال تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا و ما تنفقوا من خير فإن اللّه به عليم( ٣) .

«و ذلك على الولاة ثقيل» لتوليد الولاية فيهم كبرا.

«و الحق كلّه ثقيل» كما أن الباطل كلّه خفيف.

«و قد يخففه اللّه على أقوام طلبوا العافية» تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين( ٤) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٧.

(٢) لسان العرب ١٠: ١٢٢، مادة: (رقق).

(٣) البقرة: ٢٧٣.

(٤) القصص: ٨٣.

«فصبّروا» أي: حملوا على الصبر (أنفسهم) و في رواية (التحف) «نفوسهم»( ١ ) و هو أقرب.

«و وثقوا بصدق موعود اللّه لهم» و في رواية (التحف) «لمن صبر و احتسب» و هو أنسب، و زادت تلك الرواية: «فكن منهم و استعن باللّه».

«و اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم شخصك» زاد في رواية (التحف): «و ذهنك من كل شغل، ثمّ تأذن لهم عليك»( ٢) .

في (وزراء الجهشياري): قال علي بن الجنيد كانت بيني و بين يحيى البرمكي مودّة و أنس، فكنت أعرض عليه الرقاع في الحوائج، فكثرت رقاع الناس عندي و اتصل شغله، فقصدته يوما و قلت له: يا سيدي قد كثرت الرقاع و امتلأ خفّي و كمي فإمّا تطوّلت بالنظر و إمّا رددتها، فقال لي: أقم عندي حتى أفعل ما سألت فأقمت عنده و جمعت الرقاع في خفّي و أكلنا و غسلنا أيدينا و قمنا النوم و استحييت من إذكاره إيّاها لأنني قد علمت أنا نقوم فنتشاغل بالشرب فنمت و دعا هو بالرّقاع من خفّي فوقّع في جميعها و ردّها إليه و نام و انتبه و دخلت إليه و هو في مجلس الشرب و قد اعدّت آلته فيه، فلم أستجز ذكر الرقاع له و شربت و انصرفت بالعشيّ، فبكّر إليّ أصحاب الرقاع لمّا وقفوا على إقامتي عنده فاعتذرت إليهم و ضاق صدري بهم، فدعوت بالرقاع لا ميزها و أخفف منها ما ليس بمهم فوجدت التوقيع في جميعها فلم يكن لي همّ إلاّ تفريقها و الركوب إليه لشكره، فلمّا رأيته قلت: قد تفضلت فلم لم تعرّفني حتى يتكامل سروري؟ فقال: سبحان اللّه أردت مني أن أمنّ عليك بأن أخبرك بما لم يكن يجوز أن يخفى عنك.

____________________

(١) تحف العقول: ١٦٢.

(٢) تحف العقول: ١٦٢.

«و تجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه للّه الذي خلقك» و في رواية (التحف) «رفعك»( ١ ) و هو الأنسب بقوله «فتتواضع».

و في (العقد): ذكر عن النجاشي أمير الحبشة أنّه أصبح يوما جالسا على الأرض و التاج على رأسه، فأعظم ذلك أساقفته فقال: إنّي وجدت فيما أنزل تعالى على عيسى «إذا أنعمت على عبدي نعمة فتواضع لي اتمّمها عليه» و إنّي ولد لي الليلة غلام فتواضعت لذلك شكرا للّه تعالى( ٢) .

«و تقعد عنهم جندك و أعوانك من أحراسك و شرطك» بالضمّ فالفتح جمع شرطة، قال الجوهري: قال الأصمعي: سمّي الجند شرطا لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها( ٣) .

في (عيون ابن قتيبة): بينما المنصور يطوف ليلا إذ سمع قائلا يقول:

«اللّهم إنّي أشكو إليك ظهور البغي و الفساد و ما يحول بين الحق و أهله من العدل» فخرج المنصور و جلس ناحية من المسجد و أرسل إلى الرجل يدعوه، فأقبل فقال له: ما الذي سمعتك تذكر؟ قال: إن آمنتني على نفسي أنبأتك بالامور من أصولها فقال له: أنت آمن. فقال: إنّ الّذي دخله الطمع حتى حال بينه و بين ما ظهر من الفساد لأنت. قال: ويحك و كيف؟ قال: و هل دخل أحدا من الطمع ما دخلك، إنّ اللّه تعالى استرعاك المسلمين و أموالهم فأغفلت أمورهم و أهممت بجمع أموالهم و جعلت بينك و بينهم حجابا من الجص و الآجر و أبوابا من الحديد و حجبة معهم السلاح، ثم سترت نفسك فيها عنهم و بعثت عمّالك في جباية الأموال و جمعها و قويتهم بالرجال و السلاح و الكراع

____________________

(١) تحف العقول: ١٤٢.

(٢) العقد الفريد ١: ٣٥ دار الكتب العلمية بيروت.

(٣) الصحاح ٣: ١١٣٦ دار العلم للملايين بيروت.

و أمرت ألا يدخل عليك إلاّ فلان و فلان نفر سمّيتهم و لم تأمر بإيصال المظلوم و لا الملهوف و لا الجائع العاري و لا الضعيف الفقير و لا أحد إلاّ و له في هذا المال حق، فلمّا رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك تجبي الأموال و تجمعها و لا تقسمها قالوا: هذا خان اللّه فما بالنا لا نخونه و قد سجن لنا نفسه، فائتمروا أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلاّ شي‏ء أرادوا، و لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلاّ قصّوه عندك حتى يصغر قدره، فلمّا انتشر ذلك عنك و عنهم أعظمهم الناس و هابوهم، و كان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا و الأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة و الثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد اللّه بالطمع بغيا و فسادا و صار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطانك و أنت غافل، فإن جاء متظلّم حيل بينه و بين دخول مدينتك، فإن أراد رفع قصة عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك و أوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألاّ يرفع مظلمته إليك لأن المتظلّم منه له بهم حرمة فأجابهم خوفا منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه و يلوذ به و يشكو إليه و يعتلّ عليه، فإذا أجهد و ظهرت، صرخ بين يديك فضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره و أنت تنظر، فما بقاء الإسلام على هذا، و قد كنت اسافر إلى الصين فقدمتها مرّة و قد اصيب ملكها بسمعه فبكى بكاء شديدا فحثّه جلساؤه على الصبر فقال: أما إنّي لست أبكي للبليّة النازلة بي، و لكنّي أبكي لمظلوم بالباب يصرخ و لا أسمع صوته. ثم قال: أما إن ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب نادوا في النّاس ألاّ يلبس ثوبا أحمر إلاّ متظلّم. ثم كان يركب الفيل طرفي النهار ينظر هل يرى مظلوما.

إلى أن قال: قال المنصور فكيف أحتال لنفسي؟ قال: إن للناس أعلاما

يفزعون إليه في دينهم و يرضون به فاجعلهم بطانتك يرشدوك و شاورهم في أمرك يسدّدوك. قال: قد بعثت إليهم فهربوا منّي. قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك، و لكن افتح بابك و سهّل حجابك، و انصر المظلوم و اقمع الظالم، و خذ الفي‏ء و الصدقات ممّا حل و طاب و اقسمه بالحق و العدل على أهله و أنا الضامن عنهم أن يأتوك و يسعدوك على صلاح الامة. و عاد المنصور و طلب الرجل فلم يوجد( ١) .

(و فيه): كلّم الأوزاعي أيضا المنصور فقال له: انّك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذي أصبحت به و اللّه سائلك عن صغيرها و كبيرها و فتيلها و نقيرها، و لقد حدّثني عروة بن رويم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ما من راع يبيت غاشّا لرعيّته إلاّ حرّم اللّه عليه رائحة الجنّة، فحقيق على الوالي أن يكون لرعيّته ناظرا، و لمّا استطاع من عوراتهم ساترا، و بالقسط فيما بينهم قائما، لا يتخوف محسنهم منه رهقا، و لا مسيئهم عدوانا، و قد كانت بيد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جريدة يستاك بها و يردع عنه المنافقين، فأتاه جبرئيل و قال: يا محمّد ما هذه الجريدة بيدك؟ اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا. فكيف من سفك دماءهم و شفق أبشارهم و أنهب أموالهم، إنّ المغفور له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعهّده، فهبط جبرئيل و قال: يا محمّد انّ اللّه لم يبعثك جبّارا تكسر قرون امّتك( ٢) .

«حتى يكلّمك متكلّمهم غير متعتع» أي: متردد «فإنّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول في غير موطن: لن تقدّس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير متعتع». روى (المناقب) عن الباقرعليه‌السلام قال: رجع أمير المؤمنينعليه‌السلام داره في

____________________

(١) عيون الأخبار ٢: ٣٦٠ دار الكتب العلمية بيروت.

(٢) عيون أخبار ٢: ٣٦٦ دار الكتب العلمية بيروت.

وقت القيظ فاذا امرأة قائمة تقول: ان زوجي ظلمني و أخافني و تعدّى عليّ و حلف ليضربني. فقال: يا أمة اللّه اصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك.

فقالت يشتدّ غضبه عليّ، فطأطأ رأسه ثم رفعه و هو يقول: أو يؤخذ للمظلوم حقّه غير متعتع، أين منزلك؟ فمضى إلى بابه فوقف فقال: السّلام عليكم، فخرج شاب فقالعليه‌السلام له: يا عبد اللّه اتّق اللّه فإنّك أخفتها و أخرجتها. فقال الفتى:

و ما أنت و ذاك، و اللّه لأحرقنّها لكلامك. فقالعليه‌السلام مسلتا سيفه: آمرك بالمعروف و أنهاك عن المنكر و تستقبلني بالمنكر و تنكر المعروف. و أقبل الناس من الطرق يقولون «السّلام عليك يا أمير المؤمنين» فسقط الرجل في يده و قال: أقلني عثرتي يا أمير المؤمنين فو اللّه لأكوننّ لها أرضا تطأني، فأغمدعليه‌السلام سيفه و قال: يا أمة اللّه ادخلي إلى منزلك و لا تلجئي زوجك إلى مثل هذا( ١) .

و في (العقد): جلس المأمون للمظالم فكان آخر من تقدّم إليه و قد همّ بالقيام امرأة عليها هيئة السفر و عليها ثياب رثة فقالت:

تشكو إليك عميد القوم أرملة

عدا عليها فلم يترك لها سبد

و ابتزّ منّي ضياعي بعد منعتها

ظلما و فرّق مني الأهل و الولد

فقال لها المأمون: فأين الخصم؟ قالت: الواقف على رأسك و أومأت ابنه العباس فقال: يا أحمد بن أبي خالد خذ بيده فاجلسه معها مجلس الخصوم، فجعل كلامها يعلو كلام العباس، فقال لها أحمد: إنّك بين يدي الخليفة و إنّك تكلّمين الأمير فاخفضي من صوتك. فقال له المأمون: دعها فإن الحقّ أنطقها و أخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها( ٢) .

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٢: ١٠٦.

(٢) العقد الفريد لابن عبد ربّه ١: ٢٧ دار الكتب العلمية بيروت.

و في (الحلية) عن الزهري، قال سليمان بن عبد الملك لطاوس اليماني:

لو ما حدثتنا. فقال طاوس: حدّثني رجل من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الزهري ظننت أنّه أراد عليّا قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ان لكم على قريش حقّا و لهم على الناس حق ما استرحموا فرحموا و استحكموا فعدلوا و ائتمنوا فأدّوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا.

فتغيّر وجه سليمان.

«ثم احتمل الخرق» بالضم فالسكون ضدّ الرفق، و بفتحتين الدهش من الخوف أو الحياء.

«منهم و العيّ» أي: العجز عن البيان، و في المثل «أعيى من باقل»( ١ ) قالوا اشترى عنزا بأحد عشر درهما فقالوا له: بكم اشتريته، ففتح كفيه و فرق أصابعه و أخرج لسانه فأفلت العنز منه و هرب.

في (العقد): دخل الحارث بن مسلكين على المأمون فقال له: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك هارون. فقال: لقد تيّست فيها و تيّس مالك. فقال الحارث: فالسامع من التيسين. فتغيّر وجه المأمون و أيقن بالشر و لبس ثياب أكفانه ثم دخل عليه فقرّبه فقال له: يا هذا ان اللّه قد أمر من هو خير منك بالإنة القول لمن هو شرّ منّي في إرسال موسى و هارون إلى فرعون فقال لهما:

فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى( ٢ ) قال: أبوء بالذنب. قال: عفا اللّه عنك، إنصرف إذا شئت( ٣) .

هذا، و قالوا تقدّمت امرأة إلى عمر فقالت: «يا أبا عمر حفص» أرادت أن

____________________

(١) الميداني ٢: ٤٣، الزمخشري ١: ٢٥٦.

(٢) طه: ٤٤.

(٣) العقد الفريد ١: ٥٤ دار الكتب العلمية بيروت.

تقول: «يا أبا حفص عمر». فقال لها: أدهشت. فقالت: صلعت فرقتك أرادت أن تقول: «فرقت صلعتك».

و في (أخبار نحاة السيرافي) قال الكسائي: فزع أعرابي من الأسد فجعل يلوذ و الأسد من وراء عوسجه، فجعل يقول: «يعسجني بالخوتلة يبصرني لأحبسه» أراد يختلني بالعوسجة يحسبني لا أبصره( ١) .

«و نح» أي: بعّد.

«عنهم» هكذا في (المصرية) و الصواب: (عنك) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«الضيق» أي: ضيق الصدر.

«و الأنف» أي: الاستنكاف.

«يبسط اللّه عليك بذلك أكتاف رحمته، و يوجب لك ثواب طاعته» قال أبو العتاهية:

يا من تشرّف بالدنيا و بالدّين

ليس التشرّف رفع الطّين بالطّين

إذا أردت شريف الناس كلّهم

فانظر إلى ملك في زيّ مسكين

و في (الجهشياري): كان في صحابة المهدي رجل يعرف بالثقفي البصري و كان أبو عبيد اللّه وزيره له متثقلا و كان محبّا لأن يضع منه، فتكلّم الثقفي يوما فلحن، فقال له أبو عبيد اللّه: أ تجالس الخليفة بالملحون من الكلام، أما كان يجب عليك أن تقوّم من لسانك. فقال له الثقفي: إنّما يحتاج إلى استعمال الإعراب في جميع الكلام المعلّمون لينفقوا عند من التمسهم لتعليم ولده يعرّض بأبي عبيد اللّه لأنّه كان معلّما من أوّل أمره

____________________

(١) أخبار النحويين البصريين: ٥١ معهد المباحث الشرقية الجزائر.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٨.

فضحك المهدي حتّى غطّى وجهه.

«و اعط ما أعطيت هنيئا» أي: ليكن عطاؤك هنيئا لمن أعطيته بعدم المنّ عليه و الأذى له، و عدم كشفه للناس و عدم مطله.

قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : رأيت المعروف لا يصلح إلاّ بثلاث خصال:

تصغيره و تستيره و تعجيله، فإنّك إذا صغّرته عظّمته عند من تصنعه إليه، و إذا سترته تمّمته، و إذا عجّلته هنّأته، و إذا كان غير ذلك سخّفته و نكّدته( ١) .

«و امنع في إجمال و إعذار» عن أبي جعفرعليه‌السلام : كان فيما ناجى اللّه تعالى موسى: أكرم السائل ببذل يسير أو بردّ جميل، لأنّه يأتيك من ليس بإنس و لا جانّ ملائكة من ملائكة الرحمن يبلونك فيما خوّلتك و يسألونك عمّا نولتك، فانظر كيف أنت صانع يا بن عمران( ٢) .

و عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : ما منع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله سائلا قطّ، إن كان عنده أعطاه و إلاّ قال: يأتي اللّه به( ٣) .

«ثم أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها، منها إجابة عمّالك بما يعيى» أي:

يعجز.

«عنه كتابك» في (الجهشياري): ورد على المنصور كتاب من محمد بن عبد اللّه بن الحسن أغلظ له فيه، فقال له أبو أيّوب: دعني اجيبه. فقال له: ليس ذلك إليك إذا نحن تقارعنا عن الأحساب فدعني و إيّاه.

و ذكر (الطبري) جواب المنصور لكتابه و فيه: و زعمت انّك لم تعرّق فيك امهات الاولاد و ما خيار بني أبيك خاصة و أهل الفضل منهم إلاّ بنو امّهات

____________________

(١) الكافي ٤: ٣٠ ح ١.

(٢) الكافي ٤: ١٥ ح ٣.

(٣) الكافي ٤: ١٥ ح ٥.

أولاد، و ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل من علي بن الحسين و هو لامّ ولد، و ما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي و جدّته امّ ولد، و لا مثل ابنه جعفر و جدّته امّ ولد إلى أن قال و لقد طلب الإمامة أبوك أي علي بكل وجه فأخرجها أي: فاطمة بنت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نهارا و مرّضها سرّا و دفنها ليلا فأبى الناس إلاّ الشيخين...( ١) .

«و منها إصدار الناس يوم» هكذا في (المصرية) و الصواب: (عند) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«ورودها عليك بما تحرج» أي: تضيق.

«به صدور أعوانك، و أمض لكلّ يوم ما فيه» في (العقد) ذكروا أنّ ملكا من ملوك العجم كان معروفا بحسن السياسة، و كان إذا أراد محاربة ملك من الملوك وجّه إليه من يبحث عن أخباره فيكشف عن ثلاث خصال من حاله، يقول لعيونه: انظروا هل ترد على الملك أخبار رعيته على حقائقها أم يخدع عنها؟ و إلى الغنى في أيّ صنف من رعيته أ في من اشتدّ أنفه و قلّ شرهه أم في من قلّ أنفه و اشتد شرهه؟ و انظروا في القوّام بأمره أ من نظر ليومه و غده؟ أم من شغله يومه عن غده. فإن قيل له: لا يخدع عن أخباره، و الغنى في من قلّ شرهه و اشتدّ أنفه، و قوّام أمره من نظر ليومه و غده، قال: إشتغلوا عنه بغيره، و إن قيل له ضدّ ذلك قال: نار كامنة تنتظر موقدا، و أضغان مزمّلة تنتظر مخرجا، اقصدوا له فلاحين أحين من سلامة مع تضييع، و لا عدوّ أعدى من أ من أدّى إلى اعترار( ٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٧: ٥٦٩ دار سويدان بيروت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٨.

(٣) العقد الفريد ١: ١١٣ دار الكتب العلمية بيروت.

«و اجعل لنفسك فيما بينك و بين اللّه أفضل تلك المواقيت و أجزل» أي: أكثر «تلك الأقسام، و ان كانت كلّها للّه إذا صلحت فيها النية و سلمت منها الرعية».

في (الخصال) عن الصادقعليه‌السلام : مكتوب في حكمة آل داود: «لا يظعن الرجل إلا في ثلاث: زاد لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذة في غير محرم»( ١) .

«و ليكن في خاصة ما تخلص به للّه» هكذا في (المصرية) و وقع فيها تقديم و تأخير فالصواب (للّه به) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٢) .

«دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة» فقالواعليهم‌السلام : أعبد الناس من أقام الفرائض( ٣) .

«فأعط اللّه من بدنك في ليلك و نهارك» زاد في رواية (التحف) «ما يجب»( ٤) .

«و وفّ ما تقرّبت به إلى اللّه من ذلك كاملا غير مثلوم» من ثلم يثلم بالكسر، و الثلمة الخلل.

«و لا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ» و في الخبر: أسرق السرّاق من سرق من صلاته( ٥) .

«و إذا قمت في صلاتك للناس» و في رواية (التحف) (بالناس)( ٦ ) و هو أصح.

«فلا تكوننّ منفرّا و لا مضيّعا» في الخبر: ينبغي للإمام أن تكون صلاته على صلاة أضعف من خلفه( ٧ ) . و كان معاذ يؤمّ في مسجد على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و يطيل القراءة، و مرّ به رجل فافتتح سورة طويلة، فقرأ الرجل

____________________

(١) الخصال: ١٢٠ ح ١١٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٨٩.

(٣) بحار الأنوار ٧: ٣٠٥ رواية ٢٥، نقلا عن الخصال ١: ١١.

(٤) تحف العقول: ١٤٣.

(٥) بحار الأنوار ٨٤: ٢٦٤، الرواية ٦٦.

(٦) تحف العقول: ١٤٤.

(٧) من لا يحضره الفقيه ١: ٢٥٥ ح ٦٢، ٦٣، ٦٤ بتصرف يسير.

لنفسه و صلّى ثمّ ركب راحلته، فبلغ ذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فبعث إلى معاذ، فقال له:

إيّاك أن تكون فتّانا، عليك بالشمس و ضحاها و ذواتها( ١) .

و كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمّ أصحابه يوما، فسمع بكاء صبي، فخفّف الصلاة( ٢) .

«و قد سألت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين وجهني إلى اليمن كيف اصلّي بهم فقال صلّ بهم كصلاة أضعفهم» في خبر السكوني عنهعليه‌السلام قال: آخر ما فارقت عليه حبيبي أن قال: يا علي إذا صلّيت فصلّ صلاة أضعف من خلفك( ٣) .

«و كن بالمؤمنين رحيما» و في رواية التحف و كان بالمؤمنين رحيما( ٤ ) و هو لفظ القرآن في وصف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ( ٥) .

«و أمّا بعد» هكذا في (المصرية) و الصواب: من النهج (و أما بعد هذا) كما يشهد به (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) و الخطية( ٦ ) ، ثم الصواب: من كلامهعليه‌السلام ما في رواية (التحف) (و بعد هذا) بدون (أمّا)( ٧ ) لعدم المحل لها هنا.

«فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيتك فإنّ احتجاب الولاة شعبة من الضيق» و هو مذموم. و في (العقد) قال بعضهم:

ما بال بابك محروسا ببوّاب

يحميه من طارق يأتي و منتاب

لا تحتجب وجهك الممقوت من أحد

فالمقت يحجبه من غير حجّاب

فاعزل عن الباب من قد ظل يحجبه

فإنّ وجهك طلسام على الباب

و في (العيون) قال بعضهم:

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه ١: ٢٥٥ ح ٦٢، ٦٣، ٦٤ بتصرف يسير.

(٢) من لا يحضره الفقيه ١: ٢٥٥ ح ٦٢، ٦٣، ٦٤ بتصرف يسير.

(٣) التهذيب ٢: ٢٨٣ ح ٣١.

(٤) الاحزاب: ٤٣.

(٥) تحف العقول: ١٤٤.

(٦) شرح ابن أبي الحديد: ١٧ ٩٠.

(٧) تحف: ١٤٤.

ما لي أرى أبوابهم مهجورة

و كأنّ بابك مجمع الأسواق

أرجوك أم خافوك أم شاموا الحيا

لحراك فانتجعوا من الآفاق

و في (المروج) قال عبيد بن أبي المخارق: إستعملني الحجّاج على الفلّوجة فقلت: أههنا دهقان يستعان برأيه؟ فقالوا: جميل بن صهيب، فأرسلت إليه فجاءني شيخ كبير قد سقط حاجباه على عينيه فقال: ما حاجتك؟ قلت:

إستعملني الحجّاج على الفلّوجة و لا يؤمن شره فأشر عليّ. فقال له: أيّما أحبّ إليك رضى الحجّاج أو رضى بيت المال أو رضى نفسك؟ قلت: أن ارضي كلّ هؤلاء و أخاف الحجّاج فإنّه جبّار عنيد. قال: فاحفظ عنّي أربع خلال: إفتح بابك و لا يكن لك حاجب فيأتيك الرجل و هو على ثقة من لقائك و هو أجدر أن يخاف عمّا لك، و أطل الجلوس لأهل عملك فإنّه قلّ ما أطال عامل الجلوس إلاّ هيب مكانه، و لا يختلف حكمك بين الناس و ليكن حكمك على الشريف و الوضيع سواء فلا يطمع فيك أحد من أهل عملك، و لا تقبل من أهل عملك هديّة فإن مهديها لا يرضى من ثوابها إلاّ بأضعافها مع ما في ذلك من المقالة القبيحة، ثم اسلخ ما بين أقفيتهم إلى عجوب أذنابهم فيرضوا عنك و لا يكون للحجاج عليك سبيل( ١) .

«و قلّة علم بالامور، و الاحتجاب منهم» و في نسخة (ابن ميثم) عنهم.

«يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير و يعظم الصغير، و يقبح الحسن و يحسن القبيح».

في (الجهشياري): لمّا انصرف الفضل البرمكي من خراسان و كان أزال الجور و بنى الحياض و المساجد و الرباط، و أحرق دفاتر البقايا و زاد الجند و القواد، و وصل الزوّار و الكتّاب بعشرة ألف ألف درهم، و أمر بهدم

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ١٤٦.

البيت المعروف بالنوبهار و كان وثيقا فهدم منه قطعة و بنى فيها مسجدا، تلقّاه الرشيد ببستان أبي جعفر و جمع له الناس و أكرم غاية الإكرام و أمر الشعراء بمدحه و الخطباء بذكر فضله، فكثر المادحون له، فأمر الفضل أحمد بن سيّار الجرجاني أن يميّز أشعار الشعراء و يعطيهم على قدر استحقاقهم، فمشى داود ابن رزين و مسلم بن الوليد و أبان اللاحقي و أشجع السلمي و جماعة من الشعراء إليه فسألوه أن يضع من شعر أبي نؤاس و لا يلحقه بنظرائه منهم، و تحمّلوا عليه بغالب بن السعدي و كان يتعشقه، فلمّا عرض أبو نواس شعره على الجرجاني رمى به و قال: هذا لا يستحق قائله درهمين، فهجاه أبو نؤاس و قال:

بما أهجوك لا أدري

لساني فيك لا يجري

إذا فكّرت في قدرك

أشفقت على شعري

و اتصل الخبر بالفضل فوصل أبا نؤاس و أرضاه و صرف الجرجاني عن تمييز الشعر.

(و فيه): لمّا انقضى أمر البرامكة و حصل التدبير في يد الفضل بن الربيع، قصد لخدمة الرشيد بحضرته و أضاع ما وراء بابه و صارت أمور البريد و الأخبار مختلة، كان مسرور الخادم يتقلّد البريد و الخرائط و يخلفه عليه ثابت الخادم و توفي الرشيد و عندهم أربعة آلاف خريطة لم تفضّ.

«و يشاب» أي: يمزج.

«الحق بالباطل، و إنّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس من الامور، و ليست على الحق» و في رواية (التحف)( ١ ) «على القول».

«سمات» أي علامات.

____________________

(١) تحف العقول: ١٤٤.

«تعرف بها ضروب» أي: أقسام.

«الصدق من الكذب» و في رواية (التحف)( ١ ) «يعرف بها الصدق من الكذب».

«و إنّما أنت أحد رجلين: إمّا امرؤ سخت» أي: جادت.

«نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه أو فعل كريم» و في رواية (التحف)( ٢ ) «أو خلق كريم».

«تسديه» أي: توضحه، قال عمر بن أبي ربيعة( ٣) :

لمن الدّيار كأنّهن سطور

تسدي معالمها الصبا و تنير( ٤)

في (العيون): قال خالد بن عبد اللّه لحاجبه: لا تحجبنّ عنّي أحدا إذا أخذت مجلسي، فإنّ الوالي لا يحجب إلاّ عن ثلاث: عيّ يكره أن يطّلع عليه، أو ريبة أو بخل. فأخذ ذلك منه الورّاق فقال:

إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه

و ردّ ذوي الحاجات دون حجابه

ظننت به إحدى ثلاث و ربّما

نزعت بظنّ واقع بصوابه

فقلت به مسّ من العيّ ظاهر

ففي إذنه للناس إظهار ما به

فإن لم يكن عيّ اللسان فغالب

من البخل يحمي ماله عن طلابه

فان لم يكن هذا و لا ذا فريبة

يصرّ عليها عند إغلاق بابه( ٥)

هذا، و في (تاريخ بغداد): وقف شاعر بباب معن بن زائدة حولا لا يصل إليه و كان معن شديد الحجاب فلمّا طال مقامه سأل الحاجب أن يوصل له رقعة فأوصلها فإذا فيها:

____________________

(١) تحف العقول: ١٤٤.

(٢) تحف العقول: ١٤٤.

(٣) عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ٨٤.

(٤) عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ٨٤.

(٥) اورد هذه الأبيات باختلاف في بعض الكلمات في شرحه ١٧: ٩٣ من غير ذكر لمصدرها.

إذا كان الجواد له حجاب

فما فضل الجواد على البخيل

فألقى معن الرقعة إلى كتّابه و قال: أجيبوه عن بيته، فخلطوا و أكثروا و لم يأتوا بمعنى، فأخذ الرقعة و كتب فيها:

إذا كان الجواد قليل مال

و لم يعذر تعلّل بالحجاب

فقال: أ يؤيسني من معروفه، ثم ارتحل فأتبعه معن بعشرة آلاف و قال:

هي لك عندنا في كل زورة( ١) .

«أو مبتلى» و في رواية (التحف)( ٢ ) «و إمّا مبتلى».

«بالمنع، فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا بذلك» قال بعضهم:

إذا تغدى فرّ بوابه

و ارتد من غير يد بابه

و مات من شهوة ما يحتسي

عياله طرا و أصحابه

«مع أن أكثر حاجات الناس مما» هكذا في (المصرية) و الصواب: (ما) كما في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) و (ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية).

«لا مؤونة فيه عليك من شكاة» و في رواية (التحف)( ٥ ) «من شكاية».

«مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة» و في رواية (التحف)( ٦ ) بدل «في معاملة» «فانتفع بما وصفت لك».

و في (الطبري)( ٧ ) : قال مسوّر بن مسوّر: ظلمني وكيل للمهدي و غصبني ضيعة، فأتيت سلاما صاحب المظالم فتظلّمت منه و أعطيته رقعة

____________________

(١) تاريخ بغداد ١٣: ٢٣٧ ٢٣٨.

(٢) تحف العقول: ١٤٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٩١. و كذلك في تحف العقول: ١٤٤.

(٤) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٣.

(٥) تحف العقول: ١٤٤.

(٦) تحف العقول: ١٤٤.

(٧) تاريخ الطبري ٨: ١٧٣.

مكتوبة، فأوصل الرقعة إلى المهدي و عنده عمّه العباس بن محمد و ابن علاثة و عافية القاضي، فقال له المهدي: أدنه فدنوت فقال: ما تقول؟ قلت: ظلمتني.

قال: فترضى بأحد هذين. قلت: نعم. قال: فدنوت منه حتى التزقت بالفراش قال: تكلم. قلت: أصلح اللّه القاضي انّه ظلمني في ضيعتي. فقال القاضي للمهدي: ما تقول؟ قال ضيعتي و في يدي. قلت: أصلح اللّه القاضي سله صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها. فسأله فقال: صارت إلى بعد الخلافة. قال:

فأطلقها له. قال: قد فعلت: فقال العباس عمّه: و اللّه لهذا المجلس أحبّ إليّ من عشرين ألف ألف درهم.

«ثم إنّ للوالي خاصّة و بطانة فيهم استئثار» أي: استبداد.

«و تطاول» أي: تكبّر.

«و قلّة إنصاف في معاملة، فاحسم» أي: اقطع.

«مادة» هكذا في (المصرية) و الصواب: (مؤونة) كما في (ابن أبي الحديد)( ١ ) و (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية).

«أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال» و في رواية (التحف)( ٣ ) «تلك الأشياء».

و في (العيون)( ٤ ) : قال الحجاج: دلّوني على رجل للشّرط. فقيل: أيّ الرجال تريد؟ فقال: أريده دائم العبوس طويل الجلوس، سمين الأمانة أعجف الخيانة، لا يحنق في الحق على جره و يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة.

فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي، فأرسل إليه يستعمله فقال له:

لست أقبلها إلاّ أن تكفيني عيالك و ولدك و حاشيتك. قال: يا غلام ناد في الناس

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٩٦.

(٢) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٣.

(٣) تحف العقول: ١٤٤.

(٤) عيون الاخبار لابن قتيبة ١: ١٦.

من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمة. قال الشعبي: فو اللّه ما رأيت مثله صاحب شرطة قط، كان لا يحبس إلاّ في دين، و كان إذا أتي برجل قد نقب على قوم، وضع منقبة في بطنه حتى تخرج من ظهره، و إذا أتى بنبّاش، حفر له قبرا فدفنه فيه، و إذا أتي برجل لقد أحرق على قوم منزلهم، أحرقه، و إذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا، قطع يده، فكان ربّما أقام أربعين ليلة لا يؤتى إليه أحد، فضم الحجاج إليه شرطة البصرة مع الكوفة.

«و لا تقطعنّ لأحد من حاشيتك» أي: من في أطرافك.

«و حامتك» أي: أودّاءك.

«قطيعة» أرض يقطعها له تكون غلتها له.

«و لا يطمعنّ منك في اعتقاد» أي: عقد.

«عقدة» أي: معاملة.

«تضر بمن يليها من الناس في شرب» أي: سقي أرضهم.

«أو عمل مشترك» كتنقية نهر يكون مصرفها على جميع من يشرب أرضه من ذاك النهر.

«يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنا ذلك» عيشا رغدا يحصل من محصوله.

«لهم دونك و عيبه عليك في الدّنيا و الآخرة» لأنّهم فعلوا ذلك بسلطانك.

«و الزم الحق من لزمه من القريب و البعيد، و كن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك و خواصّك حيث وقع، و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك فإنّ مغبة» أي:

عاقبة.

«ذلك محمودة».

قال ابن أبي الحديد( ١ ) : روى جويرية بن أسماء عن اسماعيل بن أبي حكيم قال: قال عمر بن عبد العزيز على المنبر: إنّ هؤلاء يعني خلفاء بني امية قبله قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها منهم و ما كان ينبغي لهم أن يعطوناها، و إنّي قد رأيت الآن أنّه ليس عليّ في ذلك دون اللّه حسيب، و قد بدأت بنفسي و الأقربين من أهل بيتي، اقرأ يا مزاحم، فجعل يقرأ كتابا فيه الاقطاعات بالضياع و النواحي ثم يأخذه عمر بيده فيقصه بالجلم، لم يزل كذلك حتى نودي بالظهر.

و قال: و روى سهل بن يحيى المروزي عن أبيه قال: لما دفن سليمان أمر عمر بن عبد العزيز بالستور فهتكت و الثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت إلى بيت المال، ثم خرج و نادى مناديه: من كانت له مظلمة على قريب أو بعيد من عمر بن عبد العزيز فليحضر. فقام رجل ذمّي من أهل حمص أبيض الرأس و اللحية فقال: اسألك كتاب اللّه قال: ما شأنك. قال: العباس بن الوليد اغتصبني ضيعتي و العباس جالس فقال له: ما تقول يا عباس؟ قال:

أقطعنيها الوليد و كتب لي بها سجلا. فقال عمر: ما تقول أنت أيّها الذّمّيّ. قال:

أسألك كتاب اللّه فقال عمر بن عبد العزيز: لعمري إن كتاب اللّه لأحقّ أن يتّبع من كتاب الوليد أردد عليه يا عباس ضيعته، و جعل لا يدع شيئا مما كان في أيدي أهل بيته من المظالم إلاّ ردّها( ٢) .

قال: و كتب عمر بن الوليد إلى عمر بن عبد العزيز لما أخذ بني مروان برد المظالم كتابا أغلظ له فيه إلى أن قال فكتب في جوابه:... أما أول أمرك يا بن الوليد فإنّ امك بنانة أمة السّكون كانت تطوف في أسواق حمص و تدخل

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٩٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٩٩ ١٠٠ بتصرّف يسير.

حوانيتها ثم اللّه أعلم بها، فاشتراها ذبيان بن ذبيان من في‏ء المسلمين فأهداها إلى أبيك فحملت بك فبئس الحامل و بئس المحمول، ثم نشأت فكنت جبّارا عنيدا و تزعم أني من الظالمين لأنّي حرمتك و أهل بيتك في‏ء اللّه الذي حق القرابة و المساكين و الأرامل، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعملك صبيّا سفيها على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك و لم يكن له نية في ذلك إلاّ حبّ الوالد ولده، فويل لك و ويل لأبيك ما أكثر خصماؤكما يوم القيامة، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعمل الحجّاج بن يوسف على خمسي العرب يسفك الدم الحرام و يأخذ المال الحرام، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعمل قرّة ابن شريك أعرابيا جافيا على مصر، و أذن في المعازف و الخمر و الشرب و اللهو، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعمل عثمان بن حيّان على الحجاز، فينشد الأشعار على منبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و من جعل للعالية البربرية سهما في الخمس، فرويدا يا ابن نباتة، و لو التقت حلقتا البطان و ردّ الفي‏ء إلى أهله لتفرّغت لك و لأهل بيتك فوضعتكم على المحجّة البيضاء، فطالما تركتم الحق و أخذتم في بنيّات الطريق، و من وراء هذا من الفضل ممّا أرجو أن أعمله، بيع رقبتك و قسم ثمنك بين الأرامل و اليتامى و المساكين، فإنّ لكلّ فيك حقا، و السّلام علينا و لا ينال سلام اللّه الظالمين( ١) .

قال: و روى الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز لما قطع عن أهل بيته ما كان من قبل يجرونه عليهم من أرزاق الخاصة، تكلّم في ذلك عنبسة بن سعيد و قال: إنّ لنا قرابة. فقال له: إن يتّسع مالي لكم، و أمّا هذا المال فحقّكم فيه كحق رجل بأقصى برك العماد و لا يمنعه من أخذه إلاّ بعد مكانه، و اللّه إنّي لأرى امورا لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٠١ ١٠٢ بتصرّف.

لنزلت بهم بائقة من عذاب اللّه.

قال: و روى أيضا أن عمر بن عبد العزيز قال يوما و قد بلغه عن بني امية كلاما أغضبه إنّ للّه في بني اميّة يوما أو قال ذبحا و اللّه لئن كان ذلك على يدي لأعذرن اللّه فيهم. فلما بلغهم ذلك كفوا و كانوا يعلمون صرامته و أنّه إذا وقع في أمر مضى فيه( ١) .

قال: و روى نوفل بن الفرات أن بني مروان شكوا إلى عاتكة بنت مروان و كانت عظيمة عندهم فقالوا: إنّه يعيب أسلافنا و يأخذ أموالنا، فذكرت له ذلك فقال: يا عمة إنّ النبيّ‏ّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبض و ترك الناس على نهر مورود، فولي ذلك النهر بعده رجلان لم يستخصّا أنفسهما و أهلهما منه بشي‏ء، ثم وليه ثالث فكرى منه ساقية ثم لم تزل الناس يكرون منه السواقي حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، و أيم اللّه لئن أبقاني اللّه لأسكرنّ تلك السواقي حتى أعيد النهر إلى مجراه الأول.

قلت( ٢ ) : و كما ردّ عمر بن عبد العزيز مظالم خلفاء بني امية كذلك ردّ مظلمة أبي بكر و عمر في فدك، روى الطبري كما في (خصال ابن بابويه) عن أبي صالح الكناني عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن شريك عن هشام بن معاذ قال: كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز حين دخل المدينة، فأمر مناديه من كانت له مظلمة أو ظلامة فليأت الباب، فأتى محمد بن علي فدخل إليه مولاه مزاحم فقال له: إنّ محمد بن علي بالباب. فقال: أدخله، فدخل و عمر يمسح دموعه، فقال له: ما أبكاك؟ فقال: أبكاه كذا و كذا يا ابن رسول اللّه. فقال له محمد بن علي: إنّما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج قوم بما ينفعهم و منها خرج

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٠٢ ١٠٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٠٣ ١٠٤.

قوم بما يضرّهم إلى أن قال فاتّق اللّه و افتح الأبواب و سهّل الحجاب، و انصر المظلوم و ردّ المظالم إلى أن قال فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي فدك»( ١) .

و في (أوائل أبي هلال العسكري) كما في (الطرائف) أن أوّل من رد فدكا على ورثة فاطمةعليها‌السلام عمر بن عبد العزيز، و كان معاوية أقطعها لمروان و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية و جعلها بينهم أثلاثا ثم قبضت فردّها عليهم السفاح...( ٢) .

ثم إنّه كما كان المناسب هنا في شرح كلامهعليه‌السلام نقل ما فعل عمر بن عبد العزيز من ردّ مظالم بني امية كذلك كان المناسب نقل إتيان عثمان بتلك المظالم، و قد صرّح عمر بن عبد العزيز بكون عثمان الأصل في خلفاء بني امية في قوله في الخبر المتقدم: «ثم وليه ثالث فكرى منه ساقيه ثم لم يزل الناس منه يكرون حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه»، و منها كما في (خلفاء ابن قتيبة)( ٣ ) هبته خمس أفريقية لمروان ابن عمه، و بنى سبع دور متطاولة لامرأته نائلة و بنته عائشة و غيرهما من أهله و بناته، و بنى لمروان القصور بذي الخشب، و حمى حول المدينة لنفسه، و أعطى كما في (معارف ابن قتيبة) عمه الحكم بن أبي العاص الذي سيّره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف مئة ألف درهم، و أقطع مهزورا موضع سوق المدينة الذي تصدّق به النبيّ على المسلمين عمّه الحارث بن الحكم، و أعطى عبد اللّه بن خالد بن أسيد من بني عمه أربعمئة ألف درهم.

____________________

(١) الخصال لابن بابويه: ١٠٤ ح ٦٤.

(٢) الطرائف ١: ٢٥٢.

(٣) خلفاء ابن قتيبة ١: ٣٢.

«و إن ظنّت الرعيّة بك حيفا» أي: جورا.

«فأصحر» أي: أظهر.

«لهم بعذرك و اعدل» أي: إدفع.

«عنك ظنونهم بإصحارك» الباء للسببية، فمن جعل أمره مكشوفا كالشي‏ء الملقى بالصحراء لا يبقى مجال لأن يظنّ به أمر آخر.

«فإن في ذلك رياضة منك لنفسك و رفقا برعيّتك و إعذارا» هكذا في (المصرية)، مع ان النهج إنّما فيه «فإنّ في ذلك إعذارا» لخلوّ (ابن أبي الحديد)( ١ ) و (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية) و هي النسخ الصحيحة من النهج عمّا بينهما من «رياضة» إلى «و» و لكنه كلامهعليه‌السلام كما رواه (التحف)( ٣ ) ، و لا بد انه كتب في أول نسخة الزيادة حاشية أخذا من التحف ثم خلطت بالمتن.

«تبلغ به» هكذا في (المصرية) و الصواب: «فيه» كما في (ابن أبي الحديد)( ٤ ) و (ابن ميثم)( ٥) .

«حاجتك من» بيانية.

«تقويمهم» أي: جعلهم مستقيما على الحق، و زاد في (التحف)( ٦ ) «في خفض و إجمال» و هو من تمام الكلام و قد خفي على النهج في روايته.

في (الطبري): هلك يزدجرد الأثيم و ابنه (بهرامجور) غائب عند المنذر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٩٧.

(٢) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٤.

(٣) تحف العقول: ١٤٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٩٧.

(٥) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٤.

(٦) تحف العقول: ١٤٥.

ملك الحيرة، فتعاقد ناس من العظماء و أهل البيوتات أن لا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته و قالوا ان يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام و لم يل بهرام ولاية قط يعرف بها حاله و لم يتأدب بأدب العجم و انما أدبه أدب العرب و خلقه كخلقهم لنشوئه بين أظهرهم، و اجتمعت كلمتهم و كلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بابك يقال له كسرى و لم يقيموا أن ملكوه، فانتهى هلاك يزدجرد و الذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام و هو ببادية العرب، فدعا بالمنذر و النعمان ابنه و ناس من علّية العرب و قال لهم: اني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي كان أتاكم معشر العرب بإحسانه و انعامه كان عليكم مع فظاظته و شدته كانت على الفرس، و أخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه و تمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك، فقال له المنذر: لا يهولنك ذلك حتى ألطف للحيلة فيه، و ان المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب وجههم مع ابنه النعمان إلى «طيسبون» و «به اردشير» مدينتي الملك و أمره أن يعسكر قريبا منهما و يدمن ارسال طلائعه إليهما، فأوفد من بالباب من العظماء و أهل البيوتات «جواني» صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر في ابنه النعمان، فلما ورد جواني على المنذر قال له: الق الملك بهرام، فدخل عليه فراعه ما رأى من وسامته و بهائه و أغفل السجود له دهشا، فكلّمه بهرام و وعده من نفسه أحسن الوعد ورده إلى المنذر، فقال له المنذر: انما وجه النعمان إلى ناحيتكم ملك بهرام حيث ملكه اللّه بعد أبيه، فلما سمع «جواني» مقالة المنذر و تذكر ما عاين رواء بهرام و هيبته و ان جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوص محجوج قال للمنذر: إني لست مخبرا جوابا و لكن سر ان رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع اليك من بها من العظماء و تشاوروا في ذلك فانهم لن

يخالفوك في شي‏ء مما تشير به.

و سار «جواني» و استعد المنذر بعده بيوم و سار ببهرام في ثلاثين ألف رجل من العرب و ذوي النجدة منهم إلى مدينتي الملك حتى إذا و ردهما أمر فجمع الناس و جلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر و جلس المنذر عن يمينه و تكلّم عظماء الفرس و أهل البيوتات و فرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام و سوء سيرته و انه أخرب بسوء رأيه الأرض و أكثر القتل ظلما حتى قد قتل الناس في البلاد التي يملكها و أمورا غير ذلك فظيعة و انهم انما تعاقدوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك، و سألوا المنذر الا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه.

فوعى المنذر ما بثوا من ذلك و قال لبهرام: أنت أولى بإجابة القوم مني.

فقال لهم بهرام: اني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شي‏ء مما نسبتهم إلى يزدجرد لما استقر عندي من ذلك، و لقد كنت زاريا عليه لسوء هديه، و لم أزل أسأل اللّه أن يمنّ علي بالملك فأصلح كلّ ما أفسد و أرأب ما صدع، فان أتت لملكي سنة و لم أف لكم بهذه الامور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعا و قد أشهدت بذلك عليّ اللّه و ملائكته و موبذان موبذ و ليكن هو فيها حكما بيني و بينكم، و أنا مع الذي بينت لكم على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج و الزينة من بين أسدين ضاريين مشبلين فهو الملك.

فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه و ما وعد من نفسه استبشروا بذلك و انبسطت آمالهم و قالوا فيما بينهم إنّا لسنا نقدر على رد قول بهرام مع انّا ان تممنا على صرف الملك عن بهرام نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد و استجاش من العرب، و لكنّا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه الا ثقة بقوته و بطشه و جرأته، فان يكن على ما وصف به نفسه فليس لنا رأي

إلاّ تسليم الملك إليه و السمع و الطاعة له و ان يهلك تعجزه فنحن من هلكته برآء و لشره و غائلته آمنون. و تفرّقوا على هذا الرأي، فعاد بهرام و جلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس و حضره من كان يحاده فقال لهم: اما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس و اما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة. فقال القوم:

أما نحن فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى و لم نر منه إلاّ ما نحب، و لكنّا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاج و الزينة كما ذكرت بين أسدين و تتنازعانهما أنت و كسرى فأيكما تناولهما من بينهما سلمنا له الملك، فرضي بهرام بمقالتهم و أتى بالتاج موبذان مؤبد الموكل بعقد التاج على رأس كلّ ملك يملك فوضعهما في ناحية و جاء بسطام أصبهبد بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين، فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج و الآخر بحذائه و أرخى وثاقهما، ثم قال بهرام لكسرى: دونك التاج و الزينة. فقال كسرى: أنت أولى بالبدء و بتناولهما مني لأنك تطلب الملك بوراثة و أنا فيه مغتصب، فلم يكره بهرام قوله لثقته ببطشه و قوته و حمل جرزا و توجه نحو التاج و الزينة، فقال له موبذان موبذ: استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه انما هو تطوّع منك لا عن رأي أحد من الفرس و نحن برآء إلى اللّه من اتلافك نفسك. فقال له بهرام: أنتم من ذلك برآء و لا وزر عليكم فيه.

ثم أسرع نحو الأسدين، فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما هتف به بح بذنوبك و تب إلى اللّه منها ثم أقدم ان كنت لا محالة مقدما، فباح بهرام بما سلف من ذنوبه ثم مشى نحو الأسدين فبدر إليه أحدهما فلما دنا من بهرام وثب وثبة فعلا ظهره و عصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا أثخنه، و جعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل، ثم شد الأسد الآخر عليه فقبض على اذنيه و عركهما بكلتي يديه فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان

راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما، و كان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى و من حضر ذلك المحفل فتناول بهرام بعد ذلك التاج و الزينة، فكان كسرى أول من هتف به و قال: عمرك اللّه بهرام ثم الذين حوله قائلون نحن سامعون مطيعون و رزقت ملك أقاليم السبعة، ثم هتف به جميع من حضر قد أذعنا للملك بهرام و رضينا به ملكا، و أكثروا الدعاء له. ثم ان العظماء و الوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم و سألوه أن يكلّم بهرام في التغمد لاساءتهم في أمره و التجاوز عنهم، فكلمه المنذر في ذلك فأسعفه فيما سأل و بسط آمالهم ملك و هو ابن عشرين سنة( ١) .

«و لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك و للّه» هكذا في (المصرية) و الصواب:

«للّه» كما في (ابن أبي الحديد)( ٢ ) و (ابن ميثم)( ٣) .

«فيه رضى» انما شرطعليه‌السلام ذلك لأن كلّ صلح لم يكن للّه فيه رضى.

ففي (صفين نصر): خرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين: يا أبا الحسن ابرز لي، فخرجعليه‌السلام إليه حتى إذا اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين فقال: يا علي ان لك قدما في الاسلام و هجرة فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن دماء و تأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك. فقال: و ما ذاك؟

قال: ترجع إلى عراقك فنخلي بينك و بين العراق و نرجع إلى الشام فتخلّي بيننا و بين شامنا فقالعليه‌السلام له: لقد عرفت انك انما عرضت هذا نصيحة و شفقة، و لقد أهمني هذا الأمر و أسهرني و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما أنزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ان اللّه تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٧١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٠٦.

(٣) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٤.

في الأرض و هم ساكتون مذعنون لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنم. فرجع الشامي مسترجعا( ١) .

و كذلك الصلح في المعاملات، فقالوا: الصلح جائز بين المسلمين إلاّ ما أحل حراما أو حرّم حلالا.

«فان في الصلح دعة» أي: استراحة.

«لجنودك وراحة لهمومك و أمنا لبلادك» في (ديوان النعماني): من أبلغ ما حذّر به من الحرب قول بعض العجم: «دافع بالحرب ما أمكن، فإنّ النفقة في كلّ شي‏ء من الأموال إلاّ الحرب، فإنّ النفقة فيها من الأرواح». و قال النابغة الجعدي:

و تسلب المال الذي كان ربها

ضنينا بها و الحرب فيها الحرائب

و قال جدل الطعان:

دعاني أشبّ الحرب بيني و بينه

فقلت له: لا بل هلمّ إلى السلم

و إيّاك و الحرب التي لا أديمها

صحيح و ما تنفك تأتي على الرغم

فإن يظفر الحزب الذي أنت منهم

و ينقلبوا ملأى الأكفّ من الغنم

فلا بدّ من قتلى لعلّك فيهم

و إلاّ فجرح لا يكون على العظم

فلما أبى خلّيت فضل ردائه

عليه فلم يرجع بحزم و لا عزم

و كان صريع الخيل أول وهلة

فبعدا له مختار جهل على علم

في (الطبري): سأل عمرو بن الليث الصفّار السلطان أن يولّيه ما وراء النهر فولاّه و وجه إليه و هو مقيم بنيسابور بالخلع و اللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربة إسماعيل الساماني، فكتب إليه إسماعيل: إنّك ولّيت دنيا

____________________

(١) صفين لنصر: ٤٧٤.

عريضة و إنّما في يدي ما وراء النهر و أنا في ثغر، فاقنع بما في يدك و اتركني مقيما في هذا الثغر، فأبى إجابته فذكر له شدّة عبور نهر بلخ فقال: لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال و أعبره لفعلت. فلما أيس إسماعيل عبر النهر إلى الجانب الغربي و جاء عمرو فنزل بلخ و أخذ إسماعيل عليه النواحي فصار كالمحاصر و ندم على ما فعل و طلب المحاجزة فأبى عليه إسماعيل، و لم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم و مر بأجمة في طريقه قيل له انها أقرب فقال لعامة من معه:

أمضوا في الطريق الواضح، و مضى في نفر يسير فدخل الاجمة فوحلت دابته و مضى من معه، و جاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرا، فلما ورد الخبر على المعتضد مدح إسماعيل و ذم عمرا.

(و لكن الحذر كلّ الحذر من عدوك بعد صلحه فان العدو ربما قارب) العدو (ليتغفل) و يغدر بك (فخذ بالحزم) و الاحتياط في أمرك (و اتهم في ذلك حسن الظن) لأنّه يمكن أن يؤدي إلى هلاكك. قال البحتري:

أوجلتني بعد أمن غرتي

و اغترار الأمن يستدعي الوجل

في الطبري في قصة محاربة نصر بن سيار و الكرماني في خراسان أيام خروج ابي مسلم: بعث أبو مسلم إلى الكرماني حين عظم الأمر بينه و بين نصر اني معك، فقبل الكرماني ذلك و انضم إليه أبو مسلم فاشتد ذلك على نصر، فأرسل إلى الكرماني ويلك لا تغتر فو اللّه اني لخائف عليك و على أصحابك منه و لكن هلم إلى الموادعة فندخل مرو و نكتب كتابا بصلح و هو يريد أن يفرّق بينه و بين أبي مسلم، فدخل الكرماني منزله و أقام أبو مسلم في المعسكر و خرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في مائة فارس و عليه قرطق خشكشونة، ثم أرسل إلى نصر اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فأبصر نصر

منه غرة فوجّه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلاثمائة فارس فالتقوا في الرحبة فطعن في خاصرة الكرماني فخر عن دابته و حماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به فقتل نصر الكرماني و صلبه( ١) .

و في السير: حاصر قتيبة بن مسلم سمرقند أشهرا بعد فتح بخارى فلم يقدر على فتحها، فهيأ صناديق و جعل لها أبوابا من أسافلها تغلق من داخل و تفتح، و جعل في كلّ صندوق رجلا مستلئما معه سيفه و أقفل أبوابها العليا ثم أرسل إلى دهقانها اني راحل عنك إلى الصغانيان و ناحيتها و معي فضول أموال و سلاح فوادعني و احرز هذه الصناديق عندك إلى عودي ان سلمت، فأجابه و تقدم قتيبة إلى الرجال أن يفتحوا في جوف الليل أبواب الصناديق فيخرجوا ثم يصيروا إلى باب المدينة فيفتحوه، و أمر الدهقان بالصناديق فأدخلت المدينة، فلما جن الليل و هدء الناس خرج الرجال بأيديهم السيوف لا يستقبلهم أحد إلاّ قتلوه حتى أتوا باب المدينة فقتلوا الحرس و فتحوا الباب و دخل قتيبة فصارت في يده( ٢) .

و في العيون: أوصى بعض الحكماء ملكا فقال له: لا يكن العدو الذي قد كشف لك عن عداوته بأخوف عندك من الظنين الذي يستتر لك بمخاتلته، فانه ربما تخوف الرجل السم الذي هو أقتل الأشياء ثم يقتله الماء الذي يحيي الأشياء و ربما تخوف أن يقتله الملوك التي تملكه ثم تقتله العبيد التي يملكها، فلا تكن للعدو الذي تناصب أحذر منك للطعام الذي تأكل، و انا لكلّ أمر أخذت منه نذيرك و ان عظم آمن مني من كلّ أمر عريته من نذيرك و ان صغر( ٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري.

(٢) سير العجم

(٣) عيون القتيبي ١: ١١٧.

و فيه في سير العجم: ان فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو أخشنوار ملك الهياطلة ببلخ، فلما انتهى إلى بلاده اشتد رعب اخشنواز. فناظر أصحابه في أمره، فقال له رجل منهم:

أعطني موثقا و عهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي و ولدي و تحسن إليهم و تخلفني فيهم، ثم اقطع يدي و رجلي و القني على طريق فيروز حتى يمرّ بي هو و أصحابه فأكفيك مؤونتهم و أورّطهم مورطا تكون فيه هلكتهم. فقال له اخشنواز: و ما الذي تنتفع به من سلامتنا و صلاح حالنا إذا أنت هلكت و لم تشركنا في ذلك؟ قال: إنّي قد بلغت ما كنت أحب أن أبلغه من الدنيا و أنا موقن بأن الموت لا بدّ منه فأحبّ أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني و النكاية في عدوي فيشرف بذلك عقبي و اصيب سعادة و حظوة فيما أمامي. ففعل به ذلك و أمر به فألقي حيث وصف له، فلمّا مرّ به فيروز سأله عن أمره، فأخبره ان اخشنواز فعل ذلك و قال له: إنّي احتلت حتى حملت إلى هذا الموضع لأدلك على عورته و غرّته، إنّي أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه و أخفى فلا يشعر اخشنواز حتى تهجموا عليه فينتقم اللّه لي منه بكم فليس في هذا الطريق إلاّ تفويز يومين ثم تفضون إلى كلّ ما تحبّون. فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالاتهام له و الحذر منه، فخالفهم و سلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه، ثم بيّن لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا و شمالا يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم و لم يخلص مع فيروز منهم إلاّ عدّة يسيرة فإنّهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم و هم مستعدون لهم، فواقعهم على تلك الحالة و على ما بهم من الضرّ و الجهد فاستمكنوا منهم و أعظموا النكاية فيهم( ١) .

____________________

(١) عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ١١٧.

«و ان عقدت بينك و بين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة» أي: عهدا.

«فحط» من حاط يحوط أي: رعى.

«عهدك بالوفاء» و أوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا إنّ اللّه يعلم ما تفعلون. و لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا تتّخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون امّة هي أربى من امة إنّما يبلوكم اللّه به( ١) .

«و ارع ذمّتك بالأمانة» و في قصة فيروز و أخشنوار المتقدّمة بعد ما مر ثم رغب فيروز إلى أخشنوار و سأله أن يمنّ عليه و على من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد اللّه و ميثاقه ألاّ يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره، و على أنّه يحدّ فيما بينه و بين مملكته، حدّا لا تجاوزه جنوده، فرضي أخشنوار بذلك و خلّى سبيله و انصرف إلى مملكته، فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا ثم حمله الأنف على أن يعود لغزوه و دعا أصحابه إلى ذلك فردوه عنه و قالوا له:

انّك قد عاهدته و نحن نتخوّف عليك عاقبة البغي و الغدر مع ما في ذلك من العار و سوء المقالة. فقال لهم: إنّي إنّما شرطت ألا أجوز الحجر الذي جعلته بيني و بينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا. فقالوا له: أيها الملك ان العهود و المواثيق التي يتعطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسر المعطي لها و لكن على ما يعلن المعطي، و انك انما جعلت له عهد اللّه و ميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله، فأبى فيروز و مضى في غزاته حتى انتهى إلى الهياطلة و تصافّ الفريقان للقتال، فأرسل أخشنواز إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفّيهم ليكلّمه فخرج إليه فقال له أخشنواز: أظن انّه لم يدعك إلى غزونا إلاّ الأنف ممّا أصابك، و لعمري لئن كنّا احتلنا لك بما رأيت لقد

____________________

(١) النحل: ٩١ ٩٢.

كنت التمست منّا أعظم منه و ما ابتدأناك ببغي و لا ظلم، و لا أردنا إلاّ دفعك عن أنفسنا و عن حريمنا، و لقد كنت جديرا أن تكون من سوء مكافأتنا بمننا عليك و على من معك من نقض العهد و الميثاق الذي وكدت على نفسك أعظم أنفا مما نالك منّا فانا أطلقناكم و أنتم اسراء و حقنا دماءكم و بنا قدرة على سفكها، و إنّا لم نجبرك على ما شرطت مع انّي قد ظننت انّه يزيدك نجاحا ما تثق به من كثرة جنودك، و ما أشك ان أكثرهم كارهون لشخوصك لعرفانهم أنّك دعوتهم إلى ما يسخط اللّه فانظر ما قدر غناء من يقاتل على مثل هذه الحال و ما عسى أن تبلغ نكايته في عدوّه إذا كان عارفا بأنّه ان ظفر فمع عار و ان قتل فإلى النار إلى أن قال فلما كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره، فانتقض عسكر فيروز و ما لبثوا إلاّ يسيرا حتى انهزموا و قتل منهم خلق كثير و هلك فيروز، فقال اخشنوار: لقد صدق الذي قال «لا راد لما قدر و لا أشدّ احالة لمنافع الرأي من الهوى و اللجاح و لا أضيع من نصيحة تمنح من لا يوطّن نفسه على قبولها و لا أسرع عقوبة و أسوأ عاقبة من البغي و الغدر و لا أجلب لعظيم العار و الفضوح من افراط الفخر و الأنفة»( ١) .

«و اجعل نفسك جنة دون ما أعطيت» في الطبري بعد ذكر أن محمد بن الأشعث أعطى مسلم بن عقيل الامان و أتى به ابن زياد و أراد قتله فقال مسلم:

يا ابن الأشعث أما و اللّه لو انّك آمنتني ما استسلمت قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك.

و رضي السموأل بقتل ابنه دون أن يؤدي الامانة إلى غير أهلها.

____________________

(١) عيون الأخبار لابن قتيبة: ١١٨ ١٢١.

«فإنّه ليس من فرائض اللّه شي‏ء» و في رواية (التحف)( ١ ) «شي‏ء من فرائض اللّه».

«الناس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم و تشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود» لأنّه من الواجبات التي يعتقد بها كلّ ملّة و نحلة الموحد و الملحد و المسلم و الكافر، و قد أكد فرضه الشريعة، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعثت إلى الوفاء بالعهد للبر و الفاجر( ٢) .

«و قد لزم ذلك المشركون في ما بينهم دون المسلمين» أي: لا اختصاص بذلك بالمسلمين.

«لما استوبلوا» أي: عدوه وخيما.

«من عواقب الغدر».

في (العقد): قال مروان بن محمد لعبد الحميد الكاتب حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت إلى ان تصير مع عدوّي و تظهر الغدر بي فإنّ إعجابهم بأدبك و حاجتهم إلى كتابك تدعوهم إلى حسن الظّن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي و إلاّ لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد مماتي. فقال عبد الحميد: إنّ الذي أمرت به أنفع الأشياء لك و أقبحها بي، و ما عندي غير الصبر معك حتى يفتح اللّه عليك أو أقتل معك( ٣) .

و قال المدائني: قتل عبد الملك عمرو بن سعيد بعد ما صالحه و كتب له كتابا و أشهد شهودا ثم قال لرجل كان يستشيره و يصدر عن رأيه إذا ضاق به الأمر: ما رأيك في الذي كان منّي؟ قال: أمر قد فات دركه. قال: لتقولنّ. قال:

____________________

(١) تحف العقول: ١٤٥.

(٢) تحف العقول: ١٤٦.

(٣) العقد الفريد ١: ٧٣.

حزم لو قتلته و حييت. قال: أو لست بحيّ؟ فقال، من أوقف نفسه موقفا لا يوثق له بعهد و لا بعقد فليس بحي. قال: كلام لو سبق سمعه فعلي لأمسكت( ١) .

و قال عمرو بن العلاء: كانت بنو سعيد بن تميم أغدر العرب، و كانوا يسمون الغدر في الجاهلية كيسان، فقال فيهم الشاعر:

إذا كنت في سعد و خالك منهم

غريبا فلا يغررك خالك من سعد

إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم

إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد( ٢)

و كان المنصور غدر بابن هبيرة و عمّه عبد اللّه بن علي و أبي مسلم فأعطاهم الأمان ثم قتلهم، فلما كتب إلى محمد بن عبد اللّه بن الحسن كتابا ذكر فيه اعطاءه الأمان أجابه محمد أي الأمانات تعطيني أمان ابن هبيرة أم عمّك أم أبي مسلم.

«فلا تغدرن بذمتك و لا تخيسن» أي: لا تنكثن.

«بعهدك و لا تختلن» أي: لا تخدعن.

«عدوّك فانّه لا يجترى‏ء على اللّه» بنقض حرمة العهد.

«إلاّ جاهل شقي» في الخبر( ٣ ) : من أمن رجلا على دمه، فقتله، فإنّه يحمل لواء غدر يوم القيامة.

«و قد جعل اللّه عهده و ذمته أمنا أفضاه» أي: جعله فضاء واسعا.

«بين العباد برحمته و حريما» أي: شيئا محترما.

«يسكنون إلى منعته» بفتح النون.

____________________

(١) العقد الفريد ١: ٧٣.

(٢) العقد الفريد ١: ٧٤.

(٣) اخرجه ابن ماجه ٢: ٨١٦ ح ٣٦٨٨.

«و يستفيضون» أي: ينتشرون.

«إلى جواره» بالكسر مصدر جاور.

في (المعجم): عن سيف في فتح نيشابور: افتتحها المسلمون سنة (١٩) سنة فتح نهاوند حاصروها مدة فلم يفجأهم إلاّ و أبوابها تفتح و خرج السرح و فتحت الأسواق و انبث أهلها، فأرسل المسلمون ان ما خبركم؟ قالوا: انكم رميتم الينا بالأمان فقبلناه و أقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا. فقالوا: ما فعلنا. فقالوا: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم فاذا عبد يدعى مكتفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم الأمان، فقال المسلمون: ان الذي كتب اليكم عبد. قالوا: لا نعرف عبدكم من حرّكم فقد جاء الأمان و نحن عليه قد قبلناه فان شئتم فاغدروا. فأمسكوا عنهم.

هذا، و في (العقد): كان الاسكندر لا يدخل مدينة إلاّ هدمها و قتل أهلها حتى مر بمدينة كان مؤدبه فيها فخرج إليه فأطلقه الأسكندر و أعظمه، فقال له المؤدب: ان أحق من زين لك أمرك و أعانك على كلّ ما هويت لأنا و ان أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك فأحب أن لا تسعفني فيهم و ان تخالفني في كلّ ما سألتك لهم، فأعطاه من العهود على ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه، فلما توثق منه قال: فان حاجتي اليك أن تهدمها و تقتل أهلها. قال: ليس إلى ذلك سبيل و لا بد من مخالفتك( ١) .

«فلا ادغال» قال الجوهري: قد أدغل في الأمر ادخل فيه ما يخالفه و يفسده.

«و لا مدالسة» الدلس الظلمة، و المدالسة أن يأتيك بالشي‏ء في الظلام

____________________

(١) العقد الفريد ١: ١١١.

ليخفى عليك العيب.

«و لا خداع فيه» الخداع مصدر خادعه إذا أراد به المكروه من حيث لا يعلم( ١) .

في (العقد): صالح سعيد بن العاص حصنا من حصون فارس على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا فقتلهم كلّهم إلاّ رجلا واحدا( ٢) .

و في (الطبري): بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا و لم يبعثه مقاتلا و معه قبائل من العرب سليم و مدلج و قبائل من غيرهم، فلما نزلوا على الغميصاء ماء من مياه بني جذيمة و كانوا قد أصابوا في الجاهلية عوفا أبا عبد الرحمن بن عوف و الفاكهة بن المغيرة عمّ خالد و كانا قد أقبلا تاجرين من اليمن فلما نزلا بهم قتلوهما و أخذوا أموالهما فلما رأى القوم خالدا أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعو السلاح فان الناس قد أسلموا إلى أن قال فوضعوا القوم السلاح لقول خالد، فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله رفع يديه إلى السماء ثم قال «اللّهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد»، ثم دعا علياعليه‌السلام فقال له: أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم و اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج و معه مال فودى لهم الدماء حتى انّه ليدي ميلغة الكلب الخ( ٣) .

و في (الطبري) أيضا: ان أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه ان إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم إذانا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم

____________________

(١) جوهري ١٤: ١٦٩٧.

(٢) العقد الفريد ١: ١١٢.

(٣) تاريخ الطبري ٣: ٦٦ و ٦٧.

ما الذي نقموا و ان لم تسمعوا أذانا فشنوا الغارة و اقتلوا و احرقوا، و كان ممّن شهد لمالك ابن نويرة بالإسلام أبو قتادة السلمي، و قد كان عاهد اللّه أن لا يشهد مع خالد بعدها حربا أبدا، و كان يحدث أنّهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال أبو قتادة. فقلنا انّا المسلمون. فقالوا و نحن المسلمون. قلنا لهم: فما بال السلاح معكم. قالوا لنا: فما بال السلاح معكم. قلنا:

فان كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، فوضعوه ثم صلّينا و صلّوا. و كان خالد يعتذر في قتله أنّه قال و هو يراجعه ما أخال صاحبكم إلاّ و قد كان يقول كذا كذا قال أو ما تعده لك صاحبا؟ ثم قدمه فضرب عنقه و أعناق أصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر فقال: عدوّ اللّه عدا على امرى‏ء مسلم فقتله ثم نزا على امرأته إلى أن قال فقال أبو بكر: خالد سيف سلّه اللّه لا أشيمه( ١) .

و في (الطبري) أيضا: قتل الحجّاج يوم الزاوية من وقائعه مع ابن الأشعث لمّا انهزموا أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان، أمر مناديا فنادى لا أمان لفلان بن فلان و فلان بن فلان فسمّى رجالا فقال العامة: قد آمن الناس فحضروا عنده فأمر بهم فقتلوا( ٢) .

«و لا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحق فإنّ صبرك على ضيق أمر» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)( ٣ ) و ليس «أمر» في (ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية) و الظاهر كونه حاشية خلطت بالمتن فرواية

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٩ و ٢٨٠.

(٢) تاريخ الطبري ٦: ٣٨١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٠٧.

(٤) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٥.

التحف( ١ ) أيضا منه خالية.

«ترجو انفراجه» قال الشاعر:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه

يكون وراءه فرج قريب

«و فضل عاقبته» بحصول ثواب كثير له، قال تعالى: إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب( ٢) .

«خير من غدر تخاف تبعته» من خصمك.

«و أن تحيط بك من اللّه فيه» هكذا في (المصرية) و الصواب: (فيه من اللّه) كما في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) و (ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية).

«طلبه فلا تستقبل» جعله (ابن ميثم)( ٥ ) بالموحدة، قال: و روي «تستقيل» بالمثنّاة.

«فيها دنياك و لا آخرتك».

في (الطبري) في صلح الحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و قالوا له: إئت محمدا فصالحه و لا يكن في صلحه إلاّ أن يرجع عنّا عامه هذا إلى أن قال فلمّا التأم الأمر و لم يبق إلاّ الكتاب وثب عمر فأتى أبا بكر فقال: أ ليس برسول اللّه؟ قال: بلى. قال: أ و لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أ و ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلى م نعطي الدنية في ديننا إلى أن قال ثم أتى عمر النبيّ فقال له: أ لست برسول اللّه؟ قال:

بلى. قال: أ و لسنا بالمسلمين. قال: بلى. قال: أ و ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى.

قال: فعلى م نعطي الدنيّة في ديننا. فقال النبيّ: أنا عبد اللّه و رسوله لن أخالف

____________________

(١) تحف العقول: ١٤٦.

(٢) الزمر: ١٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٠٧.

(٤) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٥.

(٥) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٥.

أمر اللّه و لن يضيّعني إلى أن قال فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بن أبي طالب: اكتب «هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس و يكفّ بعضهم عن بعض، على أنّه من أتى النبيّ من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم و من جاء قريشا ممّن مع النبيّ لم تردّه عليه، و أن بيننا عيبة مكفوفة، و انّه لا اسلال و لا إغلال، و أن من أحبّ أن يدخل في عقد النبيّ و عهده دخل فيه و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه» فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد النبيّ و عهده و تواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش و عهدهم إلى أن قال قال الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، انما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة و وضعت الحرب أوزارها و آمن الناس كلّهم و آمن بعضهم بعضا التقوا و تفاوضوا في الحديث و المنازعة، فلم يكلّم أحد بالاسلام يعقل شيئا إلاّ دخل فيه، فقد دخل في الاسلام في تينك السنين مثل ما كان دخل في الاسلام قبل ذلك و أكثر.

إلى أن قال: فلما قدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش و كان ممّن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف و الأخنس بن شريق الثقفي و بعثا رجلا من بني عامر بن لؤي و معه مولى لهم فقدما على النبيّ بكتاب الأزهر و الأخنس، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أبا بصير قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت و لا يصلح لنا في ديننا الغدر و ان اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار و جلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أ صارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم. قال: أنظر إليه. قال: ان شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به فقتله. و خرج المولى سريعا حتى أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و هو في المسجد، فلما رآه

طالعا قال: ان هذا رجل قد رأى فزعا، فلما انتهى إليه قال له: ويلك مالك. قال:

قتل صاحبكم صاحبي، فو اللّه ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا رسول اللّه وفت ذمتك رددتني اليهم ثم أنجاني اللّه. فقال النبيّ: ويل امه مسعر حرب لو كان معه رجال، فلما سمع أبو بصير ذلك علم أنّه سيرده اليهم، فخرج حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل بحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام و بلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بصير «محش حرب لو كان معه رجال»، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص و لحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو فاجتمع إليه قريبا من سبعين رجلا منهم، فكانوا قد ضيقوا على قريش فو اللّه ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلاّ اعترضوا لهم فقتلوهم و أخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يناشدونه باللّه و الرحم لما أرسل اليهم فمن أتاه فهو آمن، فآواه النبيّ فقدموا عليه المدينة( ١) .

«اياك و الدماء و سفكها بغير حلها فانه ليس شي‏ء أدنى» هكذا في المصرية و الصواب: «أدعى» كما في ابن أبي الحديد( ٢ ) و ابن ميثم( ٣ ) و الخطية (لنقمة و لا أعظم لتبعة و لا أحرى بزوال نعمة و انقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها) قال تعالى و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها و غضب اللّه عليه و لعنه و أعدّ له عذابا عظيما( ٤) .

و في غريب ابن قتيبة قال عليعليه‌السلام «لما قتل ابن آدم أخاه غمص اللّه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٦٣٣ و ٦٣٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٠.

(٣) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٥.

(٤) النساء: ٩٣.

الخلق و نقص الأشياء» و معنى الحديث ان اللّه تعالى نقص الخلق من عظم الابدان و طولها من القوة و البطش و طول العمر و نحو ذلك.

و عن الصادقعليه‌السلام : أوحى اللّه تعالى إلى موسى قل للملأ من بني اسرائيل إيّاكم و قتل النفس الحرام بغير حق فان من قتل منكم نفسا في الدنيا قتله في النار مائة ألف قتلة مثل قتل صاحبه( ١) .

و عن الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى و من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا( ٢ ) انه يوضع في موضع من جهنم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها لو قتل الناس جميعا كان انما يدخل ذلك المكان( ٣) .

و عن أحدهماعليهما‌السلام قيل للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قتيل في مسجد جهينة، فقام يمشي حتى انتهى إلى مسجدهم و تسامع الناس فأتوه، فقال: من قتل ذا؟ فقالوا لا ندري. فقال: و الذي بعثني بالحقّ لو أن أهل السماوات و الأرض شركوا في دم مسلم أو رضوا به لأكبهم اللّه على مناخرهم أو قال على وجوههم( ٤) .

و عن الصادقعليه‌السلام : في من قتل مؤمنا يقال له مت أي ميتة شئت يهوديا و ان شئت نصرانيا و ان شئت مجوسيا( ٥) .

«و اللّه سبحانه مبتدى‏ء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة».

____________________

(١) عقاب الاعمال: ٣٢٧ ح ٨.

(٢) المائدة: ٣٢.

(٣) اخرجه الكليني في الكافي ٧: ٢٧١ ح ١، و؟؟ في عتاب: ٣٢ ح ٢.

(٤) اخرجه الكليني في الكافي ٧: ٢٧٢ ح ٨.

(٥) اخرجه الكليني في الكافي ٧: ٢٧٣ ح ٩٨، و عتاب: ٣٢٧ ح ٤.

عن الصادقعليه‌السلام : أول ما يحكم اللّه تعالى في القيامة الدماء فيقوم ابنا آدم فيفصل بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك، فيأتي المقتول قاتله فيشخب دمه في وجهه فيقول:

هذا قتلني. فيقول: أنت قتلته، فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا( ١) .

(فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فان ذلك مما يضعفه و يوهنه بل يزيله و ينقله).

في المروج كان معاوية بعث في سنة أربعين بسر بن ارطأة في ثلاثة آلاف رجل حتى قدم المدينة و عليها أبو أيوب الأنصاري، فتنحى و جاء بسر فصعد المنبر و تهدد أهل المدينة بالقتل فأجابوه إلى بيعة معاوية، ثم سار إلى اليمن و كان عبيد اللّه بن العباس بها فخرج عنها و خلّف ابنيه عند امهما، فقتلهما بسر و قتل معهما خالا لهما من ثقيف و قتل بالمدينة و بين المسجدين خلقا كثيرا من خزاعة و غيرهم، و كذلك بالجرف قتل بها خلقا كثيرا من رجال همدان. و قتل بصنعاء خلقا كثيرا من الأبناء و لم يبلغه عن أحد أنّه يمالى‏ء عليا أو يهواه إلاّ قتله( ٢) .

«و لا عذر لك عند اللّه و لا عندي في قتل العمد لأنّ فيه قود» بفتحتين أي: القصاص.

«البدن» قال تعالى: النفس بالنفس( ٣ ) و قال و لكم في القصاص حياة( ٤) .

«و إن ابتليت بخطأ و أفرط عليك سوطك أو سيفك» هكذا في (المصرية)

____________________

(١) اخرجه الكافي ٧: ٢٧١ ح ٢، و عقاب الأعمال: ٣٢٦ ح ٣.

(٢) مروج الذهب ٢: ٢١ و ٢٢.

(٣) المائدة: ٤٥.

(٤) البقرة: ١٧٩.

و الكلمة «أو سيفك» زائدة لعدم وجودها في (ابن أبي الحديد)( ١ ) و (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية)، و الظاهر أن الكلمة كانت حاشية زادها بعض المحشين اجتهادا فخلطت بالمتن، إلاّ أنّ اجتهاده كان خطأ فالسيف لا يستعمل إلاّ في العمد دون الخطأ، و ليست الكلمة في رواية (التحف)( ٣ ) أيضا.

«أو يدك بعقوبة فإنّ في الوكزة» قال ابن دريد: الوكز: الضرب باليد و هي مجموعة( ٤) .

«فما فوقها مقتلة» أي: سببا للقتل كما اتّفق لموسىعليه‌السلام مع القبطيّ قال تعالى فوكزه موسى فقضى عليه( ٥) .

«فلا تطمحنّ» أي: لا ترفع.

«بك نخوة» أي: عظمة.

«سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم» من الدية لأنّ في مثله من قتل يحصل بسبب إفراط سوط أو يد في العقوبة و هو الخطأ شبيه العمد الدية على القاتل و إنّما الدية على العاقلة في الخطأ المحض.

روى الكافي أنّهعليه‌السلام أمر قنبرا أن يضرب رجلا حدّا فغلط قنبر فزاده ثلاثة أسواط فأقادهعليه‌السلام من قنبر ثلاثة أسواط.

و روى: أنّ امرأة كانت تؤتى فبلغ ذلك عمر فبعث إليها فروّعها و أمر أن يجاء بها إليه، ففزعت المرأة فأخذها الطلق و ذهبت إلى بعض الدور فولدت غلاما فاستهلّ الغلام ثم مات، فدخل عليه من روعة المرأة و من موت الغلام

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١١.

(٢) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٥.

(٣) تحف العقول: ١٤٧.

(٤) جمهرة اللغة ٢: ٨٢٥.

(٥) القصص: ١٥.

ما شاء اللّه، فقال له بعض جلسائه: ما عليك من هذا شي‏ء، و قال بعضهم و ما هذا؟ فقال عمر: سلوا أبا الحسن. فقالعليه‌السلام : إن كنتم اجتهدتم ما أصبتم، و إن كنتم برأيكم قلتم لقد اخطأتم، ثم قال لعمر عليك ديّة الصبي( ١) .

قال ابن أبي الحديد: كلامهعليه‌السلام لمالك يدلّ على أنّ المؤدب من الولاة إذا تلف تحت يده إنسان في التأديب فعليه الدية، و قال لي قوم من فقهاء الامامية:

إنّ مذهبنا أن لا دية عليه، و هو خلاف مقتضى كلامهعليه‌السلام هنا( ٢) .

قلت: فصلّ الشيخان في (المقنعة) و (الاستبصار) بين حقوق اللّه و حقوق الناس استنادا إلى خبر الكافي عن ابن حي عن الصادقعليه‌السلام كان علي يقول: من ضربناه حدا من حدود اللّه فمات فلا دية له علينا، و من ضربناه في حقوق الناس فمات فان ديته علينا( ٣) .

و كلامهعليه‌السلام هنا لمالك لا ينافي ذلك لأن مورده التعدّي لقولهعليه‌السلام «و أفرط عليك سوطك أو يدك بعقوبة» و يمكن حمل خبر (الكافي) في ضمان حقوق الناس أيضا على التعدّي لعدم تعيين الضّرب فيه و إلاّ فمن حقوق الناس القصاص في غير النفس.

و في خبر زيد الشحام عن الصادقعليه‌السلام في رجل قتله القصاص، هل له دية؟ قال: لو كان ذلك لم يقتصّ من أحد( ٤) .

و في خبر الحلبي عنهعليه‌السلام أيضا أنّ من قتله الحدّ و القصاص

____________________

(١) الكافي ٧: ٢٦٠ ح ١، و ٧: ٣٧٤ ح ١١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٢.

(٣) الاستبصار ٤: ٢٧٩ ٣، المقنعة: ١١٦، من لا يحضره الفقيه ٤: ٥١ ح ٥، الكافي ٧: ٢٩٢ ح ١٠، التهذيب ١٠: ٢٠٨ ح ٢٧.

(٤) الاستبصار ٤: ٢٧٦ ح ٢: الكافي ٧: ٢٩١ ح ٣، التهذيب ١٠: ٢٠٧ ح ٢٠: من لا يحضره الفقيه ٤: ٣٧٩ ح ٢.

فلا دية له( ١) .

«و إيّاك و الإعجاب بنفسك و الثّقة بما يعجبك منها» في (المروج): قيل لقتيبة ابن مسلم و هو وال للحجاج على خراسان محاربا للترك: لو وجّهت فلانا لرجل من أصحابه أميرا على الجيش إلى الحرب، فقال: إنّه رجل عظيم الكبر، و من عظم كبره اشتدّ عجبه، و من أعجب برأيه لم يشاور كفيّا و لم يؤامر نصيحا، و من تبجّح بالإعجاب و فخر بالاستبداد كان من الصّنع بعيدا و من الخذلان قريبا، و من تكبّر على عدوّه حقره، و من حقره تهاون بأمره، و من تهاون بأمر عدوه وثق بقوّته و سكن إلى عدّته فقلّ احتراسه و كثر عثاره، و ما رأيت عظيما تكبّر على صاحب حرب قطّ إلاّ كان مخذولا، لا و اللّه حتى يكون أسمع من فرس و أبصر من عقاب، و أهدى من قطاة و أحذر من عقعق، و أشدّ اقداما من أسد و أوثب من فهد، و أحقد من جمل و أروغ من ثعلب، و أسخى من ديك و أشح من ظبي و أحرس من كركي، و أحفظ من كلب و أصبر من ضب و أجمع من النمل، و ان النفس إنما تسمح بالعناية على قدر الحاجة و يتحفظ على قدر الخوف و يطمع على قدر السبب، و قد قيل: ليس لمعجب رأي و لا لمتكبّر صديق، و من أحبّ أن يحبّ تحبّب( ٢) .

و في (الطبري): كان يزدجرد الاثيم بن سابور ذي الأكناف ذا عيوب كثيرة، و كان من أشدّ عيوبه و أعظمها ذكاء ذهن و حسن أدب و صنوفا من العلم قد مهرها و علمها، و شدّة عجبه بما عنده من ذلك و استخفافه بكلّ ما كان في أيدي الناس من علم و أدب، و احتقاره له و قلّة اعتداده به و استطالته على

____________________

(١) الاستبصار ٤: ٢٧٨ ٢٧٩ ح ١: الكافي ٧: ٢٩٠ ٢٩١ ح ١، التهذيب ١٠: ٢٠٦ ١٨، من لا يحضره الفقيه ٤:

٢٧٨.

(٢) مروج الذهب ٤: ٢٣٧.

الناس بما عنده منه( ١) .

«و حبّ الإطراء» أي: مدح الناس له. في (العقد): قدم على عمر بن عبد العزيز ناس من أهل العراق فنظر إلى شاب منهم يتحوّش للكلام، فقال: أكبروا أكبروا. فقال الشاب: ليس بالسن و لو كان الأمر كلّه بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك. فقال عمر: صدقت تكلّم. فقال: إنّا لم نأتك رغبة و لا رهبة، أمّا الرغبة فقد دخلت علينا منازلنا و قدمت علينا بلادنا، و أما الرهبة فقد آمننا اللّه بعد لك من جورك. قال: فما أنتم. قال: وفد الشكر. فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلّل، فقال له: لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك فإنّ اناسا خدعهم الثناء و غرّهم شكر الناس فهلكوا و أنا أعيذك باللّه أن تكون منهم. فألقى عمر رأسه على صدره.

و قد يطري أهل الدنيا من فوقهم بما يكون كفرا، فقالوا كتب الحجّاج إلى عبد الملك: كما أن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله كذلك الخلفاء أعلى منزلة من المرسلين( ٢) .

«فان ذلك من أوثق» أي: أحكم.

«فرص الشيطان في نفسه» قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام قال إبليس لجنوده: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم ابال ما عمل، فإنّه غير مقبول منه: إذا استكثر عمله و نسي ذنبه و دخله العجب( ٣) .

جعلعليه‌السلام الإعجاب و حبّ الاطراء من أوثق فرصه، لأن فرصه كثيرة في إضلال ابن آدم. و في الخبر: قال إبليس لنوح بعد أن دعا على قومه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٦٣.

(٢) العقد الفريد ٢: ١٧.

(٣) الخصال: ١١٢ ح ٨٦.

أرحتني و أنا أريد أن اكافئك على ذلك، اذكرني في ثلاثة مواطن: إذا غضبت و إذا حكمت بين اثنين، و إذا كنت مع امرأة خاليا ليس معكما أحد( ١) .

أيضا قال إبليس: ما أعياني في ابن آدم فلن يعييني منه واحدة من ثلاث:

أخذ مال من غير حلّه، أو منعه من حقّه، أو وضعه في غير وجهه( ٢) .

«ليمحق» أي: يبطل.

«ما يكون من احسان المحسنين» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(المحسن) كما في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) و (ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية).

و في الخبر: سيّئة تسوؤك خير من حسنة تعجبك.

و في (تفسير القمي): لما كلّم اللّه تعالى موسى و أنزل عليه الألواح رجع إلى بني إسرائيل فصعد المنبر فأخبرهم أنّ اللّه كلّمه و أنزل عليه التوراة، ثم قال في نفسه: ما خلق اللّه خلقا هو أعلم منّي. فأوحى تعالى إلى جبرئيل ان أدرك موسى فقد هلك و أعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصخرة الكبيرة رجلا أعلم منك فصر إليه و تعلّم منه، فنزل جبرئيل على موسى فأخبره بذلك...( ٥) .

و في (عقاب الأعمال) عن أبي جعفرعليه‌السلام : إن اللّه عز و جل فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة، فخلق سبع سماوات، و سبع أرضين، و أشياءهما، فلما رأى ان الأشياء قد انقادت له قال: من مثلي فأرسل اللّه عز و جل نويرة نار مثل

____________________

(١) الخصال: ١٣٢ ح ١٤٠.

(٢) الخصال: ١٣٢ ح ١٤١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٢.

(٤) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٥.

(٥) تفسير القمي ٢: ٣٦.

أنملة فاستقبلها بجميع ما خلق حتى وصلت إليه لما دخله العجب( ١) .

«و إيّاك و المنّ على رعيّتك بإحسانك أو التزيّد» في (الصحاح) التزيد في الحديث: الكذب( ٢ ) ، و كان سعيد بن عثمان يلقب بالزوائدي لأنّه كان له ثلاث بيضات.

«فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإنّ المنّ يبطل الإحسان» كما يبطل الصدقات. قال الشاعر:

أفسدت بالمنّ ما أسديت من حسن

ليس الكريم إذا أسدى بمنّان

في (العيون): قال رجل لبنيه: إذا اتّخذتم عند رجل يدا فانسوها.

و قال رجل لابن شبرمة: فعلت بفلان كذا و كذا و كذا. فقال له: لا خير في المعروف إذا احصي.

و قد وصف النابغة الاحسان مع المن بنعمة ذات عقارب، فقال في عمرو بن الحدث الغساني:

عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة

لوالده ليست بذات عقارب

«و التزيّد يذهب بنور الحق» فكل باطل خلط مع الحق يذهب بالحق.

و كان الصادقعليه‌السلام يقول لطلاب العلم: لا تكونوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقكم( ٣) .

«و الخلف» للوعد.

«يوجب المقت» أي: المبغوضية.

«عند اللّه و الناس. قال اللّه تعالى» هكذا في (المصرية) و الصواب:

____________________

(١) عقاب الأعمال: ٢٩٩ ح ١.

(٢) الصحاح ٢: ٤٨٢.

(٣) أخرجه ابن بابويه في أماليه: ٣٩٤ ح ٩ المجلس ٥٧.

(سبحانه) كما في (ابن أبي الحديد)( ١ ) و (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية) كبر مقتا عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون و قبله يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون( ٣ ) ، و قد أكثروا في ذمّ الخلف فمنها:

يا أكثر الناس وعدا حشوه خلف

و أكثر الناس قولا حشوه كذب

أيضا:

يا جواد اللّسان من غير فعل

ليت جود اللسان في راحتيكا

أيضا:

قد بلوناك بحمد اللّه ان أغنى البلاء

فإذا جل مواعيدك و الجحد سواء

أيضا:

للّه درّك من فتى

لو كنت تفعل ما تقول

أيضا:

لسانك أحلى من جنى النحل موعدا

و كفّك بالمعروف أضيق من فعل

«و إيّاك و العجلة بالامور قبل أوانها» قال تعالى: خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون( ٤ ) و قال: و يدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير و كان الإنسان عجولا( ٥) .

«أو التسقط» هكذا في (المصرية) و الصواب: (أو التساقط) كما في (ابن أبي الحديد)( ٦ ) و (ابن ميثم)( ٧ ) و (الخطية).

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٣.

(٢) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٦.

(٣) الصف: ٢ ٣.

(٤) الأنبياء: ٣٧.

(٥) الاسراء: ١١.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٣.

(٧) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٦.

«فيها عند امكانها».

قال ابن أبي الحديد: هو عبارة عن النهي عن الحرص و الجشع، قال الشنفرى:

و إن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن

بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل( ١)

قلت: أين ما قال من مرادهعليه‌السلام ، فان مراده النهي عن الاسترخاء و البطء في الامور عند إمكان أدركها في مقابل العجلة بها قبل وقتها، قال الشاعر:

فإذا أمكنت فبادر إليها

حذرا من تعذّر الإمكان

«أو اللّجاجة فيها إذا تنكّرت» قال الشاعر:

و رب ملحّ على بغية

و فيها منيّته لو شعر

قال آخر:

كناطح صخرة يوما ليفلقها

فلم يضرها و أوهى قرنه الوعل

«أو الوهن عنها إذا استوضحت» و في رواية (التحف) (أوضحت)،( ٢ ) و الفرق بين هاتين الفقرتين و اللتين قبلهما أن هاتين من حيث عرفان الامور و نكرها و وضوحها و لبسها و الأوليان من حيث بلوغ وقتها و عدمه.

«فضع كلّ أمر موضعه و أوقع كلّ أمر» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(عمل) كما في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) و (ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية).

«موقعه».

رأى دريد بن الصّمّة الخنساء بنت عمرو بن شريد تهنا الابل كما ينبغي فقال فيها:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٦.

(٢) تحف العقول: ١٤٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٣.

(٤) شرح ابن ميثم ٥: ١٧٦.

ما ان رأيت و لا سمعت به

كاليوم هاني أينق جرب

متبذّلا تبدو محاسنه

يضع الهناء مواضع النقب

و قالوا: الحكمة وضع كلّ شي‏ء موضعه، و العقل هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

«و إيّاك و الاستئثار» أي: الاستبداد.

«بما النّاس فيه أسوة» أي: سواء، أي: جعله اللّه لعامة عباده كالكلأ، و قد حمى عثمان الكلأ الذي حول المدينة لنفسه و هو أحد مطاعنه.

و في (خلفاء ابن قتيبة): إجتمع ناس من الصحابة فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف عثمان من السنة إلى أن قال فيها و ما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة. و قال: قال له رجل من المهاجرين يا عثمان أ رأيت ما حميت عن الحمى ء آ للّه أذن لكم أم على اللّه تفترون( ١) .

هذا، و استشهد ابن أبي الحديد لكلامه: «و إيّاك و الإستئثار بما الناس فيه أسوة» بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا غنائم من خيبر غنائم، ركب راحلته و سار، فتبعه الناس يطلبون قسمتها، فمرّ بشجرة فخطفت رداءه، فالتفت اليهم و قال: ردّوا عليّ ردائي، فلو ملكت بعدد رمل تهامة مغنما لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني بخيلا و لا جبانا، و نزل و قسّم ذلك المال عن آخره عليهم كلّه، لم يأخذ لنفسه وبرة( ٢) .

و هو كما ترى لا ربط له، فإن الغنائم ليس الناس فيها أسوة بل خمس منها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله و أقربائه و أربعة أخماس منها للمجاهدين، و النبي ما استأثر على الناس بسهامهم بل آثرهم بسهم نفسه.

____________________

(١) الخلفاء لابن قتيبة ١: ٣٢ و ٣٣. و الآية ٥٩ من سورة يونس.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٦.

«و التغابي» أي: التغافل و هو عطف على «الاستئثار»، أي: و إيّاك و التغافل «عما يعنى» بلفظ المجهول «به» أي: يهتم به.

«ممّا قد وضح للعيون فإنّه مأخوذ منك لغيرك» كما كان عثمان يعمل أقاربه أعمالا شنيعة بمرأى و مسمع من الناس و يتغابى عنها.

و في (خلفاء ابن قتيبة) في كتاب جمع الصحابة فيه بدع عثمان إلى أن قال و ما كان من إفشائه العمل و الولايات في أهله و بني عمّه من بني أمية أحداث و غلمة لا صحبة لهم من الرسول و لا تجربة لهم بالامور، و تركه المهاجرين و الأنصار لا يستعملهم على شي‏ء و لا يستشيرهم و استغنى برأيه عن رأيهم، و ما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح و هو أمير عليهم سكران أربع ركعات ثم قال إن شئتم أزيدكم ركعة زدتكم، و تعطيله إقامة الحدّ عليه إلى أن قال ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا عثمان ما بال هؤلاء النفر من أهل المدينة يأخذون العطايا و لا يغزون في سبيل اللّه، و إنّما هذا المال لمن غزا فيه و قاتل عليه؟ إلى أن قال فما بال هذا القاعد الشارب لا تقيم الحدّ عليه؟ يعني الوليد بن عقبة( ١) .

«و عمّا قليل تنكشف» و في رواية (التحف) (تكشف)( ٢ ) و هو أصح.

«عنك أغطية الأمور» هنا لك تبلو كل نفس ما أسلفت( ٣ ) ، يوم تبلى السّرائر( ٤) .

«و ينتصف منك للمظلوم» و في رواية (التحف)( ٥ ) «فينتصف المظلومون

____________________

(١) الخلفاء لابن قتيبة ١: ٣٢ و ٣٤.

(٢) تحف العقول: ١٤٨.

(٣) يونس: ٣٠.

(٤) الطارق: ٩.

(٥) تحف العقول: ١٤٨.

من الظالمين» و روايته أصحّ، فقالعليه‌السلام ذلك عامّا كما في قوله تعالى: فاذا جاءت الطامّة الكبرى. يوم يتذكّر الإنسان ما سعى. و برّزت الجحيم لمن يرى. فأمّا من طغى و آثر الحياة الدنيا فإنّ الجحيم هي المأوى. و أمّا من خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى( ١) .

و كيف كان ففي (الطبري): لما دخل المنصور آخر منزل نزله من طريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزل فيه فاذا فيه مكتوب:

أبا جعفر حانت و فاتك و انقضت

سنوك و أمر اللّه لا بدّ واقع

أبا جعفر هل كاهن أو منجم

لك اليوم من حرّ المنيّة مانع

فدعا بالمتولي لإصلاح المنازل فقال: أ لم آمرك ألا يدخل المنزل أحد من الدعار؟ قال: و اللّه ما دخلها أحد منذ فرغ منها. فقال: إقرأ ما في صدر البيت. قال ما أرى شيئا. فدعا برئيس الحجبة فقال: إقرأ ما على صدر البيت. فقال: ما أرى على صدر البيت شيئا. فأملى البيتين فكتبا عنه، فالتفت إلى حاجبه فقال له: اقرأ آية من كتاب اللّه جل و عزّ تشوّقني إلى اللّه عز و جل فتلا و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون( ٢ ) فأمر بفكّيه فوجئا و قال له ما وجدت شيئا تقرأ غير هذه الآية. فقال: محي القرآن من قلبي غير هذه الآية. فأمر بالرحيل من ذلك المنزل تطيّرا ممّا كان و ركب فرسا، فلما كان في الوادي الذي يقال له «سقر» و كان آخر منزل بطريق مكة كبا به الفرس فدقّ ظهره و مات فدفن ببئر ميمون، و حفر له مئة قبر و ما دفن في كلّها لئلاّ يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للناس و دفن في غيرها للخوف عليها، و كذلك قبور خلفاء ولد

____________________

(١) النازعات: ٣٤ ٣٩.

(٢) الشعراء: ٢٢٧.

العباس لا يعرف لأحد منهم قبر( ١) .

«أملك» في رواية (التحف) «ثم أملك»( ٢) .

«حمية أنفك» و في الخبر: المؤمن كالجمل الأنف. أي: الموجع أنفه بالخزامة.

«و سورة» أي: سطوة.

«حدك» أي: بأسك، و في رواية (التحف) «حدّتك»( ٣) .

«و سطوة يدك» قال هود لقومه: و إذا بطشتم بطشتم جبّارين( ٤) .

«و غرب» أي: حدة.

«لسانك و احترس» أي: احتفظ.

«من كلّ ذلك» الأربعة المذكورة.

«بكفّ البادرة» ما تبدر من الإنسان عند حدته.

«و تأخير السطوة» أي: العقوبة.

«حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار» عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن الغضب جمرة توقّدت في جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه و انتفاخ أوداجه»( ٥) .

و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ليس الشّديد بالصرعة إنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»( ٦) .

هذا، و في رواية (التحف): «و ارفع بصرك إلى السماء عند ما يحضرك

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ١٠٧.

(٢) تحف العقول: ١٤٨.

(٣) تحف العقول: ١٤٨.

(٤) الشعراء: ١٣٠.

(٥) الكافي ٢: ٣٠٤ ح ١٢.

(٦) أخرجه الطبري و مسلم في صحيحيهما و أحمد في مسنده، عنهم الجامع الصغير ٢: ١٢٥.

منه حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار»( ١) .

و قال ابن أبي الحديد: كان لكسرى أنوشروان من يقف على رأسه يوم جلوسه، فإذا غضب على إنسان قرع سلسلة تاجه بقضيب في يده و قال له:

إنّما أنت بشر، فارحم من في الأرض يرحمك من في السماء( ٢) .

«و لن تحكم» من الإحكام.

«ذلك من نفسك حتى تكثر همومك» أي: خيالاتك.

«بذكر المعاد» أي: العود.

«إلى ربك».

و في (الطبري): سار الهادي بين أبيات جرجان و بساتينها، فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنّى، فقال لصاحب شرطته: عليّ بالرجل الساعة. فقال له سعيد بن مسلم: ما أشبه قصة هذا الحائن بقصة سليمان بن عبد عبد الملك. قال: و كيف؟ قال: كان سليمان في متنزّه له و معه حرمه فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنّى فدعا صاحب شرطته فقال علي بصاحب الصوت، فأتي به فلما مثل بين يديه قال له: ما حملك على الغناء و أنت إلى جنبي و معي حرمي، أما علمت أنّ الرّماك إذا سمعت صوت الفحل حنّت إليه، يا غلام جبّه فجبّ الرجل، فلما كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المنتزه فجلس مجلسه الذي فيه فذكر الرجل و ما صنع به فقال لصاحب شرطته: عليّ بالرجل الذي كنّا جببناه، فأحضره فلمّا مثل بين يديه قال له: إمّا بعت فوفيناك و إمّا وهبت فكافأناك، فو اللّه ما دعاه بالخلافة و لكنّه قال له: يا سليمان اللّه اللّه، قطعت نسلي فذهبت بماء وجهي و حرمتني لذتي ثم

____________________

(١) تحف العقول: ١٤٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٧.

تقول: «إمّا وهبت فكافأناك و إمّا بعت فوفيناك» لا و اللّه حتى نقف بين يدي اللّه.

فقال الهادي: يا غلام ردّ صاحب الشرطة. فقال له: لا تتعرّض للرجل( ١) .

«و الواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك» و في رواية (التحف)( ٢ ) : «أن تتذكّر ما كان من كلّ ما شاهدت منّا».

«من حكومة عادلة أو سنّة فاضلة أو أثر عن نبيّنا» و في رواية (التحف)( ٣) :

«عن نبيّك».

و منه في (الأنساب) قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الولد للفراش و للعاهر الحجر( ٤) .

و في (الطبري): كتب المهدي إلى عمّاله: ردّوا نسب بني زياد إلى عبيد، لقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نصر بن الحجّاج السلمي و من كان معه من موالي بني مخزوم و قد أعدّ لهم معاوية حجرا تحت بعض فرشه فألقاه إليهم فقالوا له يسوغ لك ما فعلت في زياد و لا تسوغ لنا ما فعلنا في صاحبنا فقال: قضاء النبي خير لكم من قضاء معاوية( ٥) .

«أو فريضة في كتاب اللّه» فلا يجوز صرف الصدقات إلى غير الأصناف الثمانية، قال تعالى بعد عدّها فريضة من اللّه( ٦) .

«فتقتدي بما شاهدت ممّا عملنا به فيها» هذا يدل على أن عمل المتقدّمين عليه لم يكن على مقتضى الشريعة، و أمّا عملهعليه‌السلام فكان على حاقّ الحقّ، و قد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المتواتر عنه «عليّ على الحق يدور مداره»( ٧ ) و قد أقرّ بذلك

____________________

(١) تاريخ الطبري ٨: ٢١٤ ٢١٥.

(٢) تحف العقول: ١٤٨.

(٣) تحف العقول: ١٤٨.

(٤) الجامع الصغير ٢: ١٩٨.

(٥) تاريخ الطبري ٨: ١٣١.

(٦) التوبة: ٦٠.

(٧) أخرجه الحاكم ٣: ١٢٤، و الخطيب ١٤: ٣٢١، و الترمذي ٥: ٦٣٢ ح ٣٧١٤.

الثاني فقال في شوراه بأنّه لو ولي الناس ليحملنّهم على المحجّة البيضاء فيحتج عليهم بالبرهان الذي ذكره القرآن أ فمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون( ١) .

«و تجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا و استوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها» هو كقوله تعالى: رسلا مبشّرين و منذرين لئلاّ يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل و كان اللّه عزيزا حكيما( ٢ ) ، و لو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدّمت أيديهم فيقولوا ربّنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك و نكون من المؤمنين( ٣) .

و زاد في رواية (التحف) «فليس يعصم من السوء، و لا يوفّق للخير إلاّ اللّه جلّ ثناؤه، و قد كان ممّا عهد إليّ رسول اللّه في وصايته تحضيضا على الصلاة و الزكاة و ما ملكت أيمانكم، فبذلك أختم لك ما عهدت، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم»( ٤) .

«و أنا اسأل اللّه» هكذا في (المصرية) و فيها سقط و الأصل «و من هذا العهد و هو آخره و أنا أسأل اللّه» كما في (ابن أبي الحديد)( ٥ ) و (ابن ميثم)( ٦ ) و زاد الثاني «سبحانه».

«بسعة رحمته و عظيم قدرته على إعطاء كل رغبة» دون خلقه.

«أن يوفّقني و إيّاك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه» باتّقائه

____________________

(١) يونس: ٣٥.

(٢) النساء: ١٦٥.

(٣) القصص: ٤٧.

(٤) تحف العقول: ١٤٨.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٧.

(٦) شرح ابن ميثم ٥: ١٨٦.

حسب الوسع كما قال عز و جل فاتّقوا اللّه ما استطعتم( ١ ) و إلى خلقه بإصلاح أمورهم بقدر الجهد كما حكى تعالى عن شعيبعليه‌السلام : إن اريد إلاّ الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب( ٢) .

«مع حسن الثّناء في العباد و جميل الأثر في البلاد» فكل منهما نعمة عظيمة و الثاني عبادة معنوية أيضا.

و في الجهشياري كان جبرئيل بن بختيشوع صنيعة البرامكة، و كان يقول للمأمون كثيرا هذه النعمة لم أفدها منك و لا من أبيك هذه أفدتها من يحيى بن خالد و ولده.

و فيه سارت الركبان في الافاق بغدر الأمين و بحسن سيرة المأمون، فاستوحش الناس من الأمين و انحرفوا عنه و سكنوا إلى المأمون و مالوا إليه.

«و تمام النعمة و تضعيف الكرامة» قال حد «و تمام» معطوف على «ما» في قولهعليه‌السلام «لما فيه رضاه»( ٣) .

قلت: بل معطوف على «حسن الثناء» كما هو واضح، و لا يصح ما قال لأنّه يصير المعنى على ما قال «اسأل اللّه أن يوفقني لتمام النعمة و تضعيف الكرامة» و لا معنى له، و توجيهه بأن المراد للأعمال الصالحة التي يستوجهما بها تعسف.

«و ان يختم لي و لك بالسعادة و الشهادة» استجيب دعاؤهعليه‌السلام للاشتر فقضى نحبه مسموما في طاعتهعليه‌السلام و كفاه شرفا و فضلا.

____________________

(١) التغابن: ١٦.

(٢) هود: ٨٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٨.

و في (الطبري): لما انقضى أمر الحكومة كتب عليعليه‌السلام إلى الأشتر و هو يومئذ بنصيبين: «أما بعد فانك ممن استظهر به على إقامة الدين و أقمع به نخوة الأثيم و أشد به الثغر المخوف، و كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج و هو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب و لا بمجرب للأشياء، فاقدم عليّ لننظر في ذلك فيما ينبغي و استخلف على عملك أهل الثقة و النصيحة من أصحابك». فأقبل الأشتر حتى دخل عليهعليه‌السلام فحدّثه حديث أهل مصر و قال له: ليس لها غيرك. أخرج رحمك اللّه فإنّي إن لم أوصك اكتفيت برأيك، و استعن باللّه على ما أهمّك، فاختلط الشدّة باللين و ارفق ما كان الرّفق أبلغ، و اعتزم بالشدّة حين لا يغني عنك إلاّ الشدة. فخرج الأشتر من عنده فأتى رحله فتهيّأ للخروج إلى مصر، و أتت معاوية عيونه فخبّروه بولاية الأشتر، فعظم ذلك عليه و قد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشدّ عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث إلى «الجايستار» رجل من أهل الخراج فقال له: إن الأشتر قد ولّي مصر فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه، فخرج الجايستار حتى أتى قلزم و أقام به، و خرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال: هذا منزل و هذا طعام و علف و أنا رجل من أهل الخراج، فنزل به الاشتر فأتاه الدهقان بعلف و طعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمّا فسقاه إيّاه، فلمّا شربها مات، و أقبل الذي سقاه إلى معاويه فأخبره، فقام معاوية خطيبا فقال: كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يعني عمّارا يوم صفين و قطعت الاخرى يعني الأشتر اليوم( ١) .

«انا للّه و انّا إليه راجعون» هكذا في (المصرية) و الصواب: (راغبون) كما

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٩٤ ٩٥، بتصرّف.

في (ابن أبي الحديد)( ١ ) و ابن ميثم( ٢ ) و الخطية بل في رواية (التحف)( ٣ ) أيضا.

«و السّلام على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الطيبين الطاهرين و سلّم تسليما كثيرا، و السّلام» هكذا في (المصرية) لكن «و سلم» الاولى و «السّلام» في الآخر زائدتان قطعا لعدم وجودهما في (ابن أبي الحديد)( ٤ ) و (ابن ميثم)( ٥ ) و (الخطية)، مع أنّ «و سلّم» لا يصلح فصلها بين الموصوف و الصفة، و أما باقيها فاختلف ابن أبي الحديد و ابن ميثم على ما في النسخة فيهما، ففي (ابن أبي الحديد)( ٦ ) هكذا «و السّلام على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الطيبين الطاهرين» و في (ابن ميثم)( ٧ ) «و السّلام على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسليما كثيرا» و مثله (الخطية)، و هو الصحيح من النهج لكون نسخة ابن ميثم بخط مصنفه، و في رواية (التحف)( ٨ ) : «و السّلام على رسول اللّه، و على آله الطيبين الطاهرين».

هذا، و نقل ابن أبي الحديد بعد عهدهعليه‌السلام هذا إلى الأشتر وصايا جمع من كبراء العرب كأوس بن حارثة و الحارث بن كعب و أكثم بن صيفي و قيس بن عاصم و عمرو بن كلثوم و يزيد بن المهلب( ٩) .

و نقل أيضا وصية أردشير إلى من بعده من الملوك، فقال: قال في

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٧. و فيه: «إنّا إلى اللّه راغبون»، و في صبحي الصالح: «إنّا إليه راجعون».

(٢) شرح ابن ميثم ٥: ١٨٦.

(٣) تحف العقول: ١٤٩. و فيه: «و إنّا إليه راجعون».

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٧.

(٥) شرح ابن ميثم ٥: ١٨٦.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٧.

(٧) شرح ابن ميثم ٥: ١٨٦.

(٨) تحف العقول: ١٤٩.

(٩) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١١٨ ١٢٤.

وصيته: رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان، الملك و الدين توأمان لا قوام لأحدهما إلاّ بصاحبه، فالدّين أسّ الملك و عماده، ثم صار الملك حارس الدّين و لا بدّ للملك من أسّه و لا بدّ للدّين من حارسه، فأمّا ما لا حارس له فضائع و ما لا أسّ له فمهدوم. إنّ رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إيّاكم إلى دراسة الدين و تأويله و التفقّه فيه، فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم، فتحدث في الدّين رياسات منتشرات سرا فيمن قد و ترتم و جفوتم، و حرمتم، و أخفتم، و صغّرتم من سفلة الناس و الرعية و حشو العامة، ثم لا تنشب تلك الرياسات أن تحدث خرقا في الملك و وهنا في الدولة.

و اعلموا أنّ سلطانكم على أجساد الرعية لا على قلوبها، و إن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلا تغلبوهم على ما في قلوبهم و آرائهم و مكايدهم.

و اعلموا أنّ العاقل المحروم سالّ عليكم لسانه و هو أقطع سيفيه، و إنّ أشدّ ما يضرّ بكم من لسانه على ما صرف الحيلة فيه إلى الدّين، فكان للدنيا يحتج و للدين فيما يظهر يتعصب، فيكون للدين بكاؤه و إليه دعاؤه، ثم هو أوحد للتابعين و المصدّقين و المناصحين و المؤازرين، لأنّ تعصّب الناس موكّل بالملوك، و رحمتهم و محبّتهم موكّلة بالضعفاء المغلوبين، فاحذروا هذا المعنى كلّ الحذر.

و اعلموا انّه ليس ينبغي للملك أن يعرّف للعبّاد و النّسّاك بأن يكونوا أولى بالدين منه و لا أحدب عليه و لا أغضب له، و لا ينبغي أن يخلي النسّاك و العبّاد من الأمر و النهي في نسكهم و دينهم، فإنّ خروج النسّاك و غيرهم من الأمر و النهي عيب على الملوك و على المملكة و ثلمة بيّنة الضرر على الملك و على من بعده.

و اعلموا أنّه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك يتعهد الحماية

بالتفتيش و الجماعة بالتفضيل و الفراغ بالاشتغال كتعهّده جسده بقصّ فضول الشعر و الظفر و غسل الدرن و الغمص و مداواة ما ظهر من الأدواء و ما بطن، و قد كان من أولئك الملوك من صحة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد، و كأن أرواحهم روح واحدة يمكّن أوّلهم لآخرهم و يصدّق آخرهم أوّلهم، يجتمع أنباء أسلافهم و مواريث آرائهم و ثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم، و كأنهم جلوس معه يحدّثونه و يشاورونه، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الاسكندر الرومي عليه و كان إفساده أمرنا و تفرقته جماعتنا و تخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا، فلمّا أذن اللّه تعالى في إعادة أمرنا كان من بعثه إيانا ما كان، و بالاعتبار يتّقى العثار، و التجارب الماضية دستور يرجع إليه في الحوادث الآتية.

و اعلموا أنّ طباع الملوك على غير طباع الرعية و السوقة، فإن الملك يطيف به العزّ و الأمن و السرور و القدرة على ما يريد، و الأنفة و الجرأة و العبث و البطر، و كلّما ازداد في العمر تنفسا و في الملك سلامة ازداد من هذه الطبائع حتى يسلمه ذلك إلى سكر السلطان الذي هو أشد من سكر الشراب، فينسى النكبات و العثرات و الغير و الدوائر و فحش تسلّط الأيام و لؤم غلبة الدهر، فيرسل يده بالفعل و لسانه بالقول، و عند حسن الظن بالأيّام تحدث الغير و تزول النعم، و قد كان من أسلافنا و قدماء ملوكنا من يذكّره عزّه الذل و أمنه الخوف و سروره الكآبة و قدرته المعجزة، و ذلك هو الرجل الكامل قد جمع بهجة الملوك و فكرة السوقة و لا كمال إلاّ في جمعهما.

و اعلموا أنّ كثيرا من وزراء الملوك من يحاول استبقاء دولته و أيامه بإيقاع الاضطراب و الخبط في أطراف مملكته ليحتاج الملك إلى رأيه و تدبيره،

فإذا عرفتم هذا من وزير من وزرائكم فاعزلوه فإنّه يدخل الوهن و النقص على الملك و الرعية لصلاح حال نفسه و لا تقوم نفسه بهذه النفوس كلّها.

و اعلموا أنّ بدء ذهاب الدولة ينشأ من قبل إهمال الرعيّة بغير أشغال معروفة و لا أعمال معلومة، فإذا نشأ الفراغ تولّد منه النظر في الامور و الفكر في الفروع و الاصول، فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطباع مختلفة فتختلف بهم المذاهب و يتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم و تضاغنهم، و هم مع اختلافهم هذا متفقون و مجتمعون على بغض الملوك، فكل صنف منهم إنّما يجري إلى فجيعة الملك بملكه، و لكنّهم لا يجدون سلّما إلى ذلك أوثق من الدّين و الناموس، ثم يتولّد من تعاديهم أنّ الملك لا يستطيع أن يجمعهم على هوى واحد، فان انفرد باختصاص بعضهم صار عدوّ بقيتهم، و في طباع العامة استثقال الولاة و ملالهم و النفاسة عليهم و الحسد لهم، و في الرعية المحروم و المضروب و المقام عليه الحدود، و يتولّد من كثرتهم مع عداوتهم أن يجبن الملك عن الإقدام عليهم، فإنّ في إقدام الملك على الرعية كلّها كافة تغريرا بملكه، و يتولّد من جبن الملوك عن الرعية استعجالهم و هم أقوى عدو له و أخلقه بالنظر لأنّه حاضر مع الملك في دار ملكه، فمن أفضى إليه الملك بعدي فلا يكوننّ بإصلاح جسده أشدّ اهتماما منه بهذه الحال، و لا يكوننّ لشي‏ء من الأشياء أكره و أمكر لرأس صار ذنبا و ذنب صار رأسا، و يد مشغولة صارت فارغة أو غنيّ صار فقيرا، أو عامل مصروف أو أمير معزول.

و اعلموا أنّ سياسة الملك و حراسته ألاّ يكون ابن الكاتب إلاّ كاتبا و ابن الجنديّ إلاّ جنديّا و ابن التاجر إلاّ تاجرا و هكذا في جميع الطبقات، فإنّه يتولّد من تنقل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كلّ امرى‏ء منهم فوق مرتبته، فإذا انتقل أوشك أن يرى شخصا أرفع ممّا انتقل إليه فيحسده أو ينافسه و في ذلك من

الضرر المتولّد ما لا خفاء به، فان عجز ملك منكم عن إصلاح رعيته كما أوصيناه فلا يكون للقميص القمل أسرع خلعا منه لما لبس من قميص ذلك الملك.

و اعلموا أنّه ليس للملك أن يحلّف لأنّه لا يقدر أحد على استكراهه، و ليس له أن يغضب لأنّه قادر، و الغضب لقاح الشر و الندامة، و ليس له أن يعبث و يلعب لأنّ اللّعب و العبث من عمل الفرّاغ، و ليس له أن يفرغ لأنّ الفراغ من أمر السّوقة، و ليس له أن يحسد أحدا إلاّ على حسن التدبير، و ليس له أن يخاف لأنّه لا يد فوق يده.

و اعلموا أنكم لن تقدروا أن تختموا أفواه الناس من الطّعن و الإزراء عليكم و لا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح من أفعالكم حسنا، فاجتهدوا في أن تحسن أفعالكم كلّها و ألاّ تجعلوا للعامّة إلى الطعن عليكم سبيلا.

و اعلموا أنّ لباس الملك و مطعمه مقارب للباس السّوقة و مطعمهم، و ليس فضل الملك على السّوقة إلاّ بقدرته على اقتناء المحامد و استفادة المكارم، فان الملك إذا شاء أحسن، و ليس كذلك السّوقة.

و اعلموا أن لكلّ ملك بطانة و لكلّ رجل من بطانته بطانة، ثم لكلّ امرى‏ء من بطانة الباطنة بطانة حتى يجتمع من ذلك أهل المملكة، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب فيهم أقام كلّ امرى‏ء منهم بطانته على مثل ذلك حتى تجتمع على الصلاح عامّة الرعيّة.

و اعلموا أنّ في الرعية صنفا أتوا الملوك من قبل النّصائح له، و التمسوا إصلاح منازلهم بإفساد منازل الناس، فأولئك أعداء الناس و أعداء الملوك، و من عادى الملوك و الناس كلّهم فقد عادى نفسه.

و اعلموا أن الدهر حاملكم على طبقات، فمنها حال السّخاء حتى يدنو

أحدكم من السرف، و منها حال التقدير حتى يدنو من البخل، و منها حال الأناة حتى يدنو من البلاء، و منها حال انتهاز الفرصة حتى يدنو من الخفّة، و منها حال الطلاقة في اللّسان حتى يدنو من الهذر، و منها حال الأخذ بحكمة الصّمت حتى يدنو من العيّ، فالملك منكم جدير أن يبلغ من كلّ طبقة في محاسنها حدّها، فإذا وقف عليه الجم نفسه عما وراءها.

و اعلموا أن ابن الملك و أخاه و ابن عمه يقول «كدت أن أكون ملكا و بالحري الا أموت حتى أكون ملكا» فاذا قال ذلك قال ما لا يسر الملك و ان كتمه فالداء في كلّ مكتوم و إذا تمنى ذلك جعل الفساد سلما إلى صلاح و لم يكن الفساد سلما إلى صلاح قط، و قد رسمت لكم مثالا اجعلوا الملك لا ينبغي الا لأبناء الملوك من بنات عمومتهم و لا يصلح من أولاد بنات العم إلاّ كامل غير سخيف العقل و لا عازب الرأي و لا ناقص الجوارح و لا مطعون عليه في الدين، فانكم إذا فعلتم ذلك قلّ طلاّب الملك و إذا قلّ طلابه استراح كلّ امرى‏ء إلى ما يليه و نزع إلى حد يليه و عرف حاله و رضي معيشته و طاب زمانه( ١) .

قلت: و الأنسب بعهدهعليه‌السلام إلى الأشتر عهد ذي اليمينين إلى ابنه و ان كان عهد أردشير أجمع عهد في سياسة الدولة. ففي (الطبري): لما ولّى المأمون عبد اللّه بن طاهر بن الحسين ديار ربيعة كتب له أبوه ذو اليمينين كتابا نسخته:

عليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له و خشيته و مراقبته و مزايلة سخطه و حفظ رعيتك و الزم ما ألبستك اللّه من العافية بالذكر لمعادك و أنت صائر إليه و موقوف عليه و مسؤول عنه، و العمل في ذلك كلّه بما يعصمك اللّه و ينجيك يوم القيامة من عذابه و أليم عقابه، فان اللّه قد أحسن اليك و أوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده و ألزمك العدل عليهم و القيام بحقه و حدوده

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٢٤ ١٣٠، باختزال لبعض فقرات الوصية.

فيهم و الذب عنهم و الدفع عن حريمهم و بيضتهم و الحقن لدمائهم و الأمن لسبيلهم و ادخال الراحة عليهم في معايشهم، و مؤاخذك بما فرض عليك من ذلك و موقفك عليه و مسائلك عنه و مثيبك عليه بما قدمت و أخرت، ففرغ لذلك فكرك و عقلك و بصرك و رؤيتك و لا يذهلك عنه ذاهل و لا يشغلك عنه شاغل فانه رأس أمرك و ملاك شأنك و أول ما يوفقك اللّه لرشدك.

و ليكن أول ما تلزم به نفسك و تنسب إليه فعالك المواظبة على ما افترض اللّه عليك من الصلوات الخمس و الجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في اسباغ الوضوء لها و افتتاح ذكر اللّه فيها و ترتل في قراءتك و تمكن في ركوعك و سجودك و تشهدك و لتصدق فيها لربك نيّتك و احضض عليها جماعة من معك و تحت يدك و ادأب عليها فانها كما قال اللّه تعالى تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر.

ثم اتبع ذلك الأخذ بسنن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله و المثابرة على خلائقه و اقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، و إذا ورد عليك أمر فاستعن باللّه باستخارة اللّه و تقواه و لزوم ما أنزل اللّه في كتابه من أمره و نهيه و حلاله و حرامه و ايتمام ما جاءت به الآثار عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قم فيه بما يحق للّه عليك و لا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد، و آثر الفقه و أهله و الدين و حملته و كتاب اللّه و العاملين به، فان أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين اللّه و الطلب له و الحث عليه و المعرفة بما يتقرب فيه منه إلى اللّه، فانه الدليل على الخير كلّه و القائد له و الامر به و الناهي عن المعاصي و الموبقات كلها، و بها مع توفيق اللّه تزداد العباد معرفة باللّه عز و جل و اجلالا له و دركا للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك و الهيبة لسلطانك و الانسة بك و الثقة بعدلك.

و عليك بالاقتصاد في الامور كلّها، فليس شي‏ء أبين نفعا و لا أحضر أمنا و لا أجمع فضلا من القصد و القصد داعية إلى الرشد و الرشد دليل على التوفيق و التوفيق منقاد إلى السعادة، و قوام الدين و السنن الهادية بالاقتصاد فآثره في دنياك كلها و لا تقصر في طلب الآخرة و الأجر و الأعمال الصالحة و السنن المعروفة و معالم الرشد، فلا غاية للاستكثار من البر و السعي له إذا كان يطلب به وجه اللّه و مرضاته و مرافقة أوليائه في دار كرامته.

و اعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز و يحصن من الذنوب، و انك لن تحوط نفسك و من يليك و لا تستصلح أمورك بأفضل منه فآته و اهتد به تتم أمورك و تزد مقدرتك و تصلح خاصتك و عامتك.

و أحسن الظن باللّه عز و جل يستقم لك رعيتك، و التمس الوسيلة إليه في الامور كلّها تستدم به النعمة عليك، و لا تنهض أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل تكشف أمره بالتهمة، فان ايقاع التهم بالبرآء و الظنون السيئة بهم مأثم، و اجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك و اطرد عنهم سوء الظن بهم و ارفضه عنهم يعنك ذلك على اصطناعهم و رياضتهم و لا يجدون لعدو اللّه الشيطان في أمرك مغمزا، فانه انما يكتفي بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك.

و اعلم أنك تجد بحسن الظن قوة و راحة و تكفى به ما أحببت كفاية من أمورك و تدعو به الناس إلى محبتك و الاستقامة في الامور كلها لك، و لا يمنعك حسن الظن بأصحابك و الرأفة برعيتك أن تستعمد المسألة و البحث عن أمورك و المباشرة لامور الأولياء و الحياطة للرعية و النظر في حوائجهم و حمل مؤوناتهم آثر عندي مما سوى ذلك فانّه أقوم للدين و أحيى للسنة و أخلص نيتك في جميع هذا، و تفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم انّه مسؤول

عمّا صنع و مجزي بما أحسن و مأخوذ بما أساء، فان اللّه جعل الدين حرزا و عزا و رفع من اتبعه و عززه، فأسألك بمن تسوسه و ترعاه نهج الدين و طريقة الهدى.

و أقم حدود اللّه في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم و ما استحقوه، و لا تعطل ذلك و لا تهاون به، و لا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فان في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك، و اعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة و جانب الشبهة و البدعات يسلم لك دينك و يقم لك مروتك.

و إذا عاهدت عهدا فف به و إذا وعدت الخير فأنجزه، و اقبل الحسنة و ادفع بها، و اغمض عن عيب كلّ ذي عيب من رعيتك، و اشدد لسانك عن قول الكذب و الزور و ابغض أهله، و اقص أهل النميمة فان أوّل فساد أمرك في عاجل الامور و آجلها تقريب الكذوب و الجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المأثم و الزور و النميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها و قابلها لا يسلم له صاحب و لا يستقيم لمطيعها أمر، و أحب أهل الصدق و الصلاح و أعن الاشراف بالحق و واصل الضعفاء وصل الرحم و ابتغ بذلك وجه اللّه و عزة أمره و التمس فيه ثوابه و الدار الاخرة، و اجتنب سوء الأهواء و الجور و اصرف عنهما رأيك و أظهر برائتك من ذلك لرعيتك، و أنعم بالعدل سياستهم و قم بالحق فيهم و بالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى و املك نفسك عند الغضب و آثر الوقار و الحلم. و اياك و الحدة و الطيرة و الغرور فيما أنت بسبيله، و اياك أن تقول اني مسلّط أفعل ما أشاء، فان ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي و قلّة اليقين باللّه وحده لا شريك له و أخلص للّه النية فيه و اليقين به.

و اعلم ان الملك للّه يعطيه من يشاء و ينزعه ممن يشاء، و لن تجد تغير النعمة و حلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان

و المبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم اللّه و احسانه و استطالوا بما آتاهم اللّه من فضله، و دع عنك شره نفسك، و لتكن ذخائرك و كنوزك التي تدخر و تكنز البر و التقوى و المعدلة و استصلاح الرعية و عمارة بلادهم و التفقد لامورهم و الحفظ لدمائهم و الاغاثة لملهوفهم.

و اعلم ان الأموال إذا كثرت و ذخرت في الخزائن و تزينت بها الولاة و طال به الزمان و اعتقد فيه العز و المنعة فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الاسلام و أهله، و وفر منه على أولياء الخليفة قبلك حقوقهم و اوف رعيتك من ذلك حصصهم و تعهد ما يصلح أمورهم و معايشهم، و جمع أموال رعيتك و عملك أقدر و كان الجمع لما شملهم من عدلك و احسانك أسلس لطاعتك و أطيب أنفسا لكل ما أردت، فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب و لتعظم حسبتك فيه، فانما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه و اعرف للشاكرين شكرهم و أثبهم عليه.

و إيّاك أن تنسيك الدنيا و غرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك، فان التهاون يوجب التفريط و التفريط يورث البوار، و ليكن عملك للّه و فيه تبارك و تعالى أرج الثواب، فان اللّه قد اسبغ عليك نعمته في الدنيا و أظهر لديك فضله، فاعتصم بالشكر و عليه فاعتمد يزدك اللّه خيرا و احسانا، فان اللّه يثيب بقدر شكر الشاكرين و سيرة المحسنين و اقض الحق فيما حمل من النعم و البس من العافية و الكرامة و لا تحقرن ذنبا و لا تمايلن حاسدا و لا ترحمن فاجرا و لا تصلن كفورا و لا تداهنن عدوا و لا تصدقن نماما و لا تأمنن غدارا و لا تولين فاسقا و لا تتبعن غاويا و لا تحمدن مرائيا و لا تحقرن انسانا و لا تجيبن باطلا و لا تلاحظن مضحكا و لا تخلفن وعدا و لا ترهبن فجرا و لا تعملن غصبا و لا تأتين بذخا و لا تمشين مرحا و لا تركبن سفها و لا تفرطن في طلب الآخرة

و لا تدفع الأيام عيانا و لا تغمضن عن الظالم رهبة منه أو مخافة و لا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا.

و اكثر مشاورة الفقهاء و استعمل نفسك بالحلم، و خذ عن أهل التجارب و ذوي العقل و الرأي و الحكمة، و لا تدخلن في مشورتك أهل الدقة و البخل و لا تسمعن لهم قولا فان ضررهم أكثر من منفعتهم و ليس شي‏ء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح.

و اعلم انك إذا كنت حريصا كنت كثيرا الأخذ قليل العطية، و إذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلاّ قليلا، فان رعيتك انما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم و ترك الجور عنهم، و يدوم صفاء أوليائك لك بالأفضال عليهم و حسن العطية لهم فاجتنب الشح.

و اعلم أنّه أوّل ما عصى به الإنسان ربه و ان العاصي بمنزلة خزي و هو قول اللّه عز و جل و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون( ١ ) فسهل طريق الجود بالحق و اجعل للمسلمين كلّهم من بيتك حظا و نصيبا، و أيقن ان الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقا و ارض به عملا و مذهبا.

و تفقد أمور الجند في دواوينهم و مكاتبهم، و اردد عليهم أرزاقهم و وسع عليهم في معايشهم ليذهب بذلك اللّه فاقتهم و يقوم لك أمرهم و يزيد به قلوبهم في طاعتك و أمرك خلوصا و انشراحا، و حسب ذي سلطان من السعادة أن يكون على جنده و رعيته رحمة في عدل له و حيطته و انصافه و عنايته و توسعته، فزايل مكروه احدى البليتين باستشعار تكملة الباب الاخر و لزوم العمل به تلق إن شاء اللّه نجاحا و صلاحا و فلاحا.

و اعلم ان القضاء من اللّه بالمكان الذي ليس به شي‏ء من الامور، لأنّه

____________________

(١) الحشر: ٩.

ميزان اللّه الذي يعتدل عليه الأحوال في الأرض، و بإقامة العدل في القضاء و العمل تصلح الرعية و تأمن السبل و تنتصف للمظلوم و يأخذ الناس حقوقهم و تحسن المعيشة و يؤدى حق الطاعة و يرزق اللّه العافية و السلامة و يقوم الدين و تجري السنن و الشرائع، و على مجاريها ينتجز الحق و العدل في القضاء، و اشتد في أمر اللّه و تورع عن النطف و امض لإقامة الحدود و أقلل العجلة و أبعد من الضجر و القلق و اقنع بالقسم و لتسكن ريحك و يقرّ جدك و اقنع بتجربتك و انتبه في صمتك و سدد في منطقك و انصف الخصم وقف عند الشبهة و أبلغ في الحجة، و لا يأخذك في أحد من رعاياك محاباة و لا محاماة و لا لوم لائم و تثبت و تأن و راقب و انظر و تدبّر و تفكّر و اعتبر و تواضع لربك و ارأف بجميع الرعية و سلّط الحق على نفسك، و لا تسرعن إلى سفك دم فان الدماء من اللّه بمكان عظيم انتهاكا لها بغير حقّها.

و انظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعية و جعله اللّه للاسلام عزا و رفعة و لأهله سعة و منعة و لعدوه و عدوهم كبتا و غيظا و لأهل الكفر من معاهدتهم ذلا و صغارا، فوزعه بين أصحابه بالحق و العدل و التسوية و العموم فيه، و لا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه و عن غني لغناه و لا عن كاتب لك و لا أحد من خاصتك، و لا تأخذن منه فوق الاحتمال له و لا تكلفن أمرا فيه شطط، و احمل الناس كلّهم على مر الحق فان ذلك أجمع لالفتهم و ألزم لرضى العامة.

و اعلم انك جعلت بولايتك خازنا و حافظا و راعيا، و انما سمي أهل عملك رعيتك لأنّك راعيهم و قيمهم تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم و مقدرتهم و تنفقه في قوام أمرهم و صلاحهم و تقويم أودهم، فاستعمل عليهم في كور عملك ذوي الرأي و التدبير و التجربة و الخبرة بالعمل و العلم بالسياسة

و العفاف، و وسّع عليهم في الرزق فان ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت و أسند اليك، و لا يشغلنك عنه شاغل و لا يصرفنك عنه صارف، فانك متى آثرته و قمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك و حسن الاحدوثة في أعمالك و احتزت النصيحة من رعيتك و أعنت على الصلاح، فدرت الخيرات ببلدك و فشت العمارة بناحيتك و ظهر الخصب في كورك فكثر خراجك و توفرت أموالك و قويت بذلك على ارتباط جندك و ارضاء العامة بإقامة العطاء فيهم من نفسك و كنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك و كنت في أمورك كلّها ذا عدل و قوة و آلة و عدة، فنافس في هذا و لا تقدم عليه شيئا تجد مغبة أمرك إن شاء اللّه.

و اجعل في كلّ كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك و يكتب اليك بسيرتهم و أعمالهم حتى كأنك من كلّ عامل في عمله معاين لأمره كلّه، و ان أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فان رأيت السلامة فيه و العافية و رجوت فيه حسن الدفاع و النصح و الصنع فامضه و إلاّ فتوقف عنه و راجع أهل البصر و العلم ثم خذ فيه عدته، فانه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد و اتاه على ما يهوى فقواه ذلك و أعجبه و ان لم ينظر في عواقبه أهلكه و نقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كلّ ما أردت و باشر بعد عون اللّه بالقوة، و أكثر استخارة ربك في أمور أو حوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت.

و اعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه و إذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين فشغلك ذلك حتى تعرض عنه، فاذا أمضيت لكلّ يوم عمله أرحت نفسك و بدنك و أحكمت أمور سلطانك.

و انظر أحرار الناس و ذوي الشرف منهم ثم استبق صفاء طويتهم

و تهذيب مودتهم لك و مظاهرتهم بالنصح و المخالصة على أمرك فاستخلصهم و أحسن اليهم و تعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مؤونتهم و اصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسّا.

و انفرد نفسك للنظر في امور الفقراء و المساكين و من لا يقدر على رفع مظلمة اليك و المحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فاسأل عنه أحفى مسألة و وكّل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك و مرهم برفع حوائجهم و حالاتهم اليك لتنظر فيها بما يصلح اللّه أمرهم، و تعاهد ذوي البأساء و يتاماهم و أراملهم و اجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بالخليفة أعزه اللّه في العطف عليهم و الصلة لهم ليصلح اللّه بذلك عيشهم و يرزقك به بركة و زيادة، و أجر للاضراء من بيت المال و قدم حملة القرآن منهم و الحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم، و انصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم و قوّاما يرفقونها و أطباء يعالجون أسقامهم، و أسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال.

و اعلم ان الناس إذا أعطوا حقوقهم و أفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك و لم تطلب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة و فضل الرفق منهم، و ربما برم المتصفح لامور الناس لكثرة ما يرد عليه و يشغل فكره و ذهنه منها ما يناله به مؤونة و مشقة، و ليس من يرغب في العدل و يرفع محاسن أموره في العاجل و فضل ثواب الاجل كالذي يستقبل ما يقربه إلى اللّه و يلتمس رحمته به.

و أكثر الاذن للناس عليك و ابرز لهم وجهك و سكن لهم أحرامك و اخفض لهم جناحك و أظهر لهم بشرك و لن لهم في المسألة و المنطق و اعطف عليهم بجودك و فضلك، و إذا أعطيت فاعط بسماحة و طيب نفس و التمس الصنيعة

و الأجر غير مكدر و لا منان، فان العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء اللّه.

و اعتبر بما ترى من امور الدنيا و من مضى من قبلك من السلطان و الرياسة في القرون الخالية و الامم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلّها بأمر اللّه و الوقوف عند محبته و العمل بشريعته و سنته و إقامة دينه و كتابه.

و اجتنب ما فارق ذلك و خالفه و دعا إلى سخط اللّه، و اعرف ما تجمع عمالك من الأموال و ينفقون منها و لا تجمع حراما و لا تنفق إسرافا.

و أكثر مجالسة العلماء و مشاهدتهم و مخالطتهم، و ليكن هواك اتباع السنن و إقامتها و ايثار مكارم الامور و معاليها، و ليكن أكرم دخلائك و خاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم يمنعه هيبتك من انهاء ذلك اليك في سر و اعلامك ما فيك من النقص، فان أولئك أنصح أوليائك و مظاهريك. و انظر عمالك الذين بحضرتك و كتّابك فوقت لكلّ رجل منهم في كلّ يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه و مؤامرته و ما عنده من حوائج عمالك و أمر كورك و رعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك و بصرك و فهمك و عقلك، و كرر النظر إليه و التدبير له، فما كان موافقا للحزم و الحق فامضه و استخر اللّه فيه و ما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه و المسألة عنه.

و لا تمتن على رعيتك و لا على غيرهم بمعروف تأتيه اليهم، و لا تقبل من أحد منهم إلاّ الوفاء و الاستقامة و العون في أمور الخليفة و تفهم كتابي اليك، و أكثر النظر فيه و العمل به، و استعن باللّه على جميع أمورك و استخره فان اللّه مع الصلاح و أهله.

و ليكن أعظم سيرتك و أفضل رغبتك ما كان للّه رضى و لدينه نظاما و لأهله عزا و تمكينا و للذمة و الملة عدلا و صلاحا، و أنا أسأل اللّه أن يحسن عونك و توفيقك و رشدك وكلاءك، و ان ينزل عليك فضله و رحمته بتمام فضله

عليك و كرامته لك حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا و أوفرهم حظّا و أسناهم ذكرا و أمرا، و ان يهلك عدوك و من ناواك و بغي عليك، و يرزقك من رعيتك العافية و يحجز الشيطان عنك و وساسه حتى يستعلي أمرك بالعز و القوة و التوفيق، انّه قريب مجيب.

قال الطبري: و ذكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد اللّه هذا العهد تنازعه الناس و كتبوه و تدارسوه و شاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به حتى قرى‏ء عليه فقال: ما أبقى أبو الطيب شيئا من أمر الدين و الدنيا و التدبير و الرأي و السياسة و إصلاح الملك و الرعية و حفظ البيضة و طاعة الخلفاء و تقويم الخلافة إلاّ و قد أحكمه و أوصى به، و أمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.

قلت: و هو كما ترى جله بل كلّه مأخوذ من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام في عهده هذا إلى الأشتر بألفاظ اخر.

هذا، و نقل ابن أبي الحديد في شرح قولهعليه‌السلام «و قد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة» الخطبة (٦٥) عن غارات الثقفي انّهعليه‌السلام لما ولّى محمد بن أبي بكر مصر كتب له: أمره بتقوى اللّه في السر و العلانية و خوف اللّه تعالى في المغيب و المشهد و باللين على المسلمين و بالغلظة على الفاجر و بالعدل على أهل الذمة و بانصاف المظلوم و الشدة على الظالم و بالعفو عن الناس و بالاحسان ما استطاع و اللّه يجزي المحسنين و يعذب المجرمين، و أمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة و الجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة و عظيم المثوبة ما لا يقدر قدره و لا يعرف كنهه، و أمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل و لا ينتقص منه و لا يبتدع، ثم يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه

من قبل، و أن يلين لهم جناحه و أن يواسي بينهم في مجلسه و وجهه، و ليكن القريب و البعيد في الحق سواء و أمره أن يحكم بين الناس بالحق و أن يقوم بالقسط و لا يتبع الهوى و لا يخاف في اللّه لومة لائم، فإنّ اللّه جل ثناؤه مع من اتّقى و آثر طاعته و أمره على من سواه...

ثم نقل عنه أنه روى أن محمدا كان ينظر في هذا الكتاب و يتأدّب به، فلمّا ظهر عليه عمرو بن العاص و قتله أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية، فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب و يتعجّب منه، فقال الوليد بن عقبة له: مر بهذه الأحاديث أن تحرق. فقال له: مه، لا رأي لك. فقال له الوليد: أ فمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلّم منها؟ قال معاوية: ويحك أ تأمرني أن أحرق علما مثل هذا فقال الوليد: إن كنت تعجبت من علمه و قضائه فعلى م تقاتله؟ فقال: لو لا أنّه قتل عثمان و أفنانا لأخذنا عنه. ثم قال: لا نقول هذه من كتب علي بل من كتب أبي بكر كانت عند ابنه، فلم تزل تلك في خزائن بني امية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي أظهر أنّها من أحاديث عليعليه‌السلام .

ثم قال ابن أبي الحديد: الأليق أن الكتاب الذي ينظر فيه معاوية و يعجب منه و يفتي بأحكامه هو عهدهعليه‌السلام إلى الأشتر، فإنّه نسيج وحده و منه تعلم النّاس الآداب و القضاء و السياسة، و هذا العهد صار إلى معاوية لما سمّ الأشتر، و حقيق لمثله أن يقتنى في خزائن الملوك ) .

قلت: مضافا إلى أنّه اجتهاد في مقابل النص فإنّ هذا الخبر و خبرا آخر رواه الثقفي أيضا مسندا عن عبد اللّه بن سلمة قال: صلّى بنا عليّعليه‌السلام فلمّا انصرف قال:

لقد عثرت عثرة لا أعتذر

سوف أكيس بعدها و أستمر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦: ٦٥ ٧٣، باختزال و تصرّف يسير.

و أجمع الأمر الشتيت المنتشر

فقلنا: ما بالك يا أمير المؤمنين؟ فقال:

إنّي استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فكتب إليّ أنّه لا علم لي بالسنّة، فكتبت إليه كتابا فيه أدب و سنّة فقتل و أخذ الكتاب( ١ ) . لا يصح في نفسه، لأن الأشتر سمّ في القلزم في طريق مصر خفية و كان مصر و القلزم في تصرفهعليه‌السلام فمن قدر أن يأخذ عهد الأشتر و كان سلطانه باقيا، و إنّما محمد صار أسيرا في أيديهم فأخذوا كتبه، و ذاك الكتاب إلى محمد بن أبي بكر و إن كان أيضا يكفي نفاسة إلاّ أن الظاهر كون ما أخذه معاوية غير ذاك، ففي الخبر الأول أخذ كتبه أجمع، و في الخبر الثاني كان كتابا فيه أدب و سنّة و تأسّفعليه‌السلام على صيرورته إلى معاوية، و يأتي كتابهعليه‌السلام إلى محمد بطرقه في الآتي.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦: ٧٣.

Contents

الفصل الثالث و العشرون في عتاباتهعليه‌السلام لعمّاله و غيرهم و فيه حالات الاشعث و زياد و ابي موسى و أحوال ابن عباس و المنذر ٢

١ - من الكتاب ٥: «... و إنّ عملك ليس لك بطعمة...». ٣

٢ - من الخطبة ١٩: «... و ما يدريك ما عليّ ممّا لي...». ٧

٣ - من الكتاب ٧٨: «... فانّ النّاس قد تغيّر كثير منهم عن كثير...». ٣٢

٤ - من الكتاب ٢٠: «... و إنّي أقسم باللّه قسما صادقا لئن بلغني...». ٣٦

٥ - من الكتاب ٢١: «فدع الاسراف مقتصدا و اذكر في اليوم غدا...». ٣٩

٦ - الحكمة ٤٧٦: «... استعمل العدل، و احذر العسف و الحيف...». ٤٢

٧ - من الكتاب ٤٤: «... و قد عرفت أنّ معاوية كتب إليك يستنزل لبّك...». ٥٣

٨ - من الكتاب ٤٣: «... بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت...». ٧٤

٩ - من الكتاب ٤٠: «... أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر...». ٧٨

١٠ - من الكتاب ٤١: «... أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي...». ٨١

١١ - من الكتاب ٧١: «... أمّا بعد، فإنّ صلاح أبيك غرّني منك...». ١٠٧

الفصل الرابع و العشرون في حلفه عليه‌السلام و تعليمه إحلاف الظالم و تقيّته ١١٧

١ - الحكمة ٢٧٧: «لا و الّذي أمسينا منه في غبّر ليلة دهماء...». ١١٩

٢ - الحكمة ٢٥٣: «احلفوا الظّالم إذا أردتم يمينه بأنّه بري‏ء...». ١٢٤

٣ - من الخطبة ٢٧٢: «لو قد استوت قدماي من هذه المداحض...». ١٣٥

الفصل الخامس و العشرون في شكايته عليه‌السلام من أهل عصره ١٤٣

١ - من الخطبة ٣١: «أيّها النّاس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود...». ١٤٥

٢ - من الخطبة ١٢٥: «عباد اللّه انّكم و ما تأملون من هذه الدّنيا...». ١٦٦

٣ - من الخطبة ٢٢٨: «و اعلموا رحمكم اللّه انّكم في زمان القائل فيه...». ١٨٦

٤ - من الخطبة ٤١: «انّ الوفاء توأم الصّدق...». ١٩١

٥ - من الخطبة ٩٩: «و ذلك زمان لا ينجو فيه إلاّ كلّ مؤمن نومة...». ١٩٩

٦ - من الخطبة ١١٣: «فلا أموال بذلتموها للّذي رزقها...». ٢٠٤

الفصل السادس و العشرون في نقص الناس و اختلافهم و عجائب قلوبهم و صفة ارذالهم  ٢٠٩

١ - الحكمة ٣٤٣: «الأقاويل محفوظة، و السّرائر مبلوّة...». ٢١١

٢ - الحكمة ٢٨٣: «جاهلكم مزداد، و عالمكم مسوّف...». ٢١٩

٣ - من الخطبة ٢٢٩: «إنّما فرّق بينهم مبادى‏ء طينتهم...». ٢٢٠

٤ - الحكمة ١٠٨: «لقد علّق بنياط هذا الانسان بضعة...». ٢٣٣

٥ - الحكمة ٧٠: «لا ترى الجاهل إلاّ مفرّطا أو مفرّطا...». ٢٤٦

٦ - الحكمة ١٩٩: «... هم الّذين إذا أجتمعوا غلبوا،...». ٢٤٨

٧ - الحكمة ٢٠٠: «و أتى بجان و معه غوغاء،...». ٢٥١

٨ - الحكمة ١٥٠: «لا تكن ممّن يرجوا الآخرة بغير العمل...». ٢٥٤

٩ - الحكمة ٢٨٥: «كلّ معاجل يسأل الأنظار و كلّ مؤجّل يتعلّل...». ٢٧١

الفصل السابع و العشرون في القضاء و القدر ٢٧٣

١ - من الحكمة ٧٨: «... ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما...». ٢٧٥

٢ - الحكمة ٢٨٧: «... طريق مظلم فلا تسلكوه...». ٢٨٩

الفصل الثامن و العشرون في كلامه عليه‌السلام الجامع لمصالح الدين و الدنيا ٢٩٣

١ - من الكتاب ٢٢: «... أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك...»من الكتاب ٦٦: «أمّا بعد فانّ المرء ليفرح بالشّي‏ء الّذي لم يكن ليفوته...». ٢٩٥

٢ - من الكتاب ٣١: «... من الوالد الفان، المقرّ للزّمان...». ٣٠١

٣ - من الكتاب ٥٣: «... بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. هذا ما أمر به...». ٤٧٢

مؤلف: الشيخ محمد تقي التّستري
الصفحات: